######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3369, 3370, 3371 #META# المؤلف: الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ] #META# المحقق: فاضل العرفان #META# الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام #META# المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام #META# الطبعة: ٢ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٣٠ هـ.ق #META# ISBN (ردمك): 978-964-357-391-1 #META# ISBN الدورة: 978-964-357-390-4 #META# الصفحات: ٦٤٦ #META#Header#End# ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله القديم الأزلي الدائم الأبدي الفرد الصمد الواحد ، الحليم ~~الكريم العظيم الجواد الماجد (1)، المتقدس بوجوب وجوده عن الشريك والضد ~~والمعاند ، المتنزه بكماله الذاتي عن الصاحبة والوالد والوالد ، المتوحد ~~بتفرده في الصنع والإبداع عن المعين والظهير والمعاضد ، العالم بمستودعات ~~السرائر ومكنونات الضمائر وما اشتملت عليه العقائد ، المتعالي بتجرده عن ~~نيل الأوهام وإدراك الحواس ، المدرك لجميع الموجودات من الأشخاص والأصناف ~~والأنواع والأجناس ، فهو الغائب الشاهد المختص بالملكوت والعظمة والجبروت ، ~~فكل شيء له خاضع ساجد ، يسبح له ما في السماوات وما في الأرض من رطب وجامد ~~، أحمده على افضاله المتضاعف وكرمه المترادف المتزايد ، وأشكره على سوابغ ~~قسمه وتواتر نعمه الأوابد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ~~ند ولا مساعد ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله ولو كره المشرك والجاحد ، شهادة أستدفع بها الأهوال والشدائد ~~، وأدخر PageV01P003 # بها الزاد يوم المعاد وأسترفد (1) بها من الله تعالى أعظم الذخائر ~~والفوائد. # وصلى الله على سيد الأنبياء وخير الأصفياء محمد بن عبد الله ، القامع ~~شرعه لكل شيطان مارد ، والموضح دينه لأنواع الحكم وأصناف المقاصد ، وعلى ~~آله المطهرين عن الأدناس ، المقدسين عن الخطايا والأرجاس ، الغرر الأماجد ، ~~صلاة يدحض بها كيد كل كائد ويقمع عناد كل معاند ، وسلم تسليما. # أما بعد : فإن الله تعالى شرف العلماء وعظم الفضلاء لاختصاصهم بمزيد ~~الإفضال وتميزهم بأسباب الكمال ، وهو حصول العلم فيهم المقتضي لارتفاعهم عن ~~مشابهة الجمادات وامتيازهم عن العجماوات ، وجعل مساواتهم لغيرهم محل العجب ~~العجاب فقال عز من قائل: ( @QUR@012 قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ) (2). وقد تطابقت الأخبار النبوية ~~والقضايا العقلية البديهية على ارتفاع قدر العلماء إلى ذروة العلى ، ~~وإنهباط منازل الجهال إلى أسفل درك الشقاء. هذا مع (3) ما أعد الله تعالى ~~لذوي البصائر والألباب وأولي النهى والصواب من مزيد الانعام وكثرة الثواب. # ثم (4) إن العلوم متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات ، ومتفاضلة بحسب تفاضل ~~المتعلقات ، وبعضها سبب النجاة ، فيجب على طلاب ms0001 العلم صرف الهمم إلى البدأة ~~بالأهم منها فالأهم. # ولا شك أن أهم المعارف وأولاها وأجلها وأسناها ، ما يكون سببا للخلاص PageV01P004 # من المهلكات وموجبا لارتفاع الدرجات ، وقد ظهر لأهل الحل والعقد ، وأرباب ~~السبك (1) والنقد ، أن أشرف الموجودات وأكمل المعلومات ، هو ذات واجب ~~الوجود ، المفتقر إليه كل موجود ، فالعلم به تعالى وتقدس أجل من كل علم ~~وأنفس. هذا مع اتفاق الرسل والأنبياء ، وإطباق العقلاء وإجماع العلماء على ~~وجوب معرفة الله تعالى على الأعيان ، والحتم (2) بها في كل حين وزمان ، ولم ~~يسوغ أحد من المشرعين ، ولا جوز أحد من العارفين سلوك طريق التقليد لأحد من ~~العلماء ، ولا ارتكاب عقائد الأجداد والآباء ، إلا بعد الجد والاجتهاد ~~والاستقصاء في تحصيل الاعتقاد ، بل حرموا ذلك على الإطلاق ومنعه الشارع ~~بالاتفاق. # وأوجبوا على كل مكلف بذل الوسع في تحصيل المعارف ، ليحصل الأمن من ~~المخاوف ، وذلك إنما هو بعلم الكلام ، فوجب معرفته على الخاص والعام. وقد ~~صنفنا فيه كتبا متعددة ومسائل مسددة. # وقد أجمع رأينا في هذا الكتاب الموسوم ب «نهاية المرام في علم الكلام» ~~على جمع تلك الفوائد التي استنبطناها والنكت التي استخرجناها ، مع زيادات ~~نستخرجها في هذا الكتاب لطيفة ، ومعان حسنة شريفة لم يسبقنا إليها ~~المتقدمون ولا سطرها المصنفون. # ثم نذكر على الاستقصاء ما بلغنا من كلام القدماء ، ونحكم بالإنصاف بين PageV01P005 # المتكلمين والحكماء ، وجمعت فيه بين (1) القوانين الكلامية والقواعد ~~الحكمية المشتملة (2) عليهما المباحث والنهاية (3). فكان في هذا الفن قد ~~بلغ الغاية (4)، لأجل أعز الناس علي وأحبهم إلي وهو الولد العزيز محمد ، ~~رزقه الله تعالى الوصول إلى أقصى نهايات الكمال ، والارتقاء إلى أعلى ذرى ~~(5) الجلال ، وأيده بالعنايات الأزلية ، وأمده بالسعادات الأبدية ، وأحياه ~~الله تعالى في عيش رغيد (6) وعمر مديد ، بمحمد وآله الطاهرين. # وقد رتبت هذا الكتاب على مقدمة وقواعد مستعينا (7) بالله لا غير ، فإنه ~~الموفق لكل خير ودافع كل ضير. # وتشتمل المقدمة على فصول (8): ### ||| ** الأول : في بيان شرف هذا العلم # ويدل عليه وجوه : # أأن البديهة حاكمة بشرف العلم وعلو شأنه. لا شك أن شرف العلم تابع لشرف ms0002 ~~المعلوم ، ولما كان الغرض الأقصى من هذا الفن معرفة الله تعالى وصفاته ~~وكيفية أفعاله وتأثيراته ، والبحث عن رسله وأوصيائهم ، وأحوال النفس ~~والمعاد ، وهذه أشرف المطالب خصوصا وواجب الوجود تعالى أشرف الموجودات ، PageV01P006 # فالعلم به أشرف العلوم. # ب أن مقدمات العلوم قد تكون قطعية ، وقد تكون ظنية ، ويحصل بالأول اليقين ~~، وبالثاني الظن ، والأول أشرف. # ومقدمات هذا الفن قطعية يقينية (1)، إما (2) بديهية أو كسبية راجعة ~~إليها ، فتكون براهينه أوثق من غيره ، فيكون أشرف. # ج الإنسان خلق لا كغيره من الحيوانات ، بل جعل محلا لخطاب الله تعالى ~~وتكليفه ، لينال السعادة الأخروية ، وهي أجل (3) المطالب وأتم المقاصد ، ~~ولا شك أن نيل هذه السعادة إنما يحصل بالإيمان بالله تعالى ورسله واليوم ~~الآخر ، وذلك كله إنما يحصل بمعرفة هذا الفن ، فيكون أشرف. # د السعادة الدنيوية لا يمكن تحصيلها ، إلا بالحكمة العملية المعلوم فيها ~~معرفة أحوال نظام العالم ، والعلوم السياسية والمدنية (4)، والأخلاق ~~المحمودة والمذمومة ، لتكمل النفس باستعمال تلك ، والتنزه عن هذه (5)، ~~وذلك إنما يحصل بالرغبة في الثواب والرهبة من العقاب ، وإنما يستفادان من ~~هذا العلم. # ه العلم إما ديني أو دنيوي ، والثاني غير معتد به عند العقلاء ، لأنه ~~يجري مجرى الحرف والصناعات ، فالمعول عليه هو الأول لا غير ، والعلوم ~~الدينية كلها متوقفة على صحة هذا العلم ، لأنه المتكفل لإثبات الصانع تعالى ~~، وإثبات قدرته وعلمه ، ليصح تكليفه ، ويتيسر (6) للفقيه والمحدث والمفسر للكتاب PageV01P007 # العزيز وغيرهم من العلماء الخوض في علومهم. وإذا ثبت استغناؤه عن غيره ~~واحتياج غيره إليه كان أشرف. # وأن للضد مدخلا في حسن الضد الآخر وقبحه ، فإذا كان الخطأ في هذا العلم ~~كفرا وبدعة ، وهما من أقبح الأشياء وأخسها (1)، وجب أن يكون هذا العلم ~~الذي يحصل به إصابة الحق ، من أشرف الأشياء وأحسنها. # ز موضوعات سائر العلوم على ما سيظهر ، راجعة إلى هذا العلم ، وموضوعه ~~بديهي الثبوت ، فجميع العلوم محتاجة إليه ، ومبادئها مستندة إليه ، فيكون ~~أشرف (2). ### ||| ** الفصل الثاني : في علة تسميته بالكلام (3) # كل علم من العلوم لا ينفك عن البحث والمناظرة والكلام ، لكن خصص هذا ~~العلم باسم الكلام ms0003 لوجوه : # أالعادة قاضية بتسمية البحث في دلائل وجود الصانع تعالى وصفاته وأفعاله ، ~~الكلام في الله تعالى وصفاته ، فسمي هذا العلم بذلك. ولا استبعاد في تخصيص ~~بعض الأسماء ببعض المسميات دون بعض. # ب أنكر جماعة البحث في العلوم العقلية والبراهين القطعية ، فإذا سئلوا عن ~~مسألة تتعلق بالله تعالى وصفاته وأفعاله والنبوة والمعاد ، قالوا : نهينا ~~عن الكلام في هذا العلم ، فاشتهر هذا العلم بهذا الاسم. PageV01P008 # ج هذا العلم أسبق من غيره في المرتبة ، فالكلام فيه أسبق من الكلام في ~~غيره ، فكان أحق بهذا الاسم. # د هذا العلم أدق من غيره من العلوم ، والقوة المميزة للإنسان وهي النطق ~~(1) إنما تظهر بالوقوف على أسرار هذا العلم ، فكان المتكلم فيه أكمل ~~الأشخاص البشرية ، فسمي هذا بالكلام ؛ لظهور قوة التعقل فيه. # ه هذا العلم يوقف منه على مبادئ سائر العلوم ، فالباحث عنه كالمتكلم في ~~غيره ، فكان اسمه بعلم الكلام أولى. # وأن العارفين بالله تعالى يتميزون عن غيرهم من بني نوعهم ، لما شاهدوه من ~~ملكوت الله تعالى ، وأحاطوا بما عرفوه من صفاته ، فطالت ألسنتهم (2) على ~~غيرهم فكان علمهم أولى باسم الكلام. ### ||| ** الفصل الثالث : في موضوعه (3) # اعلم أن لكل علم على الإطلاق أمورا ثلاثة : موضوعا ومبادئ ومسائل. ### |||| ** ونعني بالموضوع : ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه التي تلحقه لما هو هو أي: لذاته أو لجزئه ~~أو لما تساوى ذاته من لوازمه ، وهذه أجمع تسمى # ومن أراد التفصيل في هذه الثلاثة فليراجع الفصل السادس من المقالة ~~الثانية من الفن الخامس من منطق الشفاء ؛ التحصيل : 197 203 ؛ الجوهر ~~النضيد : 212 215 ؛ كشف الظنون 1 : 6 8 ؛ كشاف اصطلاحات الفنون 1 : 22 24. PageV01P009 # بالأعراض الذاتية ، وأما ما يلحقه لأمر أعم من ذاته عارض لها أو لأمر أخص ~~فهما عرضان غريبان. # وباعتبار هذا الموضوع تتمايز العلوم وتختلف ، مثلا : أجرام العالم من حيث ~~الشكل موضوعة للهيئة ، ومن حيث الطبيعة موضوعة للسماء والعالم من الطبيعي ~~(1). فلولا اعتبار هاتين الحيثيتين لامتزج العلمان واختلط أحدهما بالآخر. (2) # والموضوع قد يكون واحدا على الإطلاق ، وقد يكون متكثرا (3)، لكن بشرط ms0004 ~~تناسب تلك الأشياء المتكثرة ، إما بأن تتشارك في ذاتي كالخط والسطح والجسم ~~، إذا جعلت موضوعات الهندسة ، فإنها تشترك في الكم المتصل القار الذات ، ~~وهو جنس لها ، أو في عرضي كبدن الإنسان وأجزائه وأحواله ، والأدوية ~~والأغذية وما شاكلها ، إذا جعلت جميعا موضوعات علم الطب ، فإنها تتشارك في ~~كونها منسوبة إلى الصحة التي هي الغاية في ذلك العلم. # وإنما سمي الموضوع موضوعا للعلم ؛ لأجل أن موضوعات مسائل ذلك العلم ترجع ~~إليه ، بأن تكون نفسه أو جزئيا تحته (4) أو جزءا منه أو عرضا ذاتيا له. ### |||| ** أما المبادئ : فهي التي يبنى العلم عليها ، وهي إما تصورات أو تصديقات. ### |||| ** فالتصورات : هي حدود أشياء تستعمل في ذلك العلم ، وهي إما موضوع العلم أو جزء منه أو ~~جزئي تحته أو عرض ذاتي له. وهذه الأشياء قد يجب تقديم PageV01P010 # التصديق بها على العلم ، وهي الموضوع وما يتركب منه ، وقد يكون في ذلك ~~العلم ، وهي الأعراض الذاتية ، وحدود الأول بحسب الماهيات والثاني بحسب ~~الأسماء. ### |||| ** وأما التصديقات : فهي المقدمات التي منها تؤلف قياسات ذلك العلم ، فمنها بين يجب قبوله ، ~~وتسمى القضايا المتعارفة ، وهي مبادئ على الإطلاق. ومنها غير بين يجب ~~تسليمها ليبنى عليها ، ومن شأنها أن تبين في علم آخر ، وهي مبادئ بالقياس ~~إلى العلم المبني عليها ومسائل بالقياس إلى الآخر. # ثم تسليم هذه إن كان مع مسامحة وحسن ظن بالمعلم (1)، فهي أصول موضوعة ، ~~وإن كان مع استنكاف سميت مصادرات. (2) ### |||| ** وأما المسائل : فهي المطالب المبينة (3) في ذلك العلم ويطلب فيه انتساب محمولاتها إلى ~~موضوعاتها. ### |||| ** وإذ قد تمهدت هذه القاعدة ، فنقول : علم الكلام ينظر فيه في أعم الأشياء ، وهو الوجود. ينقسم الوجود أولا إلى ~~قديم ومحدث ، ثم يقسم المحدث إلى جوهر وعرض ، ثم يقسم العرض إلى مشروط ~~بالحياة وغير مشروط. ويقسم الجوهر إلى حيوان ونبات وجماد. # ويبين وجه الخلاف بينها ، هل هو بذاتي أو عرضي؟ ثم ينظر في القديم ، ~~فيبين عدم تكثره بوجه من الوجوه ، وأنه متميز عن الحوادث بما يجب له من ~~الصفات ويمتنع عليه ، ويفرق بين الواجب والجائز والممتنع ms0005 ، ثم يبين أن أصل ~~الفعل جائز (4) عليه ، وأن العالم فعله ، وإرسال الأنبياء من جملة آثاره ، وأنهم PageV01P011 # صادقون باعتبار فعل المعجزة منهم ، ثم يستعين العقل بقول النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم الذي استدل على صدقه فيما يقوله في الله تعالى واليوم ~~الآخر مما يعجز عن إدراكه العقل ولا يحكم بامتناعه. ولا شك في أن هذه ~~الأشياء عارضة للوجود من حيث هو ، فيكون موضوعه هو الوجود المطلق. ### ||| ** الفصل الرابع : في غايته # إن الإنسان خلق لا كغيره من أنواع الحيوانات ، بل هو مدني بالطبع يفتقر ~~في معاشه إلى غذاء ولباس ومسكن وصلاح أحواله ومن يعوله من نسله وغيرهم ، ~~وهذه أمور صناعية لا يمكن صدورها عن صانع واحد ، وإنما تحصل باجتماع خلق ~~يتعاونون عليه ، ويتشاركون في تحصيله ، ليفرغ كل واحد منهم لصاحبه عن بعض ~~مهمه (1) منهم ، فيتم بمعارضته ومعاوضته. ثم إن الاجتماع على التعاون إنما ~~يتم إذا كان بين بني النوع معاملة وعدل ؛ إذ كل منهم يشتهي ما يحتاج إليه ، ~~ويغضب على مزاحمته فيه ، وبحسب هاتين يحصل الجور فيقع الهرج والمرج ، ويختل ~~أمر النظام ، ولا بد من عدل متفق عليه ، ولما كانت الجزئيات غير منحصرة وجب ~~وضع قوانين شرعية لكيفية العدل ، وتلك القوانين لو وضعها الناس لحصل ~~الاختلاف ، فيقع الهرج المحذور منه ، فإذن يجب امتياز الشارع بينهم ~~باستحقاق الطاعة ليطيعه الباقون ، وإنما يتميز بمعجزات تصدر عنه دون غيره ، ~~ولما كانت الحكمة إنما تتم بالتكليف ، إذ ضعفاء العقول يستجيزون (2) اختلال ~~العدل الناظم لمعاشهم ، وجب في عنايته تعالى إرسال الأنبياء بشرائع تقتضي ~~نظام الوجود ، ومجازاة الممتثل لها بالإحسان ، ومقابلة المخالف بالعذاب ~~الأخروي ، ووجب معرفة PageV01P012 # المجازي واقتران تلك المعرفة بالتكرار الموجب للتذكار ، وهو إنما تتم ~~بعبادات مذكرة متكررة في أوقات متتالية. # وعلم الكلام هو المتكفل بمعرفة المجازي ، وكيفية آثاره وأفعاله وتكاليفه ~~على الإجمال. وذلك هو سبب السعادة الأبدية والخلاص عن الشقاء الأبدي ، ولا ~~غاية أهم من هذه الغاية. ### ||| ** الفصل الخامس : في مرتبته ونسبته إلى سائر العلوم # إنه لما ظهر أن موضوع هذا العلم هو الوجود المطلق ، وكان ms0006 الوجود أعم من ~~كل موضوع ، وجب أن يكون هذا العلم أسبق العلوم وأقدمها. # وأيضا فإن مبادئ سائر العلوم إنما تتبين فيه ، ومعرفة ذي المبدأ متوقفة ~~على معرفة المبدأ. فلهذا العلم تقدم بهذا الاعتبار أيضا على غيره من سائر ~~العلوم. # ولأن سبب النجاة إنما هو معرفة هذا العلم وهذه الغاية أكمل من كل غاية ، ~~فلهذا العلم تقدم على غيره بحسب غايته. # ولأن معلومه أشرف من كل معلوم وجب تقدمه على جميع العلوم. # ولأن السمعية متوقفة عليه ، والعقلية إما كلية أو جزئية ، والكلي منها هو ~~هذا العلم وباقي العقليات جزئية ، والجزئي ينتهي إلى الكلي فجميع العلوم ~~متأخرة عن هذا العلم. ### ||| ** الفصل السادس : في وجوب معرفته (1) # إنه سيظهر لك فيما بعد إن شاء الله تعالى ، أن معرفة الله تعالى واجبة ، وكذا PageV01P013 # معرفة صفاته وما يجب له ويستحيل عليه ، ولا تتم هذه المعرفة إلا بهذا ~~العلم ، لأنه المتكفل بذلك ، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب على ~~ما يأتي. # وأيضا قوله تعالى : ( @QUR@02 قل انظروا ) (1) وقوله : ( @QUR@06 فاعلم ~~أنه لا إله إلا الله ) (2) وقوله: ( @QUR@04 أولم يتفكروا في أنفسهم ) (3) ~~إلى غير ذلك من الآيات الدالة عليه. # وكذا ما ورد من الآيات الدالة على النهي عن التقليد وذمه. ولا خلاف بين ~~العقلاء في ذلك. # إذا عرفت هذا فنقول : الواجب على قسمين : إما على الأعيان أو على ~~الكفاية. ووجوب هذا العلم على الأعيان ، للنهي عن التقليد في العقائد. # واعلم أن القدر الواجب على الأعيان من هذا العلم ، هو معرفة الله تعالى ~~بالدليل ، ومعرفة ما يجب معرفته من صفاته الثبوتية والسلبية ، ومعرفة آثاره ~~التي تتوقف عليها بعثة الرسل ومعرفة الرسل وصدق الأنبياء ، ومعرفة المعاد ، ~~والإمام. ولا يجب تتبع الجواب عن الشبهات ، ومقاومة الخصوم على الأعيان ، ~~بل ذلك واجب على الكفاية. PageV01P014 ### ||| ** القاعدة الأولى ### | في تقسيم المعلومات # وفيه مقاصد : PageV01P015 ### | المقصد الأول ### | في التقسيم إلى الموجود والمعدوم # اعلم أن كل معلوم إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما (1)، فهنا فصول : ### ||| ** الفصل الأول : ### | في مباحث الوجود ### ||| ** البحث الأول : في أن تصور ms0007 الوجود بديهي ### |||| ** وفيه مقامات ثلاثة : ### ||| ** الأول : في الاستدلال على أنه بديهي # اختلف الناس في ذلك ، فذهب المحققون إليه ، ونازع فيه جماعة ، وزعموا أنه ~~يعرف بحده ، واختلفوا في حده ، فقال قوم : إن الموجود هو الثابت العين. PageV01P017 # وقال آخرون : إنه ما صح التأثير به أو فيه. وأراد بقوله فيه الجواهر ، ~~لأن الجواهر يصح التأثير فيها ولا يصح بها لأنها لا توجب حكما في الغير. # وقيل : حد الوجود ما يظهر معه مقتضى صفات النفس ، وهذا على رأي من قال : ~~المعدوم له في حال عدمه صفة ، ولكل جنس صفة نفسية ، ومن قال : إن المعدوم ~~لا صفة له حال عدمه قال : الوجود هو الثبوت. # وقال آخرون : الوجود هو الذي يوجب كون ما وصف به موجودا. # وقيل : إنه الذي ينقسم إلى القديم والحادث. # وقيل : الوجود هو الذي ينقسم إلى فاعل أو مفعول. # وهذه التعريفات كلها رديئة لاستلزام التعريف بها الدور ، أو التعريف ~~بالأخفى ، والحق أنه غني عن التعريف ، إذ كل عاقل لا يشك في أنه موجود (1). # وقد استدل أفضل المتأخرين (2) على أوليته بوجوه (3): ### |||| ** الوجه الأول : علمي بوجودي بديهي ، والوجود جزء من وجودي ، والعلم بالجزء سابق على العلم ~~بالكل ، والعلم السابق على الأولي أولى أن يكون أوليا ، والوجود في الكل ~~واحد ، فالوجود المطلق أولي. # وفيه نظر ، فإن للقائل أن يقول : البديهي ، الحكم بأني موجود ، أما تصور ~~وجودي فممنوع ، ونمنع كمالية تصور كل واحد لوجوده ، فجاز أن يتصوره باعتبار PageV01P018 # ما ، وحينئذ لا يجب تصور جزئه ، ونمنع أيضا كون الوجود المطلق جزءا من ~~وجودي ، لابتنائه على اشتراك الوجود في المعنى وقد خالف فيه جماعة. ### |||| ** الوجه الثاني : التصديق البديهي بأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ليس إلا التصديق ~~بامتناع الخلو عن الوجود والعدم ، وذلك مسبوق بتصور الوجود ، والسابق على ~~البديهي بديهي. # قيل عليه (1): التصديق البديهي لا يستلزم كون تصوراته بديهية ، بل يجوز ~~أن تكون كسبية. ### |||| ** الوجه الثالث : (2) تعريف الوجود بنفسه محال وبأجزائه أيضا ، لأنها إن كانت وجودات لزم ~~توقف الشيء على نفسه ، وإن لم تكن فعند اجتماعها إن لم يحصل ms0008 زائد كان ~~الوجود محض ما ليس بوجود. وإن حصل كان هو الوجود ، وتلك الأمور معروضاته ، ~~فلا تكون أجزائه. # وتعريفه بالأمور الخارجة عنه محال ، لأن الرسم إنما يفيد تصور الماهية ~~بعد اختصاصه بها ، وذلك إنما يكون معلوما لو عرفنا الماهية وما غايرها من ~~جميع الماهيات ، فيلزم الدور و (3) معرفة ما لا يتناهى ، ولا بالمركب من ~~الداخل والخارج لأنه خارج. # وفيه نظر (4)؛ لأنه لا يلزم من كون أجزاء الوجود وجودات أن تكون هي نفس ~~الوجود ، كما أنه لا يلزم من كون أجزاء الجوهر جواهر أن تكون الأجزاء هي ~~نفس المركب. PageV01P019 # سلمنا ، لكن عند اجتماعها لا يحصل زائد غير المركب ولا يكون الوجود محض ~~ما ليس بوجود ، لأن المركب مغاير لأجزائه. # سلمنا ، لكن لا يلزم من حصول الزائد أن لا تكون تلك الأجزاء أجزاء. على ~~أن هذا يقتضي نفي التركيب مطلقا ، كما تقول : الحيوان مثلا ليس بمركب ، لأن ~~أجزاءه إن كانت حيوانات لزم تركب الشيء من نفسه وهو محال. وإن لم تكن فإن ~~لم يحصل زائد عند اجتماعها ، كان الحيوان محض ما ليس بحيوان ، وإن حصل كان ~~هو الحيوان ، وتلك ليست أجزاء له. # سلمنا ، لكن جاز التعريف بالخارج ، وهو يتوقف على الاختصاص لا على العلم ~~به ولا دور ، ولا يلزم العلم بما لا يتناهى على التفصيل لتوقفه على العلم ~~بعارض كالمعلومية. ### |||| ** الوجه الرابع : تعريف الوجود ليس بالحد فإنه لا جنس له ولا فصل ، ولا بالرسم لأن الاستقراء ~~دل على أنه لا شيء أعرف من الوجود (1). # وهو ضعيف لأن الحد لا يجب تركبه من الجنس والفصل. # سلمنا ، لكن نمنع انتفاء الجنس والفصل عنه. وعدم العلم لا يدل على العدم. # سلمنا ، لكن الاستقراء لا يفيد اليقين. # لا يقال : لو كان بديهيا استحال البرهان عليه ، لكنكم برهنتم عليه فلا ~~يكون تصوره بديهيا. # لأنا نقول : التصور البديهي له اعتباران : أحدهما : ثبوته في نفسه ، ~~والثاني : ثبوت هذا الوصف ، أعني كونه بديهيا له. والممتنع إقامة البرهان ~~عليه هو الأول ، أما الثاني فلا. PageV01P020 ### ||| ** المقام الثاني : في أن تصوره أول الأوائل ms0009 # الأمر في هذا ظاهر ، فإنه لا شيء أعرف عند الإنسان من وجود نفسه ، وثبوت ذاته. # وأيضا فإنه أعم الأشياء والأعم جزء الأخص ، والعلم بالكل متوقف على العلم ~~بالجزء ، والمتوقف عليه أعرف من المتوقف ، فالوجود أعرف. # وهو ضعيف ، لأنا نمنع كونه أعم الأمور ، فإن المعلوم والمخبر (1) ~~والمذكور والممكن العام أعم من الموجود ، والشيء مساو له ، هذا إن عنى ~~الوجود الخارجي ، وإن عنى المطلق كان مساويا للمعلوم ، والشيء إن أطلق على ~~الذهني فكذلك ، كما قال الشيخ : «إن الوجود إما خارجي أو ذهني ، والشامل ~~لهما الشيئية» ، وإن أريد الخارجي لا غير ، كما هو رأي نفاة شيئية المعدوم ~~كان أخص. # سلمنا أنه أعم ، لكن لا نسلم أن الأعم جزء من الأخص ، فإن العموم إذا كان ~~عموم العارض لا يوجب كونه جزءا ، والوجود وصف خارجي. # وقيل (2): إن الأعم أعرف ، لأن النفس قابلة للتصور ولا منع عن الفيض من ~~قبل الله تعالى إلا لعدم شرط أو وجود مانع ، وكلاهما منتف هنا ، فإن (3) ~~الأعم يستحيل اشتراطه بالأخص ، وكل ما عدا الوجود فهو أخص منه ، والأمور ~~(4) الخاصة قد تتعاند ، ولا تعاند صورة ما يعمها ، لكن كل ما يعاند العام ~~فهو يعاند PageV01P021 # الخاص ، فالأعم إذن أقل معاندا وشرطا (1)، فيكون أولى بالوقوع. فالوجود ~~اللازم للماهيات لما كان أعم كان انتقاشه في النفس أكثر من انتقاش غيره. # وفيه نظر ، فإنا نسلم أن الوجود أعم ، لكن نمنع كون ما هو أقل شرطا ~~ومعاندا في الخارج أعرف ، فإنه لا شيء أعرف عند الإنسان من ذاته لذاته ~~وليست أعم الموجودات (2). ### ||| ** المقام الثالث : في كلام الخصم في هذا الباب # اعلم أن جماعة أنكروا هذا الحكم (3) وكلامهم يقع في موضعين (4): ### |||| ** الموضع الأول : في أن الوجود غير متصور ، واستدلوا عليه بوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : لو تصور الوجود لزم اجتماع المثلين ، والتالي باطل على ما يأتي ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن التصور ارتسام صورة المتصور في المتصور ، فلو كان ~~الوجود متصورا لزم ارتسام صورة مساوية له في الذهن ، ولا شك في أن الذهن ~~موجود فيجتمع المثلان. ### |||| ** الوجه الثاني : تصور ms0010 الشيء بالحقيقة إنما يكون بعد أن يتميز عن غيره ، والتميز عبارة عن ~~كون الشيء ليس غيره ، وهذا سلب خاص يتوقف على مطلق السلب ، فتصور الوجود ~~إنما يتم بعد تصور مطلق السلب ، لكن مطلق السلب إنما يعلم إذا أضيف إلى ~~مطلق الوجود، فيلزم الدور. PageV01P022 ### |||| ** الوجه الثالث : الوجود بسيط والبسيط لا تعقل حقيقته. ### |||| ** الوجه الرابع : لو كان الوجود معلوما لكانت حقيقة الباري تعالى معلومة ، والتالي باطل بما ~~يأتي ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أنه سيظهر أن حقيقة الله تعالى هي نفس الوجود ، فلو كان ~~الوجود متصورا لزم تصوره تعالى. ### |||| ** الموضع الثاني : في أن تصوره ليس بديهيا لوجوه (1): ### |||| ** الأول : الوجود صفة غير مستقلة بالمعقولية دون موصوفه ، لكن موصوف الوجود هو ~~الماهيات ، وليس تصورها بديهيا ، فلا يكون تصور الوجود بديهيا. ### |||| ** الثاني : لو كان تصوره بديهيا لزم بداهة تصور لوازمه ، من اشتراكه وزيادته ، لما ~~تقرر من أن العلم بالملزوم علة للعلم باللازم ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله. ### |||| ** الثالث : لو كان بديهيا لاشترك العقلاء فيه ، والتالي باطل ؛ لوقوع الخلاف فيه ، حتى ~~أن جماعة من العقلاء زعموا أنه إنما يعرف بحد أو رسم. ### |||| ** الرابع : الوجود الذهني مطابق للخارجي ، وكل ما هو أشد جزئية فهو أولى بالجوهرية في ~~الخارج ، فإذن الأولى بالحضور ذهنا هي الأمور الجزئية ، فالوجود الأعم يكون ~~مرجوحا ، فلا يكون تصوره أوليا. ### |||| ** الخامس : لو كان أوليا لما افتقر إلى برهان ، ولما وقع فيه خلاف. ### |||| ** والجواب عن الأول (2) ### |||| ** : المنع من حصول المعقول نفسه ، بل إن كان فصورته وهي مغايرة للحقيقة ، فلا ~~يجتمع المثلان. PageV01P023 # سلمنا حصول حقيقة الوجود المطلق ، لكنه مغاير لوجود العاقل ومخالف له. # سلمنا ، لكن لا نسلم أنا نفتقر في تصور الوجود إلى صورة أخرى غير صورة ~~الوجود الثابتة في نفس الأمر لنا ، فإنه سيظهر أنا ندرك ذاتنا بذاتنا لا ~~بصورة أخرى مساوية لذاتنا في ذاتنا ، وإن افتقرنا في تصور غيرنا إلى صورة ~~حالة فينا. ### |||| ** وعن الثاني : أن تصور الشيء لا يتوقف على العلم بتميزه عن غيره وأنه ليس ذلك الغير ، فإن ~~العلم بأن حقيقة ما ليست غيرها ms0011 علم بسلب أمر عن آخر ، والمعلوم فيه مجموع ~~أمور ، والعلم بالمجموع متأخر عن العلم بكل واحد من تلك الأمور ، فإذن ~~العلم بالوجود لا يمكن توقفه على أنه ليس غيره. والأصل في ذلك ، أن الشيء ~~إذا أخذ لا بشرط غيره ، كان مغايرا له إذا أخذ بشرط لا غيره ، فإن الأول ~~بسيط والثاني مركب ، فإذا أخذت الحقيقة بالاعتبار الأول لم يتوقف تصورها ~~على تصور غيرها ، وإذا أخذت بالاعتبار الثاني ، توقف تصورها على تصور ذلك الغير. ### |||| ** وعن الثالث : بالمنع من كون البسيط غير معلوم ، إذ لو كان كذلك لامتنع تعقل شيء البتة ، ~~نعم إنه غير معلوم بالحد ، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم. ### |||| ** وعن الرابع : أن الوجود المعلوم مغاير لحقيقته تعالى على ما سيظهر الكلام فيه إن شاء ~~الله تعالى. ### |||| ** والجواب عن الأول : (1) أنه لا يلزم من كون الشيء تبعا لغيره في الوجود ، كونه تبعا له في ~~التصور. ولو كان تبعا لتصور غيره لم يجب كونه كسبيا ، لجواز كون تصور ذلك ~~الغير بديهيا. PageV01P024 # أيضا بأن نقول : تصور الوجود تابع لتعقل ماهية ما ، لا لتعقل الماهيات ~~المخصوصة ، وتعقل ماهية ما أولي أيضا ، إلا أن الإشكال باق ، فان (1) كون ~~ماهية ما ، ماهية ما من العوارض التي لا تستقل بالمعقولية. # ويمكن أن يقال : إن تصور الوجود يستدعي تصور ماهيات مخصوصة ، وتصور تلك ~~الماهيات المخصوصة بديهي. ### |||| ** وعن الثاني : أنه لا يلزم من كون تصور الشيء بديهيا ، كون تصور لوازمه كذلك. # وأيضا فإن كون الوجود زائدا ومشتركا وصفان اعتباريان لا وجود لهما في ~~الخارج ، وإلا لزم التسلسل ، وإذا لم يكونا من الأمور الوجودية ، لم يكونا ~~لازمين للوجود مطلقا ، وأيضا لا نسلم كون هذين التصورين مكتسبين. # وأيضا إنما يجب تصورهما لو كانا من اللوازم البينة ، وهو ممنوع. ### |||| ** وعن الثالث : بالمنع من وجوب اشتراك العقلاء في الضروريات. # وأيضا فإن أحدا لم يحاول تعريف حصول الشيء وثبوته ، لكن لما اعتقدوا أن ~~الوجود ليس الحصول ، بل علته ، لا جرم عرفوا ما ذهبوا إليه وجعلوه مسمى ~~بالوجود لا نفس الحصول. ### |||| ** وعن الرابع ms0012 : بالمنع من كون الأخص أولى بالوجود الخارجي ، وإن كان أولى بالجوهرية ، أعني ~~الاستغناء ، إلا أن الأعم أولى بالوجود منه. # سلمنا ، لكن نمنع كون الذهني كذلك ، فإن الأعم أولى بالوجود الذهني من ~~الأخص ، لما بينا أن الشيء إذا كان أعم كان شرطه ومعانده أقل وكان أولى ، ~~وفي الخارج يستحيل وجود الكلي في الأعيان فظهر الفرق بينهما. PageV01P025 ### |||| ** وعن الخامس : أن البرهان إنما هو على صفة من صفاته وهو كونه بديهيا ، فإن كون البديهي ~~بديهيا يجوز أن يكون مكتسبا. ولا يلزم من وقوع الخلاف في أن تصوره بديهي أو ~~لا ، أن لا يكون بديهيا ، فإن كونه بديهيا حال من أحوال التصور لا نفسه. ### ||| ** البحث الثاني : في تحقيق ماهيته # وفيه مقامان : ### ||| ** المقام الأول : في أنه بسيط البسيط (1) # يراد به معنيان : أحدهما : الوجود (2) الذي لا جزء له. والثاني : الذي ~~يتساوى أجزاؤه في الحد. والمراد هنا الأول ، وظاهر أن الوجود كذلك. فإنا لا ~~نعني بالوجود إلا الكون في الأعيان ، وهو معنى يعتبره العقل من غير توقف في ~~تصوره على تصور غيره ، ولو كان مركبا لتوقف تصوره على تصور جزئه ، ولأنه لو ~~تركب لكانت أجزاؤه إما وجودات أو عدمات أو ما يعرضان له. # والثاني (3) باطل ، لأنه يستحيل تركب الشيء عما ينافيه ويناقضه. # والثالث باطل أيضا ، لأن المركب من تلك الأشياء إما أن يتغير حاله عند ~~تغير حال الأجزاء وجودا وعدما أو لا. والأول يستلزم أن يكون للوجود وجود ~~وعدم وهو محال. والثاني محال ؛ لاستحالة كون المعلول على حال واحدة عند وجود PageV01P026 # العلة وعدمها. ولأن خاصية الجزء المطلقة وهي التقدم في الوجودين إنما ~~تتحقق لو كان للوجود وجود وهو محال. # والأول (1) باطل ، لأن الجزء إن كان وجودا مطلقا كان المركب هو نفس الجزء ~~، هذا خلف ، وانتفت الكلية والجزئية وهو المطلوب. وإن كان وجودا خاصا لزم ~~الدور ، وأن لا يكون الوجود وجودا ، لأن ما به الامتياز مخالف لما به ~~الاشتراك ، فلا يكون وجودا ، ومقوم الجزء مقوم الكل ، هذا خلف. وإن كان ~~وجودا بمعنى أنه موجود فقد تقدم بطلانه في ms0013 الثالث. ولأنه إن كان موجودا ~~بوجود سابق على تحقق الوجود كان الشيء متقدما على نفسه. وإن كان موجودا ~~بوجود متأخر عن الوجود أو مصاحب لم يكن وجود الجزء سابقا على وجود الكل ، ~~لكن من خواص الجزء تقدمه في الوجودين والعدمين على الكل. ### ||| ** المقام الثاني : (2) في أن الوجود نفس الكون في الأعيان ، لا ما به الكون في الأعيان (3) # اعلم أنا نعني بالوجود ، المعنى المفهوم منه المتعارف عند العقلاء ، وهو PageV01P027 # حصول الشيء وتحققه وثبوته. وقد نازع في ذلك جماعة المثبتين ، وذهبوا إلى ~~إثبات صفة أخرى مغايرة لذلك سموها : «الوجود». وحينئذ يكون إطلاق لفظ ~~«الوجود» على ما قلناه وعلى ما ذهبوا إليه بالاشتراك اللفظي. ويرجع حاصل ~~الكلام إلى أنه تثبت للذات صفة أخرى وراء الحصول والتحقق. ولكن يجب عليهم ~~إفادتنا هذا المعنى ، وإقامة البرهان عليه. # فإن قال : أعني بالوجود صفة تقتضي حصول الشيء في الأعيان ، قلنا : يستحيل ~~أن يكون الحصول في الأعيان معللا بصفة قائمة بالشيء لوجوه : ### |||| ** الأول : اتصاف الشيء بتلك الصفة التي هي علة (1) الحصول مسبوق بحصول ذلك الشيء في ~~نفسه ، لأن حصول الصفة للشيء فرع على حصول ذلك الشيء في نفسه ، فلو كان ~~حصول غيره له (2) علة لحصوله في نفسه لزم الدور. ### |||| ** الثاني : علة الحصول مخالفة للحصول في الحقيقة ؛ لاستحالة كون المماثل علة ، وتلك ~~العلة لها حصول ، وإلا لزم تعليل الوجود بالعدم ، فيكون حصول تلك العلة ~~مفتقرا إلى علة أخرى ويتسلسل. ### |||| ** الثالث : لو كان الحصول في الأعيان مغايرا للوجود جاز أن تعلم الماهية كائنة في ~~الأعيان قبل العلم بثبوت ذلك الزائد ، فلا يكون وجود الأمور المحسوسة ~~بديهيا بل مستفادا من الحجة ، ويلزم من الشك في تلك الحجة الشك في وجود ~~الأمور الضرورية. ### |||| ** الرابع : الإضافات موجودة على ما يأتي. وهي من حيث إنها موجودة في الأعيان مقولة ~~بالقياس إلى غيرها ، فلو كان وجودها (3) مستقلا بنفسه ، لكان يمتنع PageV01P028 # أن تكون تلك الإضافات الغير المستقلة في وجودها موجودة ، ولما بطل التالي ~~بطل المقدم. # وفي هذه الوجوه نظر : ### |||| ** أما الأول : فإنه معارض بنفس الوجود ، فإنه ms0014 صفة زائدة على ما يأتي ، فثبوته للشيء إن ~~اقتضى سبق (1) ثبوت الشيء في نفسه لزم التسلسل ، وإلا فليكن علة الوجود غير ~~مقتضية لسبق الوجود كما أن الوجود غير مقتض. ### |||| ** وأما الثاني : فإن العلية تقتضي المخالفة ، أما في الماهية فلا ، ولهذا جاز تعليل بعض ~~أفراد النوع ببعض آخر ، إلا أن تكون علة بماهيته. ### |||| ** وأما الثالث : فللمنع من الملازمة الأولى ، مع أنها لا تفيد نفي تعليل الحصول بعلة زائدة. ### |||| ** وأما الرابع : فالمنع من الصغرى على ما يأتي. # سلمنا ، لكن لا نسلم استقلال وجودها. # والوجه أن نقول : لو كان الوجود مغايرا للكون في الأعيان وعلة له لكان ~~العلم بالكون في الأعيان إما أن يستلزم العلم بالوجود أو لا ، والقسمان ~~باطلان. # أما الأول ، فلأن العلم بالكون في الأعيان ضروري ، فيجب أن لا ينفك ~~الإنسان عن العلم بذلك الزائد ، كما لا ينفك عن العلم بالكون في الأعيان ، ~~لكن التالي باطل بالضرورة. # وأما الثاني ، فلأنه يستلزم جواز العلم بكون الماهية كائنة في الأعيان ~~وانتفاء العلم بوجودها وهو ضروري البطلان. PageV01P029 ### ||| ** البحث الثالث : في أن الوجود مشترك (1) # اختلف الناس في ذلك ، فالذي ذهب إلى أن الوجود نفس الماهية أحال كونه ~~مشتركا ، والذي قال بالزيادة ذهب إلى أنه مشترك وهو الحق ، لنا وجوه : ### |||| ** الأول : الوجود بديهي التصور على ما سبق ، ولو لم يكن مشتركا لم يكن كذلك ، لأنه ~~حينئذ يكون نفس الحقيقة أو أمرا مغايرا للكون في الأعيان وكلاهما مكتسب. ### |||| ** الثاني : الوجود والعدم متقابلان على سبيل منع الجمع والخلو بينهما ، وأعرف القضايا ~~عند العقل أنه لا واسطة بين هذين المتقابلين ، ولما كان النفي مفهوما واحدا ~~لا تعدد فيه ولا امتياز من حيث إنه نفي ، وجب أن يكون المقابل له كذلك ، إذ ~~لو كان المقابل له أمورا متعددة لم يكن التقسيم منحصرا بين الطرفين. ### |||| ** الثالث : إذا عرفنا وجود ممكن جزمنا حينئذ بوجود سببه ، وإذا ترددنا في كون ذلك ~~السبب واجبا أو ممكنا ، وعلى تقدير كونه ممكنا هل هو جوهر أو عرض؟ وعلى ~~تقدير كونه جوهرا هل هو مجرد أو مقارن؟ ms0015 لم يكن ذلك موجبا للتردد في الجزم ~~بوجود السبب ، وإذا لم يكن التردد في الخصوصيات موجبا للتردد في الوجود ~~المطلق ، بل كان ثابتا حال زوال اعتقاد كل خصوصية وثبوت غيرها ، وجب كونه ~~مشتركا بين الجميع ، أما لو اعتقدنا كونه ممكنا ثم تجدد لنا اعتقاد كونه ~~واجبا لزم زوال اعتقاد الإمكان. ### |||| ** الرابع : أنه يمكننا أن نقسم الوجود إلى الواجب والممكن ، ويقبل العقل هذه القسمة ، ~~ومورد التقسيم لا بد وأن يكون مشتركا بين الأقسام ، ولا يجوز أن PageV01P030 # يكون مورد القسمة اللفظ ، وإنا لو فرضنا بطلان الوضع لم تبطل قسمة العقل ~~، ولا خصوصية كل واحد من الأقسام ، وإلا لزم انقسام الشيء إلى نفسه ومقابله ~~، وهو باطل قطعا. (1) ### |||| ** الخامس : لو لم يكن الوجود مشتركا جاز أن يكون الشيء الواحد واجبا ممكنا ، فلا يتميز ~~الواجب عن الممكن بالتقسيم بالوجوب والإمكان والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن مفهوم الوجود إذا كان مختلفا ، جاز أن يكون الوجود ~~للشيء الواحد بأحد مفهوميه واجبا وبالآخر ممكنا ، فلا يكون التقسيم موجبا ~~للامتياز ، أما مع اتحاد المفهوم ، فإنه يستحيل توارد الوجوب والإمكان عليه ~~بالنسبة إلى الشيء الواحد. ### |||| ** السادس : من قال : إن الوجود غير مشترك فقد حكم باشتراكه من حيث لا يشعر ، فإن حكمه ~~بأنه غير مشترك ليس مقصورا على وجود خاص ، بل على كل وجود ، فإن كان مفهوم ~~الوجود مختلفا وجب أن يبرهن على كل واحد من وجودات الماهيات بأنه غير مشترك ~~، و (2) يعتقد أن استدلاله على : أن الوجود غير مشترك ، يتناول كل وجود. ### |||| ** والاعتراض على الأول : المنع من الصغرى وقد تقدم (3). ### |||| ** وعلى الثاني : أن نفي كل حقيقة يقابله (4) تحقق تلك الحقيقة ، وليس بين ثبوت كل حقيقة ~~ونفيها واسطة ، وليس ثبوتها أمرا زائدا عليها ، أو ان (5) كان ، لكن PageV01P031 # لا يكون مشتركا بينها وبين غيرها ، وإلا (1) يلزم على هذا التقدير عدم ~~انحصار القسمة ، لأنه لا واسطة بين تحقق كل حقيقة ولا تحققها ، فإن ادعيتم ~~ثبوتا عاما مشتركا بين الموجودات في مقابله نفي عام ، فهو نفس النزاع ، ~~ولأنا نعارض بنفس الوجود ، فإنا ms0016 إذا قلنا : الشيء إما أن يكون ثابتا أو لا ~~، فالوجود إن لم يدخل في القسم الثابت دخل في قسم اللاثابت ، فلا يكون ~~الوجود زائدا وإن دخل (2) فلا (3) شك في أنه مغاير للماهية الثابتة (4)، ~~فيكون الوجود مشاركا للماهية الموجودة في أصل الثبوت وممتازا عنها حينئذ ~~بخصوصيته ، فيكون للوجود وجود آخر ويتسلسل. ### |||| ** وعلى الثالث : أنا نعتقد ثبوت شيء يقال عليه لفظة الموجود (5)، وإن لم نتصوره ، ولا يلزم ~~كونه مشتركا. ### |||| ** وعلى الرابع : أن مورد التقسيم هو الماهية ، فإذا قلنا : الموجود إما واجب أو ممكن ، ~~فكأنا قلنا السواد إما تكون سواديته واجبة أو لا ، ولأنه آت في الوجود (6) ~~، لأنه يمكننا أن نقسم الثابت إلى الوجود والماهية الموجودة ، فتكون ~~الثابتية مشتركة بين الوجود وغيره وهو محال. ### |||| ** وعلى الخامس : أنه مصادرة على المطلوب الأول ، فإن من زعم أن الوجود ليس بمشترك زعم أن ~~وجود كل شيء حقيقته المخصوصة. وإذا استحال أن تكون الحقيقة الواحدة حقيقتين ~~، استحال أن يكون للشيء وجودان ، فهذه الحجة إنما PageV01P032 # تتم (1) لو ثبت كون الوجود زائدا على الماهية ، وهو نفس النزاع (2). ### |||| ** وعلى السادس : أن الحكم على أن الوجود غير مشترك ، ليس حكما على الوجود من حيث هو ، بل ~~على كل ما يطلق عليه لفظة الوجود ، كما في قولنا : العين غير مشترك. ### |||| ** والجواب عن الأول : ما تقدم. ### |||| ** وعن الثاني : أن مفهوم السلب واحد ، فإن سلب السواد وسلب البياض لا يتمايزان إلا ~~بالإضافة إلى ملكاتهما ، وإذا كان مفهوم السلب واحدا ، فالمقابل له إن كان ~~خصوصيات الماهيات لم يكن المقابل للسلب أمرا واحدا ، بل أمورا كثيرة ويبطل ~~الحصر ، وإن لم يكن المقابل له نفس الخصوصيات ، بل أمرا واحدا هو الوجود ، ~~ثبت المطلوب. # وأيضا إنما نستعمل هذه الحقيقة (3) لنتوصل إلى معرفة الحق من أحد طرفيها ~~، ونصححه بالبرهان ، ونبطل الباطل منه بالبرهان ، ولو كان قولنا : الإنسان ~~إما أن يكون موجودا أو معدوما ، وأنه لا يخلو عن النفي والإثبات ، معناه أن ~~الإنسان لا يخلو عن أن يكون إنسانا ، أو لا يكون ، لكانت حقية الحق وباطلية ~~الباطل من الطرفين معلومة ms0017 بالضرورة ، فإنا نعلم قطعا أن الإنسان إنسان ، ~~وأنه يستحيل أن لا يكون إنسانا ، ولما كان ذلك باطلا ، بطل ما قالوه. # والمعارضة بالوجود باطلة ؛ فإن الوجود وإن شارك (4) الماهيات الموجودة في ~~أصل الثبوت ، لكن يمتاز عنها بقيد سلبي وهو أنه لا مفهوم له سوى الوجود PageV01P033 # وإنما تحصل الكثرة لو كان الاشتراك بأمر ثبوتي والامتياز بأمر ثبوتي. # والتحقيق : أن الوجود ليس له وجود آخر وإلا لزم التسلسل ، وكذا الماهيات ~~ليس لها ثبوت في أنفسها مغاير لمطلق الوجود الثابت لها ، ولا يلزم أن تكون ~~عدمية ، لأنها من حيث هي هي لا ثابتة ولا معدومة على أن يكونا داخلين في ~~مفهومها وإن لم ينفك عنها ، فالماهية المجردة عن الثبوت ليس لها ثبوت آخر ، ~~فإن الماهية من حيث إنها ماهية ليست إلا تلك الماهية ، ولا توصف بوصفي ~~الوجود والعدم ، لأنهما مفهومان زائدان على مفهوم كونها تلك الماهية. ### |||| ** وعن الثالث : أنا نعتقد ثبوت معنى حقيقي ، لا مجرد لفظ وتسمية ، وذلك المعنى متصور لنا ~~بالضرورة على ما سبق. ### |||| ** وعن الرابع : أن الوجوب والإمكان أمران اعتباريان عقليان من قبيل النسب والإضافات ، لا ~~تعقل إلا بين شيئين ، فلا يمكن أن يكون مورد القسمة هو الماهية لا غير ، ~~لأنه حينئذ يبقى التقدير : الماهية إما تكون واجبة أو ماهية ، أو لا تكون ، ~~و (1) هذه قسمة باطلة ، فإن الماهية يجب أن تكون تلك الماهية ، ويمتنع أن ~~لا (2) تكون تلك الماهية. ### |||| ** وعن الخامس : أن هذه الحجة تتوقف على كون الوجود زائدا على الماهية ، لكن يمكن أن يسلم ~~الخصم ذلك ويمنع اشتراكه. ### |||| ** وعن السادس : أن الحكم على الشيء يستدعي تصور المحكوم عليه ، ولو كان الحكم على ما يطلق ~~عليه لفظ الوجود ، فإن كان على وجود خاص وجب تصوره ، وليس أولى من غيره ، ~~وإن كان على وجود مطلق ثبت المطلوب. # واحتج المانعون : بأن الوجود نفس الماهية ، فلا يكون مشتركا ، والصغرى PageV01P034 # يأتي بيانها ، والكبرى ضرورية. # والجواب : المنع من الصغرى ، وسيأتي. # واعلم أن الحكم باشتراك الوجود أمر بين عند العقل ، فإنه إذا نسب موجودا ~~إلى مثله حكم ms0018 بينهما بمشاركة ليست هي نسبة موجود إلى معدوم ، وذلك المشترك ~~هو الوجود ، ولا يمكن أن يكون ذلك المشترك راجعا إلى اللفظ ، فإن الواضع لو ~~وضع لطائفة من الموجودات والمعدومات لفظا واحدا ، ولم يضع لجميع الموجودات ~~اسما واحدا ، لم تكن المقاربة بين تلك الموجودات والمعدومات المتحدة في ~~الاسم أكثر من التي بين الموجودات المتغايرة في الاسم. ### ||| ** البحث الرابع : في كيفية اشتراكه # اعلم أن كل معنى كلي صادق على جزئيات مندرجة تحته ، فإما أن تتساوى تلك ~~الجزئيات المندرجة تحته في مقوليته عليها ، ويسمى المتواطئ ، كالحيوان ~~بالنسبة إلى جزئياته ، وإما أن لا تتساوى ، بل تختلف بأحد أمور ثلاثة : # الشدة : بأن يكون ذلك المعنى أشد في بعض تلك الجزئيات من غيره ، كالبياض ~~الذي هو أشد في الثلج منه في العاج. # والأولية : بأن يكون ذلك المعنى في بعض جزئياته أقدم منه في الآخر ، ~~كالوجود الذي هو في العلة أقدم منه في المعلول. # والأولوية : بأن يكون ذلك المعنى في بعض جزئياته أولى منه في الآخر ، ~~كالوجود فإنه في الجوهر أولى منه في العرض. # إذا ثبت هذا فنقول : الوجود مقول بالتشكيك على ما تحته من الموجودات ، ~~فإنه في واجب الوجود أشد وأولى وأقدم منه في غيره ، وكذا ثبوته في الجواهر PageV01P035 # والأعراض ، بل وفي نفس الجواهر ، وكذا الأعراض. فإن الأعراض الباقية أولى ~~بالوجود من غيرها. وهذا المقول بالتشكيك يقع على الجزئيات المندرجة تحته لا ~~بالاشتراك اللفظي البحت، بل بمعنى واحد في جميع تلك الجزئيات ، ولكن لا على ~~السواء ، بل إما بالتقديم والتأخير ، كوقوع المتصل على المقدار وعلى الجسم ~~ذي المقدار ، أو بالأولوية وعدمها كوقوع الواحد على ما لا ينقسم أصلا ، ~~وعلى ما لا ينقسم باعتبار دون اعتبار ، أو بالشدة والضعف ، كالبياض على ~~الثلج والعاج. # والمعنى الواحد المشكك يمتنع أن يكون ماهية ، أو جزء ماهية لتلك الأشياء ~~، فإن الماهية لا تختلف ولا جزئها ، بل إنما يكون عارضا خارجا لازما أو ~~مفارقا ، فالبياض لازم لبياض الثلج وبياض العاج ، وكذا الوجود في وقوعه على ~~وجود الواجب ، ووجودات الممكنات المختلفة بالهوية التي ms0019 لا أسماء لها ~~بالتفصيل ، ويقع على جملتها اسم واحد. هكذا قاله أفضل المحققين. # وعندي فيه نظر ، فإن اسم البياض إن كان للمعنى الأزيد أو الأنقص أو ~~الأوسط لم يكن دالا على الباقيين إلا بنوع من المجاز ، وإن كان للمعنى ~~المشترك بينها كان متواطئا ، وليس اختلاف هذه الجزئيات أشد من اختلاف ~~الأنواع المندرجة تحت جنس واحد. # لا يقال : الحرارة اسم للكيفية التي تصدر عنها الآثار المحسوسة ، فإذا ~~كانت تلك الكيفية في بعض الجزئيات أكثر تأثيرا من غيرها ، كانت أولى باسم ~~الحرارة ، وكذا البياض وشبهه ، وهذا هو معنى المشكك. # لأنا نقول : الجوهر أيضا كذلك. # وبالجملة : فعندي في المشكك إشكال ، وليس هذا موضع تحقيقه. # فالموجودات على ما ذكره معان مجهولة الأسماء ، شرح أسمائها أنه موجود PageV01P036 # كذا أو (1) الموجود الذي لا (2) سبب له ، ثم يلزم الجميع في الذهن الوجود ~~العام ، كما أنا لو لم نعرف الكمية والكيفية وغيرهما من الأعراض بأسمائها ~~ورسومها لكنا نقول في الكم : هو عرض ما أو موجود ما في موضوع. ونسبة الوجود ~~إلى أقسامه كنسبة الشيء إلى ما تحته ، لكن أقسام الشيء معلومة الأسماء ~~والخواص ، ولا كذا أقسام الوجود ، وهذا كما أن أنواع الأعداد معان مجهولة ~~الأسامي فيعبر عنها ببعض لوازمها ، فيقال : عشرة ، أي العدد الذي من خواصه ~~ولوازمه الانقسام إلى عشرة آحاد. ### ||| ** البحث الخامس : في أن الوجود زائد على الماهية (3) # اختلف الناس في ذلك ، فذهب «أبو الحسن الأشعري» (4) و «أبو الحسين البصري» ~~(5) إلى أن وجود كل شيء نفس ماهيته. PageV01P037 # وقال أصحاب «أبي هاشم» (1): أنه زائد على الماهية مطلقا. # وأما الأوائل ، فإنهم فصلوا وقالوا : وجود الله تعالى نفس حقيقته ، وأما ~~وجودات الممكنات ، فإنها زائدة على ذواتها. # وسيأتي البحث في وجود واجب الوجود تعالى ، وأما وجود الممكنات ، فالحق ~~أنه زائد (2) عليها لوجوه : ### |||| ** الأول : إن الوجود مشترك بين الموجودات على ما سبق ، فيكون مغايرا لها ، وإلا لزم ~~اشتراك الماهيات في خصوصياتها ، واللازم باطل بالضرورة. ### |||| ** الثاني : لو كان الوجود نفس الماهية لكان قول القائل : الجوهر موجود يتنزل منزلة ~~قولنا : الجوهر جوهر ، أو الموجود ms0020 موجود ، والتالي باطل قطعا ، فإنا ندرك ~~تفرقة بين حمل الوجود على الجوهر وبين حمل الجوهر على نفسه ، ونعقل من ~~الأول قضية حملية مفيدة دون الثاني ، فيكون المقدم باطلا. # لا يقال : إذا قلنا : السواد موجود ، أردنا به أن المتصور في العقل موجود ~~محصل في الخارج ، وذلك لا يقتضي أن كونه محصلا في الخارج زائد عليه ، بل ~~يقتضي امتياز كونه محصلا في الخارج عن كونه متصورا في الذهن. ولأنا نقول : ~~الليث أسد فيفيد ، ولو قلنا : الليث ليث لم يفد. # ونقول : واجب الوجود موجود مع أن وجوده نفس حقيقته. # لأنا نقول : نحن لا ندعي أن الوجود زائد على كونه محصلا في الخارج ، بل PageV01P038 # كونه محصلا في الخارج زائد على سواديته ، وما ذكرتموه تسليم لنا في ذلك ، ~~فقولنا : الليث أسد ، نشير به إلى أنه سمي (1) باسم الأسد ، فالحمل في ~~اللفظ بعد الوضع ، ولو انتفى الوضع انتفى الحمل بخلاف حمل الوجود على ~~السواد ، فإنه يصح وإن لم يكن وضع ، وحمل الوجود على واجب الوجود حمل على ~~المغاير ، فإن المفهوم من واجب الوجود ليس نفس حقيقته ، بل وصف سلبي معناه ~~المستغني عن غيره. ### |||| ** الثالث : الوجود بديهي التصور ، والماهية ليست كذلك ، فالوجود مغاير للماهية. ### |||| ** الرابع : الوجود مقابل للعدم ، وقابل للقسمة بالوجوب والإمكان ، وخصوصيات الماهيات ~~غير قابلة لهذه الأحكام. ### |||| ** الخامس : لو لم يكن الوجود زائدا على الماهية لزم نفي الإمكان ، والتالي باطل ~~بالضرورة فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن الماهية بشرط الوجود يستحيل عليها العدم ، وبشرط العدم ~~يستحيل عليها الوجود ، فلا تكون ممكنة مع هذين الاعتبارين ، وإنما تكون ~~ممكنة من حيث هي هي ، فلو كان الوجود نفس الماهية استحال الحكم عليها ~~بإمكان العدم والوجود ، لاستحالة قبول الشيء لما ينافيه وتزايد الوجود. ### |||| ** السادس : لو لم يكن الوجود زائدا على الماهية ، لكان إما نفس الماهية أو جزئها ، ~~والقسمان باطلان. # أما الأول : فلما تقدم. ولأنه يلزم امتناع إقامة برهان ما على وجود شيء ~~واستحالة التشكيك في وجود كل شيء. PageV01P039 # لا يقال (1): سلمنا ، أن الشك يدل على المغايرة ، لكنه إنما يثبت ~~بالنسبة إلى ms0021 الموجود الخارجي ، أما الذهني فلا. # لأنا نقول : قد نعقل الماهية ونشك في وجودها الذهني ، ولهذا أنكره جماعة ~~، فالوجود الذهني وإن كان لازما للشعور بالشيء لكنه غير لازم في الشعور به ~~(2). ولأن الماهية الموجودة في الأعيان ، وهي غير معقولة لعاقل ، تكون ~~حقيقتها حاصلة ، ووجودها الذهني غير حاصل ، ويلزم منه المطلوب. # لا يقال : نعارض بالوجود ، فإنا نتصوره ونشك في حصوله في الأعيان ، فيلزم ~~أن يكون للوجود وجود ويتسلسل. # لأنا نقول : الشك في الشيء قد يكون في ثبوته لشيء ، وقد يكون في ثبوت آخر ~~له. والشك في الوجود إنما هو بالمعنى الأول ، لا بمعنى ثبوت وجود آخر له ، ~~لامتناع وصف الوجود بالوجود والعدم ، فإنه (3) لو اتصف بالوجود لزم التسلسل ~~، ولو اتصف بالعدم ، لكان الشيء موصوفا بنقيضه ، وإذا كان معنى الشك في ~~الوجود هو أنه هل هو ثابت لغيره أو لا؟ ثبت المطلوب. أما الشك في الماهية ~~فليس معناه هذا ، بل هل ثبت (4) لها وجود أم لا؟ وفيه نظر. # ولأن الوجود مستند إلى الفاعل وحاصل بجعل جاعل ، بخلاف الماهية. # ولأن الفصل علة لوجود الحصة لا لماهياتها. # ولأن العلة متقدمة على المعلول في الوجود لا في الماهية. PageV01P040 # وأما الثاني (1) فلوجوه : ### |||| ** الوجوه الأول : لو كان الوجود جزءا لكان جنسا إذ هو أعم الذاتيات ، فيكون فصله موجودا لأنه ~~علة للموجود فيكون الجنس داخلا في طبيعة الفصل. # وفيه نظر (2)؛ لاحتمال صدق الجنس عليه صدق العارض. ### |||| ** الوجه الثاني : لو كان جنسا لكان فصله علة لوجوده ، فيكون للوجود وجود آخر ويتسلسل. ### |||| ** الوجه الثالث : لو كان جنسا لافتقر واجب الوجود في وجوده إلى فصل. # وفيه نظر ؛ لأن البحث ليس إلا في الوجود الممكن. ### |||| ** الوجه الرابع : الوجود مقول بالتشكيك ، فإنه في الواجب أولى وأقدم وأشد ، فلا يكون جزءا. # لا يقال : جاز أن يكون جنسا في الممكنات. # لأنا نقول : لا يجوز (3) أن يكون الجنس في أنواعه أضعف منه في معروضه ~~ولأن في الممكنات جوهرا وعرضا وعلة ومعلولا. PageV01P041 ### |||| ** الوجه الخامس : لو كان جزءا لامتنع افتقار إثباته إلى برهان. # وفيه نظر ؛ لوروده في جوهرية النفس ms0022 وهيولى الجسم. ### |||| ** الوجه السادس : لو كان جنسا ، فإن كان في نفسه غنيا عن الموضوع كان جوهرا وهو جزء من العرض ~~، فكان العرض جوهرا ، هذا خلف. وإن لم يكن غنيا عنه وهو جزء من الجوهر كان ~~الجوهر عرضا ، هذا خلف. واعترض بمنع استلزام جوهرية الجزء جوهرية الكل. # وفيه نظر ؛ لأنه حينئذ محمول بالمواطاة على أنه داخل ، لكن يشكل بمنع ~~جوهريته على تقدير استغنائه ، إذ لا ماهية له زائدة على وجوده ؛ لاستحالة ~~أن يكون للوجود وجود. # واحتج المانعون من الزيادة (1) بوجوه (2): ### |||| ** الأول : ما ذكره «أبو الحسين» (3) وهو أنه لو كان وجود الجوهر صفة زائدة على كونه ~~متحيزا ، لصح أن نعلمه متحيزا من دون أن نعلمه موجودا ، أو نعلمه على صفة ~~الوجود من دون أن نعلمه متحيزا ، إذ لا تعلق بينهما يمنع من ذلك ، فلما لم ~~نعلمه موجودا إلا وقد علم متحيزا ، ولا يعلم متحيزا إلا (4) وقد علم موجودا ~~، علمنا أن وجوده وتحيزه واحد. وإنما قلنا أنه لا تعلق بينهما ، لأنه لو ~~كان أحدهما متعلقا بالآخر ، بأن يكون أحدهما أصلا للآخر إذ يمتنع كون كل منهما PageV01P042 # أصلا للآخر ، وإلا دار لصح العلم بذلك الأصل دون فرعه ، وهذا غير ثابت في ~~المتحيز والوجود ، كما تقدم. ### |||| ** الثاني : لو كان الوجود زائدا على الماهية لصح أن نعلم الماهية حاصلة متحققة مع ~~الذهول عن وجودها ، أو نعقل وجودها مع الذهول عنها ، والتالي باطل ، فكذا ~~المقدم. وهي كالأولي. (1) ### |||| ** الثالث : لو كان الوجود زائدا ، لكان إما ثابتا فيتسلسل ، أو غير ثابت ، فلا يكون زائدا. ### |||| ** الرابع : لو كان الوجود زائدا ، لكانت الذات قابلة له ، لكن قبول الذات له يستدعي ~~تعين تلك الذات وتحصلها حتى يصح لها القبول ، وذلك التحصل هو الوجود ، ~~فتكون الذات موجودة قبل اتصافها بالوجود ، هذا خلف. ### |||| ** الخامس : لو كان الوجود زائدا على الماهية لكان قيام الوجود بالماهية إن توقف على ~~كون الماهية موجودة لزم إما كون الشيء شرطا في نفسه أو التسلسل ، وإن لم ~~يتوقف لزم قيام الصفة الثبوتية بالمحل المعدوم وهو محال. ### |||| ** والجواب عن الأول : أنه ms0023 في غاية الاختلال ، فإنه لا يلزم من المغايرة الانفكاك في التصور ولا ~~شك أن الغلط هنا من باب إيهام (2) العكس ، فإن الأمور التي تنفك بعضها عن ~~بعض في التصور متغايرة. # سلمنا وجوب الانفكاك لكن لم قلتم باستحالته؟ فإنا قد نتصور جوهرا متحيزا ~~غير موجود. PageV01P043 ### |||| ** وعن الثاني : بذلك أيضا ، ولأنه مغالطة فإن الوجود هو كون الماهية محصلة في الخارج ، ~~فإذا عقلنا الماهية محصلة في الخارج فقد عقلناها موجودة فيستحيل حينئذ ~~الغفلة عن كونها موجودة. ### |||| ** وعن الثالث : الثابت ينقسم إلى ما لا مفهوم له وإلى ما له مفهوم آخر وراء كونه ثابتا ، ~~فإن كان له مفهوم وراء كونه ثابتا كان الثبوت زائدا عليه. وإن لم يكن له ~~مفهوم وراء الثبوت لم يكن الثبوت زائدا عليه. وبالجملة فالقسمة المذكورة ~~باطلة كما في قولنا : الإنسان إما أن يكون إنسانا أو لا. ### |||| ** وعن الرابع : التعين لا يستدعي الوجود الخارجي. ### |||| ** وعن الخامس : أن الوجود قائم بالماهية من حيث هي هي ، لا من حيث إنها موجودة ولا من حيث ~~إنها معدومة ، ولا يلزم من عدم إدخال الوجود في الاعتبار إدخال العدم فيه. ### |||| ** تنبيه (1) ### |||| ** : لا نعني بكون الوجود زائدا على الماهية ما نعنيه (2) بقولنا : السواد زائد ~~على ماهية الجسم ، فإن الجسم يوجد في الخارج منفكا عن السواد فيحكم حينئذ ~~بزيادته عليه في الخارج وليس الوجود بالنسبة إلى الماهية كذلك ، فإنه من ~~المستحيل أن يوجد الجسم في الخارج منفكا عن الوجود ، ثم يحل فيه الوجود ~~حلول السواد في الجسم ، فإن كون الجسم في الخارج هو وجوده ، والماهية لا ~~تتجرد عن الوجود إلا في العقل ، لا بأن يكون في العقل منفكة عن الوجود ، ~~فإن الكون في العقل وجود عقلي كما أن الكون في الخارج وجود خارجي ، بل نعني ~~أن للعقل أن يلاحظ الماهية وحدها من غير ملاحظة الوجود ، فاتصاف الماهية ~~بالوجود أمر PageV01P044 # عقلي بخلاف اتصاف الجسم بالسواد ، فإن الماهية ليس لها وجود منفرد ~~ولعارضه المسمى بالوجود وجود آخر ، ويجتمعان كاجتماع المقبول والقابل ، بل ~~الماهية إذا كانت فكونها هو وجودها ، فالماهية ms0024 إنما تكون قابلة للوجود عند ~~كونها في العقل. ### ||| ** البحث السادس : في الوجود الذهني (1) # اختلف الناس في ثبوته ، ونفاه قوم ، وأثبته آخرون ، وهو الحق. # لنا (2) أنا نتصور أمورا لا ثبوت لها في الخارج ، ونحكم عليها بأحكام ~~ثبوتية والمحكوم عليه بالحكم الثبوتي يجب أن يكون ثابتا ، وإذ ليس بثابت في ~~الخارج ، فهو ثابت في الذهن. فهنا مقدمات : ### |||| ** الأولى : تصور أمور لا ثبوت لها في الخارج وهي ظاهرة ، فإنا نتصور بحرا من زئبق ، ~~وجبلا من ياقوت وغير ذلك من المركبات التي لا تحقق لها في الخارج. ### |||| ** الثانية : أنا نحكم عليها بأحكام ثبوتية وذلك ، لأنا نحكم بامتياز إحدى PageV01P045 # الصورتين عن الأخرى وبمخالفتها لها ، وأن لها تعينا وتخصصا ليس لما عداها ~~، وأن الجبل والبحر المذكورين أجسام. وهذه أحكام ثبوتية. ### |||| ** الثالثة : المحكوم عليه بالحكم الثبوتي يجب أن يكون ثابتا ، وذلك لأن ثبوت شيء لغيره ~~فرع على ثبوت ذلك الغير في نفسه ، وهو ضروري. # لا يقال : الوجود صفة ثبوتية ، ولا يستدعي حصولها للماهية كون الماهية ~~ثابتة وإلا لزم التسلسل. # ولأنا (1) نحكم على السلب بمقابلته للإيجاب ، وليس في السلب ثبوت في نفسه ~~ولا في الذهن ، لأنه (2) من حيث هو ثابت في الذهن لا يقابل الثبوت المطلق ، ~~بل هو قسم منه ، فهو من حيث إنه مقابل لمطلق الثبوت لا يكون ثابتا ، ولأنا ~~نحكم على الممتنع بالامتناع (3)، ولأنا نحكم على العدم بامتناع الحكم عليه ~~وذلك مناقضة. # لأنا نقول : الضرورة قاضية بالفرق بين اتصاف الشيء بالثبوت واتصاف الشيء ~~بثبوت آخر له ، فإن العقل قاض بعدم اشتراط الأول بالثبوت وإلا لزم التسلسل ~~، وباشتراط الثاني بالثبوت ، وإلا لجاز قيام الصفات الثبوتية بالمحل ~~المعدوم ، وذلك يفضي إلى السفسطة ، فإنا إنما نشاهد من الأجسام أعراضها من ~~الكم والكيف وغير ذلك ، فلو سوغنا قيام الموجود بالمعدوم جاز قيام هذه ~~الصفات بأجسام معدومة وذلك باطل بالضرورة. # والتحقيق : ما تقدم من أنه ليس في الخارج ماهية ووجود قائم بها قيام ~~السواد بالجسم ، بل الذهن يفصل الشيء الموجود والمعقول إلى ماهية ووجود ، PageV01P046 # ويميز بينهما ، ويحكم بزيادة الوجود وحلوله في ms0025 الماهية ذهنا وتعقلا لا ~~خارجا. والوجود الذهني وإن كان عبارة عن كون الماهية في الذهن فهو كالخارجي ~~أيضا ؛ لأن الذهن قد يعقل الماهية خالية عن الوجود الذهني ويفرض لها وجودا ~~آخر يكون شرطا لهذا الوجود ، وهكذا إلى أن ينقطع بانقطاع الاعتبار. والوجود ~~المطلق (1) مشروط بالوجود الخاص الذهني أو الخارجي ، ولا استبعاد في كون ~~الخاص علة وسببا لوجود العام في غيره. # وإذا (2) استحضر الذهن صورة غير مستندة إلى الخارج وحكم عليها بأنه لا ~~مطابق لها في الخارج كان ذلك هو تصور السلب ، ثم إذا استحضر صورة أخرى وحكم ~~عليها بأن لها في الخارج مطابقا كان ذلك هو تصور الإيجاب ، ثم يحكم على ~~إحداهما بأنها مقابلة للأخرى، لا من حيث إنهما حاضرتان في العقل ، بل من ~~حيث استناد إحداهما إلى الخارج دون الأخرى ، فالمحكوم عليه بالتقابل صورتان ~~عقليتان موجودتان في الذهن ، وهذا معنى قولهم (3) «تقابل السلب والإيجاب : ~~إنما يتحقق في القول والضمير (4) لا في الخارج». # ويمكن اعتبار ذلك أيضا في الصورة الذهنية فإن للذهن أن يعتبر رفع (5) ~~جميع الأشياء حتى رفع نفسه فإذا تصور شيئا لا وجود له في الخارج بصورة حلت ~~فيه ، أمكنه تصور عدمها وحكم بالتقابل بينهما من حيث إن الصورة أخذت ثابتة ~~في الذهن تارة ومسلوبة عنه أخرى ، وإن كان لا بد في السلب من ثبوت ذهني ، ~~لكن باعتبار آخر ، فالحكم هنا بالتقابل على صورتين ثابتتين في الذهن لا ~~باعتبار PageV01P047 # ثبوتهما في الذهن ، بل من حيث إن احداهما أخذت موجودة بالوجود الذهني (1) ~~والأخرى أخذت مسلوبا عنها الوجود الذهني (2). # وإذا استحضر الذهن صورة وحكم عليها بالامتناع ، كان حكما على صورة ذهنية ~~بامتناع وجودها في الخارج ، لا بامتناع وجودها في الذهن ، والمحكوم عليه ~~بهذا الامتناع ليس تلك الصورة من حيث إنها ذهنية ، فإن ذلك غير مختص ~~بالممتنع ، بل كل صورة ذهنية يمتنع وجودها في الخارج ، بل المحكوم عليه ~~حقيقة تلك الصورة الموجودة في الذهن. # ولا (3) تناقض في الحكم على العدم بامتناع الحكم عليه ، لتغاير الجهة ، ~~فإنه من حيث هو في الذهن ms0026 مقيد بقيد العدم الخارجي يحكم عليه بامتناع الحكم ~~، فالحكم عليه من حيث ثبوته في الذهن ، وامتناع الحكم عليه ، باعتبار كونه ~~عدما مطلقا (4). # احتج النافون بوجوه (5): ### |||| ** الأول : لو ثبت الوجود الذهني لزم أن يكون الذهن حارا باردا ، مستديرا مستقيما ، ~~وهو باطل بالضرورة. ولعدم اجتماع الضدين. ### |||| ** الثاني : الصورة الذهنية إن لم تطابق الخارج كانت جهلا ، وإن طابقت بطل أصل الدليل. PageV01P048 ### |||| ** الثالث : يجوز أن تكون الصور الخيالية قائمة بأنفسها ، كما يقوله افلاطون. # الرابع : الوجود الذهني إن ثبت فإنما يثبت في ما لا وجود له خارجا ، أما ~~في ما له وجود في الخارج فلا. ### |||| ** والجواب عن الأول : (1) أن الموجود في الذهن ليس نفس الحرارة والبرودة ، بل صورتهما ومثالهما ، ~~وهما لا يوجبان التسخين والتبريد ، ولا يلزم حرارة الذهن ، ولا اجتماع ~~الضدين ، ولأن الذهن غير قابل للكيفيات المحسوسة ، فلا يلزم أن يكون ~~متسخنا. # وفيه نظر ؛ لأن الصورة والمثال إن كانت عين الحرارة لزم الإشكال ، وإلا ~~كان قولا بعدم ثبوت الحرارة في الذهن وهو المطلوب ، ولا نعني بالانفعال عن ~~الحرارة إلا وجود هذه الكيفية في المحل ، وإذا لم يكن الذهن قابلا لهذه ~~الكيفية ، لم يكن محلا لها. ### |||| ** وعن الثاني : أن الجهل إنما هو في الحكم بالمطابقة مع عدمها ، أما في نفس وجود الصورة ~~الذهنية فلا. ### |||| ** وعن الثالث : أن الضرورة قاضية بنفي الممتنعات. ### |||| ** وعن الرابع : أن الوجود الخارجي غير كاف في الحكم على الشيء ، فإن الضرورة قاضية بأن ~~الحاكم على الشيء يجب أن يحضره المقضي عليه. # واعلم أنا لا نعني بالوجود الذهني ثبوت الشيء نفسه في الذهن فإن ذلك ~~معلوم البطلان بالضرورة ، بل نعني به وجود مثال له وصورة مساوية لا من كل ~~وجه. وسيأتي تحقيق ذلك في باب العلم إن شاء الله تعالى. PageV01P049 ### ||| ** البحث السابع : في أن الوجود هل يقبل الشدة والضعف أم لا؟ (1) # وقبل الخوض فيه لا بد من تقديم معنى الشدة والضعف أولا. # فنقول : فسر أفضل المحققين (2) الاشتداد بأنه اعتبار المحل الواحد (3) ~~الثابت إلى حال فيه غير قار تتبدل نوعيته ، إذا قيس ما يوجد منها ms0027 في آن ~~[ما] (4) إلى ما يوجد في آن آخر ، بحيث يكون ما يوجد في كل آن متوسطا بين ~~ما يوجد في آنين يحيطان بذلك الآن ، ويتجدد جميعها على ذلك المحل المتقوم ~~دونها من حيث هو متوجه بتلك المتجددات إلى غاية ما. ومعنى الضعف هو ذلك ~~المعنى بعينه ، إلا أنه يؤخذ من حيث هو منصرف بها عن تلك الغاية ، فالآخذ ~~في الشدة والضعف هو المحل ، لا الحال المتصرم المتجدد (5). # إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في أن الوجود هل يقبل الشدة والضعف أم ~~لا؟ فأثبته قوم ونفاه آخرون. # احتج المثبتون : بأن معنى الاشتداد ثابت في الوجود ، فإنه كما أن السواد ~~يشتد باعتبار كونه كيفية يفرض العقل لها طرفين ، ووسائط تقرب بعضها من أحد ~~الطرفين وبعضها من الآخر ، فأحد الطرفين هو السواد البالغ في السوادية ، ~~الذي لا يوجد فوقه مرتبة زائدة عليه في السوادية ، والطرف الآخر البياض ، وأقرب PageV01P050 # المراتب إلى الطرف الأول شديد وأبعدها عنه ضعيف ، وتؤخذ مراتب غير ~~متناهية بين الطرفين. وكذا الوجود له طرفان : الوجوب والعدم ، ووسائط هي ~~وجودات الممكنات ، فكل ما كان أقرب إلى الوجوب كان أشد من الآخر ، فيكون ~~قابلا للشدة والضعف. # واحتج المانعون : بأن الوجود معنى معقول بسيط لا يعقل فيه مراتب باعتبار ~~كونه وجودا. ولأنه بعد الاشتداد إن لم يحدث شيء لم يكن اشتدادا ، بل هو باق ~~كما كان ، وإن حدث لم يكن اشتدادا أيضا للموجود الواحد ، بل يكون حاصله أنه ~~حدث شيء آخر معه. وهذه الحجة تبطل الاشتداد في جميع الأعراض. PageV01P051 ### ||| ** الفصل الثاني : ### | في مباحث العدم ### ||| ** البحث الأول : في أن تصوره بديهي # البحث هنا كما قلنا في الوجود ، فإنا كما نعلم بالضرورة وجود ذواتنا ، ~~كذا نعلم بالضرورة ارتفاع ذلك الوجود وعدمه. ولأن التصديق الضروري ، بأنه ~~لا يخلو الشيء عن الوجود والعدم ، مسبوق بتصور الوجود والعدم ، والسابق على ~~البديهي أولى أن يكون بديهيا. # واعلم : أن العدم إما مطلق أو مضاف ، والأول لا يعلم ولا يخبر عنه ، إذ ~~لا تعين له ولا تخصص ولا امتياز ، والعلم يستدعي ms0028 ذلك كله ، وما لا هوية له ~~كيف يشير العقل إليه بأنه هو. أما المضاف فإنه يعلم بواسطة ملكته. # لا يقال : العدم المطلق جزء من المضاف ، والشيء ما لم يعلم جزؤه لا يعلم ~~، ولأن قولنا : العدم لا يخبر عنه إخبار عنه. # لأنا نقول : العدم لا يعقل جزءا من غيره ، وإنما ذلك اعتبار عقلي. ~~والإخبار PageV01P052 # عن العدم بعدم الإخبار عنه غير متناقض للتغاير في الموضوعات ، فإن ما ليس ~~بثابت في الذهن له ثبوت ذهني ، لأن هذا السلب متصور والمنسوب إليه هذا ~~السلب ليس له ثبوت أصلا. فهنا اعتباران : سلب الثبوت ذهنا ، والمنسوب إليه ~~هذا السلب ، فبالاعتبار الأول أمكن الحكم عليه دون الاعتبار الثاني من غير ~~تناقض ، لعدم اتحاد الموضوع فيهما ، وإنما حصل لنا تصور سلب الثبوت المطلق ~~، لأن للذهن أن يتصور جميع الأشياء حتى عدم نفسه ، فإذا تصور الوجود المطلق ~~وتصور عدمه فقد تصور سلب الثبوت المطلق (1). ### ||| ** البحث الثاني : في أن المعدوم ليس بشيء (2) # هذه مسألة عظيمة وقع الخلاف فيها بين النفاة والمثبتين مع أنها ظاهرة. # وتقرير الكلام في ذلك أن نقول : المعدوم إما أن يكون ممتنع الثبوت ، ولا # أقول : هذه المسألة تختلف مع مسألة الحال ، لأن المعتزلة كانوا يعبرون عن ~~الصفات والأسماء الثابتة للموجودات بالأحوال ، وفي ما نحن فيه يثبتون ~~الشيئية نحوا من الثبوت للمعدومات الممكنة ، فالموضوع في مسألة الحال صفات ~~الموجود مثل السوادية والبياضية والقادرية وغير ذلك ، مما لا يوصف بالوجود ~~ولا العدم ، وسموها الحال ، وهي واسطة بين الوجود والعدم. # وأما الموضوع هاهنا فهو المعدوم الممكن المقابل للمعدوم الممتنع. هذا ، ~~وقد جعل الشهرستاني بين المسألتين نحوا من الاتحاد ، وابتناء احداهما على ~~الأخرى ، ثم حكم بالتناقض بين قولهم بشيئية المعدوم والقول بالحال ، نهاية ~~الاقدام في علم الكلام : 158 159 ولكن الحق اختلاف المسألتين لاختلاف ~~موضوعهما ، كما عرفت. PageV01P053 # نزاع في أنه نفي محض. # وإما أن يكون ممكن الثبوت ، فعندنا أنه كذلك (1)، وهو مذهب الأوائل ~~وجماعة من المتكلمين «كأبي الهذيل» (2) و «هشام الفوطي» (3) و «هشام البردعي» ~~(4) و «أبي الحسين البصري» و «الخوارزمي» و ms0029 «القاضي أبي بكر الباقلاني» (5) ~~وغيرهم. # وذهب آخرون إلى أنه شيء ، بناء على أن الوجود زائد على الماهية ، وأنه ~~يجوز خلو تلك الماهية عن الوجودين وتبقى ثابتة في الأعيان ، فجعلوا الوجود ~~غير الثبوت ، وهو مذهب «أبي يعقوب الشحام» (6) و «أبي علي الجبائي» (7) و «أبي PageV01P054 # هاشم» و «أبي الحسين الخياط» (1) و «أبي القاسم البلخي» (2) و «أبي عبد الله ~~البصري» (3) و «أبي اسحاق بن عياش» (4) و «قاضي القضاة» (5) و «أبي رشيد» (6) ~~[و] (7) «ابن متويه» وغيرهم. ### |||| ** لنا وجوه : أولا : لو كانت الماهيات متحققة في الخارج حال عدمها ، لكانت متشاركة في ذلك ~~التحقق ومتباينة بخصوصياتها ، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز ، فيلزم ~~أن يكون تحقق كل ماهية زائدا عليها ولا نعني بكونها موجودة # وله كتاب في إمامة الحسن والحسين عليهما السلام وفضلهما. طبقات المعتزلة ص 107. # الزركلي : الأعلام 3 : 273. PageV01P055 # سوى ذلك ، فيلزم أن تكون موجودة حال فرضها معدومة ، وذلك باطل بالضرورة (1). # وفيه نظر ؛ لأنهم سلموا مغايرة الثبوت للوجود ، وأن الثبوت أمر مشترك ~~زائد على الماهيات ، ولا يلزم أن تكون الماهيات موجودة حال كونها معدومة ، ~~بل أن تكون ثابتة حال كونها معدومة ، وهو محل النزاع. # والتحقيق : أن نقول : النزاع هنا ليس إلا في إثبات معنى غير الثبوت وعدمه ~~، والحق عدمه ، لأن الثبوت هو الكون في الأعيان ، ونحن لا نعقل سوى الماهية ~~والكون في الأعيان ، والوجود هو الكون في الأعيان. ### |||| ** ثانيا : لو كانت الذوات ثابتة في العدم ، لكانت إما متناهية أو غير متناهية ، ~~والقسمان باطلان ، فالقول بكونها ثابتة في العدم باطل. ### |||| ** أما الأول : فبالاتفاق ، وإلا لزم انحصار مقدور الله تعالى في عدد متناه. ### |||| ** وأما الثاني : فلأنها بعد إخراج شيء منها إلى الوجود إما أن تبقى كما كانت وهو باطل ~~بالضرورة ، وإلا لزم أن يكون الشيء مع غيره كهو لا مع غيره ، وإما أن تنقص ~~، فيلزم تناهيها ، والذي خرج منها إلى الوجود متناه ، فيكون الكل متناهيا ~~وقد فرض غير متناه ، هذا خلف (2). # وفيه نظر ، فإنه لا يلزم من القلة التناهي ، فإن معلومات الله تعالى أكثر ~~من مقدوراته، وتضعيف ms0030 الألف مرارا غير متناهية أقل من تضعيف الألفين كذلك ~~والكل غير متناه ، بل كل عدد غير متناه إذا أخذ أي عدد متناه كان منه ، فإن ~~الباقي يكون غير متناه وأقل من الأول. PageV01P056 ### |||| ** ثالثا : هذه الماهيات من حيث إنها هي ممكنة لذواتها ، وكل ممكن محدث ، فهذه ~~الماهيات من حيث هي هي محدثة ، فتكون مسبوقة بالنفي الصرف. # أما المقدمة الأولى ، فلأنها لو كانت واجبة التقرر في الخارج لذواتها ، ~~لكانت واجبة الوجود ، وسيأتي بيان أنه واحد. # وأما الثانية ، فسيأتي بيان أن كل ممكن محدث ، وأن كل محدث مسبوق بالعدم (1). # وفيه نظر ، فإنهم يسلمون أنها ممكنة ومحدثة ، ولكن ليس معنى المحدث هو ~~المسبوق بالنفي ، بل بالعدم. ولا يلزم من كونها واجبة التقرر في الخارج ~~كونها واجبة الوجود ، لأن التقرر في الخارج هو الثبوت ، وليس واجب الوجود ~~هو واجب التقرر أو الثبوت ، بل واجب الوجود ، والوجود أخص من الثبوت على ما مر. ### |||| ** رابعا : الذوات أزلية ، فلا تكون مقدورة ، والوجود حال ، فلا يكون مقدورا ، فتكون ~~الذوات الموجودة غير مقدورة ، فتنتفي قدرة الله تعالى وهو محال (2). # وفيه نظر ؛ فإنهم يذهبون إلى أن القادر تأثيره في جعل الذوات موجودة ، ~~ولا يندرج ذلك تحت ما ذكره من الأقسام. ### |||| ** خامسا : السواد المعدوم إما أن يكون واحدا أو كثيرا ، والقسمان باطلان ، فالقول ~~بثبوته باطل. أما الأول ، فلأن وحدته إن كانت لازمة لماهيته امتنع تكثره في ~~الخارج ، وإن لم تكن لازمة أمكن عدمها ، فيحصل التعدد ، لكنه محال لتوقفه ~~على التباين بالهوية ، ثم ما به التباين إن كان لازما للماهية لزم اختلاف ~~كل شيئين بالماهية ، فلا يوجد شخصان من نوع واحد ، هذا خلف. وإن لم يكن ~~لازما كان PageV01P057 # المعدوم موردا للصفات الزائلة (1) وهو محال ، وإلا لجاز أن يكون محل ~~الحركات والسكنات المتعاقبة معدوما ، وهو باطل بالضرورة (2). # وهو ضعيف ؛ لأن السواد المعدوم لا يوصف بكثرة ولا وحدة. # سلمنا ، لكن التباين إذا لم يكن من اللوازم لم يجب زواله ، وإن أمكن ، ~~لكن كونه موردا للصفات الزائلة (3) لازم للزوال لا لإمكانه. ### |||| ** سادسا : المعدوم إن ساوى المنفي ms0031 أو كان أخص ، فكل معدوم منفي وكل منفي فليس بثابت ~~فالمعدوم ليس بثابت. وإن كان أعم وجب أن لا يكون نفيا محضا ، وإلا لم يبق ~~فرق بين العام والخاص ، وإذا لم يكن نفيا كان ثابتا ، وهو مقول على المنفي ~~(4) فإن العام صادق على الخاص ، فيكون الثابت صادقا على المنفي ، هذا خلف (5). # وفيه نظر ؛ لجواز المباينة ، فإنهم يذهبون إلى أن المنفي هو الممتنع ، ~~والمعدوم هو الممكن الثابت. ### |||| ** سابعا : المعدوم الثابت إما أن يكون وجوده ثابتا أو منفيا ، والقسمان باطلان ، ~~فالقول بثبوت المعدوم باطل. # أما الأول ، فلأنه إن لم يكن ثابتا له لزم ثبوت الصفة لغير الموصوف ، وهو ~~غير معقول. وإن كان ثابتا له لزم أن يكون موجودا حال ما فرضناه معدوما ، هذا PageV01P058 # خلف. # وأما الثاني ، فلأن المنفي ممتنع الثبوت عندهم فلا تكون الذوات المعدومة ~~ممكنة الوجود ، هذا خلف. ### |||| ** ثامنا : المعدوم الممكن إما أن يكون موجودا أو ليس بموجود ، ولا ثالث لهما ، فإن ~~أحدهما نفي والآخر إثبات. # والأول باطل ، وإلا لزم أن يكون المعدوم موصوفا بالوجود ، وهو باطل ~~بالضرورة. # والثاني يلزم منه أن يكون نفيا ، فيكون ممتنعا. # وفيه نظر ؛ فإنه لا يلزم من كونه ليس بموجود أن يكون نفيا ، لأن ما ليس ~~بموجود قد يكون ثابتا. # واعلم أن الضرورة قاضية بفساد هذا المذهب ، فإنه لا يعقل شيء سوى الماهية ~~والوجود ، ومن أثبت أمرا وراء الوجود أعم منه وسماه الثبوت ، فقد كابر ~~مقتضى عقله. # احتج المخالف بوجوه : ### |||| ** الأول : المعدومات متميزة في أنفسها وكل متميز ثابت. # أما الصغرى ، فلأنا نعلم طلوع الشمس غدا وهو معدوم الآن ، ونعلم الحركة ~~التي يمكنني أن أفعلها والتي لا يمكنني فعلها ، ولهذا نحكم على إحداهما ~~بإمكان الوقوع دون الأخرى. ولأنا نقدر على الحركة يمنة ويسرة ، ولا نقدر ~~على خلق السماء والأرض ، وهذا الامتياز حاصل قبل وجود هذه الأشياء. ولأنا ~~نريد اللذات ونكره الآلام وهي معدومة ، ولو لا امتياز بعضها عن البعض ~~لاستحال PageV01P059 # تخصيص بعضها بالإرادة وبعضها بالكراهة ، فقد ثبت بهذه الوجوه أن ~~المعدومات متميزة. # وأما الكبرى ، فلأن معنى الثابت ms0032 هو المتميز عن غيره ، المتخصص بتعينه عما ~~سواه ، فإن ذلك إنما يعقل بعد تحقق تلك الحقائق ، فتكون الماهيات متحققة ~~وثابتة حال العدم. ### |||| ** الثاني : المعدوم الممكن موصوف بالامتياز عن الممتنع ، والامتناع ليس وصفا ثبوتيا ، ~~وإلا لكان محله ثابتا ، هذا خلف ، وإذا لم يكن الامتناع ثبوتيا ، كان ~~الإمكان الذي هو مناف للامتناع ثبوتيا ، ضرورة كون أحد المتنافيين ثبوتيا ، ~~فيكون المعدوم الممكن ثابتا. ### |||| ** الثالث : المقدور لا يوجد إلا بإيجاد القادر إياه ، وإيجاد القادر إياه متوقف على ~~تعلق القادر به ، وتعلق القادر به دون غيره يتوقف على تميزه عن غيره ، فإذن ~~وجوده يتوقف على تميزه بمراتب. أو نقول : المقدور محتاج إلى الموجد ، فلا ~~بد من أمر متصف بالحاجة وليس المتصف بالحاجة هو الموجود ؛ لأن الحاجة إلى ~~القادر لأجل أن يجعل الشيء موجودا فالموجود يستحيل إيجاده ، فكيف يمكن أن ~~يحتاج إلى الفاعل ليجعله موجودا. ولأنه لو احتاج الشيء حال وجوده إلى ~~المؤثر لاحتاج حال بقائه إليه ، لأن وجوده في الحالين واحد ، ومقتضى الشيء ~~الواحد من حيث هو حاصل في جميع أزمان حصوله لا يختلف ، فيثبت أن المتصف ~~بالحاجة إلى الفاعل هو المعدوم ، وكل ما اتصف بصفة ليست حاصلة لغيره ، فإنه ~~لا بد وأن يكون متميزا في نفسه وثابتا ، فيكون المعدوم ثابتا. ### |||| ** الرابع : لا نزاع بين العقلاء في وجود الممكنات ، والممكن هو الذي يصح عليه الوجود ~~والعدم. والمعنى بقولنا : إنه يصح عليه العدم ، أنه يصح أن يقال : إنه ~~معدوم ، وهذا يقتضي تحقق تلك الحقيقة عند كونها معدومة ، لأن الموصوف لا بد PageV01P060 # وأن يكون متقررا مع الصفة ، وهذا يقتضي أن تكون هذه الحقائق متقررة ثابتة ~~مع كونها معدومة ، وهو المطلوب. ### |||| ** الخامس : علة الحاجة إلى المؤثر إنما هي الإمكان لا الحدوث على ما يأتي ، والإمكان ~~حالة إضافية لا تتحقق إلا بين الأمرين ، ويستحيل عروض الإضافة للأمر الواحد ~~، فإذن الحقائق المفردة يستحيل عروض الإمكان لها ، فيستحيل أن تكون مجعولة ~~، فهي إذن ثابتة لأنفسها وذواتها ، وإنما توجد بالفاعل ، فهي إذن ثابتة في العدم. ### |||| ** السادس : قال تعالى : ( @QUR@05 إن زلزلة الساعة شيء ms0033 عظيم ) (1) وصف الزلزلة ~~بالشيئية وهي معدومة. # وكذا قوله تعالى : ( @QUR@06 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) (2) وقوله ~~تعالى : ( @QUR@07 ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ) (3). ### |||| ** السابع : الماهيات غير مجعولة ، وإلا لزم من فرض عدم الفاعل خروج الماهية عن كونها ~~ماهية ، لأن كل ما تحققه بسبب غيره ، فإنه يلزم من فرض عدم الغير عدم ذلك ~~الأثر ، فلو كان الجوهر جوهرا بالفاعل أو السواد سوادا بالفاعل لزم عند فرض ~~عدم ذلك السبب أن يخرج الجوهر عن كونه جوهرا ، والسواد عن كونه سوادا وذلك ~~محال ، لأن قولنا : السواد خرج عن كونه سوادا ، قضية يجب صدق محمولها على ~~موضوعها ، فيكون موضوعها ثابتا حال صدق محمولها عليها ، فيكون السواد ثابتا ~~حال صدق خروجه عن السوادية وذلك محال ، فيثبت امتناع PageV01P061 # استناد تقرر الماهيات وتحققها إلى الفاعل. ### |||| ** الثامن : لو لم يكن المعدوم شيئا وذاتا لصح أن يقال : إن الله تعالى علم الأشياء ولا ~~معلوم ، لأن المعدوم إذا لم يكن شيئا لم يكن معلوما. ### |||| ** التاسع : القادر يريد إيجاد الجوهر وإيجاد السواد ، فلا بد وأن يكونا ذاتين حتى يصح ~~منه القصد إلى إيجادهما ، ويدعوه الداعي إلى ذلك. ### |||| ** والجواب عن الأول : أن العلم لا يستدعي الثبوت في الخارج ، بل في الذهن ، فإنا نتصور شريك ~~الباري ولهذا نحكم عليه بالامتناع ، والحكم على الشيء يستدعي تصوره وكذا ~~نتصور بحرا من زئبق وجبلا من ياقوت ، ونحكم بامتياز بعض هذه التصورات عن ~~بعض ، وماهيات الجواهر والأعراض وإن كانت ثابتة ، إلا أن الجواهر الموصوفة ~~بالأعراض غير ثابتة. # ولأنا نتصور وجودات هذه الأشياء ونميز بعضها عن بعض ، فإنا كما نميز بين ~~ماهية الحركة يمنة ويسرة ، كذا نميز بين وجود إحداهما (1) ووجود الأخرى ، ~~مع أن الوجود ليس ثابتا في العدم اتفاقا ، ولأنه مناف له. # ولأنا نعقل ماهية التركيب والتأليف قبل دخولهما في الوجود ، مع أنه لا ~~تقرر لهذه الماهية في العدم ، فإن التأليف عبارة عن اجتماع الأجزاء وتماسها ~~على وجه مخصوص وذلك غير ثابت في العدم اتفاقا. وكذا نعقل المتحركية ~~والساكنية قبل حصولهما ، مع أنهما من قبيل الأحوال ms0034 ، فقد ظهر أن التميز في ~~التصور لا يستدعي ثبوتا في الخارج. # قولهم : المعدوم مقدور فيكون ثابتا. PageV01P062 # قلنا : متعلق القدرة إما أن يكون ثابتا أو لا ، فإن كان الأول لزم تحصيل ~~الحاصل وهو محال ، أو أن لا يكون للقدرة فيه أثر ، فلا يكون ما فرضناه ~~متعلق القدرة متعلق القدرة ، هذا خلف. وإن كان الثاني بطل أصل الدليل. # وكذا قولهم : المعدوم مراد وكل مراد ثابت ، فإن متعلق الإرادة إن كان ~~ثابتا لزم تحصيل الحاصل. وإن لم يكن ثابتا بطل الاستدلال. # لا يقال : متعلق القدرة والإرادة هو الذات الثابتة على معنى إيجاد تلك الذات. # لأنا نقول : متعلق القدرة والإرادة إن كان هو الإيجاد عاد التقسيم فيه ، ~~وإن كان هو الماهية بمعنى أن القدرة والإرادة تعلقا بإيجادها ، لم يكن ~~متعلق الإرادة والقدرة سوى الإيجاد (1). ### |||| ** وعن الثاني : إن الموصوف بالإمكان يستحيل أن يكون ثابتا في العدم ، لأن الذوات المعدومة ~~يستحيل عليها التغير والخروج عن الذاتية ، فلا يمكن جعل الإمكان صفة لها ، ~~وإن لم يكن ثابتا في العدم ، لم يمكن الاستدلال بالإمكان على كون الموصوف ~~به (2) ثابتا في العدم (3). ثم نقول : الإمكان ليس وصفا ثبوتيا وإلا لزم ~~التسلسل ، فلا يكون الموصوف به واجب التحقق. ### |||| ** وعن الثالث : ما تقدم من أن متعلق القدرة لا يجوز أن يكون ثابتا ، وتميزه يعطي ثبوته في ~~الذهن لا في الخارج ، والموصوف بالاحتياج ثابت في الذهن ، لأنه PageV01P063 # لو كان ثابتا في الخارج لم يكن محتاجا. ### |||| ** وعن الرابع : أن المراد بصحة العدم ليس أن تكون الماهية ثابتة متقررة في الخارج ، وتكون ~~حينئذ موصوفة بالعدم ، بل معناه إمكان (1) أن لا تتحقق تلك الماهية ولا ~~تكون ماهية. والأصل فيه أن الماهية إن كانت متقررة حالتي الوجود والعدم ~~استحال جعل الإمكان صفة لها ، بل للوجود ، وهو غير ثابت بالاتفاق ، فقد ظهر ~~الاتفاق على أن الموصوف بالإمكان ليس ثبوتيا في العدم. ### |||| ** وعن الخامس : أن معروض الإضافة ثابت في الذهن لا في الخارج على ما تقدم ، ولو استحال ~~استناد الذات إلى الفاعل لاستحال استناد الوجود إليه ، وإلا لخرج ms0035 الوجود عن ~~كونه وجودا ، كما قلتم في الماهية ، واستحال استناد موصوفية الماهية ~~بالوجود إلى الفاعل كذلك أيضا ، ولأن الموصوفية ليست صفة زائدة على ذات ~~الموصوف والصفة ، وإلا لزم التسلسل. ### |||| ** وعن السادس : أن هذه المعدومات تسمى شيئا لغة على معنى أنه يصح تعقلها والإخبار عنها ، ~~لا بمعنى أنها ذوات ثابتة في الخارج. ### |||| ** وعن السابع : ما تقدم من أن الماهيات لو لم تكن مجعولة ، لزم نفي المجعولية أصلا ورأسا ، ~~بل الفاعل كما يجعل الماهية موجودة ، يجعل الماهية ماهية لا بأن تكون ~~الماهية ثابتة وتوجد لها وصف كونها ماهية ، بل بأنه تحقق تلك الماهية. مع ~~أن هذا الدليل آت في الوجود ، فإنه لو كان بالفاعل ، لزم عند عدم ذلك ~~الفاعل أن يخرج الوجود عن كونه وجودا. # لا يقال : الوجود لا يقع بالفاعل ، بل موصوفية الذات بالوجود. # لأنا نقول : الإيراد آت في الموصوفية ، فيلزم أن لا يكون للفاعل أثر البتة. PageV01P064 ### |||| ** وعن الثامن : أنا نلتزم ذلك ، فإنه تعالى علم الأشياء قبل وجودها ، ولا معلوم له ثابت في ~~الخارج ، إلا أنا لا نطلق ذلك ، لأنه يوهم أنه ما علم شيئا ، ولا يلزم من ~~كون المعدوم ليس بشيء كونه ليس بمعلوم. ثم إنه يبطل بقولهم : إنه تعالى علم ~~أنه لا مثل له. ### |||| ** وعن التاسع : بالمنع من توقف القصد على ثبوت الذاتية ، بل يكفي في صحة القصد إلى إيجاد ~~الحجم أن يعلم القادر حقيقة الحجم ما هي ، ثم يدعوه الداعي إلى إيجاد ما ~~يطابق ما علمه (1) من حقيقة الحجم ، فيجعل حجما لكونه قادرا ، كما يعلم ~~مثله في القادر منا ، فإنا نعلم حقيقة ما نفعله (2) قبل إيجاده ، ثم يقصد ~~إلى فعل ما يطابق علمه بحقيقته ، من دون أن يشعر أن في العدم شيئا وذاتا. ~~وأيضا ، فإن مذهبكم أن القادر يقصد إلى إيجاد الذات وتحصيلها على صفة ~~الوجود ، ومع ذلك فإنه لا يجب أن تكون على صفة الوجود حتى يصح منه القصد ~~إلى ذلك. # لا يقال : الذات عندنا معلومة للقادر ، فصح منه القصد إليها ليوجدها. # لأنا نقول : القصد عندكم لا ms0036 يتعلق بالذات ، لأن الذات يستمر كونها ذاتا ~~عندكم ، فهي في حكم الباقي ، والقصد إلى الباقي وإلى الأعيان عندكم لا يصح ~~، وإنما يتعلق القصد عندكم بالحدوث أو بحدوث الشيء على وجه ، وإذا لم يتعلق ~~القصد بالذات من حيث هي ذات ، بل بصفة الوجود ليجعل الذات عليها ، ولا يجب ~~أن تكون صفة وجودها قبل حصولها ، فليجز مثل ذلك في قصد القادر إلى جعل الذات. PageV01P065 ### ||| ** البحث الثالث : في تفصيل قول المعتزلة في هذا الباب (1) # ذهب جماعة من معتزلة البصرة «كأبي يعقوب الشحام» و «أبي علي الجبائي» ~~وابنه «أبي هاشم» و «أبي الحسين الخياط» و «البلخي» و «أبي عبد الله البصري» ~~و «أبي إسحاق بن عياش» و «قاضي القضاة عبد الجبار» وتلامذته ، إلى أن ~~المعدومات الممكنة قبل وجودها ذوات وأعيان وحقائق ثابتة في أنفسها ، جواهر ~~وسواد وبياض وغير ذلك ، وأنه لا تأثير لله تعالى في جعل الذوات ذواتا ~~والجوهر جوهرا وغير ذلك ، بل إنما يؤثر في جعل تلك الذوات موجودة. واتفقوا ~~على أن تلك الذوات متباينة بأشخاصها ، وأن الثابت من كل نوع من تلك الذوات ~~المعدومة عدد غير متناه ، فللجوهر أشخاص هي جواهر متساوية غير متناهية ، ~~وكذا السواد له جزئيات متماثلة غير متناهية ، وكذا البياض وغيرها من ~~الأنواع. واتفقوا كافة على أن تلك الذوات المعدومة متساوية في كونها ذوات ، ~~وأن الاختلاف بينها إنما هو بصفات. # ثم اختلفوا ، فذهب أكثرهم إلى أن تلك الذوات المعدومة موصوفة بصفات ~~الأجناس كالجوهرية في الجوهر ، والسوادية في السواد ، والبياضية في البياض ~~، وزعم «ابن عياش» أنها عارية عن جميع الصفات في العدم وإنما تحصل الصفات ~~في زمان الوجود. # أما القائلون بالصفات ، فزعموا أن صفات الجوهر ، إما أن تعود إلى الجملة ~~، كالحيية وما يكون مشروطا بها (2)، أو إلى الأفراد وهي أربع : PageV01P066 ### |||| ** الأولى : الجوهرية : وهي حاصلة حالتي الوجود والعدم وهي الصفة النفسية. ### |||| ** الثانية : التميز (1) ### |||| ** : وهي الصفة التابعة للحدوث الصادرة عن صفة الجوهرية بشرط الوجود ، ولأجلها ~~يحتاج إلى حيز ، وهي في الحقيقة الصورة الجسمية عند الأوائل ، وهي مغايرة ~~للكائنية المعللة بالحصول في الحيز ms0037 ، مثل كون الجوهر متحركا أو ساكنا أو ~~مجتمعا أو متفرقا ، وهي معللة بالأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق بشرط الوجود. ### |||| ** الثالثة : الوجود : وهي الصفة الحاصلة بالفاعل. ### |||| ** الرابعة : الحصول في الحيز ، ويسمى الكائنية : وهي الصفة المعللة بالمعنى القائم بالجوهر ، وذلك المعنى هو الكون وليس ~~للجوهر الفرد صفة زائدة على هذه الأربع ، فليس له لكونه أسود أو أبيض ، أو ~~حلوا أو حامضا ، أو حارا ، صفة معللة بمعنى ، بل لا معنى لكونه أسود ، إلا ~~حلول السواد فيه. # وكذا القول في كل عرض غير مشروط بالحياة ، وأما ما هو مشروط بالحياة أو ~~الحياة نفسها ، فإنها توجب أحوالا ، فإن الحياة توجب لمن قامت به الحيية ، ~~وهي حالة لا موجودة ولا معدومة معللة بالحياة ، وكذا العالمية صفة للجوهر ~~العالم لا موجودة ولا معدومة معللة بالعلم. أما السواد إذا قام بالمحل فإنه ~~لا يوجب حالة هي صفة لمن قامت به ، بل معنى كونه أسود قيام السواد به ، لا ~~أنه حصل له صفة السوادية معللة بقيام السواد به ، إلا الكائنية فإنها حالة ~~معللة بالكون. وأما الأعراض ، فلا صفة قائمة بها عائدة إلى الجملة ، فإنها ~~لا تتركب عنها بنية تقوم بها الحياة. # وأثبتوا ثلاث صفات عائدة إلى الآحاد : ### |||| ** الأولى : الصفة الذاتية الحاصلة حالتي الوجود والعدم ، وهي صفات PageV01P067 # الأجناس كالسوادية والبياضية ، وهي الصفة النفسية. ### |||| ** الثانية : الصفة الصادرة عن (1) صفات الأجناس ، وهي الحلول في المحل بشرط الوجود. ### |||| ** الثالثة : صفة الوجود الحاصلة بالفاعل ، فإن الفاعل لا يعطي حقيقة السواد ، بل وجوده. # ولا يعقل صفات المعاني في الأعراض لاستحالة قيام المعنى بالمعنى. وقد ~~نازع بعضهم في هذا التفصيل في أربعة مواضع. ### |||| ** الأول : ذهب «أبو يعقوب الشحام» و «أبو عبد الله البصري» و «أبو إسحاق بن عياش» إلى ~~أن الجوهرية هي التحيز. ثم اختلفوا فقال «الشحام» و «البصري» : إن ذات ~~الجوهر كما أنها موصوفة بالجوهرية حالة العدم ، فهي موصوفة بالتحيز. # ومنع «أبو إسحاق بن عياش» من ذلك ، وقال : إن الجوهر حال العدم كما يمتنع ~~اتصافه بالتحيز ، كذا يمتنع اتصافه بالجوهرية ، فلهذا أثبت الذوات ms0038 خالية عن ~~جميع الصفات. # واختلف «الشحام» و «البصري» ، فزعم «الشحام» أن الجوهر حال عدمه حاصل في ~~الحيز ، موصوف بالمعاني حال عدمه ، فألزم بإثبات رجل (2) معدوم على فرس ~~معدوم يقاوم (3) العالم ، فالتزم به. قال «الجويني» : هذا قول بقدم العالم ~~إلا أنه لم يصرح به ، وقد كفره المعتزلة بهذا القول ، حتى أن الجبائيين ~~كفراه بذلك. # وقال «البصري» : إن الشرط في كون المتحيز حاصلا في الحيز هو الوجود ، ~~فالجوهر قبل الوجود موصوف بالتحيز ، لكنه غير حاصل في الحيز. PageV01P068 # قال «الشحام» : وصف الجوهر بكونه متحيزا مع أنه غير حاصل في الحيز محال ، ~~ولو جاز ذلك لجاز وصف الذات بكونها عالمة وإن لم يحصل لها العلم. # قال «ابن عياش» : لو كان الجوهر موصوفا بالجوهرية التي هي التحيز لكان ~~حاصلا في الحيز والتالي باطل فكذا المقدم ، فلهذا أثبت الذات خالية عن ~~الجوهرية (1). # ونقل عن «الكعبي» (2): أن المعدوم شيء ، ولكنه ليس بجوهر ولا عرض حالة ~~العدم. وهذا راجع إلى مذهب «ابن عياش» لأنه إن أثبت الذوات في العدم خالية ~~عن الصفات ، فهو قول «ابن عياش» ، وإن لم يثبتها كان نزاعا في اللفظ حيث ~~سمى المعدوم شيئا. ### |||| ** الثاني : اتفق الكل إلا «أبا عبد الله البصري» على أنه ليس للمعدوم بكونه معدوما ~~صفة. وقال «البصري» : إن له صفة بكونه معدوما وهو خطأ ؛ لأن علتها إن كان ~~الذات دام عدمها ، هذا خلف ، وإن كان غيرها ، فإما مختار فتكون المعدومية ~~متجددة ، هذا خلف ، أو موجب فتدوم المعدومية ، وهو محال. ### |||| ** الثالث : اتفقوا على أن الجواهر المعدومة لا توصف بأنها أجسام حال العدم ، إلا «أبا ~~الحسين الخياط» ، فإنه قال به وكذا «الشحام». ### |||| ** الرابع : اتفقوا على أن بعد العلم بأن للعالم صانعا عالما قادرا حيا حكيما مرسلا ~~للرسل ، يمكننا الشك في أنه هل هو موجود أم لا؟ إلى أن نعرف بالدليل ، ~~لأنهم جوزوا اتصاف المعدوم بالصفات ، فلا بد من دلالة منفصلة على وجوده ~~تعالى بعد العلم بكونه موصوفا بصفة العالمية والقادرية. # واتفق باقي العقلاء على إنكار ذلك ، وأنه جهالة ، وإلا لزم الشك في وجود ms0039 ~~الأجسام ، فإنا لا نعلم إلا صفاتها كالحركة والسكون (3). PageV01P069 # واعلم أن ضرورة العقل قاضية ببطلان هذه المذاهب ، وفسادها ظاهر غني عن ~~البرهان ، ومع ذلك فلنذكر ما يبطل أقوالهم الفاسدة على نهج طرقهم. # فنقول : لو كان الجوهر جوهرا في العدم لكان متحيزا في العدم (1)، ~~والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أنه لو كان جوهرا حال العدم ولم يكن متحيزا ، كان التحيز ~~صفة مغايرة له زائدة عليه تثبت له بعد أن لم يكن ثابتة ، والتالي باطل ، ~~فإن صفة التحيز يستحيل ثبوتها إلا مختصة بالجهة ، وذات الجوهر بدون صفة ~~التحيز يستحيل اختصاصه بالجهة ، وحصول ما يجب اختصاصه بالجهة لما يستحيل ~~اختصاصه بالجهة محال بالضرورة ، وإلا لجاز مثله في القديم وغيره ، فيكون ~~العالم حالا في ذاته ، أو يكون ذات القديم مختصة بصفة التحيز ، وكذا كل عرض ~~من الأعراض يقتضي لذاتها صفة التحيز ، واقتضاء ذلك مشروط بشرط يتعلق ~~باختيار القادر ، فيجوز أن يوجد في بعض الأوقات ، فيصير ذات القديم أو ذات ~~العرض متحيزا ، ولما كان العلم باستحالة ذلك ضروريا لا نظريا ، لما بينا من ~~أن حصول ما يختص بالجهة لما لا يختص بالجهة محال ، وذلك حاصل هنا ، فيجب أن ~~يستحيل ذلك. # وأيضا الضد إذا طرأ على الضد كالسواد على البياض حتى نافاه ، فإما أن ~~تكون المنافاة بالحقائق التي يقع بها التضاد (2) أو بما هو زائد عليها وهو ~~الوجود الذي ذهب الخصم إليه ، لا جائز أن يكون بالوجود ، لأنه لا منافاة ~~بين الوجودات ، ولهذا يصح اجتماع كثير من الأعراض في محل (3) واحد ، وإذا ~~بطل أن تكون المنافاة التي بها يثبت التضاد بالوجود ، والذي يثبت به التضاد ~~هو الحقائق ، PageV01P070 # فإذا طرأ السواد على البياض فقد نافاه ولم يكن حينئذ حقيقة ، فكان إفناؤه ~~إفناء الحقيقة. # وأيضا نفرض الكلام في نوع واحد من الأنواع ، كالجوهر مثلا فنقول : لا ~~يجوز أن يكون في العدم جواهر متماثلة ، سواء كانت متناهية أو غير متناهية ، ~~لأن ذلك إثبات للتعدد في الذوات من غير فصل مميز ، فيكون محالا. # أما الأول : فلأنا فرضنا الكلام في نوع ms0040 واحد لا تميز لاحدى الذاتين عن ~~الأخرى ، كالجوهرين والسوادين. # وأما الثاني : فالضرورة قاضية به ، فإنا نعلم في كل شخص بالضرورة أنه ~~واحد ، ولو جاز إثبات شيئين لا يتميز أحدهما عن الآخر لجوزنا أن يكون له ~~ثان ، لكنه لا يفصل عنه بفصل. ولأنا إذا علمنا حقيقة الجوهر مطلقا ، ثم ~~علمنا جوهرا معينا ، فلا شك أنه دخل في العلم الثاني معلوم العلم الأول ، ~~وإلا لم يكن علما بحقيقة جوهر ، فإن لم يدخل في الثاني أمر زائد على الأول ~~مع أن الأول لم يكن علما بجوهر معين ، كان الثاني كذلك ، وقد فرضناه علما ~~بحقيقة جوهر معين ، فيثبت أنه دخل فيه أمر زائد لم يدخل في العلم الأول ، ~~وهكذا في كل فرد معين من أفراد ذلك النوع ، فوجب في الاثنينية أمر زائد لو ~~لا ذلك لم يتصور الاثنينية. # احتجوا بوجوه : ### |||| ** أ: القادر يقدر على إيجاد الجوهر وغيره ، فلا بد له من تعلق بالمقدور حتى يصح ~~منه إيجاده ، فيجب أن يكون الجوهر ذاتا في حال عدمه حتى يكون متعلقا. ### |||| ** ب : التحيز صفة تقتضيها صفة الذات في العدم ، فلا بد من إثبات الذات الموصوفة ~~بالصفة الذاتية في العدم. وإنما قلنا ذلك ، لأن تحيز الجوهر أمر متجدد ، ~~فإما أن يتجدد ذلك لأمر (1) أو لا لأمر ، والثاني باطل ، فصح أنه لأمر ، ~~فذلك الأمر PageV01P071 # إما أن يكون مجرد ذات الجوهر ، أو صفة وجوده ، أو حدوثه ، أو وجود معنى ~~فيه ، أو عدم معنى عنه ، أو فاعل ، أو صفة ذاتية له ، والكل باطل ، إلا ~~قولنا : المقتضي له هو الذات على صفة الجوهرية بشرط الوجود. # أما امتناع أن يكون ذلك الأمر ذاته أو وجوده أو حدوثه ، فلأنه لو كان ~~كذلك للزم أن يكون كل ذات وموجود وحادث متحيزا. # وأما امتناع أن يكون لمعنى ، فلأنه لا بد من اختصاص ذلك المعنى ، ~~واختصاصه فرع على تحيزه ، لأنه لا معنى للحلول إلا الحصول في الحيز تبعا ~~لحصول محله فيه ، فلا يجوز أن يكون تحيزه فرعا على المعنى ، لاستحالة الدور. # وأما امتناع أن يكون لعدم معنى ms0041 ، فلأن المعدوم لا اختصاص له. # وأما امتناع الفاعل ، فلأنه لو كان بالفاعل لأمكنه أن يجعل الذات على ~~صفات أجناس غير متناهية ، بأن يجعل الذات الواحدة حركة سوادا متحيزة ، إلى ~~غير ذلك من صفات الأجناس. # ثم لو طرأ بياض ليس بسكون ولا فناء لزم أن لا ننفيه من حيث هو حركة ، ~~وننفيه من حيث هو سواد ، فيكون معدوما موجودا وهو محال. # وإذا بطلت الأقسام كلها ، سوى أن يكون المقتضي للتحيز هو الذات على الصفة ~~للذات ، ولا بد من أن يكون كذلك قبل الوجود ، حتى يقتضي التحيز حال الوجود ~~، صح أنه ذات وأنه على صفة ، وهو معدوم. ### |||| ** ج : لو كان الجوهر جوهرا بالفاعل وغيره من الأجناس ، لما جاز أن يختص بعضها ~~بصحة البقاء عليها دون البعض ، كالجوهر وكثير من الأعراض يصح عليها البقاء ~~، والصوت لا يصح عليه البقاء ، وكذا الإرادة والكراهة ، فلو لا أنها مختلفة ~~، وإلا لم يجب ذلك. PageV01P072 ### |||| ** والجواب عن أ: القادر لا يقدر على إثبات ما هو ثابت في نفسه وهو الذات ، وإلا لزم تحصيل ~~الحاصل. وإنما يقدر على إثبات ما ليس بثابت ، وحينئذ يبطل أصل الدليل. # لا يقال : القادر لا يقدر على الذات ، لاستحالة إثبات الثابت ، ولا على ~~أمر وراء الذات ، لأن ما وراء الذات هي صفة الوجود ، والصفة غير مقدورة ولا ~~معلومة أصلا ولا تبعا ، بل المقدور هو الذات على صفة الوجود. # لأنا نقول : المقدور ليس هو الذات الثابتة في العدم ولا غيرها ، لأنه إن ~~لم يكن ثابتا صح مطلوبنا ، من أن المقدور ليس بثابت ، وإن كان ثابتا لزم ~~تحصيل الحاصل. ولا المجموع ؛ لأنه قول بإثبات الثابت مع التزام أنه فعل مع ~~ذلك غيره ، وهو تسليم للقول بأن ما فعله لم يكن ثابتا في العدم ، وليس هناك ~~قسم رابع يفهم من قولهم الذات على الوجود. # سلمنا تعقله ، لكنا نقول : إذا كان متعلق القادر هو الذات على الوجود ، ~~وتعلق المقدور يقتضي ثبوته ، لزم أن تكون الذات على صفة الوجود أمرا ثابتا ~~، حتى يتعلق بالقادر. وبالجملة فالتقسيم آت فيه ، فإن ms0042 متعلق القادر إما أن ~~يكون ثابتا في العدم فيلزم تحصيل الحاصل ، أو غير ثابت فيبطل الدليل ، أو ~~المجموع فيبطل الدليل (1) أيضا ، ويلزم المحال الأول. ### |||| ** وعن ب : أنه وإن كان عندهم هو النهاية القصوى في التحقيق مبني على أصول فاسدة ، وهو ~~أن تحيز الجوهر غير كونه جوهرا وموجودا ، وأن للذات صفات أجناس ، وأن ~~التنافي بها دون حقائق الذوات ، وأنه إذا تنافت الصفتان (2) تزول عن الذات ~~صفة أخرى هي الوجود ، كما أن الوجود شرط اقتضاء المقتضي PageV01P073 # للصفة المقتضاة (1)، والصفتان اللتان بهما التضاد لا تتنافيان إلا ~~باعتبار إزالة الوجود الذي هو الشرط مع عدم منافاة الصفة الذاتية لصفة ~~الوجود ، وأدلتهم على هذه الأصول في غاية الضعف. # قالوا : لما كان المعدوم ذاتا حال عدمه ولم تكن له صفة الوجود والتحيز ، ~~كانا زائدين على الذات. # قلنا : معرفة زيادة هاتين الصفتين على الذات ، إذا توقف على ثبوت كون ~~المعدوم ذاتا ، وتوقف كون المعدوم ذاتا على كونهما زائدتين دار. # سلمنا الزيادة ، لكن لم قلتم : إن التحيز إذا تجدد افتقر إلى أمر؟ فإن ~~مذهبكم أن الأعراض تتجدد لها صفة الحلول في جميع المحال ، وأن ذلك يثبت لها ~~لا لأمر. وكذا غير القار من الأعراض لها صفة صحة الوجود في أوقاتها لا لأمر ~~، فليجز مثله في التحيز. # سلمنا أن ثبوت الصفة يستدعي سببا ، لكن لا مطلقا ، بل مع جواز ثبوتها لا ~~مع وجوبه ، فإن مذهبكم أن صفة الجوهر يختص بذاته ، وهي مساوية لذات العرض ~~والقديم تعالى. # ثم هذه الذوات مع تساويها في الذاتية ، اختصت بصفات أجناسها واختلفت لا ~~لأمر ، فجاز أن يختص ذات الجوهر عند شرط الوجود بصفة التحيز لا لأمر. # سلمنا ، لكن القسمة غير حاصرة ونفي الدليل على ثبوت زائد لا يقتضي نفيه (2). PageV01P074 # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون السبب هو الذات ، أو الوجود ، (1) أو ~~الحدوث؟ # قوله : يشترك في ذلك الذوات والموجودات والحوادث. # قلنا : هذا بناء على تساوي الذوات في الذاتية أو الوجود أو الحدوث وهو ~~ممنوع ، والاشتراك اللفظي لا يفيد. # سلمنا أنها لا تختلف ، فلم قلتم ms0043 : إنها تتماثل؟ لأن الاختلاف كما هو مبني ~~على الصفات كذا التماثل ، وإذا فقد ثبوت الصفة فقد الاختلاف والتماثل. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون لمعنى؟ # قوله : لا بد من حلوله فيه ، ولا بد في حلوله من تحيزه؟ # قلنا : لم لا يجوز ذلك إذا تقارن في الوجود؟ فإن الكون عندكم يوجب كون ~~الجسم في الجهة ، مع أن من شرط إيجابه حلوله فيه وهو في الجهة التي توجب ~~كونه فيها. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز [أن] يكون لعدم معنى؟ # قوله : لا اختصاص له به. # قلنا : لا نسلم بأنه غير حال فيه. ولا نسلم بأن اختصاص الجهات منحصرة في ~~الحلول. ولم لا يجوز أن يكون هاهنا وجه اختصاص آخر؟ فإن هذا المعنى عند ~~الوجود يختص بالحلول في هذا الجسم دون غيره من الأجسام لا لأمر ، فلم لا ~~يجوز أن يختص به وهو معدوم؟ أو نقول : لم لا يجوز أن يكون في العدم معان ~~مختلفة كل واحد منها يختص بعدم لا يختص به الآخر ، ويكون ذلك معللا بذاتها ~~وحقيقتها التي لا يشاركها فيها غيرها؟ PageV01P075 # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون بالفاعل؟ # قوله : يلزم إمكان أن نجعل الذات على صفات أجناس. # قلنا : هذا بناء على ثبوت صفات الأجناس ونحن نمنعه ، فإن الذات تخالف ~~غيرها لذاتها. # سلمنا ، لكن لم لا تجعل الذات على صفات متعددة؟ # قوله : إذا جعل ذاتا سوادا متحيزا وطرأ عليه بياض نفاه من وجه دون آخر. # قلنا : إن عنيتم به أنه ينفي كونه سوادا ولا ينفي كونه حركة ، فلم لا ~~يجوز ذلك؟ وإن عنيتم شيئا آخر فبينوه! # قالوا : نعني بذلك أن الذات تخرج عن صفة الوجود التي هي زائدة على الذات ~~ولا تخرج عنها ، لأن صفة الذات تقتضي هيئة السواد والتحيز بشرط الوجود ، ~~فإذا لم ينتف الوجود لم ينتف التحيز ، وإذا انتفى التحيز انتفى الوجود. # قلنا : نمنع كون التحيز وهيئة السواد مقتضى عن صفة الذات ، فإن ذلك إنما ~~يتم لو امتنع كونه بالفاعل. فإذا احتيج في بيان امتناع كونه بالفاعل إلى ms0044 ~~كونه مقتضى عن صفة الذات ، دار. # سلمنا أن الوجود مقتضى عن صفة الذات ، وأن الوجود شرط اقتضائه ، فلم لا ~~يجوز زواله؟ فإنه لا يلزم من قيام المقتضي وحصول الشرط ثبوت المقتضى ، ~~لإمكان أن يعارضه ما ينافيه. # سلمنا ، لكن نمنع إمكان جعل الذات على صفات متعددة ، لجواز تنافيها. ### |||| ** والجواب عن ج : بالمنع من الملازمة. أما أولا ، فلابتنائه على تساوي الذوات. وأما ثانيا ، ~~فلأنا نقول : القادر إذا خصص بعض الذوات بكونها جوهرا لزم البقاء ، وإذا ~~خصص بعضها بكونها إرادة أو صوتا امتنع البقاء. PageV01P076 ### ||| ** البحث الرابع : في كيفية العلم بالمعدومات (1) # اختلف الناس هنا ، فمنع منه قوم ، وجوزه آخرون ، وهو الحق. # لنا ، أنا نعلم حركاتنا الماضية وهي معدومة ، وكذا المستقبلة ، ونفرق بين ~~ما نقدر عليها ، وبين ما لا نقدر وهو أمر ضروري. # احتج المانعون : بأن كل معلوم متميز ، وكل متميز ثابت ، وقد سبق بطلان ~~ذلك ، إذا ثبت هذا ، فالمعدوم إما أن يكون بسيطا أو مركبا. # أما الأول ، فكعدم ضد الله تعالى ، وذلك إنما يعقل لأجل تشبيه بأمر موجود ~~مثل أن يقال : ليس لله تعالى شيء نسبته إليه نسبة السواد إلى البياض ، ~~فلولا معرفة المضادة الحاصلة بين أمور وجودية ، لاستحال (2) أن يعرف ضد ~~الله تعالى. وإن كان مركبا كالعلم بعدم اجتماع السواد والبياض ، فالعلم به ~~إنما يتم بسبب العلم بأجزائه الوجودية بأن يعقل السواد والبياض والاجتماع ~~حيث يعقل ، ثم يقال : إن الاجتماع الذي هو أمر وجودي معقول غير حاصل للسواد ~~والبياض. فقد ظهر أن عدم البسائط إنما يعرف بالمقايسة إلى الأمور الوجودية ~~، وعدم المركبات إنما يعرف بمعرفة بسائطها (3). # أما المعتزلة ، فقد اختلفوا ، فذهب البصريون إلى أن المعدوم يعلم على صفة ~~هو عليها في حال عدمه يتعلق العلم بتلك الصفة ، وبها يماثل ما يماثل ويخالف ~~ما يخالف. PageV01P077 # وقال آخرون : إنه إنما يعلم بأمور مترقبة متجددة فيما بعد. # احتج الأولون : بأنا إذا علمنا المعدومات متميزة حال عدمها ، وجب أن يكون ~~المعلوم من حال الجوهر غير المعلوم من حال العرض ، والمعلوم من حال السواد ~~غير المعلوم من حال ms0045 البياض ، وكذا باقي الأجناس. وإذا ثبت هذا فلا بد له من ~~صفة يتميز بها عن غيره ، ويخالف ما يخالف ويضاد ما يضاد ، لاشتراكها أجمع ~~في المعلومية ، فلا يقع الامتياز بذلك ، فلا بد من أمر آخر هو الذي نسميه ~~صفة أو حالا ، وذلك المائز لا يجوز أن يكون مترقب الحصول نحو كونه متحيزا ، ~~أو هيئة مخصوصة ، أو له تعلق مخصوص ، لأن التمايز والتماثل والاختلاف أمور ~~حاصلة في الحال ، وكما أن التماثل والاختلاف لا يقف على أمر متجدد ، فكذا ~~التمايز ، فكما لا يجوز أن يتميز بأمر متعلق (1) بالفاعل لأنه متجدد ، فكذا ~~كونه متحيزا أو هيئة مخصوصة أمر متجدد ، لا يجوز أن يقف الخلاف والمماثلة عليه. # وهذه الحجة فاسدة لابتنائها على تساوي الذوات ، والحق الاختلاف وإن تلك ~~المعلومات مختلفة لذواتها وهي ثابتة ذهنا لا عينا. # قال الآخرون : إنا نعلم تمايز الأجسام بعضها عن بعض قبل وجودها ، ونحكم ~~بمخالفة صورة الإنسان وشكله لصورة الفرس ، وليس ذلك لأجل صفات هي عليها في ~~حال العدم. # ثم ألزموا الأوائل التسلسل ؛ لأنه إذا كان المعلوم من حال الجوهر أنه ~~يقتضي صفته الذاتية دون غيره أن يكون ذلك لأمر آخر اقتضى ذلك ، لزم المحال. # والحق : أن القولين متساويان في الاستحالة. والسبب فيه عدم التفطن ~~بالوجود الذهني. PageV01P078 ### ||| ** البحث الخامس : في حصر قسمة المعلوم إلى الموجود والمعدوم (1) # أطبق أكثر العقلاء على ذلك وذهب قوم ممن عمشت (2) بصائرهم من إدراك الحق ~~وقصرت أفكارهم عن التعمق في المباحث العقلية : إلى إثبات واسطة بين الموجود ~~والمعدوم ، سموها الحال (3). # وتقرير قولهم أن نقول : إذا علمنا أمرا من الأمور ، فإما أن يكون راجعا ~~إلى الإثبات أو إلى النفي. والأول لا يخلو ، إما أن يضاف إلى غيره أو لا. ~~والثاني هو الذات ، ويحد بأنه الثابت الذي يعلم غير مضاف إلى غيره ، فخرج ~~المعدوم وإن كان معلوما ، لأنه ليس بثابت ، والصفة (4) لأنها تعلم مضافة ~~إلى غيرها. # والمضاف إما أن يكون مقصورا على ما يضاف إليه نظير كون المحل ، أو يكون ~~منفصلا عنه نظير الفعل بالنسبة إلى الفاعل. # فالأول ms0046 الحال ، ويحد بأنه الذي يثبت للذات مقصورا عليه. فخرج النفي ~~بقولنا : ثبت ، والذات بقولنا : للذات فإنها لا تثبت لغيره والأشياء ~~المنفصلة التي تضاف إلى غيرها كالأفعال ، والآثار الصادرة عن العلل في غير ~~محالها ، فإنها لا تكون أحوالا للعلل ، بقولنا مقصورا عليه. # واعلم : أن الحال أخص من الصفة ، فإن الصفة كل أمر مضاف إلى غيره ، PageV01P079 # سواء كان إثباتا أو نفيا ، مقصورا عليه أو غير مقصور عليه. وأما الحكم ، ~~فهو ما كان صادرا عن غيره ، سواء كان ذاتا أو صفة. فالحال صفة لموجود لا ~~يوصف بالوجود ولا بالعدم. # وأول من قال بالأحوال : «أبو هاشم الجبائي» وأتباعه من المعتزلة (1). ~~وجوز أن تكون الحال ثابتة للمعدوم كالجوهرية. وفصل الأحوال فقال : الأعراض ~~التي لا تكون مشروطة بالحياة ، فإنها لا توجب أحوالا ، ولا صفة لمن قامت به ~~، كاللون والرائحة وغيرها ، إلا الكون فإنه يوجب حالة راجعة إلى المحل هي ~~الكائنية ، وأما الأعراض المشروطة بالحياة ، فإنها توجب أحوالا عائدة إلى ~~الجملة ، فالعلم يقتضي لجملة البدن حالة هي العالمية ، وكذا القدرة وغيرهما ~~من الأعراض. وأثبت «القاضي أبو بكر» و «الجويني» من الأشاعرة ، الأحوال أيضا ~~في كل صفة قائمة بالذات ، سواء اشترطت بالحياة أو لا ، فالأسودية حالة ~~معللة بالسواد ، وكذا باقي الأعراض. # لنا : أن الضرورة قاضية بأن كل معقول ، فإما أن يكون له تحقق أو لا. ~~والأول : هو الموجود ، والثاني هو المعدوم ، وأن من أثبت واسطة بينهما ، ~~فقد كابر مقتضى عقله (2). # واحتجوا بوجهين : ### |||| ** الأول : الوجود وصف مشترك بين الموجودات على ما تقدم ، وهي متخالفة بحقائقها ، وما ~~به الاشتراك غير ما به الامتياز ، فيكون الوجود مغايرا للماهية فذلك الوجود ~~إما أن يكون موجودا أو معدوما ، أو لا موجودا ولا معدوما. PageV01P080 # والأول : باطل وإلا لزم التسلسل ، فإن الوجود لو كان موجودا لكان مساويا ~~للموجودات في الوجود ومخالفا لها بخصوصيته ، وما به الاشتراك غير ما به ~~الامتياز ، فالوجود المشترك بين الوجود وبين سائر الماهيات الموجودة مغاير ~~لخصوص ماهية الوجود التي بها الامتياز ، فيكون للوجود وجود آخر ويتسلسل. # والثاني : باطل أيضا ، لامتناع اتصاف ms0047 الشيء بنقيضه (1)، فتعين الثالث ، ~~وهو : أن لا يكون الوجود موجودا ولا معدوما ، وذلك هو الواسطة. ### |||| ** الثاني : الماهيات النوعية مشتركة في الأجناس ، فتثبت الحال. # أما الأول : فظاهر ، فإنا نعلم أن بين السواد والبياض اشتراكا في اللونية ~~لا في مجرد الاسم ، فإنا لو سمينا السواد والحركة باسم واحد ، ولم نضع ~~للسواد والبياض اسما ، لكنا نعلم بالضرورة أن بين السواد والبياض اشتراكا ~~معنويا دون السواد والحركة. ولأن (2) العلوم المتعلقة بالمعلومات المختلفة ~~متغايرة مختلفة ، مع أنا نحد العلم بحد واحد بحيث يندرج فيه العلم القديم ~~والحادث ، والعلم بالجوهر والعرض ، فيكون العلم وصفا مشتركا. ولأن (3) ~~الأعراض مشتركة في العرضية ولهذا انحصر التقسيم في قولنا : الممكن إما جوهر ~~أو عرض ، ولو لا اشتراكه لما انحصر ، كما لا ينحصر إذا قلنا : الممكن إما ~~جوهر أو سواد. # وأما الثاني : فلأن الاشتراك يقتضي تعدد الجهة في الماهيات المشتركة بحيث ~~يكون فيها جهة اشتراك وجهة امتياز (4)، فهاتان الجهتان إن كانتا موجودتين ~~لزم قيام العرض بمثله. وإن كانتا معدومتين لزم الحكم بكون هذه الماهيات ~~معدومة ، وهو باطل بالضرورة ، فتعين أن لا تكون موجودة ولا معدومة. PageV01P081 # والجواب عن الأول : أن القسمة للوجود إلى الوجود والعدم باطلة ، كما أن ~~قولنا : الإنسان إما إنسان أو فرس أو غيرهما ، باطل. # سلمنا ، لكن الوجود موجود بذاته ، ثم التسلسل إنما يلزم لو كان الاشتراك ~~في وصف ثبوتي ، والاختلاف في أمر ثبوتي ، وهنا ليس كذلك ، فإن الوجود يشارك ~~الماهية الموجودة في الموجودية (1)، ويخالفها بقيد عدمي ، وهو أن الوجود ~~وحده وإن كان موجودا ، لكن ليس معه شيء آخر ، والماهية الموجودة وإن كانت ~~موجودة لكن لها مع مسمى الموجودية أمر آخر هو الماهية ، وحينئذ لا يلزم أن ~~يكون الوجود موجودا بوجود آخر ، بل موجوديته عين ماهيته ، فينقطع التسلسل. # قال النفاة : حاصل أدلة المثبتين يرجع إلى أن الحقائق مختلفة بخصوصياتها ~~ومشتركة في عموماتها ، وما به الاشتراك غير ما به الاختلاف ، وذلك ليس ~~بموجود ولا معدوم ، فتثبت الواسطة ، ويلزم منه التسلسل : فإن الأحوال قد ~~اشتركت في عموم الحالية واختلفت بخصوصياتها ، فيلزم أن ms0048 تكون للحال حال أخرى ~~إلى غير النهاية. # وأجاب المثبتون : بأن الحال لا يوصف بالتماثل والاختلاف ، لأن التماثل ~~والاختلاف من لواحق الوجود ، والحال ليست موجودة ، وبالتزام التسلسل كما ~~اختاره «الأصم» (2) لأنها طبيعة عدمية ليست موجودة ، والتسلسل في الأمور ~~العدمية ليس بمحال. # أجاب النفاة عن الأول : بأن كل أمرين يشير العقل إليهما ، فإما أن يكون ~~المتصور من أحدهما هو المتصور من الآخر أو لا. والأول : المثلان. والثاني : ~~المختلفان ، ولا واسطة بينهما. PageV01P082 # وعن الثاني (1): بأن تجويز ذلك يسد باب إثبات الصانع تعالى. # أجاب أفضل المتأخرين : بأن السواد والبياض لما اشتركا في الموجودية ~~واختلفا في السوادية والبياضية ، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز لا ~~جرم أثبتنا شيئين ، ولما لم يكن ما به الاشتراك والامتياز (2) سلبيين ~~أثبتناهما وجوديين (3)، أما الوجود والسوادية ، فهما مختلفان بحقيقتهما ~~ومشتركان في الحالية ، لكن الحالية ليست صفة ثبوتية ، لأنه لا معنى للحال ~~إلا ما لا يكون موجودا ولا معدوما. وإذا كان الاشتراك واقعا في وصف سلبي ، ~~لم يلزم أن تكون الحالية صفة قائمة بالموجود ، فلم يلزم أن تكون للحال حال ~~آخر (4). # اعترضه أفضل المحققين (5) بأن الحال ليس سلبا محضا ، فإن المستحيل عندهم ~~ليس بموجود ولا معدوم وليس حالا ، (6) وإنما الحال وصف ثبوتي يلزمه أن لا ~~يكون موجودا ولا معدوما فهو يشتمل على معنى غير سلب الوجود والعدم عنه يختص ~~بتلك الأمور التي يسمونها حالا وتشترك الأحوال فيه (7) ولكونها غير مدركة ~~بانفرادها لا يحكمون عليها بالتماثل والاختلاف ، فإنهم يقولون : المثلان ~~ذاتان يفهم منهما معنى واحد ، والمختلفان ذاتان لا يفهم منهما معنى واحد ، ~~والحال ليس بذات ولا ذات ذات ، فلا توصف بالتماثل والاختلاف. فإن الذات هي ~~ما تدرك بالانفراد ، والحال لا يدرك بالانفراد ، فكيف يكون المدرك (8) من كل PageV01P083 # حال هو المدرك من حال آخر؟ فإن كل حال مدرك مع شيء آخر ، والمشترك ليس ~~بمدرك بالانفراد ، حتى يحكم عليه بأن المدرك من أحدهما هو المدرك من الآخر ~~أو ليس ، وأنتم قلتم كل أمرين يشير العقل إليهما ، فإما أن يكون المتصور ~~منهما واحدا أو ms0049 لا يكون ، والحال ليس بأمر يشير العقل إليه إشارة لا تكون ~~إلى غيره معه (1). # والجواب عن الثاني : أن جهتي الاشتراك والامتياز وجوديتان (2)، ولا يلزم ~~قيام العرض بالعرض ، فإن الصفات المشتركة إن كانت ثبوتية وكانت داخلة في ~~مفهومات ما يشترك في تلك الصفات ، كاللون المشترك بين السواد والبياض ، وهو ~~جزء من مفهوم السوادية والبياضية ، لم يكن عرضا قائما بعرض قائم بالمركب ، ~~فان الجزء ليس بعرض قائم بالمركب منه ومن غيره ، فلا يلزم من اتصاف ~~المختلفات به قيام العرض بالعرض. وإن لم تكن داخلة ، كالعرض الذي يوصف به ~~السواد والحركة ، وهو عارض لهما غير داخل في مفهومهما وعروض الشيء للشيء لا ~~يكون قيام عرض بعرض ، ولا يلزم من كون صفة مشتركة عارضة لمختلفين قيامها ~~بهما إلا بدليل منفصل. # وإن كانت سلبية (3) فهي غير ثابتة ولا يلزم من الاتصاف بها قيام عرض بعرض. # سلمنا ، لكن قيام العرض بمثله جائز ، فإن السرعة والبطء كيفيتان قائمتان ~~بالحركة ، والتزامه أقرب من التزام هذا المحال. # وللأوائل (4) طريق آخر ، وهو أن الأجناس والفصول التي بها تتقوم الأنواع PageV01P084 # البسيطة في الخارج موجودات في الذهن لا في العين. # اعترضه أفضل المتأخرين فقال : الذهني إن طابق الخارج عاد كلام مثبتي ~~الحال ، وإلا كان جهلا. # أجاب أفضل المحققين : بأن الأجناس والفصول ليست بتصديقات ، بل هي تصورات ~~مفردة ، ولا يجب فيما لا يشتمل على الحكم بمطابقة الخارج أن يكون مطابقا له ~~وإلا كان جهلا مركبا ، فإن الجهل المركب حكم على الخارج بخلاف الواقع. وفي ~~التصور المفرد لا تعتبر المطابقة ولا عدمها ، بل [تعتبر] فيما له أجناس ~~وفصول أن تكون فيها حيثيات يمكن للعقول تعقل الأجناس والفصول منها ، ولذلك ~~يسلبان عن واجب الوجود ، لامتناع أن تكون فيه حيثيتان. وليس معنى الاشتراك ~~إلا أن المعقول من أحد المشتركين هو المعقول من الآخر فيما يشتركان فيه ، ~~لا أن يكون شيء واحد في الخارج موجودا في شيئين معا ، أو نصف منه في أحدهما ~~ونصفه في الآخر ، أو خارجا عنهما وهما متصفان به (1). # وفيه نظر ، فإن أفضل المتأخرين ms0050 ، لم يقل إن الأجناس والفصول تصديقات ، بل ~~الحكم بأن لهذه الماهية جنسا وفصلا تصديق ، فإن كان مطابقا لزم وجود الجنس ~~والفصل في الخارج ، وإلا كان جهلا بمعنى أن الذهن حكم على ماهية بأن لها في ~~نفس الأمر جنسا وفصلا ولم يكن في الخارج شيء منهما. واعترافه بأن لتلك ~~الماهية حيثيتين هو المقصود من المطابقة في الخارج. وتحقيق هذا البحث ليس ~~هذا موضعه. ### |||| ** تذنيب : قال مثبتوا الحال : ثبوت الحال للشيء قد يكون معللا بموجود قائم بالشيء ، ~~كالعالمية المعللة بالعلم وهو الحال المعلل ، وكالمتحركية فإنها حالة معللة ~~بالحركة. وقد لا يكون كسوادية السواد وهو الحال غير المعلل. واتفقوا على PageV01P085 # أن الذوات بأسرها متساوية ، ومختلفة بهذه الأحوال. واختلفوا في أمر ~~الوجود ، فالقائلون بالأحوال من الأشاعرة ذهبوا إلى أنه نفس الذات. وقالت ~~المعتزلة : إنه زائد عليها. والقول بتساوي الذوات باطل سواء قلنا الوجود ~~نفس الذات أو زائد عليها لأن الأشياء المتساوية تشترك في اللوازم ، فيصح ~~انقلاب القديم محدثا والجوهر عرضا ، وبالعكس ، وهو باطل بالضرورة. ولأن ~~اختصاص الذات المعينة بالصفة المخصوصة إن لم يكن لأمر ، يرجح أحد طرفي ~~الممكن على الآخر لا لمرجح (1)، وإن كان لأمر نقلنا الكلام إليه ولزم ~~التسلسل. أما إذا جعلنا ما به الاشتراك صفة وما به الامتياز ذاتا ، اندفعت ~~هذه المحاذير ، لجواز اشتراك الأشياء المختلفة في لازم واحد ، ولا يجوز ~~اختلاف المتساويات في اللوازم. # اعترض أفضل المحققين : ### |||| ** أولا : بأن الحيوانية المشتركة بين الإنسان والفرس ، يرد عليها ما قلت من صحة ~~انقلاب الإنسان فرسا وبالعكس. ### |||| ** وثانيا : بأنه لازم على الأجناس والفصول ، بل في الأشخاص التي تحت نوع واحد ، فإنك ~~إن جعلت الفصول والمشخصات ذواتا والحيوان والإنسان لوازم ، لم تكن ~~الحيوانية والإنسانية جزءا للماهية ولا نفسها ، فإن اللوازم إنما تلزم بعد ~~تقوم الملزومات (2). # وفيه نظر ؛ فإن الحيوانية لازمة والفصول ملزومة ، فلا يلزم إمكان ~~الانقلاب. ولهذا قالوا : «إن الفصول علل الطبيعة الجنسية» والحيوان إذا ~~جعلناه لازما للناطق لم يناف كونه جزءا من الإنسان ، وأشخاص النوع الواحد ~~تختلف بعوارض مستندة إلى أسبابها. PageV01P086 ### | المقصد الثاني ### | في ms0051 التقسيم ### | بالنسبة إلى الوجوب والإمكان والامتناع (1) # اعلم : أن الضرورة قاضية بأن كل معلوم فإما أن يكون واجب الوجود لذاته ، ~~أو ممكن الوجود لذاته ، أو ممتنع الوجود لذاته. فهنا فصول : ### ||| ** الفصل الأول : ### | في أن تصور هذه الأشياء ضروري (2) # ذهب من لا تحقيق له إلى أن هذه الأشياء قد تعرف. # ونحن نقول : لا يمكننا تعريف كل واحد من هذه الأمور الثلاثة ، إلا بما PageV01P087 # يشتمل على الدور ، فإنا إنما نعرف كل واحد من هذه بسلب الآخرين عنه. ~~فنقول : «الممكن : هو الذي لا يجب وجوده ولا يمتنع» ، أو «الذي ليس بضروري ~~في طرفي وجوده وعدمه» ثم نقول : «الواجب : هو الذي لا يمكن عدمه» ، أو ~~«الذي يستحيل عدمه»، و «الضروري : هو الذي لا يمكن عدمه (1)، أو لا يمكن ~~وجوده» (2). و «الممتنع : هو الذي لا يمكن وجوده». # فقد ظهر لك لزوم الدور في هذه التعريفات. فان قبلت هذه التعريفات على ~~سبيل التعريف اللفظي أمكن ، ولكن لا يكون تعريفا حقيقيا. # واعلم أن هذه الأمور الثلاثة متفاوتة عند العقل ، فإن كل ما هو أقرب إلى ~~طبيعة الوجود كان أعرف عند العقل ، وما كان أقرب إلى طبيعة العدم كان أبعد ~~، ولما كان الوجوب هو تأكد الوجود ، كان أقرب إليه ، وكان أعرف عند العقل. ~~ولما كان الامتناع أبعد ، كان الإمكان متوسطا بينهما. # فإذا أريد التعريف اللفظي فليؤخذ الوجوب بينا (3)، ثم يعرف الإمكان بسلب ~~الضرورة عن الطرفين ، والامتناع بإثبات الضرورة على السلب. PageV01P088 ### ||| ** الفصل الثاني : ### | في مباحث الوجوب ### ||| ** البحث الأول : في تفصيله (1) # الوجوب قد يكون بالذات وقد يكون بالغير ، فالأول : ما يقتضي ذات الموصوف ~~به وجوب وجودها لماهيتها ، لا باعتبار أمر آخر وهو واجب الوجود لذاته. ~~والثاني : ما لا يقتضي ماهيته الوجود ، وإنما يستفيد الوجود من غيره حال ~~فرض وجود السبب ، كالممكنات حال وجود عللها وأسبابها. # فللواجب الأول أمران : أحدهما : كونه مستحقا للوجود من ذاته. والثاني : ~~عدم توقفه في وجوده على الغير. وهذا الاعتبار الثاني كالمعلول للأول ؛ فإن ~~الواجب لما استحق الوجود لذاته استغنى عن غيره ، فإن الحاجة إلى الغير إنما ~~هي ms0052 بسبب الإمكان. PageV01P089 ### ||| ** البحث الثاني : أن الوجوب ثبوتي أو لا؟ # قد بينا أن للواجب اعتبارين : أحدهما : عدم توقفه على الغير. والثاني : ~~استحقاقه للوجود من ذاته. فإن جعلنا الوجوب هو الأول كان عدميا قطعا ، ~~ويكون وصفا اعتباريا ذهنيا لا تحقق له في الخارج. وإن جعلناه عبارة عن ~~الثاني فهل هو ثبوتي أم لا؟ # اضطرب قول أفضل المتأخرين فيه فتارة جعله ثبوتيا وتارة جعله عدميا ، (1) ~~وهو الحق (2). لنا وجوه (3): ### |||| ** الوجه الأول : لو كان الوجوب ثبوتيا في الخارج لزم التسلسل ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن كل موجود في الخارج ، فإنه مساو لسائر الموجودات في ~~الوجود وممتاز عنها بخصوصيته (4)، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز ، فيكون PageV01P090 # وجوده زائدا على ماهيته ، فاتصاف ماهيته بذلك الوجود إما أن يكون واجبا ، ~~أو ممكنا ، فإن كان الأول نقلنا الكلام إلى ذلك الواجب ولزم التسلسل ، وإن ~~كان الثاني لزم خروج الواجب عن كونه واجبا ، فيكون ممكنا ، هذا خلف. # لا يقال : لا يلزم من إمكان الوجوب إمكان الواجب. # لأنا نقول : إمكان الوجوب يستلزم إمكان عدمه عن الواجب ، وإذا انتفى ~~الوجوب عن الواجب تعالى بقي إما ممكنا أو ممتنعا وهما محالان. ### |||| ** الوجه الثاني : الوجوب متقدم على الوجود ، لأنه عبارة عن استحقاق الوجود ، واستحقاق الوجود ~~متقدم على نفس الوجود ، فلو كان الوجوب وصفا ثبوتيا ، لزم أن يكون ثبوت ~~الصفة للماهية سابقا على ثبوت نفس الماهية وهو محال. ### |||| ** الوجه الثالث : لو كان الوجوب ثبوتيا لكان إما نفس الماهية ، أو جزءها ، أو خارجا عنها ~~والكل باطل ، أما الأول والثاني ، فلأن الوجوب عبارة عن استحقاق الماهية ~~للوجود ومفهوم هذا المعنى «نسبة الماهية إلى الوجود» ، والنسبة بين الشيئين ~~متأخرة عنهما ، فيكون هذا المعنى متأخرا بالاعتبار عن الماهية ، فلا يكون ~~نفسها ولا جزءا منها. والثالث باطل ، لأن الخارج عن الماهية إذا كان صفة ~~لها كان محتاجا إليها ، فيكون الوجوب بالذات ، ممكنا بالذات ، واجبا بوجوب ~~سببه (1)، فللماهية وجوب آخر قبل هذا الوجوب ويلزم التسلسل. ولأن اقتضاء ~~الماهية للوجود ، لو كان وصفا ثبوتيا ، لكان اقتضاء الماهية لذلك ms0053 الوصف ~~أيضا زائدا عليه ولزم التسلسل. ### |||| ** الوجه الرابع : الوجوب نسبة بين الماهية والوجود. وسيأتي بيان أن النسب عدمية. PageV01P091 # احتج المخالف بوجوه : ### |||| ** الأول : استحقاق الوجود ، نقيض لا استحقاق الوجود ، ولا استحقاق الوجود أمر عدمي ~~فيكون استحقاق الوجود ثبوتيا. والمقدمة الأولى ظاهرة. وأما الثانية ؛ فلأن ~~لا استحقاق الوجود يصدق على الممتنع وهو واجب العدم ، وعلى الممكن وهو جائز ~~العدم ؛ فإذن لا استحقاق الوجود صادق على المعدوم ، والصادق على المعدوم ~~يمتنع أن يكون ثبوتيا ، لاستحالة اتصاف المعدوم بالوصف الثبوتي ، فإذن لا ~~استحقاق الوجود وصف عدمي ، فيكون الاستحقاق وصفا ثبوتيا ، ضرورة اختلاف ~~النقيضين بالسلب والإيجاب. ### |||| ** الثاني : استحقاق الوجود عبارة عن نسبة خاصة للماهية إلى الوجود ، وتلك النسبة ليس ~~(1) تحققها بحسب فرض العقل ، فإن الشيء في نفسه واجب سواء اعتبره العقل أو ~~لا ؛ ولو جاز أن لا يكون (2) اقتضاء الوجود وصفا ثبوتيا مع أنه في نفسه ~~نسبة محققة محصلة لجاز أن يقال : نسبة الجسم إلى الجهة والحيز بالحصول فيه ~~، ليست أمرا ثبوتيا ، بل أمرا عدميا. ### |||| ** الثالث : الشيء ما لم يجب لم يوجد ، فالوجوب سابق على الوجود ، فإنه لا بد من تقدم ~~جهة الاستحقاق على حصول المستحق ، وجهة الاستحقاق في الواجب هو كونه مستحقا ~~للوجود من ذاته ، ووجود الشيء سابق على أوصافه السلبية ، فإن الصفات ~~السلبية لا تعين ولا تخصص (3) لها في أنفسها ، بل تعينها وتخصصها (4) تبع ~~لتخصص محالها (5) الموجودة الموصوفة بها ؛ فحينئذ وجود الشيء سابق على PageV01P092 # سلب غيره عنه ، وإذا كانت السلوب بأسرها متأخرة عن وجود الشيء ، وكان ~~الوجوب متقدما عليه لم يكن سلبيا ، وإلا لكان متقدما متأخرا ، هذا خلف. ### |||| ** الرابع : الوجوب تأكد الوجود ، والشيء لا يتأكد بنقيضه ، فيكون الوجوب ثبوتيا. ### |||| ** الخامس : الوجوب نقيض الامتناع ، والامتناع عدمي وإلا لكان الموصوف به ثابتا فيكون ~~الوجوب ثبوتيا (1). ### |||| ** والجواب عن الأول : أن استحقاق الوجود أمر اعتباري حكمه في الثبوت والانتفاء واحد ، وإذا كان ~~أمرا اعتباريا لم يكن وجوديا ولا يلزم أن يكون نقيضه ثبوتيا ، كما أن ~~الامتناع أمر اعتباري ، ونقيضه قد يصدق على المعدوم. # ولأن قولكم اللااستحقاق محمول ms0054 على الممتنع والممكن ، وهما معدومان مغالطة ~~؛ لأن الممتنع إن كان له في نفسه تخصص (2) أمكن وصفه بالامتناع والوصف ~~الثبوتي ، وإن لم يكن له في نفسه تخصص (3) بحيث يستعد للموضوعية (4)، ولا ~~الامتناع أمرا معقولا بحيث يستعد للمحمولية ، لم يكن الحكم بالامتناع على ~~الممتنع ، إلا من حيث إن الذهن يستحضر ماهية ثم يحكم عليها بامتناع حصول ~~الوجود الخارجي لها ، فالمحكوم عليه بهذا الحكم هو تلك الماهية المحصلة في ~~الذهن ، والحكم هو امتناع حصول الوجود الخارجي لها ، وحينئذ يكون المحكوم ~~عليه بالامتناع أمرا ثبوتيا في الذهن (5). PageV01P093 # قال أفضل المحققين (1): «إذا كان الوجوب سلبيا لم يلزم منه أن يكون ~~نقيضا للوجود ، لأن السلبي هو «سلب شيء عن شيء» وسلب شيء عن الوجود لا يكون ~~(2) حمل العدم عليه. وأيضا إن كان الوجوب واللاوجوب نقيضين يعني يقتسمان ~~(3) جميع الاحتمالات ، والوجود والعدم كذلك ، وكان المعدوم (4) محمولا على ~~اللاوجوب ، فلا يلزم أن يكون الوجود محمولا على الوجوب حملا كليا ، لأنه من ~~الجائز أن يكون بعض ما هو وجوب عدميا ، فإن الممكن العام والممتنع نقيضان ~~بالوجه المذكور ، والممتنع عدمي ، فلا يجب أن يكون كل ما هو ممكن بالإمكان ~~العام وجوديا ، بل بعضه وجودي وبعضه عدمي» (5). # وفيه نظر ؛ فإن الوجود والعدم متناقضان وإذا صدق أحدهما على شيء استحال ~~صدق الآخر عليه ، فيصدق على نقيضه. والنقض بالممكن العام والممتنع ، فيه ~~مغالطة ، فإن المدعى «أن الوصف إذا كان ثبوتيا كان نقيضه عدميا» لا ما صدق ~~عليه الوصف من الماهيات الموضوعة لذلك الوصف. ### |||| ** وعن الثاني : أن الصفات اللازمة للماهية ، والأحكام الثابتة لها ، لا تتوقف على وجود تلك ~~الماهية في الذهن أو في الخارج ، بل هي مستندة إليها سواء فرضها فارض أو لا ~~، فإن الممتنع ممتنع في نفسه ، بمعنى أنه متى عقل الذهن ماهية الممتنع ~~بجميع لوازمها ، عقل لها الوصف بالامتناع ، لا بمعنى كون الامتناع ثابتا في ~~الخارج ، ولا بمعنى كونه ثابتا في الذهن غير مطابق للخارج بحيث يكون جهلا ، ~~بل بمعنى أنه وصف لازم لها. وكما لا يلزم من اقتضاء ماهية الممتنع PageV01P094 # وصف ms0055 الامتناع ، كون الامتناع أو الممتنع ثبوتيا في الخارج ، كذا البحث في ~~الوجوب. ### |||| ** وعن الثالث : أن الوجوب من حيث إنه سابق على الأوصاف الثبوتية ، لا يكون ثابتا. ### |||| ** وعن الرابع : أن الوجوب تأكد النسبة ، سواء كانت النسبة للوجود أو العدم ، فإنه يدل على ~~وثاقة الربط بأي محمول كان ، وكما يؤكد الوجود كذا يؤكد العدم. ### |||| ** وعن الخامس : ما تقدم ، والنقض بالإمكان (1). ### ||| ** البحث الثالث : في تقسيم الواجب (2) # الواجب إما أن يكون واجبا لذاته ، وهو الله تعالى لا غير. وإما أن يكون ~~واجبا لغيره ، وهو كل ممكن اتصف (3) بالوجود. # وأما الواجب لذاته ، فوجوبه قد بينا أنه أمر اعتباري (4). # ومن ذهب إلى ثبوته في الخارج ، منع من كونه خارجا عن الذات ، لأنه إن ~~استقل بذاته امتنع أن يكون وصفا لغيره ، لعدم استقلال الوصف بذاته ، فإنه ~~لا يعقل إلا تابعا للموصوف. وإن لم يستقل كان ممكنا لأنه لو فرض ارتفاع ~~الموصوف PageV01P095 # ارتفع. وكل ما كان قوامه متوقفا على غيره ، فإنه لما هو هو مع قطع النظر ~~عن غيره يكون ممكنا ، وكل ممكن يصح عدمه ، فلو امتنع عدمه ، لم يكن ذلك ~~الامتناع لنفس مفهومه ، بل لامتناع سببه الذي هو الذات ، فهو متردد بين صحة ~~العدم وامتناعه ، لكن صحة عدمه يستلزم صحة عدم الواجب ، هذا خلف. وامتناع ~~عدمه يستلزم وجوب الذات ، فإن وجوب المعلول تابع لوجوب العلة ، فيكون ~~للماهية وجوب مثل (1) هذا الوجوب ويتسلسل. ولو جاز لقلنا : الذات إن اقتضت ~~لما هي هي وجوبا ، لم يكن بين الذات وبين ذلك الوجوب وجوب آخر ، وإن لم ~~تقتض لزم نفي الوجوب عن الذات بالكلية ، فيثبت ان الوجوب بالذات يمتنع أن ~~يكون خارجا عن الماهية. ولا يمكن أن يكون جزءا من الماهية ، وإلا لزم تركيب ~~الواجب لذاته هذا خلف. فوجب أن يكون نفس الماهية. # والتحقيق يقتضي نفي النزاع هنا. فإن من جعل الوجوب أمرا اعتباريا ، سلم ~~أنه ليس أمرا خارجا عن الذات ولا جزءا منها. ومن جعله نفس الذات ، إن قصد ~~أن مفهوم النسبة ، وهي «كيفية الرابطة بين الوجود والماهية» نفس الذات ms0056 لم ~~يصب. وإن قصد أنه ليس شيئا زائدا على الذات في الخارج ، فهو مسلم. # أما الوجوب بالغير ، فإنه معلول لذلك الغير ، فصح (2) أن يكون خارجا عن ~~الماهية. # لا يقال : وجوب الوجود وصف للوجود (3)، والوصف منفصل عن الموصوف ، فلا ~~يمكن جعله نفسه ، ولأن الواجب لذاته يساوي سائر الموجودات PageV01P096 # في الوجود ويخالفها في الوجوب ، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز ، ~~فالوجود غير الوجوب. # ولأنا ندرك تفرقة بين قولنا : موجود واجب وبين قولنا : موجود موجود ، ولو ~~كان الوجود هو الوجوب لم يبق بينهما فرق ، فيثبت (1) أن الوجود مغاير ~~للوجوب. فإن لم يكن بينهما تلازم أمكن انفكاك أحدهما عن الآخر ، فيجوز تحقق ~~الوجوب من دون الوجود ، فيخرج الواجب عن كونه واجبا ، هذا خلف. ويجوز تحقق ~~الوجوب من دون الوجود ، فتوجد الصفة من دون الموصوف ، هذا خلف. # وإن تلازما ، فإما من الطرفين وهو دور ، أو يكون (2) الوجود ملزوما ، فكل ~~موجود واجب ، هذا خلف. ويلزم أيضا افتقار الوجوب لصيرورته معلولا ، فيلزم ~~افتقار الواجب والتسلسل ، لأن المعلول واجب لعلته ، فقبل هذا الوجوب وجوب ~~آخر. أو يكون الوجود لازما وهو محال وإلا جاء الدور ؛ لأن الوجوب نعت ~~للوجود ، فلو كان الوجود تابعا لزم كون الوجود تابعا متبوعا. أو يكونا ~~معلولي علة واحدة ، لأن تلك العلة إن كانت موصوفة بهما ، كان ما ليس بموجود ~~ولا واجب علة للوجوب والوجود ، فالمعدوم الممكن علة للموجود الواجب ، هذا ~~خلف. ويلزم (3) كون الوجوب معلولا. وإن كانت صفة لهما عاد الإشكال في كيفية ~~ذلك اللزوم. أو لا موصوفة ولا صفة ، فيكون الموجود الواجب لذاته مفتقرا إلى ~~علة منفصلة ، هذا خلف. # لأنا نقول : الشيء إذا أخذ بشرط وجوده صار ممتنع العدم ، وما كان مانعا ~~للعدم كان مانعا لإمكان العدم والوجود ، فإذن الوجود من حيث هو وجود يمنع PageV01P097 # الإمكان ، وما كان مانعا من الإمكان لزمه الاستغناء عن المقتضي ، فالوجود ~~بشرط التجرد عن الماهية أولى بالمنع من الإمكان ، لأن الشيء الذي له اعتبار ~~الإمكان إذا أخذ مع الوجود دخل في الوجوب ، فالذي لا اعتبار له إلا ms0057 الوجود ~~هو أولى بالوجوب. # والتغاير بين الوجود والوجوب اعتباري ، لما بينا من كون الوجوب والإمكان ~~والامتناع أمورا معقولة ، تحصل في العقل من اسناد المتصورات إلى الوجود ~~الخارجي ، وهي في أنفسها معلولات للعقل بشرط الإسناد المذكور ، وليست أمورا ~~متحققة في الخارج بحيث يرد عليها التقسيم بأنها إما علل للأمور التي يستند ~~إليها أو معلولات لها ، كما أن تصور زيد وإن كان معلولا لمن يتصوره ، لا ~~يكون علة لزيد ولا معلولا له. وكون الشيء واجبا في الخارج ، هو كونه بحيث ~~إذا عقله عاقل مسندا إلى الوجود الخارجي لزم في عقله معقول هو الوجوب. ولما ~~كان الوجود مقولا بالتشكيك لم يجب تساوي مقتضياته ، فان المعاني المشتركة ~~على سبيل التشكيك لا يقتضي استلزام بعضها لشيء استلزام غير ذلك البعض لذلك ~~الشيء ، فإن نور الشمس يستلزم زوال العشي وسائر الأنوار لا تقتضيه ، لكون ~~النور مشتركا بين نورها وسائر الأنوار بالتشكيك. # وفيه نظر ؛ فإن المشكك يوجد فيه اشتراك معنوي ، وإذا اقتضى لذاته شيئا ~~وجب وجود ذلك الاقتضاء في جميع موارده. أما إذا اقتضى لا لذاته ، بل لأجل ~~انضمام ما حصل فيه من الاختلاف ، لم يجب عموم الاقتضاء ، وزوال العشي لا ~~يستند إلى النور المطلق ، بل إلى النور المستند إلى الشمس خاصة إما لشدته ~~أو لمعنى مختص به ، حصل باعتباره مخالفته لسائر الأنوار (1). # والتحقيق في ذلك كله ، ما قلناه أولا من كون الوجوب اعتباريا. PageV01P098 ### ||| ** البحث الرابع : في خواص الواجب لذاته وهي عشرة (1) ### |||| ** الأولى : لا يمكن أن يكون الشيء الواحد واجبا لذاته ولغيره معا ، لأن كل ما بالغير ~~فإنه يرتفع بارتفاع ذلك الغير ، وما بالذات لا يرتفع بارتفاع الغير ، فلو ~~كان الواحد واجبا لذاته ولغيره معا ، لزم ارتفاعه عند ارتفاع ذلك الغير (2) ~~بالنظر إلى كونه واجبا بغيره ، وعدم ارتفاعه عند ارتفاع ذلك الغير بالنظر ~~إلى كونه واجبا لذاته ، فيجتمع فيه النقيضان. # ولأن الواجب بذاته مستغن عن الغير ، إذ معنى الوجوب «استحقاق الوجود ~~لذاته ، أو عدم توقفه على الغير» (3)، والواجب بغيره مفتقر إلى ذلك الغير ~~، لاستحالة وجود المعلول بدون ms0058 علته ، والجمع بين الحاجة في الوجود ~~والاستغناء فيه محال ، وهذا حكم غني عن البرهان (4). ### |||| ** الثانية : الواجب لذاته بسيط ، لا يتركب عن غيره ، وإلا لكان ممكنا ، والتالي باطل ، ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن كل مركب مفتقر إلى أجزائه ، والأجزاء مغايرة له ، ~~فيكون مفتقرا إلى غيره ، وكل مفتقر ممكن ، وأما بطلان التالي ، فلامتناع ~~اجتماع النقيضين. PageV01P099 # لا يقال : يجوز أن يكون كل (1) جزء من الواجب واجبا ، فيستغني في أجزائه ~~عن الغير ، وعند وجود الأجزاء يجب حصول المركب ، فلا يكون مفتقرا إلى الغير ~~لا في ماهيته ولا في أجزائه (2). # لأنا نقول : التركيب يستدعي الإمكان ، فإن كل مركب ممكن بالضرورة ، ~~لافتقاره إلى أجزائه المغايرة له ، فلا يكون المركب واجبا وقد فرضناه واجبا ~~، هذا خلف. ### |||| ** الثالثة : الواجب لذاته لا يتركب عنه غيره ، لأن التركيب إما معنوي أو خارجي ، ~~والقسمان باطلان. # أما الأول ، فلأنه إنما يحصل من الجنس والفصل ، وواجب الوجود يستحيل أن ~~يكون جنسا ، وإلا لافتقر إلى الفصول. ويستحيل أن يكون فصلا ، لأنه صورة ~~للجنس ، والصورة مفتقرة إلى المادة نوعا ما من الافتقار ، وواجب الوجود لا ~~يفتقر إلى الغير. # وأما الثاني ، فلأنه (3) لا بد فيه من انفعال ما ، كما في الممتزجات (4) ~~، وهو ممتنع في حق واجب الوجود. ### |||| ** الرابعة : الواجب لذاته لا يكون وجوده زائدا عليه ، وإلا لزم أن يكون ممكنا ، لافتقار ~~وجوده إلى ماهيته. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. ### |||| ** الخامسة : الواجب لذاته لا يكون وجوبه زائدا عليه ، وقد تقدم (5). PageV01P100 ### |||| ** السادسة (1) ### |||| ** : الواجب لذاته لا يكون مشتركا بين اثنين ، وإلا لزم تركب كل واحد منهما ، ~~لاشتراكهما في الوجوب الذاتي ، فيجب امتياز كل منهما عن صاحبه بأمر مغاير ~~لما وقع به الاشتراك ، فيكون كل واحد منهما مشتملا على ما به الاشتراك وما ~~به الامتياز ، فيكون مركبا ، فيكون ممكنا ، ولأن الجزءين (2) إن لم يكن ~~بينهما تلازم ، أمكن انفكاك كل واحد منهما عن صاحبه ، فيكون اجتماعهما ~~معلول علة منفصلة ، هذا خلف. وإن كان بينهما ملازمة ، فإن استلزمت الهوية ~~الوجوب ، كان الوجوب معلولا ، هذا خلف ، وإن كان بالعكس (3) لزم ms0059 المطلوب ، ~~إذ يكون كل واجب (4) هو هو ، فما (5) ليس هو لم يكن واجبا. # اعترض (6): بأن الوجوب ليس وصفا ثبوتيا وإلا لزم التسلسل ، وكذا التعين (7). # ولأن الواجب يشارك الممكن في الوجود ، ويخالفه في الوجوب ويعود التقسيم (8). # ولأن الاشتراك هنا لفظي لا معنوي. PageV01P101 # ولأن الوجوب وصف لا جزء ، ولا يلزم من الاشتراك في الأوصاف التركيب. # ولأن الامتياز بعارض ، فلا يكون مركبا. # والجواب : البحث في مفهوم واجب الوجود ، ولا يمكن أن يكون وصفا اعتباريا. # والاشتراك في الوجود إن كان ، فهو في (1) وصف عارض ، فلا يجب به التركيب. # والاشتراك هنا معنوي ، لأن المفهوم واحد فيما يفرض اشتراكه فيه. # والوجوب إذا جعلناه وصفا لم يلزم كون الواجب وصفا ، والبحث في الواجب. ~~على أنا أخذنا مفهوم الواجب ، وجعلناه منظورا فيه لا معروضه. # والامتياز إذا كان بعارض (2)، أمكن زواله ، فخرج هذا الواجب عن كونه ~~واجبا ، هذا خلف. # قال أفضل المحققين : «كون استلزام الهوية الوجوب خلفا ، فيه نظر ؛ لأن ~~الخلف يكون لو كان الواجب معلول الغير ، لا الوجوب. أما إن كانت هويته ~~مستلزمة لوجوبه ، وكان وجوبه محتاجا إلى هويته ، لم يلزم منه كون الهوية ~~معلول الغير (3)، بل يلزم منه كون الهوية غير واجبة بانفرادها ، إنما تكون ~~واجبة بصفة (4) تقتضيها ذاتها» (5). # وفيه نظر ، لأن إمكان الوجوب يستلزم إمكان الواجب ، فإن الواجب إنما PageV01P102 # هو واجب بذلك الوجوب ، فإذا أمكن زواله ، أمكن خروج الواجب عن كونه واجبا ~~، فلا يكون واجبا لذاته. وكون الهوية واجبة (1) بصفة (2) تقتضيها ذاتها ، ~~يستلزم الدور ، لأن وجوب الصفة تابع لوجوب الموصوف ، فلا (3) يمكن أن يكون ~~متبوعا. # ثم أجاب عن المعارضة بكون الواجب مساويا للممكن في الوجود ، بأن ~~اشتراكهما في الوجود ليس بالتواطؤ. # وفيه نظر ؛ فإن قصد المشك وجود أمرين في واجب الوجود ، فيلزم التركيب. # وإنما الجواب الحق ، ما بيناه ، من أن الاشتراك في الصفات لا يلزم منه ~~التركيب. # ثم قال (4): «والواجب أن نقول (5): «الواجب لذاته يستحيل أن يكون ~~محمولا على اثنين ، لأنه (6) إما أن يكون ذاتيا لهما ، أو عرضيا لهما ، أو ~~ذاتيا لأحدهما عرضيا للآخر. فإن كان ms0060 ذاتيا لهما ، فالخصوصية التي بها يمتاز ~~كل واحد من الآخر لا يمكن أن يكون داخلا في المشترك ، (7) وإلا فلا امتياز ~~، فهو خارج ، فيضاف (8) إلى المعنى المشترك ، فإن كان في كل واحد منهما ، ~~كان كل واحد منهما ممكنا من PageV01P103 # حيث هو موجود ممتاز (1) عن الآخر ، وإن كان في أحدهما فهو ممكن. وإن كان ~~عرضيا لهما أو لأحدهما ، فمعروضة في ذاته لا يكون واجبا». # لا يقال : الواجب لذاته هو المعنى المشترك فقط. # لأنا نقول : المعنى المشترك لا يوجد في الخارج من حيث هو مشترك من غير ~~مخصص (2) يزيل اشتراكه. # لا يقال : المخصص سلبي ، وكل واحد منهما مختص بأنه ليس الآخر. # لأنا نقول : سلب الغير لا يحصل (3) إلا بعد حصول الغير ، وحينئذ يكون كل ~~واحد منهما (4) بعد حصول الغير ، فيكون ممكنا» (5). ### |||| ** السابعة : وقوع لفظ الواجب على الواجب لذاته والواجب لغيره بالاشتراك اللفظي ، وإلا ~~لزم تركيب الواجب لذاته ، فيكون ممكنا ، ولأن القدر المشترك إن كان غنيا عن ~~الغير ، لم يكن تمام ماهية الوجوب بالغير عارضا للغير ، هذا خلف. وإن كان ~~مفتقرا ، لم يكن تمام ماهية الوجوب بالذات غنيا عن الغير. # اعترض بإمكان التقسيم إليهما (6)، ومورد التقسيم مشترك. # قال أفضل المحققين : لا يلزم من كون الوجوب مشتركا بين الوجوب بالذات ~~والوجوب بالغير ، كون الوجوب بالذات مركبا ، لأن تعقل الوجوب بالذات لا ~~يفتقر إلى تعقل غير الذات. أما الوجوب بالغير فيفتقر تعقله إلى انضياف تعقل PageV01P104 # الغير إلى تعقل الوجوب. # ثم لو كان الوجوب الذي هو «أمر حاصل في العقل عند اسناد متصور إلى الوجود ~~(1) الخارجي» مركبا لم يلزم منه تركيب المسند إليه ، كما لا يلزم من كونه ~~محتاجا إلى موصوف به ، كون الموصوف به محتاجا إلى غيره. # وأيضا الامتناع مشترك بين الامتناع بالذات والامتناع بالغير ، ولا يلزم ~~من تركبه تركب في الممتنع لذاته (2) الذي يكون نفيا (3) محضا. # وقوله (4): «القدر المشترك إن كان غنيا عن الغير لم يكن تمام ماهية ~~الوجوب بالغير عارضا للغير ، هذا خلف». # فيه نظر ؛ لأنه لا يلزم منه الخلف ، فإن من استغناء الجزء ms0061 لا يلزم ~~استغناء المركب ، بل إنما يلزم من افتقار الجزء افتقار المركب» (5). # وفيه نظر ؛ فإن كل معنى معقول كلي إذا أخذ مخصصا ، استدعى تركيبا عقليا ~~مما وقع به الاشتراك وما وقع به التخصص (6) سواء كان ذلك الكلي جنسا أو ~~نوعا ، فإن أفراد النوع مشتركة في معنى كلي إذا أخذ مع مشخصات خاصة ، كان ~~المجموع مركبا من ذلك المعنى الكلي ومن قيد التشخص ، والوجوب هنا أخذ ~~مشتركا ، فيكون الوجوب بالذات مركبا منه ومن قيد الخصوصية. # وقوله : «الوجوب بالذات لا يفتقر إلى تعقل غير الذات» ، لا يضر في PageV01P105 # الدليل ، فإن الذات مغايرة للوجوب ، والتركيب لم يلزم من الافتقار إلى ~~تعقل غير الذات ، بل من وجوب وجود مخصص زائد على القدر المشترك. # ثم قوله : «إنه غير مفتقر إلى تعقل غير الذات» ممنوع ، بل يفتقر إلى تعقل ~~نسبته (1) إلى الذات ، وهو أمر مغاير لذلك المعنى الكلي ، كما أن الوجوب ~~بالغير يفتقر إلى انضياف تعقل الغير إلى تعقل الوجوب. # قوله : «تركيب (2) الوجوب لا يلزم منه تركيب المسند إليه». # قلنا : نسلم (3)، بل يلزم منه إمكانه على ما تقدم (4). # قوله : «كما لا يلزم من كونه محتاجا إلى موصوف به ، كون الموصوف به ~~محتاجا إلى غيره». # قلنا : مسلم أنه لا يلزم من افتقار الصفة افتقار الموصوف ، لكن هنا يلزم ~~ذلك ، فإن الموصوف إنما هو واجب بهذه الصفة ، فإذا كانت ممكنة ، كان ~~الموصوف ممكنا. والتركيب العقلي كما هو ثابت في الواجب ، كذا في الممتنع ، ~~وكونه نفيا محضا لا ينافي التركيب العقلي. # وقوله : «لا يلزم من استغناء الجزء استغناء المركب». # قلنا : حق ، لكنا نحن ادعينا أن المشترك إذا كان غنيا ، لم يكن تمام ~~ماهية الوجوب بالغير عارضا للغير ، (5) وهو صحيح ، فإن العارض حينئذ لا ~~يكون تمام الماهية ، بل جزئها. PageV01P106 # وأيضا ، فإن الوجوب المشترك حينئذ يكون جنسا فإذا افتقر الفصل إلى الغير ~~، كان الجنس الذي هو معلوله أولى بالافتقار. # وأيضا الواجب لغيره هو الذي يجب وجوده عند حصول ذلك الغير ، فإذا كان ~~الوجوب المشترك بين هذا الممكن وبين الواجب لذاته مستغنيا ms0062 عن الغير ، كان ~~ذلك الممكن مستغنيا عن الغير ، هذا خلف. ### |||| ** الثامنة : الواجب لذاته واجب في جميع صفاته الحقيقية ، لامتناع افتقاره إلى الغير على ~~ما يأتي بيانه (1): # أما الصفات الإضافية (2) فإنها أمور اعتبارية متوقفة على المضافين ، ~~وليست حاصلة في الخارج ، بل في الذهن ، فجاز توقفها على الغير ، ولا يثلم ~~ذلك غناه (3). ### |||| ** التاسعة : الواجب لذاته لا يمكن عدمه ، وإلا لم يكن واجبا لذاته ، إذ معناه هو الذي ~~لا يمكن عدمه. وقيل (4): «لو صح عليه العدم ، لكان وجوده متوقفا على عدم ~~سبب عدمه ، والمتوقف على الغير ممكن بالذات». # قال : أفضل المحققين (5): «عدم واجب الوجود ممتنع لذاته لا لغيره (6)، PageV01P107 # فالتعليل «بعدم توقف وجوده على عدم سبب عدمه» تعليل ما ثبت للشيء (1) ~~لذاته بعلة غير ذاته». ### |||| ** العاشرة : قال أفضل المتأخرين (2): الواجب لذاته يجوز أن تعرض له صفات تستلزمها ذاته ~~، فيكون الوجوب الذاتي حصة لتلك الهوية فقط ، وسائر النعوت واجبة لوجوب (3) ~~تلك الهوية ، وتكون الوحدة حصة لتلك الهوية من حيث هي هي ، وإن كانت إذا ~~أخذت مع الوحدة لم تبق واحدة». # قال أفضل المحققين : «هذا ممتنع عند الحكماء ، لأنهم يقولون «الواحد من ~~حيث هو واحد لا يكون مصدرا لأكثر من واحد». # وقوله : «وسائر النعوت واجبة لوجوب تلك الهوية» معناه أن صفاته المتكثرة ~~ممكنة لذواتها ، فالواحد لا يكون إلا الذات ، مع أنها مع الوحدة لا تكون ~~أيضا واحدة ، ومع الصفات تكون كثيرة وهذا ليس مما ذهب إليه الحكماء ولا ~~المتكلمون ، إلا الأشاعرة ، كما سيجيء شرحه. # وقوله : «الوحدة حصة لتلك الهوية وإذا أخذت مع الوحدة لم تبق واحدة» يجري ~~مجرى قول من يقول : «إذا علم الإنسان الواحد ، كان ذلك الواحد مع علمه به ~~اثنين ، فإن الوحدة هي تعقل العقل لعدم (4) انقسام تلك الهوية» (5). PageV01P108 ### ||| ** الفصل الثالث : ### | في مباحث الإمكان (1) ### ||| ** البحث الأول : # الممكن له أمران : أحدهما ### |||| ** : أنه ليس له في ذاته اقتضاء الوجود ولا اقتضاء العدم ، وهو اعتبار مغاير ~~لاقتضاء العدم ، فإن اقتضاء العدم يدخله في الممتنع ، بخلاف عدم اقتضاء ~~الوجود والعدم. ### |||| ** والثاني : احتياجه في وجوده وعدمه إلى الغير ، وهذا ms0063 الاعتبار الثاني معلول للأول. # وبينهما فرق ، فإنا إذا حكمنا على شيء بالحاجة إلى الغير طلب العقل لذلك ~~علة ، فإن علل بعدم اقتضاء الوجود والعدم قنع بذلك. وإنما يصح التعليل لو PageV01P109 # تغاير الاعتباران ، ولأن عدم اقتضاء ذاته للوجود والعدم اعتبار حاله (1) ~~من حيث هو مع قطع النظر عن وجود غيره وعدمه ، وأما تعلقه بالغير وتوقفه ~~عليه فذلك اعتبار حاله بالنسبة إلى الغير (2). ### ||| ** البحث الثاني : في أقسامه (3) # الإمكان بالنسبة إلى الضرورة ، كالعدم بالنسبة إلى الحقيقة. ولما كانت ~~أقسام العدمات تابعة لأقسام الملكات ، كان الإمكان تابعا للضرورة في ~~التقسيم. ولما كانت الضرورة إما ذاتية أو غير ذاتية. والذاتية إما بالنظر ~~إلى الوجود أو بالنظر إلى العدم ، كان سلبها كذلك. # فالإمكان وضع في اللغة بإزاء سلب الضرورة ، فإن سلب ضرورة الوجود ، كان ~~إمكانا عاما سلبيا ، وإن سلب ضرورة العدم ، كان إمكانا عاما إيجابيا ، وإن ~~سلب الضرورتين معا ، كان إمكانا خاصا. وإن سلب الضرورة الذاتية والمشروطة ، ~~كان إمكانا أخص. وإن أخذ ذلك باعتبار المستقبل كان إمكانا استقباليا. # فالإمكان العام ، إن أخذ بالنظر إلى الوجود ، كان ممكن الوجود هو «الذي ~~لا يمتنع وجوده» وهو يشمل أمرين : وجوب الوجود ، وإمكان الوجود والعدم. # وإن أخذ بالنظر إلى العدم ، كان ممكن العدم هو «الذي لا يجب وجوده» وهو ~~يشمل أمرين : وجوب العدم أعني الممتنع ، وإمكان الوجود والعدم. PageV01P110 # والأشياء بحسب هذا الاعتبار قسمان : ممكن ، وضروري مقابل له. # وأما الإمكان الخاص ، فإنه يقابل الضرورتين معا. # والأشياء بحسبه ثلاثة : واجب ، وممتنع ، وممكن خاص. ويصدق عليه الإمكان ~~باعتبارين أحدهما : دخوله تحت الأول. والثاني : الوضع بإزائه. # واعلم : أن الإمكان عند الأوائل يقال بالاشتراك اللفظي على معنيين. # أحدهما : ما يقابل الامتناع ، وهو الإمكان الراجع إلى الماهية ، وهو ~~عندهم صفة عقلية يوصف بها كل ما عدا الواجب والممتنع من المتصورات (1). # والثاني : الاستعداد وهو عندهم صفة موجودة من جملة أنواع مقولة الكيف ، ~~عرضي غير باق بعد وجود المستعد إلى (2) الفعل. ### ||| ** البحث الثالث : في أن الإمكان العام سلبي (3) # الحق : أنه اعتبار عقلي ، لا تحقق له في الأعيان وإلا ms0064 لزم التسلسل ، ~~واللازم باطل ، فالملزوم مثله. # بيان الشرطية : أن كل ثابت ، فإما واجب أو ممكن ، فلو كان الإمكان ثابتا ~~، لكان أحدهما ، فيكون له إمكان (4) آخر ، إذ نسبة وجوده إليه لا يخلو عن ~~هاتين الكيفيتين. # ولأن صحة وجود الماهية سابقة على حصوله ، فتلك الصحة لو كانت صفة ثبوتية ~~، لكان ثبوت الصفة الثابتة للشيء سابقا على ثبوت الشيء في نفسه. PageV01P111 # ولأنه محمول على الممكن الخاص الذي يجوز أن يكون معدوما ، وما يجوز حمله ~~على العدم كان عدميا ، فالإمكان العام عدمي. # ولأن المفهوم منه سلب الضرورة ، وسلب الضرورة داخل تحت مطلق السلب. # ولأن إمكان الوجود هو بعينه إمكان العدم ، إذ مفهومه واحد فيهما (1)، ~~وإمكان العدم عدمي ، لاتصاف العدم به ، فيكون إمكان الوجود كذلك. # احتج المخالف : بأنه نقيض الامتناع العدمي ، فيكون ثبوتيا. # والجواب ، كما أنه نقيض الامتناع باعتبار ، فكذا هو نقيض الوجوب (2) ~~باعتبار ، فيكون عدميا. # والحق : أنه اعتبار عقلي وحكم ذهني يتعلق بنسبة المحمول إلى الموضوع. # واعلم : أنه كما أن الإمكان العام ليس بثبوتي ، فكذا ليس بجنس وهو ظاهر ، ~~فإن العدمي لا يقوم غيره. وقد بينا أنه أمر اعتباري. # ولأنه لو كان جنسا لكان امتياز الواجب عن الممكن بفصل ، فيكون الواجب مركبا. ### ||| ** البحث الرابع : في أن الإمكان الخاص (3) سلبي # أكثر الأوائل على أن الإمكان الخاص ثبوتي ، واحتج «ابن سينا» عليه : بأنه ~~لو كان عدميا لما بقي فرق بين قولنا : لا إمكان له ، وبين قولنا : إمكانه ~~عدمي ، لعدم الامتياز في العدميات ، ولما كان الفرق ثابتا وجب أن يكون ~~الإمكان ثبوتيا. PageV01P112 # وهذه الحجة عظيمة الاختلال ، فإن الملازمة كاذبة ، لأن الفرق واقع في ~~العدميات ، كالوجوديات ، ومنقوضة بالامتناع ، فإن الحجة التي ذكرها في ~~الإمكان ، آتية في الامتناع ، إذ لقائل أن يقول : لو لم يكن الامتناع ~~ثبوتيا لم يبق فرق بين قولنا : لا امتناع له ، وبين قولنا : امتناعه عدمي ، ~~ولما لم يدل ذلك على ثبوت الامتناع ، فكذا الإمكان (1). # ثم الذي يدل على كونه عدميا وجوه : ### |||| ** الوجه الأول : لو كان الإمكان ثبوتيا لزم التسلسل ، أو وجوب الممكن لذاته ، والتالي باطل ms0065 ~~بقسميه ، فكذا المقدم (2). # بيان الشرطية : أنه لو كان ثابتا ، لكان قد شارك غيره من الموجودات في ~~الوجود ، وامتاز عنها بخصوصية ، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز ، ~~فيكون وجوده زائدا على ماهيته ، فاتصاف ماهيته بوجوده إما أن يكون واجبا أو ممكنا. # فإن كان واجبا لزم كون الممكن الموصوف بالإمكان أولى بالوجوب ، لأن شرط ~~الواجب لذاته واجب. ولأن وجوب الإمكان غير معقول. أما أولا : فلأنه صفة ~~والصفة لا تعقل قائمة بذاتها ، بل قائمة بغيرها ، فلا يعقل وجوبها. وأما ~~ثانيا : فلأنه أمر نسبي لا يعقل إلا بعد ثبوت منتسبيه. # وإن كان ممكنا كان له إمكان زائد على ماهيته ، لأنه نسبة بين ماهيته ~~ووجوده (3) والنسبة مغايرة للمنتسبين وهو ثبوتي ، فيكون له إمكان آخر ~~ويتسلسل. وأما بطلان التالي فظاهر. PageV01P113 # اعترضه أفضل المحققين : «بأن الإمكان أمر عقلي ، فمهما اعتبر العقل ~~للإمكان ماهية ووجودا ، حصل فيه إمكان امكان وانقطع عند انقطاع الاعتبار. ~~فإن كون الشيء معقولا ينظر فيه العقل ويعتبر وجوده ولا وجوده ، غير كونه ~~آلة للعاقل ، ولا ينظر فيه من حيث ينظر فيما هو آلة لتعقله ، بل إنما ينظر ~~به ، مثلا العاقل يعقل السماء بصورة في عقله، ويكون معقوله السماء ، [و] ~~(1) لا ينظر حينئذ في الصورة التي بها يعقل السماء ، ولا يحكم عليها بحكم ، ~~بل يعقل أن المعقول بتلك الصورة هو السماء وهو جوهر. ثم إذا نظر في تلك ~~الصورة ، أي يجعلها معقولا (2) منظورا إليها ، لا آلة في النظر إلى غيرها ، ~~وجدها عرضا موجودا في محل هو عقله ممكن الوجود (3). وهكذا «الإمكان» هو ~~كآلة للعاقل بها يعرف حال الممكن في أن وجوده كيف يعرض لماهيته ، ولا ينظر ~~في كون الإمكان موجودا أو غير موجود ، أو جوهرا أو عرضا أو واجبا أو ممكنا. ~~ثم إن نظر في وجوده أو إمكانه أو وجوبه أو جوهريته أو عرضيته ، لم يكن بذلك ~~الاعتبار إمكانا لشيء ، بل كان عرضا في محل هو العقل ، وممكنا في ذاته ، ~~ووجوده غير ماهيته. وإذا تقرر هذا ، فالإمكان من حيث هو إمكان لا يوصف ~~بكونه ms0066 موجودا أو غير موجود أو ممكنا أو غير ممكن. وإذا وصف بشيء من ذلك لا ~~يكون حينئذ إمكانا ، بل يكون له إمكان آخر» (4). # وهذا الكلام على طوله لا يفيد مطلوبه ، بل هو تسليم لما قلناه ، فإنه إذا ~~كان أمرا عقليا كان عدميا في الخارج لا تحقق له فيه ، وهو المراد. PageV01P114 # ثم قوله : «إذا اعتبر العقل للإمكان ماهية ووجودا حصل فيه إمكان امكان» ، ~~إن قصد بذلك ثبوت وجود خارجي لزم التسلسل ، ولم يكن اعتبارا عقليا ، وهو ضد ~~ما قاله أولا. وإن قصد بذلك ثبوت وجود ذهني ، فهو مسلم ، ونحن لا نتنازع في ~~الثبوت الذهني. وإن قصد أنه موجود في الخارج باعتبار كونه ثابتا في الذهن ~~ويعرض له حينئذ إمكان آخر ذهني ، فهو تسلم (1) لما قلناه أيضا. ### |||| ** الوجه الثاني : لو كان الإمكان ثبوتيا لزم أحد محالات أربعة : إما كون الإمكان جوهرا ، أو ~~قيام الموجود بالمعدوم ، أو قيام الصفة بغير الموصوف ، أو سبق الوجود على ~~الإمكان ، والكل باطل ، فالمقدم كذلك. # بيان الشرطية : أن الإمكان الثابت للحادث إما أن يثبت قبل وجوده أو لا. ~~فإن كان الثاني ، لزم سبق الوجود على الإمكان. وإن كان الأول ، فإما أن ~~يكون قائما بذاته فيكون جوهرا ، إذ لا معنى للجوهر إلا المستغنى في وجوده ~~عن محل يقوم به. (2) وأما أن يكون قائما بغيره ، فذلك الغير إما الموصوف ، ~~فيلزم قيام الموجود بالمحل المعدوم ، أو غيره (3)، فيلزم قيام الصفة بغير ~~موصوفها. وأما بطلان الأقسام فظاهر ، فإن الإمكان أمر نسبي يتوقف على ثبوت ~~المنتسبين ، فلا تعقل جوهريته وقيامه بذاته واستقلاله بالوجود عن محله. ~~والضرورة قاضية بسبق الإمكان على الوجود ، فإن الشيء يمكن أن يوجد ، ثم ~~يوجد بفاعله. ولا يصح أن يقال : يوجد ، ثم يمكن وجوده. ولو جوزنا قيام ~~الموجود بالمعدوم ، لجوزنا كون الأجسام عدمية ، لأن المشاهد منها ليس إلا ~~الأعراض ، وذلك عين السفسطة. ولو جوزنا قيام الصفة بغير الموصوف ، لجوزنا ~~أن يكون زيد عالما قادرا ذا لون مخصوص وكم PageV01P115 # مخصوص بعلم وقدرة ولون ، وكم قائمة بالغير ، وذلك ظاهر البطلان. # اعترضه أفضل ms0067 المحققين (1) بأن «إمكان الشيء قبل وجوده حال في موضوعه» ، ~~فإن معناه كون ذلك الشيء في موضوعه بالقوة ، وهو صفة للموضوع من حيث هو فيه ~~، وصفة للشيء (2) من حيث هو بالقياس إليه. فبالاعتبار الأول يكون كعرض في ~~موضوع ، وبالاعتبار الثاني يكون كإضافة لمضاف إليه (3)، ولما لم يكن وجود ~~مثل هذا الشيء إلا في غيره لم يمتنع أن يقوم إمكانه أيضا بذلك الغير» (4). ~~ولأن الإمكان صفة للمتصور المستند إلى الوجود الخارجي ، والشيء حال عدمه ~~يكون متصورا ، فيكون موصوفا بالإمكان. # والجواب : أن موضوع الشيء مغاير له ، فلا يعقل قيام صفة الشيء به. # اللهم إلا أن يقول : إن الموضوع لما كان محلا للشيء كان محلا لصفاته ، ~~فنقول حينئذ يستحيل قيام تلك الصفات بذلك الموضوع بالاستقلال ، وإنما تقوم ~~به (5) تبعا لقيام موصوفها به ، لكن قيام موصوفها به يستدعي وجوده ، فيلزم ~~أن يكون قبل وجوده لا صفة له في موضوعه. # ثم قوله : «إنه صفة للموضوع من حيث هو فيه ، وصفة للشيء (6) من حيث هو ~~بالقياس إليه» ضعيف ؛ فإن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون وصفا لأمرين PageV01P116 # متغايرين ، بل إنما هو صفة للمنسوب إليه ، فلا يعقل قيامه بالاستقلال في ~~موضوعه. # وقوله : «ولما لم يكن وجود مثل هذا الشيء إلا في غيره ، لم يمتنع أن يقوم ~~إمكانه أيضا بذلك الغير» ضعيف ؛ لأن إمكانه إنما يقوم بذلك الغير تبعا ~~لقيامه بذلك الغير كما بينا. ثم تخصيص الإمكان بالقائم بالغير ممنوع ، فإن ~~كل حادث على الإطلاق يسبقه إمكان حدوثه. # لا يقال : الحوادث منحصرة في الصور والأعراض والمركبات. # لأنا نقول : سيأتي بطلان ذلك في باب الحدوث إن شاء الله تعالى. # وقوله : «الإمكان صفة للمتصور المستند إلى [الوجود] الخارجي ، والشيء حال ~~عدمه يكون متصورا ، فيكون موصوفا بالإمكان» تسليم (1) للمنازع ، فإنا ما ~~سعينا إلا لإثبات كون الإمكان أمرا اعتباريا لا تحقق له في الخارج. ### |||| ** الوجه الثالث : لو كان الإمكان ثبوتيا لزم تأخر الشيء عن المتأخر عنه ، والتالي باطل ~~بالضرورة ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن الإمكان أمر إضافي ، متوقف وجوده على وجود مضافيه ، ~~فيكون ms0068 متأخرا عن ثبوت الماهية والوجود ، فيكون الوجود المتأخر عن الإمكان ~~متقدما عليه ، هذا خلف (2). # اعترضه أفضل المحققين : بأن الإمكان من حيث كونه صفة إضافية إنما يتحقق ~~عند ثبوت المضافين (3)، ولكن يكفيه ثبوتهما في العقل ، ولا يجب من ذلك ~~تقدمهما عليه في الخارج ، لكنه من حيث تعلق معروضيه الثابتين في العقل بأمر PageV01P117 # وجودي في الخارج يستدعي لا محالة موضوعا موجودا في الخارج (1). # وليس بجيد ، فإن الإضافات تابعة لوجود المضافات ، فإذا كانت الإضافة ~~ثابتة في الخارج ، وجب ثبوت مضافها فيه. وإذا ثبت المضافان في العقل استحال ~~ثبوت الإضافة في الخارج ، فلا يكون للإمكان ثبوت في الخارج ، بل في العقل ، ~~وهو المطلوب. # قوله : «لكن من حيث تعلق معروضيه الثابتين في العقل بأمر وجودي في الخارج ~~، يستدعي لا محالة موضوعا موجودا في الخارج» ضعيف ، فإن معروضيه هما ~~الماهية والوجود ، وهما عقليان على ما فرضهما ، فكيف يتعلقان بأمر خارجي ~~قبل وجودهما فيه. ### |||| ** الوجه الرابع : لو كان الإمكان ثبوتيا لزم تسلسل المواد وثبوت المادة للمجردات ، والتاليان ~~باطلان ، فالمقدم كذلك (2). # بيان الشرطية : أن الصور والأعراض كما أنها ممكنة ، كذلك المواد والنفوس ~~والعقول ممكنة أيضا ، فإن استدعى الإمكان الأول موضوعا ، استدعى الثاني. # اعترضه أفضل المحققين : بأن كل إمكان فهو بالقياس إلى وجود. والوجود إما ~~بالعرض كوجود الجسم أبيض (3)، أو بالذات كوجود البياض. أما الإمكان ~~بالقياس إلى وجود بالعرض (4)، فهو يكون للشيء بالقياس إلى وجود شيء آخر له ~~، أو بالقياس إلى صيرورته موجودا آخر ، كما يقال : الجسم يمكن أن يكون أبيض ، PageV01P118 # أو يوجد له البياض ، أو يقال : الماء يمكن أن يصير هواء ، والمادة يمكن ~~أن تصير موجودة بالفعل (1). وظاهر : أن جميع هذه الإمكانات محتاجة إلى ~~موضوع موجود معها ، وهو محلها (2). وأما الإمكان بالقياس إلى وجود بالذات ~~، فيكون للشيء بالقياس إلى وجوده. ولا يخلو إما أن يكون ذلك الشيء مما يوجد ~~في موضوع ، أو مادة ، (3) أو مع مادة (4)، كما يقال : البياض يمكن أن يوجد ~~أو يكون ، وكذلك الصورة والنفس. وحكم هذا الإمكان في الاحتياج إلى موضوع ~~حكم القسم الأول (5)، ويكون ms0069 موضوعه حامل وجود ذلك الشيء. وأما ما لا يكون ~~كذلك ، بل يكون ذلك الشيء قائما بنفسه ، لا علاقة له بشيء من الموضوع ~~والمادة ، فإنه لا يكون محدثا ، وإلا لسبقه إمكانه. ولا يمكن أن يتعلق ~~بموضوع دون موضوع ، إذ لا علاقة له بشيء. فإمكانات الحوادث تكون قبل وجودها ~~، ويعبر عنها بالقوة ، فيقال : هذه الموجودات في موادها بالقوة ، وهي تختلف ~~بالبعد والقرب ، ويزول عنها مع خروج الوجودات (6) من القوة إلى الفعل. ~~وإنما يقع اسم الإمكان عليها بالتشكيك. وأما إمكان (7) الموجودات الممكنة ~~في أنفسها ، فهي أمور لازمة لماهياتها عند تجردها عن الوجود والعدم بالقياس ~~إلى وجوداتها ، وكذلك الوجوب والامتناع. # فقد ظهر الفرق بين الإمكانين عند تعلقهما بما في الخارج ، وأن إمكان مثل PageV01P119 # هذه الأشياء المجردة صفة لماهياتها المجردة عن الوجود والعدم في العقل ، ~~وهي من حيث ثبوتها في العقل موضوع. والإمكان بهذا الاعتبار ، كعرض في موضوع ~~، وهو أيضا صفة لوجوداتها ، ويكون بهذا الاعتبار كاضافة لمضاف إليه (1). # والجواب : قد بينا ضعف حلول إمكان الشيء في موضوعه ، للتغاير بين الموضوع ~~والحال ، إلا على سبيل التبعية ، وحينئذ يلزم المحذور الذي فر منه (2). # وقوله (3): «ما لا يكون كذلك لا يكون محدثا وإلا لسبقه إمكانه». # قلنا : الإمكان سابق إما بالزمان أو بالذات قطعا ، لكن لا في الخارج ، ~~لما بينا من كون الإمكان أمرا اعتباريا ، وجعل الإمكان واقعا بالتشكيك لا ~~يفيده شيئا (4) على تقدير ثبوته. وباقي كلامه سبق جوابه. ### |||| ** الوجه الخامس : لو كانت الإمكانات ثبوتية لزم وجود ما لا يتناهى دفعة مع ترتيب عقلي ، ~~والتالي باطل لما سيأتي في بطلان التسلسل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن الحوادث غير متناهية في المستقبل ، فتكون لها إمكانات ~~لا تتناهى ، ولما كانت الحوادث مترتبة ترتبت (5) إمكاناتها ، وهو محال. ثم ~~نقول هذه الإمكانات لا يمكن اجتماعها ، فإن الإمكان من حيث طبيعة الإمكان ~~لا تختلف أفراده ، ومن حيث المادة الحاملة لها لم تختلف ، فليس اختلاف ~~الإمكانات الغير المتناهية إلا لاختلاف ما هي امكاناته ، وهي الحوادث ~~المعدومة ، ويستحيل PageV01P120 # امتياز الإمكانات بالإضافة إلى أشياء معدومة ، ولا يمكن ms0070 امتيازها باعتبار ~~الذهن ، فإن الأشياء المتحصلة في الأعيان يجب امتيازها بأمور عينية لا ذهنية. # ونقول أيضا : هذه الإمكانات التي لا تتناهى إذا كانت حالة في مادة ، ~~وقسمناها بنصفين ، فإن بقى في كل واحد إمكانات غير متناهية هي بعينها ~~الإمكانات الأولى لزم قيام الشيء الواحد بمحلين ، وهو غير معقول. وإن حدث ~~في كل واحد منهما إمكانات أخر غير متناهية ، احتاجت عندكم إلى إمكانات أخر ~~غير متناهية. وإن بقي في كل واحد منهما إمكانات متناهية ، كان المجموع ~~متناهيا. ولو كانت الإمكانات ثبوتية ، لكانت إما غنية عن المؤثر أو محتاجة ~~إليه ، والقسمان باطلان ، فالمقدم باطل. # بيان استحالة الأول : أن كل موجود لا يكون واجب الوجود فهو محتاج إلى السبب. # وبيان استحالة الثاني : أن المؤثر إما تلك الماهية أو شيء آخر ، والثاني ~~محال ، لأن الأمر الخارجي لا يعطي صفة للشيء إلا بعد أن يكون ذلك الشيء ~~قابلا لها ، فإذن هذه الإمكانات إنما تفيض عن واهبها بعد أن تكون الماهية ~~قابلة لها ، وذلك القبول هو الإمكان ، فقبل الإمكان إمكان آخر ، ويتسلسل ~~إلى أن ينتهي إلى إمكان لا يحصل من الفاعل الخارجي ، والأول محال ، أما ~~أولا : فلاستحالة كون الشيء قابلا وفاعلا معا عندهم. وأما ثانيا : فلأن ~~العلة متقدمة على المعلول في الوجود ، فلو كانت الماهية علة لوجود الإمكان ~~لكانت الماهية موجودة قبل وجود إمكانها ، وهو باطل. وأما ثالثا ، فلأن ~~الإمكان سابق على الوجود ، فيلزم وجود الوصف قبل وجود الموصوف ، وهو باطل. PageV01P121 ### ||| ** البحث الخامس : في كيفية عروض الإمكان (1) # الإمكان أمر عقلي واضافة ذهنية يحكم به العقل على الغير عند قياسه إلى ~~وجوده أو إلى وجود شيء آخر له ، لا مطلقا ؛ فإنه لا يحكم به على الواجب ~~لذاته ، ولا على الممتنع لذاته ، وإنما يحكم به على ماهية لا يجب لها أحد ~~الأمرين ، أعني الوجود أو العدم ، فإذا نسب العقل الوجود إلى هذه الماهية ~~حكم لها بجوازه ، ثم لو فرض العقل هذه الماهية مقترنة (2) مع وجودها ، أو ~~وجود سببها ، أو مع عدمها ، أو عدم سببها ، لم يحكم بهذه الإضافة ms0071 أيضا ، ~~فإن الماهية مع الوجود تصير واجبة ، وكذا مع وجود سببها. وإذا أخذت مع ~~العدم صارت ممتنعة ، وكذا مع عدم سببها ، وإن كان الوجوب والامتناع هنا غير ~~ذاتيين ، إلا أنهما ينافيان جواز الوجود والعدم ، فالحكم بالإمكان على ~~الماهية ، إنما يكون مع فرض الماهية خالية عن جميع الاعتبارات ، لا بشرط ~~الخلو أيضا ، بل من حيث هي هي بالنسبة إلى وجودها أو عدمها ، فإن الماهية ~~من حيث هي هي لا يلزم من فرض وجودها ولا من فرض عدمها محال أصلا. # وقد اعترض بوجوه (3): ### |||| ** الأول : عروض الإمكان غير معقول ، لأنه أمر نسبي لا يعقل إلا بين شيئين ، فالماهية ~~من حيث هي هي لا يمكن وصفها به ، إذ ليس هنا إلا شيء واحد. والوجود أيضا ~~أمر واحد ، فيستحيل عروض الإمكان له. والنسبة الحاصلة بينهما PageV01P122 # أيضا أمر واحد ، فلا يعرض لها الإمكان. وإذا استحال وصف كل واحد من هذه ~~الثلاثة بالإمكان ، استحال وصف المجموع به. # وبالجملة المفردات لا يعرض لها الإمكان ، لأنه أمر نسبي لا يعرض لها. ~~والمركب واجب الحصول عند وجود مفرداته ، فلا يعرض له الإمكان ، فإن المركب ~~(1) عبارة عن مجموع تلك المفردات. ### |||| ** الثاني : الوجود إن كان نفس الماهية استحال عروض الإمكان لها ؛ لاستحالة الحكم بجواز ~~كون الماهية ليست تلك الماهية ، فإن معنى قولك «الماهية يمكن أن تكون ~~موجودة ، وأن تكون معدومة» أن الماهية يمكن أن تكون تلك الماهية وأن لا ~~تكون. والموجود يصح أن يكون موجودا ، وأن يكون معدوما ، مع أن قولنا ~~«الموجود يصح أن يكون موجودا» إن جعلنا الموضوع والمحمول واحدا ، كان الأمر ~~النسبي الذي لا يعقل إلا بين اثنين ، عارضا للشيء الواحد ، هذا خلف. وإن ~~تغايرا لزم كون الموجود الواحد موجودا مرتين. وقولنا «الموجود يصح أن يكون ~~معدوما» حكم على الموجود بالمعدوم. والمحكوم عليه لا بد وأن يكون ثابتا حال ~~ثبوت المحكوم به ، والموجودية لا يعقل تقررها حال ثبوت المعدومية. # وإن كان الوجود غيرها ، فالموصوف بالإمكان إما المفردات أو المركب ، ~~والقسمان باطلان على ما تقدم (2). ### |||| ** الثالث : المحكوم عليه بالإمكان إما أن ms0072 يكون موجودا أو معدوما ، والقسمان باطلان ، ~~فالحكم بالإمكان باطل. # أما بطلان كونه موجودا ، فلأنه حال الوجود لا يقبل العدم ، لاستحالة ~~الجمع بين الوجود والعدم. وإذا لم يقبل العدم لم يقبل إمكان الوجود والعدم. PageV01P123 # وأما بطلان كونه معدوما ، فلأنه حال العدم لا يقبل الوجود ، فلا يقبل ~~العدم والوجود ، فلا يكون ممكنا. # وإذا لم تنفك ماهية الممكن عن هذين التقديرين ، وكل واحد منهما مناف ~~للإمكان ، لم تنفك ماهيته (1) عن المنافي للإمكان ، فلا تحقق للإمكان ~~لاستحالة الجمع بين المتنافيين. ولأن الممكن إما أن يحضر معه سبب وجوده أو ~~لا. والأول واجب ، والثاني ممتنع ، فلا إمكان. ### |||| ** الرابع : لو كان الشيء ممكنا ، لكان إمكانه إما أن يكون ثبوتيا أو عدميا ، والقسمان ~~باطلان ، فالقول بالإمكان باطل ، أما الأول فلأنه لو كان ثبوتيا لزم ~~التسلسل ، أو وجوب الممكن. وأيضا يلزم حلول الموجود في المعدوم ، أو قيام ~~الصفة بغير الموصوف ، وأما الثاني ، فلأنه نقيض [اللاإمكان] (2) المحمول ~~على المعدوم ، فيكون (3) معدوما ، فيكون الإمكان ثبوتيا. ### |||| ** والجواب عن الأول : المنع من استحالة وصف المجموع به ، فإن الإضافات بأسرها يمتنع عروضها ~~للآحاد وهي عارضة للمجموع. ### |||| ** وعن الثاني : بأن الإمكان يعرض للماهية من حيث هي هي ، لا بمعنى أن نفرض الماهية متقررة ~~، ثم يعرض لها إمكان التقرر وعدمه. فإن (4) مع فرض التقرر ، تكون الماهية ~~واجبة غير ممكنة ، بل بمعنى أن الماهية إذا فرضت كانت تلك الماهية ، وإن لم ~~تفرض لم تكن ماهية. # ثم إن هذه الشبهة تبطل الحمل مطلقا ، فإنا إذا قلنا : السواد موجود ، فإن PageV01P124 # كان الموجود عين كونه سوادا ، كان جاريا مجرى قولنا : السواد سواد ، وإن ~~كان مغايرا سقنا ما قالوه هنا. # والأصل في ذلك ، أن من يجعل الوجود عين الماهية يريد بقوله : «الماهية ~~يصح أن تكون موجودة وأن تكون معدومة» أن من الممكن أن يحدث ما يسمى بعد ~~حدوثه تلك الماهية ، ويصح أن تعدم تلك الماهية. ومن يذهب إلى المغايرة (1) ~~لا يريد أن المعدوم يمكن أن يصير موصوفا بالوجود ، وهو معدوم ، بل من حيث ~~هو هو يصح أن يكون موردا للصفتين ms0073 معا. و (2) معناه أن الماهية الموصوفة ~~بالعدم ، يمكن أن تزول [عنها] (3) صفة المعدومية ، وتحدث بعدها لها صفة ~~الوجود. # فقولنا : «السواد يمكن أن يوجد» معناه : أن الماهية التي لا يعتبر معها ~~وجود ولا عدم ، يمكن أن ينضاف إليها صفة الوجود. وأيضا هذا إنما يرد على من ~~يقول : «الشيء حال وجوده يمكن وجوده ، أو حال عدمه يمكن عدمه» أما من يقول ~~: «الشيء حال وجوده يمكن أن يصير معدوما في الزمان الثاني منه» ، لا يلزم ذلك. # اعترض (4) باستحالة الإمكان الاستقبالي (5)؛ لأنا إذا حكمنا على الموجود ~~في الحال ، بامكان عدمه في الاستقبال ، فإما أن يقال : إمكان العدم ~~الاستقبالي حاصل في الحال ، أو يقال : إمكان العدم الاستقبالي لا يحصل إلا ~~في الاستقبال ، والأول محال ؛ لأن العدم في الاستقبال من حيث إنه في ~~الاستقبال موقوف على حصول الاستقبال ، وحصول الاستقبال محال في الحال ، ~~فحصول العدم في الاستقبال من حيث إنه عدم استقبالي ، موقوف على حصول شرط ~~محال وهو PageV01P125 # حصول الاستقبال في الحال ، والموقوف على المحال محال ، فالعدم الاستقبالي ~~ممتنع الحصول في الحال ، وإذا استحال حصول «العدم في الاستقبال» في الحال ~~لم يكن في الحال ممكن الحصول ، بل كان حصوله حاصلا في الاستقبال ، لا في الحال. # لا يقال : إنه بهذا الشرط ، وإن كان ممتنع الحصول في الحال (1) لكنه لا ~~من هذه الحيثية (2) غير ممتنع في الاستقبال ، ونحن إنما أثبتنا هذا الإمكان ~~بالنسبة إلى الاستقبال. # لأنا نقول : الإمكان نسبة لا توجد إلا بعد وجود المنتسبين ، والإمكان ~~بالنسبة إلى الاستقبال لا يحصل إلا عند الاستقبال ، فحصوله في الحال محال. ~~وإذا استحال اجتماع هذين المنتسبين استحال تحقق هذه النسبة. # وإن كان إمكان العدم الاستقبالي ، لا يحصل إلا عند حضور (3) الاستقبال ، ~~كان ذلك حكما بالإمكان على الشيء بالنسبة إلى زمانه الحاضر ؛ لأن الاستقبال ~~عند حضوره يصير حالا ، ويعود الإشكال. # سلمنا (4) الإمكان الاستقبالي ، لكن الإشكال باق ، فإن قولنا : «إنه في ~~الحال يمكن أن يصير معدوما في الاستقبال» يقتضي إمكان صيرورة هويته محكوما ~~عليه بالعدم ، فإن كانت هويته عين الوجود ، كان ذلك حكما ms0074 باتصاف الوجود ~~بالعدم ، ويعود الاشكال (5). # أجاب أفضل المحققين : بأن تصور الاستقبال في الحال معقول. والماهية لا من ~~حيث هي موجودة أو غير موجودة ، مستندة إلى الوجود الخارجي في الاستقبال ، PageV01P126 # أو إلى عدمه ، ليس بمتعذر التعقل. والإمكان الاستقبالي هو الذي يلحق ذلك ~~المتصور عند ذلك الإسناد ، والنظر في أن إمكان العدم يحصل في الحال أو في ~~الاستقبال ليس نظرا في الإمكان من حيث كونه إمكانا ، بل فيه من حيث إنه ~~صورة في العقل ، وهو حاصل في وقت التعقل من حيث هي (1) صورة عقلية ، ومتعلق ~~بالاستقبال من حيث هو إمكان ، ولا يلزم منه محال. # وأما «أن الإمكان نسبة إضافية لا تتحقق إلا عند تحقق المنتسبين» ، فقد ~~ظهر أن منتسبيه حاصلان في التصور ، متعلقان بالاستقبال. # وقوله : «إمكان العدم الاستقبالي لا يحصل إلا عند حضور الاستقبال» فباطل ~~، لأنه لا يتوقف على حضور الاستقبال ، بل يتوقف على تصور الاستناد (2). ### |||| ** وعن الثالث : أن المحكوم عليه بالإمكان ، الماهية من حيث هي هي ، لا باعتبار كونها ~~موجودة ، ولا باعتبار كونها معدومة ، فإن أخذ الماهية من حيث هي هي مغاير ~~لأخذها من حيث إنها موجودة أو معدومة ، وإن كان الإمكان لا يعقل إلا ~~بالنسبة إلى أحدهما ، لكن إذا نسبنا أحدهما ، فإنما ننسبه إلى الماهية من ~~حيث هي هي ، لا من حيث أحدهما. وكون الماهية لا تخلو في نفس الأمر أو في ~~الخارج عن (3) اعتبار الوجود والعدم (4)، لكنها من حيث هي هي خالية عنهما ~~، أي لا يجب أخذ أحدهما معها ، وهناك يعرض لها الإمكان إذا نسبت إلى ~~أحدهما. # والأصل في ذلك : أن القسمة في قوله : «المحكوم عليه بالإمكان إما أن يكون PageV01P127 # موجودا أو معدوما» غير حاصرة ، فإن المفهوم منه أن المحكوم عليه بالإمكان ~~إما أن يكون مع الوجود أو مع العدم ، ويبقى قسم آخر وهو أن لا يكون مع ~~أحدهما. # وقوله : «الممكن إما يحضر معه سبب وجوده أو لا ، والثاني ممتنع». # قلنا : ممنوع ، فإن قولنا : «لم يحضر» يحتمل أن يحضر معه : لم يحضر سبب ~~وجوده ، أو لم يحضر لا سبب ms0075 وجوده ولا لم يحضر سبب وجوده الذي هو سبب عدمه ، ~~فالقسمة غير مستوفاة (1). ### |||| ** وعن الرابع : أن الإمكان اعتبار عقلي يعتبره الذهن عند مقايسة الماهية إلى الوجود. وحكمه ~~في الثبوت والانتفاء واحد. وليس له تحقق في الخارج ، فإنه لا ماهية متأصلة ~~في الخارج يقال لها «إمكان» و «لكون (2) نقيضها محمولا على المعدوم» لا ~~يقتضي كونها ثبوتية ، فإنه بعينه آت في الامتناع ، وإذا حمل الإمكان (3) ~~على المعدوم ، لا يكون ذلك الحمل كليا ، فإن بعض المعدومات غير ممكن ، ~~وبعضها ممكن. ولا يلزم من «كون اللاإمكان عدميا ، كون الإمكان وجوديا» ، ~~فإن الإنسان وجودي وبعض اللاإنسان إنسان أيضا وجودي ، وكذا اللاممكن عدمي ~~وبعض الممكنات عدمي. ### |||| ** تذنيب (4) ### |||| ** : الإمكان للممكن واجب ، وإلا لأمكن زواله ، فينقلب الممكن واجبا أو ممتنعا ، ~~هذا خلف. ولأن الإمكان لو كان ممكنا للممكن لافتقر ثبوته له إلى سبب ، لكن ~~تأثير المؤثر فيه مسبوق بالإمكان ، فيكون هو مسبوقا بنفسه ، هذا خلف. PageV01P128 # وفيه نظر ؛ فإن السابق هو إمكان الإمكان ، والمسبوق هو إمكان الممكن ، ~~وهما متغايران. # ولأن الإمكان لو كان ممكنا للممكن ، لكان إمكان الإمكان زائدا عليه ~~ويتسلسل. ولا نعني بالوجوب هنا الوجوب الذاتي ، بل نعني به أن الإمكان وصف ~~لازم للممكن ، لا يعقل انفكاكه عنه. ### |||| ** تنبيه : من الإمكان ما هو لازم للماهيات وهو الذاتي. ومنه عارض وهو الاستعداد ، وهو ~~قابل للشدة والضعف. وجعله الأوائل نوعا من الكيف ، ثبوتيا في الأعيان. ~~والأدلة السابقة تبطله. ### ||| ** البحث السادس : في أن الممكن محتاج إلى المؤثر (1) # هذا الحكم قطعي قد اتفق عليه العقلاء ، لكن اختلفوا ، فالمحققون على أنه ~~بديهي (2)، وقال آخرون قصرت أفكارهم عن إدراك اليقين : إنه كسبي. # والحق : الأول ، فإن العقل قاض بأن الشيء إذا كانت نسبة الوجود والعدم ~~إليه على السوية ، امتنع رجحان أحدهما على الآخر إلا لمرجح ، ولهذا فإن كل ~~عاقل إذا أحس بحدوث شيء في وقت معين ، طلب لحدوثه علة وسببا. # أما القائلون بأنه استدلالي ؛ فقد استدلوا عليه بوجهين (3): ### |||| ** أ: ماهية الممكن لما كانت مقتضية للاستواء ، فلو حصل الرجحان أيضا ، لاجتمع ~~النقيضان وهو محال. PageV01P129 ### |||| ** ب : الممكن ms0076 هو الذي يكون الوجود والعدم بالنسبة إليه على السواء ، والشيء الذي ~~يكون كذلك ، يمتنع أن يوجد إلا بعد أن يصير وجوده راجحا على عدمه ، فذلك ~~الرجحان سابق على وجوده ، فيمتنع أن يكون محل ذلك الرجحان هو وجوده ، فإنه ~~لو كان الوجود محله ، لكان متأخرا عن وجوده ، لكنا بينا أنه متقدم على ~~وجوده ، فيدور. فإذن ذلك الرجحان يجب أن يكون صفة لشيء آخر يلزم من وجوده ~~وجوده ، وذلك هو المؤثر. فإذن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر. وهما ضعيفان. # أما الأول ، فلأن اجتماع النقيضين ، إنما يلزم لو اقتضت الماهية الاستواء ~~والرجحان معا. # أما إذا اقتضت الاستواء وحصل الرجحان لا لمؤثر هو الذات ولا غيرها لم ~~يلزم التناقض. # وأما الثاني ، فلأنا نمنع كون المتساوي يمتنع أن يوجد إلا بعد أن يصير ~~وجوده راجحا على عدمه ، فإنه نفس النزاع. # سلمنا ، لكنا نمنع كون محل الرجحان هو الفاعل ، فإن الرجحان صفة للوجود ، ~~ولا يعقل قيامها بغيره ، وكما أن الممكن لا يوجد إلا إذا وجب ، كذا المؤثر ~~لا يؤثر إلا إذا وجب تأثيره فيه ، فرجحان التأثير غير رجحان الأثر ، ~~والرجحان ليس أمرا خارجيا ، بل هو اعتبار ذهني ، كما أن التساوي (1) أعني ~~الإمكان كذلك. # وقد اعترض بوجوه (2): # الوجه الأول : # الحكم بافتقار الممكن إلى المرجح ، إما أن يكون ضروريا أو نظريا ، ~~والقسمان PageV01P130 # باطلان. فالحكم بالافتقار باطل. # أما بطلان الأول ، فلأنه لو كان ضروريا لاشترك العقلاء فيه ، لاشتراك ~~العقلاء في الضروريات. ولما اختلف فيه العقلاء ، فذهب بعضهم إلى نفيه ، ~~وبعضهم إلى أنه استدلالي ، وبعضهم إلى أنه ضروري : امتنع كونه ضروريا. # ولأنا إذا عرضنا على عقولنا هذه القضية ، وأن الواحد نصف الاثنين ، وجدنا ~~بينهما تفاوتا ، وأن الثانية أظهر ، والتفاوت إنما يكون لو تطرق الاحتمال ~~إلى المرجوح ، وإذا تطرق احتمال النقيض على الحكم ، لم يكن ضروريا ، بل ولا ~~يقينيا. # وأما الثاني ، فلأنه لا برهان قطعي على ذلك. ### |||| ** الوجه الثاني : # لو افتقر الممكن إلى المؤثر ، لكان تأثير المؤثر في ذلك الأثر (1) إما أن ~~يكون وصفا ثبوتيا أو لا ، والقسمان باطلان ، فالقول بالمؤثرية ms0077 باطل. # أما بطلان الأول ، فلأن ثبوته إن كان في الذهن دون الخارج ، كان جهلا ، ~~كمن يعتقد «أن العالم قديم» وليس كذلك في نفسه ، فلو كان حكم الذهن ~~بالمؤثرية غير مطابق للخارج ، كان جهلا ، فلا يكون الشيء مؤثرا في نفسه. ~~ولأن كون الشيء مؤثرا في غيره ، صفة لذلك الشيء ، فلا يعقل قيامها بالذهن ~~المغاير له ، وتكون حاصلة قبل الأذهان. # وإن كان ثابتا في الخارج ، فإن كان نفس المؤثر أو الأثر لزم الدور ، لأن ~~التأثير أمر نسبي ، لا يعقل إلا بين ذات المؤثر وذات الأثر ، والأمور ~~النسبية متأخرة عن المنتسبين ، والمتأخر مغاير. ولأنا قد نعقل ذات المؤثر ~~وذات الأثر ، مع الشك في كون المؤثر مؤثرا في الأثر ، كما إذا علمنا قدرة ~~الله تعالى وعلمنا العالم قبل العلم PageV01P131 # بتأثير القدرة في العالم. ولأنا نصف المؤثر بأنه مؤثر في ذلك الأثر ، ~~والوصف مغاير للموصوف. ولأنا نعلل الأثر بكون المؤثر أثر فيه ، لا بذات ~~الأثر ، فنقول : إنما وجد الأثر ، لأن الله تعالى أوجده ، ولا نقول : إنما ~~وجد الأثر ، لأن الله تعالى موجود ، فاذن المؤثرية مغايرة للمؤثر والأثر معا. # وإن كان مغايرا لهما (1)، فإما أن يكون قائما بنفسه ، أو عارضا لغيره ، ~~والقسمان باطلان. # أما الأول ، فلأن المفهوم من التأثير «نسبة بين المؤثر والأثر» والنسبة ~~بين الشيئين لا يعقل قيامها بذاتها وجوهريتها. ولأنه إما واجب لذاته ، أو ~~ممكن لذاته ، وكلاهما محال. أما الأول فلاستحالة تعدد واجب الوجود. وأما ~~الثاني ، فلأنه يلزم منه التسلسل. ولأن هذا الجوهر ، إما أن يكون بينه وبين ~~الأثر نسبة أو لا. والأول باطل ، لأن الكلام (2) في تلك النسبة ، كما في ~~الأول ويتسلسل. والثاني باطل ، وإلا لم تكن بينه وبين الأثر نسبة وإضافة ، ~~فيكون أجنبيا عن الأثر بالكلية. # وأما الثاني ، فلأن العارض ممكن ، فله مؤثر فتأثير المؤثر فيه زائد عليه ~~، ويلزم التسلسل المحال. وبتقدير صحته ، فالمحال لازم من جهة أخرى ، فإن ~~التسلسل إنما يعقل لو فرضنا أمورا متتالية إلى غير النهاية ، ويكون كل واحد ~~متلوا بصاحبه ، وإنما يكون متلوا بصاحبه لو لم يكن بينه ms0078 وبين صاحبه ثالث ، ~~لكن ذلك محال ، لأن تأثير المتلو في التالي متوسط بينهما ، وقد كان لا ~~يتوسط ، هذا خلف. # وأما امتناع كون المؤثرية وصفا عدميا ، فلأن المؤثرية نقيض اللامؤثرية ، ~~وهذا النقيض عدمي ، لأنه يحمل على العدم ، والمحمول على العدم عدم ، ونقيض PageV01P132 # العدم ثبوت ، فالمؤثرية أمر ثبوتي. ولأن الشيء لم يكن مؤثرا ، ثم يصير ~~مؤثرا ، فيحصل له وصف المؤثرية ، بعد أن لم يكن ، فهي صفة ثبوتية ، وإلا ~~لجاز فيما إذا لم تكن الذات عالمة ثم تصير عالمة أن لا يكون العلم أمرا ~~وجوديا ، وهو باطل قطعا. وإذا بطل كون المؤثرية صفة ثبوتية ، وكونها صفة ~~عدمية امتنع تحققها. ### ||| ** الوجه الثالث : # المؤثر إما أن يؤثر حال وجود الأثر ، أو حال عدمه ، والقسمان باطلان ، ~~فالقول بالتأثير باطل. # أما الحصر ، فظاهر ، إذ لا حال ثالثة للأثر. # وأما بطلان الأول ، فلاستلزامه تحصيل الحاصل. # وأما بطلان الثاني ، فلأن حالة العدم لا أثر ، فلا (1) تأثير ، لأن ~~التأثير إن كان هو حصول الأثر عن المؤثر ، فحيث لا أثر فلا (2) تأثير ، فإن ~~المؤثر ما يكون له أثر ، والعدم نفي محض ، وإن كان مغايرا (3) لزم التسلسل. ~~ولأن الأثر حال عدمه ، يكون مستغنيا عن المؤثر ، فإنها حالة البقاء على ~~العدم الأصلي ، والعدم الأصلي (4) يمتنع استناده إلى مؤثر الوجود والإيجاد. ### ||| ** الوجه الرابع : # لو تحققت المؤثرية ، لكان المؤثر إما أن يؤثر في ماهية الأثر (5)، أو في ~~وجوده ، أو في اتصاف ماهيته بوجوده ، والكل باطل ، فالقول بالتأثير باطل. PageV01P133 # أما الحصر ، فلأن الماهية والوجود واتصاف الماهية بالوجود ، إذا كانت ~~غنية عن المؤثر انتفى التأثير ، لأنه إنما يعقل (1) في أحد هذه الأمور ~~الثلاثة ، فإذا استغنت عن المؤثر ، فلا أثر ولا تأثير. # وأما بطلان الأول ، فلأن السواد لو كان سوادا بالفاعل ، لكان عند عدم ذلك ~~الفاعل وجب أن يخرج السواد عن كونه سوادا ، لأن ما بالغير يرتفع عند ارتفاع ~~ذلك الغير ، لكن خروج السواد عن كونه سوادا محال ، لأن السواد يستحيل أن ~~يصير غير السواد. # لا يقال : نحن لا نقول : السواد مع كونه سوادا يصير موصوفا بأنه ليس ms0079 ~~بسواد ، فإن ذلك جمع بين النقيضين. بل نقول : معناه : السواد يفنى ولا يبقى. # لأنا نقول : إذا قلنا : السواد يفنى ، كان قضية يجب تحقق موضوعها حال ~~الحكم بحصول (2) المحمول له ، أو سلبه عنه ، والموضوع هو السواد ، فيجب أن ~~يكون متقررا متحققا حال الحكم عليه بالعدم (3)، لكن ذلك جمع بين النقيضين ~~(4)، فتكون هذه القضية كاذبة. # وأما بطلان الثاني (5)، فكذلك أيضا ، لاستلزامه عدم كون الوجود وجودا ~~عند عدم الفاعل. # وأما بطلان الثالث (6)، فكذلك أيضا ، فإن الموصوفية لو كانت موصوفية PageV01P134 # بالفاعل ، لزم عند عدم الفاعل أن لا تبقى الموصوفية موصوفية. وأيضا فإن ~~الموصوفية ليست ثبوتية ، وإلا لم تكن جوهرا لاستحالة قيامها بنفسها ~~واستقلالها بالمعقولية ، فتكون عرضا (1) فتكون موصوفية الذات (2)، بها ~~أمرا زائدا ، ويلزم التسلسل. # ولأنها لو كانت ثبوتية ، استحال استنادها إلى المؤثر ، لأن تأثير المؤثر ~~إما في ماهيتها ، أو في وجودها ، أو في اتصاف ماهيتها بوجودها ، ويعود ~~المحال. وإذا استحال أن تكون ثبوتية ، استحال استنادها (3) إلى المؤثر. ~~وإذا ثبت امتناع استناد الماهية والوجود واتصاف الماهية بالوجود إلى المؤثر ~~، استحال افتقار الأثر إلى المؤثر. ### ||| ** الوجه الخامس : # لو افتقر الممكن في وجوده إلى المؤثر ، لافتقر في عدمه إلى المؤثر ، ~~والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن علة افتقار الموجود (4) إنما هو الجواز ، وهو متعلق ~~بالطرفين أعني الوجود والعدم ، فلو كان جواز الوجود يقتضي احتياج الوجود ~~إلى المؤثر ، لكان جواز (5) العدم يقتضي احتياج العدم إلى المؤثر. # وأما بطلان التالي ، فلأن العدم نفي محض وعدم صرف ، ولا يعقل كونه أثرا PageV01P135 # وصادرا عن الغير. # وأيضا ، فالعدم مستمر من الأزل إلى الأبد ، والباقي لا يستند إلى المؤثر ~~حال بقائه ، لما يأتي. # لا يقال : علة العدم عدم العلة. # لأنا نقول : العلية مناقضة للاعلية التي هي عدم ، فالعلية ثبوتية ، ~~فالموصوف بها ثابت ، وإلا فالمعدوم موصوف بالوجود ، وهو محال. ولأن العدم ~~نفي محض وعدم صرف لا تميز فيه ولا تعدد ولا هوية ، فيستحيل جعل البعض علة ~~والبعض معلولا. ### ||| ** الوجه السادس : # لو كان الممكن محتاجا إلى المؤثر ، لكانت الحاجة إما أن تكون أمرا ثبوتيا ms0080 ~~في نفسها أو لا تكون (1). # والأول باطل ، لأن الحاجة لو كانت ثبوتية لساوت في الثبوت غيرها من ~~الماهيات الثابتة ، وامتازت عنها بخصوصيتها ، وما به الاشتراك غير ما به ~~الامتياز ، فيكون وجودها مغايرا لماهيتها ، فاتصاف ماهيتها بوجودها ، إن ~~كان واجبا لذاته كان الوصف المفتقر إلى الممكن واجبا ، وهو باطل بالضرورة. ~~وإن كان ممكنا ، كان محتاجا فله حاجة زائدة على ماهيته ، ويتسلسل. ولأن ~~الحاجة لو كانت ثبوتية ، وهي معلولة للإمكان وقد ثبت أن الإمكان عدمي لزم ~~كون المعدوم علة في الموجود (2)، وهو محال. ولأن حاجة الممكن إلى المؤثر ~~سابقة على وجوده ، فلو كانت أمرا ثبوتيا ، لزم أن يكون ثبوت الوصف للشيء ~~سابقا على ثبوت الشيء في PageV01P136 # نفسه ، وهو محال ، فبطل كون الحاجة ثبوتية. # والثاني : وهو أن تكون عدمية محال أيضا ، لأنها نقيض لا حاجة ، وهو عدمي ~~، فتكون الحاجة ثبوتية. ولأنها لو كانت عدمية ، لم يبق فرق بينها وبين نفي ~~الحاجة ، لامتناع التمايز في العدمات ، لكن لا حاجة نفي للحاجة. # والجواب عن الأول (1) ### |||| ** : أن الحكم بالافتقار ضروري ، وإنما يجب اشتراك العقلاء في التصديق الضروري ، ~~لو اشتركوا في تصور مفرداته. وأما إذا حصل قصور لبعض الأذهان عن تصور أحد ~~طرفيه ، إما لنقص في الغريزة أو لغفلة أو لتدنيس (2)، تعذر الحكم الضروري ~~به ، واحتاج إل تمثيل وشبهه ، حتى يحصل له كمال التصور ، ولهذا تمثل للشاك ~~في هذا الحكم بكفتي الميزان ، فإن نسبة طرفي الوجود والعدم إلى الممكن ~~متساوية (3)، كنسبة كفتي الميزان إلى الميزان ، فكما يحكم العقل بامتناع ~~رجحان إحدى الكفتين على الأخرى بدون المرجح ، كذا يحكم بامتناع ترجيح أحد ~~طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح. فهذا هو السبب في عدم اشتراك العقلاء في ~~الضروريات. # والأصل فيه ما تقدم : من أن التصديقات الضرورية ، قد تتوقف على أسباب ~~وشرائط لا تحصل بدونها ، ولا يثلم فقدانها عن فاقد الأسباب والشرائط كونها ~~ضرورية ، فإن البصير يدرك التفرقة الضرورية بين السواد والبياض ، ويحكم على ~~كل واحد منهما بأحكام ضرورية ، لا يحكم بها الأعمى لفقد الأسباب والشرائط ، ~~وهي الإحساس. ولهذا قال ms0081 متقدم الحكماء : «من فقد حسا فقد فقد علما يؤدي ~~إليه ذلك الحس». والتفاوت في الضروريات لا يخرجها عن كونها ضرورية ، فإن فقدها PageV01P137 # عن البعض ، لما لم يخرجها عن كونها ضرورية في أنفسها ، فالتفاوت فيها ~~أولى ، وليس سبب التفاوت منحصرا في تطرق الاحتمال إلى المرجوح ، فإن سبب ~~التفاوت في الضروريات ، قد بينا أنه للتفاوت (1) في تصور المحكوم عليه أو ~~المحكوم به ، لا في نفس الحكم. # وأجاب أفضل المتأخرين أيضا : بأنه استدلال (2)، بأن الممكن ما لم يجب لم ~~يوجد ، وحصول الوجوب بعد أن لم يكن يدل على كونه وصفا وجوديا لا عدميا ، ~~وثبوت الوصف يستدعي ثبوت الموصوف ، لاستحالة قيام الوصف بذاته ، وهذا ~~الموصوف بالوجوب ليس هو الممكن ، لأنه قبل وجوده معدوم ، والمعدوم يستحيل ~~أن يكون محلا للأمر الثبوتي ، فلا بد من شيء آخر يكون محلا لذلك الوجوب ، ~~يعرض (3) له بالنسبة إلى هذا الممكن ، وذلك هو المؤثر (4). # اعترضه أفضل المحققين : بأن وجوب الممكن المقتضي لوجود الموصوف به ، لا ~~يمكن أن يكون قائما بمؤثره ، لأن ذلك الوجوب وصف للممكن ، ووصف الشيء ~~يستحيل أن يقوم بغيره ، والقائم بالمؤثر إن كان ولا بد منه ، فهو الإيجاب ~~لا الوجوب. # والحق : أن ذلك الوجوب أمر عقلي ، كسائر الصفات ، ويكون قائما بالمتصور ~~من الممكن عند (5) الحكم بحدوثه ، وهذا البرهان مبني على حكم هو «أن الممكن ~~ما لم يجب لم يوجد» وهذه القضية لا يصح الحكم فيها إلا إذا علم أن كل مسبب ~~فله سبب. وفي قولنا : «ترجح أحد المتساويين يحتاج إلى مرجح» هذا PageV01P138 # المعنى بعينه موجود ، لكن بعبارة أخرى ، فإذن هذا البرهان مبني على [ما] ~~(1) يتضمنه الحكم البديهي المذكور الذي عدل عنه إلى ذلك البرهان ، فهذا ~~البرهان فضلة (2) لا يحتاج إليه (3). # وأقول : الحكم «باحتياج الممكن إلى المؤثر» ، أظهر عند العقل من الحكم ~~«بأن الممكن ما لم يجب لم يوجد» ، ولهذا توقف في الحكم الثاني جماعة جزموا ~~بالحكم الأول ، واكتفوا بمطلق الرجحان الشامل للمانع من النقيض وغير ~~المانع. ولأن الرجحان أعم من الوجوب ، والأعم أظهر. # وعن الثاني : أن التأثير وصف ms0082 اعتباري عقلي إضافي ، يثبت في العقل عند ~~تعقل صدور الأثر عن المؤثر ، فإن تعقل ذلك يقتضي ثبوت أمر في العقل هو ~~المؤثرية ، كما في سائر الإضافات ، والفرق بين الصدور والتأثير ظاهر ، فإن ~~الأول إضافة الأثر إلى مؤثره ، والثاني إضافة المؤثر إلى أثره. وعدم ~~مطابقته للخارج ، لا يقتضي كونه جهلا ، وإنما يكون جهلا لو حكم بثبوته في ~~الخارج ولم يثبت ، أو بالعكس. واعتقاد قدم العالم مع أنه ليس كذلك ، يدل ~~على ما ذكرنا في تفسير الجهل ، لا على ما ذكره السائل. وعدم مطابقته لا ~~يقتضي أن لا يكون شيء مؤثرا أصلا ، بل إذا حكم بثبوته في العقل فقط ، ~~فمطابقته ثبوته في العقل دون الخارج. # قوله : «كون الشيء مؤثرا في غيره صفة للشيء قبل الأذهان ، فلا يعقل ~~قيامها بالذهن المغاير للموصوف المتأخر (4) عنها». # قلنا : كون الشيء بحيث لو عقله عاقل حصل في عقله إضافة لذلك الشيء PageV01P139 # إلى غيره ، هو الحاصل قبل الأذهان ، لا الذي يحصل في العقل ، فإن ذلك ~~يستحيل أن يحصل قبل وجود العقل (1). # وفيه نظر ؛ فإن هذه الحيثية ، لو كانت ثابتة ، فإما في الذهن وهو محال ~~لثبوتها قبله ، أو في الخارج ، فلم يكن نفس ذات المؤثر ، لانفكاكهما تعقلا ~~، ولأنها صفة لا يعقل قيامها بذاتها ، فتكون مغايرة ، ويلزم وجود ما لا ~~يتناهى من الصفات ، لعدم تناهي المضاف إليه بالمتأثرية (2). # قوله : «اللامؤثرية عدمية ، فنقيضها وجودي» غلط ، لأن اللازم من قولنا : ~~«اللامؤثرية عدمية» الوجودية مؤثرية بطريق عكس النقيض. وهذا الغلط نشأ من ~~باب إيهام العكس (3). # وفيه نظر ؛ فإن المعترض لم يستدل بعكس النقض ، بل بأن المؤثرية ~~واللامؤثرية ، أمران متناقضان لا يمكن اجتماعهما وجودا وعدما ، فإذا كان ~~أحدهما ثبوتيا وجب أن يكون الآخر عدميا وبالعكس ؛ ولما كانت اللامؤثرية ~~عدمية وجب أن تكون المؤثرية وجودية. # والتحقيق في الجواب : أن المؤثرية واللامؤثرية وصفان اعتباريان ، حكمهما ~~في الثبوت والعدم واحد ، ولا تحقق لهما في الخارج. ولا يجب أن يكون أحد ~~النقيضين وجوديا والآخر عدميا ، بل يجب أن يكون أحدهما موجبا والآخر سالبا ~~، وذلك عائد إلى القول والعقد ms0083 ، لا إلى الحصول في الخارج ، كالامتناع ~~ونقيضه ، PageV01P140 # والإمكان ونقيضه ، والوجوب ونقيضه إلى غير ذلك من الاعتبارات العقلية. ~~وتجدد المؤثرية لا يقتضي كونها ثبوتية في الخارج ، بل في العقل ، كما في ~~سائر الإضافات (1). # وفيه نظر ؛ فإنا قبل ثبوت الأبوة لزيد نتصورها له ، ولا نحكم له بها ، ~~ولو حكمنا بها له (2)، كان جهلا لعدم المطابقة ، فإذا ثبتت له بالفعل ، ~~حكمنا له بها ، وكان الحكم مطابقا. فلا بد من اعتبار أمر آخر غير الذهن ~~ينسب الثبوت إليه ، بحيث تثبت المطابقة بالنسبة إليه وعدمها. # وأجاب أفضل المتأخرين عن أصل المعارضة : بأن هذا التقسيم ، قد يتوجه على ~~ما يحكم بوجوده (3) ضرورة ، كما إذا قيل : لو كنت موجودا الآن ، لكان كوني ~~الآن إما أن يكون عدميا أو وجوديا ، والقسمان باطلان. # أما الأول ، فلأنه نقيض اللاكون في الآن ، وهو عدمي ، ونقيض العدمي ثبوتي. # والثاني باطل ، لأنه إما أن يكون عين الذات ، فلا تبقى الذات عند ما لا ~~يبقى حصولها في ذلك الآن ، أو يكون مغايرا لها زائدا عليها ، فيكون حاصلا ~~في ذلك الآن ، ويلزم التسلسل. ولما كان الحصول في ذلك الآن يفضي إلى هذه ~~الأقسام الباطلة كان باطلا ، فلا يكون للذات حصول في شيء من الآنات (4)، ~~وهو يستلزم البطلان بالضرورة. وإذا كان هذا التقسيم مبطلا للضروريات ، قضت ~~الضرورة ببطلانه (5). # واعترضه أفضل المحققين : بأن الأمر ليس كما قاله ، لأن الكون في الزمان أمر PageV01P141 # عقلي يعرض للمتكون ، مشروط بوجود الزمان المتعلق به ، ويقتضي (1) كون ~~المتكون بحيث يصلح أن يعرض له ذلك عند فناء الزمان ، ولا يتسلسل ، ولا يلزم ~~منه ما يبطل البديهيات (2). # وفيه نظر ؛ فإن كون الكون في الزمان أمرا عقليا ، لا يبطل التقسيم ، بل ~~فيه اختيار أحد الأقسام ، وهو أن يكون عدميا ، ثم عروضه للمتكون ، إما أن ~~يكون في العقل لا غير، فيبطل بإمكان أن يعتبره العقل قبل الزمان وبعده ، أو ~~يستند إلى أمر خارج الذهن ويعود المحذور بعينه. ### |||| ** وعن الثالث : أن المؤثر يؤثر في الأثر حال وجوده ، أي في زمان وجوده ، وهذا ليس بمحال ، ~~فإن العلة مع ms0084 معلولها بهذه الصفة ، لا بمعنى أنه تجدد لها وجود آخر غير ~~الوجود الواقع في ذلك الزمان ، بل بمعنى أن هذا الوجود الواقع في ذلك ~~الزمان صدر منه في ذلك الزمان ، ولا يلزم من ذلك ثبوت المقارنة الذاتية بين ~~المؤثر وأثره ، بل المقارنة الزمانية ، ولا استحالة فيه ، وإنما يؤثر فيه ~~لا من حيث هو موجود ، ولا من حيث هو معدوم ، بل من حيث ماهية الأثر وإن ~~كانت موجودة في ذلك الزمان. # وبعض المتكلمين يقول : المؤثر يؤثر حال حدوث الأثر ، فإنها ليست بحالة ~~الوجود ولا بحالة العدم. # وأجاب أفضل المتأخرين عن أصل المعارضة : بأن هذا التقسيم عائد فيما علم ~~بالضرورة ثبوته ، فإن الإحداث وإن كان في محل البحث ، لكن لا نزاع في ~~الحدوث ، والتقسيم الذي ذكروه يدفعه ، لأنه يقال : لو حدث هذا الصوت مثلا ، PageV01P142 # فإما أن يكون حدوثه حال وجوده أو حال عدمه ، فإن حدث حال وجوده فقد وجد ~~الموجود ، وإن حدث حال عدمه فقد وجد عند عدمه. فظهر أن هذا التقسيم مبطل ~~للضروريات (1). # واعترضه أفضل المحققين : بأن هذا الكلام (2) باطل ، ودال على تحيره في ~~أمثال هذه المواضع. وقد يمكن أن يقال فيه ما يقول المتأخرون من المتكلمين ~~الذين لا يقولون بمقارنة العلة والمعلول في الزمان ، فإنهم يقولون : الثبوت ~~الذي يوجد في الآن الثاني يصدر من موجده في الآن الذي قبله ، فيكون التأثير ~~سابقا على الآثر بآن ، ويقع بالقياس إلى ما يحصل بعده ، سواء كان الأثر ~~موجودا في ذلك الآن بتأثير آخر أو معدوما ، ويكون الأثر في آن التأثير غير ~~موجود ، وفي الآن الذي يصير موجودا لا يكون مقارنا للمعدوم (3). ### |||| ** وعن الرابع : أن المؤثر يؤثر في الماهية. # قوله : «إنه محال ، لأن كون السواد سوادا بالغير ، يوجب أن لا يكون ~~السواد سوادا عند عدم الغير». # قلنا : إذا فرض السواد ، وجبت سواديته بسبب الفرض ، وجوبا لاحقا مترتبا ~~على الفرض ، ومع ذلك الوجوب يمتنع تأثير المؤثر فيه ، فإنه (4) يكون إيجادا ~~لما (5) فرض موجودا. أما قبل فرضه سوادا ، فيمكن أن يوجد المؤثر السواد على ~~سبيل الوجوب ms0085 ، ويكون ذلك الوجوب سابقا على وجوده ، والفرق بين PageV01P143 # الوجوبين (1) ظاهر (2). وهذه المغالطة نشأت من قبل اشتراك اللفظ بين ~~الوجوب السابق واللاحق ، لأن الوجوب يدل على المعنيين بالشركة اللفظية (3). # وأيضا إذا قلنا : «فنى السواد» معناه : أن السواد الحاصل في زمان ليس ~~بحاصل في زمان بعده ، ويكون حمل غير الحاصل على المتصور منه ، لا على ~~الموجود الخارجي ، فإن الوضع والحمل يكونان في العقل (4) لا في الخارج أصلا ~~، وهكذا القول في حصول الوجود من موجده. وإن قيل : تأثير المؤثر في جعل ~~الماهية موصوفة بالوجود ، كما ذهب إليه القائلون بشيئية المعدوم (5)، لم ~~يتعلق ذلك بموصوفية الماهية بالوجود ، لأن ذلك أمر إضافي يحصل بعد اتصافها ~~به ، والمراد من تأثير المؤثر هو ضم الماهية إلى الوجود ، ولا يلزم ما ذكر ~~من المحال (6). # وفي قوله (7): «أما قبل فرضه سوادا ، فيمكن أن يوجد المؤثر السواد على ~~سبيل الوجوب» يقتضي أن يكون تأثير الفاعل ليس إلا في الوجود ، وليس هو الذي ~~اختاره ، بل الوجه أن يقول : أما قبل فرضه سوادا فيمكن أن يؤثر المؤثر في ~~كونه سوادا. PageV01P144 ### |||| ** وعن الخامس : أن عدم الممكن المتساوي الطرفين ليس نفيا محضا. وتساوي طرفي وجوده وعدمه لا ~~يكون إلا في العقل ، ومرجح طرف الوجود يكون موجودا ، وأما في العدم ، ~~فالمرجح لا يكون إلا عقليا. وعدم العلة ليس بنفي محض ، وهو يكفي في الترجيح ~~العقلي. ولكونه ممتازا عن عدم المعلول في العقل ، يجوز أن يعلل هذا العدم ~~بذلك العدم في العقل (1). # وفيه نظر ؛ فإنه إن عنى بأن (2) عدم الممكن ليس نفيا محضا أن له نوعا من ~~الثبوت وحظا من الوجود كما اختاره الرئيس فهو ممنوع ، فإنا لا نعقل من عدم ~~السواد إلا عدما مطلقا مضافا إلى السواد ، ولا نفرق بينه وبين العدم المطلق ~~إلا بالإضافة إلى الملكة ، وذلك لا يعطيه حظا من الوجود ، كعدم شريك الباري ~~تعالى. وإن عنى به ، أنه ليس عدما مطلقا غير مضاف إلى ملكة ، فهو حق ، لكن ~~ذلك لا يقتضي خروجه عن النفي المحض. # والتحقيق : أن الأعدام قد تتمايز بحسب الإضافة ms0086 إلى ملكاتها ، فعدم العلة ~~ممتاز عن عدم غيرها. وهذا الامتياز كاف في جواز إسناد البعض (3) إلى البعض. ### |||| ** وعن السادس : أن الحاجة وصف اعتباري لا تحقق له في الخارج حكمه في الثبوت والانتفاء ~~واحد. ولا يلزم من كونها عدمية أن لا يكون الشيء في نفسه محتاجا ، كالعدم ~~والامتناع ، فإنهما ليسا بثبوتيين ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون الشيء ~~معدوما وممتنعا. # وبالجملة : فالضرورة قاضية باحتياج الممكن في اتصافه بوجوده أو عدمه إلى ~~سبب خارج عن ذاته ، فالمعارضات في مقابلها تشكيك في الضروريات ، فلا يكون ~~مسموعا ، كشبه السوفسطائية. PageV01P145 ### ||| ** البحث السابع : # في أنه هل يعقل أن يكون أحد طرفي الممكن أولى به لذاته وإن لم ينته إلى ~~حد التعين؟ (1) # ذهب بعض الناس (2) إلى أنه يمكن أن يكون شيء يصح عليه الوجود والعدم ، ~~يكون أحد طرفيه أولى به من الآخر لذاته. # والمحققون على خلاف ذلك ، لوجوه : ### |||| ** الأول : أن ذلك الرجحان إن عقل زواله عند وجود شيء آخر ، اعتبر في تحققه عدم ذلك ~~الآخر ، فماهية الممكن إذا اعتبرت مع قطع النظر عن ذلك العدم لم تكن مقتضية ~~لذلك الرجحان ، وإن امتنع زواله بشيء أصلا ، كان حاصلا أبدا ، ممتنع الزوال ~~، فيكون منتهيا إلى حد التعيين. # وفيه نظر ، لمنع الملازمة الأخيرة. ### |||| ** الثاني : الممكن مع ذلك الرجحان ، إما أن يمكن طريان الطرف المرجوح عليه أو لا ، فإن ~~أمكن ، فإما أن يكون طريانه لسبب ، أو لا لسبب. فإن كان لسبب ، لم يكن ~~الرجحان كافيا في بقاء الطرف الراجح ، بل لا بد معه من عدم سبب الطرف ~~المرجوح. وإن كان لا لسبب ، فقد وقع الممكن المرجوح لا لعلة ، وهو محال ؛ ~~لأن المتساوي (3) أقوى من المرجوح ، فلما امتنع الوقوع حال التساوي PageV01P146 # فأن يمتنع حال المرجوحية كان أولى. وإن لم يمكن طريان المرجوح ، كان ~~الراجح واجبا والمرجوح ممتنعا (1). # اعترضه أفضل المحققين : بأن هذا الدليل يقتضي نفي الأولوية مطلقا. ولقائل ~~أن يقول : طرف الأولى يكون أكثر وقوعا ، أو أشد عند الوقوع ، أو أقل شرطا ~~للوقوع ، والمستدل ما أبطله. # وقد قيل في رجحان العدم ms0087 في الموجودات (2) الغير القارة ، كالصوت والحركة ~~: إن العدم لو لم يكن أولى بها لجاز عليها البقاء. # وأجيب عنه : بأن كلامنا في الممكن لذاته ، لا في الممتنع لغيره ، وبقاء ~~الغير القارة يمتنع لغيره (3). # وفيه نظر ؛ لأن الدليل يقتضي نفي أولوية كافية في الإيجاد لا مطلقا. # وقوله (4) في أصل الدليل : «إن كان طريان المرجوح لسبب ، لم يكن الرجحان ~~كافيا في بقاء الراجح» ممنوع. فإنا نقول : إنه كاف ، ما لم يطرأ سبب ~~المرجوح ، ويترجح على الراجح. ### |||| ** الثالث : الماهية لو كانت أولى بالوجود ، لم يتخلف عنها الوجود إلا لوجود ما ينافي ~~ذلك الوجود. وإنما تتحقق المنافاة من الجانبين. فهذه الأشياء المتعارضة إن ~~كان بعضها أقوى من بعض ، فتلك القوة أمر لازم للماهية لنفسها لا لغيرها ، ~~والضعف كذلك ، فيستحيل (5) انقلاب القوي ضعيفا والضعيف قويا ، فحينئذ PageV01P147 # يبقى القوي موجودا ممتنع الزوال ، لأنه لو عدم لكان عدمه لأجل وجود ~~معارضه ، ومعارضه أضعف منه ، فلا يوجد مع وجوده ، إذ لو وجد مع وجوده لكان ~~أقوى منه ، فإذن القوي يكون (1) دائم الوجود ممتنع الزوال. والضعيف يكون ~~دائم العدم ممتنع الحصول. والأول هو الواجب ، والثاني هو الممتنع ، فيخرجان ~~عن حد الإمكان. وإن لم يكن بعضها أقوى ، لم يكن اندفاع أحدهما بالآخر أولى ~~من اندفاع الآخر به ، فلا يحصل الترجيح إلا لأمر من خارج ، وحينئذ يحصل ~~التساوي المطلوب (2). # احتج الآخرون بوجوه : ### |||| ** الأول : الماهيات أمور متعينة ، كل واحد منها متميز عن الآخر بخصوصية ، فإما أن ~~يكون في الماهية اقتضاء الوجود والعدم ، أو ليس فيها اقتضاء شيء منهما ، ~~وهذا الأخير يوجب صحة خلوها عنهما. والأول إما أن تكون الماهية تقتضيهما ~~جميعا ، وهو محال ، أو تقتضي أحدهما لا بعينه ، وهو باطل ، لأن الماهية ~~متعينة في نفسها ، فلا بد وأن تقتضي شيئا بعينه ، لامتناع أن يكون للمبهم ~~حصول ، فإنه لا يعقل في الوجود شيء هو في نفسه غير معين ، وإذا استحال حصول ~~المبهم في الخارج ، استحال اقتضاء الماهية له ، أو يقتضي واحدا بعينه ، مع ~~أنه يصح عليها طريان الطرف الآخر ، وإلا لم تكن ممكنة ، وهو ms0088 المطلوب (3). ### |||| ** الثاني : الموجودات السيالة ، كالزمان والحركة والصوت ، العدم أولى بها ، وإلا لصح ~~بقاؤها ، والوجود يصح عليها وإلا لم توجد البتة ، وإذا كان بعض الممكنات PageV01P148 # يصح عليه الوجود والعدم ويكون العدم به أولى ، جاز ذلك في جانب الوجود (1). ### |||| ** الثالث : أن كثيرا من العلل يكون اقتضاؤها لمعلولاتها موقوفا على شرط ، أو زوال مانع ~~، فإذا أخذت تلك العلل مجردة عن وجود تلك الشرائط لها ، أو عن (2) انتفاء ~~الموانع ، كان اقتضاء تلك العلل لمعلولاتها أولى من عدم الاقتضاء ، وإلا لم ~~تتميز العلة عن غيرها ، فتلك العلة صح عليها الإيجاب وعدمه ، مع أن الإيجاب ~~أولى من عدمه (3). ### |||| ** الرابع : المعلول إذا توقف وجوده على وجود أشياء كثيرة ، كان وجوده مع وجود أكثرها ~~أولى من عدمه ، ويحصل التفاوت في أولوية وجوده باعتبار كثرة الحاصل من علله وقلته. ### |||| ** الخامس : قد تكون بعض العلل أكثري الاقتضاء لمعلولاته من غير دوام ، كاقتضاء الصور ~~النوعية ، في (4) العناصر أعراضها ، مع أنها قد تنفك عنها (5) قسرا ، ~~كاقتضاء طبيعة الأرض النزول ، مع أنها قد تتصاعد قسرا ، أو (6) اقتضاء ~~الماء البرودة مع تسخنه (7) قسرا. فهذه المعلولات أولى بالوجود ، وإلا لم ~~تكن أكثرية (8). ### |||| ** والجواب عن الأول : أنه لا يلزم من عدم اقتضاء الماهية لشيء من الوجود PageV01P149 # والعدم ، صحة خلوها عنهما ، فإن المعلول لا يقتضي وجود العلة ولا عدمها ، ~~ولا يصح خلوه عنهما. # سلمنا ، لكنها تقتضي عدم الخلو عن الوجود والعدم ، وذلك أمر عدمي (1)، ~~ولا امتناع في اقتضاء الحقيقة أمرا عدميا ، كاقتضائها كثيرا من السلوب. ### |||| ** وعن الثاني : أنا (2) نمنع أولوية العدم في الحركة ، لأنها إما الحصول الأول في الحيز ~~الثاني ، وذلك ممكن البقاء وليس العدم به أولى ، أو الاتصال الممتد من أول ~~المسافة إلى آخرها أو التوسط ، وهما باقيان ، والأجزاء فيها بالقوة لا ~~بالفعل ، وليس العدم أولى بالحركة من أول المسافة إلى منتهاها ، بل ~~استمرارها ممكن ، كما أن انقطاعها ممكن. ### |||| ** وعن الثالث : نمنع الأولوية في اقتضاء العلل المجردة عن الشرائط ، بل إنما تحصل الأولوية ~~عند استجماع الشرائط ، وهناك تكون الأولوية وجوبا. وهو الجواب عن الرابع ~~والخامس (3). ### ||| ** البحث ms0089 الثامن : في أن الممكن ما لم يجب لم يوجد (4) # اعلم أن كل ممكن ، فإنه محفوف بضرورتين ، إحداهما سابقة عليه ، والأخرى ~~لاحقة به. أما السابقة ، فهي الوجوب المستفاد من وجود المؤثر ، أو الامتناع ~~المستند إلى عدمه ، ويدل عليه أنا نعلم بالضرورة أن الممكن لا ينفك عن أحد وصفي PageV01P150 # الوجود والعدم ، وقد بينا أنهما بالنظر إلى ذاته متساويان لا يترجح ~~أحدهما على الآخر بالنظر إلى ذاته (1)، والضرورة قاضية بأن الترجيح لا بد ~~له من سبب ، وإذ ليس نفس الماهية، فهو خارج. ومعلوم أن الرجحان غير المانع ~~من النقيض لا يكفي في حصول الراجح، لأن الممكن مع ذلك الرجحان ، إما أن ~~يمكن طرو (2) المرجوح عليه أو لا. فإن لم يمكن ، فذلك الرجحان ، مانع من ~~النقيض ، وقد فرض أنه غير مانع ، هذا خلف. ولأنه المطلوب. وإن أمكن فليفرض ~~واقعا في وقت ، فتخصص أحد الوقتين بوجود الراجح والآخر بوجود المرجوح إما ~~أن يكون لسبب (3) أو لا. والثاني باطل ، لقضاء الضرورة بافتقار وقوع الممكن ~~إلى سبب. والأول إما أن يكون الراجح معه واجبا أو (4) المرجوح أولا ، فإن ~~لم يكن عاد البحث ، وإن كان فالمطلوب. # وإذا تقرر هذا فنقول : إذا فرض انضمام سبب أحد الطرفين إلى ماهية الممكن ~~، فإما (5) أن يبقى الممكن على حالة قبل الانضمام من الاستواء ، وهو محال ، ~~لاقتضائه خروج السبب عن كونه سببا ، إذ لا فرق بين وجوده وعدمه ، أو يخرج ~~عن حد الاستواء إلى حيز (6) الرجحان ، فإما أن يكون لما يقتضيه السبب أو ~~للآخر ، والثاني غير معقول ، وإلا لكان (7) سببا للمرجوح لا للراجح. والأول ~~يقتضي كون ذلك الطرف راجحا ، وقد تقرر أن الرجحان المطلق غير كاف ، بل لا بد من PageV01P151 # الوجوب ، فيلزم وجوب الطرف الراجح حتى يوجد ، وهو المطلوب. # ولأن الممكن لا ينفك عن الاتصاف بما يقتضيه الراجح ، أو نقيضه. ولا يمكن ~~هنا اتصافه بنقيضه ، لخلوه عن السبب ، وهو في حال التساوي يمتنع اتصافه به ~~، ففي حال المرجوحية أولى بامتناع الاتصاف به ، وإذا امتنع اتصافه به ، وجب ~~اتصافه بالراجح ، وإلا لزم خلوه عن ms0090 النقيضين ، وهو محال ، فقد ظهر أن كل ~~ممكن ، فإنه لا يوجد أو يعدم إلا إذا سبقت الضرورة المستندة إلى المؤثر عليه. # وأما الضرورة اللاحقة ، فإن كل ما فرض موجودا ، فإنه يستحيل عليه العدم ~~في تلك الحالة التي فرض فيها موجودا ، وإلا اجتمع النقيضان. وهذا الوجوب ~~لحق بعد فرض الشيء موجودا ، وإذا فرض معدوما ، امتنع وجوده في تلك الحال ، ~~لامتناع اجتماع النقيضين. وهذا الامتناع هو ضرورة العدم ، لحقت بعد فرضه ~~معدوما. ولما كان الممكن لا ينفك عن الوجود أو عن العدم ، فهو لا ينفك في ~~كل واحدة من حالتيه عن الوجوبين ، لوجوده أو عدمه ، وهو لا يقتضي شيئا ~~منهما ، كما لا يقتضي أحد الطرفين لذاته ، فهذان الوجوبان خارجان عن ماهية ~~الممكن لا داخلان في ماهيته. # لا يقال : الممكن متردد بين الوجود والعدم ، لا بين الوجوب والامتناع ، ~~فكيف جعل الوجوب سابقا على الوجود. # لأنا نقول : للممكن وجوبان لاحق وسابق لو لاه (1) استحال وجوده ، لكن لما ~~كان الوجود والعدم غايتي هذا الوجوب والامتناع ، صح أن يقال : الحقيقة ~~مترددة بين العدم والوجود ، لا بين الوجوب والامتناع. على أنه في الحقيقة ~~الترديد بين PageV01P152 # الوجود والعدم ، هو بعينه ترديد بين الوجوب والامتناع ، لأن الترديد في ~~الحقيقة هكذا : الممكن إما أن يكون موجودا عن سبب الوجود ، أو معدوما عن ~~سبب العدم. # لا يقال : وجوب الممكن وصف له ، فيستحيل سبقه عليه. # لأنا نقول : الوجوب ليس ثبوتيا (1) حتى يستدعي محلا ثابتا ، بل هو أمر ~~ذهني اعتباري ، يكفي حلوله في الذهن ونسبته إلى ماهية ذهنية. ### ||| ** البحث التاسع : في علة احتياج الأثر إلى مؤثره (2) # اختلف الناس هنا ، فذهب الأوائل والمتأخرون من المتكلمين إلى أن علة ~~الحاجة إنما هي الإمكان. وذهب قدماء المتكلمين إلى أنها الحدوث ، وقال ~~آخرون : العلة مجموع الأمرين ، إما بأن يكون الحدوث شطر العلة وجزءا منها ، ~~أو بأن يكون شرطا لها (3). # والحق الأول (4)، لوجهين : ### |||| ** الأول : أن الضرورة قاضية ، بأن الشيء إذا كان يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون ، ~~وكلاهما متساويان بالنسبة إليه ، فإنه يستحيل أن يترجح أحد طرفيه ms0091 على الآخر ~~إلا بسبب مغاير لذاته ، وإن لم يعقل سوى الإمكان. ولو جرده العقل عنه PageV01P153 # ووصفه بأي وصف كان ، من حدوث وغيره لم يحكم بالاحتياج. ولو جوز العقل كون ~~الحادث واجبا لذاته ، لم يحكم عليه بالحاجة وإن كان حادثا ، باعتبار زوال ~~الإمكان عنه. # فعلم من هذا ، أن العلة في احتياج الممكن إلى المؤثر ، إنما هي إمكانه لا حدوثه. ### |||| ** الثاني : أنه لو كان الحدوث علة الحاجة ، لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب (1)، ~~والتالي باطل ، فالمقدم مثله (2). # بيان الشرطية : أن الحدوث هو كون الوجود بعد العدم ، فهو صفة للوجود ، ~~والصفة متأخرة بالطبع عن موصوفها ، فالحدوث متأخر عن الوجود تأخرا بالذات ، ~~والوجود متأخر عن الإيجاد الذي هو تأثير (3) موجده فيه ، تأخر المعلول عن ~~علته ، والإيجاد متأخر عن احتياج (4) الأثر إلى مؤثره تأخرا بالطبع ، فإنه ~~لو لا (5) الحاجة امتنع تأثيره فيه ، والاحتياج متأخر عن علته تأخر المعلول ~~عن العلة ، فلو كانت علة الحاجة هي الحدوث ، لزم تقدم الشيء وهو الحدوث على ~~نفسه بهذه المراتب الأربعة ، وتقدم الشيء على نفسه محال بالضرورة ، فامتنع ~~كون الحدوث علة الحاجة ، فلم يبق إلا الإمكان ، فهو علة الحاجة (6). PageV01P154 # لا يقال : هذا الدليل قائم بعينه في الإمكان. لأنا نقول (1): الإمكان ~~صفة للممكن، فيتأخر عنه بالذات ، والممكن متأخر عن (تأثير المؤثر فيه الذي ~~هو الايجاد والايجاد متأخر عن) (2) الاحتياج المتأخر عن علته ، فلو كانت ~~العلة هي الإمكان ، لزم تقدم الشيء وهو الإمكان على نفسه (3) بمراتب ، ~~فيلزم خروج الإمكان عن العلية بعين ما خرج به الحدوث. # لأنا نقول : لا نسلم قيام الدليل في الإمكان ، لأن قوله : «الممكن متأخر ~~عن تأثير المؤثر فيه» غلط ، بل إنما يتأخر في وجوده أو عدمه عنه المتأخرين ~~عن ذاته ، وبسببهما احتاج الممكن إلى المؤثر ، ثم إلى علة الاحتياج (4). # احتجوا بوجوه. ### |||| ** الأول : لو كان الإمكان علة الحاجة إلى المؤثر ، لكان الممكن المعدوم محتاجا ، ~~والتالي باطل ، لأن العدم نفي محض ، فلا يتحقق فيه التأثير ، لأن العدم ليس ~~بأثر فلا تأثير ، والشرطية ظاهرة. ### |||| ** الثاني : لو كان الإمكان علة الحاجة لكان ms0092 الممكن الباقي محتاجا ، والتالي باطل بما ~~يأتي ، فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة. ### |||| ** الثالث : الضرورة قاضية ، بأن كل حادث ، فلا بد له من محدث. ### |||| ** والجواب عن الأول : ما تقدم من «احتياج الممكن في عدمه إلى سبب هو عدم مؤثره» ، فبالحقيقة علة ~~الوجود هي علة العدم ، لكن إن حضرت أثرت الوجود ، وإن عدمت أثرت العدم ، ~~وكونه نفيا محضا ، لا ينافي تميزه باعتبار نسبته PageV01P155 # إلى ملكته ، ونمنع كون العدم ليس بأثر ، نعم إنه ليس بأثر وجودي ، بل هو ~~أثر عدمي. ### |||| ** وعن الثاني : بالمنع من بطلان التالي وسيأتي (1). ### |||| ** وعن الثالث : بأن الضرورة إنما قضت بذلك ، لاتصاف الحادث بالإمكان ، لأنه لما حدث بعد أن ~~لم يكن ، فقد اتصفت ماهيته بالعدم السابق والوجود اللاحق ، فكانت ماهيته من ~~حيث هي هي قابلة للأمرين ، فاتصافها بأحدهما لا بد له من سبب ، لأن التساوي ~~يمنع من الترجيح ، فلا بد من وجوب سابق مستند إلى المؤثر ، فلو جوز العقل ~~وجوبه لم تقض الضرورة بالحاجة فيه. # واعلم ، أن الوجه الثاني من الوجهين الدالين على أن الحدوث لا يصلح ~~للعلية يدل بعينه على أنه لا يجوز أن يكون جزءا منها ، ولا شرطا لها ، لأنا ~~أبطلنا كونه (2) علة ، لكونه متأخرا والعلة متقدمة ، وجزء العلة وشرطها ~~أقدم من العلة بمرتبة ، (3) فكانا أولى بالامتناع لزيادة مراتب التقدم حينئذ. # واعلم ، أنا لو جعلنا العلة المحوجة إلى المؤثر هي الإمكان ، بشرط كون ~~الممكن مما سيحدث ، على أن يكون هذا الوصف جزء العلة ، أو شرطها ، أو ~~جعلناه كل العلة ، اندفع الدور وتقدم الشيء على نفسه ، وكأن مقصود كلام ~~المتقدمين من المتكلمين ذلك. PageV01P156 ### ||| ** البحث العاشر : ### ||| ** في أن الممكن الموجود ، هل يحتاج في بقائه إلى السبب أم لا؟ (1) # اختلف الناس في ذلك ، فذهب الأوائل والمتأخرون من المتكلمين إلى أن ~~الممكن حال بقائه محتاج إلى السبب ، ونفاه قدماء المتكلمين (2) والمعتمد الأول. # لنا : أن العلة المحوجة إلى المؤثر هو الإمكان ، وهو لازم للماهية ، ثابت ~~لها حالة البقاء ، كما ثبت حالة الحدوث ، فيلزم ثبوت الاحتياج في الحالتين ~~، لوجود العلة فيهما. # وأيضا : لو استغنى الممكن ms0093 في وجوده في الزمن الثاني عن المؤثر ، لكان ~~واجبا ، إذ ليس معنى الواجب سوى المستغني في وجوده عن السبب ، فإن كان ~~لذاته فهو محال ، لاستحالة تعدد الواجب لذاته ، وتجدد الوجوب الذاتي للشيء ~~، وإن كان لغيره ، فهو المطلوب. # احتجوا بوجهين : ### |||| ** الأول : لو افتقر الممكن حال بقائه إلى السبب ، لكان ذلك السبب إما أن يكون له أثر ~~، أو لا. فإن لم يكن له أثر البتة ، كان الباقي في ذلك الوجود غنيا عن ذلك ~~المؤثر. وإن كان له أثر ، فإما أن يكون هو الوجود (3) الأول ، أو غيره. فإن كان PageV01P157 # الأول ، كان ذلك تحصيلا للحاصل وإن كان الثاني ، كان الشيء موجودا مرتين ~~، وهو محال. ولأنه يلزم أن يكون المحتاج إنما هو الوجود (1) المتجدد لا ~~الباقي ، وهو المطلوب (2). ### |||| ** الثاني : أنا نشاهد البناء باقيا بعد الباني ، ولو كان محتاجا إليه عدم لعدمه ، ~~والحجر المرمي تبقى حركته بعد مفارقة الرامي (3). ### |||| ** والجواب عن الأول : أن قولكم : «السبب حال البقاء ، إما أن يكون له أثر أو لا» غلط ، فإن ~~المؤثر في البقاء ، لا يكون له أثر البقاء حال البقاء ، وتحصيل الحاصل إنما ~~لزم منه ، بل المؤثر يفيد البقاء بعد الإحداث ، وتأثيره بعد الإحداث في أمر ~~جديد هو البقاء ، فإنه غير الإحداث ، فهو مؤثر في أمر جديد صار الباقي به ~~باقيا ، لا في الذي كان باقيا ، ولو لا ذلك الجديد ، لم يكن الأثر باقيا. # وأيضا إن عنيتم بقولكم : «المؤثر هل له فيه تأثير أم لا؟» أن المؤثر هل ~~له فيه تأثير جديد ، فليس الأمر كذلك ، وإن عنيتم به أن المؤثر له فيه ~~تأثير ، بمعنى أن الأثر الذي وجد عنه استمر لأجل استمراره ، فالأمر كذلك. # واعترضه أفضل المحققين : بأن البقاء المستفاد من المؤثر أمر جديد ، لو ~~لاه لم يكن الأثر باقيا (4). # وفيه نظر ؛ فإن تحصيل الحاصل ، نشأ من أن المؤثر أثر في الباقي البقاء حال # وأجاب قطب الدين الرازي عن الإشكالات في المحاكمات (ذيل شرح الاشارات) فراجع. PageV01P158 # فرض البقاء موجودا ، لكن المستدل لم يطلب ذلك ، بل قصد أن أثر السبب في ms0094 ~~الباقي في زمان البقاء ، إن كان هو الذي أوجده حال الحدوث ، لزم تحصيل ~~الحاصل ، وإن كان مغايرا له ، كان التأثير في أمر جديد. وأيضا هذا الجواب ~~يقتضي كون البقاء موجودا ، ويلزم منه التسلسل. ### |||| ** وعن الثاني : أن البناء ، ليس المحتاج فيه إلى الباني استقرار أجزائه في مواضعها ، بل ~~حركة الباني علة لحركة تلك الأجزاء من موضع إلى آخر ، واستقرارها في ~~مواضعها مستند إلى خلق أكوان فيها من الله تعالى ، كما ينقل الجسم من حيز ~~إلى آخر. والرامي يفيد المرمي قوة تستمر باستمرار الحركة. ### |||| ** خاتمة : الامتناع وصف عدمي ، وإلا لكان الموصوف به ثابتا ، وهو باطل بالضرورة. وهو ~~قد يكون ذاتيا ، كامتناع شريك الباري لذاته ، لا بمعنى أن له ذاتا تقتضي ~~امتناع وجوده ، بل أن تصوره مقتض لامتناع وجوده. وقد يكون عرضيا ، كوجود ~~المعلول مع عدم علته ، فإنه يكون ممتنعا لا لذاته ، بل باعتبار عدم علته ، ~~والامتناع الذاتي (1) في مقابله الوجوب الذاتي ، والعرضي في مقابله العرضي. PageV01P159 ### | المقصد الثالث ### | في التقسيم بالنسبة إلى الماهية والجزء ### ||| * والخارج والكلي والجزئي # اعلم : أن كل معقول فإما أن يكون نفس الماهية أو جزءها أو خارجا عنها. # وأيضا ، فإما أن يكون كليا أو جزئيا ، فهنا فصول : ### ||| ** الفصل الأول : ### | في مباحث الماهية ### ||| ** البحث الأول : في تحقيق الماهية (1) # لكل شيء حقيقة هو بها ما هو ، وتلك الحقيقة هي الماهية بالذات ومغايرة PageV01P161 # لها بالاعتبار ، فإن الماهية إذا أخذت ثابتة في الأعيان ، سميت حقيقة ، ~~وإن أخذت معقولة، سميت ماهية ، وهي مشتقة عما هو ، وهي ما به يجاب عن ~~السؤال بما هو. وتلك الماهية إذا أخذت من حيث هي هي ، ولم يضم إليها في ~~الاعتبار شيء من صفاتها (1)، من وحدة أو تعدد أو غيرهما من الصفات اللازمة ~~أو المفارقة ، كانت نفس الماهية مغايرة لجميع الصفات ، فالفرسية إذا أخذت ~~من حيث هي فرسية لم تكن شيئا غير الفرسية ، وهي مغايرة للوحدة والكثرة ~~والوجود والعدم. فإذا ضممت قيدا زائدا إليها ، كالوحدة ، صارت فرسية وشيئا ~~آخر هو الوحدة ، فصارت باعتبار الوحدة فرسية واحدة وتغاير الاعتباران. # وإذا أخذت ms0095 الفرسية من حيث تطابق بحدها أمورا كثيرة (2)، صارت عامة ، وهي ~~في نفسها ليست إلا الفرسية ، ومفهوم الوحدة والكثرة مغايران لمفهومها ، ~~وإلا لو كانت مفهوم أحدهما ، لم تصدق على مقابله. # فإن سألنا عن الفرسية بطرفي النقيض ، لم يكن الجواب إلا السلب ، على أن ~~يكون قبل «من حيث» لا على أنه (3) بعد «من حيث» (4). # ولو سألنا عنها بموجبتين في قوة النقيضين ، بحيث لا تخلو عنهما ، كالواحد ~~والكثير ، لم يلزم الجواب. |وقدمن سلبا على الحيثية||حتى يعم عارض الماهية| # شرح المنظومة : 94. PageV01P162 # والفرق ظاهر (1)، لأن الكثير هنا (2) وقع موقع السلب بعد «من حيث» ؛ ~~فإنا إذا قلنا : الفرسية من حيث هي فرسية واحد أم ليس؟ كان الجواب : ليس ~~الفرسية من حيث هي فرسية واحدا ، وهو جواب صحيح. # ولو قلنا : الفرسية من حيث هي فرسية واحد ، أو كثير ، فقلنا : واحد ، أو ~~كثير ، لم يكن جوابا صحيحا. وكان الحق : ليست الفرسية من حيث هي فرسية ، ~~واحدا ولا كثيرا لأن قولنا : ليست الفرسية من حيث هي فرسية واحدا يصدق مع ~~كونه واحدا بخلاف قولنا : الفرسية من حيث هي فرسية كثير. فالفرسية من حيث ~~هي فرسية ، لا يدخل في مفهومها الواحدية والكثيرية ، وإن وجب اتصافها ~~بأحدهما ، لكن لا من حيث مفهوم الفرسية ، بل باعتبار ما ينضم إليها. # وإذا قيل : الإنسانية التي في زيد من حيث هي إنسانية ، لا تغاير التي في ~~عمرو ، كان حقا. ولا يلزم منه أن يقال : فهما واحد بالعدد ، لأنا عنينا ~~بهذا السلب «أن تلك الإنسانية من حيث هي إنسانية ، إنسانية فقط ؛ وكونها ~~غير التي في عمرو شيء من خارج». # وإذا قيل : الإنسانية التي في زيد من حيث هي إنسانية ، هل هي التي في ~~عمرو؟ فالجواب «ليس» قبل «من حيث» لأن قولنا : من حيث هي إنسانية أسقط ~~اعتبار كونها في زيد (3)، لأنه قيد خارج عن الإنسانية من حيث هي إنسانية. # فإن قيل : الإنسان من حيث هو إنسان ، إذا كان موجودا في زيد ، فإما أن PageV01P163 # يكون خاصا به ، فلا يكون غيره إنسانا ، ولم يكن الإنسان بما هو ms0096 إنسان ~~موجودا فيه ، بل إنسان ما. وإن لم يكن خاصا به ، كان شيء واحد بالعدد ~~موجودا في محال (1) متعددة وهو محال ؛ فإذن يمتنع أن يكون الإنسان من حيث ~~هو موجودا في الأشخاص ، فيكون مفارقا. # فالجواب : الإنسان من حيث هو موجود في الشخص ، فيكون إنسانا ما. وإذا كان ~~المعين (2) موجودا ، فالإنسان من حيث هو ، موجود ، لأن المعين (3) إنسان ~~وشيء ، ووجود المركب يستلزم وجود أجزائه. وإذا كان إنسان ما موجودا ، ~~فالإنسان الذي هو جزء من إنسان ما موجود ، فاعتبار الإنسان بذاته جائز ، ~~وإن كان مع غيره ، لأن ذاته مع غيره (4) ذاته ، وذاته له بذاته ، وكونه مع ~~غيره عارض له ، وهذا الاعتبار مقدم في الوجود على الإنسان الشخصي والكلي ~~العقلي تقدم البسيط على المركب ، وهو بهذا الاعتبار لا جنس ولا نوع ، ولا ~~واحد ولا كثير ، بل انسان فقط ، لكن يلزمه إحدى هذه الأوصاف من خارج ذاته ، ~~وليس من هذه الجهة فرسا ما (5) وإن كان يلزمه أن يكون فرسا ما (6). # وأيضا (7) لا يصح قوله : «الإنسان الموجود في الأشخاص إما خاص أو عام» ؛ ~~لأن الإنسان من حيث هو لا عام ولا خاص. # واعلم : أن الكلي قد يوجد باعتبارات ثلاثة : ### |||| ** الأول : الماهية من حيث هي هي ، وتسمى الطبائع ، أي طبائع أعيان الموجودات ونفس ~~حقائقها. وتسمى الأمر الإلهي ، كما يؤخذ الحيوان لا بشرط PageV01P164 # شيء (1). ### |||| ** الثاني : الماهية بشرط التجرد عما سواها ، كأخذ الحيوان بشرط لا شيء ، بل مجردا عن ~~غيره. والأول موجود في الخارج ، بخلاف الثاني ، فإن وجوده ذهني ، على أن ~~ذلك خارج عنه أيضا ، فإن شرط تجرده ينافي اعتبار وجوده ذهنا (2)، لا وجوده ~~ذهنا (3). ### |||| ** الثالث : الماهية بشرط عروض اللواحق الخارجية (4) عنها بها ، من الفصول ، فتكون ~~أنواعا ، ومن العوارض ، فتكون أصنافا وأشخاصا. وهي بهذا الاعتبار موجودة في ~~الخارج ، بل هي المقصودة بالذات بالوجود ؛ فإن الغرض والغاية الحقيقية ~~يتعلقان بوجود الأنواع (5). # والفرق بين أخذ الشيء بشرط لا ، وبين أخذه لا بشرط ، إنما يظهر في الخارج ~~عن الماهية ، لا في الماهية ولا في مقوماتها ، بل الماهية ومقوماتها دائما ~~توجد بشرط ms0097 لا ، إذ لو أدخلت في الحقيقة قيدا أو أخرجت عنها قيدا ، لم تكن ~~تلك الحقيقة ، بل صارت حقيقة أخرى. أما لوازم الحقيقة ، فتارة تؤخذ بشرط لا ~~، وتارة تؤخذ لا بشرط. فإذا أخذت الحقيقة بالنسبة إلى تلك اللوازم بشرط لا ~~، فقد أخذت الحقيقة مجردة عن تلك العوارض ، وهو ممكن ، بخلاف المقومات. ~~وإذا أخذت الحقيقة بالنسبة إلى تلك اللوازم لا بشرط ، فقد أخذت الحقيقة ~~صالحة لعروض أمر زائد عليها ولعدمه. PageV01P165 # واعلم : أن الجنس قد يمكن أن يؤخذ باعتبارين معا ، فإن الحيوان يمكن أخذه ~~بشرط لا شيء ، فإن شرط الشيء هنا يراد به ما من شأنه أن يدخل في مفهوم ~~الحيوان عند صيرورته محصلا ، فإن المعاني الجنسية إنما تتحصل بالفصول. ### ||| ** البحث الثاني : في تقسيم الماهية (1) # الماهية إما أن تكون بسيطة ، وإما أن تكون مركبة. وللبسيط تفسيران : ### |||| ** أحدهما : الذي لا تلتئم حقيقته من أمور. ### |||| ** والثاني : الذي تتساوى أجزاؤه في الاسم والحد. # والمراد هنا الأول. # والمركب هو الذي تلتئم حقيقته من عدة أمور. والحس دل على وجوده. # ولا بد من وجود البسيط ، وإلا لزم تركب كل ماهية من أمور غير متناهية كل ~~واحد من تلك الأمور مركب من أمور غير متناهية. وهكذا إلى ما لا يتناهى ، ~~وهو غير معقول ، لاستلزامه وجود الكثرة من دون الوحدات. # والضرورة قاضية ، بأن كل كثرة سواء كانت متناهية أو غير متناهية ، فإن ~~الواحد فيها (2) موجود ، لأنه جزء ، ولا وجود للكل بدون جزئه ، ثم ذلك ~~الواحد إن كان مركبا لم يكن واحدا ، هذا خلف ، وإلا فالمطلوب. # قال أفضل المتأخرين : مجموع أجزاء الماهية نفسها ، وإلا لكان إما داخلا ~~فيها ، وهو محال (3)، وإلا لكان هناك جزء آخر ، فلم يكن ما فرضناه مجموع PageV01P166 # الأجزاء ، هذا خلف ، أو خارجا عنها ، فتكون الأجزاء عوارض ، وهو محال. # وليس بجيد ، لأن هنا قسما آخر وهو أن يكون مجموع الداخل ، لأن كلامه يشعر ~~بأنه أراد بالداخل بعض الأجزاء. # وقيل : لو كان مجموع الأجزاء نفس الماهية ، لم تكن للمركب علة تامة ، ~~لأنها ليست مجموع الأجزاء ، لأن التقدير أنها نفسه (1)، ولا ms0098 بعضها ، ~~لافتقاره إلى الآخر (2) ولا الخارج ، لافتقاره إلى الأجزاء. ولا إلى (3) ~~جميع الأجزاء والخارج ، وإلا لكان نفس الماهية جزء علتها. ولا بعض الأجزاء ~~والخارج ، لافتقاره إلى البعض الآخر ، وهذا الإيراد من فوائد «المولى ~~الأعظم الوزير خواجه رشيد الملة والدين» وهو لازم لا جواب عنه إلا ~~المعارضة. # وهذه الآحاد إنما تتركب منها الماهية لو كان بعضها محتاجا إلى البعض ~~الآخر ، إذ لو كان كل واحد منها (4) غنيا عن صاحبه لم تتركب منها حقيقة ~~واحدة ، وكان بمنزلة جلوس الإنسان على الحجر ، فإنه لما انتفت الحاجة ~~بينهما ، امتنع تركب حقيقة منهما. والمعجون وإن استغنى كل واحد من أجزائه ~~عن البواقي ، لكن الصورة الحاصلة من تركيب تلك الأجزاء المادية محتاجة ~~إليها ، وتلك الصورة المعجونية جزء من المعجون ، وكذا الصورة (5) العددية ، ~~كالعشرية المحتاجة إلى آحادها ، والصناعية كذلك ، كالحائط المستغني كل واحد ~~من أجزائه المادية عن الآخر ، واحتياج صورته إليها ، ولا يمكن احتياج كل ~~واحد منها إلى الآخر من الجهة الواحدة ، وإلا لزم الدور ، بل إن احتاج كل ~~منهما إلى الآخر فمن جهتين PageV01P167 # متغايرتين ، كالمادة والصورة. # قيل : إنه لا يكفي احتياج بعض الأجزاء إلى ما يحتاج إليه الآخر وإن ~~استغنى عن الآخر ، وإلا لتمت الحقيقة بالمحتاج والمحتاج إليه ، دون الآخر ، ~~فلا يكون الآخر جزءا ، بل ما احتاج إليه الآخر ، مثلا الحيوان غير متقوم ~~بالضاحك ، وإن احتاج إلى ما يحتاج إليه الضاحك وهو الناطق. والملازمة ~~ممنوعة. ### ||| ** البحث الثالث : في أن البسائط هل هي مجعولة أم لا؟ (1) # اختلف الناس في ذلك ، بعد اتفاقهم على أن وجود الممكن البسيط إنما يحصل ~~بالفاعل ، فليس النزاع في أن وجود البسيط هل يحصل بالفاعل أم لا ، بل في ~~ماهيته ، مثلا : هل السواد سواد بالفاعل أم لا؟. # فذهب أكثر الأوائل وقدماء المعتزلة إلى أنها غير مجعولة. # وذهب آخرون ، خصوصا من جعل الوجود نفس الماهية ، إلى أنها مجعولة (2). # احتج الأولون بوجوه : ### |||| ** الأول : علة الحاجة إلى المؤثر إنما هي الإمكان ، وهو أمر إضافي لا يعقل تحققه ~~بالنسبة إلى شيء واحد ، لاحتياج الإضافة إلى مضافين ، إذ ms0099 من خاصيتها (3) ~~التعاكس. وإذا لم يعقل عروض الإمكان للواحد إلا باعتبار حصول شيء آخر له ~~كوجود أو عدم ، استحالت الحاجة عليه لانتفاء علتها (4). PageV01P168 ### |||| ** الثاني : تأثير الشيء في غيره إنما يكون بعد احتياجه إلى ذلك الشيء ، واحتياجه إلى ~~ذلك (1) الشيء نعت من نعوته ، والنعت متأخر عن المنعوت ، فإذن حقيقته مقدمة ~~على تأثير الشيء فيه ، فيستحيل أن يكون للشيء فيه تأثير. ### |||| ** الثالث : لو تعلقت سوادية السواد بغيره ، لم يكن السواد سوادا عند فرض عدم ذلك الغير ~~، وهو محال ؛ لأن السواد سواد لذاته سواء تحقق غيره أو لا. # وفي الأول نظر ؛ لأن الماهية وجعل الفاعل لها أمران متغايران ، فصح عروض ~~الإمكان بالنسبة إليهما. ### |||| ** وفي الثاني : لأن الاحتياج وصف اعتباري ، وإن كان منسوبا إلى الماهية ، لكن ذلك لا يقتضي ~~كونه وجوديا ، لأنه منسوب إليها حال كونها ذهنية بالحاجة (2) عند كونها ~~خارجية. ### |||| ** وفي الثالث : لأنه المتنازع ، فإن من يجعل السواد سوادا بالفاعل ، يعترف برفع حقيقة ~~السواد عند ارتفاع الفاعل ، لا بأن يثبت السواد ويرتفع عنه كونه سوادا ، بل ~~بأن لا تبقى له حقيقة البتة. # احتج الآخرون : بأنه لو انتفت مجعولية البسيط انتفت المجعولية مطلقا ، ~~لأن الماهية إذا لم تكن مجعولة ، لم يكن الوجود أيضا مجعولا ، بعين ما تقدم ~~من الأدلة ، فلا تكون الماهية الموجودة مجعولة ، فلا يستند الممكن الموجود ~~إلى المؤثر ، فلا يكون ممكنا بل واجبا ، هذا خلف. # لا يقال : المستند إلى الفاعل هو موصوفية الماهية بالوجود ، وهو أمر ~~مغاير للماهية والوجود. # لأنا نقول : ### |||| ** أولا : الموصوفية ليست ثبوتية وإلا لزم التسلسل ، لاستحالة PageV01P169 # قيامها بذاتها ، فإنه لا يعقل لها تأصل في الوجود واستغناء (1) عن القيام ~~بالغير ، وإذا كانت صفة للغير كان اتصاف الغير بها أمرا زائدا عليهما فكان ~~(2) للموصوفية موصوفية أخرى ويتسلسل. وإذا لم تكن ثبوتية استحال اسنادها ~~إلى المؤثر. ### |||| ** وثانيا : أن البحث في الموصوفية كالبحث في الماهية ، بأن نقول : لو كانت الموصوفية ~~بالفاعل لزم ارتفاعها بارتفاع الفاعل ، لكن خروج الموصوفية عن كونها ~~موصوفية محال ، كاستحالة خروج السواد عن كونه سوادا. ### |||| ** وثالثا : أن موصوفية الماهية بالوجود ms0100 إن كانت نفس الوجود عاد الإشكال ، وإن كانت ~~مغايرة له ، فإن لم تكن ثبوتية استحال اسنادها إلى الفاعل ، وإن كانت ~~ثبوتية ، فإن كانت بسيطة عاد الإشكال ، وإن كانت مركبة ، كان الكلام في ~~بسائطها وتركبها ، كالكلام في الماهية والوجود وانتساب أحدهما [إلى] (3) الآخر. # واعترض أفضل المحققين (4): بأن تأثير المؤثر ، في جعل الماهية موصوفة ~~بالوجود ، كما هو رأي القائلين بشيئية المعدوم ، ولا يتعلق ذلك بموصوفية ~~الماهية بالوجود ، لأن ذلك أمر إضافي يحصل بعد اتصافها به. والمراد من ~~تأثير المؤثر هو ضم الماهية إلى الوجود ، ولا يلزم من ذلك محال (5). # وفيه نظر ، لعود البحث في الضم وجعل الماهية موصوفة بالوجود ، وغير ذلك ~~من العبارات ، فإن المستند إلى الفاعل كيفما كان إما بسيط أو مركب (6). PageV01P170 ### ||| ** البحث الرابع : في الفرق بين الجزء وغيره (1) # للجزء خواص ثلاثة : إضافيتان وحقيقية هي : (2) تقدمه (3) في الوجودين ~~والعدمين ، لأن الماهية معلولة للأجزاء ، والعلة متقدمة على المعلول ، وعدم ~~العلة متقدم أيضا على عدم المعلول ، لكونه علة له. فالعشرة إنما توجد إذا ~~وجدت آحادها بأجمعها ، وعدم أي واحد كان منها علة في عدمها (4) فكل واحد من ~~الأجزاء علة ناقصة في تحقق العشرية ، وعدم كل واحد علة تامة في عدمها. # والفرق ، أن الوجود لما توقف على تحقق جميع الأجزاء توقف المعلول على ~~علته ، وكان عدم العلة الناقصة ، علة تامة في عدم المعلول ، لزم توقف ~~الوجود على الجميع والعدم على عدم أي واحد كان. ولما وجب التطابق بين ~~الصورة العقلية والخارجية وإلا لم تكن الصورة المعقولة (5) صورة للخارجية ~~وكانت الأجزاء لذاتها متقدمة في الوجود الخارجي على الماهية ، وجب أن يكون ~~في العقل أيضا كذلك ، فإنه يستحيل تعقل الماهية مفصلة ، إلا بعد تعقل جميع ~~أجزائها ، إذ لو عقلت الحقيقة مفصلة بدون جزئها لم يكن ذلك جزءا (6) لها ، ~~بل وصفا خارجيا عنها. # والحاصل : أن الماهية ليست إلا مجموع تلك الأجزاء ، وحصول المجموع PageV01P171 # متأخر عن حصول الأجزاء ، ولما كان التقدم من لوازم الجزء لذاته ، وتعقل ~~الملزوم يستلزم تعقل اللازم القريب ، وجب أن يتصور الذهن تقدم الجزء ، ~~فتصوره ms0101 متقدم ، وتقدمه متصور. (1) أما لو عقلنا الماهية غير مفصلة ، بل ~~بحسب عوارضها ، لم يجب تصور الجزء معها ولا تقدم تصوره ، لأن ذلك في ~~الحقيقة ليس تصورا لتلك الماهية بل لعارضها. فالأجزاء لكونها متقدمة في ~~الوجود الذهني ، يلزمها كونها بينة الثبوت للماهية ، أي لا تفتقر إلى وسط ~~بينها وبين الماهية ، ولكونها متقدمة في الخارج تستغني عن السبب الجديد ، ~~لأن تحقق الماهية إذا تأخر عن تلك المفردات ، فمتى تحققت الحقيقة فقد كانت ~~تلك المفردات متحققة أولا ، وحينئذ لا يجوز استنادها إلى سبب آخر جديد ، ~~لاستحالة تحصيل الحاصل. وكذا في الذهن ، لما تأخر حصول الحقيقة فيه عن تصور ~~المفردات ، استغنى عن السبب الجديد أيضا ، وهذا الاستغناء الثاني (2) هو ~~المراد بالتبين. وخاصية (3) التقدم أخص من الخاصية التي هي الاستغناء عن ~~السبب ، لأن الأولى هو الحصول المتقدم ، والثانية هي مطلق الحصول. فلهذا ~~قالوا : «لا يلزم من كون الوصف بين الثبوت للشيء وكونه غنيا عن السبب كونه ~~ذاتيا». # لا يقال : لو اقتضى عدم الجزء عدم الكل ، لزم اجتماع العلل الكثيرة على ~~المعلول الشخصي ، أو الترجيح من غير مرجح ، والتالي باطل بما يأتي ، ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أنه لو عدمت الأجزاء دفعة ، فإما أن يستند عدم الماهية إلى PageV01P172 # عدم كل جزء ويلزم الأول ، أو إلى أحدها وهو ترجيح من غير مرجح. # وأيضا ، لو كان كذلك لزم إما تحصيل الحاصل ، أو تخلف المعلول عن علته ~~التامة ، والتالي بقسميه باطل ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أنه لو عدم جزء ، ثم عدم بعده آخر ، فالعدم الثاني إن ~~اقتضى عدم الماهية ، وقد كان حاصلا بالعدم (1) الأول لزم الأول ، وإن لم ~~يقتض ، مع أنه علة تامة لزم الثاني. ### |||| ** لأنا نجيب عن «أ» من وجوه : ### |||| ** الأول : عدم الماهية يستند إلى أسبق (2) الأجزاء عدما (3)، ولا يلزم تعدد العلل. ### |||| ** الثاني : عدم الماهية يستند إلى عدم أي جزء اتفق ، أي عدم أحد الأجزاء لا بعينه ، ~~فإذن عدم المعين اقتضى عدم المركب لا من حيث إنه معين ، بل من حيث اشتماله ~~على أحد الأجزاء مطلقا (4). ### |||| ** الثالث : لا نسلم ms0102 أن المعلول هنا شخصي ، حتى يستحيل تعدد علله. # وبيانه : أن العدم غير متشخص في نفسه ، ولا متميز عن غيره ، وإنما يتمايز ~~أفراده باعتبار ملكاته تمايزا غير حقيقي ، بل باعتبار إضافته إلى ملكته. ثم ~~عدم الماهية بعدم جزء من أجزائها ، مغاير لعدمها بعدم جزء آخر مغاير له ، ~~أو بعدم جزءين ، أو بعدم جميع الأجزاء. # وعن ب : بأنا نختار القسم الثاني ، ونمنع كون الثاني علة تامة لعدم ~~الماهية ، لأنه إنما تكون علة تامة لو كان جزءا للكل ونمنع كونه جزءا للكل ~~بعد عدم PageV01P173 # الأول ، إذ بعدم الأول يعدم الكل ، والجزء مضاف إلى الكل وإذا عدم أحد ~~المضافين عدمت الإضافة ، فيلزم عدم الجزئية عن الثاني ، فتنتفي الخاصية عنه. # أو نقول : لم لا يجوز أن يكون علة لا مطلقا؟ بل بشرط وجود الأول ، فإذا ~~انتفى الأول انتفى شرط علية (1) العدم الثاني. # أو نقول : لم لا يجوز أن يكون عدم الأول مانعا للثاني عن تأثير عدمه في ~~عدم الماهية؟ فهذا تحقيق الخاصة المطلقة للجزء. # وأما الإضافيتان : فإحداهما : أنه لا يعلل بعلة مغايرة لعلة الكل ، فإن ~~السواد هو لون لذاته لا لشيء آخر يجعله لونا ، فإن ما جعله سوادا جعله لونا. # والثانية : أن الجزء يمتنع رفعه عما هو ذاتي له وجودا وتوهما. # وإنما كانتا إضافيتين لمشاركة بعض اللوازم العرضية فيهما ، فإن الاثنين ~~لا يحتاج في اتصافه بالزوجية إلى علة غير ذاته. ولا يمكن رفع الزوجية عنه ~~وجودا وتوهما ، إلا أن الجزء يلحق المركب قبل ذاته ، فإنه من علل ماهيته ، ~~والعرضي اللازم يلحقه بعد ذاته ، فإنه من معلولاته. وأما غير الجزء ، فإنه ~~لا يوجد له صفة التقدم في الوجودين والعدمين سواء كان لازما أو لا. ### ||| ** البحث الخامس : في الفرق بين التركيب الذهني والخارجي (2) # أجزاء الماهية إما أن تكون محمولة عليها حمل المواطاة أو لا. # والأول ، إنما تكون أجزاء في الذهن لا غير ، كتركب السواد من جنسه الذي PageV01P174 # هو اللون ومن فصله الذي هو قابضية البصر ، فإن السواد لما شارك البياض في ~~اللونية وامتاز عنها بالقابضية ، جزم العقل ms0103 بالفرق بينهما ، لقضاء الضرورة ~~بأن جهة الاشتراك مغايرة لجهة الامتياز. وإنما كان هذا التركيب ذهنيا (1) ~~لامتناع وجود لونية مطلقة في الخارج ، وقابضية تنضم إليها تحصل منهما هيئة ~~السواد ، لأنهما إما محسوستان أو لا. # فإن كانتا محسوستين ، فإن ماثلا السواد امتنع تقومه (2) بهما. وإن خالفاه ~~كان لونا مخصوصا مخالفا للسواد في خصوصيته ، فيكون نوعا آخر من اللون ~~المطلق ، ولا يكون هو اللونية المطلقة ، لأن اللونية المطلقة إذا كانت ~~محسوسة فإذا انضافت القابضية (3) إليها ، فإما أن تحدث هيئة أخرى مخصوصة أو ~~لا. فإن لم تحدث كان المحسوس هو اللونية المطلقة و (وطبيعة الجنس هي) (4) ~~طبيعة النوع ، وإن حدثت هناك هيئة أخرى ، لم يكن إحساسنا بالسواد إحساسا ~~بهيئة واحدة ، بل بهيئتين ، وهو محال. # وإن لم تكونا محسوستين فعند اجتماعهما إما أن تحدث هيئة محسوسة أو لا. ~~فإن لم تحدث لم يكن السواد محسوسا. وإن حدثت هيئة محسوسة ، فتلك الهيئة ~~المحسوسة معلولة لاجتماع اللونية والقابضية وهي خارجة عنهما مغايرة لهما. ~~ولا نعني بالسواد إلا نفس تلك الماهية المحسوسة ، فتكون اللونية والقابضية ~~خارجتين لا مقومتين ، فثبت امتناع تميز أحد جزئي السواد عن صاحبه ، بل ذلك ~~التميز إنما يكون في الذهن وفي نفس الأمر ، إذ لو لا تميز الجنس عن الفصل ~~في نفس الأمر PageV01P175 # وتغايرهما ، لكان الذهن قد حكم بالتركيب فيما لا تركيب فيه ، وهو جهل. # فاللونية والقابضية متغايران في الحقيقة والوجود الذهني لا في الوجود ~~الخارجي ، فكل واحد منهما لا يتميز عن الآخر في الخارج ، بخلاف التركيب ~~الخارجي ، فإن كل واحد من أجزائه موجود متميز بنفسه عن صاحبه لا يبطل ~~ببطلانه. # لا يقال : الفصل علة الجنس ، فله تقدم واستقلال حين يفيد الوجود لغيره. # لأنا نقول : هذا أمر يعتبره العقل لا في الخارج. # لا يقال : ما به الاشتراك غير ما به الامتياز ، لأن الذي به الاشتراك هو ~~اللونية ، والذي به الامتياز هو القابضية ، ومفهوم أحدهما غير مفهوم الآخر ~~، فلا يتقدم أحدهما على الآخر في الوجود (1)، لأنه إما أن لا (2) يكون كل ~~واحدة من الماهيتين غنية عن ms0104 الأخرى فيدور. أو يكون أحدهما محتاجا ، فيكون ~~المشترك متقدما حتى يلحقه التميز ، فيستدعي وجودا متقدما ووجودا لاحقا. # لأنا نقول : التقدم ليس بالوجود ، فإن أجزاء الماهية متقدمة على الماهية ~~لا بالوجود. # لا يقال : إذا حملنا الحيوان على الإنسان ، فإن أردنا اتحادهما في ~~المفهوم ، لزم الكذب ، وانتفت فائدة الحمل ، ورجع إلى صدق الألفاظ ~~المترادفة بعضها على بعض. وإن أردنا اتصاف ماهية الإنسان بالحيوان ، لزم ~~الكذب ؛ لأن الحيوان لما كان مقوما امتنع أن يكون صفة ، لتقدم الجزء وتأخر الصفة. # لأنا نقول : معنى «الإنسان هو الحيوان» أن الحيوان والإنسان وإن تغايرا في PageV01P176 # الماهية ، لكنهما متحدان في الوجود ، أما التغاير فظاهر ، وأما الاتحاد ~~فلأنه لا وجود لحيوان مطلق ما لم يتقيد بقيد سلبي أو وجودي ، كالناطق ~~واللاناطق ، وإذا استحال عروض الوجود إلا للمركب ثبت الاتحاد في الخارج. # قيل : لا يجوز عروض الوجود الواحد لماهيتين وإلا لجاز قيام العرض الواحد ~~بمحلين وحصول الجسم في مكانين ، مع أن القيد السلبي لا يجوز أن يكون جزءا ~~من ماهية القابل للوصف الوجودي ، فيستحيل أن يقبل الحيوان اللاناطق الوجود. # والتحقيق : أن معنى الحمل : الصدق ، والامتناع في صدق الجزء على الكل لا ~~من حيث إنه جزء ، بل معروض الجزئية. ### ||| ** البحث السادس : في التشخص (1) # كل ماهية معقولة ، فإن نفس تصورها لا يمنع من حملها على كثيرين. ومن ادعى ~~حملها على كثيرين موجودين طولب بالبرهان من غير تناقض. ومن ادعى حصرها في ~~شخص واحد لم تكن دعواه ضرورية ، بل يطالب بالبرهان. # وأما الشخص المعين ، فإن نفس تصوره يمنع من وقوع الشركة فيه. ولا يحتاج ~~في العلم بفساد من ادعى صدقه على كثيرين ، ولا في العلم بصحة من ادعى حصره ~~، إلى برهان. فبالضرورة قد انضم إلى الحقيقة من حيث هي هي أمرا زائدا (2) ~~عليها ، فماهية الشخص هي ماهية النوع منضما إليها شيء آخر. # بقي هنا بيان أن ذلك المنضم الذي حصل به التعين والتشخص PageV01P177 # أمر ثبوتي (1)، فنقول : اختلف الناس في ذلك ، فذهب الأوائل إليه ، ~~وأنكره المتكلمون. # احتج الأوائل بوجهين (2): ### |||| ** أ: تعين الشيء وخصوصيته نفس ms0105 هويته ، والشخص من حيث هو هو ثابت ، والهوية جزء ~~منه وجزء الثابت ثابت فالتعين ثابت. ### |||| ** ب : لو كان التعين عدميا ، فإما أن يكون عبارة عن اللالاتعين (3) مطلقا أو عن ~~لا تعين غيره ، والأول محال ، لأن اللاتعين مطلقا عدمي ، فعدمه عدم العدم ~~فيكون ثبوتيا. والثاني ، إن كان تعين غيره عدميا كان هو ثبوتيا ، لكن تعينه ~~كتعين غيره ، فتعين غيره أيضا ثابت ، وإن كان تعين غيره ثبوتيا كان هو ~~ثابتا لأنه كهو. # احتج المنكرون بوجوه : ### |||| ** الأول : لو كان التعين ثبوتيا زائدا على الماهية ، لكان له ماهية نوعية مقولة على ~~أشخاص التعينات ، لاشتراك جميع التعينات في الماهية المسماة بالتعين ، ~~وحينئذ يمتاز كل واحد منها عن صاحبه بخصوصية ، فتكون شخصية كل نوع زائدة ~~على ماهيته ، فيلزم التسلسل ، وبهذا سقط قول من قال : التعين يتعين لذاته. ### |||| ** الثاني : اختصاص ذلك الزائد بذلك المتعين (4) دون غيره ، إنما يكون بعد PageV01P178 # امتياز ذلك المتعين عن غيره وإلا لم يكن اختصاصه به أولى من اختصاصه ~~بغيره ، أو اختصاص غيره به ، فيجب أن يكون اختصاص ذلك التعين (1) بذلك ~~المتعين بعد تعينه ، فهو متعين قبل أن يكون متعينا ، هذا خلف. ### |||| ** الثالث : تشخص الشخص الذي له ما يشاركه في نوعه إن كان أمرا زائدا ، فله علة غير ~~الماهية ، وإلا انحصر نوعها في شخصها. وليست العلة الفاعلية ، لأن الفاعل ~~ليس له إلا الإيجاد ، وإيجاده له لا يقتضي أن يكون الحاصل هو ذلك بعينه ، ~~ولا الصورية لتأخر وجودها عن محلها ، فلا تكون علة لهويته ولإيجاد الصورة ~~في جميع أفراد النوع ، ولا الغائية لتأخر وجودها عن وجود الشيء ، ولا ~~القابلية ، لأن الكلام في تعين ذلك القابل كالكلام في تعين ذلك الشيء ، فإن ~~كان لتعينه دار ، وإن كان لتعين قابل آخر تسلسل. وإن كان لذاته ، فنوع كل ~~قابل منحصر في شخصه ، وهو محال ، لاشتراك الأجسام في الجسمية ، فإما أن لا ~~يكون لها ما يقبلها ، فيلزم وجود أمور متحدة في الحقيقة تشخصت لا بسبب ~~القابل ، وإن كان (2) فتلك القوابل إن اشتركت في الماهية عاد الإلزام. وإن ~~اختلفت كانت ms0106 قوابل الأجزاء المفروضة في الجسمية متمايزة بالفعل ، لكنها غير ~~متناهية ، فالقوابل المتمايزة بالفعل غير متناهية ، فالجسمية الحالة في كل ~~واحد ، مغايرة للتي في غيره ، فالجسم مركب من أجزاء غير متناهية (3). ولا ~~يمكن أن تكون ماهية كل من القابل والمقبول علة لتعين الأخرى ، وإلا لاستحال ~~أن تحل في القابل الواحد إلا حال واحد وهو محال (4). ### |||| ** الرابع : لو كان التعين ثبوتيا لكان الموجود الواحد موجودين لا واحدا ، PageV01P179 # هذا خلف ، لأن الماهية التي انضاف إليها التعين إن كانت موجودة لزم كون ~~الواحد اثنين. ولو سلم إمكانه ، لكن الكلام في كل واحد منهما كالكلام في ~~الآخر ، ويكون كل واحد منهما موجودا ، فكل شيء أشياء غير متناهية وهو محال. ~~وبتقدير تسليمه فلا بد من الواحد ، لأن الكثرة إنما تتحقق مع الواحد. وإن ~~لم تكن الماهية موجودة ، كان التعين الموجود منضما إلى الماهية المعدومة ~~وحالا فيها ، وهو محال. ### |||| ** الخامس : لو كان التعين ثبوتيا استحال انضمامه إلى الماهية إلا بعد وجودها ، لكن ~~الماهية لا توجد إلا بعد التعين ، فإن كان بهذا التعين لزم أن يكون الشيء ~~(1) شرطا في نفسه وهو محال. وإن كان بغيره لزم تعدد التعينات ، فكان الشيء ~~الواحد متعينا مرتين ، وهو محال. ### |||| ** والجواب عن الأول : # أن التعين إن كان له مفهوم زائد وراء المفهوم من المتعينية (2)، اقتضى ~~أن يكون مفهوم المتعينية مقارنا لمفهوم آخر. وإلا فيكون التعين متعينا ~~لذاته ، ويكون تعينه نفس تعين (3) ذاته لا زائدا ، ولا يلزم التسلسل. # وفيه نظر ، فإن النزاع وقع في أن التعين هل هو زائد على الماهية أم لا؟ ~~لا في أنه زائد على المتعينية (4) أم لا؟ والتسلسل لازم أيضا على التقدير الأول. # والتحقيق أن نقول : إما أن يكون النزاع في التعين أو فيما به التعين. ~~والأول أمر اعتباري «هو كون الماهية بحيث يمنع نفس تصورها من وقوع الشركة». ~~وأما الثاني ، فلا يلزم من زيادته اشتراكه مع غيره ، إلا في وصف اعتباري ، ~~وهو صدور PageV01P180 # التعين عنه ، ولا ينافي زيادته واختلافه في الحقيقة اشتراك ما انضم إليه ~~في الماهية. # وأجاب أفضل ms0107 المحققين في شرح الإشارات : بأن تعينات الأشخاص من حيث تعلقها ~~بالمتعينات (1) لا تشترك (2) في شيء ، ومن حيث تشترك في شيء ، فليست ~~بتعينات. (3) # والتحقيق ما بيناه. ### |||| ** وعن الثاني : بأن كل ما لا يكون تعينه معلول ماهيته (4)، حتى يكون نوعه في شخصه ، فلا ~~بد له من مادة ، ومادته لا بد وأن تكون متخصصة بأعراض شخصية ، ويكون تشخص ~~المادة بتلك الأعراض علة لتشخص ذلك الحادث ؛ ومن الممتنع أن يقترن بتلك ~~المادة في ذلك الوقت فرد آخر من ذلك النوع حتى يلزم الإشكال. ولا نقول أيضا ~~: بأن ذلك الشيء يوجد ويوجد التعين ، وبعد حصولهما يتقارنان ، بل حصول ~~الشيء في تلك المادة المخصوصة هو تعينه (5). # وفيه نظر ؛ لأنا نمنع المادة على ما يأتي. سلمنا لكن تلك الأعراض إذا ~~كانت متشخصة كان البحث فيها كالبحث في الماهيات ، وكان توسط المادة عبثا ~~وجاز تشخص الماهيات بذاتها. # وأجاب أفضل المحققين : بأن الطبائع تتعين بالفصول كالأنواع المركبة من ~~الأجناس والفصول ، أو بأنفسها كالأنواع البسيطة. ثم هي من حيث كونها طبيعة ~~تصلح لأن تكون عامة عقلية (6)، ولأن تكون خاصة شخصية ، فكما بانضياف PageV01P181 # معنى العموم إليها تصير عامة ، كذلك بانضياف التعينات إليها تصير أشخاصا ~~، ولا تحتاج إلى تعين آخر. ولو كان التعين بالفرض أمرا سلبيا ، لما كان عدم ~~الشيء مطلقا (1)، بل كان شيئا عدميا ، وأمثال هذه الأعدام تصلح لأن تصير ~~فصولا ، فضلا عن أن تكون عوارض (2). ### |||| ** وعن الثالث : بأن تشخص الماهية باعتبار أعراض متشخصة بذاتها مستندة إلى الفاعل. ### |||| ** وعن الرابع : أن الماهية ، إنما توصف بالوجود بعد اتصافها بالتعين ، وكما أن الماهية ~~المغايرة للوجود لا توصف بالوجود من حيث هي مغايرة للوجود ، كذلك التعين لا ~~يوصف بالوجود من حيث هو تعين (3). والماهية المتعينة موجود واحد. # وفيه نظر ؛ فإنا نسلم أن الماهية ، إنما توصف بالوجود بعد اتصافها ~~بالتعين ، لكن ذلك لا يدفع الكثرة ، فإن المعترض قال : إذا كان التعين ~~مغايرا للماهية ، فالوجود القائم بأحدهما ليس هو الوجود القائم بالآخر ، ~~لاستحالة قيام الصفة بمحلين ، فلا يكون الواحد واحدا بل اثنين وهكذا. # بل الوجه في ms0108 الجواب أن نقول : لا نعني بالوجود الواحد إلا الماهية ~~المتصفة في الوجود بالوحدة وذلك وإن أوجب كثرة باعتبار الماهية والوحدة ، ~~لكنها واحدة لا بهذا الاعتبار (4) الموجب لكثرتها. # قوله : «لو تكثر لزم التسلسل». قلنا : ممنوع ، وإنما يلزم التسلسل لو ~~احتاجت الماهية إلى تعين آخر غير ما فرض ثبوته له ، واحتاج التعين إلى تعين PageV01P182 # آخر وهو ممنوع ، فإن الماهية تعينت بذلك التعين (1) والتعين متعين بذاته ~~، فانقطع التسلسل. ### |||| ** وعن الخامس : بالمنع من أن الماهية لا ينضم إليها التعين إلا إذا كانت موجودة ، بل الحق ~~العكس ، وهو أن الماهية لا توجد إلا بعد انضمام التعين إليها ، فتوجد ~~متعينة بتعين سابق على وجودها ، ولا يلزم الدور ، ولا تعدد التعين. # واعلم : أنه فرق بين المشخص (2) والمميز ، فإن الفصول مميزات للأنواع من ~~الأجناس ، وكذلك العوارض مميزات أصناف الأنواع (3)، وليست مشخصة (4) لعدم ~~خروجها بالتميز عن الكلية ، واحتياجها بعده إلى ما هو أشد تخصصا حتى ينتهي ~~إلى التشخص. ### ||| ** البحث السابع : في كيفية تشخص الماهية (5) # إن تشخصت لذاتها كان نوعها منحصرا في شخصها ، وامتنع تكثرها حينئذ ، إذ ~~لو وجد اثنان منها لزم تخلف المعلول عن علته واختلاف لوازم الملزومات ~~المتفقة (6). وإن لم تقتض التشخص لذاتها لم تقتض الكثرة ، وإلا لم يوجد ~~الواحد منها ، فلم توجد الكثرة ، بل لا تقتضي شيئا منهما. وإنما تتصف PageV01P183 # بأحدهما باعتبار ما يعرض لها (1)، وتشخص مثل هذه الماهية إنما يكون (2) ~~إما بحلولها (3) في مادة شخصية تشخصت إما بماهية هذا الحال ، أو لشيء آخر ~~وإما باعتبار حلول أعراض متشخصة لذاتها فيها ، أو لإضافات فقط من غير أن ~~يكون معنى في الذات كتشخص البسائط والأعراض ، فإن تشخصها يكون لحصولها في ~~موادها ومحالها. # ولما كان المتشخص علة في التشخص ، وكان عدم العلة علة في عدم المعلول لزم ~~من عدم المشخص عدم ذلك التشخص وارتفاعه. وأما كل عارض للشخص من حيث هو ذلك ~~الشخص (4)، وكل خاصة له لا يلزم من عدمه عدم ذلك الشخص ، فإنه يكون عارضا ~~بعد التشخص ، لا من جملة (5) مقومات التشخص ، بل من المتقومات به. # واعلم : أن ms0109 تقييد الكلي بالكلي لا يقتضي التشخص ، فإنك إذا عبرت عن زيد ~~بأنه «الإنسان العالم» لم يحصل التشخص المانع من الشركة ، بل بقى احتمال ~~التعدد كما كان ، فإن زدت وقلت : إنه «الطويل الزاهد الأبيض ابن فلان الذي ~~تكلم يوم كذا في موضع كذا» ، لم يحصل التشخص أيضا ، لإمكان حمل (6) من حصل ~~فيه هذه الصفات على كثيرين. # وبالجملة فلا بد في تشخص ما يتكثر أفراده من مشاركة الوضع. PageV01P184 ### ||| ** الفصل الثاني : ### | في مباحث الجزء ### ||| ** البحث الأول : في أقسامه (1) # قد عرفت (2) خواص الجزء ، والفرق بينه وبين العارض. وعرفت أيضا (3) أن ~~التركيب قد يقع في الأمور الخارجية ، وقد يقع في الأمور الذهنية. وكل مركب ~~في الخارج فإنه مركب في الذهن دون العكس. ولا بد في كل مركب من أجزاء مادية ~~وجزء صوري ، سواء كان التركيب في الخارج أو في الذهن. وهذه الأجزاء قد توجد ~~بحيث لا يمكن أن تكون محمولة على المركب منها ، ويسمى حينئذ مواد وأجزاء ، ~~وقد يمكن أخذها بحيث يصح حملها ، لكن لا (4) باعتبار كونها أجزاء فإن جزء ~~الشيء يمتنع حمله على الكل ، فالحيوان إن أخذ منضما إلى الناطق كان هو ~~الإنسان PageV01P185 # بعينه ، ولم يكن محمولا وإن أخذ بشرط التجرد والخلو عن الناطق كان مادة ~~للإنسان و (1) جزءا منه ولم يكن أيضا محمولا ، وإن أخذ من حيث هو هو لا ~~بشرط شيء كان محمولا. وكل جزء محمول فهو إما جنس أو فصل ، لأن ذلك الجزء إن ~~اختص بتلك الماهية ولم يكن مشتركا بينها وبين غيرها فهو الفصل ، لاقتضائه ~~تمييز تلك الماهية عما يشاركها في جنس أو وجود ، وإن كان مشتركا ، فإن كان ~~تمام المشترك بينها وبين نوع ما كان جنسا ، وفيه منع. وإن لم يكن تمام ~~المشترك ، بل جزءا منه ، فإما أن يكون أعم منه ، أو مساويا لامتناع كونه ~~أخص ، فإن جزء الماهية لا يمكن أن يكون أخص منها ، وإلا لوجد المركب بدون ~~أجزائه ، فلا يكون الجزء متقدما ، هذا خلف فإن كان مساويا كان فصلا لتمام ~~المشترك ، فكان فصلا مفيدا للماهية (2)، وإن كان ms0110 أعم ، فإن كان تمام ~~المشترك بين تمام المشترك وبين ما غايره كان جنسا ، وقد فرض أنه ليس كذلك ، ~~هذا خلف. وإن لم يكن تمام المشترك تسلسل ، وهو محال. ### ||| ** البحث الثاني : في تقسيم الجزء باعتبار آخر # قيل (3): أجزاء الماهية إما أن يكون بعضها أعم من البعض فتسمى متداخلة ، ~~أو لا يكون فتسمى متباينة. والمتداخلة إما أن يكون بعضها أعم من الآخر ~~مطلقا ، أو من وجه ، فإن كان مطلقا ، فإما أن يكون العام متقوما بالخاص ، PageV01P186 # أو بالعكس ، والأول إما أن يكون العام موصوفا والخاص صفة ، فالعام هو ~~الجنس والخاص هو الفصل ، أو يكون الخاص موصوفا بالعام كالموجود الصادق على ~~المقولات العشر. وأما الذي يكون الخاص متقوما بالعام ، فهو كالنوع الأخير ~~المقوم لخواصه التي لا توجد في غيره. # والفرق بين انقسام الجنس بالفصول وانقسام النوع بالخواص بعد اشتراكهما في ~~أن العام منهما موصوف بالخاص أن في (1) الجنس ، العام متقوم بالخاص ، وفي ~~النوع بالعكس. # وأما الذي يكون العموم فيه من وجه ، فهو كالحيوان والأبيض ، إذا ركب ~~منهما حقيقة. # وأما المتباينة (2)، فهو كتركيب الشيء باحدى علله أو معلولاته ، أو بما ~~لا يكون علة ولا معلولا ، فالتركيب مع العلة الفاعلية كالعطاء ، فإنه اسم ~~لفائدة مقرونة بالفاعل. ومع المادية ، كالأفطس (3) إذا جعل اسما للتقعير ~~الذي في الأنف ، ومع الصورية ، كالأفطس إذا جعل اسما للأنف الذي فيه تقعير ~~، ومع الغائية ، كالخاتم ، فإنه اسم لحلقة مقرونة بغاية التجمل في الإصبع. ~~والتركيب مع المعلول كالخالق والرازق وغيرهما. # والتركيب مع ما لا يكون علة ولا معلولا ، فإما أن يكون عن أمور بعضها ~~عدمي وبعضها وجودي «كالأول» (4)، فإنه اسم لمجموع أمرين : ثبوتي هو كونه # قطر المحيط 2 : 1608. PageV01P187 # مبدأ عدمي هو أنه لا مبدأ له ، أو كلها ثبوتية ، فإما أن تكون كلها حقيقة ~~متشابهة كتركب العدد من الوحدات ، أو مختلفة معقولة كتركب الجسم من الهيولى ~~والصورة ، والعدالة من العفة والحكمة ، والشجاعة من الإقدام والعقل. أو ~~محسوسة كتركيب الخلقة من اللون والشكل ، والبلقة (1) من السواد والبياض. # وأما أن تكون كلها إضافية كالأقرب والأبعد ، فإنهما ms0111 دالان على إضافات ~~عارضة لاضافات. أو بعضها حقيقية وبعضها إضافية ، كالسرير الذي يعتبر في ~~تحقق ماهيته الأجزاء الخشبية ، وهي موجودات حقيقية هي الأجزاء المادية ، ~~والترتيب الذي هو الجزء الصوري وهو أمر نسبي ، لا أنه ماهية متأصلة بنفسها. # واعلم : أن أكثر هذه الأقسام لا باعتبار الأمر (2) نفسه ، بل باعتبار عمل ~~الذهن ، وأخذ العارض للشيء جزءا مع ذلك الشيء. ### ||| ** البحث الثالث : ### ||| ** في ما وجد من الأقسام المذكورة في الجواهر والأعراض (3) # اعلم : أن الجوهر الذي هو احدى المقولات العشر بسيط غير مركب البتة ، ~~وإلا لم يكن جنسا عاليا. ثم إن أنواعه يجب تركبها ، وإلا لم يكن جنسا. # وإذا وجب تركبها ، فقد يتركب بعض أنواعه من جنس وفصل عقليين ، كتركب ~~المفارقات كالعقول والنفوس من أجناسها وفصولها ، فإن الجنس فيها لا يتميز ~~عن الفصل في الوجود الخارجي. وقد يتركب من جنس وفصل خارجيين ، PageV01P188 # كالإنسان المركب من الحيوان (1) والناطق. و[قد يتركب] (2) من أجزاء ~~متباينة لا يكون بعضها جنسا للبعض ، بل ولا يكون محمولا عليه ، إما في ~~العقل ، كتركب الجسم من الهيولى والصورة. أو في الحس كتركب البدن من ~~الأعضاء ، والبيت من السقف والجدار. # وكذلك العرض قد يتركب من أجزاء عقلية ، كما بينا في السواد من تركبه من ~~اللون والقابضية اللذين لا يتميزان إلا في العقل. وقد يتركب من أجزاء ~~خارجية كتركب المثلث ، فإنه سطح تحيط به ثلاثة أضلع ، فالسطح جنس والأضلع ~~الثلاثة أو احاطتها بالسطح فصله. ولكل واحد من هذا الجنس والفصل وجود يتميز ~~به في الخارج عن الآخر. وقد يتألف من أجزاء متباينة كتألف العدد من الوحدات ~~، والخلقة من اللون والشكل. ### ||| ** البحث الرابع : ### ||| ** في طريق معرفة تركب الماهية من الجنس والفصل (3) # قد عرفت في ما تقدم خاصة الجزء المطلقة ، وهي السبق في الوجودين والعدمين ~~، فإذا فرض حقيقتان اشتركتا من وجه ، واختلفتا من آخر ، ووجدت تلك الخاصة ~~في المشترك والمميز حكمنا بأنهما جزءان ، لكل واحدة من الحقيقتين وقضى ~~العقل بأن جهة الاشتراك مغايرة لجهة الامتياز ، فكمال الجزء المشترك هو ~~الجنس ، وكمال الجزء المميز هو الفصل. # واعلم ms0112 : أنه ليس مجرد اشتراك الحقيقتين في وصف ، واختلافهما في آخر PageV01P189 # موجبا لتركبهما من المشترك والمميز ، فإن البسائط قد تشترك في أوصاف ~~سلبية وثبوتية ، وتختلف بصفات أخر سلبية وثبوتية ، فإن كل بسيطين فرضا ~~يشتركان في سلب ما عداهما عنهما ، ويمتاز كل واحد عن صاحبه بنفس حقيقته ، ~~ولا يقتضي ذلك التركيب ، وإلا لخرج عن كونه بسيطا ، وكل بسيط يفرض ، فإنه ~~يشارك جميع البسائط في الوجود والشيئية والمعلومية وغيرها من الأوصاف ~~العامة ، وهي متمايزة بالضرورة ، ولا يلزم تركبها من الوصف الثبوتي المشترك ~~والمميز ، وإلا لم تكن بسائط. وكل مركب ، فإن البسيط منه يشاركه في صدقه ~~عليه ، ويمتاز عنه البسيط بسلب الآخر عنه ، ولا يقتضي ذلك التركيب ، فإن ~~الإنسان يشارك الحيوان في صدق الحيوانية عليهما ، وثبوت الطبيعة الحيوانية ~~لهما ، لكن الحيوان لا يمتاز عن الإنسان إلا بقيد سلبي ، وهو : أن الحيوان ~~ليس له إلا الحيوانية ، وللإنسان أمر آخر وراء الحيوانية. فإذن الاشتراك ~~والامتياز في الأوصاف الثبوتية أو السلبية لا توجب التركيب. # نعم إذا وجدنا ماهيتين اشتركتا في بعض مقوماتهما ، واختلفتا في مقومات ~~أخر ، علمنا قطعا تركب الحقيقة من الجنس الذي هو تمام المشترك ، ومن الفصل ~~الذي هو تمام المميز. ولا يكفي في ذلك مطلق الاشتراك والامتياز. # فإذا قيل : لما ثبت كون الوجود زائدا على الماهية باعتبار أن الماهيات قد ~~اشتركت فيه ، وامتازت بأمور أخر ، وقضت الضرورة بأن ما به الاشتراك مغاير ~~لما به الامتياز ، أمكن أن يقال : الثبوت مشارك للماهيات الثابتة في أصل ~~الثبوت ، وممتاز عنها في الحقيقة ، فيلزم أن يكون للوجود وجود آخر. # قلنا : الاشتراك وإن كان في وصف ثبوتي ، وهو مطلق الثبوت ، إلا أن ~~الامتياز بقيد سلبي ، لأن الثبوت يتميز عن الماهيات الثابتة بأن الثبوت ليس ~~له إلا مفهوم الثابتية ، والماهيات الثابتة لها أمور أخر وراء ذلك المفهوم ~~، فلا يلزم أن يكون PageV01P190 # للثبوت ثبوت آخر. # ولو قيل : البسائط مشتركة في الوجود وممتازة في حقائقها ، فيلزم التركيب. # قلنا : الاشتراك وقع في وصف خارجي ثبوتي لا في وصف مقوم. # ولو قيل : أفراد النوع متمايز ms0113 بعضها عن بعض مع كونها مشتركة في الماهية. ~~فيلزم الكثرة. # قلنا : الامتياز وقع في أوصاف خارجية. ### ||| ** البحث الخامس : ### ||| ** في الفرق بين الطبيعة الجنسية (1) والطبيعية النوعية # إذا أخذ الجسم لا بشرط شيء ، وهو الجسم المأخوذ بمعنى الجنس ، كان ~~كالمجهول ، فلا ندري على أي صورة هو (2)، وكم صورة يشتمل. فتكون النفس ~~طالبة لحصول ذلك ، إذ (3) لم يقدر بعد عند (4) النفس شيء هو جسم محصل. # وكذا إذا أخطرنا اللون بالبال ولم نضم إليه قيدا آخر. فإن النفس لا تقنع ~~بتحصيل شيء غير متصور بالفعل ، بل تطلب في معنى اللون زيادة حتى يتقرر ~~بالفعل لونا. وكذا المقدار المطلق لا تتصور النفس منه معنى تاما حتى يتخصص ~~بكونه خطا أو سطحا أو جسما ، فإذا تصورت كونه خطا فقد يكمل عندها معنى ~~المقدار ، وإن لم تتصوره مستقيما أو منحنيا. فالطبيعة الجنسية تطلب النفس ~~فيها (5) PageV01P191 # تحصيل معناها بانضمام بعض الفصول إليها. # وأما طبيعية النوع فليس تطلب فيها (1) تحصيل معناها ، بل تحصيل الإشارة ~~إليها. وإذا طلبت النفس تحصيل الإشارة في طبيعة الجنس ، كانت قد فعلت ~~الواجب ، فإن ذلك الجنس لا بد وأن يشار إليه آخر الأمر ، ولكنها مع ذلك ~~تكون طالبة لتحصيل ماهيتها قبل طلبها للإشارة ، فإن النفس لا يمكنها أن ~~تجعل اللون مشارا إليه إلا بعد أن تضيف إليه أمورا أخر تنوع لونيته وتحصل ~~ماهية تلك الأنواع. وكذلك القول في المقدار ، وفي الكيفية. # وأما النوع ، فإن (2) العقل لا يطلب تكميل معناه بضم شيء آخر إليه ، بل ~~يطلب الإشارة إليه ، وذلك هو طلب الشخصية (3). ### ||| ** البحث السادس : في التناسب بين الحد والمحدود (4) # الحد : «قول دال على تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال» فإذا قلنا : إنسان ~~، فقد أشرنا بهذا الاسم إلى حقيقة الإنسان وماهيته ، من غير التعرض لذكر ~~شيء من أجزائها ، فإذا حددناه بأنه «الحيوان الناطق» ، فقد فصلنا معنى ~~الإنسان بذكر هذين الجزءين. # واعلم : أنا إذا قلنا : للإنسان أنه «حيوان ناطق» فإنه في الظاهر يفهم ~~منه تركبه منهما ، وذلك شيء يقال على سبيل التفهيم والتعليم ، وفي الحقيقة ~~ليس كذلك ، فإنه ms0114 ليس الإنسان مجموع الحيوان والناطق ، وليس في الخارج شيء هو PageV01P192 # الحيوان المطلق والناطق وانضم أحدهما إلى الآخر حتى تحصلت حقيقة الإنسان ~~، بل المراد من أنه «حيوان ناطق» أنه الحيوان الذي ذلك الحيوان ناطق ؛ فإن ~~الناطق داخل في الحيوان ومضمر فيه ، فإن الحيوان لا بشرط شيء ، إنما يحصل ~~ويتم لو شرط فيه ثبوت أحد فصوله ، إما الناطق أو عدمه ، فإذا قيد بالناطق ~~يحصل بعد ذلك ، وتحقق له ماهية مستقلة تامة في التعقل ، ولا يمكن سبق وجود ~~الحيوان قبل انضمام الناطق أو غيره من الفصول إليه ، ثم ينضم إليه أحدها ، ~~وإلا لكان عارضا له لا مقوما. # وكذا المقدار ، فإنه في نفسه يمكن أن يكون خطا أو (1) سطحا أو جسما ، ~~وإنما يتحصل مفهوميته بأحدها لا مطلقا ، ولا على أن ينضم إليه أحدها ، بل ~~الخط هو نفس المقدار الذي لا عرض له ولا عمق ، لأن معنى المقدار هو شيء ~~يحتمل المساواة من حيث هو هو لا بشرط شيء آخر ، والمقدار بهذا المعنى يمكن ~~أن يكون نفسه خطا ، ويمكن أن يكون سطحا ، فإذا فرضناه خطا لم يكن هناك ~~موجودان متغايران انضم أحدهما إلى الآخر حتى حصل الخط ، بل هو موجود واحد. # وفرق بين هذا ، وبين أخذ المقدار بشرط أن لا يؤخذ معه غيره ، فإنه بهذا ~~الاعتبار يكون فصل الخط خارجا عنه عارضا له ، ويحتاج العقل في كون ذلك ~~المقدار خطا إلى ضم # الفصل إليه ، فلهذا كان المقدار بهذا الاعتبار مادة ، وكان فصل الخط صورة ~~، وكانا معا جزءين من الخط لا يتضمن أحدهما الآخر ، ويمتنع حملهما على الخط ~~بخلاف الاعتبار الأول. فهكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع. PageV01P193 ### ||| ** البحث السابع : في النسبة بين الجنس والفصل (1) # اعلم : أن كل واحد منهما يناسب صاحبه في كونهما جزئي النوع على المعنى ~~الذي قررناه في البحث السابق. # والفصل مقسم للجنس (2) على معنى : أن الطبيعة الجسمية باعتبار ضم الفصل ~~إليها تصير خاصة مباينة في التحصيل للحصة الأخرى المنضمة إلى الفصل الآخر. ~~وبهذا الاعتبار يمتنع أن يكون الفصل لازما للطبيعة الجنسية ، وإلا لوجد ms0115 في ~~جميع صور وجودها فلا يكون مقسما لها ولا أخص ولا يحدث بسبب انضمامه إلى ~~الطبيعة تخصيص لبعض أفرادها عن البعض. # وقد زعم بعض من لا مزيد تحقيق له : أن الجنس لا يجب أن يكون لازما للفصل. ~~وتمسك بأن النطق الذي هو مبدأ فصل الإنسان مشترك بين الإنسان والملك ، مع ~~أن الملك ليس بحيوان ، لأن النطق هو «القوة على إدراك المعلومات» وهو معنى ~~مشترك بين الإنسان والملك ، والحيوان مشترك بين الإنسان والفرس ، فإذا ~~اعتبرنا حال الإنسان مع الفرس ، كان الحيوان جنسا والناطق فصلا. وإذا ~~اعتبرنا حال الإنسان مع الملك ، كان الناطق جنسا والحيوان فصلا ، فجوز ~~انقلاب كل من الجنس والفصل إلى الآخر. # والجواب : ليس فصل الإنسان عبارة عن النطق الذي هو «القوة على إدراك PageV01P194 # المعلومات» (1)، بل ذلك لازم للفصل الذي هو الجوهر القوي على هذه ~~الأحوال ، وهو عبارة عن «النفس الناطقة» في الإنسان ، وعن النفس الملكية في ~~الملائكة. والنفوس البشرية مخالفة بالحقيقة للنفوس السماوية. # واعلم : أن الجنس لا يجوز أن يكون داخلا في طبيعة الفصل ، لأن الجنس ~~عبارة عن كمال الذاتي المشترك ، والفصل عن كمال الجزء المميز ، وصريح العقل ~~حاكم بالتغاير بينهما. # قيل (2): إنما يتم ذلك لو جعلنا الجوهرية مقولة على ما تحتها قول ~~اللوازم والعوارض ، لا قول الأجناس والمقومات ، لأنه لو كان الجوهر جنسا ~~لوجب أن تتمايز أفراده بفصول مقومة له ، لكن مقوم الجوهر يجب أن يكون جوهرا ~~، فتكون الفصول جواهر (3)، فيدخل الجنس في طبيعة الفصل. فظهر أنه إنما يتم ~~هذا لو جعلنا الجوهر لازما لا مقوما. # وفيه نظر ، فإنه لا يلزم من جوهرية الفصل أن يكون الجوهر جزءا منه وجنسا ~~له ، لجواز صدق الجوهر عليه صدق اللازم على ملزومه ، ولا يلزم من جنسية ~~الجوهر كونه جنسا لجميع ما يقال عليه ، بل ذلك ممتنع ، فإن الأجناس تصدق ~~على فصولها ويمتنع أن تكون أجناسا لها. # قيل (4): الفصل علة للحصة من الجنس ، لأن أجزاء الماهية لا بد وأن يكون ~~بعضها علة لوجود البعض ، لامتناع الاستغناء مطلقا ، ولا يجوز أن تكون العلة ms0116 ~~الجنس ، وإلا لوجد الفصل أينما وجد الجنس ، هذا خلف. فوجب أن تكون العلة الفصل. PageV01P195 # وهذا الدليل ليس بشيء ، لأن المطلوب إن كان هو أن الفصل علة تامة ، لم ~~يلزم من نفيها الاستغناء ، لجواز كونه جزء العلة ، وذلك كاف في الحاجة ~~المشترطة في التركيب. وإن كان هو كون الفصل علة بوجه ما ، جاز أن تكون ~~العلة هو الجنس ، ولا يلزم وجود الفصل في جميع موارده كغيره من العلل ~~الناقصة ، بل الوجه في العلية : أنا قد بينا أن الجنس أمر مبهم في نفسه ، ~~غير متحصل في ذاته ، وإنما يتعين ويتحصل ماهيته بالفصل ، كما قلنا في ~~المقدار ، فإنه لا يمكن تحصل مقدار مطلق ، بل إنما يتحصل لو كان خطا أو ~~سطحا أو جسما. # فالوجود ينال الأنواع أولا حيث تضمنت الأجناس [و] (1) الفصول ، ثم يعرض ~~الأجناس متحققة بعدها. وإذا امتنع تحصله إلا منضما إلى الفصل كان وجوده ~~متوقفا عليه ، فلهذا كان (2) علة ، إذ ليس معنى العلية (3) إلا توقف الوجود ~~على الوجود. فثبت أن للفصل بالنسبة إلى الجنس خاصتين. إحداهما : تقسيم ~~الطبيعة الجنسية. والثانية : تقويم الحصة التي للنوع منها ، أي تكون علة ~~لوجودها (4). وله ثالثة بالنسبة إلى النوع وهي التقويم بمعنى كونه علة ~~لحقيقته. وتقسيمه للجنس قبل تقويمه للنوع ، لأن تحصيل الجزء سابق على تحصيل الكل. # لا يقال : الناطق إن كان علة لمطلق الجنس لم يكن مقسما (5) له ، وإن كان ~~علة للحصة المخصوصة بنوعه ، فلا بد وأن يفرض تخصيص ذلك الجنس أولا حتى يكون ~~الفصل علة له ، لكن ذلك الجنس متى تخصص فقد دخل في الوجود ، فلا يكون ~~الناطق علة. PageV01P196 # لأنا نقول : الحيوان من حيث هو هو يحتاج إلى علة ما تقوم وجوده وتخصصه ~~وتعينه وتخصص العلة بالناطق مثلا إنما جاء من قبل الناطق ، فإن الحيوان ~~مثلا لا يحتاج باعتبار حيوانيته المطلقة إلى الناطق ، بل لأن الناطقية ~~لذاتها علة لذلك الحيوان ، فالحاجة المطلقة جاءت من قبل الجنس ، وتعين ~~العلة جاء من قبل العلة. ### ||| ** البحث الثامن : في الفصل (1) # قد عرفت (2) أن الفصل كمال الجزء (3) المميز ، وأنه ms0117 مقسم ، وقسمته لازمة ~~لا عارضة ككون الجسم متحركا تارة وغير متحرك أخرى. ويجب أن لا يكون عروضه ~~بسبب شيء أعم منه كلحوق الأبيض والأسود للحيوان لا باعتبار أنه حيوان ، بل ~~باعتبار أنه جسم قائم بالفعل موضوع لهذه العوارض. وكذا الذكورة والأنوثة ~~عرضت للإنسان باعتبار أنه حيوان ، ولا بسبب شيء أخص منه ، فإنه حينئذ يكون ~~لازما للفصل ، أو فصلا بعيدا لا قريبا ، كما نقول : الجوهر إما أن يكون ~~قابلا للحركة أو لا يكون ، فإن قابلية الحركة عرضت بسبب الجسمية لا بسبب ~~الجوهرية. وهذا القبول لازم للفصل لا أنه فصل. # وإذا قلنا : الجسم إما ناطق أو غير ناطق ، لم يكن الجسم بما هو جسم ~~مستعدا لأن يكون ناطقا ، بل يحتاج أن يكون أولا ذا نفس حتى يصير ناطقا (4). # واعلم : أن القسمة اللازمة اللاحقة لا بواسطة أعم أو أخص ، لا يجب أن PageV01P197 # تكون بالفصول ، فإن من اللوازم ما هو كذلك كالذكورة والأنوثة ، وليسا ~~فصلين لأنه يمكننا أن نتوهم الحيوان موجودا لا ذكرا ولا أنثى ، ولا يمكننا ~~أن نتصور الحيوان موجودا لا (1) ناطقا ولا غير ناطق. ولأن الحيوان إنما صار ~~ذكرا لحرارة عرضت لمزاجه في ابتداء تكونه وفي رحم أمه ، ولو عرضت له برودة ~~لكان ذلك الشخص بعينه أنثى ، وليس شأن الفصول كذلك ، فليس الحيوان الذي صار ~~إنسانا يمكن زوال الناطقية عنه ويصير فرسا. # واعلم : أن بعض الماهيات اعتبارية ، ومثلها جاز أن تكون فصولها عدمية. ~~وأما الماهيات المحصلة في الأعيان ، فإنه يمتنع أن تكون فصولها عدمية ، لما ~~تقرر من أن الفصل علة للجنس ، وعلل الأمور الوجودية ، يمتنع أن تكون عدمية. # قال أفضل المحققين : لا استبعاد في جعل الأمور العدمية عدم الملكة فصولا ~~للماهيات المحصلة ، لأن الفصل ليس بمقوم للماهية الموجودة في الأعيان من ~~حيث وجودها في الأعيان ، إنما هو مقوم لها من حيث وجودها في العقل مطابقا ~~لما في الأعيان ، لأن الجنس أمر مبهم في العقل غير محصل في الوجود ، إنما ~~يتحصل بالفصل معقولا مطابقا للذي في الأعيان وهو النوع ، وذلك كالمعنى ~~الجنسي من ms0118 الكم المتصل الذي هو الطول مثلا ، فإنه يقع على المقدار الذي ~~يكون له مع الطول عرض وهو السطح ، وعلى المقدار الذي لا يكون له ذلك وهو ~~الخط. ثم إنه يتحصل خطا بتقيده بعدم العرض له ، ويتحصل سطحا بوجوده له. ~~وكذلك الكم الذي هو جنس عال ، فإنه يتحصل بالمتصل والمنفصل نوعين هما ~~المقدار والعدد. والفصل فصل (2) مبدؤه عدم الاشتراك في حد مخصوص. وبالحقيقة ~~يكون الشيء الذي يفيد الامتياز وجوديا ومبدأ الامتياز فيه عدميا. ويكون ~~الفصل هو PageV01P198 # الشيء الذي من شأنه ذلك العدم ، وعلى هذا الوجه لا يكون ممتنعا وذلك هو ~~المراد من الفصول العدمية. # وفيه نظر ، فإن أحدا لم يمنع كون بعض الوجوديات من شأنها عدم خاص سواء ~~كان فصلا أو غيره. والنزاع ليس في ذلك ، بل في كون الفصل نفسه عدميا. # واعلم : أنه لا يمكن أن يكون لشيء واحد فصلان ثابتان في مرتبة واحدة ، ~~لأن التمييز إن حصل بأحدهما لم يكن الآخر مميزا ، لاستحالة استناد المعلول ~~الواحد بالشخص إلى العلل المتعددة ، وإن لم يحصل لم يكن فصلا. نعم يجوز أن ~~يتركب الفصل من أمرين ، ويكون كل واحد منهما فصلا ناقصا ، والفصل التام ~~واحد هو مجموعهما ، وذلك مما لا نزاع فيه (1). # واعلم : أن الفصول الحقيقية قل (2) أن يدركها الإنسان ، إلا (3) بواسطة ~~أعراضها الصادرة عنها. فإذا اتفق أن يكون لبعض الفصول أعراض متعددة أخذ ~~أظهرها عند العقل وجعل فصلا ، وليس في نفس الأمر فصلا ، بل الفصل هو مبدأ ~~ذلك العرض ، كما أن النفس الإنسانية التي هي فصل الإنسان بالحقيقة مجهولة ~~الماهية عند العقل ، وإنما تتصور بعوارضها. ولما صدر عنها النطق والضحك ~~وغيرهما ، وكان النطق أظهرها ، جعل الناطق فصلا دون الضاحك ، للعلم بتقدم ~~الناطق على الضاحك. # فإن اتفق أن يحصل عرضان يشتبه تقدم أحدهما على الآخر وكلاهما واضحان عند ~~العقل ، أمكن الاستدلال بهما معا على الفصل ، كما في الحساس والمتحرك ~~بالإرادة ، فإن قوة الحس والحركة أمران صدرا عن النفس الحيوانية ، ولم PageV01P199 # يحصل عندنا شعور بتقدم أحدهما على الآخر ، فأخذنا هما معا في التعريف ms0119 ، ~~وليس واحد منهما بفصل ، فإن الحيوان ليس مركبا من الجسم وقوة الحس ، ولا ~~قوة التحريك ، لأن هذين أمران يعرضان للنفس الحيوانية بعد تحصلها (1)، ~~وصيرورة بعض الأجسام باعتبارها حيوانا لكن (2) لعدم شعورنا بالفصول في نفس ~~الأمر لا التي هي فصول في أذهاننا وعدم الأسماء لها لا لعارضها يضطر إلى ~~العدول عن الفصول الحقيقية إلى لوازمها للضرورة. # وليس كلامنا في الفصول بحسب تعقلنا وتصرفنا ، بل من جهة كيفية الوجود في ~~نفسه. ولهذا الاشتباه توهم بعض الناس جواز تعدد الفصول في مرتبة واحدة ، ~~وتمثل في ذلك بالحساس والمتحرك بالإرادة. والتحقيق فيه : ما قلناه. نعم ~~يجوز أن تتعدد فصول الشيء الواحد في مراتب متعددة كالناطق الذي هو فصل قريب ~~، والحساس الذي هو فصل بعيد ، والنمو الذي هو فصل أبعد. # واعلم : أن الفصول لما كانت عللا للأجناس وجب تناهيها ، لما يأتي من وجوب ~~تناهي العلل ، ولأنها أجزاء الماهيات ، ويمتنع أن تكون للماهية أجزاء غير ~~متناهية ، لامتناع تصورها حينئذ ، فإن الذهن لا يمكنه استحضار ما لا نهاية ~~له على التفصيل. فلهذا وجب تناهي الأجناس في التصاعد والتنازل ، وإلا لما ~~تحصلت الأنواع ولا الأشخاص (3). # واعلم : أن الفصل الأخير هو العلة الأولى ، فإن الناطقية علة لوجود النفس ~~الحيوانية، وهي علة القوة النباتية ، التي هي علة الجسمية ، التي هي علة ~~الجوهرية. PageV01P200 ### ||| ** البحث التاسع : في ترتب الأجناس في الحمل (1) # لما كان الجنس هو المقول على كثيرين ، وجب أن يكون محمولا عليها. فإن ~~المقولية هي الحمل ، فإذا فرض للنوع جنسان مترتبان أحدهما أعم من الأخر ، ~~كان حمل الجنس القريب الأخص (2) على النوع علة لحمل البعيد عليه ، فإن حمل ~~الحيوان علة لحمل الجسم على الإنسان ، (إذ يستحيل أن يكون الجسم محمولا على ~~الإنسان) (3)، إلا بعد صيرورته حيوانا ، لأنا قد بينا أن الجنس أمر مبهم ~~عند العقل وفي نفس الأمر ، وإنما يتحصل بالفصول ، وإذا توقف تحصله في الذهن ~~والخارج على فصوله ، فحمله أولى بالتوقف. # ولما كان الجسم الذي ليس بحيوان مسلوبا عن الإنسان لا أنه (4) موجب عليه ~~وجب أن يكون المحمول عليه (5) هو ms0120 الجسم الذي هو الحيوان. فلما كانت ~~الحيوانية شرطا في حمل الجسمية على الإنسان كان حمل الحيوانية على الإنسان ~~أقدم من حمل الجسمية عليه. # لا يقال : الجنس البعيد جزء من الجنس القريب ، والجزء مقدم على الكل ، ~~فكان أقدم منه في الحمل. # لأنا نقول : ليس تقدم الجزء في الوجود مقتضيا لتقدمه في الوجود للنوع ، ~~فإنه لا استبعاد في أن يكون الشيء متقدما على آخر في نفس الأمر والوجود ، ويكون PageV01P201 # ذلك الآخر المتأخر علة في ثبوت المتقدم لشيء ثالث ، فيكون المتقدم في ~~وجوده المطلق ، متأخرا في (1) وجوده لذلك الثالث. # وكذا حمل الجنس القريب على النوع علة لحمل الفصل القريب عليه ، لأن تأثير ~~الناطق أولا في وجود الحيوان ، ثم إذا وجد الحيوان ، صار مجموع الحيوان ~~الناطق إنسانا ، فالناطق يؤثر أولا في الحيوان وبواسطته في الإنسان. PageV01P202 ### ||| ** الفصل الثالث : ### | في الخارج عن الماهية # الوصف الخارج عن الماهية قد يكون لازما كسواد القار. وقد يكون مفارقا ، ~~إما سريع المفارقة كحمرة الخجل ، أو بطيء المفارقة كسواد اللحية. وأيضا إما ~~سهل الزوال أو عسيره. (1) واللازم قد يكون لازما للماهية كزوجية الاثنين ، ~~وقد يكون لازما للوجود كحدوث الجسم. # ولازم الماهية قد يكون بوسط وهو ما يقترن بقولنا : «لانه» حين يقال (2) ~~لأنه كذا ، كإمكان العالم اللازم بواسطة كثرته. وقد يكون بغير وسط ، بل ~~بمقتضى طبعه كالانقسام للعدد. واللازم بغير وسط يجب أن يكون بينا ، لأن ~~الماهية لما اقتضت ذلك اللازم ، اقتضته مطلقا ، سواء كانت ذهنية أو خارجية ~~، لأن الماهية حال كونها ذهنية هي الماهية حال كونها خارجية ، وإنما يزيد ~~الخارج عليها بالوجود ، وهو عارض خارجي ، ولو كانت إنما تقتضيه في الخارج ~~لكان الوجود وسطا في اللزوم ، وقد فرضناه بغير وسط. وإذا كانت لما هي هي ~~مقتضية لذلك اللازم ، وهي من PageV01P203 # حيث هي هي ثابتة في الذهن ، فاقتضت ثبوت لازمها لها ذهنا (1)، ولا نعني ~~بالبين سوى ذلك. # لا يقال : لو كان كذلك لزم من تصور الشيء تصور أمور غير متناهية ، لأن ~~لكل ماهية لازما وأقله أنها ليست غيرها. # لأنا نقول : لو سلم ms0121 أن لكل ماهية لازما ، لكن لا يجب أن يكون بينا ، فإن ~~اللوازم قد يمكن أن يستمر الاندفاع فيها ما لم يطرأ على الذهن ما يوجب ~~إعراضه عن تلك المتلازمات (2) والتفاته إلى غيرها ، لكن مثل هذه اللوازم ~~قليلة في الوجود. # أما اللوازم التي لا تنحصر ، فإنها تحصل عند تصور الأمور التي إليها يقاس ~~الموضوع كمساواة زوايا المثلث لقائمتين. وتصور تلك الأمور التي هي شرط في ~~حصولها ، ليس بواجب الحصول على الترتيب المؤدي إلى وجود تلك اللوازم ~~المترتبة. وكون الماهية ليست غيرها ، ليس لازما بينا يلحق الماهية لذاتها ، ~~بل بالقياس إلى ذلك الغير. ولو لم يلحظه الذهن لم يحكم بالسلب ، لكن تصور ~~ذلك الغير ليس بواجب من تصور الماهية ، واللازم بوسط (3) إنما يجب تصوره مع ~~تصور ذلك الوسط. # وللبين تفسيران : أحدهما الذي يلزم من تصور ملزومه تصوره. والثاني الذي ~~يلزم من تصور الماهية وتصور ذلك اللازم تصور اللزوم. (4) والأول أخص. # وقد اعترض على اللزوم بأنه لو ثبت ، فإما أن يكون عدميا أو وجوديا ، ~~والقسمان باطلان ، فتحقق اللزوم باطل ، والشرطية ظاهرة. PageV01P204 # وبيان بطلان الأول : أنه لا يبقى حينئذ فرق بين عدم اللزوم ولزوم عدمي ، ~~لاستحالة التمايز في العدمات ، لأن التمايز من خواص الوجود. # وبيان بطلان الثاني : أنه لو كان وجوديا ، فإما أن يكون نفس الملزوم (1) ~~أو اللازم وهو محال ؛ لإمكان تعقلهما من دون تعقله وبالعكس ، ولأنه نسبة ~~وإضافة بين المتلازمين فيتأخر عنهما ، فيتأخر عن كل واحد منهما ، فلو كان ~~نفس أحدهما لزم تأخر الشيء عن نفسه بمرتبتين ، ولأنه يستلزم كون كل واحد من ~~كل متلازمين نفس هذه النسبة والإضافة ، وهو محال. وإما أن يكون مغايرا لهما ~~وهو محال ، وإلا لزم التسلسل ، أو عدم التلازم بين ما فرض ثبوته فيهما ، ~~والتالي بقسميه باطل ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن ذلك الزائد إما أن يكون لازما أو لا ، فإن كان لازما ~~كان لزومه زائدا عليه ، والكلام في ذلك الزائد كالكلام في اللزوم الأول ، ~~وهكذا إلى ما لا يتناهى ، وهو أحد قسمي التالي. وإن لم يكن لازما ms0122 جاز زواله ~~، وحينئذ ينتفي اللزوم بين المتلازمين ، لأنهما إنما تلازما باعتبار هذا ~~اللزوم ، فإذا زال انتفى التلازم بين ما فرض ثبوته فيهما ، وهو القسم ~~الثاني من قسمي التالي. # وأيضا لو تحقق اللزوم ثابتا بين المتلازمين ، لزم اتصاف المعدوم بالموجود ~~، والتالي باطل بالضرورة ، فكذا المقدم. ### |||| ** بيان الشرطية : أن شيئا ما من الأشياء لو كان لازما لغيره لكان عدم الملزوم لازما لعدم ~~اللازم ، فيكون اللزوم الثبوتي حاصلا بين العدمين وصفة لهما ، فيكون الوصف ~~الثبوتي قائما بموصوف معدوم ، وهو باطل. ### |||| ** والجواب : أن اللزوم وصف اعتباري عقلي لا ثبوت له في الخارج ، بل حكمه في الثبوت ~~والانتفاء واحد. PageV01P205 # قوله : لو كان عدميا لم يبق فرق بين عدم اللزوم وبين لزوم عدمي. # قلنا : ممنوع ، فإن الأول نفي مطلق اللزوم ، سواء كان ثبوتيا أو عدميا. ~~والثاني ثبوت لزوم عدمي وبينهما فرق وإن اشتركا في كونهما عدميين. وأعدام ~~الملكات قد تتمايز باعتبار تمايز ملكاتها ، ولو صح هذا الدليل لصح فيما علم ~~بالضرورة بطلانه كالامتناع والعدم. والتمايز من خواص مطلق الوجود الشامل ~~للذهني والخارجي ، فكما يقع بين الأمور العينية كذا يقع بين الأمور الذهنية ~~، وإمكان الانفكاك في التعقل يدل على الزيادة فيه ، لا على الزيادة في ~~الخارج ، كما في الأجناس والفصول ، فإنهما متغايران في التعقل وإن اتحدا في ~~الوجود الخارجي. وبالجملة ، فالتحقيق في الجواب ما تقدم من أن اللزوم ~~اعتباري. ### |||| ** تتمة : كل وصف فإنه بالضرورة يستدعي موصوفا ينسب إليه ويكون محلا له. لكن من ~~الأوصاف ما هو ثابت في الأعيان ، فيجب ثبوت موصوفه في الأعيان لامتناع قيام ~~الوصف بذاته ، ومنها ما هو ثابت في الذهن وهو ينقسم إلى ما يجب ثبوت ~~الموصوف به في الأعيان أيضا ، كالوجوب ومنها ما لا يجب ، بل ولا يثبت. PageV01P206 ### ||| ** الفصل الرابع : ### | في الكلي والجزئي (1) # كل مفهوم فإما أن يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه ، ويسمى الجزئي ~~الحقيقي كزيد ، أو لا يمنع ، ويسمى الكلي كالإنسان ، فإن كان هذا الكلي ~~مندرجا تحت غيره ، سمي أيضا جزئيا إضافيا ، بالنظر إلى ذلك الغير ، وهو أعم ms0123 ~~(2) من الحقيقي مطلقا ، لاندراج كل حقيقي تحت ماهيته المعراة عن المشخصات ~~وتحت الأمور العامة ، وليس جنسا لانفكاكه عنه تصورا. # وإذا نسب الكلي إلى الوجود انقسم إلى ستة (3): ### |||| ** أ: ما يمتنع وجوده ، كشريك الباري تعالى. # ب : ما يمكن وجوده ولا يوجد ، كجبل من ياقوت (4). PageV01P207 # ج : ما يكون الموجود منه واحدا مع امتناع تكثره ، كواجب الوجود تعالى. # د : ما يكون الموجود منه واحدا مع امكان تكثره ، كالشمس. # ه : ما يتعدد أفراده في الوجود مع تناهيها ، كالكوكب. # و: وما تتعدد أفراده في الوجود مع عدم تناهيها (1). # والكلي والجزئي يقالان بالذات للمعنى ، وبالعرض للفظ. والكلية والجزئية ~~من ثواني (2) المعقولات لا تأصل لهما في الوجود ، وهما مغايران لما يصدقان ~~عليه من الماهية ؛ فإن الحيوان لو كان نفس كونه كليا أو جزئيا لم يصدق على ~~الآخر ، فهما إذن متغايران. ولأن الكلية إضافية ، وليس الحيوان اضافيا. # فالكلية العارضة للحيوان يقال له كلي منطقي ، لأن بحث المنطقي عنه وهو ~~أمر عقلي. ومعروضه وهو الحيوان يقال له كلي طبيعي ، لأنه نفس حقيقة الشيء ~~وطبيعته ، وهو موجود في الخارج ، لأنه جزء من هذا الموجود ، لأن الجزء إما ~~الحيوان من حيث هو ، أو (3) حيوان ما ، والحيوان جزء من حيوان ما وجزء ~~الموجود موجود. والمجموع المركب منهما عقلا يسمى الكلي العقلي ، ولا وجود ~~له إلا في العقل ، لأن جزئه عقلي ، ولأن الحيوان الكلي مشترك فيه ، ولا شيء ~~من المشترك فيه بموجود في الخارج من حيث هو مشترك فيه ، لأن عمومه يستدعي ~~وجوده في محال متعددة ، ويمتنع وجود شيء واحد في أكثر من محل واحد (4). # والكلي والجزئي الإضافي يحاذيان العام والخاص. والعموم إما مطلق أو من ~~وجه. فالعام المطلق وجودا أخص عدما ، لأن العام والخاص لا بد من تواردهما |ويوصف الكلي بمنطقي||وبالطبيعي وبالعقلي| PageV01P208 # على محل واحد ، وإلا لتباينا ، ويتخلى الخاص عن العام في موارد أخرى ، ~~وإلا لتساويا ، ففي تلك الموارد التي تخلى الخاص عنها يوجد فيها نقيضه مع ~~وجود عين العام فيها. وكل صورة ينتفي العام عنها ينتفي عنها الخاص ، وإلا ~~لكان ms0124 أعم ، فإذا وجد نقيض الخاص في كل موضع يوجد فيه نقيض العام ، من غير ~~عكس ، كان نقيض العام مطلقا أخص من نقيض الخاص مطلقا. # وأما العام من وجه ، فليس بين نقيضه ونقيض الأخص عموم مطلقا ، ولا من وجه ~~، بل مباينة جزئية ، لثبوت هذا العموم ، بين عين العام ونقيض الخاص مع ~~التباين الكلي بين نقيض العام وعين الخاص. ولما وجد كل منهما في صورة واحدة ~~وعدم كل منهما مع وجود الآخر في غير تلك الصورة لا جرم كانت المباينة جزئية. # وبين نقيضي المتساويين وهما اللذان يصدق كل منهما على كل (1) ما صدق عليه ~~الآخر مساواة أيضا ، إذ لو وجد أحدهما بدون صاحبه كان الموجود أعم من صاحبه ~~لصدقه في تلك الصورة مع كذب الآخر. # وبين نقيضي المتباينين وهما اللذان لا يصدقان على شيء البتة تباين جزئي ، ~~لأن نقيضيهما إن اقتسما طرفي النقيض لم يصدقا على شيء البتة ، كالموجود ~~والمعدوم تباينا كليا. وإن لم يقتسماهما ، بل صدق عدمهما على ما يغايرهما ، ~~كان بين نقيضيهما مباينة جزئية ، لصدق نقيض كل منهما على ما يغايرهما وصدقه ~~على عين الآخر وكذب نقيض الآخر على عينه. # ولما كان الكلي أعم من الجزئي ، وكان وجود الخاص في موارد يوجد فيها ~~العام ، ويوجد العام في موارد لا يوجد فيها الخاص من صور ، أمكن وقوف العقل PageV01P209 # على الصور التي تخلى عنها الخاص من صور العام ، ولم يمكن وقوفه على صور ~~الخاص إلا مع وقوفه على العام ، لا جرم كان الكلي أعرف من الجزئي. # والكلي إما ذاتي أو عرضي (1). # والذاتي يقال على معان متعددة بالاشتراك ، يراد منها هنا معنيان ، أحدهما ~~المقوم لما يحمل عليه ، بأن يكون جزءا منه. والثاني نفس طبيعة ما يحمل عليه. # والأول لا اشكال فيه ، لامكان النسبة فيه ، بخلاف الثاني ، فإن الشيء لا ~~ينسب إلى نفسه ، بل أطلق على نفس الماهية لفظة الذاتي بنوع من الاشتراك ، ~~وإن كان بعضهم خص الذاتي بالأول (2). # ومنهم من أطلق الذاتي على كل ما هو بين الثبوت للشيء ، سواء كان جزءا ~~للماهية ms0125 أو خارجا. ومنهم من فسره بأعم ، وهو الذي يمتنع زواله عن الشيء ، ~~سواء كان بين الثبوت له أو لا. والنزاع لفظي. لكن من فسر اللفظ بأمر وجب ~~عليه رعاية ذلك التفسير وأن يحترز عن الغلط الواقع بسبب الاشتراك. # والذاتي إما جنس : وهو الكلي المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ~~ما هو من حيث هو كذلك. # وأقسامه أربعة : # العالي : وهو الذي لا جنس فوقه ، وتحته جنس ، ويسمى جنس الأجناس (3). # والسافل : وهو الذي فوقه جنس ، وليس تحته جنس. PageV01P210 # والمتوسط : وهو الذي فوقه جنس وتحته جنس. # والمفرد : وهو الذي ليس فوقه جنس ولا تحته جنس. # لا يقال : المقول على كثيرين جنس للجنس ، فهو جنس خاص من حيث إنه جنس ~~للجنس ، فيكون أخص ، لكنه أعم من مطلق الجنس ، فإن كل جنس أعم من نوعه ، ~~ولأنه محمول ، وإلا لم يكن مقولا على كثيرين ، فإن المقولية نفس الحمل ، ~~ولا شيء من الجزء بمحمول ، فلا شيء من الجنس بجزء ، فليس مقوما بل عارضا. ~~ولأنه ليس في الخارج ، وإلا لكان شخصا غير مقول على كثيرين ، ولا في الذهن ~~لامتناع تقوم الأنواع الخارجية بأمور ذهنية. # لأنا نقول : المقول على كثيرين أعم من الجنس باعتبار ذاته ، وأخص باعتبار ~~عروض الجنسية له. ولا استبعاد في صيرورة ما هو أعم ، باعتبار عروض عارض أخص ~~أو مساويا ، كالجنس والمضاف والحد وحده. والحيوان المحمول ليس هو الجزء وإن ~~اتحدا في الذات ، لكنهما متغايران بالاعتبار ، وهو موجود في الخارج لا ~~باعتبار أنه جنس أو كلي ، بل من حيث هو هو. فمعروض الجنسية موجود لا من حيث ~~العروض ، بل من حيث اعتبار الذات من حيث هي هي. وهو من حيث عروض الجنسية ~~موجود في الذهن لا غير ، وليس هو من تلك الحيثية بمقوم. # وإما نوع (1): ويقال بالاشتراك على الحقيقي ، وهو الكلي المقول على ~~كثيرين متفقين بالحقيقة في جواب ما هو من حيث هو كذلك. وعلى الإضافي ، وهو ~~أخص الكليين المقولين في جواب ما هو. وهما متغايران ، لامتناع الجنسية في ~~الأول وامكانها في الثاني ؛ والاكتفاء بالمحمولية ms0126 في الأول دون الثاني ؛ ~~وامكان بساطة الأول وامتناعها في الثاني ؛ واستغناء الأول أحيانا عن فصل أو ~~جنس بخلاف الثاني. ولا يتلازمان ، لوجود الأول في الحقائق البسيطة دون ~~الثاني ، وبالعكس في PageV01P211 # الأجناس المتوسطة. والأول هو أحد الخمسة (1)، وإلا صارت القسمة مسدسة ، ~~لوجود الحقيقي في البسيط (2). # ومراتب الإضافي أربع : العالي : وهو الذي تحته نوع ، وليس فوقه نوع. # والسافل : وهو الذي ليس تحته نوع ، بل فوقه ، ويسمى نوع الأنواع (3). # والمتوسط : وهو الذي فوقه نوع ، وتحته نوع. # والمفرد : وهو الذي ليس فوقه نوع ، ولا تحته نوع. # وقد تتوارد بعض هذه المراتب وبعض مراتب الجنس على محل واحد ، هو كل ماهية ~~اختلفت أفرادها في الحقيقة واندرجت تحت مثلها. # ولا وجود للمفرد والسافل إلا في الحقيقي. ولا وجود للجنس العالي والمفرد ~~إلا فيما باين (4) مراتب النوع. والطبيعة الجنسية إذا أخذت معقولة مجردة عن ~~فصولها كانت نوعا حقيقيا ، وإنما يكون جنسا لو التفت إلى فصولها التي تتحصل ~~بها أنواعا مختلفة في الأعيان. # وإما فصل (5): وهو الكلي المقول على الشيء في جواب أيما هو في جوهره. ~~فمنه قريب وبعيد ، وهو بالنسبة إلى الجنس خاصة ، كما أن الجنس بالنسبة إليه PageV01P212 # عرض عام. ومقوم العالي مقوم للسافل من غير عكس. (1) ومقسم السافل مقسم ~~العالي من غير عكس. وللعالي فصل مقسم لا يتقوم (2)، والسافل بالعكس ، ~~والمتوسطات لها فصول مقومة ومقسمة. # وأما العرضي (3)، فإما خاصة : وهي الكلي المقول على أفراد حقيقة واحدة ~~من حيث هو كذلك فقط قولا عرضيا ، سواء كانت تلك الحقيقة جنسا عاليا أو ~~سافلا أو متوسطا أو نوعا حقيقيا. # والخاصة إما مطلقة لا توجد في غير أفراد ما قيل له إنه خاصة له ، أو ~~إضافية توجد في بعض ما غايره دون بعض. وهي إما شاملة لجميع أفراد الحقيقة ، ~~أو قاصرة ، بسيطة أو مركبة من أمور كل واحد منها أعم ويجتمع من المجموع ~~مساو كقولنا في الخفاش : إنه الطائر الولود. والمفيد في التعريفات الخاصة ~~اللازمة الشاملة البينة. # وإما عرض عام (4)، وهو الكلي المقول على أفراد حقيقة واحدة وعلى غيرها ~~قولا ms0127 عرضيا من حيث هو كذلك. وهو مغاير للعرض القسيم للجوهر. # وقد ذكرنا أن الجنس والنوع يقالان في جواب ما هو ، لكن الجنس إنما يقال ~~في جواب ما هو حال الشركة ، لأن الجنس جزء الماهية ، والسائل بما هو إنما ~~سأل عن كمال الحقيقة ، فلا يجوز الجواب إلا بذكر جميع المقومات. وإذا سئل ~~عن جماعة من الأنواع صلح الجنس للجواب ؛ لأن السائل إنما سأل عن كمال ~~المشترك ، والحد يقال في جواب ما هو حال الخصوصية. والنوع يقال في جواب ما هو PageV01P213 # بحسب الشركة والخصوصية معا ، لأنه يقال في جواب السؤال عن فرد واحد ، وعن ~~جميع الأفراد (1). # وفرق بين المقول في جواب ما هو الذي هو نفس الماهية وبين الداخل في جواب ~~ما هو الذي هو جزء الماهية ، والواقع في طريق ما هو الذي هو الجزء الأعم (2). # واعلم : أن الكل مغاير للكلي والجزء مغاير للجزئي ، لأن الكل من حيث هو ~~كل موجود في الخارج ، والكلي من حيث هو كلي لا يوجد إلا في الذهن. ولأن ~~الكل يعد بأجزائه ، والكلي لا يعد بجزئياته. ولأن الكلي مقوم للجزئي ، ~~والكل متقوم بالجزء ، ولأن الكل لا يكون كلا لكل جزء وحده ، والكلي يكون ~~كليا لكل جزئي وحده. ولأن الكل أجزاؤه متناهية ، وجزئيات الكلي غير ~~متناهية. ولأن الكل محتاج إلى حضور أجزائه جميعا ، والكلي لا يحتاج إلى ~~حضور جزئياته جميعا. ولأن طبيعة الكل لا تصير هي الجزء ، أما طبيعة الكلي ~~فإنها بعينها جزئية (3) كالإنسان (4). PageV01P214 ### ||| ** القاعدة الثانية ### | في تقسيم الموجودات # وفيه نوعان : PageV01P215 ### | النوع الأول ### | في التقسيم على رأي المتكلمين (1) # اعلم : أن الموجود إما أن يكون قديما لا أول لوجوده ، وهو الله تعالى ، ~~أو محدثا لوجوده أول ، وهو ما عداه. فهنا فصول. ### ||| ** الفصل الأول : ### | في القدم والحدوث # وفيه مباحث : ### ||| ** البحث الأول : في تحقيقهما # القديم : هو الموجود الذي لم يسبقه العدم ، أو الموجود المساوق (2) لأزمنة PageV01P217 # مقدرة لا نهاية لها. وأما المحدث فله تفسيران : أحدهما : أنه المسبوق ~~بالعدم ، والثاني : أنه المسبوق بالغير. وعلى كلا التفسيرين فالسبق هنا عند ~~المتكلمين إنما هو بتقدير ms0128 أزمنة لا نهاية لها. # قال الأوائل (1): مفهوم قولنا : «كان الله تعالى موجودا في الأزل» إن ~~كان عدميا كان نقيضه وهو «ما كان الله تعالى في الأزل» ثبوتيا ، لكن قولنا ~~«ما كان» عدمي ، ولأنه إذا كان قولنا : «ما كان الله تعالى موجودا في ~~الأزل» ثبوتيا كان المعدوم في الأزل موصوفا بوصف ثبوتي ، وهو محال. # وإن كان قولنا : «كان الله تعالى في الأزل» ثبوتيا ، فإما أن يكون نفس ~~ذات الله تعالى ، أو مغايرا لها. والأول باطل ؛ لأن كونه في الأزل نسبة ~~وإضافة لا تقوم بذاته ، بل إنما يعقل وصفا لغيره ، فلا تأصل له في الوجود ، ~~بل هو من ثواني المعقولات ، والله تعالى قائم (2) بذاته. ولأن كونه في ~~الأزل نسبة له إلى الأزل ، والنسبة بين الشيئين متأخرة عنهما ، والمتأخر عن ~~الشيء لا يمكن أن يكون نفس ذلك الشيء. ولأن كونه في الأزل ليس بحاصل الآن ، ~~وإلا لكان كل حادث الآن ، بل في كل آن سابق أو (3) لاحق ، فلا تقدم ولا ~~تأخر لبعض الموجودات على البعض ، وهو محال ، والله تعالى موجود الآن ، ~~فتغايرا. # وبالجملة ، فالحكم بالتغاير ضروري أظهر من هذه البراهين ، فذلك المتغاير ~~إن كان موجودا في الأزل ، فقد كان مع الله تعالى في الأزل غيره ، وهو محال ~~عندكم. ولأن ذلك الغير هو الذي يلحقه معنى «كان» و «يكون» لذاته ، وهو ~~الزمان ، فالزمان أزلي. PageV01P218 # أجاب المتكلمون : بأن معنى كون الله تعالى قديما ، أنا لو قدرنا أزمنة لا ~~نهاية لها لكان الله تعالى موجودا معها بأسرها ، ولا يحتاج هذا المعنى إلى ~~تحقق الزمان ووجوده ، بل تقدير وجوده ، لأنه لو اعتبر الزمان في ماهية ~~القدم والحدوث لكان ذلك الزمان إما قديما أو حادثا ، فإن كان قديما ، فإن ~~احتاج قدمه إلى زمان يصحبه ، وجب أن يكون له زمان آخر ، فللزمان زمان وهكذا ~~إلى ما لا نهاية له. وإن لم يحتج قدم الزمان إلى اعتبار آخر (1)، لم يجب ~~اعتبار الزمان في معنى القديم ، فيكون القدم معقولا من غير اعتبار الزمان ، ~~وإذا عقل ذلك في موضع ، فليعقل في جميع ms0129 المواضع. وإن كان ذلك الزمان حادثا ~~، فإن اعتبر في حدوثه الزمان تسلسل ، وهو محال. وإذا لم يعتبر الزمان في ~~الحدوث في نفس الزمان ، فليعقل مثله في جميع المواضع. ولأن القديم يمتنع ~~اعتبار الزمان الحادث في تحققه. # قال أفضل المحققين : «لا يجب أن يكون نقيض العدمي ثبوتيا ، بل منقسما إلى ~~الثبوتي والعدمي. وأيضا قولنا : «كان الله تعالى موجودا في الأزل» نقيض «ما ~~كان موجودا في الأزل» وهي قضية ، ولا يكون شيء من المعدومات موصوفا بهذه ~~القضية. وان جعل بإزائه «ما كان معدوما ما موجودا في الأزل» حتى يصير ذلك ~~المعدوم موصوفا بأنه لم يكن في الأزل ، لم تكن هذه القضية نقيضا للأولى ، ~~لتخالف موضوعيهما. وإن أراد بذلك أن الكون واللاكون متناقضان ، والكون ~~محمول على الله ، واللاكون محمول على المعدوم (2)، فيكون الكون وجوديا ، ~~كان إيراد قضيتين بدل مفردين حشوا. وما نقله (3) عن المتكلمين غير مرضي عند ~~الكل منهم (4)، فإن كون الشيء مع الشيء لا يتحقق إلا فيما كان في زمان أو ~~تقدير زمان. PageV01P219 # والمحققون منهم يقولون : معناه أنه غير مسبوق بغيره. # لا يقال : إن السبق أيضا لا يتحقق إلا بتقدير زمان ، لأنهم يقولون : «سلب ~~السبق عنه (1) لا يقتضي كونه زمانيا» (2). # وفيه نظر ، لأنه ليس المقصود ما صدق عليه النقيض حتى يكون منقسما إلى ~~ثبوتي وعدمي ، بل نفس مفهوم النقيض ، وذلك غير منقسم. # والتحقيق : أن من المعقولات ما يوجد في الخارج فلا ينفك الخارج عنه وعن ~~نقيضه بالضرورة ، لامتناع الخلو عن النقيضين. ومنها ما لا وجود له إلا في ~~الذهن ، ومثله حكم النقيضين فيه بالنسبة إلى الخارج سواء ، لأن أحدهما إذا ~~أخذناه على أنه ثبوتي لم يرد به الثبوت العيني ، بل الذهني. وهنا يكون ~~أحدهما موجبا والآخر سالبا ، ولا يجب أن يكون أحدهما موجودا في الخارج ، ~~والآخر معدوما ، بل موضوعاته. # وقولنا : «كان الله تعالى موجودا في الأزل» وإن كان قضية ، فليس المراد ~~إلا : الكون في الأزل هل هو ثبوتي أم لا؟ وكذا نقيضه الذي هو اللاكون. # والمتكلمون لا يسلمون افتقار المعية إلى الزمان ms0130 ، كما لا يسلمون أن ~~التقدم إنما يكون بالزمان. والسبق أيضا عندهم لا يفتقر إلى الزمان. ### ||| ** البحث الثاني : في التفسير على رأي الحكماء الأوائل (3) # فسروا الحدوث بأمرين : PageV01P220 ### |||| ** أحدهما : حصول الشيء بعد أن لم يكن له وجود في زمان سابق (1) وعلى هذا التفسير لا ~~يكون الزمان حادثا ، وإلا لكان عدمه سابقا على وجوده بزمان سابق ، فيكون ~~للزمان زمان وهكذا. ### |||| ** والثاني : أن يكون حصوله بعد عدمه بعدية بالذات ، وهو الحدوث الذاتي ، فإن (2) كل ~~ممكن ، فإنه لا يستحق الوجود من ذاته وإنما يستحق الوجود من غيره ، وما ~~بالذات أسبق مما بالغير (3)، فيكون لا استحقاقية الوجود التي هي مقارنة ~~للعدم ، سابقا على استحقاقية الوجود ، فيكون العدم سابقا على الوجود ~~المستند إلى الغير ، وسواء كان ذلك الاستناد مخصوصا بزمان أو مستمرا في كل ~~الزمان. # وللقدم معنيان مقابلان لمعنيي الحدوث : أحدهما الذي لا أول لزمان وجوده. ~~والزمان بهذا المعنى ليس بقديم ، وإلا لكان للزمان زمان آخر ، وهو محال. # والثاني الذي لا مبدأ ولا علة لوجوده ، وهو القدم الذاتي. ### ||| ** البحث الثالث : في أن الحدوث والقدم هل هما ثبوتيان أم لا؟ # اختلف الناس هنا ، فالمحققون على أنهما وصفان اعتباريان لا تحقق لهما في ~~الخارج. # وذهبت الكرامية (4) إلى أن الحدوث صفة زائدة على الذات. PageV01P221 # وذهب «عبد الله بن سعيد» (1) من الأشاعرة إلى أن القدم وصف ثبوتي. # والكل باطل. أما الأول : فلأن الحدوث لو كان ثبوتيا ، لكان عرضا قائما ~~بالغير ، فذلك الغير إما أن يكون قديما أو حادثا ، والقسمان باطلان. أما ~~الأول : فلاستحالة اتصاف القديم بالحدوث. وأما الثاني فلاستلزامه التسلسل. # لا يقال : لم لا يقوم الحدوث بالماهية من حيث هي هي ، فلا يلزم التسلسل؟ # لأنا نقول : الماهية من حيث هي هي لا توجد إلا في العقل ، فيستحيل قيام ~~الحدوث الثبوتي في الأعيان بماهية ذهنية ، بل إنما تحل في ماهية موجودة ، ~~ولما كان هذا الوجود مسبوقا بالعدم وجب أن يكون الشرط هو هذا الوجود ~~المسبوق بالعدم. وأيضا لو كان الحدوث صفة وجودية لكان إما قديما أو حادثا ، ~~والقسمان باطلان. أما الأول فلاستلزامه ms0131 قدم موصوفه الذي هو الحادث ، فيكون ~~الحادث أزليا ، هذا خلف ، ولأن الحدوث عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم ، ~~فيستحيل عليه القدم الذي هو عدم مسبوقية الوجود بالعدم. وأما الثاني ~~فلاستلزامه التسلسل ، فإن الحدوث لو اتصف بالحدوث ، لكان الكلام في الحدوث ~~الذي هو الوصف كالكلام في الحدوث الذي هو الموصوف ، وهكذا إلى ما لا نهاية له. # وأما الثاني : وهو مذهب «ابن سعيد» ، فإنه باطل أيضا ، لأن القدم لو كان ~~وصفا ثبوتيا ، فإما أن يكون قديما أو حادثا ، والأول يستلزم التسلسل. ~~والثاني يستلزم اجتماع النقيضين. ولأنه لو كان ثبوتيا لم يكن قائما بذاته ، ~~بل بغيره. فذلك الغير إما أن يكون قديما أو حادثا ، والقسمان باطلان ، كما ~~تقرر أولا في الحدوث. PageV01P222 # قال أفضل المحققين : كل ما ليس القدم (1) داخلا في مفهومه ، فإذا وصف ~~بالقدم احتيج إلى صفة زائدة عليه هي القدم ، وأما القدم فلا يحتاج إليه (2) ~~لكونه قديما لذاته. # وأما الحدوث فإنه صفة والصفات لا توصف بالقدم ولا الحدوث ، لأن الاتصاف ~~بهما من شأن الذوات (3). # وفيه نظر ، لأنهم لما سلموا كون القدم ثبوتيا في الخارج وجب أن يكون ~~مشاركا لغيره في الثبوت ، وممتازا عنها بخصوصية (4)، وما به الاشتراك غير ~~ما به الامتياز ، فاتصاف ماهيته بوجوده إما أن يكون مسبوقا بالعدم ، فيكون ~~حادثا وهو محال. وإما أن لا يكون ، فيكون قديما ، وقدمه راجع إلى نسبة ~~وجوده إلى ماهيته وتلك النسبة مغايرة لما عداها من النسب. ولأنه إذا جاز في ~~القدم أن يكون قديما لذاته ، فليجز في كل قديم ذلك. # والحدوث إذا كان صفة ثبوتية وجب أن يكون موصوفا بالثبوت ، فلا يصح قولهم ~~: «الصفة لا توصف» ولأن الضرورة قاضية بأن كل ثبوتي فإنه موصوف بالثبوت ، ~~فإما أن تكون موصوفيته به مسبوقة بالعدم أو لا. # احتجوا : بأن الشيء لا يكون حادثا ثم يصير حادثا ، فتجدد الصفة بعد عدمها ~~يدل على كونها ثبوتية ، أو (5) كون عدمها ثبوتيا ، والثاني محال ، فالحدوث ~~ثبوتي. ولأنه نقيض «لا حدوث» العدمي. وكذا القدم نقيض «لا قدم» العدمي ، PageV01P223 # فيكون كل منهما ثبوتيا. # والجواب : التبدل ms0132 لا يدل على الثبوت ، فإن الشيء الممكن إذا أخذ من حيث ~~هو هو لم يكن واجبا ولا ممتنعا بالغير ، ثم إذا فرض انضمامه إلى المؤثر أو ~~عدمه صار واجبا أو ممتنعا مع كونهما عدميين. وقد عرفت أن الاستدلال بصورة ~~السلب على العدم (1) باطل. # قيل (2): حدوث الحادث ليس وجوده الحاصل في الحال ، وإلا لكان كل موجود ~~حادثا ، ولا العدم السابق من حيث هو عدم ، وإلا لكان كل عدم حدوثا ، بل ~~الحدوث هو مسبوقية الشيء بالعدم ، ومسبوقية الشيء بالعدم كيفية زائدة على ~~الوجود والعدم. # قلنا : إن أردتم الزيادة في التعقل والذهن فمسلم ، ولكن ذلك لا يقتضي كون ~~الحدوث ثبوتيا في الأعيان ، وإن أردتم الزيادة في الخارج ، فدليلكم لا يعطي ~~أكثر من مطلق الزيادة في المفهوم. PageV01P224 ### ||| ** الفصل الثاني : ### | في خواص القديم # وفيه مباحث : ### ||| ** البحث الأول : في أن القديم هل يصح اسناده (1) إلى الفاعل أم لا؟ (2) # المشهور بين الناس أن هذه مسألة خلاف بين الحكماء والمتكلمين ، فإن ~~الحكماء جوزوا اسناد القديم إلى المؤثر ، لأن علة الحاجة إلى المؤثر عندهم ~~هي الإمكان ، وهذه العلة ثابتة في القديم الممكن ، فيثبت حكمها وهو ~~الاحتياج. والمتكلمون منعوا في الظاهر اسناده إلى الفاعل ، لأن علة الحاجة ~~إلى الفاعل إنما هي الحدوث. # وفي التحقيق : لا نزاع بين الخصمين ، لأن الحكماء اتفقوا على امتناع ~~اسناد القديم إلى المؤثر المختار ، لأن المختار إنما يفعل بتوسط القصد ~~والداعي ، والداعي إنما يتوجه إلى إيجاد المعدوم لا الموجود ، لاستحالة ~~القصد إلى تحصيل PageV01P225 # الحاصل. فواجب في أثر المختار سبق العدم عليه ، فلهذا استحال اسناد ~~القديم إليه. # والمتكلمون أيضا منعوا من ذلك ، ونفوا (1) القول بالعلة والمعلول ، لا ~~بهذا الدليل ، بل بما دل على وجوب كون المؤثر في وجود العالم قادرا. وجوز ~~الفريقان اسناد القديم إلى العلة الموجبة ، بل صرحوا بوقوع ذلك (2). ~~واستدلوا على ثبوته : بأن مثبتي الحال من الأشاعرة ، ذهبوا إلى أن عالمية ~~الله تعالى وعلمه قديمان ، والعالمية معللة بالعلم ، وكذا القدرة والقادرية ~~وغيرها من الصفات. وزعم «أبو هاشم» من المعتزلة وأتباعه : أن العالمية ~~والقادرية والحيية والموجودية ms0133 معللة بحالة خامسة ، مع أن الكل قديم. وقال ~~«أبو الحسين البصري» : إن العالمية حالة معللة بالذات. وهؤلاء وإن منعوا من ~~إطلاق لفظ القديم على هذه الأحوال ، إلا أنهم يعطون المعنى في الحقيقة (3). # قال أفضل المحققين : هذا صلح من غير تراضي الخصمين ، لأن المتكلمين ~~بأسرهم صدروا كتبهم بالاستدلال على وجوب كون العالم محدثا ، من غير تعرض ~~لفاعله فضلا عن أن يكون فاعله مختارا أو غير مختار. ثم ذكروا بعد إثبات ~~حدوثه أنه محتاج إلى محدث وأن محدثه يجب أن يكون مختارا ، لأنه لو كان ~~موجبا لكان العالم قديما ، وهو باطل بما ذكروه أولا. فظهر أنهم ما بنوا ~~حدوث العالم على القول بالاختيار ، بل بنوا الاختيار على الحدوث. وأما ~~القول بنفي العلة والمعلول فليس بمتفق عليه عندهم ؛ لأن مثبتي الأحوال من ~~المعتزلة قائلون بذلك صريحا. والأشاعرة يثبتون مع المبدأ الأول قدماء ~~ثمانية يسمونها صفات المبدأ الأول. فهم PageV01P226 # بين أن يجعلوا الواجب لذاته تسعة ، وبين أن يجعلوها معلولات لذات واجبة ~~هي علتها. وهذا شيء إن احترزوا عن التصريح به لفظا ، فلا محيص لهم عن ذلك ~~معنى (1)، فظهر أنهم غير متفقين على القول بنفي العلة والمعلول ، مع ~~اتفاقهم على القول بالحدوث (2). # وأيضا المتكلمون إنما منعوا من إسناد القديم إلى الفاعل ، ليس لقولهم : ~~«علة الحاجة هي الحدوث» ، فإن هذا القول مختص ببعضهم ، ولم يتفقوا عليه ، ~~لكن لقولهم بأن «ما سوى الله تعالى وصفاته محدث» والأحوال التي ذكرها (3) ~~عند مثبتيها ليست بموجودة ولا معدومة ، فلا توصف بالقدم على ما ذكره (4) في ~~تفسير القديم وهو : أن القديم ما لا أول لوجوده ، إلا أن يغير التفسير ~~ويقول : القديم ما لا أول لثبوته ، على أن الوجود والثبوت مترادفان (5)، ~~لكنه يقول هنا ما قاله المتكلمون وليس عند بعضهم معناهما واحدا. و «أبو ~~الحسين» لا يقول بالحال ، لكنه يلزمه أن يقول : العلم صفة قديمة معللة ~~بالذات (6). # وأما الأشاعرة فيقولون بصفات قديمة ، لكنهم يقولون : لا هي الذات ولا ~~غيرها ، فلذلك لا يطلقون المعلولية عليها. # والحق : أن جميعهم أعطوا معنى القديم في الحقيقة ms0134 على هذه الصفات (7)، PageV01P227 # وأن إباءهم عن إطلاق لفظ القديم عليها ليس بحقيقي (1). # وأما الفلاسفة فلم يذهبوا إلى : أن الأزلي يستحيل أن يكون فعلا لفاعل ~~مختار ، بل ذهبوا إلى : أن الفعل الأزلي يستحيل أن يصدر إلا عن فاعل أزلي ~~تام في الفاعلية ، وأن الفاعل الأزلي التام في الفاعلية يستحيل أن يكون ~~فعله غير أزلي ، ولما كان العالم عندهم فعلا (2) أزليا أسندوه إلى فاعل ~~أزلي تام في الفاعلية ، وذلك في علومهم الطبيعية (3). وأيضا لما كان ~~المبدأ الأول عندهم أزليا تاما في الفاعلية ، حكموا بكون العالم الذي هو ~~فعله أزليا ، وذلك في علومهم الإلهية ، ولم يذهبوا أيضا إلى أنه ليس بقادر ~~مختار ، بل ذهبوا إلى أن قدرته واختياره لا يوجبان كثرة في ذاته (4)، وأن ~~فاعليته ليست كفاعلية المختارين من الحيوانات (5)، ولا كفاعلية المجبورين ~~من ذوي الطبائع الجسمانية (6). # وفرق بين الاختيار الذي يثبته الحكماء والذي يثبته المتكلمون ، لأن ~~الحكماء يقولون: إنه مختار بمعنى وجوب صدور الفعل عنه دائما ، والمتكلمون ~~ينفون دوام الصدور عنه ، ويقول بعضهم بوجوب الصدور نظرا إلى قدرته وإرادته ~~، وبعضهم ينفي وجوب الصدور عنه (7) أصلا ، ويقولون : إنه يختار أحد الطرفين ~~المتساويين على الآخر لا لمرجح (8). PageV01P228 # وفيه نظر ، فإن المتكلمين لم يقصدوا إثبات الحدوث بالذات ، بل قصدهم ~~بالذات إثبات الصانع ، ولما كان الطريق هو الحدوث ، لا جرم قدموا البحث عنه ~~على البحث عن إثبات الصانع ، ولم يكتفوا بالإمكان ، لأنهم وجدوا العالم لا ~~يخلو عن الحوادث ، وحكموا بأن ما لا يخلوا عن الحوادث فهو حادث ، فلزمهم ~~القول بحدوث العالم ، ولما استحال إسناد الحادث إلى القديم الموجب التام في ~~الفاعلية ، وكان التسلسل محالا ، لا جرم أسندوه إلى الفاعل المختار ، ~~فحكموا بأن مؤثر العالم قادر. # وأفضل المتأخرين لم يقصد بقوله : «إن المتكلمين نفوا العلة والمعلول» ~~الإطلاق ، لأنهم يعترفون بثبوت التعليل في كثير من الأحكام والصفات والذوات ~~أيضا ، بل قصد أنهم ينفون العلة والمعلول عن الله تعالى والعالم (1). # وأيضا المتكلمون لما نفوا المجردات الممكنة ، وحكموا بأن كل متحيز بالذات ~~أو بالعرض محدث ، لبراهينهم التي استدلوا بها ، لزمهم ms0135 أن يكون ما سوى الله ~~تعالى وصفاته محدثا ، فلهذا لم يسندوا العالم إلى مؤثر موجب ، بل إلى قديم ~~مختار. و «أبو الحسين البصري» لم يقصد بالحال في العلم ما قصده «أبو هاشم» ، ~~بل الوصف الثبوتي. # وأما الفلاسفة ، فإنهم اتفقوا على امتناع إسناد القديم إلى فاعل مختار ~~يفعل بواسطة القصد والداعي ، لأنه ليس إذا شاء أن يفعل فعل ، وإذا شاء أن ~~يترك ترك ، مع إمكان توارد المشيئتين عليه ، ولم يثبتوا قدرة واختيارا بهذا ~~المعنى ، بل بمعنى مقارنة فعله للعلم ، مع عدم منافاته لذاته ، ولا فارق ~~بين فعله وفعل الطبائع الجسمانية عندهم إلا باعتبار مقارنة العلم وعدمه. ~~فقد تقرر من هذا ، أن PageV01P229 # القديم يمكن إسناده إلى المؤثر الموجب دون المختار. # وقد اعترض بعضهم ، بأن القادر لا يجب أن يكون فعله حادثا ، لأن الحادث هو ~~الموجود المسبوق بالعدم فلنحلل هذا المعنى ، وننظر في القدر المحتاج منه ~~إلى المؤثر فنقول : لا يجوز أن يكون المحتاج إلى المؤثر هو العدم (1)، لأن ~~العدم حاصل أبدا ، ولأن الكلام مفروض في الحادث ، ولو كان العدم هو المحتاج ~~لم يستند الموجود إلى المؤثر ، فيكون الحادث غنيا في وجوده عن المؤثر ، هذا ~~خلف ، ولأن العدم نفي محض ، فلا حاجة به إلى المؤثر ، ولا الوجود من حيث هو ~~وجود ، وإلا لكان كل موجود محتاجا إلى المؤثر ، فواجب الوجود محتاج ، هذا ~~خلف. ولا مسبوقية الوجود بالعدم ، لأنها ليست ثبوتية ، وإلا لزم التسلسل ، ~~ولأنها صفة للموجود متأخر عنه ، فالمحتاج إلى الفاعل متأخر عن الوجود ، ~~ويكون الوجود السابق مستغنيا عن المؤثر ، فالممكن واجب ، هذا خلف. ولأن ~~المسبوقية هنا واجبة لذات هذا الحادث ، فلا يستند إلى الغير ، لأن الواجب ~~غير معلل. # وإذا امتنع كون الحدوث علة الحاجة إلى المؤثر ، وجب أن يكون هو الإمكان ، ~~لأنه إذا انتفى الحدوث والإمكان بقي الشيء قديما واجبا ، والقديم الواجب ~~مستغن عن المؤثر ، فلم يبق المحتاج إلا (2) الممكن المحتاج إلى القادر لا ~~يجب أن يكون حادثا. # وأيضا العدم السابق ينافي وجود الفعل وفاعلية الفاعل ، وما كان منافيا ~~للشيء لا يكون ms0136 شرطا له ، فالعدم السابق لا يكون شرطا لكون الفعل فعلا ، ولا ~~لكون الفاعل فاعلا ، فالفعلية والفاعلية يتحققان عند عدم العدم السابق ، فلا PageV01P230 # يجب أن يكون فعل المختار حادثا. # وأيضا الإمكان علة الحاجة إلى المؤثر ، فالباقي محتاج ، فليس الحدوث شرطا ~~في الحاجة. # لا يقال : الباقي يصير أولى ، وتلك الأولوية تغني عن المؤثر. # لأنا نقول : الأولوية إن حصلت لذاته ، كانت حاصلة حال الحدوث ، فيجب ~~الاستغناء عن المؤثر حال الحدوث ، وإن كانت حاصلة لأمر ، كان الباقي محتاجا ~~في بقائه إلى علة الأولوية بواسطة حاجته إلى الأولوية ، وذلك قول : بحاجة ~~الباقي إلى المؤثر. # والجواب : نحن نسلم : أن علة الحاجة إلى مطلق المؤثر هي الإمكان ، لكن ~~[علة] (1) الحاجة إلى القادر ليس الإمكان وحده ، بل الإمكان للممكن الذي ~~سيحدث ويتجدد له وجود ، ونمنع أيضا كون الإمكان علة ، بل هذا الإمكان ~~الخاص. ولا يلزم من كون الحدوث ليس علة الحاجة أن يكون مطلق الإمكان هو ~~العلة ، بل العلة هذا الإمكان الخاص. # وكون العدم ينافي الوجود مسلم ، لكن ذلك لا يخرجه عن الشرطية ، لأنه يجوز ~~أن يكون المنافي للشيء شرطا في وجود منافيه (2) المتأخر عنه ، لأن المنافاة ~~إنما هي مع التقارن. ولهذا كانت الحركة شرطا في وجود السكون المتعقب لها ، ~~مع المنافاة بينهما ، وكل جزء متقدم من أجزاء الحركة شرط في الباقي منها ، ~~مع المنافاة بينهما ، فجاز أن يكون العدم السابق في الحادث شرطا في وجود ~~الحادث. # وقد بينا أن الإمكان علة في مطلق الحاجة لا في الحاجة إلى المختار ، بل ~~العلة فيها هي الحدوث. PageV01P231 ### ||| ** البحث الثاني : في أن القديم لا يجوز عليه العدم (1) # اعلم : أن القديم الوجودي لا يجوز عليه العدم ، لأنه لا يخلو إما أن يكون ~~واجب الوجود لذاته (2)، أو ممكنا لذاته ، فإن كان واجبا لذاته امتنع عليه ~~العدم ، لما تقدم في خواص الواجب. وإن كان ممكنا لذاته ، افتقر في وجوده ~~إلى مؤثر ، وذلك المؤثر يجب أن يكون قديما لاستحالة تقدم المعلول على علته. ~~ويجب أن يكون موجبا ، لامتناع استناد القديم إلى المختار. # ويجب أن يكون ms0137 واجبا ، إما لذاته أو لغيره ، فإن كان واجبا لذاته ، فإما ~~أن يكون ايجابه للقديم موقوفا على شرط أو لا ، فإن لم يكن موقوفا على شرط ، ~~لزم من استمرار وجود الواجب لذاته ، استمرار وجود معلوله المطلق ، لامتناع ~~انفكاك العلة التامة عن معلولها ، لكن الواجب لذاته يستحيل عليه العدم ، ~~فيستحيل على معلوله المستند إليه خاصة ، وإن كان موقوفا على شرط فنقول : # ذلك الشرط لا يجوز أن يكون حادثا ، لاستحالة اشتراط القديم بالحادث ، ~~وإلا لكان الشيء متقدما على شرطه ، فلا يكون مشروطا به ، بل يجب أن يكون ~~قديما ، فإما أن يكون واجبا لذاته ، وهو محال ؛ لاستحالة تعدد الواجب لذاته ~~، ولو سلم فالمطلوب ، لأن العلة يستحيل عدمها لوجوبها ، والشرط أيضا يستحيل ~~عدمه لوجوبه ، فاستحال عدم المعلول حينئذ. # وإن كان الشرط ممكن الوجود ، فلا بد له من علة قديمة ، وإلا لكان حادثا PageV01P232 # فلا يكون شرطا للقديم ، وتكون واجبة لذاتها أو مستندة إليه ، وعلى كل ~~تقدير يمتنع عدمها فيمتنع عدم القديم. # فإن قيل : لا نسلم امتناع عدم القديم ، لأن الممكن المستند إلى علته ~~القديمة لا يخرج عن إمكانه ، وكل ممكن فإنه يجوز عدمه ، فكيف يصح الحكم ~~عليه بامتناع العدم. # لا يقال : إنه من حيث ذاته يمكن عدمه ، لكنه باعتبار علته يمتنع عدمه ، ~~وليس مطلوبنا إلا ذلك. # لأنا نقول : هذا يلزم منه التناقض ، لأن الممكن لو كان وجوده لازما لوجود ~~الواجب لذاته ، ومعلوم أن عدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم ، وأن إمكان ~~الملزوم ملزوم لإمكان اللازم ، فيكون عدم الممكن المعلول للواجب ملزوما ~~لعدم الواجب ، فإمكان عدم الممكن ملزوم لإمكان عدم الواجب ، وإمكان عدم ~~الممكن واقع فيقع ملزومه ، وعدم الواجب محال. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون القديم الوجودي المعلول للواجب مشروطا ~~بشرط عدمي أزلي؟ والعدمي الأزلي يجوز زواله ، وإلا لم يوجد العالم (1)، ~~وإذا زال شرط القديم الوجودي لزم زوال القديم. # سلمنا ، لكنه (2) معارض بوجوه : ### |||| ** الأول : حدوث العالم في الأزل ، ومحدثية (3) الباري تعالى لو كانا ممتنعين فتلك ~~الاستحالة ، إن كانت هي بعينها ، مع أنها قد زالت ، فلم لا ms0138 يجوز زوال ~~الواجب لذاته؟ وإن كانت بسبب ، رجعنا إليه بالتقسيم الذي ذكرتموه ، مع أنها ~~قد زالت. PageV01P233 ### |||| ** الثاني : إمكان العالم فيما لا يزال ، إن كان لذاته ، فإن كان ثابتا في الأزل (بطل ~~القول بوجوب حدوث العالم ، وإن لم يكن ثابتا في الأزل (1) مع أنه قد تجدد ~~جاز حينئذ أن تحدث الأمور اللازمة لحقائق (2) الأشياء فجاز أيضا أن تزول ~~بعد ثبوتها ، إذ لا فرق في العقل بين الطرفين ، وإن كان بسبب ، كان ذلك ~~الإمكان ممكنا في نفسه فيفضى إلى ثبوت إمكانات غير متناهية ، وهو محال. # ثم إنها بأسرها تستدعي سببا ، وكل ما كان كذلك فهو لذاته ممكن ، فإذن إن ~~لم يكن هناك استغناء عن الجعل امتنع جعل تلك الإمكانات ، وإن كان هناك ~~إمكان استغنى (3) عن الجعل فهو حاصل لذاته ، ويعود الكلام الأول. ### |||| ** الثالث : صحة مؤثرية الله تعالى في العالم ، إن كانت لذاته يلزم دوامها لدوام ذاته ، ~~أو لأمر آخر فيعود التقسيم ولا ينقطع إلا عند الانتهاء إلى واجب الوجود ، ~~ومع ذلك فلا يجب دوام صحة تلك المؤثرية. ### |||| ** الرابع : الحادث يصح أن يكون مقدورا لذاته ، وحال البقاء يمتنع عليه أن يكون مقدورا ~~، فقد تبدلت صحة تلك (4) المقدورية بامتناعها ، وقد تبدل الواجب الذاتي. ### |||| ** الخامس : الحادث قد كان مقدورا للباري تعالى في الأزل إلى أن أوجده ، ثم زالت صحة ~~قدرته (5) تعالى على احداثه ابتداء ، لاستحالة إيجاد الموجود ، وإذا زالت ~~تلك الصحة مع أنها قديمة ، لزم عدم القديم. PageV01P234 # لا يقال : لا نسلم زوال تلك الصحة ، لأنه تعالى بعد إيجاده للعالم قادر ~~على إيجاده مرة أخرى ، بأن يعدمه ثم يوجده. # لأنا نقول : كلامنا في الإيجاد المبتدأ (1) لا في تجدد إيجاد بعد إعدام ، ~~ولا شك في امتناع ابتداء الإيجاد. ### |||| ** السادس : أنه تعالى في الأزل عالم ، بأن العالم سيحدث فيما لا يزال ، فإذا وجد ~~العالم استحال بقاء علمه بأنه سيحدث ، لأنه جهل ، تعالى الله عنه. فذلك ~~التعلق إن كان حادثا فقبله تعلق آخر لا إلى أول ، فهناك حوادث لا أول لها ، ~~والقول بتجويزه اعتراف بفساد المقدمة الثانية من أصل ms0139 دليلكم على حدوث ~~العالم ، وإن كان قديما فذلك التعلق الأزلي قد عدم. # لا يقال : قد تقدم أن القديم الأزلي إذا كان مشروطا بشرط عدمي أزلي جاز ~~زواله لزوال شرطه العدمي الأزلي ، وهاهنا اقتضاء ذاته تعالى لتلك العالمية ~~مشروط بعدم العالم أزلا ، إذ لو كان موجودا لاستحال علمه بأنه سيوجد ، فجاز ~~زوال التعلق الأزلي لزوال شرطه. # لأنا نقول : هذه مساعدة لنا على مطلوبنا ، وهو جواز عدم القديم لزوال ~~شرطه العدمي ، وإذا جاز في قديم جاز في كل قديم. # والجواب (2): أن الممكن لذاته بالنظر إلى ذاته ليس بقديم ولا حادث ، ولا ~~واجب لغيره ولا ممتنع ، وإنما يعرض له شيء من ذلك بالنظر إلى غيره ، ولا ~~نسلم بقاءه على إمكانه بالنظر إلى وجود علته أو عدمها ، بل يخرج إلى حيز ~~الواجب لغيره أو الممتنع ، وهما ينافيان الإمكان بالنظر إلى الغير ، وإن لم ~~ينافياه بالنظر إلى PageV01P235 # الذات ، وإنما يجوز عدمه بالنظر إلى ذاته ، فصح الحكم عليه بامتناع العدم ~~بالنظر إلى علته ، ولا تناقض ، لاختلاف الموضوع ، لأنه في أحدهما الممكن ~~لذاته ، وفي الآخر الممكن المأخوذ مع علته ، والتناقض ممنوع. ولا نسلم وقوع ~~إمكان عدم (1) الممكن ، وإنما يكون واقعا لو لم يعتبر وجود علته أو عدمها. ~~ولا نسلم أنه يمكن اشتراط القديم الأزلي بشرط عدمي ، لأن العدم لا يجوز أن ~~يكون علة ولا جزء علة للوجودي ، والشرط في الحقيقة جزء من العلة التامة. # وفيه نظر ؛ فإنا نعلم بالضرورة أن المؤثر مع وجود المانع لا يوجد أثره ، ~~فعدم المانع شرط في وجود الأثر. # بل الحق في الجواب وجهان : ### |||| ** الأول : أن نقول : ذلك الشرط العدمي إن استغنى عن المؤثر بذاته كان واجبا ، إذ هو ~~معناه ، وإن احتاج فليس (2) إلا عدم مؤثره على ما يأتي من أن علة العدم عدم ~~العلة لا غير ثم ننقل الكلام إلى عدم العلة وهكذا إلى ما لا يتناهى ، فيلزم ~~أن لا توجد ملكة هذا الشرط إلا إذا وجد ما لا يتناهى دفعة ، وهو محال ، ~~وإذا لم توجد ملكة هذا الشرط امتنع زوال القديم. ms0140 ### |||| ** الثاني : أن بين القديم وملكة شرطه منافاة ذاتية ، فلا يمكن إسناد الملكة إلى ذلك ~~القديم ، ولا إلى معلولاته ؛ لامتناع اقتضاء الشيء منافي ذاته أو علة ذاته ~~، ولا إلى علله ؛ لامتناع صدورها عنها بالاختيار ، وإلا لزم صدور القديم ~~بالاختيار وبالإيجاب ، لامتناع اقتضاء الشيء الواحد المتنافيين ، ولأن وجود ~~الملكة يستلزم عدم القديم ، لكن عدم القديم إنما هو لعدم علته ، فتكون علة ~~القديم موجودة بالنظر إلى وجود معلولها الذي هو الملكة ، ومعدومة بالنظر ~~إلى عدم معلولها الذي هو PageV01P236 # القديم. ولا إلى غيرهما لوحدة واجب الوجود ، وتناهي الحوادث على ما يأتي. ### |||| ** وعن المعارضة الأولى : أن الامتناع والصحة أمران اعتباريان لا وجود لهما في الخارج ، والقديم ~~العدمي يجوز زواله ، لأن الامتناع هنا مستند إلى المانع ، وهو الأزل (1) ~~المنافي (2)، لصحة حدوث العالم ومحدثية الله تعالى فيه. ### |||| ** وعن الثاني : أن الإمكان عدمي اعتباري أيضا ، لا تحقق له في الخارج ، وهو لازم عقلا ~~للماهية ، فإذا فرضت الماهية في أي وقت فرض لزم الإمكان لها ، وهذا الإمكان ~~الراجع إلى الماهية لا ينافي الاستحالة باعتبار الأزلية للحادث. ### |||| ** وعن الثالث : أن المؤثرية أمر اعتباري أيضا ، لا تحقق لها في الخارج ، وإلا لافتقرت إلى ~~مؤثرية أخرى ، ويتسلسل. # وكذلك الجواب عن الرابع : فإن صحة المقدورية ذهنية ، وإلا تسلسل. ### |||| ** وعن الخامس : أن القدرة باقية ، والزائل هو التعلق وهو أمر اعتباري. وابتداء الوجود ~~ثابتا ، بوصف كونه وجودا ثابتا ومبتدأ جمع بين المتناقضين ، وهو محال لذاته ~~فلا يكون مقدورا ، لأن المقدور إنما هو الممكن لا غير. ### |||| ** وعن السادس : أن الناس اختلفوا فذهب «أبو هاشم» وجماعة [إلى] أن العلم بأن الشيء سيحدث ، ~~هو بعينه العلم بحدوثه وقت حدوثه ، فيزول الإشكال عنه. ومنهم من قال : إن ~~التعلق الأول باق وتجدد تعلق آخر (3)، ويزول عنه الإشكال أيضا (4)، وهو ~~مذهب «أبي الحسين» وبعضهم قال : إن التعلق الأول قد زال ويتوجه عليه ~~الإشكال. PageV01P237 # وفيه نظر ؛ فإن التعلق الثابت بين العلم والمعلوم أمر اعتباري لا تحقق له ~~في الخارج ، فلا بعد في زوال التعلق الأول وتجدد تعلق آخر بعده ، كما في ~~جميع ms0141 الصفات الإضافية المحضة. والقدرة والعلم باقيان أزلا وأبدا ، والزائل ~~هو التعلق بينهما وبين المقدور والمعلوم ، كما أن الواحد منا يقدر على ~~تحريك جسم صغير ، فإذا عدم ذلك الجسم ، لم تعدم قدرتنا على تحريك مثله ، بل ~~عدم تعلق قدرتنا بذلك الجسم المعدوم لا غير ، لأن التعلق إضافة بين قدرتنا ~~وبين ذلك المعدوم ، وإذا عدم أحد المضافين عدمت الإضافة. ### ||| ** البحث الثالث : في أن القديم واحد (1) # اختلف الناس هنا فذهبت الإمامية إلى أن القديم هو الله تعالى لا غير ، ~~وأن ما عداه محدث ، للبراهين الآتية الدالة على أن العالم وهو كل ما سوى ~~الله تعالى محدث ، ولأنه ممكن وكل ممكن محدث. # وذهبت الأشاعرة إلى إثبات قدماء ثمانية مع ذات الله تعالى ، هي المعروفة ~~عندهم بالمعاني ، وسيأتي البحث فيها إن شاء الله تعالى. # قيل (2): إنهم لا يطلقون اسم القدماء على المعاني التي يثبتونها لله ~~تعالى في الأزل ، لأن القدماء عندهم عبارة عن أشياء متغايرة ، والتغاير ~~إنما يثبت عندهم بين الذوات لا بين الصفات أنفسها ، ولا بين الصفات ~~والذوات. # وفيه نظر ، لأنهم صرحوا بثبوتها في الأزل ، ولا يجب في القديم أن يكون ~~ذاتا ، بل كل ثابت في الأزل فإنه قديم. ثم إن النزاع في ذلك لفظي ، لأنهم ~~يعطون معنى القديم. PageV01P238 # وذهبت المعتزلة إلى إنكار القدماء وبالغوا فيه ، لكن «أبا هاشم» أثبت في ~~الأزل الأحوال الخمسة ، وهي : القادرية والعالمية والحيية والموجودية ، ~~وعللها بحالة خامسة وهي الإلهية (1). # قيل (2): إن هذه الأحوال وإن قال بثبوتها في الأزل ، لكنه لا يقول ~~بقدمها ، لأن القديم هو الموجود أزلا ، والحال لا توصف بالوجود والعدم ، ~~فلا تكون قديمة. # وهو (3) أيضا راجع إلى نزاع لفظي ، لأنا لا نعني بالقديم إلا الثابت في ~~الأزل ، ولا (4) فرق بين الثبوت والوجود. # وقد اتفق المسلمون كافة على نفي كل (5) قديم غير الله تعالى وغير صفاته ، ~~لدلالة السمع عليه ، لأن الدليل العقلي وهو التمانع إنما دل على نفي إلهين ~~، فأما على نفي قديم غير قادر ولا حي ، فلا يدل العقل عليه. # وهو خطأ ، لأن ما عدا الله تعالى ms0142 ممكن وكل ممكن محدث. # وذهب الحرنانيون (6) إلى إثبات قدماء خمسة ، اثنان حيان فاعلان وهما : ~~الباري تعالى والنفس ، وعنوا بالنفس ما يعم الأرواح البشرية والسماوية ، ~~وهي مبدأ الحياة. وواحد منفعل غير فاعل ولا حي وهي الهيولى ، واثنان لا ~~حيان ولا فاعلان ولا منفعلان ، وهما الزمان والخلاء. # أما الباري تعالى ، فلأنه لو كان حادثا لافتقر إلى موجد ويتسلسل ، أو ~~يدور ، أو ينتهي إلى قديم هو المبدأ له ، فيكون هو الباري تعالى ، لا ما ~~فرضناه ، وهذا PageV01P239 # خلف. # وأما النفس والهيولى ، فلأنهما لو كانا حادثين لكان لهما هيولى ؛ لأن كل ~~محدث فله هيولى ، لكن ليس للهيولى ولا للنفس هيولى ، لاستحالة أن تكون تلك ~~الهيولى حادثة ، وإلا لزم التسلسل ، أو إثبات هيولى قديمة وهو المطلوب (1) ~~وهذا غير تام ، إذ لا يلزم من قدم هيولى النفس قدمها. # وأما الزمان ، فلأنه لو كان حادثا لكان عدمه قبل وجوده قبلية زمانية (2) ~~فيكون للزمان زمان آخر ويتسلسل ، أو ينتهي إلى زمان قديم وهو المطلوب (3). # وأما الخلاء ، فلأنه واجب لذاته ، إذ معنى الواجب لذاته ، هو الذي لا ~~يتصور عدمه ، ولا رفعه عن الوجود ، والخلاء لا يمكن رفعه ، ولا يتصور الذهن ~~عدمه ؛ لأنه لو ارتفع الفضاء لم تبق الجهات متمايزة ولا مشارا إليها ، وهو ~~غير معقول. # ومال «ابن زكريا» (4) إلى هذا المذهب (5)، ونحن نمنع احتياج الحادث إلى ~~المادة والمدة وسيأتي. # وامتناع رفع الفضاء مستند إلى الوهم لا العقل. # وذهبت الفلاسفة إلى قدم المادة والزمان ، لأن كل حادث عندهم فإنه مسبوق ~~بمادة ومدة (6) لما يأتي. PageV01P240 ### ||| ** الفصل الثالث : ### | في خواص المحدث # وفيه مباحث : ### ||| ** البحث الأول : في أنه لا يجب في المحدث سبق المادة عليه (1) # ذهبت الفلاسفة إلى أن كل محدث فإنه مسبوق بمادة يكون حالا فيها كالصور ~~والأعراض ، أو موجودا عنها كالمركب ، أو معها كالنفوس ، وحصروا المحدثات في ~~هذه الأصناف الثلاثة لا غير. وكل بسيط غير هذه فإنه يستحيل أن يكون محدثا عندهم. # واستدلوا على سبق المادة ، بأن كل محدث فإن عدمه سابق على وجوده ، ووجوده ~~حال عدمه ممكن ، وإلا امتنع حدوثه ، فذلك ms0143 الإمكان سابق على وجوده. وليس ~~راجعا إلى صحة اقتدار القادر عليه ؛ لأن هذا الإمكان مأخوذ بالقياس إلى ذات ~~الممكن من غير التفات إلى مؤثره ، وصحة اقتدار القادر عليه مأخوذة PageV01P241 # بالقياس إلى المؤثر ، فتغايرا (1). ولأنه يعلل الثاني بالأول ، فنقول : ~~إنما صح اقتدار القادر عليه لأنه ممكن ؛ لأن الإمكان علة في صحة تعلق ~~المقدورية به ، ولا يصح أن يقال : إنما صح اقتدار القادر عليه لأنه صح ~~اقتدار القادر عليه ، فتغايرا. وليس الإمكان عدميا للفرق بين نفي الإمكان ~~والإمكان العدمي ، ولا جوهرا قائما بذاته ، ولا بالممكن ، لعدمه. فلا بد له ~~من محل مغاير هو الهيولى (2). # والجواب : قد بينا أن الإمكان عدمي ، وأن الفرق لا يستدعي ثبوته كالعدم ~~والامتناع وغيرهما من الصفات العدمية. # قيل : الإمكان عندهم يقع بالاشتراك اللفظي على أمرين : # أحدهما : ما يقابل الامتناع وهو عندهم صفة عقلية يوصف بها كل ما عدا ~~الواجب والممتنع من المتصورات ، ولا يلزم من اتصاف الماهية بها كونها مادية. # والثاني : الاستعداد ، وهو موجود عندهم معدود في نوع من أنواع جنس الكيف ~~، وإذا كان موجودا وعرضا وغير باق بعد الخروج إلى الفعل ، فيحتاج لا محالة ~~قبل الخروج إلى محل ، وهو المادة. فهذا البحث معهم يجب أن يكون في إثبات ~~ذلك العرض ونفيه (3). # وفيه نظر ، فإن البحث في الاستعداد كالبحث في الإمكان ، والوجوه الدالة ~~على نفيه دالة على نفي الاستعداد (4). PageV01P242 ### ||| ** البحث الثاني : في أنه لا يجب في المحدث سبق المدة عليه (1) # اختلف الناس هنا ، فذهب المسلمون كافة إلى ذلك ، وذهبت الفلاسفة إلى أن ~~كل محدث فإنه مسبوق بزمان هو موجود غير قار الذات متصل اتصال المقادير (2) ~~، لأن الحادث بعد ما لم يكن (3) تكون بعديته هذه مضافة إلى قبلية قد زالت ، ~~فله قبل لا يوجد مع البعد ، وليست تلك القبلية كقبلية الواحد على الاثنين ~~التي قد يكون بها ما هو قبل وما هو بعد معا في حصول الوجود (4)، بل يجب أن ~~تكون قبلية قبل لا تثبت مع البعد ، بل تزول قبليته عند تجدد البعدية. # وهذه القبلية مغايرة للعدم ، لأن العدم ms0144 كما كان قبل ، فقد يصح أن يكون ~~بعد ، وليس القبل بعد ، ولا الفاعل لأنه قد يكون الفاعل قبل الحادث (5) ~~ومعه وبعده ، وليس القبل كذلك. فهو شيء آخر يتجدد ويتصرم ، وهو غير قار ~~الذات ، وهو متصل في ذاته ، لإمكان فرض متحرك يقطع مسافة يوافق حدوث هذا ~~الحادث انقطاعها ، فيكون ابتداء حركته قبل هذا الحادث ، ويكون بين ابتداء ~~الحركة وانتهائها ، كما بين ابتداء الحركة وحدوث الحادث ، فكما كان هناك ~~قبليات وبعديات متصرمة متجددة مطابقة لأجزاء المسافة والحركة، كذا يجب أن ~~يكون بين ابتداء الحركة وابتداء هذا الحدوث. PageV01P243 # وسيظهر في بطلان الجزء (1)، أن مثل هذا المتصل لا يتألف من أجزاء لا ~~تتجزأ. فيثبت أن كل حادث مسبوق بموجود غير قار الذات متصل اتصال المقادير ، ~~وهو الزمان (2). # والاعتراض : لا نسلم ثبوت هذه القبلية في الخارج ، ودليلكم إنما ينهض ~~بثبوتها مطلقا ، وهو أعم من الثبوت الذهني والخارجي ، ولا يدل ثبوتها في ~~الذهن على ثبوت موصوفها في الخارج ، فإنه كما يصح وصف الموجود بها ، كذا ~~يصح وصف المعدوم بها ، فإنه دليلكم على ثبوت الزمان ، بل يمتنع ثبوت ~~القبلية والبعدية في الخارج لوجوه (3): ### |||| ** أ: لو كانت القبلية موجودة لزم التسلسل ؛ لأن القبلية الواحدة سابقة على كل ما ~~يتأخر عنها ، فيفتقر إلى قبلية أخرى ، ويلزم التسلسل لا دفعة واحدة ، بل ~~دفعات لا تتناهى ، وهو غير معقول. # واعترضه أفضل المحققين : بأن القبلية والبعدية اللاحقتين بالزمان ~~إضافيتان عقليتان ، والموجود في الخارج هو الزمان ، وهو الذي تلحقه القبلية ~~لذاته وتلحق ما سواه مما يقع فيه بسببه في العقل ، أما نفس القبلية فليس من ~~الموجودات المختصة بزمان دون زمان ، لأنها أمر اعتباري (4) يصح تعقله في ~~جميع الأزمنة ، وإن أخذ من حيث يقع في زمان معين ، كان حكمه حكم سائر ~~الموجودات في لحوق قبلية أخرى يعتبرها العقل به ، ولا يتسلسل ذلك ، بل ~~ينقطع بانقطاع الاعتبار PageV01P244 # الذهني (1). # وفيه نظر ؛ لأن فيه اعترافا بأن القبلية ليست في الخارج ، وقد بينا أن ~~للذهن إلحاقها بالوجودي والعدمي ، ولا يمكن الحاق القبلية بالزمان لذاته ، ~~وإلا لوجب اختلاف أجزائه ms0145 بالذات ، فيلزم وجود أجزاء لا تتجزأ فيه ، وهو ~~عندهم محال. # لا يقال : كل واحد من العدم والوجود ليس قبلا ولا (2) بعدا لذاته ، وإلا ~~لامتنع انقلاب كل منهما إلى صفة الآخر ، وهو محال ، فوجب ثبوت شيء يلحقانه ~~غيرهما ، وهو المراد بالزمان. # لأنا نقول : قد بينا أن معروضهما قد يكون وجوديا وقد يكون عدميا ، فلا ~~يجوز الاستدلال بعروضهما لشيء على كون ذلك الشيء ثبوتيا. ### |||| ** ب : القبلية والبعدية إضافتان ، فإن كانتا ذهنيتين لم يجب ثبوت معروضهما في ~~الخارج، وإن كانتا خارجيتين وجب أن توجدا معا ، وقيل إنهما لا توجدا معا ، ~~هذا خلف. # اعترضه أفضل المحققين بأنهما إضافتان عقليتان لا توجدان إلا في العقول ، ~~لأن الجزءين (3) من الزمان اللذين تلحقهما القبلية والبعدية لا يوجدان معا ~~، فكيف توجد الإضافة اللاحقة لهما (4)، لكن ثبوتهما في العقل لشيء يدل على ~~وجود معروضهما الذي هو الزمان مع ذلك الشيء ويجب أن يكون (5) وجود معروضهما ~~معا في العقل ، ولا يجب أن يوجدا في الخارج معا (6). PageV01P245 # وفيه نظر ، فإن فيه اعترافا بأنهما ليس لهما ثبوت في الأعيان ، فلا يلزم ~~وجود معروضهما فيه ، وهو المطلوب. # لا يقال : القبلية والبعدية إذا كانا معا في الذهن ، فلا بد وأن يوجد ~~معروضهما معا في الذهن ، حتى يصح الحكم على أحدهما بالقبلية وعلى الآخر ~~بالبعدية ، فحينئذ الحكم بالقبلية : إما أن يكون باعتبار وجود معروضهما في ~~الخارج ، وهو محال ، لعدم اقتضاء الوجود القبلية والبعدية. أو باعتبار ذاته ~~وهو محال أيضا ، لأن الذاتين من حيث هما ذاتان لا تعرض لاحداهما القبلية ~~وللأخرى البعدية. فلا بد من أمر مغاير لمعروض (1) القبلية ، يوجد المعروض ~~فيه ، وباعتباره يكون قبلا وكذا البعدية (2). # لأنا نقول : فنرجع بالبحث على ذلك الشيء ، لم صار أحدهما متقدما والآخر ~~متأخرا؟ فإن أسندتموه إلى ذاتهما فليسند إلى الذاتين. وأيضا يلزم اختلافهما ~~بالماهية ، لكن أجزاء الزمان متساوية. وأيضا يلزم وجودهما بالفعل ، وأجزاء ~~الزمان عندكم إنما توجد بالفرض. # ج : لو كانت القبلية وجودية لم يصح وصف العدم بها (3)، لاستحالة اتصاف ~~المعدوم بالموجود (4). # واعترض عليه أفضل المحققين : بأن العدم المقيد ms0146 بشيء ما ، يكون معقولا ~~بسبب ذلك الشيء ، ويصح لحوق الاعتبارات العقلية به من حيث هو معقول (5). PageV01P246 # وفيه نظر ؛ لأن البحث إنما هو : هل القبلية وجودية أم لا؟ وإذا اعترف ~~بأنها عقلية بطل النزاع. ### |||| ** د : أجزاء الزمان يعرض لبعضها بالنسبة إلى البعض الآخر هذا التقدم والتأخر ~~بعينه (1)، فيلزم أن يكون للزمان زمان آخر. # لا يقال : الفرق بين الزمان وغيره ظاهر ، لأن الزمان متقض لذاته فلهذا ~~استغنت القبلية والبعدية العارضتان له عن زمان آخر ، ولم تستغن القبلية ~~والبعدية العارضتان لغيره عنه. ولأن القول بالقبلية والبعدية يمكن مع القول ~~بكون كل جزء من الزمان مسبوقا بجزء آخر ، ولا يمكن مع القول بحادث هو أول ~~الحوادث ، لأنه ينافي الإشارة إلى ما هو قبل أول الحوادث. # لأنا نقول على الأول : أجزاء الزمان إن كانت متساوية في الماهية ، استحال ~~تخصص بعضها بالتقدم دون البعض الآخر ، وإن لم تكن ، كان انفصال كل جزء عن ~~الآخر بماهيته (2)، فيكون الزمان غير متصل ، بل مركبا من آنات. وأيضا ~~تجويز وجود قبلية وبعدية لا توجدان معا في جزءين من الزمان من غير زمان ~~يغايرهما ، يقتضي تجويز كون العدم قبل وجود الحادث من غير زمان يغايرهما. # وعلى الثاني : بأن معنى قولنا : اليوم متأخر عن أمس ، ليس هو «أنه لم ~~يوجد معه»؛ لأن اليوم لم يوجد أيضا مع الغد. وإن سلمنا ، أن معناه «أنه لم ~~يوجد معه» ، كانت هذه المعية اضافة عارضة لهما مغايرة لذاتيهما ، فكان ~~المعقول منه : أن اليوم ما حصل في الزمان الذي حصل فيه الأمس ، وحينئذ يعود ~~التسلسل. وإن لم يكن معناه أنه لم يوجد معه ، بل كان معناه : أن اليوم لم ~~(3) يوجد حين كان أمس ، فلفظة PageV01P247 # «كان» مشعرة بمضي زمان ، وذلك يقتضي أن يكون للزمان زمان آخر. # اعترضه أفضل المحققين : بأن الزمان ليس له ماهية غير اتصال الانقضاء ~~والتجدد ، وذلك الاتصال لا يتجزأ إلا في الوهم ، فليس له أجزاء بالفعل ، ~~وليس فيه تقدم ولا تأخر قبل التجزئة. ثم إذا فرض له أجزاء فالتقدم والتأخر ~~ليسا بعارضين يعرضان للأجزاء وتصير ms0147 الأجزاء بسببهما متقدما ومتأخرا ، بل ~~تصور عدم الاستقرار الذي هو حقيقة الزمان ، يستلزم تصور تقدم وتأخر للأجزاء ~~المفروضة لعدم الاستقرار لا لشيء آخر ، وهذا معنى لحوق التقدم والتأخر ~~الذاتيين به. وأما ما له حقيقة غير عدم الاستقرار يقارنها عدم الاستقرار ، ~~كالحركة وغيرها فإنما يصير متقدما ومتأخرا بتصور عروضهما له. وهذا هو الفرق ~~بين ما يلحقه التقدم والتأخر لذاته ، وبين ما يلحقه بسبب غيره ، فإنا إذا ~~قلنا : اليوم [و] (1) أمس ، لم نحتج إلى أن نقول : اليوم متأخر عن أمس ، ~~لأن نفس مفهومهما يشتمل على معنى هذا التأخر. أما إذا قلنا : العدم والوجود ~~، احتجنا إلى اقتران معنى التقدم بأحدهما حتى يصير متقدما. (2) # وفيه نظر ، فإن تفسير الزمان باتصال الانقضاء والتجدد ، يقتضي اتصال ~~المعدوم بالموجود ، أو أحد المعدومين بالآخر ، وهو محال ، ولا يقتضي وجوده ~~، ولأن الاتصال أمر ذهني فكيف يدعى وجود الزمان بهذا المعنى ، خصوصا وقد ~~فرض عارضا لأمر عدمي. # وقوله : «وليس فيه تقدم ولا تأخر قبل التجزئة. [ثم] إذا فرض له أجزاء ~~فالتقدم والتأخر ، ليسا بعارضين يعرضان للأجزاء ، وتصير الأجزاء بسببهما ~~متقدما ومتأخرا ، بل تصور عدم الاستقرار الذي هو حقيقة الزمان ، يستلزم ~~تصور تقدم PageV01P248 # وتأخر للأجزاء المفروضة ، لعدم الاستقرار لا لشيء آخر» ، ينافي دليلهم ~~(1): إن التقدم والتأخر يعرضان لشيء غير الذاتين اللتين عرضا لهما وهو ~~الزمان لذاته. ثم «فرض التجزئة» لا يوجب وجود التجزئة ، فلا يوجب عروض ~~التقدم والتأخر للزمان ولا للذوات بسببه. # و «كون التقدم والتأخر لا يعرضان لأجزاء الزمان» ينافي عدم استقراره وكونه ~~معروضا للتقدم والتأخر ، إذ لا يعرضان له بالنسبة إلى ذاته ، لامتناع عروض ~~هاتين الإضافتين لشيء واحد مطلقا ، بل لا بد من أمرين تعرضان لهما ~~الإضافتان ، ولا بالنظر إليه مع غيره فإن لم يعرضا لأجزائه لم يعرضا لشيء البتة. # وجعل الزمان «عدم الاستقرار» يقتضي كون الزمان عدميا. # والفرق بين اليوم وأمس ، وبين الذوات ليس بجيد ، لأن مفهوم أمس هو الزمان ~~السابق على زمان اليوم ولو لم يوضع لهما هذان اللفظان ، بل قيل زمانان لم ~~يعلم السابق منها من ms0148 الآخر ، نعم يعلم أن أحدهما على الإجمال سابق على ~~الآخر بعرض أنه موجود غير قار كالحركة ، ولا فرق بين علم تقدم بعض أجزاء ~~الزمان على بعض وعلم تقدم بعض أجزاء الحركة على بعض ، فإن جعل التقدم ~~والتأخر للحركة (2) بسبب غيرها ، منع ذلك كما يمنع في الزمان. ### |||| ** ه : لو كان الزمان موجودا مع الحركة ، لزم أن يكون للزمان زمان آخر ، بحيث توجد ~~الحركة والزمان معا فيه حتى تصح المعية ، إذ ليس المراد بها هنا إلا المعية ~~الزمانية ، فيكون الزمان واقعا في الزمان بعين (3) ما ذكرتموه. PageV01P249 # اعترضه أفضل المحققين : بأن معية ما هو (1) في الزمان للزمان غير المعية ~~بالزمان ، أعني : معية شيئين يقعان في زمان واحد ، لأن الأولى تقتضي نسبة ~~واحدة لشيء غير الزمان إلى الزمان [و] (2) هي متى (3) ذلك الشيء ، والأخرى ~~تقتضي نسبتين لشيئين يشتركان في منسوب إليه واحد بالعدد ، [و] (4) هو زمان ~~ما ، ولذلك لا يحتاج في الأولى (5) إلى زمان يغاير الموصوفين (6) بالمعية ، ~~ويحتاج في الثانية إليه (7). # وفيه نظر ؛ فإن الفرق بين معية ما هو في الزمان للزمان ، ومعية الشيئين ~~بالزمان غير مفيدة للغرض. لأنا نقول : المعية بين الشيئين مطلقا إن اقتضت ~~ثالثا تحصل به المعية وجب ثبوت ذلك في الزمان نفسه ، وإلا لم يجب ثبوت ~~الزمان مطلقا ، وإن حصل في بعض الأشياء دون بعض كان تحكما محضا. ### ||| ** البحث الثالث : في أن كل محدث فإنه ممكن # هذا المطلوب ظاهر ، فإن المحدث لا بد وأن يكون مسبوقا بالعدم ، أو مسبوقا ~~بالغير على اختلاف التفسير ، وإذا كان مسبوقا بالعدم كانت ماهيته (8) PageV01P250 # موصوفة بالعدم والوجود ، ولا نعني بالممكن ، إلا ما يجوز عليه العدم ~~والوجود ، والوقوع يستلزم الجواز. # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون موصوفا بالوجود على سبيل الوجوب في وقت ، ~~وموصوفا بالعدم في وقت آخر على سبيل الوجوب ، فحينئذ تحقق الحدوث دون ~~الإمكان. # لأنا نقول : اتصاف الذات بالوجود ، إن (1) كان واجبا لنفس تلك الذات وجب ~~دوامه بدوام الذات (2)، وإن كان لغيرها كانت الماهية في نفسها غير مقتضية ~~للوجود ولا للعدم ، بل كلاهما ms0149 جائز عليه بالنسبة إلى الذات ، وهو معنى ~~الممكن. وكذا البحث في طرف العدم. وإذا كان مسبوقا بالغير كان معناه : أن ~~وجوده مستند إلى ذلك الغير ، وكل مستند إلى غيره فإنه مفتقر إلى ذلك الغير ~~، وكل مفتقر إلى الغير ممكن بالضرورة. PageV01P251 ### ||| ** الفصل الرابع : ### | في المتقدم والمتأخر (1) والمع # وفيه مباحث : ### ||| ** البحث الأول : في أقسام هذه الأنواع (2) # ذهب الأوائل إلى أن التقدم يقال على خمسة أنحاء بالتشكيك وزاد المتكلمون ~~قسما سادسا (3). ### ||| ** الأول : التقدم بالعلية # وهو أن يكون شيئان وجود أحدهما صادر عن الآخر ومستند إليه ، ووجود PageV01P253 # الآخر ليس صادرا عن الأول ، فما يستحق أحدهما الذي هو المعلول الوجود إلا ~~وقد حصل للآخر الذي هو العلة الوجود ووصل إليه ، وأما الآخر (1) فليس يتوسط ~~أحدهما (2) بينه وبين ذلك الآخر في الوجود (3)، بل يصل إليه الوجود لا عنه ~~، وليس يصل إلى ذلك (4) إلا مارا على الآخر ، كتقدم حركة اليد على حركة ~~الخاتم ، فإنه يصح أن يقال : لو لا حركة اليد لما تحرك الخاتم ، ولا يصح أن ~~يقال : لو لا حركة الخاتم لما تحركت اليد ، ويصح أن يقال : تحركت يدي فتحرك ~~الخاتم ، ولا يصح أن يقال : تحرك الخاتم فتحركت يدي. # فهذا النوع من الترتب (5) معلوم لكل عاقل ، وهو المراد بالتقدم. # قيل عليه : تقدم العلة على المعلول إما أن يكون لماهيتها ، أو لنفس ~~العلية والمعلولية ، أو لمجموع الأمرين ، أعني : الماهية مع اعتبار العلية ~~والمعلولية ، والأقسام الثلاثة باطلة ، فالتقدم المذكور باطل. # أما بطلان الأول ، فلأنا إذا فرضنا حركة اليد من حيث هي هي ، وحركة ~~الخاتم من حيث هي هي ، لم يكن لإحداهما تقدم على الأخرى ولا تأخر ولا معية ~~، لأنا قد بينا أن كل ماهية إذا اعتبرت من حيث هي هي فهي لا متقدمة ولا ~~متأخرة ولا مقارنة ، ولا واحدة ولا كثيرة ، لأن كل ذلك لواحق تلحق الماهية ~~خارجة عنها. # وأما بطلان الثاني ، فلأن العلية والمعلولية وصفان اضافيان ، فيكونان معا ~~في الوجود ، فيستحيل أن يكون لأحدهما تقدم على الآخر ، وإذا كانت الماهية ~~من حيث هي غير متقدمة ، ولا من ms0150 حيث هي علة متقدمة أيضا ، امتنع أن يكون PageV01P254 # المجموع متقدما ، لتأخر المركب عن مفرداته. # وأجيب : بأنا لا نعني بهذا التقدم والتأخر إلا احتياج أحدهما إلى الآخر ~~في الوجود وتوقفه عليه. # إلا أن هذا كالمخالف للمشهور ، لأنهم يعللون هذا التقدم بهذه الحاجة ، ~~فيقولون : لما احتاجت حركة الخاتم إلى حركة الاصبع ، وجب أن يكون لحركة ~~الإصبع تقدم على حركة الخاتم ، وهذا مشعر بكون التقدم والتأخر معلولين ~~للحاجة (1). # وفي السؤال نظر ، فإن الماهية من حيث هي هي ، وإن لم تكن متقدمة ولا ~~متأخرة ولا مصاحبة ، لكن قد يلحقها اقتضاء ذلك كزوجية الاثنين ، فإنها ~~صادرة عن الاثنين من حيث هي هي لا باعتبار لحوق آخر بها. # وقولهم : «الماهية إذا أخذت من حيث هي هي لا تكون متقدمة ولا متأخرة» ، ~~لا يعنون بذلك أنها لا تتصف بشيء من ذلك ، فإنه محال خلو الماهية عن ذلك ، ~~بل يعنون به: أن أخذها من حيث هي هي ، مغاير لأخذها من حيث هي مقتضية ~~لأحدهما (2) أو متصفة (3) به. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون الاقتضاء من حيث إن الماهية علة قوله : ~~العلية والمعلولية إضافتان توجدان معا. قلنا : توجدان معا في العقل (4)، ~~لكن يثبت لأحدهما صفة المبدئية وللآخر صفة المعلولية ، كما في اضافتي ~~التقدم والتأخر. والأصل فيه أن الإضافة مغايرة لمبدإ الإضافة ، والعلة هي ~~الماهية من حيث هي مبدأ إضافة العلية ، وهذا الاعتبار متقدم على إضافة ~~العلية. PageV01P255 # وقيل أيضا (1): إن كان المراد من تقدم العلة على معلولها ، كونها مؤثرة ~~فيه ، كان معنى قولنا : العلة متقدمة على المعلول ، هو أن المؤثر في الشيء ~~مؤثر فيه ، وهذا تكرار خال عن الفائدة ، وإن كان المراد شيئا آخر فلا بد من ~~إفادة تصوره. # وأجاب أفضل المحققين : بأن تقدم الشيء الذي منه الوجود على الشيء الذي له ~~الوجود في الوجود معلوم ببديهة العقل (2). # وفيه نظر ، فإن المعلوم بالبديهة هو الاحتياج والإسناد ، أما التقدم فإنه ~~المتنازع. ### ||| ** الثاني : التقدم بالذات # كتقدم الواحد على الاثنين ، فإنا نعلم بالضرورة أنه لا يصح للاثنين وجود ~~، إلا إذا كان الواحد ms0151 موجودا ، وقد يوجد الواحد وإن لم يوجد الاثنان. وكذا ~~الجزء والكل ، والموصوف مع صفته ، والشرط مع مشروطه وجزء العلة مع المعلول. ~~والمتقدم هنا محتاج إليه والمتأخر محتاج. # ويصح وجود المتقدم والمتأخر في هذين القسمين (3) معا في الزمان ، بل يجب ~~في الأول المقارنة الزمانية بينهما ، ويمكن في الثاني (4). ويشتركان أيضا ~~في أن المتأخر محتاج إلى المتقدم في تحققه ، ولا يكون الآخر محتاجا إلى ~~المتأخر. لكن الفرق بينهما ، أن المحتاج إليه في الأول ، هو الذي بانفراده ~~يفيد وجود المحتاج ، ويلزم من وجود المتقدم وجود المتأخر. ويقترنان في ~~الارتفاع زمانا كما اقترنا في الوجود. وكل واحد منهما يرتفع مع ارتفاع ~~صاحبه ، إلا أن ارتفاع المعلول يكون تابعا ومعلولا PageV01P256 # لارتفاع العلة من غير عكس ، كما كانا في طرف الوجود على هذه النسبة ، ~~فإنهما يوجدان معا بالزمان ، ويكون وجود كل من العلة والمعلول مع وجود ~~صاحبه ، لكن وجود المعلول يكون تابعا ومعلولا لوجود العلة. # وأما في الثاني ، فإن وجود المتقدم (1) لا ينفرد بإيجاد المتأخر ، بل ~~يحتاج إلى غيره ينضم إليه ، حتى يتحصل للمتأخر وجود ، فالمتأخر بالذات ~~يستلزم المتقدم في الوجود من غير انعكاس ، فإن المتقدم يمكن أن يوجد لا مع ~~المتأخر ، أما المتأخر فلا يمكن أن يوجد إلا مع المتقدم. # وقد يقال لهذا المشترك : تأخر وتقدم بالطبع. وقد يقال : المشترك تأخر ~~بالذات فيكون مشتركا لفظا بينه وبين المتأخر بالذات. ويقال للمتقدم بالعلية ~~: إنه متقدم بالطبع أيضا (2)، فالتقدم بالعلية مختص بالأول لا غير ، ولا ~~شركة لفظية فيه ، وأما التقدم بالطبع وبالذات فيقالان بالاشتراك على الأول ~~والثاني والمشترك (3)، وهذا التقدم المشترك هو التقدم الحقيقي الذي لا ~~ينقلب إلى صاحبه ، فإن العلة وجزئها لا يمكن تأخرهما عن المعلول (4) بخلاف ~~المتقدم بالزمان وغيره من أقسام التقدم الذي يجوز أن ينقلب المتقدم فيه ~~فيصير متأخرا ، وهو هو في الحالين. ### ||| ** الثالث : التقدم بالزمان # وهو أن يكون شيئان في زمانين ، ابتداء وجود أحدهما في زمان ، والآخر في ~~زمان آخر ، ومن المعلوم بالضرورة تقدم أحد الزمانين على الآخر ، فما قارن وجوده PageV01P257 # الزمان المتقدم ms0152 ، يقال له : إنه متقدم على ما قارن وجوده الزمان المتأخر ~~، وذلك كتقدم الأب على الابن. # والزمان إما ماض أو مستقبل أو حاضر ، فالمتقدم في الماضي هو ما كان أبعد ~~من الآن ، والمتأخر هو ما كان أقرب منه. والمتقدم في المستقبل هو ما كان ~~أقرب من الآن ، والمتأخر هو ما كان أبعد منه. وأما الآن نفسه فإنه متقدم ~~بالنسبة إلى المستقبل ، ومتأخر بالنسبة إلى الماضي. وهذا المتأخر لا يمكن ~~أن يجامع المتقدم في الزمان الذي به تقدم. فانقسم المتقدم في الأنواع ~~الثلاثة إلى أقسام ثلاثة : منها ما يجب أن يجامع المتقدم المتأخر في زمان ~~المتقدم (1)، ومنها ما يمتنع ، ومنها ما يمكن. ### ||| ** الرابع : التقدم بالرتبة # وهو ما كان أقرب من مبدأ معين ، ثم المراتب : منها طبيعية كترتب الأنواع ~~التي بعضها تحت بعض ، والأجناس التي بعضها فوق بعض. ومنها وضعية كترتب ~~الصفوف في المسجد بالنسبة إلى المحراب ، أو إلى الباب. وكذلك التقدم في ~~المرتبة قد يكون طبيعيا ، كتقدم الجنس المتوسط على الأخير إذا ابتدأت من ~~العالي (2) وبالعكس إذا ابتدأت من النوع (3) وقد يكون وضعيا ، كتقدم الصف ~~القريب من الإمام إن جعل الإمام مبدأ ، وبالعكس إن جعل الباب مبدأ (4). ### ||| ** الخامس : التقدم بالشرف # كتقدم الفاضل على المفضول. فهذه الأقسام الخمسة اقتصر الأوائل عليها. PageV01P258 ### ||| ** البحث الثاني : في الحصر # ذهب الأوائل إلى حصر أقسام التقدم في هذه الأنواع الخمسة ، ولا برهان لهم ~~على ذلك سوى الاستقراء (1)، وهو لا يفيد اليقين ، خصوصا وقد أبدى ~~المتكلمون قسما سادسا للتقدم ، وهو تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ، ~~كتقدم الأمس على اليوم ، فإنه ليس بالعلية وهو ظاهر ، لاستحالة اجتماعهما ~~في الوجود ، وإلا لم يكن الزمان متقضيا (2)، فلا يكون الزمان زمانا ، ~~ووجوب اجتماع العلة والمعلول فيه ولأن أجزاءه متساوية فيستحيل اختصاص ~~أحدهما بالعلية والآخر بالمعلولية ، ولأنه لو كان المتقدم علة والمتأخر ~~معلولا ، لوجب اختلاف حقيقتهما ، فيكون الزمان مركبا من أجزاء لا تتجزأ غير ~~متناهية بالفعل ، وهو محال عندهم. # ولا بالذات لهذه الوجوه أيضا. # ولا بالشرف ، إذ لا يعقل شرف أحد أجزاء الزمان ms0153 وخسة الآخر ، ولأن المتقدم ~~بالشرف قد يجامع المتأخر ، ولأنه يستلزم وجود أجزاء الزمان بالفعل. # ولا بالرتبة الحسية ، إذ الزمان ليس من ذوات الأوضاع وهو ظاهر. ولا هو ~~بمحسوس ، وإلا لم يشك في وجوده ، مع أن أكثر الناس نفاه ، واختلف مثبتوه في ~~حقيقته. # ولا بالرتبة العقلية (3) أيضا ، (4) فإن هذا النوع من التقدم يمكن أن يجتمع PageV01P259 # المتقدم به مع المتأخر في الزمان ، بخلاف أجزاء الزمان. # ولا بالزمان ، وإلا لزم أن يكون للزمان زمان آخر ، بحيث يوجد الأمس في ~~زمان متقدم ، واليوم في زمان متأخر ، ويتسلسل. # لا يقال ، تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض راجع إلى التقدم بالزمان ، ~~وذلك غير محوج له إلى زمان آخر ، لأن ما عدا الزمان إنما يتقدم بالزمان ، ~~أما الزمان نفسه فلا. # لأنا نقول : قد بينا امتناع ذلك باقتضائه انقسام الزمان بالفعل إلى ما لا ~~يتناهى ، واختلاف أجزاء الزمان بالنوع ، وهو محال عندكم (1). # وللمتكلمين نوع آخر من التقدم ، يثبتونه في حق الله تعالى بالنسبة إلى ~~العالم ، وهو التقدم بزمان تقديري ، على معنى : أنا لو فرضنا أزمنة لا ~~نهاية لها لكان الله تعالى متقدما بها (2). ### ||| ** البحث الثالث : في أن مقولية التقدم على أنواعه بأي معنى هو؟ (3) # قد وقعت المشاجرة بين الأوائل في وقوع التقدم على أنواعه الخمسة ، فقال ~~طائفة منهم : إنه واقع عليها بالتشكيك (4)، وذلك لأنها اشتركت في معنى ~~واحد ، هو الموضوع له التقدم ، واختلفت فيه بالأولية وعدمها ، وذلك المعنى ~~المشترك ، هو أن المتقدم بما هو متقدم له شيء ليس للمتأخر ، ولا شيء ~~للمتأخر إلا وهو موجود للمتقدم ، ثم هذا التقدم يوجد للمتقدم بالعلية قبل ~~المتقدم بالطبع ، وللمتقدم PageV01P260 # بالطبع قبل سائر [أنحاء] (1) التقدم. # وفيه نظر (2)، فإن المتقدم في الزمان إذا بطل ، ووجد المتأخر بعد بطلانه ~~، فقد حصل للمتأخر زمان لم يحصل للمتقدم ، كما حصل للمتقدم زمان لم يحصل ~~للمتأخر. نعم يجب تقييد قولهم : «ولا شيء للمتأخر ، إلا وهو موجود للمتقدم» ~~بقولنا : بما فيه التقدم. # قيل : المتقدم (3) بالزمان ليس شيء منه أولى منه بالمتأخر مما يقع ~~باعتباره التقدم فإن نسبتهما إلى ms0154 الوجود الزماني واحد. # وفيه نظر ، فإن المتقدم بالزمان وإن لم يكن فيه تفاوت ، لكن لا يخرج مطلق ~~التقدم باعتباره عن التفاوت ، ونحن لا نشترط التفاوت في كل جزئيات المقول ~~بالتشكيك ، فإن البياض يوجد متفاوتا بين مراتب ، كل مرتبة تشتمل على أشخاص ~~متساوية ، ولا يخرج البياض بهذا التساوي عن التفاوت وكونه مقولا بالتشكيك ~~على أفراده. # وقالت طائفة أخرى : إنه واقع عليها بالاشتراك اللفظي بين الجميع وهو خطأ ~~، فإن التقدم بالذات والعلية قد اشتركا في معنى التقدم ، فإن لكل واحد ~~منهما تقدم ذات شيء على ذات آخر. [فإن العلة] (4) سواء كانت تامة أو غير ~~تامة ، يجب أن تتقدم ذاتها و (5) وجودها على المعلول. PageV01P261 # وذهبت طائفة أخرى (1): إلى أن التقدم يقال على البعض بمعنى واحد ، وعلى ~~الباقي بالاشتراك أو التجوز. أما الذي يقع عليه بمعنى واحد ففي التقدم ~~بالذات. وأما الذي يقع عليه بالمجاز فكالتقدم الزماني ، فإن الشيئين إنما ~~يتقدم أحدهما على الآخر بالزمان لأجل تقدم زمان أحدهما على الآخر لا بحسب ~~ذاتيهما وذهب قوم (2): إلى أن التقدم بين أجزاء الزمان بعضها على البعض ~~تقدم (3) طبيعي ، إذ المتقدم علة للمتأخر فيرجع تقدم الشيئين بالزمان إلى ~~التقدم بالطبع ويقال «التقدم» لهما (4) بالمجاز. وكذلك التقدم بالرتبة، فإن ~~بغداد متقدمة على البصرة لا باعتبار ذاتيهما ولا حيزيهما ومكانيهما ، بل ~~باعتبار القاصد من خراسان إلى البصرة فإنه يقصد بغداد أولا ، ومعنى قصده ~~أولا ، أن زمان وصوله إليها قبل زمان وصوله إلى تلك ، فيرجع هذا التقدم إلى ~~التقدم الزماني (5). وأما التقدم بالشرف ، فإنه لا يخلو عن تجوز أو اشتراك ~~، فإن معنى تقدم صاحب الفضيلة وجوب تقدمه في المناصب ، فالفضيلة سبب لتقدمه ~~في المجالس ، وأطلق عليها لفظ التقدم (6) إطلاق اسم المسبب على السبب ، ~~فيكون مجازا من هذه الجهة ، ويرجع إلى التقدم المكاني الذي يرجع إلى ~~الزماني. وإن لم يعتبر (7) هذا المعنى في التقدم الشرفي كان إطلاقه عليه ~~وعلى الذات بالاشتراك (8). PageV01P262 # واعلم أنا إذا جعلنا التقدم واقعا على أصنافه بمعنى واحد ، فلا شك في أنه ~~ليس بجنس لها ، لتفاوتها فيه ms0155 ، بل هو أمر لازم لها (1) وإضافته مجهولة ، ~~يعرف بها اللازم الذي هو التقدم (2). والتقدم إنما يكون بالوجود أو بمعنى ~~ثالث كالزمان والمكان ، فأما المعنى فلا يتقدم في (3) نفسه على آخر ولا يتأخر. # تنبيه : قد عرفت أقسام التقدم وبه تعرف أقسام التأخر. ### ||| ** وأما المعية : # فيقال : معا بالزمان ، ومعا بالطبع إذا كانا متكافئي الوجود كالأخ والأخ ~~، أو لا مع تكافؤ الوجود كجزئي العلم والمعية في الرتبة كنوعي الجنس ~~المتأخرين معا عن طبيعته (4) والمعية في الشرف ظاهر (5). وليس كل شيئين ~~ليس بينهما تقدم وتأخر زماني تثبت المعية الزمانية بينهما ، فإن واجب ~~الوجود لا يتقدم على الحادث بالزمان ، ولا يتأخر عنه ، ولا يصاحبه بالزمان. ~~ويصح أن يكون شيئان معا في الزمان من جميع الوجوه ، دون المكان (6). وفي ~~المعية بالعلية إشكال (7). # ثم انظر ما أفاده صدر المتألهين في الأسفار 3 : 270 271. PageV01P263 ### | النوع الثاني ### | في التقسيم على رأي الأوائل # قال الأوائل (1): كل موجود ، فإما أن يكون واجب الوجود لذاته ، وهو الله ~~تعالى لا غير ، أو يكون ممكنا لذاته ، وهو ما عداه. أما الواجب فسيأتي ~~البحث عنه إن شاء الله تعالى. وأما الممكن فإما أن يكون موجودا في موضوع أو ~~لا. ونعني بالموضوع (2): المحل المستغني عن الحال فيه المقوم له في الوجود ~~، فهو أخص من مطلق المحل الذي حذف (3) فيه قيد الاستغناء والتقويم ، فعدمه ~~يكون أعم من عدم [المحل] (4) فكل موجود في الموضوع فهو موجود في المحل ، ~~وليس كل موجود في المحل يكون موجودا في الموضوع ، فالموجود في الموضوع إذن ~~أخص من الموجود في المحل ، فلهذا جاز في بعض الجواهر أن تكون موجودة في ~~المحل ، ولا تكون موجودة في الموضوع ، وبعضها لا توجد في محل ولا موضوع. ~~وكل عرض فإنه موجود في موضوع. فههنا فصول : PageV01P265 ### ||| ** الفصل الأول : ### | في الجوهر # وفيه مباحث : ### ||| ** البحث الأول : في رسمه # رسم الأوائل (1) الجوهر بأنه الموجود لا في موضوع ، ومعناه : أنه (2) ~~الماهية التي إذا وجدت كانت لا في موضوع ، ولا يراد به الموجود بالفعل ، ~~وإلا لكان الشك في وجود زيد يستلزم الشك في ms0156 جوهريته ، وهو محال ؛ لأنه ~~لذاته جوهر ، PageV01P266 # سواء كان موجودا في الأعيان أو معدوما ، (1) وحينئذ يجب أن يكون وجوده ~~زائدا على ماهيته ومغايرا لها ، فيخرج عن هذا الرسم واجب الوجود تعالى ، ~~لأنه وإن كان موجودا لا في موضوع ، لكنه ليس بجوهر ، لأن وجوده نفس حقيقته ~~وليس زائدا عليها ، فلا يصدق عليه أنه الماهية التي إذا وجدت في الأعيان ~~كانت لا في موضوع. # ومن يجعل وجود واجب الوجود تعالى زائدا على ماهيته يجعله داخلا تحت هذا ~~الرسم، ولا يطلق عليه لفظة الجوهر ، لأن أسماءه تعالى توقيفية ، ويمنع من ~~كون الجوهر جنسا له تعالى ، لاستحالة دخوله تحت الجوهر ، وإلا لكان له فصل ~~فكان مركبا ، وقد بينا أنه يمتنع عليه التركيب (2). # وهذا الجوهر هو أحد المقولات العشر ، وهي أجناس عالية كل واحد منها لا ~~جنس له ، بل تحته أجناس. ### ||| ** البحث الثاني : في أن الجوهر هل هو جنس أم لا؟ # اختلف الأوائل (3) هنا ، فذهب الأكثر منهم إلى أن الجوهر جنس عال لكل ما ~~يندرج تحته اندراج النوع. ومنع آخرون (4) منه. # احتج الأولون : بأن خواص الجنس موجودة فيه ؛ لامتناع بقاء كل ما يقال ~~عليه الجوهر مع رفعه عنه ومقوليته على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو PageV01P267 # بالسوية. وهو ضعيف ، لعدم دليل يدل على مقوليته بالسوية على أفراده وكونه ~~ذاتيا وكمال الذاتي المشترك. واستلزام رفعه رفع ما جعل نوعا لا يدل على ~~الذاتية ، لأن بعض العوارض كذلك (1). # احتج الآخرون بوجوه (2). ### |||| ** الأول : جعلتم الجوهر هو الموجود لا في موضوع ، والموجود من العوارض لكل ما يصدق ~~عليه لا من المقومات. وتقييده بأنه لا في موضوع ليس بفصل ، لأنه أمر عدمي ، ~~فلا يكون جزءا لغيره. ### |||| ** الثاني : لو كان الجوهر جنسا لما تحته لزم التسلسل ، ودخول الجنس في طبيعة الفصل ، ~~والتاليان باطلان ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أنه لو كان جنسا لوجب أن يكون له فصل يقومه ، ومقوم ~~الجوهر جوهر ، فيكون الفصل جوهرا فيدخل الجنس في طبيعة الفصل وهو محال ، ~~وافتقر الفصل في امتيازه عن غيره من الجواهر إلى فصل آخر ms0157 فيتسلسل. ### |||| ** الثالث : الجوهر إذا قيل على ماهية ما ، فإن كانت تلك الماهية بسيطة لم يكن الجوهر ~~جنسا ، لأن كل ما اندرج تحت الجنس فإنه مركب ، ولا شيء من البسيط بمركب. ~~وإن كانت مركبة فبسائطها (3) إن كانت جواهر ، لم يكن الجوهر جنسا لها ، ~~وإلا كانت مركبة لا بسيطة ، وإن لم تكن جواهر كانت أعراضا ، فكان الجوهر ~~متقوما بالأعراض ، هذا خلف. ### |||| ** الرابع : إذا قلنا للجسم : إنه جوهر. فهناك أمور أربعة : PageV01P268 # الأمر الأول : الماهية التي صدق عليها الاستغناء عن الموضوع. # والأمر الثاني : الاستغناء عن الموضوع. # والأمر الثالث : مجموع الماهية مع هذا العارض. # والأمر الرابع : كون الماهية علة لهذا الاستغناء بشرط الوجود (1). # والأول ليس بجنس ، لاحتمال أن تكون المشتركات في هذه (2) العلية أمورا ~~مختلفة في الماهية ، فإن الماهيات المختلفة يلزمها لازم واحد ، وتشترك في ~~أوصاف كثيرة ، ثبوتية وعدمية ، مع اختلافها بالحقيقة ، فجاز اختلاف ~~الماهيات التي يصدق عليها وصف الاستغناء. # ولا الثاني ، لكونه سلبيا فلا يجوز أن يكون جزءا من الماهيات المحصلة ~~الوجودية في الأعيان. # ولا الثالث ، لأن هذا العارض سلبي فلا يكون جزءا من الجنس الذي هو جزء ~~الوجودي. # ولا الرابع ، لأن كون الماهية علة لذلك الاستغناء بشرط الوجود حكم من ~~أحكام الماهية يلحقها بعد تمام حقيقتها ، فإن الشيء ما لم تتحقق ماهيته ~~استحال أن تصير ماهيته علة لشيء. ولأن كون الماهية علة لهذا الوصف ، يستحيل ~~أن يكون أمرا ثبوتيا زائدا عليها ، وإلا لزم التسلسل. ومع جوازه فالمقصود ~~حاصل ، لأن الماهية بما هي ، إن لم تقتض شيئا كان ذلك إخراجا للماهية عن ~~العلية. وإن اقتضت فلا متوسط (3)، وإلا لكان المقتضي المتوسط لا الماهية. ~~فإذن كون الماهية علة للاستغناء يمتنع أن يكون وصفا ثبوتيا فضلا عن أن يكون ~~معنى جنسيا. PageV01P269 ### |||| ** الخامس : لو كان الجوهر جنسا لكانت النفوس والعقول مركبات ، فيكون العقل الصادر عن ~~المبدأ الأول ابتداء مركبا ، والمبدأ واحد ، (1) فلا يصدر عنه أكثر من واحد. ### |||| ** السادس : الجنس مقول على ما تحته بالتواطؤ ، والجوهر ليس كذلك فلا يكون الجوهر جنسا. ~~والمقدمة الأولى مسلمة. وبيان الثانية : أن ms0158 الجواهر المفارقة أولى ~~بالجوهرية والاستغناء عن الموضوع من الأجسام ، وهي أولى بالجوهرية من ~~الهيولى (2). ### |||| ** السابع : النفس الإنسانية جوهر مجرد مفارق للمادة على ما يأتي ، وهي عالمة بنفسها ، ~~وعلمها بنفسها لا يمكن أن يكون مكتسبا ، والحكماء اتفقوا عليه ، بل جعلوا ~~(3) علمها بذاتها نفس ذاتها ، فكان يجب أن يكون العلم بجوهريتها حاصلا لها ~~دائما أوليا ، ومعلوم أن الأمر بخلاف ذلك. # لا يقال : علم الإنسان بوجود ذاته غير مكتسب ، فجاز أن يكون علمه بماهية ~~نفسه مكتسبا ، والجوهرية إنما تقوم ماهية النفس لا وجودها ، وإذا كان علمها ~~بماهيتها مكتسبا جاز أن يكون العلم بجوهريتها مكتسبا. # لأنا نقول : هذا لا يتأتى (4) على رأي الحكماء ، لأنهم اتفقوا على أن علم ~~الإنسان بنفسه هو نفس نفسه ، إذ لو كان زائدا على نفسه لوجب أن تحل في نفسه ~~صورة مساوية لنفسه فيجتمع المثلان. وإذا كان كذلك وجب أن يكون علمه بذاته ~~هو نفس حضور ذاته لذاته ، فعلم الإنسان بحقيقته يجب أن يكون حاضرا أبدا ، ~~ويرد الإشكال (5). PageV01P270 # واعترض على الأول : بأن الوجود لا في موضوع لازم من لوازم الجنس ، ولازم ~~الجنس ليس جنسا ، فلا يلزم من إبطال كونه جنسا إبطال كون الجوهر الذي هو ~~ملزومه جنسا. # وفي الثاني نظر ؛ لأنا نمنع الملازمة بين المقدم والتاليين ، وإنما يثبت ~~لو كان قول الجوهر على الفصول قول الأجناس ، أما إذا كان قول اللوازم فلا ~~(1). ولا امتناع في كون الجنس جنسا لشيء ولازما لغيره ، بل من الواجب ذلك. ~~وكون فصل الجوهر ومقومه يجب أن يكون جوهرا ، لا يقتضي كون الجوهر داخلا في ~~ماهيته ، بل أعم من ذلك وهو مطلق الصدق عليه. # وفي الثالث نظر ؛ لأن كون البسيط الذي يقال عليه الجوهر بسيطا ، لا يخرج ~~الجوهر عن جنسيته (2) للمركبات وصدقه على البسائط. وكون البسيط غير داخل ~~تحت مقولة الجوهر ، لا يوجب كونه عرضا ولا تقوم المركب الذي هو الجوهر من ~~الأعراض. # وفي الرابع نظر ؛ فإن القدر الذي يعلم به اتصاف الماهيات آت هنا ، فإن تم ~~، وإلا بطل في الجميع. # وفي الخامس نظر ؛ فإن هذه ms0159 الأمور لو ثبتت لاستندت إلى القادر المختار عندنا. # سلمنا ، لكن الجنس كالمادة ، وفصولها كالصورة ، ولها تقدم فجاز صدورها أولا. # وفي السادس نظر ؛ للمنع من الأولوية في الجواهر المجردة. PageV01P271 # وفي السابع نظر ؛ بمنع دوام تعقل الجزء ، فإن الإنسان قد يغفل أحيانا عن ~~ذاتياته ولوازمه. # سلمنا ، لكن إنما يلزم من العلم بالمركب ، العلم بذاتياته لو عرفنا ~~المركب معرفة تفصيلية ، أما لو علمناها بوجه صادق عليها فلا ، والنفس إنما ~~تعلم باعتبار عارض عرض لها ، وهو كونها مدبرة للبدن ، فلهذا جهلنا ~~جوهريتها. ### ||| ** البحث الثالث : في أن كليات الجواهر جواهر # قد عرفت أن الكلي : هو الذي لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه ، ~~وهذا المعنى متحقق في الجوهر بأقسامه الخمسة. وقد عرفت أن الكلية لا تخرج ~~الماهية الصادقة عليها عن حقيقتها ، وإلا لكانت الماهية مقتضية للجزئية ، ~~وقد عرفت بطلانه. ولأنه لو اقتضت الجزئية ، فإما جزئية معينة فلا تصدق ~~الحقيقة على غير ذلك الجزئي ، فكل ماهية منحصرة النوع في شخص واحد ، وهو ~~محال ، أو غير معينة وهو أيضا كلي ، فقد قارنت الماهية الكلية ، فلا منافاة ~~بينهما ، فكما أن الجزئيات من الجوهر جواهر كذا الكليات. # وأيضا الجوهر هو الماهية التي إذا وجدت في الخارج كانت لا في موضوع ، ليس ~~أنه الموجود في الخارج لا في موضوع ، والصور الكلية الذهنية المطلقة ~~المطابقة للجواهر لها ماهيات ، وتلك الماهيات يصدق عليها أنها لو كانت في ~~الأعيان كانت لا في موضوع ، فكليات الجواهر جواهر لصدق حد الجوهر عليها ، ~~وإن لم تكن الآن موجودة في الخارج ، إذ ليس هذا القيد معتبرا في حقيقة ~~الجوهر. # وأيضا كليات الجواهر تحمل على الجزئيات (1) منها ، حمل المواطاة ، أعني PageV01P272 # حمل هو هو ، ولا شيء من الأعراض يحمل على الجوهر حمل هو هو ، فكليات ~~الجواهر ليست بأعراض ، فهي جواهر. وأيضا لو كانت جزئيات الماهية إنما تصير ~~جوهرا عند وجودها في الأعيان ، ووجودها في الأعيان أمر عرضي ، لزم أن يكون ~~عروض العارض للماهية سببا لثبوت وصف ذاتي له ، وهو محال ، ولكان زوال ذلك ~~العارض سببا لزوال الأمر ms0160 الذاتي ، وهو محال. فإذن الجواهر الكلية جواهر. # وأيضا جوهرية الشخص إن كانت لأنه (1) ذلك الشخص ، وجب أن يكون ما عداه ~~غير جوهر ، وإن لم تكن لشخصيته ، بل لماهيته ، وجب أن تكون تلك الماهية ~~جوهرا كيفما كان. # قيل عليه (2): لا يلزم من كون شخصية معينة علة لجوهرية ذلك الشخص انتفاء ~~جوهرية ما عداه ، لإمكان اسناد المعلول الواحد بالنوع إلى علل كثيرة. # والتحقيق أن نقول : إن عني بقولنا : كليات الجواهر جواهر ، الجوهر المقيد ~~بقيد الكلية وهو الكلي العقلي فلا شك في أنه ليس بجوهر. أما أولا ؛ لأنه ~~عرض قائم بالنفس فيستحيل صدق الجوهر عليه ، وكون مطابقه بوجه ما جوهرا لا ~~يستلزم جوهريته. وأما ثانيا ؛ فلأن الكلية أخذت قيدا فيها وهي من ~~الاعتبارات العقلية المأخوذة بالقياس إلى الغير فلا يجوز أن يكون جزءا من ~~المستقل بذاته الغني عن ملاحظة الغير في تصور ماهيته. # وإن عني به : الكلي الطبيعي وهو نفس حقيقة الجوهر ، فإنها جوهر ، ضرورة ~~امتناع كون الشيء ليس نفس ذلك الشيء. PageV01P273 ### ||| ** البحث الرابع : في أن الجزئيات أولى بالجوهرية من الكليات # لما وجد الأوائل الخواص والكمالات التي للجوهرية في الجزئيات أكثر منها ~~في الكليات، حكموا بأن الجوهرية للجزئيات أولى منها للكليات وإن لم تكن ~~قبلها (1)، فإنه ليس الجوهر للجزئيات قبل الكليات ، كما أن الوجود للواجب ~~قبل الممكن ، لكن لما كانت اللواحق والكمالات العارضة للجوهر لما هو هو في ~~الجزئيات أكثر ، كان قوله عليها أولى. وبيانه من وجوه : # الوجه الأول : أن الاستغناء من جملة كمالات الجوهر وخواصه ، والكلي من ~~الجواهر محتاج إلى الشخص ، فإن الكلي إنما يوجد لو كان الشخص موجودا ، لأنه ~~إنما يوجد في ضمنه ، فاحتاج في الوجود إليه. والشخص غني عن الكلي ، لأن ~~الكلي هو المقول على كثيرين ، ولو احتاج الشخص إلى الكلي لاحتاج إلى الشخص ~~الآخر بحيث يوجد معه ، ليكون الكلي مقولا عليهما (2). # وفيه نظر ، فإن الكلي إن أريد به هنا العقلي لم يكن جوهرا. فلا يقال : إن ~~الجوهرية للجزئي أولى منه ، وإن أريد به الكلي الطبيعي ، لم يتم لأنه جزء ms0161 ~~الشخص ، وجزء الشخص مستغن عنه والشخص محتاج إليه ، فكانت الجوهرية للكلي ~~أولى منه للشخص ، ولأن الكلي الطبيعي لا يحتاج في مقوليته على الشخص إلى ~~شخص آخر ، بل ذلك في الكلي العقلي الذي يمتنع أن يكون شخصا واحدا. # الوجه الثاني : تقدمه بحسب استقرار (3) الأمر المعتبر في الجوهرية وهو ~~الوجود لا في موضوع ، فإن الجوهرية هو كون الماهية بحيث إذا وجدت كانت لا ~~في موضوع ، وأشخاص الجوهر قد ثبت لها ذلك بالفعل ، وأما في كلياتها فإنه منتظر PageV01P274 # لها ، لم يحصل لها بعد ذلك. # وفيه نظر ؛ فإنهم قد صرحوا بأن المراد بالموجود هنا ليس الموجود بالفعل ، ~~بل الماهية التي لو وجدت كانت لا في موضوع ، وهذا المعنى ثابت بالفعل ~~للكليات كما ثبت للأشخاص ، بل هو للكليات أسبق ، لأنه قد ثبت : أن كل معنى ~~ثبت لكلي من جزئي ، فإنه ثابت أولا للكلي وبالذات ، وثانيا للجزئي وبالعرض. # الوجه الثالث : من حيث القصد إلى التكوين ، فإنه متوجه بالذات إلى صيرورة ~~النوع شخصا ، ليمكن أن يحصل في الأعيان. # وفيه نظر ؛ فإن القصد بالذات في التكوين إنما يتوجه إلى الطبائع النوعية ~~لا إلى الشخص المنقطع ، بل إلى الطبيعة النوعية المستمر وجودها في ضمن ~~الجزئيات بتلاحقها (1)، فالجزئيات مقصودة (2) بالقصد الثاني. # الوجه الرابع : السبق إلى التسمية ، لأن أول شيء عرف أنه لا في موضوع هو ~~الأشخاص الجزئية. # وفيه نظر ؛ فإن الطبيعة النوعية أسبق من الشخص في الوجودين ، فهي أسبق ~~بالتسمية. # واعلم أن الأنواع أولى بالجوهرية من الأجناس لقربها من الأشخاص وبعد ~~الأجناس عنها ، ولأنها أشد مشاركة للأشخاص من الأجناس ، فنسبة الجنس إلى ~~النوع كنسبة النوع إلى الشخص ، فلهذا كانت الأجناس ، الجواهر الثالثة (3). ~~وأيضا الجواهر العقلية الجزئية أولى بالجوهرية من الأشخاص الجوهرية ~~المحسوسة ، لأن تلك أسباب لهذه ، والسبب مستغن عن مسببه ، فكان معنى ~~الاستغناء الذي هو معتبر في الجوهرية لها أتم. وقد قدمنا المنع من ذلك. PageV01P275 # قالوا : الفصول المنطقية للجواهر جواهر كالناطق لأنها محمولة على الأنواع ~~حمل على (1). وأما الفصول البسيطة كالنطق ، فإنها جواهر أيضا ، لأنه جزء ~~من الناطق المحمول حمل ms0162 على ، وجزء الجوهر جوهر. واعترض بالبياض الذي هو جزء ~~الأبيض المحمول على الجوهر حمل على. ### ||| ** البحث الخامس : في أن الجوهر مقصود إليه بالإشارة (2) # الإشارة : دلالة حسية أو عقلية إلى الشيء بحيث (3) لا يشركه فيها غيره ، ~~والإشارة الحسية تتوقف على تشخص المشار إليه ، وهي تتناول الجوهر بالذات ~~(4)، والإشارة إلى الأعراض إنما تكون بعد تميزها ، وتميزها على ما تقدم ~~معلول المادة ، فإذن الإشارة إليها بعد الإشارة إلى تلك المادة (5). # وفيه نظر ؛ فإن هذا بعينه وارد في الصورة والمادة ، لأن الصورة علة ~~فاعلية في تشخص المادة ، والمادة علة قابلية في تشخص الصورة ، بل وفي الجسم ~~أيضا ، فإنه إنما يتشخص بالأعراض المادية كأين معين ووضع معين وكيف وكم ~~معينين. والإشارة الحسية إلى الأمور الكلية من الجواهر والأعراض غير ممكنة ~~، فإن الحس لا يدرك الكلي ، بل الجزئي فكيف يمكنه الإشارة إليه؟ وأما ~~الإشارة العقلية فلا تتناول الشخصية من الجواهر والأعراض أيضا ، إلا من جهة ~~العلم بأسبابها ، والشيء إذا عرف بسببه كان كليا. (6) وأيضا الكلي لا يمكن ~~الإشارة إليه لإمكان PageV01P276 # وقوع الشركة فيه بين الجواهر والأعراض ، والإشارة تنافي ذلك ، بل تصور ~~الجوهر الكلي ممكن من غير اعتبار حلول عرض ما فيه (1). وأما العرض فلا ~~يمكن تصوره إلا قائما بالجوهر، فإن عني بتناول الإشارة بالذات للجواهر هذا ~~المعنى صح ، وإلا فلا. ### ||| ** البحث السادس : في أن الجوهر هو القابل للأضداد على سبيل الاستقلال # اعلم أن الجوهر هو الذي يقبل الأضداد غير الإضافية ، لاستحالته في ذاته ~~بالذات ، لا على سبيل التبعية. (2) وذلك بخلاف الظن والقول ، فإنهما ~~يتغيران عن الصدق إلى الكذب وبالعكس لا لذاتيهما ، بل تبعا لتغير المظنون ~~والمخبر عنه فإذا ظن أن زيدا في الدار، أو حكم بذلك وكان زيد فيها ، كان ~~الظن والقول صادقين ، فإذا خرج زيد عنها واستمر الظن والحكم تغيرا عن الصدق ~~وكانا كاذبين ، ومع ذلك فلا يتغير ذات الظن والقول ، وإنما تتغير نسبتهما ~~وإضافتهما. أما الجواهر فإنها تقبل الأضداد كالسواد والبياض ، لاستحالتها ~~في نفسها. وهذه الخاصية غير ثابتة في الجواهر العقلية ، لبعدها عن التغير ms0163 ~~عندهم ، وهو ممنوع. ولا في الجواهر الكلية ، لأن الكلي يشتمل على كل شخص ، ~~ولا يصدق أن كل شخص أسود أو أبيض. # لا يقال : العرض الكلي كاللون يقبل الضدين ، وهما السوادية والبياضية. # لأنا نقول : اللون الذي هو حصة (3) السواد يمتنع أن يبقى عند زوال ~~السوادية عنه ، لأن الفصل علة للحصة ، فإذا عدم عدمت ، فلا يمكن أن يتصف PageV01P277 # بعد زوال فصل السواد عنه بفصل البياض. نعم قد يقال : اللون يقبل الضدين ~~بنوع من المجاز، إما باعتبار انقسامه إليهما فيكون بعضه بياضا وبعضه سوادا ~~، أو باعتبار تجرده في الوهم عن الفصلين ، فيكون من حيث هو لون مطلق قابلا ~~لأي الفصلين كان ، وليس كلامنا في الأمور الوهمية ، بل في الأمور المحصلة ~~في الخارج ، هل يوجد شيء محصل في الخارج يقبل الضدين؟ # ولو كان اللون يقبل السوادية تارة والبياضية أخرى لما كان سوادا وبياضا ، ~~بل كان مسودا ومبيضا ، وهذا باطل (1). ### ||| ** البحث السابع : في أن الجوهر لا ضد له (2) # الضدان عند الأوائل : هما الذاتان الوجوديتان المتعاقبتان على موضوع واحد ~~وبينهما غاية الخلاف. وحينئذ يكون الحكم بامتناع التضاد عليه ظاهرا ، لأن ~~التضاد إنما يتحقق فيما يوجد في الموضوع بحيث يتعاقب ضده عليه ، ولما كان ~~الجوهر هو الموجود لا في موضوع ، امتنع وقوع التضاد فيه. وقد يعنى بالضدين ~~المتعاقبان على محل واحد (3)، ولا يشترط الموضوع ، فيصح وقوع التضاد فيه ~~حينئذ ، لأن الصور الجوهرية للعناصر تتعاقب على محل واحد هو المادة ، ~~وبينهما غاية الخلاف ، لكن ذلك خارج عن مصطلح القوم. وبالجملة فالنزاع لفظي (4). PageV01P278 ### ||| ** الفصل الثاني : ### | في العرض # وفيه مباحث : ### ||| ** البحث الأول : في تعريفه # قد عرفت فيما تقدم أن العرض هو الموجود في موضوع عند الأوائل ، ورسموه ~~أيضا بأنه الموجود في شيء غير متقوم به لا كجزء منه ، ولا يصح قوامه دون ما ~~هو فيه (1). فهذه قيود أربعة : ### |||| ** الأول : قولنا في شيء ، ولفظة «في» يقال بالاشتراك أو التشابه على معان كثيرة ، ~~فيقال للشيء : إنه في الزمان ، أو في المكان ، أو في العرض ، أو في الغاية ~~، أو في الكل ، أو في ms0164 الجزء. ومرادنا هاهنا أن يكون الشيء مختصا بشيء آخر ~~ويكون ساريا فيه ، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما هي الإشارة إلى الآخر ~~تقديرا أو تحقيقا ، ويكون ناعتا له فيسمى الناعت حالا والمنعوت محلا ، فيجب ~~التغاير PageV01P279 # بينهما واحتياج أحدهما إلى صاحبه ، وإلا لاستغنى كل منهما عن الآخر ، فلا ~~يتحقق الحلول. فإن كان الحال سببا لوجود المحل سمي ذلك المحل هيولى (1)، ~~والحال فيه صورة ، وهما جوهران. وإن كان المحل سببا لوجود الحال ومقوما له ~~، فالمحل يسمى موضوعا ، والحال فيه يسمى عرضا. وقد اشتركت الهيولى والموضوع ~~في مطلق المحل ، والعرض والصورة في مطلق الحال (2)، فالجوهر إن كان محلا ~~فهو الهيولى والمادة ، وإن كان حالا فهو الصورة ، وإن كان مركبا منهما فهو ~~الجسم ، وإن لم يكن حالا ولا محلا ولا مركبا منهما ، بل كان مجردا فإن تعلق ~~بالبدن تعلق التدبير سمي نفسا ، وإن لم يتعلق به البتة سمي عقلا ، فهذه ~~الخمسة هي أقسام الجوهر (3). # وقولنا في شيء ، لأن العرض الواحد يمتنع أن يوجد في أشياء ، بل لا يوجد ~~إلا في شيء واحد. # لا يقال : هذا ينتقض بالعدد ، فإنه عرض موجود في أشياء كثيرة ، وكذا ~~الكلية والإضافة ، فإنها إنما توجد في المضافين. # لأنا نقول : لا يشترط في وحدة موضوع العرض الوحدة المطلقة من كل وجه ، بل ~~من الجهة التي هو بها موضوعه وإن كان فيه كثرة أخرى باعتبار آخر ، فموضوع ~~العشرية ليس موضوعا لها من حيث هي أمور ، حتى تكون العشرية حاصلة لكل واحد ~~من تلك الأمور ، بل حصل لتلك الأمور هيئة اجتماعية صارت باعتبارها مجموعا ~~واحدا ، فصح بهذا الاعتبار أن يكون موضوعا للعشرية. لكن الإشكال في العشرية ~~عائد في المجموعية والهيئة الاجتماعية والوحدة. وليس هنا إضافة واحدة توجد ~~في المضافين على ما يأتي (4). PageV01P280 # والوجه في الجواب : أن نقول : العشرية ليست من الأمور الخارجية ، بل هي ~~أمر ذهني يلحقه الذهن بالآحاد إذا اعتبر ضم بعضها إلى بعض وكذا المجموعية ~~والكلية. # قيل : الكل بما هو كل موجود في الأجزاء لا في آحادها ، بل في مجموعها ، ~~والمجموع من ms0165 حيث هو ذلك المجموع أمر واحد ، فالكل من حيث هو كل موجود في ~~شيء لا في أشياء فيكون الكل عرضا. # وأجيب : بأن نسبة الكل إلى (1) الأجزاء ليس إلى كل واحد ، وإلا لكان كل ~~واحد من الكل كلا ، ولا إلى مجموع الأجزاء ، لأنه نفس المجموع. # ووجود الكلي في جزئياته كالحيوان الموجود في أنواعه ، والنوع في أشخاصه ، ~~ليس وجودا في شيء ، بل في أشياء فلا يكون عرضا. ### |||| ** الثاني : قولنا : «غير متقوم به» احترزنا به عن الصورة في المادة ، فإن المادة ~~متقومة بها فليست الصورة عرضا. ### |||| ** الثالث : قولنا : «لا كجزء منه» احترزنا به عن وجود الكل في الجزء ، ووجود الجنس في ~~النوع والنوع في الشخص وكل من الصورة والمادة في المركب ، فإن هذه كلها ~~موجودة في أشياء هي أجزاء لها. وكذا وجود النوع في عموم الجنس ، فإن النوع ~~جزء من عموم الجنس ، فيكون النوع الموجود في الجنس موجودا في جزء منه. ### |||| ** الرابع : قولنا : «ولا يصح قوامه دون ما هو فيه» نريد به : أنه يمتنع وجود ذلك الشخص ~~بما هو ذلك الشخص إلا في ذلك المحل المعين ، فإن كان هذا الامتناع ليس ~~لوجود ذلك (2) الخاص ، بل لأمر آخر عرض له في ابتداء تكونه ، PageV01P281 # فصار لأجله بحيث يمتنع انفكاكه عما هو فيه ، فذلك لا يوجب كونه عرضا. ~~وبهذا يقع الفرق بين وجود العرض في الموضوع ، ووجود الجسم في المكان ، أو ~~في الزمان ، أو في العرض ، وكون الشيء في غايته كالإنسان في السعادة ، وكون ~~المادة في الصورة ، فإن الجسم قد يفارق مكانه وزمانه وعرضه وغايته ، مع ~~بقاء جسميته (1) وإنسانيته. وكذا المادة قد تفارق بعض صورها مع بقاء وجودها ~~متقومة بحسب صورة وصورة. # لا يقال : الجسم لا يفارق المكان والزمان المطلقين ، ولا العرض المطلق ، ~~فأي فارق بينه وبين العرض؟ # لأنا نقول : معنى قولنا ولا يمكن مفارقته عما هو فيه هو أن الشخص من ~~العرض بشخصيته يقتضي ذلك المحل ، بخلاف وجود الجسم في الزمان والمكان ~~المطلقين ، فإن الأمور الكلية لا وجود لها في الخارج ، فيمتنع وجود الجسم ~~فيها ms0166 (2) في الخارج ، وكلامنا في كون العرض في الموضوع وجودا خارجيا لا ذهنيا. # لا يقال : الأجسام الإبداعية يمتنع عليها مفارقة أمكنتها الخاصة ، فتكون ~~أعراضا. # لأنا نقول : هذا محال عندنا ، ولا جسم إبداعي في الوجود ، ولا جسم يمتنع ~~مفارقته لمكانه. وأما على رأي القوم فإنهم يفرقون : بأن الأعراض تتشخص ~~بموضوعاتها المعينة ، والإبداعيات لا تتشخص بحصولها في تلك الأحياز ، فإن ~~نوعها في شخصها ، فسبب تشخصها طبيعة نوعها ، ثم يتبع شخصها حصولها في تلك ~~الأحياز. # لا يقال : مادة الفلك موجودة في صورته ، والصورة متحصلة القوام ، PageV01P282 # وليست جزءا منها ، ولا يصح قوام تلك المادة دون ما هي فيه ، أعني تلك ~~الصورة. # لأنا نقول : ليست المادة في الصورة بمعنى صفة العرض بالنسبة إلى الجسم ، ~~لأن هذه صفة ناعتة بخلاف تلك ، فإن المادة لا تكون ناعتة للصورة (1) ~~ومقصودنا هذه الصفة. ### ||| ** البحث الثاني : في أن العرض ليس بجنس # اتفقت كلمة العقلاء من المتكلمين والحكماء على ذلك ، فإن أطلقوا عليه ~~لفظة الجنس ، لا باعتبار المعنى ، بل باعتبار عارض صادق على كثيرين. ويدل ~~عليه وجوه (2): ### |||| ** الوجه الأول : أنا نتصور الأعراض الجزئية كالسواد والبياض والسطح والخط وغيرها ، ونشك في ~~عرضيتها ، فلا تكون العرضية مقوما ، لامتناع تصور الشيء بدون تصور مقوماته. # وفيه نظر ؛ لأنا نمنع تصور الأعراض الجزئية بحقائقها ، بل ببعض عوارضها ~~ولوازمها ، فلا يجب تصور مقوماتها حينئذ. # لا يقال : لا نعني بالسواد إلا الهيئة التي أدركناها وعرفناها. # لأنا نقول : نحن نسلم أنكم أدركتم هيئة وسميتموها سوادا ، فلم قلتم : إن ~~تلك الهيئة المدركة هي حقيقة السواد في نفس الأمر؟ فإن ذلك لا يستفاد من ~~العناية والتفسير. PageV01P283 # قيل : الشك في عرضية هذه الأشياء بعينه ، شك في الجوهرية ، فإن اقتضى هذا ~~الدليل خروج العرض عن الجنسية ، اقتضى خروج الجوهر (1) عنها ، فيلزم أن لا ~~يكون الجوهر جنسا. # وفيه نظر ؛ فإنا نلتزم أن الجوهر ليس جنسا لهذه الأعراض. وما ذكرتموه ~~إنما يقتضي نفي كون الجوهر جنسا لهذه الأعراض خاصة ، لا للجواهر ، وذلك ~~مسلم لا شك فيه. ### |||| ** الوجه الثاني : معنى كون السواد عرضا ليس إلا نسبته بالحلول ms0167 في الموضوع ، والجنس إنما ~~يستند إلى أمر داخل في الذات ، لا إلى نسب عارضة للذات. # وفيه نظر ؛ فإنه جاز أن يكون ذلك لازما للعرض لا نفس العرض ، كما أن ~~الموجود لا في موضوع أمر لازم للجوهر وعارض له ، وبهذا أبطلتم طعن من منع ~~كون الجوهر جنسا. ### |||| ** الوجه الثالث : العرضية مقولة على ما تحتها بالتشكيك ، والجنس غير مقول على ما تحته ~~بالتشكيك. والكبرى ظاهرة ، وبيان الصغرى : أن تعلق بعض الأعراض بالموضوع ~~أكثر (2) من تعلق بعض ، فإن الإضافات والنسب أشد حاجة إلى الموضوع من ~~البعض. (3) # اعترض بأن الحكماء قالوا : إن بعض الجواهر قبل البعض ، ولكن ذلك التقدم ~~لما كان في الوجود لا في الجوهرية لم يلزم اخراج الجوهر عن أن يكون جنسا ، ~~وكذلك بعض الأعداد وإن كان متقدما على البعض ، لكن ذلك التقدم في الوجود PageV01P284 # لا في معنى العددية (1)، فلا يقتضي خروج العدد عن الجنسية لأنواعه ، ~~فكذلك هنا جاز أن يقال : الأعراض متساوية في حمل العرضية عليها ، والتفاوت ~~الذي ذكرتموه عائد إلى وجوداتها ، فلا تكون مقولية العرض على أنواعه ~~بالتشكيك. # وأجيب : بأن هذا إنما يلزم ، لو كان للعرضية مفهوم آخر سوى كونه موجودا ~~في الموضوع ، وأما إذا لم يكن للعرضية معنى سوى وجوده في الموضوع ، فمتى ~~وقع التفاوت فيه فقد وقع في نفس مفهوم العرضية. # اعترض : بأنه ليس من شرط كون العرض عرضا ، أن يكون موجودا في الخارج ~~ويكون مع (2) ذلك في موضوع ، بل من شرطه أن يكون بحيث لو وجد في الخارج كان ~~في موضوع ، كما قيل في الجوهر : أنه الذي إذا وجد كان غنيا عن الموضوع ، لا ~~الموجود في الخارج بالفعل لا في موضوع. فعلى هذا يكون كون العرض عرضا ~~مغايرا لوجوده ، ويعود الإشكال. ### ||| ** البحث الثالث : في استحالة الانتقال على الأعراض (3) # اعلم أن المتكلمين والحكماء اتفقوا على استحالة الانتقال على الأعراض ، ~~واحتجوا عليه بوجوه : ### |||| ** الأول : المعقول من الانتقال : هو الحصول في حيز بعد الحصول في حيز آخر ، وذلك إنما ~~يعقل في المتحيز. PageV01P285 # وفيه نظر ؛ فإنه إن كان المراد بهذا التفسير ms0168 الحصول في حيز بالذات بعد ~~الحصول في حيز آخر بالذات فهو مسلم ، فإن نفي الانتقال بهذا المعنى عن ~~الأعراض ضروري ، لأن العرض لا يحصل في الحيز إلا تبعا لحصول محله فيه ، ولا ~~يعقل فيه التحيز بالذات ، لكن النزاع ليس في ذلك ، بل في مطلق الانتقال ~~سواء كان بالذات حاصلا في الحيز الأول أو بالعرض. وليس المقصود من نفي ~~الانتقال إلا امتناع انتقال العرض من محل إلى محل آخر وهذا الدليل لا يعطيه. ### |||| ** الثاني : العرض إما أن يكون غنيا عن الموضوع ، أو يكون محتاجا إليه ، فإن كان غنيا ~~عن الموضوع ، امتنع أن يعرض له ما يصيره محتاجا إلى الموضوع ، فإن الغني ~~بذاته عن الشيء يستحيل أن يصير محتاجا إليه باعتبار عارض يعرض له. وإن كان ~~محتاجا فلا يخلو : إما أن يكون محتاجا إلى موضوع معين ، أو غير معين ~~والثاني محال ، لأن الشيء المعين لا يقتضي أي شيء كان ، فإذن لا بد له من ~~موضوع معين ، فإذن خصوصيته متعلقة بذلك الموضوع ، فإذن يمتنع أن يفارق ذلك ~~الموضوع. # اعترض : بجواز كونه غنيا عن المحل لذاته. # قوله : «فحينئذ لا (1) يعرض له ما يحوجه إليه». # قلنا : العرض لا يصدق عليه أنه يجب أن لا يكون في المحل حتى يكون ذلك ~~منافيا لحصوله في المحل بسبب منفصل ، بل يصدق عليه أنه بالنظر إلى ذاته لا ~~يجب أن يكون في المحل ، وهذا لا ينافيه الحصول في المحل لسبب منفصل. # وفيه نظر ؛ لأن الحلول يستدعي حاجة الحال إلى المحل بالضرورة ، ويمتنع أن ~~تكون الحاجة عارضة بسبب أمر خارج ؛ لأنه يكون منافيا لمقتضى الذات. PageV01P286 # وبأن (1) هذا يبطل بالجسم المعين ، فإنه لا بد وأن يكون له حيز معين ووضع ~~معين ، ومع ذلك فإنه لا يقتضي وضعا (2) معينا شخصيا ولا حيزا معينا شخصيا ~~بحيث يمتنع انتقاله (3) عنه. # وأيضا المادة محتاجة إلى صورة ما ، لا إلى صورة معينة ، بل إلى أي صورة ~~كانت ، فجاز أن يكون العرض كذلك. # وأيضا العرض الواحد بالشخص مفتقر إلى موضوع واحد بالنوع ، والواحد بالنوع ~~معين في نفسه ms0169 ، متخصص في طبيعة نوعه ، غير مبهم ، ولا يحتاج إلى المحل ~~الواحد بالشخص ، فحاجة العرض الواحد بالشخص إنما هو إلى المحل الواحد ~~بالنوع وإن كان مبهما من حيث التشخص غير متعين فيه ، إلا أن التعين الشخصي ~~في الموضوع غير محتاج إليه ، فأمكن أن يفارق محله إلى آخر من نوعه ، كما ~~يمكن ذلك في الجسم. # وأيضا النفس تحتاج في حدوثها إلى مادة معينة ، ثم إنها تفارق تلك المادة ~~مع بقاء النفس ، ولا تعدم النفس بسبب مفارقة ما احتاجت إلى شخصه ، فلم لا ~~يجوز مثله في العرض؟ ### |||| ** الثالث : تشخص كل عرض زائد على ماهيته على ما تقدم (4)، فإن كانت علته ماهية العرض ~~كان نوعه منحصرا في شخصه ، وكذا إن كانت علته لازما من لوازمه ، ولأنه (5) ~~كان يستغني عن جميع الموضوعات ويكون قائما بذاته ، لاستغنائه PageV01P287 # في تعينه بذاته عن كل موضوع ، فوجب أن تكون الشخصية مستندة إلى علة من خارج. # فنقول : إن كانت العلة محله امتنعت مفارقته عنه ، وهو المطلوب ، وإن كانت ~~حالة فيه لزم استغناؤه عن الموضوع ؛ لأنه يكون مكتفيا في وجوده بموجده وفي ~~تشخصه بما يحل فيه. وإن كانت مفارقة عنه لا حالة فيه ، ولا محلا له ، كانت ~~نسبته إليه كنسبته إلى غيره ، فلا تكون علة التشخص معينة ، فلم تبق علة ~~التشخص إلا الموضوع ، فإذا فارقه بطل ذلك التشخص. وحينئذ تخرج الإشكالات ~~المذكورة. # أما الجسم : فتعينه لتعين صورته النوعية ، وتعين تلك الصورة لتعين الصورة ~~السابقة على هذه وهكذا لا إلى أول ، وليس تعين الجسم بسبب الوضع والحيز ~~المعين ، فلا جرم أمكنه أن يفارق وضعه وحيزه مع بقاء شخصيته. # وأما المادة : فإنها محتاجة إلى الصورة من حيث هي لا إلى صورة معينة ، ~~والصورة من حيث هي صورة أمر معين. # لا يقال : جاز أن يكون العرض محتاجا إلى الموضوع من حيث هو موضوع نوعي ، ~~وهو من حيث هو موضوع نوعي متعين ، كما قلتم في المادة بالنسبة إلى الصورة ~~من حيث هي صورة مطلقة لا شخصية. # لأنا نقول : الفرق بينهما ظاهر ، فإن للمادة مبدأ معينا ms0170 هو العقل الفعال ~~، وليست مستندة إلى شيء من هذه الصور ، والعقل الفعال موجود متعين متشخص ، ~~والصور شرائط في إمكان تأثيره في استبقاء هذه الهيولى ، ومن الجائز أن يكون ~~المؤثر معينا ، ويكون تأثيره موقوفا على أشياء كثيرة تشترك في وجه ما ، ~~بسبب ذلك المشترك يكون مؤثرا ، بحيث أي واحد حصل كفى ، كمن يمسك سقفا ~~بدعامات متعاقبة ، يزيل واحدة ويضع غيرها ، فإن الوضع يكون محفوظا بواسطة PageV01P288 # تلك الدعامات المتعددة بالشخص ، المشتركة في الغاية المطلوبة من كل واحد ~~منها. وأما هنا ، فقد بينا أن الذي هو سبب تعين العرض المتعين هو الموضوع ~~المخصص باللواحق الجزئية ، فيمتنع أن تكون وحدته نوعية ، فإن الواحد بالنوع ~~لا يتقرر في الخارج ، فلا بد وأن تكون علة تعينه شيئا متعينا شخصيا. # وأما النفس : فإن البدن شرط في حدوثها ، وكانت في جوهريتها وتعينها غنية ~~عن تلك المادة ، ولهذا لم تنطبع فيها. # وأما الأعراض : فإنها كما احتاجت في حدوثها إلى المواد ، احتاجت أيضا في ~~وجودها الحادث الذي هو تعينها إلى الموضوعات ، فإذا فارقتها عدمت. # وفيه نظر ؛ فإنا نمنع استحالة انحصار نوع كل عرض في شخصه. والإحساس لا ~~يدل عليه ، فإن الأشياء المختلفة بالحقائق قد تتفق في الإحساس وبالعكس. ~~والاستغناء في التعين عن الموضوع لا يقتضي استغناؤه عنه ، فإن الحاجة في ~~القيام والحلول إلى المحل لا يجب انحصاره في الحاجة إلى التعين ، وإلا لكان ~~العرض في ذاته غنيا عن المحل وإنما يحتاج إليه في تشخصه ، وليس كذلك ، فإن ~~العرض بما هو عرض لا يعقل قيامه إلا في محله ، لا من حيث تشخصه. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز استناده إلى المحل من حيث هو ، لا من حيث ذلك ~~المحل الشخصي ، فجازت المفارقة عليه ، أو إلى الحال ، ولا يلزم استغناؤه عن ~~الموضوع كما تقدم، ونمنع (1) تساوي نسبة المفارق إلى كل الأعراض. # وبعد هذا كله ، فالحق استناد تشخصه إلى الفاعل المختار. (2) وسيأتي إبطال ~~حوادث غير متناهية. PageV01P289 # والعقل الفعال ؛ كما هو مبدأ معين للمادة بشرط الصورة من حيث هي ، جاز أن ~~يكون مبدأ للعرض بشرط ms0171 الموضوع من حيث هو ، ويستحفظ وجود ذلك العرض بموضوع ~~بعد موضوع. ويكون المعين هو العقل المتشخص مع أي موضوع اتفق. واحتياج ~~الأعراض في تعينها إلى الموضوعات نفس النزاع. ### |||| ** الرابع : العرض : هو الموجود الذي لا يتحقق وجوده الشخصي إلا بما يحل فيه ، والشيء ~~المحتاج في وجوده الشخصي إلى علة لا يمكن أن يحتاج إلى علة مبهمة ، لأن ~~المبهم لا يكون من حيث هو مبهم موجودا في الخارج ، وما لا يكون موجودا في ~~الخارج لا يفيد (1) وجودا في الخارج بالبديهة. فالعرض إذن لا يتحقق وجوده ~~إلا بمحل بعينه (2) يتحقق به وجوده الشخصي ويبطل بتبدله ذلك الوجود ، ولذلك ~~يمتنع انتقاله عنه. # أما الشيء المحتاج في صفة غير الوجود إلى غيره من حيث طبيعة ذلك الغير ، ~~كالجسم المحتاج في التحيز لا في الوجود إلى حيز لا بعينه ، فلا يمتنع أن ~~ينتقل من حيز بعينه إلى حيز آخر يساوي الحيز الأول في معنى الحيز ، وهكذا ~~إذا تعين مكان الواحد بالنوع ، كان الواحد بالشخص من جملة ذلك النوع محتاجا ~~إلى أحد أجزاء حيز ذلك النوع لا بعينه ، ولذلك أمكن انتقاله إلى حيز آخر. # وأيضا الوجود الشخصي الحاصل من سبب موجود معه يمكن أن تختلف شرائطه بحسب ~~أزمنة مختلفة ، كالهيولى المحتاجة إلى صورة لا بعينها ، وذلك غير ما نحن ~~فيه ، فإن تشخص الهيولى لا يتبدل بتبدل أشخاص الصورة ، والعرض المعين لا ~~يكون ذلك العرض (3) عند تبدل محله (4). وهذا وإن رجع إلى ما تقدم ، لكن لا بد PageV01P290 # من البحث عنه. # فإن فيه نظرا ؛ فإن قوله : «العرض هو الموجود الذي لا يتحقق وجوده الشخصي ~~، إلا بما يحل فيه» ، إن قصد بذلك محلا معينا فهو المتنازع. وإن عنى به ~~محلا معينا شخصيا بالشخص المنتشر (1) فهو مسلم ، لكن ذلك لا يمنع من ~~انتقاله عنه. وليس الموضوع علة فاعلية للعرض بحيث يمتنع فيها الإبهام ، بل ~~هو علة قابلية ، التي هي جارية مجرى الشروط ، فجاز أن يدخله الإبهام ، ~~والمبهم من حيث إنه مبهم ليس موجودا في الخارج ، أما من حيث هو هو لا ms0172 ~~باعتبار الإبهام ولا باعتبار التعين ، فإنه موجود في الخارج ، وهو الطبيعة ~~النوعية التي هي جزء من الموجودات. والعرض الشخصي جاز أن يحتاج إلى موضوع ~~مبهم ، لا من حيث الإبهام ، بل من حيث هو هو. # وقوله : «ما لا يكون موجودا في الخارج لا يفيد وجودا (2) في الخارج» مسلم ~~، لكن قد بينا أن الموضوع لا يفيد الوجود ، بل يقبل العرض. ونمنع الفرق بين ~~العرض والجسم ، بأن الجسم لا يحتاج في وجوده بل في تحيزه إلى المكان ، ~~والعرض يحتاج في وجوده إلى المحل، فجاز أن يحتاج العرض أيضا في حلوله إلى ~~المحل لا في وجوده. وكونه لا يوجد إلا حالا ثابت للجسم ، فإنه لا يوجد إلا ~~متحيزا ،. فإن جعل ذلك لازما بعد تحقق الجسم فليجز جعل الحلول لازما بعد ~~تحقق العرض. # واعلم : أن الحكم بامتناع الانتقال على العرض كالبين بذاته ، فإن ما لا ~~يمكن قيامه بذاته ، ويمتنع استقلاله بالوجود منفردا عن محل يوجد فيه ، كيف ~~يستقل بالانتقال. PageV01P291 ### ||| ** البحث الرابع : في أن العرض هل يصح أن يقوم بعرض آخر أم لا؟ # اختلف الناس في ذلك فذهب جمهور المتكلمين إلى امتناعه ، وأكثر الفلاسفة ~~إلى جوازه ، وهو قول معمر (1) من المتكلمين. # احتج المانعون : بأن معنى حلول الشيء في غيره ، حصوله في الحيز الذي حصل ~~فيه تبعا لحصول محله فيه ، وليس على سبيل الاستقلال ، فإذا لم يكن للمحل ~~استقلال بالحصول في الحيز ، بل كان تابعا لغيره ، ساوى الحال فيه في الحلول ~~في ذلك الحيز على سبيل التبعية ، فلم يكن كون أحدهما حالا والآخر محلا أولى ~~من العكس ، ولم يكن جعل أحد الحصولين تبعا للآخر أولى من العكس. فإما أن ~~يكون كل واحدا منهما قائما بالآخر وهو محال ، أو لا يقوم واحد منهما بالآخر ~~وهو المطلوب ، فيكونان معا تابعين لثالث ، فيكونان معا حالين في ذلك الثالث ~~، فذلك الثالث إن كان عرضا عاد البحث فيه ، وإن كان جوهرا فهو المطلوب ، ~~فلا بد من الانتهاء إلى محل جوهري يكون محلا للجميع (2). # والجواب : ليس معنى الحلول ما ذكرتم ، فإن الوجود زائد ms0173 على الماهية ، ولا ~~يصح تفسير الحلول فيه بما ذكرتم. وللواجب نعوت يوصف بها ، ولا يصح تفسير ما ~~ذكرتم من الحلول فيه. وتوصف جميع الماهيات بصفات سلبية وإضافية ، ولا يمكن ~~تفسير الحلول فيها بما ذكرتم ، ويلزم أن لا يكون ذات الله تعالى مؤثرة ، ~~فإن المؤثرية حاصلة بالنسبة إلى العالم ، ولا يمكن وصفه تعالى بالعالم. ~~وللجواهر PageV01P292 # المجردة صفات حالة فيها ، ولا يصح ما ذكرتم من تفسير الحلول فيها ، بل ~~معنى الحلول : اختصاص شيء بشيء بحيث يصير أحدهما منعوتا بالآخر ، فالناعت ~~هو الحال والمنعوت المحل. وخصوصية ذلك الاختصاص غير معلومة ، وإنما نعرفها ~~بلازمها. # وفي النقوض نظر ، فإن مفهوم الاتصاف مغاير لمفهوم الحلول ، ولا شك في أن ~~الماهيات تتصف بالسلوب والإضافات ، لا على معنى حلول تلك السلوب والإضافات ~~فيها ، فلا يمكن النقض بها. بل الحق : أن قيام البعض بالبعض ، وقيام البعض ~~الآخر بالجوهر ، لا يقتضي امتناع حلول العرض في العرض ، ولا نفي وجوب ~~الانتهاء إلى ما يقوم بالجوهر. # واحتج المجوزون بوجوه (1): ### |||| ** الأول : السواد يشارك البياض في اللونية التي هي جنس لها ، ويخالفه بفصل السوادية ، ~~وما به الاشتراك غير ما به الامتياز ، فاللونية صفة مغايرة للسوادية قائمة ~~بها (2)، وهما موجودان ، لعدم الواسطة بين الوجود والعدم ، فاللونية عرض ~~قائم بالسوادية. ### |||| ** الثاني : كون العرض حالا في المحل ليس نفس العرض ونفس المحل ، لإمكان تعقلهما مع ~~الذهول عن ذلك الحلول ، وليس أمرا عدميا ، لأنه نقيض اللاحلول ، فهو صفة ~~قائمة بذلك العرض. ثم الكلام فيه كالكلام في الأول. فهنا أعراض غير متناهية ~~يقوم كل واحد منها بالآخر. # واعترض (3): بأن الوجهين المذكورين اقيم فيهما الصفات مقام الأعراض ، PageV01P293 # والصفة ما لا يعقل إلا مع غيره ، والعرض ما لا يوجد إلا في غيره. وقيام ~~بعض الصفات ببعض لا يوجب قيام بعض الأعراض ببعض ، واللونية جنس للسوادية ، ~~وهو جزء من مفهوم السواد ، لأن السواد لون يقبض البصر ، واللون أحق بأن ~~يكون موصوفا ، وكونه قابضا للبصر أحق بأن يكون صفة. والجنس لا يكون عرضا ~~قائما بالنوع ، ولا الجزء بالكل. وكون العرض حالا في محله ms0174 إضافة لا وجود ~~لها إلا في العقل ، ولا يتسلسل ، بل يقف عند وقوف العقل عن الاعتبار ، وكون ~~الحلول نقيضا للاحلول لا يقتضي وجود الحلول. # وفيه نظر ؛ فإن كل واحد من المضافين لا يعقل إلا مع صاحبه ، ولا يصح وصفه ~~به ، والصفات القائم بعضها ببعض لا يصح أن تكون جواهر ، فإن الجوهر لا يعقل ~~أن يكون صفة لغيره فيجب أن تكون أعراضا ويلزم المطلوب. ### |||| ** الثالث : هنا أعراض يحصل بينها من الاختصاص ما يكون أحدها منعوتا بالآخر مع امتناع ~~اتصاف الجسم بذلك الآخر ، فيعلم أنه حال في الأول ، فإن كل عرض يحل في محل ~~فإنه يفيد صفة لمحله ، كالبطء ، فإنه أمر وجودي زائد على الحركة ووصف لها ~~(1)، ويمتنع اتصاف الجسم به ، فإنه لا يعقل أن يكون الجسم بطيئا في جسميته ~~، فإذن البطء ليس وصفا إلا للحركة. وكذا الأعراض ، كل عرض منها موصوف ~~بالوحدة ، وهي عرض. والاستقامة والانحناء عرضان حالان في الخط. والنقطة عرض ~~قائم بالخط لا بالجسم ، إلا بواسطة. # واعلم : أن المتكلمين لما نفوا الجواهر المجردة ، وامتنع كون الله تعالى ~~محلا لشيء من الأعراض ، لا جرم صح لهم تفسير حلول العرض بما ذكروه ، لكن ~~أهملوا جواز توسط عرض بين الجوهر القائم بذاته وبين الحال في المتوسط ، كما ~~في السرعة والبطء مع توسط الحركة بينهما وبين الجسم. PageV01P294 ### ||| ** البحث الخامس : في امتناع قيام العرض الواحد بمحلين (1) # اختلف الناس في ذلك ، فذهب أكثر المحصلين من الحكماء والمتكلمين إلى ~~امتناعه ، وذهب قوم من الفريقين إلى جوازه ووقوعه كأبي هاشم ومتابعيه من ~~المتكلمين ، فإنه قال بقيام التأليف (2) بمحلين ، ومنع من قيامه بأكثر من ~~محلين. وكجماعة من قدماء الأوائل (3) ذهبوا إلى أن الإضافات قائمة بكلا ~~المضافين. # احتج الأولون بوجهين (4): ### |||| ** الوجه الأول : لو جاز في العقل أن يكون الحال في هذا المحل عين الحال في ذلك المحل الآخر ~~، لجاز أن يكون الحاصل في ذلك المكان هو الحاصل في هذا المكان ، فيكون ~~الجسم الواحد حاصلا في المكانين. # اعترض عليه أفضل المحققين : بأنه قياس (5) العرض على الجسم الممتنع كونه ~~في مكانين. ms0175 ولو صح ذلك لقيل : يمتنع اجتماع عرضين في محل واحد قياسا على ~~امتناع اجتماع الجسمين في مكان واحد ، لكن اجتماع الأعراض الكثيرة في محل ~~واحد كالسواد والحركة والتأليف والحياة ثابت عند جميع العقلاء. # وفيه نظر ؛ فإنه لم يستعمل القياس الظني هنا ، بل ذكر ملازمة بين تجويز PageV01P295 # كون العرض في محلين ، وكون الجسم في مكانين ، وبيانها : أن المشاهد لنا ~~من الأجسام إنما هي الأعراض ، فإذا جوزنا قيام العرض الواحد بمحلين جاز أن ~~يكون العرضان المشاهدان في الجسمين عرضا واحدا ، وحينئذ يجوز أن يكون ~~الجسمان واحدا ، لأنا إنما حكمنا بتعددهما بواسطة تعدد العرضين ، فإذا ~~جوزنا وحدتهما انتفى دليل كثرة الجسمين فجازت الوحدة حينئذ. # وأيضا لو جاز أن يكون العرض القائم بهذا المحل هو العرض القائم بالمحل ~~الآخر ، مع أنهما في حيزين متباينين بالتبعية لأن الإشارة إلى هذا العرض ~~إنما يمكن بالإشارة إلى محله فإذا تعددت الأحياز والحيثيات والإشارات ، ~~وأمكنت الوحدة جاز ذلك في الأجسام ، إذ لا مدخل لكون التحيز والإشارة ~~بالذات أو بالعرض في هذا الباب. والملازمة في قياس العرض على الجسم لو سلم ~~أنه قياس بين حلول العرض في محلين ، وبين اجتماع جسمين في حيز واحد ممنوعة ~~، والفرق ظاهر ؛ لأن المقتضي للمنع هنا كون المانع من وحدة الحيزين تمانع ~~الجسمين ، لوجوب كونه ذا مقدار وكون حيزه مساويا له في المساحة ، وهذا ~~المعنى مفقود في العرض. ### |||| ** الوجه الثاني : لو حل العرض الواحد في محلين ، فإما أن يقال : إنه قد انقسم حتى وجد كل جزء ~~منه في جزء من موضوعه ، وذلك مسلم لا نزاع فيه ، وليس محل النزاع ، لأن ~~المتنازع أن العرض الواحد مطلقا هل يحل في محلين بأن يكون بجملته حالا في ~~محل ، وهو بجملته بعينه حالا في محل آخر. وما ذكرتموه ليس كذلك ، بل هو ~~حلول أعراض متعددة في محال متعددة ، أطلق عليها اسم الوحدة باعتبار ما. # وإن حل العرض بجملته في محل ، وحل بجملته في محل آخر ، بحيث يكون الشيء ~~الواحد بعينه موجودا في كلا المحلين ، لم يكن حال العرضين ms0176 في الاثنينية PageV01P296 # إلا كحال هذا العرض الواحد القائم بالمحلين ، فلا ينفصل الاثنان عن ~~الواحد وهو محال. # احتج الآخرون بوجوه (1): ### |||| ** الأول : هنا أعراض واحدة كثيرة المحال ، كالعدد والكلية والكثرة. # لا يقال : إن تلك المحال المجموعة تعرض لها وحدة ثم تعرض لها باعتبار تلك ~~الوحدة هذه العوارض. # لأنا نقول : تلك الوحدة إن عرضت لها بعد عروض وحدة أخرى ، لزم التسلسل ، ~~وإلا عاد السؤال. ### |||| ** الثاني : المضافان إن قام بكل واحد منهما إضافة على حدة ، كان كل واحد منقطعا عن ~~الثاني ، فلا بد بينهما من رابط ، وإذا لم يقم بهما عرض واحد لم يكن الربط حاصلا. ### |||| ** الثالث : أن التأليف عرض واحد قائم بالمحلين ، لأن عدم انفكاك (2) المؤلف من ~~الجوهرين دون المتجاورين لا بد له من علة ، فلو قامت تلك العلة بكل واحد ~~منهما لم يتعذر انفكاكهما ، فلا بد من عرض يقتضي صعوبة التفكيك بين ~~المؤلفين ، بخلاف المتجاورين (3)، وهذه حجة «أبي هاشم». ومنع من قيام هذا ~~العرض بأكثر من محلين ، وإلا لجاز (4) أن يقوم بالحبل الواحد تأليف واحد ، فإذا PageV01P297 # أخذنا منه جزءا وجب أن يعدم التأليف القائم بالحبل ، فتتفرق جميع أجزائه ~~، وهو معلوم البطلان. # وأجيب عن الأول : بأن لموضوعات الأعداد وحدة باعتبارها صارت موصوفة بتلك ~~الصور العددية. # ويرد عليه : لزوم التسلسل ، بل الوجه في الجواب : أن الوحدة أمر عقلي ~~يلحقه العقل بالماهيات ، فتصير تلك المعروضات لهذا اللحوق العقلي واحدة ، ~~فيصح حينئذ عليها (1) عروض هذه الأشياء الخارجية. على أنا نمنع كون هذه ~~الأشياء (2) بسائط ، بل نمنع من الأصل كونها ثابتة في الخارج. # وعن الثاني : أن الرابط بينهما هي الوحدة النوعية ، وهي غير حالة في أحد ~~الشخصين دون الآخر ، فالمضافية مطلقا أمر مشترك بين المضافين. فأما كون هذا ~~مضافا إلى ذلك ، فغير موجود في الآخر ، فإن أخوة زيد لعمرو ليست بعينها ~~أخوة عمرو لزيد ، لأن الأخوة التي لزيد بالنسبة إلى عمرو ليست ثابتة لعمرو ~~، وإلا لكان عمرو أخا لنفسه ، وهو محال. وهذا في المضافات المتخالفة أظهر ، ~~فإن الأبوة لا يمكن قيامها بالابن ، وكذا البنوة لا يمكن قيامها ms0177 بالأب. # وعن الثالث : بالمنع من كون علة المنع من التفكيك هي التأليف القائم ~~بمحلين ، بل صعوبة التفكيك مستندة إلى القادر المختار ، بأن يلصق أحدهما ~~بالآخر ، فإن هذا أولى من التزام هذا المحال (3). PageV01P298 ### ||| ** البحث السادس : في جواز بقاء الأعراض # اختلف الناس في ذلك (1)، فالذي عليه الإمامية وكافة المعتزلة (2) ~~والأوائل (3) جواز البقاء عليها ، وأن العلم به بديهي عند الأكثر منهم (4) ~~. وبعضهم ذهب إلى أنه كسبي. ومنعت الأشاعرة من ذلك (5). # احتج الأولون على كونه بديهيا : بأن العلم البديهي هو الذي لا يفتقر إلى ~~طلب وكسب ، وإن استند إلى الحس وكما نعلم بالضرورة أن الشخص الذي شاهدناه ~~طول أعمارنا هو الشخص الذي شاهدناه الآن ، كذا نعلم بالضرورة أن السواد ~~الذي شاهدناه طول أعمارنا في جسم معين هو الذي شاهدناه الآن فيه. ولو أخذ ~~العقل يشك في أن كل آن يجب تجدد عرض (6) مساو للأول ، ويعدم الأول ، لشك في ~~أن كل شخص من أشخاص البشر يعدم ويوجد الله تعالى غيره مساويا (7) له في ~~جميع الصفات بحيث يحكم العقل بواسطة المساواة عند الحس PageV01P299 # بوحدتهما ، فلا يحصل الوثوق بأن أبا الشخص أو أخاه ، أبوه أو أخوه ، بل ~~مساو لهما (1) وهذا عين السفسطة. وكما حكمنا بالوحدة في الأجسام ، فكذا في ~~الأعراض ، بل هنا أولى، لأنه لا نزاع في أنا نحس باللون ، وأكثر الناس ~~منعوا من رؤية الجسم ، فلو جاز القدح في اللون كان في الجسم أولى. # واحتج من جعله كسبيا : بأن العرض قبل وجوده ممكن الوجود وقت وجوده لذاته ~~، وإلا لكان ممتنعا لذاته فكان لا يوجد ، هذا خلف. # وإذا ثبت أنه ممكن الوجود لذاته حال وجوده فلا يخلو : # إما أن يبقى إمكانه الذاتي في ثاني (2) الحال ، أو لا يبقى. والثاني محال ~~، وإلا لزم انتقال الشيء من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي وهو محال ~~بالضرورة. ولأنه يستلزم نفي الصانع تعالى ؛ لأنه كما جاز الانتقال من ~~الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي ، جاز أن ينتقل من الإمكان الذاتي إلى ~~الوجوب الذاتي ، والواجب مستغن عن المؤثر ، فيلزم الاستغناء عن المؤثر ، بل ~~ولا ms0178 يبقى وثوق بشيء من القضايا (3) العقلية ، لأن أجلاها الحكم بأن الشيء ، ~~إما واجب لذاته لا ينتقل عن وصفه هذا ، أو ممكن لذاته كذلك ، أو ممتنع ~~لذاته كذلك ، فتعين الأول وهو أنه : إذا كان ممكنا لذاته في وقت كان ممكنا ~~في كل وقت ، فكل ممكن الوجود ممكن البقاء وهو المطلوب. # وفيه نظر ؛ فإنا نمنع أن كل ممكن الوجود ممكن البقاء ، ولا يلزم من كون ~~الشيء ممكنا في الزمن الأول كونه ممكنا في الزمن الثاني عقيب وجوده في ~~الزمن الأول. ولا يلزم من نفي ذلك انتقال الشيء من الإمكان الذاتي إلى ~~الامتناع الذاتي ، PageV01P300 # فإن من الموجودات ما يمتنع عليه البقاء كالحركة والزمان ، ولا يلزم ~~انتقالها من الإمكان إلى الامتناع. والأصل فيه : أن من الممكنات ما يمكن ~~وجوده في كل وقت آنا واحدا ، ولا يمكن بقاؤه وإمكان البقاء غير إمكان ~~الوجود. وكل وقت يمكن وجود هذا العرض ابتداء ولا يمكن استدامته ، فالامتناع ~~الذاتي راجع إلى الاستدامة ، وهي مغايرة للابتداء الممكن الذاتي ، ولا ~~انتقال من جهة الإمكان إلى جهة الامتناع ، فالتعويل إذن ليس إلا على قضاء ~~البديهة به. # احتج الأشاعرة بوجهين (1): ### |||| ** الوجه الأول : لو صح بقاء الأعراض لزم قيام العرض بالعرض ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن البقاء عرض على ما يأتي ، فلو اتصف العرض به لزم قيام ~~العرض بالعرض ، وبيان بطلان التالي ما تقدم (2). ### |||| ** الوجه الثاني : لو صح بقاء العرض لامتنع عدمه ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن عدمه بعد البقاء ، إما أن يكون واجبا لذاته ، أو ممكنا ~~، أو ممتنعا لذاته. والأول باطل ، وإلا لانقلب الشيء من الإمكان الذاتي إلى ~~الوجوب الذاتي ، ومن الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي ، وهو معلوم ~~البطلان. # والثاني محال أيضا ، لأن كل ممكن وقع فله سبب ، وهو إما وجودي أو عدمي ، ~~والوجودي إما أن يكون موجبا كما يقال : إنه يفنى بطريان الضد ، أو مختارا. ~~والأول محال ؛ لأن طريان الضد على المحل مشروط بعدم الضد الأول عنه ، PageV01P301 # فلو علل عدم الضد الأول بطريان الضد الثاني لزم الدور. وأيضا ms0179 التضاد حاصل ~~من الطرفين، فليس بان (1) يعدم الباقي بطرو الطارئ ، أولى من أن يندفع ~~الطارئ بوجود الباقي (2). # لا يقال : بل عدم الباقي أولى لوجوه : # الأول : لو عدم الطارئ حال وجوده كان موجودا معدوما دفعة ، وهو محال. # الثاني : الحادث حال طروه متعلق بالسبب (3) بخلاف الباقي ، فإنه مستغن عنه. # الثالث : يجوز أن يكون الطارئ أكثر عددا ، فإن السوادين أقوى من الواحد ، ~~فإذا فرض جزء من البياض وطرأ عليه جزءان من السواد أعدماه. # لأنا نقول : إن الطارئ ، لسنا نقول : إنه يوجد ثم يعدم في تلك الحال ، بل ~~نقول : إنه لا يوجد البتة بسبب ضده الباقي ، وذلك غير محال. # ونمنع (4) استغناء الباقي. وأيضا عند المعتزلة ، الشيء حال حدوثه مستغن ~~عن السبب. # والجمع (5) بين الأمثال محال. # والثاني (6) محال أيضا ، لأن العدم لا يصح إسناده إلى الفاعل المختار ؛ ~~لأنه عند الإعدام ، إما أن يكون قد صدر عنه أمر أو لا ، فإن صدر فتأثيره في ~~تحصيل أمر وجودي هو ذلك الأمر الصادر لا في أمر عدمي ، وهذا يكون إيجادا لا PageV01P302 # إعداما ، وكلامنا إنما هو في الإعدام. # وأيضا ذلك الأمر (1) إن كان منافيا لذلك الباقي ، كان عدم الباقي معللا ~~بطرو ذلك الأثر على المحل ، وهو خروج عن هذا القسم. وإن لم يكن منافيا لم ~~يلزم من وجوده عدم ذلك الباقي ، وهو معارض بنفس العدم. # وإن لم يصدر عنه (2) أمر فهو محال ، لأن القادر إذا فعل فلا بد له من أثر ~~، فإذا لم يكن له أثر لم يكن مؤثرا. ولأنه حينئذ إذا لم يصدر عنه أمر كان ~~حاله بعد الإعدام كحاله قبله ، وكما أنه قبل الإعدام لم يكن معدما ، فكذا ~~بعده ، فلا يكون المعدم معدما ، هذا خلف. # وأما إن كان السبب عدميا ، وذلك بأن ينتفي لانتفاء شرطه ، لكن شرط العرض ~~الجوهر ، والجوهر باق ، والكلام في عدمه كالكلام في عدم العرض ، ويلزم ~~التسلسل. وأيضا ذلك الشرط إن كان باقيا كان الكلام في عدمه كالكلام في عدم ~~العرض ، فيلزم التسلسل. فإن كان غير باق ، فهو باطل بحصول الاتفاق على أن ~~حصول ms0180 اللون (3) في المحل غير مشروط بقيام شيء من الأعراض التي لا تبقى ~~بالمحل. فثبت أنه لو كان باقيا لامتنع عدمه ، لكن التالي باطل قطعا فالمقدم مثله. ### |||| ** والجواب عن الأول : نمنع كون البقاء عرضا وسيأتي. سلمنا ، لكن نمنع امتناع قيام العرض بمثله ، ~~وقد بينا بطلانه وبطلان أدلتهم فيه. ### |||| ** وعن الثاني : نمنع استحالة كون عدمه واجبا بعد بقائه في زمن معين ، فإنه من الجائز أن ~~يبقى أزمنة كثيرة ، ثم ينتهي إلى زمان يصير فيه ممتنع الوجود لذاته ، كما ~~أنه عندكم جائز الوجود في الزمان الأول ، ثم انقلب ممتنعا في الزمان الثاني ~~، وحينئذ يستغني عن السبب. PageV01P303 # سلمنا ، لكن لم لا يستند إلى الموجب؟ قوله : «طريان الضد على المحل مشروط ~~بعدم الضد الأول ، فلو علل عدم الضد الأول بطريان هذا الضد دار» (1)، دعوى ~~خالية عن البرهان ، فللقائل أن يقول : بل عدم الضد الأول معلل بطريان الضد ~~على المحل ، وليس أحد القولين راجحا على الثاني ، بل لا بد من الدليل. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون أولى وإن كنا لا نعرف سبب الأولوية. # سلمنا ، لكن لم لا يستند إلى الفاعل المختار؟ قوله : «العدم إن صدر عنه ~~أمر ، فتأثيره في تحصيل أمر وجودي ممنوع» ؛ فإنا نقول : إن تأثيره في أمر ~~متجدد ، وهو يصدق مع إيجاد المعدوم وإعدام الموجود ، فإن الإعدام المتجدد ~~يصدق عليه أنه أمر متجدد ، فإن الممكن هو الذي يتساوى طرفاه بالنسبة إليه ، ~~فإذا حصل معه ترجيح أحد الطرفين وجب حصول ذلك الطرف ، سواء كان وجودا أو ~~عدما ، وإلا لما كان الطرفان متساويين بالنسبة إليه ، وذلك الأثر إعدام (2) ~~مناف لا إيجاد ، فلا يكون ضدا. # سلمنا ، لكن لم لا ينتفي لانتفاء شرطه؟ # قوله : «شرطه الجوهر وهو باق ، والكلام في عدمه كالكلام في عدم العرض». # قلنا : لا نسلم انحصار الشرط في الجوهر ، فجاز أن تكون الأعراض الباقية ~~مشروطة بأعراض تتجدد عليها غير باقية متعاقبة ، إذا انقطعت عدمت الأعراض ~~الباقية المشروطة بها ، ولا يبقى في دفع هذا الاحتمال إلا الاستقراء ، وهو ~~إنما يفيد الظن دون القطع. PageV01P304 # وتحقيقه ms0181 : أن الجوهر قابل ، فربما احتاج تأثير فاعله فيه إلى وجود شرط ~~آخر ، كالشمس الفاعلة لإضاءة وجه الأرض بشرط المحاذاة ، فإن المحاذاة إذا ~~عدمت لم يبق وجه الأرض مضيئا ، وإن كان الفاعل والقابل موجودين (1). ### ||| ** البحث السابع : في انقسام العرض بانقسام محله (2) # أما المتكلمون القائلون بانقسام الأجسام إلى الجواهر الأفراد ، فإن هذا ~~الحكم ظاهر عندهم ، لأن الحال في أحد الأجزاء غير الحال في الآخر ، ~~لاستحالة أن يكون هو هو بعينه ، لامتناع حلول الواحد المطلق في محلين. # وأما الأوائل القائلون بوحدة الجسم وأنه قابل للانقسام ، فاستدلوا على ~~هذا الحكم (3): بأن الجسم ذا القوة البسيطة ، إما أن تكون تلك القوة حاصلة ~~في جسميته أو أطرافه ، كالبياض والضوء ، أو لا في جسميته ولا في أطرافه. ~~فإن لم تكن في جسميته ولا في أطرافه فليس موجودا فيه ، وإن كان في جسميته ~~أو في أطرافه ، فأي جزء أخذته من الجسمية ، إن لم توجد تلك القوة فيه كان ~~ذلك الجزء خاليا عن القوة ، فليس ذلك الجسم بكليته فيه تلك القوة ، بل في ~~بعض من ذلك الجسم دون بعض. وكذا البحث في الأطراف المنقسمة ، وإن كانت في ~~طرف غير منقسم ، كالنقطة لم توجد في الجسم الكري ؛ لأن النقطة لا توجد إلا ~~بعد الحركة التي هي بعد القوة التي هي في النقطة ، والشيء لا يتأخر عن نفسه. PageV01P305 # وإن وجد في كل واحد من أجزاء الجسم القوة ، فإما أن تحصل تلك القوة ~~بتمامها في كل واحد من الأجزاء (1)، فتكون للحال الواحد محال كثيرة ، وهو ~~محال ، أو يوجد في كل جزء من المحل جزء من الحال ، وهو يقتضي انقسام الحال ~~لانقسام المحل. ولا يرد بالشكل (2) حيث يقال : إنه يوجد بتمامه في الجسم ~~ولا يوجد في أجزائه ، لأن أجزاء الشكل (3) ليست مساوية لكله في الماهية ، ~~لأن الشكل (4) تركيبا ما. # وفيه نظر ؛ فإنا نمنع عدم الحلول في الجسمية إذا لم يكن حالا في أجزائها ~~، فإنه المتنازع ، وهذا كالإضافة ، فإن الأبوة قائمة بذات الأب لا بأجزائه ~~، ونمنع أن النقطة لا توجد إلا بعد الحركة ، فقد ms0182 تكون هناك أسباب أخر. # قيل : النقطة عرض فلها موضوع ، فإن لم يكن متحيزا لم تكن النقطة مشارا ~~إليها إشارة حسية ، ولا (5) كانت من ذوات الأوضاع وهو محال. وإن كان متحيزا ~~انقسمت بانقسامه ، لأن كل متحيز عندهم منقسم. # وأجيب : بأن الموجب للانقسام إنما هو حلول السريان ، لا مطلق الحلول ، ~~فإن الحلول قد يكون حلول السريان ، كاللون الشائع (6) في سطح الجسم ، فإن ~~كل جزء نفرضه في السطح يوجد فيه شيء من اللون. وقد لا يكون كالنقطة الحالة ~~في الجسم ، فإنها لا يجب انقسامها بانقسام محلها ، وهكذا الإضافات فليس في ~~نصف الأب نصف الأبوة. # قيل : إن التحقيق هنا أن يقال : الحال قد يكون بحيث لا يقتضي انقسامه PageV01P306 # انقسام المحل ، وقد يكون بحيث يقتضي. والأول هو الحال الذي لا ينقسم إلى ~~أجزاء متباينة في الوضع كالسواد المنقسم إلى جنسه وفصله (1)، وكأشياء ~~كثيرة تحل محلا واحدا كالسواد والحركة مثلا ، فإنهما لا يقتضيان انقسامهما ~~(2) إلى هذين النوعين انقسام المحل إلى جزء أسود غير متحرك ، وإلى جزء آخر ~~متحرك غير أسود. والثاني هو الحال الذي ينقسم إلى أجزاء متباينة في الوضع ~~كالثلاثة ، فإنها تنقسم إلى عرضين متباينين في المحل والوضع. # والمحل أيضا قد يكون بحيث لا يقتضي انقسامه انقسام الحال ، وقد يكون بحيث ~~يقتضي. والأول هو المحل المنقسم إلى أجزاء غير متباينة في الوضع ، كالجسم ~~المنقسم إلى جنسه وفصله ، أو إلى مادته وصورته ، والمحل الذي ينقسم إلى ~~أجزاء متباينة في الوضع ولكن لا يحل (3) فيه الحال من حيث هو ذلك المحل ، ~~بل من حيث لحوق طبيعة أخرى به كالخط ، فإن النقطة لا تنقسم بانقسامه ، ~~لأنها لا تحله من حيث هو خط بل من حيث هو متناه ، وكالسطح فإن الشكل (4) لا ~~يحل فيه من حيث هو سطح ، بل من حيث هو ذو نهاية واحدة أو أكثر ، وكالجسم ~~فإن المحاذاة التي هي إضافة مثلا لا تحله من حيث هو جسم ، بل من حيث وجود ~~جسم آخر على وضع ما منه ، وكالأجزاء فإن الوحدة لا تحلها من حيث هي أجزاء ms0183 ، ~~بل من حيث هي مجموع. # والثاني هو المحل الذي يحل فيه شيء من حيث هو ذلك الشيء القابل للقسمة ، ~~كالجسم الذي يحل فيه السواد أو الحركة أو المقدار. PageV01P307 ### ||| ** البحث الثامن : في امتناع كون الشيء الواحد جوهرا وعرضا (1) # زعم بعض من لا مزيد تحصيل له من الأوائل : أن الشيء قد يكون بعينه جوهرا ~~وعرضا (2)، واحتجوا عليه بوجوه : ### |||| ** الأول : فصول الجواهر مقومة لها ، ومتقدمة عليها ، وعلل فيها ، فتكون جواهر ، لأن ~~مقوم الجوهر والمتقدم عليه والعلة فيه ، يجب أن يكون جوهرا ؛ لاستحالة تقوم ~~الجوهر المتقدم على العرض بالعرض ، وإلا لتأخر عنه. ثم إن الحكماء قالوا ~~للفصول : إنها كيفيات ، والكيفيات أعراض ، فالفصول إذن جواهر وأعراض ، ~~فالشيء الواحد جوهر وعرض معا. ### |||| ** الثاني : الحرارة جزء من الحار ، والحار هو جوهر ، والحرارة جزء الجوهر ، وجزء ~~الجوهر جوهر ، فالحرارة بالنسبة إلى الحار من حيث هو حار جوهر ، لكنها ~~بالنسبة إلى الجسم القابل لها عرض ، فهي جوهر وعرض بالنسبة إلى أمرين. ### |||| ** الثالث : العرض في المركب كجزء منه كالبياض في الأبيض ، وكل ما هو في الشيء كجزء منه ~~لا يكون عرضا فيه ، وكل ما لا يكون عرضا في الشيء كان جوهرا فيه ، لكنه ~~بالنسبة إلى الجسم القابل له عرض ، فالشيء الواحد جوهر وعرض معا. ### |||| ** الرابع : الصور الجوهرية المعقولة حالة في النفس لا كجزء منه ، فتكون PageV01P308 # عرضا بالنسبة إلى النفس ، لكنها لو وجدت في الخارج كانت لا في موضوع ~~فتكون جواهر ، لأنا لا نشترط في الجوهر كونه في الحال موجودا لا في موضوع ، ~~بل متى وجد كان وجوده لا في موضوع. ### |||| ** والجواب عن الأول : أن الكيفية تقال على المقولة ، وعلى الفصول بالاشتراك اللفظي ، فلا يجب أن ~~تكون فصول الجواهر أعراضا تخرج عن حقائقها باعتبار وضع اسم الكيفية لها. ### |||| ** وعن الثاني : أن الحار عبارة عن الشيء ذي الحرارة ، ولا يلزم من كون ذلك الشيء جوهرا أن ~~تكون الحرارة جوهرا. # قوله : الحرارة جزء من الحار ، والحار جوهر. # قلنا : إن أردتم بذلك أن الحرارة جزء من مفهوم الحار من حيث هو حار ، ~~أعني المجموع ms0184 المركب من الشيء ذي الحرارة والحرارة ، فهو مسلم ، لكن نمنع ~~صدق الكبرى ، فإن المفهوم المركب من الجوهر والعرض عرض. وإن أردتم أن ~~الحرارة جزء من مفهوم ذات الحار لا من هذه الحيثية ، منعناه. ### |||| ** وعن الثالث : بالمنع من كون «كل ما لا يكون عرضا في الشيء يكون جوهرا فيه» ، ومسلم «أن ~~كل ما هو في الشيء كجزء منه لا يكون عرضا فيه» ، والبياض إذا أخذ جزءا من ~~المركب ، أعني الأبيض ، لا يكون عرضا في الأبيض الذي هو مركب من الجسم ومن ~~البياض ، بل هو عرض في الجسم المعروض للبياض الذي هو جزء آخر من المركب ، ~~وليس من شرط كون العرض عرضا ، أن يكون حصوله في جميع الأشياء حصول العرض في ~~الموضوع ، حتى يلزم أنه إذا لم يكن في المركب كون العرض في الموضوع أن يصير ~~جوهرا ، بل من شرط الجوهر أن لا يكون في موضوع أصلا ، فالبياض وإن لم يكن ~~وجوده في الأبيض الذي هو المركب وجود العرض في الموضوع ، إلا أنه بالنسبة ~~إلى المحل الذي هو الجسم ، وجوده في PageV01P309 # موضوع ، وذلك يكفي في حصول العرضية. فشرط الجوهرية البراءة عن جميع ~~الموضوعات. والعرضية تتحقق لأجل التعلق بموضوع واحد ، فالعرض في المركب وإن ~~لم تكن عرضيته حاصلة من هذا الوجه ، لكنه عرض باعتبار تعلقه بالموضوع. # قيل (1)، في توجيه هذا الأمر (2): إنه إذا حل شيء في شيء فإنه يكون ~~لذلك الحال اعتباران ، أحدهما : أنه في ذلك المحل ، والثاني : اعتبار أنه ~~في ذلك المجموع (3)، كالحرارة الحالة في الجسم ، فإن لها اعتبارا بالنسبة ~~إلى الجسم لأنها (4) فيه ، واعتبارا بالنسبة إلى المركب بأنها في الحار (5). # فأما الاعتبار الثاني : وهو اعتبار كون الحرارة في الحار ، فظاهر أنه لا ~~يوجب العرضية ، لأن الحرارة جزء من الحار ، ومن شرط العرض أن لا يكون جزءا ~~من الموضوع. # وأما الاعتبار الأول ، وهو اعتبار كون الحرارة في المحل ، فنقول : لا ~~يخلو إما أن يعقل محل يتقوم بما يحل فيه ، أو لا يعقل ذلك ، والأول باطل. # أما أولا : فلأن الحال يحتاج في وجوده ms0185 إلى المحل ، فلو احتاج المحل في ~~وجوده إلى الحال لزم الدور. # وأما ثانيا : فلأن هيولى العناصر مشتركة بين صورها ، فلو كان لوجود شيء من صور # العناصر مدخل في تتميم وجود الهيولى ، لزم ارتفاع الهيولى عند ارتفاع (6) PageV01P310 # تلك الصورة ، فحينئذ لا تكون الهيولى مشتركة. # ويوضح ذلك : أنا نرى الحيوانية إذا عدمت فإنه لا تعدم جسمية بدن ذلك ~~الحيوان (1)، فلا تكون تلك الجسمية متقومة بالصورة الحيوانية. فظهر امتناع ~~تقوم شيء من المحال بشيء مما يحل فيه (2). فإذن كل حال بالنسبة إلى محله ~~عرض. فأما أن يقال : إنه عرض مطلقا ، حتى يكون هو بالنسبة إلى المركب عرضا ~~، فحينئذ يبطل الفرق بين الصورة والعرض ، وذلك مخالف للإجماع المنعقد بين ~~العلماء. # وأيضا فإن جوهر الشيء في اللغة عبارة عن أصله ، والعرض هو الذي يكون ~~عارضا ، فلا بد وأن يكون خارجا (3)، ومعلوم أن الحرارة بالنسبة إلى الحار ~~من حيث هو حار داخلة فيه ، فيصح أن يقال : إنها داخلة في جوهر الحار ، وهي ~~بالنسبة إلى الجسم القابل لها غير داخلة فيه ، بل خارجة عنه عارضة له فيكون ~~عرضا بالنسبة إليه ، فصح كون الشيء جوهرا وعرضا. # وهذا الكلام على طوله لا فائدة فيه ، فإنه يقتضي أن لا يكون في الوجود ~~عرض على الإطلاق ، بل يكون جوهرا وعرضا ، ويقتضي خروج الحقائق عن اصالتها ~~(4) وجعلها اعتبارات وألفاظا لا تأصل لها في نفس الأمر. # ثم الاستدلال في هذا المطلب العقلي القطعي باتفاق العلماء وإجماعهم ووضع ~~أهل اللغة ، من أغرب الأشياء وأعجبها. والدور يلزم لو اتحدت جهة الحاجة ، ~~أما لو تعددت فلا ، وهنا الجهة متعددة ، لأن الحال يحتاج إلى محل معين ، ~~والمحل يحتاج إلى صورة ما ، لا إلى صورة معينة ، لأن تعينها إنما هو ~~باعتبار مقارنة PageV01P311 # الأعراض المادية بها ، وبهذا الاعتبار لا ترتفع الهيولى بارتفاع الصور ~~الشخصية ، وإنما ترتفع بارتفاع مطلق الصورة الكلية ، ولا يرتفع البدن ~~بارتفاع الصورة الحيوانية ، بل ترتفع صورته ويلبس غيرها. # والحق امتناع ذلك ، فإن معنى الجوهر هو الغني في وجوده عن الموضوع ، ~~والعرض هو المحتاج إلى الموضوع في ms0186 وجوده ، فلا يمكن اجتماعهما في شيء واحد. ~~ولأن مثل هذا العرض الذي أثبتموه مفتقر إلى الموضوع ، لوجوب وجود هذه ~~الخاصة (1) في كل عرض ، فإن جعل موضوعه نفسه ، كان الشيء حالا في نفسه ، ~~وهو محال غير معقول ، وإن جعل غيره كان الجوهر محتاجا إلى الموضوع ، لأن ~~التقدير أنه شيء واحد هو جوهر وعرض ، وبالجملة فالضرورة قاضية بامتناع ذلك. PageV01P312 ### ||| ** الفصل الثالث : ### | في أقسام الأعراض على رأي الأوائل # وفيه مقدمة ومقالات : # والمقدمة في تقسيمها (1): # قسم الأوائل العرض إلى تسعة : الكم والكيف والمضاف والأين والمتى والوضع ~~والملك وأن يفعل وأن ينفعل. وجعلوها أجناسا عالية لكل عرض ، كما جعلوا ~~الجوهر جنسا عاليا لكل جوهر ، فالممكنات إذن كلها داخلة تحت هذه المقولات ~~العشر. (2) وهذا يحتاج (3) إلى بيان كون كل واحد منها جنسا عاليا ، # وقد خالفهم المتكلمون في أقسامه أيضا راجع المواقف 97 ؛ أصول الدين ~~للبغدادي : 40. وقال الطوسي : «والأعراض عند أكثر المتكلمين أحد وعشرون ~~نوعا ، وعند بعضهم ثلاثة وعشرون نوعا». راجع كشف الفوائد في شرح قواعد ~~العقائد : 89. PageV01P313 # وانحصار الممكنات فيها وكيفية انقسامها إلى أنواعها ، وإنما يتم كونها ~~أجناسا إذا ثبت أمور خمسة : ### |||| ** الأمر الأول : جعل الأقسام التي هي تحت كل واحدة من هذه العشرة مشتركة في أمر ما ، وهو ~~ظاهر ، فإن أقل مراتب الجنس أن يكون مشتركا بين أنواعه. ### |||| ** الأمر الثاني : أن نبين كون جهة الاشتراك أمرا ثبوتيا ، فإن الصفات السلبية لا يصح جعلها ~~أجناسا. ### |||| ** الأمر الثالث : أن يكون المشترك مقولا على ما تحته بالتواطؤ ، لامتناع قبول الجزء التفاوت. ### |||| ** الأمر الرابع : أن يكن ذاتيا ، لأن الجنس جزء الماهية. ### |||| ** الأمر الخامس : أن يكون كمال الذاتي المشترك ، لأن الفصل ذاتي ، وليس كمال الذاتي المشترك. # وإنما يتم كونها عالية لو لم يوجد اثنان منها تحت مقولة واحدة ، ولا ~~برهان لهم على ذلك. ونقل بعض القدماء أن مقولتي الفعل والانفعال مندرجتان ~~تحت الكيفية ؛ فإن التسخين والتسخن نفس السخونة. وهو خطأ فإن التسخن طلب ~~السخونة ، ويستحيل طلب الشيء نفسه. # وذهب آخرون منهم (1) إلى أن المقولات العالية أربع لا غير : الجوهر والكم ~~والكيف ms0187 والنسبة وجعل النسبة جنسا للسبعة (2) النسبية. # وبعضهم أخرج الوضع عن النسبة ؛ لأنه ليس نفس النسبة ، فإنه عرض PageV01P314 # يحصل للجسم بسبب نسبة بين أجزائه بعضها إلى بعض ، ونسبة أجزاءه إلى ~~الأمور الخارجة عنه. # وبعضهم جعل المضاف جنسا للستة الباقية من النسب ، وهو غلط ؛ فإن المضاف ~~يعتبر فيه التكرير بخلاف باقي النسب. # وإنما يتم الحصر لو لم يوجد جنس خارج عنها ، ولا برهان عليه سوى ~~الاستقراء. # واعترض بأن هنا أمورا خارجة عن هذه العشرة ، كالوحدة والنقطة والآن ~~والوجود والشيئية وغيرها من الاعتبارات العامة والحركة فإنها خارجة عن ~~المقولات العشر ، وأعدام الملكات كالجهل والعمى ، وجميع مفهومات المشتقات ~~كالأبيض ، فإن المفهوم منه أنه شيء ما ذو بياض ، وفهم هذا لا يتوقف على فهم ~~كونه جوهرا ، لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء والبياض عرضين ، فلا يكون مفهوم ~~الأبيض داخلا تحت جنس الجوهر ، وليس داخلا تحت مقولة الكيف لأن الداخل تحت ~~الكيف هو البياض ، وليس كلامنا فيه ، بل في الأبيض ، ولا داخلا تحت مقولة ~~أخرى منها وهو ظاهر ، فإذن مفهوم الأبيض خارج عن المقولات العشر. # وأجيب : بأن الآن لا وجود له بالفعل ، وكلامنا في الأمور الوجودية. وكذا ~~أعدام الملكات. # والوحدة والنقطة قيل : إنهما داخلتان تحت مقولة الكيف ، لأنهما (1) أعراض ~~لا يتوقف تصورها على تصور شيء خارج عن حاملها ، ولا تقتضي قسمة ولا نسبة في ~~أجزاء حاملها. # وجعلهما بعضهم من الكم ، وهو غلط ؛ لأن الكم هو الذي يقبل المساواة ~~واللامساواة ، وذلك غير صادق على الوحدة والنقطة. # وقيل : إنهما (2) داخلة تحت مقولات كثيرة باعتبارات مختلفة ، فالنقطة من PageV01P315 # حيث هي طرف من المضاف ، ومن حيث إنها هيئة ما من الكيف ، وذلك غلط ، لأن ~~الماهية إذا تقومت بأحد الجنسين امتنع تقومها بما ليس من ذلك الجنس. # وقيل : إنهما (1) خارجة عن المقولات العشر ، ولا امتناع فيه. ولا يناقض ~~ذلك حصر الأجناس في عشرة ، لأن الأجناس كلها ترجع إلى هذه العشرة ، أما ~~الأنواع كلها فلا ، فجاز أن تكون هذه أنواعا بسيطة ، فلا تندرج تحت الأجناس ~~العالية ، والعشرة أجناس لكل جنس لا لكل ms0188 شيء ، فإن كل حقيقة بسيطة خارجة ~~عنها. نعم يجب في بيان حصر الأجناس في العشرة بيان أن هذه ليست أجناسا. # والأسامي المشتقة خارجة عن المقولات العشر باعتبار ، وإن اندرجت تحتها ~~باعتبار آخر ، فإن القائم من حيث المفهوم شيء له القيام ، ومن حيث الوجود ~~جسم له القيام ، والجسم جوهر والقيام من باب الوضع. ولا يقدح خروجها عن ~~المقولات العشر (2)، لأنها ليست أجناسا. # والحركة قيل : إنها من مقولة أن ينفعل (3). # وأما كيفية انقسام هذه (4) إلى أنواعها ، فلا نعلم بعد العلم بجنسيتها هل ~~نقسمها إلى هذه بالفصول أو بالعوارض؟ وبتقدير أن يكون بالعوارض ، فهل هو ~~(5) مطابق للتقسيم بالفصول كما يقسم الحيوان بقابل العلم وغير قابله؟ فإنه ~~مطابق لتقسيمه بالناطق وغيره. أو غير مطابق (6) كتقسيم الحيوان بالذكر ~~والأنثى ، فإنه غير مطابق للتقسيم بالناطق وغيره ، بل مداخل (7). PageV01P316 ### | المقالة الأولى ### | في الكم # وفيها مباحث : ### ||| ** البحث الأول : في تعريفه # البسائط لا حدود لها ، لانتفاء الجزء فيها ، وإنما تعرف بالخواص. والتي ~~يمكن الوقوف منها على معرفة الكم هنا خواص ثلاثة (1): # 1 : التقدير والمساواة واللامساواة ، وهي أمور إضافية تعرض بواسطة الكم ، ~~لا بسبب الصورة الجسمية. # 2 : قبول الانقسام ، وهي لازمة للكم بسبب الخاصية الأولى. ثم حصول ~~الانقسام على وجهين : ### |||| ** الوجه الأول : كون المقدار بحيث يمكن أن يفرض فيه شيء غير شيء دائما ، PageV01P317 # وهذا المعنى يلحق المقدار لذاته ، فإنا متى تصورنا المقدار الطولي مثلا ~~أمكن أن يفرض العقل فيه شيئين متغايرين (1)، وهكذا في كل واحد من القسمين ~~المفروضين ، وهكذا في كل واحد من قسمي القسمين وهكذا أبدا. وإنما كانت هذه ~~الخاصة تابعة للأولى لأنه معنى يوجد للمقدار من حيث يفاوت غيره ويساويه ، ~~وهذه القسمة لا تغير الجسم ولا توجب له حركة في المكان. ### |||| ** الوجه الثاني : الافتراق والانفصال ، بحيث تحدث للجسم الواحد باعتباره هويتان بعد أن كانت ~~له هوية واحدة ، فإن الجسم عند الأوائل واحد في نفسه ، فإذا انقسم وانفصل ~~بعضه عن بعض فقد عدم اتصاله الأول ، وحدث اتصالان آخران ومتصلان آخران ~~مغايران للأول ، والاتصال عندهم جزء الجسم ، ولا بد في ms0189 هذا المعنى من تغير ~~في الجسم وحركة ، وهذا المعنى من لواحق المادة ، ويستحيل عروضه للمقدار ~~لامتناع التنافي بين القابل والمقبول ، وهذا المقدار متى انفصل عدمت ذاته ~~فلا يكون هو القابل ، بل المادة. نعم ، عروض هذا القبول للمادة ، إنما هو ~~بسبب تهيؤ المادة لقبوله المستند إلى المقدار ، فإنه لو لا المقدار لما عرض ~~للمادة قبول الانقسام. ولا يلزم من قولنا : المقدار هو الذي يهيئ المادة ~~لقبول الانقسام ، حصول ذلك الاستعداد في نفس المقدار ؛ لأنه حاصل في المادة ~~فكيف يحصل فيه أيضا؟! # وليس كل فاعل فعل ، فإنه يفعله في نفسه ، بل ولا يجب أن يكون المقدار ~~باقيا عند حصول الانقسام بالفعل ، بل يجب عدمه. كما أن الحركة تهيئ الجسم ~~للسكون الطبيعي ، ولا تبقى مع السكون ، لأن أثر الحركة الإعداد للسكون ، ~~وقد حصل معها. وكذا اعداد المادة لقبول القسمة مستند إلى المقدار ، وقد ~~وجدت معه. وحصول القسمة بالفعل مستند إلى أسباب أخرى ، كما استند السكون إلى PageV01P318 # أسباب غير الحركة ، ولا يجب وجود المقدار عند وجود تلك الأسباب. # قالوا : فالجسم متصل واحد على ما يأتي وقابل لانقسامات غير متناهية ، لا ~~على معنى أنها توجد بالفعل دفعة ، بل على معنى أنه كلما وجد من الأقسام شيء ~~أمكن تقسيمه إلى أقسام أخر ، وهكذا إلى ما لا يتناهى ، وانقساماته دائما ~~غير متناهية بهذا الاعتبار ، وهو أنه دائما موصوف بأنه لا ينتهي إلى قسمة ~~لا تحتمل القسمة بعدها. ودائما متناهية من حيث إن ما وجد فيه من التقسيمات ~~متناهية ، فالجسم إذن قابل للتنصيف إلى غير النهاية. # والتنصيف في المقدار تضعيف في العدد ، فالعدد غير متناه في الزيادة ، ~~وينتهي في النقصان إلى الواحد ، والمقدار بالعكس غير متناه في النقصان ~~ومتناه في طرف الزيادة. ولما كان المقدار قابلا للتجزئة لذاته وجب أن يكون ~~قابلا للتعديد ، لأن التنصيف في المقدار تضعيف في العدد ، ومبدأ العدد واحد ~~، فالمقدار لذاته قابل لأن يفرض (1) فيه واحد عاد (2)، ويصير هو معدودا ~~بذلك الواحد. # 3 : وهذه الخاصة الثالثة للمقدار ، وهو : كونه بحال يمكن أن يصير معدودا ms0190 ~~بواحد فيه. # لكن لا يمكن تعريف الكم بالخاصة الأولى ، لأن المساواة اتحاد في الكم فقد ~~أخذ في تعريفها ، فلم يمكن أخذها في تعريفه (3). # ولا بالثانية ، لأن قبول القسمة من عوارض الكم المتصل (4). PageV01P319 # فلم يبق إلا الخاصة الثالثة ، فيعرف بأنه الذي يمكن أن يوجد فيه شيء واحد ~~عاد لذاته ، وهو شامل لما وجد فيه الواحد بالفعل كالعدد وبالقوة كالمتصل (1). ### ||| ** البحث الثاني : في الفرق بين المقدار والجسمية # الفرق بينهما من وجوه (2): ### |||| ** الوجه الأول : الجسم الواحد تتوارد عليه المقادير المختلفة مع بقاء جسميته الشخصية ، فان ~~الشمعة يمكن أن نجعلها تارة كرة وتارة ذا أشكال مختلفة كالتربيع والتثليث ~~وغيرهما ، فيزيد طوله وينقص عرضه أو عمقه ، وبالعكس. فتغير المقدار وبقاء ~~الجسمية يدل على التغاير. وهذا إنما يتم على تقدير نفي الجوهر الفرد (3)، ~~إذ مع ثبوته جاز أن يكون التغير عائدا إلى اختلاف وضع الأجزاء. # لا يقال : المقدار باق ، فإن أبعاد الشمعة حال الكرية مساوية لها حال ~~التكعيب للمساحة. # لأنا نقول : المساواة قد تكون بالقوة وقد تكون بالفعل ، والكرى والمكعب ~~لا مساواة لهما بالفعل ، بل بالقوة ، وما بالقوة غير موجود. PageV01P320 # واعترض بمنع زوال المقدار ، بل الزائل الأشكال ، وهي مغايرة للجسمية. ### |||| ** الوجه الثاني : الأجسام مختلفة في المقادير ، ومشتركة في الجسمية فتغايرا. # اعترض (1) بأنها كما اشتركت في أصل الجسمية كذا اشتركت في أصل الكمية ~~والمقدارية ، فإن اقتضى اختلافها في المقادير المخصوصة بعد اشتراكها في ~~الجسمية زيادة مقاديرها على جسميتها ، لزم أن يكون اختلافها في المقادير ~~المخصوصة بعد اشتراكها في المقدارية ، موجبا زيادة مقاديرها المخصوصة على ~~المقدار المطلق ، حتى يكون المشترك عرضا والمقدار المخصوص عرضا آخر ، ويلزم ~~التسلسل ؛ لأن تلك المقادير المخصوصة أيضا مشتركة في أصل المقدار فيكون ~~هناك مقدار آخر مشترك ويتسلسل فوجب أن يكون اشتراك الأجسام في أصل المقدار ~~، واختلافها في المقادير الخاصة ، لا يستلزم أن يكون أصل المقدار موجودا ~~مغايرا للمقدار المخصوص ، وحينئذ يجوز أن تكون الجسمية مشتركة بين الأجسام ~~، وتتمايز الأجسام في المقادير المخصوصة ، وإن لم يكن المقدار موجودا ~~مغايرا للجسمية. # وفيه نظر ، فإن اشتراك ms0191 الأجسام في الجسمية ضروري ، وقد سلمه أيضا ، ~~واختلافها في المقادير ضروري أيضا ، وقد سلمه ، والتغاير بين ما به ~~الاشتراك وما به الامتياز ضروري أيضا ، فيكون الإنتاج ضروريا. والمعارضة ~~بالمقدار ساقطة ؛ لأن الأجسام مشتركة في المقدار المطلق الذي هو جنس ~~للمقادير المخصوصة واختلفت في المقادير المخصوصة التي هي الأنواع ، ولا شك ~~في المغايرة بين الجنس والنوع ، لكن سبب (2) التمايز في المقادير المخصوصة ~~، الفصول المقسمة لجنس المقدار ، وتلك غير مشتركة إلا في المقدار الذي هو ~~الجنس اشتراك PageV01P321 # المعروضات في العارض فإن الجنس بالنسبة إلى الفصول عرض عام لها فلهذا ~~انقطع التسلسل. ### |||| ** الوجه الثالث : بعض الأجسام يصح أن يقدر البعض ، ولا يجب في المقدر (1) المساواة ، فإن ~~الصغير يصح أن يقدر الكبير ، بل تصح المخالفة في المقدر ، وليست المقدرية ~~هي نفس الجسمية التي يمتنع أن يخالف جسم فيها جسما ، فتلك المقدرية بأمر ~~زائد على الجسمية ، والجزء الذي لا يتجزأ باطل ، فلا يرجع ذلك إلى كثرة ~~الأجزاء. ### |||| ** الوجه الرابع : الجسم يزداد مقداره وينقص من غير انضمام شيء إليه أو نقصان شيء منه ، ومن ~~غير وقوع خلاء بين أجزائه ، لامتناعه ، والجسم في حد جسميته محفوظ حالة ~~التبدل فتغايرا. وهو مبني على التخلخل والتكاثف الحقيقين المبتنيين على نفي ~~الجوهر الفرد. # واعترض بمنع بقاء الجسمية ، لاحتمال أن لا يحصل ذلك العظم إلا عند تفرق ~~الاتصال المقتضي لعدم الجسمية. ### |||| ** الوجه الخامس : وجود السطح من توابع المادة ، فلا يكون نفس الجسمية المقومة للمادة ~~المتقدمة عليها بالعلية ، فالسطح مغاير للجسمية ، والخط من عوارض السطح فهو ~~أولى بالتأخر ، فيغاير (2) الجسم. وتحقيقه ، أن الجسم يصح أن يعقل مع ~~الذهول عن تناهيه ، فيكون خارجا عن مفهومه ، فالجسمية ، وإن امتنع انفكاكها ~~عن السطح في الخارج ، إلا أنه يصح انفكاكها عنه في التصور ، والخط يمكن خلو ~~الجسمية عنه في الذهن والخارج معا ، لأن الكرة لا خط فيها بالفعل ، وإنما ~~يتعين المحور والمنطقة باعتبار الحركة التي لا يجب ثبوتها لها ذهنا ولا خارجا. # اعترض بأن للسطح اعتبارين : أحدهما غير إضافي ، بل من مقولة الكم وهو PageV01P322 # أنه مقدار ms0192 قابل لفرض امتدادين. والآخر إضافي وهو كونه نهاية للجسم ، وهو ~~بهذا الاعتبار كم عرضت له الإضافة ، فإن كان السطح غير داخل في مفهوم الجسم ~~من حيث هو مضاف ، لا يلزم أن لا يكون داخلا فيه من حيث هو كم. # ثم ينتقض ما ذكرتموه بالهيولى والصورة ، فإنهما داخلان في قوام الجسم ، ~~وقد لا يعلمهما من علم الجسم ، ولا يلزم خروجهما عن التقويم له (1). # وفيه نظر ، فإن السطح لا يعرض للجسم إلا إذا انقطع ، فيكون متأخرا عن ~~القطع العارض للجسم ، فلا يصح أن يكون متقوما باعتبار ما (2)، ولا أن يكون ~~نفس الجسمية ، ونحن لا نستدل بكون السطح المأخوذ مع الإضافة ، عارضا (3) ~~على كونه من حيث هو غير مضاف عارضا. # وأما الهيولى والصورة فإنما جهلناهما للجسم ، لأن الجسم لم نتصوره ~~بحقيقته ، بل باعتبار عارض عرض له. ### ||| ** البحث الثالث : في أقسام الكم (4) # اعلم أن الكم جنس لنوعي (5) المتصل والمنفصل. # والمتصل يراد به معنيان : ### |||| ** أحدهما : حال المقدار في نفسه وهو الذي يمكن أن تفرض فيه أجزاء تتلاقى عند حد مشترك ~~يكون بداية لأحد الجزءين ونهاية للآخر ، وهذا هو الفصل PageV01P323 # للمتصل. والمنفصل يقال في مقابلته وهو الذي لا يكون بين أجزائه حد مشترك. ### |||| ** والثاني : الذي يوجد بالقياس إلى غيره وهو على معنيين أيضا : # أحدهما : أن يكون نهاية أحد المقدارين هو نهاية الآخر كالخط المتصل بخط ~~آخر على زاوية ، فيقال لكل منهما أنه متصل بالآخر. # والثاني : أن تتعدد نهايتاهما ، لكن تتلازمان بحيث يتحرك أحدهما بحركة ~~الآخر باعتبار الاتصال بينهما. # والمراد هنا هو الأول ، وهو المتصل الحقيقي ، وهو إما أن يكون قار الذات ~~، أو غير قار الذات. # والأول : إن انقسم في جهة واحدة لا غير فهو الخط ، وإن انقسم في جهتين ~~(1) لا غير فهو السطح ، وإن انقسم في ثلاثة فهو الجسم التعليمي (2). # والثاني : هو الزمان ، وهو كم ، لإمكان تعديده بواحد فيه من الساعات ~~والدقائق وغيرهما ، ومتصل لأنه يمكن أن يتوهم فيه (3) شيء هو الآن يكون ~~نهاية الماضي وبداية المستقبل ، ولأنه مطابق للحركة المطابقة للجسم المتصل ~~القابل لانقسامات غير ms0193 متناهية ، ولو كان منفصلا استحال ذلك فيه. # وقيل : إنه منفصل ؛ لأنه عدد الحركة ، ولأنه ينفصل بسبب الآن. وليس بجيد ~~؛ لأن كونه عددا ، عارض له كما يعرض للخط والسطح والجسم كونها معدودة ، وهو ~~من حيث هو زمان ليس عددا للحركة. والآن في الزمان بالقوة كالنقطة في الخط ، ~~ولو كان بالفعل لم يلزم كون الزمان منفصلا ، فإنه إذا كان الآن PageV01P324 # حاصلا بالفعل كان حدا مشتركا بين الماضي والمستقبل ، فكان متصلا. # فأقسام الكم المتصل هذه الأربعة ، وأدخل بعضهم المكان فيه وهو خطأ ، فإن ~~المكان عند أكثرهم «هو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر ~~من الجسم المحوي» (1)، وليست كميته إلا باعتبار كونه سطحا ، لا باعتبار ما ~~لحقه من الإضافات. # وأما المنفصل : فهو العدد خاصة وهو كم ؛ لأنه معدود بواحد فيه. ومنفصل ~~لعدم حد مشترك فيه بين أجزائه ، فإن الأربعة إذا قسمتها بنصفين لم تجد ~~بينهما حدا مشتركا ، والخمسة إذا قسمتها بثلاثة واثنين لم تجد حدا مشتركا ~~بينهما ، فإن عنيت واحدا من الخمسة ليكون مشتركا ، بقي الباقي أربعة ، وإن ~~أخذت واحدا خارجا عنها صارت الخمسة ستة. # ولا منفصل غير العدد ، لأن قوام المنفصل من المتفرقات ، والمتفرقات من ~~المفردات (2) [والمفردات] آحاد ، والواحد إذا أخذ من حيث هو واحد ، لم يكن ~~الحاصل من تكثره إلا العدد ، وإن أخذ من حيث هو إنسان أو غيره كان الحاصل ~~من تكثره معدودات من جنس ذلك الواحد ، لكن كونه عددا ليس باعتبار ~~المعروضات. # وذهب بعضهم إلى أن «القول» كم منفصل مغاير للعدد (3)، لتركبه من المقاطع ~~وتقدره بها ، وكل ما يتقدر بجزئه فهو كم ، وأما تركبه من المقاطع ، فلأن ~~المقطع هو أقل ما يمكن أن يتفوه به تاما من الأصوات ، وهو إما صامت (4) وهو PageV01P325 # ما يمكن الابتداء به ، وهي الحروف الصحيحة مقرون بمصوت (1) وهو ما لا ~~يمكن الابتداء به ، بل تكون هيئة عارضة للحرف المبتدأ به ، إما مقصور (2) ~~هو الواقع في أقصر زمان يمكن الانتقال فيه من صامت إلى صامت ، وهو الفتحة ~~والضمة والكسرة ، أو ممدود وهو الواقع في ضعف ms0194 ذلك الزمان كإشباعات الحركات ~~الثلاث والمقاطع يتركب على وجهين : # أ: أن يذكر المقطع المقصور ثم يردف بالممدود مثل «على». # ب : أن يذكر الممدود ثم يردف بالمقصور مثل «كان» وأما باقي المقدمات ~~فظاهرة. # والجواب (3): ليس كل ما يتقدر بجزء يكون كما بالذات ، لجواز أن تكون له ~~حقيقة أخرى وقد عرض لها المقدار ، كجميع الأشياء المعروضة للأعداد ، والقول ~~ليس كما من حيث إنه قول وإنما يصير كما باعتبار الكثرة التي عرضت له. ### ||| ** البحث الرابع : في الكم المتصل القار الذات # هل هو وجودي أو عدمي؟ # اعلم : أن البحث عن هذا المطلب يتوقف على تحقيق ماهية كل واحد منها ، ~~فنقول: المتكلمون (4) جعلوا الجسم عبارة عن جواهر أفراد متألفة في الأبعاد ~~الثلاثة التي هي الطول والعرض والعمق. # والسطح عبارة عن جواهر أفراد متألفة في بعدين منها لا غير ، هما الطول ~~والعرض. PageV01P326 # والخط عبارة عن جوهرين أو جواهر متألفة في بعد واحد لا غير ، هو الطول ، ~~وحينئذ تكون وجودية بالضرورة. # وأما الجسم التعليمي والسطح والخط التعليميان اللذان بينهما الأوائل ~~مغايرة لذلك ، فإنها ليست وجودية بالضرورة # وأما الأوائل فمنعوا من وجود الجوهر الفرد أصلا ، ومن تألف الأجسام ~~والسطوح والخطوط منها ، بل جعلوا كل واحد من هذه الثلاثة عرضا قائما بالجسم ~~الطبيعي ، إما بالاستقلال كقيام الجسم التعليمي به ، أو بالتبعية كقيام ~~السطح به بواسطة قيامه بالجسم التعليمي المتناهي ، وقيام الخط بالسطح ~~المتناهي القائم بالجسم التعليمي المتناهي ، وإن كان بعضهم قد منع من ~~وجودها لوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : السطح نهاية الجسم ، ونهاية الشيء هي أن يفنى ذلك الشيء فلا يبقى منه شيء ، ~~وذلك من الأمور العدمية لا الوجودية. ### |||| ** الوجه الثاني : لو كان السطح والخط والنقطة أمورا وجودية ، فإما أن تكون متحيزة أو لا ، ~~والأول يستلزم انقسام كل واحد منها في الجهات الثلاث ، فتكون أجساما لا ~~نهايات لها ، وإما أن تكون قائمة بالمتحيز المنقسم في الجهات الثلاث فتكون ~~منقسمة بانقسامه في الجهات الثلاث ، فلا تكون نهايات ، بل أجساما. ### |||| ** الوجه الثالث : الجسمان إذا تلاقيا فلا بد أن يتلاقى سطحاهما ، فإما بالأسر فيتداخلان ms0195 وهو ~~محال أو لا بالأسر ، فيكون كل من السطحين جسما لانقسامه في الجهات الثلاث ~~(1)، هذا خلف (2). # اعترض «أفضل المحققين» (3): بأن السطح ليس هو فناء الجسم فقط ، فإن ~~الفناء لا يقبل الإشارة الحسية والسطح يقبلها ، بل التحقيق يقتضي أن هناك أمورا PageV01P327 # ثلاثة : فناء الجسم في جهة معينة من جهاته ، ومقدار ذو طول وعرض فقط ، ~~وإضافة تعرض للفناء ، فيقال له بحسب ذلك : نهاية لجسم ذي نهاية ، فالمقدار ~~موجود وبسببه يقبل الإشارة ، والفناء ليس بعدم محض ، بل عدم أحد أبعاد ~~الجسم وهو تخنه ، والإضافة عارضة لها متأخرة عنها. وربما يعتبر السطح وحده ~~من حيث هو مقدار ، وذلك موضوع لعلم الهندسة ، وكذلك الخط والنقطة. ولا يلزم ~~من حلول السطح في الجسم انقسامه في الجهات الثلاث كانقسام الجسم ، لأن ذلك ~~يكون حكم العرض الساري في محله ، وليس السطح ، ولا الخط ، ولا النقطة من ~~الأعراض السارية في محالها ، وكذلك الوحدة والوضع ، وغير ذلك مما لا ينقسم ~~بانقسام المحل. # واحتج المثبتون من الأوائل بوجهين (1): ### |||| ** الأول : نجد الأجسام متماسة ، وليست المماسة بتمام ذواتها ، وإلا لزم التداخل ، بل ~~بسطوحها ، وما به التماس أمر وجودي بالضرورة. ### |||| ** الثاني : الجسم المتصل إذا قطع حدث له سطح بعد أن لم يكن ، فيكون وجوديا. # واعلم : أن هذا إنما يتم لو قلنا بنفي الجوهر الفرد ، أما على تقدير ~~ثبوته فلا. على أن في كلامهم نظرا ، فإن لقائل أن يمنع وجود شيء تحصل به ~~المماسة ، فإن التماس والالتصاق والاتصال كالألفاظ المترادفة الدالة على ~~المعنى المفهوم منها ، وهو الملاقاة بحيث لا يتخللهما ثالث. وكيف يستقل ~~السطح بالملاقاة من دون قيامه منفردا بنفسه عن محله ، ونمنع كون كل متجدد ~~وجوديا ، فإن العمى يحدث بعد أن لم يكن ، وليس ثبوتيا. PageV01P328 ### ||| ** البحث الخامس : في ماهية الزمان # اختلف الناس في ماهية الزمان (1)، فذهب جماعة من الأوائل إلى أنه لا ~~تحقق له في الأعيان ، وإنما هو عبارة عن مقايسة بعض الحوادث ببعض ، فإذا ~~قيل : وجد زيد منذ يومين ، كان معناه : أنه وجد بعد طلوع الشمس من مشرقها ~~مرتين ، وإنما اعتبر ذلك دون ms0196 غيره لعمومه وشهرته عند كل الناس ، وإلا فقد ~~كان يمكن نسبة كل حادث إلى كل حادث. # وذهب آخرون منهم (2) إلى أن له ماهية وحقيقة ، واختلفوا فذهب بعضهم إلى ~~أنه جوهر مجرد قائم بنفسه واجب الوجود لذاته ، لاستلزام فرض عدمه المحال ~~وهو ضروري الثبوت ؛ لأنا نعلم أن زيدا الحادث الآن لم يكن موجودا زمان ~~الطوفان ، وأنه موجود الآن ، والعلم بوجود الآن والماضي جزء (3) من العلم ~~بأنه موجود الآن ولم (4) يكن موجودا زمن الطوفان. والعلم بالجزء سابق على ~~العلم بالكل ، والسابق على البديهي أولى أن يكون بديهيا. وأما استلزام فرض ~~عدمه المحال ، فلأنه لو فرض عدمه كان عدمه بعد وجوده بعدية زمانية ، فيكون ~~موجودا حال ما فرض معدوما ، وهذا محال بالضرورة ، وكل ما استلزم عدمه ~~المحال لذاته كان واجب الوجود لذاته ، وكل جسم وجسماني ليس واجبا لذاته ، ~~فالزمان ليس بجسم ولا جسماني. PageV01P329 # وهذا خطأ ؛ فإن الزمان لو ثبت لكان متقضيا (1) لذاته ، وإلا لكان الآن هو ~~زمان الطوفان ، بل كل زمان سابق عليه ، فما حدث الآن فهو حادث في كل زمان ~~بنفسه ، هذا خلف. وكل متقض فإن له أجزاء تعدم ، وأجزاء تتجدد ، وواجب ~~الوجود لذاته يستحيل عليه ذلك. والحجة التي ذكروها ساقطة ، لأن المحال لم ~~يلزم من فرض عدم الزمان مطلقا ، بل من فرض عدمه بعد وجوده ، وهو لا يدل على ~~وجوبه الذاتي. على أنا نمنع كون عدمه بعد وجوده بالزمان ، وإلا لزم في ~~أجزائه ذلك ، فيلزم وجود أزمنة لا تتناهى لا دفعة واحدة ، بل مرارا لا ~~نهاية لها ، وهو ضروري البطلان (2). # وذهب آخرون منهم إلى أن الزمان أمر موجود جوهر متحيز ، وهو فلك معدل ~~النهار ، لأن الزمان محيط بجميع الحوادث ، وفلك معدل النهار محيط بجميع ~~الحوادث. # وهو برهان عقيم لا ينتج ، فإن الموجبتين في الشكل الثاني غير منتجتين (3) ~~. ثم إحاطة الزمان بجميع الحوادث ، ليس هي إحاطة الفلك بجميع الحوادث ، لأن ~~المراد بالحوادث الأولى الزمانية وبالثانية المكانية. # وذهب آخرون إلى أنه عرض غير قار الذات ، وهو نفس حركة معدل النهار (4). # وهو خطأ ؛ لأن ms0197 الحركة توصف بالسرعة والبطء والمعية فيقال : حركتان معا ، ~~لا يصح كل ذلك في الزمان. ويقال : الحركة السريعة هي التي تقطع مثل ما قطع PageV01P330 # البطيء في زمان أقل ، ولا يجوز أن يقال في حركة أقل ؛ ولأن الحركة ونصفها ~~(1) متساويان في السرعة والبطء والماهية (2) وغير متساويين في المقدار. # وذهب المشاهير من الحكماء (3) إلى أنه عرض هو مقدار حركة معدل النهار ، ~~لأنه قابل للمساواة والمفاوتة (4)، فيكون كما ، وليس منفصلا ، وإلا لما ~~كان قابلا للانقسام الغير المتناهي ، لأن الوحدة غير قابلة للقسمة ، ~~والتالي باطل ، لأن كل زمان ففيه (5) حركة واقعة على مسافة منقسمة ، ويلزم ~~من انقسام المسافة انقسام الحركة ، فإن الحركة إلى نصف تلك المسافة نصف ~~الحركة إلى كلها. وينقسم الزمان أيضا ، لأن زمان نصف الحركة نصف زمان كل ~~الحركة. وليس قار الذات بالضرورة فتكون أجزاؤه على التقضي (6)، فيكون له ~~مادة وليس مقدارا للمادة ، لامتناع كونه مقدارا لمادة المسافة ، لأن ~~المختلفين في هذا المقدار قد يتساويان في المسافة وبالعكس ، ولا لمادة ~~المتحرك (7)، وإلا لكان الأكثر زمانا وهو الأبطأ أعظم حجما ، ولا مقدارا ~~لهيئة قارة في المادة (8)، وإلا لكان قارا ولزادت تلك الهيئة بزيادته ، ~~فهو مقدار لهيئة غير قارة وليست إلا الحركة (9). # والاعتراض : لا نسلم قبوله المساواة والمفاوتة ، فإن ذلك فرع وجوده وهو ممنوع. PageV01P331 # سلمنا ، لكن نمنع كميته ، وإنما يثبت لو قبلهما لذاته ، وهو ممنوع. # سلمنا ، لكن نمنع كونه متصلا ، قوله : «لو لم يكن متصلا لما وقعت فيه ~~الحركة» ، قلنا : إن عنيت الحركة بمعنى القطع فتلك لا توجد إلا في الذهن ، ~~فكيف يثبت الزمان في الخارج مما لا يثبت فيه ، وإن عنيت الحركة بمعنى ~~التوسط فتلك آنية. # سلمنا أنه مقدار الحركة ، فلم قلتم : إنه يكون عرضا حالا فيها. قوله : ~~«لأن كل حادث فله موضوع». قلنا : ينتقض بالنفوس الناطقة فإنها حادثة وغير ~~حالة في المادة. ثم يعارض بوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : لو كان الزمان مقدارا للحركة لزم عدمه عند عدمها ، والتالي باطل فالمقدم ~~مثله ، والشرطية ظاهرة فإن فرض وجود مقدار الشيء مع فرض عدم ذلك الشيء محال ms0198 ~~كما في الجسم ومقداره ، وأما بيان بطلان التالي : فلأنا بعد فرض عدم جميع ~~الحركات نعلم بالضرورة أن ذلك العدم بعد الوجود ، وتلك البعدية عندكم تفتقر ~~إلى الزمان ، فيلزم وجود الزمان حال عدم الحركة. ### |||| ** الوجه الثاني : لو كان الزمان مقدارا للحركة ، فإما أن يكون مقدارا لحركة خاصة ، أو لمطلق ~~الحركة ، والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة. وبيان بطلان ~~الأول : أنا لو فرضنا عدم تلك الحركة ووجود أخرى ، لزم أن تقع لا في زمان ، ~~والتالي باطل ، لأن كل حركة فعلى (1) مسافة منقسمة ، ويكون نصفها قبل كلها ~~فلا تنفك حركة عن الزمان ، والتالي باطل ، لأنه يقتضي أن تكون الحركة من ~~حيث هي هي مستدعية زمانا ، وليس بأن يكون الزمان حاصلا لبعضها بالأصالة ~~وللباقي بالتبعية أولى من العكس ، لأن جهة الاقتضاء حاصلة في الجميع ، فإما ~~أن يحصل لكل حركة زمان على حدة ، أو يحصل للكل زمان واحد، أو لا يحصل لشيء PageV01P332 # منها ، والأول باطل ، لأن الساعة الواحدة ليست ساعات متعددة بتعدد ~~الحركات بالضرورة، ولأن تلك الأزمنة توجد معا فمعيتها لا بد وأن تكون لزمان ~~آخر محيط بها ويتسلسل ، ويلزم اجتماع النقيضين ، لأنا حصرنا الأزمنة بأسرها ~~في ذلك المجموع ، فالمحيط بها الخارج عنها لا بد وأن لا يكون زمانا ، لكن ~~الذي تلحقه القبلية والبعدية والمعية لذاته هو الزمان ، فاذن ذلك الخارج ~~يكون زمانا وليس بزمان ، هذا خلف. # والثاني محال ؛ لأن ذلك الواحد إن حل بعينه في كل حركة ، لزم تعدد محل ~~الحال الواحد بالشخص ، وهو محال. ولأنه لو عدمت حركة لزم عدم مقدارها مع ~~بقاء مقدار الحركة الأخرى فيلزم وجوده وعدمه ، وهو محال. والثالث المطلوب. ### |||| ** الوجه الثالث : لو كان مقدارا للحركة ، فإما أن يكون مقدارا للحركة بمعنى القطع ، أو بمعنى ~~التوسط. والأول باطل ؛ لأن تلك الحركة ذهنية لا تحقق لها في الخارج (1)، ~~وما لا تحقق له في الخارج يمتنع أن يكون محلا للأمر الخارجي. والثاني باطل ~~، لأن تلك الحركة آنية فلا يصح حلول مقدار الزمان فيها. ### |||| ** الوجه الرابع : لو كان مقدارا للحركة لكان محتاجا ms0199 إليها ، لأنه يكون حالا فيها حلول العرض ~~في موضوعه ، والعرض محتاج إلى الموضوع ، لكن الحركة محتاجة إلى الزمان ، ~~لأنه لا تعقل حركة إلا أن يتقرر في العقل زمان معين من الحاضر أو الماضي أو ~~المستقبل ، وحينئذ يلزم الدور. ### |||| ** الوجه الخامس : الضرورة قاضية بأن الحركة الحاصلة في هذا اليوم فإنها حصلت بجميع صفاتها ~~فيه ، فلو كان اليوم من صفاتها لكان اليوم حاصلا في هذا اليوم ، هذا خلف. PageV01P333 ### |||| ** الوجه السادس : عدم الزمان بعد وجوده ممتنع لذاته ، فلو كان صفة للحركة لزم أن تكون الحركة ~~شرطا فيما يستحيل عدمه لذاته ، فتكون أولى باستحالة العدم لذاتها ، فتكون ~~واجبة لذاتها ، غنية عن المحل ، وهو محال. # وفيه نظر ، فإن الواجب لذاته هو الذي يستحيل عدمه لذاته مطلقا ، والزمان ~~والحركة ليسا كذلك ، إنما يستحيل عدمهما بعد وجودهما بعدية زمانية ، لا ~~لذاتهما مطلقا ، بل لاقتران (1) فرض وجودهما وعدمهما دفعة واحدة ، وكل ~~الممكنات كذلك ، ولا يلزم خروجها عن حد الإمكان. ### |||| ** الوجه السابع : كما يحكم بأن الزمان عارض للأشياء الغير القارة ، كذا يحكم بعروضه للأشياء ~~القارة. فإنا كما نحكم بأن من الحركات ما كانت موجودة أمس ، ومنها ما يوجد ~~غدا ، كذلك نحكم بأن الله تعالى كان موجودا في الماضي وهو الآن موجود ، أو ~~أنه موجود في المستقبل ، ولو جاز إنكار (2) الثاني جاز إنكار (3) الأول ، ~~وإذا قارن وجوده الأزمنة الثلاثة كان الزمان عارضا للوجود المطلق لا للوجود ~~الغير القار أعني الحركة بخصوصيته ، فيكون مقدارا لمطلق الوجود ، وهو محال ~~؛ لأنه إن كان متغيرا استحال انطباقه على الثابت ، وإن كان ثابتا استحال ~~انطباقه على المتغير (4). # وفيه نظر ، فإنا نمنع وجود الله تعالى وغيره من الأمور الثابتة في الزمان ~~وجود المتغيرات فيه. نعم الأشياء الثابتة موجودة مع الزمان لا المعية ~~الزمانية ، فإن ما يوجد في الزمان ليس إلا الأشياء التي يلحقها التغير ، ~~إما لذاتها فتكون زمانية لذاتها ، أو بالعرض فتكون زمانية بالعرض. PageV01P334 # لا يقال (1): نسبة المتغير إلى المتغير هو الزمان ، ونسبة المتغير إلى ~~الثابت هو الدهر ، ونسبة الثابت إلى الثابت هو السرمد. # لأنا نقول ms0200 : لا فائدة في هذا التهويل (2)، لأن مفهوم «كان» و «يكون» إن ~~كان قار الذات لم يوجد في المتغيرات ، وإن لم يكن ثابتا استحال وقوعه في ~~الثوابت. # اعترض «أفضل المحققين» (3): بأنه لا شك في أن وقوع الحركة مع الزمان ليس ~~كوقوع الجسم القار الذات المستمر الوجود مع الزمان ، وليس كوقوع القار ~~الذات الباقي مع القار الذات الباقي ، كالسماء مع الأرض ، وهذا الفرق معلوم ~~محصل. وليس معية المتغير والثابت مستحيلة. فإنا نقول : عاش نوح ألف سنة ، ~~فانطبق مدة بقائه على ألف دورة من الشمس ، وإذا تقرر اختلاف المعاني ، ~~فللمصطلحين أن يعبروا عن كل معنى بعبارة يرون أنها مناسبة لذلك المعنى ، ~~ولا يعنون ب «التحصيل» هناك غير دلالة العبارات على المعاني. # وفيه نظر ، فإن المفهوم من المعية الاقتران والمصاحبة ، وهو معنى واحد ~~معقول بين كل مقترنين ، لكن اقتران الحركة والزمان هو اقتران شيء غير قار ~~الذات بشيء غير قار الذات ، فالأجزاء المفروضة في أحدهما على التعاقب ~~مقارنة للأجزاء المفروضة في الآخر على التعاقب ، أيضا والمجموع مع المجموع ~~، وأما معية الجسم والزمان ، فهي اقتران الجسم مع كل جزء من أجزاء ذلك ~~الزمان المفروضة ومع المجموع منها. ومعية الجسم مع الجسم هي الاقتران ~~بينهما ،. فلو جعل لهذين النوعين معنى آخر غير الزمان به تقع (4) المقارنة ~~، لزم أن يثبت مع الزمان أمران آخران هما : الدهر والسرمد يكون كل منهما ~~مقدارا ، فله محل ، ويلزم التسلسل ، لأن PageV01P335 # لكل منهما معية مع غيره. ### |||| ** الوجه الثامن : مقدار الشيء موجود معه بالزمان ، فلو كان الزمان مقدارا للحركة لوجد معها ~~في الزمان ، فيكون للزمان زمان ، هذا خلف. ### |||| ** الوجه التاسع : لو كان الزمان مقدارا لامتداد الحركة ، وامتداد الحركة لا وجود له في ~~الأعيان ، لأن الامتداد لا يحصل إلا عند حصول جزءين ، والجزءان لا يحصلان ~~دفعة ، بل عند حصول الأول فالثاني غير حاصل ، وعند حصول الثاني فالأول فائت ~~، وإذا لم يكن لامتداد الحركة وجود في الأعيان لم يكن لمقدار هذا الامتداد ~~وجود ، لاستحالة قيام الموجود بالمعدوم (1). # اعترضه أفضل المحققين : بأن امتداد الشيء القار الذات ms0201 يجب أن يكون في ما ~~تكون أجزاؤه دفعة حاصلة ، أما امتداد الشيء غير القار الذات فلا يمكن أن ~~يكون في ما تكون أجزاؤه دفعة ، بل يجب أن يكون في ما لا يوجد منه جزءان ~~دفعة ، ولو لم يكن الامتداد في لفظ الزمان معقولا لما سمى العقلاء الزمان ~~بالمدة المشتقة من الامتداد. واعلم أن أرسطو (2) قال : الزمان مقدار الحركة ~~، وهذا المعترض زاد فيه الامتداد ليعترض عليه بمثل هذا الكلام ، ولم يعلم ~~أن الامتداد هو المقدار المتصل ، فيكون في هذا التفسير تكرار غير محتاج إليه. # وفيه نظر ، فإنا نسلم أن امتداد غير القار لا يمكن أن يكون في ما تكون ~~أجزاؤه دفعة ، بل يجب أن يكون في ما لا يوجد فيه جزءان دفعة لو أمكن عروضه ~~له. لكن البحث في أن عروض الامتداد لمثل هذا الشيء هل هو ممكن أم لا؟ PageV01P336 # والاستناد في مثل ذلك إلى الاشتقاق من أضعف الأدلة ، مع أن الامتداد عرض ~~لا يعقل حلوله إلا في ذي أجزاء ، وأنه نسبة بينها ، فلا يتحقق وجوده إلا ~~بعد وجود المنتسبين ، لكنهما لا يوجدان معا ، فلا يتحقق له وجود. ### |||| ** تنبيه : اعلم أن القائلين بكون الزمان مقدارا للحركة ، زعموا أن للحركة مقدارين ~~أحدهما من جهة المسافة ، فإن الحركة تزيد بزيادة المسافة وتنقص بنقصانها ، ~~والثاني من جهة الزمان ، فإن الحركة أيضا تزيد بزيادة الزمان وتنقص بنقصانه ~~، وللمسافة أجزاء يعرض لها تقدم وتأخر بحسب الوضع والمرتبة الحسية ، ويوجد ~~المتقدم والمتأخر دفعة في الوجود ، ويعرض للحركة التجزئة باعتبار تجزئة ~~المسافة ، ويصير أيضا بعضها متقدما وبعضها متأخرا بإزاء تقدم أجزاء المسافة ~~وتأخرها ، إلا أن المتقدم والمتأخر في الحركة لا يمكن اجتماعهما في الوجود ~~، بخلاف المتقدم والمتأخر اللذين في أجزاء المسافة ، فالزمان هو مقدار ~~الحركة ، لا من جهة المسافة ، بل من جهة التقدم والتأخر اللذين لا يجتمعان (1). ### ||| ** البحث السادس : في أن الزمان هل هو موجود أم لا؟ # اختلف الناس في ذلك فذهب المتكلمون وجماعة من قدماء الأوائل إلى أنه لا ~~تحقق للزمان في الأعيان ، مع العلم الضروري بأن ms0202 هنا وقتا ماضيا ومستقبلا ~~وحاضرا ، لكنها ليست وجودية في الخارج. وذهب الأوائل إلى أنه موجود في ~~الأعيان. لنا وجوه : ### |||| ** الوجه الأول : لو كان الزمان موجودا لكان ، إما أن يكون قار الذات أو لا ، والقسمان ~~باطلان ، فلا يكون له تحقق. # أما الأول ، فلأنه لو كان قار الذات لكان الحاضر هو عين الماضي PageV01P337 # والمستقبل ، فيكون الحادث الآن حادثا زمان الطوفان ، بل كل زمان سبق (1) ~~وكل زمان سيأتي ، فيكون الشيء في كل آن حادثا ، لكنه باق لوجوده في جميع ~~الأزمنة ، هذا خلف. # وأما الثاني ، فلأن المتقضى (2) هو الذي لا بقاء لأجزائه ، بل كل جزء وجد ~~فإنه ينقضي ويصير ماضيا ، وكل جزء منه كان موجودا لم يبق الآن ، وكل جزء ~~مستقبل سيوجد الآن والماضي ، والآن هو الزمان ، فيلزم وقوع الزمان في ~~الزمان ، فلو كان أمرا وجوديا لزم التسلسل. # اعترض «أفضل المحققين» : بأن الزمان لو كان قار الذات لا يكون الحاضر عين ~~الماضي ، بل يكونان معا كما في الجسم الذي هو قار الذات ، ولا يلزم منه أن ~~يكون جزء منه هو عين الجزء الآخر. وأما إذا كان الزمان غير قار الذات ولم ~~يبق جزء منه عند حصول جزء آخر ، فلا يلزم منه أن يكون للزمان زمان ، لأن ~~القبلية والبعدية لأجزاء الزمان لذاتها ، فيكون جزء مقدما على جزء لا بزمان ~~غيرهما ، بل بذاتيهما ، ولا يلزم منه تسلسل (3). # وفيه نظر ؛ فإن قار الذات هو الذي توجد أجزاؤه دفعة ، ويبقى أكثر من زمان ~~واحد ، وأجزاء الزمان لا يعقل فيها ذلك ، ولو قارن الماضي الآن لكان الماضي ~~هو عين الآن ، لأن المراد بالزمان هو الآن ، والماضي وكل ما يوجد الآن فإنه ~~يكون حاضرا لا ماضيا ، فيكون الماضي حاضرا ، وهذا بخلاف أجزاء الجسم ، وقد ~~بينا بطلان لحوق القبلية والبعدية للزمان لذاته. ### |||| ** الوجه الثاني : الزمان إما الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، فالحاضر إن لم يكن PageV01P338 # له وجود والماضي والمستقبل معدومان لم يكن الزمان موجودا ، وهو المطلوب ~~وإن كان موجودا. فإما أن لا يكون منقسما ، فيكون عدمه ، دفعة لا محالة ، ~~وعند فنائه ms0203 يحدث آن آخر دفعة ، فيلزم منه تتالي الآنات ويلزم تركب الزمان ~~من الآنات ، فلا يكون كما متصلا (1)، ولا مقدارا للحركة ، ويلزم تركب ~~الجسم من الجواهر الأفراد ، وكل ذلك محال عندكم. # وإما أن يكون منقسما ، فيكون بعضه حاضرا وبعضه ماضيا أو مستقبلا ، فلا ~~يكون الحاضر كله حاضرا ، هذا خلف. # اعترضه «أفضل المحققين» : بأن الزمان إما الماضي أو المستقبل ، وليس لهما ~~(2) قسم آخر هو الآن ، إنما الآن هو فصل مشترك بين الماضي والمستقبل ، ~~كالنقطة في الخط ، والماضي ليس بمعدوم مطلقا ، إنما هو معدوم في المستقبل ، ~~والمستقبل معدوم في الماضي ، وكلاهما معدومان في الآن ، وكل واحد منهما ~~موجود في حده ، وليس عدم شيء في شيء هو عدمه مطلقا ، فإن السماء معدوم في ~~البيت ، وليس بمعدوم في موضوعه ، ولو كان الآن جزءا من الزمان لما أمكن ~~قسمة الزمان إلى قسمين ، مثلا تقول : من الغداة إلى الآن ، ومن الآن إلى ~~العشي ، فإن كان الآن جزءا لم تكن هذه القسمة صحيحة ، ولا أمكن قسمة مقدار ~~من الزمان إلى قسمين ، فالآن موجود وهو عرض حال في الزمان ، كالفصل المشترك ~~في الخط ، وليس بجزء من الزمان ، وليس فناؤه إلا بعبور زمان ، فلا يلزم ~~تتالي الآنات (3). # وفيه نظر ، لتوقفه على اتصال الزمان ، بل وعلى وجوده ، وهما ممنوعان ~~والضرورة قاضية بأن أمس غير موجود مطلقا ، وأن غدا غير موجود مطلقا ، ولو PageV01P339 # أخذ العقل يشك في وجود الماضي في الماضي ، ووجود المستقبل في المستقبل ، ~~لشك في أن زيدا لم يعدم ، وأن عمرا الذي لم يخلق موجود ، هذا عين السفسطة. # ثم قوله : «إنه موجود في حده» إن أراد به أن الماضي موجود في الماضي ، ~~والمستقبل موجود في المستقبل ، لزم أن يكون للزمان زمان ، ويتسلسل. وإن عنى ~~به أن الماضي والمستقبل موجودان مطلقا ، على معنى أن الوجود قد حصل لهما ~~بالفعل ، ولم يلحقهما العدم بعد ذلك ، لزم الحكم ببقائهما موجودين ، ~~والضرورة تدفع كل ذلك ، وليس حالهما حال عدم السماء في الأرض ، لأن للسماء ~~وجودا محققا بخلاف الماضي والمستقبل اللذين حكمت الضرورة بعدمهما ، ومن ms0204 جعل ~~الآن جزءا من الزمان جعله منقسما إلى أجزاء لا تتجزأ ، وأمكن أن يقسم ~~بقسمين مختلفين ومتساويين كالأجسام ، والحكم بوجود الآن يستدعي انقسام ~~الزمان بالفعل ، والبحث في كيفية عدم الآن سيأتي إن شاء الله تعالى. ### |||| ** الوجه الثالث : لو كان الزمان موجودا لكان واجب الوجود لذاته ، والتالي باطل فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أنه لو كان موجودا وفرضناه قابلا للعدم فليفرض أنه عدم ، ~~فيكون عدمه بعد وجوده بعدية لا يوجد فيها البعد مع القبل ، وهذه البعدية لا ~~تتحقق إلا عند تحقق الزمان ، فيلزم من فرض عدم الزمان وجوده ، وذلك محال. ~~فإذن مجرد فرض عدمه يستلزم المحال ، ففرض عدمه محال ، فهو واجب لذاته. وأما ~~بطلان التالي فظاهر ، أما أولا فلتركبه من الأجزاء وكل مركب ممكن. وأما ~~ثانيا فلأن كل جزء منه حادث ، والواجب لذاته ليس بحادث. وأما ثالثا فلأن كل ~~جزء منه يعدم ، وواجب الوجود يستحيل أن يعدم. وأما رابعا فلأنه قائم ~~بالحركة القائمة بالجسم ، فهو محتاج إلى محله وواجب الوجود ليس بمحتاج. # اعترض أفضل المحققين : بأن فرض عدم الزمان بعد وجوده ، يكون فرض PageV01P340 # عدمه مع وجوده ، ويلزم منه المحال ، لاشتماله على عدم الشيء ووجوده ، ~~وفرض عدم الزمان وحده ممكن إذا لم يقترن ذلك العدم بقبل أو بعد ، وهذا ~~الغلط ينشأ من قياس الزمان على ما في الزمان ، ومن اقتران وجود الشيء بعدمه (1). # وفيه نظر ، فإن للسائل أن يقول : نحن لا ندعي إلا أن عدم الزمان بعد ~~وجوده محال لذاته ، فيكون واجبا ، وإنما كان محالا لذاته لاستلزامه فرض عدم ~~الزمان مع وجوده ، ولزوم المحال باعتبار اشتماله على عدم الشيء ووجوده لا ~~يخرجه عن الاستحالة الذاتية ، لكن الوجوب محال. # واحتج مثبتوا الزمان بوجهين (2): ### |||| ** الأول : كل حركة تفرض في مسافة على مقدار من السرعة ، وأخرى معها على مقدارها من ~~السرعة ، وابتدأتا معا فإنهما تقطعان المسافة معا ، وإن ابتدأت إحداهما ولم ~~تبتدئ الأخرى ، ولكن تركتا معا فإن الثانية تقطع دون ما قطعت الأولى ، وإن ~~ابتدأ معها بطيء واتفقتا في الأخذ والترك ، وجد البطيء قطع أقل والسريع ms0205 قطع ~~أكثر ، فبين أخذ السريع الأول وتركه إمكان قطع مسافة معينة بسرعة معينة ~~وأقل منها ببطء معين ، وبين أخذ السريع الثاني وتركه إمكان أقل من ذلك بتلك ~~السرعة المعينة ، بحيث يكون هذا الإمكان جزءا من الإمكان الأول ، فهذا ~~الإمكان قابل للزيادة والنقصان ، فيكون وجوديا مقدارا للحركة على ما سبق ~~تقريره (3). # والاعتراض من وجوه : PageV01P341 # أ: هذا الدليل يتوقف على إمكان وجود حركتين تبتدئان معا وتنتهيان معا ، ~~وهذه المعية لا يمكن تفسيرها إلا بالمعية الزمانية ، فلا يمكن إثبات هذه ~~المعية إلا بعد إثبات الزمان ، فلو أثبتم الزمان بواسطة هذه المعية لزم الدور. # ب : هذا الدليل يتوقف على وجود حركتين إحداهما أسرع والأخرى أبطأ ، ~~والسرعة والبطء لا يمكن إثباتهما ولا تعقلهما إلا بعد إثبات الزمان وتعقله ~~، فيدور. # ج : كيف يصح منكم الحكم على هذا الإمكان بالزيادة والنقصان مع أنكم منعتم ~~وصف الزمان الماضي بهما ، وقلتم : إنه غير موجود بمجموعه في وقت من الأوقات ~~، وما لا يكون موجودا لا يصح الحكم عليه بالزيادة والنقصان (1). ### |||| ** الثاني : الشيء إذا قارن وجوده عدم آخر ثم وجد معه ، فإذا اعتبر وجود الأول مع عدم ~~الثاني كان متقدما عليه ، وإذا اعتبر من حيث تقارنا في الوجود كان معه ، ~~كالأب المقارن وجوده عدم الابن ، ثم يوجد الابن معه فيكون مقارنا له ، فهذا ~~التقدم إما أن يكون نفس ذات الأب وهو محال ، لأن تقدمه إضافي (2). وذات ~~الأب جوهر. ولأنه قد قارنه بعد ذلك فكان معه بهذا الاعتبار لا قبله ، فذات ~~الأب قد وجدت مع معية الابن ، ولم توجد قبليته معها (3)، فالقبلية زائدة ~~على ذاته. وهذه القبلية ليست صفة لازمة ، لأن ذاته قد توجد عند زوال هذه ~~القبلية عنه ، وهو حال مقارنته لوجود الابن. وليس هذا الوصف مجرد وجود الأب ~~وعدم الابن ، لأنا إذا أخذنا وجود الأب مع العدم الذي حصل للابن بعد وجوده ~~فهنا قد اعتبرنا وجود الأب وعدم الابن ، وليس الأب بهذا الاعتبار متقدما ~~على الابن ، بل متأخرا عنه ، فإذا كان الوجود متقدما تارة ومتأخرا أخرى علم ~~أن اعتبار كون ms0206 الأب متقدما PageV01P342 # على الابن ليس هو اعتبار وجود الأب وعدم الابن كيف اتفق. فهذه القبلية ~~وصف زائد على وجود الأب وعدم الابن ، وهو وصف إضافي يستدعي محلا. وليس عروض ~~القبلية والبعدية للأب والابن لذاتيهما ، فهما لغيرهما ، فإن كان عروضهما ~~لذلك الغير لا لذاته ، بل لغيره تسلسل ، ولا بد وأن ينتهي إلى ما يكون عروض ~~القبلية والبعدية لذاته ، وهو الزمان الذي كل جزء منه لذاته يكون قبل جزء ~~وجزء منه لذاته بعد جزء ، على معنى أن الموصوف بالقبلية بالنسبة إلى شيء ~~يستحيل أن يوصف بالبعدية بالنسبة إلى ذلك الشيء ، وما عداه من جميع الأشياء ~~فكل ما كان منها مطابقا للجزء القبل من الزمان كان «قبلا» ، وما كان منها ~~مطابقا للجزء البعد من الزمان كان «بعدا» ، ولو وجد الأب في الزمان الذي ~~وجد الابن فيه ووجد الابن في الزمان الذي وجد الأب فيه ، لكان الابن قبلا ~~والأب بعدا فتعاكسا ، بخلاف القبل والبعد من الزمان فإنهما لا يمكن ~~انقلابهما (1) البتة. # والاعتراض (2): قد بينا أن القبلية والبعدية من الاعتبارات العقلية لا ~~من الأمور الخارجية ، فلا يستدعيان زمانا خارجيا ، وإلا لزم التسلسل. ### ||| ** البحث السابع : في أن الكم المنفصل هل هو ثبوتي أم لا؟ # اختلف الناس في ذلك ، فذهب المتكلمون إلى نفيه ، وذهب الأوائل إلى ثبوته. # احتج الأولون بوجهين (3): PageV01P343 ### |||| ** الأول : العدد عبارة عن مجموع الوحدات ليس إلا ، فهو مركب من الوحدات ، والوحدة ~~ليست ثبوتية زائدة على الذات ، وإلا لزم أن يكون كل واحد من أشخاص تلك ~~الماهية واحدا ، فله وحدة ، وللوحدة وحدة أخرى إلى ما لا يتناهى ، وهو محال. ### |||| ** الثاني : الاثنينية لو كانت صفة ثبوتية قائمة بالوحدتين ، فإما أن تكون بتمامها ~~قائمة بكل واحدة من الوحدتين ، فيلزم قيام الواحد بالاثنين ، ويلزم أن يكون ~~كل وحدة وحدها اثنين ، لقيام الاثنينية بها وهو محال. أو تقوم بواحدة من ~~الوحدتين بعض الاثنينية بحيث تتوزع عليهما كان القائم لكل واحدة من ~~الوحدتين ، فلا يكون للوحدة الأخرى مدخل في الاثنينية ، ويلزم أن تكون ~~الوحدة التي قامت بها الاثنينية اثنين ، ويلزم الترجيح ms0207 من غير مرجح ، والكل ~~محال. أو تقوم بكل واحدة من الوحدتين بعض الاثنينية بحيث تتوزع عليهما كان ~~القائم بكل واحدة من الوحدتين غير القائم بالأخرى ، فلم تكن الاثنينية صفة ~~واحدة قائمة بالوحدتين ، بل مجموع أمرين متغايرين ، وإذا جاز ذلك فلتكن ~~الاثنينية نفس تينك الوحدتين من غير ثبوت أمر زائد ، هو العدد. # اعترضه أفضل المحققين : بأن الوحدة أمر عقلي تعقل بها (1) حيث يعتبر عدم ~~الانقسام ، وإذا اعتبرت من حيث كونها موضوعا لوحدة أخرى لزمت وحدة أخرى ، ~~وتكن حينئذ الوحدة واحدة بذلك الاعتبار ، ولا تكون الوحدتان اثنين ، لأنهما ~~ليستا في مرتبة واحدة ، بل الأولى معقولة من الموضوع ، والثانية معقولة من ~~المعقول من الموضوع ، ولا يتسلسل ، بل ينقطع عند عدم الاعتبار. والاثنينية ~~قائمة بمجموع الوحدتين من حيث اعتبار الانقسام فيه إلى وحدتين ، [أما ~~باعتبار عدم PageV01P344 # الانقسام فيه من حيث هما مجموع واحد لوحدتين] (1) فيكون اثنان واحدة من ~~جميع آحاد ما يفرض اثنين ، ويقال عليهما اثنان. # وفيه نظر ؛ فإن فيه اعترافا بكون الوحدة أمرا عقليا لا تحقق له في ~~الأعيان ، ويلزم منه أن يكون العدد المركب من الآحاد أمرا عقليا لا وجود له ~~في الخارج. وسعي المتكلمين ليس إلا في ذلك ، فيثبت مطلوبهم. # وقوله : «لا تكون الوحدتان اثنين ، لأنهما ليستا في مرتبة واحدة» ممنوع ؛ ~~لأن وحدة الجسم مثلا مغايرة لوحدة الوحدة ، فهنا وحدتان بالضرورة ، وإن ~~كانت إحداهما للجسم والأخرى لوحدته ، فإنه لا يلزم في الاثنينية اتحاد نوع ~~الوحدتين ، بل أي وحدتين فرضتا لأي ماهيتين فرضتا (2)، لزم ثبوت الاثنينية ~~، ولا فرق بين انضمام وحدة الوحدة إلى وحدة الجسم ، وبين انضمام وحدة العرض ~~إلى وحدة الجسم في (3) حصول اثنينية منهما. وكون الاثنينية قائمة بمجموع ~~الوحدتين ، إن أراد به أنه يحصل للوحدتين هيئة باعتبارها يكون للوحدتين ~~مجموع تصير به شيئا واحدا حتى تحل (4) الاثنينية التي هي عرض واحد ، فيكون ~~البحث في حلول تلك الهيئة في الوحدتين كالبحث في حلول الاثنينية. وإن أراد ~~أنه تحل الاثنينية في الوحدتين من غير أن تصيرا محلا واحدا ورد الإشكال. # واحتج الأوائل ms0208 على كونه ثبوتيا (5): PageV01P345 # بأن العدد مركب من الواحدات وليس شيئا مغايرا لمجموع الوحدات ، لكن كل ~~وحدة فإنها وجودية ، لأن الشيء الواحد كالسواد الواحد الشخصي يخالف العشرة ~~من أشخاص السواد في مسمى الواحدية ، ويشاركها في مسمى السوادية ، وما به ~~الاشتراك غير ما به الامتياز ، فالواحدية صفة زائدة على الماهية ، وليست ~~أمرا عدميا ؛ لأنها لو كانت عدما لم يكن عدم أي شيء كان ، بل كانت عدم ~~الكثرة ، فالكثرة إن كانت عدمية كانت الوحدة عدم العدم ، وعدم العدم ثبوت ، ~~فالوحدة ثبوتية ، ولا معنى للكثرة إلا مجموع تلك الوحدات ، وإن كانت وجودية ~~كانت الوحدة عدمية ، فيكون مجموع العدمات أمرا وجوديا ، وهو محال. فيلزم أن ~~تكون الكثرة والوحدة صفتين وجوديتين قائمتين بالذوات المعروضة (1) لهما ، ~~وهو المطلوب. # اعترضه أفضل المحققين : بأن قوله يعني أفضل المتأخرين : «إن الفلاسفة ~~قالوا : الكثرة عدم الوحدة ، ثم قالوا : الكثرة مجموع الوحدات ، فحاصله ~~أنهم قالوا : المجموع هو عدم الجزء منه» (2) وهذا لا يقوله عاقل. # والمشهور بين الفلاسفة أنهم قالوا : الوحدة أمر عقلي عام يقع على الوحدات ~~كالوجود ، والشيء ويعدونها في الأمور العامة (3)، ويقولون : إنها تقع على ~~موضوعاتها لا بمعنى واحد ، فليس وحدة النقطة كوحدة الجسم ، ولا كوحدة ~~الحيوان ، ولا كوحدة العسكر ، والكثرة مؤلفة من الآحاد. # وفيه نظر ؛ فإن «أفضل المتأخرين» لم ينقل عن الفلاسفة أنهم قالوا : ~~الكثرة عدم الوحدة ، بل إن الوحدة لو كانت عدما لم تكن عدم أي شيء كان ، ~~فإن عدم الفرس أو عدم الإنسان أو ما عداهما ليس وحدة ، بل إن كانت عدما لم ~~تكن إلا PageV01P346 # عدم ما يقابلها ، ومقابل الوحدة ليس إلا الكثرة ، فيلزم أن تكون الوحدة ~~عدم الكثرة ، لكن ذلك محال ؛ لأن الكثرة إما أن تكون وجودية أو عدمية ، فإن ~~كانت وجودية لزم أن تكون مجموع العدمات أعني الوحدات ، أمرا وجوديا ، وهو ~~معلوم البطلان ، وإن كانت عدمية كانت الوحدة عدم هذا الأمر العدمي ، وعدم ~~العدم ثبوت ، فتكون الوحدة ثبوتية ، وقد فرضناها عدمية ، هذا خلف ، وهذا ~~بعينه دليل الأوائل. # وقوله : «الوحدة أمر عام عقلي ويعدونها من الأمور العامة» ms0209 مسلم كونها ~~كذلك ، ليس النزاع في ذلك ، بل في الوحدات الشخصية هل هي ثبوتية أم لا؟ ~~وكلامه يعطي أنها ليست ثبوتية في الأعيان ، ويلزم منه أن لا تكون الكثرة ~~وجودية ، لتركبها عن الأمور الاعتبارية ، فلا يكون العدد كما منفصلا قسيما ~~للمتصل ، لاستحالة كون الجنس جنسا باعتبار نوعين أحدهما ثبوتي والآخر عدمي. # والوجه : أن الوحدة أمر اعتباري كما قاله (1)، والكثرة كذلك. وليست ~~الوحدة نفس العدم حتى يلزم أن يكون عدمها ثبوتيا ، بل هي وصف ثبوتي في ~~الذهن ، اعتباري لا تحقق له في الأعيان ، ولا يلزم من ذلك أن يكون له نقيض ~~ثبوتي كالعمى ، فإن عدمه يصدق بثبوت البصر ونفيه أيضا مع انتفاء المحل ، ~~فسقطت حجة الفلاسفة بالكلية. ### |||| ** تذنيب : قال المتكلمون : لما ثبت أن الكميات ليست ثبوتية لم تكن الكيفيات المختصة ~~بها ثبوتية ، لامتناع كون الصفة ثبوتية والموصوف عدميا. # قال أفضل المحققين : لا شك في وجود الخط المستقيم والمنحني والدائرة ~~والكرة والزاوية، وامتياز بعضها عن بعض ، وليس ذلك إلا كيفيات مختصة ~~بالكميات (2). # وفيه نظر ؛ لجواز رد ذلك كله إلى التأليف بين الأجزاء. PageV01P347 ### ||| ** البحث الثامن : ### ||| ** في المسائل المتفرعة على وجود الكم عند الأوائل وهي خمسة : ### ||| ** المسألة الأولى : في أن الكم لا ضد له (1) # هذه المسألة ساقطة عندنا ، لأن الكم قد بينا أنه ليس ثابتا في الأعيان ، ~~وإنما نبحث فيها على رأي القدماء ، قالوا : الكم لا ضد له ، أما المنفصل ~~فلوجوه (2): ### |||| ** أ: كل عدد يفرض فإنه مقوم لما هو أكثر منه ، ومتقوم بما هو أقل منه ، ولا شيء ~~من الضدين بمقوم لصاحبه ولا متقوم به ، فلا شيء من الأعداد بمتضادة. ### |||| ** ب : يشترط في الضدين غاية التباعد ، ولا شيء من العدد أقل من الاثنين (3)، ولا ~~ضد له من الأعداد ، لأن كل عدد يفرض ضدا له فهناك عدد فوقه بعده من الاثنين ~~أكثر من هذا العدد ، لعدم تناهي الأعداد ، وإذا لم يكن هناك عدد يضاد ~~الاثنين ، فلا يكون الاثنان ضدا لشيء (4) البتة ، لأن التضاد إنما يتحقق من ~~الجانبين. # ج : يشترط في الضدين وحدة الموضوع ، ويستحيل أن ms0210 يكون لنوعين من العدد ~~موضوع واحد ، فإن كل عدد إنما يتقوم بمجموع وحدات يبلغ عددها ذلك العدد ، ~~فالثلاثة تتقوم صورتها عند اجتماع وحدة ووحدة ووحدة ، وما دامت هذه الوحدات ~~موجودة استحال عروض الثنائية لها ، بل الموضوع لا بد وأن يعرض له ، PageV01P348 # إما زوال تلك الوحدات وتبدلها بوحدتين حتى يعرض له معنى الثنائية ، فيكون ~~الموضوع قد فسد ، وإما ارتفاع وحدة وبقاء وحدتين فقط حتى يعرض حينئذ معنى ~~الاثنوة ، فلا يكون موضوع الاثنينية موضوع الثلاثية (1) بل جزء من موضوعها. # وأما الكم المتصل ، وهي المقادير والخطوط والسطوح ، فليس بعضها مضادا ~~للبعض لوجوه : ### |||| ** أ: كل واحد من هذه إما قابل للآخر أو مقبول له ، والقابل والمقبول لا يوجدان ~~إلا معا ، ويتقوم المقبول بالقابل ، ويكون القابل مقوما للمقبول ، ولا شيء ~~من الأضداد بواجب المقارنة لضده ، ولا يتقوم أحدهما بالآخر. # ب : ليس هنا مقدار في غاية البعد عن الآخر. # ج : الموضوع لها ليس واحدا ، فإن الخط والسطح لا يوجدان في موضوع واحد ~~بالذات ، بل الخط لا يوجد إلا في السطح ، والسطح لا يوجد إلا في الجسم ، ~~والجسم لا يوجد إلا في المادة. # لا يقال : إنه قد يعرض له التضاد ، فإن الزوجية كمية مضادة للفردية. ~~والاستقامة كمية مضادة للانحناء. والمتصل كم يضاد المنفصل. والمساوي ضد ~~المفاوت ، والعظيم ضد الصغير ، والكثير ضد القليل. والمكان الأعلى ضد ~~للمكان الأسفل. # لأنا نقول : ليست الزوجية من باب الكم ، فإنه لا تعرض لها لذاتها ~~المساواة واللامساواة (2)، بل هي من باب الكيف. والوجه أنها من باب ~~الانفعال ، فإنها انقسام الشيء بمتساويين في العدد ، نعم لو جعلت كيفية ~~قائمة بالعدد مقتضية PageV01P349 # لقسمته بمتساويين ، صح أنها من باب الكيف ، لكن لا برهان على ذلك. # سلمنا أنها من باب الكم ، لكنها لا تضاد الفردية ، فإن المشهور أن ~~الفردية عدم الانقسام بمتساويين ، فهو عدم الزوجية عما من شأنه أن توجد له ~~الزوجية تحت جنسه ، فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة لا تقابل الضدية. # سلمنا كون الفردية وجودية ، لكن يستحيل أن يكون موضوع الزوجية والفردية ~~واحدا ، فإن العدد الذي ms0211 تعرض له الزوجية يمتنع أن تعرض له الفردية. # والاستقامة والانحناء من باب الكيف لا من باب الكم ، وأيضا سيأتي بيان ~~اتحادهما في الموضوع (1). # والمتصل والمنفصل فصلان لنوعي الكم ، ويستحيل اندراجهما تحت الجنس ، ~~لامتناع مساواة الفصل للنوع في التقوم بالجنس الواحد. على أنا نمنع كون ~~الانفصال وجوديا ، بل هو عدم الاتصال عما من شأنه أن يتصل. # والمساواة والمفاوتة والعظم والصغر والكثرة والقلة اضافات في كميات ، لا ~~أنها في ذاتها (2) كميات. وأيضا هذه الاضافات وأمثالها يمتنع عروض التضاد ~~لها (3). والمكان الأعلى يستحيل أن يوجد في موضوع المكان الأسفل فلا تضاد ~~بينهما ؛ لامتناع تعاقبهما على موضوع واحد ، نعم الحصول في المكان الأعلى ~~ضد الحصول في المكان الأسفل ، وهذان الحصولان نوعان من الأين لا من الكم. ~~وأيضا المكان من حيث هو ليس بفوق ولا أسفل ، بل هو سطح حاو لآخر وكونه ~~حاويا إضافة. وأما كونه تحتا وفوقا فهو بالقياس إلى مكان آخر ، وإذا كانت ~~الفوقية والتحتية من باب الاضافات امتنع عروض التضاد لها ، كما امتنع عروضه ~~للكبير والصغير. PageV01P350 ### ||| ** المسألة الثانية : في أن الكم لا يقبل الشدة والضعف (1) # إنه من الظاهر البين عند العقل : أنه ليس ثلاثة أشد من ثلاثة أخرى في ~~الثلاثية أو أضعف ، ولا جسم أشد من جسم آخر في الجسمية أو أضعف ، ولا سطح ~~أشد من سطح في السطحية ، ولا خط أشد من خط آخر في الخطية. نعم إنه يقبل ~~الزيادة والنقصان وهو غير الشدة والضعف ، لأن الخط إذا ازداد أمكن أن يشار ~~إليه مع مثل ما كان من الزيادة ، والسواد إذا اشتد لم يمكن أن يشار إليه مع ~~مثل ما كان من الزيادة. والأزيد والأنقص غير منحصر ، وتفاوت الشدة والضعف ~~منحصر بين طرفي الضدين ، لأن الضدين بينهما غاية البعد ، فمعلوم أنه لا ~~يمكن أن يكون عدد أو مقدار أشد في عدديته أو مقداريته من عدد آخر أو مقدار آخر. ### ||| ** المسألة الثالثة : في الكم بالعرض (2) # اعلم أن الكم هو الذي يقبل لذاته المساواة واللامساواة ، وهنا أشياء ~~تقبلهما ، لكن لا لذواتها ، بل لغيرها ms0212 ، فتسمى كما بالعرض. وذلك على وجوه ~~أربعة : # أ: أن يكون شيئا موجودا في الكم كالزوجية والفردية والاستقامة والانحناء. # ب : أن يكون الكم موجودا فيه كالأشخاص العشرة ، وكالجسم الذي طوله ذراع ~~(3). والزمان له اتصال ذاتي ، لأنه نوع من الكم المتصل ، واتصال عرضي PageV01P351 # بسبب اتصال المسافة التي يوجد فيها المتحرك ، فيقال زمان فرسخ (1)، ~~فيقدر الزمان بالفرسخ ، فالزمان من هذا الوجه داخل بالعرض (2) تحت الكم ~~المتصل. ولا استبعاد في كون الشيء من مقولة ويعرض له من نوع تلك المقولة ~~شيء كالأقرب ومنفصل بالعرض ، لانقسامه إلى الساعات والأيام والشهور ~~والأعوام (3). والحركة توصف بالطول والقصر والمساواة وعدمها ، إما باعتبار ~~حلول الزمان فيها أو باعتبار حلولها في المسافة ، فيقال حركة طويلة أي ~~باعتبار طول الزمان أو باعتبار طول المسافة. والأجسام توصف بأنها طويلة أو ~~عريضة باعتبار حلول الكم المتصل فيها. # ج : ما تكون كميته باعتبار حلوله في المحل الذي حصل فيه الكم ، كما يوصف ~~السواد بالطول باعتبار حلول المقدار والسواد في محل واحد. # د : أن يكون الشيء ليس محلا للمقدار ، ولا كميته حلوله فيه ، بل له تعلق ~~ما بالمقدار أو العدد (4) فيصح اتصافه بما يتصف به الكم ، كالقوى إذا ~~اعتبرت بالنسبة إلى آثارها ، فتلك القوة ليست ذات كمية في نفسها ، بل ~~باعتبارها إلى ما يصدر عنها ، فيقال إنها متناهية أو غير متناهية باعتبار ~~تناهي آثارها وعدم تناهيها ، ويحصل للقوى اختلاف بالزيادة (5) والنقصان ~~بالإضافة إلى شدة ظهور الفعل عنها ، وإلى عدة ما يظهر عنها ، و (6) إلى مدة ~~بقاء الفعل. PageV01P352 # فهذه أصناف اختلاف القوى باعتبار آثارها المتفاوتة بالعدة أو المدة أو ~~الشدة ، لأن الصادر عنها ، إما عمل متصل في زمان أو أعمال متوالية لها عدد ~~، ففرض النهاية واللانهاية فيه يكون بحسب مقدار ذلك العمل أو عدد تلك ~~الأعمال ، والذي بحسب المقدار يكون إما مع فرض وحدة العمل واتصال زمانه ، ~~أو مع فرض الاتصال في العمل نفسه ، لا من حيث يعتبر وحدته وكثرته ، كقوى ~~يفرض صدور عمل واحد منها في أزمنة مختلفة ، كرماة يقطع سهامهم مسافة محدودة ~~في أزمنة ms0213 مختلفة ، فالتي زمانها أقل أشد قوة من التي زمانها أكثر، ويجب أن ~~يقع عمل غير المتناهية لا في زمان. وكقوى يفرض صدور عمل ما منها على ~~الاتصال في أزمنة مختلفة ، كرماة تختلف أزمنة حركات سهامهم في الهواء ، ولا ~~محالة تكون التي زمانها أكثر أقوى من التي زمانها أقل ، ويجب من ذلك أن يقع ~~عمل غير المتناهية في زمان غير متناه. وكقوى يفرض صدور أعمال متوالية عنها ~~مختلفة بالعدد كرماة يختلف عدد رميهم ، ولا محالة تكون التي يصدر عنها عدد ~~أكثر أقوى من التي يصدر عنها عدد أقل ، ويجب من ذلك أن يكون لعمل غير ~~المتناهية عدد [غير] (1) متناه. فالاختلاف الأول بالشدة والثاني بالمدة ~~والثالث بالعدة. # والفرق بين الشدة والمدة : # 1 أن الزائد بحسب الشدة ناقص بحسب المدة. # 2 ولأنه قد تختلف القوى بحسب المدة دون الشدة ، فإن سكون الثقيل في الجو ~~لا يقبل التفاوت بحسب الشدة ، بل بحسب المدة. # والفرق بين العدة والمدة ، أن المدة هي في ثبات شيء واحد ، واعتبار العدة ~~ليس في ثبات شيء واحد (2). PageV01P353 ### ||| ** المسألة الرابعة : في أن الثقل والخفة ليسا من الكم (1) # إنه قد يعرض كثيرا لبعض الناس الاشتباه بين الكم بالذات والكم بالعرض ، ~~فيلحق الثاني بالأول لقصور قوته المميزة بين ما هو للشيء بالذات وبين ما هو ~~للشيء بالعرض. وهؤلاء لما رأوا : # 1 قبول كل واحد من الثقل والخفة للمساواة والمفاوتة والزيادة والنقصان ، ~~حيث يقال : ثقل هذا الجسم يساوي ثقل ذاك أو يزيد عليه أو ينقص عنه. # 2 وقبولهما للتجزئة حيث يقال : ثقل هذا الجسم نصف ثقل ذلك أو ضعفه ، ~~وتوهموا أن هذا القبول لذات الثقل والخفة ، لا جرم توهموا أنهما داخلان تحت ~~مقولة الكم. وهو خطأ ، فإن المساواة والمفاوتة في الكم عبارة عن فرض حد ~~للشيء منطبق على حد آخر مفروض ، فإذا انطبق كليته على كلية الآخر ، فإن ~~انطبق حداه الآخران على حدي الآخر قيل له : إنه قد ساواه ، وإن لم ينطبق ~~الحدان الآخران على حدي الآخر ، قيل : إنه قد فاوته إما بزيادة أو ms0214 نقصان. # وهذا المعنى لا يتحقق في الثقل والخفة ، لأنهما عبارتان عن قوتين إحداهما ~~تحرك الشيء إلى أسفل ، والأخرى تحركه إلى فوق ، وهذه القوة المحركة إما أن ~~تكون بالطبع ، وهي صورة جوهرية نوعية وتلك من مقولة الجوهر ، أو الميل الذي ~~هو السبب القريب للحركة ، وهو من مقولة الكيف. نعم يعرض للحركة التفاوت ~~بسبب تفاوت الزمان فيدخلان تحت الكم بالعرض (2) بهذا الاعتبار. # وأما التجزئة فإنما حصلت لهما بسبب أن القوة تحرك في الزمان في نصف ~~المسافة ، أو تحرك في المسافة في ضعف الزمان ، فعروض المساواة والمفاوتة ~~بسبب تأثيره في الحركة المتعلقة بالزمان ، والتجزئة إنما حصلت للزمان ~~بالذات ، ولهما بالعرض. PageV01P354 ### ||| ** المسألة الخامسة : في الطول والعرض والعمق (1) # الطول يقال على معان خمسة بالاشتراك : # أ: الامتداد الواحد كيف كان. # ب : الامتداد المفروض أولا. # ج : أطول الامتدادين المحيطين بالسطح. # د : البعد الآخذ من رأس الإنسان إلى قدمه أو من رأس الحيوان إلى ذنبه. # ه : الامتداد الآخذ من مركز العالم إلى محيطه. # وأما العرض فيقال على معان أربعة بالاشتراك : # أ: المقدار الذي فيه بعدان. # ب : البعد الذي يفرض مقاطعا لبعد آخر فرض أولا. # ج : أقصر البعدين المحيطين بالسطح. # د : البعد الآخذ من يمين الحيوان إلى شماله. # وأما العمق فيقال على معان أربعة أيضا بالاشتراك : # أ: الثخن (2) الذي تحصره السطوح. # ب : البعد المقاطع للبعدين المفروضين أولا. # ج : الثخن الذي تحصره السطوح بشرط الأخذ من فوق إلى أسفل ، فإن ابتدأ ~~بالأخذ من أسفل إلى فوق سمي سمكا. # د : البعد الذي يحويه قدام الإنسان وخلفه ، ومن الحيوان فوقه وأسفله. PageV01P355 # وهذه المعاني كميات عرضت لها إضافات. فإن أريد بالطول والعرض والعمق نفس ~~الامتدادات فهي كم بالذات ، وإن أريد بها ما تقدم من المعاني فهي كميات ~~أخذت مع إضافات ؛ لأن كل خط فهو طويل في نفسه على معنى أنه في نفسه بعد ~~وامتداد واحد. ثم يقال : هذا الخط طويل وذاك الآخر ليس بطويل ، فالمسلوب ~~هنا ليس هو الخط الذي بمعنى البعد والامتداد ، لأن كل خط فهو طويل بهذا ~~المعنى ، بل المسلوب هو ms0215 الأمر الإضافي. # ثم هذه الكميات المأخوذة بالإضافة إلى شيء قد تؤخذ بحيث لا تكون من شرط ~~إضافتها إلى شيء إضافتها إلى ثالث ، كما يقال : هذا الخط طويل وهذا ليس ~~بطويل ، وهذا السطح عريض والسطح الآخر ليس بعريض ، وهذا الجسم ثخين والآخر ~~ليس بثخين ، وهذا العدد كثير والآخر ليس بكثير ، وقد تؤخذ بحيث تشترط ~~الإضافة إلى ثالث كالأطول والأعرض والأثخن والأكبر (1). ### ||| ** البحث التاسع : في تناهي الأبعاد (2) # اختلف الناس في ذلك ، فالذي عليه المتكلمون كافة ومحققوا الأوائل : أن ~~الأبعاد متناهية. وذهب حكماء الهند إلى أنها غير متناهية. لنا وجوه (3): ### |||| ** أ: لو كانت الأبعاد غير متناهية لامتنع توارد المسامتة على الخط بعد الموازاة ~~مع غيره فامتنعت الحركة الدورية ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله. PageV01P356 # بيان الشرطية : أنه لو كانت الأبعاد غير متناهية لفرض فيها خط غير متناه ~~مواز لخط (1) خرج من مركز كرة إلى محيطها ، فإذا تحركت الكرة حتى صار ذلك ~~الخط الخارج من مركزها مسامتا للخط الغير المتناهي بعد الموازاة ، فلا بد ~~وأن تحدث فيه نقطة يقع عليها أول المسامتة ، لكن ذلك محال ، لأنه لا نقطة ~~في ذلك الخط إلا وفوقها نقطة أخرى تقع بها المسامتة قبل النقطة التي تفرض ~~أول نقط المسامتة ؛ لأن المسامتة مع النقطة المفروضة أول نقط المسامتة إنما ~~تحصل بواسطة الحركة إليها ، لكن الحركة إنما تقع على مسافة منقسمة ، ~~والحركة إلى نصف تلك المسافة سابقة على الحركة إلى (2) آخرها ، فتكون ~~النقطة المحاذية لطرف الخط حال كونه في النصف سابقة على تلك النقطة ~~المفروضة عند كونه في آخرها ، وهكذا في نصف النصف إلى ما لا يتناهى ، فلا ~~نقطة تفرض أول نقط المسامتة إلا وقبلها نقط لا تتناهى تمنعها عن كونها أول ~~نقط المسامتة ، وهذا محال أدى إليه عدم تناهي الأبعاد ، وكل ما يؤدي إلى ~~المحال يكون محالا ، فعدم تناهي الأبعاد محال. # وفيه نظر ؛ لأن هذا البرهان مبني على اجتماع النقيضين واجتماع النقيضين ~~محال ، فلا تحقق لصحة هذا البرهان. # وبيانه : أنه مبني على ثبوت الجزء ونفيه ، وهما متناقضان. وإنما كان ~~مبنيا ms0216 على ثبوت الجزء ، لأن فرض نقطة هي أول نقط المسامتة ، إنما يتم لو ~~كانت هناك حركة لا تنقسم تفرض المسامتة الأولى عندها ، لكن وجود حركة لا ~~تنقسم يتوقف على ثبوت مسافة لا تنقسم ، أعني : الجوهر الفرد. وإنما كان ~~مبنيا على نفيه ، لأن انقسام الحركة إلى ما لا يتناهى إنما يصح على تقدير ~~نفي الجوهر الفرد ، إذ على تقدير ثبوته لا يصح انقسامها إلى ما لا يتناهى ، ~~فقد ظهر توقف هذا PageV01P357 # البرهان على ثبوت الجوهر الفرد وعلى نفيه معا ، فيكون فاسدا. # قال أفضل المحققين : هذا البرهان فيه نظر ؛ لأن الأمور الواقعة في الزمان ~~، إنما يكون أوائلها آن هو مبدأ ذلك الزمان كالحركة ، فإن مبدأها الآن الذي ~~لم يشرع المتحرك في الحركة بعد ، وكل آن بعد ذلك الآن فإن الحركة قد عبر ~~منها (1) جزء حتى وصلت إليه ، وذلك الجزء يقبل القسمة إلى ما لا نهاية له ، ~~كذلك مسامتة الخط للخط بعد الموازاة ، فإنها تقع في زمان بخلاف مسامتة الخط ~~للنقطة الواقعة في آن ، فمبدأ المسامتة يكون آن الموازاة ، وكل آن بعد ذلك ~~الآن يكون الخط فيه مسامتا ، بعد أن عبر من المسامتة شيء ينقسم إلى ما لا ~~نهاية له ، وبان من ذلك أن المحال الذي ذكروه غير لازم ولا متعلق بتناهي ~~الخط ولا تناهيه (2). ### |||| ** ب : (3) لو كانت الأبعاد غير متناهية ، لأمكن أن يخرج امتدادان من نقطة واحدة ، ~~كساقي مثلث لا يزال البعد بينهما يتزايد بقدر واحد من الزيادات إلى غير ~~النهاية ، وكل زيادة توجد فإنها مع المزيد عليه يوجد في البعد الذي فوقه ، ~~فهذه مقدمات أربع يتوقف هذا البرهان عليها (4): # 1 إمكان خروج امتدادين من نقطة واحدة كساقي مثلث. وهذا ظاهر ، لكنه ليس ~~بعام ، بل هو مختص بامتناع عدم تناهي بعدين أو ثلاثة ولا يدل على امتناع ~~بعد واحد غير متناه ، لعدم إمكان فرض الساقين المذكورين فيه. # 2 جواز وجود أبعاد بينهما تزايد بقدر واحد من الزيادات ، مثلا يكون البعد ~~الأول ذراعا ، والثاني يزيد عليه بنصف ذراع ، والثالث يزيد على الثاني أيضا ms0217 PageV01P358 # بنصف ذراع فما زاد وهكذا. وإنما شرطنا التزايد ليظهر انحصار ما لا يتناهى ~~بين حاصرين. وإنما شرطنا أن تكون الزيادات بقدر واحد فما زاد ، ليحصل لنا : ~~أن البعد المتزايد بينهما المشتمل على تلك الزيادات غير متناه في الطول ، ~~فإنا لو نصفنا خطا طوله ذراع ، ثم جعلنا أحد نصفيه أصلا ، وزدنا عليه نصف ~~النصف الآخر ، ثم نصف النصف الباقي وهكذا إلى ما لا يتناهى وهو ممكن لأن كل ~~مقدار عندهم قابل لانقسامات غير متناهية كانت الزيادات التي يمكن ضمها إلى ~~الأصل غير متناهية ، والأصل يتزايد إلى غير النهاية مع أنه لا ينتهي إلى ~~مساواة الخط الذي فرضناه ذراعا ، فيجب أن تكون تلك الزيادات غير متناقصة ، ~~لأنها لو تناقصت لم يلزم من كونها غير متناهية أن يصير المزيد عليه غير ~~متناه ، بل يجب أن يكون بقدر واحد أو أزيد. وهذه المقدمة أيضا ظاهرة ~~الثبوت. # 3 جواز أن تفرض بين الامتدادين هذه الأبعاد المتزايدة بقدر واحد إلى غير ~~النهاية ، فيكون هناك إمكان زيادات على أول تفاوت يفرض بغير نهاية. وهذه ~~ظاهرة أيضا ، لأنا فرضنا البعدين غير متناهيين فالزيادات بينهما (1) كذلك ، ~~وإلا انقطعت فانقطعا. # 4 أن كل زيادة توجد فإنها مع المزيد عليه قد توجد في بعد واحد ، فكل بعد ~~أخذته وجدت جميع الزيادات التي دونه موجودة فيه ، مثلا البعد العاشر ليس ~~عبارة عن التاسع مع زيادة فيه عليه فقط ، بل هو عبارة عن البعد الأول مع ~~مجموع تلك الزيادات إلى البعد العاشر ، فتكون تلك الزيادات بأسرها موجودة ~~في بعد واحد هو العاشر ، وهكذا إلى ما لا يتناهى. # وإذا تقررت هذه المقدمات فنقول : إما أن يكون في هذه الأبعاد المتزايدة ~~إلى غير النهاية بعد واحد يشتمل على الزيادات الغير المتناهية ، أو لا ~~يكون. والثاني PageV01P359 # باطل ؛ لأنه إما أن يوجد بين الامتدادين بعد لا يوجد فوقه بعد آخر ، أو ~~لا يوجد. والأول يوجب انقطاهما ، وقد فرضناهما غير متناهيين ، هذا خلف. ~~والثاني يقتضي أن لا تكون هناك زيادة إلا وهي حاصلة في بعد آخر ، فيصدق على ms0218 ~~كل زيادة أنها حاصلة في بعد ، ومتى صدق على كل واحدة أنها حاصلة في بعد ، ~~صدق على المجموع أنه حصل في بعد ، فوجب أن يوجد بين الامتدادين بعد يشتمل ~~على الزيادات الغير المتناهية مع كونه محصورا بين حاصرين ، وهو محال. # وأيضا يجب أن يكون هو آخر الأبعاد ، وإلا لو كان فوقه بعد آخر لم يكن ~~مشتملا على زيادته مع أنا فرضناه مشتملا على كل الزيادات ، وإذا كان آخر ~~الأبعاد وجب انقطاع الامتدادين ، وأن لا ينفذا بعد وجود هذا البعد الذي ~~فرضناه آخر الأبعاد. # وهذا البرهان يشتمل على مقدمة واحدة مشكلة ، وهي أن كل زيادة لما كانت ~~حاصلة في بعد وجب أن تكون جميع الزيادات حاصلة في بعد ، فإن ثبتت استمر ~~البرهان ، وإلا سقط بالكلية (1). # ج (2) ### |||| ** : لو كانت الأبعاد غير متناهية ، لأمكن فرض خطين غير متناهيين من جهة ~~ومبدءاهما واحد ، ثم تقطع من أحدهما قطعة متناهية ، ثم يطبق الخط الأول مع ~~الخط المقطوع ، بأن يجعل الأول من التام بإزاء الأول من الثاني بعد القطع ، ~~والثاني من الأول بإزاء الثاني من الثاني وهكذا ، فإن استمر التطبيق بينهما ~~إلى غير النهاية ، ولم ينقص أحدهما عن صاحبه كان الشيء مع غيره كهو لا مع ~~غيره ، إذ كانا قبل القطع متساويين وبعده كذلك ، فيكون الخط المقطوع مساويا ~~للتام حالتي قطعه وعدمه ، فيكون وجود القطعة المحذوفة وعدمها سواء ، إذ لم ~~يظهر هناك تفاوت ، PageV01P360 # وهو باطل بالضرورة ، وإن حصل التفاوت فإما أن يكون من الطرف المتناهي وهو ~~محال ، لأنا فرضنا التطبيق بين أول أحد الخطين وأول الثاني وهكذا ، فيبقى ~~التفاوت إذن في الطرف الغير المتناهي ، فينقطع الناقص ويستمر التام ليحصل ~~التفاوت من تلك الجهة ، فيتناهى الناقص ، وكذا التام ؛ لأنه لا يزيد عليه ~~إلا بالقدر المقطوع ، وذلك شيء متناه ، والزائد على المتناهي بمقدار متناه ~~يكون بالضرورة متناهيا فقد (1) تناهي الامتدادان وهو المطلوب. # اعترض (2) بأن تطبيق نهاية الزائد على نهايته الناقص إنما يمكن على أحد ~~وجوه ثلاثة: # 1 أن يتحرك الناقص بكليته عن جهة نهايته حتى تنطبق نهايته على ms0219 نهاية ~~الزائد ، أو يتحرك الزائد بكليته عن جهة نهايته حتى تنطبق نهايته على نهاية ~~الناقص. # 2 أن يزداد الناقص حتى ينطبق طرفه على طرف الزائد ، أو ينتقض طرف الزائد ~~وينزل (3) حتى ينطبق على طرف الناقص. # 3 أن يبقى الزائد والناقص كما كانا ، ولكنه توضع نهاية الزائد على نهاية ~~الناقص ، فتظهر في الزائد فضلة لا تنطبق [على الناقص بل تبقى متجافية عليها ~~وذلك مثل] (4) خطين يتفاوتان في نهايتهما ، فإذا أطبقا (5) بين نهايتهما ~~حدثت في الزائد فضلة [متجافية] لا تنطبق على الناقص ، ثم لا تزال تزيد تلك ~~الفضلة وتبعدها إلى الجانب الآخر ، إلى أن تظهر الفضلة من [الجانب] الآخر. PageV01P361 # فإن ادعينا صحة التطبيق بين نهايتي المقدارين على الوجه الأول لزمنا ~~المصادرة على المطلوب ؛ لأن الخط إنما يمكن أن يتحرك بكليته إذا خلى مكانا ~~وشغل غيره ، وإنما يصح ذلك لو كان متناهيا من كل الجهات. # وإن ادعينا ذلك على الوجه الثاني فحينئذ يصير كل واحد منهما بعد (1) ~~النمو والذبول مساويا للآخر ، ولا يلزم منه محال. # وإن ادعينا ذلك على الوجه الثالث ، فللخصم أن يقول : الزائد والناقص ~~يمتدان إلى غير النهاية وتبقى في الزائد تلك الفضلة الغير المنطبقة أبدا ، ~~ولا ينتهي إلى حيث تزول تلك الفضلة فإذن هما يمتدان إلى غير النهاية ، [ولا ~~يلزمني أن أجعل الناقص مساويا للزائد لأن تلك الفضلة أبدا] (2) موجودة مع ~~الزائد (3). # وأيضا ينتقض (4) بالنفوس الحادثة من زمان الطوفان إلى ما لا يتناهى من ~~الماضي ، فإنها أقل من النفوس الحادثة من زماننا إلى ما لا يتناهى في ~~الماضي ، مع أنه لا بداية لها عندكم. # أجاب الأوائل عن النقض : بأن كل كثرة تجتمع أجزاؤها ويكون لها ترتيب في ~~الطبع كالعلل ، أو الوضع كالمقادير ، فدخول ما لا نهاية فيها ممتنع ، أما ~~ما انتفى عنه أحد الوصفين ، كالحركات التي لا توجد معا والأزمنة ، فلا ~~يمتنع فيه أن يكون غير متناه ، وكالنفوس الموجودة دفعة ، لكن لا ترتيب ~~بينها بالطبع ولا في الوضع ، لعدم إمكان فرض المطابقة فيها. PageV01P362 # وفي هذا الجواب نظر ؛ فإن النفوس الحادثة ms0220 أيضا بينها ترتيب لكون كل سابقة ~~معدة للاحقة. # وقد اعترض جماعة من الأوائل عليه. # فقال بعضهم : النفوس لا بقاء لها ، وإلا لكانت النفوس الآن غير متناهية ~~فالأبدان كذلك ، لامتناع التناسخ ، لكن عدم تناهيها محال (1) لأنها قابلة ~~للزيادة والنقصان. # ومنهم من قال بوجوب تناهي الحركات ، لأن النفوس متناهية لقبولها الزيادة ~~والنقصان ، والتناسخ باطل ، فيلزم تناهي الأبدان ، فيلزم تناهي الحوادث. # ومنهم من قال بالتناسخ لأبدان غير متناهية ونفوس متناهية. # وقيل (2): العلم بأن كل ما يحتمل الزيادة والنقصان يكون متناهيا ، إما ~~أن يقال : إنه من الأوليات أو من النظريات. وباطل أن يكون من الأوليات ~~لاختلاف العقلاء فيه ، فمنهم من ذهب إلى تركب الجسم من أجزاء غير متناهية ~~بالفعل. ومنهم من ذهب إلى أن العالم مركب من أجزاء كرية الشكل صلبة لا ~~نهاية لها. ومنهم من قال بالخليط الغير المتناهي. والمتكلمون (3) اتفقوا ~~على أن معلومات الله تعالى أزيد من مقدوراته ، مع عدم تناهيهما. ومنهم من ~~زعم أن الأكوان المقدورة لله تعالى غير متناهية ، والجزء الذي لا يتجزأ ~~عندهم يمكن حصوله في أحياز غير متناهية على البدل ، ويمكن أن تقوم (4) به ~~أفراد غير متناهية من نوع واحد على البدل. ومنهم من أثبت في العدم ذوات غير ~~متناهية. ومنهم من أثبت لله تعالى PageV01P363 # صفات غير متناهية. وأيضا نعلم بالبديهة أن مراتب الأعداد غير متناهية. ~~ونعلم بالضرورة أن تضعيف الألف مرارا غير متناهية أقل من تضعيف الألفين ~~كذلك. ونعلم أن الحركات الحادثة في المستقبل أو (1) التي يمكن حدوثها لا ~~نهاية لها مع احتمالها للزيادة والنقصان. # فإذن هذه المقدمة برهانية ، وإنما يتم البرهان مع التطبيق ، لأن الموجب ~~للتناهي هو أنه يجب انتهاء الناقص إلى حد لا يبقى منه شيء ويبقى بعده من ~~الزائد ، وهذا إنما يجب لو تعذر وقوع جزء من الجملة الناقصة في مقابلة ~~الجزءين من الجملة الزائدة ، فإن كان ذلك ممكنا لم يجب انتهاء الناقص إلى ~~حد لا يبقى منه شيء ويبقى بعده من الزائد شيء. وذلك إنما يتحقق فيما يحتمل ~~الانطباق ؛ لأنه إذا فرض جزء ms0221 من الجملة الزائدة منطبقا على جزء من الجملة ~~الناقصة استحال أن ينطبق جزء آخر من الجملة الزائدة على ذلك الجزء من ~~الجملة الناقصة ، لاستحالة حصول الجسمين في حيز واحد ، فإذا صار جزء من ~~الجملة الناقصة مشغولا بمماسة جزء من الجملة الزائدة ، استحال أن يصير هو ~~بعينه مشغولا بمماسة جزء (2) آخر ، بل المشغول بمماسة جزء آخر من الجملة ~~الزائدة جزء آخر من الجملة الناقصة، وذلك يوجب أن ينتهي الناقص إلى حد ~~ينقطع ويبقى بعد ذلك من الجملة الزائدة مقدار الزيادة. فأما الأمور التي لا ~~يفرض فيها الانطباق فليس هناك بين أجزاء الجملتين مماسة حتى تكون مماسة جزء ~~جزءا تمنعه من أن يماسه جزء آخر ، بل ليس بينهما نسبة إلا باعتبارين : ### |||| ** الأول : كون كل واحد منهما مثلا لصاحبه ، لكن لا يلزم من كون الشيء مثلا لشيء أن لا ~~يكون مثلا لغيره. أما في المقادير فإن الجزء المشغول بمماسة جزء PageV01P364 # يمتنع أن يكون هو بعينه في تلك الحالة مشغولا بمماسة جزء آخر ، فلا جرم ~~كانت المماسة والانطباق كاشفين (1) للفضل الخالي عن العوض. ### |||| ** الثاني : أن يفرض في الذهن تقابل إحدى الجملتين بالجملة الأخرى ، وذلك أيضا على ~~وجهين : فإنه إما يفرض تقابل إحدى الجملتين بالجملة الأخرى من حيث هما ~~جملتان ، فلا يكون في ذلك إلا مقابلة شيء واحد بشيء واحد. وإما أن يفرض ~~تقابل آحاد إحدى الجملتين بآحاد الجملة الأخرى ، وذلك محال ، لأن العقل لا ~~يقوى على استحضار أعداد لا نهاية لها على التفصيل ، وأما إن قابل بعض آحاد ~~إحدى الجملتين ببعض آحاد الجملة الأخرى ، فلا يلزم منه وقوع النقصان في ~~الكل. وظاهر مما مر أن الفضل الخالي عن العوض إنما يلزم عند وجود الانطباق ~~، فثبت أن احتمال الزيادة والنقصان لا يوجب التناهي إلا بهذا الشرط (2). # وفيه نظر ؛ لأن التطبيق لا يشترط فيه الوضع عند الأوائل ، بل الترتيب ~~طبعا كالعلل أو وضعا كالمقادير والاجتماع في الوجود ، ولهذا حكموا بأن ~~النفوس والحركات لو وجد فيها الشرطان امتنع عدم التناهي فيها. # والنقض بتركب الجسم من أجزاء غير ms0222 متناهية غير وارد ، لعدم الحكم هنا ~~بالزيادة والنقصان ، وكذا القائل بتركب العالم من أجزاء غير متناهية ومن ~~الخليط ، وكذا الأكوان والمعدومات ومراتب العدد. # وأما المعلومات والمقدورات ، فليست وجودية ، بل هي أمور مفروضة على معنى ~~أن كل شيء نتصوره ممكنا فإنا نحكم عليه بكونه مقدورا ومعلوما ، وكل شيء ~~نفرضه ممتنعا نحكم عليه بأنه معلوم غير مقدور ، ويمكننا في كل واحد من ~~الفرضين فرض ما زاد عليهما إلى ما لا يتناهى. PageV01P365 # وأما تضعيف الألف والألفين مرات غير متناهية ، فإن قبولهما للزيادة ~~والنقصان لا ينافي عدم تناهيهما ، لأن الزيادة والنقصان ليس باعتبار ما حصل ~~لهما من عدم التناهي في العدد ، وإنا إذا قابلنا كل واحد من آحاد الألف ~~المتضاعفة إلى غير النهاية بكل واحد من آحاد الألفين المتضاعفة إلى غير ~~النهاية أيضا لم يتفاوتا في العددية ، بل تفاوتا في مقابلة كل واحد باثنين ~~، فالتفاوت حصل لهما عرضا ، وعدم التناهي طولا ، وكان بالحقيقة كفرض ثلاثة ~~آلاف في مرتبة واحدة تضاعف كل ألف منها إلى ما لا يتناهى. ### |||| ** د (1) ### |||| ** : لو كانت الأبعاد غير متناهية لكان فيها حيثيات غير متناهية ، ونقط غير ~~متناهية. وكل حيث في غير المتناهي بينه وبين كل واحد من الحيثيات الأخرى ، ~~إما أن يتناهى أو لا يتناهى ، فإن تناهى ما بين كل واحد وواحد من الحيثيات ~~الأخرى (2) أي واحد كان مع أي واحد فليس فيه عددان من الحيثيات المستغرقة ~~لعدم النهاية ، قربت أو بعدت ، اشتملت على أجزائها أو ما اشتملت إلا ~~وبينهما متناه ، فالكل متناه ، وإن كان بين حيثية وحيثية لا يتناهى فقد ~~انحصر ما لا يتناهى بين حاصرين ، وهو محال. # وفيه نظر ؛ لعدم التلازم بين الحكم على الكل وكل واحد. # ه (3) ### |||| ** : لو كانت الأبعاد غير متناهية لكان ما لا يتناهى محصورا بين حاصرين ، ~~والتالي باطل بالضرورة فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أنه يمكن فرض خطين خرجا من نقطة واحدة كساقي مثلث على ~~زاوية هي ثلثا قائمة ، ثم يمتدان إلى غير النهاية ، فيكون الوتر مساويا لهما ، PageV01P366 # فيلزم انحصاره مع عدم تناهيه لوجوب مساواته ms0223 لهما حيث تساوت الزوايا بين ~~الخطين. # وفيه نظر ؛ فإن برهان اقليدس (1) على المساواة إنما هو في الخطوط ~~المتناهية بحيث تنطبق نهايتا كل خط ووسطه على نهايتي مساويه ووسطه (2). # احتجوا بوجوه (3): ### |||| ** الأول : الفطرة شاهدة بأن كل بعد يتناهى (4) فإن وراءه بعد آخر ، إما خلاء أو ملاء ~~، وأن فيه حيثيات وجهات متغايرة ، وهذا الحكم غير قابل للتشكيك ، ولو قبله ~~لم يبق وثوق بامتناع حصول الجسم في مكانين ، وامتناع اجتماع المتناقضين ، ~~وذلك يرفع الوثوق بالقضايا البديهية بأسرها. # لا يقال : الفطرة وإن شهدت بالقضية المذكورة كما شهدت بالضروريات ، إلا ~~أنها شهدت بصحة ما ينتج نقيضها ، بخلاف باقي الضروريات ، فلهذا رددناها دون ~~القضايا البديهية. # لأنا نقول : لو جاز ذلك لارتفع الوثوق بجميع الضروريات ، لأن الفطرة إذا ~~شهدت بصحة قضية ثم تبين لنا فسادها بوجه من الوجوه ، زال الوثوق بحكمها ~~فلزم الشك في جميع الضروريات ، وإذا لم نجد ما يدل عل فساد القضية لم يجب ~~الحكم بصحتها ، لجواز كونها باطلة ولا نعرف وجه بطلانها ، بل ولو دل دليل ~~على صحتها لم يفد ؛ لأن الدليل إنما يفيد العلم لو تركب من الأوليات ابتداء PageV01P367 # أو بواسطة تنتهي إليها ، فإذا جوزنا الشك في الضروريات امتنع الجزم بشيء ~~من الكسبيات ؛ لأن الضروريات أصل الكسبيات ، والطعن في الأصل يستلزم الطعن ~~في الفرع ، فإذن لا يجوز تطرق الشك إلى شيء من الضروريات. # الثاني : الواقف على طرف العالم إن لم يمكنه مد يده إلى خارجه كان ذلك ~~لممانعة الأجسام له ، فوراء العالم أجسام تمانع المتحرك عن الحركة وهكذا إن ~~تناهت تلك الأجسام ، وإن أمكنه فهناك أحياز وجهات قابلة للمساواة والمفاوتة ~~والتجزئة ، لأنا نعلم أن الحيز الذي يتسع لليد مساو له ، وأنه أزيد من نصفه ~~، وأقل من ضعفه ، فإذن هناك أبعاد غير متناهية. # الثالث : لو كان العالم متناهيا لكنا إذا فرضناه أزيد مما هو عليه الآن ~~بذراع لكان أكبر مما هو الآن ، ولو فرضناه أزيد مما هو الآن بنصف ذراع لكان ~~أقل من الأول ، ولو فرضناه أزيد مما هو الآن بذراعين لكان أكبر من ms0224 الجميع. ~~فإذن خارج العالم أحياز قابلة للتفاوت ، فتكون أبعادا وجودية ، أو ذوات أبعاد. # الرابع : الجسم من حيث هو جسم كلي لا يمنع وقوع الشركة فيه إلى ما لا ~~يتناهى ؛ لامتناع انحصار نوعه في شخصه وتناهي الشركة فيه لعدم الأولوية ، ~~وإذا لم يمنع مفهوم البعد الشركة إلى ما لا يتناهى ، كان عدم التناهي ممكنا ~~، والمبدأ الفياض عام الفيض ، لا يمنع مستحقا عن مستحقه ، فيجب إفاضة جميع ~~الأفراد الممكنة للجسم ، لكنها غير متناهية. # الخامس : الزمان لا بداية له ولا نهاية ، فالكون لا بداية له ولا نهاية ، ~~فالأبعاد كذلك. ### |||| ** السادس : الأعداد لا تتناهى في الزيادة ، والمقدار لا يتناهى في النقصان ، فالأبعاد ~~لا تتناهى قياسا عليهما. # والجواب عن : الأول : أنا نمنع استناد ذلك إلى الفطرة ، بل إلى القوة ~~الوهمية ، PageV01P368 # والإنسان في بدو نظره يعجز عن التمييز بن القضايا الوهمية والعقلية ، لأن ~~أكثر القضايا التي يحكم بها الإنسان مستندة إلى الوهم ، فإذا تدبر الإنسان ~~وراجع عقله وفكره ، عرف استناد كل قضية إلى قوة ، فحكم بصحة بعض القضايا ~~وفساد الباقي. وأي ضرورة شهدت عند الفطرة بذلك؟! ### |||| ** وعن الثاني : أنه لا يمكنه مد يده لا لشغل البعد بالجسم ، بل لعدم الشرط وهو الحيز ~~والمكان ، فإن شرط خروج اليد خارج العالم وجود مكان وحيز لها ، والعالم ~~وراءه عدم صرف لا خلاء ولا ملاء ، نعم قد يعجز الوهم عن تحصيل ذلك ، ~~فالمرجع فيه إلى العقل. ### |||| ** وعن الثالث : أنه أمر وهمي غير حاصل في الوجود فلا عبرة به. # واعلم : أن حكمهم بكون هذا الحكم وهمي لا عقلي (1)، مع حكمهم بأن ~~التفاوت الحاصل في الزمان المقدر (2) المفروض في الحركات المختلفة بالسرعة ~~والبطء المفروضة أيضا عقلي ، لا وجه له لتساويهما في الفرض والتقدير. والحق ~~أنهما وهميان. ### |||| ** وعن الرابع : أن الكلي لا يمنع الشركة فيه من حيث المفهوم ، وإن جاز أن يمتنع لخارج عن ~~مفهومه لازم له أو زائل ، ولا يكفي في عدم الامتناع أن لا يكون الشيء ~~الواحد بعينه مانعا منه ، لجواز أن يمتنع لأمر آخر ، كما هو هنا. ### |||| ** وعن الخامس : بمنع ms0225 عدم تناهي الزمان. # سلمنا ، لكن نمنع دلالة عدم تناهي الكون على عدم تناهي الجسم ، لإمكان أن ~~يتشكل الجسم بأشكال غير متناهية مختلفة في أحوال مختلفة. PageV01P369 ### |||| ** وعن السادس : بأن القياس (1) لا عبرة به في الأمور القطعية ، مع أنه لو اشتمل على الجامع ~~لكان مفيدا للظن ، فإذا خلا عنه لم يثمر شيئا أصلا ، وقياسهم هنا خال عن ~~الجامع. # قال بعضهم : كما أن الجسم لا ينتهي في الصغر إلى حد لا يوجد ما هو أصغر ~~منه وإن امتنع خروج جميع الانقسامات الغير المتناهية إلى الفعل ، كذا كل ~~عظم نفرضه للجسم يمكنك فرض ما هو أزيد منه ، ولا يجب أن ينتهي في العظم إلى ~~حد لا يمكن أن يوجد ما هو أعظم منه ، وإن استحال وجود ما لا يتناهى من ~~العظم (2). # واعلم : أن مرادنا بتناهي الأبعاد ليس إلا ما اعترف به من استحالة وجود ~~ما لا يتناهى في العظم. # قال الشيخ : إنه يصح من وجه دون وجه. أما وجه الصحة ؛ فلأن أحد نصفي الخط ~~إذا أضيف إليه أحد نصفي الآخر (3)، ثم أحد نصفي نصفيه ، وهكذا إلى ما لا ~~يتناهى ، فإنه يزداد ذلك النصف إلى غير النهاية ، مع أنه لا يبلغ الخط ~~المنقسم أولا ، وهكذا الفرض من الزيادات لا يبلغ الجسم كل عظم اتفق ، بل له ~~حد لا ينتهي إليه فضلا عن أن يزيد عليه. # وأما وجه البطلان ، فهو أن يصل الجسم إلى كل حد من النمو والعظم ، وذلك ~~ممتنع، وليس ذلك مثل الصغر المفروض ؛ لأن القسمة لا تحتاج إلى شيء خارج عن ~~المقسوم، والزائد يكون إما بسبب أن المادة تنضم إلى الأصل ، وهو يوجب أن ~~تكون مواد الأجسام بغير نهاية ، وإما بسبب تخلخل لا يقف ، فيكون هناك حيز ~~غير متناه ، وكل ذلك محال (4). PageV01P370 ### ||| ** البحث العاشر : في المسائل المتعلقة بما لا يتناهى # وهي عشرة : ### ||| ** المسألة الأولى : في الوجوه التي يقال عليها اللانهاية (1) # إن ذلك تارة يقال بحسب الحقيقة ، وأخرى بحسب المجاز. ### |||| ** والأول : قد يقال على وجه السلب ، وقد يقال على وجه العدول. # والأول (2) يصدق تارة ms0226 بسلب الشيء الذي لأجله يصح أن يوصف الشيء بالنهاية ~~كما نقول : الله تعالى لا نهاية له ، والنقطة لا نهاية لها ، حيث سلبنا ~~عنهما المعنى المصحح لدخول التناهي فيه وهو الكم ، وتارة يصدق على وجه ~~العدول الذي نذكره ؛ لأن السالبة أعم من المعدولة. # والثاني (3) أن يكون المعنى المصحح لوصف الشيء بالنهاية حاصلا له ، لكن ~~النهاية لا تكون حاصلة وهو على وجهين : ### |||| ** أ: أن يكون الشيء بحيث إذا أخذ منه أي شيء كان وجد شيء خارج عنه من غير حاجة ~~إلى العود كقولنا الأجسام غير متناهية في العظم. # ب : أن يكون محدودا بمحيطه ، وليس في ذلك المحيط نقطة بالفعل ، كما في ~~سطح الدائرة ، فيقال : إنها غير متناهية لا بالمعنى الأول. PageV01P371 # وأما الذي بحسب المجاز ، فقد يقال : لما لا يمكن سلوكه كالطريق بين ~~السماء والأرض ، وقد يقال : لما يعسر ذلك فيه لبعده كالطريق بين المشرق ~~والمغرب تشبيها بالأول. ### ||| ** المسألة الثانية : في معنى اللانهاية في الماضي (1) # اعلم أنه سنثبت انتهاء الحوادث الماضية وأن دخول اللانهاية فيها ممتنع ~~عند أهل الملل كافة ، أما الأوائل فأثبتوا حوادث لا نهاية لها في الماضي ، ~~وسيأتي الكلام معهم إن شاء الله تعالى. # قالوا : إذا قلنا الأشخاص الماضية غير متناهية احتمل أمرين : ### |||| ** الأول : أن كل واحد من تلك الأشخاص غير متناه ، وهو معلوم البطلان ، وإنما ذكر لئلا ~~يتوهم إمكان الحمل عليه ، كما حكم به على الجملة ، كالحدوث. ### |||| ** الثاني : أن جملة الآحاد المجتمعة لها عدد غير متناه ، وهذا إما أن يفهم بحسب الوجود ~~أو بحسب التوهم ، فالأول إن أخذ بمعنى السلب ، بأن يقال : إن جملة الأشخاص ~~الماضية ليست أمرا له عدد متناه فهو صادق عندهم ، لأن نقيضه ، وهو أن جملة ~~الأشخاص الماضية أمر له عدد موجود متناه كاذب ، إما لكذب موضوعها ؛ لأن ~~جملة أشياء كل واحد منها لا يثبت مع آخر ، بل يعدم مع وجوده لا يكون بما هي ~~جملة موجودة ، إذ ليست موجودة في الخارج لفرض تنافيها فلا يمكن اجتماعها في ~~الوجود في زمان ما ، أو لعدم تناهيها عندهم. وإن ms0227 أخذ PageV01P372 # بمعنى العدول ، بأن يقال : جملة الأشخاص الماضية أمر له عدد غير متناه ~~فهو باطل ، لأن موضوع المحمول الثبوتي يجب أن يكون ثبوتيا ، ومجموع الأشخاص ~~الماضية غير موجودة في شيء من الأحوال البتة ، ولا في الذهن أيضا ، لقصوره ~~عن استحضار عدد غير متناه بالفعل، و (1) إن قوى على استحضار وصف اللانهاية ~~لوحدته (2). وأما الثاني وهو المأخوذ بحسب الوهم ، فهو أن يقال : إن ~~المتوهم من الأشخاص الماضية عدد أي واحد أخذته تجد واحدا غيره قد وجد من ~~غير حاجة إلى التكرير ، ولا ينتهي الحساب إلى واحد غير مسبوق بغيره ، وهو ~~ممكن عندهم. ### ||| ** المسألة الثالثة : في معنى اللانهاية في المستقبل (3) # النظر في الأمور المستقبلة ، إما أن يكون في وجودها ، أو في تناهيها ولا ~~تناهيها. ### |||| ** أما الأول : فنقول لا شك في أن الأمور المستقبلة ليست موجودة بالفعل ، لأن الموجود في ~~المستقبل هو الذي لم يوجد بعد ، بل هي موجودة بالقوة ، فنقول حينئذ : إما ~~أن نعتبر كل واحد واحد من تلك الأمور ، أو نعتبر حال الجميع ، فإن اعتبرنا ~~حال كل واحد واحد ، فإما أن يكون كل واحد منها موجودا بالقوة في وقت واحد ~~وهو صحيح ، وإما أن يكون كل واحد موجودا بالقوة في كل وقت [وهو باطل] (4)، ~~وإلا لم يوجد في وقت من الأوقات شيء من الأشخاص ، ولا يمكن أن يبقى الحادث ~~الواحد مستمرا أبدا. وإن اعتبرنا وجود الكل من حيث هو كل فذلك على وجهين : PageV01P373 # أ: أن يكون ذلك الكل موصوفا دائما بأن بعضا منه موجود بالفعل وبعضا منه ~~موجود بالقوة ، فهو صحيح أيضا ، لأن الماهية ذات الآحاد المتعاقبة يصح أن ~~يقال : إن ما تحمل عليه تلك الماهية دائما شيء موجود بالقوة ، ولا يجوز أن ~~يخرج إلى الفعل بحيث لا يبقى بعده منه شيء بالقوة ، لكن يبطل باعتبار أن ~~الكل بما هو كل غير موجود حتى يوصف بما هو ثبوتي. # ب : أن يكون ذلك الكل بحيث يكون كل واحد من المعدومين منه يكون موجودا ~~بالقوة بحسب وقت معين ، وإن لم يكن منه شيء ms0228 بالفعل. ### |||| ** وأما الثاني : وهو النظر في تناهيها ولا تناهيها ، فاعلم أنه يصح أن يقال للأشياء التي في ~~طريق التكون : إنها أبدا متناهية بالفعل ، باعتبار أنها دائما تكون واصلة ~~إلى حد معين ، فتكون بذلك الاعتبار متناهية ، وإنها أبدا متناهية بالقوة ، ~~باعتبار النهايات الأخرى التي بالقوة بعد النهاية الحاصلة بالفعل ، وإنها ~~غير متناهية لا بالقوة ولا بالفعل أبدا بالقياس إلى النهاية الأخيرة التي ~~لا يحصل بعدها شيء آخر البتة ، فظهر صدق أنها متناهية بالفعل ، بالقياس إلى ~~النهاية الحاضرة ، ومتناهية بالقوة ، بالقياس إلى ما سيحضر ، وأنها غير ~~متناهية بالقياس إلى نهاية لا نهاية بعدها ، فصح أن ما لا نهاية لا موجود ~~بالفعل دائما ، أي من جهة أنه غير متناه إلى نهاية أخيرة وصح أن ما لا ~~نهاية له موجود بالقوة دائما ، أي من طبيعته دائما شيء بالقوة لا يخرج إلى ~~الفعل إلا وتعقبه شيء آخر. ### ||| ** المسألة الرابعة : في أن اللانهاية عدمية (1) # ذهب بعض من لا مزيد تحصيل له ، إلى أن اللانهاية من جملة PageV01P374 # المبادئ (1). ونحن نقرر تحقيق ذلك فنقول : «ما لا نهاية» يعتبر على ~~وجهين : # الأول : نفس هذا المفهوم. # الثاني : معروضه. # والثاني : راجع إلى الماهيات والمفهومات التي توصف بهذا الوصف ، ولا يمكن ~~أن يكون مبدأ من حيث هذا المفهوم. # والأول : راجع إلى مجرد اعتبار نسبي ليس له مفهوم مستقل ، ولا يمكن أن ~~يعقل بالاستقلال ولا منفردا بالوجود ، فكيف يكون مبدأ لغيره. ولأنها أمر ~~عدمي ، لأن طبيعة القوة عنها لا تزول ، لأن الذي لا نهاية له لا ينتهي إلى ~~زوال طبيعة القوة عنه ، فحقيقة ما لا نهاية له ووجوده متعلقة بالقوة دائما ~~، والقوة متعلقة بالمادة لا بالصورة التي هي الفعل ، فلا يتحقق للا نهاية ~~كل وجملة ، لأن الكل صورة أو ذو صورة ، وهي منفية عنها. ### ||| ** المسألة الخامسة : في امتناع حركة ما لا يتناهى (2) # اعلم أن الجسم يمتنع عليه عدم التناهي ، لكن لو فرض لامتنع عليه الحركة ~~الاينية ، لأنه إن كان غير متناه من جميع الجوانب لم يخل عنه مكان ، فلا ~~تتحقق الحركة الاينية ، لأنها ms0229 إنما تكون من مكان إلى مكان خال عنه ، فإذا ~~كان مشغولا به امتنعت حركته إليه. وإن كان متناهيا من جهة وغير متناه من ~~أخرى ، فإنه يمتنع أن يتحرك في الأين إلى الجهة التي هو غير متناه فيها ، ~~لعدم فراغ عنه ، ويمتنع أن يتحرك في الأين إلى الجهة التي هو متناه فيها ، ~~لأنه إذا انتقل إلى الجهة الفارغة ، فإما PageV01P375 # أن ينتقل الجانب الآخر أو لا ، فإن انتقل خلا الجانب الآخر عنه ، فانقطع ~~فيها ، فكان متناهيا في تلك الجهة ، وقد فرضناه غير متناه فيها ، هذا خلف. ~~وإن لم ينتقل ولم يخل (1)، لم تكن تلك حركة ، بل ازدياد في الجهة التي ~~تناهى فيها. # ولأن تلك الحركة ليست طبيعية ، لأن الطبيعي هو الذي يطلب أينا طبيعيا ~~وحدا معينا ، وكل حد فهو محدود ، والمحدود لا ينتقل إليه ما لا حد له ، ولا ~~تكون قسرية ، لأن القسر على خلاف الطبع ، وحيث لا طبع فلا قسر. # وفيه نظر ، لأنا نمنع أن الطبيعة فيما لا يتناهى تطلب حدا متناهيا. # ولأن تناهيه من بعض الجوانب ، إن كان طبيعيا وجب تناهيه من الجميع ، ~~لتساوي فعل الطبيعة الواحدة في جميع الجهات ، وإن كان بالقسر ، فإن أفاد ~~القاسر ذلك الحد بأن قطعه لم يكن ذلك الانتهاء إلى فضاء ، بل إلى مقطوع من ~~جنسه ، فلا يكون هناك مكان يتحرك إليه ، وإن أفاده حدودا من غير أن يقطع ~~منه شيئا بواسطة التكاثف الحقيقي ، فيكون من شأن ذلك الجسم أن يكون متناهيا ~~بذلك القاسر ، وغير متناه بمقتضى طبعه ، وهو محال. وهذا غير دال على ~~المطلوب ، بل على امتناع وجود جسم هذا شأنه. # واعلم أنه كما امتنعت الحركة على الجسم الذي لا يتناهى ، كذا تمتنع ~~الحركة الطبيعية على أجزائه ، لأنه إن كان غير متناه من جميع الجهات لم يكن ~~المكان المتروك مخالفا للمكان المطلوب بالطبع ، فلا تعقل فيه حركة طبيعية ، ~~وإن كان غير متناه من بعض الجهات بحيث يتحرك ذلك الجزء في الخارج عن ذلك ~~الحد ، فتكون حركة ذلك الجزء إلى مكان مطلوب له طبعا ، وهو ms0230 الذي يطلبه الكل ~~، لمساواته إياه في الطبيعة ، لكن الكل لا يطلب مكانا بالطبع، إذ لا محيط ~~له حتى يطلبه ، وليس مطلوبه الخلاء لاستحالته ، فإذن ليس للكل حيز مطلوب ، ~~فلا يكون PageV01P376 # للجزء ذلك ، لمشابهته إياه في الطبيعة. فالأجسام التي لأجزائها حركات ~~طبيعية إلى جهات محدودة كلها متناهية. ### ||| ** المسألة السادسة : في امتناع وقوع فعل ما لا يتناهى أو انفعاله في زمان (1) # اعلم أن الجسم إذا كان غير متناه ، وجب أن يكون فعله وانفعاله واقعين في ~~الآن لا في الزمان ، ومتى كانا زمانيين وجب تناهيه. # أما بيان أنه لا يجوز أن يكون الجسم الغير المتناهي فاعلا فعلا زمانيا ، ~~فلأن المنفعل إن كان متناهيا وجب أن ينفعل جزء منه عن جزء من الفاعل ، فإذا ~~فعل جزء من غير المتناهي في المتناهي ، أو في جزء منه وجب أن يكون نسبة ~~زمان فعل ذلك الجزء في المنفعل إلى زمان فعل (2) غير المتناهي إلى ذلك ~~المنفعل ، كنسبة قوة غير المتناهي إلى قوة المتناهي ، لأن الجسم كلما كان ~~أعظم كانت قوته أعظم ، فزمان أثره أقصر ، فإذا كان عظمه غير متناه وجب أن ~~يقع أثره لا في زمان ، لأن كل زمان يفرض فإن الأثر في نصفه أقصر من الأثر ~~في جميعه ، لكنا فرضنا فعله في زمان ، هذا خلف. # وإن كان المنفعل غير متناه ، كان نسبة انفعال جزء منه إلى انفعال كله ~~كنسبة الزمانين، فيقع انفعال كل جزء منه لا في زمان ، ويكون انفعال الجزء ~~الأصغر أسرع من انفعال الجزء الأكبر ؛ لأن الصغر مقتض للسرعة فيكون أسرع من ~~الكائن لا في زمان. وإذا عرف ذلك من جهة الفعل ، فليعرف مقابله من جهة ~~الانفعال. # واعلم أن الصورة قد تشتد في تأثيرها ، على معنى : أن النار الكبيرة ~~تأثيرها PageV01P377 # أشد من تأثير النار الصغيرة ، وليست هذه الزيادة زيادة الشدة في الجوهر ، ~~بل في الأثر باعتبار زيادة المقدار ، لا شدته ولا شدة الجوهر. ### ||| ** البحث الحادي عشر : في بقايا مسائل الكم ### ||| ** المسألة الأولى : في أن المقدار هل يوجد في الخارج منفكا عن المادة أم لا ms0231 (1)؟ # اختلف الأوائل في ذلك على حسب اختلافهم في الخلاء ، فمثبتوه جوزوا انفكاك ~~المقدار عن المادة ، والمانعون هناك منعوا هنا. # احتج المانعون بأن هنا مقدارا حالا في الأجسام ، فلو قدرنا مقدارا مجردا ~~عن المادة ، فإما أن يكون تجرده لذاته ، أو لأمر لازم لذاته ، أو لأمر عارض ~~لذاته ، والأولان باطلان ، وإلا لكان كل مقدار مجردا عن المادة ، فلا يكون ~~مقدار ما ملابسا للمادة ، لأن الذات إذا اقتضت التجرد استحال حلولها في ~~المحل لعارض. # وإن كان لعارض فإما أن يكون المقدار المجرد حالا فيه ، أو يكون محلا له ، ~~أو يكونا حالين في محل ثالث ، أو يكون ذلك العارض لا حالا في المقدار ولا ~~في محله ، ولا يكون محلا له. والأول باطل ؛ لأن ذلك المحل ، إن كان غنيا في ~~ذاته عن الموضوع ، كان المقدار حالا فيما هو غني عن الموضوع ، فلا يكون ~~مجردا عن الموضوع. وإن كان محتاجا إلى الموضوع، كان المقدار الحال فيه حالا ~~في ذلك الموضوع ، فيكون أولى بالحاجة إلى الموضوع. ويستحيل أيضا أن يكون ~~هذا المجموع غنيا عن الموضوع. PageV01P378 # والثاني باطل أيضا ؛ لأن المقدار إذا كان لذاته محتاجا إلى الموضوع ~~استحال أن يستغني عنه بسبب عارض يحل فيه ، ولا يجوز أن يكون غنيا بذاته عن ~~الموضوع ويعرض له ما يحوجه إليه ، لأن ما بالذات لا يزول بسبب العوارض. # والثالث باطل ، لأن المقدار حينئذ يكون ماديا ، مع أنه قد فرض مجردا. # والرابع باطل ، أما أولا : فلتساوي نسبة المجرد إلى جميع المقادير ، فلا ~~يقتضي تخصيص بعضها بالتجرد والاستغناء ، وبعضها بالحاجة والحلول في المادة. ~~وأما ثانيا : فلأن المقدار حينئذ يكون لذاته محتاجا إلى الموضوع ، فلا يصير ~~غنيا عنه بسبب غيره ، كغيره من الأعراض. # اعترض (1) بمنع استحالة تجرد بعض المقادير لذاته ، وإن كان البعض الآخر ~~قائما بالموضوع ، كما أن الحيوانية محتاجة إلى الناطقية في بعض المواضع دون ~~البعض ، فكما استغنت الحيوانية التي في الفرس مثلا عن الناطقية ، واحتاجت ~~الحيوانية التي في الإنسان إليها ، فليجز في بعض المقادير أن يحتاج إلى ~~المادة ويستغني بعض المقادير في ms0232 بعض الصور عنها. # وأجيب بالفرق بين المقدار والطبيعة الجنسية ، فإن الجسم طبيعة نوعية ~~محصلة وكذا السطح طبيعة أخرى نوعية ، والخط أيضا كذلك ، فلا يمكن أن يختلف ~~مقتضى كل واحد منها بالحاجة والاستغناء المستندين إلى الذات باعتبار اختلاف ~~المقارنات. # وأما الطبيعة الجنسية فإنها أمر مبهم غير محصل ، وإنما تتحصل بفصولها ~~التي تضاف إليها ، وتتعين بها عند العقل ، ويكمل باعتبارها في العقل تصورها ~~، كالمقدار المطلق الذي هو جنس للجسم والسطح والخط ، فإنه مبهم لا يفهم منه ~~سرى أنه شيء يقبل القسمة ، لكن هذا المفهوم غير محصل ، ولا يكمل تصوره إلا PageV01P379 # بما ينضاف إليه من الفصول كقبوله للقسمة في جهة واحدة أو جهتين أو ثلاث ، ~~فحينئذ يفهم منه أنه خط أو سطح أو جسم ، وأما قبل ذلك فلا يفهم منه إلا أنه ~~شيء يمكن أن يكون جسما ، أو شيء يمكن أن يكون سطحا ، أو شيء يمكن أن يكون ~~خطا ، فلا يتحقق له مفهوم محصل عند العقل. وأما كون البعد بعضه قائم لا في ~~مادة وبعضه قائم بالمادة ، فليس من الفصول المنوعية (1) للبعد ، بل طبيعة ~~واحدة ، فيجب أن لا تختلف لوازم هذه الطبيعة. # واعترض (2) بأن النقض إنما ورد على أن الشيء إذا احتاج إلى موضوع في موضع ~~وجب أن يحتاج في كل موضع ، ونحن قد نقضنا عليكم بالجنس المحتاج إلى فصل ~~معين في موضع دون موضع ، مع وحدة ماهية الجنس ، فإذا جاز ذلك هنا فليجز ~~هناك (3). # والفرق بين طبيعة الجنس غير محصلة وطبيعة البعد محصلة ، لو سلم كان فرقا ~~في غير محل الجمع ، بل الجواب أن الجنس محتاج إلى فصل يقومه ، فكانت الحاجة ~~لازمة له أبدا ، وتعين الفصول إنما جاء من جانب الفصل لا الجنس. # وفيه نظر ، لأنا نمنع كون كل واحد من هذه الأمور طبيعة نوعية ، بل جاز أن ~~يكون كل واحد منها جنسا ، وكيف لا يكون كذلك وعندهم أن الجسمية التي للفلك ~~يمتنع عليها الانفصال لصورة نوعية اقترنت بها ونوعتها وجعلتها مخالفة ~~للعنصريات بالذات ، كما يجعل الفصل الجنس مختلف الأنواع بالذات ، وكذلك ms0233 ~~السطح. والخط المستقيم عندهم مغاير للمستدير بالنوع. # سلمنا ، كونه طبيعة نوعية ، لكن لا نسلم أن الحلول والتجرد من الأعراض PageV01P380 # اللازمة لماهية ما يعرضان له ، فإنه المتنازع ، ولو سلمنا وجوب حلول ~~المقدار في محل قائم بذاته غير موجود في موضوع ، فلم قلتم إنه يجب أن يكون ~~حينئذ حالا في المادة؟! ### ||| ** المسألة الثانية : في تحقيق كون المقدار تعليميا (1) # اعلم أن أنواع المقدار المتصل ذي الوضع ، ثلاثة (2)؛ لأن المقدار لا بد ~~فيه من الانقسام ، فخرجت النقطة التي هي شيء غير منقسم عنه ، وبقي ما ينقسم ~~في جهة واحدة وهو الخط ، وما ينقسم في جهتين وهو السطح ، وما ينقسم في ~~الثلاث وهو الجسم التعليمي. ولا يمكن الزيادة عليها ، لأن الخطوط المتقاطعة ~~على زوايا قائمة لا تزيد أبعادها عن الثلاثة. # ثم قد سبق أن هذا المقدار لا يفارق المادة في الخارج عند أكثرهم ، ويمكن ~~أن يفارقها في الذهن (3)، فإنه يمكننا أن نعتبر مجرد المقدار وإن لم نلتفت ~~إلى مواده ككونه مقدارا لأرض أو لماء أو لهواء ، فإذا تخيلنا الجسمية التي ~~هي الأبعاد الثلاثة من غير اعتبار شيء من المواد البتة (4)، ولا أحوالها ، ~~كان ذلك المتخيل هو الجسم التعليمي ، لأنه موضوع بعض علم الهندسة. # ثم [إن] تلك الأبعاد الثلاثة المتخيلة لا تتخيل ، ولا تحس إلا جسما ~~متناهيا ، PageV01P381 # فتخيلنا السطح حينئذ ، لأنه نهاية الجسم ، فإن تخيلنا السطح من حيث هو ذو ~~بعدين لا غير ، ولم نعتبر كونه مصاحبا للجسم ولا لما يعرض له من الألوان ~~وغيرها بالإطلاق كالخشونة والملاسة (1) وغيرهما (2)، كان هذا المتخيل هو ~~السطح التعليمي. فإن تخيلنا السطح متناهيا ونظرنا إلى نهايته من حيث هي ذو ~~بعد واحد لا غير ، ولم نلتفت إلى أن ذلك الخط يستصحب السطح ، ولا غيره من ~~الأعراض القائمة به كالاستقامة وغيرها (3)، كان ذلك المتخيل خطا تعليميا. ~~وإذا تخيلنا الخط متناهيا تخيلنا نهايته وهي النقطة ، فإذا نظرنا إليها من ~~غير التفات إلى مصاحبة الخط وغيره ، فقد جردنا النقطة في النظر والاعتبار ، ~~فهذه المقادير إذا أخذت مجردة في الذهن عما عداها كانت هي ms0234 المقادير ~~التعليمية ، لأنها موضوع علم التعاليم. # واعلم أن أخذ الجسم تعليميا يفارق أخذ السطح والخط كذلك ، لأن الجسم يمكن ~~أخذه باعتبار أن لا يكون معه شيء آخر كمادة وغيرها ، ويمكن أخذه لا باعتبار ~~أن يكون معه شيء آخر ، وبين الاعتبارين فرق ظاهر ، فإن الأول أخذ شيء بشرط ~~أن لا يكون معه غيره ، والثاني أخذ شيء لا بشرط أن يكون معه غيره. وأما ~~السطح والخط فلا يمكن أخذهما بالاعتبار الأول ، بل بالثاني لا غير ، فإنه ~~لا يمكن تخيل السطح إلا بشرط أن يكون معه جسم ، لأنه لا يمكن أن يتخيل إلا ~~على وضع خاص ، ويتوهم له جهتان ، فيكون منقسما جسما لا سطحا (4) وكذا الخط ~~والنقطة. PageV01P382 ### ||| ** المسألة الثالثة : في النقطة (1) # وهي الجوهر الفرد عند المتكلمين (2)، وسيأتي البحث فيه. (3) # وعند الأوائل أنها عرض قائم بالجسم هي طرف الخط ورسموها بأنها شيء لا ~~ينقسم بوجه ، ويجب تعيين الشيء بذي الوضع. وإنما لم ينقسم ؛ لأنها نهاية ~~الخط ، فلو انقسمت لكان الجزء الأخير منها هو النهاية. ومن هنا نعرف أن ~~الخط لا ينقسم في العرض ، والسطح لا ينقسم في العمق. وإذا اجتمعت نقط ~~متعددة لم يحصل منها خط ؛ لأن النقطة الوسطى إن لاقت الطرفين بالاسر كان ~~مداخلة ، فلم يحصل مقدار ولا خط ولا غيره ، وإن لاقتهما لا بالاسر انقسمت ، ~~فلا تكون كلها هي النقطة. # وقد يقال على سبيل التفهيم : إن النقطة بحركتها تفعل الخط ، وليس ذلك على ~~وجه التحقيق ؛ لأن حركة النقطة إنما تكون على شيء من جسم أو سطح أو خط ، ~~فتكون متأخرة عنه (4). ### ||| ** البحث الثاني عشر : في المكان # وفيه مسألتان : ### ||| ** المسألة الأولى : في ماهيته (5) # اختلف القائلون بثبوته في الأعيان في ماهيته ، وضبط المذاهب فيه أن نقول : PageV01P383 # المكان إما أن يكون جوهرا ، أو عرضا ، فإن كان جوهرا ، فإما أن يكون ~~قائما بذاته غنيا عن غيره أو لا. # والأول هو البعد المفطور الذي بين طرفي الإناء الخالي مثلا أو شبهه ، فإن ~~بين غايات الإناء الحاوي للماء أبعادا ثابتة تتعاقب عليها الأجسام ، مساو ~~لما يملأ الإناء منها ms0235 ، وكذا بين الجدارين وشبههما. ثم منهم من جوز خلو هذا ~~البعد عن المتمكن (1)، ومنهم من منع. وإن افتقر إلى غيره فهو جزء الجسم ~~إما المادة أو الصورة. وإن كان عرضا ، فإما أن يكون عبارة عن أي سطح كان ، ~~أو عن السطح الباطن من الجسم الحاوي المساوي للسطح الظاهر من الجسم المحوي. ### |||| ** والأول : مذهب مشهور عند قدماء الحكماء ومتأخريهم ، ومذهب المتكلمين آئل إليه ؛ ~~لأنهم يجعلون المكان هو الفراغ المتوهم الذي يشغله المتمكن بالحلول فيه (2) ~~، وهو المعتمد عندي. ### |||| ** والثاني : مذهب افلاطون (3) فإنه جعل المكان هو الهيولى ؛ لأن المكان هو الذي تتعاقب ~~عليه أشياء هي المتمكنات ، والمادة تتعاقب عليها أشياء هي الصور ، فكانا ~~(4) واحدا. ### |||| ** والثالث : مذهب بعض القدماء ، فإن المكان محدود حاصر ، والصورة محدودة حاصرة (5). # وهذان المذهبان باطلان ؛ لأن المكان يفارقه المتحرك بالحركة وينتقل عنه PageV01P384 # وإليه ، وهو باق في الحالين ، ولا شيء من الهيولى والصورة كذلك ؛ ~~لاستحالة مفارقة الشيء جزئه مع بقائه. ولأن المكان مطلوب بالحركة ، ~~والهيولى والصورة لا تطلبان بالحركة ، وليس الكائن الفاسد يطلب صورة ~~لبطلانه عند مفارقة الأولى وحصول غيره. ولأن المركب قد ينسب إلى مادته ، ~~فيقال : باب خشبي وخاتم فضي ، والشيء لا ينسب إلى مكانه. وأدلتهم من ~~موجبتين في الشكل الثاني ، فتكون عقيمة غير ناتجة. # وأما القائلون بأن المكان هو السطح مطلقا فقد احتجوا عليه ، بأن الفلك ~~الحاوي متحرك ، وكل متحرك فله مكان ، لكن ليس له سطح من حاو (1) محيط به ، ~~وإلا لزم عدم تناهي الأجسام ، فلم يبق مكانه إلا سطح الفلك الذي تحته. ولأن ~~كل جسم لا بد له من مكان ، والأبعاد متناهية ، فلو لم يكن مكان الحاوي سطح ~~المحوى كذبت الكلية الصادقة. # وهو خطأ لمنع الكبرى ، نعم المتحرك في الأين يجب أن يكون له مكان ، لكن ~~حركة المحدد ليست في الأين ، بل في الوضع. والمكان إن جعلناه البعد صدقت ~~الكلية على تقدير التناهي ، لأن المحدد في بعد وإن جعلناه السطح الحاوي ، ~~لم يجب صدق الكلية ، فإنه لا برهان عليها ، بل على نقيضها. ثم يقابل هذا ~~المشهور لمشهور آخر ms0236 ، وهو أن الناس اتفقوا على أن مكان الجسم الواحد واحد ، ~~ولو جعلناه أي سطح كان ، لكان لكل ما تحت المحدد مكانان ، وهو محال. # فإذا بطلت هذه الأقوال بقى (2) المشهور أمران : # الأول : أن يكون المكان هو البعد على ما اخترناه (3). PageV01P385 # والثاني : السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوى. # فلنشرع في تحقيق الحق منهما فنقول : # إن بعض من جعل المكان هو البعد زعم أنه ضروري ، وأن العلم به لا يفتقر ~~إلى دليل ، ومنهم من جعله كسبيا ، واستدل عليه بوجوه (1): ### |||| ** أ: كون الجسم في المكان ضروري ، وليس احتياجه إلى المكان لسطحه ، فإنه عرض ~~قائم به عندكم ، بل لجسميته ، والمكان مساو للمتمكن عند العقلاء ، ومساو ~~البعد بعد ، لكن أبعاد الجسم ثلاثة ، وللمكان أبعاد ثلاثة ، وهو المطلوب. ### |||| ** ب : إذا اختلطت البسائط حصل نوع اشتباه بينها ، وإنما يتميز بعضها عن بعض برفع ~~البعض إلى أن يبقى واحد ، فحينئذ يحصل امتيازه عنها ، ولما كان المكان ~~تتعاقب عليه المتمكنات ، وجب أن يعتمد في امتيازه إلى رفعها كلها ، فالباقي ~~بعد ذلك الرفع يكون هو المكان ، ونحن إذا فرضنا خروج الماء من الإناء ، ~~وعدم دخول الهواء فيه ، حكمنا بأن الأبعاد التي كان الماء والهواء يداخلها ~~باقية خالية عن مالئ ، فعرفنا أن المكان هو البعد الباقي ، وأن ذلك البعد ~~قد كان موجودا حال وجود المالئ فيه. # ج : لو كان المكان هو السطح الحاوي لزم الحكم بحركة ما هو ساكن ، وبسكون ~~ما هو متحرك ، والتالي باطل بالضرورة فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن المكان إذا كان هو السطح الحاوي ، يكون الحجر الواقف ~~في الماء الجاري ، والطير الواقف في الهواء ، متحركين ، لأنهما تفارقان كل ~~حال سطحا حاويا لهما ، ويرد عليهما سطح آخر حاو ، والحركة عبارة عن انتقال الجسم PageV01P386 # من مكان إلى مكان ، وقد حصل هذا المعنى فيهما ، فكانا متحركين مع أنهما ~~ساكنان بالضرورة ، وكل سكون ففي مكان واحد ، فليس السطح ، فهو البعد الذي ~~لا ينتقل ولا يتبدل بوجه ، بل يكون ثابتا (1)، وإنما تحرك الجسم الحاوي له ~~أو لا (2)، ويكون كل فلك ms0237 محوي وكل كوكب ساكنا لملازمته السطح الحاوي له ، ~~والضرورة قاضية بحركة الشمس وسكون الحجر في الماء الجاري. ### |||| ** د : من شأن المكان الثبات والبقاء وعدم الحركة والزوال ، وهذا إنما يتحقق في ~~البعد ، فإنه لا يزول ولا ينتقل عن موضعه ولا يتحرك البتة ، وأما نهايات ~~المحيط فإنها قد تتحرك بوجه ما وتزول. # ه : الناس يصفون المكان بالخلو والفراغ تارة ، وبالامتلاء أخرى ، ولا ~~يصفون السطوح بذلك ، فتغايرا. # و: لو جعلنا المكان هو السطح المماس لسطح المتمكن لم يكن لأجزاء المتمكن ~~مكان ، ولو كان عبارة عن البعد كان لها مكان. ### |||| ** ز : النار في حركتها إلى فوق والأرض في حركتها إلى أسفل تطلب مكانا بكليتها ، ~~ولا يطلب نهاية الجسم الذي فوقه أو تحته ، فإن النهاية يستحيل أن يلاقيها ~~جسم ، فالمطلوب هو البعد على الترتيب. # اعترض على (3) أ: بانكم إن عنيتم بكون الجسم مقتضيا للمكان ، أنه بجسميته ~~يصح أن يحيط به جسم آخر فذلك مسلم ، ولا (4) يلزم منه مقصودكم ، PageV01P387 # وإن عنيتم به أن كل بعد من جسميته يقتضي بعدا يكون فيه ، فهو مصادرة على ~~المطلوب الأول. # وفيه نظر ، لأن الأول غير ممكن الإرادة ، وإلا لزم أن يكون كل جسم كذلك ، ~~فالمحيط له محيط ، ويلزم عدم تناهي الأبعاد ، وهو محال. بل المراد المعنى ~~الثاني ، وليس مصادرة على المطلوب الأول ، بل هو حكم ضروري يشهد به العقل ، ~~فإنا نعلم بالضرورة أن أبعاد الجسم مساوية للأبعاد التي داخلها الجسم. # وعلى ب : بأنه يلزم مما فرضتموه وجود البعد ، ولكن الذي فرضتموه محال ~~عندنا ، واللازم عن المحال لا يجب أن يكون صحيحا ، بل يجوز أن يكون محالا. # وفيه نظر ، لأن المحال لم يلزم من فرضنا ، بل من الخلاء ، لا من إثبات ~~البعد ؛ لأن العقل حاكم بثبوته ، أقصى ما في الباب أنكم تدعون وجوب انتفاء ~~الخلاء ، ونحن ننازعكم فيه على ما يأتي ، ولكن ذلك لا مدخل له في إثبات ~~البعد ونفيه. # وعلى ج : إن عنيتم بسكون الطير في الهواء ، عدم تبدل نسبته إلى الأمور ~~الثابتة ، فهو ساكن بهذا المعنى ، لكن لم قلتم ms0238 إن السكون بهذا المعنى يقتضي ~~الاستقرار (1) في مكان واحد؟! وإن عنى بالسكون نفس الاستقرار في مكان واحد ~~، فهذا الجسم ليس بساكن. # ثم المتحرك إن عنى به ما يكون مبدأ المفارقة للأمور الثابتة فيه من ذاته ~~أو من غيره ، فهذا متحرك. وإن عنى به ما يكون مبدأ المفارقة من ذاته ، فهذا ~~ليس بمتحرك ولا ساكن ، ولا امتناع في ذلك ، فإن الجسم في الآن ليس بمتحرك ~~ولا ساكن. # وفيه نظر ، فإن كل عاقل يجزم بسكون الطير في الهواء ، والحجر في الماء ، وإن PageV01P388 # استبدلا سطوحا بعد سطوح على التعاقب ، والسكون هو حصول الجسم في مكان ~~واحد أزيد من زمان واحد ، أو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك ، مع أن ~~الحركة تستلزم تعاقب الأمكنة على التساوي ، فلما كان هذا الجسم ساكنا ، وكل ~~ساكن فإنه يحفظ مكانا واحدا (1)، وهذا لا يحفظ سطحا واحدا ، جزم العقل ~~بالمغايرة بين المكان والسطح. # وعلى د : إن المكان من شأنه أن لا يتحرك بذاته ، لا أنه لا يتحرك مطلقا ، ~~فإن عدم حركته بالعرض غير مشهور ولا مسلم ، كيف والمشهور بين الناس أن ~~الجرة مكان للماء وأنها تتحرك؟! # وفيه نظر ، فإنه من المشهور أن المكان لا يتحرك ، لا بالذات ولا بالعرض ، ~~وإلا وجب أن يكون له مكان ، لأن كل متحرك سواء كان بالذات أو بالعرض فله ~~مكان ، والجرة ليست مكانا اتفاقا ، بل إما البعد الذي احتوت عليه ، أو ~~السطح الباطن منها ، لكن السطح منتقل بانتقالها بخلاف البعد ، فكان جعله في ~~المشهور مكانا أولى من جعل السطح. # وعلى ه : بأن الأمور المبنية على العرف والعادات ، لا يصح التعويل عليها ~~في العقليات ، مع أن الناس لا يمتنعون من أن يقولوا : إن البسيط الذي هو ~~داخل الجرة مملوء وفارغ. # وفيه نظر ، لأن احتياج الجسم إلى المكان أمر حاصل عند فطرة العقل (2)، ~~ولا شك في أن العقل يقسم المكان إلى حالتي الخلو والامتلاء ويجزم به جزما ~~ضروريا ، فليس مستندا إلى عرف أو عادة يمكن تغييرهما ولا يكون لهما PageV01P389 # أصل عقلي (1)، ووصف البسيط بالخلو والامتلاء ms0239 باعتبار الأبعاد التي اشتمل عليها. # وعلى و: أي برهان قام على أن لكل جسم مكانا ، حتى يحصل لأجزاء البعد ~~مكان؟! بل لها وضع ، والفلك الأقصى له وضع وحركة فيه ، فأما أن لكل جسم ~~مكانا لا محالة ، فذلك مما لم يثبت البتة ، وإذا لم يثبت لم يلزمنا الحكم ~~بأن المكان هو البعد لا غير. # وفيه نظر ، لأنا ندعي أن افتقار كل جسم إلى مكان بالمعنى الذي ذكرناه وهو ~~البعد ضروري ، فإن الضرورة قاضية بأن للجسم أبعادا ثلاثة ، وأن مطابق ~~الأبعاد مساو لها. # وعلى ز : بأن طلب النهاية على وجهين : # الأول : هو أن يطلب الحجم أن يدخل في نفس السطح ، وذلك محال. # الثاني : أن يطلب أن يلاقيه الآخر ملاقاة المحيط المحاط ، وهذا المعنى ~~يتحقق مع القول بجعل النهاية مكانا. # وفيه نظر ، فإن النار كما تطلب القرب من المحيط كذلك كل جزء منها ، فيكون ~~المطلوب هو البعد خاصة. # احتج القائلون بأن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي ، بأن للمكان خواص : # أ: أن يكون الجسم فيه. # ب : أنه لا يسع غيره معه. # ج : أنه يفارق بالحركة. # د : أنه يقبل المنتقلات. PageV01P390 # ثم قد يقال لما يستقر عليه الجسم ويمنعه من النزول : إنه مكان ، ولما ~~تأملوا الجسم الأسفل عرفوا أنه بأجمعه ليس مكانا للأعلى ، إذ لو عدم الجسم ~~ولم يبق إلا سطحه الحاوي لكان هو المكان ، لأن الأعلى يمكنه أن يستقر عليه ~~ويمنعه من النزول. # ثم إنهم يجعلون للسهم النافذ في الهواء مكانا ، وللطير الواقف في الجو ~~مكانا ، وليس تحتهما ما يمنعهما من النزول ، فيحصل من أقوالهم أن المكان هو ~~السطح المماس الحاوي لوجود الأمارات الأربع المتفق عليها بين الجماهير فيه ~~، فإن الجسم يحصل فيه ، ولا يسع معه غيره ، ويفارقه المتحرك بالحركة ، ~~ويقبل المنتقلات. وأيضا القول بأن المكان هو البعد محال ، فيكون هو السطح ، ~~إذ لا يعقل غيرهما. وبيان الأول من وجوه (1): ### |||| ** الأول : لو كان المكان هو البعد لزم التداخل ، أو حلول المعدوم في المعدوم ، أو ~~حلول المعدوم في الموجود ، أو بالعكس ، أو مساواة الكل ms0240 للجزء في المقدار. ~~والأقسام بأسرها باطلة بالضرورة ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن المكان لو كان هو البعد لكان مغايرا لبعد الجسم ~~المتمكن بالضرورة ، فإذا حل فيه فإما أن يبقى البعدان كما كانا متميزين ، ~~فيكون الكل مساويا لجزئه في المقدار ، ضرورة عدم اتساع الإناء بعد حلول ~~الماء فيه ، وعدم زيادة مقدار الماء باعتبار حلوله في الإناء ، وإن لم ~~يبقيا متميزين لزم التداخل. وإن حصل العدم ، فإن عدما معا لزم حلول المعدوم ~~في المعدوم ، وإن عدم المتمكن لزم حلول المعدوم في الموجود ، وإن عدم ~~المكان لزم العكس. # الثاني : لو كان المكان هو البعد لزم اجتماع بعدين متماثلي الماهية في مادة PageV01P391 # واحدة ، فلا يحصل الامتياز بينهما بالذاتيات ولا باللوازم ، لتساويهما في ~~الماهية ولوازمها ، ولا بالعوارض (1) لتساوي نسبتها إليهما ؛ لأن المثلين ~~إذا حلا في مادة واحدة ، لم يكن أحدهما بعروض العارض له أولى من الآخر ، ~~فإما أن يكون عارضا لهما ، أو لا يعرض لشيء منهما ، وعلى التقديرين يرتفع ~~الامتياز والاثنينية والتعدد ، ويلزم من ذلك ما تقدم من المحالات. # لا يقال ، يمتاز أحدهما عن الآخر بكون أحدهما حالا في الجسم ، والآخر ~~محلا له. # لأنا نقول : إنهما مثلان ، فتخصيص أحدهما بالحالية والآخر بالمحلية ترجيح ~~من غير مرجح. ### |||| ** الثالث : البعد الشخصي هو البعد المشار إليه بين طرفي هذا الإناء ، أو بين هذين ~~الجدارين مثلا ، فلو كان المكان هو البعد ، مع أن للمتمكن بعدا آخر لاجتمع ~~بين طرفي الإناء بعدان ، مع أن البعد المشار إليه الشخصي (2) ليس إلا بعدا ~~واحدا ، وذلك يفضي إلى الشك في المحسوسات في أن الواحد منها هل هو واحد أم ~~أكثر؟ بل جوز العقل أن يكون أكثر من بعدين وثلاثة ، وإلى ما لا يتناهى ، ~~وهذا معلوم البطلان بالضرورة ، فإذن ليس بين طرفي الإناء إلا بعد المتمكن. # لا يقال : إنما حكمنا بتعدد البعد بين طرفي الإناء ، لأنا قدرنا خروج ~~المتمكن منه ، وعدم دخول آخر ، ثم وجدنا بعد ذلك بعدا فارغا فحكمنا بوجوده ~~حال خلوه عن بعد المتمكن ، فإذا فرضنا وجود المتمكن فيه علمنا أنه قد ms0241 اجتمع ~~بعدان ، بخلاف غيره من الأشخاص ، فإن المحسوس من الجسم الواحد ليس إلا ~~الواحد ، فلا يلزم تشكك العقل في أن هذا الإنسان واحد أو اثنان؟ ولا البعد ثلاثة PageV01P392 # أو أزيد؟ # لأنا نقول : فرض خروج الماء وعدم دخول جسم آخر فيه فرض لوجود الخلاء ، ~~وهو محال ، فيكون المبني عليه محالا ، ولو فرضنا إمكانه ، لكن استفدنا منه ~~أن الواحد في الماهية وفي الإشارة الحسية ، قد لا يكون واحدا بالشخص ، بل ~~كثيرا به. وإذا جوزنا ذلك ، وثبت أن هذا الطريق لم يوجد في الإنسان المشار ~~إليه ، ولكن مع ذلك لا يمكننا القطع بكونه إنسانا واحدا ، لإمكان وجود طريق ~~آخر يقتضي ما اقتضاه الأول من كثرة الإنسان الواحد وتعدده بالشخص كما في ~~البعد ، وإن لم يعلم ذلك الطريق ، فيلزم مما قالوه الشك في وحدة جميع ~~الأشخاص. ### |||| ** الرابع : من المعلوم بالضرورة امتناع تداخل الأجسام ، والمعني من امتناع تداخلها ~~وجوب تباينها في الأحياز ، بحيث يكون حيز كل واحد منها يباين حيز الآخر ~~ويغايره ، والضرورة قاضية بإسناد هذا الحكم في الأجسام إلى الشيء الذي له ~~بذاته حصول في الحيز والجهة ؛ لأن ما عداه من الصور والأعراض لا مدخل له في ~~هذا الامتناع ، لأن ما لا يكون بذاته حاصلا في الحيز استحال أن يقتضي أن ~~يكون بذاته حاصلا في جهة غير جهة شيء آخر ، ومعلوم أن الذي لذاته يقتضي ~~الحصول في الحيز ، إنما هو المقدار ، فإن الهيولى متجردة في ذاتها عن الوضع ~~والمكان ، وإنما يعرض لها ذلك بواسطة المقدار ، والصورة أيضا لا مدخل لها ~~في ذلك ، إذ لا مقدار لها حتى يمانع الداخل في المكان ، وليست في ذاتها ~~شاغلة للحيز ، ولأن الجسم قد يزداد مكانه لازدياد مقداره بواسطة التخلخل ، ~~وينقص مكانه لنقص مقداره بواسطة التكاثف ، مع بقاء الصورة الجسمية في ~~الأحوال كلها. وكذا الصورة النوعية وجميع الأعراض لا حظ لها في شغل الحيز ~~ولا ممانعة الغير فيه بالذات ، بل الشاغل بالذات الممانع للغير فيه ليس إلا ~~المقدار ، فامتناع المداخلة إنما حصل بالذات للمقدار ، وبالعرض لغيره. PageV01P393 ### |||| ** الخامس : الضرورة قاضية ms0242 بأن مجموع البعدين أكثر من واحد ، وأن الكثرة في البعدين ~~توجب زيادة العظم ، لأن زيادة المقدار على المقدار يقتضي الزيادة في العظم ~~، ولا شك في أن الجسم الداخل في الإناء كان له مقدار متفرد عن المقدار الذي ~~أثبتموه بين طرفي الإناء ، فلو كان هناك مقدار آخر ، لكانا أعظم من الواحد ~~، ومعلوم أنه ليس كذلك ، لأن مجموعهما هو الذي بين النهايات ، وهو بعينه ~~قدر كل واحد منهما. # اعترض بأن البعدين إنما يكونان أعظم من الواحد لو لم يتداخلا ، أما على ~~تقدير التداخل فلا ، لأن الإشارة حينئذ إلى أحدهما تكون بعينها الإشارة إلى ~~الآخر ، وإذا لم يتداخلا تكون الإشارة إلى أحدهما غير الإشارة إلى الآخر ، ~~فيحصل العظم حينئذ ، لكن نمنع عدم حصول التداخل ، وليس النزاع إلا فيه. # فالحاصل أنه لا يمكن أن يكون مجموع البعدين أعظم من البعد الواحد إلا بعد ~~بيان امتناع تداخلهما ، ولو بينا امتناع تداخلهما بوجوب كون مجموعهما أعظم ~~من كل واحد منهما لزم الدور. ### |||| ** والجواب عن الأول (1) ### |||| ** : بأن الأمارات المذكورة المشهورة عند جماهير القوم ، وهي الأربعة السابقة ، ~~موجودة في البعد الذي ادعيناه ، فإنه يصدق عليه بالحقيقة أن الجسم فيه ~~بجملته وأجزائه ، فهو أحق بالمطرد (2) فيه من كونه في السطح. وكذا أنه لا ~~يسع معه غيره ، فإن البعد أولى ، فإنا لو فرضنا جسما مملوءا من رمل ، ثم ~~أفضنا (3) عليه ماء وسعه السطح دون البعد. وكذا قبوله للمنتقلات ، لثباته ، ~~وإمكان توارد المتمكنات عليه وعدم حركته وانتقاله ، بخلاف السطح المنتقل PageV01P394 # المتبدل ، مع أنهم لا يصفون السطح بقبوله للمنتقلات ، كيف والسطح عرض غير ~~مستقل بالقيام بذاته. وكذا أنه يفارق بالحركة ، فإنه للبعد الذي يفارقه ~~المتمكن مع ثباته أولى من السطح الذي يتحرك وينتقل بانتقال محله ، وجعل ~~المكان لما يستقر عليه ، ويمنعه من النزول لا يتأتى في السطح أيضا. ### |||| ** وعن الثاني : أنه لا يلزم من بطلان كون المكان هو البعد جعل المكان سطحا ، لجواز أن يكون ~~أمرا مغايرا لهما ، لازما لأحدهما أو غير لازم ، والتداخل إنما يحكم ~~بامتناعه بين المقادير الحالة في المواد ms0243 ، لا مجرد البعد الذي ليس في مادة ~~، فإنه لا يمانع غيره ، إذ ليس إلا فراغا متوهما. ### |||| ** وعن الثالث : بأن البعدين المذكورين يتحدان ويتداخلان ، على أن أحدهما ليس على ما يقولون ~~، من أنه كم متصل متحقق في الخارج ، بل هو فراغ متوهم يحصل له التقدير (1) ~~بالعرض ، على معنى أنا لو فرضنا فيه تعاقب جسمين متفاوتين قدر التفاوت ~~باعتبار تفاوتهما ، لا أنه في نفسه شيء متحقق يختلف باختلاف المقادير ، ~~وحينئذ يتميزان بذاتيهما وحقيقتيهما ، وإن تشاركا في اعتبار قبول التقدير ، ~~لكنه في أحدهما حقيقي (2) دون الآخر. ### |||| ** وعن الرابع : أنا نسلم وحدة البعد المشار إليه بين طرفي الإناء ، وبين الجدارين ، لكن ~~بعد الجسم إذا حل فيه لم يلزم تعدده ، لأنهما يتحدان ويتداخلان ، وتجويز ~~تعدد الأشخاص باعتبار تعدد البعد تجويز للسفسطة ، فإن الضرورة حكمت بتعدد ~~الشخصين دون البعدين المتحدين ، وفرض الخلاء وإن كان محالا ، لكن لا يستلزم ~~رفع البعد بين طرفي الإناء ، لأنه أمر محسوس. PageV01P395 ### |||| ** وعن الخامس : بأن المقتضي لامتناع التداخل ليس إلا المقدار الحال في المادة بحيث يكون ~~مفتقرا إلى بعد يحل فيه ، ولا تداخل غيره مما هو حال في المادة فيه ، لا ~~مطلق المقدار المجرد أو الفراغ المتوهم ، إذ لا ممانعة فيهما. ### |||| ** وعن السادس : أن الزيادة في العظم إنما تحصل في الأبعاد الحالة في المواد المتغايرة أو ~~المنسوبة إليها لامتناع التداخل فيها ، أما الأبعاد الخالية أو الفراغ ~~المتوهم فلا يحصل فيها هذا الحكم ، لإمكان تداخل غيرها معها. ### ||| ** المسألة الثانية : في إثباته # اعلم : أن كثيرا من الأشياء الثابتة عينا أو المعدومة ، قد يعلم ببعض ~~عوارضه ، ويكون مجهولا باعتبار ماهيته ووجوده ، فيصح طلب الماهية وطلب ~~الوجود أيضا ، والمكان من هذا القبيل ، فإنه من المشهور عند الجمهور الخواص ~~التي له ، وإن اختلفوا في وجوده وماهيته. # وقد قدمنا بيان حقيقته ، فلنشرع الآن في بيان وجوده ، فنقول (1): # من المعلوم أن الخواص التي حكم العقلاء بثبوتها للمكان لا يصح عروضها ~~لمعدوم صرف ونفي محض ، بل إنما يعرض لشيء له تحقق وتعين ، مع أن الضرورة ~~قاضية بإثبات المكان المدعى ثبوته ms0244 عند الكل. أما على البعد أو الفراغ ~~المتوهم ، فإن الفطرة شاهدة به ، لقضاء العقل بثبوت فراغ متوهم أو بعد ممتد ~~من طرفي الإناء ، سواء حل فيه جسم كالماء أو لا ، فإنكاره ضروري البطلان. ~~وأما السطح فلأن الأجسام متناهية فالسطوح ثابتة ، فلا وجه لادعاء نفيه. # وأيضا الانتقال هو التغير في الأين ، لوجود الانتقال مع عدم التغير في PageV01P396 # الجوهر والكم والكيف وغيرها ، وقد لا يوجد الانتقال عند حصول التغير في ~~تلك الأمور ، فإذن الانتقال تغير في الأين ، أي في نسبته إلى المكان ، وذلك ~~يوجب وجود المكان. ولأن الجسم يحضر ويغيب ، ثم يحضر غيره حيث هو ، ~~وبالضرورة يحصل أمر مشترك بين المتعاقبين ، وليس غير المكان. # ولأن الضرورة قاضية بوجود الفوق والسفل ، وذلك يقتضي وجود المكان. # واحتج منكروه بوجوه (1): ### |||| ** أ: لو كان موجودا لكان إما جوهرا أو عرضا ، فإن كان جوهرا استحال أن يكون جسما ~~، لاحتياج كل جسم إلى مكان ، فلو كان المكان جسما لافتقر إلى مكان آخر ، ~~فيتسلسل أو يدور. ولأن المكان يداخله المتمكن فلو كان جسما لزم تداخل جسمين ~~وهو محال بالضرورة. ولأنه ليس من بسائط الأجسام ، ولا من مركباتها ، لأنه ~~ليس شيء منهما يشار إليه أنه هو المكان. ويستحيل أن يكون جوهرا غير متحيز ~~(2)، لأن المطابقة واجبة بين المكان والمتمكن بحيث لا يفضل أحدهما على ~~الآخر في المقدار ، ولا يتصور ذلك بين الجسم والمجرد المعقول. ولأن المكان ~~مقصود بالإشارة الحسية ، ولا شيء من الجواهر العقلية كذلك. ولأن الخواص ~~الأربعة المشهورة عند الجمهور منفية عن المجرد ، فلا يكون هو المكان. # وإن كان عرضا استحال أن يكون قائما بذاته ، بل لا بد له من محل يحل فيه ، ~~فإن كان محله المتمكن لزم انتقاله بانتقاله ، فتكون الحركة مع المكان ، لا ~~منه ولا إليه ، وهو محال. ولأن العرض يكون موجودا في المحل ، ولا يكون ~~المحل موجودا فيه ، فلا يكون الجسم موجودا في المكان ، ولاستلزامه الدور. ~~ولا يجوز أن يكون قائما بغيره ، PageV01P397 # وإلا لاشتق لذلك الغير منه اسم ، فكان المتمكن من قام به المكان لا من ms0245 ~~قام بالمكان ، فيكون المتمكن هو الحاوي لا المحوي. ولأن المساواة منتفية ~~(1) بين الجسم والعرض ، والمكان مساو ، والعرض ليس بمساو ، فلا يكون المكان ~~عرضا. ولأن الجسم لا يعقل وجوده إلا في مكان ، فله سبق وتقدم عليه ، فلو ~~كان عرضا لزم أن يكون العرض أقدم في الاختراع من الجسم ، وهو محال لتأخره ~~عنه. وإذا بطل أن يكون المكان جوهرا وبطل أن يكون عرضا استحال تحققه في ~~الأعيان. # ب : لو افتقر كل متحرك إلى المكان لكان المكان : إما أن يكون محتاجا إلى ~~الحركة ، وهو باطل لوجود المكان مع عدم الحركة في الذهن والخارج معا ، ولأن ~~الحركة عبارة عن الانتقال من مكان إلى مكان فماهيتها مسبوقة بالمكان وتحققه ~~، فلا يجوز أن يحتاج في تحققه إلى الحركة المتأخرة عنه ، وإلا دار. # وإما أن تكون الحركة محتاجة إلى المكان ، فيجب أن يكون المكان إحدى علل ~~الحركة (2)، لأن كل ما يحتاج إليه الشيء فانه يكون علة له ، ولكن المكان ~~ليس علة فاعلية للحركة ؛ لأنه لا يلزم من وجود المكان بالفعل وجود الحركة ، ~~ولأن كل حركة فإنها مستندة إلى علة فاعلية غير المكان. وليس علة مادية ؛ ~~لأن مادة الحركة هي المتحرك لا المكان ، لأن الحركة إنما تحل المتحرك. وليس ~~علة صورية ، لأن المكان ليس هيئة وصورة للحركة ، ولأنه قد يوجد بالفعل من ~~دون الحركة ، والصورة يجب مقارنتها لذي الصورة زمانا. ولا علة غائية ، لأن ~~الغاية إنما يجب وجودها في الأعيان عند الوصول إلى الغاية ، والمكان يجب ~~حصوله قبل الوصول إلى الغاية ؛ ولأن المكان لو كان كما لا يشتاق إليه ~~المتحرك ، لكان من كمالات الإنسان أن يحصل في أمكنة يشتاق إليها ؛ ولأن ~~الكمال منه خاص هو الجزء PageV01P398 # الصوري للشيء ، ومنه مشترك بين الشيء وغيره ، وليس المكان صورة للمتحرك ~~ولا للحركة، وليس مشتركا ؛ لأنه خاص بالمتمكن دون غيره. # ج : لو كان كل جسم في مكان لكانت الأجسام النامية في مكان ، ويجب أن ينمو ~~وأن يتحرك بحركتها ، فيكون لمكانها مكان آخر ويتسلسل إلى غير النهاية. # د ### |||| ** : لو كان الانتقال يوجب المكان ms0246 للجسم المتحرك ، لكانت السطوح والخطوط والنقط ~~في أمكنة ، لأنه قد يقع لها الحركة واستبدال القرب بالبعد ، كما يقع للجسم ~~، لوجود العلة فيها ، ولا مدخل لخصوصيات المنتقلات ، لكن التالي باطل ؛ لأن ~~المكان مساو للمتمكن (1)، ومساوي النقطة يجب أن يكون نقطة ، فمكان النقطة ~~يجب أن يكون نقطة ، ثم ليس إحدى النقطتين بأن تكون مكانا للأخرى أولى من ~~العكس ، لتساويهما في الماهية ، فتكون كل واحدة منهما مكانا للأخرى ، فتكون ~~كل واحدة منهما حالا في الأخرى ومحلا له ، وهو محال. # ولأن كل ما له مكان فإنه يستحق مكانا طبيعيا يقتضيه طباعه ، وله مكان ~~غريب ، ويكون له ميل إلى مكانه الطبيعي الملائم له ، وميل عن الغريب ، ~~والميل هو الثقل والخفة ، فيكون للنقطة ثقل وخفة ، وهو محال. # ولأن النقطة والخط والسطح أمور عدمية ؛ لأنها نهايات ، والنهاية عبارة عن ~~فناء ذي النهاية وعدمه ، فلا يعقل أن يكون مكانا ومحلا للأشياء الثابتة في ~~الأعيان ، ويستحيل أن يكون لها أمكنة. # والجواب (2) عن أأن نقول إن المكان جوهر قائم بذاته هو البعد ، وليس PageV01P399 # بجسم ولا مجرد ، أو يكون عرضا قائما بغير المتمكن هو السطح الباطن ، على ~~الخلاف. # وحديث الاشتقاق راجع إلى بحث لفظي لا معنوي ، فلا يجوز ذكره في هذه ~~المطالب العلمية. على أنا نمنع وجوب الاشتقاق ، فكثير من الأعراض قائمة ~~بمحالها ، ولم يشتق لها منها أسماء كأنواع الروائح. # سلمنا ، لكن نمنع أن المتمكن مشتق من المكان ، بل من «التمكن» وهذا ~~التمكن معنى ثابت للجسم المتمكن في المكان لا للمكان. # سلمنا اشتقاقه من المكان ، لكن يجوز أن يقوم العرض بمحل ويشتق لغيره منه ~~اسم كالقتل والضرب الحالين في المقتول والمضروب والاشتقاق للقاتل ، وكالعلم ~~فإنه حال في العالم ، ويشتق منه اسم المعلوم. # والمساواة ثابتة هاهنا ، إذ المراد منها مطابقة نهايات المتمكن لنهايات ~~المكان ، والحاوي متناه وله تقدم على المحوي بنهاياته ولوازمه. # وعن ب المنع من حصر المحتاج إليه في العلل الأربع ، فإن الاثنين محتاج ~~إلى الواحد ، وليس الواحد فاعلا للاثنين ، ولا مادة له ، ولا صورة ، ولا ~~غاية ، بل هذا نوع آخر ms0247 من التقدم يسمى التقدم بالطبع (1)، فالحركة محتاجة ~~إلى المكان ، إذ لا يمكن وجودها إلا في محل يتحرك على المكان. # وفي سند المنع نظر ، فإنا نختار أن الواحد جزء مادة للاثنين ، أو جزء ~~فاعل. نعم لو قيل بأن المكان جزء مادة للحركة ، لاستحالة حلولها في غيره ~~وغير المتمكن ، أمكن. # وعن ج أن النامي يستبدل مكانا بعد مكان ، كما يستبدل مقدارا بعد PageV01P400 # مقدار ، ولا امتناع فيه ، ولا يلزم أن يتحرك المكان. # وعن د أنه لا يرد على القائل بكون المكان بعدا ، بل على القائل بأنه ~~السطح. ويمكن الجواب : # بأن الموجب للمكان ليس مطلق الانتقال ، بل الانتقال الذي يكون بالذات لا ~~بالعرض ، فانتقال الشيء بالذات وهو أن يفارق ما يحيط به مفارقة من ذاته لا ~~بسبب لزومه للمفارق بذاته هو الموجب للمكان ، أو مفارقته لبعد يحل فيه ~~بجملة أجزائه وأقطاره ، هو المحوج إلى المكان ، والسطح والخط والنقطة ، لا ~~استقلال لها في المفارقة ، بل يتبع الجسم الذي هو محلها. ### ||| ** البحث الثالث عشر : في الخلاء (1) # وفيه مسألتان : ### ||| ** المسألة الأولى : في أنه هل هو ثابت أم لا؟ # اعلم أن الخلاء يفسر بأمرين : # أحدهما وجودي ، هو عبارة عن الأبعاد الثلاثة التي إذا حلت في المادة PageV01P401 # حصل الجسم منهما (1)، وإن لم يحل فيها كان ذلك خلاء. # والثاني عدمي ، وهو الفراغ المتوهم ، وهو عبارة عن وجود جسمين لا ~~يتلاقيان ولا يكون بينهما ما يلاقيهما (2)، وهي مسألة من الطبيعيات بحث ~~المتكلمون عنها ليدفعوا شبه الفلاسفة في المعاد ، وفي إمكان خلق عالم آخر. # وقد اختلف الناس في ثبوت الخلاء ونفيه على التفسيرين ، فالمتكلمون على ~~إثباته ، وهو مذهب جماعة من الأوائل (3)، وباقي الأوائل على نفيه ، وهو ~~قول أبي القاسم الكعبي (4). # لنا على ثبوت الخلاء وجوه (5): ### |||| ** الوجه الأول : لو كان العالم ملاء لامتنعت الحركة على شيء من الأجسام في الأين ، والتالي ~~باطل بالضرورة ، فإنا نشاهد الأجسام تتحرك وتنتقل من جهة إلى أخرى ، ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن الجسم لو انتقل فإما أن ينتقل إلى مكان مملوء أو فارغ ~~، فإن كان فارغا فهو المطلوب ms0248 ، وإن كان مملوءا ، فإما أن يبقى الجسم المالئ ~~للمكان المنتقل إليه على حاله أو ينتقل ، فإن بقى لزم التداخل ، وهو باطل ~~بالضرورة. وإن PageV01P402 # انتقل فإما إلى مكان الأول فيلزم الدور ؛ لأن حركة الجسم الأول إلى ~~المكان الثاني تتوقف على انتقال الجسم الثاني إلى المكان الأول ، ولكن ~~انتقال الجسم الثاني إلى المكان الأول يتوقف على فراغ المكان الأول بحركة ~~الجسم الأول عنه إلى المكان الثاني وأيضا لو أمكن أن يتحرك كل من الجسمين ~~إلى مكان صاحبه ، لأمكن أن نأخذ كوزين مملوءين من الماء ، فينتقل الماء من ~~أحدهما إلى الآخر في حال انتقال الماء من الكوز الآخر إلى الأول. وإما إلى ~~مكان آخر (1)، وننقل الكلام إليه ، فيلزم حركة جميع الأفلاك والعناصر من ~~حركة البقة ، وهو ضروري البطلان. ### |||| ** الوجه الثاني (2) ### |||| ** : إذا وضعنا سطحا أملس على مثله ، بحيث يلاقي كل واحد من السطحين بجملة ~~أجزائه جميع السطح الآخر بجملة أجزائه ، وذلك ممكن بالضرورة ، ولأنه لو لم ~~يمكن تلاقي السطوح لزم الخلاء وهو المطلوب ثم رفعنا أحد السطحين عن صاحبه ~~دفعة ، ارتفعت جميع أجزائه ، إذ لو بقى من أجزائه شيء ملاق للأسفل لم يرتفع ~~لزم تفكك الأعلى ، لأن ارتفاع الجزء الأول يقتضي حصوله في جهة فوق وبقاء ~~الثاني على حاله يقتضي عدم مصاحبته له في الارتفاع ، بل يبقى مماسا للأسفل ~~كما كان أولا ، وهذا عين التفكك. # وبهذا الوجه استدل الأوائل على بطلان الجزء (3) بوقوع التفكك في أجزاء ~~الرحى ، حيث سكن الجزء القريب من القطب ، ولم يفارق مكانه حال مفارقة الجزء ~~القريب من المنطقة ، والتفكك باطل بالحس. # ولو سلم قلنا : اللامماسة من الأمور الآنية ، فالجسمان المفروضان كانا ~~أولا متماسين ، فإذا صارا لا متماسين ، فالذي صار لا مماسا دفعة ، إما أن ~~يكون سطحا PageV01P403 # منقسما ، أو غير منقسم ، فإن كان منقسما فله جوانب وأطراف ، وقد ارتفع ~~بجميع جوانبه وأطرافه دفعة عما كان مماسا له من السطح الأسفل ، فيثبت جواز ~~ارتفاع السطح الأعلى بجملته عن الأسفل ، وإن كان ذلك المرتفع غير منقسم ، ~~لزم تركب السطح من النقط وهو محال. ms0249 وإذا أمكن ارتفاع أحد السطحين عن صاحبه ~~دفعة ، لزم وقوع الخلاء في وسطه ، لأنه لو كان بينهما جسم ، لكان : # إما سابقا على الرفع بينهما فيلزم عدم تلاقيهما ، مع أنا فرضناهما ~~متلاقيين ، هذا خلف ؛ لأنه يلزم أن لا يكون بين جسمين مماسة إلا بثالث ~~يتوسطهما ، وننقل الكلام إلى الثالث ، فيلزم وجود ما لا يتناهى من الأجسام ~~حالة المماسة بين المتماسين. وهو ضروري البطلان ، ومع ذلك فلا بد وأن ~~يتلاقى منها جسمان ، وإلا لم يكونا متلاقيين. فتلك السطوح المتلاقية ليس ~~بينها شيء ، وهو كاف في الغرض. # وإما أن يكون حاصلا حال الرفع فنقول : ذلك المتوسط إما أن ينتقل من مسام ~~الأعلى والأسفل ، أو من الجوانب. والأول باطل ، لأن الأجسام وإن اشتملت على ~~مسام ومنافذ ، لكن بين كل منفذين سطح متصل لا منفذ فيه ، وإلا لم يكن في ~~الجسم ذي الثقب سطح متصل ، فيكون ذلك الجسم عبارة عن جواهر أفراد متفرقة ~~متبددة ، وذلك محال ؛ لامتناع وجود الجوهر الفرد عندهم ، ولأنه يلزم عدم ~~الأجسام بالكلية ، إذ الجسم هو الطويل العريض العميق ، وليس شيء من النقط ~~المتفرقة كذلك ، ولا جسم هنا غيرها. ولأن تلك المنافذ إن كانت خالية ثبت ~~المطلوب ، وإن كانت مملوءة ثبت انطباق جسم لا منافذ فيه وهو الحاصل من ~~النقط المتفرقة ومن الأجزاء المالئة لتلك المنافذ وهو المطلوب. وإذا انتفت ~~المنافذ استحال أن يقال : الهواء يدخل من المسام في ذلك الوسط. # وإما أن يدخل من الجوانب ، فنقول : لا يمكن حصوله في الوسط إلا بعد مروره ~~بالجوانب ، لكن حال مروره بالجوانب لا يمكن أن يكون في الوسط ؛ PageV01P404 # واحد منهما سبب للآخر فهو باطل ، بل السبب في تحرك الثاني تحرك الأول ، ~~وليس تحرك الثاني سببا لتحرك الأول. وإن أرادوا به أن تحرك كل واحد منهما ~~مع تحرك الآخر فجائز ، فإن حركة الخاتم غير مفارقة لحركة الإصبع ، وإن كانت ~~حركة الإصبع علة لحركة الخاتم. والفرق بين هذين وبين الكوزين ، أنه إذا كان ~~كل واحد من الكوزين مملوءا ماء ، فعند انضمام فوهة كل واحد منهما على ms0250 الآخر ~~، يتكافأ دفع كل واحد منهما للآخر ، فلم يخرج شيء من الماء عن مكانه لتكافؤ ~~الدفع وحصم جنبات الكوز لكل قطعة من الماء من جانب من الكوز على الماء الذي ~~في الكوز الآخر ، كان يمكن أن يخرج على جملة الكوز. (1) وأما إذا لم تنضم ~~فوهة كل واحد من الكوزين على الآخر ، وأملنا كل واحد منهما ، فإن الماء ~~يخرج حالة ما نميله ويرسب في الهواء. فأما الهواء الذي يتحرك فيه فليس كذلك ~~، لأنه لا يجوز أن يرسب ، فلذلك يمكنه أن يتحرك إلى المكان الذي كان فيه. ~~ثم يدل على إمكان هذا القسم ، تحرك السمكة في الماء ، فإن الماء يتحرك عن ~~جنبها إلى مكانها. # والذي يقال من أن في الماء خللا خالية ، فإذا تحركت السمكة اندفع الماء ~~إلى ذلك الخلل فحصل المكان للسمكة ، باطل. # أما أولا ، فلأنه لو كان كذلك لما انحدر الماء إلى مكان السمكة ؛ لأنه ~~لما وجد فيما يلي مكان السمكة أماكن كثيرة غير المكان الذي كانت السمكة فيه ~~، فأي حاجة به إلى دخول ذلك المكان؟ # وأما ثانيا ، فلأن الماء لطيف سيال ، فلما ذا لم يدخل تلك الخلل الخالية؟ # والجواب عن الأول : أنه مبني على ثبوت المادة ، وسيأتي بيان بطلانه إن شاء PageV01P405 # ويكون الوسط خاليا ، لامتناع دخول جسم فيه. ### |||| ** الوجه الثامن : لو ملأنا زقا بجسم ثم شددنا رأسه ، ثم أدخلنا فيه مسلة (1)، فإنها تدخل ~~فيه ، ولو لا وجود الخلاء بين أجزائه لامتنع ذلك فيه. ### |||| ** الوجه التاسع : إذا ملأنا إناء من رماد وشبهه أمكننا أن نصب عليه الماء بقدر ما يملؤه ، ~~فلو لا أن هناك خلاء لامتنع ذلك. ### |||| ** الوجه العاشر : أنا قد نملأ دنا (2) شرابا ، ثم نخرجه منه ونجعله في ظرف ، ثم ندخله في ~~الدن ، فإنه يسعهما ، فلو لا أن بين أجزاء الشراب خلاء انحصر فيه مقدار ~~مساحة الظرف ، وإلا لم يسعهما. (3) ### |||| ** الوجه الحادي عشر : لو فرضنا خطا من ستة أجزاء ، ثم رفعنا الأجزاء التي بين الطرفين ، فإن ~~التقى الطرفان في الحال لزم الطفرة ، وإن لم يلتقيا ثبت الخلاء. ### |||| ** الوجه الثاني ms0251 عشر : يصح أن يوجد الله تعالى السماء والأرض ولا هواء بينهما ، لأنهما لا يحتاجان ~~إليه ، ولا يحتاج القديم تعالى في خلقهما إليه. # اعترض (4) ### |||| ** على الأول بأن المتحرك يدفع ما قدامه من الهواء ، ويمتد ذلك إلى حيث لا يطبع فيه ~~الهواء المتقدم ، فيتكون الموج من المندفع وعن المندفع ، ويضطر إلى قبول ~~حجم أصغر ، وأما خلفه فيكون بالعكس ، فيكون بعضه ينجذب معه وبعضه يعصي فلا ~~ينجذب ، فيتخلخل ما بينهما إلى حجم أكبر. وأيضا ينتقل الجسم إلى مكان ~~الهواء عند انتقال الهواء إلى مكانه. # وقولهم تتوقف حركة كل من الجسمين على حركة الآخر ، إن أرادوا به أن كل PageV01P406 # لاستحالة حصول الجسم الواحد في مكانين دفعة ، وإذا لم يكن في الوسط لزم ~~خلو الوسط ، وهو المطلوب. ### |||| ** الوجه الثالث : الجسم إما أن يجب فيه ملاقاة سطحه لسطح جسم آخر ، أو لا يجب ، فإن وجب لزم ~~أن يكون كل سطح مماسا بسطح آخر ، فيلزم وجود أجسام لا نهاية لها ، وهو ~~باطل. وإن لم يجب جاز أن يوجد جسم لا يلقاه جسم آخر ، وذلك هو القول ~~بالخلاء. ### |||| ** الوجه الرابع : النامي إنما يتحقق فيه النمو لو نفذ فيه شيء ، فيكون ذلك النافذ ينفذ في ~~الخلاء لا في الملاء. ### |||| ** الوجه الخامس : نرى الأجسام تتخلخل وتتكاثف من غير دخول شيء فيها أو خروجه عنها ، والتخلخل ~~تباعد الأجزاء بعضها عن بعض بحيث يصير ما بينها خاليا ، والتكاثف رجوع ~~الأجزاء إلى الأجزاء (1) الخالية. ### |||| ** الوجه السادس : القارورة (2) إذا كبت في الماء لم يدخل فيها شيء منه ، ولو مصت مصا شديدا ، ~~وختم رأسها ، ثم كبت فيه وأزيل الختم ، فإن الماء يدخلها ، ولو كان الهواء ~~بعد المص موجودا كما كان قبله ، وكانت مملوءة به أو بغيره كما كانت أولا ، ~~لم يفترق الحال فيها ، وكان لا يدخلها شيء بعده كما لا يدخل قبله. ### |||| ** الوجه السابع : إذا أخذنا زقا (3) خاليا وألصقنا أحد جانبيه على الآخر بحيث لا يبقى بينهما ~~شيء من الهواء البتة ، ثم شددنا جوانبه شدا وثيقا وقيرناه (4) بما يمنع من ~~نفوذ شيء من الهواء إليه ms0252 ، ثم رفعنا أحد طرفيه عن الآخر ، فإنه يرتفع ، PageV01P407 # الله تعالى ، وعلى زيادة المقدار على الجسم ، وقد تقدم فساده. # وعن الثاني : فراغ المكان المنتقل إليه شرط في حركة الجسم إليه ، والشرط ~~مقدم بالذات على المشروط ، وإن قارنه بالزمان ، وحديث السمكة ضعيف ، لأن ~~وجود الخلل بين أجزاء الماء ممكن محتمل ، والدور الذي ذكرناه قطعي ، فلا ~~يعارضه المحتمل. ### |||| ** وعلى الثاني بارتفاع أحد السطحين عند ارتفاع الآخر ، على ما يأتي من تلازم صفائح ~~الأجسام. # والجواب : أنه باطل بالحس ، فإنا نرفع الأجسام الصقيلة بعضها عن بعض ، ~~فان فرض اختلاف السطحين بالخشونة والملاسة ، واختلافهما بالوضع ، بحيث يكون ~~في أحدهما ارتفاع بعض أجزائه عن بعض ، وفي الآخر انخفاض. # قلنا : لا بد في السطحين من سطوح ملس ، وإن كانت صغارا ، ومنها يحصل ~~المطلوب. ### |||| ** وعلى الثالث بجواز أن يكون الجسم يقتضي أن يلقاه جسم آخر لا مطلقا ، حتى يلزم عدم تناهي ~~الأجسام ، بل بشرط أن يوجد جسم آخر خارج عنه. # وهو ضعيف ، إذ العقل يشهد بعدم دخول هذا الشرط الذي ذكرتموه في الاقتضاء. ### |||| ** وعلى الرابع بأن الغذاء لو كان ينفذ في الخلاء لكان الحجم قبل الدخول وبعده متساويا ، ~~وليس كذلك ، بل الغذاء ينفذ بين الأجزاء المتماسة من الأعضاء ، بأن يبعد ~~جزءا عن جزء ويسكن فيما بينهما. # وهو ضعيف ، وإلا لزم وقوع الألم لوجود سببه. ### |||| ** وعلى الخامس بأن التخلخل والتكاثف قد يكونان حقيقيين بأن تتصف PageV01P408 # المادة بمقدار أكبر أو أصغر من غير انضياف شيء إليها ، أو انفصال شيء ~~عنها وقد يكونان مشهوريين بأن ينفصل منه شيء ، أو تندمج أجزاءه ، أو ينضاف ~~إليه شيء من خارج ، أو تتنفش (1) أجزاؤه ، وحينئذ يندفع الإشكال. # ويضعف بأنه مبني على المادة ، وسيأتي إبطالها. ### |||| ** وعلى السادس بأن العلة لو كانت خلو القارورة لما وجب صعود الماء إليها ، لأن الهواء ~~الخارج قد وجد مكانا فارغا في العالم ، وفراغ بعض القارورة أمر ممكن ، وليس ~~من شأن الماء الصعود ، فلو لا امتناع الخلاء لما صعد ، فهو يدل على الملاء ~~لا على الخلاء. # وتحقيق الجواب : أن المادة الواحدة قد تتصف ms0253 بمقدار عظيم بعد صغير ، ولا ~~بد وأن يكون أحدهما طبيعيا والآخر قسريا ، كما في الكيفيات من كون بعض ~~الأجسام يستحق بطبعه الحرارة وبعضها البرودة ، فإذا خرج بعض الهواء من ~~القارورة بالمص ، اكتسب الهواء الباقي في القارورة مقدارا أكبر بالقسر ، ~~خصوصا وحركة المص توجب السخونة المقتضية للتخلخل وعظم المقدار ، فلا يلزم ~~الخلاء. # ولما كان هذا المقدار قسريا كان في طبيعة الهواء اقتضاء العود إلى ~~المقدار الأول الطبيعي ، فإذا لقيه برد الماء تكاثف الهواء ، وعاد إلى ~~مقداره الأول الطبيعي له ، فيتصاعد الماء لضرورة الخلاء. ويدل على هذا ~~التخلخل والتكاثف بالمعنى الحقيقي هنا ، أنا إذا جعلنا قارورة ضيقة الرأس ~~فنفخنا فيها ، ووضعنا الإصبع مع قطع النفخ سريعا على فمها لئلا يخرج ما ~~نفخنا فيها ، دخل هواء أزيد مما كان قبل PageV01P409 # النفخ فيه ، لأنا متى غمسناها منكوسة والإصبع على فمها ، ثم رفعنا الإصبع ~~يتبقبق (1) الماء، ولو لم ينفخ فيها لم يتبقبق ، فهذا الهواء الذي أدخلناه ~~إن كان قد دخل في خلاء لم يخرج عن القارورة في الماء ولم يتبقبق ، فلما خرج ~~علمنا أنها كانت مملوءة ، وأنا لما أدخلنا الهواء الجديد فيها تكاثف الهواء ~~الذي كان فيها قسرا ، حتى حصل للداخل بالقسر مكان ، فلما زال القاسر خرج ~~الهواء الجديد ، وعاد الهواء الأول إلى مقداره الطبيعي. # والجواب : أنه لا يدل على نفي الخلاء لجواز أن يكون في الإناء قبل المص ~~من الهواء شيء كثير بحيث يمانع دخول الماء فيه ، للتعاند الواقع بين ~~العناصر ، وإن كان فيه أجزاء خالية ، وبعد المص يخرج من الهواء أكثره ، فلا ~~يبقى للماء مانع من الدخول فيه ، ولا نسلم أن صعود الماء لامتناع الخلاء. ~~ولبس المادة مقدارا بعد خلع آخر ، يتوقف على ثبوت المادة وزيادة المقدار ، ~~وهما ممنوعان. ولو كان للهواء مقدار طبيعي لوجب تشارك الكل من الهواء ~~والجزء منه فيه. ثم إن صعود الماء قسري وبقاء الهواء على القدر الثاني قسري ~~، فلم كان أحدهما أولى؟! # وكثافة الهواء بسبب البرد إن اقتضت عود الهواء إلى مقداره الطبيعي وجب ~~الخلاء عند دخول أول ms0254 جزء من الماء لحصول البرد به (2). وإن اقتضت زوال ~~الهواء عن مقداره القسري لم يكن حصول بعض المقادير له أولى من غيره. وإن ~~اقتضى طبعه حصول القدر المالى مطلقا ، فلم لا كان ذلك قبل الدخول؟! ولأنه ~~يستلزم أولوية الاختصاص مع عدم سببها (3). ولأن مقتضى الطبيعة واحد ، ~~والقدر المالئ غير واحد ، لاختلافه بسبب اختلاف الخلاء. ولأنه لو كان البرد ~~موجبا لكثافة PageV01P410 # الهواء بحيث يصغر مقداره ، لوجب أن يختلف حال القارورة قبل المص بين ~~وضعها على الماء الحار والبارد ، فإنه في الثاني يحصل للهواء برد فيحصل له ~~بسببه كثافة ، فيصغر مقداره ، فكان يجب أن يصعد من الماء قدر ما يملؤه من ~~غير مص وليس كذلك. وخروج الهواء الجديد من القارورة التي نفخ فيها قسري ، ~~وبقاء الهواء الذي كان أولا على المقدار الذي حصل له بعد النفخ قسري ، فلم ~~كان أحدهما أولى من الآخر بالزوال ، والآخر أولى بالبقاء؟ ### |||| ** وعلى السابع بالمنع من عدم رفع أحد طرفيه عند ارتفاع الآخر ، اللهم إلا إذا كان فيه ~~مسام يسيرة جدا لا تحس بها ، وينفذ قدر يسير من الهواء فيها ، حتى يدخل في ~~الزق فيرتفع قدر يسير جدا. # والجواب : لو امتنع ذلك في الزق لامتنع الرفع في كل سطح أملس وضع على ~~مثله ، وقد تقدم. ### |||| ** وعلى الثامن أن المسلة إذا دخلت خرج بعض الهواء من مسام الزق ومنافذه الغير المحسوسة ، ~~أو ترتفع أطراف الزق ارتفاعا يسيرا بقدر ما دخل من رأس المسلة. # والجواب : أن الهواء جسم واحد متصل بالذات عندكم ، لا جزء له بالفعل ، ~~فلا أولوية لاختصاص بعض الجوانب منه بالخروج من بعض. ### |||| ** وعلى التاسع بأنه كذب ، إذ لو كان كذلك لكان الإناء كله خاليا لا رماد فيه. # والجواب : أنا لا ندعي نفوذ قدر الإناء من الماء بل نفوذ قدر كثير منه في ~~الإناء ، وهو كاف في المطلوب. ### |||| ** وعلى العاشر بجواز أن يكون المقدار الذي للزق لا يظهر تفاوته في PageV01P411 # الحب حسا. ويجوز أن يكون الشراب ينعصر ، فيخرج منه بخار أو هواء فيصير ~~أصغر. ويجوز أن يصغر ms0255 بتكاثف طبيعي أو قسري. # والجواب : أن هذه كلها أمور ظنية ، والتعويل على ما تقدم من البراهين. # واحتج النافون بوجوه (1): ### |||| ** الوجه الأول : الخلاء قابل للتقدير والمساواة والمفاوتة ، وكل ما كان كذلك فهو أمر وجودي ~~هو كم أو ذو كم. أما الصغرى فلأن الجسمين غير المتلاقيين إذا خلا ما بينهما ~~أمكننا أن نقيسه إلى خلاء آخر بين جسمين آخرين ، وننسبه إليه بالمساواة ~~والمفاوتة ، فإنا نعلم بالضرورة ، أن ما بين السماء والأرض أزيد مما بين ~~طرفي الجدارين ، وما بين طرفي الجدارين أقل ما بين السماء والأرض وأزيد مما ~~بين طرفي الإناء ومساو لما بين طرفي جدارين مساويين لهما في التباعد. وأن ~~كل ذلك يقبل التقدير بالأذرع وشبهها. وأن ما بين جسمين غير متلاقيين ، قد ~~يكون بحيث يمتلئ بالذراع الواحد ، وقد يكون بحيث يفضل عن الذراع ، وقد يكون ~~بحيث لا يتسع للذراع الواحد ، والذي بين جسمين آخرين قد يكون مخالفا لما ~~بين الجسمين الأولين ، وقد يكون موافقا في احتمال الأجسام العظيمة ~~والصغيرة. # وليست هذه أحكام وهمية كاذبة ، فإن اتساع ما بين الجسمين المفروضين تارة ~~للذراع ، وتارة لما هو أقل ، وتارة لما هو أكثر ، وفضل البعد بين السماء ~~والأرض على البعد بين الجدارين أمر حاصل في نفس الأمر واقع سواء فرضه فارض ~~واعتبره معتبر أو لا. وقبول المساواة والمفاوتة والتقدير من خواص الكم ، ~~فبطل بهذا مذهب من يرى أن الخلاء عدم صرف ، ونفي محض ، وفراغ متوهم. PageV01P412 # ثم نشرع بعد ذلك في إبطال المذهب الثاني (1) فنقول : # قد ثبت أن الخلاء يمكن مسحه وتقديره ، وهو من خواص الكم ، فإما أن يكون ~~كما متصلا أو منفصلا. والثاني باطل ؛ لأن المنفصل حصوله من الوحدات الغير ~~القابلة للانقسام ، فكان يستحيل أن يحل فيه الجسم القابل للانقسام أبدا. ~~ولأن المنفصل غير ذي وضع ، ومكان الجسم يجب أن يكون ذا وضع ، فهو (2) كم ~~متصل. فإما أن يكون كما متصلا بالذات أو بالعرض. # فإن كان كما متصلا بالذات ، ولا شك أنه ذو وضع ، فيستحيل أن يوجد إلا في ~~المادة لما مضى من امتناع ms0256 قيام المقدار بذاته مجردا عن المادة ، فيكون ~~الخلاء جسما ، فلا يكون خلاء. # وإن كان متصلا بالعرض ، فإما أن يكون الخلاء حالا في المقدار ، أو ~~المقدار حالا في الخلاء ، أو الخلاء والمقدار حالين في ثالث ، فإن كان ~~الأول كان الخلاء حالا في المقدار ، والمقدار حال في المادة (3)، فيكون ~~ملاء لا خلاء ، وكذا الثالث. وإن كان الثاني كان الخلاء جسما ، لأنه لا ~~معنى للجسم إلا الذي فيه قابلية الأبعاد ، فيكون الخلاء ملاء. ولأن الخلاء ~~لو حصل فيه الجسم لزم اجتماع مقدارين متماثلين في الماهية في مادة واحدة ، ~~واجتماع المثلين محال. ولأن المانع من التداخل هو المقدار ، فلو كان الخلاء ~~مقدارا منع دخول الأجسام فيه. ### |||| ** الوجه الثاني : الأبعاد متناهية على ما تقدم ، وكل متناه فله حد واحد يحيط به كالكرة ، أو ~~حدود تحيط به كالمثلثات وما عداها ، وكل ما له حد أو حدود محيطة PageV01P413 # به ، فإنه يكون مشكلا (1)، على معنى أن له هيئة إحاطة الحد أو الحدود به ~~، فلو كان الخلاء بعدا مجردا لكان متناهيا ذا شكل ، فالشكل إن حصل للمقدار ~~لذاته لزم تساوي الكل والجزء فيه ، لتساويهما في الطبيعة والحقيقة ، وكل ~~متساويين في الحقيقة يجب تساويهما في اللوازم ، فكان شكل الكل والجزء واحدا ~~، فلا يكون الكل كلا ، ولا الجزء جزءا. ولأنه لو ساوى الجزء الكل في الشكل ~~كان شكل الكل لا لذاته ، فيصح توارد الأشكال عليه ، وكل ما كان كذلك كان ~~جسما ، فالخلاء جسم ، هذا خلف. # وإن حصل الشكل للمقدار بسبب فاعل ، كان المقدار الواحد الجسماني مستقلا ~~بقبول الفصل والوصل والتمدد ، لأن قبول الشكل إنما يكون بواسطة ذلك ، لكن ~~ذلك محال ، لأن المقدار إنما يوجد في المادة. فتعين أن يكون ذلك الشكل حصل ~~للمقدار بواسطة المادة ، فذلك المقدار مادي ، والمادة الموصوفة بالمقدار ~~تكون جسما ، فالخلاء جسم ، هذا خلف. ولأن الشكل إذا لم يكن للمقدار لذاته ~~صح عليه توارد الأشكال المختلفة ، وكل ما صح عليه توارد الأشكال المختلفة ~~يكون جسما ، فيكون الخلاء جسما ، وهو محال. ### |||| ** الوجه الثالث : لو كان الجسم حاصلا في الخلاء ms0257 استحال أن يكون متحركا فيه بالطبع وبالقسر ~~وبالإرادة (2)، أو ساكنا ، والتالي باطل بالضرورة فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن الخلاء إما أن يكون متشابه الأجزاء أو لا يكون. ~~والثاني محال ، لأن مخالفة جزء منه لجزء آخر منه ، إما أن يكون لازما لذلك ~~الجزء لذاته وماهيته فيلزم اختلاف المتساويات في الماهية بالماهية ، وهو ~~ضروري البطلان ؛ لأن PageV01P414 # الخلاء إن كان عبارة عن عدم الأجسام استحال أن يكون فيه مخالفة ، بل ~~استحال أن يكون فيه جزء مغاير لجزء ، بل لا جزء فيه البتة. وإن كان عبارة ~~عن الأبعاد المفارقة ، لم يعقل فيه اختلاف البتة في نفس هذا المفهوم. أو ~~يكون لازما لأمر يحل فيه ، وهو باطل ؛ لأن ذلك الحال (1) إن كان لازما لذلك ~~الجزء من الخلاء فهو باطل ؛ لأن لوازم الماهية مشتركة بين أفرادها ، فلو ~~لزم جزءا من الخلاء لازم ، كان لازما لكل جزء ، ولا يقع اختلاف بين جزء ~~وجزء فيه ، وإن لم يكن لازما لم يكن التخالف بسببه لازما. أو لأمر يحل فيه ~~، وهو محال ؛ لأن الخلاء حينئذ يكون ملاء. # وإما أن لا يكون وجه المخالفة لازما البتة ، فيمكن زواله ، فيحصل التساوي ~~بين أجزاء الخلاء. فتعين الأول ، وهو التساوي بين الأجزاء المفروضة في ~~الخلاء. # وإذا ثبت تساوي أجزاء الخلاء امتنع أن يكون بعضها مكانا طبيعيا للجسم ، ~~وبعضها غير طبيعي ، فاستحال أن يكون بعضها مطلوبا بالطبع ، وبعضها مهروبا ~~عنه بالطبع ، لاستحالة أن يكون أحد المثلين مطلوبا بالطبع والآخر مهروبا ~~عنه بالطبع ، فلا يكون (2) متحركا بالطبع ، ولا ساكنا بالطبع ، لأنه لا ~~مكان طبيعي له يتخصص به من دون باقي الأمكنة ، لتساوي أجزاء الخلاء في ~~الحقيقة. # ولا يكون له أيضا حركة إرادية ، ولا سكون إرادي ، لاستحالة أن تختص ~~الإرادة لأحد المثلين بحكم دون الثاني. ويستحيل أن تكون له حركة قسرية أيضا ~~، لأن القسر على خلاف الطبع ، وإذا انتفى الميل الطبيعي انتفى الميل ~~القسري. ### |||| ** الوجه الرابع (3) ### |||| ** : لو كان الخلاء موجودا لكانت الحركة مع العائق أسرع منها مع غير العائق ، ~~والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله. PageV01P415 # وبيان الشرطية : أن ms0258 الحركة في المسافة المملوءة بالعائق مختلفة باختلاف ~~ذلك العائق في الرقة والغلظ وسهولة القطع وصعوبته. والمشاهدة تقتضي ذلك ، ~~فإنا نعلم قطعا أن المسافة إذا كانت مشغولة بالمعاوق الثخين ، فإن الحركة ~~فيه تكون في زمان أطول من زمان الحركة لو كان العائق رقيقا. فنسبة رقة ~~العائق إلى غلظه ، كنسبة قصر زمان الحركة في الرقيق إلى زمانها في الغليظ ، ~~فكلما كان العائق أرق كان الزمان أقصر والحركة أسرع ، وكلما كان أغلظ كان ~~الزمان أطول والحركة أبطأ. فسرعة الحركة وقصر الزمان في مقابلة الرقة ، ~~وبطؤها وطول الزمان في مقابلة الغلظ. # إذا تقرر هذا فنقول : لنفرض متحركا تحرك مسافة معينة بقوة معينة ذات ملاء ~~أغلظ في عشر ساعات مثلا ، وتحركها بعينها بتلك القوة في خلاء في ساعة واحدة ~~، وتحركها بعينها بتلك القوة في ملاء أرق من الأول ، ولنفرض رقته أزيد من ~~رقة الأول عشرين مرة ، بحيث يكون فيه من المقاومة والمعاوقة نصف عشر مقاومة ~~الأول ومعاوقته ، فيلزم أن تتحرك تلك المسافة في نصف عشر زمان حركة الملاء ~~الأول ، فتقع حركته في جميع المسافة بتلك القوة في نصف ساعة ، مع أنه تحرك ~~تلك المسافة في الخلاء ساعة ، فتكون الحركة مع العائق الرقيق أسرع منها مع ~~الخلاء الذي هو عديم (1) المعاوقة. ### |||| ** الوجه الخامس : الحجر إذا رمي إلى فوق قسرا فإنه يصعد بقوة مودعة فيه قسرية مستفادة من ~~القاسر على ما يأتي. # فنقول : لو وقعت تلك الحركة في الخلاء لزم أن ينتهي الحجر بتلك القوة إلى ~~مقعر الفلك ، ولا يهبط الحجر قبله ، لأن تلك القوة باقية ، وما دامت باقية ~~فإنها تحرك الحجر إلى فوق ، لأن تلك القوة لا تعدم لذاتها ، وإلا لما وجدت. ~~ولا لطبيعة PageV01P416 # الجسم لذلك أيضا ، بل إنما تبطل بمصادمات الهواء الذي في المسافة ، فلو ~~كانت المسافة خالية عن العائق لم يكن لتلك القوة ما يصادمها ويضعفها ~~ويبطلها ، فكان أثرها باقيا إلى أن يتصل المتحرك إلى سطح الفلك. ولما لم ~~يكن كذلك علمنا انتفاء الخلاء. ### |||| ** الوجه السادس : الإناء الضيق الرأس إذا كان في أسفله ثقبة ms0259 ضيقة ، وملئ ماء وضم رأسه لم ~~ينزل الماء ، وإن فتح رأسه نزل. فعدم النزول ليس لعدم علة النزول لأن علته ~~طبيعة الماء فإنها تقتضي نزوله عند خروجه عن مكانه الطبيعي ، وطبيعة الماء ~~موجودة بل لوجود المانع ، فإما أن يكون خارجا عن القارورة أو لا. # والأول إما انسداد المنافذ وهي تلك الثقبة بالأهوية المحتبسة فيها ، أو ~~امتلاء العالم بحيث لا يبقى للماء خارج الإناء مكان. والأول باطل ، وإلا لم ~~ينزل حال فتح الرأس. ولأن الثقب إذا كانت واسعة كان يجب أن لا ينزل الماء ؛ ~~لأنه يجاوره من الهواء أكثر ، فكان أولى بعدم النزول ، لأن الهواء اليسير ~~إذا أقل (1) جميع الماء في الآنية كان الهواء الكثير المجاور للثقب الواسع ~~أولى. ولأنه إذا كان خارج الآنية خلاء كان يجب أن ينزل الماء ويندفع الهواء ~~بسببه إلى الأحياز الخالية ، لأن الماء أثقل من الهواء ، ومن شأن الثقيل ~~إذا ضغط الخفيف أن يزيله عن مكانه ، كما تتحرك الأجسام في الأهوية. # والثاني قول أصحاب الملاء ، ولكن لا يدل على امتناع الخلاء ؛ لإمكان أن ~~يكون الملاء حاصلا مع إمكان الخلاء. # وأما إن كان المانع ليس خارجا عن تلك القارورة ، فذلك إنما يكون إذا كان ~~سطح القارورة حافظا لما فيه من الماء ، ومعلوم أنه لا يحفظه لخصوص كونه ماء ، PageV01P417 # لأنه لو فتح رأس الإناء لنزل الماء ، فعلمنا أنه إنما يمسكه لأن سطحه ~~يقتضي أن يماس سطح أي جسم كان ، أو لأن سطح الماء ملازم بالطبع لسطح الإصبع ~~الذي لا يمكن من النزول فيبقى الماء محبوسا بسبب ذلك. وكل ذلك يقتضي ~~استحالة الخلاء. # لا يقال : يمتنع كون العلة في عدم نزول الماء ما ذكرتم من تلازم السطوح ؛ ~~لأنه يلزم أن لا ينزل عند اتساع الثقب. ولأنه كان يجب أن لا ينزل الزئبق لو ~~ملئ به الإناء. ولأنه إذا ملئ نصفه ماء ونصفه هواء ، ثم شددنا رأسه كان يجب ~~أن ينزل الماء لإمكان أن ينبسط الهواء الذي فيه ، حتى يشغل كل الإناء. # لأنا نقول : الأول غير لازم ، لأن الثقبة إذا ms0260 كانت واسعة أمكن أن ينزل ~~الماء من ناحية ، ويصعد الهواء من ناحية أخرى ، وهو مشاهد في القارورة ~~الضيقة الرأس المكبوبة على الماء ، فإنه يضطرب نزول الماء في رأس الإناء ~~بمزاحمة صعود الهواء له. # وأما الثاني : فإن فرط ثقل الزئبق ربما أوجب زيادة مدافعة الهواء المجاور ~~للثقب ، فيضطره ذلك إلى التحرك ، فإذا لم يجد مكانا وراءه اضطره (1) ذلك ~~إلى مزاحمة الزئبق ، ودخوله من ناحية من نواحي الثقب ، وإن تعذر ذلك احتبس ~~الزئبق ولم ينزل. # وأما الثالث : فإن الطبيعة تفعل الأسهل ، ولا يمتنع أن يكون وقوف الماء ~~أسهل على الطبيعة من تعظيم حجم الهواء. ### |||| ** الوجه السابع : الانبوبة إذا غمس أحد طرفيها في الماء ، ومص الطرف الآخر ، فإن الماء يصعد ~~حال خروج الهواء ، ومعلوم أنه ليس من شأن الماء الصعود. فبقي أن يكون ذلك ~~لأن سطح الهواء يلازم سطح الماء ، فإذا مص الهواء PageV01P418 # انجذب فتبعه الماء ، وذلك كما نشاهد من ارتفاع اللحم عند مص المحجمة (1) ~~، ولا علة لذلك إلا تلازم السطوح. # لا يقال : لو ارتفع اللحم لأجل وجوب الملاء ، لوجب إذا ألقينا المحجمة ~~على الحديد، ثم مصصناها أن يرتفع الحديد. # لأنا نقول : إذا وضعنا المحجمة على الحديد ولا خلاء بينهما ولا منفذ ~~البتة (2) فإما أن لا يخرج من الهواء شيء البتة بالمص ، وإما أن يخرج البعض ~~فينبسط الباقي ويملأ جميع المكان. ولهذا إذا أفرط الإنسان في مص القارورة ~~والمحجمة وكانت رقيقة انكسرت. ولو كان الخلاء ممكنا لما وجب الكسر ، وكذا ~~إذا وضعنا المحجمة على السندان (3) ومصصناها ارتفع السندان بارتفاع ~~المحجمة. ### |||| ** الوجه الثامن : إذا أدخلنا رأس أنبوبة داخل قارورة ، ثم سددنا الخلل بين عنق القارورة وعنق ~~الانبوبة سدا محكما ، ثم جذبنا الانبوبة بحيث لا يدخل الهواء ، فإن ~~القارورة تنكسر إلى داخل ؛ لاستحالة الخلاء. ولو أدخلت الأنبوبة إلى باطن ~~القارورة بحيث لا يخرج الهواء عنها أكثر مما دخل ، انكسرت إلى خارج ، لأن ~~الإناء كان مملوءا ، فإذا أدخلنا الانبوبة لم يحتملها فانشق الإناء إلى ~~الخارج. ### |||| ** الوجه التاسع : لو أمكن الخلاء لجاز في بعض الأوقات أن تكب ms0261 القارورة في موضع يكثر (4) فيه ~~الخلاء ، فينزل الماء بسهولة ، ويندفع الهواء إلى الأماكن الخالية ، ولا ~~يصعد الهواء إلى القارورة ، حتى كنا لا نرى النفاخات والبقابق ، لأن الهواء ~~ما دام يجد المواضع الفارغة خارج الإناء فإنه لا يتكلف الصعود إليها ، ولا بد PageV01P419 # من اتصال الماء. ولجاز في بعض القوارير أن تكون خالية ، فإذا كببناها ~~وغمسناها (1) في الماء واعتمدنا عليها ، وجب أن يصعد الماء من غير أن يخرج ~~منها شيء من الهواء ، حتى لا تظهر البقابق والنفاخات. فهذه جملة ما وصل ~~إلينا من أقوى حجج القوم. ### |||| ** الوجه العاشر : الطاس إذا وضع فارغا على الماء لم ينزل مع ثقله ، والسبب فيه الهواء ~~المحتقن فيه ، فيلزم الملاء. ### |||| ** والجواب عن الأول : لا نسلم أن الخلاء قابل للتقدير والمساواة والمفاوتة ، لأنه عدم صرف ونفي ~~محض ، والمقايسة التي ذكروها ليست بين أمرين حاصلين بالفعل ، بل هناك إمكان ~~حصول ما لو حصل لكان قابلا للزيادة والنقصان. فلا نحكم بأن ما بين الجدارين ~~أزيد مما بين طرفي الطاس إلا على سبيل التوهم ، فإنه لو فرض بين الجدارين ~~جسم ثابت بالفعل لكان ذلك الجسم أزيد من الجسم الذي يوجد بين طرفي الطاس ، ~~وكذا المساواة والتقدير. فإن ادعيت حصول ما يقبل الزيادة والنقصان بينهما ~~فهو مصادرة على المطلوب ، والذي يدل عليه أنه يمكننا أن نفرض العالم واقعا ~~بحيث يكون البعد بين محيطه ومركزه أكثر من البعد الذي وجد الآن بمقدار ذراع ~~ويمكننا أن نفرضه واقعا على وجه يكون البعد بين محيطه ومركزه أكثر من البعد ~~الذي وجد الآن بذراعين ، فيلزم وقوع الخلاء خارج العالم ، مع أنهم يعترفون ~~بنفيه. فإن أجابوا بأن الزيادة والنقصان من لواحق المقادير ، ولم يوجد خارج ~~العالم شيء من المقادير ، فيستحيل الحكم عليها بالزيادة والنقصان في نفس ~~الأمر ، بل الزيادة والنقصان المذكوران أمر في الوهم لا في الوجود ولا عبرة ~~بالأمور الوهمية ، بل بالأمور المحققة ، كان هو بعينه جوابا لهم عن هذا ~~السؤال. فيثبت أن ما ذكروه لا يقتضي كون الخلاء أمرا موجودا. PageV01P420 # وفيه نظر ، لأن الوهم يعارض ms0262 العقل في كثير من أحكامه ، حتى أن النفس تعجز ~~عن التمييز بينهما في أكثر القضايا ، ويفتقر إلى تعب شديد في إسناد الحكم ~~إلى العقل أو إلى الوهم. وأعظم ما يتمسك به في التمييز بينهما استمرار ~~الحكم عند حصول المبادئ التي له ولضده فيكون عقليا ، وانقطاعه عند حصول ~~المبادئ التي للعقل فيكون وهميا. ولما دل العقل على تناهي الأبعاد بمقدمات ~~ساعده الوهم على تسليمها ونكص (1) الوهم عن النتيجة لتوهم ضدها ، حكمنا ~~بالعقل على أن خارج العالم عدم صرف لا بعد أما بين الجدارين وشبهه فإن ~~البعد ثابت فيه لقبوله التقدير والمساواة والمفاوتة ، فإن القطر (2) الآخذ ~~من الزاوية العليا في البيت إلى مقابلها من أسفل زائد على كل ضلع من أضلاع ~~البيت بالضرورة ، سواء توهم جسم حال فيه أو لا. # وأيضا نعلم بالضرورة : أنا لو ملأناه بذراع مثلا حكمنا بمطابقة الذراع ~~لشيء وليس المطابق أمرا عدميا ، لعدم المطابقة بين الوجودي والعدمي ، فهو ~~لأمر ثبوتي هو البعد المجرد. # بل الجواب هنا أن نقول : لا نسلم أن كل بعد في مادة ، والملاء إنما هو ~~البعد المادي لا مطلق البعد. ### |||| ** وعن الثاني : أن الشكل حصل للخلاء بواسطة ما يحويه (3)، كما يحصل للهواء والماء ~~المحبوسين. على أنا نمنع ثبوت الشكل لكل بعد ، سواء كان مجردا أو ماديا ، ~~بل إنما يثبت الشكل للبعد المادي ، لأنه تابع للصورة. بل ونمنع كون الخلاء ~~وجوديا ، كما ذهب إليه بعضهم ، فلا يكون له شكل. PageV01P421 # سلمنا ، لكن يجوز أن يحصل له الشكل بواسطة الفاعل ، ولا يلزم منه قبوله ~~للفصل والوصل ، فإن الشمعة قد تتشكل بأشكال مختلفة مع بقاء اتصالها الواحد ~~بالشخص في الأحوال كلها. وثبوت الشكل للشيء إن اقتضى كونه جسما كان توسط ~~التقسيم في بيانه ضائعا. وإن لم يقتض لم يلزم من توارد الأشكال المختلفة ~~عليه كونه جسما ، لأن اتصافه بالشكل السابق لا يقتضي جسميته ، ولا عدمه ~~قطعا ، ولا الشكل المتجدد ، لأنه لا يقتضيه من حيث إنه شكل ، ولا من حيث ~~عدمه (1) السابق. ### |||| ** وعن الثالث : بأنا لا نسلم أن الحركة الطبيعية ms0263 هي التي تطلب مكانا خاصا يكون طبيعيا لها ~~، بل التي تطلب القرب من بعض الأجسام الملائمة لمحلها والبعد عما ينافره. ~~وهذا المعنى لا يقتضي الافتقار إلى اختلاف الأمكنة. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون الطبيعي هنا كما هو عندكم؟ فإن المكان ~~الطبيعي للنار هو القريب من الفلك ، وللأرض البعيد عنه ، فقد حصل الطبيعي ~~للمتمكنات باعتبار الفلك ، وهو أمر خارج عن الأحياز (2). والأمكنة ~~والمتمكنات ليس ذاتيا لها ولا لازما ، إلا على سبيل الاتفاق. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون التخالف لما (3) يحل في الخلاء ، ويكون ~~ملزوما للخلاء لا لازما؟ # سلمنا ، فلم لا يجوز أن يكون لما يحل فيه الخلاء. قوله يكون ماديا ، قلنا ~~إنما يكون ماديا لو انحصر المحل في المادة الجسمانية؟ وهو ممنوع. PageV01P422 # سلمنا ، فلم لا يجوز أن لا يكون لازما ، بل ولا مخالفة هناك ، ويكون كل ~~أجزاء الخلاء طبيعيا ، ويكون كحال أجزاء كل عنصر بالنسبة إلى كلية مكان ذلك ~~العنصر ، فإن الكل طبيعي له ، وفي أيها اتفق وجوده فيه (1) كان موجودا في ~~مكان طبيعي له ويمكن سكونه فيه ، فإنه ليس يجب إذا كان للشيء الواحد مواضع ~~متشابهة أن يلزمه أن لا يسكن في واحد منها ، فإن أمثال هذه المواضع أيها ~~اتفق للجسم الحصول فيه وقف بطبعه ولم يهرب (2). # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يختص بالحركة إلى مكان والسكون فيه دون غيره ~~للفاعل المختار ، أو يكون اختصاصه به كاختصاص بعض أجزاء النار بمماسة سطح ~~الفلك دون البعض؟ # سلمنا ، لكن دليلكم إنما يلزم لو لم يكن في الوجود إلا جسم واحد ، حتى ~~يقال : إن حصوله في خلاء ليس أولى من حصوله في خلاء آخر ، أما إذا وجدت ~~أجسام كثيرة كالسماء والأرض فحينئذ يكون حصول بعض الأجسام في بعض الأحياز ~~أولى من حصوله في غيرها ، للاختلاف الحاصل في الخلاء بسبب الاختلاف في ~~القرب والبعد من تلك الأجسام ، وهذا المنع تقدم في تفسير كون المكان طبيعيا ~~، وهنا في منع الافتقار إلى الطبيعي لو غاير هذا التفسير. # لا يقال : الكلام في ms0264 اختصاص هذه الأجسام الكثيرة ببعض هذه الجوانب من ~~الخلاء كالكلام في هذا الجسم. # لأنا نقول : جاز أن يكون الخلاء هو هذه الأبعاد الفارغة لا غير ، وهي ~~متناهية ، فحصل فيها هذه السماوات والأرض ، ولم توجد أبعاد فارغة سواها ، ~~فلم يلزم المحال الذي ذكرتموه. PageV01P423 # سلمنا ، لكن الاختصاص هنا كاختصاص كل واحد من أجزاء العنصر بجزء من أجزاء ~~حيز ذلك العنصر. ### |||| ** وعن الرابع : بأن الحركة من حيث ذاتها وحقيقتها تستدعي قدرا من الزمان ، وهو يستدعي ~~زمانا زائدا على ما تقتضيه ذاتها باعتبار ما يعرض لها من البطء الحاصل بسبب ~~المعاوقة. أما الأول فلأنها من حيث هي هي لا تتحقق ولا تتحصل إلا على مسافة ~~منقسمة ، فيكون وجود بعضها (1) قبل وجود كلها ، والقبلية والبعدية من لواحق ~~الزمان لا يوجدان بدونه. وأيضا لو كان الزمان عارضا للحركة باعتبار بطئها ~~المستند إلى المعاوقة بسبب ما في المسافة من الملاء لم يكن عارضا للحركات ~~الفلكية ، حيث لا معاوقة فيها باعتبار الملاء في المسافة ، فكان يجب أن ~~توجد الحركة الفلكية لا في زمان ، وهو محال. # وأما الثاني : فظاهر ؛ لأنا نعلم أن الزمان يزيد مع زيادة البطء ، وينقص ~~مع نقصانه إلى أن يبطل زمان المعاوقة بانتفائها ، فينتفي الزمان المستند ~~إلى ما تستحقه الحركة لذاتها ، وإذا كانت بنفسها تستدعي قدرا من الزمان ~~فالحركة في الخلاء لما وقعت في ساعة كان ذلك هو الزمان المستحق لذاتها ، إذ ~~لا معاوقة هنا. # ثم الحركة في الملاء الغليظ لما وقعت في عشر ساعات كان الزمان المستحق ~~لها لذاتها ساعة واحدة ، وأما الساعات التسع الباقية فإنها حصلت بسبب ~~المعاوقة ، فإذا فرضنا المعاوقة الأخرى أقل من الأولى بعشرين مرة وجب تقسيط ~~الساعات التسع لا غير على المعاوقة ، فيكون حظ المعاوقة في الملاء الرقيق ~~من هذا الزمان الحاصل بسبب البطء نصف عشر الساعات التسع ؛ بسبب أن ما فيه ~~من المعاوقة نصف عشر ما في الملاء الغليظ ، والزمان الذي تستحقه معاوقة ~~الملاء الغليظ تسع ساعات ، فالزمان الذي تستحقه بسبب معاوقة هذا الرقيق نصف PageV01P424 # تسع ذلك الزمان ، فيكون زمان ms0265 الحركة في هذا الملاء الرقيق ساعة ونصف عشر ~~تسع ساعات ، فلا يلزم من هذا أن تكون الحركة في الملاء أسرع من الخلاء (1). # اعترض أفضل المحققين : بأن الحركة لا تخلو من حد ما من السرعة والبطء ، ~~لأن كل حركة إنما تقع في شيء ما يتحرك المتحرك فيه ، مسافة كان أو غيرها ، ~~وفي زمان ما ، وقد يمكن أن يتوهم قطع تلك المسافة بزمان أقل من ذلك الزمان ~~فتكون الحركة أسرع من الأول ، أو أكثر فتكون أبطأ منها ، فإذن الحركة لا ~~تنفك عن حد ما من السرعة والبطء ، والمراد منهما شيء واحد بالذات هو كيفية ~~قابلة للشدة والضعف ، وإنما يختلفان بالإضافة العارضة لها. فما هو سرعة ~~بالقياس إلى شيء هو بعينه البطء بالقياس إلى آخر ، والحركة لا بد لها من ~~ثلاثة أشياء : مسافة وزمان وحد معين من السرعة والبطء. فإذا اتفق واحد من ~~الثلاثة واختلف الباقيان ، فقد يعرض بين المختلفين تناسب ما ، فإن المتحرك ~~بالحد الواحد من السرعة ، والبطء يقطع مسافة طويلة في زمان طويل وقصيرة في ~~قصير. فنسبة المسافة إلى المسافة كنسبة الزمان إلى الزمان على التساوي ، ~~والمتحرك في المسافة الواحدة يقطعها بحد أسرع في زمان أقصر ، وبحد أبطأ في ~~زمان أطول ، فنسبة السرعة إلى البطء كنسبة الزمان القصير إلى الزمان ~~الطويل. # والمتحرك في الزمان الواحد يقطع بحد أسرع مسافة أطول ، وبحد أبطأ مسافة ~~أقصر ، فنسبة السرعة إلى البطء كنسبة المسافة الطويلة إلى القصيرة ، فالطول ~~في المسافة ، والقصر في الزمان بإزاء السرعة ، ومقابلهما بإزاء البطء. # والحركة بنفسها لا يمكن أن تستدعي قدرا من الزمان والمسافة ، وبسبب ~~السرعة والبطء تستدعي شيئا آخر ، لأن الحركة لا يمكن وجودها إلا على حد من ~~السرعة والبطء ، إذ لو وجدت منفكة عنهما في زمان كانت بحيث إذا فرض وقوع PageV01P425 # أخرى في نصف ذلك الزمان أو في ضعفه كانت لا محالة أبطأ أو أسرع من ~~المفروضة ، وكانت مع حد من السرعة والبطء حين فرضناها لا مع حد منهما (1). # والجواب : كون الحركة مع حد من السرعة والبطء لا تنفك ms0266 عنهما لا يخرج ~~الحركة عن مقتضاها ، فإن لوازم الماهيات لو أخرجت ملزوماتها عن مقتضياتها ~~لزم كون تلك الملزومات ممتنعة التحقق ، ومعلوم أن الحركة من حيث هي هي ~~تستدعي قدرا من الزمان عندهم بالنظر إلى ذاتها منفكة عن السرعة والبطء ، ~~وهو كاف في هذا الباب. ### |||| ** وعن الخامس : بمنع وجود القوة القسرية. # سلمنا ، لكن نمنع استناد بطلان القوة إلى المصاكات ، لأنها حاصلة من أول ~~المسافة ، والمصاكات متساوية في الحقيقة ، فتتساوى في الاقتضاء ، فكان يجب ~~عدم تلك القوة عند أول المصاكات. # لا يقال : المصاكات تقتضي ضعف القوة لا عدمها ، ثم لا يزال الضعف يتواتر ~~عليها إلى أن تعدم. # لأنا نقول : الاختلاف بالشدة والضعف اختلاف بالنوع ، فعند الضعف إن لم ~~يعدم شيء لم يكن للضعف معنى ، وإن عدم فإن كان صفة (2) للقوة فلا تأثير ~~للمصاكة في القوة، بل تأثيرها في أمر آخر. وإن كان ذاتها عدمت عند أول ~~المصاكات. # سلمنا ، لكن لا نسلم ضعفها بالملاء لا غير ، بل جاز أن يكون بكثرة أثرها ~~، فإنهم نصوا على أن القوة الجسمانية تكل بكثرة الأفاعيل. # سلمنا ، لكن تضعف بمعاوقة القوة الطبيعية لها ، كما في الانفعال الحاصل ~~في المزاج. PageV01P426 # سلمنا ، لكن الشيخ الرئيس كما أثبت قوة قسرية محركة ، كذا أثبت قوة قسرية ~~مسكنة عند المنتهى ، فجاز إسناد الضعف إليها. # سلمنا أن ضعف القوة مستند (1) إلى مصادمات الهواء ، لكنه لا يستلزم ~~الملاء ، فجاز أن تكون في المسافة أجزاء هوائية مبثوثة فيها ، بينها أجزاء ~~خلائية ، ويحصل المقصود مع ثبوت الخلاء. ### |||| ** وعن السادس : بالمنع من عدم استناد النزول إلى انتفاء المقتضي. قوله : المقتضي طبيعة ~~الماء. قلنا مطلقا أو بشرط؟ ا ع م (2) فجاز أن تكون علة بشرط ولم يتحقق ~~الشرط. ولو كانت طبيعة الماء علة للنزول مطلقا لما وقف ، فلما وقف علمنا ~~أنها ليست علة مطلقا. وحصر المانع الخارجي في الانسداد والملاء ممنوع. # سلمنا ، فلم لا يستند إلى الانسداد؟ وإنما ينزل مع فتح الرأس لأن مع فتح ~~الرأس يطلب الهواء مكانه الطبيعي ، وهو البعد الذي احتوى عليه الماء ، حيث ~~إن الماء ms0267 في مكان الهواء قسرا ، ولهذا نزل فدافع الماء من فوق الإناء ، ~~فنزل من أسفله ومع ضم الرأس لا يكون للماء مدافع ، فبقي محفوظا في الإناء. ~~وطلب العلة في نزوله مع اتساع الثقب مشترك بيننا وبينهم. على أنا نقول : ~~العلة ، أن (3) مع اتساع الثقب يكون ثقل الماء فيه أكثر من ثقله في الثقب ~~الضيق ، فيقهر الهواء (4) لسهولته وسرعة انفعاله. وأيضا يبرده فيكثف فيقل ~~حجمه فينزل الماء ، ولا يلزم أن يكون الخلاء ملاصق أسفل الإناء بحيث يتحرك ~~الهواء إليه بسهولة ، فجاز أن PageV01P427 # يكون بعيدا أو في أعلى الإناء. # ولأنه وارد علكيم ؛ لأن الخلاء وإن لم يكن مانعا من نزول الماء ، بل معين ~~له على نزوله ، حيث لا ممانعة فيه لما تقتضي طبيعة الماء من النزول ، كذلك ~~الهواء لا ممانعة فيه عن مقتضى طبيعة الماء من النزول ، ولهذا تتحرك ~~الأجسام في الأهوية ، بل ويكون معينا له على النزول ليستقر مكانه ، فإنه ~~طبيعي للهواء لا للماء. ولو كان المانع الملاء لكن لا يمنع من وجود الخلاء ~~اليسير بين أجزائه أو في غير ذلك الموضع. ولو سلم وجود الملاء الذي لا ~~يتخلله خلاء ، لكن لا يدل على امتناع الخلاء كما تقدم. # واعتذارهم في نزول الماء مع سعة الثقب بصعود الهواء من جانب منه ونزول ~~الماء من آخر ، آت مع ضيق الثقب ، لأن كل واحد من هذين العنصرين لطيف جدا ~~يقبل التشكلات بأجمعها بسهولة ، فلما ذا لا يحصل هذا الأثر مع الثقب الضيق ~~كما حصل مع اتساعه. وأيضا يلزم الترجيح من غير مرجح ، إذ لا أولوية لنزول ~~الماء من بعض الجهات وصعود الهواء من بعضها. وأيضا إذا فرضنا الإناء مملوءا ~~ماء حارا ، ثم لحقه البرد لزمه التكاثف وكان ينزل الماء ، وليس كذلك. وأيضا ~~إذا كان الثقب واسعا ونزل الماء من بعض جوانبه وصعد الهواء من البعض الآخر ~~، فلا بد من خلو بعض الإناء ، وهو الموضع الذي ينزل الماء منه ، فإما أن ~~يخلع الماء مقداره ويلبس مقدارا أكبر (1) بحيث يملئ ما خلا ، أو يلزم ~~التداخل بواسطة دخول ms0268 الهواء ، ويلزم على الأول أن يخلع الجانب الآخر من ~~الماء الذي يصعد فيه الهواء مقدارا أصغر حتى يدخل الهواء ، وهذان قسريان ، ~~فلم يلبس (2) الماء مقدارا أكبر حتى ينزل البعض منه. PageV01P428 ### |||| ** وعن السابع : أن صعود الماء قسري ، ولبس الهواء مقدارا أكبر قسري أيضا ، فلم كان أحد ~~القسرين أولى من الآخر؟ ولم أطاعت المحجمة للكسر مع صعوبته وصلابتها ولم ~~يخلع الهواء مقداره ويلبس أكبر مع سهولته ، حتى لو بقي من الهواء مقدار رأس ~~أبرة أمكن أن يلبس من المقدار أضعاف ملء الإناء؟ ### |||| ** وعن الثامن : بما تقدم من أن خلع الهواء مقداره أسهل من كسر القارورة إلى داخل أو خارج. ### |||| ** وعن التاسع : بإمكان ما ذكروه ، وهؤلاء لم يسندوا جميع أحوال نزول الماء في جميع الأماكن ~~(1)، وأحوال الخلاء سعة وضيقا ، وكثرة النفاخات وقلتها. ### |||| ** وعن العاشر : أنا لا نمنع من وجود الهواء بين الأجسام ، لكن لا نوجبه ولا نوجب الخلاء ~~(2)، فجاز طفو الطاس باعتبار الهواء الذي فيه ، لكن نمنع امتلاءه به. ### ||| ** المسألة الثانية : في أن الخلاء ليس فيه قوة جاذبة للأجسام ولا دافعة لها (3) # ذهب محمد بن زكريا الرازي إلى أن للخلاء قوة جاذبة للأجسام ، لأن الماء ~~تحتبس في الأواني التي تسمى سراقات (4) الماء ، وينجذب من الأواني التي تسمى PageV01P429 # زراقات (1) الماء. # ومنهم من أثبت للخلاء قوة دافعة للأجسام إلى فوق ، فإن الجسم إذا تخلخل ~~بكثرة خلاء يداخله صار أخف وأسرع حركة إلى فوق. # والأول باطل لوجهين : ### |||| ** الوجه الأول : أجزاء الخلاء متشابهة ؛ لأنه إن كان عدما صرفا فظاهر ، وإن كان بعدا مجردا ~~عن المادة فكذلك ، إذ المفهوم من البعد واحد ، فلو كان في بعض الأجزاء قوة ~~جاذبة وجب أن يكون في الجميع تلك القوة ، فلم يكن اندفاعه إلى بعض الجهات ~~أولى من اندفاعه إلى غيرها. # وفيه نظر ، لجواز تخصص اندفاعه إلى جهة بما يتخصص اندفاعه لو لا القوة ~~الجاذبة. ### |||| ** الوجه الثاني : لو كان حابس الماء في السراقة هو الخلاء الذي امتلئ به ، فلم ينزل الماء ~~المنفوش في الهواء الشاغل لخلل الهواء الخالي؟ ، وإن كان ثقله يغلب ms0269 جذب ذلك ~~الخلاء ، فلم ينتقل الماء المنكب عليه القارورة ولا يغلب الخلاء بل ينجذب؟ ~~وامساك الثقيل المشتمل عليه أسهل من إشالة الثقيل المباين. # وأيضا فلم إذا فتح رأس الآنية (2) ينزل الماء؟ بل كان يجب أن يحبس الخلاء ~~الماء هناك ولا يتركه حتى ينزل ، ولا يدع الإناء الذي فيه ينزل أيضا ، بل يبقى PageV01P430 # مرتفعا مشالا. فإن قالوا ثقل الإناء غلب جذب الخلاء ، أبطلناه بما إذا ~~كان الإناء أخف وزنا من الماء. # ويدل على بطلان القول الثاني وجهان : ### |||| ** أ: الخلاء الذي يحرك الأجسام إما أن يكون هو الخلاء المبثوث داخل الجسم ، أو ~~الخارج عنه المحيط به. فإن كان الأول ، فإما أن يحرك مع ذلك أجزاء الجسم ~~وهو محال ، لأنه لا خلاء في كل واحد من تلك الأجزاء ، فلا تكون حركة شيء من ~~الأجزاء بسبب الخلاء ، بل لكل حركة محرك ، ومجموع المحركات إذا حركت مجموع ~~الأجزاء كان ذلك سببا لحركة كل ذلك الجسم ، فحركة كل الجسم لا للخلاء ، بل ~~لسبب آخر. وأما أن لا يحرك الخلاء شيئا من أجزاء الجسم فيستحيل أن يحرك ~~كليته ، لأن تحريك الكل بواسطة تحريك الأجزاء. # وإن كان الثاني (1) فمعلوم أن الخلاء المحيط بجسم كبير لا يصعده إلى فوق ~~، فإذن ليس كل جسم ينفعل عن الخلاء ، بل جسم يقتضي طبيعته أن يتخلل الخلاء ~~بين أجزائه ، فيكون معنى ذلك أن بعض الأجسام مقتضى طبيعته أن تتباعد بعض ~~أجزائه عن بعض ، وذلك محال. أما أولا : فلأن هرب الأجزاء المتجانسة بعضها ~~عن بعض محال. وأما ثانيا : فلأن الهرب إلى جهات مختلفة بعضها يمنة وبعضها ~~يسرة ، وبعضها قدام وبعضها خلف ، مع اتحاد الطبيعة محال. وأما ثالثا : ~~فلأنه إما أن يكون هناك مهروب عنه ، وإما أن لا يكون. والأول محال ؛ لتشابه ~~الأجزاء ، وإذا لم يكن هناك مهروب عنه كان الكل هاربا من غير أن يكون هناك ~~مهروب عنه ، وهو محال (2). PageV01P431 # وفيه نظر ، لأن الخلاء يحرك كلية الجسم ، ولا جزء له بالفعل. فإن فرض له ~~جزء كان متحركا عنه بالعرض بواسطة تحريكه للكل لا بالذات ms0270 ، كالقوى المحركة ~~للأجسام عندهم. ونمنع كون الخلاء لا يصعد الجسم إلى فوق. ولو سلم فلا يلزم ~~من نفي هذا التحريك نفي مطلق التحريك. # ب الخلاء المتخلل لأجزاء الجسم إن كان هو الذي يوجب حركته إلى فوق وموجب ~~الشيء ملازم له فيكون الخلاء ملازما للمتخلخل (1) في حركته منتقلا معه ، ~~فيحتاج الخلاء إلى مكان آخر طبيعي له حتى يكون مطلوبا له يتحرك إليه ، هذا ~~خلف. وأما أن لا يكون كذلك ، بل لا يزال الجسم يستبدل في حركته خلاء بعد ~~خلاء ، فلا يكون ملاقاة الجسم للخلاء الواحد إلا في آن واحد ، وفي الآن لا ~~يحرك شيء شيئا ، وبعد الآن لا يكون ملاقيا له. # ولا يمكن أن يقال : الخلاء يعطي الجسم قوة من شأنها أن تبقى ويكون المحرك ~~هو تلك القوة ، ويكون كل خلاء يؤثر أثرا جديدا ، ولا يزال ذلك الأثر يشتد ~~والحركة تسرع. وذلك أيضا باطل ؛ لأن الخلاء متشابه فليس بعض أجزائه بهذا ~~الاقتضاء أولى من البعض الآخر. # وفيه نظر ، لأنا نقول : الخلاء إذا تخلل أجزاء الجسم أفاد الجسم خفة ، ~~وتلك الخفة تقتضي اصعاده ، ولا يحتاج الخلاء إلى مكان آخر طبيعي له. أقصى ~~ما في الباب أنه يحتاج إلى أن يطابقه بعد تخلل الجسم وأجزائه والأجزاء ~~الخلائية المتخللة بينها فيه. ### |||| ** تذنيب : من جعل المكان هو السطح المحيط ، قسم المكان إلى سطح واحد ، بأن يكون محيطا ~~بجميع السطح الظاهر من المحوي ، وإلى أكثر من واحد ، PageV01P432 # كالماء الذي يحيط به سطح الأرض وسطح الهواء ، فالمكان هنا مركب. وقد ~~يتحرك أحد السطحين ويكون الآخر ساكنا كالحجر على أرض النهر الجاري ، وقد ~~يتحرك المكان مع سكون المتمكن ، كالطير الواقف في الهواء الجاري عليه. وقد ~~يتحركان معا على الخلاف (1)، كالمحيط وفلك البروج (2). ### ||| ** البحث الرابع عشر : في بقايا مسائل المكان ### ||| ** المسألة الأولى : في أن لكل جسم حيزا طبيعيا (3) # اتفق أكثر الأوائل على ذلك ، واحتجوا عليه بوجهين : ### |||| ** الوجه الأول : أن الجسم إذا فرضناه خاليا عن جميع اللواحق والعوارض وكل ما يمكن خلوه عنه ~~فإنه لا بد له من حيز معين ms0271 ، وإلا لكان في كل الأحياز ، وهو باطل بالضرورة ~~، أو لا في شيء من الأحياز ، وهو أيضا باطل بالضرورة ، بل لا بد له من حيز ~~يكون أولى به من غيره ، لاستحالة الترجيح من غير مرجح ، وليس ذلك مقتضى ~~جسميته ، لأنها أمر مشترك بين جميع الأجسام وليس ذلك المكان حاصلا لكل ~~الأجسام ، فهو لأمر زائد على جسميته ، وذلك هو الطبيعة ، لأنا فرضنا خلوه ~~عما عداها. PageV01P433 # والاعتراض (1): لم لا يختص بالفاعل المختار ، أو نقول : لم لا يجوز أن ~~يعرض للجسم عارض يقتضي تخصيصه بحيز معين؟ ثم إن ذلك العارض لا يزول إلا ~~بعارض آخر يخصصه بحيز آخر ، وحينئذ يكون الجسم أبدا حاصلا في حيز معين بسبب ~~تلك العوارض الغير اللازمة. # وفيه نظر ، لأنا فرضنا خلو الجسم عن كل العوارض. # وأجيب أيضا ، بأن ذلك يوجب امتناع خلو الجسم عن تلك العوارض بعد اتصافه ~~بها ، ولا يوجب امتناع خلوه مطلقا ، لإمكان أن لا يوجد فيه العارض الأول ~~حتى لا يحتاج إلى عارض آخر يزيله. فإذن خلو الجسم عن جميع العوارض جائز ~~مطلقا ، وخلوه عن الحصول في الحيز غير جائز ، ويستحيل تعليل واجب الثبوت ~~بغير واجب الثبوت ، فيمتنع تعليل حصول الجسم في الحيز بشيء من العوارض. # واعترض أيضا بوجوه : ### |||| ** الأول : لو استدعى الجسم مكانا معينا ، لكان ذلك الاستدعاء إما لجسميته أو للوازمها ~~(2) عم ، (3) فكل جسم في ذلك المكان. أو لأمر غير لازم ؛ فاتصاف الجسم به ~~إن لم يكن لأمر لزم الترجيح من غير مرجح ، وجاز مثله في المكان بأن لا يكون ~~شيء منها (4) مستحقا لذات الجسم ، لكنه يحصل في واحد اتفاقا. وإن كان لأمر ~~فإن كان مقارنا نقلنا الكلام إليه وتسلسل. وإن كان سابقا أعد الجسم لاتصافه ~~بالوصف الحاصل جاز في المكان ذلك ، بأن يكون حصوله في مكان سابق أعده ~~لحصوله في المكان اللاحق ، أو أنه كان موصوفا بأمر أعده للحصول في PageV01P434 # هذا المكان ، فلا ينفك عن المكان المعين ، وإن لم يكن طبيعيا. ### |||| ** الثاني : لو سلمنا الاشتراك في الجسمية ، لكن جعلتم اقتضاء الجسم المعين للحيز ~~المعين ms0272 لأجل خصوصية في ذلك الجسم ، فذلك الجسم إن لم يجب اتصافه بتلك ~~الخصوصية كان المقتضي للحيز المعين شيئا غير لازم لذلك الجسم ، وقد أبطلوه. ~~وإن كان لازما ، فإما # لنفس الجسمية ، ويعود المحال ، أو لخصوصية أخرى ويتسلسل. ولا مخلص عنه ~~إلا أن يقال : الجسم العنصري يستدعي صورة نوعية ، أية صورة كانت ، وتعينها ~~بأسباب خارجية. # لكنا نقول : إذا جاز أن يكون المقتضي لجسم العنصر إنما هو صورة مبهمة أية ~~صورة كانت ثم استند تعينها إلى أسباب خارجية (1) غريبة لا بسبب صورة متقدمة ~~، فلم لا يجوز مثله في الحصول في الحيز؟ وبالجملة فكما أن الجسم لا بد له ~~من حيز معين ، فكذا لا بد له من خصوصية تقتضي ذلك الحيز ، وكما لا يلزم من ~~حصول صورة معينة ، أن يكون ذلك بصورة أخرى تتقدمها ، كذا لا يلزم من حصول ~~الحيز المعين أن يكون ذلك بصورة تتقدمه. وكما اقتضت الجسمية صورة مبهمة ~~وتخصصت بالأسباب الغير اللازمة للجسمية ، كذا يجوز أن تقتضي الجسمية لذاتها ~~حيزا مبهما ثم يتخصص بالأسباب الغير اللازمة. ### |||| ** الثالث : الحيز المعين من الأرض يستدعي حيزا مبهما من أجزاء مكان كلية الأرض ، ثم ~~يخصص ذلك الحيز بأسباب خارجية مع استحالة انفكاك الجزء المعين عن الحيز ، ~~فكذا يجوز في كلية الأرض ذلك. ### |||| ** الوجه الثاني : إذا رميت المدرة (2) إلى فوق عادت إلى أسفل ، ولو لا اقتضاء PageV01P435 # طبيعتها العود إلى أسفل لم تعد. # والاعتراض : لا نسلم أن المدرة تطلب المكان المعين ، بل تطلب كلية الأرض. # لا يقال : حصول الكليات في أحيازها ليس للجسمية ، وإلا لاشتركت الأجسام ، ~~فلا بد من زائد ، وهو المطلوب. # لأنا نقول : إن تمسكتم باختصاص الكليات بأحيازها ، عارضناكم باختصاص تلك ~~الكليات بتلك الطبائع المخصوصة. وأيضا باختصاص الأجزاء بأحيازها الجزئية. ~~وإن تمسكتم بحركة أجزاء العناصر إلى أحياز (1) كلياتها ، فقد قلنا : إنه ~~لطلب كلياتها. # واعلم أن ثابت بن قرة (2): ذهب إلى أن الأجسام لا تطلب أحيازا بأعيانها ~~(3)، فلا يظن أن الأرض ولا غيرها من الأجسام طالبة للمكان الذي هي فيه ، ~~إذ لا حال يخص شيئا من الأمكنة ms0273 دون غيره ، بل لو توهمنا جميع الأمكنة خالية ~~، ثم جعلت الأرض في أي موضع منها اتفق سكنت فيه ، وامتنع انتقالها عنه ، ~~إلا بسبب من خارج ، لأنه مساو لكل مكان ، وإنما تعود المدرة المرمية إلى ~~فوق لطلب طبيعة الأرض ، فإن الشيء يطلب شبهه ، كما يبعد عن ضده. # ولو توهمنا الأماكن خالية ، ثم جعل (4) بعض أجزاء الأرض في موضع من ~~الخلاء والباقي في موضع آخر ، وجب أن يجذب الكبير الصغير ، فإن تساويا طلب PageV01P436 # كل منهما صاحبه ، حتى يلتقيا في الوسط. ولو توهمت الأرض قد ارتفعت إلى ~~فلك الشمس، ثم أرسلت ، لم تهبط ولو أطلق حجر من المركز إلى أسفل صعد إليها ~~طالبا لها ولو تفرقت في جوانب العالم توجه بعضها إلى البعض ووقعت في موضع ~~يتفق التقاء جملة تلك الأجزاء ، ولا تفارق ذلك الموضع لمساواته لهذا ~~الموضع. # ولأن كل جزء يطلب جميع الأجزاء منها طلبا واحدا ، ويستحيل أن يلقى الجزء ~~الواحد جميع الأجزاء لا جرم طلب أن يكون قربه من جميع الأجزاء قربا متساويا ~~، وهذا هو طلب الوسط. ثم إن جميع الأجزاء هذا شأنها فتكون الأرض مستديرة ، ~~وأن يكون كل جزء منها يطلب المركز حتى يستوي قربه من الجملة. # ثم أورد على نفسه سؤالات : ### |||| ** منها : وجوب مثل ذلك في أجزاء كل عنصر فيكون كل واحد منها كرة مصمتة (1). ### |||| ** وأجاب : بأنه لو لا المانع لكان الأمر كذلك. والمانع هو أن الأجسام وإن اختلفت ~~لكنها متساوية في الجسمية ، فكان طلبها لبعضها بعضا لأجل التشابه بطلب ~~أجزاء العنصر الواحد في طلب أجزائه للبعض ، ولهذا السبب تلازمت صفائح ~~الأجسام وامتنع الخلاء. فقد وجد هنا سببان متنازعان ، أحدهما ثابت لكل عنصر ~~على حدة ، وهو اقتضاء كل جزء منه جذب سائر الأجزاء منه إلى نفسه ، بحيث ~~يكون كل عنصر كرة مصمتة. والآخر ثابت لعموم الجسمية ، وهو طلب كل عنصر ~~لصاحبه من حيث الجسمية ، وهو يقتضي عدم كون كل عنصر PageV01P437 # مصمتا. والأول يستلزم الخلاء ؛ لأن تلاقي الكرتين يستلزم الخلاء بينهما ، ~~وأن يعدم أثر السبب الثاني ، فلا يجذب بعض العناصر ms0274 بعضا فيبطل مقتضى ~~التشابه في الجسمية ، فاقتضت الطبيعة العدل بقدر الإمكان وفعلت ما هو ~~الأقرب إلى الجميع ، فجمعت بين أجزاء كل عنصر على حدة للمشابهة بين تلك ~~الأجزاء ، وجعلت بعض العناصر محيطا بالبعض للتشابه بين تلك العناصر في مطلق ~~الجسمية. # وأتم العناصر في هذا المعنى أقربها إلى الوسط ، لأنه متى كان أقرب إلى ~~الوسط كان أقرب نسبة إلى جميع الأجسام ، لكنه لما وجبت إحاطة البعض بالبعض ~~للمشابهة العامة عرض أن وقع بعض هذه الأجسام في غاية البعد عن غيره. ### |||| ** ومنها : أن الأجزاء إذا تحركت لطلب الكل ، فما سبب اختصاص الكل من كل عنصر بمكانه ، ~~فلم كانت النار في المحيط والأرض في المركز ، لو لا اقتضاء الطبائع ذلك؟ ### |||| ** وأجاب : بأنه ليس السبب في طلب النار المحيط ، أن النار بعد تحققها نارا تطلب ذلك ~~المكان ، بل كل ما جاور الفلك صار نارا لدوام الحركة الموجبة للمصاكة ~~المقتضية للتسخين إلى أن يستحيل ويصير نارا بعد كونه في ذلك المكان ، ~~والبعيد من الفلك يبعد من المصاكة ويكون باردا فصار أرضا. # وأبطله أبو علي في الشفا (1) بوجهين : ### |||| ** أ الحجر المرسل من رأس البئر يذهب غورا ، ولا يلتصق بشفير البئر ، مع PageV01P438 # أن اتصاله بكلية الأرض هناك ثابت (1). # ب الكل مساو للجزء في النوع فلا يجذبه ، لأن الشيء لا ينفعل عن مساويه. # واعترض على الأول (2): بأن كل جزء يطلب الاتصال بكل جزء ، وعند التعذر ~~يجب الممكن ، وهو تساوي قربه من الكل ، وإنما يحصل التساوي في وسط الأجزاء ~~فلهذا هبط ولم يقف على الشفير ، لأنه حينئذ لا يكون طالبا للقرب من الكل ، ~~بل من البعض مع انتفاء الأولوية. # وعلى الثاني : بأن الحس يدل على تلازم صفائح الأجسام ، ووقوع الأمور ~~العجيبة بواسطة التلازم ، والتلازم إنما يكون لتلازم الطبائع وتشابهها ، لا ~~مع التنافر ، وإذا عقل ذلك في موضع فليعقل في كل المواضع (3). # والمعتمد في إبطال قول ثابت (4): أن اختصاص الجسم الملاصق للفلك بذلك ~~المكان حتى صار نارا ، والملاصق للمركز حتى صار أرضا ، لا بد له من سبب ، ~~وإلا لكان ترجيحا ms0275 من غير مرجح. # واعلم أن الحق هنا شيء واحد ، وهو اسناد ذلك كله إلى الله تعالى الفاعل ~~بالاختيار. PageV01P439 ### ||| ** المسألة الثانية : في امتناع تعدد المكان الطبيعي للبسيط (1) # احتج الأوائل على ذلك بوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : لو كان لجسم بسيط مكانان طبيعيان ، فإذا حصل في أحدهما ، فإن لم يطلب ~~الثاني كان المكان الطبيعي متروكا بالطبع ، فلا يكون طبيعيا ، وإن طلبه ~~بالخروج من الأول كان الطبيعي أيضا متروكا بالطبع ، فلا يكون طبيعيا (2). ### |||| ** الوجه الثاني : لو كان خارجا عنهما وتساوت نسبته إليهما ، فإن لم يطلب أحدهما مع انتفاء ~~العائق كان الطبيعي متروكا بالطبع ، وإن طلبهما معا وتوجه إليهما معا كان ~~حاصلا في مكانين ، وهو محال ، وإن توجه إلى أحدهما أو طلبه خاصة كان ترجيحا ~~من غير مرجح. ### |||| ** الوجه الثالث : البسيط له طبيعة واحدة ، فلا يقتضي أمرين متعاندين ، والحصول في حيز ينافي ~~الحصول في حيز آخر ، فلا تقتضيهما الطبيعة الواحدة. # والاعتراض : أن في هذه الوجوه نظرا ، لأنها منقوضة بجزئيات كل عنصر فإن ~~مكان كل جزء من أجزاء ذلك العنصر مكان طبيعي لكل جزء ، مع ورود هذه الوجوه ~~فيه. وأيضا إذا حصل في أحد المكانين لم يطلب الثاني ، لامتناع حصوله في ~~مكانين دفعة ، ولا يكون ذلك الترك طبيعيا ، بل اتفاقيا حيث اتفق حصوله في ~~الآخر. وإذا خرج عنهما لم يطلب أحدهما مع تساوي النسبة ، لأن تساوي النسبة ~~أمر خارجي فاشبه القسري ، والثالث نفس المتنازع. PageV01P440 ### ||| ** المسألة الثالثة : في أن المكان الواحد لا يستحقه جسمان مختلفان بالطبع # اعلم أن الأوائل قالوا : لا يمكن أن يكون للمكان الواحد بالشخص جسمان ~~مختلفان بالطبع يستحقانه ، بل لكل جسم مكان يخصه لا يشارك في استحقاقه سواه ~~، ولم نر لهم حجة على ذلك ، سواء ما ذكره أفضل المحققين من أن تلك الأجسام ~~، إما أن تكون مختلفة الميول إلى جهات متعددة أو متفقتها. فإن كان الأول ~~فظاهر عدم استحقاقها لمكان واحد ، لاستحالة أن تقتضي مكانا بالطبع ، وتميل ~~بالطبع إلى غيره. وإن كانت متفقة الميول إلى جهة واحدة كانت الأشياء ~~المتخالفة بالطبع مقتضية من حيث هي ms0276 مختلفة شيئا واحدا ، وهو محال. # ولم يزد على ذلك ، وهو غير تام ، لإمكان اتفاق الأشياء المختلفة بالطبع ~~في لازم واحد يلزم تلك المختلفات ، أو معلول واحد بالطبع كثير بالشخص يصدر ~~عن علتين مختلفتين بالطبع. بل الوجه في الاستدلال أن نقول : لو اقتضى جسمان ~~مختلفان بالطبع مكانا واحدا بالشخص ، وكانا خارجين عنه متساويي النسبة إليه ~~، ثم طلباه على التساوي ، فإما أن يحصلا فيه دفعة واحدة وهو محال بالضرورة ~~، أو يحصل فيه أحدهما دون الآخر ، وهو ترجيح من غير مرجح ، إذ لا أولوية في ~~التخصيص ، أو لا يحصل شيء منهما فيه ، فيكون المكان الطبيعي متروكا بالطبع ~~، وهو محال. # وفيه نظر ، لأنا نمنع كون الترك لو لم يطلباه طبيعيا ، بل يكون قسريا ، ~~فإن كل واحد منهما يمانع الآخر عن مقتضاه. PageV01P441 ### ||| ** المسألة الرابعة : في المكان الطبيعي للمركب (1) # اعلم أن المركب لا مكان له في أصل الإبداع عند نفاة الخلاء من الحكماء ، ~~لأن التركيب أمر يعرض بعد الإبداع ، وايجاد مكان على سبيل الإبداع قبل ~~التركيب يطلبه المركب إذا حصل يقتضي وجود الخلاء حالة الإبداع. وأيضا لو ~~طلب البسيط بعد طريان التركيب عليه ذلك المكان المفروض لوجب خلو مكانه ~~الأول ، وهو محال. وأيضا لما كان التركيب لا يقتضي زيادة في وجود الأجسام ، ~~فلا احتياج بسببه إلى مكان زائد على ما كان للبسائط. فإذن أمكنة المركبات ~~هي أمكنة البسائط بعينها ، فلا حاجة هنا إلى إثبات أصل أمكنتها ، إذ هي ~~أمكنة البسائط ، بل الواجب أن يبحث في تعيين أمكنتها ، فنقول : # لا بد في المركب من تعدد البسائط بالضرورة ، فإما أن يتركب عن بسيطين أو ~~ثلاثة أو عن أربعة. فالأول إن تساويا وتمانعا بأن (2) يكون ما يطلب جهة فوق ~~أسفل وبالعكس. فإن تساوى بعد كل منهما عن حيزه تقاوما ، إذ لا مزية لأحدهما ~~على صاحبه فيقف في الوسط ، وإن كان بعد أحدهما من حيزه أقرب جذب الآخر إلى ~~حيزه ، فحصل المركب فيه ؛ لاشتداد الحركات الطبيعية عند القرب من الحيز ~~وفتورها عند البعد عنها. وإن لم يتمانعا ، افترقا ولم يجتمعا ms0277 إلا بقاسر. ~~وإن كان أحدهما أغلب في القوة والمقدار ، وهناك قاسر يحفظ ذلك المزاج انجذب ~~المركب إلى مكان الغالب. # والثاني : إن غلب أحدهما حصل المركب في مكانه ، وإن تساوت فإن كانت PageV01P442 # الثلاثة متجاورة حصل المركب في الوسط من الأحياز الثلاثة ، وإن تباينت ~~حصل المركب أيضا في الوسط ، وهو مكان الماء لو تركب من الماء والأرض والنار ~~؛ لتساوي جذب النار والأرض ، ولأن الأرض والماء ، وإن اختلفا في الطبيعة ، ~~لكنهما مشتركان في الميل إلى أسفل، فغلبا النار. # والثالث : إن تساوت حصل المركب في الوسط ، وإلا ففي حيز الغالب. # وقيل : لا وجود له إذ لا مكان له ، فإنه لا أولوية هنا لأحد الأمكنة ~~بالحصول فيه. # وليس بجيد ؛ لأن ما اتفق وجوده فيه أولى من غيره. نعم إنه لا يستمر وجوده ~~، بل لا يوجد إلا زمانا يسيرا جدا لانفعاله بالكيفيات الخارجية المقتضية ~~لاستحالته إلى ذلك العنصر الموافق في الكيفية. # وهذا الاعتبار من التساوي والتفاوت في العناصر ، إنما هو بحسب القوى دون ~~الحجم ، فإنه من الجائز أن يكون الأصغر في الحجم أقوى قوة من الأكبر فيه ، ~~فيكون المعتد به هنا القوة دون الحجم. ### |||| ** تذنيب : قد يتفق لبعض الأجسام وقوف في مكانه الغريب بالطبع ، كما لو فرضنا نارا في ~~مركز الأرض بحيث لا يكون لجزء منها ميل إلى جهة ، بل يكون مركز تلك النار ~~حالا (1) في مركز الأرض ، مع أنها مصمتة ، فإن تلك النار تقف طبعا ؛ لأنه ~~لا يمكن أن تتحرك إلى جهة دون أخرى ؛ لعدم المخصص. ولا يمكن أن تنفرج عن ~~فرجة في وسطها تنبسط عنها إلى كل الجهات بالسوية إلى أن يلقى كل جزء من ~~النار ما هو أقرب إليه من مقعر فلك القمر لوجهين : ### |||| ** أ: ذلك النفوذ إنما يمكن بانخراق الهواء والنفوذ فيه ، والخرق لا يمكن في PageV01P443 # جميع الجهات ؛ لأنه حينئذ يكون إعداما للمخروق ، بل إنما يكون في جهة دون ~~جهة ، ولا أولوية هنا. # ب ### |||| ** : يلزم وقوع الخلاء في الوسط ، فإذن النار تبقى في الوسط قسرا مستندا إلى الطبع. ### ||| ** المسألة الخامسة : في أن ms0278 لكل جسم شكلا طبيعيا ، وأن شكل البسيط الكرة (1) # قد ثبت فيما سبق وجوب تناهي الأبعاد ، ومعلوم بالضرورة أن كل مقدار متناه ~~فإنه مشكل ؛ لأنه لا بد وأن يحيط به حد واحد فيكون كرة ، أو حدود مختلفة ~~فيكون مثلثا أو مربعا أو غيرهما من أشكال المضلعات. # وفيه نظر ، لأن الشكل إنما يثبت للجسم بواسطة التناهي بالضرورة ، ~~والتناهي ليس مستندا إلى ذات الجسم وحقيقته ، وإلا لما تصور جسم غير متناه ~~، فكيف يكون الشكل التابع له طبيعيا للجسم. # وأما أن شكل البسيط الكرة ، فلأن البسيط هو الذي له قوة واحدة ، والقوة ~~الواحدة لا تفعل في المادة الواحدة إلا فعلا واحدا ، ولا شكل هو واحد سوى ~~الكرة ؛ لأن ما عداها فيه أفعال مختلفة مثل كون بعضها خطا ، وبعضها زاوية ، ~~وبعضها نقطة ، فلا يصدر ذلك كله عن الطبيعة الواحدة. # واعترض عليه بوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : من البسائط ما ليس شكله الكرة كالأرض ، فإنا نشاهد فيها الجبال والأغوار ~~والأنجاد. PageV01P444 # لا يقال : إن هذه الأشياء من التضريسات الواقعة على ظاهرها بمنزلة ~~الخشونة القليلة الواقعة على ظاهر الكرة العظيمة ، فلا تخرجها عن الكرية ، ~~لأنه لا نسبة محسوسة لها إلى جملتها ، فإنا لو فرضنا جبلا ارتفع نصف فرسخ ، ~~كان نسبته إلى كرة الأرض ، كنسبة خمس سبع عرض شعيرة عند كرة قطرها ذراع. # لأنا نقول : الكرة الحقيقة والدائرة الحقيقية لا تقبلان الأشد والأضعف ~~والتفاوت (1) وإن قل جدا بحيث يثبت في نفس الأمر ، ولا يثبت عند الحس تخرج ~~الطبيعة عن اقتضاء الكرية ، فتكون الكرية غير حاصلة. ### |||| ** الوجه الثاني : كل فلك خارج المركز فلا بد له من متممين على التبادل ، مختلفي الثخن والرقة ~~، فقد فعلت الطبيعة في كل واحد من المتممين أفعالا مختلفة في الثخن والرقة ~~، فجاز أن تفعل أفعالا مختلفة في الشكل ، وأيضا فإن أحد جانبي المتمم ثخين ~~والآخر رقيق ، فاختلف الشكل ، وإن كانت الاستدارة حاصلة. ### |||| ** الوجه الثالث : كل كوكب مركوز في فلك إما خارج المركز أو تدوير ، فإنه يرتكز في نقرة في ~~ذلك الفلك وتلك النقرة تحصل في ثخن بعض جوانب ms0279 الفلك دون بعض ، فقد اختلف ~~فعل طبيعة كل فلك. ### |||| ** الوجه الرابع : القوة المصورة في بدن الحيوان هي المؤثرة عندهم في أعضاء شكل الحيوان ~~والنبات وعظمها ومقدارها وملاستها وخشونتها ، وهي قوة طبيعية بسيطة ، ولم ~~تفد موادها أشكال الكرة ، بل سائر الأشكال غيرها. # لا يقال : السبب في ذلك أن مادة الحيوان مركبة غير بسيطة من أجزاء مختلفة ~~الطبائع والقوى. # لأنا نقول : سلمنا ذلك ، لكن يجب أن تفعل كل قوة من أجزاء القوة المركبة PageV01P445 # في مادتها شكل الكرة ، لأنها قوة بسيطة حالة في مادة واحدة ، لأن القوة ~~المركبة إنما تتركب من القوى البسيطة ، فيكون الحيوان على شكل كرات مضموم ~~بعضها إلى بعض. ### |||| ** الوجه الخامس : لو اقتضت طبيعة البسيط الشكل الكري لاقتضت طبيعة المركب ذلك ، لأنه لم توجد ~~فيه سوى قوة البسيط الآخر ، لكنها معاونة للبسيط الأول على ذلك ، لأن طبيعة ~~كل واحد من البسيطين تعين طبيعة البسيط الآخر على ذلك الاقتضاء لاقتضائهما ~~إياه ، وعند اجتماع العلل على الأمر الواحد ، إن لم يصر الفعل أقوى ، فلا ~~أقل من البقاء على حاله. ### |||| ** الوجه السادس : سلمنا أنه لا يكون مضلعا ، فلم يجب أن يكون كريا؟ فجاز أن يكون عدسيا أو بيضيا. ### |||| ** الوجه السابع : الفلك عندهم يستحيل خلوه عن الوضع المطلق ، ولا يقتضي وضعا معينا ، فلم لا ~~يجوز أن تكون الأجسام لا تقتضي مواضع معينة ، ولا أشكالا معينة ، مع ~~استحالة خلوها عنهما؟ ### |||| ** الوجه الثامن : الشكل الطبيعي واحد ، فجاز إسناده إلى الجسمية المشتركة ، فلا يجب باعتباره ~~إثبات الصورة النوعية. ### |||| ** وأجيب عن الأول : بأن شكل الأرض الكرة ، لكنها لما انثلم منها جزء لم يحصل للباقي شعور بذلك ~~الانثلام. واليبوسة التي لها حافظة للشكل الأول ، فبقي الشكل الأول على ذلك ~~الانثلام فحصلت الخشونات بهذا السبب. # وفيه نظر ، لأن اليبوسة إما أن تقتضي حفظ أي شكل اتفق ، مع أن الطبيعة ~~تقتضي الشكل الكري ، فتكون الطبيعة قد اقتضت أمرين متنافيين. وإما أن PageV01P446 # تقتضي حفظ الشكل الطبيعي ، وقد زال بالانثلام ، وحصل شكل غريب ، فلا يجوز ~~لها أن تحفظه. ### |||| ** وعن الثاني : بأن المتمم ليس ms0280 جسما مستقلا بنفسه ، بل هو جزء من فلك ، فلا يجب أن تكون له ~~طبيعة مستقلة ، وكلية الفلك لها طبيعة مستقلة ، فكان شكل الفلك هو الكرة. # قيل عليه : لو لم يخالف كل واحد من المتممين صاحبه في الماهية ويخالف ~~الفلك الذي بينهما ، لصح أن [ينفذ] (1) أحدهما إلى الآخر ، وأن يتشكل بشكله ~~ويحصل في موضعه ، ولما امتنع ذلك امتنع تساويهما ، لأن اختلاف اللوازم يدل ~~على اختلاف الملزومات. ### |||| ** وعن الثالث : قال أفضل المحققين : اتصال الصور الكمالية ببعض البسائط في فطرتها الأولى ~~لأسباب تعود إلى العلل الفاعلية غير ممتنع ، كما أن اتصالها ببعض المركبات ~~لأسباب تعود إلى العلل القابلية في الفطرة الثانية غير ممتنع ، فإن الكائن ~~نباتا أو حيوانا في هذه الفطرة إنما تتصل به صورة كمالية نباتية أو حيوانية ~~، مع بقاء صور أجزائه العنصرية بحسب مزاجه ، كذلك لا يبعد أن تتصل في ~~الفطرة الأولى ببعض الأفلاك المستديرة صورة (كمالية) (2) تفرز من ذلك الفلك ~~كرة تختص بها هي فلك خارج المركز أو تدوير أو كوكب مع بقاء الصورة الأولى ~~المتصلة بجميع أجزاء الفلك الأول فيها ، ويكون ذلك بحسب أمر في العلة ~~المقتضية لوجود ذلك الفلك. ويلزم من ذلك أن يبقى من الفلك الأول متمم أو ~~نقرة متصورة بالصورة الأولى فقط ، على ما يشهد به علم الهيئة (3). PageV01P447 # وفيه نظر ، لأنهم يمنعون من اقتضاء الطبيعة الواحدة أمرين متنافيين ، ولا ~~شك عندهم في اقتضاء طبيعة الفلك الكرية ، فلو اقتضت شكلا مغايرا له لزم ~~المحال عندهم ، وإن استند الشكل الثاني إلى صورة أخرى كمالية لحقت به في ~~الفطرة الأولى على ما قال ، لزم كون الفلك مركبا من قوى وطبائع (1) مختلفة ~~فلا يكون بسيطا. ### |||| ** وعن الرابع : أن شكل الحيوان يستند إلى القادر المختار ، ولا يجوز اسناده إلى القوة ~~المصورة التي لا شعور لها البتة ، فكيف يحكم عاقل بصدور هذه الخلقة العجيبة ~~والهيئة الغريبة عن قوة جسمانية لا تعقل لها البتة. # قال أفضل المحققين ، القوة المصورة على تقدير بساطتها وتركب محلها ، وعلى ~~تقدير تركبها وتعلق أجزائها بأجزاء المحل ، لا تقتضي ms0281 كون الحيوان مجموع ~~كرات ؛ لأن حكم الشيء حال الانفراد لا يكون حكمه حال التركيب مع الغير. ~~ونحن إنما ادعينا أن القوة الواحدة في المحل المتشابه تفعل فعلا متشابها ، ~~ولم يلزم من ذلك أنها تفعل في أجزاء المحل المختلف فعلها في المحل المتشابه ~~، لأن المنفعل منها ليست هي الأجزاء أفرادا ، بل المركب الذي هو المحل ، ~~وكذلك لم يلزم أن القوة المركبة تفعل فعل بسائطها ، لأن المجموع فاعل واحد ~~كثير الآثار بحسب البسائط التي هي كآلات لها ، ليس عدة فاعلين متشابهي ~~الأفعال (2). # وفيه نظر ، فإن القوة البسيطة إذا حلت محلا مركبا كل واحد من أجزائه يفعل ~~ما يفعله الآخر ، لم يحصل هناك ما يقتضي خلاف ما اقتضته الأجزاء من القبول ~~، ولا خلاف ما اقتضته القوة البسيطة. PageV01P448 ### |||| ** وعن الخامس : أن المركبات يحصل فيها شكل غريب بسبب القواسر الخارجية ، ثم إن (1) بما ~~فيها من اليبوسة تحفظ ذلك الشكل الغريب على ما تقدم. وفيه ما تقدم. ### |||| ** وعن السادس : أن في البيضي والعدسي اختلافا لقرب بعض الجوانب فيه من الوسط ، وبعد البعض الآخر. ### |||| ** وعن السابع : بأن الفلك مع قطع النظر عن غيره لا يوجب الوضع الذي هو المقولة لا مطلقا ~~ولا معينا ، فلهذا حكمنا بأنه لا يقتضي وضعا معينا ، والجسم مع قطع النظر ~~عن غيره يقتضي مكانا وشكلا معينين ، فلذلك حكمنا بذلك. # وفيه نظر ، لأن البحث ليس في الوضع بمعنى المقولة ، فإنه لا يجب مطلقا ~~ولا معينا. وأيضا المكان لا يقتضيه الجسم من حيث هو جسم ، لأنه السطح عندكم ~~، فيلزم التسلسل. ### |||| ** وعن الثامن : أن الأشكال من حيث هي مطلقة كذلك ، أما من حيث هي معينة متأخرة عن المقادير ~~التي تختلف باختلاف الطبائع ، ولذلك كانت مستندة إلى الطبائع. # وفيه نظر ، لأن الشكل المعين كما تأخر عن المقدار المعين ، كذا الشكل ~~المطلق متأخر عن المقدار المطلق. ثم أي مدخل لتأخره في عدم تعليله بالجسمية ~~المشتركة؟ ### |||| ** تذنيب : الإناء القريب من المركز ، يحتمل من الماء أكثر من البعيد عنه ، لأن قوس ~~الدائرة المارة بطرفي الإناء حال قربه بمركز (2) الأرض ، أكثر ms0282 تقبيبا من ~~قوس الدائرة المارة بطرفي الإناء حال بعده بمركز الارض. PageV01P449 ### ||| ** البحث الخامس عشر : في الجهات # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في تحقيق الجهة (1) # للجهة أمارتان باتفاق جماهير الفلاسفة : ### |||| ** الأمارة الأولى : أنها مقصد المتحرك الأيني على الاستقامة ، فإن المتحرك في الأين يقصد ~~بحركته الوصول إلى منتهى حركته. ### |||| ** الأمارة الثانية : أنها مقطع منتهى الإشارة الحسية ، وذلك أن الإشارة امتداد يبتدئ من المشير ~~وينتهي إلى المشار إليه ، بأنه هنا أو هناك ، فهي طرف الامتداد ونهاية ~~بالنسبة إلى الامتداد ، وبالنسبة إلى الحركة والإشارة جهة. فهي من ذوات ~~الأوضاع ليست من المعقولات المجردة التي لا وضع لها ، بل هي ذات وضع ، ~~ووضعها في امتداد مأخذ الإشارة والحركة ، لأنه لو كان وضعها خارجا عن ذلك ~~لكانت الإشارة والحركة ليستا إليها. وهي غير منقسمة ، لأنها لو كانت منقسمة ~~، فإذا وصل المتحرك إلى منتصفها ولم يقف ، لم يخل إما أن يقال : إنه يتحرك ~~بعد إلى الجهة ، أو يقال : إنه يتحرك عن الجهة ، فإن كان يتحرك بعد إلى ~~الجهة فالجهة الجزء الثاني من المنقسم ، وليس للأول مدخل في تحققها ، وإن ~~كان يتحرك عن الجهة فالمنتصف الذي وصل إليه ، هو الجهة لا جزء الجهة. فظهر ~~أن الجهة حد في ذلك الامتداد، وطرف ونهاية غير منقسم. PageV01P450 # لا يقال : أنتم قسمتم الحركة الآخذة نحو شيء ذي وضع إلى حركة إليه وحركة ~~عنه ، أي حركة قرب وحركة بعد ، وهذه القسمة حاصرة بالقياس إلى ما لا ينقسم ~~في جهة الحركة ، وغير حاصرة بالقياس إلى ما ينقسم بوجود قسم آخر وهو الحركة ~~فيه ، وإيراد قسمة لا يصح إلا بالقياس إلى ما لا ينقسم في بيان أن الشيء ~~غير منقسم ، مصادرة على المطلوب. # لأنا نقول : الحركة في المنقسم إنما تكون عن جهة أو إلى جهة ، ويعود ~~القسمان الأولان ، وإلا جاز أن تكون جهة الحركة هي المسافة التي تقطع ~~بالحركة ، وهو محال (1). ### ||| ** المسألة الثانية : في أن الجهة موجودة # لما كانت الجهة مقصد المتحرك ومتعلق الإشارة لزم أن تكون موجودة ، فإن ~~المتحرك لا يقصد التوجه إلى شيء بالحصول ms0283 فيه إلا إذا كان ذلك الشيء موجودا. ~~والإشارة أيضا إنما تتناول الأمر الموجود ذا الوضع. # لا يقال : ليس من شرط ما يقصده المتحرك أن يكون موجودا ، فإن المستحيل من ~~السواد إلى البياض يقصد البياض ، وإن لم يكن البياض موجودا بعد ، فلم لا ~~يكون المتحرك في الأين كذلك؟ # لأنا نقول : الفرق بين الحركة في الأين والحركة في الكيف ظاهر ، لأن ~~المتحرك إلى الجهة إنما يقصد الحصول في الجهة ، لا تحصيل الجهة بحركته ، ~~فهي يتوخى بلوغها أو القرب منها ، ولا يجعل الجهة مما يتوخى تحصيل ذاتها ~~بالحركة ، ولا تجعل لها عند تمام الحركة حالا من الوجود أو العدم ، ~~والمتحرك في الكيف PageV01P451 # يقصد بحركته تحصيل الكيفية التي قصدها ، لا الحصول فيها. وأيضا لو كانت ~~الجهة تحصل بالحركة لكانت من ذوات الأوضاع ، موجودة غير منقسمة ، وهو ~~المطلوب. والحق في الجواب هو الأول (1). ### ||| ** المسألة الثالثة : في عدد الجهات # وهنا رأيان : مشهوري وحقيقي. فالمشهوري أن الجهات ست ، وله سببان رأي ~~عامي، واعتبار خاصي (2). # أما العامي : فهو أن الإنسان يحيط به جنبان عليهما اليدان ، وظهر وبطن ~~ورأس وقدم. فالجهة القوية التي منها ابتداء الحركة يسمونها اليمين ، وما ~~يقابله يسمونها اليسار ، والجهة التي تلي رأس الإنسان الفوق ، ويقابله ~~الأسفل (3)، وفي سائر الحيوانات الفوق ما يلي ظهورها ، والتحت (4) مقابله ~~، والجهة التي تلي حاسة الإبصار ، وإليه حركاتها بالطبع تسمى القدام ، ~~والخلف ما يقابله. و[لما] لم يكن عندهم جهة غير هذه ، فجعلوا في الإنسان ~~طوله من رأسه إلى قدمه ، وعرضه من يمينه إلى يساره ، وعمقه من قدامه إلى ~~خلفه، وحيث لم تكن الأسماء إلا لهذه ، وقفت الأوهام على هذا المبلغ. # وأما الاعتبار الخاصي : فهو أن كل جسم له أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا PageV01P452 # قوائم لا أزيد ، ولكل بعد طرفان (1)، فكانت الجهات ستا بعدد الأطراف. ~~وهذا الاعتبار (2) غير واجب ، لأن الأبعاد الثلاثة إنما تعرض لو فرض بعد ~~واحد ، وجعل أصلا من غير أن يكون بالطبع ، فحينئذ يعرض عليه الخطان الآخران ~~القائمان عليه في جهتين ، لكن لو فرضنا امتدادا آخر غير مواز للأول ms0284 ، لحصل ~~لنا ثلاثة أبعاد أخرى متقاطعة على قوائم غير تلك بالعدد ، وحصل لنا جهات ست ~~غير تلك الجهات ، لكن كل جسم سواء كان متناهيا أو غير متناه يمكن أن يفرض ~~فيه خطوط غير متناهية العدد تكون أصولا لخطين آخرين قائمين عليه ، فتكون ~~الجهات حينئذ غير متناهية (3). والكرة لا جهة لها بالفعل ولها جهات غير ~~متناهية بالقوة. # وأما المضلعات فإن اعتبرنا الخطوط والسطوح والنقط ، كان عدد جهاتها عدد ~~حدودها ، ويكون الخط والسطح جهتين باعتبار كونهما أطرافا ، لا باعتبار ~~امتدادهما. وإن اعتبرنا في الجهة عدم الامتداد فيها مطلقا ، كانت جهاتها ~~الفعلية هي النقط التي تناهت خطوطها بها لا غير. وأما بالقوة فغير متناهية ~~كالكرة. # وقد يعرض فرض هذه الجهات الست لغير الإنسان من الحيوانات وغيرها بالقياس ~~إلى الإنسان حتى الفلك ، فإن الجانب الشرقي منه يمينه والغربي يساره ، ~~كالإنسان الذي يسمى أقوى جانبيه الذي تظهر منه الحركة يمينا ومقابله يسارا ~~ووسط سمائه يشبه (4) القدام ، ومقابله الخلف ، وأحد قطبيه العلو والآخر سفله. PageV01P453 # وهذه الجهات الست منها اثنتان بالطبع لا يتبدلان بتبدل الفروض والأوضاع ، ~~وهما الفوق والسفل. وأما الأربعة الباقية فإنها تتبدل بتبدل الفروض ~~والأوضاع ، لأن المتوجه إلى المشرق يكون المشرق قدامه والمغرب خلفه والجنوب ~~يمينه والشمال شماله ، فإذا توجه إلى المغرب تبدلت جميعها ، فصار ما كان ~~قداما خلفا ، وما كان يمينا شمالا ، وبالعكس ، بخلاف الفوق والسفل ، فإن ~~القائم لو صار منكوسا لا يصير ما يلي رأسه فوقا ، وما يلي رجليه تحتا ، بل ~~صار رأسه من تحت ورجلاه من فوق ، وكان الفوق والتحت بحالهما. # قيل (1): إن جعل اعتبار الفوق والسفل بالرأس والقدم تبدلا كغيرهما ، فإن ~~شخصين لو قاما على طرفي قطر الأرض كان ما يلي رأس أحدهما يلي قدم الآخر ، ~~ولا يتبدلان إن جعل الاعتبار بما يقرب من السماء وما يقابله. # وأجيب : ليس المراد من اعتبار الرأس والقدم ما يلي رأس الشخص وقدمه ، ~~فإنا قد بينا تبدله بالانتكاس ، بل المراد ما يلي الرأس والقدم بالطبع ، ~~فلا يكون الطرف الآخر من قطر الأرض هو الذي يلي ms0285 القدم بالطبع (2). # واعلم : أن هذه الجهات غير متخالفة بالماهية حتى تكون في كل جسم جهة هي ~~بعينها يمين وأخرى هي يسار ، وإنما تميز ذلك في الحيوانات بسبب أن الجانب ~~الأقوى يخالف مقابله ، فبسبب ذلك صار اليمين مخالفا لليسار. وكذا باقي ~~الجهات ، إلا الفوق والسفل فإن اختلافهما قد يكون بالعرض وقد يكون بالطبع ، ~~أما الأول فعلى ما يتفق وضعه ، فكل جانب يلي الأرض من الجسم هو الجهة ~~السافلة ، وما يقابله هو الفوق. PageV01P454 # ثم إن الأرض عند حصولها في حيزها الطبيعي لا يقال : إن لها جهة تلي ~~الأرض. فبهذا الوجه يحتمل أن يقال : إنه لا جهة لها إلا الفوق إن عني ~~بالجهة ما يلي نهاية الشيء ، لأن نهاية الأرض سطح ، وسطحها يلي السماء. أما ~~إذا كانت الجهة لا تقتضي النسبة إلى سطح ، بل إلى كل طرف كبعد مفترض في ~~الجسم ، فتكون حينئذ للبعد المفروض في الأرض جهة عند مركز كرته الذي هو ~~مركز الكل ، وجهة أخرى عند سطحه ، لكنه لا تكون جهة العلو كجهة السفل ؛ لأن ~~جهة العلو سطح موجود بالفعل ، وجهة السفل نقطة موجودة بالقوة ، لكنه أيضا ~~يحتمل أن يقال : جهة الفوق للأرض هي طرف البعد المتصل بالمركز ، والسطح هو ~~نقطة. وعلى هذا لا تكون الجهتان بالفعل ، بل بالقوة. لكن أحد أسباب انقسام ~~المتصل المسامتات والمحاذيات ، فإذا حصل [الأفق] (1) للأرض بالفعل لوجود ~~قائم عليها حصل ذلك البعد بالفعل ، وحصلت النقطتان اللتان هما الجهتان ~~بالفعل. # لا يقال : لو لم يكن للأرض علو إلا السماء وجب أن يكون لها علو ، لكن ~~العلو علو بالقياس إلى أسفل ، فيكون لها سفل ، لكن السفل لا يتعين إلا ~~بتعين بعد ، والبعد لا يتعين بوجود السماء ، بل لأجل قائم يحصل (2) للأرض ~~افقا (3)، فيلزم أن يتعين العلو بوجود السماء ، وأن لا يتعين ، هذا خلف. # لأنا نقول : العلو يراد به تارة ما يقابل السفل ، وتارة ما يلي جهة ~~السماء ، وأحد العلوين مقول بالقياس إلى أسفل ، والثاني معقول بنفسه لا ~~يحوج تعقله إلى اعتبار وجود ما يقابله ، فللأرض بالقياس إلى السماء ms0286 وحدها ~~جهة ، ولها بالقياس إلى غاية البعد التي هي مركزها علو ، فاندفع الخلف ~~بتغاير المعنيين. PageV01P455 # والفوق والسفل يوجدان للنبات والحيوان بالطبع ، فإن جهة الغصن فوق بالطبع ~~وجهة الأصل سفل بالطبع. ثم يعرض أن يصير الفوق أسفل وبالعكس ، ويكون الفوق ~~حافظا للطبيعة الفوقية وكذا السفل. وأما القدام والخلف فإنهما حاصلان ~~للحيوان حالتي الحركة والسكون ، وغير الحيوان إنما تعرضان له عند الحركة ، ~~فالجهة التي إليها الحركة تكون قداما ، والتي عنها الحركة تكون خلفا ، ومتى ~~تغيرت الحركة تغير القدام والخلف ، ولا كذلك الحيوان فإن قدامه وخلفه متعين ~~بالطبع. وغير الحيوان قد يكون قدامه وفوقه واحدا عند ما يتحرك إلى فوق ، ~~وتارة يتخالفان إذا كانت حركاته لا إلى الوسط ولا عنه ، بل معترضة بينهما (1). ### ||| ** المسألة الرابعة : في تحدد الجهات (2) # أثبت الفلاسفة جسما محيطا بكلية العالم كري الشكل يحدد الجهات أي يميزها ~~، ونفاه المتكلمون. وهذه مسألة من الطبيعيات تبنى عليها مسائل كثيرة عندهم ~~مهمة سيأتي البحث فيها معهم إن شاء الله تعالى. # واحتجوا هنا على اثبات المحدد ، بأن الجهات قد ثبت فيها جهتان متمايزتان ~~بالطبع هما الفوق والسفل ، وأنهما ذواتا وضع ، فتعين وضعهما ، إما في شيء ~~متشابه سواء كان خلاء أو ملاء ، وإما في شيء مختلف ، والأول محال ؛ لأن ~~المتشابهات (3) تتساوى أحكامها ، فليس بعض الحدود المفروضة في ذلك المتشابه ~~بأن تكون جهة أولى من سائرها ، فإما أن يقتضي كلها جهة واحدة ، وليس ~~إحداهما بأن يكون PageV01P456 # مقتضاه أولى من الأخرى ، أو لا يقتضي شيء منهما شيئا من الجهتين. # وأيضا الحدود في المتشابهة بالفرض غير متناهية ، والجهتان بالطبع اثنتان ~~فحسب ، فلا يكون التحديد مستندا إلى الخلاء والملاء المتشابهين. فتعين ~~القسم الثاني ، وهو أن يكون التعين بشيء مختلف خارج مما يتشابه ، وذلك ~~الشيء يستحيل أن يكون مجردا لتساوي نسبته إلى الجميع ، فيكون جسما أو ~~جسمانيا ، لوجوب كونه ذا وضع. وإذا كان جسما فإما أن يكون جسما واحدا يحدد ~~الجهتين معا ، أو جسمين يحدد كل واحد منهما واحدة منهما. # والجسم الواحد إما أن يحدد الجهتين من حيث هو واحد ms0287 أو لا من حيث هو واحد. ~~والجسمان إما أن يحددا بأن يكون أحدهما محيطا بالآخر ، أو بالمباينة ، ~~فالأقسام أربعة : ### |||| ** أ أن يكون المحدد للجهتين جسما واحدا من حيث هو واحد ، وهو لا يمكن أن يكون ~~محددا ، لأن كل امتداد فله جهتان هما طرفاه لوجوب تناهيه ، وكذلك ~~الطبيعيتان فإنهما طرفا امتداد ، فالمحدد يجب أن يحدد جهتين معا ، والجسم ~~الواحد من حيث هو واحد إن حدد ما يليه بالقرب فلا يمكن أن يحدد ما يقابله ، ~~لأن البعد عنه ليس بمحدود. ### |||| ** ب أن يكون التحدد بجسمين على سبيل إحاطة أحدهما بالآخر ، وهو باطل ، ومع ذلك ~~فإن المطلوب حاصل به. أما بيان بطلانه : فلأن المحاط به يكون داخلا في ~~التحديد بالعرض لوقوع الاكتفاء بالمحيط في تحديد الامتدادين بالقرب الذي ~~يتحدد بإحاطته والبعد الذي يتحدد بأبعد حد من محيطه وهو مركزه ، فلا يكون ~~المحدد إلا واحدا ، وأما حصول المطلوب به فلأن المطلوب هو إثبات محيط ~~بالأجسام كلها يميز الجهات ويحددها ، وقد ثبت. PageV01P457 # ج ### |||| ** : أن يكون التحدد بجسمين على سبيل المباينة ، وهو باطل لوجهين : ### |||| ** الأول : كل واحد من الجسمين إنما يحدد جهة واحدة هي القرب منه ، ولا يتحدد البعد ~~عنه ، فلا يكون واحد منهما يحدد الجهتين معا ، وقد قلنا : إن المحدد يجب أن ~~يحدد جهتين معا. ### |||| ** الثاني : كل واحد من الجسمين له جهات لا تتناهى بحسب فرض الامتدادات الخارجة منه ، ~~ووقوع الآخر منه في جهة من تلك الجهات وعلى بعد معين منه دون سائر الأبعاد ~~الممكنة ، ليس بأولى من وقوعه في جهة أخرى وعلى بعد معين منه دون (1) غيره ~~(2) مما يمكن ، فإن الوقوع في كل جهة وعلى كل بعد من ذلك ممكن بحسب العقل ، ~~وإن امتنع فلمانع مؤثر في التحديد ، وهو أيضا يجب أن يكون جسمانيا ذا وضع ، ~~والكلام في وقوعه في بعض جهات هذين دون بعض وعلى بعد معين منهما كالكلام ~~فيهما ، فإن علل بهذين صار دورا ، وإلا تسلسل. # ولما بطلت الأقسام بقي الرابع ، وهو أن يكون المحدد واحدا ، لا من حيث هو ~~واحد ، ولا ms0288 على أي وجه يتفق ، بل من حيث الإحاطة ، وهي الحال الموجبة ~~لتحديدين متقابلين. فإذن محدد الجهات جسم واحد محيط بالأجسام ذوات الجهات. # والاعتراض من وجوه : ### |||| ** الوجه الأول : لا نسلم أن هنا جهة مغايرة للمكان ، فإن كل متحيز على الإطلاق لا بد له من ~~حيث وحيز يشار إليه بواسطته أنه هنا أو هناك ، وهو معنى المكان ، ولهذا ~~يقال للمتحرك إذا وصل إلى جهته إنه قد حصل في جهته ، ولا PageV01P458 # يشيرون بذلك إلى نقطة غير منقسمة. ### |||| ** الوجه الثاني : لا نسلم أن هنا جهتين متخالفتين بالطبع ، وكيف يصح منكم هذه الدعوى؟ مع أن ~~الجهة عندكم طرف الامتداد وغير منقسم ، فتكون نقطة ، والنقطة عندكم لا وجود ~~لها بالفعل ، فكيف تذهبون إلى تخالفها بالطبع ، مع أن منكم من يذهب إلى أن ~~النقطة عدمية ، والباقون منكم يذهبون إلى أنها فرضية. ### |||| ** الوجه الثالث : النقط كلها متساوية في الماهية والحقيقة لو كانت ثابتة ، لأن مفهومها هو ~~أنها شيء ذو وضع غير منقسم ، وهو معنى واحد لا اختلاف فيه البتة ، فكيف يصح ~~منكم القول بأنها مختلفة بالطبع. ### |||| ** الوجه الرابع : منعتم من اسناد التحديد في الخلاء أو الملاء المتشابه لاقتضائه تمايز ~~الجهتين المختلفتين بالطبع ، مع أنكم أسندتم هذا التحديد إلى طرفي الامتداد ~~الآخذ من المحيط إلى المركز ، والطرفان متساويان ، وهذا عين التناقض. ### |||| ** الوجه الخامس : الأبعاد متناهية فحصل بواسطة السطح الظاهر الذي هو نهايتها غاية البعد ، ~~وحصل بما يتوهم أنه وسط لها ، ما يشبه المركز ، فحصلت الجهتان متميزتين من ~~غير واسطة المحيط. ### |||| ** الوجه السادس : إما أن يجعلوا المحيط كله هو جهة القرب من الفلك فيلزم انقسام الجهة ، ~~وأنتم منعتم من ذلك ، أو بعضه فيلزم الترجيح من غير مرجح. # لا يقال : كل امتداد يفرض آخذا من المركز إلى أي نقطة كانت من المحيط ~~يكون طرفاه غير منقسمين. وأحد الطرفين هو جهة القرب. # لأنا نقول : فحينئذ لا تنحصر الجهة الطبيعية في اثنتين. # لا يقال : قد اشترك كل ما يقرب من المحيط في كونه قربا. PageV01P459 # لأنا نقول : مقابل الواحد بالشخص ، وهو البعد الحاصل بالمركز ms0289 ، يجب أن ~~يكون واحدا بالشخص. ### |||| ** الوجه السابع : إما أن يجعلوا الفوق كل ما قرب من المحيط مطلقا ، أو ما يقرب منه مسامتا ~~لرأس الإنسان بالطبع حال قيامه على الأرض ، فإن كان الأول كانت الجهات ~~الفرضية والطبيعية واحدة ، وكان بخلاف العرف المشهور بين الناس. فإن ما يلي ~~اليمين أو الشمال أو القدام أو الخلف (1)، لا يسمونه فوقا ، وإن كان ~~الثاني لم يجب الإحاطة في المحدد. ### |||| ** الوجه الثامن : سلمنا أن المحدد محيط ، فلم أوجبتم فيه الكرية؟ فإن تمايز الجهتين يحصل وإن ~~كان مضلعا ، وجاز أن يكون بعض المحيط أقرب إلى المركز من بعض. ### |||| ** الوجه التاسع : لم لا يجوز التحديد بجسم واحد من حيث هو واحد ويتحدد به القرب منه؟ وأما ~~البعد عنه فإنه يتحدد بواسطة تناهي الأبعاد. ### |||| ** الوجه العاشر : لم لا يقع التحديد بجسمين متباينين؟ وكما يتحدد بكل واحد منهما القرب منه ، ~~كذا يحدد البعد عن الآخر. ويكون حصول كل منهما حيث هو كحصول القطب في موضع ~~دون غيره من الفلك البسيط. PageV01P460 ### | المقالة الثانية ### | في الكيف (1) # وفيها فصول : ### ||| ** الفصل الأول : ### | في المقدمات # وهي اثنتان : ### ||| ** المقدمة الأولى : في تعريفه # الماهيات البسيطة لا يمكن أن تحد على ما عرفت ؛ لأن الحد يتألف من PageV01P461 # أجزاء المحدود ، والبسيط لا جزء له ، بل إنما يعرف بلوازمه البينة. ولما ~~كان الكيف من الأجناس العوالي لم يمكن تعريفه إلا بالرسم. وقد اشتهر عن ~~القدماء في رسمه أنه : «هيئة قارة لا يوجب تصورها تصور شيء خارج عنها وعن ~~حاملها ، ولا قسمة ولا نسبة في أجزاء حاملها» فبالهيئة خرج الجوهر ، وكونها ~~«قارة» يميزها عن مقولتي أن يفعل وأن ينفعل وعن الزمان ، و «كون تصورها لا ~~يوجب تصور غيرها» يميزها عن المضاف والأين والمتى والملك، و «وكونها غير ~~مقتضية للنسبة في أجزاء حاملها» يميزها عن الوضع ، و «كونها بحيث لا تقتضي ~~القسمة» يميزها عن الكم. # قيل (1): المفهوم من «أن يفعل» مؤثرية الشيء في الشيء ، فالشيئان إن ~~كانا ثابتين كانت مؤثرية المؤثر في المتأثر أيضا ثابتة ، لأن المؤثرية من ~~لوازم الماهية المؤثرة ولازم ms0290 الثابت ثابت. وإذا كانت تلك المؤثرية ثابتة ~~غير متغيرة ، فقولنا «هيئة قارة» لا يفيد الاحتراز عن تلك المؤثرية الثابتة ~~، إلا أن يقال : المؤثر إن كان متغيرا كانت مؤثريته زائدة على الذات ، وإن ~~كان ثابتا لم تكن المؤثرية حكما زائدا على الذات ، وإذا كانت المؤثرية ~~الثابتة غير ثبوتي لم يحتج إلى الاحتراز عنها في الرسم ، ولكن ذلك تحكم ، ~~فإنه ليس بأن تكون مؤثرية المؤثر المتغير زائدا على ذاته ، أولى من أن تكون ~~مؤثرية المؤثر الثابت زائدة على ذاته. # وأيضا قولكم : «لا يوجب تصورها تصور شيء خارج عنها وعن حاملها» يفيد ~~الاحتراز عن مقولتي «أن يفعل» و «أن ينفعل» ؛ لأنهما من الأعراض النسبية ~~التي يوجب تصورها تصور شيء خارج عنها وعن حاملها ، فيستغني عن PageV01P462 # ذكر القار. فإن احترزوا به عن الزمان كان قولنا «لا يقتضي القسمة» كافيا ~~ومغنيا عنه. # وأيضا الصوت من مقولة الكيف ؛ لأنه ليس جوهرا ، ولا كما متصلا غير قار ، ~~لأنه منحصر في الزمان ، ولا قارا ؛ لأن الصوت غير قار على ما يأتي ، ولا من ~~باقي المقولات ، فهو من الكيف مع أنه ليس بقار ، لأن معنى القار ما توجد ~~أجزاؤه المفروضة فيه في آن واحد ، وليس الصوت كذلك بالضرورة. ولأنه معلول ~~لتموج الهواء ، والتموج حركة فالصوت معلول الحركة ، ومعلول غير القار يجب ~~أن لا يكون قارا. فإذن الصوت كيف غير قار ، فلا يجوز اشتراط القار فيه (1). # وأيضا الوحدة عرض قار لا يوجب تصورها تصور شيء خارج عنها وعن حاملها ، ~~ولا تقتضي قسمة ولا نسبة في أجزاء حاملها ، وكذا النقطة. # لا يقال : المعقول من النقطة أنها نهاية الخط ، وذلك لا يعقل إلا عند ~~تعقل الخط. والوحدة معنى يلزمه عدم الانقسام ، وهو لا يعقل ، إلا عند تعقل ~~الانقسام ، فتصورها يوجب تصور غيرها. # لأنا نقول : إن اعتبرتم في الكيف أنه لا يلزم من تصوره تصور غيره مطلقا ~~خرج أكثر أنواع الكيف ، فإن الاستقامة والانحناء لا يتصوران إلا في ~~المقدار. وإن لم تشترطوا ذلك ، بل أن لا يلزم من تصوره تصور شيء خارج عن ms0291 ~~محله ، وما يلزم من تصوره تصور محله أو تصور ما يوجد في محله من الكيف ، ~~فالوحدة والنقطة من الكيف ، إذ لا يلزم من تصورهما إلا تصور محلهما أو تصور ~~حال من أحوال محلهما. # وأيضا الإدراك والعلم [والقدرة] والشهوة والغضب وجميع الأخلاق ، لا يمكن ~~تعقلها ، إلا ويوجب تصورها تصور متعلقاتها ، أعني المعلوم والمقدور PageV01P463 # والمشتهى والمغضوب عليه. # لا يقال : تصور هذه وإن استلزم تصور متعلقاتها ، لكن تصورها سابق على ~~تصور المتعلقات ، فإنا نعقل العلم أولا ثم بعد ذلك نعقل أنه لا بد له من ~~متعلق ، بخلاف النسب والإضافات ، فإنه لا بد وأن نعقل المنسوب والمنسوب ~~إليه أولا حتى يصير تعقلهما سببا لتعقل تلك الأمور النسبية. فلما كانت ~~الكيفية يتقدم تعقلها على تعقل ما هي منتسبة إليها والإضافات متأخر تعقلها ~~عن تعقل معروضاتها ظهر الفرق. # لأنا نقول : الفرق وإن كان صحيحا في الحقيقة ، إلا أن عبارتكم لا تفيده ؛ ~~لأن حاصله راجع إلى أن الكيف هو الذي لا يتوقف تصوره على تصور غيره ، إلا ~~أن يكون «تصوره» في قولنا : «ما لا يوجب تصوره تصور غيره» منصوبا (1)، ~~ويكون «تصور غيره» مرفوعا فيلائم تمام الرسم المذكور. # وأيضا (2) لو حملنا قولكم «ما لا يوجب تصوره تصور غيره» على أنه ما لا ~~يكون تصوره معلولا لتصور غيره ، فمع هذا كيف يطرد الرسم في الشكل كالتربيع ~~والتثليث ، وفي خواص الأعداد كالجذرية والكعبية (3)، فإن التربيع هو ~~الهيئة الحاصلة بسبب إحاطة الحدود الأربعة بالسطح ، فما لم يتقدم العلم ~~بالحدود الأربعة المحيطة بالسطح لا يحصل العلم بتلك الهيئة. فإذن العلم ~~بتلك الهيئة من الكيف وكذا خواص الأعداد ، فيكون تصورها معلولا لتصور غيرها. PageV01P464 # وأيضا الهيئة لفظ مشترك ، فيقال : 1 هيئة الوجود. 2 هيئة الاستقلال ~~والاستقرار. 3 هيئة الجوهرية والعرضية. 4 هيئة الجلوس. 5 هيئة التأثير ~~والتأثر ، والمشترك لا يستعمل في الرسم. # وقولكم : «لا يوجب تصوره تصور شيء خارج عنه وعن حامله ، ولا نسبة ولا ~~قسمة في أجزاء حاملها» لا فرق بينه وبين أن نقول : الكيف هو الذي لا يكون ~~كما ولا وضعا ولا ms0292 سائر الأعراض النسبية. ولو صرح بذلك لم يكن تعريفا صحيحا ~~، وإلا لصح ذلك في سائر المقولات ، بل ذلك أولى ، لأن الأمور النسبية لا ~~تعرف ، إلا بعد معرفة معروضاتها التي هي الكيفيات (1). # فإذن الأولى أن يقال (2): «الكيف هو العرض الذي لا يتوقف تصوره على تصور ~~غيره ، ولا يقتضي القسمة واللاقسمة اقتضاء أوليا ، فخرج بقولنا «العرض» ~~الباري تعالى والجوهر. وبقولنا «لا يتوقف تصوره على تصور غيره» الأعراض ~~النسبية. والكيف وإن لزم من تصوره تصور غيره ، لكن لا على أن تصوره معلول ~~لتصور غيره ، بل على أن تصوره علة لتصور غيره. ويدخل فيه الصوت ؛ لأن تصوره ~~لا يتوقف على تصور غيره. وبقولنا «لا يقتضي القسمة واللاقسمة» نميزه عن ~~الكم والوحدة والنقطة ، لأنهما يقتضيان اللاقسمة. وقولنا «أوليا» ليدخل (3) ~~فيه العلم بما لا ينقسم ، فإنه يمتنع من الانقسام ، لكن ذلك الاقتضاء ليس ~~بأولي ، بل بواسطة وحدة المعلوم. # ولما كانت الأجناس العالية بسائط لم يمكن تعريفها إلا بالرسم ، إما بأمور PageV01P465 # ثبوتية أو سلبية تكون أعرف. والأجناس العالية خفية ، فلو قيل الكيف ما لا ~~يكون جوهرا ولا كما ولا غيرها (1) كان المذكور سلب أمور ليست أعرف منه ، ~~فلم يكن التعريف صحيحا. # أما ما اعتبرناه من العرضية أعني الحلول في محل متقوم به ومن عدم توقف ~~تصوره على تصور الغير ، وأن لا يكون علة الانقسام واللاانقسام كانت هذه ~~السلوب سلوبا جلية ظاهرة يصح التعريف بها. ### ||| ** المقدمة الثانية : في تقسيم الكيف # وهو جنس لأنواع أربعة باتفاق الجماهير من الفلاسفة (2): ### |||| ** النوع الأول : الكيفيات المحسوسة. # فإن كانت ثابتة راسخة فهي «الانفعاليات» وإن كانت سريعة الزوال فهي ~~«الانفعالات». ### |||| ** النوع الثاني : الكيفيات النفسانية. # فإن كانت راسخة فهي «الملكات» ، وإن كانت غير راسخة بل سريعة الزوال فهي ~~«الحالات». PageV01P466 ### |||| ** النوع الثالث : الاستعداد الشديد. # فإن كان نحو الانفعال فهو «اللاقوة» وإن كان نحو اللاانفعال فهو «القوة». ### |||| ** النوع الرابع : الكيفيات المختصة بالكميات. # إما المتصلة كالاستقامة والانحناء والتربيع وشبهه ، أو المنفصلة كالزوجية ~~والفردية. وقد ذكروا في الحصر وجوها ضعيفة (1): ### |||| ** الأول : الكيفية إما أن تختص بالكمية أو لا ، فإما ms0293 أن تكون محسوسا أو لا ، وإما أن ~~تكون استعدادا نحو الكمال وهو القوة واللاقوة ، أو نفس الكمال وهو الحال ~~والملكة. وخواص الأدوية (2) صور جوهرية لا من الكيف (3). # وهو غير تام ، لأنهم إذا فسروا الحال والملكة بالكيفيات النفسانية احتمل ~~أن توجد كيفية جسمانية لا تختص بالكمية ، وليست محسوسة ولا مختصة بذوات ~~الأنفس ، ولا تكون استعدادا (4). ### |||| ** الثاني : الكيفية إما أن تكون بحيث تصدر عنها أفعال على وجه التشبيه ، كالحار يجعل ~~غيره حارا لا كالثقل الذي فعله في محله التحريك وليس بثقل ، وهو الكيفيات ~~الفعلية والانفعالية أو لا ، (5) فإما أن تتعلق بالكم كالأشكال وغيرها PageV01P467 # أو لا تكون ؛ فإما أن تكون للأجسام من حيث هي طبيعية ، وهي الفعلية ~~والانفعالية أيضا ، أو من حيث هي نفسانية ، وهي الكيفيات النفسانية. ### |||| ** الثالث : الكيفية إما أن تتعلق بوجود النفس ، وهي الكيفيات النفسانية ، أو لا ، فإما ~~أن تتعلق بالكمية ، وهي الكيفيات المختصة بالكميات ، أو لا ، فإما أن تكون ~~هويتها أنها استعداد وهي القوة واللاقوة ، أو هويتها أنها فعل ، وهي ~~الانفعاليات والانفعالات. ### |||| ** الرابع : الكيفية إما أن تفعل على طريق التشبيه ، وهي الانفعاليات والانفعالات ، ~~وإما أن لا تكون كذلك ، فإما أن لا تتعلق بالأجسام ، وهي الحال والملكة ، ~~أو تتعلق ، وذلك التعلق إما من حيث كميتها ، وهي المختصة بالكميات ، أو من ~~حيث طبيعتها ، وهي القوة واللاقوة ، وعلى هذا التقسيم تضيع الكيفيات ~~المختصة بالأعداد ، وهذه القسمة في الجميع غير محيطة بطرفي النقيض. PageV01P468 ### ||| ** الفصل الثاني : ### ||| ** في القسم الأول وهي : ### | الكيفيات الفعلية والانفعالية (1) # وفيه مباحث : ### ||| ** البحث الأول : # في أمور كلية لهذا القسم ، وهي أربعة : (2) ### |||| ** الكلية الأولى : إنما سميت الثابتة انفعالية لأمرين : ### |||| ** الأمر الأول : انفعال الحواس عنها ، فإن اعتبرنا في الإحساس كونه أوليا خرج الثقل والخفة ~~عنها ؛ لأن الشيخ نص في «طبيعيات الشفاء» (3) أنهما مما لا يحس بهما إحساسا ~~أوليا ، ونص في «المقولات من منطقه» : أنهما من هذه PageV01P469 # الكيفيات. (1) ويخرج أيضا الألوان ؛ لأنها لا تحس إلا بواسطة الضوء. وإن ~~لم نعتبر الأولية دخل ما يحس ثانيا كالأشكال والحركات والسكنات وغيرها. ### |||| ** الأمر الثاني : حدوثها إما بالشخص أو ms0294 بالنوع تابع لانفعالات موادها وللمزاج. أما بالشخص ~~فكالصفرة التابعة لسوء المزاج الحار المستحكم في الكبد وحلاوة العسل ، وإن ~~لم يكن حدوثها لأجل الانفعالات ، لكن من شأن تلك الحقيقة أن توجد عند ~~الانفعال أيضا. وأما بالنوع فكحرارة النار ، فإن الحرارة النارية وإن لم ~~تحصل في النار بالانفعال ، لكن من شأن الحرارة من حيث هي حرارة أن تحدث ~~أيضا بالانفعال في مادة. وغير المستقرة ، وإن كانت انفعالية باعتبار ~~الأمرين ، لكنها لقصر مدتها وسرعة زوالها منعت اسم جنسها ، واقتصر في ~~تسميتها على اسم الانفعالات ، وإن لم يكن في أنفسها انفعالات. ### |||| ** الكلية الثانية : قيل الخاصة المساوية لهذا النوع العامة لأفراده إنها تفعل في موادها أشياء ~~يشاركها في المعنى ، فإن الحار يجعل غيره حارا وكذا البارد ، والأسود يقرر ~~شبحه في العين. # واعترض (2) بأن الثقل والخفة من هذا النوع ولا يفعلان مثل أنفسهما ، وبأن ~~الشيخ ذكر في فصل «الاسطقسات» (3) في علة تسمية الرطوبة واليبوسة ~~بالمنفعلتين أنه لم يثبت بالبرهان أن الرطب يجعل غيره رطبا ، واليابس يجعل ~~غيره يابسا ، فلا تفيدان مثل نفسيهما (4). ### |||| ** الكلية الثالثة (5) ### |||| ** : ذهب قوم من القدماء إلى أن الكيفيات المحسوسة PageV01P470 # لا حقيقة لها في أنفسها ولا ثبوت لها في الخارج ، فليست النار حارة ، ولا ~~الماء باردا ، ولا الثلج أبيض ولا القار أسود ، بل هي انفعالات تعرض للحواس ~~فقط. فقيل لهم : لم اختص اللون بهذه الكيفية الخاصة لو لا اختصاصه في نفسه ~~بتلك الكيفية؟ # أجابوا : بأن الأجسام مركبة من أجزاء لا تنقسم فعلا ، بل فرضا ، وأشكالها ~~مختلفة ، فبسبب اختلاف أشكالها واختلاف وضعها وترتيبها اختلفت الآثار ~~الحاصلة في الحواس عنها ، فالذي ينفصل منه شعاع يفرق البصر بياض ، والذي ~~ينفصل منه شعاع يجمعه سواد ، ويحصل من اختلاط نوعي الشعاع الألوان ~~المتوسطة. والذي يقطع إلى عدد أكثر وتكون أجزاء صغارا شديدة النفوذ هو ~~المحرق الحريف (1)، والمتلاقي لذلك التقطيع هو الحلو. والذي يحيطه أربعة ~~مثلثات تكون مفرقة لاتصال العضو تحس منه بالحرارة ، والذي يحيط به ستة ~~مربعات تكون غليظة الأطراف (2) غير نافذة في العضو فيحس منه بالبرد ، وكذا ~~الروائح. ms0295 فاختلاف الإحساسات لاختلاف الأشكال والحواس المنفعلة ، لا لاختلاف ~~الكيفيات الفاعلة التي يثبتونها. # واحتجوا بأن الإنسان الواحد يحس جسما واحدا على لونين مختلفين بحسب ~~اختلاف وضعه في الوقوف ، كطوق الحمامة ، فإنها ترى شقراء وتارة ارجوانية ~~وأخرى على لون الذهب بحسب اختلاف المقامات واستعداد المادة بحسبها. ولو كان ~~اللون حقيقيا لم يكن كذلك. والسكر في فم الصفراوي (3) يجده مرا ، فاختلاف PageV01P471 # الإحساس لاختلاف المنفعلات. وسيأتي في علم الكون والفساد إبطال مذهب ~~أصحاب الأشكال. # ثم يدل على المغايرة بين الشكل واللون وجوه : ### |||| ** الوجه الأول : أن الشكل محسوس باللمس ، واللون غير محسوس باللمس ، فتغايرا. # لا يقال : ليس المحسوس الشكل ، بل هيئة حاصلة في الحس ، والمؤثر في تلك ~~الهيئة اختلاف الأشكال ، ولا استبعاد في أن يكون الشكل المخصوص يفيد آلة ~~البصر أثرا وآلة اللمس أثرا آخر. # لأنا نقول : تلك الآثار الحاصلة في الحواس إن كانت أشكالا ، وكل شكل ~~ملموس ، فالأثر الحاصل في العين ملموس ، وإن لم تكن أشكالا ثبت المطلوب من ~~اثبات كيفيات مغايرة للأشكال ، وإذا جاز ذلك فأي مانع يمنع من اثباتها في ~~الجسم الخارجي؟ إلا أن هذا لا يدل على وجود الكيفية في الخارج ، بل على عدم ~~استبعاد وجودها ، وهو غير كاف في الجزم بوجودها. # والوجه في إبطال هذه المقالات الالتجاء إلى الضرورة ، فإن كل عاقل لا يشك ~~في ثبوت هذه الكيفيات المحسوسة ، وإنكارها سفسطة. ### |||| ** الوجه الثاني : الألوان متضادة ، ولا شيء من الأشكال بمتضادة ، إذ ليس بين اثنين منها غاية ~~البعد ، فلا شيء من الألوان بشكل. ### |||| ** الوجه الثالث : الإحساس بالشكل يتوقف على وجود اللون ، والمتوقف على الشيء مغاير له. PageV01P472 # والجواب عما ذكروه (1): أن المرئي في طوق الحمامة ليس شيئا واحدا ، بل ~~أطراف الريش ذوات جهات ، وكل جهة لها لون يستر لون الأخرى بالقياس إلى ~~القائم الناظر. واختلاف الإحساس إنما يكون لاختلاف المنفعلات ، لو سلمنا ~~لهم أن الإحساس عبارة عن انفعال البصر عن المحسوس. ### |||| ** الكلية الرابعة (2) ### |||| ** : ذهب قوم من أوائل الحكماء غير محققين إلى أن هذه الكيفيات نفس الأمزجة (3) ~~، فإذا كان المزاج بحد ما وبحال ms0296 ما كان لونا معينا وطعما معينا ، وإذا كان ~~بحال آخر وبحد آخر كان لونا آخر وطعما آخر. وليس اللون والطعم وسائر ما ~~يجري مجراها شيئا ، والمزاج شيئا آخر. بل كل واحد منها مزاج مخصوص يفعل في ~~القوة اللامسة شيئا وفي القوة الباصرة شيئا آخر. وهذا المذهب باطل لوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : ليس المزاج إلا الكيفية الحاصلة من تفاعل الحار والبارد بحيث تستسخن ~~بالقياس إلى البارد وتستبرد بالقياس إلى الحار ، فتكون بالحقيقة من جنس ~~الحرارة والبرودة ، فتكون مدركة باللمس ، واللون والطعم وغيرهما ليست ~~ملموسة ، فلا تكون هي المزاج. ### |||| ** الوجه الثاني : هذه الكيفيات توجد فيها غايات وأطراف في التضاد ، والأمزجة متوسطة بين ~~الغايات فتغايرا. PageV01P473 ### |||| ** الوجه الثالث : قد يحصل اللون فيما لا مزاج فيه كالكواكب ، والطعم عند من يثبته للماء ،. ~~وإنما نشأ غلطهم من أن الأكثر متابعة اللون والطعم للمزاج ، ونحن نسلم ذلك ~~ونمنع الوحدة بينهما. ### ||| ** البحث الثاني : في الكيفيات الملموسة # وهي الكيفيات المدركة بالقوة اللمسية. والعناصر قد تخلو عن الكيفيات ~~المدركة بسائر المشاعر دون هذه ، لأن ما عدا هذه القوة من الحواس إنما تدرك ~~بتوسط جسم كالهواء أو الماء (1) ولا يمكن أن يتوسط المتوسط بين نفسه وغيره. ~~فإذن كل واحدة من هذه الحواس لا تدرك المتوسط الذي يتوسط لها ، بل تجده ~~خاليا عما تدركه هي ، وتلك الأجسام لا تخلو عن الملموسة ، لأنها لا تحتاج ~~إلى متوسط. # وأيضا الحيوان قد يخلو عن تلك المشاعر (2)، ولا يخلو عن اللمس. فلهذا ~~قيل الملموسات أوائل المحسوسات (3). وهي بالاستقراء : الحرارة والبرودة ، ~~والرطوبة واليبوسة ، واللطافة والكثافة ، واللزوجة والهشاشة ، والجفاف ~~والبلة ، والثقل والخفة. وقد يدخلون في هذا الباب الخشونة والملاسة ، ~~والصلابة واللين فهنا أبواب : PageV01P474 ### | الباب الأول ### | في الحرارة والبرودة # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في حد الحرارة والبرودة # اعلم أن الأمور المحسوسة أظهر عند العقل من أن تكتسب بحد أو رسم ؛ لأنها ~~أعرف من غيرها. وقد حد الشيخ في «الشفاء» الحرارة : بأنها التي تفرق بين ~~المختلفات ، وتجمع بين المتشاكلات. والبرودة : بأنها التي تجمع بين ~~المختلفات وتفرق بين المتشاكلات (1). وذكر في «[رسالة] ms0297 الحدود» أن الحرارة ~~: كيفية فعلية محركة لما تكون فيه إلى فوق لإحداثها الخفة ، فيعرض أن تجمع ~~بين المتجانسات (2) وتفرق بين المختلفات وتحدث تخلخلا من باب الكيف وتكاثفا ~~من باب الوضع لتحليله وتصعيده اللطيف (3). PageV01P475 # والتخلخل (1) يعنى به تارة رقة القوام وهو من باب الكيف ، ويعنى به تارة ~~انفشاش (2) الأجزاء بحيث يخالطها جرم غريب ، وهو من باب الوضع. والتكاثف ~~مقابل له ، وهو إما ثخن القوام وغلظه ، أو اجتماع الأجزاء الوحدانية الطبع ~~، وخروج الجسم الغريب عما بينها. فمن حيث إن الحرارة شأنها التلطيف ~~والترقيق [فهي] مفيدة للتخلخل الذي من باب الكيف. ومن حيث إنها تجمع بين ~~المتشاكلات وتفرق بين المختلفات تفيد التكاثف الذي من باب الوضع الذي هو ~~عبارة عن اجتماع الأجزاء الوحدانية الطبع ، وخروج الجسم الغريب عما بينها. # وقولنا : «تجمع المتشاكلات» إنما هو في المركبات ، لأنها إنما تجمع ما ~~ليس بمجتمع، والبسيط مجتمع الأجزاء. # لا يقال (3): لا نسلم أنها تجمع بين المتشاكلات ؛ لأنها تفرق الماء ~~بالتصعيد وترمد الحطب وتفرقه. ولا أنها تفرق المختلفات لعدم قوتها على ~~تفريق أجزاء الطلق (4) والنورة (5) والحديد والذهب والحيوان المسمى ~~بالسمندل (6)، بل قد تجمع بين المختلفات كبياض البيض وصفرته. PageV01P476 # سلمنا ، لكنه ليس فعلا أوليا لها ؛ لأن فعلها الأول تسييل الرطوبات ~~المنجمدة بالبرد وتحليلها ثم تصعيدها وتبخيرها ، فإن كانت المجتمعات مختلفة ~~في قبول التحليل والتبخير (1) كان بعضها أسرع وبعضها أبطأ ، فإذا بادر ~~الأسرع دون الأبطأ والمطيع دون العاصي عرض من ذلك تفرقها ، وإن تشاكلت ~~طبائعها تشابهت في الاستعداد للحركة ، فلذلك لا تتفرق ، وإذا لم يكن فعلها ~~الأول ذلك بل تسييل الرطوبات كان تعريفها به أولى من الأول. # لأنا نقول (2): ليست الحرارة تفرق الماء ، بل إذا استحال جزء منه لشدة ~~الحرارة فصار هواء فرقت بينه وبين الماء الذي ليس من طبعه ، ثم يلزمه أن ~~تختلط بذلك الهواء أجزاء مائية ، فتصعد مع الهواء ويكون مجموع ذلك بخارا. ~~وإنما رمدت الحطب ، لأن الأجزاء الأرضية التي فيه متماسكة بالرطوبات ~~المائية التي فيها ، فإذا فرق بين الرطب واليابس عرض منه تناثر الأجزاء ~~اليابسة. # وأما ms0298 الطلق والنورة والحديد فالنار قوية على تسييلها بحيل أصحاب الإكسير ~~، وخصوصا مع اعانتها بما يزيدها اشعالا كالكبريت والزرنيخ. وإنما لم يتفرق ~~الذهب بالنار لشدة تلازم بسائطه ، فكلما مال فيها شيء إلى التصعد حبسه ~~المائل إلى الانحدار ، فتحدث حركة دورية وغليان ، ولو لا هذا العائق لتفرق. ~~وليس عدم تفريق النار له لأجل العائق دليلا على أن النار لا تحاول التفريق. ~~وليس عقد البيض جمعا له ، بل إحالة في قوامه ثم تفرقه النار عن قريب بواسطة ~~التقطير. # وحق «أن الجمع والتفريق ليسا أوليين للنار» ؛ لأن الجمع والتفريق هنا ~~معتبران بالقياس إلى المركب. والفعل الأول للحرارة التحريك إلى فوق بواسطة ~~ما يفيد من الميل المصعد ، لكن لما كانت أجزاء المركب مختلفة الاستعداد لقبول PageV01P477 # التصعيد فإن الماء أقبل من الأرض بادر الأقبل من تلك الأجزاء إذا حركتها ~~الحرارة إلى فوق للتصعيد قبل مبادرة الأبطأ ، والأبطأ يتحرك دون العاصي ~~فيحصل منه تفريق تلك المختلفات واجتماع المتشاكلات لتشارك الأشياء ~~المتشاركة في الطبائع في الآثار ، والتي تكون سريعة القبول تتحرك بأسرها ، ~~والعاصي لا يتحرك منه شيء فيعرض اجتماعهما. # وقد يتفق أن يكون ما لا يقبل التصعيد مخالطا لما يقبله مخالطة شديدة ، ~~فقبل أن يفرق الحار بينهما يتصعد اللطيف مستتبعا لتصعد الكثيف المغلوب ~~باللطيف في القوة ، فعلمنا أن الفعل الأول للحرارة التصعيد إلى فوق. فلهذه ~~العلة قال (1) في تعريفها : «إنها قوة محركة لما يكون فيه إلى فوق لإحداثها ~~الخفة» ، ثم قال : «فيعرض لها جمع المتجانسات وتفريق المختلفات» ، فلا يكون ~~صدور الجمع والتفريق من الحرارة أوليا ، بل ذلك تابع للخاصة الأولى ، وهي ~~التحريك إلى فوق على الوجه الذي بيناه. # وفي قوله : «كيفية فعلية محركة» نظر ؛ لأن المفهوم من الكيفية الفعلية ، ~~الكيفية التي تؤثر في أمر ما ، والمفهوم من المحرك أنه المؤثر في أمر ما ~~شيئا ما هو الحركة ، والمفيد لشيء جزء من المفيد لشيء ما هو الحركة ، فيكون ~~الدال على مفيد الحركة دالا بالتضمن على المفيد المطلق. فقوله كيفية فعلية ~~محركة يشتمل على تكرار فالأولى حذفه. (2) # لا يقال : هذا ms0299 التعريف ليس بحد ، لأنه غير مركب من المقومات ، ولا برسم ، ~~لأنه مركب من اللوازم البينة بحيث ينتقل الذهن منها إلى ماهية الملزوم ، ~~وليس من فهم الحركة إلى فوق والجمع بين المتشاكلات والتفريق بين المختلفات ~~فهم أن المؤثر في ذلك الحرارة ، بل ما لم نشاهد الحرارة ونشاهد منها هذه ~~الآثار لم PageV01P478 # نعرف لزوم هذه الآثار لها ، فإذا لم نعرف ثبوت هذه الآثار لها إلا بعد ~~معرفة استنادها إليها استحال أن تكون هذه الآثار معرفة لها ، وإلا دار. # لأنا نقول : ليس الغرض من رسوم هذه الكيفيات إفادة ماهيتها ، فإن الحس ~~أفاد الممكن في ذلك ، بل الغرض ذكر خواصها وآثارها بحيث تميزها عن غيرها ، ~~وهو يحصل بذكر هذه اللوازم. # وأما اللذع فهو كيفية نفاذة جدا لطيفة ، تحدث في الاتصال تفرقا كثير ~~العدد ، متقارب الموضع ، صغير المقدار ، فلا يحس كل واحد بانفراده ، ويحس ~~بالجملة كالوجع الواحد. والتخدير بتبريد العضو بحيث يصير جوهر الروح ~~الحاملة قوة الحس والحركة إليه باردا في مزاجه ، غليظا في جوهره ، فلا ~~تستعملها القوى النفسانية ، ويجعل مزاج العضو كذلك فلا يقبل تأثير القوى ~~النفسانية ، وهاتان فعليتان. # واللذع يفعل ما يفعل بفرط الحرارة المقتضية للنفوذ واللطيف. والتخدير ~~يفعل ما يفعل بفرط البرودة المقتضية لنفوذ (1) الروح ، فهما تابعان للحرارة ~~والبرودة. ### ||| ** المسألة الثانية : في اثبات البرودة والحرارة # ذهب جماعة من قدماء الحكماء إلى أن البرودة ليست كيفية وجودية ، بل هي ~~عدم الحرارة عما من شأنه أن يكون حارا ، والضرورة تقتضي بطلان ذلك ، فلا ~~حاجة هنا إلى إبطاله بالبرهان. وقد استدل بعضهم على إبطاله بوجهين : ### |||| ** أ: لو كانت البرودة عدم الحرارة لكان الذي ندركه من الجسم البارد ، إما الجسم ~~، أو عدم الحرارة. والأول باطل ، وإلا لكنا إذا أدركنا الجسم الحار وجب أن ~~ندركه على حالة البرودة ، لأن برودته نفس جسميته المدركة حال حرارته ، لكن ~~ذلك محال. والثاني باطل ، لأن العدم لا يحس به. PageV01P479 # ب : التكثف والسيلان والجمود والتفرق والجمع أفعال ثبوتية متقابلة ، فلا ~~يستند الواحد منها إلى الجسمية المشتركة ، وإلا لاشتركت الأجسام فيه ، ولا ~~إلى ms0300 أمر عدمي ، لامتناع استناد الأثر الوجودي إلى المؤثر العدمي ، فلا بد ~~من كيفيتين ثبوتيتين لتكونا مصدرين للأفعال المتقابلة. # ولو قيل : المؤثر في التكثف هو الجسمية بشرط عدم الحرارة ، لم يكن هذا ~~أولى من أن يقال المؤثر في التسييل الجسمية بشرط عدم البرودة (1). # وفيهما نظر : أما الأول فلأنه إذا كان المدرك نفس الجسمية لم يجب ادراك ~~الجسم الحار على حالة البرودة ، لوجود أمر زائد على الجسمية مناف للحرارة. # قال أفضل المحققين : لا نسلم أن العدم لا يحس به ، فإن الأمر العدمي إذا ~~كان مقتضيا لأمر غير ملائم ، يحس به من جهة مقتضاه ، كتفريق الاتصال ، ~~والجوع ، والعطش، فإن كانت البرودة عدم الحرارة ، وكانت الحاسة محتاجة إلى ~~حرارة تعدل مزاجها ، فعدم تلك الحرارة يقتضي أمرا غير ملائم فيها فيحس به. ~~ولم يقل أحد إن عدم الحرارة هو الجسم ، حتى يكون الإحساس بالجسم احساسا ~~بالبرودة. والحق أن البرودة كيفية تضاد الحرارة ، فإن مقتضاها كالتكاثف ~~والثقل ضد مقتضيات الحرارة ، كالتخلخل والخفة (2). # وفيه نظر : فإن الضرورة قاضية بأن كل محسوس موجود ، والعدم المقتضي لأمر ~~غير ملائم لا نحس به ، بل بالمنافي ، كالألم عند تفرق الاتصال وعند الجوع ~~وعند العطش. ولم يدعي المستدل أن عدم الحرارة هو الجسم ، بل قال : إذا ~~أدركنا الجسم البارد فهنا شيئان : الجسم المطلق والبرودة ، فإن كانت ~~البرودة عدم الحرارة ، والعدم لا يحس به لم يبق المحسوس إلا الجسم المطلق. ~~والاستدلال على كون البرودة كيفية مضادة لمضادة آثارها استدلال بالأخفى على ~~ما هو ضروري. PageV01P480 # وأما الثاني : فإن هذه الأعراض تستند إلى الفاعل المختار ، أو إلى المبدأ ~~الفياض عندهم بشروط عدمية ، أو إلى كيفية ثبوتية غير الحرارة. # وذهب جماعة من المتكلمين لا مزيد تحصيل لهم ، من جملتهم سعيد بن زرارة ~~إلى أنه ليس في النار حرارة ، ولا في الزيتون زيت ، بل الحرارة تحدث فيها ~~عند قربنا منها ، والزيت يحدث عند العصر. وربما قالوا : بل تحدث الحرارة ~~فينا نحن عند قربنا منها. وهذه جهالة ظاهرة. قال بشر بن المعتمر شعرا : (1) # يا سعيد بن زرارة وحمار ms0301 ابن حمارة %~% ليس في الزيتون زيت ، ليس في النار حرارة ### ||| ** المسألة الثالثة : في تعديد أصناف الحار والبارد # الحار قد يقال على ما يحس بحرارته ، كالنار. وقد يقال على ما لا يكون ~~كذلك ، بل يكون ظهور تلك الكيفية منه موقوفا على ملاقاته لبدن الحيوان ، ~~كما يقال للغذاء والدواء إنهما حاران. وعليه يقاس البارد. # وللقسم الثاني منهما وهو الذي لا نحس فيه بالحرارة والبرودة ، بل يكون ~~ظهورهما موقوفا على ملاقاة البدن علامات بعضها تجريبية وبعضها قياسية. وهو ~~من وجوه : أضعفها اللون ، وتارة الطعم وأخرى الرائحة ، وتارة سرعة الانفعال ~~وعسره ، فإن المتخلخل أسرع انفعالا عما يلاقيه من المتكاثف ، لضعف جرمية ~~المتخلخل وقوة جرمية المتكاثف. فالأجسام إذا تساوت في القوام ثم تفاوتت في ~~قبول الحرارة من فاعل واحد فالأقبل يكون في طبعه أسخن ، لأنه لما تساوى ~~نسبة الفاعل والقابل منهما ، لو لم يختص الأقبل بما يعاضد الخارجي ، لم يكن الأثر PageV01P481 # الحاصل فيه أقوى. وإن تفاوتت المنفعلات في القوام فالأقوى قواما إن انفعل ~~أسرع ، ففيه ما يقتضي تلك الكيفية ، بل هو أولى من المساوي. وأما الأضعف ~~فلا يدل سرعة انفعاله على شيء ؛ لاحتمال أن يكون ذلك لأجل ضعف قوامه. # وتارة بالاشتعال والجمود ، فإن المتماثلين في القوام إذا عرضا على فاعلين ~~متساويين في القوة ، فالأسرع جمودا أبرد ، والأسرع اشتعالا أحر ، وإن ~~اختلفا قواما فإن كان المتكاثف أشد اشتعالا فهو أسخن ؛ وإن كان المتخلخل ~~(1)، فلا دلالة لجواز استناد السخونة إلى رقة القوام. ### ||| ** المسألة الرابعة : في خواص الحرارة والبرودة # للحرارة خواص أربعة : ### |||| ** أوليها : من شأن الحرارة إفادة الميل المصعد وبواسطته التحريك. ولما اختلفت المركبات ~~في اللطافة والكثافة ، وكل ما كان ألطف كان أقبل للخفة من الحرارة ، فإن ~~الهواء أسرع قبولا لذلك من الماء الذي هو أسرع فيه من الأرض ، لا جرم إذا ~~عملت الحرارة في المركب بادر الأقبل منها للتصعيد قبل الأبطأ فيعرض تفرق ~~المختلفات ، فتجتمع المتجانسات بمقتضى طبائعها ؛ لأن الجنسية علة الضم (2). ### |||| ** ثانيتها : تسويد الرطب وتبيض اليابس ، وإنما تفعل الحرارة في الرطب سوادا ، لا صعادها ~~للأجزاء المشفة ms0302 (3) وتحليلها للرطوبات ، فخلصت الأجزاء PageV01P482 # الكثيفة ، كما تفعل في الحطب والأشربة المحترقة ، وفي بشرة الإنسان إذا ~~لاقتها الشمس كثيرا وتفعل في اليابس بياضا لتفريق أجزائها واخراج ما يقبل ~~الإصعاد منها وتكثير سطوح الأجزاء الباقية منها القابلة لانعكاس النور من ~~بعضها إلى بعض ، كما تفعل في الأملاح والأسباخ ، وفي الفحم أجزاء رمادية. ~~وقد يظن أن بياض الجص منه لا من مداخلة الهواء ، وإلا بلغ السحق والتصويل ~~(1) بحجر الجص إلى ذلك البياض. والبرودة بالعكس منها. ### |||| ** ثالثتها : إفادة القوام كما في بياض البيض. ### |||| ** رابعتها : أنها تحدث بالحركة ، للتجربة. # وأنكره أبو البركات ، لأن العناصر الثلاثة في وسط الأثير والأفلاك ~~كالقطرة في البحر المحيط ، فلو كانت الحركة مسخنة لأثرت الحركات السريعة ~~التي في الأفلاك مع الأثير في تسخين هذه العناصر الثلاثة ، حتى كان يصير ~~الكل نارا (2). # وهو ضعيف ؛ لأن الأجرام الفلكية وإن كانت متحركة لكنها غير قابلة للسخونة ~~، والشيء كما يعتبر في حصوله الفاعل يعتبر فيه أيضا القابل ، فلا يلزم من ~~حصول الحركة في الأجرام العلوية كونها متسخنة. وأيضا فإن مقعر الفلك ومحدب ~~النار سطحان أملسان (3)، فلا يلزم من حركة أحد السطحين حركة الآخر ، فإذن ~~أجرام الأفلاك غير متسخنة حتى يلزم من سخونتها سخونة العناصر. ولا يلزم ~~أيضا من حركاتها حركات هذه العناصر ، حتى يلزم من حركاتها سخونتها. فإذن لا ~~يلزم من حركة الأفلاك مع عظمها وسرعتها ، سخونة هذه العناصر على صغرها. PageV01P483 # تذنيب : لا شك في مضادة الحرارة للبرودة ، ولهذا تضادت آثارهما. وهل ~~يضادهما ثالث؟ فيه احتمال إن جوزنا كثرة الأضداد ، وإلا فلا. وإنما فعلت ~~البرودة في الرطب بياضا ، لاجماد أجزائه وتكثيفه وتحصيل فرج خالية فيما ~~بينها يملأها الهواء. وتتكثر سطوح أجزائه التي ينعكس النور من البعض إلى ~~البعض ، كما تفعل في الثلج والصقيع والأجسام المتكرجة (1) التي قد حللت ~~رطوباتها الحرارة ، ثم عقدتها البرودة ، لينحل (2) عليها تكرجا أبيض. وتفعل ~~في اليابس سوادا لتكثيفه وقبضه واخراج ما في خلله من الجسم المشف بالقسر ، ~~كما تفعل في الأشجار والزروع إذا أصابها البرد الشديد ، فيقال لها أحرقها ~~البرد. وتفعل ms0303 في أعضاء الحيوان مثل ذلك. وكما تفعل في الأخلاط السوداوية في ~~أبدان الحيوانات ، وفي الحماة تحت الطين ، فإن الغالب على طبيعتهما اليبس ، ~~ولاستيلاء البرد عليهما يسودان ، وكما في الأحجار السود في الجبال وغيرها. ### ||| ** المسألة الخامسة : في الحرارة الغريزية (3) # اختلف الأوائل في الحرارة الغريزية ، فذهب بعضهم إلى أنها مخالفة بالنوع ~~للحرارة النارية. قال الشيخ في «القانون» : الحار الخارجي إذا حاول إبطال ~~الاعتدال فإن الحار الغريزي أشد الأشياء مقاومة له ، حتى أن السموم الحارة ~~لا تدفعها إلا الحرارة الغريزية ، فإنها آلة للطبيعة تدفع ضرر الحار الوارد ~~بتحريك الروح إلى دفعه ، وتدفع ضرر البارد الوارد عليه بالمضادة. وليست هذه ~~الخاصية للبرودة ، فإنها إنما تنازع وتعاوق الحار الوارد بالمضادة فقط ، ~~ولا تنازع البارد الوارد. PageV01P484 # فالحرارة الغريزية هي التي تحمي الرطوبات الغريزية عن أن يستولي عليها ~~الجفاف (1)، ولهذا يقال : حرارة غريزية ، ولا يقال : برودة غريزية (2). # وحكى في «حيوان الشفاء» (3) عن المعلم الأول أنه قال : الحرارة المنوية ~~التي بها تقبل علاقة النفس ليس من جنس الحار الاسطقسي (4) الناري ، بل من ~~جنس الحار الذي يفيض من الأجرام السماوية ، فإن المزاج المعتدل بوجه ما ~~مناسب لجوهر السماء ؛ لأنه منبعث عنه. وفرق بين الحار السماوي والحار ~~الأسطقسي ، واعتبر ذلك بتأثير حر الشمس في أعين العشي (5) دون حر النار ، ~~وبسببها صار الروح جسما إلهيا نسبته من المني والأعضاء نسبة العقل من القوى ~~النفسانية ، فالعقل أفضل المجردات والروح (6) أفضل الأجسام. # وذهب آخرون (7) إلى أنها من جنس الحرارة النارية ، فالنار إذا خالطت ~~العناصر ، وكانت تلك النار تفيد ذلك المركب طبخا واعتدالا وقواما ، ولم ~~تبلغ في الكثرة إلى حيث تبطل قوامها وتحرقها ، ولم تكن في القلة بحيث تعجز ~~عن الطبخ PageV01P485 # الموجب للاعتدال ، فتلك هي الحرارة الغريزية. وإنما تدفع الحر الغريب لما ~~يحاول الحار الغريب التفريق وتلك الحرارة الغريزية أفادت من النضج والطبخ ~~ما يعسر عنده على الحرارة الغريبة تفريق تلك الأجزاء ، فلهذا السبب تدفع ~~الحرارة الغريزية الحرارة الغريبة ، فالتفاوت بين تلك الغريزية وتلك ~~الغريبة ليس في الماهية ، بل في كونها جزءا من المركب ms0304 ، والغريبة ليست ~~كذلك. فلو توهمت الحرارة الغريبة جزءا من المركب ، والغريزية خارجة عنه ، ~~لكانت الغريزية عند ذلك تفعل فعل الغريبة ، والغريبة تفعل فعل الغريزية (1). # والمعتمد عندي الأول فإن الحرارة التي في النار غير ملائمة للحياة ، ~~والتي في بدن الحيوان ملائمة لها. وهنا حرارة أخرى هي الفائضة عن الأجرام ~~الفلكية. وتأثير الحرارة الشمسية في أعين العشي الإبصار دون حر النار ، ~~فعلمت المباينة بين هذه الأنواع. ومن المعلوم أيضا أن الحرارة الغريزية ~~تفتقر إلى البنية (2) ولا يكفي فيها المحل الواحد ، بل لا بد فيها من مزاج ~~مخصوص. والحرارة النارية لا تفتقر إلى شيء من ذلك (3). ### ||| ** المسألة السادسة : في بقايا أحكامهما على رأي المتكلمين # وهي : ### |||| ** أولا : أنهما باقيتان ، للدليل العام على بقاء الأعراض. وربما التجأ بعضهم في ذلك ~~إلى الضرورة ، فإنا نعلم قطعا أن برودة الماء وحرارة النار لا يتجددان حالا ~~فحالا ، كما نعلم ذلك في الجسم المحسوس. PageV01P486 ### |||| ** ثانيا : طريق إدراكهما لمس محلهما. وإذا قيل : إنهما مدركان لمسا فالمراد ملامسة ~~المحل؛ لأن اللمس لا يقع إلا بين الجسمين. ويكفي في ادراكهما كل محل فيه ~~حياة من غير حاجة إلى حاسة مخصوصة ، وهو ممنوع. وسيأتي تتمة البحث في ذلك ~~إن شاء الله تعالى. # وإذا أدركناهما بمحل الحياة فإنما ندركهما في غيره ، بخلاف الألم الذي ~~يدرك بالحياة في محلها ؛ لأن الواحد منا إنما يدرك حرارة بدنه بلمسه ببعض آخر. ### |||| ** ثالثا : ذهب أبو القاسم الكعبي إلى أن الحرارة والبرودة مقدورتان للعباد ، لأن ~~الواحد منا يحك خشبة بأخرى فتحصل حرارة. # وذهب آخرون إلى أن تلك الحرارة كامنة في الخشبة يظهر بالحك ، لا أنها ~~تحدث بالحك ، وإلا لحصلت عند حك الجليد بالجليد. وهؤلاء منعوا من استحالة ~~الماء إلى الحرارة ، أو الحار إلى البرودة ، وعللوا الحرارة والبرودة ~~بمجاورة النار أو الهواء البارد. وسيأتي البحث معهم في إبطال الكمون إن شاء ~~الله تعالى. ### |||| ** رابعا : قال أبو القاسم الكعبي : إن الهواء قد يصير نارا مما يفعله أحدنا في القدح ~~من الحجر والحديد. ومنعه آخرون وقالوا : إن النار كانت كامنة فيهما ، إذ ms0305 لو ~~استند إلى القدح لم تختلف الأجسام في ذلك. وربما عللوا ذلك بأن الحجر يكتسب ~~النارية من حرارة الشمس على طول الدهر ، وكذا الخشبة ، وهما باطلان. ### |||| ** خامسا : قال جماعة من المتكلمين : إن النار إنما تحرق لأجل ما يختص به من الاعتماد ~~دون الحرارة ، لأن الحرارة لا جهة لها فكيف تولد في غير محلها؟! والإحراق ~~يحصل في غير محل الحرارة. وأيضا الإحراق تفريق مخصوص ، وهو مقدور لنا ، فلو ~~ولدته الحرارة لقدرنا عليها ؛ لأن القادر على المسبب قادر على سببه. PageV01P487 # وقال جماعة من الأشاعرة : إن الإحراق لا يحصل من النار ، بل من الله ~~تعالى ، ولا أثر للنار فيه ، بل نسبة النار إليه كنسبة الجمد إليه ، ونسبة ~~البرد إلى الجمد كنسبته إلى النار. # وهذان القولان ضعيفان. والمعتمد استناده إلى قوة مودعة في النار حادثة ~~بعناية الله تعالى ومقتضى حكمته. # سادسا : نقل عن الأوائل توقف إحراق النار لما يحرقه على هواء يتخلل بين ~~النار وبين ما يحترق بها ، وتقف حركتها على الهواء ؛ لأن الثوب إذا وضع على ~~جسم صقيل لم يحترق لعدم تخلل الهواء. # ومنعه المتكلمون ، لأن المولد للتفريق هو الاعتماد ، سواء كان هناك هواء ~~أو لا ، بل المانع هناك صقالة الجسم فإنها تمنع من تخلل النار فيه. وأما ~~امتناع اشتعال النار في البئر وامتناع اشتعال المصباح إذا وضع عليه ما يمنع ~~الهواء ، فلأن كثافة هواء البئر تطفي السراج ، كما تطفي إذا ديس تحت الرجل ~~، وإذا وضع عليه حب وشبهه لم يجد منفذا فيتراجع. PageV01P488 ### | الباب الثاني ### | في الرطوبة واليبوسة # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في تعريفهما # قد عرفت في ما تقدم أن الأمور المحسوسة أرفع من أن تعرف بحد أو رسم ؛ لأن ~~كل ما يقال في تعريفها فهو أخفى منها. وتعريفاتها لا يمكن أن تشتمل إلا على ~~إضافات واعتبارات لازمة لها لا يدل شيء منها على ماهياتها بالحقيقة ، فهي ~~لا تفيد في تعريفها ما يفيد الإحساس بها (1). نعم قد يحصل الاشتباه بينها ~~وبين غيرها فنذكر بعض الخواص في إزالة ذلك الاشتباه. وقد وجدنا للرطوبة ~~وصفين ms0306 (2) أحدهما : أنها كيفية بها يكون الجسم سهل الالتصاق بالغير سهل ~~الانفصال عنه. وثانيهما : أنها كيفية بها يكون سهل التشكل بشكل الحاوي ~~الغريب سهل الترك له. # قال الشيخ في الشفاء : إن الجمهور يظنون أن الجسم إنما يكون رطبا إذا كان PageV01P489 # بحيث يلتصق بما يلامسه ، ويعتقدون أن الرطوبة حقيقتها هذا. وهو باطل ، ~~لأن الجسم كلما كان أرق كان أقل التصاقا بما يلامسه ، وكلما كان أغلظ كان ~~أشد ملازمة. فلو كان الالتصاق بالغير لأجل الرطوبة لكان الأرطب أشد التصاقا ~~وهو باطل ، فإن الماء اللطيف الجيد إذا غمس فيه الإصبع كان ما يلزم الإصبع ~~منه أقل مما يلزم من الماء الغليظ أو الدهن أو العسل ، فثبت أن الالتصاق ~~لازم للكثافة والغلظة. ولما بطل هذا الاعتبار بقي للرطوبة واليبوسة الوصف ~~الثاني ، وهو سهولة التشكل بشكل غيره مع سهولة تركه له ، ولليابس عسر قبول ~~الأشكال الغريبة وعسر تركه لها. فالرطوبة إذن هي «الكيفية التي بها يكون ~~الجسم سهل التشكل بشكل الحاوي الغريب ، وسهل الترك له». واليبوسة هي : ~~«الكيفية التي يعسر بها قبول الشكل الغريب ، وبها يعسر تركه له» (1). # وقال في الحدود : الرطوبة «كيفية انفعالية تقبل الحصر والتشكل الغريب ~~بسهولة ، فلا يحفظ ذلك ، بل يرجع إلى شكل نفسه [ووضعه اللذين بحسب حركة ~~جرمه في الطبع]». واليبوسة «كيفية انفعالية عسرة القبول [للحصر و] للتشكل ~~[الغريب ، عسرة الترك له والعود إلى شكله الطبيعي]» (2). واعترض بوجهين (3): ### |||| ** الأول : جعل الرطوبة قابلة للتشكل ، وهو محال ، فإن الرطوبة غير قابلة للتشكل ، بل ~~الجسم يقبل التشكل بسببها. PageV01P490 ### |||| ** الثاني : أنه قال : «كيفية انفعالية قابلة للتشكلات» ، وهو يدل على الانفعال ، فيجب ~~حذفه ، فإذا حذف وحملنا قوله «قابلة للتشكلات» على أنها هي التي لأجلها ~~يقبل الجسم التشكلات ، صار هكذا : الرطوبة هي الكيفية التي لأجلها يقبل ~~الجسم التشكلات ، وهو ما ذكره في الشفاء. # وقيل لو فسرت الرطوبة «بما من شأنه أن يسهل التصاقه بغيره وانفصاله عنه» ~~، كان أولى ، لاتفاق الجمهور على أن الرطب يفيد اليابس المختلط به استمساكا ~~عن التشتت ، ولا يمكن ذلك إلا بأن يلتصق بما يلامسه ms0307 ، فإن الهواء لو اختلط ~~بالتراب اليابس لم يفده استمساكا ، بل زيادة تشتت ، ولو فسرنا اليبوسة ~~«بالكيفية التي باعتبارها يعسر قبول الأشكال» ، لم يبق بينها وبين الصلابة ~~فرق ، فكان يجب أن تكون النار صلبة يابسة ، وذلك باطل ، فإن النار ألطف ~~العناصر وأكثرها رقة وأبعدها عن الكثافة ، وإذا كان كذلك فالنار أقبل ~~العناصر للأشكال الغريبة بسهولة ، فكان يجب أن تكون النار أرطب العناصر ، ~~وهو مما لا يقول به عاقل. # وقال بعضهم : إذا أوقدنا في تنور شهرا أو شهرين ، فإن الهواء الذي في ~~داخل التنور ينقلب أكثره نارا ، فكان ينبغي أن يظهر من ذلك في الهواء ~~ممانعة ، لأن النار يابسة ، واليابس ممانع ، ولكنا إذا أدخلنا فيه جسما لم ~~نجد فيه ممانعة أصلا ، بل ربما صار ذلك الهواء عند استحالته نارا ألطف ~~وأقبل للخرق ، فبطل ما قالوه. # وقول الشيخ : «لو كانت الرطوبة لأجل الالتصاق ، كان الأكثر التصاقا أشد ~~رطوبة» ، إن عنى بكثرة الالتصاق سهولته ، فلا شك أن الشيء كلما كان أرطب ~~كان أسهل التصاقا بالغير ، ولكن العسل ليس أسهل التصاقا بغيره من الماء ، ~~بل الماء أسهل. وأيضا العسل أعسر انفصالا ، وكل ما كان كذلك كان أعسر ~~اتصالا ، فلا يلزم أن يكون العسل أرطب من الماء. وإن عنى بكثرة الالتصاق ~~دوامه ، فنحن لا PageV01P491 # نفسر الرطوبة بدوام الالتصاق حتى يلزم أن يكون الأدوم التصاقا أرطب ، ~~وكيف نقول ذلك والأدوم التصاقا لا بد وأن يكون أعسر التصاقا؟ وذلك ضد ما ~~جعلناه تفسيرا للرطوبة ، وهو سهولة الالتصاق. # فالحاصل : أن المحال الذي ذكره إنما يلزم لو فسرنا الرطوبة بدوام ~~الالتصاق ، فأما إذا فسرناها بسهولة الالتصاق لم يلزم ما قالوه (1). # لا يقال : لو كان الالتصاق معتبرا في حقيقة الرطوبة بأي اعتبار كان لزم ~~أن يكون الأدوم التصاقا أرطب. # لأنا نقول : لا نذهب إلى أن الرطوبة نفس الالتصاق ، وكيف والالتصاق من ~~باب المضاف والرطوبة من باب الكيف؟! بل الرطوبة [هي] الكيفية التي ~~باعتبارها يستعد الجسم للالتصاق بالغير ، وتلك الكيفية تلزمها لا محالة ~~سهولة الانفصال المنافي لصعوبة الانفصال ، كما أنهم لا يقولون ms0308 : الرطوبة هي ~~الشكل نفسه ، حتى يكون الأثبت شكلا ، وهو اليابس ، أرطب ، بل يقولون : ~~الرطوبة سهولة قبول الشكل ، وكذا هنا. فإذن ما يكون عسر الانفصال يكون عسر ~~الاتصال ، ونحن إذا جعلنا سهل الاتصال رطبا ، لا يلزمنا أن نجعل عسر ~~الانفصال (2) رطبا ، فثبت أن الرطوبة هي «الكيفية التي يستعد الجسم ~~باعتبارها لسهولة الالتصاق بالغير وسهولة الانفصال عنه» (3). # واعلم أن الجمهور يفسرون الرطوبة بالبلة ، ولهذا لا يطلقون الرطب على ~~الهواء ، بل على الماء فتكون اليبوسة بهذا الاعتبار هي الجفاف (4). PageV01P492 # وقال في الشفاء : البلة هي «الرطوبة الغريبة الجارية على ظاهر الجسم» كما ~~أن الانتفاع هي «الرطوبة الغريبة النافذة إلى باطنه» والجفاف «عدم البلة في ~~ما من شأنه أن يبتل». وأما اليبوسة فقد فسرها الشيخ بأنها «الكيفية التي ~~بها يعسر قبول الأشكال الغريبة وتركها» (1) وهذا بالصلابة أولى. # فالواجب إذن أن نقول : نرى من الأجسام ما تتفرق أجزاؤه وتنفرك (2) بسهولة ~~، ومنها ما لا يكون كذلك. والثاني هو الصلب ، والأول على قسمين : منها ما ~~تكون مركبة من أجزاء صغار لا يقوى الحس على إدراك كل واحد منها منفردا ، ~~وكل واحد منها يكون صلبا ، ولا يكون سهل الانفراك ، ولكن البعض منها متصل ~~بلحامات سهلة الانفراك ، ومنها ما يكون كل الجسم في طبيعة تلك اللحامات في ~~سهولة الانفراك ، كالمدر الخالص الأرضية الترابي ، فالأول الهش والثاني ~~اليابس ، فاليبوسة هي «الكيفية التي يكون الجسم معها سريع التفرق عسر ~~الاجتماع» (3). # والوجه أن الكفية إن اقتضت سهولة الاتصال والانفصال فهي الرطوبة وإن ~~اقتضت عسرهما فهي اليبوسة. وإن اقتضت سهولة الانفصال وعسر الاجتماع فهي ~~الهشاشة والسلاسة (4). وإن اقتضت عسر الانفصال وسهولة الاتصال فهي ~~اللزوجة. فاللزوجة «كيفية تقتضي سهولة التشكل مع عسر التفريق ، والشيء بها ~~يمتد متصلا ، وتحدث من شدة امتزاج الرطب الكثير باليابس القليل» (5). PageV01P493 ### ||| ** المسألة الثانية : في إثبات الرطوبة واليبوسة # قيل (1): إذا جعلنا الرطوبة «ما لأجله يسهل قبول الجسم للأشكال» فذلك ~~كلام مجازي ؛ لأن السهل والصعب من باب المضاف ، والرطوبة واليبوسة ليستا من ~~المضاف. # وفيه نظر ، فإنه لا استبعاد في صدور الإضافي عن غير ms0309 المضاف نعم المحال ~~تحديد غير المضاف بالأمر الإضافي ، فالاعتراض لازم لو قلنا الرطوبة سهولة ~~قبول الأشكال (2). # ثم قالوا : بل الرطب هو «الذي لا مانع له في طباعه عن قبول التشكلات ~~الغريبة ، وعن رفضها». واليابس هو «الذي في طباعه مانع يمنع من ذلك مع ~~إمكانه» فيكون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة ، لأن الرطوبة صارت ~~مفسرة بعدم المانع ، ويكون الإحساس بها ليس إلا أن لا يرى مانع ولا معاوق ، ~~وباليبوسة ما يرى مانع. فالرطوبة بانفرادها لا تدل على وجود الجسم ، ~~واليبوسة تدل (3). # ثم إن الرطوبة إما أن تكون قابلية الأشكال ، فلا تكون أمرا وجوديا ، لأن ~~قابلية الشيء للشيء لو كانت زائدة لافتقرت إلى قابلية أخرى ، لأنها تكون ~~عرضا قائما بالذات. أو تكون علة القابلية وهو محال ؛ لأن الجسم قابل لكل ~~الأشكال لذاته ولذلك فإن القبول حاصل لليابس ولما كانت قابلية الجسم ~~للأشكال حكما ثبت له لذاته استحال أن يستدعي علة زائدة ، فالرطوبة بهذا ~~التفسير # وانظر عبارة الشيخ في الفصل الثالث عشر من الفن الثالث من طبيعيات ~~الشفاء. PageV01P494 # لا تكون وجودية. # وقيل (1): لو كانت الرطوبة على تفسيرهم وجودية فالأشبه أنها غير محسوسة ~~، لأن الهواء رطب بذلك المعنى ، فلو كانت محسوسة لكان يجب أن يكون الهواء ~~المعتدل الذي لا حر فيه ولا برد ولا حركة له مدركا باللمس ، لرطوبته ، ولو ~~كان كذلك لكان الهواء دائما محسوسا ، فلا يقع شك في أن الفضاء الذي بين ~~السماء والأرض ملاء لا خلاء. ولما لم يكن كذلك عرفنا أن الرطوبة على ~~تفسيرهم غير محسوسة. ولو عنينا بها الكيفية التي معها يكون الجسم سهل ~~الالتصاق فهي محسوسة وجودية. وقد اختلف قول الشيخ ، ففي «القانون» أنها غير ~~محسوسة ، ولعله أراد بذلك سهولة قبول الأشكال. وفي كتاب «النفس» (2) أنها ~~محسوسة ولعله أراد الرطوبة بمعنى سهولة الالتصاق (3). # والتحقيق أن نقول : الرطوبة قد تطلق على البلة ، وهي المعنى المتعارف عند ~~الجمهور ، وقد تطلق على تقبل الانعطاف والميل بسهولة كالأغصان. وفيما ذكروه ~~أولا نظر ، فإن جعل الرطوبة أمرا عدميا باطل ، لأن الحس يفرق بينها ms0310 وبين ~~اليبوسة ، وعدم المنع من قبول الشك أمر مبدؤه الرطوبة لا نفس الرطوبة. ~~والرطوبة إذا فسرت بأمر عدمي افتقرت إلى محل وجودي يقوم به ؛ لأنها حينئذ ~~تكون عدم ملكة ، وأعدام الملكات يفتقر إلى محال ملكاتها. وقابلية الأشكال ~~ليست نفس الرطوبة ، بل الرطوبة كيفية بها يقبل الجسم الأشكال بسهولة ، ~~والقبول وإن كان لازما لطبيعة الجسم ، لكن كونه بسهولة ليس لذاته ، بل ~~بواسطة الرطوبة. PageV01P495 ### ||| ** المسألة الثالثة : في سبب كون الحرارة والبرودة فعليتين وكون الرطوبة واليبوسة انفعاليتين # قيل الحرارة والبرودة قد يحصل بينهما تفاعل وتأثير وتأثر ، كما يحصل بين ~~الرطب واليابس ، فلما ذا كانت الحرارة والبرودة فعليتين ، والرطوبة ~~واليبوسة منفعلتين (1)؟! أجيب: بأن السبب في ذلك أمور ستة (2): ### |||| ** السبب الأول : الأضداد لا يجب أن تكون كلها متفاعلة ، فإن الخفة والثقل ضدان ولا يؤثر ثقل ~~الثقيل في خفة الخفيف مع بقاء طبيعته ، بل تغير خفة الخفيف وثقل الثقيل ~~تابع لتغير طبيعة كل منهما. وكذا الرطب إذا خالط اليابس بله ، ولم ينقل ~~اليابس عن يبوسته إلى الرطوبة فإنه لم يثبت ذلك بالبرهان ، وكذا اليابس إذا ~~خالط الرطب نشفه ، فأما أن ينقله عن الرطوبة إلى اليبوسة ، مع بقاء طبيعته ~~، فلم يثبت بالبرهان أيضا. أما الحرارة والبرودة فإن البرهان قائم على ~~انقلاب الحار باردا وبالعكس من غير أن يخالط كل منهما صاحبه ، على ما يأتي ~~إن شاء الله تعالى في باب الكون والفساد. ### |||| ** السبب الثاني : الحار والبارد يفعلان في الرطب واليابس دون العكس ، فإن الحر يفيد الترقيق ~~والرطوبة ، والبرودة تفيد التكثيف واليبس ، فالحرارة والبرودة كل واحدة ~~منهما فاعلة في الأخرى ، وهما فاعلتان في الرطوبة واليبوسة. وأما الرطوبة ~~واليبوسة فليس لواحدة منهما فعل في الأخرى ولا في الحرارة والبرودة ، فلهذا ~~جعلت الحرارة والبرودة فاعلتين دون الرطوبة واليبوسة. ### |||| ** السبب الثالث : لو سلمنا أن بين الرطوبة واليبوسة تفاعلا كما بين الحرارة PageV01P496 # والبرودة ، فإذا أردنا تعريف الحرارة لم نعرفها بفعلها في ضدها ؛ لأنا لا ~~نعقل فعله في ضده إلا بعد تعقل ضده ، وإنما نعقل ضده بفعله فيه ، (1) فيلزم ~~الدور ، بل المعرف للحرارة ms0311 لوازم فعلية ، وهي الصعود إلى الفوق ، والجمع ~~بين المتشاكلات ، والتفريق بين المختلفات. وكذا البرودة بأفعال أخر تضاد ~~تلك الأفعال ، وأما الرطوبة واليبوسة فإنهما نعرفهما بسهولة قبول الأشكال ~~وعدمه ، وهي لوازم انفعالية. فلما عرفنا الحرارة والبرودة باللوازم الفعلية ~~، والرطوبة واليبوسة باللوازم الانفعالية ، جعلنا الأوليين فعلية والأخريين ~~انفعالية. ### |||| ** السبب الرابع : الكيفية لا تكون منفعلة البتة ، بل المنفعل إنما هو الموضوع المستقل بنفسه ~~، والكيفية ليست كذلك ، بل الكيفية قد تكون علة لصيرورة الموضوع مستعدا ~~للانفعال ، وقد تكون علة لصيرورته مستعدا نحو الفعل ، والرطوبة واليبوسة من ~~قبيل الأول ، فسميتا بالانفعاليتين ، والحرارة والبرودة من قبيل الثاني ~~فسميتا بالفعليتين. ### |||| ** السبب الخامس : إذا نسبنا الحرارة والبرودة إلى الرطوبة واليبوسة وجدناهما فاعلتين فيهما ، ~~والرطوبة واليبوسة لا تفعلان فيهما إلا بالعرض ، كالخنق (2) المنسوب إلى ~~الرطوبة ، وذلك إما بسبب أن الرطوبة تجمع الحار على شكل مضاد للطبيعة ، ~~وإما لأن الأرطب (3) الكثير لا ينفعل عن الحار ولا يستحيل إلى المادة ~~الصالحة لحفظ الحرارة فلا يتولد حار بعد حار ، فإذا انفصل الأول لم يعقبه ~~الثاني ، كما يعرض عند كثرة دهن السراج. ### |||| ** السبب السادس : اللمس يتأثر عن الحار والبارد ، ولا يتأثر عن الرطب واليابس إن قلنا إنهما ~~غير محسوستين. PageV01P497 ### ||| ** المسألة الرابعة : في بقايا مباحث الرطوبة واليبوسة : # وهي ثلاثة : ### |||| ** الأول : قيل : الرطوبة جنس لرطوبة الماء ورطوبة الدهن ورطوبة الزيتون وغيرها ، فإن ~~رطوبة الماء مخالفة لرطوبة الدهن ، وهي مخالفة لرطوبة غيرها. ولا دليل لهم ~~على ذلك. وقيل إنها نوع ، وزعم أن الاختلاف إنما هو بسبب اختلاط اليابس ~~والرطب. ولا دليل أيضا عليه. ### |||| ** الثاني : لا شك في التضاد بين الرطوبة واليبوسة ، فإن عدم اجتماعهما معلوم بالضرورة ~~وبينهما غاية التباعد ، لأنهما طرفان. وقيل لهما ضد ثالث. إن منعنا من تكثر ~~ضد الواحد لم يكن لهما ثالث ، وإن سوغناه أمكن ، لكن لا دليل على ثبوته. # لا يقال : الخشونة ضد الرطوبة والملاسة ضد اليبوسة. # لأنا نقول : سيأتي إن شاء الله تعالى أنهما ليستا من باب الكيف الملموس. ### |||| ** الثالث : السيلان عبارة عن حركات توجد في أجسام متفاصلة في الحقيقة متواصلة ms0312 في الحس ~~لدفع بعضها بعضا كالتراب والرمل ، والوجه عدم اشتراط التفاصل فالسيلان غير ~~الرطوبة وغير مشروط بها. PageV01P498 ### | الباب الثالث ### | في اللطافة والكثافة ### ||| * واللزوجة والهشاشة والصلابة واللين # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في اللطافة والكثافة (1) # اللطافة يقال بالاشتراك على رقة القوام (2)، وهي سهولة قبول الأشكال ~~الغريبة وتركها. وعلى قبول الانقسام إلى أجزاء صغيرة جدا (3). وعلى سرعة ~~التأثر من الملاقي (4). وعلى الشفافية (5). والكثافة يقال لمقابلات هذه. # قال الشيخ : التخلخل (6) يشبه اللطيف بالمعنى الأول ، إلا أن التخلخل ~~يستدعي معنى زائدا على الرقة ، وإن كان تابعا لها حتى تكون الرقة تدل عليه دلالة PageV01P499 # الملزوم ، والتخلخل يدل عليه دلالة التضمن ، فإنه يفيد الرقة مع الزيادة ~~في الكم ، حتى لو لم يوجد ذلك كان الأولى بالمعنى اسم اللطافة والرقة. # وفيه نظر ، فإن مفهوم التخلخل الحقيقي ليس إلا «خلع المادة مقدارا ولبسها ~~مقدارا أكبر» وذلك غير مختص في المفهوم بالرقيق وإن كان في الوجود مختصا به ~~في الأكثر. # ويقال التخلخل ، ويراد به تباعد أجزاء الجسم بعضها عن بعض على فرج يشغلها ~~ما هو ألطف منها ، وليس مرادا هنا. # ثم إن اللطيف والمتخلخل بالمعنى الأول غير نافع في الفعل والانفعال إلا ~~بالعرض ، وهما جاريان مجرى الثقل والخفة ، ويكاد أن يتلازما حتى أن كل ما ~~هو أثقل فهو أغلظ وأشد تكاثفا. # وقد يقال (1) تخلخل للانفشاش ، كالصوف المنفوش. ويقال لما إذا صار الجسم ~~إلى قوام أقبل للتقطيع والتشكيل من غير انفعال يقع فيه. ويقال لقبول المادة ~~حجما أكبر. فالأول من الوضع والثاني من الكيف والثالث كم ذو إضافة ، أو ~~إضافة في كم. وقد يظن اتحاد الثاني والثالث. وهو غلط ، فإن النار أشد ~~تخلخلا من الهواء بمعنى زيادة الحجم ، وليس أقبل منه للتشكيل والتقطيع ، ~~فإن الهواء رطب جدا والنار يابسة ، والهواء إذا استحال نارا ازداد حجمه ~~وقلت رقته. # واعترض (2) على قول الشيخ : «إن اللطيف والمتخلخل بالمعنى الأول غير نافع ~~في الفعل والانفعال إلا بالعرض» ، والمعنى الأول هو الرقة التي فسرها ~~بسهولة قبول التقطيع والتشكيل ، وهذا هو الذي فسر الرطوبة به ، فأخرج PageV01P500 # الرطوبة ms0313 من الكيفيات النافعة في الفعل والانفعال ، مع أن مطلوبه في هذا ~~الفصل إثبات ذلك. # وأيضا حكم بكون الثقل والخفة لازمين للكثافة واللطافة بهذا المعنى حتى أن ~~كل أخف ألطف بمعنى رقة القوام وقبول التقطيع والتشكيل ، وهذا هو الرطب عنده ~~، فتكون النار أرطب الأجسام. # وأيضا حكم أولا «بأن الرقة تدل على التخلخل دلالة الملزوم على اللازم ~~والتخلخل يدل على اللطيف دلالة التضمن» ، وهو يناقض قوله في المقولات : إن ~~الرقة قد توجد بدون الزيادة في الحجم كالنار تصير هواء ، فإنه يزداد رقته ، ~~وينقص مقداره. # فالحق أن يقال : المراد من سهولة قبول الأشكال الرقة واللطافة ، ومن ~~الرطوبة سهولة الالتصاق بالغير وسهولة الانفصال. والكثافة هي صعوبة قبول ~~الأشكال. ومعلوم أن اللطافة غير نافعة في الفعل والانفعال إلا بالعرض من ~~حيث لا تمنع من الاختلاط بالغير. والرطوبة بمعنى سهولة الالتصاق نافعة ، ~~لأنها تفيد الاجتماع عن التشتت. ### ||| ** المسألة الثانية : في اللزوجة والهشاشة والبلة والجفاف (1) # قد عرفت أن اللزوجة (2) هي «الكيفية التي بها يسهل الالتصاق والاتصال ، ~~ويعسر الانفصال والتفريق ، بل يمتد بها الشيء متصلا» ، فهي كيفية مزاجية لا PageV01P501 # بسيطة ، بل مركبة من رطب ويابس شديدة الالتحام فإدعانه (1) من الرطب ~~واستمساكه من اليابس ، فقد تحصل اللزوجة من مزج التراب بالماء وجمعها بالدق ~~والتخمير حتى يشتد المزاج. # وأما الهشاشة : فهي «كيفية مزاجية أيضا ، يصعب بها التشكل ويسهل التفريق» ~~لغلبة اليابس وقلة الرطب وضعف المزاج. # والبلة هي «الرطوبة الجارية على ظاهر الجسم الحاصلة من الغير» ، فإن ~~الرطب هو الذي تقتضي صورته النوعية كيفية الرطوبة ، والمبتل ليس كذلك ، بل ~~جاوره جسم كذلك. والانتقاع هي «الرطوبة الحاصلة من الغير ، النافذة في عمق ~~المجاور». والجفاف «عدم البلة فيما من شأنه أن يبتل». ### ||| ** المسألة الثالثة : في الصلابة واللين والخشونة والملاسة # قد يغلب على ظن جماعة أن الصلابة واللين من باب الكيفيات الملموسة (2)، ~~وليس كذلك (3). فإن اللين «كيفية تقتضي قبول الغمر (4) إلى الباطن ، ويكون ~~للشيء بها قوام غير سيال فينتقل عن وضعه ، ولا يمتد كثيرا ، ولا يتفرق ~~بسهولة. وإنما يكون قبوله للغمر من الرطوبة وتماسكه ms0314 من اليبوسة» (5) فهنا ~~أمور ثلاثة : PageV01P502 ### |||| ** الأمر الأول : الحركة الحاصلة في سطحه المقارنة لحدوث شكل التقعير. ### |||| ** الأمر الثاني : التشكل بشكل التقعير. ### |||| ** الأمر الثالث : استعداد قبول الانغمار. # والأول من باب الحركة والثاني من الكيفيات المختصة بالكميات. وهما ~~محسوسان بالبصر بخلاف اللين. فلم يبق إلا الأخير ، وهو أن كون الشيء لينا ~~عبارة عن كونه مستعدا لقبول ذلك الانغمار استعدادا تاما. وكذا الصلب قيل : ~~هو الذي لا ينغمر ، وهناك أيضا أمور ثلاثة : ### |||| ** الأمر الأول : عدم الانغمار. ### |||| ** الأمر الثاني : بقاء الشكل. ### |||| ** الأمر الثالث : المقاومة. # وليست الصلابة هي الأول ، لأنه عدمي. ولا الشكل الباقي ، لأنه من ~~الكيفيات المخصوصة بالكميات. ولا المقاومة المحسوسة ، فإن الهواء الذي في ~~الزق المنفوخ فيه مقاومة ، وليست فيه صلابة ، لأن الهواء لم يصلب ، ولا ~~ينعقد أصلا ، وكذا الرياح. بل الصلابة هي الاستعداد الطبيعي الذي في ذلك ~~الشيء نحو اللاانفعال ، وظاهر أن الاستعداد الشديد نحو الانفعال ~~واللاانفعال غير محسوسين ، فالصلابة واللين ليستا من الكيفيات المحسوسة (1). # وأما الخشونة فهي عبارة عن «اختلاف وضع الأجزاء في ظاهر الجسم ، بأن PageV01P503 # يكون بعضها ناتئا (1) وبعضها غائرا» وهذا من باب الوضع. والملاسة (2) ~~«استواء الأجزاء في الوضع» (3) فهما من باب الوضع لا من باب الكيف الملموس. # وأيضا إنهما لا يحس بهما إلا بواسطة المقادير والحركات والأشكال ، ومع ~~ذلك فإنهما لا تفعلان في الحس تأثيرا من جهة نفس الحال العارضة لأجزائها ~~مطلقا الذي هو الوضع ، بل لأمر آخر هو صلابة أو رخاوة أو حرارة أو برودة ، ~~فهما إذن خارجتان عن الكيف وعما يكون محسوسا ، لكن الأوائل عدوهما من ~~الكيفيات (4)، ويمكن أن يكون الوضع مبدأهما. PageV01P504 ### | الباب الرابع ### | في الثقل والخفة # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في مغايرتهما للحركة وللقوة المحركة # هاهنا ميل (1) يكون الجسم به مدافعا لما يمنعه من الحركة إلى جهة ما. ~~ومدافعته محسوسة إما نحو الفوق وهو الخفة ، أو نحو السفل وهو الثقل مغايرة ~~للحركة وللقوة المحركة ، لأن (2) الزق المنفوخ إذا حبس تحت الماء قسرا ، ~~والحجر الموضوع على اليد ، يحس منهما مدافعة نحو الفوق والسفل ، والحركة ~~غير موجودة. فالميل الصاعد ms0315 غير الحركة إلى فوق ، والميل الهابط غير الحركة ~~إلى أسفل. # وأيضا (3) المدافعة قد تكون نفسانية ، كما إذا اعتمد انسان على انسان PageV01P505 # بحيث لا يتمكن أحدهما من الحركة ، فقد وجد الميل دون الطبيعة المحركة ~~ولأن الجسم في حيزه الطبيعي يكون عديم الميل ؛ لأنه لا يميل عنه وإلا لكان ~~الطبيعي متروكا بالطبع ولا إليه لأنه موجود فيه مع أن طبيعته موجودة ، ~~فتكون الطبيعة مغايرة للميل. ولأن الطبيعة جوهر ، فلا تكون قابلة للشدة ~~والضعف ، والمدافعة تقبل الشدة والضعف ، فتغايرا. ### ||| ** المسألة الثانية : في أن الميل هل هو نفس هذه المدافعة أو علتها (1) # فيه خلاف بين الأوائل ، فقال بعضهم إنهما متغايران ؛ لأن الحلقة التي ~~يجذبها جاذبان متساويان تقف في الوسط ، فكل واحد منهما قد فعل فعلا معوقا ~~لفعل الآخر ، وليس ذلك هو المدافعة ؛ لأنها ليست موجودة البتة ، ولا قوة ~~الجاذب الآخر ، لأنها لا تستند إليه ، ولأنه إن لم يفعل في المجذوب فعلا لم ~~يصر مجرد قوته عائقا لأن يفعل فيه غيره فعلا ، فإذن قد فعل كل منهما فعلا ~~غير المدافعة. ولا شك أن الذي فعله كل منهما لو خلا عن المعارض لاقتضى ~~انجذاب الحلقة إليه ، فثبت وجود شيء لو خلا عن المعاوق لاقتضى الدفع إلى ~~جهة مخصوصة ، وليس نفس الطبيعة ؛ لأنها تحرك إما إلى فوق أو إلى أسفل ، ~~والذي فعله المتجاذبان غير ذلك. فإذن هذه المدافعة لها علة غير الطبيعة ~~وغير القوة النفسانية. ### ||| ** المسألة الثالثة : في تعريفهما # قال في الحدود : الثقل «قوة طبيعية يتحرك بها الجسم إلى الوسط بالطبع» PageV01P506 # والخفة «قوة طبيعية يتحرك بها الجسم عن الوسط بالطبع» (1). # قيل (2): المركز نقطة يمتنع حصول الجسم بالكلية فيها ؛ لاستحالة حلول ~~المنقسم في الجهات الثلاثة الطويل العريض العميق في شيء وضعي غير منقسم ، ~~وإذا امتنع حلول الجسم في النقطة استحال طلبه للحصول فيها. # وأجيب : بأن معنى (3) الثقيل ليس أن يحصل في المركز ، بل أن ينطبق مركز ~~ثقله على مركز العالم ، وحين صار ملاقيا سطحه مركز العالم فإنه لا يقف هناك ~~، بل يتحرك وينزل إلى أن ينطبق مركزه على ms0316 مركز العالم إذا لم يعقه عائق. ~~ونعني بمركز الثقل النقطة التي يتعادل ما على جوانبها. # واعترض أيضا : بأن قوله «بالطبع» تكرار ؛ لأن الطبيعة تغني عنه. # وأجيب : أن قوله «بالطبع» صفة الوسط ، فإن منه ما هو وسط بالطبع ، وهو ~~مركز المحدد. ومنه ما ليس بوسط بالطبع ، وهو مركز الأفلاك الخارجة المراكز ~~، فإن لكل واحد منها وسطا تكون حركته عليه ، وليس وسطا بالطبع ، بل بالنسبة ~~إليه خاصة. # واعلم أنه كما يقال : «ثقل» لهذه القوة الطبيعية التي يتحرك بها الجسم ~~إلى حيث ينطبق مركز ثقله على مركز العالم أعني الميل ، كذا يقال على ~~الطبيعة المقتضية له ، وعلى المدافعة الحاصلة ، بالاشتراك ، وكذا الخفة. ~~لكن قولنا في التعريف : الثقل قوة طبيعية ، يتناول قوة منسوبة إلى الطبيعة ~~، فهي تكون مغايرة لها لا محالة ، فهذا الرسم حينئذ لا يتناول إلا الميل ، ~~سواء قلنا : الميل نفس هذه المدافعة أو علتها. PageV01P507 ### ||| ** المسألة الرابعة : في الحاجة إلى الميل # قال أفضل المحققين : المحرك إنما يحرك بتوسط الميل. وسبب احتياجه إليه أن ~~الحركة لا تخلو عن حد ما من السرعة والبطء ؛ لأن كل حركة إنما تقع في شيء ~~ما يتحرك فيه المتحرك، مسافة كان أو غيرها ، وفي زمان ما. وقد يمكن أن ~~يتوهم قطع تلك المسافة بزمان أقل من ذلك الزمان فتكون الحركة أسرع من ~~الأولى ، أو بأكثر منه فتكون أبطأ منها. فإذن الحركة لا تنفك عن حد ما من ~~السرعة والبطء ، والمراد منهما شيء واحد بالذات ، وهذه كيفية قابلة للشدة ~~والضعف ، وإنما يختلفان بالإضافة العارضة لهما ، فما هو سرعة بالقياس إلى ~~شيء فهو نفسه بطء بالقياس إلى آخر. # ولما كانت الحركة ممتنعة الانفكاك عن هذه الكيفية ، وكانت الطبيعة التي ~~هي مبدأ الحركة شيئا لا يقبل الشدة والضعف ، وكانت نسبة جميع الحركات ~~المختلفة بالشدة والضعف إليها واحدة ، وكان صدور حركة معينة منها دون ما ~~عداها ممتنعا لعدم الأولوية فاقتضت أولا أمرا يشتد ويضعف بحسب اختلاف الجسم ~~ذي الطبيعة في الكم ، أعني : الكبر والصغر ، أو الكيف ، أعني : التخلخل ~~والتكاثف ، أو الوضع ، أعني : اندماج ms0317 الأجزاء وانفشاشها (1)، أو غير ذلك. ~~وبحسب ما يخرج عنه (2) كحال ما فيه الحركة من رقة القوام وغلظه ، وذلك ~~الأمر هو الميل ، ثم اقتضت بحسبه الحركة. # ولما كان هو السبب القريب للحركة انقسم بانقسامها ، فمنه ما يحدث من PageV01P508 # طباع المتحرك إما أن تحدثه الطبيعة ، كميل الحجر عند هبوطه ، أو النفس ~~كميل النبات عند بروزه من الأرض ، والحيوان عند اندفاعه الإرادي أو يحدثه ~~القاسر الخارج من الجسم كميل السهم عند انفصاله عن القوس (1). # وفيه نظر ، فإنا نقول : إن كانت الطبيعة في اقتضائها للحركة القابلة ~~للشدة والضعف مفتقرة إلى توسط لثباتها وعدم ثبات الحركة باعتبار قبولها ~~للشدة والضعف ، نقلنا الكلام إلى ذلك المتوسط ، فإنه إن كان قابلا للشدة ~~والضعف امتنع صدوره عن الطبيعة الثابتة ، وإن لم يكن قابلا للشدة والضعف ~~امتنع صدور الحركة عنه. ### ||| ** المسألة الخامسة : في أقسام الميل (2) # لما كان الميل مبدأ قريبا للحركة انقسم بانقسامها. ولما انقسمت الحركة ~~إلى الطبيعية والإرادية والقسرية ، وأيضا إلى المستقيمة والمستديرة ، وكذلك ~~باقي أقسامها ، انقسم الميل أيضا إلى تلك الأقسام. فالطبيعي منه ما تحدثه ~~الطبيعة ، والإرادي منه ما تحدثه النفس ، والقسري ما يحدثه القاسر. والميل ~~المستقيم ما تقتضي الحركة المستقيمة ، والمستدير ما تقتضي المستديرة. وكما ~~وجد في الحركة تضاد ، كذا يوجد فيه تضاد أيضا. وكما أمكن تركب الحركات ، ~~كذا أمكن تركب الميول. # واعلم أن الأجسام تختلف في قبول الميل والامتناع عن ذلك بحسب الأمور ~~الذاتية وغيرها. فالاختلاف الذاتي هو الذي يكون بحسب قوة الميل الطباعي ~~وضعفه ، وهو أن يكون الأقوى بحسب الطباع كالحجر العظيم أكثر امتناعا PageV01P509 # من قبول القسري ، والأضعف أقل امتناعا. وما عدا هذا اختلاف يكون بالأسباب ~~الخارجة، ككون الأضعف أكثر امتناعا ، إما لعدم تمكن القاسر منه كالرملة ~~الصغيرة ، أو لعدم تمكنه من دفع الموانع كالتبنة ، أو لتخلخله الذي لأجله ~~تتطرق إليه الموانع بسهولة كالريشة ، أو لغير ذلك. # ولما كانت الحركة توجها إلى جهة ، وكانت الحقيقة منها اثنتين (1) وهما ~~الفوق والسفل ، وكان الميل منقسما بانقسام الحركة ، كان الميل الطبيعي إما ~~يتوخى جهة الفوق وهو الخفة ms0318 ، أو السفل وهو الثقل (2). # والثقيل منه ما هو مطلق (3) وهو الراسب تحت الأجسام بأسرها ، وفي طباعه ~~أن يتحرك إلى غاية البعد عن المحيط إلى المركز ، وهو الأرض. ومنه ما هو ~~مضاف وله معنيان : ### |||| ** أحدهما : الذي في طباعه أن يتحرك في أكثر المسافة الممتدة بين المركز والمحيط حركة ~~إلى المركز لكنه لا يبلغ المركز. ### |||| ** والثاني : الذي إذا قيس إلى الأرض كانت الأرض سابقة له إلى المركز ، فهو عند المركز ~~خفيف وثقيل بالإضافة. # وكذا الخفيف منه مطلق ، وهو الذي في طباعه أن يتحرك إلى غاية البعد عن ~~المركز ، ويقتضي طبعه أن يقف طافيا بحركته فوق الأجرام كلها من الأجرام ~~العنصرية. والخفيف بالإضافة له معنيان : PageV01P510 ### |||| ** أحدهما : الذي في طباعه أن يتحرك في أكثر المسافات الممتدة بين المركز والمحيط حركة ~~إلى المحيط لكنه لا يبلغ المحيط. # وقد يعرض له أن يتحرك عن المحيط ، ولا يكون تانك الحركتان متضادتين خلافا ~~لبعضهم ؛ لأنهما تنتهيان إلى نهاية واحدة ، وهذا مثل الهواء ، فإنه يرسب في ~~النار ويطفو على الماء. ### |||| ** والثاني : الذي إذا قيس إلى النار نفسها كانت النار سابقة إلى المحيط ، فهو عند ~~المحيط ثقيل وخفيف بالإضافة. وهذا الوجه يقرب من الأول وليس به ، فبهذا ~~الاعتبار يشارك النار ، لكنه يتخلف عنه ، وبالاعتبار الأول (1) لا يريد من ~~المحيط ما تريده النار. ### ||| ** المسألة السادسة : # الميل الطبيعي لا يوجد في الجسم عند كونه في الحيز الطبيعي (2)، لأن ~~الميل هو المدافعة ، والمدافعة تلزمه الحركة لو لا المانع ، فلو كان في ~~الجسم الحاصل في حيزه الطبيعي مدافعة لوجب تحركه عند لو لا المانع ، وهو ~~محال إن كانت المدافعة عنه ، وإلا لكان المطلوب بالطبع متروكا بالطبع ، وهو ~~محال. وإن كانت إليه فهو محال ؛ لأنه حاصل فيه ، فلو طلبه لكان طالبا ~~لتحصيل الحاصل ، وهو محال. PageV01P511 # لا يقال : الثقيل يمتنع خلوه عن هذه المدافعة على ما ذكرتموه ، لاستحالة ~~حصوله في حقيقة المركز ، بل يكون أبدا خارجا عنه فتكون المدافعة بالفعل حاصلة. # لأنا نقول : قد بينا أن المطلوب للثقيل انطباق مركز ثقله على مركز ~~العالم. ثم ذلك ms0319 الثقيل إن كان ذا أجزاء بالفعل كان لكل منها حظ من الثقل لا ~~محالة فيكون كل واحد من أجزائه طالبا للحالة المذكورة ، فلا يكون الواجد ~~لهذه الحالة إلا جزءا واحدا من تلك الأجزاء ، فيكون في كل جزء غيره مدافعة ~~موجودة بالفعل. وإن كان عديم الأجزاء ، فإذا انطبق مركز ثقله على مركز ~~العالم فذلك الجسم حينئذ لا توجد فيه المدافعة ؛ لأنها لو وجدت لكانت إما ~~في كل ذلك الجسم أو في أجزائه ، والأول محال ؛ لأن كليته طالبة لتلك الحالة ~~فيستحيل أن يوجد فيها طلب الخروج عنها. والثاني محال ؛ لأنا قد فرضناه عديم ~~الجزء ، وإذا لم يكن له جزء لم يثبت لجزئه ميل ، فثبت خلو الجسم حينئذ عن الميل. # والحجر المفصول عن الأرض يحس بثقله ، لا لأنه ليس في مركز العالم ، بل ~~لأنه لا ينطبق مركزه على مركز العالم ، فإذا اتصل بالأرض بالفعل صار مكانه ~~الطبيعي جزء مكان الأرض. ### ||| ** المسألة السابعة (1): # قد جرى للشيخ اضطراب كلام في الشفاء في اجتماع الميلين ، فتارة جوز وتارة ~~منع. فقال في بيان وجوب السكون بين الحركتين المتضادتين : «ولا تصغ إلى قول ~~من يقول إن الميلين يجتمعان ، فكيف يمكن أن يكون شيء فيه بالفعل مدافعة إلى ~~جهة ، وفيه بالفعل التنحي عنها ، ولا تظن أن الحجر المرمي إلى فوق فيه ميل إلى PageV01P512 # أسفل البتة ، بل مبدأ من شأنه أن يحدث ذلك الميل إذا زال العائق» (1). # وقال في الحركة القسرية : «إن سببها قوة يستفيد المتحرك من المحرك تثبت ~~فيه مدة إلى أن تبطلها مصاكات كانت تصطك عليه مما يماسه وتنخرق به ، فكلما ~~ضعفت بذلك قوى عليه الميل الطبيعي والمصاكة ، فمضى المرمي نحو جهة ميله ~~الطبيعي» (2). # فقوله : «قوى عليه الميل الطبيعي» مشعر بأن الميل الطبيعي موجود مع الميل ~~القسري. # والوجه في الجمع بين كلاميه أنه أراد في الأول بالميل : نفس المدافعة ؛ ~~لأن قوله : «كيف يكون في الشيء مدافعة إلى جهة والتنحي عنها» عند طلب بيان ~~امتناع اجتماع الميلين ، يدل على أن الميل المدافعة لا علتها ، إذ لو كان ~~الميل عبارة ms0320 عن علة المدافعة لأمكن أن يجتمعا ، ولا يقتضيان المدافعتين ، ~~كما أنه لا منافاة بين القوة الطبيعية والقوة الفاعلية للحركة القسرية. ~~وأراد في الثاني بالميل : علة تلك المدافعة. # فالحاصل : أن الضرورة قاضية بامتناع اجتماع المدافعتين. أما إذا كانت ~~طبيعيتين فظاهر ؛ لامتناع اقتضاء الطبيعة الواحدة المتنافيين ، وامتناع ~~اجتماع طبيعتين مختلفتين في بسيط واحد. وإن كانت احداهما طبيعية والأخرى ~~قسرية لما عرف من أن المدافعة إلى جهة تقتضي التوجه إليها. والحس دل على أن ~~الحجر الصاعد ليس فيه مدافعة نحو السفل أصلا ، فإن من مسه لا يحس منه ~~بمدافعة نحو السفل (3). PageV01P513 # وفيه نظر ، لأن المدافعة لو لم تكن موجودة لما كانت حركته أبطأ مما لو ~~فرض أسرع منه ، وإنما لا يحس بها لغلبة المدافعة القسرية عليها. # لا يقال : الميل عندكم موجود آن الوصول ، وليس هناك مدافعة ، فإذن لا ~~يلزم من عدم المدافعة عدم الميل. # لأنا نقول : بل المدافعة موجودة في ذلك الآن ، لأنه لو كان في ذلك الحيز ~~جسم آخر اندفع به في ذلك الآن. # احتج من جوز الاجتماع (1): بأن الحجرين المرميين من يد واحدة في مسافة ~~واحدة بقوة واحدة ، يختلفان بالسرعة والبطء إذا اختلفا في المقدار ، ولا ~~سبب لاختلافهما إلا كثرة الميل في الكبير وقلته في الصغير. # وأجيب : بإمكان اسناد الاختلاف إلى الطبيعتين ، فإن الطبيعة قوة سارية في ~~الجسم منقسمة بانقسامه ، ففي الصغير أقل مما في الكبير ، وهي معوقة للحركة ~~القسرية ، فكان الأكبر أبطأ. # قال أفضل المحققين : لما كان الميل هو السبب القريب للحركة ، وكان من ~~الممتنع أن يتحرك الجسم إلى جهتين مختلفتين معا بالذات لاقتضاء كل حركة ~~منهما التوجه إلى مقصد غير مقصد الأخرى ، ويلزمه عدم التوجه إلى غير ذلك ~~المقصد ، والحركتان المختلفتان معا يلزمهما التوجه وعدمه إلى كل واحد من ~~المقصدين معا ، ويمتنع أن يقتضي الشيء شيئا وعدمه معا. فكان من الممتنع ~~وجود ميلين مختلفين في جسم واحد بالفعل ، بل كما يجوز اجتماع حركتين في جسم ~~واحد إحداهما بالذات والأخرى بالعرض ، كالمتحرك في السفينة تحركه السفينة ~~تارة وبنفسه أخرى ، كذا ms0321 يوجد ميلان أحدهما ذاتي والآخر عرضي ، كحجر يحمله ~~إنسان يمشي PageV01P514 # فإنه يحس بثقله ، وهو ميله بالذات ، وينخرق (1) منه الهواء وهو ميله ~~بالعرض. # فإذا طرأ على جسم ذي ميل طبيعي بالفعل ميل قسري تقاوم القاسر والطبيعة ، ~~فإن غلب القاسر حدث ميل قسري وبطل الطبيعي. ثم تأخذ الموانع الخارجية ~~والطبيعة معا في إفنائه قليلا قليلا ، وتقوى الطبيعة بحسب ذلك ، ويأخذ ~~الميل القسري في الانتقاص وقوة الطبيعة في الازدياد إلى أن تقاوم الطبيعة ~~الباقي من الميل القسري فيبقى الجسم عديم الميل. # ثم تجدد الطبيعة ميلها مشوبا بآثار الضعف الباقية فيها ، ويشتد الميل ~~بزوال الضعف ويكون حكمها حكم الممتزجين ، فإن الماء الحار لا يجتمع فيه ~~حرارة وبرودة معا ، بل يكون متكيفا بكيفية متوسطة بين غايتين الحرارة ~~الغريبة والبرودة الذاتية ، تارة أميل إلى هذه وتسمى حرارة ، وتارة أميل ~~إلى تلك وتسمى برودة ، وتارة متوسطة بينهما ولا تسمى باسمهما ، وذلك بحسب ~~تفاعل الحرارة العارضة والطبيعة المبردة. كذا الميلان لا يجتمعان في الجسم ~~على حد الصرافة ، بل يكون أبدا ذا حال بين الميل القسري الشديد والطبيعي ~~الشديد ، تارة يسمى بالميل المنسوب إلى القسر ، وتارة بالمنسوب إلى الطبع ، ~~وتارة بعدمهما معا ، وذلك بحسب تفاعل الميل القسري والطبيعة. فكما كان فعل ~~الطبيعة المائية عند وجود العرض الذي تقتضيه وهو البرودة حفظه ، وعند وجود ~~ما يضاده كالحرارة إفنائه ، وعند الخلو منهما ايجاد البرودة ، كذا فعل ~~الطبيعة في الجسم ما دام مفارقا لحيزه عند وجود الميل المنبعث عنها حفظه، ~~وعند وجود ميل غريب يخالفه إفنائه ، وعند خلو الجسم عن الميل إيجاد الميل ~~الطبيعي (2). # وفيه نظر ، لأنه إن عنى بالسبب القريب التام ، منعنا كون الميل كذلك ، PageV01P515 # وكيف وللحركة أسباب مادية وغائية وفاعلية؟! وإن عنى به مطلق السبب الذي ~~لا يتوسط بينه وبين معلوله علة أخرى مستقلة ، سلمناه ، لكن لا يلزم من وجود ~~هذا السبب وجود مسببه ، فلا يلزم من اجتماع الميلين إلى جهتين اجتماع ~~الحركتين إليهما. # وأيضا نمنع عدم اجتماع الحركتين ، فإن الحركات المركبة إنما تتحقق ~~باجتماع حركتين فإن اتحدت الجهتان حصلت ms0322 سرعة فيها زائدة على البسيطين ، وإن ~~تضادتا فإن تساويا في السرعة والبطء حصل للمتحرك مع حركته وتحريكه وقوف. ~~وإن غلبت إحداهما ظهر الفصل في جهتهما. وإن اختلفتا حصلت حركة مركبة بين ~~المقصدين. نعم الحركتان بالذات لا يمكن اجتماعهما كما ذكر. ### ||| ** المسألة الثامنة : في اجتماع الميلين مع اتحاد الجهة # اعلم أن الطبيعة إذا كانت خالية عن المعاوق الداخلي والخارجي وكان لها ~~أثر قابل للشدة والضعف فإنها توجد ذلك الأثر أشد ما يكون وأقصى الممكن من ~~ذلك المعلول. # وإذا تقرر هذا فنقول : إذا اقتضت الطبيعة ميلا إلى جهة ، ولا عائق لها ~~كالحركات الفلكية حيث لا عائق لها ولا مانع من الموانع الخارجية والداخلية ~~غير مقتضى صورها النوعية، وكالعناصر لو قدرنا خلاء العالم لم يمكن أن يحصل ~~لها ميل آخر غريب إلى تلك الجهة ؛ لأنه لا يؤثر شيئا حيث استوفت الطبيعة كل ~~الممكن وبلغت الغاية التي هي الطرف في الشدة. # لكن قد اعترض هنا باعتراض واقع (1)، وهو أن كل نوع من مراتب الأشد PageV01P516 # والأضعف مخالف لغيره من تلك المراتب أضعف منه أو أشد مخالفة نوعية ، فجاز ~~أن تقتضي الطبيعة نوعا من تلك المراتب ، ولا تقتضي باقي الأنواع ، وظاهر ~~أنه كذلك ، لأن تلك الأنواع متضادة متعاندة ؛ لدخولها تحت جنس آخر ، مع ~~قبولها الشدة والضعف. والطبيعة الواحدة بالشخص يستحيل أن يتعدد مقتضاها ~~بالشخص ، فضلا عن تعدده بالنوع ، فلا يلزم أن تقتضي أقصى الممكن وهو الطرف. # لكنا نحن نقول : هذا الفرض الذي ذكرتموه غير ممكن عندكم ؛ لأن تلك الحركة ~~إذا خلت عن الموانع الخارجية والداخلية فوجب أن تقع لا في زمان ، وإلا لو ~~وجدت في زمان أمكن فرض وقوع تلك الحركة من تلك العلة أو من غيرها في نصف ~~ذلك الزمان ، فيكون هذا أسرع مما فرض أنه البالغ إلى النهاية في السرعة ، ~~وهو محال. ووقوع الحركة لا في زمان منقسم محال عندكم. # أما إذا كان الجسم معارضا بما يدفعه مثل الحجر الهاوي ، فإن الهواء ~~يقاومه ، ويحصل له باعتبار تلك المقاومة فتور وبطء ، فأمكن أن يحصل مع ms0323 ذلك ~~الميل الطبيعي ميل آخر غريب ، وتكون الحركة عند ذلك أسرع مما توجد عن الميل ~~الطبيعي وحده ، كما إذا دفعنا الحجر الهابط دفعا قويا ، فإن حركته تكون ~~أسرع مما لو تحرك بطبيعته لا غير. ### ||| ** المسألة التاسعة : في إثبات الميل (1) # اعلم أن الجسم القابل للحركة القسرية لا يخلو عن مبدأ ميل بالطبع. ~~وبالجملة فإن الجسم الخالي عن الميل لا يمكن أن يتحرك بالقسر ؛ لأن الجسم إذا PageV01P517 # فرضناه خاليا عن المعاوق الطبيعي وحركه القاسر مسافة ما في زمان ما ، ~~وفرضناه ممنوا (1) بالعائق الطبيعي متحركا تلك المسافة بعينها عن ذلك ~~المحرك بعينه ، فإنه يتحركها لا محالة في زمان أطول لامتناع أن تكون الحركة ~~مع المعاوق كهي لا مع المعاوق. ثم لنفرض ذلك المتحرك يتحرك تلك المسافة عن ~~ذلك المحرك مع معاوقة أقل من المعاوقة الأولى على نسبة الزمانين ، فإنه ~~يقطعها لا محالة في زمان مساو لزمان عديم المعاوقة ، وذلك يستلزم تساوي ~~الحركة مع العائق والحركة لا معه ، إلا أن نجعل حركة عديم المعاوقة لا في ~~زمان ، بل في آن ، وهو محال. # واعلم (2) أن الحركة لا بد لها من كيفية ما هي سرعة أو بطء لا توجد عند ~~الحكماء منفكة عنهما. والحركة تنقسم إلى نفسانية وغير نفسانية ، والنفسانية ~~تحدد النفس حالها من السرعة والبطء المتخيلين لها بحسب الملائمة ، وينبعث ~~عنها الميل بحسبها ، ومن الميل تتحصل الحركة السريعة والبطيئة. # وأما غير النفسانية وهي التي مبدؤها طبيعة أو قسر فتحتاج إلى ما يحدد ~~حالها تلك ، إذ لا شعور هناك بالملائمة وغيرها. فهي بحسب ذاتها تكاد تحصل ~~في غير زمان لو أمكن ، وإذ لم يمكن فلا بد لها من أمر يحدد لها ميلا ~~يقتضيها (3)، وحالا تتحدد بها ، ولا يتصور ذلك إلا عند تعاوق بين المحرك ~~وغيره فيما يصدر عنهما ؛ لأن الطبيعة لا يتصور فيها من حيث ذاتها تفاوت ، ~~والقاسر إذا فرض على أتم ما يمكن أن يكون لا يقع أيضا بسببه تفاوت ، والميل ~~في ذاته مختلف ، فالتفاوت الذي بسببه يتعين الميل وما يتبعه أعني الحد ~~المذكور من ms0324 السرعة والبطء يكون بشيء آخر ، إما خارج عن المتحرك أو غير خارج ~~عنه ، وهو المسمى PageV01P518 # بالعائق. والخارج اختلاف رقة ما يتحرك فيه كالهواء والماء وغلظه الحاصلين ~~في مسافة المتحرك المعاوقين له عن الحركة أو شدتها. وغير الخارج فإنه لا ~~يمكن أن يعاوق الحركة الطبيعية، لأن ذات الشيء لا يمكن أن تقتضي شيئا ~~ويقتضي ما يعوقه عن اقتضائه ذلك ، بل إنما يتصور المعاوقة هنا في الحركة ~~القسرية ، وهو إما الطبيعة أو هو النفس اللتان هما مبدءا الميل الطباعي ، ~~فإذن يلزم من ارتفاع هذين المعاوقين ، أعني : الخارجي والداخلي ، ارتفاع ~~السرعة والبطء من الحركة ، ويلزم منه انتفاء الحركة. # ولهذا استدل الحكماء بأحوال هاتين الحركتين تارة على امتناع عدم معاوق ~~خارجي ، فبينوا امتناع وجود الخلاء ، وتارة على وجوب وجود معاوق داخلي ~~فاثبتوا مبدأ ميل طبيعي في الأجسام التي يجوز أن تتحرك قسرا. # ووجه الاستدلال في المسألتين واحد ، وهو أن اختلاف المعاوقة لما كان ~~مقتضيا (1) لاختلاف السرعة والبطء كانت المعاوقة القليلة بإزاء السرعة ~~والكثيرة بإزاء البطء. وكانت نسبة المعاوقة إلى المعاوقة في القلة والكثرة ~~، كنسبة المسافة إلى المسافة فيهما على التكافؤ ، أعني : القلة في إحداهما ~~بإزاء الكثرة في الأخرى ، وكنسبة الزمان إلى الزمان على التساوي ، أعني ~~القلة بإزاء القلة والكثرة بإزاء الكثرة. # وإذا ثبت هذا فلنفرض متحركا عديم المعاوقة يقطع مسافة ما في زمان ، وآخر ~~مع معاوقة ما يقطعها ، ويكون لا محالة في زمان أكثر ، وثالثا مع معاوقة أقل ~~من الأول على نسبة الزمانين ، فإنه يقطعها في زمان مساو لزمان عديم ~~المعاوقة ، ويلزم من ذلك الخلف ، لتساوي وجود المعاوقة وعدمها. وقد تقدم ~~الاستدلال بهذا في الخلاء وإثبات الميل معا مفصلا. PageV01P519 # اعترض (1) بأن نسبة أثر المؤثر الضعيف إلى أثر القوي ربما لا يكون ~~كنسبتهما ، ولا يكفي انقسام قوى الجسم بانقسامه ، لأن القوة المؤثرة إنما ~~تتحصل عند اجتماع الأجزاء ، ولا تتوزع عليها ، بل تنعدم عند التجزئة. # وأيضا فإن دل ذلك على احتياج الحركة القسرية إلى معاوق ، فقد دل على ~~احتياج الطبيعية إليه يعني ما ذكرتم وهو «أنا ms0325 نفرض الجسم يتحرك بطبعه مسافة ~~ما من غير معاوقة خارجية ولا داخلية ، ثم نفرضه متحركا بطبعه مع معاوقة ما ~~تلك المسافة بعينها (2)، فإنه يتحركها في زمان أطول ، ثم نفرضه متحركا ~~بطبعه مع معاوقة أقل من الأول بنسبة الزمانين ، فتكون حركته مع المعاوقة ~~القليلة كحركته مع عديم المعاوقة». فيلزم أن يكون في الأجسام الطبيعية ~~مبدءان لميلين متخالفين ، يعوق كل واحد منهما الآخر. فإن قلتم : معاوقة ~~القوام كافية هناك. قلنا : فلتكن أيضا كافية في القسر. # وأيضا يلزم مما ذكرتم من الدليل أن يكون في الفلك معاوق له لأنه مستمر في ~~الجميع. # أجاب أفضل المحققين : بأن من القوى الجسمانية ما يحل في موادها وينقسم ~~بانقسامها ، فيتساوى الجزء والكل فيها ، وهي كالصور والطبائع ، ومنها ما ~~يحل في جملة منها ولا ينقسم بانقسام الجملة كالقوة الحيوانية ، فإن الجزء ~~من الحيوان لا يكون حيوانا ، وما نحن فيه من الصنف الأول. والاعتراض ~~بالممنوع عن التأثير بسبب الصغر غير وارد ، لأنه بسبب مانع خارجي ، وقد ~~اشترط في الفرض المذكور عدم الموانع الخارجية. وأما الحركة الطبيعية فقد ~~حكمنا باحتياجها إلى PageV01P520 # معاوق ، ولا يلزم من الحجة المذكورة أن يكون المعاوق داخل الجسم ، بل هو ~~محال في الطبيعية كما مر ، فهو هناك من خارجه. فإذن معاوقة القوام كافية ~~هناك ، وأما القسرية فلا؛ لأن الحجة بعينها قائمة مع فرض التساوي في ~~القوام. # وأما الفلكيات فلا يلزمها ذلك لما بينا من الفرق (1). # وفيه نظر ، لأنا نسلم انقسامها بانقسام المحل ، لكن سيأتي عدم بقاء ~~الصورة النوعية زمانا عند تصغيره فكيف تكون مؤثرة. ولا يمكن هذا الشرط في ~~هذه الصورة ؛ لأنه مناف للفرض الذي هو القسمة. # واحتياج الطبيعة إلى المعاوق الذي هو الملاء غير ما نحن فيه ؛ لأنا نفرض ~~(2) تساوي المسافتين في الملاء أو الخلاء ، ثم نفرض الحركة تارة مع العائق ~~وأخرى لا معه. # ولم يظهر الفرق الذي ادعاه في الفلك. # واعلم أن الإشكال (3) الوارد في الخلاء وارد هنا ، وهو أن يقال : إن ~~الحركة بنفسها تستدعي زمانا ، وبسبب المعاوقة زمانا آخر ، فتستجمعهما واجدة ~~المعاوقة وتختص ms0326 بأحدهما فاقدتها. فإذن زمان نفس الحركة غير مختلف في جميع ~~الأحوال ، إنما يختلف زمان المعاوقة بحسب قلتها وكثرتها ، ويختلف زمان ~~الحركة بعد انضياف ما يجب من ذلك إليه ، ولا يلزم على ذلك الخلف ولا المحال ~~المذكوران. # وجوابه ما تقدم ، والإيراد عليه ما سبق (4). PageV01P521 ### ||| ** المسألة العاشرة : (1) # لما كان الميل هو المحرك للجسم إلى تلك الجهة التي توخاها بالحركة ، كان ~~علة الايصال. ومحال أن يكون الموصل بعينه هو المدافع عنها ، والموصل واجب ~~الحصول عند وجود الوصول ، لوجوب وجود العلة عند وجود معلولها. ولما كان ~~الميل واجب الحصول عند الوصول إلى الجهة ، وهي غير منقسمة ، والوصول إلى حد ~~غير منقسم إنما يكون في الآن ، فإذن لا بد من حصول الميل في الآن ، فهو مما ~~يوجد دفعة لا في زمان. # وفيه نظر ، لأنا نمنع كونه علة فاعلية للايصال ، بل معدة كالحركة ، ولأنه ~~قابل للشدة والضعف ، وتابع للحركة فيهما ، فيوجد في ما توجد فيه الحركة. ### ||| ** المسألة الحادية عشرة : (2) # من المعلوم أن الميل يقبل الشدة والضعف ، فإنا نحس بممانعة شديدة وضعيفة. ~~وكل تغير من شيء إلى شيء فلا بد بينهما من التعاند ، فإن كان في الغاية ~~فهما الضدان ، وإلا فهما متوسطان ، ومتى وجد المتوسطات (3) فلا بد من وجود ~~الأطراف. # وفيه نظر ، لأنه لا يلزم أن تكون الأطراف من جنس الوسائط ، كالحركة ~~والزمان وشبههما. ثم الميل الطبيعي يخالف الميل القسري في الشدة والضعف ، لأن PageV01P522 # الميل الطبيعي يشتد عند القرب من المطلوب ، والقسري يضعف عنده ، ويشتد في ~~الوسط ، لأن الطبيعة إذا خلت عن الضد والممانع أوجدت ذلك الميل الذي يقتضيه ~~بعد الميل (1) فلا يزال يتزايد الميل ، فلا تزال الحركة تقوى وتشتد ؛ لأن ~~تأثير الطبيعة وحدها أضعف من تأثيرها مع الميول التي تقويها وتعضدها. # وأيضا يقل المعاوق لها ، لأنه في المسافة الطويلة أشد منه في القصيرة ، ~~وإذا ضعف المعاوق اشتد الأثر وقوى. # وأما القسرية ، فلأن الميل القسري معاوق للطبيعة والمصاكات الخارجية ، ~~وإذا تواتر أثرهما على المقسور ضعف الميل القسري ، ثم لا يزال يأخذ في ~~الضعف إلى أن تقاوم الطبيعة، ms0327 ثم تأخذ الطبيعة في إفنائه يسيرا يسيرا ، حتى ~~يعدم بالكلية لكنه في الوسط يشتد ، لأن المرمي يتحرك في المسافة الممنوة ~~بالعائق ، فتحصل له مصاكة بالعائق فيتسخن قليلا قليلا ، ويتكرر التسخن ~~بتكرر الحك على المرمي ، ويكثر في وسط المسافة ، والقوة القسرية تأخذ في ~~الضعف ، إلا أن التلطيف المستفاد بالتسخن يكون متداركا أو موفيا على المعنى ~~الذي يفوت بالضعف ما دام في القوة ثبات ، فإذا ترادف الصك على القوة ~~واسترخت ضعف أيضا الحك ، وبلغ مبلغا لا يفي بتدارك تأثير الصك (2). # وأيضا الوجدان دل على ذلك ، فإن تأثير السهم المرمي إلى (3) الجسم القريب ~~يكون ضعيفا وكذا في البعيد ، وأما المتوسط بينهما فإن تأثيره فيه يكون قويا ~~جدا ، وذلك بقوة الميل القسري في الوسط. PageV01P523 # وفيه نظر ، فإن الطبيعة إذا اقتضت ميلا إلى جهة لم تقتض ميلا آخر مؤديا ~~إلى تلك الجهة بعينها ، لاستحالة اجتماع الأمثال. نعم يجوز أن يكون ذلك ~~الميل أقوى وأشد ، لكن ليس سبب الشدة والقوة تزايد الميل. فبطل (1) الأول ~~من الوجهين. # والجسم إذا تحرك في مسافة ممنوة بالعائق لم يجب أن يكون العائق في آخر ~~المسافة أقل، إلا مع تساوي نسبته رقة وغلظا مع ما تقدم ، لكن المساواة غير ~~واجبة ، فلا تجب الشدة. # وأيضا إذا تساوت في الرقة والغلظ لم يقاوم المتحرك سوى الموضع الذي يطلبه ~~، وهو المساوي له في المقدار بحيث يحل بكليته ، ولا أثر لما وراءه في المنع ~~وعدمه ، فلا سبب للشدة في (2) الأخير باعتبار الوجه الثاني أيضا. وكون ~~التسخن موفيا أو مساويا في القسرية لما ضعف غير معلوم ، فلا تجب الشدة ~~المذكورة. # تذنيب : قيل : ليس بين الثقل والخفة تفاعل ، لأن الثقل يوجب بالذات حركة ~~الجسم إلى المركز ، والخفة إيجابها بالذات حركة الجسم عنه ، وذلك يوجب ~~تباعد كل واحد منهما عن الآخر ، والوصفان الموجبان تباعد الجسمين يستحيل أن ~~يوجبا التفاعل الذي لا يحصل إلا بالمقاربة (3). # وفيه نظر ، فإن التفاعل إنما يكون بين الأمور المتضادة ، والتضاد يوجب ~~التباعد ، ولهذا كانت الحرارة والبرودة متفاعلتين ، ولو صح ما ذكروه لم يكن ~~كذلك ms0328 ، فإن الحرارة توجب الخفة ، والبرودة توجب الثقل. PageV01P524 ### ||| ** البحث الثالث : في الكيفيات المبصرة # وفيه أبواب : ### | الباب الأول ### | في المبصرات # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في أعدادها (1) # المبصرات إما بالذات أو بالعرض ، ونعني بالمبصر بالعرض : هو الذي لا يبصر ~~بالحقيقة ، بل يقترن بالمبصر بالحقيقة ، مثل : انا إذا أبصرنا شخصا هو أبو ~~عمرو ، فإن المبصر هذا الشخص ، وليس كونه أبا عمرو محسوسا أصلا ، ولا أيضا ~~في أنفسنا منه خيال أو رسم بوجه من الوجوه. # والمبصر بالذات : إما أن يكون غير متوقف على إبصار شيء البتة ، ويسمى : ~~المحسوس الأول ، وهو الضوء واللون لا غير. وإما أن يتوقف ويسمى : المحسوس ~~الثاني ، وهو ما عداهما كالأطراف ، (2) والحجم ، والبعد ، والوضع ، والشكل ~~، والتفرق ، والاتصال ، والعدد ، والحركة ، والسكون ، والملاسة والخشونة ، ~~والشفيف والكثافة ، والظل ، والحسن والقبح ، والتشابه والاختلاف ، والظلمة. PageV01P525 # وهنا أمور أخر راجعة إليها كالترتيب الداخل تحت الوضع ، والكتابة وغيرها ~~من النقوش الداخلة تحت الترتيب والشكل. وكالاستقامة والانحناء ، والتحدب ~~والتقعر التي هي من الشكل. والكثرة والقلة الداخلتين في العدد بوجه ما ، ~~والتساوي والتفاضل الداخلين تحت التشابه ، والضحك والبكاء الداخلين تحت ~~الشكل والحركة ، والبشر والطلاقة والعبوس والتقطيب الداخلة تحت الشكل ~~والسكون ، وكالرطوبة واليبوسة ، فإن البصر (1) إنما يدرك الرطوبة من ~~السيلان واليبس من التماسك. وليس إذا لم يكن الشيء مبصرا إلا بشرط إبصار ~~غيره لا يكون مبصرا ، نعم لا يكون مبصرا بانفراده. وعند هذا يظهر أن كل ما ~~يقال له محسوس ، فإما أن يكون بحيث يحصل منه عند الحس أثر أو لا يحصل ، فإن ~~لم يحصل فهو المحسوس بالعرض. ### ||| ** المسألة الثانية : في أحكام المبصرات الحقيقية (2) # وهي : ### |||| ** أولا : قد عرفت أن المبصر بالذات الأول هو الضوء واللون (3)، وهل يرى الواحد ~~منهما منفردا؟ # فيه نظر ، أقربه العدم. ### |||| ** ثانيا : لا شك أن بعض هذه المبصرات متميز عن بعض ، إما في الجنس كالضوء واللون ، أو ~~في النوع كالسواد والبياض ، أو في الشدة والضعف كبياض الثلج والعاج. وهذا ~~التميز يدرك بالقوة العقلية لا بالحس. PageV01P526 ### |||| ** ثالثا : قيل : إدراك اللون بما هو لون أقدم من إدراك اللون المخصوص ، ومن امتيازه ms0329 ~~عن غيره. أما الأقدمية في الإدراك ، فلأن الأعم أعرف. ولأن الجسم الملون ~~بالألوان المظلمة كالكحلى والأغبر إذا وضع في موضع مظلم ، أدرك البصر لذلك ~~الجسم لونا ، وإن لم تتميز له ماهية ذلك اللون. وإذا لم يكن ذلك الموضع ~~شديد الظلمة يرى ذلك اللون المخصوص ، فعلمنا أن إدراك اللون بما هو لون ~~أقدم من إدراك اللون المخصوص. # وأما الامتياز فلأن امتيازه عن غيره حكم يدركه العقل بعد إبصار ذلك اللون ~~المخصوص ، فيكون متأخرا عنه. # وفيه نظر ؛ لأن الإدراك إن عنى به الإبصار فهو لا يتناول إلا الجزئي ~~الشخصي دون الأعم ، فلا يمكن أن يكون الأعم أعرف عنده ، وإن أراد به التعقل ~~منعنا أقدمية الأعم أيضا ؛ لأنه إنما يعقل بواسطة الإحساس باللون الجزئي ، ~~فتنتزع النفس حينئذ منه أمرا كليا. فالجزئي سابق عند النفس من الكلي. ~~والأغبر وشبهه إنما أدرك البصر (1) لونا جزئيا مخصوصا بجسم ذي وضع مخصوص ، ~~ولكن النفس لم تدرك التميز حيث لم يتأد من المبصر (2) القدر الذي به يحصل ~~التميز على التمام. ### |||| ** رابعا : قيل : اللون الخاص إنما يدركه المدرك في زمان ، فإن الدائرة إذا أخرج من ~~مركزها إلى محيطها خطوط كثيرة بألوان مختلفة ، ثم أديرت بسرعة شديدة ~~فالناظر إليها في تلك الحالة يدرك لها لونا واحدا مخالفا لجميع ألوان ~~الخطوط ، وكأنه يكون لونا مركبا من جميع الألوان ، وما ذاك إلا لأن كل نقطة ~~منها لا تثبت في موضع واحد زمانا محسوسا ، فلا جرم لا يقع الإحساس بها في ~~مواضعها خاصة ، بل تختلط تلك الألوان. ولو لم يكن الزمان المقدر معتبرا في ~~الإبصار لم يكن الأمر كذلك. PageV01P527 # وقيل إدراك اللون بما هو لون ، والضوء بما هو ضوء ، لا يكون إلا في زمان ~~، لأنا إذا فتحنا الكوة ، فإما أن نرى الضوء في الآن الذي هو أول زمان ~~فتحها وهو محال ؛ لأن في الآن لا يزول الساتر إلا عن الخط والنقطة ، وهما ~~لا يقبلان الضوء ، أو إن قبلاه لكن الضوء واللون المختصين بهما غير محسوسين ~~، وإنما نراه في زمان فتحها ، وذلك يوجب ما ms0330 ذكرناه. ### |||| ** خامسا : المشهور أن القوة الباصرة تتعلق بالشخص من حيث إنه شخص (1) لا بالماهية ~~الكلية. وقيل عليه : إنا إذا رأينا شيئين متساويين مطلقا فإنه يشتبه أحدهما ~~بالآخر ، والاشتباه إنما يكون لعدم الشعور بما به يخالف أحدهما الآخر ، لكن ~~كل واحد منهما يخالف صاحبه من حيث هو هو ، فلو كانت القوة الباصرة متعلقة ~~به من حيث هو هو لما وقع الاشتباه ، لوجوب الشعور بالامتياز. والتالي فاسد ~~فالمقدم مثله. # وفيه نظر ، لأن المميز بين المتشابهين القوة العقلية لا البصر ، ولما أدى ~~البصر صورتين جزئيتين متساويتين ، عجزت القوة العقلية عن التمييز بينهما ، ~~لا (2) أن البصر تعلق بأمر كلي ، لأنه إنما يتعلق بجزئي ذي وضع. ### |||| ** سادسا : قيل : الأطراف وهي النقطة والخط والسطح مرئية ؛ لأنا ندرك التفرقة بالحس ~~بين العظيم والصغير ، وما ذاك إلا للإحساس بأن سطح أحدهما أعظم من سطح ~~الآخر ، ولكن الإحساس بها مشروط بالإحساس بالضوء واللون أولا ، ولهذا فإنا ~~لا نرى هذه الأشياء في الأجسام الشفافة. # وفيه نظر ، فإن الحس لا يدرك أن أحدهما أعظم ، فإن ذلك من أحكام العقل ، ~~ومن أنكر وجودها أنكر رؤيتها. PageV01P528 ### ||| ** المسألة الثالثة : في المبصرات غير الحقيقية # قيل : لا شيء من غير الثلاثة أعني : الضوء واللون والطرف بمرئي ، أما ~~المقدار فلأن المحسوس لنا من الجسم ، إما السطح الواحد أو السطوح المحيطة به. # وأما المقدار الذي هو حشو ما بين السطوح ، فلا شك أنه غير مرئي ، ولهذا ~~فإن الحس لا يدل على كونه مجوفا أو مصمتا. # وأما البعد فكذلك أيضا ؛ لأنا ما لم نشاهد بين المتباعدين جسما ملونا ~~فنستدل بتوسطه بينهما على تباعدهما لا نعرف تباعدهما ، ولذلك لما لم تتأت ~~هذه الطريقة في الكواكب المتباعدة لم نحس بتباعدها. ولو نظرنا إلى جدارين ~~متباعدين بعيدين عنا ولم نشاهد ما بينهما من الأجسام الملونة (1) فإنا لا ~~نحس ببعد أحدهما عن الآخر. # وأما الوضع والاتصال ففيهما إشكال. # والشكل داخل في الوضع. # والتفرق عدمي. والعدد إنما يدرك في الأجسام بواسطة التفرق. # والحركة لا شعور بها إلا عند اختلاف أوضاع الجسم المتحرك من الأجسام ms0331 ~~الملونة (2)، فإن لم يوجد ذلك لم يحصل الشعور بها ، فإنا لو قدرنا سفينة ~~تجري على وجه البحر بأسرع حركة ، وليس في وجه البحر ارتفاع وانخفاض ، ولا ~~رياح مضطربة متمانعة هناك ، بل يكون على نهج واحد ، فإن تلك الحركة مع ~~كونها في غاية السرعة لا تكون محسوسة ، حتى أن سكان السفينة يتوهمون أنها ~~ساكنة ، فكيف تكون الحركة محسوسة بالبصر. PageV01P529 # والسكون أمر عدمي ، وإنما نشعر به للشعور ببقاء الوضع الواحد. # ويشبه أن يكون إدراك الحركة والسكون إنما يتأتى بالاستعانة بالعقل ، لأن ~~الجسم المتحرك لا بد وأن تختلف نسبته إلى أجسام أخرى ، مثل أن يصير قريبا ~~من جسم كان بعيدا عنه وبالعكس ، أو يصير مفارقا لما كان ملاقيا له وبالعكس ~~، فإذا حصل الإحساس باختلاف نسبة ذلك الجسم مع الأجسام الأخر حصل الشعور ~~بكونه متحركا إذ لو لم يتحرك لم تختلف النسبة. ولهذا فإن راكب البحر لما لم ~~يشعر باختلاف أوضاع السفينة ونسبتها مع الأمور الخارجة ، لم يشعر بالحركة. ~~فإدراك الحركة والسكون إدراك ذهني وبمعاونة أحوال ذهنية. # والملاسة والخشونة داخلتان في الاتصال والوضع. # والشفيف والكثافة ليسا مدركين بالحس ، بل الشعور بهما استدلالي ، لأن ~~الجسم إن لم يحجب أبصارنا عما وراه كان شفافا ، وإلا فهو كثيف. # والظل بالحقيقة ضوء ناقص ، وذلك النقصان عدمي ، أو هو أحد أنواع الظلمة. # والظلمة غير مرئية بالحقيقة ، لأن الإنسان لا يفرق بين أن يكون أعمى لا ~~يبصر شيئا وبين كونه في الظلمة الخالصة. # والحسن والقبح حالتان حاصلتان من تركب اللون والشكل ، فيكون الحكم فيه ~~تبعا للحكم في الشكل والتشابه والاختلاف. فالمدرك للبصر من الجسمين ذي ~~اللونين المختلفين ذات كل واحد منهما فإما كون أحدهما مخالفا للآخر أو ~~مشابها ، فإنما تشعر به القوة العقلية. # والكتابة المرئي منها لون كل واحد من الحروف وطوله وعرضه. والتمييز بينها ~~وقياس بعضها إلى بعض مستند إلى العقلية. PageV01P530 ### | الباب الثاني ### | في اللون # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في تعريفه (1) # اعلم أنا قد بينا فيما سبق : أن الأمور المحسوسة لا يجوز أن تنال معرفتها ~~بحد أو رسم، ومعلوم ms0332 لنا بالضرورة أن اللون بأنواعه متصور لنا تصورا ضروريا ~~(2). وما يقال : إن السواد كيفية قابضة للبصر ، والبياض كيفية مفرقة له ~~(3)، إن قصد PageV01P531 # بذلك التعريف فهو خطأ ، لما تقدم ، ولأن العقلاء يدركون بهداية (1) ~~عقولهم المستندة إلى الحس التفرقة بين السواد والبياض ، ولا يتوقفون في ~~الفرق بينهما ، ولا في معرفتهما إلى كون أحدهما قابضا للبصر وكون الآخر ~~مفرقا. فلو حصل مفهومه لم يثبت ذلك إلا بتدقيق النظر وبعد معرفة السواد ~~والبياض واستقراء أحوالهما ، فيلزم على الأول تعريف الشيء بالأخفى ، وعلى ~~الثاني الدور. ### ||| ** المسألة الثانية : في إثبات الألوان (2) # ذهب جماعة من قدماء الحكماء ، إلى أنه لا حقيقة للألوان ، بل البياض إنما ~~يحصل من مخالطة الهواء بالأجسام الشفافة المتصغرة جدا. والسواد فإنما يتخيل ~~(3) في غور الجسم وعمقه ؛ لعدم الضوء والإشفاف فيه (4)، فلما لم ينفذ ~~الضوء في عمقه ولا الإشفاف ، تخيل أن هناك لونا هو السواد ، وليس كذلك. # ومن هؤلاء من جعل الماء سببا للسواد ، وقال : إذا شاهدنا الثياب مبتلة ~~شاهدناها مائلة إلى السواد. وأيضا فلأن الماء يخرج الهواء ، وليس إشفاف ~~الماء كإشفاف الهواء حتى ينفذ فيه الضوء إلى السطوح ، فلا جرم تبقى السطوح ~~مظلمة ، وذلك هو السواد. # واحتج في البياض : بأن زبد الماء أبيض ، ولا سبب لبياضه إلا مخالطة ~~الهواء لأجزائه الشفافة الصغيرة (5) جدا. وكذا الثلج أبيض ؛ لأن فيه أجزاء ~~جمدية شفافة PageV01P532 # خالطها الهواء ونفذ فيها الضوء. والبلور (1) المسحوق والزجاج الصافي ~~المسحوق يرى أبيض ، ولا سبب لذلك أيضا ، فإنا نعلم أن أجزاءها الصلبة عند ~~الاجتماع لم تنفعل بعضها عن بعض حتى يقال حصل هناك لون. وأيضا الشفاف ~~كالبلور إذا كان كبير الحجم وانشق رؤي ذلك الموضع منه أبيض. وكذا الناطف ~~(2) يبيض لاحتقان (3) الهواء فيه مع الإشفاف الذي في طبعه. # ومن هؤلاء من سلم كون السواد لونا حقيقيا ومنع من ذلك في البياض ، وفرق ~~بينهما بأن السواد لا ينسلخ ، وأما الأبيض فإنه قابل لجميع الألوان والقابل ~~لجميع الألوان يجب أن يكون عاريا عن كلها. # والشيخ في الشفاء سلم في موضع منه أن البياض المحسوس قد ms0333 يكون على الوجه ~~الذي ذكروه ، (4) وفي موضع آخر : أنه لم يعلم هل يحدث البياض على غير ذلك ~~الوجه أم لا (5)؟ # وقال في موضع آخر منه : إنه وإن كان قد يكون على ذلك الوجه ، لكنا ندعي ~~أن البياض كيفية حقيقية قائمة بالجسم ، واستدل عليه بوجوه أربعة (6): ### |||| ** الأول : البيض إذا شوي يصير بياضه الشفاف أبيض ، وليس يمكن أن يكون ذلك بسبب أن ~~النار أفادته تخلخلا ، أو حدث فيه هوائية ، لأنه يصير بعد PageV01P533 # الطبخ أثقل وذلك لمفارقة الهوائية ، لأنه لو دخلت فيه وبيضته كان ذلك ~~خثورة (1) لا انعقادا على ما ستعلم. ### |||| ** الثاني : الدواء المسمى بلبن العذراء (2) يكون من خل طبخ فيه المردار سنج (3) حتى ~~انحل فيه ، ثم يصفى حتى يبقى الخل في غاية الإشفاف ، وإذا خلط بماء طبخ فيه ~~القلي (4) وصفي في الغاية حتى أشبه الدمع ، فإنه إن وقع التقصير في شيء من ~~ذلك لم يلتئم المزاج المطلوب ، فكما يختلط هذان الماءان ينعقد فيه المنحل ~~الشفاف من المرتك (5) كمعقد المردار سنج (6) ويبيض في غاية البياض كاللبن ~~الرائب (7) ثم يجف. وليس ذلك لأنه كان شفافا فانفرق ودخل الهواء فيه ، فإن ~~ذلك كان متفرقا منحلا في الخل. ولا لأن تلك الأجزاء المتفرقة تقاربت حتى ~~انعكس ضوء بعضها إلى البعض ، فإن حدة ماء القلي أولى بالتفريق ، بل ذلك على PageV01P534 # واحد من أجزائهما شفافا خاليا عن اللون ، لعدم السطوح المختلفة في ذلك ~~الواحد. وإذا عرض معها ما يوجب التزاق بعضها ببعض صار جسما واحدا أبيض ، ~~كما في بياض البيض المسلوق فانه قبل السلق كان له ضوء ، ولم يكن فيه قابل ~~ضوء ، كما في الماء ، وبعد السلق تعاكس الضوء بين ذي الضوء وبين قابله فحدث ~~البياض. # والماء إذا كان مائعا له سطح واحد كان له ضوء ولم يكن فيه قابل ضوء ، فلم ~~يكن فيه تعاكس. أما إذا تزبد أو انجمد اجتمع فيه الأمران وحدث البياض. وفي ~~بياض البيض المسلوق ما يوجب فيه مع ذلك الالتزاق والتماسك ، فصار جسما ~~واحدا أبيض ، ولم يمكن امتياز بعض أجزائه من البعض ، فلا ms0334 يظهر للمتأمل فيه ~~سوى الجزء الواحد ، كما في الثلج والزجاج ، وهذا غير دافع للسؤال ، كما تقدم. # والذي ذكروه لا نمنعه ، لكن ندعي أن البياض قد يحصل على وجه آخر ، وهو ~~الاستحالة. # وأيضا فلا طريق لنا إلى الجزم بأن بياض الناطف لمخالطة الهواء ، وكذلك ~~ابيضاض الجص ليس لما يفيده الطبخ من التخلخل وسهولة التفرق ، وإلا لكان ~~السحق والتصويل يفعلان فعل الطبخ في الجص والنورة ، بل السبب فيه أن الطبخ ~~يفيده مزاجا يوجب ذلك الابيضاض. # وقولهم : الأسود غير قابل للبياض. إن عنوا به على سبيل الاستحالة بطل ~~بالشيب والشباب (1). وإن عنوا به على سبيل الصبغ احتمل أن يكون ذلك ؛ لأن ~~الصبغ المسود لا بد وأن يكون منه قوة قابضة يخالطه وينفذ فيه ، فإن السواد ~~يحصل من اندماج أجزاء الأجسام الكثيفة بعضها في بعض ، فإن الزاج في غاية ~~النفوذ بحدته ، والعفص في غاية القبض وليس شيء منهما بأسود ، فإذا امتزجا ~~نفذ الزاج PageV01P535 # أما أولا : فنقول : لما جوزت في اختلاط الهواء بالجسم الشفاف أن يكون ~~سببا لأن يحس منه بالبياض وإن لم تكن كيفية قائمة بالجسم ، فلم لا يجوز أن ~~يكون في البيض المسلوق نحس منه بالبياض وإن لم تكن فيه كيفية قائمة به؟ # وقوله : لم يوجد فيه اختلاط الهواء بالشفاف ، فيكون البياض كيفية قائمة ~~به حقيقة ، ليس بلازم ، لأن الاختلاط سبب خاص في إحساس البصر من الجسم ~~بكيفية البياض وإن لم تكن تلك الكيفية موجودة حقيقة. ولا يلزم من نفي هذا ~~السبب انتفاء الحكم إلا إذا بينتم انحصار (1) السبب فيه ، ولم يقيموا عليه ~~شبهة فضلا عن حجة ، فجاز أن يكون هنا سبب آخر أو أسباب لا نعرفها تقتضي ~~الإحساس بكيفية البياض في البيض المسلوق ولا تكون كيفية حقيقية قائمة به. # وبالجملة إذا جوزنا أن نبصر شيئا لا وجود له لم يبق الاستدلال بالإبصار ~~على الوجود في غير ذلك الموضع موثوقا به ، ولا يمكننا الاستدلال بعدم السبب ~~الواحد على عدم هذا الإبصار الكاذب ، لأن الحكم لا يزول بزوال العلة ~~الواحدة إذا استند إلى غيرها. ms0335 # وكذا الكلام على الثاني والثالث ، فإنه يحتمل وجود أمور مختلفة لأجلها ~~نحس بالكيفيات وإن لم يكن لها وجود في الحقيقة ، كما يحتمل ذلك في اللون ~~الواحد. # وكذا البحث على الرابع ، قيل : البياض ، إنما يتكون بتعاكس الضوء من سطوح ~~أجسام مشفة. والجمد والزجاج مشفان ، وباعتبار اشفافهما كان لهما ضوء ، ومتى ~~كانا ذوي سطح واحد لم يمكن تعاكس الضوء فيهما. أما إذا حصل فيهما سطوح ~~متعددة ، إما بالكسر أو شبهه ، تعاكس الضوء من بعضها إلى بعض وحدث البياض ، ~~وإن لم يكن معهما ما يوجب التزاق بعضها ببعض رؤى كل PageV01P536 # سبيل الاستحالة. ولا لأن الأجزاء الهوائية خالطت الأجزاء المائية ، لأنه ~~بعد الابيضاض يجف وقبله لا يجف ، وذلك يدل على غلبة الأرضية بعد الابيضاض ~~على ما قبله. ### |||| ** الثالث : الجسم إذا أخذ في الانتقال من البياض إلى السواد سلك أحد الطرق الثلاثة: ### |||| ** أ: الطريق الساذج ، وهو أن يأخذ إلى الغبرة ، ثم إلى العودية ، ثم إلى السواد. ~~وكأنه في أول الأمر يأخذ من سواد ضعيف ، ولا يزال يشتد حتى ينتهي إلى ~~الغاية. # ب ### |||| ** : أن يأخذ إلى الحمرة ، ثم إلى القتمة ، ثم إلى السواد. # ج ### |||| ** : أن يأخذ إلى الخضرة ، ثم إلى النيلية ، ثم إلى السواد. # وإنما تختلف هذه الطرق لاختلاف ما تتركب عنه الألوان ، فإن لم يكن إلا ~~بياض وسواد ، وليس للبياض حقيقة إلا مخالطة الضوء للأجزاء الشفافة ، لم يكن ~~في تركيب السواد والبياض إلا الأخذ في طريق واحد ، وهو ازدياد الأجزاء غير ~~المشفة ، و (1) لا يقع الاختلاف فيه إلا بحسب التنقص والاشتداد ، ولم تكن ~~الطرق مختلفة. ### |||| ** الرابع : إذا انعكس الضوء من جسم أسود إلى جسم لم يسود المنعكس إليه ، فلو كان ~~اختلاف الألوان بسبب اختلاط الشفاف بالمظلم ، والانعكاس إنما يحصل من ~~الشفاف لا غير لا من الأسود وجب أن لا ينعكس من الأحمر والأخضر إلا عن ~~الأجزاء الشفافة التي فيهما ، وهي الأجزاء البيض لا غير ، فكان يجب أن لا ~~ينعكس إلا البياض ، ولا ينعكس من الأجزاء السود التي في ضمن الأحمر والأخضر ~~شيء ، فكان يجب أن ms0336 لا يصير المنعكس إليه أحمر أو أخضر. وهذه الوجوه كلها لا ~~تفيد اليقين. PageV01P537 # في المسام الصغيرة من العفص وقبضه العفص بقوة فاندمج بعضها في بعض ، وحصل ~~السواد (1). # وأما المبيضات فإنها غير نافذة ، فلهذا لا يمكنها النفوذ في الأبيض ؛ على ~~أن أصحاب الإكسير يبيضون نحاسا كثيرا برصاص مكلس وزرنيخ مصعد ، وهذا يبطل ~~ما قالوه في هذا الباب. ### ||| ** المسألة الثالثة : في الألوان المتوسطة # ذهب جماعة من قدماء (2) الحكماء إلى أن اللون الحقيقي ليس إلا السواد ~~والبياض ، وما عداهما يحصل من تركيبهما ، لأنهما الطرفان اللذان في غاية ~~التباعد ، وهما كيفيتان حقيقيتان ، والضوء أيضا كيفية حقيقية زائدة عليهما. # فالسواد والبياض إذا اختلطا وحدهما حصلت الغبرة. وهل هي لون أم لا؟ ~~وبتقدير كونه لونا فهل هي خالص أم لا؟ # فالحق في الأول أن نقول : إنها لون ، لأنا ندرك الجسم معها على هيئة ~~مخالفة لغيرها من الهيئات ، فإما أن يكون المرجع بها إلى ذات الجسم ، وهو ~~باطل ، وإلا لكان أغبر حال كونه أسود أو أبيض ، لأن ذاته موجودة حال كونه ~~أسود وأبيض ، وأيضا كان تدرك الغبرة باللمس كما يدرك الجسم به ، وهو محال. ~~أو يكون المرجع بها إلى عدم اللون ، وهو محال ، لأن العدم لا نحس به ~~والغبرة محسوسة متميزة في PageV01P538 # الإبصار عن سائر الألوان. # وأما الثاني ففيه احتمال ، لأن الجص والرماد إذا سحقا حصلت الغبرة من ~~امتزاجهما ، لكن حصولها من هذا السبب لا يقتضي الانحصار فيه ، كما في ~~البياض والسواد حيث حصلا بأسباب خاصة ، مع أنهما كيفيتان حقيقيتان في ~~أنفسهما بسيطتان. # وإن خالط السواد ضوء ، وكان مثل الغمامة التي تشرق عليها الشمس ، ومثل ~~الدخان الأسود يخالطه النار ، فإن غلب السواد حصلت الحمرة ، وإن اشتدت ~~الغلبة حصلت القتمة. وإن غلب الضوء حصلت الصفرة. ثم الصفرة إن خالطها سواد ~~مشرق حصلت الخضرة. ثم الخضرة إن انضم إليها سواد حصلت الكراثية الشديدة. ~~وإن انضم إليها بياض حصلت الزنجارية ، ثم الكراثية إن اختلط بها سواد وقليل ~~حمرة حصلت النيلية. ثم النيلية إن اختلط بها حمرة كانت أرجوانية. وعلى هذا ms0337 ~~القياس. # ومنهم من زعم أن الألوان الحقيقة (1) خمسة : السواد والبياض والحمرة ~~والصفرة والخضرة ، وهو مذهب المتكلمين أيضا (2)، وجعلوا البواقي مركبة ~~منها. وجعل الكعبي «الغبرة» لونا آخر سادسا منفردا ، وجوز كونها مركبة كما ~~تقدم. ولا شك في أن الأجسام الملونة بهذه الألوان الخمسة إذا سحقت جدا ثم ~~خلطت فانها يظهر منها بحسب مقادير المختلطات ألوان مختلفة. فمن المحتمل أن ~~يكون سائر الألوان حاصلا على هذا الوجه لكن البصر لعجزه عن التمييز يظنها ~~ألوانا منفردة ، ويحتمل أن يكون كل واحد منها أو بعضها ألوانا مفردة ~~حقيقية. # وقد جوز الجبائيان وجود الزائد عليها في قدرة الله تعالى. PageV01P539 # وأما أن طبائع الألوان هل هي متناهية أو غير متناهية؟ فذلك مشكوك فيه. ~~وقد اختلف المتكلمون ، فذهب بعضهم إلى أنها غير متناهية لو وجدت كالألوان ، ~~وآخرون إلى أنها متناهية كالمزيد عليه. وكلاهما ضعيفان. ### ||| ** المسألة الرابعة : في سبب شدة اللون وضعفه (1) # ذكر القدماء له ثلاثة أسباب ، واحد منها متفق عليه ، واثنان مختلف فيهما. # أما المتفق عليه فهو اختلاط الأجزاء السود بالأجزاء البيض اختلاطا لا ~~يتميز في الحس بعضها عن بعض ، فترى هذا الأبيض أقل ابيضاضا من الأبيض الذي ~~لا يكون كذلك. ولما كانت مراتب هذا الاختلاط كثيرة كانت مراتب قوة البياض ~~وضعفه كثيرة. # وبعض الناس جوز أن يجتمع السواد والبياض في جسم واحد فتدرك على هيئة ~~الغبرة ، وهو باطل ؛ لأن السواد والبياض بعد اجتماعهما إن بقى كل منهما على ~~صرافته كان الجسم يدرك فيه غاية البياض وغاية السواد ، وهو محال. وإن لم ~~يبق واحد منهما على صرافته لا يكون واحد منهما موجودا ، بل الموجود لون ~~متوسط ، وذلك غير اجتماع السواد والبياض. ### ||| ** وأما الوجهان اللذان وقع فيهما الخلاف : ### |||| ** فالأول : إذا اجتمع في المحل الواحد بياضات كثيرة ، وذلك مما اتفقت الفلاسفة على ~~استحالته ، لامتناع اجتماع الأمثال عندهم. ### |||| ** والثاني : البياض الضعيف نوع آخر مخالف للبياض الشديد ، وأن الألوان المختلفة بالشدة ~~والضعف مختلفة بالنوع. وهو أقرب الوجوه ، وهو قول محققي PageV01P540 # الأوائل وأبي بكر بن الإخشيد (1). # واعلم أن بعض الألوان قد يمازجه ms0338 ضوء ، وبعضها يمازجه ظلمة ، فيحصل في ~~الأول صفاء وإشراق ، وفي الثاني قتورة وظلمة. فالارجوانية والفيروزية ~~والخضرة الناصعة ، ألوان مشرقة وقريبة من طباع الضوء ، ولذلك تنعكس إلى ~~غيرها كالأضواء. # والغبرة والكراثية والعودية والسواد وشبهها ألوان مظلمة ، ولهذا لا تنعكس ~~إلى غيرها. ### ||| ** المسألة الخامسة : في أن الضوء ليس شرطا في وجود اللون # ذهب الرئيس هنا (2) مذهبا غريبا عجيبا ، وهو أن اللون لا يوجد في الجسم ~~حال كونه مظلما ، فشرط في وجود اللون لا في رؤيته خاصة وجود الضوء. # واحتج عليه بأن ألوان الأجسام في الظلمة ليست مرئية ، فعدم رؤيتها إما أن ~~يكون لعدمها في نفسها ، أو لأجل أن الهواء المظلم عائق عن الإبصار ، ~~والثاني باطل ، لأن الهواء المظلم ليس فيه كيفية عائقة عن الإبصار والظلمة ~~فيه ، فإنك إذا # راجع طبقات المعتزلة ، وفيات الأعيان 5 : 356 ؛ تاج العروس 2 : 343 ؛ ~~لسان الميزان 1 : 321. PageV01P541 # كنت في غار وفيه هواء كله على الصفة التي تظنها أنت ظلمة ، فإذا صار ~~الجسم مستنيرا رأيته أنت ، ولم يمنعك الهواء الواقف بينك وبينه عن الإبصار ~~، ولو كان الهواء متكيفا بكيفية مانعة عن الإبصار لم يكن كذلك. # والاعتراض (1): لو كان عدم الرؤية في اللون دليلا على عدمه لكان الجسم ~~غير المرئي معدوما ، فإن جعلتم شرط رؤيته اللون والضوء فليكن الضوء شرطا في ~~رؤية اللون لا في وجوده (2)، وهو الحق ؛ لأن اللون له ماهية في نفسه ، وله ~~أنه يصح أن يكون مرئيا ، فالمتوقف على وجود الضوء هو هذا الحكم ، لا حصول ~~تلك الماهية ، كما تقول بعينه في الجسم أنه في نفسه حقيقة وماهية ، وله أنه ~~يصح أن يكون مرئيا ، لكن الحكم بصحة رؤيته مشروط بلونه أو ضوئه ، فلا يلزم ~~من عدم الحكم عدم الماهية ، لجواز أن يكون لعدم الشرط. # لا يقال : اللون هو الكيفية التي يمكن رؤيتها ، فالموجود في الظلمة إذا ~~لم يمكن رؤيته لم يكن لونا ، بل الجسم عند ما يكون مظلما له استعداد أن ~~يحصل له اللون المبصر عند صيرورته مضيئا. # لأنا نقول : استعداد الجسم لأن يكون له لون ms0339 معين أمر ، ووجود ذلك اللون ~~أمر آخر ، وكون ذلك اللون بحيث يصح أن يرى أمر ثالث ، فجاز أن يكون المتوقف ~~على وجود الضوء هذا الحكم لا أصل وجود اللون. # تذنيب : من جعل الضوء شرط وجود اللون لم يكن عمق الجسم ملونا ، لانتفاء ~~الضوء عنه ، ونحن لما أبطلنا ذلك أمكن وجود اللون فيه. PageV01P542 ### | الباب الثالث ### | في الضوء والظل والظلمة # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في أن الضوء لا يحد (1) # إن جماعة من القدماء حدوا جميع الأشياء حتى الضروريات ، فلزمهم المحال من ~~تعريف الأشياء الظاهرة بالأمور الخفية ، ومن استلزام الدور. وهؤلاء حدوا ~~الضوء بأنه «كمال لذاته (2) للشفاف من حيث هو شفاف» ، فقولنا «كمال» # فسر الضوء حديثا بنظرية الكم ، على أنه نوع من الطاقة الاشعاعية يقذفها ~~الجسم المضيء على دفعات متتالية تسمى «فوتونات» يعرف الضوء غالبا من ناحية ~~تأثيره على العين ، على أنه الطاقة التي تجعل مصدرها أو الجسم الساقط عليها ~~مرئيا مثل الشمس والمصباح والقمر. الموسوعة العربية الميسرة : 1144. PageV01P543 # لأنه هيئة وجودية حصلت بعد أن لم تكن. وقولنا «لذاته للشفاف» احتراز من ~~الكمالات الحاصلة للشفاف ، لا من حيث إنه شفاف ، فإنها لا تكون ذاتية ~~للشفاف. وقولنا «من حيث هو شفاف» لأن كماليته له إنما هو باعتبار الشفافية ~~التي هي عدم الضوء. # وجماعة أخرى حدوا الضوء بأنه «الكيفية التي لا يتوقف إبصارها على إبصار ~~شيء آخر» (1)؛ لأن الشيء إن لم يتوقف صحة كونه مرئيا على اعتبار الغير فهو ~~الضوء ، وإن توقف فهو اللون ؛ لأنه لا يصح رؤيته إلا بعد صيرورته مستنيرا ، ~~وكل ما يصح رؤيته فإنه يمنع عن رؤية ما وراءه ، فإن النفس إذا شاهدت في جهة ~~شيئا استحال أن تبصر في تلك الحال في تلك الجهة شيئا آخر ، ولما كان إبصاره ~~للمتوسط يجب أن يقع أولا ، لا جرم صار ذلك مانعا من إبصار ما وراءه ، فثبت ~~أن اللون يمنع من إبصار ما وراءه. وكذا الضوء لوقوع (2) الظل من المصباح عن ~~المصباح (3)؛ لأن أحدهما يمنع أن يفعل الثاني في القابل (4)، وكذلك ~~الإنسان لا يرى ما ms0340 يتوسط بينه وبين ذلك الشيء. فظهر أن الشفاف يجب أن لا ~~يكون مبصرا. وفساد هذه التعريفات ظاهر ، وقد عرفت فيما سلف أن المحسوسات لا ~~يجوز تعريفها بحد ولا رسم. ### ||| ** المسألة الثانية : في مغايرة الضوء للحرارة واللون (5) # ذهب قوم من قدماء الحكماء أن الضوء من جنس الحرارة. كأنهم لم يفرقوا PageV01P544 # بين الشيء ولازمه (1). # والحق خلاف ما ذهبوا إليه ، فإن الشيء قد يكون حارا مظلما ، وباردا ~~مضيئا. فلا يجوز أن تكون الحرارة نفس الضوء ، بل سببها. وأيضا الحرارة ~~ملموسة غير مبصرة ، والضوء مبصر غير ملموس ، فتغايرا. # وذهب قوم منهم إلى أن الضوء هو ظهور اللون ، وزعموا أن الظهور المطلق هو ~~الضوء، والخفاء المطلق هو الظلمة ، والمتوسط بينهما هو الظل ، وتختلف ~~مراتبه بحسب مراتب القرب والبعد عن الطرفين ، فإذا ألف الحس مرتبة من مراتب ~~الخفاء ، ثم شاهد بعد ذلك ما هو أكثر ظهورا منه ، ظن أن هناك بريقا وشعاعا ~~، وليس كذلك ، بل سبب ذلك ضعف الحس ؛ لأن ظهور الأشياء اللامعة بالليل أقل ~~من ظهور السراج الذي هو أقل من ظهور القمر الذي هو أقل من ظهور الشمس ، ~~فالحس إذا ضعف في الظلمة وكان لتلك الأشياء اللامعة قدر من الظهور ليس ~~لغيرها ظن ذلك الظهور كيفية زائدة. # ثم إذا تقوى البصر بنور السراج ونظر إلى تلك الأشياء لم ير لها لمعانا ، ~~لزوال ضعف الحس ، وكذلك لمعان السراج يذهب عند ضوء القمر ، ولمعان القمر ~~يذهب عند النور الذي يكون في البيوت المستنيرة نهارا عن الشمس ، ومع ذلك ~~فالناس يرون لظهور القمر لمعانا ، ولا يرون للنور الذي يكون في البيوت ~~المستنيرة لمعانا ، والسبب فيه ما ذكرناه. # لا يقال : نحن ندرك التفرقة بين اللون المستنير ، واللون المظلم. # لأنا نقول : سبب ذلك ظهور أحدهما وخفاء الآخر ، لا بسبب كيفية أخرى. PageV01P545 # ومن هؤلاء من بالغ حتى قال : ضوء الشمس ليس إلا الظهور التام للونها ، ~~ولذلك تبهر البصر ، فحينئذ يخفى اللون لعجز البصر ، لا لخفائه في نفسه ، ~~كما أنا نحس بالليل بلمعان اللوامع ؛ ولأن الحس لضعفه في الليل يبهره ظهور ms0341 ~~تلك الألوان ، فلا جرم لا نحس بها. # وهذا الذي ذكروه ممكن ، فإنه يجوز أن يكون لما قالوه تأثير في اختلاف ~~أحوال الإدراكات بحسب اختلاف الحس في القوة والضعف ، لكن ندعي مع ذلك أن ~~الضوء كيفية وجودية زائدة على ذات اللون لوجوه (1): ### |||| ** الأول : ظهور اللون إشارة إلى تجدد أمر ، فذلك الأمر إما أن يكون هو اللون ، أو صفة ~~غير نسبية ، أو صفة نسبية. والأول باطل ؛ لأنه لا يخلو إما أن يجعل النور ~~عبارة عن تجدد اللون ، أو اللون المتجدد. والأول يقتضي أن لا يكون الشيء ~~مستنيرا إلا في آن تجدده. والثاني يقتضي أن يكون الضوء هو نفس اللون ، فلا ~~يبقى لقولهم : الضوء هو ظهور اللون معنى. وإن جعلوا الضوء كيفية ثبوتية ~~زائدة على ذلك اللون وسموه بالظهور كان هو مطلوبنا ، ويصير النزاع لفظيا. # وإن زعموا أن ذلك الظهور تجدد حالة نسبية فهو باطل ؛ لأن الضوء أمر غير ~~نسبي فلا يمكن تفسيره بالحالة النسبية. ### |||| ** الثاني : البياض والسواد قد يشتركان في الإضاءة والإشراق ، فإذن الضوء ثابت لهما ~~جميعا ، فلو كان كون كل واحد منهما مضيئا نفس ذاته لزم أن يكون الضوء بعضه ~~مضادا للبعض وهو محال ؛ لأن المقابل للضوء ليس إلا الظلمة. ### |||| ** الثالث : انفكاك كل واحد من الضوء واللون عن صاحبه يدل على المغايرة ، وبيان ~~الانفكاك أن اللون قد يوجد من غير ضوء ، فإن السواد قد لا يكون مضيئا ، ~~وكذا باقي الألوان ، والضوء يوجد من دون اللون ، كالماء والبلور إذا كانا ~~في الظلمة PageV01P546 # ووقع الضوء عليه وحده فإنه حينئذ يرى ضوؤه ، (1) فذلك ضوء وليس بلون. ### |||| ** الرابع : نفرض الكلام في بعض الألوان المتوسطة بين السواد والبياض ، وليكن ذلك هو ~~الحمرة ، فنقول : إما أن يسلموا أن لها حقيقة مخصوصة ، أو يزعموا أنها ~~عبارة عن اختلاف ظهورات بياضية بخفاءات سوادية. فإن ذهبوا إلى الثاني فنقول ~~: الجسم الأحمر إذا انعكس الضوء عنه إلى جسم آخر احمر ذلك الجسم ، فإما أن ~~ينعكس الظهور عن الأجزاء الظاهرة والخفاء عن الخفية ، وهو محال ، لأن ~~الأجزاء الخفية لا تفيد الخفاء للمقابل ms0342 ، فإن الخفاء لو كان خالصا لم يؤثر ~~في المقابل. أو ينعكس الظهور خاصة دون الخفاء ، وهو باطل ؛ لأن الظاهرة لو ~~فعلت إظهار ما يقابلها والإظهار هو التبييض وجب أن يزيد ابيضاض المنعكس ~~إليه ولا يحمر ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله. # وإن ذهبوا إلى الأول ، وجعلوا الحمرة لونا حقيقيا في نفسه ، وزعموا أنها ~~إذا ظهرت فعلت فيما يقابلها مثل نفسها. فنقول : إنها إذا كانت قليلة الظهور ~~أفادت للمقابل مجرد الضوء ، ولا تخفى لون المقابل ، فإذا قويت في الظهور ~~أخفت لون المقابل ، فلو لم يكن هناك إلا اللون وحده ، لكان يفعل عند الضعف ~~لونا ضعيفا مثل نفسه وعند اشتداده يفعل لونا قويا مثل نفسه ، وليس كذلك ، ~~فإنه يفيد أولا ظهور لون المقابل إظهارا شديدا ، ثم إذا صار أقوى أخذ في ~~إبطال لون المقابل أو إخفائه ويفيده لونا مثل نفسه ، فيكون أحد الفعلين لا ~~محالة عن شيء غير ما عنه الآخر ، فيكون مصدر الإضاءة هو الضوء الذي لو كان ~~الجسم لا لون له وله ضوء لكان يفعل ذلك ، مثل البلورة المضيئة ، والفعل ~~الآخر يكون من لونه إذا اشتد ظهوره بسبب هذا الضوء حتى صار متعديا إلى ~~المقابل. (2) PageV01P547 ### |||| ** الخامس : الجسم إذا اجتمع فيه ضوء ولون ، فتارة ينعكس منه الضوء وحده إلى غيره، ~~وتارة ينعكسان منه معا إلى الغير ، وذلك إذا كان قويا فيهما جميعا حتى يحمر ~~المنعكس إليه، فلو كان الضوء هو ظهور اللون لاستحال أن يفيده لغيره بريقا ساذجا. # لا يقال : هذا البريق عبارة عن إظهار لون ذلك المقابل. # لأنا نقول : فلما ذا إذا اشتد لون الجسم المنعكس منه ضوؤه أخفى لون ~~المنعكس إليه وأبطله وأعطاه لون نفسه؟ # واعلم أن الرجوع في هذا المقام إلى الضرورة أولى ، فإنا نعلم قطعا أنا ~~ندرك كيفيتين متغايرتين هما اللون والضوء ، والحكم باتحادهما حكم بإبطال ما ~~يشهد به الحس ، فلا يكون مقبولا عند العقل. ### ||| ** المسألة الثالثة : في أن الضوء ليس بجسم (1) # زعم بعض القدماء (2) أن الضوء أجسام صغار تنفصل عن المضيء وتتصل ~~بالمستضيء. وهذا باطل بوجوه (3): ### |||| ** الأول : إما ms0343 أن يجعلوا الضوء نفس الجسمية ، أي المفهوم من أحدهما هو المفهوم من ~~الآخر ، أو يجعلوا الضوء عبارة عن أجسام حاملة لتلك الكيفية تنفصل PageV01P548 # عن المضيء وتتصل بالمستضيء ، والأول باطل ؛ لأنا نعلم بالضرورة التغاير ~~بين الجسم والضوء في المفهوم ، ويعقل جسم مظلم ، ولا يعقل ضوء مظلم. ~~والثاني باطل أيضا ، لأن تلك الأجسام الموصوفة بالكيفيات إن لم تكن محسوسة ~~لم يكن الضوء محسوسا ، وإن كانت محسوسة كانت ساترة لما تحتها ، فكلما ~~ازدادت اجتماعا ازدادت سترا ، لكن الثاني محال ، فإن الضوء كلما ازداد قوة ~~ازداد إظهارا. # وفيه نظر ، لمنع الحصر في القسمة فجاز أن يكون الضوء عبارة عن جسم خاص ، ~~ومنع [كون] كل محسوس ساترا ، وإنما يكون ساترا لو كان ذا كثافة وظلمة ولون. ### |||| ** الثاني : لو كان الشعاع جسما لكانت حركته الطبيعية إلى جهة واحدة ، لكن الضوء يقع ~~على كل جسم في كل جهة (1). # وفيه نظر ، لأنا نقول : إنه بالطبع يقع على المقابل. ### |||| ** الثالث : الضوء إذا دخل من الكوة (2) ثم سددناها دفعة ، فتلك الأجزاء النورانية إن ~~عدمت ، لزم أن يكون تخلل (3) جسم بين جسمين معدما لأحدهما وهو محال. وإن ~~بقيت خارج البيت وخرجت قبل السد فهو محال ؛ لأن القابل والفاعل للضوء ~~موجودان ، فلا يمكن عدم الضوء قبل السد ، ولا خروجه عن البيت. وإن بقيت في ~~البيت وقد زالت النورية والضوء عنها ، فهو مذهبنا ؛ لأن مقابلة المستنير ~~سبب لحدوث تلك الكيفية ، وإذا ثبت ذلك في بعض الأجسام ثبت في الكل. # وفيه نظر ، لإمكان أن يكون الضوء عبارة عن أجسام خاصة لا تظهر رؤيتها PageV01P549 # إلا عند المقابلة ، وجاز عدمها لعدم الشرط ، لا للحيلولة. ### |||| ** الرابع : إذا طلعت الشمس أضاء وجه الأرض دفعة ، ومن المستبعد انتقال تلك الأجزاء من ~~الفلك الرابع إلى جميع وجه الأفق دفعة ، أو زمانا يسيرا جدا ، خصوصا والخرق ~~على الفلك محال. # وفيه نظر ؛ لأن الحركة قابلة للشدة القوية (1)، فجاز حدوثها في الزمن ~~اليسير ، والمستبعد ليس بمحال ، ونمنع استحالة الخرق. # سلمناه ، لكنه غير لازم ، لإمكان حصولها عند المقابل لا عند الشمس. ~~والحاصل أنا ندعي ms0344 كون الضوء جسما خاصا كالنار ، لا مطلق الجسمية. # احتجوا : بأن الشعاع متحرك ، وكل متحرك جسم ، فالشعاع جسم. والكبرى ظاهرة ~~، وأما الصغرى فلأن الشعاع منحدر من عند الشمس أو النار ، وكل منحدر متحرك. ~~ولأن الشعاع يتحرك بحركة المضيء. ولأن الشعاع قد ينعكس عما يلقاه من ~~الأجسام الصقيلة والانعكاس حركة. # والجواب : منع الصغرى ، قولهم : «الشعاع منحدر من عند الشمس» ممنوع ، ~~وإلا لرأيناه في وسط المسافة ، بل الشعاع يحدث في المقابل القابل دفعة ، ~~ولما كان حدوثه من موضع مرتفع ، يوهم أنه ينزل ، وليس كذلك. # قولهم : «إنه يتحرك بحركة المضيء» ممنوع ، بل يعدم مع زوال المقابلة ~~للجسم الأول ويحدث مع المقابلة للثاني فيتوهم أنه يتحرك وليس كذلك ، كما في ~~الظل ، فإنه ينتقل كانتقال الشعاع ، وليس بجسم. # قولهم : «إنه ينعكس» ممنوع ، بل المتوسط شرط لحدوث الشعاع من المضيء في ~~ذلك الجسم. PageV01P550 # تذنيب (1) ### |||| ** : هنا ضوء ولمعان ونور وشعاع وبريق ، وكأنها شيء واحد لكنها تختلف باختلاف ~~الاعتبار والشدة والضعف. فالضوء هو الكيفية المنبسطة المشاهدة على الأجسام ~~، فإن الأجسام الملونة إذا صارت ظاهرة بالفعل مستنيرة فإن ذلك الظهور وهو ~~الكيفية المنبسطة عليها مشاهد مغاير للسواد والبياض وغيرهما من الألوان. # واللمعان هو الذي يترقرق على الأجسام ويستر (2) لونها ، وكأنه شيء يفيض ~~عنها. وكل واحد من هذين القسمين ، إما أن يكون له من ذاته ، أو من غيره ، ~~فالظهور الذاتي هو المسمى بالضوء ، كما للشمس والنار. والظهور الذي من ~~الغير يسمى «نورا» (3). والترقرق الذي للشيء من ذاته كما للشمس يسمى ~~«شعاعا» (4). والذي للشيء من غيره، كما للمرآة يسمى «بريقا» (5). ### ||| ** المسألة الرابعة : في أن المضيء لا يضيء إلا المقابل # إذا كان المتوسط بين المضيء والمقابل متشابه الشفيف ، وإضاءة المضيء لا ~~بالانعكاس ، فإنه لا يضيء إلا المقابل ، فإن ضوء الشمس إذا دخل من ثقب في PageV01P551 # بيت مظلم ، وكان الهواء كدرا بغبار أو دخان ، فإن الضوء يظهر مستقيما. ~~وإن كان هذا البيت صافيا أمكن اعتباره بوجوه أربعة : ### |||| ** الأول : إذا أخذنا جسما كثيفا وقطعنا به المسافة المستقيمة التي بين الثقب وبين ~~الموضع المضيء من البيت ms0345 ، وجد الضوء ظاهرا على ذلك الكثيف ، ومنقطعا عن ~~موضعه عن البيت. ولو اعتبر ذلك في المسافات المنفرجة التي بين الثقب وبين ~~الموضع المضيء من البيت ، لا يظهر ذلك الضوء فيه. ### |||| ** الثاني : إذا مددنا خطا مستقيما من الثقب إلى موضع الضوء صار كله مضيئا. ### |||| ** الثالث : إذا أخذنا جسما كثيفا وثقبنا فيه ثقبا دقيقا وقابلنا به جرم الشمس وجدنا ~~الضوء ينفذ منه على سمت مستقيم ، ووجدنا الأبعاد التي بين المواضع المضيئة ~~من البيت مساوية للأبعاد التي بين ذلك الثقب ، أو مناسبة لها. وإذا اعتبرنا ~~سائر الكواكب الدرية كالشعرى وغيرها وجدنا ضوءه منتقلا بحسب انتقاله على ~~الاستقامة. ### |||| ** الرابع : استقامة الأظلال تقتضي استقامة الأضواء. ### ||| ** المسألة الخامسة : في الضوء الأول والثاني (1) # الضوء الأول : هو الضوء الحاصل من المضيء لذاته. # والضوء الثاني : هو الضوء الحاصل من المضيء لغيره (2). PageV01P552 # ومثال ذلك : أنا نجد الأرض في أول النهار قبل طلوع الشمس على الأفق ، وفي ~~آخره بعد غروبها عن الأفق ، مضيئة ، والمواضع المستورة عن الشمس بالحيطان ~~والسقوف مضيئة مع أن الشمس غير مقابلة لوجه الأرض قبل حالتي الطلوع والغروب ~~، ولا في البيوت المستورة ، ولا علة لهذا إلا ضوء الشمس ولا يناقض هذا ما ~~قدمناه في المسألة السابقة من أن المضيء لا يضيء إلا المقابل ؛ لأن ~~المقابلة بين المضيء والمستضيء هنا حاصلة ؛ لأن الهواء المقابل للشمس يصير ~~مضيئا بسبب مقابلته للمضيء بذاته الذي هو الشمس ، وأنه مقابل لوجه الأرض ، ~~فيصير ذلك الهواء مضيئا لوجه الأرض بسبب مقابلته للمضيء لغيره. # فالضوء الحاصل في الهواء المقابل للشمس هو الضوء الأول ، والحاصل على وجه ~~الأرض من المضيء لغيره وهو الهواء المقابل للشمس هو الضوء الثاني. وما دام ~~الضوء الذي في الجو ضعيفا كان الذي يظهر منه ويفيض عنه على وجه الأرض خفيا ~~جدا. فإذا ازداد الجو إضاءة ازداد وجه الأرض إضاءة ، وكذا القول في ما بعد ~~الغروب وفي أفنية الجدران. # وهذا التقرير إنما يتم بأمرين : # أ: قبول الهواء للتكيف بالضوء. # ب : المضيء لا لذاته يضيء غيره بواسطة ما اكتسبه من الضوء الحاصل من ms0346 غيره. # أما الأول (1) فلأنا نشاهد الجو الذي في أفق المشرق وقت الصباح مضيئا. ~~ولأنا نرى الكواكب ليلا لا نهارا ، فلو لا تكيف الهواء بالضوء لبقي على ما ~~كان عليه في الليل ، فيلزم أن الإنسان إذا نظر إلى الجانب المخالف للجانب ~~الذي تكون الشمس فيه من الفلك نرى ما فيه من الكواكب ، إذ الهواء لم يتكيف PageV01P553 # بالضوء ، بل بقي على حاله في الليل ، ولما لم يكن كذلك علمنا تكيف الهواء ~~بالضوء في النهار فمنع من رؤية الكواكب ؛ لأن الحس لا يشاهد الضعف حال وجود ~~الضوء القوي. # وأما الثاني فلأنا نجد ضوء الشمس إذا أشرق على بعض الجدران ، وكان مقابل ~~ذلك الجدار وبالقرب منه مكان مظلم ، فإن ذلك المكان يضيء بعد أن كان مظلما ~~، ولو كان لذلك المكان المظلم باب ، وكان مقابل الباب داخل ذلك البيت جدار ~~، فإن ذلك الجدار يكون أشد إضاءة من بقية البيت. ثم إذا زالت الشمس وزال ~~ضوؤها المشرق على ذلك الجدار عاد الموضع مظلما ، فعلمنا أن المستضيء من ~~غيره قد يضيء شيئا ثالثا. ### ||| ** المسألة السادسة : في أن حصول الضوء الثاني من الهواء المضيء ليس على سبيل الانعكاس # اعلم أن المضيء لغيره (1) قد يضيء غيره على سبيل الانعكاس ، كالمرآة ~~الصقيلة إذا وقع عليها الضوء ، فإنها تضيء غيرها مما يقابلها بأن ينعكس ~~الضوء الأول منها إلى المقابل. # وقد يكون لا على سبيل الانعكاس ، كالضوء الثاني المفروض على وجه الأرض ~~وفي أفنية البيوت الحاصل من الهواء المستضيء بمقابلة الشمس ، لأن هذا الضوء ~~لو كان على سبيل الانعكاس من الهواء إلى وجه الأرض لما كانت أجزاء ذلك الجو ~~كلها مضيئة ، كما في المرآة ، فإنها لما أضاءت بالانعكاس لم يكن جميع سطحها ~~مضيئا ، إذ الانعكاس إنما يكون عن السطح الصقيل ، وعود الضوء منه إلى ما ~~ينعكس إليه ، فلا ينفذ في عمق الجسم ذي السطح الصقيل ، لكن الاعتبار دل على ~~أن جميع الضوء المضيء مضيء في نفسه ، ويضيء كل ما يقابله. PageV01P554 # فإن قيل (1): جرم الهواء ، إما أن يتكيف بكيفية الضوء أو لا ، فإن ms0347 تكيف ~~بكيفية الضوء وجب أن نحس بضوء الهواء كما نحس بضوء الجدار حال تكيفه بالضوء ~~الواقع عليه من الشمس وشبهها ، لكنا لا نحس بكون الهواء مضيئا كإضاءة ~~الجدار. وإن لم يتكيف الهواء بكيفية الضوء لم يكن الهواء في ذاته مضيئا ~~بذاته ولا لغيره ، فلا يضيء غيره لانتفاء مطلق الضوء عنه. # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون للهواء لون ضعيف أضعف مما للماء والأحجار ~~المشفة كالبلور ، فيكون قابلا للضوء باعتبار ما له من اللون الضعيف ، ويكون ~~ذلك الضوء فيه ضعيفا جدا لضعف لونه ، فلا نحس بضوئه لضعفه كما نحس بالضوء ~~الموجود في الكثيف؟ # سلمنا أن الهواء لا لون له ، لكن الهواء المحيط بالأرض ليس بسيطا بل ~~خالطته أجزاء كثيفة أرضية ومائية ، وهي تقبل الضوء من الشمس ثم يضيء وجه الأرض. # لأنا نقول : أما الأول فباطل ، لأن الضوء الذي في الهواء إن بلغ في الضعف ~~إلى أن يصير بحيث لا يرى كان الضوء الحاصل منه في وجه الأرض أولى بأن لا ~~يرى ، والتالي كاذب فالمقدم مثله. وإن لم يبلغ إلى هذه النهاية كان ضوؤه مرئيا. # وأما الثاني فلأنه لو صح ما ذكرتموه من حصول الضوء للهواء بواسطة ما ~~خالطه من الأجزاء الكثيفة الأرضية أو المائية ، لوجب أن يكون الهواء كلما ~~كان أصفى وكان الغبار والبخار فيه أقل ، وجب أن يكون الضوء أضعف فيكون ~~الضوء قبل الطلوع وبعد الغروب وفي أفنية الجدران أضعف ، لصفاء الهواء حينئذ ~~، ويكون كلما كان البخار والغبار فيه أكثر وجب أن يكون الضوء فيه حينئذ أشد ~~وأصفى ، لكن التالي كاذب ، فالمقدم مثله. PageV01P555 # فالجواب : أن الهواء له لون ضعيف لا باعتبار ذاته ، بل بواسطة امتزاجه ~~بغيره من الأجزاء البخارية ، فلأجل ذلك يتكيف بضوء ضعيف لا يقع به الإحساس ~~، ونلتزم ما قالوه من : أن الضوء الحاصل في الكثيف أولى بأن لا يرى ، لأنا ~~إذا نظرنا إلى الجدار الذي لا تقابله الشمس فكأنا لا نرى فيه إلا اللون ، ~~ولا نرى في البيت شيئا من الكيفية الحاصلة فيه عند كونها في مقابلة ms0348 الشمس. ### ||| ** تذنيبات : ### |||| ** أ: ظاهر قول الرياضيين : «إن الضوء ينفذ من المضيء إلى الشفاف فيسري (1) في ~~ذلك الهواء الشفاف» إنما هو قول مجازي ، والمراد منه حدوث كيفية الضوء في ~~المقابل دفعة من غير أن يمر بالهواء. # ب : الظل (2): عبارة عن الضوء الثاني وهو قابل للشدة والضعف بحسب شدة ~~الضوء الأول الفائض منه إليه وقبول المقابل وقلة الحجب من الحجاب ، وأضداد ~~ذلك في الضعف. وطرفاه اللذان هما في غاية التباعد الضوء والظلمة. # ج : الظلمة : أمر عدمي (3) وهو عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مضيئا ~~وليست أمرا ثبوتيا ، خلافا لجماعة من الأشاعرة ، حيث قطعوا بكونها ثبوتية ، ~~وهو غلط لوجوه : ### |||| ** أولا : إذا غمضنا العين كان حالنا كما إذا فتحناها في الظلمة ، ولا نفرق بينهما ~~البتة، فكما أنا عند التغميض لا ندرك شيئا ، فكذلك إذا فتحناها [في الظلمة] PageV01P556 # وجب أن لا ندرك كيفية من الجسم المظلم (1). ### |||| ** ثانيا : إذا قدرنا خلو الجسم عن الضوء من غير انضياف صفة أخرى إليه لم يكن حال ذلك ~~الجسم إلا هذه الظلمة ، ومتى كان كذلك لم تكن الظلمة أمرا وجوديا. ### |||| ** ثالثا : إذا جلس إنسان في غار مظلم ليلا لا ضوء فيه ، وجلس خارج الغار شخص أوقد ~~نارا خارج الغار ، فإن الذي في الغار يرى الجالس عند النار ويرى الهواء ~~مستنيرا (2)، والجالس عند النار لا يرى من في الغار ويرى الهواء مظلما ، ~~ولو كانت الظلمة كيفية وجودية لما اختلف حالها باختلاف الأشخاص. # احتج المخالف بأنه ليس جعل الظلمة عدم الضوء أولى من العكس ، فإما أن ~~يكونا وجوديين أو عدميين ، والتالي باطل فتعين الأول. # وهذا الكلام في غاية السقوط ، لأن الضوء كيفية مشاهدة محسوسة لا يمكن أن ~~تكون عدمية. والظلمة قد بينا أنها ليست محسوسة ، ولا يزيد المظلم في ظلمته ~~على عدم الضوء عنه. ### |||| ** رابعا : توهم بعض الناس (3) أن إبصار بعض الأجسام يتوقف على الظلمة ، والظلمة شرط ~~في رؤيته ؛ لأن الجسم إما أن يرى بكيفية في غيره وهو الشفاف ، أو بكيفية ~~فيه ، فإما أن يكون إبصار هذا الثاني متوقفا على شرط ms0349 ، أو لا ، فإن كان ~~مرئيا لذاته غير متوقف على شرط فهو المضيء ، وإن كانت صيرورته مرئيا يتوقف ~~على شرط آخر ، فذلك الشرط قد يكون ضوءا في الألوان ، وقد يكون ظلمة ~~كالأشياء PageV01P557 # التي تلمع ليلا. # وهو خطأ ، فإن الظلمة لا يمكن أن تكون شرطا لصيرورة اللوامع مبصرة ؛ لأن ~~المضيء مرئي سواء كان الرائي في الظلمة أو في الضوء ، كالنار يراها الإنسان ~~سواء كان في الظلمة أو في الضوء. وأما الشمس فإنما لا يمكننا أن نراها في ~~الظلمة ؛ لأنها متى طلعت لم تبق الظلمة. # فأما الكواكب واللوامع ، فإنما ترى في الظلمة دون النهار لغلبة ضوء الشمس ~~على ضوئها ، وإذا انفعل الحس عن الضوء القوي لم ينفعل عن الضعيف ، وفي ~~الليل لا ضوء غالب فيه على ضوئها فرؤيت. # وبالجملة فصيرورتها مرئية ليس لتوقف ذلك على الظلمة ، بل لأن الحس في ~~الليل لما لم ينفعل عن المحسوس القوي أمكنه إدراك الضعيف ، وبالنهار يصير ~~الحال بالعكس من ذلك ، وهذا كما أن الهباء (1) الذي في الجو من جنس ما يمكن ~~أن يرى في الضوء ، ومع ذلك فإنه لا يرى بسبب أن البصر إذا كان مغلوبا بضوء ~~الشمس ، وهو محسوس قوي لا يقدر على إدراكها ، فأما عند ما يكون في البيت لا ~~منفعلا عن الضوء القوي يمكنه إدراكها. # فظهر أن الظلمة ليست شرطا في هذا الباب ، بل السبب ضعف البصر عن إدراك ~~الضعيف إثر القوي. # والتحقيق أن نقول : إن عنيت بكون الظلمة شرطا ، أن البصر لضعفه لا يتمكن ~~من إدراك الضعيف الضوء نهارا لغلبة ضوء الشمس عليه فهو مسلم ؛ لأن البصر ~~كما احتاج في إدراكه للأشياء إلى الاستعانة بالضوء ، كذا يحتاج في إدراكه ~~لبعضها إلى حد من الضوء متى تجاوزه لم يحصل الإدراك ، ولا نعني بالشرط سوى ~~ذلك. وإن عنيت به أن تلك الأشياء في نفسها لا تكون مرئية في نفسها ، فهو PageV01P558 # باطل. ### |||| ** خامسا : قيل : النور خير لأنه وجودي ، والظلمة شر لأنها عدمية. وسيأتي بيان أن الشر ~~ليس إلا عدم الكمال عن مستحقه ، وهذا بحث خطابي. (1) PageV01P559 ### ||| ** البحث ms0350 الرابع : في الكيفيات المسموعة # وهي الصوت والحرف. # فهنا بابان : ### | الباب الأول ### | في الصوت # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في ماهيته (1) # الصوت : كيفية محسوسة بحاسة السمع ، لا تحتاج إلى تعريف حدي ولا رسمي ؛ ~~لجلاء ماهيته. فإن المحسوسات على ما تقدم لا يمكن تعريفها ، لأنها أظهر من ~~كل ما يعرف به ، لكن قد غلط جماعة في ماهيته ، فبعضهم جعله جسما ينقطع ~~بالحركة نسمعه بانتقاله إلى الأذن ، وهو مذهب إبراهيم النظام. وبعضهم PageV01P560 # اشتبه عليه الصوت بسببه ، فاعتقد أنه التموج الذي هو السبب القريب للصوت. ~~وذهب بعضهم إلى أنه نفس القرع والقلع اللذين هما سببان بعيدان للصوت. وقيل ~~: إنه اصطكاك الأجسام الصلبة. والكل باطل. # أما الأول : فلأن الأجسام مشتركة في الجسمية ، ومختلفة في الصوت ، وما به ~~الاشتراك غير ما به الاختلاف. وأيضا الأجسام ملموسة ومبصرة ، إما بالذات أو ~~بالعرض ، وليس الصوت بملموس ولا مبصر بالذات ولا بالعرض ، فليست الأصوات ~~أجساما. ولأن الصوت مدرك بالسمع والجسم ليس مدركا به فتغايرا. وأبطل أبو ~~هاشم هذا القول المنسوب إلى النظام بأن الصوت لو كان جسما لصح أن يبنى منه ~~حائط أو دار ، والتالي باطل بالضرورة فالمقدم مثله ، ولم يدل على الشرطية ~~بشيء ، بل كأنه أخذها مسلمة مع أن لمنازع أن ينازع فيها. وليس (1) يصح في ~~كل جسم ما ذكره ، بل من شرطه (2) أن يكون كثيفا. # وأما إبطال المذاهب الأخر فلأن التموج حركة وهو مبصر ، والصوت غير مبصر. ~~وأيضا التموج محسوس باللمس ؛ لأن الصوت الشديد ربما ضرب الصماخ فأفسده. ~~والاصطكاك والقرع مماسة ، والقلع تفريق ، وكل ذلك محسوس بالبصر بتوسط اللون ~~، ولا شيء من الأصوات يحس باللمس أو البصر ، فليس التموج والقرع والقلع بصوت. # وأيضا الشيء قد يعلم منه أنه تموج أو قرع أو قلع ، ويجهل كونه صوتا ، ~~ويعلم كون الشيء صوتا ويجهل كونه تموجا ، أو قرعا ، أو قلعا. وكل ذلك يدل ~~على التغاير بين الصوت وهذه الأشياء (3). PageV01P561 ### ||| ** المسألة الثانية : في سبب الصوت (1) # للصوت سببان : قريب ، وبعيد : # فالقريب : هو تموج الهواء ، ولا نعني بالتموج حركة انتقالية من هواء واحد ~~بعينه ms0351 ، بل حالة شبيهة بتموج الماء ، فإنه أمر يحصل بالتدارك بصدم بعد صدم ~~مع سكون بعد سكون. وللتموج سبب قريب هو السبب البعيد للصوت ، وهو إما قرع ~~أو قلع. فالقرع إمساس أحد الجسمين بالآخر بعنف ، والقلع تفريق أحد النصفين ~~من الجسم من صاحبه بعنف ، كما تشق الخشبة أو الثوب بعنف. وإنما اعتبرنا ~~العنف ؛ لأن مطلق القرع ومطلق القلع لا يوجبان الصوت ، فإنك لو قرعت جسما ~~لينا كالصوف بقرع لين جدا لم يحدث صوت. وكذا لو شققت جسما يسيرا يسيرا ، أو ~~كان المشقوق لا صلابة فيه ، فإنه لا يكون للقطع صوت. # وقيل : السبب القريب للصوت هو القرع أو القلع ، وليس بجيد ، لأنهما آنيان ~~، فإن القرع مماسة والقلع لا مماسة ، والصوت زماني ، والآني لا يكون سببا ~~للزماني. وينتقض بالميل الذي هو سبب الحركة ، وبامكان كونهما معدين (2). ~~ونمنع كون القلع آنيا. # وقول من جعل التموج سببا قريبا يشعر بأنا لو قدرنا العالم خاليا لم يحصل ~~الصوت من القرع والقلع العنيفين. والذي أوهم إسناد الصوت إلى التموج شيئان : ### |||| ** الأول : متى رأيناه حاصلا حصل الصوت ، فإن طنين الطست ينقطع عند تسكينه على حالة ~~واحدة ، فلولا حاجة الصوت إلى الحركة لم (3) ينقطع طنينه عند سكونه. PageV01P562 ### |||| ** الثاني : نرى الصوت مستمرا باستمرار حركة الهواء الخارج من الحلق ، والآلات الصناعية ~~، وسائر الأجسام المصوتة. # واعلم أن الدوران لا يفيد القطع ولا دلالة قاطعة على أن المؤثر في وجود ~~الصوت هو القرع أو القلع العنيفان أو التموج. ولا دلالة قاطعة أيضا على ~~إمكان حدوث الصوت بدونهما ، فمن المحتمل أن يكون أحد هذه الأمور مؤثرا أو ~~شرطا (1)، بل الظاهر ذلك. # واعلم أن تموج الهواء لازم من القرع والقلع ، لأن القارع للهواء يحوجه ~~إلى أن ينقلب من المسافة التي يسلكها القارع إلى جنبتيها بعنف شديد. وكذلك ~~القالع يحوج الهواء إلى الانقلاب المذكور. وفي الأمرين جميعا يلزم المتباعد ~~(2) من الهواء أن ينقاد للشكل والتموج الواقعين هناك ، لكن القرعي أشد ~~انبساطا من القلعي. ### ||| ** المسألة الثالثة : في حقيقة القرع # اعلم أن القرع لا بد فيه من حركتين ms0352 إحداهما سابقة عليه ، والأخرى لاحقة ~~به. أما السابقة فقد تكون من أحد الجسمين ، بأن يتحرك وينتقل إلى الثاني ، ~~ويكون الثاني ساكنا حافظا لموضعه ، ويصير المتحرك إليه بقوة. وقد تكون ~~الحركة منهما معا ، بأن يتحرك كل منهما إلى صاحبه ، ولا بد من المعاوقة ~~بينهما وقيام كل واحد منهما أو أحدهما في وجه الآخر قياما مخصوصا (3)، ~~فإنه إن لم توجد تلك المماسة إلا آنا أو زمانا يسيرا جدا بحيث لا نحس به لم ~~يكن صوت ، ولا تشترط الصلابة في ذلك القيام بأن يكون القائم صلبا ، فقد ~~يكون رطبا في الغاية ويحصل منه صوت ، وذلك بأن يحمل عليه بالقوة ويطلب (4) ~~خرقه خرقا كثيرا في زمان PageV01P563 # قصير ، فربما قام في وجه الخارق وقاومه ومانعه عن النفوذ فيه وصده عن ~~خرقه بسهولة ، فحينئذ يقوم في وجه ذلك النافذ ، وتقوم تلك مقام الصلابة ، ~~كما أنك لو أمررت السوط في الماء برفق ، فإنك يمكنك شقا سهلا لا يلزمك فيه ~~مئونة ، ولو استعجلت استعصى وقاوم، وكذلك الهواء. وقد يجوز أن يصير الهواء ~~أجزاء : جزء منه قارع كالريح ، وجزء مقاوم ، وجزء منضغط فيما بينهما على ~~هيئة من التموج. # فظهر أنه ليست الصلابة والتكاثف علة أولية لإحداث هذا التموج ، وأنهما ~~يحدثان الصوت بسبب حصول المقاومة ، لا باعتبار خصوصيتهما ، فإذا حصلت ~~المقاومة مع عدم الصلابة والتكاثف حصل الصوت ، لوجود علته. # فالعلة الأولية إذن هي المقاومة ، والقارع والمقروع معا يفعلان الصوت ، ~~لاحتياج المقاومة إليهما ، لكن أولاهما به أصلبهما وأشدهما مقاومة. # وأما الحركة اللاحقة فهي اضطراب الهواء وانقلابه من المسافة التي يسلكها ~~القارع إلى جنبتيها بعنف. ثم إن ذلك الهواء المنقلب يحصل له الانقياد إلى ~~الشكل والموج الواقعين هناك. ### | المسألة الرابعة (1): في أن الصوت هل يتوقف الإحساس به على وصول ### ||| * الهواء الحامل له إلى الصماخ؟ (2) # ذهبت الفلاسفة (3) إلى أن السماع لا يحصل إلا عند تأدى الهواء المنضغط ~~بين القارع والمقروع الحامل للصوت إلى سطح الصماخ. وهو مذهب النظام أيضا ، # تاج العروس 7 : 293. PageV01P564 # خلافا لكافة الأشاعرة (1). والظاهر أن النظام لما وافق الأوائل على توقف ms0353 ~~السمع على وصول الهواء إلى سطح الصماخ ، والهواء جسم ، ظن الناقلون عنه أنه ~~ذهب إلى أن الصوت جسم (2). # احتج الأوائل بوجوه : (3) ### |||| ** الأول : نرى صوت المؤذن على المنارة يميل من جانب إلى آخر عند هبوب الرياح ، ويتبع ~~الرياح في الجريان إلى الجهة التي تطلبها. ### |||| ** الثاني : من أخذ انبوبة طويلة ووضع أحد طرفيها على فمه وطرفها الآخر على سطح صماخ ~~آخر ، وتكلم فيها بصوت عال ، فإن ذلك الإنسان الآخر يسمع صوته دون ~~الحاضرين. وليس ذلك إلا لأن الهواء المتموج الحامل للصوت لم ينتقل إلا إلى ~~سطح صماخ الذي وضعت الانبوبة على صماخه ، وانحصر في الانبوبة حتى تأدى إليه ~~خاصة دون الحاضرين ، فعلمنا أن الصوت محمول في الهواء المتموج. ### |||| ** الثالث : إذا ضرب جسم على جسم من قرب ، سمع الصوت حال القرع ، ولو بعدت المسافة لم ~~يسمع إلا بعد زمان ، كما نشاهد في القصار إذا ضرب الثوب على الحجر ، فإنه ~~مع البعد يسمع الصوت بعد مشاهدة القرع بزمان ، ولا سبب لذلك إلا أن الصوت ~~يحمله الهواء ويتموج إلى أن يصل إلى الأذن فيسمع بعد الحركة وانقضائها ، ~~فساوى طول الزمان بعد المسافة. ### |||| ** الرابع : لو انسد التجويف الذي في الأذن لم يحصل السماع حيث لم يتأد التموج إلى سطح ~~الصماخ. PageV01P565 ### |||| ** الخامس : لو كان بين القارع (1) وبين السامع جسم كثيف تعذر السماع وصار عسرا لعسر ~~التموج للهواء. والصوت الشديد قد يخرق سطح الصماخ ، وقد يبلغ في الشدة إلى ~~أن يهدم الأبنية ويفصل الأحجار ، كالرعود القوية ، وهو يدل على أن الصوت لا ~~يسمع إلا بعد تأدي الهواء الحامل له إلى الصماخ. # واعترض (2) بأن المرجع في هذه الوجوه إلى الدوران ، وهو ضعيف ؛ لعدم ~~إفادته اليقين. # واحتج الآخرون بوجوه : ### |||| ** أ: الحروف الصلبة كالباء والتاء والدال والطاء ، هيئات تحدث في الآن الفاصل ~~بين زمان حبس النفس وزمان اطلاقه ، وذلك مما يمتنع بقاؤه ، فلا ثبوت لها ~~إلا آن حدوثها ونحن # نسمعها. فإذن قد سمعناها قبل وصول الهواء الحامل لها إلى صماخنا. ### |||| ** ب : حامل كل واحد من الحروف المسموعة ، إما كل واحد من ms0354 أجزاء الهواء أو مجموع ~~الأجزاء ، والأول باطل ، لأنه يقتضي أن الإنسان إذا تكلم أن يسمع السامع ~~كلامه مرارا متعددة عند ما تصل إلى صماخه أعداد كثيرة من تلك الأجزاء. ~~والثاني باطل ، لأنه يقتضي أن لا يسمع كلام الواحد إلا واحد ، لأن جملة ~~الهواء إنما تتحرك إلى جهة واحدة فلا تصل إلا إلى صماخ واحد. # ج (3) ### |||| ** : إذا سمعنا الصوت عرفنا جهته ، ولو أنا أدركناه حال وصوله إلى صماخنا لما ~~أدركنا الجهة التي منها وصل إلينا ، كما أنا لما لم ندرك الملموس إلا حال ~~وصوله إلينا ، لم ندرك باللمس أن الملموس من أي جانب جاء. PageV01P566 ### |||| ** د : قد يسمع كلام الغير من وراء الجدار ، فهنا قد حصل الإدراك من غير وصول ذلك ~~الهواء إلى الصماخ. # لا يقال : يتأدى الهواء إلى الصماخ في الفرج الحاصلة في مسام الجدار. # لأنا نقول : لا شك أن الهواء لا يحمل الحروف المخصوصة ما لم يتشكل بأشكال ~~مختلفة مخصوصة عند وصوله إلى مخارج الحروف. ثم إن الهواء لطيف فكما يتشكل ~~بالشكل المخصوص بسبب ما عرض له من الحبس في مخارج الحروف ، فكذلك لا بد أن ~~يتشكل بشكل آخر عند وصوله إلى الجدار ، وحينئذ يزول الشكل الأول الذي بسببه ~~حدثت الحروف المخصوصة ، وإذا بطل ذلك الشكل بطل ذلك الحرف. # ه : لو كان وصول التموج شرطا لما حصل السماع للكلام المنتظم إلا نادرا ، ~~إذ بقاء الشكل محفوظا في الهواء المتموج الذي يفرض له اختلاف الأوضاع في ~~أجزائه بسبب المصادمات والمصاكات له من خارج في غاية الندرة ، والتالي باطل ~~فالمقدم مثله. # واعترض (1) على ب ### |||| ** : بأن الحامل لكل حرف كل جزء من أجزاء الهواء ، فأي جزء وصل إلى الصماخ حصل ~~الشعور بما يحمله من الصوت. ### |||| ** وعلى ج : بأنا نسلم ، أنا ندرك الصوت الحاصل في تلك الجهة ، لكنا لا ندرك كونه حاصلا ~~في تلك الجهة ، لأن كونه في تلك الجهة يستحيل أن يكون متعلقا بالسمع ، وإذا ~~كان كذلك لم يلزم من إدراك الصوت قبل وصول حامله إلى الصماخ إدراك جهته. ### |||| ** وعلى د : بأن الحائل ms0355 الذي لا منفذ فيه أصلا يمنع من السماع ، لأنا ندرك أنه كلما ~~كانت المنافذ أقل كان السمع أضعف ، فيلزم أنه إذا لم توجد المنافذ أصلا ، أن PageV01P567 # لا يوجد السمع. ### |||| ** وعلى ه : بما مر من أن الحرف إنما يتكون بإطلاق الهواء بعد حبسه على جنس مخصوص فيكون ~~التموج الفاعل للحرف ليس مخصوصا بكل الهواء دون أجزائه ، بل هو حاصل في كل ~~جزء من أجزائه ، فأي جزء وصل حصل الشعور بما فيه من الصوت. # قال أفضل المحققين : القائلون بالتموج لا يشترطون فيه بقاء الهواء على ~~شكل ، والذي يتمثلون به من تموج الماء ليس المراد منه حدوث الشكل المرئي ~~فيه ، بل الكيفية الحاصلة في نفس جرمه ، بسبب القرع ، وانبساط تلك الكيفية ~~في الماء الذي يلي موضع القرع ، فإن الشكل يختص (1) بالسطح الظاهر ، ~~والتموج يحصل في عمق الماء والهواء. # وأيضا لا يقولون بامتناع وجود التموج في جسم غير الماء والهواء ، بل ~~يجوزونه في غيرهما ، كما نحس به في الأواني الصفرية وارتعاشها زمانا بسبب ~~القرع ، وإحداثها الصوت بعد القرع زمانا طويلا. # وأيضا إذا حدث القرع على جسم مصمت لا مسام له أصلا ، فإن السامع يسمع ~~الصوت من غير أن يصل من موضع القرع هواء إلى صماخه ، بل يتأدى التموج من ~~ذلك الجسم إلى الهواء الذي يجاوره ، ومن الهواء إلى الصماخ. وإدراك الجهات ~~بسبب هيئة تبقى في الهواء تفيد الإحساس بجهة القرع. # وقال أبو البركات البغدادي : كأن النفس تتبع الهواء المقروع في جهة القرع ~~(2) حتى تحس بذلك. وقياس السمع على اللمس لا يجدي بطائل (3). # وفيه نظر ، فإنه لو لا بقاء الشكل لم يبق الحرف مضبوطا ولا الكلام ~~محفوظا. PageV01P568 # وإدراك الجهة ليس من السمع ، وكلام أبي البركات خطابي. ### ||| ** المسألة الخامسة : في استحالة البقاء على الصوت (1) # اعلم أنا قد بينا الخلاف بين المتكلمين في بقاء الأعراض ، فالأشاعرة ~~منعوا منه ، وقالوا هنا إن الصوت عرض فلا يمكن بقاؤه. # وأما القائلون ببقاء الأعراض فقد اختلفوا ، فذهبت الكرامية إلى بقائه ~~وجعلوا إدراكه موقوفا على حال الحدوث ، وكان عندهم أن الانتفاء محال ms0356 أصلا ، ~~وإن كان يدرك في حال دون أخرى ، إلا أن الحدوث لا حظ له في إدراك ما يدرك ، ~~وإن كان له حظ المنع. (2) والحق عندنا خلاف ذلك ، فإن الضرورة قاضية بعدم بقائه. # وأيضا استدل المانعون منه بأنه لو بقي حتى اجتمعت حروف الكلمة الواحدة ، ~~لم يكن «زيد» بأن نسمع على هذه الهيئة أولى من أن نسمعه على سائر مقاليب ~~الحروف الخمسة (3). ولأن العلم الضروري حاصل بأن الحروف الصلبة الآنية غير باقية. # واعترض بجواز بقائها وتضادها ، فإن كان الأول مخلفا بالثاني لزم فناؤه ~~لوجود ضده ، وإن لم يكن مخلفا به بقى. والأصل فيه أن البقاء وصحة البقاء ~~أمران متغايران ، فجاز أن يكون كل واحد من الحروف يصح بقاؤه لو لم يحصل ~~الحرف الآخر بعده ويستحيل بقاؤه عند حصول الحرف الآخر ، ولا يلزم من امتناع ~~بقاء الحروف الآنية امتناع بقاء كلها ، لأن الحروف مختلفة ، ولا يلزم أن ~~يكون الشيء على حكم ما يخالفه ، ولهذا كانت هذه الحروف الآنية لا يمكن ~~تمديدها ، وباقي الحروف PageV01P569 # يمكن تمديده. # سلمنا ، لكن لا يلزم من امتناع بقاء الحروف امتناع بقاء الصوت لأنهما ~~متغايران. ### ||| ** المسألة السادسة : في إثبات الصوت في الخارج # قال الشيخ (1): لمعتقد أن يعتقد أن الصوت لا وجود له في الخارج ، بل ~~إنما يحدث في الحس من ملامسة الهواء المتموج. ثم احتج على بطلانه ، بأنا ~~إذا سمعنا صوتا وأدركناه أدركنا معه جهته ، ومعلوم أن الجهة لا يبقى لها ~~أثر في التموج عند بلوغه إلى الصماخ ، فكان يجب أن لا ندرك من الصوت جهته ، ~~لأنها من حيث جاءت دخلت بحركتها تجويف الصماخ ، فيدركها الصماخ هناك. ولا ~~يتميز بين الجهات كما في اللمس ، فإن اليد تلمس ما تلقاه ولا تشعر به إلا ~~حيث يلمسه ، ولا تفرق بين وروده من جهة وجهة ؛ لأن اليد لا تدرك الملموس ~~حين ما كان في أول المسافة ، بل حين انتهى إليها. ولما كان التمييز بين ~~الجهات حاصلا ، وكان التمييز بين القريب والبعيد من الأصوات حاصلا أيضا ، ~~علمنا أنا ندرك الأصوات الخارجية حيث هي ms0357 ، ولا ندركها حيث هي إلا وهي ~~موجودة خارج الصماخ. # لا يقال : إنما ندرك الجهة لأن الهواء القارع إنما توجه من تلك الجهة ، ~~وإنما نميز بين القريب والبعيد لقوة الأثر الحاصل من القريب وضعفه عن ~~البعيد. # لأنا نقول : إن المؤذن قد يكون على جهة اليمين من السامع مثلا ، ويسد # ولا يقر العلماء اليوم رأي ابن سينا الذي يذهب إلى أن للصوت وجودا في ~~الخارج. فليس في الخارج إلا موجات هوائية. اما الصوت فهو خبرة سيكولوجية ~~تحدث في المركز السمعي في المخ حينما تؤثر هذه الموجات الهوائية في أعضاء ~~السمع الموجودة في الأذن الداخلية. راجع الإدراك الحسي عند ابن سينا : 110. PageV01P570 # أذنه اليمنى ويسمع الصوت بالأذن اليسرى ويشعر به ويكون المصوت على اليمين ~~، ومعلوم أنه لا يصل التموج إلى الأذن اليسرى إلا بعد أن ينعطف على اليمين. # وفيه نظر ؛ لأنا نمنع حينئذ إدراك الجهة. وفرقهم بين البعيد والقريب باطل ~~، وإلا لكنا لا ندرك الفرق بين البعيد القوي والقريب الضعيف ، ولكنا إذا ~~سمعنا صوتين متساويين في البعد ، مختلفين بالقوة والضعف ، يظن أن أحدهما ~~قريب والآخر بعيد. وبالجملة : كان يشتبه علينا القوة والضعف بالقرب والبعد ~~، ولما لم يكن كذلك بطل ما قالوه. # واعترض : بأنا نسلم أنا ندرك الصوت الحاصل في تلك الجهة ، لكن لا ندرك ~~منه كونه في تلك الجهة ؛ لأن كونه في تلك الجهة معناه أنه موجود في جسم ~~حاصل في تلك الجهة ، والسمع لا تعلق له بذلك ، وإذا كان كذلك لم يكن لإثبات ~~الصوت قبل وصوله إلى الصماخ منفعة في إدراك جهته ، فالمعتمد في إبطال هذا ~~الوهم ، ما تقدم من أنا ندرك الصوت قبل وصول الهواء إلى الصماخ. # وفيه نظر ، فإنا إنما سعينا لإثبات الصوت في الخارج في تلك الجهة سواء ~~كان ذلك مستفادا من الحس أو العقل. # قال أبو البركات في سبب إدراك الجهة : قد علمنا أن هذا الإدراك إنما يحصل ~~أولا بقرع الهواء المتموج لتجويف الصماخ ، ولهذا يصل من الأبعد في زمان ~~أطول ، لكن بمجرد إدراك الصوت القائم بالهواء القارع لا ms0358 يحصل الشعور بالجهة ~~والقرب والبعد ، بل ذلك إنما يحصل بتتبع الأثر الوارد من حيث ورد وما بقي ~~منه في الهواء الذي هو في المسافة التي منها ورد. # والحاصل : أن عند غفلتنا يرد علينا هواء قارع ، فندركه عند الصماخ ، وذلك ~~القدر لا يفيد إدراك الجهة ، بل إنا بعد ذلك نتبعه بتأملنا ، فيتأدى ~~إدراكنا من PageV01P571 # الذي وصل إلينا إلى ما قبله من جهته ومبدأ وروده. فإن كان بقي منه شيء ~~متأد (1) أدركناه إلى حيث ينقطع ويفنى وحينئذ ندرك الوارد ومدده ، وما بقي ~~منه موجودا وجهته وبعد مورده وقربه وما بقي من قوة أمواجه وضعفها ، ولذلك ~~ندرك البعيد ضعيفا ؛ لأنه يضعف تموجه. وإن لم يبق في المسافة أمر ينتهي بنا ~~إلى المبتدأ لم نعلم من قدر البعد إلا بقدر ما بقي ، فلا نفرق بين الرعد ~~الواصل إلينا من أعالي الجو وبين دوي الرحى الذي أقرب منه إلينا. وإذا كان ~~بقربنا رجلان بعد أحدهما ذراع والآخر ذراعان ، وسمعنا كلامهما من غير أن ~~نبصرهما عرفنا بالسمع قدر المسافة من قرب أحدهما وبعد الآخر (2). ### ||| ** المسألة السابعة : في سبب اختلاف الصوت (3) # اعلم أن الصوت يختلف تارة بالجهارة والخفاءة ، وتارة بالثقل والحدة. # أما سبب الأول : فهي الأسباب الثلاثة المذكورة في اللون : من اختلاف ~~القوي والضعيف بحيث لا يتميز في الحس ، ومن اجتماع صوتين في الجهارة ، ~~وحصول واحد في الخفاءة ، ومن الاختلاف النوعي. # وأما سبب الحدة : فصلابة المقروع ، وملاسته في بعض الأجسام ، وقصر المنفذ ~~، وضيق منفذ الهواء ، وشدة التوائه في بعضها. فيحدث عن هذه الأسباب تلزز ~~وقوة وملاسة سطح في الهواء المتموج ، وتراص أجزاء من الهواء المتموج فيتأدى ~~على تلك الصورة إلى السمع. وسبب الثقل فقدانها. وهذه الأسباب تقبل الشدة ~~والضعف ، والزيادة والنقصان ، فإن زادت الأسباب زادت المسببات على تناسب PageV01P572 # واحد وبالعكس ، فتكون نسبة الطول إلى الطول كنسبة النغمة إلى النغمة في ~~الحدة والثقل ، فتكون نغمة نصف الطول نصف نعمة الكل في الثقل ، فلأجل ذلك ~~اختلفت الأصوات في الحدة والثقل. ### ||| ** المسألة الثامنة : في الصدى (1) # أ: الصدى عبارة عن «صوت ms0359 يسمع عقيب صوت بزمان يسير جدا يحكيه بعينه» (2). ~~والسبب في حدوثه ، أن القارع أو القالع إذا فعلا قرعا أو قلعا حصل من ~~أثرهما تموج الهواء بين القارع والمقروع ، فإذا قاوم ذلك التموج شيء من ~~الأجسام كجبل أو جدار أملس بحيث يرد ذلك التموج ويصرفه إلى خلف ، ويكون ~~شكله شكل الأول وعلى هيئته ، كما يلزم من الكرة المرمي بها إلى الحائط حين ~~تنبو ، لزم أن يضطر الهواء إلى التموج فيما بينهما ، وأن يرجع القهقرى ~~فحينئذ يحدث من ذلك صوت هو الصدى. # واعلم أن الفاعل لهذا الصدى ليس هو الهواء المتموج المتوجه إلى ما يقاومه ~~أولا ثم الراجع ، بل هذا الهواء المتموج أولا يموج هواء آخر بينه وبين ذلك ~~المقاوم. فهذا الصدى يحدث من تموج الهواء الثاني المتموج عن الهواء الأول ، ~~لأن الهواء المتموج أولا إذا صدمه ذلك الجسم الكثيف لم يبق على ذلك الشكل ~~المخصوص ، فبعد رجوعه لا يكون حاملا لذلك الصوت ، فوجب أن يكون حادثا عن ~~تموج الهواء الثاني الراجع إلى مكان الأول حين ذهاب الأول إلى ذلك الجبل ، ~~ولهذا يكون على صفته وهيئته. PageV01P573 # وكل صوت فإن له صدى ؛ لأنه متى تموج عنه هواء لا بد وأن يتموج إليه حينئذ ~~هواء آخر فيكون فاعلا للصدى. لكن بعض الأصوات لا يسمع له صدى إما لأجل أن ~~المسافة إذا كانت قريبة بين المصوت وبين عاكس الصوت لم يسمع في زمانين بحيث ~~يقوى الحس على تباينهما. وإذا بعدت المسافة بينهما قوى الحس على إدراك ~~التباين (1). وإذا كان العاكس صلبا أملس فهو لتواتر الانعكاس منه بسبب قوة ~~النبو يبقى زمانا كثيرا كما في الحمامات ، وهذا هو السبب في أن يكون صوت ~~المغني في الصحراء أضعف ، وتحت السقف أقوى ، لتضاعفه بالصدى المحسوس معه في ~~زمانين كالواحد ؛ لأن الزمانين المتقاربين في الحس كالواحد ، فالصوت الواقع ~~فيهما كصوت مضاعف في زمان واحد. PageV01P574 ### | الباب الثاني ### | في الحرف (1) # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في ماهيته # قال الرئيس : إنه «هيئة عارضة للصوت ، يتميز بها عن صوت آخر مثله في ~~الحدة والثقل ms0360 تميزا في المسموع» (2). # وهذا التعريف يبطل طردا وعكسا. أما الطرد ، فلأن هنا هيئات عارضة للصوت ~~يتميز بها عن صوت آخر مثله في الحدة والثقل تميزا في المسموع ، مع أنه ليس ~~شيء منها بحرف. وتلك الهيئات طول الصوت وقصره ، وكونه مجهورا أو خفيا ، ~~وطيبا وغير طيب ، وكذا كيفيات اخر بها يميز الإنسان صوت شخص من صوت شخص آخر. # وأجيب (3): بأن كون الصوت طيبا أو غير طيب ليس بمسموع ؛ لأن الطيب إنما ~~يحصل بتناسب أبعاض الصوت ، والتناسب غير مسموع ؛ لأنه حين ما يسمع PageV01P575 # أحد أجزاء الصوت فالجزء الآخر غير حاصل ، فلا يكون مسموعا ، وكذا القول ~~في الجزء الآخر. وإذا لم يكن التناسب مسموعا لم يكن كونه طيبا أو غير طيب ~~مسموعا ، بل ذلك أمر يحصل للنفس عند اعتبار تناسب ما بقي في التخيل من تلك ~~الأصوات ، وإذا لم يكن مسموعا لم يدخل في الحد. # وأما طول الصوت وقصره ، فالأمر فيه كذلك أيضا ؛ لأن المسموع أبدا هو ~~الصوت الحاصل في ذلك الوقت فأما إن حصلا قبل ذلك فهو العكس. (1) # وأما الجهارة والخفاء ، فلا نسلم مغايرتهما للحدة والثقل. # وأما العكس فهو أن الحروف الصامتة البسيطة كالباء والتاء والدال والطاء ~~آنية لا توجد إلا في الآن الذي هو بداية زمان الصوت فلا تكون هيئات عارضة ~~للصوت ، لأنها لو كانت عارضة له ، لما وجدت إلا مع وجوده ، لكن هذه الحروف ~~لا توجد مع وجود الصوت ، لأنها إنما توجد في الآن الذي هو آخر زمان حبس ~~النفس وأول زمان إطلاقه ، والصوت لا يوجد إلا في زمان إرسال النفس. فإذن ~~هذه الحروف موجودة قبل وجود الصوت فلا يمكن أن يقال : إنها هيئات عارضة للصوت. # قيل : للمانع أن يمنع عدم عروض هذه الحروف للصوت ؛ لإمكان عروضها له كما ~~يعرض الآن للزمان. # وفيه نظر ؛ لأن الآن ليس موجودا بالفعل عندهم ، وهذه الحروف مسموعة فتكون ~~موجودة قطعا لا بد لها من محل موجود قطعا بالفعل ، والآن الذي هو طرف زمان ~~الصوت ليس موجودا بالفعل. وفرق بين هذه الأشياء وبين الأشياء الآنية ms0361 ؛ لأن ~~تلك موجودة في نفسها أو محال غير الآن ، فلا يلزم من تحققها بالفعل تحقق ~~الآن بالفعل ، وهذه تحتاج إلى محل موجود بالفعل ، وليس محلها الأول الهواء ~~، بل عارضه وهو الصوت. PageV01P576 ### ||| ** المسألة الثانية : في أقسام الحرف (1) # اعلم أن الحروف على قسمين : ### ||| ** أ: المصوتة (2). ### ||| ** ب : الصامتة. # فالمصوتة هي التي تسمى في لغة العرب : حروف المد واللين ، وهي ثلاثة لا ~~غير : الألف والياء والواو. ولا يمكن الابتداء بها. ولا شك في أنها هيئات ~~تعرض للأصوات يتميز بها الصوت عن أصوات أخر تساويه في الحدة والثقل. # وأما الصامتة فهي ما عداها ويمكن الابتداء بها ، وهي قسمان : # أ: ما لا يمكن تمديده. # ب : ما يمكن. # فالأول : كالباء والطاء والدال والتاء ، وهي إنما توجد في الآن الذي هو ~~آخر زمان حبس النفس وأول زمان إرساله. ونسبة هذه الحروف إلى الصوت نسبة ~~النقطة إلى الخط والآن إلى الزمان ، وهي ليست من جنس الأصوات ، ولا من جنس ~~الهيئات العارضة للأصوات ، إلا على كونها أطرافا لها ، كما يقال : الآن ~~عارض للزمان. # وفيه نظر ، لأن هذه الحروف مسموعة فتكون أصواتا. PageV01P577 # ثم إن إطلاق اسم الحرف على كل واحد من هذه الحروف أولى من إطلاقه على ~~غيرها ؛ لأن الحرف هو الطرف وهذه الحروف بالحقيقة هي الأطراف. # وأما ما يمكن تمديده فعلى قسمين : # أ: منها ما الظن الغالب أنها آنية في الحقيقة ، وإن كانت زمانية في الحس. # ب : ما الظن الغالب أنها زمانية في الحس والحقيقة. # أما أ: فكالحاء والخاء وشبههما ، لأن الحروف الآنية الموجودة منها ما لا ~~تكون إلا بعد حبس قوي للنفس ثم إرسال قوي ، ومثل هذا الحبس والإطلاق لا يقع ~~إلا في أزمنة يتميز بعضها عن البعض في الحبس كالباء والتاء. # ومنها ما لا يحتاج إلى ذلك ، بل يكتفى بكونه في حبس أو إرسال كيف اتفق ، ~~ومثل هذا الحبس والإرسال مما يمكن وقوعه في أزمنة صغيرة بحيث لا يقع الشعور ~~بامتياز بعضها عن البعض لغاية صغرها كالحاء والخاء ، فإنه يغلب على الظن أن ~~الحاء إنما يمتد في الحس ms0362 ، لا لأنه في نفسه يمتد ، بل لأنه بتوالي منه ~~أعداد كثيرة في أزمنة متقاربة جدا ، كل واحد منها آني ، فلأجل ذلك يظن أنه ~~من الحروف الزمانية وأن المسموع منها حرف واحد يمتد في الزمان وإن كان في ~~التحقيق من الحروف الآنية. # وأما ب : فمثل السين والشين فإنها زمانية في الحس والحقيقة ، وهي هيئات ~~عارضة للصوت عروضا ذاتيا يستمر باستمراره. وهذا يقتضي قيام العرض بالعرض ~~خلافا لما صار إليه الأشاعرة. # فهذا هو البحث التام في ماهية الحرف. ولا حاجة له إلى التعريف ، لما سبق ~~من أن الأمور المحسوسة لا يجوز تعريفها ؛ لأنه يشتمل على إضافات واعتبارات ~~أخفى منها. # وقد بقي الكلام في أحكام الحروف ، وهي إما في المفردات أو المركبات. ~~والمفردات إما صوامت أو مصوتات. PageV01P578 ### ||| ** المسألة الثالثة : في أحكام الصوامت # وهي سبعة : ### |||| ** الأول : اعلم أن الحروف المستعملة في لغة العرب مشهورة معلومة وهي : حروف التهجي. ~~وهنا حروف أخر في لغات غيرها ليست مشهورة لوجودها في بعض اللغات ، حتى أن ~~من ولد على غير تلك اللغة يعسر عليه النطق بها ، وحيث الأمر كذلك جاز أن ~~تكون هنا حروف أخر لا نعرفها ، ولعل في المقدور حروفا أخر غير المستعملة في ~~لغات أهل زماننا ، فلا دليل قاطع على حصر الحروف في عدد معين ، بل ولا على ~~تناهيها ، فجاز أن تكون غير متناهية ، كما في الألوان ؛ لأن معروضها قابل ~~للشدة والضعف ، وهي تختلف باختلافه فيهما ، ومراتب الشدة والضعف غير ~~متناهية ، لكن لما لم ينطق بها ظن فيها التناهي من غير قطع. (1) ### |||| ** الثاني (2) ### |||| ** : الحروف الصامتة ، إما مختلفة أو متماثلة ، والمختلفة إما أن يكون اختلافها ~~بالذات أو بالعرض. أما الاختلاف الذاتي فكالحاء والجيم والتاء والدال. ~~وبالجملة فكل ما يختلف مخرجه فإن فيه اختلافا ذاتيا. وأما الاختلاف العرضي ~~، فذلك بأن يختلف الحرفان المتساويان في الماهية بأمور عارضة ، وهي ~~بالاستقراء ثلاثة : # أأن يكون أحدهما متحركا والآخر ساكنا. # ب أن يكونا متحركين ، لكن حركة أحدهما مخالفة لحركة الآخر ، كالضمة مع ~~الفتحة أو الكسرة. # ج أن يختلفا بالجهارة والخفوت. ومن ذهب ms0363 إلى أن الاختلاف بالشدة والضعف ~~اختلاف نوعي جعل هذا الاختلاف من قبيل ما يختلف فيه الحرفان PageV01P579 # بالذات ، وجعل اختلاف الحرفين بالذات كالحاء والجيم اختلافا جنسيا. ### |||| ** الثالث : اعلم أنه لا يمكننا النطق بحرفين من هذه الحروف دفعة واحدة من مخرج واحد. ~~والحكم بذلك ضروري ، لكن قد اختلف في أن هذا امتناع الاجتماع لذات الحرفين ~~، أو لفوات شرط ، أو لحضور مانع. والوجه التوقف. (1) # وقد ذهب جماعة من المتكلمين أن الاختلاف بالجهارة والخفاءة راجع إلى كثرة ~~أجزاء أحدهما دون الآخر ، كما قالوا في الألوان ، وهو مبني على إمكان ~~اجتماع المثلين. # وفي كلام أبي هاشم أن الحرف المضموم مخالف للمفتوح ، وقياس قوله بتضاد ~~المختلف من الحروف يقتضي الحكم بتضاد هذين الحرفين المتساويين إذا اختلفا ~~بالضم والفتح وما أشبههما. # وهذا غير صحيح ؛ لأن المضموم إنما خالف المفتوح باقتران حرفين مختلفين به ~~، فإن الضمة حرف زائد ، وكذا الفتحة ، ولهذا تصيران واوا والفا عند ~~الإشباع. ### |||| ** الرابع (2) ### |||| ** : في تضاد الحروف. اختلف الجبائيان على تضاد الحروف المختلفة بالذات كالحاء ~~والجيم مثلا. وهو ظاهر قول الكعبي. وتوقف أبو عبد الله البصري في تضادهما ، ~~وهو الذي قال به قاضي القضاة في أكثر كتبه. وقال في شرح كشف الأعراض أنها ~~غير متضادة. # احتج الشيخان بأنه يستحيل منا إيجاد حرفين في محل واحد لا لشيء سوى ~~التضاد ، وهو ممنوع لجواز استناد الاستحالة إلى الاحتياج إلى آلة أو غير ذلك. # واعلم أنه لا يتأتى على رأي الأوائل الحكم بتضاد الحروف المختلفة لعدم PageV01P580 # اتحاد موضوعهما. فإن كل حرف له مخرج خاص لا يتأتى نطق الآخر منه ، وشرط ~~التضاد عندهم التعاقب على موضوع واحد بالإمكان. # واحتج من نفى التضاد بأن ذلك لو ثبت لكان حكما من الأحكام ، فلا بد فيه ~~من دلالة يدل عليه ، فلما انتفت الدلالة وجب القطع على نفي التضاد ، كما ~~أنا [لما] فقدنا هذه الطريقة في المعاني نفيناها. # وليس بجيد لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. على أن الحكم إنما ~~يعدم عندهم عند عدم الدليل إذا كان الحكم موجبا عن الذات ms0364 لا يقف على اختيار ~~مختار ، أو أن يكون متى لم تثبت الدلالة قدح في حكم الحكيم. وأما عند فقد ~~هذين فلا يجب عند عدم الدلالة القطع على نفي الحكم عندهم. قالوا : وإذا لم ~~تتضاد الحروف بعضها مع بعض لم يكن لها ضد من غير هذا القبيل ، وإنما يشتبه ~~الحال فيه مع الخرس والسكوت ، أما الخرس فإنه فساد يلحق آلة الكلام ، إما ~~من رطوبة مفرطة أو جفاف مفرط ، والأشياء المختلفة لا تنفي شيئا واحدا ، لأن ~~ضد الواحد واحد ، فإن جعل الخرس عجزا كان المضاد له القدرة ، فكيف يضاد ~~الكلام مع اختلافهما. # وأيضا لو كان الخرس ضدا للكلام لم يصح وصف القديم تعالى بالقدرة على خلق ~~الكلام في لسان الأخرس. وعلى هذه الطريقة صح أن يتكلم الواحد بما في الصدى ~~مع وجود الخرس في تلك الحال. # وأما السكوت فلا يضاد الكلام أيضا ؛ لأنه يصح أن يكون ساكتا في حال هو ~~متكلم بما في الصدى. والوجه أن الخرس والسكوت عدم الكلام عما من شأنه أن ~~يكون متكلما ، لكن يفترقان بأن العدم في أحدهما لآفة والآخر لا لآفة. ### |||| ** الخامس : إذا قلنا في حرف : إنه متحرك أو ساكن ، لم نشر بذلك إلى وجود حركة في الحرف ~~أو سكون فيه ؛ لأن الحركة والسكون من صفات الأجسام PageV01P581 # فيستحيل عروضها للهيئات العارضة للصوت أو لطرفه ، بل المراد منه أنه يوجد ~~عقيب الحرف الصامت حرف مصوت مخصوص. ### |||| ** السادس (1) ### |||| ** : الصامت إنما يصفو عن الشوائب ويظهر ظهورا جليا عند الإسكان ، أما عند ~~الحركة فإنه يمتزج بحركة شيء مما بعده ، للتجربة. # لا يقال : إنه عند الإسكان يمتزج به شيء مما قبله. # لأنا نقول : جرس الحرف بعده لا قبله ، فلا يمتزج بذلك الجرس الحرف الذي ~~قبله ، بل الذي بعده. ### |||| ** السابع : الابتداء بالصامت الساكن محال للاستقراء. ومنهم من جوزه ، وإلا لزم توقف ~~الشيء على تقدم ما يوجد بعده ، وهو محال. # بيان الشرطية : أن حركة الحرف عبارة عن تحرك الصوت بعده ، فلو توقف النطق ~~بالصامت على الحركة التي هي حرف مصوت متأخر عنه لزم تقدم ms0365 المصوت على الصامت ~~المتقدم عليه ، هذا خلف. ### ||| ** المسألة الرابعة : في أحكام المصوتات (2): # وهي : ### |||| ** أولا : أوسع المصوتات الألف ثم الياء ثم الواو ؛ لأن ذلك معتبر بمقدار انفتاح الفم. ### |||| ** ثانيا : أثقل الحركات الضمة ، لأن حصولها إنما يكون بفعل العضلتين الصلبتين ~~الواصلتين إلى طرفي الشفتين. ثم الكسرة ؛ لأنه يكفي فيها العضلة PageV01P582 # الجاذبة الواحدة ، ثم الفتحة التي يكفي فيها عمل ضعيف لهذه العضلة. وقد ~~يختلف ذلك بحسب الأمزجة والأهوية. # ثالثا : الحركات أبعاض المصوتات ، فإن الضمة جزء من الواو ، والفتحة جزء ~~من الألف ، والكسرة جزء من الياء ، لوجهين : # أ: المصوتات قابلة للزيادة والنقصان والشدة والضعف ، وكل ما كان كذلك فله ~~طرفان ، وليس هنا طرف في النقصان إلا هذه الحركات ، بالاستقراء. # ب : لو لم تكن الحركات أبعاضا من المصوتات لما حصلت المصوتات بتمديد هذه ~~الحركات ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله. ### |||| ** بيان الشرطية : أن الحركة إذا كانت مخالفة لهذه المصوتات ، فإذا ذكرت الحركة لم يمكنك أن ~~تذكر المصوت ، إلا باستئناف حرف صامت آخر تجعله تبعا له ، وليس الأمر كذلك ~~بشهادة الحس ، فالمقدم مثله. ### |||| ** رابعا : المصوتات وهي حروف المد واللين ينتهي تمديدها إلى الهمزة بالاستقراء. ~~ولميته. إن الصوت لا يتولد من حركة الانبساط الحاصل باستدخال النسيم ، بل ~~من حركة الانقباض الحاصل من إخراج الهواء الدخاني ، ولذلك الانقباض حد معين ~~، إذ لا يمكن إخراج كل ما في الرئة من الهواء ، وإلا لخرج معه الروح. فإذا ~~انتهى إخراج الهواء إلى حيث لا يمكن الازدياد عليه وقفت الطبيعة وانقبض ~~النفس وانقطع ، فهناك مخرج الهمزة ، فلا جرم أن الهمزة تتولد. ### |||| ** خامسا : الحرف الصامت المتحرك سابق على الحركة ، لوجهين : # أ: الصامت البسيط حقيقة وحسا آني ، فوجب أن يحدث في الآن الفاصل بين ~~زماني الحبس والإطلاق ، والحركة مصوت إنما تحدث في زماني الحبس والإرسال. ~~وما حدث في الآن الذي هو أول زمان وجود الشيء يكون لا محالة سابقا على ما ~~يحدث في ذلك الزمان. PageV01P583 # ب : لو كانت الحركة سابقة على الحرف لكان المتكلم بالحركة غنيا عن التكلم ~~بالحرف ، لأن السابق غني عن المسبوق ، لكن التكلم ms0366 بالمصوت ابتداء محال ، ~~فهو غير سابق. # واحتج ابن جني (1) بوجهين آخرين : ### |||| ** الأول : الحركة حالة في الحرف ، والحال متأخر عن المحل. ### |||| ** الثاني : لو كانت الحركة سابقة على الحرف لصح (2) الإدغام ، والتالي باطل فالمقدم مثله. ### |||| ** بيان الشرطية : أن الإدغام إنما يصح بحرفين أولهما ساكن والثاني متحرك ، فلو كانت حركة ~~الحرف الثاني سابقة لكانت تلك الحركة متخللة بينه وبين الأول ، فلا يقع ~~الطرفان في آن واحد ، فلا يكون الإدغام حاصلا ، لكن الإدغام حاصل بالحس. ### |||| ** واعترض (3) ### |||| ** على الأول : ببطلان الصغرى ؛ لأن الصامت البسيط آني والحركة زمانية حاصلة بعد مضي هذا ~~الصامت ، فكيف يوجد فيه. والكبرى ؛ لأن تقدم المحل على الحال تقدم عقلي لا ~~زماني ، والمطلوب هنا التقدم الزماني. ### |||| ** وعلى الثاني : لا نسلم أنه لو لم تقع الحركات في آن واحد لم يحصل الإدغام ؛ لأن حصول ~~الحرفين المتماثلين في المخرج الواحد دفعة واحدة جمع بين المثلين وهو محال ~~، ولا يجوز أن يتوقف عليه الإدغام الذي ليس بمحال. # الاعلام للزركلي 4 : 204. PageV01P584 ### ||| ** المسألة الخامسة : في أحكام المركبات # والنظر فيها يتعلق بأمرين : ### ||| ** الأمر الأول : الكمية # اعلم أن أعدل المركبات ، المركبة من ثلاثة أحرف ، لوجهين : # أ: الكلام إنما يتم بالحركة وهي إنما تتم بأمور ثلاثة : المبدأ والوسط ~~والنهاية ، وهذه الأشياء حاصلة بالفعل في الثلاثيات ، أما الثنائيات فإنها ~~ناقصة ، وما فوق الثلاثة كثرة زائدة. # ب : الحرف المبتدأ به لا يكون إلا متحركا ، والموقوف عليه لا يكون إلا ~~ساكنا ، وبين المتحرك والساكن تنافر ، فلا بد من متوسط بينهما يكون معدلا ~~بينما ، فإذن الاعتدال إنما يتم بهذه الثلاثة. # لا يقال (1): هذا المتوسط لا يخلو عن الحركة والسكون ، فإن كان متحركا ~~كان منافرا للثالث ، وإن كان ساكنا كان منافرا للأول ، فالذي فررتم منه ~~وقعتم فيه ، والإشكال عائد عليكم. # لأنا نقول : الحركة الابتدائية أثقل من الحركة المتوسطة ، فالملائمة بين ~~الحركة المتوسطة وبين السكون أكثر منها بين الحركة الابتدائية والسكون. # وفيه نظر ، فإن الحركة الثانية توجب كلال الآلة فتكون أثقل من الابتدائية ~~، بل المعتمد أن النطق بحرفين متحركين يوجب الملال عن الحركة فيستلذ السكون ~~أكثر ms0367 مما يستلذ عقيب النطق بالحركة الواحدة. ### ||| ** الأمر الثاني : الكيفية (2) # اعلم أن البحث هنا إما أن يتعلق بتركب الحروف ، أو الحركات ، أو PageV01P585 # السكنات ، أو تركب الحروف مع الحركات ، أو مع السكنات ، أو تركب الحركات ~~مع السكنات. فالجميع ستة : ثلاثة متفقة ، وثلاثة مختلفة. # أما تركب الحروف ، فقد يكون متنافرا ، وقد يكون متلائما. أما التنافر ~~فسببه أما في الحروف المتماثلة فكثرة الأفعال ؛ لأنها تقتضي ضعف القوة ~~الجسمانية ، فيحصل التنافر. وأما المختلفة فأقسامها أربعة ؛ لأنها إما أن ~~تكون قوية أو ضعيفة ، وعلى التقديرين فإما أن تكون متقاربة المخرج أو ~~متباعدة المخرج. ### |||| ** الأول : الصلبة المتقاربة المخرج ، وهي أشد الأقسام تنافرا ، لأن الحروف المتقاربة ~~المخرج يكون الفاعل لحبس الهواء الفاعل لها عضلة واحدة. فإذا كانت الكلمة ~~مركبة من أمثال هذه الحروف لم يمكن التكلم إلا بأن يتوارد على العضلة ~~الواحدة أفعال كثيرة شاقة. وذلك يوجب ضعفها وكلالها ، فلهذا يعسر التكلم ~~بأمثال هذه الكلمات. # لا يقال : فكان ينبغي أن يكون التكلم بالحرف الواحد مرارا كثيرة في ~~المشقة أكثر من (1) التكلم بهذه الحروف المتنافرة. # لأنا نقول : الفرق بينهما ظاهر فإن التكلم بالحرف الواحد مرارا كثيرة سبب ~~لكلال الآلة ، لكنه سبب لحصول ملكة التكلم به ، لأن تكرار الفعل مرة أخرى ~~سبب لحصول الملكات فتعارضت علة اليسر والسهولة ، وعلة العسر والتنافر. وأما ~~التكلم بالحروف المختلفة المتقاربة المخرج فقد اجتمع فيه سبب الكلال الموجب ~~لضعف الآلة ، ولم يحصل تداركه بحصول الملكة ، فكان حصول التنافر والصعوبة ~~فيه أكثر. ### |||| ** الثاني : ما يقابله وهو الحروف الرخوة المتباعدة المخرج ، وهو يقتضي سهولة النطق بها ~~من الوجهين : الرخاوة والتباعد. فأما السهولة باعتبار حصول الملكة ، فلا. PageV01P586 ### |||| ** الثالث : السهلة المتقاربة. ### |||| ** الرابع : الصلبة المتباعدة. ويشبه أن يكون هذا أصعب من الأول. # وهذا التقسيم بحسب التلاؤم والتنافر إنما هو بحسب النظر إلى حال الحروف ~~من حيث هي هي ، وقد يتغير عما قلناه بسبب اختلاف الأمزجة والأهوية. # أما تركب الحركات ، فإن ثقله وخفته تابعان لثقل الحركة وخفتها ، فكلما ~~كانت الحركات أثقل كان تركبها أثقل ، وكلما كانت أخف كان تركبها أخف. ~~والحكم ms0368 في الممتزج من الثقال والخفاف تابع للأغلب. # وأما تركب السكنات ، فقد اختلف فيه ، فالجمهور منعوا منه ؛ لأنه لو صح ~~لزم الابتداء بالساكن وهو متعذر ، فالمؤدي إليه مثله. # واحتج المجوزون لوقوعه بأن الحروف الممتدة مع المدغم يجتمع فيها ساكنان. # وأجيب : بأن الأمر وإن كان كذلك إلا أن الأول مصوت والثاني صامت ولا نزاع ~~فيه ، لأن الخط يبتدئ من نقطة فلا محالة ينتهي إليها ، إنما الممتنع توالي ~~الصامتين. # لا يقال : إنا قد نقف على الثلاثي ساكن العين وحينئذ يلزم اجتماع ~~الساكنين الصامتين. # لأنا نقول : ذكروا أن الصامت الأخير تشوبه حركة مختلسة ، ثم إذا جوزنا ~~اجتماع الساكنين فلا شك أن اجتماعهما مع الحروف الممتدة أقرب منها مع غيرها. # وأما تركب الحروف مع الحركات ، فإنها بالنسبة إلى الكل على السواء. وكذا ~~تركب الحروف مع السكون. # وأما تركب الحركة بالنسبة إلى السكون ، فلا شك في أن الحركة كلما كانت ~~أخف كانت أقرب إلى السكون. PageV01P587 ### ||| ** البحث الخامس : في الكيفيات المذوقة والمشمومة # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في الطعوم (1) # الجسم إما أن يكون عديم الطعم ، وهو التفه المسيخ (2)، أو يكون ذا طعم. # والأول إما أن يكون عادما للطعم حقيقة ، أو عادما له في الحس فقط وهو ~~الذي يكون له في نفسه طعم ، إلا أنه لشدة تكاثفه لا يتحلل منه شيء يخالط ~~اللسان فيدركه ، فإن احتيل في تحليل أجزائه وتلطيفها أحس بطعمه كالنحاس ~~والحديد ، فإن اللسان لا يدرك منهما طعما لأنه لا يتحلل من جرمهما شيء يصير ~~إلى الرطوبة المبثوثة في اللسان التي هي واسطة في حس الذوق ، ولو احتيل في ~~قسمته (3) أجزاء صغارا لظهر له طعم قوي. # والثاني الذي يكون ذا طعم ، فإما أن يكون طعمه بسيطا أو مركبا ، وبسائط PageV01P588 # الطعوم ثمانية تحصل من التفاعل الجاري بين أحد الثلاثة ، أعني : اللطيف ، ~~والكثيف ، والمعتدل ؛ لأن الجسم الحامل للطعم لا ينفك عن أحد هذه الثلاثة ، ~~وبين أحد الثلاثة ، أعني : الحار ، والبارد ، والمعتدل. # فثلاثة تحدث من تفاعل الحار مع الكثيف واللطيف والمعتدل ، فإن الحار إن ~~فعل في الكثيف حدثت المرارة ، وإن ms0369 فعل في اللطيف حدثت الحرافة (1)، وإن ~~فعل في المعتدل حدثت الملوحة. # وثلاثة تحصل من تفاعل البارد مع الكثيف واللطيف والمعتدل ، فالبارد إن ~~فعل في الكثيف حدثت العفوصة (2)، وإن فعل في اللطيف حدثت الحموضة ، وإن ~~فعل في المعتدل حدث القبض. # وثلاثة تحصل من تفاعل المعتدل مع اللطيف والكثيف والمعتدل ، فإن المعتدل ~~إن فعل في اللطيف حدثت الدسومة ، وإن فعل في الكثيف حدثت الحلاوة ، وإن فعل ~~في المعتدل حدثت التفاهة الغير البسيطة (3). فالحرافة أسخن ![](https://books.rafed.net/Books/3369_nihayat-almaram-01/images/image002.gif) PageV01P589 # الطعوم ، ثم المرارة ، ثم الملوحة ؛ لأن الحريف أقوى على التحليل من المر ~~، فكان أسخن منه. # وإنما أخرت الملوحة عن المرارة أما بالإنية ، فلأن الملح المر والبورق ~~(1) أكثر تسخينا من الملح المأكول. وأما باللمية ، فلأن الملوحة إنما تتولد ~~من مخالطة أجزاء أرضية محترقة يابسة المزاج مرة الطعم بأجزاء مائية قليلة ~~الطعم أو عديمة الطعم مخالطة باعتدال ، فإنها إن كثرت أمرت ، وهذه الأجزاء ~~المائية غير معتبرة في المرارة ، ومن هذا تتولد الأملاح وتملح المياه. وقد ~~يصنع من الرماد والقلي والنورة وغير ذلك ، بأن يطبخ في الماء ويصفى ويغلى ~~ذلك الماء حتى ينعقد ملحا ، أو يترك فينعقد بنفسه. # والعفوصة أبردها ثم القبض ثم الحموضة ، ولهذا فإن الفواكه التي تحلو تكون ~~فيها أولا عفوصة شديدة التبريد ، فإذا اعتدلت يسيرا بإسخان الشمس المنضج ~~مالت أولا إلى القبض ، ثم إلى الحموضة مثل الحصرم ، وفيما بين ذلك تكون إلى ~~قبض يسير ليس بعفوصة ، ثم تنتقل إلى الحلاوة إذا عملت فيها الحرارة ~~المنضجة. وقد تنتقل من العفوصة إلى الحلاوة من غير تحميض ، لكن الحامض وإن ~~كان أقل بردا من العفص فهو في الأكثر أكثر تبريدا منه ، للطافته ونفوذه في ~~الظاهر والباطن وشدة غوصه. # أنواع البورق مختلفة ، ومعادنه كثيرة كمعادن الملح ، ومنه ما يكون أحمر ~~وأبيض وأغبر. والنطرون وإن كان من البورق ، فان له أفاعيل غير أفاعيل ~~البورق. ومنه صنف يسمى بورق الخبز ، لأن الخبازين بمصر يحلونه بالماء ، ~~ويغسلون به ظاهر الخبز ، فيكسبه بريقا. ومنه قطاع جلاء ، والناس يغسلون به ~~أبدانهم في الحمام ، فيجلوها ويغسل الوسخ. والبورق ms0370 أقوى من الملح. المعتمد ~~في الأدوية المفردة : 41 42. PageV01P590 # والعفص يقارب القابض في الطعم ، لكن القابض يقبض ظاهر اللسان ، والعفص ~~يقبض الظاهر والباطن معا. ### ||| ** المسألة الثانية : في اجتماع الطعوم # اعلم أن بسائط الطعوم عند الأوائل هي التسعة المذكورة (1)، وعند معتزلة ~~البصرة أن الطعوم الخالصة خمسة : الحلاوة والحموضة والمرارة والملوحة ~~والحرافة ، وما عداها يجوز أن تكون بسيطة ويجوز أن تكون مركبة. # وقد يجتمع طعمان في جرم واحد مثل اجتماع المرارة والقبض في الحضض (2)، ~~ويسمى البشاعة. ومثل اجتماع المرارة والملوحة في السبخة (3)، ويسمى ~~الزعوقة (4). ومثل اجتماع الحلاوة والحرافة في العسل المطبوخ. ومثل اجتماع ~~المرارة والحرافة والقبض في الباذنجان. ومثل اجتماع المرارة والتفاهة في ~~الهندباء (5). ويشبه أن تكون هذه الطعوم إنما تكون بسبب أنها مع ما تحدث ~~ذوقا يحدث بعضها لمسا # وهو بري وبستاني ، كريه الطعم ، بارد يابس درجة أولى. وبرودة البستاني ~~منه أكثر من برودة البري ، وأقل يبسا ، والبري منه أقوى مرارة ، وأشد ~~كراهية. وكلاهما قابض ، مبرد جدا للمعدة. المعتمد في الأدوية المفردة : 539 540. PageV01P591 # فيتركب من الكيفية الطعمية ومن التأثير اللمسي شيء واحد لا يتميز في الحس ~~، فيصير ذلك الواحد كطعم واحد متميز ، فإنه يشبه أن يكون طعم من الطعوم ~~المتوسطة بين الأطراف يصحبه تفريق وإسخان يسمى ذلك كله حرافة ، وآخر يصحبه ~~طعم وتفريق من غير إسخان وهو الحموضة ، وآخر يصحبه مع الطعم تكثيف وتجفيف ، ~~وهو العفوصة. ولا شك أن الحرافة تفعل تفريقا والعفوصة قبضا ، فالمدرك بحس ~~الذوق كله طعم أو شيء مركب من الطعم ومن تفريق الحاسة؟ فيه احتمال. # قال أفضل المحققين في حصر الطعوم في التسعة : إن العفوصة والقبض مختلفان ~~بالشدة والضعف ، وهما لا يوجبان الاختلاف النوعي ، إذ لو أوجب الشدة والضعف ~~الاختلاف نوعا ، لكان كل واحد من هذه الأنواع نوعين (1)، بل الطعوم فيها ~~اختلافات كثيرة كما بين حلاوة العسل وحلاوة السكر وحلاوة الدبس وغيرها. ~~وأيضا المركبات لا حد لها (2). ### ||| ** المسألة الثالثة : في الروائح (3) # وهي كيفيات محسوسة بحاسة الشم ، لم يوضع لأنواعها أسماء لخصوصياتها ، بل ~~وضعوا لها من طريق الموافقة والمخالفة ms0371 ، بأن يقال : رائحة طيبة أو منتنة ، ~~وهذا كما يقال في الطعم إنه طيب أو غير طيب ، من غير تصور فصل يخص الطيب من ~~غيره. أو من طريق الاشتقاق ، بأن يشتق لها من الطعوم المقاربة لها أسماء ~~فيقال : رائحة حلوة ورائحة حامضة ، كأن تلك الروائح التي اعتيد PageV01P592 # مقارنتها للطعوم تنسب إليها ، وتعرف بها (1). ### |||| ** خاتمة (2) ### |||| ** : هذه الكيفيات المحسوسة أعراض لا جواهر ، وقد نازع في ذلك قوم غير محققين ~~فقالوا : الكيفيات المحسوسة جواهر تخالط الأجسام ، فالسواد جوهر وكذا ~~البياض وغيرهما من الألوان ، والحرارة جوهر وكذا البرودة وغيرها من ~~الكيفيات المذكورة. # وهذا خطأ فإنها لو كانت جواهر ، فإما أن تكون أجساما أو لا. والأول باطل ~~، وإلا لكان لها طول وعرض وعمق هو لون ، ومعنى أنه طول وعرض وعمق ليس معنى ~~أنه لون ، فإنه يمكن زوال اللون مع بقاء هذه الأبعاد بعينها ، فإما أن يكون ~~للون طول وعرض وعمق غير هذا أو لا يكون له إلا هذا ، فإن كان له مقدار غير ~~هذا تداخل البعدان ، وهو محال. وإن لم يكن له بعد سوى هذا فليس لذات اللون ~~إذن مقدار ، بل إنما يتقدر بما يحله ، ولا امتناع فيه. # وأما الثاني : وهو أن تكون هذه الأشياء جواهر غير أجسام ، فإما أن تكون ~~بحيث يحصل من تركبها أجسام أو لا ، فإن كان الأول لزم أن يكون ما لا قدر له ~~يجتمع منه ما له قدر ، وهو إنما يصح لو قلنا بالجوهر الفرد وسيأتي البحث فيه. # وإن لم يكن فإما أن يكون بحيث يصح أن يفارق الجسم الذي هو فيه أو لا ، ~~فإن صح فإما أن يمكن أن لا يبقى في جسم أصلا أو لا يمكن ، فإن أمكن فإما أن ~~يكون مشارا إليه أو لا ، فإن كان مشارا إليه ، كان جسما لاستحالة الخلاء فيمتنع PageV01P593 # وجود اللون في جهة لا جسم فيها. ولأن الوضع المعين إنما يستحقه ذو الوضع ~~بواسطة المادة المعينة فيمتنع أن لا يكون في مادة. وإن لم يكن مشارا إليه ~~لم يكن محسوسا ، فلا يكون هو البياض ms0372 الذي نبحث عنه مثلا ، لأنا إنما نطلق ~~البياض على اللون الذي من شأنه أن يفعل تفريقا في البصر ، فما لا يكون كذلك ~~لا يكون بياضا. # وأما إن امتنع أن يوجد إلا في جسم فحينئذ يكون محتاجا إلى المحل لذاته ، ~~وقد عرفت أن المحتاج إلى المحل يمتنع انتقاله عنه. فإذن هذه الكيفيات أمور ~~وجودية لا يعقل قيامها إلا في الأجسام ، ولا معنى للعرض سوى ذلك. # اعترض : بإمكان كونها أجساما ، ونسلم أن مفهوم الطول والعرض والعمق مغاير ~~لمفهوم اللون ، ولكن هذه الأبعاد غير الجسم ، فلا يلزم من مغايرة هذه ~~الأبعاد للون مغايرة الجسم له ، بل هذه الأبعاد أعراض من باب الكم ، والجسم ~~هو الأمر الذي تفرض فيه هذه الأبعاد ، فلم لا يجوز أن يكون ذلك الأمر هو ~~نفس اللون؟ # لا يقال : الجسمية عبارة عن قبول هذه الأبعاد ، والمفهوم من قبول هذه ~~الأبعاد غير المفهوم من اللون. # لأنا نقول : ليست الجسمية عبارة عن نفس هذه القابلية ، لأن القابلية أمر ~~نسبي إضافي ، والصورة الجسمية ليست مجرد نسبة وإضافة ، بل الصورة الجسمية ~~ماهية تلزمها قابلية هذه الأبعاد ، فلم لا يجوز أن تكون تلك الماهية هي نفس اللون؟ # فالحاصل : أن كلامهم هنا إنما يتمشى إذا جعلوا ماهية الجسم الأمر الذي ~~تلزمه هذه القابلية ، ثم يمكنهم أن يثبتوا كون تلك الماهية مغايرة في ~~المفهوم لمفهوم كونه لونا (1). PageV01P594 # سلمنا أن اللون ليس جسما ، فلم لا يجوز أن يكون جزءا منه؟ # قولهم : يستحيل أن يتألف الجسم من اجتماع ما لا قدر له. # فنقول : الهيولى والصورة لا مقدار لأحدهما في خاص ذاته مع تركب الجسم ~~منهما ، فجار أن يكون اللون عديم المقدار في ذاته ويكون جزءا للجسم؟ # بل الطريق أن نقول : إذا شاهدنا جسما أسود فإما أن يكون السواد نفس ~~الجسمية أو داخلا فيها أو خارجا عنها. والأول باطل ؛ لأن مفهوم الجسمية ~~مشترك بين الجسم الأسود والأبيض ، وهما متباينان في مفهوم الأسودية ~~والأبيضية. # ولأن الجسم يصح وصفه بالأسودية والأبيضية ، ونفس الأسودية لا يصح وصفها ~~بالأسودية ولا بالأبيضية. # ولأن السواد يضاد ms0373 البياض ، والجسم لا يضاده. # والثاني أيضا باطل ؛ لأنه لو كان السواد جزءا من الجسمية المشتركة لكان ~~مشتركا ؛ لأن جزء المشترك إما مساو له أو أعم منه ؛ لاستحالة أن يكون أخص ، ~~فيلزم أن يكون السواد مشتركا كاشتراك الجسمية ، فكل ما صدق عليه الجسمية ~~صدق عليه أنه أسود ، فلا يكون الأبيض وغيره جسما ، هذا خلف. # وأيضا فإما أن يكون كل واحد من السواد والبياض جزءا للجسم فكل جسم أسود ~~وأبيض معا ، وهو باطل بالضرورة. # وأما خروجهما معا عن الجزئية فيكونان عارضين له ، وهو المطلوب. أو جعل ~~أحدهما جزءا دون الآخر من غير أولوية ، وهو محال. # فوجب أن يكون السواد خارجا عن مفهوم الجسم ، فإما أن يصح وجوده مفارقا عن ~~الجسم أو لا. والأول محال إذ لا خلاء في العالم حتى يوجد ذلك اللون فيه. ~~ولأنه لو وجدت الجهة الفارغة وفرضنا حصول السواد فيها كان لذلك السواد PageV01P595 # امتداد في تلك الجهة ، ومفهوم الامتداد مغاير لمفهوم السوادية ، فيكون ~~ذلك للسواد مقدارا (1)، والمقدار إنما يوجد في المادة ، فالسواد موجود في ~~المادة. # وأما أن يفرض غير مشار إليه فنقول : تلك الحقيقة التي كان يمكننا أن نشير ~~إليها بالحس ما بقيت ، بل الباقي شيء آخر ، وليس كلامنا فيه ، فإن وقوع اسم ~~السواد عليه وعلى هذا المشار إليه باشتراك الاسم لتغايرهما في الحقيقة. ~~فثبت أن السواد والبياض وسائر الكيفيات أمور مقارنة للجسم خارجة عن ماهيته ~~ممتنعة المفارقة عنه. ومعلوم أنها غير مفهوم الجسم لزوال السواد عنه وحصول ~~البياض له مع بقاء ماهيته في الحالين غير مختلفة. # فعلمنا أن جميع أنواع الكيف موصوف بجميع صفات الأعراض وخواصها ، فيكون عرضا. # وفيه نظر ؛ لإمكان أن يكون السواد والبياض وغيرهما من الكيفيات صورا ~~نوعية للأجسام كالنارية والمائية وشبههما. # والحاصل أنا نقول : إن الكيف خارج عن مفهوم الجسمية خروج الصور النوعية ~~عنها ، وغير مفارقة للجسمية عدم مفارقة الصور النوعية لها ، فلا يلزم من ~~هذا أن يكون اعراضا للجسمية كما لا يلزم من الصور النوعية. PageV01P596 ### ||| ** الفصل الثالث : ### ||| ** في القسم الثاني من الكيف وهو : ### | الكيفيات ms0374 الاستعدادية (1) # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في أنواعه # اعلم أن أقسام الاستعداد ثلاثة : # أ: الاستعداد الشديد على أن ينفعل كالممراضية (2) واللين ، وهذا يسمى ~~اللاقوة. # ب : الاستعداد الشديد على أن لا ينفعل كالصلابة والمصحاحية (3). # ج : الاستعداد الشديد على أن يفعل كالمصارعية. وهذان القسمان يندرجان تحت ~~اسم القوة. PageV01P597 # وهذا أولى من تقسيم بعضهم هذا النوع من الكيفيات إلى التهيؤ للدفع ، وهو ~~القوة ، أو التأثر وهو اللاقوة ، فإنه ليس اسم القوة للدفع فقط ، فإن ~~الصلابة قوة ، وهي تهيؤ لأن لا ينفعل بسرعة ، والبطء لا قوة ، وليس بمتأثر ~~عن شيء ، بل هو ما تقطع الحركة بسببه مسافة قليلة. فالقوة اسم لاستعداد ~~بسببه يفعل الشيء بسهولة ، أو ينفعل بعسر ، واللاقوة اسم لاستعداد بسببه ~~يفعل بعسر أو ينفعل بسهولة. # واعلم أنا إذا أردنا قسمة الكيف إلى أنواعه الأربعة وإدخال هذه الأقسام ~~الثلاثة تحت نوع واحد احتجنا إلى ذكر معنى محصل مشترك بين الثلاثة بحيث ~~يجعل نوعا للكيف وجنسا للأقسام الثلاثة ، فنقول : إنه المبدأ الجسماني الذي ~~به يتم حدوث أمر حادث على أن حدوثه مرتجع به ، أو استعداد جسماني حامل (1) ~~نحو أمر من خارج. # والأول أجود ، لأن الاستعداد إضافي فلا يكون نوعا للكيف (2). وهذا الرسم ~~يتناول الأقسام الثلاثة ، فإن الفاعل والمنفعل يشتركان في أن حدوث الحادث ~~إنما يتم بهما. ثم إن القوة على الانفعال يترجح بها حدوث ذلك الانفعال ، ~~والقوة على المقاومة يترجح بها حدوث المقاومة ، والقوة على الفعل يترجح بها ~~حدوث الفعل ، والأقسام الثلاثة مشتركة في أنها مبادئ جسمانية لحوادث مترجحة بها. # ولا خلاف في دخول القوة على الانفعال ، والقوة على اللاانفعال تحت هذا ~~النوع ، وأما القوة على الفعل فقد أخرجها الشيخ منه (3). فنذكر في تحديد ~~القدر المشترك بين القوتين الأوليين : «إنه الذي يترجح به القابل في أحد ~~جانبي قبوله ولا قبوله». PageV01P598 ### ||| ** المسألة الثانية : في أن القوة على الفعل غير داخلة في هذا النوع # زعم القدماء أن القوة على المصارعية داخلة في هذا النوع. وفي التحقيق ليس ~~كذلك ، لأن المصارعية تتعلق بأمور ثلاثة : ### |||| ** الأول : العلم بتلك الصناعة. ms0375 ### |||| ** الثاني : القوة القوية على تلك الأفعال. # وهذان من باب الحال والملكة (1)، فلا يدخلان تحت هذا النوع ؛ لامتناع ~~دخول حقيقة واحدة تحت مقولتين. ### |||| ** الثالث : كون الأعضاء في خلقتها الطبيعية بحيث يعسر عطفها ونقلها. وهو في التحقيق ~~عبارة عن القوة على المقاومة واللاانفعال ، وهو أحد القسمين المذكورين. # لا يقال : القدرة على تلك الأفعال لها اعتبار من حيث إنها قدرة ، وهي من ~~باب الحال والملكة ، واعتبار آخر من حيث إنها قدرة شديدة ، أو من حيث إنها ~~فاعلة بسهولة ، وهي بهذا الاعتبار من هذا الباب. # لأنا نقول : الذي فيه قوة الانصراع أشد ، ففيه أيضا قوة الصرع ، لكنها ~~ضعيفة. والذي فيه قوة الصرع ففيه قوة الانصراع حاصلة ، لكنها ضعيفة ، ففي ~~كل منهما قوة الأمرين ، لكنها في أحدهما أقوى ، وفي الآخر أضعف. # فهذا الاختلاف إن كان في الماهية وجب أن لا تكون شدة القوة خارجة عن ذات ~~القوة ، فإن الشيء لا يختلف باختلاف ما ينضم إليه من خارج ، وإذا لم تكن ~~الشدة موجودا آخر ، بل القوة القوية موجود واحد يخالف بماهيته الوحدانية ~~القوة الضعيفة ، ودخلت تلك الحقيقة في أحد الجنسين امتنع دخولها في الجنس الآخر. # وإن كان الاختلاف في العوارض فهو محال ؛ لأنه يلزم أن تكون هناك قوة ~~واحدة باقية وتعرض لها الشدة لا لقوة أخرى انضافت إليها ، بل كيفية غير القوة PageV01P599 # قارنت القوة فصارت بها أشد تأثيرا وفعلا ، وهو باطل. ومع بطلانه فالمقصود ~~حاصل ؛ لأن القوة القوية إذا كانت من نوع القوة الضعيفة ، والقوة الضعيفة ~~غير داخلة في هذا القسم من الكيفية فالقوة (1) القوية أيضا غير داخلة ، لأن ~~أحد المثلين إذا لم يدخل تحت جنس لم يكن الآخر داخلا تحته. # وأيضا الحرارة لها قوة شديدة على الإحراق ، فلو دخلت تحت جنس الانفعاليات ~~والانفعالات لزم تقومها بجنسين ، وهو محال. فإذن القوة الشديدة لا تدخل تحت ~~هذا الجنس. ### ||| ** المسألة الثالثة : في أن الصلابة واللين وجوديان أم لا؟ # قد سبق فيما تقدم في الكيفيات الملموسة أن الصلابة هي الاستعداد الطبيعي ~~نحو اللاانفعال ، وأن اللين هو الاستعداد الطبيعي نحو ms0376 الانفعال ، فليس جعل ~~أحدهما عدما للآخر أولى من العكس. فإذن ليس التقابل بينهما تقابل العدم ~~والملكة فهما إذن كيفيتان وجوديتان. # إلا أن لقائل أن يقول : الاستعداد الطبيعي تلزمه أمور ثلاثة : ### |||| ** الأول : اللاانغمار وهو عدمي. ### |||| ** الثاني : المقاومة المحسوسة. ### |||| ** الثالث : بقاء الشكل على ما كان ، وهما وجوديان. # وذلك الاستعداد لا يجوز أن يكون عدميا ، لأنه علة لأمرين وجوديين ، وعلة ~~الموجود موجودة ، فذلك الاستعداد أمر وجودي. # وأيضا الانغمار كما حققناه حركة حاصلة في سطح الجسم مقارنة لحدوث شكل ~~مخصوص فيه واستعداده لقبول الحركة ، لأنه جسم طبيعي ، واستعداده لقبول ذلك ~~الشكل لأنه متكمم (2). وإذا كان كونه جسما طبيعيا PageV01P600 # ذا كم (1) هو العلة لهذه القابلية استحال أن تكون هناك كيفية أخرى تفيد ~~هذه القابلية ، لأن ما ثبت لذات الشيء استحال احتياجه في إثباته له إلى شيء آخر. # وإذا ثبت أن استعداد الانفعال ليس بكيفية زائدة وجب أن يكون الاستعداد ~~نحو اللاانفعال لعلة وجودية لاستحالة أن يكون سببه نفس المادة التي هي علة ~~الاستعداد ، ولا أيضا زوال وصف عن المادة ، إذ ليس الاستعداد للانفعال علة ~~وجودية حتى يكون زوالها علة الاستعداد للاانفعال. # فإذن علة استعداد اللاانفعال أمر وجودي ، وهذا يوجب الظن بأن التقابل بين ~~الصلابة واللين تقابل العدم والملكة. # وفيه نظر ؛ فإنه لا يلزم من كون الوجودي لازما لأمر أن يكون ذلك الأمر ~~وجوديا. والاستعداد لقبول الانغمار وإن كان حاصلا للمادة ، لكن الاستعداد ~~لعدم قبوله أيضا حاصل للمادة ، ولا يكفي الاستعداد والقبول في الحصول. # قال الشيخ : «وأما الرطوبة واليبوسة والصلابة واللين ففي أمرها نظر ، ~~فإنها إما أن تكون ماهيتها هي أنها استكمال استعداد في أن ينغمر ويتشكل ~~بسهولة ، وفي أن لا ينغمر ولا يتشكل بسهولة. أو يكون أمرا آخر هو في نفسه ~~موجود محصل ، وتلزمه هذه الكيفية ، ويكون إنما يحس من جهة الأمر الآخر حتى ~~تكون هذه الكيفية دليلا على ذلك الوجود الآخر. وهذا يتبين بأن يتأمل حاله ~~في دخوله في الحس ، أهو له من حيث ينغمر ، أو لا ينغمر ، أو من جهة شيء آخر؟ # أما ms0377 أنه لا ينغمر فعدمي ، إنما يجب أن يحسه الحس على سبيل تعطله كما ~~يتعطل عند الظلمة. وإبصارنا للظلمة هو أن لا نبصر شيئا. ثم الصلب يشبه أن ~~يكون إدراكنا له باللمس كالإدراك الوجودي (2)، واللين كغير الوجودي ، الذي ~~لا يحس معه بممانعة أصلا. PageV01P601 # وأما الانغمار الذي في اللين فهو قبول حركة على هيئة ، والحركة مع الهيئة ~~غير محسوسة إلا بواسطة ، فقد يحس الانغمار أيضا بالبصر دون اللمس ، وكذا ~~سرعة الحركة إلى الشكل وبطؤها ، فلا يكون ذلك دليلا على أن الصلابة واللين ~~أو الرطوبة أو اليبوسة قد أحستا بالبصر. # فإذن ليس ما يلمس هو الانغمار وعدمه ، ولا أيضا الاستعداد ، فإن ~~الاستعدادات من حيث هي استعدادات معان تعقل ، وكذلك فإن قوة المصارعي لا ~~يحسها مصارعه ، بل يحس هناك صلابة المقاومة. وكذا الزق المنفوخ فيه الهواء ~~، فإن الهواء الذي فيه لم يصلب بوجه أصلا ، بل هو في طبيعته كما كان ، لكن ~~الحس يحسه كما يحس الصلب. وكذا الرياح فإن الأمر الذي نحس من المقاومة هو ~~غير الاستعداد الطبيعي الذي في الشيء الموجود ، فإن الهواء لم ينعقد في ~~طبعه صلبا وإن انحصر في الزق ، ولا بأن صار ريحا ، بل الاستعداد الطبيعي ~~موجود فيه ولا يحس به ، فإذن المعنى الذي يحس بذاته إن كان لا بد من معنى ~~يحس بذاته هو غير ذلك الاستعداد ، وإن كان يقارنه ويصحبه وغير نفس حركة ~~الانغمار وغير الانغمار ، فأحد هذه عدم والآخر من باب الحركة لا من باب ~~الكيف ، والثالث من جنس الكيفيات التي في الكميات حتى دون الكيفيات ~~الانفعالية والانفعالات. والذي يقع من هذا الجنس في المعنيين المعتبرين في ~~الرطوبة واليبوسة هو ما يحس منهما ، والذي يقع في الباب الآخر ، أعني باب ~~القوة واللاقوة ، هو ما لا يحس منهما وهما متلازمان». (1) # واعلم أن الشيخ جعل الصلابة واللين في الإشارات من الكيفيات الانفعالية. ~~وقسم الانفعال إلى السريع والبطيء ، لئلا يحصل الشك في الصلابة وأشباهها في ~~كونها انفعالية ؛ لأنها ليست مما لا ينفعل موضوعها ، بل هي مما ينفعل ~~موضوعها بطيئا (2). PageV01P602 ### ||| ** الفصل ms0378 الرابع : # في القسم الثالث من الكيف وهو : ### | الكيفيات المختصة بالكميات (1) # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في حقيقة هذا القسم # قيل في تعريفه : إنه الكيفية التي تعرض أولا للكمية ، وبواسطتها للجسم ، ~~فإن الشكل يعرض أولا للمقدار ، وكذا الاستقامة والانحناء. # اعترض (2): بأن الخلقة مجموع اللون والشكل ، وهي تعرض أولا للجسم ~~الطبيعي فإنه ما لم يحصل جسم طبيعي لم تحصل خلقة. # فنقول : الأمور العارضة للكمية : منها ما يعرض لها بسبب أنها كمية ، ~~ومنها ما يعرض بسبب أنها كمية شيء مخصوص ، وفي كلا القسمين العارض إنما عرض ~~للكمية أولا. PageV01P603 # ثم اللون حامله الأول السطح. والجسم بنفسه غير ملون ، بل معنى كون الجسم ~~ملونا أن سطحه ملون. # وليست القوة واللاقوة حاملهما العمق وبتوسط الجسم ، بل يحملهما الجسم ~~بمادته وصورته. # فالخلقة ملتئمة من الشكل وحامله السطح بذاته ، ومن اللون وحامله السطح ~~لكونه نهاية لجسم طبيعي. فالحامل الأول للخلقة هو الكم. لكن يشكل بلزوم ~~دخول اللون والضوء فيه ، لأن حاملهما الأول السطح مع أنهما داخلان في ~~الانفعالات والانفعاليات. ووجود حقيقة واحدة في جنسين محال. # واعلم أن التعريف الذي ذكرناه أولا يدخل فيه ما يكون عارضا للشيء بواسطة ~~الكمية بتمام ماهيته كالاستقامة والانحناء ، أو ببعض أجزائه كالخلقة ~~المركبة من الشكل واللون ، وكونها من هذا الباب بما فيه من الشكل. ### ||| ** المسألة الثانية : في أقسامه # اعلم أن المشهور عند جماعة الحكماء من أقسام هذا النوع من الكيف أنواع ~~ثلاثة : 1 الشكل. 2 وما ليس بشكل. 3 وما هو حاصل من شكل وغير شكل. وجعلوا ~~الشكل على ما هو المشهور من أمره أنه : ما أحاط به حد كالكرة والدائرة ، أو ~~حدود كالمربع والمكعب. وما ليس بشكل كالاستقامة والانحناء للخط وكالتقعير ~~والتحديب والتسطيح للسطح. والذي يحصل من شكل وغير شكل هو المسمى صورة وخلقة ~~، وهو الشكل من حيث هو محسوس في جسم طبيعي أو صناعي وخصوصا بالبصر. وذلك ~~بأن يكون له لون ما فيكون الشكل الملون خلقة وصورة. # فلما ذكرت هذه الوجوه الثلاثة ، قيل : ويشبه أن يكون للكيفية نوع رابع. PageV01P604 # فتذبذب الشراح ، فقال ms0379 بعضهم : إنه نعني به الأمور التي تسمى في الفلسفة ~~الأولى : كيفيات ، التي هي الأمور المفارقة أصلا كالمثل المظنونة ~~والتعليميات ، أو كالعقول التي لا تلابس المادة. ولم يشعروا بأن إطلاق اسم ~~الكيفية على ذلك ، وعلى هذه المعدودات إنما هو بالاشتراك اللفظي. وليس حد ~~الكيفية في جميعها واحدا فلا يكون ما يجمع تلك الأشياء نوعا من أنواع ~~الكيفية زائدا على أنواع الكيفية المذكورة. # وقال آخرون : إن ذلك هو الثقل والخفة ، مع أنهما عند الكل من جملة ما سلف ~~ذكره ، ومع ذلك فإنهم بأجمعهم جزموا تربيع الأقسام ولم يجعلوا للكيفية نوعا ~~خارجا عن الأجناس الأربعة. # والحق أن هذا القسم الرابع لا بد منه ، لكن ليس هو ما ذكروه ، بل ~~الكيفيات العارضة للكميات المنفصلة كالزوجية والفردية فإنه خواص هذه ~~الأعداد ليست أعدادا ولا فصولا لها ، بل هي عوارض تعرض لأنواعها لازمة. ~~وليست من مقولة المضاف ولا باقي المقولات فهي من الكيفيات. وليست من ~~الحالات والملكات ، ولا قوة ، ولا عجز ، ولا كيفيات محسوسة ، فهذا هو النوع ~~الذي أهملوه. ولما كانت هذه صعبة لم يمثل في قاطيغورياس بها ، بل بما تقدم ~~؛ لأنه وضع للمبتدئين. # وطريق تمييز هذه الأقسام بعضها عن بعض أن نقول : الكيفية المختصة بالكمية ~~إما أن تكون مختصة بالمنفصل كالزوجية والفردية ، أو بالمتصل وأقسامه أربعة ~~: الزمان ، والجسم ، والسطح ، والخط. # أما الزمان والجسم فلم يدل دليل على اختصاصهما بكيفية لا توجد في الجسم ~~الطبيعي إلا بواسطتهما. وأما السطح والخط ، فالعارض للخط هو الاستدارة ~~والاستقامة. وأما العارض للسطح فإما أن يعرض له لأجل كونه محاطا بالخط ، أو ~~ليس لأجل ذلك ، فالأول الشكل والثاني اللون ومجموعهما الخلقة. PageV01P605 ### ||| ** المسألة الثالثة : في الاستقامة والاستدارة (1) # رسم اقليدس (2) الخط المستقيم بأنه «الموضوع على مقابلة أي النقط كانت ~~عليه بعضها لبعض» ؛ فإن الخط المستقيم إذا فرض عليه نقط متعددة كم كانت ~~فإنها بأجمعها تكون على سمت واحد ، بحيث لا يكون بعضها أرفع من بعض ، بل ~~يكون وضع جميعها بالإضافة إلى الخط وضعا واحدا. # ورسم أرشميدس (3) بأنه «أقصر خط يصل بين نقطتين» ؛ لأن ms0380 كل نقطتين فرضتا ~~أمكن أن يوصل بينهما بخطوط كثيرة مقوسة ، وخط واحد مستقيم هو PageV01P606 # أقصرها. # وهذا التعريف ليس بصواب ، لأن المستدير يمتنع أن يصير مستقيما ، فلا يمكن ~~انطباقه عليه ، فلا يوصف بأنه أقصر أو أطول أو مساو. # وبهذا يظهر فساد قول من قال : كل قوس فهي أعظم من وترها ؛ فإن ذلك يقال ~~على سبيل التخيل الكاذب. # ورسم أيضا بأنه «الذي تتطابق أجزاؤه بعضها بعضا على جميع الأوضاع» ؛ فإن ~~المستقيم إذا قسمته أمكن أن يطابق بين أحد القسمين والآخر على جميع ~~الأوضاع. بخلاف المنحني ، فإنك إذا فصلت منه جزءا ثم انطبق ذلك الجزء على ~~باقي الخط المنحني ، فربما ينطبق عليه بوضع واحد ، بأن يجعل محدب أحدهما في ~~مقعر الآخر. فإن جعل مقعره على مقعره لم يتطابقا. # ورسم أيضا بأنه «الذي إذا أثبت نهاياته وأدير كما يدر المحور لم يتغير عن ~~وضعه». وأما المنحني فإنه عند الفتل (1) تتغير الجهة المحدبة إلى غير وضعها. # ورسم أيضا بأنه «الذي يستر وسطه طرفيه». # وأما السطح المستوي فالرسوم الثلاثة الأول جارية فيه ، فإنه يصدق عليه ~~أنه «إذا خط فيه خطوط كثيرة لم يكن بعضها أرفع وبعضها أخفض». وأنه «أصغر ~~السطوح التي نهاياتها واحدة». وأنه «الذي تطابق أجزاؤه بعضها بعضا على كل ~~الأوضاع». PageV01P607 ### ||| ** المسألة الرابعة : في إثبات الدائرة # نعني بالدائرة (1): «السطح المستوي الذي يحيط به خط واحد في داخله نقطة ~~كل الخطوط المستقيمة الخارجة منها إلى المحيط متساوية» وقد اتفق الجميع من ~~المتكلمين والفلاسفة على إثبات الخط المستقيم. وأما الدائرة فقد أنكرها ~~مثبتوا الجزء الذي لا يتجزأ من الحكماء والمتكلمين ، وأثبتها النافون له منهم. # واحتج مثبتوا الدائرة بوجوه (2): ### |||| ** الأول : الجسم إما بسيط أو مركب ، والبسيط لا بد منه ، وإلا لزم نفي المركب ، فيلزم ~~نفي الأجسام بأسرها ، وهو محال. والشكل الطبيعي للبسيط إنما هو الكرة ، لأن ~~طبيعته واحدة ، والواحد لا تتكرر آثاره الطبيعية (3)، وغير الكرى من ~~الأشكال كثير ، فلا يصدر عن البسيط إلا الكرة ، ويحصل من قطعها بنصفين ~~دائرتان عليهما. # وفيه نظر بمنع استناد الشكل إلى الطبيعة ، كيف ms0381 وأنه لازم للجسم بسبب ~~التناهي الذي ليس لازما للماهية. ### |||| ** الثاني : إذا تخيلنا سطحا مستويا وتخيلنا خطا مستقيما مرسوما في ذلك البسيط ، ~~وأثبتنا أحد طرفيه على ذلك السطح ، ثم حركنا ذلك الخط على ذلك PageV01P608 # البسيط حول ذلك الطرف الثابت إلى أن يعود إلى موضعه الذي ابتدأت منه ~~الحركة ، حدث من هذه الحركة دائرة ؛ لأن الطرف المتحرك من الخط تحرك على ~~مسافة ، والنقطة لا مساحة لها. فالمسافة التي تحركت عليها النقطة ليس لها ~~عرض فهي خط مستقيم ، هي في وسط هذا السطح المستدير. وكل الخطوط المستقيمة ~~الخارجة منها إلى المحيط متساوية ؛ لأن كلها مساو للخط المتحرك ، والخطوط ~~المساوية للخط الواحد متساوية ، فثبتت الدائرة. # ولا بد من إقامة الدلالة على ثبات أحد طرفي هذا الخط حال حركة الآخر ، ~~ولأن هذه الدائرة وهمية لا حقيقية. ### |||| ** الثالث : لنفرض جسما قائما على سطح معتدل قياما معتدلا ، فالطرف المماس للسطح يلاقي ~~بنقطة منه نقطة من السطح ، فإذا أميل ذلك الجسم حتى سقط ، فإن ثبتت تلك ~~النقطة في موضعها فقد فعل كل واحدة من النقط المفروضة في رأس المتحرك ربع ~~دائرة. وإن لم تثبت فإما أن يكون عند انحدار أحد الرأسين إلى السفل يصعد ~~الآخر إلى العلو أو لا ، بل يتحرك على السطح. # ويلزم من الأول أن يكون كل من الطرفين قد فعل نصف دائرة ومركزها النقطة ~~المتجددة (1) بين الصاعد والهابط. # والثاني محال ؛ لأن ذلك الانحدار ليس طبيعيا ولا قسريا ، لأن القاسر ليس ~~إلا أن الطرف العالي لما نزل وتعذر انعطاف ذلك الجسم ليبسه واتصاله ، اضطر ~~العالي إلى تحريك السافل ، لكن هذه الضرورة تندفع باشالة السافل ، فيكون ~~المحرك منقسما إلى قسمين : أحدهما مائل إلى فوق بالقسر ، والآخر إلى السفل ~~بالطبع ، وبينهما مركز هو حد الحركتين. فظاهر أنه إن لزم عن انحدار الطرف ~~الفوقاني إلى السفل حركة الطرف الأسفل إلى فوق وجبت الدائرة ، وإن لم يلزم ~~فوجود الدائرة أظهر. PageV01P609 # وهذا أيضا وهمي لا حقيقي ، لكن الشيخ سلك نهجا آخر (1) ألزم فيه القائلين ~~بثبوت الجزء إثبات الدائرة ، وهو أنه لا ms0382 شك أن هنا دائرة محسوسة ، فإن كانت ~~حقيقية فالمطلوب ، وإن لم يكن في الحقيقة كذلك فإنما يكون بسبب تضريس على ~~بسيطها وتقعير و (2) لا يكون لها مركز في الحقيقة ، بل في الحس. # فنقول : إذا وضعنا طرف خط مركب من أجزاء لا تتجزأ على ما هو مركز في الحس ~~، ووضعنا الطرف الآخر من ذلك الخط على جزء من المحيط ، ثم نزيله عنه ونضعه ~~على الجزء الذي يلاصق الجزء الأول من المحيط ، فإن لم ينطبق عليه ، فذلك ~~يكون إما بزيادة أو نقصان ، فإن كانت الزيادة والنقصان بمقدار جزء ، أمكن ~~إلحاقه به أو حذفه عنه حتى تتم الدائرة. وإن كان أقل من جزء لزم انقسام ~~الجزء. وإن انطبق عليه ، فإن كان بين هذا الجزء والجزء الأول فرجة ، فإن لم ~~تتسع للجزء فقد وجد ما هو أصغر من الجزء ، وذلك يوجب التجزئة ، وإن اتسعت ~~ملئت به. وإن لم تكن بينهما فرجة ، فقد وجد في المحيط جزءان متصلان لا ~~انفراج بينهما ، ويكون الخط الخارج مما فرض مركزا ممكن الانطباق عليهما. ~~وإذا أمكن في جزءين نقلنا البحث منه إلى ثالث ورابع ، وهكذا حتى يأتي على ~~جميع أجزاء الدائرة. # واعلم أن هذا مبني على إمكان ثبات الطرف من الخط الذي عند المركز وهو ممنوع. ### ||| ** المسألة الخامسة : في أن المستقيم يخالف المستدير بالنوع (3) # إنه من المعلوم أن بين الخط المستقيم والخط المستدير مخالفة ، ولا شك في أن PageV01P610 # المتصف بهما هو الخط. وذلك الخط الموصوف بالاستقامة لا يجوز بقاؤه عند ~~زوال الاستقامة، لأنه عارض للسطح العارض للجسم ، فما لم يتغير حال الجسم ~~استحال تغير حال الخط. ومتى تغير حال الجسم في امتداداته فقد عدم الزائل ، ~~وحدث الطارئ. # فإذن يستحيل أن يبقى الخط المستقيم بعينه عند زوال وصف الاستقامة. فإذن ~~الاستقامة تكون فصلا أو لازمة للفصل ، وكيفما كان وجب أن يكون مخالفا ~~للمستدير بالنوع. # وأيضا فقد عرفت أنه ما لم يعرض للجسم تغير لم يتغير حال الخط. ثم إن ~~الجسم إذا انحنى بعد ما لم يكن كذلك ، فذلك إما لأنه ms0383 تفرق اتصال خطه (1)، ~~ولو كان كذلك لكان ذلك الخط قد انقسم إلى خطوط ، وكل واحد منها مستقيم. ~~وإما أن يكون لأن ذلك الخط بعينه قد امتد ، وهو باطل ؛ لأن الخط الواحد لا ~~يكون بعينه موضوعا لتوارد الطول والقصر عليه ، لأن الخط هو نفس الطول فكيف ~~يكون موردا للطول ، وإذا استحال ذلك امتنع انتقال أحدهما إلى الآخر. # ولأنه لا معنى للخط المستقيم إلا تلك النهاية المخصوصة ، فإذا وجد ~~المستدير لم تبق النهاية الأولى ، فلم يبق الخط الذي كان مستقيما. # واعلم أن الضرورة تدفع ذلك ، فإنا نعلم أن الغصن الرطب المستقيم يقبل ~~الانحناء ، ولا يعدم حال انحنائه. ### ||| ** تذنيبان (2): ### |||| ** الأول : الدوائر المختلفة بالصغر والكبر مختلفة بالنوع ، لأنه لما استحال انتقال ~~الخط الواحد من محدب خاص إلى محدب أقل أو أكثر كان ذلك دليلا على PageV01P611 # أن ذلك المحدب فصل أو لازم للفصل ، وزوال الفصل يستلزم عدم الحقيقة. ### |||| ** الثاني : الخط المستدير والمستقيم لا يتضادان ، لوجوب وحدة الموضوع في المتضادين ، ~~وامتناع تحققه هنا. وأيضا لو ضاد مطلق المستقيم مطلق المستدير تضاد الواحد ~~بالشخص من أحدهما الواحد بالشخص من الآخر ؛ لأن ضد الواحد بالشخص واحد ~~بالشخص ، كما أن ضد الواحد بالنوع والعموم واحد بالنوع والعموم. والتالي ~~[باطل] ؛ لأن كل خط شخصي يمكن أن يكون وترا لقسي غير متشابهة لا نهاية لها ~~، وليس بعضها بالضدية له أولى من الآخر ، بل كلما كان أشد تقعيرا كان أقرب ~~إلى الضدية من الأبعد ، لكن تلك الشدة غير متناهية ، فلا يتحقق الطرف الذي ~~هو الضد الآخر. ### ||| ** المسألة السادسة : في عدم تناسب المستدير والمستقيم (1) # اعلم أن المستدير لما امتنع أن يصير مستقيما ، امتنع أن ينطبق عليه ~~فيمتنع وصفه بأنه مساو له أو أزيد أو أنقص (2)، لأن وصفه بذلك إنما يكون ~~مع مطابقته إياه. # لا يقال : إنا نعلم بالضرورة أن القوس أعظم من الوتر ، وأن الوتر أصغر من القوس. # لأنا نقول : قد سلم بعضهم امكان وصف المستدير بأنه أزيد من المستقيم أو ~~أنقص منه ، لكن يستحيل وصفه بالمساواة له. # وزعم أن الشيئين قد تكون ms0384 بينهما مناسبة بالزيادة أو النقصان مع استحالة PageV01P612 # وقوع المناسبة بينهما بالمساواة ، للعلم بأن زاوية مستقيمة الخطين حادة ~~أعظم من زاوية حاصلة من قوس ومستقيم ، وأصغر من أخرى مع امتناع أن تكون بين ~~زاوية مستقيمة الخطين ، وزاوية من قوس ومستقيم مساواة. # وإنما قلنا إن الحادة المستقيمة الخطين أعظم من الزاوية الحادثة من القوس ~~والمستقيم ؛ لأن القوسية توجد بالفعل في تلك وزيادة. # وإنما كانت الأخرى أصغر من القوسية ، لأن المستقيمة الخطين [لا] (1) توجد ~~فيها تلك وزيادة. # ومنع آخرون من كون القوس أعظم من الوتر ، وظاهر أنه ليس كذلك ؛ لأن ~~الأعظم يوجد فيه ما وجد في الأصغر وزيادة ، وليس يمكن أن يوجد في القوس مثل ~~الوتر. نعم هذا الحكم إنما هو بحسب الوهم بمعنى أن المستدير لو صار مستقيما ~~لكان أعظم من الوتر حيث يوجد فيه الوتر بعد استقامته وزيادة ، فيكون اعتبار ~~ذلك التفاوت بحسب وهم غير ممكن الوجود. ### ||| ** المسألة السابعة : في حقيقة الشكل (2) # اعلم أن الشكل وإن قيل في حده في المشهور على ما حده اقليدس : إنه «ما ~~أحاط به حد واحد أو حدود» أما الحد الواحد فكالدائرة والكرة. وأما الحدود ~~فكالمضلعات كالمثلث والمربع. لكنه إذا حقق كانت ماهيته من الكيفيات PageV01P613 # المختصة بالكميات وهو «هيئة إحاطة الحد الواحد أو الحدود بالجسم» فإن ~~المربع مثلا حقيقته مركبة من سطح وحدود أربعة محيطة به ، وهيئة مخصوصة هي ~~هيئة إحاطة تلك الحدود به وهذه الهيئة مغايرة للسطح والأضلاع التي هي ~~الحدود ، ولهذا لا يصح أن يقال: التربيع ما تحيط به الحدود الأربعة ، بل هو ~~هيئة إحاطة الحدود الأربعة بذلك السطح. # فإذن المربع عبارة عن سطح أحاطت به حدود أربعة ، ولا شك أن السطح لا يخرج ~~عن كونه سطحا لو أخذ مع أي وصف اتفق. ولا شك في أن الشكل المأخوذ بالمعنى ~~الذي حده اقليدس ليس من الكيف ، بل الذي يمكن جعله من الكيف إنما هو هيئة ~~احاطة الحد الواحد أو الحدود بذلك السطح. والشكل الذي عرفه المهندسون إنما ~~هو لما يستعملونه شكلا في اصطلاحهم وكأنهم ms0385 يشيرون بذلك إلى المقدار ذي ~~الشكل ، ولهذا لا يقنعون (1) بوصف الشكل بالمساواة لشكل آخر وعدمها عدم ~~الملكة ، وينسبونه إليه بالنصفية والثلثية وغيرهما ، ويعنون بذلك مقدارا ~~مشكلا ، والشكل الذي هو كيف مغاير لذلك ؛ لأن الشيء الذي تحيط به الحدود ~~بالذات هو المحدود ، والمحدود بالذات هو المقدار ، والمقدار بالذات هو كم ، ~~والشكل كيف ، والكيف ليس بكم. # فإذن الشكل الذي هو من باب الكيف عبارة عن هيئة الإحاطة. # واعلم أن الشيخ نقل عمن تقدمه ، أن الشكل من الكيفيات العارضة لظاهر ~~الجسم دون باطنه ، ونسب قائله إلى البلاهة والغفلة ، لأن الأشكال المجسمة ~~إنما وجودها من حيث هي مجسمة بأن تكون سارية في الجسم كله ، فإن الشكل إن ~~كان ما أحاط به حد أو حدود، فإنما تحيط (2) الحدود بالسطوح والسطوح بالعمق. PageV01P614 # ثم شرع في تحقيق ذلك بأن هنا حدودا وشيئا ذا حدود وهيئة بسبب الحدود ، ~~فالحدود ليست أشكالا ، بل هي أطراف. ولا يجوز أن يقال لشيء منها : إنه في ~~ظاهر المحدود ، حتى يقال : إن السطح في ظاهر الجسم ، أو الخط في ظاهر السطح ~~؛ لأن الظاهر غير الذي في الظاهر. وليس السطح إلا نفس ظاهر الجسم ، والخط ~~ليس في ظاهر السطح بل نفس ظاهره. فأما إن عنوا الشيء المتحدد ، فهو مقدار ~~لا كيفية. وإن عنوا الهيئة الحاصلة من التحدد فإنما يكون في الظاهر منها ما ~~يوجد في السطح وحده من الهيئات ، إما شكلا كالتربيع ، أو هيئة غير شكل ~~كالتسطيح والتقبيب والتقعير. وأما المجسمات من الأشكال ، فليست هيئات توجد ~~في الحدود ، بل هي هيئات توجد في جملة المحدود بالحدود ، وفي الحدود وجود ~~إنيتها (1) بالشركة ، ليست نسبتها إلى الحدود أولى من نسبتها إلى المحدود. ~~فلو كانت الكرية في نفس السطح لكانت تقبيبا أو تقعيرا لا كرية ، كما لو ~~كانت الدائرة في نفس الخط لكانت استدارة وتقويسا لا دائرة. وكما أن شكل ~~الدائرة موضوعها السطح لا نفس الخط ، كذلك شكل الكرة موضوعه الجسم لا ظاهره ~~الذي هو السطح ، وإن كان شكل الدائرة لا يتم إلا بالانعطاف للخط ، وكان شكل ms0386 ~~الكرة لا يتم [إلا] بتقبيب السطح. وهذه الأشكال وإن كانت تحدث للمحدودات ~~بالحدود ، فليست هي الحدود ، وإن كانت الحدود عللا لها ، فليست عللا لها في ~~أنفسها بل في شيء آخر يتحدد بها. # واعلم أن الحدود أنفسها لا يقال إنها موجودة إلا في المحدود نفسه جملته ، ~~فإن الخط نهاية للسطح الذي هو خطه على أنه نهاية لجملته فهو موجود بأنه ~~نهاية في جملته وجود الصفة في الموصوف ، وليس موجودا في طرف منه ، ولا في ~~جزء منه دون سائر أجزائه بالقوة. فكذلك الشكل المجسم هو صفة للجسم كله ليست PageV01P615 # موجودة في السطح الذي هو الطرف فقط ، ومع ذلك جعلوه شكلا. (1) # وفي هذا نظر ، فإنهم إذا جعلوا الشكل هيئة إحاطة الحد الواحد أو الحدود ~~بالجسم ، كان متعلقا بالحد أو بالحدود ، كما إذا قالوا اللون هيئة عارضة ~~للسطح ، فإنا نعلم تعلقه بالسطح ونشك في ثبوته للجسم. ### ||| ** المسألة الثامنة : في أن الشكل من الكيف أو الوضع؟ (2) # المشهور أن الشكل من باب الكيف ، ونقل عن ثابت [بن قرة] أنه من باب الوضع ~~(3)؛ لأن الوضع بمعنى المقولة هيئة تعرض للشيء بسبب نسبة أجزائه بعضها إلى ~~بعض ، والتربيع والتثليث كذلك ، لأنها هيئات تحصل للمربع والمثلث بسبب ~~أطرافهما وحدودهما ، فهي من الوضع. # وهو خطأ ، فإن الوضع بمعنى المقولة يشترط فيه نسبة أخرى هي نسبة أجزائه ~~إلى أمور خارجة عنها. والأشكال ليست كذلك ، لأنها هيئة تحصل بسبب نسبة ~~الأطراف والحدود ، وأطراف الشيء ليست أجزاء للشيء. ولأن الوضع هيئة حاصلة ~~بسبب نسبة أجزاء الشيء إلى الأمور الخارجة عنه مع نسبة أجزائه بعضها إلى ~~بعض ، فإن المنتكس لا تتغير نسبة أجزائه بعضها إلى بعض ، مع أن وضعه متغير ~~لتغير نسبة أجزائه إلى الأمور الخارجة. والأشكال هيئات تعرض بسبب نسبة ~~الأجزاء فقط بعضها إلى بعض ، ولا يعتبر النسبة إلى الأمور الخارجة ، ولذلك ~~فإن المربع لا تختلف مربعيته عند اختلاف نسبة حدوده إلى الخارجيات عنه. ~~فلما توقف الوضع على النسبتين دون الشكل علم أنه ليس منه. PageV01P616 # اعترض بأنكم جعلتم الكيف ما لا يوجب تصوره ms0387 تصور غيره ، وهيئة التربيع ~~يوجب تصورها تصور غيرها ، فإن تلك الهيئة لا يمكن أن تتصور إلا عند تصور ~~النسب التي بين أطراف المربع التي لا تعقل إلا بعد تعقل أطراف السطح التي ~~لا تعقل إلا بعد تعقل السطح ، فتعقل هيئة التربيع يتوقف على تعقل هذه ~~الأمور ، فكيف تدخل في مقولة الكيف. # ثم قولكم «الوضع إنما يحصل بسبب نسبة الأجزاء ، والشكل إنما يحصل بسبب ~~نسبة الأطراف ، والأطراف ليست أجزاء» ضعيف ، لأنا إذا قلنا : الوضع هو ~~الهيئة الحاصلة للجسم بسبب نسب الأمور المتباينة الجهة التي هي فيه ، دخل ~~فيه الشكل ؛ لأن الأمور المتباينة الجهة التي في الجسم قد تكون أجزاء للجسم ~~، وقد تكون أطرافا له. فإذن الهيئة الحاصلة بسبب نسبة الحدود داخلة في الوضع. # وقولهم : «الوضع هو الذي يتوقف على حصول النسب التي بين أجزاء الشيء ، ~~وبين أمور خارجية منها» ، فنقول : كل ما يتوقف تحققه على حصول نسب بين ~~أجزاء الشيء وبين أطرافه فذلك من الوضع. وهو على قسمين : منه ما يكفي في ~~تحققه النسب التي بين أجزائه كالتربيع والتثليث. ومنه ما لا بد مع ذلك من ~~اعتبار النسب التي بين تلك الأجزاء والأمور الخارجة عنها كالجلوس والسجود ، ~~فإذن الشكل من باب الوضع. # وفيه نظر ، فإنه كما أن من الكيفيات المحسوسة ما هو بسيط كالسواد والبياض ~~والحرارة والبرودة ، وما هو مركب كالغبرة والقتورة ، كذا من الأشكال ما هو ~~بسيط كالكرية ، ومركب كالتربيع ، فإن هيئة التربيع لما توقف تعريفها على ~~معرفة الحدود الأربعة التي تركبت هيئة التربيع من هيئاتها ، وجب أخذ محالها ~~في تعقلها قائمة بها ، ولم يخرجها ذلك عن مقولتها المندرجة تحتها. وهيئة ~~التربيع إنما يتوقف تصورها على تصور محلها لا غير. وتبديل الأجزاء في الوضع ~~بالأمور المتباينة الجهة يخرج الوضع المصطلح عليه الذي يقع البحث فيه عن ~~حقيقته ويبقى PageV01P617 # البحث في شيء آخر لم يتعرض له. ولا يكفي في الوضع النسبة التي بين أجزاء ~~الشيء وبين أطرافه ، حتى يلزم أن يكون الشكل من مقولة الوضع. # قال الشيخ : من قال «الشكل من ms0388 الوضع ، لأن الشكل متعلق بحدود بينها تجاور ~~خاص يوضع بعضها عند بعض» ، فلقد غلط من وجوه : ### |||| ** الأول : أخذ الحدود مكان الأجزاء ، وإنما الاعتبار في الوضع بالأجزاء ، وفي الشكل ~~بالحدود. ### |||| ** الثاني : حسب أن هذا الوضع من المقولة الخاصة ، ولم يعرف أن هذا من المضاف. وإنما ~~الوضع الذي من المقولة ، هو وضع أجزاء الشيء عند خارج مباين ، لا وضع أجزاء ~~الشيء في نفسه. ### |||| ** الثالث : ظن أن تعلق الشيء بمقولة يوجب أن يكون منها ، فإن الشكل وإن كان لا يحصل ~~إلا بالإضافة بين الحدود أو وضع أيضا ، فليس يجب أن يكون الشكل وضعا فإن ~~المربع أيضا لا يحصل إلا بعدد من الحدود ، وليس يجب أن يكون المربع عددا. ~~ألا ترى أنه لا يقال : إن المربع هو عدد الحدود ، ولا أن المربع وضع الحدود ~~عند حد ، فليس يقال عليه هذان ، فكذا لا يقال : إنه داخل في مقولتهما ، بل ~~يقال : إن المربع حاصل عن وضع كذا وعن حد كذا. ### ||| ** المسألة التاسعة : الزاوية (1) # اختلف الحكماء في الزاوية ، من أي مقولة هي؟ فقال بعضهم : إنها من PageV01P618 # مقولة الكم ؛ لأنها تقبل المساواة واللامساواة ، وتقبل التجزئة (1)، ~~فتكون كما. وقد أبطله ابن الهيثم (2): بأن حقيقة الزاوية تبطل بالتضعيف ~~مرة أو مرارا ، فإن القائمة تبطل إذا ضوعفت مرة ، ولا تبقى حقيقتها ، ~~والحادة قد تضاعفت مرارا فتبطل ، ولا تبقى زاوية البتة، ولا شيء من المقدار ~~تبطل حقيقته بالتضعيف. # وقال آخرون : إنها من الكيف ، لأنها تقبل المشابهة واللامشابهة. وليس ذلك ~~بسبب موضوعها الذي هو كم ، فهو لذاتها ، فتكون كيفا. وأما قبولها للمساواة ~~والمفاوتة فبسبب موضوعها الذي هو الكم ، كما أن الأشكال تقبل ذلك بسبب ~~موضوعاتها التي هي كم. # اعترض : ويشكل بجواز كون المشابهة مقولة عليها بالعرض لا بسبب محلها ، بل ~~بسبب ما يحل فيها ، فإن الشيء كما يوصف بوصف محله بالعرض ، كذا يوصف بوصف ~~حاله بالعرض ، وهم لم يبطلوه. # وقال آخرون : إنها من مقولة المضاف ، لأن اقليدس حدها بأنها تماس خطين. ~~وقول اقليدس ليس حجة ، وبطلانه ظاهر ؛ لأن كل زاوية توصف بأنها كبرى ms0389 أو ~~صغرى ، ولا شيء من التماس كذلك ، ولأن التماس محمول على الخطين بالشركة ، ~~والزاوية ليست كذلك. # وقال آخرون : الزاوية المسطحة مقدار متوسط بين الخط والسطح. # قال الشيخ (3): لا ينبغي أن يلتفت إلى ما قاله بعض المتكلفين لما لا ~~يعنيه : PageV01P619 # إن الزاوية «جنس آخر من الكم بين الخط والسطح» (1) ظانا أن قولهم «الخط ~~له طول فقط ، وأن السطح له طول وعرض» ، هو أن يكون له طول وعرض هما حدان ~~قائمان أحدهما على الآخر ، حاسبا أن الخط يتكون عن حركة نقطة ، ثم السطح عن ~~حركة الخط بكليته لا إلى جهة امتداده ، بل على عمود عرضا حتى يكون إذا ثبت ~~طرف وتحرك طرف بحيث تكون إحدى نقطتيه ساكنة والأخرى متحركة ، لم يكن السطح ~~تاما ، بل فعل شيئا بين السطح والخط. وكذا الزاوية المجسمة مقدار متوسط بين ~~السطح والجسم ؛ لأن الجسم إنما يحدث بحركة السطح ، لا في جهة امتداده ، ~~فإذا فرض أحد طرفيه ساكنا لم يكن الحادث جسما تاما. # فإن هذا لما أخطأ في معرفة الطول والعرض تمادى به الخطأ إلى أن تهوش وجهل ~~ماهية السطح والجسم ، وظن أن السطح لا يكون ذا عرض إلا إذا كان محاطا بحدود ~~أربعة. والجسم لا يكون ذا عمق إلا إذا كان محاطا بحدود ستة. ولم يعرف معنى ~~قول القدماء : السطح ذو طول وعرض ، والجسم ذو طول وعرض وعمق. # بل الزاوية المسطحة سطح ، ولذلك يمكن أن يفرض فيها بعد ، ويفرض آخر قائما ~~عليه ، والزاوية المجسمة جسم لمثل ذلك ، أعني : إذا عنينا بالزاوية المقدار ~~الذي له هذا النوع من التحدد ، فأما إذا ذهبنا إلى الهيئة فإن الزاوية كيفية. # ومن جعل الزاوية من الكم رسمها تارة بأنها «سطح أو جسم ينتهي إلى نقطة». # وأما الشيخ ، فالتحقيق عنده في أمر الزاوية انها ليست من الأنواع الذاتية ~~للمقدار ، بل من الأفراد الصنفية لأنها هي المقدار ، أعني : السطح أو الجسم ~~بشرط عروض هيئة له وهي كونه محاطا بين نهايات متلاقية عند نقطة واحدة. راجع ~~تعليقة صدر المتألهين. PageV01P620 # وأورد عليه : بأن السطح لا ينتهي ms0390 بالذات إلى النقطة ، فإن نهايته الخط ، ~~فإن أراد به أنه ينتهي إلى الخط المنتهي إلى النقطة ، فلا بد فيه من إضمار ~~هذه الزيادة (1). # وقد صرح بعضهم بها فقال : إنها «سطح يحيط به خطان اثنان بالفعل ينتهيان ~~إلى نهاية واحدة». وربما قيل : «سطح تحيط به نهايتان متماستان». وربما قيل ~~: «سطح تحيط به نهايتان إلى نهاية». # ثم قيل : إن هذه الرسوم لا تميز الزاوية عن الشكل ، فإن الشكل ينتهي في ~~زواياه إلى النقطة ، وليس لأحد أن يقول انتهاء الشكل إلى النقطة بسبب ~~زواياه ، فذلك للشكل بالعرض ، وللزاوية بالذات ، لأن الشكل موصوف في ذاته ~~وحقيقته بهذه الخاصية. فهب أن ذلك بسبب الزاوية حتى تكون (2) محمولة أولا ~~على الزاوية ، وعلى الشكل ثانيا ، ولكن لما اشترك الشكل والزاوية فيها (3) ~~فلا بد من مميز هو فصل يفصل أحدهما عن الآخر. على أن الحق أنه ليس انتهاء ~~المثلث إلى النقطة بسبب كونه ذا زاوية ، بل كونه ذا زاوية بسبب انتهائه إلى ~~النقطة. # وأيضا فإن هذا الحد لا يتناول المجسمة (4) لأنها لا تنتهي إلى نقطة ، بل ~~إلى خط. # وقيل : الزاوية «سطح يحيط به خط واحد ينعطف على نقطة». وفرق بينه وبين ~~الأول وهو أنه السطح الذي يحيط به خطان يتحدان على نقطة فإن قائل الأول ~~اعتقد أن الخطين المحيطين بالزاوية خط واحد ، وهو باطل ؛ لأن كونه منعطفا ~~على نقطة إنما يتحقق لو كانت النقطة موجودة بالفعل ، وإذا وجدت بالفعل تميز ~~كل من قسمي الخط في ذاته عن الآخر ، فهما بحال لو لم يفرض PageV01P621 # اتصالهما أو تماسهما على تلك النقطة لم يتعلق أحدهما بصاحبه وكان الخطان ~~اثنين بالفعل ، لكن قد عرض لهما تلك النقطة المشتركة فحصل بينهما اتحاد. # فاذن الزاوية متقومة بالخطين من حيث لهما اتحاد ، وذلك الاتحاد عرضي ، ~~والذاتي متقدم ، لأن العارض يعرض لما هو ذاتي ، فليس بواجب أن يوضع أولا في ~~الحد خط واحد، ثم يجعل له اثنينية الانعطاف ، بل يوضع الخطان ، ثم يجعل ~~لهما وحدة بالاتحاد. # فقول من قال : «الزاوية المسطحة هي السطح الذي يحيط به ms0391 خطان يتحدان على ~~نقطة» ، أولى من قول : «إنها السطح الذي يحيط به خط واحد ينعطف على نقطة». # واعلم أن القول المحقق في الزاوية أن نقول : لا يمكن تصور الزاوية إلا ~~عند الاعتبار للمقدار مقرونا بهيئة ما ، كما أن الشكل لا يمكن اعتباره إلا ~~مع اعتبار مقدار مقرون بهيئة ما ؛ وذلك لأن الزاوية إنما تتصور عند اعتبار ~~كون المقدار متحددا بين حدين يلتقيان بحد. فالمسطحة هي السطح الذي يتحدد ~~بخطين يلتقيان بنقطة. والمجسمة هي الجسم المحدد بسطحين يلتقيان بخط. # أما المسطحة فالخطان المحيطان بها ، إما أن يكون السطح بينهما يحيط به مع ~~الخطين غيرهما أو لا ، فإن لم يحط معهما حد ثالث ، فإما أن يلتقي الحدان ~~عند آخر مشترك لهما أو لا ، واللذان لا يلتقيان فإما أن يكونا بحيث لو مدا ~~التقيا أو لا ، بل يذهبان إلى غير النهاية، فإن التقيا كانا كخطين أحاطا ~~بقطعة دائرة ، أو بشكل هلالي أو عدسي. # ثم هذا القسم سواء لم يوجد له الحد الثالث أو وجد لكن لم يلتفت إليه بل ~~اعتبر تحدده بحدين فقط ، فاعتباره من حيث هو كذلك هو اعتبار الزاوية ، وأما ~~اعتباره من حيث التحدد بحد ثالث فهو اعتبار الشكل. PageV01P622 # والحاصل أن اعتبار تحدد السطح بحدين فقط هو الزاوية. واعتبار تحدده بأكثر ~~من حدين هو الشكل. وكما أن الشكل حقيقته ملتئمة من سطح وحدود وهيئة إحاطة ~~الحدود ، كذا الزاوية المسطحة تلتئم حقيقتها من السطح والخطين المتلاقيين ~~على حد واحد وهيئة إحاطة الحدين بذلك السطح. # وكما أن للشكل (1) اعتبار أنه كمية ، لأنه مقدار له حدود محيطة به وهيئة ~~، كذا للزاوية اعتبار أنها كمية ، لأنها سطح محاط بحدين وهيئة. وكما أن ~~المهندسين يعنون بالشكل المقدار المشكل ، كذا يعنون بالزاوية المقدار ذا ~~الزاوية ، ولهذا يصفون الزاوية بالتنصيف والمساواة ، والعظم والصغر. وكما ~~أن هيئة إحاطة الحدود بالسطح في الشكل هي الكيف أو الوضع ، كذا هيئة إحاطة ~~الحدين بالسطح كيف أو وضع. # واعلم أن الزاوية تنقسم بالقسمة الأولية إلى مسطحة ومجسمة. والمسطحة إما ~~أن تحدث من خطين ms0392 مستقيمين أو مستديرين أو أحدهما مستقيم والآخر مستدير. ### |||| ** والأول : لا يخلو إما أن يكون ميل الخط المتصل بالثاني إلى الجانبين على السواء ، ~~فتكون الزاويتان قائمتين ، أو لا على السواء ، فالمائل إليها وهي الأصغر من ~~القائمة تسمى حادة ، والمائل عنها الأكبر من القائمة تسمى منفرجة ، ~~فالقائمة نوعها في شخصها بخلاف قسيميها. ### |||| ** والثاني : إما أن يكون المحيط بها حدبتا القوسين أو مقعراهما أو حدبة أحدهما ومقعر الآخر. ### |||| ** والثالث : إما أن يكون المحيط بها مع المستقيم حدبة الدائرة أو قعرها. # وأما المجسمة ، فإما أن يكون المحيط بها بسيطا واحدا كما في رأس المخروط ~~، أو سطحا وبسيطا وهي الزاوية التي على رأس نصف المخروط ، أو سطوحا PageV01P623 # متعددة كما في المضلعات. ### |||| ** تذنيبان : الأول (1) ### |||| ** : إذا أخذنا نصف دائرة ، ثم تخيلنا محورا ثابتا ، وأثبتنا أحد طرفيها وذلك ~~المحور الذي هو القطر ، وحركناها إلى أن عاد الشكل الأول حول ذلك المحور ~~بحيث صار إلى الموضع الذي بدأ منه ، فإنه تحدث من تلك الحركة كرة. وإن ~~أخذنا أقل من النصف وعملنا به العمل المذكور حدث الشكل البيضي. وإن أخذنا ~~أكثر من النصف حدث (السطح ، وهو) (2) الشكل العدسي. # وأما الأسطوانة ، فإنها تحدث بأن تتحرك الدائرة حركة يلزم فيها مركزها ~~خطا مستقيما ، طرفه مركز تلك الدائرة لزوما على الاستقامة. أو نأخذ سطحا ~~متوازي الأضلاع ، ونثبته على أحد أضلاعه ونحركه إلى أن يعود إلى وضعه الأول ~~، فإنه تحدث منه الاسطوانة. # وأما المخروط فيحدث بأن نثبت المثلث القائم الزاوية على واحد من الخطين ~~المحيطين بالقائمة ، ثم نحركه على ذلك الخط حركة تحيط بطرف ذلك الضلع مركز ~~الدائرة دائرا بالضلع الباقي على محيط الدائرة. وإثبات باقي الأشكال في علم ~~الهندسة. ### |||| ** الثاني : لا تضاد في الأشكال ، لاستحالة صيرورة السطح المحدب مستقيما وبالعكس ، ومحل ~~هذه الأعراض هي السطوح على ما عرفت ، فلا اتحاد لموضوعها ، فلا تضاد بينها. ~~وكذا لا تقبل الشدة والضعف ، وهو ظاهر. فسقط بذلك ظن من اعتقد في الأمور ~~السماوية تضادا في أشكالها وحركاتها ، كالتقبيب والتقعير لتغاير موضوعيهما ~~وامتناع اتصاف أحدهما بما اتصف به ms0393 الآخر. # وسيأتي بيان امتناع تضاد حركاتها. PageV01P624 ### ||| ** المسألة العاشرة : في الخلقة (1) # الخلقة يقال للهيئة العارضة للجسم بسبب اللون والشكل ، وينسب إلى ~~الكيفيات المختصة بالكميات ، وهي إنما تحصل من اجتماع اللون والشكل ، ~~وباعتبارهما يوصف الشخص بالحسن والقبح. # قال الشيخ : «لقائل أن يقول : كيف تكون الخلقة كيفية واحدة وشيئا واحدا ~~وهي مجموع لون وشكل؟ وهب أنكم جوزتم تركب أنواع الجواهر من جواهر ، لكنكم ~~أصررتم على امتناع تركب أنواع الأعراض ، وإن كان لحدودها تركب من جنس وفصل. ~~وهذه الخلقة نوع واحد عندكم في باب العرض ينقسم إلى شيئين : الشكل واللون ~~يحصل منهما وجود الخلقة. # وأجاب : بأنا لا نمنع من تركب الأعراض من الأعراض ، فإن العشرة عرض لأنها ~~عدد فهي كم ، وهي مركبة من خمسة وخمسة. والمربع عرض ، وإنما يلتئم من محدود ~~وحدود أربعة ، بل نعني أن الجواهر قد يوجد منها ما يناسب طبيعة جنسها ، وما ~~يناسب طبيعة فصلها أجزأ متغايرة ، وإن لم يكن أحدهما طبيعة الجنس ولا الآخر ~~طبيعة الفصل. والأعراض لا يوجد فيها ذلك ، وإن وجدت لها أجزاء ، فلا يكون ~~جزء منها مدلولا عليها بوجه من الوجوه. # فطبيعة الجنس كالكيف (2) هاهنا لهذا المركب وجزء آخر مدلول عليه بطبيعة ~~الفصل ، وإنها تنتهي لا محالة إلى بسائط لا يوجد فيها أحد وجهي القسمة إلا ~~بحدودها. ولا يجب أن تكون أجزاء الحد أجزاء المحدود. فالشكل إذا قارن PageV01P625 # اللون اجتمع لذلك شيء واحد جملة ، به يقال للشيء : إنه حسن الصورة أو ~~رديئها. ولو خلا كل من اللون والشكل عن صاحبه لم يكن ذلك الحسن ولا ذلك ~~القبح ، بل حسن وقبح آخرين. # فإذن للصورة من حيث هي مجتمعة من الشكل واللون خاصية حال الاجتماع ، ليست ~~تلك خاصية أحد جزئيها ، ولا هي مجموع الخاصيتين من حيث هما معا فقط ، بل ~~إذا كان حسن اللون من حيث هو حسن اللون وحسن الشكل من حيث هو حسن الشكل ولم ~~تكن مناسبة الحسنين مناسبة محدودة ، لم يكن الحسن الذي يعتبر لجملة الصورة ~~، بل ربما أخرج (1) الحسن الذي للجملة إلى أن لا يكون ms0394 الحسنان الخاصان على ~~ما ينبغي في الخصوص ، بل كان الحسن لا يقال على المعنى الذي على سبيل ~~الاجتماع منهما ، وعلى المعنى الذي على سبيل الخصوص ، إلا باشتراك الاسم». (2) # واعترض أيضا (3)، بأن الخلقة عبارة عن مجموع اللون والشكل ، وكل واحد ~~منهما داخل تحت جنس آخر ، فلو جعلتم لكل شيئين يجتمعان نوعية على حدة ~~تضاعفت الأنواع إلى غير النهاية ، لا مرة واحدة ، بل مرارا غير متناهية. # وأجيب : بأن الشكل إذا قارن اللون حصلت كيفية باعتبارها يصح أن يقال ~~للشيء: إنه حسن الصورة أو قبيحها ، والحسن والقبح الحاصلان للشكل وحده أو ~~اللون وحده غير الحسن والقبح الأولين ، فلما حصل للمجتمع من اللون والشكل ~~خاصية (4) لم يحصل لواحد منهما عرفنا حصول هيئة مخصوصة عند اجتماعهما ، ~~فلهذا جعلنا الخلقة كيفية منفردة. PageV01P626 ### |||| ** تذنيب : الخلق الظاهر دليل على الخلق الباطن ؛ لأن الأفعال الإنسانية ما هو بحسب ~~الطبائع ، ومنها ما هو بحسب التكلف ، فإن الإنسان لا يفعل كل شيء يميل طبعه ~~إليه ، وحينئذ يتعذر الاستدلال بفعل الإنسان على خلقه ، لجواز أن يكون ذلك ~~الفعل الصادر عنه تكلفيا. # أما الحيوانات ما عداه فإن أفعالها في الأكثر صادرة عنها بحسب طباعها ، ~~حيث ليس لها عقل دافع ولا حياء مانع ، إلا في النادر. فأمكن الاستدلال ~~بأفعالها على أخلاقها ، فإذا عرفت أخلاقها تتبعوا (1) تلك الأشكال المقارنة ~~لتلك الأخلاق ؛ لأن المقتضي للخلق والأخلاق هو القوة المزاجية. # فقلت على ظنهم : إن الخلقة الفلانية يقارنها الخلق الفلاني ، فإذا رأوا ~~في الإنسان تلك الخلقة استدلوا بها على خلقه ، وهذا هو مبدأ علم الفراسة. ### ||| ** المسألة الحادية عشرة : في خواص العدد # العلم المشتمل على شرح ذلك بالاستقصاء ، وذكر رسومها هو علم ~~«الأرتماطيقي» (2)، لكن هنا بحثان : ### |||| ** الأول : الزوجية والفردية ليستا فصلين ذاتيين للأعداد لوجهين : ### |||| ** أ: يتصور العدد الكثير الذي هو زوج ، ويغفل عن كونه زوجا ، ويتصور PageV01P627 # العد الذي هو فرد ويغفل عن كونه فردا ، ولا شيء من المقومات كذلك ، فلا ~~شيء من الزوجية والفردية بذاتي. # ب : الزوجية والفردية يقالان على الأعداد المختلفة بالنوع ، فلو كانتا ~~ذاتيتين لبعض ما يدخل ms0395 فيهما لكانتا ذاتيتين لجميع ما يدخل فيهما ، إذ لا ~~مزية للبعض على البعض ، لكن ماهية كل عدد متحقق متحصلة في الأذهان وموجودة ~~في الأعيان ، من دون هذين الوصفين ، فلا يكونان ذاتيين. ### |||| ** الثاني : الزوجية والفردية متقابلان ، وليس بينهما إلا تقابل العدم والملكة ، لأن ~~ذلك معلوم من مفهوميهما ، فإن مفهوم الزوجية «الانقسام بمتساويين في العدد» ~~، ومفهوم الفردية «عدم الانقسام بمتساويين» ، وهذا أمر عدمي. # وقد توهم بعضهم أن التقابل بينهما تقابل التضاد. فإن عنى ذلك ومفهوم ~~الفردية ما قلناه فهو سهو. وإن عنى ذلك ، ومفهوم الفردية أنها كيفية ثبوتية ~~باعتبارها يمتنع الشيء من قبول الانقسام بمتساويين ، كان تكلفا لا دليل عليه. # وأيضا فإنا إنما نسمي مثل هذا الشيء فردا لا باعتبار كيفيته المانعة من ~~الانقسام ، بل باعتبار عدم قبول الانقسام بمتساويين ؛ لأن الناس يسمون ~~الثلاثة فردا ، وإن لم يخطر ببالهم تلك الكيفية ، بل باعتبار أنها لا تنقسم ~~بمتساويين. # بقي هنا اشكال ، وهو أن الزوجية اذا جعلت انقساما بمتساويين ، كانت من ~~باب الانفعال ، فكيف جعلت كيفية أخرى مقابلة لها. وكذا الفردية إذا كانت ~~عدم الانقسام بمتساويين كيف تجعل كيفية للعدد ، والأعدام ليست كيفيات ~~وجودية. PageV01P628 # تم الجزء الأول من كتاب «نهاية المرام في علم الكلام» بحمد الله تعالى ~~ومنه ويتلوه في الجزء الثاني بعون الله تعالى وتوفيقه الفصل الخامس في ~~القسم الرابع من الكيفيات وهي «الكيفيات النفسانية» على يد مصنفه العبد ~~الفقير إلى الله تعالى حسن بن يوسف المطهر الحلي ، في الرابع عشر من شهر ~~ربيع الأول (1) من سنة اثنتي عشرة وسبعمائة بالسلطانية كتابة وتصنيفا ، ~~والحمد لله وحده وصلى الله على سيد المرسلين محمد النبي وآله الطاهرين. PageV01P629 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| ** الفصل الخامس : ### ||| ** في القسم الرابع من الكيفيات وهو : ### | الكيفيات النفسانية (1) # وهي المختصة بذوات الأنفس. # اعلم أن هذه الكيفيات قد تكون باقية راسخة فتسمى ملكات (2)، وقد لا تبقى ~~، بل تكون سريعة الزوال غير مستحكمة وتسمى حالات. # وهذان صنفان لا نوعان (3)، لأن الافتراق بينهما إنما هو بالعوارض لا PageV02P003 # الفصول ؛ لأن الشخص الواحد في ابتداء تكونه يكون ms0396 صبيا ، لكن لا تغاير ~~حقيقته عند بقائه واستحكامه في الرجولية ، بل هو هو بالشخص ، فضلا عن ~~الوحدة النوعية ، كذا الكيفية النفسانية في حالتي ابتداء تكونها وبقائها. # فكل ملكة كانت حالا ؛ لأنها تكون حالا حال تكونها ، وهو سابق على بقائها ~~الذي باعتباره صارت ملكة ، وليس كل حال يصير ملكة. فهنا أبواب : PageV02P004 ### | الباب الأول ### | في العلم وما يتعلق به # وفيه مباحث : ### | البحث الأول ### | في العلم # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في تعريفه (1) # اعلم أن شعور كل أحد بغيره سواء كان ذلك حسيا أو عقليا ، أمر معلوم لكل ~~عاقل يجده الإنسان من نفسه على سبيل الضرورة ، ويميز بينه وبين سائر أحواله ~~النفسانية من جوعه وعطشه وألمه ولذته. وقد اضطرب العقلاء هنا في حقيقته ~~اضطرابا عظيما ، وطولوا الكلام فيها لا لخفائها ، بل لشدة وضوحها. PageV02P005 # فمنهم من جعل العلم إضافة بين العالم والمعلوم. (1) ومنهم من جعله صورة ~~مساوية للمعلوم في العالم. ومنهم من قال : إنه غني عن التعريف ، فلا ينبغي ~~أن يعرف ، وهو حق لكنه قصد المخلص من مضايقات وقع غيرهم فيها. وضبط المذاهب ~~المشهورة فيه أن نقول : # العلم إما أن يكون أمرا عدميا أو ثبوتيا ، والأول لا تعدد فيه. والثاني ~~إما أن يكون صفة حقيقية أو إضافية ، والثاني إما أن يكون إضافة محضة ، أو ~~صفة حقيقية تلزمها الإضافة. # وقبل الخوض في تحقيق ماهية العلم نقول : # زعم جل الأوائل أن تصور العلم بديهي لوجهين : ### |||| ** الأول : أن ما عدا العلم لا يعلم إلا بالعلم ، فلو كان هو معلوما بذلك الغير لزم ~~الدور ، وكيف لا يكون حقيقة ما به ينكشف جميع الأشياء منكشفة بذاتها غنية ~~عن الكشف بغيرها؟ ### |||| ** الثاني : أعلم بالضرورة علوما خاصة لعلمي بأني عالم بوجودي وأني عالم بحرارة النار ~~وضوء الشمس ، وتصور العلم المطلق جزء من العلم الخاص فيكون سابقا عليه ، ~~والسابق على البديهي أولى أن يكون بديهيا. # اعترض أفضل المحققين على الأول بأن المطلوب من حد العلم هو العلم بالعلم ~~، وما عدا العلم يعلم بالعلم ، لا بالعلم بالعلم (2). وليس من المحال أن ~~يكون هو كاشفا ms0397 عن غيره ، وغيره كاشفا عن العلم به. (3) PageV02P006 # وفيه نظر ، فإن المحدود إنما يعلم بحده وحد العلم ليس هو العلم نفسه فهو ~~مما عداه ، فإذن هو مما يعلم بالعلم ، والعلم إنما يعلم به لأنه حده. وأيضا ~~العلم إذا علم بحده كان ذلك الحد معرفا لكل علم ، الذي من جملته العلم ~~بالعلم وبحد العلم ، فيكون كل من العلم والعلم بحده معلوما بصاحبه ، وهو دور. # والتحقيق أن نقول : ما يعلم به الشيء يؤخذ باعتبارين : ### |||| ** الاعتبار الأول : أن يكون كاسبا له ومعرفا إياه ، كالحد والرسم والحجة. ### |||| ** الاعتبار الثاني : أن يكون آلة في العلم ، بأن يكون صورة مساوية له ، أو إضافة بين العلم ~~والمعلوم على اختلاف الرأيين. # فحد العلم إذا علم به إنما يؤخذ بالاعتبار الأول ، وإذا علم بالعلم إنما ~~يؤخذ بالاعتبار الثاني. # وفي الثاني نظر ، وهو المنع من وجود علم مطلق يكون جزءا من كل علم ، ~~وحصول العلم بالعلم الخاص من كل وجه. وقد تقدم مثله في الوجود. # وقيل : العلم هو الحاكم بامتياز كل شيء عما عداه ، فكيف لا يميز نفسه عن ~~غيره؟ ولأن كل ما يعرف به العلم فالعلم أعرف منه ، لأنه حالة نفسانية يجدها ~~الحي من نفسه ابتداء من غير لبس ولا اشتباه ، وما هذا شأنه يتعذر تعريفه. ~~ولأن كل من عرف شيئا أمكنه أن يعلم كونه عالما بذلك الشيء من غير برهان ~~ونظر ، والعلم بكونه عالما بشيء عبارة عن العلم باتصاف ذاته بالعلم ، ~~والعلم باتصاف أمر بأمر يستدعي العلم بكل واحد من الأمرين أعني الموصوف ~~والصفة فلو كان العلم بحقيقة العلم مكتسبا لاستحال أن نعلم كوننا عالمين ~~بشيء لا بنظر واستدلال ، ولما لم يكن كذلك ثبت أن العلم بحقيقة العلم غني ~~عن السبب. # وفيه نظر ، فإنه لا يلزم من كونه هو الحاكم بامتياز كل شيء عما عداه أن PageV02P007 # يكون معلوما بحقيقته ، فجاز أن يعلم ببعض اعتباراته. # وكذا الجواب عن الثاني ، فإن العلم بالاتصاف يستدعي العلم بالموصوف ~~والصفة ، لا من كل وجه بل من بعض الوجوه ، فجاز أن يكون مجهول الماهية ~~ويطلب ms0398 بالحد تعريفه. ### ||| ** المسألة الثانية : في أن العلم ليس عدميا (1) # اضطرب كلام الشيخ في حقيقة العلم ، فتارة جعله أمرا عدميا حيث بين أن ~~الباري تعالى عقل وعاقل ومعقول ، وأن ذلك لا يقتضي كثرة في ذاته ؛ لأن ~~العلم هو التجرد عن المادة. (2) # وتارة يجعله صورة مساوية للمعلوم مرتسمة في الجوهر العاقل. وذلك حينما ~~بين أن تعقل الشيء لذاته ولآلة ذاته ليس إلا حضور ذاته عند ذاته. وأيضا قال ~~في الإشارات : «إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ~~ما به يدرك». (3) # وتارة يجعله مجرد إضافة. وذلك عند ما يبين أن العقل البسيط الذي لواجب ~~الوجود ليست عقليته لأجل حصول صور كثيرة فيه ، بل لأجل فيضانها (4) عنه ، ~~حتى يكون العقل البسيط كالمبدإ الخلاق للصور PageV02P008 # المتصلة (1) في النفس. # وتارة يجعله عبارة عن كيفية ذات إضافة إلى الشيء الخارجي. وذلك عند ما ~~يبين أن العلم داخل في مقولة الكيف بالذات ، وفي مقولة المضاف بالعرض. # وإذا عرفت اضطرابه فلنشرع في إبطال مذهبه فنقول : # لا يجوز أن يكون العلم عدميا لوجوه : ### |||| ** الأول : لو كان العلم سلبيا لم يكن أي سلب اتفق ، فلا يكون سلب الإنسان علما ولا ~~سلب الفرس وغيرهما ، بل لو كان سلبا لم يكن إلا سلب ما يقابله ، والمقابل ~~للعلم إنما هو الجهل. إما مقابلة العدم والملكة وهو الجهل البسيط ، أو ~~مقابلة التضاد وهو الجهل المركب. فإن كان العلم عبارة عن سلب الأول الذي هو ~~عدم العلم ، كان العلم عدم العدم ، فيكون ثبوتا. وإن كان عبارة عن سلب ~~الثاني فهو محال ؛ لأنه لا يلزم من سلب الجهل المركب بالشيء حصول العلم ~~بذلك الشيء لاحتمال خلو المحل عنهما. # وبعبارة أخرى (2): لو كان سلبيا لكان سلب ما ينافيه ، والمنافي إن كان ~~عدما كان هو عدم العدم ، فيكون ثبوتا (3)؛ وإن كان وجودا فعدمه يصدق على ~~العدم ، فيكون العدم موصوفا بالعالمية ، هذا خلف. # اعترضه أفضل المحققين : «بأن الحكم بكون العلم سلبيا باطل» صحيح ، لكن في ~~الدليل نظر ؛ لأن المنافي إن كان مطلق العدم كان العلم مطلق الوجود ms0399 ، وإن ~~كان عدميا لا يكون العلم عدم العدم حتى يكون ثبوتيا ، إنما هو عدم العدمي ، ~~ولا يجب أن يكون عدم العدمي ثبوتيا ، فإن عدم العمى كما في الجرو بل PageV02P009 # في من نزل في عينه ماء بل في الجدار لا يكون إبصارا. # وأيضا يلزم من قوله : «وإن كان وجودا فعدمه يصدق على العدم ، فيكون العدم ~~موصوفا بالعلم» ثبوت ما ادعى بطلانه ؛ لأن وصف العدم لا يكون وجوديا ، فإذن ~~العلم سلبي. (1) # وفيه نظر ، فإنه لم يقصد المستدل كون العلم عدما لمطلق العدم حتى يكون ~~العلم مطلق الوجود ، بل عدم مقابله ، وذلك المقابل إن كان عدم العلم كان ~~العلم عدما للعدم ، فيكون ثبوتيا. # والتحقيق أن نقول : العدم قد يؤخذ مطلقا فيقابله وجود مطلق ، وقد يؤخذ ~~مضافا إلى شيء كعدم البصر مثلا ، فيقابله وجود البصر ؛ لاتحاد المضاف إليه ~~في التقابل. فلما كان العدم المضاف منسوبا إلى البصر وجب أن يكون الوجود ~~مضافا إليه أيضا. وهنا يكون عدم هذا الوجود إما لعدمه في نفسه أو لعدم ~~إضافته ، فإن كان لعدمه في نفسه لزم وجود مقابله أعني البصر ، وإن كان لعدم ~~إضافته لم يلزم ثبوت المقابل. # وقوله : «يلزم من قوله : إن كان وجودا فعدمه يصدق على العدم فيكون العدم ~~موصوفا بالعلم ، ثبوت ما ادعى بطلانه ؛ لأن وصف العدم لا يكون وجوديا» ليس ~~بوارد عليه ؛ لأنه إنما ذكر ذلك على سبيل الإلزام ليستثني نقيض اللازم ، ~~وهو أن العلم لا يصح أن يتصف به المعدوم. ### |||| ** الثاني : العلم يصح وصفه بالانتساب إلى شيء دون شيء فيقال : إنه عالم بكذا وليس ~~عالما بكذا ، فيختص تعلقه بشيء دون غيره بخلاف التجرد فإنه لا يعقل اختصاصه ~~بشيء دون آخر لامتناع أن يقال : هذا الشيء مجرد عن المادة PageV02P010 # بالنسبة إلى هذا دون ذاك ، فالتجرد مغاير للتعقل. ### |||| ** الثالث : لو كان العلم هو التجرد لاستحال اجتماع علمنا بكون الشيء مجردا عن المادة ~~وعلائقها من الوضع وقبول الإشارات وغير ذلك وجهلنا بكون الشيء عالما ؛ ~~لامتناع صدق إيجاب الشيء على غيره وسلبه عنه ، لكن التالي باطل ، فإنا ms0400 قد ~~نعلم كون الشيء مجردا عن المادة وعلائقها ونجهل كونه عالما بشيء البتة ~~ونفتقر بعد ذلك إلى الاستدلال ، فلا يجوز أن يكون كون الشيء مجردا عبارة عن ~~كونه عالما ، ولا داخلا فيه مقوما له ، بل بعد العلم بتجرده نشك في كون ذلك ~~المجرد عالما ، ومن المستحيل أن تكون الحقيقة الواحدة معلومة مجهولة دفعة ~~واحدة ، فثبت أن التعقل والتجرد متغايران. ### |||| ** الرابع : أننا نفرق بالضرورة بين حال تجدد العلم لنا بشيء وبين حالنا قبله ونميز ~~بينهما ؛ فإنا قبل ذلك العلم لنا لا تكون لنا صفة العالمية ولا يحصل لنا ~~باعتبار عدم هذا الوصف أمر وجودي ، بل لم تحصل زيادة على العدم إليه فوجب ~~أن يكون الفرق إنما هو حصول أمر لنا بعد العلم (1) لم يكن ثابتا قبله. ولا ~~فرق في أنا نجد أنفسنا عالمين بالشيء وفي أننا مريدين له ، فإن كل واحد ~~منهما حاصل بعد أن لم يكن ، وإنما نميز بينهما وبين سائر الأحوال النفسانية ~~(2) المدركة لنا ، وأن لهذا العلم خصوصية وانفرادا عن غيرها ، وذلك لا يكون ~~إلا إذا كانت تلك الحالة أمرا ثبوتيا. # فقد ظهر أن التعقل لا يجوز أن يكون أمرا عدميا ، ولا سلب المادة ولا ~~غيرها. نعم قد يلزمه ذلك ، لكن أخذ لازم الشيء مكانه اغلوطة. PageV02P011 ### ||| ** المسألة الثالثة : في أن العلم ليس هو الانطباع (1) # اعلم أنه لا يجوز أن يكون العلم عبارة عن صورة مساوية للمعلوم منطبعة في ~~العالم ، خلافا للرئيس ، لوجوه : ### |||| ** الأول : لو كان التعقل عبارة عن حصول صورة في العاقل مساوية للمعقول ، لكان تعقلنا ~~لذاتنا : إما أن يكون عبارة عن حصول صورة مساوية لذاتنا في ذاتنا ، أو يكون ~~نفس حصول ذاتنا لذاتنا من غير صورة أخرى منتزعة منها. # ويلزم من الأول اجتماع المثلين ، فلا يكون إحداهما بالحالية والأخرى ~~بالمحلية أولى من العكس ؛ ولا كون إحداهما آلة في التعقل والأخرى أصلا به ~~يحصل التعقل ويكون هي المعقول أولى من العكس. ولأنا ما لم نعقل أن تلك ~~الصورة صورة ذاتنا لم نعقل ذاتنا ، فيكون عقلنا لذاتنا قبل عقلنا لتلك ms0401 ~~الصورة. # والثاني باطل ؛ لأنه ليس من عقل الشيء المجرد عقل منه أنه عاقل ، ولهذا ~~إذا عقلنا واجب الوجود لم يجب أن نعتقد أنه عالم ، بل نفتقر بعد علمنا ~~بثبوته إلى دليل على علمه مع أنه عالم بذاته في نفس الأمر. وأيضا يبطل ~~قولهم : التعقل حصول صورة مساوية للمعقول في العاقل. ### |||| ** الثاني : لو كان التعقل عبارة عن حصول صورة المعقول للعاقل ، لكان علمنا بذاتنا إما ~~أن يكون نفس ذاتنا أو مغايرا له ، والقسمان باطلان. # أما الأول ، فلأن علمنا بذاتنا إذا كان هو نفس ذاتنا ، فإما أن يكون ~~علمنا بعلمنا بذاتنا هو نفس علمنا بذاتنا الذي هو نفس ذاتنا ، وإما أن لا ~~يكون. فإن PageV02P012 # كان لزم من حصول ذاتنا حصول علوم غير متناهية بالفعل ؛ لأن ذاتنا موجودة ~~بالفعل وعلمنا بذاتنا هو نفس ذاتنا ، وكذا علمنا بعلمنا بذاتنا إلى ما لا ~~يتناهى ، ولما كانت ذاتنا موجودة بالفعل وجب أن تكون هذه الأشياء موجودة ~~بالفعل ؛ لاستحالة أن يكون الشيء الواحد موجودا بالقوة والفعل معا ، وإن لم ~~يكن ، لم يكن (1) علمنا بذاتنا نفس ذاتنا ، وهو غير القسم الذي نحن فيه. # لا يقال : العلم بالعلم هو بعينه العلم بالمعلوم. # لأنا نقول : هذا باطل ؛ لأنا قد نعلم الشيء ونغفل عن علمنا بعلمنا به. ~~فإنا نستحضر في ذهننا العلم بالعلم ونجد تفرقة بينه وبين ما إذا لم نستحضر ~~ذلك العلم مع أن العلم بالمعلوم حاصل في الوقتين. # ولأن العلم بالعلم إضافة إلى العلم ، والعلم بالمعلوم إضافة إلى المعلوم ~~، وتغاير المضافين يستدعي تغاير الإضافتين. # وأما الثاني ، فلاستلزامه اجتماع المثلين. # اعترضه أفضل المحققين بأن علمنا بذاتنا هو نفس ذاتنا بالذات وغير ذاتنا ~~بنوع من الاعتبار. والشيء الواحد قد يكون له اعتبارات ذهنية لا تنقطع ما ~~دام المعتبر يعتبره. (2) # وفيه نظر ، لأن هذا الاعتبار الذي حصل به المغايرة إن كان جزءا من علمنا ~~بذاتنا دون ذاتنا أو من ذاتنا دون علمنا بذاتنا لم يتحدا بالذات ، لأن ~~المغايرة في المقوم تستلزم المغايرة في الحقيقة ، وإن لم يكن جزءا من ~~أحدهما كان عارضا ms0402 لذاتنا PageV02P013 # الذي هو علمنا بذاتنا أو لعلمنا بذاتنا الذي هو نفس ذاتنا. ومتى عرض ~~لذاتنا ، عرض لعلمنا بذاتنا وبالعكس ، لاتحادهما في الذات ، فلا يحصل ~~التغاير البتة. ### |||| ** الثالث : تعقل ذاتنا لذاتنا لا يكون نفس ذاتنا ، وإلا لزم تعقلنا لذاتنا بدوام ذاتنا ~~، وكذا يدوم علمنا بعلمنا بذاتنا ، فتكون جميع المراتب التي لا تتناهى ~~دائمة موجودة بالفعل لنا ، وهو ضروري البطلان (1). ولا مغايرا لذاتنا ~~زائدا عليها ؛ لأن ذلك الزائد إن كان مساويا للماهية كما يقولون : إنه صورة ~~للمعلوم في العالم لزم اجتماع المثلين ، وإن لم يكن مساويا بطل قولهم : علم ~~الشيء بذاته نفس ذاته ، وإن العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم ؛ لأن هذا ~~الزائد الذي جعلوه علما ليس أحدهما. ### |||| ** الرابع : (2) لو كان العلم هو حصول صورة الشيء لغيره ، لكان الجسم الأسود مدركا ~~للسواد لأنه حصل له السواد ، والتالي باطل بالضرورة ، فإنا نعلم ضرورة أن ~~الجمادات لا شعور لها البتة. # لا يقال : الإدراك حصول الشيء لا لأي شيء اتفق بل للذات المدركة ، ~~والجماد ليس بمدرك. # وأيضا ، فإن ماهية النفس مخالفة لماهية الجسم ، والإدراك هو حصول الشيء ~~للنفس المجردة لا للجسم ، ولا يلزم من كون حصول السواد في النفس إدراكا ~~للسواد أن يكون حصوله للجسم إدراكا له. # ولأن حصول السواد للشيء إنما يكون إدراكا له لو وقع ذلك الحصول على وجه ~~مخصوص وهو التجرد عن المادة ولما لم يكن حصول السواد للجسم على وجه التجرد ~~لم يكن الجسم عالما به. PageV02P014 # ولأن الحصول إنما يستلزم التعقل لو اتحدت الصورة بالعاقل ، وهذا الشرط ~~غير متحقق في الجسم والسواد. # لأنا نقول : إذا كان الإدراك هو الحصول ، فالمدرك شيء له الحصول أي ~~الإدراك فأينما تحقق الحصول وجب تحقق الإدراك ؛ لأنه نفسه فيكون الجماد ~~مدركا للسواد لأن السواد حصل له ، لكن لما كذب على الجماد الإدراك وصدق ~~عليه الحصول وجب التغاير ، وإلا صار قولنا في الجماد إنه حصلت له الصورة ~~وهو غير مدرك أنه حصلت له الصورة ولم تحصل له. # وأيضا قولهم : «الإدراك حصول الشيء للذات المدركة» إن عنوا به ms0403 للذات التي ~~لها الحصول ، فالحال كذلك. وإن عنوا به عين الحلول فهو المطلوب ، ولما كانت ~~النفس محلا للإدراك كانت مغايرة له ؛ لأن المحل مباين للحال ومغاير له. ~~ولأن علمنا بالشيء لو كان عين ذاتنا لما كان يعتبر في علمنا بالشيء حصول ~~حقيقة ذلك الشيء لنا. ولأنه كان يجب أن نكون عالمين بذلك المعلوم أبدا. # فثبت ، أن علمنا بالشيء زائد على ذاتنا ، فذلك الزائد إن كان نفس الحقيقة ~~المعقولة ، فأينما تحققت تلك الحقيقة المعقولة حصل العلم فالجماد عالم ، ~~وإن كان غيره فهو المطلوب. فإذا كانت حقيقة الإدراك عندكم هو الحصول ، ~~فأينما تحقق الحصول كان إدراكا ، إلا أن يجعل قول الوجود على الأمرين ~~بالاشتراك اللفظي ، فيكون وجوده عند كونه حاصلا في التعقل مخالفا لوجوده ~~عند كونه حاصلا للجسم وهو باطل ، لأنا إن جعلنا وجود الشيء نفس ماهيته ~~استحال أن يختلف وجود الماهية الواحدة بحسب اختلاف القوابل وإن وقع الإشكال ~~، لأن حقيقته إذا كانت مغايرة لمعقوليته وجب أن يكون وجوده مغايرا ~~لمعقوليته. وإن جعلناه زائدا استحال أن يكون بالاشتراك اللفظي اتفاقا وبما ~~سبق من الأدلة. # لا يقال : لا شك في أن التعقل زائدا على عين تلك الماهية. PageV02P015 # لأنا نقول : ذلك الزائد إما وجود تلك الماهية ، أو حصولها للمدرك. # والأول باطل بما تقدم. # والثاني محال ؛ لأن حصول ذلك الوجود للمدرك لا يمكن أن يكون ثبوتيا ، ~~وإلا تسلسل. # والتجرد الذي جعلوه شرطا إن كان هو الحقيقة الموجودة عاد المحال ، وإن ~~كان زائدا سلبا كان أو إيجابا حصل المطلوب ، والاتحاد محال. ### |||| ** الخامس : العلم إذا كان صورة مساوية للماهية فنقول : هذه الصورة يمتنع أن تكون نفس ~~المعلوم. # أما أولا : فلمغايرة الشيء صورته. # وأما ثانيا : فللعلم الضروري بأنا إذا علمنا الجبل والنار لم تحصل ماهية ~~هذه الأشياء فينا بل تكون مغايرة لماهية المعلوم ، ولا يخلو إما أن تكون ~~مساوية له من كل وجه ، أو من بعض الوجوه. والأول محال بالضرورة ؛ لأنه لا ~~فرق بين الماهية وبين ما ساواها من كل وجه. وكما حكمت الضرورة بعدم حلول ~~نفس الماهية ms0404 في العاقل ، كذا يحكم بامتناع حلول ما ساواها من كل وجه فيه. ~~فإنا نعلم بالضرورة أن مقدار الجبل وشكله وخواصه لا تحصل في العالم بالجبل. # وإن كانت مساوية من بعض الوجوه فنقول : # إما أن تحصل المخالفة بالوجود في بعض الصفات وعدمها ، أو بالمخالفة بين ~~بعض صفات أحدها وبعض صفات الآخر. # فالأول بأن (1) تحصل المساواة بين الصورة المعقولة والماهية في بعض ~~الوجوه ، وتحصل للصورة صفة أو صفات لا تحصل للماهية ، وتكون جميع صفات ~~الماهية PageV02P016 # واعتباراتها حاصلة في الصورة ، أو بأن ينعكس الحال ، فتحصل للماهية ~~مساواة للصورة في بعض الوجوه ، وتحصل للماهية صفة أو صفات لا تحصل للصورة ، ~~وتكون جميع صفات الصورة حاصلة للماهية. # والثاني إما أن يكون يحصل في كل من الماهية والصورة جميع صفات الآخر ، ~~وتحصل لكل منهما صفة أو صفات لم تحصل للآخر ، أو تحصل لكل منهما صفات يشارك ~~بها بعض صفات الآخر وتحصل لكل منهما صفات لا تحصل للآخر. # والقسم الأول محال بالضرورة ؛ لأنا نعلم أنه لم تحصل في الصورة العقلية ~~جميع صفات الماهية ولوازمها وحقيقتها الجوهرية التي في الجسم مثلا وعوارضها ~~كما تقدم. # والثاني محال أيضا ؛ لأنه يلزم أن لا تكون الصفة التي زادت الماهية بها ~~على الصورة معلومة ، أو لا تكون معلومة بصورة مساوية لها. والأول باطل ؛ ~~لأنا نفرض علمنا بشيء واحد من كل جهة ، أو علمنا بالشيء بجميع جهاته ~~وعوارضه ولواحقه. والثاني باطل أيضا ، وإلا لكان العلم على إضافته (1) ~~بالاشتراك اللفظي حيث كان في بعضها بصورة مساوية وفي الآخر بغير صورة ~~مساوية. ويلزم أيضا الترجيح من غير مرجح. ولأن في الصورة العقلية صفات ليست ~~في الماهية كالعرضية مع جوهرية الماهية. # وأما القسم الأول من قسمي القسم الثاني ، فإنه باطل بالضرورة أيضا ، لما ~~تقدم من امتناع حلول الماهية وما سواها في العاقل. # والثاني أيضا باطل ، وإلا لكان المعقول هو تلك الصفات المشتركة بين ~~الماهية والصورة العقلية ، ولا تكون باقي صفات الماهية معلومة أو تكون ~~معلومة لا PageV02P017 # بصورة مساوية ، فيخرج العلم عن كونه صورة مساوية للمعلوم في ms0405 العالم. # قال أفضل المحققين : «لا يجب كون العالم بالحرارة حارا ؛ لأنهم قالوا ~~بانطباع صورة مساوية للحرارة. وفرق بين صورة الشيء وبينه ، فإن الإنسان ~~ناطق وصورته ليست ناطقة. # وليست الصورة مساوية للمعقول في تمام الماهية ؛ لأن المساوي في تمام ~~الماهية هو نفس الماهية أو شخص من أشخاصها لا صورتها. وإذا كان بين الماهية ~~وصورتها اثنينية في النوع لكانت الصورة غير الماهية. ولجاز أن يكون المقتضي ~~لكون المحل حارا هو مجموع ما به الاشتراك وما به الامتياز. # ولا يلزم أن يكون الجدار عاقلا ، لأن الإدراك نفس الحصول لقابل مشروط ~~بشرط مخصوص ، فإنا لو قلنا : الغنى : حصول مال عند ما من شأنه أن يحصل له ~~مال ، لا يلزم منه أن يكون الجماد (1) الذي يحصل عنده مال غنيا.» (2) # واعلم أن ما ذكرناه من التقسيم لا يتأتى معه شيء من هذا الكلام البتة ، ~~وإذا كان بين الماهية المعقولة والصورة العقلية اثنينية بالنوع لم تكن ~~مساوية لها. # ثم قوله : «الجدار غير قابل» ضعيف ؛ لأنه قابل للحصول فيه ، وإلا لم يتصف ~~به ، وليس قابلا للتعقل فتغايرا. وحد الغنى لم يحصل في الجماد لأنه لم يحصل ~~له وإن حصل عنده ، فلهذا لم يتحقق الغنى فيه. أما الجدار فإن حد التعقل وهو ~~الحصول ثابت فيه. وإن قيدت الحصول بأنه حصول عند ما من شأنه أن يعقل ، ~~سألناكم عن معنى قولكم : «أن يعقل» ، فإن كان هو الحصول لزم التكرار ، وأن ~~يكون الجماد عاقلا ، وإن كان معنى غيره ثبت التغاير بين التعقل والحصول وهو ~~المطلوب. PageV02P018 # قال أيضا : «حصول الشيء للشيء يقع بالاشتراك أو (1) التشابه على معان ~~مختلفة ، كحصول الجوهر للجوهر والعرض ، وحصول العرض للعرض والجوهر ، ~~والصورة للمادة أو الجسم وعكسهما ، والحاضر لما حضر عنده وعكسه ، إلى غير ~~ذلك. ولما كان الحصول الإدراكي معلوما ولم يكن أي حصول اتفق بل حصول صورة ~~ما للمدرك ، لا للشيء على الإطلاق ، ولم يكن هذا الحصول بمعنى حصول العرض ~~لموضوعه ، لم يجب أن يكون الأسود مدركا للسواد». (2) # ولا مخلص فيه ، فإن البحث في تفسير المدرك في ms0406 قوله «الإدراك حصول شيء ~~للمدرك لا أي حصول اتفق» واقع. ### |||| ** السادس : لو كان التعقل هو الحصول ، لوجب إذا تصورنا موجودا ليس بجسم ولا قائما في ~~جسم ، واعتقدنا حلول السواد فيه أن نقطع بكونه عالما به. # اعترضه أفضل المحققين : بأن اعتقاد حلول السواد فيه ، إن كان على سبيل ~~حلوله في الأجسام فهو جهل وسخف. وإن كان على سبيل حلوله في المجردات فهو ~~معنى كونه عالما به ، ولا تغاير بينهما إلا تغاير الألفاظ المرادفة. (3) # وفيه نظر ، فإن مفهوم الحلول واحد ، والبرهان آت في المجرد. # فإنا نقول : لو كان التعقل هو الحلول للصورة في المجرد لكنا إذا اعتقدنا ~~حلول أمر في المجرد نعتقد أن ذلك المجرد عالم به ، وليس كذلك ، بل إنما ~~يحصل ذلك من مقدمتين : # إحداهما : الحلول في المجرد. # الثانية : أن معنى الحلول في المجرد هو التعقل ، لكن النزاع إنما وقع في هذا. ### |||| ** السابع : انا بعد العلم بأن الله تعالى ليس بجسم ولا حال فيه ، نشكك في أنه PageV02P019 # هل يعلم ذاته؟ وهل يعلم كونه فاعلا لغيره أم لا؟ وهذا يدل على أن كون ~~الشيء عالما بشيء ، مغاير لحصول ذلك الشيء له. # اعترضه أفضل المحققين : بأن ذلك إنما يقع إذا لم يتحقق أن ذاته بأي وجه ~~حصل لذاته ، وأن غيره بأي وجه حصل له ، فإن معاني الحصول مختلفة. فإذا ~~حققنا تجرده ، وحققنا أن كون الشيء مجردا قائما بالذات يقتضي علمه بذاته ~~وبصفاته كما يجيء بيانه ، لم نشكك في ذلك. (1) # وفيه نظر ، فإن «تحقق كون الشيء مجردا قائما بالذات يقتضي علمه بذاته ~~وبصفاته» ، يدل على مغايرة التعقل للحصول ، وهو المطلوب. ### |||| ** الثامن : الصور الجزئية تحصل في الخيال أو في الجليدية ، والإدراك يكون في الحس ~~المشترك أو في ملتقى العصبتين ، فلو كان الحصول إدراكا لكانا معا. # اعترضه أفضل المحققين : بأن الإدراك ليس هو حصول الصورة في الآلة فقط ، ~~بل حصوله في المدرك لحصوله في الآلة ، وهنا الإدراك لا يحصل في الحس ~~المشترك ولا في ملتقى العصبتين ، بل في النفس بواسطة هاتين الآلتين عند ~~حصول الصورة في ms0407 الموضعين المذكورين أو غيرهما. (2) # وفيه نظر ، فإن آلة المدرك غير المدرك ، وقد كنتم جعلتم الإدراك هو ~~الحصول عند المدرك فكيف يدرك المدرك لحصول صورة المدرك عند غيره؟ ثم إن ~~حصلت صورة المدرك للمدرك كما حصلت لآلته ، كان هناك حصولان ، ولا حاجة إلى ~~حصول الصورة عند الآلة. وإن لم يكن إلا حصول عند الآلة وجب أن لا يكون ~~المدرك إلا من حصلت له تلك الصورة. ### |||| ** التاسع : انا نعلم أن المبصر هو زيد الموجود في الخارج ، والقول بأنه مثاله أو شبحه ~~يقتضي الشك في الأوليات. PageV02P020 # اعترضه أفضل المحققين : بأن المبصر هو زيد بغير شك. أما الإبصار فهو حصول ~~مثاله في آلة المدرك ، وعدم التمييز بين المدرك والإدراك هو منشأ هذا ~~الاعتراض. (1) ### |||| ** العاشر : كيف يكون الإدراك صورة ذهنية مطابقة لما في الخارج ، والشعور بالمطابقة ~~إنما يكون بعد الشعور بما في الخارج؟ # اعترضه أفضل المحققين : بأن المطابقة غير الشعور (2) بها ، وإنما اشترط ~~فيه الأول دون الثاني. ### |||| ** الحادي عشر : المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في الخارج في تمام الماهية ، ~~وإلا لجاز أن يكون السواد مثل البياض في تمام الماهية ؛ لأن المناسبة بين ~~السواد والبياض لاشتراكهما في العرضية والحلول في المحل وكونهما محسوسين ~~أتم من المناسبة بين المعقول من السماء الذي هو عرض غير محسوس حال في محل ~~كذلك ، وبين السماء الموجودة التي هي جوهر محسوس موجود في الخارج محيط ~~بالأرض. # اعترضه أفضل المحققين : بأن ماهية الشيء هي ما يحصل في العقل من ذلك ~~الشيء نفسه دون عوارضه الخارجة عنه ، ولذلك اشتقت لفظة الماهية من لفظة ما ~~هو ، فإن الجواب عنها يكون بها. ولما كان كذلك كان معنى قول القائل : ~~«المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في الخارج» هو أن السماء ~~المعقولة المجردة عن اللواحق ليست بمساوية للسماء المحسوسة المقارنة إياها ~~، وحينئذ إن أراد بعدم المساواة التجرد واللاتجرد كان صادقا ، وإن أراد به ~~أن مفهوم السماء نفسه ليس بمشترك بين المجردة والمقارنة كان كاذبا. فإن زاد ~~وقال : المعقول PageV02P021 # من السماء ليس بمساو للسماء ms0408 الموجودة في تمام الماهية ، كان معناه أن ~~المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في تمام المعقولية إذ ليس ~~بمساو للسماء لها حال كونها معقولة. وهذا هذيان لما نسمعه ، فإن المعقول من ~~السماء هو نفس ماهية السماء ، فضلا عن المساواة. # وأما كون السواد غير مساو للبياض في تمام المعقولية ، فظاهر. وظاهر أن ~~المناسبة بين الموضعين غير صحيحة ، فإن الفرق بين السماء المعقولة ~~والمحسوسة بكون أحدهما عرضا في محل مجرد غير محسوس والآخر جوهرا محسوسا لا ~~في محل ، فرق بين الطبيعة النوعية المحصلة المأخوذة تارة مع عوارض وتارة مع ~~مقابلاتها. والفرق بين السواد والبياض فرق بين الطبيعة الجنسية غير المحصلة ~~المأخوذة تارة مع فصل يقومها نوعا وتارة مع فصل آخر يقومها نوعا مضادا ~~للأول. على أن السماء المعقولة إذا أخذت من حيث هي عرض قائم بنفس ما ، لم ~~تكن ماهيته السماء ، إنما تكون ماهيته لها من حيث تكون صورة حصلت في العقل ~~مطابقة لها. # وفيه نظر ، لأنا لم نقصد بالماهية المعنى المعقول باعتبار كونه ثابتا في ~~الذهن ، بل نريد به نفس الحقيقة والذات التي للشيء في نفس الأمر. # وليس المقصود من قولنا : المعقول من السماء ليس بمساو للسماء الموجودة في ~~الخارج ، عدم المساواة في التجرد وعدمه ، ولا أنها ليست مساوية لها في ~~المفهوم الذهني ، بل إنه ليس بمساو لها في حقيقتها ، وكيف يجوز جعل السماء ~~الثابتة في التعقل التي حكم عليها بالعرضية والحلول في محل مجرد غير محسوس ~~والسماء الثابتة في الخارج التي حكم عليها بالجوهرية والإحساس والاستغناء ~~عن المحل ، مندرجتين تحت طبيعة نوعية محصلة مأخوذة تارة مع عوارض وتارة مع ~~مقابلاتها ، فإن إحدى الصورتين جوهر والأخرى عرض ، وإحداهما حالة في محل ~~مجرد غير محسوس والأخرى غير حالة في محل وهي محسوسة. PageV02P022 ### ||| ** المسألة الرابعة : في أن التعقل هل يتوقف على الانطباع أم لا؟ (1) # اختلف الناس في ذلك ، فأكثر الأوائل عليه ؛ لأنا (2) نتصور أمورا لا وجود ~~لها بالفعل سواء كانت ممكنة مثل كثير من الأشكال الهندسية ، أو ممتنعة ~~كشريك الباري ، ونحكم على ms0409 ما لا تحقق له في الأعيان كالممتنعات بأحكام ~~إيجابية ، كالامتناع. فذلك المحكوم عليه يجب أن يكون ممتازا عن غيره ، وإلا ~~لم يكن هو بذلك الحكم أولى من غيره ، وكل ممتاز فهو ثابت ، فإن العدم المحض ~~والنفي الصرف لا يتحقق فيه امتياز ولا تعدد ولا تخصص ، ولو جاز في العدم ~~الصرف أن يكون بعضه متميزا عن البعض بالمقدار واللون والشكل لجاز في هذه ~~الأمور التي يتميز بعضها عن البعض بالبصر أن تكون معدومة ، وهو سفسطة ، بل ~~هذه الامتيازات والمخصصات كلها في لواحق الموجود الثابت. # وإذ ليس ذلك الثبوت والوجود في الخارج ؛ لأنا فرضناه ممتنعا فيه معدوما ، ~~ولأن ذلك الامتناع واجب الثبوت للممتنع لاستحالة أن ينقلب الممتنع غير ~~ممتنع ، فلو كان ذلك الامتناع ثابتا في الخارج لكان وجود الممتنع واجبا في ~~الخارج ، لوجوب وجود الشرط عند وجود المشروط ، فيكون ممتنع الثبوت في ~~الخارج واجب الثبوت في الخارج ، هذا خلف ، فهو موجود في الذهن حتى يتأتى ~~للذهن أن يحكم عليه بامتناع أن يعرض له الوجود الخارجي. # لا يقال : لو كان كون الشيء ممتنع الوجود في الخارج لأجل حكم الذهن على ~~الصورة الذهنية بامتناع حصولها في الخارج ، لكانت الممكنات بأسرها ممتنعة ؛ PageV02P023 # لأن الصورة الحاصلة منها في الأذهان ممتنعة الحصول في الخارج. # لأنا نقول : الصورة الذهنية لها ماهية ولها وجود ، ولا شك أن للماهية ~~اعتبارا ، ولوجودها اعتبارا آخر مغايرا لاعتبارها. واعتبار الماهية من حيث ~~هي هي وإن كان جزءا من اعتبارها من حيث إنها موجودة ، لكنهما متغايران ~~تغاير الجزء والكل. وتلك الماهية إذا أخذت من حيث هي ذهنية فهي ممتنعة ~~الحصول في الخارج ، سواء كانت تلك الصورة الذهنية مأخوذة عن الممتنع أو عن ~~الممكن ، لكن إذا نظر إلى تلك الماهية من حيث هي هي مع قطع النظر عن اعتبار ~~كونها ذهنية ، فإن حكم العقل بامتناع عروض الوجود الخارجي لها كانت ممتنعة ~~، وإلا كانت ممكنة. # فالحاصل أن تلك الماهية لا بد في حقيقتها من الوجود الذهني ، لكن المحكوم ~~عليه بالامكان والامتناع هو تلك الماهية فقط ، لا ms0410 من حيث اعتبار وجودها ~~وعدمه ، ولهذا (1) كان كون الإنسان إنسانا غير وكونه بحيث لا يمتنع نفس ~~مفهومه من الشركة غير ؛ فإن أحد المفهومين ليس هو الآخر ، ولا داخلا فيه ~~على ما عرفت ، فكونه بحال لا يمنع الشركة عارض عرض لتلك الماهية ، لكن ~~يمتنع أن يعرض له ذلك العارض عند وجوده في الخارج ؛ لأن كل موجود في الخارج ~~مشخص ويمتنع أن يكون بنفسه وهو بعينه محمولا على غيره على ما عرفت. # فإذن هذا العارض إنما يعرض له عند كونه في العقل ، فإذن للماهيات ~~المعقولة وجود في العقل. # وأما إن الإرادات الجزئية لا بد فيها من هذا الارتسام فسيأتي. PageV02P024 # وفيه نظر ، لأنا نمنع استدعاء الامتياز الثبوت. وفرق بين المعدوم والعدم ~~، فإن المعدوم شيء اتصف بالعدم. لا أقول إنه شيء ثابت في الخارج بل إنه ~~مفهوم اتصف في الذهن بالعدم لا على أنه ثابت في الذهن أيضا. # وأيضا المحكوم عليه بالامتناع ليس هو الصورة الذهنية ، بل ما هذه الصورة ~~صورته. وتلك الماهية لا ثبوت لها ذهنا ولا عينا ، لأنا لا نقول : إن تلك ~~الصورة الذهنية يمتنع وجودها في الخارج ، وإلا لم يبق فرق بين الممكن ~~والممتنع كما تقدم ، بل الماهية التي هذه الصورة صورة لها هي التي يحكم ~~عليها بالامتناع. # لا يقال : المتصورات لا تتميز بعضها عن البعض قبل وجودها ، بل نحن قبل ~~وجودها نعلم أنها بعد وجودها يكون بعضها متميزا عن البعض ، فالحاصل أن ~~التميز بصفات مترقبة الحصول. # لأنا نقول : هذا باطل لأنه إذا لم يكن هناك ما يشير العقل إليه ويحكم ~~عليه بالامتياز استحال الحكم بأن بعضها متميز عن البعض بعد الوجود ، ~~والمعتمد نفي هذه الصورة لوجوه: ### |||| ** الأول : الأدلة الدالة على امتناع كون العلم صورة تدل على نفي الصورة أيضا. ولأن ~~(1) حصول الاستدارة والحرارة في القوة المدركة يقتضي صيرورتها مستديرة حارة. # اعترضه أفضل المحققين : بأن الاستدارة إن كانت جزئية كانت ذات وضع ، فلا ~~محالة يكون محلها ذا وضع فيصير الجزء الذي هو محلها مستديرا بها من حيث هو ~~محلها ، ولا يلزم ms0411 من ذلك أن يصير المدرك الذي يكون ذلك المحل آلة له ~~مستديرا. وإن كانت كلية لم تكن ذات وضع ، ولا تقتضي أن يصير محلها PageV02P025 # مستديرا. (1) # وأما الحرارة ، فإنها لا تقتضي كون محلها حارا ، إلا إذا كان الحال هي ~~بعينها ، والمحل جسما خاليا عن ضدها من شأنه أن ينفعل عنها. ولا يلزم من ~~ذلك أن صورتها المغايرة لها إذا حلت جسما أو قوة جسمانية أن تجعلها حارة ، ~~فضلا عن أن تجعل المدرك الذي يكون ذلك المحل آلة له حارا. (2) # وقيل : الاستدارة ليست بنفسها حاصلة. (3) # وفيه نظر ، فإن تدرك اشكالا كثيرة لا تحضر كثرة متضادة دفعة أو قريبا من ~~دفعة ، ويمتنع حصولها في آلة واحدة لتضادها ، وفي آلات متكثرة بتكثر تلك ~~الصور ؛ للعلم القطعي بقصور الآلة عن الإحاطة بهذه الأشكال المتكثرة. ثم إن ~~فرضنا إمكان ذلك ، فكيف تطبع الآلة إلى التشكلات المتكثرة بسهولة جدا مع ~~تضاد المتشكلات واحتياجها إلى زمان يتهيأ المحل للانفعال على هيئتها؟ # والاستدارة الكلية إذا عقلت فإنما تعقل بحصولها نفسها في ذات العاقل ~~عندهم ، أو لحصول صورة مساوية لها ، وعلى كلا التقديرين فإنه يجب أن يكون ~~المحل مستديرا ؛ لأنا لا نعني به إلا ما حل فيه الاستدارة أو صورتها. ولا ~~فرق بين الكلي والجزئي في ذلك ، وإلا لم يكن العلم حصول صورة مساوية ~~للمعلوم في العالم ، ولا مدخل للجزئية والكلية في اتصاف المحل بالاستدارة ~~وعدمه ، بل إن حصلت الاستدارة أو صورتها في محل وجب أن يكون مستديرا ، سواء ~~كانت الاستدارة كلية أو جزئية ، وإن لم تحصل لم يجب أن يكون مستديرا. PageV02P026 # فقوله : «إذا كانت كلية لم تكن ذات وضع» مسلم ، لكن قوله : «ولا يقتضي أن ~~يصير محلها مستديرا» لا يجامع قولهم : التعقل حصول صورة مساوية للمعلوم في ~~العالم. # وقوله : «الحرارة لا تقتضي كون محلها حارا ، إلا إذا كان الحال هي بعينها ~~، والمحل جسما خاليا عن ضدها من شأنه أن ينفعل عنها» ، ضعيف. # لأنا لا نعني بالحار إلا ما حل فيه الحرارة ، فإن كانت الحرارة نفسها ~~حالة ثبت أنه حار. ms0412 وإن كانت صورتها ، فإن ساوتها من كل وجه فكذلك ، وإن ~~ساوتها من بعض الوجوه لم تكن حقيقة الحرارة معلومة إلا من ذلك الوجه ، لا ~~من كل وجه. وإن كان حصول المساواة من بعض الوجوه مقتضيا للعلم بالماهية من ~~كل وجه لم يكن لذلك الوجه الذي حذفناه عن درجة الاعتبار تخصص عن باقي ~~الوجوه حتى تعتبر هي خاصة. # وقيل : إنما يلزم كون الذهن مستديرا لو حصلت الاستدارة نفسها فيه ، أما ~~إذا حصلت صورتها ومثالها (1) فلا. # وهو باطل ؛ لأن مثل الاستدارة وصورتها إن كان عين الاستدارة لزم كون ~~الذهن مستديرا ؛ لأن معناه ما حصلت فيه الاستدارة ، وإن لم يكن ، لم يكن ~~تعقل الاستدارة حصول الاستدارة في العاقل ، وهو المطلوب. ### |||| ** الثاني : الصورة الذهنية إن لم تكن مطابقة للخارج كانت جهلا ، وإن كانت مطابقة فلا ~~بد من أمر في الخارج وحينئذ لم لا يجوز أن يكون الإدراك حالة نسبية بين PageV02P027 # المدرك وبينه؟ # اعترضه أفضل المحققين : بأن من الصور ما هي مطابقة للخارج وهي العلم ، ~~ومنها ما هي غير مطابقة للخارج وهي الجهل. أما الإضافة فلا توجد فيها ~~المطابقة وعدمها ؛ لامتناع وجودها في الخارج ، فلا يكون الإدراك بمعنى ~~الإضافة علما ولا جهلا. (1) # وفيه نظر أما أولا : فللمنع من انحصار سبب الجهل في عدم المطابقة لها في ~~الخارج ، فإنا إذا جعلنا العلم إضافة أمكن وجود الجهل مع عدم تلك الإضافة ، ~~ومع وقوعها على غير الشرائط المباينة لها. # وأما ثانيا : «كون كل ما لا يكون مطابقا للخارج جهلا» ، فيكون علمنا ~~باستحالة المستحيلات وبالممتنعات في الخارج جهلا إذ لا مطابق لها في الخارج ~~، وهو باطل ؛ لأن قولنا : «شريك الباري ممتنع» حق وصدق. ### |||| ** الثالث : الصور المتخيلة جاز أن تكون موجودة قائمة بأنفسها ، كما قاله أفلاطون ، أو ~~بغيرها من الأجرام الغائبة عنا ، وهذا وإن كان مستبعدا لكنه بالتزام أن ~~صورة السماء في الذهن مساوية للسماء غير مستبعد. # اعترضه أفضل المحققين : بأن أفلاطون لم يذهب ولا غيره إلى أن المحالات ~~المناقضة لأنفسها موجودة في الخارج ، ولا أمكن أن يذهب إلى ذلك ms0413 ذاهب. # وأما القول بكون الصورة المدركة في جسم غائب عن المدرك ، ليس بمستبعد فقط ~~، إنما هو مع ذلك من المحالات الظاهرة ، وليس كذلك القول : بأن صورة السماء ~~المنطبعة في آلة الإدراك مساوية للسماء ، لاحتمال أن يكون الانطباع في مادة ~~الجسم الذي هو آلة الإدراك ، أو في القوة المدركة الحالة فيه اللذين لاحظ PageV02P028 # لهما في الصغر والكبر من حيث ذاتيهما ، أو لاحتمال أن يكون المنطبع أصغر ~~مقدارا من السماء. وذلك غير قادح في المساواة بحسب الصورة ، فإن الكبير ~~والصغير من الإنسان متساويان في الصورة الإنسانية ، ولما لم يكن ذلك محالا ~~، فمجرد الاستبعاد الذي ادعاه لا يقتضي بطلانه. # على أن هذا الاستبعاد ليس بوارد على القول بأن الإدراك إنما يكون بصورة ~~مطلقا ، بل غاية ما في الباب ، أنه يرد على القائلين : بأن الإبصار إنما ~~يكون بانطباع صورة في الرطوبة الجليدية ، والتخيل يكون بانطباع صورة في ~~الآلة الجسمانية الموضوعة للتخيل. ولا يرد على سائر الإدراكات الجسمانية ~~(1) والعقلية ، ولا في الموضعين المذكورين أيضا على القائلين بالشعاع ، أو ~~على من يذهب مذهب الشيخ أبي البركات في القول ، بأن الصورة المتخيلة تنطبع ~~في النفس. (2) # وفيه نظر ، فإن التعقل إذا كان إضافة بين العالم والمعلوم أو صفة حقيقية ~~يلزمها الإضافة أو صورة مساوية للمعلوم في العالم ، لا بد من فرض ما يتعلق ~~به العلم وتحققه في نفسه لا في العلم المفتقر إلى تحقق هذا الفرض ، ولو لا ~~ذلك لم يبق فرق بين الأحكام الصحيحة والباطلة فيما لا وجود له في الخارج ، ~~كما نقول شريك الباري ممتنع ، والجسم ممتنع. فإذن المعلوم أي شيء كان يجب ~~أن يكون له تحقق في نفس الأمر ، حتى يتعلق به العلم على ما يقف عليه. وهنا ~~بحث معرفة الفرق بين الثابت في نفس الأمر والثابت في الخارج وسنذكره فيما ~~بعد إن شاء الله تعالى. # واستبعاد كون الصورة المدركة ثابتة في جسم غائب ، ليس في موضعه ، فإن ~~محققي الأوائل ذهبوا إلى ثبوتها في العقل الفعال ، فأي فارق بين الأمرين؟ ~~إلا بكون PageV02P029 # الجسم ذا وضع ms0414 بخلاف العقل. # أما انطباع الصورة المساوية للسماء في مادة آلة الإدراك فإنه أشد ~~امتناعا. # أما أولا : فلأن تلك المادة في غاية الصغر ، فكيف ينطبع فيه هذا المقدار ~~الأعظم؟ فإن لم يشترطوا المساواة في المقدار أو أن الحال في المادة الصغيرة ~~لا يكون له مقدار ، لزم أن لا يدرك المقدار العظيم على عظمه ، والصغير على ~~صغره ، حيث لا صورة مساوية لهما في المادة. # وأما ثانيا : فلأن تلك المادة لا يمكن أن تقوم بغير مقدار لها فكيف يحصل ~~فيها مقدار آخر؟ والمساواة بحسب الصورة غير كافية في العلم بالمقدار. ### |||| ** الرابع : إن لزم من قول الشيخ ، اثبات الصورة الذهنية فإنما لزم فيما لا يكون ~~موجودا. أما المحسوسات التي لا تدرك إلا إذا كانت موجودة ، فيحتمل أن يكون ~~إدراكها إضافة ما للمدرك إليها. # اعترضه أفضل المحققين : بأن الإدراك معنى واحد (1)، إنما يختلف بإضافته ~~إلى الحس أو العقل ، فإذا دلت ماهيته في موضع على كونه أمرا غير مضاف عرضت ~~له الإضافة ، علم قطعا إنه ليس نفس الإضافة أينما كان. # وفيه نظر ، لأنا نمنع كون الإدراك معنى واحد ، فإن التعقل لا يفتقر حصوله ~~إلى حضور مادة بخصوصيتها بخلاف الإدراكات الجزئية. ### |||| ** الخامس : لو كان التعقل لأجل انطباع المعقول وصورته في العاقل ، لكنا إذا عقلنا أن ~~السواد يضاد البياض ، يلزم أن تنطبع صورة السواد والبياض فينا ، ويلزم أن ~~يكون محل السواد والبياض واحدا ، لأنا حكمنا بالتضاد بينهما ، والقاضي على ~~الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما ، لكنهما منافيان لذاتيهما. PageV02P030 # اعترض (1) بأن من عقل مضادة السواد والبياض فقد ارتسمت في عقله ماهيتاهما ~~، وماهية الضدين تقتضيان التضاد لا مطلقا ، بل بشرط الوجود الخارجي ، فلا ~~يلزم تحقق التنافي عند فوات هذا الشرط. # وفيه نظر ، لأن الصورة إن ساوت الماهية الخارجية لزم التضاد فيها ، كما ~~في الماهية. وإن لم تكن مساوية لها لم تكن صورتها. ### |||| ** السادس : الماهية إذا انطبعت في العقل فهي من حيث إنها صورة جزئية حاصلة في نفس ~~جزئية موجودة في الخارج ، فوجوده الذهني إما أن يكون هو ذلك أو ms0415 وجود آخر. # والأول يستلزم أن لا يبقى الفرق بين الوجود الذهني والخارجي أصلا ، وكان ~~يجب أن يتوفر على تلك الماهية حينما تكون في الذهن جميع ما يتوفر عليها عند ~~ما تكون خارجية ، فالحرارة المعقولة محرقة ، والسواد المعقول محسوس قابض ~~للبصر ، وهو محال. # والثاني أيضا محال ؛ لأنه يقتضي أن يكون للشيء الواحد وجودان فيكون ~~موجودا مرتين ، وهو محال. فهب أن له وجودا آخر لكن الوجود الخارجي حاصل له ~~، فكان يجب أن يتوفر عليه جميع ما يفرض له في الخارج. # اعترض (2) بأن للحرارة ماهية ولوازم ، ولا يجب أن يكون ما يلزمها بحسب ~~قابل يلزمها بحسب كل قابل ، فإنه من الجائز أن تختلف لوازم الشيء بحسب ~~اختلاف القوابل حتى يكون للحرارة متى حلت المادة الجسمانية تعرض لها عوارض ~~مخصوصة ، ومتى حلت (3) النفس المجردة عن الوضع والمقدار لا يعرض لها شيء من ~~تلك العوارض. وتكون الماهية في الحالتين واحدة لأنها ليست هي هي PageV02P031 # بأنها مسخنة ، وإلا لكانت النار حينما لا تكون مسخنة لغيرها لا تكون نارا ~~، بل لأنها شيء يلزمها السخونة عند حلول المادة الجسمانية. وهذا الحكم صادق ~~عليها عند كونها ذهنية. # والحاصل أن النار عبارة عن الشيء الذي إذا وجد في الخارج كان محرقا ، ~~وإذا كان كذلك فحقيقته النار وإن حصلت في الذهن ، إلا أنها لا تكون محرقة ؛ ~~لأن شرط كونها محرقة كونها موجودة في الخارج ، وإذا كانت في الذهن صدق ~~عليها أنها لو كانت في الخارج لكانت محرقة. # ولو وجه السائل الإشكال في نفس السخونة لم يندفع بهذا الجواب. # وفيه نظر سبق تقريره ، وهو أن الماهية الذهنية إن ساوت الخارجية في جميع ~~ما به صارت ماهية ، لزم المحال من التساوي في جميع لوازم الماهية ، وإلا لم ~~تكن لوازم للماهية ، بل بتوسط الوجود. وإن لم تكن مساوية بطل قولهم بالصورة ~~وبالوجود الذهني ، لأن الموجود حينئذ لا يكون هو نفس الماهية ، ولا ما ~~يساويها ، فلا يكون تعقل الاستدارة هو حصول الاستدارة ولا صورتها المساوية ~~في العاقل ، وهو المطلوب. # وإذا عقلنا أن النار هي التي ms0416 إذا وجدت في الخارج لزمها الإحراق ، فقد ~~عقلنا الإحراق ؛ لأن علمنا بأن شيئا يلزمه آخر بشرط مخصوص يتوقف على العلم ~~بحقيقة اللازم والملزوم ، وإذا كنا قد عقلنا الإحراق والتعقل حصول المعقول ~~فقد حصل في ذهننا الاحراق ، فيكون الذهن محترقا إذ معنى المحترق : ما فيه ~~الإحراق. # إلا أن يقال : نحن لا نعقل حقيقة الإحراق ، بل نعقل منه أنه الأمر الذي ~~يلزمه اللازم الفلاني عند وجوده في الخارج ، لكن كلامنا في اللازم الفلاني ~~كالكلام في الأول. ولأن الموجود الذهني إن خالف الخارجي في مفهوم كونه ~~موجودا ، كان PageV02P032 # لفظ الوجود واقعا بالاشتراك اللفظي ، وهو باطل عندهم ، وإن ساواه بطل ~~عذرهم ؛ لأن الذهن ممكن الاتصاف بالوجود ، فلا منافاة بين ذات العقل وبين ~~ماهية المعقول وبين وجوده. # فإذن يجب أن يوجد فيه هذه المعقولات ، وهو محال ، وإلا لوجد فيه اللون ~~والشكل والمقدار ، فتتصف بالألوان المختلفة والأقدار والأشكال المختلفة ~~دفعة ، وهو محال. ولأنه لا يبقى فرق بين الإنسان الموجود في الذهن وبين ~~الإنسان في الخارج لتساويهما في الماهية والوجود ، وهو مكابرة. وإن لم يكن ~~الذهن ممكن الاتصاف بماهيات هذه العلوم ، لم يكن التعقل حصول ماهية المعقول ~~في العاقل ، وهو المطلوب. ### |||| ** السابع : العلم بمضادة السواد والبياض يجب أن يكون متعلقا بهما ، وإلا لكان متعلقا ~~بالمضادة المطلقة ، لا بمضادة السواد للبياض ، وإذا كان العلم المتعلق ~~بمضادة السواد للبياض متعلقا بهما فيكون العلم الواحد متعلقا بمعلومين ، ~~وهو محال ؛ لأن شرط العلم المطابقة ، والشيء الواحد لا يطابق المختلفين. (1) # اعترض : بأن ذلك يلزم لو جعلنا العلم نفس الانطباع ، أما إذا جعلناه ~~اضافة مخصوصة مشروطة بالانطباع فالمحال غير لازم ، وهو تسليم لكون العلم ~~اضافة. (2) ### ||| ** المسألة الخامسة : في أن العلم هل هو إضافة محضة أو صفة تلزمها الإضافة؟ # اعلم أن الصفات تنقسم إلى حقيقية كالسواد والبياض ، وإلى إضافية محضة PageV02P033 # كالتيامن والتياسر ، وإلى ما تكون حقيقة تلزمها الإضافة. وتنقسم إلى ما ~~لا يتغير بتغير المضاف إليه كالقدرة ، وإلى ما يتغير كالعلم. # إذا عرفت هذا فنقول : العلم لا يعقل إلا مضافا تارة إلى العالم ، بأن ms0417 ~~يقال : العلم علم للعالم ، والعالم عالم بالعلم ، وتختلف هنا حرف الصلة بين ~~المضاف والمضاف إليه. وتارة إلى المعلوم ، فيقال : العلم علم بالمعلوم ، ~~والمعلوم معلوم بالعلم ، فتتحد هنا حرف الصلة. فهل العلم نفس هذه الإضافة ~~المحضة ، أو هي صفة حقيقية تتبعها الإضافة؟ # واختلف الناس في ذلك ، فذهب بعضهم إلى الأول (1)، وآخرون إلى الثاني. ~~وبالجملة فالعلم لا ينفك عن الإضافة ، إما بأن يكون نوعا منها ، أو مشروطا ~~بها ، والقولان متقاربان. # واستدل بعضهم على كونه إضافة ، بأنه لا يمكننا أن نعقل كون الشيء عالما ~~إلا إذا وضعنا في مقابلته معلوما. (2) # وهذا لا يدل على مطلوبه ، لجواز أن يكون أمرا تلزمه الإضافة. # ثم القائلون بكون العلم إضافة : منهم من سمى هذه الإضافة بالتعلق ، وهو ~~أبو الحسين البصري ومن تبعه (3)، وأثبتوا معنى آخر يقتضي هذا التعلق. ~~ومنهم من قال : العلم عرض يوجب العالمية ، والعالمية حالة لها تعلق ~~بالمعلوم ، فأثبتوا أمورا ثلاثة : العلم والعالمية والتعلق ، وهم القائلون ~~بالأحوال (4)، وسيأتي PageV02P034 # البحث معهم إن شاء الله تعالى. # قال أفضل المحققين : «من جعل العلم إضافة ، غفل عن استدعاء الإضافة ثبوت ~~المتضايفين ، فلزمه أن لا يكون ما ليس بموجود في الخارج مدركا ، وأن لا ~~يكون إدراك ما جهلا البتة ؛ لأن الجهل هو كون الصورة الذهنية للحقيقة ~~الخارجية غير مطابقة إياها. (1) والمعلوم إذا كان معدوما ، فليت شعري أين ~~يكون إن لم يكن في الذهن؟» (2) # وفيه نظر ، فإنه كما أن الإضافة تستدعي ثبوت المتضايفين ، كذا الصورة ؛ ~~لأن فيها تضايفا ، وهي أنها صورة لذي الصورة وحكاية له ومساوية إياه ، ~~والمساواة تستدعي الاثنينية والتغاير ، فإن كانت ماهية في الذهن لزم إضافة ~~الشيء إلى نفسه. ولأن ما في الذهن تابع لما في الخارج أو نفس الأمر ، فلا ~~يجوز أن يجعل التعقل مضافا إلى التابع. ولزمه ما ألزم في المضافين. # ونمنع تفسير الجهل بما ذكر ، بل معنى الجهل عدم المطابقة بين العلم ~~والمعلوم ، فإذا أخذت الإضافة إلى شيء على وجه لا يكون مطابقا ، كانت جهلا. ~~ولا يجب في المعلوم المعدوم أن يثبت له اثنينية حتى يسأل ms0418 عن خصوصياتها. # وإذا تقرر هذا ، فالعلم والإدراك والشعور صور حقيقية تلزمها حالة إضافية ~~(3) لا توجد إلا عند وجود المضافين. # وقيل : إنها حالة إضافية لا توجد إلا عند وجود المضافين (4). فإن كان ~~المعقول هو ذات العاقل استحال من ذلك العاقل أن يعقل ذلك المعقول إلا عند ~~وجوده ، فلا جرم لا حاجة إلى ارتسام صورة أخرى منه فيه ، بل تحصل لذاته من PageV02P035 # حيث هو عاقل إضافة إلى ذاته من حيث هو معقول ، وتلك الإضافة هي التعقل. # وإن كان المعقول غير العاقل ، أمكن لذلك العاقل من حيث هو هو أن يعقل ذلك ~~المعقول من حيث هو ، حال كون ذلك المعقول معدوما في الخارج ، فلا جرم لا بد ~~من ارتسام صورة أخرى من ذلك المعقول في العاقل لتحقق النسبة المسمى ~~بالعاقلية بينهما. وعلى هذه القاعدة استمرت الأصول المثبتة بالدلالة ، فإن ~~الحجة لما قامت على أنه لا بد من الصور المنطبعة ، لا جرم أثبتناها. وقامت ~~الدلالة أيضا على أن العلم ليس هو نفس ذلك الانطباع ، لا جرم أثبتنا إضافة ~~زائدة على تلك الصورة الحاضرة. ولما حصرنا الأقسام وبطل ما سوى هذا القسم ~~تعين الحق فيه. # واعلم أن لنا في تعقل الواحد نفسه كلاما سيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وقوله : «لا بد من ارتسام صورة أخرى من ذلك المعقول في العاقل» ممنوع ، ~~لما تقدم من بطلان القول بالصورة. نعم الحق ما قدمناه من كون العلم صفة ~~حقيقية تلزمها الإضافة. ### ||| ** المسألة السادسة : في أن التعقل لا يشرط فيه الاتحاد (1) # هاهنا مذهبان غريبان عجيبان لقدماء الحكماء في التعقل حدثا بعد المعلم الأول. ### |||| ** أحدهما قد كان مشهورا عند المشائين ، وهو : أن الجوهر العاقل إذا عقل صورة عقلية ~~صار هو هو ، فاتحد العاقل بالصورة المعقولة عند تعقله إياها. PageV02P036 # وشنع الشيخ عليهم في كتاب الإشارات وغيره (1)، لكن أفتى به في كتاب ~~المبدأ والمعاد. (2) ### |||| ** والثاني : أن النفس الناطقة إذا عقلت شيئا ، فإنما تعقل ذلك الشيء باتصالها بالعقل ~~الفعال ، وتتحد به وتصير مع نفس العقل الفعال. # والذي يدل على بطلان المذهبين ms0419 معا بالشركة : ان الاتحاد محال في نفسه ~~مطلقا ؛ لأن المتحدين قبل الاتحاد قد كانا اثنين متعددين متمايزين ، فبعد ~~الاتحاد إن بقيا كما كانا ، فلا اتحاد لأنهما لم يكونا متحدين بل متعددين ~~متمايزين ، والتقدير أنهما بعد الاتحاد كذلك وأنهما كما كانا قبل الاتحاد. ~~وإن عدما وحدث ثالث ، فلا اتحاد أيضا ، بل كان إعداما لشيئين وإيجاد الثالث ~~، وهذا غير منكر ؛ ولأن الضرورة قاضية ببطلان اتحاد المعدومين. وإن عدم ~~أحدهما وبقي الآخر ، فلا اتحاد لقضاء الضرورة بامتناع اتحاد الموجود مع ~~المعدوم. (3) # ويدل على إبطال الأول بخصوصيته : أن النفس إذا عقلت شيئا ما وليكن (الف) ~~واتحدت به وصارت حقيقة النفس حقيقة (الف)، فإذا عقلت شيئا آخر وليكن (ب)، ~~فإما أن تتحد به أو لا. # والثاني هو المطلوب ، وهو : أن التعقل لا يستلزم الاتحاد. ولأنه لا ~~أولوية في اتحادها مع المعقول الأول دون اتحادها مع الثاني. PageV02P037 # والأول يستلزم اتحاد النفس مع جميع المعقولات لكنها غير متناهية فيكون ما ~~لا يتناهى من الماهيات شيئا واحدا ، وهو محال ؛ لاستحالة أن يكون الشيء ~~الواحد حقيقتان مختلفتان ، فكيف تكون له حقائق مختلفة غير متناهية؟ ولأنه ~~مع القول باتحاد العاقل بالمعقول يستلزم القول باتحاد جميع المعقولات ، وهو ~~معلوم البطلان بالضرورة. # وأيضا إذا عقل العاقل (الف) فإما أن تبطل النفس عند تعقل (الف) أو لا ~~تبطل. فإن بطلت النفس فلا بد من حدوث غيرها ، وإلا لم يكن هناك شيء متعقل ، ~~وإذا بطلت حال التعقل لم يكن في تلك الحالة متحدة بالمعقول بل ولا عاقلة له ~~، ولا تكون المتجددة عاقلة أيضا لعود البحث إليها ، مع أن الضرورة تقضي ~~ببطلان هذا ، فإن العالم شيء ثابت قبل العلم ومعه وبعده. # وإن لم تبطل النفس مع أنها قد تغيرت إذ هو التقدير كان التغير في حال من ~~أحوال النفس لا في ذاتها ، بل ذاتها باقية في الحالين ، وذلك غير منكر إذ ~~هو كسائر الاستحالات ، ليس على ما يقولون. # ولأن النفس لو اتحدت بالمعقول فإما أن تتحد كلها به ، فلا تعقل غيره ، ~~وإلا لاتحدت المعقولات كما ms0420 تقدم ، فكلما عقله واحد عقله كل واحد أو بعضها ~~فيلزم انقسامها ، وتعود المحالات المذكورة. ولأنه إن كان للقدر الأول الذي ~~وقع به الاتحاد تعين بحيث لا يزيد ولا ينقص ، لزم وجوده قبل التعقل ، لكن ~~النفس يمكنها تعقلات غير متناهية فيشتمل على أجزاء بالفعل غير متناهية ، ~~ويكون ذات مقدار ، وهو محال. وإن لم يكن لزم قبولها للقسمة والاتحاد فيكون ~~كما. ولأنه إذا عقلت صورة لم يكن تقدير البعض أولى مما هو أزيد منه أو أنقص ~~، وكل ذلك محال. # ويدل على إبطال الثاني بخصوصيته أن العقل الفعال إما أن يكون شيئا PageV02P038 # واحدا بعيدا عن التكثر ، أو يكون ذا أجزاء وأبعاض. والأول يوجب أن تكون ~~المتحدية لأجل تعقل واحد أن تعقل جميع المعقولات ؛ لأن العقل الفعال عاقل ~~لجميع المعقولات ، والمتحد بالعاقل لجميع المعقولات عاقل لها ، وإلا لم ~~يصيرا واحدا ، أو إن كان ذا أبعاض تتحد النفس عند تعقلها معقولا واحدا ببعض ~~تلك الأبعاض ، وجب أن يكون للعقل الفعال بحسب كل تعقل ممكن الحصول لإنسان ~~واحد جزء ، لكن التعقلات التي يقوى عليها البشر غير متناهية. # ثم إن كل واحد من تلك التعقلات يمكن فيه حصول أعداد غير متناهية ، فيكون ~~كل واحد من تلك الأجزاء مركبا من أجزاء نوعية غير متناهية. فإذن العقل ~~الفعال مركب من أجزاء مختلفة الحقائق غير متناهية ؛ لأن المعقولات المختلفة ~~الماهية غير متناهية. # ثم كل واحد من تلك المعقولات يمكن حصولها للأنفس الغير المتناهية ، فيكون ~~تعقل زيد للسواد مثل تعقل عمرو. فإذن للعقل الفعال بحسبها أجزاء غير ~~متناهية متحدة في النوع ، فللعقل الفعال أجزاء غير متناهية ، لا مرة واحدة ~~بل مرارا غير متناهية ، ولا مختلفة بالنوع بل متحدة به ، فتلك المتحدات ~~بالنوع لا تتمايز بالماهية ولوازمها ، بل بالعوارض ، وذلك بسبب المادة. ~~والعقل الفعال مجرد فأجزاؤه مجردة ، فهي غير متميزة بالعوارض ، فلا تكون ~~متكثرة ، فهو بسيط وقد كان مركبا ، هذا خلف. # وأيضا النفسان إذ عقلتا معقولا واحدا حتى اتحدتا بالعقل الفعال ، فإما أن ~~يكون الذي اتحدت به إحدى النفسين هو الذي اتحدت ms0421 الأخرى به فيلزم اتحاد ~~النفسين ، فكل ما عقله زيد عقله عمرو ، فيلزم أن يكون كل عاقل عقل شيئا ~~وعقل آخر إما ذلك الشيء أو غيره أن يتساويا في تعقل جميع الأشياء ، وهو ~~معلوم البطلان ، أو يكون متغايرا ، فيكون للعقل الفعال بحسب التعقلات غير ~~المتناهية PageV02P039 # أجزاء غير متناهية مختلفة ، فيكون له بحسب كل واحد من الأفراد غير ~~المتناهية التي للنوع أجزاء غير متناهية ، لا مرة واحدة بل مرارا غير ~~متناهية ، وهو محال لذاته. ولأن الامتياز بين الأمور المتخالفة إما ~~بالماهية أو اللوازم أو العوارض ، والكل منتف هنا. # وهؤلاء قالوا : إن النفس إذا عقلت شيئا فإنما تعقل ذلك الشيء باتصالها ~~بالعقل الفعال ، واتصالها بالعقل الفعال هو أن تصير هي نفس العقل الفعال ؛ ~~لأنها تصير العقل المستفاد ، والعقل الفعال هو نفسه يتصل بالنفس ، فيكون ~~العقل المستفاد. وصدقهم الرئيس في الاتصال بالعقل الفعال. # ونحن نقول : إنه يمتنع تحقق الاتصال بالمعنى الذي ذهبوا إليه من الاتحاد ~~به وبالمعنى الذي يكون بين الأجسام ، بل المراد به الاستعداد التام للنفس ~~لقبول فيض المعارف منه. # قال الرئيس : كان لهم رجل يعرف بفرفوريوس (1) عمل في العقل والمعقولات ~~كتابا يثني عليه المشاءون ، وهو سخف (2) كله ، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم ~~لا يعلمونه ولا فرفوريوس نفسه ، وقد ناقضه من أهل زمانه رجل وناقض هو ذلك ~~المتناقض ، بما هو أسقط من الأول. (3) # ومع هذا التشنيع العظيم من الرئيس على فرفوريوس ذهب إلى قوله باتحاد ~~النفس بالصورة المعقولة عند تعقلها إياها ، فإنه قال : بهذه العبارة (كل صورة PageV02P040 # مجردة عن المادة والعوارض إذا اتحدت بالعقل بالقوة صيرته عقلا بالفعل ، ~~لا بأن العقل بالقوة يكون منفصلا عنها انفصال مادة الأجسام عن صورتها ، ~~فإنه إن كان منفصلا بالذات عنها ويعقلها كان ينال منها صورة أخرى معقولة. ~~والسؤال في تلك الصورة كالسؤال فيها ، وذهب الأمر إلى غير النهاية). # هذا ما ذكره على سبيل الإجمال وأما على سبيل التفصيل (1) فقال : # إن العقل بالفعل إما أن يكون حينئذ هذه الصورة أو العقل بالقوة التي حصلت ~~لها هذه الصورة أو ms0422 مجموعها. # ولا يجوز أن يكون العقل بالقوة هو العقل بالفعل لحصوله ؛ لأنه لا يخلو ~~ذلك (2) العقل بالقوة إما أن تعقل تلك الصورة ، أو لا تعقلها ، فإن كان لا ~~تعقل تلك الصورة ، فلم تخرج بعد إلى الفعل ، وإن كان تعقلها ، فإما أن ~~تعقلها بأن تحدث لذات العقل بالقوة منها صورة أخرى ، أو تعقلها بأن تحصل ~~هذه الصورة لذاتها فقط. فإن كان إنما تعقلها بأن تحدث له منها صورة أخرى ~~ذهب الأمر إلى غير النهاية ، فإن (3) كان تعقلها بأنها موجودة له : فإما ~~على الإطلاق ، فيكون كل شيء حصلت له تلك الصورة عقلا ، لكن تلك (4) الصورة ~~حاصلة للمادة وحاصلة لتلك العوارض التي تقترن بها في المادة. فيجب أن تكون ~~(5) المادة والعوارض عقلا بمقارنة تلك الصورة ، فإن الصورة المعقولة موجودة ~~في الأعيان الطبيعية ، ولكن مخالطة بغيرها لا مجردة ، والمخالط لا يعدم ~~المخالط حقيقة ذاته. # وإما لا على الإطلاق ، ولكن لأنها موجودة لشيء من شأنه أن يعقل فيكون PageV02P041 # حينئذ معنى «أن يعقل» إما نفس وجودها فيكون كأنه يقول : لأنها موجودة ~~لشيء من شأنه أن توجد له ، وإما أن يكون معنى «أن يعقل» ، ليس نفس وجود هذه ~~الصورة له ، وقد وضع هنا (1) «أن يعقل» نفس وجود هذه الصورة له ، هذا خلف. # فإذن ليس «أن يعقل» بهذه (2) الصورة نفس وجودها للعقل بالقوة ولا وجود ~~صورة مأخوذة عنها. # فإذن ليس العقل بالقوة هو العقل بالفعل البتة ، إلا أن يوضع الحال بينهما ~~حال المادة والصورة المذكورتين. # ولا يجوز أن يكون العقل بالفعل هنا ، هي (3) هذه الصورة نفسها فيكون ~~العقل بالقوة لم يخرج إلى الفعل ؛ لأنه ليس هذه الصورة نفسها قابل لها ، ~~وقد وضع العاقل (4) بالفعل هذه الصورة نفسها ، فيكون العقل بالقوة ليس عقلا ~~بالفعل ، بل موضوعا للعقل بالفعل وقابلا ، فليس عقلا بالقوة ؛ لأن العقل ~~بالقوة هو الذي من شأنه أن يكون عقلا بالفعل فليس هاهنا شيء هو عقل بالقوة. # أما الذي يجري مجرى المادة فقد بيناه. و (5) الذي يجري مجرى الصورة ، فإن ~~كان عقلا بالفعل فهو عقل بالفعل دائما ms0423 ، ولا يمكن أن يوجد وهو عقل بالقوة. # ولا يجوز أو يكون هذا العقل بالفعل مجموعهما ؛ لأنه لا يخلو : إما أن ~~(يكون ذلك المجموع) (6) يعقل ذاته ، أو غير ذاته. ولا يجوز أن يعقل غير ~~ذاته ؛ لأن ما هو PageV02P042 # غير ذاته ، فإما جزء لذاته (1) وهو (2) الصورة والمادة المذكورتان ، أو ~~شيء خارج عن ذاته فإن كان شيئا خارجا عن ذاته فهو يعقله بأن يقبل صورته ~~المعقولة ، فيحل منه (3) محل المادة، ولا تكون تلك الصورة هي الصورة التي ~~نحن في بيان أمرها ، بل صورة أخرى بها يصير عقلا بالفعل. # وأيضا نحن إنما نضع هاهنا الصورة التي بها يصير العقل بالفعل (عقلا ~~بالفعل هذه الصورة) (4)؛ ثم مع ذلك فإن الكلام في المجموع مع بقاء (5) تلك ~~الصورة القريبة (6) ثابت. # ولا يجوز أن تكون أجزاء ذاته أيضا ؛ لأنه إما أن يعقل الجزء الذي هو ~~كالمادة ، أو الجزء الذي هو كالصورة ، أو كليهما ؛ وكل واحد من هذه الأقسام ~~، إما أن يعقله الجزء (7) الذي هو كالمادة ، أو الجزء الذي هو كالصورة ، أو ~~كلاهما. # وأنت إذا تبينت هذه الأقسام بان لك الخطأ في جميعها ، فإنه إن كان يعقل ~~الجزء الذي هو كالمادة بالجزء الذي كالمادة ، فالجزء الذي كالمادة عاقلة ~~لذاتها معقولة لذاتها ، ولا منفعة للجزء الذي كالصورة في هذا الباب لما ~~بينا. (8) # وإن كان يعقل الجزء الذي كالمادة بالجزء الذي كالصورة ، فالجزء الذي ~~كالصورة هو المبدأ الذي بالقوة ، والجزء الذي كالمادة هو المبدأ الذي ~~كالصورة PageV02P043 # والفعل (1)، وهذا عكس الواجب. # (وأيضا يعود الكلام المذكور من أنه تعقلها لحصولها لها على الإطلاق ، أو ~~لأنها حصلت لشيء من شأنه أن يعقل. وقد أبطلناهما. # وإن كانت الصورة تعقل نفسها كانت عاقلة ومعقولة بذاتها) (2). وإن كان ~~يعقل الجزء الذي كالمادة بالجزءين جميعا ، فصورة الجزء الذي كالمادة حالة ~~في الجزء الذي كالمادة وفي الجزء الذي كالصورة فهي أكبر من ذاتها ، هذا خلف. # واعتبر مثل هذا في جانب الجزء الذي كالصورة. ولذلك إن وضع أنه يعقل كل ~~جزء بكل جزء ، فقد بطلت الأقسام الثلاثة ، وصح أن الصورة ms0424 العقلية ليست ~~نسبتها إلى العقل بالقوة نسبة الصورة الطبيعة إلى الهيولى الطبيعية ، بل هي ~~إذا حلت العقل بالقوة اتحدت ذاتاهما (وصارتا) (3) شيئا واحدا ، فلم يكن ~~قابل ومقبول متميزي الذات. فيكون حينئذ العقل بالفعل (4) بالحقيقة هي ~~الصورة المجردة المعقولة. وهذه الصورة إذا كانت تجعل غيرها عقلا بالفعل بأن ~~تكون له ، فإذا كانت قائمة بذاتها فهي أولى أن تكون عقلا بالفعل ، فإنه لو ~~كان الجزء من النار قائما بذاته لكان أولى أن يحرق. والبياض لو كان قائما ~~بذاته فهو أولى أن يفرق البصر. # وليس يجب للشيء المعقول أن يعقله غيره لا محالة ، فإن العقل بالقوة يعقل ~~لا محالة ذاته أنه هو الذي من شأنه أن يعقل غيره (5). PageV02P044 # فقد ظهر من هذا أن كل ماهية جردت عن المادة وعوارض المادة فهي معقولة ~~بذاتها بالفعل ، وهي عقل بالفعل ، ولا تحتاج في أن تكون معقولة إلى شيء آخر ~~يعقلها. (1) # والجواب : أنا نختار الأول ، وهو أن العقل بالفعل هو العقل بالقوة عند ~~حلول الصورة المجردة فيه. # قوله : العقل بالقوة يعقل تلك الصورة لأجل حضورها فيه كيف ما كان (2)، ~~أو لأجل حضورها في شيء من شأنه أن يعقل. # قلنا : نختار الثاني ، وهو أن يعقل تلك الصورة لأنها حلت في شيء من شأنه ~~أن يعقل. # قوله : يلزم أن يكون إنما عقلها لأنها حلت في شيء من شأنه أن يحل فيه شيء. # قلنا : إنما يلزم ذلك لو جعلنا التعقل نفس حصول صورة المعقول ونحن لا ~~نقول به ، بل شيء آخر إما إضافة إليه أو غيرها. فإن المعقول إن كان هو ذات ~~العاقل امتنع أن يكون التعقل بحصول صورة للمعقول في العاقل ، وإلا لتضاعفت ~~الصور ، بل يكون بإضافة تحصل لذاته من حيث هو عاقل إلى ذاته من حيث هو ~~معقول وتلك الإضافة التعقل ، وإن كان غيره أمكن لذلك العاقل أن يعقل ذلك ~~المعقول من حيث هو هو ، حال كون المعقول معدوما في الخارج. فلا بد PageV02P045 # في ارتسام صورة أخرى من ذلك المعقول في العاقل لتتحقق النسبة المسماة ~~بالعاقلية بينهما. # أو ms0425 نقول بتحقق الإضافة بالنسبة إلى ذات المعقول من حيث هي هي ، لا من حيث ~~إنها ثابتة في الذهن أو في الخارج أو لا ثابتة ، فهما على ما اخترناه نحن. (1) ### ||| ** المسألة السابعة : في الفرق بين حلول الصورة العقلية في النفس وبين حلول الصورة في المادة وسائر الصور في الجسم (2) # اعلم أن القائلين بإثبات الصورة المعقولة في النفس فرقوا بين حلول هذه ~~الصورة العقلية في النفس وبين حلول سائر الصور في الجسم من وجوه : ### |||| ** أولا : الصور المادية متمانعة لا يمكن اجتماع الكثير منها في مادة واحدة ؛ فإن ~~المشكل بشكل التربيع مثلا في الخارج ، لا يمكنه التشكل بشكل التثليث مع ~~حصول الأول ، بل تعدم الأول حتى يمكن تحقق الثاني في تلك المادة ، وليس ~~كذلك الصور العقلية ، فإنها تجتمع في النفس ، بل تتعاون في حصول بعضها مع # والثاني حاصل في العلوم الحصولية بناء على القول بأن العلم كيف نفساني ~~وان العرض يتحد بالجوهر حيث إن المعلوم بالذات هو الصورة العلمية لا ~~الأشياء الخارجية فتتحد الصورة بموضوعها وهي النفس ، فيصح القول باتحاد ~~العاقل والمعقول بهذا المعنى فتأمل. PageV02P046 # بعض في النفس وتتعاضد ، فإن النفس الخالية عن جميع العلوم يكون تصورها ~~لشيء من الحقائق شاقا شديدا ، وكلما ازداد ارتسام الأشياء فيها وتكثرت ~~علومها ازداد استعدادها للباقي. ### |||| ** ثانيا : الصور الخارجية إذا حلت في مادة وكانت عظيمة لم تكن المادة صغيرة ، فإن ~~العظيم من الصور المادية لا تحل في مادة صغيرة ، والصور الذهنية بالعكس ، ~~فإن قبول النفس للعظيم منها مساو لقبول الصغير ، ولهذا تمكنت النفس من تخيل ~~السماوات والأرض والجبال والبحار حيث لم تكن للنفس مادة ولا للصورة مقدار ~~في ذاتها بل لغيرها ، فنسبة القوة العقلية إلى جميع التقادير واحدة. ### |||| ** ثالثا : الكيفية الضعيفة إذا طرأ عليها الكيفية القوية في المادة عدمت الضعيفة ولم ~~يبق لها أثر البتة ، بخلاف الصور العقلية النفسانية ، فإن القوي لا يزيل ~~الضعيف بل يجامعه. ### |||| ** رابعا : الكيفيات المادية محسوسة ؛ فإن الحرارة الخارجية في النار محرقة لما ~~يلاقيها ، والبرودة في الثلج مبردة ، بخلاف الصور العقلية فليس من ms0426 تصور ~~الحرارة بصورة مساوية للحرارة يحترق ذهنه ، ولا في تصور البرودة يبرد ذهنه. ~~فالعقل لا يحكم على الصور الذهنية أنها حينما يكون في الذهن محرقة أو مبردة ~~، بل أنها أمور متى وجدت في الأعيان كانت محرقة أو مبردة. ### |||| ** خامسا : الصور العقلية بعد حصولها لا يجب زوالها بل تبقى ببقاء النفس دائما ، ولو ~~زالت لم يحتج في استرجاعها إلى تجشم كسب جديد ، بخلاف الصور المادية فإنها ~~واجبة الزوال لاستحالة بقاء القوى الجسمانية أبدا ، وإذا زالت افتقر ~~استرجاعها إلى تجدد السبب الأول. PageV02P047 ### ||| ** المسألة الثامنة : في كون الصورة العقلية كلية (1) # إن هنا طبائع وحقائق كلية لا نشك فيها ، وبأن (2) الطبيعة المائية متحققة ~~في ماء البحر والنهر وغيرهما ، والطبيعة الإنسانية ثابتة في الأشخاص ~~الإنسانية كزيد وعمرو مثلا ، ولا نشير بذلك إلى أن ماء البحر والنهر قد ~~اشتركا في إطلاق اسم الماء عليهما حتى يكون الاشتراك لفظيا لا غير ، ولا أن ~~زيدا وعمرا اشتركا في صدق لفظ الإنسان عليهما من غير أن يكون بينهما شركة ~~معنوية ، فإنا لو فرضنا الواضع لم يضع لفظي الماء والإنسان لوجدنا الشركة ~~بينهما ثابتة عقلية. # فإذن قول (3) الماء والإنسان وغيرهما من الطبائع على الأشخاص المندرجة ~~تحتها إنما هو على سبيل الاشتراك المعنوي ، وذلك المشترك لا يمكن أن يدخل ~~في مفهومه قدر معين وهيئة معينة وشكل معين ما لم يدخل في مفهومه بعض ~~أفراده. ولا بشخص معين ، وإلا لم يكن مشتركا بين الأشخاص ذوات الأعراض ~~المختلفة. # وإذا تقرر هذا فنقول : إن القوة العقلية إذا استحضرت ذلك المشترك بحيث ~~يكون مجردا عن جميع اللواحق الغربية والعوارض الخارجية ، فتلك الصورة تكون ~~كلية ، وهي وإن كانت في نفسها شيئا واحدا إلا أنه لا تختلف نسبتها إلى أي ~~واحد واحد من الناس ، بمعنى أن أي واحد من الناس حضرت صورته عند الخيال ثم ~~انتزع العقل منها المعنى الذي جرد عن العوارض الغربية والغواشي اللاحقة به ~~والمشخصات المخصصة له حصل في العقل تلك الصورة بعينها. وإذا سبق واحد ~~فتأثرت النفس منه بذلك الأثر ، لم يكن لغيره ms0427 تأثير جديد ، إلا بحكم هذا ~~الجواز. PageV02P048 # ولو كان بدل أحد هذه المؤثرات شيء غير مجانس لها كفرس وثور ، كان الأثر ~~غير هذا الأثر، فهذا معنى كون الصورة العقلية مشتركا فيها. # واعترض (1) بأن الصورة العقلية من حيث حلولها في نفس جزئية حلول العرض في ~~الموضوع تكون جزئية ، ويكون تشخصها وعرضيتها وحلولها في تلك النفس ~~ومقارنتها بصفات تلك النفس ، عوارض غريبة لا تنفك عنها. وهذا يناقض قولهم : ~~العقل يقدر على انتزاع صورة مجردة عن العوارض الغريبة. # وأيضا تلك الصورة التي في نفس زيد مثلا لا يمكن أن تكون جزءا في ماهية ~~الأشخاص الموجودة في الخارج قبل زيد وبعده. فإذن تلك الصورة ليست بمجردة ~~ولا بمشترك. # وأجيب : بأن الإنسانية المشتركة الموجودة في الأشخاص في نفسها مجردة عن ~~اللواحق فالعلم المتعلق بها ، من حيث هو ، علم كلي مجرد ؛ لأن معلومه كذلك ~~، لا أن العلم في ذاته كذلك ، ولهذا السبب سماه المتقدمون كليا ، تعويلا ~~على فهم المتعلمين. والمتأخرون إذ لم يقفوا على أغراضهم ظنوا أن في العقل ~~صورة مجردة كلية. وليس الأمر على ما ظنوه ، بل على ما حققناه. (2) # قال أفضل المحققين : الإنسانية التي في زيد ليست بعينها التي في عمرو ، ~~فالإنسانية المتناولة لهما معا ، من حيث هي متناولة لهما ، ليست هي التي في ~~كل واحد منهما ، ولا هي فيهما معا ؛ لأن الموجود منها في أحدهما حينئذ لا ~~يكون نفسها ، بل جزءا منها ، فهي إنما تكون في العقل فقط ، وهي الإنسانية ~~الكلية فهي من حيث كونها صورة واحدة في عقل زيد مثلا جزئية ، ومن حيث كونها متعلقة PageV02P049 # بكل واحد من الناس كلية. # ومعنى تعلقها (1): أن الإنسانية المدركة بتلك الصورة التي هي طبيعة ~~صالحة لأن تكون كثيرة ولأن لا تكون ، لو كانت في أي مادة من مواد الأشخاص ~~لحصل ذلك الشخص بعينه. أو أي واحد من تلك الأشخاص سبق (2) إلى أن يدركه زيد ~~حصل في عقله تلك الصورة بعينها ، فهذا معنى اشتراكها. # وأما معنى تجريدها : فكون (3) تلك الطبيعة التي انضاف إليها معنى ~~الاشتراك منتزعة عن اللواحق ms0428 المادية الخارجية وإن كانت باعتبار آخر مكفوفة ~~باللواحق الذهنية المشخصة ، فإنها بأحد الاعتبارين مما ينظر به في شيء آخر ~~ويدرك به (في) (4) شيء آخر ، فالاعتبار (5) الآخر مما ينظر فيه ويدرك نفسه. # فإذن الصورة التي ذكرها (6) هاهنا هي الطبيعة الإنسانية التي ليست في ~~الحقيقة كلية ولا جزئية. (7) # وفيه نظر ، فإنه أثبت صورة كلية متناولة لإنسانية زيد وإنسانية عمرو ~~متعلقة بكل واحد من الناس في الذهن خاصة. # وفسر تعلقها بأن الإنسانية المدركة بتلك الصورة التي هي طبيعة صالحة ~~للكثرة والتشخص لو كانت في أي مادة من مواد الأشخاص لحصل ذلك الشخص بعينه. PageV02P050 # فنقول : هذه الطبيعة إن كانت في الخارج كانت شخصية ولم تصلح للكلية ، وإن ~~كانت ذهنية تضاعفت الصورة. ثم لو كفى أحد هذين الاعتبارين في كلية الصورة ~~الذهنية ، فليكف في كلية الصورة الخارجية ، بأن نقول : هذه الصورة الخارجية ~~وإن كانت شخصية إلا أن الطبيعة التي اشتمل ذلك الشخص عليها لو كانت في أي ~~مادة من مواد الأشخاص كانت تحصل ذلك الشخص بعينه ، أو أي واحد من تلك ~~الأشخاص سبق إلى أن يدركه زيد حصل في عقله تلك الصورة بعينها ؛ لصدق هذين ~~الاعتبارين في الشخص الخارجي كما صدقا في الشخصي الذهني. فإن الكلية ~~بالمعنى الأول حصلت باعتبار تقدير فرض الطبيعة موجودة في أي مادة فرضت بدل ~~المادة التي وحدت تلك الطبيعة فيها. وبالمعنى الثاني حصلت باعتبار أن أي ~~صورة عقلت أولا ساوت الصورة المعقولة أولا غيرها. # واعلم (1) أن الصورة النفسانية هيئة جزئية في نفس جزئية ، فهي أحد أشخاص ~~التصورات ، وكما أن الشيء الواحد باعتبارات مختلفة يكون عاما وخاصا ، كذلك ~~باعتبارات مختلفة يكون كليا وجزئيا ، فمن حيث إن هذه الصورة صورة معينة هي ~~صورة الإنسانية مثلا في نفس جزئية ، هي نفس زيد العاقل لها فهي جزئية ، ومن ~~حيث إنها مشتركة فيها متعلقة بالأشخاص الخارجية على ما فسرنا التعلق به فهي ~~كلية من غير تناقض ؛ لاختلاف الاعتبار ، لأنه ليس يمتنع أن تفرض للذات ~~الواحدة شركة بالإضافة إلى كثيرين ، فإن الشركة في الكثرة إنما يمكن ms0429 ~~بالإضافة لا غير ، ولو كانت الإضافة لكثرة إلى كثرة لم تكن هناك شركة ، ~~فإذن يجب أن تكون هناك إضافات كثيرة لذات واحدة بالعدد ، وهذه الصورة وإن ~~كانت بالقياس إلى الأشخاص المضافة إليها كلية ، لكنها بالقياس إلى النفس ~~الجزئية التي انطبعت فيها شخصية. PageV02P051 # ولما تعددت النفوس البشرية العاقلة وتكثرت ، وأمكن أن تعقل كل واحد ما ~~عقله صاحبه تكثرت الصورة الكلية بالعدد ، وصار للإنسانية الحاصلة في الذهن ~~المعقولة صور متعددة بالقياس إلى العدد المحال ، فهذه الصور الكلية كثيرة ~~بالعدد من الجهة التي هي بها شخصية. ثم يكون لها معقول آخر كلي هو بالقياس ~~إليها كهي بالقياس إلى ما في الخارج. وتتميز إحداهما عن الأخرى ، بأن كلية ~~إحداهما بالنسبة إلى أمور في النفس ، وكلية الأخرى بالنسبة إلى أمور في ~~الخارج ، وكلية الصورة الثانية بالنسبة إلى نوع الصورة الأولى التي كليتها ~~بالنسبة إلى أفراد نوع المعلوم. والكلام في الصورة [الثانية] كالكلام في ~~الصورة الأولى إلى غير نهاية ، ثم هي شخصية بالنسبة إلى محلها. # ولأن في قوة النفس أن تعقل وتعقل أنها عقلت وإن تركبت إضافات إلى إضافات ~~إلى غير النهاية ، لكنها تكون بالقوة لا بالفعل ؛ لأنه ليس يلزم النفس إذا ~~عقلت شيئا أن تعقل بالفعل معها الأمور التي يلزمها من غير وسط ، فضلا عما ~~يلزمها بوسط ، كتراوح عدد بأعداد غير متناهية بالتضعيف (1)، فإنه ليس يلزم ~~النفس في حالة واحدة أن تعقل تلك الأمور كلها ، وهذا في النفوس الناطقة سهل. # أما في العقول المجردة التي يثبتونها كاملة ليس فيها شيء بالقوة ، بل يجب ~~لها كل ما يمكن ، فالأمر فيها مشكل ؛ لأن هذه الدرجات غير متناهية في كل ~~واحد واحد من المعلومات التي لا تتناهى ، وهي مترتبة ؛ لأن الصورة الثانية ~~مسبوقة بالصورة الأولى ، لأنها منتزعة منها وحكاية عنها ، وكذا الثالثة ~~منتزعة من الثانية ، لا من الأولى ، فبينها ترتب طبيعي ، فتكون هناك علل ~~ومعلولات غير متناهية لا مرة واحدة بل مرارا لا نهاية لها ، ولكن لها بداية ~~وأول وهي الصورة الخارجية الأصلية التي انتزعت الصورة الذهنية منها ms0430 بغير ~~واسطة. والبرهان قام PageV02P052 # على وجوب البداية للأمور المترتبة ، ولم يقم على وجوب النهاية لها. # وفيه نظر ، فإن برهان التطبيق (1) آت فيها. # واعلم أن هذا المحال إنما نشأ من القول بإثبات الصور الذهنية ، أما على ~~ما اخترناه من أنه إضافة أو صفة تلزمها الإضافة فلا. ### ||| ** المسألة التاسعة : في مراتب التعقل # قسم الرئيس التعقل إلى مراتب ثلاث : (2) ### |||| ** الأولى : أن يكون بالقوة ، وذلك عند ما لا يكون حاصلا للذات العاقلة ، ولكن النفس ~~تقوى على تحصيلها واكتسابها. وهذه المرتبة تشتمل على مراتب مختلفة بحسب ~~القرب إلى الحصول العقلي والبعد عنه. ### |||| ** الثانية : أن يكون حاصلا بالفعل التام على سبيل التفصيل بحيث يحضر عند المدرك جميع ~~أجزاء ذلك المعلوم إن كان ذا أجزاء ، وبالجملة يكون حاصلا له من كل وجه ~~بالفعل. ### |||| ** الثالثة : أن يكون حاصلا بالفعل على سبيل الإجمال لا التفصيل ، بل على الوجه البسيط ، ~~كمن علم مسألة على سبيل التفصيل ثم غفل عنها فإذا سئل عنها حصل الجواب في ~~ذهنه دفعة واحدة لا على سبيل التفصيل ؛ لأن التفصيل إنما يحصل عند شروعه في ~~بيان ذلك ، وأما في أول الأمر فإنه يحصل العلم بذلك الجواب دفعة. # ولا يمكن أن يقال : إن علمه بذلك الجواب في تلك الحالة ، إنما هو علم PageV02P053 # بالقوة لا بالفعل ، لأن الإنسان يجد من نفسه قوة بديهية بين الحالتين ، ~~فإنه قبل سماعه لتلك المسألة كان عالما بها بالقوة ، وبعد سماعه لم يبق كما ~~كان ، بل حصل في ذهنه شعور وعلم لم يكن حاصلا قبل ذلك. # لا يقال : مراتب القوة مختلفة بالقرب والبعد ، فجاز أن يكون التفاوت هنا ~~بسبب أن علمه قبل السؤال كان بالقوة البعيدة ، وبعد سماعه لذلك السؤال صار ~~بالقوة القريبة. # لأنا نقول : من المعلوم أنه بعد سماعه لذلك السؤال عالم على سبيل التفصيل ~~أنه قادر على الجواب عن ذلك السؤال ، والعلم باقتداره على الجواب علم ~~بإضافة أمر إلى أمر ، والعلم بإضافة شيء إلى شيء متوقف على العلم بكل واحد ~~من المضافين ، فلو لا علمه بحقيقة ذلك الجواب لاستحال أن يعلم ms0431 اقتداره على ~~ذلك الجواب. فثبت أنه عالم بحقيقة ذلك الجواب ، وأن ذلك العلم حاصل بالفعل ~~لا على سبيل التفصيل ، بل على الوجه البسيط. # واعترض أفضل المتأخرين : بأن العلم إما أن يكون بالقوة ، وإما أن يكون ~~بالفعل على التفصيل. (1) # فأما القسم الثالث : وهو البسيط ، فلا تحقق له ؛ لأن العلم عندهم عبارة ~~عن حضور صورة المعقول في العاقل ، فهذا العقل البسيط إن كان صورة واحدة ~~مطابقة في الحقيقة لأمور كثيرة فهو باطل ؛ لأن الصورة العقلية الواحدة لو ~~طابقت أمورا كثيرة لكانت مساوية في الماهية لتلك الأمور الكثيرة المختلفة ~~في الحقيقة ، فتكون لتلك الصورة حقائق مختلفة ، فلا تكون الصورة الواحدة واحدة. # فإن قيل : بأن لهذا التعقل البسيط صورا مختلفة بحسب اختلاف PageV02P054 # المعقولات ، فالعلم التفصيلي بتلك المعلومات حاصل ، إذ لا معنى للعلم ~~التفصيلي إلا ذلك، وهو أن تكون صور المعلومات تنحصر على الترتيب الزماني ~~واحد بعد آخر. # فإن أرادوا به ذلك فهو صحيح لا منازعة فيه ، ولكنه لا يكون مرتبة متوسطة ~~بين القوة المحضة والفعل المحض الذي يكون على التفصيل ، بل حاصله راجع إلى ~~أن المعلوم قد يجتمع في زمان واحد وقد لا يجتمع ، بل يتوالى ويتعاقب. # وعلى القول بأن العلم إضافة (1)، فبطلان ما قالوه ظاهر أيضا ، لأن ~~الإضافة إلى أحد الشيئين غير الإضافة إلى غيره ، فإذا تعددت الإضافات فقد ~~حصلت تلك العلوم على سبيل التفصيل ، لأن معنى حصولها مفصلا هو ذلك. # وقوله (2): علمه بقدرته على الجواب يتضمن العلم بالجواب. # فجوابه أنه في تلك الحالة عالم باقتداره على شيء يدفع ذلك السؤال ، وذلك ~~هو العلم بالجواب على سبيل الإجمال ، فأما حقيقة ذلك الشيء فهو غير عالم به. # والأصل فيه : أن الجواب ، له ماهية ولازم ، فماهيته مجهولة. ولازمه وهو ~~كونه واقعا للسؤال معلوم على سبيل التفصيل ، كما أنا نعرف النفس من حيث ~~إنها شيء محرك للبدن مديرة له ، ونجهل ماهيتها ، فالمعلوم لنا لازم من ~~لوازمها على سبيل التفصيل ، والمجهول نفس الماهية إلى أن تعرف بطريق آخر. ~~ويخرج من هذا بطلان كون العلم الواحد علما بمعلومات ms0432 كثيرة. # والتحقيق أن نقول : إذا لم يسبق علمنا بشيء ولا علمناه الآن فإنا نكون ~~قادرين على العلم به ، لكنا لا نعلم بالفعل ، وهذه القدرة هي العلم بالقوة ~~، فإذا علمناه فقد يكون ملحوظا بالفعل معتبرا ، وهذا هو العلم بالفعل ، وقد ~~لا يكون PageV02P055 # ملحوظا بالفعل ولا معتبرا ، بل يكون مغفولا عنه ، وهو الذي أشار إليه ~~الرئيس بالمرتبة الوسطى. فإن أنكرها أفضل المتأخرين فهو مكابر (1)، وإن ~~اعترف بإثباتها ولم يسمها علما بالفعل بل بالقوة رجع النزاع إلى اللفظ. وإن ~~ادعى الرئيس أنها حاصلة بالفعل فهو مكابر. # واعلم (2) أن النفس الناطقة عند الأوائل وبعض المتكلمين : جوهر مجرد له ~~قوى وكمالات خلقه الله تعالى خاليا عن جميع العلوم وقابلا لها وله قوة ~~التعقل. وهذا التعقل إما أن يكون باعتبار تأثير هذا الجوهر في البدن ~~الموضوع لتصرفاته مكملا له تأثيرا على جهة الاختيار والإرادة ، وإما أن ~~يكون باعتبار تأثرها عما فوقها مستكملة في جوهرها بحسب استعدادها ، والأولى ~~تسمى عقلا عمليا ، والثانية تسمى عقلا علميا ، والعقل يطلق على هذه القوى ~~باشتراك الاسم أو تشابهه. # والعقل الاختياري الذي يختص بالإنسان لا يتأتى إلا بإدراك ما ينبغي أن ~~يعمل في كل باب وهو إدراك رأي كلي مستنبط من مقدمات كلية أولية ، أو ~~تجريبية ، أو ذائعة ، أو ظنية يحكم بها العقل النظري ، ويستعملها العقل ~~العملي في تحصيل ذلك الرأي الكلي من غير أن يختص بجزئي دون غيره. والعقل ~~العملي يستعين بالنظري في ذلك. ثم إنه ينتقل من ذلك باستعمال مقدمات جزئية ~~أو محسوسة إلى الرائي الجزئي الحاصل فيعمل بحسبه ، ويحصل بعمله مقاصده في ~~معاشه ومعاده. PageV02P056 # وأما القوة النظرية فلها مراتب متعددة بحسب تعدد مراتبها في الاستكمال ، ~~وتلك المراتب تنقسم إلى ما يكون باعتبار كونها كاملة بالقوة ، وإلى ما يكون ~~باعتبار كونها كاملة بالفعل. والقوة تختلف بحسب الشدة والضعف. فأول تلك ~~المراتب كما يكون للطفل من قوة الكتابة (1)، وأوسطها كما يكون للرجل الأمي ~~المستعد لتعلم الكتابة ، وآخرها كما يكون للعالم بالكتابة القادر عليها ~~الذي لا يكتب لكن له أن يكتب كما ms0433 شاء. # فقوة النفس المناسبة للمرتبة الأولى تسمى عقلا هيولانيا ، تشبيها لها ~~حينئذ بالهيولى الأولى الخالية في نفسها عن جميع الصور مع استعدادها ~~لقبولها ، وهي حاصلة لجميع أفراد نوع الإنساني في مبدأ فطرتهم. # وأما القوة المتوسطة المناسبة للمرتبة المتوسطة ، فإنها تسمى عقلا ~~بالملكة ، وذلك إنما يكون إذا حصلت للنفس البديهيات التي هي المعقولات ~~الأولى ، واستعدت بواسطة ذلك لتحصيل المعقولات الثانية التي هي العلوم ~~النظرية المكتسبة بالفكر أو الحدس. # وتختلف مراتب الأشخاص البشرية في تحصيلها كما وكيفا ، أما بحسب |كقوة الطفل ومن ترعرعا||لصنعة وماهر ما صنعا| |فما هو استعداد الأولي||سمي بالعقل الهيولاني| |وعقل استعداد كسب المدركة||من أوليات له بالملكة| |بالفعل ذو استعداد الاستحضار||للنظريات بلا انظار| |والعقل حيث انعدم استعداد||واستحضر العلوم مستفاد| # شرح المنظومة ، قسم الحكمة ، ص 311 312. راجع أيضا مراتب العقل النظري ، ~~كليات أبي البقاء : 451 452 ؛ المعتبر في الحكمة لأبي البركات البغدادي : ~~407 413. PageV02P057 # الكم فبكثرة المتعقلات النظرية وقلتها ، وأما بحسب الكيف فبسرعة الحصول ~~وبطئه (1)، فإن من الناس من يحصل العلوم الكسبية لشوق بالنسبة إليها ~~يبعثها على حركة فكرية شاقة في طلب تلك المعقولات ، وهو من أصحاب الفكرة. ~~ومنهم من يظفر بها من غير حركة ، إما مع شوق ما إليها أو لا مع شوق ، وهو ~~من أصحاب الحدس. وتتكثر مراتب الصنفين ، وصاحب المرتبة الأخيرة ذو نفس قدسية. # والفرق بين الحدس والفكر ظاهر ؛ فإن الفكر هو حركة ما للنفس في المعاني ~~مستعينة بالتخيل في أكثر الأمر ، يطلب بها الحد الأوسط أو ما يجري مجراه ~~مما يصار به إلى العلم بالمجهول حالة الفقد استعراضا للمخزون في الباطن من ~~الصور الجزئية والمعاني الجزئية المخزونتين في الخيال والذاكرة وما يجري ~~مجراه من الصور العقلية ، فربما تأدت إلى المطلوب وربما انبتت. (2) # وإنما استعان الفكر بالتخيل في أكثر الأمر ؛ لأنه يقع في الأكثر في ~~الجزئيات ، وإذا وقع في الكليات استعان بالتفكر ، وهما متغايران بالاعتبار. # فالفكر (3) حركة في المعاني للنفس بالقوة التي آلتها مقدم البطن الأوسط ~~من الدماغ المسمى بالدودة أي حركة كانت إذا ms0434 كانت تلك الحركة في المعقولات ؛ ~~لأنها في المحسوسات تسمى تخيلا ، سواء كانت الحركة من المطالب إلى المبادئ ~~التي هي الحدود الوسطى وغيرها ، أو من المبادئ إلى المطالب ، فربما تأدت ~~تلك الحركة من المطالب إلى المبادئ فتتم حينئذ بحركة أخرى من الحدود الوسطى ~~التي هي المبادئ إلى المطالب ، وربما انبتت. PageV02P058 # وقد يطلق الفكر على ما هو أخص من ذلك ، وهو حركة من جملة الحركات ~~المذكورة ، تتوجه النفس بها من المطالب ، مترددة في المعاني الحاضرة عندها ~~، طالبة مبادئ تلك المطالب المؤدية إليها إلى أن تجدها ثم يرجع منها نحو ~~المطالب. (1) # وقد يطلق على معنى آخر ، وهو الحركة الأولى لا غير ، وهي الحركة من ~~المطالب إلى المبادئ من غير أن يجعل الرجوع إلى المطالب جزءا منه وإن كان ~~الغرض منها هو الرجوع إلى المطالب. # والأول هو الفكر المعدود في خواص نوع الإنسان ، والثالث هو الفكر الذي ~~يستعمل بإزائه الحدس ، والثاني مركب منهما. # وأما الحدس (2) فهو الظفر عند الالتفات إلى المطالب بالحدود الوسطى دفعة ~~، وتمثل تلك المطالب في الذهن مع الحدود الوسطى كذلك من غير الحركتين ~~المذكورتين ، سواء كان مع شوق أو لا معه. # فالفرق بين الفكر والحدس من وجهين : ### |||| ** الأول : بإمكان الانبتات (3) ولا إمكانه ، إلا أن الفكر المنبت لا يكون مؤديا إلى ~~علم ، وربما لا يسمى فكرا. ### |||| ** الثاني : بوجود الحركة وعدمها ، وهذا هو الصحيح في الفرق بينهما. PageV02P059 # ولما (1) كان لمراتب الحدس والفكر اختلاف في التأدية إلى المطلوب بحسب ~~الكيف باعتبار سرعة التأدية وبطئها ، وبحسب الكم فلكثرة عددها وقلته ، ~~والأول (2) يكون في الفكرة أكثر لاشتمالها على الحركة ، والثاني (3) يكون ~~في الحدس أكثر لتجرده عن الحركة ؛ ولأن الحدس أنما يكون لقوة في النفس. ~~فكان لتلك المراتب حدا نقصان وكمال. وحد النقصان هو أن ينبت جميع أفكار ~~الشخص عن مطالبه. وحد الكمال هو أن يحصل لشخص ما ما يمكن أن يحصل لنوعه من ~~العلوم بحسب الكم ودفعة ، أو قريبا من ذلك بحسب الكيف على وجه يقيني يشتمل ~~على الحدود الوسطى لا تقليدي. # ولما كان طرف النقصان ms0435 مشاهدا فكذا طرف الكمال ممكن الوجود ، بل موجود في ~~طرف الأنبياء والأوصياء وحذاق العلماء الذين يستغنون في أكثر أحوالهم عن ~~التعلم والفكر ، وهم أصحاب القوة القدسية. # وأما القوة المناسبة للمرتبة الأخيرة فيسمى عقلا بالفعل ، وهي ما يكون ~~عند الاقتدار على استحضار المعقولات الثانية بالفعل متى شاء بعد الاكتساب ~~بالفكر أو الحدس. # فهذه القوى الثلاث ، أعني : القوة الهيولانية (4) والقوة بالملكة والقوة ~~بالفعل ، هي قوى النفس في الإدراك. وأما حصول تلك المعقولات بالفعل ، فإنه ~~كمال للنفس ، وهو المسمى بالعقل المستفاد لأنها مستفادة من الله تعالى ~~عندنا. وعند الأوائل من عقل فعال في نفوس الناس يخرجها من درجة العقل ~~الهيولاني إلى درجة PageV02P060 # العقل المستفاد ؛ فإن كل ما يخرج من قوة إلى فعل فإنما يخرجه غيره ، ~~وقياس عقول الناس في استفادة المعقولات إلى العقل الفعال قياس أبصار ~~الحيوانات في مشاهدة الألوان إلى الشمس. # واعلم أن هذه المراتب النفسانية (1) وردت في القرآن العزيز في التمثيل ~~المورد لنور الله تعالى وهو قوله عز وجل : ( @QUR@040 الله نور السماوات ~~والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب ~~دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ) (2). ولهذا قيل في الخبر ~~: «من عرف نفسه فقد عرف ربه». (3) # فالمشكاة شبيهة بالعقل الهيولاني لكونها مظلمة في ذاتها قابلة للنور لا ~~على التساوي لاختلاف السطوح والثقب فيها. # والزجاجة بالعقل بالملكة ؛ لأنها شفافة في نفسها قابلة للنور أتم قبول. # والشجرة الزيتونة بالفكرة ؛ لكونها مستعدة لأن تصير قابلة للنور بذاتها ~~لكن بعد حركة كثيرة وتعب. # والزيت بالحدس ؛ لكونه أقرب إلى ذلك من الزيتونة. # والذي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار بالقوة القدسية ، لأنها تكاد تعقل # وقد ذكر في تفسير الآية وجوه أنهاها بعضهم إلى اثني عشر وجها ومن أراد ~~الاطلاع عليها فليراجع : مصابيح الأنوار للعلامة شبر 1 : 204 و205 ؛ ~~التوحيد للصدوق : 49 50 ؛ الأسفار لصدر المتألهين 6 : 377 ؛ الميزان في ~~تفسير القرآن للعلامة ms0436 الطباطبائي 6 : 170. PageV02P061 # بالفعل ولو لم يكن شيء يخرجها من القوة إلى الفعل. # ونور على نور بالعقل المستفاد ؛ فإن الصورة المعقولة نور والنفس القابلة ~~لها نور آخر. # والمصباح بالعقل بالفعل ؛ لأنه نير بذاته من غير احتياج إلى نور يكتسبه. # والنار بالعقل الفعال ؛ لأن المصابيح تشتعل منها. ### ||| ** المسألة العاشرة : في تقسيم العلم (1) # العلم إما تصور ويسميه بعضهم معرفة ، وهو حصول صورة الشيء في العقل مطلقا ~~فيرادف العلم عندهم ، أو مقيدا بعدم الحكم. # وإما تصديق ويسميه قوم علما ، وهو الحكم بأحد المتصورين على الآخر ~~بالإيجاب أو السلب على رأي الحكماء القدماء ، أو مجموع تصور المحكوم عليه ~~والمحكوم به والحكم وإيقاع النسبة. وليست العلوم كلها بديهية بالبديهة ، ~~ولا كسبية ، وإلا دار أو تسلسل ، بل كل منهما إما ضروري أو مكتسب. فالتصور ~~الضروري ما لا يتوقف على طلب وكسب ، والكسبي بخلافه. والتصديق الضروري ما ~~يكفي تصور طرفيه في الحكم بنسبة أحدهما إلى الآخر إيجابا أو سلبا ، والكسبي ~~ما يقابله. وهل يجب في كل ما لا يكون مكتسبا أن يكون كاسبا ، أو يجوز وجود ~~معارف وعلوم لا يكون كاسبة ولا مكتسبة؟ الأظهر جوازه. # والتصور إما تام وهو إدراك الماهية بجميع أجزائها ولوازمها وعوارضها ~~ومعروضاتها ، وإما ناقص وهو ما يقابله. والتصديق هو مطلق الحكم الشامل PageV02P062 # للقطعي وغيره ، إما أن يكون جازما أو لا. والجازم إما أن يكون مطابقا أو ~~لا. والمطابق إما أن يكون ثابتا أو لا. فالجازم المطابق الثابت هو العلم. ~~والمطابق غير الثابت هو اعتقاد المقلد للحق. والجازم غير المطابق هو الجهل ~~المركب. (1) وغير الجازم هو الراجع الذي يجوز معه النقيض وهو الظن. ومقابله ~~الوهم وهو مرجوح الظن. وما يتساوى الطرفان فيه هو الشك. هذا إذا اعتبر في ~~الجازم المطابقة في الخارج وإن لم يعتبر ، وإن كان لا يخلو (2) عن المطابقة ~~وعدمها لكنها لم يعتبر. فإما أن يقارن تسليما أو إنكارا ، والأول ينقسم إلى ~~مسلم عام إما مطلق يسلمه الجمهور أو محدود يسلمه طائفة ، وإلى خاص يسلمه ~~شخص إما معلم أو متعلم أو منازع ؛ والثاني ms0437 يسمى وضعا : فمنه ما يصادر به ~~العلوم وتبنى عليه المسائل. ومنه ما يضعه القائس الخلفي وإن كان مناقضا لما ~~يعتقده ، ليثبت به مطلوبه. ومنه ما يلتزمه المجيب الجدلي ويذب عنه. ومنه ما ~~يقول به القائل باللسان دون أن يعتقده ، كقول القائل لا وجود للحركة مثلا . ~~فإن جميع هذه تسمى أوضاعا وإن اختلفت الاعتبارات. # وقد يكون حكم واحد تسليميا باعتبار ووضعيا باعتبار آخر ، مثل ما يلتزمه ~~المجيب بالقياس إلى السائل وإليه. وقد يفترقان ، فيوجد التسليم بدون الوضع ~~، مثل ما لا ينازع فيه من المسلمات ، أو الوضع عن التسليم في مثل ما يوضع ~~في بعض الأقيسة الخلفية. # وقد يطلق الوضع على كل رأي يقول به قائل أو يفرضه فارض ، فيكون أعم من ~~التسليم وغيره. PageV02P063 # ومشايخ المعتزلة قسموا العلم إلى ما يكون من فعلنا وهو الكسبي ، وحقيقته ~~ما يمكن العالم به نفيه عن نفسه لشبهة إذا انفرد. # واحترزوا بالانفراد عن العلم الكسبي بشيء ثم يشاهد ، فإن النفي هنا محال ~~حيث لم ينفرد ، بل انضم إليه المشاهدة. # وإلى ما يكون من فعله تعالى فينا وهو الضروري ، وهو ما لا يمكن العالم به ~~نفيه عن نفسه لشبهة وإن انفرد. (1) # قالوا : وقد يصح العلم بالذات بصفتها ضرورة وكسبا ، وأن تعرف الذات ~~بالضرورة ، والصفة بالكسب. واختلفوا في العكس فمنعه الجمهور منهم خلافا ~~لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد ، فإنه جوز في شرح الجامع الصغير (2) أن ~~يكون العلم بالذات مكتسبا وبالحال ضرورة. والجمهور بنوا ذلك على قضيتين ، ~~إحداهما : أنه لا يجوز حصول العلم بالصفة مع الجهل بالذات. والثانية : أنه ~~لا يجوز ارتفاع العلم الضروري ، ويجوز رفع الكسبي. # وإذا تقررت المقدمتان فنقول : لو كان العلم بالذات مكتسبا والعلم بالحال ~~ضروريا لصح نفي الكسبي بأن تدخل على أنفسنا شبهة فيزول عندها العلم بالذات ~~، فإن بقي العلم بالصفة مع الجهل بالذات ، فهو محال. وإن زال العلم بالحال ~~وهو ضروري فقد زال الضروري، وهو محال. # واعترضوا أنفسهم بأنهم منعوا من نفي الكسبي إذا لم ينفرد ، وجوزوه مع ~~الانفراد فنقول: لم لا يجوز ms0438 أن يكون العلم بالضروري بالصفة قائم مقام ~~اقتران المشاهدة في النظري ، فمنع من زوال الكسبي كما منعت المشاهدة هناك؟ PageV02P064 # وأجابوا : بأن العلم بالصفة يحتاج إلى العلم بالذات حتى لا يمكن ثبوته مع ~~زواله وما يحتاج إلى غيره لا يكون مانعا من انتفائه ، فإن الإرادة لما ~~احتاجت إلى بنية القلب لم يصح كونها مانعة من زوال البنية بالتفريق. والوجه ~~في التقرير : أن المحتاج معلول فعدمه مستند إلى عدم علته ، ويمكن أن يقال : ~~لا يجب أن تكون العلة هنا تامة فجاز أن يستند عدمه إلى عدم غيره. # قالت المعتزلة (1): من العلم ما هو واجب كالعلم بالله تعالى وصفاته ، ~~وصدق رسوله ، وشرائعه. ومنه ما هو حسن لا كحسن المناجاة ، بل يختص بوجه ~~زائد على حسنه فيكون مندوبا. # أما الواجب فوجه وجوبه كونه لطفا. # واختلف الشيخان (2) في أنه هل يقع في العلم ما هو قبيح أم لا؟ فمنع أبو ~~هاشم منه وقال : إنه كله حسن ، وكذا النظر ، وإنما يعرض لهما القبح لا ~~لنفسهما بل باعتبار القصد ، ولا يؤثر في حسنهما ، فإذا قصد بهما الشخص وجه ~~قبح كان القبيح هو القصد لا العلم ولا النظر. وتبعه أبو الهذيل العلاف. # وقال أبو علي : إن العلم والنظر قبيحان إذا قصد بهما وجه قبح. # وأبو علي بنى ذلك على قوله : في أن قبح المسبب وحسنه تابعان للسبب ~~ومعتبران به ، فلما قال بقبح هذا النظر حكم بقبح العلم المتولد عنه. وجوز ~~أيضا أن يقع في العلوم ما يقبح لكونه مفسدة. فكأنه قد رأى قبح العلم لهذين ~~الوجهين. هذا مذهبه أخيرا ، وقد كان قديما ذكر في مقدمة التعديل والتجويز : ~~أن العلم يحسن بعينه ، كما أن الجهل يقبح بعينه. PageV02P065 # وقال بعضهم : لا يصح أن يحكم بقبح شيء علما كان أو غيره لأمر يرجع إلى ~~القصد ، لما يأتي في الإرادة : أنها لا تأثير لها في القبح. # فبطل إسناد قبح العلم إلى هذا الوجه. ولا يمكن أن يدعى إسناده إلى الغيب ~~فيقال : إن أحدنا لو شرع في عد الحصى حتى عرف مقداره كان ms0439 هذا العلم عبثا ؛ ~~لأن هذا العلم ضروري ، وقد بينا أن الضروريات مستندة إلى الله تعالى ، وما ~~يفعله الله تعالى لا يكون قبيحا. ولا يمكن أن يقال : إن فيما تعذر عليه من ~~العلوم والحال هذه ما يقبح للمفسدة ؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن نعرف حاله ~~لنتجنبه. فليس في قبح العلوم إلا وجه واحد ، وهو إذا كان من مقدور الله ~~تعالى ويحصل فيه ضرب من المفسدة ؛ لأنه لو خلق فينا العلم الذي نتمكن معه ~~من الإتيان بمثل القرآن أو بخبر عن الغيب لصار ذلك مفسدا لعلم النبوة ، ~~لجواز أن يدعونا الداعي إليه فنفعله ، فصار كما نقوله في قدرتنا على حمل ~~الجبال وطفر البحار : إنها لو ثبتت لكانت مفسدة. # ولأبي هاشم أن يجيب عن ذلك ، بأن ذلك العلم غير قبيح ، بل القبيح تمكين ~~الله تعالى من إيراد الكلام الذي يبلغ في الفصاحة رتبة القرآن أو يتضمن ~~خبرا عن الغيب ، فيجب أن يصرفه عنه بضرب من الصرف أو يخلقه في أخرس أشل ~~بحيث لا يتمكن من الكلام والكتابة إذا كان فيه غرض ما. # ويمكن أن يعترض على أبي هاشم ، فيقال : في الجملة غير ممتنع أن يقال : ~~إذا علم الله تعالى من حال العبد أنه إذا فعل فيه العلم ببعض الأشياء فسده ~~عبده ، أن ذلك قبيح (1) لا محالة وإن لم نجد له مثالا ، أو يمثل بتعريفه ~~إيانا أعيان الصغائر ؛ لأنه من أعظم المفاسد فيجب قبحه. PageV02P066 # احتج أبو هاشم بوجهين : # أ: العلم جار مجرى المنافع الخالصة لاسترواح (1) العقلاء إليه ، ولو لا ~~حسن الجميع لم يصح ذلك. # ب : لو قبح شيء من العلوم لكان الموصوف به موصوفا ببعض صفات النقص ، ولو ~~كان كذلك في حق الواحد منا لكان كذلك في حق الله تعالى. # اعترض على أبأن الاسترواح إلى الشيء يقتضي حصول نفع فيه فقط ، دون الحسن ~~أو القبح. # وعلى ب بأن المعنى قد يقبح ولا يوجب صفة نقص ، فإنا لو قدرنا على حمل ~~الجبال وطفر البحار لم يكن فيه ما يقتضي صفة نقص مع قبح تلك ms0440 القدرة. ### ||| ** المسألة الحادية عشرة : في أحكام التصور # وهي تسعة : ### |||| ** الأول : التصور إما شرط في التصديق (2)، أو جزء منه. وعلى التقديرين يكون سابقا ~~عليه لاحتياج المشروط والمركب إلى شرطه وجزئه ، والمحتاج متأخر عن المحتاج ~~إليه تأخر المعلول عن علته. ولأن الضرورة قاضية بأن المحكوم عليه وبه PageV02P067 # يجب أن يكون معلوما. # لا يقال : لو صدق ذلك لصدق المجهول مطلقا يمتنع الحكم عليه (1)، ~~فالمحكوم عليه هنا إن كان معلوما بطلت القضية ، وإن كان مجهولا مطلقا فقد ~~حكمتم على المجهول مطلقا بامتناع الحكم عليه وهو حكم خاص ، فلزم التناقض. # لأنا نقول : للمجهول مطلقا اعتباران ، أحدهما بوصف المجهولية ، والثاني ~~ما صدق عليه هذا الوصف. وبالاعتبار الثاني لا يكون مجهولا مطلقا ؛ لأن ~~الاتصاف بالمجهولية أمر معلوم ، والموصوف بأمر معلوم يكون معلوما من حيث ~~ذلك الوصف. فالمحكوم عليه في قولنا : المجهول مطلقا يمتنع الحكم عليه من ~~حيث امتناع الحكم عليه هو المأخوذ بالوجه الأول ومن حيث الحكم عليه بامتناع ~~الحكم عليه هو المأخوذ بالوجه الثاني ، فقد اختلفا في الموضوع فلا تناقض. # وفيه نظر ؛ لأن الاعتبار الذي به جاز أن يكون محكوما عليه يمتنع الحكم ~~عليه بهذا الحكم ، بل يجب أن يحكم عليه بإمكان الحكم لا بامتناعه. (2) ### |||| ** الثاني : قال أفضل المتأخرين : لا شيء من التصورات بمكتسب ، لا على معنى أنها كلها ~~ضرورية ، بل على معنى أن المعلوم منها لنا ضروري ، وما لا يكون ضروريا لا ~~يمكن استعلامه البتة. # واحتج عليه بوجهين : # أ: المطلوب به إن كان معلوما استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل ، PageV02P068 # وإن كان مجهولا استحال طلبه لأن ما لا شعور به البتة لا يمكن طلبه ، ولا ~~تعرف النفس أنه هو إذا وجدته. # لا يقال : إنه معلوم من وجه دون وجه. # لأنا نقول : الوجه المعلوم به يمتنع طلبه ، وكذا الوجه المجهول به ، ~~فالمطلوب يمتنع طلبه. # ب : تعريف الماهية إما أن يكون بنفسها ، أو بجميع أجزائها ، أو ببعضها ، ~~أو بالخارج ، أو بما يتركب من الداخل والخارج ، والكل محال ، فالتعريف محال. # أما الأول ، فلأن معرفة المعرف علة لمعرفة المعرف ، ويمتنع ms0441 أن يكون الشيء ~~علة لنفسه ؛ لامتناع تقدمه عليها. # وأما الثاني ، فلأن جملة أجزاء الماهية هو نفس الماهية ، وإلا لكان داخلا ~~فيها أو خارجا منها ، وهما محالان ، لاستحالة أن يكون مجموع أجزاء الشيء ~~بعض أجزائه ، وكون مجموع أجزائه الحقيقية أمرا منفصلا عن الحقيقة ، وبتقدير ~~تسليمه يكون ذلك التعريف تعريفا رسميا. # لا يقال : تعرف هيئة الاجتماع العارضة لتلك الأجزاء بتلك الأجزاء أو ~~بالعكس. # لأنا نقول : الهيئة أحد أجزاء تلك الحقيقة ، وهي خارجة عن ماهيات ~~معروضاتها وبالعكس ، فتعريف ذلك العارض بمعروضاته أو بالعكس ، يكون تعريفا ~~بالأمور الخارجة ، وهو غير القسم الذي نحن فيه. # ويشكل لو قيل (1): نفس الماهية إن غاير جملة الأجزاء بالماهية وجب إما ~~خروج جميع الأجزاء عنها أو دخول غير الأجزاء في الماهية ، وهما محالان. PageV02P069 # وأما الثالث ، فلأن ذلك الجزء لا بد وأن يعرف جميع الأجزاء لتوقف تعريف ~~الماهية على تعريف الأجزاء ، فيكون تعريفا لنفسه وللخارج ، وهما محالان. # وأما الرابع ، فلأن الخارج لا يصح أن يكون معرفا إلا إذا عرف اختصاصه ~~بالمعرف ، فإن غير المختص لا يفيد أقل مراتب التعريف ، وهو التميز ، لأنا ~~إذا قلنا في حقيقة مخصوصة : إنها التي يلزمها اللازم الفلاني ، فالأمر الذي ~~نطلب معرفته إما أن يكون هو خصوصية تلك الحقيقة في نفسها أو كونها ملزومة ~~لذلك اللازم. # والأول باطل ؛ لأن العلم بكونها مؤثرة في اللازم الفلاني لا يقتضي العلم ~~بخصوصيتها ، فإن الأشياء المختلفة في الحقيقة يجوز اشتراكها في لازم واحد ، ~~ومع ذلك التجويز لا يمكن القطع بحصول تلك الماهية المخصوصة عند حصول العلم ~~بكونها مؤثرة في ذلك اللازم ، بل قد يكون ذلك اللازم بحيث لا يوجد إلا ~~لملزوم واحد ، لكن العلم بالاختصاص إنما يمكن لو عرف الماهية أولا ويعرف ما ~~عداها ؛ لأن العلم بالاختصاص علم بنسبة أمر إلى الماهية ، والعلم بالنسبة ~~يتوقف على العلم بالمنتسبين ، فيلزم الدور ، أو (1) العلم بجميع الماهيات. # والثاني محال ؛ لأن كونها مؤثرة في ذلك اللازم هو الذي فرضناه معرفا ، ~~فلو جعلناه نفس المطلوب كان ذلك تعريفا للشيء بنفسه. # والمركب من الداخل والخارج خارج. ms0442 فلم يبق المخلص ، إلا بأن تجعل ~~التعريفات الحدية والرسمية عبارة عن تفصيل ما دل عليه الاسم إجمالا. لكن لا ~~يبقى فرق بين الحد والرسم ؛ لأن الاسم ربما وضع بإزاء ما يعقل فإذا وضع اسم ~~العلم بإزاء أمر ما يؤثر في العالمية ، فمن ذكر في تعريف العلم هذا فقد ~~حده. (2) PageV02P070 # والجواب عن أأن المطلوب هو الشيء المعلوم من وجه دون وجه ، وهو الماهية ~~ذات الوجهين لا الوجهان. # وقيل : لا تجتمع هاتان المقدمتان على الصدق ؛ لاستلزام كل واحدة منهما ، ~~مع عكس نقيض الأخرى ، ما يناقض الأخرى ؛ واستلزام عكس عكس نقيض كل منهما ~~كذب الأخرى. والاستقصاء فيه مذكور في كتبنا المنطقية. # وعن ب إن المعرف مجموع الأجزاء وليس هو نفس الماهية. # قال أفضل المحققين : لأن الجزء متقدم على الكل بالطبع والأشياء التي كل ~~واحد منها يتقدم على شيء متأخر عنها يمتنع أن تكون نفس المتأخر ويجوز أن ~~تصير عند الاجتماع ماهية هي المتأخرة فتحصل معرفتها بها ، كما أن العلم ~~بالجنس والفصل وبالتركيب التقييدي متقدم على العلم بالجنس المقيد بالفصل ، ~~وهي أجزاؤه ، وبها يحصل العلم به. (1) # وفيه نظر ، فإنه لا يلزم من تقدم كل واحد تقدم المجموع ، وإلا لزم تقدم ~~الشيء على نفسه ، فإن كل واحد من الأشياء إذا كان متقدما على المجموع لو ~~استلزم تقدم المجموع لزم ما قلناه. # والقسمة لمجموع الأجزاء ليست حاصرة. واستدلال أفضل المتأخرين باطل بمنع ~~الحصر إن أراد بالداخل بعض الأجزاء ، وذلك لوجود قسم ثالث ، وهو أن يكون ~~جميع أجزاء الماهية غير الماهية وغير الداخل فيها وغير الخارج عنها ، بل ~~يكون جميع الداخل. وإن أراد بالداخل ما هو أعم من البعض والجميع اخترنا أن ~~يكون داخلا. # قوله : يلزم أن يكون جميع أجزاء الماهية داخلا فيها فيكون لها جزء آخر ، ~~فلا يكون ما فرضناه مجموع الأجزاء مجموع الأجزاء. PageV02P071 # قلنا : لا يلزم من كون الجميع داخلا ، أن يكون هناك جزء آخر. وعلى ما ~~قلناه في الإشكال بأن يقال : الماهية ومجموع الأجزاء إن اتحدا بالماهية ~~فالمطلوب ، وإلا وجب كون مجموع الأجزاء بعضها ms0443 أو خروجها عن الماهية لا جواب عنه. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز التعريف ببعض الأجزاء؟ # قوله (1): تعريف المركب إنما يكون بواسطة تعريف أجزائها. # قلنا : ممنوع ، نعم لا يمكن إلا بواسطة معرفة أجزائها ، لكن معرفة ~~الأجزاء لا يجب أن يستند إلى معرفة الماهية الذي هو ذلك الجزء ؛ لجواز أن ~~تكون جميع الأجزاء أو بعضها معلوما بالضرورة. وهذا الغلط إنما نشأ من جعل ~~الماهية هي نفس أجزائها خاصة. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز التعريف بالخارجي؟ # قوله : إنما يصح أن يكون معرفا لو عرف اختصاصه بالموصوف. # قلنا : ممنوع ، بل الشرط نفس الاختصاص لا العلم به. # سلمنا توقفه على العلم بالاختصاص ، لكن لا نسلم أنه يجب من معرفة ~~الاختصاص معرفة الماهية على سبيل التفصيل ، ولا معرفة عداها كذلك ، فجاز أن ~~نعرف الماهية ببعض عوارضها ، والأشياء المغايرة لها تعرف بلازم شامل لها ، ~~ثم يعرف كون ذلك الوصف مختصا بتلك الماهية المعروفة ببعض العوارض ، وأنه ~~غير حاصل لما عداها من الماهيات المعروفة ببعض العوارض ، وأنه غير حاصل لما ~~عداها من الماهيات المعلومة باللازم الشامل ، ثم إن ذلك الوصف يعرف ما ~~جهلناه من تلك الماهية. # ثم اعترض أفضل المتأخرين على نفسه : بأنا نجد النفس طالبة لتصور PageV02P072 # ماهية الملك والروح. # وأجاب بأن الطلب إما لتفسير اللفظ أو للبرهان على وجود المتصور ، وكلاهما ~~تصديق. (1) # واعترضه أفضل المحققين : بأنا نعرف تفسير لفظ الروح ونعلم يقينا وجوده في ~~كل ذي روح ، ونجد العلماء يتخالفون في ماهيته ، وليس المطلوب أحد التصديقين ~~اللذين ذكرهما. وكذا نعلم تفسير ألفاظ كثير من الأشياء ونعلم وجوده قطعا ~~ويتعذر تصور حقيقته على كثير من الناس ، كالحركة والزمان والمكان. (2) # وقد تلخص من كلام أفضل المتأخرين : أن الإنسان لا يمكنه أن يتصور إلا ما ~~يجده من فطرة النفس كالألم واللذة ، أو من بديهة العقل كتصور الوجود ~~والوحدة والكثرة ، أو ما يركبه العقل كالحيوان الناطق ، أو الخيال كما ~~يتصور جبلا من ياقوت وإنسانا يطير ، وما يركبه العقل والخيال كما يركب ~~الوحدة مع زيد. ### |||| ** الثالث : لما ظهر كون بعض التصورات كسبيا ms0444 وكذا التصديقات ، قلنا : ليست العلوم كلها ~~ضرورية ، وإلا لما جهلنا ؛ ولا كسبية ، وإلا لدار أو تسلسل ، بل البعض ~~بديهي والبعض كسبي. (3) # قيل : إذا كانت العلوم كلها كسبية كانت الملازمة الأخيرة كسبية تفتقر إلى برهان. # والحق الالتجاء في ذلك إلى الضرورة ؛ فإنا نعلم بالضرورة أن لنا علوما ~~ضرورية. PageV02P073 # قيل : الضابط أن كل تصور يتوقف عليه تصديق غير مكتسب فهو غير مكتسب. أما ~~الذي يتوقف عليه تصديق مكتسب فقد يكون مكتسبا ، وقد لا يكون. (1) # وليس بجيد ؛ لأن التصديق البديهي قد يتوقف على تصورات كسبية. ### |||| ** الرابع : الكاسب لا يكون هو نفس المكتسب ؛ لأنه علة في معرفته ، والعلة متقدمة. بل ~~إن كان مجموع الأجزاء فهو الحد التام ، ولا خلاف في إطلاق اسم الحد عليه ، ~~وتصير به الحقيقة معلومة على الوجه الذي لا يمكن أن يزداد العلم بها. وإن ~~كان بعض الأجزاء المساوية فهو الحد الناقص. وقد اختلفوا في إطلاق اسم الحد ~~عليه ، وهو نزاع لفظي ، وإفادته دون إفادة الأول. وإن كان أمرا خارجيا فهو ~~الرسم الناقص. وإن كان مركبا من الداخل الأعم والخارجي المساوي فهو الرسم التام. # وقيل (2): الرسم الناقص هو الذي يفيد تمييز الشيء عن بعض ما عداه. ~~والتام هو الذي يميزه عن جميع ما عداه. # والمثال : رسم ؛ لأن المثال مخالف للممثل من وجه ، ومشارك من وجه. فمن ~~الوجه الذي اختلفا لا يكون المثال مفيدا معرفة الممثل ، ومن الوجه الذي ~~اشتبها فيه كان مفيدا معرفته ، لكن تلك المشابهة من لوازم تلك الحقيقة ، ~~فكان داخلا في الرسم. # ثم الماهية إما أن تكون بسيطة أو مركبة ، وعلى التقديرين ، فإما أن تكون ~~جزءا من غيرها أو لا ، فالأقسام أربعة. # أ: البسيط الذي يكون جزءا من غيره ، كالجوهر لا يمكن أن PageV02P074 # يحد (1) لبساطته ، بل يحد بما يتركب عنه. # ب : البسيط الذي لا يكون جزءا من غيره كواجب الوجود تعالى ، لا يحد ولا ~~يحد به. # ج : المركب الذي يتركب عنه غيره ، كالحيوان يحد لتركبه ويحد به ما يتركب ~~عنه كالإنسان. # د : المركب الذي لا يتركب عنه غيره كالإنسان ms0445 يحد ولا يحد به. (2) ### |||| ** الخامس : جملة التعريفات تشترك في إفادة التمييز ، وتحصيله أسهل من تحصيل الحد ~~الحقيقي من وجه ؛ لأن التمييز يحصل بالحد التام والناقص والرسم ، والمعرفة ~~التامة إنما تحصل بطريق واحد ، وهو الحد الحقيقي ، وما يحصل بطرق أكثر أسهل ~~وأصعب من وجه ؛ لأن العلم بالامتياز يتوقف على العلم بحقيقة الأمرين ~~المحكوم عليه وبه وجميع الماهيات المغايرة غير المتناهية. # وقد اتفق المتكلمون على أن العالم بالحد يجب أن يكون عالما بالمحدود ، ~~والجاهل بالحد جاهل بالمحدود. وهو حق إن كان الحد تاما ، وإلا فلا. ### |||| ** السادس : يجب الاحتراز عن تعريف الشيء بما يساويه في المعرفة والجهالة ، كمن يعرف ~~الأب بأنه الذي له ابن ، بل يجب أن يكون المعرف أجلى من المعرف ليصح ~~التعريف به. (3) # وعن تعريف الشيء بالأخفى كمن يعرف النار بأنها اسطقس شبيهة بالنفس ، ~~والنفس أخفى من النار. PageV02P075 # وعن تعريف الشيء بنفسه ، كما يقال : الإنسان حيوان بشري. # وعن تعريفه بما يتوقف معرفته عليه ، إما بمرتبة واحدة كقولنا : الكيفية ، ~~ما بها تقع المشابهة واللامشابهة ، ثم يعرفون المشابهة بأنها اتفاق في ~~الكيف. أو بمراتب ، كمن يعرف الاثنين بأنه الزوج الأول ، ثم يعرف الزوج ~~بأنه عدد منقسم بمتساويين ، ثم يعرف المتساويين بأنهما الشيئان اللذان لا ~~يزيد أحدهما على الآخر ، ثم يعرف الشيئين بأنهما الاثنان. وكل واحد من هذه ~~المحاذير أشد محذورا مما قبله. ### |||| ** السابع : التعريف إن كان بالحد التام وجب فيه حفظ الجزء الصوري ، وذلك بأن يقدم ~~الجزء الأعم ؛ لأنه ينزل منزلة المادة على الجزء الصوري (1) الجاري مجرى ~~الصورة. # ولا تقبل الوجازة المعنوية ولا التطويل المعنوي. نعم لو ذكر بدل بعض ~~الأجزاء حده جاز ، لكن الأحسن تركه. أما الحد الناقص فإنه يقبل الوجازة ~~والتطويل ، وكذا الرسوم. (2) ### |||| ** الثامن : الحد قد يكون حدا بحسب الماهية فيكون في غاية الصعوبة لخفاء أكثر الأجزاء ~~خصوصا الفصول ، وقد يكون بحسب الاسم والمفهوم فيكون سهلا ؛ لأن الحد بحسب ~~الاسم إنما هو للأسماء ، والأسماء للأمور المعقولة ، وكل أمر معقول فإنه لا ~~بد وأن يعقل كمال الجزء المشترك ، أيما هو ، وكمال المميز ms0446 أيما هو. ### |||| ** التاسع : الحد لا يمنع ؛ لأن المنع إنما يقع في الخبر ، والمصحح بالدليل إنما هو ~~الخبر ، ولا خبر في الحد ؛ لأنه تفصيل مدلول الاسم الإجمالي ، فحاصله تعيين ~~حقيقة متصورة عقلا من غير حكم عليها بنفي أو إثبات ، والمنازعة في تلك PageV02P076 # الحقيقة المتصورة من حيث إنها متصورة غير ممكنة ، بل في إطلاق تلك اللفظة ~~على تلك الحقيقة ، وهو لفظي. ولأن النزاع لم يقع في المعرفة الساذجة بل في ~~الحكم ، لجواز إطلاق تلك اللفظة على تلك الحقيقة المتصورة ، فالإبطال ~~والإثبات في الحقيقة واقعان في التصديق. وقول الحاد : الإنسان حيوان ناطق ، ~~ليس دعوى إذا ذكر على وجه الحدية بأن يشير إلى هذه الماهية المتصورة من غير ~~حكم ، فلا يمنع. وقد يريد أن ذات الإنسان محكوم عليها بالحيوانية والنطق ، ~~فيمنع. ولا يتوجه النقض على الحد إذا لم ينضم إليه دعوى ، كمن حد العلم ~~بأنه الذي يصح من المتصف به إحكام الفعل ، فينتقض بالعلم بالواجبات ~~والمحالات. وإنما توجه النقض لأنه سلم وجود العلم المتعلق بالمحالات ، ولو ~~لم تسلم هذه الدعوى لم يتوجه النقض. # والمعارضة لا تقدح في الحد إلا عند تسليم دعوى ، وإلا فالحقائق غير ~~متعاندة في ماهياتها ، فإن من عارض هذا الحد بأنه الاعتقاد المقتضي سكون ~~النفس ، فليس بين هاتين الحقيقتين تعاند ، فإن حقيقة أمر تقتضي للمتصف به ~~صحة الإحكام من حيث إنها هذه الحقيقة لا تنافي حقيقة اعتقاد تقتضي سكون ~~النفس من حيث إنها هذه الحقيقة ، وإذا لم يكن بين الحقائق منافاة لم تتحقق ~~المعارضة في الحدود. ### ||| ** المسألة الثانية عشرة : في أحكام التصديق # وهي عشرة : ### |||| ** الأول : التصديق والقضية والخبر والقول الجازم كلها بمعنى واحد ، وهو قول يقال ~~لقائله : إنه صادق أو كاذب. والصدق والكذب وإن كانا عرضيين PageV02P077 # ذاتيين لا يمكن تعريفهما إلا بذكر معروضهما ، لكن لم يقصد التعريف ~~الحقيقي هنا ، بل اللفظي. وهذه القضية : إما حملية ، أو شرطية. والشرطية : ~~إما متصلة ، أو منفصلة. والمنفصلة إما حقيقية تمنع الجمع والخلو ، أو غيرها ~~تمنع أحدهما خاصة. والمتصلة : إما لزومية ، أو اتفاقية. والمنفصلة إما ~~عنادية ms0447 أو اتفاقية. ### |||| ** الثاني : كل حملية لا بد فيها من موضوع هو المحكوم عليه ، ومحمول هو المحكوم به ، ~~ونسبة بينهما بها يربط المحمول بالموضوع. وتلك النسبة لا بد لها من لفظ يدل ~~عليها ، وقد تحذف في بعض اللغات للعلم بها. ولا بد لها من كيفية تدل على ~~وثاقتها وضعفها ، هي إما الضرورة ، أو الإمكان ، أو الدوام ، أو الإطلاق ، ~~أو مقابلات هذه. فإن أخذت في نفس الأمر فهي مادة ، وإن أخذت معقولة أو ~~ملفوظة فهي جهة (1)، ولا يجب توافقهما. (2) ### |||| ** الثالث (3) ### |||| ** : النسبة قد تكون بالإيجاب ، على معنى أن المحمول صادق على الموضوع. وقد تكون ~~بالسلب ، بأن سلب المحمول عن الموضوع ، ولا عبرة بإيجاب الطرفين ، ولا ~~سلبهما. لكن إذا كان أحدهما عدميا سميت معدولة ، وهو في غالب الاصطلاح ~~يتعلق بالمحمول ، وقد يثبت في الموضوع وفيهما معا. # ويحصل الاشتباه كثيرا بين السالبة البسيطة والمعدولة المحمول ، فيفرق ~~بينهما لفظا بالنية (4) والاصطلاح كتخصيص المعدولة ب «غير» و «لا». والسلب ب «ليس» PageV02P078 # وبتقديمه على الرابطة إن ذكرت أو تأخره ، أو معنى فقيل : الموجبة ~~المعدولة يشترط فيها ثبوت الموضوع دون السالبة. (1) # والتحقيق أن يقال : إذا وجب شيء في الخارج ، وجب ثبوت الموضوع فيه ، وإذا ~~وجب في الذهن ، وجب اعتقاد الثبوت فيه. أما السلب ، فإن سلب في الخارج لم ~~يجب ثبوت الموضوع فيه ، فإن السلب قد يصدق على الموضوع المعدوم كما يصدق ~~على الموجود ، وإن سلب في الذهن وجب أن يكون الموضوع فيه ، لكن لا يشترط ~~اعتباره وإن كان لا ينفك عنه. ### |||| ** الرابع (2) ### |||| ** : موضوع القضية إن كان شخصا معينا : فالقضية شخصية ومخصوصة إيجابا وسلبا. وإن ~~كان كليا : فإن حكم في القضية على نفس الطبيعة فالقضية نسميها طبيعية ، ~~كقولنا الإنسان حيوان ناطق. فإن حكم عليها باعتبار عروض العموم لها : ~~سميناها القضية العامة ، كقولنا الإنسان نوع والحيوان جنس. وإن حكم على ~~أفرادها ، فإن استوعبنا الأفراد إيجابا أو سلبا فالقضية كلية. وإن خصصنا ~~الحكم بالبعض إيجابا أو سلبا فالقضية جزئية ، وهاتان تسميان محصورتين. وإن ~~لم نتعرض للاستيعاب والجزئية ، فالقضية مهملة إيجابا وسلبا. # واللفظ ms0448 الدال على كمية الحكم يسمى سورا ففي الموجبة الكلية «كل» ، وفي ~~الجزئية «بعض» و «واحد» ، وفي السالبة الكلية «لا شيء» و «لا واحد» ، وفي ~~الجزئية «ليس بعض» و «ليس كل» و «بعض ليس». وحقه أن يرد على الموضوع لوقوع ~~الشك في المحمول ، هل هو صادق على جميع أفراد الموضوع أو بعضها؟ فإن PageV02P079 # قرن بالمحمول فهي منحرفة. (1) # والمهملة في قوة الجزئية ؛ لأنها إما أن تصدق كلية أو جزئية ، وعلى ~~التقديرين تصدق جزئية. ### |||| ** الخامس : إذا قلنا كل ج ب لم نعن به أن كلية ج هي ب أي الكلي المنطقي (2)، ولا ~~الجيم الكلي أعني العقلي ، ولا الكل المجموعي ، بل كل واحد واحد مما صدق ~~عليه ج ، لا حقيقة ج ، ولا صفة ج ، بل الأعم وهو الصادق عليه ج صدقا بالفعل ~~لا بالقوة المحضة ، ولا بشرط الصدق الدائم ، ولا المنقطع ، بل ما يعمهما. ~~ولا نعني به الصدق الفعلي حالة الحكم ، بل الأعم من الصدق حالة الحكم وقبله وبعده. # ولا نعني به الجيم الموجود في الخارج ، بل كل ما فرضه العقل ج ، سواء كان ~~موجودا في الخارج أو لا. وقس على هذا باقي المحصورات. ### |||| ** السادس (3) ### |||| ** : القضية : 1 إن لم تكن لها جهة سميت مطلقة (4) عامة ، وهي PageV02P080 # التي حكم فيها بثبوت المحمول للموضوع بالفعل أو سلبه عنه ، وهي أعم ~~الفعليات. # 2 فإن قيدت بالدوام الذاتي فهي الدائمة. # 3 وإن قيد الدوام بالوصف العنواني فهي العرفية العامة إن أطلقت (1). # 4 وإن قيدت بنفي الدوام الذاتي فهي العرفية الخاصة. # 5 وإن لم تقيد بالدوام ، بل باللادوام فهي الوجودية اللادائمة. # 6 وإن قيدت بنفي الضرورة الذاتية فهي الوجودية اللاضرورية. # 7 وإن قيدت بالضرورة الذاتية وهي الحاكمة بوجوب ثبوت المحمول للموضوع أو ~~بوجوب سلبه عنه ما دامت ذات الموضوع موجودة فهي الضرورية المطلقة. # 8 وإن قيدت الضرورة بوصف الموضوع فهي المشروطة العامة ، إن اطلقت. # 9 وإن قيدت بنفي الدوام فهي المشروطة الخاصة. # 10 وإن قيدت بوقت معين مع قيد اللادوام فهي الوقتية. # 11 وإن يكن الوقت معينا فهي المنتشرة. ms0449 # 12 وإن لم يحكم فيها بالثبوت الفعلي بل بالإمكان الذي هو رفع الضرورة عن ~~الجانب المخالف للحكم فهي الممكنة العامة. # 13 وإن رفعت الضرورة عن الطرفين فهي الممكنة الخاصة. # والجهات يكاد لا تتناهى ، لكن المهم منها هذه الثلاث عشرة قضية ست منها ~~بسائط ، وهي ما لم تقيد بنفي الدوام ولا بنفي الضرورة ، وسبع مركبات وهي PageV02P081 # المقيدة بأحدهما. والممكنة العامة أعم الموجهات. ### |||| ** السابع : (1) التناقض اختلاف قضيتين إيجابا وسلبا بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما وكذب ~~الأخرى ، ولا يتحقق إلا بشروط ثمانية : # 1 وحدة الموضوع. # 2 وحدة المحمول. # 3 وحدة الإضافة. # 4 وحدة القوة أو الفعل. # 5 وحدة الزمان. # 6 وحدة المكان. # 7 وحدة الشرط. # 8 وحدة الكل أو الجزء. # وقيل (2): الأخيران راجعان إلى وحدة الموضوع ، والبواقي إلى وحدة ~~المحمول. ويشترط في المحصورات تاسع هو الاختلاف فيه أي في الحصر. (3) # وإذا عرفت هذا فنقول : إن شيئا من الموجهات المذكورة لا يناقضه شيء من ~~جنسه ، فنقيض المطلقة العامة هي الدائمة ؛ لانقسام الشيء إلى دائم الإيجاب ~~ودائم السلب ولا دوامهما ، فالمطلقة الإيجابية تشمل الأول والثالث وتخلى عن PageV02P082 # الثاني. والسلبية تشمل الثاني والثالث وتخلى عن الأول. فنقيض كل منهما ما ~~يخلى عنه. ونقيض الوقتية العامة الحينية. ونقيض الضرورية الممكنة العامة ~~المخالفة ؛ لأن الأشياء تنقسم إلى ضرورية الإيجاب وضرورية السلب ولا ~~ضرورتهما. فالممكنة العامة الإيجابية تشمل الأول والثالث وتخلى عن الثاني ، ~~والسلبية تشمل الثاني والثالث وتخلى عن الأول ، فنقيض كل منهما ما يخلى ~~عنه. ونقيض المشروطة العامة الحينية الممكنة. # وأما نقائض المركبات فهو المفهوم (1) المتردد بين نقيضي جزئيها ، لتركبها ~~منهما خاصة. وإن كانت جزئية وجب رجوع الترديد إلى كل واحد واحد من الأفراد ~~، أو يراد الترديد بين الجزئيتين الدائمتين. والأصل فيه أنه يجوز أن يكون ~~الاقتسام صادقا ، لكن كذبت الجزئية لكذب عود اللادوام إلى الجزء المخالف له. ### |||| ** الثامن (2) ### |||| ** : كل قضية ذات عكس تستلزم عكسها ، وهو جعل المحكوم عليه محكوما به ، والمحكوم ~~به محكوما عليه ، مع الموافقة في الكيف والصدق (3). # فالسوالب (4) الجزئية لا تنعكس مطلقا إلا الخاصتين العرفيتين ms0450 ، لصدق سلب ~~الأخص عن بعض الأعم مع كذب العكس. # وأما الكلية ، فإن كانت إحدى السبع ، وهي الوقتيتان والوجوديتان ~~والممكنتان والمطلقة العامة ، لا تنعكس لعدم انعكاس الوقتية التي هي أخصها ، PageV02P083 # لصدق لا شيء من القمر بمنخسف بالضرورة وقت التربيع بين النيرين لا دائما ~~مع كذب بعض المنخسف ليس بقمر بالإمكان ، وإذا لم ينعكس الأخص لم ينعكس ~~الأعم ؛ لأن لازم الأعم لازم الأخص. # وكل من الضرورية والدائمة والمشروطة والعرفية العامتين تنعكس كنفسها ~~بالخلف. والخاصتان يلزمهما ما يلزم عامتهما ، لكن اللادوام عائد إلى بعض ~~الأفراد ، لأنه عكس كلية موجبة. وإذا كانتا جزئيتين انعكستا كنفسيهما ، ~~لأنا نفرض الموضوع شيئا معينا فيصدق عليه الوصفان وسلبهما ، ودوام سلب ~~الموضوع ما دام وصف المحمول. # والموجبات الكلية لا تنعكس كلية لجواز كون المحمول أعم ، بل جزئية ، وكذا ~~الجزئية. فالضرورية والدائمية ، والوصفيتان العامتان تنعكس حينية مطلقة ، ~~لكذب نقيضهما ، وإلا لانتظم مع الأصل ما ينتج المحال. والخاصتان كذلك مع ~~قيد اللادوام ، وإلا لا تعكس إلى ما يناقض الأصل. # وباقي الفعليات تنعكس مطلقة عامة ، وإلا لانعكس نقيضها إلى ما ينافيها ، ~~والممكنتان ممكنة عامة لذلك أيضا. ### |||| ** التاسع (1) ### |||| ** : كل قضية تستلزم عكس نقيضها ، إن كان لها عكس نقيض ، وهو جعل نقيض المحكوم ~~به محكوما عليه ، ونقيض المحكوم عليه محكوما به ، مع الموافقة في الكيف ~~والصدق (2)، ويتناول أحكامه وأحكام العكس المستوي ، فالموجبات الجزئية لا ~~تنعكس هنا ، عدا الخاصتين فتنعكسان كنفسهما ، لصدق PageV02P084 # بعض الحيوان غير إنسان ، وكذب عكسه. ويصدق بالضرورة الوقتية بعض القمر ~~غير منخسف لا دائما ، ويكذب عكسه ، وهاتان أخص القضايا. # وإن كانت الكلية إحدى السبع ، وهي : الوقتيتان والوجوديتان والممكنتان ~~والمطلقة العامة ، لا تنعكس لصدق مثال الوقتية كليا مع كذب عكسه. # وإن كانت إحدى الست انعكست كنفسها ، لكن قيد اللادوام راجع إلى البعض : # أما الأول ، فلأنه لولاه لا ينعكس نقيضه إلى ما ينافي الأصل. # وأما الثاني ، فلأنه لو لم تصدق السالبة الجزئية المعدولة الطرفين لصدق ~~نقيضها ، وانعكس عكس النقيض إلى ما ينافي قيد اللادوام في الأصل. # والسوالب وإن كانت كلية فإنما تنعكس جزئية لصدق ms0451 سلب إحدى النوعين عن ~~الآخر كليا ، وكذب سلب نقيض أحدهما على نقيض الآخر كليا. فالوقتيتان ~~والوجوديتان والمطلقة العامة تنعكس مطلقة عامة ، وإلا لصدق نقيضها وانعكس ~~إلى ما يضاد الأصل أو يناقضه. # وتنعكس الضرورية والدائمة والمشروطتان والعرفيتان والوقتيتان حينية مطلقة ~~، ومع قيد اللادوام في الخاصتين ، وإلا لانعكست العرفية بعكس النقيض إلى ما ~~يضاد الأصل أو يناقضه. # وتنعكس الممكنتان ممكنة عامة بالخلف. ### |||| ** العاشر (1) ### |||| ** : قد يتركب كل من المتصلين والمنفصلين من حمليتين أو متصلتين أو منفصلتين ، ~~أو حملية ومتصلة ، أو حملية ومنفصلة ، أو متصلة PageV02P085 # ومنفصلة. ولما تميز مقدم المتصلة (1) عن تاليها طبعا صارت أقسامها تسعة ، ~~والمنفصلة ستة (2). وتتركب اللزومية الموجبة الصادقة من صادقين وكاذبين ~~ومقدم كاذب وتال صادق (3) دون العكس. والاتفاقية من صادقين خاصة. # والكاذبة اللزومية قد تتركب من الأربع ، والاتفاقية من الثلاث ، وتصدق ~~السالبة من كل منهما في مادة الموجبة الكاذبة ، وتصدق الحقيقية الموجبة عن ~~صادق وكاذب لا غير ، ومانعة الجمع عن صادقين وصادق وكاذب ، ومانعة الخلو ~~عنه وعن صادقين ، وتكون الثلاثة فيما عدا هذه ، وفيها مع عدم التعاند. ~~والسالبة تصدق فيما كذبت فيه الموجبة ، وتكذب فيما صدقت فيه. # ويجري التناقض في الجميع على قياس الحمليات (4)، والعكس وعكس # والمقدم في المنفصلة غير متميز عن التالي في الطبع ؛ لأن معاندة أحد ~~الشيئين للآخر تستلزم معاندة الآخر له فأيهما جعل المقدم صح وكانت القضية ~~واحدة ، بخلاف المتصلة التي في طبيعة أحد جزئيها أن يكون ملزوما والآخر ~~لازما. راجع الجوهر النضيد : 41. # وتتألف المنفصلة من : 1 الحمليتين 2 المتصلتين 3 المنفصلتين 4 الحملية ~~والمتصلة 5 الحملية والمنفصلة 6 المتصلة والمنفصلة. # راجع شرح الإشارات 1 : 130. وذكر العلامة لكل منها مثالا في الجوهر ~~النضيد : 42 43. PageV02P086 # النقيض في المتصلات (1). # وتتلازم المتصلتين إذا اتفقتا في الكم والكيف من أحد الطرفين وتلازمتا ~~متعاكسا في الآخر. والحقيقيتان إذا اتفقتا في الكم والكيف وتناقضتا في ~~الطرفين. ومانعتا الجمع والخلو إذا اتفقتا كما وكيفا وتلازمتا في الطرفين ~~تتعاكسا. والحقيقية مانعة الجمع إذا اتفقتا كما وكيفا وأحد الطرفين ، ~~واستلزم طرف مانعة الجمع طرف مانعة الخلو ms0452 تستلزم الحقيقية مانعة الجمع. # ولو وافقت الحقيقة مانعة الخلو كما وكيفا وأحد الطرفين واستلزم طرف ~~الحقيقية طرف مانعة الخلو استلزمت الحقيقية مانعة الخلو. # ولو وافقت مانعة الجمع مانعة الخلو في الكم والكيف وتناقضتا في الطرفين ~~تلازمتا وتعاكستا. والمتصلة تستلزم مانعة الجمع من عين المقدم ونقيض ~~التالي. ومانعة الخلو من نقيض المقدم وعين التالي. # والحقيقية تستلزم (2) أربع متصلات من عين أي طرف كان ونقيض الآخر ، ومن ~~نقيض أي طرف كان وعين الآخر. # ومانعة الجمع تستلزم (3) متصلة من عين أي طرف كان ونقيض الآخر. # ومانعة الخلو تستلزم متصلة من نقيض أي طرف كان وعين الآخر. PageV02P087 ### | البحث الثاني ### | في إبطال كلمات السوفسطائية (1) # قد عرفت أن حكم الذهن بشيء على شيء ، إما أن يكون جازما أو لا ، فالجازم ~~إما أن يكون مطابقا أو لا ، والمطابق إما أن يكون لموجب أو لا ، وإن كان ~~لموجب فإما أن يكون حسيا أو عقليا أو مركبا منهما ، فإن كان حسيا فهي ~~المحسوسات في الحواس الخمس ، وإن كان عقليا فإن الموجب تصور طرفي القضية لا ~~غير وهي البديهيات ، أو لا بد من شيء آخر وهو النظريات. وإن كان الموجب ~~مركبا من الحس والعقل ، فإن كان من السمع والعقل فهو العلم الحاصل # ونقل الطوسي عن أهل التحقيق : هذه لفظة من لغة اليونانيين ، فان «سوفا» ~~بلغتهم اسم للعلم والحكمة و «اسطا» اسم للمغلطة ، فسوفسطا معناه علم الغلط ، ~~كما كان «فيلا» اسم للمحب ، و «فيلسوف» معناه محب العلم ، ثم عرب هذان ~~اللفظان ، واشتق منهما السفسطة والفلسفة. نقد المحصل : 46. # وانظر البحث أيضا في نهاية العقول (المسألة الأولى من الأصل الثاني). PageV02P088 # بالتواتر. أو من البصر والعقل وهو المجربات والحدسيات ، وقد مضى بعض هذه ~~وأقسام غير الجازم. # وإذا عرفت هذا فنقول : إن جماعة أنكروا الحسيات ، وآخرون أنكروا ~~البديهيات ، وطائفة أخرى أنكروهما معا ، وهؤلاء هم السوفسطائية. وفرقهم ~~ثلاثة : # أمثلهم طريقة اللاأدرية ، وهم الذي يقولون : إنا لا نعرف ثبوت شيء ولا ~~انتفاءه ، بل نحن متوقفون في كل الأقسام. # ومنهم فرقة تسمى العنادية ، وهم الذين يعاندون ويقولون : نحن ms0453 نجزم بأنه ~~لا موجود أصلا. # ومنهم فرقة أخرى تسمى العندية ، (1) وهم الذين يقولون : إن حقائق الأشياء ~~تابعة للاعتقادات لا أن الاعتقادات تابعة للحقائق ، فمن اعتقد في العالم ~~أنه قديم كان العالم قديما في حقه ، ومن اعتقد أن العالم حادث كان حادثا في حقه. # وأيضا من السوفسطائية من أنكر الحسيات ، واعترف بالبديهيات ، ومنهم من ~~عكس ، ومنهم من أنكرهما معا (2). # أما اللاأدرية فقد احتجوا بوجوه : ### ||| * الوجه الأول # قالوا : وجدنا أمورا يدعي القائلون بها أنها ضرورية ، وخصومهم يكذبونهم ~~في تلك القضايا فضلا عن المساعدة على أن العلم بها ضروري ، وذلك يقتضي PageV02P089 # القدح في الضروريات. # بيان ذلك في أربع عشرة مسألة : ### |||| ** الأولى : المعتزلة ادعوا ضرورية العلم بحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ، والظلم ~~، وإيلام البريء عن الجرم من غير عوض. مع أن الأشعرية والفلاسفة نازعوهما ~~(1) في ذلك ، واتفقا على أن مثل هذه القضايا ليست أولية ، بل مشهورة وصحيحة ~~في بعض الصور دون بعض. ### |||| ** الثانية : ادعى جماعة من المعتزلة العلم الضروري بأن العبد موجد لأفعاله (2) ومخير ~~بين الفعل والترك. والأشاعرة منعوا ذلك وادعوا ضرورية ما يقابل هذه الضرورة ~~، وهي أن فاعلية العبد للحركة يمنة دون الحركة يسرة أمر جائز ، فلا بد من ~~استنادها إلى أمر واجب وهو إرادة الله تعالى. وزعموا أن استناد الجائز إلى ~~الواجب أمر ضروري ، ومتى ثبت استناد هذه الفاعلية إلى إرادة واجبة لم يبق ~~التمكن والاختيار. ### |||| ** الثالثة : ادعت المعتزلة والفلاسفة العلم الضروري باستحالة رؤية الأعمى في ظلمة الليل ~~بقة في الأندلس وهو بالصين ، مع أن البصير لا يرى في ضياء النهار الجبال ~~العظيمة الحاضرة عنده. وادعوا أيضا العلم الضروري باستحالة رؤية ما لا يكون ~~مقابلا ، ولا في حكم المقابل. وأن الأشعرية جوزوا ذلك وكذبوهم في دعوى ~~الضرورة فضلا عن أن يعلم ذلك الامتناع بالضرورة. (3) ### |||| ** الرابعة : جمهور العوام يضطرون إلى العلم ببقاء الألوان وسائر الأعراض (4) PageV02P090 # المستمرة الوجود على نهج واحد. مع أن الأشاعرة وطائفة من المعتزلة ذهبوا ~~إلى امتناع بقائها. (1) ### |||| ** الخامسة : ادعى الجمهور الضرورة في بقاء الأجسام ، وأنكر النظام ذلك. (2) ### |||| ** السادسة : ادعت ms0454 المجسمة العلم الضروري بأن ما لا يختص بجهة ولا يكون ملاقيا (3) ~~للعالم ولا مباينا له ، فليس بموجود. وكل الموحدين كذبوا هذه القضية فضلا ~~عن ادعاء العلم الضروري بصحتها. ### |||| ** السابعة : ادعى مثبتوا الخلاء العلم الضروري بأن كل جسم ينتهي إما إلى ملاء أو إلى ~~خلاء. ونفاة الخلاء يكذبون هذه القضية. ### |||| ** الثامنة : القائلون بقدم الزمان يدعون العلم الضروري بأن كل حادث فلا بد وأن ينتهي ~~وجوده في الوهم إلى وجود زمان سابق. والقائلون بالحدوث يكذبونهم في ذلك. ### |||| ** التاسعة : ادعى جماعة من الفلاسفة العلم الضروري باستحالة حدوث شيء لا من شيء ، ~~والمتكلمون كذبوهم في ذلك. ### |||| ** العاشرة : ادعت الفلاسفة العلم الضروري بأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا ~~لمرجح ، والمسلمون كذبوهم في هذه القضية في حق القادر ، حيث جوزوا للقادر ~~أن يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح. ### |||| ** الحادية عشرة : اتفق جمهور المتكلمين على أن أول العلوم الضرورية علم الإنسان بنفسه وألمه ~~ولذته وجوعه وعطشه ، ثم اتفقت الفلاسفة على أن المدرك PageV02P091 # للألم واللذة والجوع والعطش ليس هو نفس الإنسان ، بل المدرك لها قوى ~~جسمانية من توابع النفس الناطقة الإنسانية التي هي الإنسان بالحقيقة. ### |||| ** الثانية عشرة : اتفق المتكلمون على ادعاء العلم الضروري بأن الإنسان هو المبنى هذه البنية ~~(1) المخصوصة ، والفلاسفة (2) كذبوهم في هذه القضية ، وجعلوا حقيقة الإنسان ~~شيئا غير متحيز ولا قائم به. ### |||| ** الثالثة عشرة : ادعت الفلاسفة (3) العلم الضروري باستحالة إعادة المعدوم ، وجمهور ~~المتكلمين جوزوا ذلك. ### |||| ** الرابعة عشرة : ادعت الأشعرية العلم الضروري باستحالة كون الميت ، بل المعدوم فاعلا. ~~والمعتزلة جوزوا ذلك في المتولدات. # فثبت بهذه المسائل أن أرباب المذاهب يدعون العلم الضروري بصحة بعض ~~القضايا ، مع أن خصومهم يكذبونهم فيها. وإنما قلنا : إن ذلك يقدح في ~~الضروريات والبديهيات ، لأن هذه القضايا التي ادعي فيها أن صحتها معلومة ~~بالضرورة إما أن تكون في أنفسها ضرورية الصحة أو لا. فإن كانت ضرورية ~~فالمنكر لها منكر للضرورة مع أن ذلك المنكر يعتقد أنه في ذلك الإنكار على ~~الحق ، فقد اشتبه الضروري عليه بغيره ، وإن لم تكن ms0455 ضرورية فالمعتقد لكونها ~~ضرورية قد اشتبه عليه غير الضروري بالضروري ، وعلى كلا التقديرين الضروري ~~مشتبه بغيره. وإذا كان كذلك لم يكن جزم الذهن مفيدا لكون المجزوم به ضروريا PageV02P092 # وبالعكس. فإذن لا بد من التمييز فيها بين الحق والباطل بالدليل المركب من ~~المقدمات الضرورية ، فيتوقف كل منهما على الآخر ويدور. # لا يقال : ليس الطريق إلى تمييز الضروريات من غيرها الاستدلال ، ولا مطلق ~~جزم العقل بذلك ، بل بأن يفرض الإنسان نفسه خالية عن جميع الهيئات (1) ~~النظرية والعلمية من العقائد والأديان ، والرقة والألفة والعادة ، فكل ما ~~يجزم به العقل حينئذ يكون ضروريا لاستناده إلى فطرة العقل لا غير ، وما لا ~~يجزم به يكون غير ضروري ، بل يكون مستندا إلى أحد هذه الأمور. # لأنا نقول : هذا باطل من وجوه : ### |||| ** الأول : الهيئات المستندة إلى العادة تصير ملكات مستقرة في النفس ، وهي لا تزول عند ~~ما نحاول زوالها ، وإذا تعذر زوالها وهي مانعة من الجزم بمقتضى العقل ، ~~فإذن لا يصح الوثوق بشيء من أحكام العقل. # والحاصل أن فرض الخلو لا يوجب الخلو ، فيتعذر حينئذ الفرق بين ما يستند ~~إلى الفطرة العقلية وما يستند إلى هذه الأمور. ### |||| ** الثاني : هب أن هذه الهيئات (2) والملكات ممكنة الزوال بمحاولتنا إزالتها ، لكن من ~~الجائز أن تبقى في النفس هيئة لا نشعر بها على التفصيل في تلك الحالة ، ~~فحينئذ لا نشتغل بإزالتها وإن كنا قد أزلنا سائر الهيئات ، ومع هذا ~~الاحتمال لا يمكن الوثوق به. ### |||| ** الثالث : هب أنا نقطع بزوال جميع الهيئات ، ولكن في هذه الحالة قد نجد العقل جازما ~~بأمور مختلفة الصحة ، فإنه لا يمكننا أن نتصور الأجسام وانتهاءها لا إلى ~~خلاء ولا إلى ملاء ، ولا أيضا نتصور انتهاء الزمان وجملة الحوادث إلى ما لا PageV02P093 # تفرض فيه قبلية وبعدية زمانية ، ولا أيضا وجود شيء غير مختص بالجهة ولا ~~مختص (1) بما يختص بالجهة. # لا يقال : الحاكم بهذه القضايا بديهة الوهم لا بديهة العقل وبديهة الوهم ~~كاذبة بدليل تصديقها لما يلزم منها بالضرورة نقائض هذه القضايا ، ولو كانت ~~صادقة لما صدقت بما ينتج ms0456 نقائض ما حكمت بصحتها. # لأنا نقول : هذا يقتضي توقف معرفة صحة البديهيات على هذا الدليل الذي ~~ذكرتموه ، وحينئذ يعود الدور. وأيضا إذا توقف الوثوق بجزم البديهة على أن ~~لا تكون البديهة جازمة بما تنتج نقائضها ، وجب علينا في كل قضية بديهية أن ~~نبحث ونجتهد هل في مجزومات البديهة ما ينتج نقائضها؟ وذلك مما لا سبيل إلى ~~علمه ، لأن غاية ما يفيدنا البحث والاجتهاد والتفحص التام أنا لا نجد شيئا ~~يناقض حكم البديهة ، لكن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. # ثم لو فرضنا عدم الوجود ، لكن لا يلزم العدم ، فإنه لا يلزم من عدم ~~الدليل عدم المدلول. # ثم لو سلمنا اللزوم ، لكن جاز أن تختلف الأشخاص في هذا ، فلا يلزم من عدم ~~الدليل عند شخص عدمه عند كل شخص ، وإذا جوز العقل ثبوت معارض في نفس الأمر ~~أو عند آخر امتنع منه الجزم بالبديهيات ، وهو المطلوب. ### |||| ** والجواب : لا يلزم من ادعاء قوم الضرورة في شيء وإنكار آخرين الطعن في الضروريات ؛ ~~لجواز الاشتباه على إحدى الطائفتين أو غيرهما بين أحكام العقل وأحكام ~~الوهم. أما العلم بالحسن والقبح فسيأتي بيان كونهما ضروري إن شاء الله ~~تعالى. وكذا العلم بإيجاد العبد لفعله واستناده إليه. وكذا الرؤية وبقاء اللون PageV02P094 # والجسم. وبطلان كونه تعالى جسما مستند إلى صريح العقل الدال بواسطة ~~المقدمات البديهية على صحته ، إلى غير ذلك من القضايا التي عارض الوهم فيها ~~العقل. وقصور فهم بعض الناس عن التمييز بين الحق والباطل. واعتمادهم على ما ~~يتقلدونه وتعارض دليلين لا يوجب القدح في الضروريات. ### ||| * الوجه الثاني (1) # لزوم النتائج النظرية عن المقدمات الضرورية ، إما أن يكون ضروريا أو لا ، ~~والقسمان باطلان ، فاللزوم باطل. # أما الأول ، فلأنه لو كان حصول النتائج واجبا ضروريا لزم حصوله لكل ~~العقلاء ؛ لأنهم بأسرهم مشتركون في العلوم الضرورية ، فيجب اشتراكهم في ~~اللازم عنها ، وهو جميع العلوم النظرية ، لكن التالي باطل ، لوقوع الاختلاف ~~بين العالم (2) في أكثر النظريات. # وأما الثاني ، فلأن لزوم اللازم عن المقدمات الضرورية لو كان نظريا لا ~~فتقر إثبات ms0457 ذلك اللزوم إلى نظر آخر وتسلسل ، وهو محال. # وبتقدير تسليمه فالمطلوب حاصل ؛ لأن تلك الوسائط المسلسلة إما أن يكون ~~بين اثنين منها تلازم واتصال بحيث لا يفتقر إلى وسط ، أو لا يكون. فإن كان ~~هناك اثنان لا وسط بينهما ، فلا بد وأن يكون لزومه عن ملاصقة ضرورية ، وإلا ~~افتقر اللزوم إلى متوسط بينهما فلا يكون الملاصق في اللزوم ملاصقا ، هذا ~~خلف. وإن لم يكن هناك اثنان بينهما اتصال والتصاق في التلازم ، بل كل اثنين ~~فرضا متلازمين فإن بينهما وسط ، ولم يكن شيء من العلوم مفيدا لشيء من ~~العلوم ، أو لزم من ذلك العلم بما لا يتناهى لا مرة واحدة ، بل مرارا غير ~~متناهية. PageV02P095 # وهذا المحال إنما لزم على تقدير اشتراك العقلاء بأسرهم في الضروريات ~~فيكون منتفيا ، فلا تكون الضروريات بأسرها حاصلة للكل. فإذا كانت العلوم ~~التي يدعون كونها ضرورية ، قد تكون حاصلة وقد لا تكون ، ومتى لم تكن حاصلة ~~فإنها لا تحصل إلا بالكسب والطلب ، ولا معنى للعلم النظري إلا ذلك ، فحينئذ ~~تصير العلوم الضرورية نظرية ، فيلزم افتقارها إلى علوم أخر سابقة عليها لا ~~إلى نهاية ، وذلك محال. ### |||| ** والجواب : أن حصول النتائج من الضروريات واجب لا ضروري ، بل نظري ، ولا يجب الاشتراك ~~لتعلقه بالترتيب الذي لا يجب دوام صحته ، ولعدم الغفلة فإن مع حصولها قد ~~يثبت النظر فلا يجب الإنتاج ، وإذا كانت العلوم ضرورية ، لم يجب اشتراكها ~~بين كل العقلاء؛ لأنها قد تستند إلى الإحساس الظاهر أو الباطن ، والإحساس ~~غير مشترك بين الناس. # وبالجملة الطعن في النظريات لا يستلزم الطعن في الضروريات. ### ||| * الوجه الثالث # قالوا : العلوم الضرورية إما أن يكفي في حصولها مجرد الفطرة الإنسانية أو ~~لا ، فإن كفت لزم حصول هذه العلوم للإنسان من ابتداء وجوده ، فيلزم أن يكون ~~الجنين عالما بالضروريات كلها ، وهو باطل بالضرورة. وإن لم يكف فلا بد من ~~طريق آخر يكون كاسبا لهذه العلوم ، فلا تكون هذه العلوم بديهية ، بل كسبية. # لا يقال : إنما يلزم أن تكون هذه العلوم كسبية لو استفيدت من الدليل أما ms0458 ~~إذا لم تستفد من الدليل فلا. # ولا يلزم من انتفاء هذه العلوم عن الأطفال كونها غير بديهية ، فإن العلوم ~~البديهية تتوقف على شروط واستعدادات للنفس كاستقراء المحسوسات ، فإن ~~الإنسان إذا أحس بأمور جزئية تنبه حينئذ لمشاركات بينها وبين غيرها ، فإن الطفل PageV02P096 # أول ما يدرك صورة جزئية ثم يترعرع قليلا ، فيدرك صورة يحكم بأنها أمه ~~ويميز بينها وبين غيرها ، ثم يأخذ في زيادة الترعرع فيدرك صورة يحكم عليها ~~بأنها أبوه ويميز بينه وبين غيره ، وهكذا يزداد كمالا على التدريج بواسطة ~~زيادة إحساسه للأمور الجزئية حتى يفرق بين الإنسان وغيره من أنواع ~~الحيوانات ، ويدرك المشاركات بين الأمور المتشابهة ، والمباينات بين ~~المختلفات ، وينتزع العلوم البديهية كلها بواسطة كماله في الإحساس. # لأنا نقول : لا نسلم أن الإحساس يفيد النفي على ما يأتي. # سلمنا ، لكن لا نسلم أن الإحساس يمكن أن يكون مبدأ لهذه العلوم البديهية. # بيانه : أنا نفرض الكلام في قولنا : الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ~~، فإن هذه من أجلى البديهيات عندهم ، ولا يمكن استفادتها من الحس لوجوه : ### |||| ** أ: أنه ليس شيء من الجزئيات المحسوسة يعلم أنها مساوية على التحقيق لشيء واحد ~~، فإن الحس لا يضبط ذلك. ولأن الحس لا يمكنه الحكم بشيء على شيء البتة ؛ ~~لأنه مود وآلة في التأدية إلى النفس والحاكم هو النفس لا غير. ### |||| ** ب : لو أفاد الاستقراء هذا العلم لكان ذلك من حيث إنا لما أحسسنا ثبوت وصف ~~المساواة في الخشب مثلا بعضه لبعض ، وفي الحجر والحديد ، علمنا أن هذا ~~الوصف لم يثبت للخشب لخصوصية الخشبية ، وإلا لم يثبت لغيره من الحديد وشبهه ~~ولا بالعكس ، فحينئذ نعلم أنها إنما كانت كذلك لأنها مساوية لشيء واحد ، ~~ولكن هذه الطريقة لا تتم إلا بعد مقدمات كلية. # منها : أن كل صفة انتفت مع وجود الحكم فليست علة له ، ولكن هذه المقدمة ~~كاذبة ؛ لجواز حصول الحكم الواحد بعلل مختلفة ، فإنه لا يجب من تساوي ~~المعلولات تساوي العلل. واستناد عدم المعلول إلى عدم العلة لا غير ينافي إسناد PageV02P097 # المعلومات المتساوية إلى العلل المختلفة ؛ لأن ms0459 المعلول هناك يعدم ويوجد ~~مثله مع الأخرى. # ومنها : أنه لا بد من حصر العلل وبيان انتفائها حتى يقتضي انتفاء ~~المعلول. # ومنها : أن العلة إذا حصلت حصل معها معلولها حتى يعلم أنه يلزم من كون ~~تلك الأمور مساوية للشيء الواحد حصول المعلول ، وهو مساواتها. # ومنها : أن القدر المشترك بين هذه الصور ليس إلا كونها مشاركة لشيء واحد ~~، وظاهر أن العلم بأن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ، أظهر من كل ~~واحد من هذه المقدمات. ### |||| ** ج : هذا العلم لو استفيد من الإحساس فإما أن يستفاد من الإحساس بكل الجزئيات أو ~~ببعضها ، والأول باطل لتعذره ، ولأجل ما يعلم أن العلم بأن الأشياء ~~المساوية لشيء واحد متساوية قد يحصل دون استقراء كل الجزئيات ، ولأجل أن ~~الإحساس إنما يفيد الحكم في الجزئيات المحسوسة ، لا في الجزئيات المتوهمة ~~التي لا نهاية لها التي يتوقف صدق الموجبة الكلية على ثبوت الحكم فيها ~~بأسرها. وبهذا بطل أن يكون المفيد هو استقراء بعض الجزئيات. # فثبت بما ذكرناه أنه لا يمكن استفادة هذه العلوم البديهية من استقراء ~~المحسوسات ، وهي أيضا ما كانت حاصلة في ابتداء الخلقة ، فلم يبق إلا أن ~~يكون طريق تحصيلها الكسب ، وذلك يوجب إما التسلسل أو الدور ، وهما محالان ، ~~وذلك يقدح في حصول العلم. ### |||| ** والجواب : قد بينا أن الفطرة بمجردها لا تكفي في تحصيل العلوم الضرورية ، PageV02P098 # لنقصانها وعدم استكمالها ، وأنها بواسطة الإحساس تستكمل على التدريج ~~لتحصل لها العلوم البديهية. # والحكم بالمساواة لا يستند إلى الحس ولا بغيرها ؛ لأن الحاكم بين الطرفين ~~إنما هو النفس ، لكن قد يكون مبدأ هذا الحكم الإحساس بالطرفين أو أحدهما. # والقضايا الضرورية المستندة إلى الحس أو التجربة لا يؤثر فيها التجويز ~~العقلي المجرد عن التجربة ، فإنا نجزم بالضرورة أن كل نار حارة لانعقاد ~~التجربة فيها وإن كان يجوز عقلا وجود نار لا تلزمه الحرارة ، ولا نفتقر في ~~هذا الحكم إلى حصر العلة ، ولا إلى تعميم الإحساس بالكل. ### ||| * الوجه الرابع (1) # قالوا : الجزم بالبديهيات ليس أقوى من الجزم بالمحسوسات ؛ لأن البديهيات ~~فرع المحسوسات والفرع لا يكون ms0460 أقوى من الأصل ، ثم إنه لا يمكن الجزم ~~بالمحسوسات ؛ لأن الحس إما أن يعتبر في الجزئيات أو في الكليات. # والثاني باطل ، فإن الحس لا يعطيها البتة ، فإن الحس لا يشاهد إلا هذا ~~الكل وهذا الجزء. فأما وصف الأعظمية وهو أن الكل أعظم من الجزء فهو غير ~~مدرك بالحس ، وبتقدير كون وصف الأعظمية مدركا بالحس ، لكن المدرك هو أن هذا ~~الكل أعظم من هذا الجزء ، فأما أن كل كل أعظم من جزئه فغير مدرك بالحس ؛ ~~لأن الحس إنما يدرك بمشاركة الوضع ، والأمور الكلية مجردة عن الأوضاع. # ولو فرضنا أنه أدرك كل ما في الوجود من الكلات والأجزاء ، إلا أن قولنا ~~كل كذا كذا ، لا نريد منه أن كل ما دخل في الوجود الخارجي من أفراد الموضوع PageV02P099 # فهو كذا ، بل ولا ما وجد أو سيوجد ، بل كل ما لو وجد وفرضه العقل من جملة ~~أفراد ماهية الموضوع ، فإن المحمول صادق عليه سواء وجد في الماضي ، أو يوجد ~~في المستقبل ، أو لا يتحقق له وجود البتة. ومعلوم قطعا أن هذا مما لا يناله ~~الحس البتة ، ولا يمكن وقوع الإحساس به. فإذن الحس لا معونة له على إعطاء ~~الكليات أصلا. ولأن الحس في معرض الغلط على ما يأتي ، فلا يبقى لنا وثوق ~~بما يعطيه من الكليات. # والأول باطل ، وهو أن الحس معتبر في الجزئيات ؛ لأنه في معرض الغلط ، ~~وإذا كان في معرض الغلط لم يكن مجرد حكمه مقبولا. ### |||| ** بيان الأول من وجوه : (1) ### |||| ** أ: أن البصر قد يدرك الصغير كبيرا ، كما يرى النار البعيدة في الظلمة عظيمة ، ~~وكما يرى العنبة في الماء كالاجاصة ، وكما إذا قربنا حلقة الخاتم إلى العين ~~فإنا نراها كالسوار. وقد يدرك الكبير صغيرا كالأشياء البعيدة غير النار ، ~~كالكواكب ، فإن قدر الشمس أضعاف قدر الأرض. ### |||| ** اعترضه أفضل المحققين : بأن الحس إدراك بآلة فقط ، والحكم تأليف بين مدركات الحس أو بغير الحس ، ~~على وجه يعرض للمؤلف لذاته إما الصدق أو الكذب ، واليقين حكم (2) على الحكم ~~الأول بالصدق على وجه لا يمكن أن يزول. ms0461 وليس من شأن الحس التأليف الحكمي ؛ ~~لأنه إدراك (3) فقط ، فلا شيء من الأحكام بمحسوسة أصلا ، فإذن كل ما هو ~~محسوس لا يمكن أن يوصف من حيث كونه محسوسا بكونه يقينيا أو غير يقيني ، أو ~~حقا أو باطلا ، أو صوابا أو PageV02P100 # غلطا ، فإن جميع هذه الأوصاف من لواحق الأحكام. اللهم إلا إذا قارن ~~المحسوس حكم غير مأخوذ من الحس وحينئذ يوصف بهذه الأوصاف من حيث كونه حكما ~~، ويقال له حكم يقيني أو غير يقيني. # وإذا تقرر هذا ، ثبت أن قولهم : المحسوسات ليست يقينية ، ليست بمحسوسات ~~فقط (1)، فإنها لا يمكن أن تكون يقينية أو غير يقينية بمعنى عدم الملكة ، ~~إنما هي ليست يقينية بمعنى السلب ، كما أن الإدراك وحده ليس حكما. # وإذا كانت المحسوسات مقارنة باعتبار كونها مطابقة أو غير مطابقة ، أو ~~صوابا أو غلطا ، فادعاء أن المحسوسات لا تكون يقينية عند جماعة من الحكماء ~~كأفلاطون وأرسطو وبطليموس وجالينوس ، حيث زعموا أن اليقينيات هي المعقولات ~~لا المحسوسات ، كما نقله فخر الدين عنهم غير صحيح ؛ لأن الحكماء ذكروا أن ~~مبادئ اليقينيات هي الأوليات والمحسوسات والمجربات والمتواترات والحدسيات ، ~~وسموها بالقضايا الواجب قبولها. (2) وذكروا أن مبادئ المجربات والمتواترات ~~والحدسيات هي الإحساس بالجزئيات ، وأن الأوليات يكتسبها الصبيان باستعداد ~~يحصل لهم من الإحساس بالجزئيات. ولذلك حكم كبير الجماعة بأن «من فقد حسا ~~فقد علما» وأن أصول أكثر العلم الطبيعي كالعلم بالسماء والعالم ، والعلم ~~بالكون والفساد ، وبالآثار العلوية ، وبأحكام النبات ، والحيوان ، مأخوذ من ~~الحس ؛ وعلم الارصاد والهيئة المبنية عليها عند بطليموس ، وعلم التجارب ~~الطبية عند جالينوس مأخوذ من المحسوسات ، وعلم المناظر والمرايا ، وعلم جر ~~الأثقال والحيل الرياضية كلها مبنية على الإحساس وأحكام PageV02P101 # المحسوسات. فإذن جل أقاويلهم يقتضي الوقوف بالمحسوسات التي هي مبادئ جميع ~~العلوم ، فكيف ساغ له (1) أن ينقل عنهم أنهم قالوا : المحسوسات لا تكون ~~يقينية؟ بل أنهم بينوا أحكام العقل في المحسوسات أيها تكون يقينية ، وأيها ~~تكون غير يقينية. # فإذن الصواب والخطأ إنما يعرضان للأحكام العقلية ، لا على المحسوسات من ~~حيث هي محسوسات. ولو كانت الأحكام التي ms0462 تقع في معرض الغلط غير موثوق بها ، ~~لكانت المعقولات الصرفة أيضا غير موثوق بها ؛ لكثرة وقوع الغلط للعقلاء ~~فيها ، ولما جعل لبيان مواضع الغلط في المعقولات ولا في المحسوسات صناعة ~~كصناعتي سوفسطيقا والمناظر. # وإذا تمهد هذا فالنظر والبحث لا يمكن تمهيدهما إلا بعد حصول العلم ~~والاتفاق في مقدمات هي المبادئ ، ولو لم تكن المبادئ الأولى معلومة أو ~~موضوعة لم يمكن نظر في شيء ولا بحث عن شيء ، فإن النظر والبحث يقتضيان ~~التأدي من أصل حاصل إلى فرع مستحصل ، وإذا لم يكن الأصل حاصلا ، امتنع ~~التأدي من لا شيء إلى شيء ، ولهذا لم يمكن البحث مع منكري المحسوسات ~~والأوليات أصلا ، ومن يتكلم معهم يقصد إرشادهم وتنبيههم أو تحصيل اعتراف ~~منهم بنوع من الحيل إلى أن يحصل لهم استعداد أن ينظروا في شيء أو استحقاق ~~أن يباحثوا في شيء. # فإذن الشكوك التي أوردها على لسان قوم مفروض يعبر عنهم بالسوفسطائية ، ~~فإنه لا تستحق الجواب أصلا. إنما يجاب من يثق أو يعترف بالوقوف على ~~الأوليات والمحسوسات ، ببيان التفصي عن مضائق مواضع الغلط بذكر أسباب الغلط ~~وإحالة تصويب الصواب ، وتخطئة الخطأ بعد ذلك إلى PageV02P102 # صريح العقل المرتاض برفض العقائد الباطلة والتقليدات الواهية والعادات ~~المضلة. على أن الحس لا حكم له لا في الجزئيات ولا في الكليات كما تقدم. # أما أن البصر قد يدرك الصغير كبيرا فعليه كلام ، وهو أن البصر إذا أدرك ~~الشيء صغيرا لم يدركه معه كبيرا ولا بالعكس ، والحاكم بأن المدرك في ~~الحالتين شيء واحد لا يمكن أن يكون هو البصر ؛ لأن الحاكم لا يحكم إلا عند ~~إدراكه في الحالتين معا ، فإذن هو العقل بتوسط الخيال. # وهذا الغلط إنما توهمه العقل لا البصر. وذلك العقل حكم على الشيء المرتسم ~~في الخيال بالصغر ، إذا البصر أحس به كذلك ، ثم وجد البصر أحس به كبيرا ، ~~فتوهم أن البصر غلط في إبصاره ، ولم يغلط هو ؛ لأن الإبصار يكون إما ~~بانطباع شبح المبصر في البصر وإما بوقوع شعاع من البصر على المبصر ، ~~والأقرب إلى الحق هو ms0463 الأخير. # وينبغي أن لا يلتفت إلى من يبطل القول بالشعاع ، بأن الشعاع إن كان جسما ~~لزم تداخل الأجسام ، وإن كان عرضا لزم القول بانتقال العرض من محل إلى محل ~~آخر ؛ لأن شعاع النيرات كالشمس والقمر والنار موجود يقينا ، فما به يندفع ~~المحالان هناك ؛ يندفع به بعينه هنا. # ثم إن الشعاع يمتد من ذي الشعاع إلى قابل الشعاع من غير تخلل خلل خال عن ~~الشعاع ، أو تراكم اجتماع شعاعين من مأخذ واحد من ذلك الممتد في بعض أجزاء ~~امتداده ، بل على هيئة مخروط مستدير مملوء جوفه ، رأسه عند ذي الشعاع ، ~~وقاعدته على سطح قابل الشعاع الكثيف ، وينعكس منه إذا كان صقيلا إلى ما ~~يحاذيه على زاوية مساوية للزاوية الحادثة بين الشعاع الممتد والسطح الصقيل ~~، ونسميه زاوية الشعاع ، وينفذ في القابل الشفاف ذي السطح الصقيل ، وينعكس ~~عن سطحه وينعطف في ثخنه إلى جانب ذي الشعاع كلها ، PageV02P103 # والانعكاس والانعطاف يكونان بزاويتين مساويتين لزاوية الشعاع. قد بين ~~جميع هذا في مواضعه. # والشعاع البصري في أكثر الحيوانات يحتاج إلى مدد من جنسه ، أعني إلى شعاع ~~شيء من الأجسام ذوات الأشعة ، ويستعان في تخيل كيفية اتصاله بالمبصرات ~~بتوهم خطوط تخرج من سطح المخروط الشعاعي ، ويكون الإبصار بزاوية تحدث من ~~تلك الخطوط عند رأس المخروط. # فكلما كان البصر أقرب إلى المبصر ، تكون تلك الزاوية أوسع ، فيراه البصر ~~أعظم. وكلما كان أبعد منه تكون تلك الزاوية أضيق ، فيراه البصر أصغر ، إلى ~~أن تتقارب الخطوط وتصير عند الحس لتوهم انطباق بعضها على بعض كخط واحد ، ~~فيراه البصر كنقطة ، وبعد ذلك ينمحى أثره فلا نراه أصلا. هذا على رأي ~~القائلين بالشعاع. # وأما القائلون بالانطباع فيقولون : إن الزاوية التي تحدث على سطح الرطوبة ~~الجليدية تصغر وتكبر بحسب بعد المرئي وقربه ، والبصر يدرك المرئي بتلك ~~الزاوية. # وإذا تقررت قاعدة الشعاع ، فالنار في الظلمة إذا كانت قريبة من الرائي ~~نفذ الشعاع في الظلمة الرقيقة إلى الهواء المضيء بمجاورة النار ، فيرى ~~البصر ما حولها بمعونة من نورها وقربها (1) منها ، فيراها على ما تقتضيها ~~زاوية ms0464 الإبصار. وإذا كانت بعيدة جدا لم ينفذ الشعاع في الظلمة الكثيفة ، ~~فلم ير ما حولها من الهواء (2) المضيء بنورها ويراها وحدها بزاوية أصغر ~~فيراها أصغر ، كما في سائر المرئيات. وإذا لم تكن قريبة ولا بعيدة جدا فإن ~~الشعاع البصري المحاذي لما حولها PageV02P104 # لم ينفذ في الظلمة نفوذا تاما ، فلم يميز النار عن الهواء المضيء بها ، ~~بل أدركهما معا جملة واحدة فيراها البصر بزاوية أوسع من الزاوية التي تحدث ~~من المحاذاة وحدها ، وذلك هو العلة لكونها في الرؤية أعظم مما لو رؤيت في ~~غير الظلمة المذكورة بالمحاذاة وحدها. # وأما السبب في رؤية العنبة في الماء كالاجاصة ، فهو أن العنبة ترى في ~~الماء بامتداد شعاعي النافذ في الماء والمنعطف معا ، ولا يتمايز الشعاعان ~~لقربهما من سطح الماء. وأما في الهواء فيراها بالنافذ وحده. وهذا إذا كانت ~~العنبة قريبة من سطح الماء ؛ أما إذا صارت بعيدة وصار الشعاعان متمايزين ~~فيراها بالنافذة والمنعطفة في موضعين متمايزين في حالة واحدة. # وأما رؤية الخاتم كالسوار عند قربه من العين ، فلتوسع الزاوية الشعاعية ~~التي تحيط أضلاعها بالخاتم عند العين. وإدراك الأشياء البعيدة صغيرة لضيق ~~تلك الزاوية. (1) # والجواب : المنع من كون الجزم بالبديهيات ليس أقوى من الجزم بالمحسوسات. ~~وكون البديهيات فرعا ، ممنوع. نعم بعض البديهيات قد يؤدي الحس إليها ، لكن ~~لا يجب في التأدية أن يكون المؤدي أقوى من المؤدى إليه ، فإن الحركة ~~الثبوتية قد تؤدي إلى السكون العدمي والموجود أقوى من المعدوم. والاستعداد ~~شرط في حصول الكمال ، وليس أقوى من الكمال. (2) # ولأن الظن قد يكون أصلا للضروري ، كالمتواتر فإنه علم ضروري يحصل من ~~إخبارات متعاقبة ، كل واحد منها يفيد الظن ، فإذا تضافرت تلك الأخبار ~~وتعاضدت بعضها ببعض حصل العلم الضروري. PageV02P105 # ولأن التصديق فرع على التصور ، وقد بينا جواز كون التصور كسبيا والتصديق ~~بديهيا. # والحكم لا شك في استناده إلى العقل ، لكن الحس قد يكون مبدأ له ، فتنسب ~~مثل هذه إلى الحس ويخص بالقضايا المحسوسة أي التي حكم بها العقل بواسطة ~~الاستعانة بالحس. ومثل هذه الأحكام قد تحصل ms0465 في الكليات كما تحصل في ~~الجزئيات ؛ فإن قولنا هذه النار حارة حكم عقلي مستند إلى الحس ، وكذا قولنا ~~كل نار حارة (1)، لكن الفرق بينهما كلية موضوع الثانية وتجرده عن الغواشي ~~المادية ، بخلاف القضية الأخرى ، لكنهما اشتركتا في أن مبدأ الحكم الحس ~~وتعدادهما معا في المحسوسات. # وفي كلام أفضل المحققين نظر ؛ فإن اليقين وصف للحكم بعدم احتماله للنقيض. ~~وإنما عنوا بكون المحسوسات يقينية أو غير يقينية أحكام العقل في المحسوسات. ~~وإنما حكم الجماعة بكون الحس غير يقيني ؛ لأنه في معرض الغلط على ما يأتي ، ~~وإنما يوثق به إذا قارنه حكم العقل بالصحة كما قال ، بل إنهم بينوا أحكام ~~العقل في المحسوسات أيها تكون يقينية وأيها تكون غير يقينية ، والعقل إنما ~~يعرض له الغلط ، إلا (2) باعتبار معارضة الوهم إياه ، أما المجرد فلا. # ونهيه عن الالتفات إلى من يبطل القول بالشعاع ، غير مقبول لم يزد فيه عدا ~~المشورة ، والحجة المبطلة له لا تندفع بأشعة النيرات. # لأنا نقول : ذلك الشعاع عرض يحدث في المقابل للنير المستعد لقبول الشعاع ~~، لا أنه ينزل من النير إليه كما توهمه بعضهم. وسيأتي البحث فيه إن شاء PageV02P106 # الله تعالى. # والسبب الذي ذكره في كبر المرئي وصغره مشكل. # لأنا نقول : إن كان صغر الزاوية مؤثرا في صغر المرئي ، ومن المعلوم ~~بالضرورة أن الزاوية الحادثة عند العين لا تبلغ في الكبر إلى حيث يتسع للجبل. # وأما القائلون بالانطباع ، فالزاوية التي ذكرها متوهمة لا حاصلة بالفعل ، ~~والإشكال فيها عائد سيأتي. # وأما رؤية الصغير كبيرا ، ففيه إشكال ، لأن للعنبة مثلا مقدارا خارج ~~الماء وفيه ، والحس يؤدي مقدارها خارج الماء وفيه ، والعقل يحكم تارة ~~بالتساوي وأخرى بالتفاوت. # إذا تقرر هذا فنقول : إن مقدارها الحقيقي هو مقدارها المشاهد خارج الماء. ~~ومقدارها الحسي هو مقدارها المشاهد في الماء. والعقل يحكم بأن مقدارها في ~~نفس الأمر في الحالتين واحد ، وأنه لا زيادة لأحدهما في نفس الأمر على ~~الآخر ، وهذا الحكم لا شك في أنه صواب ، ولا شك أن الحس يؤدي العنبة على ~~شكل حال كونها في الماء ms0466 ويحكم العقل بأن ذلك الشكل الذي أداه الحس أكبر من ~~الشكل الذي أداه حال كونها خارجة الماء في الحس. وهذا الحكم لا شك في أنه ~~صواب أيضا. بقي أن حكمنا : بأن هذا الشكل هو شكلها في نفس الأمر كان خطأ ، ~~لكنه لا نحكم بذلك ، فالغلط حينئذ لم يقع إلا في تأدية الحس. ### |||| ** ب (1) ### |||| ** : قد نرى الواحد اثنين كما إذا غمزنا إحدى العينين ونظرنا إلى القمر فإنا نرى ~~قمرين ، وكما في حق الأحول ، وكما إذا نظرنا إلى الماء عند طلوع القمر فإنا PageV02P107 # نرى في الماء قمرا وعلى السماء قمرا آخر ، ونرى الأشياء الكثيرة واحدة ، ~~كالرحى إذا أخرجنا من مركزها إلى محيطها خطوطا كثيرة متقاربة بألوان مختلفة ~~، فإذا استدارت سريعا رأينا لها لونا واحدا كأنه ممتزج من تلك الألوان. # قال أفضل المحققين : سبب رؤية الواحد اثنين (1): أن النور البصري ممتد ~~من الدماغ في عصبتين مجوفتين تتلاقيان قبل وصولهما إلى العينين ثم تتباعدان ~~، وتتصل كل واحدة منهما بواحدة من العينين. وإذا كانتا مستقيمتين تبصران ~~الشيء معا شيئا واحدا. وإن انحرفتا أو انحرفت إحداهما عن الاستقامة ، صارت ~~محاذاة إحداهما منحرفة عن محاذاة الأخرى ، وصار المبصر من إحداهما غير ~~المبصر من الأخرى ، فإذا أبصرتا شيئا واحدا حسبه المبصر شيئين لوقوع نور ~~بصره عليه من محاذاتين متخالفتين وحكم العقل بالغلط ، وهكذا الحكم إذا ~~تخالفت الوسطى والسبابة من الأصابع في وضعهما وأحستا معا شيئا واحدا ، ~~كحمصة توهم أنهما أحستا بحمصتين. # والأحول الفطري قلما يرى الشيء شيئين لاعتياده بالوقوف على الصواب ، بل ~~إنما يقع ذلك للأحول الذي يقصد الحول تكلفا. # وأما رؤية القمر قمرين ، فلأن هذا يكون بنفوذ الشعاع البصري إلى قمر ~~السماء وانعكاسه من سطح الماء إليه ، فإنه يراه مرتين ، مرة بالشعاع النافذ ~~، ومرة بالشعاع المنعكس. # وأما رؤية الألوان على الرحا لونا واحدا ، فلأن كل ما يدركه الحس الظاهر ~~فإنه يتأدى إلى الحس المشترك ثم يتأدى إلى الخيال ، فإذا أدرك البصر لونا ~~وانتقل بسرعة إلى لون آخر ، كان أثر اللون الأول في الحس المشترك عند إدراك ~~اللون ms0467 الثاني ، PageV02P108 # فكأن الرائي رآهما معا ، ولا يكون بينهما زمان يمكن للنفس تميز أحدهما ~~فيه من الثاني ، فتدركهما ممتزجين ، وإن كان الإدراك بالشيئين. (1) # وأيضا إن زالت الألوان عن محاذاة البصر وارتسمت في الحس المشترك على توال ~~لا يدرك الحس تراخي بعضها عن بعض ، أدركت النفس من الحس المشترك لونا ~~ممتزجا من جميعها. (2) # وفيه نظر ، فإن البحث الذي ذكرناه أولا في كبر الصغير آت هاهنا. وبقاء ~~اللون الأول في الحس المشترك حال زواله عن البصر ، يقتضي بطلان دليل الخيال ~~؛ لأنه إذا جاز بقاؤه ولو زمنا يسيرا جاز طويلا. وأيضا اللون الثاني إن حل ~~في المحل الذي حل فيه الأول فإن بقي الأول في مكانه لزم اجتماع الضدين ، ~~وإن فارق كان الأول مدركا على حد صرافته ، والثاني كذلك ، فلا يكون هنا لون ممتزج. ### |||| ** ج : قد نرى المعدوم موجودا كالسراب ، والأشياء التي يريها صاحب خفة اليد ~~والشعبذة ، وكما نرى القطرة النازلة كالخط المستقيم ، والشعلة الدائرة ~~بسرعة كالدائرة. (3) # قال أفضل المحققين : السراب المرئي ليس معدوما مطلقا ، إنما هو شيء ~~يتراءى للبصر بسبب ترجرج شعاع ينعكس من أرض سبخة ، كما ينعكس عن المياه ~~فيحسب ماء ، وليس للبصر فيه غلط. والأشياء التي يريها خفيف اليد والمشعبذ ~~إنما تكون في التوهم ، بخلاف ما يكون في الوجود ، بسبب عدم تمييز النفس بين ~~الشيء وبين ما يشبهه ، إما بسبب سرعة الحركة من الشيء إلى شبهه. PageV02P109 # وإما بسبب إقامة البدل مقام الشيء المبدل عنه بسرعة ، على ما يقف عليه من ~~يعمل تلك الأعمال. # ورؤية القطرة النازلة كخط مستقيم ، والشعلة الجوالة كدائرة ، إنما تكون ~~لاتصال ما يدركه البصر في موضع يتحرك إليه المتحرك بما قد أدركه الحس ~~المشترك من كونه في موضع آخر قبله ، ويثبت فيه هنيئة ، فتدرك النفس جميع ما ~~في الآلتين وتحسبه شيئا واحدا متصلا. (1) # وفيه نظر ، فإن البصر أدى إلى الحس المشترك صورة الماء وليست في الخارج ، ~~فإنه لا سراب في الخارج ، وليس من شأنه إلا تأدية ما في الخارج ، فقد حصل ~~له الغلط هنا. والعقل إذا حكم بأن ms0468 هذا المشاهد ماء فقد غلط من حيث وجده ~~مشابها للماء ، فحكم على الشيء بحكم مشابهه ، أما إذا عرف أنه سراب فإنه ~~يحكم بأن الحس الظاهر أدى ما ليس بموجود في الخارج وهو صواب. وبقاء القطرة ~~النازلة في الحس المشترك مشكل على ما تقدم. ### |||| ** د : قد نرى المتحرك ساكنا ، كالظل ، والساكن متحركا ، كراكب السفينة فإنه يشاهد ~~الشط الساكن متحركا والسفينة المتحركة ساكنة. # ويرى المتحرك إلى جهة متحركا إلى ضد تلك الجهة ، فإن المتحرك إلى جهة يرى ~~الكوكب متحركا إليها إذا شاهد غيما تحته ، وإن كان الكوكب متحركا إلى خلاف ~~تلك الجهة. # وقد يرى القمر كالسائر إلى الغيم ، وإن كان سائرا إلى خلاف تلك الجهة ، ~~إذا كان الغيم سائرا إليه. # قال أفضل المحققين : الحركة ليست بمرئية ، والبصر إذا أدرك الشيء في PageV02P110 # موضع محاذيا لشيء ما بعد أن أدركه في موضع آخر محاذيا لغير ذلك الشيء ~~حكمت النفس عند مجموع الإدراكين بحركة ذلك الشيء. وإذا كانت المسافة قليلة ~~القدر لا يميز البصر بين الإدراكين فتحسبه النفس ساكنا. # أما راكب السفينة فلما لم يدرك لبدنه انتقالا من موضع إلى موضع ، حسبه ~~ساكنا ، وإذا تبدلت محاذاته لأجزاء الشط مع تخيل سكونه في نفسه حسب الشط ~~متحركا ، لكون ذلك التبدل شبيها بالتبدل الأول. # وأما سبب رؤية المتحرك إلى جهة متحركا خلافها ، فليكن السائر إلى جهة ~~ينتقل من «أ» إلى «ب» ، والقمر بالقياس إليه مثل «ج» ، والغيم المتوسط ~~بينهما الذي لا يحجب القمر لرقته مثل «د ه» ؛ فإذا كان السائر عند «أ» كان ~~شعاعه الممتد الذي به يرى القمر كخط «أز ج» ، فإذا انتقل إلى «ب» صار شعاعه ~~كخط «ب ح د» (1)، فيتخيل أن القمر يتحرك من «ز» إلى «ح» في جهة حركته إذ ~~رآه أولا محاذيا لنقطة «ز» ثم منتقلا منها إلى «ح». # وأما القمر المتحرك إلى خلاف تلك الجهة ، فلا يحس بحركته لما مر. # وأيضا ليكن الناظر ساكنا عند نقطة «أ» ورأى القمر وهو «ج» محاذيا لنقطة ~~«ز» من الغيم ، ثم تحرك الغيم في جهته ms0469 ووصلت نقطة «ح» إلى حيث كان في الأول ~~نقطة «ز» ، رأى القمر منتقلا عن محاذاة نقطة «ز» إلى محاذاة نقطة «ح» ، ~~فيتخيل أن القمر يتحرك من «ز» إلى «ح» وهو خلاف جهة حركة الغيم ؛ ولا يحس ~~بحركة الغيم ؛ لأن انتقاله في المحاذاة بالقياس إلى السماء لا يتغير في حسه ~~لتشابه أجزاء السماء وأجزاء الغيم في الحس. وإذا كان الغيم مثل «ح ه» فقط ، ~~والناظر عند «أ» رأى القمر بعيدا من طرف الغيم بقدر «ز ح» ، ثم يتحرك الغيم إلى أن PageV02P111 # وصل مبدأه ، وهو نقطة «ح» إلى الموضع الذي كان فيه (1) رأى القمر وهو «ج» ~~محاذيا لنقطة «ح» ، فيتخيل أن القمر يتحرك من «ز» إلى «ح» ، فسار إلى جهة ~~الغيم ، وهو خلاف جهة حركة الغيم. (2) # وفي كون الحركة غير مرئية نظر ، فإنا لا نعني بالحركة إلا تبدل الأوضاع ~~والانتقال من محاذاة إلى أخرى ، ولا شك في أن الحس مدرك لذلك. نعم الحركة ~~بالمعنى الذي أثبته الحكماء فإنها غير مرئية. ### |||| ** ه : قد يرى المستقيم متنكسا ، كالأشجار التي على أطراف الأنهار. # قال أفضل المحققين : إذا انعكس شعاع البصر من سطح الماء إلى الأشجار ، ~~ولا محالة تكون زاويتا الشعاع والانعكاس متساويتين ، ينعكس الشعاع إلى رأس ~~الشجر من موضع أقرب إلى الرائي ، وإلى أسفل في موضع أبعد منه ، إلى أن تتصل ~~قاعدة الشجر بقاعدة عكسه ، فليكن الرائي «أ» وسطح الماء «ب ج» والشجر ~~القائم على ذلك السطح «د ح» ولينعكس الشعاع النافذ من «أ» إلى نقطة «ه» ~~منها إلى رأس الشجر ، وهو نقطة «د» ، فتكون زاويتا «أه ب» [و] «د ه ح» ~~متساويين. # أقول : لا يمكن أن ينعكس من نقطة تلي جهة «ب» من «ه» شعاع إلى جزء أسفل ~~من رأس الشجرة كنقطة «ح» ، وإلا فينعكس من نقطة «ز» ويكون الشعاع النافذ من ~~«أ» إلى «ز» منعكسا عنه إلى «ح» وحينئذ يجب أن تكون زاوية ![](https://books.rafed.net/Books/3370_nihayat-almaram-02/images/image002.gif) PageV02P112 # «أز ب» الخارجة عن مثلث «أز ه» أعظم من زاوية «أه ب» ، لكن زاوية «أز ب» ~~مساوية لزاوية «ج ز ms0470 ح» وزاوية «أه ز» مساوية لزاوية «د ه ج» ، فزاوية «ج ز ~~ح» أعظم من زاوية «د ه ج» وتكون أعظم كثيرا من زاوية «ح ه ج» ، فالداخلة في ~~مثلث «ح ز ه» أعظم من خارجتها ، هذا خلف محال. ولا يمكن أن ينعكس منه شعاع ~~إلى جزء أسفل من رأس الشجر كنقطة «ح» ، وإلا لكانت زاوية «أه ب» مساوية لكل ~~واحدة من زاويتي «د ه ج» [و] «ح ه ج» العظمى والصغرى ، هذا خلف. # فإذن لا بد من أن ينعكس إلى كل نقطة تميل من الرأس إلى أسفل من نقطة تكون ~~من «ه» إلى «ج» أميل حتى تتصل القاعدة بالقاعدة ، ولما كانت النفس لا تدرك ~~الانعكاس ، فإنها متعودة لرؤية المرئيات بنفوذ الشعاع على الاستقامة ، تحسب ~~الشعاع المنعكس نافذا في الماء ؛ ولا يكون في نفس الأمر نافذا ، فإن الماء ~~ربما لا يكون عميقا قدر طول الشجر ، أو يكون كوزا (1) لا ينفذ فيه الشعاع ~~أصلا ، وحينئذ يحسب أن رأس الشجر أكثر نزولا في الماء ، لكونه أبعد من أصله ~~وباقي أجزائه على الترتيب ، فنرى كأنه متنكس تحت سطح الماء. (2) ### |||| ** و: إذا نظرنا إلى المرآة رأينا الوجه طويلا وعريضا ومعوجا ، بحسب اختلاف شكل ~~المرآة ، وكل ذلك يدل على غلط الحس. # اعترض أفضل المحققين : بأن المرآة الطويلة المستقيمة في العرض (3)، ~~كقالب اسطوانة مستديرة ، إذا نظرنا إليها ، بحيث يكون طولها محاذيا لطول ~~الوجه ، نرى الوجه فيها طويلا طوله بقدر طول الوجه قليل العرض ؛ لانعكاس الشعاع PageV02P113 # العرضي فيما (1) هو أقل عرضا مما لو كان مستقيما. وذلك أن الطول ينعكس من ~~عاكس مستقيم ، والعرض ينعكس من عاكس منحن. # وإذا نظرنا إليها بحيث يكون طويلا محاذيا لعرض الوجه ، كان الأمر بالعكس ~~، فنرى الوجه عريضا عرضه بقدر عرض الوجه ، وطوله أقل من طوله. # وإذا نظرنا إليها بحيث يكون طويلا موربا في محاذاة الوجه ، نرى الوجه معوجا. # وإذا كانت المرآة بحيث ينعكس منها الشعاع من موضعين أو أكثر إلى موضع ~~واحد ، رأى الناظر فيها لنفسه وجهين أو أكثر ، ورأسين أو أكثر ms0471 ، ومن بعضها ~~يرى وجهه متنكسا. # وكذلك في الاختلافات المتنوعة التي تشتمل على أكثرها كتب المرايا ، ~~ويحتال لها متخذو المرايا على وجه يقصدونه. فقد ظهر مما مر أن ذلك غلط ~~بديهة الإدراك النفساني من المحسوسات المتأدية إليها ، لا غلط الحس. (2) ### |||| ** ز : الحس قد يجزم بالاستمرار مع أنه لا يكون كذلك ؛ لأن الحس لا يفرق بين الشيء ~~ومثله ، ولذلك يحصل الالتباس بين الشيء ومثله ، فبتقدير توالي الأمثال يظن ~~الحس وجودا واحدا مستمرا ، وليس كذلك ، فإن الألوان غير باقية عند أهل ~~السنة ، بل يحدثها الله تعالى حالا فحالا ، مع أن البصر يحكم بوجود لون ~~واحد مستمر. فإذا احتمل ذلك ، احتمل أيضا أن يقال : الأجسام لا تبقى ، بل ~~الله تعالى يحدثها حالا فحالا ، لكنها لما كانت متماثلة متوالية يظنها الحس ~~شيئا واحدا. فثبت PageV02P114 # أن حكم الحس بالبقاء غير مقبول. # قال أفضل المحققين : الحكم بالبقاء هو : الحكم بأن الموجود في الزمان ~~الثاني هو بعينه الموجود في الزمان الأول وهذا الحكم لا يصح من الحس ، فإنه ~~لا يقدر على استحضار الزمانين ، فكيف يستحضر الموجود فيهما؟ # فإذن الحكم بالبقاء لا يكون إلا من العقل ، والعقل إنما يغلط إذا عقل ~~المشترك بين الشيئين المتشابهين ، ولم يعقل ما به يمتاز كل واحد منهما عن ~~الآخر. فإحالة هذا الغلط على الحس ليس بصواب. # وأما حكم الأشاعرة : بأن الألوان غير باقية ، فشيء لزمهم بحسب أصولهم ~~المسلمة عندهم ، وهي أن الأعدام لا يمكن أن تكون فعلا للفاعل ، وأن الموجود ~~الباقي حال بقائه مستغن عن المؤثر ، وأن لا مؤثر إلا الله تعالى. وإذا ~~شاهدوا أعراضا لا يدوم وجودها التزموا القول بتجددها حالا بعد حال. # والمعتزلة لما جوزوا طريان الضد على محل الضد الآخر المقتضي لإفنائه لم ~~يقولوا بذلك. # والفلاسفة لما جعلوا الباقي حال بقائه محتاجا إلى المؤثر ، لم يحتاجوا ~~إلى ارتكاب ذلك. # والنظام من المعتزلة جعل الأجسام أيضا غير باقية لمثل ذلك. وهذه أحكام ~~غير متعلقة بالحس. (1) # وفيه نظر ، فإنه قد تقدم غير مرة أن المراد من قولنا : هذا حكم الحس ، ~~الإشارة إلى ms0472 أن الحس هو مبدأ الحكم العقلي. ولا ريب أن الحس لما أدى أولا ~~صورة ثم أداها ، وحكم العقل بالاتحاد حكم بالبقاء أيضا. PageV02P115 # وقوله هذه الأحكام غير متعلقة بالحس ، ممنوع بل إنما عقلية مستندة إلى الحس. ### |||| ** ح : النائم يرى في النوم شيئا ويجزم بثبوته ، ثم يتبين له في اليقظة أن ذلك ~~الجزم كان باطلا ، إذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن تكون هناك حالة ثالثة يظهر ~~فيها كذب ما رأيناه في اليقظة؟ # وصاحب البرسام قد يتصور صورا لا وجود لها في الخارج ويشاهدها ويجزم ~~بوجودها ويصيح خوفا منها ، وهذا يدل على أنه يجوز أن تعرض للإنسان حالة ~~لأجلها يرى ما ليس بموجود في الخارج موجودا ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن ~~تكون الحال فيما يشاهد الأصحاء هذه الحال؟ # لا يقال : الموجب لتلك الحالة هو المرض ، وعند الصحة لا يوجد. # لأنا نقول : انتفاء السبب الواحد لا يوجب انتفاء الحكم ، بل هذا الاحتمال ~~لا يندفع إلا بحصر أسباب ذلك التخيل الكاذب ، ثم بيان انتفائها ، ثم بيان ~~أن المسبب لا يجوز حصوله ولا بقاؤه عند انتفاء الأسباب ، لكن كل واحدة من ~~هذه المقدمات مما لا يمكن إثباته إلا بالنظر الدقيق لو أمكن ، فلزم أن لا ~~يجوز الجزم بوجود شيء من المحسوسات ، إلا بعد العلم بتلك الأدلة ، وذلك مما ~~يدل على أن مجرد حكم الحس غير مقبول. # قال أفضل المحققين : النائم يرى في منامه مثل ما يرى المستيقظ ، إلا أن ~~المستيقظ لما كان واقفا على أحكام اليقظة حكم بأن أحد مرئييه واقعا حقا ، ~~والآخر غير واقع وغير حق ، والنائم لما كان غافلا عن الإحساس حسب أن الواقع ~~هو الذي يراه في خياله. وهذا ليس بغلط حسي ، بل غلط للنفس من عدم التمييز ~~بين الشيء وبين مثاله حالة الذهول عن الشيء. PageV02P116 # وحكم صاحب البرسام حكم النائم ، فإنه لاستغراقه في الخيال وغفلته عن ~~الإحساس تحكم نفسه بمثل ما يحكم به النائم. # وفي جميع الأحوال لم يعرض للإنسان حالة لأجلها يرى ما ليس بموجود موجودا ~~، فإنه لم ms0473 ير ذلك ، بل أدرك بخياله شيئا غفل معه عن الإحساس. فظهر أن الحس ~~لم يدرك ما ليس بموجود في حال من الأحوال أصلا ، ولم يثبت الإحساس بشيء غير ~~واقع في موضع البتة. # وأما تجويز الغلط فيما يشاهد الأصحاء ، لتجويزه فيما يدركه النائم ~~والمريض فمما يأباه العقل الصريح. ونحن لم نثبت الوقوف بالمحسوسات بدليل ، ~~بل نقول العقل الصريح يقتضيه. # وهذه الأجوبة إنما نوردها لبيان أسباب الغلط الذهني بعد أن حكم العقل ~~بكون ذلك غلطا للذهن ، لا لإثبات صحة ما ندركه بالحواس ، كما قدمنا بيانه. # و «انتفاء السبب الواحد لا يوجب انتفاء الحكم» مسلم ، لو أثبتنا صحة الحكم ~~بالمحسوسات في الخارج بدليل لكان الأمر على ما ذكره ، لكنا لم نثبت ذلك إلا ~~بشهادة العقل من غير رجوعه إلى دليل ، فليس علينا أن نجيب عن هذه الإشكالات ~~، فإن احتمال عدم الصحة فيما يشاهده الأصحاء مندفع عند بديهة العقل من غير ~~تأمل في الأسباب وحصرها وانتفائها وبيان امتناع حصول المسبب عند انتفاء ~~الأسباب ، وغير ذلك مما يثبت بالنظر الدقيق والجليل. (1) ### |||| ** ط : نرى الثلج في غاية البياض ، ثم إذا بالغنا في النظر إليه رأيناه مركبا من ~~أجزاء جمدية صغار ، وكل واحد من تلك الأجزاء شفاف خال عن اللون. فالثلج في ~~نفسه غير ملون مع أنا نراه ملونا بلون البياض. PageV02P117 # وليس لأحد أن يقول : إن ذلك إنما كان لانعكاس الشعاع عن بعض سطوح تلك ~~الأجزاء الجمدية إلى بعض. # لأنا نقول : هذا لا يقدح في غرضنا ؛ لأن الذي ذكرته ليس إلا بيان العلة ~~التي لأجلها نرى الثلج أبيض مع أنه في نفسه ليس بأبيض ، ونحن ما سعينا إلا ~~لهذا القدر. # وأيضا الزجاج المدقوق نراه أبيض ، مع أن كل واحد من أجزائه شفاف خال عن ~~اللون ، ولم يحدث فيما بينها كيفية مزاجية ؛ لأن تلك الأجزاء صلبة يابسة لم ~~يحصل فيما بينها فعل وانفعال. # وأيضا نرى موضع الشق من الزجاج الثخين الشفاف أبيض ، مع أنه ليس هناك إلا ~~الهواء المحتقن في ذلك الشق ، والهواء غير ملون والزجاج غير ملون ms0474 ؛ فعلمنا ~~أنا نرى الشيء ملونا مع أنه في نفسه غير ملون. # فثبت بهذه الوجوه أن حكم الحس قد يكون باطلا وقد يكون حقا. وإذا كان كذلك ~~لم يجز الاعتماد على حكمه ، إذ لا شهادة لمتهم ، بل لا بد من حاكم آخر فوقه ~~ليميز خطأه عن صوابه. وعلى هذا التقدير لا يكون الحس هو الحاكم الأول ، وهو ~~المطلوب. # قال أفضل المحققين : البياض إنما يتكون بتعاكس الضوء من (1) سطوح أجسام ~~مشفة ، والجمد والزجاج مشفان ولإشفافهما ، كان لهما ضوء ، ومتى كانا ذوي ~~سطح واحد لم يمكن تعاكس ضوء منهما ، فإذا تكثرت السطوح بكسر وشبهه تعاكس ~~الضوء من بعضها إلى بعض فحدث البياض. (2) PageV02P118 ### ||| * الوجه الخامس (1) # إن أجلى البديهيات : العلم بأن الشيء إما أن يكون وإما أن لا يكون ، ثم ~~إن هذه القضية غير يقينية ، وإذا لم تكن أقوى البديهيات يقينيا فالأضعف أولى. # أما الصغرى ، فلأنا رأينا المعولين على البديهيات يذكرون لها أمثلة أربعة : ### |||| ** الأول : النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان. ### |||| ** الثاني : الكل أعظم من الجزء. ### |||| ** الثالث : الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية. ### |||| ** الرابع : الجسم الواحد لا يكون في الآن الواحد حاصلا في مكانين معا. # ولا شك أن هذه الثلاثة الأخيرة متفرعة على الأولى. # أما قولنا : «الكل أعظم من الجزء» ، فلأنه لو لم يكن كذلك لكان وجود ~~الجزء الآخر وعدمه بمثابة واحدة ، فحينئذ يجتمع في ذلك الجزء الآخر كونه ~~موجودا معدوما معا. # وأما قولنا : «الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية» ، فلأنه لولاه لكان ~~الألف المحكوم عليه بأنه يساوى السواد سوادا لا محالة لأن الشيئين ~~المتساويين مطلقا تكون ماهيتهما واحدة ومن حيث إنه محكوم عليه بأنه يساوى ~~ما ليس بسواد يجب أن لا يكون سوادا ، فلو كان الألف مساويا للأمرين لكان ~~الألف في نفسه سوادا وأن لا يكون سوادا ، فيجتمع فيه النفي والإثبات. # وأما قولنا : «الجسم الواحد في الآن الواحد لا يكون في مكانين» ، فإنه لو ~~جاز ذلك لكان ذلك الجسم الحاصل في مكانين غير متميز عن الجسمين PageV02P119 # الحاصلين في مكانين فحينئذ لا يتميز وجود الجسم الآخر عن ms0475 عدمه ، فيصدق ~~عليه أنه موجود معدوم معا ، وهو محال. # لا يقال : لا نسلم أن هذه القضايا الثلاثة متفرعة على الأولى ، وإلا لم ~~يحصل الجزم بها إلا عند اعتبار القضية الأولى ، وليس كذلك ؛ فإن كل عاقل ~~يعلم بالبديهة حقية هذه القضايا وإن لم تحضر (1) بباله تلك الحجة الدقيقة ~~التي ذكرتها في بيان رد هذه القضايا إليها. # لأنا نقول : لا نسلم أن حكم العقلاء بهذه القضايا غير موقوف على الحجة ~~التي ذكرناها ، ولهذا لو سئلوا عن سبب جزمهم بها ، لقالوا : لو لم يكن الكل ~~أعظم من الجزء وأكبر (2) منه لم يكن للجزء الآخر أثر البتة. ولو كان الشيء ~~الواحد مساويا للأمور المختلفة ، لكان مخالفا لنفسه. ولو كان الجسم الواحد ~~في مكانين لم يكن واحدا بل كان اثنين. وهذا الذي يعتذرون به في سبب جزمهم ، ~~هو بعينه ما ذكرناه من الحجة. نعم قد لا يمكنهم التعبير عن تلك الحجة على ~~الوجه الذي لخصناها ، ولكن معناها مقرر في عقولهم ، والعبارة لا عبرة بها. # فقد ظهر أن أجلى البديهيات قولنا : «النفي والإثبات لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان». # وأما الكبرى ، وهي أن هذه القضية غير يقينية فلوجوه : ### |||| ** أ: هذا التصديق موقوف على تصور أصل العدم ؛ لأن الحكم عليه بأنه لا يجامع ~~الوجود في الصدق والكذب مسبوق بتصوره ، لما عرفت من مسبوقية التصديق ~~بالتصور ، لكن الناس قد تحيروا فيه. وزعم أكثرهم أنه غير متصور ، لأن ~~المتصور لا بد وأن يكون متميزا عن غيره بالضرورة ، وكل متميز عن غيره فله تعين PageV02P120 # في نفسه وتخصيص (1)، وكل متعين في نفسه فهو ثابت ، فكل متصور ثابت في ~~نفسه ، وينعكس عكس النقيض إلى قولنا : كل ما ليس بثابت ليس بمتصور فالمعدوم ~~غير متصور ، وإذا كان ذلك التصديق متفرعا على هذا التصور ، وكان هذا التصور ~~ممتنعا ، كان ذلك التصديق ممتنعا. # لا يقال : المعدوم المتصور ، له ثبوت في الذهن وتميز وتعين فيه ، وهو كاف ~~في الحكم عليه ، فإن المحكوم عليه لا يجب أن يكون ثابتا في الخارج ، بل ~~يكفي فيه الثبوت الذهني. وأيضا قولنا : «المعدوم ms0476 غير متصور» ، حكم على ~~المعدوم بأنه غير متصور ، والحكم على الشيء يستدعي كون المحكوم عليه متصورا ~~، فلو لم يكن المعدوم متصورا ، لامتنع الحكم عليه بأنه غير متصور. # لأنا نجيب عن الأول : بأن الثابت في الذهن أحد أقسام مطلق الثابت ؛ ~~لانقسام مطلق الثابت إلى الثابت في الذهن ، والثابت في الخارج. والكلام وقع ~~في تصور مقابل مطلق الثابت ، وذلك المقابل يستحيل أن يكون ثابتا بوجه ما ، ~~وإلا لكان داخلا تحت مطلق الثابت ، وحينئذ لا يكون قسيما له ، بل قسما منه. # وعن الثاني : بأن ما ذكرته ليس جوابا عن دليلنا على «أن المعدوم غير ~~متصور» ، بل هو إقامة دليل ابتداء على أن المعدوم متصور ، وذلك يقتضي ~~معارضة دليلين قاطعين في مسألة واحدة ، وهو أحد الدلائل القادحة في ~~البديهيات. # قال أفضل المحققين : لو كانت الثلاث الأخيرة من القضايا الأربع متفرعة ~~على الأولى ، لكانت نظرية غير بديهية ، لكنهم عدوها في البديهيات ، فعلمنا ~~أن اعتمادهم في الحكم بصحتها على بديهة العقل ، لا على مقدمة أخرى. # وبيان الرد في قولنا : الكل أعظم إليها ، مبني على كون الكل هو الجزء مع ~~زيادة ، ولا نعني بكون الكل أعظم من الجزء إلا هذا ، فهو لو كان حجة على ثبوت PageV02P121 # هذا الحكم لكان مصادرة على المطلوب. # ورد الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية إليها ، بيان أن الشيء المساوي ~~لمختلفين مخالف لنفسه ، وهو غير ما ادعى بيانه ، فإن أراد به البيان بالخلف ~~، فليس قولنا : «المساوي لمختلفين مخالف لنفسه» ، بأوضح من قولنا : ~~«المساويان لشيء بعينه متساويان» حتى يتبين هذا بذاك. # وعدم الامتياز ليس هو الاتحاد ، فإن المثلين من كل وجه لا يتمايزان ، ومع ~~ذلك لا يكونان واحدا. فكان من الصواب أن يقول (1): لو كان جسم في مكانين ~~لكان الواحد اثنين ، وحينئذ يكون وجود أحد المثلين وعدمه واحدا ، مع أن ~~الحكم المذكور غير محتاج إلى هذا البيان. # والكل جزءان والجزء هو أحدهما ، ولا يحتاج في بيان أن الشيء مع غيره أكثر ~~منه وحده ، إلى أن يعرف أن لأحد الجزءين أثرا. # والحكم بأن كون الشيء مساويا ms0477 لمختلفين يقتضي مخالفته لنفسه بيان لكون ~~شيئين مساويين لشيء متساويان ، ليس بأولى من أن يكون هذا الثاني بيانا ~~للأول ، فإن الحجة ينبغي أن تكون أبين من الدعوى ، وليس هاهنا لأحد الحكمين ~~فضيلة في كونه أبين من الآخر. # ودعوى أن كل من تصور هذه القضايا تصور هذه الحجة وإن لم يقدر على تلخيصه ~~في العبارة ، غير مسلم. # ولا شك أن أجلى البديهيات قولنا : «النفي والإثبات لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان» ، ولذلك سماه الحكماء بأول الأوائل يعني في الوضوح. وكونه أوضح ~~يدل على وضوح غيره ، ولا يدل على احتياج غيره في الوضوح إليه. PageV02P122 # والنفي هو رفع الإثبات ، ورفع الإثبات لا يكون عين الإثبات. ورفع الإثبات ~~الخارجي اثبات ذهني منسوب إلى لا إثبات خارجي. وكونه في الذهن متصورا ~~ومتميزا عن غيره ومتعينا في نفسه وثابتا في الذهن ، لا ينافي كون ما هو ~~منسوب إليه لا ثابتا في الخارج. والحكم بأن ما ليس بثابت في الخارج غير ~~متصور مطلقا ، باطل ؛ لأنه متصور من حيث إنه ليس بثابت في الخارج غير متصور ~~لا من حيث هذا الوصف ، وذلك التصديق موقوف على هذا التصور من هذه الحيثية ، ~~لا على ما نسب هذا الوصف ، ولذلك لم يكن ممتنعا. # ورفع الثبوت الشامل للخارجي والذهني تصور ما (1) ليس بثابت ولا متصور ~~أصلا ، فيصح الحكم عليه من حيث هو ذلك المتصور (2)، ولا يصح من حيث هو ليس ~~بثابت ، ولا يكون تناقضا ؛ لاختلاف الموضوعين ، ولا مانع من أن يكون شيء ~~قسيما لشيء باعتبار ، وقسما منه باعتبار ، مثلا إذا قلنا : الموجود إما ~~ثابت في الذهن وإما غير ثابت في الذهن ، فاللاموجود قسيم للموجود ، ومن حيث ~~إنه مفهوم قسم من الثابت في الذهن ، فقد انحل الشك من غير تعارض دليلين. (3) # وفي بعض كلامه نظر ، فإنه لا يلزم من كون الشيء فرعا على غيره أن يكون ~~كسبيا ؛ فإن العلم بالصفة فرع على العلم بالذات ، مع جواز كونهما ضروريتين. ~~والتصديق كله فرع على التصور ، بل هذه القضية التي هي أول الأوائل منفصلة ~~فرع على جزئيها الحمليتين ms0478 وكون الكل هو الجزء مع زيادة ضروري ، وكونه أعظم ~~وإن كان هو هذا بالذات ، لكن قد تغايره بنوع من الاعتبار ، ولا ندعي أن ~~أحدهما حجة ، وإلا لكان المطلوب كسبيا. PageV02P123 # والتنبيه على تساوي الأشياء المتساوية لشيء واحد بأن ما يساوي غيره يكون ~~مشاركا في الحقيقة فلو ساوى الشيء الواحد شيئين مختلفين لكان مخالفا لنفسه ~~، ليس استدلالا حتى يكون استدلالا بالمساوي ، بل ذكر على سبيل الإيضاح ~~والكشف لما هو معلوم عندنا ولا بد في الاثنينية من تغاير ما وتخالف ، وإلا ~~ارتفعت الاثنينية بالضرورة. # وقوله : «النفي رفع الإثبات ، ورفع الإثبات لا يكون عين الإثبات» مسلم ، ~~وهو مساعد لما ادعاه الخصم ، فإنه أحد مقدماته حيث قال : إن قولنا : «الشيء ~~إما أن يكون ثابتا أو لا» ، لا يتم إلا بعد العلم بالنفي الذي هو رفع ~~الإثبات المطلق ، ورفع الإثبات المطلق لا يكون له ثبوت البتة ، وكل متصور ~~له ثبوت. # وقوله : «رفع الإثبات الخارجي إثبات ذهني منسوب إلى لا إثبات خارجي» غير ~~المتنازع ؛ لأن البحث ليس في تقسيم الشيء الثابت في الخارج والمنفي في ~~الخارج ، بل إلى الثابت الأعم من الذهني والخارجي ، فمقابله لا يكون إحدى ~~حصتيه. والنسبة إلى لا إثبات خارجي يستدعي ثبوت المنتسب إليه خارج الذهن ، ~~إذ لو كان منسوبا إلى أمر ذهني لنقلنا الكلام إليه. ولا شك في أن التصور ~~والتميز والتعين في الذهن والثبوت فيه لا ينافي كون ما هو منسوب إليه لا ~~ثابتا في الخارج ، وليس الكلام فيه ؛ لأن البحث في مطلق الثبوت الخارجي ، ~~ولم يحكم بأن ما ليس بثابت في الخارج غير متصور في هذا السؤال ، بل حكم بأن ~~ما لا ثبوت له مطلقا ، أي لا في الذهن ولا في الخارج ، فإنه غير متصور. ### |||| ** ب : لو سلمنا إمكان تصور العدم ، لكن قولنا : «النفي والإثبات لا يجتمعان» ~~يستدعي امتياز العدم عن الوجود ليصح الحكم بينهما بالتنافي ، وإنما يتميز ~~أحدهما عن صاحبه لو كان لكل منهما هوية معينة متميزة عن هوية الآخر ، فيلزم ~~أن تكون لمسمى العدم هوية متميزة عن الوجود ، لكنه ms0479 محال ، فإن كل هوية PageV02P124 # يشير العقل إليها فالعقل يمكنه رفعها ، وإلا لم يكن له مقابل ، فلا يكون ~~للعدم مقابل ، فيلزم نفي الوجود ؛ لأنه المقابل للعدم ، وهو محال. فثبت ~~إمكان رفع هوية العدم ، لكن ارتفاع تلك الهوية ارتفاع خاص داخل تحت مطلق ~~الارتفاع الشامل لارتفاع الهوية ولارتفاع كل ما عداها. وإذا كان ارتفاع ~~هوية العدم داخلا تحت مطلق الارتفاع كان قسيم العدم قسما منه ، هذا خلف. # اعترض أفضل المحققين : بأن الحكم باستدعاء الامتياز أن تكون للممتازين ~~هويتان ممنوع ؛ فإن الهوية واللاهوية ممتازتان وليس للاهوية هوية ، ولو ~~فرضنا للاهوية هوية كانت بذلك الاعتبار داخلة في قسم الهوية ، وباعتبار ما ~~فرض له هذا الاعتبار قسيما للهوية. وكذلك القول في رفع العدم ، ولا يلزم ~~الخلف. (1) ### |||| ** ج : لو سلمنا الامتياز ، لكن النفي والإثبات قد يكون المراد منهما ثبوت الشيء ~~في نفسه وعدمه في نفسه ، كقولنا : السواد إما أن يكون موجودا وإما أن لا ~~يكون. وقد يكون المراد منهما ثبوت شيء لشيء آخر وعدمه عنه ، كقولنا : الجسم ~~إما أن يكون أسود وإما أن لا يكون. ### |||| ** أما الأول : فمن المعلوم بالضرورة أن قولنا : السواد إما أن يكون موجودا أو معدوما ، لا ~~يمكن التصديق به إلا بعد تصور قولنا : السواد موجود ، السواد معدوم ، لكن ~~كل واحد منهما باطل. أما الأول : فلأنا إذا قلنا : السواد موجود ، فإما أن ~~يكون كونه سوادا هو نفس كونه موجودا ، أو مغايرا له. فإن كان الأول كان ~~قولنا : السواد موجود ، جاريا مجرى قولنا : السواد سواد والموجود موجود ، ~~ومعلوم أنه ليس كذلك ؛ لأن هذا الأخير هذر والأول مفيد (2). PageV02P125 # وإن كان الثاني فهو باطل بوجهين : # الأول : إذا كان الموجود قائما بالسواد ، فالسواد في نفسه ليس بموجود ، ~~وإلا لعاد البحث فيه ولكان الشيء الواحد بالاعتبار الواحد موجودا مرتين ، ~~وإذا كان كذلك كان الوجود قائما بما ليس بموجود ، لكن الوجود صفة موجودة ، ~~وإلا لثبت التوسط (1) بين الموجود والمعدوم وأنتم أنكرتموه ، فحينئذ تكون ~~الصفة الموجودة حالة في محل (2) معدوم. وذلك غير معقول ، إذ لو جاز ذلك ~~لجاز أن يكون ms0480 محل هذه الألوان والحركات غير موجود ، وذلك يوجب الشك في وجود ~~الأجسام ، وهو عين السفسطة. # الثاني : إذا كان الوجود مغايرا للماهية كان مسمى قولنا : السواد ، غير ~~مسمى قولنا : موجود. فإذا قلنا : السواد موجود بمعنى أن السواد هو الموجود ~~، كان ذلك حكما بوحدة الاثنين ، وهو محال. ### |||| ** فإن قلت : ليس المراد من قولنا : السواد موجود هو أن مسمى السواد مسمى الموجود ، بل ~~المراد منه أن السواد موصوف بالموجودية. ### |||| ** قلت : فحينئذ ينقل الكلام إلى مسمى الموصوفية ، فإنه إما أن يكون مسمى السواد وهو ~~مسمى الموصوفية بالوجود ، فحينئذ يكون قولنا : السواد موصوف بالوجود جاريا ~~مجرى قولنا : السواد سواد. وإما أن يكون مغايرا له ، فالحكم على السواد ~~بأنه موصوف بالوجود حكم بوحدة الاثنين. # إلا أن يقال : المراد من كون السواد موصوفا بالوجود أنه موصوف بتلك ~~الموصوفية وحينئذ يعود التقسيم في تلك الموصوفية الثانية ، فإما أن يتسلسل ، وهو PageV02P126 # محال ، أو يقتضي رفع الموصوفية ، وحينئذ بطل قولنا : السواد موجود ، على ~~تقدير كون الماهية غير الموجودية. # وأما قولنا : السواد معدوم ، فإن قلنا : وجود السواد عين كونه سوادا ، ~~كان قولنا : السواد ليس بموجود ، جاريا مجرى قولنا : السواد ليس بسواد ~~والموجود ليس بموجود ، ومعلوم أنه متناقض. # فإن قلنا : وجوده زائد عليه توجه الإشكال من ثلاثة أوجه : ### |||| ** أحدها : أنه يلزم قيام الوجود الذي هو صفة موجودة بالماهية المعدومة ، وهو محال. ### |||| ** ثانيها : أن سلب الوجود عن ماهية السواد مثلا لا يمكن ما لم يتميز السواد عن غيره ، ~~وكل ما يتميز عن غيره فله تعين في نفسه ، وكل ما له تعين في نفسه فله ثبوت ~~في نفسه ، فالسواد لا يمكن سلب الثبوت عنه إلا إذا كان ثابتا في نفسه ، ~~فيكون حصول الوجود له شرطا في سلب الوجود عنه ، هذا خلف. ### |||| ** فإن قلت : الذي يسلب عنه الوجود موجود في الذهن. ### |||| ** قلت : فإذا كان موجودا في الذهن استحال سلب مطلق الوجود عنه ؛ لأن الموجود في ~~الذهن أخص من مطلق الموجود (1) فالموجود في الذهن يصدق عليه أنه موجود ولا ~~يصدق عليه حينئذ أنه ليس بموجود ، وكلامنا ms0481 الآن فيما يقابل مطلق الوجود لا ~~فيما يقابل موجودا (2) خاصا. ### |||| ** وثالثها : أنا سنقيم الدلالة في مسألة «أن المعدوم ليس بشيء» على امتناع خلو الماهية ~~عن الوجود ، وعلى هذا يستحيل الحكم على الماهية بالعدم. فظهر أنه PageV02P127 # ليس لقولنا : السواد موجود أو معدوم ، مفهوم محصل. وإذا كان كذلك لم يكن ~~لقولنا : السواد إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما ، مفهوم محصل. ~~وإذا كان كذلك امتنع التصديق به ، فضلا عن كون ذلك التصديق بديهيا. ### |||| ** وأما الثاني : وهو قولنا : الجسم إما أن يكون أسود وإما أن لا يكون ، فنقول : من الظاهر ~~أنه لا يمكن التصديق به إلا بعد تصور معنى قولنا : الجسم أسود ، والجسم ليس بأسود. # فنقول : إذا قلنا الجسم أسود فهو محال من وجهين : ### |||| ** أحدهما : أنه حكم بوحدة الاثنين على ما تقدم تقريره ، وهو باطل. ### |||| ** الثاني : أن موصوفية الجسم بالسواد ، إما أن يكون وصفا عدميا ، أو ثبوتيا ، والأول ~~محال ؛ لأنه نقيض اللاموصوفية ، وهي وصف سلبي ونقيض السلب ثبوت ، ~~فالموصوفية لا يمكن أن تكون أمرا عدميا. # ومحال أن يكون أمرا ثبوتيا ؛ لأنه على هذا التقدير إما أن يكون نفس وجود ~~الجسم أو السواد ، وإما أن يكون مغايرا لهما. والأول محال ؛ لأنه ليس كل من ~~عقل وجود الجسم ووجود السواد عقل كون الجسم موصوفا بالسواد. والثاني محال ~~أيضا ؛ لأن موصوفية الجسم بالسواد لو كانت صفة زائدة لكانت موصوفية الجسم ~~بتلك الصفة زائدة عليها ، وهو محال. فثبت أن موصوفية الشيء بغيره غير ~~معقولة. ### |||| ** فإن قلت : الموصوفية ثابتة في الذهن دون الخارج. ### |||| ** قلت : الذهن إن طابق الخارج عاد الإشكال ، وإلا فلا عبرة به. ولأن موصوفية الشيء ~~بالشيء نسبة بينهما ، والنسبة بين الشيئين (1) يستحيل أن تكون حاصلة في ~~غيرهما ، وإذا كان كذلك كان الجزء (2) من هذه المنفصلة هو الجزء PageV02P128 # السلبي أبدا ، لا الثبوتي ، وهو باطل عندكم. # قال أفضل المحققين : الكائن سوادا عين الكائن موجودا ، (أعني الذي يقال ~~له إنه سواد ، هو الذي يقال له إنه موجود) (1)، والسواد مغاير للموجود ، ~~وذلك هو أن هاهنا شيئا واحدا يقال له ms0482 تارة إنه سواد ، وتارة إنه موجود ، ~~فالمقول عليه فيهما واحد والمقولان متغايران ؛ فإذن القسمة إلى كون أحدهما ~~عين كون الآخر أو مغايرا له ليست بحاصرة. ويعوزه قسم آخر ، وهو أن يكونا ~~متحدين من جهة ومتغايرين من جهة ومتغايرين من جهة أخرى. # ولا يلزم من المغايرة قيام أحدهما بالآخر ، فإنا إذا قلنا : الحيوان جسم ~~، لا يلزم منه قيام الجسم بالحيوان. وأيضا لا يلزم من كون الموجود (2) ~~قائما بالسواد كون السواد في نفسه معدوما. وإذا كان السواد في نفسه لا ~~موجودا ولا معدوما ، لم يعد البحث ، ولم يكن الشيء الواحد موجودا مرتين ؛ ~~وليس الوجود صفة موجودة ، فإن ذلك يقتضي ثبوت وجود للوجود ويتسلسل. # ولا يلزم من سلب صفة الوجود عن الموجود (3) ثبوت العدم له ، أو ثبوت ~~الواسطة ، فإن ذلك إنما يلزم بملاحظة معنى الوجود أو العدم أو سلبهما مع ~~مفهوم الوجود ، وحين نلاحظ نفس الوجود لا مع ملاحظة الغير لم يلزم ذلك ، ~~ولا يلزم كون الألوان والحركات قائمة بمحل غير موجود ، فإن كون الوجود حالا ~~في محل غير موجود يقتضي كون اللون والحركة حالين في محل غير ملون ولا متحرك ~~، ولا يلزم من كون السواد والوجود متغايرين مطلقا الحكم بوحدة الاثنين. # وليس المراد أيضا : أن مسمى السواد مسمى الموجود (4) ولا أن السواد موصوف ~~بالموجودية أو موصوف بتلك الموصوفية حتى يعود إما التكرار أو وحدة PageV02P129 # الاثنين ، بل المراد أن الشيء الذي يقال له إنه أسود هو بعينه الذي يقال ~~له إنه موجود ، وذلك هو القسم الخارج من قسميه اللذين أوردهما. # ومن يقول : ماهية السواد عين وجوده ، لا يريد من قولنا : السواد معدوم ، ~~أن السواد ليس بسواد والموجود ليس بموجود ، بل المراد عنده من هذا القول ~~نفي السواد لا إثبات نفيه ، ولا يلزمه تناقض. وقد تقدم أن الماهية من غير ~~اعتبار شيء معها لا تكون موجودة ولا معدومة. فلا يلزم من اتصافها بالموجود ~~(1) قيام الوجود بالماهية المعدومة ، فهذا على الوجه الأول. (2) # وسلب الوجود عن ماهية السواد لا يقتضي كون الماهية متميزة عن غيرها ~~ومتعينة ms0483 في نفسها وثابتة في نفسها ؛ فإن التميز صفة غير الماهية ، وكذلك ~~التعين والثبوت ، والمسلوب عنه هو نفس الماهية ، لا الماهية مع غيرها. فإذن ~~لا يكون حصول الوجود له شرطا في سلب الوجود عنه. # والذي يقال : إن المسلوب عنه الوجود موجود في الذهن ، فلا يراد به أنه ~~مسلوب عنه الوجود عند كونه موجودا في الذهن فإن كونه موجودا في الذهن صفة ~~مغايرة له ، والمسلوب عنه هو الموصوف فقط باعتبار (3) كونه موصوفا بهذه ~~الصفة أو غيرها وإن كانت بحيث تلزمها هذه الصفة أو غيرها. وعلى هذا قس ~~الوجه الثاني. (4) PageV02P130 # وأما امتناع (1) خلو الماهية عن الوجود فلا ينافي اعتبار الماهية ~~الموصوفة بهذا الامتناع وحدها. وتلك الماهية إذا أخذت لا مع هذا الامتناع ~~يمكن أن يلحقها العدم عقلا ؛ إنما يستحيل الحكم عليها بالعدم إذا أخذت مع ~~لاحقها المقتضي (2) لوجودها. فظهر أن لقولنا : السواد موجود السواد معدوم ~~مفهوما محصلا ، والقسمة إليها صادقة صحيحة. # وأما قولنا : الجسم أسود ، فقد تقدم الكلام فيه ، وأنه ليس حكما بوحدة ~~الاثنين. # وأما قوله : «موصوفية الجسم بالسواد يجب أن تكون وجودية ؛ لأن نقيضها وهو ~~اللاموصوفية سلبي ونقيض السلب إيجاب» ، فليس بمستقيم ؛ لأنا إذا قلنا : ~~اللاموصوفية سلبية يلزم منه أن تكون الايجابية موصوفية بطريق عكس النقيض ، ~~وذلك لأن سلب الأعم يكون أخص من سلب الأخص ، فالحكم (3) بأن الموصوفية ~~إيجابية عكس ما لزم من تلك القضية ، وهذا الغلط من باب إيهام العكس (4). ~~ثم إن الحكم بأن الموصوفية إيجابية لا يقتضي كونها وجودية ، فإن العدمي قد ~~يكون إيجابيا كما في المعدولة ، وهذا غلط في غلط. # وإذا كانت موصوفية الجسم والسواد زائدة على الجسم والسواد ، فمن أين وجب ~~أن تكون تلك الزيادة صفة للجسم؟ وإن كانت صفة وتكون الموصوفية بتلك الصفة ~~زائدة عليها لم يلزم التسلسل ؛ لأن هذه الأوصاف أمور اعتبارية ، فتحدث ~~بتصور الاعتبار وتقف عند ترك الاعتبار. PageV02P131 # ومطابقة الذهن للخارج إنما يكون شرطا في الحكم على الأمور الخارجية ~~بأشياء خارجية. أما في المعقولات [و] في الأحكام الذهنية على الأمور ~~الوهمية (1) فليس بشرط. # والنسب والإضافات ms0484 أمور لا يكون لها وجود إلا في العقل ، واعتبارها في ~~الأمور الخارجية هو كون تلك الأمور صالحة لأن يعقل منها تلك النسب ~~والإضافات ، أي تكون بحيث إذا عقلها عاقل حصل في عقله تلك النسبة أو ~~الإضافة. (2) # وفيه نظر ، فإنه إذا فسر قولنا : السواد موجود ، أي يقال عليه الموجود ~~بأنه الذي يقال له إنه سواد هو الذي يقال له إنه موجود ، عاد الطلب في معنى ~~قولنا الذي يقال له إنه سواد هل هما واحد أو اثنان؟ ويعود الإشكال ، ~~والقسمة حاصرة ، لأن المتحدين من وجه إذا تغايرا من وجه كانا متغايرين ، ~~فالحكم بأن أحدهما هو الآخر حكم بوحدة المتغايرين. # وإذا قلنا السواد موجود على معنى أنه موصوف بالوجود والصفة قائمة ~~بالموصوف لزم القيام. وقولنا : الحيوان جسم ، المحمول هنا وصف ؛ لأنه الجسم ~~لا بشرط شيء ، والجسم بشرط لا شيء هو المادة التي لا تحمل ، والسواد إذا ~~قام به الوجود كان وجوده باعتبار هذا الوجود القائم به ، فلا يكون في نفسه ~~موجودا ، وإذا لم يكن في نفسه موجودا مع نسبة الوجود أو العدم إليه ، كان ~~لا محالة معدوما لامتناع خلو السواد في نفسه عنهما ، وعود البحث ، وتعدد ~~الوجود جعله لازما لنقيض قولنا : السواد في نفسه ليس موجودا بلا شك في هذه ~~الملازمة ، فإن السواد لو كان في نفسه موجودا نقلنا الكلام إلى ذلك الموجود ~~، هل هو نفس السواد أو PageV02P132 # غيره؟ ولزم أن يكون للسواد وجودان باعتبار واحد ، وهو محال. # وإذا نسبنا الوجود إلى وصفي الوجود والعدم ، فإن لم يصدق أحدهما عليه ~~ثبتت الواسطة ، وإلا لزم المحذور. وقوله : ثبوت الواسطة يلزم بملاحظة معنى ~~الوجود أو العدم أو سلبهما مع مفهوم الوجود ، وحين نلاحظ نفس الوجود لا مع ~~ملاحظة الغير لم يلزم ذلك ، صحيح لكنا لاحظنا نفس الوجود منسوبا إلى الوجود ~~والعدم. # واللون والحركة إنما يقومان بمحل غير موجود ؛ لأنا فرضنا الوجود صفة ~~ثبوتية لاستحالة كونها عدمية ، فلو قامت بمحل ليس بموجود لصح قيام الحركة ~~واللون الثبوتيين بمحل غير موجود. # ونحن لم ندع أن الموصوف يوصف ms0485 بكونه (1) غير موجود باعتبار ذلك الاتصاف ، ~~حتى يلزم أن يقال : إن الموصوف يوصف بكونه (2) غير ذلك الوصف ، بل قلنا : ~~الوجود صفة ثبوتية ، فمحلها لو لم يكن ثبوتيا لكان كل صفة ثبوتية كالحركة ~~واللون وغيرهما يجوز أن يكون محلها غير ثابت بل معدوم ، وهو باطل بالضرورة. ~~وسلب الموجود عن ماهية السواد يقتضي تميز الماهية عن غيرها وتعينها في ~~نفسها وثبوتها في الذهن ، كما يستدعي ثبوت الوجود لها ؛ لأن موضوع القضية ~~يجب أن يكون متصورا سواء كانت إيجابية أو سلبية ؛ لامتناع الحكم على ~~المجهول مطلقا. وكون التعين والتميز والثبوت غير الماهية ، لا يقتضي كون ~~المسلوب عنه ليس نفس الماهية ، فإن الماهية المتعينة المتميزة الثابتة قد ~~يعتبرها العقل من حيث هي هي لا من حيث اقترانها بهذه الأمور وإن كانت ~~مقترنة في نفس الأمر. # ولا بد في السلب من أخذ الماهية ثابتة حتى يصح الحكم عليها بالسلب ، PageV02P133 # لكن لا ثبوتا خارجيا بل ذهنيا ، ولا على أن يكون الثبوت مأخوذا في ~~الاعتبار ، مع أنه قد صرح بذلك في قوله : امتناع خلو الماهية عن الوجود لا ~~ينافي اعتبار الماهية الموصوفة بهذا الامتناع وحدها ، وتلك الماهية إذا ~~أخذت لا مع هذا الامتناع يمكن أن يلحقها العدم عقلا. # ونحن لم ندع أن الموصوفية ثبوتية بعكس النقيض ، حتى يرد الغلط من باب ~~إيهام العكس ، بل نقول : الموصوفية أمر ثبوتي ؛ لأن نقيضها وهو اللاموصوفة ~~أمر عدمي ، وإذا صدق العدم على أحد النقيضين صدق الوجود على النقيض الآخر ؛ ~~لامتناع اجتماع النقيضين والخلو عنهما. ولا نعني بالإيجابية هنا سوى ~~الموجودية ، والموصوفية إذا كانت زائدة على الجسم امتنع أن يكون جوهرا ~~قائما بنفسه ، لأنها من الأمور الإضافية فتكون قائمة بالجسم ، وهو المطلوب. # وكون هذه الأوصاف اعتبارية يفيد المطلوب ؛ لأن القصد أنها لا تكون ثابتة ~~خارجية ، وما ادعى ثبوته من النسب ، وهي كونها بحيث إذا عقلها عاقل حصل في ~~عقله تلك النسبة أو الإضافة ، ليس بثابت ، بل هو وصف اعتباري عقلي أيضا. ### |||| ** د (1) ### |||| ** : سلمنا تصور أجزاء هذه المنفصلة ، وهي الشيء إما أن يكون ms0486 وإما أن لا يكون ، ~~لكن لا نسلم عدم الواسطة. وبيانه من وجهين : ### |||| ** الأول : مسمى الامتناع إما أن يكون موجودا ، أو معدوما ، أو لا موجودا ولا معدوما ؛ ~~لا جائز أن يكون موجودا ، وإلا لكان الموصوف به موجودا ، لاستحالة قيام ~~الموجود بالمعدوم ، ولو كان الموصوف به موجودا لم يكن الممتنع ممتنعا ، بل ~~يكون إما واجبا أو ممكنا. ولا جائز أن يكون معدوما ؛ لأنه نقيض اللاامتناع ~~الذي يمكن حمله على المعدوم فيكون اللاامتناع عدميا ، فلا يكون الامتناع PageV02P134 # عدميا. # ولأن الامتناع ماهية متعينة في نفسها متميزة عن سائر الماهيات ، ولو لا ~~ذلك لاستحال إشارة العقل إليها ، وإذا كان كذلك استحال أن يكون نفيا محضا. ### |||| ** فإن قلت : له ثبوت في الذهن. ### |||| ** قلت : هذا باطل ؛ لأن الممتنع ممتنع في نفسه ، سواء كان هناك عقل أو لم يكن ، ~~ولأن الفرض العقلي إن كان مطابقا فهو المطلوب ، وإلا كان كاذبا ، وليس ~~كلامنا فيه ، بل فيما يطابق الوجود. ولأن الذي في الذهن إن كان موجودا ~~استحال اتصافه بالامتناع ؛ لأن الموجود لا يكون ممتنع الوجود ، وإن لم يكن ~~موجودا لم يكن الامتناع القائم به موجودا ، لاستحالة قيام الموجود بما ليس ~~بموجود ، فثبت أن مسمى الامتناع ليس بموجود ولا معدوم ، وذلك هو الواسطة. # قال أفضل المحققين : الامتناع اعتبار عقلي ، والكلام فيه كما في غيره من ~~الاعتبارات. واللاامتناع إذا حمل على المعدوم لا يكون ذلك الحمل كليا ، فإن ~~بعض المعدومات غير ممتنع وبعضها ممتنع. ولا يلزم من كون اللاامتناع عدميا ~~كون الامتناع وجوديا ، فإن الإنسان وجودي وبعض اللاإنسان أيضا وجودي ، ~~واللاممكن بالإمكان العام عدمي وبعض الممكنات عدمي. # والامتناع نسبة معقولة (1) بين متصور ووجوده الخارجي في التصور ، فليس ~~نفيا محضا ولا شيئا ثابتا في الخارج. وليس في الخارج شيء موصوف بالامتناع ~~لو لا عقل. وليس الامتناع فرض شيء في الخارج حتى يكون جهلا لو لم يطابق ~~الخارج. والمطابق للوجود ، هو عدم ذلك المتصور في الخارج عدما ضروريا لذات ~~ذلك المتصور ، فليس الامتناع من حيث هو موجود في العقل بممتنع ، إنما هو صفة PageV02P135 # ثابتة ms0487 في العقل لمتصور ذهني مقيس إلى وجوده الخارجي ، ولا يلزم من ذلك : ~~القول بالواسطة. (1) # وفيه نظر ، فإنا إذا حملنا العدم على مفهوم اللاامتناع أو بالعكس ، لا ~~نشير بذلك إلى ما صدق عليه الموضوع في هاتين القضيتين من الأفراد ، بل نعني ~~بذلك نفس مفهوم الموضوع. # والإنسان لما كان وجوديا لم يكن اللاإنسان وجوديا ، وإن كان ما صدق عليه ~~اللاإنسان منقسما إلى وجودي وعدمي. وكذا اللاممكن عدمي ، أي نفس هذا ~~المفهوم لا ما صدق عليه فيكون الإمكان أي المفهوم منه ثبوتيا وبعض ما صدق ~~عليه عدميا. # بقي هنا بحث : وهو أن هذا الذي ذكرناه من وجوب صدق أحد النقيضين على ~~مفهوم والآخر على نقيضه ، إنما يكون في الأمور التي لها تحقق في الأعيان ، ~~أما الأمور الذهنية التي لا تحقق لها في الخارج فلا بحث فيها ، كالوجوب ~~والإمكان والامتناع ، فإن الوجوب وقسميه لا تحقق له في الأعيان ولا ~~لنقائضها ، فإن اللاوجوب واللاإمكان واللاامتناع مفهومات ذهنية عدمية في ~~الخارج كنقائضها. ### |||| ** الثاني : مسمى الحدوث وهو الخروج من العدم إلى الوجود غير مسمى العدم ومسمى الوجود ، ~~وإلا لكان حيث صدق مسمى العدم أو مسمى الوجود صدق مسمى الخروج من العدم إلى ~~الوجود ، وهو محال. # وإذا ثبت ذلك فنقول : الآن الذي يصدق فيه على الماهية مسمى الخروج من ~~العدم إلى الوجود إما أن تكون الماهية في ذلك الآن موجودة ، أو معدومة ، أو لا PageV02P136 # موجودة ولا معدومة ؛ فإن كانت موجودة فقد صدق على الموجود انه يخرج من ~~العدم إلى الوجود فيكون بمنزلة قولنا : الموجود يخرج إلى الوجود ، فيكون ~~الشيء موجودا مرتين ، وهو محال. وإن كانت معدومة فهو محال. (1) # أما أولا ، فلأن الحدوث صفة موجودة ، وإلا ثبتت الواسطة ، والصفة ~~الموجودة يستحيل قيامها بالمعدوم. # وأما ثانيا ، فلأنها متى كانت معدومة كان العدم الأصلي باقيا ، ومتى كان ~~العدم الأصلي باقيا لم يكن التغير من العدم حاصلا. فثبت أن الماهية حالة ~~الحدوث لا موجودة ولا معدومة. # وله تقرير آخر ، وهو أن الماهية إذا انتقلت من العدم إلى الوجود ، فحالة ~~الانتقال لا بد ms0488 وأن لا تكون معدومة (2) ولا موجودة ؛ لأنها لو كانت معدومة ~~فهي بعد لم تأخذ في الانتقال ، بل هي باقية كما كانت قبل ذلك. ولو كانت ~~موجودة فقد حصل المنتقل إليه بتمامه وحين حصول المنتقل إليه بتمامه لا يبقى ~~الانتقال ، بل ينقطع. وظاهر أن حال حصول الانتقال لا بد وأن يكون متوسطا ~~بين المنتقل عنه والمنتقل إليه ، فوجب أن يكون خارجا عن حد العدم الصرف ~~وغير واصل إلى حد الوجود الصرف. # وهذه الاستدلالات قطرة من بحار الإشكالات الواردة على قولنا : الشيء إما ~~أن يكون وإما أن لا يكون ، وإذا كان أقوى البديهيات كذلك فما ظنك بالأضعف. # قال أفضل المحققين : الماهية لا تكون موجودة إلا في زمان الوجود ، أما في PageV02P137 # زمان العدم فلا ماهية إلا في التصور العقلي. وكذلك في آن الحدوث ، فإن ~~مفهوم الحدوث على ما فسره ، معنى يدخل فيه ثلاثة أشياء : الوجود والعدم ~~ونسبة بينهما ، ولا شيء مما يدخل في مفهومه العدم والنسبة إليه بموجود في ~~الخارج. فالحدوث معنى معقول هو صفة تحصل في العقل عند تعقل العدم والوجود ~~المرتب عليه في العقل. والماهية الموصوفة بتلك الصفة لا تكون موصوفة ~~بالوجود وحده فلا تكون موجودة في الخارج ، بل إنما تكون موجودة في العقل ، ~~فلا يلزم من ذلك واسطة بين الوجود والعدم ؛ لأن معنى الواسطة أن تكون ~~الماهية في الخارج غير موصوفة بالوجود ولا بالعدم ، وذلك محال ؛ لأن كون ~~الماهية في الخارج هو وجودها الخارجي ، فكونها في الخارج غير موصوفة ~~(بالوجود) (1) تناقض. # لا يقال : الجسم في آن انتقاله من السكون إلى الحركة موجود ، وليس بموصوف ~~بالسكون ولا بالحركة ولا يمكن أن يقال : الجسم في ذلك الآن موجود في العقل ~~فقط. فإذن هو في ذلك الزمان لا ساكن ولا متحرك ، ويلزم منه واسطة بين ~~السكون والحركة المتقابلين. # لأنا نقول : وجود الحركة لا يمكن إلا في زمان وكذلك وجود السكون ، ~~فانتفاؤهما عن شيء من شأنه أن يوجد أحدهما فيه يقتضي واسطة بينهما ، لكن ~~الجسم في الآن الذي هو الفصل المشترك بين زمان السكون ms0489 وزمان الحركة لا يكون ~~من شأنه أن يوجد فيه حركة أو سكون. فلا يلزم من وجوده في ذلك الآن ثبوت ~~واسطة بين الحركة والسكون يكون الجسم موصوفا بها في ذلك الآن. وهذا بخلاف ~~ما نحن فيه ؛ لأن الماهية في الآن الذي لا تكون موصوفة بالوجود المحض لا ~~تكون ثابتة ، فإن ثبوتها في حال اتصافها بالوجود فقط. # وعلى التقريرين ، الأخذ في الانتقال وانقطاع الانتقال لا يصحان إلا إذا كان PageV02P138 # الانتقال واقعا في شيء موجود بالتدريج كالحركة. أما إذا كان الانتقال من ~~لا شيء ، فلا يكون هناك أخذ ولا انقطاع ، والمتوسط بين المنتقل عنه ~~والمنتقل إليه لا يعقل إلا إذا كانا موجودين ، وهاهنا لما لم يكن المنتقل ~~عنه ثابتا فلا ثبوت للانتقال أصلا ، والموصوف لا ثبوت صفة (1) له ، إلا إذا ~~كان أصل الثبوت له. فإذن لا متوسط بين العدم والوجود. # وفيه نظر ، فإنه لا يلزم من كون الحدوث عدميا كون الماهية الموصوفة به ~~عدمية ، وإلا لزم أن يكون الجسم حال سكونه عدميا. وإذا كان مفهوم الحدوث ~~إنما يتحقق عند تعقل العدم والوجود المرتب عليه ، وجب أن تكون الماهية ~~حينئذ موجودة. ولأن الحدوث هي حالة الخروج من العدم إلى الوجود ، فلو لم ~~تكن الماهية موجودة حينئذ لم يتحقق الإخراج حالة تحققه على ما قال. ولا ~~يلزم من كون الماهية الموصوفة بتلك الصفة غير موصوفة بالوجود وحده أن لا ~~تكون موجودة في الخارج ، بل تكون موجودة لاتصافها بالوجود ، ولا يضرها ~~اتصافها بغيره أيضا ، فإنها إذا اتصفت بالوجود وغيره فقد اتصفت بالوجود. ### ||| * الوجه السادس (2) # إنا نجد العقل جازما بأمور كثيرة ، كجزمه بالأوليات ، مع أن الجزم غير ~~جائز فيها ، وذلك يوجب تطرق التهمة إلى حكم العقل. # بيان الأول من وجوه : ### |||| ** الأول : إنا إذا رأينا زيدا ثم غمضنا العين لحظة ثم فتحناها في الحال وشاهدنا زيدا ~~مرة أخرى ، جزمنا بأن زيدا الذي شاهدناه ثانيا هو الذي شاهدناه PageV02P139 # أولا ، وهذا الجزم غير جائز ، لاحتمال أن الله تعالى أعدم زيدا الأول في ~~تلك اللحظة التي غمضنا العين فيها وخلق ms0490 في الحال مثله. هذا على مذهب ~~المسلمين ، (1) أما على مذهب الفلاسفة ، فلعله حدث شكل غريب فلكي اقتضى هذا ~~النوع من التصرف في هيولى عالم الكون والفساد ، وهو وإن كان بعيدا لكنه ~~جائز عندهم. وعلى هذا التقدير يكون زيدا الذي شاهدناه ثانيا غير زيد الأول. # قال أفضل المحققين : العقل جازم بلا تردد أن هذا الزيد هو الأول ، فلو ~~كان حكمه موقوفا على نفي الاحتمال المذكور لكان ذلك الجزم نظريا لا بديهيا. # والمسلمون لم يتفقوا على أن إعدام الموجود الباقي ممكن. # قالوا : المؤثر كل موجود يحصل منه موجود هو أثره ، ولهذا ذهبت المعتزلة ~~إلى أن الإعدام يكون بايجاد ضد الموجود ، حتى مشايخهم (2) قالوا : إن الله ~~تعالى قبل القيامة يخلق عرضا هو الفناء لا في محل ، وهو ضد جميع ما سوى ~~الله تعالى ، فيفنى بوجوده ما سوى الله تعالى ، وهو لا يبقى زمانين فينتفي ~~، ولا يبقى غير وجه الله ذي الجلال والإكرام. # ثم العلامة الحلي يبطل القول بالفناء تبعا للماتن (الطوسي) راجع كشف ~~المراد : 403. # وأما أستاذنا العلامة الشيخ جعفر السبحاني «دام ظله» حين درسنا هذا ~~الكتاب القيم فقد ذهب إلى أن الفناء على فرض ثبوته : انقضاء مقتضى الوجود ، ~~وأن فناء العالم لا يحتاج إلى ضد. PageV02P140 # وذهب النظام إلى أن جميع الأجسام والأعراض غير باق زمانين ، بل يحدثها ~~الله تعالى حالا فحالا. (1) # وذهبت الأشاعرة إلى مثل هذا القول في الأعراض. (2) # وقال جميع من لا يجوز إعادة المعدوم : بأن الأجسام لا تفنى ، ولكن تفنى ~~التأليفات التي بين أجزائها فتكون لأجل ذلك هالكة ، فإعدام زيد الأول ليس ~~بممكن عند أكثر المتكلمين (3)، وما لا يمكن لا يكون مقدورا للفاعل ~~المختار. # وأما على مذهب الفلاسفة ، فالشكل الغريب لا يكون إلا سببا فاعليا ، ولا ~~بد معه من سبب قابلي حتى يحصل الأثر. ومادة زيد الأول ونفسه لا يمكن أن ~~تفنى ، ومادة زيد الثاني لا يمكن أن تتصل بها صورة إلا بعد حصول اعتدال ~~إنساني وتغذية ونشو ، حتى يصير بعد مرور مدة من الزمان إنسانا كاملا. # فهذه الدعوى على المسلمين ms0491 وعلى الفلاسفة غير مطابقة لمذاهبهم. وهب (4) ~~أنهم يقولون بذلك ، إلا أن العقل لما كان جازما بنفي ذلك المحتمل ، لا يقع ~~للعقلاء شك في المقدمات (5) بسبب أمثال هذه الجزئيات. (6) PageV02P141 # فإن قيل : فكيف حال معجزات الأنبياء عليهم السلام ؟ # قلنا : ليس معجزاتهم إعدام شيء باق. وأن جعل العصا حية ثم إعادتها إلى ~~شببها (1) الأولى ، ليس إلا تبديل صورة بصورة. وإخراج الناقة من الجبل ، ~~وانفجار الماء من الحجر ، وإحياء الموتى ، وغير ذلك أمور ممكنة في العقل ~~ليس فيها إعدام باق وإيجاد مثل المنعدم دفعة ، مع أن لبعضها تأويلات عقلية ~~لا يمكن إيرادها هاهنا. (2) # وفيه نظر ، فإن المشكك يسلم الجزم ويطعن في حكم الجازم ، فإنه غير مقبول ~~(3) لأنه يجزم ويجوز النقيض في شيء واحد ، فتوجه الطعن إليه. وإعدام ~~الموجود متفق عليه ، لكن كيفية الإعدام مختلف فيها ، فبعضهم يسنده إلى ~~الفاعل ، وبعضهم إلى الضد ، إلى غير ذلك. # والقائل بامتناع إعادة المعدوم من المسلمين يجوز إعدام الشخص ، بمعنى ~~تفرق أجزائه وتركبها ، وهو كاف في غرض المشكك ؛ لأن الله تعالى قادر على ~~إعدام زيد الموجود دفعة ، بأن يفرق أجزاءه ثم يركب أجزاء أخر على صورته ~~دفعة أيضا. # وعلى رأي الفلاسفة ، لا يجب حصر الاستعداد في مادة المني واستكماله في ~~الرحم ، بل أي استعداد للصورة الإنسانية حصل لأي مادة قابلة وارتفعت ~~الموانع ، فإنه يجب الفيض من مفيضه. ### |||| ** الثاني : إنا نشاهد إنسانا كبيرا فنحكم بالضرورة أنه لم يخلق دفعة من غير أب وأم ، ~~بل كان قبل ذلك طفلا ومترعرعا وشابا حتى صار الآن شيخا ، وهذا الجزم غير ~~ثابت. أما على مذهب المسلمين فللفاعل المختار ، وأما على قول PageV02P142 # الفلاسفة فللشكل الغريب. # قال أفضل المحققين : العقل لا يشك فيما جزم بسبب هذا القول الذي قاله ، ~~وإن لم يكن هذا الجزم مثل الجزم بأن «الكل أعظم من جزئه» ، لكن التفاوت ~~بينهما لا يبلغ حدا يجعل أحد الجزمين ظنيا. واعتبر القضايا التجربية ، ~~فإنها لا تبلغ في الجزم حد الأوليات ، مع أنها يقينية بعيدة عن الارتياب. # وأما عند الفلاسفة فمحال أن يتولد شيخ من غير ms0492 أسباب مادية واستعدادات ~~وتربية كما مر. (1) # وفيه نظر ، لما بينا من اعتراف المشكك بالجزم ، بأنه لم يورد إلا عليه ، ~~ولولاه لم يكن مشككا حيث حصل الشك من العقل فيما جزم فيه (2). ومع التجويز ~~لا يحصل ترجيح ، فضلا عن مساواته للقضايا التجربية. ### |||| ** الثالث : إذا خرج الشخص من داره جزم بأن جميع ما فيها من الأواني لم تنقلب اناسا ~~فضلاء مدققين في علم المنطق والهندسة ، وأن الأحجار التي فيها لم تنقلب ~~ذهبا ولا ياقوتا ، وأنه ليس تحت رجلي ياقوت بمقدار مائة ألف من ، وأن مياه ~~البحار والأودية لم تنقلب دما ودهنا ، والاحتمال في الكل واحد. # ولا يندفع ذلك بأني لما نظرت إليها ثانيا وجدتها كما كانت ، لاحتمال أن ~~يقال : إنها انقلبت إلى هذه الصفات في زمان غيبتي [عنها] ، ثم عند عودي ~~إليها صارت كما كانت إما للفاعل المختار ، أو للشكل الغريب. # قال أفضل المحققين : أكثر ما ذكر في هذه الاحتمالات محال ؛ فإن قلب ~~الحقائق عند المتكلمين محال غير مقدور عليه. وتبديل هذه الصور بالصور التي PageV02P143 # ذكرها عند (1) الفلاسفة ممتنع. # وفيه نظر ، فإن جميع ما ادعي انقلابه ليس فيه قلب الحقائق ، بل راجع إلى ~~خلع الصور النوعية أو الجسمية ولبس غيرها ، وهو ممكن عند الكل. ### |||| ** الرابع : إني إذا خاطبت إنسانا فتكلم بكلام منظوم مرتب يوافق خطابي ، علمت بالضرورة ~~أنه حي عاقل فاهم ، وهذا الجزم غير ثابت ، لأن المقتضي لذلك الجزم إما ~~أقواله أو أفعاله. # أما الأقوال ، فلا توجب ؛ لأنها أصوات مقطعة ، وحصولها في الذات لا يقتضي ~~كون الذات حية عاقلة. # وأما الأفعال ، فلا تدل أيضا ؛ لاحتمال أن الفاعل المختار ، أو الشكل (2) ~~يقتضي حصول تلك الألفاظ المخصوصة الدالة على ما يوافق غرض المخاطب. فثبت أن ~~القول والفعل لا يدل على كونه حيا فاهما ، مع أنا نضطر إلى العلم بذلك. # قال أفضل المحققين : صدور الكلام المنظوم من شخص هو إنسان ، يدل بالضرورة ~~على كونه حيا عاقلا ، ولا يندفع ذلك بما قاله. أما في غير الإنسان فلا يدل ~~على كون ذلك الشخص حيا عالما (3) إنما يدل ms0493 على أن الذات التي يصدر عنها ذلك ~~الكلام حي عالم قادر. # والأفعال ، فلا خلاف في أنها إذا كانت محكمة متقنة ، كان فاعلها عالما ~~قادرا. فهذا الشك ليس بقادح فيما أراد قدحه ، لا على مذهب المتكلمين ، ولا على PageV02P144 # مذهب الفلاسفة. (1) # وفيه نظر ، فإن البحث في الجزم الضروري ، كيف حصل مع إمكان صدوره من ~~غيره؟ بأن يخلقه الله تعالى في جسم جمادي على صورة الإنسان ، ويتوهم السامع ~~كون المتكلم حيا أو إنسانا وليس هو كذلك ، فإن وجود الكلام لا يدل على حياة ~~المتكلم ، كالشجرة التي خلق الله تعالى فيها الكلام لموسى عليه السلام . ### |||| ** الخامس : رويتم في الأخبار أن جبرئيل عليه السلام كان يظهر إلى النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم في صورة دحية الكلبي ، وإذا جاز ذلك في العقل جاز أن ~~يظهر في صورة سائر الأشخاص. فإذا رأيت ولدي فلعله بعض الملائكة ، بل ~~الذبابة التي طارت لعلها ليست بذبابة ، بل هي ملك من الملائكة. فثبت أن هذا ~~التجويز قائم ، مع أن العلم الضروري بعدمه حاصل. # فثبت بهذه الوجوه أن البديهة جازمة بهذه الأحكام ، مع أن جزمها باطل. ~~ولما تطرقت التهمة إليها لم يكن حكمها مقبولا ، إذ لا شهادة لمتهم. # لا يقال : جزم العقل بهذه القضايا استدلالي ، لا بديهي. # لأنا نقول : لو كان كذلك لما حصل هذا الجزم إلا لمن عرف ذلك الدليل. ولما ~~لم يكن كذلك ، بل هو حاصل للصبيان والمجانين ولمن لم يمارس شيئا من الدلائل ~~، علمنا أنه بديهي ، لا نظري. على أنا إذا رجعنا إلى أنفسنا وتأملنا ~~أحوالنا ، علمنا أن علمي «بأن زيدا الذي أشاهده الآن هو الذي شاهدته قبل ~~ذلك بلحظة ، وأنه لا يجوز أن يقال : عدم الأول وحدث مثله» ليس أضعف من علمي ~~بأن الواحد نصف الاثنين ، وأن الشيء إما أن يكون موجودا أو معدوما. # قال أفضل المحققين : المحققون من المسلمين وغيرهم من أهل الملل PageV02P145 # يقولون : كل ما أخبر به مخبر صادق ، فإن كان ممكن الوقوع حكمنا بصحته ~~وأحلناه إلى القادر المختار ، وإن كان ممتنع الوقوع فإما أن نرجع ms0494 فيه إلى ~~تأويل مطابق لأصول ديننا ، أو نتوقف فيه. وإذا تقرر هذا الأصل لم تبق حيرة ~~في موضع مما ذكره أو لم يذكره. ومن المقرر أن العلم القطعي لا ينقدح ~~بالظنون الفاسدة والأوهام البعيدة الكاذبة. # وما ذكره في جواب الاعتراض هو الدليل على أن القدح في الضروريات بما ~~أورده من الاحتمالات لا يؤثر في الجزم العقلي أصلا. (1) ### ||| * الوجه السابع # مزاولة الصنائع العقلية وممارستها تدل على أن الإنسان قد يتعارض عنده ~~دليلان في مسألة عقلية بحيث يعجز عن القدح في كل واحد منهما ، إما عجزا ~~دائما أو في بعض الأحوال. والعجز لا يتحقق إلا عند كونه مضطرا إلى اعتقاد ~~صحة جميع المقدمات التي في الدليلين ، ولا شك أن واحدا منهما خطأ ، وإلا ~~لصدق النقيضان. وهذا يدل على أن البديهة قد تجزم بما لا يجوز الجزم به. ### ||| * الوجه الثامن # قد يكون الإنسان جازما بصحة جميع مقدمات دليل معين ، ثم يتبين له الخطأ ~~في بعض تلك المقدمات ، ولأجل ذلك ينتقل الرجل من مذهب إلى مذهب ، فجزمه ~~بصحة تلك المقدمة الباطلة باطل. فظهر أن البديهة متهمة. # قال أفضل المحققين : قصور أفهام بعض الناس عن التمييز بين الحق والباطل ~~واعتمادهم على ما يتقلدونه من آبائهم وأساتذتهم بموجب حسن ظنهم PageV02P146 # فيهم ، ليس بقادح في الأوليات. وأيضا التشكك في النظريات بسبب تعارض ~~دليلين ، أو النقل من مذهب إلى مذهب بسبب ترجح أحد دليلين متعارضين ، لا ~~يقدح في النظريات. وصناعة المنطق ، لا سيما صناعة سوفسطيقا منه ، إنما هي ~~لإرشاد العقلاء إلى (1) طريق الحق ومجانبة ما يقتضي الضلال في العقائد ~~والمباحث النظرية. (2) ### ||| * الوجه التاسع # إنا نرى لاختلاف الأمزجة والعادات تأثيرا في الاعتقادات ، وذلك يقدح في ~~البديهيات. # أما الأمزجة فلأن ضعيف المزاج يستقبح الإيلام ، وغليظ المزاج قاسي القلب ~~قد يستحسنه فرب إنسان يستحسن شيئا وغيره يستقبحه. # وأما العادات فهو أن الإنسان إذا مارس كلمات الفلاسفة وألفها من أول عمره ~~إلى آخره ، ربما صار بحيث يقطع بصحة ما يقولونه وبفساد كل ما يقوله ~~مخالفوهم. ومن مارس كلام المتكلمين كان الأمر بالعكس ms0495 ، وكذا القول في أرباب ~~الملل. فإن المسلم المقلد يستقبح كلام اليهود في أول الوهلة ، واليهودي ~~بالعكس من ذلك ، وما ذاك إلا بسبب العادات. وإذا ثبت أن لاختلاف الأمزجة ~~والعادات أثرا في الجزم بما لا يجب الجزم به ، فلعل الجزم بهذه البديهيات ، ~~إما لمزاج عام ، أو لألف عام ، وعلى هذا التقدير لا يجب الوثوق. # لا يقال : الإنسان يفرض نفسه خالية عن مقتضيات الأمزجة والعادات ، فما ~~يجزم العقل به في تلك الحالة كان حقا ، لأن الجازم به في تلك الحالة هو ~~صريح العقل ، لا المزاج والعادة. PageV02P147 # لأنا نقول : هب أنا فرضنا خلو النفس عن المزاج والعادة ، لكن فرض الخلو ~~لا يوجب حصول الخلو ، فلعلنا وإن فرضنا خلو النفس عنهما لكنها ما خلت عنهما ~~، وحينئذ يكون الجزم بسببهما ، لا بسبب العقل. # سلمنا أن فرض الخلو يوجب الخلو ، لكن لعل في نفوسنا من الهيئات المزاجية ~~والعادية ما لا نعرفه على سبيل التفصيل ، وحينئذ لا يمكننا فرض خلو النفس ~~عنهما (1)، وذلك سبب التهمة. # قال أفضل المحققين : أما استحسان الأشياء واستقباحها فسيأتي. وأما ~~مقتضيات الطبائع والعادات والديانات ، فلا شك في كونها مؤثرة في اعتقادات ~~العوام ، لكنها لا تعارض متانة الحق الذي يعترف (2) به جميع العقلاء حتى ~~البله والصبيان والمجانين. وقد حذر العلماء طالبي الحق عن متابعة الأهواء ~~والطبائع والعادات ، بمثل قول القائل : «رؤساء الشياطين ثلاثة : شوائب ~~الطبيعة ، ووساوس العادة ، ونواميس الأمثلة». ولا شك أن البديهيات لا تنقدح ~~بها. (3) # قالت السوفسطائية : إما أن تشتغلوا بالجواب عما ذكرناه أو لا. فإن ~~اشتغلتم بالجواب حصل غرضنا ؛ لأنكم حينئذ تكونون معترفين بأن الإقرار ~~بالبديهيات لا يصفو عن الشوائب إلا بالجواب عن هذه الإشكالات ، ولا شك أن ~~الجواب عنها لا يحصل إلا بتدقيق النظر ، والموقوف على النظري (4) أولى أن ~~يكون نظريا ، وكانت البديهيات مفتقرة إلى النظريات المفتقرة إلى البديهيات ~~، هذا خلف. # وإن لم تشتغلوا بالجواب بقيت الشبهة (5) المذكورة خالية عن الجواب. ومن PageV02P148 # المعلوم بالبديهة ، أن مع بقائها لا يحصل الجزم بالبديهيات فقد توجه ~~القدح في البديهيات على كلا التقديرين. # قال أفضل ms0496 المحققين : عدم الاشتغال بالجواب لا يقتضي بقاء الشبهة (1) ~~القادحة في البديهيات (2)، فإنها مع جزم العقل ، غير مؤثرة في العقول ~~السليمة ، بل إنما لا نشتغل بالجواب لفقدان ما يتفقون عليه من مبادئ ~~الأبحاث ، وكون البديهيات (3) مستغنية عن الذب عنها بالحجج والبيانات. # ولا يقال في جوابهم : إن شبهتكم (4) التي أوردتموها ليست قضايا حسية ، ~~فهي إما بديهيات ، وإما نظريات مستندة إلى بديهيات ، فلو كانت قادحة في ~~البديهيات لكانت قادحة في أنفسها. لأنهم يقولون : نحن لم نقصد بإيراد هذه ~~الشبهة (5) إبطال البديهيات باليقين ، بل قصدنا إيقاع الشك فيها ، وكيف كان ~~فمقصودنا حاصل. (6) # ثم قال منكروا المحسوسات والبديهيات معا : قد ظهر مما تقدم ، تطرق التهمة ~~إلى المحسوسات والبديهيات ، ولا بد فوقهما من حاكم آخر ، ولا يجوز أن يكون ~~الحاكم هو الاستدلال ، لأنه فرعهما ، فلو صححناهما به دار ، ولا نجد حاكما ~~آخر ، فإذن لا طريق إلا التوقف. # لا يقال : هذا الكلام الذي ذكرته ، إن أفادك علما بفساد الحسيات PageV02P149 # والبديهيات فقد ناقضت ، وإلا فقد اعترفت بسقوطه. # لأنا نقول : هذا الكلام الذي ذكرته أنت يفيد القطع بالثبوت ، والذي ذكرته ~~أنا إنما يفيد التهمة ، والشك إنما يتولد من هذا المأخذ. فأنا شاك ، وشاك ~~في أني شاك ، وهلم جرا ، فحينئذ الاشتغال بالجواب عن شبههم يحصل غرضهم على ~~ما قالوا. # فالصواب أن لا نتشاغل بالجواب عنها ؛ لأنا نعلم أن علمنا بأن «الواحد نصف ~~الاثنين» ، وأن «النار حارة» ، «والشمس مضيئة» ، لا يزول بما ذكروه ، بل ~~الطريق أن يعذبوا حتى يعترفوا بالحسيات ، وإذا اعترفوا بها اعترفوا ~~بالبديهيات ، أعني الفرق بين وجود الألم وعدمه. # قال أفضل المحققين : إن قوما من الناس يظنون أن السوفسطائية قوم لهم نحلة ~~ومذهب ، ويتشعبون إلى ثلاث طوائف : # اللاأدرية ، الذين شكوا وشكوا في أنهم شكوا إلى ما لا يتناهى. # والعنادية ، الذين يقولون : ما من قضية بديهية أو نظرية إلا ولها معارضة ~~ومقاومة مثلها في القوة والقبول عند الأذهان. # والعندية ، وهم الذي يقولون : مذهب كل قوم حق بالقياس إليهم ، وباطل ~~بالقياس إلى خصومهم ، وقد يكون طرفا النقيض حقا بالقياس إلى شخصين ms0497 ، وليس ~~في نفس الأمر شيء بحق. # وأما أهل التحقيق فقد قالوا : هذه لفظة في لغة اليونانيين ، فان «سوفا» ~~بلغتهم اسم للعلم والحكمة و «اسطا» اسم للغلط فسوفسطا معناه علم الغلط. كما ~~كان «فيلا» اسم للمحب ، و «فيلسوف» معناه محب العلم ، ثم عربت هاتان ~~اللفظتان واشتق منهما السفسطة والفلسفة. PageV02P150 # قالوا : وليس ولا يمكن أن يكون في العالم قوم ينتحلون هذا المذهب ، بل كل ~~غالط سوفسطائي في موضع غلطه. وكثير من الناس متحيرون ، لا مذهب لهم أصلا. ~~وقد رتب مثل هذه الأسئلة والايرادات أولئك المتحيرون من طلبة العلم ، ~~وأسندوها إلى السوفسطائية ، والله أعلم بحقيقة الحال. # وطريق التعذيب لأخذ الاعتراف منهم ببعض القضايا الواجب قبولها ، حتى ~~يتمكنوا من إرشادهم والبحث معهم بناء على ما اعترفوا به. (1) # لا يقال : السوفسطائي المورد للشبهة هل يعترف بوجود نفسه ، وبصدور هذه ~~الأسئلة عنه ، وتوجهها علينا أو لا؟ فإن لم يعترف بوجود نفسه فقد سقطت ~~مكالمته ، وإن اعترف بطلت سفسطته. # لأنا نقول : هذا الإشكال إنما يتوجه على العنادية الذين يقولون : إنا ~~نجزم بنفي حقائق الأشياء. أما اللاأدرية فإنهم يقولون : الكلام الذي ذكرته ~~أنت لو خلا عن المعارض الذي أوردته أنا لكان يفيد الجزم ، ولكن لأجل تلك ~~المعارضات زال الوثوق ، فلا جرم لا أقطع بشيء أصلا. وأما العنادية الذي ~~يعاندون فيقولون : نحن نجزم بأنه لا موجود أصلا. # وشبههم إنما تنشأ من الإشكالات المتعارضة. ولنذكر أمثلة ثلاثة ليقاس ~~عليها غيرها. ### |||| ** الأول : لو كان في الوجود موجود لكان ذلك الموجود ، إما مشاركا في الوجود لغيره أو ~~لا ، والقسمان باطلان ، فالقول بالوجود باطل. # إنما قلنا : إن القول بكون الوجود مشتركا باطل ، لأنه إن كان السواد مثلا ~~مشاركا للبياض في وجوده وهو مخالف له في سواديته وما به الاشتراك مغاير لما به PageV02P151 # الامتياز ، فكونه سوادا مغاير لكونه موجودا ، لكن ذلك محال ؛ لأن وجود ~~الشيء لو كان وصفا زائدا لكان إما معدوما فالشيء موجود بوجود معدوم ، أو ~~موجودا فوجوده زائد ويتسلسل. ولأن اتصاف الشيء بالصفة الثبوتية مسبوق بثبوت ~~الموصوف فلو كان الوجود صفة زائدة ms0498 على الماهية كانت الماهية موجودة قبل ~~كونها موجودة ، وهو محال. # وإنما قلنا : إن القول بكون الوجود غير مشترك محال ، أما أولا : فلأنه ~~يلزم أن لا يكون المقابل للسلب واحدا فيبطل الحصر. وأما ثانيا : فلأن تعقل ~~كون الشيء موجودا لا يختلف باختلاف اعتبار كونه سوادا أو جوهرا ، فلو لا أن ~~هنا أمرا مشتركا بينها ، وإلا لما كان كذلك. ### |||| ** الثاني : لو كان في الوجود موجود لكان ذلك الموجود ، إما واجبا أو ممكنا ، والقسمان ~~باطلان لما يأتي من الإشكالات القادحة في الإمكان والوجوب. ### |||| ** الثالث : لو كان الجسم موجودا لكان انقسامه إما متناهيا وهو باطل لأدلة نفاة الجزء ، ~~أو لا ، وهو باطل لأدلة مثبتيه. # فظهر أن مآخذ شبه هذه الفرقة القدح في الأصول بالإشكالات المتوجهة على كل ~~واحد من الأقسام. # واللاأدرية قد يتمسكون بذلك ، في بيان أنه لا وثوق بحكم العقل ، فإن ~~مقدمات هذه الأقيسة كلها جلية ، ولا يتأتى الطعن في شيء منها إلا بالتعسف. ~~ثم نعلم من ذلك أنها ليست بأسرها حقة. ومنكروا النظر قد يتمسكون بهذه ~~الشبهات في أن النظر لا يفيد العلم. # وأما العندية ، وهم القائلون بأن حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات ، لا أن ~~الاعتقادات تابعة للحقائق ، فمن اعتقد في العالم أنه قديم كان العالم قديما ~~في حقه وبالعكس. فاحتجوا بأن الصفراوي يجد السكر في فمه مرا فدل على أن ~~الحقائق PageV02P152 # تابعة للإدراكات. ### |||| ** والجواب : قد اختلف العلماء في أنه هل يجوز المناظرة معهم؟ والمحققون اتفقوا على أنها ~~غير جائزة ؛ لأن المعنى من المناظرة استفادة العلم بالمجهول بواسطة أمور ~~معلومة ، ثم لا يجوز أن يتوقف حصول العلم بكل شيء على العلم بشيء آخر ، ~~وإلا لزم افتقار كل علم إلى علم آخر سابق عليه فيدور أو يتسلسل. والفطرة ~~شاهدة بأن مناظرة الإنسان ونظره ليس كذلك. ولو سلم الدور والتسلسل ، لكن لا ~~بد وأن تفرض هناك علوم غير متناهية يلزم البعض من البعض ، فلزوم الشيء عن ~~ملزومه ليس بتوسط ثالث ، وإلا لم يكن الملزوم ملزوما ، وإذا لم يكن لزوم كل ~~واحد منها عن ملزومه بواسطة ms0499 شيء آخر كان العلم بلزوم كل منها عن ملزومه غير ~~موقوف على الدليل ، بل يكون حاصلا بالضرورة. فثبت أن المناظرة لا بد فيها ~~من علوم ضرورية لا يتوقف حصولها على الاستدلال وإذا كان كذلك استحال ~~إثباتها بالنظر والاستدلال ، فثبت أنه لا يجوز المناظرة مع السوفسطائية. # نعم نعد عليهم أمورا لا بد من الاعتراف بثبوتها حتى يظهر كذبهم ، مثل أن ~~يقال لهم : هل تميزون بين الدخول في النار وبين الدخول في الماء؟ وهل ~~تميزون بين الضرب وعدمه؟ وهل يميزون بين مذهبهم وبين ما يناقضه؟ فإن قالوا ~~: لا نميز ، فقد ظهر مكابرتهم وحينئذ لا يقابلون إلا بالضرب والتعذيب ، وإن ~~اعترفوا بطلت سفسطتهم والشبه التي ذكروها. # فالصحيح أنها لا تستحق الجواب ؛ لأن الجواب عبارة عن بيان الخطأ الذي ~~لأجله وقع الغلط في المطلوب ولما استحال وقوع الغلط في المطلوب ، لم تكن ~~الشبهة مستحقة للجواب ، ومع ذلك فليتكلم فيها. # وأما قوله كل واحدة من الفرق ادعت الضرورة فيما كذبها فيه خصمها ، PageV02P153 # وذلك يقدح في البديهيات. # قلنا : إنما نعني بالبديهي ما يكون مجرد تصور طرفيه كافيا في جزم الذهن ~~بنسبة أحدهما إلى الآخر ، ومثل هذه القضايا لا يقع فيها الاختلاف. نعم ~~الخلاف يقع لعدم تحصيل المفهوم من الطرفين. # قوله : النظريات لازمة للضروريات فيستدل لعدم النظرية على عدم الضرورية. # قلنا : لا نزاع في أن عدم حصول العلم النظري لعدم حصول شيء من الضرورية ~~(1) المنتجة (2) له ، ولكن لم قلتم : إن الضروري إذا أمكن عدم حصوله فانه ~~يصير نظريا ، فان العلم بنسبة أمر إلى أمر إيجابا أو سلبا مشروط بحضور ~~حقيقة المنسوب والمنسوب إليه في الذهن لسبق التصور على التصديق ، لأنه شرطه ~~، وحضور التصورات في الذهن غير واجب ، فقد يغفل الإنسان عن العلوم الضرورية ~~كما يغفل عن النظرية ، إلا أن الفرق أن مع تصور المفردات في الضروري يجب ~~الجزم دون النظري ، فإن من تصور حقيقة الواحد والاثنين والنصف استحال منه ~~أن لا يحكم بأن الواحد نصف الاثنين ، ومن تصور الحادث والعالم لم يكفه في ~~الجزم بكون العالم حادثا ms0500 ، فقد اشترك الضروري والنظري في إمكان الذهول ~~عنهما ، وافترقا في استلزام التصور للتصديق في الضروري وعدمه في مقابله. ~~فإذن لا يلزم من الذهول عن الضروريات كونها نظرية ، ولا حاجتها إلى ~~النظريات ؛ لأن المحتاج إلى النظر هو الذي لا يكون تصديقه لازما لتصوره. # فإن قيل : لما جوزتم الذهول عن العلوم الضرورية ، هل تجوزون حصول ~~اعتقادات مناقضة لها؟ PageV02P154 # قلنا : لا ؛ لأن المناقض لها مساو لها في الطرفين ، لكن حصولهما في الذهن ~~علة للتصديق ، وإذا استحال تخلف التصديق عن تصور الطرفين ، فامتناع حصول ما ~~يناقضها أولى. # لا يقال : كما أن أصحاب الحق يجب انتهاء تحليل أدلتهم إلى مقدمات علم ~~صدقها ابتداء ، فكذا أصحاب الشبهات لا بد وأن ينتهي تحليل أدلتهم إلى ~~مقدمات أخطئوا فيها ابتداء لا بسبب خطأ سابق ، وإلا دار أو تسلسل ، فذلك ~~الخطأ المبتدأ لا بد وأن يقع في العلوم الضرورية ، إذ لو لم يقع فيها ~~لاستحال وقوع الخطأ في النظريات لما ثبت أن النظريات لازمة للضروريات. # لأنا نقول : لا نسلم أن خطأهم لا بد وأن يكون واقعا في القضايا الضرورية ~~، بل في النظرية التي اعتقدوا فيها اعتقادا خطأ ابتداء ، ثم ترتب على ذلك ~~الخطأ سائر أنواع الخطأ. # قوله : التصورات إما أن تكفي في حصول هذه الضروريات أو لا. # قلنا : لا تكفي ، بل لا بد من استحضار تصور مفردات هذه القضايا الأولية ، ~~ثم متى حصلت تلك التصورات وجب حصول التصديق. وتلك التصورات تستفاد من ~~الحواس ، فلا ندعي أن حصول هذه القضايا إنما يكون بواسطة استقراء تلك ~~الأحكام في الجزئيات حتى يرد ما قلتم ، بل الحس يفيد حصول صور هذه الماهيات ~~في الذهن ، فإذا حصلت ترتب عليها حصول ذلك التصديق. # قوله : لا اعتماد على المحسوسات فلا يعتمد على الأوليات. # قلنا : نمنع أنه لا اعتماد على المحسوسات. وزيد المشاهد (1) الآن يقطع ~~بأنه المشاهد بالأمس لا بالحس ؛ لأن المحسوس وجود هذا المشاهد ولا شك فيه ، PageV02P155 # وأما انه هو الذي شوهد بالأمس فليس محسوسا ، بل معقولا. فالخطأ (1) فيه ~~لا يكون خطأ في المحسوس. وهو بعينه ms0501 جواب عن انقلاب الأواني والبحار ، فإن ~~التجويز ليس تشكيكا في أمر محسوس ، بل في غيره ، فلا يكون طعنا في ~~المحسوسات. وتجويز الخطأ في أحكام اليقظة لثبوته في أحكام النوم لا يشككنا ~~في علمنا بوجود أنفسنا وأحوالها من الألم واللذة ، ولا فرق أقوى مما يجده ~~الإنسان من نفسه. # وشبهة العنادية حاصلها القدح في الأصول بإبطال جميع أقسامها. # فالجواب عنها ببيان ضعف ما ذكروه في إبطال كل تلك الأقسام على ما سيأتي. # وشبهة العندية ساقطة ؛ لأن الذي يختلف باختلاف الأشخاص هو الأمور ~~الإضافية. # وأما قدم الصانع وحدوث العالم فإنها أمور حقيقية ، يستحيل أن تختلف ~~باختلاف الأشخاص. # والصفراوي يجد السكر مرا لأن في فمه مرارة الطعم فإذا خالطها السكر تغير ~~طعمه بسبب ذلك. PageV02P156 ### | البحث الثالث ### | في بقايا أحكام العلم # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في أن العلم عرض # هذا الحكم كالضروري ؛ لأنه على جميع تفاسيره موجود في شيء لا كجزء منه. ~~ولا يصح قوامه دون ما هو فيه. ولا يعقل قيامه مجردا عن ذات تكون عالمة به. ~~غير حال في شيء بحيث يكون جوهرا مجردا ، ولا جوهرا ماديا يقارن الأجسام ~~ويلابسها. # أما عند القائلين بأنه عدمي هو التجرد عن المادة (1)، فظاهر أن الأمور ~~العدمية لا تأصل لها في الوجود فلا تتحقق معقولة فضلا عن التحقق خارج الذهن ~~إلا قائمة بغيرها. # وأما من يجعله إضافة (2) فكذلك ؛ لأن الأمور الإضافية عدمية عند جماعة ، ~~وقائمة بغيرها قيام العرض بمحله عند أخرى ، بل العرضية فيها أتم حيث افتقرت PageV02P157 # إلى أمرين. # وكذا من يجعله صفة حقيقية تلزمها الإضافة. # ومن يجعله صورة قائمة بالعاقل مساوية للمعقول فكذلك ، لكن في هذا شك عند ~~القدماء (1) وهو أن العلم إذا كان صورة مطابقة للمعلوم مرتسمة في العالم ~~فإذا كان المعلوم ذاتا قائمة بنفسها فالعلم به يكون مطابقا وداخلا في نوعه ~~، وإنما يشاكل الشيء غيره في طبيعة نوعه لو كان مندرجا تحت جنسه ، فإذا ~~كانت الصورة الخارجية جوهرا والصورة الذهنية مساوية لها ومندرجة تحت جنسها ~~الذي هو الجوهر كانت جوهرا. فإذن الصورة العقلية جوهر ms0502 ، ولا شيء من الجوهر ~~بعرض ، فتلك الصورة ليست عرضا. # لكن (2) هذا خطأ ، لأن جوهرية الجوهر قد عرفت أنها ليست لأجل كون الشيء ~~موجودا لا في موضوع ، وإلا لكان الشك في وجوده شكا في جوهريته ، وهو محال ، ~~بل الجوهرية إنما كانت لأجل أنها ماهية متى وجدت في الأعيان كانت لا في ~~موضوع ، ولا شك أن الصورة العقلية كذلك ، فإنها ماهية إذا وجدت كانت لا في ~~موضوع ، وكونها في الحال في موضوع لا ينافي كونها بحال إذا وجدت في الأعيان ~~كانت لا في موضوع ، كما إذا قلنا : المغناطيس هو الذي يجذب الحديد عند قربه ~~منه ، فهذا يصدق عليه وإن لم يكن جاذبا له في حال «عدمه وجذبه» (3) له ، ~~فكذا هنا. # بقي أن يقال : فتكون تلك الصورة حينئذ جوهرا وعرضا معا في الأعيان فيلتزم ~~ذلك ، والمنكر أن يكون الشيء الواحد جوهرا وعرضا ، فأما أن يكون باعتبار PageV02P158 # وجوده الذهني عرضا وباعتبار ماهيته جوهرا فذلك ليس بمنكر. # بقي شك ، وهو أن تلك الصورة صورة موجودة في نفس جزئية فلها وجود في ~~الأعيان، فإذن الشيء من حيث هو في الذهن له وجود في العين فهو عرض وجوهر ~~باعتبار الوجود العيني. # فنقول : لا شك في أن تلك الماهية من حيث إنها موجودة في نفس جزئية فهي من ~~الموجودات العينية ، ولكنا نعني بالوجود العيني أن تكون الماهية قائمة ~~بذاتها بحيث تترتب عليها لوازمها فإن السواد إذا كان موجودا في الأعيان كان ~~من شأنه قبض البصر ، والحرارة العينية من شأنها التسخين ، وإذا حصلت في ~~النفس لم تترتب عليها هذه اللوازم ، فالأول هو المسمى بالوجود العيني ~~والثاني هو المسمى بالوجود الذهني. # واعلم أن الحق عندنا في هذا الباب أن الصورة الذهنية إن قلنا إنها حكاية ~~ومثال للصورة الجوهرية ، لا على أنها مساوية لها في الطبيعة والجوهرية ، ~~وهذه الصورة العقلية يمتنع حصولها في الخارج ، فلا يصدق عليها الجوهرية ؛ ~~لأن الجوهر هو الذي إذا وجد في الخارج مما يمكن وجوده فيه يكون غنيا عن ~~الموضوع. ### ||| ** المسألة الثانية : في كيفية تعقل الشيء لذاته ms0503 (1) # سألت شيخنا أفضل المحققين نصير الملة والحق والدين قدس الله روحه عن هذه ~~المسألة فقلت : محققوا الحكماء جعلوا العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم ~~، ومحققوا المتكلمين جعلوه إضافة بين العالم والمعلوم ، أو صفة حقيقية ~~تلزمها الإضافة ؛ وعلى جميع الأقوال يلزم أن لا يكون الشيء عالما بذاته ~~لاستحالة حصول صورة للشيء مساوية لذاته في ذاته ؛ لامتناع اجتماع المثلين ~~وتضاعف الصور إلى PageV02P159 # ما لا يتناهى ، واستحالة إضافة الشيء الواحد إلى نفسه لتوقف الإضافة على ~~تعدد ما يضاف إليه ، فإنها لا تعقل إلا بين شيئين. # فأجاب : بأن العلم إنما يكون صورة لو غاير العالم المعلوم ، أما إذا ~~اتحدا فلا ، بل يكفي في التعقل حصول ذلك الشيء في نفسه من غير أن ينتزع ~~العاقل من نفسه صورة أخرى لذاته في ذاته ، والمغايرة الذاتية ليست شرطا في ~~تحقق الإضافة ، بل يكفي فيها نوع ما من التغاير ، ولا شك في أن الذات ~~المجردة عن اللواحق المادية والغواشي الغربية نسبتها تصلح العاقلية ~~والمعقولية معا. فأمكن أن يعقل كل مجرد وتدخل ذاته في هذه الكلية المحصورة ~~وأن يكون معقولا ؛ لأن كل مجرد يصح أن يكون معقولا ، وما صح في هذا (1) فإن ~~التعقل يجب ؛ لأنا فرضنا الذات خالية عن الغواشي الغربية واللواحق المادية. ~~وهذا الكلام على طوله لا يعجبني. # وقد أجاب بعضهم (2) بأن العلم أمر إضافي إما حقيقيا أو مشهوريا ، والذات ~~الواحدة إذا أخذت باعتبار حقيقتين (3) أمكن عروض الإضافة لها كما تعرض ~~للذاتي. ولا شك أن العالمية والمعلومية وصفان متغايران ، فالذات إذا أخذت ~~موصوفة بأحدهما كانت مغايرة لها إذا أخذت بالثاني ، فإذا تغايرت الذات من ~~حيث إنها عالمة والذات من حيث إنها معلومة أمكن تحقق الإضافة بينهما ، فصح ~~أن يعلم الشيء نفسه عند تباين هاتين الجهتين. # وهذا الكلام في غاية السقوط ؛ لأن الجهتين اللتين باعتبار هما يصح تعلق (4) PageV02P160 # الإضافة ، لا بد من تقدمهما بالذات على تحقق تلك الإضافة لوجوب تقدم ~~العلة على المعلول ، لكن هاتان الجهتان لا يمكن تحققهما إلا بعد تحقق ~~الإضافة التي هي العلم ، لأن كون الشيء ms0504 عالما ومعلوما صفتان متفرعتان على ~~تحقق العلم ، فإنه ما لم يحصل العلم أولا لم يحصل للذات وصف العالمية ولا ~~وصف المعلومية ، فيكون هذان الوصفان وهما جهتا العالمية والمعلومية متأخرين ~~بالذات عن ثبوت العلم ، لكن العلم قد ثبت أنه وصف إضافي متأخر عن الجهتين ~~اللتين باعتبار هما صح عروض تلك الإضافة. # والحاصل أن الذات من حيث إنها عالمة وإن غايرت نفسها من حيث إنها معلومة ~~، لكن هذا التغاير غير كاف في هذه الإضافة وغير صالح لعليتها ؛ لأن كونها ~~عالمة ومعلومة يتوقف على قيام العلم به ، وهو موقوف على المغايرة الموقوفة ~~على كون الذات عالمة ومعلومة ، فيلزم الدور. # وقد أجاب أفضل المحققين : بأن المقتضي للمغايرة هو العلم وليست المغايرة ~~المقتضية للعلم ، بل هذه المغايرة لا تنفك عن العلم كما لا ينفك المعلول عن ~~علته ، ولا يلزم الدور. # وفيه نظر ، فإن العلم قد عرفت أنه إضافة أو صفة تلزمها الإضافة ، فلا ~~يتحقق إلا مع المغايرة بين المضافين ، ولو كان المقتضي للمغايرة هو العلم ~~لكان متقدما عليها تقدم العلة على المعلول ، لكنه متأخر عنها فيلزم الدور. # ونحن لا ندعي أن المغايرة مقتضية للعلم لكنها شرط في العلم ، كما أن ~~الأبوة لا تقتضي التغاير بين الأب والابن لكنها مشروطة به إذ لا تعقل ~~الأبوة إلا بين اثنين. # ومن جعل العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم يلزمه الإشكال أيضا ، فإن ~~الذي حصل للعاقل هنا إن كان غير ذاته فهو باطل لوجهين : PageV02P161 ### |||| ** الأول : أن ذلك الغير لا بد وأن يكون مساويا للمعلوم في تمام ماهيته فيلزم اجتماع ~~المثلين ، ولأنه لا يكون أحدهما بأن يكون معقولا والآخر بأن يكون عاقلا ~~أولى من العكس. ### |||| ** الثاني : إما أن يعلم العالم كون الصورة مساوية لذاته فيكون علمه بذاته حاصلا قبل ~~حصول هذه الصورة أو لا يعلم ذلك فلا يكون عالما بذاته ، وإن كان عين ذاته ~~لزم إضافة الشيء إلى نفسه. # وقد أجاب الشيخ الرئيس بوجهين : ### |||| ** الأول : معنى التعقل هو حصول ماهية مجردة لشيء وحضورها عنده ، (1) وهذا أعم من ~~كونها حاضرة عند ms0505 شيء مغاير لها أو نفسها ، فإن الكون عند الشيء أعم من ~~القسمين ، وعلى هذا التقدير لا يفتقر العلم إلى المغايرة. ### |||| ** الثاني : لو سلمنا المغايرة ، لكن تشخص كل شخص زائد على ماهيته ، فإن لكل شخص حقيقة ~~وشخصية وتلك الشخصية زائدة أبدا على تلك الماهية ، وإلا لاتحدتا في التعقل. ~~ثم إن كانت تلك الحقيقة مقتضية لتلك الشخصية كان ذلك النوع منحصرا في ذلك ~~الشخص ، وإلا وقعت الكثرة فيه ، ولا شك أن تلك الحقيقة متغايرة للمجموع ~~الحاصل من تلك الحقيقة وتلك الشخصية. وإذا تحقق هذا القدر من التغاير كفى ~~في حصول الإضافة والصورة المساوية ، فتكون لتلك الحقيقة من حيث هي هي إضافة ~~العالمية إلى ذلك المجموع ، ولذلك المجموع إضافة المعلومية إلى تلك ~~الحقيقة. وبهذا الاعتبار صح منا أن نقول : ذاتي وذاتك. # لا يقال : وجود الشيء متقدم بالذات على إضافته إلى غيره ، فإذن إضافة PageV02P162 # حقيقة الشخص وماهيته إلى ذلك الشخص بعد وجود حقيقة الشخص ، لكن وجوده بعد ~~شخصيته ، فإذن تلك الحقيقة لا تضاف إلى ذلك الشخص ، إلا بعد تشخصها ، فإذن ~~المتشخص هو المضاف إلى الشخص ، فتكون الإضافة حاصلة للذات الواحدة من جهة واحدة. # لأنا نقول : مسلم أن الحقيقة لا تضاف إلى غيرها إلا بعد الوجود ، لكن لا ~~نسلم أن الوجود بعد التشخص بل التشخص بعد الوجود ، فإذن التشخص نعت لذلك ~~الشيء ، ووجود النعت متأخر عن وجود المنعوت. # وللسائل أن يقول : الشيء إنما يكون موجودا إذا كان متميزا عن غيره منفردا ~~بذاته ، ويكون بحيث يمكن أن يشار إليه إشارة عقلية أو حسية ، وما لم يكن ~~كذلك لم يكن موجودا ، فالتشخص مقدم على الوجود. # وقولكم : «التشخص وصف فيتأخر وجوده عن وجود الموصوف» باطل بالوجود ، فإنه ~~وصف ثبوتي وهو زائد على الماهية ، فإن كان ثبوته متأخرا عن ثبوت الموصوف ~~فالماهية موجودة قبل وجودها ، ثم الكلام في ذلك الوجود كالكلام في الأول ، ~~وذلك يستلزم التسلسل. وإن لم يشترط في عروضه للماهية ثبوتها بطل قولكم : ~~ثبوت الموصوف متقدم على ثبوت الصفة. # وأجيب : بأن الشيء يجب أن يكون متميزا عن ms0506 غيره حتى يكون موجودا ، لكن لا ~~على أنه يصير متميزا ثم يصير موجودا ؛ لأن التميز لا يكون إلا بعد الوجود ، ~~وإلا فيكون قبل الوجود تميز فتكون الأشياء المعدومة بعضها متميزا عن البعض ~~فتكون موجودة ، هذا خلف. (1) ولكن على أنه يصير موجودا أولا أولية بالذات ~~لا بالزمان ثم يصير متميزا. أو نقول : الوجود والتميز كلاهما معا بالذات PageV02P163 # لا مزية لأحد هما على الآخر في التقدم الذاتي ، وحينئذ يتم الكلام ؛ لأنه ~~وإن كان التشخص مقارنا للوجود ، لكن تعرض للحقيقة الموجودة إضافة إلى ذلك ~~الشخص ، فلا يكون للشخصية تقدم واعتبار في صحة انضياف الحقيقة الموجودة إلى ~~ذلك الشخص ، فلا يلزم عروض الإضافة باعتبار واحد لذات واحدة. (1) ### |||| ** والاعتراض (2) ### |||| ** : ان الكون عند الشيء والحصول حالة إضافية ، وهي لا تعقل إلا بين شيئين ~~متغايرين ، ولا يلزم من كون أحد القيدين أعم من الآخر في اللفظ والعقد صحة ~~وجود ذلك العام بدون ذلك الخاص في نفس الأمر ، فإن قائلا لو قال : المحركية ~~المطلقة أعم من المحركية للغير ولنفسه ، فيلزم صحة كون الشيء محركا لذاته. ~~وكذا قولنا في شيء إنه علة لشيء أو موجد لشيء أعم من قولنا إنه موجد أو علة ~~لشيء آخر غيره ، ومع ذلك لا يصح أن يكون الشيء علة لنفسه ، ولا موجدا لها. # وعن الثاني : أن هذا القدر جيد في كون ذلك المجموع عالما بكل واحد من ~~جزئيه ، ولكنه حينئذ لا يكون عالما بنفسه بل بكل واحد من جزئيه ، فأما في ~~كونه عالما بنفسه فالإشكال باق. # والوجه في الجواب أن نقول : لا شك في أن كون الشيء عالما ومعلوما بالفعل ~~متوقف على حصول العلم بالفعل ، لكن نقول الذات من حيث إنها صالحة لأن تكون ~~عالمة مغايرة للذات من حيث إنها صالحة لأن تكون معلومة ، وهذا لا يتوقف على ~~ثبوت العلم ، بل على تصوره. PageV02P164 ### ||| ** المسألة الثالثة : في معنى كون الشيء عقلا وعاقلا ومعقولا (1) # لما سمع الظاهريون من الحكماء هذا الكلام استحسنوه ، وظنوا أن العاقل لا ~~بد وأن يتحد بالمعقول سواء عقل ذاته أو عقل غيره. ms0507 ولما بحث المدققون عن هذا ~~وعرفوا فساد الاتحاد حملوه على صورة خاصة ، وهي أن العاقل لذاته تجتمع هذه ~~الأوصاف الثلاثة فيه ويكون كونه عاقلا وعقلا ومعقولا شيئا واحدا. وهؤلاء إن ~~عنوا بذلك أن الذات الموصوفة بالعاقلية هي بعينها الذات الموصوفة ~~بالمعقولية ، فهو حق. وإن عنوا أن وصف العاقلية ووصف المعقولية واحد فباطل ~~؛ لأن الوصفين متغايران ، لأنهما لو اتحدا لاتحدا في التصور. ولو كان ~~أحدهما جزءا من الآخر لاستحال تصور ما فرض كلا بدون ما فرض جزءا ، لكن ~~التالي باطل ، لأنه يمكننا أن نحكم على الشيء بكونه معقولا ونغفل عن كونه ~~عاقلا فلا نحكم به ، وكذا يمكننا أن نحكم على الشيء بكونه عاقلا وإن لم ~~نحكم بكونه معقولا ، فليس أحدهما هو الآخر ولا جزءا منه. # وأما أنهما هل هما ثبوتيان (2) أم لا؟ ففيه بحث تقدم. # لا يقال : لا يمكننا أن نتصور كون الشيء عاقلا لذاته ونحكم به إلا إذا ~~عقلنا كونه معقولا لذاته ونحكم به ، وكذا بالعكس ؛ فعلمنا اتحاد العاقلية ~~والمعقولية هاهنا. # لأنا نقول : العاقلية حقيقة والمعقولية حقيقة ، فلو كان المرجع بإحداهما ~~إلى الأخرى لكان متى ثبتت إحداهما ثبتت الأخرى ، فكان لا يثبت في الشيء ~~كونه عاقلا إلا إذا ثبت كونه معقولا وبالعكس ، كما أنه لما كان المرجع ~~بالإنسان والبشر PageV02P165 # إلى ماهية واحدة حتى كانا اسمين لمسمى واحد ، لا جرم متى ثبت المفهوم من ~~أحدهما ثبت المفهوم من الآخر ، ولما كان الإنسان متقوما بالحيوان استحال أن ~~نعقل ماهية الإنسان إلا إذا عقلنا ماهية الحيوان أولا. ولما ثبت تغاير ~~الصفتين أمكننا أن نفهم ماهية العاقلية عند الذهول عن ماهية المعقولية ، ~~وكذلك بالعكس ، وإذا ثبت تغايرهما عند ما يكون العاقل والمعقول واحدا ، وجب ~~تغايرهما عند ما يكون العاقل والمعقول متعددا ؛ لأن الصفتين إذا ثبت ~~تغايرهما في موضع ثبت تغايرهما في كل المواضع ، كالسواد لما خالف الحركة في ~~الماهية ، كانت تلك المخالفة (1) حاصلة في كل المواضع. # وقوله : «إنه يستحيل أن يعقل من الشيء كونه عاقلا لذاته إلا إذا عقل منه ~~كونه معقولا لذاته» ، فنقول ms0508 : هذه الملازمة لا تمنع من اختلاف المعلومين ، ~~فإن العلم بالأبوة ملازم للعلم بالبنوة وإن كان المعلومان مختلفين في ~~ذاتيهما ، فإنا لو فرضنا كون الشيء محركا لذاته فالعلم بالمحركية ~~والمتحركية هناك متلازمان مع أنه لا يلزم أن يكون مفهوم المحركية هو بعينه ~~مفهوم المتحركية. فظهر أن كون الشيء عاقلا مغاير لكونه معقولا. # نعم الذات التي عرضت لها العاقلية هي بعينها الذات التي عرضت لها ~~المعقولية ، وأما كونه عقلا يغاير كونه معقولا وكونه عاقلا فهو أظهر ، لأنا ~~قد نعرف من الشيء أنه عاقل لذاته ومعقول لذاته وإن كنا نشك أن ذاته هل هو ~~ذلك التعقل أو مغاير له؟ وهو يدل على المغايرة. ولأن التعقل حالة إضافية ~~وهو يوجب مغايرتها للذات ، بل لما اعتقد القوم أن التعقل هو الحضور ثم ~~عرفوا أنه لا يمكن أن يحضر عند الذات منها صورة أخرى زعموا أن وجود تلك ~~الذات هو التعقل ، وليس كذلك ، لما بينا أن التعقل حالة إضافية فوجب الحكم ~~بأن العاقلية PageV02P166 # صفة مغايرة للذات العاقلة. بل نجعل هذا مبدأ برهان أقوى. # فنقول : إدراك الشيء لذاته زائد على ذاته ، وإلا لكانت حقيقة الإدراك هي ~~حقيقة ذاته وبالعكس ، فكان لا يثبت أحدهما إلا إذا ثبت الآخر ، لكن التالي ~~باطل ، فالمقدم مثله. فإدراك الشيء لذاته زائد على ذاته ، وذلك الزائد ~~يستحيل أن تكون صورة مطابقة لذاتها للبرهان المشهور ، فهو أمر غير مطابق ~~لذاته زائد على ذاته ، وذلك الغير المطابق إن كان له نسبة وإضافة إلى ذاته ~~فذاته إنما صارت معلومة لأجل تلك النسبة ، فالعلم هو تلك النسبة ، وإن لم ~~تكن له نسبة وتلك الصورة غير مطابقة له ولا مساوية في الماهية ، لم يصر ذلك ~~الشيء معلوما أصلا ؛ لأن حقيقته غير حاضرة ، ولا نسبة للذهن إليه ، فالذهن ~~منقطع الاختصاص بالنسبة إليه ، فاستحال أن يصير معلوما. (1) # وفيه نظر ، فإن وصف العاقلية ووصف المعقولية لذات العاقل واحد بالذات وإن ~~غايره بالاعتبار فان كون الذات عاقلة لنفسها هو بعينه في الحقيقة كونها ~~معقولة لنفسها ، وهنا لا يمكن أن نحكم على الشيء ms0509 بكونه عاقلا لذاته ونغفل ~~عن كونه معقولا لذاته ولا بالعكس وكلما ثبتت إحداهما ثبتت الأخرى ، ولا ~~يثبت للشيء كونه عاقلا لذاته إلا إذا ثبت كونه معقولا لذاته وبالعكس. فبطل ~~استدلاله على التغاير ، وعدم التقويم بإمكان الانفكاك. واستدلاله على ~~تغايرهما عند تعدد الذات بتغايرهما عند وحدتها لو عكسه لكان أجود هنا (2) ~~وإن كان ما ذكره أولى (3)، لكنه لا نسلم له ، إذ لم يظهر التغاير مع وحدة ~~الذات حتى يستدل به على التغاير مع الكثرة. نعم لما ثبت التغاير مع الكثرة ~~ثبت مع الوحدة ، لأن PageV02P167 # مفهوم الصفتين إذا تغاير في موضع تغاير في كل موضع. # وسألت شيخنا أفضل المحققين قدس الله روحه الزكية عن مفهوم كون الشيء عقلا ~~وعاقلا ومعقولا. # فأجاب : بأن معنى كونه عقلا ليس هو المراد من التعقل ، بل المراد هنا ~~التجرد ، فمعنى كون الباري تعالى عقلا أنه مجرد الذات عن المادة وعلائقها ~~والغواشي اللاحقة بسببها ؛ وكونه عاقلا كون الأشياء المعقولة حاضرة عنده ، ~~لا بمعنى حلولها فيه بل ولا صورتها ، بل حصولها منه هو حضورها عنده ؛ وكونه ~~عاقلا لذاته حصول ذاته لذاته لا لغيره ، فإنه غير قائم لغيره البتة ؛ وكونه ~~معقولا لذاته حضوره عند ذاته. ### ||| ** المسألة الرابعة : في سبب حصول الأوليات (1) # لا شك في أن النفس الإنسانية في مبدأ فطرتها كانت خالية عن جميع العلوم ~~الضرورية والكسبية ، ونسبتها إليها في مبدأ الفطرة كنسبة الهيولى إلى الصور ~~المقبولة لها قبولا بعيدا ، كما لو كانت في صورة وقبلت صورة غيرها. ولا شك في # والأوليات من القضايا على قسمين : 1 حملية 2 شرطية ؛ ففي الحملية يكفي ~~تصور الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية في تصديقها ، مثل : الكل أعظم من ~~جزئه ؛ وفي الشرطية يكفي تصور المقدم والتالي والنسبة الحكمية في الاذعان ~~بها ، مثل : العدد إما زوج وإما فرد. وعرفها ابن سينا في شرح الإشارات ~~بقوله : «هي القضايا التي يوجبها العقل الصريح لذاته ولغريزته لا لسبب من ~~الأسباب الخارجة عنه» وفي النجاة : «هي قضايا ومقدمات تحدث في الإنسان من ~~جهة قوته العقلية من غير سبب يوجب التصديق ms0510 بها إلا ذواتها» منطق النجاة : ~~64. وعرفه الجرجاني بقوله : «الأولي هو الذي بعد توجه العقل إليه لم يفتقر ~~إلى شيء أصلا من حدس أو تجربة أو نحو ذلك ...» التعريفات : 58. PageV02P168 # أنها قابلة للعلوم ، لأنها جوهر مجرد فلا مانع له عن التعقل ، إذا لمانع ~~هو المادة وعلائقها ، وإذا كانت مستعدة للانتقاش بصور الموجودات وجب ~~فيضانها عن المبدأ العام الفيض الذي لا يمنع مستعدا عن إفاضة ما استعد له ، ~~بل يفيضه عليه من غير مخصص لإفاضته بوقت دون وقت لأمر يعود إليه. # نعم قد يقصر الاستعداد لفقد شرط أو حضور مانع فلا يجب الإفاضة حينئذ ، ~~لكن لما وجدنا نفوس الأطفال غير منقشة بالعلوم عرفنا أن هناك شرطا مفقودا ~~أو مانعا موجودا ، وأن ذلك الاستعداد المستلزم لوجود ما يحصل له لم يكن ~~تاما في أول الأمر ، ولا كافيا في حصول المستعد له ، فلم يكن الاستعداد ~~المصاحب لها في مبدأ الفطرة كافيا في فيضان المتعقلات عليها من مبادئها. # فإذن لا بد من زيادة استعداد لها حتى تحصل لها تلك الصور. وأن تلك ~~الزيادة حادثة فلا بد لها من سبب حادث ، وليس ذلك إلا الإحساس بالجزئيات ~~فتتنبه النفس بواسطته للمشاركات والمباينات الواقعة بين تلك المحسوسات ، ~~فتنتقش النفس بالصور الكلية المجردة عن عوارض المادة ولواحقها ، والشعور ~~بما لها من الذاتيات والعرضيات اللازمة أو المفارقة ، فالنفس تنتفع بالحس ~~في اكتسابها للتصورات من هذا الوجه ، ثم إذا حصلت التصورات التامة في النفس ~~وقع للبعض نسبة إلى البعض الآخر بالمحمولية والموضوعية ، فما كان من ~~المحمولات محمولا على موضوع معين لذاته لا بتوسط ثالث حكم العقل جزما ~~بثبوته له من غير توقف على شعوره بمتوسط بينهما ، إذ لو توقف حكم العقل ~~بذلك الثبوت على ثالث متوسط بينهما لم يكن حكم العقل مطابقا لما في نفس ~~الأمر لأنه في نفس الأمر لا متوسط بينهما ، فلا يكون حكم العقل في ذلك (1) صادقا. PageV02P169 # ولأنا ننقل الكلام إلى ذلك المتوسط فإن كان لمتوسط آخر تسلسل ، ومعه يحصل ~~المقصود ، لأن تلك الأشياء المتلاصقة لا بد وأن يكون ms0511 فيها ما يكون ثبوته ~~لما يلاصقه لذاته ، وإلا لم يكن ملاصقا. # والحاصل أن اعتبار الواسطة في كل لزوم يرفع اللزوم والواسطة. فإذن يكون ~~ثبوت المحمول لذلك الموضوع في الوجودين الخارجي والذهني أوليا فتسمى مثل ~~هذه القضية أولية ، كما يحكم على كل ماهيتين مختلفتين بالمغايرة بينهما وأن ~~إحداهما ليست هي الأخرى ، وكما إذا عقلنا الكل والجزء والأعظمية ، فإن مجرد ~~تصوراتها يقتضي جزم الذهن بالنسبة الثبوتية بينها فهذه القضايا تسمى أولية ~~؛ لأن ثبوت محمولاتها لموضوعاتها أول. # وأما ما يكون ثبوته لأجل متوسط ، فإن ثبوته لذلك الموضوع لا يكون أولا ، ~~بل ثانيا ، لثبوت ذلك المتوسط وتاليا له. وكذا ما حكم العقل بثبوته للموضوع ~~لأجل متوسط لم يكن حكم العقل لذلك الثبوت أولا بل ثانيا ؛ لحكمه بثبوت ذلك ~~المتوسط لذلك الموضوع. وذلك المتوسط قد يكون هو البصر كالحكم بأن الشمس ~~مضيئة ، أو اللمس كالحكم بأن النار حارة ، أو السمع كالمتواترات (1)، أو ~~الوجدان كالوجدانيات (2)، أو النظر كالنظريات. # وأما ما يقال غير ذلك من أن الأولي ما يستحيل المنازعة فيه ، وأن الإنسان PageV02P170 # يجب أن يفرض نفسه خالية من جميع العادات والديانات ، ثم تعرض على نفسه ~~تلك القضية ، فإن وجدها مبادرة إلى التصديق بها فهي القضية الأولية ، وإلا ~~فلا. وكل ذلك يجري مجرى الرسوم في تعريف الأولي. وأما التعريف بالحد فما تقدم. # هذا على رأي الحكماء ، وأما على رأي المتكلمين ، فإن العلوم الضرورية ~~مستندة إلى الله تعالى ، يفعل فينا ما تقتضيه الحكمة ، وتتضمن المصلحة ~~الراجعة إلينا ، ولا استبعاد عندي في استناد سبب التخصيص إلى الإحساس. ### ||| ** المسألة الخامسة : في عمل القوة العقلية في الوحدة والكثرة (1) # اعلم أن الماهيات العينية أو الذهنية قد تكون بسائط ، وقد تكون مركبات ، ~~وأيضا لا تنفك عن لواحق تلحقها وعوارض تعرض لها في الوجودين معا أو في ~~أحدهما ، وقد وهب الله تعالى للإنسان قوة مميزة بين الأشياء يفرز بها بعض ~~الذاتيات عن البعض ، والذاتيات عن العرضيات ، والعرضيات بعضها عن البعض ، ~~فيمكنها توحيد الكثير وتكثير الواحد. # أما الأول فباعتبارين : ### |||| ** الأول : التحليل بأن تحذف عن الأشخاص ms0512 الداخلة تحت النوع مشخصاتها وعوارضها الموجبة ~~لتكثرها بالعدد ، فتبقى الحقيقة النوعية ماهية واحدة وحقيقة متحدة ، كما ~~يحذف عن زيد وعمرو وبكر جميع المشخصات والأسباب الموجبة لكثرتها ، فتبقى ~~الحقيقة الإنسانية المجردة واحدة بالعدد. PageV02P171 ### |||| ** الثاني : بالتركيب وذلك أنها إذا اعتبرت المعنى الجنسي والفصلي أمكنها أن يفرق (1) ~~الفصل بالجنس بحيث تحصل منهما حقيقة النوع المتحدة اتحادا طبيعيا لا ~~صناعيا. وكذا بضم العوارض والمشخصات المتغايرة إلى الطبيعة النوعية حتى ~~تتحصل الأشخاص. # وأما الثاني : وهو قوتها على تكثير الواحد أن تميز ذاتي الماهية المركبة ~~عن عرضيتها وجنسها عن فصلها. وتميز ذاتيات الذاتيات بعضها عن البعض كأجناس ~~الأجناس وفصول الفصول وأجناس الفصول وفصول الأجناس بالغة ما بلغت. وتميز ~~اللازم عن المفارق والقريب عن البعيد والبسيط عن المركب وسريع المفارقة عن ~~بطئه وسهلها عن عسرها والغريب عن الملائم. والشخص الواحد يكون في الحس ~~واحدا ، وفي العقل أمورا كثيرة ، بسبب ما فصلها العقل وميزها وقسمها ~~بالذاتيات والعرضيات ، إلى آخر التقسيمات الممكنة بحسب المركبات الخارجية ~~والذهنية ، فلهذا يكون إدراك العقل أتم الإدراكات كأنه يدخل في الماهية ~~ويتغلغل في الحقيقة ويستنتج منها نتيجة مطابقة لها من جميع الوجوه. # فأما الإدراكات الحسية فإنها لا تنفك عن جهل ما ؛ لأن الحس لا يدرك إلا ~~ظاهر الشيء وبعض عوارضه المحسوسة دون ماهيته ، وحقيقة باطنه فإنه لا ينالها ~~البتة ، ولا خبر له بها. ### ||| ** المسألة السادسة : في حصر الأوليات (2) # قد عرفت أن أول الأوائل قولنا : النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان. ~~وهذه القضية لا يمكن قيام البرهان عليها ، لأن الدليل على الشيء هو الذي PageV02P172 # يستدل بثبوته على ثبوت شيء آخر وبنفيه على انتفائه ، فلو جوزنا الخلو عن ~~الثبوت والانتفاء لم يأمن في ذلك الدليل أن يخلو عن الثبوت والانتفاء ، ~~وبتقدير خلوه عنها تنتفي دلالته على ذلك المدلول ، فلا بد وأن يعتقد في ذلك ~~الدليل أنه لا يجوز خلوه عن الدلالة وعدمها ولا اتصافه بهما ، لكن ذلك لا ~~يتم إلا بعد ثبوت هذه القضية ، وما كان كذلك لا يمكن إثباته وإلا لزم الدور. # وأيضا الدليل الذي ms0513 يدل على أنهما لا يجتمعان فيه لا بد وأن يعرف منه أولا ~~أنه لا يجتمع فيه كونه دليلا على ذلك المطلوب وكونه لا دليل عليه ، إذ لو ~~جاز ذلك واحتمل ، لم تكن إقامة الدلالة على استحالة الاجتماع مانعة من ~~استحالة (1) الاجتماع ؛ لاحتمال أن يكون الدليل دالا على استحالة اجتماعهما ~~، ومع هذا الاحتمال لا يحصل المقصود ، وإذا كانت دلالة الدليل على إثبات ~~هذه القضية موقوفة على ثبوتها ، فلو بينا ثبوتها بقضية (2)، لزم الدور. ~~فثبت أن هذه القضية لا يمكن إقامة البرهان عليها. # والأجود عندي أن يقال : إنما بطلت بالبرهان ما تجهل نسبة ثبوت محموله إلى ~~موضوعه ، لكن هذه القضية من أجلى البديهيات فلا يمكن إقامة البرهان عليها ؛ ~~لأن البرهان وسط يفيد النسبة التي بين الطرفين عند الذهن ، أو عند الذهن ~~وفي نفس الأمر ، وهذه النسبة حاصلة في مبدأ الفطرة فلا يمكن إسنادها إلى ~~غير نفسها ، وإلا لزم جعل ما ليس بعلة علة. # وأما سائر التصديقات البديهية فقد عرفت فيما مر فرعيتها على هذه القضية ، ~~فإن العلم بأن «الموجود لا يخلو عن الوجوب والإمكان» علم بأن الموجود لا ~~يخلو عن ثبوت الوجوب ولا ثبوته له ، أو عن ثبوت الإمكان ولا ثبوته له ، وهذا PageV02P173 # هو العلم الأول ، لكن قيد بقيد خاص. وكذا العلم بأن «الكل أعظم من الجزء» ~~متفرع على العلم بأن زيادة الكل على الجزء إذا لم تكن معدومة فهي موجودة ؛ ~~لامتناع ارتفاع الطرفين ، وإذ هي موجودة مع المزيد عليه فمجموعهما أعظم ، ~~إذ لا يفهم من الأعظم إلا ذلك. وكذا قولنا : «الأشياء المساوية لشيء واحد ~~متساوية» مبنية على تلك المقدمة ؛ لأن المساوية لشيء واحد طبيعتها كلها تلك ~~الطبيعة ، وإذا كانت طبيعتها واحدة استحال أن تكون طبائعها مختلفة ؛ ~~لامتناع اجتماع النقيضين. وكذا قولنا : «الجسم الواحد لا يكون في مكانين» ~~وإلا لم يميز حاله عن حال الشخصين الحاصلين في مكانين ، فيكون وجود الثاني ~~كعدمه فيجتمع فيه النقيضان. (1) # فالقضيتان الأوليان رجعتا إلى قولنا : النفي والإثبات لا يجتمعان ، ~~والأخريان رجعتا إلى أنهما لا يرتفعان ، فهذه القضية ms0514 هي أول الأوائل. # فالمنازع فيها لا يمكن أن يبرهن له عليها ، بل إن نازع لخفاء تصور ~~أجزائها كشف له عنها. وإن نازع عنادا عرفت بالضرب والإحراق ؛ ليفرق بين ~~وجود الألم وعدمه. وإن نازع لتعادل الأدلة المنتجة للنتائج المتناقضة أوضح ~~له حل شكوكه. # فإن قالوا : لا نجزم بنفي هذه الحقائق بل نشك فيها ، لأن (2) جزمنا بثبوت ~~هذه الحقائق ، لأنا نجد من أنفسنا الجزم بالألم واللذة والإحساس ~~بالمحسوسات. ثم إنا قد نجد من أنفسنا الجزم بأمثال هذه الأشياء ، مع أنا ~~نعلم في وقت آخر أن ذلك الجزم كان باطلا ، فلا جرم ارتفع أماننا عن شهادة ~~الحس والبديهة. # وبيانه : أن الطريق إلى معرفة الأشياء : إما التخيل أو الحس أو العقل ، ~~ولا شيء من الثلاثة بموثوق به. PageV02P174 # أما التخيل ، فكما في حق النائم يجزم بما يراه في النوم ويظهر له بطلانه ~~في اليقظة ، فجاز أن يكون لنا حالة ثالثة يظهر لنا بطلان ما نراه في ~~اليقظة. # وأما الحس ، فكذبه ظاهر كما تقدم. والمبرسم والمجنون يشاهدون صورا ، وكذا ~~أصحاب النفوس الزكية يتخيلون صورا ، والقطرة خطا (1)، وغير ذلك مما تقدم ~~ذكره ، فجاز في جميع ما نحس به أن يكون كذلك. # وأما العقل ، فالبديهيات لا وثوق بها لاشتباهها كثيرا بالوهميات (2). ~~وقد يظهر لبعض الناس الفرق بعد النظر الدقيق ، وبعضهم يعجز عن الفرق ~~بينهما. وإذا كانت البديهيات غير موثوق بها فالنظريات أولى بها. # فإن أجاب أحد عن هذه الشكوك فهو إما غالط أو مغالط ؛ لأن تلك الأجوبة ~~علوم كسبية مبنية على الضرورية فيلزم الدور. # والجواب : قد جزمتم بثبوت هذه الأشياء ، لكن قلتم هنا ما يعارضها فنحن ~~نشتغل بالجواب عنها ولا دور ؛ لأنا لا نطلب حجة على إثبات هذه الضروريات ، ~~فإن الجزم بها حاصل لذاته ، وإنما نحاول بالنظر حل الشكوك الرافعة لذلك ~~الجزم ، فلا يلزمنا إثبات الأولي بالنظري حتى يدور. ### ||| ** المسألة السابعة : في قوة النفس الواحدة على التعقلات (3) # اعلم أن النفس الواحدة بسيطة وتقوى على تعقلات غير متناهية ، وقد اختلف ~~الناس في إمكان صدور المعلولات الكثيرة عن العلة الواحدة ms0515 بالشخص ، PageV02P175 # فأثبته قوم ولا نزاع معهم ؛ ونفاه آخرون ، وهؤلاء يجب عليهم دفع هذا ~~الإشكال. وله وجهان : ### |||| ** أحدهما : أجاب به أفضل المحققين حين سألته عن هذا الموضع وهو أن النفس في تعقلها لا ~~تفعل شيئا في الحقيقة ، وإنما هي جوهر قابل لما يفيض الله تعالى عليها من ~~العلوم، وسبب التخصيص ما تقدم من اختصاص الاستعدادات المختلفة. ### |||| ** الثاني : ان كثرة الأفعال قد تكون لاختلاف القوابل أو لاختلاف الآلات أو للترتب بين ~~الآثار ، فيصدر البعض بسبب (1) البعض. والقابل هنا النفس الناطقة ، وهي ~~جوهر بسيط ، ولو كانت مركبة عن مقومات كثيرة لم تبلغ في الكثرة إلى أن ~~تساوي كثرة أفاعيلها التي لا تتناهى ، فلا يمكن أن يكون ذلك التكثر بسبب ~~كثرة القابل التي هي ذات النفس ، ولا يمكن أن يكون ذلك بواسطة الترتيب ، ~~فإن تصور السواد ليس بواسطة تصور البياض وبالعكس. وكذلك باقي التصورات ~~وكثير من التصديقات. # فلم يبق إلا سبب اختلاف الآلات ؛ فإن المحسوسات المختلفة اللاتي (2) تعد ~~النفس للانتقاش بتلك الصور الكلية المجردة ، والإحساسات الجزئية تتكثر بحسب ~~اختلاف حركات البدن ، ثم بعد حصول تلك التصورات والتصديقات البديهية يمزج ~~بعضها مع بعض وتتولد من هناك تصورات وتصديقات مكتسبة لا نهاية لها. فحصول ~~التصورات والتصديقات البديهية المتكثرة بحسب اختلاف الآلات ، وحصول ~~التصورات والتصديقات المكتسبة بحسب امتزاج بعض البديهيات بالبعض ، ولا ~~محالة تكون مترتبة ترتيبا طبيعيا يكون كل متقدم منها PageV02P176 # سببا للمتأخر. # ثم (1) الاستعدادات قد تختلف بالشدة والضعف والكثرة والقلة ، وحصول ~~الآلات وعدمها ، وسهولة الانتقال وعسره ، وإرشاد المعلم وعدمه ، وقد يفقد ~~شخص بعض الحواس فيفقد بواسطته العلم المتعلق بتلك الآلة ، ولهذا قال المعلم ~~الأول : من فقد حسا فقد فقد علما يؤدي إليه ذلك الحس. ولا يجب في تحصيل ~~النظريات وجود المعلم ، وإلا تسلسل. ولأن من مارس علما مدة مديدة فإنه لا ~~بد وأن ينال منه شيئا ، وقد خلق الله تعالى الأذهان متفاوتة في الذكاء ~~والبلادة والتوسط بينهما. # ولما كان الإحساس بالجزئيات سببا لاستعداد قبول تصور الكليات ، وحصول ~~التصورات سبب لحكم الذهن بينها بالثبوت أو السلب ، فإذا ms0516 وقع للذهن التفات ~~إلى تصور محمول بسبب إحساسه بجزئياته عند استحضار تصور موضوعه ترتب عليه ~~الجزم بثبوت ذلك المحمول لذلك الموضوع إذا كان تصور الطرفين كافيا في الحكم ~~(2) سواء حصل مرشد ومعلم أو لا ، وهذا هو الحدس. (3) # راجع الفصل السادس من المقالة الخامسة من نفس الشفاء ؛ طبيعيات النجاة : ~~166 168 ؛ المباحث المشرقية 1 : 473 474. # وقال : «وأعلم ان التعلم سواء حصل من غير المتعلم ، فانه يتفاوت فيه ، ~~فان من المتعلمين من يكون أقرب إلى التصور ، لان استعداده الذي قبل ~~الاستعداد الذي ذكرناه أقوى فإن كان ذلك الإنسان فيما بينه وبين نفسه سمى ~~هذا الاستعداد القوي حدسا» الفصل السادس من المقالة الخامسة من نفس الشفاء. # قال الجرجاني : «الحدس سرعة انتقال الذهن من المبادئ إلى المطالب ويقابله ~~الفكر وهو أدنى مراتب الكشف» التعريفات : 112. # وعرفه النيسابوري (من أعلام القرن السادس) بانه : «ظن تضعف أمارته» ~~الحدود : 95. PageV02P177 # وهو يختلف كثرة وقلة باختلاف الأذهان ذكاء وبلادة ، ويتفاوت بحسب تفاوتهم ~~، حتى أن الإنسان ربما أكب طول عمره على تعلم مسألة ويمنع منها ، وبعضهم ~~ربما التفت بذهنه الصائب أدنى التفات فأصاب مطلوبه. ولما تفاوتت الدرجات لم ~~يبعد وجود نفس بالغة أقصى مراتب الكمال في القوة وسرعة الاستعداد لإدراك ~~الحقائق حتى كأنه يحيط علما بحقائق الأشياء من غير طلب وشوق ، بل ينساق ~~ذهنه إلى النتائج حتى يحيط بغايات الكمالات الإنسية (1). وتخالف هذه النفس ~~باقي النفوس كما وكيفا. # أما الكم فلكثرة استحضارها للحدود الوسطى. # وأما الكيف فلسرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب. # وتخالف باقي النفوس بوجه آخر ، وهو تقع على الحد الأوسط من غير تقدم ~~تعيين المطلوب ، بخلاف باقي النفوس فإنها تعين المطلوب أولا ثم تطلب ~~المبادئ الملائمة له ، ثم ترتب هذه المبادئ ترتبا صحيحا ملائما ، ولا يعرض ~~الغلط في الأول ؛ لأن الانسباق إلى النتيجة طبيعي. أما في الثاني فلما كان ~~فكريا أمكن أن يعرض فيه الغلط لأنه كالتكلفي. # واعلم (2) أنه لا يشترط في العلم بالشيء وجود الفكر ، خلافا لمن توهم ~~حاجة النفس في علومها إلى الفكر ، ومنع من علمها بعد ms0517 مفارقة البدن لفساد ~~آلة الفكر الذي هو شرط. وهو غلط لأن المعارف العقلية لو توقفت على الفكر ~~إما توقف المسبب على السبب ، أو المشروط على الشرط لكانت المعارف مقارنة ~~للأفكار ، لكن التالي باطل ، فإن الإنسان حالة فكره يكون طالبا للنتيجة ، ~~فلا بد وأن يكون PageV02P178 # حينئذ فاقدا لها ، وإلا لزم تحصيل الحاصل ، فلا تكون المعرفة حاصلة حالة ~~الفكر ولا مقارنة له ، فالمقدم مثله. # وأما بيان الشرطية : فلأن المعرفة إذا كانت محتاجة إلى الفكر فإما أن ~~تكون محتاجة إلى وجوده أو عدمه ، فإن كان الأول وجب اقترانهما في الوجود ، ~~وإن كان الثاني لم يكن عدمه منافيا لوجوده ؛ لأن الشرط لا ينافي المشروط. # وأيضا النفس الناطقة محل التعقلات والإدراكات الكلية ، والسبب الفياض عام ~~الفيض ، فإذا كانت النفس بعد الموت باقية وجب حصول تلك المعرفة ؛ لأن ~~الفاعل والقابل موجودان فيجب الأثر. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : إن الاستعداد التام في النفس لا يحصل إلا ~~عند استعمال الفكر؟ # لأنا نقول : إذا تفكرنا في شيء وعرفناه أمكننا استدامة تلك المعرفة بعد ~~مدة مديدة ، فإذن استعداد النفس لقبول تلك الصور عن مبادئها لا يتوقف على ~~استعمال الفكر. وأيضا العلم يحصل حال تذكر النظر من غير تحقق النظر ، ~~فعلمنا أنه لا حاجة به إليه. # لا يقال : القوة الفكرية والخيالية متمانعتان ، فإن الخيال إذا انصب إلى ~~التخيل وتعطلت الفكرة ، تعطلت القوة العقلية ، ولذلك تبطل القوة العقلية في ~~النوم ببطلان القوة المفكرة ، وكل ذلك دلائل قوية على أن العقل لا بد له في ~~التوصل إلى تحصيل النسبة بينه وبين العقل الفعال من القوة المفكرة. # لأنا نقول : لا نسلم تعطل العقل في النوم ، فإنه قد يستنبط حالة النوم ما ~~لم يستنبطه في اليقظة ، لكن الأغلب أن التخيل مستولي على النفس فتشتغل ~~النفس عن الفكر ، ولهذا تحتاج أكثر الأحلام إلى التفسير. PageV02P179 # واعلم أن التحقيق هنا ما ذكره شيخنا أفضل المحققين ، حيث سألته عن ذلك ، ~~وهو أنه من المستبعد كون العلوم كلها ضرورية لشخص من الأشخاص ، إلا من أيد ~~بوحي من ms0518 الله في كل معارفه الكسبية لغيره ، بل بعضها ضروري وبعضها كسبي ، ~~وذلك الكسبي لا بد له من مقدمات تكون كاسبة له لامتناع حصوله عن لا شيء ، ~~والقبول الذاتي للنفس غير كاف ، وإلا لحصلت المعارف للأطفال بل للجنين ، ~~وليس كذلك بالضرورة ، فلا بد من المقدمات. # نعم قد لا يحتاج في تلك المقدمات إلى معلم ومرشد ، ولا نعني بالفكر إلا ~~نفس تلك المقدمات المترتبة المنتظمة نظما يحصل معه الإنتاج. ### ||| ** المسألة الثامنة : في إمكان اجتماع التعقلات (1) # زعم بعض من لا مزيد تحقيق له ، أن النفس لا تقوى على استحضار علمين دفعة ~~، بل متى توجه الذهن نحو علم من العلوم لطلب تحصيله أو استحضاره والالتفات ~~إليه تعذر في تلك الحالة إقباله على شيء آخر. # وسبب غلطهم عدم الفرق بين القوة العقلية والخيالية ، وأن تلك مجردة نسبة ~~المعارف إليها كلها على السواء لا تتعاند عندها الصور المعقولة لها ، ولا ~~تتمانع أفعال آلتها لها إذ لا آلة لها ، بخلاف القوة الخيالية الجسمانية ~~فإنها قد لا تقوى على استحضار علوم كثيرة وتخيلات مختلفة دفعة واحدة ؛ ~~لأنها لا يتم فعلها إلا بآلة جسمانية. فإذا قلنا : الإنسان ناطق علمنا ~~مفهوم هذه الألفاظ ، وظهر في ذهننا وخيالنا أمر مطابق في الترتب لهذا ~~الترتب الحاصل في الألفاظ ، فإذا قلبنا وقلنا الناطق إنسان لم ينقلب ما ~~حصلناه من المعنى العقلي ، لكن الصورة PageV02P180 # الخيالية انقلبت. فالعجز فيما قالوه مستند إلى القوة الخيالية لا إلى ~~القوة العقلية. # ثم يدل على إبطال قولهم وجوه : ### |||| ** الأول : لا شك في أنا نحكم بإيجاب وسلب بين مفردات كما في الحمليات ، ومركبات كما ~~في الشرطيات ، والحكم نسبة وإضافة بين أمرين ، وإنما يتحقق لو بينا معا إذ ~~مع عدم أحدهما ووجود الآخر لا تتحقق الإضافة سواء سبق العدم أو تأخر ، فإن ~~القاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما ففي وقت الحكم يجب حضور ~~الطرفين دفعة ، وإلا لكان الحاضر أبدا تصورا واحدا والتصور الواحد ينافي ~~الحكم والتصديق ، فكان يجب أن يتعذر الحكم أبدا. ### |||| ** الثاني : التصور قد يكون كسبيا كالتصديق ms0519 ، وإنما يكتسب بالحد التام أو الناقص ، أو ~~الرسم التام أو الناقص ، فإذا عرفناه بالحد التام لم يكن العلم بجزء الحد ~~كالجنس وحده أو الفصل وحده مفيدا لمعرفة الماهية بتمامها ، فلو استحال حصول ~~العلم بجميع أجزاء المحدود دفعة واحدة استحال حصول العلم في وقت ما من ~~الأوقات بالماهية المركبة البتة. وكذا في العلوم التصديقية فإنها إنما تحصل ~~من اجتماع مقدمتين ، ولا يكفي إحداهما في الانتاج ، فلو استحال حصول العلم ~~بأكثر من معلوم واحد امتنع القياس واستحصال العلوم الكسبية البتة. ### |||| ** الثالث : الأمور الإضافية معلومة لنا ، وإنما يصح العلم بها لو علمنا المضافين معا ~~لاستحالة تحقق الإضافة في الذهن وفي الخارج بدون تحققهما معا ، فلو لم يصح ~~اجتماع العلوم الكثيرة لم يحكم بثبوت الإضافة في شيء من الأشياء ، لكنا ~~نعلم بالضرورة التلازم بين الشيئين والتعاند والفاعلية والمفعولية وغيرها ~~من الإضافات. PageV02P181 ### |||| ** الرابع : واجب الوجود تعالى وتقدس يعلم الأشياء دفعة واحدة ، وكذا العقول المفارقة ~~عند الأوائل (1)، ولا يمكن أن لشيء منها يعقل بالقوة البتة ، بل كلها ~~حاضرة بالفعل عندها ، وكذا النفوس الناطقة بعد مفارقة البدن ، فعلم إمكان ~~اجتماع العلوم الكثيرة دفعة واحدة للعالم. ### ||| ** المسألة التاسعة : في أن العلم بالعلة هل يوجب العلم بالمعلول أم لا؟ (2) # سألت شيخنا أفضل المحققين قدس الله روحه عن هذه المسألة ، فقال : العلم ~~بالعلة يؤخذ باعتبارين : # أحدهما : العلم بأن العلة موجودة متحققة ، وهذا لا شك في أنه يستلزم ~~العلم بوجود المعلول ولا حاجة فيه إلى البرهان. # والثاني : العلم بماهية العلة من حيث هي هي لا باعتبار كونها موجودة ، ~~ولا باعتبار # كونها معدومة. وحينئذ نقول : العلة إن كانت علة لذاتها لا باعتبار أمر ما ~~من الأمور ، ولا وصف ما من الأوصاف ، أو تكون علة باعتبار انضمام أمر ما ~~إليها ، وعلى التقدير الثاني تكون العلة هي المجموع من الماهية وذلك ~~الاعتبار ، ويصير البحث فيه إذا أخذناه من حيث هو مجموع فإنه تكون علة ~~لذاته ويساوي القسم الأول ، فنقول : إذا كانت تلك العلة علة لذاتها لم ينفك ~~معلولها عن ذاتها ، فإذا PageV02P182 # كانت ذاتها حاصلة ms0520 للعالم وجب حصول معلولها له ، وإلا لم تكن علة أينما ~~كانت فلا تكون علة لذاتها. # فقلت له قدس الله روحه : العالم لم تحصل له ماهية العلة وحقيقتها ، بل ~~إنما حصل له مثالها وحكايتها. # فقال : كما ان الماهية حصلت في العقل مثالها ، كذا المعلول يحصل في العقل مثاله. # وهذا غير متين كما نراه ، لأنه نفس الدعوى. وقد استدل القدماء بوجوه ~~ثلاثة : ### |||| ** [الوجه] الأول : العلة لذاتها مؤثرة في المعلول ، فمن عرف تلك العلة فلا بد وأن يعرف منها ~~أنها لذاتها علة لذلك المعلول ، فإن ذاته إذا كانت مقتضية لذلك المعلول ~~لذاتها لا لغيرها ، فمتى علمت وجب أن يعلم على هذا الوجه ، ومتى علم منها ~~أنها علة لذلك المعلول وجب أن يحصل العلم بذلك المعلول ؛ لأن العلم بكون ~~العلة علة للمعلول ، علم بإضافة العلة إلى المعلول ، والعلم بإضافة أمر إلى ~~أمر يستلزم العلم بالمضافين ، فوجب أن يحصل من العلم بالعلة العلم ~~بالمعلول. # اعترض بوجوه : ### |||| ** أ: للعلة ذات في نفسها وحقيقة متأصلة في الوجود أو في الذهن ، إن كانت علة في ~~الذهن لا غير ، وهي بهذا الاعتبار غير مضافة إلى الغير ولا مقولة بالقياس ~~إليه ولها وصف العلية وهو مغاير لحقيقتها ، لأن هذا الوصف اعتبار لها ~~بالقياس إلى معلولية المعلول ، وحكم حصل لها بعد تحققها في نفسها ، ولو كان ~~هذا الوصف هو نفس العلة المتحققة بدون الإضافة لكانت من باب المضاف ، فلا ~~تكون قائمة بنفسها ، هذا خلف. PageV02P183 # ولأنا قد نعقل ذات العلة ونشك في وصف العلية لها فتغايرا. ولأنه لو لا ~~التغاير لكانت ذات العلة مع المعلول كالإضافة بل متأخرة عنه ، والعلة لا شك ~~أنها متقدمة على المعلول ، هذا خلف. # وإذا ثبت التغاير بين ذات العلة ووصف العلية ، وثبت أن ذات العلة حقيقة ~~قائمة بنفسها غير مقولة بالقياس إلى غيرها من معلول وغيره لم يجب من العلم ~~بحقيقة الذات التي عرضت العلية لها العلم بذات المعلول. ### |||| ** ب : العلة ذات ولها وصف العلية ، وهما متغايران كما تقدم ، فإن أردتم بالعلة ~~نفس الذات لا باعتبار الوصف ms0521 ، بل من حيث هي هي ، لم يلزم من العلم بها ~~العلم بالمعلول ، فإن ماهية العلة مغايرة لماهية المعلول ، وليس أحدهما ~~داخلا في الآخر ، بل هما متباينان بالذات ، ونحن نعلم صحة تعقل كل واحدة من ~~الماهيتين مع الذهول عن الأخرى. وإن أردتم الثاني فهو باطل ، لأن العلية ~~إضافة ، والإضافات لا تعقل إلا بعد تعقل المضافات ، فالعلية لا تعقل إلا ~~بعد تعقل المعلول ، فلو استفيد تعقل المعلول من تعقلها دار. ### |||| ** ج : لو لزم من تعقل الشيء تعقل معلوله ، لكنا إذا عرفنا حقيقة وجب أن نعرف ~~لازمها القريب ، ثم ذلك اللازم له لازم آخر ، وللآخر ثالث ، وهكذا إلى ما ~~لا يتناهى ، فيلزم معرفة تلك اللوازم غير المتناهية على التفصيل دفعة واحدة ~~، وهو محال ، وإلا لم يخف علينا شيء البتة ، والضرورة قاضية ببطلانه. ### |||| ** د : علمنا بنفسنا إما أن يكون نفس نفسنا أو لازما بينا قريبا لها ، وعلى ~~التقديرين كان يجب دوام علمنا بنفسنا بدوام نفسنا ، وعلمنا بعلمنا بنفسنا ~~كذلك إلى مراتب غير متناهية. ### |||| ** ه : لأنفسنا لوازم لا واسطة بيننا وبينها ، كالتجرد والاستغناء عن الموضوع ~~وامتناع قدمها وغير ذلك من اللوازم ، فلو لزم من العلم بالعلة العلم ~~بالمعلول PageV02P184 # وجب دوام علمنا بلوازم أنفسنا ، لكنا دائما نغفل عن أكثرها ، إلا إذا ~~التفتنا إليه ، بل وأكثرها يفتقر إلى برهان. ### |||| ** أجيب عن أ: بأن علية العلة لا يمكن أن تكون وصفا ثبوتيا زائدا على ذات العلة ، وإلا ~~لكانت علية العلة لتلك العلية زائدة على ذات العلة وتسلسل. فإذن علية العلة ~~نفس ذاتها المخصوصة ، فيلزم من العلم بها العلم بالمعلول. (1) # وفيه نظر ، لأن قولكم : «العلية نفس العلة» إن أردتم به في الذهن والخارج ~~معا فهو محال ؛ لأن العلية وصف إضافي لا يعقله الذهن إلا مضافا إلى الغير ، ~~والعلة ذات حقيقتها متأصلة في الأعيان فتغايرا بالضرورة. وإن أردتم به أنها ~~نفس العلة في الخارج ، فإن أردتم بذلك أنه ليس في الخارج إلا الماهية ، لا ~~وصف العلية فهو مسلم ، لكن لا يثبت في الخارج وصف العلية ، ويثبت فيه نفس ~~العلة فتغايرا ms0522 قطعا. وإن أردتم به أن الماهية والعلية في الخارج متحدتان ~~وإنما تغايرتا في الذهن لزم ما تقدم من المحال. ### |||| ** وعن ب : أن الذاتين وإن تباينتا في الحقيقة إلا أن المعلول لما كان لازما للعلة وجب ~~أن يكون العلم بالمعلول ملازما للعلم بالعلة ؛ لأن التعقل التام أن يكون ما ~~في الذهن مطابقا للوجود الخارجي ، فإذا لم تكن بين العلة والمعلول واسطة ~~وجب انتفاء الواسطة في العلم. (2) # وفيه نظر ، فإن الماهية الذهنية ليست نفس الحقيقة الخارجية بل مثالها ، ~~فلا يجب مساواته لها في كل الأحكام. ولأن الذهن قد تصده الغفلة وغيرها عن ~~اللزوم بخلاف الخارجي. ### |||| ** وعن ج بوجهين : (3) PageV02P185 ### |||| ** الأول : التزام ذلك ، وهو أنا متى عرفنا ماهية شيء وحقيقته لا بد وأن نعرف جميع ~~لوازمه ، لكنا لا نعرف حقيقة شيء من الأشياء ، بل إنما نعرف من كل شيء ~~لازمه ووصفه لا ذاته. # لا يقال : هذا باطل. ### |||| ** أما أولا : فلأن تلك الصفات كما أنها لازمة لتلك الماهيات فتلك الماهيات أيضا لازمة ~~لتلك الصفات ، فإذا ساعدتم على معرفة الصفات لزمكم أن يكون العلم بها علة ~~للعلم بتلك الماهيات ثم يكون العلم بتلك الماهيات علة للعلم بسائر الصفات. ### |||| ** وأما ثانيا : فلأنكم بنيتم (1) أن علمنا بنفسنا هو نفس نفسنا ولوازمها. # فإذن علمنا بحقيقة نفسنا حاضر أبدا فيجب أن نعرف صفاتها دائما من غير كسب. ### |||| ** لأنا نجيب عن الأول : بأنه من الجائز أن تكون الصفات لازمة للموصوفات ولا تكون الموصوفات لازمة ~~للصفات ، فإن تعاكس اللزوم غير واجب ، وإلا لوجبت المساواة بين كل ملزوم ~~ولازمه ، لكنا نعلم جواز كون اللازم أعم ، فزوايا المثلث الثلاث تلزمها ~~المساواة لقائمتين دون العكس ، فليس تساوي القائمتين مستلزما للزوايا ~~الثلاث ، فإن الخط الواقع على مثله على انحراف تحدث عنه زاويتان مساويتان ~~لقائمتين ولا مثلث هناك ، فبطلت دعواهم. # فإن فرضوا الكلام في لازم مساو ، أجبنا بجواب شامل ، وهو أن اللوازم ~~معلولات الماهية ، والعلم بالمعلول لا يوجب العلم بالعلة على ما يأتي. # والوجه في الجواب أن نقول : من اللوازم ما هو مستند إلى الماهية لا غير ms0523 ، لا PageV02P186 # بالإضافة إلى شيء البتة. ومنها ما يلزمها باعتبار قياسها إلى الغير. # والقسم الأول قليل ، ويلزم من العلم بالماهية العلم بتلك اللوازم ما لم ~~يطرأ على الذهن ما يشغله عن الاندفاع إليها. # وأما الثاني : فكثير ، لكن لا يلزم من العلم بالماهية العلم بتلك اللوازم ~~ما لم ينضم إلى العلم بالماهية العلم بتلك الأشياء المأخوذة في القياس ، ~~والعلم بتلك غير واجب. ### |||| ** وعن الثاني : بأنه يمكن على طريقين : ### |||| ** أ: أن نقول : المعلوم بالبديهة لنا من أنفسنا وجودها ، فأما حقيقتها فغير ~~معلومة لنا بالبديهة ، بل بنوع من النظر والفكر ، وهذا غير مرضي على ما ~~ستعرفه. ### |||| ** ب : اللوازم قسمان : اعتبارية وهي ما لا ثبوت لها إلا عند اعتبار العقل إياها ، ~~مثل : كون النفس شيئا قائما بذاته غنيا عن الموضوع وكونها حادثة وباقية ، ~~فإن الغنى عن الموضوع قيد سلبي ، ولو كان ثبوتيا كان للشيء الواحد صفات غير ~~متناهية لأجل سلب أمور غير متناهية لا مرة واحدة ، بل مرارا غير متناهية. # ولو كان الحدوث والبقاء وصفين ثبوتيين ، لزم التسلسل على ما تقدم. فأمثال ~~هذه الصفات لا وجود لها في الخارج ، فإذن تلك الماهية لا تكون علة لتحقق ~~هذه الصفات مطلقا حتى يكون العلم بها علة للعلم بهذه الصفات مطلقا ، بل ~~إنما تكون علة لتحقق هذه الصفات عند اعتبار العقل لها لا مطلقا أيضا ، بل ~~إنما تكون علة لتحقق هذه الصفات عند اعتبار جملة مغايرة لعلية العلة ؛ فإن ~~علية العلة من الوسطيات ولا شك أن العلم بماهية النفس وتلك الوسطيات ~~الملتفت إليها علة للعلم بوجود أمثال هذه اللوازم. # فأما اللوازم الحقيقية غير الاعتبارية فهي للنفس ، مثل : قدرتها على ~~الإدراك PageV02P187 # والتحريك ، فإن القدرة صفة حاصلة للنفس لا تتوقف على الفرض والاعتبار ، ~~فلا جرم من عرف ذاته عرف هذه الصفات. ### |||| ** وعن د : ما مر من أن علمنا بنفسنا نفس نفسنا بالذات ومغاير لها بالاعتبار فجاز ~~التخلف للغفلة ، أو حضور ما يشغل النفس عن الالتفات إليه ، فإذا خلت النفس ~~عن هذه الموانع حصل العلم بها. # وفيه ما مر. # وعن ه ms0524 : ما مر أيضا. ### |||| ** [الوجه] الثاني : (1) أنا دائما نستدل بالأسباب على مسبباتها ، فإذا رأينا ملاقاة النار ~~للقطن علمنا ثبوت الإحراق ، وإذا رأينا الثقل مع عدم المانع تيقنا الهوى ، ~~وليس الموجب لذلك إلا أن العلم بالسبب يوجب العلم بمسببه. # اعترض (2): بأنا إنما نعرف ذلك بالحس لا بالعلم بماهية العلة ، أو ~~بالاستقراء ، بل الدلالة بالعكس أولى ، فإنا ما لم نشاهد الري من شرب الماء ~~والشبع من تناول الطعام لم نعرف ثبوت هذين الأثرين عليهما ، ولو كانت معرفة ~~ذات العلة كافية في معرفة وجود المعلول لما احتجنا في هذه المواضع إلى ~~التجربة. # ونقول أيضا : إن أردتم أن علمنا بثبوت العلة من حيث إنها علة توجب علمنا ~~بثبوت المعلول فهو حق ، وإن أردتم أنا إذا علمنا ذات العلة لا باعتبار هذا ~~الوصف يلزم العلم بثبوت المعلول فهو في غاية المنع. (3) ### |||| ** [الوجه] الثالث : إذا عقلنا العلة حصل في ذهننا ماهية موجبة لماهية PageV02P188 # المعلول ، ومتى كان كذلك كان العلم بالمعلول حاصلا. والمقدمتان ظاهرتان ، ~~وهو بناء على أن التعقل يستدعي حصول ماهية مساوية للمعقول في العاقل ، وهو ~~ممنوع. ولو سلمنا المساواة ، لكنها لا تحصل من كل وجه بالضرورة ، فجاز وقوع ~~التخلف باعتبار وجه المخالفة. ### |||| ** تنبيه : (1) هذا العكس غير لازم فإنه لا يلزم من العلم بالمعلول العلم بالعلة ، لأن ~~المعلول إنما يستند إلى العلة لا لذاته وحقيقته ، بل لأجل أنه في ذاته غير ~~مستقل بالوجود والعدم ، إذ لو استقل بأحدهما كان واجبا أو ممتنعا لذاته فلا ~~يكون ممكنا واستحال اسناده إلى العلة. # ثم إن عدم الاستقلال في الوجود والعدم هو الإمكان ، فإذن حاجة المعلول ~~إلى العلة واسناده إليها لأجل الإمكان. ثم الإمكان لا يقتضي احتياج المعلول ~~إلى علة معينة ، وإلا لكان كل ممكن مستند إلى تلك العلة ؛ لأن الإمكان أمر ~~واحد في كل الإمكانات ، بل الإمكان يحوج إلى علة مطلقة ، فلهذا لم يكن ~~العلم بالمعلول مفيدا للعلم بحقيقة العلة المخصوصة ، ولما كان الإمكان علة ~~للحاجة إلى العلة المطلقة كان العلم بالإمكان سببا للعلم بالحاجة إلى علة مطلقة. # وأما العلة ms0525 فإن اقتضاءها للمعلول لذاتها وحقيقتها المخصوصة ، فإن (2) ~~عليتها لا بد وأن تكون من لوازمها. ثم إن العلة المعينة لا تقتضي معلولا ~~مطلقا ، وإلا لكان لا يتخصص إلا بقيد آخر ، ولا يوجد المعلول المعين بهذه ~~العلة لا غير بل مع شيء آخر فلا يكون ما فرضناه علة علة ، هذا خلف. # فإذن العلة بحقيقتها المخصوصة تقتضي ذلك المعلول المعين ، فلهذا استند ~~إليها دون غيرها ، فكان العلم بحقيقة العلة المعينة علة للعلم بالمعلول ~~المعين. أما PageV02P189 # المعلول المعين فإنه لا يقتضي العلة المعينة من حيث هي معينة بل يقتضي ~~علة مطلقة ، فلا جرم لم يلزم من العلم بالمعلول العلم بالعلة المعينة. # لا يقال : إذا كان المعلول المعين لا يقتضي علة معينة ، فلم استند إلى ~~علة معينة دون غيرها فإنها لا أولوية؟ # لأنا نقول : المعلول المعين يقتضي علة مطلقة ، لكن العلة المعينة تقتضي ~~معلولا معينا ، فتعين تلك العلة لذلك المعلول ليس لأجل اقتضاء المعلول لها ~~بل لأجل اقتضائها لذلك المعلول ، فلما كانت تلك العلة تقتضي لذاتها أن تكون ~~مؤثرة في ذلك المعلول استحال أن تؤثر فيه علة أخرى ، لامتناع استناد ~~المعلول الواحد بالشخص إلى علتين. فتعين العلة جاء من قبل العلة لا من قبل ~~المعلول. # قال أفضل المتأخرين : ذكرت في بعض كتبي أن العلم بالعلة لا يوجب العلم ~~بالمعلول مطلقا كيف كان ، بل العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول بشرط تصور ~~ماهية المعلول. واستدللت عليه بأن العلية وصف إضافي ، والأمور الإضافية لا ~~تستقل باقتضائها أحد المتضائفين ، وإلا لوجدت تلك الإضافة لذلك الشيء وحده ~~عند عدم غيره ، وهو محال. # فإذن لا يلزم من العلم بأحد المضافين العلم بتلك الإضافة ، فلا يلزم من ~~العلم بذات العلة العلم بالعلية ، بل العلم بذات العلة علة للعلم بالمعلول ~~بشرط حصول تصور المعلول ؛ لأن الوصف الإضافي إذا كان معلولا لمجموع ~~المضافين كان العلم بهما معا علة للعلم بالوصف الإضافي. وأما الآن فلما ثبت ~~أن العلية لا يمكن أن تكون وصفا ثبوتيا ، بل ليس هاهنا إلا ذات العلة وذات ~~المعلول ، ولا شك أن ms0526 ذات العلة من حيث كونها تلك الذات المخصوصة علة لذلك ~~المعلول لا جرم لزم من العلم بالعلة العلم بالمعلول مطلقا. (1) PageV02P190 ### ||| ** المسألة العاشرة : في أن العلم بالمسبب إنما يحصل من العلم بسببه (1) # لما كان الشيء الممكن لا يوجد في الخارج بذاته ولا اتفاقا من غير وجود ~~سببه ، بل إنما يوجد بسببه ؛ وكان العلم من شرطه المطابقة ، فإن السبب ~~التام إنما يحصل إذا كانت الصورة الذهنية مطابقة لذلك الخارجي ، وكان ~~الممكن في الخارج لا بد له من سبب لامتناع اقتضاء ذاته ترجيح أحد الطرفين ، ~~وإلا لخرج عن كونه ممكنا ، كان العلم به إنما يحصل بواسطة العلم بسببه ، ~~لأن ذا السبب ممكن ، وإلا امتنع اسناده إلى السبب ، وليس للممكن ترجح ~~لوجوده على عدمه وبالعكس ، فبالنظر إليه يمتنع الجزم بأحد الطرفين ، بل ~~إنما يحصل الجزم بأحدهما إذا انضم إليه السبب لا غيره لعدم وجوبه بغير سببه ~~، فإن الشيء كما أنه لا يوجد إلا عند وجود سببه كذا العلم لا يحصل إلا من ~~العلم بسببه ، وكما أنه بالنظر إلى سببه يصير واجب الوجود في الخارج ممتنع ~~التغير ، وهذا هو اليقين التام. فثبت أن العلم بوجود ذوات المبادئ إنما ~~يحصل من مبادئها. # لا يقال : إذا علمنا وجود الكتابة علمنا أن لها كاتبا ، مع أن الكتابة ~~ليست علة للكاتب ، بل الكاتب هو العلة. # ولأن الممكن يصدق عليه أنه لا يقتضي الرجحان لا أنه يقتضي اللارجحان ، ~~ومقتضى ذلك أنه لا يلزم من النظر إليه من حيث هو هو حصول الرجحان لا أن ~~يلزم من النظر إليه من حيث هو هو حصول اللارجحان. وإذا كان كذلك ، فنحن ~~نقول : النظر إلى الممكن من حيث هو هو لا يقتضي PageV02P191 # العلم برجحان وجوده على عدمه ، ولكنه لا يمنع من حصول العلم بذلك ~~الرجحان. # فإن قلت : إذا كان العلم بتلك الماهية لا يقتضي العلم بذلك الرجحان فمن ~~أين حصل العلم بالرجحان؟ # قلنا : أنت المستدل فعليك دليل النفي # لأنا نقول : العلم بالكتابة لا يوجب العلم بالكاتب ، بل يوجب العلم ~~باحتياج الكتابة إلى الكاتب ، واحتياج ms0527 الكتابة إلى الكاتب حكم لاحق للكتابة ~~لازم لها معلول لماهيتها ، فيكون ذلك في الحقيقة استدلالا بالعلة على ~~المعلول. ثم إن العلم بحاجة أمر إلى أمر لما كان مشروطا بالعلم بكل واحد من ~~الأمرين صار الثاني معلوما ؛ لضرورة حصول العلم بالإضافة إليه. # فأما الاعتقاد الحاصل لا من جهة السبب ، ولو كان في غاية القوة إلا أنه ~~ليس يمتنع التغير ، بل هو في معرض التغير والزوال ، لأنه ليس ملتفتا إليه ~~من جهة سببه فيكون ممكن التغير. # وأما الشيء الذي يكون غنيا عن السبب فإما أن يكون العلم به أوليا أو لا ، ~~ثم يحصل العلم به البتة ، أو لا يكون إليه طريق إلا بالاستدلال عليه بأمارة ~~، وحينئذ لا يمكن معرفة حقيقته كواجب الوجود الذي هو البرهان على الكل ، ~~وليس شيء غيره يكون برهانا عليه ، كما ورد في قوله تعالى : ( @QUR@07 شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو ) (1)، وقال أيضا : ( @QUR@07 قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله ) (2)، وقال تعالى : PageV02P192 # ( @QUR@019 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) (1)، فالمرتبة الأولى وهي الاستدلال ~~بآيات الآفاق والأنفس عليه تعالى مرتبة القاصرين ، والثانية وهي الاستدلال ~~به على الكل مرتبة الصديقين. # واعلم أن المراد من ذلك إن كان العلم بالوجود ، فلا فرق بين البابين ، ~~فإنه يلزم من العلم بوجود كل من العلة والمعلول وجود الآخر. وإن كان المراد ~~العلم بالحقيقة ففيه ما تقدم. ### |||| ** تذنيب : ما يعلم بسببه إنما يعلم كليا فإنا إذا علمنا أن الألف يوجب الباء فالباء ~~من حيث هو أمر كلي ؛ لأنه لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه ، وكونه ~~معلولا للألف لا ينافي كليته لإمكان أن تكون الباء الصادرة عن الألف لا ~~تمنع نفس تصوره مستندا إلى الألف من وقوع الشركة فالمعلوم بسببه إنما يعلم كليا. # اعترض (2) بأن السواد إذا تشخص فلا بد وأن يكون تشخصه لسبب فإذا علم سبب ~~تشخصه وجب أن يعرف ذلك التشخص ، لأن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ، ~~فهنا قد علم ms0528 الشيء بسببه لا على الوجه الكلي ، بل على الجزئي. PageV02P193 # وأيضا ما ذكرتم إنما يصح لو استدللنا بالألف على الباء ، أما إذا ~~استدللنا بهذه الألف على هذه الباء فلا يتم ما ذكرتم فإن ذلك هو المطلوب ، ~~وكلامكم غير متعرض له ، بل الصحيح جوازه ؛ لأن الأشخاص من حيث إنها أشخاص ~~معلولة ولا بد وأن تنتهي في سلسلة الحاجة إلى واجب الوجود ، والعلم بالعلة ~~توجب العلم بالمعلول عندكم ، فيلزم من علم واجب الوجود بذاته علمه بالأشخاص ~~الزمانية من حيث هي أشخاص زمانية ، لا من حيث هي كلية. وبهذا يظهر بطلان ~~قول الفلاسفة في نفي علمه تعالى بالجزئيات. وسيأتي الاستقصاء فيه إن شاء ~~الله تعالى. ### ||| ** المسألة الحادية عشرة : في كيفية العلم بالجزئيات (1) # العلم عند قوم أنه صورة مساوية للمعلوم كما قد عرفت. وعند آخرين أنه صفة ~~حقيقية تلزمها الإضافة. وعند آخرين أنه نفس الإضافة من العالم والمعلوم. ~~وكما أن للكلي صورة في نفس الأمر يعلم ذلك الكلي باعتبار انطباع مساويها في ~~الذهن ، كذلك للجزئي صورة جزئية في نفس الأمر تنطبع في الذهن مثالها حتى ~~يعلم ذلك الجزئي ، هذا إن جعلنا العلم صورة. وإن جعلناه صفة تلزمها الإضافة ~~إلى المعلوم ، أو إضافة إلى المعلوم ، فكذلك لكل معلوم من الكلي والجزئي ~~صفة ذات إضافة بحسبه ، وتلزمها الإضافة إليه الخاصة أو إضافة مخصوصة به. ~~فإذا تغير المعلوم كما في الجزئيات الحادثة المتغيرة وجب تغير الإضافة إليه ~~أو الصورة المنتزعة منه ، لكن لما كان واجب الوجود تعالى وتقدس لا يعلم ~~الأشياء بصورة PageV02P194 # موجودة في ذاته لاستحالة انطباع غيره فيه ، بل إنما يعلمها إما بالإضافة ~~بينه وبين المعلومات كالخالقية والرازقية ، أو بصفات تلزمها الإضافات وجب ~~إذا تغير المعلوم أن تتغير الإضافة خاصة ، وذلك لا يثلم بقاء علمه ، كما في ~~القدرة التي إذا تغير المقدور تغيرت إضافة القادر إليه دون نفس القدرة. # كذا هنا ، إذا علم الله تعالى أن زيدا في الدار حال كونه فيها فإذا خرج ~~زيد عنها لم يزل علمه ؛ لأن علمه بذلك تعلق به في الأزل لكن ms0529 زالت إضافته ~~وصارت الإضافة متعلقة بخروجه ؛ لأنه تعلق علمه بذلك في الأزل أيضا. # وجماعة من مشايخ المعتزلة جعلوا العلم بأن الشيء سيوجد هو نفس العلم ~~بوجوده إذا وجد ، إذ لو غايره فإن بقي الأول لزم الجهل ، وإن زال لزم عدم ~~القديم. # ولم يدر أن الزائل ليس صفة حقيقية ، بل الإضافة المحضة. ولا يمكن العذر ~~بما قاله ؛ لأنه لو كان كذلك لكان من علم أن زيدا سيوجد غدا ثم لم يشعر ~~بوجود الغد يلزم أن يعلم أن زيدا هو الآن موجود ، والتالي باطل بالضرورة ، ~~فكذا المقدم. # وأيضا العلم يشترط فيه المطابقة ، وكون الشيء سيوجد مغاير لكونه موجودا ~~بل مناف له ، لأن معنى أنه سيوجد أن الذي هو معدوم الآن له وجود وتحقق في ~~الزمان المستقبل ، فكون الشيء سيوجد يشترط فيه العدم الحالي ، وكونه موجودا ~~ينافيه ، وإذا تغايرت الصورتان وتنافيا وجب تغاير الصورة الحاصلة عنهما ~~والإضافة بينهما. PageV02P195 ### ||| ** المسألة الثانية عشرة : في أن الجزئيات قد تعلم على وجه كلي (1) # اعلم أن الجزئيات قد تعلم على وجه كلي من حيث تجب بأسبابها منسوبة إلى ~~مبدأ نوعه في شخصه (2)، تتخصص به (3) كالكسوف الجزئي ، فإنه قد يعقل وقوعه ~~بسبب توافي أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها وتعقلها كما تعقل الكليات ، ~~فإنك إذا علمت الحركات السماوية كلها فلا بد وأن تعلم كل كسوف وكل اتصال ~~وانفصال جزئي معين ولكن على نحو كلي ، فإنك تقول في كسوف معين إنه كسوف بعد ~~زمان حركة تكون للقمر بشرط كذا ، وتعرف أنه تكون بينه وبين كسوف سابق عليه ~~أو متأخر عنه مدة كذا ، حتى لا يبقى عارض من عوارض ذلك الكسوف إلا وقد ~~علمته ، لكنك علمته كليا ، لما عرفت من أن الكلي وإن اعتبر فيه ألف شرط لا ~~يخرج عن معنى الكلية ، فإن المفهوم من ذلك الذي يقيد بألف قيد لا يمنع ~~تصوره عن أن يحمل على كثيرين ، إلا إذا عرف بحجة خارجية أنه لا يكون ذلك ~~إلا واحدا. # واعلم (4) أن كلية الإدراك وجزئيته تابعان لكلية التصورات الواقعة فيه ~~وجزئيتها دون التصديقات ms0530 ، فإذا قلت : هذا الإنسان يقول هذا القول في هذا ~~الوقت كان جزئيا ، وإذا قلت : الإنسان يقول قولا في وقت ما كان كليا ، ولم ~~يتغير في الحكمين سوى حال الإنسان والقول والوقت المفردات بالجزئية ~~والكلية. وكل PageV02P196 # جزئي يتعلق به حكم فله طبيعة توجد في شخصه ، إنما تصير تلك الطبيعة جزئية ~~لا يدركها العقل ولا يتناولها البرهان والحد بسبب انضياف معنى الإشارة ~~الحسية إليها ، أو ما يجري مجراها من المخصصات التي لا سبيل إلى إدراكها ~~إلا الحس وما يجري مجراه. فإن أخذت تلك الطبيعة مجردة عن تلك المخصصات صارت ~~كلية يدركها العقل ويتناولها البرهان والحد ، وكان الحكم المتعلق بها حين ~~كونها جزئية باقيا بحاله. اللهم إلا أن يكون الحكم متعلقا بالأمور المخصصة ~~من حيث هي مخصصة. فكل من أدرك علل الكائنات من حيث إنها طبائع ، وأدرك ~~أحوالها الجزئية وأحكامها كتلاقيها وتباينها وتماسها وتباعدها وتركبها ~~وتحللها من حيث هي متعلقة بتلك الطبائع ، وأدرك الأمور التي تحدث معها ~~وبعدها وقبلها من حيث يكون الجميع واقعة في أوقات متحدد بعضها ببعض على وجه ~~لا يفوته شيء أصلا ، فقد حصل عنده صورة العالم منطبقة على جميع جزئياته ~~الثابتة والمتجددة المتصرمة الخاصة بوقت دون وقت كما عليه الوجود ، وتكون ~~تلك الصورة بعينها منطبقة على عوالم أخر لو حصلت في الوجود مثل هذا العالم ~~بعينه فتكون صورة كلية منطبقة على الجزئيات الحادثة في أزمنتها غير متغيرة ~~بتغيرها. (1) # وفيه نظر ، فان الجزئية لا تستتبع الإشارة الحسية خاصة ، فإن واجب الوجود ~~والعقول المجردة والنفوس الناطقة ، كلها جزئيات شخصية تمتنع فيها الشركة مع ~~انتفاء الإشارة الحسية فيها. وتعقل الإشارة بأسبابها لا يفيد إلا الارتباط ~~والتلازم بينها وبين أسبابها ، ولا شعور هناك بوقوع الجزئيات وعدمه ، وهذا ~~غاية التجهيل ، فأي علم بعد ذلك يحصل؟! # والسبب في هذا الغلط كله القول بالصور المساوية مع انها ممتنعة في حقه ~~تعالى ، ولهذا الباب كلام بسيط سيأتي بعضه إن شاء الله تعالى. PageV02P197 ### ||| ** المسألة الثالثة عشرة : في العلم الفعلي والانفعالي (1) # من مشهورات الحكماء ان العلم منه فعلي ومنه ms0531 انفعالي ؛ لأن الصورة الثابتة ~~في الخارج إن استفيدت من التعقل سمي ذلك العلم فعليا (2)؛ لأنه محصل ~~للماهية الخارجية كالنجار إذا تصور هيئة نقش مما لم يسبقه أحد إليه ، بل ~~اخترعه من نفسه ثم أوجد مثاله في الخارج ، وكذا البناء إذا ارتسم في خياله ~~شكل بيت معين على هيئة خاصة لم يسبق وجودها ، فان ذلك التصور يصير مبدأ ~~لحصول ذلك في الخارج. وأيضا جميع الأفعال الحيوانية والإنسانية إنما توجد ~~بسبب العلم بما يشتمل عليه من المنافع أو الظن أو الاعتقاد ، فإن العطشان ~~إذا وجد الماء البارد وعلم أو ظن أو اعتقد أن لا ضرر عليه من شربه لا في ~~الحال ولا فيما بعده ، فانه يصدر عنه الشرب باعتبار ذلك العلم والظن ~~والاعتقاد. والعالم بما في السم من المضار وعدم اشتماله على منفعة البتة ~~فانه بالضرورة يمتنع عن تناوله. وكذا الإنسان إذا تذكر الله تعالى وعظم ~~شأنه وخشي من أليم عقابه قف (3) جلده وقام شعره استشعارا من خشية الله ~~تعالى. وكذلك إذا رأى صورة جميلة أو تذكرها ربما انتشر عضوه. # وفيه نظر ، فإن هذا العلم في الحقيقة انفعالي ؛ لأنه مستفاد من الصورة ~~الخارجية ، وإن كان يصدر عنه شيء فباعتبار آخر. فهذه الإدراكات الكلية تارة ~~والجزئية أخرى هي الأسباب لحصول الأفعال في الخارج ، إلا أن تصورات النفس ~~الإنسانية لا تؤثر في وجود تلك المتصورات إلا بواسطة الآلات ، فأما إذا كان PageV02P198 # الفاعل غنيا عن الآلات كان نفس إدراكه سببا لحصول المدرك في الخارج (1)، ~~فهذا هو العلم الفعلي. # وأما العلم الانفعالي فهو الذي يكون وجود المعلوم متقدما على العلم ويكون ~~العلم تابعا له وحكاية عنه ، كمن نظر إلى صورة السماء والأرض وغيرهما من ~~الموجودات ، فتصور منها في ذهنه صورا وارتسم منها في خياله هيئة مستفادة من ~~الأمور الخارجية ، فإن هذه الصور الذهنية معلولة للصورة الخارجية وحاصلة ~~منها. وقد كانت الصورة الأولى في العلم الفعلي علة محصلة لما في الخارج. ~~والعلم الفعلي أشرف وأفضل من الانفعالي ؛ فان الضرورة قاضية بأن المنشئ ~~لمسألة والمخترع لها ، أو للقصيدة ms0532 التي لم يسبقه إليها غيره أشرف وأكمل من ~~علم من تعلمها منه. # وقد سألت شيخنا أفضل المحققين عن علة الحصر ، فمنع منه (2) وأبدأ قسما ~~ثالثا لا فعليا ولا انفعاليا ، وهو علم واجب الوجود تعالى بذاته فانه خارج ~~عن القسمين. # وفيه نظر ، فان علم واجب الوجود بذاته نفس ذاته بالذات ومغاير له ~~بالاعتبار ، ومن حيث المغايرة يكون صادرا عنه ومتأخرا بالذات وكأنه حكاية ~~عنه ومثال له ومستفاد منه ، فان الذات الحقيقية هي الأصل وهذا العلم تابع ، ~~فكان انفعاليا بهذا الاعتبار عن ذاته لا عن غيره. |وبتوهم لسقطة ، على||جذع ، عناية ، سقوط فعلا| # وقال في شرحه : فان هذا العلم التوهمي بمجرده ، ومحض تخيل السقوط بلا ~~روية وتصديق بغاية ، منشأ للفعل الذي هو السقوط. شرح المنظومة لناظمها : 117. PageV02P199 ### ||| ** المسألة الرابعة عشرة : في التلازم بين التجرد عن المادة والتعقل # هذا الحكم يتوقف على أمرين : ### |||| ** أ: إن العاقل يجب أن يكون مجردا عن المادة ولواحق المادة ، وهذا سيأتي إن شاء ~~الله تعالى في علم النفس. ### |||| ** ب : عكسه وهو أن كل مجرد يجب أن يكون عاقلا ، ولنبحث الآن فيه. # وقد صدر عن الأوائل فيه حجج ثلاث (1): ### |||| ** الحجة الأولى : إن كل مجرد يصح أن يعقل غيره ، وكل ما يصح أن يعقل غيره فإنه يصح أن يعقل ذاته. # أما الصغرى ، فلأن كل مجرد فإنه يصح أن يكون معقولا وحده بالضرورة ، إذ ~~لا مانع فيه عن التعقل لأنا فرضناه مجردا وهو المصحح للمعقولية ، فإذا وجد ~~القابل وجد الفيض قطعا ، وكل ما يصح أن يكون معقولا وحده صح أن يكون معقولا ~~مع كل ما عداه من المعقولات ، فكل ما كان كذلك صح على ماهيته أن تقارن جميع ~~ما عداه من الماهيات ؛ لأن التعقل حصول صورة المعقول في العاقل ، فإن كل ~~مجرد فانه يصح أن تقارن ماهيته سائر الماهيات. # فنقول : تلك الصحة إن اعتبر فيها كون تلك الماهية في العقل ، مع أن كونها ~~في العقل عبارة عن كونها مقارنة للعقل ، لزم أن تكون صحة وجود الشيء متأخرة ~~عن وجوده ، وقد كان الوجود ms0533 متأخرا عن الصحة ، هذا خلف. أو لا يعتبر فيها ~~ذلك ، وحينئذ تلك الماهية المعقولة إذا وجدت قائمة بنفسها في الخارج أمكن ~~أن تقارن ماهيتها ماهيات الأشياء المعقولة ، ولا معنى للتعقل إلا هذه ~~المقارنة. PageV02P200 # فإذن كل ماهية مجردة فإنه يصح عليها أن تعقل سائر الماهيات المجردة ، وكل ~~ما صح في حق المفارقات وجب. فإذن كل ماهية فإنها تعقل جميع الماهيات. # وأما الكبرى ، فلأن كل من عقل شيئا أمكن أن يعقل كونه عاقلا لذلك المعقول ~~، وذلك يتضمن كونه عاقلا لذاته ، فإذن كل مجرد يجب أن يكون عاقلا لذاته ~~ولجميع ما عداه من المجردات. # اعترضه أفضل المتأخرين بوجوه : (1) ### |||| ** الأول : لا نسلم «أن كل مجرد يصح أن يكون معقولا» فإنه ليس ببديهي ، فلا بد فيه من ~~البرهان ، خصوصا وعندكم واجب الوجود تعالى مجرد وكذا العقول وكلها غير ~~معقولة ، بل القوى البسيطة غير معقولة للبشر ، فبطل الحصر الموجب الكلي (2). # وأجاب أفضل المحققين : بأن ذات الله تعالى وذوات العقول غير معقولة لنا ، ~~لكنها في أنفسها يمكن أن تكون معقولة (3). # وهذا الجواب غير كاف لبقاء السؤال بحاله ، فإن الجواب عن نقض واحد لا ~~يستلزم الاستيعاب. # وأجاب بعضهم : بأن واجب الوجود معلوم لأن حقيقته تعالى نفس وجوده المجرد ~~عن المادة ، والوجود واحد على ما تقدم ، وهو معلوم ، والقيد السلبي معلوم ~~أيضا ، فكانت حقيقته معلومة. PageV02P201 # واعترض بمنع كون وجوده نفس حقيقته (1). سلمنا ذلك في حقه تعالى ، لكن ~~العقول المفارقة ماهياتها غير وجوداتها بالاتفاق مع أنها غير معقولة. ### |||| ** الثاني : لو سلمنا «أن كل مجرد يصح أن يكون معقولا» فلم قلتم : إنه يصح أن يكون ~~معقولا مع غيره؟ والاستقراء لا يفيد العلم ، فلعل من المجردات ما لا يصح أن ~~يعقل شيء آخر مع تعقلها ، وكيف يحكم بامتناع ذلك من يكون ظاهر مذهبه أن ~~العلم بالشيء والعلم بغيره لا يجتمعان؟! (2) # أجاب أفضل المحققين : بأن تعقل كل موجود يمتنع أن ينفك عن صحة الحكم عليه ~~بالوجود والوحدة ، وما يجري مجراهما من الأمور العامة ، ولذلك حكم بعضهم ~~بأن التصور لا يتعرى عن تصديق ما ms0534 ، والحكم بشيء على شيء يقتضي مقارنتهما في ~~الذهن ، فإذن لا شيء يصح أن يعقل وحده إلا ويصح أن يعقل مع غيره (3). ### |||| ** الثالث : سلمنا «أن المجرد يصح أن يعقل مع غيره» ، لكن لا نسلم أن كل مجرد فانه يصح ~~أن يعقل مع كل ما عداه ، حتى يفرع عليه : أن كل مجرد فإنه يصح أن يعقل كل ~~الأشياء (4). # أجاب أفضل المحققين : بأن المطلوب هنا هو إثبات العاقلية لكل ما يفرض ~~مجردا ، ويكفي فيه صحة مقارنته لمعقول واحد ، وأما إثبات صحة تعقل كل ~~الأشياء لكل مجرد فشيء لم يدعه الآن (5)، ولو قال بدل ذلك : إن كل مجرد ~~فإنه يصح أن يكون معقولا لكل مجرد ، لكان أولى. PageV02P202 ### |||| ** الرابع : لم قلتم : إن صحة المقارنة تكون في الخارج؟ ولم لا يجوز أن تكون مشروطة بأن ~~تكون في النفس؟ # قوله : «لو توقف صحة المقارنة على حصول المجرد في النفس لزم تأخر صحة ~~الشيء عن وجوده» ، مغالطة ، فإن المقارنة جنس تحته أنواع ثلاثة : ### |||| ** أ: مقارنة الحال للمحل ، كمقارنة السواد لمحله. ### |||| ** ب : عكسه ، وهو مقارنة المحل للحال ، كمقارنة محل السواد له. ### |||| ** ج : مقارنة احدى الحالين للآخر ، كمقارنة السواد والحركة في الجسم الأسود ~~المتحرك. # وهذه الأنواع مختلفة بالماهية ، لأن كل واحد منها يصح عليه ما لا يصح على ~~الآخر ، وإذا ثبت هذا فنقول : مقارنة الصورتين المعقولتين في العقل مقارنة ~~الحالين في المحل الواحد. ومقارنة الصورة العقلية مع النفس مقارنة الحال ~~للمحل ، ولا يلزم من الحكم بصحة نوع واحد على شيء صحة الحكم بسائر الأنواع ~~عليه ، فلا يلزم من عدم توقف صحة النوع الأول من المقارنة على الحصول في ~~النفس عدم توقف النوع الثالث عليه. # ثم بتقدير ذلك لا يلزم أيضا منه أن الماهية المعقولة إذا وجدت في الخارج ~~صح أن تقارنها سائر الماهيات المعقولة ، لأن ذلك مقارنة المحل للحال ، وهو ~~نوع مخالف للنوعين الآخرين ، ويؤكد القول بأنه ليس حكم كل واحد من هذه ~~الأنواع حكم الآخر ، أن الإنسان الخارجي قائم بذاته وحساس ومحسوس ودراك ~~وفعال ، وكل ذلك على الإنسان الذهني ms0535 محال ، وبالعكس. # والعرض يصح أن يقارن غيره مقارنة الحال للمحل ، من غير عكس ، وكذا الصورة ~~، وباقي الجواهر بالعكس. وإذا ثبت ذلك كان توقف صحة مقارنة المجرد PageV02P203 # لغيره التي هي مقارنة الحالين على حصول المجرد في العاقل الذي هو مقارنة ~~الحال للمحل ، توقف صحة وجود نوع على وجود نوع آخر ، ولا يلزم منه محال. ~~وبتقدير أن لا يكون أحدهما متوقفا على الآخر ، لكن لا يلزم من صحة وجود ~~نوعين من المقارنة صحة النوع الثالث الذي لا يتصور تعقل المجرد إلا به (1). # أجاب أفضل المحققين : بأن حصول نوع من المقارنة كاف في الدلالة على صحة ~~طبيعة المقارنة مطلقا من حيث الماهية المشتركة ، وهي كافية في تقرير الحجة (2). # وهذا الكلام في غاية المنع ، فإن مطلق المقارنة غير كاف في المطلوب ؛ لأن ~~المطلوب هو وجود مقارنة المحل للحال ، والمستدل به هو : إما مقارنة الحال ~~للمحل ، أو أحد الحالين للآخر ، ولا شك في إمكان الانفكاك بينهما ، بل في ~~وجوبه ؛ فإن الصورة العقلية الحالة في الذهن تقارن الذهن مقارنة الحال ~~للمحل ، ويمتنع أن تكون ثابتة في الخارج ، فضلا عن أن تكون ثابتة في الخارج ~~محلا لما فرض محلا لها. # واعلم أن هذا الإيراد الذي أورده أفضل المتأخرين لازم لهم ، لا جواب عنه البتة. ### |||| ** الخامس : سلمنا أن هذه الأنواع متساوية في الماهية ، أو أن صحة أن يقارنها شيء لا ~~يتوقف على كونها عقلية ، فلم قلتم : إن مثلها إذا وجد في الخارج وجب أن يصح ~~عليه ذلك؟! فإنه لا يلزم من صحة حكم على ماهية عند كونها في الذهن صحته ~~عليها في الخارج ، فإن الإنسان الذهني محتاج إلى موضوع بخلاف الخارجي ، ~~والخارجي حساس متحرك بخلاف الذهني. PageV02P204 # وبالجملة : لا يلزم من صحة حكم على الماهية عند كونها ذهنية صحته على ~~مثلها إذا وجد في الخارج ؛ فإن الماهية حال كونها ذهنية لا بد وأن تكون ~~متميزة عن نفسها إذا كانت خارجية ، فجاز اختلافهما في الحكم باعتبار ~~الاختلاف بواسطة التمايز بينهما (1). # أجاب أفضل المحققين : بأن اعتبار حصول الإنسان في الذهن من ms0536 حيث هو ماهية ~~الإنسان غير اعتبار حصوله في الذهن من حيث هو صورة ذهنية ، كما مر بيانه ، ~~فإن الأول هو تعقل الإنسان ، والثاني هو الصورة المتعقلة للإنسان ، وهي ~~محتاجة إلى تعقل آخر مثل الأول. # والعقل إذا حكم على الإنسان بالاعتبار الأول وجب أن يطابق الخارج ، وإلا ~~لارتفع الوثوق عن أحكام العقل. وإذا حكم بالاعتبار الثاني لم يجب أن يطابق ~~الخارج ؛ لأنه لم يحكم على الإنسان الخارجي ، بل حكم على الذهني وحده. ~~وهاهنا لم يحكم بصحة مقارنة المجرد لغيره من حيث هو صورة ذهنية ، بل من حيث ~~ماهيته (2). # وفيه نظر ؛ فإن المقارنة إنما أخذها المستدل في الذهن لا من حيث الماهية ~~، إذ لا دليل عليه لو أخذها من حيث الماهية. ### |||| ** السادس : سلمنا الصحة في الخارج ، فلم لا يجوز أن يكون في الخارج مانع من وجود ~~الحكم؟ كما أن الحيوانية التي في الإنسان يصح عليها من حيث الحيوانية قبول ~~فصل الفرس ، إلا أن فصل الإنسان يمنعها عن ذلك (3)، وهاهنا الصورتان أعني ~~الذهنية والخارجية متغايرتان متمايزتان كما قلنا ، فجاز أن يكون ما لأجله ~~صارت ذهنية شرطا لتلك الصحة ، أو ما لأجله صارت خارجية مانع منه. PageV02P205 ### |||| ** السابع : لا نسلم أن حكم المسألتين واحد ، فان حصة كل نوع من جنس مساوية في الماهية ~~لحصة النوع الآخر منه في تمام الماهية ، ثم مع ذلك الفصل المقارن لكل واحد ~~منهما يمتنع على الأخرى ، فلم يكن حكم الشيء حكم مثله. # لا يقال : هذا الامتناع ما جاء من جانب الجنس ، بل جاء من الفصل. # لأنا نقول : هب أن الأمر كما قلتم ، لكنا بينا بذلك أنه قد يصح على أحد ~~المثلين ما يمتنع على الآخر وذلك مما يحقق مقصودنا. ### |||| ** الثامن : سلمنا أن المجرد في الخارج يصح أن يقارن جميع الماهيات ، لكن لا نسلم أنه ~~يلزم من صحة تلك المقارنة كونه عاقلا ، فإنه لا دليل على أن التعقل هو ~~الحصول ، وأنه ليس إضافة زائدة عليه. ### |||| ** التاسع : نعارض بأن الصورة الذهنية حينما كانت في العقل امتنع أن تكون عاقلة ، فإذا ~~وجدت في ms0537 الخارج وجب بقاء تلك الاستحالة ، ضرورة أن حكم الشيء حكم مثله. ### |||| ** العاشر : سلمنا أن كل مجرد فإنه يصح أن يعقل كل ما عداه ، فلم يجب أن يعقل ذاته؟ # قوله : كل من عقل شيئا أمكنه أن يعقل أنه يعقل ذلك الشيء. # قلنا : ممنوع ، ودعوى البديهة غير مقبولة ، فأين البرهان؟ # سلمنا ، فلم ، قلتم : إنه يلزم منه كونه عالما بذاته؟ # لا يقال : من علم كونه عالما بشيء فقد حكم على ذاته بالعالمية ، والحاكم ~~بأمر على أمر لا بد وأن يحضر عنده الأمران وتعقلهما معا. # لأنا نقول : هذه القاعدة لا تتم عندكم ، فإنا نحكم بالكلي على الجزئي ، ~~ومدرك الكلي مجرد ، ومدرك الجزئي مقارن. PageV02P206 # قال الرئيس في بيان الكبرى (1): كل من عقل شيئا أمكنه أن يعقل بالقوة ~~القربية من الفعل أنه يعقله ، لأن للقوة ثلاث مراتب : بعيدة هي العقل ~~الهيولاني ، ومتوسطة هي العقل بالملكة ، وقريبة وهي العقل بالفعل ، وهي ~~التي تقتضي أن يكون للعاقل أن يلاحظ معقوله متى شاء ، فكل شيء يعقل شيئا ~~فله أن يعقل بالفعل متى شاء أن ذاته عاقلة لذلك الشيء ؛ لأن تعقله لذلك ~~الشيء هو حصول ذلك الشيء له ، وتعقله لكون ذاته عاقلة لذلك الشيء هو حصول ~~ذلك الحصول له ، ولا شك أن حصول شيء لشيء لا ينفك عن حصول ذلك الحصول له ~~إذا اعتبره معتبر. وكون واجب الوجود والمفارقات يجب لها ما يمكن، لا ينافي ~~كون تعقل الشيء يشتمل على تعقل صدور ذلك التعقل من المتعقل بالقوة القريبة ~~، لأن المشتمل على القوة هو التعقل لا المتعقل ، وكون المتعقل بحيث يجب أن ~~يكون له بالفعل ما يكون لغيره بالقوة لسبب يرجع إلى ذاته ، لا ينافي ذلك. # ثم اعترض الرئيس على نفسه : بأن الصور المادية في القوام إذا جردها العقل ~~وصارت معقولة وزالت (2) عنها علاقة المادة المانعة (3) لها عن التعقل ، إذا ~~قارنت صورا أخرى معقولة ، فلم لا تصير عاقلة لها مع زوال المانع وحصول ~~المقارنة؟ (4) # وأجاب : بأن هذه الصورة ليست مستقلة بقوامها فلا تقبل شيئا يحلها من ~~المعاني المعقولة ، بل أمثال هذه ms0538 الصورة لا يحل فيها شيء من المعاني ~~المعقولة ، لعدم استقلالها ، بل كانت حاصلة معها في شيء آخر ، وليس واحد من ~~الصورتين الحاصلتين في شيء واحد بقبول الآخر أولى من الآخر بقبوله ، فلو ~~كان كل واحد PageV02P207 # منهما قابلا للآخر لكان كل واحد قابلا لنفسه ، وهو محال. ولما لم يكن ~~واحد منهما قابلا للآخر ، فلا واحد منهما بحاصل في الآخر ، والتعقل هو حصول ~~المعقول في العاقل. فإذن لا واحد منهما بعاقل للآخر ، بل العاقل لهما هو ~~الشيء المتصور لهما ، لأنهما حاصلان فيه. # وأما وجود تلك الصور خارج العقل فمادي غير مجرد ، والمادة مانعة من كونها ~~معقولة ، فضلا عن كونها عاقلة. فإذا لا يمكن أن تكون تلك الصورة عاقلة في ~~حال من الأحوال ، ونحن كلامنا في جوهر مستقل بنفسه إذا قارنه معنى معقول ~~صار قابلا له ، فكان له بالإمكان أن يعقله (1). # اعترض أفضل المتأخرين بوجوه : ### |||| ** الأول : أن الصورة المعقولة الحالة في شيء واحد لا يمكن أن تكون متماثلة ؛ لاستحالة ~~اجتماع الأمثال. ولأنها صور المختلفات فتختلف باختلافها ، وحينئذ يمكن أن ~~تكون بعضها أولى بالمحلية وبعضها بالحالية ، فإن الحركة لما خالفت البطء ~~بالماهية صارت بالمحلية أولى (2). # وأجاب أفضل المحققين : بأن كون أحد الشيئين أولى من الآخر يقتضي ~~اختلافهما بالماهية ، أما عكس هذا الحكم فغير واجب. والحركة ليست محلا ~~للبطء لاختلاف ماهيتهما ، وإلا لكانت محلا للسواد أيضا ، بل كان البطء محلا ~~لها ، إنما هي محل للبطء لكونه هيئة لها وكونها متصفة به. # وهاهنا لا يمكن أن يقال : أحد المعقولين مع تساويهما في النسبة إلى المحل ~~هيئة وصفة للآخر. وكيف وكل واحد منهما يوجد لا مع الآخر بحسب ماهيته وبحسب ~~كونه معقولا؟ فإذن ليس أحدهما بالمحلية أولى من الآخر (3). PageV02P208 # وفيه نظر ، فإنه لم يستدل على المحلية بالاختلاف ، بل استدل على إمكان ~~الأولوية بالاختلاف ، وظاهر أنه كذلك ، فإن غير المختلفين يمتنع ثبوت ~~الأولوية فيهما ، أما المختلفان فيمكن فيهما الأولوية ، فتبطل حجة الشيخ. ### |||| ** الثاني : ما ذكره الشيخ يتضمن الاعتراف بأن مقارنة الصور لمحلها وللحال معها غير ~~مقارنتها للحال فيها ms0539 ؛ لأن الأولين حاصلان ، والثالث ممتنع. وفيه اعتراف ~~بأن الأولين لا يقتضيان كون المقارن عاقلا ، فلا يلزم من صحتها صحة القسم ~~الثالث في الخارج الذي هو المقتضي لكونه عاقلا (1). # أجاب أفضل المحققين : بأنه لم يستدل من صحة القسمين الأولين على صحة ~~الثالث ، بل استدل من صحتهما على صحة المقارنة المطلقة التي هي معنى يشترك ~~الجميع فيه فقط. ثم بين أن أحد الشيئين اللذين يصح تقارنهما في محل يقومان ~~به ، إن كان قائما بنفسه كان عاقلا للآخر ، وذلك لحصول الآخر فيه. فاستدل ~~على الجزء المشترك (2) من القسم الثالث بالقسمين الأولين ، وعلى الجزء ~~الخاص (3) به بالفرض. # وفيه نظر : للمنع من حصول الآخر فيه ، بل إنما حصل معه في القوة العاقلة ~~لهما ، وإنما يكون حاصلا فيه لو ثبت القسم الثالث على تقدير ثبوت الأولين ~~أو المشترك ، لكن لا يلزم من ثبوت شيء من الأولين ولا المشترك ثبوت الثالث ~~، لأن الأولين مباينان للثالث ، والمشترك أعم. ولا يلزم من ثبوت أحد ~~المتباينين ثبوت الآخر ، ولا من المشترك ثبوت الخاص. ### |||| ** الثالث : قوله «كان له بالإمكان جعله متصورا» اعتراف بأن تصور ذلك PageV02P209 # العاقل للمعقول أمر وراء المقارنة ، وعند ذلك يسقط أصل الدليل (1). # أجاب أفضل المحققين : بأن المعنى المعقول قد يقارن الجوهر المستقل بقوامه ~~كالعقل الهيولاني غير مجرد بل مع الغواشي الغريبة ، ثم إنه يصير مجردا بحسب ~~إعدادات ما لذلك الجوهر بتجرده عقلا بالملكة ، وإنما يكون هذا الخروج من ~~القوة إلى الفعل بالإمكان الخاص ، فحكم الرئيس بالإمكان العام ، لتكون هذه ~~الصورة أيضا داخلة فيه. ولا يلزم من ذلك مغايرة التعقل للمقارنة ، بل يلزم ~~مغايرة المقارنة مع الغواشي للمقارنة المجردة (2). # وفيه نظر ، فإن تلك الغواشي إن منعت من التعقل أمكن دوامها إما بالشخص أو ~~بالنوع ، فأمكن عدم التعقل ، ثم تلزم المغايرة بين المقارنة مع العاقل ~~والتعقل. # واعترض الرئيس على نفسه في «استدلاله بصحة مقارنة ماهية الجوهر العاقل ~~لسائر المعقولات عند كونها قائمة معها بقوة عاقلة تعقلها على صحة مقارنتها ~~إياها عند كونها قائمة بذاتها» بوجهين : # الوجه الأول : لم لا يكون ms0540 للمقارنة شرط لا يوجد إلا عند القيام بالغير؟ # الوجه الثاني : أن يقال : لها مانع يوجد عند القيام بالذات. # فإن مع هذين الاحتمالين يمكن اختصاص وجود المقارنة بإحدى الحالتين دون ~~الاخرى. # وأجاب : بأن الماهية لما كانت عند ارتسامها في العقل مجردة عن اللواحق ~~الشخصية ، وعند قيامها بالذات ممكنة الاقتران بها ، لم يحتمل لحوق شيء بها ~~إلا عند القيام بالذات. PageV02P210 # فاستعداد المقارنة إما أن يكون لازما للماهية النوعية غير منفك عنها ، ~~حالتي القيام بالذات وبالقوة العاقلة ، وإما أن لا يكون لازما بل إنما يحصل ~~عند القيام بالقوة العاقلة فقط. # والثاني ينقسم إلى أقسام ثلاثة ، لأنه إما أن يحصل مع المقارنة أو بعدها ~~أو قبلها. ### |||| ** أما الأول : وهو أن يكون استعداد المقارنة لازما للماهية ، فيقتضي كونها مستعدة ~~للمقارنة ، سواء قامت بالقوة العاقلة أو بذاتها ، وحينئذ يسقط الشك. ### |||| ** وأما أول الثلاثة : (1) وهو «أن يكون حصول الاستعداد عند القيام بالقوة العاقلة مع وجود ~~المقارنة» فباطل ؛ لأن الشيء يجب أن يستعد أولا لصفة ثم تحصل له تلك الصفة ~~، ولا يمكن أن تحصل الصفة ويستعد معها لحصولها ، اللهم إلا إذا كان ~~الاستعداد لصفة أخرى غير الصفة الحاصلة ، كالاستعداد للمعقولات الثواني ~~التي تحصل بعد حصول المعقولات الأول. ### |||| ** وأما ثانيها : وهو «أن يكون حصول الاستعداد بعد وجود المقارنة» فباطل ؛ لامتناع حصول صفة ~~لموصوف غير مستعد لحصولها. ### |||| ** وأما ثالثها : وهو «أن يكون حصول الاستعداد قبل وجود المقارنة» فيقتضي في هذا الموضع أن ~~يكون ذلك الاستعداد بحسب الماهية أيضا كما كان في القسم الأول ، وذلك لأن ~~الماهية قبل المقارنة إنما تكون مجردة عن اللواحق الغربية لكونها معقولة ، ~~فلا يكون هناك شيء يفيدها الاستعداد غير ذاتها ، وحينئذ يسقط الشك. # ثم اعترض الرئيس أيضا (2): بأن المعنى الجنسي كالحيوان مثلا إذا كان ~~قارن فصلا لم يبق مستعدا لمقارنة أخرى ، وإذا جاز ذلك هنا فلم لا يجوز أن تكون PageV02P211 # الماهية المعقولة عند كونها قائمة بذاتها غير مستعدة للمقارنة ، وإن كانت ~~عند كونها قائمة بذاتها (1) مستعدة لها؟ # وأجاب : بأن المعنى الجنسي من حيث طبيعته الجنسية مستعد ms0541 لكل واحد واحد من ~~الفصول التي تقارنه مقارنة مقوم لوجوده محصل لإنيته ، فإن لم يكن لبعضها ~~خروج إلى الفعل فلوجود مانع هو الفصل الآخر سبقه فقوم المعنى الجنسي وحصله ~~نوعا وأخرجه بذلك عن كونه طبيعة غير محصلة مستعدة لمقارنة الفصول ، فزال ~~ذلك الاستعداد بوجود هذا المانع ، لا مع كونه على طبيعته الجنسية ، بل بعد ~~زواله عن تلك الطبيعة ، فهو مستعد لمقارنة الفصول ما دامت طبيعته الجنسية ~~باقية. وإذا كان حال الجنس الذي لا يتحصل حال وجوده (إلا) (2) بالمقارنة ~~كذلك ، فكيف يكون حال الأنواع المحصلة الغنية عن المقارنة في كونها مستعدة ~~لمقارنة أعراض تلحقها لحوق شيء غير محتاج إليه؟ أي إنما تكون الأنواع ~~باقتضاء الاستعداد ما دامت على طبائعها النوعية أولى من الأجناس. ولما كانت ~~الماهية المعقولة التي نحن في قصتها نوعية محصلة غنية عن مقارنة سائر ~~المعقولات ، فهي باستلزام استعداد مقارنتها بحسب الذات في جميع الأحوال ~~أولى من غيرها. ### |||| ** الحجة الثانية : (3) إنهم قالوا : كل ما كان مجردا عن المادة ولواحقها فذاته المجردة حاضرة ~~لذاته وحاصلة لها ، وكل مجرد يحضر عنده مجرد فهو يعقل ذلك المجرد. فإذن كل ~~مجرد فانه يعقل ذاته. # أما الصغرى : فلأن الشيء إما أن يكون قائما بذاته وموجودا (4) لذاته ، وإما PageV02P212 # أن يكون موجودا لغيره. فإن كان قائما بذاته كانت ذاته حاصلة لذاته لا لغيره. # وقول من يقول : ربما يكون الشيء موجودا ولا يصدق عليه أنه لذاته أو لغيره ~~، كلام باطل لا حاصل له ؛ فإن هذا الخيال إنما جاء من توهم أن حضور الشيء ~~عند الشيء إنما يصح بين المتغايرين ، لأنه إضافة ، لكنك قد عرفت أنه يكفي ~~في ذلك تغاير الاعتبار. # ولأنا نعقل ذواتنا وإنما نكون عاقلين لذواتنا إذا كان العاقل هنا هو ~~المعقول ، وهو يدفع القول بالحاجة إلى التغاير. # ولأنا نقول : ذاتي وذاتك ، فعلمنا (1) أن هذه الإضافة غير مستدعية ~~للتغاير. # وأما الكبرى : فلأن معنى التعقل هو الحضور عند المجرد ، ومن جعله حالة ~~إضافية مشروطة بالحضور ، فلأن حصول الحالة الإضافية غير متوقفة إلا على ~~حصول هذا الشرط فمتى ms0542 حصل الشرط المفيد للاستعداد التام وجب حصول المشروط. ### |||| ** بقي هنا إشكال : وهو أن حصول الشرط إنما يكفي في حصول المشروط أن لو كان المقتضي حاصلا ، ~~فلعل بعض المجردات حقائقها مقتضية لتلك الإضافة ، فلا جرم تحصل تلك الإضافة ~~عند حصول الشرط ، وبعضها لا يقتضي تلك الإضافة فلا يجب فيها إفاضة تلك ~~الصورة وإن حصلت الشرائط بأسرها. ### |||| ** والجواب : إن المقتضي لحصول هذه الإضافة ، هو حضور الصورة بشرط كون الصورة مجردة وكون ~~الموصوف بها مجردا ، وحيث قد حصل المقتضي مقرونا بشرطه وجب ترتب الأثر عليه. ### |||| ** وفيه نظر : فإن هذه الحجة لا تنفك عن مكابرة للضرورة ؛ لأن التعقل PageV02P213 # والحضور لا يعقلان إلا بالقياس إلى الغير ، فهما إضافيان ، والإضافة لا ~~تعقل ثابتة إلا بين شيئين ، ولا اثنينية بين الذات ونفسها. وإنما أضيف ~~الشيء إلى نفسه في قولنا ذاته لضيق العبارة أو لاعتبار مغايرة ما باعتبار ~~وصف ما. # قالوا : ثم ذلك المجرد إن كان علة لغيره باعتبار ذاته لزم أن يعقل ذلك ~~الغير أيضا ، لأنه شيء عقل نفسه علم من نفسه أنه مبدأ لغيره وعلة له ، وهو ~~يتضمن علمه بغيره ، وفيه ما تقدم. ### |||| ** الحجة الثالثة : ما قرره الشيخ في كتاب المبدأ والمعاد ، حيث برهن فيه على أن الصورة ~~المجردة إذا اتحدت بالجوهر العاقل صيرته عقلا بالفعل على ما سبق. فانه قال ~~بعد ذلك : الصورة المجردة لما اتحدت بغيرها صيرته عقلا بالفعل ، فإذا كانت ~~الصورة المجردة قائمة بذاتها كانت أولى بالتعقلية ؛ فإن كل ما يفيد غيره ~~شيئا هو قابل له ، فإن قبوله له أولى ، ولهذا لما صيرت الحرارة الجسم الذي ~~قامت به مسخنا كانت بحيث لو قامت بذاتها أولى بالتسخن ، وكذا الجسم إذا كان ~~قابضا للبصر باعتبار حصول السواد له ، فلو كان السواد قائما بذاته كان أولى ~~باقتضاء القابضية (1). # وهذه الطريقة غير مرضية عند العقلاء حتى عند الشيخ نفسه فإنه سفه القائل ~~بالاتحاد ونسبه إلى السخافة والاختلال ، وقد تقدم بطلانه. على أن الأولوية ~~كلام إقناعي لا برهاني ، فإن المختلفين لا يجب تساويهما في الأحكام فضلا عن ~~اتحادهما ms0543 فيها. ### |||| ** تذنيب : (2) قالوا لما ثبت أن كل مجرد يصح أن يدرك غيره وجب أن يدرك غيره ، لأن ~~المجرد عن المادة وعلائقها لا يمكن توارد التغيرات عليه ، بل يجب له PageV02P214 # كل ما يمكن ، وإلا لامتنع أن يحصل له إلا عند تغير يعرض له فتكون ذاته ~~متغيرا ، وقد فرض خلافه. # وسأل بعضهم الرئيس (1) فقال : الذي يدرك منا المعقولات مجرد ، ولا يجب ~~لنا ما يمكن من التعقلات ، ولا يمكن إسناد العدم إلى الاشتغال بالبدن ، ~~فإنه يعوق النفس الناطقة عن فعلها ؛ لأنه لو كان كذلك لما كان تنتفع بالبدن ~~في التعقلات ، وليس الأمر كذلك. # فأجاب الشيخ : بأنه ليس كل مجرد عن المادة كيف ما كان عقلا بالفعل ، بل ~~كل مجرد عن المادة تجريدا تاما فهو كذلك ، والنفس ليست مجردة تجريدا تاما ، ~~لأن المادة سبب لقوامها بوجه حيث كانت سببا لحدوثها وسببا لهيئة تشخصها ~~ويتهيأ لأجلها إلى الخروج إلى الفعل ، وليس من العجب أن يكون الذي يمنع من ~~شيء يمكن من شيء ، والذي يشغل عن شيء يشغل بشيء. ### ||| ** المسألة الخامسة عشرة : في أن تعقل الشيء لذاته هو نفس ذاته ، وأن ذلك حاضر أبدا (2) # من جعل التعقل حضور صورة المعقول عند العاقل ، فالعاقل لذاته إنما يعقل ~~ذاته بحضور ذاته عند ذاته ، فلا يخلو إما أن يعقل ذاته لأجل حضور نفس ذاته ~~، أو لأجل حضور صورة أخرى عند ذاته. # والثاني باطل ؛ لأن تلك الصورة إن كانت مساوية لذاته في الماهية والحقيقة ~~فهو محال ، لأنها إذا حلت في ذاته لم تتميز إحداهما عن الاخرى ، لا ~~بالماهية ولا PageV02P215 # بلوازمها ولا بالعوارض ، فلا يكون التميز حاصلا ولا الاثنينية ، وقد ~~فرضناها حاصلة هذا خلف. وإن كانت مخالفة لم يكن حصولها موجبا لتعقل تلك ~~الحقيقة ، بل لتعقل ما تلك الصورة مأخوذة عنه ، فتعين الأول. # ثم ذلك الحضور دائم قطعا ، فالتعقل يجب أن يكون دائما ، نعم قد تعرض له ~~الغفلة عن اعتبار حصول ذاته لذاته. # وأيضا الإنسان إذا تتبع أحواله واستقرأها وجد من نفسه إدراكه لنفسه دائما ~~، والتجربة دلت عليه ، فإن النائم يهرب ms0544 من البرد الذي أصابه لا من البرد ~~المطلق ، بل من الذي أصابه وألمه ووصل إليه ، وإلا لهرب من برد غيره ، لكن ~~العلم بوصول البرد إليه يتضمن العلم به. وكذا القاصد إلى فعل من الأفعال لا ~~يكون قصده إلى حصول ذلك الفعل مطلقا ، بل إلى حصول ذلك من جهته ، وذلك ~~يتضمن العلم بذاته. فالإنسان بل الحيوان لا يحاول إدراكا ولا تحريكا مطلقين ~~، وإلا لم يتخصص وقوعه بجزئي دون جزئي ، بل إلى إدراك وتحريك يصدر منه ~~ويحصل له ، فظاهر أن علم الإنسان بنفسه دائم حاضر أبدا. ### |||| ** وفيه نظر ، فإنه إن كان المقصود الحصول بالفعل ، فهو ممنوع ، لوقوع الغفلة لأكثر الناس ~~في بعض الأوقات. وإن عنى به الحصول بالقوة القريبة من العقل الذي يمكن ~~حصوله متى اعتبره المعتبر فهو كذلك ، لكنه لا فرق حينئذ بين الذات ~~ولوازمها. ### |||| ** تذنيبات : الأول : علم الإنسان بنفسه غير مكتسب ، وهو ضروري ، فإنه لا شيء أقرب إليه من نفسه ~~، حتى يبرهن به عليها. ولأن الاستدلال على الشيء إما بعلته أو بمعلوله ، ~~والقسمان باطلان. # أما إجمالا ، فلأن العاقل قد يغفل عن كل شيء إلا عن وجود نفسه ، حتى إن ~~النائم في نومه والسكران في سكره لا تعزب ذاته عن ذاته ، وإن لم يثبت تمثل ذاته PageV02P216 # في ذكره. # ولو فرضنا ذاته قد خلقت أول خلقها صحيحة الهيئة والعقل ، وفرضناها على ~~جملة من الوضع والهيئة لا تبصر أجزاءها ولا تتلامس أعضاؤها ، بل كانت ~~مندرجة ومعلقة في هواء معتدل ، كانت غافلة عن كل شيء إلا عن ذاتها وثبوت ~~إنيتها. # وأما تفصيلا ، فلأن وهم أحد لم يذهب إلى اثبات ذاته بعلله ، فإن وجوده له ~~أظهر من وجود علله. وأما المعلولات له فباطل الاستدلال بها ، لأنه لا يخلو ~~إما أن يستدل بالفعل المطلق أو بفعل صدر منه. والأول باطل ، لأن الفعل ~~المطلق يحتاج إلى فاعل مطلق لا فاعل معين. والثاني محال ، لأنه لا يمكنني ~~أن أعلم فعلي (1)، إلا بعد أن أعلم نفسي ، فلو لم أعلم نفسي إلا بعد أن ~~أعلم فعلي لزم الدور. # وأعلم أن ms0545 المطلوب ان كان هو امتناع الاستدلال على ثبوت ذات الإنسان عند ~~ذاته فهو حق ، لكن لا حاجة فيه إلى برهان ، فإن ذلك ضروري ، وإن كان امتناع ~~العلم التصوري فهو ممنوع. # وبالجملة فالبرهان الإني ناقص ، لأنه لا يؤدي إلى معرفة ذات الفاعل ، ولا ~~أن حقيقته ما هي؟ ### |||| ** الثاني : (2) قال بعض أوائل الحكماء (3) القائلين بقدم النفس : إنها تعقل المعقولات ~~لذاتها ، فلا يمكن انفكاكها عنها ؛ لأنها لو خلت عن التعقلات لكان PageV02P217 # ذلك الخلو إما أن يكون ذاتيا لها أو لازما أو عرضيا مفارقا. والأولان ~~باطلان ، وإلا لم تصر عاقلة أبدا لامتناع الخلو عن الصفة الذاتية واللازمة. ~~والثالث باطل ، لأن العرضيات تطرأ على الذاتيات (1)، فلو لم يكن علمها ~~بالأشياء ذاتيا لها لم يكن خلوها من العلم عرضيا. ثم إنها لاشتغالها بالبدن ~~وتدبيره تغفل عن الالتفات إلى لوازمها وذاتياتها. # وهذه الحجة فاسدة ، لأنا لا نقول : النفوس تقتضي عدم العلم ، بل لا تقتضي ~~وجود العلم ، فالعلم ممكن الحصول إذا وجد سببه الخارجي وجد ، وإن لم يوجد ~~لم يوجد لكن ليس كل ما لم يوجد ممتنعا ان يوجد ، وإلا لم يكن ممكن ما ~~معدوما ، ويبطل قولهم : إن الصورة العقلية إما أن تكون حاضرة في النفس ~~موجودة فيها بالفعل أو لا. فإن كانت حاضرة بالفعل وجب أن يكون لها شعور ~~بذلك الحضور ، إذ ليس معنى الشعور إلا الحضور ، وإن لم تكن حاضرة بالفعل لم ~~يكن ذاتيا ، لأن الذاتي لا يفارق. ومن جعله حالة إضافية افتقر إلى ~~الاستدلال على فساد هذا الاحتمال ، أن تكون هذه الصور حاضرة أبدا ، لكن ~~لعدم تلك الحالة المسماة بالعلم لا يحصل الشعور بها كما في الصور الخيالية ~~، فإنها حاضرة عنده غير مشعور بها ، لكنه لم يدل دليل على إثباتها فلم يجز ~~إثباتها. ### |||| ** الثالث : (2) ذهب بعض القدماء (3) القائلين بقدم النفس ، حيث عرفوا بطلان قول من زعم ~~: «أن علم النفس بالمعلومات أمر ذاتي» ، وتركوا ذلك إلى أنها كانت قبل ~~التعلق بالأبدان عالمة بالمعلومات ، وتلك العلوم ليست ذاتية فزالت PageV02P218 # بسبب استغراقها في تدبير البدن. ثم إن الأفكار ms0546 تذكرات لتلك العلوم ~~الزائلة ؛ لأن التفكر طلب ، فإن كان معلوما لزم تحصيل الحاصل ، وهو محال. ~~وإن كان مجهولا كان طلبا لغير المعلوم ، وهو محال ؛ لأنه إذا وجده كيف يعرف ~~أنه هو الذي كان مطلوبا؟ فإن من لا يعرف عبده الآبق لا يعرف أن الذي وجده ~~هو أو غيره. أما إذا جعلنا العلوم كانت حاصلة بالفعل ، والتفكر تذكر ، عرف ~~أنها مطلوبة إذا وجدها. # والجواب : سيأتي حدوث النفس. والمطلوب معلوم من وجه دون وجه ، ففي ~~التصورات تكون الماهية المطلوب تصورها معلومة ببعض عوارضها ولو بكونها ~~مسماة بلفظ ما ومجهولة باعتبار حقيقتها ، فيطلب تعريف ذلك المجهول بواسطة ~~ما علم ، ويعرف انه هو إذا وجده حيث حصل له علامة سابقة ، كمن كان له في ~~عبده الآبق علامة ، فإذا وجده عرف انه هو باعتبار وجود تلك العلامة فيه. # وأما في التصديقات ، فان تصور طرفي القضية يكون معلوما ، والمجهول نسبة ~~أحدهما إلى الآخر بالإيجاب أو السلب ، فتطلب النفس إيقاع تلك النسبة ~~بالدليل ، فإذا حصلت الدليل أوقعت الفكرة تلك النسبة وعرفت النفس أن الحاصل ~~هو المطلوب باعتبار علمها لمفردات القضية. # وفي أقوال الحكماء الأقدمين إشارات لطيفة ورموز شريفة إلى هبوط النفس من ~~ذلك العالم وصعودها ، وحكايات مرشدة إلى ذلك. منها قصة سلامان وأبسال وهي ~~بتفصيلها مذكورة في النمط التاسع من شرح الاشارات للمحقق الطوسي ، ومنها ~~قصة الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة ، ومنها حكاية حي بن ~~يقظان. والقدماء من الحكماء كأنباذقلس ، أفلاطون ، أرسطاطاليس ذكروا وجوها ~~عديدة في علة هبوط النفس. وللشيخ الرئيس قصيدة في السؤال عن علة هبوط النفس ~~معروفة بالقصيدة العينية. فمن أراد التفصيل في أحوال النفس ، فليراجع ~~الأسفار 8 : 325 379. PageV02P219 ### ||| ** المسألة السادسة عشرة : في إمكان تعقل البسيط (1) # اعلم أن الحقائق إما بسيطة أو مركبة. فالمركبات يمكن أن تعرف بواسطة ~~معرفة أجزائها. وأما البسائط فقد زعم قوم من القدماء أن حقائقها غير معلومة ~~للبشر ، وإنما تعرف لوازمها وعوارضها دون نفس ماهياتها كما تعرف النفس ~~بأنها شيء محرك للبدن ، وهذا عارض للنفس ، وأما حقيقة النفس فغير ms0547 معلومة للبشر. # واستدلوا عليه بأن اختلاف الناس في حقائق الأشياء واقع ، خصوصا النفس ، ~~ولا سبب في ذلك إلا أنهم لم يدركوا تلك الحقائق بماهياتها ، بل بلوازمها ، ~~فكل واحد من أشخاص البشر أدرك لازما لتلك الماهية مغايرا لما أدركه الآخر ~~فحكم بمقتضى ذلك اللازم ، فأما لو عرفنا حقائق الأشياء لعرفنا كل لوازمها ~~القريبة والبعيدة ، لما تقرر من أن العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول ، ~~ولو كان كذلك لم يكن شيء من صفات الماهيات مطلوبا بالبرهان ولا خفيا عند ~~العقلاء. # قيل عليه (2): الحقائق البسيطة إن لم تكن معلومة لم تكن المركبات معلومة ~~، لأن تركب المركبات إنما هو من البسائط ، فإن كل كثرة فالواحد منها موجود ~~، وتلك البسائط إذ هي غير معقولة كانت المركبات أيضا غير معقولة بالحد. ولا ~~يمكن أن تكون معقولة بالرسم أيضا ؛ لأن الرسم عبارة عن تعريف الشيء ~~باللوازم ، وتلك اللوازم إن كانت بسيطة فهي غير معقولة ، وإن كانت مركبة ~~فبسائطها غير معقولة ، فهي أيضا غير معقولة. وبالجملة فالكلام فيها كالكلام ~~في الملزومات. PageV02P220 # فإذن القول : بأن البسائط لا يصح تعقلها ، يوجب أن لا يعقل الإنسان شيئا ~~أصلا بالحد ولا بالرسم ، لكن التالي ظاهر البطلان ، فالمقدم مثله. # وقوله : «لو عرفنا ماهية الشيء لعرفنا جميع لوازمها». # فنقول : هب أنا لا نعرف حقيقة شيء من الملزومات ، لكن الكلام في البساطة ~~هل تمنع من المعقولية؟ فلقلنا (1) لا نعرف حقيقة الملزومات ، لكنا نعرف ~~لوازمها البسيطة ، وقد بينا أن العلم بالمعلول لا يوجب العلم بالعلة. # وفيه نظر ، لأن البسائط إذا كانت معلومة باعتبار لوازمها كانت معلومة على ~~الإطلاق ، والمركبات إذا حدت إنما تحد ببسائطها المعلومة بذاتها من غير ~~اكتساب أو بلوازمها ، وتكون المركبات محدودة ، لأنها عرفت بذكر بسائطها وإن ~~لم تكن البسائط محدودة ولا معلومة الحقائق ، بل ببعض الاعتبارات. ولا يثلم ~~عدم الإحاطة بكنه تلك البسائط في صحة التحديد بها ، وأن يكون المركب منها ~~حدا للمركب منها في نفس الأمر ، فانه لا يشترط في الحد إلا العلم بالأجزاء ~~مطلقا ، لا العلم بها على سبيل الحقيقة والإحاطة بماهياتها ms0548 ، فإذا حددنا ~~السكنجبين بأنه شراب متخذ من الخل والسكر عرفنا حقيقته وإن لم نعرف تركب كل ~~من الخل والسكر من المادة والصورة أو من الجواهر الأفراد. ### |||| ** تذنيب (2) ### |||| ** : من المعلومات ما يكون وجودها في غاية القوة ، وهو الطرف والغاية لما يفرض ~~امتدادا في مسافة الإمكان ، وهو واجب الوجود تعالى وتقدس. وتتلوه الجواهر ~~العقلية المفارقة عند الأوائل والجواهر الروحانية. ومنها ما يكون وجوده في ~~غاية الضعف ، وهو كالطرف الآخر المقابل للأول حتى يكون كأنه مخالط للعدم ~~كالهيولى والزمان والحركة. ومنها ما يكون متوسطا بين الأمرين PageV02P221 # كالأجسام والألوان وسائر الكيفيات والكميات. # والعقول البشرية تعجز عن إدراك الأول لقوته ، كما تعجز أبصار الخفافيش عن ~~الرؤية في ضياء نور الشمس. وتعجز عن المقابل أيضا لضعفها ونقصانها ، كما ~~يعجز البصر عن إدراك المدركات الضعيفة. وأما المتوسط بينهما فهو الذي تقوى ~~النفوس البشرية على إدراكه والإحاطة به ، ولهذا كانت معرفة الأجرام فلأبعاد ~~(1) أسهل من معرفة سائر الأشياء. ### ||| ** المسألة السابعة عشرة : في تفسير العقل (2) # للإنسان قوتان : # الأول : العقل الذي يقوله الجمهور في الانسان : أنه عاقل وفاضل وجيد ~~الروية في استنباط ما ينبغي أن يؤثر من خير ، أو يجتنب من شر. # الثاني : العقل الذي يردده المتكلمون على ألسنتهم فيقولون : هذا مما ~~يوجبه العقل وينفيه العقل. # الثالث : العقل الذي يذكره أرسطوطاليس في كتاب البرهان بأنه : القدرة على ~~استيعاب مبادئ القياس الأولي وذلك بمجرد الطبع والفطرة. # الرابع : العقل الذي يذكره في المقالة السادسة في كتاب الأخلاق ، وأنه ~~ضرب من الاعتياد الذي يتم بالتجربة والاختبار. وهو يمكننا أن نتوصل بشيء من ~~الفطنة إلى أحكام صائبة في باب الخير والشر. # الخامس : العقل الذي يذكره في المقالة الثالثة من كتاب النفس والذي جعله ~~أرسطو طاليس على أربعة أنحاء : عقل بالقوة ، عقل بالفعل ، عقل مستفاد ، عقل فعال. # السادس : العقل الذي يذكره في كتاب ما بعد الطبيعة. راجع مصطفى غالب ، ~~الفارابي : 82 90 (معاني العقل عند الفارابي). PageV02P222 # عالمة وعاملة (1)، فالعاملة : هي العقل العملي (2)، وهو مقول بالاشتراك على # قال ابن سينا : «العقل : اسم مشترك لمعان عدة فيقال ms0549 عقل لصحة الفطرة ~~الأولى في الناس ، فيكون حده أنه قوة بها يجود التمييز بين الأمور القبيحة ~~والحسنة. # ويقال عقل لما يكسبه الانسان بالتجارب من الأحكام الكلية ، فيكون حده أنه ~~معان مجتمعة في الذهن تكون مقدمات تستنبط بها المصالح والأغراض. # ويقال عقل لمعنى آخر وحده أنه هيئة محمودة للإنسان في حركاته وسكوناته ~~وكلامه واختياره. فهذه المعاني الثلاثة هي التي يطلق عليها الجمهور اسم العقل. # وأما الذي يدل عليه اسم العقل عند الحكماء فهي ثمانية معان : أحدها : ~~العقل الذي ذكره الفيلسوف في كتاب البرهان وفرق بينه وبين العلم ، فقال ما ~~معناه : هذا العقل هو التصورات والتصديقات الحاصلة للنفس بالفطرة ، والعلم ~~ما حصل بالاكتساب. ومنها العقول المذكورة في كتاب النفس. فمن ذلك العقل ~~النظري والعقل العملي». الحدود (التعريفات): 11 12. # وقال الجرجاني : «العقل جوهر مجرد عن المادة ، مقارن لها في فعله ، وهي ~~النفس الناطقة التي يشير إليها كل أحد بقوله : أنا. # وقيل : العقل : جوهر روحاني خلقه الله تعالى متعلقا ببدن الإنسان. # وقيل : العقل : نور في القلب يعرف الحق والباطل. # وقيل : العقل : جوهر مجرد عن المادة يتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف. # وقيل : العقل : قوة للنفس الناطقة ، وهو صريح بأن القوة العاقلة أمر ~~مغاير للنفس الناطقة ، وأن الفاعل في التحقيق هو النفس والعقل آلة لها ، ~~بمنزلة السكين بالنسبة إلى القاطع. # وقيل : العقل والنفس والذهن ، واحد ، إلا أنها سميت عقلا لكونها مدركة ، ~~وسميت نفسا لكونها متصرفة ، وسميت ذهنا لكونها مستعدة للإدراك ... والصحيح ~~أنه جوهر مجرد يدرك الفانيات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة». التعريفات : ~~196 197. # انظر أيضا تفصيل هذا البحث في الكليات لأبي البقاء 3 : 216 219. # فصوص الحكم : 81 ؛ شرح الإشارات 2 : 352 358 ؛ الفصل الأول من المقالة ~~الخامسة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء ؛ رسائل الشيخ ، رسالة في النفس ~~: 205 ؛ طبيعيات النجاة : 163 165 ؛ ابن سينا ، الحدود (التعريفات): 12 ؛ ~~التحصيل : 789 ؛ المباحث المشرقية 1 : 485 ؛ كشف المراد : 234 235 ؛ شرح ~~المواقف 6 : 43 49 ؛ الأسفار 3 : 418. PageV02P223 # معان ثلاثة ؛ فإن الأفعال الإنسانية قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة ، ~~والعلم بالحسن ms0550 والقبيح قد يكون ضروريا وقد يكون كسبيا ، واكتسابه إنما يكون ~~بمقدمات تلائمها ، فإذن هنا أمور ثلاثة : ### |||| ** الأول : القوة التي بها يميز الإنسان بين الحسنة والقبيحة. ### |||| ** الثاني : المقدمات التي تستنبط منها الأمور الحسنة والقبيحة. ### |||| ** الثالث : نفس الأفعال التي توصف بأنها حسنة أو قبيحة. واسم العقل العملي يقع على هذه ~~المعاني الثلاثة بالاشتراك. # وأما القوة النظرية : فإن الحكماء يطلقون اسم العقل تارة على هذه القوة ، ~~وتارة على الإدراكات التي لها. # أما الأول ، فإن النفس الإنسانية قابلة لإدراك حقائق الأشياء ، لكنها في ~~مبدأ الفطرة خالية عن الجميع فتكون كالهيولى بالنسبة إلى الصور ليس لها إلا ~~طبيعة الاستعداد والقبول لا غير ، فلهذا سميت بالعقل الهيولاني للمشابهة ~~بينها وبين الهيولى. # وإن لم تكن خالية ، بل اتصفت بالعلوم الضرورية ، فهي العقل بالملكة (1)، ~~لقدرتها على اكتساب النظريات وحصول ملكة الاستنتاج. # وإن حصل لها مع الضروريات النظريات لا بالفعل ، بل تكون بحالة متى شاءت ~~استحضرتها بمجرد التعقل [و] التذكر والتفات النفس إليها فتسمى حينئذ عقلا ~~بالفعل. PageV02P224 # وإن كانت حاضرة بالفعل حاصلة بالحقيقة سميت عقلا مستفادا. # فاسم العقل واقع على هذه القوى النفسانية الخمس بالاشتراك. # وقد يقال : العقل لكل جوهر مجرد عن المادة ولواحقها البتة ، هذا على رأي ~~الأوائل. # وأما المتكلمون (1) فالمشهور عندهم أن العقل الذي هو مناط التكليف (2): ~~هو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات ، لأن العقل لو لم يكن من ~~قبيل العلوم لأمكن انفكاكه عنها ، فيصح وجود العقل من دون علم ووجود علوم ~~كثيرة بغير عقل ، وهو محال لاستحالة وجود عاقل لا يعلم شيئا أصلا ، ووجود ~~عالم بجميع الأشياء ولا يكون عاقلا. وليس هو العلم بالمحسوسات لحصوله في ~~البهائم والمجانين ، فهو إذن علم بالأمور الكلية. وليس من العلوم النظرية ؛ ~~لأنها مشروطة بالعقل ، فلو كان العقل عبارة عنها كان الشيء شرطا في نفسه ، ~~وهو محال. فإذن هو علم بأمور كلية ضرورية. # واعترض : بأن التغاير لا يقتضي الانفكاك ، ولا جوازه ؛ فإن الأشياء قد ~~تتلازم وتتغاير كالجوهر والعرض ، فإنه لا يمكن خلو أحدهما عن صاحبه وهما ~~متغايران ، وكذا العلة والمعلول ، والمضاف ms0551 والمضاف إليه أمور متلازمة ~~متغايرة. فجاز أن يكون العقل أمرا مغايرا للمعلوم وإن كان ملازما لها. على ~~أنا نمنع التلازم ، فإن النائم عاقل مع أنه لا يعلم شيئا حينئذ ، واليقظان ~~الغافل عن جميع الأشياء عاقل مع أنه لا يستحضر شيئا من وجوب الواجبات ~~واستحالة المستحيلات. # وأبو الحسن الأشعري ، قال : العقل علوم خاصة. PageV02P225 # وزادت المعتزلة في العلوم التي يشتمل عليها العقل ، العلم بحسن الحسن ~~وقبح القبيح ، لأنهم يعدونه في (1) البديهيات. # وقال القاضي أبو بكر : العقل هو العلم بوجوب الواجبات واستحالة ~~المستحيلات ومجاري العادات (2). # وقال المحاسبي (3) من أهل السنة : هو غريزة يتوصل بها إلى المعرفة. # قال مشايخ المعتزلة : العقل : عبارة عن جملة من العلوم متى حصلت سمي عقلا ~~، وإذا انفرد البعض عن البعض لم يسم عقلا. وهذه الجملة لا تخرج عن أن تكون ~~علما بالأعيان وأحوالها ، أو علما بالأفعال وأحكامها. فأول هذه العلوم في ~~الرتبة وأقواها علم الإنسان بنفسه وأحوال نفسه أو كثير منها. ويتبعه في ~~الجلاء والقوة العلم بالمدركات عند السلامة. ويتبعه العلم بما لا يدركه انه ~~ليس. ويتبعه انه لو كان لأدركه. # ثم يجب أن تحصل له علوم القسمة كالعلم بأن المعلوم : إما موجود ، أو ~~معدوم. وأن الموجود : إما قديم ، أو محدث. وأن يعلم امتناع حصول الجسم الواحد # من كتبه : آداب النفوس ، شرح المعرفة ، مائية العقل ومعناه واختلاف الناس ~~فيه و.... # راجع : تهذيب التهذيب 2 : 134 ؛ صفة الصفوة 2 : 207 ؛ ميزان الاعتدال 1 : ~~199 ؛ حلية الأولياء 1 : 73 ؛ تاريخ بغداد 8 : 211. PageV02P226 # في وقت واحد في مكانين. وأن يعلم أنه يتعذر عليه حضور جسمين دفعة في مكان واحد. # ويجب أن يعلم أن تعلق الفعل بفاعله على طريق الجملة. وأن يعلم مقاصد ~~المخاطبين ما ظهر منها دون الخفي. وأن يعلم بعد التجربة أن الزجاج يتكسر ~~بالحديد ، والقطن يحترق بالنار. وأن يعلم قبح كثير من المقبحات ، وحسن كثير ~~من المحسنات ، ووجوب كثير من الواجبات. # ويجب أن يعلم ويحفظ عند الدرس والممارسة الطويلة فلا يجوز وهو كامل العقل ~~أن يقرأ آية ألف مرة ولا ms0552 يعرفها. وأن يتذكر الأمور العظام التي وقعت منه. # ثم اختلف الشيخان ، فذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم في مسائل عبد ~~الله بن العباس ، أنه يجب أن يحصل له العلم بمخبر الاخبار ، ومنعه أبو هاشم ~~أخيرا ، وقال : إنما يجب لورود السمع وثبوت تكاليف علمها متعلقة بالأخبار. ~~فأما لو تجرد العقل لم يكن لازما لشيء يرجع إلى كمال العقل أن يعرفه ، فهذه ~~الجملة هي التي تعد في كمال العقل. # واعلم أن أبا علي قال : إن العلم بقبح أصول المقبحات ووجوب أصول الواجبات ~~وحسن أصول المحسنات ، ليس من أجزاء علوم العقل حتى لا يصح حصوله إلا فيمن ~~هو كامل العقل ؛ فإنها قد تثبت للصبيان والمراهقين وغيرهم من دون كمال ~~العقل. وعلى هذا أجرى أبو عبد الله البصري (1) كلامه في كتاب الوعيد ، PageV02P227 # ومنع أبو هاشم من ذلك ، وإليه ذهب أبو علي ابن خلاد (1)، وبه قال أبو ~~اسحاق ابن عياش (2)، لأن من الواجب ثبوت التفرقة بين كامل العقل وغيره ، ~~ومعلوم أن الصبي قد تجتمع له العلوم السابقة ، فلو حصل هذا الواحد أيضا ~~لبطلت التفرقة فيجب أن لا يعلم قبح القبيح إلا عند كمال عقله وعند علمه ~~بذلك يستحق الذم إذا أقدم عليه ؛ لأن المقتضي لاستحقاق الكامل العقل الذم ~~عند فعله للقبيح هو علمه بقبحه ، فلو ساواه الطفل في هذا العلم وجب مساواته ~~له في استحقاق الذم. # لا يقال : يفرقان بأن غير العاقل يعلم قبح البعض دون البعض ، والعاقل ~~يعلم قبح أصولها أجمع. # لأنا نقول : لا فرق بين بعض منها وبين ما عداه ، فلهذا لم يصح في العاقل ~~أن يعلم قبح الظلم ويخفى عنه قبح الكذب الخالي عن المنفعة ودفع المضرة ، ~~لأنها كلها ضرورية ، فإذا لم يجز الفرق بينها في العاقل لم يجز في غيره ، ~~والملازمة ممنوعة ، وعدم الفرق ممنوع. PageV02P228 # واعلم أن الحق في هذا الباب عندي ما اختاره الأفضلان (1) من أن العقل ~~غريزة تلزمها العلوم الضرورية عند سلامة الآلات. ### ||| ** المسألة الثامنة عشرة : في تفسير ألفاظ في هذا الباب (2) ### |||| ** الأول : الإدراك لغة : اللقاء والوصول. وفي ms0553 اصطلاح الحكماء كذلك ، لأن المدرك يصل ~~إلى ماهية المدرك لأجل انطباع صورته فيه (3). ### |||| ** الثاني : الشعور : وهو إدراك بغير استثبات ولا تصور تام ، وهو أول مراتب وصول المعنى ~~إلى النفس ؛ فإذا حصل وقوف النفس على تمام ذلك المعنى قيل له «تصور» ؛ فإذا ~~بقي بحيث إنه لو أراد استرجاعه بعد ذهابه رجع ، قيل له «حفظ» ؛ ولذلك الطلب ~~«تذكر» ؛ ولذلك الوجدان «ذكر». ### |||| ** الثالث : المعرفة : قيل : إنها إدراك الجزئيات. ### |||| ** الرابع : العلم : قيل : [إنه] إدراك الكليات. # وقيل : إذا أدركنا شيئا فانحفظ أثره في أنفسنا ثم أدركناه ثانيا ، وأدرك مع # ولعلهم استفادوه من باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآلهوسلم علي بن أبي ~~طالب عليه السلام حيث قال : «العقل غريزة تزيد بالعلم والتجارب» غرر الحكم ~~ودرر الكلم 1 : 67. وقال أيضا : «العقل مركب العلم» نفس المصدر 1 : 29. ~~وهذا تعريف جامع لأكثر ما قاله المتكلمون والحكماء ونرى تعاريفهم قريبة من ~~كلامه عليه السلام ، فتأمل جيدا. PageV02P229 # إدراكه له أنه هو ذلك المدرك الأول ، قيل للإدراك الثاني بهذا الشرط ~~«معرفة» ، كما يقال: عرفت الرجل ، وهو الذي رأيته في وقت كذا. فالمعرفة : ~~تكرار التصور ، والتصور : استقرار الإدراك. # وقيل : المعرفة والعلم كما ينسبان إلى الجزئي والكلي ، فقد ينسبان إلى ~~الإدراك المسبوق بالعدم ، أو إلى الأخير من إدراكين لشيء واحد يتخلل بينهما ~~عدم ، وإلى التجرد عن هذا الاعتبار ، ولهذا لا يوصف الله تعالى بالعارف ~~ويوصف بالعالم. وقد ينسبان إلى البسيط والمركب ، ولهذا يقال عرفت الله ، ~~ولا يقال علمته ، لأن المعرفة مختصة بالتصور والعلم بالتصديق فكان العلم ~~تصور بغير تصديق فكان ركنا. ### |||| ** الخامس : الفهم : تصور المعنى من لفظ المخاطب ، والإفهام : إيصال المعنى باللفظ إلى ~~فهم السامع. ### |||| ** السادس : التصديق : هو الحكم بالنسبة بين متصورين إيجابا أو سلبا. # فكل إدراك لا يخلو إما أن يكون المدرك حاصلا بحيث لا يكون منسوبا (1) إلى ~~شيء آخر أنه هو أو ذو هو ، أو بأنه ليس هو ولا ذو هو ، وإما أن تتحقق فيه ~~هذه النسبة ، والأول تصور ، والثاني تصديق. # ومن عاند بينهما بقوله : الإدراك إما تصور أو تصديق ms0554 ، أخطأ لعدم التعاند ~~بين الشرط والمشروط. # فالصحيح أن يقال : التصور إما أن لا يكون معه تصديق أو يكون. والصدق : هو ~~أن يكون حكمك بتلك النسبة مطابقا لما في الوجود. والتصديق : هو الاعتراف ~~بهذه المطابقة ، وقبول ذهن السامع لذلك. والكذب : مخالفة الحكم للوجود. ~~والتكذيب : الاعتراف بهذه المخالفة. PageV02P230 ### ||| ** المسألة التاسعة عشرة : في أن المعدوم كيف يعلم؟ (1) # اعلم أن الناس اختلفوا في أن المعدوم هل هو ثابت في الخارج أو لا؟ وقد ~~سبق. فالقائلون بثبوته يمكنهم القول بكون المعدوم معلوما ؛ لأن له متعلقا ~~ثابت الذات خارجا عن الذهن فأمكنت الإضافة إليه. # ومن قال : إن المعدوم ليس بثابت في الخارج ورد عليه الإشكال ؛ لأن ~~المعلوم متميز وكل متميز ثابت ، والعدم المطلق ليس بثابت ، فلا يكون ~~معلوما. مع أنا نعلم كثيرا من المعدومات كالشريك ، واجتماع النقيضين. ~~فالحكيم افلاطون خلص بمثل ما خلص به الأوائل من المتكلمين ؛ لأنه أثبت ~~المثل وجعل لكل معقول أمرا كليا في نفس الأمر ثابتا في الخارج موجودا ~~عينيا. وهو مع فساده غير مفيد للغرض ؛ لأنا قد نعلم ما هو ممتنع كشريك ~~الباري واجتماع النقيضين ، ولا يمكن أن تكون ثابتة في الخارج. # وأجيب (2): بأن البسيط كعدم ضد الله تعالى يعقل لأجل تشبهه بأمر موجود ، ~~فيقال : ليس لله تعالى شيء نسبته إليه نسبة السواد إلى البياض ، فلو لا ~~معرفة المضادة الحاصلة بين أمور وجودية ، وإلا (3) لاستحال معرفة عدم ضد ~~الله تعالى. وإن كان مركبا كعدم اجتماع الضدين ، فالعلم به يتم بسبب العلم ~~بأجزائه الوجودية مثل : أن يعقل السواد والبياض والاجتماع حيث يعقل ثبوته ، ~~ثم يقال : الاجتماع أمر وجودي معقول ليس حاصلا للسواد والبياض. فالحاصل أن ~~عدم البسائط إنما يعرف بالمقايسة إلى الأمور الوجودية ، وعدم المركبات إنما ~~يعرف بمعرفة بسائطها. PageV02P231 # وأجيب أيضا : بأن المعدوم لو لم يكن معلوما لكان تخصصه باللامعلومية ~~يستدعي تصوره ، لأن ما لا يتصور لا يصح الحكم عليه. # وأجيب أيضا : بأن المعدوم المتصور ثابت في الذهن ، ولا استبعاد في أن ~~يكون المعدوم في الخارج ثابتا في الذهن. # اعترض بأن الثابت في ms0555 الذهن أخص من مطلق الثابت ، فيكون المعدوم هنا ثابتا ~~، وكلامنا في مقابل مطلق الثابت ، وهو العلم بغير الثابت مطلقا ، وليس ~~كلامنا في ثابت خاص. ولأن الثبوت الذهني مشكل ؛ لأنا إذا علمنا أن شريك ~~الله تعالى معدوم ، فحضور الشريك في الذهن محال ، لأن الشريك هو الذي يجب ~~وجوده لذاته ، والحاضر في الذهن ليس كذلك. # لا يقال : الحاضر في الذهن تصور الشريك لا نفس الشريك. # لأنا نقول : فيعود الاشكال لأن البحث إنما وقع عن متعلق هذا التصور ، ~~فإنه إن كان نفيا محضا فكيف حصل التميز؟ وإن كان ثابتا فثبوته إما في الذهن ~~أو في الخارج ، وفيه ما مر. # قال أفضل المحققين : المعدوم في الخارج ثابت في الذهن من حيث هو موصوف ~~بالمعلومية ، وهو محكوم عليه من الحيثية المعلومة بالثبوت الذهني وليس بين ~~الحكمين تناقض ؛ لأن موضعهما ليس شيئا واحدا ، وهكذا غير الثابت المطلق ~~الشامل للخارجي والذهني محكوم عليه بالثبوت من هذه الحيثية ، ومسلوب عنه ~~الثبوت مع عدم اعتبار هذه الحيثية. # وقوله : «شريك الباري تعالى هو الذي يجب وجوده لذاته ، والحاضر في الذهن ~~ليس كذلك» ، فالجواب أن مفهوم الشريك هاهنا يشتمل على مماثلة بين متغايرين ~~، وذلك يوجب الاشتراك من حيث المماثلة وامتناع الوجود من حيث مغايرته لذات ~~الله تعالى. والموصوف بالامتناع محكوم عليه بسلب الوجود الخارجي من حيث ~~ثبوت هذا الوصف العنواني له في الذهن ، وغير محكوم عليه من غير PageV02P232 # اعتبار هذا الوصف ، بل هو محكوم عليه بالوجوب من حيث المماثلة ، ومتعلق ~~كل وصف منهما معلوم من جهة كونه متعلقا وغير معلوم من غير تلك الجهة. ### ||| ** المسألة العشرون : في تحقيق قولهم : نفس الأمر (1) # سألت شيخنا أفضل المحققين نصير الملة والحق والدين قدس الله # وقال بعضهم : إن المراد منها عالم الأمر وهو عبارة عن عقل كلي فيه جميع ~~المعقولات ويقصد من مطابقة قضية مع نفس الأمر : مطابقتها مع الصور المعقولة ~~عنده. ويعبر عنه أيضا ب «العقل الفعال» ذهب إليه المحقق الطوسي ، كما يأتي ~~، ولكن عبر عنه ب «العقل الأول» ، وهما بحسب التعبير مختلفان بل ms0556 هما مذهبان ~~، إلا أنه يمكن التوفيق بينهما بلحاظ المراتب والطولية للعقول بأن يكون ~~«نفس الأمر» في أعلى مراتبه هو العقل الأول وفي أدناها هو العقل الفعال. # وهي عند العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان : ما يعتبره العقل ظرفا ~~لمطلق الثبوت الشامل لمراتبه الثلاث وهي : ثبوت الوجود وثبوت الماهية وثبوت ~~المفاهيم الاعتبارية. # والظاهر أن العلامة الحلي أول من بحث عن حقيقة هذه الكلمة وطرحها في كتبه ~~الكلامية حيث قال في شأن البحث عنها : «وهو بحث شريف لا يوجد في الكتب». ~~كشف المراد : 70. # وقال في المصدر نفسه : «وقد كان في بعض أوقات استفادتي منه [المحقق ~~الطوسي] رحمه الله جرت هذه النكتة وسألته عن معنى قولهم : إن الصادق في ~~الأحكام الذهنية هو باعتبار مطابقته لما في نفس الأمر ... فقال رحمه الله ~~المراد بنفس الأمر هو العقل الفعال ...». # وجدير بالذكر أنه قد يستعمل «نفس الأمر» مرادفا للواقع ومقابلا لوعاء ~~الاعتبار ، كما أنه قد يعمم إلى الواقع الخارجي والذهني والاعتباري. # راجع : الأسفار 1 : 60 ، 65 ، 150 ، 344 ، 350 ، 365 372 و7 : 276 281 ؛ ~~كشف المراد : 70 ويقول العلامة حسن زاده الآملي في تعليقته على هذا الكتاب ~~: «قد صنفنا رسالة في نفس الأمر ، وقد فرض علينا تأليفها سؤال العلامة ~~وجواب المحقق الطوسي إياه» ؛ شوارق الالهام : المسألة الثلاثون من الفصل ~~الأول ؛ القبسات : 39 ، 47 ، 385 387 ؛ نهاية الحكمة : 15. PageV02P233 # روحه عن معنى قولهم : هذا الحكم صادق لأنه مطابق لما في نفس الأمر. ~~ويذكرون ذلك في الأحكام التي لها في الخارج ما يطابقها كقولنا : الكل أعظم ~~من الجزء ، وما لا يكون كقولهم : اجتماع النقيضين محال ، وشريك الباري ~~ممتنع ، والخلاء محال ، مع انه لا وجود لهذه الأشياء في الخارج ، مع جزمهم ~~تارة بأن الأحكام الصادقة ما يطابق الخارجي وتارة ما يطابق ما في نفس ~~الأمر. ولما انتفى وجود هذه الأشياء في الخارج لم يبق للأول اعتبار فيها ، ~~بل للثاني. فما المراد بنفس الأمر حينئذ حيث انتفى عنها الوجود الخارجي حتى ~~يكون الصدق باعتبار التطابق بينه وبين الذهني؟ ويجزمون أيضا بأن ما ms0557 يعتقده ~~الجهال بخلاف ذلك ، أنه ليس بصادق ؛ لأنه ليس مطابقا لما في الخارج ولا لما ~~في نفس الأمر ، كما لو اعتقد معتقد إمكان الشريك واجتماع النقيضين ووجود ~~الخلاء. # فأجاب قدس الله روحه : بأن المراد بنفس الأمر هو : العقل الأول ، لأن ~~المطابقة لا تتصور إلا بين متغايرين ولو بالشخص ، ولا بد من اتحادهما فيما ~~به التطابق. ولا شك في أن الأحكام الصادقة والأحكام الكاذبة معا تتشاركان ~~في الثبوت الذهني ، لكن يجب (1) أن يكون للصنف الأول وجود خارج عن أذهاننا ~~بحيث تعتبر المطابقة بين ما في أذهاننا وبينه وهو المراد بنفس الأمر. وذلك ~~الثابت ليس قائما بنفسه ، وإلا لزم القول بالمثل الافلاطونية فيكون قائما ~~بغيره مجرد عن المادة وعلائقها ، وإلا لكانت الصور المنطبعة فيه محسوسات لا ~~كليات. وتثبت فيه تلك الأشياء بالفعل لامتناع المطابقة بالفعل بين ما هو ~~بالفعل وبين ما هو بالقوة. وأيضا لا يمكن أن يزول ، أو يتغير ، أو يخرج إلى ~~الفعل بعد ما كان بالقوة ، ولا في وقت من الأوقات ، لأن الأحكام المذكورة ~~ثابتة دائما غير متغيرة في وقت من الأوقات ، فإنه لا وقت من الأوقات يرتفع ~~فيه الحكم بامتناع اجتماع النقيضين ، PageV02P234 # فوجب أن يكون محلها كذلك لامتناع ثبوت الحال بدون محله. # ولا يجوز أن تكون هذه الصور مرتسمة في واجب الوجود تعالى لامتناع تكثره ، ~~بل هو جوهر مجرد تتمثل فيه جميع المعقولات. # والاعتراض (1): لا يلزم من اشتراك العلم والجهل المركب في الوجود الذهني ~~واختلافهما في المطابقة واللامطابقة أن يكون للصورة العلمية متعلق ثابت في ~~الخارج عن أذهاننا ، بل تكفي مطابقتها لمتعلقها سواء كان متعلقها ثابتا في ~~الذهن أيضا (2)، كحكمنا بأن العلم والجهل المركب لهما وجود في الذهن ، أو ~~ثابتا في الخارج ، كحكمنا بأن النار حارة ، أو ليس ثابتا في واحد منهما ، ~~كحكمنا بأن شريك الباري ممتنع الوجود في نفس الأمر. # لا يقال : امتناع شريك الإله معلوم فهو موجود في الذهن ، فكيف حكمتم بأنه ~~ليس في الذهن ، ولا في الخارج؟ # لأنا نقول : حكمنا شريك الإله ممتنع الوجود في نفس ms0558 الأمر ، متعلقه ليس ~~شيئا في الذهن فإنا لم نحكم في الحكم على شيء ذهني أنه في الذهن حالة كذا ~~مثل ما حكمنا في حكمنا بأن العلم والجهل المركب لهما وجود في الذهن على شيء ~~ذهني هو العلم والجهل بأن الوجود الذهني ثابت له ، وإنما حكمنا بقولنا شريك ~~الإله ممتنع الوجود على الشيء في نفس الأمر. ولما لم يكن متعلقه شيئا ذهنيا ~~صح أن متعلقه ليس موجودا في الذهن ، بل الموجود في الذهن نفس هذا الحكم لا ~~متعلقه ، ولا شك في وجود جميع الأحكام في الذهن (3)، إنما الكلام في ~~متعلقاتها. # فالعلم يجب أن يكون مطابقا لمتعلقه ، أي حال الشيء في نفسه ، فإن (4) كان PageV02P235 # الحكم الذهني ، بثبوت شيء خارج الذهن على شيء كان شرط كونه علما أن يكون ~~للشيء ثبوت خارج الذهن في نفسه وله مع ذلك ثبوت خارج الذهن للموصوف به. وإن ~~كان الحكم الذهني بسلب شيء عن شيء خارج الذهن ، لم يشترط في كونه علما أن ~~يكون للمسلوب عنه وجود خارج الذهن ولا للحكم ثبوت خارج الذهن ، كما نقول : ~~طلوع الشمس غدا ليس من المغرب ، فهذا الحكم علم وليس لمتعلقه ثبوت خارج ~~الذهن ، وهو مطابق لمتعلقه ، فإن طلوع الشمس المعدوم ليس من المغرب ثابت له ~~في نفس الأمر. فلا يتم قوله : إنه يجب أن يكون للصورة الذهنية التي هي علم ~~ثبوت خارج عن أذهاننا. # ثم الأحكام الصادقة كما تقع في الكليات تقع في الجزئيات ، كقولنا : زيد ~~حيوان ، فيجب ارتسامه في شيء حتى تتحقق المطابقة ، ولا يجوز أن يكون هنا ما ~~أشرتم إليه لامتناع ارتسام الجزئيات فيه عندكم. # ولأن تلك الصور المرتسمة في ذلك المجرد صادقة لأنها طابقت الأحكام ~~الذهنية الصادقة ، ولا معنى للصادق إلا ما يطابق ما في نفس الأمر ، فتلك ~~الصور أيضا مطابقة لما في نفس الأمر ، فلا يكون هو نفس الأمر لامتناع ~~مطابقة الشيء لنفسه (1). # ولأن المراد بنفس الأمر إذا كان هو الصورة الحالة في الذات المجردة ، ~~كانت ذات ذلك المجرد متقدمة على تلك الصورة التي هي نفس ms0559 الأمر ، وذات ذلك ~~المجرد عالمة بذاتها (2)، وإنما يتحقق العلم بكونه مطابقا بالفعل لما في ~~نفس الأمر لامتياز ماهية الحكم العملي (3) عن الجهل بهذا القيد ، وكون ~~العلم مطابقا بالفعل PageV02P236 # لما في نفس الأمر لا يتحقق إلا بتحقق ما في نفس الأمر الذي طابقه علم ذلك ~~المجرد بذاته متقدما على كل ما يسمى نفس الأمر ؛ لأن علم العقل بذاته عين ~~ذاته ، فيلزم تقدم الشيء على نفسه. # والوجه عندي (1) أن يقال : المعلوم إما تصور ، وإما تصديق ، ولما كان ~~للذهن أن يتصور جميع الأشياء حتى ما يرتسم فيه من الصور إن أثبتناها ، أو ~~من الإضافات كان متعلق التصور قد يكون خارجيا ، وقد يكون ذهنيا. فالأول ~~يمكن فيه المطابقة لتعدد الملحوظ في الذهن والموجود في الخارج. والثاني قد ~~تثبت فيه المطابقة أيضا لكن ما لحظه الذهن بالنسبة إلى الملحوظ الذهني يكون ~~قد أخذ مقيسا إلى أمر ذهني اعتبره العقل ولم يجعله آلة ، بل منظورا فيه. # وأما التصديق فإنه حكم عقلي لا غير فالصادق منه (2) ما وافق الحكم العقلي ~~الذي لا تشوبه معارضة الوهم والخيال ، إما ابتداء ، أو بواسطة ؛ فانه ليس ~~في الخارج ، الحكم بأن الإنسان جسم أو حجر حتى يكون الحكم الذهني مطابقا ~~لأحدهما فيكون علما ، وغير مطابق للآخر فيكون جهلا ، بل كلاهما حكم عقلي ~~أحدهما استند إلى صريح العقل إما ابتداء ، أو بوسائط فكان حقا ، والثاني ~~استند إلى العقل مشوبا بما أوجب له الغلط ، ولم يحكم بما يوافق العقل ~~الصريح ، فكان جهلا. # وبالجملة لا يجب أن يكون المعلوم ثابتا إما في الذهن أو في الخارج ، بل ~~أن يكون على ما عليه الأمر نفسه. # وقد بقي في العلم مسائل أخر نذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. PageV02P237 ### | الباب الثاني ### | في القوى والأخلاق # وفيه مباحث : ### | البحث الأول ### | في مفهوم القوة (1) # قال صاحب الشفاء فيه (2): القوة في أصل الاصطلاح وضعت للمعنى الموجود في ~~الحيوان الذي يتمكن بواسطته من مزاولة الأفعال الشاقة (3) بحيث تصدر عنه ~~أفعال ليست أكثرية الوجود ، ويقابله الضعف. وكأنها زيادة وشدة من المعنى ~~الذي هو ms0560 القدرة. PageV02P238 # ثم إن للقوة بهذا المعنى مبدأ ولازما ، فالمبدأ : القدرة ، وهو كون ~~الحيوان بحيث إذا شاء أن يفعل فعل ، وإذا شاء أن يترك ترك ، وضد ذلك العجز. # واللازم : هو أن لا ينفعل الشيء بسهولة ، ولا يضعف ، لأن الذي يزاول ~~التحريكات الشاقة ربما ينفعل عنها وذلك الانفعال يصده عن تمامية الفعل ، ~~فلا جرم صار اللاانفعال دليلا على الشدة. # فينقل اسم القوة (1) إليهما أعني القدرة واللاانفعال (2). # ثم للقدرة وصف هو كالجنس لها ولازم. # أما الذي هو كالجنس فكونها صفة مؤثرة في الغير. # وأما اللازم فهو الإمكان ؛ لأن القادر إنما يصح فعله فيما هو ممكن ، لأنه ~~لما صح منه أن يفعل وصح أن لا يفعل كان صدور الفعل منه ممكنا ، فكان ~~الإمكان لازما له. # فنقل (3) اسم القوة إليهما فصارت اسما للجنس وهو كل صفة مؤثرة في الغير ، ~~ولذلك اللازم وهو الإمكان (4)، فيقولون للثوب الأبيض : إنه أسود بالقوة ، ~~بمعنى أنه يمكن أن يصير أسود. ثم سموا الحصول والوجود فعلا وإن لم يكن في ~~الحقيقة فعلا ، بل انفعالا فإنه لما كان المعنى الذي وضع اسم القوة له أولا كان PageV02P239 # متعلقا بالفعل (1). فهنا لما سموا الإمكان بالقوة سموا الاسم (2) الذي ~~يتعلق به الإمكان ، وهو الحصول والوجود بالفعل. # ثم لما وجد المهندسون بعض الخطوط من شأنه أن يكون ضلعا لمربع ، وبعضها لا ~~يمكن له ذلك جعلوا ذلك المربع قوة ذلك الخط فإنه ممكن فيه. و (3) خصوصا وقد ~~اعتقد بعضهم أن المربع يحدث بحركة الضلع على نفسه. # وحيث عرفت القوة عرفت أن غير القوي إما الضعيف ، أو العاجز ، أو سهل ~~الانفعال ، أو الضروري ، أو غير المؤثر ، أو أن لا يكون المقدار الخطي ضلعا ~~لمقدار سطح مفروض. # وقد حدت القوة (4) بأنها مبدأ التغير من شيء في آخر من حيث إنه آخر. ~~وإنما أوجبنا الآخرية لامتناع أن يكون الشيء الواحد فاعلا في نفسه صفة ، وإلا PageV02P240 # لكان قابلا وفاعلا معا ، وهو ممتنع عند مشاهير القوم ، وهو ممنوع عندنا ~~وسيأتي (1). # لكنا نقول : يمتنع أن يكون الشيء مبدأ لتغير نفسه ، وإلا لدامت الصفة ms0561 ~~بدوام ذاته، فلا يكون متغيرا في تلك الصفة ، فعلمنا أن مبدأ تغيره لا بد ~~وأن يكون غيره (2). # وفيه نظر ، فإنهم يسمون المبادئ الحالة في الأجسام وإن دامت بدوامها قوى ~~كالقوة المعدنية وغيرها. وإنما نعني بالتغير ما هو بحسب الذات فإن الذات من ~~حيث هي هي لا يجب لها ذلك الوصف ، وإنما يجب باعتبار قوة فيه أو في غيره ~~فكأنه تغير بحسب الذات. PageV02P241 ### | البحث الثاني ### | في أقسامها (1) # اعلم أن المؤثر كما يكون واحد الأثر كذا يكون كثير الأثر. وكما يفعل مع ~~الشعور قد يفعل مع عدمه. فلهذا قسم الأوائل القوة بهذه الاعتبارات إلى أربع ~~قوى ؛ لأنها إما أن يصدر عنها فعل واحد أو أفعال مختلفة ، وعلى كلا ~~التقديرين : إما أن يكون لها بذلك الفعل شعور أو لا ، فالأقسام أربعة : ### |||| ** الأول : القوة التي يصدر عنها فعل واحد أي على وتيرة واحدة وعلى نهج واحد غير مختلف ~~، لأنه (2) واحد بالشخص من غير أن يكون لها شعور به ، وتسمى طبيعة ، وهي ~~على قسمين : فإنها إما أن تكون صورة مقومة ، وإما أن لا تكون بل تكون عرضا. ~~فإن كانت صورة مقومة ، فإما أن تكون في الأجسام البسيطة فتسمى طبيعة ~~كالنارية والمائية ، وإما أن تكون في الأجسام المركبة فتسمى صورة نوعية ~~لذلك المركب كالطبيعة المبردة في الأفيون ، والطبيعة المسخنة في الفربيون ~~(3). وأما إن كانت عرضا فهو كالحرارة والبرودة. PageV02P242 ### |||| ** الثاني : القوة التي تصدر عنها أفعال مختلفة من غير أن يكون لها شعور بها ، ولا يكون ~~فعلها على نهج واحد ، وهي القوة النباتية. ### |||| ** الثالث : القوة التي يصدر عنها فعل واحد على نهج واحد مع الشعور ، وهي النفس ~~الفلكية. ### |||| ** الرابع : القوة التي تصدر عنها أفعال مختلفة مع الشعور بتلك الأفعال ، وهي القوة ~~الحيوانية المسماة بالقدرة. # ويقال للقوى الثلاث المغايرة للأولى نفوسا. وليست القوة مقولة على هذه ~~الأربعة قول الجنس ، لأن بعض أقسامها صورة جوهرية ، وبعضها أعراض ، ولا ~~اشتراك في الجنس بين الجوهر والعرض. والقسم الأول يذكر في باب المادة ~~والصورة ، والثاني والثالث في علم النفس. # فلنتكلم الآن في الرابع ms0562 ، لأنه أحد أنواع الحال والملكة. # واعلم أنه لا استبعاد عندي في أن يودع الله تعالى بحسب ما تقتضيه عنايته ~~في بعض الأجسام قوى تصدر عنها آثار متفقة أو مختلفة ، كالقوة الحيوانية ~~التي أوجدها الله تعالى في الحيوان واستندت أفعاله إليه. PageV02P243 ### | البحث الثالث ### | في أحكام القدرة # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في أن القدرة غير المزاج (1) # المزاج كيفية متوسطة بين كيفيات متضادة متفاعلة بعضها في بعض كالحرارة ~~والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، تستسخن (2) إذا قيست إلى البارد وتستبرد ~~بالقياس إلى الحار ، وكذا بين الرطوبة واليبوسة. فيكون في الحقيقة من جنس ~~هذه الكيفيات الأربع ، إلا أنه منكسر ضعيف (3) بالنسبة إليها. وإذا كان ~~كذلك كان # راجع أيضا مناهج اليقين : 75 76. PageV02P244 # حكم المزاج من جنس هذه الكيفيات ، إلا أنه يكون أضعف من أحكامها إذا كانت ~~صرفة قوية. # ولما لم يكن تأثير القدرة من جنس تأثير هذه الكيفيات عرفنا أنها مغايرة ~~للمزاج ، بل هي كيفية تابعة للمزاج. # وقيل (1): إن كان المرجع بالقدرة في حقنا إلى سلامة الأعضاء ، فهو معقول ~~(2)، وهذا قول معتزلة بغداد (3). وإن كان إلى أمر وراء السلامة المذكورة ~~، ففيه النزاع. # لكن الأشاعرة والمعتزلة المثبتون (4) أثبتوا صفة زائدة على سلامة ~~الأعضاء. # واحتجوا عليه بأن حركة المختار متميزة عن حركة المرتعش ، ولا مائز إلا ~~هذه الصفة (5). # ولأن القدرة محتاجة إلى الحياة والحياة محتاجة إلى الصحة ، فلا يمكن ~~جعلها نفس الصحة. # اعترض عليهم (6): بأنه متى يثبت هذا الامتياز (7)، قبل الاتصاف بالفعل ، # وبه قال الشيخ المفيد حيث قال : «والاستطاعة في الحقيقة هي الصحة ~~والسلامة ، فكل صحيح فهو مستطيع ...». تصحيح الاعتقاد : 63. # وقال الخياط أيضا : «إن القدرة هي صحة الجوارح وسلامتها من الآفات». ~~الانتصار : 80. راجع أيضا شرح الأصول الخمسة : 392. PageV02P245 # أو حال الاتصاف؟ والأول باطل عند الأشاعرة ؛ لأن القدرة لا تتقدم الفعل ~~عندهم. والثاني محال ؛ لأن المرتعش كما لا يتمكن من الحركة حال حصولها ~~لأنها تكون واجبة حينئذ، كذلك المختار لا يتمكن منها حال وجودها لاستحالة ~~أن يكون الشيء الواحد موجودا معدوما معا في وقت واحد. # ويقال لهم أيضا : متى يثبت هذا الاختيار ms0563 (1)، حال ما خلق الله تعالى ~~الحركة أو قبلها؟ والأول باطل ؛ لأن حصول الفعل حال ما خلق الله تعالى واجب ~~لا يتمكن القادر من عدمه. والثاني باطل ، لأن حصولها قبل أن خلقها (2) الله ~~تعالى محال ، فلا يكون مقدورا. # فعلى كلا التقديرين ينتفي الاختيار. # ويقال للمعتزلة : متى يثبت هذا الاختيار؟ عند استواء الداعيين ، أو عند ~~رجحان أحدهما على الآخر؟ والأول محال ؛ لأن الاستواء يمنع الفعل ، فعنده لا ~~يكون الفعل ممكنا ، وعند الامتناع لا اختيار. # والثاني محال ؛ لأن مع حصول الترجيح يجب الراجح ويمتنع المرجوح ، فلا ~~يثبت الاختيار. # أجاب أفضل المحققين : بأن المختار لا يتمكن من الحركة مع فرض وجود الحركة ~~، أما مع قطع النظر عنه فلم لا يجوز؟ والاختيار حال ما خلق الله تعالى ~~الحركة محال لغرض وجود الحركة ، أما مع قطع النظر عن ذلك فانه ممكن لوجود ~~القدرة المقتضية له. # والاختيار عند المعتزلة هو صحة صدور الفعل أو تركه من القادر تبعا لداعيه ~~، أو عدم داعيه ، وهو متساوي النسبة إلى الطرفين عند عدم اعتبار الداعي ، PageV02P246 # وغير متساو عند اعتبار أحدهما. # ومتقدموهم جوزوا صدور أحد الطرفين من المختار من غير ترجح أحدهما على ~~الآخر ، وأوردوا أمثله الجائع والعطشان والهارب ، إذا حضرهم رغيفان ~~متساويان ، أو قدحان متساويان ، أو طريقان متساويان ، فإنهم يختارون أحدهما ~~من غير مرجح (1). # والذين لا يجوزون ذلك يقولون : الرجحان شيء ، والعلم بالرجحان شيء ، ~~ولعله يختار أحدهما لوجود الرجحان وإن لم يفطن بالرجحان. # ومتأخروهم قالوا : بوجوب الرجحان ، وقال بعضهم : بأن الطرف الراجح يكون ~~أولى ولا ينتهي إلى حد الوجوب ، وهو اختيار محمود الملاحمي (2). وأنكر ~~بعضهم كون الأولوية كافية لما مر في خواص الممكن. # أبو الحسين وأصحابه (3) قالوا : عند الداعي يجب الفعل وعند عدمه يمتنع ، ~~وذلك لا ينافي الاختيار ، فإن معنى الاختيار هو : أن يكون الفعل والترك ~~بالقياس إلى القدرة متساويين ، وبالقياس إلى الداعي وعدمه ، إما واجبا ، أو ~~ممتنعا. ومن عدم التمييز بين الأمرين في هذه المسألة يحدث الاختلاف الجاري ~~بين القائلين بالإيجاب والاختيار (4). # وانظر إبطال القول بالأولوية في أصول الدين للرازي ms0564 : 86 ؛ كشف الفوائد : ~~237 و239 ؛ الأسفار 1 : 199 215 و221 230. PageV02P247 # وفيه نظر ، فانه مسلم أن الحركة وغيرها حال فرض وجوده يكون واجبا مع فرض ~~وجوده ، ومع فرض عدمه يكون ممتنعا ، لكن مع قطع النظر لا يجوز هنا صدوره عن ~~العبد ، لأنه لا مؤثر عندهم غير الله تعالى. والوجوب والامتناع اللاحقين ~~بالفعل حالة وجوده وعدمه إنما ينسبان بالنسبة إلى الله تعالى لا إلى العبد ~~عندهم. واختيار العبد عندهم غير مؤثر ولا مرجح ، فلا يقع بواسطته امتياز البتة. # وقيل : القدرة هي الحركة ، حيث وجدوا الحركات هي التي يظهر بها في الغالب ~~كون أحدنا فاعلا. # وهو خطأ ، أخذوا فيه لازم الشيء مكانه. مع أن الجمادات تتحرك وليست قادرة ~~، فليست الحركة هي القدرة. ### ||| ** المسألة الثانية : في أن القدرة (1) متقدمة على الفعل # اختلف المعتزلة والأشاعرة في ذلك ، فالذي عليه المعتزلة والإمامية ~~والفلاسفة أن القدرة يجب أن تكون متقدمة على الفعل (2)، وهو الحق. # وانظر رأي المعتزلة في : الانتصار : 79 81 ؛ شرح الأصول الخمسة : 395. ~~ورأي الإمامية في : تصحيح الاعتقاد : 63 64 ؛ كشف الفوائد : 237 ؛ كشف ~~المراد : 248 ؛ مناهج اليقين : 79. # ورأي الفلاسفة في : الفصل الثاني من المقالة الرابعة من إلهيات الشفاء : ~~383. ورأي الأشاعرة في : مقالات الإسلاميين : 230 233 ؛ المباحث المشرقية 1 ~~: 505 506 ؛ أصول الدين للرازي : 89 ؛ تلخيص المحصل : 165. # وانظر أيضا الآراء والأدلة في الفصل في الملل والأهواء والنحل 3 : 38 62. PageV02P248 # وأوجبت الأشاعرة اقتران القدرة بالفعل ، ومنعوا من تقدمها عليه. واستبعده ~~الشيخ في إلهيات الشفاء كل الاستبعاد ، وقال : # «لعل القائل بهذا القول كأنه يقول : القاعد لا يقوى على القيام ، أي لا ~~يمكن في جبلته أن يقوم ما لم يقم ، وكيف يقوم ، بل هذا القائل لا محالة غير ~~قوي على أن يرى وعلى أن يبصر في اليوم الواحد مرارا كثيرة ، فيكون بالحقيقة ~~أعمى» (1). # قال أفضل المتأخرين : «ليس هذا الاستبعاد عندي في موضعه ؛ لأنا فسرنا ~~القوة بأنها مبدأ التغير ، فهذا المبدأ إن كانت جهات مبدئيته كاملة وجب أن ~~يوجد معه الأثر واستحال تقدمه على الأثر ، وحينئذ يصح قولنا : إن القوة ms0565 ~~مقارنة للفعل. وإن لم توجد كاملة ، بل فقد أمر من الأمور المعتبرة في ~~المبدئية والإيجاد لم يكن ذلك الموجد تمام المؤثر ، بل بعضه ، فلم يكن ~~الموجود هو القوة على الفعل ، بل بعض تلك القوة. # نعم لا شك أن الكيفية المسماة بالقدرة حاصلة قبل الفعل وبعده ، ولكنها ~~بالحقيقة ليست هي تمام القوة على الفعل ، بل أحد أجزاء القوة. # (وبالجملة فالقدرة إن أريد بها القوة الجامعة لجميع جهات المؤثرية فهي ~~غير متقدمة ، وإن أريد بها القوة العقلية (2) التي تؤثر عند انضمام الإرادة ~~الجازمة إليها فهي متقدمة.) وإذا أمكن تأويل كلام القوم على الوجه الذي ~~فصلناه ، فأي # وقد أورد المصنف المثال الأول في ابطال قول الأشاعرة وقال : «الضرورة ~~قاضية ببطلان هذا ، فان القاعد يمكنه القيام قطعا» كشف المراد : 248. PageV02P249 # حاجة بنا إلى التشنيع وتقبيح صورة كلامهم؟» (1) # وفيه نظر ؛ لأن أصحابه صرحوا بامتناع تقدم القدرة على الفعل ، واحتجوا ~~عليه بأن القدرة عرض فلا يمكن بقاؤها ، وهذا التصريح لا يقبل التأويل الذي ذكره. # ويدل على ما ذهبنا إليه وجوه : ### |||| ** الأول : الكافر مكلف بالإيمان إجماعا ، والإيمان غير موجود فيه حال كفره ، فإما أن ~~تكون القدرة ثابتة حينئذ أو لا ، فإن كان الأول بطل قولهم بامتناع التقدم ، ~~وإن كان الثاني لزم تكليف ما لا يطاق (2)، لأن التكليف ثابت حال الكفر ~~والقدرة غير ثابتة. # اعترضه أفضل المتأخرين : «بأنه وارد عليكم أيضا ؛ لأنه حال حصول القدرة ~~لا يمكنه الفعل ، وحال حصول الفعل لا قدرة له عليه. # لا يقال : إنه في الحال مأمور بأن يأتي بالفعل في ثاني الحال لا في الحال. # لأنا نقول : هذه مغالطة ؛ لأن كونه فاعلا للفعل إما أن يكون هو نفس صدور ~~الفعل عنه ، وإما أن يكون أمرا زائدا عليه ، فإن كان الأول استحال أن يصير ~~فاعلا قبل دخول الفعل في الوجود ، وإذا كان كذلك استحال أن يقال : إنه ~~مأمور بأن يفعل في الحال فعلا لا يوجد إلا في ثاني الحال. وإن كان الثاني كانت # قال صدر المتألهين بعد نقل تأويل الرازي : «لعمري أن تصحيح كلامهم بهذا ms0566 ~~التأويل والتفصيل أشنع وأقبح كثيرا من كلامهم الواقع على الإجمال ...» ~~تعليقات على إلهيات الشفاء : 168. PageV02P250 # تلك الفاعلية أمرا حادثا فيفتقر إلى الفاعل ، والكلام في فعلها كالكلام ~~في الأول فيلزم التسلسل» (1). # وأجاب عنه أفضل المحققين بأنه : «إذا أخذ حال حصول القدرة حال وجود الفعل ~~بعينه فالفعل لا يمكنه ، لا من حيث القدرة ، بل من حيث تفرض مقارنتها ~~بالفعل ، وكون الفعل واجب الوقوع حينئذ». # ثم اعترض كلام المعتزلة بأن : «الكافر مكلف بالإيمان من حيث هو قادر حتى ~~يؤمن في حال قدرته ، وهذا ليس تكليفا بما لا يطاق. ومن حيث فرض وقوع الكفر ~~منه في حال قدرته على الإيمان لو كان مكلفا بالإيمان كان تكليفا بما لا ~~يطاق» (2). # وفيه نظر ، فإن قوله : «حال حصول القدرة لا يمكنه الفعل» ، يشتمل على ~~التناقض. وقوله : «استحال أن يقال : إنه مأمور بأن يفعل في الحال فعلا لا ~~يوجد إلا في ثاني الحال» مغالطة ؛ فإنه مأمور في الحال بأن يفعل في ثاني ~~الحال لا في الحال. أو نقول : إنه قد أعلم في الحال بأن يؤمن في ثاني الحال. # واعتراض أفضل المحققين غير وارد ؛ لأن الكافر عند الأشاعرة إنما يكلف ~~حالة الفعل لا حالة الكفر ، لكن حالة الفعل هي حالة وجوبه ، أعني حال عدم ~~القدرة عليه. وأيضا لو اقترن التكليف والقدرة والفعل كما هو مذهب الأشاعرة ~~لم يكن أحد عاصيا البتة حتى الكافر ، والتالي باطل اتفاقا ، فالمقدم مثله. ### |||| ** الثاني : القدرة إنما يحتاج إليها لأجل أن يخرج القادر الفعل من العدم إلى الوجود ، ~~فلو لم توجد إلا حال حدوث الفعل التي هي حالة وجوده لم تكن هناك حاجة إليها. PageV02P251 # اعترضه أفضل المتأخرين : «بأنه منقوض بالعلة والمعلول ، والشرط والمشروط» ~~(1). فإن العلة إنما يحتاج المعلول إليها لتخرجه من العدم إلى الوجود ، مع ~~أنها موجودة معه غير متقدمة عليه ، وكذا الشرط مع المشروط المساوي. # وأجاب أفضل المحققين بأن : «ايراد النقض بالعلة والمعلول ، والشرط ~~والمشروط ليس بنافع ؛ لأن العلة أيضا قبل وقوع المعلول ممتنعة العلية ، ~~وكذلك حال وقوعه ، وذلك لانضياف القبل والحال إليها». # ثم عارض ms0567 المعتزلة بأن : «الحاجة إلى القدرة وحدها لأجل أن يدخل الفعل من ~~العدم إلى الوجود ، لا إليها مأخوذة مع حدوث الفعل أو عدمه» (2). # وفيه نظر ، فإن الفرق واقع بين القدرة والعلة ؛ لأن القدرة إنما يحتاج ~~إليها لإخراج الفعل من العدم إلى الوجود ، من المختار الذي يجب تقدم قدرته ~~واختياره بالزمان على الفعل ، بخلاف العلة والمعلول المقترنين بالزمان. # وما ذكره أفضل المحققين ليس بوارد ؛ لأن الشك هكذا : لو احتاج الإخراج من ~~العدم إلى الوجود إلى تقدم المحتاج إليه بالزمان لثبت ذلك في العلة ~~والمعلول. ومعلوم أنه لا يندفع بما ذكره ، بل بما قلناه أولا من الفرق بين ~~العلة الموجبة والقدرة المصححة. على أن المعلول إذا انحصرت أحواله في ثلاث ~~وامتنع تأثير العلة فيه في الثلاث امتنع تأثيره فيه مطلقا. # نعم العلة تؤثر في المعلول من حيث هو هو لا مأخوذا بعد العلة ، أو معها ، ~~أو قبلها ، وإن امتنع تأثيرها إلا في أحد الأحوال ، لكن لا بشرط أحدها. ~~وإذا كانت الحاجة إلى القدرة وحدها لادخال الفعل من العدم إلى الوجود وجب ~~أن يوجد اعتبار حدوث الفعل وعدمه في الحاجة. PageV02P252 ### |||| ** الثالث : لو وجب اقتران القدرة والمقدور لزم أحد المحالين ، وهو إما قدم العالم ، أو ~~حدوث قدرة الله تعالى ، والتالي بقسميه باطل ، فالمقدم مثله. والشرطية ظاهرة. # واعترضه أفضل المتأخرين بأن : «المؤثر في وجود أفعال الله تعالى هو تعلق ~~قدرته بها زمان حدوثها ، وأما التعلقات (1) السابقة فلا أثر لها البتة ، ~~وهذا لا يمكن تحققه في قدرة العبد ، لأنها غير باقية» (2). # أجاب أفضل المحققين بأن : «القول : بأن تعلق قدرة الله تعالى زمان حدوث ~~الفعل مؤثر في وجود الفعل ، ليس بشيء لأن الفعل يجب في زمان حدوثه وإن لم ~~تكن قدرة». # واعترض كلام المعتزلة بأنه «لا نسبة لقدرة الله تعالى إلى قدرة العبد ، ~~مع أن قدرته تعالى إذا أخذت مع وجود الإرادة أو عدمها لا يبقى للاختيار وجه ~~، كما قيل في العبد» (3). # وفيه نظر ، فإن المتعلقات لو كانت ثابتة لزم التسلسل ، والثبوت الذهني ~~عنده محال. ولاستحالة أن يكون ms0568 مؤثر الموجودات العينية من الأجسام والأعراض ~~أمرا ذهنيا ، وإنما تنتفي النسبة لو ثبت الاختلاف ، لكن مفهوم القدرة واحد. ### |||| ** الرابع : أنه سيأتي إن شاء الله تعالى وجوب تعلق القدرة بالضدين ، فلو وجب فيها ~~مقارنة الأثر لوجب اجتماع الضدين ، وهو محال (4). ### |||| ** الخامس : قد تتعلق القدرة بما لا يتناهى من الأفعال على ما سيأتي تفصيله ، فلو وجب ~~مقارنتها للأثر لزم وجود ما لا يتناهى دفعة ، وهو محال. PageV02P253 ### |||| ** السادس : الفرق بين القدرة والعلة هو وجوب الأثر وعدمه ، فلو وجب الاقتران لم يبق ~~بين القدرة المؤثرة على سبيل الصحة والإمكان والعلة المؤثرة على سبيل ~~الوجوب ، تغاير ، وهو محال بالضرورة. ### |||| ** السابع : هنا حالتان للقدرة قطعا : حالة حاجة إليها ، وحالة الاستغناء هي حالة ~~الوجود لاستحالة تحصيل الحاصل ، فلم تبق حالة الحاجة إلا حالة العدم فيخرج ~~القادر بقدرته الفعل من العدم إلى الوجود ، وهذا يقتضي تقدمها لا محالة ~~بخلاف وجوب مقارنة السبب لمسببه ، لأن السبب لا يؤثر في الأحداث ، وإنما ~~التأثير في ذلك للقدرة. ### |||| ** الثامن : لو وجبت مقارنتها للفعل لقدح في طريق إثباتها ، وكل حكم يرجع على أصله ~~بالإبطال فإنه يكون باطلا. # بيان الشرطية : أن القدرة إنما يعلم ثبوتها بعد العلم بكون أحدنا قادرا ، ~~وإنما نعرف الواحد منا قادرا بوقوع تصرفه بحسب دواعيه ومقاصده ، لأنه ما لم ~~نعرف محدثا لتصرفه لا نعرف أنه قادر ، وهذا طريق إثباته ، وإذا ثبت هذا فلو ~~كانت القدرة متى وجدت وجب وقوع الفعل معها لبطل اعتبار الدواعي والإرادة ، ~~ولم يكن لهما تأثير ، وإذا لم يكن بذلك معتبر فلا طريق إلى أن أحدنا فاعل ، ~~وفساد هذا الطريق يقود إلى الجهل بكونه قادرا. وإذا لم نعرف قادرا لم نعرف ~~القدرة. ### |||| ** التاسع : (1) إن كانت قدرة القديم تعالى سابقة على مقدوراته (2) من الأجسام وغيرها ~~كانت قدرتنا على أفعالنا كذلك ، لكن المقدم حق قطعا ، فالتالي مثله. # بيان الشرطية : أن هذا الحكم راجع إلى القدرة ؛ لأن الفعل في الأزل ممكن PageV02P254 # لاستحالة انتقاله من الامتناع إلى الإمكان ، فلو صح تعلق القدرة به على ~~سبيل الاقتران وقدرته تعالى أزلية وجب قدم ms0569 الفعل ، وهو محال ، وإذا كان هذا ~~الحكم راجعا إلى مجرد القدرة ثبت في قدرتنا ذلك أيضا. ### |||| ** العاشر : (1) ألزم قدماء المعتزلة كأبي الهذيل وجعفر بن حرب (2) وغيرهما الأشاعرة في ~~سؤالهم لهم : متى يقدر أحدنا على فعل نفسه ، أو على الانتقال من الظل إلى ~~الشمس ، أو على تطليق زوجته ، أو على القاء العصا من يده؟ فإن كان قادرا ~~عليها قبل حدوثها فهو المطلوب ، وإن كان عند حصولها فهذه حالة قد استغنى ~~فيها عن القدرة وعن القادر. وكيف يقولون في القتل ، وهو يخرج حال وجوده من ~~كونه حيا ، فكيف يثبت كونه قادرا؟ # احتجت الأشاعرة بوجوه (3): ### |||| ** أ: (4) القدرة عرض فلا تكون باقية ، فلو تقدمت على الفعل لاستحال أن يكون ~~قادرا على الفعل. ### |||| ** ب : حال وجود القدرة ليس إلا عدم الفعل ، والعدم المستمر يستحيل أن يكون مقدورا ~~، وحال حصول الفعل لا قدرة (5). ### |||| ** ج : لو جاز تقدمها وقتا واحدا ولا فعل ، جاز تقدمها أوقاتا كثيرة ، فيخلو أحدنا ~~من الأخذ والترك. PageV02P255 ### |||| ** د : قالوا إذا كان عدم القدرة يحيل الفعل فوجودها يجب أن يوجبه. ### |||| ** ه : لو استحال الفعل بالقدرة في الحال لكان المحيل إما أن يرجع إليها ، أو إلى ~~المقدور ، إذ لا يعقل ثالث غيرهما يستند إليه الإحالة ، لكن لو استحال لأحد ~~الأمرين لاستحال الفعل بها في الثاني. وهذه شبهة أخذوها من ابن الراوندي ~~حيث أوردها في العالم ، فقال : «لا يخلو المحيل لوجود العالم في الأزل من ~~أمرين ، إما أن يرجع إلى نفسه ، أو إلى القادر ، وعلى كلا التقديرين يلزم ~~امتناع وجوده من بعد». ### |||| ** و: القادر إما أن يكون ممنوعا من الفعل ، أو ممتنعا ، أو فاعلا ، والامتناع ~~أيضا فعل ، والمنع عجز ، فكيف يصح خروج القادر عن الفعل بقدرته؟ ### |||| ** ز : إذا كان عند ما يصح الفعل من القادر يحتاج إلى أمر فعند وجوده تجب الحاجة ~~إلى أمر سواه. ### |||| ** ح : إذا وجب في الآلة أن تقارن الفعل فكذا القدرة. ### |||| ** ط : القدرة يتوصل بها إلى الفعل فأشبهت الحاسة التي يتوصل بها إلى الإدراك ، ~~فإذا كانت الحاسة يصح الإدراك بها حال وجودها ms0570 فكذلك القدرة. ### |||| ** ي : المنع منع عن الفعل في الحال ، فكذا القدرة. ### |||| ** يا : لو لم تكن القدرة مع الفعل ولم توجبه يصح وجود العجز معها كما يصح وجوده مع ~~الآلات. ### |||| ** يب : الفاعل حالة الفعل لا يمكن عجزه عنه فتجب قدرته عليه. ### |||| ** يج : العجز عجز عما لم نفعله ، والقدرة يجب أن تكون قدرة على ما نفعله. ### |||| ** يد : لو تقدمت القدرة الفعل ولم يحتج إليها حال الفعل ، لأوجب PageV02P256 # الاستغناء عن الله تعالى في كل وقت ، خصوصا إذا قلتم ببقائها. ### |||| ** يه : الدليل والمدلول يوجدان معا على سبيل الوجوب وكونه فاعلا ككونه قادرا ، ~~فيجب أن يدل على قدرته في الحال. ### |||| ** يو : لا بد من الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية والفرق بينهما يجب أن يكون ~~بأمر حاصل في الحال ، وهو وجوب مقارنة القدرة لإحداهما دون الأخرى. ### |||| ** والجواب عن أ: لم لا يجوز أن تكون القدرة عبارة عن سلامة الأعضاء؟ # سلمنا ، لكن لا نسلم أن العرض لا يبقى ، وقد تقدم بطلانه (1). # سلمنا ، لكن لا نسلم استحالة قدرته على الفعل لتعاقب القدر (2) حينئذ. ### |||| ** وعن ب : أنه استدلال من فرض القدرة مع عدم الفعل ، أو وجوده ، وهو قاصر عن إفادة ~~المطلوب ؛ لأن ذلك الامتناع إنما يلزم من فرض اجتماع القدرة والفعل ، ~~والمدعى امتناع وجود القدرة قبل الفعل. # وفيه نظر ، فإن النزاع ليس إلا في وجود القدرة مع عدم الفعل ، لأن الذي ~~يجعلها متقدمة يفرض وجودها مع عدم الفعل. وأيضا إذا لم يكن للفعل إلا حالتا ~~وجود وعدم ، وثبت امتناع وجود القدرة فيهما لزم انتفاء القدرة. # بل الوجه في الجواب : نسلم أن القدرة المتقدمة تقارن عدم الفعل ، لكن ليس ~~ذلك العدم المستمر مقدورا ، بل الفعل في ثاني الحال ثم يبقى إلى أن يقارن ~~الفعل ، فلا يلزم نفي القدرة. وتجري هذه الشبهة مجرى قول من ينفي الإيجاد ، ~~بأنه إما أن يكون حال الوجود فيلزم تحصيل الحاصل أو عدمه فيجتمع النقيضان. PageV02P257 ### |||| ** وعن ج : بجواز الخلو عن الفعل والترك إذا جعلناه فعل الضد ، وسيأتي. ### |||| ** وعن د : أنه قياس خال عن الجامع ، والقياس في ms0571 نفسه ضعيف ، فكيف إذا خلا عن العلة؟! ~~وأيضا القدرة مصححة للفعل جارية مجرى الشرط له ، فإذا عدمت امتنع الفعل ولا ~~يجب بوجودها كسائر الشروط ، كالحياة مع ما يشترط بها كالقدرة والعلم ، ~~وكأجزاء العلل. ثم ينقض كلامكم بقدرة الله تعالى ، فإنا لو فرضنا زوال كونه ~~قادرا لاستحال الفعل منه ، وعند حصول هذه الصفة لا يجب وجود الفعل. ### |||| ** وعن ه : أن الفعل يمتنع بالقدرة حال وجودها ، فلا تعلل هذه الاستحالة بشيء. والحاصل ~~أن امتناع الاقتران ذاتي فلا يعلل. # وأيضا ينتقض بقدرة الله تعالى ، فإنه لم يزل قادرا والفعل يستحيل منه ~~أزلا والقسمة آتية فيه مع أنه لا يلزم امتناع وجود العالم فيما بعد. # وأيضا لا يلزم من سبق الاستحالة دوامها ، فإن العلم يستحيل اجتماعه مع ~~الظن أولا ، ثم يصح من بعد وجود العلم ، والحركة مستحيلة على الجسم حال ~~حدوثه ممكنة له فيما بعد. ### |||| ** وعن و: ليس المنع عجزا ، ولو كان عجزا بطلت القسمة ؛ لامتناع تقسيم الشيء إلى ما ~~يضاده ، وكأنهم قالوا : القادر إما أن يكون فاعلا ، أو عاجزا. # وأيضا يتضمن قسمة الشيء إلى نفسه وغيره ؛ لأن الامتناع فعل. ثم ترد هذه ~~القسمة في حقه تعالى. ### |||| ** وعن ز : أن الذي يحتاج إليه عند الصحة هو القدرة خاصة ، ولا خلاف في أنه لا يحتاج ~~إلى قدرة ثانية. فإن قالوا : الذي يحتاج إليه عند الصحة غير القدرة ، PageV02P258 # فغير مسلم ؛ لأن من دونها لا يوصف الحي بصحة الفعل منه ولهذا الصحة على ~~مذهبهم لا تثبت ؛ لأن الحال يتردد بين أمرين لا غير : وجوب الفعل وهو عند ~~وجود القدرة ، وامتناعه وهو حال عدمها. # وأيضا ينتقض بالقديم تعالى ؛ لأنه يصح منه الفعل قبل أن يوجده ، وعند ~~الوجود لا يحتاج إلى أمر زائد. # فإن أثبتوا أمرا موجبا هو كونه مريدا ، فهو أمر دائم مستمر غير متجدد ، ~~وإلا لزم وجود العالم أبدا ، لثبوت ما يوجب وجوده. # وأيضا لو سلمنا وجوب وجود أمر سوى القدرة قلنا نعم ، وهو الإرادة. ### |||| ** وعن ح : أن من الآلة ما يجب تقديمه ومنها ما لا يجب ms0572 ، والقدرة من قبيل الأول (1). ### |||| ** وعن ط : أنه قياس خال عن الجامع. على أنهم يفرقون بينهما بأن الحس تدرك به الأضداد ~~وليست قدرة عندهم متعلقة بالضدين ، فتغايرا في الأحكام. # 1 ما يجب تقدمها ولا يجب مقارنتها ، وذلك كما يكون وصلة إلى الفعل ، نحو ~~القوس ، فإنها لا بد أن تكون متقدمة على الإصابة. # 2 ما يجب تقدمها ومقارنتها جميعا ، وذلك كل ما يكون محلا للفعل ، نحو ~~اللسان ، فانه يجب تقدمه حتى يكون معينا على الكلام ، ويجب مقارنته حتى ~~يكون محلا. # 3 ما يجب مقارنتها ولا يجوز فيها التقدم ، وذلك كصلابة الأرض في التصرف ، ~~فانها ينبغي أن تكون ثابتة في الحال ولا يجب تقدمها. # ثم قال : إذا ثبت هذا ، فلنا أن ننظر أن القدرة من أي هذه الأقسام هي ، ~~فنظرنا فإذا هي من قسمة ما يجب تقدمها ، لأنها كالوصلة إلى الفعل». شرح ~~الأصول الخمسة : 409 410. # ثم استفاد من هذا التقسيم في الجواب عن شبهة الأشاعرة. راجع نفس المصدر : 426. PageV02P259 ### |||| ** وعن ي : بأنه غير وارد على أبي علي حيث قال بالتسوية بين القدرة والمنع في وجوب ~~التقديم. وأما غيره إذا أوجب فلأن المنع ضد الفعل ، ولا يقع بين الشيء ~~وغيره تضاد إلا في حال الوجود. ### |||| ** وعن يا : إن أردتم بذلك أن العجز عن غير ما هو قادر عليه فصحيح. وإن كان الفرض أن ~~يعجز عن عين ما هو قادر ، فالمانع هو التضاد. ولا يجب إذا صحت مضافة العجز ~~للآلة أن يصح مثله في القدرة ، لأن التضاد جار بينه وبين القدرة. والحاصل ~~أن العجز يضاد القدرة ، فالملازمة ممنوعة. ### |||| ** وعن التهذيب : بالمنع من الملازمة فإنا نجوز خلوه في تلك الحال من القدرة والعجز. # سلمنا وجوب القدرة حالة الفعل ، لكن النزاع ليس فيه ، بل في جواز تقدمها ~~وعدمه ، وإلزام العجز إنما يستقيم عندهم على مذهب من يرى بقاء القدرة ، وهم ~~لا يقولون به. ### |||| ** وعن يج : بمنع وجوب ما قلتم ، ووجوب الجمع بين الأمرين على ما صورتم ، فلا بد له من ~~دليل على أن العجز لا يجوز أن يكون ms0573 عجزا عما لم نفعله ؛ لأن من جملته ما لا ~~يصح أن يعجز عنه كمقدور الغير. # سلمنا لكن وجوب كون القدرة على ما نفعله يستدعي تقدمها. ### |||| ** وعن يد : بالمنع من عدم الحاجة إلى القدرة مع تقدمها. ثم لو كان هذا المعنى قادحا في ~~وجوب تقدمها لقدح في وجوب تقدم الآلة وبقائها. ### |||| ** وعن يه : بالمنع من وجوب المقارنة بين الدليل والمدلول ، فإن المعجزة تدل على صدق ~~مدعي النبوة وإن تأخرت المعجزة عن صدقه ، وكذا الفعل في كونه قادرا يتراخى ~~عنه وإن دل عليه. وعلى أن دلالة الفعل عندنا هي على أن الفاعل كان قادرا ، ~~وذلك ثابت في الحالين ، بخلاف العلة والمعلول ؛ لأن هناك ضربا من PageV02P260 # الإيجاب ، وليس كذا الحال في القادر وصدور الفعل من جهته. وأيضا لو وجب ~~الاقتران لم يمنع من وجوب تقدم القدرة. ### |||| ** وعن يو : بالمنع من استناد الفرق إلى أمر موجود في الحال ، فجاز أن يكون بأمر متقدم. ### ||| ** المسألة الثالثة : في أن القدرة متعلقة بالضدين (1) # اختلف الناس في ذلك ، فذهب المعتزلة والإمامية والفلاسفة إلى ذلك ، ومنعت ~~الأشاعرة منه (2)، وقالوا : إن القدرة الواحدة إذا تعلقت بالفعل امتنع ~~تعلقها بالترك ، وبالعكس. # قيل : إن عنوا بالقدرة مجموع الأمور التي يترتب الأمر عليها ، فليست ~~القدرة قدرة على الضدين ، لأن الأثر لا يصدر عنه ما لم يجب ذلك الصدور ، ~~فلو كانت النسبة إلى الضدين كذلك لزم حصولها. # وإن أريد به القوة العضلية وحدها ، وأنها بحيث لو انضم إليها القصد إلى # وقال الأشعري : «وقال بعض المتأخرين ممن كان ينتحل المعتزلة : القدرة مع ~~الفعل وهي تصلح للشيء وتركه ... وهذا قول ابن الراوندي» مقالات الإسلاميين ~~: 230 231. # وقال المصنف أيضا في مناهجه : «ذهب قوم من الأوائل وجماعة من الأشاعرة ~~إلى أن القدرة لا تتعلق بالضدين ، وجماعة المعتزلة اتفقوا على أن صلاحيتها ~~للتعلق بهما» مناهج اليقين : 78. PageV02P261 # أحد الضدين حصل ذلك الضد ، وإن انضم إليها القصد إلى الضد الثاني حصل ~~الضد الثاني ، فلا شك أن القدرة قدرة على الضدين. # وأيضا إن عنوا به أن القدرة ليست قوة تامة على الشيء ms0574 وضده ، فحق أنها ~~ليست متعلقة بالضدين ؛ لأن هذه القوة متى كانت مترددة بين الضدين استحال أن ~~يصدر عنها أحدهما ، لأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر ، ومتى خرجت عن حد ~~التردد لم تكن قوة على الضدين. # وإن أرادوا به أن القوة التي انضم إليها مرجح حتى صارت مؤثرة في أحد ~~الضدين ، لا يمكن أن ينضم إليها مرجح آخر تصير مؤثرة في الضد الآخر ، فذلك ~~باطل (1). # لنا وجوه : ### |||| ** الأول : الضرورة ، فإنها قاضية بأن من قدر على الحركة يمنة قدر عليها يسرة ، وإن لم ~~توجد فيه إلا قدرة واحدة. وأن القادر على الشيء قادر على تركه ، فمن نازع ~~في ذلك فهو مكابر. ### |||| ** الثاني : القدرة هي الصفة المصححة لوجود الفعل من الفاعل ، فلا يجب لها الفعل بل ~~يمكن الفعل والترك بها ، فهي متعلقة بالضدين. ### |||| ** الثالث : الدليل الدال على أن الواحد منا قادر ، يدل بعينه على أنه قادر على الضدين ~~؛ لأن دليل القدرة هو وقوع أفعالنا بحسب دواعينا وانتفائها بحسب صوارفنا ~~بحيث يجب اختصاصه بصفة القادرين ، وإنما يتم هذا لصحة تحركه يمنة ويسرة ~~وسائر الجهات ، حتى لو كان الواقع منه فعلا واحدا لم يدل على أنه محدث لذلك ~~الفعل ، ولا أنه قادر عليه. PageV02P262 ### |||| ** الرابع : (1) لو تعلقت القدرة بأحد الضدين لا غير لجوزنا أن يقدر أحدنا على التحريك ~~يمنة ولا يقدر على التحريك يسرة ؛ لأن هاتين الحركتين متضادتان ، والضرورة ~~قاضية بخلافه. ولجاز أن يقدر أحدنا على رفع الجبل العظيم ولا يقدر على رفع ~~ذرة ، لتضاد هاتين الحركتين. # لا يقال : العادة جارية بأن يجمع الله تعالى بين هاتين القدرتين في ~~القادر فلهذا لا يمكن ما ذكرتم. # لأنا نقول : العادة يمكن خرقها ، ومن المعلوم أن في الزمان الذي يصح ~~انتقاض العادة فيه يستحيل ما قلناه فإنه لا يجوز أن يقدر القادر على رفع ~~جبل ولا يقدر على رفع خردلة ، ولا أن يقدر على الحركة يمنة ويعجز عن الحركة يسرة. ### |||| ** الخامس : (2) لو لم تتعلق القدرة بالضدين ، لزم تكليف ما لا يطاق ، والتالي باطل ، ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن ms0575 الكافر مأمور بالإيمان وهو غير واقع منه ، ولا يخلو ~~إما أن يكون قادرا عليه أو لا ، فإن كان الثاني تحقق التالي. وإن كان الأول ~~فلا يخلو إما أن يكون بالقدرة التي تعلقت بالكفر أو بغيرها ، والتالي باطل ~~، وإلا لزم تقدم القدرة على الفعل ، وهو عندكم محال ، والأول هو المطلوب. ### |||| ** السادس : لو لم تتعلق القدرة بالضدين لم يبق فرق بين القادر المخلى وبين الممنوع ~~المضطر ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن القادر حينئذ لا يقدر إلا على شيء واحد فأشبه المحبوس ~~في تنور من حديد فإنه لا يقدر إلا على تسكين نفسه. # واعترض : بإمكان التفرقة بينهما بوجه آخر ، وهو صحة أن يفعل القادر PageV02P263 # المخلى الفعل وأن لا يفعله ، بخلاف المضطر الذي لا يتأتى منه الانفكاك ، ~~فافترقا من هذه الجهة وإن لم يقدر القادر على الضدين. نعم هذا يدل على ~~إمكان تقدم القدرة ، لأنها لو امتنع عليها التقدم لأشبه القادر المضطر. ### |||| ** السابع : استدل أبو هاشم في «البغداديات» بأن القدرة التي توجد في أحدنا وهو ببغداد ~~، يصح وجودها منه لو كان بالبصرة ، فإذا وجدت منه وهو بالبصرة فلا بد لها ~~من متعلق ، وإلا لزم انقلاب جنسها ، وهو محال. فإما أن تتعلق بالكون في ~~المكانين ، وهو المطلوب. وإما أن تتعلق بأحدهما خاصة ولا يمكن تعلقها ~~بالآخر ، وهو باطل ؛ إذ لا شيء يقتضي الإحالة ، لأن القدرة من فعل الله ~~تعالى ولا يلحقه في صفة ذاته لغير وليس في القدرة محيل ومانع ، إذ لا ضد ~~لها ، فيقال : يمتنع وجودها لوجود ضدها ، على ما يأتي. وإن فرضنا لها ضدا ~~أو منافيا لم يجب اتصاف المحل به ، إذ ليس من ضرورة الحي أن يوجد ذلك الضد ~~، أو المنافي. # ولا يمكن أن يقال : إن موجبها يستحيل عليه إلا في هذا المكان ، لأن هذه ~~الصفة تصح عليه لكونه حيا ، وهو ثابت في المكانين معا. وعلى أن المعنى لا ~~يستحيل وجوده لاستحالة الصفة الصادرة عنه ، بل الصفة تستحيل لاستحالة ~~موجبها لترتبها على العلة ، وليست العلة مترتبة عليها. # ولا يمكن ms0576 أن يقال بافتقار القدرة إلى بنية زائدة ، لأن صحة حصول البنية ~~في المكانين على السواء. # ولا أن يقال : القدرة تفتقر إلى الكون في هذا المكان ؛ لأن الكون محتاج ~~إلى القدرة دون العكس. ولأنه يلزم صحة وجود الكون ولا قدرة. # وليس لهم أن يقولوا : إن القدرة موجبة للكون في ذلك المكان ؛ لأن ~~الاعتراض بنفس المذهب على دليل قد نصب لإفساده غير صحيح. ولا أن تقاس ~~القدرتان بالكونين ، لأن وجود الكون الذي يختص مكانا آخر فيه ، وهو في هذا PageV02P264 # المكان يقتضي انتقاله إليه ، فإن بهذا الحكم يتميز ذلك الكون عن غيره. ~~ووجود الجوهر في جهتين محال ، والقدرة لا تقتضي أن ينتقل بها محلها من مكان ~~إلى آخر. # ولأن الكونين في جهتين يتضادان بخلاف القدرتين. فإذن القدرة تتعلق ~~بالكونين لأنها لو تعلقت بالكون الذي يختص المكان الذي وجد فيه القادر دون ~~الكون في المكان الثاني لكان قد اختلف حالها لأجل انتقال محلها ، فإنها لو ~~وجدت في مكان الثاني لكانت قدرة على الكون فيه ، وذلك قادح في أن تعلقها ~~لأمر يرجع إلى ذاتها. وهذا على طوله غير تام. # احتجت الأشاعرة بوجوه : ### |||| ** الأول : القدرة عبارة عن التمكن ، ومفهوم التمكن من هذا غير مفهوم التمكن من ذلك ~~فتغايرت القدرة باعتبار تغاير المقدور. ### |||| ** الثاني : نسبة القدرة إلى الطرفين إن كانت على السوية استحال أن تصير مصدرا لأحدهما ~~إلا عند مرجح ، فلا يكون مصدر الأثر إلا المجموع ، فقبل هذه الضميمة لم يكن ~~ذلك قدرة على الفعل. وإن لم تكن على السوية لم تكن القدرة قدرة إلا على ~~الراجح (1). ### |||| ** الثالث : المعاني المختلفة على اختلافها لا تتعلق بالضدين ، فكذا القدرة (2). ### |||| ** الرابع : العون على الشيء هو القدرة عليه ، ولا يتعلق بالضدين فكذلك القدرة (3). # ثم أجاب عنه القاضي في شرح الأصول الخمسة : 430 431. PageV02P265 ### |||| ** والجواب عن الأول : المعنى لا يختلف بتبديل لفظ القدرة بلفظ التمكن. ومفهوم التمكن من أحد ~~الشيئين يشارك مفهوم التمكن من الآخر في مفهوم التمكن مطلقا ، وإنما ~~يختلفان من حيث تعلقهما تارة بهذا وتارة بذاك ، فإن كان المراد من القدرة ms0577 ~~ذلك الأمر المشترك كانت صالحة للضدين. # وإن كان المراد منها مجموع المشترك مع ما به الاختلاف لم يقع اسم القدرة ~~على أنواعها إلا بالاشتراك اللفظي ، ويقع على أنواع متعددة بعدد المقدورات ~~(1)، وهذا قول لم يصر إليه أحد من العلماء. ### |||| ** وعن الثاني : إن قولهم : «إن كانت نسبة القدرة إلى الطرفين على السوية احتاجت إلى مرجح ، ~~وقبل المرجح لا تكون قدرة على الفعل» ، يقتضي أن تصير القدرة مبدأ للفعل مع ~~الزائد ، وهو عين مذهب القائلين بأن القدرة صالحة للضدين (2). # والأصل فيه أن للفعل امكان الوجود في نفسه ، وذلك أمر ذاتي له لا يعلل ، ~~وله وجود ، وهو المستفاد من الغير. # ثم إن الفعل قد لا يتأتى من كل فاعل بل من فاعل دون فاعل ، فكان من يصدر ~~عنه الفعل له امكان الإيجاد والتأثير فيه. وكما أن امكان الفعل لا يكفي في ~~وجوده من ذاته لتساوي نسبة الطرفين إليه ، كذا امكان الإيجاد من الفاعل غير ~~كاف في الإيجاد ، وإلا لكان الإيجاد منه واجبا ، بل يفتقر إلى ضميمة حتى ~~يتحقق الإيجاد منه. وتلك الضميمة هي الإرادة ، فبدونها يكون الفعل ممكنا من ~~الفاعل ، والصدور يتوقف على المشترك ، وهو امكان الفعل من الفاعل المشترك ~~بين طرفي الوجود والعدم ، وعلى الزائد عليه وهو الإرادة. PageV02P266 # وكون الصدور مستحيلا من دونهما ككون الوجود مستحيلا باعتبار الإمكان ~~المجرد عن العلة ، وكما لا يخرج الممكن عن امكانه باعتبار هذه الاستحالة ، ~~كذا لا يخرج امكان ايجاد الفعل عن الفاعل عن امكانه باعتبار هذه الاستحالة ~~، لأن الاستحالتين مستندتان إلى عدم العلة فيهما ، وامكان الإيجاد هو ~~القدرة أو معلولها ، فقبل هذه الضميمة التي فرضت مع الزيادة تكون القدرة ~~موجودة ؛ لأنا لا نعني بالقدرة الصفة الموجدة قطعا ، بل التي يصح بها ~~الإيجاد. فهذا هو تحقيق هذا الموضع (1). ### |||| ** وعن الثالث : بأنه قياس خال عن الجامع. ثم الفرق أن كل واحد من المختلفات ثبت بدليله ، ~~وتعلق القدرة مختلف ، ثم ينقض عليهم بالعجز فإنه عندهم متعلق بالضدين ، ~~ويبطل على الكلامية بالقدرة القديمة التي أثبتوها متعلقة بالأضداد. ### |||| ** وعن الرابع : ليس ms0578 العون على الشيء هو القدرة فقط ، وإلا لكان الله تعالى معينا للكافر ~~على كفره ، بل لا بد من اقتران الإرادة مع القدرة (2)، فلهذا كان العون ~~على الشيء مخصوصا به دون ما يضاده. ### ||| ** المسألة الرابعة : في مبادئ الحركات الاختيارية (3) # الحركة الاختيارية هي التي تصدر عن فاعل قادر على الفعل والترك ، PageV02P267 # وتتساوى نسبتهما إليه بحسب إرادة ترجح أحدهما على الآخر. ولها أربعة مبادئ. ### |||| ** الأول : المبدأ البعيد لها : وهي القوى المدركة ، وتلك القوى المدركة ، إما الخيال ~~أو الوهم في الحيوان ، وإما العقل العملي بتوسطهما في الإنسان. ### |||| ** الثاني : قوة الشوق : فإنها تنبعث عن القوى المدركة وتتلوها. وتنشعب (1) إلى شوق نحو ~~طلب ، إنما ينبعث عن ادراك الملائمة في الشيء اللذيذ أو النافع ، ادراكا ~~مطابقا أو غير مطابق وتسمى شهوة. وإلى شوق نحو دفع وغلبة إنما ينبعث عن ~~ادراك منافاة (2) في الشيء المكروه أو الضار ويسمى غضبا. # ومغايرة هذه القوة (3) للقوى المدركة ظاهرة ، لأنه ليس في تلك القوى ترجح ~~لأحد الطرفين بخلاف هذه. وكما أن الرئيس في القوى المدركة الحيوانية هو ~~الوهم ، كذا الرئيس في القوى المحركة هو هذه القوة (4). ### |||| ** الثالث : الإجماع : وهو تال لقوة الشوق ، ومعنى الإجماع هو العزم الذي ينجزم بعد ~~التردد في الفعل والترك ، وهو المسمى بالإرادة والكراهة. وهو مغاير للقوة ~~الشوقية ؛ لأن كل واحد منهما يوجد بدون صاحبه ، فإن الإنسان حال مرضه يريد ~~تناول الدواء وهو لا يشتهيه ، ويكره تناول الغذاء وهو يشتهيه. وعند وجود ~~هذا الإجماع يرجح أحد طرفي الفعل أو الترك على صاحبه اللذين تتساوى نسبتهما ~~إلى القادر عليهما ترجحا مانعا من النقيض. ### |||| ** الرابع : القوة العضلية المنبثة في مبادئ العضل المحركة للأعضاء ، وهي مغايرة لسائر ~~المبادئ السابقة ، لأن الإنسان العاجز قد يشتاق إلى الشيء ويعزم عليه وهو ~~غير قادر على تحريك أعضائه ، والقادر على التحريك قد لا يشتاق ولا PageV02P268 # يعزم ، وهذه القوة هي المبدأ القريب للحركات. وفعلها تشنج الأعصاب (1) ~~وإرسالها ويتساوى الفعل والترك بالنسبة إليها. ### ||| ** المسألة الخامسة : في إبطال قول الفلاسفة (2) # في أن كل جسم يصدر عنه أثر لا بالقسر ms0579 ولا بالعرض فعن قوة موجودة فيه. # قالت الفلاسفة : الأجسام مشتركة في مفهوم الجسمية ومتفاوتة في الأحياز ~~وغيرها من الآثار ؛ فإن بعضها تلزمه البرودة وبعضها الحرارة وغيرهما ، وتلك ~~الآثار حادثة ممكنة فلا بد لها من مؤثر ، وهو إما الجسم ، أو محله ، أو ~~الحال فيه ، أو المباين الذي لا نسبة له إليه بالحلول ، فلا يكون حالا فيه ~~ولا محلا له. والأول باطل لوجهين : ### |||| ** الأول : الأجسام مشتركة في مفهوم الجسمية على ما مر واشتراك العلة يقتضي اشتراك ~~المعلول ، لكن المعلول غير مشترك على ما قدمنا من اختلاف الأجسام فيها ، ~~فالعلة غير مشتركة ، والجسمية مشتركة فلا تكون علة. ### |||| ** الثاني : لو استندت هذه الآثار إلى الجسمية لدامت بدوامها ، والتالي باطل ، فالمقدم ~~مثله ، والشرطية ظاهرة. # وكذا الثاني ؛ لأن هيولى العناصر مشتركة ولا تبقى الآثار ببقائها. # وأما الثالث ، فهو المطلوب. PageV02P269 # وأما الرابع فباطل أيضا ؛ لأن ذلك المباين إن كان جسما أو جسمانيا عاد ~~البحث فيه. وإن كان مفارقا مجردا عن المادة وعلائقها كانت نسبته إلى جميع ~~الأجسام بالسوية ، فحصول أثره في بعضها دون البعض إن كان بسبب أمر حصل لذلك ~~الجسم واختص به لأجله استحق قبول ذلك الأثر من المفارق ، فهو المطلوب. وإن ~~كان لا بسبب لزم ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وهو محال. # والاعتراض : لم لا يستند إلى الفاعل المختار؟ بل هو الحق في ذلك ؛ فإن ~~اختلاف الأجسام في الأعراض لو كان لاختلاف الصور لكان اختلاف الصور مستندا ~~إلى سبب آخر ، لأن الأجسام كما اختلفت في الأعراض فهي أيضا مختلفة في هذه ~~الصور التي هي مبادئ تلك الأعراض فاختصاصها بتلك الصورة لو كان لأجل صورة ~~أخرى ، فإن وجبت المساوقة (1) لزم حصول علل ومعلولات غير متناهية دفعة ، ~~وهو محال. وإن تساوقت اندفعت الحجة التي ذكرتموها ، فإنه لو جاز اسناد كل ~~صورة حاصلة في الحال إلى صورة سابقة عليها جاز اسناد العرض الحاصل في الحال ~~إلى عرض سابق عليه ، وحينئذ لا يحتاج إلى اثبات الصور. # لا يقال : كل صورة حادثة فإنها مسبوقة باستعداد سابق عليها ms0580 ، وذلك ~~الاستعداد تخصيص كل صورة استعدت بالحصول دون غيرها. # لأنا نقول : كما أن الاستعداد ثابت للصور عندكم ، كذا هو ثابت للأعراض ، ~~بل لكل حادث عندكم على الإطلاق ، فإذا كان كافيا في الصور ، فلم لا يكفي في ~~الأعراض؟ # قيل : السبب في اختصاص المادة بصورة معينة هي الصورة السابقة. ولا يمكن ~~أن يكون السبب لوجود العرض الحاصل العرض المتقدم ، لوجهين : PageV02P270 ### |||| ** الأول : الماء إذا يسخن بالقسر بسبب ملاقاة النار له مثلا فانه إذا زال القاسر عنه ~~عادت البرودة إليه ، فعلمنا أن في جسم الماء شيئا محفوظ الذات عند حصول ~~المسخن القسري ، وهو الذي أعاد البرودة إلى الماء عند زوالها بالقسر ، ~~فعلمنا أن استناد هذه الآثار إلى مباد في الأجسام. وأما الصور فإنها إذا ~~زالت لا تعود عند زوال المزيل ، فإن الماء إذا عرض له عارض صيره هواء فعند ~~زوال ذلك القاسر لا يعود بطبعه ماء ، فعلمنا استناد الأعراض إلى الصور. ~~وأما الصور فلا يجب استنادها إلى صور أخرى. ### |||| ** الثاني : العناصر الممتزجة المتفاعلة بعضها في بعض لا بد فيها من كسر وانكسار في ~~الكيفيات ، والحس يدل عليه. وعلة الكسر يجب أن تكون حاصلة عند الكسر ، فلا ~~يخلو إما أن يكون انكسار كيفية كل واحد منها (1) بكيفية الآخر أو بغيرها. ~~والأول محال ؛ لأنه لا يخلو إما أن يتقدم انكسار إحداهما بالأخرى أو يقترنا ~~معا. والأول محال ؛ وإلا لاستحال انكسار الكاسر به لأن المنكسر بعد انكساره ~~صار مغلوبا فلا يعود غالبا ، مع أنه قبل الانكسار لم يقو على الغلبة والقهر ~~لغالبه ، فكيف يصير بعد الانقهار قاهرا؟! والثاني محال أيضا ؛ لأن ~~الانكسارين لو وجدا معا لوجب وجود علتهما معا وهما الكاسران ، فحال انكسار ~~كل منهما بصاحبه ومغلوبيته به يصير كاسرا وقاهرا ، وهذا محال للتنافي بين ~~العلية والمعلولية. فوجب أن يكون انكسار كيفية كل من العنصرين ليس بكيفية ~~الآخر ، بل بالصورة الموجودة في العنصر الذي هو مبدأ تلك الكيفية ، فثبت ~~وجود هذه القوى. ### |||| ** والجواب عن الأول : قد بينا سبب الاختصاص ، وهو قدرة الله تعالى. وما ذكرتموه مبني على ms0581 ~~الاستقراء دون البرهان ، فإن الاحساس انما يفيد حكما جزئيا. فإن PageV02P271 # ادعيتم العمومية ، فهو المتنازع. ### |||| ** وعن الثاني : إن الكسر والانكسار يكونان معا ويكون المزاج بعد ذلك حاصل من الله تعالى ، ~~أو يكون الكسر أيضا من الله تعالى. على أنه ينتقض ما ذكرتم بامتزاج الماء ~~الحار والبارد فانه لا يمكن هنا المغايرة بالصورة ؛ لأن صورتهما واحدة ولا ~~تقتضي السخونة. وأيضا فالصورة لا تفعل بذاتها بل بواسطة الكيفية ، ولهذا ~~سموها بالكيفيات الفعلية وجعلوا لها مقابلا هو الكيفيات الانفعالية. ثم ~~يلزم أن تكون الكيفيات الفعلية منفعلة فينتفي التقابل بينهما. PageV02P272 ### | البحث الرابع ### | في الخلق (1) # وهو «ملكة نفسانية تقتدر النفس معها على صدور الأفعال عنها بسهولة من غير ~~تقدم روية» (2). # وهي مغايرة للقدرة لتساوي نسبة القدرة إلى الضدين ، والخلق ليس كذلك. ~~ولأنه كيفية نفسانية بخلاف القدرة فإنها وإن تعلقت بذوات الأنفس ، لكنها ~~ليست من الكيفيات النفسانية. # وليس عبارة عن نفس الفعل ؛ لأنه قد يكون تكلفيا ويكون صادرا لا بسهولة ~~بخلاف الخلق فانه بمنزلة الكاتب الماهر في الكتابة فإن له أن يكتب متى شاء ~~من غير أن يتروى في حرف حرف ، وكذا العالم إذا حصل له ملكة العلم لا نعني ~~أنه تحضر المعلومات عنده بالفعل ، بل يكون مقتدرا على احضار معلوماته من ~~غير روية. PageV02P273 # واعلم أن الأخلاق : منها فاضلة شريفة ، ومنها رذلة ناقصة. وأصول الفضائل ~~الخلقية ثلاثة : الشجاعة والعفة والحكمة (1) وتجمعها العدالة ، وتجمع ~~مقابلها الجور. ولكل واحد من هذه الثلاثة طرفان هما رذيلتان. # فالشجاعة : الخلق الذي تصدر عنه الأفعال المتوسطة بين أفعال التهور ~~والجبن (2)، والشجاعة محبوسة بهما ، وهذان الطرفان رذيلتان. # وأما العفة : فهي الخلق الذي تصدر عنه الأفعال المتوسطة بين أفعال الفجور ~~والخمود (3)، وهذان الطرفان رذيلتان ، والفضيلة (4) محبوسة بهما. # وأما الحكمة : فهي الخلق الذي تصدر عنه الأفعال المتوسطة بين أفعال ~~الجربزة والغباوة (5)، وهذان الطرفان رذيلتان. # وليست هذه الحكمة العملية هنا هي التي تجعل قسيمة للحكمة النظرية ، حيث ~~يقال: الحكمة إما نظرية أو عملية كما توهمه بعض الناس ؛ لأن المراد من # العفة : ملكة ترتبط بالقوة الشهوية الباعثة إلى ms0582 جذب الخير والنافع الذي ~~يلائمه. # الحكمة : ملكة ترتبط بالقوة العقلية التي تهدي الانسان إلى الخير ~~والسعادة وتزجره عن الشر والشقاء. # والهيئة الحاصلة من اجتماع الملكات الثلاث التي أثرها اعطاء كل ذي حق من ~~القوى حقه إذا اعتدلت سميت عدالة ، وإن خرجت إلى حد الإفراط سميت ظلما ، ~~وإن خرجت إلى حد التفريط سميت انظلاما. # راجع نهاية الحكمة : 123 124. PageV02P274 # الحكمة العملية هنا ملكة تصدر عنها الأفعال المتوسطة بين أفعال الجربزة ~~والغباوة. وإذا قلنا : من الحكمة ما هو نظري ، ومنها ما هو عملي ، لم نرد ~~به الخلق ، فإن ذلك ليس جزءا من الفلسفة ، بل نريد معرفة الإنسان بالملكات ~~الخلقية بطريق القياس ، أنها كم هي؟ وما هي؟ وما الفاضل منها وما الرديء؟ ~~وأنها كيف تحدث من غير قصد اكتساب؟ وأنها كيف تكتسب بقصد ومعرفة السياسات ~~المنزلية والمدنية؟ وبالجملة المعرفة بالأمور التي إلينا (1) أن نفعلها. # وهذه المعرفة ليست غريزية ، بل متى حصلناها كانت حاصلة لنا من حيث هي ~~معرفة وإن لم نفعل فعلا ، وإن لم نتخلق بخلق فلا تكون أفعال الحكمة العملية ~~الأخرى موجودة ، ولا أيضا الخلق ، وتكون لا محالة عندنا معرفة مكتسبة ~~يقينية. # والحاصل أن الحكمة العملية قد يراد بها العلم بالخلق ، وقد يراد بها نفس ~~الخلق ، وقد يراد بها الأفعال الصادرة عن الخلق ، فالحكمة العملية التي ~~جعلت احدى الفضائل الخلقية الثلاثة هي نفس الخلق. وأيضا فالحكمة العملية ~~بالمعنى الثاني أو الحكمة العملية بالمعنى الأول ليس علما بهذا الخلق فقط ، ~~بل وبسائر الأخلاق من الشجاعة والعفة وبالسياسات أيضا ، فظهر الفرق بين ~~البابين. PageV02P275 ### | الباب الثالث ### | في الألم واللذة # وفيه مباحث : ### | البحث الأول ### | في حقيقتهما (1) # زعم محمد بن زكريا الرازي أن اللذة : عبارة عن الخروج عن الحال # وفي هذا الباب تأتي كلمات ومصطلحات ، لا بأس بتعريف بعضها من كتاب الحدود ~~لقطب الدين النيسابوري : 59 ، حيث اختص فصلا لها وعنونه ب «فصل في حدود ما ~~يدخل تحت الألم واللذة» وهي : # الخير : ما ينتفع به الغير ، قولا أو فعلا. ونقيضه الشر. # الصلاح : ما فيه الفلاح. PageV02P276 # الطبيعية (1). # وقيل : عود ms0583 إلى الحالة الطبيعية بعد الخروج منها. # وقيل : الخروج عن المؤلم. # وسبب هذا الظن أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات (2)؛ لأن اللذة إنما تحصل ~~بالإدراك ، والإدراك الحسي خصوصا اللمسي إنما يحصل بانفعال المدرك عن الضد ~~، والكيفية إذا استقرت لم يحصل الانفعال ، فلم يحصل الشعور ، فلم # النفع : اللذة الخالصة أو السرور الخالص أو ما يؤدي إليها. # التلذذ : إدراك المشتهى. # التألم : إدراك ما ينفر عنه. # الضرر : ما يستضر به. وقيل : هو الألم المحض أو الغم الخالص أو ما يؤدي ~~إليهما. # الشهوة : معنى إذا وجد ، أوجب كون الغير مشتهيا. # النفار : معنى إذا وجد ، أوجب كون الغير نافرا. # قال العلامة حسن زاده الآملي في تعليقته على كشف المراد في ذيل هذا النقل ~~ما هذا لفظه : # «... كلمة غير [في غير الطبيعية] كما في المطبوعة زائدة. وهذا التصحيف قد ~~تطرق في كتب أخرى كالأسفار ... ، وكالمباحث المشرقية للفخر الرازي ... ، ~~وعبارة الأسفار مأخوذة من المباحث ، ولكن العبارة محرفة وقد تصرف فيها من ~~لا دراية له في فهم أساليب العبارات العلمية. والعبارة في نسخة مخطوطة من ~~المباحث عندنا هكذا : زعم محمد بن زكريا أن اللذة عبارة عن الخروج عن ~~الحالة الطبيعية وسبب هذا الظن أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات ... الخ. ~~وعبارة الخواجة موافقة لها. نسخة التجريد المنسوبة إلى خط الخواجة أيضا ~~موافقة لما اخترناه» كشف المراد : 572 573. # رسالة في الأدوية القلبية ، تحقيق د. محمد زهير البابا : 228. PageV02P277 # تحصل اللذة ، فلما لم تحصل اللذة اللمسية إلا عند تبدل الحال الغير ~~الطبيعي ظن أن اللذة نفسها هي ذلك الانفعال ، وهذا ظن باطل ؛ لأن الإنسان ~~قد يستلذ بالنظر إلى صورة جميلة لم يكن رآها ، ولا علم بها قبل ذلك حتى لا ~~يقال : إن النظر يدفع ضرر الشوق ، وكذلك إذا أدرك مسألة علمية من غير طلب ~~منه لها ولا شوق إلى تحصيلها ، أو اتفق له حصول مال عظيم أو حصول منصب جليل ~~فانه يلتذ بذلك وإن لم يكن متوقعا له ولا طالبا لحصوله بحيث لا يقال : إن ~~حصول هذه الأشياء أزالت ألم الطلب والشوق. ms0584 # والشيخ قد عرف اللذة بأمور متعددة تشترك في معنى الإدراك فإنه قال في ~~الإشارات : «اللذة : هي إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من ~~حيث هو كذلك. والألم : هو إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر» (1). # الإدراك : قد مضى تفسيره (2). # والنيل : الاصابة والوجدان. # وإنما لم يقتصر على الإدراك ؛ لأن الإدراك يحصل بحصول صورة مساوية للمدرك ~~في المدرك ، والنيل لا يكون إلا بحصول ذاته. واللذة لا تتم بحصول ما يساوي ~~اللذيذ (3)، بل بحصول اللذيذ نفسه ، فلهذا عقب بالنيل ، ولم يكن هناك لفظ ~~يقوم مقامهما بحيث يأتي به عوضهما. وقدم الأعم الدال بالحقيقة ، وأردفه PageV02P278 # بالمخصص الدال بالمجاز. # وقال : «لوصول ما هو عند المدرك» ولم يقل : لما هو عند المدرك ؛ لأن ~~اللذة ليست ادراك اللذيذ فقط ، بل هي إدراك حصول اللذيذ للملتذ ووصوله إليه. # وقال : «لما هو عند المدرك كمال وخير» ؛ لأن الشيء قد يكون كمالا وخيرا ~~بالقياس إلى شيء ، وهو لا يعتقد كماليته وخيريته فلا يلتذ به ، وقد لا يكون ~~كذلك وهو يلتذ به لأنه يعتقده كمالا وخيرا (1). # فإذن المعتبر كماليته وخيريته عند المدرك لا في نفس الأمر. والكمال ~~والخير هنا المقيسان إلى الغير هما حصول شيء لما من شأنه أن يكون ذلك الشيء ~~له ، أي حصول شيء يناسب شيئا ويصلح له ، أو يليق به بالقياس إلى ذلك الشيء. ~~والفرق بينهما أن ذلك الحصول يقتضي لا محالة براءة ما من القوة لذلك الشيء ~~فهو بذلك الاعتبار فقط كمال وباعتبار كونه مؤثرا خير. # وقال : «من حيث هو كذلك» ؛ لأن الشيء قد يكون كمالا وخيرا من جهة دون جهة ~~، والالتذاذ به يختص بالجهة التي هو معها (2) كمال وخير. # فهذه ماهية اللذة ، وتقابلها ماهية الألم. وهذا أقرب إلى التحصيل من ~~قولهم : «اللذة ادراك الملائم ، والألم ادراك المنافي» (3). # واعترضه أفضل المتأخرين بأن : «تعريف اللذة بالخير الذي هو أمر وجودي PageV02P279 # عند الشيخ يرجع إلى قولنا : اللذة ادراك الموجود ، وكذلك يكون الألم ~~ادراك المعدوم. وذلك باطل ، أما في اللذة ، فلأن ادراك احتراق الأعضاء ~~والأصوات ms0585 المنكرة وما يشبهها ليست بلذات مع أنها موجودات. وأما في الألم ، ~~فلأن العدم لا يحس به. فإن فسروا الخير باللذة أو ما يكون وسيلة إليها على ~~ما هو المشهور رجع التعريف إلى قولنا : اللذة هي ادراك اللذة أو ما يكون ~~وسيلة إليها. والكمال أيضا إن فسر : بحصول شيء لشيء من شأنه أن يكون له ، ~~وكان معنى قولهم «من شأنه أن يكون له» امكان اتصافه به لزم أن يكون الجهل ~~وسائر الرذائل كمالات» (1). # قال الشيخ : «إن الخير والشر قد يختلفان بحسب القياس ، فالشيء الذي هو ~~عند الشهوة خير هو مثل المطعم الملائم والملبس (2) الملائم. والذي هو عند ~~الغضب خير فهو الغلبة. والذي عند العقل خير فتارة هو الحق وذلك باعتبار كون ~~العاقل قابلا عما فوقه بالقياس إلى قوته النظرية وتارة الجميل وذلك باعتبار ~~انصرافه عما فوقه وتصرفه فيما دونه بالقياس إلى قوته العملية . ومن ~~العقليات مثل (3) الشكر ووفور المدح والحمد والكرامة. # وبالجملة الخيرات التي تكون للعقل بمشاركة سائر القوى ، وهي التي تختلف ~~الهمم فيها لاختلاف أحوال تلك القوى. أما العقلي الصرف فلا يختلف البتة. ~~وكل خير بالقياس إلى شيء ما فهو الكمال الذي يختص به وينحوه باستعداده ~~الأول ؛ فإن الشيء إنما يقصد ويميل إلى شيء يكون مؤثرا بالقياس إليه» (4). PageV02P280 # وقوله : «باستعداده الأول» فائدته أن الشيء قد يكون له استعدادان سابق ~~ولاحق ، ولا يكون الشيء الذي ينحوه ذلك الشيء باستعداده الثاني خيرا ~~بالقياس إلى ذاته ، بل يكون خيرا بالقياس إلى ذلك الاستعداد الطارئ ، ~~كالانسان فإنه مستعد في فطرته لاقتناء الفضائل ، ثم إذا طرأ عليه ما أعده ~~لاقتناء الرذائل قصدها بحسب الاستعداد الثاني ، ولا تكون هي خيرا بالقياس ~~إلى ذاته مع الاستعداد الأول. وكل لذة فإنها تتعلق بكمال خيري وبادراك له ~~من حيث هو كذلك. # ثم إن الشيخ اعترض على نفسه بأن «من الكمالات ما لا يلتذ به كالصحة ، فلا ~~يتلذذ بها ما يلتذ بالحلو وغيره». # وأجاب بأن «الشرط كان حصولا وشعورا جميعا. ولعل المحسوسات إذا اشتدت (1) ~~لم يشعر بها. على أن المريض ms0586 والوصب (2) يجد عند الثؤوب (3) إلى الحالة ~~الطبيعية مغافصة (4) غير خفي التدريج لذة عظيمة. # واللذيذ أيضا قد يصل فيكره ، كما أن بعض المرضى يكره الحلو فضلا عن أن لا ~~يشتهي اشتهاء شائقا. وليس ذلك طاعنا فيما سلف ؛ لأنه ليس خيرا في تلك الحال ~~فإن الحس لا يشعر به من حيث هو خير. # فإن أردنا الاستظهار في التحديد قلنا : اللذة هي ادراك ونيل لما هو عند ~~المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك ولا شاغل ولا مضاد للمدرك. فإنه إذا لم ~~يكن سالما فارغا أمكن أن لا يشعر بالشرط. أما غير السالم ، فكما في عليل المعدة PageV02P281 # إذا عاف (1) الحلو. وأما غير الفارغ ، فكما في الممتلئ جدا فإنه يعاف ~~الطعام اللذيذ. وكل واحد منهما إذا زال مانعه عادت لذته وشهوته وتأذى بتأخر ~~ما هو الآن يكرهه. # وكذا في الألم ، قد يحضر السبب المؤلم وتكون القوة الدراكة ساقطة ، كما ~~في قرب الموت من المريض أو معوقة ، كما في الخدر فلا يتألم به. فإذا انتعشت ~~القوة أو زال العائق عظم الألم» (2). # وقال في القانون : «الوجع هو الإحساس بالمنافي». # وقال في المقالة الثامنة من إلهيات الشفاء (3): «اللذة ليست إلا ادراك ~~الملائم من جهة ما هو ملائم». # وذكر فيه أيضا في (4) المقالة التاسعة : «إن القوى تشترك في أن شعورها ~~بموافقها وملائمها هو الخير واللذة الخاصة». # وذكر في الأدوية القلبية : إن اللذات ادراك لحصول الكمال الخاص بالقوة ~~المدركة». وذكر في هذا الفصل من هذا الكتاب : «سبب اللذة عند ابتداء الخروج ~~إلى الحال الطبيعية هو حصول الإدراك ، ولما عرض إن كان حصول الإدراك مع ~~الخروج عن الحالة الطبيعية عرض إن كانت اللذة مع الخروج عنها ، فظن أن ذلك ~~سببها ، وليس كذلك ، بل السبب هو ادراك حصول الكمال لا غير فهذا هو سبب ~~اللذة لا غير. وفي هذا اعتراف بكون الإدراك واللذة متغايران ضرورة تغاير ~~السبب والمسبب. PageV02P282 # والحق أن يقال : كما أن التصديقات الكسبية يجب انتهاؤها إلى تصديقات غنية ~~عن البرهان ، كذا التصورات الكسبية يجب انتهاؤها إلى تصورات غنية عن ms0587 ~~التعريف ، وكما أن القضايا الحسية بالحس الظاهر أو الباطن كعلم الإنسان ~~بألمه ولذته لا تحتاج إلى برهان ، فكذا تصورات هذه الأمور ؛ فإن كل عاقل ~~حساس يدرك الألم واللذة ، ويفرق بينهما ويميز كلا منهما عن صاحبه ويميزهما ~~معا عما غايرهما ادراكا ضروريا لا يحتاج فيه إلى كشف وبمهما (1) عرفا به ~~كانا أعرف منه (2). ### |||| ** بقي هنا بحث مهم : وهو أن الحال التي يجدها الملتذ عند لذته التي سميناها باللذة هل هي نفس ~~ادراك الملائم أو مغايرة له؟ وبتقدير مغايرتها للإدراك هل هي معلول ذلك ~~الإدراك ، أو معلول شيء آخر؟ وإن كانت لا توجد إلا مع ذلك الإدراك. فهذه ~~الأمور يجب تحصيلها. # وأما قولهم : «إنا نجد اللذة بهذا الإدراك فيكون هو هو» ، فإنه راجع إلى ~~الاحتجاج باللفظ فإن للسائل أن يقول : إن كنت جعلت اسم اللذة اسما لهذا ~~الإدراك فلا منازعة ، لكن لم قلت : إن الحالة المخصوصة التي نجدها من النفس ~~هي نفس هذا الإدراك؟ ومعلوم أن هذا المقصود لا يحصل بهذا الطريق. فنقول : ~~أما الاستقراء فقد دل على أن هذه الحالة لا تحصل لنا إلا إذا أدركنا ما ~~يلائم مزاجنا ، وإن كان للنزاع فيه مجال. لأنا نلتذ بالرئاسة وإن لم تكن من ~~حيث هي ملائمة لمزاجنا. # وأما أنه هل يمكن حصول تلك الحالة دون هذا الإدراك وإن كان أقليا؟ فهو ~~مشكوك فيه. ثم بتقدير المساعدة على أن الحالة المسماة باللذة لا تحصل إلا PageV02P283 # عند إدراك الملائم فهل يمكن حصول ادراك الملائم من غير حصول هذه الحالة؟ ~~هذا أيضا مما لم يظهر أحد طرفيه بالبرهان ، بل فيه شك وهو أن الرطوبة ~~محسوسة ، فسوء المزاج الرطب محسوس ، وهو غير مؤلم. ولو سلم فالتلازم بين ~~الشيئين لا يقتضي الاتحاد ، بل ينافيه. وإذا كان سوء المزاج الرطب غير مؤلم ~~، وهو محسوس ، لم يكن ادراك الأمر الغير الطبيعي هو نفس الألم. # ومن احتج على إبطال كون اللذة ادراك الملائم ، والألم ادراك المنافي ، ~~بأن «المريض يلتذ بالحلاوة مع أنها لا تلائمه ، بل تمرضه ، وينفر عن ~~الأدوية وهي تلائمه» ms0588 ، فغير وارد ؛ لأن المريض إنما يستضر بما يستلذه لا من ~~حيث إنه أدرك ما يلائمه ، بل إما لأن في بدنه أخلاطا ردية يستحيل إليها ما ~~يتناوله ، فيستضر بكون ذلك في بدنه ، حتى أنه لو حصل زيادة هذا الخلط في ~~بدنه من غير ادراك ما استلذه لاستضر به. وإما لأن الأعضاء تضعف عن هضم ما ~~تناوله فيستحيل إلى خلط رديء ، حتى لو حصل ذلك من دون ادراك ما يشتهيه ~~لاستضر به. # ولأن المريض لو أدرك ما ينفر طبعه عن الأدوية ولم يعرض أمر آخر لم ينتفع ~~، والأمور العارضة هي إما أن تخرج الدواء خلطا مؤذيا أو تحيله إلى خلط جيد ~~فتغذوه أو تقوى بعض الأعضاء. فلهذه الأمور يحصل الانتفاع ، لا لأنه أدرك ما ~~ينفر عنه (1). # وأما المعتزلة : فقولهم قريب من قول الفلاسفة لأنهم قالوا : المدرك إن ~~كان متعلق الشهوة كالحكة في حق الأجرب كان ادراكه لذة (2). وإن كان متعلق ~~النفرة كالحكة في حق السليم كان ادراكه ألما. فجعلوا الألم واللذة من نوع ~~واحد ، وإنما PageV02P284 # يفترقان بما يقترن بهما ، وجعلوا الألم معنى يحدث في الحي عند التقطيع ~~ويتعلق به النفار ، وهو من المدركات. # ونفى الشيخ أبو اسحاق ابن عياش أن يكون الألم معنى. وقال : ليس هو إلا ~~خروج الجسم عن حد الاعتدال. وجعل اللذة حصول الاعتدال في الجسم وزوال أجزاء ~~عنه كانت بمنزلة حمل الثقيل. # فأداه هذا إلى القول بنفي النفار. ويلزمه نفي الشهوة إذا جعلناه لذة على ~~بعض الوجوه ، وهو قريب من مذهب ابن زكريا حيث جعل اللذة راحة من مؤلم أو ~~خروج من مؤلم ؛ لأن من اشتد عطشه تزداد شهوته للماء البارد فيجب أن تكون ~~لذته خروجا عما كان يجده. وهو ممنوع ؛ لجواز الالتذاذ بادراك الماء البارد ~~، وإن استلزم الخروج عن ألم العطش. # ثم يبطل قوله زيادة على ما تقدم بوجوه (1). ### |||| ** الأول : قد يلتذ الإنسان بمشاهدة شخص ولا يلحقه بفقده ألم حتى يقال : اللذة خروج من مؤلم. ### |||| ** الثاني : يلزم أن لا يؤثر الواحد منا طعاما على طعام ، ولا منكوحة على ms0589 أخرى ، لأن ~~الغرض ازالة الجوع أو الشبق ، وهو حاصل بهما ، ويبقى حاله كحال من أصابه ~~البرد فإنه لا يؤثر صلا (2) على صلا (3)، حيث تعلق غرضه بازالة البرد. ### |||| ** الثالث : كان لا يحسن من العقلاء عند ضعف شهواتهم الالتجاء إلى طلب # راجع أيضا شرح الأصول الخمسة : 214. PageV02P285 # الدواء بالأدوية الكريهة حتى يلتذوا بالأطعمة ؛ لأنه يجري مجرى من يجرح ~~نفسه ثم يطلب المداواة ، فلو لا ثبوت لذة إذا حصلت الشهوة ، وإلا كان ذلك قبيحا. ### |||| ** الرابع : انه يدرك اللذة على حد ادراكه الألم فلو كانت اللذة خروجا من مؤلم لكان ~~الألم خروجا من ملذ. ### |||| ** الخامس : انه يدرك اللذة والإدراك إنما يتعلق بأمر وجودي لا عدمي. ### |||| ** السادس : كان يجب أن لا يظهر التزايد في الالتذاذ لأن العدم لا تزايد فيه ، والتالي ~~باطل بالوجدان فالمقدم مثله. ### |||| ** السابع : كان يجب أن تكون الشهوة ألما ، إذا جعل نيل المشتهى زوال الألم والخروج منه ~~، ونحن لا نتألم بالشهوة. ### |||| ** الثامن : انا نفرق قطعا بين ادراك طعام شهي ، وبين القاء حمل ثقيل عن ظهورنا ، فلو ~~كان الأمر على ما قاله لم يثبت الفرق. # احتج أبو إسحاق بأن الألم لو كان معنى متولدا عن الكون لكان باقيا مع ~~الاندمال (1) لوجود سببه. # وأجيب : بأن الكون وإن ولده فإنما يولده بشرط زوال الصحة ، ومع الاندمال ~~الصحة ثابتة وإذا زال الشرط زال المشروط. PageV02P286 ### | البحث الثاني ### | في أن تفرق الاتصال هل يوجب الألم أم لا (1)؟ # ذهب جميع الأطباء إلى أن تفرق الاتصال سبب ذاتي للوجع. قال جالينوس : ~~«السبب الذاتي للوجع هو تفرق الاتصال ، فالحار إنما يوجع لأنه يفرق الاتصال ~~، وكذا البارد يؤلم لذلك أيضا ؛ لأنه لشدة تكثيفه وجمعه يلزمه أن تنجذب ~~الأجزاء إلى حيث تتكاثف عنده فتتفرق من جانب ما تنجذب عنه. والأسود لما كان ~~قابضا للبصر يؤلم لشدة جمعه ، والأبيض لما كان مفرقا للبصر حصل منه الألم. ~~والمر والحامض يفرقان مفرطا فيحصل الألم. والعفص (2) يقبض مفرطا ، فيتبعه ~~التفريق فيحصل الألم ، وكذا الشم تحصل منه الفرقة. والأصوات القوية تفرق ~~بعنف (3) من الحركة الهوائية عند ملاقاة الصماخ فيؤلم» ms0590 (4). PageV02P287 # ومشايخ المعتزلة قالوا : إنما يثبت الألم واللذة فيما يحصل جاذبا عند ~~التقطيع فقط ، فإذا قارنه شهوة فهو لذة ، وإن قارنه نفار فهو ألم. # واعترض أفضل المتأخرين بوجوه (1): ### |||| ** الأول : التفرق مرادف للانفصال ، والانفصال عدمي لأنه عدم الاتصال عما من شأنه أن ~~يكون متصلا ، والوجع والألم لا شك في أنه ثبوتي فلا يجوز أن يعلل بالعدمي ، ~~فتفرق الاتصال ليس علة للألم. ### |||| ** الثاني : قد لا يحس بالقطع مع حدة الآلة جدا ، وسرعة القطع في أول الأمر بل بعد ذلك ~~بلحظة ، ولو كان الألم مستندا إلى تفرق الاتصال خاصة لما تخلف الألم عنه ؛ ~~لاستحالة تخلف المعلول عن علته ، فلما تخلف علم أنه في أول القطع لم يحصل ~~سوء المزاج فلم يحصل الألم ، ثم لما حصل سوء المزاج بعد ذلك حصل الألم. ### |||| ** الثالث : التغذي والنمو إنما يحصلان بتفرق أجزاء (2) العضو وتنفذ في الفرج المستحدثة ~~الأجزاء الغذائية ، مع أنه ليس هناك ألم ، ومعلوم أنه إنما لم يؤلم لأن ذلك ~~التفرق أمر طبيعي ، ولم يحدث عنه سوء مزاج ، وذلك يدل على أن التفرق ليس ~~سببا للألم لأنه تفرق ، بل لما يكون معه من سوء المزاج. # وإنما قلنا بحصول التفرق لاتفاقهم عليه ، فإن الشيخ حكى في احتجاج أصحاب ~~الخلاء في الشفاء (3) بأن : «النامي إنما ينمو لنفوذ شيء فيه ، ولا يمكن ~~النفوذ في الملاء». وأجابهم (4) بأن : «الغذاء ينفذ بين المتماسين من أجزاء ~~الأعضاء PageV02P288 # فتحركهما بالتبعيد عنوة (1) ويسكن (2) بينهما». # وقال في الشفاء (3) أيضا في كيفية النمو : «يجب أن يكون ذلك الازدياد ~~مستمرا على تناسب يؤدي إلى كمال النشء ، ويكون الوارد قد فسد واستحال إلى ~~مشاركة (4) المورود عليه ممتدا (5) في الأقطار متجها إلى كمال النشء فيجب ~~أن يداخل هذا الوارد المورود عليه نافذا في خلل يحدثه في جسمه يندفع له ~~المورود عليه إلى أقطاره على نسبة واجبة في نوعه». # وقال فيه (6) أيضا : «المربية (7) تزيد في الطول أكثر كثيرا مما تزيد في ~~العرض ، والزيادة في الطول أصعب منها في العرض لاحتياجها في الطول إلى ~~تنفيذ الغذاء في الأعضاء الصلبة من العظام والعصب ms0591 تنفيذا في أجزائها طولا ~~بنهاية تنفذ عن أطرافها» (8). # ولأن الأعضاء دائما في التحلل ، ولا معنى له إلا الانفصال عن العضو ~~بحركات متصلا به (9)، والحاجة إلى الغذاء لإلصاق مثل ذلك الجزء بالعضو ~~فالتفرق لا بد للأعضاء منه ، ثم لا يختص به ظاهر العضو ، لأن المحلل هو ~~الحرارة وهي سارية في ظاهر العضو وباطنه فوجب أن تتحلل الأجزاء من باطن العضو PageV02P289 # كما تتحلل من ظاهره ، وإنما يتم التحليل بتفرق الاتصال. # لا يقال : ذلك التفرق في أجزاء صغيرة جدا ، فلصغر ذلك التفرق لا يحصل ~~الألم. أو أن تلك الآلام لما دامت بطل الشعور بها. # ولأن الحس دل على أن التفرق مؤلم ، فيكون ما ذكرتم من الوجوه في إبطاله ~~استدلالا على إبطال ما علمت صحته بالضرورة ، فيكون باطلا. # لأنا نجيب عن الأول : بأن كل واحد من تلك التفرقات وإن كان صغيرا جدا لكن ~~تلك التفرقات كثيرة جدا ؛ لأن التغذي والنمو لا يختص بجزء من البدن دون جزء ~~بل هما حاصلان في جملة الأجزاء ، وهما لا يتمان إلا بهذا النوع من التفرق ، ~~فإذن كان هذا التفرق حاصلا في جملة الأعضاء ، فلو كان التفرق مؤلما من حيث ~~هو تفرق لكانت الآلام حاصلة في جملة الأجزاء وفي جميع البدن ، ولما بطل ~~التالي بطل المقدم. # وعن الثاني : لا نعني بالألم إلا ما يجده الحي من نفسه وليس حاصلا بسبب ~~التغذي والنمو ، وليس كلامنا إلا في ذلك ، فإن أثبتم أمرا آخر ، كان وقوع ~~اسم الألم عليه وعلى ما نحن فيه بالاشتراك. # وعن الثالث : أن تفرق الاتصال يستعقب سوء المزاج مع أن التفرق عدمي. ### |||| ** الرابع (1) ### |||| ** : الكيفيات الحادثة في العناصر إنما تحدث عن مبدأ عام الفيض ، وإنما تختلف ~~الأعراض والصور في أجسام هذا العالم لاختلافها في الاستعداد ، على ذلك ~~اتفقت الفلاسفة وإن كنا لا نقول بها ، فنقول : المركب من العناصر إنما اختص ~~بكيفية مخصوصة ؛ لأن المزاج أفاده استعدادا لقبول الكيفية عن واهب الصور ~~دون سائر الكيفيات ، فما دام ذلك المزاج باقيا استحال زوال تلك الكيفية ، PageV02P290 # فيكون السبب القريب للألم واللذة ثبوتا ms0592 وانتفاء هو المزاج لا التفرق. # واعترضه أفضل المحققين : «بأن العدم لا يكون علة لموجود ؛ و[لكن] (1) ~~العدمي ربما يكون علة لعدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك فانه علة لأحد ~~الأكوان الذي هو السكون ، وعدم السمع علة للخرس ، وعدم الغذاء في الحيوان ~~الصحيح للجوع. وتفريق الاتصال في العضو الذي لا يكون فيه حس أو يعرض له خدر ~~، أو يكون معه استمرارا ، أو يكون التفرق طبيعيا ، كما يحصل في التغذي عند ~~نفوذ الغذاء في أجزائه لا يكون مؤلما ، بل الألم عندهم إحساس عضو بتفرق ~~اتصال يحدث فيه غير طبيعي ، وكلامهم يدل على ذلك ، ولا شك في أن الحمى وهو ~~سوء المزاج مؤلم وإن لم يكن هناك تفريق اتصال. والمعنى الجامع هو الاحساس ~~بالمنافي ، فهو إذن حد الألم ، وإذا كان التحديد صحيحا فلا يكون انعكاسه لفظيا. # وإنما خالف في أن تفرق الاتصال ليس بموجب للألم في الحي ، إنما كان لأنه ~~يقول : التفريق يوجب سوء المزاج الذي تقتضيه طبائع المفردات عند تفريقها ، ~~فالسبب الذاتي هو طبائع المفردات ، والتفريق يقتضي زوال الاعتدال الذي حصل ~~من الكسر والانكسار. فالتفريق ليس سببا بالذات ، إلا لأمر عدمي هو زوال ~~الاعتدال ، والألم إنما يحصل من سوء المزاج ، هكذا قاله قطب الدين المصري ~~تلميذه. لكن قوله : «وزاد ابن سينا سببا ثانيا وهو سوء المزاج» يدل على ~~خلاف ذلك» (2). # وقد ذكر في المباحث ما نقله قطب الدين ، فإنه قال : «بدن الإنسان مركب من ~~العناصر التي تقتضي طبيعة كل منها الخروج عن الاعتدال ، فما دامت متصلة PageV02P291 # ينكسر البعض بالبعض ويحصل الاعتدال ، فإذا تفرقت بقيت طبيعة كل واحد منها ~~خالية عما يعوقها عن إفاضة الكيفية الخارجة عن الاعتدال ، فحينئذ تفيض ~~عليها (1) تلك الكيفيات. # فالحاصل : أن السبب الفاعلي (2) لسوء المزاج هو طبيعة كل واحد من البسائط ~~، إلا أن اختلاطها صار مانعا من ذلك ، فلما تفرق الاتصال فقد عدم المانع ، ~~فتعود الطبيعة مقتضية لفعلها» (3). # وفيه نظر ، (4) فان العدمي جزؤه عدم ، وإذا كان جزء العلة عدما كانت عدما ~~، فلا يمكن أن يكون علة للموجود. ولو جوزنا ms0593 كون العدمي علة للوجودي انسد ~~باب اثبات الصانع تعالى ، وجميع الأسباب التي ندعي ثبوتها باعتبار ثبوت ~~آثارها!! ثم الضرورة تبطل اسناد الوجودي إلى العدمي. وليس السكون معلولا ~~لعدم الحركة ، بل إلى سبب موجود فيه إن جعلناه وجوديا كما هو رأي المتكلمين ~~، وإن جعلناه عدميا كما هو رأي الحكماء لم يتم الدليل. والخرس عدمي فاستند ~~إلى عدم السمع ، على أنه لا يلزم من التقارن العلية. والجوع نمنع انه ثبوتي ~~وأنه معلول عدم الغذاء ، بل عدم الغذاء شرط له. وتفريق الاتصال في العضو ~~الذي لا يكون فيه حس أو يعرض له خدر أو يكون معه استمرار من غير ألم لعدم ~~الاحساس فيه ، يدل على التغاير بين الألم والتفريق. ولا يمكن أن يكون ~~التفريق طبيعيا ، وإلا لدام. # والوجه أن التفريق ثبوتي ، والانفصال التعدد وهو أمر ثبوتي أيضا فجاز أن ~~يكون سببا للألم. PageV02P292 ### | البحث الثالث ### | في سبب الألم # هنا أمران يحصل الألم عقيبهما وهما تفرق الاتصال وسوء المزاج. فذهب ~~جالينوس إلى أن السبب القريب للألم هو تفرق الاتصال ، وأما سوء المزاج ~~فإنما يكون مؤلما لأنه يستعقب تفرق الاتصال. # ذهب الشيخ : إلى أن السبب الذاتي للألم هو الأمران : إما تفريق الاتصال ، ~~أو سوء المزاج المختلف بالذات وهو الحار والبارد أو بالعرض وهو اليابس ؛ ~~لأنه لشدة تقبيضه ربما كان سببا لتفرق الاتصال. وأما الرطب فغير مؤلم البتة (1). # وقيل (2): السبب الذاتي هو سوء المزاج المختلف (3) خاصة ، إذ لا ثالث ~~هنا. وبطل بما تقدم أن تفرق الاتصال سبب ، فلم يبق إلا سوء المزاج. # المباحث المشرقية 1 : 518. PageV02P293 # واحتج الشيخ على أن سوء المزاج المختلف مؤلم بالذات بوجوه (1): ### |||| ** الأول : «الوجع (2) قد يكون متشابه الأجزاء في العضو الوجع ، وتفرق الاتصال لا يمكن ~~أن يكون متشابه الأجزاء ، لأنه لا بد من انتهاء القسمة إلى آحاد لا يكون ~~فيها تفرق. فإذن وجود الوجع في الأجزاء الخالية عن تفرق الاتصال لا يكون في ~~(3) تفرق الاتصال». # اعترض بمنع كون الوجع متشابه الأجزاء في الحقيقة ، ولا يلزم من التشابه ~~في الحس التشابه في الحقيقة ؛ لأن التفرقات ms0594 إذا تكثرت في السطح كان البعض ~~قريبا من البعض وتصغرت السطوح جدا ، فإذا حصل الألم في موضع التفرقات ظن ~~الحس كون الوجع متشابها وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك ، لكثرة مواضع ~~التفرقات وقرب بعضها من بعض وصغر ما بينهما من السطوح ، كالأجرام المختلفة ~~لونا إذا سحقت ناعما ومزجت ، أدرك الحس لونا مفردا وإن لم يكن في نفس الأمر ~~كذلك. ومع قيام الاحتمال يبطل البرهان. ### |||| ** الثاني : «البرد مؤلم حيث يقبض ويجمع وحيث يبرد ، وتفرق الاتصال عن البرد لا يكون ~~حيث يبرد ، بل في أطراف الموضع المتبرد». # اعترض بأن الموضع إذا برد انقبض ويعرض من ذلك الانقباض تمدد أطرافه عن ~~أطراف الموضع الحار ، وان تنضغط أجزاؤه المتبردة بعضها في بعض ، وكلا ~~الأمرين سبب لتفرق الاتصال. PageV02P294 # أما الأول : فلأنه إذا تمدد طرفه عن طرف الموضع الحار انفصل عنه فحصل ~~التفرق. # وأما الثاني : فلأن الضغط سبب لتفرق الاتصال ، ولهذا جعلوا الألم الضاغط ~~من أقسام الألم. ولأن الموضع المتبرد يمكن أن يكون بعضه أبرد من البعض ، ~~وحينئذ ينفصل الأبرد عن البارد. ### |||| ** الثالث : «الألم (1) احساس بمؤثر مناف بغتة من حيث هو مناف ، والحد ينعكس ، فكل (2) ~~محسوس مناف من حيث هو مناف مؤلم (3)». # اعترض بأن الألم إن كان اسما لادراك المنافي فذلك مما لا منازعة فيه ، ~~لكنا بينا أن المعنى المخصوص الذي نجده ونسميه الألم لم يثبت أنه نفس إدراك ~~المنافي أو ما يقارنه ، ومتى كان كذلك لم تكن في هذا الكلام فائدة. # وأيضا ينتقض بسوء المزاج الرطب ، فانه مدرك مناف فهناك حصل إدراك المنافي ~~مع أنه لم يوجد الألم. ### |||| ** الرابع (4) ### |||| ** : «لسعة العقرب أشد إيلاما من الجراحة العظيمة ، ولو كان المؤلم هو تفرق ~~الاتصال خاصة لكان ألم الجراح أعظم. فإذن زيادة الألم في لسعة العقرب إنما ~~حصل من سوء المزاج لا من تفرق الاتصال». PageV02P295 ### | البحث الرابع ### | في أن المؤلم هو سوء المزاج المختلف (1) # اعلم أن المزاج إذا كان على ما ينبغي في الكم والكيف بالنسبة إلى نوع ذلك ~~الشخص فهو المعتدل بالنسبة إليه وإن كان خارجا ms0595 عن الاعتدال الحقيقي بالنسبة ~~إلى غيره ، فإذا انحرف وخرج عن حد الاعتدال بالنسبة إلى ذلك الشخص في بعض ~~الكيفيات فصار بحيث لا ينبغي لذلك الشخص أن يكون على تلك الكيفية فقد بطل ~~عنه ما ينبغي له ، وكان ذلك هو سوء المزاج. # ثم إن سوء المزاج إن استقر في العضو وأبطل الطبيعة الخاصة بذلك العضو ، ~~سمي سوء المزاج المتفق (2)، وإن لم يكن كذلك سمي سوء المزاج المختلف (3). ~~والمؤلم إنما هو الثاني دون الأول. # واحتج عليه الرئيس بحجة ومثالين (4): # أما الحجة : «فلأن المنافاة إنما تتحقق بين شيئين ، فإذا كان للعضو كيفية PageV02P296 # فورد عليه ما يضادها ، فإما أن يبطل الوارد كيفية العضو ، فحينئذ لا تبقى ~~هناك كيفيتان متنافيتان فلم تكن المنافاة حاصلة فلم يكن الاحساس بالمنافاة ~~حاصلا ؛ لأن الحاس يجب أن ينفعل من المحسوس والشيء لا ينفعل عن الحالة ~~المتمكنة التي لا تغيره بل عن الضد الوارد المغير إياه إلى غير ما هو عليه. ~~وإن لم يبطل المضاد الوارد كيفية العضو تحققت المنافاة بين الوارد وبين ~~كيفية العضو فيتحقق الألم. فلأجل ذلك يكون سوء المزاج المختلف مؤلما ، لا ~~سوء المزاج المتفق» (1). # وأما المثالان : فالأول : «حرارة صاحب الدق أشد كثيرا من حرارة صاحب الغب ~~(2)، مع أن صاحب الدق لا يجد من الالتهاب ما يحس به صاحب الغب أو صاحب حمى ~~يوم ؛ لأن حرارة الدق ثابتة مستقرة في جوهر الأعضاء الأصلية ، وحرارة الغب ~~واردة من مجاورة خلط على أعضاء محفوظة (3) فيها مزاجها الطبيعي بعد بحيث ~~إذا تنحى الخلط بقي العضو منها على مزاجه الطبيعي». # الثاني : «إن المغافص (4) بالاستحمام شتاء إذا استحم بالماء الحار ، بل ~~بالفاتر ، عرض منه أذى ؛ لأن كيفية بدنه بعيدة عن مضادة إياه ، فإذا مكث ~~لحظة استلذ به كما يتدرج إلى الاستحالة عن حالة البرد العاجل ثم بعد زيادة ~~المكث يتسخن بدنه أكثر من الأول ، فإذا صب عليه الماء الأول بعينه بغتة ~~استبرده واقشعر منه». # ويمكن أن يقال : المنافاة إنما تتحقق بين أمرين لأنها اضافة تستدعي تعدد PageV02P297 # المضافين ليكون أحدهما منافيا للآخر. فإذا ms0596 كان لعضو كيفية فورد عليه ~~مضادها ، فإن أبطلها فهناك كيفية واحدة حينئذ ، فلا تتحقق المنافاة فلا ~~يتحقق ادراك المنافي ، فلا ألم. وإن لم يبطلها تحققت المنافاة فحصل الشعور ~~بها ، فيتحقق الألم ، فلهذا كان المؤلم سوء المزاج المختلف لا المتفق. PageV02P298 ### | البحث الخامس ### | في تفصيل اللذات الحسية (1) # قال جالينوس : الألم واللذة إنما يحدثان في الحواس كلها ، وكلما كان الحس ~~أكثف كانت مقاومته مع الوارد عليه أكثر فكان الألم واللذة أقوى. ولما كان ~~النور الذي يشبه النار التي هي ألطف العناصر في غاية اللطف وهو آلة الابصار ~~فكان الألم واللذة في الابصار أضعف من غيره. ثم يتلوه السمع ، لأنه أقل ~~لطافة من البصر لأن آلته الهواء المقروع فصارت اللذة والألم من حاسة السمع ~~أكثر من البصر. ثم يتلوه الشم ، فانه أقل لطافة من السمع لأن محسوسه البخار ~~وهو أغلظ من الهواء. ثم يتلوه الذوق ، فانه أغلظ من الشم لأن آلته الرطوبة ~~العذبة (2) وهي في درجة الماء ، فكانت اللذة في الذوق أكثر من الشم. ثم ~~اللمس ، لأنه أغلظ من جميع الحواس لأنه في قياس الأرض ، وكانت مقاومته مع ~~الوارد أقوى وأبطأ فكانت اللذة فيه أقوى (3). # وقد خالفه الشيخ في ذلك فانه قال في الشفاء (4): «من الحواس ما لا لذة PageV02P299 # لها ولا ألم في محسوساتها ، ومنها ما تلتذ وتتألم بتوسط المحسوسات. ~~فالأول البصر والسمع ، فإن البصر لا يلتذ بالألوان ولا يألم بها ، وكذا ~~السمع ، بل الملتذ والمتألم فيهما النفس من داخل. وأما الشم والذوق ، ~~فيألمان ويلتذان إذا تكيفا بكيفية ملائمة أو منافرة. # نعم قد يعرض لآلة السمع والبصر تألم من صوت شديد أو لون مفرق للبصر ~~كالضوء ، فليس يألم حيث يسمع أو يبصر ، بل من حيث يلمس لأنه يحدث فيه ألم ~~لمسي ، وكذلك يحدث منه بزوال (1) ذلك لذة لمسية. # وأما اللمس فإنه قد يألم بالكيفية الملموسة ويلتذ بها ، وقد (2) يتألم ~~ويلتذ بغير توسط كيفية من (3) المحسوس الأول بل بتفرق الاتصال والتئامه» (4). # لا يقال : لا شك أن الملائم للعين هو الابصار ، وقد حد اللذة : بأنها ~~إدراك ms0597 الملائم ، فكيف زعم أن العين لا تلتذ بذلك؟ # لأنا نقول : لا نسلم أن في العين قوة مدركة بل المتصور (5) والسامع هو ~~النفس ، وهذه آلات لها في هذه الإدراكات ، فاندفع الاشكال. # لكنه لازم على الشيخ ، لكن له أن يعتذر بأن الألوان ليست ملائمة للقوة ~~الباصرة ، فانه يستحيل اتصاف القوة الباصرة بالألوان. نعم إدراك الألوان ~~ملائم للقوة الباصرة ، والشيخ لم يجعل حصول الملائم لذة ، بل [جعل] اللذة ~~إدراك الملائم ، والقوة الباصرة إذا أبصرت حصل لها الملائم وهو إدراك ~~الألوان ولم يحصل PageV02P300 # لها إدراك هذا الملائم ، فان البصر لم يدرك كونه مدركا للألوان ؛ لأن ذلك ~~شيء لا يتعلق بالبصر بل بالنفس الدراكة للأشياء ، فلا جرم حصلت اللذة للنفس ~~دون البصر. # قيل : قوة اللمس لا تتصف بالكيفيات الملموسة فلا تكون تلك الكيفيات ~~ملائمة لها ، لأن الملائم هو الذي يكون كمالا للشيء ، وأقل درجات الكمال ~~إمكان حصوله للشيء ، بل الملائم للقوة اللامسة إدراك الملموسات وليس لها أن ~~تدرك أنها أدركت الملموسات ، بل المدرك لذلك النفس. فهي إذن لم تدرك ~~الملائم ، فلا تكون لها لذة. لكن الشيخ اعترف بحصول اللذة للقوة اللامسة. # والحاصل أنه لا فرق بين الحواس وأن هذه المحسوسات ، إما أن تكون ملائمة ~~للحواس فيكون إدراكها إدراكا للملائم فيكون إدراك البصر للألوان إدراكا ~~للملائم فيكون قول الشيخ بعد ذلك : «إن البصر لا يلتذ بالألوان» يناقض قوله ~~: «اللذة إدراك الملائم» ، أو لا تكون ملائمة بل الملائم لهذه الحواس هو ~~الاحساس لا المحسوس فحينئذ إما أن يقول : حصول الملائم هو اللذة ، فيلزمه ~~تسليم اللذة للبصر أو : إدراك الملائم الذي يحصل هو اللذة ، فلا تثبت اللذة ~~في حاسة اللمس ؛ لأنه ليس الملائم لها الملموسات بل الاحساس بها ، ثم ليس ~~لها إدراك لذلك الاحساس ، فليس لها إدراك الملائم ، فوجب أن لا تكون لها لذة. PageV02P301 ### | الباب الرابع ### | في بقايا الكيفيات النفسانية # وفيه مباحث : ### | البحث الأول ### | في الصحة والمرض (1) # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في حد الصحة والمرض # قد عرفت فيما تقدم أن من التصورات ما يستغني عن التعريف ، وهي إما ms0598 ~~البديهيات أو المحسوسات أو الوجدانيات ، والصحة والمرض من هذا القبيل ، فإن ~~كل عاقل يجد من نفسه صحة ومرضا لا يحتاج في إدراكهما إلى ذكر حد أو رسم ~~وهما كالجوع والشبع عنده ، لكن الشيخ قد حدهما بحدود متعددة. # ففي القانون : «إنها ملكة أو حالة تصدر عنها الأفعال من الموضوع لها PageV02P302 # سليمة» (1). وفي موضع آخر منه «إنها هيئة يكون بها بدن الإنسان في مزاجه ~~وتركيبه بحيث تصدر عنه الأفعال كلها صحيحة وسليمة» (2). # وحد المرض بأنه : «هيئة في بدن الإنسان مضادة لهذه الهيئة» (3). # وقال في قاطيغورياس الشفاء (4): «إنها ملكة في الجسم الحيواني تصدر عنها ~~لأجلها أفعاله الطبيعية وغيرها غير مئوفة (5). والمرض حالة أو ملكة مقابلة ~~لها (6)، فلا تكون أفعاله من كل الوجوه كذلك ، بل تكون هناك آفة في ~~الفعل». # وأعم ما وصفه مكان الجنس في هذه الرسوم قوله «هيئة» ، لأنه لما رسم ~~الكيفية بما ذكر بعدها ما ميزها في سائر أجناس الأعراض ، فلو لا صدقها على ~~الجميع لما احتاج إلى ما يميز الكيفية عن غيرها بعد ذكر الهيئة. # وفي الملازمة نظر ، لجواز صدقها على طائفة منها. # ثم يتلوها في العموم ما جعل فيه الحال أو الملكة مكان الجنس. ثم الذي جعل ~~فيه الملكة على التعيين. # وأما ما ذكره في موضع الفصل فقوله في الأول : «تصدر عنها الأفعال من PageV02P303 # الموضوع لها سليمة» يندرج فيها النبات حيث تكون أفعاله من الجذب والهضم ~~سليمة. وقوله في الشفاء : «ملكة في الجسم الحيواني» أخص ، لخروج صحة النبات ~~عنه. وقوله في القانون : «هيئة بها يكون بدن الإنسان بحيث تصدر عنه كذا» ، ~~أخص من الجميع. ### ||| ** المسألة الثانية : في جنس الصحة (1) # الشيخ جعلها مندرجة تحت الحال والملكة (2)، وفيه إشكال من وجهين : ### |||| ** الأول : الصحة والمرض بينهما تقابل الضدية ، وجنس المتضادين واحد ، فإذا كانت الصحة ~~مندرجة في جنس وجب اندراج المرض فيه ، فلو كانت الصحة من باب الحال والملكة ~~وجب أن يكون المرض مندرجا تحتهما ، لكن الأطباء قد اتفقوا على أن أجناس ~~الأمراض المفردة (3) ثلاثة : سوء المزاج ، وسوء التركيب ، وتفرق الاتصال ؛ ~~فسوء المزاج ms0599 غير داخل تحت الحال والملكة ، لأنه إنما يحصل عند زيادة إحدى ~~الكيفيات على ما ينبغي ، أو النقص عما ينبغي بحيث لا تبقى الأفعال مع ~~الزيادة والنقصان سليمة. # فهنا أمور ثلاثة : الكيفية الغريبة ، وكونها غير ملائمة للبدن ، واتصاف ~~البدن بها. # فإن جعلنا المرض الأول كما قاله الشيخ : «الحمى نفس الحرارة الغريبة» ، ~~لم يكن ذلك المرض المزاجي من باب الكيفيات النفسانية ، بل من الكيفيات ~~المحسوسة ؛ لأن الحرارة من باب الانفعاليات والانفعالات. PageV02P304 # وإن جعلناه الثاني ، لم يكن أيضا من الكيفيات النفسانية ؛ لأن كونها ~~غريبة أو منافرة من باب المضاف. # وإن جعلناه الثالث ، كان ذلك مقولة أن ينفعل. # فثبت أن المرض المزاجي ليس داخلا تحت الحال والملكة. # وأما المرض التركيبي وهو سوء التركيب فهو عبارة : عن مقدار ، أو عدد ، أو ~~وضع ، أو شكل ، أو انسداد مجرى يخل بالأفعال (1)، ولا شيء من هذه بداخل ~~تحت الحال والملكة. # أما المقدار والعدد ، فلأنهما تحت الكم لا الكيف. # وأما الوضع ، فلأنه مقولة مستقلة بنفسها. # والشكل ، وإن كان تحت الكيف لكنه غير داخل تحت الحال والملكة ، بل من ~~الكيفيات المختصة بالكميات. # وأما تفرق الاتصال ، فهو عدم الاتصال عما من شأنه أن يكون متصلا والأمور ~~العدمية لا تكون مندرجة تحت مقولة أصلا ، فضلا عن أن تكون تحت الحال ~~والملكة ، فلا واحد من أجناس المرض مندرجا تحت الحال والملكة ، فلا تكون ~~الصحة مندرجة تحتهما. ### |||| ** الثاني : العناصر إذا امتزجت تفاعلت بعضها في بعض وانكسرت سورة كل كيفية من كيفياتها ~~المتضادة ، واستعدت حينئذ لأمرين : # الأول : الكيفية المتوسطة بين الكيفيات الأربع الحاصلة منها على حد ~~الاعتدال على التناسب فتحصل حرارة منكسرة وبرودة كذلك ويقال لها الفتورة PageV02P305 # ورطوبة ويبوسة منكسرتان. # الثاني : قوى وكيفيات أخرى ، كنفس أو طبيعة أو لون أو طعم. # فالمسمى بالصحة إن كان هو اجتماع تلك الأجزاء وتأثير بعضها في بعض وتأثر ~~بعضها عن البعض فكل ذلك من المقولات النسبية ، فلا تكون تحت الحال والملكة. # وإن كان هو الكيفيات المنكسرة ، فهي تحت النوع المسمى بالانفعاليات ~~والانفعالات. # وإن كان المسمى بالصحة هو القوى ، أمكن ms0600 ادخال الصحة تحت الحال والملكة ، ~~لكن يلزم أن لا يكون المرض مقابلا للصحة. # وبالجملة لما كان المرض جنسا لما تقدم من الأمور كانت الصحة عبارة إما عن ~~أمور وجودية مقابلة لتلك ، كالمزاج الملائم والهيئة الملائمة والاتصال ~~الملائم ، أو عدمية وهي عدم تلك الأشياء المسماة بالمرض. وعلى التقديرين لا ~~يمكن أن تكون الصحة نفسانية إلا إذا أثبتنا كيفيات أخر وراء المزاج والهيئة ~~والاتصال الملائم ووراء عدم هذه الأشياء المنافية وتجعل الصحة عبارة عنها ، ~~ولكن ذلك مما لا دليل عليه. ### ||| ** المسألة الثالثة : في ذكر شكوك على حد الشيخ ، وحل لها (1) ### |||| ** أولا : ذكر في حد الصحة في القانون لفظة «أو» (2)، وهي تقتضي الترديد والإبهام، ~~وهو ينافي الغرض من الحد ؛ لأن الغرض منه الايضاح لا الابهام. PageV02P306 ### |||| ** ثانيا : قوله : «تصدر عنها الأفعال من الموضوع لها سليمة» ، كلام غير منتظم ، فإن ~~قوله : تصدر عنها الأفعال ، مشعر بأن المبدأ هو الحال والملكة ، ثم قوله : ~~من الموضوع، مشعر بأن مبدأ الأفعال هو الموضوع ، وبينهما تناف. ### |||| ** ثالثا : انه قدم الملكة على الحال ، مع أن الوصف يكون حالا أولا ، ثم يصير ملكة. ### |||| ** رابعا : السليم هو الصحيح فتحديد الصحة به يكون تحديد الشيء بنفسه. ### |||| ** والجواب عن الأول : أنه لا مخالفة ذاتية بين الحال والملكة ، بل المخالفة في أمر عرضي زائد على ~~الحقيقة ، وهو رسوخ الكيفية وعدم رسوخها ، وذلك راجع إلى طول اللبث وقصره ، ~~والخلاف في زمان البقاء طولا وقصرا لا يؤثر في المخالفة الذاتية ، فلا يلزم ~~من الشك في اندراج الصحة تحت الحال أو الملكة شك في شيء من مقومات الصحة ، ~~بل في بعض عوارضها ، ويصير تقدير الكلام : الصحة كيفية نفسانية ، سواء كانت ~~راسخة أو زائلة ، ويكون موضوعها كذا. أو نقول ليس المراد ب (أو) الشك ، بل ~~ما يصدق عليه أحدهما. ### |||| ** وعن الثاني : ليس الفاعل للأفعال الصحة ، بل الموصوف بها وهو الصحيح ، فإنه إنما يمكنه ~~فعل تلك الأفعال لقيام الصحة به ، فالصحة وصف لأجله تصدر الأفعال عن ~~موضوعها سليمة. وهذه الدقيقة اعتبرها الشيخ في الحدود الثلاثة التي ذكرها للصحة. ### |||| ** وعن الثالث ms0601 : أن سبب تقديم الملكة في اللفظ لأنها غاية الحال ، والغاية متقدمة. أو ~~لإجماعهم على أن الملكة صحة واختلفوا في الحال ، فقدم المتفق. ### |||| ** وعن الرابع : أن الصحة في الأفعال أمر محسوس وفي البدن غير محسوس ، وتعريف غير المحسوس ~~بالمحسوس جائز. # وأما قوله في التعريف الثاني : «الصحة هيئة بها يكون بدن الإنسان في مزاجه PageV02P307 # وتركيبه بحيث تصدر عنه الأفعال كلها صحيحة سليمة» ، فعليه شكوك : ### |||| ** الأول : جعل الصحة علة لكون البدن بحيث تصدر عنه الأفعال ، وهذا إنما يتناول القوى ~~لا الصحة بمعنى الاعتدال التي يقابلها المرض ، وهو متوجه على الرسم الأول. ### |||| ** الثاني : الصحة قد توجد في سائر الحيوانات بل وفي النبات ، فتقييده ببدن الإنسان (1) باطل. ### |||| ** الثالث : ذكر فيه المزاج والتركيب ولم يذكر الاتصال ، فإن اعتذر باندراجه تحت ~~التركيب ، قلنا : الامتزاج أيضا مندرج تحت التركيب. بل الفرق أن أجزاء ~~العناصر حصل فيها التركيب مع الاستحالة حتى تكونت عنها الأعضاء البسيطة ، ~~والأعضاء البسيطة حصل فيها التركيب ولم تحصل فيها الاستحالة ، وإذا كان ~~الامتزاج قسما من أقسام التركيب لم يجز جعله قسيما. # فالحاصل أن ذكر المزاج زائد ، أو حذف الاتصال ناقص. فالأولى في تحديد ~~الصحة قول القدماء : انه الذي يكون معه البدن الحيواني في تركيبه بحيث تصدر ~~عنها الأفعال كلها سليمة. وقلنا «معه» لا «به» ، لتناول الصحة بمعنى ~~الاعتدال. وأما الاتصال والمزاج فداخلان في التركيب. ### ||| ** المسألة الرابعة : في تقابل الصحة والمرض (2) # ذكر في القانون : «أن المرض هيئة مضادة للصحة» (3)، وذكر مثله في PageV02P308 # قاطيغورياس الشفاء (1)، وفيه أيضا (2) «أن المرض من حيث هو مرض بالحقيقة ~~عرض ، لست أعني من حيث هو مزاج أو ألم» وهذا مشعر بأنه جعل ذلك التقابل ~~تقابل العدم والملكة ، ولا مناقضة بين الكلامين ؛ لأن الصحة عند الشيخ ~~الأمر الذي لأجله يصدر الفعل السليم عن موضوعه ، فذلك الأمر ثبوتي قطعا. ~~فأما وقت المرض فهناك أمران : ### |||| ** الأول : عدم ذلك الأمر الذي كان مبدأ للأفعال السليمة. ### |||| ** الثاني : حصول المبدأ للأفعال الغير الملائمة. # فإن جعل الأول مرضا كان التقابل بينه وبين الصحة تقابل العدم والملكة. ~~وإن جعل الثاني ms0602 مرضا كان التقابل بينهما تقابل التضاد. ### ||| ** المسألة الخامسة : في أن بين الصحة والمرض واسطة أم لا (3)؟ # قال الشيخ : «سبب ظن من (4) أثبت بين الصحة والمرض وسطا هو لا صحة ولا ~~مرض نسيانه لشرائط ما ينبغي أن تراعى في حال ما له وسط وما لا وسط له. وتلك ~~الشرائط أن يفرض الموضوع واحدا بعينه وأن يكون الجزء واحدا بعينه والجهة ~~والاعتبار واحدا بعينهما ؛ فإذا كان كذلك وجاز خلو الموضوع عن الأمرين كان ~~هناك واسطة ، فإن فرض إنسان واحد واعتبر منه عضو واحد أو أعضاء معينة في ~~زمان واحد وجاز أن لا يكون معتدل المزاج سوى التركيب بحيث PageV02P309 # تصدر عنه جميع الأفعال التي تتم بذلك العضو والأعضاء سليمة وأن لا يكون ~~ليس كذلك ، فهناك واسطة. وإن كان لا بد من أن يكون إما معتدل المزاج سوى ~~التركيب أو لا ، إما لأنه أحدهما دون الآخر أو أنه لا واحد منهما ، فليس ~~بينهما واسطة». # والنزاع في ذلك لفظي ؛ لأن من عنى بالصحة كون العضو الواحد أو الأعضاء ~~الكثيرة في الوقت الواحد أو في الأوقات الكثيرة بحيث تصدر عنها الأفعال ~~سليمة وعنى بالمرض أن لا يكون كذلك ، فلا واسطة عنده. ومن عنى بالصحة كون ~~الأعضاء بأجمعها بحيث تصدر عنها الأفعال سليمة والمرض كون كل الأعضاء تكون ~~أفعالها مئوفة ، أثبت الواسطة ، وهو كون بعض الأعضاء بحيث تصدر عنها ~~أفعالها سليمة وبعضها بحيث تصدر عنها مئوفة. # وبالجملة إذا جعل المرض كون الحي بحيث تختل جميع أفعاله ، والصحة كونه ~~بحيث تسلم جميع أفعاله ، فبينهما وسط وهو الذي تسلم بعض أفعاله دون البعض ، ~~أو في بعض الأوقات دون البعض. # وإن عنينا كون الموضوع الواحد بالنسبة إلى الفعل الواحد في الوقت الواحد ~~بحيث يكون سليما أو لا يكون ولا واسطة بينهما ، وصار البحث لفظيا. PageV02P310 ### | البحث الثاني ### | في أسباب الفرح (1) # وفيه مسألتان : ### ||| ** المسألة الأولى : في سبب أصل الفرح # اعلم أن الفرح من الكيفيات النفسانية الوجدانية لا يحتاج إلى التعريف بحد ~~أو رسم ، والمطلوب هنا ذكر أسبابه وهي إما معدة أو فاعلية ms0603 ؛ لأن المبدأ ~~الفياض عام الفيض ولا يتخصص فيضانه إلا بسبب قبول المادة ، فالسبب المعد هو ~~السبب الجسماني ؛ فإن الحكماء والأطباء اتفقت كلمتهم على أن الفرح والغم ~~والخوف والغضب كيفيات تابعة للانفعالات الخاصة بالروح الذي في القلب. # ثم كل انفعال يشتد ويضعف لا بسبب الفاعل ، فان اشتداده وضعفه تابعان ~~لاشتداد استعداد الجوهر المنفعل وضعفه. والفرق بين القوة والاستعداد أن PageV02P311 # القوة تكون على الضدين على السواء ، والاستعداد لا يكون على الضدين ~~بالسوية ؛ فإن كل إنسان يقوى أن يفرح ويحزن ، إلا أن من اشخاص الناس من ~~يستعد للفرح فقط ، ومنهم من يستعد للغم فقط. والاستعداد استكمال القوة ~~بالقياس إلى أحد المتقابلين. # إذا تقرر هذا فنقول : السبب المعد للفرح أمور ثلاثة (1): ### |||| ** الأول : كون حامله الذي هو الروح على أفضل أحواله كما وكيفا. # أما كما فأن يكون كثير المقدار ؛ لأن زيادة الجوهر في كمه توجب زيادة ~~قوته وشدتها (2) على ما يأتي. # وأيضا كثرة المقدار يحصل معها إمكان تفريق الروح ، بحيث يكون بعضها عند ~~المبدأ لا ينتقل عن موضعه وبعضها ينبسط عند الفرح ، فيحصل منه قسط واف في ~~المبدأ وقسط واف للانبساط الذي يكون عند الفرح. أما مع قلته فلا يمكن فيه ~~الانقسام ؛ لأن القليل تنحل به الطبيعة وتضبطه عند المبدأ ، ولا يمكنه من ~~الانبساط. # وأما كيفا بأن يكون معتدلا في اللطافة والغلظ ، وأن يكون شديد النورانية ~~والصفاء. # وإذا ظهر السبب المعد للفرح ظهر السبب المعد لضده وهو الغم ، وهو إما قلة ~~الروح كما للناقهين ، والمنهوكين بالأمراض ، والمشايخ. وإما غلظه كما ~~للسوداويين والمشايخ ، فلا ينبسط لكثافته. وإما رقته كما للنساء والمنهوكين ~~، فلا يفي بالانبساط. وإما ظلمته كما للسوداويين. ### |||| ** الثاني : أمور خارجة وهي كثيرة ، وهي الأسباب الفاعلية ، والأصل فيها PageV02P312 # تخيل الكمال. والكمال مع أن فيه كثرة فانه راجع إلى العلم والقدرة ويندرج ~~فيه الاحساس بالمحسوسات الملائمة والتمكن من تحصيل المراد والاستيلاء على ~~الغير ولو في شيء ما وإظهار ذلك والخروج من المؤلم وتذكر اللذات. ~~ومقابلاتها أسباب الغم. # قال الشيخ : «هذه الأمور الخارجة الموجبة للفرح منها قوية ومنها ms0604 ضعيفة ، ~~ومنها معروفة ومنها غير معروفة ، ومما لا يعرف ما قد اعتيد كثيرا فسقط ~~الشعور به. ولا حاجة إلى تعديد ما كان من أسبابها قويا وظاهرا. وأما الأخرى ~~فمثل تصرف الحس في العالم ، ويدل على إلذاذه إيحاش ضده ، وهو الإقامة في ~~الظلمة ، ومثل مشاهدة الشكل وهو يوجب الفرح ؛ للغم بالوحدة» (1). # اعترض بأنه لا يلزم من كون الشيء على صفة أن يكون لضده ضد تلك الصفة ؛ ~~وقد ذكر الشيخ في كتاب «الجدل» من الشفاء : «أن هذه قضية مشهورة ، باطلة في ~~نفسها» فلا يلزم من كون الظلمة موحشة كون الحس في العالم لذيذا. # وفيه نظر ، فإن الشيخ لم يقصد في هذا المطلوب البرهان ، بل الخطابة والظن. # قال : «ومثل التمكن من المراد في الوقت ، والاستمرار على مقتضى القصد من ~~غير شاغل ، وكذا العزائم والآمال ، وذكر ما سلف ، ورجاء ما يستقبل ، وتحدث ~~النفس بالأماني ، والمحادثة ، والاستغراب والاغراب والتعجب والاعجاب ، ~~ومصادفة حسن الاصغاء من المحاور (2)، والمساعدة ، والخديعة والتلبيس ، ~~والغلبة في أدنى شيء (3). PageV02P313 # وأسباب الغم ما يقابل هذه الأمور ، وهي تذكر الأخطار التي عرضت ، والآلام ~~التي قوسيت ، والأحقاد وما غاظ من المعاملات والمعاشرات ، ومثل توهم ~~المخاوف في المستقبل، وخصوصا الواجب من مفارقة هذه الدار والقصور عن ~~المراد» (1). ### |||| ** الثالث : الفرح يعد النفس للفرح ، والغم يعد النفس للغم ، فإن الصفة ذات الضد إذا ~~حدثت ، فإن القوة على تلك الصفة تشتد فتصير أشد استعدادا (2). ### ||| ** المسألة الثانية : في سبب شدة الفرح (3) # المعلول مناسب للعلة ، فإذا قبل الشدة والضعف قبلتهما العلة ، فشدة العلة ~~سبب لشدة المعلول ، ولهذا فإن الحار كلما كان أشد حرارة كان اسخانه أشد. ~~وأسباب الفرح والغم السابقة إذا اشتدت اشتد معلولهما. ثم إنهما يشتدان أيضا ~~بسبب التكرار لوجوه : ### |||| ** الأول : الاستقراء ، فإنه يدل عليه ، ولهذا إذا سخن الجسم مرارا متوالية استعد ~~بسرعة للتسخن (4)، وكذلك إذا برد ، أو تخلخل ، أو كثف. والقوى الباطنة ~~تصير لها عند تكرر أفعالها وانفعالاتها ملكة قوية وإنما تكتسب الأخلاق بمثل ~~ذلك ؛ فإن تكرار التخلق يصيره خلقا. وبالجملة فإن كثرة الأفعال سبب لحدوث ~~الملكات. ### |||| ** الثاني : كل ms0605 انفعال مؤد إلى فعل فهو مناسب له ، والمناسب للشيء معاند PageV02P314 # لضده ، والمعاند للضد إذا تمكن مرارا نقص من استعداد القابل (1) له ، ~~فزاد في استعداد الضد الذي هو مناسبه. ### |||| ** الثالث : للفرح لازمان تابعان له : [الأول] تقوى الطبيعة. [الثاني] تخلخل الروح لما ~~يكلفها الفرح من الانبساط. # واللازم الأول تتبعه أمور ثلاثة : [الأول] اعتدال مزاج الروح. و[الثاني] ~~كثرة تولد (2) بدل ما يتحلل. و[الثالث] حفظه من استيلاء التحلل عليه. # وأما اللازم الثاني فيتبعه أمران : ### |||| ** أ. الاستعداد للحركة وللانبساط للطف القوام. ### |||| ** ب. انجذاب المادة الغاذية إليه بحركته بالانبساط إلى غير جهة حركة الغذاء. # ومن شأن كل حركة بهذه الصفة أن تستتبع ما وراءها ؛ لتلازم صفائح الأجسام ~~وامتناع الخلاء ، أو لقوة جاذبة على اختلاف المذاهب فيه. وكل ذلك مما يعد ~~القلب لشدة الفرح. # وأما الغم فيتبعه وصفان متقابلان للوصفين التابعين للفرح : أحدهما ضعف ~~القوة الطبيعية ، والآخر تكاثف الروح للبرد الحادث عند انطفاء الحرارة ~~الغريزية لشدة الانقباض والاحتقان من الروح ، وتتبع ذلك أضداد لما ذكرناه. # وأما شدة فرح شارب الخمر (3) فلأنه إذا شربها باعتدال ولدت روحا كثيرة ~~معتدلة في الرقة والغلظة شديدة النورانية ، وذلك هو السبب الأول. # ثم إن تلك الأرواح الدماغية (4) تكون شديدة الترطب وشديدة التموج لما PageV02P315 # يتصعد إليها من البخارات الرطبة المضطربة ، وحينئذ يقل استعمال العقل لها ~~في الحركات الفكرية لعدم اذعانها للتشكل الروحاني لرطوبتها فيصعب على العقل ~~استعمالها فتعرض للقوة العقلية اعراض بقدر ما يعتدل مزاجها ويسكن تموجها ~~فتصير باعتبار ترك استعمال العقل لتلك الأرواح مشغولة بما يرد عليها من ~~الحواس الخارجة ، خصوصا والحس الظاهر أقدر على تحريك الروح الباطني (1) من ~~العقل ، ولهذا إذا يعسر على العقل شيء واستعصى عليه استعان بالحس كما في ~~العلوم الهندسية فيعينه ويقويه. فحصل لشارب الخمر أمور ثلاثة تفيد اشتداد الفرح. ### |||| ** الأول : استكمال جوهر روحه كما وكيفا. ### |||| ** الثاني : اندفاع الأفكار العقلية عنه التي قد تكون أسبابا في الغم. ### |||| ** الثالث : اشتغال تخيله وتفكره بالمحسوسات الخارجية التي هي أسباب اللذة وتفرغه لها. # وأما السوداوي (2) فيشتد غمه ؛ لأن الأمر في حقه بضد ms0606 ما ذكرناه. وهو أيضا ~~قوي التخيل ؛ لأن الروح الذي في البطن الأوسط من الدماغ تخف حركته لجفافه ، ~~ولما تفيده السوداء من اليبس. ثم إنه لقوة تخيله ينفذ تخيله في فكرة موحشة ~~بايراده الاشباح (3) والمحاكيات للسبب الموحش العام وتكون كأنها واقعة ، ~~فلا يزال في غم وخوف. PageV02P316 ### | البحث الثالث ### | في الفرق بين ضعف القلب والتوحش (1) # الفرق بينهما من وجوه : ### |||| ** الأول : في ضعف القلب انفعالان : أحدهما انفعال بالتأذي ، والثاني انفعال بالشوق ~~إلى الفرار وحركة المباعدة. وفي ضيق الصدر انفعال واحد هو بالتأذي خاصة ، ~~ولا يلزم من ذلك الشوق إلى الهرب ، بل ربما اختار مقتضاه لغرض آخر فيكون ~~ذلك شوقا اختياريا لا شوقا حيوانيا ، وربما اختار المقاومة (2) للبطش ~~والدفع. ### |||| ** الثاني : اللوازم البدنية متخالفة فيهما فيتغايران (3)، فإن ضعف القلب يلزمه عند ~~حصول المؤذي الذي يخصه خمود من الحرارة الغريزية واستيلاء من البرودة ، ~~وضيق الصدر يلزمه غالبا عند حصول المؤذي الذي يخصه اشتعال من الحرارة ~~الغريزية. ### |||| ** الثالث : الأسباب الاستعدادية متخالفة ، فإن ضعف القلب قد يتبع لا PageV02P317 # محالة رقة الروح بإفراط وبرد مزاجه ، وضيق الصدر يتبع كثافة الروح وسخونة مزاجه. ### |||| ** الرابع : ليس كل ضعيف القلب محزانا وبالعكس ، وليس كل قوي القلب مفراحا وبالعكس ؛ ~~لتخالف الحدود ، فإن ضعف القلب حال بالقياس إلى الأمر المخوف من جهة قلة ~~احتماله ، وضيق الصدر حال بالقياس إلى الأمر الموحش من جهة قلة احتماله ، ~~والمخوف هو المؤذي البدني ، والموحش هو المؤذي النفساني. ### |||| ** الخامس : اللوازم فيهما مختلفة ، فضعف القلب يحرك إلى الهرب والتوحش ، وضيق الصدر ~~يحرك إلى الدفع والمقاومة ، ولذلك فان القوة كثيرا تفتر (1) عند ضعف القلب ~~، مع أنها تهيج كثيرا عند التوحش. PageV02P318 ### | البحث الرابع ### | في أسباب سائر العوارض (1) # جميع العوارض النفسانية تصحبها حركات الروح إما إلى خارج ، أو إلى داخل ، ~~إما دفعة ، وإما قليلا قليلا. فالحركة إلى خارج إن كانت دفعة فهي كما في ~~الغضب. وإن كانت يسيرا يسيرا فهي كما في اللذة والفرح المعتدل. والحركة إلى ~~داخل إما دفعة كما عند الفزع ، وإما قليلا قليلا كما عند الحزن. # وقد يتفق أن تتحرك ms0607 إلى جهتين في وقت واحد إذا كان العارض يلزمه عارضان ، ~~مثل: الهم ، فإنه يعرض معه غضب وحزن ، فتختلف الحركات (2) فيه. ومثل : ~~الخجل ، فان الروح فيه تنقبض أولا إلى الباطن ثم يعود العقل فينبسط ويحصل ~~بباله أنه ليس فيه كثير مضرة ، فينبسط المنقبض ثانيا فيثور إلى خارج ويحمر اللون. # ومن الناس من يجعل هذه العوارض النفسانية نفس هذه الانفعالات ، فيقول : ~~الغضب هو غليان دم القلب ، والغم انحصار القلب وانقباض الروح الذي فيه ، ~~والسرور انبساط القلب والدم ، وهذا باطل. فإن الغضب كيفية نفسانية PageV02P319 # تحصل عند غليان دم القلب ، وكذا باقي الأقسام. # قال أبو هاشم : الخجل (1) هو ما يلحق الإنسان من عي وحصر عند ما يحاول ~~أمرا فلا يقع على ما يرومه ، وظهور الحمرة من وجهه بالعادة ، فلهذا يختلف ~~الحال فيه. ومن لم يخش عيب الناس إياه وذمهم له فهو الوقح. # والوجل : حزن وخوف ، لكن يقترن به صفرة في الوجه لزوال أجزاء الدم عنه. # والحياء : فكرة إذا شاهد غيره في أن لا يقع منه ما يعاب عليه ، أو ~~امتناعه من فعل ما يعلم أنه يستحق الذم. ولأجل هذا يعد الحياء من الإيمان ~~(2). وعلى ما ذكره أولا لا يثبت الحياء عند الخلوة. # وقال في تعريف الحياء : «أن يمتنع الإنسان من فعل أو قول يعلم أن في فعله ~~سقوط منزلته. وقيل : هو أن يمتنع العاقل عما يعاب عليه إذا شاهد غيره ، ~~ولهذا يقال : «الحياء من الإيمان.» الحدود : 97. PageV02P320 ### | البحث الخامس ### | في كيفية الأرواح الحاملة لهذه الكيفيات (1) # اعلم أن الدم يختلف في الكم والكيف ، وباعتباره يحصل الاستعداد لهذه ~~الأعراض. فالدم الكثير الصافي إذا كان معتدل القوام والمزاج أعد للفرح ، ~~وإن كان مع هذه الصفات زائد السخونة أعد للغضب لكثرة اشتغاله وسرعة حركته. ~~وإن كان كثيرا صافيا إلا أنه رقيق القوام ناقص السخونة أعد للجبن ولضعف ~~القلب ؛ لأن الروح الذي يتولد منه يكون ثقيل الحركة إلى خارج لبرده ورطوبته ~~، قليل الاشتعال ، فيقل الاستعداد منه للفرح والغضب ، ويكون لرقته سهل ~~التحلل ولبرودته قليل التولد. # والدم الكدر الغليظ الزائد في ms0608 الحرارة يعد للغم والغضب الثابت الذي لا ~~يتحلل. أما إعداده للغم فلما يتولد فيه من الروح الكدر. وأما إعداده للغضب ~~فلسرعة اشتعاله لحرارته. وأما إثبات الغضب فلكثافته ، والكثيف إذا تسخن لم ~~يبرد بسرعة فلهذا يثبت الغضب ولا يزول سريعا. # وأما غضب الدم الصفراوي الرقيق فيكون أسرع هيجانا وأسرع انحلالا ؛ لأن ~~الروح المتولدة عن ذلك الدم أشد حرارة ، وهو مع ذلك غير كثيف ، وإذا كان PageV02P321 # دمه صافيا مشرقا مع ذلك كان مفراحا. # وأما الدم الغليظ غير الكدر إذا كان زائدا في الحرارة وهو في النوادر كان ~~صاحبه غير محزان ، ويكون شجاعا قوي القلب ، غيظه أقل ؛ لأن المفراحية تكسر ~~من الغضب ، والمحزانية تعد للغضب ؛ لأن الغضب حركة إلى الدفع ، والمفراحية ~~مناسبة للذة ، واللذة تكون الحركة فيها نحو الجذب. وهذا الإنسان يكون غضبه ~~في الأمور عظيما ويكون شديدا لسخن روحه ، فلذلك يكون قليل الخوف. # والدم الغليظ غير الكدر الزائد في البرودة يكون صاحبه لا محزانا ولا ~~مفراحا ولا يشتد غضبه ويكون جبنه إلى حد ويكون بليدا في كلامه سالما ؛ لأن ~~روحه تكون شبيهة بدمه. # والدم الغليظ الكدر الزائد في البرودة يكون صاحبه متوحشا محزانا ساكن ~~الغضب إلا في أمر عظيم ، ويثبت غضبه دون ثبات حار المزاج المشاكل له في ~~سائر الأوصاف وفوق ثبات الرقيق القوام ، ويكون حقودا. PageV02P322 ### | البحث السادس ### | في الحقد (1) # يعتبر في تحقق الحقد أمور ثلاثة : ### |||| ** الأول : غضب ثابت ، لأنه لو كان سريع الزوال لم تتقرر صورة المؤذي في الخيال فلا ~~تشتاق النفس إلى الانتقام ولا تنجذب إلى طلبه. ### |||| ** الثاني : أن لا يكون الانتقام في غاية السهولة ، لأنه إذا كان سهلا اشتغلت النفس ~~بحركة الانتقام ، واشتغال النفس بالقوة المحركة يمنعها من الاشتغال ~~باستحفاظ صورة المؤذي في الخيال والذكر ؛ لأن اشتغال النفس بجهة يمنعها من ~~الاشتغال بجهة أخرى. # وأيضا الشوق إلى الانتقام إذا اشتد ولم يكسر منه خوف بلغ في تأكده وسهولة ~~حصوله [إلى] أن صار عند الخيال كالحاصل ، والحاصل لا يطلب ولا يبقى الشوق ، ~~ولهذا سقط الشوق إلى الانتقام من الضعفاء لما ms0609 كان سهلا. # ويدل على أن حال الخيال في الرغبة والرهبة مبني على المحاكيات لا على PageV02P323 # الحقائق ، نفور النفس عن العسل إذا شبه بالمرة المقيئة وعن سائر المطاعم ~~والمشارب إذا كانت صورها شبيهة بصور أجسام مستقذرة. فكذلك الشيء الذي يسهل ~~حصوله ينزل عند الخيال منزلة الحاصل ، فلا يبقى الشوق إلى تحصيله. ### |||| ** الثالث : أن لا يكون الانتقام في غاية العسر ، بل يكون في محل الطمع ؛ لأن مع عظم ~~المؤذي يحصل اليأس من الانتقام منه. والخوف يمنع ثبات صورة الشوق إلى ~~الانتقام في النفس. # وبالجملة فالانتقام يكون متعذرا ، والمتعذر لا تشتاق النفس إليه ، ولهذا ~~لا يبقى الحقد بالنسبة إلى الملوك لتعذر الانتقام منهم. # فثبت أن الحقد إنما يوجد عند وجود غضب ثابت متوسط بين الشدة والفتور. ~~ومعلوم أن الغضب إنما يكون إذا كان الدم غليظا كدرا. وأن توسط الغضب بين ~~الشدة والضعف إنما يكون إذا كان الدم باردا. فثبت أن الدم الغليظ الكدر ~~المائل إلى البرد هو المستعد للحقد. PageV02P324 ### | المقالة الثالثة ### | في باقي المقولات # وفيه فصول : ### ||| ** الفصل الأول : ### | في المضاف (1) # وفيه مباحث : ### | البحث الأول ### | في معانيه # اعلم أن المعنى الذي يقال له مضاف غير مستقل بذاته ولا قائم بالاستقلال ، ~~بل لا بد وأن يكون عارضا لغيره ، فحينئذ تحصل لنا أمور ثلاثة : PageV02P325 ### |||| ** الأول : معروض هذا المعنى ، كالرجل الذي يفرض معروضا للأبوة منفردا عن هذا العارض. ### |||| ** الثاني : هذا العارض نفسه من حيث هو منفرد عن اعتبار غيره معه ، كالأبوة العارضة للرجل. ### |||| ** الثالث : المجموع المأخوذ مركبا منهما ، وهو الرجل الذي عرضت له الأبوة من حيث هذا ~~العارض ، ويقال له الأب. # ولفظ المضاف يقال على المعاني الثلاثة بالتشكيك ويقال للأوسط مضاف حقيقي ~~وللآخرين مضاف مشهوري. # والاعتبار الأول خارج عن غرضنا. # وأما الاعتبار الثاني : فهو المقولة. # والثالث : هو مجموع الاعتبارين ، خارج عن الاعتبار أيضا. # لكن (1) لما كان الوقوف على المركبات في أول الأمر أسهل من تحليل بسائطها ~~وتميز بعضها عن البعض ، بحث الحكماء في أول الأمر عن المضافات وهي المعاني ~~المركبة ، وفي ثاني الأمر عن الاضافات. # فقالوا : «المضاف ms0610 هو الذي ماهيته معقولة (2) بالقياس إلى غيره» وهذا ~~الرسم تندرج فيه الاضافات والمضافات معا. ومعنى كون الماهية معقولة (3) ~~بالقياس إلى غيرها هو كون الماهية يحوج تعقلها إلى تعقل شيء خارج عنها لا ~~كيف اتفق ، وإلا انتقض الحد بجميع الملزومات إذا تصورت ، فإنه تتصور معها ~~لوازمها مع أن ماهيات الملزومات غير معقولة (4) بالقياس إلى ماهيات اللوازم ~~؛ لوجوب كون PageV02P326 # الماهية التي هي أول الموضوعات والملزومات مستقلة بنفسها أو متقدمة ~~بذاتها على اللوازم وامتناع كون المضافين كذلك ، بل أن يكون المعقول ~~المحتاج إلى تعقل غيره لا يتقرر ذهنا ولا خارجا إلا لأجل وجود ذلك الغير ~~بإزائه ، كالأخ فإن ثبوت الأخوة لأحد الأخوين إنما يتقرر ذهنا لكون الأخ ~~الآخر كذلك. فإذن الاخوة لأحد الأخوين هو اعتبار الشخص من حيث له أخ بهذه ~~الصفة. وقد سبق الفرق بين الإضافة والنسبة من وجوب الانعكاس في الإضافة دون ~~النسبة. # إذا ثبت هذا فنقول : كل واحد من المضافين المشهورين إما أن يدل اسم كل ~~واحد منهما على (1) ما له من الإضافة بالتضمن ، كالأب والابن ، فان لفظ ~~الأب يدل على شيء ما له الأبوة ، فتكون دلالتها على الأبوة بالتضمن ، وكذا ~~لفظة الابن. أو يكون اسم أحدهما يدل على ما له من الإضافة دون الآخر ، وهو ~~قسمان ؛ لأن الدال بالتضمن على ما له من الإضافة إما أن يكون هو اسم المضاف ~~، كالجناح فانه مضاف إلى ذي الجناح ، ولفظة الجناح دالة بالتضمن على ~~الإضافة إلى ذي الجناح ، وأما ذو الجناح فانه يدل على ما له من الإضافة ~~لفظة «ذو» ، أو بالعكس ، كالعالم فانه هو المضاف إليه العلم ، ولفظة العالم ~~دالة بالتضمن على ذلك ، وأما العلم وهو المضاف ، فإنما (2) يدل على ما له ~~من الإضافة حرف يقترن به ، وهو اللام في قولك : العلم علم للعالم. PageV02P327 ### | البحث الثاني ### | في خواص المضافين (1) # للمضاف خاصيتان مطلقتان لا توجدان لغيره : ### ||| ** الخاصية الأولى : # التكافؤ في لزوم الوجود بالقوة أو بالفعل في الذهن و (2) الخارج ، وكذا ~~في العدم ، فكل من الأبوة والبنوة متلازمان ذهنا وخارجا ، وجودا وعدما ، ~~وكذا ms0611 الأخوة مع الاخوة فأي إضافة منهما وجدت وجدت الأخرى ، وأي إضافة منهما ~~عدمت عدمت الأخرى. ### |||| ** اعترض (3) ### |||| ** أولا : بأن المتقدم بالزمان مقول بالقياس إلى المتأخر ، وبينهما إضافة التقدم ~~والتأخر بالفعل المختلفتان ، كما بين الأب والابن إضافتان مختلفتان مع أن ~~وجود المتقدم متقدم على وجود المتأخر ، ولا يمكن وجود المضافين معا وإلا ~~انتفيا وتثبت إضافة أخرى بينهما ، وهي إضافة المعية والمصاحبة دون إضافتي ~~التقدم والتأخر. PageV02P328 ### |||| ** ثانيا : أنا نعلم أن القيامة ستكون ، فبين العلم والقيامة الكائنة في المستقبل ~~إضافة موجودة بالفعل والعلم بها موجود الآن والقيامة معدومة ، إذ لو كانت ~~موجودة لكان العلم مضافا إلى أنها كائنة لا أنها ستكون ، والعلم بها موجود. ### |||| ** ثالثا : قيل : العلة متقدمة على المعلول ، وهو محال ، فإن العلة لا يعقل مفهومها ~~إلا مع المعلول ، وحيث لا معلول فلا علية. ### |||| ** أجاب الشيخ (1) ### |||| ** عن الأول : بأن التقدم والتأخر يعتبران من وجهين : ### |||| ** الأول : بحسب الذهن مطلقا ، وهو أن يحضر الذهن زمانين معا (2) فيجد أحدهما سابقا ~~على الآخر ومتقدما عليه والآخر متأخرا عنه ، لامتناع التقارن بينهما ، وإلا ~~لانتفت إضافة التقدم والتأخر وثبتت إضافة مغايرة لهما ، وإذا حضرا في الذهن ~~معا فقد حصلا جميعا في الذهن وحصل الغرض. ### |||| ** الثاني : بحسب الوجود مستندا إلى الذهن ، وهو أن الزمان المتقدم إذا كان موجودا ~~فموجود من الآخر أنه ليس هو بموجود ، وممكن أن يوجد إمكانا يؤدي إلى وجوب ~~وهذا (3) كونه متأخرا وهذا الوصف للزمان الثاني موجود في الذهن عند وجود ~~الزمان المتقدم ، فإذا وجد المتأخر فانه موجود في الذهن حينئذ أن الزمان ~~الثاني (4) ليس موجودا. ونسبته إلى الذهن نسبة شيء كان موجودا ففقد. وهذا ~~أيضا أمر موجود مع الزمان المتأخر. فأما نسبة المتأخر إلى المتقدم على وجه ~~آخر غير ما ذكرناه ، فلا وجود له في الأمور ، بل في الذهن. ### |||| ** اعترض (5) ### |||| ** بأن الأول : هو الصحيح ، لكنه يتضمن التصريح بأن إضافة PageV02P329 # المتقدم والمتأخر لا وجود لها في الأعيان ، بل في الأذهان خاصة. ### |||| ** وأما الثاني : فضعيف ؛ لأن قوله : «الزمان المتقدم إذا كان موجودا فموجود من الآخر أنه ~~ليس بموجود ms0612 ، ويمكن أن يوجد» توهم أن للاوجود وجود ، وهو ظاهر البطلان فإن ~~سلب الوجود لو كان وجودا لكان الشيء عين نقيضه ، وهو محال. # فإذن لا إضافة بين الجزء الموجود والمعدوم ؛ لأنه لا وجود للمعدوم ، فكيف ~~تتحقق الإضافة الوجودية بالنسبة إليه مع أن وجود الإضافة يتأخر عن وجود ~~المضافين؟ # ثم لو سلمنا أن لا وجود للجزء المستقبل أمرا موجودا (1)، لكن الجزء ~~الحاضر ليس متقدما على سلب وجود المستقبل ، ولا هو مضاف إليه إضافة التقدم ~~؛ لأنهما معا متحققان ، بل إضافة التقدم إنما هي بالنسبة إلى وجود المستقبل ~~، ووجود المستقبل غير حاضر وإلا لم يكن مستقبلا ، فالإضافة إلى معدوم فلا ~~وجود لها في الأعيان أصلا ، بل في الأذهان. ### |||| ** وعن الثاني : أن العلم بأن القيامة ستكون علم بحكم من أحكام القيامة ، وهو صفة أنها ~~ستكون ، وهذه الصفة حاضرة الآن في الذهن عند إضافة العلم إليها ، وحضورها ~~في الذهن لا يكون إلا حال كونها معدومة في الأعيان ، فالمعلوم حاضر مع العلم. # فالحاصل من الجواب الأول : أن إضافتي التقدم والتأخر لا وجود لهما إلا في ~~الأذهان وهما حاصلتان حتى يعتبر العقل تكافؤهما. # ومن الثاني : أن كون القيامة ستكون معنى حاصلا في الذهن فتحققت الإضافة. PageV02P330 # وفيه نظر ، لأن إضافة التقدم إما للذهني بالنسبة إلى الذهني ، وهو محال ~~لوجودهما معا. أو للذهني بالنسبة إلى الخارجي وهو محال ، لوجوب الاتفاق في ~~الوجودين في الإضافتين. أو للخارجي بالنسبة إلى الخارجي ويجب وجودهما في ~~الخارج معا. ### |||| ** وعن الثالث : بأن هوية ما حمل عليه العلية متقدم على هوية ما حمل عليه المعلولية لا من ~~حيث العلية والمعلولية ، وهذان معا. # وفيه نظر ، فإن التقدم إنما لحق باعتبار وصف العلية لا باعتبار الذات من ~~حيث هي هي وإلا لوجد من تعقلها تعقله ، فهذا بيان تلازم الإضافتين. # وأما معروضاهما : فقد يصح وجود كل منهما مع عدم الآخر ، كالمالك والمملوك ~~، فإن ذات كل منهما يصح وجوده مع عدم الآخر. وقد يصح وجود ذات أحدهما مع ~~عدم ذات الآخر دون العكس ، كالمعلوم والمحسوس. ومنه ما يمنع (1) وجود ذات ms0613 ~~أحدهما عند عدم ذات الآخر ، كالمعلول المساوي. # قال الشيخ (2): «من المشهور أن المضافات كلها يلزمها أنها معا في الوجود ~~، أي أيهما وجد كان الآخر موجودا وأيهما عدم كان الآخر معدوما ، مثل الضعف ~~والنصف ، ولكن قد لا يقع في بعض الأشياء تكافؤ في الوجود معا من جهة أخرى ، ~~كالعلم والحس ، أي الإدراكان لا القوتان المشاركتان لهما في الاسم. فإن كان ~~هذا العلم في جوهره يلزمه دائما أن يكون مضافا إلى المعلوم موجودا معه ، ~~وذات المعلوم في جوهره لا يلزمه ذلك ، فإنه قد يوجد غير مضاف إلى العلم ، ~~وإن كانا من حيث هما متضايفان لا يتقدم أحدهما على الآخر ، وليس الغرض ذلك ، PageV02P331 # بل الغرض أن إحدى الذاتين لا ينفك من إضافة تلزمه ، توجب أن تكون معه ~~مضايقة أبدا ، وذات الآخر قد يوجد وليس بمتضايف. # وكذلك حال الحس فان ذاته لا ينفك عن لزوم الإضافة إياه ، وذات المحسوس ~~ينفك ، ولا يجب أن لا يكون موجودا حين لا يكون الحس موجودا ، لجواز أن لا ~~يكون حيوان حساس (1) موجودا ، وتكون العناصر المحسوسة التي هي أوائل لتكون ~~الحيوانات (2) من الأجسام الأرضية موجودة. # وأما أمور أخرى فتكون إما متكافئة في اللزوم إن أخذت متضايفات ، وإما غير ~~متكافئة في اللزوم إن أخذت ذواتا. فهكذا يجب أن تفهم هذا الموضع. وأما ~~الوجه الذي تفهمه عليه الطائفة فهو وجه مختل. # وأما المثال الذي أوردوه في حقية (3) العلم فالمشهور ما أوردوه من أمر ~~المربع المساوي للدائرة ، فإن العلم به لم يوجد إلى هذه الغاية ، لكنه هو ~~موجود ، فنقول : لقائل أن يقول : إن هذا القول مجازف فيه ، وذلك لأنه ليس ~~يجب أن يكون كل علم بإزاء معلوم موجود ، فمن العلم التصور وقد تتصور أمور ~~لا يجب لها وجود ، كالكرة المحيطة بذات عشرين قاعدة مثلثات ، فإنا نتصور ~~مثل هذه حق التصور ولا يحوجنا ذلك إلى أن نجعل لها وجودا في الأعيان. ~~وبالجملة لا يحوجنا ذلك إلى أن نجعل لها وجودا غير الذي في الذهن ، وهذا ~~الذي في الذهن هو العلم نفسه. وإنما بحثنا ms0614 عن علم المضاف إلى مضايف له ، ~~والمضايف شيء ثان. # وأيضا : فإن في المعلومات بحسب التصديق أشياء كثيرة ومن (4) جملة PageV02P332 # المضافات لا وجود لها في الأعيان إلا بالإمكان ، والإمكان غير الوجود ، ~~وذلك مثل قولنا : إذا أخرج عن شكل كذا خط منحن كذا في جنب خط كذا ، لم يزل ~~يتقارب الخطان ولا يلتقيان ، فإن هذا أيضا لا وجود له إلا في الذهن. # وهذا المثال الذي أوردوه ، وهو حال المربع المساوي للدائرة الذي يجعلونه ~~موجودا وإن لم يعلم فهو مثال أشد إشكالا من الدعوى ، فليت شعرنا أين ~~وجوده؟! فإنه إن كان له وجود في الذهن فيجب أن يكون معلوما ، وإن كان له في ~~الأعيان وجود حاصل ، فبأي دليل عرفوا ذلك؟! ومن حدثهم به؟! فإن (1) عنوا به ~~ممكنا أن يوجد ، فذلك أمر بالقوة ، كما أن العلم به أيضا ممكن أن يوجد. # فنقول لمن قال هذا ونسأله (2): ليس يمكنك وأنت منطقي أن تتحقق هذه ~~الأحوال كنه التحقيق ، وإنما كان غرضنا فيما أوردناه أن تعلم أنه يمكن أن ~~يكون لذات أحد المتضايفين وجود لا ينفك من الإضافة إلى الآخر ، وليس الآخر ~~بمكاف له في ذلك. فإن كان علم تصوري أو تصديق ليس مضافا إلى شيء آخر ، فليس ~~هو من جملة المتضايفات التي نذكرها. وإذا (3) لم يكن من جملة ما ذكرناه ، ~~لم ينتقض به ما قلناه ، بل جعلنا مثالنا الذي نعتمده من الشيء الذي لا يكون ~~علما إلا وهو مضاف ، وذلك مثل علمنا بأن الفلك موجود متحرك (4) على ~~الاستدارة. وهذا العلم هو في الجملة التي ذكرناها ، والشرط الذي أشرنا إليه ~~، وإن كان لما أوردناه قبل مثال (5) يضايف (6) في الذهن أو خارج الذهن ، ~~فكان (7) مكافئه في PageV02P333 # الوجود معا ، فليس ذلك أيضا مما ينتقض به ما قلناه. فإنا لم نقل : ولا ~~شيء بين المتضايفات تتكافأ في الوجود (1)، بل قلنا : إن أكثرها كذلك. # وأما أمر المربع والدائرة فليس يتغير فيه غرضنا ، لأنه إن كان لهذا ~~المربع إمكان وجود فلا يستحيل فرضه موجودا ، وليس فرضه موجودا يوجب أن يكون ~~العلم به ms0615 حاصلا ، بل يجوز أن يكون هذا المربع موجودا ونحن على جملتنا (2) ~~من الجهل به ، فبين أن جميع ما أورد من هذه الطعون لا يفسد الغرض الذي ~~نقصده». # قال (3): «لكن قدماء من المتكلفين أجابوا في شبهة تكافؤ العلم والمعلوم ~~فقالوا : إن الذي يقال من أن المعلوم قد توجد ذاته والعلم به لا يكون ، قول ~~غير حق ؛ فإن هنا علما موجودا لكل (4) شيء وجودا لا يتأخر عن الأشياء ، هو ~~علم الباري تعالى والملائكة ، ولم يعلم (5) أن هذا وإن كان حقا ، فليس ~~جوابا عن الشك ، لأن المتشكك ليس يقول : إنه ولا شيء من المتضايفات لا ~~يكونان (6) معا. ولا أيضا يقول : إنه ولا شيء من العلم والمعلوم يكون معا ؛ ~~ولا يحتاج إلى ذلك ، فإن دعواه أنه ليس كل متضايفين يكونان معا. وهذه ~~الدعوى تصح بمثال واحد يورده المتشكك في علم واحد ، فيقول : علمي بوجود ~~العالم لا يصح أن يكون علما وذاتا ، والعالم غير موجود الذات. ثم العالم قد ~~يكون موجودا في ذاته ، وليس علمي به بموجود ، وكذا إن لم يعتبر شرط الذات ؛ ~~فإذا كان علمه بالعالم بهذه الصفة ، ولم يكن علم البتة غير هذا العلم ~~الواحد إلا وهو موجود والعالم دائما معا ، لا العلم PageV02P334 # الذي يشار (1) إليه فقط ، بل جميع العلوم ، فكان العالم قد يكون موجودا ~~وعلم ما من العلوم بوجوده ليس بموجود ، والشبهة (2) تكون قائمة ؛ فإن ~~الشبهة لم ترد بسبب أن المعلوم قد يكون موجودا ولا علم البتة ، بل هي شبهة ~~أخرى وينبغي أن يرتاد لها حل آخر ، وأقله أن يقال : إن العالم حينئذ لا ~~يكون مضافا إلى هذا العلم إذ (3) لا يكون معلوما له». ### ||| ** الخاصية الثانية (4): # وجوب الانعكاس ورجوع بعضها على بعض بالتكافؤ ، ووجه ذلك الرجوع مخالف ~~لوجه رجوع الحمل على الوضع ، ولانحاء أخرى من الرجوع والعكس المنطقي ، وذلك ~~لأن الوضع هنا يكون أحد الطرفين مكررا ، والحمل يكون من الثاني. وإذا (5) ~~عكست صار الحمل وضعا ، وقد الحق به مثل ذلك التكرير في جانبه فصار (6) ~~الوضع حملا ، وقد حذف عنه التكرير ، فمعنى الانعكاس ms0616 هنا أن يحكم بإضافة كل ~~منهما إلى صاحبه من حيث كان مضافا إليه ، فكما نقول : الأب أب للابن ، نقول ~~: الابن ابن للأب ، والعبد عبد المولى (7)، والمولى مولى العبد (8) فتكرر ~~العبد في الأول والمولى في الثاني. وفي بعض الأشياء تحتاج إلى أن تلحق PageV02P335 # بالطرف المجعول محمولا شيئا زائدا لا تلحقه وهو موضوع ، كإلحاقك اللام ~~بالمولى والعبد هاهنا ، بل إلحاقك ما تلحقه حتى تقول : الحس حس بالمحسوس ، ~~والمحسوس محسوس بالحس. وفي بعض المواضع لا تحتاج إلى ذلك ، كما تقول : الأب ~~أب الابن ، والابن ابن الأب. وسواء قلت ذلك لفظا أو لم تقل فانك تعقله معنى ~~، فانك تأخذ المحمول على أنه منسوب إليه سواء الحقت به اللفظ الدال على ذلك ~~، أو لم تلحق ، ولم تأخذه على هذا الوجه بعينه حتى يضعه. # وأما سائر العكوس التي ستأتيك في مواضعها فتخالف الذي للمضاف في ذلك كله ~~، لكن في هذا التعاكس (1) شرط يجب أن يراعى ، وهو أن الإضافة إذا لم تقع ~~على التعادل لم يجب هذا التكافؤ والتعاكس (2)، ووقوعها على التعادل هو أن ~~تقع إلى الشيء الذي إليه الإضافة أولا وبالذات ، فانها إن وقعت إلى موضوعه ~~، أو إلى أمر يعرض له ، أو إلى جنسه ، أو إلى نوعه لم تقع الإضافة متكافئة ~~؛ لأنه اضيف إليه لا من حيث هو مضاف إليه ، مثلا : إذا وقعت إضافة الأب إلى ~~الابن لا من حيث هو ابن ، بل من حيث هو إنسان فقيل الأب أب الإنسان لم ~~تنعكس الإضافة ، ولم يصر الإنسان مضافا إلى الأب. فلا يقال الإنسان إنسان ~~الأب. وكذا إذا قلت الرأس رأس للإنسان أو للحيوان ، أو الرأس رأس لذي مشي ، ~~أو الرأس رأس للمشاء ، وكذا الجناح جناح للطائر ، والسكان سكان للسفينة ، ~~ولا يمكنك أن تعكس (3) فتقول : والإنسان أو الحيوان أو ذو مشي أو مشاء ~~بالقياس إلى الرأس، ولا الطائر طائر بالقياس إلى الجناح ، ولا السفينة ~~سفينة بالقياس إلى السكان ؛ لأن الرأس لا يعادل ما ذكرت ، بل معادله هو ذو ~~الرأس ، فالرأس رأس PageV02P336 # لذي الرأس ، وكذلك الجناح جناح لذي ms0617 الجناح ، والسكان سكان لذي السكان. # وأما ما ذكرنا (1) فهو إما موضوع المضاف المعادل أو جنس موضوعه ، أو جنس ~~المضاف ، أو عارض لموضوع المضاف. وإنما يعرض هذا في الأكثر في الموضوع (2) ~~الذي لا تكون فيه الإضافة واقعة حيث الماهية مقولة بالقياس ، بل من حيث ~~تجعل كذلك بنوع من النسبة ، فيكون لا اسم للمضاف إليه من حيث هو مضاف إليه ~~، بل إن كان ، كان من حيث هو موضوع للنسبة إليه ، أو من جهة أخرى ، فلذلك ~~يجب أن يخترع لمثل هذا الشيء اسم بحسب النسبة. # وإذا أشكل الأمر في تحصيل ما تقع إليه الإضافة بالتعادل والتعاكس (3)، ~~مميزا مما يقع إليه لا بالتعادل ، فسبيلك في تحصيل ذلك أن تجمع أوصاف الشيء ~~بأسرها جمعا ، فأي تلك الأوصاف إذا وضعته ثابتا ورفعت غيره ، جاز أن ترفعه ~~أو لم يجز ، أمكنك أن تحفظ الإضافة وتكون متحققة باقية. وإذا رفعته ووضعت ~~غيره لم يمكنك حفظ الإضافة ، بل ارتفعت برفع ذلك الوصف ، فذلك الوصف هو ~~الذي إليه التعادل والإضافة الحقيقية الواجبة الانعكاس. وإذا لم يكن كذلك ~~فليس إليه التعادل والإضافة ، فانك إذا رفعت من الشيء أنه حيوان ، أو ناطق ~~، أو إنسان ، أو ما شئت من الأوصاف ، واستثنيت كونه ابنا أو ذو رأس أمكنك ~~أن تنسب إليه الأب أو الرأس. وإذا رفعت أنه ابن ، أو ذو رأس ، وحفظت أنه ~~حيوان ، أو أنه إنسان ، وأنه مشاء وأنه ذو مشي لم يمكنك أن تضيف إليه الابن ~~والرأس. فيعلم من هذا أن التعادل الحقيقي في الإضافة والتعاكس إنما هو بين ~~الأب والابن وبين الرأس وذي الرأس ، وهما اللذان ينعكس أحدهما على الآخر. PageV02P337 # وقد عرفت أن الانعكاس منه ما لا يحتاج إلى حرف النسبة بأن يكون للمضاف ~~بما هو مضاف لفظ موضوع ، كالعظيم والصغير والطويل والقصير. ومنه ما يحتاج ، ~~فإما أن يتساوى حرف النسبة فيهما ، كقولنا : العبد عبد للمولى ، والمولى ~~مولى للعبد ، أو لا ، كقولنا : العالم عالم بالعلم ، والعلم علم للعالم. # واعلم أن للعلم إضافتان : إحداهما إلى العالم. والثانية إلى المعلوم. وهو ~~في نفسه ms0618 كيفية حقيقية ، كالقدرة في نفسها صفة حقيقية وتلزمها الإضافتان إلى ~~القادر وإلى المقدور. لكن يختلف حرف النسبة في إحدى الإضافتين دون الأخرى ، ~~فنقول : العلم علم للعالم ، والعالم عالم بالعلم ، والعلم علم بالمعلوم ، ~~والمعلوم معلوم بالعلم. وأما في القدرة فيختلف الحرفان فيهما ، فنقول : ~~القدرة قدرة للقادر ، والقادر قادر بالقدرة ، والقدرة قدرة على المقدور ، ~~والمقدور مقدور بالقدرة. ونقول : العالم عالم بالمعلوم والمعلوم معلوم ~~للعالم ، فنضيف أحد المضافين المشهورين إلى الآخر. ويختلف هنا حرف النسبة ، ~~كما نقول : القادر قادر على المقدور والمقدور مقدور للقادر. # بقي هنا بحث وهو أن العلم والقدرة إن جعلناهما صفتين حقيقيتين تلزمهما ~~الإضافة ، ولم تبق تلك الإضافة الحقيقية معلومة إلا من جهة لازمها الذي هو المحل. PageV02P338 ### | البحث الثالث ### | في المضاف الحقيقي # المضاف قد عرفت أنه إما حقيقي وإما مشهوري. والسبب فيه أن الإضافة لا ~~تعقل إلا قائمة بغيرها. والأعرف عند الناس هو المركب. والحقيقي منهما هو ~~الإضافة العارضة كالأبوة ، وهي المضاف بمعنى المقولة. # وقد رسمها الأوائل بأنها التي لا ماهية لها سوى كونها مضافة. وبيان ذلك : ~~أنا إذا رسمنا المضاف بأنه تكون ماهيته معقولة (1) بالقياس إلى غيره. # ثم إن ذلك على قسمين : ### |||| ** الأول : أن تكون هناك ماهية وراء هذه المعقولية (2)، كالأب فإنه وإن كان معقولا ~~(3) بالقياس إلى الابن ، إلا أن له في نفسه ماهية غير معقولة (4) بالقياس ~~إلى الابن ، وهي كونه إنسانا أو شيئا آخر. ### |||| ** الثاني : أن لا تكون هناك ماهية وراء هذه المعقولية (5) كالأبوة (6) والبنوة والأخوة ~~وأشباههما. PageV02P339 # وإذا عرفت ذلك ثبت أن الرسم الذي ذكرناه هو تعريف المضاف الحقيقي بالمضاف ~~الشامل للحقيقي والمشهوري ، فلا يكون ذلك تعريفا للشيء بنفسه (1). # وفيه نظر ، فإن المعرف يجب أن يكون مساويا للمعرف. ولأن العمومية إنما ~~عرضت باعتبار أخذ المعروض مخصصا لأحد النوعين وذلك لا يجوز ادخاله في ~~التعريف ، فيبقى المحذور لازما. # وإذا عرفت هذا فنقول : لا يمكن جعل المقولة هي المضاف العام ؛ لأن مفهومه ~~أنه شيء ما ذو إضافة ، كما أن الأبيض شيء ما له بياض. ولو جعلنا المشتق ~~اسمه من الأعراض ms0619 مقولة لصارت المقولات غير متناهية ، فلهذا لم نجعل المضاف ~~المطلق مقولة ، وجعلنا المضاف الذي لا ماهية له سوى كونه مضافا مقولة. # لا يقال : الإضافة أيضا شيء معقول (2) ماهيته بالقياس إلى الغير فوجب أن ~~لا تجعلوها أيضا مقولة. # لأنا نقول : الفرق بينهما أن الشيئية المحمولة على المضاف الحقيقي ليس ~~لها تخصص إلا بكونه مضافا. وأما الشيئية المحمولة على المعنى الآخر فانه ~~ليس تخصصها بكونه مضافا ، بل بأمر آخر ، وهو كونه جوهرا أو غيره ، ثم يلحقه ~~بعد ذلك التخصص بالإضافة (3). # وفيه نظر ، فإن العام إنما يكون عاما لو كان له أخصان ، لكن هنا جعل ~~العام هو المضاف المشهوري لامتناع أن يكون الحقيقي شيئا ما ذا إضافة ، ~~فيكون بالحقيقة قد عرف الحقيقي بالمشهوري الذي لا يعرف إلا بالحقيقي ؛ لأنه ~~جزء منه PageV02P340 # والجزء سابق في التعريف على المركب. # وإنما يلزم عدم تناهي المقولات بجعل المشتق اسمه من الأعراض مقولة لو ~~كانت الأعراض غير متناهية ومعروضاتها غير متناهية وتصورها على التفصيل ~~والاشتقاق من كل واحد منها ، وكل ذلك غير لازم. ونتيجته وهي قوله : فلهذا ~~لم نجعل المطلق مقولة غير لازمة ؛ لأن الذي ذكره ليس المطلق. وقد صرح به في ~~جواب الاعتراض حيث قال : الشيئية المحمولة على المعنى الآخر ليس تخصصها ~~بكونه مضافا ، بل بأمر آخر. PageV02P341 ### | البحث الرابع ### | في الفرق بين النسبة والاضافة (1) # قال الشيخ : «ليس كل نسبة إضافة ، فإن لكل شيء نسبة في الذهن إلى الأمور ~~التي تلزمه في الذهن ، لكن لا تكون تلك إضافة. ولا تحمل الإضافة على شيء من ~~المقولات النسبية حمل الجنس ، لكن المضاف يوجد في كل واحد منها بأن يعرض له ~~، فإن الشيء متى كانت له نسبة التي هو بها أين وهذه النسبة إلى شيء فإنه ~~يصير بها مضافا إليه من غير أن يصير المضاف جنسا له فإن كون زيد في الدار ~~هي نسبة التي هو بها أين ، وهذه النسبة ليست إضافة بل أينا. # ثم إذا اعتبرت التكرير وجدت الموصوف بالابن يعرض له ، من حيث هو ذو ابن ، ~~أن يصير مقول ms0620 الماهية بالقياس إلى ما هو فيه ، من حيث هو محوى وذلك حاو ، ~~لا من حيث إنه أين فقط ، بل من حيث هو محوى حاويه. فإذا اعتبرته من هذه ~~الجهة وجدته قد عرضت له الإضافة ، كالبياض ، من حيث إنه بياض ، هو لذي ~~البياض ، فإن ماهيته مقولة بالقياس إلى ذي البياض لا ماهية أنه البياض ، بل ~~ماهية أنه الأبيض. كذلك كون الشيء في مكان ليس هو نفس كون ماهيته مقولة ~~بالقياس إلى غيره ، بل هو موضوع لذلك من حيث تصير النسبة شاملة PageV02P342 # للطرفين للحاوي والمحوي ، فإن أخذت النسب متكررة في كل شيء صارت له ~~إضافة. ومعنى المتكرر أن يكون النظر لا في النسبة فقط ، بل بزيادة اعتبار ~~النظر إلى أن للشيء (1) نسبة من حيث له نسبة ، وإلى المنسوب إليه كذلك ؛ ~~فان السقف له نسبة إلى الحائط ، فإذا نظرت إلى السقف من حيث النسبة التي له ~~فكان مستقرا على الحائط ، ونظرت من حيث هو مستقر على الحائط صار مضافا لا ~~إلى الحائط من حيث هو حائط ، بل من حيث هو مستقر عليه ؛ فعلاقة السقف ~~بالحائط ، من حيث الحائط حائط ، نسبة ، ومن حيث يأخذ الحائط منسوبا إليه ~~بالاستقرار عليه والسقف بنفسه منسوب ، فهو إضافة. # وهذا معنى ما يقولون : إن النسبة تكون لطرف واحد ، والإضافة تكون للطرفين ~~؛ فإنك إذا أخذت السقف مستقرا على الحائط وجدت النسبة من جهة السقف المستقر ~~، وأما من جهة الحائط فلا نسبة فيه إلى شيء من حيث هو حائط. فأما (2) إن ~~أخذت النسبة من حيث إن السقف مستقر على مستقر عليه ، والحائط مستقر عليه ~~المستقر ، انعكست النسبة وصلحت لأن تكون إضافة. وكل (3) نسبة لا تؤخذ (4) ~~في الطرفين جميعا من حيث هي نسبة ، فهي نسبة غير إضافية ؛ فكل نسبة يؤخذ ~~الطرفان فيها من حيث النسبة فهي إضافة. والأمور التي تؤخذ منسوبة بلا زيادة ~~فهي منسوبة فقط ، وإن أخذت منسوبة على هذا الشرط فهي مضافة» (5). PageV02P343 ### | البحث الخامس ### | في أن الإضافة وجودية في الأعيان أم لا (1)؟ # سألت شيخنا أفضل المحققين نصير الملة والدين «قدس ms0621 الله روحه» عن هذه ~~المسألة فأجاب : بأن من الإضافات ما هو وجودي ، كالفوقية والتحتية ، ومنها ~~ما هو اعتباري. ثم ذلك الوجودي ليس موجودا على معنى أن له ثبوتا في الأعيان ~~كثبوت السواد للجسم ، بل على معنى أن الماهية الموصوفة بالفوقية مثلا لها ~~كونها أنها فوق ، وذلك أمر ثابت في الأعيان. # وهذا الجواب فيه نظر ، فإن المعقول لنا أن السماء فوق الأرض ، فهنا أمران ~~: السماء والفوقية ، وثالث هو كون السماء موصوفة بالفوقية ، ثم الوصف قد ~~يكون بالفعل وقد يكون بالقوة على معنى أن للسماء استعداد الموصوفية ~~بالفوقية ، فإذا سلم أن الفوقية ليست ثابتة في الأعيان ومعلوم أن الاتصاف ~~بها أو استعداد الاتصاف بها لو كانا ثابتين ، لزم التسلسل. # واعلم أن الناس قد اختلفوا في أن الإضافة هل لها وجود في الأعيان؟ PageV02P344 # فالمتكلمون وجماعة من الأوائل منعوا من ذلك (1)، وزعموا أنها من ~~الاعتبارات الذهنية كالكلية والجزئية. وذهبت طائفة من الحكماء إلى أنها ~~وجودية في الأعيان. # واحتج الأولون بوجوه (2): ### |||| ** الأول : لو كانت الإضافة أمرا موجودا في الأعيان لزم التسلسل المحال ، والتالي باطل ~~، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن الإضافة لو كانت ثابتة في الأعيان ، فإما أن تكون ~~جوهرا أو عرضا. والأول باطل بالضرورة ، فإنه لا يعقل للإضافة وجود مستقل ~~بنفسها ، ولا تأصل لها في التحقق ، فليس في الأعيان وصف الأبوة والبنوة ~~وأشباههما قائما بذاته غنيا عن محل يقوم فيه. والثاني باطل أيضا ؛ لأن كل ~~عرض لا بد له من محل يحل فيه فحلول ذلك العرض في محله إضافة لذلك العرض إلى ~~ذلك المحل ، فيكون عرضا موجودا مفتقرا إلى محل ، فحلوله في ذلك المحل إضافة ~~أخرى ويتسلسل ؛ لأن الحلول غير الإضافة ، فإن الأبوة إذا كانت حالة في ذات ~~الأب كان كونها في محل مغايرا للمفهوم من الأبوة ، فيكون ذلك إضافة عارضة ~~للأبوة ، والكلام فيه كالكلام في الأول ويلزم التسلسل. # أجاب الشيخ هنا بما لا يسمن ولا يغني من جوع ، فقال (3): # «يجب أن نرجع في حل هذه الشبهة إلى حد المضاف المطلق ، فنقول : PageV02P345 # المضاف هو [الذي] ms0622 (1) ماهيته مقولة (2) بالقياس إلى غيره ، فكل شيء في ~~الأعيان يكون بحيث ماهيته إنما يقال (3) بالقياس إلى غيره ، فذلك الشيء من ~~المضاف ، لكن في الأعيان أشياء كثيرة بهذه الصفة ، فالمضاف في الأعيان ~~موجود ، ثم إن كان في المضاف ماهية أخرى ينبغي أن يجرد ما له من المعنى ~~المعقول بالقياس إلى غيره ، [فذلك المعنى هو بالحقيقة المعقول بالقياس إلى ~~غيره ، وغيره إنما هو معقول بالقياس إلى غيره] (4) بسبب هذا المعنى ، وهذا ~~المعنى ليس مقولا (5) بالقياس إلى غيره بسبب شيء غير نفسه ، بل هو مضاف ~~لنفسه ، فليس هناك ذات وشيء هو الإضافة ، بل هناك مضاف بذاته لا بإضافة ~~أخرى ، فتنتهي من هذا الطريق الإضافات. وأما كون هذا المعنى [المضاف] (6) ~~بذاته في هذا الموضوع [فهو من حيث إنه في هذا الموضوع ماهية معقولة بالقياس ~~إلى هذا الموضوع] (7) فله وجود آخر ، مثلا : وجود الأبوة في الأب أمر زائد ~~على ذات الأب ، وذلك الموجود (8) أيضا مضاف فليكن هذا عارضا من المضاف لزم ~~(9) المضاف. وكل واحد منهما مضاف لذاته إلى ما هو مضاف إليه فلا (10) إضافة ~~أخرى ، فالكون محمولا مضاف لذاته والكون أبوة مضاف لذاته». PageV02P346 # وهذا الكلام على طوله لا يفيد شيئا ؛ لأن هذا إنما يرد على من يجعل ~~المضاف الذي هو المقولة مضافا بإضافة أخرى. وإلزام التسلسل ليس من هذه ~~الحيثية ، بل من حيثية أخرى، وهي أن الأبوة مثلا من حيث هي أبوة ، ماهية ~~تعقل بالقياس إلى الابن ، ثم إنها عارضة لموضوع هو ذات الأب ، فعروضها للأب ~~وحلولها فيه ليس هو نفس كونها أبوة ؛ لأن الأبوة إضافة بالقياس إلى البنوة ~~لا إلى ذات الأب ، وعروض الأبوة للأب وحلولها فيه إضافة بالقياس إلى المحل ~~الذي هو الأب. # فإذن عروض الأبوة للأب حالة زائدة عليها عارضة لها وهلم جرا إلى غير ~~النهاية. # قال أفضل المتأخرين : «هذا الاعتراض غير متوجه ؛ لأن غايته بيان أن ~~الأبوة موصوفة بإضافة أخرى ، وهي العروض للموضوع ، ولكن لم قلتم : إن ~~العروض للموضوع لا بد له من إضافة أخرى؟ وذلك لأن الأمر المقول بالقياس إلى ms0623 ~~الغير إن كان له مفهوم آخر وراء تلك المقولية ، فحينئذ لزم الحكم بالتغاير ~~، وإن لم يكن له مفهوم وراء تلك المقولية امتنع الحكم بالتغاير. فهاهنا لما ~~رأينا الأبوة عارضة للموضوع وكان مفهوم الأبوة غير مفهوم العروض للموضوع لا ~~جرم حكمنا بتغايرهما واعترفنا بأن الأبوة عرضت لها إضافة ، وهي كونها عارضة ~~لموضوعها. فأما (1) العروض للموضوع فليس له مفهوم وراء ذلك ، فلا يلزم أن ~~يكون للعروض للموضوع عروض آخر للموضوع حتى يلزم التسلسل ، بل يكون ذلك ~~العروض للموضوع عارضا للموضوع لذاته ونفسه لا لغيره ، فاندفع التسلسل» (2). # وفيه نظر ، فإن عدم التغاير في المفهوم النوعي لا يمنع التسلسل بالنظر إلى PageV02P347 # التغاير الشخصي. ولا شك في تغاير الإضافات بالشخص باعتبار تغاير المضاف ~~إليه بالشخص. ولا ريب أن الأبوة عارضة ، فقد عرضت لها إضافة العروض ، وهذه ~~إضافة العروض ليست إضافة عروض السواد لمحله بل هي مغايرة له ، فهنا إضافتان ~~حينئذ : أبوة وعروض الأبوة. ثم إن عروض الأبوة عرض بالضرورة إن كان وجوديا ~~، فله موضوع وهو عارض لذلك الموضوع ، فعروضه مغاير لعروض الأبوة وهكذا حتى ~~يلزم التسلسل. والغلط نشأ من عدم الفرق بين الاتحاد النوعي والشخصي ، وتوهم ~~أن التسلسل إنما يلزم باعتبار التغاير النوعي وليس كذلك. ### |||| ** الثاني : لو كانت الإضافة موجودة في الأعيان لكان تقدم الزمان المتقدم على الزمان ~~الحاضر وصفا ثابتا ، ولو كان ثابتا لكان الموصوف به ثابتا ؛ لامتناع قيام ~~الصفة بذاتها أو بغير الموصوف ، لكن الموصوف بالتقدم هو الزمان السابق ، ~~فيكون الزمان المتقدم ثابتا مع الزمان الحاضر ، والتالي باطل وإلا لانتفى ~~التقدم ووجد جزءان من الزمان دفعة ، ولزم بقاء الزمان مع انه سيال ، أو ~~إعادة المعدوم ، فالمقدم مثله. # واعترض بأن هذه الإضافة قد ثبت أنها غير موجودة في الأعيان ، لكن لا يلزم ~~من انتفاء كون هذه الإضافة الخاصة ثابتة في الأعيان أن لا يكون شيء من ~~الإضافات ثابتا في الأعيان ، فجاز أن تكون بعض الإضافات ثابتة دون البعض. # وفيه نظر ، فإن جنس الإضافة إذا كان وجوديا والتخصص بأمر ثبوتي لم تبق ~~الإضافة الخاصة عدمية ms0624 ، ولا شك أن التقدم داخل تحت مطلق الإضافة ويخصص ~~بخصوصية التقدم الذي هو الثبوت في الزمان السابق ، وذلك أيضا أمر ثبوتي ، ~~فكيف تكون هذه الإضافة عدمية؟ # نعم هي صفة قد عرض لها العدم باعتبار عدم موضوعها ، كما يعرض للسواد ~~العدم عند عدم محله. PageV02P348 ### |||| ** الثالث : لو كانت الإضافة موجودة لكانت مشاركة لسائر الموجودات في مطلق الوجود ~~ومتمايزة عنها بخصوصيتها وما به الاشتراك غير ما به الامتياز ، ولا شك أنه ~~ما لم يتقيد الوجود بتلك الخصوصية لم توجد الإضافة في الأعيان فيكون ذلك ~~القيد (1) سابقا على وجود الإضافة ، فلا توجد الإضافة إلا بعد وجود الإضافة ~~قبلها ، فحدوث الإضافة مشروط بإضافات سابقة عليها لا نهاية لها. ### |||| ** الرابع : الوجود من حيث هو وجود إن كان مضافا فكل موجود مضاف ، هذا خلف. وإن لم يكن ~~مضافا فالإضافة لو كانت موجودة في الأعيان فهي لا تكون إضافة من حيث إنها ~~موجودة ، فالمضاف من حيث إنه مضاف غير موجود وهو المطلوب. # وفيه نظر ، فإن النتيجة اللازمة : أن المضاف من حيث إنه مضاف غير الوجود ~~لا أنه غير الموصوف بالوجود بمعنى أنه يمتنع اتصافه بالوجود. وهذا الذي ~~ذكروه يتأتى في جميع الماهيات. ### |||| ** الخامس : لو كانت الإضافة موجودة لزم أن يكون الباري تعالى محلا للحوادث ، والتالي ~~باطل على ما يأتي ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : ان كل حادث يوجد فإن بينه وبين الله تعالى إضافة المعية ، ~~وقبل وجوده كان الله تعالى معه إضافة التقدم وبعده تصير له إضافة البعدية ، ~~ثم تلك المعية لم تكن موجودة قبل وجوده ولا تبقى بعده ، فهي حادثة. ثم يلزم ~~وجود حوادث لا نهاية لها حالة فيه تعالى ؛ لأن تلك المعية إذا تصف الله ~~تعالى بها حدثت له إضافة الاتصاف ولم تكن قبل ذلك ثابتة له ، ثم ذلك ~~الاتصاف ثابت في الأعيان موجود حادث حال فيه ، وهكذا إلى ما لا يتناهى. # والتقدم والتأخر إضافتان لا توجدان إلا معا ، لكن المعية تنافي التقدم فلا PageV02P349 # يوجدان البتة ؛ لأن امتناع اللازم يقتضي امتناع الملزوم. ### |||| ** السادس : لو كانت الأبوة موجودة ms0625 لقامت بالأب ؛ لأنه هو الموصوف بها ، فإما أن تقوم ~~بجميع أجزاء الأب أبوة واحدة فيلزم انقسامها بانقسام الأب ؛ لأن كل واحد من ~~الأجزاء إما أن يحل فيه شيء من الأبوة ، أو جميع الأبوة ، أو لا يحل فيه ~~شيء منها البتة. ويلزم من الأول الانقسام ، فللأبوة نصف وثلث كما للأب ذلك ~~، وهو ضروري البطلان. والثاني يلزم منه حلول العرض الواحد في أزيد من محل ~~واحد ، وهو باطل بالضرورة. والثالث يقتضي أن لا يكون المحل محلا ، أو تقوم ~~(1) بكل جزء أبوة فيلزم حلول العرض الواحد في محال متعددة إن كانت الأبوة ~~واحدة بالعدد ؛ وأن تكون هناك أبوات كثيرة فلا يكون الأب أبا بل آباء ~~متعددة ، وهو محال ؛ وأن يكون كل جزء من الأب أبا ، وهو محال أيضا إن كانت ~~الأبوة كثيرة بالعدد. ثم إضافة كل واحدة من هذه الأبوات إن كان لها بنوة ~~واحدة لزم تعدد إحدى الإضافتين دون الأخرى ، وهو محال. أو إلى بنوات متعددة ~~، فلا أولوية في اختصاص بعض الأبوات بالإضافة إلى بعض البنوات إن تساوت. ~~وإن اختلفت لم يكن مفهوم الأبوة ولا مفهوم البنوة واحدا ، وتكثرها بالنوع ~~غير معقول. # وقد احتج المثبتون بأنا نعلم بالضرورة أن السماء فوق الأرض ، فهذه ~~الفوقية إما أن تكون مجرد عمل العقل من غير أن يكون لها في الخارج مطابقا ، ~~وإما أن تكون ثابتة في الخارج. والأول باطل ؛ لأن ما لم يكن له في الخارج ~~اعتبار لم يدخل فيه الصدق والكذب ، فإنه لو قال القائل : أنا أفرض الخمسة ~~زوجا ، لم يجب تكذيبه ؛ لأنه أخبر عن عمل عقله لا عن الشيء في نفسه ، فكذا ~~هنا كون السماء فوق الأرض إن كان شيئا بحسب عمل العقل لم تكن هذه القضية ~~واجبة الصدق ولا ضدها واجب الكذب ، وبطلان التالي يدل على بطلان المقدم ، ~~وهو أن كون PageV02P350 # السماء فوق الأرض ليس مجرد عمل العقل بل له في الخارج ثبوت. وكذا أبوة ~~زيد لعمرو وجميع الإضافات. # وأيضا فوقية السماء ليست مجرد فرض غير مطابق للخارج كفرض الخمسة زوجا ، ~~ولا ms0626 أمرا سلبيا ؛ لأنه نقيض اللافوقية التي هي أمر عدمي ، ولا أيضا نفس كون ~~السماء سماء ، فإن كونه سماء غير مقول بالقياس إلى الغير وكونه فوقا مقول ~~بالقياس إلى الغير ، فتغايرا. # وأيضا الأبوة حادثة بعد أن لم تكن ، فإن لم تكن وجودية لم يتجدد شيء لكن ~~التجدد حاصل ، فهي ثبوتية. # والجواب : المعارضة بالأمسية والغدية ، فإن جميع ما ذكرتموه آت فيهما مع ~~أن اليوم لا يصير أمسا إلا بعد عدمه والمعدوم المحض لا يتصف بالثبوتية. ~~ولأنه يقتضي أن يكون الأمس متقدما على اليوم وصف ثبوتي (1) في الخارج ، وقد ~~سبق بطلانه. # قيل عليه (2): التقدم والتأخر إضافتان بين المعقول المأخوذ من الموجود ~~الحاضر والمعقول الذي ليس مأخوذا في الموجود الحاضر ، وأما قبل ذلك فلا ~~يكون الشيء في نفسه متقدما ، فكيف يتقدم الموجود على لا شيء؟! فما كان من ~~المضافات على هذا السبيل فإنما تضايفها في العقل وحده ولا تكون موجودة في ~~الأعيان ، بخلاف كون السماء فوق الأرض ، فإن السماء والأرض لما كانتا ~~موجودتين كانت فوقية إحداهما للأخرى وصفا ثابتا لا (3) يتوقف على اعتبار ~~المعتبر. # والوجه في الجواب أن نقول : فوقية السماء وتحتية الأرض ، كوجوب الواجب PageV02P351 # وامتناع الممتنع وإمكان الممكن ، وكما أن هذه النسب ليست موجودات في ~~الخارج ولا احكاما كاذبة ، فكذا فوقية السماء وتحتية الأرض. والأصل فيه ما ~~قررناه نحن أولا من أن المطابقة لا تستدعي الثبوت الخارجي ، بل صدق الشيء ~~في نفسه وكونه في نفسه على ما فرضه الذهن. # قال أفضل المحققين : «كون الإضافة عرضا حالا في محل ، ليس حلولها في ذلك ~~المحل إضافة بل الإضافة تعرض للحال إلى المحل وللمحل إلى الحال بعد الحلول ~~، كما تعرض للرأس ولذي الرأس. # والتحقيق هنا : أن وجود الإضافة لا يكون إلا في العقل ، ولا يكون في ~~الخارج إلا كون الموجود بحيث يحدث في العقل من تصوره الإضافة ، فإن ولادة ~~شخص من شخص أمر موجود في الخارج ، وإذا تصوره العاقل تعقل أبوة في أحدهما ~~وبنوة في الآخر ولا يلزم التسلسل ؛ لأن الأبوة إذا عرضت لشخص وإن كان ms0627 ذلك ~~العروض إضافة أخرى لكنها لا تكون بأبوة أخرى ، فإذن لا تتسلسل الأبوة ، ~~وتلك الإضافة أيضا أمر عقلي ولا تتسلسل ؛ لأنها تنقطع عند وقوف العقل وهم ~~يقولون : إن لله تعالى صفات إضافية ، كالأول والآخر والخالق والرازق ~~والمبدع والصانع وغير ذلك ، ويلتزمون القول بهذه الصفات [من] (1) غير ~~المعية الزمانية. # وكون «حصول الوجود للماهية إضافة بينهما» ليس بشيء ؛ لأن الإضافة هاهنا ~~ليست إلا بمعنى الانضمام وليس ذلك مما نحن فيه بشيء. # وكون الشيء عقليا كفوقية السماء يباين كونه فرضيا ، فإن تحتية السماء ~~ربما تفرض ، بل العقلي هو الذي يجب أن يحدث في العقل إذا عقل العقل ذلك ~~الشيء كفوقية السماء ، أما الفرضي فهو الذي يفرضه الفارض وإن كان محالا. ~~والذهني PageV02P352 # يشملهما» (1). # وفيه نظر ، فإنه يقتضي كون الحلول أمرا غير الإضافة وهو غير معقول ، فإن ~~الحلول نفسه إضافة ، فلو كان هناك إضافة أخرى تضاعفت الإضافات. والقياس على ~~الرأس وذي الرأس باطل ؛ لأن الثابت العضوان لا من حيث الرأسية وذي الرأسية ~~، بل إذا عرضت الرأسية حصلت الإضافة إلى الرأسية خاصة لا غيرها ، وكذا يجب ~~في الحلول. # وما ذكره في التحقيق فانه مشكل ، إذ ليس في الخارج شيء مما قاله. ~~والولادة إن عنى بها (2) ثبوت إضافة في الأعيان فهو ممنوع ، فإن المرجع بها ~~إلى حركة أو علية ما. # ونحن نسلم أن إضافة الأبوة إلى الأب بالحلول ليس أبوة ، لكن التسلسل لا ~~يندفع بذلك بل هو مثبت له ؛ فإن تغاير النسب أولى في إثبات التسلسل من ~~تماثلها. وكون «حصول الوجود للماهية ليس بإضافة ، لأنه بمعنى الانضمام» ليس ~~بنافع في هذا المقام ، فإن الانضمام إضافة لوجود حقيقة الإضافة فيه فكيف ~~يمنع كونه إضافة؟ وكون «الفرضي غير العقلي» إشارة إلى ما اخترناه هنا في ~~هذا المقام من أن العقلي لا يكون كاذبا ولا يجب أن يكون مطابقا للخارج ، إذ ~~لا خارج هنا على ما اعترف به ، فلم يبق إلا مطابقيته (3) للأمر نفسه. # واعلم (4): أن معمرا من المتكلمين لما وقف على حجة الفلاسفة في ثبوت ~~الإضافة وعجز عن حلها ms0628 ، اعترف بأن الأعراض النسبية كلها وجودية ، ولما لم يجد PageV02P353 # دافعا للتسلسل الذي ألزموهم المتكلمون به ، اعترف بثبوت ما لا يتناهى من ~~الأعراض والنسب والإضافات يقوم كل منهما بالآخر. # وأبطله المتكلمون بامتناع وجود ما لا نهاية له ، فإن كل عدد موجود فله ~~نصف ، وذلك النصف أقل من الكل ، وكل ما كان أقل من غيره فهو متناه ، فيكون ~~النصف متناهيا ، فيكون الكل متناهيا ، لأن ضعف المتناهي متناه. # ومنع معمر كل عدد له نصف ، وإنما ذلك في العدد المتناهي لأنه من خواصه ، ~~لا في غير المتناهي. ومع تسليم النصف ، لكنه لا يلزم من أقلية النصف تناهيه ~~، فإن مقدورات الله تعالى أقل من معلوماته. وتضعيف الألف مرارا لا نهاية ~~لها أقل من تضعيف الألفين مرارا لا نهاية لها مع عدم تناهيها. # قال أفضل المحققين : «غير المتناهي لا يصير متناهيا بنقصان شيء منه. ~~والشيء ربما يكون متناهيا من وجه وغير متناه من وجه ، فتلحقه (1) خواص ~~المتناهي من الوجه الأول وغير المتناهي من الوجه الآخر ، وهذا كتضعيف الألف ~~والألفين مرارا لا نهاية لها ، فيكون أحد غير المتناهيين نصفا للآخر ، ولا ~~يلزم منه تناهي أحدهما» (2). # وفيه نظر ، فإن الحكماء استدلوا على التناهي ببرهان التطبيق ، وليس هو ~~إلا عبارة عن نقصان شيء عن شيء. وكون الشيء متناهيا من وجه دون وجه ، إنما ~~يكون في امتداد غير متناه من أحد الطرفين غير متناه من الآخر لا في اعداد ~~لا ترتيب لها وضعا ولا عقلا. PageV02P354 ### | البحث السادس ### | في كيفية تحصيل الإضافة وتنوعها (1) # اعلم أن الإضافة ليس لها وجود منفرد مستقل ، بل وجودها أن يكون أمرا ~~لاحقا بالأشياء ، وتخصصها بتخصص هذا اللحوق ، وذلك لأن التخصص يفهم على ~~وجهين : ### |||| ** الأول : أن يوجد اللحوق والإضافة معا ، وليس ذلك هو المقولة بل هو مركب من المقولة ~~ومعروضها. ### |||| ** الثاني : أن توجد الإضافة مقرونا بها النحو من ذلك اللحوق الخاص العقلي ويوجدان معا ~~للملحوق بعارض واحد ، وهذا هو تنوع الإضافة وتحصلها. والأصل فيه أن إضافة ~~الإضافة إلى معروضها لماهيتها ، فاختلفت جنسا أو نوعا أو شخصا باعتبار ms0629 ~~اختلاف المعروضات في هذه المراتب ، ولما تعذرت الإشارة إلى اجناس الإضافة ~~وأنواعها إلا بذكر أجناس معروضاتها وأنواعها وأشخاصها لا جرم وجب في ذكر ~~الإضافة وتعريفها وتخصيصها الإشارة إلى المعروضات ، لا على أنها داخلة في ~~ماهيات تلك الإضافات بل لأنه لما لم يوجد لتلك الإضافات اسما تعذرت الإشارة ~~إلى الإضافة الخاصة إلا بذكر معروضها. PageV02P355 # فالمعروضات تذكر لتكون معرفة لخصوصيات تلك الإضافات ، فإذا قلنا : زيد في ~~الدار ، لم تكن الدار محمولة ولا جزءا من المحمول ، بل المحمول ليس إلا ~~الهيئة الخاصة ، لكن لما كانت الهيئة جنسا ولم يكن لهذا النوع اسم خاص ذكر ~~الجنس وهو مطلق الهيئة ، ثم قيد بالمعروض وهو الدار لتمكن ذكر الإضافة. ~~والمشابهة اتفاق لا مطلقا ، بل هي الموافقة في الكيف ، والموافقة الكيفية ~~غير الكيف الموافق ، فإن الكيف الموافق ليس هو إضافة بل شيء ذو إضافة. نعم ~~الموافقة المنسوبة إلى الكيفية نوع من المضاف ، وكذا المساواة والمماثلة. ~~وإذا كانت الإضافة محصلة في أحد الطرفين كانت في الآخر كذلك ، وإن اطلقت في ~~أحدهما كانت في الآخر كذلك ؛ فإنا إذا أخذنا ضعفا عدديا على الإطلاق كان ~~بإزائه نصف عددي على الإطلاق. وإن حصلنا العدد الذي هو الضعف حتى صارت ~~الضعفية محصلة باعتبار أخذها منسوبة إلى عدد معين كالعشرة ، فقلنا : ضعف هو ~~عشرة ، تحصلت الإضافة في الطرف الآخر وهو النقيصة باعتبار تخصص معروضها وهو ~~الخمسة ، إذ لا يجوز أن يكون كل شيء ضعفا لكل شيء من حيث هو ضعف محصل. # فقد ظهر أن أي أحد المضافين إذا عرف بالتحصيل عرف الآخر به. وأن الضعف ~~المطلق بإزاء النصف المطلق ، والضعف المعين بإزاء النصف المعين ؛ وهذا إنما ~~يكون إذا كان التحصيل تحصيلا للإضافة ، أما إذا كان تحصيلا لموضوعها لم ~~يلزم أن تتحصل الإضافة بالحقيقة ؛ لعدم تحصل المضاف المقابل ، فإن الرأسية ~~عارضة لعضو ما بالقياس إلى ذي الرأس ، فإذا حصلنا ذلك العضو من حيث إنه ~~جوهر حتى صار هذا الرأس ، لم يلزم من العلم به العلم بالشخص المعين الذي له ~~ذلك الرأس ؛ لأن المحصل هنا ms0630 إنما دخل في موضوع الإضافة لا في نفس الإضافة. # ثم التحصيل قد يكون تحصيلا نوعيا ، كالمساواة فإنها اتفاق في الكم ، فهو PageV02P356 # أخص من مطلق الاتفاق ، فإذا أبدلنا الكمية بالكيفية لم تتحقق المساواة بل ~~تبدلت بالمشابهة. # وقد يكون تحصيلا صنفيا ، وذلك بأن تحصل الإضافة لموضوع ثم يقرن بذلك ~~الموضوع عرض غريب لو لم يكن لم يبعد أن تبقى تلك الطبيعة من الإضافة فذلك ~~لا ينوع الإضافة ، بل ربما صنفها ، كأبوة الرجل العادل وأبوة الرجل الجائر ~~فإنهما تختلفان في أحوال ، ولكنها خارجة عن الماهية ، فإن الرجل العادل لو ~~توهمته جائرا لم يخل بذلك المعنى الذي هو الأبوة. # وأما التحصيل الشخصي ، فكأبوة هذا وأبوة ذاك. فيجب أن يعلم أن ما يقولونه ~~من حال الإضافة في أمثال هذه : «إنها علاقة واحدة بالعدد موجودة بهما ~~جميعا» قول لا معنى له ، بل كل منهما موصوف بإضافة إلى الآخر ليست بالعدد ~~إضافة الآخر ، لكنه بل ربما كان نوعهما واحدا ، كجوار هذا لذاك وجوار ذاك ~~لهذا ، وربما كانا متخالفين بالنوع كالأبوة والبنوة ، وكذلك المماسة فإن كل ~~واحد من الشيئين يوصف بأنه مماس لذلك الآخر ففيه مماسة لذلك الآخر ، نسبة ~~تلك المماسة إليه نفسه هي أنها فيه وإلى الآخر أنها له وأنها بالقياس إليه ~~ولأجله ، وكذلك الآخر أيضا مماس للأول بمماسة فيه للأول ، فنسبة تلك ~~المماسة التي للآخر بها مماس للآخر نسبة أنها فيه ، وإلى الأول نسبة أنها ~~له لا نسبة أنها فيه ، فإنه لا يماس أحدهما الآخر بمماسة تكون في ذلك الآخر ~~، بل بمماسة تكون فيه نفسه لذلك الآخر ، لكنهما من حيث المماسة ، بل من حيث ~~العلاقة يتفقان اتفاق الشخصيات في الأمور. فاما كون إضافة واحدة بالشخص ~~تتعلق بالمضافين معا كما توهمه بعضهم ، فإنه باطل لامتناع قيام العرض ~~الواحد بمحلين ، وقد سبق بيان ذلك (1). PageV02P357 ### | البحث السابع ### | في تقسيم الإضافة (1) # يمكن تقسيم الإضافات من وجوه : ### |||| ** الأول : انقسامها إلى المتفق والمختلف ؛ فإن من الإضافات ما هو مختلف في الطرفين ، ~~كالأبوة والبنوة ، والضعف والنصف ، والقلة والكثرة ، والزائد والناقص. ~~ومنها ما هو ms0631 متفق ، كالاخوة والاخوة ، والمساوي والمساوي ، والمماس والمماس ~~، وغيرها (2). # ثم المختلف قد يكون اختلافه محدودا ، كالنصف والضعف ، وقد لا يكون محدودا ~~إلا أنه مبني على محدود ، كالكثير الاضعاف ، والكل والجزء ، وقد لا يكون ~~محدودا ولا مبنيا على محدود ، كالزائد والناقص. ### |||| ** الثاني : المضافان إما أن يكونا شيئين لا يحتاجان في عروض الإضافة لهما إلى اتصافهما ~~بصفة أخرى حقيقية لأجلها صار مضافا إلى الآخر ، مثل : المتيامن PageV02P358 # والمتياسر (1)، فإنه ليس في المتيامن صفة حقيقية لأجلها صار متيامنا ولا ~~في المتياسر أيضا. أو يكون في كل واحد منهما صفة حقيقية لأجلها صار مضافا ~~إلى الآخر ، كالعاشق والمعشوق ، فإن في العاشق هيئة إدراكية هي مبدأ ~~الإضافة ، وفي المعشوق هيئة مدركة لأجلها صار معشوقا لعاشقه. أو تكون هذه ~~الصفة الحقيقية موجودة لأحد المضافين دون الآخر ، كالعالم والمعلوم ، فإن ~~العالم حصل في ذاته كيفية هي العلم صار لها مضافا إلى الآخر، والمعلوم لم ~~يحصل في ذاته شيء آخر صار به مضافا إلى الآخر. ### |||| ** الثالث : قال الشيخ : «تكاد تكون المضافات منحصرة في أقسام المعادلة التي (2) ~~بالزيادة ، والتي بالفعل والانفعال ومصدرها من القوة ، والتي بالمحاذاة (3) ~~. فأما التي بالزيادة ، فإما من الكم وهو ظاهر ، وإما من القوة ، كالغالب ~~والقاهر والمانع. وأما التي بالفعل والانفعال ، فكالأب والابن والقاطع ~~والمنقطع. والتي بالمحاذاة (4)، كالعالم (5) والمعلوم والحس والمحسوس (6) ~~. على أن ذلك لا يضبط تقديره» (7). ### |||| ** الرابع : الإضافة يمكن أن تعرض لجميع المقولات حتى لنفسها. أما للجوهر ، فكالأب ~~والابن. وأما في الكم المتصل ، فكالعظم والصغر. والمنفصل ، PageV02P359 # كالقليل والكثير. وفي الكيف ، كالأحر والأبرد. وفي المضاف ، كالأقرب ~~والأبعد. وفي الأين، كالأعلى والأسفل. وفي متى ، كالأقدم والأحدث. وفي ~~الوضع ، كالأشد انتصابا وانحناء. وفي الملك كالأكسى والأعرى. وفي الفعل ، ~~كالأقطع والأجرم. وفي الانفعال ، كالأشد تسخنا وتقطعا. ### ||| ** تذنيبان : ### |||| ** أ: إنما ذكر هذا في تقسيم الإضافة ؛ لأن الإضافة قد عرفت أنها دائما عارضة ~~لغيرها لا تتقوم منفردة الذات عن الغير لا في الخارج ولا في الذهن بخلاف ~~غيرها من الأعراض ، فكان التعلق بالغير جزء من ماهيتها فصح انقسامها ~~بانقسام معروضها. ### |||| ** ب : في الأقرب ms0632 نسبتان : احداهما القرب ، وهو منسوب إلى البعد. والثانية شدة ~~القرب وزيادته ، وهو منسوب القريب المنسوب إلى البعيد ، فإذا عكست قلت : ~~القريب قريب للبعيد ، والبعيد بعيد للقريب. وتقول : الأقرب أقرب بالقياس ~~إلى القريب ، والقريب بعيد بالقياس إلى الأقرب. PageV02P360 ### | البحث الثامن ### | في أن التضاد هل يثبت للإضافة أم لا (1)؟ # اضطرب كلام الشيخ في هذا المقام ، فتارة منع من عروض التضاد فيها وتارة سوغ. # قال (2): لما بين أن العظيم لا يضاد الصغير ، إذ (3) تقابل التضاد ليس ~~نفس تقابل التضايف ؛ لأنا نجد طبائع الأضداد (4) لا تتضايف ، ونجد في ~~الإضافات ما لا يتضاد كالجوار والجوار ، ثم نعلم أن التضاد من حيث هو تضاد ~~من باب التضايف ، فيجب أن يكون في المتضادين شيء لا تضايف فيه ، فلما كان ~~التضاد من حيث هو تضاد متضايفا بقي أن يكون الشيء الذي في المتضادين وليس ~~بمضايف هو موضوعات التضاد ، فثبت أن المضادة لا توجد إلا في موضوعات غير ~~متضايفة. PageV02P361 # الثاني : الإضافات طبائع غير مستقلة بأنفسها ، فيمتنع أن يعرض لها التضاد ~~؛ لأن أقل درجات المعروض أن يكون مستقلا بتلك المعروضية. # ثم إنه قال في باب الإضافة : «إن المضاف يعرض له ما يعرض لمقولته ، ~~فالضعفية لما عرضت للكم وكان لا مضادة فيه ، لم يعرض لها التضاد. ولما كانت ~~إضافة الفضلية عارضة في الكيف وفي الكيف تضاد ، جاز أن يعرض لهذه الإضافة ~~تضاد. والحار لما كان ضدا للبارد كان الأحر ضدا للأبرد» (1). # ولا تناقض بين الكلامين في الحقيقة ؛ لأن الإضافة لما لم تكن طبيعة ~~مستقلة بنفسها بل طبيعتها تقتضي أن تكون تابعة للمضاف ، وجب أن يكون في هذا ~~الحكم تابعا أيضا ، فإن كانت معروضاتها متضادة وجب أن تكون هي أيضا متضادة ~~؛ لأنه لو لم يلزم من تضاد معروضاتها تضادها كانت الإضافات مستقلة بأنفسها ~~وغير تابعة لمعروضاتها ، فلهذا حكمنا بأن الأحر يجب أن يضاد الأبرد. وأما ~~إذا كانت معروضاتها غير متضادة ، امتنع عروض التضاد لها ؛ إذ لو عرض التضاد ~~لها دون معروضاتها كانت مستقلة بأنفسها ، فلهذا حكمنا بأن العظيم والصغير ~~غير متضادين. فالكلام ms0633 إنما يسلم عن التناقض لو قيل على هذا الوجه. وإطلاقه ~~في أن الإضافات لا تتضاد في باب الكم ، عنى بذلك أنها لا تتضاد استقلالا لا ~~أنها لا تتضاد مطلقا ولا تبعا. # وفيه نظر ، فإنه لا يلزم من استقلال العارض باقتضاء التضاد استقلاله عن ~~معروضه واستغناؤه عنه مطلقا ؛ فإن الكيف قابل للضدية ، ومعروضه وهو الجوهر ~~غير قابل لها. # وقيل : لا يلزم من تضاد المعروضات تضادهما لعدم البرهان عليه ، ثم ينتقض ~~بالمساواة والمفاوتة فانهما من لواحق الكم القابل للزيادة والنقصان PageV02P362 # وهما لا يقبلان ذلك ، فبطلت التبعية من هذه الجهة. ### |||| ** تذنيب (1) ### |||| ** : حكم الشدة والضعف في هذا الباب حكم الضدية. فإن كانت المعروضات للإضافة ~~قابلة لهما قبلتهما ، وإلا فلا. فالحرارة والبرودة لما قبلتا الشدة والضعف ~~قبلهما الأحر والأبرد. # وبعض الناس توهم أن الكمية لما قبلت الأقل والأكثر وجب أن يكون غير ~~المساوي قابلا للأقل والأكثر ، كما أن الكيفية لما قبلت الأشد والأضعف كانت ~~المشابهة قابلة لهما. # فنقول : غير المساوي لا يكون أشد وأضعف. نعم قد يكون أقرب وأبعد ؛ ~~فالعشرة أبعد في المساواة للثلاثة من التسعة. والسبب في الأمرين ما عرفت من ~~عدم قبول الكم للأشد والأضعف وإن قبل الأقل والأكثر ، فعلى هذا يكون غير ~~مساو أقرب من غير مساو آخر ، فأما في كونه غير مساو فلا يقبل الزيادة ~~والنقصان. PageV02P363 ### | البحث التاسع ### | في تفسير ألفاظ إضافية (1) ### |||| ** الأول : التتالي والمتتاليان (2) هما : اللذان ليس بين أولهما وثانيهما شيء من ~~جنسهما. وقد يتفقان نوعا ، كبيت وبيت. وقد يختلفان فيه ، كصف إنسان وصف حجر ~~، فلا تكون متتالية من حيث إنها مختلفة بل من حيث يجمعها أمر عام ، إما ~~ذاتي كالجسمية ، أو عرضي كالانتصاب صفا والشخوص حجما. والتشافع قريب منه. ### |||| ** الثاني : التماس والمتماسان (3) هما : المتخالفان وضعا بالذات المتحد طرفاهما # وعرفه الآمدي بقوله : «التتالي ؛ فعبارة عن نسبة وضع شيء آخر إلى شيء أول ~~من غير فاصل يفصل بينهما» ، المبين : 87. # وفي المعجم الفلسفي : «تتال : تتابع أشياء في الزمان أو في المكان مع ~~تميز بعضها من بعض ، وهو ضرب من العلاقات الثابتة» ، المعجم ms0634 الفلسفي لمجمع ~~اللغة العربية في جمهورية مصر العربية : 38. PageV02P364 # بالوضع ، وذلك بحسب الإشارة لا بحسب المكان عند الأوائل ؛ لأن الأطراف لا ~~أمكنة لها. ### |||| ** الثالث : التداخل والمتداخلان (1) هما : اللذان تلقي كل ذات أحدهما كل ذات الآخر ، ~~فإن الأطراف إذا تعدى لقاء كل واحد منها طرف الآخر حتى بلغ ذاته بالأسر لم ~~تكن ذلك مماسة ، بل مداخلة ، إذ ليست المداخلة إلا أن تلقي كلية أحد ~~المتلامسين كلية الآخر حتى أن فصل (2) أحدهما لم يكن داخلة كله ، بل ما ~~يساويه منه ، فهذا هو حقيقة المتداخلين. وأما كونهما في مكان واحد فذلك ~~لازم المداخلة لا أنه نفس ماهيتها. # قيل : الجسمان إذا تماسا تلاقيا بسطحيهما ، فالسطحان إما أن يتلاقيا ~~بالكلية أو لا بالكلية. # والثاني يستلزم انقسام كل من السطحين في عمقه ، فيكون السطح جسما لا سطحا ~~، هذا خلف. ثم إنه يحتاج إلى سطح آخر ويتسلسل. # والأول يقتضي تداخلهما واتحاد وضعهما ، فلا يتميز أحدهما عن الآخر ، ~~لامتناع الامتياز بالماهية ، أو بشيء من لوازمها لتساويهما في الماهية ~~واللوازم ، فإن الأطراف المتضايفة متحدة في تمام الماهية والحقيقة. ولا ~~بالعوارض ، لأن ذلك إما المحل أو المكان أو الوقت ، وليس ولا واحد من ~~السطحين مختصا بشيء من هذه دون السطح الآخر ، فلا تمايز. وأيضا السطحان لما ~~اتحدا في الماهية والوضع امتنع أن # وقال الجرجاني : «التداخل : عبارة عن دخول شيء في شيء آخر بلا زيادة حجم ~~ومقدار» (التعريفات : 76). PageV02P365 # يختص أحدهما بشيء من العوارض دون صاحبه ، إذ ليس ثبوت العارض لأحد ~~السطحين أولى من ثبوته لصاحبه بعد تساويهما في القبول وجهات الاختصاص. ~~ولأنه لو ثبتت الأولوية ثبت الامتياز سابقا على ما به الامتياز ، هذا خلف. # فإذن ليس بين السطحين المتحدين في الوضع امتياز أصلا ، فلا يكون هناك ~~تعدد البتة ، فالسطحان واحد مشترك بين الجسمين. فالمتماسان ليس لهما طرفان ~~، بل طرف واحد فليسا بمتماسين ، بل متصلين. واستحال أيضا أن المتماسين هما ~~اللذان طرفاهما معا. وكذا الإشكال في تماس السطحين بالخطين وفي تماس الخطين ~~بنقطتين. # وأيضا التماس كما يصدق في المقادير يصدق في النقط أيضا ms0635 ، فإنه يصدق أن ~~النقطتين متماستان مع أنه لا نهاية لها فلا يصدق عليها أن نهاياتها مجتمعة ~~؛ لأنها نهايات لا ذوات نهايات ، فالتماس ليس هو اجتماع النهايات. ### |||| ** أجيب عن الأول (1) ### |||| ** : بأن أحد الحدين يلاقي الآخر بالكلية عند التماس ولا يرتفع التمايز ، بل هو ~~ثابت بالعوارض لا بالماهية واللوازم ، فإنه يصدق حالة التماس في أحد ~~السطحين أنه نهاية جسم من الجسمين دون الجسم الآخر ، ويصدق في السطح الآخر ~~أنه نهاية للجسم الآخر دون الأول ، وهذا الوصف قد كان حاصلا لهما قبل ~~التماس فيبقى بعده ويحصل الامتياز به. # وفيه نظر ، فإنهما قبل التماس متمايزان بهذا الاعتبار لا غير ، لا ~~بالماهية ولوازمها ، لاستحالة التكثر بهما ، ولا بغير هذا الوصف ، لفرضنا ~~خلوهما عن جميع الأوصاف سواه ، فعند التماس وحصول الوحدة إن بقى ذلك الوصف ~~فلا وحدة حينئذ ، وإن عدم لزم المحذور. PageV02P366 ### |||| ** وعن الثاني : بمنع صدق التماس على النقط. # فالحاصل : أن التماس هو ايجاد النهايات التي للمتماسين ، فسطحا الجسمين ~~يصيران واحدا فلا يصدق عليهما التماس ، بل على الجسمين. ### |||| ** الرابع : التشافع وهو : حال مماس ثان من حيث هو كذلك. ولا يقتضي مفهوم اللفظ مشاركة ~~الأمور المتشافعة في النوع. ### |||| ** الخامس : الالتصاق وهو : كون الشيء مماسا بغيره بحيث ينتقل بانتقاله. وتلك الملازمة ~~إما لانطباق السطحين بحيث لا يكون أحد طرفي الجسم أولى بالانفتاح من الطرف ~~الآخر ، فحينئذ لا يرتفع ، وإلا لزم الخلاء ، أو يكون إنما ينفتح بزوال ~~صورة السطح في استوائه إما إلى تقبيب أو تقعير ، والجسم ربما لا يجيب إلى ~~ذلك. أو لانغراز (1) أجزاء أحدهما في الآخر. وقد يحدث الالتصاق بين جسمين ~~لتوسط جسم غريب من شأنه أن ينطبق جيدا على كل واحد من السطحين لسيلانه. ثم ~~إنه من شأنه أن يجف ويصلب كالغراء (2)، فيعرض بواسطة ذلك التزام سطحي ~~الجسمين. ### |||| ** السادس : الاتصال (3) ويطلق على معنيين : # أحدهما : صفة لشيء لا بقياسه إلى غيره ، وهو كونه بحيث يمكن أن تفرض له ~~أجزاء تشترك في الحدود. والمتصل بهذا المعنى يطلق على فصل الكم ، وعلى ~~الصورة الجسمية المستلزمة للجسم التعليمي. وقد يقال ms0636 للجسم التعليمي عند ما ~~يطلق المتصل على الصورة الجسمية اتصال أيضا. وقد يقال لهذه الصورة أيضا PageV02P367 # اتصال وامتداد بالمجاز ويقال للجسم بحسب ذلك متصل. # وثانيهما : صفة لشيء بقياسه إلى غيره ، وهو أيضا بمعنيين : أحدهما كون ~~المقدار متحد النهاية بمقدار آخر ؛ ويقال لذلك المقدار : إنه متصل بالثاني ~~بهذا المعنى. والثاني كون الجسم يتحرك بحركة جسم آخر ؛ ويقال لذلك الجسم : ~~إنه متصل بالثاني بهذا المعنى. والاسم كان بحسب اللغة للذي بالقياس إلى ~~الغير فينتقل بحسب الاصطلاح إلى الأول. ### |||| ** السابع : الكلية والجزئية : وصفان إضافيان عارضان للماهيات. فالكلي (1) قد يراد به ~~معروض هذه الماهيات ، أعني الكلي الطبيعي. وقد يراد به مجرد هذا الوصف ، ~~أعني الكلي المنطقي (2). وقد يراد به مجموعهما وهو العقلي (3). والمراد ~~هنا الأوسط ، وهو جنس للكليات الخمسة. وكل منها تصدق عليه الأمور # فالكلي الطبيعي هو المعروض (والموضوع للكلي المنطقي) وهو الكلي بالحمل ~~الشائع. والكلي المنطقي هو العارض وهو المضاف الحقيقي والكلي بالحمل ~~الأولي. والكلي العقلي هو المجموع المركب من العارض والمعروض (أي من ~~الطبيعي والمنطقي). # وقال القوشجي : «ولم يظهر لي بعد فائدة تقييد الكلي بالعقلي» فراجع شرحه ~~على تجريد الاعتقاد للطوسي : 124. PageV02P368 # الثلاثة ، أعني : الجنس الطبيعي والمنطقي والعقلي ، وكذا البواقي. ثم ~~الكلي الذي هو الإضافي جنس للخمسة الإضافية. # ثم إن النوع بهذا المعنى غير مندرج تحت الجنس بهذا المعنى ، بل هما ~~متباينان تباين الأخصين تحت عام واحد ؛ وان مجرد وصف الجنسية لا يصدق على ~~مجرد وصف النوعية. وإذا قيل : النوع مندرج تحت الجنس لم يعن به أن النوعية ~~تحت الجنسية ، بل ان معروض النوعية مندرج تحت معروض الجنسية ، فأما مجرد ~~معنى النوعية فليست قسما داخلا تحت مجرد معنى الجنسية ، بل قسيما مباينا له ~~مشاركا له في جنس واحد هو الكلية. # ثم حمل الجنسية على الكلية حمل عارض على معروضه (1). وحمل الكلية على ~~الجنسية حمل مقوم على متقوم. ### |||| ** فإن قيل : الكلي من حيث هو كلي هل له وجود في الأعيان أم لا؟ ### |||| ** قلنا : الكلي قد يراد به نفس الطبيعة التي تعرض لها الكلية. وقد ms0637 يراد به كون ~~الطبيعة محتملة لأن تعقل عنها صورة مشتركة بين كثيرين. وقد يراد به كون ~~الطبيعة بالفعل مشتركة بين الافراد (2). وقد يراد به كون الطبيعة بحيث ~~يصدق عليها بعينها أنها لو قارنت نفسها لا هذه المادة والأعراض (3) لكان ~~ذلك الشخص الآخر. والكلي الأول والثاني والرابع موجودات في الأعيان دون ~~الثالث. PageV02P369 ### |||| ** الثامن : التام (1) هو : الذي يحصل له جميع ما ينبغي أن يكون له وهو الكامل أيضا. ثم ~~إنه يقال على أمور كثيرة : ### |||| ** الأول : يقال تام للعدد إذا كان جميع ما ينبغي أن يكون حاصلا للشيء من العدد قد حصل ~~، فلا يقول الجمهور لما هو أقل من الثلاثة أنه تام ؛ لاجتماع المبدأ والوسط ~~والمنتهى فيها ؛ والأصل فيه أنه لا شيء من الأعداد يمكن أن يكون تاما في ~~عدديته ؛ فإن كل عدد يوجد من آحاده ما ليس فيه ، بل إنما يكون تاما في ~~العشرية والتسعية مثلا ، وأما من حيث هو مبدأ ومنتهى فإنه يكون ناقصا من ~~حيث إنه ليس بينهما ما من شأنه أن يكون بينهما وهو الوسط ، وكذا إذا وجد ~~الواسطة مع أحد الطرفين خاصة ، ولا يمكن أن يكون مبدءان في العدد ليس ~~أحدهما وسطا يوجد (2) إلا بعددين (3)، وكذا المنتهى. # وعقد فصلا «في التام والناقص» في إلهيات الشفاء الفصل الثالث من المقالة ~~الرابعة : 389. وعبارات الرازي في المباحث 1 : 573 والمصنف في هذا الكتاب ~~مأخوذة منه ، فراجع. # وفي المعجم الفلسفي : «التام :) Complet (ما استكمل مقوماته. وعند ~~«ليبنتز» المعنى التام هو الذي يصور تماما وبدقة موضوعه الخاص» : 37. # فعلى هذا التعريف من التام لا يصح التمسك بقوله تعالى : ( وأتموا الحج ~~والعمرة لله ) (196 / البقرة) للحكم بوجوب الإتيان ببقية اعمال الحج ~~والعمرة إذا فسدا ، كما ذهب إليه كثير من الفقهاء ، فلا يجب انهاؤهما إلى ~~آخر الأعمال في صورة الفساد ؛ لأن كلمة ( أتموا ) ليست بمعنى انتهوا ، بل ~~بمعنى الإتيان بجميع الشرائط والمقومات. وبهذا التفسير وردت الروايات عن ~~الأئمة الأطهار عليهم السلام ، مثل ما رواه عمر بن أذينة قال : كتبت إلى أبي ~~عبد الله عليه السلام بمسائل ms0638 ... وسألته عن قول الله عز وجل : ( وأتموا الحج ~~والعمرة لله ) قال : يعني بتمامها أدائها واتقاء ما يتقي المحرم فيهما ... ~~الحديث ، الكافي 4 : 264 ؛ ومثله ما رواه زرارة عنه عليه السلام في تفسير ~~هذه الآية في تفسير العياشي. PageV02P370 # وأما الوسائط فقد تكثر إلا أنها تكون جملتها في أنها وسط كشيء واحد ، ثم ~~لا يكون للكثير حد توقف عنده ، فحصول المبدئية والنهاية والوسط ، نهاية ~~التمام ، وأقل عدد يوجد فيه ذلك الثلاثة. ### |||| ** الثاني : المقادير ، يقال إنها تامة ، كما يقال فلان تام القامة ، وإذا كانت تلك ~~أيضا محدودة ؛ لأن المقادير إنما تعرف بالتحديد الذي يلزمه التقدير. ### |||| ** الثالث : الكيفيات والقوى ، يقال لها تامة ، كما يقال فلان تام القوة وتام الحسن ~~وتام الخير. ### |||| ** الرابع : الحكماء يريدون بالتام هو أن تكون جميع كمالات الشيء حاصلة له بالفعل ، ~~وربما شرطوا في ذلك أن يكون وجوده وكمالات وجوده حاصلة له من نفسه لا من ~~غيره ، فإن كان الشيء كذلك ثم إنه يكون مبدأ لكمال غيره ، فهو فوق التمام ؛ ~~لأن منه الوجود الذي له وفضل ، عنه وجود غيره. وليس في الوجود شيء هو كذلك ~~إلا واجب الوجود. فالتام الذي هو فوق التمام هو واجب الوجود تعالى. أما ~~العقول التي يثبتونها ، فهي تامة بالتفسير الأول ، وغير تامة بالتفسير ~~الثاني ، فإن الممكنات معدومة في حد ذواتها. # وأما الذي دون التمام فهو قسمان : # المكتفي وهو : الذي أعطي ما به يتمكن من تحصيل كمالاته ، كالنفس الفلكية ~~(1). فإنها ابدا في اكتساب الكمالات ولا تصير كمالاتها بالكلية حاضرة. # والناقص وهو : الذي يحتاج إلى غيره يفيده الكمال ، كالأشياء التي في ~~الكون والفساد. PageV02P371 # ولا يشترط (1) في التمام إحاطته بكثرة بالقوة أو بالفعل ، كالباري تعالى ~~فإنه تام ولا كثرة فيه. وأما التمام في المقدورات والمعدودات ، فهما متحدان ~~في الموضوع (2) والفرق أنه بالقياس إلى الكثرة الموجودة المحصورة فيه كل ، ~~وبالقياس إلى ما لم يبق خارجا عنه تمام. PageV02P372 ### | البحث العاشر ### | في حل شكوك تتعلق بمداخلة أنواع ### ||| * من الكيف وغيره لأنواع المضاف # نقل الشيخ عمن تقدمه : أن هنا اعراضا كثيرة عدت في ms0639 الكيفيات ، وهي من ~~المضاف ، كالملكة والقوة والعلم. # وأجاب بأن هذه الأشياء ليست بذواتها من المضاف ، بل مما قد عرضت له ~~الإضافة ؛ لأن لها وجودا غير ما هي به مضافة. فإنها وإن كانت ماهياتها ~~مقولة بالقياس إلى غيرها ، فإنها لا يجب بذلك أن تكون من مقولة المضاف ، ~~فإن العلم لو كان لذاته يقال ماهيته بالقياس إلى غيره ، ولوجوده الذي يتقوم ~~به من كل وجه ، ولم تكن كيفية تلزمها إضافة ، فله (1) وجود أنه كيفية ، ~~ويلحقها وجود هو به مضاف ، لكان إذا حصل العلم وخصص أثر ذلك في تخصيصه كونه ~~مقول الماهية بالقياس. # لكن ليس الأمر كذلك فإن نوعيات العلم ، كالنحو ، لا يقال ماهياتها ~~بالقياس إلى غيرها في حد تخصصه ، بل من جهة معناه الأعم ، وهو كونه علما ، فلا PageV02P373 # يقال : النحو نحو بشيء ، بل يقال : إن النحو علم بشيء. فكما أن في الجوهر ~~لا يقال : هذا الرأس هو هذا الرأس لشيء ، بل يقال : هذا الرأس رأس لشيء. ~~ويستحيل أن يكون الجنس داخلا في مقولة ، وتكون أنواعه غير داخلة في تلك ~~المقولة. فإذا لم يكن النحو من المضاف فجنسه الذي هو العلم لا يكون منه. ~~إلا أنه يعرض له المضاف عروضا لازما ، لا على أنه نوع من المضاف. # ويمكن أن يدخل الشيء في مقولتين على وجهين بأن يكون في إحداهما بالذات ~~على أنه نوع منه ، وفي الأخرى بالعرض على أنه موضوع لمعروضه (1). أو على ~~أن يكون فيهما معا بالعرض ، ويكون نوعا لمقولة ثالثة. فلا يلتفت إلى ظن من ~~جوز أن يكون الشيء في جنس وأنواعه في جنس مباين له. فالنحو داخل تحت جنس ~~الكيف ، وتعرض له الإضافة من خارج كما عرضت لجنسه. # لا يقال : حكم النحو حكم العلم ، فإن النحو نحو بالقياس إلى شيء ، وهو ~~إعراب اللغة. # لأنا نقول : إعراب اللغة ليست ماهيته ، من حيث هو إعراب اللغة ، مقولة ~~بالقياس إلى النحو ، فكيف يكون النحو مضافا إليه والمتضايفان كل منهما مقول ~~بالقياس إلى الآخر؟ وإعراب اللغة إنما يقاس إلى النحو إذا كان معلوما ، فإن ms0640 ~~إعراب اللغة لو وجد ألف سنة (2) ولم يعلم ، لم تكن ماهيته مقولة بالقياس ~~إلى النحو. وإذا كان كذلك فمقابل المعلوم ، من حيث هو معلوم ، العلم أو ~~العالم من حيث هو عالم ، فلما لحق إعراب اللغة المعلوم فصار إعراب اللغة ~~معلومة ، صار بإزائه هيئة نفسانية ، هي علم. فالهيئة (3) النفسانية التي ~~علم ، جملتها مقولة PageV02P374 # بالقياس إلى هذه الجملة ، وإذا فصلت الهيئة والتفت إلى كونها ماهية (1) ~~ولم تلتفت إلى ما عرض لها من إضافة إلى خارج صار بها علما ، كان وجودا غير ~~مضاف. وكذلك إذا التفت إلى إعراب اللغة وفصلت عنه كونه مطابقا له هيئة ~~نفسانية حتى زال عنه أنه معلوم ، كان وجودا غير مضاف. وكذلك هذا الرأس ، ~~فإنه من حيث هو رأس ، مضاف إلى البدن من حيث هو ذو رأس ، فإذا اعتبر الجوهر ~~المشار إليه لم يجب أن يكون النظر إليه من حيث هو ، نظرا في أنه رأس ، كان ~~له وجود خاص ، وكذلك في جانب ذي الرأس. نعم الإضافة اللاحقة هناك ، لازمة ~~للهيئة التي في النفس ، وليست لازمة للرأس» (2). PageV02P375 ### ||| ** الفصل الثاني : ### | في الأين (1) # وفيه مباحث : ### ||| * البحث الأول # إن هنا جسما بالضرورة ، ولكل جسم مكان هو بعد شاغل له بالضرورة ، # الفارابي : «هو نسبة الجسم إلى مكانه» ، المنطقيات للفارابي 1 : 61. # ابن سينا : «نسبة المتمكن إلى المكان الذي هو فيه» ، الفصل الخامس من ~~المقالة السادسة من مقولات الشفاء. # بهمنيار : «هو كون الجوهر في مكانه الذي يكون فيه» ، التحصيل : 33. # الغزالي : «المراد به نسبة الجوهر إلى مكانه الذي هو فيه» ، معيار العلم ~~في المنطق : 235. # الجرجاني : «هو حالة تعرض للشيء بسبب حصوله في المكان» ، التعريفات : 60. # الآمدي : «الأين ؛ فعبارة عن حالة تحصل للجسم بسبب نسبته إلى مكانه» ، ~~المبين : 116. # الرازي : «هو عبارة عن حصول الشيء في مكانه» ، المباحث المشرقية 1 : 578. # التهانوى : «هيئة تحصل للجسم بالنسبة إلى مكانه الحقيقي ، أعني أنه ~~الهيئة المترتبة على الحصول في الحيز» كشاف اصطلاحات الفنون 1 : 99. PageV02P376 # فالأين ليس هو الجسم الحاصل في المكان ، ولا المكان المشغول بالجسم ، بل ~~هو حصول الجسم في مكانه. وهذا الحصول ليس ms0641 في نفسه نسبة ، بل أمر حقيقي تعرض ~~له النسبة ؛ فإن حصول الشيء في مكانه لو جرد عن النسبة لكان حصولا مطلقا ، ~~وليس ذلك إضافيا وإنما عرضت الإضافة ، أعني النسبة باعتبار جزء من النسبة ~~وهي خارجية ، فلهذا لم تكن مطلق النسبة جنسا. # قيل : إنه ليس عبارة عن نسبة الشيء إلى مكانه ، بل عن أمر وهيئة تتميز ~~بالنسبة إلى المكان. # واعترض عليه (1): بأن ذلك الأمر والهيئة إن لم يكن نسبيا كانت الأعراض ~~التي ليست نسبية أمورا زائدة على الكم والكيف ، وهو باطل. وإن كان نسبيا ، ~~فتلك النسبة ليست إلى شيء آخر ، بل هي النسبة إلى المكان بالحصول فيه ، وهو ~~المطلوب. # ولأن النسبة إلى المكان بالحصول فيه أمر معلوم ، فمن ادعى غيره وجب عليه ~~إفادة تصوره ، ثم إقامة الحجة على ثبوته. # وفيه نظر ، فإنا نمنع الحصر. # سلمنا ، لكن الأعراض التي ليست نسبة لا يشير بها إلى اعراض تلزمها النسبة ~~، فإن ما عدا الإضافة من السبعة أعراض تلزمها النسبة ، والنسبة إلى المكان ~~بالحصول فيه لو كان هو الأين نفسه لكان الجنس العالي متوسطا ، هذا خلف. PageV02P377 ### ||| * البحث الثاني (1) # الكون في المكان الذي هو عبارة عن الأين ليس هو الكون في الأعيان الذي هو ~~الوجود (2)، لوجوه : ### |||| ** الأول : الوجود مشترك بين الموجودات ، فلو كان هو الكون في المكان لكانت الموجودات ~~مشتركة فيه ، فتكون بأجمعها كائنة في المكان ، هذا خلف. # وفيه نظر (3)، فإن القائل بأن الأين هو الوجود لا يشير بذلك إلى أنهما ~~واحد ، بل إن الكون في المكان نوع مندرج تحت مطلق الكون في الأعيان ، ولا ~~شك أن الحصول في المكان أخص من مطلق الحصول ، ولا يقول عاقل : إن الكون في ~~المكان هو نفس الوجود مطلقا. نعم الكون المطلق ، أعني الوجود إذا أضيف إلى ~~النسبة المكانية كان أينا باعتبار هذه الإضافة. ### |||| ** الثاني : لو كان الكون في المكان هو الوجود لكان الكون في الزمان كذلك. فإما أن ~~يكونا شيئا واحدا ، أي وجودا واحدا منسوبا تارة إلى الزمان وتارة إلى ~~المكان ، أو وجودين منسوبين إليهما. والأول باطل ؛ لأن كل ms0642 واحد منهما مقولة ~~، فلو جعلناهما وجودا واحدا بالعدد لكانا مقولة واحدة لا مقولتين ، إلا أن يجعل PageV02P378 # الوجود داخلا في مفهومهما ، ويكون لكل منهما أمر زائد على نفس الوجود ، ~~وهو المعنى النسبي ، فيكون الوجود جنسا لهما ، فيكون هو المقولة دونها ، ~~وقد أبطلناه. وإن كانا وجودين ، لزم أن تكون للشيء الواحد وجودات كثيرة. # ثم اعترضوا عليه فقالوا : هذا بناء على أن كل واحد من الكونين ، أعني ~~الكون في المكان وفي الزمان ، معنى جنسي ، فلو كان الوجود داخلا في ~~حقيقتهما ، لزم كون الوجود جنسا ، وهذا غير مسلم ؛ فانهما ليسا بجنسين ، ~~فإن كل واحد منهما نفس الوجود عارضا له الإضافة إلى ما يضاف إليه ، فيكون ~~وجودا واحدا بعينه ينسب تارة إلى المكان وتارة إلى الزمان. وهذه النسبة لا ~~تقترن به اقتران الفصول المقومة لطبائع الأجناس ، بل اقتران العوارض. فإذن ~~الوجود الذي عرضت له النسبة إلى المكان هو الذي عرضت له النسبة إلى الزمان ~~، فلا يلزم أن تكون للشيء الواحد وجودات كثيرة. # والتحقيق أن للمتمكن في ذاته وجودا وله نسبة إلى المكان ، والمفهوم من ~~وجوده غير المفهوم من كونه في المكان أو في الزمان. # وأما الذي اختلفوا فيه أنه هل هو نفس الوجود في الأعيان أم لا؟ فإن عنوا ~~به تلك النسبة فلا ، بل هما متغايران. وإن عنوا به أمرا آخر وجب عليهم ~~إيضاحه حتى نعلم زيادته أم لا. ### |||| ** الثالث (1) ### |||| ** : الأين منه أول حقيقي ، وهو كون الشيء في مكانه الخاص به الذي لا يسعه معه ~~غيره ، كالماء في الكوز ؛ ومنه ما هو أين غير حقيقي ، مثل : كون زيد في ~~الدار ؛ ومعلوم أن زيدا لم يشغل جميع الدار بحيث يماس ظاهره جميع الجوانب ، ~~وأبعد منه البلد ، ثم الإقليم ، ثم المعمورة ، ثم الأرض ، ثم العالم. # ولا يمكن أن يتصف جسمان بأين واحد بالعدد والأين أول حقيقي ، PageV02P379 # ويكونان موصوفين بأين واحد بالعدد والأين ثان غير حقيقي ، كجسمين في الدار. # ونقل الشيخ عمن تقدمه : «أن الواحد من الأين قد يوجد فيه جواهر كثيرة ، ~~كعدة في السوق». ثم نسبه إلى ms0643 الغلط. # ثم نقل عن بعض الأحداث جوابا هو : «أنه ليس الأمر كذلك ، فإن الأين ~~الحقيقي لا يوجد فيه هذا المعنى ؛ وأما الأين الغير الحقيقي ، كالكون في ~~السوق فليس هو نفس السوق ، فإنه وإن كان لا بد من أن يكون السوق مكانا ~~ثابتا مشتركا فيه ، فليس الأين هو السوق ، بل كون زيد في السوق هو الأين ، ~~وهو صفة لزيد بها زيد كائن في السوق ، وليس بها بعينها عمرو كائنا في السوق ~~، وإن كان السوق واحدا فنسبة زيد إليه ، من حيث هو زيد ، غير نسبة عمرو ~~غيرية بالعدد ، وهذا كالبياض ، فإنه وإن كان متحدا بالنوع لكنه متكثر ~~بالعدد. # ثم إن بعض المتحذلقين لم يرض بهذا الجواب ، وأعان المتقدم فقال : ليس حال ~~الأين كحال البياض ، فإن البياض الذي في زيد إذا عدم ، لم يجب أن يعدم الذي ~~في عمرو ، وأما السوق فيكون واحدا للجماعة وحسب أنه عمل شيئا ، إذ أرانا أن ~~السوق واحد ، فإن كان السوق هو الأين كان السوق كونا في المكان لا مكانا ما ~~، فكان الشيء إذا سئل عنه أين هو؟ يصلح أن يقال : سوق ، لا أن يقال : في ~~السوق. فإن كان الأين هو كونه في السوق، فزيد يبطل عنه (1) كونه في السوق ، ~~وإن لم يبطل كون عمرو في السوق ، فهو كالبياض أيضا» (2). ### |||| ** الرابع : من الأين ما هو جنسي وهو الكون في المكان ؛ ومنه نوعي وهو الكون في الهواء ~~؛ ومنه شخصي ككون هذا الشخص في هذا الوقت في مكانه الحقيقي ، أو كون هذا ~~الشيء في هذا الوقت في الهواء ، وهو مكان ثان (3). PageV02P380 ### |||| ** الخامس : قيل : لكل أين شخصي في مكان حقيقي ، علة هي صفة قائمة بالمتمكن. # وذلك باطل ؛ لأن تلك الصفة إن أمكن حصولها في المتمكن عند ما لا يكون ~~المتمكن في المكان الحقيقي المعين ، لم تكن تلك الصفة علة لذلك الحصول ~~الشخصي في ذلك المكان المعين ، لما ستعرف أن العلة لا تنفك عن معلولها. وإن ~~لم يمكن فحينئذ يتوقف حصول تلك الصفة في ذلك المتمكن على حصوله في ذلك ~~المعين ، فلو ms0644 توقف حصوله في ذلك المكان المعين على حصول تلك الصفة فيه ، دار. ### |||| ** السادس : الأين جنس لأنواع ؛ فإن الكون فوق أين ، والكون تحت أين ، والكون في الهواء ~~أين ، والكون في الماء أين. ومنه نوع (1). # وفيه تضاد ، كما في غيره من المقولات فإن الكون الذي عند المحيط يقابل ~~الكون في المكان الذي عند المركز ؛ لأنهما أمران وجوديان لا يجتمعان و (2) ~~يتعاقبان على موضوع واحد وبينهما غاية الخلاف ، فوجد حد التضاد فيهما فكانا ~~متضادين. ### |||| ** السابع : في كيفية قبوله للأشد والأضعف. # اعلم أن الأين لا يقبل الأشد والأضعف في جنسه ، لاستحالة أن يكون حصول ~~الجسم في مكانه أشد (3) من حصول جسم آخر في مكانه ؛ لأن مفهوم الحصول في ~~المكان لا يقبل التفاوت ، بل قد يقبل الأشد في طبيعة نوعية ؛ لأن الأينين ~~كليهما تجدهما فوقان ، وأحدهما أقرب إلى الحد الفوقاني الذي هو المحيط ، ~~فهو أشد فوقية من الآخر. وعند هذا يظهر أن الأشد والأضعف لم يتطرق إلى نفس PageV02P381 # الأين أصلا ، بل إلى إضافة عارضة له ، وهو كونه فوقا أو سفلا. # قال الشيخ : «وإذ قد يصار من أحد الضدين في الأين إلى الآخر قليلا قليلا ~~ويكون المصيران متضادين ، ويكون هناك أين متوسط بينهما ، وأيون أقرب من ~~الطرف الفوقاني في حد الفوقية ، وأقرب (1) من الجهة الأخرى بالخلاف ، فيكون ~~في طبيعة الأين من جهته ، لا من جهة جنسه (2)، بل من حيث خواص نوعية ؛ ~~وإضافتها أيضا أن تقبل الأشد والأضعف ، فإن أينين كلاهما فوقان وأحدهما أشد ~~فوقية ، فعلى هذه الجملة يمكن أن يقع فيها الأشد والأضعف. # وأما الكون فوق مطلقا ، أو تحت مطلقا ، والكون في أي حد شئت مطلقا ، ~~والكون في المكان مطلقا فلا يقبل ذلك أشد وأضعف. وفي الكيفية أيضا فإن ~~السواد الحق لا يقبل أشد وأضعف ، بل الشيء الذي هو سواد بالقياس عند شيء هو ~~بياض بالقياس إلى آخر. وكل جزء من السواد يفرض فلا يقبل الأشد والأضعف في ~~حق نفسه ، وتحقيقه في غير هذا الموضع» (3). PageV02P382 ### ||| ** الفصل الثالث : ### | في متى (1) # نسبة متى إلى الزمان كنسبة الأين إلى ms0645 المكان ، فكما كان الأين عبارة عن ~~حصول الشيء في مكانه ، كذا متى عبارة عن حصول الشيء في زمانه أو طرفه (2)؛ ~~فإن كثيرا من الأشياء تقع في طرف الأزمنة (3) ولا تقع في الأزمنة وهي ~~الحوادث القارة الوجود مع أنه يسأل عنها بمتى. # وقال بهمنيار : «وأما متى ، فهو كون الشيء في الزمان أو في الآن» ، ~~التحصيل : 414. # وقال الغزالي : «هو نسبة الشيء إلى الزمان المحدود الذي يساوق وجوده ، ~~وتنطبق نهاياته على نهاية وجوده أو زمان محدود يكون هذا الزمان جزءا منه» ، ~~معيار العلم في المنطق : 235. # وقال الرازي : «إنه عبارة عن كون الشيء في الزمان أو في طرفه» ، المباحث ~~المشرقية 1 : 581. # وقال الجرجاني : «هي حالة تعرض للشيء بسبب الحصول في الزمان» ، التعريفات : 257. # وقال الآمدي : «وأما متى ؛ فعبارة عن حالة تحصل للجسم بسبب نسبته إلى ~~زمانه» ، المبين : 116. PageV02P383 # ثم إن منه ما هو حقيقي ، وهو الذي يطابق كون الشيء ولا يفضل عنه ؛ ومنه ~~ما هو ثان غير حقيقي ، وهو الفاضل عن الشيء ، كما قلنا في الأين. لكن فرق ~~بينهما فإن الأين الحقيقي لا يمكن أن يحصل فيه اثنان ، والمتى الحقيقي تحصل ~~فيه أشياء لا تنحصر. # قال الشيخ : «وقد هول فاضل المتأخرين (1) في «العبارة» (2) عن «المتى ~~الخاص» تهويلا مفرطا ، فقال : إن متى نسبة الشيء إلى الزمان الذي يساوق ~~وجوده وتنطبق نهايتاه على نهايتي وجوده ، أو زمان محدود ، هذا الزمان جزء منه. # وذلك أنه ذكر نهايتي وجوده ، فإما أن يعنى به نهايتي مقداره ، أو نهايتي ~~حركته ، أو نهايتي زمان وجوده ، أو نهايتي متاه ونسبته إلى زمانه ، فإن عنى ~~نهايتي مقداره فليس ينطبق عليهما نهايتا زمانه ؛ وإن عنى نهايتي حركته فخص ~~بذلك المتحرك المتصل الحركة أو الحركة نفسها ، وليس الغرض متجها إلى هذا ~~وحده ؛ وإن عنى نهايتي زمان وجوده كان وجوده فيه حاصلا ، فلا ينطبق عليهما ~~نهايتا زمانه بل هما هما ؛ وأما نهايتا النسبة فيمكن أن يجعل له وجه تأويل ~~، فيقال : إن معناه أن متاه نسبة (3) إلى زمان تنطبق نهايتاه على نسبتين له ~~إلى نهايتي هذا الزمان ، PageV02P384 # ثم لا ms0646 نسبة له قبل أولاها ولا بعد أخراها إليه» (1). # قال الشيخ : «واعلم أنه كما لم تكن الإضافة معنى مركبا يوجب تركيبه ~~ترديدها بين شيئين إن لم يكونا جزءين منها ، كانا أمرين آخرين خارجين عنها ~~هي تتعلق بهما ، كذلك # الأين ومتى لا يجب أن يظن فيهما تركيب بسبب أن لكل واحد منهما نسبة إلى ~~شيء ؛ فإن النسبة ليست المنسوب ولا المنسوب إليه جزءا منها حتى تكون الجملة ~~هي النسبة ، فتكون النسبة حينئذ جزءا لذاتها ، إذ الجملة تحصيل جملة من ~~أشياء ومن الجمع نفسه ، فيكون الجمع كالصورة وهما كالمادة ، والمجموع ~~كالمركب ، والجمع جزءا من المركب كالصورة ، وإذ هذا محال فليس الأين ولا ~~متى مركبا» (2). PageV02P385 ### ||| ** الفصل الرابع : ### | في الوضع (1) # وفيه مباحث : # وعرفه ابن سينا بقوله : «هو نسبة أجزاء جملة الشيء بعضها إلى بعض ، ~~مأخوذة مع نسبتها إلى الجهات الخارجة عنها : كانت تلك الجهات حاوية أو ~~محوية» ، التعليقات : 43. # وقال تلميذه بهمنيار : «وهو كون الجسم بحيث يكون لأجزائه بعضها إلى بعض ~~نسبة في الانحراف والموازاة والجهات وأجزاء المكان ، مثل القيام والقعود. ~~وبالجملة هو كون الجسم بحيث يكون لأجزائه نسبة إلى حاويه ومحويه. وبعبارة ~~أخرى : الوضع هيئة كون الشيء ذا نسبة لبعضه إلى بعض في الجهات المختلفة. ~~وتلك النسبة للأجزاء إضافة ، ووضع للكل» ، التحصيل : 33 34. # وقال في موضع آخر : «هو كون الشيء ذا نسبة لبعضه إلى بعض في الجهات ~~المختلفة» ، التحصيل : 415. # وتعريف الغزالي قريب من تعريف بهمنيار ، فراجع معيار العلم : 236. # وقال الجرجاني : «هو هيئة عارضة للشيء بسبب نسبتين : نسبة أجزاء بعضها ~~إلى بعض ، ونسبة أجزائه إلى الأمور الخارجية عنه ، كالقيام والقعود ، فإن ~~كلا منهما هيئة عارضة للشخص بسبب نسبة أعضائه بعضها إلى بعض ، وإلى الأمور ~~الخارجية عنه» ، التعريفات : 327. # قال ابن باجة : «ومقولة الوضع ضرورية ؛ فان كل ما هو في مكان فله بالطبع ~~موضع في مكانه ، فذلك الوضع في مكانه يكمل وجوده» ، المنطقيات للفارابي 3 : 123. # وانظر أيضا : كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد : 109 ؛ مناهج اليقين : ~~147 ؛ شرح المقاصد 2 : 470. PageV02P386 ### | البحث الأول ### | في ماهيته # لفظ الوضع يطلق على ms0647 معان بالاشتراك (1): أحدها المقولة ، وهي : هيئة ~~تحصل للجسم بسبب نسبة أجزائه بعضها إلى بعض نسبة لأجلها تتخالف الأجزاء ~~بالقياس إلى الجهات في الموازاة والانحراف. فلا يتحقق إلا بنسبتين احداهما ~~بالقياس إلى أجزاء ذي الوضع أنفسها ، والثانية بالقياس إلى الأمور الخارجة ~~عنه ، كالقيام ؛ فإن القائم لا بد له من نسبة خاصة لأجزائه بعضها إلى بعض ~~كالمحاذات مثلا بينها ، ونسبة خارجية ، وهي كون رأس القائم من فوق ورجله من ~~أسفل ؛ إذ لو لا هذه النسبة لكان الانتكاس قياما وليس كذلك. فعرفنا أن ~~النسبة الأولى غير كافية ولا النسبة الثانية ، بل مجموعهما ، وكذا القعود ~~والاستلقاء والانبطاح. PageV02P387 ### ||| * البحث الثاني # قال الشيخ : «وفي الوضع تضاد كالقيام والانتكاس ، فانهما معنيان وجوديان ~~ويتعاقبان على موضوع واحد وبينهما غاية الخلاف ، فإن الهيئة الحادثة من وضع ~~كالقيام تصير الأجزاء كالرأس لها إلى جهات كالفوق مضادة لجهات أخرى كالتحت. ~~وذلك إذا كانت الأجزاء لا تتخالف بالعدد فقط بل بالطبع. ومثال هذا : أن ~~المكعب الذي له ست جهات ، لا اختلاف فيه إذا وضع وضعا حتى صار هذا السطح ~~منه فوقا ، وهذا يمينا وهذا شمالا ، ثم غير حتى صار هذا الذي هو «فوق» هو ~~«تحت» والذي هو «تحت» هو «فوق» ، فإن حال جملة الموضوع في تناسب سائر ~~أجزائه واحدة بالعدد ، ووضعه لا يخالف الوضع الأول بالنوع بل هو كما كان ، ~~لكن هذا الوضع مخالف لذلك الوضع بالعدد، وأما هيئة الجملة فمحفوظة ولا ~~يتخالف الوضعان بالحد ، بل بالتخصص الجزئي ، وذلك لأن الجهات هي التي كانت ~~بأعيانها ، والأجزاء والأطراف التي تليها هي مثل التي كانت لا تخالفها ~~بأنواعها ، بل بأعدادها. # وأما لو كان بدل المكعب المتشابه الأضلاع شجرة أو إنسان ، فنصبا على ~~ساقيهما ثم قلبا ونكسا ، فإن حد الأمرين مختلف ؛ فإن حد الأول وضع وهيئة ~~حاصلة للشيء من حصوله (1) ساقه كذا وحصول رأسه كذا ، وحد الثاني مخالف PageV02P388 # لذلك ، لا بسبب أن الساق والرأس إنما يتخالفان بالعدد فقط بل هما ~~متخالفان أيضا في المعنى والطبيعة ، فإذا كان الحدان اثنين متخالفين ~~وبينهما غاية الخلاف وموضوعهما واحد ms0648 ، فهما متضادان. وأما هنالك فإنها كانت ~~(1) تتخالف الخصوصية الجزئية دون الحدود ، إذ كان سطح ما منه «فوق» فصار ~~«تحت» ، وصار الآخر «فوق». وذلك السطح إنما يغاير السطح الآخر بالعدد ~~مغايرة ليست في حدين ، والأضداد هي التي لها طبائع متباينة وحدودها متخالفة ~~، وتتخالف بالنوعية لا بالشخصية. وكما أن الجسم لا يجتمع فيه البياض الحادث ~~أمس ، من حيث هو ذلك البياض الأمسي ، والبياض الحادث اليوم ، من حيث هو هذا ~~البياض ، وهما يتعاقبان على موضوع [واحد] (2) وليسا يتضادان ، إذ ليس ~~بينهما غاية الخلاف ، ولا خلاف بأمر داخل في اللونية ، فكذلك ؛ وإن كان لا ~~يجتمع فيه ذلك الوضع الشخصي (3) ويتعاقبان فيه ، فليسا بمتضادين ، إذ ليس ~~بينهما غاية الخلاف في الطبع وفي حقيقة الوضع» (4). # وفيه نظر ، فإن الوضع متضاد بالاعتبار تضاد النسب ، لا باعتبار اختلاف ~~أحد المضافين ، كما أن الحركات تتضاد بتضاد المقصد وإن اتحد الموضوعان ~~بالنوع ، فكذا الوضع فانه لا مدخل لموضوع الوضع اختلافا واتفاقا في اختلاف ~~هيئة الوضع واتفاقها. PageV02P389 ### ||| * البحث الثالث # الوضع قابل للشدة والضعف ، فإن الشيء قد يكون أشد انتصابا أو انتكاسا من ~~غيره. وبالجملة ، فانه يقبل الشدة والضعف على نحو قبول الأين ، ولا يقبله ~~على نحو لا قبول الأين. # ولأن قولنا : «قيام وجلوس» قد يقال على الحركة إلى حصول هذا الوضع ، ~~ويقال على الهيئة الحاصلة. # فاعلم أن القيام الذي من الوضع هو القار منهما ، لا حالة «أن يقوم» (1). PageV02P390 ### ||| ** الفصل الخامس : ### | في الملك (1) # سألت شيخنا أفضل المحققين نصير الملة والحق والدين قدس الله روحه عن هذه ~~المقولة. وقول الشيخ في الشفاء : «إنه لم يتفق لي إلى هذه الغاية فهمها (2) ~~؛ ولا أحد الأمور التي تجعل كالأنواع لها أنواعا لها ، بل يقال عليها ~~باشتراك من # راجع تلخيص المقولات لابن رشد : 153 ؛ معيار العلم : 237 ؛ المباحث ~~المشرقية 1 : 582 ؛ كشف الفوائد : 110 ؛ مناهج اليقين : 147 ؛ شرح المقاصد ~~2 : 471 ؛ الأسفار 4 : 223. # وعرفها الفارابي بقوله : «هو نسبة الجسم إلى الجسم المنطبق ، على بسيطه ~~أو على جزء منه ، إذا كان المنطبق ينتقل بانتقال المحاط به» ، المنطقيات ~~للفارابي ms0649 1 : 63. # قال ابن باجة : «ومقولة «له» نسبة الجسم إلى الجسم المنطبق عليه ، وهو ~~ضروري في وجود الجسم على أحسن أحواله وحفظه ودفع الآفات عليه» ، نفس المصدر ~~3 : 123. # قال الآمدي : «الملك ؛ فعبارة عن ما يحصل للجسم بسبب نسبته إلى ما له ، ~~أو لبعضه ، ينتقل بانتقاله ، كالتختم والتقمص» ، المبين : 117. # وقال المصنف : «ولخفائها عبر المتقدمون عنها بعبارات مختلفة كالجدة ~~والملك وله» ، كشف المراد : 277. PageV02P391 # الاسم أو تشابه ، وكما يقال : الشيء من الشيء ، والشيء في الشيء ، والشيء ~~على الشيء ، والشيء مع الشيء ؛ ولا اعلم شيئا تكون مقولة الجدة جنسا لتلك ~~الجزئيات ، لا يوجب مثله في هذه المذكورة. ويشبه أن يكون غيري يعلم ذلك ، ~~فليتأمل هناك من كتبهم. # ثم إن زيف بعضها من أن يكون أنواعا ، وجعل تواطؤ هذه المقولة بالقياس إلى ~~بعضها دون بعض ، وجعل الاشتراك في اسمها بالقياس إلى الجملة أو الآخرين ، ~~وعنى به أنه نسبة إلى تلاصق (1) ينتقل بانتقال ما هو منسوب إليه ، فليكن ~~كالتسلح والتنعل والتزين ولبس القميص ، وليكن منه جزئي ومنه كلي ، ومنه ~~ذاتي كحال الهرة عند إهابها ، ومنه عرضي كحال الإنسان عند قميصه. # ولنفصل هذا المبهم (2) من المقولات العشر إلى ما اوثر أن نفصل إليه ، ~~ففيه مجال» (3). # فقال ، ونعم ما قال : تحقيق هذه المقولة أن يقال : «كون الشيء للشيء» أمر ~~معقول ثابت مغاير للشيئين متحقق في نفس الأمر ، إذ قد يكون الشيء ولا تثبت ~~له هذه الإضافة ، ثم إنها تتجدد عليه ، فقبل التجدد لم يكن شيء غير العدم ~~ونفس ذلك الشيء ، وبعد التجدد حصل زائد ، فكان المرجع به إلى الثبوت دون ~~الانتفاء. ثم ذلك المتجدد أمر كلي ، فإنه قد يصدق ثبوت الجوهر للجوهر ، كما ~~نقول : زيد [له] (4) مال ، وقد يصدق ثبوت العرض للجوهر وبالعكس. والعلة ~~يثبت لها معلولها وبالعكس. وبالجملة فأنواع هذا الحصول متعددة متكثرة ، ~~فيجب أن PageV02P392 # تدخل هذه الأنواع تحت الكلي الذي يصدق عليها ، فلتكن هذه المقولة. ولما ~~طلب الأوائل إيضاحها وضعوا لها ألفاظا ثلاثة : الملك والجدة ، وله. # والذي جعله الشيخ بإزائها أخص من مفهومها ، فإنه خصصها بنسبة الجسم ms0650 إلى ~~حامله أو لبعضه ، وليس ذلك واجبا في هذه المقولة. ثم شرط فيه أن ينتقل ~~بانتقاله ، كالتسلح والتقمص والتنعل والتختم ، واحترز بذلك عن البيت الحاوي ~~للساكن فيه ، وليس ذلك أيضا شرطا في هذه المقولة. PageV02P393 ### ||| ** الفصل السادس : ### | في مقولتي : أن يفعل ، وأن ينفعل # وفيه مباحث : ### | البحث الأول ### | في ماهيتهما # قال الشيخ : «هاتان المقولتان توهم (1) في تصورهما (2) هيئة توجد في ~~الشيء لا يكون الشيء قبلها ولا بعد [ها] (3) البتة في الحد الذي يكون معها ~~من الكيف أو الكم أو الأين أو الوضع ، بل لا يزال يفارق على اتصال (4) بها ~~الشيء شيئا ، ويتوجه إلى شيء ما دامت موجودة ، كالتسود ما دام الشيء يتسود ~~، والتبيض ما دام الشيء يتبيض ، والحركة من مكان إلى مكان ، فالشيء الذي ~~فيه هذه الهيئة على اتصالها ، فهو منفعل وحاله هي أن ينفعل ، والشيء الذي ~~منه هذه الهيئة على PageV02P394 # اتصالها ، فهو من حيث هو ، منسوب إليها فحاله هي أن يفعل» (1). # والحاصل من كلامه أن مقولة أن يفعل : تأثير الشيء في غيره أثرا غير قار ~~الذات ، فحاله ما دام يؤثر هي أن يفعل ، كالتسخين ما دام المسخن يسخن ، ~~والقطع ما دام القاطع يقطع. ومقولة أن ينفعل : تأثير الشيء في غيره ما دام ~~التأثر ، كالتسخن والتبرد والتقطع. # وإنما اختير لهما «أن يفعل» و «أن ينفعل» دون الفعل والانفعال تنبيها على ~~اعتبار السلوك في المقولتين ، فإذا انقطع لم يصدقا ، بخلاف الفعل والانفعال ~~اللذين يقالان للحاصل المستكمل الذي انقطعت الحركة عنه ، كما إذا اشتدت ~~السخونة والقطع ووقفت الحركة ، فإنه يقال : هذا القطع ثابت وهذه السخونة ~~حاصلة ، ولا يقال : فيهما حالة الاستقرار هو ذا يتسخن أو ينقطع. وكذلك ~~القيام الذي هو النهوض ، والجلوس الذي هو المصير إلى الأمر الذي يشتد فيسمى ~~جلوسا هما من هذه المقولة. وأما هيئة القيام المستقرة ، وهيئة الجلوس ~~المستقرة ، فمن باب الوضع ، كما أن السخونة من باب الكيف ، وهيئة الاستقرار ~~في المكان هو من الأين. أما هذه المقولة ، هي ما كان توجها إلى إحدى هذه ~~الغايات غير مستقر من حيث هو ms0651 كذلك. لكن قد يصدق الفعل والانفعال حالة ~~السلوك أيضا ، فكان الأول أخص ، فلهذا وضعتا له دون المصدر. # أنظر أيضا التحصيل : 417 ؛ معيار العلم : 238 ؛ كشف الفوائد : 110 111. PageV02P395 ### | البحث الثاني ### | في عروض التضاد فيهما (1) # إن التضاد قد يعرض في هاتين المقولتين ، كما يعرض في ما عداهما ، فكما أن ~~البياض ضد السواد كذا التبيض ضد التسود ، فانه يستحيل أن يكون الشيء حالة ~~طلبه للبياض يطلب السواد لامتناع اجتماعهما فامتنع اجتماع طلبهما ، وهما ~~معنيان ثبوتيان متعاقبان على موضوع واحد وبينهما غاية التباعد ، فكانا ضدين. PageV02P396 ### ||| * البحث الثالث (1) # إنه قد يعرض فيهما اشتداد وتنقص ، لا من جهة القرب إلى الطرف الذي هو ~~السواد، فإن القريب من ذلك ، وهو [حد] (2) مبلوغ إليه من ذلك السواد ، بل ~~(3) بالقياس إلى الاسوداد الذي هو سكون (4) في السواد. وفرق بين الاسوداد ، ~~أعني الحاصل القار ، وبين السواد ، فإن الاسوداد يعقل على أنه غاية حركة ، ~~وأما السواد فلا يحتاج في تعقله سوادا إلى تعقل حركة إليه ؛ فإن من ~~الاسوداد الذي هو السلوك ما هو أقرب إلى الاسوداد الذي هو غاية السلوك من ~~اسوداد آخر. وكذلك قد يكون بعضه أسرع وصولا إلى الغاية من بعض. وهذا ~~الاشتداد والتنقص ليس بالقياس إلى السواد ، بل إلى الاسوداد الذي هو عبارة ~~عن الحركة إلى السواد ، ولا شك في أن السلوك إلى السواد غير السواد. PageV02P397 ### ||| * البحث الرابع (1) # بعض الناس خصص هاتين المقولتين بالتغير بالكيف خاصة ، فقال : هذه المقولة ~~يجب أن تكون تغيرا في الكيف فقط. وأما العام لها ولغيرها فمن الأمور التي ~~تقع في مقولات كثيرة. وبعضهم يجوز أن تكون جامعة للأنواع كلها بمعنى واحد. ~~وتحقيق ذلك غير لائق هنا. PageV02P398 ### | خاتمة # تشتمل على بحثين : ### | البحث الأول ### | في حصر المقولات (1) # وقد ادعي في هذا المبحث أمران لا يصح شيء منهما ، وإليك تفصيلهما : # الأمر الأول : قيل : «لم ينص أرسطو صراحة على عدد مقولاته ، بل عرض لها ~~في مناسبات مختلفة ذاكرا بعضها ومهملا بعضها الآخر ، ولم يصل بها إلى عشر ~~إلا في كتابي «المقولات» و «الجدل». ولكن تلاميذه وأتباعه اعتبروا ms0652 هذا الرقم ~~مقدسا وذادوا عنه بكل قواهم» ، مقدمة دكتور إبراهيم المذكور على مقولات ~~منطق الشفاء. # أقول : إن أرسطو لم ينص على عدد المقولات في كتابه «المقولات» ، ولكنه ~~صرح به في كتابه «الجدل» حيث قال : «وبعد هذه الأشياء ينبغي أن نحد أجناس ~~المقولات ... فنقول : إن عدتها عشرة : ما هو الشيء ؛ والكم ؛ والكيف ؛ ~~والمضاف ؛ وأين ؛ ومتى ؛ والنصبة ؛ وله ؛ ويفعل ؛ وينفعل. وذلك أن العرض ~~والجنس والخاصة والحد أبدا في واحد من هذه العشر مقولات يوجد ... فهذه هي ~~الأشياء التي فيها ومنها الأقاويل ، وهذه عدتها» ، منطق أرسطو 2 : 502. PageV02P399 # قد ذكرنا فيما سلف (1): أنه لا دليل على ذلك سوى الاستقراء الذي ليس ~~بتام ، مع أن الشيخ تكلف كلاما طويلا رام به الدلالة عليه. # فقال : «إنا بينا انحصار الممكنات في الجواهر والأعراض ، فإذا بينا ~~انحصار الأعراض في التسعة حصل المطلوب. والذي يدل عليه أن العرض إما أن يحتاج # الأمر الثاني : # قيل : «يتفق فلاسفة الإسلام جميعا مع ابن سينا في الأخذ بهذا العدد ~~والدفاع عنه ... وابن سينا في إخلاصه لأرسطو يرعى هذه القداسة ويدافع عنها» ~~، نفس المصدر للدكتور إبراهيم المذكور. # أقول : هذه النسبة إلى جميع فلاسفة الإسلام أيضا غير صحيحة ، فلنذكر ~~نماذج من مخالفتهم لحصر المقولات في عشر : # 1. يذكر ابن سينا هذا العدد في بعض المواضع من الشفاء مماشاة وعلى سبيل ~~التقريب وقد صرح برأيه النهائي في موضع منه وقال : «وأما نحن فلا نتشدد كل ~~التشدد في حفظ القانون المشهور من أن الأجناس عشرة الخ» ، الفصل الثاني من ~~المقالة الثانية من الفن الأول من طبيعيات الشفاء : 42. والتكلف الذي نقله ~~المصنف عن الشيخ لاثبات عدد العشر للمقولات ، قد اعترف الشيخ برداءته وضعفه ~~، حيث قال : «فهذا ضرب من التقريب متكلف لا أضمن صحته» ، الفصل الخامس من ~~المقالة الثانية من مقولات منطق الشفاء 1 : 86. # 2. يعتقد الغزالي ان هذا العدد مزعوم المنطقيين حيث قال : «والأجناس ~~العالية التي هي أعلى الأجناس زعم المنطقيون انها عشرة» ، معيار العلم في ~~المنطق : 77. # 3. ومنهم من جعلها أربعا ووافقهم عمر بن سهلان الساوجي صاحب البصائر. على ~~ذلك ms0653 راجع المطارحات : 278. # 4. وجعلها شيخ الاشراق خمسة وقال : «... فانحصرت الأمهات من المقولات في ~~خمسة» التلويحات : 11. # 5. وأنهاها ميرداماد إلى مقولتين هما الجوهر والعرض ، القبسات : 40. # 6. قال المصنف : «وبالجملة فالحصر لم يقم عليه برهان» ، كشف المراد : 202. PageV02P400 # في تصوره إلى تصور شيء خارج عن موضوعه أو لا يحتاج. فإن كان لا يحتاج ، ~~فإما أن يكون حصوله بسبب حصول أجزائه أو لا يكون ، فالأول [هو الوضع] (1). ~~والثاني لا يخلو إما أن يوجب ذلك العرض استعداد قبول الانقسام أو لا يوجب ، ~~فالأول هو : «الكم» والثاني هو : «الكيف». فإنا لا نعني بالكيف إلا العرض ~~الذي لا يحتاج تصوره إلى تصور شيء خارج عن موضوعه ولا يقتضي وقوع نسبة ولا ~~قسمة في حامله. وأما العرض الذي يحتاج تصوره إلى تصور شيء خارج عن موضوعه ~~فلا بد وأن تكون له نسبة إلى ذلك الخارج ، فتلك النسبة إما أن تكون بحيث ~~يكون ذلك الخارج أيضا نسبة إليه ، وهذا هو : «المضاف» وإما أن تكون النسبة ~~لا تقتضي ذلك ، فنقول : تلك النسبة إما أن تكون إلى الجواهر أو إلى ~~الأعراض. لا جائز أن تكون إلى الجواهر ، فانها لأنفسها لا تستحق أن تجعل ~~لها أو إليها نسبة ، بل إنما تستحق لأمور وأحوال تختص بها. فإذن تلك النسبة ~~إنما تكون إلى الأعراض ، فتلك الأعراض إما أن تكون من الأعراض النسبية أو ~~لا تكون ، فإن كانت النسبة إلى الأعراض ، فإن النسبة إلى النسبة تتأدى في ~~آخرها إلى شيء غير نسبي حتى لا يتسلسل ، فتكون النسبة بالحقيقة إنما هي إلى ~~أعراض غير نسبية ، فتكون إما إلى كمية أو إلى كيفية أو وضع. ثم إن الأشياء ~~لا تنسب إلى الكميات كيف اتفق بل إن نسبت إليها فذلك أن تجعل جوهر مكمم ~~مقدر لجواهر أخر ، وإنما يقدر ذلك الآخر إما بمقدار ذاته أو بمقدار صفة من ~~صفاته ؛ وقد دل الدليل على أنه ليس لشيء من صفات الجسم مقدار غير مقدار ~~الجسم إلا للحركة ، فإن كان الجسم المتقدر بقدر غيره بمقدار ذاته ، فذلك ~~بأن يكون حاويا PageV02P401 # له أو محويا فيه ms0654 ، فإن كان بقدر غيره بمقدار حركته ، فذلك هو التقدير ~~بالزمان. فإذن النسبة إلى الكم إما أن تكون نسبة إلى الحاوي أو إلى الزمان. ~~فإن كان نسبة إلى الحاوي ، فإما أن تكون نسبة إلى الحاوي الذي لا ينتقل ~~بانتقاله ، وهو : «الأين» ، أو إلى الحاوي الذي ينتقل بانتقاله ، وهو ~~«الملك». وأما النسبة إلى الزمان ، فهو : «المتى». فثبت أن المقولات ~~النسبية منبعثة (1) من النسبة إلى الكيفية. # واعلم أنه ليس كل كيفية تجعل الجوهر منسوبا إلى جواهر أخر ، بل كل (2) ~~كيفية تكون من هذا في ذلك ومن ذلك في هذا ، نسبتها أقر. وإذا كان كذلك فحال ~~الذي تكون فيه الكيفية هو مقولة : «أن ينفعل» ، وحال الذي تكون منه الكيفية ~~هو مقولة : «أن يفعل» (3). # وهذا الكلام على طوله لا يسمن ولا يغني من جوع ، وقد اعترف بضعفه ~~ورداءته. PageV02P402 ### | البحث الثاني ### | في أن الأعراض النسبية ### ||| * هل هي وجودية أم لا؟ # قد مضى البحث في الإضافة (1)، وأنها هل هي ثبوتية أم لا؟ بقي الكلام في ~~ما عداها. فالمتكلمون نفوها إلا الأين ، فإنه باتفاق المتكلمين والحكماء ~~أمر ثبوتي ، والحكماء أثبتوا الجميع. # احتج المتكلمون على نفي متى بأنه لو كان ثابتا لكان له متى ؛ لأنه يكون ~~أيضا واقعا في ذلك الزمان ، إذ لا وجود لتلك النسبة قبل ذلك الزمان ولا ~~بعده بل فيه ، فتكون لها نسبة بالحصول فيه أخرى ، ويتسلسل (2). # قال أفضل المحققين : «نسبة الشيء إلى الزمان كنسبته إلى المكان ، ونسبته ~~إلى المكان عند المتكلم ثبوتية. وأما النسبة فتلحقهما بعد ثبوتهما» (3). # وفيه نظر ، فإن النسب تختلف باختلاف المنسوب إليه فلا يجب التماثل. PageV02P403 # وأيضا الزمان عند المتكلمين ليس أمرا حقيقيا ، بل هو راجع إلى النسب ~~المعقولة. # وأما الوضع ، فإن عني به ما لكل واحد من أجزاء الجسم من الأين ومماسة ~~الغير ، فلا نزاع في ثبوته ؛ لكنهم لم يقصدوا به ذلك. وإن عنى به أمر وراء ~~ذلك قائم بمجموع الأجزاء ، فهو محال ؛ لأن تلك الهيئة إما أن تكون واحدة في ~~نفسها فيلزم من قيامها بالجسم ذي الأجزاء الكثيرة قيام العرض الواحد ms0655 ~~بالمحال الكثيرة. ولانه يلزم اتصاف كل واحد من أجزاء الجسم بهيئة كله ، هذا ~~خلف. أو لا تكون كذلك ، بل تنقسم إلى أقسام يقوم بكل واحد من أجزاء الجسم ~~كل واحد من أجزائها ، فعند اجتماع تلك الأجزاء في ذات تلك الأمور إما أن ~~تحصل للمجموع هيئة وراء ما لكل واحد من الأجزاء ، فحينئذ يعود المحال ، أو ~~لا تحصل وذلك يقتضي نفي كون الوضع أمرا وجوديا. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : إنه عرضت لتلك الأجزاء وحدة باعتبارها ~~صارت واحدة ، وحينئذ لا يلزم من قيام هيئة الوضع بها قيام الواحد بأكثر من ~~الواحد؟ # لأنا نقول : الاشكال في كيفية قيام تلك الوحدة بها كالاشكال في قيام هيئة ~~الوضع بها ؛ فإن كان ذلك بسبب وحدة أخرى سابقة ، لزم التسلسل. # قال أفضل المحققين : «الهيئة المسماة بالوضع إنما تحصل في الأجزاء بعد ~~صيرورتها جملة واحدة ، وكذلك الزاوية والشكل ، وليس ذلك حلول للعرض (1) ~~الواحد في محال كثيرة ، إنما هو حلول عرض واحد في محل واحد ينقسم باعتبار ~~غير اعتبار وحدته ، ولم يدل على استحالة ذلك دليل. # وأما الوحدة ، فهي التي تجعل المجموع واحدا ، إذا (2) اعتبر فيه عدم PageV02P404 # الانقسام بوجه ما مثلا كالعشرة ، فانها لا تنقسم من حيث هي عشرة وإن ~~انقسمت من حيث هي آحاد هي أجزاء العشرة. وقد تتكرر الوحدة حين يقال وحدة ~~واحدة ؛ ولا يلزم منه اثنينية (1)، فإن موضوع الوحدة الأولى هو الشيء الذي ~~يقال له إنه واحد ، وموضوع الوحدة الثانية هو الوحدة الأولى. وإذا لم تتكثر ~~الموضوعات في مرتبة واحدة لم يحصل من الوحدات عدد ، وليس قيام الوحدة ~~بالموضوع المنقسم محتاجا إلى وحدة تسبقها ، بل هي اعتبار عدم الانقسام فيها ~~من حيث اعتبار كونها ذلك المجموع ، ولا يلزم التسلسل» (2). # وفيه نظر ، فإن الوحدة لو لم تحتج في قيامها بالكثرة إلى وحدة تسبقها ، ~~لزم قيام العرض الواحد بالمحال المتكثرة ، وهو محال ، وإلا لزم انقسامه ، ~~أو حلول العرض الواحد في محال متعددة ، أو خلو بعض الأجزاء عن الحال وحلوله ~~في بعض من غير أولوية. ولو ms0656 جاز ذلك جاز حلول هيئة الوضع في المركب من غير ~~افتقار إلى اتصافه بوحدة تسبقه. وتفسير الوحدة باعتبار عدم الانقسام ، ~~يقتضي كون الوحدة عدمية ، وهي ثبوتية عندهم. # ثم كيف يعقل عدم اعتبار الانقسام في محل منقسم لو لا اتصافه بأمر ~~باعتباره عرض هذا الاعتبار العقلي؟ واسناد هذا الاعتبار إلى اعتبار كونها ~~ذلك المجموع يدل على افتقاره إلى اعتبار به صارت الأجزاء واحدة هي ذلك ~~المجموع ، لكن الكلام في ذلك المجموع من أنه إما واحد أو كثير كالكلام في ~~الوضع والوحدة. فظهر أن التسلسل لازم. # وأما الملك فإنه لو كان ثبوتيا لزم التسلسل ؛ لافتقار النسب إلى محل ، ~~فلها نسبة إليه ويتسلسل ، كما تقدم. PageV02P405 # وأما مقولتا أن يفعل وأن ينفعل ، فليستا وجوديتين ، لأن كون الشيء موصوفا ~~بغيره إن كان زائدا على ذات الموصوف وذات الصفة كان أيضا حاصلا في ذات ~~الموصوف ، فيلزم أن يكون اتصافه بتلك الموصوفية زائدا عليه ، ويلزم ~~التسلسل. # وأيضا (1) تأثير المؤثر في الأثر لو كان ثبوتيا لكان عرضا ؛ لاستحالة كون ~~المؤثرية جوهرا قائما بذاته ، لأنه من الاعراض النسبية التي لا تعقل إلا ~~بين شيئين ، فكيف يعقل قيامها بذاتها؟! فتكون مفتقرة إلى المؤثر ، فتأثير ~~المؤثر في ذلك التأثير يكون زائدا عليه ، ويتسلسل. ومع تسليمه فالمقصود ~~حاصل ؛ لأنا نقول : إذا كان بين كل مؤثر وأثر واسطة هي التأثير حتى افترضت ~~هناك أمور غير متناهية يكون كل سابق منها علة للاحق ، فتلك الأمور إما أن ~~تكون متلاقية ، أو لا يكون شيء منها متلاقيا ، ونعني بالتلاقي أن يفرض مؤثر ~~ومتأثر لا واسطة بينهما. فإن كانت متلاقية بأن يوجد أمران منها لا يتوسطهما ~~شيء ويكون أحدهما مؤثرا والآخر أثرا ، فحينئذ لا يكون تأثير ذلك المؤثر في ~~ذلك الأثر زائدا على ذات المؤثر وذات الأثر ، فلا يكون تأثير الأول في ~~الثاني زائدا عليهما ، وكذا تأثير الثاني في الثالث ، والثالث في الرابع ، ~~وهكذا ، فلا يكون شيء من تأثيرات المؤثرات زائدا على ذات المؤثر وذات الأثر ~~، فلا تكون المؤثرية ثبوتية ، وهو المطلوب ، ولا تكون هناك جملة تزيد ms0657 على ~~المؤثر والأثر ، لا متناهية ولا غير متناهية ، وهو خلاف الفرض. # وإن لم يوجد متلاقيان البتة ، بل كل أمرين فرضا بينهما ثالث ، كان معناه PageV02P406 # أنه لا يوجد هناك ما تكون ذاته مؤثرة في ذات شيء ، فيكون هذا نفيا ~~للمؤثرية. # فظهر من ذلك أن المؤثرية لا يجوز أن تكون صفة ثبوتية. # وأما المتأثرية ، وهي : قبول الأثر من مؤثره ، فنقول : إنه يمتنع كونها ~~ثبوتية ، وإلا لزم التسلسل ؛ لأن قبول الذات لتلك القابلية تستدعي قابلية ~~أخرى سابقة ، والكلام في تلك القابلية كالكلام في هذه ، ويتسلسل. # وأيضا نقول : إما أن يكون بين كل أمرين فرضا تلاق أو لا يكون ، ونسوق ما ~~قلناه في المؤثرية إلى المتأثرية بعينه. # احتج من أثبتهما بأن المفهوم من كون الشيء مؤثرا أو قابلا ، غير المفهوم ~~من الذات التي حكم عليها بكونها مؤثرة وكونها أثرا ؛ لأن تعقل ذات النار ، ~~وتعقل ذات الاحراق غيرها ، وتعقل تأثير النار في الاحراق ووقوع الاحراق ~~بالنار غيرها. فهذه المؤثرية والمتأثرية أمران زائدان على الذات المؤثرة ~~والمتأثرة ، وليسا مفهومين سلبيين ؛ لأنا نعلم بالضرورة أن اللامؤثرية ~~واللاقابلية عدميان فمقابلهما ثبوتي. وليس ذلك أيضا من الأمور العرضية غير ~~المطابقة للخارج ، وإلا لم يكن الشيء في نفسه مؤثرا ولا أثرا. فإذن هذه ~~المؤثرية والمتأثرية أمران وجوديان زائدان ، وهو المطلوب. # والجواب : الزيادة في التعقل لا تقتضي الزيادة في الخارج. وكون النقيضين ~~عدميين يقتضي كونهما محصلين ، أما وجوديين في الخارج فلا ، كما نقول في ~~الجهات بعينه. # قال أفضل المحققين : «التأثير الذي هو المقولة ليس كل تأثير اتفق ، بل ~~التأثير الصادر عن المؤثر في زمان غير قار الذات ، كقطع السكين اللحم ، فان PageV02P407 # الجزءين منه لا يقعان في زمان واحد ، والهيئة (1) الحاصلة للسكين حين ~~يقال له : هو ذا يقطع لا قبله ولا بعده هي المرادة بأن يفعل. وقس عليه ~~الانفعال. والنسبة إنما تعرض للعقل بين القاطع والمقطوع» (2). # وفيه نظر ، فإن هذا الكلام غير مفيد في المطلوب ، ولا دافع للتسلسل الذي ذكره. PageV02P408 ### ||| ** القاعدة الثالثة ### | في تقسيم المحدثات على رأي المتكلمين PageV02P409 # قال المتكلمون : المحدث إما ms0658 أن يكون متحيزا أو قائما بالمتحيز ، أو لا ~~متحيزا ولا قائما به ، وهذا الثالث أنكره الجمهور من المتكلمين (1). # وأقوى ما لهم فيه : أنا لو فرضنا موجودا غير متحيز ولا حال فيه لكان ~~مساويا لذات الله تعالى فيه ، ويلزم من الاستواء فيه الاستواء في تمام ~~الماهية. # وهذا ضعيف ؛ لأن الاشتراك في السلوب لا يقتضي التماثل ، وإلا لزم تماثل ~~المختلفات ؛ لأن كل مختلفين لا بد وأن يشتركا في سلب ما عداهما عنهما. # قال أفضل المحققين : «الأقدمون من المتكلمين قالوا : المتحيز هو الجوهر ، ~~والحال فيه هو العرض ، والموجود الذي لا يكون جوهرا ولا عرضا هو الله تعالى. # وعلى هذا الوجه قالوا باستحالة وجود محدث غير متحيز ولا حال فيه ، لا كما ~~قاله (2)، فإن ذلك لا يقوله عاقل» (3). PageV02P411 # وفيه نظر ، فإن دعوى انحصار الموجود الذي لا يكون جوهرا ولا عرضا في الله ~~تعالى إنما يتم لو نفوا الموجود المجرد غير الله تعالى. # إذا عرفت هذا فنقول : المتحيز إما أن يقبل الانقسام أو لا ، والثاني هو ~~الجوهر الفرد ، ولا يسمى جسما إلا عند بعضهم فإنه جعل المتحيز جسما سواء ~~انقسم أو لا ، وعلى هذا يقول المجسم : الله تعالى جسم ولا يقول بصحة تجزيه. # والأول هو الجسم عند أبي الحسن الأشعري ، فإنه جعل الجسم هو المتحيز ~~المنقسم مطلقا. وأقل ما يحصل من جوهرين عنده (1). وليس بمتعارف عند ~~الجمهور (2)؛ لأن المشهور من الجسم أنه : الطويل العريض العميق ، أو ~~المنقسم في الجهات الثلاث ، فالمتألف من جوهرين عند المعتزلة «خط» ، ومن ~~أربعة «سطح» (3)، لأنه يحصل من ضم خط إلى خط لا في سمت الطول ، ومن ثمانية ~~«جسم» ؛ لأنه يحصل بوقوع سطح على سطح. وعند الكعبي أقل ما يحصل منه الجسم ~~أربعة جواهر ثلاثة كمثلث ورابعها فوقها ويصير بها كمخروط ذي أربعة أضلاع ~~مثلثات (4). وقال بعضهم من ستة جواهر ، بأن يقع سطح مثلث من ثلاثة جواهر ~~على مثله ، وتحصل الأبعاد الثلاثة فيه ، وهو مذهب أبي الهذيل # نفس المصادر. PageV02P412 # العلاف (1). والباقون من المعتزلة قالوا : أقله من ثمانية جواهر يتألف ، ~~كمكعب ذي ms0659 أضلاع ستة مربعات. والفلاسفة اعتبروا في الجسم الأبعاد الثلاثة ~~المتقاطعة على زوايا قائمة (2). # وأما الحال في المتحيز فهو العرض (3)، وهو إما أن يجوز اتصاف غير الحي ~~به أو لا. # أما الأول فهو المحسوس بإحدى الحواس الخمس والأكوان. # أما المحسوسة ، فمنها : المحسوسة بالبصر إحساسا أوليا ، وهي الألوان ~~والأضواء. ومنها : المحسوسة بالسمع ، وهي الأصوات والحروف. ومنها : ~~المحسوسة بالذوق ، وهي الطعوم التسعة. ومنها : المحسوسة باللمس ، وهي ~~الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، والثقل والخفة ، والصلابة واللين. # والأعراض التي لا يوصف غير الحي بها عشرة : # الأول : الحياة ، الثاني : القدرة ، الثالث : الاعتقاد ، الرابع : الظن ، ~~الخامس : النظر ، السادس : الإرادة ، السابع : الكراهية ، الثامن : الشهوة ~~، التاسع : النفرة ، العاشر : الألم. فالمشهور عندهم من الأعراض عشرون : # الأول : الأكوان ، الثاني : الطعوم ، الثالث : الروائح ، الرابع : ~~الحرارة ، الخامس : البرودة ، السادس : الرطوبة ، السابع : اليبوسة ، ~~الثامن : الألوان ، التاسع : PageV02P413 # الاعتماد ، العاشر : الصوت ، والعشرة السابقة. وأثبت البصريون من ~~المعتزلة : الفناء (1) والتأليف (2). والكلام في هذه القاعدة يقع على ~~نوعين : # وهو ضم بعض الأجزاء الموجودة في الجسم إلى بعض ، شرح المواقف 7 : 11. فهو ~~عرض يقتضي صعوبة تفكيك الأجزاء كالحديد مثلا ، أو سهولته كالماء والدهن. PageV02P414 ### | النوع الأول ### | في الجواهر (1) # وفيه مقدمة ، وفصول : ### | أما المقدمة ### | ففي حقيقة الجوهر # الجوهر يطلق بالاشتراك على الموجود لا في موضوع ، وهو رأي الحكماء (2)، ~~والثاني: المتحيز الذي لا يقبل القسمة العقلية ولا الفرضية والوهمية (3). # والجوهرية عند مشايخ المعتزلة : أمر زائد على ذاته يسمونها صفة للجنس ، ~~بها (4) يخالف ما يخالف ويماثل ما يماثل ، وهي ثابتة وجودا وعدما عند ~~أكثرهم. ومنع أبو القاسم الكعبي من تسمية المعدوم جوهرا وعرضا وجعله شيئا ~~ومعلوما ومقدورا وثابتا. PageV02P415 # واختلف الشيخان ، فقال أبو علي الجبائي : إن الجوهر الفرد لا حظ له في ~~المساحة ، وجعل مساحته بغيره ، كما أن طوله بغيره ، وبه قال أبو القاسم ~~الكعبي. وقال أبو هاشم : إن له حظا في المساحة. واتفقا على أنه ليس له حظ ~~في الطول والعرض خلافا لبعض المعتزلة، لأن الطول تأليف مخصوص ولهذا يقال : ~~طولت الحديد إذا فعلت فيه تأليفات مخصوصة ، وإذا قلنا في أحد الشيئين إنه ~~أطول ms0660 من غيره فليس المراد منه كثرة التأليف دون أن تنضاف إليه الأجزاء أيضا ~~، فإذا صح ذلك وكان التأليف مما يستحيل وجوده في المنفرد من الأجزاء لم يكن ~~له حظ من الطول ولا من العرض. PageV02P416 ### | الفصل الأول ### | في الجوهر الفرد (1) # وفيه مباحث # وهو الذي يسمى اليوم ب «الذرة» ( Atom ) وهو في الفيزياء والكيمياء أصغر ~~جزء من أجزاء المادة العنصرية. ولا يمكن تجزئته ، ومع فرض تجزئته ، كما ~~أثبتته العلوم الحديثة إلى نواة تحمل شحنات كهربائية موجبة تسمى البروتونات ~~، وشحنات كهربائية سالبة تسمى الكترونات ونواة لا تحمل شحنات كهربائية تسمى ~~نيوترونات وهكذا إلى أجزاء أخرى ، لا تصدق عليه لفظة الذرة ، لأنها موضوعة ~~للجزء الذي لا يتجزأ. # وانتهت بحوث الذرة في عصرنا الراهن بالقنبلة الذرية والخدمات السلمية ~~للطاقة الذرية. # وممن ذهب إلى وجود الذرة من قدماء اليونان : «اليوقبس» و «ديمقريطس». وقال ~~بهذا المذهب في الهند مدرسة فيشسكا ، وأصحاب مذهب الجينا ( Jaina ) وبعض ~~المدارس البوذية. # وربما كان أول من دعا من المسلمين إلى هذا المذهب أبا هذيل العلاف ، ~~وتبعه في ذلك من المعتزلة : معمر بن عباد ، هشام الفوطي ، الجبائيان ، ~~الكعبي ، الصالحي ، القاضي عبد الجبار ، ابن متويه ، النيسابوري ، ومن ~~الأشاعرة : الباقلاني ، الأسفراييني ، البغدادي ، الجويني ، اللقاني ، ~~السنوسي وغيرهم ، ومن الماتريدية : أبو منصور الماتريدي ، البزدوي ، أبو ~~المعين النسفي ، نجم الدين النسفي ، الصابوني ، كمال بن الهمام ، البياضي ، ~~وغيرهم. # وكان هشام بن الحكم والنظام والجاحظ والخياط وابن حزم والفلاسفة يخالفون ~~المذهب الذري وينفون الجزء الذي لا يتجزأ ، وقد نقل ان هشام بن الحكم قد ~~ترك هذه المخالفة كما يأتي من المصنف في ابطال الطفرة. ويظهر من بعض ~~الشخصيات ترددهم بين القول بالجوهر PageV02P417 ### | البحث الأول ### | في ثبوته (1) # اعلم أن الأجسام منها بسيطة غير مؤلفة من أجسام غيرها البتة كالماء ~~والأرض ، وإما مركبة من أجسام أخر ، إما مختلفة كالحيوان ، أو غير مختلفة ~~كالسرير. والمؤلفة ، لها أجزاء بالفعل هي مفردات أو تنتهي إليها. والمفرد ~~لا شك في أنه قابل للقسمة ، فلا يخلو إما أن تكون الانقسامات الممكنة حاصلة ~~فيه بالفعل أو لا ، وعلى ms0661 التقديرين فتلك الأجسام إما متناهية أو غير ~~متناهية ، فهنا احتمالات أربعة (2): # والمتكلمون منهم من يرى ان العالم مؤلف من جواهر فردة ، بعضها ذرات روحية ~~وبعضها ذرات مادية ، بخلاف ما يراه الفلاسفة من أن العالم مؤلف من هيولى ~~وصورة ، راجع مقالات الإسلاميين : 59 ؛ مذاهب الإسلاميين 1 : 182 184. PageV02P418 ### |||| ** الأول : أن يكون الجسم مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ متناهية ، وهو مذهب جماعة من قدماء ~~الحكماء وأكثر المتكلمين. ### |||| ** الثاني : أن يكون مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ غير متناهية ، وهو مذهب بعض القدماء من ~~الحكماء والنظام من المعتزلة (1). ### |||| ** الثالث : كونه غير متألف من الأجزاء بالفعل لكنه يقبل انقسامات متناهية لا غير ، وهو ~~مذهب الشهرستاني (2). ### |||| ** الرابع : كونه غير متألف من أجزاء بالفعل لكنه يقبل انقسامات غير متناهية ، وهو مذهب ~~الجماهير من الحكماء (3). # احتج مثبتوا الجزء بوجوه (4): PageV02P419 ### |||| ** الوجه الأول (1) ### |||| ** : الزمان مركب من أجزاء لا تتجزأ ، فالحركة كذلك ، فالجسم كذلك. أما الأول ، ~~فلأنه منقسم بالضرورة فمنه ماض ومنه مستقبل ، فإن لم يكن للحاضر وجود أصلا ~~كان الزمان الموجود إما ماض وإما مستقبل لكنهما معدومان ، فإن الماضي هو ~~الذي كان موجودا ثم عدم ، والمستقبل هو الذي لم يوجد بعد ، فلو لم يكن ~~الحاضر موجودا لزم أن لا يكون للزمان وجود البتة والتالي باطل ، فالمقدم ~~مثله. فثبت أن هنا زمانا حاضرا ، فنقول : ذلك الحاضر إن كان منقسما كان ~~بعضه ماضيا أو مستقبلا والآخر حاضرا ، فلا يكون كل الحاضر حاضرا بل بعضه ، ~~هذا خلف ، وإن لم يكن منقسما ثبت المطلوب. فإذا عدم ذلك الآن فلا يخلو إما ~~أن لا يوجد عقيبه زمان أو يوجد ، فإن لم يوجد لزم انقطاع الزمان ، وهو باطل ~~، وإن وجد فإما أن يكون منقسما ، أو غير منقسم ، والأول باطل لما تقدم ، ~~فثبت التالي ، فيلزم وجود آن عقيب الآن الأول وهكذا في كل زمان يفرض يجب أن ~~يتركب من الآنات ، فقد ثبت وجود الآن وتركب الأزمنة من الآنات التي لا تقبل ~~القسمة بوجه من الوجوه البتة. # فنقول : الحركة أيضا كذلك ؛ لأن الحركة الواقعة في الآن الذي لا يتجزأ ms0662 ، ~~إما أن تكون منقسمة أو غير منقسمة ، والأول باطل ، وإلا لوجب انقسام الزمان ~~المطابق لها ، لأن زمان نصف الحركة نصف زمان كلها ، لكنا فرضنا ذلك الزمان ~~لا نصف له فوجب أن لا يكون للحركة نصف أيضا ، فثبت الثاني وهو أن في الحركة ~~ما لا ينقسم ، فإذا عدمت تلك الحركة ثم وجدت أخرى في آن آخر وجب أن لا PageV02P420 # تنقسم لما مر ، وهكذا إلى أن تنتهي الحركة. فثبت تركب الحركة من أجزاء لا تتجزأ. # فنقول : إن المسافة التي تقع عليها الحركة أيضا كذلك ؛ لأن الحركة التي ~~لا تنقسم إنما تقع على مسافة ، فتلك المسافة إما أن تكون منقسمة أو لا ، ~~والأول باطل ؛ لأن الحركة تنقسم بانقسام المسافة كما انقسمت بانقسام الزمان ~~، لأن الضرورة قاضية بأن الحركة في نصف المسافة نصف الحركة في كل المسافة ، ~~فإذا فرضنا الحركة في كل المسافة غير منقسمة وجب أن لا تكون المسافة التي ~~وقعت الحركة فيها منقسمة ، وإلا لانقسمت الحركة بانقسامها ، وقد فرضناها ~~غير منقسمة ، هذا خلف. فقد ثبت هنا مسافة غير منقسمة. ثم المسافة التي تقع ~~فيها الحركة الثانية أيضا غير منقسمة. # والحاصل أن هذه الأمور الثلاثة : الزمان والحركة والمسافة متطابقة أيها ~~انقسم انقسم الباقيان ، وأيها امتنع عليه القسمة امتنع على الباقيين (1). # قال أفضل المحققين : «الخصم يقول : الحركة لا وجود لها إلا في الماضي أو ~~في المستقبل ، وأما الحال فهو نهاية الماضي وبداية المستقبل وليس بزمان (2) ~~، وما ليس بزمان لا تكون فيه حركة ؛ لأن كل حركة في زمان ، وكذلك سائر ~~الفصول المشتركة للمقادير (3) ليست بأجزاء لها ، إذ لو كانت الفصول ~~المشتركة أجزاء للمقادير التي هي فصولها لكانت القسمة إلى قسمين قسمة إلى ~~ثلاثة أقسام والقسمة إلى ثلاثة أقسام قسمة إلى خمسة أقسام ، هذا خلف. PageV02P421 # فإذن ، الحاضر ليس الحركة ، وهو (1) ادعى أنه الحركة وبنى عليه بيانه. ~~والمخالف لا يسلم أن الماضي من الحركة كان موجودا في آن حاضر ، إنما يقول : ~~هو الذي كان بعضه بالقياس إلى ما قبل الحال مستقبلا وبعضه ماضيا وصار في ~~الحال كله ms0663 ماضيا ، وهكذا في المستقبل. وفي الآن الفاصل بين الماضي ~~والمستقبل لا يمكن أن يتحرك ، فإن الحركة إنما تقع في زمان وليس شيء من ~~الزمان بحاضر ، لأنه غير قار الذات» (2). # وفيه نظر ، لأن الحركة لو لم يكن لها وجود في الحال بل إما في الماضي أو ~~في المستقبل ، لم يكن لها وجود ؛ لأن الماضي معدوم بالضرورة وكذا المستقبل. ~~والخصم يسلم ذلك لأنه يقول : الزمان غير قار الذات ، ومعناه عدم الاستقرار ~~، فإذا لم يكن قار الذات وجب أن لا يوجد جزءان منه معا بل دائما إنما يوجد ~~منه جزء واحد ، فذلك الجزء إن انقسم كان قارا وقد فرضناه غير قار ، أو أن ~~يكون الموجود أحد أجزائه لا كله ، هذا خلف ، وإن لم ينقسم ثبت المطلوب. # وكذا المستقبل فإنه بالضرورة لم يوجد بعد ، ولو لم يكن الحال زمانا لم ~~يكن للزمان وجود البتة. # والقول بالفصول المشتركة مبني على نفي الجوهر الفرد ، إذ على تقدير ثبوته ~~لا مشترك بين الأجزاء إلا في الحس لا في نفس الأمر ، ولو كان الموجود من ~~الحركة بعضه ماضيا وبعضه مستقبلا لم يكن موجودا ، لأن الماضي والمستقبل ~~معدومان ، وإلا لزم أن يكون زمان الطوفان بل ما قبله وزمان القيامة إلى ما ~~لا يتناهى موجودا ، وهو باطل بالضرورة. ثم كيف يصير المستقبل ماضيا إذا لم يوجد؟! # الوجه الثاني (3): إذا وضعنا كرة حقيقية على سطح مستو مستقيم لا PageV02P422 # تضريس فيه ولا انخفاض ، بل كان أملسا (1)، فلا بد وأن تلاقيه ويمنعها من ~~الهبوط بواسطة التماس ، فموضع الملاقاة إما أن يكون منقسما أو لا يكون ، ~~والأول محال لاستلزامه تضليع الكرة الحقيقية ؛ لأن ذلك الموضع المنقسم ~~منطبق على السطح المستقيم والمنطبق على المستقيم مستقيم ، فيكون ذلك الموضع ~~مستقيما ، ثم إذا حركنا الكرة على ذلك السطح وزالت الملاقاة الأولى عن ذلك ~~الموضع وحصلت الملاقاة على موضع آخر يتلو الأول ويلاصقه ، فذلك الموضع إما ~~أن يكون منقسما أو لا يكون ، فإن كان لزم أن يكون منقسما لما تقدم من ~~انطباقه على المستوي ، وهكذا إلى أن تتم ms0664 الكرة الدورة فتكون مضلعة ، وهذا ~~خلف ، فبقي أن تلاقيه في كل حال تعرض ملاقاتها له بنقطة ، ثم إذا زالت عن ~~الملاقاة الأولى فإنها لا تخرج بذلك عن الملاقاة البتة بل تكون ملاقية له ~~ويجب أن تكون بنقطة ، فتكون هناك نقط متعاقبة ؛ لأن الملاقيات متعاقبة وإلا ~~لكان في بعض أزمنة حركات الكرة لا تكون مماسة لذلك السطح ، هذا خلف. # وأيضا برهن اقليدس على أن كل خط مستقيم يصل بين نقطتين من الدائرة فإنه ~~يقع داخلها ، فلو كان موضع الملاقاة منقسما لارتسم خط على ظاهر الكرة ~~منطبقا على السطح فيقع ذلك الخط داخل الكرة وخارجها ، وهو محال. # ولأن موضع الملاقاة إن كان منطبقا على السطح المستقيم وكان بمنقسم أمكن ~~أن يخرج من المركز خطان ينتهيان إلى طرفي موضع الملاقاة وهما طرفا الخط ~~الذي به (2) تقع الملاقاة ، فيصير مع الخط المرتسم من موضع الملاقاة خطوط ~~ثلاثة محيطة بسطح ، فيحصل مثلث قاعدته موضع الملاقاة ، فإذا أخرجنا من مركز ~~الدائرة إلى قاعدة المثلث الواقع في الدائرة عمودا قائما عليه كانت ~~الزاويتان PageV02P423 # الحاصلتان على جنبي العمود القائم على القاعدة قائمتين ، وينتصف ذلك ~~المثلث بمثلثين قائمي الزاوية ، ويكون الخطان الطرفيان وترين للزاويتين ~~القائمتين ، ويكون العمود وترا للحادة ، ووتر القائمة أعظم من وتر الحادة ، ~~فالخط العمودي أقصر من الخطين الطرفيين ، مع أن الخطوط الثلاثة خرجت من ~~المركز إلى المحيط ، هذا خلف. فوجب أن يكون موضع الملاقاة غير منقسم ، فإذا ~~أدرنا الكرة على السطح حتى تممت الحركة ، فكلما زالت الملاقاة الحاصلة ~~بنقطة حصلت الملاقاة بأخرى ، وليس بين النقطتين شيء يغايرهما ، فإن الكلام ~~في الملاقاة الحاصلة في أول حصول عدم الملاقاة بالنقطة الأولى ، فقد حصل ~~الخط عن تركيب النقط ، فحصل السطح عن تركيب الخطوط ، والجسم من تركيب ~~السطوح ، وذلك هو المراد. # اعترض بوجوه (1): ### |||| ** الأول : قال أفضل المحققين : «ملاقاة الكرة الحقيقة للسطح الحقيقي المستوي تكون ~~عندهم بنقطة هي طرف قطر يمر بمركز الكرة وبموضع التماس ، وإلا فإذا ماست ~~الكرة سطحا آخر مستويا بالطرف الآخر من ذلك القطر ومرت دائرة عظيمة بنقطتي ms0665 ~~التماس ، انقسمت تلك الدائرة بسبب التماس (2) إلى أربع قسي اثنتان مماستان ~~للسطح واثنتان غير مماستين ، ويلزم من ذلك انطباق القوس على السطح المستقيم ~~، وذلك محال» (3). ### |||| ** الثاني : قال بعضهم : النقطة لا توجد بالفعل في الكرة ، لأنه لو حدثت نقطة PageV02P424 # بالفعل فيها ونقطة أخرى في سطح أو كرة أخرى تلاقيها ، فالنقطتان إن لم ~~تتلاقيا بالأسر انقسمت النقطتان ، وإن تلاقيا بالأسر تداخلتا واتحدتا ويصير ~~التماس اتصالا. ### |||| ** الثالث : قال الرئيس : «إنا لا ندري هل يمكن أن توجد كرة على سطح بهذه الصفة في ~~الوجود أو هو من الأمور الوهمية على ما يكون في التعليميات؟ ولا ندري أنه ~~لو كان في الوجود ، فهل يصح تدحرجها عليه أم لا يصح؟ وربما استحال. وبعد ~~هذا فالكرة إنما تماس السطح بالنقطة في حال السكون ، فإذا تحركت ماست بالخط ~~في زمان الحركة ولم تكن في زمان الحركة مماسة على النقطة إلا بالتوهم إذ ~~ذلك لا يتوهم إلا مع توهم الآن ، والآن لا وجود له بالفعل. # وبالجملة ، فإن هذه المسألة لا تتحقق مسلمة ، لأن المسلم أن الكرة لا ~~تلقى السطح في آن واحد إلا بنقطة ، وليس يلزم من هذا أن تكون في حال الحركة ~~تنتقل من نقطة إلى نقطة مجاورة لها ومن آن إلى آن مجاور له ، فإنه لو سلم ~~هذا لما احتيج إلى ذكر الكرة والسطح ، بل صح أن هناك نقطا متتالية منها ~~يأتلف الخط وآنات متتالية منها يأتلف الزمان. فإذا كان المسلم هو أن الكرة ~~تلاقي السطح في آن ، وكان الخلاف في أن الحركات والأزمنة غير مركبة من أمور ~~غير متجزئة ومن آنات كالخلاف في المسافة ، وكان (1) إنما يلزم تجاوز النقط ~~لو صح تجاور الآنات ، كان (2) استعمال ذلك في تتالي النقط كالمصادرة على ~~المطلوب الأول» (3). ### |||| ** الرابع : القول بالجزء الذي لا يتجزأ يمنع (4) من إمكان وجود الكرة PageV02P425 # والدائرة ، فكيف يستدل بوجود الكرة وحركتها على وجود الجزء؟ ### |||| ** الخامس : أنه سيظهر أن الحركة لا يعقل وجودها مع القول بالجزء الذي لا يتجزأ ، فلا ~~يمكن أن يستدل بها على وجود الجزء الذي ms0666 لا يتجزأ. # السادس : النقطة إنما توجد في الكرة بالمماسة ، فعند زوالها تعدم تلك ~~النقطة وتحدث أخرى ، فلا توجد أبدا إلا نقطة واحدة. ### |||| ** السابع : لو سلمنا أن المماسات إنما تحصل بالنقط ، لكن لم لا يجوز أن يقال : بين كل ~~نقطتين خط؟ ### |||| ** والجواب عن الأول : أنه تسليم لما ادعيناه ، فإنا لم ندع إلا أن الكرة تماس السطح بنقطة ، ~~فالاستدلال عليه لا يفيد في الجواب شيئا. ### |||| ** وعن الثاني : أن هذا القول ينفي الحكم الضروري بتماس الأجسام وتلاقي السطوح والخطوط ~~بعضها لبعض ؛ لأن الجسم إذا ماس جسما فالسطحان إن تلاقيا بالأسر تداخلا ~~واتحدا ولم يبق فرق بين المماسة والاتصال ، كما قال في النقطة (1)، وإن لم ~~يتلاقيا بالأسر بل بالبعض انقسما في جهة التلاقي حتى يكون بأحد جانبيه ~~ملاقيا لأحد الجسمين وبالآخر لا يلاقيه ، فكان لكل من السطحين عمق وقد كان ~~لهما طول وعرض ، فالسطحان جسمان ، هذا خلف. ولما بطل القسمان لزم أن لا ~~يماس جسم جسما ، ولا سطح سطحا ، ولا خط خطا. # وأيضا النقطة نهاية الخط والخط قد يتناهى بالفعل ، فكيف يكون متناهيا ~~بالفعل ولا تكون النهاية حاصلة بالفعل؟ إلا أن يقول الكرة ليس فيها خط ~~متناه بالفعل ، وحينئذ يكون منكرا لما دل العقل عليه. واتفقت كلمة الفلاسفة ~~عليه بأن الكرة إذا تحركت تميز الخط الذي هو محددها عن سائر الخطوط بالفعل ~~، ولا شك في تناهيه بالفعل وطرفاه قطبا الكرة ، فهما موجودان بالفعل. PageV02P426 ### |||| ** وعن الثالث (1) ### |||| ** : أما إنكار الكرة الحقيقية فغير مسموع منه ، وخصوصا ومذهبه أن الشكل الطبيعي ~~للأجسام البسيطة إنما هو الكرة والتركيب لا يضاده ، فكيف يسمع منه هذا ~~المنع؟ وهل هو في ذلك إلا مكابر؟ # وأما إنكار السطح المستوي فغير مسموع أيضا ؛ لأن سبب الخشونة : الزاوية ، ~~ولا بد وأن تكون من سطوح صغار ملس ، وإلا لذهبت الزوايا إلى غير النهاية ، ~~وإذا جاز سطح صغير مستو جاز كبير. ولأن المطلوب يحصل بالصغير (2) أيضا ، ~~لأنا نفرض كرة أصغر منه حقيقية ملاقية له. ولو منع الوجود لم يضر ، لأن ~~الكلام غير مبني على الوجود ، بل على ms0667 إمكان الوجود ، فإن ما يمكن أن يوجد ~~إذا فرض موجودا لا يلزم منه محال وإن لزم الكذب ، لكن الكذب مغاير (3) ~~للمحال وكذب غير المحال لا يلزم منه محال ، وما يلزم من الممكن ممكن لا محالة. # والمنع من إمكان الدحرجة منع مكابرة ، فإن الضرورة قاضية بإمكان تحريكها ~~قسرا أو إمكان انزلاقها عليه ، ويلزم منه وجود النقط المتتالية في السطح ~~والكرة. # وقوله : «المماسة حال الحركة بالخط». # باطل ؛ لأن المماسة عبارة عن انطباق طرف كل واحد من السطحين على طرف ~~الآخر ، فلو ماست الكرة السطح بالخط لوجب أن ينطبق من الكرة خط على خط في ~~ذلك السطح فيكون ذلك الخط مستقيما ، لأن المنطبق على المستقيم مستقيم ، ~~فتكون الكرة مضلعة ، فإذن الكرة لا يمكن أن تماس السطح بالخط. PageV02P427 # قوله : «المماسة بالنقطة إنما تكون في الآن (1) ولا وجود له بالفعل». # قلنا : البحث في كون الزمان غير مركب من الآنات كالبحث في أن الجسم غير ~~مركب من الجواهر الأفراد ، فكيف تندفع حجة الخصم بذلك مع أنه نفس المتنازع؟ # سلمنا أن الآن لا وجود بالفعل ، فهل ينبغي المماسة بانتقاله فعلا أم لا؟ ~~فإن قلتم بالأول لزم المكابرة الصريحة في المماسة وغيرها مما وجوده آني وهو ~~جميع الماهيات القارة من الأجسام والأعراض والمجردات. وإن لم ينتف بل كانت ~~ثابتة بالفعل يثبت وجود النقطة ، فإذا زالت المماسة حين حصلت أخرى عقيبها ~~لزم تتالي النقط. # قوله : «هذه المسألة لا تتحقق مسلمة إلى آخر جوابه». # ضعيف ؛ لأنا إذا فرضنا آنا تكون الكرة فيه ملاقية للسطح على نقطة واحدة ~~ثم زالت الملاقاة عن تلك النقطة ، فقد حدث أمران : # أ. زوال الملاقاة. # ب. حصول اللاملاقاة (2). # فأما زوال الملاقاة ، فهو حركة لا بداية له يكون هو فيه حاصلا. وأما حصول ~~اللاملاقاة (3)، فهو آني الوجود ويستمر في جميع الزمان الذي بعده ، ~~فاللاملاقاة (4) لها بداية هي حاصلة فيها ، فنقول : الآن الذي حصلت فيه ~~اللاملاقاة إما أن يكون هو الآن الذي حصلت فيه الملاقاة أو غير ذلك الآن. ~~والأول باطل ، وإلا لكانت الكرة في الآن الواحد بالنقطة ms0668 الواحدة ملاقية ~~للسطح وغير ملاقية له ، وهو محال. وإن كان غير ذلك الآن ، فإما أن يكون بين ~~آن الملاقاة PageV02P428 # وبين آن اللاملاقاة زمان أو لا. فإن كانت الكرة في ذلك الزمان ملاقية ~~للنقطة الأولى فتكون الكرة ساكنة وقد فرضناها متحركة ، هذا خلف. وإن لم يكن ~~بين الآنين زمان فقد تتالى الآنات ، وهو المطلوب. # وأيضا الآن الذي هو أول زمان اللاملاقاة (1) إما أن تكون الكرة فيه ~~ملاقية بنقطة أخرى أو لا تكون ، فإن لم تكن ملاقية بنقطة أخرى فإما أن تكون ~~ملاقية بالنقطة الأولى أو لا تكون ملاقية بشيء من النقط ، فإن كانت ملاقية ~~بالنقطة الأولى لزم أن تكون الكرة ملاقية للسطح بنقطة حال ما يصدق عليها ~~أنها غير ملاقية لذلك السطح بتلك النقطة ، هذا خلف. وإن لم تكن ملاقية بشيء ~~من النقط وجب أن لا تكون ملاقية للسطح عند مماستها له ، هذا خلف. # فإذن الكرة في الآن الذي هو أول زمان اللاملاقاة (2) ملاقية بنقطة أخرى ، ~~فإن كان بين النقطتين واسطة كانت ملاقاة الكرة السطح بذلك المتوسط قبل ~~ملاقاتها (3) السطح بالنقطة الثانية ، فلا تكون ملاقاتها السطح بالنقطة ~~الثانية في أول زمان اللاملاقاة (4) بالنقطة الأولى ، وذلك محال ، فليس بين ~~النقطتين واسطة ، فتتالى النقط ، وهو المطلوب. فهذه الحجة تستلزم تتالي ~~النقط في المسافة والآنات في الزمان من غير مصادرة على المطلوب. ### |||| ** وعن الرابع : أنا ذكرناه في معرض الالزام للخصم لمذهبه. ### |||| ** وعن الخامس : ما سيأتي. ### |||| ** وعن السادس : أن النقطة قد يمكن فرض بقائها باعتبار حصول عرض لها PageV02P429 # يميزها عند المماسة وقبل زوال ذلك تحدث الملاقاة بنقطة أخرى ، فيلزم ~~تتاليهما. على أنكم لا تشترطون في امتناع تتالي النقط والآنات التقارن في ~~الوجود. ### |||| ** وعن السابع : أن ذلك الخط إن حصلت به الملاقاة لزم تضلع الكرة أو تحدب السطح ، وإلا فلا ~~خط ، إذ لا ملاقاة. ### |||| ** الوجه الثالث : إذا فرضنا خطا قائما على خط آخر ثم تحرك عليه حتى أنهاه ، فلا بد وأن يكون ~~قد ماس بطرفه كلية الخط المتحرك عليه ؛ لأن الحركة على الشيء بدون مماسته ~~غير ms0669 معقولة ، ثم إن طرف الخط نقطة لا يمكن أن تماس بها إلا مثلها ، فإذا ~~انتقل من المماسة الأولى إلى المماسة الثانية ، فإما أن لا يكون بين ~~النقطتين وسط أو يكون. والأول يستلزم تتالي النقط والآنات ، وهو المطلوب. ~~والثاني يقتضي أن لا تكون المماسة الثانية ثانية ، بل إما ثالثة أو غيرها ، ~~هذا خلف. أو يلزم الطفرة ، وهو محال. وإذا كانت المماسة دائما إنما تكون ~~بالنقطة وهي متحققة في جميع زمان الحركة ، وجب أن يكون الخط المتحرك عليه ~~مركبا من النقط المتتالية ، وهو المطلوب. # لا يقال : لا نزاع في أن الخط المتحرك إنما يلقى المتحرك عليه بنقطة وأنه ~~يلقاه بعد ذلك بنقطة أخرى ، لكن لم لا يجوز ان يقال بين تينك النقطتين خط ~~وبين ذينك الآنين زمان؟ فإن أنكرتم ذلك ، فقد صادرتم على المطلوب. # لأنا نقول : حصول الملاقاة من النقطتين آني ولا حصوله أيضا آني وإن كان ~~زوال الملاقاة زماني لأنه حركة ، لكن لا حصول الملاقاة ليس حركة ، فإذا كان ~~آنيا فالآن الذي هو أول زمان حصول اللاملاقاة بتلك النقطة إما أن يكون ~~ملاقيا للشيء أولا ، ويعود ما تقدم. ### |||| ** الوجه الرابع : إذا فرضنا خطا منطبقا على خط حتى تكون النقطة التي في أحدهما محاذية للنقطة ~~التي في الآخر أو ملاقية لها ثم تحرك الخط ، فقد صارت PageV02P430 # النقطة المماسة غير مماسة واللامماسة إنما تحصل دفعة ، والآن الذي هو أول ~~زمان حصول اللامماسة لا شك أن الخط فيه صار ملاقيا لنقطة أخرى تالية للنقطة ~~الأولى ، فتكون النقط متتالية في كليهما ؛ إذ الكلام في لا مماسة النقطة ~~الثانية كالكلام في لا مماسة النقطة الأولى ، وكذا إلى آخر النقط. ### |||| ** الوجه الخامس : دائرة معدل النهار تطلع على سكان خط الاستواء منتصبة وهي في دورانها مسامتة ~~لهم وتكون تقاطع تلك الدائرة مع دائرة الأفق في المشرق والمغرب أبدا على ~~نقطتين ، وليس يتهيأ لنا في وقت من الأوقات أن نتوهم إلا وفي المشرق نقطة ~~ودائرة معدل النهار متحرك ودائرة الأفق ساكنة ، فإذا تحركت دائرة معدل ~~النهار حتى أكملت الدورة ms0670 فلا بد وأن تلاقي تلك النقطة من الأفق ، وإلا لزم ~~الطفرة ؛ لأنه حينئذ تكون تلك النقطة من الأفق ملاقية لنقطة معينة من معدل ~~النهار ، ثم تكون ملاقية لنقطة أخرى غير متصلة بالأولى مع أنها لم تصر ~~ملاقية لما بين النقطتين ، وهذا هو الطفرة (1) المعلوم بطلانه بالضرورة. ~~وإذن ثبت أن تلك النقطة من الأفق لاقت جميع ما يفرض في معدل النهار ، ~~ومعلوم أن الملاقي للنقطة نقطة ، فيكون معدل النهار مركبا من النقط ~~المتتالية ، وهو المطلوب. ### |||| ** الوجه السادس : النقطة أمر وجودي باتفاق الفلاسفة ، لأنها شيء مشار إليه غير منقسم لأنها ~~طرف الخط ، فلو انقسمت كان الطرف أحد قسميها فلا يكون الطرف كله طرفا ، هذا ~~خلف. ولأنها لو انقسمت لتفاوتت انصاف أقطار الدائرة. ولأن الخصم وافق عليه ~~، وإنما تقع الإشارة إلى الموجود. ولأن الخط متناه بالفعل ، ونهاية الخط ~~النقطة ، ونهاية الموجود وطرفه موجود. ولأن الخط بها يماس غيره ، وما PageV02P431 # به يماس الشيء غيره لا يكون عدما صرفا ، فلا يخلو إما أن تكون متحيزة ~~بالاستقلال أو بالتبعية ، لامتناع تجردها مع قبولها الاشارة وثبوت الوضع ~~لها. وكونها نهاية لذي الوضع فإن كان الأول ، فالمطلوب ، وإن كان الثاني ، ~~فمحلها إما أن يكون منقسما أو لا ، والأول محال ، وإلا وجب انقسامها ؛ لأن ~~الحال في المنقسم منقسم للبرهان السابق ، ولاتفاق الفلاسفة عليه حيث بنوا ~~عليه حجتهم في إثبات النفس الناطقة ، وإثبات أن القوة الجسمانية لا تقدر ~~على أفعال غير متناهية. والثاني ، إن كان ذلك المحل جوهرا فهو المطلوب ، ~~وإن كان عرضا نقلنا الكلام إليه ، فإما أن يتسلسل أو ينتهي إلى محل جوهري ~~غير منقسم ، وهو المطلوب. # قال أفضل المحققين : «الخصم قسم الأعراض إلى السارية في محالها وإلى غير ~~السارية ، ويعد النقطة من غير السارية. ويقول : إن غير السارية لا يجب ~~انقسامها بانقسام محلها» (1). # وفيه نظر ، فإن مفهوم غير الساري هو الذي لا يشيع في جميع أجزاء المحل بل ~~يوجد في بعضها ، فلننقل الكلام إليه. # قيل : إنها عدمية ، لأنها عبارة عن نهاية الخط ، ونهاية الشيء عبارة عن ~~فنائه وعدمه ms0671 وانقطاعه ، وعدم الشيء لا يكون ثابتا. # أجيب بوجهين : # الأول : النقطة على ما مر مشار إليه ذو وضع به يتناهى الخط بالفعل وذلك ~~يدل على وجودها. # الثاني : للحركات المحسوسة بداية ونهاية ، فالأمر الذي يقع فيه ابتداؤها ~~وانتهاؤها لا بد وأن يكون موجودا بالفعل ، فهو إما منقسم أو لا. والأول باطل ، PageV02P432 # لأنه لو كان كذلك لكان إما أن يكون كل واحد من نصفيه مبدأ للحركة معا حتى ~~يكون الشيء الواحد ملاقيا للشيئين دفعة ، وهو محال ، أو يكون أحد نصفيه هو ~~المبدأ فيكون المبدأ ذلك النصف لا الكل وقد فرض الكل ، هذا خلف. ثم إنا ~~ننقل الكلام إلى ذلك النصف ، فإن كان منقسما عاد المحال ، وإن لم ينقسم وهو ~~موجود بالفعل ، فإن كان مستقلا بذاته فهو الجوهر الفرد ، وإن افتقر إلى محل ~~عاد التقسيم. ### |||| ** الوجه السابع : اتفقت الفلاسفة على امتناع الانقسامات الغير المتناهية وأنه يستحيل وقوعها ~~بالفعل ، وما كان ممتنعا استحال كون الشيء قابلا له. فإذن يستحيل أن يكون ~~الجسم قابلا لما لا يتناهى من الانقسامات ، فهو إذن إنما يقبل القسمة ~~المتناهية ، وهو المطلوب. # اعترض (1) بأن قبول الجسم لانقسامات غير متناهية ليس أنه قابل يقبلها ~~بمجموعها بحيث يحصل جميعا في الوجود ، بل المراد أنه لا ينتهي إلى حد إلا ~~ويقبل بعد ذلك تقسيما آخر ، وذلك لا ينافي قولنا : إنه يستحيل قبول ~~التقسيمات الغير المتناهية. وسيأتي بطلان هذا. ### |||| ** الوجه الثامن (2) ### |||| ** : الجسم قابل للقسمة فيكون ذلك لأجل التأليف ، لأن قبول القسمة ليس لذاته ولا ~~لشيء من لوازم ذاته ولا لتحيزه ، فإن الشيء بعد القسمة تكون ذاته ولوازم ~~ذاته وتحيزه موجودة مع أنه لا يقبل تلك القسمة ؛ ولا للفاعل ، لأن الفاعل ~~لا يجعل غير المنقسم منقسما. فقبول القسمة إذن لأجل معنى PageV02P433 # قائم بالجسم. والله تعالى كما هو قادر على خلق ذلك المعنى فهو قادر على ~~إزالته ، فإذا اعدم الله تعالى تلك التأليفات بقيت تلك الأجزاء غير قابلة ~~للقسمة ؛ لأنه متى زال المصحح وجب زوال الحكم. # وأيضا التجزي لا يصح رجوعه إلى كونه ذاتا وما يختص به ms0672 من الصفة ولا إلى ~~وجوده ولا إلى عدمه ولا إلى الفاعل ، فليس إلا لأنه يرجع إلى وجود معنى هو ~~الافتراق وعدم معنى هو التأليف ؛ لأن ما عدا ذلك مما لا يؤثر في هذا الحكم ~~؛ فإن التأليف متى زال عنه فقد انقسم وتجزأ وإن بقيت كل المعاني ، ومتى ~~وجدت المعاني كلها غير التفريق فلا تجزؤ ولا انقسام ، لأن التجزؤ والانقسام ~~راجعان إلى التأليف وزواله ، ومتى كان المرجع بالتجزي إلى رفع التأليف بطل ~~قول من قال : إنه متجزئ بالقوة دون الفعل. # واعترض (1) بأنه إن عنى بذلك أن يكون فيه جزءان متميزان بالفعل بينهما ~~مماسة وأن التفريق هو تبعيد أحدهما عن الآخر ، فهو محل النزاع ، فانه لو ~~قلت ذلك لما احتاجوا في تتميم حجتهم إلى فرض زوال التأليف عنها إن كانت ~~الأجزاء حاصلة في ذلك المؤلف ومتميز (2) عن كل واحد منها عن الآخر بالفعل ~~لوجوب الواحد في كل كثير. وإن عنوا بكونه مؤلفا كونه مستعدا لقبول التجزئة ~~، فذلك مما لا يمكن ارتفاعه عنه ، لأن ذلك هو صورته الجسمية أو لازم صورته ~~الجسمية. ### |||| ** الوجه التاسع : لو كان في الجسم أجزاء غير متناهية لاستحال قطعه بالحركة إلا بعد قطع نصفه ~~ولا يمكن قطع نصفه إلا بعد قطع نصف ذلك النصف وهكذا إلى ما لا يتناهى، فلو ~~كان الجسم يشتمل على ما لا يتناهى لامتنع قطعه في زمان متناه. PageV02P434 # وفيه نظر (1)، لأنهم كما قالوا باشتمال الجسم على ما لا يتناهى من ~~الأجزاء وإن كان متناهيا ، كذا قالوا باشتمال الزمان المتناهي على أجزاء ~~غير متناهية ، فيقع قطع كل جزء من أجزاء المسافة في جزء من أجزاء الزمان ، ~~وهما على التساوق غير متناهيين ، فلا يرد عليهم ذلك حينئذ. # وهم اعتذروا عن ذلك بالطفرة ، وسيأتي بيان بطلانها. # وهذا كما يلزم النظام كذا يلزم الحكماء القائلين بأن الجسم واحد لكنه ~~يقبل القسمة إلى ما لا يتناهى ، لانهم يقولون : اختلاف الاعراض توجب القسمة ~~الفعلية والمماسات هنا ثابتة بالفعل فكان يجب الانقسام الفعلي ، فلا ينفع ~~الاعتذار بوحدة الجسم مع أن الاختلاف في ms0673 الأعراض يوجب التكثر. ### |||| ** الوجه العاشر : لو كان في الجسم أجزاء غير متناهية إما بالفعل أو بالقوة لصح أن يوجد في ~~الخردلة ما يغشي بها وجه العالم بأسره ، وهذا محال بالضرورة ، فما أدى إليه محال. # اعترض (2) بأنه مشترك الالزام ، لأنه (3) بتقدير تسليم الجزء لا يمكننا ~~المنع من ذلك ، إذ ربما تكون في الخردلة من الأجزاء التي لا تتجزأ ما تبلغ ~~كثرتها إذا # وقال الرازي : «واعلم : ان أبا الهذيل العلاف لما احتج بهذا الدليل على ~~النظام ، أجاب النظام عنه : بأن المحال إنما يلزم لو كان المتحرك تحرك على ~~جميع أجزاء المسافة ، وليس الأمر كذلك ، بل إنه تحرك على بعضها وطفر على ~~الباقي ... قال : والقول بالطفر ، وإن كان بعيدا جدا ، إلا أن القول بإثبات ~~الجوهر الفرد ، يلزم عليه تفكك حجر الرحى. فإذا جاز لكم التزام ذلك ~~المستبعد ، فلم لا يجوز أيضا التزام مثل هذا المستبعد» ، المطالب العالية 6 : 69. # وذكره الرازي في المباحث المشرقية 2 : 42. PageV02P435 # بسطت إلى تغشية سطح العالم ، فإذا لم يكن ذلك بين الامتناع مع فرض وجود ~~الجزء ، فكيف يبين بامتناعه وجود الجزء؟ # وفيه نظر ، لأن العقل قاض بعدم اشتمال الخردلة على مثل تلك الأجزاء. ### |||| ** الوجه الحادي عشر : برهن أقليدس (1) على وجود زاوية هي أصغر الزوايا الحواد وذلك يدل على الجزء ~~الذي لا يتجرأ. # اعترض (2) بمنع عدم انقسامها ، فإن هناك زوايا هي أصغر منها بالقوة بغير ~~نهاية. وإنما قام البرهان على أنه لا تكون زاوية بين (3) خطين مخصوصين ، ~~أعني مستقيمين أصغر من تلك. وليس إذا قيل : «إنه ليس شيء نصفه كذا أصغر من ~~كذا» ، وجب أن يقال : إنه ليس شيء أصغر منه البتة ، فجاز أن تكون هناك ~~زاوية أصغر منها تحدث من خط مستقيم ومستدير. # وفيه نظر ، لأن تلك الزاوية لو انقسمت بخط مستدير ومستقيم لانقسمت بخطين ~~مستقيمين ، إذ لا مدخل لاستقامة الخط الواقع على المنقسم به واستدارته في ~~صغر الخط وكبره وقبوله للقسمة وعدمها. على أن تلك الزاوية لو انقسمت بنصفين ~~مثلا لكان المنتصف نقطة ، ولنفرض نقطة أخرى بين الخط المستقيم ms0674 والمستدير ~~محاذية لتلك النقطة ، فلنا أن نصل بين هاتين النقطتين بخط مستقيم على ما ~~قرر أقليدس في مصادراته التي بنى عليها أكثر براهينه ، فيلزم انقسام تلك ~~الزاوية بخطين مستقيمين أيضا. PageV02P436 ### |||| ** الوجه الثاني عشر : التفاوت حاصل بين الكبير والصغير ، وإنما يحصل ذلك بكثرة أجزاء الكبير وقلة ~~أجزاء الصغير ، فلو كانت أجزاء الكبير والصغير غير متناهية لوجب تساوي جميع ~~الأجسام في الحجم ؛ فإن ما لا يتناهى لا يقبل الأقل والأكثر. # واعترض (1) بأنهما يتساويان في العدد لا في المقدار ، فأجزاء الخردلة غير ~~متناهية وكذا أجزاء الجبل ، لكن أجزاء الخردلة أصغر من أجزاء الجبل ، وهذا ~~كما لو ضعفنا الجبل مثل تضعيف الخردلة فانهما تتساويان في عدد التضعيف لا ~~في مقداره. ### |||| ** الوجه الثالث عشر : لو كان الجسم قابلا لانقسامات غير متناهية لحصلت فيه بالفعل ، والتالي باطل ~~، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن اختلاف المماستين يوجب الانقسام بالفعل فيما يقبل ~~الانقسام ، واختلاف المماسات حاصل أبدا ، لأن كل جزء يفرض فإنه يلاقي بأحد ~~جانبيه شيئا غير ما يلاقيه بالجانب الآخر منه ، فلو كان قبول الانقسام لا ~~إلى نهاية لكان السبب القابل والسبب الفاعل لتلك الانقسامات الغير ~~المتناهية حاصلين (2)، فيجب حصول تلك الانقسامات. وأما بيان امتناع ذلك ~~فلما بينا أن ذلك ينافي وجود الجزء الواحد وما ينافي وجود الواحد ينافي ~~وجود الكثرة ، فإذن يجب أن تكون الكثرة حاصلة وأن لا تكون ، هذا خلف. ### |||| ** الوجه الرابع عشر : ما تقدم أولا في وجود النقطة ، وهو أن الجسم متحرك بالمشاهدة بعد أن لم يكن ~~متحركا ، فالموضع الذي وقع فيه مبدأ الحركة من المسافة إن انقسم استحال أن ~~يكون كلا قسميه مبدأ ؛ لأن الجسم الواحد لا يتحرك دفعة PageV02P437 # في مكانين ، بل يقع في القسم الأول لاستحالة أن يقع في الثاني قبل وقوعه ~~في الأول ، وإلا لم يكن الثاني ثانيا بل أولا. فذلك الأول إن كان منقسما ~~عاد البحث ، وإن لم يكن منقسما استحال أن يكون عرضا ، لأن الموضع الذي وقع ~~فيه مبدأ الحركة أمر مشار إليه بالذات ، فلو كان له محل لكان محله ms0675 إما أن ~~يكون مشارا إليه أو لا يكون ، فإن كان مشارا إليه فالكلام فيه كالأول ، ~~فإما أن يتسلسل ، وهو محال ، أو لا يتسلسل مع أنه شيء غير منقسم ، فهو شيء ~~قائم بذاته غير منقسم ، وهو المطلوب. وإن لم يكن محله مشارا إليه استحال ~~حلوله فيه. # أما أولا : فلأن المشار إليه في الجهة المعينة مختصة بتلك الجهة وما لا ~~يكون مشارا إليه في تلك الجهة لم يكن مختصا بتلك الجهة ، وحصول المختص بتلك ~~الجهة بما لا يكون مختصا بتلك الجهة محال بالضرورة. # وأما ثانيا : فلأنه لو جاز حلول الحاصل في الحيز في غير الحاصل فيه لكان ~~يجب تجويز أن يقال : العالم حال في الباري تعالى مع أن العالم مختص بالحيز ~~والباري يستحيل اختصاصه بالحيز. # فظهر أن موضع ابتداء الحركة شيء قائم بذاته ذو وضع غير قابل للقسمة البتة ~~، وهو المطلوب. PageV02P438 ### | البحث الثاني ### | في إبطال وحدة الجسم # قد عرفت مذاهب الحكماء والمتكلمين في ذلك ، وأن الحكماء ذهبوا إلى أن ~~الجسم واحد في نفسه كما هو عند الحس (1)، وأنه يقبل انقسامات لا نهاية لها ~~، وأنه متصل بذاته ، وأن الاتصال جزء مقوم له ، وأنه متى انفصل عدم ذلك ~~الجسم ووجد جسمان آخران غير ذلك الجسم الذي كان أولا ، فإذا اتصلا بعد ذلك ~~صارا واحدا وعدم الجسمان الأولان وتجدد ثالث. # وهنا مذهب آخر ينسب إلى ديمقراطيس وهو : أن الجسم الواحد منقسم بالفعل ~~مركب من أجزاء لا تتجزأ بالفعل ، لكن كل جزء منها قابل للقسمة الفرضية وأن ~~تلك الأجزاء أيضا تسمى أجساما. وسيأتي البحث في ذلك. # والمتكلمون أبطلوا قول الفلاسفة بوجوه (2): ### |||| ** الوجه الأول : وحدة الجسم إن كانت نفس الجسم أو جزءا منه أو لازما لذاته كان قسمة الجسم ~~إعداما له أو متضمنا له ؛ لأن القسمة إعدام للوحدة ، فإذا كانت نفس الجسم ~~أو جزء من الجسم وجب عدمه عند عدم الوحدة. وكذا إن PageV02P439 # كانت لازمة ؛ لاستحالة عدم اللازم وبقاء الملزوم. فإما أن لا يقبل الجسم ~~الانقسام البتة أو يعدم عند حصوله ، لكن الجسم قابل للقسمة فلا يكون ms0676 واحدا ~~؛ لأن كل واحد لا يقبل القسمة وينعكس بالنقيض إلى ما قلناه. # وإن كانت وحدة الجسم عارضة له ، فالجسم الذي قامت الوحدة به إما أن يكون ~~قابلا للقسمة أو لا يكون ، فإن كان قابلا لها وجب انقسامها لانقسام محلها ، ~~فالوحدة غير وحدة بل كثرة ، هذا خلف. ولأنها إذا كانت قابلة للانقسام فإن ~~قامت بها وحدة أخرى لزم التسلسل ، وإن لم تقم بها وحدة أخرى كانت تلك ~~الوحدة منقسمة بالفعل ، فالموصوف بها كذلك ، فالجسم منقسم بالفعل. وإن لم ~~يكن قابلا لها ، ثبت المطلوب. # ولأن الوحدة لو كانت صفة قائمة بالجسم ، والعرض لا يحدث في المحل ولا ~~يحصل فيه إلا إذا كان ذلك المحل متعينا في نفسه متميزا عن غيره ولا يعقل من ~~وحدته إلا تعينه في نفسه وتميزه عن غيره ، فيلزم أن يكون قيام الوحدة ~~بالجسم متوقفا على كون الجسم واحدا ، ثم الكلام في تلك الوحدة كالكلام في ~~الأول ويلزم التسلسل ، وهو محال. وبتقدير إمكانه فلا بد وأن ينتهي الأمر ~~إلى وحدة تقوم بالذات لا بتوسط وحدة أخرى ، وإلا لم تكن الذات موصوفة ~~بالوحدة أصلا ، وذلك هو المطلوب. ### |||| ** الوجه الثاني : الجسم البسيط لو كان واحدا لكنا إذا قسمناه أبطلنا وحدته ووحدة كل شيء هو ~~(1) هويته ؛ لأنه لا معنى للهوية إلا الخصوصية التي بها تتميز عن الآخر ~~وتلك الخصوصية هي الوحدة ، فإذن لما أوردنا القسمة على الشيء الذي كان ~~واحدا فقد أبطلنا هويته وإذا أبطلنا هوية الشيء فقد أعدمناه ، فإذن لما ~~أوردنا التقسيم على الجسم فقد أعدمنا تلك الجسمية ، فلا يخلو إما أن يكون قد PageV02P440 # بقي من الجسم شيء أو لم يبق ، فإن بقي من الجسم الأول شيء ، فذلك الشيء ~~حين ما كان الجسم واحدا إما أن يكون واحدا أو كثيرا فعند ما صار الجسم ~~كثيرا إما أن يكون قد صار ذلك الشيء كثيرا أو ما صار ، فإن كان الأول ، ~~فذلك الشيء قد زالت وحدته ، وقد بينا أن زوال الوحدة توجب عدم ذلك الشيء ، ~~فإذن ذلك الشيء قد عدم أيضا فلم يكن ms0677 ما فرضناه باقيا ، هذا خلف. وإن كان قد ~~بقي واحدا فذلك محال ؛ لأن أحد قسمي الجسم ممتاز عن الآخر ، فيستحيل أن ~~يكون هناك شيء واحد بالعدد ويكون مشتركا بينهما. # وأما إن قيل : إن ذلك الشيء كان كثيرا حينما كان الجسم واحدا ، فإذا كان ~~ذلك الشيء كثيرا كانت الجسمية القائمة بأحدهما غير الجسمية القائمة بالآخر ~~، لامتناع حلول الشيء الواحد في أزيد من محل واحد ، فيكون الجسم مركبا من ~~الأجزاء المتمايزة بالفعل مادة وصورة ، فإذن الجسم لم يكن واحدا في الحقيقة ~~بل كان مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ ، وهو المطلوب. ### |||| ** الوجه الثالث : إذا أوردنا القسمة على جسم واحد حتى صار جسمين ، فلا يخلو إما أن تكون هوية ~~كل واحد من هذين الجسمين كانت حاصلة قبل تلك القسمة أو ما كانت حاصلة. فإن ~~كان الأول ، فالهويتان إن كانت حاصلتين فقد كانتا موجودتين ويتوجه الإشكال. ~~وإن كان الثاني ، فقد حدثت هاتان الهويتان عند القسمة وبطل ذلك الجسم ~~الواحد الذي كان موجودا قبل ، فيكون التفريق إحداثا للمقسم وايجادا للقسمين ~~، وهذا باطل بالضرورة. ولاستلزامه كون الواحد منا قادرا على ايجاد الجسم ، ~~وهو محال. ### |||| ** الوجه الرابع (1) ### |||| ** : إذا نظرنا إلى الجسم البسيط ذي الأبعاد المتطاولة علمنا بالضرورة مغايرة ~~أحد جوانبه للباقي وأن كل واحد من نصفيه ممتاز عن النصف PageV02P441 # الآخر ، فكيف يمكن مع ذلك الحكم بكون ذلك الجسم واحدا في الحقيقة؟ # لا يقال : الكثرة حصلت باعتبار التوهم أو اختلاف الأعراض أو الفرض ، فانك ~~قبل الفرض لا تجد فيه كثرة ولا تمايز ، فإذا فرضت جانبا مغايرا لجانب آخر ~~حصلت هناك كثرة. # لأنا نقول : التميز في الإشارة والوهم والفرض (1) واختلاف الأعراض متوقف ~~على التميز في المشار إليه ، لاستحالة أن يتميز في الإشارة ما ليس بمتميز ~~في ذاته ، لأن الإشارة تابعة وحكاية عن المشار إليه متأخرة عنه بالذات ، ~~فلو جعلنا التميز في المشار إليه معللا بالامتياز في الإشارة لزم الدور. ~~ولأنا نعلم بالضرورة أن أحد جانبي الجسم قد كان ممتازا عن الجانب الآخر ~~وموجودا في نفسه ومتحققا مغايرا للجانب الآخر ، سواء ms0678 وجد وهم ومتوهم أو لا. ### |||| ** الوجه الخامس : إذا حكمنا على الجسم البسيط بأنه موجود ، فالمحكوم عليه بهذا الحكم ليس إلا ~~الجملة المتخيلة من تلك الأبعاض المفترضة فيه وأنه ليس أمرا مغايرا لها ، ~~فلو كانت تلك الأبعاض أمورا تحدث عند القسمة وأن الوجود قبل القسمة أمر ~~وراء تلك الأبعاض كان ذلك خروجا عن المعقول ؛ لأنا لا نعقل من الجملة هذا ~~الجسم إلا المجموع الحاصل من أجزائه وجوانبه. # فظهر من هذه الوجوه أن أجزاء الجسم حاصلة بالفعل في نفسها ، سواء فرضها ~~فارض أو لا ، إلا أنها حالة الاتصال ليست متفاصلة بالفعل ، بل متصلة اتصال تماس. # اعترض أفضل المحققين : «بمنع انقسام القائم بالمنقسم. وقيام الوحدة ~~بالوحدة ممكن. وادعاء الضرورة «أن (2) أحد الجانبين من الجسم قبل القسمة PageV02P442 # ليس هو عين الثاني» مشتمل على دعوى نفي القسمة مع فرضها ، ولذلك لزم ~~المحال. ولا يلزم من كونهما غير موجودين قبل القسمة عدم شيء بعد القسمة غير ~~الاتصال وحدوث شيء غير الانفصال ، وذلك محسوس ، فضلا عن أن يكون باطلا ~~بالبديهة» (1). # وفيه نظر ، لأن غير المنقسم إن قام بالمنقسم ، فإما بكل أجزائه ويلزم ~~الانقسام بالضرورة ، أو ببعضها ويعود البحث فيه. والعلم الضروري حاصل بأن ~~ما وجد بعد الفرض قد كان ثابتا قبله ، وقبل الوحدة القائمة بالجسم يقبل ~~الكثرة الوهمية ، ولا استحالة في ذلك. وأما الكثرة بالفعل ، فلا يلزم قبول ~~الوحدة لها ؛ لأن الوحدة لا تقوم بالجسم عند قيام الكثرة به ، بل هما وصفان ~~متباينان ، فاندفع المحال. # وفرق بين الوحدة والهوية ، فالقسمة إذا وردت على الجسم الواحد أزالت ~~وحدته وما زالت هويته. ولأن الجسم من حيث هو جسم ليس إلا الجسم ، وكونه ~~منقسما أو غير منقسم وصفان قائمان به ، فإذا أخذت الجسم من حيث هو جسم ~~استحال أن يقال فيه أنه منقسم أو غير منقسم ، وإذا قسمنا الجسم عدمت ~~المقادير والجسميات إلا أن هناك هيولى مشتركة. # والجواب : إن لزم من انقسام المحل انقسام الحال وجب أن تكون القسمة فعلية ~~، وإلا لم تجب الوهمية أيضا. والقسمة عند الأوائل تقتضي عدم ms0679 الاتصال الذي ~~هو جزء الجسم ، وعدم الجسم متحقق عند عدم أجزائه ، ولا نزاع في أن عدم ~~الشيء من حيث هو هو مغاير لجميع ما يعرض له ، لكن الماهية من حيث هي هي لا ~~توجد في الأعيان إلا مع المشخصات التي متى بطلت بطل ذلك الشخص ، فإن هذا ~~الإنسان إذا بطل ، فلا نقول بأن الإنسان من حيث إنه إنسان PageV02P443 # شيء قائم في الأعيان ويتوارد عليه التعينات ، بل إذا فنى هذا الإنسان فقد ~~فنى هذا الشخص وحدث شخص آخر بعده. فكذا هذا الجسم وإن كان من حيث هو جسم ~~مغاير لكونه منقسما أو غير منقسم إلا أن الشخص منه لا يدخل في الأعيان إلا ~~مع أحد هذين الوصفين ، ومتى بطل عنه ذلك الوصف فلا بد وأن ينتفي ذلك الشخص ~~، وحينئذ يلزم ما تقدم من كون التقسيم إعداما. والهيولى إن كانت عند وحدة ~~الجسم واحدة فعند القسمة قد انقسمت ، فيعود المحال ؛ وإن كانت متعددة بحسب ~~الانقسامات الممكنة فالمقدار والجسمية الحالة في كل واحد منها غير الحالة ~~في الآخر ، فتكون الأجزاء متميزا كل واحد منها عن الآخر بمادته وصورته ، ~~ويعود المحال. ولو كانت القسمة إعداما للجسم لكانت البعوضة إذا أخذت برأس ~~إبرتها من البحر المحيط جزءا من سطح الماء يلزم أن يعدم البحر بكليته ويوجد ~~بحر آخر ؛ لأنه متى تفرق الاتصال في ذلك الموضع فقد فنى ذلك المقدار ، وإذا ~~فنى ذلك المقدار فقد فنى ما كان متصلا ، وهلم جرا إلى آخر البحر (1). PageV02P444 ### | البحث الثالث ### | في امتناع قبول ### ||| * الجسم المتناهي القسمة الغير المتناهية # اعلم : أن الفلاسفة القائلين بوحدة الجسم قالوا بأنه ينقسم إلى ما لا ~~يتناهى. ونحن قد بينا أن الواحد لا يجوز أن تعرض له القسمة ، بل وجود ~~القسمة يدل على كثرته. # فلنشرع الآن في إبطال قولهم بقبول القسمة إلى غير النهاية تفريعا على ~~قبول الواحد القسمة ، وذلك من وجوه (1): ### |||| ** الأول : لو قيل للجسم انقسامات غير متناهية لزم حصول تلك الانقسامات بالفعل ، ~~والتالي باطل وفاقا ، فالمقدم مثله. ### |||| ** بيان الشرطية : أن كل جزء يمكن فرضه ms0680 في الجسم فإنه موصوف بخاصية غير حاصلة في الأجزاء ~~الأخر ؛ لأن مقطع (2) النصف موصوف بالنصفية ولا يتصف بها إلا هو ، وكذا ~~مقطع (3) الثلث والربع إلى غير ذلك من المقاطع التي لا PageV02P445 # تتناهى ، كمقطع نصف النصف وربعه وثمنه ونصف ثمنه إلى ما لا يتناهى ، وإذا ~~كان لكل واحد من المقاطع الممكنة خاصية بالفعل لا توجد لغيره وعندهم أن ~~الاختصاص بالخواص المختلفة يقتضي الانقسام بالفعل ، وجب حصول الانقسامات ~~بأسرها بالفعل. # وكذا مركز الدائرة إنما يصح في موضع واحد ، وهو موضع مقاطع الأقطار ، ~~فإمكان حصول المركز في الدائرة بالفعل حاصل قبل التقاطع والحركة والفرض ، ~~وهذا الإمكان يوجب امتياز ذلك الموضع عن سائر المواضع. وكذا جميع النقط ~~التي لا تتناهى ، فيلزم الانقسام الغير المتناهي بالفعل ، أو إبطال قولهم ~~«اختلاف الأعراض يوجب الانقسام». # قال أفضل المحققين : «هذا كله فرض ، والفرض لا يرتفع بارتفاع اسمه مع ~~ثبوت معناه ، بل يرتفع بأن لا يفرض. والدائرة إن لم يفرض فيها شيء لم ~~يلزمها شيء مما ذكر ، وهذا حكم عام في المقادير ؛ فإن الخط المتناهي له ~~منتصف ولنصفه منتصف وهلم جرا ، وهي متمايزة في نفسها عن سائر أجزاء الخط ~~إلا أنها تمتاز بالفرض ، ولا يرتفع بأن نقول : إنها لازمة وإن لم تفرض ، ~~لأن تصور المنتصف فرض ، فضلا عن التلفظ به. وبالجملة الأجزاء المفروضة لا ~~تستتبع الخواص ، لأن تغاير الخواص اللازمة من الفرض لا يقتضي الانقسام ~~الموجود بالفعل مع عدم الفرض» (1). # وفيه نظر ، لأن من مذهبهم أن كل حادث فهو مسبوق بإمكان يفتقر فيه إلى محل ~~يحله ، ولا شك أن المركز والمنتصف وغيره من المقاطع قد يحدث قبلها إمكان ~~سابق لا بد له من محل وذلك الإمكان لا يمكن أن يعرض (2) لغير ذلك المنتصف PageV02P446 # والمركز ، ولا تكفي الكرة للمحلية ، لاستحالته في جميع الأجزاء غيره ؛ ~~ولأن إمكان الفرض سابق عليه ويتعلق بمحل خاص ؛ ولأن الفرض تابع للتميز في ~~نفسه ، لاستحالة وقوعه في أي جزء كان. ### |||| ** الثاني : إذا تحرك الجسم على آخر ، لاقى طرف المتحرك دائما من المتحرك عليه شيء لم ~~يلقه ms0681 أولا. واختلاف الأعراض وإن كانت إضافية يقتضي حدوث القسمة ، فالقاسم ~~أبدا قائم ، والمنقسم أبدا قابل ، فوجب أن تحدث فيه انقسامات بالفعل غير ~~متناهية ؛ لأنه متى صار ملاقيا بحدوث حدود المسافة فقد حدث ذلك الحد وقبل ~~ذلك الحد كان ملاقيا لحد آخر وقبل ذلك الحد حدا آخر ، فإذا كان قبول القسمة ~~غير متناه فلا حد يفرض إلا وقد حدث قبله حدود أخر غير متناهية بالفعل بسبب ~~الملاقيات المتعاقبة ، وحينئذ يعود المحال. ### |||| ** الثالث (1) ### |||| ** : اختلاف الأعراض الإضافية موجب لحدوث الانقسام بالفعل ، وكل جسم موجود فإنه ~~لا بد وأن يلاقي بأحد طرفيه شيئا غير ما يلقاه بالطرف الآخر ، فيلزم أن ~~يحدث في ذلك الجسم انقسام بالفعل. ثم إن أحد نصفيه يلاقي بأحد وجهيه شيئا ~~غير ما يلاقيه بوجهه الآخر ، فيلزم أن ينتصف ذلك النصف أيضا ، فإذا كان ~~قبول القسمة حاصلا أبدا وكان المقسم بالفعل وهو اختلاف المماسات حاصلا ~~بالفعل أبدا لزم حصول الانقسامات بالفعل أبدا. # فظهر أن الجسم لو كان قابلا لانقسامات غير متناهية لكانت تلك الانقسامات ~~بأسرها حاصلة بالفعل. # لا يقال : هذا مبني على أن الجسم إذا لقي بأحد طرفيه شيئا غير الذي لقيه ~~بطرفه الآخر فإنه ينتصف ذلك الجسم ، وليس كذلك ، بل يمتاز أحد جانبيه عن ~~الآخر بالفعل ، وجانبه سطح وهو عرض. PageV02P447 # لأنا نقول : لا شك أنه إذا لقى بأحد جانبيه غير ما لقيه بجانبه الثاني ~~فقد امتاز أحد جانبيه عن الآخر بالفعل ، فالجانبان إن كان المرجع بهما إلى ~~عرضين قائمين به وجب امتياز محلي ذينك العرضين ، فإن كان ذلك المحل عرضا ~~لزم التسلسل ، وإن انتهى ذلك إلى جزئي ذاته ، توجه الإشكال. وهذا رجوع عما ~~استدل به أولا إلى وجه آخر غيره. ### |||| ** الرابع (1) ### |||| ** : لو انقسم الجسم إلى ما لا يتناهى لانقسمت الحركة كذلك. والشرطية ظاهرة مما ~~تقدم في بيان انقسام كل واحد من الأمور الثلاثة بانقسام الآخر ، لكن التالي ~~باطل للعلم الضروري بأن الحركة لها حصول ، فاما في الحاضر أو في غيره ، وهو ~~إما الماضي وهو الذي كان حاضرا في وقت مضى ms0682 أو المستقبل وهو الذي سيأتي ~~وكلاهما معدومان ؛ وأيضا لو لم يكن لها حضور في الحال انتفى الماضي ~~والمستقبل. وذلك الحاضر غير منقسم ؛ لأنه لو كان منقسما لم توجد أجزاؤه إلا ~~على التقضي والمرور ، فلو كان الحاضر منقسما لكان بعض أجزاء ما فرض حاضرا ~~غير حاضر ، فلا يكون الجزء الذي فرض حضوره حاضرا ، هذا خلف. ولأن كل جزء من ~~أجزاء الحركة إنما توجد عند وصول المتحرك إلى حد آخر من حدود المسافة ، ~~ووصول المتحرك دفعة واحدة إلى حدين من حدود المسافة محال ، فحصول جزءين من ~~أجزاء الحركة دفعة واحدة محال. ولأنه لو جاز اجتماع بعض الأجزاء المفترضة ~~في الحركة في الوجود لجاز اجتماع كل الأجزاء المفترضة فيها ، فيلزم أن تكون ~~التي حصلت في المتحرك عند كونها في أول المسافة باقية عند كونها في آخر ~~المسافة ، وهو محال بالضرورة. # فثبت أن الحاضر من الحركة غير منقسم ، فإذا انقضى ذلك الجزء لا بد وأن ~~يحصل جزء آخر يكون حاله في عدم قبول الانقسام ما ذكرناه ، فتكون الحركة من PageV02P448 # أول المسافة إلى آخرها مركبة من أمور كل واحد منها لا يقبل الانقسام ، ~~وهذا هو معنى قول المتكلمين : الحركة عبارة عن حصولات متتالية في أحياز ~~متوالية. # اعترض : بأن الحركة لفظا يقال على قطع المسافة وعلى موافاة الحدود ، ~~ومعنى قطع المسافة أن المتحرك إذا تحرك من أول المسافة إلى آخرها فلا شك ~~أنه قطع تلك المسافة (1)، فهذا القطع يسمى بالحركة. والحركة بهذا المعنى ~~غير موجودة في الخارج ؛ لأن القطع لا يتوهم وجوده إلا عند انتهاء (2) ~~المتحرك إلى آخر المسافة ، وحينئذ تنتفي الحركة وتعدم ، فالحركة بهذا ~~المعنى لا تحقق لها في الخارج. # وأما الحركة بمعنى موافاة الحدود المفترضة في المسافة ، فهي أن المتحرك ~~ما دام يكون على مبدأ المسافة لم يتحرك وما دام على المنتهى فقد عدمت ~~الحركة عنه ، فهو إذن إنما يتحرك بين ذلك المبدأ وذلك المنتهى لا مطلقا ، ~~ولكن بشرط أن لا يكون بحيث لا يفرض آن من الآنات إلا وهو يكون في حد آخر ms0683 من ~~الحدود المتوسطة بين ذلك المبدأ وذلك المنتهى بحيث لا يكون قبله ولا بعده ~~فيه ، فهذا التوسط على هذا الوجه هو أمر واحد يوجد في الحال ؛ لأنه لا آن ~~يفرض إلا ويكون الجسم فيه موصوفا بهذا التوسط ، ثم إن هذا التوسط أمر واحد ~~بالذات باق بعينه ما دام الجسم متوسطا بين ذلك المبدأ والمنتهى. فظهر أن ~~الحركة بمعنى القطع غير موجودة في الخارج ، وبمعنى التوسط موجودة في الخارج ~~حاصلة في الآن باقية في جميع مدة كون الجسم متوسطا بين ذلك المبدأ ~~والمنتهى. # وأجيب : بأن الدليل ليس مبنيا على لفظ الحركة حتى يجب البحث عن تفسيرها ، ~~بل هو مبني على أمر محسوس وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان ، وهذا لا ~~سبيل إلى إنكار وجوده في الخارج. PageV02P449 # ويستحيل أن يكون باقيا من أول المسافة إلى آخرها بالضرورة ، للعلم ~~الضروري بأن الحركة التي كانت في الجسم عند كونه ببغداد غير الحاصلة فيه ~~عند كونه بالبصرة ، وإنكاره مكابرة ودخول في السفسطة ، كيف والزمان عندهم ~~من لواحق الحركة؟ فلو كانت باقية بعينها لكان الزمان باقيا بعينه ، فيكون ~~اليوم هو بعينه أمس والغد بعينه اليوم ، وهذا لا يقوله محصل. # وإذا ثبت أن الحركة غير باقية بعينها من أول المسافة إلى آخرها ، فلا بد ~~من الاعتراف بتوالي أمور وتعاقبها ، فإن كان كل منها منقسما لزم أن يكون ~~حصول أجزائه على التقضي فلا يكون الحاصل حاصلا ، هذا خلف. وإن لم يكن ~~منقسما ، فهو المطلوب. # فالتفصيل الذي ذكروه غير نافع ؛ لأن الحركة بمعنى القطع لما لم تكن ~~موجودة في الخارج لم يكن دليلنا متعلق به ، لأنا بنينا الدليل على الحركة ~~الموجودة في الخارج. # وأما الحركة بمعنى موافاة الحدود ، فحاصل كلامهم فيها أنها شيء واحد ~~بالعدد باق من أول المسافة إلى آخرها. وقد بينا أن هذا خروج عن المعقول. PageV02P450 ### | البحث الرابع ### | في إبطال مذهب النظام # قد نقلنا فيما تقدم عن جماعة من قدماء الحكماء والنظام : أن الجسم مؤلف ~~مما لا يتناهى من الأجزاء التي لا تتجزأ فعلا ولا قوة ms0684 بالفعل. # وقيل (1): «إن هذا شيء لزمهم وإن لم يصرحوا به ؛ لأنهم لما وقفوا على ~~أدلة نفاة الجوهر الفرد ولم يقدروا على ردها أذعنوا بها وحكموا بأن الجسم ~~ينقسم انقسامات لا تتناهى ، لكنهم لم يفرقوا بين ما هو موجود في الشيء ~~بالقوة وبين ما هو موجود فيه مطلقا ، فظنوا أن كل ما يمكن في الجسم من ~~الانقسامات التي لا تتناهى فهو حاصل فيه بالفعل (2)، فحكموا باشتماله على ~~ما لا يتناهى من الأجزاء صريحا. وهذا الحكم ينعكس عكس النقيض إلى أن كل ما ~~لا يكون حاصلا في الجسم من الانقسامات ، فهو لا يمكن أن يحصل فيه. # ثم إنهم معترفون بوجود كثرة في الجسم وأن الكثرة إنما تتألف من آحاد وأن PageV02P451 # الواحد من حيث هو واحد لا ينقسم. فإذن قد تحصل من أقوالهم مقدمتان هما : ~~أن الجسم يشتمل على أشياء غير منقسمة ، وكل ما يشتمل عليه الجسم ولا يكون ~~منقسما فإنه لا يقبل القسمة ، ينتج : الجسم يشتمل على أشياء لا تقبل ~~القسمة. وهذا هو القول بالجزء الذي لا يتجزأ ، وقد لزمهم وإن لم يصرحوا به ~~، إلا أن القائلين بالجوهر الفرد يقولون بأجزاء متناهية وهؤلاء يذهبون إلى ~~ما لا يتناهى ، فهؤلاء كادوا أن يقولوا بهذا التأليف لكن من أجزاء غير ~~متناهية» (1). # قال الشيخ (2): «وقد تناظر الفريقان ، فلما ألزم أصحاب الجوهر الفرد ~~النظام ومن تقدمه ممن دان بمقالته وجوب قطع مسافة محدودة في زمان غير متناه ~~، ارتكبوا القول بالطفرة. ولما ألزموهم وجوب كون المشتمل على ما لا يتناهى ~~غير متناه في الحجم ، جوزوا تداخل الأجزاء. ولما ألزم النظام وأصحابه أصحاب ~~الجوهر الفرد تجزئة الجزء القريب من مركز الرحى عند حركة البعيد وقطعة ~~مسافة مساوية لجزء واحد لكون القريب أبطأ منه ، ارتكبوا القول بسكون البطيء ~~في بعض أزمنة حركة السريع ، ولزمهم من ذلك القول بانفكاك الرحى عند الحركة ~~فاستمر التشنيع من (3) الفريقين بالطفرة والتداخل وتفكك الرحى» (4). # إذا عرفت هذا ، فنقول : تدل على بطلان قول النظام وجوه (5): ### |||| ** الأول : كل كثرة سواء كانت متناهية أو غير متناهية ، فإن ms0685 الواحد فيها # أقول : وإنما قال الشيخ بمضمون هذه العبارات في الفصل الثالث من المقالة ~~الثالثة من الفن الأول من طبيعيات الشفاء. والعبارات نفسها هي للطوسي. PageV02P452 # موجود ؛ لتركبها من الوحدات ووجود المركب يستلزم وجود مفرداته. فإذا ~~أخذنا من تلك المفردات عددا متناهيا والفناه طولا وعرضا وعمقا فإما أن يزيد ~~مقداره على مقدار الواحد أو لا ، والثاني باطل ؛ لأنا نعلم بالضرورة أن ~~الجزءين أعظم من أحدهما ، وإن زاد حتى حصل جسم تجزأت الكلية التي قالها (1) ~~من أن كل جسم فإنه مؤلف مما لا يتناهى من الأجزاء. ثم إذا أردنا تعميم ~~الدلالة قلنا : هذا الجسم المؤلف مما لا يتناهى متناه في المقدار إذا ~~نسبناه إلى جسم آخر متناه في المقدار غير متناه الأجزاء كانت النسبة بينهما ~~نسبة متناهي المقدار إلى متناهي المقدار لكن ازدياد الحجم بحسب ازدياد ~~التأليف والنظم ، فتكون نسبة الآحاد المتناهية إلى الآحاد الغير المتناهية ~~نسبة متناهي المقدار إلى متناهي القدر ، وهو محال بالضرورة. ### |||| ** الثاني : يلزم أن لا يلحق السريع البطيء أبدا ؛ لأن السريع إذا ابتدأ بالحركة بعد ~~البطيء فإذا وصل السريع إلى ما وصل إليه البطيء يكون البطيء قد تحرك شيئا ، ~~فإذا قطعه السريع يكون البطيء قد قطع شيئا وهكذا دائما ، لأن الأجزاء غير ~~متناهية ، لكن اللازم باطل بالضرورة. ### |||| ** الثالث : يلزم منه قطع المسافة المتناهية في زمان غير متناه على ما تقدم. ### |||| ** الرابع : حصول التأليف في الأجزاء محتاج إليها ، فيستحيل أن تكون بها حاجة إلى ~~التأليف ، لاستحالة الدور ، فصح وجود الأجزاء منفكة عن التأليف ، فيكون كل ~~واحد جزءا لا يتجزأ. # واعلم : أن النظام التزم بقاعدتين يخلص بهما من هذه الإلزامات ، احداهما ~~: الطفرة ، والثانية : التداخل. فلنشرع في بطلان هاتين القاعدتين إن شاء ~~الله تعالى. PageV02P453 ### | البحث الخامس ### | في إبطال الطفرة # ذهب النظام (1) إلى أن الجسم إذا تحرك مسافة ، فإنه تحصل الأحياز ~~المتوسطة بأن يقطع البعض ويطفر البعض ، فيحصل في المكان الثاني مثلا بقطع ~~المتحرك له ، ثم يحصل في الرابع من غير أن يحصل في الثالث ، ولا يحاذيه ، ~~وهكذا إلى آخر المسافة. # والضرورة ms0686 قاضية ببطلان ذلك ؛ فإنا نعلم علما ضروريا أن المتحرك من أول ~~المسافة إلى آخرها إنما يقطع المسافة بالمرور على الحدود المفروضة بين المبدأ # ويذكر البغدادي أن النظام خالف أصحابه المعتزلة في القول بالطفرة ، ولذا ~~استحق عليه الكفر ، كما اعتبر هذا من الفضائح التي تحسب عليه قائلا : «من ~~فضائحه قوله بالطفرة وهي دعواه أن الجسم قد يكون في مكان ثم يصير منه إلى ~~المكان الثالث والعاشر منه من غير مرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر ~~، ومن غير أن يصير معدوما في الأول معادا في العاشر». الفرق بين الفرق : 85 ~~؛ أصول الدين 1 : 335. راجع أيضا مقالات الإسلاميين : 321 ؛ د. منى أبو زيد ~~، التصور الذري في الفكر الفلسفي الإسلامي : 120 125. PageV02P454 # والمنتهى ، أو الموجودة على رأي المتكلمين. # وجرى بين النظام وأبي الهذيل حديث في الطفرة (1)، فقال أبو الهذيل : لو ~~كانت النملة إنما تقطع البعض وتطفر البعض يوجب إذا لطخت أرجلها بالمداد أن ~~لا يظهر الخط على الاستواء ، بل يكون موضع الطفرة خاليا عن السواد. وكذلك ~~يجب فيما يقطع بالسكين وغيره. على أن القدر الذي اعترف بقطعه يجب أن لا ~~تصير النملة قاطعة له ، لأنه غير متناه ، فما لزم في الجسم كله لازم في ~~البعض ، لأن الجميع عنده مساو للأبعاض في عدم النهاية. # ونقل عن هشام بن الحكم أنه كان يذهب في الجزء مذهب النظام ، فلما التجأ ~~النظام إلى قوله بالطفرة ، قال هشام : إن كان لا يمكن إثبات تجزي الجزء إلا ~~بارتكاب القول بالطفرة فيجب أن يكون ذلك قولا فاسدا وترك مذهبه. # وأيضا يلزم الترجيح من غير مرجح ، إذ لا أولوية في قطع البعض وطفر البعض. # وقد احتج النظام على قوله بوجوه (2): ### |||| ** الوجه الأول : البئر التي عمقها مائة ذراع ، إذا كان في منتصفها خشبة وعلق عليها حبل قدره ~~خمسون ذراعا في آخره دلو ، ثم أرسل حبل بقدر خمسين ذراعا وشد على طرفه كلاب ~~(3) وجعل في طرف الحبل المشدود في الخشبة ، ثم جررنا PageV02P455 # الحبل الذي فيه الدلو ، فإن الدلو يصعد من أسفل البئر ، فيكون قد تحرك ms0687 ~~مائة ذراع حال ما تحرك الكلاب خمسين ذراعا ، فيلزم أن يطفر الدلو جزءا ~~ويتحرك جزءا حتى تنتهي الحركتان معا. ### |||| ** الوجه الثاني : إذا فتحنا كوة (1) في بيت طوله ألف ذراع ، ثم أشرقت الشمس عليه ، فإنها في ~~حال فتح الكوة تشرق الشمس على آخره ، ومن الممتنع أن يتحرك الشعاع في تلك ~~اللحظة هذه المسافة بأسرها. وكذا إذا سددنا الكوة خرج الضوء في تلك اللحظة ~~، فوجب القول بالطفر ، وإلا لوجب أن يغيب بعد زمان. ### |||| ** الوجه الثالث : الدائرة القريبة من القطب إذا تحركت جزءا تحركت المنطقة أكثر من جزء ، وإلا ~~تساوى المداران ، هذا خلف ، فيلزم الطفرة. ### |||| ** الوجه الرابع : الشمس حال طلوعها يبلغ ضوؤها أقصى نصف الأرض ، ومعلوم أنه لا يتحرك الضوء ~~في تلك اللحظة هذه المسافة البعيدة ، فلا بد من الطفرة. ### |||| ** الوجه الخامس : إن أحدنا يرفع طرفه إلى السماء فنراها في الحال ، وليس ذلك إلا لأن شعاعه يطفر. ### |||| ** الوجه السادس : لو غرزنا خشبتين في الأرض إحداهما ذراعان والأخرى ذراع لكان إذا تقاصر الظل ~~من الأولى ذراعا أن يتقاصر من الثاني نصف ذراع وإلا لم يبق للثانية ظل ، ~~وإنما يكونان كذلك بأن يطفر في الخشبة الأولى ويقطع الثانية ، وإذا قطعت في ~~إحداهما جزءا يقطع في الأخرى نصف جزء. وهذه الشبهة في نفي الجزء أقوى. ### |||| ** الوجه السابع : راكب السفينة ، وطولها عشرون ذراعا ، إذا قعد في آخرها PageV02P456 # والسفينة سائرة ويسير هو من آخرها إلى صدرها ، فإذا سارت عشرين ذراعا ~~يكون هو قد قطع أربعين ، فيكون قد طفر في بعض الحالات ، وإذا قطع جزءا قطعت ~~السفينة نصف جزء. ### |||| ** الوجه الثامن : الكونان كما يصح مع تضادهما أن يثبت فيهما طريق البدل فكذا يصح تعاقبهما ، ~~فيجب في (1) الجوهر المخلوق بالبصرة أنه كان يصح أن يخلق بالهند ، والكونان ~~ضدان ، فيجب صحة المعاقبة عليهما ولا يكون كذلك إلا بطفر محلهما. ### |||| ** أجاب المتكلمون عن الأول : بأن حركة الحبل الأعلى نصف حركة الدلو ، وإلا فبالنسبة إلى الحبل الأسفل ~~فإنه لم يقطع إلا مائة ذراع ، لأن الحبل الأسفل كان من نصف البئر إلى ~~أسفلها فانقلب ms0688 بحركة الحبل الأعلى فصار من نصفها إلى أعلاها ومن نصفها إلى ~~أسفلها خمسون وإلى أعلاها خمسون ، فإذا انقلب الحبل من أسفلها إلى أعلاها ~~والدلو فيه فقد مر الدلو بجميع البئر ، وليس ذلك لأجل الطفرة ؛ لأنا لو ~~فرضنا في الدلو آلة محددة وغرزنا به (2) على جذع فانه يظهر أثر ذلك المحدد ~~في جميع المسافة على الجذع ، ولو كان للطفرة لكانت العلائم في موضع دون موضع. ### |||| ** وعن الثاني : بأن في البيت أجزاء مضيئة قليلة الضوء ، فإذا دخل الضوء من الكوة ظهرت ~~الأجزاء. ### |||| ** وعن الثالث : بالتفكك. ### |||| ** وعن الرابع : بأن الضوء ينبسط على الأرض من طلوع الفجر على التدريج ، فإذا طلعت الشمس من ~~الأفق اتصل ضوؤها بذلك الضوء فلذلك يصل إلى PageV02P457 # أقصى الأرض. # والحق أن الضوء يحدث في الموضعين عند المقابلة (1). # وأجاب بعض المتكلمين عن الأول : بأن الدلو والكلاب قطعها فيقطعان جميعا ~~مائة ذراع ، إلا أن الكلاب يقطع بعضها طولا وبعضها عرضا لانخراط حبل الدلو ~~منها ، وعلى هذه الصورة يجذب الكلاب. وأما الدلو فقطعه يكون طولا مائة ذراع ~~ولو أمكن جذب الكلاب طولا لم يكن الدلو ليقطع إلا قدر ما يقطعه الكلاب. ~~وهذا مشاهد في الاضطراب الحاصل في الحلقة. ومعلوم أن لاختلاف الحركات ~~تأثيرا في مثل ذلك فإن الماء إذا جرى في ساقية فيها انفراج لم يبلغ المقصد ~~إلا نصف الوقت الذي كان يبلغه إذا لم يكن هناك انفراج. # ومما يشبه هذه الشبهة قوله : «إن الخشبة المستندة إلى حائط متى جذبت من ~~أسفلها حصل أكثر مما ينجذب من أعلاها ، وذلك للطفر ولتجزؤ الجزء». والقول ~~فيه مثل ما تقدم ؛ لأن أعلاها يذهب في جهتين : الطول والعرض دون أسفلها ، ~~ولهذا لو لطخ أسفل الخشبة بخلوق لوجد ذلك اللون في المكان كله ، ولو طفر لم ~~يجب ذلك. # وأجاب أبو الهذيل عن سد الكوة : بأن الضوء عنده معنى ويجعل السد مضادا ~~له. وهو خطأ ؛ لأن السد أكوان مخصوصة ، فلا تضاد ذلك المعنى الذي يثبته. # وأجاب غيره : أن الشعاع النافذ من الكوة في البيت مستمد من قرص PageV02P458 # الشمس حالا ms0689 فحالا ، وبالسد يمنع هذا الاستمداد فتنسد (1) أجزاؤه ولا يرى ~~، لا لأنه يطفر. وصارت حاله كحال النار إذا التهبت ولم يمدها غيرها فإن ~~أجزاءها تتفرق. وكذا المصباح إذا طفى فتلك الأجزاء باقية متفرقة ، وإنما لم ~~تشاهد لأن الضوء موقوف على اجتماع هذه الأجزاء ، فإذا تفرقت خرجت عن ~~الاقتضاء. ثم لو كانت العلة الطفرة ، وهو صحيح على الشعاع فهلا حصل في ~~البيت مع السد على وجه الطفرة ولا يكون السد مانعا أو يطفر من دون سده. ### |||| ** وأجابوا عن الرابع : بأن قرص الشمس لا يضيء الأرض في حال بدوه من فلكه ، بل يضيء بعد ساعات ؛ ~~لأنه يبدو من حين يطلع الفجر فيضيء الأرض حالا بعد حال حتى يبلغ كبد السماء ~~، إلا أنه يضيء في وقت ابتداء الطلوع كل الأرض ، ولهذا صار حد النهار ما ~~يمتد فيه الضوء من حين طلوع الفجر إلى غيبوبة القرص ، وصار حد الليل ما ~~تمتد فيه الظلمة إلى حين طلوع الفجر. ### |||| ** وعن الخامس : أن رؤيتنا للسماء ليست لاتصال شعاعنا بها ، لأنا لا نجعل شرط الرؤية اتصال ~~الشعاع بالمرئي ، ولو جعلناه شرطا لكنا نقول : إن في الجو شعاعا يتصل بشعاع ~~أبصارنا ، ثم كذلك حتى يتصل بالسماء ، لأن الشعاع المنفصل من العين يتصل ~~بالسماء في أول وهلة ، وليس ما قاله للطفرة ، بل لحصول ما يصير آلة في ~~الرؤية في الجو. ### |||| ** وعن السادس : أن الشمس في مثل هذه المدة لا يكون قطعها مقصورا على جزء ونصف جزء ، بل ~~ربما قطعت ربع الإقليم ، فيجب أن يقال : في الأولى يتقاصر منها جزءان ~~ويتقاصر من الثانية جزء ، أو يتقاصر من الأولى جزء ولا يتقاصر من الثانية ~~شيء ، ثم إذا تقاصر من الأولى جزء آخر تقاصر من الثانية جزء ولا يلزم ما ذكره. PageV02P459 ### |||| ** وعن السابع : أن في خلال حركات السفينة سكنات ، فهذا الراكب يتحرك في حال وقوفها ويتحرك ~~معها إذا تحركت ، فيصير قاطعا بضعفي قطعها ، ولهذا لو دامت الحركة بالسفينة ~~لوجب أن يكون متحركا في وقت واحد بحركتين مختلفتين إحداهما حركة نفسه ~~والأخرى حركة السفينة ، وهذا ms0690 يقتضي كونه في مكانين وعلى هذه الطريقة لا ~~يتمكن من الحركة إذا اشتد عصف الرياح. ويقال : إنه والحال هذه لو رمى نشابة ~~لسقطت في السفينة ، وتبين بطلان الطفرة أنه لو كان يجب إذا كان في رجله صبغ ~~أن لا يستمر الخط في السفينة إلا في الموضع الذي يقطعه دون الذي يطفره ، ~~وليس كذلك. ### |||| ** وعن الثامن : أن التعاقب في الكونين والمكان مجاور صحيح بخلاف ما إذا بعد ، ولا يجب من ~~صحة البدل صحة التعاقب. PageV02P460 ### | البحث السادس ### | في إبطال التداخل (1) # لما ألزم القائلون بالجزء النظام عدم تناهي المقدار عند عدم تناهي ~~الأجزاء التزم القول بالتداخل. وذلك بأن يصير مكان الجوهرين أو الجواهر ~~الكثيرة مكان الجزء الواحد بأن تنفذ فيه ولا تتميز الأجزاء في الموضع عن ~~الجزء الواحد. # وهذا بديهي البطلان ؛ فإن الضرورة قاضية بأن كل ذي وضع بالاستقلال فإنه ~~يمتنع عليه أن يتحد بذي وضع بالاستقلال في المكان والحيز. وهذا المذهب مع ~~بطلانه يقتضي تجزئة ما هو واحد عنده ؛ لأن التماس والتداخل أمران متغايران ~~بالضرورة ، فإذا كان الجزء مماسا لجزء آخر ثم داخله فإنه حالة النفوذ يلقى ~~منه شيئا غير ما لقيه حالة المماسة ، فيلزم انقسام كل واحد من الجزءين ~~المفروض عدم انقسامهما ، هذا خلف. # ولأنه يستلزم عدم استلزام زيادة الأجزاء لزيادة المقدار ، وهو محال ~~بالضرورة. # قال ابن سينا : «المتداخل هو الذي يلاقي الآخر بكليته حتى يكفيهما مكان ~~واحد» ، رسالة الحدود. وانظر إبطاله في شرح الإشارات 2 : 16. PageV02P461 # ولأن (1) التلاقي إن استلزم المداخلة فلا حجم ولا جسم ولا عظم في العالم ~~، وهو باطل بالضرورة ؛ وإن لم يستلزم ما لم يكن بعض الأجزاء أولى بمداخلته ~~للآخر من باقي الأجزاء مع تساويها في الماهية والطباع. # ولأن الجواهر متماثلة بذواتها ، فلو تداخلت ارتفع الامتياز بينها ~~بالذاتيات واللوازم ، لاتفاقها في الحقيقة وبالعوارض أيضا ؛ لأن نسبة ~~العارض إلى أحدهما كنسبته إلى الآخر ، إذ لا مائز بينهما في الوضع بحيث ~~يمكن عروضه لأحدهما دون الآخر فيفضي إلى اتحاد الاثنين ، وهذا باطل ~~بالضرورة. # والمعتمد في ذلك ، الالتجاء إلى الضرورة ، فإنها ms0691 قاضية بامتناع التداخل (2). PageV02P462 ### | البحث السابع ### | في إبطال مذهب ذيمقراطيس (1) # قد ذكرنا فيما تقدم حكم الأجسام المفردة ، وبقي حكم المؤلفة. فمن المذاهب ~~المتعلقة بهذا الموضع في الأجسام المؤلفة مذهب ينسب إلى بعض القدماء ~~كذيمقراطيس وغيره ، وهو قولهم : إن الأجسام المشاهدة ليست ببسائط على ~~الإطلاق ، بل إنما هي مؤلفة من بسائط صغار متشابهة الطبع في غاية الصلابة ، ~~وتألف البسائط إنما يكون بالتماس والتجاور فقط ، والجسم البسيط الواحد منها ~~لا ينقسم فكا (2) أصلا وينقسم وهما ، لدلالة حجة الفلاسفة عليه (3)، ~~ومقاديرها في الصغر والكبر وأشكالها مختلفة. وربما زعم بعضهم أن مقاديرها ~~متساوية ، ومال إليه الشيخ أبو البركات البغدادي إلى مثل هذا القول في ~~الأرض وحدها (4). PageV02P463 # ونقل بعضهم (1) عنه أنه كان يقول : إنها كرية الشكل. # وحكى الشيخ في الشفاء : «أنهم كانوا يقولون : إنها غير متخالفة إلا ~~بالشكل ، وإن جوهرها جوهر واحد بالطبع ، وإنما تصدر عنها أفعال مختلفة لأجل ~~الأشكال المختلفة. وذكر بعضهم أن أشكال المجسمات الخمسة المذكورة في كتاب ~~اقليدس أشكال العناصر والفلك. ومنهم من خالفهم في ذلك» (2). # وذكر اختلافات كثيرة لهم لا فائدة في إيرادها. # وهذا هو مذهب مثبتي الأجزاء إلا في تسمية الأجزاء بالأجسام ، وفي تجويز ~~الانقسام الوهمي عليها. # ويدل على بطلان هذا القول (3): «أن القسمة الفرضية والوهمية أو الواقعة ~~بحسب اختلاف عرضين قارين ، كالسواد والبياض في البلقة أو مضافين ، كاختلاف ~~محاذاتين أو موازاتين أو مماستين تحدث (في المقسوم) (4) اثنينية ما يكون ~~طباع كل واحد من الاثنين طباع الآخر وطباع الجملة وطباع الخارج الموافق في ~~النوع ، وما يصح بين كل اثنين منها يصح بين اثنين آخرين ، فيصح إذن بين ~~المتباينين من الاتصال الرافع للاثنينية الانفكاكية ما يصح بين المتصلين ، ~~ويصح بين المتصلين من الانفكاك الرافع للاتحاد الاتصالي ما يصح بين ~~المتباينين». # وهذا إنما يتم لو قلنا بتساوي الأجزاء الفرضية والانفكاكية بالفعل في # وقال الطوسي : «وقال المصنف [الرازي] في بعض مصنفاته : إن ذيمقراطيس قال ~~: إن البسائط التي تتألف منها الأجسام كرية الشكل» ثم اعترض على هذا ~~الإسناد. راجع نفس المصدر : 192. # وقال في شرح الإشارات ms0692 : «وذكر الفاضل الشارح أن القوم ذهبوا إلى أن تلك ~~البسائط كروية الشكل. وفيه نظر ؛ لأن الشيخ حكى ... الخ» ص 54. PageV02P464 # الطبيعة ، أما على تقدير الاختلاف في الطبيعة فلا. # وأيضا كل متحيز يفرض فيه طرفان يتميز كل واحد منهما عن الآخر في الوهم ، ~~فالتحام النصفين أعني الاتصال الذي حصل بين النصفين بحيث يمتنع ارتفاعه ، ~~إن كان لنفس الماهية والطبيعة وطبيعة ذلك الجزء مساوية لماهية سائر الأجزاء ~~، فوجب إمكان أن يتصل بجزء آخر مثل ما اتصل أحد نصفيه بنصف الثاني ، وأن ~~يصح على النصفين من الانفصال مثل ما أمكن بين الجزءين. وكذا إن كان من ~~اللوازم. وإن كان من العوارض أمكن ارتفاعه ، وحينئذ لا يبقى وجوب ذلك ~~الاتصال ، اللهم إلا إذا كان يمتاز عن سائر الأجسام بفصل مقوم لطبيعة نوعه ~~، فحينئذ يكون نوعه في شخصه. # وأيضا كل واحد من تلك الأجزاء إذا كانت طبيعة واحدة كان شكله الكرة ؛ ~~لأنه الشكل الطبيعي للبسيط ، وحينئذ تحصل بينهما فرج ، وذلك الخلاء (1). # واعلم : أن كل نوع غير (2) مادي مستلزم لما يمنعه من الانفصال بحسب ~~الطبيعة ، فمن المستحيل أن تتعدد أشخاصه في الوجود ، أي لا يكون في الوجود ~~منه إلا شخص واحد ؛ لأنه لو وجد منه شخصان لكانا متساويين في الماهية وكان ~~كل واحد منهما قابلا للانفصال الانفكاكي الحاصل بينهما مع وجود المانع عنه ~~، هذا خلف. وهذا حكم كلي نافع (3). # اعترض أفضل المتأخرين : بأن الامتدادات الجسمية غير باقية عند الانفصال ~~ومتجددة عند الاتصال ، فهي أمور مشخصة ، ولعلها تمنع الماهية المشتركة عن ~~فعلها (4). # وأجاب أفضل المحققين : بأن وقوع الاختلاف بسبب الموانع ممكن (5). PageV02P465 ### | البحث الثامن ### | في شبهة الفلاسفة # قد عرفت أن مذهب أكثر الفلاسفة : أن الجسم البسيط واحد في نفسه ، كما هو ~~عند الحس كذلك. وأنه يقبل انقسامات لا نهاية لها بالقوة لا بالفعل. وأنه لا ~~وجود لجزء لا يتجزأ البتة. واستدلوا عليه بوجوه مختلفة المآخذ ، وهي أربعة : ### |||| ** الأول منها : ما يتعلق بالمماسة. ### |||| ** الثاني : ما يتعلق بالحركة. ### |||| ** الثالث : ما يتعلق بالمسامتات. ### |||| ** الرابع : ما يتعلق بالأشكال. ### ||| ** الوجه الأول : ما يتعلق بالمماسة ms0693 (1) # وهو ثلاثة أوجه : ### |||| ** أ. لو قدرنا جزءا متوسطا بين جزءين ، فالوسط إما أن يمنعهما عن التلاقي أو PageV02P466 # لا يمنعهما ، فإن منعهما فالوجه الذي يلاقى به أحد الطرفين إن كان هو ~~الوجه الذي به يلاقي الطرف الآخر كان ذلك سفسطة ، وإن كان غيره لزم انقسام ~~الوسط ؛ وإن لم يمنعهما عن التلاقي كان الطرفان متداخلين (1) للوسط ، لكن ~~التداخل محال. # لأنها لو تداخلت بطل الترتيب والوسط. ولم يحصل ازدياد الحجم ، فإنه إذا ~~جاز أن يحصل جزءان في جزء واحد جاز أن توجد ثلاثة وأربعة ، وعلى هذا لا ~~يكون اجتماعها (2) موجبا لزيادة الحجم فلا يحصل الحجم. # [ولأن الأجزاء متساوية] (3) في طبيعة نوعها ولوازمها ، فإذا تداخلت تساوت ~~في العوارض أيضا ، فلا يبقى شيء منها متميزا لامتناع الاختلاف في الحقيقة ~~واللوازم والعوارض ، فيصير الكل واحدا. ولاستلزام التداخل الانقسام لما ~~تقدم. ولأنه إذا كان مقدار الجزءين مساويا لمقدار الجزء الواحد ومجموع ~~الجزءين قابل للقسمة فما يساويه كذلك ، لكن الجزء الواحد يساويه ، فهو قابل ~~للقسمة. # اعترض بوجوه : ### |||| ** الأول : الجزء إذا كان يلاقي بأحد طرفيه شيئا وبالآخر آخر فقد اختص كل من طرفيه ~~بعرض ليس في الآخر ، وهو يوجب الكثرة الفعلية ، فإذن لا بد وأن ينتصف. ثم ~~إنه يلاقى في أحد نصفيه النصف الآخر بأحد طرفيه دون الآخر فينتصف ذلك النصف ~~، والكلام فيه كالأول فيقتضي ذلك حصول انقسامات غير متناهية بالفعل ، وهو ~~باطل عندكم (4)، فما هو نتيجة هذه الحجة باطلة عندكم ، PageV02P467 # وما هو حق لا تنتجه هذه الحجة. # لا يقال : اختلاف التماس يوجب امتياز أحد طرفي الجزء عن الآخر لا ~~التنصيف. # لأنا نقول : الطرفان إن كانا عرضين في الجزء وتميز العرضين يوجب تميز ~~المحلين ، ثم المحلان لو كانا عرضين تسلسل ، فلا بد وأن ينتهي إلى مقومين ~~كل منهما يتميز عن الآخر وتميزهما يوجب القسمة ، وإن كانا جزءين عاد ~~الإشكال. # ومن تمسك بهذه الحجة على إثبات انقسامات غير متناهية بالفعل ، فهو باطل ؛ ~~لأن هذه الحجة تنفي وجود جزء واحد في الجسم ، لأن أي شيء فرض واحدا فهو ~~ملاق بأحد طرفيه ms0694 شيئا وبطرفه الآخر يلاقي آخر وهو يوجب الانقسام ، فلا يكون ~~ذلك الواحد واحدا. فهذه الحجة تنفي وجود الجزء الواحد ، ومتى لم يوجد ~~الواحد لم توجد الكثرة ؛ لأن الكثرة مجموع الآحاد ، فهذه الحجة تنفي وجود ~~الكثرة مع أنها توجب وجود الكثرة ، هذا خلف. فهذه الحجة لا تنتج نتيجة ~~صادقة ، فهي إذن مغالطة. ### |||| ** الثاني : لم لا (1) يجوز أن يقال : الجزء الذي لا يتجزأ يكون واحدا في ذاته وإن كان ~~متكثرا في جهاته واعتباراته؟ وكثرة الجهات والاعتبارات لا توجب كثرة الذات ~~؛ فإن المماسة من باب الإضافة ، ولو كانت كثرة الإضافات توجب كثرة الذات ~~لكانت الوحدة التي هي أبعد الأشياء عن طباع الكثرة أكثر من كل كثير ، لأن ~~لها (2) بحسب كل مرتبة من مراتب الأعداد الغير المتناهية نسبة خاصة ، ولكان ~~الباري تعالى متكثر الأجزاء بسبب كثرة إضافاته. PageV02P468 # وأن (1) النقطة في المركز تحاذي جملة أجزاء الدائرة ولا يلزم انقسامها ~~بانقسام الدائرة. ### |||| ** الثالث : الصفحة العليا من الأجسام ملاقية لما تحتها وهي بعينها ملاقية للهواء ~~الخارج ، فهو شيء واحد يلاقي شيئين. ولا يمكن أن يقال بأن الملاقي للهواء ~~غير الملاقي للصفحة الداخلة ، فإن الذي هو نهاية الجسم لا شك أنه بعينه ~~ملاق لما تحته ، وإلا لم تكن نهاية له ، ولا شك أنه ملاق للهواء الخارج. ### |||| ** أجيب عن الأول : بأن الأعراض المضافة لا تقتضي امتياز أحد نصفي الجسم عن الآخر بحيث يتباين ~~النصفان ، بل إنما تقتضي احتمال المحل القسمة ؛ فإن الجسم إذا ماسه جسمان ~~لا ينتصف ذلك الجسم تنصفا محسوسا ، كما نحس لو تنصف بأعراض حقيقية كالبلقة ~~، نعم العقل يقضي بصحة انقسام المماس بشيئين. فأما أن الانقسام حاصل ~~بالفعل، فلا. ### |||| ** وعن الثاني : أن المماسة إنما تحصل بالجوانب ، فإذا امتاز جانب عن آخر فقد (2) احتمل ~~القسمة. ولا ندعي أن تكثر الإضافات يوجب تكثر (3) المضافات ، بل ذلك في ~~المماسة خاصة ، والمماسة نوع من الإضافة ، ولا يلزم من اقتضاء نوع من جنس ~~شيئا اقتضاء الجنس ذلك الشيء. # والنقطة المحاذية لجميع أجزاء الدائرة ، فإنها بأسرها تحاذي جميع النقط ~~المفترضة في الدائرة ، وهو ms0695 ممكن في المحاذاة ، لكن لا يلزم من تجويزه في ~~المحاذاة من غير وقوع القسمة تجويزه في المماس من غير وقوع القسمة ، فإن ~~هذا حكم عقلي صدق في المماسة لا المحاذاة وسائر أنواع الإضافة. PageV02P469 ### |||| ** وعن الثالث : أن الصفحة العليا من الجسم ليست ملاقية لما تحتها ، فإن هذا إنما يقوله من ~~يذهب إلى تركب الجسم من الأجزاء لا من ينفيه ، فإنه يقول : الجسم واحد ~~ونهايته السطح وهو عرض غير ملاق لما تحته ، إذ ليس هو بجسم ، وهذا الشاك ~~توهم أن السطح صفحة وتحته صفحة أخرى ، ثم كل منهما يلاقي الأخرى ، وهو ~~مصادرة على المطلوب. # وقد أجاب أبو هاشم : بأن معنى قولنا في الجوهر : إنه يصح أن تلقاه ستة ~~أمثاله ، وأن له جهة هو اختصاصه بحال تكونه عليها يصح في ستة أمثاله أن ~~ينضم إليه من هذه الجهات الست وتلك الحالة هي تحيزه ، فيصير الجوهر بهذا ~~الحكم مفارقا للعرض الذي لا يصح أن يحجز بين الشيء وبين غيره ، ولا أن ينضم ~~إليه ستة أمثاله ، وإذا كان هذا هو الغرض بهذه العبارة بطل تقديرهم أن ~~هاهنا جهات للجزء يلقى ببعضها دون غيره. وعلى هذا القول يثبت للجوهر الجهة ~~، وإن لم يلاق (1) غيره ؛ لأن الصفة التي ذكرناها ثابتة عند وجوده لا محالة. # وأما أبو الهذيل وأبو علي وأبو القاسم فقالوا : إن الجوهر يلقى غيره بجهة ~~، ولكن جهة الجوهر غير الجوهر ، كما أن طرف الشيء غيره ولذلك حده غير له ، ~~ويراد بالغير الأجزاء التي تلاقيه ، وعلى هذا متى كان منفردا فلا جهة له. ### |||| ** ب. إذا ركبنا خطا من ثلاثة أجزاء ، ثم وضعنا جزءين على طرفي الخط ، فأن ~~الجزءين تصح الحركة على كل منهما والجزء الذي يتوسطهما فارغ ولا مانع يمنع ~~من الحركة ، فتكون الحركة ممكنة ، للضرورة القاضية بذلك. ولأنه يلزم أن لا ~~يحصل الجزء في شيء من الأحياز ؛ لأنه لا جزء إلا ويمكن وقوعه على مفصل ~~جزءين. فإذن تصح الحركة على الجزءين معا إلى الالتقاء ، وإذا فعلا ذلك ~~فيكون كل منهما مماسا PageV02P470 # لنصف الجزء الوسطاني من ms0696 الخط الأسفل وللنصف من كل واحد من الطرفين ، ~~فتنقسم الأجزاء الخمسة. # لا يقال : تمتنع حركتهما لأنها مؤدية إلى انقسام الأجزاء ؛ فإن جعل ~~المطلوب مقدمة في إبطال المقدمة المبطلة له باطل ، لأن المطلوب مشكوك الصحة ~~والمقدمة معلومة الصحة فجعل اليقيني مبطلا للمشكوك فيه أولى من العكس. # لأنا نقول : لا شك أن صريح العقل يقضي بأن الجهة إذا كانت فارغة والشيء ~~يكون قابلا للحركة فإن تلك الحركة لا تكون ممتنعة. وهذه الحجة آتية في كل ~~خط تركب من المفردات ، كالخمسة والسبعة وغيرهما. # والمتكلمون اختلفوا في الجواب حسب اختلافهم في جواز وضع الجزء على موضع ~~الاتصال من الجزءين على ما يأتي إن شاء الله تعالى. # فمن جوز ذلك مع عدم اقتضائه القسمة ، فلا بحث معه. ومن منع ، فإنه يمنع ~~من صحة وقوع واحد من الانتقالين ؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع ضدين من حيث إن ما ~~في أحدهما من الاعتماد يولد ضد ما يولده الاعتماد الآخر ، ولا يقع واحد ~~منهما. ولا يجب أن نقتصر بوقوع التمانع بين الاعتمادين على ما قالوه ، بل ~~لو قدرنا أربع مربعات بينها مكان يصلح انتقال واحدة من المربعات إليه ، ~~وحاول أربعة من القادرين نقل كل واحدة من هذه المربعات إلى ذلك المكان يجب ~~أن لا يصح انتقال شيء منها إليه ، وإلا لزمت المداخلة ، إذ ليس بعض ذلك ~~أولى من بعض ، وكانت العلة أن ما في كل واحدة من المربعات من الاعتماد يولد ~~ضد ما يولده الآخر ، ومتى حصل في جهة واحدة وجب التماثل مع ثبوت التضاد. # واعلم : أن هذا الإلزام غير مختص بالمتكلمين ، بل هو وارد على الفلاسفة ~~أيضا ؛ لأنا لو فرضنا إناء فارغا لا يسع أكثر من ذراع واحد ، ثم توجه إليه ~~جسمان دفعة واحدة كل منهما قدر ذراع ، فإنه يستحيل حصولهما معا فيه ولا ~~أولوية ولا PageV02P471 # مانع. فكذا هنا ، فإن أثبتوا هناك مانعا ، فكذا هنا. # والحاصل أن القوة الوهمية قد تقصر عن تحصيل ذلك بخلاف العقلية ، فإن كلا ~~من الأجزاء الثلاثة إذا لم تقبل القسمة لم يكن انتقال ms0697 كل من الجزءين على ~~التدريج بل دفعة إلى الوسط ، فيقع التمانع ويمتنع الانتقال. ### |||| ** ج. الخط المركب من أربعة جواهر إذا كان فوق أحد طرفيه جزءا وآخر تحت طرفه ~~الآخر ، ثم تحركا دفعة واحدة بقوة واحدة حركتين على التساوي في الشدة ~~والضعف حتى قطعاه معا ، فإن كل واحد من هذين الجزءين لا بد وأن يمر بصاحبه ~~، ويستحيل ذلك إلا بعد تحاذيهما ، ولا يمكن التحاذي على الثاني ، وإلا لكان ~~أحدهما قد قطع جزءا والآخر اثنين فكانت حركة أحدهما أشد ، هذا خلف ، ولا ~~على الثالث لذلك أيضا ، فوجب أن يكون التحاذي على مفصل الثاني والثالث ، ~~وإذا وقع الجزء على مفصل الجزءين لزم الانقسام. ### ||| ** الوجه الثاني : ما يتعلق بالحركة # وهو من وجوه (1): ### |||| ** الأول : بطء الحركات ليس لتخلل السكنات على ما يأتي ، وإذا كان كذلك لزم انقسام الجزء. # بيان الملازمة : أن السريع إذا قطع مسافة ذات أجزاء فإنه لا بد وأن يقطع ~~كل جزء جزء منها ، فإذا قطع جزءا فالبطيء إما أن يقطع جزءا أو أقل لا يقطع ~~شيئا ، فإن قطع جزءا تساويا ، هذا خلف ؛ وإن قطع أقل من جزء لزم الانقسام ، PageV02P472 # وهو المطلوب ؛ وإن لم يقطع شيئا كان ساكنا فكان بطؤه بسبب سكونه ، وسيأتي ~~بطلانه. # واعلم : أن هذا مشترك الالزام ؛ لأن السريع أي مسافة قطع يكون البطيء قد ~~قطع أقل وحدود العلة غير متناهية فيلزم وجود ما لا يتناهى بالفعل ، وهو محال. ### |||| ** الثاني : لو كان الجزء ثابتا لامتنعت الحركة ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن الجزء إذا تحرك فإنما يتحرك من جزء إلى جزء فإما أن ~~يوصف بالحركة حال حصوله في الحيز المنتقل منه الذي هو مبدأ المسافة ، وهو ~~محال ؛ لأنه حينئذ لم يتحرك بعد ، أو حال حصوله في الحيز الثاني الذي هو ~~منتهى المسافة ، وهو محال ؛ لأن الحركة حينئذ قد انتهت وانقطعت ، أو فيما ~~بينهما ، وهو يوجب الانقسام. ### |||| ** الثالث : إذا استدار الفلك استدارت منطقته واستدارت جميع الدوائر الموازية لتلك ~~المنطقة ، فنقول : إذا تحركت المنطقة جزءا فالدائرة القريبة من المركز إن ~~تحركت ms0698 جزءا فلتتحرك المنطقة آخر (1)، فإن تحركت الدائرة (2) الصغرى آخر ~~(3). وهكذا لساوقت الحركتان حتى كملت كل منهما دورتها تساوى مقدار الدائرة ~~العظمى والصغرى ، وهو باطل بالضرورة. وإن وقفت الصغرى في بعض أزمنة حركات ~~العظمى لزم التفكك. وإن تحركت أقل لزم الانقسام. وكذا الرحا إذا اعتبر أعظم ~~دائرة عليها وهي دائرة الطوق وأصغر دائرة تقع فيها وهي التي تلي PageV02P473 # القطب ، فإنهما تقعان على مركز واحد ، ثم نخرج خطا منه مارا على الدائرة ~~الصغرى إلى أن ينتهي إلى العظمى فإنه يقع على نقطتين فيهما ، فإذا دارت ~~الرحا دار هذا الخط بدورانها ، ومعلوم أن حركة النقطة التي كانت من الدائرة ~~الكبرى مع هذا الخط أسرع من التي كانت عليه من الدائرة الصغرى ؛ فإن النقطة ~~من الدائرة العظمى قد قطعت في دورة واحدة مسافة أكثر مما قطعت النقطة التي ~~هي من الدائرة الصغرى. فإما أن يقال بأن النقطة من الدائرة العظمى إذا قطعت ~~جزءا فالنقطة التي من الدائرة الصغرى قطعت أقل من جزء ، فانقسم الجزء ؛ أو ~~أن النقطة من الدائرة الصغرى تسكن في بعض أوقات حركة النقطة التي من ~~الدائرة العظمى ، فيلزم تفكك الرحا ، وهو باطل (1). # أما أولا : فلأن الحس دال على بقاء أجزاء الرحا محفوظة غير متفككة. # وأما ثانيا : فلأنا نفرض هذا الكلام في الفلك ، فيلزم تفككه دائما والله ~~تعالى قد وصفها (2) بالشدة (3). # وأما ثالثا : فلأن هذا أمر عجيب ، وهو القول بأنه قد أعطى كل جزء من ~~أجزاء الرحا من الإلهام والفطنة حتى علم الأبطأ أنه كم ينبغي أن يقف حتى لا ~~يزول سمته عن الأسرع ؛ لأن كل ما هو أقرب إلى القطب يكون أبطأ ، وكلما كان ~~أقرب إلى طرف الرحا يكون أسرع ، فيحتاج كل جزء يقف إلى مقدار مخصوص PageV02P474 # مخالف للوقفة التي يحتاج إليها (1) الآخر حتى يبقى السمت الأول محفوظا ، ~~والإنسان مع كمال فطنته لا يعلم ذلك ولا يقدر عليه ؛ فإن شخصين لو قصدا ~~موضعا واحدا وأحدهما أقرب من ذلك الموضع وأرادا أن يبلغا إلى ذلك الموضع في ~~وقت واحد فإنه لا يعلم ms0699 الأقرب منهما أنه كم يجب أن يقف في حركته إلى ذلك ~~الموضع حتى يكون وصوله إليه موافيا (2) لوصول صاحبه. # وأما رابعا : فلأنا نفرض هذه الحركة الدورية في الإنسان نفسه بأن يقف على ~~عقبه ويدور دورة تامة على نفسه مع أنه يعلم بالضرورة أن أجزاءه محفوظة لم تتفكك. # وهذا البرهان كما يدل على انقسام المسافة ، كذا يدل على انقسام الزمان ؛ ~~فإن الدائرة العظمى لما قطعت قوسا فالصغرى قطعت أقل من ذلك القوس فتكون ~~الدائرة الصغرى قاسمة للزمان والدائرة الكبرى تقطع مثل القوس الذي قطعته ~~الدائرة الصغرى في زمان أقل من ذلك الزمان فتكون الدائرة العظمى قاسمة ~~للزمان ، ولا تزال تتعاقب هذه القسمة تارة للصغر (3) وتارة للعظم. ### |||| ** الرابع : الفرجار ذو الشعب الثلاث إذا قطعت الشعبة الخارجة منها جزءا فلا بد وأن ~~تقطع الشعبة المتوسطة أقل من جزء على ما تقدم. # وهاتان الشبهتان واردتان أيضا على الفلاسفة ، فإن التفكك إنما لزم بواسطة ~~حركة بعض أجزاء الجسم مسافة وعدم حركة البعض الآخر بعض تلك المسافة ، وهذا ~~ثابت هنا مع البطء كما هو ثابت مع السكون ، فلزمهم المحذور كما لزم ~~المتكلمين. PageV02P475 ### ||| ** الوجه الثالث : ما يتعلق بالمسامتات # وهو وجوه : ### |||| ** الأول (1) ### |||| ** : لو كان الجزء ثابتا لأمكننا أن نركب منه صفحة متصلة الأجزاء ثم يقابل بها ~~وجه الشمس فيضيء الوجه المحاذي منها لوجه الشمس ويبقى الآخر مظلما ، فلا بد ~~وأن يكون الوجه المضيء مغايرا لغير المضيء ، وذلك يوجب الانقسام. ### |||| ** الثاني (2) ### |||| ** : إذا طلعت الشمس حتى أضاء الأفق ونصب عليه مقياس يقع له ظل ؛ لأنه يستر موضع ~~ظله عن شعاع الشمس ، ثم كلما ارتفعت الشمس انتقص الظل ، فإذا كان كلما ~~ازدادت الشمس ارتفاعا ازداد الظل انتقاصا إلى أن تصل الشمس على سمت رأس ~~المقياس فيعدم الظل بالكلية ، وجب التناسب بين زيادة الارتفاع ونقصان الظل. ~~فنقول : إذا ارتفعت الشمس جزءا فإما أن ينتقص من الظل شيء أو لا ، فإن لم ~~ينتقص بطل التناسب المفروض ثبوته ، هذا خلف. وأيضا فلتفرض الشمس ارتفعت ~~جزءا آخر فإن لم ينتقص من الظل شيء وهكذا إلى ms0700 أن تسامت الشمس رأس المقياس ~~ويكون الظل باقيا بحاله ، وهو معلوم البطلان بالضرورة. # ولأن الخط المرتسم فيما بين الشمس وطرف الظل إذا تحرك الطرف المتصل فيه ~~(3) بالشمس دون الطرف المتصل بالظل ، حدث لذلك الخط الذي هو الظل PageV02P476 # رأسان أحدهما كان حاصلا مع الشمس قبل حركتها وثانيهما الذي يحصل بعد ~~حركتها ، وهو محال ؛ لأنه يوجب مساواة الزائد للناقص ، وإن كان الظل يتحرك ~~في النقصان جزءا تساوى المداران ، وهو معلوم البطلان ، وإن تحرك أقل من جزء ~~لزم الانقسام. # والمتكلمون يلتزمون سكون الظل في بعض أزمنة حركة الشمس. والشناعة التي ~~تلزمهم باعتبار تفكك الرحا وإن لم تحصل هنا ، لكن لا ينفكون هنا من الشناعة ~~أيضا ، وهو عدم وقوع الشعاع على الكثيف القابل له من المقابل مع عدم الحجاب ~~، وهو معلوم الاستحالة. ### |||| ** الثالث (1) ### |||| ** : الجسم قد يكون ظله في وقت من السنة مثليه فيكون مثله في الظل ظل نصفه ، ~~فإذا فرضنا عرض الجسم جزءا لزم انقسامه ، وهو المطلوب. ### |||| ** الرابع (2) ### |||| ** : لنفرض خطا مؤلفا من أجزاء ثلاثة ، ثم وضعنا على أول طرفيه جزءا ، ثم تحرك ~~الخط حتى دخل الأول مكانا جديدا والأوسط مكان الأول والآخر مكان الوسط ، ~~فعند حركة الأول إلى المكان الجديد نفرض حركة الجزء الذي فوقه إلى سمت ~~حركته ، فإما أن يتحرك إلى المكان الجديد ، وهو محال ؛ لأنه حينئذ لم يتحرك ~~عن الأول ، بل بقي ملاقيا له كما كان ، وإنما تحرك الجزء الأول وتحرك هو ~~بالعرض ، ولو كان ساكنا لكانت حركته كذلك ، فيجب أن يفرق بين سكونه وحركته ~~، فحينئذ يكون قد تحرك إلى مكان ملاق للمكان الجديد ، فتكون حركته أسرع من ~~حركة الأول ، لأنه في ذلك الزمان قطع جزءين فيكون زمان حركة الأول منقسما ، ~~فكانت تلك الحركة منقسمة ؛ لأن الواقع منها في أحد نصفي ذلك الزمان غير ~~الواقع منها في النصف الثاني ، ولما كانت الحركة منقسمة كان الجزء الذي PageV02P477 # تحرك عنه الأول منقسما والذي تحرك إليه أيضا منقسما ؛ لأن الذي وقع فيه ~~أحد نصفي الحركة غير الذي وقع فيه النصف الآخر ويكون في نصف ذلك ms0701 الزمان ~~وبنصف تلك الحركة قد خرج نصفه من الجزء الذي كان فيه ودخل في الجزء الجديد ~~، فيكون الجزء منقسما وتكون المسافة منقسمة أبدا. # وكذا البحث في حركة ساكن السفينة بنفسه وبحركتها ، وحركة النملة على ~~الرحا بنفسها وبحركة الرحا. وبالجملة كل متحرك بالذات والعرض. ### |||| ** الخامس (1) ### |||| ** : وليكن الخط المفروض بحاله ، ولكن عند ما تحرك الخط إلى جانب تحرك الجزء ~~الذي فوق طرفه إلى خلاف ذلك الجانب ، فإذا انتقل عن الأول فإن صار ملاقيا ~~للوسط ، فهو محال ؛ لأن الوسط قد دخل في مكان الأول ، فلو قلنا الجزء الذي ~~كان فوق الأول وتحرك عنه إنما يتحرك إلى الوسط مع أن الوسط حصل في مكان ~~الأول ، فذلك الجزء الفوقاني لم يتحرك عن الأول ، مع أنا قد فرضناه متحركا ~~عنه ، هذا خلف. فبقي أن يقال : إنه يتحرك عن الجزء الذي كان فيه إلى الجزء ~~الذي يليه ، وهو الذي فوق الآخر بعد حركة الخط على الوجه المفروض. فإذن ~~الجزء الفوقاني بلغ الثالث في الزمان الذي قطع ما تحته جزءا واحدا ، فينقسم ~~الزمان ويعود المذكور. ### |||| ** السادس (2) ### |||| ** : البئر التي جعل في منتصفها خشبة وجذب الحبل الفوقاني السفلاني صعد الأسفل ~~جميع البئر والأعلى نصفها ، فتكون حركته نصف حركة الأسفل ، فإذا تحرك ~~الأسفل جزءا تحرك الأعلى نصفه ، وإذا تحرك الأعلى جزءا في جزء من (3) ~~الزمان يكون الأسفل قد تحرك ذلك الجزء في نصف ذلك الزمان ، PageV02P478 # فانقسم الزمان والمسافة معا. ### |||| ** السابع (1) ### |||| ** : إذا تحركت السفينة إلى جانب وتحرك الراكب فيها إلى خلاف تلك الجهة ، ففي ~~الزمان الذي تتحرك السفينة فيه [بمقدار] جزء : إن تحرك الرجل جزءا ذهب ~~الزائد بالناقص (2) ووقف في مكانه ، وهذا هو سبب وقوف المتحيرة (3). وإن ~~تحرك أكثر من جزء انقسم الزمان فانقسمت المسافة. ### ||| ** الوجه الرابع : ما يتعلق بالأشكال # وهو وجوه : ### |||| ** الأول (4) ### |||| ** : الجزء متناه فهو مشكل يحيط به حد واحد أو حدود ، فإن أحاط به حد كان كرة ، ~~والكرات إذا انضم بعضها إلى بعض حصلت الفرج فيما بينها ، فإن اتسعت الأجزاء ~~ملئت بها ، وعلى كل حال تبقى الفرج التي هي أصغر ms0702 من تلك الأجزاء ، فينقسم ~~الجزء. وإن أحاط به حدود ، كالمثلث والمربع مثلا كانت جانب الزاوية أقل من ~~جانب الضلع ، فانقسم. # وفيه نظر ، فإن المتناهي إنما يصدق على ذي مقدار وبعد ، وليس الجوهر ~~الفرد كذلك فإنه نفسه نهاية فلا تكون له نهاية من حيث إنه نهاية ، ولا وصف ~~له غير كونه نهاية. ### |||| ** الثاني (5) ### |||| ** : القول بوجود الدائرة الحقيقية مع القول بثبوت الجوهر الفرد مما لا PageV02P479 # يجتمعان. والأول حق فالثاني باطل ، والمقدمتان سبقتا في باب الكيف ونقرره ~~بوجه آخر ، وهو : # أن الخط المركب من الجواهر الأفراد إن امتنع جعله دائرة امتنع على الجسم ~~ذي العرض ذلك ؛ لأن الجسم ذا العرض ليس إلا خطوطا منضما بعضها إلى بعض على ~~مذهبهم ، فلو امتنع على كل واحد منها ذلك وجب أن يمتنع أيضا على الكل. وإن ~~أمكن جعل ذلك الخط دائرة ، فنقول : تلك الأجزاء لا شك أن بواطنها متلاقية ، ~~فإن كانت ظواهرها متلاقية كما تلاقت بواطنها كان باطن هذه الدائرة المؤلفة ~~من النقط مثل ظواهرها في المسافة ، ولو كان كذلك لكنا إذا أدرنا حولها ~~دائرة أخرى كان باطن الدائرة المحيطة مساويا لظاهر الدائرة المحاط بها ~~ويكون ظاهر الدائرة المحيطة مساويا لباطنها المساوي لظاهر المحاط بها ~~المساوي لباطن المحاط بها ، ثم لا نزال نزيد (1) دوائر أخرى إلى أن يبلغ ~~طرفها (2) مثل طرف (3) الفلك الأعظم ، ولا تكون فيها فرجة أصلا ، ولا تزيد ~~أجزاؤها على أجزاء الدائرة الصغرى المفروضة أولا ، هذا خلف. وإن كانت ~~ظواهرها غير متلاقية ، بل منفتحة لزم تجزؤ تلك الأجزاء المتلاقية ؛ لأن ~~بعضها ملاق وبعضها مباين. وأيضا تكون بين ظواهرها فرج فتلك الفرج إما أن ~~تتسع للجزء أو لا ، فإن اتسعت فهو محال ؛ لأن بواطن تلك الأجزاء إذا كانت ~~متلاقية فتكون الفرجة من تلك الأجزاء بعضها ، فإذا ملأنا ذلك البعض بالجزء ~~فإن ارتفع بعض الجزء عن تلك الفرج فقد انقسم ، وإن لم يرتفع كان الجزء ~~المالي لتلك الفرجة أقل من تلك الأجزاء التي وقعت في ظواهرها تلك الفرجة ، ~~فتلك الأجزاء منقسمة ، وكذا إن لم تتسع تلك ms0703 الفرجة للجزء بل كانت أقل منه. ~~فظهر أن القول بالدائرة مع القول بالجزء الذي لا يتجزأ مما لا PageV02P480 # يجتمعان. ### |||| ** الثالث (1) ### |||| ** : برهن اقليدس في شكل العروس على أن مربع وتر القائمة يجب أن يكون مساويا ~~لمجموع مربعي ضلعيها ، فإذا فرضنا قائمة كل واحد من ضلعيها عشرة وجب أن ~~يكون وترها جذر (2) مائتين ، لكن ليس للمائتين جذر ؛ لأنه يجب أن يكون أقل ~~من خمسة عشر وأكثر من أربعة عشر ، فيلزم الانقسام. ولو كان كل من ضلعيها ~~خمسة حتى كان مجموع المربعين خمسين وجب أن يكون الوتر جذر خمسين ، وهو ~~منكسر ؛ لأنه يجب أن يكون أكثر من السبعة وأقل من الثمانية. وهكذا لك أن ~~تفرض من الأعداد ما لا تحصى كثرة. ### |||| ** الرابع (3) ### |||| ** : برهن اقليدس على أن كل خط متناه في طرفيه معا يمكننا أن نعمل عليه مثلثا ~~متساوي الأضلاع ، فإذا فرضنا خطا مركبا من جزءين وعملنا عليه مثلثا متساوي ~~الأضلاع وجب أن يقع كل واحد من الأجزاء على مفصل الآخرين ، وذلك يوجب ~~التجزئة. ### |||| ** الخامس (4) ### |||| ** : إذا أخذنا خطا مركبا من جزءين ووضعنا على أحد جزئيه جزءا آخر حصل هناك ~~زاوية قائمة ، فوترها إن كان من جزءين كان وتر القائمة مساويا لكل واحد من ~~ضلعيها المحيطين بها ، هذا خلف. وإن كان من ثلاثة كان الوتر مساويا لمجموع ~~الضلعين ، هذا خلف. PageV02P481 # فإذن هو أكثر من الاثنين وأقل من الثلاثة ، فيلزم انقسام الجزء. وفيه نظر. ### |||| ** السادس (1) ### |||| ** : برهن اقليدس على أن كل خط فإنه يمكن تنصيفه ، فالخط المركب من الثلاثة أو ~~الخمسة أو ما عداهما من الأعداد الأفراد يمكن تنصيفه ، فيلزم انقسام الجزء. ### |||| ** السابع (2) ### |||| ** : استدل ابن الهيثم (3) في «شرح شكوك اقليدس» : أن كل خط يمكن تقسيمه بثلاثة ~~أقسام متساوية ، فالخط المركب من جزءين أو أربعة أو خمسة إذا قسم كذلك لزم ~~انقسام الجزء. ### |||| ** الثامن (4) ### |||| ** : إذا فرضنا مثلثا متساوي الأضلاع على خط مركب من ثلاثة جواهر خرج من إحدى ~~زواياه خط إلى الجزء الثاني من الضلع الذي بوترها ، فوجب أن ينقسم ذلك ~~المثلث إلى مثلثين متساويين بالشكل الرابع من ms0704 المقالة الأولى لاقليدس ويكون ~~الخط المخرج من تلك الزاوية إلى ذلك الضلع عمودا ، فيكون كل واحد من هذين ~~المثلثين فيه قائمة والزاوية الأخرى فيه ثلثا قائمة ، وهي إحدى زوايا ~~المثلث ، فتكون الباقية ثلث قائمة ، فنقول : # وتر القائمة منها ثلاثة أجزاء ووتر الزاوية التي هي ثلث قائمة جزءان ، ~~فوتر الزاوية التي هي ثلثا قائمة أكثر من جزءين ، فإن كانت ثلاثة كان ضلع ~~القائمة مثل وترها ، هذا خلف. وإن كان أقل من ثلاثة انقسم الجزء. ### |||| ** التاسع (5) ### |||| ** : برهن اقليدس على أن السطوح المتوازية الأضلاع التي هي على PageV02P482 # قاعدة واحدة وفي جهة واحدة وفيما بين خطوط بأعيانها متوازية فإنها ~~متساوية ، ومتى كان كذلك بطل الجوهر الفرد ؛ لأنا إذا قدرنا أحد السطحين ~~أربعة في أربعة حتى كان مجموعه ستة عشر والسطح الآخر طوله بين المشرق ~~والمغرب ، فإنه يلزم أن يكون مجموع تلك الأجزاء الكثيرة ستة عشر جزءا ، وهو محال. # لا يقال : هذا المحال مشترك الالزام ، لأن أحد السطحين إذا كان ذراعا في ~~ذراع والآخر طوله من المشرق إلى المغرب كيف يمكن أن يقال إن أحدهما مساو للآخر؟ # لأنا نقول : السطحان المتوازيان إذا كان أحدهما مربعا قائما على قاعدته ~~وكان الآخر مستطيلا مائلا وكانا جميعا على قاعدة واحدة فيما بين خطين ~~متوازيين ، فإنه بمقدار ما يزيد في طول السطح المائل ينقص في عرضه ، ~~والمحال إنما يلزم لو كان عرض السطح المائل هو القاعدة المشتركة ، وليس ~~كذلك ، بل كلما ازداد الطول انتقص العرض. # وهو مشترك الإلزام ؛ لأنا نفرض المربع أصغر ما يمكن أن يوجد من المربعات ~~والسطح الآخر ممتدا من المشرق إلى المغرب ، فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس في ~~ذلك المربع من المقادير ما يساوي هذا السطح. واحتمال القسمة إلى غير نهاية ~~غير مفيد هنا. ### |||| ** العاشر (1) ### |||| ** : برهن اقليدس على أنه يمكن أن يقسم كل خط بحيث يكون ضربه أجمع في أحد قسميه ~~مساويا لمربع القسم الآخر (2)، وذلك يوجب التجزئة ؛ لأن الخط المركب من ~~ثلاثة أجزاء ، إن انقسم بقسمين متفاوتين كان أحدهما اثنين والآخر واحدا ، ~~وضرب الكل في ms0705 الواحد ثلاثة ومربع الاثنين أربعة. PageV02P483 ### |||| ** الحادي عشر (1) ### |||| ** : نفرض سطحا مربعا من ستة عشر جزءا مضمومة بعضها إلى بعض ، فكل واحد من ~~الخطوط الأربعة الكائنة من الأجزاء الأربعة مماس بصاحبه مماسة لا فاصل ~~بينهما وكذا الأجزاء ، فالقطر إنما يحصل من الجزء الأول من الخط الأول ، ~~والثاني من الثاني ، والثالث من الثالث ، والرابع من الرابع. فهذه الأجزاء ~~التي في القطر إن كانت متلاقية لا فرج فيها لزم أن يكون القطر مساويا للضلع ~~، وهو باطل بالحس والبرهان الهندسي الدال على أن الزاوية الأكبر بوترها ~~الخط الأطول (2)، ولا شك أن القطر بوتر القائمة وكل من الضلعين بوتر نصف ~~قائمة ، فيكون القطر أعظم. وإن كانت أجزاء القطر غير متلاقية ، بل تكون ~~فيها فرج ، فنقول : تلك الفرج إن اتسعت للجزء فليفرض امتلئوها به ، فيصير ~~القطر سبعة أجزاء ، فيكون القطر مساويا للضلعين ، هذا خلف. أو لا يتسع له ، ~~فيلزم الانقسام. # وقول بعض المثلثين : «إذا كان الخط مؤربا كان بين أجزائه فرج بخلاف الضلع ~~المستقيم» ليس بشيء يعتد به. # ثم سألوا أنفسهم فقالوا : لو قلب هذا المربع لصار ما كان قطرا ضلعا ~~وبالعكس ، فكيف يصح ثبوت الفرجة بينهما (3)؟ # أجابوا : بأنه غير ممتنع أن يتغير حالها عند القلب والتحريك في التأليف ~~كما في الرحا. # وهذا أسخف من الأول. PageV02P484 ### |||| ** الثاني عشر (1) ### |||| ** : إذا فرضنا خطا مستقيما كالوتر وقع على زاوية قائمة حتى يحصل الوتر جذر ~~مجموع مربعي (2) الضلعين وفرضنا كل واحد من الضلعين خمسة ، كان هذا الوتر ~~جذر خمسين ، فإن حركنا هذا ، طرف هذا الوتر من أحد الجانبين ، جزءا تحرك ~~الآخر أقل من جزء ؛ لأنه لو تحرك جزءا لصار أحد الضلعين ستة والآخر أربعة ، ~~فيكون الوتر جذر اثنين وخمسين وقد كان بعينه جذر خمسين ، هذا خلف. فوجب أن ~~يتحرك أقل من جزء. ### |||| ** الثالث عشر (3) ### |||| ** : لنفرض خط : «أب» متناهيا ونفصل منه من جانب «ب» جزءا من الف جزء هو «ب ج» ~~ولنخرج خطي «ج د أه» من نقطتي «ج أ» كل واحد منهما مركب من أجزاء متساوية ~~كم كانت ، ولتكن ثلاثة على ms0706 قائمتين ولنخرج من «ب» إلى «د» خطا وإلى «ه» آخر ~~، فلا شك أن «ب ه» يقطع «ج د» على نقطة «ز» فمثلثا «ب ج د» ، «ب ه أ» ~~متشابهان ، فنسبة «ب ج» إلى «ب أ» كنسبة «ج ز» إلى «أه» ، فحينئذ «ز» جزء ~~من الف جزء من ثلاثة أجزاء لا تتجزأ ، هذا خلف. # ولو زدت في طول «أب» وعملت العمل المذكور ازداد انقساما ، ولما كان ذلك ~~محالا كان القول بالجزء باطلا. ![](https://books.rafed.net/Books/3370_nihayat-almaram-02/images/image003.gif) PageV02P485 ### |||| ** الرابع عشر : قال النظام : الجزء إذا لم يكن في نفسه طويلا لم يصح أن يصير بانضمام غيره ~~إليه مما ليس بطويل طويلا. # وهو ضعيف ؛ لمنع الملازمة ، وإلا لكان الجزء جسما. ولا امتناع في انضمام ~~ما ليس بطويل إلى ما ليس بطويل ، فيصير طويلا. ### |||| ** الخامس عشر : الله تعالى قادر على الزيادة في هذه الأجسام إلى ما لا يتناهى ، فكذا يجب ~~في النقصان. # وهو ضعيف لعدم التلازم ، ومنع المقدم بالفعل. ### |||| ** السادس عشر : قال ابن الراوندي : قول أصحاب الجزء يؤدي إلى ما يدفعه العقلاء ؛ لأنه لا ~~عدد له نصف إلا وله ربع وسدس وثلث ، وذلك لا يتم مع الجزء الذي لا يتجزأ ؛ ~~لأنا لو فرضنا عشر أجزاء لكان لها نصف ولم يكن لها ربع ولا ثلث ولا سدس ، ~~وهذا خلاف المعلوم من الأعداد. # وهذا في غاية الضعف ، لعدم الملازمة. ### |||| ** السابع عشر : إذا كان هناك شكل كري ، فلا بد من احتوائه على مثله من الأطواق ، فيكون ~~الطوق الأول أوسع ، فإذا انتهى إلى الحد الذي يقولونه من الجزء الذي لا ~~يتجزأ فسمت (1) احتواؤه على ما هو دونه ، وهو يقتضي الانقسام. # وليس بجيد لمنع الكلية ، فليس كل طوق يحتوي على طوق دائما ، بل ينتهي إلى ~~المركز ، وهو جوهر فرد لا يحتوي على شيء. PageV02P486 ### | البحث التاسع ### | في فروع الجزء وعدمه # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى ### ||| ** في أن الجسم هل يقبل القسمة إلى غير النهاية مع حفظ صورته النوعية (1)؟ # هذه المسألة إنما تتفرع على نفي الجوهر الفرد. وقد عرفت فيما تقدم (2) أن ~~من الأجسام ما هو مركب من ms0707 عدة أجسام مختلفة الطبائع وتحصل لها صور نوعية ~~بواسطة ذلك التركيب والامتزاج ، كالصور المعدنية والنباتية والحيوانية ~~والإنسانية. ومنها ما هو بسيط ، صورته النوعية حاصلة له في الفطرة الاولى ~~لا باعتبار المزاج والتركيب بصور العناصر ، كالنارية والهوائية. PageV02P487 # أما الصور الأولى ، فتعدم بعدم (1) التركيب والمزاج ، لأنها تابعة لهما ~~ولا بقاء للتابع من دون متبوعه (2). # وأما الصور الثانية ، فذهب المشاءون إلى أن لها حدا في الصغر صور الماء ، ~~وكذا للهواء وباقي العناصر ؛ لأن الأجسام لو احتملت الانقسام لا إلى نهاية ~~مع بقاء صورها النوعية لأمكن عليها الامتزاج وكان الفعل والانفعال فيها ~~أسهل ، فكان يمكن حصول اللحم والعظم وأصناف التراكيب من الأركان الأربعة في ~~غاية الصغر ، فكان يحصل فيل على قدر الذرة. ولو أمكن ذلك كان أكثري الوجود ~~لا أقلي الوجود ؛ لأن امتزاج الأقل قبل امتزاج الأكثر ، لأن الأكثر إنما ~~يحصل عن اجتماع الأقل وحصوله بعد حصوله. ولما لم يوجد ذلك البتة ولا نادرا ~~علمنا أن للأجسام حدا في الانقسام والتصغر مع بقاء صورها النوعية. # ولا يمكن عكس هذا الدليل علينا ، فيقال : # لم لا توجد بعوضة في (3) قدر الفيل؟ # لأنا نقول : تصغر الأجزاء يعين على الامتزاج وكبرها مما يعوق عنه ، ولهذا ~~استعين على تكوينها بالدق والسحق. # والاعتراض من وجوه (4): ### |||| ** الأول : لو سلمنا أن امتزاج الأقل عددا قبل امتزاج الأكثر عددا ، لكنه غير نافع ؛ ~~لأن الكلام ليس فيه ، لكن لا نسلم أن امتزاج الأقل مقدارا قبل امتزاج PageV02P488 # الأكثر مقدارا ؛ فإن وجود الأقل مقدارا في الأكثر مقدارا إنما هو بالقوة ~~لا بالفعل لما عرفت من وحدة الجسم ، والذي بالقوة فهو غير موجود. وإذا لم ~~يكن الأقل مقدارا حاصلا بالفعل لم يكن له امتزاج بالغير فضلا عن أن يكون ~~امتزاجه قبل امتزاج شيء آخر ، بل الأولى أن يكون امتزاج الأكثر في المقدار ~~قبل امتزاج الأقل في المقدار إذ الأكثر محصل محصور والأقل غير محصل ولا محصور. ### |||| ** الثاني : سلمنا تقدم امتزاج الأقل على امتزاج الأكثر مطلقا ، لكن لا نسلم الاكتفاء ~~بذلك المزاج في حصول الصورة النوعية ، لجواز أن ms0708 يكون العظم مع ذلك معتبرا ، ~~لجواز أن يكون استعداد المزاج لقبول النفس المدبرة إذا كان وافيا بأفاعيلها ~~، وإنما يتم ذلك بمقدار معين من العظم. ### |||| ** الثالث : هب أنه لو تم ذلك الاستعداد فإنه تفيض عليه من واهب الصور النفس ، لكن ذلك ~~الامتزاج إنما يحصل في مكان معين مخصوص ، فلو كانت تلك المادة يسيرة ~~لانفعلت عما يحيط بها ولا يبقى ذلك المزاج إلى أن يحصل فيه الاستعداد لقبول ~~تلك الصور ، بل يفسد قبل ذلك. # واعلم : أن الانفصال قد يكون بالانفكاك (1) وقد يكون باختلاف الأعراض (2) ~~. والذي يكون باختلاف الأعراض الإضافية لا يجب أن يبلغ الجسم إلى حد يكون ~~بعد ذلك فاقدا لتلك الصورة ؛ لأن تلك الصورة فاشية في جميعه ، وإلا لكان ~~إما أن يخلو كل واحد من أجزائه عن تلك الصورة وإما أن يكون بعض PageV02P489 # أجزائه خاليا عن تلك الصورة دون البعض. # والأول لا يخلو إما أن يتغير حالها عند الاجتماع عما كانت عليه حالة ~~الانفراد ، أو لا يتغير. فإن لم يتغير لم يحصل بالاجتماع إلا الزيادة في ~~العدد والمقدار ولم تحصل تلك الصورة النوعية ، فلا تكون للجسم تلك الصورة ~~البتة ، هذا خلف. # وأما إن كان اجتماع الأجزاء يوجب حصول الصورة للمجموع ، فتلك الصورة ~~الحاصلة بالامتزاج فاشية في الكل ، وهو المطلوب. # وأيضا امتزاج تلك الأجزاء لا يفيد صورة أخرى إلا إذا كانت مختلفة الطبائع ~~، فتكون لكل جزء منها طبيعة خاصة وكل ما يفرض في ذلك الجسم من الأجزاء فله ~~تلك الطبيعة. فالانقسام الوهمي والذي بحسب اختلاف الأعراض الإضافية لا يخرج ~~الجزء الصغير عن طبيعة الجزء الكبير. # وأما إذا كان الانقسام فكيا تعذر حفظ الجسم مع افراطه في التصغر صورته ~~النوعية لاستيلاء ما يحيط به عليه وضعف قوته لصغره عن دفع المضاد له خصوصا ~~مع عظمه وزيادة قوته عليه ، فينتقل إلى طبيعة المجاور بسرعة ، والاستقراء يحققه. # وأما الانقسام بالأعراض الحقيقة كالبلقة ، فكالانفكاكي في التناهي. # فبطل بهذا قول من قال : إن أصغر أجزاء الأرض أكبر من أصغر أجزاء النار ؛ ~~لأن تلك النار إذا انقلبت أرضا ms0709 لم يجب أن يكون ذلك عند الأرض حتى يتصل بها ~~، فإن كثيرا من العناصر تعرض له الاستحالة في غير حيزه الطبيعي ، وإذا صار ~~ذلك الجزء الصغير من النار أرضا صار أصغر مما كان ، لأن الخمود يصغره أيضا ~~، فيكون وهو أرض أصغر من الجزء الذي فرضناه أصغر من الأجزاء الأرضية ، وذلك محال. PageV02P490 ### ||| ** المسألة الثانية : في أن الجوهر هل يصح وقوعه على موضع الاتصال بين جوهرين (1)؟ # اختلف الشيخان هنا ، فذهب أبو هاشم إلى جوازه ومنعه أبو علي وأبو القاسم ~~الكعبي وأبو إسحاق وقاضي القضاة. # حجة أبي هاشم بأنا إذا فرضنا خطا مركبا من أربعة جواهر ثم أزيل جزءان من ~~وسطه صح وضع الجزء في الفرجة التي بين الطرفين على حد لا يلاقي واحدا من ~~الطرفين ، وإنما يكون كذلك إذا كان على موضع الاتصال منهما. # اعترض بمنع ذلك ؛ لأنه لو صح لكان قد حصل في تلك الفرجة ما هو أقل مقدارا ~~من الجزء ، وقد بينا أنه أصغر المقادير فيجب المنع من صحة وضعه على حد لا ~~يلاقي واحدا من طرفيه لهذا المانع. # وهذا في غاية الضعف. # أما أولا ، فلأن المكان الخالي يمكن أن يشغله المتمكن مطلقا ولا يمكن ~~اسناد الامتناع إلى أنه لو حصل في ذلك المكان لا نقسم وانقسامه محال ، لأن ~~الأمكنة لا مدخل لها في تصحيح القسمة وعدمها. # وأما ثانيا ، فلأنا نعلم بالضرورة إمكان حركة هذا الجزء من أحد الجزءين ~~إلى الآخر ؛ لأنه إذا أمكن أن يجاوز كل واحد منهما والوسط خال قضت الضرورة ~~بإمكان الحركة ، وحينئذ يلزم المحذور. # وأما ثالثا ، فلأنا نفرض الخط على حاله والجزء يتحرك عليه من أوله إلى ~~آخره ، فيعود المحذور. ولا مدخل لخلو البعض عن المالئ في جواز الحركة ~~وعدمها ، PageV02P491 # ولا في اقتضاء الانقسام وعدمه. # احتج أبو علي بوجهين : ### |||| ** الأول : الخط المركب من أربعة إذا وضع على طرفيه جزءان فلو صح وضع جزء على حد لا ~~يلاقي واحدا من الطرفين حتى يكون على موضع الاتصال من الجزءين ، أوجب أن ~~الخلل الحاصل بين الطرفين يصغر عن الجزء ms0710 ، وقد بينا أنه أصغر المقادير. ### |||| ** الثاني : لو وقع على موضع الوصل منهما لكان الاعتماد الذي فيه لا يكون بأن يولد كونا ~~يصير به آخذا قسطا من هذا الجوهر أولى من قسط وكذلك في الجوهر الآخر ، لأنه ~~لا مخصص يخصصه ببعض دون بعض ، وذلك يقتضي صحة وجود أكوان متضادة في ذلك ~~المحل ، أو أن يصير هذا الجزء آخذا لجميع الجوهرين. # وقد اعترض على أبي علي بوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : قوله (1) يؤدي إلى قسمة الجزء ، لأنه يصير ملاقيا لأحد الجزءين بقسط والآخر بآخر. ### |||| ** الوجه الثاني : يقتضي أن يحصل في الجوهر الواحد كونان متضادان ، لأنه يوجد فيه كون يصير به ~~آخذا قسطا من هذا الجزء ، وكون مضاد له يأخذ به قسطا آخر من الجزء الآخر. ### |||| ** الوجه الثالث : يلزم كون الجوهر الواحد في مكانين. ### |||| ** وله أن يجيب عن الأول : بأنه ليس وقوعه على موضع الاتصال من الجزءين بأعظم من صحة ملاقاته لستة ~~أمثاله ، فإذا جاز هذا ولم يقتض تجزئته ، فكذا هنا. ### |||| ** وعن الثاني : بأن المحاذاة إذا كانت واحدة فلا تضاد في الكون وإن تغاير. PageV02P492 ### |||| ** وعن الثالث : بأن المحاذاة واحدة ، لأنه ليس شاغلا لحيز الجوهرين ولا ساترا لهما حتى ~~يكونا مكانين له ، وإنما يجوز وقوعه على موضع الوصل منهما ، وليس ذلك عبارة ~~عن مكانه. # واعلم : أن التحقيق هنا أن نقول : إن كان وقوعه على مفصل الجوهرين موجبا ~~لشغل أحدهما بالكلية بالملاقاة والحصول فيه دون الآخر لم يكن على موضع ~~الاتصال. وإن كان شاغلا لهما معا لزم انقسامه قطعا. فإن كان شاغلا لبعض من ~~كل منهما لزم انقسامه وانقسامهما معا. ### ||| ** المسألة الثالثة : في شكل الجزء (1) # قال المثبتون : إذا شبه الجزء بشيء من الأشكال ، فهو بالمربع (2) أشبه من ~~غيره ؛ لأن المربع تتساوى جوانبه وأطرافه حتى لا تتفاوت ، والجزء كذلك ؛ ~~لأنه لو شبه بالمثلث لرئي من أحد الجوانب ، كأنه (3) أكثر من الجانب الآخر ~~، فإن هذا حال المثلث. # وأما الباقلاني ففي موقفه تردد. فهو تارة يتفق مع الأشاعرة على نفي الشكل ~~للجوهر الفرد ويقول : «إن الجوهر الفرد لا يشبه شيئا ms0711 من الاشكال ، لأن ~~المشاكلة هي الاتحاد في الشكل ، فما لا شكل له فكيف يشاكل غيره؟» ، ~~الباقلاني وآراؤه الكلامية : 329. # وتارة أخرى ينسب إليه تحديده بشكل معين للجوهر ، فينسب إليه الجويني انه ~~قد أشار في بعض كتبه إلى اختيار شكل المربع من حيث يمكن أن ينتظم من ~~الجواهر الفردة خط مستطيل ، الشامل : 62. راجع أيضا المطالب العالية 6 : 21. PageV02P493 # وهذه الملازمة ممنوعة. # ولو كان كرة لم يصح تأليف الأجزاء إلا مع فرج ، فيؤدي إلى أن يكون هنا ما ~~هو أصغر من الجزء. # فإن صح أنه شبيه بالمربع أمكن أن يلقاه ستة أمثاله من الجهات الست. # وحكي عن عباد (1) أنه : منع من صحة تلاقي الأجزاء وقال : إن الجزء لا ~~يلاقي غيره (2). # فقال له أبو هاشم : من ذهب إلى أن الجسم مركب من الأجزاء لم يصح له منع ~~ملاقاة بعضها لبعض (3). # وحكي عن عباد : المنع من صحة إيجاد الله تعالى الجزء المنفرد عن غيره. # وقال لا يجوز إلا عند مضامة غيره له (4). # وهذه الحكاية منافية لما تقدم عنه أولا. مع أنهما باطلتان. # أما الأول ، فلما قاله أبو هاشم. # وأما الثاني ، فلأنه لا ارتباط بين الجوهرين ، فجاز وجود كل منهما منفردا ~~عن صاحبه. والأوائل منعوا من وجوده مطلقا ، وإلا لكان إذا وصل إليه طرفا ~~خطين ، فإن داخلهما بالأسر كان الطرفان متباينين للخط ، لأن ذلك الجزء ~~مباين له والمداخل للمباين مباين ، فلا يكون الطرف طرفا ، هذا خلف. وإن لم ~~يداخلهما بالأسر لزم انقسامه ، هذا خلف. PageV02P494 ### ||| ** المسألة الرابعة : في صحة كون الجوهر مكانا # اعلم أن المكان هنا في مصطلح هؤلاء أنه : ما يعتمده المتمكن. وقد اختلف ~~الشيخان في أنه هل يمكن أن يكون الجوهر مكانا لغيره؟ فجوزه أبو علي وأكثر ~~المشايخ ، ومنعه أبو هاشم بناء منه على أن المكان يعتبر فيه كثرة أجزائه ~~على أجزاء المتمكن. # وهذا باطل ، بل لو حصل في الجزء الواحد سكون يمنع ثقل المتمكن من توليد ~~الهوى فيه فقد صار مكانا له. وكذا الأجزاء القليلة مع كثرة أجزاء المتمكن ~~بعد أن يختص المكان بسكون كثير ms0712 ، لأنه لا يصير مكانا بكثرة أجزائه ، بل بما ~~ذكرناه من منع الهوى للمتمكن فيه. # قال أبو هاشم : يصح أن تكون يد أحدنا مكانا للذبابة لما قصرت أجزاؤها عن ~~أجزاء اليد ، ولم يصح أن تكون مكانا للحجر الثقيل لما زادت أجزاؤه على ~~أجزاء اليد ، وكان من حق المكان أن تزيد أجزاؤه على أجزاء المتمكن ، وإذا ~~كان كذلك ولا يزيد أحد الجزءين على صاحبه فيجب أن لا يكون الجزء مكانا ~~لمثله أصلا. # وهو غلط ، لأن اليد لم تكن مكانا للحجر الثقيل لاحتياجها في مدافعة الثقل ~~الذي فيه إلى سكون زائد وربما لم تتمكن من ذلك ، ولو فرضنا قدرته عليه كانت ~~يده مكانا. PageV02P495 ### ||| ** المسألة الخامسة : في أنه هل يصح رؤيته؟ # اتفق المشايخ على أن الله تعالى يرى الجوهر منفردا عن غيره. وأما نحن ~~فيصح منا أن نراه عند انضمام غيره إليه. ولكن الخلاف في أنه هل يصح منا أن ~~نراه منفردا؟ فجوزه الشيخ أبو علي عند قوة الشعاع ، وهذا هو الظاهر في كتاب ~~ابنه أبي هاشم. لكن قد حكى عنه الشيخ أبو عبد الله البصري أنه مع انفراده ~~يستحيل أن يرى ؛ لأنه إذا كان منفردا دخل في تضاعيف أجزاء الشعاع حتى يصير ~~كالجزء منه ، ولا بد من فاصل بين ما يرى وبين ما يكون آلة في الرؤية ويرى ~~به ، فلهذا لا يصح رؤية الشعاع ، فكذا الجزء الواحد لما داخله. # لا يقال : لو لم ير وحده لم ير منضما إلى مثله لهذه العلة. # لأنا نقول : إن كانت الحال في الجزءين والثلاثة حال هذا الجزء لم يصح ~~رؤيتها ، وإن خالفت حالها حاله لم يجز القياس. # لا يقال : لو كان متلونا بغير لون الشعاع لم يثبت الالتباس ، فكان يجب ~~رؤيته حينئذ. # لأنا نقول : متى أجرينا الجزء مجرى الشعاع الذي به يرى ، فكما لا يجب ~~رؤية لون الشعاع فكذا لون هذا الجزء. # وهذا ممنوع ؛ لأن الشعاع لما كان آلة لم ير لأن المتوسط بين آلة الإدراك ~~والمدرك من شأنه أن لا يدرك بخلاف الجزء ، فإنه ليس آلة ms0713 البتة. على أن ~~العلة في امتناع رؤيته لو كانت هي انفراده لم يصح أن يراه الله تعالى ، ~~ولما صح أن يرى مع الانضمام ، لأن التأليف لا مدخل له في الرؤية ، وكان يجب ~~أن لا ترى الأجسام ؛ لأن انضمام ما ليس بمرئي إلى ما ليس بمرئي لا يصيره مرئيا. # وهذا ممنوع ؛ لجواز أن يكون الانضمام شرطا في الرؤية عندنا. PageV02P496 ### | الفصل الثاني ### | في الجسم # وفيه مباحث : ### | البحث الأول ### | في حده (1) # أما المتكلمون فقد عرفت كلامهم فيه ، وأن بعضهم عرفه بأنه الطويل # وانظر البحث في الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء : 61 ؛ ~~إلهيات النجاة : 201 ؛ شرح الإشارات 2 : 5 ؛ المطالب العالية 6 : 9 ؛ ~~المباحث المشرقية 2 : 9 ؛ شرح المواقف 6 : 282. PageV02P497 # العريض العميق (1). وبعضهم عرفه بأنه المنقسم مطلقا. وأما الفلاسفة ~~فقالوا : الجسم يطلق بالاشتراك على معنيين (2): # أحدهما عرض وهو : الجسم التعليمي ، أعني الطول والعرض والعمق ، وهي ~~الأبعاد الثلاثة المتقاطعة على زوايا قوائم. وقد عرفت (3) البحث في إثباته ونفيه. # والثاني جوهر ، وحده في المشهور أنه : الطويل العريض العميق. وقد تقدم في ~~باب الكم (4) الفرق بين هذه الأمور وبين الجسمية. وقد تقدم أن الجسم قد ~~ينفك في الوجود الخارجي عن الخط (5). وأما السطح فإنه وإن كان لا ينفك عنه ~~في الوجود الخارجي ، ولكنه ينفك عنه في الوجود الذهني. وأما الجسم فإنه وإن ~~كان لا ينفك عنه في الخارج وفي الذهن إلا أنه مغاير للصورة الجسمية ؛ فإن ~~الشمعة إذا شكلتها بالأشكال المختلفة كانت الجسمية الواحدة محفوظة ~~والمقادير مختلفة ، فليس كون الجسم جسما باعتبار هذه الأمور. # قال أصحاب هذا الرسم (6): لا شك أن الجسم لا يخلو عن صحة فرض هذه ~~الأبعاد فيه ، فهذه الخطوط المفترضة إن كانت مفروضة في اتصال الجسم وإن PageV02P498 # لم تكن مفروضة فيه (1)، فلا بد وأن يكون الاتصال حاصلا عند ذلك الفرض ، ~~ولا شك أن ذلك الاتصال كان موجودا قبل ذلك الفرض ، لأن صحة الفرض إذا توقفت ~~على ذلك الاتصال استحال أن يكون الاتصال موقوفا على وجود الفرض وإلا دار. ~~وإذا كانت الاتصالات ms0714 موجودة قبل الفرض ، ولا (2) شك أن الاتصالات إنما تكون ~~موجودة إذا كانت ممتدة في الجهات ، فالجسم لا يخلو عن هذه الامتدادات. # فإن عنيتم بقولكم (3) «الاتصالات كانت موجودة» أن الاتصال الذي تفرض فيه ~~الخطوط المتقاطعة موجود ، فذلك صحيح لكنه هو الصورة الجسمية وذلك لا نزاع ~~فيه. وإن عنيتم به أن هناك جهات متباينة مختلفة بالفعل تفرض فيها الخطوط ~~الممكنة الفرض ، فليس الأمر كذلك ؛ لأنه ليس يجب أن يكون عدد الجهات بالفعل ~~بحسب الخطوط الممكنة الفرض ، وإلا كانت الجهات غير متناهية بالفعل ، لأن ~~الخطوط يمكن فرضها غير متناهية. # ولأن الجهة منتهى الإشارة ، وتلك الجهة إنما تصير تلك الجهة بالفعل عند ~~حصول ذلك الخط بالفعل ، ولولاه لم يكن لتلك الجهة من حيث إنها تلك الجهة ~~حصول بالفعل. فالاتصال الذي عرض له الآن إن حكم عليه بأنه هذه الجهة أو في ~~هذه الجهة ، موجود قبل الفرض. نعم لا توجد قبل الفرض هذه الجهة ، لأن هذه # وفي الأسفار : «وهذه الخطوط المفروضة إما أن تكون مفروضة في اتصال الجسم ~~، فيكون الاتصال حاصلا بالفعل في الجسم وإلا لم تكن مفروضة فيه بل في معنى ~~آخر غير الاتصال والمتصل بنفسه هيولى كان أو غيرها فلا بد ...» ، 5 : 6. PageV02P499 # الجهة إنما حدثت بالفرض لا قبله ، كما إذا فرض خط في سطح ، فإن هذا الخط ~~لم يكن موجودا قبل حدوث هذا الخط. وإن كان الاتصال الذي وجد فيه الآن هذا ~~الخط قد كان موجودا قبل هذا الخط. # وهذا الإشكال إنما جاء ، لأنه ربما اشتبه الفرق بين قولنا : كان الاتصال ~~الذي وجد الآن في هذه الجهة وبين قولنا : كان اتصالا في هذه الجهة. والفرق ~~بينهما كالفرق بين قولنا : كان الإنسان الذي هو الآن أبيض قبل كونه أبيض ~~وبين قولنا : كان الإنسان أبيض قبل أن صار أبيض. فإن الأول صادق بخلاف ~~الثاني. # وبالجملة : لو كانت الاتصالات الخطية الممكنة الفرض في الجسم حاصلة ~~متميزا بعضها عن البعض قبل الفرض ، حصل في الجسم ما لا يتناهى من الأجزاء ~~فعلا (1). فالاتصالات البعدية موجودة في الجسم بالقوة. ms0715 # لا يقال : إذا كانت الاتصالات البعدية موجودة بالقوة وكذا الانفصالات ، ~~كان الجسم في اتصاله وانفصاله بالقوة ، وما بالقوة ليس بموجود ، فالجسم ليس ~~بمتصل ولا منفصل بالفعل. # لأنا نقول : الاتصالات الخطية موجودة بالقوة ، أما الاتصال بمعنى الصورة ~~الجسمية فانه موجود بالفعل. # فإذن الرسم الصحيح أن يقال : «الجسم هو : الذي يمكن أن تفرض فيه الأبعاد ~~الثلاثة المتقاطعة على الزوايا القوائم». والجسم قد يخلو عن هذه الأبعاد ~~ولا يخلو عن إمكانها. # والمراد بالإمكان هنا : العام ، ليندرج ما يجب فيه الأبعاد ، كالفلك PageV02P500 # عندهم. وما يحصل فيه فعلا من غير وجوب ، كالعناصر. وما ليس بحاصل مما ~~يمكن ، كالكرة المصمتة. ولو أخذنا الإمكان الخاص انتقض بما فرض فيه الأبعاد ~~أو بعضها بالفعل ، لأن القوة لا تبقى مع الفعل ، فقد بطل أن يكون جسما (1). # وفيه نظر ، فإن الإمكان الخاص أعم من الحاصل بالفعل أو بالقوة. # وقد اعترض على هذا الرسم بوجوه (2): ### |||| ** الوجه الأول : الهيولى الأولى يصدق عليها أنه يصح فرض الأبعاد الثلاثة فيها بواسطة الصورة ~~الجسمية ، وإذا صدق عليها صحة فرض الأبعاد فيها بواسطة الجسمية ، صدق صحة ~~فرض الأبعاد الثلاثة فيها ؛ لأن صحة فرض الأبعاد الثلاثة فيها بواسطة ~~الصورة أخص من صحة فرض الأبعاد الثلاثة فيها مطلقا ، وصدق الأخص يستلزم صدق ~~الأعم ، فما جعلتموه رسما للجسم تدخل فيه الهيولى. ### |||| ** الوجه الثاني : الوهم يصح فرض الأبعاد الثلاثة فيه ، ولذلك تسمى الأبعاد التخيلية جسما ~~تعليميا مع أن الوهم ليس بجسم. ### |||| ** الوجه الثالث : الإمكان والقابلية كما تقدم أوصاف ذهنية لا تحقق لها في الخارج ، والتعريف ~~بالأمور العدمية إن جاز فإنما يجوز للأمور البسيطة ، لأنها لما لم تكن ~~مركبة فحينئذ تحتاج بالضرورة إلى أن تعرف بلوازمها ، أما الجسم فإنه مركب ؛ ~~لاندراجه (3) تحت جنس الجوهر فله فصل ، أو من المادة والصورة فله ذاتيات ، ~~فتعريفه بها أولى. ### |||| ** الوجه الرابع : هذا التعريف فاسد ، لأنه تعريف للشيء بما هو أخفى منه ، PageV02P501 # فإن كل عاقل يعلم في كل واحد من الأجسام المشاهدة كونه حجما ومتحيزا إلى ~~غيرهما من الألفاظ ، ولا يخطر بباله ما ذكرتم من الأبعاد ms0716 والتقاطع والزاوية ~~مطلقا فضلا عن القائمة ، فإن مثل هذه الأشياء من الأمور الغامضة التي لا ~~يدركها إلا الخواص. ### |||| ** الوجه الخامس : إذا قلنا الجسم ما يكون كذا ، فإن كان المقصود أن المراد من لفظ الجسم كذا ~~لم يعرف منه أن الجسم المشاهد هل هو كذلك ، وحاصله يرجع إلى تفسير اللفظ. ~~وإن كان المراد أن الحقيقة المشار إليها بالمشاهدة موصوفة بهذه الصفة ، كان ~~ذلك دعوى لا بد في إثباتها من دليل. ولأن الدعوى لا يمكن إلا بعد تصور ~~المحكوم عليه ، فقولنا : الجسم ما يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه متوقف على ~~تصور الجسم فلو استفدنا تصور الجسم منه ، دار. # لا يقال : الجسم متصور بالبديهة لكن لا تجتمع ذاتياته ، وهذا التعريف ~~يفيد كمال التصور. # لأنا نقول : هذا التعريف رسم لا يفيد كمال التصور. ### |||| ** الوجه السادس : الجسم عبارة عن مجموع الهيولى والصورة ، ولا يجوز أن يكون للصورة مدخل في ~~قابلية الأبعاد ، لأن الذي له القبول ويتحقق به الإمكان هو الهيولى ، وأما ~~الصورة (1) فإن حقيقتها هي : الجزء الذي يتحقق به الحصول والوجود. فإذن ~~الصورة يستحيل أن تكون جزءا من القابل من حيث هو قابل. فإذن القابل للأبعاد ~~الثلاثة هو الهيولى. غاية ما في الباب أن يقال : قابلية الهيولى للأبعاد ~~تتوقف على قابليتها للصورة الجسمية أولا ، ولكن ذلك لا يقتضي أن يكون ~~للصورة مدخل في القابلية. PageV02P502 # ولكنا نقول (1): فرق بين اعتبار الهيولى بشرط أن تكون فيها جسمية وبين ~~مجموع الهيولى والجسمية ؛ فإن الهيولى بشرط أن تكون معها جسمية هيولى ، ~~وأما مجموع الهيولى والجسمية فهو الجسم ، والقابل للأبعاد ليس مجموع ~~الهيولى والصورة لما تقدم من أنه لا مدخل للجسمية في القابلية ، بل القابل ~~الهيولى بشرط حصول الجسمية فيها. وإذا كان القابل القريب للأبعاد ليس الجسم ~~بل الهيولى بشرط حصول الجسمية كان الحد المذكور ليس متناولا للجسم ، بل ~~للهيولى بشرط مخصوص (2). # فإن جعلت الصورة جزءا من القابل لا شرطا لكون المادة قابلة ، ناقض كلامهم ~~(3): أن الصورة ليس مبدأ للقبول والإمكان ، بل هي مبدأ للحصول والفعل. ~~ولأن المعقول من الهيولى ms0717 ليس إلا أنه جوهر قابل ، فإن جعلنا الصورة كذلك لم ~~تتميز الهيولى عن الصورة. # وحينئذ يبطل اعتذارهم عن الوجه الأول : بأن الهيولى ليس فيها بالحقيقة ~~قبول هذه الأبعاد ، بل فيها قبول الجسمية ، وبعد حصول الجسمية يحصل قبول ~~الأبعاد ، فقبول الأبعاد بالحقيقة للجسم لا للهيولى. # ثم اعتذروا عنه بأن المعلم الأول حد المتصل بأنه الذي يمكن أن تفرض فيه ~~أجزاء تتلاقى على حد مشترك. ورسمه بأنه القابل لانقسامات غير متناهية. وحد ~~الرطب بأنه القابل للأشكال بسهولة. # ثم إن أحدا لم ينقض الحدود بالهيولى باعتبار أن الذي يمكن فيه فرض ~~الأجزاء منه (4) هو الهيولى ، والقابل للانقسامات والأشكال هو الهيولى. PageV02P503 # وفيه نظر ، فانا لم نمنع من قبول شيء لشيء مطلقا ، بل لما كانت الهيولى ~~في هذه الصورة قابلة للجسم والجسم قابل ، حكمنا بأن اسناد القبول إلى الجسم ~~بالعرض وأنه بالذات للهيولى. ### |||| ** وعن الثاني : بأن المراد ما يصح فرض الأبعاد الثلاثة فيه في الخارج لا في الوهم. ### |||| ** وعن الثالث : بأن الجسم وإن تركب من الجنس والفصل باعتبار ومن المادة والصورة باعتبار ، ~~إلا أنا لما لم نشعر بحقائق تلك المقومات عرفنا الجسم بآثاره ولوازمه ، ~~كغيره من الأشياء التي لا نشعر بماهيتها ، فإنا نعرفها بلوازمها ، كالمتصل ~~والرطوبة وغيرهما ، فكذا هنا. وعلى قول إن الجوهر ليس بجنس وأن الجسم ~~البسيط ليس مركبا من المادة والصورة ، لا يمكن تعريفه بغير اللوازم. PageV02P504 ### | البحث الثاني ### | في مقوماته (1) # اختلف الناس في أن الجسم هل هو مركب في نفسه أم لا؟ # فقال بعضهم (2): إنه بسيط في نفسه غير مركب البتة لا من الجواهر الأفراد ~~ولا من الهيولى والصورة ، بل يقبل القسمة إلى أجزاء ليست موجودة فيه بالفعل ~~بل تحدث بعد القسمة. # وقال آخرون : إنه مركب ، ثم اختلفوا. # فمنهم من قال : إنه مركب تركيبا مقداريا. وهم القائلون بتركبه من الجواهر ~~الأفراد التي يزيد مقداره بزيادتها وينقص بنقصانها ، وكالقائلين بتركبه من ~~الخطوط فإن بعضهم ذهب إلى ذلك ، سواء كانت تلك الأجزاء الأفراد متناهية أو ~~غير متناهية على ما تقدم من الرأيين. # ومنهم من قال ms0718 : إنه مركب لا بهذا الاعتبار ، وقد افترقوا إلى فرقتين : # إحداهما قالوا : إنه مركب من الأعراض. # والثانية قالوا : إنه مركب من المادة والصورة. PageV02P505 # أما الفرقة الأولى فهم : ضرار بن عمرو (1) وحفص الفرد (2) والنجار (3). ~~فانهم ذهبوا إلى أن : عند اجتماع اللون والطعم والحرارة والبرودة وما ~~شاكلها من الأعراض الباقية (4)، يحصل الجسم دون الأعراض الغير الباقية ، ~~كالأكوان وشبهها. # وهؤلاء إما أن يجعلوا تحيز الجسم موقوفا على اجتماع هذه الأمور ، فنقول : ~~لا نثبت التحيز في شيء من ذلك إلا عند الانضمام ، أو نثبت آحاد هذه الأعراض ~~متحيزة قبل الاجتماع كما نثبتها متحيزة عند الاجتماع. # فإن ذهبوا إلى تحيزها قبل الاجتماع ، على ما يقوله النجار ، حيث منع من ~~قلب الأجناس وجعل الجسم مركبا من المعاني الباقية عنده دون الحركات وغيرها ، PageV02P506 # فذلك باطل ؛ لأن من حق هذه الأعراض أن تخالف الأجسام وأن يخالف بعضها ~~بعضا ، ولو اتفقت في التحيز لتماثلت. ولأن المتحيزات متساوية في ماهية ~~التحيز ومتباينة بألوانها وروائحها وطعومها ، وما به الاشتراك غير ما به ~~الامتياز ، فالتحيز ماهية مغايرة لهذه الصفات. ولأن هذه الأعراض لا يعقل ~~تحيزها بانفرادها ولا تعقل إلا قائمة بغيرها. # وإن قالوا بتحيزها عند الاجتماع على ما يجوزه حفص الفرد وضرار من قلب ~~الجنس ، فباطل ؛ لأنه لو جاز أن تجتمع هذه الأعراض فتصير متحيزة بعد أن لم ~~تكن كذلك وتنقلب ذواتها ، جاز في هذه الأجسام إذا اجتمعت أن تزول بتحيزها ، ~~وإن كانت من قبل متحيزة بأن تنقلب أعيانها. ولأن المتحيز إذا كان استحقاق ~~الذات له لما هي عليه بشرط الوجود فيجب رجوعه إلى كل جزء ؛ لأن صفة الذات ~~إنما ترجع إلى الآحاد دون الحمل ، فكيف توقف حصول هذه الصفة على الانضمام؟ # وأيضا قولهم : «إذا اجتمعت صار جسما» ، إن أرادوا بالاجتماع المجاورة ، ~~فباطل ؛ لأنها إنما تصح في المتحيز ، فيجب أن يتقدم تحيز هذه الأعراض حتى ~~يحكم عليها بالمجاورة لا أن تجعل التجاور سببا لتحيزها. وإن أرادوا ~~بالاجتماع حلولها في محل واحد متحيز ، ومعلوم أن الحلول لا يصح أن يصير ~~سببا للتحيز ، على أن ms0719 المتحيز يمتنع عليه الحلول. وإن أرادوا بذلك حلول بعض ~~الأعراض في بعض ، فباطل ؛ لأن كون بعضها محلا إنما يصح بعد ثبوت التحيز ، ~~فكيف يقف تحيزه على حلول غيره فيه؟ فإنه يقتضي تعلق كل واحد من الأمرين ~~بصاحبه. # قال أفضل المحققين : «هذا مذهب غير معقول ، إن كان المراد بهذه الأجزاء ~~التي يتركب منها الجسم أعراضا. وأما إن كان المراد أنها جواهر مختلفة يلتئم ~~منها الجسم ، تكون الأجسام متشاركة في التحيز ، وتباينها في هذه الأجزاء لا ~~يدل على PageV02P507 # أنها ليست بأجزاء للجسم ، لأن التحيز صفة للجسم» (1). # وفيه نظر ، بانهم صرحوا بأن الطعوم وغيرها من الأعراض التي عدوها أعراضا ~~لا جواهر ، فلزمهم المحال الذي ذكره أولا وثبوت الدور ؛ لأن العرض مفتقر ~~إلى الجسم فالمجموع من الأعراض أولى بالافتقار ، والجسم مفتقر إلى جزئه. # وأما الفرقة الثانية (2)، فإنهم ذهبوا إلى أن الجسم مؤلف من الهيولى ، ~~وهي الجوهر القابل ومن الصورة الجسمية ، وهي الاتصال والامتداد ، على معنى ~~أن الجسمية حالة في محل ومجموع ذلك الحال والمحل هو الجسم. PageV02P508 ### | البحث الثالث ### | في حجج مثبتي المادة (1) وفسخها # احتج الرئيس وغيره على إثبات المادة وتركب الجسم منها ومن الصورة # وتطلق في مصطلحات العلوم على معاني : # 1. في المنطق : مواد القياس ، وهي قضايا يتشكل القياس منها مثل : ~~اليقينيات ، المظنونات ، المشهورات و... ، وتطلق أيضا على النسبة الواقعة ~~في نفس الأمر بين الموضوع والمحمول ، وهي تنحصر في الوجوب والإمكان ~~والامتناع. وتطلق أيضا على الحدود (الموضوع والمحمول) التي تتألف منها ~~القضية. # 2. في الفيزياء : أجسام أو مجموعة من ذرات الطاقة ذات جرم وجذب ودفع ~~واصطكاك ، قابلة للتبدل إلى الطاقة. # 3. في الفلسفة : (في الاصطلاح الأرسطي) هي العناصر غير المعينة التي يمكن ~~أن يتألف منها الشيء. وهي المعنى المقابل للصورة. وهي كما قيل إمكان محض ، ~~أو قوة مطلقة ، لا تنتقل إلى الفعل إلا بقيام الصورة فيها. # ولا ريب في أن الموجودات المادية تتبدل إلى موجودات مادية أخرى ، فتتجدد ~~لها آثار خاصة. فالمتبدل منه يسمى بالقياس إلى المتبدل إليه مادة وهيولى ، ~~وإذا كان المتبدل منه نفسه متبدلا من ms0720 موجود آخر كان الموجود الأسبق مادة ~~بالنسبة إلى السابق ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى ما لم يتبدل من موجود آخر ، ~~فيسمى بالهيولى الأولى ومادة المواد. راجع : الطباطبائي ، نهاية الحكمة : ~~98 99 ، وتعليقة الأستاذ مصباح اليزدي : 138 ؛ جميل صليبا ، المعجم PageV02P509 # بوجوه (1): ### |||| ** الوجه الأول : قد ثبت أن الجسم البسيط واحد في نفسه متصل لا تعدد فيه ولا انفصال بالفعل ، ~~ولا شك في أنه قابل للانفصال والانفصال عدم الاتصال عما من شأنه أن يكون ~~متصلا ثم كل حادث فلا بد له من قابل ، فالقابل للانفصال إما أن يكون هو ~~الاتصال أو غيره. والأول باطل ؛ لأن القابل للشيء يجب أن يبقى مع المقبول ، ~~إذ لو امتنع بقاؤه معه كان منافيا له وضدا لا قابلا له ، والاتصال لا شك ~~أنه يعدم حالة الانفصال ولا يبقى معه ، لأنا قد قلنا : إنه عدمه ، والشيء ~~لا يجامع عدمه. فإذن الحق : الثاني ، وهو أن يكون القابل شيئا آخر غير ~~الاتصال ، ولا شك في أن قوة قبول الانفصال حاصلة قبل الانفصال فجامعة # وفي شرح المواقف : «ان الهيولى على الإطلاق هي محل الصورة الجوهرية وهي ~~أربعة أقسام : الهيولى الأولى: وهو جوهر غير جسم محل المتصل بذاته. ~~والهيولى الثانية : هو جسم قام به صورة ، كالأجسام بالنسبة إلى صورها ~~النوعية. والهيولى الثالثة : وهي الأجسام مع صورها النوعية التي صارت محلا ~~لصورة أخرى ، (كالخشب لصورة السرير والطين لصورة الكوز والهيولى الرابعة ~~وهي : أن يكون الجسم مع الصورتين محلا لصورة أخرى ، كالأعضاء لصورة البدن ~~وأجزاء البيت لصورته). فالهيولى الأولى جزء الجسم هو جزء ، والثانية نفس ~~الجسم ، والأخيران جزءان لهما». 7 : 34 35. # والعلامة الحلي أيضا من منكري الهيولى ، وسيأتي قوله : «اعلم أن مذهبنا ~~أن الجسم غير المركب من الهيولى والصورة» بداية البحث الأول من الفصل ~~الثالث. راجع أيضا شرحه على حكمة العين المسمى ب «إيضاح المقاصد من حكمة ~~عين القواعد» : 127. PageV02P510 # للاتصال ، فتلك القوة حاملها غير الاتصال والانفصال ، فهناك شيء آخر غير ~~الاتصال والانفصال يقبلهما معا ، وذلك الشيء هو المادة يقبل الاتصال حال ~~وجوده ثم يصير قابلا ms0721 للانفصال بعد ذلك ، (وهو المادة) (1). # والاعتراض من وجوه (2): ### |||| ** الأول : لا نسلم أن الجسم واحد في نفسه ، وقد تقدم بطلانه ، كما ذهب إليه مثبتوا ~~الجزء وذيمقراطيس وبرهنوا على مقالاتهم كما تقدم. والاتصال الذي يثبتونه إن ~~كان بمعنى التماس والالتصاق فهو مسلم ، وهو ينافي الوحدة ، وإن عنيتم به ~~أمرا آخر ، فذلك لا يعرفه أحد إذ المتعارف بين الناس إنما هو الاتصال ~~بالمعنى الإضافي. ### |||| ** الثاني : سلمنا أن الجسم البسيط متصل ، لكن لا نسلم أنه قابل للانفصال. ولم لا يجوز ~~أن لا يكون قابلا له ، وإنما القابل الأجسام الصغار غير المشاهدة بالحس ، ~~كما ذهب إليه ذيمقراطيس؟ وحينئذ يسقط أصل الدليل. ### |||| ** الثالث : لا نسلم أن القابل يجب أن يجامع المقبول ، فإن كل ممكن على الإطلاق قابل ~~لعدمه ولا يمكن اجتماعهما في الوجود ، فكذا نقول في قبول الاتصال للانفصال. ### |||| ** الرابع : قوة الانفصال ليست ثابتة في الأعيان ، وإلا لكان لها قوة أخرى ويتسلسل ، ~~وهو محال. ### |||| ** الخامس : الاتصال قد يراد به كون الجسم بحال يقبل الأبعاد الثلاثة ، PageV02P511 # وذلك هو الجسمية ، وقد يراد به وجود (1) الأبعاد الثلاثة وهو عرض من باب ~~الكم. فدعواكم : «أن الجسم يرد عليه ما يزيل الاتصال» إن عنيتم به المعنى ~~الأول ، فهو كاذب؛ لأن الحس يدفعه ، وأن ذات الجسم مما يستحيل أن تبقى عند ~~زوال الجسمية. وإن أردتم به الثاني ، فاللازم منه كون المقدار زائدا على ~~الجسم ، وذلك مسلم ، ولكن كيف يلزم منه أن يكون الجسم في حقيقته مركبا من أمرين؟ ### |||| ** السادس : لم لا يجوز أن يقال الزائل هو الوحدة والطارئ هو التعدد وهما عرضان قائمان ~~بالجسم؟ # لا يقال : الجسم قبل القسمة كان واحدا وله هوية مخصوصة باعتبارها امتاز ~~عن سائر الأفراد المشاركة له في الماهية ، فإذا وردت القسمة عليه امتنع ~~بقاء تلك الهوية ، وإذا عدمت تلك الهوية فقد عدمت تلك الجسمية ، لأن الجسم ~~المعين إنما يصير هو هو لا بماهيته وإلا كان هو غيره ، بل و (2) بمشخصاته ، ~~وظاهر أن ورود القسمة عليه سبب لزوال تلك الجسمية ولحدوث جسمين آخرين ، وكل ~~حادث وزائل فله مادة ms0722 ، فللجسمية مادة. # لأنا نقول : لا نسلم عدم شيء غير الوحدة والتشخص ، ولا يلزم من عدمهما ~~عدم الجسمية. والمشخصات إنما هي مشخصة بماهياتها ، وإذا زالت زال التشخص ~~العارض للماهية. # وأيضا هذا الإشكال وارد في المادة نفسها ، لأنها قبل قسمة الجسم إن كانت ~~كثيرة فحينئذ تكون بحسب كل الانقسامات الممكنة في الجسم مواد حاصلة متميزة ~~، فتكون فيه مواد متباينة غير متناهية ، ومعلوم أن الصورة الحاصلة في كل PageV02P512 # واحد منها (1) غير الصورة الحاصلة في المادة الأخرى ، فيكون الجسم مركبا ~~من أجزاء غير متناهية ، وهو يرفع أصل الحجة. وإذا امتنع كثرتها كانت واحدة ~~عند كون الجسم واحدا ، فلما تعدد تعددت وانقسمت بانقسامه ، وإلا كانت الصور ~~المتعددة حالة في مادة واحدة ، وذلك محال. # أما أولا : فلاستحالة اجتماع المثلين في مادة واحدة. # وأما ثانيا : فلأنه تكون هناك ذات واحدة موصوفة بصفتين لا أنه يكون هناك ~~جسمان متباينان. # فإذن المادة قد انقسمت ، فيلزم افتقارها إلى مادة أخرى ويتسلسل. ومع ~~تسليمه فالمقصود حاصل ؛ لأنه لو بقيت هناك مادة واحدة حالتي الوحدة والكثرة ~~للجسم لم يكن تواردهما على الشيء سببا لعدم الشيء ، وبطلت الحجة. وإن لم ~~يبق شيء أصلا لزم عدم المادة فتكون لها مادة ، ويلزم أن لا تكون للكائن ~~الفاسد مادة باقية ، وهو يبطل أصل الحجة. ويستلزم كون التقسيم إعداما ~~بالكلية. أو نقول : يجوز أن يكون الاتصال والانفصال عرضين متعاقبين على شيء ~~هو موضوع لهما ، وهو الجسم. # قال أفضل المحققين : «لو كان كذلك لكان ذلك الشيء يجب أن يكون في ذاته ~~غير متصل ولا منفصل حتى يمكن أن يكون موضوعا للاتصال والانفصال ، فهو لا ~~يكون من حيث ذاته بحيث تفرض فيه الأبعاد الثلاثة فلا يكون جسما البتة ، بل ~~هو المسمى بالمادة. ولا بد من انضياف شيء ما متصل بذاته إليه حتى يصير جسما ~~، فذلك الشيء هو الصورة، والمجموع هو الجسم الذي هو في نفسه متصل وقابل ~~للانفصال ، والذين يجعلون المتصل عرضا على الإطلاق ينسون أن كون الجسم ~~متصلا في نفسه أمر ذاتي مقوم للجسم ، والجوهر لا يتقوم بالعرض. ms0723 PageV02P513 # وأيضا ينبغي أن تعلم أن الوحدة الشخصية والتعدد الذي يقابلها أيضا لا ~~يعرضان للمادة إلا بعد تشخصها المستفاد من الصورة ليوقف على أحوال الشبه ~~المبنية على اتصاف المادة بالوحدة أو التعدد ، كقولهم : لو كان تعدد ~~الجسمية بعد وحدتها (مقتضيا لانعدامها ومحوجا إلى مادة توجد في الحالتين ~~لكان تعدد المادة بسبب الانفصال بعد وحدتها مقتضيا لانعدام المادة الأولى ~~و) محوجا إلى مادة أخرى (و) يتسلسل ؛ لأن المادة الموجودة في الحالتين غير ~~موصوفة بنفسها بوحدة ولا تعدد ، (بل) إنما تتصف بهما عند تعاقب الصور» (1). # وفيه نظر ، لأنا لا نسلم أن ذلك الشيء في ذاته لا يكون متصلا ولا منفصلا ~~، وكيف لا يكون كذلك والاتصال والانفصال أمران مغايران (2) للحقيقة؟ نعم ~~يجب اتصافها بأحدهما لكن ذلك لا يوجب كون أحدهما جزءا. # قوله : «لا يكون من حيث ذاته بحيث تفرض فيه الأبعاد الثلاثة». # قلنا : إن أردت بذلك أنه من حيث ذاته يقتضي عدم فرض الأبعاد الثلاثة ، ~~فهو ممنوع ، وإن أردت أنه من حيث ذاته لا يقتضي فرض الأبعاد الثلاثة ، فهو ~~مسلم ؛ لأنه إنما يقتضي ذلك بواسطة الاتصال. # قوله : «فلا يكون جسما». # قلنا : لا نسلم. أما أولا : فلأنه ليس حد الجسم ما ذكرت ، على ما تقدم. ~~وأما ثانيا : فلأن الجسم ليس الذي فرض فيه الأبعاد الثلاثة بالفعل ، بل ~~الذي يمكن أن تفرض فيه. # والاتصال ، إن أريد به المعنى المتعارف منه ، منعنا كونه مقوما للجسم ؛ ~~فإنه لا يعقل الجسم متقوما بالمعنى الإضافي. PageV02P514 # وأما الوحدة والتعدد ، فقبول المادة لا يوجد إلا مع حد ما منهما ، فهي ~~إما متأخرة عنهما أو مقارنة لهما ، فإذا كانت الصورة هي العلة فيهما للمادة ~~وجب تقدمها على المادة ؛ لأن المتقدم على المتقدم وعلى المع متقدم. وكذا ~~البحث في وحدة الصورة وتعددها إذا كانت المادة علة فيهما لزم تقدمها على ~~الصورة ، وهذا عين الدور المحال. # واعترض الشيخ على نفسه ، فقال ما تقريره : «إنكم استدللتم بإمكان وجود ~~الانفكاك والانفصال بالفعل في بعض الأجسام على كونه مقارنا لقابل ، وذلك لا ~~يقتضي وجوب كون جميع الأجسام مقارنة ms0724 للقابل ، فإن منها ما لا يقبل الفك ~~والتفصيل ، كالفلك وغيره من الأجسام الصلبة الصغيرة وإن كان قابلا له بحسب ~~الوهم» (1). # ثم أجاب بأن الامتداد الجسماني الذي هو الصورة الجسمية المتصلة بذاتها ~~التي لا تبقى هويتها الامتدادية عند وجود الانفصال لا في الخارج ولا في ~~الوهم أمر واحد نوعي ، فحصل التخلف بالأمور الخارجية دون الفصول المنوعة ، ~~وطبيعة الأمر النوعي لا تختلف في الاستغناء عن القابل والحاجة إليه. # وإذا عرف في (2) بعض أحوالها وهو إمكان طريان الانفصال عليها وامتناع ~~وجودها مع الانفصال احتياجها إلى ما تقوم فيه ، عرف أن تلك الطبيعة محتاجة ~~إلى القابل حيث كانت ، (ولو كانت) (3) طبيعتها مستغنية عن القابل لكانت ~~مستغنية حيث كانت. بخلاف الجنس ، كالحيوان الذي يكون مقتضيا لشيء كالضحك ~~وهو عند تحصله بفصل كالناطق ، ولا يكون مقتضيا في سائر PageV02P515 # الصور له. # أما هاهنا فطبيعة الامتداد نوعية محصلة تختلف بالأمور الخارجية ، فإن ~~اقتضت مع جميع الخارجات وفي جميع الأحوال بخلاف الحيوانية التي هي طبيعة ~~جنسية غير محصلة وهي لا يمكن أن تقتضي شيئا من حيث هي غير محصلة ، ثم إذا ~~تحصلت بشيء انضاف إليها (1) ودخل في وجودها المحصل ، فإن اقتضت شيئا مع ذلك ~~الشيء الخارج (2) عنها لم تقتضه مع غيره ، لأنها مع غيره لا تكون ذلك ~~المحصل بعينه (3). # وأورد أفضل المتأخرين عليه المنع من كون «الطبيعة الجسمية طبيعة نوعية ~~واحدة محصلة لا تختلف بالحقيقة» لأن ماهيتها غير معلومة ، والاشتراك في ~~قبول الأبعاد لا يقتضي الاشتراك في الملزومات. ولأن الحكم بحلول بعض ~~الجسميات في محل لا يقتضي وجوب الحلول ، بل يقتضي صحته. # فإذن يمكن أن لا يحل فيه البعض الآخر ، وناقض بالوجود الذي يقتضي في ~~الواجب تجرده عن الماهية ، وفي الممكن لا يقتضي ذلك (4). # وأجاب أفضل المحققين بأن الاحتياج إلى القابل إنما يقتضيه الامتداد من ~~حيث كونه متصلا بذاته قابلا للانفصال والمتصل بذاته لا ينفصل ، فهذا القدر ~~معلوم ومشترك ومقتض للحكم وفيه كفاية ، فلا حاجة به (5) إلى ما عداه مما لا نعلمه. PageV02P516 # والطبيعة المذكورة تقتضي وجوب الحلول لا الإمكان ms0725 المحتمل لعدم الحلول. ~~والوجود ليس من الطبائع الجنسية والنوعية على ما سيجيء بيانه (1). # وفيه نظر ، فإن القبول الراجع إلى الماهية غير مقتض لمقارنة المادة ، ~~وإنما يقتضي مقارنة المادة الإمكان الاستعدادي ، وهو ممنوع الثبوت في بعض ~~الأجسام ، فلا بد من التوصل بالتساوي في طبيعة الجسمية. # واقتضاء الطبيعة الوجوب ، ممنوع ؛ لأن المقتضي لثبوت المادة هو الافتكاك ~~العقلي ، وهو غير واجب الوجود ، وإن لم يكن من الطبائع الجنسية والنوعية ~~لكنه كلي ، وقد اقتضى لذاته في بعض الموارد شيئا دون الباقي ، فجاز في ~~الصورة ذلك. واعترض أيضا بمذهب ذيمقراطيس ، وقد سبق. ### |||| ** الوجه الثاني : الجسمية مما يصح عليها العدم ، وكل ما كان كذلك فله مادة. # أما الصغرى ، فلأنها عبارة عن الاتصال ، وعند الانفصال يعدم. ولأن كل قوة ~~جسمانية ، فانها لا تقوى على بقاء غير متناه. فإذن الجسمية مما يجب عليها العدم. # وأما الكبرى ، فلأن الجسمية الزائلة كانت قبل زوالها ممكنة الزوال ~~والطارئة كانت قبل حدوثها ممكنة الحدوث ، فقوة حدوثها وقوة فسادها تستدعي ~~محلا ، وليس ذلك هو تلك الجسمية ؛ لأن محل الشيء يبقى معه ، والجسمية لا ~~يمكن أن توجد عند عدمها ، فتلك القوة موجودة في شيء كان موجودا عند وجود ~~الاتصال. # وبهذا يزول الشك بأن الانفصال عدم فلا يفتقر إلى المحل ؛ لأنه عبارة عن ~~عدم مقارن لقوة وجود ، وتلك القوة لا تستغني عن المحل. وهذه الحجة هي ~~الأولى في الحقيقة. PageV02P517 # والاعتراض قد بينا امتناع وجود القوة والإمكان في الأعيان ، وإلا لزم ~~التسلسل ، وافتقرت المادة إلى مادة أخرى لأنها ممكنة. والفرق بأن الإمكان ~~الراجع إلى الماهية غير الاستعدادي ، ضعيف ؛ لأنه هو في الحقيقة أقصى ما في ~~الباب أنه أخذ راجحا في أحد طرفيه. # وأيضا الإمكان صفة للحادث والفاسد ، فكيف يعقل قيامه بغيرهما؟ # وكون الحادث حالا في هذه المادة فيرجع إمكانه إلى إمكان اتصاف المادة به ~~فلا استحالة ، باطل ؛ لأن هنا في الحقيقة إمكانان ، أحدهما : إمكان الحادث ~~، والثاني : إمكان اتصاف المادة به ، بل وإمكان ثالث هو : إمكان حلوله في ~~المادة. # وأيضا يبطل دليلكم بالفلك عندكم ، فإن جعل السبب ms0726 في دوامه دوام فيض ~~المفارق أمكن أن يجعل هنا كذلك. ### |||| ** الوجه الثالث (1) ### |||| ** : الجسم من حيث هو جسم موجود بالفعل ، ومن حيث إنه مستعد أي استعداد شئت فهو ~~بالقوة ، والشيء الواحد من الجهة الواحدة لا يقتضي قوة وفعلا ، لأن الواحد ~~لا يصدر عنه إلا الواحد ؛ ولأن القابل من حيث إنه قابل لا يجب له القبول ، ~~ومن حيث إنه فاعل له الأثر ، فلو كان الشيء الواحد قابلا لشيء واحد وفاعلا ~~له لكان الشيء الواحد نسبته إلى الشيء الواحد قابلا لشيء واحد وفاعلا له ~~لكان الشيء الواحد نسبته إلى الشيء الواحد بالوجوب والإمكان معا ، وهو محال. # فإذن الجسم مركب مما عنه له القوة ومما عنه له الفعل (2). # والاعتراض من وجوه (3): PageV02P518 ### |||| ** الأول : أنه يقتضي تركب كل البسائط ؛ لأنها موجودة بالفعل ، ولا شك في أنها قابلة ~~لأي صفة شئت مما يمكن حصولها لها فيكون البسيط مركبا ، هذا خلف. ### |||| ** الثاني : لا نسلم أنه يمتنع اتصاف الشيء الواحد بقوة وفعل ؛ لأن ما هو بالفعل هو ~~وجوده وما هو بالقوة الصفة الثابتة له ، وإذا تغايرت الجهتان فلا تركيب. ~~وهذا كما يقولونه في النفوس الناطقة ، فإنها موجودة بالفعل ومستعدة ~~للتعقلات فتكون لها مواد ، وهو باطل على رأيهم. ### |||| ** الثالث : المادة موجودة بالفعل وإلا فلا نزاع ، ولأنها قابلة للصور ، والقابل للشيء ~~وجوده سابق على وجود المقبول ، ثم هي مستعدة لقبول الصور ، فتكون لها مادة أخرى. ### |||| ** الرابع : النفس الناطقة موجودة بالفعل وبالقوة أيضا ، نظرا إلى ما يمكن حصوله لها من ~~العلوم ، ولا مادة لها. ### |||| ** الخامس : لا نسلم أنها من حيث هي مستعدة تكون بالقوة ، فإن الموصوف بالقوة هو ذلك ~~الشيء أو اتصافها به ، أما هي فإنها بالفعل من كل وجه ، فلا يكون فيها تركيب. ### |||| ** السادس : لا نسلم أن الواحد لا يكون قابلا وفاعلا معا ، لأن هنا نسبتين إلى شيئين ، ~~فإن القابل له نسبة القبول إلى المقبول لا من جهة الفعل بل من جهة القبول ، ~~والفاعل له نسبة الفعل إلى المفعول لا من جهة القبول بل من جهة الفعل ، ~~وإذا تعددت النسب أمكن ms0727 تعدد وصفي الوجوب والإمكان بالنسبة إليهما. # نعم الشيء الواحد من الجهة الواحدة لا تكون له نسبة واحدة بالوجوب ~~والإمكان إلى الشيء الواحد ، لكن الجهات هنا متعددة. PageV02P519 # قيل (1): المادة لها من ذاتها القوة ، وكونها بالفعل بسبب الصورة ، فما ~~هو المبدأ لكونها بالقوة ليس هو المبدأ لكونها بالفعل ، وهو عين كلامنا. # لا يقال : الصورة تحتاج في حدوثها إلى المادة فكيف تكون مبدأ لوجودها؟ # لأنا نقول : سيأتي جوابه في باب تعلق الهيولى بالصورة. # والاستعداد (2) لا بد له من سبب زائد على ذات النفس وهو البدن وعلائقه. ~~وسيأتي أنه لو لا تعلق النفس بالبدن (وإلا) (3) لامتنع أن يحصل لها كمال ~~بعد أن لم يكن. فأما كون الصورة محتاجة إلى المادة في الوجود والنفس غير ~~محتاجة إلى البدن ، فذلك إنما يعرف بدليل آخر. # والقوة (4) والفعل سواء كانا بالنسبة إلى أمرين أو أمر واحد فإنهما أمران ~~يستدعيان مؤثرين. # وفيه نظر ، فإن قولك : «المادة لها من ذاتها القوة ، وكونها بالفعل بسبب ~~الصورة» إن عنيتم بذلك أن المادة ليست إلا القبول ولا ذات لها ولا وجود ~~البتة وإنما الوجود للصورة خاصة ، فهو مخرج لها عن كونها جزءا من الجسم ~~الموجود بالفعل ، لأن جزء الموجود بالفعل موجود بالفعل بالضرورة. وأيضا ~~القبول كيف يعقل أن يكون جوهرا متأصلا في الوجود غنيا عن الموضوع؟ والمادة ~~عندهم جوهر ، لأنهم يقسمون الجوهر إليها وإلى باقي أقسامه. ولأن القبول ~~إضافة والمادة ليست إضافة. ولأن القبول عدمي فلا يكون جزءا من الوجودي. # وإن عنيتم به أن لها ذاتا وحقيقة مخصوصة متميزة بنفسها وحقيقتها عن PageV02P520 # غيرها من الذوات ، لكن إنما توجد بالفعل بواسطة الصورة ، كما يوجد ~~المعلول بواسطة علته وكما يوجد المشروط بوجود شرطه ، وأن لها وجودا عينيا ~~متحققا يتصف به عند اتصافها بالصورة فهو مسلم ، لكن ذلك لا يخرجها عن كونها ~~بالفعل ، وإلا لخرجت جميع المعلولات عن الوجود الفعلي. # ومسلم أنه المبدأ لكونها بالقوة ذاتها ولكونها بالفعل صورتها ، لكن ذلك ~~غير مفيد لكم ، فإن المبدأ لكون المعلول بالقوة ذاته ولكونه بالفعل صورته. # ونمنع افتقار الاستعداد ms0728 في النفس إلى سبب زائد على ذات النفس هو البدن ~~وعلاقته ، فإن النفس لذاتها قابلة ، وإلا لامتنع أن تقبل بواسطة الغير ، ~~فإن الذات إذا لم تكن قابلة لشيء يمتنع أن يحصل لها القبول له بواسطة شيء ~~ما من الأشياء ، لأن مقتضى الذات لا يعدم إلا بعدم الذات. # والقبول والفعل ليسا أثرين بل الأثر هو الفعل خاصة ، أما القبول فلا ، ~~وإلا لزم التسلسل. ### |||| ** الوجه الرابع : أن الكون والفساد على الفلك محال ، فلا يمكن أن يتغير الفلك في مقداره ~~وشكله وصورته وموضعه ، فالجسمية التي للفلك المعين يلزمها شكل ذلك الفلك ~~بعينه ومقداره بعينه. فسبب هذا اللزوم ليس مفهوم الجسمية ، وإلا لكان كل ~~جسم كذلك ؛ لاشتراك الأجسام بأسرها في الجسمية ، هذا خلف. فإن كان لأمر ~~زائد وراء الجسمية ، فإما أن يكون ذلك الأمر حالا في تلك الجسمية ، أو تلك ~~الجسمية حالة فيه ، أو لما لا يكون حالا فيها ولا محلا لها. # والأول باطل ؛ لأن ذلك الحال إن كان ليس لازما لتلك الجسمية لم يكن الشكل ~~اللازم بسبب تلك الجسمية لازما وقد فرض لازما ، هذا خلف. # وإن كان لازما لتلك الجسمية عاد التقسيم في سبب لزومه وكيفيته ، فإما أن ~~يتسلسل أو ينتهي إلى ما يلزم الجسمية لنفس الجسمية ويعود المحال من PageV02P521 # أن كل جسم يجب أن يكون كذلك. # وإن كان لمباين غير حال ومحل ، فإما أن يكون ذلك الشيء جسما أو قوة حالة ~~في جسم أو موجودا ليس بجسم ولا بجسماني. # والأول باطل ، لأن ذلك الجسم إن اقتضى ذلك اللزوم بجسميته ، فكل جسم كذلك ~~، ولكانت الجسمية التي هي الملزوم لتلك الفلكية أولى بذلك الاختصاص (1) من ~~جسمية أخرى ، وقد أبطلناه. # والثاني إن كانت تلك القوة من لوازم محلها عاد السؤال في المقتضي لذلك ~~اللزوم ، وإن لم يكن من لوازم محلها فإذا (فارقت) (2) محلها ، فإن عدمت وجب ~~أن يزول ما يقتضيها ، وذلك محال ؛ وإن لم تعدم عند مفارقة محلها كانت غنية ~~في وجودها عن المحل ، وكل ما كان كذلك لم يكن له اختصاص بمحل دون محل ms0729 ~~اختصاصا بالوجوب ، فهي إذن قوة مجردة متساوية التأثير في جميع المتماثلات ~~المتساوية في قبول أثرها تأثيرا واحدا ، وكان يجب أن لا يكون اقتضاؤها ~~لوجوب موصوفية بعض الأجسام بالفلكية أولى من اقتضائها لذلك في سائر الأجسام ~~، ويعود ما ذكرناه من وجوب اتصاف كل الأجسام بتلك الفلكية ، وهو محال. فلم ~~يبق إلا أن الجسمية إنما لزمتها تلك الفلكية بسبب شيء حلت تلك الجسمية فيه ~~وحلت تلك الفلكية وذلك الشكل فيه. ثم إن ذلك الشيء لذاته يقتضي الصورتين ~~معا ، فلا جرم صارت (مقارنتهما) (3) واجبة. فإذن لجسمية الفلك محل ، وذلك ~~هو الهيولى. ويجب أن تكون تلك الهيولى مخالفة لسائر الهيولات ، وإلا عادت ~~المحالات المذكورة. وإذا ثبت احتياج جسمية الفلك إلى محل وجب احتياج PageV02P522 # جسمية العناصر إلى الهيولى. # قال أفضل المتأخرين : «هذه حجة تكلفناها لهم» (1) «وقد أوردتها على كثير ~~من الأذكياء فما قدحوا في شيء من مقدماتها. ولكنه قد عرض لي الشك بعد ذلك ~~في بعض مقدماته ، فإن الجسمية ليست عبارة عن وجود الأبعاد بالفعل ، لأن ~~الأبعاد من باب الكم ، ولا عبارة عن نفس قابلية هذه الأبعاد على ما يشعر به ~~ظواهر الكتب ؛ لاستحالة كون قابلية الشيء للشيء أمرا ثبوتيا. ولأنها لو ~~كانت وصفا ثبوتيا لكانت من باب النسب والإضافات ، فيمتنع أن تكون صورة مقومة. # فإذن الجسمية عبارة عن الأمر الذي لأجله حصلت هذه القابلية ، وذلك الأمر ~~غير محسوس ولا معلوم بالضرورة ، فإن المعلوم بالضرورة هو هذه المقادير ، ~~فأما وجود أمر آخر لأجله تحصل قابلية هذه المقادير فليس مدركا بالحس ولا ~~معلوما بالضرورة. # فإذن لا يمكن دعوى الضرورة في كون ذلك الأمر مشتركا بين الأجسام كلها ، ~~لاحتمال أن يكون الأمر الذي لأجله كان هذا الجسم قابلا لهذه الأبعاد مخالفا ~~بالنوعية للأمر الذي لأجله كان الجسم الآخر قابلا لها ، فانه يجوز استناد ~~الواحد بالنوع إلى الكثير بالنوع ، فلا يلزم من قولنا سبب وجود الشكل للفلك ~~المعين هو جسمية الفلك اشتراك الشكل بين الأجسام كلها. وإنما غفل الناس عن ~~هذه الدقيقة ، لظنهم أن الجسم هذه الأبعاد والمقادير ms0730 ، ثم لما علموا أنه لا ~~اختلاف في طبيعة المقدار حكموا بأن الجسمية مشتركة فيها. فأما من يدعي أن ~~الجسمية أمر وراء ذلك ، فإنه لا يمكنه دعوى الضرورة في كون ذلك المعنى PageV02P523 # مشتركا ، بل لا بد له من برهان. ونحن إلى الآن لم نحصله» (1) # والاعتراض : لا نسلم امتناع الكون والفساد على الفلك على ما يأتي. # سلمنا ، لكن لا نسلم اشتراك الجسمية على ما ذكره أفضل المتأخرين. # سلمنا ، لكن لا نسلم أن عند وجود العلة يجب وجود المعلول ، بل جاز أن ~~يتخلف إما لوجود مانع أو فقدان شرط. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون لأمر ملزوم للجسمية؟ # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون للفاعل المختار؟ وهو الحق في هذا الباب. PageV02P524 ### | البحث الرابع ### | في إبطال الهيولى (1) # لنا على ذلك وجوه : ### |||| ** الوجه الأول (2) ### |||| ** : الهيولى إما أن تكون ذات وضع أو لا ، والقسمان باطلان ، فلا يكون لها وجود البتة. # أما الأول ، فلأن تحيزها إما أن يكون بالاستقلال أو بالتبعية ، فإن كان ~~الأول لزم اجتماع المثلين عند حلول الصورة الجسمية فيها ؛ ولزم الترجيح من ~~غير مرجح ، إذ لا أولوية لأحدهما بكونها محلا وللأخرى بكونها حالا دون ~~العكس. ولأن الهيولى إن احتاجت حينئذ إلى محل تسلسل ، وإلا لكانت الجسمية ~~غنية عن المحل وهو المطلوب. # وإذا كان الثاني ، وهو أن يكون حصول الهيولى في ذلك الحيز تبعا لحصول ~~الصورة فيه كانت الهيولى صفة والصورة موصوفة فتكون الهيولى صفة حالة في ~~الجسم ، وهو مغاير لدعوى أن الجسمية حالة في الهيولى. PageV02P525 # وإن لم يكن لها حصول في الحيز لا على سبيل التبعية ولا على سبيل ~~الاستقلال لم يكن لها اختصاص بجهة البتة بل كانت مجردة مع أن الجسمية مختصة ~~بحيز معين ، لاستحالة وجودها مجردة عن الحيز وحصولها في كل الأحياز ~~والترجيح من غير مرجح ، وحينئذ يمتنع حلول الجسمية المختصة بحيز فيها ، ~~للعلم الضروري بأن ما يختص بالجهة بالذات بالحيز يمتنع حلوله فيما لا ~~اختصاص له بتلك الجهة لا بالذات ولا بالتبعية. فالقول بحلول الجسمية في محل ~~يؤدي إلى ms0731 أقسام باطلة ، فيكون القول به باطلا. ### |||| ** الوجه الثاني : لو كان الجسم مركبا من أمرين لكانا ذاتيين له ، فكان يجب أن يكون العلم ~~بهما سابقا على العلم بالجسم ، فيجب في العالم بالجسم أن يكون عالما بتركبه ~~منهما من غير برهان ، لأن من شرط الذاتي أن لا يحتاج في إثباته للذات إلى برهان. # اعترض (1): بأن هذا إنما يلزم لو عقلنا تمام ماهية الجسم ، فأما إذا لم ~~نعقله بحقيقته بل بعارضه ، وهو أنه شيء قابل للأبعاد الثلاثة فلا ؛ لأن ذلك ~~لازم لأحد جزئيه أعني الصورة ، فإن قبول الأبعاد لازم من لوازم الصورة ، ~~وظاهر بين عند العقل أن هذا القدر لا يقتضي العلم بجميع أجزاء الجسم. # واعترض أفضل المحققين على الأول : بأنها (2) مشتملة على أقسام غير منحصرة ~~، فإن ما لا يتحيز على سبيل الحلول في الغير لا يجب أن يكون متحيزا ~~بالانفراد ، بل ربما يتحيز بشرط حلول الغير فيه ، ولا يلزم من ذلك كونه صفة ~~لذلك الغير (3). PageV02P526 # وفيه نظر ، لما تقدم من قضاء الضرورة بامتناع حلول ما يختص بالجهة فيما ~~لا اختصاص له بالجهة البتة. ### |||| ** الوجه الثالث : قد بينا أن الجسم مؤلف من الجواهر الأفراد بالبراهين القطعية ، وحينئذ # يمتنع وجود الهيولى. ### |||| ** الوجه الرابع : مادة الكل والجزء إن اتحدتا كان محل الأمور المتغايرة المتعاندة واحدا ، ~~وهو محال. وإن تغايرتا ، فإن كانتا موجودتين بالفعل لزم اشتمال الجسم على ~~ما لا يتناهى من الأجزاء ، وهو محال ، وإن تجددتا افتقرتا إلى مادتين ~~وتسلسل. وبسط الكلام أكثر من ذلك في هذا الباب غير لائق هنا. PageV02P527 ### | الفصل الثالث ### | في تفاريع الهيولى # وفيه مباحث : ### | البحث الأول ### | في أن الهيولى لا تنفك عن الصورة (1) # اعلم أن مذهبنا أن الجسم غير مركب من الهيولى والصورة ، لكن نريد البحث ~~مع الفلاسفة على اعتقادهم ونبين خطأهم في فروعهم المبنية على الهيولى ~~والصورة. # وقال صدر المتألهين : «هذا المقصد مما يمكن فهمه من أحد مسالك الهيولى ~~وهو مسلك القوة والفعل ، فإن الهيولى إذا تجردت عن كافة الصورة لكانت أمرا ~~بالفعل ولها قوة قبول الأشياء ولا أقل لها ms0732 استعداد شيء ما وإلا لم تكن ~~هيولى فيتركب ذاته من جهة بها تكون بالفعل ومن جهة بها تكون بالقوة وقد ~~فرضت بسيطة ، هذا خلف. وهذا برهان تمام لا يرد عليه شيء عند التحقيق» ~~الأسفار 5 : 138. PageV02P528 # وقد استدلوا على أن الهيولى لا تنفك عن الصورة بوجوه : ### |||| ** الأول : أنها لو انفكت عن الصورة فإما أن تكون ذات وضع أو لا ، والقسمان باطلان. # أما الأول : فلأنه مناف للحكم المذكور. والوضع يطلق على معان ، منها : ~~«كون الشيء بحيث يمكن الإشارة الحسية إليه» ، وهو المراد هنا. ولو كان ذات ~~وضع فإما أن لا تقبل القسمة في جهة من الجهات ، فتكون نقطة هي مقطع منتهى ~~إشارة. وإما أن تقبل القسمة في جهة واحدة فيكون خطا ، أو تكون قابلة للقسمة ~~في جهتين فيكون سطحا ، أو تكون قابلة للقسمة في الجهات الثلاث فيكون جسما. ~~لكن وجود النقطة بالاستقلال محال ، وإلا لكان إذا وصل إليها طرفا خطين ~~لاقياها بالأسر إن لم تحجبهما عن التماس ، فيكون الطرفان منفردين عن الخطين ~~لانفراد النقطة عنهما ، فيكون للخطين طرفان غيرهما ويعود البحث فيهما. وإن ~~حجبتهما لزم انقسامها ، فلا تكون النقطة نقطة ، هذا خلف. وأما امتناع كونها ~~خطا أو سطحا أو جسما ، فلأنها لو كانت أحد هذه لافتقرت إلى مادة ، لأن كل ~~واحد من هذه قابل للانقسام وكل قابل للانقسام فإنه مادي فللمادة مادة ، هذا خلف. # وأما الثاني : وهو أن لا تكون ذات وضع ، فإذا لحقتها الصورة صارت ذات وضع ~~بالضرورة ، لامتناع وجود جسم غير ذي وضع ، فلا يخلو إما أن لا تتحصل ~~الهيولى في موضع من المواضع أو تتحصل ، وإن تحصلت فلا يخلو إما أن تتحصل في ~~جميع المواضع أو في بعضها دون بعض. والأول والثاني محالان بالضرورة. ~~والثالث محال أيضا ؛ لأن ذلك الموضع إما أن لا يكون أولى بها من غيره أو ~~يكون أولى ، فإن لم يكن أولى كانت متساوية النسب إلى جميع المواضع ، فكان ~~حصولها في ذلك الموضع دون غيره ترجيحا لأحد الأمور المتساوية من غير مرجح ، ~~وهو محال بالبديهة. وإن ms0733 كان أولى فالأولوية إما أن تكون قد كانت حاصلة قبل ~~أن تلحقها PageV02P529 # الصورة أو حصلت بذلك ، وهذان باطلان. # أما الأول : فلأن الهيولى قبل الصورة لم تكن متعلقة بالموضع الذي حصلت ~~فيه مع الصورة ، فلا يمكن أن يقال : إن حصولها في ذلك إنما كان لأن الصورة ~~لحقتها هناك ، لأن الهيولى لم تكن هناك ولا في موضع آخر. # لا يقال : هذا ينتقض بالهيولى الكائنة في صورة توجب لها وضعا معينا ، ~~كجزء من الهواء مثلا إذا كان في موضعه الطبيعي ، فإن صورته الهوائية توجب ~~لمادته وضعا هناك ، أو يكون قد عرض للهيولى وضع هناك ، كجزء من الهواء أخرج ~~عن موضعه بالقسر إلى الموضع الطبيعي للماء يعرض (1) لها وضع هناك ، ثم فسدت ~~صورة الجزءين بسبب ولحقت صورة الماء بمادتها هناك ، فحصلت الهيولى مع ~~الصورة اللاحقة بها في موضع خاص لكون ذلك الموضع أولى بها ، والأولوية (2) ~~كانت حاصلة قبل هذا اللحوق بحسب الصورة السابقة والأحوال العارضة لها. # وأيضا الجزء من الأرض ليس له حيز معين ، بل جميع أجزاء الأرض بالنسبة إلى ~~ذلك الجزء على السواء ومع ذلك فقد تخصص بجزء واحد من كل الحيز. # لأنا نقول : هذا لا يمكن في الهيولى المجردة ، لأنها مجردة عن جميع الصور ~~بحسب الفرض. والسبب في اختصاص الجزء المعين من الأرض مثلا بجزء من أجزاء ~~حيزه هو أن مادة ذلك الجزء كانت قبل اتصافها بالصورة الأرضية في صورة أخرى ~~وكان لها بسبب تلك الصورة وضع وكان ذلك الوضع على حال متى زالت تلك الصورة ~~عن تلك المادة وحصلت فيها الأرضية فإنه يتعين ذلك الجزء لها ، كالجزء من ~~الهواء إذا زالت الهوائية عنه وصادفته الأرضية فإنه (3) يسقط على أقرب PageV02P530 # الأمكنة من المكان الذي له. فالوضع السابق الحاصل بسبب الصورة السابقة ~~علة لأن يحصل للمادة وضع بسبب الصورة اللاحقة. وهذا إنما يستمر لو كان قبل ~~كل صورة صورة ، وأما لو انتهت إلى صورة غير مسبوقة بصورة أخرى لم يكن هناك ~~ما يقتضي وقوع وضع خاص فيستحيل وقوعه لكنك ستعلم إن شاء الله ms0734 تعالى تناهي ~~الحوادث. # وأما الثاني : وهو أن تكون الأولوية حصلت بعد أن لحقت الصورة بالهيولى ~~فهو باطل أيضا ، لأن الهيولى متساوية النسبة إلى جميع المواضع التي تقتضيها ~~الصورة التي تلحقها فهي إذن تكون متساوية النسبة إليها بحسب ذاتها وبحسب ~~الصورة ، وحينئذ يستحيل حصولها في بعضها ، فإن الصورة النوعية وإن اقتضت ~~مكانا واحدا لكن تخصيصها بجزئيات ذلك المكان يستدعي سببا. # لا يقال : لم لا يجوز أن تتخصص الهيولى بموضع جزئي؟ كما لو كانت في صورة ~~توجب لها وصفا معينا ، كالجزء من الهواء في موضعه الطبيعي إذا صار ماء ، ~~فإنه يتخصص بموضع جزئي ويقصد الموضع الطبيعي للماء لوجود الصورة المائية ~~فيه ، وإنما لم يقصد أي جزء اتفق منه بل قصد الجزء الذي هو أقرب أجزاء ~~الموضع المائي إلى الموضع الأول ، فتخصص ذلك الموضع الجزئي به بسبب الوضع ~~السابق ، فهنا سببان : أحدهما الصورة المائية وهو سبب لقصد الموضع المائي ~~مطلقا. والثاني الوضع السابق وهو سبب لتخصص الموضع الجزئي منه بالقصد. # لأنا نقول : هذا غير ممكن هنا ، لأن الهيولى فرضناها مجردة عن جميع الصور ~~والأوضاع. ولما بطل القسمان ظهر امتناع الفرض الأول ، وهو حلول الصورة ~~الجسمية في الهيولى المجردة ، فيمتنع حلول الصورة في الهيولى إلا على سبيل ~~البدل بأن يكون حلول اللاحقة عقيب زوال سابقه. # لا يقال : الجسم العنصري لا يجب اتصافه بإحدى الصور النوعية بعينها PageV02P531 # مع دوام اتصافه بها ، فلم لا يجوز أن تكون الهيولى إذا اتصفت بالجسمية ~~فهي وإن كانت غير واجبة الحصول في حيز بعينه ، لكنها تحصل في أحد الأحياز؟ # لأنا نقول : كل صورة نوعية مسبوقة بأخرى معدة للهيولى في قبول اللاحقة ، ~~والهيولى الخالية عن الصور ليست كذلك ، فافترقا. # والاعتراض : لم لا يجوز أن تكون ذات وضع؟ ولا نسلم منافاته للحكم المذكور ~~، فإنه ليس يجب انحصار ذي الوضع في الجسم ، فإن من الجائز أن تكون الهيولى ~~في صورة غير جسمانية تقتضي للهيولى أولوية الاختصاص بموضع دون موضع. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن تكون نقطة؟ # قوله : إذا وصل إليها طرفا خطين ms0735 إن لاقتهما بالأسر وجب أن يكون لكل منهما ~~طرف غير الطرفين. # قلنا : ينتقض بالخطين المتلاقيين بنقطتيهما ، فانهما يتحدان عندكم ويكون ~~طرف كل واحد من الخطين مباينا لطرف الخط الآخر ، فيجب مع القول باتحاده ~~وجود طرف آخر غير الأول ، وهو محال. # وأيضا عند وصول طرفي الخطين إليها وتداخلها بأسرها لا يصير طرفا الخطين ~~متباينين عن خطيهما ، بل تصير تلك الهيولى حالة في الخطين حتى لا يلزم ~~المحال الذي ذكرتموه. # لا يقال : لما جاز على تلك النقطة أن تستقل بذاتها جاز أيضا على سائر ~~النقط ذلك ، فجاز على كل واحد من طرفي الخط أن يصير مباينا عن ذلك الخط. # لأنا نقول : هذا إنما يلزم لو تساوت النقط في الماهية ، وهو ممنوع. # سلمنا ، فلم لا يجوز أن تكون غير مشار إليه؟ فإذا خلق الله تعالى الجسمية PageV02P532 # فيها خصصها بحيز معين. # سلمنا ، فلم لا يجوز أن يكون خطا أو سطحا أو جسما تعليميا وتكون لها ~~هيولى مجردة عن المقدار ويكون الموجود حينئذ مقدارا حالا (1) في مادة ، وإن ~~لم تكن هناك صورة جسمية؟ # لا يقال : ذلك المقدار إنما يعقل مع الامتداد والاتصال ، ولا نعني ~~بالصورة الجسمية إلا ذلك. # لأنا نقول : لا نسلم وجود امتداد واتصال مغاير للمقدار ، بل ذلك غير ~~معقول ، إنما المعقول هو المقدار الذي يعبر عنه بالطول والعرض والعمق ، أما ~~غيره فلا. # سلمنا ، فلم لا يجوز أن لا تكون ذات وضع ولا تلحقها الصورة البتة؟ وحينئذ ~~لا يتم امتناع المنقسم الذي ذكرتموه من أنها إما أن تحصل في كل الأحياز أو ~~لا تحصل في شيء من الأحياز أو تحصل في البعض دون البعض. # لأنا نقول : جاز أن تحصل في شيء من الأحياز ولا تلحقها الصورة دائما. # وهذا السؤال لا جواب عنه ، إلا أن أفضل المحققين قال : «إن هذا يدل على ~~أن الهيولى المجردة يمتنع أن تقترن بالصورة ، ولا يدل بالذات على امتناع ~~تجرد الهيولى عن الصورة ، بل يدل على أن الهيولى المجردة غير مقترنة ~~بالصورة أبدا ، وينعكس عكس النقيض إلى أن الهيولى المقترنة ms0736 بالصورة لا يمكن ~~أن تكون مجردة أصلا ، وهيولى العناصر والأفلاك هي المقترنة بالصورة ، فهي ~~لا تتجرد عن الصورة الجسمية» (2). PageV02P533 # وقد ظهر من قوله هذا أن البرهان لا يدل على المطلوب ، بل على ما هو أعم ~~من المطلوب. # وأيضا يجوز اتصاف الهيولى في حال تجردها بأوصاف متعاقبة يقتضي أحدها ~~تخصصها بأحد الأوضاع الممكنة بعد حلول الصورة فيها (1). # اعترضه أفضل المحققين : بأن الهيولى الموصوفة بتلك الأوصاف إن تخصصت بوضع ~~فهي غير مجردة ، وإن لم تتخصص فنسبتها مع الأوصاف إلى جميع الأوضاع واحدة (2). # وفيه نظر ، لمنع الملازمة الأولى. # لأنا نقول : إن عنيت بعدم تجردها وجوب مقارنتها للصورة ، فهو ممنوع. وإن ~~عنيت بذلك أنها غير متجردة عن شيء ما ، سلمنا ، لكن لا يدل على امتناع ~~تجردها عن الصورة. فإن حصر أسباب التخصص بالوضع في الصور ، منعناه. # سلمنا ، لكن نمنع الملازمة الثانية ، لأن النسبة واحدة حالة التجرد ، أما ~~حالة اقتران الصورة فلا ؛ لجواز أن يكون الوصف إنما يقتضي التخصص بشرط ~~اقتران الصورة. # سلمنا ، لكن المحال إنما يلزم إذا قلنا بمصادفة الصورة الجسمية وحدها ~~للمادة. فلم لا يجوز أن يقال : الصورة الجسمية متى صادفت المادة لزمتها ~~صورة أخرى تخصص الجسم بالحيز المعين. # قيل (3): «الذي يخصص الجسم بالحيز المعين إن كان لازما للصورة PageV02P534 # الجسمية وجب أن لا يخلو شيء من الأجسام عنه فكان (1) يلزم أن تختص جميع ~~الأجسام بذلك الحيز. وإن لم يكن لازما أمكن حصول الصورة الجسمية منفكة عنه ~~(2)، وعلى هذا التقدير يعود المحال. # فإن قالوا : الصورة النوعية كثيرة فالجسمية (3) وإن كان لا يلزمها من تلك ~~واحدة بعينها لكن يلزمها واحد لا بعينه. # فنقول : إذا لم يكن الواحد منها لازما للجسمية بعينه لم يكن بأن يحصل مع ~~الجسمية من تلك الصور واحد أولى من أن يحصل غير ذلك الواحد ، فحينئذ إما أن ~~يحصل الكل أو يحصل فيها واحد ، وكلاهما محال ، فأما الواحد من غير مخصص ، ~~فذلك محال». # وفيه نظر ، لجواز أن لا يكون المخصص لازما للصورة الجسمية ، ولا يمكن ~~انفكاك الصورة عنه لأنه ملزوم لها. ### |||| ** الثاني ms0737 (4) ### |||| ** : المادة إن كانت عارية عن الصورة فإما أن يكون لها إمكان الاتصاف بالصورة أو ~~لا يكون ، فإن كان لها ذلك الإمكان فإما أن تكون موقوفة على شرط أو لا ، ~~فإن كانت موقوفة فذلك الشرط إن كان قديما وجب حصول الصورة ؛ لأن المادة ~~قابلة والشرائط حاصلة ولا شيء من جهات العلة (5) مختلة في ذات واجب الوجود ~~، ومع اجتماع هذه الأمور لا بد من حصول الأثر. وأما إن كان الشرط حادثا ~~فالكلام في اختصاص ذلك الشرط بالحدوث في ذلك الوقت دون PageV02P535 # وقت آخر كالكلام في الأول وهو يفضي إلى التسلسل. ويستحيل أن يوجد الكل ~~دفعة واحدة ؛ لاستحالة وجود ما لا يتناهى من العلل دفعة. ولأنها بأسرها إذا ~~حصلت في ذلك الوقت دون غيره فلا بد لحصولها بأسرها في ذلك الوقت على الخصوص ~~من سبب مخصص. # فحدوث الحوادث ليس دفعة ، بل على التعاقب ، واحد بعد آخر ، فالمادة كانت ~~قبل تلك الصورة موصوفة بصورة أخرى ، فإذن قد كانت موصوفة بالجسمية. # وأما إن قيل : إن المادة لم تكن ممكنة القبول للصورة أزلا (1)، فهو محال ~~؛ لأن الإمكان من لوازم الماهية واللازم ثابت أبدا. # والاعتراض : لم لا يجوز أن تكون المادة وإن كانت أبدا موصوفة بالصفات إلا ~~أنها في بعض الأحوال قد كانت خالية عن الجسمية وقد كان في المادة قبل ~~الجسمية من الصفات والأحوال ما أعدها لقبول الجسمية؟ وأيضا فالذي ذكرتموه ~~يوجب امتناع خلو المادة عن الصورة نظرا إلى دوام فاعلية المبدأ الأول ، لكن ~~لا يوجب ذلك احتياج المادة في ذاتها إلى الصورة. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يكون هناك مانع من حصول الصورة في المادة؟ ~~والتسلسل الذي الزموه جائز عندهم ، لكن لا يجب اتصاف المادة بالصور دائما ، ~~بل جاز أن تتصف بالأعراض المتعاقبة. ### |||| ** الثالث : تجرد المادة عن الصورة إن كان لذات المادة وجب تجردها أبدا ، وإن كان لأمر ~~فهي حين كانت خالية عن الصور كانت موصوفة بذلك الزائد الذي أفادها التجرد ، ~~فهي عند براءتها عن الصورة موصوفة بالصورة ، هذا خلف. PageV02P536 # والاعتراض (1): أن التجرد قيد ms0738 عدمي وعلة العدم عدم العلة ، فالتجرد عن ~~الصورة معلل بعدم الصورة الجسمانية. # سلمنا أنه لا بد من أمر ، لكن لم قلتم : إنه يجب أن يكون صورة جسمية؟ ### |||| ** الرابع : لو كانت المادة مجردة لكان لها وجود بالفعل ولكان لها استعداد لقبول الصورة ~~، وقد بينا أن الشيء الأحدي الذات لا يكون بالقوة والفعل معا ، فيجب أن ~~تكون المادة المجردة مركبة من المادة والصورة لتكون المادة مبدأ لما فيها ~~من الاستعداد والصورة مبدأ لما فيها من الحصول ، فلا تكون المادة المجردة ~~مجردة بل مع صورة. وقد سبق البحث عن هذه الحجة (2). على أن ذلك لازم عليهم ~~وإن كانت مع الصورة ؛ لأنها إن لم تكن موجودة بالفعل فالمطلوب ، وإن كانت ~~لزم ما قالوه. ### |||| ** الخامس : لو قدرنا أن الجسم الواحد فارق صورته ، وقدرنا أيضا أنه قبل هذه المفارقة ~~انقسم وبعد الانقسام فارقت الصورة عن الجزءين ، فإن ساوت كل المادة نصفها ~~كان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره ، وهو معلوم البطلان بالبديهة ، وإن ~~خالفته فذلك الاختلاف ليس بالماهية ولا لوازمها ، فهو بالعوارض وهو كون ~~إحداهما كلا والأخرى جزءا ، وذلك إنما يكون بسبب التفاوت في المقدار. # فإذن المادة قبل اتصافها بالصورة كانت موصوفة بالمقدار ، وإذا كان ~~المقدار حاصلا كانت الجسمية حاصلة ، فالمادة قبل اتصافها بالصورة الجسمية ~~موصوفة بها ، هذا خلف. # والاعتراض : لا نسلم أنه مع الانقسام يبقى كل ومع الاتصال يبقى جزء ، ~~وهذا عين مذهبهم. ولا تطلق عليها المساواة وعدمها عدم الملكة ؛ لأن ذلك إنما PageV02P537 # يكون لذي المقدار ، وهي في نفسها غير مقدرة ، وهذا كما يفرض السواد الحال ~~في الكل لو فارق المحل ، والحال في الجزء لو فارق فإما أن يتساويا أو لا. # وأيضا هو لازم عليكم ؛ لأن الهيولى التي هي محل كل المقدار غير التي هي ~~محل بعض ذلك المقدار. وليس ذلك الاختلاف لما حل فيها من المقدار ، لأنا في ~~هذه الحالة نعتبر حال المحل مجردا عن الحال ، فلا يجوز أن يدخل في هذا ~~الاعتبار المقدار الحال فيه. فإما أن يقال : اختلفا بمقدار آخر ، فيكون ms0739 ~~الكلام فيه كالكلام في الأول ويلزم التسلسل ، أو يقال : الاختلاف بالكل ~~والجزء لا يقتضي المقدار ، فيبطل (1) أصل دليلكم. PageV02P538 ### | البحث الثاني ### | في أن الصورة لا تنفك عن الهيولى (1) # استدلوا على ذلك بوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : الشكل لازم للجسمية بواسطة التناهي ، لأن الشكل وإن قيل (2) في تعريفه إنه ~~: «ما أحاط به حد واحد أو حدود» ، لكنه إذا حقق كانت ماهيته من الكيفيات ~~المختصة بالكميات على ما تقدم ، والحد هنا النهاية ، فالمفهوم من الشكل هو ~~: هيئة شيء تحيط به نهاية واحدة أو أكثر من جهة إحاطتها به» (3)، ~~فالمتناهي يجب أن يكون ذا شكل بالضرورة ، والامتداد الجسماني متناه فهو ذو ~~شكل ، فلا يخلو إما أن يكون هذا اللازم يلزمه ولو انفرد بنفسه عن نفسه ، أي ~~لزوم الشكل يكون للجسمية من حيث هي منفردة بنفسها عن المادة وما (4) PageV02P539 # يكتنفها لنفس الجسمية لا لأمر آخر ، أو يكون لازما لها حال انفرادها عن ~~المادة بسبب أمر آخر وهو الفاعل ، أو لا يكون كذلك بل يكون بمداخلة المادة ~~ولواحقها في ذلك اللزوم. فهذه أقسام ثلاثة (1): ### |||| ** والقسم الأول باطل ، لأنه لو لزم الجسمية منفردة بنفسها عن نفسها خالية عما يكتنف المادة ~~من اللواحق ، كالفصل والوصل وسائر ما يحتاج فيه إلى المادة من الانفعالات ، ~~لتشابهت الأجسام في مقادير الامتدادات وهيئات التناهي والتشكل (2). وكان ~~الجزء المفروض من مقدار ما يلزمه ما يلزم كليته ؛ لأن الاختلاف في المقدار ~~إنما كان بسبب الفصل والوصل والتخلخل والتكاثف والكيفيات المختلفة المقتضية ~~لذلك ، وبالجملة بسبب انفعالات المادة عن غيرها. وحينئذ يجب أن يلزم كل جزء ~~يفرض من الامتداد مما لزم الكل من المقدار ، فيكون فرض القليل والكثير منه ~~واحدا حتى لو فرض أقل قليل من الامتداد لكان الموجود من المقدار ما لو فرض ~~أكثر كثير منه ، فلا تكون الكلية ولا الجزئية ولا القلة ولا الكثرة. # والحاصل أنه يمتنع فرض الكلية والجزئية في الأصل بأن (3) وضعهما بالفرض ~~يستلزم رفعهما لا بأن يكون فرضهما ممكنا من حيث الفرض ويلزم المحال من جهة ~~تشابه أحوالهما بعد الفرض ؛ لأن اختلاف الكل ms0740 والجزء فرع على التغاير ، ~~والتغاير في الامتداد إنما يتصور بعد وجود المادة ، فاللازم في هذا القسم ~~عدم تغاير PageV02P540 # الأجسام. ### |||| ** والقسم الثاني : وهو أن تكون الصورة مستلزمة للشكل حال تجردها عن المادة وعلائقها بسبب فاعل ~~مؤثر فيه ، فهو (1) محال ، لاستلزامه كون الامتداد الجسماني في نفسه من غير ~~هيولاه قابلا للفصل والوصل ، لأن المغايرة بين الأجسام لا تتصور إلا ~~بانفصال بعضها عن بعض واتصال بعضها ببعض ، وذلك من لواحق المادة المستلزمة ~~لوجودها. # وبالجملة لا يمكن حصول الاختلافات المقدارية والشكلية عن فاعلها في ~~الامتداد إلا بعد كونه متأتيا لأن ينفعل وتكون فيه قوة الانفعال التي هي من ~~لواحق المادة. فإذن حصولها يقتضي كونه ماديا وقد فرض منفردا عنها ، هذا خلف. ### |||| ** فتعين القسم الثالث : وهو أن يكون لزوم الشكل للصورة الجسمية بمشاركة من الحامل (2). # والاعتراض من وجوه : ### |||| ** الأول : لا نسلم لزوم الشكل للصورة الجسمية ، بل للمقدار المتناهي ، وليس هنا صورة ~~جسمية على المعنى الذي يقوله الحكماء. ### |||| ** الثاني : لا نسلم أن تشابه الأشكال يستلزم تساوي المقدار. # قوله : «الاختلاف في المقادير إنما كان بسبب الفصل والوصل اللذين من ~~توابع المادة». # قلنا : فلا حاجة بكم إلى توسط الشكل ، بل كان يكفي في الحجة أن يقال : لو ~~كانت الصورة مجردة عن المادة لزم تشابه الأجرام في المقادير ، لأن سبب PageV02P541 # الاختلاف هو الفصل والوصل ، فيكون توسط الشكل عبثا. ### |||| ** الثالث : سلمنا ، فلم لا يحصل بالفاعل؟ # قوله : «لو كان كذلك لكانت الجسمية وحدها قابلة للفصل والوصل». # قلنا : هذا غير لازم لأن الشكل مغاير للفصل والوصل ، لأنك إذا أخذت شمعة ~~قدرت على تشكيلها بالأشكال المختلفة من غير أن تقع فيه قسمة. ### |||| ** الرابع : هذا المحال يلزم الفلاسفة أيضا ، لأنهم قالوا : لا يجوز أن يكون سبب لزوم ~~الشكل للامتداد (1) المنفرد عن القابل هو نفس الامتداد ، لأن الامتداد له ~~طبيعة واحدة فيجب أن يتحد مقتضاها ويكون شكل الكل والجزء واحدا. وهم يقولون ~~: إن شكل الفلك لازم لطبيعته وصورته النوعية ، وهي واحدة في الكل والجزء ~~وليس لجزء الفلك شكل كله ، فإذا جاز اسناد شكل الفلك إلى ms0741 طبيعة يتساوى ~~الجزء والكل فيها مع امتناع تساويهما في الشكل ، فلم لا يجوز أن تكون ~~الصورة المنفردة تقتضي شكلا ولا يتساوى كلها وجزؤها فيه وكذلك جميع البسائط ~~إذا تخالفت أحكام الكل والجزء فيها مع تساوي طبائعها ، كالأرض المخالفة ~~لبعض أجزائها في توسط الأجرام؟ # وأجاب عنه الرئيس بالفرق بما يقتضي لزوم المحال في إحدى الصورتين دون ~~الأخرى ، وذلك أن الفلك له مادة قد عرض له بسببها الكلية والجزئية ، وفاعل ~~هو الصورة النوعية أوجب حصول ذلك المقدار والشكل فيها فصيرها كلا ، ومنع ~~(2) ذلك السبب بعينه (3) أن يكون لما يفرض أجزاء له بعده مثل ذلك ، ~~لاستحالة أن يكون الجزء مثل الكل ما دام الجزء جزءا والكل كلا ، وأما ~~الامتداد PageV02P542 # المنفرد عن المادة فلا يتصور له كل ولا جزء فضلا عن سائر عوارضهما ، بل ~~لا يتصور فيه اختلاف ولا تغاير. فإذن ليس حكمه حكم الفلك في ذلك. # فالحاصل أن للفلك صورة نوعية أوجبت لهيولى الفلك ذلك الامتداد والشكل ، ~~ومنعت أن يكون للجزء صورة الكل وشكله ، لكونه حصل بعد حصول صورة الكل للكل ~~لحدوثه. فهذا الحال (1) للفلك عن عارض وهو معنى الكل والجزء المضاف أحدهما ~~إلى الآخر ومانع وهو كون الجزء جزءا مفروضا بعد حصول الكل. # وأما المقدار لو انفرد لم تكن الكلية والجزئية أصلا فضلا عما يلزمهما ، ~~لأن نفس طبيعته واحدة ، ولا تقتضي الاختلاف (2) بالكل والجزء ، وليس هناك ~~علة فاعلة ولا مادة قابلة ، فلا اختلاف هناك (3). # والاعتراض (4): «لا نسلم إمكان تعليل اختلاف الفلك بالكلية والجزئية ~~بالمادة ، فإن مادتي الكل والجزء إن اتحدتا كانت الصورة وجزؤها حالين في ~~محل واحد ولم يكن أحدهما بالكلية أولى من الآخر. وإن تباينتا كانت المادة ~~متخالفة في الكلية والجزئية ، وحينئذ إن احتاجت إلى مادة تسلسلت المواد ، ~~وإلا فالصورة أيضا وحدها تتخالف فيهما من غير احتياج إلى مادة. # لا يقال : تقدم الصورة في الوجود والحلول على جزئها سبب لكونها أولى بأن ~~تكون كلا منه. PageV02P543 # لأنا نقول : فليكن تقدمها في الوجود وحده سببا في المنفردة عن المادة». # قال أفضل المحققين : «منشأ ms0742 الاختلاف هو المادة فهي تختلف بذاتها وتختلف ~~غيرها من الصور والأعراض المادية بها ، كالزمان الذي يقتضي التقدم والتأخر ~~لذاته وتصير الأشياء متقدمة ومتأخرة بسببه ، فلذلك احتاجت الصورة في اختلاف ~~أحوالها إلى المواد ولم تحتج هي إلى غيرها» (1). # وفيه نظر ؛ فإن المادة قابلة فكيف يصدر عنها الاختلاف؟ والقابل عندهم لا ~~يكون فاعلا. ثم لو كان الاختلاف بالمادة لما حصل إلا بها ، ونحن نعلم ~~بالضرورة أنا لو فرضنا مقدارا مجردا ذا طول معين وآخر أقصر ، فإن هذه ~~المقادير مختلفة بالضرورة من دون المادة. # وأيضا كيف يمكن أن تكون المادة منشأ الاختلاف وعندهم مادة الجسم واحدة؟ ~~مع أن كل الجسم وجزؤه مختلفان ، فإن كان بالمادة لزم وجود ما لا يتناهى من ~~الأجزاء دفعة. ### |||| ** الوجه الثاني : جزء الصورة يخالف كلها في المقدار والمقدار من توابع المادة ، فالصورة ~~الغير المادية مادية ، هذا خلف. وقد سلف الاعتراض عليه. ### |||| ** الوجه الثالث : الصورة المفارقة إن كان إليها إشارة فهي ذات جهة ومختصة بمادة ، وإن لم تكن ~~مشارا إليها فهي غير الصورة التي نشير إليها حال كونها مقارنة. # والاعتراض : لا نسلم أن الصورة حالة الخلو عن المادة يكون مشارا إليه ~~بالذات ، كما أن الهيولى غير مشار إليها بالذات فإن ذاتها غير مختصة بالجهة ~~، بل المشار إليه بالذات المقدار. PageV02P544 # لا يقال : المقدار علة لصيرورة الهيولى مشارا إليها بالذات. # لأنا نقول : الهيولى لها ذات غير مختصة بالوضع والحيز عندكم ، فالمقدار ~~إن بطل عنه ذلك فالهيولى غير باقية في هذه الحالة ، وإن لم يبطل عنها ذلك ~~استحالت الإشارة إليها. ### |||| ** الوجه الرابع : ما تقدم في الهيولى من أنها إن خالطت المادة جازت القسمة عليها ، وجاز على ~~البعض ما يجوز على الكل ، فإن فارقتا بعرضين (1) فرضا وفارقت الجملة غير ~~مقسومة ، فإما أن يتساويا أو لا يتساويا ، ويعود ما تقدم. ### |||| ** الوجه الخامس : المخالط إن كان هو المفارق بالشخص ، فما حصل للشخص وهو الاختصاص بالمادة ~~المعينة يكون موجودا في الحالتين ، فالصورة بعد المفارقة ذات وضع فهي غير ~~مفارقة ، وإن كانت الصورة المفارقة غير الصورة المخالطة بالشخص ms0743 فذلك غير ~~ممنوع بعد أن لا يتفقا في النوع ، فإن الجائز على كل أشخاص النوع الواحد واحد. # والملازمة الأولى ممنوعة ، لجواز أن تكون المخالطة والمفارقة أمران ~~عارضان للشخص الواحد في وقتين ، واشتراط عدم الاتفاق بالنوع مبني على كون ~~المفارقة والمخالطة لازمين ، وهو ممنوع. ### |||| ** الوجه السادس : الجسمية قابلة للقسمة الفكية لأنها قابلة للوهمية ، وكل قابل للقسمة ~~الوهمية قابل للانفكاكية على ما مر ، وكل قابل للقسمة الفكية فله مادة ، ~~فالجسمية لا تخلو عن المادة. والكلام عليه قد تقدم. PageV02P545 ### | البحث الثالث ### | في كيفية تعلق الهيولى بالصورة (1) # قالت الفلاسفة : البحث في هذه المسألة يتوقف على مقدمتين : ### |||| ** المقدمة الأولى : قد ثبت مما مر أن كل واحدة من الهيولى والصورة لا تنفك عن الأخرى ، فبينهما ~~تلازم. وكل شيئين متلازمين في الوجود لا في الماهية فلا بد وأن يكون أحدهما ~~مقدما على الآخر بالعلية. واحترزنا بقولنا [لا] في الماهية عن تلازم ~~الإضافتين. # والدليل عليه : أن كل شيئين يستغني كل واحد منهما عن الآخر وعن جميع ما ~~لا يوجد الآخر إلا عند وجوده فانه يكون كل واحد منهما غنيا عن الآخر مطلقا ~~، وإذا كان غنيا عنه فلا يتوقف وجود أحدهما على الآخر فلا تكون بينهما ~~ملازمة. فإذن لا بد في المتلازمين من أن تكون لأحدهما حاجة إلى الآخر ، أو ~~إلى ما يحتاج إليه ذلك الآخر. فأما الأول فهو المطلوب. وأما الثاني وهو أن ~~يحتاجا إلى ثالث فلا بد وأن يتقدم أحدهما على الآخر ولا يكونان معا في ~~الدرجة ، بناء على أن العلة PageV02P546 # الواحدة لا تقتضي أكثر من معلول واحد. فإذن صدور أحدهما عن العلة قبل ~~صدور الآخر، وهو المطلوب. # وأما من يجوز صدور المعلولين عن الواحدة فانه يبطل هذا القسم ، فإن ~~معلولي العلة الواحدة لو لم تكن لأحدهما حاجة إلى الآخر لم تكن الملازمة ~~بينهما ذاتية ، بل كانت اتفاقية ، كناطقية الإنسان وناهقية الحمار (1)، ~~لكن الملازمة بين الهيولى والصورة ذاتية. # قال أفضل المتأخرين : «لا يلزم من استغناء كل واحد من الشيئين عن صاحبه ~~صحة وجود كل منهما مع عدم ms0744 الآخر ، ولا دليل على ضد ذلك ، بل الوجود يكذبه ، ~~فإن الإضافات لا توجد إلا معا مع أنه ليس لواحدة منهما حاجة إلى الأخرى ، ~~لأن إحدى الإضافتين لو احتاجت إلى الأخرى لتأخرت عنها ، فلا تكونان معا. ~~وللزم من احتياج الأخرى إليها الدور. # فإن قلتم : التلازم من غير علية إنما يعقل في الإضافات. # قلنا : دعوى انحصاره في الإضافات يفتقر إلى برهان» (2). # أجاب أفضل المحققين : بأن التلازم عند التحقيق لا تقتضيه إلا العلة ~~الموجبة ، وتكون إما بينها وبين معلولها أو بين معلولين لها لا كيف اتفق ، ~~بل من حيث تقتضي تلك العلة تعلقا ما لكل واحد منهما بالآخر ، وكل شيئين ليس ~~أحدهما علة للآخر ولا معلولا ولا ارتباط بينهما بالانتساب إلى ثالث كذلك ~~فلا تعلق لأحدهما بالآخر ، ويمكن فرض وجود أحدهما منفردا عن الآخر ، لكن ~~الجمهور لا يتفطنون لذلك ويظنون أن التلازم بين شيئين ليس أحدهما علة للآخر ~~ربما يكون من غير أن يقتضي الارتباط بينهما ثالث ، ويتمثلون في ذلك ~~بالمضافين. PageV02P547 # وليس بصحيح ، فإنه ليس كل واحد منهما غنيا عن الآخر ، ولا الاحتياج ~~بينهما دائرا ، بل هما ذاتان أفاد شيء ثالث كل واحد منهما صفة بسبب الآخر ، ~~وتلك الصفة هي التي تسمى مضافا حقيقيا. فإذن كل واحد منهما محتاج لا في ~~ذاته بل في صفته (1) تلك إلى ذات الأخرى وهذا لا يكون دورا. ثم إذا أخذ ~~الموصوف والصفة معا على ما هو المضاف المشهور حدثت جملتان كل واحدة منهما ~~محتاجة لا في كلها بل في بعضها إلى الأخرى ، لا إلى كلها بل إلى بعضها ~~الغير المحتاج إلى الجملة الأولى ، فظن أن الاحتياج بينهما دائر ، ولا يكون ~~في الحقيقة كذلك. # فإذن ليس التلازم بينهما على وجه الاحتياج (2) لأحدهما إلى الآخر على ما ~~ظنه ، ولا على سبيل الدور. وظهر من ذلك أن المعية التي تكون بين المضافين ~~ليست من جنس ما تقدم بطلانه ، بل هي معية عقلية معناها وجوب تعقلهما (3) ~~معا (4). # وفيه نظر ، فإن معنى التلازم هو وجوب المصاحبة في الوجود ، ولا ريب في أن ms0745 ~~معلولي العلة الواحدة متلازمان فإنه يصدق كلما ثبت أحد المعلولين ثبتت ~~العلة وكلما ثبتت العلة ثبت المعلول الآخر ، وهذا هو معنى التلازم مع أن كل ~~واحد من المعلولين مستغن عن الآخر. # وأما المتضايفان فليس البحث عن المضاف المشهوري ، بل عن المعنى الحقيقي ~~فانهما متلازمان مع أنه لا علية لأحدهما للآخر بل ولا تقدم له على PageV02P548 # صاحبه لا في الذهن ولا في الخارج ، والذي ذكره إنما يتأتى في المضاف ~~المشهوري ، لكن المعترض نقض بالمشهوري. ### |||| ** المقدمة الثانية : الهيولى غير متقدمة في الوجود على الصورة لوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : المادة من حيث هي هي قابل والقابل من حيث هو قابل ممكن الوجود بالنسبة إلى ~~المقبول ، فالمادة من حيث هي هي تكون بالنسبة إلى الصورة بالإمكان فلا تكون ~~سببا لوجود الصورة. اللهم إلا أن تكون للهيولى جهة أخرى باعتبارها تكون ~~سببا للصورة ، وحينئذ تكون تلك الجهة مغايرة لجهة القابلية فاسم الهيولى لا ~~يكون متناولا لهذا الاعتبار إلا بالاشتراك. # وفيه نظر ، فإن الواجب أن يقال : المقبول من حيث هو مقبول ممكن الوجود ~~بالنسبة إلى القابل ، أما القابل فانه واجب الثبوت للمقبول ، لامتناع وجود ~~المقبول بدون قابله. على أنا قد بينا (1) إمكان اجتماع نسبتي الوجوب ~~والإمكان باعتبار تعدد الجهات ، ولا شك أن جهة الفعل غير جهة القبول. ### |||| ** الوجه الثاني : العلة متقدمة بالوجود على المعلول ، فلو كانت المادة علة للصورة لتقدمت ~~بالوجود على وجود الصورة ، لكنا قد بينا أن كون المادة بالفعل بسبب الصورة ~~، فإن الواحد لا يكون بالقوة والفعل إلا إذا كان فيه تركيب ، فيتقدم كل ~~منهما على الأخرى. # وفيه ما تقدم (2) من امتناع كون الشيء الواحد لا يصدر عنه أثران. ### |||| ** الوجه الثالث : المادة قابلة لصور غير متناهية فيمتنع أن تكون سببا لصورة معينة. اللهم إلا ~~إذا انضاف إليها ما لأجلها تصير الصورة المعينة أولى بالوقوع ، فحينئذ لا ~~يكون للمادة من حيث هي هي إلا القبول ، وأما السبب لوقوع تلك PageV02P549 # الصورة فهو ذلك الذي انضم إلى المادة ، فيكون ذلك المنظم هو الصورة. # وفيه نظر بمنع (1) الملازمة. # وإذ ms0746 تمهدت هاتان المقدمتان فنقول : المادة والصورة متلازمتان ، وليس ~~تلازمهما في الماهية ، وإلا لكانا مضافين ، وكان لا يمكن تعقل الجسمية إلا ~~إذا عقلنا أن لها مادة ، وأن لا نعقل ماهية المادة إلا إذا عقلنا أن فيها ~~أو معها جسمية ، لكنه ليس كذلك ، فإن إثبات المادة للجسمية يحتاج إلى ~~البرهان وملازمة الجسمية للمادة مطلوبة بالبرهان ، فعرفنا أن هذه الملازمة ~~ليست بين الماهيتين بل بين الوجودين ، وقد ثبت أن كل ما كان كذلك فانه يكون ~~أحدهما علة لصاحبه ، وقد ثبت أيضا انتفاء علية المادة في الصورة ، فتعين أن ~~يكون للصورة تقدم ، فنقول حينئذ : لا يخلو إما أن تكون الصورة علة مستقلة ~~لوجود المادة أو لا ، والأول باطل لوجوه : ### |||| ** الأول : الصورة الجسمانية محتاجة إلى المادة ، والمحتاج إلى الشيء يستحيل أن يكون ~~علة مطلقة له. ### |||| ** الثاني : ما يحتاج في ذاته إلى الشيء يحتاج في فاعليته إلى ذلك الشيء ، لأن ~~الموجودية جزء من الموجدية ، فلو كانت الصورة الجسمية علة للهيولى لكانت ~~عليتها للهيولى بواسطة الهيولى فتكون الهيولى واسطة في حصول نفسها ، فتكون ~~الهيولى موجودة قبل وجودها ، هذا خلف. ### |||| ** الثالث : الصورة الجسمية لا توجد إلا مع التناهي والتشكل وهما من توابع المادة. وهذا ~~الدليل متوقف على مقدمات (2): ### |||| ** المقدمة الأولى : المتأخر عن المتأخر عن الشيء يجب أن يكون متأخرا عن PageV02P550 # الشيء سواء كان التأخر بالذات أو بالزمان. وهذه مقدمة بينة. ### |||| ** المقدمة الثانية : الشيء الذي يكون مع المتأخر عن ثالث يجب أن يكون متأخرا عن الثالث. وقد نص ~~الشيخ في الإشارات على هذه المقدمة في عدة مواضع : # الأول : في هذه المسألة (1). # الثاني : في النمط الثاني في بيان أن محدد الجهات متقدم بالوجود على ~~الأجسام المستقيمة الحركة. قال : لأن محدد الجهات متقدم على الجهات وهي إما ~~مع الأجسام المستقيمة الحركة أو متقدمة عليها والمتقدم على المع متقدم (2). # الثالث : استعملها أيضا في النمط السادس ، حيث بين أن الحاوي لو كان ~~متقدما على المحوي الذي هو مع عدم الخلاء لكان متقدما على عدم الخلاء (3). # ثم زعم (4) هناك أن الفلك الحاوي الذي هو ms0747 مع العقل المتقدم على الفلك ~~المحوي غير متقدم على الفلك المحوي ، فخرج منه أن ما مع القبل بالذات لا ~~يجب أن يكون قبل ، وما مع البعد يجب أن يكون بعد ، والفرق مشكل. # قال أفضل المحققين : «المعية تطلق على المتلازمين اللذين يتعلق أحدهما ~~بالآخر إما من حيث التصور أو من حيث الوجود ، كالجسمية المتناهية والتشكل ~~في الوجود وكالجسم المستقيم الحركة والجهة التي يتحرك فيها ذلك الجسم أيضا في PageV02P551 # الوجود وكوجود الملاء ونفي الخلاء على تقدير كون نفي الخلاء أمرا مغايرا ~~له في التصور. وقد تطلق على المتصاحبين بالاتفاق ، كمعلولين اتفق أنهما ~~صدرا عن علة واحدة بحسب أمرين أو اعتبارين فيها (1) ولا يكون لأحدهما ~~بالآخر تعلق غير ذلك ، كالفلك والعقل المذكور. ولا شك أن وقوع اسم المع في ~~الموضعين ليس بمعنى واحد ، فلعل الفرق هو تلك المباينة المعنوية» (2). ### |||| ** المقدمة الثالثة : قد بينا أن الجسمية لا تنفك عن التناهي والتشكل ، وظاهر انهما لا يوجدان ~~إلا مع الجسمية ، وقد سبق أن الجسمية لا يمكن أن تكون علة لهما ، فهما إذن ~~غير متأخرين عن الجسمية ، وما لا يكون متأخرا عن الشيء فهو إما مع الشيء أو ~~يكون متقدما عليه ، فثبت أن التناهي والتشكل إما أن يكونا قبل الجسمية أو معها. # واعترض أفضل المتأخرين : بأن الشكل هيئة إحاطة الحد أو الحدود بالجسم فهي ~~متأخرة عن الحدود تأخر الصفة عن موصوفها ، وهو تأخر ذاتي ، ثم الحدود ~~متأخرة عن المقدار ، لكونها نهايات المقدار تأخر الحال عن محله ، وهو تأخر ~~ذاتي أيضا ، والمقدار متأخر عن الجسم بهذا النوع من التأخر ، والجسم متأخر ~~عن الجسمية التي هي جزء منه تأخر المركب عن أجزائه بهذه المراتب ، فكيف ~~يمكن أن يقال : إنه متقدم عليها؟ وكيف يمكن أيضا أن يقال : إن الشكل مع ~~الجسمية؟ # والغلط في البيان الأول وهو (3) قولنا : لما لم تكن الجسمية علة لهما ~~فهما إذن غير متأخرين عنها ، فإن ما لا يكون علة للشيء لا يكون متقدما عليه ~~بالعلية ، PageV02P552 # والتقدم بالعلية أخص من التقدم المطلق ، ولا يلزم من نفي الخاص ms0748 نفي العام ~~، فلعل الجسمية وإن لم تكن متقدمة عليهما بالعلية لكنها متقدمة عليهما ~~بالطبع ، كتقدم الواحد على الاثنين أو كتقدم أجزاء الماهية المركبة على ~~خواص تلك الماهية واعراضها اللازمة والزائلة وإن لم يكن شيء من تلك الأجزاء ~~علة لشيء من تلك العوارض (1). # أجاب أفضل المحققين : بأن هذا البيان يفيد تأخر الشكل عن ماهية الصورة ، ~~والصورة من حيث الماهية لا تتعلق بالتناهي والتشكل ، بل إنها لا تنفك عنهما ~~من حيث الوجود فقط ، ومعناه أن الصورة المتشخصة محتاجة في تشخصها إليهما ، ~~ولا يبعد أن يحتاج الشيء في تشخصه إلى ما يتأخر عن ماهيته ، كالجسم إلى ~~الأين والوضع المتأخرين عنه. فإذن التناهي والتشكل غير متأخرين عن الصورة ~~المتشخصة (2) من حيث متشخصة وإن كانا متأخرين عن ماهيتها. وهذا القدر كاف ~~في هذا الموضع (3). ### |||| ** المقدمة الرابعة : التناهي والتشكل من توابع المادة ، لما مر. # وإذا تقررت هذه المقدمات الأربع ، فنقول : الهيولى متقدمة على التناهي ~~والتشكل ، وهما إما متقدمان على الجسمية أو موجودان معها ، فالهيولى متقدمة ~~إما على المتقدم على الصورة أو على ما مع الصورة ، وعلى التقديرين فالهيولى ~~تكون متقدمة على الصورة ، فلو كانت الصورة علة أو واسطة مطلقة في وجودها ~~لزم تقدمها على الهيولى المتقدمة عليها ، وهو محال. ### |||| ** الرابع : الصورة الجسمية عند ورود الانفصال عليها تتبدل ، وكذا سائر PageV02P553 # الصور النوعية قابلة للتبدل ، فلو كانت المادة معلولة لتلك الصور لوجب ~~عدمها عند عدم تلك الصور ، لكن العدم على المادة محال. فإذن ليست تلك الصور ~~عللا (1) مستقلة مطلقة للهيولى ، فهي إذن شريكة للعلة ، وذلك الشيء الذي ~~تشاركه الصورة في تقويم المادة يمتنع أن يكون جسما أو جسمانيا ، وإلا عاد ~~التقسيم ، فهو إذن جوهر عقلي. # وتحقيقه أنه إذا ظهر أنه لا بد من موجود مؤثر عقلي مفارق مجرد ، وثبت أن ~~تأثير المفارق لا يصل إلى القوابل إلا عند صيرورة ذلك القابل مستعدا لذلك ~~الأثر دون غيره ، وذلك الاستعداد إنما يحصل من قبل صورة موجودة فيه ، فإذن ~~وصول فيض المفارق إلى المادة بواسطة الصورة ، فيكون للصورة هذا النوع من ms0749 ~~التقدم. # والاعتراض من وجوه : ### |||| ** الوجه الأول : لا نسلم أن التلازم يستدعي العلية ، فإنه لا دليل عليه. مع أنه منقوض ~~بالمضافين والجوهر والعرض. ### |||| ** الوجه الثاني : جاز أن تكون الهيولى علة ، ونمنع امتناع الجمع بين القبول والفعل. ### |||| ** الوجه الثالث : لا يمكن ادعاء تساوي نسبة الهيولى إلى جميع الصور ، فإن هيولى الفلك عندهم ~~مخالفة بالحقيقة لهيولى العناصر ولا تقبل صورة العناصر وكذلك هيولى العناصر ~~لا تقبل صورة الفلك ، فكيف يصح منهم ادعاء أن الهيولى متساوي النسبة إلى ~~جميع الصور وقابلة لها كلها؟ ولا نسلم أن ما افتقر إلى الهيولى في ذاته وجب ~~افتقاره إليها في فاعليته. وليست الموجودية جزءا من الموجدية ، فإن ~~الموجدية نسبة لاحقة لوجود المؤثر ، ومن المحتمل أن يكون في أصل الوجود محتاجا PageV02P554 # ولكن في ذلك التأثير يكون غنيا. وفيه نظر. ### |||| ** الوجه الرابع : الصورة حالة في الهيولى فيستحيل أن يكون جزءا من علة وجودها ، لأن الحال ~~محتاج إلى المحل فيتأخر عنه فلا يكون جزءا من علة وجودها ، لأن جزء العلة ~~متقدم على العلة والعلة متقدمة على المعلول. ### |||| ** الوجه الخامس : عدم العلة علة لعدم المعلول ، والعلة إذا كانت مجموع شيئين إذا عدم أحدهما ~~لم يبق للعلة وجود ، وكذا لو عدم أحد قيودها لم تبق العلة من حيث هي هي ، ~~وإذا زالت العلة وجب أن يزول المعلول ، فعند زوال الصورة المعينة يجب عدم ~~الهيولى. # وسألت شيخنا أفضل المحققين قدس الله روحه عن هذا الموضع فقال : الذي هو ~~جزء العلة لا يعدم ، لأنه ليس الصورة الشخصية التي تفارق المادة وتخلفها ~~بدل ، بل جزء العلة هي الصورة من حيث هي صورة ، والصورة من حيث هي صورة لا ~~تعدم ، لأن كل صورة شخصية تعدم فانه تعقبها صورة أخرى ، فلا تعدم الصورة من ~~حيث هي صورة ، والصورة من حيث هي صورة يمكن أن تكون جزءا من العلة ولا يمكن ~~أن تكون علة تامة ، لأنها تكون علة تامة في وجود شيء لو كانت موجودة ~~بالضرورة ولا وجود إلا للشخص. # والحاصل أن المؤثر في وجود الهيولى المتعينة هو وجود ms0750 المفارق ، وهو شيء ~~متعين الذات قبل (1) تعين ذات الهيولى. وأما الصورة فإنها كما عرفت شرائط ~~لوصول شرط المفارق ، والحاجة إلى الصورة ليست من حيث هي تلك الصورة بل من ~~حيث إنها صورة ، والمعلول المعين الشخصي وإن كان يستدعي علة معينة شخصية ~~ولكن لا يستدعي أن تكون شرائط التأثير أمورا بأعيانها ، فالصورة معتبرة في ~~هذه الشرطية من حيث ماهياتها لا من حيث أشخاصها ، والمتبدل إنما هو PageV02P555 # الأعيان والشخصيات لا الماهيات (1). # وفيه نظر ، فان الكلي الطبيعي موجود في الأعيان فجاز أن يكون علة. ولأن ~~لوازم الماهيات لا مدخل لها في العلية. ### |||| ** الوجه السادس : الصورة إذا كانت شريكة لعلة الهيولى كانت متقدمة لكنها محتاجة إلى الهيولى ~~فتكون الهيولى متقدمة عليها ، فيلزم تقدم كل واحدة منهما على الأخرى ، وذلك محال. # قيل (2) عليه : المادة متى كانت متقومة بصورة فإنه عند ذلك (3) قد تعرض ~~لها من العوارض ما تصير المادة لأجلها مستعدة لقبول صورة أخرى ، فالمادة ~~عند ما تكون علة موجبة بوجه ما للصورة الحادثة لا تكون محتاجة إليها ولا ~~متقومة بها ، بل تكون متقومة بالصورة السابقة ، وحينما احتاجت المادة إليها ~~لم تكن هي محتاجة إليها في الحدوث ، فانقطع الدور. # لا يقال : هذا إنما يستقيم لو كانت حاجة الصورة إلى المادة في الحدوث فقط ~~، فأما إذا كانت الحاجة مستمرة بعد الحدوث فالإشكال غير زائل. # لأنا نقول : الهيولى معينة في ذاتها لتعين علتها ، وهي العقل الفعال ، ~~وقد بينا أن افتقارها إلى الصورة المعينة ليس لتعينها بل من حيث ماهيتها ~~والصورة في ماهيتها غنية عن المادة لكنها محتاجة إليها في وجودها ، فانقطع ~~الدور لافتراق الجهتين (4). # وفيه نظر ، فإن العلة كما يجب وجودها ، كذا يجب وجود جزئها. فنقول PageV02P556 # حينئذ : مطلق الصورة إن كان موجودا أمكن أن يكون علة تامة ، وإن لم تكن ~~موجودة لم تكن العلة التامة موجودة لتوقف وجودها على وجودها. ### |||| ** الوجه السابع : قلتم : الصورة ليست علة مطلقة لاحتياجها إلى المادة ، قلنا : فكذا لا يجوز ~~أن تكون جزءا من العلة ، بل هذا يكون أولى حينئذ. # اعترض الشيخ على ms0751 نفسه فقال : «إذا كانت الهيولى محتاجة (1) إليها في أن ~~يستوي للصورة وجود فقد صارت الهيولى علة للصورة في الوجود سابقة». # وأجاب ب «أنا لم نقض بكونها محتاجة إليها في أن يستوي للصورة وجود ، بل ~~قضينا بالإجمال أنها محتاجة إليها في وجود شيء توجد الصورة به أو معه» (2) ~~. فانه ليس كل ما احتاج الشيء إليه وجب أن يكون علة للشيء ، بل قد يكون وقد ~~لا يكون. # اعترض أفضل المتأخرين بأن قال : «أتقول بأن الصورة محتاجة إلى الهيولى أم ~~لا تقول؟ فإن قلت بطل قولك : إن الصورة شريكة لعلة الهيولى ، لأنه يلزم من ~~القولين كون الصورة متأخرة ومتقدمة معا. وإن قلت : إن الصورة لا تحتاج إلى ~~الهيولى ، لم تكن الهيولى متقدمة بوجه ما على الصورة ، فبطلت حجتك السابقة» (3). # أجاب أفضل المحققين : بأنه يذهب إلى أن الصورة من حيث هي صورة تكون ~~متقدمة على الهيولى وشريكة لعلتها ، ومن حيث هي متشخصة محصلة في الخارج ~~تكون متأخرة عن الهيولى ، لأن الهيولى هي السبب القابل لتشخصها وتحصلها. ~~وهذا هو معنى قوله: «أنا لم نقض بكونها محتاجة إليها في أن يستوي للصورة ~~وجود» ، أي لم نقل هي العلة الموجدة للصورة ، ولا إنها العلة الفاعلية (4) PageV02P557 # لتشخصها وتحصلها ، بل قضينا بالإجمال أنها محتاج إليها في وجود شيء توجد ~~الصورة به أو معه ، أي قضينا أن الصورة تحتاج إلى الهيولى في وجود التناهي ~~والتشكل اللذين تتشخص وتتحصل الصورة بهما أو معهما موجودة لتكون الهيولى ~~قابلة لهما. فإذن الهيولى متقدمة على ذلك الشيء وعلى الصورة المتصفة بذلك ~~الشيء من حيث اتصافها به لا على الصورة من حيث هي صورة (1). # وفيه ما تقدم. # قال الرئيس بعد أن بين أن الصورة لا يجوز أن تكون علة مطلقة أو آلة أو ~~واسطة للهيولى مطلقا : # إن الصورة ليست محتاجة إلى الهيولى ، أما الصور التي يمكن زوالها عن ~~الهيولى فليست بمتأخرة في الوجود عن الهيولى ؛ لأن الصورة الجوهرية إذا ~~زالت عن المادة فإن لم تحصل عقيبها في المادة صورة أخرى يكون بدلا عنها لم ~~تبق ms0752 المادة موجودة لما تقدم من أن الهيولى لا تخلو عن الصورة ، وإذا كان ~~كذلك فالشيء الذي عقب الصورة الزائلة بالصورة الحادثة مقيم للمادة وحافظ ~~لوجودها بواسطة ذلك البدل. # ثم إنه لا يلزم من صدق قولنا : إن ذلك المعقب يحفظ وجود المادة بذلك ~~البدل صدق أن نقول : إنه (2) يحفظ ذلك البدل بتلك الهيولى ، لأن الشيء ما ~~لم يوجد لم يكن حافظا لوجود غيره ، فلو كانت الهيولى مقيمة للصورة كانت ~~تقوم أولا ثم تصير بعد ذلك مقيمة للصورة ، وقد تقدم أن الصورة مقيمة ~~للهيولى ، فيلزم أن يكون كل منهما سابقا على وجود الآخر. # وأما الصورة التي لا يمكن زوالها كالفلكيات فإن التلازم فيها ثابت أيضا ، PageV02P558 # ولا يمكن أن تكون الهيولى علة للصورة ، لأن القابل لا يكون فاعلا فتعين ~~العكس. وليست الصورة علة مطلقة ولا آلة ولا واسطة مطلقة فيها لما مر ، فهي ~~شريكة (1). # اعترضه أفضل المتأخرين : بأن هذا مناقض لما تقدم ، لأنه مشتمل على أن ~~الصورة متقدمة على الهيولى ، ولما كان كذلك استحال تقدم الهيولى على الصورة ~~، وقد كانت الحجة المذكورة على امتناع كون الصورة علة للهيولى مبنية على أن ~~للهيولى تقدما بوجه ما على الصورة. # وأيضا قوله : «فمعقب البدل مقيم للمادة لا محالة بالبدل» ليس بجيد على ~~الإطلاق ، فإن الجسم لا ينفك عن أين ما وشكل ما ومقدار ما ، وإذا كان كذلك ~~فمتى زال أين معين أو شكل معين أو مقدار معين فلا بد وأن يحصل أين آخر وشكل ~~آخر ومقدار آخر ليكون بدلا لما مضى. ثم لا يلزم أن تكون هذه الأعراض صورا ~~مقومة للمادة. فعلمنا أن معقب البدل لا يجب أن يكون مقيما للمادة بذلك ~~البدل ، بل لو صح ذلك لكان إنما يصح في بعض الأشياء وبالبرهان (2). # أجاب أفضل المحققين بأنه بين كيفية تقدم الصورة على الهيولى وأشار إلى أن ~~المسألة لا تنعكس ، لاستحالة الدور. ولأن الهيولى لو كانت مقيمة للصورة ~~لكانت متقومة بنفسها قبل وجود الصورة إما بالذات أو بالزمان ، وهو محال لما ~~مر. وهذا بعينه هو الذي ms0753 أورده في بيان استحالة أن تكون الصورة علة مطلقة ~~للهيولى. فحصل من ذلك استحالة كون كل منهما علة مطلقة للأخرى ، لاستحالة ~~قيام كل منهما من غير الأخرى. ثم جعل الصورة من حيث هي صورة سابقة على ~~الهيولى وشريكة لعلتها الفاعلية ولم يجعل الهيولى من حيث هي هيولى سابقة ~~على الصورة ، لأن الهيولى من حيث هي هيولى قابلة محضة بخلاف الصورة ، فلا يمكن PageV02P559 # أن تصير فاعلة ومعطية (1) للوجود. # وامتناع انفكاك الجسم عن أين ما إنما يقتضي احتياج الجسم لا في كونه جسما ~~بل في وجوده وتشخصه إلى الأين من حيث هو أين ما ، لا من حيث هو أين معين. ~~والأين من حيث هو أين ما يحتاج إلى الجسم من حيث هو جسم ما ، ومن حيث هو ~~أين معين يحتاج إلى جسم معين. # وقوله : «ثم لا يلزم أن تكون هذه الأعراض صورا» يدل على أنه ظن أن الشيخ ~~أثبت وجود الصورة بأنه مقيم للمادة فقط ، وهذا سهو من باب توهم العكس ، فإن ~~كل صورة مقيمة وليس كل مقيم صورة ، بل المقيم الذي هو الصورة إنما هو جوهر ~~يقيم جوهرا هو محله ومادته. وهذه أعراض أقامت أعراضا ، لأنها (2) أقامت ~~أجساما متشخصة لا في جسميتها ، بل في تشخصاتها العارضة لجسميتها ، ولذلك ~~سميت بمشخصات الجسم. فإذن النقض بها ليس بمتوجه. # وقوله : «فعلمنا أن معقب البدل لا يجب أن يكون مقيما للمادة بذلك البدل» ~~فليس نتيجة لما ذكره ، لأن الذي ذكره لم يقتض إلا كون معقب الأيون مقيما ~~للجسم المتشخص بالأيون وذلك لا ينافي إقامة المادة بالصورة (3). PageV02P560 ### | البحث الرابع ### | في كيفية تشخص المادة ### ||| * بالصورة والصورة بالمادة (1) # سألت شيخنا أفضل المحققين نصير الملة والدين قدس الله روحه عن هذا البحث ~~وما سبب تشخص كل من المادة والصورة ، فقال (2): «المادة تتشخص بالصورة ~~المطلقة أي بذات الصورة من حيث هي هي لا بصورة معينة ، فإن الهيولى إنما ~~تصير هذه الهيولى بعينها لأجل صورة تشخصها وتعينها لا من حيث إنها صورة ~~معينة بل من حيث إنها صورة ما ، فإن أي ms0754 صورة اقترنت بالمادة كانت تلك ~~المادة بعينها هي المادة المقترنة بالصورة السابقة. وأما الصورة فلا تتشخص ~~بذات الهيولى من حيث إنها هيولى ما ، لأن هذه الصورة لم تصير هذه الصورة ~~المعينة لأجل الهيولى من حيث هي هيولى ما وإلا لأمكن أن تفارق هذه الصورة ~~هذه المادة وتتعلق بغيرها ، وهو غير معقول. فإذن إنما تتعلق بهيولى معينة ، ~~بخلاف الهيولى المتشخصة بذات الصورة من حيث هي صورة ، ولهذا أمكن أن تفارق ~~الهيولى PageV02P561 # الصورة المعينة وتتصف بغيرها ، فتوجد الهيولى وإن لم تكن تلك الصورة ~~بعينها. فتشخص الصورة بالهيولى المعينة وتشخص الهيولى بالصورة المطلقة. # ولأن ذات الهيولى هو حقيقة القابلية والاستعداد فلا تكون فاعلا للتشخص». # وفيه ما تقدم (1) من منع عدم كون الشيء قابلا وفاعلا. فإذن إذا اختلفت ~~الجهتان أمكن ، والهيولى هنا قابلة للصورة وفاعلة لتشخصها فلا امتناع. وكون ~~الهيولى حقيقتها نفس القابلية والاستعداد باطل ، لأن ذلك الأمر نسبي. # اعترض أفضل المتأخرين على الرئيس في تعليل تشخص كل منهما بذات الآخر من ~~غير دور ؛ لأن ذات كل واحدة منهما علة لتشخص الأخرى : بأن تشخص (2) كل ~~منهما بذات الأخرى متوقف على انضمام ذات كل منهما إلى ذات الأخرى ، وانضمام ~~ذات كل منهما إلى ذات الأخرى متوقف على تشخص كل منهما ، فإن المطلق غير ~~موجود ، وما ليس بموجود لا ينضم إليه غيره. # ثم أجاب بأن انضمام الوجود إلى الماهية لا يتوقف على صيرورة كل واحد ~~منهما موجودا ، فكذا هنا (3). # وأجاب أفضل المحققين بأن المادة ليست فاعلة للتشخص لما تقدم من أنها ~~قابلة ، بل الفاعل للتشخص هي الأعراض المكتنفة بها ، كالوضع والأين ومتى ~~وأمثالها المسميات بالمشخصات ، وهي العلل الفاعلية لتكثر أفراد النوع ~~الواحد ، والمادة هي العلة القابلة. # والحكم بأن المطلق ليس بموجود ، غير صحيح ؛ لأن المطلق يمكن أن يؤخذ PageV02P562 # بلا شرط الإطلاق والتقييد ، ويمكن أن يؤخذ بشرط الإطلاق كما تقدم. والأول ~~موجود في الخارج والعقل. والثاني موجود في العقل خاصة. فإذن الحكم بأنه غير ~~موجود أصلا ، باطل. # وانضمام الوجود إلى الماهية غير صحيح ؛ لأنهما أمران عقليان ، ولا ms0755 يصح ~~إلحاق الأمور الخارجية من حيث هي خارجية في أحكامها بالأمور العقلية من حيث ~~هي عقلية (1). # وفيه نظر ، فإن كل واحد من تلك الأعراض له ماهية كلية فيستدعي مخصصا ~~ومشخصا غيره. ولا يجوز استناد التشخص من حيث هو إلى الوضع والأين ومتى ؛ ~~لأنه ثابت في الباري تعالى وغيره من المجردات مع انتفاء هذه المعاني عنها. ~~والمراد بالوجود هنا العيني لا الذهني. وكون الماهية والوجود أمرين عقليين ~~يقتضي كون الماهية الموجودة عقلية ، إذ ليس هناك إلا الماهية التي جعلها ~~عقلية والوجود الذي جعله عقليا واتصاف الماهية بالوجود وليس أمرا عينيا ~~وإلا تسلسل ، بل هو أولى بالوجود الذهني من الماهية والوجود. PageV02P563 ### | البحث الخامس ### | في إثبات الصور النوعية (1) ونفيها # ذهبت الفلاسفة (2) إلى أن للأجسام صورا نوعية ، وهي التي تختلف بها ~~الأجسام أنواعا. # واحتجوا على إثباتها (3) بأن الأجسام بعد اشتراكها في الجسمية تختلف في ~~قبول الأشكال المختلفة وتركها بسهولة أو بعسر وفي عدم قبولها ، فإن كل جسم (4) # فالفلكي منه تسعة : 1 الفلك الأطلس (ويقال له أيضا : الجسم المحيط والفلك ~~الأعظم)؛ 2 فلك الكواكب الثابتة أعني ما عدا السبعة ؛ 3 فلك زحل ؛ 4 فلك ~~المشتري ؛ 5 فلك المريخ ؛ 6 فلك الشمس ؛ 7 فلك الزهرة ؛ 8 فلك عطارد ؛ 9 ~~فلك القمر. ثم أثبتوا فلكا آخر يسمى فلك التدوير. # والجسم العنصري إما بسيط وإما مركب. والبسيط منه أربعة : النار والهواء ~~والماء والأرض. PageV02P564 # لا يمكن أن يخلو عن أحد أمور ثلاثة : ### |||| ** الأول : قبول الانفكاك والالتئام والتشكل التابع لهما بسهولة ، وهو اللازم للأجسام ~~الرطبة من العنصريات. ### |||| ** الثاني : قبول جميع ذلك بعسر ، وهو اللازم للأجسام اليابسة من العنصريات. ### |||| ** الثالث : الامتناع عن قبول ذلك ، وهو اللازم للفلكيات. # وهذه الأمور مختلفة غير واجبة لذاتها لقيامها بالغير ، فهي إنما تجب بعلل ~~تقتضيها ، ولا يمكن أن تقتضيها الجرمية العامة المشتركة في جميع الأجسام ~~لكونها مختلفة ، ولا الهيولى لما تقدم من أن القابل لا يكون فاعلا ، فعللها ~~إذن أمور مختلفة غير الهيولى والصورة. وتلك الأمور مقارنة لهما ، لتساوي ~~نسبة المفارق إلى جميع الأجسام. وهي متعلقة ms0756 بالمادة ، لاقتضائها ما يتعلق ~~بالأمور الانفعالية ، كسهولة قبول الفصل والوصل وعسره وهي صور لا أعراض ، ~~لامتناع أن يحصل الجسم من غير أن يكون موصوفا بأحد هذه الأمور. # وأيضا الجسم يمتنع أن يخلو عن الأين أو الوضع ، ويمتنع أن يكون في جميع ~~الأمكنة و (1) على جميع الأوضاع. فإذن جسميته تقتضي أن يكون في مكان أو وضع ~~غير متعينين. ثم إن كل جسم يجب أن يختص بمكان أو وضع متعينين تقتضيهما ~~طبيعته. فإذن لا يخلو كل جسم عما يقتضي استحقاق مكان خاص أو وضع خاص ~~متعينين ، وذلك هو الصورة النوعية المغايرة للجسمية العامة المشتركة. # وهذه الصور تختلف باعتبار آثارها ، فالمقتضية للكيفيات (2) كسهولة قبول ~~الانفكاك وعسره تكون مناسبة للكيف ، والمقتضية لاستحقاق الأمكنة مناسبة ~~للأين ، وهكذا في سائر الأعراض. وإنما كانت هذه الصور مغايرة للأعراض PageV02P565 # للعلم بأن كون الجسم بحيث يستحق أينا هو غير حصوله في ذلك الأين. ولأن ~~بقاءها في بعض الأجسام مع زوال الأعراض يدل على المغايرة ؛ فإن السبب ~~المقتضي لسهولة تشكل الماء ولرده إلى مكانه الطبيعي ووضعه الطبيعي باق عند ~~جموده أو إصعاده بالقسر أو تكعيبه. # والاعتراض من وجوه (1): ### |||| ** الأول : لا نسلم اشتراك الأجسام في الجسمية. ### |||| ** الثاني : الأجسام كما اختلفت في الصفات التي ذكرتموها فقد اختلفت أيضا في الصور التي ~~جعلتموها مبادئ تلك الصفات ، فإن اقتضى اختلاف الأعراض اسنادها (2) إلى صور ~~مختلفة اقتضى اختلاف الصور أيضا إسناده (3) إلى أمور مختلفة. ثم الكلام ~~فيها كالكلام في الأول ، فيلزم التسلسل. # لا يقال : اختصاص الجسم العنصري المعين بالصور المعينة إنما كان لأن ~~المادة قبل حدوث تلك الصورة فيها كانت موصوفة بصورة أخرى لأجلها استعدت ~~المادة لقبول الصورة اللاحقة ، وأما اختصاص الأجسام الفلكية بصورها النوعية ~~فلأن لكل فلك مادة مخالفة بالماهية لمادة الفلك الآخر (4)، وكل مادة إنما ~~تقبل الصورة التي حصلت فيها دون غيرها. # لأنا نقول : إذا جوزتم ذلك فجوزوا مثله في الكيفيات حتى يقال : الأجسام PageV02P566 # العنصرية إنما اختص كل واحد منها بالكيفية المعينة ، لأنه كان قبل ~~الاتصاف بتلك الكيفية موصوفا بكيفية أخرى لأجلها استعدت ms0757 المادة لقبول ~~الكيفية اللاحقة. وأيضا الأجسام الفلكية فإنما اختص كل واحد منها بكيفيته ~~المعينة (1)، لأن مادته لا تقبل إلا تلك الكيفية. وعلى هذا التقدير تسقط ~~الحاجة إلى إثبات هذه الصور. # أجاب أفضل المحققين بأن الأعراض ومباديها متغايران. ويمتنع تحصل الجسم ~~منفكا عن تلك المبادئ وسائر الأحوال المذكورة ، فإن سميت تلك المبادئ بعد ~~وضوح ما تقدم بالكيفيات فلا مضايقة في التسمية ، إلا أنه ينبغي أن ينسب ~~إليها تحصل الأجسام أنواعا وصدور الأعراض المذكورة ، وليست الاستعدادات ولا ~~المواد كذلك (2). # وفيه نظر ، فإن النزاع لم يقع في التسمية بل في المعنى والمغايرة. ~~وامتناع الانفكاك نفس النزاع. وكونها لا توجد منفكة عن هذه الأشياء لا يدل ~~على امتناع الانفكاك. ### |||| ** الثالث : لو سلمنا أنه لا بد من أمر زائد في الجسم ليكون مبدأ لهذه الكيفيات ، لكن ~~لم قلتم : إنه لا بد من إثبات ذلك في كل جسم؟ فإن عدم قبول الفلك لكيفيات ~~مختلفة لا يمكن القطع بأنه لا بد وأن يكون لأجل صورة زائدة ؛ لأن تلك ~~الصورة إن لم تكن لازمة لجسمية ذلك الفلك لم يكن الحكم المعلل وهو عدم قبول ~~الكيفيات المختلفة لازما ، وإن كانت لازمة فذلك اللزوم ليس لنفس الجسمية ~~ولا لشيء من لوازمها ولا (3) لما لا يكون حالا فيها ولا محلا لها ؛ لأن كل PageV02P567 # ذلك باطل وبتقدير صحته فالمقصود حاصل ؛ لأنه جاز أن يكون لزوم تلك الصورة ~~لأجل هذه الأقسام ، فليجوز مثله في لزوم الشكل والمقدار ، فتعين أن يكون ~~ذلك اللزوم للمادة. وإذا كانت كافية في لزوم تلك الصور فلم لا يكفي في لزوم ~~هذه الأعراض من غير حاجة إلى إثبات هذه الصور؟ # وأما العناصر فإن منها ما يقبل الأشكال بسهولة وهو الرطب ، ومنها ما ~~يقبلها بعسر وهو اليابس ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال : إن سهولة ~~قبول التشكلات معللة بعلة وجودية ، وأما صعوبة قبولها فانها معللة بعلة ~~عدمية وهي عدم تلك العلة؟ لأن الصورة المقتضية لصعوبة القبول عدم لمقتضية ~~سهولته ، فإن صعوبة القبول عدم لسهولته ، ومبدأ العدم يجوز أن ms0758 يكون عدميا ~~أو بالعكس ، وعلى هذا التقدير لا يظهر امتناع خلو الأجسام عن الصورة ~~النوعية. # أجاب أفضل المحققين بأن استلزام الجسمية المطلقة لهذه الصور في الفلك غير ~~معقول ، لكونها مشتركة. وكذلك الجسمية المختصة بالفلك ؛ لأن سبب اختصاصها ~~بالفلك هو هذه الصور لا غير ، فإذن القول بلزوم هذه الصور للجسمية غير ~~معقول ، بل الواجب أن يعكس ويقال : الجسمية لازمة لصورة الفلك ، وحينئذ ~~تسقط القسمة المذكورة لأنها تلزمها ؛ لأنها صورة الفلك لا غير. وأما ~~اسنادها (1) إلى المحل على ما ذكر فغير معقول ، لامتناع أن يكون القابل ~~فاعلا. وأما جعل بعض الصور العنصرية أعداما فغير معقول ، لأن الأعراض ~~المذكورة ليست عدمية. أما الأينية فظاهرة ، وأما الباقية فعلى ما تبين في ~~مواضعها ، والأمور الوجودية لا تصدر عن الأعدام» (2). ### |||| ** الرابع : سلمنا أنه لا بد في الصفات الثلاث اعني سهولة قبول الأشكال PageV02P568 # وصعوبة قبولها وعدم قبولها من اسنادها إلى علل وجودية ، فلم قلتم : إن ~~تلك العلل صور؟ وذلك لأن الصورة عبارة عن الحال المقوم لمحله الذي هو سبب ~~لوجود محله. فهب أن الحجة المذكورة دلت على تعليل هذه الأعراض بأمور موجودة ~~في الأجسام ، لكن لا بد من الدلالة على أن تلك الأمور أسباب لوجود تلك ~~الأجسام حتى يثبت كون تلك الأمور صورا ، وإلا فلا تكون صورا بل أعراضا (1). # وهو قريب مما مر أولا. ### |||| ** الخامس : هذه الصور التي أثبتموها محتاجة إلى الجسمية ، لأنها إما أن تكون حالة في ~~الجسمية أو في الهيولى بشرط حلول الجسمية فيها ، وعلى التقديرين فانها ~~محتاجة إلى الجسمية ، فلو كانت الجسمية معللة بها لزم الدور. # أجاب أفضل المحققين : بأن الصور ليس من شرطها أن تقوم الجسمية ، بل من ~~شرطها أن تقوم الهيولى ، وهذه الصور تقومها من غير دور (2). # وفيه نظر ، لأن هذه الصور منوعة ، فتكون في الحقيقة فصولا للأجسام ، ~~فتكون مقومة لها. ### |||| ** السادس : إما أن تثبتوا في الجسم صورة واحدة تكون هي مبدأ لما فيه من الكيف والمقدار ~~والشكل ، فيلزم صدور الأمور المتكثرة عن الصورة الواحدة ، وهو عندهم محال. ~~أو تثبتوا في الجسم ms0759 بحسب كل عرض مخصوص صورة مخصوصة ، فحينئذ يلزم إثبات صور ~~كثيرة للمادة الواحدة ، وهو محال. # لا يقال : هذه الصور مترتبة. # لأنا نقول : هذه الأعراض غير مترتبة ، فانه ليس بأن يقال : حصول الجسم PageV02P569 # في الأين لأجل اتصافه بالمقدار المخصوص بأولى من العكس. وكذا القول في ~~الشكل والحرارة والبرودة. بل ليس بأن يقال : اتصاف النار باليبوسة لأجل ~~اتصافها بالحرارة أولى من العكس؛ فإنا نجد كل واحدة منهما (1) منفكة عن ~~الأخرى. وإذا لم يكن بين هذه الآثار ترتب وجب أن لا يكون بين عللها ترتب ~~أيضا ، فلا تكون تلك الصور مترتبة ، ويعود الإشكال. # أجاب أفضل المحققين : بأن الكثير يجوز أن يصدر عن الواحد بانضمام أمور ~~وشروط مختلفة إليه ، فهذه الصور تقتضي التأثير في الغير بحسب ذاتها والتأثر ~~عن الغير بحسب المادة ، وحفظ الأين بشرط الكون في مكانها والعود إليه بشرط ~~خروجها عنه ، وهكذا في البواقي (2). # وفيه نظر ، فانا لم نبحث عن حفظ الأين والعود إليه ، بل عن اقتضاء الأين ~~المخصوص ، هل يستند إلى ذاتها مطلقا أو بشرط؟ وكذا البحث في الكيف وغيرها ~~من الأعراض. والحق في ذلك كله اسناد هذه الآثار إلى القادر المختار جلت عظمته. ### |||| ** تذنيب : قال الشيخ : لا يكفي وجود الحامل حتى تتعين صورة جرمانية ، فإن الصورة ~~الجسمية قد سبق أنها محتاجة في وجودها وتشخصها إلى الهيولى ، لعدم انفكاكها ~~في الوجود عن التناهي والشكل ، ومحتاجة فيهما إليها ، إلا أنها مع احتياجها ~~إلى الهيولى تحتاج إلى أشياء أخر غير الهيولى لولاها كانت الأقدار والأشكال ~~متشابهة ؛ لأن الهيولى في العنصريات مشتركة (3). PageV02P570 # فخرج الاعتراض على الدليلين السابقين (1): أحدهما على أن الصورة لا تنفك ~~عن الهيولى ، بأن قلنا : لزوم المقدار والشكل إما للصورة أو للفاعل أو ~~للحامل ، والتزم بأنه للحامل ، فلا يقال : العنصريات غير مختلفة في المواد ~~فيجب استواؤها في المقدار والشكل. # والثاني على إثبات الصور النوعية باختلاف الكيفيات. # لا يقال : لو كان الاختصاص بكل كيفية لأجل صورة لكان الاختصاص بكل صورة ~~لأجل صورة أخرى. # لأنا نقول : إن أسباب الاختلافات والاختصاصات هي الأمور السابقة المعدة ms0760 ~~للاحقة ، فلا يكفي وجود الحامل حتى تتشخص الصورة الجسمية ، لأن الصورة ~~تحتاج إلى الحامل في الوجود دون الماهية. # وقد عرفت ضعف ذلك كله. PageV02P571 ### | البحث السادس ### | في جواب سؤال على (1) علية (2) الصورة # اعترض الشيخ على نفسه هنا فقال : لما كان كل واحد من الهيولى والصورة ~~يرتفع الآخر برفعه فكل واحد منهما كالآخر في التقدم والتأخر ، وليس أحدهما ~~بالتقدم أو التأخر أولى من الآخر. وهذا الشك لا يختص بهما بل هو وارد على ~~أحد قسمي اللازم الذي يكون بين العلة التامة ومعلولها. # وأجاب بأن العلة كحركة اليد بالمفتاح ، إذا رفعت رفع المعلول كحركة ~~المفتاح ، وأما المعلول فليس إذا رفع رفع العلة ، فليس رفع حركة المفتاح هو ~~الذي رفع حركة يدك وإن كان معه بل يكون إنما أمكن رفعها ، لأن العلة وهي ~~حركة اليد كانت رفعت وهما أعني الرفعين معا بالزمان ورفع العلة متقدم على ~~رفع المعلول بالذات كما في إيجابيهما ووجوديهما. فالتلازم في الرفع إنما هو ~~بالزمان ولا يكون من حيث الذات ، بل رفع أحدهما بالذات أقدم من رفع الآخر ، ~~ولذلك قيل : عدم العلة علة العدم ، كما كان في جانب الوجود إيجاب العلة مما ~~يوجدهما أقدم من ايجاب المعلول ، ووجود العلة أقدم من وجود المعلول (3). PageV02P572 ### | الفصل الرابع ### | في أحكام الأجسام وعوارضها # وإذ قد فرغنا بعون الله من البحث عن ماهية الأجسام والنظر في مقوماتها ~~فلننتقل إلى البحث عن عوارضها ، وفيه مباحث : ### | البحث الأول ### | ان الجواهر متماثلة (1) # اختلف الناس في أن الأجسام هل هي متماثلة أم لا؟ فالمعتزلة (2) # وقال التفتازاني : «هذا أصل يبتني عليه كثير من قواعد الإسلام ...» ، شرح ~~المقاصد 3 : 83. PageV02P573 # والأشاعرة (1) والأوائل (2) على أنها متماثلة وخالف النظام في ذلك (3)، ~~ونقل ذلك أيضا عن التقي العجالي (4) ولم أجده في كلامه. # احتج الأولون بوجوه (5): ### |||| ** الوجه الأول : الأجسام إذا تساوت أعراضها من الكم والكيف وغيرها التبس بعضها ببعض ، وربما ~~حكم العقل بالوحدة أحيانا ، فإن من شاهد بالأمس جسما ذا لون معين ومقدار ~~معين وشكل معين ثم شاهد مثله بعد غيبوبة الأول عنه لم يميز بينهما ms0761 ، وحكم ~~بأن أحدهما هو الآخر ، ولو لا تساوي حقائقها لما حصل الاشتباه. ### |||| ** الوجه الثاني : الأجسام بأسرها متساوية في قبول الأعراض كلها فتكون متساوية في الماهية ؛ ~~لاستلزام الاشتراك في المعلول الاشتراك في العلة ، لأن المعلول لذاته إن ~~اقتضى الاستناد إلى هذه العلة المعينة وجب في كل معلول يساويه ذلك. PageV02P574 # وإن لم يقتض الاستناد إليه لم يكن مؤثرا فيها ، لأن التأثير مترتب على ~~الاحتياج. ### |||| ** الوجه الثالث : معنى الجسم هو الحاصل في الحيز ، والأجسام بأسرها متساوية فيه ، فتكون ~~متساوية في الماهية. ### |||| ** الوجه الرابع : الحد الدال على ماهية الجسم على اختلاف الأقوال فيه (1) واحد عند كل قوم ~~بغير وقوع قسمة فيه ، فلهذا اتفق الكل على تماثله ، فإن المختلفات إذا وقعت ~~في حد واحد وجمعت فيه وقع فيه التقسيم ضرورة ، كقولنا : الجسم إما القابل ~~للأبعاد أو المشتمل عليها ، ويراد بهما الطبيعي والتعليمي. ### |||| ** والاعتراض على الوجه الأول من وجوه : ### |||| ** الأول : لا نسلم أن الأجسام مبصرة بالذات ، فإن الحكماء اتفقوا على أن المبصر ~~بالذات إنما هو الضوء واللون ، وغيرهما يرى بواسطتهما. ### |||| ** الثاني : سلمنا أنها مبصرة ، لكن الحكم بالاختلاف والمساواة راجع إلى العقل ومستند ~~إليه لا إلى البصر. ### |||| ** الثالث : لم قلتم : إنا نبصر حقيقة الجسم من جميع ذاتياته؟ ### |||| ** الرابع : لو سلمنا صحة هذه الدلالة فإنما تصح في حق من تصفح جميع الأجسام وشاهد ~~التباس كل واحد منها بكل ما عداها ، فأما قبل ذلك فليس إلا الرجم بالظن. ### |||| ** وعلى الوجه الثاني : بمنع قبول كل جسم لكل عرض ، فجاز أن يكون بعض الأجسام لا يقبل من الأعراض ~~إلا الكون. ولم يثبت أن جرم النار قابل للكثافة الأرضية ، وأن جرم الفلك ~~قابل للصفات المزاجية. وقصة إبراهيم عليه السلام جزئية لا تدل PageV02P575 # على الحكم الكلي. على أنه يجوز أن تكون النار على مقتضى طباعها لكن خلق ~~الله في إبراهيم كيفية عندها يستلذ بمماسة النار ، كما في النعامة وغيرها. # سلمنا استواء الجميع في قبول الأعراض ، لكن لا نسلم استواءها في الماهية ~~وتمام الحقيقة ، فإن الاشتراك في اللوازم لا يدل على الاشتراك في ~~الملزومات. ms0762 والاحتياج في المعلول قد بينا أنه إلى العلة المطلقة لا المعينة ~~، وتعين العلة إنما جاء من قبلها لا من قبل المعلول. ### |||| ** وعلى الوجه الثالث : أن الحصول في الحيز ليس هو معنى الجسم وذاته ، بل حكم لازم له ، وقد تقدم ~~أن التساوي في الأحكام واللوازم لا يدل على استواء الذوات. # احتج النظام : بأن الأجسام مختلفة في الخواص ، وذلك يدل على اختلاف ~~حقائقها. # الجواب : الخواص عوارض تميز بعض الأجسام عن بعض تمييزا عرضيا مصنفا لا ~~ذاتيا مقوما. # واعلم أن البلخي ذهب إلى أن في الجواهر ما هو متماثل وفيها ما هو مختلف. ~~ورجع بالتماثل إلى أنه إنما يثبت بالمعاني المتماثلة الموجودة في الجوهر ، ~~فإذا اتفق الجوهران في ذلك فهما مثلان في ذلك. ورجع بالاختلاف إلى اختلاف ~~هذه المعاني ، فإذا اختلف الجوهران فيما يوجد فيهما من المعاني فهما ~~مختلفان. وباقي المشايخ ذهبوا إلى أن التماثل والاختلاف لا يقع إلا بصفات ~~الذوات والمقتضي عنها. وحكي عن عباد أنه قال في الأعراض : إنها لا تخالف ~~غيرها بناء على أن المخالف يخالف بخلاف ، والعرض لا يحله عرض. وسيأتي البحث ~~في ذلك إن شاء الله تعالى. # قالوا : والأجسام وإن تماثلت بالماهية فإن الأسماء تختلف عليها لوجود معان PageV02P576 # مختلفة فيها ، ولا يمكن أن يجعل اختلاف الأسماء دلالة على اختلاف المسمى ~~بها ، فنحن نصف بعض الأجسام بأنه : جماد إذا اختص بكثافة وصلابة وعدمت عنه ~~الحياة واللحمية ، ونصف بعض الأجسام بأنه : هواء لحصول رقة مخصوصة فيه ، ~~ونسمي بعضه ريحا إذا حصل فيه مع الرقة المخصوصة حركات واعتمادات. وإذا اختص ~~برقة وصفاء ، فهو نور ، وإن كان مع الرقة قد داخلته أجزاء سود ، فهو ظلمة ، ~~وإذا لم تقع الشمس على موضع لمانع قد منع شعاعها من الوقوع عليه نسمي ظلا ، ~~ولهذا لا يكون الليل ذا ظل ، وكذلك أيضا نسمي بعض الأجسام شمسا وبعضها قمرا. PageV02P577 ### | البحث الثاني ### | في أن الأجسام باقية (1) # جمهور العقلاء على ذلك ، وخالف فيه النظام (2). وأكثر الناس ادعوا ~~الضرورة في ذلك ؛ فإنا نعلم بالضرورة أن أبداننا باقية ، وأن الجسم الذي ms0763 في ~~يدي من أول النهار إلى آخره لم يعدم في جميع آنات ذلك الزمان ، ومن شك في ~~ذلك فهو سوفسطائي. # وفيه نظر ؛ لان الجوهر في القول بالحركة الجوهرية واحد مستمر يتحرك نحو ~~الكمال وأما في رأي النظام يتبدل الجوهر ويتجدد آنا فآنا ، وهو في الحقيقة ~~جواهر متعددة لا جوهر واحد. PageV02P578 # واحتج المتكلمون على ذلك : بأن الأجسام ممكنة الوجود وإلا لما وجدت ، ~~وإذا كانت ممكنة الوجود في زمان كانت ممكنة في كل زمان ، وإلا لزم الانتقال ~~من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي. # والأولى الاعتماد على الضرورة بل هو الحق ، فلا يجوز الاستدلال عليه. مع ~~أن الدليل الذي ذكروه لا يمكن الأشاعرة الاستدلال به لوروده في الأعراض. # قيل (1): لا يمكن الاعتماد فيه على الاستمرار في الحس ، لأنه قد ظهر أن ~~عند تعاقب الأمثال يظن الحس الأشياء المتعددة واحدا. ولأنه منقوض بالأكوان ~~(2) عند الأشاعرة. # وأيضا في الدليل المذكور نظر ، لم لا يجوز أن يكون الجسم ممكن الوجود في ~~كل آن على البدل؟ وغير ممكن أن يوجد في آن عقيب وجوده في آن آخر. ولا يلزم ~~من ذلك الانتقال من الإمكان إلى الامتناع ، لأن إمكان الوجود غير وإمكان ~~البقاء غير ، فإن إمكان الوجود يطلق على إمكان الوجود ابتداء من غير شرط ~~الثبات ، وإمكان البقاء عبارة عن إمكان وجود في آن عقيب الوجود في زمان ~~سالف ، ولا شك في تغايرهما. ولا يلزم من اتصاف الشيء بالإمكان الأول وعدم ~~اتصافه بالثاني الانتقال من الإمكان إلى الامتناع ، كالأشياء الغير القارة. # وقيل (3): استدلال من قال بالبقاء باني أعلم بالضرورة أنني الذي كنت ~~بالأمس ، ضعيف لأنه مبني على نفي النفس الناطقة. ولأن هوية الإنسان المعين ~~ليست عبارة عن الجسم فقط ، بل لا بد فيه من أعراض مخصوصة ، وهي غير باقية. ~~وإذا كان أحد أجزاء الماهية غير باق لم تكن الماهية باقية. PageV02P579 # وفيه نظر ، فإن المستدل إنما استدل بالعلم الضروري بأن بدنه الموجود ~~اليوم هو الذي كان بالأمس ، وهذا لا يتوقف على ثبوت النفس ولا على نفيها. ~~والأعراض الداخلة في ms0764 التشخص باقية ، لكن هذا لا يتم على رأي الأشاعرة. # والنظام إنما التجأ إلى مقالته ، لأن الإعدام لا يعقل اسناده إلى المؤثر ~~(1)، وليس للأجسام ضد حتى يقال : إنها تنتفي بوجوده ، والمعدوم عنده ليس ~~بثابت حال العدم ، والأجسام عنده تفنى يوم القيامة ، فلا مجال له إلا القول ~~بعدم بقاء الأجسام ، كعدم بقاء الأعراض. # واحتج المتكلمون : على بقاء الأجسام أيضا بوجوه : ### |||| ** الأول : لو لم تكن باقية لم يصح منا فعل الأفعال ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن القدرة يجب أن تتقدم الفعل لاستحالة تعلقها بالواجب ، ~~والفعل حال وجوده واجب ، وتقدم القدرة مستلزم لتقدم الموصوف بها وهو البدن ~~، فلو لم يكن الجسم باقيا امتنع الفعل منا وهو باطل ؛ لعلمنا الضروري بأنا ~~فاعلون. ### |||| ** الثاني : لو لم تبق هذه الأجسام ، وكان الله يحدثها حالا فحالا لم يجب أن يكون ما هو ~~واجب الثبوت ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أنا إذا اعتمدنا بأيدينا على جسم ثقيل ثم ازيل عنها فإن ~~أيدينا تنزل هابطة ، ولو كان الله تعالى يحدثها حالا فحالا جاز أن يحدث ~~الكون فيها صاعدا ، لأنه من فعله تعالى ، بل كان يلزم أن لا يتأتى منا رفع ~~أيدينا ، فإنها تحدث في كل حال من الله تعالى، وما يفعله من الكون فهو أحق ~~بالوجود مما نفعله نحن. PageV02P580 ### |||| ** الثالث : لو كانت الأجسام غير باقية بل يحدثها الله تعالى حالا فحالا ، جاز أن يصح ~~من الله تعالى أن يحدث أحدنا في الوقت الثاني من كونه بالمشرق بالمغرب ~~فيحصل بالمغرب من غير قطع تلك المسافة ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله. # والشرطية ظاهرة ، وهو قول بالطفرة. وفرق بين هذا وبين ما نجوزه من أن ~~يعدمه الله تعالى في الثاني ثم يعيده في الثالث بالمغرب ، لأن هنا حالة قد ~~تخللت بعدم فيها ثم في الثالث يعود حاله إلى ما كان في الأول ، وما ألزمناه ~~للنظام به أن يكون موجودا لا يرد عليه عدم وصول من المشرق إلى المغرب من ~~دون قطع ما بينهما. ### |||| ** الرابع : لو لم تكن الأجسام ms0765 باقية لم يكن حصول الواحد منا في مكانه ولا الجبل ولا ~~غيرهما من الأجسام السفلية والعلوية آنين دائما ولا أكثريا ، والتالي باطل ~~بالضرورة ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن اختصاص الجسم بالمكان ليس لذات الجسم وإلا لكان كل جسم ~~في ذلك المكان ، هذا خلف ، وإنما هو للفاعل المختار ، وفعل المختار لا يجب ~~دوامه بل هو تابع لقصده وإرادته ، ونسبة الوجود والعدم إليه بالسوية فكان ~~إذا أعدمه الله تعالى وهو في مكان لم يجب أن يحدث مثله ، بل ولا هو إن ~~جوزنا إعادة المعدوم في ذلك المكان بعينه ، لكن الضرورة قاضية ببقاء الجبال ~~وغيرها في أماكنها أزمنة متطاولة. # وفيه نظر ، فإنه كما جاز أن يكون اختصاص الجبل الشخصي بمكانه أزمنة ~~متطاولة لمصلحة لا تتم بدونه وإن استند إلى الفاعل المختار جاز أن يكون ~~اختصاص نوع (1) الجبل لذلك. PageV02P581 ### |||| ** الخامس : التأليف باق لا يحتاج إلى تجديد الفاعل أمثاله في كل حال ، فلهذا إذا وجد ~~من أحدنا التأليف بقي ولم يؤثر فيه عدم الفاعل (1) أو عجزه ، وإذا كان ~~التأليف باقيا فالجسم أولى ، لأنه محله ويستحيل بقاء الحال مع عدم المحل. # وفيه نظر ، لأنا نمنع وجود التأليف أولا. # سلمنا وجوده ، لكن نمنع بقاءه ، والتأليف في زمن الثاني يحدثه الله تعالى. ### ||| ** تذنيبات ### |||| ** الأول : إذا صح استمرار الوجود للجواهر صح وصفها بأنها باقية حقيقة ، وهو اختيار ~~أبي هاشم ، لأن حقيقة الباقي هو الموجود الذي لم يتجدد وجوده حالة الخبر ~~عنه بأنه موجود ، فللحادث بعد حدوثه حالتان : # الأولى : أن يكون وجوده متجددا حالة الخبر عنه وهو الحادث. # الثانية : أن لا يكون وجوده متجددا وهو باق. # وأجريت هذه القسمة عليه فرقا بين الحالتين. ولا يصح تحديد الباقي بأنه ~~الموجود وقتين ، لأن الله تعالى باق لم يزل ولا وقت أصلا. وأما أبو علي فقد ~~حد الباقي بأنه الموجود بغير حدوث فاقتضى أن لا يسمى غير الله تعالى باقيا ~~حقيقة بل مجازا. ### |||| ** الثاني : حدوث الجوهر لا يستند إلى معنى (2)، خلافا لعباد وهشام بن عمرو الفوطي ، ~~فانهما قالا : المحدث محدث بإحداث. وحكي عن ms0766 أبي الهذيل أنه يجعل PageV02P582 # الإحداث معلقا من الله تعالى بقول وإرادة (1)، ويقرب منه قول الكرامية ~~حيث جعلوا الجوهر وغيره متولدا عن قوله كن (2)؛ لأن ذلك الحدوث يكون إما ~~قديما أو محدثا ، وكلاهما باطل على ما قدمناه في باب العدم والحدوث. # ولأن ذلك المعنى إن كان قديما سواء كان معدوما أو موجودا اقتضى حدوث هذه ~~الحوادث أبدا ، وهو يقدح في حدوثها ، فما أحال معلول العلة أحال وجودها على ~~الوجه الذي يجب الحكم عنها ، وإن كان لمعنى محدث لم يصح ؛ لأن اختصاصه به ~~إنما يصح بعد وجوده ، فلو توقف وجوده على حدوث ذلك المعين دار. # وأيضا كان يخرجه من تعلقه بالقادر ؛ لأن ما يستند إلى علة لا يضاف إلى ~~الفاعل. # وأيضا يلزم التسلسل ، لأن الجوهر كما احتاج في حدوثه إلى معنى محدث فكذلك ~~المعنى المحدث يحتاج إلى معنى آخر ، لتشاركهما في علة الحاجة وهي الحدوث ~~ويتسلسل. # ولا ينتقض بالمتحرك حيث احتاج في كونه متحركا إلى علة ولا تسلسل فيه. لأن ~~الحركة غير مشاركة للمتحرك في وجه الحاجة إلى حركة أخرى ، وذلك المعنى ~~المحدث قد شارك ذات الجوهر في الحاجة إلى معنى فافترقا ، ولأجل ذلك احترز ~~أبو الهذيل هنا ، فقال : إن ذلك المعنى ليس بحادث ، كما أن الحركة غير ~~متحركة ، وهو بعيد من جهة المعنى. # وأوجب معمر أن يحدث المحدث لمعنى ويحدث ذلك المعنى لمعنى آخر PageV02P583 # محدث وهكذا إلى ما لا يتناهى. وقد سلف بطلانه ، ولهذا يسمى هو ومن تبعه ~~أصحاب المعاني (1). ### |||| ** الثالث : كما أن الجوهر لا يحدث لمعنى كذا لا يبقى لمعنى هو البقاء عند المشايخ ~~خلافا للأشاعرة ولأبي القاسم الكعبي. ولأنه لو كان البقاء ثابتا تسلسل ، ~~وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. PageV02P584 ### | البحث الثالث ### | في نسبة التلازم بين الجواهر والأعراض (1) # اختلف الشيخان فقال أبو هاشم : يجوز خلو الجواهر من جميع ما يصح وجوده ~~فيه من لون وطعم ورائحة وغيرها إلا الكون ، فإنه يستحيل خلوه منه ؛ لأنه لا ~~يمكن أن يوجد إلا متحيزا ولا يجوز وجود المتحيز إلا في جهة ms0767 ، ولا يحصل كذلك ~~إلا بكون ، بخلاف باقي المعاني. وهو مذهب الأوائل ، لكن أضافوا إلى الكون ~~الشكل والمقدار ، لكن أبو هاشم جوز خلو الجسم من هذه المعاني في الأصل ، ~~فإن وجد فيه لون لم يصح من بعد خلوه منه ما دام موجودا ، إلا إلى ضد يشارك ~~حاله الأول في صحة البقاء عليه وأن لا ينتفي إلا بضد. وإنما يصح عدمه أصلا ~~بعدم المحل ، وكذا باقي الأعراض. PageV02P585 # وقال أبو علي (1): لا يجوز خلو الجوهر مما يحتمله أو ضده (2) إن كان له ~~ضد ، وإن لم يكن لم يخل منه أصلا. فلهذا امتنع عنده خلو الجسم من اللون ~~وغيره من الأعراض. وهو مختار الأشعرية (3). وهذا هو طريقة أبي القاسم ~~الكعبي في الجملة. والحق الأول (4). # وقال النيسابوري في آخر هذا البحث : «فثبت بهذه الجملة صحة خلو الجوهر من ~~اللون ، إذ ليس بينهما علقة من وجه معقول» ، كتاب التوحيد : 159. # قال الأشعري : «جوزوا أن يعري الله الجواهر من الأعراض وأن يخلقها لا ~~أعراض فيها ، والقائلون بهذا القول أصحاب أبي الحسين الصالحي» ، مقالات ~~الإسلاميين : 310. # والرازي أيضا خالف أصحابه الأشاعرة وقال بجواز خلو الأجسام عن الأعراض. ~~راجع نقد المحصل : 212. # وكذلك ذهب إليه المحقق الطوسي وجوز خلو الأجسام عن الكيفيات المذوقة ~~والمرئية والمشمومة. راجع كشف المراد : 169. PageV02P586 # لنا أن الهواء جسم لا لون له ولا طعم ولا رائحة ، وكالماء وظاهر العنبة ~~والأجاصة حسا ، وعدم الاحساس فيما من شأنه أن نحس به من غير مانع يقتضي ~~النفي ، وإلا لأدى إلى السفسطة. وهذه حجة أبي هاشم. # لا يقال : إن فيها طعوما مألوفة أو مختلفة أو يسيرة. # لأنا نقول : لا تأثير للألفة فيما يجب عند الإدراك إن نجده ؛ ولا ~~للاختلاف ، فإنا ندرك الطعوم المختلفة في كثير من الأجسام ؛ ولا القلة ، ~~فإن القليل مساو للكثير في صحة الإدراك. # وأيضا لو لزم من صحة الاتصاف بالشيء وجوده لزم وجود ما لا يتناهى من ~~الأعراض في المحل الواحد دفعة ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن كل محل اتصف بقدر من السواد مثلا أمكن اتصافه بقدر ~~زائد ms0768 عليه ؛ لأنه لا قدر إلا وتصح الزيادة عليه ، ووجود هذا الزائد في ~~المحل على حد وجود الأصل في الصحة ، ويلزم أن توجد في قلب أحدنا ارادات ~~واعتقادات غير متناهية. # لا يقال : الشرطية مسلمة لو قلنا بصحة الاتصاف بما لا يتناهى ، لكنا نمنع ~~صحة الاتصاف بما لا يتناهى. # لأنا نقول : كل فرد من الأفراد المفروضة يمكن الاتصاف به وبما زاد عليه ، ~~وأي مرتبة من مراتب الزائد فرض أمكن فرض الاتصاف بالأزيد وهكذا إلى ما لا ~~يتناهى ، لا تفرض زيادة إلا ويمكن الأزيد. # وأيضا الجسم واللون متغايران ولا تعلق بينهما ، والقادر عليهما مختار ، ~~فأمكن أن يوجد الجسم خاليا عنه ، لأنه كما صح أن يجمع بينهما صح أن يوجد ~~أحدهما منفردا عن صاحبه فهنا مقدمتان : PageV02P587 ### |||| ** المقدمة الأولى : نفي التعلق بينهما (1)، لانتفاء تعلق الفعل بفاعله ، إذ ليس الجسم فاعلا ~~للسواد ولا بالعكس ، فلم يبق بينهما إلا تعلق الحاجة أو تعلق الايجاب. وليس ~~بينهما تعلق الحاجة (2)؛ لأن تعلق الحاجة : إما أن يكون في نفس الوجود ، ~~أو في بعض الصفات الثابتة له ، أو في بعض الأحكام له. # وليس بينهما تعلق الحاجة في الوجود ، فإن اللون محتاج إلى الجوهر ولا ~~يجوز في الجوهر أن يحتاج إلى اللون ، وإلا دار. ولا ينتقض بالكون ؛ لأن ~~الجهة هناك مختلفة ، فان الكون يحتاج في وجوده إلى ذات الجوهر ، والجوهر ~~يحتاج في كونه كائنا إليه ، ولا يمكن مثله هنا. فيقال : نجعل وجه الحاجة في ~~الجوهر واللون مختلفا بأن يحتاج اللون إلى تحيز الجوهر والجوهر يحتاج إلى ~~وجود اللون ؛ لأنه إذا احتاج إلى تحيز الجوهر احتاج إلى وجوده من حيث يحتاج ~~في التحيز إلى الوجود. ولأن الجوهر لو احتاج في وجوده إلى اللون لوجب أن ~~يصح وجود اللون من دون الجوهر ؛ لأن من حق المحتاج إليه صحة وجوده مع عدم ~~المحتاج ، كالعلم والحياة وما يحتاج إليه من البنية (3). ولو لا ذلك لم ~~ينفصل المحتاج من المحتاج إليه حيث كان لا يصح وجود المحتاج إليه من دون ~~المحتاج. # وليس بينهما تعلق الحاجة (4) في بعض ms0769 الصفات ؛ لأن اللون يقع على الشيء ، PageV02P588 # كالسواد وضده (1). على أن صفات الجوهر تختلف بكونه جوهرا إذا لم تفارقه ~~في العدم كيف يحكم بحاجته في كونه عليها إلى اللون مع ثبات الجوهرية حالة ~~عدم اللون؟ ولأنه مستحق للذات ، فلا يفتقر إلى معنى. وأما تحيزه ، فالحال ~~فيه كالحال في كونه جوهرا فانه واجب كما هو عليه في ذاته ، فلا يحتاج في ~~ثبوته للجوهر إلى معنى. # وليس يحتاج الجوهر إلى اللون في بعض أحكام الجوهر ؛ لأن ذلك الحكم ليس ~~احتمالا للأعراض ، لأنه ثابت له لتحيزه لا لأجل اللون. # ولأنه حكم واحد فلا يستند إلى الأمور المتضادة. # ولأن ذلك العرض إن كان هو اللون ، فلو احتاج إليه لاحتماله له وهو يحتمل ~~ما لا يتناهى لوجب حاجته إليه ووجب وجوده فيه. ولأن القبول سابق فلا يجوز ~~تعليله بالوجود. # وإن أريد به عرض آخر ، فليس بأن يحتاج إلى اللون ؛ لاحتماله ذلك (2) ~~العرض أولى من أن يفتقر إلى ذلك العرض لاحتماله للون (3). # وإن أريد به منع غيره من أن يحصل بحيث هو ، فهو راجع إلى تحيزه لا إلى ~~اللون. ولأنه حكم واحد والألوان متضادة. # وإن أريد به صحة إدراكه بالحاستين ، فهو لتحيزه يدرك لمسا ورؤية. # وليس بينهما تعلق الايجاب ؛ لأنه لا يصح أن يكون بينهما تعلق إيجاب علة ~~لمعلول ، لأن تأثير العلة إنما هو في إيجاب الأحوال والأحكام للذات لا في PageV02P589 # وجودها (1)، وإلا لزم خروج الحوادث من تعليقها بالقادر ، ولا يجوز أن ~~يكون الجوهر علة في الكون. ولأنه لا اختصاص بإيجاب بعض الألوان دون بعض. # ولا تعلق إيجاب سبب لمسبب ، لأنه يعود بالبعض على القول باستحالة خلو ~~الجوهر من اللون ، لأنه كان يجوز أن لا يوجد ما يتولد عنه لعارض ، لأن هذا ~~من حقيقة السبب والمسبب. وكان لا يختص بتوليد لون دون لون. وكذا لو جعل ~~اللون مولدا للجوهر ، لأنه كان لا يختص بتوليده إياه في جهة أولى من غيرها ~~، بخلاف توليد الاعتماد (2)، لأنه يولد في أقرب المحاذيات من محاذاة محله ~~حيث استحال الطفرة على المحال (3). ### |||| ** المقدمة ms0770 الثانية : إذا انتفى التعلق بينهما صح وجود أحدهما منفصلا عن الآخر والملازمة ظاهرة ، ~~فانه يجري اللون في الجسم كالجوهر مع الجوهر في جواز انفكاك أحدهما من ~~صاحبه وانفراده عنه حيث انتفى التعلق بينهما. # احتجت الأشاعرة بوجوه (4): ### |||| ** الوجه الأول : قياس اللون على الكون (5)، فإنه لما امتنع خلو الجسم عن الكون اتفاقا بين ~~الأشاعرة والمعتزلة امتنع خلوه عن اللون قياسا عليه. ### |||| ** الوجه الثاني : العرض قسمان : عرض يصح عليه البقاء وهي الأعراض القارة في الحس ، كاللون. ~~وعرض غير قار ، كالأصوات. وقد اتفق الفريقان على امتناع PageV02P590 # خلو الجسم عن النوع الأول بعد الاتصاف به. أما عند الأشاعرة ، فلإجراء ~~الله تعالى العادة بخلق أمثالها عقيب زوالها. وأما المعتزلة ، فلامتناع ~~انتفائها من غير طريان الضد عليها. وإذا امتنع خلو الأجسام عن مثل هذه ~~الأعراض بعد الاتصاف امتنع خلوه عنها قبل الاتصاف بقياس احدى الحالتين على ~~الأخرى. ### |||| ** الوجه الثالث : الجسم لا يرى إلا على هيئة ، ولا يكون كذلك إلا بلون. ### |||| ** الوجه الرابع : قد ثبت الفصل بين إدراك الجوهر رؤية وإدراكه لمسا على ما ثبت في التفرقة ~~الحاصلة بين الضرير والبصير ، فإن الضرير يدرك لمسا لا رؤية ، وإلا لوجب ~~فيه إذا أدرك باللمس جسما أن يعرف لونه ، وهذا الفرق إنما يتم لو كان ~~البصير يراه مع اللون لا محالة. ### |||| ** الوجه الخامس : قياس حال الخلو على حال الاجتماع ، فيقال : إذا استحال وجود هذه الألوان في ~~الجواهر استحال خلوه منها. ### |||| ** الوجه السادس : أن عند حدوث اللون يرى على هيئة مخالفة لما تقدم ، فيجب أن يكون في الأول ~~على ضد هذا اللون. ### |||| ** والجواب عن الأول : أنه (1) قياس خال عن الجامع. ### |||| ** وعن الثاني : أنه يجوز خلوه عما لا يبقى بعد الاتصاف بها عند الأشاعرة ، وأما الباقي ~~فانه لا ينتفي عن المحل إلا بضد ، وامتناع الخلو بعد الاتصاف موقوف على ~~طريان الضد ، وقبل الاتصاف ليس هكذا ، فإن صح هذا ظهر الفرق ، وإلا منعنا ~~الحكم في الأصل ، وقلنا بجواز الخلو بعد الاتصاف وخالفنا الاتفاق. ### |||| ** وعن الثالث : أنه استدلال بالشيء على نفسه ، فإن الهيئة واللون ms0771 سواء فمن أين أنه لا يدرك ~~إلا كذلك؟ ثم إن كان على ما قدروه فالواجب جواز وجوده ولا PageV02P591 # يرى ، لا أنه يجب امتناع خلوه من اللون. ### |||| ** وعن الرابع : لا يجب رجوع الفصل إلى ما ذكرتم ، بل إلى اختلاف طريقي الإدراك، وقد يقع ~~الفصل في الشيئين المثلين لاختلاف الطريق ، فإن أحد العلمين قد يكون مثلا ~~للآخر ويتبين الفصل بينهما بحصول أحدهما عند نظر وحصول الآخر عند خبر. ### |||| ** وعن الخامس : أنه قياس فاسد فإن المحتمل للاجتماع هو التضاد ، وهذا إنما يثبت في حال ~~الوجود دون حال العدم ، ولهذا يصح عدم الضدين وإن لم يصح وجودهما. ### |||| ** وعن السادس : أنه دعوى ، لأن الفصل إن وقع بين هاتين الحالتين فليس لأجل ان كان فيه معنى ~~تضاد ما قد حصل الآن ، بل هو لوجود معنى لم يكن فيه من قبل. PageV02P592 ### | البحث الرابع ### | في أن الأجسام مرئية # اختلف الناس في ذلك (1)، فذهب المتكلمون من المعتزلة والأشاعرة إلى أنها ~~مرئية. وقالت الفلاسفة : إنها مرئية بالعرض لا بالذات (2) على معنى أنها من ~~حيث هي أجسام أو جواهر مجردة عن الأعراض غير مرئية ، ومن اتصافها باللون ~~والضوء تصير مرئية بواسطتهما. وحكى عن الصالحي أنه جعل المدرك هو اللون ~~دونه. وبالضد من هذا قول من زعم أن المدرك هو القائم بنفسه ، فأخرج اللون ~~من كونه مرئيا على ما يقوله الكلامية (3). # وقال أبو الحسين الصالحي : الأجسام لا ترى ولا يرى إلا لون والألوان ~~أعراض. وقال معمر : إنما تدرك أعراض الجسم ، فأما الجسم فلا يجوز أن يدرك. ~~راجع مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين : 362 363. PageV02P593 # احتج المتكلمون بأنا نرى الطويل العريض (1)، والطول لا يجوز أن يكون ~~عرضا ، لأنه ثبت كون الجسم مركبا من الأجزاء التي لا تتجزأ فلو كان الطول ~~عرضا لكان محله الجزء الواحد ، لاستحالة قيام العرض الواحد بأكثر من محل ~~واحد ، فالجزء الموصوف بالطول يكون أكثر مقدارا مما ليس موصوفا به فيكون ~~الطويل قابلا للقسمة ، وهو محال. وإذا كان الطول نفس الجوهر والطويل مرئي ، ~~فالجوهر مرئي. # وأيضا الأمارة التي معها يثبت كون الشيء ms0772 مرئيا حاصلة في الملون ولونه ، ~~فليس جعل أحدهما هو المدرك أولى من الآخر ، فيجب كونهما جميعا مدركين. # بيان ثبوت الأمارة فيهما : أنا نعلم في الجوهر عند استعمال الآلة في ~~إدراكه الصفة المقتضاة عن صفته الذاتية ، كما نعلم الهيئة في السواد ، فإن ~~جوزنا أن لا يكون الجوهر مرئيا جوزنا مثله في اللون. # وتوضيح ذلك : أنا نفرق بين الطويل من الأجسام والقصير منها عند زوال ~~الموانع ، ولا يمكن صرف هذه التفرقة إلى اللون ، لأنه كان يلزم أن لا يثبت ~~في الأغبر مع تجويزنا خلوه من اللون وتجويزنا خلافه ، ومع الشك في سبب ~~الفصل لا يقع الفصل ، وكذا لو قال : إنما يقع الفصل على طريق التبع للعلم ~~باللون ، لأنه كان يجب فيما يجوز خلوه من اللون أن لا يقع هذا الفصل ، وقد ~~عرفنا خلافه. # وأيضا لو لم يدرك الجوهر بالطريق الذي به يدرك اللون لجريا مجرى الصوت ~~ومحله في أن العلم بالصوت يحصل من دون العلم على بعض الوجوه لما لم يدرك ~~محل الصوت بالطريق الذي يدرك به نفس الصوت ، فإذا لم يصح هذا في اللون ~~ومحله دل على أنهما يدركان بطريق واحد وهو الرؤية. PageV02P594 # وأيضا قد بينا أن الجسم قد يخلو من اللون ، ولو قدرنا أن الله تعالى خلق ~~أجساما عارية من الألوان لوجب على هذه القضية أن لا ندركها وهذا يؤدي إلى ~~الجهالات. # واعترض على الأول : بأنا لا نسلم أن الطول نفس الجوهر ، وإلا لكان الجوهر ~~الفرد طويلا فيعود الانقسام ، بل هو عبارة عن تأليف الجواهر في سمت مخصوص ، ~~والتأليف عرض ، فلم لا يجوز أن يكون المرئي هو التأليف؟ # وأجيب (1): بأنا نرى الطويل حاصلا في الحيز ، وذلك لا يعقل في العرض ، ~~فعلمنا أن المرئي هو الجوهر. # والأشاعرة حيث جعلوا علة الرؤية الوجود والجسم موجود ، حكموا برؤيته (2). # والاستدلال بالطويل يقتضي كون الجوهر مع التأليف القائم به مرئيا ، ولا ~~يقتضي كون الجوهر الذي هو جزؤه مرئيا. # والجواب بأن الطويل يرى حاصلا في الحيز ، دليل آخر وليس جوابا عما # وقال الرازي في نهاية العقول ms0773 : «من أصحابنا من التزم أن المرئي هو الوجود ~~فقط ، وأنا لا نبصر اختلاف المختلفات بل نعلمه بالضرورة ، وهذا مكابرة لا ~~نرتضيها ، بل الوجود علة لصحة كون الحقيقة المخصوصة مرئية» ، شرح المقاصد 4 ~~: 191 نقلا عن نهاية العقول. واختار الرازي أيضا صحة رؤيته تعالى كما يرى ~~البياض والسواد ، أصول الدين : 73. PageV02P595 # تقدم ، وهو أن المرئي يرى حاصلا في الحيز فليس بعرض ، والدليل الأول أن ~~المرئي يرى طويلا فليس بعرض ، وهما ضعيفان. # والاعتراض على الثاني : بمنع ثبوت الأمارة فيهما معا ، وبمنع عدم ~~الأولوية ، وبمنع ثبوت صفة مقتضاة عن الذات ، ولا نسلم أنا ندرك الطويل ~~والقصير ولا نفرق بينهما إلا بواسطة إدراك اللون والضوء. وإذا فرضنا الخلو ~~من اللون لم يحصل الإدراك ولا التفرقة. # وعلى الثالث : بالمنع من كون العلة اتحاد طريق الادراك. # وعلى الرابع : بالتزام أنا لا ندرك ما يخلقه الله تعالى من الأجسام خاليا ~~عن اللون. # واعلم أن التحقيق في هذا الباب أن نقول : شرط رؤية الجسم كونه ذا لون ~~وضوء (1)، بل شرط رؤية كل مرئي. فإن أراد نافي الإدراك أنا لا ندرك الجسم ~~العاري فحق ، وإن أراد مثبته أنا ندركه مع هذين فحق ، وخلافهما باطل. PageV02P596 ### | البحث الخامس ### | في بقايا أحكام الجواهر على رأي المشايخ ### |||| ** وهي اثني عشر : ### |||| ** الأول : قالوا : حقيقة الجوهر ما له حيز عند الوجود (1). والمتحيز هو : المختص ~~بحال لكونه عليها يتعاظم بانضمام غيره إليه ، أو يشغل قدرا من المكان ، أو ~~ما يقدر تقدير المكان (2)، فيكون قد جاز ذلك المكان ، أو يمنع غيره من ~~انتقاله عن أن يحصل بحيث هو. # وإنما يحتاج الجسم إلى مكان عند حالتين : ### |||| ** إحداهما : أن يكون الجسم حيا منصرفا ، فلا بد له من مكان نقله (3) ويثبت عليه. # وهكذا قال الفلاسفة ، كما في الشفاء : «فإنه لا جسم إلا ويلحقه أن يكون ~~له حيز ...» ، الفصل الحادي عشر من المقالة الرابعة من الفن الأول من ~~طبيعيات الشفاء. PageV02P597 ### |||| ** والأخرى : أن يختص الجسم بالثقل ، ولا بد له مما يمنع ثقله من النزول فيه. # فإذا خرج عن هذين استغنى عن المكان. ويشيرون ms0774 بالمكان إلى الذي يستقر عليه ~~الجسم ويمنعه من النزول. ولو احتاج كل جسم إلى مكان والمكان بهذا التفسير ~~جسم لزم التسلسل. ولأنه لو احتاج إلى مكان لكان إذا ازيل من تحته يعدم لأن ~~شأن المحتاج إليه ذلك ، والتالي باطل بالضرورة (1)، فالمقدم مثله. ### |||| ** الثاني : قالوا : إذا كانت الذات تثبت بطريق ، فصفاتها تثبت بذلك الطريق إما بنفسه ~~أو بواسطة. ولما كان طريق إثبات الجوهر الإدراك وجب في صفاته مثل ذلك. ~~والذي يتناوله الإدراك من صفات الجوهر كونه متحيزا ، إلا أنه ينبئ عن صفة ~~ذاتية لا تنفك عنها وجودا أو عدما ، وكونه متحيزا مشروط بالوجود ، فثبت له ~~الوجود أيضا. ولا يظهر تحيزه إلا بكونه كائنا في جهة ، فصار من توابعه ، ~~ولهذا إذا كان متحيزا موجودا صح فيه كونه كائنا في جهة (2)، فإذا خرج عن ~~الوجود والتحيز استحال ذلك فيه ولم يمكن تعلقه بأمر سواه ، فلهذا أثبتوا ~~للجوهر أربع صفات (3): الجوهرية والتحيز والوجود وكونه كائنا في جهة. ~~وباقي الحوادث له ثلاث صفات : صفة الذات ، والمقتضى عنها ، والوجود ، وقد ~~سلف (4). وليس # وقال أيضا : «إن الجسم لا بد من أن يكون متحيزا عند الوجود ، ولا يكون ~~متحيزا إلا وهو كائن ، ولا يكون كائنا إلا بكون» ، شرح الأصول الخمسة : 112. PageV02P598 # للجوهر صفة سوى الأربع ، لانتفاء الطريق إليها ، ولو جوزناه لأدى إلى كل جهالة. ### |||| ** الثالث : يجب للجوهر إذا حصل له الوجود أن يكون كائنا في جهة ، بمعنى أنه يحصل ~~موجودا على حد لو كان هناك غيره إما أن يقرب منه أو يبعد عنه أو يكون يمينا ~~أو يسارا أو غيرهما من الجهات الست (1) دون أن يحصل بحيث هو. وهذا أولى من ~~قولهم : يوجد في مكان ، لأن المكان هو ما يقل الثقيل ويمنع ثقله من توليد ~~الهبوط. ومن قولهم : المحاذاة لأنه نسبة ، فإن التقابل والمحاذاة إنما يفهم ~~بين اثنين ، ولا يتحقق في الجوهر الواحد. # وللجوهر بكونه كائنا في جهة حالة كماله حالة بالوجود والتحيز وغيرهما ، ~~لاستحالة كونه في مكانين في وقت واحد. وليس لهذه الاستحالة وجه إلا أنه ~~يحصل على ms0775 صفتين ضدين بكونه في جهتين ، فلو لم يختص في كونه كائنا في جهة ~~بحال لم يكن ليستحيل ذلك. فأشبه هذا ما نقوله في إثبات الحال للعالم بكونه ~~عالما : إنه لما استحال أن يكون عالما بالشيء جاهلا به ، وإن تغاير محل ~~العلم والجهل ، دل هذا على أن له بكونه عالما حالا. ### |||| ** الرابع : ليس للجوهر بكونه معدوما حال ، خلافا لأبي عبد الله البصري. نعم يثبت له ~~بكونه معدوما حكم ؛ لأنه عند عدمه يصح من القادر عليه إيجاده والفرق بينه ~~وبين ما لا يصح إيجاده يرجع إلى حكم. # وكلام أبي عبد الله البصري (2) باطل ؛ لأنه لو ثبت له بكونه معدوما حال # قال الرازي : «اختلفوا (المعتزلة) في أن المعدوم هل له بكونه معدوما صفة؟ ~~فالكل أنكروه ، إلا أبو عبد الله البصري ، فانه قال به» ، نقد المحصل : 84. PageV02P599 # لضادت صفة الوجود ، فكنا لا نعلم ضرورة أن المعلوم إما أن يكون موجودا أو ~~معدوما ؛ لأن الضرورة لا طريق لها في أن الذات لا تخرج عن صفتين إلى ثالث ، ~~وإنما يعلم ذلك بتأمل ونظر. فوجب إذا حصل العلم الضروري بما ذكرنا أن يكون ~~المرجع بالمعدوم إلى أنه معلوم ليس له صفة الوجود وللضرورة مدخل في مثل ذلك ~~؛ لأنا نعلم أن الذات إما أن تكون لها صفة الوجود أو ليس لها صفة الوجود ، ~~فإذا كان الكلام في ثبوت صفة وانتفائها أمكن فيه ما لا يمكن في إثبات صفتين. # لا يقال : هلا جعلتم للمعدوم بكونه معدوما صفة ويرجع بالموجود (1) إلى ما ~~انتفت عنه هذه الصفة؟ # لأنا نقول : لا نعلم الموجود أولا ثم نعلم المعدوم ، كما نعلم الإثبات ثم ~~نعلم النفي ، ولو كان كما قلتم لكنا نعلم المعدوم أولا ، لأن العلم بانتفاء ~~الصفة فرع على العلم بثبوتها. ### |||| ** الخامس : قالوا : صفات الجوهر لا يصح فيها التزايد إلا في كونه كائنا ، فإنه يتزايد ~~عند كثرة الأكوان ؛ لأن المعاني إذا كثرت لم يصح أن تشرك في اقتضاء صفة ~~واحدة ، بل لا بد من تزايد الصفات لتزايدها. وإنما منعنا من صحة وقوع ~~التزايد في كونه ms0776 جوهرا ومتحيزا ؛ لأن الجوهر يستحق كونه جوهرا لنفسه ، فلو ~~تزايدت الصفة له بكونه جوهرا لكان قد استحق صفتين مثلين للنفس ، وهو يقتضي ~~أن يصير مثلا لنفسه ، لأن هذه الصفة الزائدة لو أنها حصلت لذات أخرى ~~لماثلته لها (2)، فإذا حصلت له وجب أن يصير مثلا لنفسه ، وإن حصلت الصفتان ~~مختلفتين أدى إلى أن يصير مخالفا لنفسه. PageV02P600 # وأيضا فالتزايد لا بد من استناده إلى علة تتزايد أو شرط يتزايد ، ككون ~~المدرك مدركا عند كثرة المدركات ، ولا شيء تستند هاتان الصفتان إليه يصح ~~التزايد فيه. # وأيضا لو صح التزايد في البحر لجاز في الجزء الواحد أن يصير بصورة جبل ~~عظيم للزيادة الحاصلة في الصفة الموجبة للتعاظم ، فأما صفة الوجود فلا ~~يدخلها التزايد في شيء من الذوات لما تقدم ولما قاله أبو هاشم : لو تزايد ~~الوجود لم يمتنع أن يكون للسواد وجهان للحدوث يقابلان وجهي البياض ، ثم كان ~~يصح حصوله في أحدهما دون الآخر ، فيؤدي إلى أن لا نبينه على الإطلاق ، بل ~~يوجد معه على بعض الوجوه. # وأيضا لو صح تزايده لجاز أن يحصل على إحدى صفتيه بقادر وعلى الأخرى بغيره ~~، فيؤدي إلى أن المقدور الواحد بينهما ، والعلم باستحالة ذلك يقف على أن ~~الوجود لا يتزايد. ### |||| ** السادس (1) ### |||| ** : التحيز إنما يثبت للجوهر حالة وجوده خاصة وإن كان مقتضى عن صفة الذات ، ~~لأنها لو يثبت له حالة العدم لوجب رؤية الجواهر المعدومة لحصولها على الصفة ~~التي يتناولها الإدراك ، فانها إنما تدرك لتحيزها. # لا يقال : شرط الإدراك اتصال الشعاع وهو مفقود عند عدمه. # لأنا نقول : ليس من شرط صحة الرؤية اتصال الشعاع عند أبي هاشم. PageV02P601 # ولأنه لو كان متحيزا وهو معدوم لشغل المكان ، لأن ذلك حكم هذه الصفة وحكم ~~هذه الصفة الذي هو حقيقتها لا ينفصل عنها ، كما نقوله في القادر وصحة الفعل ~~، وهذا يقتضي حلول المعاني فيه. ولا يصح في المعدوم أن يكون محلا ولا حالا ~~، وإلا لثبت التضاد في العدم ، وكان يمتنع عدم الضدين كما يمتنع وجودهما ، ~~فإذن شرط التحيز الوجود. # ولا يمكن أن يكون ms0777 الوجود مؤثرا في التحيز ، وإلا لزم اشتراك الموجودات ~~كلها في التحيز. ولا عدم معنى ، وإلا لكان متحيزا أبدا. ولأنه لو وجد ذلك ~~المعنى زال تحيزه ولا معنى يعقل كذلك. ولا وجود معنى ، لاستحالة أن يوجد ~~ذلك المعنى في غيره ، وإلا لاختص بذلك الغير. ولا مجردا ، وإلا لم يختص به. ~~ولا فيه ، لأن وجوده فيه يقتضي تحيزه أولا لتصح فيه طريقة الحلول فكيف يقف ~~تحيزه عليه؟ ولا بالفاعل ، وإلا لصح منه أن يوجده ولا يجعله متحيزا ، وأن ~~يجعله سوادا بدلا من تحيزه ، وأن يجمع بينهما فيجعله جوهرا سوادا ، وهو ~~محال. ثم لو قدر طريان بياض عليه لوجب أن لا ينتفي من حيث هو متحيز وينتفي ~~من حيث هو سواد ، فيقتضي أن يكون موجودا معدوما. # وإنما قلنا : كان يصح ايجاده (1) ولا يجعله متحيزا ، لأنا قد بينا أن ~~التحيز صفة منفصلة عن صفة الوجود والوجه الذي يحصل عليه الفعل لفاعله يصح ~~منه أن يجعله عليه وأن لا يجعله عليه ، كما يصح منه أن يوجده وأن لا يوجده ~~أصلا ، ولهذا صح أن يوجد الكلام فيجعله خبرا ويصح أن يوجده ولا يجعله كذلك ~~، وحقيقة الفاعل تقتضي ذلك. # لا يقال : كما أنه لا يصح منه أن يوجده ولا يجعله فعلا فكذلك ما PageV02P602 # قلتم. # لأنا نقول : كونه فعلا وموجودا من جهة الفاعل سواء ، فكأنه يقول : يوجده ~~وأن لا يوجده ، أما التحيز فإنه صفة زائدة على الوجود ، فهو مشبه لكون ~~الكلام أمرا أو خبرا. # وإنما قلنا : كان يصح أن يجعله سوادا بدلا من كونه متحيزا ، لأن الصفات ~~كلها عند الخصم مستحقة بالفاعل وليس ثبوت صفة يستحقها الذات بجنسها. # وإنما أوجبنا صحة جمعه بينهما ، لأنه لا منافاة بين هاتين الصفتين ولا ما ~~يجري مجراه ، وإنما يمتنع كون الشيء على حالتين أو حكمين لتضادهما بأنفسهما ~~أو بواسطة ، فلهذا لم يصح في الصيغة الواحدة أن يكون أمرا نهيا أو أمرا ~~تهديدا ، لاستنادهما إلى ضدين ، ولم يمكن في الشيء الواحد أن يكون حسنا ~~قبيحا ، لأن فيه ما هو آكد من التنافي ، لأن ms0778 القبيح يقبح لوجه والحسن يحسن ~~لتعريه من ذلك الوجه. # لا يقال : كونه متحيزا يصحح وجود البياض فيه وكونه سوادا يحيله فلم يصح ~~اجتماعهما. # لأنا نقول : تحيزه إنما يصحح وجود البياض إذا لم يكن مع تحيزه سواد ، فإن ~~حصل كذلك لم يثبت التصحيح. وكما أن تحيزه يصحح وجود البياض كذا يصحح وجود ~~السواد. # لا يقال : من حق السواد أن يحل ، ومن حق المتحيز استحالة الحلول عليه. # لأنا نقول : إنما يصح حلول السواد إذا لم يكن مع كونه سوادا متحيزا فإن ~~ثبت تحيزه استحال أن يحل. PageV02P603 ### |||| ** السابع : الجوهر غير مقدور لنا (1)؛ لأن قدرتنا لا تتعلق بالمخترع من الأفعال ، بل ~~بالمباشر أو التوليد ؛ لأنا لو قدرنا على المخترع لامكننا أن نمنع من هو ~~بالمشرق عن حركاته وسكناته بأن نوجد فيه أكوانا مخالفة لما يريده ، ~~والضرورة قاضية ببطلانه. # ولا يمكننا أن نفعل الجوهر بالمباشرة وإلا لزم التداخل. # وكذا بالتولد إذا لم يتعد محل القدرة (2)، ولا بالتولد الخارج عن محل ~~القدرة ؛ لأن الذي تعدى به الفعل عنه هو الاعتماد ولا حظ له في توليد ~~الجوهر ؛ لأنا لو أدخلنا أيدينا في ظرف مشدود الرأس واعتمدنا عليه سنين ~~متطاولة لم يمكننا إيجاد جوهر فرد. ### |||| ** الثامن (3) ### |||| ** : قد ثبت أن الجوهر مما يختص القديم تعالى بإيجاده ويجب أن يقع # وقال : «إن الوجوه التي يصح أن يفعل عليها الفعل لا تعدو وجوها ثلاثة : ~~الاختراع ، والمباشرة ، والتوليد. # أما الاختراع ، فلا شك أن القادر بالقدرة لا يقدر عليه ، لأنه إيجاد فعل ~~متعد عنه من غير سبب ، وهذا لا يتأتى من القادرين بالقدرة ، ان لو صح ذلك ~~لصح من أحدنا أن يمنع غيره من التصرفات من غير أن يماسه أو يماس ما ماسه ، ~~والمعلوم خلافه» ، شرح الأصول الخمسة : 223. راجع أيضا النيسابوري ، ~~التوحيد : 390 وما يليها ؛ النيسابوري ، المسائل : 58. PageV02P604 # مستندا لا عن سبب يتولد عنه ، لأن كل سبب يدعى توليده له لا يخرج عن ~~وجهين : فإما أن يولد لاختصاصه بجهة كالاعتماد ، ولا حظ له في توليده لما ~~تقدم. وإما أن لا يختص بجهة فيولد في ms0779 محله ، وهو يقتضي صحة اجتماع جوهرين ~~في حيز واحد. # لا يقال : جاز وجود معنى لا في محل يولد الجوهر. # لأنا نقول : إذا وجد لا في محل زال الاختصاص فيه فليس بأن يولد الجوهر في ~~جهة أولى من غيرها ، فإما أن لا يولده أصلا أو يولده في جميع الجهات. ومن ~~هنا تبين أن الحيز لا يولد مثله ، لأنه إذا لم يكن هناك اختصاص لتوليده لم ~~يكن توليده في جهة أولى من غيرها ، بل الأولى أن يولد حينئذ في جهة نفسه. ### |||| ** التاسع : كما أن الجوهر لا يتولد عن شيء من الأجناس لم يصح أن يولد غيره من الأجناس. ~~أما المعاني التي يجوز خلو الجوهر عنها فظاهر عدم توليده لها ، وأما الكون ~~فلا يصح أن يولده ، لأنا قادرون على الكون فلو ولده الجوهر لقدرنا على ~~الجوهر ، لأن القادر على المسبب قادر على سببه. ### |||| ** العاشر (1) ### |||| ** : الضرورة قاضية بامتناع حصول الجوهر في مكانين في وقت واحد. والمحيل له عند ~~المعتزلة هو أن اجتماع الضدين لما استحال وكان الكونان في المكانين ضدين ~~وجب أن يستحيل حصوله في جهتين (2). وذهب أبو يعقوب البستاني إلى أن المحيل ~~هو التحيز ، لأنه منع من تضاد الأكوان. PageV02P605 ### |||| ** الحادي عشر (1) ### |||| ** : كما قضت الضرورة بامتناع حصول الجوهر في مكانين دفعة ، فكذا يمتنع حصول ~~جوهرين في جهة واحدة ، خلافا لإبراهيم النظام حيث جوز التداخل ، والضرورة تبطله. # واستدل المشايخ بأنه لو لا ذلك لوجب أن يصح منا أن نجعل أحد الجوهرين ~~بجنب الآخر ، لأنا قادرون على الكونين وليسا بضدين فيمتنع اجتماعهما ، وإذا ~~امتنع ذلك ولا مانع ظهر أن المحيل هو أمر راجع إليهما ، فيجب مثله في كل ~~قادر ، وكان إذا اختص أحدهما بسواد والآخر ببياض أن نرى اللونان في جهة ~~واحدة. والعلة في استحالة حصول الجوهرين في محاذاة واحدة هو التحيز عند أبي ~~هاشم ، لأنا متى علمنا تحيزهما علمنا استحالة وجودهما في محاذاة واحدة ، ~~وإن لم نعلم سواه فكان هو السبب. # وقال أبو علي : السبب تضاد الكونين ، وهو باطل ؛ لأن الكونين إذا حصلا في ~~محاذاة ms0780 واحدة فهما مثلان فكانت يجب صحة اجتماعهما. ### |||| ** الثاني عشر : منع المشايخ من حركة الجوهر الفرد في مكانه ؛ لأن المتحرك إنما يعقل متحركا ~~إذا حصل في مكان عقيب كونه في مكان آخر وهذا إذا لم يفارق مكانه لم يصح أن ~~يكون متحركا. ولأن هذه الحركة لا بد من كونها ضدا للسكون الذي كان فيه ومع ~~وحدة المحاذاة لا يصح تضاد الأكوان ، لأنه يبطل طريق العلم بتماثلها. # أما من أثبت الحركة في الوضع فهل يمكنه القول بتحرك ما لا ينقسم في ~~الوضع؟ القول فيه مشكوك ، والأصل فيه أن الحركة الوضعية إنما تكون بمفارقة PageV02P606 # أحد الجانبين محاذاته التي كان عليها إلى محاذاة أخرى وحصول محاذاة ~~الجانب الآخر مكان المحاذاة الأولى ، وهذا إنما يصح في متحرك له جوانب ~~متعددة ، وذلك إنما يصح في المنقسم ، أما في الجوهر الفرد فلا ، لأن الحركة ~~والمفارقة إنما تكون عن شيء إلى شيء فلا بد من تعدد الأجزاء. ### |||| * تم الجزء الثاني من كتاب نهاية المرام في علم الكلام بعون الله تعالى ### |||| * ويتلوه في الجزء الثالث البحث السادس ### |||| * في حدوث الأجسام وفيه مسائل. ### |||| * فرغت من تسويده في سلخ شهر ربيع الآخر ### |||| * من سنة اثنتي عشرة وسبعمائة بالسلطانية ### |||| * وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى ### |||| * حسن بن يوسف المطهر الحلي ### |||| * مصنف الكتاب ### |||| * والحمد لله وحده ### |||| * وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين. PageV02P607 ### | فهرس محتويات الكتاب # الفصل الخامس : في القسم الرابع في الكيفيات ، وفيه ~~أبواب........................ 3 # الباب الأول : في العلم وما يتعلق به ، وفيه ~~مباحث............................. 5 # البحث الأول : في العلم ، وفيه ~~مسائل........................................ 5 # المسألة الأولى : في ~~تعريفه.................................................... 5 # المسألة الثانية : في أن العلم ليس ~~عدميا........................................ 8 # المسألة الثالثة : في أن العلم ليس هو ~~الانطباع................................. 12 # المسألة الرابعة : في أن التعقل هل يتوقف على الانطباع أم ~~لا؟.................. 23 # المسألة الخامسة : في أن العلم هل هو إضافة محضة أو صفة تلزمها ~~الاضافة؟...... 33 # المسألة السادسة : في أن التعقل لا يشترط فيه ~~الاتحاد.......................... 36 # المسألة السابعة : في الفرق بين حلول الصورة العقلية في النفس ms0781 والمادة ~~وسائر الصور. 46 PageV02P608 # المسألة الثامنة : في كون الصورة العقلية ~~كلية................................... 48 # المسألة التاسعة : في مراتب ~~التعقل........................................... 53 # المسألة العاشرة : في تقسيم ~~العلم............................................ 62 # المسألة الحادية عشرة : في أحكام ~~التصور..................................... 67 # المسألة الثانية عشرة : في أحكام ~~التصديق.................................... 77 # البحث الثاني : في إبطال كلمات ~~السوفسطائية.................................. 88 # البحث الثالث : في بقايا أحكام العلم ، وفيه ~~مسائل............................ 157 # المسألة الأولى : في أن العلم ~~عرض......................................... 157 # المسألة الثانية : في كيفية تعقل الشيء ~~لذاته................................. 159 # المسألة الثالثة : في معنى كون الشيء عقلا وعاقلا ~~ومعقولا..................... 165 # المسألة الرابعة : في سبب حصول ~~الأوليات.................................. 168 # المسألة الخامسة : في عمل القوى ~~العقلية.................................... 171 # المسألة السادسة : في حصر ~~الأوليات...................................... 172 # المسألة السابعة : في قوة النفس الواحدة على ~~التعقلات....................... 175 # المسألة الثامنة : في إمكان اجتماع ~~التعقلات................................ 180 # المسألة التاسعة : في أن العلم بالعلة هل يوجب العلم بالمعلول أم ~~لا؟............ 182 PageV02P609 # المسألة العاشرة : في أن العلم بالمسبب إنما يحصل من العلم ~~بسببه.............. 191 # المسألة الحادية عشرة : في كيفية العلم ~~بالجزئيات............................. 194 # المسألة الثانية عشرة : في أن الجزئيات قد تعلم على وجه ~~كلي.................. 196 # المسألة الثالثة عشرة : في العلم الفعلي ~~والانفعالي............................. 198 # المسألة الرابعة عشرة : في ~~التلازم........................................... 200 # المسألة الخامسة عشرة : في أن تعقل الشيء لذاته هو نفس ~~ذاته................ 215 # المسألة السادسة عشرة : في إمكان تعقل ~~البسيط............................ 220 # المسألة السابعة عشرة : في تفسير ~~العقل.................................... 222 # المسألة الثامنة عشرة : في تفسير ألفاظ هذا ~~الباب............................ 229 # المسألة التاسعة عشرة : في أن المعدوم كيف ~~يعلم؟............................ 231 # المسألة العشرون : في تحقيق قولهم : نفس ~~الأمر.............................. 233 # الباب الثاني : في القوى والأخلاق ، وفيه ~~مباحث.............................. 238 # البحث الأول : في مفهوم ~~القوة............................................ 238 # البحث الثاني : في ~~أقسامها............................................... 242 # البحث الثالث : في أحكام القدرة ، وفيه ~~مسائل............................. 244 PageV02P610 # المسألة الأولى : في أن القدرة غير ~~المزاج..................................... 244 # المسألة الثانية : في أن القدرة متقدمة على ~~الفعل............................. 248 # المسألة الثالثة : في أن القدرة متعلقة ~~بالضدين............................... 261 # المسألة الرابعة : في مبادئ الحركات ~~الاختيارية................................ 267 # المسألة الخامسة : في إبطال قول ~~الفلاسفة................................... 269 # البحث الرابع : في ~~الخلق.................................................. 273 # الباب الثالث ms0782 : في اللذة والألم ، وفيه ~~مباحث.................................. 276 # البحث الأول : في ~~حقيقتهما.............................................. 276 # البحث الثاني : في أن تفرق الاتصال هل يوجب الألم أم ~~لا؟.................. 287 # البحث الثالث : في سبب الألم........................................... 293 # البحث الرابع : المؤلم هو سوء ~~المزاج......................................... 296 # البحث الخامس : تفصيل اللذات الحسية................................... 299 # الباب الرابع : بقايا الكيفيات النفسانية ، وفيه ~~مباحث.......................... 302 # البحث الأول : في الصحة والمرض ، وفيه مسائل............................ 302 # المسألة الأولى : في حد الصحة ~~والمرض..................................... 302 # المسألة الثانية : في جنس ~~الصحة.......................................... 304 # المسألة الثالثة : في ذكر شكوك على حد الشيخ وحل ~~لها...................... 306 PageV02P611 # المسألة الرابعة : تقابل الصحة ~~والمرض...................................... 308 # المسألة الخامسة : هل بين الصحة والمرض ~~واسطة؟........................... 309 # البحث الثاني : في أسباب الفرح ، وفيه ~~مسائل................................. 311 # المسألة الأولى : سبب أصل ~~الفرح.......................................... 311 # المسألة الثانية : سبب شدة ~~الفرح.......................................... 314 # البحث الثالث : الفرق بين ضعف القلب ~~والتوحش............................. 317 # البحث الرابع : في أسباب سائر ~~العوارض...................................... 319 # البحث الخامس : في كيفية الأرواح الحاملة لهذه ~~الكيفيات........................ 321 # البحث السادس : في ~~الحقد.................................................. 323 # المقالة الثالثة : في بقايا المقولات ، وفيها ~~فصول................................. 325 # * الفصل الأول : في المضاف ، وفيه مباحث................................ 325 # البحث الأول : في ~~معانيه................................................. 325 # البحث الثاني : في خواص ~~المضافين........................................ 328 # البحث الثالث : في المضاف ~~الحقيقي....................................... 339 # البحث الرابع : في الفرق بين النسبة ~~والإضافة............................... 342 # البحث الخامس : في أن الإضافة وجودية في الأعيان أم ~~لا؟................... 344 # البحث السادس : في كيفية تحصيل الإضافة وتنوعها......................... 355 PageV02P612 # البحث السابع : في تقسيم ~~الإضافة........................................ 358 # البحث الثامن : التضاد يثبت ~~الإضافة..................................... 361 # البحث التاسع : في تفسير ألفاظ ~~إضافية................................... 364 # البحث العاشر : في حل شكوك تتعلق بمداخلة أنواع من الكيف وغيره.......... 373 # * الفصل الثاني : في ~~الأين................................................... 376 # * الفصل الثالث : في ~~متى................................................... 383 # * الفصل الرابع : في الوضع ، وفيه ~~مباحث.................................... 386 # البحث الأول : في ~~ماهيته................................................ 387 # البحث الثاني : في الوضع ~~تضاد........................................... 388 # البحث الثالث : الوضع قابل للشدة والضعف............................... 390 # * الفصل الخامس : في ~~الملك................................................. 391 # الفصل السادس : في مقولتي : أن يفعل وأن ينفعل ، وفيه ~~مباحث................ 394 # البحث الأول : في ~~ماهيتهما.............................................. 394 # البحث الثاني : في عروض التضاد ~~فيهما.................................... 396 PageV02P613 # البحث الثالث ms0783 : في عروض الاشتداد والتنقص.............................. 397 # البحث الرابع : تخصيص بعض الناس لهاتين ~~المقولتين......................... 398 # خاتمة وتشتمل على مبحثين : البحث الأول : في حصر ~~المقولات................. 399 # الثاني : في أن الأعراض النسبية هل هي وجودية أم ~~لا؟.......................... 403 # القاعدة الثالثة # في تقسيم المحدثات # على رأي المتكلمين # وفيها ~~نوعان................................................................. 409 # النوع الأول : في الجواهر ، وفيه ~~فصول........................................ 415 # الفصل الأول : الجوهر الفرد ، وفيه ~~مباحث................................. 417 # البحث الأول : في ~~ثبوته.................................................. 418 # البحث الثاني : في إبطال وحدة ~~الجسم...................................... 439 # البحث الثالث : في امتناع قبول الجسم المتناهي القسمة الغير ~~المتناهية........... 445 # البحث الرابع : في إبطال مذهب ~~النظام.................................... 451 PageV02P614 # البحث الخامس : في إبطال ~~الطفرة......................................... 454 # البحث السادس : في إبطال التداخل....................................... 461 # البحث السابع : في إبطال مذهب ديمقراطيس............................... 463 # البحث الثامن : في شبهة ~~الفلاسفة........................................ 466 # البحث التاسع : في فروع الجزء وعدمه ، وفيه ~~مسائل......................... 487 # المسألة الأولى : في أن الجسم هل يقبل القسمة إلى غير ~~النهاية؟................ 487 # المسألة الثانية : في ان الجوهر هل يصح وقوعه على موضع ~~الاتصال؟........... 491 # المسألة الثالثة : في شكل ~~الجزء............................................. 493 # المسألة الرابعة : في صحة كون الجوهر ~~مكانا................................. 495 # المسألة الخامسة : هل يصح ~~رؤيته؟......................................... 496 # * الفصل الثاني : في الجسم ، وفيه ~~مباحث.................................... 497 # البحث الأول : في حده.................................................. 497 # البحث الثاني : في ~~مقوماته................................................ 505 # البحث الثالث : في حجج مثبتي المادة ~~وفسخها.............................. 509 # البحث الرابع : في إبطال ~~الهيولى........................................... 525 # * الفصل الثالث : تفاريع الهيولى ، وفيه ~~مباحث................................ 528 PageV02P615 # البحث الأول : الهيولى لا تنفك عن ~~الصورة................................. 528 # البحث الثاني : الصورة لا تنفك عن ~~الهيولى.................................. 539 # البحث الثالث : في كيفية تعلق الهيولى ~~بالصورة.............................. 546 # البحث الرابع : في كيفية تشخص المادة بالصورة والصورة ~~بالمادة................ 561 # البحث الخامس : في إثبات الصور النوعية ~~ونفيها............................ 564 # البحث السادس : في جواب سؤال على علية الصورة......................... 572 # * الفصل الرابع : في أحكام الأجسام وعوارضها ، وفيه ~~مباحث................... 573 # البحث الأول : في أن الجواهر ~~متماثلة...................................... 573 # البحث الثاني : في أن الأجسام ~~باقية....................................... 578 # البحث الثالث : في نسبة التلازم بين الجواهر ~~والأعراض....................... 585 # البحث الرابع : في أن الأجسام ~~مرئية....................................... 593 # البحث الخامس : في بقايا أحكام ms0784 ~~الجواهر................................... 597 # فهرس محتويات ~~الكتاب..................................................... 609 PageV02P616 ![](https://books.rafed.net/Books/3371_nihayat-almaram-03/images/image001.gif) PageV03P001 ### | البحث السادس ### | في حدوث الأجسام (1) # وإنا نقول : هذا من أدل الدلائل على أن الرجل كان منصفا ، طالبا للحق. ~~فان الكلام في هذه المسألة قد بلغ في العسر والصعوبة إلى حيث تضمحل أكثر ~~العقول فيه. والله أعلم. المطالب العالية 4 : 27. # وقد اشتد الصراع في هذه المسألة في تاريخ الفكر الإسلامي ؛ وذلك لعدة ~~أسباب أهمها : 1 غموض المسألة في حد ذاتها. 2 تشعب الأدلة وتعارضها بحيث ~~تاهت فيها العقول ، 3 مهاجمة كل فريق للفريق الآخر واتهامه بالكفر ~~والإلحاد. وقد أشار أبو البركات البغدادي إلى هذا الصراع ، فقال : شنع ~~بعضهم على بعض ، فسمى أهل الحدوث الفريق الثاني القائل بالقدم دهرية ، وسمى ~~أهل القدم أهل الحدوث معطلة ، لأنهم قالوا بتعطيل الله عن وجوده مدة لا ~~نهاية لها في البداية. المعتبر في الحكمة 3 : 43. # وقد كانت هذه المسألة من أهم الأسباب التي كفر بها الغزالي الفلاسفة. ~~راجع د. محمد رمضان عبد الله ، الباقلاني وآراؤه الكلامية : 349 350. PageV03P003 # وفيه مسائل ### ||| ** المسألة الأولى : في نقل المذاهب في هذا المقام ### ||| ** إن القسمة العقلية منحصرة في أقسام أربعة (1): # القسم الأول : أن يكون العالم محدث الذات والصفات (2)، وهو مذهب ~~المسلمين وغيرهم من أرباب الملل (3) وبعض قدماء الحكماء. # ولا يخفى على القارئ الكريم أن العلوم تثبيت بكل وضوح أن هذا الكون لا ~~يمكن أن يكون أزليا ، فهناك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى ~~الأجسام الباردة ، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية ، بحيث تعود الحرارة ~~فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة ، ومعنى ذلك أن الكون يتجه ~~إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام ، وينضب فيها معين الطاقة ، ~~ويومئذ لن تكون هنالك عمليات كيمياوية أو طبيعية ، ولن يكون هناك أثر ~~للحياة نفسها في هذا الكون. # ولما كانت الحياة لا تزال قائمة ، ولا تزال العمليات الكيمياوية ~~والطبيعية تسير في طريقها ، فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون لا يمكن ~~أن يكون أزليا ، وإلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد ، وتوقف كل نشاط في ~~الوجود ، وهكذا توصلت العلوم ms0785 دون قصد إلى أن لهذا الكون بداية. # لاحظ كتاب «الله يتجلى في عصر العلم» : 26 27. # ولكن الرازي عد قسما خامسا في كتابه المطالب العالية 4 : 27 وقال : «إن ~~الخامس : هو التوقف وعدم القطع» ونسب هذا القسم إلى جالينوس. وينقله ~~العلامة أيضا في نهاية هذه المسألة. PageV03P004 # القسم الثاني : أن يكون قديم الذات والصفات ، وهو قول أرسطو وثاوفرسطس ~~(1) وثامسطيوس (2) وبرقلس (3) ومن المتأخرين قول أبي نصر # قال الشهرستاني : «مذهب أهل الحق من أهل الملل كلها ان العالم محدث ~~ومخلوق أحدثه الباري تعالى وأبدعه وكان الله تعالى ولم يكن معه شيء ووافقهم ~~على ذلك جماعة من أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة مثل : ثاليس وانكساغورس ~~وانكسمانس ومن تابعهم من أهل ملطية ومثل : فيثاغورس وابنذقلس وسقراط ~~وافلاطون من اثينية ويونان ... ومذهب أرسطاطاليس ومن شايعه مثل برقلس ~~والاسكندر الافروديسي وثامسطيوس ومن نصر مذهبه من المتأخرين مثل أبي نصر ~~الفارابي وأبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا وغيرهما من فلاسفة الإسلام ~~ان للعالم صانعا مبدعا وهو واجب الوجود بذاته والعالم ممكن الوجود بذاته ~~واجب الوجود بالواجب بذاته غير محدث حدوثا يسبقه عدم ، بل معنى حدوثه وجوبه ~~به وصدوره عنه واحتياجه إليه ، فهو دائم الوجود لم يزل ولا يزال». نهاية ~~الاقدام : 5 6 (القاعدة الأولى). # وقال الرازي : «مذهب جملة المسلمين : أن العالم محدث وليس بأزلي. ومذهب ~~الدهريين والطبيعيين : أن العالم قديم أزلي. وكما أن قرص الشمس لا يكون ~~خاليا عن النور أبدا وإن كان جرم الشمس علة لوجود النور ، كذلك ذات الباري ~~تعالى ما كان خاليا عن وجود العالم أبدا وإن كان ذاته علة مؤثرة في وجود ~~العالم» ، المسائل الخمسون في أصول الدين : 18. # وانظر تفصيل المطالب وتوضيح المقاصد للحكماء والمتكلمين في الأسفار 5 : ~~205 وما يليها (فصل 3 في أن القول بحدوث العالم مجمع عليه بين الأنبياء ~~عليهما السلام والحكماء). PageV03P005 # الفارابي (1) والرئيس ، قالوا السماوات قديمة بذواتها وصفاتها المعينة ، ~~إلا الحركات والأوضاع فإنها قديمة بنوعها لا بشخصها. والعناصر الهيولى منها ~~قديمة بشخصها ، والصور الجسمية قديمة بنوعها لا بشخصها ، والصور النوعية ms0786 ~~قديمة بجنسها لا بنوعها ولا بشخصها. # القسم الثالث : أن يكون قديم الذات محدث الصفات ، وهو قول من تقدم أرسطو ~~بالزمان كتاليس الملطي (2) وانكساغورس (3) وفيثاغورس وسقراط وجميع # ويمثل حلقة اتصال مهمة جدا بين نهاية الفلسفة اليونانية وبداية فلسفة ~~العصور الوسطى الاوربية والفلسفة الإسلامية ، جمع بين النزعة العقلية ~~الدقيقة وبين الاعتقاد في الخوارق والسحر أي بين العقل والدين ، والمعقول ~~واللامعقول. وقد لخص الدكتور عبد الرحمن بدوي الملامح الرئيسية لفلسفته. ~~موسوعة الفلسفة 1 : 345. # ومن آرائه التي تميز بها انه أرجع الحركة إلى علة غير مادية وهي العقل ، ~~ونقده أرسطو وأفلاطون في ذلك. وكان هذا العقل أول محاولة جريئة انتقل فيها ~~الفلاسفة اليونانيون من التفسير المادي الخالص إلى تفسير ثنائي يجمع بين ~~المادة واللامادة. # وأما نظريته في المعرفة ، فقال : ان المعرفة الحسية معرفة وهمية خاطئة ~~وان المعرفة العقلية هي وحدها المعرفة الصحيحة. راجع : الحفني ، د. عبد ~~المنعم ، الموسوعة الفلسفية : 72 ؛ بدوي ، د. عبد الرحمن ، موسوعة الفلسفة ~~1 : 236 238. PageV03P006 # الثنوية (1)، كالمانوية (2) والديصانية (3) والمرقونية (4) والماهانية ~~(5). ثم هؤلاء افترقوا فرقتين : ### |||| ** [الفرقة الأولى] : فذهب بعضهم إلى أن تلك الذات القديمة كانت جسما. ثم اختلف هؤلاء : فزعم ~~تاليس أنه الماء ؛ لأنه قابل لكل الصور ، وزعم أنه إذا انجمد صار أرضا ، ~~وإذا لطف صار هواء ، ومن صفوة الماء (6) تكونت النار ، ومن # راجع : الملل والنحل 2 : 268 ؛ الموسوعة الفلسفية : 147. PageV03P007 # الدخان تكونت السماء. # ويقال : إنه أخذه من التوراة ؛ لأنه جاء في السفر الأول منه (1): «إن ~~الله تعالى خلق جوهرا ، فنظر [إليه] نظرة الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء ، ~~ثم ارتفع [منه] بخار كالدخان فخلق منه السماوات ، وظهر على وجه الماء زبد ~~فخلق منه الأرض ، ثم أرساها بالجبال». # ونقل صاحب الملل عن تاليس الملطي أنه قال : إن المبدأ الأول أبدع العنصر ~~الذي فيه صور الموجودات والعدمات كلها ، فانبعث من كل صورة موجود في العالم ~~على المثال الذي في العنصر الأول فحمل الصور ومنبع الموجودات هو ذات ~~العنصر. وما من موجود في العالم العقلي والعالم الحسي إلا وفي ذات العنصر ~~صورة ومثال عنه. # قال : ويتصور ms0787 العامة أن صور المعدومات في ذات المبدأ الأول ، لا بل هي في ~~مبدعه ، وهو تعالى بوحدانيته أن يوصف بما يوصف به مبدعه. # ثم قال : ومن العجب أنه نقل عنه : المبدع الأول هو «الماء» ومنه ابدع ~~الجواهر كلها من السماء والأرض وما بينهما ؛ فذكر أن من جموده تكونت الأرض ~~، ومن انحلاله تكون الهواء ومن صفوة الهواء تكونت النار ، ومن الدخان ~~والأبخرة تكونت السماء ، ومن الاشتغال الحاصل من الأثير تكونت الكواكب ~~فدارت حول المركز دوران المسبب على سببه بالشوق الحاصل فيها إليه. PageV03P008 # وفي الأخير قال : وفي التوراة في المبدأ الأول : جوهر خلقه الله تعالى ثم ~~نظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه ، فصارت ماء ، ثم ارتفع منه بخار كالدخان ~~فخلق منه السماوات ، وظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض ، ثم أرساها ~~بالجبال. # قال : وكأن تاليس الملطي إنما تلقى مذهبه من هذه المشكاة النبوية. # قال : والماء على القول الثاني ، شديد الشبه بالماء الذي عليه العرش في ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 وكان عرشه على الماء ) (1). # وأما انكسيمانس الملطي (2)، فانه زعم أن ذلك الجسم هو الهواء ، والنار ~~تكونت من لطافته ، والماء والأرض من كثافته. # ونقل عنه صاحب الملل : أن أول الأوائل من المبدعات هو الهواء ، وهذا أيضا ~~مأخوذ من مشكاة النبوة (3). # وقال آخرون : إنه الأرض وتكونت الأشياء عنها بالتلطيف. # وقال آخرون : إنه البخار ، وتكون الهواء والنار عنه بالتلطيف ، والماء ~~والأرض بالتكثيف. # وذهب ايرقليطيس (4): أنه النار ، وكون الأشياء عنها بالتكاثف. PageV03P009 # وحكى فلوطرخس (1): أن أيرقليطيس زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت (2) ~~، وجوهر «البخت» هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي. # وأما انكساغورس فانه قال : إن ذلك الجسم هو الخليط الذي لا نهاية له ، ~~وهو أجسام غير متناهية. وفيه من كل نوع أجزاء صغيرة متلاقية أجزاء على ~~طبيعة الخبز وأجزاء على طبيعة اللحم ، فإذا اجتمع من تلك الأجزاء شيء كثير ~~وصار بحيث يحس ويرى ، ظن أنه حدث. وهذا القائل بنى مذهبه هذا على إنكار ~~المزاج والاستحالة وقال بالكمون والظهور. # وزعم بعض هؤلاء : أن ذلك الخليط كان ساكنا في الأزل ، ثم ms0788 إن الله تعالى ~~حركه فتكون منه هذا العالم. # ونقل صاحب الملل عن انكساغورس : أن مبدأ الموجودات متشابه الأجزاء ، وهي ~~أجزاء لطيفة لا يدركها الحس ولا يناله العقل. قال : وهو أول من قال بالكمون ~~والظهور (3). ولم ينقل عنه القول بالخليط. # وذهب ذيمقراطيس إلى أن أصل العالم أجزاء كثيرة كرية الشكل ، قابلة للقسمة ~~الوهمية دون القسمة الانفكاكية متحركة لذاتها حركات دائمة. ثم اتفق في تلك ~~الأجزاء أن تصادمت على وجه خاص ، فحصل من تصادمها على ذلك الوجه هذا العالم ~~على هذا الشكل ، فحدثت السماوات والعناصر ، ثم حدثت من PageV03P010 # الحركات السماوية امتزاجات هذه العناصر ، ومنها هذه المركبات (1). # ونقل الشيخ في الشفاء عنه أنه قال : إن هذه الأجزاء إنما تتخالف بالشكل ~~وأن جوهرها جوهر واحد بالطبع وإنما تصدر عنها أفعال مختلفة لأجل الأشكال ~~المختلفة (2). # وقالت الثنوية : أصل العالم هو النور والظلمة. ### |||| ** الفرقة الثانية : الذين قالوا : أصل العالم ليس بجسم وهم فريقان : # الفريق الأول : الحرنانية (3): وهم الذين أثبتوا القدماء الخمسة : ~~الباري تعالى والنفس والهيولى والدهر والخلاء. # قالوا : الباري تعالى في غاية التمام في العلم والحكمة لا يعرض له سهو ~~ولا غفلة ويفيض عنه العقل ، كفيض النور عن القرص ، وهو يعلم الأشياء علما تاما. # وأما النفس ، فانه يفيض عنه الحياة فيض النور عن القرص ، لكنها جاهلة لا ~~تعلم الأشياء ما لم تمارسها. وكان الباري تعالى عالما بأن النفس ستميل إلى ~~التعلق بالهيولى وتعشقها وتطلب اللذة الجسمية وتكره مفارقة الأجسام وتنسى ~~نفسها ، ولما كان من شأن الباري تعالى في الحكمة التامة عمد إلى الهيولى ~~بعد تعلق النفس بها ، فركبها ضروبا من التراكيب ، مثل السماوات والعناصر ، ~~وركب أجسام # وهم مع اعتقادهم بوجود الله تعالى يقولون : وما يهلكنا إلا الدهر ولا دار ~~سوى هذه الدار وما تميتنا إلا الأيام والليالي ومرور الزمان وطول العمر ، ~~ويسندون الحوادث إلى الدهر. # وينسب الطوسي القول بالقدماء الخمسة إلى ابن زكريا الطبيب الرازي وكتاب ~~له موسوما ب «القول في القدماء الخمسة». راجع تلخيص المحصل : 126. PageV03P011 # الحيوانات على الوجه الأكمل. والذي بقي فيها من الفساد غير ms0789 ممكن الزوال. # ثم إن الله تعالى أفاض على النفس عقلا وإدراكا ، وصار ذلك سببا لتذكرها ~~عالمها ، وسببا لعلمها بأنها لا تنفك عن الآلام ما دامت في العالم ~~الهيولاني. وإذا عرفت النفس هذا وعرفت أن لها في عالمها اللذات الخالية عن ~~الألم اشتاقت إلى ذلك العالم وعرجت بعد المفارقة وبقيت هناك أبد الآباد في ~~نهاية البهجة والسعادة. # قالوا : وبهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين الفلاسفة القائلين بالقدم ~~وبين المتكلمين القائلين بالحدوث ؛ فإن القائلين بالقدم قالوا : لو كان ~~العالم محدثا فلم أحدثه الله تعالى في هذا الوقت ، دون ما قبله وما بعده؟ ~~وإذا كان الخالق تعالى حكيما فلم ملأ الدنيا من الآفات؟ # والقائلون بالحدوث قالوا : لو كان العالم قديما لكان غنيا عن الفاعل ، ~~وهو باطل قطعا لما نرى من آثار الحكمة وظهورها في العالم. # وتحير الفريقان في ذلك. وأما على الطريق الذي سلكناه فالإشكالات بأجمعها ~~زائلة ؛ لأنا لما اعترفنا بالصانع الحكيم لا جرم قلنا بحدوث العالم. فإذا ~~قيل : فلم أحدث العالم في هذا الوقت؟ قلنا : لأن النفس إنما تعلقت بالبدن ~~(1) في ذلك الوقت ، وعلم الباري تعالى أن ذلك التعلق سبب الفساد ، إلا أنه ~~بعد وقوع المحذور صرفه إلى الوجه الأكمل بحسب الإمكان. وأما الشرور الباقية ~~، فإنما بقيت لعدم إمكان تجريد هذا المركب عنها. # بقي هنا سؤالان : ### |||| ** الأول : لم تعلقت النفس بالهيولى بعد تجردها؟ فإن حدث هذا التعلق بكليته لا عن سبب ~~، فجوزوا حدوث العالم بكليته لا عن سبب. PageV03P012 ### |||| ** الثاني : أن يقال : فهلا منع الباري تعالى النفس من التعلق بالهيولى؟ ### |||| ** والجواب عن الأول : بأن هذا السؤال غير مقبول من المتكلمين ؛ لأنهم يقولون : القادر المختار ~~يرجح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجح ، فهلا جوزوا ذلك في النفس؟ وغير ~~مقبول من الفلاسفة أيضا ؛ لأنهم جوزوا في السابق أن يكون علة معدة للاحق ، ~~فهلا جوزوا أن يقال : النفس قديمة ولها تصورات متجددة غير متناهية ولم يزل ~~كل سابق علة للاحق حتى انتهت إلى ذلك التصور الموجب لذلك التعلق؟ ### |||| ** والجواب عن الثاني : أن الباري تعالى علم ms0790 أن الأصلح للنفس أن تصير عالمة بمضار هذا التعلق ، حتى ~~أنها بنفسها تمتنع عن تلك المخالطة. وأيضا فالنفس بمخالطتها الهيولى تكسب ~~من الفضائل العقلية والكمالات ما لم تكن موجودة لها. فلهذين الغرضين لم ~~يمنع الباري تعالى النفس عن التعلق بالهيولى. # ونقل صاحب الملل عن قاديمون (1) الذي يقال إنه شيث بن آدم أنه قال : ~~المبادئ الأول خمسة : الباري تعالى ، والنفس ، والهيولى ، والزمان ، ~~والخلاء. وبعدها وجود المركبات. ### |||| ** الفريق الثاني : أصحاب فيثاغورس (2)، وهم الذين قالوا : المبادئ هي PageV03P013 # الأعداد المتولدة عن الوحدات ؛ لأن قوام المركبات بالبسائط ، وهي أمور كل ~~واحد منها واحد في نفسه ، ثم تلك الأمور إما أن تكون لها ماهيات وراء كونها ~~وحدات أو لا تكون. فإن كان الأول كانت مركبة ، لأن هناك تلك الماهية مع تلك ~~الوحدة ، وكلامنا ليس في المركبات ، بل في مبادئها. وإن كان الثاني كان ~~مجرد وحدات ، وهي لا بد وأن تكون مستقلة بأنفسها وإلا لكانت مفتقرة إلى ~~الغير ، فيكون ذلك الغير أقدم منها ، وكلامنا في المبادئ المطلقة ، هذا خلف. # فإذن الوحدات أمور قائمة بأنفسها ؛ فإن عرض الوضع للوحدة صارت نقطة ، وإن ~~اجتمعت نقطتان حصل الخط ، فإن اجتمع خطان حصل السطح ، فإن اجتمع سطحان حصل ~~الجسم. فظهر أن مبدأ الأجسام الوحدات. # ونقل أيضا عنه (1): إن الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات غير مستفادة من ~~الغير وهي التي لا تقابلها كثرة ، وهو المبدأ الأول ؛ وإلى وحدة مستفادة من ~~الغير وهي مبدأ الكثرة وليست بداخلة فيها بل تقابلها الكثرة ، ثم تتألف ~~منها الأعداد وهي مبادئ الموجودات. وإنما اختلفت الموجودات في طبائعها ، ~~لاختلاف الأعداد بخواصها (2). # القسم الرابع : أن يكون العالم قديم الصفات محدث الذات ، وهو محال لم يقل ~~به أحد؛ لقضاء الضرورة ببطلانه. # وأما جالينوس فانه كان متوقفا في الكل (3). وللناس هنا اختلافات كثيرة ~~أشهرها ما قدمناه. PageV03P014 ### ||| ** المسألة الثانية : في أدلة الحدوث (1) # لنا وجوه : ### | الوجه الأول : الدليل المشهور للمتكلمين (2) # وتقريره : أن الأجسام لا تخلو عن الحوادث ، وكل ما لا يخلو عن الحوادث ~~فهو حادث ، فالأجسام حادثة. # بيان الصغرى : أن الأجسام لا تخلو ms0791 عن الأكوان ، والأكوان حادثة (3). ~~وهذا البرهان يشتمل على دعاو أربعة (4): # وتشبه أدلة المتكلمين على حدوث العالم حجج يحيى النحوي ، الملقب بالبطريق ~~، الفيلسوف الاسكندراني اليعقوبي الذي ألف كتابا في الرد على برقلس القائل ~~بقدم العالم ، كما يروي النديم في الفهرست : 315 ، والشهرستاني في الملل ~~والنحل : 2 / 488. PageV03P015 ### |||| ** الدعوى الأولى : إثبات أن الأكوان مغايرة للجسم. ### |||| ** الدعوى الثانية : بيان حدوث الأكوان. ### |||| ** الدعوى الثالثة : بيان أن الأجسام لا تخلو عنها. وهذه الدعاوى الثلاث اشتملت الصغرى عليها. ### |||| ** وأما الدعوى الرابعة : فإن الكبرى عبارة عنها. ### |||| ** أما الدعوى الأولى : فنحن فيها بين أمرين : # إما أن ندعي العلم الضروري بأن هنا أكوانا هي الحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق. وبالجملة حصول الجسم على وجه لو كان في الوجود جسم غيره كان ~~بالنسبة إليه ، إما مقابلا له ميامنا أو مياسرا أو غيره من وجوه الأين ، ~~وهي زائدة على حقيقة الجسم. ومعلوم ضرورة أن الجسم مع تحيزه لا ينفك عن هذه ~~الحالة ، فإنا نعلم بالضرورة زيادتها على مفهوم الجسم وذاته ؛ لأن المفهوم ~~من ذات المتحيز مغاير للمفهوم من حصوله في الحيز. # أو ندعي الاستدلال فيه ؛ لأن الجسم تتبدل عليه الحركة بالسكون ، ~~والاجتماع بالافتراق ، وبالعكس منهما. فإن الجسم لم يكن متحركا ثم صار ~~متحركا ، ولم يكن مجامعا لغيره ثم يصير مجامعا ، فتبدل الحالتين عليه مع ~~بقائه معلوم مدرك بالحس (1)، والمتبدل مغاير للمستمر الذي هو ذات الجسم. ~~ولأن المرجع بالأكوان إلى الحركة والسكون مثلا ، وهي أمور راجعة إلى الأين ~~، وهو نسبة الشيء إلى مكانه بالحصول فيه ، والنسب والإضافات مغايرة ~~للماهيات المتأصلة في الوجود ، الحقيقة التي لا إضافة فيها. ولأنها نسبة ~~بين الجسم والمكان ، والنسبة مغايرة للمنتسبين. PageV03P016 # وأما الدعوى الثانية (1) ### |||| ** : فلأن كل يصح عليه العدم ، وكل ما صح عليه العدم امتنع عليه القدم. # أما الصغرى : فلأن كل متحيز اختص بحيز فإما أن يكون اختصاصه بذلك الحيز ~~جائز أو واجبا ، فإن كان واجبا فذلك الوجوب إما أن يكون لنفس الجسمية أو ~~لأمر عارض للجسمية أو لمعروض الجسمية أو لأمر غير عارض للجسمية ولا الجسمية ~~عارضة له. # فإن ms0792 كان لنفس الجسمية (2) وجب اشتراك الأجسام كلها في وجوب الحصول في ذلك ~~الحيز ؛ لاشتراكها ، بأسرها في الجسمية ووجوب اشتراك المتماثلات في جميع ~~اللوازم. # وإن كان لأمر عارض للجسمية (3)، فذلك العارض إما أن يكون ممتنع الزوال ~~أو ممكن الزوال. فإن كان ممتنع الزوال فإما أن يكون ذلك الامتناع لنفس ~~الجسمية فيعود الإلزام المذكور ، أو لغيرها فيكون الكلام فيه كالكلام في ~~الأصل الأول ، فيفضى إلى التسلسل ، أو إلى المحال المذكور. وإن كان ممكن ~~الزوال فهو المقصود. # وأما إن كان لمعروض الجسمية (4) فهو محال ؛ المعقول من الجسمية الامتداد ~~في الجهات ، فلو كان ذلك حالا في محل لكان ذلك المحل ، إما أن يكون له ذهاب ~~في الجهات ، أو لا يكون. فإن كان الأول كان محل الجسمية جسما ، فجسمية ذات ~~المحل إن اقتضت محلا آخر لزم التسلسل ، وإن لم يقتض محلا آخر PageV03P017 # فتكون الجسمية غير واجبة الحلول في محل ، فكل ما يعرض لها بسبب ذلك المحل ~~الممكن الزوال يكون أيضا ممكن الزوال ، فحينئذ يكون حصول الجسم في حيزه ~~المعين أمرا ممكن الزوال وهو المقصود. # وإن لم يكن لمحله امتداد في الجهات لم يخل ، إما أن يكون لذلك المحل ~~اختصاص بالجهة أو لا يكون ، فإن كان فإما أن يكون على سبيل الاستقلال أو ~~على سبيل التبعية. والأول باطل بالضرورة ؛ لأنا نعلم بالبديهة أن ما لا ~~يكون متحيزا استحال أن يكون له حصول في الجهة على سبيل الاستقلال. وأما ~~الثاني ، فانه يقتضي كون ذلك الشيء حالا في الجسمية ؛ لأن كل ما يكون حصوله ~~في الحيز تبعا لحصول الجسمية فيه كان لا محالة حالا في الجسمية ، كالأعراض. ~~وأما إن لم يكن لمحل الجسمية اختصاص بالحيز أصلا ؛ لم يكن لوجود الجسمية ~~الممتدة في الجهات حلول في ذلك المحل ؛ لأن من المعلوم بالبديهة أن أحد ~~الشيئين إذا كان أحدهما (1) واجب الحصول في الجهة والآخر ممتنع الحصول فيها ~~، فان أحدهما لا يكون حالا في الآخر ولا مختصا به أصلا. ### |||| ** وأما القسم الرابع : وهو أن يكون وجوب حصول الجسم في الحيز لأمر ms0793 غير حال في الجسمية ولا الجسمية ~~حالة فيه ، فباطل أيضا ؛ لأن ذلك الشيء إن كان جسما أو مختصا به بالحالية ~~أو المحلية عادت المحالات ، وإن لم يكن جسما ولا مختصا به كانت نسبته إلى ~~جميع الأجسام المتساوية في صحة الحلول في ذلك الجسم (2) واحدة ، فلم يكن ~~بأنه يجب لأجله حصول بعض الأجسام في ذلك الحيز أولى من البعض. فإما أن يجب ~~حصول الكل فيه ، وهو محال. أو لا يجب حصول PageV03P018 # شيء منها فيه ، وهو المطلوب. # وبيان أن كل ما يصح عليه العدم امتنع عليه القدم ؛ فلأن القديم لا يخلو ، ~~إما أن تكون حقيقته قابلة للعدم ، أو لا تكون ، فإن لم تكن امتنع العدم ~~عليها ، وإن كانت قابلة للعدم وهي أيضا موجودة ، احتاجت في وجودها إلى مرجح ~~، وإلا لم يكن الوجود أولى بها من العدم ، وذلك المرجح إن كان قابلا للعدم ~~عادت الحاجة ولا ينقطع إلا عند انتهائه إلى شيء واجب. وذلك الواجب إما أن ~~يكون موجبا أو مختارا. # فإن كان موجبا فإما أن يتوقف إيجابه لذلك القديم على شرط أو لا يتوقف ، ~~فإن توقف فذلك الشرط إما أن يكون قديما أو حادثا. فإن كان قديما فإما أن ~~يكون ممكنا أو واجبا ، فإن كان واجبا لزم من امتناعه زواله وامتناع زوال ~~علة ذلك القديم امتناع زوال ذلك القديم ، وإن كان ممكنا كان الكلام فيه ~~كالكلام في الأول ، فيفضي إما إلى التسلسل وهو محال ، أو ينتهي إلى ما هو ~~واجب لذاته فيعود المحال المذكور. وإن كان حادثا ، فإما أن يكون الشرط ~~حادثا معينا وهو محال ، لسبق القديم على الحادث والسابق على الشيء يستحيل ~~أن يكون مشروطا به لتقدم الشرط على المشروط ، أو يكون الشرط حوادث لا نهاية ~~لها وسيأتي بطلانه. ولأنه في الحقيقة عائد إلى كون الشرط قديما ؛ لأن كل ~~واحد من تلك الحوادث ليس شرطا ، بل الشرط أحدها لا بعينه وذلك أولى. وإن لم ~~يتوقف لزم من إيجابه له وجوبه. ثم يلزم من امتناع زوال موجبه امتناع زواله. ~~هذا إذا كان ms0794 المؤثر في وجود ذلك القديم موجبا. # وإن كان مختارا ، وكل فعل لفاعل مختار فهو محدث فيكون القديم محدثا ، هذا خلف. # فثبت أن كل كون فانه يصح عليه العدم وكل ما يصح عليه العدم فهو PageV03P019 # حادث ، فإذن كل كون حادث. وثبت أن الجسم لا يخلو عن الكون (1)، فالجسم ~~لا يخلو عن الحوادث. # وأيضا لو كانت الأكوان قديمة ، فإما أن تكون واجبة لذاتها وهو محال. أما ~~أولا ، فلأنها تعدم ، وواجب الوجود يستحيل عليه العدم. وأما ثانيا : فلأن ~~الكون على ما فسرناه صفة للجسم ، والصفة لا تستقل بنفسها في الوجود بدون ~~الجسم ، وواجب الوجود مستقل بنفسه في الوجود. # وإما أن تكون جائزة الوجود فلها مؤثر إما موجب أو مختار ، وكلاهما محال. # أما الموجب ، فلأنه لا بد وأن يكون واجبا لذاته أو منتهيا إلى الواجب ~~لذاته ، وإلا لزم التسلسل أو الدور ، وهما محالان. فذلك الواجب الموجب إن ~~كان إيجابه بشرط فذلك الشرط إن كان جائزا فلا بد له من أمر فينتهي إلى ~~الواجب لذاته ، وإلا لزم الدور أو التسلسل. وإن كان واجبا ، أو كان الواجب ~~الموجب لا بشرط امتنع زواله فيمتنع زوال الكون المعلول له. وقد ثبت أن كل ~~كون فانه يزول بمثله أو بضده ؛ لأن السكون يبطل بالحركة ، والحركة تبطل ~~بالسكون. # ولأن ذلك الموجب لكون الجسم على وضع مخصوص ، لا يخلو إما أن يشترط في ~~إيجابه خلوه عن سائر الأوضاع أو لا يشترط. فان شرط خلوه عنها ، ولا يصح ذلك ~~إلا وأن يكون حاصلا على هذا الوضع المعين لما علم من أن الجسم لا ينفك عن ~~الأكوان ، صار ذلك متضمنا لكونه على هذا الوضع المعين ، وذلك حكم الموجب ، ~~فيصير إيجاب الموجب حكمه مشروطا بحصول حكمه ، وهو محال. # وإن لم يكن مشروطا بذلك لم ينفك ، ولم يخرج من ذلك الوضع. وإن أخرج PageV03P020 # بالقهر وجب أن يعود إليه عند زوال القاسر ، لكن لما رأيناه لا يعود علمنا ~~انه ليس كونه كذلك بالموجب. # وأما القادر ، فلأنه يجب أن يكون سابقا على فعله ، والقديم لا يسبق عليه ms0795 ~~شيء ، فبطل قدم الأكوان وثبت حدوثها. وأن الجسم لا يخلو منها ، فنقول : هذه ~~الحوادث متناهية لاستحالة عدم تناهيها لوجوه : ### |||| ** الأول : كل واحد من الحوادث مسبوق بعدمه سبقا لا أول له ؛ لأن كل حادث فقد كان في ~~الأزل معدوما فعدمه أزلي فلا أزل له. فإذا كان كل واحد من الأكوان حادثا ~~كان مسبوقا بعدم لا أول له ، فمجموع العدمات السابقة عليها حاصل في الأزل ، ~~فنقول : شيء من الأكوان إن وجد في الأزل لزم اقتران السابق والمسبوق فلا ~~سبق ، وأن يكون وجود الشيء حاصلا مع عدمه ، وأن يكون ما فرض حادثا قديما ، ~~وكل ذلك محال. وإن لم يوجد شيء من الأكوان في الأزل فمجموعها حادث بالضرورة ~~، وليس شيء من الحوادث موجودا في الأزل ، فلكل الحوادث أول وبداية (1). ### |||| ** الثاني : هذه الأكوان الحادثة إما أن يوجد شيء منها في الأزل أو لا. فإن كان الثاني ~~كان لكل الحوادث أول ، وهو المطلوب. وإن وجد شيء منها في الأزل ، فهو محال. # أما أولا : فلأن الأزلية تنافي المسبوقية ؛ لأن الأزلي هو الذي لا يسبقه ~~غيره والحادث هو الذي يسبقه غيره ، فبينهما تناف. # وأما ثانيا : فلأن الذي وجد منه في الأزل إن كان مسبوقا بغيره لم يكن هو ~~أزليا وقد فرض أزليا ، هذا خلف. وإن لم يكن مسبوقا بغيره فهو أول الحوادث ، PageV03P021 # فللحوادث بداية ونهاية ، وهو المطلوب (1). ### |||| ** الثالث : مجموع الحوادث ممكن بالضرورة فله مؤثر ، وذلك المؤثر يستحيل أن يكون موجبا ~~لما تقدم في بيان أن المؤثر في الأكوان ليس موجبا ، بل المؤثر فيه مختار ، ~~وكل ما كان فعلا لفاعل مختار فانه يجب أن يكون مسبوقا بالعدم ، فجملة ~~الحوادث مسبوقة بالعدم (2). ### |||| ** الرابع (3) ### |||| ** : لو كانت الحوادث غير متناهية لأمكننا أن نأخذ الحوادث الماضية من زمان ~~الطوفان إلى الأزل جملة ومن زماننا هذا إلى الأزل جملة أخرى ، ثم نطبق إحدى ~~الجملتين بالأخرى بأن نجعل المبدأ من إحداهما وهو زمان الطوفان مقابلا ~~للمبدإ من الأخرى وهو زماننا فإن استمر الاندفاع هكذا على التساوق بحيث ~~يكون كل واحد من إحدى الجملتين مقابلا لآخر ms0796 من الجملة الأخرى ، ولم يظهر ~~التفاوت من الجانب الآخر بين الجملتين ، كان الشيء مع غيره كهو لا مع غيره ~~، وهو باطل بالضرورة. # وإن ظهر التفاوت من الجانب الآخر كانت الجملة الناقصة منقطعة فتكون ~~متناهية من الطرفين والزائدة إنما زادت عليها بقدر متناه لأنها إنما زادت ~~بمقدار ما بين زمان الطوفان إلى زماننا والزائد على المتناهي بمقدار متناه ~~يكون بالضرورة متناهيا ؛ لأن المتناهي إذا انضم إلى المتناهي كان المجموع ~~متناهيا. فثبت أن الجسم لا يخلو عن الحوادث. وثبت أن الحوادث لها بداية ، ~~فيلزم بالضرورة أن يكون للجسم أول ، وهو المطلوب (4). PageV03P022 # فإن قيل : الكلام على ما ذكرتموه من وجوه ثلاثة : ### |||| ** الوجه الأول (1) ### |||| ** : ما يتعلق بالقدح في نظم الدليل ، وهو أنه (2) مركب من مقدمتين والثانية ~~منهما ليست إلا إعادة الدعوى مع احتمال ضم دعاوي أخر إليها ، فلا يكون في ~~ذكرها فائدة ، فتبقى المقدمة الأولى وحدها ، ومعلوم أنها وحدها لا تنتج. # وإنما قلنا : إن المقدمة الثانية ليست إلا إعادة الدعوى مع احتمال ضم ~~دعاوى أخر إليها ؛ لأن قولكم : وما لا يخلو عن الحوادث حادث ، معناه : أن ~~كل واحد واحد مما يوصف بأنه لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ومن جملة ما يوصف ~~بانه لا يخلو عن الحوادث الجسم ، فقولكم : وما لا يخلو عن الحوادث حادث ~~معناه : أن الجسم الذي لا يخلو عن الحوادث حادث ، وغيره لو كان أيضا فهو ~~حادث. فظهر أنه ليس في ذكر هذه المقدمة إلا إعادة الدعوى مع احتمال ضم ~~دعاوى أخر إليها. والشيء لا يصلح أن يكون دليلا على نفسه لوجوب معرفة ~~الدليل قبل المدلول ، وامتناع كون الشيء معلوما قبل نفسه. # سلمنا (3)، لكن المنتج ليس إحدى المقدمتين بالضرورة ؛ ولأنه لو كان لكان ~~ذكر الأخرى حشوا. ولا المجموع ؛ لأن كونهما منتجتين إنما يصح لو وجدتا معا ~~، وهو محال ، لامتناع حصول العلم بمعلومين في الذهن دفعة واحدة. والعلم ~~بهذا الامتناع ضروري ؛ لأنا متى وجهنا ذهننا نحو العلم بشيء تعذر علينا ~~توجيهه نحو العلم بمعلوم آخر. PageV03P023 # سلمنا (1)، لكن كل واحدة منهما غير منتجة ms0797 فلا يكون المجموع منتجا ؛ لأن ~~كل واحدة منها عند انضمامها إلى الأخرى ، إما أن تبقى على ما كانت عليه ~~حالة الانفراد أو لا تبقى ، فإن بقيتا وكانتا حالة الانفراد غير مؤثرتين ~~وجب أن لا تؤثرا حالة الاجتماع. وإن لم تبقيا على ما كانتا فقد حصل عند ~~اجتماعهما أمر زائد ، فننقل الكلام إلى كيفية حصول ذلك الزائد وهو أن ~~المؤثر فيه إما كل واحدة منهما وحدها أو المجموع ويعود التقسيم ، فإن كان ~~حصول ذلك الزائد لزائد آخر تسلسل. # لا يقال : الموجب هو اجتماعهما. # لأنا نقول : الاجتماع إن لم يكن زائدا على ذات كل منهما استحال جعله ~~موجبا للنتيجة ، وإن كان فالموجب لذلك الاجتماع إما كل واحدة من المقدمتين ~~وحدها ، أو مجموعهما ، أو أمر ثالث. # فإن كان الأول ، لزم حصول النتيجة من كل واحدة منهما ؛ لاستقلال كل واحدة ~~منهما بما يوجب النتيجة. # وإن كان الثاني ، كان الموجب لذلك الاجتماع اجتماع آخر ويتسلسل. # وإن كان الثالث ، فاقتضاؤه لحصول تلك النتيجة إن لم يتوقف على هاتين ~~المقدمتين لم يكن للمقدمتين اعتبار أصلا في ذلك الانتاج. وإن توقف فإما أن ~~تكفي المقدمة الواحدة في صدور النتيجة عن ذلك المقتضي ، وحينئذ تحصل ~~النتيجة عند حصول المقدمة الواحدة وذلك محال ، أو (2) لا بد منهما ، ويعود ~~المحال المذكور. PageV03P024 # سلمنا أن الأمور التي لا يمكن أن يكون كل واحد منها وحده موجبا لشيء فان ~~مجموعها يعقل أن يكون موجبا في الجملة ، ولكن لا يمكن في هذا الموضع أن ~~يكون كذلك ؛ لأنه إذا قيل الإنسان حيوان والحيوان جنس ، لزم أن يكون ~~الإنسان جنسا. فالمقدمتان صادقتان والنتيجة كاذبة ، وما ذلك إلا أن هذا ~~النظم غير منتج. # سلمنا استقامة هذا النظم في الجملة ، لكن نمنع استقامته في هذا الموضع ~~لوجهين : ### |||| ** الأول : كل مطلوب له طرفان : الموصوف والصفة ، فإذا قلنا : الجسم محدث ، فالجسم هو ~~الموصوف ، والمحدث هو الصفة ، ثم لا بد من شيء يتوسط بينهما بحيث تكون له ~~نسبة إلى كل واحد من الطرفين ، فهذا المتوسط هنا لا يخلو إما أن يكون هو ms0798 ~~قولنا : لا يخلو عن الحوادث ، أو قولنا : لا يخلو عن حوادث ذوات بداية. # فإن كان الأول صار الدليل هكذا : الجسم لا يخلو عن الحوادث ، وكل ما لا ~~يخلو عن الحوادث فهو حادث ، وحينئذ تصير الثانية كاذبة ؛ لأنا لو قدرنا أن ~~لا تكون للحوادث بداية فلا يلزم من عدم خلو الجسم عنها حدوثه. # وإن كان الثاني صار الدليل هكذا : الجسم لا يخلو عن حوادث لها بداية ، ~~وكل ما كان كذلك فهو حادث ، وحينئذ تصير المقدمة الأولى عين المطلوب ، ~~فيندرج حكم المسألة في العلة ؛ لأن المعني بقولنا : الأجسام لا تخلو عن ~~حوادث لها بداية ، أن للجسم بداية ، لأنه يصير التقدير : أن الجسم لا يوجد ~~متقدما على حوادث لها أول ، وهذا هو المعنى بكونه حادثا ، فتكون إحدى ~~مقدمات الدليل نفس المطلوب ، وهو باطل. ولأنه إذا حصل حكم المسألة بهذه ~~المقدمة صارت PageV03P025 # المقدمة الأخرى لغوا (1). ### |||| ** الثاني : هذه الحجة إن كانت تقتضي حدوث الأجسام ، لكنها تقتضي قدمها ، وما يقتضي ~~النقيضين يكون باطلا ، ولا يجوز الاستدلال به على ثبوت أحدهما ونفي الآخر. # بيانه أنه : لو كانت استحالة خلو الجسم عن كل الحوادث تقتضي حدوثها ، وجب ~~أن تكون استحالة اللاخلو عن كل الحوادث تقتضي قدمها ، فان استحالة الخلو عن ~~الكل تقابلها اللااستحالة الخلو عن (2) الكل ، والمقتضي لشيء يقتضي مقابله ~~مقابل ذلك الشيء ، كالحرارة لما اقتضت السخونة اقتضت البرودة التبريد ، ~~فكذا هنا لما كان امتناع الخلو عن الكل يقتضي الحدوث فامتناع اللاخلو عن ~~الكل وجب أن يكون مقتضيا للعدم ؛ لأن كل ما صدق عليه امتناع الخلو عن الكل ~~صدق عليه امتناع اللاخلو عن الكل فيلزم قدم الجسم وحدوثه معا ، فعلمنا أن ~~هذا النظم باطل. ### |||| ** الوجه الثاني (3) ### |||| ** : ما يتعلق بالبحث عن محل النزاع وتلخيصه ، فنقول : إن سلمنا سلامة النظم عن ~~الخلل ، لكنا نقول : الاشتغال بالتدليل إنما يكون بعد تحصيل (4) حكم ~~المسألة ، فلا بد من البحث عن معنى كون العالم محدثا حتى يمكن الشروع في ~~الاستدلال. وإذا لخصنا محل النزاع علم امتناع القول بالحدوث لوجهين : PageV03P026 ### |||| ** الأول : للحدوث تفسيران (1): كون الشيء ms0799 مسبوقا بالعدم ، و (2) كونه مسبوقا بوجود ~~غيره ، وللقدم مقابلهما إما بنفي المسبوقية بالعدم ، أو بنفي المسبوقية ~~بوجود الغير. وأقسام التقدم خمسة (3): ### |||| ** القسم الأول : التقدم بالعلية ، فإن العقل يدرك ترتب وجود ضوء السراج على السراج وإن ~~امتنع تأخر أحدهما عن الآخر في الزمان ، فذلك الترتب المعقول هو التقدم ~~بالعلية. فإن فسرنا الحدوث بالمسبوق بالعدم فالتقدم بالعلية هنا باطل ~~بالاتفاق ؛ لأن العدم لا يكون علة للوجود. ### |||| ** القسم الثاني : التقدم بالطبع ، كتقدم الشرط على المشروط ، مثل تقدم الواحد # ويذكر ابن كمونة ان الحدوث في اصطلاح الجمهور هو : حصول الشيء بعد عدمه ~~في زمان مضى ، وأن التقدم ما يقابله. الجديد في الحكمة : 80. راجع أيضا ~~إلهيات النجاة : 218 (في القديم والحادث)؛ المباحث المشرقية 1 : 227 ؛ ~~المطالب العالية 4 : 13 ؛ نقد المحصل : 197 ؛ كشف المراد : 57 ؛ أنوار ~~الملكوت في شرح الياقوت : 51 ؛ نهاية الاقدام في علم الكلام : 18 ؛ شرح ~~المواقف 4 : 2 ؛ شرح المقاصد 2 : 7. # راجع أيضا منطق أرسطو 1 : 70 76 ؛ الفصل الرابع من المقالة السابعة من ~~مقولات الشفاء ؛ إلهيات النجاة : 222 (فصل في المتقدم والمتأخر)؛ الغزالي ~~، مقاصد الفلاسفة : 187 (قسمة رابعة)؛ المطالب العالية 4 : 13 ؛ كشف ~~المراد : 57 ؛ المباحث المشرقية 1 : 570 ؛ كشف الفوائد : 69 ؛ السيوري ~~الحلي ، اللوامع الإلهية : 21 ؛ الشهرستاني ، نهاية الاقدام : 7 ؛ شرح ~~المواقف 6 : 269 ؛ شرح المقاصد 2 : 20 ؛ كشف الفوائد : 67. PageV03P027 # على الاثنين ، وهو ثابت هنا بالاتفاق ؛ لأن العالم ممكن وكل ممكن فله ~~لذاته لا استحقاقية الوجود وله من غيره الوجود ، وما بالذات أقدم مما ~~بالغير. فإذن كونه غير مستحق للوجود أقدم من الوجود تقدما بالطبع ، ومعلوم ~~أن ذلك متفق عليه بين الكل. ### |||| ** القسم الثالث : التقدم بالشرف ، وهو منفي بالاتفاق. ### |||| ** القسم الرابع : التقدم بالمكان ، وهو منفي هنا اتفاقا. # ثم لو سلم التقدم بأحد هذه الوجوه الأربعة ، فانه ليس فيه ما يقتضي ~~الحدوث الذي يريدونه. ### |||| ** القسم الخامس : التقدم بالزمان (1)، وليس محض العدم والوجود ؛ لأن العدم قد يحصل بعد ~~الوجود ، والشيء بهذا الاعتبار لا يكون حادثا ، بل إنما يكون حادثا لأن ~~وجوده بعد ms0800 العدم وعدمه قبل الوجود ، وتلك القبلية أمر زائد على ذات العدم ، ~~ولا محالة قبل كل قبلية قبلية أخرى ، فهنا قبليات لا بداية لها ، ولا معنى ~~للزمان (2) إلا ما تلحقه القبلية والبعدية لذاته ، فإذن لا أول للزمان. ~~فإذن تفسير حدوث العالم بتقدم عدمه عليه يقتضي قدم الزمان ، فلزم من تفسير ~~حدوث العالم بهذا التفسير قدمه. # وأما إن فسرتم حدوث العالم بكونه مسبوقا بالغير ، فنقول : إن أردتم بذلك ~~أن للعالم شيئا يتقدمه بالعلية أو بالطبع أو بالشرف فذلك مسلم ، لكن لا ~~يقتضي الحدوث الذي تريدونه. والتقدم بالمكان منفي اتفاقا ، لاستحالة المكان ~~على الله تعالى. وبتقدير الثبوت لا يحصل مقصودكم. # بقي التقدم بالزمان وهو باطل. وبتقدير ثبوته يوجب القدم. أما بطلانه ، PageV03P028 # فلأنه لو كان الله تعالى متقدما على العالم بالزمان لزم أن يكون الباري ~~تعالى زمانيا ، وأن يكون الزمان زمانيا وهما محالان. أما الأول ، فلأن ~~الزمان من لواحق التغير (1) والله تعالى يستحيل عليه التغير فلا يلحقه ~~الزمان. وأما الثاني ، فلامتناع التسلسل. # وأما ثبوت القدم بتقدير ثبوته ، فلأنه إذا كان هذا التقدم زمانيا ، ثم لا ~~بداية لقدم (2) الباري تعالى على العالم ، لزم أن لا تكون للزمان بداية ~~ويلزم منه القدم. # هذا إذا سلمتم انحصار التقدم في الخمسة. فإن ادعيتم سادسا فاظهروه حتى ~~يمكن الشروع بعده في الاستدلال. # لا يقال : الاستفسار عن معنى الحدوث استفسار عن حكم وقع الخلاف فيه ، ~~فنحن ننفيه وأنتم تثبتونه ، والحكم على الشيء بالنفي أو الإثبات لا يصح إلا ~~بعد تصور ماهية ذلك الشيء وحقيقته ، وكان وقوع الخلاف مشعرا بكون محل ~~الخلاف معلوما من الخصمين. # لأنا نقول : وقوع الخلاف مشعر بكون محل الخلاف معلوما جملة أو تفصيلا؟ م ~~ع (3). بيانه : أن الذي يلزمنا معرفته أن نعرف مذهبنا وصحته وبطلان ما ~~عداه ، وإن كان ما عداه يحتمل تفاصيل كثيرة ، فلم يلزمنا معرفته. فإذا رمتم ~~إثبات ذلك وكان الكلام في ذلك تعطيلا وسؤالا يختلف بحسب اختلاف التفصيل ، ~~حسن منا الاستفسار. # سلمنا أن وقوع الخلاف مشعر بكون محل الخلاف معلوما جملة وتفصيلا ، ولكن ~~متى ms0801 لا يصح الاستفسار إذا كان الغرض بالاستفسار مجرد فائدة تعريف PageV03P029 # الحكم من غير أن تنضم زيادة فائدة أو إذا انضم؟ م ع (1). وهنا قد تضمن ~~زيادة فائدة وهو بيان تعجيز الخصم في إيراد تفسير إلا (2) وأن يتضمن ذلك ~~بطلان مذهبه على ما نبينه عند تفسيركم. ### |||| ** الثاني : إما أن يقولوا : إن لصحة وجود العالم بداية ، أو يقولوا : ليس له بداية. ~~والأول باطل. ### |||| ** أما أولا : فلأن كون العالم ممكن الوجود فيما لا يزال وهو قبل أن صار ممكن الوجود قد ~~كان ممتنع الوجود بعينه ، فإذا جوزتم ذلك انسد باب الاستدلال بحدوث العالم ~~على إثبات الصانع ؛ لأنه إذا جاز أن يقال : إنه كان ذلك الإمكان واجبا ~~لذاته بعد أن كان ممتنعا لذاته ، جاز أن يقال : العالم قبل حدوثه قد كان ~~ممتنعا بعينه ، ثم صار واجبا بعينه ، كما انتقل الإمكان من الامتناع الذاتي ~~إلى الوجوب الذاتي ، وحينئذ وجب استغناؤه عن الصانع. ### |||| ** وأما ثانيا : فلأنه لو كان انقلاب الممتنع لذاته ممكنا ، لجاز ذلك في كل الممتنعات ~~فحينئذ لا نأمن أن (3) يصير اجتماع الضدين والنقيضين ممكنا بعد أن كان ~~ممتنعا لذاته ، وذلك عين السفسطة. # وأما إن قلتم : لا بداية لصحة وجود العالم فقد سلمتم أن العالم يمكن أن ~~يكون أزليا ، ومع الاعتراف بذلك لا يمكن القطع بامتناع القدم ووجوب الحدوث. # لا يقال : العالم يستحيل وجوده (4) في الأزل لا لذاته ، ولكن لامتناع ~~وجود شرطه في الأزل ، أو لوجوب وجود مانع فيه. PageV03P030 # لأنا نقول : امتناع وجود شرطه إن كان امتناعا ذاتيا وجب امتناع زواله ، ~~ويلزم منه استمرار امتناع العالم فيما لا يزال. وإن لم يكن ذاتيا كان ~~لامتناع شيء آخر ، ولزم منه التسلسل. وهكذا الكلام في وجوب المانع ، فانه ~~إن كان واجبا لذاته ، امتنع زواله فامتنع زوال امتناع العالم فاستحال وجود ~~العالم ، وإن كان واجبا لغيره لزم منه التسلسل ، وهو محال. ### |||| ** الوجه الثالث (1) ### |||| ** : أن نتكلم على مقدمات الدليل ، فنقول : لا نسلم أن الجسم لا يخلو عن ~~الحوادث. # قوله : «لا يخلو عن الأكوان». # قلنا : هذا مبني على أن الكون ms0802 زائد على ذات الجسم ، وهو ممنوع. ودعوى ~~الضرورة باطلة ؛ لأن ادعاء الضرورة فيه فرع على تصور حصول الجسم في الحيز ، ~~وهو غير معقول ؛ لأن الحيز الذي يقال الجسم حصل فيه ، إن كان معدوما لم ~~يعقل حصول الجسم فيه. وبهذا سقط قول من قال : إنه مقدر مفروض ، لأن المفروض ~~الذي لا وجود له في نفسه لا يعقل حصول الجسم فيه. وإن كان موجودا ، فإن كان ~~متحيزا لزم التداخل ، ويعود المتحيز في متحيز آخر ، وهو محال. ولأن الجزء ~~الواحد إذا وجد لزم أن لا يكون حاصلا في الحيز ، وإن لم يكن متحيزا ، فإن ~~كان عرضا ، فإن كان حالا في المتمكن دار ، وإن لم يكن حالا فيه تسلسل ، وإن ~~كان مجردا استحال حلول المتحيز فيه. # وبالجملة فلا بد من تفسير الحيز (2) وتفسير الحصول في الحيز ، حتى يمكن ~~ادعاء أنه هل هو حاصل أم لا؟ فان كل ما نعقله (3) من هذه الأقسام التي PageV03P031 # ذكرناها باطل. # لا يقال : المعقول من كون المتحيز في الحيز كونه بحيث لو وجد متحيز آخر ~~لصح أن يقال لأحدهما : إنه قريب من الآخر أو بعيد منه. # لأنا نقول : هذا باطل. # أما أولا : فلأن كونه كذلك إشارة إلى تحيزه لا إلى حصوله في الحيز ، ~~وتحيزه أمر مستمر معه ، وإنما مرادكم هنا حصوله في الحيز ، فأين أحدهما عن ~~الآخر. ويدل على المغايرة أن الجوهر ما دام موجودا كانت تلك الحيثية باقية ~~، وأما حصوله في الحيز فانه غير باق عند خروجه عنه. # وأما ثانيا : فلأن القرب والبعد إنما يفسران بكون أحدهما حاصلا في حيز ~~قريب من حيز الآخر أو بعيد عنه ، فإذا لم نفسر القرب والبعد إلا بالحصول في ~~الحيز فلو فسرنا الحصول في الحيز بهما دار. # ثم لو نزلنا عن الاستفسار ، لكن لا نسلم أن الحصول في الحيز أمر زائد ؛ ~~لأن المعلوم بالضرورة أن المفهوم من ذات الجسم ليس المفهوم من كونه حاصلا ~~في الحيز. ولا يلزم من التغاير في المفهوم كونهما أمرين وجوديين ، لاحتمال ~~كونه قيدا عدميا ، أو أمرا نسبيا لا ms0803 وجود له في الخارج. ويدل عليه وجوه : # الأول : المعقول من كون الجسم جسما مغاير للمعقول من كونه ممكنا. مع أن ~~الإمكان لا يصلح أن يكون وصفا وجوديا زائدا ، وإلا كان له إمكان آخر ~~ويتسلسل. ### |||| ** الثاني : المعقول من حقيقة الكائنية مغاير للمعقول من قيامها بالمحل ، ثم إنه لا ~~يلزم أن يكون قيامها بالمحل وصفا عرضيا زائدا عليه قائما به ، وإلا تسلسل. ### |||| ** الثالث : يصدق على الواحد أنه نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة ، PageV03P032 # وهكذا له نسبة معينة إلى كل مرتبة من مراتب الأعداد الغير المتناهية ، ~~ومفهومات تلك النسب متغايرة ، فان نصفية الاثنين مغايرة لثلثية الثلاثة ~~وأربعية الأربعة وهكذا. والمفهوم من كونه واحدا مغاير لجميع هذه النسب ~~أيضا. ويمتنع أن يكون لتلك النسب الغير متناهية وجود في الأعيان ، وإلا ~~تسلسل ، فكذا هنا. ### |||| ** الرابع : المفهوم من كون الجوهر ذاتا مغاير للمفهوم من كونه جوهرا ، ولا (1) يلزم أن ~~يكون كون الجوهر ذاتا صفة ، وإلا لكان الكلام في أصل الذات عائدا ، ~~ويتسلسل. ### |||| ** الخامس : المفهوم من كون الجوهر غير العرض مغاير للمفهوم من كونه جوهرا ، ثم لا يلزم ~~أن تكون الغيرية صفة ثبوتية زائدة ، وإلا تسلسل. وكذا القول في المماثلة ~~والمخالفة والتعين والتعدد. ### |||| ** السادس : المفهوم من ذات الجوهر مغاير للمفهوم من كونه حادثا وباقيا ، ثم إن الحدوث ~~والبقاء لا يمكن أن يكونا وصفين ثبوتيين ، وإلا تسلسل. ### |||| ** السابع : المفهوم من كون الإنسان ليس بحجر مغاير للمفهوم من كونه ليس بشجر ، ثم هذه ~~السلوب ليست وجودية ، وإلا تسلسل ولزم حصول صفات غير متناهية للشيء الواحد ~~لا مرة واحدة بل مرارا لا نهاية لها. # فظهر من هذه الوجوه أنه لا يلزم من التغاير في المفهوم إثبات الصفات ~~المتغايرة ، فظهر فساد دعوى الضرورة. # وما ذكرتموه من الاستدلال (2) وهو «انا ندرك الجسم متحركا بعد أن لم يكن ~~، فتبدل الحالتين عليه مع بقائه مدرك بالحس ، وهو يدل على كون تلك الأحوال ~~المتبدلة أمورا ثبوتية» ممنوع ، فانا لا نسلم أن الجسم الذي كان ساكنا بقي وصار PageV03P033 # بعينه متحركا ، بل ذلك الجسم عدم وحدث جسم ms0804 آخر وهو لذاته متحرك ؛ لأن ~~حدوث الشيء ليس زائدا عليه بل هو نفسه ، وإلا تسلسل. ثم إن الحدوث لا يبقى ~~في الزمان الثاني فوجب أن لا تبقى ذاته ، وإلا كان حدوثه مغايرا لذاته ، ~~وهو محال. # لا يقال : إن مقصودنا من هذا الدليل حدوث الأجسام ، فإذا سلمتم ذلك فقد ~~سلمتم المقصود. # لأنا نقول : هب أن ذلك مساعدة على المطلوب ، لكن لا يبقى دليلكم الذي ~~طلبتم تصحيحه مستقيما. # سلمنا بقاء ذات الجسم ، لكن لم قلتم : إن تبدل الساكنية بالمتحركية يدل ~~على وجودها (1)؟ فان التبدل غير دال عليه لوجهين : ### |||| ** الأول : لما اثبتم حدوث العالم فلا بد وأن تجزموا باستحالة وجوده أزلا ، ولا بد من ~~تبدل تلك الاستحالة بالإمكان فيما لا يزال. فالتبدل هنا حاصل مع امتناع كون ~~الإمكان أو الامتناع ثبوتيا. أما الامتناع ، فلأنه لو كان ثبوتيا لكان ~~الموصوف به ثابتا فيكون ممتنع الوجود موجودا ، هذا خلف. وأما الإمكان ، ~~فلما سبق. ### |||| ** الثاني : الشيء حال حدوثه يكون حادثا وحدوثه يبطل حال بقائه ، فقد تبدل الحدوث ~~بالبقاء وليسا وجوديين. أما الحدوث ، فلأنه لو كان صفة لكانت حادثة ويكون ~~لها حدوث زائد ويتسلسل. وأما البقاء ، فلأنه لو كان صفة لتوقف إمكان حصولها ~~في الجوهر على حصول الجوهر في الزمان الثاني وحصوله في الزمان الثاني إما ~~هو نفس البقاء أو معلول للبقاء ، فيلزم إما توقف الشيء على نفسه أو على ما ~~يتوقف عليه ، وهما محالان. PageV03P034 # لا يقال : إمكان الشيء وامتناعه وحدوثه وبقاؤه ليست محسوسة بالبصر فيجوز ~~أن تكون قضايا عقلية ، فلا يلزم من تطرق التبدل إليها كونها أمورا وجودية ، ~~بخلاف المتحركية والساكنية فان المتبدل فيها محسوس بالبصر ، فكانت وجودية. # لأنا نقول : الساكنية والمتحركية غير مدركتين بالبصر ؛ فان سكان السفينة ~~في موضع من البحر غير مختلف الارتفاع والنخفاض في وقت هبوب الرياح من جانب ~~واحد ، فقد يتحركون أسرع حركة مع انهم يظنون أن السفينة ساكنة ، ولو كانت ~~الحركة و (1) السكون محسوستين لما اشتبه أحدهما بالآخر. # سلمنا دلالة التبدل على الوجود ، لكن على أحدهما لا عليهما معا (2)؛ فان ~~الشيء ms0805 إذا خلا عن وصف ثبوتي ثم اتصف به أو كان موصوفا به ثم عدم عنه ، يكون ~~التغير حاصلا مع أن أحدهما عدمي ، فجاز في المتحركية والساكنية كون إحداهما ~~ثبوتية (3). # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الحصول في الحيز زائد على ذات الجسم ، لكن ~~هنا ما يدل على نفيه ، وهو ثلاثة : ### |||| ** الأول : الحصول في الحيز أمر نسبي والأمور النسبية تستدعي أمرين ، لامتناع حصولها ~~لأقل منهما ، فلو كان الحصول في الحيز ثبوتيا لكان الحيز ثبوتيا وهو باطل ؛ ~~لأنه لو كان موجودا لكان إما حالا في الجسم فلا يكون حيزا للجسم ، أو لا ~~يكون حالا فيه ، فإما أن يكون ذا حيز ويتسلسل ، أو لا فيبطل حصول الجسم فيه. ### |||| ** الثاني : حصول الجوهر في الحيز نسبة مخصوصة له إلى الحيز ، فلو كانت هذه PageV03P035 # النسبة أمرا وجوديا لكان ذلك الأمر الوجودي حاصلا في الحيز ، وتكون له ~~نسبة إلى ذلك المحل فتكون تلك النسبة زائدة على الكائنية ، ولزم التسلسل. ### |||| ** الثالث (1) ### |||| ** : الحركة يمتنع دخولها في الوجود ؛ لأن الحركة إما أن لا يكون لها حصول (2) ~~في الحال أو يكون. فإن لم يكن ، لم يكن ماضيا ولا مستقبلا ؛ لأن الماضي هو ~~الذي كان وجوده في زمان كان فيه حاضرا ، والمستقبل هو الذي يتوقع فيه ذلك. ~~وإن كان لها حضور ، فإن انقسم الحاضر لم يكن الحاضر حاضرا ؛ لأن الأجزاء ~~المفترضة فيه لا يمكن وجودها دفعة ، لأن حقيقة الحركة لا تعقل إلا مع ~~التقضي والمرور. فإذن الأجزاء المفترضة في الحركة لا توجد معا فلا يكون ~~الحاضر من الحركة حاضرا ، هذا خلف. # وإن لم ينقسم فعند عدمه يحضر شيء آخر من الحركة وهو غير منقسم فتكون ~~الحركة مركبة من أمور كل واحد منها غير قابل للقسمة ، وهو أيضا محال ؛ لأن ~~الجزء الذي لا يتجزأ من الحركة إما أن يقع على مسافة منقسمة أو غير منقسمة ~~، والأول محال وإلا لكان الواقع منها في نصف تلك المسافة نصف تلك الحركة ، ~~فتكون تلك الحركة منقسمة ، هذا خلف. # وإن كانت المسافة غير منقسمة لزم تركب الجسم من ms0806 أجزاء لا تتجزأ ، وهو ~~محال ، وإلا لزم نفي الحركة ، لانها لو وجدت فإما عند كون المتحرك ملاقيا ~~لكلية الجزء الأول ، وهو محال ؛ لأنه حينئذ لم يتحرك. أو عند كونه ملاقيا ~~لكلية الثاني ، وهو باطل ؛ لأنه حينئذ قد انقضت الحركة. أو عند ما يكون ~~متوسطا بينهما ، وذلك يقتضي انقسام الأجزاء وقد فرضنا أنها غير منقسمة ، ~~هذا خلف. # فالقول بالحركة يفضي إلى أقسام كلها باطلة فهي إذن غير موجودة ، بل هي PageV03P036 # أمر مقدر مفروض في الذهن لا حقيقة له في الخارج. وإذا لم تكن الحركة ~~ثبوتية لم يكن السكون ثبوتيا ، إذ لا فرق بينهما إلا بالدوام وعدمه ، فان ~~الحصول في الحيز إن استقر كان سكونا وإلا فحركة. فإذا كانت الحركة عدمية ~~كان السكون المساوي لها في تمام الحقيقة عدميا. # سلمنا أن الكائنية زائدة على ذات الجسم ، لكن نمنع عدم الخلو. # قوله : «الجسم متى كان موجودا كان متحيزا ، وإذا كان متحيزا كان حاصلا في ~~الحيز». # قلنا : لا نسلم أنه إذا كان موجودا كان متحيزا ، فلم لا يجوز أن يقال : ~~الأجسام كانت في الأزل خالية عن صفة التحيز ثم اتصفت به فيما لا يزال ، كما ~~هو رأي افلاطون؟ وتدل عليه وجوه ثلاثة : ### |||| ** الأول : قد بينا نفي الجوهر الفرد ، فيكون الجسم البسيط في نفسه واحدا ، ومعلوم أنه ~~قابل للانفصال والقابل للانفصال ليس الاتصال ، لاستحالة بقائه معه والقابل ~~باق مع المقبول فهو شيء غير الاتصال الذي هو الجسمية ، فللجسمية قابل هو ~~الهيولى ، فالجسم مركب من الجسمية والهيولى (1). ثم الجسمية لما كانت حالة ~~في الهيولى كانت محتاجة إليها ؛ لاحتياج الحال إلى المحل فيمتنع احتياج ~~الهيولى إليها ، وإلا دار. وإذا استغنت الهيولى عن الجسمية أمكن خلوها ~~عنها. فثبت أن للمتحيزات هيولى غير متحيزة يمكن انفكاكها عن التحيز (2). ### |||| ** الثاني : دليلكم على حدوث الأجسام يدل على حدوث المتحيزات ، وكل محدث فانه مسبوق ~~بإمكان حدوثه ، وليس الإمكان عائدا إلى القادر ؛ لأن القادر PageV03P037 # قادر على ايجاد الممكنات دون الممتنعات ، فلولا امتياز الممكن عن المحال ~~بأمر عائد إليه ، وإلا لما حصلت هذه التفرقة. ms0807 فثبت أن الإمكان عائد إلى ~~الممكنات وليس عدميا ، وإلا لم يبق فرق بين نفي الإمكان وبين إثبات إمكان ~~منفي ، فهو وجودي يستدعي محلا مستقلا بنفسه ، فالأجسام محتاجة إلى محل توجد ~~فيه إمكاناتها السابقة عليها (1)، وذلك المحل ليس متحيزا لامتناع قدم ~~المتحيز بدليلكم فهو غير متحيز ، وهو هيولى الأجسام. ### |||| ** الثالث : بداهة العقول حاكمة بأن حدوث الشيء لا من الشيء غير معقول ، فإذا كان ~~المتحيز حادثا فلا بد له من مادة غير متحيزة متقدمة عليه. # سلمنا أن الأجسام متى كانت موجودة كانت متحيزة ، فلم قلتم : بامتناع ~~خلوها عن الكائنية؟ # قوله : «لأنه متى كان موجودا كان متحيزا ومتى كان متحيزا كان حاصلا في ~~الحيز ، ولا نعني بالكون إلا ذلك». # قلنا : هذا الكلام إن دل على امتناع خلو الجسم عن الكائنية فهنا ما يدل ~~على جوازه ، وهو وجهان : ### |||| ** الأول : اللازم للجسم إما جميع الكائنيات أو واحدة. والأول معلوم البطلان. والثاني ~~إما أن يكون اللازم كائنية واحدة على التعيين ، أو لا على التعيين. والأول ~~ظاهر الفساد لما ذكرتموه في إبطال وجوب حصول شيء من الأجسام في حيز معين. ~~والثاني أيضا باطل ؛ لأن كون الشيء لازما لشيء فرع وجوده في نفسه ، فإن ما ~~لا وجود له في نفسه يمتنع أن يكون وجوده لازما لغيره ، والكائنية المبهمة ~~لا وجود لها في الخارج ، فإن كل ما يوجد في الخارج لا بد وأن يكون معينا ، PageV03P038 # ولا شيء من المعين بلازم للجسم فلا شيء من الكائنيات الموجودة في الخارج ~~بلازم للجسم. وأما المبهم الذي لا وجود له في الخارج فليس بلازم للجسم في ~~الخارج وإلا لكان موجودا في الخارج. فإذن لا شيء من الكائنيات بلازم في ~~الخارج ، بل في الذهن. # لا يقال : الكائنية من حيث هي كائنية لها مفهوم مشترك بين الكائنيات ~~الجزئية ، وذلك المفهوم المشترك هو اللازم للجسم. # لأنا نقول : ذلك المشترك من حيث هو لا يوجد إلا في الذهن ، لكنا بينا أن ~~ما كان كذلك يمتنع أن يكون لازما للجسم. ### |||| ** الثاني : الجسم وكائنيته ليس أحدهما علة للآخر ، لامتناع ms0808 كون الجسم علة ، وإلا لكان ~~علة لكائنية معينة ؛ لأن الجسم معين فلا يقتضي مبهما. ويلزم منه اشتراك ~~الأجسام في الحصول في ذلك الحيز. وإن فرضت الكائنية علة للجسم كان وصف ~~الشيء المحتاج إليه الذي لا يعقل قيامه إلا به علة متقدمة عليه مع تأخره ~~عنه ، هذا خلف. # ثم إن الجسم شرط الكائنية لأنه محلها ، فالكائنية ليست شرطا له ، لامتناع ~~الدور. فالكائنية إذن ليست علة للجوهر ولا معلولة له ولا شرط فيه (1)، ~~فجاز خلو الجوهر عنها. # ثم إن سلمنا أن الجسم لا يخلو عن الكائنية ، لكن لا نسلم أن الكائنية حادثة. # قوله : «كل جسم يصح خروجه عن حيزه» (2). PageV03P039 # قلنا : ممنوع. # قوله : «لو وجب حصول جسم في حيز لكان ذلك الوجوب إما لأجل الجسمية أو ~~لعارضها أو لمعروضها أو لأمر آخر لا يكون عارضا لها ولا معروضا لها». # قلنا : التقسيم غير منحصر ؛ لأن من الأقسام أن يقال : هو لا لأمر. ~~والدليل عليه إجمالا : أنه لو وجب تعليل كل أمر لعلة لزم تعليل علية تلك ~~العلة لعلة أخرى وتسلسل. وتفصيلا من وجهين : ### |||| ** الأول : الوجوب عدمي فلا يستدعي علة. ### |||| ** الثاني : لو كان وجوديا امتنع تعليله ، وإلا لاحتاج إلى العلة فيكون ممكنا لذاته ، ~~فينقلب الوجوب إمكانا ، وهو محال. # سلمنا كون الوجوب ممكنا ، فلم قلتم : إن الممكن لا بد له من مؤثر؟ وقد ~~سبق (1). # سلمنا احتياج الممكن إلى المؤثر ، ولكن متى؟ كان الممكن حادثا ، أو إذا ~~لم يكن؟ وسيأتي تقريره. # فإذن لا يمكنكم بيان احتياج الكائنية إلى المؤثر ، إلا إذا بنيتم حدوثها ~~، لكنكم بنيتم بيان حدوثها على كونها محتاجة إلى المؤثر ، فدار. # سلمنا احتياجه إلى المؤثر على الإطلاق ، فلم لا يكون الوجوب لنفس ~~الجسمية؟ # قوله : «يلزم حصول كل جسم في ذلك الحيز لاشتراك الجسمية بين الأجسام ، ~~واشتراك العلة يوجب اشتراك الحكم». PageV03P040 # قلنا : لا نسلم اشتراك الجسمية بين أفراد الأجسام ، وإلا لكانت شخصية كل ~~واحد من الأجسام زائدة على جسميته ؛ لأن ما به الاشتراك غير ما به الامتياز ~~، لكن يستحيل أن تكون شخصية الجسم المشخص زائدة على ms0809 جسميته ؛ لأن انضمام ~~ذلك الزائد إلى الجسمية في الخارج يتوقف على حصول الجسمية في الخارج ، ~~وحصول الجسمية في الخارج يتوقف على تشخيصه (1) الذي هو عبارة عن انضمام ذلك ~~الزائد إليه ، فيدور. فالقول بكون الجسمية أمرا مشتركا بين أشخاص الأجسام ~~يؤدي إلى هذا المحال ، فيكون محالا. # لا يقال : المعقول من الجسمية إنما هو شغل الحيز ومنع الغير عن أن يكون ~~بحيث هو ، وهذا القدر مشترك. # لأنا نقول : ليس الشغل والمنع من (2) نفس الجسمية ، بل حكمان من أحكامها. ~~ولا يلزم من الاشتراك في الأثر الاشتراك في المؤثر. # سلمنا (3)، لكن لا نسلم الاشتراك في المعلول عند اشتراك العلة لوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : الذات حال الحدوث يجب افتقارها إلى الفاعل ، وحالة البقاء يمتنع افتقارها ~~إليه مع وحدة الذات في الحالين ، ومعلوم أن التفاوت بين المثلين أكثر من ~~التفاوت بين الذات الواحدة في الحالين ، فإذا جاز أن ينقلب الشيء الواحد من ~~الوجوب إلى الامتناع الذاتيين بحسب زمانين ، فلأن (4) يجوز ذلك في المثلين ~~كان أولى. # وأيضا ، فلأن الجوهر الحادث مثل الباقي ، ثم لا يلزم من تماثلهما ~~تساويهما PageV03P041 # في صحة المقدورية وامتناعها ، فكذا هنا. وكذا العرض غير الباقي يصح أن ~~يحدث في زمان عدمه مثله ، ولا يلزم من صحة حدوث مثله في ذلك الزمان صحة ~~وجوده في ذلك الزمان ، فكذا هنا. ### |||| ** الوجه الثاني (1) ### |||| ** : الممكن المعين محتاج إلى مؤثر معين أو شرط معين ، وعلة تلك الحاجة الإمكان ~~، إذ لو رفع لبقى الوجوب أو الامتناع ، وهما مغنيان عن المؤثر ، ثم الإمكان ~~مشترك بين الممكنات ولا يلزم من اشتراكها في الإمكان اشتراكها في الحاجة ~~إلى ذلك المؤثر المعين ، أو إلى ذلك الشرط المعين ؛ لأن أكثر الطوائف ~~أثبتوا أمورا ثبوتية غير الله تعالى ، فبعضهم زعم أن العبد موجد ، وبعضهم ~~أثبت معاني توجب أحوالا ، وبعضهم أثبت طبيعة وعقلا ونفسا. # ثم لو كان المؤثر واحدا ، لكن لا نزاع في كثرة الشرط ، فان الجوهر شرط ~~للعرض ، والحياة شرط للعلم اتفاقا ، ومعلوم أن حاجة المشروط إلى الشرط ~~لإمكانه ، والشرط علة لصحة المشروط ، مع أنه لا يلزم ms0810 من احتياج صحة ذلك ~~المشروط إلى الشرط احتياج كل صحة إلى ذلك الشرط ، فلا يلزم من الاشتراك في ~~المقتضي الاشتراك في الحكم. # سلمنا أن الاشتراك في السبب يقتضي الاشتراك في الحكم ، ولكن متى؟ إذا فقد ~~شرط ، أو وجد مانع ؛ أو إذا لم يكن (2)؟ ع م (3). # بيانه أن الأشياء المتماثلة في الماهية لا بد وأن تتمايز بتشخصاتها وما ~~به الاشتراك مغاير لما به الامتياز ، فتشخص كل شخص زائد على ماهيته. ولأن PageV03P042 # المتصور من الجسم مثلا أمر يصح حمله على كثيرين ، والمتصور من هذا الجسم ~~لا يصح حمله على كثيرين ، مع العلم الضروري بأن المتصور من الجسم داخل في ~~المتصور من هذا الجسم ، فالمتصور من هذا الجسم داخل فيه أمر زائد على ~~المتصور من هذا الجسم. وإذا ثبت ذلك ظهر أن تعين كل مشخص (1) زائد على ~~ماهيته فيحتمل أن تكون شخصية الشخص المعين من الأجسام المتماثلة شرطا ~~لاقتضاء الجسمية الحصول في ذلك الحيز ، أو تكون شخصية الجسم الآخر مانعة من ~~ذلك الاقتضاء. وإذا كان كذلك لم يلزم من اشتراك الأجسام في تمام الجسمية ~~وكونها موجبة للحصول في الحيز المعين اشتراك كل الأجسام في ذلك ، وحينئذ ~~يظهر ضعف المقدمة الشهيرة «أن المتماثلات يجب تساويها في اللوازم». # لا يقال : التعين عدمي ، لأن معناه انه ليس غيره ، فلا يكون جزءا من ~~المقتضي. # لأنانقول : نمنع كونه عدميا. # سلمنا ، لكن المقصود حاصل ، لأنه لا نزاع بين العقلاء أن العدم يصلح ~~للشرطية ، فان عدم الضد (2) شرط لصحة حلول الضد الآخر في المحل. # سلمنا عدم جواز انه يجب حصول الجسم المعين في الحيز المعين لجسميته ، فلم ~~لا يجوز أن يكون لبعض لوازمه؟ # قوله : «الكلام في لزوم ذلك اللازم كالكلام في الأول ، ويتسلسل أو يدور». # قلنا : نمنع استحالتهما. # سلمنا انه لا يجوز أن يكون لشيء من عوارض الجسم ، فلم لا يجوز أن يكون ~~لبعض معروضاته؟ وما ذكرتموه من «الدلالة على أن الجسمية لا محل لها» ممنوع ، PageV03P043 # فلم لا يجوز أن يكون حصول ذلك المحل في تلك الجهة تبعا لحصول الجسمية ms0811 ~~فيها؟ وهذا لا ينافي كون الجسمية صفة له ، فان الله تعالى موصوف بالصفات أو ~~الأحكام أو الأحوال أو السلوب أو الإضافات ، على اختلاف مذاهب العقلاء فيه ~~، مع امتناع حصول ذاته تعالى في الحيز. فعلمنا أن كون الشيء صفة لغيره أمر ~~مغاير لحلوله في جهة المحل تبعا لحصوله (1) فيه ويكون تبعا لحصولها فيه (2). # سلمنا دلالة ما ذكرتموه على (3) [نفي] محل الجسمية ، لكنه معارض بما ~~ذكرناه من (4) أن للجسم هيولى. # ثم إن سلمنا أنه لا يجوز أن يكون لشيء من معروضات الجسم ، فلم لا يجوز أن ~~يكون لشيء مباين عن الجسمية مجرد؟ # قولكم : «نسبته إلى جميع الأجسام واحدة ، فلم يكن بأن يجب لأجله حصول بعض ~~الأجسام في ذلك الحيز أولى من سائر الأجسام». # قلنا : يبطل بأمرين : ### |||| ** الأول : الباري تعالى خصص خلق العالم بوقت معين مع مساواته لسائر الأوقات ، فإذا ~~جاز ذلك فلم لا يجوز منا مثله؟ ### |||| ** الثاني : صحة حدوث العالم وصحة محدثية الباري تعالى حدثتا في وقت معين مع كونه ~~مساويا لسائر الأوقات المقدرة التي قبله وبعده ، إذ لو لم تكن لهاتين ~~الصحتين بداية لم يصح قطعكم بوجوب حدوث العالم ، وإذا جاز ذلك هناك فليجز هنا. PageV03P044 # سلمنا صحة خروج كل جسم عن حيزه ، فلم قلتم : إنه بتقدير الخروج عن الحيز ~~لا بد وأن تعدم تلك الكائنية ، فجاز أن تكون كامنة أو انتقلت إلى محل آخر ~~أو لا إلى محل. ومع هذه الاحتمالات لا يمكن الجزم بالعدم (1). # سلمنا أن كل كائنية فانه يصح عليها العدم ، فلم قلتم إن ما يصح [عليه] ~~(2) العدم يجب أن يكون حادثا (3)؟ # قوله : «لأن القديم إما واجب لذاته أو مستند إليه». # قلنا : جاز أن يكون واجبا لذاته. # ونمنع (4) امتناع عدم ما يجب وجوده ، فانه ينتقض بامتناع وجود العالم ~~أزلا وإمكانه فيما لا يزال. فإذا عقل زوال الامتناع الذاتي وتجدد الإمكان ~~فليعقل زوال وجوب الواجب لذاته. # سلمنا انه ليس واجبا لذاته ، فلم قلتم : إنه واجب لغيره؟ لاحتمال أن تكون ~~الوجودية أولى وإن كان قابلا للعدم ، فلأجل قبوله للعدم لا يكون ms0812 واجبا ، ~~ولأجل الأولوية استغنى عن السبب ، كالصوت والحركة اللذين يكون العدم لهما ~~أولى ، ولذلك لا يوجدان إلا عند تعلق القادر بهما مع صحة الوجود عليهما. # سلمنا تساوي قبوله للوجود والعدم ، فلم قلتم : إنه لا بد من سبب؟ لأن جهة ~~الحاجة الحدوث ، لاستغناء البناء حال استمراره عن الباني ، والحجر المرمي ~~(5) بعد مفارقة الرامي. PageV03P045 # ولأن الأثر لو احتاج حال البقاء ، فالمؤثر إن لم يكن له أثر كان ذلك ~~الأثر في ذلك الوجود غنيا عن المؤثر. وإن كان له أثر ، فإن كان الوجود ~~الأول لزم تحصيل الحاصل ، وإن كان غيره لزم وجود الشيء مرتين. ولو سلم ~~فالمحتاج المتجدد لا الأول ، فلا يكون الباقي محتاجا ، فجهة الحاجة الحدوث ~~(1). فما لم تبينوا أن الذي يصح عدمه يجب أن يكون حادثا ، لا يمكنكم إثبات ~~حاجته إلى المؤثر ، ولو بينتموه استغنيتم عن هذه الحجة (2). # سلمنا أنه لا بد من سبب ، فلم لا يجوز أن يكون موجبا؟ # قوله : «يلزم من امتناع عدم الواجب امتناع عدمه». # قلنا : إذا جاز أن يتخلف الأثر عن القادر مع حصول جميع جهات المؤثرية ، ~~فلم لا يتخلف عن الموجب؟ # سلمنا أنه لا يكون موجبا ، فجاز أن يكون مختارا. # قوله : «كل فعل للمختار حادث». # قلنا : ما الدليل عليه؟ وتدل على بطلانه وجوه (3): ### |||| ** الأول : العدم السابق ينافي وجود الفعل وفاعلية الفاعل ، فلا يكون شرطا لهما (4). PageV03P046 ### |||| ** الثاني : للمحدث وجود وعدم ومسبوقية الوجود بالعدم. والعدم مستغن ؛ لأنه نفي محض ، ~~والمسبوقية واجبة للمحدث فيستغني ، فالمحتاج الوجود. وليس جهة الحاجة كونه ~~وجودا وإلا تسلسل ، واحتياج الشيء إلى نفسه ، فليست جهة الحاجة الحدوث ، بل ~~الإمكان. فالمحتاج في وجوده إلى القادر لا يجب أن يكون محدثا. ### |||| ** الثالث : الممكن حالة البقاء ممكن ، لاستحالة انقلابه إلى الواجب والممتنع ، ~~لاستحالة انقلاب الحقائق ، والإمكان علة الحاجة فالباقي محتاج ، فليس من ~~شرط الحاجة الحدوث. # لا يقال : إنه حال بقائه يصير أولى ، فيكون غنيا عن المؤثر. # لأنا نقول : تلك الأولوية إن كانت حاصلة لذاته كانت حاصلة حالة الحدوث ، ~~فاستغنى الحادث عن المؤثر. وإن حصلت لأمر ، كان الباقي محتاجا ms0813 في بقائه إلى ~~علة تلك الأولوية بواسطة حاجته إلى الأولوية ، وهو قول بحاجة الباقي إلى ~~المؤثر. ### |||| ** الرابع : الحدوث مسبوقية الشيء بالعدم فهو صفة للوجود متأخر ، فيتأخر عن تأثير ~~القادر فيه المتأخر عن احتياج الحادث إلى القادر المتأخر عن علة الاحتياج ، ~~فلا يكون علة الحاجة وإلا دار ، وإذا لم يكن للحدوث مدخل في الحاجة لم يلزم ~~أن يكون المحتاج حادثا (1). # سلمنا ، لكن القديم يجوز عدمه للوجوه الستة السابقة في خواص PageV03P047 # القديم (1). # سلمنا أن الجسم لا يخلو عن الحوادث ، فلم قلتم : إن لتلك الحوادث بداية؟ # قوله في الأول (2): «مجموع العدمات السابقة على الحوادث لما كانت حاصلة ~~في الأزل ، فإن حصل معها وجود بعضها اقترن السابق والمسبوق». # قلنا : هذا معارض لصحة حدوثها في الأوقات المقدرة ، فإن صحة حدوث الحادث ~~المعين في الوقت المعين تقديرا كان ذلك الوقت أو تحقيقا لا يحصل إلا عند ~~حصول ذلك الوقت التقديري أو التحقيقي ، ثم ذلك الوقت مسبوق بعدم لا بداية ~~له (3)، وكذا الكلام في كل صحة تفرض مختصة بوقت معين ، فلا حادث إلا وصحة ~~حدوثه في الوقت المعين مسبوقة بعدم لا بداية له. فيلزم على قولكم أن تكون ~~لصحة كل الحوادث بداية وهو محال ، لأنه يفضي إلى السفسطة وإلى نفي الصانع تعالى. # وأيضا فان هذا الإشكال إنما وقع من لفظة الأزل (4)، فان الإنسان يتخيل ~~منه انه وقت معين قد اجتمع فيه جميع (5) الحوادث ، فحينئذ يجب الاعتراف ~~بخلو ذلك الوقت عن وجود الحوادث ، وليس الأمر كذلك ، فان الأزل ليس إلا ~~عبارة عن نفي الأولية ، فقولكم (6): «كل واحد من العدمات السابقة حاصل في ~~الأزل» لا PageV03P048 # معنى له ، إلا أن كل واحد من الحوادث مسبوق بعدم لا أول له. # ثم قولكم بعده : «فيجب أن لا يوجد شيء من الحوادث في الأزل» معناه : أنه ~~لا بد من الانتهاء إلى حادث لا يكون مسبوقا بغيره. فيرجع حاصل كلامكم إلى ~~أنه لما كان كل واحد من الحوادث مسبوقا بعدم لا أول له ، وجب انتهاء تلك ~~الحوادث إلى حادث لا يكون مسبوقا بغيره وهذا ms0814 نفس المسألة ، ويؤكد هذه ~~المطالبة : أنه تعالى قديم ولا يعقل من قدمه إلا أنه متقدم على العالم ~~بأزمنة محققة لا بداية لها على ما يقوله الفلاسفة ، أو بأزمنة مقدرة لا ~~بداية لها على ما يقوله المتكلمون. # ثم دليلكم على إبطال أزمنة محققة لا بداية لها ، قائم في المقدرة. و (1) ~~لأن كلا من الأزمنة مسبوق بعدم لا أول له ، فمجموع العدمات السابقة على ~~الأزمنة المقدرة حاصل في الأزل ، فيجب أن لا يحصل في الأزل شيء من تلك ~~الأوقات (2) المقدرة فتكون لتلك الأوقات المقدرة بداية ، وهو يقتضي نفي ~~قدمه تعالى ، وهو باطل. فعلمنا أن ما قلتموه مغالطة وقعت بسبب الاشتباه في ~~لفظة الأزل. # قوله في الثالث : «إن الحوادث بأسرها فعل فاعل مختار» (3) يشتمل على ~~المصادرة على المطلوب ؛ لأن كل الحوادث إما أن تكون عبارة عن كل واحد منها ~~، وهو معلوم البطلان ؛ للعلم الضروري بأن العشرة ليست كل واحد من آحادها. ~~ولانكم بعد استدلالكم على أن كل واحد من الأكوان حادث تستدلون على أن ~~مجموعها حادث ، ولو لم يكن المجموع مغايرا لكل واحد لكان استدلالكم الثاني ~~عبثا أو مغايرا لها. PageV03P049 # فنقول : ذلك المجموع واجب الحصول عند حصول كل الآحاد بالضرورة ، وإذا كان ~~كذلك لم يكن مجموع الحوادث من حيث هو مجموع واقعا بالفاعل ، بل الواقع ~~بالفاعل هو كل واحد من آحادها ، فيرجع حاصل الاستدلال إلى أن الفاعل تعالى ~~لما كان سابقا على كل واحد واحد (1) من الحوادث وجب أن يكون سابقا على ~~مجموعها ، وهو عين النزاع. # سلمنا أن تلك الحوادث من حيث كونها كلا فعل فاعل ، لكن لم قلتم : إنه ~~مختار؟ (2) # سلمنا ، فلم قلتم : «إن فاعل (3) المختار يجب أن يكون سابقا على فعله؟» ~~لأن (4) المختار إن حصل عنده جميع ما يتوقف عليه الايجاد وجب وجود الفعل ~~عنه ؛ لأنه لو لم يجب الأثر عند استجماع جميع جهات المؤثرية بل جاز تخلفه ، ~~كان صدوره عنه عند استجماعه لكل تلك الأمور ممكن وكل ممكن فله مؤثر ، ~~فحينئذ لا يكون المؤثر مستجمعا لجميع شرائط المؤثرية وقد فرض ms0815 كذلك ، هذا ~~خلف. وإن لم تحصل جميع جهات المؤثرية امتنع صدور الأثر عنه ، إذ لو صح لم ~~يكن صدوره موقوفا على حصول أمر آخر ، فحينئذ لا يكون شيء من شرائط المؤثرية ~~ثابتا مع انا فرضناه ثابتا ، هذا خلف. # فثبت أن الفاعل المختار متى تمت جميع جهات فاعليته وجب حصول الفعل عنه. ~~(5) فبطل قولكم بوجوب تقديمه على فعله. # قوله في الرابع : «الحوادث الماضية محتملة للزيادة والنقصان» ممنوع ؛ لأن PageV03P050 # معنى قولنا : «كذا موصوف بشيء ، أن تلك الصفة ثابتة لذلك الموصوف ، لأن ~~وصف الشيء بالشيء إن لم يقتض ثبوت الصفة للموصوف وجب أن يقتضي نفي حصوله ~~للموصوف ، لامتناع الخروج عن النقيضين. # وإذا ثبت ذلك ، فنقول : ثبوت الوصف للموصوف فرع على ثبوت الموصوف في نفسه ~~، فان الشيء ما لم يثبت في نفسه لم يثبت له غيره ، بل قد يثبت في نفسه ولا ~~يثبت له غيره ، فلو قلنا : الحوادث الماضية قابلة للزيادة والنقصان وتتصف ~~بهما فقد ادعينا ثبوت الزيادة و (1) النقصان لها ، ثم الموصوف بهذا الوصف ~~إن كان موجودا في الخارج ، فإما أن يكون هو كل واحد من الحوادث الماضية أو ~~مجموعها ، فإن كان الأول لزم أن تكون لكل واحد بداية ، وهو مسلم. وإن كان ~~الثاني فهو باطل ، لأن مجموع تلك الحوادث لا وجود له في وقت من الأوقات ، ~~وما لا وجود له لا يمكن أن يوصف بوصف ثبوتي في الخارج. # لا يقال : إنكم تصفون ذلك المجموع بأنه لا يمكن وصفه بالزيادة والنقصان ، ~~فنفي الوصف عنه دون غيره وصف له ، وهو متناقض. ولأن اليوم حال حضوره لا ~~يوصف بالأمسية وإنما يتصف بها بعد مضيه. # لأنا نقول : نفي الوصف لو كان وصفا كان نفي الشيء عين ثبوته ، وكل واحد ~~من النقيضين هو الآخر ، وهو محال. والأمسية وصف اعتباري لا خارجي. وإن كان ~~المحكوم عليه بهذا الوصف هو الصورة الذهنية ، فنقول : الذهن لا يقوى على ~~استحضار ما لا يتناهى على التفصيل ، بل يقوى على استحضار اللانهاية ، (2) ~~ومعنى اللانهاية من حيث هو (3) هذا المعنى أمر واحد PageV03P051 # ليس فيه ms0816 كثرة. وفرق بين اللانهاية ومعنى ما صدق عليه اللانهاية التي هي ~~الاعداد الموصوفة بذلك ، فكيف يلزم من اقتدار الذهن على استحضار معنى ~~اللانهاية اقتداره على استحضار الأمور التي حمل عليها اللانهاية؟ فظاهر أنه ~~لا يمكن الحكم على الحوادث الماضية بالزيادة والنقصان. # سلمنا إمكان الاتصاف ، لكن لم قلتم : إنه يقتضي البداية؟ فانكم إن عنيتم ~~باحتمال الحوادث الزيادة والنقصان أن الناقص (1) ينتهي ويفضل عليه من ~~الزائد شيء ، فهو ممنوع. وإن عنيتم أنه أبدا يوجد في جانب الزائد ما لا ~~يوجد في جانب الناقص ، فمسلم ، لكن لا يستلزم التناهي. # سلمنا (2)، لكن هنا ما يدل على عدم دلالته على التناهي ، وهو وجوه : (3) ### |||| ** الوجه الأول : الصحة الماضية من زمان الطوفان أقل مما مضى من زماننا ، ثم لا يجب أن تكون ~~للصحة بداية ، لما مر. ### |||| ** الوجه الثاني : الحوادث المستقبلة من زمان الطوفان أكثر منها إذا أخذت من زماننا ، ومع ذلك ~~فلا يقتضي ثبوت آخر الحوادث ، فكذا هنا. ### |||| ** الوجه الثالث : الباري تعالى متقدم على العالم بما لو كان هناك زمان لكان لا بداية له ، ثم ~~ذلك الزمان المقدر محتمل للزيادة والنقصان ، ولا يجب أن تكون لذلك الزمان ~~المقدر بداية ، وإلا لزم حدوثه تعالى. ### |||| ** الوجه الرابع : تضعيف الألف مرارا لا نهاية لها أقل من تضعيف الألفين ، وكلاهما غير ~~متناهيين مع ثبوت التفاوت بينهما. PageV03P052 ### |||| ** الوجه الخامس : معلومات الله تعالى أكثر من مقدوراته (1)، وهما غير متناهيين. ### |||| ** الوجه السادس : إذا علم الله تعالى شيئا فلا بد وأن يعلم أنه عالم بذلك الشيء وأن يعلم ~~بعلمه بذلك الشيء إلى ما لا يتناهى ، فهناك علوم غير متناهية مترتبة مع ~~انها قابلة للزيادة والنقصان. وسيأتي بطلان القول بأن العلم بالعلة نفس العلم. ### |||| ** الوجه السابع : أثبت مشايخ المعتزلة الذوات المعدومة ولا نهاية لها مع احتمالها للزيادة ~~والنقصان. وبعضهم (2) أثبت لله تعالى عالميات وقادريات لا نهاية لها. (3) # سلمنا أن الحوادث الماضية لها بداية ، فلم قلتم : إن الجسم إذا لم ينفك ~~عنها يجب أن تكون له بداية؟ فانه لا يجب تساوي المتلازمين في جميع الأحكام ~~، وإلا لكان ms0817 الجوهر عرضا وبالعكس. ### |||| ** والجواب : قوله : «المقدمة الثانية إعادة الدعوى مع زيادة دعاو». # قلنا : لا نسلم ؛ لأن المطلوب ثبوت الحدوث للعالم ، وجائز في بعض صفات ~~الشيء أن يكون بينا وبعضها غير بين ، وهذا غير البين يكون بينا لما هو بين ~~للشيء ، PageV03P053 # فجاز أن يكون المجهول مكتسبا بواسطة اللازم المعلوم ، فالحدوث مجهول ~~الثبوت للجسم ومعلوم الثبوت لما لم يخل عن الحوادث ، وعدم الخلو عن الحوادث ~~يكون معلوم الثبوت للجسم ، فتصير تلك النسبة المجهولة معلومة بواسطة ~~النسبتين المعلومتين ، فليست الثانية إعادة للدعوى. # قوله : «المنتج مجموع المقدمتين أو إحداهما؟» # قلنا : المجموع. # ومجموع (1) المقدمتين حاصل في الذهن لاجتماع التصورات في الذهن ، فإنا ~~نحكم بأمر على آخر والحكم يستدعي حضور المحكوم عليه والمحكوم به دفعة في ~~الذهن ، وإلا امتنع الحكم ؛ لأنه نسبة يتوقف ثبوته على ثبوت المنتسبين ~~دفعة. وكذا التصديقات يمكن اجتماعهما (2) في الذهن ، فانه يمكننا الحكم ~~بتلازم القضايا وتعاندها ، فنقول : كلما كانت الشمس طالعة كان النهار ~~موجودا. وإما أن تكون الشمس طالعة وإما أن يكون الليل موجودا. ولو لا حصول ~~علمنا بطلوع الشمس ووجود النهار والليل دفعة امتنع هنا الحكم باللزوم ~~والتعاند ، لأن الحكم بكون أحدهما لازما والآخر ملزوما حكم باللازمية ~~والملزومية ، وهو يستدعي العلم بكل واحد منهما. # قوله : «إذا لم يكن كل واحد منهما مؤثرا (3) لم يكن المجموع مؤثرا». # قلنا : إن عند اجتماع المقدمتين يحصل لهما وصف الاجتماع ، فبالطريق الذي ~~عقل به حصول الاجتماع لهما مع امتناع حصوله لكل واحد منهما منفردا يعقل به ~~حصول النتيجة منهما لا من كل واحدة منهما. PageV03P054 # قوله : «لا يمكن أن ينتج هنا». # قلنا : لا نسلم. # والنقض بحمل الجنس على الحيوان والحيوان على الإنسان غير وارد ؛ لعدم ~~اجتماع الشرائط ، لأن من جملتها كلية الكبرى وهو منفي هنا ، لكذب كل حيوان ~~جنس ، لامتناع صدق الجنسية على كل فرد ، بخلاف الكبرى في قياسنا ، فانها ~~كلية يصدق محمولها على كل فرد. # قوله : «المقدمة الثانية كاذبة ، لأن بتقدير أن لا تكون للحوادث بداية لا ~~يلزم من عدم خلو الجسم عنها حدوثه». (1) # قلنا : الكلام ms0818 عليه من وجهين : ### |||| ** الأول : هذا التقدير عندنا محال ، ولا يلزم من عدم صحة الكلام على تقدير باطل بطلان ~~الكلام ، فلو قلنا : كل خمسة فرد كانت قضية صادقة مع أنا لو قدرنا انقسام ~~الخمسة بمتساويين لم يكن فردا ، لكن لما كان هذا التقدير باطلا لم يقدح في ~~صدق الكلية ، فكذا هنا. ### |||| ** الثاني : نذكر الدليل على وجه آخر ، فنقول : الأجسام لا تخلو عن الحوادث ولتلك ~~الحوادث بداية ، ينتج : الأجسام لا تخلو عن حوادث لها بداية ، وهو المعنى ~~بحدوثها. # لا يقال : إذا قلنا الأجسام لا تخلو عن الحوادث ثم قلنا : والحوادث لها ~~بداية لم يتحد الوسط ، فان الموضوع في الكبرى الحوادث وهو جزء محمول الصغرى ~~، فلا ينتج. كما لو قلنا : كل جسم ففيه كائنية ، وكل كائنية عرض ، لم ينتج ~~أن كل جسم عرض ، وإنما لم ينتج لأن موضوع الكبرى جزء محمول الصغرى. PageV03P055 # لأنا نقول : لا ندعي أنه متى كان موضوع الكبرى جزء محمول الصغرى تلزم ~~النتيجة حتى يرد ما قلتم ، بل قد لا ينتج كما مثلتم به وقد ينتج بحيث يعلم ~~ذلك بالضرورة ، كما (1) في قولنا : «أ» مساو ك «ب» و «ب» مساو ك «ج» فانه ~~يلزم ان «أ» مساو ك «ج» بالضرورة ، مع أن موضوع الكبرى جزء محمول الصغرى. # قوله : «إن دل امتناع خلو الجسم عن الكائنيات على حدوثه دل استحالة لا ~~خلوه عنها على قدمه». (2) # قلنا : ليس قولنا يمتنع خلو الجسم عن كل الكائنيات نقيض قولنا إنه يمتنع ~~لا خلوه عن كل الكائنيات ، فانهما قد يجتمعان على الصدق ، لأن الحق أن ~~الجسم أبدا موصوف بكائنية واحدة ، فنقيض «يستحيل خلوه عن الكل» لا يستحيل ~~خلوه عن الكل ، لا أنه يستحيل لا خلوه عن الكل. # سلمنا أن استحالة الخلو عن الكل تناقضها استحالة اللاخلو عن الكل ، لكن ~~ليس يلزم أن يكون اللازم من أحد النقيضين نقيضا للازم من الآخر ، فان ~~الضدين يتشاركان في الدخول تحت جنس واحد فيجوز تشاركهما في أمر (3) واحد ، ~~فبطل ما قالوه. # قوله : «لا بد من تفسير الحدوث». # قلنا : تفسيره ms0819 المسبوق بالعدم أو بالغير. # ولا نسلم حصر أقسام التقدم في الخمسة ، فان تقدم أمس على اليوم ليس PageV03P056 # أحدها. (1) وتقدم الباري تعالى على العالم ليس بالزمان أيضا ، لامتناع ~~كونه تعالى زمانيا ، واستلزام أن يكون الزمان قديما. وإذا ثبت أن هذين ~~التقدمين (2) ليسا على أحد الأنحاء الخمسة ثبت نوع سادس للتقدم ، فبطل ما ~~قالوه ؛ فانهم بالوجه الذي عقلوا فيه تقدم الأمس على اليوم وتقدم الباري ~~تعالى على الحادث ، يجب (3) أن يعقلوا به تقدم عدم العالم على وجوده وتقدم ~~الباري على العالم. # قوله : «صحة حدوث العالم إما أن تكون لها بداية». (4) # قلنا : صحة حدوث العالم كصحة حدوث الحادث المعين بشرط كونه مسبوقا بالعدم ~~، فانه لا أول لصحة حدوث هذا الحادث مع امتناع أزليته ، فان الشيء بشرط ~~كونه مسبوقا بالعدم يمتنع أن يكون أزليا. # قوله : «ما المعنى بالحصول في الحيز؟». # قلنا : لا حاجة إلى تفسيره ، فإن كل عاقل يعلم أنه في مكانه المعين دون ~~سائر الأمكنة ، وما كان كذلك لا نحتاج إلى تفسيره. # قوله : «لا نسلم أن حصول الجسم في الحيز زائد عليه». (5) # وقال الشهرستاني : «ولو طالبهم مطالب لم حصرتم الأقسام في أربعة أو خمسة ~~لم يجدوا على الحصر دليلا سوى الاستقراء ...» نهاية الاقدام : 8. # راجع أيضا المطالب العالية 4 : 15 ؛ المباحث المشرقية 1 : 571 ؛ كشف ~~المراد : 58 ؛ شرح المواقف 6 : 270 ؛ شرح المقاصد 2 : 20. PageV03P057 # قلنا : إنا نعلم بالضرورة أن الكائنية أمر زائد على ذات الجسم ثبوتي ، ~~والأمور الضرورية لا تبطل بالشبه ، فان النظريات كسبية فإما أن يكتسب كل ~~علم من علم كسبي فيتسلسل أو يدور ، أو ينتهي إلى علم غير مكتسب وهو قول ~~بإثبات علوم غير كسبية ، والنظرية متفرعة عليها ، والفرع لا يقدح في الأصل ~~، وإلا لقدح في نفسه ، ولا وجه أبلغ في الفساد من كون الشيء قادحا (1). ~~ولا شك أن أظهر العلوم العلم بكون المتحركية والساكنية أمور متغايرة في ~~حقائقها لحقيقة الجسم ، فما ذكرتموه من الشبه يجري مجرى شبه السوفسطائية في ~~عدم استحقاقها للجواب. # سلمنا أنه كسبي ، لكنا نستدل عليه بتبدل الساكنية بالمتحركية ms0820 وبالعكس مع ~~بقاء الذات. # «ومنع بقاء الذات في الحالتين» ضروري البطلان ، فان زيدا الذي شاهدته ~~بالأمس هو الذي شاهدته الآن بالضرورة من غير تبدل. # لا يقال : المسلمون اتفقوا على أن الله تعالى قادر على أن يخلق شخصا مثل ~~زيد في شكله وصورته من جميع الوجوه ، ومع التجويز كيف يدعي الضرورة بانه ~~المشاهد بالأمس؟ # لأنا نقول : هذا الشك لا يقدح في علمي باني الذي كنت موجودا بالأمس ، ~~فاندفع الإشكال ، وهو مبني على نفي النفس الناطقة. # قوله : «تبدل الساكنية بالمتحركية لا يدل على وجود واحد منهما ، كتبدل ~~الامتناع بالصحة». (2) PageV03P058 # قلنا : لا نسلم تبدل الامتناع بالصحة ، وكيف لا نمنع ذلك؟ وتجويزه يفضي ~~إلى عدم الثقة بالقضايا البديهية ، حتى يلزم تجويز أن تنقلب استحالة الجمع ~~بين الضدين في بعض الأوقات ممكنا بل واجبا ، وهو جهل. بل نقول : المحال هو ~~وجود الفعل الأزلي ، وهذا المعنى لم تزل استحالته في شيء من الأوقات. ~~والممكن وجود الفعل فيما لا يزال ، وهذا لم تزل الصحة عنه في شيء من ~~الأوقات. # قوله : «الحدوث يتبدل بالبقاء من غير أن يكون واحد منها ثبوتيا». # قلنا : الحدوث حصول الذات في الزمن (1) الأول ، والبقاء حصولها في الزمن ~~(2) الثاني ، فالمتبدل إنما هو النسبة إلى الأزمنة فقط ، وذلك ليس ثبوتيا ، ~~وإلا لكان لذلك الأمر نسبة إلى ذلك الزمان ، ويتسلسل. وأما الكائنية فهي ~~النسبة إلى الأحياز والأمكنة ، وهي أحوال طارئة على الجسم مدركة بالمشاهدة ~~، فهي لا محالة ثبوتية. # قوله : «المتحركية والساكنية غير مشاهدة». # قلنا : الفرق بين الحالتين مشاهد بالحس فإنكاره مكابرة. وعدم الإحساس في ~~الصورة التي ذكرتموها لا يدل على انتفاء كونهما مدركتين في ذاتيهما ، وإلا ~~لما أدركنا قط. نعم يدل على أن إدراكهما مشروط ببعض الشرائط المفقودة في ~~تلك الصورة. # قوله : «لو سلمنا دلالة التبدل على كون أحد المتبدلين ثبوتيا ، لكن لا ~~يدل على كونهما وجوديين». PageV03P059 # قلنا : الحركة هي حصولات متعاقبة و (1) أحياز متوالية (2)، والسكون حصول ~~واحد في حيز واحد ، فالتفاوت بين الحركة والسكون إنما هو بالدوام وعدمه ، ~~وإذا كان كذلك فمتى كان أحدهما وجوديا ms0821 كان الآخر كذلك ، ضرورة توافقهما في ~~الحقيقة. # قوله : «ما ذكرتموه معارض بأمور». # قلنا : إفادة النظر في الدليل العقلي لا يتوقف على نفي ما يعارضها ، وإذا ~~كان كذلك لم نلتفت إلى المعارضات في العقليات ، لكن هذا كلام جدلي ، فانه ~~ليس جعل أحدهما أصلا والآخر معارضه أولى من العكس. # قوله : «الحصول في الحيز لشيء (3) فوجوده في الخارج يستدعي وجود الحيز في ~~الخارج». # قلنا : هذا باطل بالعلم ، فانه نسبة أو ذو نسبة بين العالم (4) والمعلوم. ~~ثم إنا نعلم المحالات ولا وجود لها في أنفسها مع أن النسبة المسماة بالعلم ~~حاصلة موجودة ، فعلمنا أن وجود النسبة لا يقتضي وجود كل واحد من المنتسبين. # قوله : «الكائنية لها نسبة إلى محلها». # قلنا : إنما أثبتنا الكائنية لأنا رأينا الجوهر الواحد تحرك بعد أن كان ~~ساكنا فعلمنا أن المتبدل غير المستمر ، فلو كانت الكائنية الواحدة تارة تحل ~~محلا وتارة تخرج عنه وتحل غيره كانت مثالا لمسألتنا ، لكن لما استحال ذلك ~~ظهر الفرق. PageV03P060 # قوله : «لو كانت الحركة موجودة لكانت إما مركبة من أمور غير متناهية ~~قابلة للقسمة الزمانية أو لا». # قلنا : اختار مثبتوا الجزء الأول. # قوله : «إذا انتقل الجزء من حيز إلى آخر متصل به ، متى يكون متحركا؟». # قلنا : عند ما يلاقي كلية الثاني. # قوله : «إنه حينئذ قد انقطعت (1) الحركة». # قلنا : الخروج عن الحيز الأول هو غير (2) الدخول في الحيز الثاني ، ~~والدخول في الحيز الثاني يسمى في أول أوقات وجوده حركة ، ثم إذا استمر فانه ~~يسمى حال استمراره سكونا. وعن هذا زعموا أن الحركة تماثل السكون. # وأما نفاة الجزء ، فانهم اختاروا القسم الثاني وهو عدم تركب الحركة من ~~أجزاء غير منقسمة زمانا. وبيانه : # أن الحاصل في الحاضر الذي هو الفارق بين الماضي والمستقبل طرف الحركة ~~وأما الحركة فانها لا توجد في ذلك الفاصل وإنما توجد في الزمان ، وهو عبارة ~~عن الحصول بين حدين من حدود المسافة على وجه لا تكون حال ذلك الحاصل في ذلك ~~الحصول في آن من الآنات المفروضة مشابهة لما قبلها أو لما بعدها ، ومعلوم ~~أن ms0822 هذه الحالة لا توجد في الآن ، بل هي مفترضة بين كل آنين يفترضان في ~~الزمان ، وليس كل ما لا يوجد في الآن يجب أن لا يكون موجودا ، وإلا لما كان ~~الزمان موجودا ، لأنه غير موجود في الآن. (3) PageV03P061 # ثم نعارض بالجسم ، فان لقائل أن يقول : لو كان الجسم موجودا لكان إما أن ~~ينقسم وهو محال ؛ لأنه يلزم من انقسامه انقسام الحركة ، ويلزم منه نفيها في ~~الذهن والخارج. ومحال أن لا يكون منقسما لما ذكروه فيلزم منه نفي الجسم. ~~ولما كان ذلك باطلا ، فكذا ما قالوه. # قوله : «لا نسلم أن الجسم إذا كان موجودا كان حاصلا في الحيز». # قلنا : قد بينا أن المقدار الممتد في الجهات الثلاث لا يمكن أن يكون له ~~محل ، بل هو قائم بنفسه ، والذي لا حقيقة له إلا كونه ممتدا في الجهات ، ~~يمتنع (1) خلوه عن الحصول في الجهات. # قوله : «هب (2) أن الجسم غير مركب من الأجزاء ، فتكون له هيولى». # قلنا : لا نسلم فساد القول بالجزء الذي لا يتجزأ. # سلمنا نفي الجزء ، فلم قلتم بأن الجسم هيولى؟ # والانفصال (3) إن عنى به الانقسام ، وبالاتصال المقدار ، فلم قلتم بأن ~~المقدار لا يقبل الانقسام؟ وكيف يمكن أن يقال ذلك مع أن قبول (4) التجزئة ~~للمقدار بالذات (5) ولغيره بواسطته؟ وإن عنيتم بالانفصال والاتصال شيئا آخر ~~فاذكروه لنتكلم عليه. # سلمنا أن للجسم هيولى ، لكن لا نسلم صحة خلوها عن الجسمية. # قوله : «لو امتنع خلوها لزم الدور». PageV03P062 # قلنا : يجوز أن تكون الجسمية من لوازم الهيولى وإن لم تكن الهيولى محتاجة ~~إليها (1)، كما نقوله في جميع لوازم الماهيات. # سلمنا احتياج الهيولى إلى تلك الصورة لا من حيث إنها تلك الصورة بل من ~~حيث إنها صورة (2)، وأما الصورة فتحتاج إلى الهيولى لا من حيث إنها صورة ~~بل من حيث إنها تلك الصورة ، وإذا اختلف الاعتبار اندفع الدور. # قوله : «كل محدث فانه مسبوق بإمكان الوجود». # قلنا : مسلم ، لكن ليس الإمكان ثبوتيا (3)، وإلا لكان ممكنا ؛ لاستحالة ~~وجوبه لذاته لاحتياجه إلى الموصوف ، فيتسلسل. # ولأن ثبوته إن كان في ذات الممكن فهو ms0823 محال ، لأن ثبوت الشيء في الشيء ~~يتوقف على ثبوت ذلك الشيء ، فلو كان الإمكان ثبوتيا قائما بالممكن لكان ~~ثبوت الممكن سابقا على ثبوته له ، فيلزم من استحالة زوال الإمكان عن الممكن ~~لذاته استحالة وجود (4) ذلك الممكن الذي هو شرط ذلك الإمكان ، فيكون الممكن ~~واجبا ، هذا خلف. # وإن كان قائما بغيره (5) فكذلك ، فان إمكانات الممكنات أمور يستحيل PageV03P063 # زوالها لأعيانها فلو كانت الإمكانات قائمة بغيرها كان وجود ذلك المحال ~~شرطا لوجود الإمكانات التي يمتنع زوالها لأعيانها ، وما كان شرطا لشيء واجب ~~الوجود لعينه (1) فهو أولى أن يكون كذلك. فإذن وجود الهيولى واجب لعينه ، ~~وهو محال بالاتفاق. ولأن إمكانات الماهيات لوازم لها ، ولوازم الماهيات لا ~~يعقل حصولها لغيرها (2)، وإلا لم تكن لوازم. # وإن كان لا في محل ، فهو باطل. # أما أولا : فلأنه لا يعقل وجود إمكان مجرد إلا لممكن. # وأما ثانيا : فلأنه يغني عن الهيولى. # قوله : «لا فرق بين نفي الإمكان وبين الإمكان المنفي». (3) # قلنا : يلزم مثله في الامتناع ، فانه لو لم يكن ثبوتيا لم يبق فرق بين ~~نفي الامتناع وبين امتناع منفي ، بل يلزمكم أن يكون العدم موجودا ، وإلا ~~فلا فرق بين نفي العدم وبين عدم منفي. # قوله : «بديهة العقل حاكمة بأن الشيء لا يحصل إلا من شيء». (4) # قلنا : بل هي حاكمة بأن حدوث الشيء من الشيء غير معقول ؛ لأن حدوث الشيء ~~من الشيء هو أن يصير بعض الشيء شيئا آخر ، وصيرورة الشيء شيئا آخر غير ~~معقول ، لأن ذلك الشيء إن بقي على حاله فهو لم يصر شيئا آخر ، وإن لم يبق ~~على حاله فقد عدم ووجد آخر ، إلا أن تفسروا حدوث الشيء من الشيء بأن الحادث ~~لا بد وأن يكون حدوثه في شيء ، فحينئذ تكون هذه النسبة (5) مفهومة ، PageV03P064 # لكنها ممنوعة. وكيف وقد بينا أن حدوث الجسمية في المحل محال؟ # قوله : «اللازم للجسم إما كل الكائنيات أو بعض مبهم أو معين». (1) # قلنا : هنا قسم آخر. بيانه : # أن لكل شيء حقيقة ثم (2) يعرض لتلك الحقيقة العموم تارة والخصوص أخرى ~~والتعيين (3) تارة والإبهام أخرى ms0824 ، وهي من جهة أنها تلك الحقيقة مغايرة ~~لتلك القيود ، فالكائنية من حيث هي كائنية مغايرة للوحدة والكثرة والتعيين ~~(4) والإبهام ، فلا نقول : الجسم تلزمه كل كائنية أو كائنية معينة أو مبهمة ~~، بل الجسم تلزمه الكائنية من حيث هي كائنية وهي حقيقة معينة ولها وحدة ~~نوعية ، فالجسم يقتضي تلك الحقيقة. # قوله : «تلك الحقيقة أمر لا يوجد إلا في الذهن ، فكيف يكون لازما ~~للجسم؟». (5) # قلنا : هذا سوء فهم لما قلنا ؛ لأن الحقيقة الذهنية هي الكائنية الكلية ~~أو المبهمة ، والكائنية الكلية أو المبهمة مقيدة بقيد وهي الكلية والإبهام ~~، وليس كلامنا فيها ، بل في الكائنية من حيث هي كائنية فقط وهي موجودة في ~~الأعيان ، لأن الكائنية المعينة موجودة في الأعيان ، والكائنية المعينة ~~كائنية مع قيد ، وإذا كانت الكائنية مع القيد موجودة كانت الكائنية أيضا ~~موجودة ، ثم (6) الكائنية بقيد كونها كلية أو مبهمة غير موجودة في الأعيان ~~، وليس كلامنا فيها. PageV03P065 # قوله : «الكائنية ليست علة للجسم ولا معلولة له ولا شرطا ، فوجب جواز خلو ~~الجسم عنها». (1) # قلنا : الجسم من حيث هو جسم علة الكائنية من حيث هي كائنية ، فتلك ~~الحقيقة لازمة للجسم من حيث إنها معلولة ، والعلة لا تنفك عن المعلول ، ولا ~~دور. وأما الكائنيات المعينة فالجوهر غير محتاج إلى شيء منها ، فلا دور. # قوله : «لم قلتم إن الكائنية حادثة؟». (2) # قلنا : لصحة عدمها ؛ لأنه لو وجب حصوله في حيز لكان الوجوب إما لنفس ~~الجسمية ، أو لعارضها ، أو لمعروضها ، أو لأمر لا عارض ولا معروض. # قوله : «التقسيم غير منحصر ، لجواز أن يثبت ذلك الوجوب لا لعلة». (3) # قلنا : وجوب حصول الجوهر في الحيز صفة لذلك الحيز ، وإذا لم يكن حصول ~~الجسم في الحيز مستقلا بنفسه فكيف يكون الوجوب المحتاج إليه مستقلا بنفسه؟ # قوله : «لو كان كل حكم معللا بعلة لكانت علية العلة لعلة وتسلسل». (4) # قلنا : علية العلة معللة بذاتها ، فلا تسلسل. # قوله : «لو كان الوجوب معللا لكان ممكنا لذاته». (5) # قلنا : إن عنيتم بكونه ممكنا كونه غير مستقل بوجوده بل هو في وجوده ~~ومعقوليته تبع للغير ، فلم قلتم : إن الوجوب ms0825 ليس كذلك؟ بل صريح العقل يشهد ~~بأن الوجوب حكم تابع في الثبوت والتصور للغير. وإن عنيتم به أمرا آخر ، PageV03P066 # فاذكروه. # قوله : «لم لا يكون الوجوب لجسميته؟». # قلنا : لأن الجسمية أمر مشترك ، واشتراك العلة يقتضي اشتراك الحكم ، فكان ~~يجب حصول كل الأجسام في ذلك الحيز. (1) # قوله : «لا نسلم أن الجسمية أمر مشترك». (2) # قلنا : المرجع في تماثل المتماثلاث واختلاف المختلفات إما إلى العقل أو ~~إلى الحس ، وهما حاكمان بتساوي الأجسام في الجسمية ؛ لأن المعقول من ~~الجسمية الامتداد في الجهات ، والعقل يشهد بأن هذا القدر غير مختلف في ~~أفراد الأجسام. (3) وأما في الحس ، فلأن كل جسمين يتساويان (4) فيما عدا ~~الجسمية من الصفات ، فانه يلتبس أحدهما بالآخر حتى يظن بأن أحدهما هو الآخر ~~، ولو كان الاختلاف في الجسمية حاصلا لما حصل هذا الالتباس. وفي هذا الكلام نظر. # قوله : «لو كانت الجسمية أمرا مشتركا لتوقف دخوله في الوجود الخارجي على ~~انضمام المشخص إليه ، وتوقف انضمام المشخص إليه على دخوله في الوجود». (5) # قلنا : هذا إنما يلزم لو جعلنا التشخص أمرا وجوديا زائدا على تلك الحقيقة ، PageV03P067 # فإذا لم نقل بذلك بل جعلناه عبارة عن قيد عدمي وهو أنه ليس غيره ، اندفع ~~الإشكال. والذي يحقق أن التشخص لا يمكن أن يكون أمرا ثبوتيا أنه لو كان ~~كذلك لكان (1) له تشخص آخر ويتسلسل. ونحن قد حققنا هذا فيما تقدم في باب ~~التشخص. (2) # قوله : «التفاوت بين المثلين أكثر من التفاوت بين الذات الواحدة في ~~حالتين ، وإذا عقل وجود اتصاف الذات بالمقدورية في حالة وامتناع اتصافها في ~~حالة أخرى ، فلم لا يجوز أن يكون أحد المثلين يقتضي حكما دون الآخر؟». (3) # قلنا : هذا الإشكال إنما يلزم لو جعلنا الحقيقة مقتضية لصحة المقدورية من ~~حيث هي تلك الحقيقة ، ثم إنها تقتضي تارة ولا تقتضي أخرى ، ونحن لا نقول ~~كذلك ، بل نقول : الذات بشرط الحدوث تقتضي المقدورية ، وفي زمان البقاء فقد ~~الشرط فلا جرم يزول الحكم. # والتحقيق أن نقول : المقتضي لصحة المقدورية إنما هو الحدوث ، وهو أمر ~~مغاير للبقاء ، والذات لا تعلق لها بالاقتضاء. ms0826 # قوله : «الباقي مثل الحادث ، ثم لم يلزم من تماثلهما اشتراكهما في صحة ~~المقدورية». (4) # قلنا : إنما يلزم (5) ذلك لما ذكرناه ، لأن صحة المقدورية ليست معللة ~~بالذات وحدها بل بالذات بشرط الحدوث. على أن كثيرا من الناس ذهبوا إلى احتياج PageV03P068 # الباقي الممكن إلى السبب كما يحتاج الحادث ، بل هذا أولى ، لما تقدم. (1) # قوله : «الممكن المعين إنما يحتاج إلى المؤثر المعين لإمكانه ، والإمكان ~~مشترك بين جميع الممكنات مع عدم حاجة الجميع إلى ذلك المؤثر بعينه». (2) # قلنا : لا نسلم أن إمكان الممكن المعين علة لاحتياجه إلى ذلك المؤثر ~~بعينه ، بل هو علة لاحتياجه إلى مطلق المؤثر ، ثم إن ذلك المؤثر المعين علة ~~لذاته المخصوصة لوجود ذلك المعين ، وإمكان المعلول محوج إلى مؤثر مطلق ، ~~فلا جرم متى تحقق الإمكان تحققت الحاجة إلى العلة المطلقة. وأما تعين العلة ~~فإنما جاء من خصوصية ذات المؤثر ، وتلك الخصوصية غير مشتركة بينه وبين سائر ~~المؤثرات. # قوله : «لم لا يجوز أن يكون تعين الشخص المعين شرطا لصدور الحكم عن العلة ~~، و (3) تعين غيره يكون مانعا؟». # قلنا : هذا إنما يتم لو كان تعين كل متعين مخالفا لتعين المتعين الآخر ، ~~أما إذا تساوت التعينات في تمام ماهياتها اندفع الإشكال. وهنا أبحاث دقيقة ~~يجب التأمل فيها. # قوله : «لم لا يجوز أن يكون ذلك الوجوب شيئا (4) من عوارض الجسمية؟». (5) # قلنا : لأن ذلك العارض إن لم يكن لازما لم يكن الحصول في الحيز المعين PageV03P069 # الحاصل نسبته لازما ، وإن كان لازما كان لزومه إما للجسمية أو للازم آخر ~~، ويتسلسل. # قوله : «لم لا يجوز أن يكون لمعروض الجسمية؟». (1) # قلنا : بينا امتناع حلول الجسمية في محل. # قوله : «لم لا يجوز أن يكون حصول ذلك المحل في الجهة تبعا لحصول الجسمية ~~فيها؟». (2) # قلنا : لأنه يكون (3) ذلك المحل محتاجا إلى الجسمية ، فلو كانت الجسمية ~~حالة فيه لوجه آخر كانت محتاجة إليه ؛ لاحتياج الحال إلى المحل ، فيدور. # والمعارضات تقدم الجواب عنها. (4) # قوله : «لم لا يكون لشيء غير جسم ولا جسماني؟». (5) # قلنا : ثبت (6) أن نسبته إلى جميع الأجسام متساوية ، فلم يكن بأن ms0827 يجب ~~حصول بعض الأجسام لأجله في حيز معين أولى من أن يجب حصول الباقي فيه. # قوله : «إذا جاز أن يرجح القادر أحد المثلين على الآخر جاز في الموجب». # قلنا : الفرق ظاهر ، فان الضرورة قاضية بأن الجائع المشرف على الموت ~~لجوعه إذا وضع عنده رغيف فانه يبتدى بأكل جانب معين من غير شيء اقتضى ترجح ~~ذلك الجانب على غيره من الجوانب المساوية له. والضرورة أيضا قاضية بأن ~~السراج إذا أضاء جانبا بقدر ذراع فانه يجب أن يضيء من الجانب الآخر بذلك ~~القدر. وإذا فرقت الضرورة بينهما امتنع القياس. وبتقدير عدم الفرق فالمقصود PageV03P070 # حاصل ، فان الموجب إذا عقل منه ما يعقل في القادر فكما أن القادر يجعل ~~الجسم في الحيز ثم يخرجه عنه فليعقل أيضا ذلك من الموجب ، وبهذا التقدير ~~يكون خروج الجسم عن الحيز ممكنا. # قوله : «صحة وجود الشيء معللة بحقيقته ، ثم إن حقيقة العالم اقتضت الصحة ~~في بعض الأوقات دون البعض ، فقد تخصص أثر الموجب». # قلنا : هذا بناء على أن الصحة أمر وجودي ، وليس لما مر. ولأنه لا يمكن ~~جعل الصحة من معلولات (1) الحقيقة ، فان قبل الحدوث لم يكن للحادث ذات وعين ~~وثبوت حتى يجعل علة لشيء ، بل ذلك أمور فرضية ذهنية. # قوله : «ثبت (2) أن الجوهر يصح خروجه عن حيزه ، فلم قلتم : إن الكائنية ~~تعدم؟ فجاز أن تكون كامنة أو تنتقل إلى محل آخر أو لا إلى محل». (3) # قلنا : لا نعني بالكائنية إلا حصول الجسم في الحيز. والمعنى بخروج الجسم ~~عن الحيز انه لم يبق حاصلا فيه ، فالكمون والانتقال على الكائنية محالان. ~~أما من أثبت معاني (4) هي علل موجبة لهذه الكائنية فانه يتوجه عليه هذا ~~السؤال. (5) # قوله : «لم قلتم باستحالة عدم القديم؟». (6) # قلنا : لأنه إما واجب أو مستند إليه. # قوله : «هذا ينتقض بزوال امتناع وجود العالم وحدوث صحته مع انهما PageV03P071 # حكمان واجبا الحصول لذاتيهما». (1) # قلنا : الصحة والامتناع وصفان ذهنيان لا خارجيان. # قوله : «لم لا يكون ممكنا ، بمعنى قبوله للعدم وتكون الوجودية أولى؟». (2) # قلنا : تقدم بطلانه. # قوله : «ثبت (3) أن قبول الوجود ms0828 والعدم على السواء ، فلم قلتم : إنه لا ~~بد له من سبب؟». (4) # قلنا : لأن بديهة العقل شاهدة بأن الحقيقة إذا كانت نسبة الوجود إليها ~~كنسبة العدم ، فانه لا يترجح إحدى النسبتين على الأخرى إلا لمرجح. # قوله : «الحدوث علة الحاجة ، فان البناء يستغني عن الباني حال بقائه». (5) # قلنا : المحتاج إلى الباني ليس هو استقرار أجزائه في مواضعها ، بل انتقال ~~تلك الأجزاء من موضع إلى موضع آخر ، فأما استقرارها في مواضعها فللأكوان ~~التي يخلقها الله تعالى فيها حالا بعد حال ، أو أن فيها قوى تقتضي البقاء ~~والاستمرار في تلك الأحياز. وكذا الحجر المرمي. # قوله : «لو احتاج الأثر إلى المؤثر حال بقائه فلا يخلو إما أن يكون ~~للمؤثر فيه تأثير أو لا ، فإن كان فإما أن يكون تأثير المؤثر فيه هو الوجود ~~الأول أو وجود آخر». (6) # قلنا : إن عنيتم بقولكم «المؤثر هل له فيه تأثير؟» أن المؤثر هل فيه تأثير PageV03P072 # جديد؟ فليس الأمر كذلك. وإن عنيتم أن المؤثر له فيه تأثير ، بمعنى أن ~~الأثر الذي وجد عنه استمر لأجل استمراره ، فالأمر كذلك. # قوله : «سلمنا أنه لا بد من مؤثر ، فلم لا يجوز أن يكون المؤثر موجبا؟». (1) # قلنا : لأن ذلك الموجب إما واجب أو مستند إليه ، ويلزم من امتناع زواله ~~امتناع زوال ذلك القديم. # قوله : «إن جاز تخلف الأثر عن القادر جاز في الموجب». (2) # قلنا : قد مر الفرق. (3) # قوله : «لم لا يجوز أن يكون المؤثر قادرا؟». # قلنا : لأنا نجد من أنفسنا تعذر الاقتدار على الباقي ، والعلم (4) به ضروري. # قوله : «العدم السابق مناف لوجود الفعل والفاعلية ، فكيف يكون شرطا ~~لهما؟». (5) # قلنا : إنما تتحقق (6) بشرط المقارنة ، فلم لا يجوز أن يكون المنافي عند ~~المقارنة بعدمه شرطا لوجوب الشيء المستمر ، كما أن كل جزء من أجزاء الحركة ~~علة معدة لحدوث الجزء الآخر الذي يتلوه مع امتناع اجتماع (7) الأجزاء ، ~~فكذا هنا. PageV03P073 # قوله : «المحتاج (1) إلى المؤثر إما الوجود أو المسبوقية بالعدم». # قلنا : الوجود بشرط كونه مما سيحدث ، والباقي ليس كذلك. # قوله : «الباقي ممكن الوجود فيحتاج إلى السبب ، فلا يشترط الحدوث ms0829 في ~~الحاجة». (2) # قلنا : لا نزاع في أن مطلق الحاجة لا تتوقف على الحدوث بل الحاجة إلى ~~القادر والتعلق (3) به هو المحتاج إلى قيد الحدوث ، وهذا القدر هو الدعوى ، ~~وهو ضروري. # قوله : «لو كان الحدوث علة دار». (4) # قلنا : ليس العلة الحدوث ، بل الإمكان بشرط كون الممكن مما سيحدث لا ~~بمعنى أن الشرط كونه حادثا ، حتى لا يلزم الدور لأجل الشرطية. # لا يقال : هذا مناقض لما تقدم ، لأنك جعلت الآن المحتاج إلى المؤثر يجب ~~أن يكون حادثا ، وقد ذكرت قبل ذلك أنه لا تتوقف حاجة الشيء إلى المؤثر على ~~الحدوث. # لأنا نقول : الذي ذكرناه أولا أن الحاجة إلى المؤثر الموجب لا تتوقف على ~~الحدوث ، وذكرناه الآن أن الحاجة إلى القادر تتوقف على الحدوث ، فزال ~~التناقض. (5) # قوله : «لم قلتم : إن لتلك الحوادث بداية؟ وسبق العدمات معارض PageV03P074 # لصحة حدوثها في الأوقات المقدرة». (1) # قلنا : الصحة أمر ذهني لا تحقق له في الخارج. # قوله : «الخيال وقع لتوهم كون الأزل حالة معينة». # قلنا : لا حاجة في تقرير الدليل إلى ما ذكرتموه ، لأن كل واحد من الحوادث ~~مسبوق بعدم لا أول له ، فلو قدرنا كل واحد من تلك العدمات شيئا موجودا لكان ~~كل واحد من تلك الأشياء قديما ، وتلك القدماء لا بد وأن تفرض متقارنة ~~الوجود في حيزها (2) وإلا لكان بعضها بعد البعض ، وهو يقدح في كونها قدماء ~~، وإذا كانت تلك الأشياء متقارنة فعند حصولها بأسرها لا يوجد شيء من ~~الحوادث ، لأن أحد الأمور الحاصلة عند ذلك المقارن المفروض هو عدم هذا ~~الحادث ، فلو حصل وجود هذا الحادث معه لكان وجود الشيء مع عدمه ، وهو محال. ~~فثبت أنا متى فرضنا أن لكل حادث عدما سابقا عليه لا أول له لزم كون كلها ~~مسبوقا بالعدم. (3) # قوله : «هذا معارض بالأوقات المقدرة». (4) # قلنا : الأوقات المقدرة ليست أمورا وجودية فلا يكون مثالا لمسألتنا. وإذا ~~ظهر جواب الأسئلة على الأول ظهر جواب الأسئلة على الثاني. # قوله على الثالث : «مجموع الحوادث غير حاصل بالفاعل ، لأنه واجب الحصول ~~عند حصول آحاده». (5) PageV03P075 # قلنا : تعنون به أنه ms0830 واجب الحصول عند كل واحد من آحاده ، أو عند حصول ~~مجموع آحاده. والأول فاسد ، فان العشرة لا تجب عند حصول كل واحد من آحادها. ~~والثاني فاسد ، لأن مجموع الحوادث ليس إلا جملة آحاده على الاجتماع. والقول ~~بتعليل حصول الشيء عند حصول غيره يستدعي التغاير ، فإذا انتفى التغاير بطل ~~التعليل. # سلمنا حصول التغاير ، لكن المجموع لما كان محتاجا إلى هذه الأشياء ~~المتأخرة في وجودها (1) عن الباري وجب أن يكون هو أيضا متأخرا عنه. # قوله على الرابع : «وصف الشيء بالزيادة والنقصان [يستدعي وجود ذلك ~~الشيء]» (2)، مع أن أجزاء الزمان بمجموعها قط لا توجد في شيء من الأوقات. ~~فإذا اعترفتم باحتماله للزيادة والنقصان عند ما حاولتم إثباته ، فكيف منعتم ~~من وصفه بهما عند ما حاولنا إثبات تناهيه؟ وعلى أن هنا طريقة أخرى ، وهي أن ~~نقدر انه حصل في كل دورة من الدورات الماضية شيء وبقي ذلك الشيء إلى الآن ، ~~كما يقوله الفلاسفة في النفوس الناطقة ، فمجموع النفوس الحاصلة في هذا ~~اليوم محتملة للزيادة والنقصان فتكون متناهية ويلزم من تناهيها تناهي ~~الدورات الماضية ، ويحصل المقصود. # قوله (3): «لا بداية للصحة الماضية والزمان الماضي المقدر ولا نهاية ~~للصحة في المستقبل». # قلنا : قد بينا أن الصحة ليست وجودية ، وكذا الزمان المقدر والصحة ~~المستقبلة ، فلا يمكن وصفها بالزيادة والنقصان ، لما ذكرتم من أن ما لا يكون PageV03P076 # موجودا لا يتصف بالوصف الوجودي. وكذا القول في تضعيف الألف مرارا لا ~~نهاية لها ، فان ذلك التضعيف ليس حاصلا في الخارج ، بل هو اعتباري ذهني. # وأما العلم بالشيء مع العلم به ، قلنا : ليس علم الله تعالى عبارة عن هذه ~~التعلقات (1)، بل عن صفة قائمة به تعرض لها تلك التعلقات ، وأما تلك ~~التعلقات فليس لها في الخارج وجود بل هي من باب النسب والإضافات. # وأما التفاوت بين معلومات الله ومقدوراته (2)، فليس هناك في المعلومات ~~أعداد وفي المقدورات أعداد أخر وجودية مع أن أحد المجموعين أقل من الآخر ~~حتى يلزم الإشكال ، بل المعنى بقولنا (3): «لا نهاية لمقدورات الله تعالى» ~~أنه لا تنتهي إلى حد ms0831 إلا ويصح منه الإيجاد بعد ذلك. فحاصل القول في عدم ~~تناهي مقدورات الله تعالى دوام صحة موجديته ، لا أن (4) هناك أعدادا موجودة ~~محتملة للزيادة والنقصان. # قوله : «لو لزم من استحالة خلو الجسم عن الحوادث كونه حادثا لزم من (5) ~~استحالة خلوه (6) عن العرض كونه عرضا». # قلنا : الفرق بينهما ظاهر ؛ لأن الشيئين إذا تلازما وامتنع انفصال أحدهما عن PageV03P077 # الآخر كانت مدة وجود أحدهما مساوية لمدة وجود الآخر ، فإذا كانت مدة وجود ~~أحدهما متناهية كانت مدة الآخر كذلك ، ولكن لا يلزم من التلازم كون كل واحد ~~من المتلازمين مساويا في حقيقته وماهيته للآخر ، فظهر الفرق. # وهنا سؤال مشكل وهو أن يقال : إن أردتم بالحوادث الأمور الشخصية منعنا ~~صدق الصغرى لانها قد (1) تخلو عن الأشخاص. وإن أردتم نوعها فلا نسلم حدوثه. ~~والحاصل أن الذي لا ينفك الجسم عنه هو نوع الحوادث وذلك قديم ، والحوادث ~~إنما هي الشخصية والأجسام تنفك عنها. # والجواب أن نقول : قدم النوع يستلزم قدم شخص ، فالاستحالة وجود النوع في ~~الخارج منفكا عن شخص ، لكن كل شخص حادث ولا شيء من الأشخاص بقديم فلا شيء ~~من النوع بقديم. # قال أفضل المحققين : «الدليل الذي اعتمد عليه الجمهور من المتكلمين في ~~هذه المسألة يحتاج إلى إقامة حجة على دعوى واحدة من الدعاوي الأربع ~~المذكورة وهي امتناع وجود حوادث (2) لا أول لها في جانب الماضي ، فنورد ~~أولا ما قيل فيه وعليه ، ثم أذكر ما عندي فيه ، فأقول : الأوائل قالوا في ~~وجوب تناهي الحوادث الماضية : إنه لما كان كل واحد منها حادثا كان الكل حادثا. # واعترض عليه بأن حكم الكل (3) ربما يخالف الحكم على الآحاد ، ثم قالوا : ~~الحوادث الماضية تتطرق إليها الزيادة والنقصان ، فتكون متناهية. وعورض ~~بمعلومات الله تعالى ومقدوراته ، فان الأولى أكثر من الثانية مع عدم ~~تناهيهما. # ثم قال المحصلون منهم : الحوادث الماضية إذا أخذت تارة مبتدئة من الآن PageV03P078 # مثلا ذاهبة في الماضي وتارة مبتدئة من مثل هذا الوقت من السنة الماضية ~~ذاهبة في الماضي وأطبقت إحداهما على الأخرى في التوهم بأن يجعل المبدءان ~~واحدا ms0832 وهما في الذهاب إلى الماضي متطابقان (1)، استحال تساويهما ، وإلا ~~كان وجود الحوادث (2) # الواقعة في الزمان الذي بين الآن وبين السنة الماضية وو عدمها واحدا ، ~~واستحال كون المبتدئة من السنة الماضية زائدة على المبتدئة من الآن ؛ لأن ~~ما نقص من المتساويين لا يكون زائدا على كل واحد منهما. # فإذن يجب أن تكون المبتدئة من السنة الماضية في جانب الماضي أنقص من ~~المبتدئة من الآن في ذلك الجانب ، ولم (3) يمكن إلا بانتهائه قبل انتهاء ~~المبتدئة من الآن ، ويكون الأنقص متناهيا ، والزائد عليه بمقدار متناه يكون ~~متناهيا ، فيكون الكل متناهيا. # واعترض الخصم عليهم بأن هذا التطبيق لا يقع إلا في الوهم ، وذلك يكون (4) ~~بشرط ارتسام المتطابقين فيه ، وغير المتناهي لا يرتسم في الوهم. ومن البين ~~انهما لا يحصلان في الوجود معا ، فضلا عن توهم التطبيق بينهما (5) في ~~الوجود. # فإذن هذا الدليل موقوف على حصول ما لا يحصل لا (6) في الوهم ولا في PageV03P079 # الوجود. وأيضا الزيادة والنقصان إنما يفرض في الطرف المتناهي لا في الطرف ~~الذي وقع النزاع في تناهيه ، فهو غير مؤثر فيه. هذا حاصل كلامهم في هذا ~~الموضع». # ثم قال : «وأنا أقول : إن كل حادث موصوف بكونه سابقا على ما بعده وبكونه ~~(1) لاحقا بما قبله والاعتباران مختلفان ، فإذا اعتبرنا الحوادث الماضية ~~المبتدئة من الآن تارة من حيث كل واحد منها (2) سابق وتارة من حيث هو بعينه ~~لاحق ، كانت السوابق واللواحق المتباينتان (3) بالاعتبار (4) متطابقتين (5) ~~في الوجود ، ولا يحتاج في تطابقهما إلى توهم تطبيق. ومع ذلك يجب كون ~~السوابق أكثر من اللواحق في الجانب الذي وقع النزاع فيه. فإذن اللواحق ~~متناهية في الماضي ، لوجوب انقطاعها قبل انقطاع السوابق والسوابق الزائدة ~~عليها بمقدار (6) متناه متناهية أيضا. ولما تبين امتناع وجود حوادث لا أول ~~لها في جانب الماضي ، وتبين مما مر امتناع وجود حوادث لها أول ينتهي إليه ~~وهو سكون أزلي ، فقد تبين امتناع وجود ما لا تخلو الأجسام عنها في الأزل ، ~~وتبين منه امتناع وجود الجسم في الأزل. # فإذن قد تم هذا الدليل مع (7) سقوط ms0833 ما اعترض به عليه. ويتم بذلك الدليل ~~على حدوث العالم بطريقة الجمهور ، وهو لا يخلو عن نظر». (8) PageV03P080 # والمعتمد أن نقول : هنا أكوان حادثة فالمدعى قدمه : إما أن يكون المجموع ~~وهو باطل بالضرورة ، لأن المجموع متأخر عن آحاده الحادثة والمتأخر عن ~~الحادث بالضرورة حادث. وإما أن يكون كل واحد وهو باطل بالضرورة ، لأنا ~~فرضناه حادثا. أو يكون واحدا منها وهو محال أيضا ، وإلا لم يكن ذلك حادثا ~~فلا يكون بعض آحاد مجموع الحوادث ، هذا خلف. ولا يكون مسبوقا بغيره فتنقطع ~~الحوادث عنده فلا توصف باللانهاية ، ولا نوعها لما تقدم من أن النوع لا ~~يوجد في الخارج منفكا عن شخص. (1) ### | الوجه الثاني : في الحدوث (2) # أن نقول : لو كانت الأجسام أزلية لكانت في الأزل إما متحركة (3) أو ساكنة ~~(4)، والتالي بقسميه باطل ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن الجسم إن كان مستقرا في مكان واحد أكثر من زمان واحد ~~فهو الساكن ، وإن لم يستقر كذلك كان متحركا (5)، لكنه لا يجوز أن يكون ~~متحركا في الأزل لوجوه : PageV03P081 ### |||| ** الأول : ماهية الحركة : حصول الجسم في حيز بعد أن كان في آخر ، فماهيتها تستدعي ~~المسبوقية بالغير (1)، والأزلية تقتضي اللامسبوقية بالغير ، والجمع بينهما محال. ### |||| ** الثاني : كل واحد من الحركات محدث فهو مفتقر إلى موجد ، وكل ما كان كل واحد منه ~~مفتقرا إلى الموجد كان كله مفتقرا إلى الموجد ، فلكل الحركات موجد مختار ، ~~وكل فعل لفاعل مختار فهو محدث لا بد له (2) من أول ، فلكل الحركات أول ، ~~وهو المطلوب. ### |||| ** الثالث : إن حصل في الأزل حركة ما لم تكن مسبوقة بغيرها وكانت أول الحركات. وإن لم ~~يحصل في الأزل شيء منها كانت حادثة. ### |||| ** الرابع : كل حركة مسبوقة بعدم قديم وليس معها حركة ولا تساوي السابق والمسبوق ، ~~فللمجموع أول. ### |||| ** الخامس : كلما تحرك زحل دورة تحركت الشمس ثلاثين دورة (3)، فعدد دورات زحل أقل من ~~عدد دورات الشمس. ### |||| ** السادس : التطبيق دال على التناهي. (4) # راجع أيضا أنوار الملكوت في شرح الياقوت : 32 (المسألة الأولى من المقصد ~~الثالث). PageV03P082 ### |||| ** السابع : لو كانت الأدوار الماضية غير متناهية لكان وجود ms0834 اليوم موقوفا على انقضاء ما ~~لا نهاية له (1) وانقضاء ما لا نهاية له محال ، والموقوف على المحال محال. # وأما أنه لا يجوز أن يكون ساكنا فلوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : لو كانت ساكنة فإما أن تصح عليها الحركة أو لا. والأول محال ، لأن صحة ~~الحركة عليها تتوقف على صحة وجود الحركة في نفسها ، وقد سبق أن وجود الحركة ~~في الأزل محال ، فثبت أنه لا تصح الحركة عليها. # فذلك الامتناع إن كان لازما للماهية وجب أن لا يزول البتة ، فوجب أن لا ~~تصح الحركة على الأجسام فيما لا يزال ، هذا خلف. وإن لم يكن من لوازم ~~الماهية أمكن زواله وتكون الحركة عليه جائزة ، وقد أبطلناه. ### |||| ** الوجه الثاني (2) ### |||| ** : السكون أمر ثبوتي على ما يأتي ، فلو كان ذلك السكون قديما امتنع زواله ، ~~لأنه (3) إن كان واجبا لذاته فظاهر ، وإن كان ممكنا استند إلى واجب موجب ~~دفعا للدور والتسلسل (4) وقدم (5) فعل المختار ، لكن التالي باطل ، لأنا ~~نشاهد عدم السكون في الفلكيات والعنصريات معا ولا جسم إلا هذين. # ولأن الأجسام متماثلة (6)، فإذا صح على بعضها الحركة صح على الجميع. PageV03P083 # ولأن الجسم إما بسيط أو مركب من البسائط ، وكل بسيط فان مقولة الوضع له ~~غير واجبة ، لأنه إذا لاقى بأحد طرفية جسما صح على طرفه الآخر تلك الملاقاة ~~، وإنما يمكن ذلك بالحركة ، فصحت الحركة عليه. (1) وكذا المركب من البسائط ~~فانه يصح على كل واحد منها ذلك ، والقديم لا يمكن عدمه ، فالسكون ليس بقديم. ### |||| ** الوجه الثالث (2) ### |||| ** : كما أن ماهية الحركة تستدعي المسبوقية بالغير ، كذا السكون يستدعي ~~المسبوقية بالغير ، لأنه عبارة عن الحصول الثاني في الحيز الأول ، فان أول ~~حصول الجسم في المكان لا يكون سكونا فإذا لبث فيه آنا ثانيا سمي حينئذ ~~سكونا. فماهية السكون تستدعي المسبوقية بالحصول الأول في المكان ؛ لأن ~~الحصول الثاني مسبوق بالحصول الأول ، والأزلية تنافي المسبوقية بالغير ، ~~فالسكون ليس بأزلي. # فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون أزليا. وهذا الدليل قريب من الأول. # فإن قيل هذه الدعوى متناقضة (3)، لأنه لا أول لإمكان العالم ، وإلا لكان ~~قبله ms0835 إما واجبا أو ممتنعا ثم انقلب ممكنا ، وهو باطل ؛ لأن الإمكان للممكن ~~ضروري ، فيكون العالم قد كان ممتنع الاتصاف بالإمكان ثم صار واجب الاتصاف ~~به فجاز أن يكون العالم ممتنع الاتصاف بالوجود ثم اتصف بوجوبه ، فيلزم نفي ~~الصانع. PageV03P084 # ولأنه لو جاز الانتقال من الامتناع إلى الإمكان لجاز في شريك الباري ، ~~والجمع بين الضدين ، وإذا لم تكن لإمكان العالم بداية كان القول بامتناعه ~~في الأزل متناقضا لهذا. # وأيضا إن فسر الحدوث بالمسبوقية بالعدم وأريد السبق الذاتي لم يقتض ~~الحدوث والسبق بالعلة والمكان ، والشرف منفي هنا ، وبالزمان يقتضي قدمه ؛ ~~لأن ذلك السبق إذا لم يكن له أول وكان مفهومه يقتضي تحقق الزمان لم يكن ~~للزمان أول ، فهو قديم فمحله وهو الحركة قديم فمحلها وهو الجسم قديم (1)، ~~فتفسير الحدوث يوجب العدم ، وهو تناقض. # وإن فسر بالمسبوقية بوجوده تعالى ، فإن أريد السبق بالعلية أو بالطبع أو ~~بالشرف فمسلم ، والمكان منفي والزمان يقتضي قدمه. # سلمنا ، لكن لا نسلم أن الجسم لو كان قديما لكان إما متحركا أو ساكنا ، ~~لأن ذلك فرع حصول الجسم (2) في المكان ، وهو منفي ، لأن المكان إن كان ~~معدوما لزم حصول الموجود في المعدوم ، وهو محال. وإن كان موجودا لزم أن ~~يكون له مكان إن كان جسما لصحة الحركة عليه ويتسلسل ، ولو صح فالموجود حاصل ~~، لأن تلك أجسام فتقبل الحركة وهي الانتقال من مكان إلى مكان ، فلكل ~~الأجسام مكان ليس بجسم لخروجه عن كل الأجسام ، وإن لم يكن مشارا إليه لم ~~يكن مكانا ، لأن المكان هو الذي يتحرك عنه وإليه فإليه إشارة. # سلمنا ، لكن لا نسلم أن الأزلية تنافي حركات بغير نهاية وإن نافت حركة ~~حركة منها. ولأن كون ماهية الحركة مركبة من جزء سابق وجزء لاحق ينافي ~~دوامها في ضمن أفرادها المتعاقبة لا إلى أول ، وهو المعنى بكونها أزلية. PageV03P085 # ولا نسلم أن المجموع فعل للمختار ، لأن الموجب قد يتخلف عنه الأثر إما ~~لفوات شرط أو لحضور مانع ، فلم لا يجوز أن يقال : المؤثر في وجود هذه ~~الحوادث موجب بالذات، إلا أن ms0836 كل حادث يتقدم تقدمه (1) شرط لأن يصدر عن ~~العلة الموجبة حادث آخر بعده؟ # سلمنا أنه فعل المختار ، لكن لا يجب حدوثه ، لأن وجود الحادث وصحة تأثير ~~المؤثر فيه ممكن أبدا ، لاستحالة انتقاله من الامتناع الذاتي إلى الإمكان ~~الذاتي ، وإذا كان كل منهما ممكنا (2) أزلا كان تأثير القادر في الأثر أزلا ~~جائزا. وليس في الأزل شيء من الحركات الجزئية بل القديم الحركة الكلية ~~بتعاقب الأفراد الجزئية وهي ليست مسبوقة بغيرها ، ولم يلزم أن يكون لكل ~~الحركات الجزئية أول. # واجتماع العدمات إن عنيت به في حيز ما ، فهو ممنوع ؛ لأنه ما من حيز يفرض ~~إلا وينتفي واحد منها فيه لوجود الحركة التي هي عدمها ضرورة تعاقب تلك ~~الحركات لا إلى أول. # وإن عنيت به أنه لا ترتب في بدايات تلك العدمات كما في بدايات الوجودات ، ~~فلا يلزم من اجتماع بعض الموجودات معها محذور. # والجملة الناقصة لا تنقطع من المبدأ ، وإنما يكون الشيء مع غيره كهو لا ~~مع غيره لو كانت أفراد الناقص مثل أفراد الزائد ، كما في مراتب الأعداد من ~~الواحد إلى ما لا يتناهى إذا أطبقنا إحدى الجملتين على الأخرى. # وانقضاء ما لا نهاية له محال ، أما انقضاء ما لا بداية له ففيه النزاع. # اعترضه الشيخ (3) بسؤال واقع وهو أن توقفه على انقضاء ما لا نهاية له يفهم PageV03P086 # منه أمران ، أحدهما : أن يفرض الحادث وما لا يتناهى معدومين في وقت من ~~الأوقات ، ثم يفرض توقف وجود الحادث بعد ذلك الوقت على وجود ما لا يتناهى ~~بعده ولا شك في استحالته. والثاني : أن لا يفرض وقت يكون الحادث وما لا ~~يتناهى معدومين فيه لكن لا يوجد الحادث إلا إذا وجدت أفراد لا تتناهى على ~~التعاقب قبله ، وهو نفس النزاع ؛ فإن ما لا يتناهى إنما يستحيل وجوده ~~بشرطين : وجود أفراده دفعة والترتب العقلي أو الوضعي بينهما ، وباعتبار ~~الشرط الأول جاز ترتب الحوادث إلى ما لا يتناهى ، وباعتبار الثاني جاز وجود ~~نفوس غير متناهية. # سلمنا انها لم تكن متحركة ، فلم لا تكون (1) ساكنة؟ # وامتناع ms0837 الحركة عدمي لا يعلل. # ويرد عليكم في امتناع العالم أزلا ، فانه إن كان لازما للماهية استمر ~~الامتناع أبدا ، وإن لم يكن لازما اعترفتم بجواز أزلية العالم. # ولا نسلم كون السكون ثبوتيا. # سلمنا ، لكن لا نسلم افتقاره إلى المؤثر ، لأن علة الحاجة الحدوث فلا ~~يمكنكم بيان افتقار هذا السكون إلى المؤثر إلا إذا بينتم حدوثه ، لكنكم ~~فرعتم حدوثه على هذه المقدمة ، فدار. # سلمنا ، لكن نمنع امتناع عدم القديم ؛ فان قدرته تعالى أزلية ، وبعد ~~الايجاد عدمت لاستحالة تحصيل الحاصل. والقدرة (2) على إعدامه ثم إيجاده غير ~~مفيدة ، لأن كلامنا في تعلق القدرة بالايجاد ابتداء. # ولأنه تعالى عالم في الأزل بأن العالم معدوم ، فإذا وجد زال العلم ~~الأزلي. PageV03P087 ### |||| ** والجواب : لا بداية لإمكان حدوث العالم ، ولا يلزم [منه] صحة كونه أزليا ، كالحادث ~~إذا أخذ مشروطا بكونه مسبوقا بالعدم سبقا زمانيا ، فانه لا أول لصحة وجوده ~~مع هذا الشرط ، وإلا انتهى في فرض التقدم إلى حيث لو وجد قبله بآن كان ~~أزليا ، وهو محال. ومع أنه لا بداية لهذه الصحة لا يلزم صحة كونه أزليا ، ~~للتنافي بين الأزلية وسبق العدم بالزمان ، فكذا هنا. # وتقدم عدم العالم على وجوده ، وتقدم وجود الباري تعالى عليه (1) كتقدم ~~بعض أجزاء الزمان على البعض. # ولا حاجة لنا أن نفسر (2) المكان ، لأن السكون هو كون الجسم مماسا لغيره ~~باقيا على تلك المماسة ، والحركة زوال تلك المماسة وحدوث مماسة أخرى لغير ~~المماس الأول. # لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : العالم في الأزل كان جسما واحدا والحركة ~~والسكون بالتفسير الذي ذكرتموه لا يفرض إلا عند حصول الجسمين. # لأنا نقول : بينا أن الواحد يستحيل انقسامه ، فلما صار منقسما علمنا عدم ~~وحدته أزلا. # قوله : «الأزلي نوع الحركة لا شخصها». # قلنا : هذا باطل. أما أولا ، فلامتناع وجود النوع منفكا عن شخص. وأما ~~ثانيا ، فلأن الحركة ماهيتها بحسب نوعها مركبة من أمر تقضى ومن أمر حصل ، ~~فماهيتها متعلقة بالمسبوقية بالغير ، وماهية الأزلية منافية له ، والجمع ~~بينهما محال. # قوله : «لم لا يجوز أن يكون المؤثر موجبا ويكون كل ms0838 سابق شرطا لوجود PageV03P088 # اللاحق عن ذلك الموجب». (1) # قلنا : سيأتي إبطاله عند إثبات القادر. # والقديم لا يجوز أن يستند إلى المختار ، لما تقدم. (2) # وقد بينا امتناع قدم الكلي ، وإلا لكان جزئي ما قديما لامتناع تحققه إلا ~~في جزئياته ، ولا شيء من الجزئيات بقديم ، واجتماع العدمات أزلي بمعنى انه ~~لا أول له فإن لم يكن شيء من الحركات الجزئية كذلك فالجميع حادث. # والجملة الناقصة إنما تنقطع من المبدأ ، لأنا أخذنا الجملتين من المنتهى ~~الواحد ، فيظهر التفاوت في الطرف الآخر بالضرورة. # والمراد من الانقضاء أنه لا يوجد اليوم حتى توجد أمور غير متناهية على ~~التعاقب وتنقضي ، وهذا محال ، فيكون وجود اليوم محالا. # وقول الرئيس باطل ، لاستحالة توقف وجود الحادث على انقضاء ما لا يتناهى ~~بالمعنيين معا ، والتسلسل باطل مطلقا على ما يأتي. # والمراد بامتناع الحركة وجوب السكون ؛ لأن كل ما امتنع على الجسم أن يصير ~~مماسا لجسم آخر وجب أن يبقى مماسا للأول ، والسكون لما كان عبارة عن ~~المماسة الباقية والمماسة ثبوتية ، لانها مبصرة محسوسة ، ولا شيء من ~~المحسوس بعدمي. ولأنها نقيض اللامماسة العدمية. ولأنه من نوع مقولة الوضع. # قوله : «يلزم في صحة العالم». (3) # قلنا : العالم معدوم فلا يصح عليه الحكم بالصفات الثبوتية ، والسكون هنا PageV03P089 # ثبوتي لما تقدم ؛ ولأنه مساو للحركة في الحقيقة والحركة ثبوتية فالسكون ثبوتي. # قوله : «علة الحاجة الحدوث». # قلنا : تقدم بطلانه. # وقدرة الله تعالى وعلمه باقيان لا يعدمان ، بل التعلق الإضافي. (1) # قال أفضل المحققين : يجب بيان ماهية الأزل حتى يتصور (2) معنى قوله : «لو ~~كان الجسم أزليا لكان في الأزل إما متحركا أو ساكنا». # وقد فسر بعض المتكلمين الأزل بنفي الأولية. وفسره بعضهم باستمرار الوجود ~~في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي. ولا شك في أن كل واحدة من ~~الحركات لا تكون أزلية على أي تفسير يفسر به الأزل ، إنما الكلام في مجموع ~~الحركات التي لا أول لها ، فانه يمتنع منافاة الأزلية لوجود حركة قبل حركة ~~لا إلى أول. # والجواب : بأن «ماهية الحركة بحسب نوعها مركبة من أمر تقضى وأمر ms0839 حصل ، ~~فإذن ماهيتها متعلقة بالمسبوقية بالغير وماهية الأزلية منافية [لها]» ليس ~~بمفيد ؛ لأن النوع باق مع الأمور المنقضية والأمور الحاصلة. ولا حجة على أن ~~ذلك النوع مسبوق (3) بالعدم في كلامكم ، وماهية الحركة يمكن أن توصف ~~بالدوام وأشخاصها لا تمكن ، وتبين من ذلك أن المركب من أمر تقضى ومن أمر ~~حصل يرجع إلى أشخاصها لا إلى نوعها ، فإذن نوعها لا ينافي الأزلية. ويلزم ~~(4) شيء آخر ، PageV03P090 # لأنه فسر الحركة بالحصول في حيز بعد الحصول في حيز آخر ، فليس هو نفس ~~الحصول وحده ، بل يجب أن يقترن به معنى بعدية الحصول السابق ، وهو إضافي ، ~~والإضافيات غير ثبوتية عنده. وقد أطلق القول بوجود الحركة فلزم (1) كون أحد ~~جزئي ماهيتها معدوما ، فلا يكون القول بوجودها على الإطلاق صحيحا. # قوله في بيان امتناع أزلية الحركة : «كل الحركات (2) تحتاج إلى موجد ~~مختار» فغير بين بنفسه ، ولم يذكر عليه دليلا. وقد يلوح من كلامه عند ~~الاعتراض عليه أنه إنما قيد الموجد بالمختار ، لتخلف الحركة عنه وامتناع ~~تخلف المعلول عن العلة الموجبة. لكن لو سلم له هذا لسلم في كل واحد من ~~الحركات. أما المجموع أو النوع فلم يثبت كونهما متخلفين عن مؤثرهما حتى ~~يمكن الاستدلال بالتخلف على كون الموجد مختارا. # وتعليل الوجود بالعدم وإن كان ممتنعا ، لكن اشتراط الوجود بالعدم غير ~~ممتنع ، فإن عدم الغيم شرط في إضاءة وجه الأرض من الشمس ، وعدم الدسومة شرط ~~في انصباغ الثوب من الصبغ. # وقوله : في امتناع كون الجسم في الأزل ساكنا : «إن صحة الحركة تتوقف على ~~صحة وجود الحركة في نفسها وقد تقدم استحالتها». يقال له قد تبين فيما مر ~~إمكان استمرار نوع الحركة في الأزل ، فبطل أصل الدليل. وأيضا امتناع الحركة ~~لا يكون لذاتها ، وهو عدمي ، والعدمي عنده لا يكون علة ولا معلولا ولا ~~مضافا ، لأن الإضافة عدمية عنده أيضا ، فلا تكون لازما ، لما مر ، وهو أن ~~اللزوم من غير اعتبار العلية والمعلولية غير معقول. PageV03P091 # وقوله : «المماسة نقيض اللامماسة العدمية» فإن المماسة والمباينة (1) ~~إضافتان (2)، ولا شيء من المضاف عنده بثابت ms0840 ؛ والسكون ليس إضافيا ، فلا ~~يصح تفسيره بالإضافيات. # وقوله : «السكون إن كان أزليا وكان ممكنا افتقر إلى مؤثر موجب ، إلى ~~آخره» إنما يتم بعد تسليم كون السكون ثبوتيا ، لو امتنع كون كل شرط مشروطا ~~بشرط آخر قبله لا إلى نهاية. # ولا حاجة إلى تساوي الأجسام (3)؛ لأن الدليل إن صح دل على امتناع وجود ~~ما لا ينفك ، إما عن الحركة أو عن السكون سواء كان ذلك واحدا أو أشياء ~~متماثلة أو مختلفة. ولو ثبت امتناع (4) الاتصاف بهما أولا (5) لشيء لا يخلو ~~عنهما ليثبت حدوث ذلك الشيء كيف كان. # وقوله : «إمكان وجود العالم لا أول له فامتناعه في الأزل مناقض له». ~~وجوابه عنه: «إنه لا بداية لإمكان حدوث العالم لكن أزليته مع فرض الحدوث ~~محال». زاد في جواب لفظ الحدوث لتصح له المغالطة وكان من الصواب أن يقول : ~~الإمكان الذاتي والامتناع بالغير لا يتناقضان. وإنما يمتنع وجود العالم ~~أزلا مع إمكانه ، لاستناده إلى فاعل مختار ، أو لغير ذلك مما يقتضي حدوثه. # وقوله في الجواب عن الوجه الثاني من المناقضة ، وهو أن سبق عدم الجسم على ~~وجوده يقتضي قدم الزمان : «إن ذلك كتقدم بعض أجزاء الزمان على بعض». ليس ~~بوارد عند خصمه ؛ لأنه يقول : التقدم والتأخر يلحقان الزمان لذاته وغيره PageV03P092 # به ، فتقدم العدم على الوجود يحتاج إلى زمان يقعان فيه ، لعدم دخول ~~الزمان المقتضي للتقدم والتأخر في مفهومهما. وأما بعض أجزاء الزمان يتقدم ~~على البعض الآخر ، لكون التقدم والتأخر داخلين في مفهومهما. # وقوله في جواب ان العالم ليس في مكان ، فلا يكون متحركا ولا ساكنا : ~~«فانا (1) إذا فرضنا جوهرين متماسين عنينا بالسكون بقاءهما على ذلك الوجه ، ~~وبالحركة زوالهما عنه». تفسير جديد للحركة والسكون بما لا يفيده ، فان ذلك ~~القول يقتضي أن الجسم الواحد لا يكون متحركا ولا ساكنا. وأيضا أن الجسم إذا ~~تحرك كانت أجزاؤه ساكنة لبقائها على المماسة. وأيضا لما كان العالم عنده ~~عبارة عن جميع الأجسام ولا يمكن أن يكون معه جسم آخر فلا يكون متحركا ولا ~~ساكنا وإن كانت أجزاؤه متحركة ms0841 وساكنة ، وحينئذ يبطل أصل الدليل. ومن قبل ~~فسر الحركة والسكون بالحصول في الحيز. # و «كون المكان أمرا عدميا حتى يكون الجسم في أمر عدمي» (2) غير ممتنع. # وأسقط (3) كون المكان حالا في متحيز ، وكأنه قال : يمتنع أن يكون ذلك ~~المتحيز غير العالم ، لأنه حينئذ لا يجوز أن يكون داخلا ، لامتناع كون ~~المكان داخلا في المتمكن ؛ ولا يجوز أن يكون خارجا ، لأن خارج العالم لا ~~متحيز ، ويمتنع أن يكون ذلك المتحيز هو العالم ، لاقتضائه الدور ، فان ~~العالم يكون فيه ، وهو في العالم. PageV03P093 # وجوابه : أن الدور يلزم لو كانت لفظة «في» بمعنى واحد ، لكنها هاهنا تدل ~~بالاشتراك على شغل الحيز وعلى القيام بالمحل ، فلا دور. # ولا يلزم من كون المكان جسما افتقاره إلى مكان لصحة الحركة عليه ، فيلزم ~~عدم نهاية الأجسام ؛ لأن اللازم منه إما الانتهاء إلى جسم لا تصح عليه ~~الحركة ، أو وجود أجسام لا نهاية لها. (1) # وفيه نظر ، فان الأزل كما ينافي حركة شخصه كذا ينافي وجود حركة قبلها ~~حركة إلى ما لا يتناهى ، لاستحالة استمرار شخص ما منها ، فاستحال استمرار ~~الكلي لما عرفت من أن الكلي لا يوجد إلا مشخصا. # ومنه يظهر أن النوع يجب أن يكون مسبوقا بالعدم ، ثم ماهية الحركة النوعية ~~إذا تركبت من أمرين أحدهما سابق على الآخر لم يجز أن يقال : إن تلك الماهية ~~باقية مع السابق واللاحق ، وليس المرجع في تركبها من أمر تقضى وأمر حصل إلى ~~تركب أشخاصها ، بل ماهية الحركة من حيث نوعها وشخصها إنما تعقل مع التقدم ~~والتأخر ، لأنها ماهية إنما تحصل يسيرا يسيرا لا دفعة. # وتفسير الحركة بالأمر الإضافي تفسير للشيء بلازمه وهو غير مستبعد ، كما ~~يفسر الإنسان بأنه الذي يمشي على قدميه. # ومجموع الحركة لا يجوز أزليا لتركبه من الحوادث ونمنع سبق المركب على ~~أجزائه وكذا النوع على ما عرفت ، فقد تخلفا عن مؤثرهما. # والشروط العدمية إنما هي شروط لأمور اعتبارية هي العلية. # واستمرار نوع الحركة قد بينا امتناعه في الأزل ، فلم يبطل أصل الدليل. # والعدمي علة لمثله. PageV03P094 # وقد تقدم ms0842 تفسير الغير الإضافي بالإضافي على معنى التفسير بالعوارض. # ووجود ما لا يتناهى من الشروط محال ، كما استحال وجود علل غير متناهية ، ~~والمحال إنما يلزم من فرض الحدوث لما سبق من إمكان العالم بالنظر إلى ذاته ~~، ولا مغالطة فيه. # وقد سبق امتناع تقدم بعض أجزاء الزمان على بعض لذاته ، وإلا يوجد ما لا ~~يتناهى من الآنات واقتضى اختلاف أجزاء الزمان بالماهية ، أو عدم الأولوية ~~مع ثبوتها. # وتفسير السكون والحركة تبعا للمماسة وعدمها ليس تفسيرا جديدا ، بل هو من ~~لوازمهما على ما تقدم ، ويصح كون الجسم الواحد متحركا وساكنا بهذا التفسير ~~، على معنى أن الجسم لو ضامه غيره لكان إما باقيا على مماسته أولا وأجزاء ~~المتحرك الظاهرة متحركة وكذا الباطنة ، لأنها لو كانت ظاهرة لخرجت عن ~~المماسة للخارج. ومنه يظهر حركة العالم وسكونه ، على أن قولنا : العالم إما ~~متحرك أو ساكن يشير بذلك إلى كل فرد من أفراده. والضرورة قاضية بأن الحركة ~~عن الشيء وإليه وقبوله للإشارة يمنع من كون ذلك الشيء عدميا. # والدور ظاهر ، لأن قيام العرض بالمتحيز موقوف على حصول المتحيز في مكانه. # وكون المكان جسما مستلزم للمحال ، لاستلزامه كذب الكلية الصادقة ، وهي أن ~~كل جسم في مكان وأنه قابل للحركة وتناهي الأجسام. PageV03P095 ### | الوجه الثالث ### | في بيان الحدوث (1) # أن نقول : العالم ممكن ، وكل ممكن محدث ، فالعالم محدث. (2) # أما الصغرى ، فلوجوه : (3) ### |||| ** الوجه الأول : العالم إما أن يفسر بأنه كل موجود سوى الله تعالى ، أو أنه PageV03P096 # عبارة عن السماء والأرض وما بينهما (1)، وعلى كلا التفسيرين فانه قد ~~اشتمل على كثرة بالضرورة ، ولا شيء من واجب الوجود بمشتمل على كثرة ، وإلا ~~لكانت متشاركة في الوجوب ومتباينة بخصوصياتها وما به الاشتراك غير ما به ~~الامتياز ، فوجوب كل واحد منها مغاير لنفسه (2)، فإما أن تكون بين وجوبه ~~وتعينه ملازمة أو لا ، فإن كان التعين مقتضيا للوجوب كان الوجوب معلولا ، ~~فيكون ممكنا ، إنما يوجد عند صيرورته واجبا بعلته ، فإذا كانت علته واجبة ، ~~فلو كان وجوب تلك الأشياء معلولا لتلك التعينات لكانت تلك التعينات واجبة ~~قبل كونها ms0843 واجبة ، ويتسلسل ، أو يكون الوجوب مقتضيا للتعين ، فكل واجب فهو ~~ذلك المتعين فما ليس بذلك المتعين لا يكون واجبا ، فلا يتعدد الواجب. وإن ~~لم تكن بينهما (3) ملازمة لم يمكن اجتماعهما إلا لعلة مغايرة ، فكل واحد من ~~تلك الأشياء متعلقة بآخر فيكون ممكنا ، فكل واحد منها ممكن. فالأمور ~~الكثيرة لا تكون واجبة ، والعالم ليس بواجب لذاته ، فهو ممكن. ### |||| ** الوجه الثاني : وجود العالم زائد على ماهيته ، فهو ممكن. # أما الصغرى ، فلانفكاكهما في التصور. ولاشتراكها في الوجود وتباينتها ~~بالماهية ، فتغايرا. # أما الاشتراك في الوجود : # وقد يطلق لفظ العالم بالمعنى العام على جميع ما هو موجود في الزمان ~~والمكان ، أو على كل ما وجوده ليس بذاته من حيث هو كل. راجع الشرفي ، شرح ~~الأساس الكبير 1 : 281 ؛ صليبا ، تاريخ الفلسفة العربية : 229 (مسألة قدم ~~العالم). PageV03P097 # فلبقائه حال زوال اعتقاد الخصوصيات. # ولأن السلب واحد فمقابله كذلك (1)، لانتفاء الواسطة بين النقيضين. # ولقبوله التقسيم إلى الواجب والممكن ، ومورد التقسيم مشترك. (2) # ولأن الحاكم بعدم اشتراكه إنما يحكم على وجود واحد ، فلولا اشتراكه لم ~~يعم الحكم بعدم الاشتراك كل وجود. # ولأن العلم باشتراكه ضروري. ولهذا لو كرر الشاعر الوجود في جميع قوافيه ~~حكم العقلاء بتكريره ، بخلاف اللفظ المشترك. وإذا كان مشتركا كان زائدا. (3) # لا يقال : جاز أن يكون الوجود جنسا. # لأنا نقول : (4) إنه باطل ، وإلا لاستحال تعقل الماهية مع الذهول عن # وذكرها المصنف في المجلد الأول ، ص 41 42. وقال ابن سينا : «الوجود لا ~~يدخل في المفهومات البتة دخول مقوم أي جزء ، فإن دخل في مفهوم شيء ففي ~~مفهوم الأول فقط. والجنس لا يدخل في مفهوم ماهية واحدة فقط ، بل أقلة في ~~ماهيتين». المباحثات : 248 (الرقم : 728). PageV03P098 # الوجود لكونه جزءا. # ولكان الباري تعالى مركبا ، فيكون ممكنا. (1) # ولكان للوجود وجود آخر ؛ لأن الفصل مقوم للجنس في وجوده. # ولان الوجود إن افتقرت طبيعته إلى المحل وهو جزء الجوهر فالجوهر مفتقر ~~إلى المحل فيكون عرضا ، وإلا كان العرض غنيا عن المحل لكون جزئه غنيا ، ~~وهذه الملازمة ممنوعة. # ولأنه مقول بالتشكيك ، ولا شيء من الجنس ms0844 كذلك ، لأن ما به التفاوت إن كان ~~معتبرا في تحقق الماهية امتنع تحققها بدونه ، وإلا لم يكن جزءا ، وبتقدير ~~صحته لا يقدح في المطلوب ؛ لأن الماهية وإن كانت مركبة من الوجود وما به ~~الامتياز إلا أن الوجود خارج عما به الامتياز ، وهو كاف في بيان الإمكان. # ولأنا ندرك تفرقة بين الجوهر موجود وبين الجوهر جوهر ، فالوجود زائد (2) ~~، فهو إن استقل بذاته ولم يعرض لغيره لم يكن شيء من الوجودات عارضا لماهية ~~، فإما أن لا تكون ماهية ما موجودة البتة أو يكون وجودها عينها. وإن كان ~~عارضا للمحل توقف تحققه عليه فيكون ممكنا فله مؤثر ، فإن كان نفس ماهيات ~~الممكنات لزم التسلسل ؛ لأن الشيء إنما يكون سببا لو كان موجودا ، فلو كانت ~~ماهية علة لوجودها كان لها وجود سابق ويتسلسل ، وبتقدير صحته فالمقصود حاصل ~~، لأنه إن كان هناك وجود لا واسطة بينه وبين الماهية لم يكن تأثير الماهية ~~في ذلك الوجود بواسطة وجود آخر ، فيكون المؤثر في الوجود غير موجود ، وإن ~~لم يكن كان ذلك PageV03P099 # اعترافا بأن تلك الماهية غير مقتضية لشيء من الوجودات ، ولما ثبت أن علة ~~وجود الماهية ليس نفس تلك الماهية فلا بد لها من علة أخرى. ### |||| ** الوجه الثالث : من مشاهير الفلاسفة تركب الجسم من المادة والصورة (1)، وكل مركب مفتقر في ~~تحققه إلى كل واحد من جزئية فيكون ممكنا ، فالجسم ممكن. ولأن كل واحد من ~~جزئية ممكن ، لافتقار الصورة إلى المحل الذي هو الهيولى ، والهيولى لا يمكن ~~انفكاكها عن الصورة ، وليست علة لها لأنها قابلة ، فنسبتها إليها بالإمكان ~~، فلو كانت مؤثرة لكانت نسبتها إليها بالوجوب ، فالواحد نسبته إلى الواحد ~~بالوجوب والإمكان معا ، هذا خلف. وإذا لم تكن علة للصورة وثبت امتناع خلوها ~~عنها كانت محتاجة في وجودها إلى الصورة ، فهي ممكنة. # لا يقال : الصورة محتاجة إلى الهيولى المعينة ، والهيولى تحتاج إلى مطلق ~~الصورة ، فلا دور. أو يقال : الهيولى حينما احتاجت الصورة إليها لا تكون ~~محتاجة إلى تلك الصورة ، بل إلى صورة سابقة عليها ، فان الصورة لا تحتاج ~~إلى ms0845 الهيولى إلا في حدوثها ، فانه لو لا حدوث الاستعداد التام في الهيولى ~~لم تحدث الصورة وحينما تصير الهيولى مستعدة لحدوث تلك الصورة لم تكن متقومة ~~بتلك الصورة ، بل بصورة سابقة عليها ، فاندفع الدور. ### |||| ** الوجه الرابع : قد بينا أن الكائنية زائدة على الجسم وأنه يمتنع أن يكون شيء من الأجسام ~~المعينة يلزمه شيء من الكائنيات المعينة ، فالجسم والكائنية متلازمان ليس ~~أحدهما علة للآخر ؛ لأن الجسم لو كان علة للكائنية لامتنع انفكاك ذلك الجسم ~~عن تلك الكائنية ، وقد سبق بطلانه. وظاهر أن الكائنية ليست علة للجسم ، ~~وإذا ثبت ذلك فالجسم محتاج إلى الكائنية احتياجا لو قدرنا ارتفاعها ارتفع ~~الجسم ، وكل ما كان كذلك كان ممكنا لذاته فالجسم ممكن لذاته ، PageV03P100 # فالأعراض المحتاجة إليه أولى بالإمكان ، فإذن العالم ممكن. # وأما الكبرى ، فلأن الممكن لا يترجح وجوده على عدمه [إ] لا (1) لمؤثر (2) ~~، وذلك المؤثر يمتنع أن يكون موجبا ، لما تقدم أن كل عرض يصح ثبوته فانه ~~يصح ثبوته في آخر ، ونسبة الموجب المجرد إلى كل الأجسام واحدة ، فلم يكن ~~بأن يختص بعض الأجسام بقبول بعض الصفات منه أولى من الباقي ، فإما أن يجتمع ~~كل الصفات المتضادة في كل واحد من الأجسام ، أو يخلو كل واحد منها عن كلها ~~، وهو محال. فثبت أن المؤثر ليس بموجب فهو مختار ، وكل فعل لفاعل مختار ~~فانه محدث ، فالعالم محدث. # ولأن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر بالضرورة ، وكل مفتقر إلى المؤثر محدث ، ~~لأن افتقاره إليه يمتنع أن يكون حال بقائه لامتناع إيجاد الموجود ، فهو إما ~~حال حدوثه أو حال قدمه ، وعلى كل تقدير يجب حدوثه. # فإن قيل : لا نسلم أن العالم ممكن ، وجاز أن يكون وجوب الوجود وصفا سلبيا ~~، والأشياء (3) الكثيرة يجوز أن تشرك في قيد سلبي ، فان كل ماهيتين بسيطتين ~~اشركتا في سلب ما عداهما عنهما وهنا قد اشتركت الأشياء الكثيرة في قيد سلبي ~~هو الوجوب وتختلف بتمام حقائقها ، فلا يلزم التركيب. # وإنما قلنا : الوجوب سلبي ، لأنه لو كان وجوديا لشارك باقي الموجودات في PageV03P101 # الوجود وخالفها في حقيقته التي ms0846 هي الوجوب ، وما به الاشتراك مغاير لما به ~~الامتياز ، فوجود وجوب الوجود مغاير لحقيقته ، فاقتضاء حقيقته لذلك الوجود ~~إن كان ممكنا كان الوجوب ممكنا ، فيكون وجود واجب الوجود أولى بالإمكان ؛ ~~لأنه إنما هو واجب بهذا الوجوب ، وهذا الوجوب يمكن زواله لأنه ممكن ، وإذا ~~أمكن زواله خرج الواجب عن كونه واجبا ، فيكون واجب الوجود ممكن الوجود ، ~~هذا خلف. وإن كان واجبا كان للوجوب وجوب زائد ويتسلسل. # ولأنه لو كان ثابتا فاما أن يكون نفس الحقيقة ، وهو محال لإمكان حمله على ~~الذات والمحمول مغاير لموضوعه. ولأن وجوب الواجب معلوم وحقيقته غير معلومة. ~~ولأنه وصف إضافي لا يعقل إلا عند نسبة أمر إلى آخر ، والذات غير إضافية ، ~~وإلا لم تكن مستقلة بنفسها. # وبهذا يظهر أنه ليس جزءا من الذات ، بل هو أظهر في الاستحالة ، لأن ~~الإضافي متأخر عن الذات والذات متأخر عن جزئها ، فيدور. ولأن المتقوم ~~بالإضافي لا يعقل أن يكون مستقلا ، فالذات لا يعقل كونها مستقلة ، هذا خلف. ~~ولأن كل مركب ممكن. # وليس خارجا عن الذات ، وإلا لكان صفة عارضة لها فاحتاج إليها ، فيكون ~~ممكنا ، والممكن إنما يجب تبعا لوجوب سببه ، فيلزم أن يكون الواجب ممكنا ~~لذاته واجبا لوجوب معروضه فقبل كل وجوب وجوب آخر للذات وله إلى غير ~~النهاية. ولأن الممتنع يصدق عليه أنه واجب أن لا يوجد ، فالوجوب المحمول ~~على اللاوجود لو كان ثبوتيا لكان المعدوم موصوفا بالوصف الوجودي ، وهو محال. # اعترض بأن قول الوجوب على وجوب العدم والوجود بالاشتراك اللفظي ، وهو خطأ ~~؛ لأن مفهومه واحد ولأن ذلك الوجوب الذي نضيفه إلى الوجود يمكننا PageV03P102 # إضافته إلى العدم. # سلمنا كون الوجوب ثبوتيا ، لكن نمنع اشتراكه ، فجاز أن يكون المفهوم من ~~كون كل منهما (1) واجبا مغايرا للمفهوم من كون الآخر واجبا. # لا يقال : أدلة اشتراك الوجود بعينها أدلة اشتراك الوجوب. # لأنا نقول : تلك الوجوه ضعيفة. # سلمنا اشتراكها في الوجوب ، لكن نمنع كون الهوية ثبوتية (2) فجاز أن تكون ~~عدمية ، ومعناها أن كل واحد من الأشياء ليس هو الآخر ، لأنها لو كانت ~~وجودية لكانت ms0847 شخصية كل شخص مساوية لشخصية الآخر في مطلق حقيقة الشخصية ، ~~ولا بد لها من امتيازها عنها في كونها تلك الشخصية ، فان شخصية كل شخص ~~مغايرة لشخصية الآخر فتكون للشخصية شخصية أخرى ، ويتسلسل. # ولأن تلك الشخصية لو كانت وجودية لكان انضمامها إلى الماهية في الوجود ~~الخارجي بعد دخول الماهية في الوجود ، فلو توقف دخول الماهية في الوجود ~~الخارجي على انضمام تلك الشخصية إليها دار. # ولأنه لو كان التعين زائدا على الذات توقف اختصاص كل ذات به على تميزها ~~عن سائر الذوات الموقوف على بعضها ، وهو دور. # ولكان الواحد مركبا من الذات والتعين ، وكل منهما من آخرين هو وتعينه ~~وهلم جرا ، فالواحد أعداد غير متناهية ، وهو محال ، إذ الواحد لا يكون ~~عددا. وأيضا كل كثرة ففيها واحد لكن ذلك الواحد له تعين ، فليس الواحد PageV03P103 # واحدا. # ثم هذا التركب لازم في الواجب الواحد لوجوه : ### |||| ** الأول : كون الثلاثة فردا والأربعة زوجا واجب لذاته ، ولزم التركيب المذكور. # قيل : هذا التركيب إنما لزم من تعدد الواجب لذاته وليس بجيد ، لأن ~~اللوازم واجبة يمتنع انفكاكها لذاتها عن ملزوماتها في نفس الأمر وواجب ~~الوجود لذاته واحد فيتشاركان في الوجوب الذاتي ، ويلزم التكثير ، بل الوجه ~~أن وجوب فردية الثلاثة وزوجية الأربعة لذاتها ، وكيف لا وهي محتاجة إلى ~~الموضوعات؟ ### |||| ** الثاني : واجب الوجود لذاته يشارك الواجب لغيره في مسمى الوجوب ، ويباينه بتعينه. ### |||| ** الثالث : أنه يشارك سائر الموجودات في الوجود ويباينها في تعينها. # ثم المركب قد يكون واجبا لوجوب جزئيه معا. # سلمنا أن الهوية ثبوتية ، لكن نمنع التكثير في ذات كل واحد من تلك ~~الأشياء الواجبة. # قوله : «إنها متشاركة في الوجوب وهو يدخل في الذات ، فتكون متشاركة في ~~ذاتي ومتباينة بمقوماتها (1) التي هي ثبوتية ، والبديهة شاهدة بالتغاير بين ~~ما به الاشتراك وما به الامتياز فتقع الكثرة في ذات كل منهما». (2) # قلنا : إن اقتضى ذلك وقوع الكثرة في ذات كل واحد من تلك الأشياء اقتضى ~~وقوع الكثرة في الواجب وإن فرض واحدا ؛ لاشتراك الوجود وامتياز PageV03P104 # الواجب عن الممكن في خصوصية ذاته على ما ms0848 قدمناه ، فالتركيب لازم سواء فرض ~~الواجب واحدا أو كثيرا. # سلمنا (1)، فلم قلتم : إن الكثرة في ذات كل واحد من تلك الأشياء محال؟ ~~وبين كل واحد من الجزءين ملازمة ، فلا يكون أحدهما تابعا كتلازم المضافين ، ~~كالأبوة والبنوة ، ولا معية وإلا لم يكذبا معا بالذات ، فلا تكون إضافات. # سلمنا التبعية ، فجاز أن يكون ما به الاشتراك تابعا لما به الامتياز. # وما ذكرتموه من امتناع كون الوجوب تابعا معارض بأمرين : ### |||| ** الأمر الأول : ما مر من كون الوجوب إضافيا ، والإضافة تابعة لغيرها. ### |||| ** الأمر الثاني : الوجوب بالذات يشارك الوجوب بالغير في أصل الوجوب لانقسامه إليهما ومورد ~~التقسيم مشترك ، فذلك المشترك إن كان مستقلا والوجوب بالغير متقوم به ~~والمتقوم بالمستقل بنفسه يجب أن يكون مستقلا بنفسه ، فالوجوب بالغير غني عن ~~الغير فيكون الوجوب بالغير وجوبا بالذات ، هذا خلف ، وليس بجيد. وإن كان ~~(2) المشترك غير مستقل بنفسه والوجوب بالذات متقوم به والمتقوم بما لا يكون ~~مستقلا لا يكون هو أيضا مستقلا بنفسه بطريق الأولى ، فالوجوب بالذات غير ~~مستقل بنفسه ، بل يكون حكما تابعا لغيره. # سلمنا أن الوجوب لا يكون تابعا للتعين ، فجاز أن يكون التعين تابعا له. # قوله : «يجب تحقق ذلك التعين في كل موضع تحقق فيه الوجوب ، لامتناع ~~انفكاك المؤثر عن الأثر». # قلنا : قد سبق في الدليل الأول النقوض على هذه القاعدة. PageV03P105 # وأما الوجه الثاني على إمكان العالم ، فلا نسلم أن وجود العالم زائد على ~~ماهيته. # قوله : «نعقل الماهية ونشك في وجودها». # قلنا : ينتقض بما ذكرناه في زيادة الكائنية. وبأمرين آخرين : ### |||| ** النقض الأول : يمكننا أن نعقل ماهية الوجود مع الشك في حصوله في الأعيان ، فيكون للوجود ~~وجود ويتسلسل. # لا يقال (1): الشك في تحقق الوجود في الأعيان بعد تصور ماهيته ليس شكا ~~في ثبوت وجود آخر له ، بل في (2) ثبوته للماهية وهو يقتضي المغايرة ، وهو ~~المطلوب. # وأيضا الوجود وحده لا يعقل (3) بالمعلومية ، بل لا بد وأن يتصور أولا ما ~~يكون الوجود وجودا له ، فالوجود وحده لا يمكن الحكم عليه بالوجود واللاوجود ~~، بل المحكوم عليه بذلك الماهية. # لأنا ms0849 نقول : الأول : ضعيف ؛ لأن حصول الشيء للشيء إنما يكون بعد حصوله في ~~نفسه ، فالوجود ما لم (4) يتحصل أولا لم يكن حاصلا لغيره ، وإذا كان كذلك ~~ظهر الفرق بين حصول الوجود في نفسه وبين حصوله لغيره ، ونحن بعد تصور ماهية ~~الوجود يمكننا الشك في حصوله في نفسه ، إذ لو كان نفس ماهية PageV03P106 # الوجود هي نفس تحصلها في الأعيان ، وكون الماهيات ماهيات أمور ممتنعة ~~التبدل ، فحينئذ يكون كون الوجود حاصلا في الأعيان أمرا ممتنعا عن الزوال ~~(1) لما هو هو فيكون كل واحد من الوجودين واجبا لذاته ، وهو يبطل ما ~~ذكرتموه. ### |||| ** والثاني : ضعيف أيضا ، لأن الوجود الذي للسواد إما أن تكون ماهيته ممتازة عن ماهية ~~السواد ، فيستقيم الالزام ؛ لأن تلك الماهية إن كانت محصلة في الخارج كان ~~للوجود وجود آخر ويتسلسل ، وإن لم تكن محصلة كان وجود الموجود معدوما ، ~~فيكون الموجود معدوما. وإن لم يكن وجود السواد ممتازا في ماهيته عن ماهية ~~السواد كان وجود السواد نفس السواد ، وهو يناقض أن الوجود زائد. ### |||| ** النقض الثاني : يمكننا أن نعقل حقيقة الله تعالى مع الذهول عن وجوده ، فيكون وجوده زائدا ~~على حقيقته ، وهو باطل عندكم. (2) # قوله في الوجه الثاني على زيادة الوجود : «الماهيات مشتركة في الوجود» ~~(3) ممنوع. # قوله : «اعتقاد الوجود باق عند تبدل اعتقاد الخصوصيات». (4) # قلنا : ينتقض بالماهية ، فإنا إذا اعتقدنا ماهية فان ذلك الاعتقاد لا ~~يتبدل عند تبدل اعتقاد كونها جوهرا أو عرضا ، فيكون كون الماهية ماهية وصفا ~~زائدا على حقيقتها وتكون مشتركا فيه بين الماهيات ، وهو باطل لوجهين : ### |||| ** الأول : ماهية الشيء متحققة عند فرض قطع النظر عن جميع صفاتها ، فلو كان كون ~~الماهية ماهية صفة له لزم أن لا تبقى الماهية عند فرض زوال تلك الصفة ، وهو ~~محال ؛ لأن تحقق الصفات متوقف على تحقق الموصوف ، فلو توقف PageV03P107 # تحقق الموصوف على تحقق شيء من الصفات دار. ### |||| ** الثاني : كونه ماهية لو كان أمرا زائدا عليه فذلك الزائد مخالف لسائر الماهيات ~~بحقيقته المخصوصة ومشاركا لها في كونه ماهية من الماهيات ، فيكون كون ذلك ~~الزائد ماهية زائدا ms0850 عليه أيضا ، ويتسلسل. # سلمنا سلامة ما ذكرتموه من النقض ، لكن نقول : قولكم «إن اعتقاد وجود ~~موجود لا يتبدل عند تبدل اعتقاد الخصوصيات كالجوهرية والعرضية» إن أردتم ~~بوجود الجوهر أو العرض نفس كونه جوهرا أو (1) نفس كون العرض عرضا ، فمعلوم ~~أن هذا الاعتقاد يتبدل عند تبدل اعتقاد الجوهرية أو العرضية. وإن عنيتم ~~بوجود الجوهر والعرض أمرا زائدا على جوهريته وعرضيته كان دليلكم مبنيا على ~~كون وجود الجوهر زائدا على جوهريته ، والدليل الذي يبتني صحته على صحة ~~المطلوب يكون باطلا. # قوله في الوجه الثاني في بيان اشتراك الوجود : «إنه مقابل للسلب والسلب ~~واحد». (2) # قلنا : إن عنيتم بالسلب المقابل للثبوت أن تحقق كل ماهية يقابل لا تحقق ~~تلك الماهية فصحيح ، لكن لا يلزم منه كون الماهيات متشاركة في الثبوت ~~المطلق. وإن عنيتم به أن هنا ثبوتا عاما مشتركا بين كل الأشياء الثابتة ، ~~وأن ذلك الثبوت العام مقابل للسلب العام فهو بناء على عام (3) مشترك ، وهو ~~المتنازع فيه أولا ، فيكون الدليل هنا مبنيا على المطلوب. # لا يقال : السلوب غير متخالفة ، وإلا لكان لكل واحد منها في نفسه PageV03P108 # خصوصية وتعين ، ولا معنى للوجود (1) إلا ذلك فيكون كل من السلوب وجوديا ، ~~وهو محال. وإذا تساوت السلوب في مفهوم السلبية وجب أن يقابلها ثبوت عام ، ~~وإلا لم يكن المقابل لذلك السلب العام ثبوتا عاما واحدا بل أمورا كثيرة ، ~~وذلك يبطل انحصار القسمة في الطرفين. # لأنا نقول : إنكم تصفون السلوب بالكثرة والعدد (2)، ثم مع ذلك لا يلزم ~~كونها ثبوتية ، فلم لا يجوز وصفها بالكثرة النوعية وإن لم تكن ثبوتية؟ # ولأن قولهم : السلوب لا اختلاف فيها كاذب ، فإن عدم العلة والشرط يقتضيان ~~عدم المعلول والمشروط ، وعدم غيرهما لا يقتضيه ، وعدم الضد مصحح لوجود الضد ~~بخلاف غيره ، فلولا اختلاف السلوب وإلا لما كان كذلك. # ولأن هذا الوجود الذي جعلتموه مقابلا للعدم المطلق إن كان من قسم الثبوت ~~فقد شارك غيره من الأمور الثابتة في مطلق الثبوت ويمتاز عنها بخصوصيته التي ~~له ، فله ثبوت آخر ويتسلسل. وإن كان من قسم العدم ms0851 المطلق كان وجود الوجود ~~(3) معدوما ، وذلك متناقض. وإن خرج عن القسمين بطل دليلكم من أنه لا واسطة ~~بين النقيضين. # قوله في الثالث (4): «الوجود مورد التقسيم بالواجب والممكن». # قلنا : إن عنيتم به أن حقيقة كل واحد من الأشياء يمكن أن يقال بأن كونه ~~تلك الحقيقة إما أن يكون من الواجبات أو من الممكنات ، فصحيح ولكنه يكون ~~مورد التقسيم في كل شيء حقيقته المخصوصة. وإن عنيتم به أن هنا ثبوتا عاما PageV03P109 # وهو مورد التقسيم ، فإنما يثبت بعد صحة القول بثبوت عام ، والنزاع ما وقع ~~إلا فيه. وينتقض أيضا بالماهية حيث يجعل موردا لهذه القسمة ، فيقال : ~~الماهية إما جوهر أو عرض فيلزم أن يكون كون الجوهر ماهية وكون العرض ماهية ~~اعتبارا مشتركا زائدا على حقائقها ، وقد أبطلناه. # قوله في الرابع (1): «الحكم بأن الوجود غير مشترك إنما يتم لو كان ~~مشتركا». # قلنا : هذا يقتضي أن يكون الحكم بأن الماهيات (2) المختلفة لا تكون ~~مشتركة في ماهياتها ، لا يصح إلا إذا كانت تلك الماهيات مشتركة فيلزم كون ~~المختلفات غير مختلفات ، وهو باطل ، فكذا هنا. # قوله في الخامس (3): «العلم بكون الوجود مشتركا ضروري». # قلنا : ممنوع. # والتكرير لو جعل الوجود قافية أبيات (4)، فلزم أن يكون كون هذه الحقائق ~~والماهيات حقائق وماهيات وصفا مشتركا زائدا عليها ، وهو باطل. # سلمنا دلالة ما ذكرتم على اشتراك الوجود ، ولكن (5) يعارضه ما ذكرناه في ~~الوجه الأول من (6) أن الجسمية (7) يمتنع أن يكون مشتركة بين الأجسام. PageV03P110 # قوله : «البديهة فرقت بين قولنا : الجوهر جوهر وبين قولنا : الجوهر ~~موجود». (1) # قلنا : فكذا (2) فرقت بين قولنا : الجوهر جوهر والجوهر ماهية فيلزم أن ~~يكون كون الجوهر ماهية زائدا عليه. وكذا فرقت بين قولنا : الأسد أسد والأسد ~~ليث ، فيلزم أن تخرج للشيء بحسب كل اسم صفة. (3) وفرقت بين قولنا : الباري ~~تعالى باري والباري موجود مع أن وجوده نفس ماهيته. ولأنكم بينتم هذه ~~الطريقة على أن كل ما كان وجوده زائدا عليه فانه يكون ممكنا محدثا ، فكيف ~~يمكن التزامه في حق الباري تعالى؟! # سلمنا ، لكن معنا ما يدل على أن الوجود ms0852 ليس زائدا (4)، وإلا لتوقف ثبوته ~~للماهية على ثبوت الماهية في الخارج ؛ لأن حصول الشيء للشيء فرع على ثبوت ~~ذلك الشيء في نفسه ، إذ ما لا ثبوت له في الخارج يمتنع حصول غيره له خارجا ~~؛ لأن حصول غيره له إضافة للغير إليه في الخارج ، وإضافة الغير إليه في ~~الخارج بعد تحققه في الخارج ، فحصول الوجود للماهية موقوف على كون الماهية ~~موجودة ، فيسبق (5) الشيء نفسه أو يجتمع (6) المثلان. وعلى هذا التقدير ~~يكون الكلام في ذلك الوجود كالأول ، ويتسلسل. # وبتقدير تسليمه لا بد وأن ينتهي إلى (7) وجود تكون الماهية قابلة له لما هي PageV03P111 # هي ، فالقابل (1) للوجود غير موجود ، ويلزم المحال. # وأيضا لو كان الوجود زائدا فإن كان ثابتا تسلسل ، وإلا كان وجود ~~الموجودات معدوما. # لا يقال : الوجود موجود لوجود (2) هو نفسه. # لأنا نقول : ماهية الوجود يصح أن تعقل مع الشك في تحصله (3) في الخارج ~~فتكون موجودية الوجود غير كونه موجودا. # وأيضا لو كان الوجود زائدا لصح أن تعقل الماهية محصلة في الأعيان مع ~~الذهول عن وجودها أو بالعكس ، فلما لم يصح ذلك علمنا أن الوجود نفس ~~الماهية. # سلمنا أن الوجود زائد ، فلم قلتم : إنه يلزم منه كون الماهيات ممكنة؟ # قوله : «إما أن يكون الوجود محتاجا إلى تلك الماهية أو غنيا». # قلنا : يكون غنيا في ذاته عن الماهية ، لكنه لذاته يقتضي أن يكون مقارنا ~~للماهية ، فلا يكون الوجود في نفسه ممكنا ؛ فان ذات الباري تعالى تقتضي ~~صفاتا ثابتة ولا يلزم من امتناع انفكاك ذاته عنها احتياج ذاته إليها (4)، ~~بل ذاته غنية عن تلك الصفات ولكن حصول تلك الصفات له من لوازم ذاته ، فكذا ~~هنا يجوز أن يقال : الوجود غني في (5) نفسه عن الماهية ولكن من لوازم ~~الوجود وجوب مقارنته للماهية. PageV03P112 # قوله : «المؤثر لا بد (1) وأن يوجد قبل وجود الأثر ، فلو أثرت الماهية في ~~وجودها كانت موجودة قبل أن تكون موجودة». # قلنا : نمنع تقدم المؤثر على الأثر في الوجود ، لوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : دليلكم مبني على احتياج الممكن إلى مؤثر واجب ، فذلك الواجب وجوده مساو ~~لوجود ms0853 غيره لأنكم بينتم اشتراك الوجودات (2) بأسرها في الوجود فذلك الوجود ~~لا بد أن يقارن ماهية غيره لما يأتي ، فإما أن يقال : بأن ذلك الوجود وإن ~~كان مقارنا للماهية إلا أنه غني عن المؤثر ، أو يقال : المؤثر فيه نفس تلك ~~الماهية أو شيء آخر؟ فالأولان إن كانا صحيحين ، فلم لا يجوز مثله في ~~الأجسام والأعراض؟ والثالث يقدح في كون الواجب لذاته واجبا. ### |||| ** الوجه الثاني : الماهيات مقتضية للوازمها واقتضاؤها للوازمها (3) لا يتوقف على الوجود، ~~وإلا لكانت قبل الوجود خالية عن تلك اللوازم ، فلا تكون تلك اللوازم لوازم ~~الماهية مطلقا ، بل للوجود أو لشرط (4) الوجود ، وكلامنا في اللوازم ~~المطلقة كزوجية الأربعة والمحاذاة للنقطة ، ولما بطل ذلك ثبت أن اقتضاءها ~~للوازمها لا يتوقف على الوجود ، وهو يبطل ما ذكرتموه. ### |||| ** الوجه الثالث : قابلية الماهية (5) الممكنة للوجود ليست مشروطة (6) بالوجود ، وإلا تسلسل ، ~~وإذا جاز أن لا تتوقف القابلية على الوجود جاز أن لا تتوقف المؤثرية عليه. PageV03P113 ### |||| ** الوجه الرابع : كون الماهية قابلة للوجود حكم ثابت لا بالفاعل بل لذاتها. فإذن ذواتها ~~قابلة للوجود ، فتلك القابلية يكون المؤثر فيها ذات الماهية ولا يمكن أن ~~يكون ذلك التأثير متوقفا على الوجود ، وإلا دار ، ولما بطل ذلك ثبت ~~المطلوب. # قوله في الوجه الثالث على إمكان العالم : «الجسم مركب من المادة والصورة» ~~(1) باطل عندكم ، وقد بنيتم الطريقة الأولى على إبطال ذلك. وإذا كان كذلك ~~لم يكن بناء الحجة عليها بناء برهانيا بل إلزاميا ، وهو غير مفيد. # سلمنا ، لكن لم قلتم : إن الهيولى والصورة ممكنتان؟ # وحلول (2) الصورة لا يقتضي حاجتها ؛ لجواز أن تكون الصورة غنية في ذاتها ~~عن الهيولى ، لكنها اقتضت لذاتها المقارنة للهيولى. # سلمنا (3)، فلم قلتم : الهيولى محتاجة؟ وجاز أن تكون الهيولى علة ~~للصورة. والقبول لا ينافيه. (4) لأن الفلاسفة عولوا على هذه المقدمة في ~~صفاته (5) تعالى ، وأنتم قدحتم فيها وكشفتم عن فسادها ، فكيف يمكنكم القول بها؟ # قوله في الرابع : «الجسم ليس علة الكائنية». (6) # قلنا : ممنوع. # ولا يلزم (7) حصول كل جسم في ذلك الحيز ، لما مر في الوجه الأول. PageV03P114 # سلمنا ، فجاز أن ms0854 لا تكون له حاجة إلى الكائنية ، بأن تكون ذات الجسم ~~تقتضي وجوب كونه تعالى مقارنا للكائنية بالمحلية ؛ لأن الجسم لو احتاج إلى ~~الكائنية المحتاجة إليه لكونها صفة ، دار. # سلمنا دلالة ما ذكرتم على إمكان العالم ، لكن يعارض بأنه لا ممكن هنا ~~لدلائل سبقت. (1) # سلمنا إمكانه ، لكن جاز أن تكون الوجودية أولى فيستغني عن المؤثر. # سلمنا تساوي العدم والوجود ، لكن نمنع الافتقار إلى المؤثر على ما يأتي. (2) # سلمنا ، لكن متى يحتاج إلى المؤثر إذا كان محدثا أو لا؟ م ع (3)، وحينئذ ~~إنما يمكنكم بيان احتياجه إلى المؤثر لو ثبت حدوثه ، وأنتم بنيتم حدوثه على ~~احتياجه إلى السبب ، فدار. # سلمنا ، فلم لا يكون موجبا؟ ولا نسلم تساوي نسبة إلى جميع الأجسام. (4) # سلمنا ، فلم قلتم : إنه يلزم من تساوي نسبة إلى جميع الأجسام تساوي جميع ~~الأجسام في قبول الأثر عنه؟ # سلمنا ، لكن ينتقض بالقادر ، فان نسبة إلى المقدورين (5) الضدين على ~~السواء مع صدور أحدهما دون الآخر عنه. # سلمنا أن المؤثر فاعل بالاختيار ، فلم لا يجوز أن يقال : إن ذاته موجب ~~لوجود الأجسام وبالاختيار فاعل لصفاتها؟ فيقال (6): هنا شيء يوجب وجود PageV03P115 # الأجسام ويوجب وجود قادر يتولى تخصيص بعض (1) الأجسام بصفاتها المخصوصة ~~وأعراضها المعينة. # سلمنا أن [فاعل الأجسام] (2) فاعل لها ، فلم قلتم : إنه لا بد من حدوثها؟ # وبيانه : ما سبق من أن احتياج الفعل إلى الفاعل ليس لأجل الحدوث. ولأن ~~زوجية الأربعة وفردية الخمسة ممكنة لذواتها لاحتياجها إلى تلك الماهية فهي ~~معلولة لها مع امتناع انفكاكها عنها. # ثم ينتقض دليلكم بكونه تعالى عالما بالعلم قادرا بالقدرة ، فإن علمه إن ~~كان واجبا لذاته فقد وجد واجبان لذاتيهما وبطلت المقدمة الأولى. و (3) إن ~~كان ممكنا كان واجبا لوجوب ذاته ، ولزم كون الأثر والمؤثر ذاتين وبطلت ~~الثانية. # والجواب قوله : «لا نسلم أن الوجوب ثبوتي». (4) # قلنا : لأنه يناقض اللاوجوب ، والموصوف باللاوجوب إما المحال وهو معدوم ، ~~أو الممكن وهو جائز العدم. فإذن اللاوجوب إنما يتصف به المعدوم أو ما يجوز ~~أن يكون معدوما ، وما كان كذلك امتنع أن يكون ثبوتيا ms0855 ، فان الوصف الثبوتي ~~لا يحصل للمعدوم ، فاللاوجوب عدمي فالوجوب ثبوتي ضرورة انقسام النقيضين في ~~الثبوت والانتفاء. # ولأن المعقول من الوجوب استحقاق الوجود ، والضرورة قاضية بأن PageV03P116 # استحقاق الوجود ثبوتي ، كما قضت (1) بأن حصول الجسم في الجهة ثبوتي بل ~~هنا أولى ، لأن حصول الجسم في الجهة انتساب مخصوص للجسم إلى الجهة ، والجهة ~~أمر تقديري لا وجود له ، فإذا كان العلم الضروري هناك حاصلا مع هذا الإشكال ~~كان مع (2) عدم الإشكال أولى. # قوله : «لو كان الوجوب ثبوتيا لكان ثبوته واجبا ، فللوجوب وجوب آخر لا ~~إلى نهاية». (3) # قلنا : هذا مشكل ويمكن دفعه بأن الوجوب واجب لوجوب هو ذاته ، فانقطع ~~التسلسل. # ولقائل أن يقول : بينا أن الوجوب لو كان ثبوتيا لكان وجوبه (4) مغايرا ~~للماهية (5) ووجوب وجوده كيفية عارضة لانتساب وجوده إلى ماهية (6)، وهي ~~مغايرة (7) لنفس ماهيته. # قوله : «لو كان الوجوب (8) زائدا فإما أن يكون تمام الماهية ، إلى آخره». (9) # قلنا : يكون تمام الماهية ؛ لأنا إذا أخذنا الأشياء الممكنة مع وجودها صارت PageV03P117 # واجبة غير محتاجة ، فإن المشي (1) وإن كان ممكنا للإنسان لكن ثبوت المشي ~~(2) في زمان المشي (3) واجب له ، فإذا صار الممكن بشرط أخذ وجوده يصير ~~واجبا فالواجد (4) الوجود المجرد عن كل ما عداه كان أولى بالوجوب فكان ذلك ~~الوجوب هو تمام ذلك الوجود المجرد ، وقد كنا تعقلنا أنه كيف يمكن أن يكون ~~الوجوب تمام الذات الواجبة. وإذا عقل ذلك في الجملة بطل قولهم : الوجوب وصف إضافي. # ولقائل أن يقول : ماهية الوجوب إن كانت إضافية فحيث وجدت كانت مجرد ~~إضافة. اللهم إلا إذا قيل : بأن الوجوب على الأشياء الواجبة باشتراك الاسم ~~وهو يهدم أصل هذه الطريقة. وإذا لم تكن إضافية ، فهو باطل ؛ لأنا إذا قلنا ~~: الشيء يجب اتصافه بكذا فمفهوم الوجوب هنا إضافة لا تعقل إلا (5) عند تعقل ~~المضافين ، وإذا كان الوجوب هنا إضافة وجب أن يكون في جميع المواضع كذلك. # قوله : «لم لا يجوز أن يكون وجوب كل شيء مخالفا لوجوب الآخر؟». (6) # قلنا : دليل أن الوجود مقول بالسوية (7) يدل على الوجوب كذلك. # ولأن المرجع في الاختلاف ms0856 والتماثل إلى العقل ، وكما يشهد بتساوي السوادين ~~أو البياضين كذا يشهد في الوجودين بالتساوي في هذا القدر ، ولو كان اختلاف ~~لكان في غيره. (8) PageV03P118 # قوله : «لم قلتم بوجود التعين؟». (1) # قلنا : التعين جزء من المتعين والمتعين من حيث هو ذلك المتعين ثبوتي وجزء ~~الثبوتي ثبوتي ، فالتعين ثبوتي. # والتعين (2) يتعين لذاته ، فينقطع التسلسل. # ولقائل أن يقول : إن كان المراد من هذا الكلام أن ماهية مطلق التعين هو ~~نفس تعين هذا المعين ، فهو باطل ؛ لأن هذا التعين شارك سائر التعينات في ~~كونه تعينا وخالفها في خصوصية تلك التعينات ، وما به الاشتراك غير ما به ~~الامتياز. وإن عنيتم به أن ماهية مطلق التعين غير وشخصية هذا التعين غير ، ~~تعين التعين مغايرا له وتسلسل. # قوله : «يتوقف انضمام التشخص إلى الحقيقة على وجودها في الخارج». (3) # قلنا : إذا عقل أن (4) يتوقف اتصاف الحقائق بوجودها ولوازمها على وجودها ~~الخارجي ، فليعقل هنا كذلك. # ولقائل أن يقول : الإشكال المذكور متوجه أيضا في الأمثلة المذكورة. # قوله : «لو لزمت الكثرة مما قلتموه لزمت الكثرة من مشاركة الواجب الواحد ~~الممكن في أصل الوجود وامتيازه عنه بالحقيقة». (5) # قلنا : وجود الباري تعالى زائد على حقيقته عندنا ولا تركيب في حقيقته فلا ~~تكون حقيقته ممكنة وهي مقتضية لوجودها ، فلا يلزم الإمكان. والأجسام PageV03P119 # والأعراض مركبات فهي ممكنة. (1) # قوله : «لم قلتم : إن كل متلازمين فأحدهما محتاج إلى الآخر؟». # قلنا : لأن مقارنتهما إن كان لحقيقتهما فهما مضافان فاحتاجا إلى شيئين ~~يكونان عارضين لهما فليس يمكن أن يكونا مقومين للواجب بذاته. وإن لم يكن ~~لحقيقتهما فوجوب تلك المقارنة إن كان لوجودهما دار ، أو لوجود أحدها فقط ~~كان واجبا والآخر ممكنا معلولا ، أو لثالث لزم احتياج كل منهما إلى ثالث ~~فلا يكون هو مجموعه (2) ولا بأجزائه واجبا. # ولقائل أن يقول : لم قلت إنه لو وجب تقارنهما لذاتيهما كانا مضافين؟ نعم ~~كل مضافين يجب تقارنهما لذاتيهما ، والعكس الكلي (3) غير معلوم. # قوله : «لم لا يجوز أن يكون الوجوب تابعا؟». (4) # قلنا : لما مر. # والكلام على كونه وصفا إضافيا تابعا (5)، مر. # ولا نسلم (6) أن الوجوب بالغير ms0857 مركب مما به يشارك الوجوب بالذات ويمتاز ~~عنه ، وجاز أن يكون محتاجا لا في كل أجزائه بل في بعضها. # ولا يجوز أن يكون التعين تابعا للوجوب (7) وإلا لتحقق في صور الوجوب. PageV03P120 # وقد سبق في الوجه الأول جواب الأسئلة عليه. # وأما الوجه الثاني : فدليل زيادة الوجود (1) وهو الشك مع تعقل الماهية لا ~~ينتقض بالوجود (2)؛ فإن الشك فيه ليس في أنه موجود أم لا ، لأن الوجود لا ~~يقبل الوجود ، وإلا لكان الحال مثل المحل ، فليس أحدهما بالأصالة والمحلية ~~أولى. ويلزم وجود الشيء مرتين. ويكون الكلام في ذلك الوجود كالأول ويتسلسل. ~~ولا العدم (3)؛ لأنا لو قدرنا عروض العدم للوجود وعروض ذلك الوجود للماهية ~~فتكون الماهية موجودة بوجود معدوم ، والضرورة تبطله. فالشك في الوجود شك في ~~حصوله للماهية ، وهو نافع في المطلوب. # ولا يلزم أن يكون حصول الوجود (4) زائدا على الوجود ؛ لأن حصول الشيء ~~للشيء ليس زائدا ، وإلا لكان هو حاصلا لذلك المحل ويتسلسل ، بل حصول شيء ~~لشيء اعتبار ذهني ، فظهر الفرق. # وحقيقته (5) تعالى ليست معلومة ، بل المعقول السلوب والإضافات. ثم لا ~~ندري إذا عقلنا حقيقته هل يمكننا الذهول عن وجوده؟ فاندفع النقض. # قوله على الأول من أدلة الاشتراك في الوجود : «إنه منقوض بالماهية». (6) # قلنا : كون السواد ماهية اعتبار زائد على ذات السواد ، والسواد من حيث ~~إنه سواد ليس إلا السواد ، فان السواد حقيقة منفردة فإذا أخبرت عنها بشيء PageV03P121 # فالمخبر به لا محالة مغاير في المفهوم للمخبر عنه ، فإذا قلنا : السواد ~~ماهية وجب أن يكون كونه ماهية مغايرا لكونه سوادا ، وكيف لا وكونه ماهية ~~مشترك بينه وبين غيره ، وكونه سوادا ليس كذلك؟ بل كونه ماهية إما اعتبار ~~سلبي أو ذهني غير منته إلى صفة خارجية ، والوجود لا يمكن أن يكون كذلك ، ~~فظهر الفرق. # قوله : (1) «ما الذي يريدون بوجود الجوهر ، نفس كونه جوهرا أو أمرا زائدا ~~على كونه جوهرا؟». # فانه يمكننا أن نعتقد أن الله تعالى خلق موجودا هو جوهر ، ثم يمكننا أن ~~نعتقد أن ذلك الموجود الذي كنا نعتقد فيه أنه كان جوهرا ما ms0858 كان كذلك بل كان ~~عرضا ، ومن دفع إمكان ذلك فهو مكابر ، ومعلوم بالضرورة أن الوجود الذي لا ~~يتعين (2) اعتقاد تحققه بخلاف اعتقاد كونه جوهرا أو عرضا لا بد وأن يكون ~~مشتركا بين الجوهر والعرض ، فحينئذ يعلم بالضرورة أن الوجود مشترك. # وما ذكرتموه من : «أن ذلك بناء على كون الوجود زائدا» ، فليس بل يلزم منه ~~كون الوجود زائدا ؛ لأن الأمر الذي ذكرنا معلوم بالضرورة قبل العلم بكونه ~~زائدا أم لا. # قوله على الثاني : «سلب كل حقيقة يقابله ثبوته الخاص ، وليس بين ذلك ~~السلب وذلك الإيجاب واسطة ، وإن ادعيتم ثبوتا عاما يقابل سلبا عاما ، فهو ~~النزاع». (3) # قلنا : إذا قلنا السواد إما أن يكون موجودا أو لا ، لا نعني به أن (4) ~~السواد إما PageV03P122 # أن يكون سوادا أو لا ، لعدم فائدة هذه المنفصلة ، فإن كل عاقل (1) يعرف ~~صدق أحد جزئيها وكذب الآخر ، فبطل كون المراد من التقسيم ما ذكرتموه ، فبقى ~~المراد منه التقسيم بالوجود العام والعدم العام. # قوله : «الوجود إما في قسم الثبوت أو لا». (2) # قلنا : في قسم الثبوت العام. # ولا يلزم التسلسل (3)؛ لأنه إنما يلزم لو ساوى الوجود المجرد سائر ~~الأمور الموجودة في أصل الوجود وامتاز بوصف آخر حقيقي ، وليس بل الوجود ~~ممتاز عن سائر الموجودات بقيد عدمي ، وهو أن الوجود المجرد وجود ليس معه ~~مفهوم آخر وسائر الموجودات وجودات يقارنها غيرها ، وإذا كان الامتياز بعدمي ~~فلا تسلسل. # قوله على الثالث : «مورد التقسيم بالوجوب والإمكان نفس حقيقة كل شيء». (4) # قلنا : يبطل بما مر في الثاني. # ولا ينتقض بالماهية ؛ لأن كون الشيء ماهية (5) اعتبار عام مشترك ذهني ~~بخلاف أصل الوجود الذي (6) لا يمكن أن يقال : إنه مجرد اعتبار ذهني. PageV03P123 # قوله في الرابع : «لو كان الحكم بعدم اشتراك الوجود لا يعم إلا عند ~~اشتراكه لكان الحكم على المختلفات بعدم الاشتراك لا يعم إلا عند اشتراك ~~المختلفات ، وهو تناقض». (1) # قلنا : نمنع التناقض ؛ لأن المختلفات مشتركة في كونها مختلفة ، لأن ~~الاختلاف حكم شامل لها ، بل الاختلاف اعتبار ذهني لا حصول له في الخارج ، ~~أما الوجود فلا يمكن ms0859 أن يكون كذلك ، فظهر الفرق. # قوله في الخامس : «من جعل الماهية قافية (2) أبيات قضية (3) واحدة ، حكم ~~العقلاء عليه بالتكرير». (4) # قلنا : لأن المفهوم من كون الجوهر ماهية مفهوم مشترك بين كل الأمور ، ~~ولكنه اعتبار ذهني أو سلبي ، بخلاف الوجود. # وكون (5) الجوهر ماهية اعتبار ذهني زائد على نفس كونه جوهرا. وكذا الأسد ~~مسمى بالليث اعتبار إضافي وهو زائد ، لكن لا وجود له في الخارج بخلاف نفس ~~الوجود. وكون الباري تعالى موجودا مشكل (6)، ويمكن دفعه ، بأن المعقول من ~~وجود الباري تعالى صفة إضافية وهي مغايرة لنفس وجوده تعالى. # قوله : «لو كان الوجود زائدا على الماهية لكان القابل للصفة الوجودية غير ~~موجود». (7) PageV03P124 # قلنا : لا نسلم امتناعه ، فجاز أن يكون تعين الماهية من حيث إنها ماهية ~~كافيا في قابلية الوجود. # لا يقال : الماهية القابلة للوجود إذا لم تكن موجودة كانت معدومة ، ~~فالمعدوم موصوف بالوجود ، وهو محال. # لأنا نقول : اعتبار الماهية من حيث إنها ماهية مغاير لاعتبار كونها ~~موجودة أو معدومة. وإسقاط الوجود عن درجة الاعتبار في القابلية للوجود لا ~~يقتضي دخول اعتبار العدم ، فان الماهية لا يمكن الحكم عليها بالإمكان عند ~~اعتبار كونها موجودة ؛ لأنها حال وجودها لا تكون قابلة للعدم ، فان العدم ~~لا يحتاج أن يجامع الوجود ، وكذا عند (1) اعتبار كونها معدومة لا تكون ~~قابلة للوجود. فإذن الماهية لا تتصف بالإمكان بشرط وجودها أو عدمها ، بل ~~إذا جردت عنهما. فإسقاط الوجود عن الاعتبار لا يوجب دخول العدم فيه. # قوله : «لو كان الوجود زائدا ، فإن كان ثابتا تسلسل». (2) # قلنا : ممنوع ؛ لأن امتيازه بأمر سلبي. # قوله : «لو كان زائدا لصح أن تعقل الماهية حاصلة في الخارج مع الذهول عن ~~وجودها». (3) # قلنا : معنى الوجود الحصول في الأعيان ، فإذا عقلنا كون الماهية حاصلة في ~~الأعيان فقد عقلناها موجودة ، ولا يمكن الغفلة عنه. # قوله : «لم قلتم : إنه إذا كان زائدا كان ممكنا؟». (4) # قلنا : لما مر من أن الوجود إن كان غنيا عن المحل استحال كونه عارضا PageV03P125 # لشيء من الماهيات. # قوله : «يجوز أن يكون غنيا عن المحل ، ولكنه يقتضي كونه ms0860 مقارنا لتلك ~~الماهية». (1) # قلنا : مقارنة الشيء لغيره ليست زائدا ، وإلا لكان أيضا مقارنا ويتسلسل. ~~وإذا لم تكن المقارنة زائدة لم يمكن جعلها معلول ماهية المقارنة. # سلمنا ، لكن الشيء لما وجبت مقارنته لغيره فعند زوال ذلك الغير لا بد وأن ~~يزول ذلك الشيء ، فحينئذ يكون ذلك بحيث يلزم من فرض عدم غيره فرض عدمه ، ~~وذلك مما تحقق عليه الإمكان. # قوله : «لم لا تكفي الماهية في اقتضاء الوجود؟». (2) # قلنا : مر دليله. # قوله : «معارض بالباري». # قلنا : هذا صعب على هذه الطريقة ، وإنما يدفعه أمران : ### |||| ** الأول : قول الوجود على الواجب والممكن باشتراك الاسم ، ثم تبين أن وجود الممكنات ~~زائد على ماهياتها بالوجه الأول والثالث لا بالثاني ، ويمنع كون وجود ~~الباري تعالى زائدا على ماهيته ، ويقدح في الوجه الثاني. ### |||| ** الثاني : أن نقول : الوجود عليهما بالاشتراك المعنوي ، لكن الوجود تمام حقيقته تعالى ~~، وهو غير مقارن لشيء من الماهيات ، وهي طريقة الفلاسفة. (3) PageV03P126 # قوله : «لم لا يكون الجسم علة الكائنية؟». (1) # قلنا : لما مر في الأول. # قوله : «لو احتاج الجوهر إلى الكائنية دار». (2) # قلنا : يجوز احتياج كل منهما إلى الآخر من وجهين مختلفين ، فلا دور. # قوله : «لم قلتم : إن نسبة المؤثر إلى كل الأجسام واحدة؟». (3) # قلنا : لأن المؤثر إن كان جسما أو جسمانيا ، فالكلام في وجوب اختصاصه ~~بتلك المؤثرية من سائر الأجسام يعود بعينه. وإن لم يكن جسما ولا جسمانيا ~~والأجسام بأسرها قابلة للأثر الفائض (4) عنه ، فما (5) لأجله اختص البعض ~~بقبول ذلك الأثر عنه قائم في الكل ، فوجب أن يقبل (6) الكل ذلك. # قوله : «يجوز أن يكون المؤثر موجبا لذوات الأجسام ومختارا في إحداث ~~صفاتها». # قلنا : الأجسام لا تخلو عن الأشكال والحصول في الأحياز ، فلو كانت ~~الأجسام قديمة والفاعل لأشكالها وتخصيصاتها بأحيازها فاعلا مختارا لكان ذلك ~~المختار موجدا لتلك الأشكال والكائنيات في الأزل ، والايجاد بالاختيار أزلا ~~محال بالضرورة ، وهو بعينه جواب أن يكون موجبا للأجسام ولوجود قادر مختار ، ~~ثم إن ذلك القادر يخصص بعض الأجسام بصفاتها. PageV03P127 ### | الوجه الرابع (1) # لو كان الجسم قديما فقدمه لا يجوز أن يكون عدميا ، وإلا لكان ms0861 الحدوث الذي ~~يناقضه ثبوتيا ، فإن كان الحدوث حادثا تسلسل. ومحال أن يكون قديما ، ~~لاستحالة أن يكون الوصف المحتاج ثبوته إلى ثبوت الحادث قديما. ويستحيل أن ~~يكون ثبوتيا ، لاستحالة أن يكون عين الجسم ، وإلا لكان العلم بهما واحدا ~~فيكون العلم بقدمه ضروريا ، كما أن العلم بكونه جسما ضروري. ولا زائدا عليه ~~، لاستحالة أن يكون قديما ، وإلا تسلسل ، ولا حادثا ، لاستحالة كون قدم ~~القديم وصفا ثبوتيا حادثا ، لأنه غير معقول. # فإن قيل : الكلام عليه من وجهين : ### |||| ** الوجه الأول : ما يتعلق بالنظم ، فنقول : إنه غير (2) منتج لوجوه : ### |||| ** الأول : الملازمة التي ادعيتموها ليست ثبوتية. # أما أولا : فلأنها إن كانت ملازمة للمتلازمين كانت ملازمتهما زائدة ~~وتسلسل. (3) وإن لم تكن ملازمة لهما لم تتحقق الملازمة أصلا ؛ لأن نفس ~~الملازمة إذا PageV03P128 # لم تكن لازمة للمتلازمين وجب انتفاء الملازمة بينهما. # وأما ثانيا : فلأنكم ادعيتم أن قدم الجسم يستلزم كون القدم (1) ثبوتيا أو ~~عدميا ثم أبطلتموهما ، وبينتم علية (2) ابطال قدم الجسم ، والملزوم واللازم ~~هنا عدميان والأمور العدمية إذا كانت متعلقة بالملازمة لم تكن الملازمة صفة ~~ثبوتية ، لاستحالة أن يكون الوصف الثبوتي حاصلا للموصوف المعدوم ، ~~فالملازمة ليست ثبوتية فهي عدمية. # ولا فرق بين ملازمة لا ثبوت لها وبين عدم الملازمة ، إذ لو تميز عدم ~~الملازمة عن الملازمة العدمية لكان في العدم تميز وتعين ، ولا معنى للوجود ~~(3) إلا ما كان كذلك ، فلو وجد في العدم هذا المعنى لم يتميز العدم عن ~~الوجود ، وهو محال فوجب نفي الملازمة. ### |||| ** الثاني : الملازمة عبارة عن امتناع تحقق الملزوم إلا عند تحقق اللازم ، وهو غير ~~معقول ؛ لأن الذي يحكم بتوقفه (4) على تحقق اللازم ليس هو ماهية الملزوم ؛ ~~لأن الماهية إما بسيطة والبسيط لا تعرض له الإضافة ، لأن الإضافة لا تعقل ~~إلا بين أمرين ، فالواحد يستحيل عروض الإضافة له ، وإذا امتنع عروض الإضافة ~~امتنع عروض الإمكان الذي هو نوع منها ، وإذا امتنع عروض الإمكان للبسيط ~~امتنع توقفه على الغير ، لأن التوقف على الغير ليس إلا الحاجة والإمكان ، ~~وإذا استحال توقف البسيط على الغير استحال توقف المركب الذي ms0862 لا معنى له إلا ~~مجموع أمور كل واحد منها بسيط ، على الغير. فتبين أن الماهية لا يمكن ~~توقفها على الغير سواء PageV03P129 # كانت بسيطة أو مركبة وليس هو الوجود ، لذلك أيضا. وإذا ثبت ذلك كان الذي ~~فرض ملزوما غير متوقف الماهية والوجود أصلا على الغير أعني اللازم ، وإذا ~~كان كذلك انقطع التلازم. ### |||| ** الثالث : مقتضى التلازم إما عدم الملزوم عند عدم اللازم أو وجود اللازم عند وجود (1) ~~الملزوم. # أما الأول ، فانه غير صحيح ؛ لأن المعقول من الملازمة أن يكون وجود ~~اللازم واجب الحصول عند وجود الملزوم ، وذلك كيفية عارضة لوجودهما. فإذن ~~تتوقف هذه الملازمة على ثبوت اللازم وثبوت الملزوم ، ثم إذا حكمنا في ~~المقدمة الثانية بعدم اللازم (2) كان ذلك مناقضا لدعوى اللزوم الذي لا يحصل ~~إلا عند ثبوت اللازم ، فعلمنا التناقض بين المقدمتين. # وأما الثاني ، فباطل أيضا ؛ لأن دعوى كون الشيء ملزوما لغيره دعوى لثبوت ~~إضافة بين ذينك الشيئين ، والحكم بثبوت الإضافة بين أمرين لا يمكن إلا بعد ~~ثبوتهما فيتوقف حكمنا بتلك الملازمة على ثبوت المتلازمين ، مع أن المطلوب ~~هنا معرفة ثبوت اللازم (3) فلا يعرف ثبوت اللازم إلا بعد معرفة ثبوت اللازم ~~، فيدور. ### |||| ** الرابع : الشرطية إن ذكرت كلية استحال إرادة عموم الأشخاص ، لأنها قد تكون كلية ولا ~~أشخاص لها ، مثل : كلما كان زيد عالما فهو حي. واستحال إرادة عموم الأحوال ~~، لأن الشرطية يمتنع أن تصدق كلية في عموم الأحوال ، لأن (4) من جملة ~~الأحوال التي يمكن اعتبارها انتفاء الملازمة ، فيمتنع حينئذ صدق اللزوم. PageV03P130 # وإن ذكرت مهملة فهي في قوة الجزئية لا تنتج ، إذ لا يلزم من كون الشيء ~~لازما لغيره في بعض الأحوال تحقق اللازم لا محالة عند تحقق الملزوم وانتفاء ~~الملزوم عند انتفاء اللازم. # سلمنا سلامته (1)، لكن لم قلت : إنه لو كان الجسم قديما لكان قدمه إما ~~ثبوتيا أو عدميا؟ # لا يقال : لا واسطة بين الثبوت والانتفاء. # لأنا نقول : مورد التقسيم بالثبوت والانتفاء ليس هو نفس الثبوت ولا ~~الانتفاء ؛ لأن مورد التقسيم لا بد وأن يكون ثابتا مع جملة الأمور التي بها ms0863 ~~وقعت القسمة لكن الثبوت لا يجامع الانتفاء ، فلا يمكن أن يكون مورد التقسيم ~~بالثبوت أو (2) الانتفاء هو الثبوت أو الانتفاء ، ولما بطلا ثبت أن المورد ~~مغاير لهما فتتحقق الواسطة بين الثبوت والانتفاء ، فبطل الحصر. ### |||| ** الوجه الثاني : ما يتعلق بالمقدمات ، فنقول : جاز أن يكون القدم زائدا ويكون قديما لذاته ~~فلا يتسلسل ، كتقدم الزمان لذاته وغيره به. وجاز أن يكون حادثا. ولا تناقض ~~، فان الأشعرية زعموا أن الجوهر باق ببقاء ممتنع البقاء ، فإذا عقل ذلك ~~فليعقل أن يكون الشيء قديما بقدم غير قديم. # ثم يعارض بوجوه : ### |||| ** الأول : لو كان الجسم حادثا فحدوثه إن كان عينه (3) كان العالم بالجسم عالما بحدوثه ~~بالضرورة ، وإن كان زائدا فإن كان حادثا تسلسل ، وإن كان قديما كان حدوث ~~الحادث قديما. PageV03P131 ### |||| ** الثاني : قدمه تعالى إن كان نفس ذاته لزم من العلم بذاته العلم بقدمه وليس كذلك ، ~~فانا بعد معرفة وجوده نحتاج في علم قدمه إلى دليل مستأنف ، وإن كان زائدا ~~لزم التسلسل أو التناقض. (1) ### |||| ** الثالث : الحادث المستمر إن كان استمراره نفس ذاته فالعالم بذاته عالم بمدة استمراره ~~وليس (2)، أو زائدا عليه فإن كان مستمرا تسلسل ، أو لا فلا يكون استمرار ~~المستمر مستمرا ، فجاز أن لا يكون قدم القديم قديما. ### |||| ** والجواب : أما الأسئلة على نظم التلازم ، فلا تستحق الجواب ؛ لأنها إن لم يلزم منها ~~القدح في نظم التلازم لم يلزم الجواب ، وإن لزم ثبتت الملازمة في الجملة ~~فلا يسمع القدح في الملازمة بعده ، لأنه يكون متناقضا. # ونفي الواسطة بين النفي والإثبات ضروري لا يمكن إثباته بالدلالة. # ومورد التقسيم بالنفي والإثبات شيء ثالث. ولا واسطة ؛ لأنا لم نقل : ~~الحقائق إما النفي أو الإثبات حتى يكون ثبوت حقيقة ثالثة قدحا فيما قلنا ، ~~بل قلنا : إنها لا تخلو عن النفي أو الإثبات ، وكأنا سلمنا أن هنا حقائق ~~كثيرة ، إلا أنا ادعينا أن كل واحد منها لا يخلو عن هذين ، فلا يبطل الحصر ~~بما ذكرتم. # لا يقال : وجدنا بعض الصور قد خلا الحكم بالنفي والإثبات فيها ، فإنا إذا ~~قلنا : الموجود إما موجود أو ms0864 لا فالقسمان باطلان (3) بالاتفاق ، فانه يمتنع ~~(4) سلب الشيء عن نفسه فكذب الثاني. والأول كاذب لقضاء البديهة بأن المحكوم ~~به مغاير للمحكوم عليه فيكون للموجود وجود آخر زائد عليه من حيث إنه موجود ، PageV03P132 # وهو باطل. و (1) لأن من جعل الوجود نفس الماهية ينكر ذلك ، ومن جعله ~~زائدا أثبت للوجود وجودا آخر ، ولو حصل للماهية مع الوجود وجود آخر تسلسل ، ~~فثبت كذب النقيضين ، وهو المطلوب. # لأنا نقول : هذا تشكيك في الضروريات فلا يسمع. # قوله : «جاز أن يكون قدم القديم نفس ذاته». # قلنا : محال ، لأن قدم الجسم إذا كان زائدا على الجسم كان ذلك الزائد ~~مساويا لذات الجسم في الاستمرار ومخالفا له (2) في حقيقته المخصوصة وما به ~~الاشتراك غير ما به الامتياز فحقيقة القديم مغايرة لاستمرار وجود تلك ~~الحقيقة ، وهو يقتضي كون قدم القديم زائدا ويتسلسل. # قوله : «جاز أن يكون حادثا». # قلنا : محال ، لأن المعنى بالقدم الاستمرار من الأزل إلى الأبد وليس ذلك ~~أمورا كثيرة بل معقولا واحدا ثابتا في الأزل والثابت في الأزل يستحيل أن ~~يكون حادثا. وكون الجوهر باقيا ببقاء لا يبقى محال. # والحدوث وصف عدمي فلا يلزم من العلم بنفس الجسم العلم به ، بخلاف القدم ~~فانه ثبوتي. # وتحقيقه : أن الحدوث لا يتقرر إلا عند وجود حاصل وعدم سابق فجاز أن يكون ~~العالم بالوجود الحاصل جاهلا بالعدم السابق ، فلا يعلم الحدوث ، أما القدم ~~فهو عبارة عن نفي العدم السابق ونفي النفي إثبات. # وليس بجيد (3)، والباري تعالى قدمه نفس ذاته. ولا نسلم أنا إذا دللنا على PageV03P133 # وجوده وبعض صفاته فقد عرفنا حقيقته المخصوصة ، بل تلك الحقيقة عندنا ~~مجهولة. # ولقائل أن يقول : لما علمنا كونه قديما مع جهل حقيقته لزم التغاير ويتوجه ~~الإشكال. # والباقي إذا كان محدثا فانا لا نعرف مقدار مدة بقائه إلا إذا عرف حدوثه ~~في الزمان الذي حدث إما مقدرا أو محققا ، ولما أمكن العلم بوجوده مع الجهل ~~بذلك الزمان الذي حدث فيه لا جرم كانت مدة بقائه مجهولة ، بخلاف القديم فان ~~وجوده غير مختص بزمان دون زمان حتى يكون ms0865 الجهل بشيء من الأزمنة قادحا في ~~الجهل بالقدم ، فافترقا. ### | الوجه الخامس (1) # كل جسم متناه على ما تقدم (2) وكل متناه محدث ، لأنه يجوز عقلا كونه أزيد ~~وأنقص فاختصاصه بذلك القدر دون الزائد والناقص يحتاج إلى مرجح مختار (3) ~~وإلا فقد ترجح الممكن لا لمرجح ، وفعل المختار محدث. PageV03P134 ### | الوجه السادس (1) # لو كان الجسم أزليا لامتنعت عليه الحركة ، والتالي باطل بالحس ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن كل جسم فلا بد له من حيز معين يوجد فيه ، لاستحالة ~~حصوله لا في حيز أو في كل حيز (2)، فلو كان الجسم أزليا لوجب في الأزل أن ~~يكون حاصلا في حيز معين لكنه لو كان كذلك لامتنع زواله عنه لاستحالة عدم ~~القديم فامتنعت الحركة عليه ، لكنها جائزة. # قيل : معنى الأزل (3) «الدائم لا إلى أول» فمعنى قولنا : لو كان الجسم ~~أزليا لكان في الأزل مختصا بحيز ، أنه لو كان دائما لا إلى أول لكان حصوله ~~في حيز معين واحد دائما وهو معنى السكون ، وهذا ممنوع ، بل يكون دائما ~~حصوله في موضع معين إما عينا أو على البدل ، أي يكون في كل وقت في حيز معين ~~غير الذي كان حاصلا فيه قبله. # ويندفع (4) ببطلان حوادث غير متناهية على ما سبق. PageV03P135 ### | المسألة الثالثة ### | في إبطال شبه (1) الفلاسفة # اعلم أن الفلاسفة ذهبوا إلى أن العالم قديم ، واحتجوا عليه بوجوه : ### |||| ** الأول : العالم إن كان واجبا لذاته كان قديما ، وإن كان ممكنا فلا بد له من مؤثر ، ~~فمؤثره إن كان حادثا لزم أن يكون له محدث فيكون من جملة العالم فإما أن # وقد استقصى المصنف شبه الفلاسفة هنا إلى اثنتين وعشرين شبهة ، ونقل ~~الرازي ست عشرة شبهة في نهاية العقول ، فراجع. # وراجع أيضا أنوار الملكوت في شرح الياقوت : 37 (المسألة الثالثة في شبه ~~الخصوم والرد عليها)؛ شرح الأصول الخمسة : 115 (الشبه التي تورد في قدم ~~العالم)؛ التوحيد للنيسابوري : 284 (فصل في ذكر شبههم)؛ شرح الإشارات 3 : ~~131 ؛ نقد المحصل : 205 (بيان الفلاسفة في امتناع حدوث العالم)؛ المطالب ~~العالية 4 : 45 (من المقالة الثانية إلى ms0866 المقالة الثانية عشر)؛ الرازي ، ~~المسائل الخمسون : 22 ؛ قواعد المرام : 59 ؛ نهاية الاقدام في علم الكلام : ~~30 ، وعبر الشهرستاني فيه ب «شبه الدهرية» ؛ وعبر في الملل والنحل في ترجمة ~~برقلس ب «شبه برقلس» ، حيث قال : «إن القول في قدم العالم وأزلية الحركات ~~بعد إثبات الصانع والقول بالعلة الأولى إنما ظهر بعد أرسطوطاليس ، لأنه ~~خالف القدماء صريحا وأبدع هذه المقالة على قياسات ظنها حجة وبرهانا ، فنسخ ~~على منواله من كان من تلامذته ، وصرحوا القول فيه ، مثل الاسكندر ~~الافروديسي وثامسطيوس وفرفوريوس وصنف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه ~~المسألة كتابا وأورد فيه هذه الشبهة ...» الملل والنحل ، ترجمة برقلس. # راجع أيضا كشف المراد : 173 ؛ مناهج اليقين : 41 ؛ كشف الفوائد في شرح ~~قواعد العقائد : 150 ؛ شرح المواقف 7 : 228 ؛ شرح المقاصد 3 : 120. PageV03P136 # يدور أو يتسلسل أو ينتهى إلى مؤثر قديم ، فنقول : إذا كان المؤثر قديما ~~وجب أن يكون أثره قديما ، لأن كل ما لا بد منه في مؤثرية المؤثر القديم في ~~العالم إما أن يكون بتمامه حاصلا في الأزل أو لا يكون ، فإن لم يحصل في ~~الأزل كان حادثا فله مؤثر ، ثم ننقل الكلام إلى ذلك المؤثر فإما أن يدور أو ~~يتسلسل أو ينتهي إلى مؤثر قديم ، وإن كان حاصلا في الأزل وجب حصول الأثر ، ~~لأنه إذا استجمع المؤثر جميع جهات المؤثرية فإما أن يجب حصول أثره أو لا ، ~~والثاني محال ، وإلا لكان حصوله في وقت حصوله دون ما قبله وبعده من الأمور ~~الجائزة فتخصصه بوقت حدوثه دون ما تقدم أو تأخر إن كان لا لأمر لزم ترجيح ~~أحد الأمور الجائزة بالوجود من غير مرجح ، وهو باطل بالضرورة ، ولأنه يسد ~~باب إثبات الصانع تعالى ، وإن كان لأمر لم يكن المؤثر التام حاصلا في الأزل ~~وقد فرضناه حاصلا ، هذا خلف. وإذا (1) ثبت قدم المؤثر التام في العالم وثبت ~~أن قدم المؤثر التام يستدعي قدم أثره وجب القول بقدم العالم. وهذه الشبهة ~~هي أقوى شبه القوم. (2) ### |||| ** الثاني : العالم صحيح الوجود (3) في الأزل وإذا كان صحيح الوجود في ms0867 الأزل كان واجب ~~الوجود في الأزل. # أما الصغرى ، فلأنه لو لم يكن صحيحا في الأزل لكان ممتنعا أو واجبا ، فإن ~~كان الثاني فالمطلوب ، وإن كان الأول لزم انقلاب الممتنع لذاته ممكنا لذاته ~~(4)، وانقلاب الحقائق محال. ولأنه لو جاز ذلك انتفت دلالة الحدوث على ~~المؤثر لجواز أن يكون العالم محالا في الأزل ثم صار واجبا لذاته فيما لا ~~يزال فيستغني عن المؤثر. PageV03P137 # ولأن ذلك الحكم المتجدد إن كان لسبب فهو مسبوق بالإمكان الذاتي فكان ~~الإمكان الذاتي مسبوقا بالإمكان الذاتي ، وهو محال. (1) # وأما الكبرى ، فلأن صحيح الوجود في الأزل لو كان معدوما في الأزل لاستحال ~~أن يوجد في الأزل ، لأن الحادث في وقت معين لا يكون حدوثه في ذلك الوقت ~~المعين موجبا حصوله في الأوقات الماضية ، لأن الشيء يستحيل أن يتجدد له ~~حصول في الزمان الماضي. فإذن لو لم يكن موجودا في الأزل لم يصح أن يكون ~~أزليا ، لكن العالم يصح أن يكون أزليا كما تقدم فيجب أن يكون أزليا. ### |||| ** الثالث : (2) كل محدث فانه مسبوق بإمكان عائد إليه على ما سبق وذلك الإمكان يستدعي ~~محلا هو الهيولى ، فإن كانت الهيولى محدثة افتقرت إلى هيولى أخرى وتسلسل. ~~وإن كانت قديمة وجب قدم الصورة لما تقدم من استحالة انفكاك الهيولى عن ~~الصورة ومجموع الهيولى والصورة هو الجسم ، فالجسم قديم. ### |||| ** الرابع : كل محدث فانه مسبوق بزمان ، لأن عدمه سابق على وجوده ، وإلا لكان قديما ، ~~وذلك السبق والتأخر ليس عبارة عن مجرد العدم والوجود ، لأن العدم قبل ~~كالعدم بعد ، وليس القبل بعد ، فالقبلية والبعدية صفتان وجوديتان فلهما ~~موصوف موجود ، فقبل حدوث كل حادث لا بد من شيء وجودي يكون موصوفا لذاته ~~بالقبلية حتى يكون العدم الحاصل فيه موصوفا بكونه قبلا لذلك الحادث ، ~~والشيء الذي يكون قبلا لذاته هو الزمان ، فقبل حدوث كل حادث زمان لكن ~~الزمان شيء غير مستقر بل هو على التقضي ، فقبل كل زمان زمان لا إلى أول ، ~~ويلزم من قدم الزمان قدم الحركة لأنه من لوازمها ، ويلزم من قدم الحركة قدم # وقال : «إن ms0868 هذه الشبهة قوية ، لو ثبت أن الإمكان صفة موجودة». PageV03P138 # الجسم. ### |||| ** الخامس : (1) لو كان العالم محدثا لكان محدثه إما أن يقال : إنه كان قادرا على أن ~~يحدث العالم قبل الوقت الذي أحدثه فيه بمدة متناهية أو ما كان قادرا عليه ، ~~والثاني محال ، لأنه يلزم إما انتقال الخالق من القدرة إلى العجز (2) أو ~~انتقال المخلوق من الامتناع إلى الإمكان ، وهما محالان ، فثبت (3) الأول. # وبمثله ثبت أنه كان قادرا على أن يخلق أيضا حوادث تنتهي إلى الوقت الذي ~~أحدث العالم فيه بمقدار ضعف تلك المدة ، وإذا ثبت هذا فإما أن يقال : إنه ~~يمكن إحداث ما ينتهي إلى العالم بضعف تلك المدة مع إحداث ما ينتهي إليه ~~أيضا بتلك حتى يكون ابتداؤهما وانتهاؤهما معا أو لا يكون ذلك ممكنا. والأول ~~ضروري البطلان. والثاني يقتضي وجود زمان قبل حدوث العالم ، لأن هناك أمرا ~~يتسع لقدر معين كسنة مثلا ولا يتسع لسنتين وهناك ما يتسع لسنتين ولا يصير ~~مستغرقا لسنة ، وكل قابل للزيادة والنقصان والتقدير فهو أمر وجودي مقداري ~~وذلك هو الزمان ، فقد ثبت حصول الزمان قبل حدوث العالم ، وإذا ثبت قدم ~~الزمان ثبت قدم الحركة ، فثبت قدم الجسم. # لا يقال : التقدير الذي ذكرتموه يكشف عن إمكان وجود زمانين أحدهما أطول ~~من صاحبه ، ولا يدل على وجودهما. # لأنا نقول : الأمر التقديرى يتغير عند تغير الفرض ، وما ذكرناه من وجود أمر PageV03P139 # قبل العالم بحيث لا يتسع إلا لحوادث سنة سواء وجد فرض فارض أو لم يوجد ، ~~وأمر آخر يتسع لحوادث سنتين ولا يصير مستغرقا لحوادث سنة (1) لا يتغير سواء ~~وجد فرض أو لا ، فعلمنا أن التقدير الذي ذكرناه يكشف عن وجود هذه الإمكانات ~~المتقدرة بالمقادير المحدودة قبل وجود العالم لا أنه يكشف عن مجرد فرض ذهني ~~واعتبار وهمي. ### |||| ** السادس : (2) الله تعالى قديم ، فلو كان العالم محدثا لكان الله تعالى متقدما عليه ~~بالضرورة ، وإلا لكان القديم محدثا أو المحدث قديما ، وإذا كان متقدما عليه ~~فإما بمدة أو لا بمدة ، والثاني يستلزم أحد المحالين السابقين (3)، والأول ~~إما أن تكون ms0869 المدة متناهية ويلزم حدوث الله تعالى ، لأن المتقدم على الحادث ~~بمدة متناهية يكون حادثا بالضرورة ، أو غير متناهية ويلزم قدم الزمان ~~المستلزم لقدم الحركة المستلزم لقدم الجسم. ### |||| ** السابع : لو كان العالم محدثا لكان الله تعالى متقدما عليه بقدم لا بداية له لأنه ~~قديم ، وذلك التقدم ليس عبارة عن وجود الباري تعالى وعدم العالم ، لأن الله ~~تعالى بمجرد هذا الاعتبار لا يكون قبل العالم ، فكونه متقدما على العالم ~~كيفية وجودية زائدة على وجوده تعالى وعدم العالم ، ولا بد لتلك الكيفية ~~الثبوتية من شيء يتصف بها لذاته ، والذي يتصف بالقبلية والبعدية لذاته هو ~~الزمان فتقدم الباري تعالى على العالم بالزمان ، فإذا لم تكن لتقدمه على ~~العالم بداية وجب أن لا تكون للزمان بداية. # وليس هذا الوجه في نهاية العقول. PageV03P140 # لا يقال : إنه تعالى متقدم على العالم بأزمنة لا بداية (1) لها مقدرة لا محققة. # لأنا نقول : المقدر في الذهن إن لم يكن له وجود في الخارج لم يكن الباري ~~تعالى متقدما على العالم أصلا ، وإن كان له وجود في الخارج حصل المقصود. ### |||| ** الثامن : لو كان العالم محدثا لصدق أنه لم يكن في الأزل موجودا ، وهذا سلب يكون ~~مستمرا من (2) الأزل إلى الأبد ، فإما أن يكون المفهوم من ذلك أن العالم ما ~~كان حاصلا في زمان وجودي يقضي ، أو مفهومه أنه كان موجودا في العدم الصرف ، ~~فالباري تعالى أيضا ما كان موجودا في العدم الصرف فيلزم أن يصدق عليه أنه ~~ما كان موجودا في الأزل ، لكن ذلك كاذب ، وإذا بطل ذلك ثبت أن المفهوم من ~~قولنا : لم يكن العالم موجودا في الأزل أي ما كان موجودا في الأزمنة ~~الماضية ، ولما كان مفهوم قولنا : «لم يكن العالم موجودا في الأزل» مستمرا ~~من الأزل إلى الآن لزم أن يكون استمرار الزمان من الأزل إلى الآن حاصلا. ### |||| ** التاسع : (3) لو لم يكن الزمان قديما لم يتميز وقت عدم العالم عن وقت وجوده ، ولو لم ~~يتميز ذلك لاستحال القصد إلى ايجاده ، لأنه لما كان الجمع بين وجوده وعدمه ~~محالا ms0870 كانت صحة وجوده موقوفة على امتياز وقت وجوده عن وقت عدمه ، فإذا لم ~~يكن الوقتان متميزين استحال القصد إلى الايجاد. (4) ### |||| ** العاشر : لو كان العالم محدثا لكان المؤثر فيه قادرا ، والتالي باطل ، فالمقدم PageV03P141 # مثله. # والشرطية ستأتي في بيان القادر. ويدل على بطلان التالي وجهان : ### |||| ** الأول : لو كان قادرا فإما أن يقدر على الايجاد في الأزل أو لا ، والأول محال ؛ لأن ~~معنى الايجاد الاخراج من العدم إلى الوجود ، وذلك ينافي الأزلية. والثاني ~~أيضا محال ؛ لأن عدم تمكنه من ذلك ليس لعدم المقتضي ، لأنه إخراج له عن ~~القادرية ولا لوجود المانع ، لأن المانع إن كان واجبا لذاته امتنع زواله ، ~~وإن كان ممكنا فلا بد له من مؤثر ، فذلك المؤثر إن كان قادرا كان ذلك ~~المانع حادثا فلا يكون الامتناع أزليا وقد فرض كذلك ، هذا خلف. وإن كان ~~موجبا لزم من دوام الموجب دوام ذلك المانع فكان ينبغي أن لا يصح وجود ~~العالم. فالقول بكون المؤثر قادرا يفضي إلى هذه المحالات. ### |||| ** الثاني : القادر إذا أوجد الفعل فإما أن تبقى قادريته على إيجاد ذلك الفعل أو لا ~~تبقى ، والقسمان باطلان ، فالقول بكونه قادرا باطل. # أما بطلان بقاء تلك القادرية : أنه كان قبل وجود الفعل قادرا على إيجاد ~~ذلك الفعل فلو بقيت تلك القادرية لكان قادرا على إيجاد ذلك الفعل بعد وجوده ~~فيكون ذلك إيجادا للموجود ، وأنه محال. # وبيان استحالة زوال تلك القادرية : أن قادرية الله تعالى على إيجاد ذلك ~~الفعل كانت ثابتة في (1) الأزل إلى الآن ، وإلا كانت قادرية الله تعالى على ~~إيجاد ذلك الفعل متجددة وذلك باطل اتفاقا ، فإذا وجد الفعل فلو لم تتعلق ~~قدرته تعالى بذلك الفعل كان ذلك زوالا لذلك التعلق الثابت من الأزل إلى ~~الآن فيكون ذلك عدما للقديم ، وهو محال. PageV03P142 ### |||| ** الحادي عشر : (1) لو كان العالم محدثا لكان الله تعالى عالما بالجزئيات ، والتالي باطل ، ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن المؤثر يستحيل أن يقصد إلى الايجاد والإحداث إلا إذا ~~كان عالما بأن ذلك الشيء معدوم ، فانه لو لم يعلم عدمه لاستحال منه ms0871 القصد ~~إلى الايجاد ، ثم إذا أوجد الفعل فلا بد وأن يصير عالما بوجوده ، وذلك ~~يقتضي وقوع التغيير في علم الله تعالى ، وهو محال. ### |||| ** الثاني عشر : (2) لو كان العالم محدثا لكان فاعله مختارا ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : ظاهر ، وأما بطلان التالي فلوجهين : ### |||| ** الأول : ذلك الاختيار إن كان لغرض وجب أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من عدمه وإلا ~~لم يكن غرضا ، وإذا كان الغرض أولى له كان الله تعالى مستكملا بخلق العالم ~~، وهو محال. # لا يقال : إنما يلزم الاستكمال لو كان ذلك الغرض عائدا إليه ، أما إذا ~~كان عائدا إلى غيره وكان الداعي هو الإحسان إلى الغير اندفع المحذور. # لأنا نقول : (3) الإحسان إلى الغير إن كان بالنسبة إلى ذاته أولى من ترك ~~الإحسان عاد الغرض إليه ، وإلا لم يكن غرضا. ولأن كل من فعل لغرض غيره كان ~~الفاعل أخس من المفعول له كالخادم والمخدوم ، ولما استحال أن يكون غير الله PageV03P143 # تعالى أشرف منه استحال أن يفعل لغرض غيره. # وإن (1) كان ذلك الاختيار لا لغرض كان عبثا ، والعبث على الله تعالى ~~محال. ولأنه يكون ترجيحا لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وهو محال. ### |||| ** الثاني : لو كان الله تعالى فاعلا بالاختيار فإما أن يجوز منه فعل القبيح أو لا ، ~~والقسمان باطلان. # أما الأول ، فلأنه لو جاز منه فعل القبيح لجاز إظهار المعجزة على يد ~~الكذابين وأن يؤيدهم وينصرهم (2) وأن يكون كاذبا في كل ما أخبر عنه من وعده ~~ووعيده ، فلا يعلم انه يثيب المطيع ويعاقب العاصي ، والعقل قاض بقبح عبادة ~~(3) من هو بهذه الصفات ، وذلك لا يقوله أحد من أرباب الملل. # وأما الثاني ، وهو أن يقال : لا يفعل القبيح فلوجهين : ### |||| ** الأول : أصحاب الملل اتفقوا (4) على أنه كلف الكافر بالإيمان مع علمه بكفره ، ووقوع ~~ما علم أنه لا يقع محال فيكون صدور الإيمان محالا فيكون التكليف تكليفا ~~بالمحال ، وهو قبيح. ### |||| ** الثاني : الغالب في الدنيا الشرور والآفات وأنواع الآلام والعقوبات ، والقول بالعوض ~~باطل على ما يأتي ، فبطل القول بالمختار. وهذه الشبهة ms0872 عول عليها ابن PageV03P144 # الراوندي (1) وأبو زكريا الطبيب. (2) ### |||| ** الثالث عشر : (3) علة وجود العالم جود الباري وجوده قديم أزلي (4)، فيكون وجود العالم أزليا. ### |||| ** الرابع عشر : الايجاد إحسان وفعله أفضل من تركه فلو كان العالم محدثا لكان الله تعالى ~~تاركا للإحسان الذي هو أفضل الأمور مدة غير متناهية ، وترك الأفضل نقص ، ~~وهو على الله تعالى محال. ### |||| ** الخامس عشر : المفهوم من كون الله تعالى مؤثرا في العالم غير المفهوم من ذات # وجعل الرازي هذا الوجه وما يأتي بعده من الدلائل المستنبطة من الحسن ~~والقبح والحكمة والعبث. المطالب العالية 4 : 137 و138. # وقال ابن سينا في تعريف الجود : «أتعرف ما الجود؟ الجود هو إفادة ما ~~ينبغي لا لعوض. فلعل من يهب السكين لمن لا ينبغي له ليس بجواد ، ولعل من ~~يهب ليستعيض معامل فليس بجواد. وليس العوض كله عينا ، بل وغيره حتى الثناء ~~والمدح والتخلص من المذمة والتوصل إلى أن يكون على الأحسن أو على ما ينبغي. ~~فمن جاد ليشرف أو ليحمد أو ليحسن به ما يفعل فهو مستعيض غير جواد. فالجواد ~~الحق هو الذي يفيض منه الفوائد لا لشوق منه وطلب قصدي لشيء يعود إليه. ~~واعلم أن الذي يفعل شيئا لو لم يفعله قبح به أو لم يحسن منه فهو بما يفيده ~~من فعله متخلص». شرح الإشارات 3 : 145. وانظر التفصيل أيضا في «غاية الجود ~~للواجب تعالى» في الفصل الخامس من المقالة السادسة من إلهيات الشفاء : 296. PageV03P145 # الباري تعالى ومن ذات العالم ، لإمكان تعقل ذات الله تعالى وذات العالم ~~مع الجهل بكونه تعالى مؤثرا في العالم (1)، فمفهوم المؤثرية ليس وصفا ~~عدميا وإلا لكان عدم المؤثرية وجوديا ، ضرورة أن أحد النقيضين لا بد وأن ~~يكون ثبوتيا ، لكن المعدومات يصح وصفها بأنها غير مؤثرة في شيء فيلزم أن ~~تكون المعدومات موصوفة بالصفات الثبوتية ، وهو محال ، فثبت أن عدم كون ~~الشيء مؤثرا في غيره أمر عدمي فالمؤثرية صفة ثبوتية. فحينئذ نقول : لو لم ~~يكن الباري تعالى مؤثرا في الأزل في وجود العالم ثم صار مؤثرا فيه لزم حدوث ~~صفة ms0873 في ذاته ، وهو محال ، فوجب أن تكون مؤثرية الباري تعالى في العالم ~~ثابتة دائما ، وهو المطلوب. ### |||| ** السادس عشر : لو كان العالم محدثا لكان الله تعالى سابقا عليه بمدة غير متناهية على ما ~~تقدم (2) فيكون حدوث العالم موقوفا على انقضاء قدم (3) المدة الغير ~~المتناهية وانقضاء ما لا يتناهى محال والموقوف على المحال محال ، فالتقدم ~~محال ، وإذا انتفى التقدم ثبت القدم. ### |||| ** السابع عشر : ما رأينا شيئا حادثا إلا من شيء ، فالبيضة لا توجد إلا من دجاجة ولا دجاجة ~~إلا من بيضة (4) فلو جوزنا حدوث العالم لا من شيء لزم تجويز خلاف القضايا ~~المطردة ، حتى يجوز أن يدرك الأعمى الذي بالصين في الليلة الظلماء بقة في ~~الأندلس ولا يبصر الإنسان الصحيح الحس في النهار الواضح PageV03P146 # الجبل الذي يحضر به ، إلى غير ذلك من المحالات. والأشعرية وإن التزمت هذا ~~لكنا نلزمهم ما لم يلتزموه وهو أنهم اتفقوا على امتناع حصول العلم بدون ~~الحياة ولا طريق إلى ذلك إلا الاستقراء ، فإذا جوزنا حصول الأمر على خلاف ~~ما شاهدناه ، فلم لا يجوز حصول علم بدون حياة؟ فثبت أنا لو لم نقس الغائب ~~على الشاهد مطلقا لزمنا القول بالسفسطة. ### |||| ** الثامن عشر : لو كان العالم محدثا لكان الباقي مقدورا بالله تعالى ، والتالي باطل ، ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن المفتقر إلى القادر ليس العدم السابق لأنه نفي محض فلا ~~تأثير للقادر فيه ، أو الوجود الحاصل ، لكن وجود الشيء حال حدوثه هو وجوده ~~حال بقائه ، وحكم الشيء الواحد لا يختلف ، فلما افتقر إلى القادر حال حدوثه ~~وجب أن يفتقر إليه حال بقائه. # وأما بطلان التالي ، فلاستلزامه تحصيل الحاصل ، لأن القادر تأثيره في ~~تحصيل الوجود والوجود حاصل. ### |||| ** التاسع عشر : قالت المانوية (1): لو كان الجسم حادثا استحال أن يكون حدوثه عدميا. # لأنا نقول : لم يكن حادثا فصار حادثا فأحدهما نقيض للآخر فأحدهما ثبوتي ، ~~فإذا علمنا ضرورة أن قولنا «ما حدث» عدمي علمنا أن قولنا «حدث» ثبوتي. ~~ويستحيل أن يكون نفس الجسم ، وإلا لكان متى ثبت الجسم ثبت حدوثه PageV03P147 # فالباقي حال بقائه حادث ms0874 ، وهو باطل بالضرورة فهو زائد ، فإن كان قديما ~~كان حدوث الحادث موجودا قبل وجود ذلك الحادث فالحادث حاصل قبل الحدوث ، هذا ~~خلف. وإن كان حادثا فله حدوث ويتسلسل. وإذا أدى الحدوث إلى هذه الأقسام ~~الباطلة كان باطلا. # لا يقال : حدوثه نفس ذاته ويلزم أن يكون الجسم حادثا أبدا ، فإن الجسم لا ~~يوجد في وقت من الأوقات إلا ويكون محكوما عليه بأنه حادث ، ثم يعارض بأمرين : ### |||| ** الأول : إنا وإن اختلفنا في حدوث الأجسام لكنا توافقنا على حدوث الأعراض وتقسيمكم ~~عائد فيه. ### |||| ** الثاني : هذا التقسيم بعينه عائد في القدم. # لأنا نقول : لا يمكن الحكم على الجسم حال بقائه بالحدوث ، كيف والمراد ~~منه أنه ما كان قبل الآن موجودا وإنما حدث الآن ، والشيء حال بقائه غير ~~محكوم عليه بذلك بل هو حال بقائه محكوم عليه بأنه كان قبل ذلك ، وليس ~~كلامنا فيه بل في نفس الحدوث ، والاعراض لا نثبتها. # سلمنا ، لكن لا يبقى ، لأن حدوث العرض لما كان نفس ذاته لا جرم متى تحقق ~~كان حادثا ، فلهذا حكمنا أن العرض لا يبقى ، وأنتم التزمتم بقاء الجسم ، ~~فإن التزمتم عدم بقائه كان مكابرة ، والجمهور منكم معترفون بفساده. # والمعارضة بالقدم باطلة ، لأنا لا نحكم على الجسم بأنه قديم أزلي ولذلك ~~نحكم عليه بأن قدمه عين ذاته. أما لو قلتم بأن حدوثه عين ذاته يلزمكم أن ~~يكون أبدا حادثا ولزم المحذور. ### |||| ** العشرون : لو كان الجسم محدثا فمحدثه إن ساواه من كل وجه كان محدثا PageV03P148 # مفتقرا إلى محدث ويتسلسل ، وهو محال. وإن خالفه من كل وجه لم يكن موجودا ~~، لأن ما يخالف الموجود من كل وجه يكون قد خالفه في كونه موجودا ، فلا يكون ~~موجودا. وإن ساواه من وجه دون وجه فالمحدث من الوجه الذي يساوي المحدث لا ~~بد وأن يكون محدثا فيكون المحدث مركبا من القدم والحدوث ، وهو محال ، لأن ~~الكلام بعينه يعود في ذلك الوجه. ### |||| ** الحادي والعشرون : المؤثر في الجسم إن كان موجبا لزم من قدمه قدم الجسم ، وإن كان مختارا ~~والمختار هو الذي يكون ms0875 مخيرا بين الفعل والترك ، والترك يستحيل أن يكون ~~عدميا ، لأن القادر إنما يتخير فيما يكون له أثر فيه والعدم المحض لا أثر ~~فيه وإلا لكان العدم وجودا بل الخيرة إنما تتحقق بين الضدين ، فلو كان ~~المؤثر في الجسم قادرا وجب أن يكون للجسم ضد وأن لا يخلو القادر من فعل ~~الجسم وفعل ضده فهو في الأزل إن كان فاعلا للجسم كان الجسم أزليا ، وإن لم ~~يكن فاعلا له كان فاعلا لضده ، وهو محال ؛ لأنه لا يعقل للجسم ضد ، ولأنه ~~لو كان كذلك لكان ضد الجسم قديما ، والقديم يستحيل عدمه ، وإذا استحال عدم ~~الشيء استحال وجود ضده فكان يلزم أن لا يوجد العالم أصلا ، فلما ثبت بطل ما ~~ذكرتموه. ### |||| ** الثاني والعشرون : لو كان الجسم محدثا وجب أن لا يكون له محدث بالضرورة ، فإما أن يكون نفسه ، ~~وهو محال ؛ لأن المحدث متقدم بالوجود على المحدث والشيء لا يتقدم على نفسه. ~~أو غيره وهو محال ، أما أولا : فلأن ذلك الغير إما إن أثر فيه لأنه هو لزم ~~من دوامه دوام الجسم ، أو لا لأنه هو فيعود التقسيم المذكور. وأما ثانيا : ~~فلأن ذلك الغير إن كان موجبا عاد الإلزام ، وإن كان قادرا ، والقادر ما لم ~~تفرض بينه وبين المقدور نسبة وتعلق ، استحال تأثيره فيه ، لكن حصول النسبة ~~بينه وبين غيره موقوف على حصول ذلك الغير فلو كان حصول ذلك الغير لأجل تلك PageV03P149 # النسبة دار. ### ||| ** والجواب عن الوجه الأول من وجوه : (1) ### |||| ** الوجه الأول : نمنع قدم الأثر لو كان المؤثر الجامع لجميع جهات المؤثرية أزليا ، فان قدم ~~الأثر إنما يتبع قدم مؤثره لو كان المؤثر موجبا ، أما إذا كان مختارا فلا ، ~~فانه يجوز بل يجب أن يتأخر أثره عنه. ### |||| ** الوجه الثاني : (2) المؤثر مستجمع لجميع جهات المؤثرية في الأزل لكنه مختار والمختار يرجح ~~أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح ، كالهارب من السبع إذا عرض له طريقان ~~متساويان من جميع الوجوه فيما يرجع إلى مقصوده فانه يسلك أحدهما دون الآخر ~~لا لمرجح. والجائع إذا حضره رغيفان متساويان من ms0876 كل وجه فانه يتناول أحدهما ~~من غير مرجح ، وإن حضره واحد يتناول من بعض جوانبه دون بعض مع المساواة. ~~والعطشان إذا حضره قدحان متساويان شرب أحدهما من غير مرجح. ### |||| ** الوجه الثالث : العالم إنما حدث في ذلك الوقت لأن المؤثر مختار ، والقادر إنما يفعل أحد ~~مقدوريه دون الثاني ، لأن إرادته اقتضت ترجيح ذلك المقدور على غيره. # لا يقال : لما ذا رجحت الإرادة ذلك الشيء على غيره؟ # لأنا نقول : هذا السؤال ساقط ، لأن الإرادة مرجحة ومخصصة لذاتها. ولأنها PageV03P150 # لو رجحت غيره لكان السؤال عائدا. وعلى هذا التقدير يلزم أن يكون كون ~~الإرادة مرجحة معللة بعلة أخرى وهو محال ، لأن كون الإرادة مرجحة صفة نفسية ~~لها ، كما أن كون العلم بحيث يعلم به المعلوم أمر ذاتي له ولما استحال ~~تعطيل الصفات الذاتية استحال تعليل كون الإرادة مرجحة. # والمعتمد في دفع السؤال اسناد الترجيح إلى ذات الإرادة لئلا يرد عليه قول ~~الرئيس. # لا يقال : هذا السؤال باطل لأنه عائد في كل وقت. # لأنا نقول : بل هو حق لأنه عائد في كل وقت. ### |||| ** الوجه الرابع : قالت الأشعرية : إنه تعالى عالم وعلمه متعلق بجميع الأشياء وإذا كان كذلك ~~كان تعالى عالما بأن الأشياء توجد وأنها لا توجد ووقوع ما علم الله تعالى ~~أنه لا يوجد محال ، وعدم وقوع ما علم أنه يوجد محال أيضا والإرادة لا تتعلق ~~بالمحال ، فلا جرم تعلقت الإرادة بوقوع ما تعلق العلم بوقوعه وبعدم وقوع ما ~~تعلق العلم بعدم وقوعه. ولما علم الله تعالى أن العالم يوجد في الوقت ~~المعين أراد إيجاده فيه دون ما قبله وما بعده. ### |||| ** الوجه الخامس : قالت المعتزلة : إن الله تعالى إنما رجح إيجاد العالم في ذلك الوقت ، لأن ~~الإيجاد إحسان والإحسان أفضل من تركه ، وإنما اختص الإيجاد بذلك الوقت ~~لجواز أن يكون إيجاده في ذلك الوقت متضمنا لنوع مصلحة عائدة إلى المكلف لو ~~أوجده في وقت آخر لم تحصل تلك المصلحة ، وحينئذ يكون إيجاده في ذلك الوقت ~~أولى من إيجاده في غيره. ولما دل الدليل على حدوث ms0877 العالم ودل الدليل على أن ~~اختصاصه بالحدوث في ذلك الوقت دون ما عداه إنما يكون لاختصاص ذلك الوقت ~~بمرجح ومخصص لا يوجد في غيره وجب علينا القطع بذلك وإن PageV03P151 # كنا لا نقع على تفصيل تلك المصلحة. (1) ### |||| ** الوجه السادس : قال بعض المعتزلة : حدوث العالم قبل أن أحدثه الله تعالى محال فلهذا لم ~~يحدثه الله تعالى فيه. ### |||| ** الوجه السابع : العالم محال الوجود في الأزل ، وإلا لكان إما متحركا أو ساكنا وهما محالان ~~في الأزل ، فاستحال وجود العالم في الأزل. # ولأن الفعل في الأزل محال ، لأن الفعل ما له أول والأزل ما لا أول له ~~والجمع بينهما محال. وإذا كان ممتنعا لم يصح إيجاده أزلا فلهذا كان العالم ~~حادثا عن الله تعالى وامتنع كونه قديما. ### |||| ** الوجه الثامن : قبل العالم لا وقت ، فلا يصح أن يقال : لم لا حدث العالم قبل أن يحدث؟ (2) ### |||| ** الوجه التاسع : تعارض قولكم باستحالة الترجيح من غير مرجح بأمور سبعة : ### |||| ** الأمر الأول : الفلك عند الفلاسفة جسم متشابه الأجزاء فالنقط المفروضة فيه متشابهة ، ثم ~~إن بعضها يعين للقطبية (3) دون البعض. وحصلت دائرة مخصوصة تعينت لكونها ~~منطقة (4) دون غيرها مع تساوي الجميع من غير مرجح. وكذا يتعين خط لأن يكون ~~محورا دون سائر الخطوط المتساوية من غير مرجح. PageV03P152 ### |||| ** الأمر الثاني : حركة الفلك الأعلى على خلاف التوالي كما انه ممكن ، فكذا حركته على التوالي ~~ممكن أيضا فاختصاصه بالحركة من جهة دون غيرها مع تساويها ترجيح من غير مرجح. ### |||| ** الأمر الثالث : جميع الحركات بأسرها متساوية النسبة إليه ، ولا ريب أن الحركات مختلفة ~~بالسرعة والبطء ، فحصول سرعة معينة في حركة الفلك دون غيرها يكون ترجيحا من ~~غير مرجح. ### |||| ** الأمر الرابع : كل فلك من الأفلاك له ثخن معين وحد محدود مع أن حصوله على أكثر من ذلك ~~الثخن أو الحد ، أو أقل ممكن ، فاختصاصه بذلك الثخن المعين والقدر الخاص ~~يكون ترجيحا من غير مرجح. ### |||| ** الأمر الخامس : الفلك بسيط متشابه الأجزاء من كل الوجوه فاختصاص جانب منه بالنقرة التي ~~ترتكز الكواكب فيها دون سائر الجوانب يكون ترجيحا ms0878 للشيء على ما هو مثله من ~~غير سبب. ### |||| ** الأمر السادس : الفلك بسيط فاختصاص كل واحد من التداوير والأوجات والحضيضات بجانب معين منه ~~دون جانب مع تساوي سائر الجوانب ، وإلا لم يكن بسيطا ، ترجيح من غير مرجح. ### |||| ** الأمر السابع : الفلك الممثل في كل كوكب له فلك ممثل يشمل على فلك خارج المركز وعلى متمم ، ~~فاختصاص جانب من متممات الأفلاك الخارجة المركز بالغلظ دون الجانب الآخر ~~ترجيح من غير مرجح. ### |||| ** الأمر الثامن : العالم عندكم قديم لكن لا شك في حدوث الاعراض والتراكيب فاختصاص حدوث كل ~~واحد منها بالوقت المعين دون الوقت الذي حدث فيه مثله يكون ترجيحا من غير ~~مرجح ، فلزمكم في الصفات المحدثة ما ألزمتمونا في حدوث العالم. PageV03P153 ### |||| ** الأمر التاسع : اتصاف مادة كل عضو بصورته إما أن يكون لاستحقاق تلك المادة لتلك الصورة أو ~~لا يكون كذلك ، فإن كان الأول لم يكن ذلك الاستحقاق للجسمية المشترك فيها ~~بل لأمر ورائها فيكون كل جزء من حامل ذلك الاستحقاق موصوفا به والقوة ~~القائمة بحامل ذلك الاستحقاق كذلك. فإما أن يكون تأثير القوة في ذلك الجسم ~~تأثيرا متشابها ، والجسم الذي يكون متشابه الشكل هو الكرة ، فتكون أعضاء ~~الحيوانات على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض ، هذا خلف. أو لا يكون تأثيرها ~~فيها متشابها مع أن نسبتها إلى جميع أجزاء الحامل على السوية فقد جوزتم في ~~الموجب أن يترجح بعض آثاره على البعض مع استواء نسبته إلى الكل ، فإن ~~جوزتموه في الموجب فتجويزه في القادر أولى. وإن كان الثاني كان واهب الصورة ~~قد خصص كل واحد من مواد الأعضاء بصورة مخصوصة مع أن نسبة جميع تلك (1) ~~المواد إلى جميع تلك الصور على السواء وذلك يقدح في أصل دليلكم. # قالت الفلاسفة : حاصل أجوبتكم كلها يرجع إلى شيء واحد وهو أنكم اخترتم ~~(2) أن كل ما لا بد منه في المؤثرية لم يكن حاصلا في الأزل. (3) ### |||| ** أما أولا : فلأن الفعل (4) لم يكن ممكنا في الأزل فشرط جوازه ووجوده عن المؤثر انتفاء ~~الأزل ، وانتفاء الأزل لم يكن ثابتا في ms0879 الأزل ، فلا يكون شرط التأثير ~~موجودا ، فلا يكون كل ما لا بد منه في المؤثرية حاصلا في الأزل. ### |||| ** وأما ثانيا : فلأن شرط الوجود ترجيح القادر وذلك الترجيح لم يكن حاصلا PageV03P154 # في الأزل ، وإلا لوجد العالم في الأزل ، فلم يكن كل ما لا بد منه في ~~المؤثرية حاصلا في الأزل. ### |||| ** وأما ثالثا : فلأن شرط التأثير الإرادة المتعلقة بذلك الوقت الذي حدث فيه وذلك الوقت لم ~~يكن حاصلا في الأزل ، فلا يكون كل ما لا بد منه في المؤثرية حاصلا في الأزل. ### |||| ** وأما رابعا : فلأن شرط التأثير حصول الوقت الذي تعلق العلم بإيجاده فيه وذلك الوقت لم ~~يكن حاصلا في الأزل ، فلا يكون كل ما لا بد منه في المؤثرية حاصلا في الأزل. ### |||| ** وأما خامسا : فلأن شرط الايجاد حصول المصلحة وتلك المصلحة لم تكن حاصلة إلا في وقت ~~إيجاده ، فلا يكون كل ما لا بد منه في المؤثرية حاصلا في الأزل. ### |||| ** وأما سادسا : فلأن الوقت الذي يمكن فيه وجود العالم شرط لوجود العالم وهو جزء من المؤثر ~~التام ، ولم يكن حاصلا في الأزل. ### |||| ** وأما سابعا : فلأن الأزلية إذا كانت مانعة من (1) وجود العالم كان نفيها شرطا في إيجاده ~~ونفيها لم يكن حاصلا في الأزل ، فلم يكن ما لا بد له في المؤثرية حاصلا في الأزل. # فظهر أن حاصل هذه الأجوبة كلها راجع إلى أحد القسمين اللذين أبطلناهما ، ~~وهو أن كل ما لا بد له في المؤثرية لم يكن حاصلا في الأزل. ### |||| ** وأما ثامنا : فلأن شرط حدوث العالم حضور وقته وقبل العالم لا وقت ، فلم يكن الشرط حاصلا ~~في الأزل. # ثم نجيب عن كل واحد واحد على التفصيل : PageV03P155 ### |||| ** أما الأول : فلأن هذا المختار إما أن لا يمكنه إيجاد العالم في وقت آخر أو يمكنه ذلك ~~فإن لم يمكنه ذلك فهو إما أن يكون لأجل خاصية في هذا الوقت أو لا لخاصية ~~فيه ، والأول باطل لتساوي الأوقات كلها في الماهية بالضرورة فيستحيل أن ~~يختص الواحد منها بحكم واجب. # وأيضا صحة حدوث العالم في نفسه ms0880 وصحة محدثية الباري تعالى له إن اختصتا بذلك # الوقت كانتا قبله ممتنعتين لذاتيهما ثم انقلبتا إلى الإمكان ، وانقلاب ~~الحقائق محال لافضائه إلى السفسطة ويلزم نفي الصانع على ما تقدم. وإن لم ~~تختصا بذلك الوقت كان المؤثر متمكنا من التأثير في غير ذلك الوقت. # وأيضا فذلك الوقت إن امتاز عن سائر الأوقات في اختصاصه بهذه الصحة كان ~~ذلك الوقت موجودا قبل حدوث العالم ، وهو يقتضي قدم الزمان. ولأن الوقت من ~~العالم فيكون العالم موجودا قبل أن يكون موجودا. # وأيضا فتلك الصحة لما لم تكن حاصلة قبل ذلك الوقت ثم حصلت فيه فإن لم يكن ~~لها مؤثر أصلا فقد حدث الشيء لا عن مؤثر ، وهو محال ويسد باب إثبات الصانع. ~~وإن كان لها مؤثر نقلنا الكلام إلى صحة تأثير ذلك المؤثر في تلك الصحة أنها ~~مختصة بذلك الوقت أو غير مختصة ، ويعود الكلام الأول بعينه. # وإن لم يكن لخاصية في ذلك الوقت كانت تلك المؤثرية الواجبة غير موقوفة ~~على اعتبار شيء من الأوقات ومتى كان كذلك وجب دوام تلك المؤثرية. # وأما إن كان الفاعل مختارا يمكنه أن لا يوجد العالم في الوقت الذي أوجده ~~فيه فيكون إيجاد العالم في الوقت الذي أوجده فيه ممكنا فيحتاج إلى المؤثر ، ~~ويعود الإشكال. # لا يقال : القادر يرجح لا لأمر ، كالهارب من السبع وشبهه. أو أن الإرادة ~~الأزلية خصصت ترجيح المقدور على غيره لذاتها في وقت معين. PageV03P156 # لأنا نقول : تقدم إبطال الترجيح من غير مرجح ، وسيأتي هنا. والقادر إن لم ~~يمكنه اختيار العالم في غير ذلك الوقت فهو موجب. ولأن اختيار إيقاع ذلك ~~الفعل يبطل عند وقوعه ، فذلك الاختيار لا يكون واجبا لذاته ولا من لوازم ~~ذاته ، فيكون وجوبه تعالى غير ذاته وهو محال ؛ لأن ما عدا ذاته يستند إلى ~~اختياره فلا يجوز أن يكون اختياره مستندا إلى ما عدا ذاته. وإن أمكنه لم ~~يترجح أحد الاختيارين إلا لمرجح ، فإن كان اختيارا آخر تسلسل أو انتهى إلى ~~ذاته ، وذلك عودا إلى ما قلناه. ### |||| ** وأما الثاني : فهو باطل ms0881 ، لأن العمدة في إثبات الصانع احتياج الممكن إلى المؤثر ، فلو ~~جوزنا ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح لم يمكننا أن نحكم في ~~شيء من الممكنات باحتياجه إلى المؤثر ، وهو يسد باب إثبات الصانع. ونمنع ~~تساوي الطرفين في صورة الهارب من كل الوجوه. # سلمنا ، لكنه يرجح لأنه يعتقد ترجيح أحدهما على الآخر من بعض الوجوه أو ~~يغفل عن أحدهما ، فأما لو اعتقد تساويهما من كل الوجوه فانه يستحيل منه ~~والحال هذه أن يسلك أحدهما ، لأن الإنسان إذا تعارضت دواعيه إلى الحركات ~~المتضادة فانه يقف في ذلك الموضع ولا يمكنه أن يتحرك إلا عند المرجح. # أو نقول : لا نسلم انتفاء المرجح فجاز أن يرجح أحدهما لأمر لا نعلمه وكذا ~~باقي الصور. وأيضا لما تساوى الفعل والترك بالنسبة إلى القادر كان وقوع ~~أحدهما من غير مرجح اتفاقا وحينئذ يجوز في سائر الحوادث ذلك ويلزم نفي ~~الصانع. # وأيضا لما استويا بالنسبة إليه فترجح أحدهما إن لم يتوقف على نوع مرجح ~~منه كان وقوعه لا بايقاعه بل من غير سبب فيلزم نفي الصانع ، وإن توقف عاد ~~التقسيم فيه أنه هل كان حاصلا في الأزل أم لا؟ ### |||| ** وأما الثالث : فباطل ، لأنا لا نعلل أصل كون الإرادة مرجحة بل نعلل كونها PageV03P157 # مرجحة لهذا الشيء على ضده ، ولا يلزم من تعليل خصوص المرجحية تعليل أصل ~~المرجحية ، فإن الممكن لما دار بين الوجود والعدم حكمنا بأنه لا يترجح أحد ~~طرفيه على الآخر إلا لمرجح ، ولا يكون ذلك تعليلا لأصل كونه ممكنا ، فكذا ~~هنا. والحاصل أن كون الإرادة مقتضية للترجيح ذاتي ، فأما هذا الترجيح فلا. # لا يقال : لو كانت مرجحية المعينة مقتضية علة لكان مطلق مرجحيته مقتضيا علة. # لأنا نقول : الملازمة ممنوعة ، لأن المرجحية المطلقة لا توجد وإنما ~~الموجود مرجحية خاصة وهي واقعة على نعت الجواز فتستدعي مسببا ، كما أن ~~الممكنات دائما مستدعية مؤثرا لا من حيث إنها ممكنة بل من حيث إنها لا تخلو ~~عن طرفي الوجود والعدم اللذين هما متعلق الإمكان. # وأيضا إرادته إن لم ms0882 تكن صالحة لتعلق إيجاده في سائر الأوقات كان موجبا ~~بالذات فلزم قدم العالم. وإن كانت صالحة فترجح بعض الأوقات بالتعلق إن لم ~~يتوقف على مرجح وقع الممكن لا عن المرجح. وإن توقف عاد الكلام فيه وتسلسل. # وأيضا تعلق إرادته بإيجاده إن لم يكن مشروطا بوقت ما لزم قدم المراد ، ~~وإن كان مشروطا به كان ذلك الوقت حاضرا في الأزل ، وإلا عاد الكلام في ~~كيفية احداثه ويتسلسل. ### |||| ** وأما الرابع : فباطل ، لأن العلم بالوقوع تبع (1) الوقوع ووقوع ذلك الشيء تبع الأمر الذي ~~خصصه بالوقوع دون مثله وهو الإرادة فلو عللنا تعلق الإرادة بوقوعه بتعلق ~~علم الله بوقوعه دار. وأيضا تغير المعلوم محال فيمتنع عقلا إحداثه في وقت ~~علم عدم حدوثه فيه وعدم إحداثه في وقت علم حدوثه فيه ، وهو يقتضي كونه PageV03P158 # موجبا بالذات. ### |||| ** وأما الخامس : فباطل أيضا ، لأن المصلحة التي تحصل من خلق الله تعالى العالم في ذلك الوقت ~~دون سائر الأوقات إن أمكن حصولها بتقدير خلق الله تعالى العالم في وقت آخر ~~، لم يكن ذلك مرجحا لذلك الوقت على سائر الأوقات. وإن لم يمكن حصولها في ~~سائر الأوقات فيكون حصول تلك المصلحة بتقدير حدوث العالم في وقت آخر محالا ~~، فتلك الاستحالة إما أن تكون لعين الشيء وذاته أو لأمر لازم أو لأمر عارض ~~، والأقسام باطلة لما مر. # وأيضا فلأنا نعلم بالضرورة انا لو قدرنا أن الله تعالى خلق العالم قبل ~~خلقه بآن واحد أو خلقه أزيد من المقدار الذي خلقه بجزء لا يتجزأ أو أنقص ~~منه بذلك المقدار لم يختلف بسبب ذلك شيء من مصالح المكلفين لا سيما إذا لم ~~يخلق الله تعالى فيهم علما بذلك. # وأيضا حدوث وقت تلك المصلحة إن كان لا لمحدث لزم نفي الصانع ، وإن كان ~~لمحدث عاد الكلام فيه. # وأيضا تلك المصلحة إن كانت حاصلة قبل ذلك الوقت لزم حدوثه قبله ، وإن وجب ~~حدوثه في ذلك الوقت جاز في غير ذلك ولزم نفي الصانع ، وإن لم يجب عاد ~~الكلام في اختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة وتسلسل. ms0883 # ولأن فاعلية الله تعالى إن اعتبر فيها رعاية المصالح وجب فيما لا مصلحة ~~فيه أن لا يوجده ، لكن خلق الكافر وتكليفه مع العلم بانه لا يستوجب إلا ~~العقاب ليس مصلحة فوجب أن لا يوجد. وإن لم تعتبر فيها تلك بطل أصل الجواب. ### |||| ** وأما السادس : فباطل لما تقدم من امتناع انقلاب الممتنع لذاته ممكنا لذاته. ولأن الماهية ~~لا يمتنع قبولها للوجود أو لا قبولها له ، فيكون شاملا للأوقات. PageV03P159 ### |||| ** وأما السابع : فباطل بما تقدم من أن التأثير لا يستدعي تقدم العدم. وأيضا يعارض بأنه لو ~~وقع العالم قبل الوقت الذي وقع فيه بمقدار سنة فقط لم يصر بذلك أزليا ~~فحينئذ يتحقق الإشكال وهو أن إمكان حدوث العالم ليس له ابتداء ، إذ لا وقت ~~يفرض أن يكون مبدأ للإمكان إلا وهو ممكن الحدوث قبله وأنه لا يصير أزليا ~~بأن يوجد قبله بآن واحد. وإذا امتنع أن يكون لإمكانه مبدأ ثبت أنه دائما ~~ممكن الثبوت. (1) # وأما المعارضات فضعيفة. (2) ### |||| ** أما الأول : فلأن تعين النقطتين للقطبية وتعين تلك الدائرة للمنطقية والخط للمحورية ~~إنما كان لأجل أن الفلك إذا تحرك على الوجه الذي تحرك عليه فانه يستحيل ~~عقلا أن تصير سائر النقط وسائر الدوائر منطقة ، فإذن تعين الأقطاب والمناطق ~~بسبب تعين الحركات. وتعين الحركات لأمور ثلاثة : ### |||| ** الأول : إن نظام العالم السفلي لا يحصل إلا بالحركة على هذا الوجه. ### |||| ** الثاني : الحركة من المشرق إلى المغرب مضادة للحركة من المغرب إلى المشرق PageV03P160 # ولا يلزم من كون الشيء قابلا للشيء كونه قابلا لضده. (1) فإذن لا يكون ~~اختصاص الفلك بإحدى الحركتين دون الأخرى ترجيحا لأحد المثلين على الآخر بل ~~ترجيحا للشيء على ما يخالفه وهو غير منكر ، إنما المنكر ترجيح الشيء على مثله. ### |||| ** الثالث : حركات الأفلاك لأجل التشبه بالعقول المفارقة ، وإذا كان كذلك فمن المحتمل ~~أن يكون التشبه لا يحصل إلا بالحركة المخصوصة ، فلذلك اختار الفلك تلك ~~الحركة على سائر الحركات. # وبهذه الأجوبة الثلاثة خرج الكلام في البطء والسرعة. # قال أفضل المحققين : «اختصاص أحد الأوضاع الفلكية بأن يستدير عليه الفلك ~~من ms0884 سائرها يجب أن يكون بحسب مخصص عائد إلى محركه ، إذ المتحرك بسيط فهذا ~~حكم يوجبه العقل وإن لم يعرف وجه التخصيص بالفعل (2)، ولما وجد (3) متحركا ~~على وضع ما حكم بوجود (4) ذلك المخصص بالإجمال ، وحكم بأن ذلك المخصص بعينه ~~يجب أن يكون مانعا عن الاستدارة على سائر الأوضاع لامتناع وجود حركتين ~~مختلفتين في جسم واحد». (5) ### |||| ** وأما الثاني والثالث : فلأن مادة كل فلك لا تقبل غير ذلك النوع من الحركة ، أو أنها وإن كانت ~~قابلة لسائر الأنواع لكن العناية بالسافلات لا تحصل إلا من PageV03P161 # هذه الحركة ، أو لأن تشبه كل فلك بالجوهر المفارق الذي هو معشوقه لا تحصل ~~إلا بهذه الحركة. ### |||| ** وأما الرابع : فلأن مادة كل فلك غير قابلة لما هو أزيد من المقدار الحاصل لفلكها أو أنقص ~~، ولما كان الزائد والناقص محالين لا جرم استمر ذلك الامتناع ، وأما حدوث ~~العالم قبل أن حدث فلو كان ممتنعا استمر ذلك الامتناع ولما حدث أصلا ، فلما ~~حدث علمنا أنه ممكن في كل وقت. ### |||| ** وأما الخامس : فاختصاص الكواكب والتداوير والأوجات والحضيضات بمواضع معينة من الفلك ، ~~فلأنا لا نقول : حصل الفلك أولا ثم حصل الكواكب (1) وأحدث فيه نقرة حتى يرد ~~السؤال بأنه لم أحدث النقرة من ذلك الجانب دون سائر الجوانب؟ بل نقول : حدث ~~الفلك والكوكب معا ، ويلزم من حدوث الكوكب حصول تلك النقرة ، ثم استحال بعد ~~ذلك انتقال الكوكب منه لاستحالة الخرق على الفلك. # فالحاصل : أن موضع الكوكب لو تعين قبل حصول الكوكب فيه كان هذا السؤال ~~لازما. فأما إذا كان تعين تلك الأحياز والمواضع بسبب (2) اختصاصها بها فلا ~~، فإن ذلك الحيز إنما صار ذلك الحيز بحصول ذلك الكوكب فيه وإلا كان مصمتا ~~من (3) غير تلك الحفرة والنقرة. # ثم إن الكواكب بعد اختصاصه بذلك الموضع امتنع عليه التبدل لامتناع الخرق ~~على الفلك ، وهو جواب السادس والسابع. ### |||| ** وأما الثامن : فلأن حدوث الحوادث في عالمنا هذا إنما يكون لأن المواد PageV03P162 # العنصرية بسبب اختلاف الحركات السماوية الدورية يختلف استعدادها بحسب ~~الاستعدادات المختلفة تفيض (1) عليها من العقل الفعال كيفيات ms0885 مختلفة ، فلو ~~لا الحركات السماوية لاستحال حدوث الحوادث في عالمنا هذا ، ثم تلك الحركات ~~السماوية لا بد وأن يكون كل واحد منها مسبوقا بغيره لا إلى أول ليكون كل ~~متقدم متقربا للعلة الموجدة إلى المعلول بعد بعدها عنه ، وذلك هو الذي ~~يقتضي قدم العالم. # والأصل في ذلك أن العلة قد تكون معدة وقد تكون مؤثرة. # أما المعدة فيجوز تقدمها على المعلول لأنها غير مؤثرة في الوجود بل هي ~~تقرب العلة إلى المعلول. وأما المؤثرة فانها يجب أن تكون مقارنة للأثر معه. ~~مثاله في الأفعال الطبيعية : أن الثقل علة للهوى ، ثم إن الثقل لا ينتهي ~~بحركته إلى حد من حدود المسافة إلا ويصير ذلك الانتهاء سببا لاستعداده لأن ~~يتحرك منه إلى الحد الذي يليه ، فالحركة السابقة علة لحصول الاستعداد ~~والمؤثر في وجود الحركة هو الثقل وهو موجود مع الأثر. # ومثاله من الأفعال الإرادية : أن مريد الحج تكون تلك الإرادة الكلية سببا ~~لحدوث إرادات جزئية مترتبة يكون كل واحد منها علة بالعرض للآخر ، فانه لا ~~تنتهي الحركة إلى حد من حدود المسافة إلا ويكون انتهاؤه إلى ذلك الحد سببا ~~لأن يحدث له قصد آخر جزئي إلى أن يتحرك منه إلى الحد الذي يليه ، والمؤثر ~~في وجود تلك الحركة هو القصد الكلي وهو مقارن لجميع أجزاء الحركة موجود ~~معها. فلهذه الحوادث سبب قديم هو الواهب للصور المفيض للوجود ، لكن فيضانها ~~عنه موقوف على صيرورة المادة مستعدة لقبول ذلك الفيض ، وصيرورة المادة ~~مستعدة بعد أن لم تكن إنما تكون بواسطة الحركات والتغيرات حتى يكون كل سابق علة PageV03P163 # لاستعداد المادة لقبول اللاحق. # فإذن لا يمكن أن يحدث شيء من الأشياء إلا بواسطة حركة تقرب العلة إلى ~~المعلول ، وتجعل المادة مستعدة لقبول التأثير. وأي شيء يفرض أن يكون أولا ~~للحوادث فلا بد وأن تكون قبله حركة وتغير ليكون سببا لحدوث ذلك الاستعداد ~~في ذلك الوقت ، فعلى هذا النهج يمكن حدوث الحوادث. # لا يقال : تجدد مؤثرية المؤثر يستدعي علة. # لأنا نقول : المؤثرية حكم إضافي لا وجود له ms0886 في الخارج فلا يستدعي علة. # ولنعقد في هذا الموضع مبدأ برهان آخر على دوام الفاعلية ، فنقول : هذه ~~الحوادث لا بد لها من أسباب ، ولا بد وأن تكون أسبابها حادثة أو مشاركة في ~~أمور حادثة ، فإما أن يكون حدوثها لحدوث عللها دفعة أو لحدوث قرب عللها ~~منها ، والأول يوجب وجود علل ومعلولات غير متناهية معا ، وهو محال. # فإذن حدوثها لأجل قرب عللها منها وذلك القرب لأجل أن السابق علة لصيرورة ~~ذلك الحادث مستعدا لقبول الفيض عن واهب الصور ، فتلك الأمور المتعاقبة إن ~~كانت آنية لزم تتالي الآنات ، وقد تقدم بطلانه. # وأيضا لا يكون بينها اتصال بل هي متقاطعة فلا يكون وجود شيء منها متعلقا ~~بوجود الآخر فلا يكون السابق منها واجب الانتهاء إلى اللاحق ، فلا يكون علة ~~معدة وقد فرض كذلك ، هذا خلف. # فإذن بين تلك الحوادث اتصال. فإذن الآنات غير موجودة بالفعل ، بل يمكن ~~فرضها في ذلك الشيء فرضا بحيث متى فرض فيه آن كان مشتركا بين الجزءين ويكون ~~نهاية للماضي وبداية للمستقبل ، والذي هذا حاله هو الزمان ، والزمان متعلق ~~الوجود بالحركة ، فثبت أن السبب القريب لحدوث الحوادث أمر PageV03P164 # مقتض متصل غير مركب من أمور غير قابلة للقسمة. وذلك أيضا مبدأ من مبادي ~~نفي الجزء الذي لا يتجزأ. # فظهر منه أنه يمتنع حدوث حادث إلا وقبله حادث آخر لا إلى نهاية. ### |||| ** وأما التاسع : فلأن اختصاص مادة كل عضو بصورته لأن تلك المادة كانت مستعدة لتلك الصورة ~~بسبب أمور حادثة سابقة عليها. والسبب في حصول تلك الأمور السابقة حال ~~حصولها أمور أخر سابقة عليها لا إلى أول. ### |||| ** والجواب : قولكم : «إنه قد تقرر في بداية العقول أن الممكن كيف كان لا بد له من مرجح ~~سواء كان قادرا أو لم يكن» مسلم ، فانا نوجب استناد الممكن إلى المؤثر ، ~~لكن ليس بحثنا في ذلك بل في تجويز وقوع أحد طرفي الممكن عن المؤثر لا لمرجح ~~؛ فإنا ندعي الضرورة فيه ، كالهارب من السبع والجائع والعطشان إذا تساوت ~~الأشياء المؤدية إلى مطلوبه ، فانه يختار أحدها ms0887 لا لمرجح. # ولا نقول : إنه يقف متحيرا حتى يدركه السبع أو يشتد جوعه أو عطشه. ولو ~~خطر ببال أحد شيء يمكن أن يكون مرجحا مثل أن يكون أحد الجوانب أقرب إليه أو ~~أحسن لونا أو أكثر نضجا ، فلنفرض الاشتراك في هذه الأمور. # وأيضا يقتضي دوام المعلول الأول لوجوب دوام واجب الوجود ودوام الثاني ~~لدوام الأول وهلم جرا ، وهو ينفي الحدوث أصلا. والقادر يمكنه الإيجاد في ~~غير ذلك المؤثر. # قوله (1): «إما أن يعتبر في تعلق الإرادة بإيقاع العالم في وقت معين ذلك ~~الوقت أو لا يعتبر» ضعيف ، لأنكم إن عنيتم بكون ذلك الوقت معتبرا أن للوقت PageV03P165 # أثرا في كون الإرادة متعلقة بإيقاع العالم في ذلك الوقت فذلك لا نقول به. ~~وإن عنيتم به أن إرادة الله تعالى اقتضت لذاتها من حيث هي هي إيقاع العالم ~~في ذلك الوقت على أن يكون الوقت ظرفا للوقوع لا مقتضيا للإيقاع ، فهو حق. ~~وأنتم ما ذكرتم في إبطال هذا الاحتمال شيئا ولا يلزم منه دوام العالم. وكما ~~استند أصل الترجيح إلى الإرادة كذا الترجيح الخاص ، وإلا لكان موجبا ~~بالنسبة إلى الخصوصية ، وهو محال. # وبالجملة فكل فعل إرادي سواء كان كليا أو شخصيا فان الإرادة مخصصة له ~~بالإيجاد لذاتها ، وإذا تعلقت بوقت خصصت ذلك الوقت على سبيل الوجوب. ولا ~~يلزم كونه تعالى موجبا ، لأن الموجب هو الذي يفعل لا (1) بالقصد والإرادة. ~~ليس الذي يفعل بإرادة موجبة للتخصيص لذاتها وإرادته متعلقة بإيجاده في وقت ~~مقدر. وليس بحادث ، لأنه أمر مقدر لا محقق فلا يكون حادثا. # والعلم التابع هو الانفعالي لا الفعلي ، وتغير المعلوم محال من حيث العلم ~~الذي هو فرض لمطابق العلم ، ولا ريب في وجوب الشيء حال فرض وجوده وحال فرض ~~مطابق وجوده. والمصلحة إذا فرض اختصاصها بوقت امتنع حصولها في غيره. وادعاء ~~العلم بعدم اختلال شيء من المصالح على تقدير إيجاد العالم قبله بآن أو على ~~تقدير حصول أزيد منه (2) في المقدار ، دعوى باطلة. وخلق الكافر مصلحة وكذا ~~تكليفه ، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله ms0888 تعالى. # والانقلاب غير حاصل ، لأن فرض الامتناع في وقت لا يزول فانه دائما ممتنع ~~في ذلك الوقت ، وقبل الوقت لا وقت حتى يفرض فيه إمكان وجود العالم. # قوله : «تعين النقطتين المخصوصتين للقطبية والدائرة المخصوصة لكونها PageV03P166 # منطقة والخط لكونه محورا لأجل تعين تلك الحركة». # قلنا : لا نزاع في ذلك ، ولكن لما ذا اختص الفلك المعين بالحركة ~~المخصوصة؟ # قوله : «لأن نظام العالم لا يحصل إلا بالحركة على هذا الوجه». # قلنا : هذا باطل ، لأنا نعلم بالضرورة أنا لو قدرنا حركة الكواكب هذه ~~الحركة المخصوصة وعلى بطئه وسرعته ، لكن إلى ضد تلك الجهة فانه لا يختل شيء ~~من منافع العالم. # سلمنا ، لكن يبطل أصل الدليل ، لأنه إذا جاز لكم أن تزعموا أن الفلك ~~اختار الحركة المخصوصة رعاية منه لنظام العالم ، فلم لا يجوز أن يقال : ~~الباري تعالى إنما اختار ايجاد العالم في الوقت المعين رعاية منه لنظام ~~العالم ورعاية لمصلحة العالم؟ وبأي شيء يقدح في هذا أمكن أن يقدح به فيما ~~ذكرتموه. # قوله : «الحركة من جهة إلى أخرى تضاد الحركة من الجهة الأخرى إلى الأولى ~~ولا يلزم من كون الشيء قابلا لشيء كونه قابلا لضده». # قلنا : لا نزاع في مضادة هاتين الحركتين ، ولكن قد دللنا على أن كل عرض ~~يصح أن يتصف به جسم يصح أن يتصف به كل جسم ، وإذا كان كذلك فالحركة من ~~المشرق إلى المغرب حاصلة في الفلك الأول فيلزم أن يكون الفلك الثاني قابلا ~~لها وبالعكس فيكون اختصاص كل واحد من الفلكين بإحدى الجهتين لا لمرجح ، ~~وذلك يبطل كلامكم. # قوله : «حركات الأفلاك لأجل التشبه بالعقول فجاز أن يكون التشبه حاصلا ~~بإحدى الحركتين دون الأخرى ، فلهذا اختار الفلك تلك الحركة على سائر ~~الحركات». PageV03P167 # قلنا : هذا باطل ، لأن الفلك إذا حاول لأن التشبه بالعقول (1) فليس ذلك ~~لأنه يحاول أن يجعل نفسه مثل العقل ؛ لأن الجسم لا يصير عقلا لاستحالة ~~انقلاب الأجناس ، بل المعين من هذا التشبه أن الفلك يحاول أن يحصل بالفعل ~~كل الكمالات التي يمكن حصولها له كما أن العقل قد ms0889 حصل له بالفعل من ~~الكمالات كل ما يمكن الحصول له ، وإن كان المعنى من التشبه ذلك لم يكن ~~اختلاف ماهيات العقول موجبا اختلاف هذه الحركات ، لأن العقل المجرد كيف كان ~~حقيقته وماهيته فإن تشبه الفلك به من الوجه المذكور لا يختلف أصلا. # لا يقال : ماهيات العقول مختلفة فلا يلزم من كون ماهية عقل موجبة لحركة ~~(2) مخصوصة كونها موجبة حركة أخرى ، لأنه ليس الموجب لذاته شيئا موجبا ~~لذاته كل شيء. # لأنا نقول : لا نزاع في ذلك ، ولكن العقل لما لم يكن جسما ولا جسمانيا ~~كانت نسبته إلى جميع الأجسام المتماثلة واحدة فلم يكن بأن يختص بعض الأجسام ~~لقبول أثره الخاص أولى من غيره إلا لأمر زائد على الجسمية ، وذلك الزائد إن ~~كان حالا في الجسم عاد السؤال فيه وإن كان محلا له كان باطلا لما مر من أن ~~الجسمية لا محل لها. # قوله : «افتقار الموضع المعين من الفلك ليس متأخرا عن وجود الفلك». # قلنا : هذا باطل ، لأن كون ذلك الموضع للكوكب عبارة عن السطح مع إضافة ~~خاصة وهي كونها محيطا بجسم آخر فتلك الإضافة متأخرة عن ذلك السطح المتأخر ~~عن وجود الجسم فيكون حصول تلك النقرة متأخرا لا محالة عن PageV03P168 # تكون جسم الفلك ، وذلك يبطل ما ذكرتموه ، وهو جواب عذرهم عن المتممات. # قوله على المعارضة الثامنة (1): «حدوث الحوادث إنما كان لأن الحركات ~~السماوية معدة لفيضان تلك الحوادث عن واهب الصور». # قلنا : هذه عبارات هائلة ، ونحن نذكر تقسيما حاصرا يبطلها ، فنقول : علة ~~هذه الحوادث إن كانت قديمة فإن لم يتوقف فيضانها عن تلك العلة القديمة على ~~حدوث حادث كان ذلك اعترافا بأن المؤثر القديم لا يجب أن يكون أثره قديما ، ~~فيبطل أصل دليلكم. وإن توقف فالعلة قبل حصول الشرط ما كانت علة بالفعل وعند ~~حصوله صارت علة بالفعل ، فكونها علة بالفعل حكم حادث لتلك الماهية بعد أن ~~لم يكن فلا بد لها من مؤثر ، وذلك المؤثر إن كان سابقا عليه فقد أمكن أن ~~تكون علة وجود الشيء مقدما عليه ، وإذا جاز ذلك ms0890 جاز استناد وجود كل حادث ~~إلى حادث آخر قبله لا إلى أول ، كما هو مذهب الفلاسفة ، من غير أن يستند ~~ذلك الحادث إلى مؤثر قديم ، وذلك يسد باب إثبات المؤثر القديم. وإن كان ~~المؤثر في تلك العلة أمرا مقارنا له فالمقارن إن كان معلولا له دار ، وإن ~~لم يكن معلولا فالكلام في حدوث ذلك المقارن كالكلام في الأول وتسلسل ، ~~وتعود الأقسام المذكورة بعينها. # وإن كانت علة الحادث المعين حادثة أيضا فذلك الحادث إن وجب أن يكون معه ~~كان الكلام فيه كالكلام في الأول فيلزم إثبات علل ومعلولات لا نهاية لها ~~معا ، وهو يسد باب إثبات الواجب. وإن كان سابقا عليه كان هو أيضا مستندا ~~إلى حادث آخر سابق عليه لا إلى أول على ما هو مذهب الفلاسفة ، وذلك يسد باب ~~إثبات الصانع. فثبت أنه إما أن يلزمهم نفي الصانع أو الاعتراف بمؤثر قديم ~~يتخلف أثره عنه. PageV03P169 # لا يقال : أنتم بنيتم هذا الكلام على أن علية العلة المؤثرة حكم زائد على ~~ذاتها ، وهو ممنوع. # لأنا نقول : الفلاسفة اتفقوا أن مقولة أن يفعل أحد أجناس الأعراض ، فلا ~~يمكنكم الامتناع من ذلك هنا. # ثم نقول : هذه الشبهة التي ادعيتم قوتها لا تدل على قدم الأجسام لاحتمال ~~أن يقال: إن واجب الوجود مريد بإرادات حادثة لا أول لها وكل سابق منها علة ~~لحصول اللاحق على الوجه الذي ذكرتموه في الحركة ثم تلك الإرادات انتهت إلى ~~إرادة حادثة متعلقة بإيجاد الأجسام. فعلى هذا : الحوادث وإن لم تكن لها ~~بداية إلا أن الأجسام مع ذلك تكون حادثة. # لا يقال : هذا مبني على أنه تعالى عالم بالجزئيات قاصد إلى إيجادها. # لأنا نقول : سيأتي إثباتهما. # سلمنا : فلم لا يجوز أن يكون واجب الوجود لذاته علة لوجود موجود غير ~~جسماني له إرادات جزئية لا بداية لها ، ثم إنها انتهت تلك الإرادات إلى ~~إرادة متعلقة بخلق الأجسام؟ وعلى هذا الفرض تكون الأجسام محدثة. # لا يقال : القصود الجزئية لا تحصل إلا مع الإدراكات الجزئية وهي لا تحصل ~~إلا مع الآلات الجسمية ms0891 ، فيلزم من لا أولية تلك الإرادات لا أولية الجسم. # لأنا نقول : لا نسلم أن الإرادات الجزئية إنما تحصل بالآلات الجسمانية. ~~وهذا الاحتمال مذهب قوم من الحكماء القائلين بحدوث العالم ، وكان محمد بن ~~زكريا الطبيب من المتأخرين ناصرا له ، ولم يستقل أحد من أصحاب أرسطو ~~بإبطاله. PageV03P170 ### |||| ** والجواب عن الثاني (1) ### |||| ** : أنه معارض بالحادث اليومي ، فانه صحيح الوجود في الأزل وإلا لم يوجد فيكون ~~واجب الوجود في الأزل لما قلتم ، لكنه حادث بالضرورة ، فما هو جوابكم عنه ~~فهو جوابنا عن العالم. فإن أجبتم بأن الحادث المعين كان ممتنعا في الأزل ثم ~~انقلب ممكنا فيما لا يزال ، فنحن نقول في كل العالم كذلك. وإن قلتم : إنه ~~كان ممكنا في الأزل مع أنه لم يجب حصوله في الأزل ، فكذا هنا. # ثم نقول : إنه صحيح الوجود في الأزل بالنظر إلى ذاته لا إلى كونه محدثا ~~وممتنع في الأزل باعتبار وصف المخلوقية ، فلا يلزم انقلاب الممتنع لذاته ~~ممكنا ولا وجوده أزلا ولا استحالة العالم في الأزل لذاته ولا استغناء ~~الحادث عن المؤثر ، وبه يعرف بطلان الكبرى. ### |||| ** وعن الثالث : (2) لا نسلم سبق الإمكان في الخارج ، لأنه أمر ذهني لا وصفا ثبوتيا على ما ~~تقدم (3) فلا يستدعي محلا ، وإلا تسلسل. وتلازم الهيولى والصورة ، تقدم ~~بطلانه. (4) ويعارض بالهيولى نفسها فانها ممكنة فإمكانها ليس حالا فيها ، ~~لامتناع قبول الشيء تقدمه عندكم فلها هيولى ، وكذا للمجردات الممكنة عندكم. # ثم ذكر الجواب الصحيح بأن الأمور الإبداعية لا يتصور فيها استعداد يتقدم ~~وجودها ... نقد المحصل : 206 207. PageV03P171 ### |||| ** وعن الرابع : ما تقدم من عدم استدعاء السبق الزمان. (1) وانتقاضه بأجزاء الزمان وبواجب ~~الوجود تعالى. ونمنع كون الزمان مقدارا للحركة تابعا لها ، فإن بعضهم ذهب ~~إلى أنه مقدار لمطلق الوجود. (2) ### |||| ** وعن الخامس : أن الإمكان المفترض قبل العالم الذي يتسع لحوادث عشرة أيام أقل من الذي ~~يتسع لعشرين يوما ، إنما هو أمر ذهني واعتبار عقلي لا تحقق له في الخارج. # ثم ما المراد من هذا الكلام؟ إن عنيتم به أنه وجد قبل حدوث العالم ~~بأجسامه وأعراضه أمر يتسع لعشرة ms0892 من الدورات وأمر آخر يتسع لعشرين فهو ~~مصادرة على المطلوب الأول ، فلم قلتم : إنه يوجد قبل حدوث العالم مدة وزمان ~~وهل النزاع إلا فيه؟ # وإن عنيتم به أن الدورات العشرة إذا وجدت كانت أقل من الدورات العشرين ~~فمسلم ، ولكن ذلك لا يقتضي وجود زمان قبل حدوث العالم. # ولقد سألت شيخنا أفضل المحققين نصير الملة والدين قدس الله روحه عن ذلك ، ~~فقال : لا فرق بين فرض امتدادين في الزمان أحدهما أطول من الآخر وامتدادين ~~في المكان أحدهما أطول من الآخر ، فإن اقتضى الفرض الأول وجود زمان محقق ~~اقتضى الفرض الثاني وجود بعد محقق. وكما أن الأول يكون غير متناه PageV03P172 # كذا الثاني. وكون الأول عقليا والثاني وهميا تحكم. # ونعم ما قال ، فان الجسم الذي يزيد قطره على نصف قطر هذا العالم بعشرة ~~أذرع لا يتسع له ما يتسع لنصف قطر هذا العالم فيلزم منه إثبات الخلاء خارج ~~العالم ، وهم لا يقولون به. ### |||| ** وعن السادس : أن الله تعالى متقدم على العالم بتقدير أوقات غير متناهية ، ولا يلزم من ~~ذلك قدم الزمان ولا الحركة ولا الجسم. وهذا لو لم يكن له في الواقع مثال ~~لامكن ، فكيف وأن له مثالا في الواقع وهو : تقدم بعض أجزاء الزمان على بعض. (1) ### |||| ** وعن السابع : كذلك أيضا. ولا يلزم من نفي التقدم بالزمان في الخارج نفي التقدم ، فان ~~الواجب تعالى والممتنع كلاهما لا تحقق للوجوب والامتناع منهما في الخارج مع ~~صدقهما عليهما ذهنا ، فكذا هنا. وتحقيقه ما تقدم في نفس الأمر. ### |||| ** وعن الثامن : أن المفهوم من قولنا : العالم لم يكن في الأزل ، ما هو المفهوم من قولنا : ~~هذا الزمان كائن الآن وأنه ليس كائنا فيما مضى ، وكما لا يدل ذلك على وجود ~~زمان حصل فيه الزمان ، فكذا هنا. ### |||| ** وعن التاسع : أن تميز وقت عدم العالم عن وقت وجوده كتميز الوقت الذي حدث فيه اليوم عن ~~(2) الوقت الذي حدث فيه الأمس ، لأنه لو لم يتميز وقت اليوم PageV03P173 # عن وقت أمس كان اليوم حاصلا مع أمس وهو محال ، فيكون للزمان زمان. ms0893 فما هو ~~جوابكم عن ذلك فهو جوابنا عن العالم. والأصل أن الزمان هنا تقديري لا حقيقي. ### |||| ** وعن العاشر : أن قولكم : «لو كان العالم محدثا مستندا إلى القادر لكان القادر إما أن ~~يكون يصح منه الفعل أزلا أو لا» إن عنيتم به أنه يصح منه في الأزل إيجاد ~~الفعل في الأزل ، فهو محال. وإن عنيتم به صحة وجود العالم في نفسه لا ~~باعتبار اسناده إلى القادر ، فهو صحيح. أو أنه يصح منه في الأزل إيجاد ~~الفعل فيما لا يزال ، فهذه الصحة ثابتة أزلا وأبدا ، فالذي كان صحيح الوجود ~~في وقت فهو صحيح الوجود أزلا وأبدا والذي هو ممتنع الوجود فهو ممتنع أزلا وأبدا. # وأيضا فمعارض بالحادث اليومي بشرط كونه مسبوقا بالعدم ، فانه إن كان ~~صحيحا لذاته لم يلزم ثبوت الصحة في الأزل فكذا في كل العالم ، وإن لم يكن ~~صحيحا فعدم تلك الصحة إما لعدم المقتضي أو لوجود المانع ، و (1) يعود ~~التقسيم الذي ذكروه. # قوله : «إذا أوجد الفعل فإما أن تبقى قادريته على ذلك الفعل أولا». # قلنا : القادرية أمر ثبوتي وهي باقية بعد وجود الفعل. وأما تعلقها بالفعل ~~فقد بينا أنه ليس أمرا ثبوتيا في الخارج ، بل هي من الأمور الإضافية التي ~~لا وجود لها إلا في الذهن. ### |||| ** وعن الحادي (2) ### |||| ** عشر : أن التغير ليس في العلم بل في تعلقه ، كالقدرة. ثم يعارض بالحادث اليومي ~~وكل الاعراض والصفات والأحوال الحادثة فانها معلومة له تعالى ، فما هو ~~جوابكم عنها فهو جوابنا عن جملة العالم. PageV03P174 ### |||| ** وعن الثاني عشر : أن فعله لغرض عائد إلى الغير. (1) # قوله : «حصول نفع الغير إن ساوى عدم حصوله بالنسبة إليه كان ترجيحا من ~~غير مرجح ، وإلا كان مستكملا». # قلنا : إن عنيتم بذلك أنه إذا كان حصول الغرض لغيره لا يتضمن حصول كمال ~~له وعدم حصول ذلك الغرض لذلك الغير لا يتضمن فوات كمال عنه وجب أن لا يكون ~~ذلك حاملا له على الفعل ، وهو ممنوع ؛ لأن مجرد انتفاع الغير يصلح داعيا ~~للفاعل إلى الفعل. نعم الفاعل الذي هذا شأنه يستحق ms0894 المدح والثناء بحيث لو ~~لم يصدر عنه ذلك الفعل لم يحصل ذلك الاستحقاق. فإن عنيتم بالاستكمال هذا ، ~~فلم قلتم : إنه محال؟ وما الدليل عليه. على أن حديث الكمال والنقصان خطابي. ~~ولأنه تعالى كامل لذاته فاقتضى لذاته الكمال ومن جملته نفع الغير ، فكان ~~صادرا عنه بمقتضى كماله. ولا نسلم أن من فعل لأجل الغير يكون أنقص وأخس ~~منه. وينتقض بالنبي عليه السلام المبعوث لنفع الأمة ولإرشادهم وهو أشرف من ~~الأمة وأكمل منهم ، والراعي أشرف من الغنم. ولا نسلم أن خلق الكافر قبيح ، ~~وتكليف ما لا يطاق بالنسبة إليه ممنوع. وليس الغالب الشر والآفات ، والعوض ~~واجب على ما يأتي بيان ذلك كله إن شاء الله تعالى في باب العدل. PageV03P175 ### |||| ** وعن الثالث عشر : (1) أن الجود ليس هو مطلق الإيجاد بل إيجاد الممكن على (2) جهة النفع ، ~~والعالم في الأزل محال الوقوع عن المختار ، وإنما يحصل النفع لو أوجد ~~العالم في وقت إيجاده. ### |||| ** وعن الرابع عشر : بذلك أيضا (3). وينتقض بإيجاد الحادث المعين ، فانه جود وإحسان ولا يلزم ~~من ذلك دوامه ولا أزليته. وقد منع بعض الناس كون الإيجاد إحسانا ، لأن ~~الإحسان يستدعي وجود المنعم عليه حال وصول تلك النعمة إليه ، والشيء لم يكن ~~موجودا حال وصول الوجود إليه ، وإلا تسلسل ، فلا يكون الإيجاد إحسانا. ~~والحق الأول ، فان المقدمة الصغرى هنا ممنوعة. ### |||| ** وعن الخامس عشر : أن المؤثرية ليست صفة ثبوتية زائدة ، وإلا كانت ممكنة مفتقرة إلى مؤثر ~~ومؤثرية ويتسلسل ، بل هي وصف اعتباري حكمها في الثبوت والانتفاء واحد. وأحد ~~النقيضين يجب أن يكون إيجابا أما موجودا فلا ، كما في الوجوب ونقيضه وكذا ~~في قسيميه. (4) ### |||| ** وعن السادس عشر : ما تقدم (5) من أن تقدمه تعالى على العالم بأوقات PageV03P176 # مقدرة غير متناهية لا محققة. وما ذكرتموه ينتقض بالحادث اليومي ، فانه ~~متأخر عن العالم عندكم بأوقات محققة غير متناهية وانقضاء ما لا يتناهى محال ~~، فما هو جوابكم عن هذا السؤال فهو جوابنا عن العالم. # لا يقال : التوقف عبارة عما إذا كان الشيئان معدومين ثم توقف دخول أحدهما ~~في الوجود على ms0895 أن يبتدئ الآخر في الوجود وينقضي ثم يحصل بعده الآخر ، وهذا ~~لا يمكن فرضه إلا إذا كان للحوادث الماضية بداية ، أما إذا لم تكن لها ~~بداية لم يتحقق هذا التوقف. # لأنا نقول : إن صح لكم هذا الجواب في الأوقات المحققة فاقبلوه منا في ~~الأوقات المقدرة. ### |||| ** وعن السابع عشر : أنه خيال ضعيف عامي لا تحقق له عند الخواص (1)، فلا يجوز إثباته في الكتب ~~العلمية ولا الالتفات إليه البتة. على أن البديهة فرقت بين الأمرين ، فانا ~~إذا رأينا شخصا قطعنا بأنه تولد عن الأبوين ، وإذا عرضنا على ذهننا أنه هل ~~يمكن في الجملة قبل زماننا حدوث شخص لا عن الأبوين؟ لم نجد الذهن قاطعا ~~بامتناع ذلك ، وإذا حكمت البديهة بالفرق لم يضر الجهل بكمية ذلك الفرق. # على أنا نقول لهم : إن الحال فيما ذكرتموه لا يخلو ، إما أن تكون الدجاجة ~~والبيضة قديمتين أو محدثتين أو أحدهما قديمة والأخرى محدثة ، فإن كانتا ~~محدثتين فهو الذي نقوله ، وإن كانتا قديمتين لم يصح كون أحدهما من الأخرى ~~وكذلك الكلام إذا جعل أحدهما قديمة والأخرى محدثة». شرح الأصول الخمسة : ~~117 118. PageV03P177 ### |||| ** وعن الثامن عشر : بمنع الملازمة ، فجاز أن تكون صحة المقدورية مشروطة بالحدوث. # سلمنا ، لكن لا نسلم امتناع التالي ، فإن الباقي محتاج ولا يلزم تحصيل ~~الحاصل ، وإنما يلزم لو كان المؤثر معطيا الوجود مرة أخرى ، أما إذا كان ~~حافظا للوجود السابق فلا. على أن هذا لو ثبت امتنع اسناد أمر ما إلى مؤثر ~~على الإطلاق ، وهو ضروري البطلان. ### |||| ** وعن التاسع عشر : أن الحدوث وصف اعتباري ويعارض بالقدم. # قوله : «إنه أبدا قديم». # قلنا : هذه مغالطة ، لأنه في الحال لا يحكم عليه بأنه في الأزل بل محكوم ~~عليه بانه كان في الأزل ، كما أنه في الحال لا يكون محكوما عليه بأنه حادث ~~بل إنه كان حادثا ، فظهر أن القول في القديم كالقول في المحدث. # واعلم أن النظام زعم أن الحدوث هو نفس الحادث فلأجل ذلك حكم باستحالة ~~بقاء الجوهر. وزعم معمر بن عباد أن الحدوث زائد على الحادث والتزم ms0896 القول ~~بما لا نهاية له من المعاني. ### |||| ** وعن العشرين : أن الاتصاف بالعوارض المتكثرة لا يستلزم التركيب. وما ذكروه جار مجرى ما ~~يقال : السواد إن ساوى البياض من كل وجه كان السواد بياضا وهو محال ، وإن ~~خالفه من كل وجه لم يكن موجودا ولا عرضا ، وإن خالفه من وجه وساواه من آخر ~~كان السواد بياضا من الوجه الذي تساويا فيه ، وكما أن هذا معلوم البطلان ~~بالضرورة فكذا ما قالوه. ### |||| ** وعن الحادي والعشرين : بمنع كون العدم ليس أثرا. والتخيير بين الشيء وضده إنما كان لأن ضده يتضمن ~~عدمه فلولا ثبوت التخيير بين فعل الشيء ولا فعله لما حصلت الخيرة بين الشيء وضده. PageV03P178 ### |||| ** وعن الثاني والعشرين : أن المحدث أثر فيه لا من حيث هو هو ، لأنه مختار فاعل بالقصد والاختيار ، ~~فلا يجب دوام أثره بدوامه. والنسبة ممنوعة إن أريد بها غير الايجاد. ### ||| ** تذنيبات ### |||| ** التذنيب الأول : الطريقة الأولى التي ذكرناها في الحدوث (1) مبنية على امتناع خلو الجسم عن ~~الكائنيات الحادثة. ومشايخ المعتزلة ومثبتوا الأحوال بنوا هذه الطريقة على ~~امتناع خلو الجسم عن معان (2) هي علل لهذه الكائنيات ، وسيأتي البحث معهم ~~إن شاء الله تعالى. على أن تلك الطريقة (3) لا حاجة إليها في إثبات ~~المطلوب. ### |||| ** الإشكال الأول : إثبات تلك المعاني ، ولا يمكن إثباتها إلا بعد مقدمات كثيرة لا يتمشى ~~أكثرها. ### |||| ** الإشكال الثاني : لا يتم بعد تلك المقدمات إلا بابطال حصول هذه الكائنيات بالفاعل المختار ~~ولا سبيل إلى إبطاله بشبهة فضلا عن حجة. ### |||| ** الإشكال الثالث : حدوث تلك المعاني ، وذلك يستدعي إبطال القول بالكمون والظهور ، وإبطال ~~الانتقال على الأعراض ، وإبطال قيام المعنى بالمعنى ، وإبطال حصول المعاني ~~لا في محل ، وهذه مقدمات عسرة الإثبات صعبة القبول. PageV03P179 ### |||| ** التذنيب الثاني : هذه الطريقة مبنية على جواز خروج كل جسم عن حيزه ، وقد برهنا عليه (1). ~~ويمكن أن يستدل عليه بوجوه أخر : (2) ### |||| ** الوجه الأول : لو وجب حصول جسم في حيز لكان الحيز الذي يحصل فيه الجسم الآخر إما أن يكون ~~مخالفا للأول أو لا يكون ، فإن كان مخالفا له كان ثبوتيا ، لأن العدم ms0897 الصرف ~~والنفي المحض لا يتصور فيه الاختلاف ، لأن مفهوم الاختلاف أن تكون حقيقة ~~غير قائمة مقام حقيقة أخرى ، وهو يستدعي حقائق معينة في أنفسها وذلك في ~~العدم الصرف محال. ولما بطل ذلك ثبت أن الأحياز لو تخالفت لكانت وجودية ، ~~فإما أن تكون مشارا إليها أو لا ، والأول على قسمين : إما أن تكون حالة في ~~الأجسام فيستحيل حصول الجسم فيه ، وإلا دار ، أو لا تكون مع أنه يمكن ~~الإشارة إليها وذلك هو التحيز ، فيكون الحيز متحيزا وكل متحيز فله حيز ~~ويتسلسل ، وإن لم يكن الحيز مشارا إليه استحال حصول الجسم المشار إليه فيه. ~~فثبت أن الحيز نفي محض ، وأنه إذا كان كذلك استحال أن يخالف حيزا آخر ، ~~وإذا كان كذلك فكل جسم حصل في حيز فانه لا بد وأن يمكن حصوله في حيز آخر ~~لوجوب تساوي المتماثلات في جميع اللوازم. # اعترض : بأن قولنا في الجوهر : إنه حصل في حيز معين دون غيره ، إما أن ~~يقتضي امتياز ذلك الحيز عن غيره أو لا ، فإن كان الأول عادت المحالات التي ~~ذكرتموها ، وإن كان الثاني ، فنقول : إذا جاز أن يحصل في حيز دون حيز وإن ~~لم يتميز أحدهما عن الآخر ، فلم لا يجوز أن يجب حصول ذلك في حيز دون حيز ~~وإن لم يتميز أحدهما عن الآخر؟ ### |||| ** الوجه الثاني : كل متحيز لا بد وأن تفرض فيه جهتان ويكون هو لكل واحد PageV03P180 # من جهتيه مسامتا شيئا غير ما سامته بجهته (1) الأخرى ، وجهتاه لا بد وأن ~~تكونا متساويتين في تمام الماهية ، وإلا كان ذلك الحيز مركبا عن جزءين ~~مختلفين بتمام الماهية فحينئذ ينتقل الكلام إلى كل واحد من جزئيه ، فإن كان ~~كل واحد من جزئيه مركبا من جزءين آخرين تسلسل ، وبتقدير تسليمه لا بد من ~~الاعتراف بحيز غير مركب ، لأن كل مركب ففيه الواحد بالضرورة وحينئذ نتكلم ~~في إحدى جهتي ذلك الواحد ، وإذا كانا متساويين صح على كل واحد من جهتيه أن ~~تصير مسامتة لما سامتته الأخرى ضرورة وجوب تساوي المتماثلات في جميع ~~اللوازم ، وهو يقتضي ms0898 صحة حركة الجزء في مكان نفسه ، ومتى صح ذلك لزم أن ~~يكون حصوله في ذلك الحيز واجبا. ### |||| ** الوجه الثالث : وهو إلزامي ، نقول : الجسم عند الفلاسفة إما فلكي أو عنصري ، والأفلاك وإن ~~امتنع الحركة على كلياتها عندهم لكن أجزاؤها دائمة الحركة على الاستدارة ، ~~والعناصر لا نزاع في صحة الحركة على أجزائها بالاستقامة والاستدارة ، فكل ~~جسم باتفاق الخصم صحت الحركة عليه. ### |||| ** الوجه الرابع : لا نتعرض للكلية ، بل نقول : الأجسام التي نشاهدها متحركة ، فثبت حدوثها ~~والأجسام متماثلة وحكم الشيء حكم مثله فحدوث بعض الأجسام يستلزم حدوث الكل. (2) # وهذه الطريقة وإن كانت جيدة لكن الطريقة التي قلناها أولا أقوى. PageV03P181 ### |||| ** التذنيب الثالث : القديم لا يصح عليه العدم لما تقدم (1)، وقد ذكروا فيه وجوها أخر: (2) ### |||| ** الأول : القديم موجود لذاته فيمتنع العدم عليه. ### |||| ** الثاني : (3) عدم القديم إن كان لذاته أو لوازم ذاته بحيث يجب عدمه عند عدمه ووجوده ~~عند وجوده فلا بد لعدمه من مرجح ، وليس مختارا ، لأن الفاعل لا بد له من ~~فعل والإعدام ليس بفعل ، لأنه لو كان فعلا لكان ذلك الفعل إما أن يكون ~~مقتضيا عدم القديم فيكون عدم القديم بذلك الفعل لا بالفاعل ، أو لا يكون ~~مقتضيا فلا يحصل عند ذلك عدم القديم. # ولا موجبا عدميا ، لأن العدمي عدم شيء يتوقف عليه وجود ذلك القديم ، وذلك ~~الشيء يمتنع أن يكون حادثا لأن القديم لا يكون مشروطا بالحادث فهو قديم ، ~~والكلام فيه كالكلام في الأول ويتسلسل. ولا وجوديا ، لأنه لو كان قديما لزم ~~من قدمه قدم عدم ذلك القديم فلا يكون القديم قديما. وإن كان حادثا فهو محال ~~، لأن القديم أقوى من الحادث فاندفاع الحادث بالقديم أولى من ارتفاع القديم ~~بالحادث. # وأيضا التضاد حاصل من الطرفين فليس انعدام أحدهما بالآخر أولى من العكس ~~فيلزم أن ينعدم كل منهما بالآخر ، ولا شك أن علة عدم كل واحد منهما بالآخر ~~فلو عدم كل واحد منهما بالآخر لزم أن يكون كل واحد منهما موجودا حال ~~صيرورته معدوما وهو محال ، فثبت أن القول بعدم القديم يفضي إلى أقسام ms0899 فاسدة ~~، فيكون باطلا. PageV03P182 ### |||| ** التذنيب الرابع : استدل المتكلمون على أنه لما كان لكل واحد من الحوادث أول وجب أن يكون ~~للمجموع أول (1)، كما أنه لما كان كل واحد من الزنج أسود وجب أن يكون الكل أسود. # ولا شك (2) في أن إطلاق القول بأن المجموع لا بد وأن يكون مساويا لجميع ~~أجزائه في كل الأحكام باطل ، وإلا لكان كل واحد من العشرة عشرة ، وهو محال. ~~والقياس على الزنج غير مستقيم ، لأن من عقل كون كل واحد من الزنج أسود اضطر ~~إلى العلم بأن الكل كذلك ، بخلاف المتنازع ، وإذا فرقت البديهة بطل ~~الإلحاق. ومع صحته فانه غير مفيد ، لأنا لم نقل : إن حكم المجموع مخالف ~~لحكم الآحاد لا محالة بل قد يكون مخالفا وقد لا يكون ، وهو موقوف على ~~الدليل. والصورة الواحدة لا تقتضي ثبوت الحكم في كل الصور. # على أن هنا بحثا آخر ، وهو أنا نقول : لا شك في جواز خلو كل واحد من ~~الأجسام المعينة عن كل واحد من الأكوان المعينة وإلا فحينئذ يجب اتصاف كل ~~جسم بكون معين ، وحينئذ لا يمكن إثبات حدوث الأكوان ، وإذا ثبت ذلك فنقول : ~~إن لم يلزم من جواز خلو الجسم المعين عن كل واحد من الكائنيات المعينة جواز ~~خلوه عن كل الكائنيات كان حكم المجموع مخالفا لحكم الآحاد هنا ، وإذا كان ~~كذلك بطل قولهم في هذه المقدمة : إن حكم المجموع لا بد وأن يساوي حكم ~~الآحاد. فظهر من هاتين المقدمتين نوع تناقض وربما أمكن تكلف إزالته ، لكن ~~الذي قدمنا يغني عن ذلك كله. # والحق أن نقول هنا : إذا كان كل واحد حادثا وجب أن يكون الكل حادثا ~~لتقومه بآحاده. PageV03P183 ### | البحث السابع ### | في إمكان فناء الأجسام (1) # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في نقل المذاهب في ذلك # اختلف الناس في أن الأجسام هل يصح فناؤها أم لا؟ # وتقريره أن نقول : الأجسام إما أن تكون باقية أو لا (2). # والثاني مذهب النظام من المعتزلة (3)، فانه زعم أنه يحدث الجسم حالا بعد ~~حال ، وأنه لا يمكن أن يحتمل الوجود إلا وقتا ms0900 واحدا كالصوت ، وأن الله ~~تعالى يحدثه حالا بعد حال ، ولو لا ذلك لبقى معدوما بعد الوجود. PageV03P184 # وربما يكون مراده ما اختاره الفلاسفة من احتياج الأجسام حال بقائها إلى ~~المؤثر فظن الناقل عنه ما نقله. # والأول الأقوال فيه ثلاثة : ### |||| ** القول الأول : ينكر صحة عدمها. ### |||| ** القول الثاني : أن يعترف بصحة عدمها. ### |||| ** القول الثالث : أن يتوقف فيهما. # أما المنكرون فاما أن يقولوا بأزليتها وهم جماهير الفلاسفة (1) فانهم ~~اعتقدوا وجوب أزلية العالم وأبديته ، لكن لا لذاته بل لغيره. وإن كان بعضهم ~~ذهب إلى أنها واجبة الوجود لذاتها خصوصا الأجسام السماوية وهم الصابئة وقد تقدم. # وذهب بعضهم إلى أنها تحدث حالا فحالا لا بمعنى أنها تعدم ويتجدد لها وجود ~~كل وقت ، بل عدمها على طريقة التفرق وعود ما كان من الهواء إليه ومن النار ~~إليه ثم كذلك. وتكون الأجسام عندهم بمنزلة السيالات ، وشبهوا ذلك بالواقف ~~في الماء الجاري فانه يمر به في كل حال غير ما كان في الأول. # وقال الرازي في شرحه عبارة الشيخ في الإشارات (وهذا سر تطلع منه على ~~أسرار أخرى): «كون كل سابق علة معدة للاحق سر عظيم تطلع منه على أسرار هي ~~اقتضاء ذلك أن لا تكون للحوادث بداية زمانية ، وأنه لا بد من حركة سرمدية ~~لا بداية لها ولا نهاية لتكون تلك الحركة سببا لحصول تلك الاستعدادات ~~المختلفة في المادة». ثم قال الطوسي : «ومن تلك الأسرار التنبيه بوجود مبدأ ~~قديم يفيض وجود هذه الحوادث عند حصول الاستعدادات ...» شرح الإشارات 2 : ~~113 114. راجع أيضا نفس المصدر 3 : 82 ؛ ابن رشد فيلسوف قرطبة : 167 (أزلية ~~العالم). PageV03P185 # وقال بعضهم : إن الجواهر لا تحدث في كل حال حتى يحدث في الثاني مثل ما ~~حدث في الأول. ولكنه يقول : الذات تكون واحدة والحدوث متجدد عليها في كل ~~حال كتجدد الإرادات على أحدنا ، وحمل كلام النظام أيضا عليه. # وإما أن لا يقولوا بأزليتها ، بل يقولون بحدوثها ، لكنها بعد أن دخلت في ~~الوجود يستحيل عدمها وهو مذهب الجاحظ وجمع من الكرامية. (1) # وأما المعترفون بصحة فنائها فقد ms0901 اختلفوا في موضعين : ### |||| ** الأول : هل في العقل طريق إلى معرفة هذه الصحة؟ فجمهور المسلمين اعترفوا بذلك. وذهب ~~أبو هاشم إلى أنه لا طريق إلى معرفة هذه الصحة إلا بالسمع ؛ فان السمع لما ~~دل على عدم العالم عرف بعد ذلك صحة عدمه. (2) ### |||| ** الثاني : في كيفية فناء العالم (3)، فانه إما أن يكون فناء لا لأمر ، ولم يذهب إليه ~~أحد. وإما أن يكون لأمر ، فإما أن يكون لاعدام معدم أو لحصول ضد أو لانقطاع شرط. ### |||| ** أما الأول : فيحتمل وجهين : PageV03P186 ### |||| ** الوجه الأول : أن يعدم الله تعالى العالم فيصير معدوما ، كما أنه لما أوجده في أول الأمر ~~صار موجودا وهذا هو أحد قولي القاضي من الأشعرية وقول الجاحظ وقول محمود ~~الخوارزمي من المعتزلة. ### |||| ** الوجه الثاني : أن يقول الله تعالى له «افن» فيفنى ، كما قال في الابتداء والاحداث «كن» ~~فكان ، وهذا هو مذهب أبي الهذيل. (1) ### |||| ** وأما الثاني : وهو أن يكون فناء العالم لحدوث ضد له ، وهو مذهب جمهور المعتزلة (2) ويسمون ~~ذلك الضد فناء. ثم ذلك الفناء إما أن يكون له حصول في الحيز على طريق ~~الاستقلال أو لا ، فإن لم يكن فإما أن يكون قائما بالمتحيز أو لا يكون ، ~~فهاهنا احتمالات ثلاثة. ذهب إلى كل واحد منها قوم من المعتزلة. ### |||| ** الأول : مذهب ابن الاخشيد (3)، فانه قال : إن الفناء وإن لم يكن متحيزا إلا أنه ~~يكون حاصلا في جهة معينة فإذا أحدثه الله تعالى فيها عدمت الجواهر بأسرها. ### |||| ** الثاني : مذهب ابن شبيب ، فانه زعم أن الله تعالى يحدث في كل جوهر فناء ثم إن ذلك ~~الفناء يقتضي عدم الجوهر في الثاني. (4) PageV03P187 ### |||| ** الثالث : مذهب الجبائيين ، فانهما زعما أن الله تعالى يحدث الفناء في محل فتنفى ~~الجواهر بأسرها حال حدوث ذلك الفناء. ثم هذا القسم يحتمل وجهين : ### |||| ** الوجه الأول : أن يكون الفناء الواحد كافيا في عدم الجواهر ، وهو مذهب أبي هاشم وعبد ~~الجبار بن أحمد. (1) ### |||| ** الوجه الثاني : أن لا يكون الفناء الواحد كافيا في عدم الجواهر بل لكل فان فناء يختص به ، ~~وهو مذهب أبي علي. (2) ### |||| ** وأما الثالث : وهو ms0902 أن يكون فناء الجواهر لانقطاع شرط وجودها ، فذلك الشرط إما أن يكون ~~قائما بذاته أو لا يكون. والثاني مذهب بشر فانه زعم أن الجوهر تبقى ببقاء ~~موجود لا في محل ، فإذا عدم ذلك البقاء وجب عدم الجوهر. والأول مذهب من ~~يقول : الجوهر إنما ينتفي لانتفاء الأعراض ، وذلك على قسمين فإنه إما أن ~~يقال : الجوهر ينتفي لانتفاء كل الأعراض أو لانتفاء بعضها على التعين ، ~~والأول مذهب من أوجب اتصاف الجوهر بنوع من كل جنس من أجناس الأعراض إذا كان ~~قابلا له ، وهو قول الجويني. # وأما الثاني ففيه مذهبان : ### |||| ** المذهب الأول : قول من يقول الجوهر انما يبقى ببقاء قام به وذلك البقاء غير باق بل يخلقه ~~الله تعالى حالا بعد حال فإذا لم يخلق الله تعالى البقاء وجب انتفاء ~~الجواهر ، وهذا مذهب أكثر الأشعرية وقول أبي القاسم البلخي. (3) PageV03P188 ### |||| ** المذهب الثاني : قول من يقول شرط استمرار الجوهر حصول الأكوان فيه والأكوان غير باقية فمتى ~~لم يخلق الله تعالى الأكوان في الجوهر (1) عدم الجوهر. وهو القول الثاني ~~للقاضي أبي بكر. # فهذا تفصيل مذاهب القائلين بصحة عدم (2) العالم. # وأما المتوقفون في إثبات هذه الصحة وعدمها فهم أصحاب أبي الحسين البصري. # فهذا ضبط المذاهب في هذه المسألة. والكلام فيها يقع في موضعين : ### |||| ** الموضع الأول : في إثبات صحة عدم العالم. ### |||| ** الموضع الثاني : في بيان كيفية اعدامه. ونحن نستدل على الأول بحيث يندرج فيه الثاني بعون ~~الله تعالى. ### ||| ** المسألة الثانية : في صحة فناء العالم # لنا فيه وجهان : ### |||| ** الأول : العالم ممكن لأنه مركب وكثير على ما مر تقريره ، (3) وكل ممكن فإن وجوده ~~وعدمه بالنسبة إليه على السواء ، فالعالم من حيث هو هو يصح عليه العدم ، ~~وهو المطلوب. ### |||| ** الثاني : العالم محدث على ما سبق (4)، وكل محدث فانه يصح عليه العدم ، PageV03P189 # فالعالم يصح عليه العدم. # والصغرى قد سلفت. # وأما الكبرى : فلأن المحدث هو الذي اتصفت ماهيته بالوجود بعد اتصافها ~~بالعدم ، وكل موصوف بصفة فان ماهيته قابلة لها بالضرورة ، ولما اتصفت ماهية ~~المحدث تارة بالوجود وتارة بالعدم وجب أن تكون ماهيته قابلة ms0903 لهما وهذه ~~القابلية من لوازم الماهية لاستحالة التسلسل ، فتكون الماهية قابلة للعدم أبدا. # وأيضا كل محدث فانه حال بقائه يحتاج إلى المؤثر ، وكل ما كان كذلك كان ~~العدم عليه ممكنا. # أما الصغرى ، فلأن المعقول من المحدث «الموجود المسبوق بالعدم» وهذا ~~المفهوم مركب من أمور ثلاثة : الموجود والمعدوم ومسبوقية ذلك الموجود ~~بالعدم ، فنقول : المحتاج إلى المؤثر لا يخلو إما أن يكون هو الوجود الحاضر ~~أو العدم السابق أو مسبوقية ذلك الموجود بذلك العدم ، ومحال أن يكون ~~المحتاج هو العدم ؛ لأن العدم السابق نفي محض فلو كان له بالفاعل تعلق لكان ~~تعلقه إما أن يكون في أن يستمر ذلك النفي نفيا أو في أن ينقلب ثبوتا ، فإن ~~كان الأول كان ذلك مانعا من دخوله في الوجود ، لأن الفاعل إذا كان مقتضيا ~~استمرار عدم الشيء استحال أن يكون هو بعينه بذلك الاعتبار أيضا مقتضيا ~~وجوده ، وإن كان الثاني كان ذلك قولا بأن الفاعل يقتضي أن يصير العدم وجودا ~~، وذلك محال لاستحالة أن يصير أحد النقيضين عين نقيض الآخر. # ومحال أن يكون المحتاج هو مسبوقية ذلك الوجود بذلك العدم ، لأن تلك ~~المسبوقية حكم واجب الثبوت ، وما كان كذلك لا يكون محتاجا. # أما الأول : فهو ظاهر ، لأن من المعلوم بالضرورة أن المحدث يستحيل أن PageV03P190 # يحصل له وجود إلا ويكون ذلك الوجود مسبوقا بالعدم ، بل المحدث في نفسه ~~ممكن الوجود ولكن كون وجوده مسبوقا بالعدم ليس من الممكنات بل من الواجبات ~~، ومن المحتمل أن يكون الشيء في نفسه ممكنا ثم إنه يكون واجب الاتصاف ببعض ~~الصفات بعد اتصافه بذلك الأمر الممكن ، كما أن الجوهر ممكن الوجود في ذاته ~~ثم إنه بعد وجوده يكون واجب الحصول في حيز ما وواجب الاتصاف بكون ما وأنه ~~إذا كان ذا لون وجب أن يكون مرئيا وأنه يجب أن يكون ذا ظل إلى غير ذلك من ~~اللوازم. # وأما أن الواجب لا تكون به حاجة إلى الفاعل فهو ضروري ، لأن المحتاج إلى ~~الفاعل هو الذي لو لم يؤثر الفاعل فيه لم يوجد ms0904 ، والواجب هو الذي يكون ~~حاصلا سواء وجد الغير أو لم يوجد. # فإذن العدم السابق ومسبوقية ذلك الموجود بذلك العدم غير محتاجين إلى ~~المؤثر ، فلم يبق إلا أن يكون المحتاج إلى المؤثر هو وجود المحدث ، وإذا ~~ثبت هذا ، فنقول : حاجة ذلك الموجود إلى المؤثر إما أن تكون موقوفة على ~~حدوثه أو لا تكون. والأول باطل ، لأن الحدوث كيفية في وجوده وكيفية وجود ~~الشيء متأخرة عن وجود ذلك الشيء ووجود المحدث متأخر عن تأثير القادر فيه ~~وتأثير القادر فيه متأخر عن كونه بحيث يصح أن يؤثر فيه القادر وهذه الصحة ~~متأخرة عن حاجة المحدث إلى المؤثر ، فلو توقفت هذه الحاجة على الحدوث لزم ~~تأخر الشيء عن نفسه بمراتب ، وهو محال ، فثبت أن حاجة المحدث إلى المؤثر ~~غير موقوفة على حدوثه ، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ذلك الموجود محتاجا إلى ~~المؤثر حال وجوده وحال عدمه. # وأما الكبرى ، وهو أن العالم لما كان محتاجا إلى المؤثر حال البقاء كان ~~العدم عليه صحيحا ، لأنا قد بينا أن المؤثر في العالم قادر لا موجب وأنه ~~سبحانه وتعالى PageV03P191 # إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، فإذا كان بقاء العالم متعلقا بإبقاء ~~الله تعالى إياه وثبت أنه يصح من الله تعالى أن لا يبقيه فبتقدير أن لا ~~يبقيه وجب أن لا يبقى ، فثبت أن الفناء على العالم (1) ممكن. # لا يقال : لا نسلم أن المحتاج إلى المؤثر إما الوجود أو العدم أو مسبوقية ~~الوجود بالعدم بل المحتاج هو خروج الشيء من العدم إلى الوجود ، فهذا قسم ~~وراء ما ذكرتموه. # سلمنا أن الوجود هو المحتاج إلى المؤثر ، فلم قلتم : إنه تبقى تلك الحاجة ~~حال البقاء؟ بيانه هو : أن الشيء حال العدم كان العدم به أولى فلا جرم وجب ~~أن لا يخرج من العدم إلى الوجود إلا بمؤثر ، ثم إذا دخل في الوجود صار ~~الوجودية أولى فتلك الأولوية تغني الباقي عن الحاجة إلى المؤثر. # سلمنا أن الممكن حال البقاء محتاج إلى المقتضي ، ولكن لم قلتم : إن ~~انقطاع تأثير القادر ms0905 عنه بعد تعلقه به ممكن؟ وما الدليل عليه؟ # لأنا نقول : لا يعقل قسما آخر مغايرا للثلاثة ، لأن كل معقول فإما أن ~~يكون ثابتا أو منتفيا ، وإذا كان الثابت متجدد الثبوت كان ذلك الثبوت ~~متأخرا عن ذلك العدم ، وذلك يقتضي أن لا يعقل قسم زائد. والخروج الذي ~~أثبتموه رابعا إن لم يكن إيجادا لم يكن محتاجا ، وإن كان فهو الذي اخترناه. # وأما الأولوية (2)، فالشيء حال بقائه إما يقال : إنه بقى كما كان حال ~~حدوثه أو ما بقي كذلك ، فإن كان الأول لزم من احتياجه إلى المؤثر حال حدوثه ~~احتياجه إليه حال بقائه ، وإن كان الثاني فهو باطل ، لأن تلك الذات التي ~~كانت حاصلة وقت الحدوث إن لم تكن هي بعينها حال البقاء حاصلة لم يكن هاهنا ~~شيء باق ، PageV03P192 # بل فنيت تلك الذات وحدثت ذات أخرى. وإن كانت هي بعينها الذات التي كانت ~~حاصلة فتلك الذات بعينها باقية كما كانت ، بل ربما حدثت فيها صفة أو زالت ~~عنها صفة ، وذلك لا يقتضي تغير تلك الذات في نفسها ، بل تلك الذات من حيث ~~هي تكون باقية كما كانت فيلزم احتياجها إلى المؤثر في هذه الحالة كما كانت ~~محتاجة إليه حال الحدوث. ثم بتقدير الصحة فانه لا يفيد المطلوب ، لأن كونه ~~أولى بالوجود إن كان حاصلا حال الحدوث اقتضى إما الاستغناء عن المؤثر حال ~~الحدوث كما اقتضاه حالة البقاء أو أن لا تنقطع الحاجة إلى المؤثر حال ~~البقاء كما لم تنقطع حال الحدوث. والثاني يقتضي أن تكون تلك الأولوية حكما ~~متجددا فلا بد له من مؤثر فلتلك الأولوية مؤثر ، ثم إن استغناء الباقي عن ~~المؤثر إنما كان لتلك الأولوية ، فرجع حاصل الكلام إلى أن الباقي إنما بقى ~~بحدوث أمر فيه يسمى بالأولوية ، وتلك الأولوية محتاجة إلى مؤثر آخر ، فيكون ~~هذا قولا باحتياج الباقي إلى المؤثر ، وهو المطلوب. # وأما ثانيا : فلأن هذه الأولوية لما كانت ممتنعة الحصول للذات حال حدوثها ~~كان حصولها في الذات متوقفا على بقائها ، فإذن لو كان بقاؤها لأجل تلك ~~الأولوية دار ms0906 ، فإذن لا بد من مقتض يقتضي استمراره حتى تحصل تلك الأولوية ~~مرتبا على ذلك الاستمرار. # وأما ثالثا : فلأن هذه الأولوية حكم غير مستقل في نفيها وفي ثبوتها بل هي ~~محتاجة إلى الذات ، ولو احتاجت الذات إليها دار. # فثبت بما ذكرنا أن تلك الأولوية التي ذكروها ممنوعة ، لأن الحوادث إما ~~جواهر أو أعراض ، والأعراض غير باقية عند الأشاعرة ، وإنما يعتقدون بقاءها ~~عندهم (1) لتوالي أمثالها على شيء واحد. والجواهر هي محل النزاع فكيف يستدل PageV03P193 # بها عليها؟ # قوله : «هب أن الجواهر حال بقائها محتاجة إلى الفاعل ، فلم قلتم : إنه ~~يجوز انقطاع المؤثر عنها؟». # قلنا : لأجل أن المختار لا بد وأن يكون متمكنا من الفعل والترك. # وفيه نظر ، لأن تعلق النفي بالفاعل إذا كان في أن يستمر ذلك النفي نفيا ~~لا نسلم أنه يكون مانعا من دخوله (1) في الوجود ، لأن ذلك إنما يلزم لو كان ~~ذلك التعلق بذات الفاعل الموجب ، أما إذا كان متعلقا بذات الفاعل المختار ~~فلا ، فإن عدمه مستند إلى اختيار العدم كما استند وجوده إلى اختيار ~~الإيجاد. # سلمنا ، لكن نمنع الحصر لجواز تعلقه بالفاعل بأن يزيل ذلك النفي لا بأن ~~يقلبه ثبوتا ، بل بأن يقلب المنفي ثابتا بأن يزيل عنه النفي بأن يوجد ~~المنفي. # سلمنا ، لكن نمنع استغناء المسبوقية فان مسبوقية الوجود بالعدم وصف لاحق ~~بالوجود المحتاج إلى الفاعل والمحتاج محتاج. وبالجملة فاعل السبب فاعل ~~المسبب والواجب لذاته مستغن عن الفاعل لا مطلق الواجب ، فان الواجب بالغير ~~إنما يجب بذلك الغير فهو محتاج إلى ذلك الغير ، وكما أن الحدوث كيفية ~~للوجود كذا حاجة الوجود كيفية له ولا بعد في احتياج إحدى الكيفيتين إلى ~~الأخرى. # سلمنا ، لكن حاجة الوجود معلوم انها غير مستندة إلى مطلق الوجود المشترك ~~بين الواجب والممكن فجاز أن يستند إلى الوجود الذي ليس بأزلي ، وهذا وصف ~~سلبي لا يتوقف على وجود الشيء في الخارج بل يكفي وجوده ذهنا. والخروج ليس ~~هو الإيجاد ولا الوجود ولا العدم ولا المسبوقية. وكون الأولوية موجبة PageV03P194 # للاستغناء حالة البقاء لا يقتضي كونها موجبة ms0907 له حالة الحدوث لأن الفاعل ~~هو السبب الأصلي القوي في الايجاد (1) بخلاف الأولوية فانها لم يكن أن تكون ~~معطية للوجود لضعفها فجاز اسناد الأثر الضعيف وهو الحفظ إليها. والأولوية ~~كالوجوب فانه حكم غير مستقل بنفسه ، بل قائم بالذات مع احتياج الذات إليه ~~فان الذات ما لم تجب لم توجد. # والتحقيق أن نقول : إن كان النزاع في الصحة الذاتية والإمكان الراجع إلى ~~الماهية فهو غلط إلا عند من يعتقد وجوب العالم لذاته ، وذلك مذهب ساقط قد ~~بينا بطلانه ، واتفقت البراهين القطعية والقوانين الفلسفية على إبطاله. وإن ~~كان هو المنافي للوجوب بالغير فهو في محل التوقف عند أبي الحسين. # أما النظام فسيأتي بطلان كلامه. # وأما الفلاسفة فقد احتجوا على امتناع عدم العالم بوجوه : (2) ### |||| ** الأول : العالم قديم على ما تقدم (3) فيمتنع عدمه لامتناع عدم القديم. ### |||| ** الثاني : المؤثر في العالم موجب بالذات على ما يأتي وهو دائم الوجود ، لأنه واجب ~~الوجود لذاته ، ويلزم من دوام العلة دوام المعلول. ### |||| ** الثالث : واجب الوجود علة في العالم فلا يجوز فناء العالم لاستلزام عدم اللازم عدم ~~الملزوم ، وإمكان عدم اللازم إمكان عدم الملزوم ، لكن عدم واجب الوجود محال ~~لذاته فعدم العالم محال لذاته. ### |||| ** الرابع : الزمان لا يمكن عدمه ، وإلا لكان عدمه بعد وجوده بالزمان فيكون PageV03P195 # الزمان موجودا حال ما فرض معدوما هذا خلف. وباقي الوجوه الدالة على أزلية ~~الزمان السابقة (1) تدل على أبديته. ### |||| ** الخامس : لو أمكن عدم العالم لكان إمكان (2) عدمه سابقا على عدمه ولا بد لذلك ~~الإمكان من محل ، أي من شيء يحكم عليه بأنه ممكن الاتصاف بذلك العدم ، وليس ~~هو وجود ذلك الشيء ، لأن الذي يمكن اتصافه بالشيء لا بد وأن يكون باقيا مع ~~ذلك الشيء ووجود الشيء لا يتقرر مع عدمه ، فإذن لا بد من شيء آخر يقوم به ~~إمكان عدمه وذلك هو الهيولى ، فإذن كل ما يصح عليه العدم فله هيولى فلو صح ~~العدم على الهيولى لافتقرت إلى هيولى أخرى لا إلى نهاية وهو محال ، ~~فالهيولى لا تقبل العدم. ثم ثبت أن الهيولى لا ms0908 تخلو عن الصورة الجسمية ، ~~فإذن عدم الجسم محال. ولأنه لو أمكن عدمه لكان بعد عدمه ممكن الوجود ، وإلا ~~لزم انقلاب الممكن ممتنعا هذا خلف ، ولذلك الإمكان محل هو الهيولى. ### |||| ** السادس : أنه سيأتي (3) بيان امتناع الخرق على الأفلاك فلا يجوز عليها العدم. ### |||| ** السابع : (4) سيأتي (5) أن الفلك متحرك على الاستدارة وأن كل متحرك على الاستدارة لا ~~يقبل الحركة على الاستقامة فلا يقبل الفساد. (6) PageV03P196 ### |||| ** الثامن : احتج جالينوس بأن العالم لو كان مما يفنى في المستقبل لظهر النقصان فيه بعد ~~تطاول مدة بقائه ، ولو كان كذلك لصارت الأفلاك والنجوم أصغر مما شاهدها ~~القدماء من المنجمين ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن العالم لا يفنى. ### |||| ** والجواب : نمنع قدم العالم ، وقد بينا حدوثه. ونمنع كون المؤثر موجبا لما يأتي. ولا ~~يمكن ادعاء وجوب وجود العالم لذاته مع الحكم بأنه معلول للواجب لذاته فانه ~~متناقض. والعالم إذا أخذ من حيث إنه معلول للواجب لم يبق عدمه ممكنا فانتفى ~~المحذور ، وإن أخذ من حيث هو هو لم يلزم من عدمه محذور أيضا إذا الواجب هنا ~~لم يوجد من حيث إنه علة. وقد سبق الجواب عن الزمان والمادة. وسيأتي جواز ~~الخرق على الأفلاك وقبولها للحركة المستقيمة إن شاء الله تعالى. # وكلام جالينوس في غاية السقوط فما يدريه تقدر العالم قبل ذلك ، والمنجم ~~كيف يعلم ذلك إلا على جهة التخمين والظن ، فلو نقص جزء لا يتجزأ في كل وقت ~~لم يعلم المنجم ولا غيره ذلك ، فانه من المعلوم أن القطعة الصغيرة من ~~الياقوت وشبهه من الأجسام الصلبة وإن بقيت مدة مديدة فانه لا يظهر فيها ~~نقصان محسوس مع أن الخشب وغيره قد يظهر في أقل من تلك المدة نقصان ظاهر. ~~وإذا كان كذلك فمن الجائز أن تكون نسبة الفلك في الصلابة إلى الياقوت كنسبة ~~الياقوت إلى الخشب ، فإذا لم يظهر لحسنا ما حصل من النقصان في القطعة ~~الصغيرة فلئن لا يظهر لناما يحصل في الفلك من النقصان في القطعة الصغيرة مع ~~غاية صلابته وعظمه وبعده عن أعيننا كان أولى. ثم ms0909 ليس المنجم معلوم الصدق ~~بحيث تبتني على قوله هذه القاعدة الحكمية. # سلمنا ، لكن إنما يلزم ذلك لو قلنا : إنه يعدم على وجه الذبول أما إذا لم يكن PageV03P197 # كذلك ، بل قلنا : إنه سيعدم ، لم يلزم ما ذكره. # قال أفضل المحققين : (1) لا منافاة بين أدلة الحكماء وما ادعاه المسلمون ~~من صحة الفناء ، لأن أدلة الحكماء بأسرها ترجع إلى أن العالم واجب لغيره ~~(2) ودعوى المسلمين أنه ممكن لذاته ، وليس بين الأمرين منافاة تقتضي ~~مخالفتهما ؛ لأن اسناد امتناع عدمه إلى مؤثره الموجب يدل على الامتناع نظرا ~~إلى الغير. وكذا امتناع عدم الزمان بعد وجوده لا يدل على امتناعه لذاته. ~~ودليل سبق الإمكان لم يفرق بين الإمكان الذاتي فيه وبين الإمكان بمعنى ~~الاستعداد ، والإمكان [الثاني] يقتضي الاحتياج إلى المادة دون الأول ، ولم ~~يدع أحد الخصمين ذلك الإمكان. وامتناع العدم بهذا المعنى ليس لذات الممكن ~~لذاته إنما يكون عند من يقول به لاحتياج ما يعدم (3) بعد وجوده إلى المادة ~~السابقة. # واحتج المسلمون (4) على امتناع العدم بالعقل والنقل. ### |||| ** أما العقل : فهو أن نقول : لو انتفى العالم فإما أن يكون انتفاؤه لمؤثر أو لا لمؤثر. ~~والثاني باطل ، لأن اختصاص انتفائه بذلك الوقت دون ما قبله وما بعده لو وقع ~~لا عن مرجح مع تساوي الأوقات بالنسبة إليه لجاز وقوع الممكن لا عن المرجح ~~لتساوي طرفي الوجود والعدم في استغناء الممكن عن المؤثر وحاجته إليه. # وإن كان لمؤثر فذلك المؤثر إما أن يكون عدميا أو وجوديا ، فإن كان عدميا ~~فذلك لا بد وأن يكون عدما لشيء لا يوجد الجوهر إلا عند وجوده حتى يكون عدمه ~~مقتضيا لعدم الجوهر وهو انتفاء الشرط ، وهو باطل : PageV03P198 # أما أولا : فلأن ذلك الشيء إما أن يكون باقيا أو لا ، فإن كان باقيا كان ~~الكلام في كيفية انتفائه بعد استمرار وجوده كالكلام في الجوهر ، وإن لم يكن ~~باقيا استحال احتياج الجوهر إليه ، لأنه إما أن يحتاج إلى واحد معين أو إلى ~~واحد غير معين. والأول باطل ، لأنه لا واحد إلا ويبقى الجوهر بعد عدمه فلا ms0910 ~~تكون به حاجة إليه. والثاني أيضا باطل ، لأن الواحد الذي لا يكون متعينا ~~استحال دخوله في الموجود وما لا يكون موجودا استحال احتياج وجود غيره إلى وجوده. # وأما ثانيا : فلأن ذلك الشيء إما أن يكون حالا في الجوهر أو لا ، فإن كان ~~حالا في الجوهر كان محتاجا إلى الجوهر ، وإذا كان كذلك استحال احتياج ~~الجوهر إليه ، وإلا دار. وإذا لم يكن الجوهر محتاجا إليه بل كان هو محتاجا ~~إلى الجوهر فما كان محتاجا إلى الشيء يكون محتاجا إلى الشيء في وجوده وأيضا ~~في عدمه ، فإذن عدم ذلك الشيء يكون محتاجا إلى عدم الجوهر فيستحيل أن يكون ~~عدم الجوهر محتاجا إلى عدمه ، وإلا دار. # وأما إن لم يكن ذلك الشيء حالا في الجوهر فإما أن يكون محلا للجوهر أو لا ~~، والأول باطل. أما أولا : فلأنا قد دللنا على استحالة حلول المتحيز في ~~المحل. وأما ثانيا : فلأن ذلك المحل إن صح بقاؤه كان الكلام في عدمه ~~كالكلام في الجوهر ، وإن لم يصح بقاؤه لزم من وجوب تجدده وجوب تجدد الجسم ، ~~وهو باطل. وإن لم يكن حالا في الجوهر لا محالة كان شيئا قائما بنفسه ، ~~والجوهر أيضا كذلك ، فإن لم تكن حاجة أحدهما إلى الآخر أولى من العكس فإما ~~أن يحتاج كل واحد إلى الآخر أو يستغني كل واحد عن الآخر ، فلا يلزم من عدم ~~واحد منهما عدم الآخر. وأيضا إذا كان عدمه لانتفاء الشرط لم يكن ذلك الشرط ~~إلا العرض ، لأن ما عدا الجوهر عرض ويستحيل أن يكون العرض شرطا للجوهر ، ~~لأن العرض يحتاج إلى الجوهر والمشروط يحتاج إلى الشرط ، فيلزم الدور. PageV03P199 # وأما إن كان عدم الجوهر لأمر وجودي فذلك الشيء إما موجب أو مختار. أما ~~الموجب فهو أن يقال : إنه ينتفي عند وجود ضده ، وهو باطل لوجهين : ### |||| ** الأول : أن التضاد حاصل من الجانبين وكل منهما قابل للعدم ، فليس انتفاء الجوهر ~~بذلك الضد أولى من انتفاء ذلك الضد بوجود الجوهر ، فإما أن ينتفي كل واحد ~~منهما بالآخر ، وهو محال ، لأن المؤثر في ms0911 عدم كل واحد منهما وجود الآخر ، ~~والمؤثر حاصل مع الأثر فلو حصل العدمان معا لحصل الواحدان معا فيكونان ~~موجودين معدومين دفعة واحدة ، وهو محال : أو لا ينتفي أحدهما بالآخر فيلزم ~~اجتماع الضدين. # لا يقال : انتفاء الجوهر بذلك الضد أولى لوجهين : ### |||| ** الوجه الأول : الجوهر باق والضد حادث والحادث أقوى من الباقي. أما أولا : فلأن الحادث ~~يستحيل عدمه ، لأنه لو عدم لكان عدمه مقارنا لوجوده ، وهو محال ، وأما ~~الباقي فإنه لا يستحيل عدمه ، لأنه بتقدير عدمه لا يكون عدمه مقارنا ~~لوجوده. وأما ثانيا : فلأن الحادث متعلق السبب والباقي منقطع عن السبب ، ~~فكون (1) الحادث مع السبب يفيده زيادة قوة. ### |||| ** الوجه الثاني : أن يخلق الله تعالى من ذلك الضد أعدادا أكثر من أعداد الجوهر فلا جرم كانت ~~باعدام الجوهر أولى. # لأنا نقول : لا نسلم أن الحادث أقوى. # قوله : «لو عدم الحادث لكان عدمه مقارنا لوجوده». # قلنا : نحن لا نقول : إن الحادث يوجد و (2) يعدم في وقت واحد بل الباقي PageV03P200 # يمنعه من الدخول في الوجود. و (1) لأن الباقي أيضا لو عدم حال بقائه لصار ~~عدمه مقارنا لوجوده ، وكما أنه يصح أن ينعدم في الزمان الثاني من وجوده ~~كذلك الحادث يصح أن ينعدم في الزمان الثاني من وجوده. # قوله : «الحادث متعلق السبب فيكون أقوى». # قلنا : ألستم قد برهنتم على أن الباقي أيضا متعلق السبب ، فزال الترجيح. # قوله : «الله تعالى يخلق اعدادا من ذلك الضد». # قلنا : هذا غير مستقيم. # أما أولا : فلأن الذي استقر عليه رأي المعتزلة أن الله تعالى يعدم ~~الجواهر كلها بجزء واحد من الفناء. # وأما ثانيا : فلأن الجواهر متماثلة فليس بأن يوجب فناء عدم واحد منها ~~أولى من الفناء الآخر بأن يوجب عدمه. اللهم إلا أن يقال : إنه يقوم الفناء ~~بالجوهر أو يختص بالحيز الذي يجاوره ، لكن الأول باطل لاشتماله على اجتماع ~~الضدين. والثاني يكون قولا بحصول العرض في الحيز على سبيل الاستقلال من غير ~~محل وهو محال ، إذ لا معنى للجوهر إلا ما يكون حاصلا في الحيز. ### |||| ** الثاني : (2) أن حدوث الضد يتوقف على ms0912 انتفاء الضد الأول فلو كان انتفاء الضد الأول ~~معللا بحدوث هذا الضد لزم الدور المحال. # وأما إن فنيت الأجسام باعدام الفاعل المختار فهو محال ، لأن الفاعل لا بد ~~له من فعل ، فالاعدام إما أن يكون شيئا متميزا عن غيره وإما أن لا يكون ، ~~فإن كان الأول كان الاعدام عبارة عن حدوث شيء ، وذلك الشيء إن اقتضى عدم الجوهر PageV03P201 # كان ذلك قولا ببقاء الجوهر لأجل ضد ، وإن لم يقتض عدمه كان ذلك الجوهر ~~باقيا بعد حصول ذلك الاعدام. # وأما إن لم يكن الاعدام أمرا مشارا إليه متميزا عن غيره استحال جعله ~~تأثير مؤثر أو فعل قادر لما ذكرنا أن القادر من له الأثر. ولأن الاعدام إن ~~لم يكن وجوديا كان عدما محضا فامتنع اسناده إلى المؤثر ، لأنه لا فرق بين ~~أن يقال : لم يفعل الله شيئا وبين أن يقال : فعل العدم ، وإلا كان أحد ~~العدمين مخالفا للثاني فيكون لكل واحد من العدمين تعين وثبوت فيكون للعدم ~~ثبوت ، هذا خلف. # وإن كان وجوديا لم يكن ذلك الوجود عين عدم العالم ، وإلا لكان (1) الوجود ~~عين العدم ، بل غايته أنه يقتضي عدم الجوهر فيكون ذلك اعداما بالضد وليس هو ~~هذا القسم (2)، فالقول بفناء الجواهر يفضي إلى أقسام باطلة فيكون القول ~~بفنائها باطلا. ### |||| ** وأما النقل : فقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام : ( @QUR@05 رب أرني كيف تحي الموتى ~~) (3). وإبراهيم عليه السلام سأله عن كيفية إحياء الموتى ثم إنه تعالى أراد ~~الجمع بين التفريق والاحياء بعده ، وإذا أراه ذلك جوابا لسؤاله صح أن يكون ~~بالتفريق دون الفناء لوجهين : # وهو يشتمل على السؤال عن جميع المقدمات التي يفعلها الله تعالى حتى ~~يهيأهم ويعدهم لنفخ الروح فأمره الله تعالى بأخذ أربعة من الطير وتقطيعها ~~وتفريق أجزائها ومزج بعض الأجزاء ببعض ثم يفرقها ويضعها على الجبال ثم ~~يدعوها فلما دعاها ميز الله تعالى أجزاء كل طير عن الآخر وجمع أجزاء كل طير ~~وفرقها عن أجزاء الآخر حتى كملت البنية التي كانت عليها أولا ثم أحياها ~~الله تعالى. راجع كشف المراد ms0913 : 402. PageV03P202 ### |||| ** الأول : لو أفناه لما صح فيه الجمع إلا على تقدير أن يخلق أجزاءهم متفرقة ثم يجمعها ~~وذلك باطل. ولما ثبت الجمع في كيفية الاحياء ثبت أنه لا تفنى على معنى ~~الاعدام. ### |||| ** الثاني : أنه عليه السلام سأله عن جميع مقدمات الاحياء فلو كان الله تعالى يعدمها ثم ~~يخلقها احياء لأراه ذلك. وأيضا أنه تعالى بعد أن بين أن مبدأ الخلق جمع بعد ~~تفريق لقوله تعالى : ( @QUR@03 خلقكم من تراب ) (1)، وقوله تعالى : ( ~~@QUR@05 وبدأ خلق الإنسان من طين ) (2)، وقوله تعالى : ( @QUR@08 أولم ~~يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ) (3)، وقوله تعالى : ( @QUR@08 قل ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) (4)، وبدء الخلق الذي يمكننا أن ~~نراه أو ننظر إليه هو الجمع دون الإيجاد عن عدم كما يشاهد ذلك في فصل ~~الربيع من نشوء الاغصان. ثم لما قرر أن البدء [هو] الجمع قال : ( @QUR@03 ~~كما بدأكم تعودون )، فنص تعالى على أن البدء كما كان جمعا للتفريق كذا ~~عودكم يكون بالجمع بعد التفريق. وقد قرر الله تعالى ذلك في آيات كثيرة ~~بعبارات مختلفة فشرح تعالى كيفية جمعه فيما يخرج من النبات والزروع ~~والأشجار ، ثم شبه يوم البعث به في قوله تعالى : ( @QUR@02 كذلك النشور ) ~~(5) و ( @QUR@02 كذلك تخرجون ). (6) PageV03P203 # والجواب عن المعقول أن نقول : لم لا يعدم باعدام الفاعل؟ # قوله : «الاعدام إما أن يكون أمرا وجوديا أو لا». # قلنا : هذا يقتضي أن لا يعدم شيء البتة ، لأنه يقال : إذا عدم الشيء فهل ~~يتجدد أمر أم لا؟ فإن لم يتجدد أمر فهو لم يعدم ، وإن تجدد فالمتجدد عدم أو ~~وجود؟ لا جائز أن يكون عدما ، لأنه لا فرق بين أن يقال : تجدد العدم أو لم ~~يتجدد شيء ، وإلا فأحد العدمين مخالف للآخر ، وهو محال. وإن كان وجودا كان ~~ذلك حدوثا لموجود آخر لا عدما للموجود الأول. (1) # سلمنا فساد هذا القسم ، فلم لا يعدم لحدوث الضد؟ # قوله : في المضادة مشتركة من الجانبين. # قلنا : لم لا يجوز أن يكون الحادث أقوى لحدوثه وإن كنا لا نعرف لمية كون ~~الحدوث سببا للقوة؟ (2) # قوله في الثاني : «حدوث ms0914 الحادث يتوقف على عدم الباقي». # قلنا : لا نسلم ، فإن عندنا عدم الباقي معلول الحادث ، والعلة وإن امتنع ~~انفكاكها عن المعلول لكن لا حاجة بها إلى المعلول. # وأيضا جاز أن يكون التوقف توقف المعية فلا دور ولا استحالة. # سلمنا فساد هذا القسم ، لكن لم لا يجوز أن يعدم الجسم لانتفاء الشرط؟ ~~وبيانه : أن الأعراض لا تبقى والجوهر ممتنع الخلو عنه فإذا لم يخلق الله ~~تعالى العرض انتفت الجواهر. PageV03P204 # قوله : «إنه يلزم الدور». # قلنا : جاز أن يكون الجوهر والعرض متلازمين (1)، وإن لم يكن لأحدهما ~~حاجة إلى الآخر ، كالمضافين ومعلولي العلة الواحدة ، فإذا لم يوجد أحد ~~المتلازمين وجب أن يعدم الآخر. # قال أفضل المحققين : «مذهب الكرامية : أن العالم محدث وممتنع الفناء ~~وإليه ذهب الجاحظ. وقالت الأشعرية وأبو علي الجبائي بجواز إفناء العالم ~~عقلا. وقال أبو هاشم : إنما يعرف ذلك بالسمع. ثم إن الأشعرية قالوا : إنه ~~يفنى لأن الله تعالى لا يخلق الأعراض التي تحتاج الجواهر إلى وجودها. أما ~~القاضي أبو بكر فقال في بعض المواضع : إن تلك الأعراض هي الأكوان. وقال في ~~بعض المواضع : إن الفاعل المختار يفنيه (2) بلا واسطة ، وهو مذهب محمود ~~الخياط. وقال القاضي في موضع آخر : إن الجوهر يحتاج إلى نوع من كل جنس من ~~أجناس الأعراض فإذا لم يخلق الله تعالى أي نوع كان عدم الجوهر. وقال ~~الجويني مثل ذلك. وقال بعضهم : إذا لم يخلق الله تعالى البقاء وهو عرض عدم ~~الجوهر ، وبه قال الكعبي. وقال أبو الهذيل : كما أنه قال له «كن» فكان كذا ~~يقول له «افن» فيفنى. وقال أبو علي وأبو هاشم انه تعالى يخلق الفناء وهو ~~عرض فيفنى جميع الأجسام ، وهو لا يبقى (3). وأبو علي يقول : إنه يخلق لكل ~~جوهر فناء ، والباقون قالوا : بل فناء واحد يكفي لافناء الكل. فهذه ~~مذاهبهم. # وقوله في الدليل : «إن الاعدام باطل ، لأنه لا فرق بين أن يقال : لم يفعل ~~البتة وبين أن يقال : فعل العدم» ، ليس بشيء للفرق بينهما في بديهة النظر ، ~~فان القول PageV03P205 # بأنه لم يفعل حكم بالاستمرار على ms0915 ما كان وبعدم صدور شيء من الفاعل (1)، ~~والقول بأن فعل العدم حكم بتجدد العدم بعد أن لم يكن وبصدوره عن فاعله ، ~~وتمايز العدمين يكون بانتسابهما إلى وجودين أو بانتساب أحدهما دون الآخر. # وقوله في الجواب : «إن هذا يقتضي أن لا يعدم شيء البتة» ، ليس بجواب ، ~~إنما هو زيادة الإشكال وتأكيد لقول من يقول : الانعدام غير ممكن إلا بطريان ~~الضد أو انتفاء الشرط ، وهو مذهب أكثر المتكلمين. # وأما إبطال الاعدام بطريان الضد فجواب الوجه الأول وهو إلزام الدور كما ~~ذكره ، وهو أن عدم الباقي معلول الحادث. # وقولهم : «إن الحادث لا يكون أقوى من الباقي بكونه متعلق السبب لأن ~~الباقي حال البقاء أيضا متعلق السبب» ، ليس بصحيح ، لأن الباقي عند قدماء ~~المتكلمين مستغن عن السبب. وأما عند القائلين بأنه محتاج إلى سبب مبق ~~فجوابهم أن الموجد أقوى من المبقي ، لأن الايجاد اعطاء الوجود الذي لم يكن ~~أصلا والتبقية حفظ الوجود الحاصل ، ولكونه أقوى فيرجح الحادث ويعدم ~~المرجوح. # وايراد الاعتراض بأن الحادث لو عدم بسبب الباقي حال الحدوث لكان موجودا ~~معدوما معا ، وهو محال ، والباقي لو عدم بسبب الحادث ما لزم منه محال. # ثم الجواب بأن الباقي يمنع الحادث عن أن يصير موجودا ، ولا يلزم منه محال ~~ليس بمرضي ، فان الباقي لو كان بحيث يمنع لكان أقوى ، وليس كذلك. PageV03P206 # والاعتراض بتجويز كون الحادث أكثر عددا من الباقي ، والجواب بامتناع ~~اجتماع المثلين ، ليس مما يذهب إليه وهم. # وجواب الوجه الثاني من إبطال الاعدام بطريان الضد وهو : «أن التضاد حاصل ~~من الطرفين على السواء فتجويز (1) كون الحادث أقوى وإن كنا لا نعرف لميته» ~~، ليس بجواب. والجواب ما بيناه من كون الحادث أقوى لترجح الموجد على ~~المبقي. # وأما إبطال الاعدام بسبب انتفاء الشرط وأن الشرط لا يكون إلا عرضا فدعوى ~~مجردة ، فانه من الجائز أن يكون هناك شرط خال عن (2) العرض ، كما يكون ~~الجوهر الذي هو المحل شرطا في إيجاد الأعراض فيه. وأيضا يجوز أن يكون الشرط ~~لا جوهرا ولا عرضا بل أمرا عدميا ، وقد مر ms0916 بيان جواز الاشتراط به وزوال ذلك ~~الأمر يقتضي انعدام المشروط به. # وبيان كون العرض شرطا في الاعدام بأن العرض لا يبقى والجوهر ممتنع الخلو ~~عنه فيعدم بانعدامه ليس مما يفيد مع هؤلاء الخصوم ، لأن الكرامية لا يقولون ~~بذلك كالمعتزلة. وأما الزامهم الدور بسبب احتياج الجوهر إلى العرض ، فباطل ~~؛ لأن الدور يكون إذا كان المحتاج إليه محتاجا إلى المحتاج فيما يحتاج فيه ~~إليه وهنا ليس كذلك ، فان احتياج الجوهر إلى عرض ما لا بعينه ، لا إلى عرض ~~معين ، والعرض المعين محتاج إلى جسم بعينه ، فلا يلزم منه الدور. # والجواب بتجويز التلازم من غير احتياج أحدهما إلى الآخر ، ليس بمفيد هنا ~~، فان العرض محتاج في وجوده إلى الجسم ، والتلازم وإن كان باحتياج كل واحد ~~من المتلازمين إلى عين الآخر محال ، لكن من غير احتياج أحدهما إلى الآخر أو إلى PageV03P207 # ما يتعلق بالآخر ليس بمعقول ، فإن ذلك يكون مصاحبة اتفاقية ، وهي لا ~~تقتضي امتناع الانفكاك. # وإيراد المثال بالمتضايفين (1) على الوجه المشهور ، غير صحيح ؛ فإن إضافة ~~كل واحد منهما محتاجة في الوجود إلى ذات الآخر لا إلى إضافة ، ومعلولا علة ~~واحدة يحتاج كل منهما إلى علة الآخر ، فليس فيهما عدم الاحتياج مطلقا من ~~غير لزوم الدور». (2) # وفيه نظر ، فان الفرق الذي ذكره بين قولنا : ما فعل وبين قولنا : فعل ~~العدم ، وإن كان ظاهرا لكن ليس المقصود ما ذكره ، بل القصد أنه في كلا ~~الحالين لم يصدر عنه شيء وما حصل بواسطة الفعل ثبوت شيء ولا تحققه ، ولما ~~لم يكن العدم فعلا كان فعله ليس فعلا في الحقيقة. # والجواب بأنه يقتضي أن لا يعدم شيء ، صحيح (3)؛ لأن الحكم الضروري لا ~~يرتفع بالشبه ، فإذا أورد المشكك شبهة تدل على رفع حكم ضروري ، علمنا على ~~سبيل الإجمال أن هذه الحجة باطلة علما ضروريا وإن عجزنا عن وجه الغلط فيها. ~~ولما كان العلم الضروري ثابتا لنا بأن الاعدام متحقق ، كانت الشبهة الرافعة ~~له باطلة عند العقل. وهذا جواب صحيح لا مدفع له. # قوله : «الموجد أقوى من المبقى». # قلنا ms0917 : متى إذا خلى عن المبقي العارض له أو إذا لم يخل؟ م ع. (4) PageV03P208 # وقوله : «الباقي إنما يمنع لو كان أقوى وليس كذلك» ، ممنوع ؛ لأن الباقي ~~موجود والحادث قبل حدوثه في حيز العدم والباقي حال عدم الحادث موجود ، ~~والموجود أقوى من المعدوم. والجهل بوجه قوة الحادث لا يخرج الجواب عن كونه ~~جوابا. وكون الشرط ليس بعرض ، غير معقول ؛ لاستحالة أن يكون الجوهر شرطا في ~~نفسه. وثبوت واسطة بين الجوهر والعرض وكون الشرط عدميا ، غير معقول هنا ؛ ~~لأن العدمي لا يكون إلا مضافا إلى ملكة وليست الملكة هنا الجوهر. أما أولا. ~~فلأن الجواهر متماثلة فيستحيل أن يكون وجود جوهر مشروطا بعدم آخر. وأما ~~ثانيا : فلأنا ننقل الكلام إلى عدم ذلك الجوهر فانه إما أن يعدم أو لا ، ~~والثاني مطلوبهم ، والأول يفتقر إلى معدم ويعود البحث فيه. ولا العرض ، لأن ~~وجود ذلك العرض لا بد له من محل جوهري ويعود البحث في عدمه. وأيضا فهو ~~الفناء الذي قال به المشايخ. # قوله : «الجسم يحتاج إلى عرض ما». # قلنا : عرض ما إما أن يكون موجودا أو لا ، وعلى كلا التقديرين يلزم ~~المحال. والبحث في المتضايفين قد تقدم. والاحتياج إلى العلة لا تقتضي ~~الاحتياج إلى المعلول ، وإلا لزم الدور أو الترجيح من غير مرجح ، فقد تحقق ~~الاستلزام مع الاستغناء. # والجواب عن المنقول : أن الاحياء والإماتة ليس اعداما وإيجادا فلا يرد ما ~~ذكرتم فيه ، فان المكلفين يفرق الله تعالى أجزاءهم فإذا أعادهم جمعها ، فصح ~~فيه الاراءة والإدراك. # ولا نسلم أن إبراهيم عليه السلام سأل عن جميع مقدمات الاحياء ، بل عن ~~كيفيته. وابتداء خلق الآدمي وإن كان جمعا ، لكن أصله ابتداء إيجاد لأن ~~العالم حادث ، وكذا بدء خلق النبات وغيره. والإعادة للمكلفين أيضا الجمع إن ~~قلنا : إن المكلف PageV03P209 # تتفرق أجزاؤه لا أنه يعدم بالكلية ، وكذا النشور والاخراج. وبالجملة ليس ~~البحث هنا في فناء الآدمي خاصة حتى يحمل على الاعدام بالكلية أو التفريق ، ~~بل جميع الأجسام. (1) ### ||| ** المسألة الثالثة : في إبطال كلام المشايخ # قد عرفت كلام المشايخ وأنهم أثبتوا الفناء ms0918 معنى يضاد الجواهر لا في محل ~~(2)، وهو باطل من وجوه : ### |||| ** الوجه الأول : التضاد حاصل من الطرفين لأنه نسبة وإضافة لا تعقل إلا بين اثنين فكما ضاد ~~الفناء الجواهر كذا الجواهر تضاد الفناء ، وكل واحد من هذين الضدين ممكن ~~وقابل للعدم ويعدم اتفاقا وليس انتفاء أحدهما بالآخر أولى من العكس ، فليس ~~انتفاء الجوهر بذلك الضد أولى من انتفاء ذلك الضد بوجود الجوهر فاستحال أن ~~يفنى به. # وفيه نظر ، لأنا لا نسلم انتفاء الأولوية فان الضد الطارئ يعدم الباقي ~~لأن الله تعالى أراد اعدام الجوهر وإيجاد ضده فأوجد الضد فأعدم الجوهر. # قيل : والحس شاهد بذلك فان بعض الأعراض تعدم بطرو البعض الآخر. ولأن ~~الاعتمادات التي توجب ضد ما يوجبه الآخر فان بعضها ينفي حكم الآخر ، ~~فبالطريق الذي جوزتموه ثم جوزوه هنا. ولأنه الحادث أقوى لأنه متعلق السبب. PageV03P210 # ولأنه لو عدم لاجتمع فيه النقيضان. ولجواز أن يخلق الله تعالى عدد الضد ~~الحادث أكثر. # اعترض من حيث الإجمال والتفصيل. # أما الإجمال فهو أن وجود الضد إما أن يكفي في منافاته لضده أو لا بد معه ~~من أمر زائد ، فإن كان مجرد وجوده كافيا وذلك غير مختلف فيهما لزم تعذر نفي ~~أحدهما بالآخر دون العكس لعدم الأولوية ، وإن كان لا بد معه من زائد ~~فباعتبار انتفاء ذلك الزائد يلزم أن يمكن أن يجامع ضده ، ولو جاز ذلك فيه ~~بطل دعوى المنافاة بالتضاد. كيف وأنه غير مستقيم على أصولكم؟ فان عندكم لا ~~يصح أن تتوقف المنافاة بشيء زائد على الضد ، لأن ما يتنافيان بالتضاد ~~يتنافيان بأنفسهما وحدهما ولهذا قالوا : إن التضاد يرجع إلى الآحاد دون ~~الجمل ، ولهذا لم تفترق الحال في تعذر الجمع بين جزء واحد من البياض في محل ~~فيه جزء واحد من السواد وبين أن يكون فيه الف جزء. # وفيه نظر ، فانا نقول : وجود كل من الضدين كاف في المنافاة ، ولهذا لا ~~يكون أحدهما موجودا مع صاحبه ولا يتخصص أحدهما بالوقوع من حيث إنه ضد بل ~~يحتاج في ترجيحه إلى الفاعل ، فلما أوجد الفاعل ms0919 أحد الضدين كان قاهرا (1) ~~لصاحبه ونافيا له ، فإذا أراد الفاعل إيجاد الآخر افتقر المتجدد في اعدام ~~الأول إلى مرجح وهو إرادة الفاعل لايجاده. فالحاصل أن المنافاة من الطرفين ~~على السواء لكن تخصيص أحدهما بالوجود أو بالعدم إنما يكون بواسطة الزائد ~~وهو ترجيح الفاعل. # وأما التفصيل فقالوا : ### |||| ** على الأول : لا نسلم أن في الأعراض ما هو باق فجاز أن يكون الله تعالى PageV03P211 # يجدد في الجسم أمثال تلك الأعراض بخلاف الجسم ، فان كل واحد منا مع كونه ~~جسما يعلم من نفسه أنه هو الذي كان بالأمس فكان كون الجسم معلوما بخلاف ~~الاعراض. # سلمنا بقاءها ، فلم قلتم : إن انتفاءها إنما كان بضد ولم يكن بفوات شرط؟ ~~فإن من الأعراض ما يحتاج في بقائه إلى شرط ، كالعلم المحتاج إلى الحياة ~~والحياة المحتاجة إلى البنية المعتدلة. # والوجه الذي ذكرتم في إبطال كون وجود الجسم مشروطا ، لم قلتم بوروده هنا؟ ~~فانكم قلتم في ذلك الوجه : أن ذلك الشيء الذي يكون شرطا في وجود الجسم إما ~~أن يكون حالا في الجسم أو لا ، فإن كان حالا في الجوهر كان محتاجا إلى ~~الجوهر فيستحيل احتياج الجوهر إليه ، وإلا دار. وإن لم يكن حالا كان شيئا ~~قائما بنفسه ، والجوهر أيضا كذلك فلم تكن حاجة أحدهما إلى الآخر أولى من ~~العكس فإما أن يحتاج كل منهما إلى الآخر وهو محال أو يستغني كل منهما عن ~~الآخر فلا يلزم من عدم واحد منهما عدم الآخر ، وهذا إنما يمكن وروده في ~~الأجسام دون الأعراض. # سلمنا أن عدمها ليس بعدم الشرط ، فلم لا يعدم باعدام معدم؟ بأن يعدمها ~~الله تعالى ابتداء كما أوجدها ابتداء ، ولهذا كان حد القادر هو الذي يصح ~~منه أن يفعل وأن لا يفعل فكان لا يفعل داخلا في حد القادر كالفعل ، ولهذا ~~قلتم : إن الصحيح ما ذهب إليه أبو هاشم من أن الذم والمدح بترك الواجب ~~وبترك القبيح يرجع إلى نفي الفعل دون ما ذهب إليه أبو علي من أن ترك الفعل ~~يرجع إلى فعل ضد دون نفي الفعل ms0920 (1)، ولهذا جعلتم مثل هذا الاعدام تأثير ~~الضد ، فإذا جاز PageV03P212 # عندكم أن يكون تأثير الضد ، فلم لا يجوز أن يكون تأثير القادر؟ وهذا هو ~~الوجه الذي ذهب إليه أبو الحسين (1) الخياط في جواز عدم الأجسام. وهذا وإن ~~لزم منه صحة الاعدام للأجسام بهذا الطريق ، ولكن لم يحصل به صحة اعدامها ~~بما ذهبوا إليه من الفناء ، وهذا هو المقصود في هذا المقام. # سلمنا انها تزول بالضد ، لكن قلتم : إنه إنما كان زوال الزائل بالضد أولى ~~، لأنه خلق ضدين في محل فيه ضد واحد ، وهذا العذر لا يستقيم على أصولكم ~~لوجهين : ### |||| ** الأول : التضاد عندكم يرجع إلى الآحاد. ### |||| ** الثاني : إنما تكلمنا في هذه المسألة مع من يقول : الفناء يفني جميع الأجسام ولا ~~يستقيم له هذا الجواب. ### |||| ** وعلى الثاني : أن الباقي كالحادث في استلزام اجتماع الوجود والعدم ، فإن جعلتم الباقي ~~يرتفع في الزمن الثاني من وجوده فكذا ارتفاع الحادث. ### |||| ** وعلى الثالث : أن الباقي ممكن لذاته والوصف الذاتي لا يتبدل فلا فرق بين حالة الحدوث ~~والبقاء. ولو سلمنا أنه غير متعلق السبب ، ولكن لم قلتم : بأن أثر السبب في ~~أكثر من وجوده ، ثم الوجود الذي هو مسبب السبب لا يختلف بين الحادث وبين ~~الباقي فصار وجود السبب كعدمه فيما يرجع إلى زيادة قوة في وجود الحادث؟ PageV03P213 ### |||| ** وعلى الرابع : بأن هذا الجواب لا يتمشى على قول من يقول : إن الله تعالى يخلق فناء واحدا ~~يعدم به جميع الجواهر التي في العالم ، خصوصا وقد بينا أن ما كان ضدا بنفسه ~~لا يختلف حاله في ذلك بين أن يكون واحدا وبين أن يكون أكثر من واحد. ### |||| ** الوجه الثاني : شرط التنافي بين الشيء وضده أن يتعاقبا في محل واحد ، وهذا الشرط غير حاصل ~~في الفناء مع الجسم ، فيستحيل ثبوت المنافاة فيه. # أما الأول : فلأن السواد والبياض وكل نوع من أنواع الأضداد إذا وجد ~~أحدهما في محل ووجد الآخر في محل آخر فانه يستحيل بينهما المنافاة لفقد ما ~~ذكرنا من الشرط ، حتى لو قدرنا هذا الشرط حاصلا فانه تحصل المنافاة. # وأما ms0921 الثاني : فان الجسم وإن جاز وجوده في الحيز ، لكن يستحيل حصوله في ~~المحل فكذا الفناء الذي يذهبون إليه يستحيل حصوله في المحل ، وإذا استحال ~~حلول كل واحد منهما في المحل استحال فيهما ما هو الشرط في المنافاة فتستحيل ~~المنافاة. # لا يقال : كل واحد منهما موجود على حسب وجود الآخر ، فان الجسم ليس في ~~محل وكذا الفناء ، فلم لا يكفي هذا في المنافاة؟ # لا يقال : إذا قدرنا سوادا في محل وبياضا في آخر وقدرنا محلا ثالثا فكل ~~واحد من السواد والبياض موجود على حسب وجود الآخر في أنه ليس في ذلك المحل ~~الثالث ، ومع ذلك لا يكفي هذا في المنافاة بينهما ، لأن شرط المنافاة ~~بينهما مفقود وهو تعاقبهما على محل واحد. # وفيه نظر ، فان التضاد قد يكون على المحل فيشترط فيه اتحاده ، وقد يكون ~~على الوجود عندهم كما في الجواهر والفناء فكان نسبة الوجود إليهما نسبة ~~المحل في PageV03P214 # الضدين وهذا الأخير لا يشترط فيه (1) المحل. ### |||| ** الوجه الثالث : الفناء عرض ، ووجود عرض لا في محل محال ، ونعني بالعرض الحادث الذي لا يكون ~~في جهة ، وذلك لأن كل ما يوجده القادر يجب أن يوجد على وجه يكون مشارا إليه ~~وإلى جهته وهذا ضروري ، وبهذا يبطل جميع ما ادعوه من الأعراض التي توجد لا ~~في محل كالإرادة والكراهة والفناء (2)، وهذا العلم في الظهور فوق علمنا ~~بأن الأكوان والطعوم وغيرها تحتاج إلى محل فإن أمكن منع هذا الظهور أمكن ~~المنع في الجميع. ولظهور هذه القضية قالت الكرامية : هذه القضية عامة في ~~جميع الموجودات قديما كان أو حادثا. # وهذا أقوى ما لهم من الحجة في هذه المسألة التي بها يصولون على من خالفهم ~~ويعدون منكر ذلك مكابرا ، ونحن قد قلنا بأن ذلك متصور في الحوادث دون ~~القديم تعالى. # وفيه نظر ، لأن ذلك راجع إلى اختلاف التفسير ، فانهم إن عنوا بالعرض ما ~~يوجد في المحل فالفناء ليس بعرض بهذا المعنى ، وإن عنوا به ما يعرض في ~~الوجود ولا بقاء له كبقاء الأجسام فهو عرض ، وإن عنوا بالجوهر ms0922 ما يستقل ~~بذاته فالفناء جوهر بهذا المعنى ، ولا مشاحة في الأسماء. ### |||| ** الوجه الرابع : هذا الفناء إن نافى الجسم فإما أن ينافيه من حيث وجوده أو لا من حيث وجوده ~~بل من حيث حقيقته أو مقتضاه أو شيء آخر. لا جائز أن ينافيه PageV03P215 # من حيث الوجود ، لأنه لو نافاه من حيث الوجود والوجود عام مشترك بين جميع ~~الموجودات وجب أن ينفى القديم وهو محال ، وينفى نفسه فانه أيضا موجود. # لا يقال : إنهما لا يتنافيان بالوجود ولا بالحقيقة ، ولكن يتنافيان بما ~~هو مقتضى حقيقتهما. # لأنا نقول : فيجب أن يقتصر الانتفاء على ما وقع فيه المنافاة فتخرج كل ~~واحدة من الحقيقتين عن مقتضى صفتهما الذاتية دون الوجود ، فلا يعدم الجسم. # لا يقال : إنه وإن كان كذلك لكنه يستحيل أن يخرج المقتضي عن مقتضاه وهو ~~موجود ، لأن المقتضي وهو الصفة الذاتية تقتضي مقتضاه نحو التحيز في الجسم ~~بشرط الوجود فإذا وجد المقتضي مع الشرط استحال أن يتخلف عنه المقتضى. وكذا ~~أيضا قولهم في العلة : إنها إذا وجدت لا يجوز أن يتخلف عنها حكمها. # فإذا قيل لهم : لم لا يجوز أن يتخلف المقتضى عن المقتضي وكذا الحكم عن ~~العلة وإن وجب الشرط الذي هو الوجود لما أنه يحتاج إلى شرط آخر ولما أن ~~مانعا يمنع من الحكم فيحتاج إلى زواله ، كما قلتم في سائر المؤثرات ~~كالأسباب وأنتم جوزتم أن توقف مسبباتها مشروط بزوال المانع؟ # لا يقال : إنا إذا جوزنا ذلك يبطل الفرق بين المنتفي المعدوم والموجود ~~وكذلك هذا في العلة ، لأنه لا يظهر المقتضي والعلة إلا بالمقتضى والحكم ، ~~ثم إنه لا يمكن تأثير المقتضى والحكم في حالة العدم ، فلو لم يلزمه في حالة ~~الوجود فقد استوى حالة عدمه ووجوده ، فيبطل الفرق الذي ذكرناه. # لأنا نقول : لا نسلم أنه يبطل الفرق وتستوي حالة وجودهما وعدمهما ، وذلك ~~لأنه حين كان معدوما كان يتوقف مقتضاه وحكمه على أمرين : الوجود ، والشرط ~~الثاني زوال المانع ، وبعد الوجود لا يتوقف إلا على شيء واحد وهو الشرط PageV03P216 # الثاني وهو (1) زوال المانع. # ثم ms0923 نقول : هب أنه يستحيل تخلف المقتضى مع الوجود ولكنه أيضا يستحيل ~~انتفاء الوجود من غير مناف. ثم هذا الفناء لا يخلو إما أن يصير منافيا ~~للوجود فيلزم منه ما ألزمناه من نفي القديم ، أو لا يصير منافيا له فيلزم ~~منه انتفاء الوجود من غير وجود ما يقتضي ذلك ، وهو أيضا محال. # فإذن القول بالفناء يؤدي إلى أحد محالين : إما تخلف المقتضى عن المقتضي ~~مع حصول شرط الاقتضاء وهو الوجود وأنه محال عندكم. وإما انتفاء الوجود لا ~~لأمر وأنه محال ، فصح أن القول بالفناء يؤدي إلى أقسام باطلة ، فيكون القول ~~به باطلا. # لا يقال : هب أنه لا ينافي الوجود ، ولكن لم لا يجوز أن ينتفي بالفناء ما ~~هو شرط الوجود فينتفي الوجود وهو المقتضى؟ # لأنا نقول : إن الوجود شرط المقتضى فلو كان شرط الوجود لزم منه الدور ، ~~وهو محال. # ويقال لهم : إن كان لا تنتفي حقيقة الجسم بالفناء ، بل ينتفي بالفناء أمر ~~زائد على حقيقة كونه جسما يسمون ذلك الزائد وجودا ، فإذن المنتفي والزائد ~~على الحقيقة أمر زائد على الجسم وكان تسمية الجسم معدوما بعدم أمر زائد ~~عليه تسمية له بذلك على سبيل المجاز بالحقيقة. وحقيقته لما كان لم تعدم ~~بعدم لا يجوز عليه العدم ، فأنتم في الحقيقة أشد الناس قولا باستحالة عدم ~~الجواهر والأجسام. # وفيه نظر لجواز أن ينافيه من حيث الوجود ، ونمنع عموم الوجود. # سلمنا ، فلم لا ينافيه من حيث الوجود الممكن أو المحدث أو المستند إلى PageV03P217 # الفاعل أو وجود الجوهر؟ # سلمنا ، لكن لم لا ينافيه من حيث الماهية ، على معنى أن ماهية الجوهر ~~منافية لذاتها لماهية الفناء في الوجود لا مطلقا فلا يتنافيان في العدم ، ~~كما أن الضدين يتنافيان في المحل الخارجي وإن جاز اجتماعهما معا في الذهن؟ # سلمنا ، فلم لا ينافيه باعتبار آخر غير ما ذكرتم؟ ### |||| ** الوجه الخامس (1) ### |||| ** : هذا الفناء الذي يذهبون إليه لم لا يجوز أن لا (2) تقارنه منفعة لأحد من ~~الاحياء ولا ايصال حق إلى مستحق؟ وما كان كذلك كان عبثا قبيحا والله تعالى ~~منزه ms0924 عن فعل العبث ، فيجب في الحكمة أن لا يفعل هذا الفناء. # أما الصغرى ، فلأن المنفعة إما عاجلة وإما آجلة فلا بد فيهما من الفعل ~~والحياة ، وإنما يتصور ذلك في الجسم إذا كان موجودا ، وهذا الفناء الذي ~~يدعونه لا يقارنه عدم الجسم وعدم الجسم لا تقارنه الحياة فلا تقارنه ~~المنفعة. وهو البيان لنفي إمكان إيصال الحق إلى المستحق. فثبت أن الفناء ~~الذي يدعونه لا تقارنه منفعة ولا إيصال حق إلى مستحق. # وأما الكبرى ، فلأن ما لا تقارنه المنفعة ولا إيصال حق إلى المستحق يكون ~~عبثا قبيحا فضروري ، فيقبح في الحكمة هذا الفناء. # فإن قيل : هذا يبطل بعذاب القبر ومساءلة منكر ونكير وأهوال يوم القيامة ~~وعذاب أهل النار فانه لا منفعة هناك لا عاجلة ولا آجلة ومع ذلك فهو حسن ، ~~فجاز هنا مثله. ثم نمنع انتفاء المنفعة هنا. # قوله : «الفناء الذي يقارنه العدم لا تقارنه الحياة فلا تقارنه المنفعة». PageV03P218 # قلنا : إذا جاز أن يقارن وجود الفناء عدم الأجسام ، فلم لا يجوز أن يقارن ~~وجود المنفعة عدم الحياة؟ # سلمنا أنه لا يجوز أن يقارنه ، لكن لم لا يجوز أن يتقدمه أو يتأخر عنه؟ ~~فان الإنسان قد يعد غيره أو يتوعده ثم يفي ذلك من بعد لما قد سبق له من ~~المنفعة بالوعيد والوعد ، وكذا يلقي البذر في الأرض مع ما فيه من النقصان ~~لما يتوقعه من بعد من الحصاد ، فكذا هنا لم لا يجوز أن يخبر الله تعالى عن ~~الفناء لما لهم من منفعة المصلحة؟ ثم إنه تعالى يفعل ذلك من بعد وفاء بما أخبر. # أو نقول : إنه لما أخبر وكان لا يجوز أن ينتفع بالمخبر (1) عنه مع توقع ~~الكذب فيجب فعله ، فيكون الخبر عن المخبر كالشيء الواحد حتى يكون الموجود ~~من المصلحة في الخبر كالموجود في المخبر. # لم يعارض بالفناء الذي ذهبتم إليه من الموت وتفرق الأجزاء خصوصا موت ~~أجزاء الاحياء ، فانه حينئذ لا منفعة هناك له ولا لغيره ولا اعتبار لأحد به ~~، ومع ذلك فانه يجوز ، فلم لا يجوز فيما ذهبنا ms0925 إليه؟ # فالجواب : أن النقوض غير واردة ، لأنا قلنا : ولا إيصال حق إلى مستحقه ، ~~وعذاب القبر وعقاب الآخرة يكون مستحقا. # قوله : «لم لا يجوز أن يقارن المنفعة وجود الفناء؟». # قلنا : لما ذكرنا أنه يقارنه عدم الجسم وعدم الجسم يقارنه عدم الحياة ~~ويستحيل وجود اللذة للحي مع عدم الحياة ، بخلاف وجود الفناء فانه لا يحتاج ~~إلى وجود شيء يزول بزوال الجسم. PageV03P219 # قوله : «لم لا يجوز أن يتقدمه أو يقارنه؟» # قلنا : لوجهين : ### |||| ** الأول : القادر الذي استوى الفعل وعدمه منه لقدرته لا يجوز أن يفعل إلا إذا رجح منه ~~أن يفعل بالداعي وهو أن يعلم أو يظن أنه تتعلق بفعله منفعة إن فعله حصلت ~~وإلا فاتت. وإن لم يكن له داع على هذا التفسير ، فإما أن نقول : بأنه لا ~~يصح منه وجود الفعل كما هو قول أبي الحسين في جوابه عن شبه النظام في قدرة ~~الله تعالى على قبيح ، أو نقول : إنه وإن صح منه لكن لا يفعله لقبحه على ما ~~ذهب إليه سائر الشيوخ. وما قد أخبر الله تعالى عن إيجاده فهو وإن تعلقت ~~المنفعة بالخبر لكن إذا لم تتعلق بنفس المخبر لم يكن ذلك المخبر مما قد ~~دعاه إليه الداعي على ما فسرنا به الداعي ، إلا أن يقولوا بأن الله تعالى ~~ينتفع بفعل المخبر لما فيه من صيانة. قوله : عن الكذب. والله يتعالى عن ~~الانتفاع فلم يجز أن يخبر عن مخبر هذا حاله. # وأما من يقول : ما وعد به فانه ينتفع بذلك لما يحصل له من السرور بصفة ~~الكمال بالوفاء (1) والاحتراز عن صفة النقصان بقول الكذب. # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون القبيح في الكذب لو لم يف بما أخبر به ~~صارفا عن الترك وداعيا إلى فعل المخبر به ، كالانتفاع. ولهذا يفعل الله ~~تعالى الأفعال الحسنة ويترك القبائح لمجرد الحسن والقبح وإن لم تكن في ذلك ~~منفعة له تعالى على تفسير السرور واللذة خصوصا على مذهبكم في مسألة التحسين ~~والتقبيح ؛ فانكم قلتم : بأن في العقل واجبات وقبيحات لا على سبيل المنفعة ms0926 ~~والمضرة بل على سبيل أن العقل يمنع من فعله له ومن الاخلال بأن يفعله. PageV03P220 # لأنا نقول : سيأتي في مسألة التحسين والتقبيح أن الكذب الذي يدعى فيه ~~القبح ليس هو الخبر الذي مخبره بخلافه حتى إذا أخبر عن أنه سيفعل في الغد ~~كذا أن يتوقف كونه كذبا على أن لا يفعل وكونه صدقا على أن يفعل ، بل إذا ~~أخبر عن مخبر وعنده أن الخبر بخلافه فهو الكذب ، ولذا عد المنافقين كاذبين ~~مع وجود المخبر لما لم يكن عندهم أن المخبر على ما أخبروا به ، فقال تعالى ~~: ( @QUR@05 والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ). (1) إذا صح ذلك علم أن ~~المخبر به لا يتوقف عليه كونه صدقا غير كذب خبر يصلح داعيا إلى فعل كل ~~المخبر به. # لا يقال : يفعل لتحصيل الانتفاع بالخبر. # لأنا نقول : إذا كان تتوقف المنفعة بالخبر على الفعل وكذا الفعل يتوقف ~~على الخبر فحينئذ يتوقف أحدهما على الآخر ، وهو دور. # وأما من يلقي البذر في الأرض فانه يتوقع بفعله القاء البذر منفعة تحصل له ~~بذلك لولاه لما حصل. وعلى هذا التخريج نسلم جواز خلق الله تعالى لما فيه من ~~قبل خلق العالم. فإذا صح هذا الجواب صارت الطرق متمشية على أصولنا. # والجواب : أنا وإن سلمنا جواز أن يفعل الله تعالى لمنفعة سابقة ولاحقة ~~لكن ذلك لا يستقيم على أصولهم ، فان هؤلاء المشايخ الذين قالوا بالفناء ~~منعوا من جواز أن يفعل الله تعالى فعلا لا لمنفعة مقارنة. وقالوا : إن ~~الخبر عن إيجاد الشيء لا يجوز إلا وأن يكون ذلك المخبر يقارن وجود منفعة ، ~~ولو لا ذلك لم يجز الخبر عنه. وإذا تعلق حسن الخبر بحسن المخبر وكونه نافعا ~~فلو تعلق حسن المخبر بحسن الخبر وكونه نافعا دار. ولذلك منعوا صحة ما روي: ~~أن الله تعالى يقول عند افناء PageV03P221 # الخلق : لمن الملك اليوم؟ (1) إلا أنه لا تقارنه منفعة وإن كان يجوز أن ~~يتقدمه بخبره عنه ، ولذلك منعوا الروايات التي فيها : أن الله تعالى خلق ~~شيئا ، قبل أن يخلق عالما ملكا (2) أو يخبره وإن ms0927 كان يمكن أن تحصل به ~~المنفعة من بعد كما أنه لم يقارنه. وإذا صح ذلك من أصولهم لم يصح قولهم ~~بخلق الفناء مع استحالة مقارنة المنفعة به. # وأما المعارضة بالفناء فالجواب من وجهين : ### |||| ** الأول : أنه يمكن فيه حصول منفعة الاعتبار أو منفعة اللذة ، فان تفريق أجزاء الحي ~~إذا كانت مع الشهوة كان لذيذا ، فيجوز أن يكون موت أجزاء الأحياء كذلك. ~~ويجوز أيضا أن يكون ألما فيكون عقابا ولوما. ### |||| ** الثاني : إنما نمنع وجوب مقارنة المنفعة على ما شرطتم أنتم ، فيكون هذا الكلام لازما لكم. # وينقل المجلسي رحمه الله احتمالات عن المفيد رحمه الله لخطابه عز وجل عند ~~فناء الخلق وأنه تعالى كيف يخاطب المعدوم؟ # ثم يقول : هذه الأخبار دافعة لتلك الاحتمالات ، والشبهة مندفعة بأن ~~الخطاب قد يصدر من الحكيم من غير أن يكون الغرض إفهام المخاطب أو استعلام ~~شيء ، بل لحكمة أخرى كما هو الشائع بين العرب من خطاب التلال والأماكن ~~والمواضع لإظهار الشوق أو الحزن أو غير ذلك ، فلعل الحكمة هاهنا اللطف ~~للمتكلفين من حيث الإخبار به قبل وقوعه ليكون ادعى لهم إلى ترك الدنيا وعدم ~~الاغترار بملكها ودولاتها ، وإلى العلم بتفرد الصانع بالتدبير وغير ذلك من ~~المصالح للمكلفين. المصدر نفسه. PageV03P222 ### ||| ** المسألة الرابعة : في حجج مثبتي الإعدام # ذهب مشايخ المعتزلة إلى (1) إمكان افناء العالم وإعدامه ، وأنه سيقع. ثم ~~ادعوا على ذلك الإجماع ولم يذكر فيه خلاف (2)، إلا ما شنع به ابن الراوندي ~~على الجاحظ ، فانه زعم أنه لا يقول بافناء العالم ، وأنكره جماعة (3) ~~وقالوا : لو كان مذهبا له لحكاه غيره وذكره. والله أعلم بحقيقة الحال. # واستدلوا على ذلك أيضا بأن العالم قد ثبت أنه ممكن وكل ممكن فانه يقضي ~~العقل بإمكان عدمه كما يقضي بإمكان وجوده. والنبي عليه السلام قد أخبر بوقوع ~~عدمه فوجب أن يثبت عدمه. وبينوا أخبار الصادق بوقوعه بوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : ما ذكره قاضي القضاة في قوله تعالى : ( @QUR@03 هو الأول والآخر ) (4)، # والجدير بالذكر أن ابن الراوندي ليس وحيدا في هذا الاسناد ، بل ذكره كثير ~~من المتكلمين وغيرهم ms0928 ، منهم : 1. البغدادي في أصول الدين : 66 (المسألة ~~الخامسة عشرة من الأصل الثاني في إجازة الفناء على العالم). 2. الشهرستاني ~~في الملل والنحل في ترجمة الجاحظية. 3. الطوسي في نقد المحصل : 222. PageV03P223 # فان الله تعالى كما حكم بكونه أولا حكم بكونه آخرا ، ثم إنه لما كان أولا ~~في الوجود يجب أن يكون آخرا في الوجود ولا يكون كذلك إلا بعد عدم الموجودات ~~، ثم إنها لا تعدم بعد يوم القيامة فيجب أن يكون ذلك قبل يوم القيامة. ### |||| ** الوجه الثاني : قوله تعالى : ( @QUR@06 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده ) (1)، وإعادة ~~الخلق لا يتصور إلا بعد عدمهم. ### |||| ** الوجه الثالث : قوله تعالى : ( @QUR@05 كما بدأنا أول خلق نعيده ) (2)، لما كان مبدأ ~~الخلق هو الاحداث عن عدم محض لحدوث العالم كذا تكون الإعادة ، لأنه تعالى ~~شبه الإعادة بالابتداء وساوى بينهما فكما كان الابتداء عن العدم وجب أن ~~تكون الإعادة أيضا عن العدم وكذا قوله تعالى : ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون ~~). (3) ### |||| ** الوجه الرابع : قوله تعالى : ( @QUR@04 كل من عليها فان ) (4)، والفناء هو العدم فدل على ~~فناء من على الأرض. # والمعتزلة لما قالوا بالفناء الموجود لا في محل قالوا : (5) إنه إنما ~~يمكن إفناء من على الأرض بخلق فناء لا في محل ، ومتى وجد فناء لا في محل ~~وجب انتفاء جميع الجواهر ، فدلت هذه الآية على فناء كل الجوهر ويلزم انتفاء ~~جميع الأعراض وليس العالم إلا الجواهر والأعراض. ### |||| ** الوجه الخامس : قوله تعالى : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) (6)، والهلاك يطلق تارة ~~على الخروج عن كونه منتفعا به وتارة على العدم. والأول غير ممكن الإرادة ~~هنا ، لأنه لا يمكن خروج العالم عن كونه منتفعا به ، لأنه سواء بقي موجودا أو صار PageV03P224 # معدوما فانه يمكن الاستدلال به على وجود الصانع تعالى وذلك من أعظم ~~المنافع. وإذا لم يمكن حمله على المعنى الأول وجب حمله على الثاني وإلا ~~لصار مهملا ، والكلام بالمهمل قبيح على الله تعالى. # وأيضا المراد من هذه الآية تمدحه تعالى بالدوام والبقاء وعدم تطرق الهلاك ~~والعدم إليه ، فلو كان العالم باقيا بأجزائه أو (1) بجملته لم يكن هذا ~~التمدح ms0929 مختصا به تعالى ، وهو مناف للغرض من الآية. # وأيضا الهلاك في الحقيقة إنما هو العدم والفناء ، وإنما اطلق على غير ~~المنتفع به أنه هالك بنوع من المجاز والأصل عدمه ولهذا يصدق سلب الهلاك عن ~~الذات الباقية وإن كانت غير منتفع بها. ### |||| ** الوجه السادس : الإجماع دال على أن العالم يفنى ويعدم. (2) ### ||| ** والاعتراض (3) على الأول من وجوه : (4) ### |||| ** أ. الآية دلت على كونه آخرا على الإطلاق ولم تدل على كونه آخرا لكل الذوات أو ~~لبعضها ، والاخبار نحن نعمل بموجبها ونحملها على أنه تعالى يبقى حيا بعد ~~موت جميع الأحياء ، وإذا عملنا في هذه الصورة بمقتضى إطلاق اللفظ سقط أصل ~~الاستدلال. PageV03P225 # وفيه نظر ، لأنا قد بينا أن المراد التمدح بوجوب البقاء والدوام والتخصص ~~به من دون غيره. ولأن إطلاق الآخرية إنما يحسن لو كان عامة. ### |||| ** ب. جاز أن يكون المراد هو الأول والآخر بحسب الاستحقاق لا بحسب الزمان. # وفيه نظر ، لأن الأولية والآخرية إضافتان أخذتا بمعنى واحد والمراد في ~~الأول هنا بحسب الزمان لما ثبت من حدوث العالم ، فيكون الآخر كذلك. ### |||| ** ج. المراد ليس بحسب الزمان في الآخر ، لأن على تقدير الافناء إذا أعاد الخلق ~~وأسكنهم الجنة لا يفنيهم بعد ذلك ، فلا يكون آخرا مطلقا كما كان أولا. فإذن ~~لا بد فيه من تأويل ، وبه حمل الأول على كونه مبدأ لكل شيء والآخر على كونه ~~غاية لكل شيء. # وفيه نظر ، فان العالم إذا عدم فقد صدق عليه تعالى أنه آخر ، وأما المعاد ~~فذلك لا يخرجه عن كونه آخرا على الإطلاق وقت الاعدام. # د. قولكم : «الآية اقتضت كونه تعالى أولا في الوجود فيجب أن تقتضي كونه ~~آخرا فيه». # قلنا : الآية تقتضي كونه أولا في الوجود على معنى يتحقق كونه ذاتا وحقيقة ~~، أو على معنى اختصاص ذاته بصفة زائدة على ذاته. إن عنيتم الأول ، لم يصح ~~على قولكم إن ذلك يقتضي ابتداء كون غيره ذاتا ، فيلزم منه أن المعدوم ليس ~~بذات ، وكونه آخرا يقتضي أن تخرج الجواهر والأعراض عن كونها ذاتا ولزم من ~~ذلك انتفاء الحقائق ms0930 بعد تحققها ، وهذا لا يستقيم على قولكم. وإن عنيتم ~~الثاني ، فلا نسلم أن الآية تقتضي ذلك وإنما يصح أن تقتضيه لو ثبت وجود على ~~هذا التقدير وهو أن نثبت لها صفة زائدة على كونها ذاتا. # وفيه نظر ، فان المفهوم المتعارف ليس إلا الأول في الوجود والآخر فيه. PageV03P226 # سلمنا ، لكن هذا المذهب باطل عندنا فلا يتمشى هذا الجواب. # ه. سلمنا أن للحقائق وجودا ، لكن لم قلتم بأن الآية تقتضي كونه أولا فيه؟ # قوله : «لأنا علمنا بأنه أولا (1) في الوجود بدلالة حدوث غيره». # قلنا : هذه زيادة وصف عقلي واعتراف بأن النص وحده لا يكفي. ثم نقول على ~~هذا : إنه كما يمكن أن يكون أولا في الوجود لكون وجوده غير متجدد لكان يمكن ~~كونه أولا في سائر صفاته من القدرة والعلم والحياة ، فلم كان حمله على ما ~~ذكرتم أولى من حمله على غيره؟ # لا يقال : يحمل على الجميع فيندرج كونه أولا في الوجود. # لأنا نقول : لم قلتم بأن في النص ما يقتضي العموم حتى يحمل على الكل؟ فان ~~أدنى درجات العام أن يكون مذكورا وأنه ليس بمذكور ، فان النص لا ينافي كونه ~~أولا في وصف ما على التعيين. # وفيه نظر ، فان الأول لما أمكن إضافته إلى الوجود وغيره وحصلت قرينة تدل ~~على إرادة الوجود وهو تمام الآية في قوله : ( @QUR@03 هو الذي خلقكم )، ~~فوجب الحمل عليه. ولا امتناع في دلالة الآية على مقدمة ودلالة غيرها على ~~أخرى ليتم المطلوب ، ولا تخرج الآية حينئذ عن كونها جزء الدليل وأن الدليل ~~إنما يتم بها. والصفات كونه (2) أولا فيها إنما هو باعتبار الوجود في ~~الزمان. والعموم مفهوم من الإطلاق ، لأنا بينا أن الآية إنما تدل على ~~التمدح لو دلت على العموم. ولأن الأولية إنما تطلق إذا كان عاما وإلا لوجب ~~التقييد. # و ### |||| ** . سلمنا اقتضاء النص كونه أولا في الوجود ، فلم قلتم : إنه يقتضي كونه آخرا ~~في الوجود؟ فان الآخر في وصف من الأوصاف إنما يتحقق كونه آخرا فيه إذا PageV03P227 # لم يتوقع حصول مثله في ذلك الوصف بعده ms0931 فإن الحالف بعتق عبد يشتريه أخيرا ~~إنما يعتق من يشتريه آخر عبيده ثم يموت قبل شراء غيره فبعد الموت يقع اليأس ~~من شراء عبد فيكون ما اشتراه أخيرا أخيرا. وهذا (1) غير متحقق هنا ، لأن ~~الجنة والنار موجودان أبدا ، فكيف يتحقق كونه تعالى آخرا في الوجود؟ # وفيه نظر ، لما بينا من رجوع ذلك إلى أحوال الدنيا لا إلى المعاد. # سلمنا ، لكن لا نسلم دوام الجنة والنار بالشخص فجاز انقطاعهما وفناؤهما ~~بالشخص لا بالنوع. ### |||| ** ز. سلمنا الآخرية في الوجود بأن يعدمهما ولو ساعة ، ولكن الأولية والآخرية قد ~~يستفاد من هاتين اللفظتين إذا استعمل كل منهما مفردة أو إذا استعملا معا في ~~ذات واحدة على الجمع؟ م ع. (2) # بيانه : أنه إذا قيل في الشيء : إنه الأول والآخر ، فانه يستفاد منه توحد ~~ذلك الشيء ، كما لو جاء إنسان واحد (3) ثم سئل عنه أنه الأول أم الآخر؟ ~~فقيل : هو الأول والآخر ، فإنه يراد به توحده وأنه لم يجيء سواه. وكذلك هذه ~~الآية وردت محاجة مع المشركين على تقدير الوحدانية في إلهيته ، فقال : هو ~~الأول والآخر. وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لو دليتم أحدا إلى ~~الأرض السفلى لهبط على الله تعالى ، ثم تلا قوله تعالى : ( @QUR@03 هو ~~الأول والآخر ). أنه تعالى هو الإله في السماء وفي الأرض وفيما تحت الثرى. # أو يكون المراد ما ذهب إليه بعض المفسرين : أنه الأول خالقا والآخر رازقا ، PageV03P228 # قال : ( @QUR@03 خلقكم ثم رزقكم ). (1) # وفيه نظر ، فإن المراد هنا قد بينا أنه الأول في الوجود والآخر فيه لتقوى ~~الحجة على المشركين الذين أثبتوا إلهية محدثة تعدم وتفنى والله تعالى قديم ~~أزلي باق أبدي ، وليس المراد في الحديث لو سلم الأول والآخر في المكان ، ~~فلم يبق إلا في الوجود. ### ||| ** والاعتراض على الثاني بوجوه : ### |||| ** أ. الخلق هو المخلوق (2)، وذلك تارة يكون بالايجاد وتارة بالاحياء ، فلم قلتم ~~: إن المراد هنا الإيجاد دون الإحياء؟ # وقد وقع الخلاف بما لا طائل تحته بين المتكلمين في حقيقة الخلق ، هل هو ~~نفس المخلوق أو غيره أو لا نفسه ms0932 ولا غيره بل هو صفة له؟ فذهب إلى الأول ~~إبراهيم النظام والجبائي ، وإلى الثاني أبو الهذيل العلاف ومعمر وبشر بن ~~المعتمر وأبو موسى المردار ، وإلى الثالث هشام بن الحكم على ما حكى عنه. ~~وكان عباد بن سليمان إذا قيل له : أتقول ان الخلق غير المخلوق؟ قال : خطأ ~~أن يقال ذلك ، لأن المخلوق عبارة عن شيء وخلق ، وكان يقول : خلق الشيء غير ~~الشيء ولا يقول الخلق غير المخلوق ، وكان يقول : إن خلق الشيء قول كما يقول ~~أبو الهذيل ولا يقول إن الله قال له «كن» كما كان أبو الهذيل يقول. فمن ~~أراد التفصيل في ذلك فليراجع مقالات الإسلاميين : 363 365. PageV03P229 # لا يقال : الألف واللام للاستغراق. # لأنا نقول : متى إذا كان هناك معهود أو لا؟ ع م (1)، لكن هنا معهود وهو ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 خلقكم من تراب ) (2)، وقوله تعالى : ( @QUR@05 ~~وبدأ خلق الإنسان من طين ) (3)، وقوله : ( @QUR@06 أولم يروا كيف يبدئ ~~الله الخلق ) (4)، والخلق الذي يمكننا أن نراه هو الاجزاء ، وإذا ثبت أن ~~المراد من الخلق الجمع صارت الآية حجة عليهم لقوله تعالى : ( @QUR@03 كما ~~بدأكم تعودون ) (5) فيجب أن يكون العود هو الجمع بعد التفرق. (6) وهو ~~الجواب عن الثالث. ولأن تشبيه الشيء بغيره لا يستلزم مشابهتهما في كل ~~الأمور ، بل تمتنع. # وفيه نظر ، لأن المراد بالخلق الإيجاد ، لأنه أبلغ في القدرة التي يريد ~~الله تعالى وصف نفسه بها مع أنها في غاية الكمال. ويؤيده قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 وهو أهون عليه ). (7) ### |||| ** ب. الخلق يستعمل في التركيب ، لقوله تعالى لعيسى : ( @QUR@06 وإذ تخلق من ~~الطين كهيئة الطير ) (8) وأراد به التركيب ، وقال تعالى : ( @QUR@03 خلقكم ~~من تراب ) (9) أي ركبكم. ويقال فلان يخلق الإفك أي يقول الكذب ويضم بعضه ~~إلى بعض ، فلا PageV03P230 # يستعمل في غيره دفعا للاشتراك. # وفيه نظر ، لأن الخلق هو الإيجاد في المشهور ولهذا قال تعالى : ( @QUR@06 ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا ). (1) وهيئة الطير لم تكن موجودة في الطين ، ~~وكذا تركيب الإفك. ### |||| ** ج. سلمنا أن الخلق يستعمل في الإيجاد فيكون مشتركا ، فلا بد له من دليل زائد ~~على أن المراد به هذا ms0933 دون ذلك والدليل معنا وهو أنه تعالى ما ذكر في القرآن ~~بدأ الخلق إلا وقد أراد به الجمع والتركيب ، كما في قوله : ( @QUR@05 وبدأ ~~خلق الإنسان من طين ) (2)، ( @QUR@06 أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ) (3) ~~، وبدء الخلق الذي نراه هو الجمع والتركيب دون إيجاد الجواهر. # لا يقال : إنا نحمله على معنى الإيجاد مطلقا حتى يكون وقوعه على الكل ~~بالتواطؤ دون الاشتراك المخالف للأصل. # لأنا نقول : الإشكال من وجهين : ### |||| ** الوجه الأول : أنه وضع للتركيب من حيث هو تركيب فإذا استعمل في الايجاد الذي التركيب فيه ~~كان ذلك استعمالا (4) في غير ما وضع له من التركيب. ### |||| ** الوجه الثاني : سلمنا أنه لمطلق الإيجاد ، ولكن لم يحمل على جميع أنواع الإيجاد؟ # لا يقال : فانه أدخل فيه الألف واللام وأنه للاستغراق. # لأنا نقول : متى يحمل على الاستغراق؟ إذا كان هناك معهود أو إذا لم يكن؟ PageV03P231 # ع م (1)، وهنا معهود وهو ما ذكرنا من أنه تعالى ما ذكر في القرآن بدء ~~الخلق إلا وأراد منه التركيب من الجواهر الموجودة. # وفيه نظر ، فإن تعميم القدرة إنما يكون بإرادة الجميع. على أن إرادة ~~الإيجاد على تقدير الاشتراك أولى ، لأنه المتبادر إلى الذهن. ولأن القدرة ~~فيه أتم. وقد بينا أن الآيات التي ذكروها تدل على الايجاد إما للأجزاء ~~أصولها أو للهيئة التركيبية. ولا نسلم أنه وضع للتركيب من حيث هو تركيب ~~لتبادر الايجاد إلى الفهم. وحمله على جميع أنواع الإيجاد أولى لعموم تأثيره ~~، وقد بينا أن الآيات المراد منها الايجاد ابتداء. ### |||| ** د. سلمنا أنه لا معهود ، لكن متى يحمل على الايجاد إذا أمكن أو إذا لم يمكن؟ م ع. (2) # بيان التعذر : أنه تعالى ذكر بدء الخلق بلفظ المضارع فتعذر حمله على ~~الايجاد ، فان الجواهر موجودة فلو حملناه على الايجاد اقتضى إيجاد الموجود ~~وهو محال ، فتعين حمله على الجمع بعد التفريق. # وفيه نظر ، فإن صيغ المضارع وردت في القرآن للفعل المطلق أو الماضي كثيرا ~~، كقوله تعالى : «[إن] ( @QUR@04 الله يفعل ما يريد ) (3)، ( @QUR@04 الله ~~يخلق ما يشاء ) (4)، إلى غير ذلك. ولأن الجواهر لا نسلم ms0934 أنها موجودة حالة ~~الاخبار بذلك ، وجاز أن يتقدم الاخبار على الانزال. والتشبيه يقتضي العموم ~~إلا في الخصوصية. ### |||| ** والاعتراض على الرابع : بالمنع من كون الفناء حقيقة في العدم بل الفناء PageV03P232 # خروج الشيء عن الصفة التي ينتفع به عندها ، ولهذا يستعمل الفناء في الموت ~~، يقال : افناهم الحرب ، وفنا (1) زاد القوم ، والأصل في الإطلاق الحقيقة. ~~قال الكعبي : الفناء عند أهل اللغة الموت. وإذا ثبت كون الفناء حقيقة فيما ~~ذكرناه وجب أن لا يكون حقيقة في العدم دفعا للاشتراك. # وقيل في التفسير : معنى الآية كل من على وجه الأرض من الاحياء فهو ميت. ~~وحمله على هذا أولى ، لأنه خص الفناء بمن في الأرض وتخصيص الحكم بالشيء ~~دلالة قصر الحكم عليه عند البعض وأمارة قصره عند الكل. ولأن الفناء الذي ~~ادعيتموه يكون دفعة ويستحيل أن يكون على التدريج ، وقد ذكرنا أن الفناء ~~يقتضي مفهومه حصوله شيئا فشيئا وذلك ممكن فيما ذكرناه. # وفيه نظر ، فان مفهوم الفناء العدم وهو المتبادر إلى الذهن عند سماعه ~~والأمثلة التي ذكروها دالة عليه ، فان الحرب أعدم الحياة ، وأكل الزاد أعدم ~~كونه مأكولا. وسمي الموت فناء لاشتماله على عدم الحياة. وحمل الفناء على ~~الموت مع بقاء الأجزاء نوع مجاز ، ولهذا لا يقال للميت : إنه قد فنى إلا ~~إذا صار رميما. والتخصيص بالذكر ضعيف. ومفهوم الفناء لا يشتمل على التدريج. ### |||| ** والاعتراض على الخامس : بأن الهلاك خروج الشيء عن كونه منتفعا به الانتفاع المخصوص فالإنسان من حيث ~~هو إنسان والأجسام بعد تفرقها تصير كذلك ، ليس هو أن يستدل به على إثبات ~~الصانع بل أمور أخر. وكذلك فان الميت إذا بلى وتمزق قيل : إنه خرج عن أن ~~ينتفع به ، وإذا كان كذلك كان معنى الآية هلاك الموت ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@03 إن امرؤ هلك ). (2) # وقيل في التفسير : كل عمل لم يرد به وجه الله فهو هالك ، أي غير مثاب PageV03P233 # عليه. (1) وإذا كان كذلك سقط ما قالوه. (2) # سلمنا أن الهالك المعدوم ، لكن الآية على هذا التقدير لا يمكن اجراؤها ~~على ظاهرها ، لأن وصفها بكونها هالكة يقتضي ms0935 أن تكون معدومة في الحال وهو ~~باطل اتفاقا ، فوجب تأويلها. وأنتم حملتموه على أن مآلها إلى الهلاك ونحن ~~حملناه على أنها قابلة للهلاك ، فلم كان تأويلكم أولى من تأويلنا؟ بل ~~تأويلنا أولى ، لأنا لو حملناه على العدم وقد أضيف الهلاك إلى الشيء ، فإما ~~أن يكون الشيء هو الذي يعدم حتى يخرج عن كونه شيئا فيلزم أن يخرج الشيء عن ~~كونه شيئا فلا يكون المعدوم شيئا ، وهو خلاف مذهبهم. وإما أن لا يعدم الشيء ~~شمل (3) أن يعدم عنه أمر زائد نحو ما يذكرونه من الوجود الذي هو صفة زائدة ~~على الشيء فيكون ذلك حملا (4) للنص على المجاز وحمله على الحقيقة أولى. # وفيه نظر ، فان الجواهر الأفراد المتفرقة منتفع بها. وإثبات الصانع من ~~أعظم الانتفاعات وهو الغاية في الوجود ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (5). والميت هالك باعتبار عدم معظم صفاته. ~~والعمل الذي لا يراد |استغفر الله ذنبا لست محصيه||رب العباد إليه الوجه والعمل| # أي إليه أوجه العمل. وعلى هذا يكون وجه الله ما وجه إليه من الأعمال. ~~مجمع البيان ، ذيل الآية 88 ، سورة القصص. وقد فسر الوجه في الروايات عن ~~علي بن الحسين عليهما السلام وجعفر بن محمد عليهما السلام بالأئمة الاثني ~~عشر. وشرحها العلامة الطباطبائي في الميزان 19 : 103. PageV03P234 # به وجه الله تعالى هالك باعتبار عدم الغاية الذاتية فيه. والهالك هو ~~المعدوم وهو الذي سلب (1) عنه الوجود ، فإذا سلب عن الشيء ذلك صدق أنه ~~هالك. ولا يلزم من الإطلاق الاتصاف في الحال ، لأن اسم الفاعل يصلح للحال ~~والاستقبال ، كالأفعال المضارعة (2). وثبوت الهلاك أولى من القبول هنا ، ~~لأنه أدخل في المدح بالبقاء لله تعالى. ولا مجاز إذا حملنا الهلاك على سلب ~~الوجود ، لأن المعدوم أيضا كذلك. على انا نمنع صحة هذا المذهب ، فان الحق ~~عندنا أن المعدوم ليس بشيء. ### ||| ** المسألة الخامسة : في جواز الخرق على الأفلاك # اتفق المليون على ذلك خلافا لأكثر الفلاسفة. (3) # لنا وجوه : (4) ### |||| ** الوجه الأول : الأجسام ممكنة بذواتها وأجزائها وكل ممكن فانه يجوز عليه PageV03P235 # العدم ، فيجوز ms0936 على جميع الأجسام الفلكية عدم ذواتها وصورها وصفاتها ~~العارضة واللازمة. ### |||| ** الوجه الثاني : الأجسام متساوية في الجسمية فلو وجب اتصاف جسم الفلك بصفة لكان ذلك الوجوب ~~إما لكونه جسما فيلزم عموم تلك الأحكام. أو لما يكون حالا فيها ، وهو إن ~~كان لازما عاد طلب لمية ذلك الوجوب ويلزم منه إما الاشتراك المذكور وإما ~~التسلسل ويلزم مع ذلك الاشتراك ، أو غير لازم فلا يكون الحاصل بسببه لازما. ~~أو لما يكون محلا له ، وهو محال لما بينا أولا من استحالة حلول الجسمية في ~~محل. أو لما لا يكون حالا ولا محلا وهو إن كان جسما أو جسمانيا عاد السؤال ~~، وإن لم يكن كذلك فإما أن تكون الأجسام بأسرها متساوية في قبول ذلك الأثر ~~عنه فحينئذ يصح على كل واحد منها ما يصح على الباقي ، أو لا تكون متساوية ~~فيعود السؤال عن لمية ذلك التفاوت. ### |||| ** الوجه الثالث : الرقة لازمة للطافة ، والصلابة للكثافة ، والأجرام الفلكية لطيفة فهي إذن رقيقة. # اعترض بأن اللطيف إن عنى به الشفاف منعنا الملازمة بين اللطافة والرقة ، ~~كالبلور والزجاج. وإن أريد سرعة الانفعال منعناه. # سلمنا ، لكن اشتراك اللوازم لا يقتضي اشتراك الملزومات. ### |||| ** الوجه الرابع : الدلائل السمعية من القرآن والأحاديث النبوية دلت على انخراقها ، وهو أمر ~~ممكن قد أخبر الصادق بوقوعه فيحكم بوقوعه. # احتجت الفلاسفة بوجوه : (1) PageV03P236 ### |||| ** الأول : الجهة (1) أمر يمكن الإشارة إليه فتكون موجودة في جانب الإشارة التي وقعت ~~إليه وليست منقسمة لما مر. (2) وليست في خلاء أو ملاء متشابه من غير محدد ، ~~وهو (3) باطل لعدم أولوية بعض الحدود المفترضة منهما بأن تكون جهة من ~~الآخر. فلا بد من محدد، وليس غير جسم لافادته ما يتعلق بالوضع. ولا جسما ~~واحدا من حيث هو واحد ، لأن اقتضاءه لتحديد الجهات لو كان لانه واحد لم ~~يحدد سوى القرب منه دون البعد عنه. ولا اثنين ، لأن اختصاص أحدهما بقدر ~~معين من القرب أو البعد إلا لامتياز لا يكون إلا لامتياز ذلك الحيز عن سائر ~~الأحياز بخاصية يعود الكلام فيها والاحتياج إلى علة تلك الخاصية. فهو ms0937 إذن ~~بجسم (4) محيط بحيث يحصل بمحيطه غاية القرب وبمركزه غاية البعد. ولا تصح ~~عليه المستقيمة وإلا لكان ذا جهتين (5) ينتقل من إحداهما إلى الأخرى ~~وتكونان قبله لا به فلا يكون هو المحدد ، فلا يصح عليه الخرق والالتئام ~~والكون والفساد (6)، لأن الخرق والالتئام إنما يعقلان عند الحركة ~~المستقيمة ، والكون والفساد إنما يصحان على ما تصح عليه الحركة المستقيمة ، ~~لأن تكونه إنما يكون في مكان غريب PageV03P237 # أو ملائم ، والمكان الواحد لا يستحقه جسمان طبعا. ### |||| ** الثاني : (1) دل الرصد على أن الحركة السماوية دورية فلا يكون فيها مبدأ ميل مستقيم ~~، لأن المستقيم يقتضي التوجيه إلى جهة والمستدير يقتضي الصرف عنها فلا ~~يجتمعان (2)، وإذا لم يكن فيه مبدأ ميل مستقيم لم يكن قابلا للحركة ~~المستقيمة ، لأن كل متحرك لا بد وأن يكون فيه مبدأ ميل إلى تلك الجهة ، ~~ولهذا يضعف الميل القسري شدة الميل الطبيعي وبالعكس ، فلو خلا جسم عن الميل ~~وقعت حركته لا في زمان ، فالجسم الذي هو عديم الميل لا يقبل الحركة وإذا ~~امتنع وجود الميول المستقيمة في الأفلاك امتنع قبولها للحركة المستقيمة ، ~~فلا تقبل الخرق والالتئام. ### |||| ** الثالث : الزمان أزلي أبدي وهو من لواحق الحركة فيلزم وجود حركة أزلية ، وتلك الحركة ~~يمتنع أن تكون مستقيمة ، لوجوب انتهاء كل مستقيمة إلى سكون لتناهي الأبعاد ~~وعدم اتصال الحركات ذوات الزوايا والانعطاف فالحافظة للزمان في الدورية ، ~~والحركة لا بد لها من حامل يمتنع عليه الخرق والالتئام وإلا لانقطعت الحركة ~~عند ذلك الخرق وانقطع الزمان عنده. ### |||| ** الرابع : لو انخرق الفلك لتحركت الأجزاء المنخرقة عند نفوذ الخارق عن مواضعها وعند ~~خروجه إليها خروجه بالاستقامة ، لكن الحركة المستقيمة ممتنعة ، فالخرق محال. PageV03P238 ### |||| ** الخامس : ثبت لا بالبناء على امتناع الخرق على الفلك أن حركة الكواكب ليست بنفسها ~~(1) بل بحركة الفلك ، فالفلك يتحرك على الاستدارة ففيه ميل مستدير ، فلو ~~انخرق لخرج ذلك الجزء عن موضعه الطبيعي ، فإذا زال الخارق فإن لم يعد كان ~~المكان الغريب مطلوبا بالطبع والطبيعي متروكا بالطبع ، أو يعود فيكون ذلك ~~بحركة مستقيمة ففيه ميل مستقيم ففي الجسم مبدأ ms0938 ميل مستقيم ومستدير ، وهو محال. ### |||| ** السادس : انخراق الفلك إن كان لذاته لزم خروج جميع الانقسامات التي لا نهاية لها إلى ~~الفعل ، ولم يكن ملتئما في وقت من الأوقات. وإن كان لسبب منفصل فإن كان ~~جسما فإما أن يكون بسيطا أو مركبا ، والبسيط ليس إلا الأفلاك والكواكب ~~والعناصر. # أما الأفلاك ، فلو اقتضى جانب من الكواكب انخراق جانب من فلك آخر لاقتضى ~~كل جوانبه ذلك لبساطة الفلك الفاعل والقابل. # وأما الكواكب ، فإما أن يخرق الفلك بحركتها فيه وهو باطل بالأدلة المبنية ~~لا على الخرق ، ان حركة الكواكب ليست لذاته بل لحركة الفلك أو لوجه آخر ، ~~وهو غير معقول. # وأما العناصر ، فالأجسام لا تؤثر إلا بالمماسة (2) والمماس للفلك هو ~~النار من جميع الجوانب ، فلو اقتضت انخراق بعض جوانب الفلك لاقتضت انخراق كل PageV03P239 # جوانبها. # وأما المركبات فانها لا تصل إلى الفلك ، لأن النار تحرقها قبل وصولها إلى الفلك. # وإن كان جسمانيا ، فتلك القوة إن كانت في الجسم المنخرق فإن كانت طبيعية ~~لزم الانخراق في كل الجوانب لبساطة الفلك ، وإن كانت قسرية عاد الطلب في ~~سبب حصولها. وإن كانت في جسم آخر عاد الكلام في أن ذلك الجسم إما أن يكون ~~فلكيا أو عنصريا. وإن كان مجردا غير جسم ولا جسماني استحال أن يختص بعض ~~جوانب الفلك بالانخراق دون البعض إلا لأمر اختص به ذلك الجانب ، فيعود ~~الكلام إلى القسم الثاني. ### |||| ** السابع : الآلات الرصدية شاهدة ببقاء الأجرام على مقاديرها وأشكالها وحركاتها ، وأنه ~~لم يتطرق إليها التغير في شيء من ذلك أصلا ولو كان ذلك التغير ممكنا لوقع. ### |||| ** الثامن : القرآن دل على امتناع الخرق عليها حيث قال تعالى : ( @QUR@02 سبعا شدادا ) ~~(1) وصفها بالشدة ، فالخرق ينافيها. ### ||| ** والاعتراض على الأول من وجوه : ### |||| ** الأول : عندكم الجهة طرف الامتداد وطرف الامتداد نقطة والنقطة عدمية ، وإلا لزم الجزء. ### |||| ** الثاني : لو كانت النقطة وجودية لكانت عرضا فلا يشار إليها إلا تبعا لغيرها فتكون ~~للمشار إليه بالذات جهة سابقة ، هذا خلف. PageV03P240 ### |||| ** الثالث : النقط متساوية فالجهتان متساويتان بالذات ، فالمحدد ليس محصلا لهما ، لأن ~~الأبعاد متناهية. ms0939 ولا مميزا ، لتساوي النقط في جميع الذاتيات. ### |||| ** الرابع : البعد يتحدد بتناهي الأبعاد ، فلا حاجة فيه إلى محدد. ### |||| ** الخامس : اختصاص الاثنين بالقرب المعين كاختصاص المتحدد في جميع أحواله من كمه وكيفه ~~ووضعه وجهة حركته وسرعته بالبعض دون ما يساويه. ### |||| ** السادس : نمنع قبلية الجهتين عليه. ولا يلزم من قبليتهما على حركته قبليتهما عليه. ### |||| ** السابع : الجسم من حيث هو جسم قابل للحركة المستقيمة ، وإنما تمتنع عليه باعتبار ~~صورة خاصة ، فهو لذاته يقبل الكون والفساد والخرق والالتئام ، والامتناع في ~~ذلك لمانع ، ونحن نجوزه. ### |||| ** الثامن : الحركة المستقيمة جائزة على الفلك لأنها جائزة على العناصر ، وعندكم ~~الأجسام متساوية في الماهية. ولأن الصورة الجسمية عندكم طبيعة واحدة نوعية ~~تختلف بالخارجات عنها دون الفصول على ما نص عليه الشيخ في الإشارات (1)، ~~والمادة في العناصر واحدة فتكون مادة الأفلاك كذلك ، لأن حد المادة عندكم ~~هو الجوهر القابل وهو واحد. ولأنه لو لا ذلك لزم تركب المادة من مادة أخرى ~~ويتسلسل. ولأنه لا يجوز اشتمالها على جهتي فعل واستعداد كما PageV03P241 # استدل به الشيخ في الشفاء على إثبات المادة (1) وإذا كانت المادة والصورة ~~واحدة في الفلكيات والعنصريات تساوت أحكامهما ، وقد ثبت للعناصر قبول الخرق ~~والالتئام والكون والفساد فيثبت للأفلاك. ولأن مادة الأفلاك لا تقتضي منعا ~~عن شيء بل ليس للمادة أثر البتة وإنما لها القبول خاصة والصورة واحدة ، ~~فتساوت الأفلاك والعناصر. ### |||| ** التاسع : نمنع أن المكان الواحد لا يستحقه جسمان. ### |||| ** العاشر : جاز أن يكون التحدد حاصلا بجسم واحد تمتنع عليه الحركة المستقيمة ، لكن ~~العدم جائز عليه فلا يلزم ارتفاع التمايز عند عدمه. ### |||| ** الحادي عشر : لو سلمنا ارتفاع التمايز من دون محدد ، لكن يكفي الواحد بالنوع ، فإذا عدم ~~جسم تجدد في ذلك الآن غيره. ### |||| ** الثاني عشر : يجوز أن يكون تمايز الجهات بالفاعل المختار ، أو تخصيص أحد الجسمين بالبعد ~~المعين عن صاحبه يكون مستندا إلى الفاعل المختار ، وهو الحق. ### ||| ** والاعتراض على الثاني من وجوه : ### |||| ** الأول : دلالة الرصد ظنية بل هي وهمية ، فلا يجوز بناء الأمور القطعية عليها. ### |||| ** الثاني : لا نسلم تنافي الميلين ، فان الميلين ms0940 المتضادين أشد تعاندا من PageV03P242 # المختلفين ويمكن اجتماعهما في الجسم الواحد ، كالحجر الكبير والصغير إذا ~~رمى بهما علوا فان الكبير أعصى والصغير أطوع ولو لا اجتماع الميلين لما كان كذلك. ### |||| ** الثالث : الاختلاف في الاقتضاء لا يمنع من الاجتماع لجواز قهر أحدهما الآخر ، كما في ~~الممتزجات. ### |||| ** الرابع : لم لا يجوز أن يقتضي الجسم الواحد ميلا مستقيما عند كونه في المكان الغريب ~~وميلا مستديرا عند كونه في مكانه الطبيعي ، كما أن الجسم الذي في طباعه ميل ~~مستقيم يقتضي الحركة عند لا حصوله في مكانه ويقتضي السكون عند حصوله فيه؟ (1) # وهذا سؤال مشهور أجاب عنه أفضل المحققين : بأن اقتضاء الحركة والسكون شيء ~~واحد تقتضيه الطبيعة الواحدة ، وذلك الشيء هو استدعاء المكان الطبيعي فقط. ~~فإن كان غير حاصل فذلك الاستدعاء يستلزم حركة تحصله ، وإن كان حاصلا فهو ~~بعينه يستلزم سكونا ، ومعناه أنه لا يستلزم حركة ، فهو إذن ليس بشيء آخر ~~غير ما اقتضته أولا. وأما اقتضاء الحركة المستديرة فهو أمر مغاير لاستدعاء ~~المكان الطبيعي ، إذ قد يوجد أحدهما منفكا عن صاحبه وقد يوجد معه. وأيضا في ~~الأمكنة مكان طبيعي يطلبه المتحرك على الاستقامة وليس في الأوضاع وضع طبيعي ~~يطلبه المتحرك على الاستدارة ، ولذلك أسندت إحدى الحركتين إلى الطبيعة ~~بخلاف الأخرى. فإذن ليس مبدؤهما شيئا واحدا. (2) PageV03P243 # وفيه نظر ، فانا لا نسلم أن اقتضاء الحركة أو السكون شيئا (1) واحدا. ~~ولأن كلامه على المثال فلا يبطل به أصل الاعتراض. # سلمنا أن اقتضاء الحركة الدورية مغاير لاستدعاء المكان الطبيعي ، لكن جاز ~~أن يكون هناك أمر محصل بالحركة المستديرة ويكون حصوله موقوفا على حصول ~~الجسم في مكان معين ، فإذا خرج عنه اقتضى الحركة المستقيمة وإذا حصل فيه ~~اقتضى الحركة الدورية. ### |||| ** الخامس : نمنع ثبوت الميل ، وقد سبق. (2) ### ||| ** والاعتراض على الثالث من وجوه : ### |||| ** الأول : لا نسلم أزلية الزمان وأبديته ، وقد سبق. (3) ### |||| ** الثاني : لا نسلم أن الزمان من لواحق الحركة ، فان جماعة من الحكماء ذهبوا إلى أنه ~~واجب لذاته ، وذهب آخرون إلى أنه جوهر قائم بذاته ، لأنه لو فرض معدوما لزم ~~منه المحال ms0941 عندكم وهو اجتماع وجوده وعدمه ، وكل ما يلزم من فرض عدمه لذاته ~~المحال لذاته لا يتوقف وجوده على الحركة. ### |||| ** الثالث : لم لا يجوز أن يكون عائدا إلى النسب الواقعة أنها (4) كانت إلى أمور واقعة ~~أنها كانت (5)، كما ذهب إليه قوم آخرون من الحكماء؟ ### |||| ** الرابع : لم لا يجوز أن يكون مقدارا لمطلق الوجود ، فان زمان بعض الأمور PageV03P244 # الثابتة قد يكون أزيد من زمان بعض أو أقل فيكون عارضا لمطلق الوجود ، كما ~~ذهب إليه أبو البركات البغدادي. (1) ### |||| ** الخامس : لا نسلم أن الزمان من لواحق الحركة الدورية ، فانه لو سلم أنه يلحق التغير ~~على الاتصال لم يجب أن يكون جسمانيا. ### |||| ** السادس : لا نسلم أن الحركة تابعة للجسم ، فانه قد تحصل كيفيات على الاتصال نفسانية ~~متصلة اتصال الحركة الجسمانية. ### |||| ** السابع : لا نسلم أن بين الحركات المستقيمة المتضادة سكونا ، بل يجوز (2) اتصالها ~~على ما يأتي. ### ||| ** والاعتراض على الرابع من وجوه : (3) ### |||| ** الأول : يجوز عدم بعض الجوانب للخارق وتجدد غيرها عند مفارقة الخارق. ### |||| ** الثاني : لم لا ينخرق بعض الجوانب بأن يتحرك في كمه دون أن يعدم منه شيء فينتقص ~~مقدار الجانب المنخرق بحيث إذا عاد إلى الرتق عاد الكم إلى حاله. ### |||| ** الثالث : لو صح هذا الدليل مع مقدماته المشكلة لكان مختصا بالمحدد دون باقي الأفلاك. ### ||| ** والاعتراض على الخامس : # لا نسلم حركة الفلك على الاستدارة. (4) PageV03P245 # سلمنا ، لكن لا نسلم امتناع اجتماع الميلين. ### ||| ** والاعتراض على السادس : # لا نسلم حصر القسمة. # سلمنا ، لكن لا نسلم أن الكواكب لا تخرق الفلك بحركته على ما يأتي. # سلمنا ، لكن يجوز أن يختار الله تعالى فتقة تارة ورتقة أخرى. # سلمنا الايجاب ، لكن لم لا يختلف حاله في الاستعداد للرتق تارة والفتق ~~أخرى بواسطة الحركة الأولى أو حركتين؟ وبالجملة فكل ما يجوز في البسائط ~~العنصرية من الاختلاف بواسطة الحركات الفلكية يجوز مثله في الفلكيات بواسطة ~~حركة بعضها. # سلمنا ، لكن الكواكب والأفلاك عندهم احياء ناطقة ، فلم لا يجوز أن يختار ~~بعض الأفلاك أو بعض الكواكب خرق فلك آخر؟ # سلمنا ، لكنه إنما يدل على أنها لا تنخرق ms0942 لعدم الخارق لا على أنها غير ~~قابلة للانخراق. ### ||| ** والاعتراض على السابع : # ان عدم الاحساس بعدم التغير لا يدل على عدمه حقيقة ، فان الذي يتحلل من ~~الياقوت ، في مدة عمر الواحد منا ، شيء يسير جدا مع صغر الياقوت وقربه منا ~~، فكيف لو قدرنا تحلل شيء قليل من هذه الأجرام العظيمة مع بعدها عنا؟ # سلمنا عدم التغير ، لكن العدم لا يدل على الامتناع. PageV03P246 ### ||| ** المسألة السادسة : في أن الله تعالى قادر على أن يخلق عالما آخر (1) # هذه مسألة خلاف بين المتكلمين والفلاسفة ، فجوزه المتكلمون ومنعه ~~الفلاسفة. (2) وربما ذهب البلخي إلى مذهب الفلاسفة ، لاعتقاده بوجوب (3) ~~فعل الأصلح في الدنيا. (4) # لنا وجوه : ### |||| ** الوجه الأول : الأجسام متساوية في الماهية والحقيقة (5)، والمتساويان حكمهما واحد ، وهذا ~~العالم ممكن الوجود فيكون مساويه كذلك ، وإلا لكان ممتنعا فيكون مساويه ~~الموجود ممتنع الوجود ، هذا خلف. PageV03P247 ### |||| ** الوجه الثاني : وجود الجسم وتعدده في الخارج يستدعي إمكانهما وأن حقيقة الجسم يصح عليها ~~إيجاد شخص بعد شخص ، فذات كل جسم تفرض قابلة للإيجاد ، والله تعالى قادر ~~على كل مقدور ، فيجب أن يقدر على خلق عوالم أخر. ### |||| ** الوجه الثالث : السمع ، قال الله تعالى : ( @QUR@014 أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر ~~على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ). (1) # احتجت الفلاسفة بوجوه : ### |||| ** الأول : لو وجد عالم آخر لحصلت لا محالة في ذلك العالم جهات مختلفة ، والجهات ~~المختلفة لا تحدد إلا بالمحيط والمركز ، والمحيط بسيط فيكون شكله الكرة ، ~~فيكون العالم الثاني كريا ، والكرتان إذا اجتمعتا حصل الخلاء المحال ، ~~فيكون خلق عالم آخر محالا. ### |||| ** الثاني : العالم الثاني إن صدر عن الله تعالى لزم أن يكون الواحد مصدرا لأكثر من ~~واحد ، وهو محال. وإن صدر عن إله آخر لزم القول باثنينية الواجب ، وهو محال. ### |||| ** الثالث : لو وجد عالم آخر لكان إما محيطا بهذا العالم فيكون العالم واحدا جزؤه هذا ~~العالم ، وهذا غير منكر ؛ أو يكون غير محيط به فإما أن يكون محاطا بهذا ~~العالم ، وهذا غير منكر ، لأن العالم على التقديرين يكون واحدا. وإما أن ~~يكون خارجا عن هذا العالم غير ms0943 محيط به ، فنقول : لا بد وأن يقع على جانب ~~منه دون جانب ، وهو يستدعي امتياز ذلك الجانب عن سائر الجوانب فتكون خارج ~~العالم أحياز مختلفة ، وإنما تختلف الأحياز بواسطة جرم محيط فخارج المحيط ~~لا توجد فيه أحياز مختلفة ، فلا يوجد خارج الجرم المحيط عالم آخر. وإنما ~~وجب الامتياز ، لأن PageV03P248 # حصوله في جانب دون جانب مع تساويهما لا بد له من مرجح سواء كان حصوله في ~~ذلك الجانب بسبب فاعل مختار أو لا. ### |||| ** الرابع : لو وجد عالم آخر وحصل فيه نار وهواء وماء وأرض لكانت قدر العناصر مساوية ~~لهذه التي في عالمنا في الماهية ، والأجسام المتساوية في الطبيعة أمكنتها ~~واحدة ، وكل جسم فانه بالطبع متحرك إلى مكانه ، فإذن يجب أن تنحدر أرض كل ~~واحد من العالمين إلى وسط العالم الثاني ، ثم إن وسط كل واحد من العالمين ~~ملائم للأرض الحاصلة فيه فيلزم سكون كل واحد من الأرضين في موضعه لحصول ~~حيزه الطبيعي وحركته عنه لخروجه عن وسط العالم الثاني الذي هو حيزه الطبيعي ~~فيكون كل واحد من الأرضين ساكنة متحركة ، وهو محال. ### |||| ** الخامس : لو حصل عالم آخر مساو لهذا العالم في الطبيعة حتى تكون فيه أرض وماء وهواء ~~ونار (1)، وهي كما في عالمنا ، لزم أن تكون الأجسام المتفقة في الطبع تسكن ~~أماكن طبيعية متباينة في الطبع ، وهو محال. ولو وجدت أرضون كثيرة لكانت ~~متساوية في الماهية ، فانفصال بعضها عن بعض ليس بطباعها ، وإلا لاستحال أن ~~يوجد منها جزء متصل ؛ ولا للسماويات ، لانها علة تحدد أمكنة العنصريات لا ~~علة حصول تلك العنصريات في تلك الأمكنة. فإذن انفصال بعضها عن البعض ليس ~~لذواتها ولا للسماويات ، فهو إذن لقاسر خارج ، وهو محال ؛ لما ثبت من ~~امتناع الخرق على الفلك ، وامتناع انفصاله عن وضعه في موضعه إلى وضع آخر. ### ||| ** والاعتراض على الأول من وجوه : ### |||| ** الأول : لا نسلم حصول جهات مختلفة بالطبع ، بل ولا متفقة. نعم تحصل هناك محاذاة بين ~~العالمين مخصوصة وجهة بهذا المعنى. PageV03P249 ### |||| ** الثاني : حصول الجهات يوجد باعتبارين : # أ. أن تكون في الخارج جهات ms0944 متمايزة ذوات أوضاع مشار إليها حاصلة في ~~الأعيان ، وهو ممنوع هنا. # ب. أن يفرض الذهن محاذاة لبعض الكواكب خارج العالم (1) دون بعض ، وهذا ~~المعنى لا يتوقف على وجود عالم آخر ، بل هو حاصل سواء وجد عالم على التحقيق ~~أو على التقدير ، وهذا لا يستلزم محذورا. فإن أردتم بثبوت الجهات لو وجد ~~عالم آخر المعنى الثاني ، فهو مسلم غير مفيد لكم. وإن أردتم الأول ، فهو ممنوع. ### |||| ** الثالث : لا نسلم أن الامتياز إنما يكون بجسم محيط. ### |||| ** الرابع : لا نسلم أن ذلك المحيط بسيط. ### |||| ** الخامس : لا نسلم أن شكل البسيط الكرة. # لا يقال : البسيط طبيعة واحدة فلا تقتضي من الأشكال إلا واحدا ولا واحد ~~من الأشكال إلا الكرة. # لأنا نقول : لا نسلم اسناد الشكل إلى طبيعة الجسم ، بل إلى الله تعالى. ### |||| ** السادس : لا نسلم أن ما عدا الكرة من الأشكال ليس واحدا ، وحصول الزوايا والخطوط ~~إنما هو كحصول جزءين في الأبلق ، فان اشتمال الأبلق على جزءين أحدهما أسود ~~والآخر أبيض لا يوجب كثرة حقيقة في الجسم ، ولا يخرج الجسم بذلك عن وحدته ، ~~فكذا هنا. ### |||| ** السابع : لا نسلم أن الطبيعة لا تفعل إلا أمرا متشابها ، فإن طبيعة الفلك واحدة وقد ~~اختلفت آثارها من المتممات وخوارج المركز وأفلاك التداوير بالرقة PageV03P250 # والغلظ ، مع أنه لا قسر هناك ولا اختلاف في الطبيعة. ### |||| ** الثامن : ينتقض ما ذكرتم بالقوة المصورة في الحيوان ، فانها إن كانت بسيطة لزم أن ~~يكون الحيوان على شكل الكرة ، وإن كانت مركبة لزم أن يكون على شكل كرات ، ~~ولما اقتضت القوة المصورة صورا مختلفة وخلقا متباينة جاز هنا مثله. ### |||| ** التاسع : نمنع امتناع الخلاء ، فقد سلف وقوعه. (1) ### |||| ** العاشر : لم لا يجوز أن يكون الفلك الأقصى بما فيه من الأفلاك والعناصر مركوزا في ~~ثخن فلك آخر ، وأن يكون في ثخن ذلك الفلك ألف ألف كرة مثل الفلك الأقصى بما ~~فيه من الأفلاك والكواكب (2)؟ وجاز أن يكون ذلك الفلك الكبير مركوزا في ~~عشر كرة أخرى وهكذا إلى ما شاء الله تعالى وإن كانت الأجسام بأسرها ~~متناهية. (3) ### ||| ** والاعتراض على ms0945 الثاني من وجوه : ### |||| ** الأول : لا نسلم امتناع صدور الكثير عن العلة الواحدة ، وسيأتي. ### |||| ** الثاني : متى يمتنع صدور الكثير عن الواحد إذا لم يكن هناك شرط أو جزء علة أو لحوظ ~~أمر آخر أو (4) إذا كان م ع. (5) لكن بالاتفاق العالم الثاني يصدر عن ~~الواجب تعالى بواسطة العالم الأول. و (6) لا نزاع بين العقلاء أن الواحد لا يصدر PageV03P251 # عنه بالاستقلال أكثر من واحد وأنه يجوز عند اختلاف الاعتبارات تعدد ~~المعلولات. ### |||| ** الثالث : متى نمنع صدور الواحد عن أكثر من واحد إذا كان علة موجبة أو قادرا مختارا م ~~ع؟ (1) فان الاتفاق وقع على إمكان تعدد آثار المختار الواحد. ### |||| ** الرابع : لا امتناع في صدور الكثير عن الواحد بواسطة أو وسائط. ### |||| ** والاعتراض على الثالث : بأن اختصاص العالم الثاني بأحد الجوانب للقادر المختار ، وامتياز الجوانب ~~خارج العالم بالإضافة إلى مسامتة جوانب العالم ، ولا نسلم أن الامتياز إنما ~~يكون بالمحيط. والفاعل المختار يرجح أحد الأمرين لا لمرجح بالوجدان. ### |||| ** والاعتراض على الرابع : لا نسلم أن لكل جسم حيزا طبيعيا. # سلمنا ، لكن يجوز أن تكون هيولى أرض العالم الثاني تكون (2) مخالفة ~~لهيولى أرض هذا العالم فلا جرم لا تطلب أرض ذلك العالم وسط عالمنا ، كما في ~~الأفلاك مع استوائها في الجسمية واختلافها في الهيولى حتى وجب اختصاص كل ~~واحد منها بموضع معين ومقدار معين. # سلمنا ، لكن وسط كل عالم مساو في الحقيقة لوسط العالم الآخر وكذا باقي ~~الأحياز ، فمقتضى الأرضية واحد ، واختصاص أحدهما كاختصاص جزء من العنصر ~~بمكان جزئي من مكان كلية ذلك العنصر فكما لا تنجذب قطعة من الأرض إلى مكان ~~قطعة أخرى كذا لا تنجذب أرض كل عالم إلى وسط العالم الآخر. والأصل أن ~~كليهما (3) طبيعي إذا اتفق حصول المتمكن في أحدهما وقف فيه وإلا PageV03P252 # طلب أحدهما. # سلمنا ، لكن لا نسلم تساوي النارين في الطبيعة عند استوائهما في الحرارة ~~واليبوسة والبعد من المركز والقرب من المحيط وتختلفان في الصور المقومة (1) ~~، فان الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات. ### |||| ** والاعتراض على الخامس : (2) أن الأرضين وإن تكثرت ms0946 بالعدد إلا أنها مشتركة في الأرضية وأمكنتها ~~مشتركة في كونها وسطا لتلك العوالم ، فالأرضية المطلقة تقتضي الوسط من ~~العالم والأرض المعينة تقتضي الوسط من العالم المعين. # أجاب الشيخ بأنه : «وإن كان لا نشك (3) في أن الأجسام الكثيرة بالعدد لها ~~أمكنة كثيرة بالعدد ، ولكن يجب أن تكون كثيرة (4) على نحو يجعل (5) الكل لو ~~اجتمع كل (6) المتمكن شيئا واحدا ومكانا واحدا بالعدد ، على (7) ما بيناه. ~~وهذا الاجتماع مما لا مانع له في طبيعته (8)، فان الطبيعة الواحدة ~~المتشابهة لا تقتضي الافتراق والتباين». # والاعتراض (9): الشيخ زعم أن الأجسام الفلكية والكواكب وإن كانت PageV03P253 # مشتركة في الجسمية (1) والكوكبية والضوء واللون والمقدار ، فان كل واحد ~~منها مخالف للآخر بنوعيته ؛ فإذا جوزتم ذلك فلم لا تجوزون أن تكون الأرضون ~~الموجودة في العوالم متشابهة في الأرضية ، إلا أنه مع ذلك تكون لكل واحد ~~منها حقيقة نوعية مخالفة لنوعية الأرض الأخرى ، وعلى هذا تلك الأرضون لأجل ~~اشتراكها في مطلق الأرضية تكون طالبة لمطلق الوسط ، ثم إن كل أرض بحقيقتها ~~المخصوصة التي بها تخالف الأرض الأخرى تكون طالبة للوسط المعين؟ وإذا كان ~~الذي قلناه محتملا لم تكن حجتكم برهانية. # لا يقال : (2) لا يعقل من الأرض إلا الجسم البارد اليابس لطبعه (3)، فإن ~~كان هناك خصوصية وراء ذلك لم تكن تلك الخصوصية لازمة لهذا القدر المشترك ، ~~وإذا لم تكن لازمة أمكن فرض الأرضين عارية عن تلك الخصوصية ، وعند ذلك ~~الفرض تكون الأرضون تكون الأرضون متساوية في النوعية وتطلب كل واحدة منها ~~ما تطلبه الأرض الأخرى. # لأنا نقول : إن كان الأمر كذلك لزم أن تكون الأجرام الفلكية كلها متحدة ~~في النوع ، لأنها مشتركة في مطلق الجسمية ، فإن كان هناك خصوصية لم [تكن] ~~تلك الخصوصية لازمة لتلك الجسمية ، وإذا لم تكن لازمة أمكن فرض تلك الجسمية ~~عارية عن الخصوصية ، وعند ذلك الفرض تكون الأجرام الفلكية متساوية في ~~النوعية ، فيجب أن يطلب كل واحد منها ما يطلبه الفلك الآخر من الوضع ~~والحيز. # لا يقال : هذه الأجسام الفلكية اختلفت موادها فلذلك اختلفت أمكنتها PageV03P254 # وأوضاعها. # لأنا نقول : فجوزوا ms0947 هنا أن تختلف الأرضون في موادها حتى يكون لكل أرض ~~بسيطة (1) عالم معين. # فإن ادعوا تماثل الأرضين في المادة ، قلنا : لا نزاع في أن أجزاء الأرض ~~التي في عالمنا متشاركة في المادة ، لكن لم قلتم بأن مادة الأرض الموجودة ~~في عالم آخر يجب أن تكون مساوية لمادة الأرض الموجودة في هذا العالم؟ # وبالجملة فكل ما يذكرونه هنا ينتقض بالأجرام الفلكية. ### |||| ** والاعتراض على السادس : بأن تلك الحجة مبنية أيضا على أنها لو كانت موجودة لكانت متحدة في النوع ، ~~وقد سبق البحث فيه. (2) # واعلم أن بعض الناس (3) احتج على إثبات عوالم كثيرة بأن قال : مفهوم ~~قولنا «عالم» إن منع عن (4) الشركة لم يكن علمنا بوحدة العالم كسبيا موقوفا ~~على برهان ، بل كل من تصور العالم تصور كونه واحدا بالضرورة ، وليس كذلك ~~بالضرورة فهو غير مانع من الشركة ، لكن العالم ليس من الأمور التي إذا فرضت ~~له جزئيات كانت تلك الجزئيات على سبيل إن واحدا يكون بعد واحد لأن العالم ~~أزلي ، بل لما ثبت إمكان وجود العالم فقد ثبت إمكان وجود أزليته ، والأمور ~~الأزلية PageV03P255 # لو لم تكن موجودة في وقت استحال حصولها ، لأنها إذا كانت معدومة فمن ~~المستحيل أن توجد بعد عدمها بحيث تكون أزلية. فإذن لو كان العالم (1) ممكن ~~الوجود لكان أزليا ، لكنه ممكن الوجود فهو أزلي ، فالعوالم الكثيرة موجودة ~~في الأزل. # والجواب (2): أن الكلي هو الذي لا يكون مفهومه سببا لامتناع الشركة فيه ~~، ولا يلزم من عدم تعليل امتناع الشركة بنفس ذلك المفهوم عدم امتناع الشركة ~~، إذ الممتنع لا يعقل أن يكون امتناعه معللا بكل شيء ، بل علة الامتناع أمر ~~واحد. ثم لا يلزم من سلب تعليل ذلك الامتناع بما عدا ذلك الواحد سلب ~~الامتناع ، فكذا هنا لا يلزم من كون ذلك المفهوم غير موجب لذلك الامتناع أن ~~يكون الامتناع حاصلا. مع أن القول بأزلية العالم محال. ### ||| ** المسألة السابعة : في حل شكوك الفلاسفة غير ما تقدم (3) # قالت الفلاسفة : كل محدث فله علل أربع : المادة ، والصورة ، والغاية ، ~~والفاعل. وكل واحد من هذه ms0948 الجهات يقتضي القدم. # أما بالنظر إلى الفاعل ، فلأنه لو أحدث العالم لكان تخصيص وقت منه ~~بالاحداث دون ما قبله وبعده مع تساوي النسب ترجيحا (4) من غير مرجح. ولأن ~~احداثه في الوقت الذي أحدثه فيه لا يكون لمرجح ، لأن النفي المحض لا يعقل ~~فيه الامتياز ذاتا. PageV03P256 # وأما بالنظر إلى المادة ، فلأن كل محدث فهو مسبوق بمادة يحل فيها إمكانه ~~السابق عليه ، فإن كانت حادثة تسلسل. وإن كانت قديمة افتقرت إلى صورة ~~ومجموعهما الجسم ، فهو قديم. # وأما بالنظر إلى الصورة ، فلأن الزمان لا يقبل العدم ، وإلا لافتقر سبق ~~عدمه على وجوده إلى زمان وتسلسل. # وأما بالنظر إلى الغاية ، فلأن الفاعل لو كان مختارا فلا بد له من غاية ~~في الإيجاد فكان مستكملا بذلك الإيجاد فكان ناقصا ، وإن لم يكن مختارا كان ~~موجبا فيلزم من قدمه قدم الأثر. ### |||| ** والجواب عن الأول : ما ذكرناه من اختصاص الكوكب بالموضع المعين من الفلك مع كونه بسيطا ؛ ~~واختصاص أحد جانبي المتمم بالثخن والآخر بالرقة. # وأيضا (1) الاختصاص مستند إلى إرادة الله تعالى بإحداثه في ذلك الوقت ~~وذلك التعلق واجب ، فيستغني عن المرجح. # لا يقال : تخصيص الإحداث بوقت معين يستدعي امتيازه عن سائر الأوقات ، ~~فتكون الأوقات موجودة قبل ذلك الحادث. # لأنا نقول : كما يجوز امتياز وقت عن وقت بأن (2) لم يكن للوقت وقت آخر ، ~~فلم لا يجوز امتياز العدم عن الوجود من غير وجود الوقت؟ ### |||| ** والجواب عن الثاني : أن الإمكان ليس وصفا وجوديا ، على ما مر. ولأن المادة ممكنة فيلزم أن يقوم ~~إمكانها بمادة أخرى. # لا يقال : المادة قديمة فإمكانها قائم بها ، أما إمكان الحادث فلا يمكن ~~قيامه به ، لاستحالة قيام الموجود بالمعدوم. PageV03P257 # لأنا نقول : لو قام إمكان المادة بها لكان وجود المادة شرطا في إمكانها ~~(1)، لأن وجود المحل شرط في وجود الحال ، فلو كان إمكان المادة قائما بها ~~لكان إمكانها مشروطا بوجودها ، لكن وجودها عرضي مفارق والموقوف على المفارق ~~مفارق فالإمكان مفارق ، هذا خلف. ### |||| ** والجواب عن الثالث : انكم لما قلتم «كل محدث فعدمه سابق على وجوده» ، فقد اعترفتم ms0949 بكون العدم ~~موصوفا بالسابقية ، ووصف العدم لا يجوز أن يكون موجودا لاستحالة قيام ~~الموجود بالمعدوم ، فثبت أن السابقية ليست صفة وجودية ، فيبطل (2) دليلكم ~~بالكلية. ### |||| ** والجواب عن الرابع : انا سنبين أنه تعالى فاعل مختار. # قال أفضل المحققين : «التشكيك الأول بأن إحداث العالم في وقت دون وقت ~~يقتضي ترجيح (3) أحد المتساويين على الآخر من غير مرجح. والجواب بأنه ~~كاختصاص الكوكب بموضع من الفلك دون موضع ؛ واختصاص ثخن المتمم بجانب دون ~~جانب فغير مفيد ؛ لأن الأمور الموجودة يمكن أن يقال : المرجح هناك موجود ~~وليس بمعلوم ، أما في الأمور العدمية فلا يمكن ذلك. # وقوله في الجواب الحقيقي بأن إرادة الله تعالى تتعلق بأحد الوقتين تعلقا ~~واجبا من غير احتياج إلى مرجح دعوى مجردة عن الحجة. # والاعتراض عليه بأن القول بالترجيح يستدعي وجود الأوقات صحيح. # والجواب : أن الامتياز هناك كما لا يقتضي أن يكون للوقت وقت ، كذلك لا ~~يقتضي في امتياز العدم عن الوجود أن يكونه لهما وقت ليس بجواب عنه ، وقد مر PageV03P258 # أن الوقتين لا يحتاجان إلى وقت آخر ، فالعدم والوجود محتاجان إلى وقت ~~غيرهما. # والجواب الصحيح أن يقال : الأوقات التي يطلب فيها الترجيح (1) معدومة ، ~~ولا تمايز بينها إلا في الوهم ، وأحكام الوهم في أمثال ذلك غير مقبولة ، ~~إنما يبتدئ وجود الزمان مع أول وجود العالم ، ولم يمكن وقوع ابتداء سائر ~~الموجودات قبل ابتداء وجود الزمان أصلا. # وأما التشكيك الثاني بأن كل محدث يحتاج إلى مادة تسبقه وتكون محلا ~~لإمكانه ، والمادة إن حدثت احتاجت إلى مادة تسبقها. فالجواب عنه بأن ~~الإمكان غير وجودي. وأيضا المادة ممكنة فيلزم أن يقوم إمكانها بمادة أخرى ~~ليس بوارد ؛ لأن الإمكان الذي محله الماهية غير الإمكان الذي محله المادة ، ~~فان الأول منهما أمر عقلي يعقل عند انتساب الماهية إلى وجودها ، والثاني ~~عبارة عن الاستعداد وهو استعداد وجود شيء يكون قبل وجود ذلك الشيء ويحتاج ~~إلى محل ، لأنه عندهم عرض موجود من جنس الكيف. # والجواب الصحيح : أن الأمور الإبداعية لا يتصور فيها استعداد يتقدم ~~وجودها. وإمكانها إنما يعقل عند وجودها ms0950 وهو صفة لماهيتها التي لا توجد قبل ~~وجودها. # والتشكيك الثالث بأن سبق العدم على الوجود يقتضي وجود حادث قبل ذلك ~~الحادث. والجواب بأن السابق ليس ثبوتيا أيضا ليس بمفيد ؛ لأنهم يعترفون بأن ~~ذلك السبق ذهني يلزم من توهم العدم السابق ، إلا أنه يوجب وجود زمان عندهم ~~يقع فيه العدم السابق والوجود المسبوق ، وهو لم يبطل ذلك. # والتشكيك الرابع بأن فعل المختار يكون لغاية يستكمل بها الفاعل ، وذلك في ~~حق الله تعالى محال فلم يجب عنه إلا بقوله : إنا سنبين أن الفاعل مختار. PageV03P259 # والجواب الصحيح على رأي [بعض] المتكلمين : أن الغاية هناك استكمال الفعل ~~لا الفاعل. وعلى رأي لا بعضهم أنه لا غاية هناك. وعند الفلاسفة أن الغاية ~~هناك نفس الفاعل ، لأنه تعالى إنما يفعل لذاته ، ولأنه فوق الكمال». (1) # وفيه نظر ، فانه لا فرق بين تخصيص أحد الوقتين بالإحداث الثابت دون الوقت ~~الآخر المعدوم وبين تخصيص ثخن معين ورقة معينة دون غيرهما من الثخن والرقة ~~المعدومين. والجوانب المساوية وإن كانت موجودة لكن مقادير الثخن والرقة ~~متفاوتة. والترجيح يثبت في المعدومات كالموجودات ، فان المعدوم الذي عدم ~~بعدم جميع أسبابه وشرائطه وأجزاء علله أرجح في العدم من الذي عدم بعدم بعض ~~شرائطه البعيدة ، وإذا جاز أن يقع فيه الترجيح جاز استناده إلى سبب غير ~~معلوم. فالوجود وكون الإرادة موجبة لترجيح أحد المرادين ، غني عن البرهان ؛ ~~ولا يحتاج إلى حجة في ذلك ، لأنها لذاتها مخصصة. # والترجيح إذا كان يصح دخوله في العدم لم يكن ترجيح بعض الأوقات يستدعي ~~وجودها. # ولا فرق بين الإمكان الذاتي والاستعدادي في أنهما ذهنيان ؛ لأن ~~الاستعدادي لو كان موجودا تسلسل. ولأن الاستعداد عبارة عن ترجح الوجود أو ~~العدم ، وهو قابل للشدة والضعف وأحد طرفيه الوجوب ، فإذا كان الاستعداد ~~الذي لا يبلغ حد الوجوب مقتضيا للمادة فالبالغ حد الوجوب كذلك ، والمبتدعات ~~لها هذا الإمكان ، وإلا لما وجدت. والإمكان الذاتي لا شك في ثبوته ~~للمبتدعات ، ولا شك في سبقه ، فقوله : «إنما يعقل عند وجودها مشكل» ، لأنه ~~يقال : أمكن فوجد ، ولا يقال : وجد ms0951 فأمكن على أن يكون الإمكان متأخرا عن ~~الوجود ، وقد بين أولا أن السبق لا يستدعي الزمان ، وإلا لكان للزمان زمان آخر. PageV03P260 ### | النوع الثاني ### | في الأعراض # وفيه فصول : ### | الفصل الأول ### | في الكون (1) # وفيه مطلبان : # والكون بالمعنى الخاص هو حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن حاصلة فيها ~~، وهو عند أرسطو تحول جوهر أدنى إلى جوهر أعلى ، ويقابله الفساد ( ~~Corruption )، لأن الفساد زوال الصورة عن المادة بعد أن كانت حاصلة. # والكون ، والثبوت ، والوجود ، والتحقق ، عند الأشاعرة ألفاظ مترادفة ، ~~أما عند المعتزلة فالثبوت أعم من الوجود ، والثبوت والتحقق عندهم مترادفان ~~، وكذا الكون والوجود. راجع صليبا ، المعجم الفلسفي 2 : 248 249. # والمتكلمون يعبرون عن الأين أعني حصول الجوهر في الحيز بالكون ويعترفون ~~بوجوده ، وإن أنكروا وجود سائر الاعراض النسبية ، وقد حصروه في أربعة هي ~~الاجتماع والافتراق والحركة والسكون. شرح المقاصد 2 : 396. PageV03P261 ### | المطلب الأول ### | في ماهيته وأحكامه # وفيه مباحث : ### | البحث الأول ### | في ماهيته # اعلم أنا إذا أردنا تحريك جسم أو تسكينه فعلنا فيه اعتمادات نحو الجذب أو ~~الدفع فيحصل التحرك والسكون. وهذا التحرك والسكون معلوم لكل عاقل لا يشك ~~فيه أحد ، لكن هل نفعل شيئا آخر حتى يحصل التحرك أم لا؟ # فذهب أبو هاشم وأصحابه إلى أنه نفعل معنى زائدا نسميه حركة ، ذلك المعنى ~~يوجب كون الجسم متحركا وانه أمر زائد على الاعتماد وعلى التحرك. والتحرك ~~والسكون ليسا صادرين عنا ، بل الصادر عنا ذلك المعنى المسمى بالكون ، وذلك ~~المعنى يوجب التحرك والسكون المعلومين عندنا. # وذهب سائر الشيوخ إلى نفي هذا الزائد وهو مذهب أبي الحسين البصري ، وهو ~~الحق عندنا. # ومثبتوه رسموه بأنه ما يوجب كون الجوهر كائنا في جهة. (1) PageV03P262 # وقيل : ما أوجب تخصيص الجوهر بمكان أو تقدير مكان. والكائنية ليس اختصاص ~~الجوهر بمكان أو تقدير مكان. # والأسامي تختلف (1) عليه وإن كان الكل من هذا النوع ، فإن كان حاصلا عقيب ~~ضده سمي حركة. وإن بقى به الجوهر كائنا في جهة أزيد من وقت واحد أو وجد ~~عقيب مثله فهو سكون. ومتى كان مبتدأ لم يتقدمه غيره ms0952 فهو كون فقط ، وهو ~~الموجود في الجوهر حال حدوثه. فلفظة الكون إذن يقال بالاشتراك على المعنى ~~الشامل للحركة ، والسكون ، والاجتماع ، والافتراق ، والتكون ، وعلى الكون ~~الخاص وهو الذي يخلقه الله تعالى ابتداء في الجسم حالة حدوثه. وإن حصل بقرب ~~هذا الجوهر جوهر آخر سمي ما فيهما مجاورة ، ومتى كان على بعد منه سمى ما ~~فيهما مفارقة. # هذا ، ولكن الإيجي جعل المجاورة من أقسام الافتراق ، حيث قال : ~~«والافتراق مختلف ، فمنه قرب وبعد متفاوت ومجاورة». راجع شرح المواقف 6 : 171. PageV03P263 ### | البحث الثاني ### | في أن هذا المعنى ليس بثابت (1) # لنا على ذلك وجوه : ### |||| ** الوجه الأول : أنه لو كان القادر منا يفعل ذلك المعنى لوجب أن يعلمه إما إجمالا أو تفصيلا ~~، والتألي باطل ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن القادر هو الذي يستوي من حيث كونه قادرا أن يفعل وأن ~~لا يفعل هذا الفعل أو ضده فلا بد من أن يترجح عنده اختيار أحدهما بالداعي ~~فإذا دعاه الداعي وصار قاصدا له لا بد وأن يكون عالما به. # وأما بطلان التالي : فلأنا نعلم من أنفسنا أنه لا يخطر ببالنا حال ~~التحريك والتسكين هذا المعنى الذي يثبته أبو هاشم خصوصا في حق العوام الذين ~~لا يمكنهم فهمه لو تكلفنا افهامهم. # فإن قيل : لا نسلم أن القادر هو الذي يستوي عنده أن يفعل وأن لا يفعل ، ~~فانهما لو استويا عنده لم يؤثر فيهما. # ثم استدل على نفيه بوجهين ، فراجع أنوار الملكوت : 25 ؛ مناهج اليقين : 53. PageV03P264 # سلمنا أنه لا بد وأن يستوي الأمران عنده لكونه قادرا ، لكن نمنع المرجح ، ~~كالعطشان والهارب والجائع ، فانهم يختارون أحد الأمرين لا لمرجح لفرض ~~التساوي. # سلمنا ، لكن لا نسلم أن المرجح هو الداعي ، فان الساهي والنائم يفعلان ~~حالة السهو والنوم أنه لا داعي لهما ولم يكن ذلك إلا لوجود مرجح آخر غير ~~الداعي. # سلمنا ، لكن يكفي الظن والتجويز ولا يشترط العلم. # سلمنا ، لكن نمنع انتفاءه. # قوله : «لا يخطر ببال العوام ذلك». # قلنا : جملة أو تفصيلا؟ ع م. (1) # بيانه : أنهم وإن لم يعلموا تفصيل ما يعلمون ولكنهم يعملون ms0953 على الجملة ~~أنهم يفعلون أمرا من الأمور ، وهذا علم إجمالي. # فالجواب : معنى القادر من استوى عنده الطرفان ولا يرجح أحدهما إلا لداع ، ~~حتى لو كان قد ترجح منه صدور الأثر إما لذاته أو لزائد غير الداعي سميناه ~~موجبا ، ويحد القادر بأنه الذي يصح منه أن يؤثر بحسب الداعي إذا لم يكن ~~مانع. وقد ثبت القادر بالضرورة في الشاهد على الوجه الذي ذكرناه. # قوله : «لم قلتم : إنه إذا استوى منه الأمران افتقر إلى المرجح؟». # قلنا : لاستحالة ترجيح أحد المتساويين لا لمرجح. وما ذكروه من الصور نمنع ~~انتفاء المرجح فيه ، بل يوجد فيه أدنى مرجح ، وللطفه وقصر زمانه لا يتذكر ~~ولو لم يحصل المرجح لتحير ووقف عن الفعل ولو دام سبب التحير دام التوقف. PageV03P265 # ثم المرجح قد يكون حقيقيا وقد يكون خياليا. # قوله : «المرجح غير الداعي». # قلنا : كل مؤثر يستند ترجيح أثره إلى غير الداعي فانه موجب وبهذا نفرق ~~بين القادر والموجب. # قوله : «لم لا يكفي الظن؟» # قلنا : ظن المصلحة في الفعل يستدعي تصور حقيقة الفعل والمصلحة ، والظن لا ~~يدخل في التصور ، بل إذا تصور الطرفان أمكن دخول الظن في النسبة. ولأنا قد ~~نحرك الأشياء ولا يكون لنا علم ولا ظن بل ولا تجويز لشيء آخر غير الاعتماد ~~وغير التحريك ، ولكن نكون معتقدين لانتفائه ، فكيف يتصور لنا ظن أو تجويز ~~لشيء نعتقد نفيه؟ # قوله : «ليس لنا علم ، إجمالي أو تفصيلي؟». # قلنا : كلاهما. # قوله : «نحن نعلم أنا فعلنا أمرا». # قلنا : نعم الاعتماد والتحريك ، أما غيرهما فلا. ### |||| ** الوجه الثاني : وهو يدل على نفي المعنى على الوجه الذي ذهب إليه أبو هاشم من أنه يستحيل أن ~~يوجد في الجسم إلا وهو في الجهة التي يوجب كونه كائنا فيها ، وهو أن توقف ~~حصول الكائنية في الحيز على المعنى الذي لا يوجد في الحيز إلا وهو في الجهة ~~التي يوجب كونه كائنا فيها يؤدي إلى احتياج كل واحد منهما إلى نفسه ، وهو محال. # بيان الأول : أن المعنى الذي يوجب كون الجسم كائنا في الجهة إذا لم يتصور ms0954 ~~حصوله إلا في الجسم الموصوف بصفة كونه كائنا في الجهة الثانية فقد احتاج في PageV03P266 # وجوده إلى كون الجسم كائنا في الجهة الثانية حسب احتياج المشروط إلى ~~الشرط ، فإذا كان كونه كائنا في الجهة الثانية معلول هذا الكون فقد احتاج ~~إلى هذا الكون حسب احتياج المعلول إلى العلة ، فكان كل من الكون والكائنية ~~محتاجا إلى الآخر ، فيلزم احتياج الشيء إلى نفسه. # فإن قيل : اقتصرتم في إبطال المعنى بإبطال أحد قسميه ولا يلزم من نفي ~~الخاص نفي العام ، فجاز أن يوجد في الجسم وهو في الجهة الأولى كما يعرض له عندكم. # ثم نقول : قولكم «فإن توقف حصول الكائنية بالكون يؤدي إلى احتياج الشيء ~~إلى نفسه.» إن عنيتم بذلك أنهما يوجدان معا في زمان واحد ، فلا نسلم ~~امتناعه بل هو شرط تحقق العلية ؛ فان العلة التامة إذا وجدت قارنها معلولها ~~، والسواد إذا طرأ على محل البياض فانه ينفي البياض ، مع أن طريان السواد ~~على محل البياض وزوال البياض متقارنان. # سلمنا الزيادة على التقارن ، لكن لا نسلم استحالة هذا الاحتياج ؛ فان ~~الجسم محتاج إلى الكون حاجة المشروط إلى الشرط والكون يحتاج إلى الجسم حاجة ~~المعلول إلى العلة. # سلمنا ، لكن كل منهما يحتاج إلى الآخر لا على سبيل التعين ، فإن كونه ~~كائنا في الجهة الثانية يحتاج إلى كون ما لا بعينه حتى لو لم يكن هذا الكون ~~قام كون آخر مقامه ، فلم يحتج إليه على التعيين. # ثم ما ذكرتم في إبطال الموجب ثابت في القادر ، فانا نقول : إن القادر لا ~~يقدر على تحصيله في الجهة الثانية إلا بشرط أن يخرجه من الجهة الأولى ، ولا ~~يخرجه من الجهة الأولى إلا بشرط أن يحصله في الجهة الثانية ، فاحتاج في فعل ~~كل منهما إلى الآخر. PageV03P267 # والجواب قوله : «لم اقتصرتم في إبطال الكون معنى موجبا على أحد قسميه؟». # قلنا : لأن هذا القسم هو المختلف فيه ، وما عداه مجمع على بطلانه. # قوله : «يعنون اقترانهما في زمان واحد». # قلنا : نعني معنى آخر زائد على التقارن في الزمان ، فانا لو قدرنا حصول ms0955 ~~الحياة والعلم وصفة العالمية التي هي موجبة العلم عندهم تقارنه في الزمان ~~فانا نعقل أمرا زائدا في حاجة العلم إلى الحياة ليست تلك الحاجة للعلم إلى ~~معلوله الذي هو صفة العالمية وإن اشترك الكل في حصولها في زمان واحد ، حتى ~~لو قدرنا هذه الكائنية معللة بعلة أخرى غير هذا الكون فما دل من الدليل ~~الدال على حاجة هذا الكون إليه يقتضي أن لا يوجد الكون بدونها ، وإن لم يكن ~~معلولا لها على هذا التقدير ، وهو الذي أردناه بقولنا : إن الكون محتاج في ~~وجوده إلى كون محله كائنا في الجهة الثانية ، لأنه كما استحال أن يوجد هذا ~~الكون لا في محل ، لأنه لا يكون له اختصاص بجسم دون جسم ، استحال أيضا أن ~~يوجد فيه وهو في الجهة الأولى ، لأنهم زعموا أنه حينئذ لا يكون له اختصاص ~~بجهة دون أخرى ، فإما أن يوجب حصوله في الجهات السبب أو لا يوجب حصوله في ~~شيء من الجهات ، وإن استحال أن يوجد فيه إلا وهو في الجهة الثانية صح ما ~~ادعيناه أن الكون على هذا التقدير يحتاج إلى كون الجسم كائنا في الجهة ~~الثانية ؛ بخلاف السواد وزوال البياض ، فان ذلك مجرد اقتران في الزمان ~~بخلاف احتياج الكون إلى الكائنية في الجهة الثانية فانه ليس بمجرد التقارن. # قوله : «يبطل بالجسم مع الكون». # قلنا : الجسم يقتضي وجوب كونه كائنا في جهة ما والمقتضي إذا حصل وجب أن ~~يقارنه مقتضاه ، ولهذا لم يتصور وجود الجسم إلا مع الكون. PageV03P268 # ولا نسلم أن الجسم يحتاج في وجوده إلى الكون وإلى الكائنية. وكون الجسم ~~يستحيل وجوده بدون كونه كائنا لا يقتضي احتياج الجسم إلى الكون ، فان العلة ~~يستحيل وجودها بدون وجود المعلول. # قوله : «متى يستحيل إذا احتاج إليه على التعيين ، أو لا على التعيين؟». # قلنا : سواء احتاج إليه على التعيين أو لا ؛ لأنه إذا احتاج في كونه ~~كائنا إلى كون ما ، لكن ذلك الكون إذا استحال حصوله إلا في الجسم الموصوف ~~بكونه كائنا في الجهة الثانية وكونه كائنا في الجهة الثانية ms0956 معلول ذلك ~~الكون ، فيلزم حاجة الشيء إلى نفسه. # ولا نسلم أن القادر محتاج في تكوينه في الجهة الثانية إلى زوال كونه في ~~الجهة الأولى. ### |||| ** الوجه الثالث : (1) ذلك المعنى الذي يوجب حصوله في ذلك الحيز إما أن يصح وجوده قبل حصوله ~~في ذلك الحيز أو لا ، فإن صح فإما أن يقتضي اندفاع ذلك الجوهر إلى ذلك ~~الحيز أو لا ، فإن كان الأول كان ذلك هو الاعتماد ولا نزاع فيه ، وإن كان ~~الثاني لم يكن بأن يحصل بسبب ذلك المعنى في حيز أولى من حصوله في غيره. ~~اللهم إلا بسبب منفصل ، ثم يعود الكلام الأول فيه. وأما إن لم يصح وجوده ~~إلا بعد حصول الجوهر في ذلك الحيز كان وجوده متوقفا على حصول الجوهر فيه ، ~~فلو كان حصول الجوهر فيه محتاجا إلى ذلك المعنى لزم الدور. # احتج أبو هاشم بوجوه : (2) PageV03P269 ### |||| ** الوجه الأول : لو قدرنا على جعل الجسم كائنا من غير واسطة معنى لقدرنا على ذات الجسم ~~وسائر صفاته كالحياة والقدرة والسواد والبياض وغير ذلك ، والتالي باطل ، ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : وجهان : # الأول : القادر إذا قدر على أن يجعل الذات على بعض الصفات فقد صارت الذات ~~مقدورة له يتصرف فيها كيف شاء. # الثاني : القياس على الكلام ، فان من قدر على أن يجعل الكلام على صفة ~~الخبر والأمر قدر على ذاته ، ولما لم يقدر على كلام غيره لم يقدر على جعله ~~على صفة الخبر (1)، ولا علة لذلك إلا كونه قادرا على بعض صفاته. # والاعتراض : لا نسلم أن من قدر على بعض الصفات قدر على الذات وباقي ~~الصفات. # وما تعنون بصيرورة الذات مقدورة؟ إن عنيتم انها صارت مقدورة من هذه الجهة ~~كان ذلك إلزاما للشيء بنفسه ، ويصير بمنزلة قولكم : من قدر على الشيء على ~~أن يجعله على بعض الصفات قدر على ذلك الشيء أن يجعله على بعض الصفات. (2) ~~وإن عنيتم انه تصير مقدورة من جميع الجهات ثم ألزمتم من ذلك أن يقدر على ~~جميع الصفات ، كنتم قد عللتم الشيء بنفسه ، ثم نطالبكم بالدلالة عليه. # سلمنا ms0957 ، لكن لم قلتم : إن كون الجسم كائنا صفة وليس بذات؟ # لا يقال : إذا سلمتم كونه ذاتا سلمتم المسألة ؛ لأنا لا نعني بالكون إلا ذاتا PageV03P270 # ومقدورا للقادر ويوجد بالفاعل. # لأنا نقول : لا نسلم أنه تسليم للمسألة ، فانكم تثبتون الكون معنى موجبا ~~لكون الجسم كائنا ، ونحن على هذا التقدير لا نسلم لكم إلا كونه كائنا من ~~غير أن يكون موجبا لشيء أو موجبا عن شيء ، ولو سلم إطلاق اسم الذات عليه ~~لكن هذا القدر لا يثبت لكم إثبات المعنى الموجب لكون الجسم كائنا. # لا يقال : لو كانت ذاتا لقبلت الاتصاف بالصفات. # لأنا نقول : لا نسلم أنها لا تقبل الصفات ، فانها توصف بالحسن والقبح ~~وبكونها ثابتة للجسم. ولا نسلم أنه ليس في الذوات ما يساوي الصفات في عدم ~~قبول الصفات. # والقياس على الكلام باطل ، فانا لا نسلم أن الكلام الذي هو الأصل (1) ذات ~~يصح أن يحدث على ما زعمتم أن الذات إذا حدثت ثبتت له صفة الوجود ، بخلاف ~~الصفة إذا تجددت فانه لا تثبت لها صفة الوجود. # لا يقال : الدليل لا يفتقر إلى أن يثبت للصوت معنى وذاتا ؛ لأن لنا أن ~~نقول : إن كان الصوت صفة فانه لا يقدر على جعله على حكم الخبر إلا من قدر ~~على تجديده ، والعلة في ذلك انه قدر على تجديد الأصل فلذلك قدر على تجديد ~~الفرع. ولأنه لو كان صفة فإما للذات وهو محال ، وإلا لم يتجدد بحسب أحوال ~~الفاعل ، ولو وجب اشتراك الأجسام كلها فيها فسمع جميعها (2)، وإما للفاعل ~~فكان لم يجز أن يتناول الإدراك للذات عليها ، لأن الإدراك يتناول الشيء على PageV03P271 # أخص صفاته ، لأنه طريق إلى تمييز الأجناس بعضها من بعض ، فلو تناول ما لا ~~تتميز الأجناس به لم يكن طريقا إلى تميزها. # لأنا نقول : ### |||| ** أما الأول : فباطل ، لأن شرط القياس ورد الفرع إلى الأصل في الحكم المساواة في إثبات ~~الحكم ، وإذا كان الحكم المطلوب في الفرع غير الحكم الثابت في الأصل لم ~~يمكن رد ذلك إليه. ومن قدر أن يثبت حكما فيخبر فلو قدر ms0958 على نفس الخبر الذي ~~هو صفة لا يلزم فيمن قدر أن يجعل الذات على صفة أن يقدر على إحداث الذات ~~قياسا عليه ، فإن إثبات الصفة غير إمكان إحداث الذات ، خصوصا على قولكم ~~القدرة لا تتعلق على تجدد الصفة ، فان القادر لا يتعدى طريقه الاحداث وإنما ~~يتعلق بالاحداث ، فإذا اختلف المتعلق جاز أن يختلف ما يتعلق به. ### |||| ** وأما الثاني : فانا لا نسلم أنه لو كانت صفة وكانت بالفاعل لم يصح أن يتعلق الإدراك به. # قولكم : «الإدراك يتعلق بأخص الصفات ليكون طريقا إلى التمييز». # قلنا : إن كان شرط (1) تمييز الشيء بالإدراك أن يتعلق بأخص صفاته على هذا ~~التفسير ، فبينوا أولا أنه ليس بالفاعل حتى يكون طريقا إلى تمييزه. فلم ~~قلتم بأنه يلزم أن يكون الإدراك يتعلق بأخص صفاته حتى يكون طريقا إلى ~~تمييزه؟ # سلمنا أن الصوت ذات ، لكن قياس الفرع على الأصل لأجل إثبات ما ثبت في ~~الأصل في الفرع للعلة الجامعة يقتضي كون الحكم في الأصل معلوما بالعلة التي ~~بها ثبت الحكم ، وأن تعلم العلة في الفرع حتى يمكن تعدية الحكم إليه ، وكل ذلك PageV03P272 # غير معلوم عندكم ، فإن كل هذه صفات ، فإن كون الكلام خبرا وحدوثه صفة ~~وكون الجسم كائنا صفة وما يلزم من ذلك وهو القدرة على إحداث الذات أو إثبات ~~سائر الصفات كلها صفات ، فإذا لم تكن الصفة معلومة عندكم لم يعلم الدليل ~~فكيف يعلم المدلول؟ # لا يقال : الصفة وإن لم تكن معلومة لكن الذات مع الصفة تكون معلومة. (1) # لأنا نقول : «قولكم الذات مع الصفة مجمل» ونحن نقسم فصول الدليل الدال ~~على الحكم ، إما أن يكون هو الذات وحده وليست بدليل ، لأنه ليس هو الذي ~~يتحدد بالفاعل عندكم. وإما الصفة وحدها وليست معلومة عندكم خصوصا من يجعل ~~الصفة ليست زائدة على الذات. وإما المجموع ويلزم منه أن تكون الصفة معلومة ~~، لأن العلم بالمركب يستلزم كون كل جزء من أجزائه معلوما. # سلمنا ، لكن نمنع ثبوت الحكم في الأصل ، فانا نمنع أن كون الكلام خبرا أو ~~أمرا صفة راجعة إلى الكلام ms0959 حتى يصح أن يقال : إن قدرتنا على صفة الكلام ~~توجب قدرتنا على أصل الكلام ؛ فان الخبرية والأمرية وغيرهما لو كانت صفات ، ~~لم تعلم لكل واحد من آحاد الحروف ، ولا لواحد منها ، وإلا لكان الحرف ~~الواحد خبرا أو أمرا أو نهيا ، وهو محال. ولا لمجموع الحروف ، وإلا لزم ~~انقسام الخبرية والأمرية (2)، ولأنه لا وجود لمجموع الحروف. # لا يقال : صيغة الخبر في الصدق والكذب واحدة ، وإذا كان صدقا تعلق به ~~المدح ، وإذا كان كذبا تعلق به الذم ، فدل على الزائد. # لأنا نقول : جاز أن يرجع بذلك إلى مجرد إيقاع الصيغة لغرض مخصوص ، PageV03P273 # ويكون لأجل اختلاف الغرض والدواعي تختلف الأحكام. # سلمنا أن الخبرية وجه يقع عليه الخبر ، لكن لم قلتم : إنه يثبت بالقادر ، ~~فان القادر لا يتعدى طريقه الاحداث وصفة الخبر غير صفة الحدوث؟ # سلمنا أنه يثبت بالقادر ولكن ابتداء أو بواسطة؟ ع م. (1) # بيانه : أن كونه خبرا وإن كان يثبت بالقادر لكن بواسطة كونه مريدا ، ومن ~~قدر على بعض الإرادات قدر على الجميع فلذلك وجب فيمن قدر أن يجعل الكلام ~~على صفة كونه خبرا عن زيد أن يقدر على أن يجعله خبرا عن غيره ، لأن ذلك ~~يحصل باقتران الإرادة وأي إرادة قرنها به صار على صفة أخرى ، بخلاف ~~المتنازع من كون الجسم كائنا وكونه على سائر الصفات فإن ذلك لا يثبت ~~بالإرادة حتى إذا رام كونه على تلك الصفة لا يحصل ذلك بإرادته ، ولو لزم ~~ذلك فيمن يثبت للذات صفة بواسطة أن يقدر على تلك الذات للزم إذا تجدد له ~~صفة كونه مدركا أو كونه مريدا بأي صفة كان أن تصير ذاته تعالى مقدورة. # سلمنا أنه يقدر على ذلك بدون واسطة ، لكن لا نسلم أنه يمكن أن يجعل ~~القدرة على أحد الأمرين علة للقدرة على الآخر ، فانه لا يخلو إما أن تكون ~~القدرة على جعله خبرا هي القدرة على الذات وعلى سائر الصفات أو غيرها ، فإن ~~كان الأول وهو الأقرب لمذهبهم أن القدرة تتعلق بالضدين ، فنقول : كيف يمكن ~~أن يجعل تعلق القدرة ms0960 على أحدهما علة للتعلق على الآخر ، فانه ليس أولى من ~~العكس؟ وكذا إن كان الثاني ، فانه كيف يمكن جعل إحدى القدرتين علة لوجود ~~التأثير؟ # سلمنا أنه يمكن جعل أحدهما علة ، لكن لم قلتم : إن صحة اقتدارنا على PageV03P274 # صفة الكلام علة اقتدارنا على ذات الكلام؟ بل الأمر بالعكس ، فان الذات ~~أصل للصفات فجعل الاقتدار على الأصل علة الاقتدار على الفرع. # سلمنا ، لكن ما دليل ثبوت هذه العلة. # قوله : «متى قدرنا على جعله خبرا قدرنا على ذاته وإذا لم نقدر على جعله ~~خبرا لم نقدر على ذاته». # قلنا : الدوران لا يدل على العلية ، فانه يجوز أن يقترن مع الشيء الذي ~~دار معه الحكم أمر آخر هو العلة. # أجابوا بأمور أربعة : ### |||| ** الأول : أنه لا طريق إلى ذلك المقارن فوجب نفيه. ### |||| ** الثاني : أنا متى علمنا هذا الشيء علمنا هذا الحكم وإن لم نعلم شيئا آخر ، ولو لم ~~نعلم هذا الشيء لم نعلم الحكم وإن علمنا شيئا آخر. ### |||| ** الثالث : أنه لو جاز ذلك جاز اسناد التحرك إلى غير الحركة وإن كانت تدور معها وجودا ~~وعدما وذلك يقدح في باب التعليل ويفتح باب الشك في العلل والمعلولات. ### |||| ** الرابع : أن ذلك المقارن إن أمكن انفكاكه عن هذا الشيء ، أو أمكن انفكاك هذا الشيء ~~عن ذلك المقارن لم يكن الحكم دائرا معه وجودا وعدما ، وإن لم يمكن انفكاك ~~المقارن عن الشيء ولا انفكاك هذا الشيء عن المقارن فحيث حصل ذلك الشيء حصل ~~ذلك المقارن علة لذلك الحكم ، وذلك يفيد ما هو المطلوب. # والاعتراض من حيث الإجمال ومن حيث التفصيل. # أما الإجمال فلوجوه : ### |||| ** الأول : تعليل الحكم بعلتين مختلفتين إن لم يكن جائزا كان الانعكاس في PageV03P275 # العلل واجبا وإذا كان كذلك دار المعلول مع العلة والعلة مع المعلول وجودا ~~وعدما ، فلم يكن جعل أحدهما علة أولى من العكس. وإن جاز لم يكن الانعكاس في ~~العلل واجبا ، فلا يمكن توقيف معرفة علية العلة بالطرد والعكس. ### |||| ** الثاني : الحكم كما يدور مع العلة كذا يدور مع الشرط وليس بعلة. ### |||| ** الثالث : يجوز أن يكون ms0961 حكمان لعلة واحدة فيتلازمان وجودا وعدما ، فلا يكون أحدهما علة. # وأما التفصيل : # فقوله في المقارن : «لا دليل عليه فيجب نفيه» ، سيأتي بطلانه. # قوله : «متى علمنا هذه الوجوه علمنا هذا الحكم وإن لم نعلم شيئا آخر ، ~~ومتى لم نعلم هذه الوجوه لم نعلم الحكم وإن علمنا سائر الأشياء». # قلنا : يبطل بالأمور العادية ، فان كثيرا من العاديات نعلمها عند ما نعلم ~~شيئا آخر وإذا لم نعلمه لم نعلم ذلك ، كما إذا علمنا تغير الفصول من الصيف ~~إلى الشتاء علمنا تغير الهواء ، ونعلم الشبع الذي عند تناول الطعام ~~والشراب. والإضافتان متى علم إحداهما علمت الأخرى وليس البعض علة للبعض. # قوله : «إذا علمنا أشياء أخر لم نعلم الحكم». # قلنا : لأنا لا نعلم كونها عللا وتجويز اسناد المحركية إلى غير الحركة ~~لازم على القائلين بالمعاني مع الفرق فإنا نعني فإنا نعني بالحركة الشيء ~~الذي تلزمه المتحركية. فإن قلتم بأنه تحصل المتحركية بدون الحركة فكأنكم ~~قلتم : إنه يكون المؤثر في المتحركية غير المؤثر في المحركية ، وهو محال. # قوله : «المقارن مع الشيء إما أن يتلازما أو لا». PageV03P276 # قلنا : يتلازمان كالعاديات ، أو إن كان تلازمهما حقيقيا ، لكنه يقتصر على ~~محل الأصل دون سائر المحال بأن يكون ذلك المقارن الذي هو العلة هو ما به ~~امتاز الأصل عن الفرع ، أو يكون جزءا منها فلا يتعدى الحكم محل الأصل ، أو ~~يكون ذلك المقارن مع ذلك الشيء معلولي علة واحدة ، فانهما يتلازمان إذا ~~صدرا عن تلك العلة ، فإذا كان علة أخرى جاز أن يصدر عنها أحدهما دون الآخر ~~فيوجد ذلك الوصف الذي هو العلة بدون ذلك الشيء فيثبت ذلك الحكم ويوجد هذا ~~الشيء بدون ذلك الوصف ، فلا يميز ذلك الحكم. # سلمنا دلالة الدوران على العلية ، لكن ثبوته ممنوع. # قوله : «إذا لم يقدر على جعل كلام غيره خبرا لم يقدر على إيجاده». # قلنا : لم قلتم : إنه لا يحدث شيء آخر بحال الحكم عليه؟ # بيانه : أن كلام غيرنا مقدور غيرنا فلا يكون مقدورا لنا ، لاستحالة تعلق ~~القادرين بمقدور واحد عندكم. وأيضا لا يقدر ms0962 على الكلام ابتداء ، بل بواسطة ~~الآلات كاللسان واللهوات ، وإنما يقدر على أن يفعل الكلام بهذه الآلات إذا ~~كانت متصلة بنا. أما لو قلنا : نفعل الكلام في غيرنا كان ذلك اختراعا للفعل ~~وهو غير مقدور للبشر. # سلمنا أنه لا معنى سوى ما ذكرتم ، وأن العلة في وجوب اقتداره على ذات ~~الكلام اقتداره على جعله على صفة الخبر ، لكن لم قلتم : بأنه يلزم فعله في ~~الجسم إذا قدر على كونه كائنا؟ # قوله : «لأن العلة تجمعهما». # قلنا : لا نسلم. # بيانه : أن ذات الكلام وصفات الكلام غير ذات الجسم وغير صفاته التي هي ~~كونه حيا قادرا أسود أبيض ، ومن الجائز أن تكون بعض الصفات مقدورة PageV03P277 # للقديم وبعضها لا تكون ، فانكم قلتم : إن القدرة إذا تعلقت على الذات ~~يلزم أن تتعلق بسائر الذوات ولكن بشرط أن تكون تلك الذوات من مقدورات البدن ~~، حتى قلتم بأنه لا يقدر على الأكوان وإن قدر على الأكوان ، بل قلتم : إن ~~المقدورات من جنس واحد بعضها يتعلق بها ، فإذن الذات وبعضها تتعلق به ~~القدرة ، فإذا شرطتم في تعلق القدرة على المقدورات أن يصح أن يتعلق بهما ~~(1) ثم يتعلق به ، فلم لم تشترطوا ذلك في الصفات؟ ولهذا لم يلزم من ذلك أن ~~يقدر على صفات الأجناس لما لم تتعلق بها القدرة ، كذا هنا. # سلمنا أنه يلزم من قدرته على الصفة قدرته على سائر الصفات ، لكن على ما ~~تساوى تلك الصفة من الصفات ، أو على ما يخالفها؟ م ع. (2) وإذا كان كذلك من ~~أين يلزم إذا قدر على كونه كائنا أن يقدر على كونه حيا قادرا وهي غير ~~متماثلة؟ فإن كونه كائنا يرجع إلى الاجزاء وكونه حيا قادرا عالما يرجع إلى ~~الجمل ، فلم قلتم : إن من قدر على أن يجعل الجسم على صفة يرجع إلى الأجزاء ~~يلزم أن يقدر على أن يجعله على صفات ترجع إلى الجملة لا إلى الأجزاء؟ # سلمنا أنه يلزم أن يقدر على جميع الصفات وعلى نفس الذات ولكن متى إذا قدر ~~على أن يجعل الذات على صفة تكون ms0963 تلك الصفة وجها تقع الذات عليها أو مطلقا؟ ~~م ع. (3) # بيانه : أن صفة كون الكلام خبرا وجه يقع الكلام عليه حال حدوثه فلا جرم ~~من قدر على إيقاعه على ذلك الوجه قدر على إحداثه. أما الكائنية فليست وجها ~~لأن يقع الجوهر عليه إلا حال حدوثه ، فلم قلتم بأنه يلزم من الاقتدار عليها ~~الاقتدار على أصل الجوهر؟ PageV03P278 # سلمنا أنه لا بد من توسط المعنى ، فلم لا يجوز أن يكون هو الاعتماد؟ فانه ~~معنى أثبتموه. ### |||| ** الوجه الثاني : (1) الثقيل والخفيف سواء في صحة تحريكهما ؛ لأن المصحح لذلك غيرهما وقد ~~اشتركا فيه وحال القادر معهما على السواء ، فلو كان مقدوره هو التحريك فقط ~~لما يقدر عليه تحريك الثقيل دون الخفيف ولما شق عليه أحدهما دون الآخر ، ~~فوجب أن يكون قادرا على معان تكثر وتقل ، والثقيل يحتاج في تحريكه إلى معان ~~كثيرة لا تفي قدرة الضعيف بها والخفيف لا يحتاج. # والاعتراض : سلمنا استواء الثقيل والخفيف في صحة تحريكهما والقادر معهما ~~على السواء ، فلا بد في ثقل الثقيل من زائد في إيجاد القادر ، فلم قلتم : ~~إنه المعنى الذي أثبتموه؟ # لا يقال : ذلك الزائد إما ذات وهو قولنا ، أو صفة فلا يصح فيه التزايد ~~إلا بواسطة المعاني ، كالأسود إذا زاد سواده ، فلا بد من كثرة السواد. # لأنا نقول : يكون الزائد واقعا في الصفات. # قوله : «لا يعقل إلا بتزايد المعاني». # قلنا : الزائد في الصفات إن كان مستحيلا في ذاته استحال أن يثبت بسبب من ~~الأسباب وإن لم يكن مستحيلا وقع الشك في أن الزائد في الصفات والمعاني ، ~~فلا بد عند ذلك من دليل زائد على أن ذلك معنى. # سلمنا أنه لا بد من معنى ، فلم لا يكون الاعتماد لا الكون؟ فان رفع ~~الثقيل يحتاج إلى مدافعات أكثر مما يحتاج إليه الخفيف حتى تزيد على مدافعات ~~الثقيل إلى أسفل. وبالاتفاق الثقيل ليس ينتفل إلى العلو بالأكوان ، بل ~~بالمحادثات. PageV03P279 # ثم نقول : قولكم بالأكوان الكثيرة محال ؛ لأنها توجب كائنات كثيرة فيزداد ~~كون الجسم كائنا في الجهة ، وأنه محال ؛ لأن معنى كونه ms0964 كائنا في الجهة هو ~~كونه شاغلا لها والشغل لا يعقل فيه التزايد. ### |||| ** الوجه الثالث (1) ### |||| ** : صفة الكائنية يصح فيها التزايد وما يصح فيه التزايد لا يكون بالفاعل. (2) ~~أما الصغرى فلوجهين : ### |||| ** الأول : القوي إذا وضع يده على جسم واستفرغ جهده في تسكينه لم يقدر الضعيف على ~~تحريكه ، ومتى لم يستفرغ جهده في تسكينه أمكنه تحريكه ، فعلمنا أنه رام في ~~الأول أزيد مما رامه في الثاني. ### |||| ** الثاني : الجزء الواحد إذا التصق بكفي قادرين فدفعه أحدهما حال جذب الآخر فانه يتحرك ~~بهما ، وليس فعلهما واحدا لاستحالة مقدور بين قادرين. # وأما الكبرى فلوجهين : ### |||| ** الأول : الفاعل كالعلة (3) وكما لا تؤثر العلة في أزيد من صفة واحدة ، كذا الفاعل. ### |||| ** الثاني : الوجود لما كان بالفاعل امتنع فيه التزايد ، فكذا هنا. # والاعتراض : قوله : «صفة الكائنية يصح فيها التزايد». # قلنا : الضرورة تبطل ذلك ، فان الكائنية هي الحصول في الحيز وقد يعبر عنه ~~بكونه محاذيا لجسم الآخر ومن المعلوم بالضرورة أن كون الجسم محاذيا لآخر أو ~~في الجهة مما لا يصح فيه التزايد. PageV03P280 # وليس امتناع تحريك الضعيف ما يسكنه القوي لزيادة صفة الكائنية ، بل لمعنى ~~آخر وهو تزايد الاعتماد والمدافعة ، كما يمتنع عليه نقل الحجر لما فيه من ~~الاعتماد لا من الكون ، لأن الكون الباقي لا حظ له في المنع عندهم. # ولا نسلم امتناع مقدور بقادرين على ما يأتي. # ولا نسلم أن الفاعل كالعلة. # ولا نسلم أن الوجود صفة وأنها زائدة على الذات ، بل هو نفس الذات. وتزايد ~~الشيء الواحد مع أنه واحد مع أنه محال سواء كان بالفاعل أو بالعلة ، إلا ~~إذا أريد بتزايد الذات أن تصير أن تصير معها في الوجود ذات أخرى ، وذلك ~~جائز ، وهو بالفاعل. (1) # سلمنا زيادة الوجود ، فلم قلتم : إنه لا يتزايد؟ # اعتذروا بوجهين : ### |||| ** الأول : لو تزايد الوجود لصح أن تحصل صفتا وجود بقادرين ، وفي ذلك كون مقدور ~~بقادرين. ### |||| ** الثاني : لو صح تزايد الوجود لصح من القادر أن يجدد للفعل حال البقاء صفة وجود. # وهما ضعيفان. ### |||| ** أما الأول : فلاستلزامه الدور ، لأنهم ربما يعلمون استحالة كون مقدور ms0965 بقادرين بعد أن ~~يعلموا أنه لا تزايد في صفة الوجود ، فإن جعلتم الطريق إلى نفي التزايد ~~استحالة كون مقدور من قادرين دار. # لا يقال : نبين استحالة مقدور من قادرين ما لا يتوقف على نفي تزايد PageV03P281 # الوجود ، فنقول : لو تعلق قادران بمقدور واحد بأن يجددا له صفة وجود صح ~~من أحدهما أن يوجده دون الثاني ، فيكون ذلك الشيء موجودا ومعدوما دفعة. # لأنا نقول : إن أردتم بكونه معدوما موجودا أن تحصل له صفة وجود ولا يحصل ~~له ما زاد عليها ، فمسلم. وإن أردتم أن لا تكون له صفة وجود أصلا ، فكيف ~~يلزم ذلك وقد فرضتم له صفة الوجود؟ # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن يتزايد الوجود بقادر واحد ويمتنع تزايده ~~بقادرين؟ وإلا لزم ما ذكرتم من وقوع مقدور بقادرين. ### |||| ** وأما الثاني : فلم لا يتجدد وجود حالة البقاء؟ # لا يقال : لوجهين : # الأول : لو صح ذلك لصح منا. ### |||| ** الثاني : يكون باقيا مبتداء ، وهو محال. ### |||| ** لأنا نجيب عن الأول : بأن الواحد منا لا يوجد ذاتا ، وهل النزاع إلا فيه؟ لأن أفعالنا في الشاهد ~~، أما الأكوان وهي صفات وأنتم لا تثبتون للصفات صفة وجود ، وأما غيرها نحو ~~أفعال القلوب والاعتماد والتأليف والصوت وهي أيضا صفات وغير باقية ، فكيف ~~لها صفة في البقاء؟ # سلمنا ، فلم لا يجدد الواحد منا صفة الوجود؟ فان القوي إذا استفرغ جهده ~~لإمساك جسم في محاذاة يجوز أن يجدد للكون فيه صفات الوجود بدلا من قولكم ~~إنه يجدد فيه ذوات الأكوان. ### |||| ** وعن الثاني : إن عنيتم بكونه باقيا مبتداء ، أنه لم يكن له وجود من قبل مع الفرض بأنه ~~كان موجودا من قبل ، فهو متناقض. وإن أردتم أنه تتجدد له صفة بعد ثبوت أخرى ~~من قبل ، فهو المتنازع. وأنتم قد جوزتم فيما كان مستمر الحصول PageV03P282 # في الجهة أن يتجدد له حصول فيكون مستمرا متجددا ، فجاز مثله هنا. # سلمنا استحالة التزايد في الوجود ، فلم قلتم : إن العلة فيه كونه ~~بالفاعل؟ ولم لا يكون الوجود هو العلة في امتناع التزايد فيه أو جزء العلة ~~أو شرطها؟ ms0966 # لا يقال : هذا يبطل بصفات الأجناس فانها ليست بصفة وجود ولا يصح فيه ~~التزايد. # لأنا نقول : هذا عكس العلة وهو غير مبطل للعلة وهو مبطل لتعليلكم أيضا ، ~~لأن صفات الأجناس لا يصح فيها التزايد وليست عندكم بالفاعل. ### |||| ** الوجه الرابع : (1) كل ما يكون بالفاعل مما هو زائد على الوجود لا يتجدد في حال البقاء ، ~~والكائنية تتجدد في حال البقاء ، فلا تكون بالفاعل. # أما الصغرى فلوجوه : ### |||| ** الأول : لما كان الحسن والقبح بالفاعل لم يتجدد بالفاعل حال البقاء ، ولا علة لذلك ~~إلا انهما بالفاعل وكل (2) ما هو بالفاعل لا يتجدد في حال البقاء. ### |||| ** الثاني : الصوت وغيره إذا عدم لم يصح أن يحصل على وجه ، ولا علة لذلك إلا امتناع ~~الحدوث عليه في حال عدمه وهذا قائم حال البقاء. ### |||| ** الثالث : الواحد منا لا يصح منه أن يجعل كلام غيره خبرا ويصح أن يجعل كلام نفسه ، ~~ولا فرق إلا أن كلام غيره لم يحدث منه وكلامه حدث منه فيجب أن تكون الصفات ~~الزائدة على الحدوث إذا كانت بالفاعل تختص حالة الحدوث. # وأما الكبرى فظاهرة. # والاعتراض : إن عنيتم بالحسن والقبح نفس الاستحقاق للمدح والذم PageV03P283 # منعنا أنه بالفاعل ؛ لأن ما بالفاعل يمكنه أن لا يفعله فكان يلزم صحة أن ~~يقدر القادر على فعل القبيح وإن لم يفعل كونه مستحقا للذم ، وهو باطل. وإن ~~عنيتم به الوجه الذي لأجله يثبت الاستحقاق ، وهو على ضربين : # أحدهما : أن يكون كذلك لما يرجع إليه ، وهو على ضربين أيضا : ### |||| ** أ. أن لا يعين (1) فيه إلا ما يرجع إليه نحو كون الجهل جهلا (2)، فان ذلك ~~عندهم ليس بالفاعل فان ذلك من صفات جنسه. وعندنا أن ذات الجهل يكون ذاتا ~~بالفاعل فمتى تجدد كونه ذاتا وجهلا فقد تجدد حدوثها ، وليس تجدد كونها جهلا ~~سوى حدوثها. ### |||| ** ب. أن تعين (3) فيه أمور عدمية نحو كون الألم من غير جناية سابقة أو منفعة ~~لاحقة ، فأما كون الألم ألما فذلك صفة جنسه ، وأما عدم الجناية والعوض فذلك ~~أمور عدمية وذلك لا يمكن أن يكون بالفاعل. # وأما الثاني : وهو ms0967 الذي يقبح لا لما يعود إلى الفعل بل لما يرجع إلى غرض ~~الفاعل ، كالسجود للصنم ، فان جهة القبح كون هذا السجود أوجده الفاعل لأجل ~~الصنم ، ومعناه أن غرض الفاعل في ذلك كان تعظيم الصنم ولا يفعل سوى ذلك. # فإن ادعيتم غيره فبينوه وأثبتوه بالدليل وكان غير معلل بالفاعل. فثبت أن ~~وجه القبح غير معلل بالفاعل ، فلا يمكن قياس الكائنية عليه. # سلمنا أن وجه القبح صفة للفعل ، ولكن لم قلتم : إنها بالفاعل وأن ذلك ليس ~~لكونه مريدا ، وإذا كان كذلك لم يمكن نسبة الكائنية التي هي بالفاعل ولا PageV03P284 # قياسها عليه؟ # لا يقال : إذا حصل بالفاعل وإن كان لكونه مريدا صح القياس عليه. # لأنا نقول : لا نسلم أنه إن كان يحصل بكون الفاعل مريدا صح قياس الكائنية ~~عليه للفرق ، فإن الإرادة إنما تتعلق بالفعل حال الحدوث دون حال البقاء ، ~~وإنما امتنع إثبات صفة القبح للفعل حال البقاء لامتناع المؤثر وهو تعلق ~~إرادة الاحداث. ثم على وجه القبح فأشبه تأثيره تأثير العلل ، فوجب أن يختص ~~به نهاية ما يمكن من الاختصاص ، وللفعل بالفاعل في حال حدوثه من الاختصاص ~~ما ليس له حال البقاء. ألا ترى أنه بهذا التعلق والاختصاص اختص المنع بحال ~~الحدوث دون حال البقاء ، وإذا كان للفعل حالة الحدوث هذه الزيادة من ~~الاختصاص جاز أن يكون ذلك شرطا لتعلق الإرادة وإيجابها لوجه القبح ، وليس ~~كذلك حال البقاء. ألا ترى أنه قد انقطع عن الفاعل بخلاف صفة الكائنية فانها ~~ليست موجبة عن صفة من صفات القادر ، بل هي حاصلة بالفاعل لكونه واحدا. # سلمنا أن صفة القبح بالفاعل من حيث كونه قادرا ، ولكن لم قلتم بأنه إنما ~~اختص إحداثها له بحال الحدوث من حيث إنها كانت بالفاعل؟ # لا يقال : هذا الحكم دار معه وجودا وعدما فان هذا لما كان بالفاعل اختص ~~بحال الحدوث ، ولما لم يكن بالفاعل بل بالمعنى لم يختص به. # لأنا نقول : الدوران ضعيف. وأيضا لم قلتم : بأنه قد ثبت صفة بالمعنى حتى ~~يقال بأنها لما كانت بالمعنى صح ثبوتها حال ms0968 البقاء ، وإن كان الكلام فيه؟ ~~وأيضا لم قلتم : إنه لا معنى غير ما ذكرتم يكون هو العلة ، بل هنا وجه آخر. # بيانه : أن كون القبح كيفية في الحدوث فانه وجه يقع عليه الحدوث ، فان ~~المستحق للذم يستحق الذم لأنه أحدث القبيح على ذلك الوجه ، ومعلوم أن ~~الحدوث وابتداء الوجود يتعذر حال البقاء فلهذا تعذر تحديد وجه القبح ، ولو PageV03P285 # قدرنا إثبات الوجه بالعلة فانه يتعذر ذلك كما يتعذر بالفاعل ، بخلاف ~~الكائنية فانها ليست كيفية في الحدوث فصح إثباتها للجسم بالفاعل في حالة ~~البقاء كما صح إثباتها له عندكم بالمعنى. PageV03P286 ### | البحث الثالث ### | في التماثل والاختلاف في الأكوان (1) # اعلم انا قد بينا أن الحق نفي هذا المعنى الذي أثبته أبو هاشم ، لكنا ~~نبحث في فروع مبنية على إثباته على مذهبهم ، فنقول : ذهب أبو علي وأبو هاشم ~~إلى أن الأكوان منها متماثلة ومنها مختلفة ، والمختلف منها متضاد. # ثم اختلف الشيخان ، فقال أبو هاشم (2): الكونان المتماثلان هما اللذان ~~يختصان بمحاذاة واحدة سواء كانا حركة أو سكونا وسواء اتحد المحل أو تغاير ، ~~ولا يؤثر في تماثله أن يكون مرة حركة يمنة والآخر حركة يسرة ، فان الواحد ~~إذا مشى في جهة ثم رجع إلى ما ابتدأ منه كانت الأكوان الصادرة منه أولا ~~متماثلة للصادرة عنه ثانيا ، لأن تحركه في الحالين في محاذاة واحدة. وأما ~~الأكوان المتضادة فهي التي لا تختص بمحاذاة واحدة. # وبنوا ذلك على مقدمة هي : أن التماثل في المعلولات يستدعي تماثل العلل ، ~~وهو باطل. PageV03P287 # وقال أبو علي : قد يجوز في الموجود في جهة واحدة أن يشتمل على المتماثل ~~والمتضاد، لما اعتبر في ذلك بكونها حركة أو سكونا فأثبت التضاد بينهما على ~~كل حال. وهو مذهب أبي القاسم الكعبي ، لكنه اختص بإيجاب الخلاف بالقبح ~~والحسن فجعل القبيح من الحركات مخالفا للحسن. وهو خطأ ، لأن الحسن والقبح ~~قد يشتمل عليهما النوع الواحد ، والتماثل والاختلاف يثبتان لما عليه الشيء ~~في ذاته. # وقال أبو يعقوب : لا تضاد في الأكوان أصلا ، بل تختلف وتتماثل من غير تضاد. # وعند جماعة من ms0969 الأشاعرة كالقاضي أبي بكر وغيره من القائلين بأن المماسة ~~ليست كونا قائما بالجوهر : أن الأكوان كلها متضادة ، لأنها إن اقتضت الحصول ~~في حيز واحد كانا مثلين فكانا متضادين ، وإن اقتضت الحصول لا في حيز واحد ~~فلا شك في تضادها (1)، وقد تتعاقب وقد تمتنع ، وهو بعينه كلام المعتزلة ، ~~لكن الفرق بينهما إمكان اجتماع الأمثال ، فالمعتزلة جوزوه والأشاعرة منعوه ~~فلهذا حكموا بأن المثلين ضدان ، لأن الضدين عندهم هما اللذان يمتنع ~~اجتماعهما. # وإن قيل : المختلفان اللذان لا يمكن اجتماعهما ، خرج المثلان. وإن زيد ~~فيه : ويصح تعاقبهما على محل واحد ، لم تكن جميع المختلفات من الأكوان ~~متضادة. # والمشهور عند المتكلمين الأخير والحكماء زادوا قيدا آخر وهو أن يكون PageV03P288 # بينهما غاية التباعد فلا يكون ضد الواحد إلا واحدا. # ومن جوز قيام المماسات بالجوهر الواحد وجعلها إلزاما لأبي الحسن وأبي ~~إسحاق لم يطلق القول بالتضاد عليهما ، لأن المماسات عنده أكوان وليست أضداد ~~لاجتماعها فهي أكوان مختلفة غير متضادة. # احتج المشايخ على التماثل أيضا فيما إذا اتحدت الجهة بأنها لو كانت ~~مختلفة لا فترقت في وجه يوجب الخلاف ، والتالي باطل ، فالمقدم مثله. ~~والشرطية ظاهرة. # وبيان بطلان التالي : أنه لا يمكن الإشارة إلى وجه يوجب المخالفة سوى ~~الأسماء ، فيقال في بعضها حركة وفي البعض سكون. واختلاف العبارة لا يوجب ~~اختلاف الحقيقة ، فان الحركة تصير سكونا إذا بقيت والبقاء لا يقلب الجنس ، ~~ونفس ما هو سكون قد كان يجوز أن تقع حركة ، فانه تعالى لو قدم خلق الجوهر ~~في مكان لصح أن ينتقل بهذا الكون إلى هذا المكان فتكون حركة وإن كان الآن سكونا. # قال أبو علي : لو كانت الحركة في جهة والسكون فيها مثلين وجب صحة ~~اجتماعهما. وأبو هاشم التزم به ، لكن عند الاجتماع تخرج الحركة عن أن تسمى ~~بذلك ، من حيث إن هذه التسمية تقتضي أن ينتقل بها إلى مكان سواه وقد بينا ~~أن نفس ما هو حركة يصير سكونا بالبقاء ، ونفس ما هو سكون قد كان يصح أن ~~يوجد حركة على ضرب من التقدير ، فأما في ms0970 الوجود فالسكون محال أن يصير حركة ~~من بعد ، لأنه يقتضي قلب جنسه من حيث إن أخص ما عليه هو إيجابه لكون الجوهر ~~كائنا في هذه المحاذاة فلو اقتضى انتقال الجوهر لانقلب جنسه. وعلى التضاد ~~فيما إذا خرجت الأكوان عن الاختصاص بالجهة الواحدة بالعلم الضروري بامتناع ~~حصول الجوهر الواحد في الوقت الواحد في مكانين ، ولا وجه لهذه الاستحالة ~~إلا تضاد الكونين اللذين بهما يحصل في الجهتين ، فلاستحالة اجتماعهما PageV03P289 # لتضادهما استحال حصوله في الجهتين. # لا يقال : التضاد في الحقيقة لا يثبت إلا والجهة واحدة وإلا لكان تضادا ~~في الجنس وهو يوجب صحة وجود الجوهر في جهتين. # لأنا نقول : إذا اتحد المحل تضادا وإن تعددت الجهة على الحقيقة ، وإنما ~~يتضادان في الجنس لو تعدد المحل. # لا يقال : هلا كان المحيل لذلك تحيزه؟ # لأنا نقول : تحيزه يصحح كونه في كل واحدة من الجهتين على البدل ، وما ~~يصحح أمرا من الأمور لا يحيله. # لا يقال : التحيز عندكم يصحح في كل واحد من الجوهرين أن يحصل في جهة ، ~~والتحيز بعينه يحيل اجتماع جوهرين في الجهة الواحدة ، فقد صار نفس ما صحح ~~حكما محيلا له. # لأنا نقول : انا نجعل التحيز محيلا ، لحصوله (1) في غيره ولوجوده في جهة ~~لا على وجه الشغل لها ، ونجعله مصححا ، لوجوده في الجهة على وجه الشغل لها ~~، فصارت هذه الصفة مصححة لأمر ومحيلة لما سواه. وليس كذلك ما قلتم ، لأنكم ~~جعلتم المصحح لأمر هو المحيل لذلك الأمر بعينه. PageV03P290 ### | البحث الرابع ### | في تفاريع التضاد والتماثل # وهي ستة : ### |||| ** الأول : قال مشايخ المعتزلة : متماثل الأكوان مختص بحكم من بين سائر المتماثلات ليس ~~إلا له وهو استحالة وجوده والوقت واحد في محال متغايرة. وإنما يوجد في ~~المحال على البدل مع اتحاد الوقت ، لاستحالة اجتماع الجواهر المتعددة في ~~مكان واحد. أما غيره من المتماثلات فيمكن حصولها في وقت واحد لمحال متعددة ~~كسوادين حلا جوهرين دفعة. ويختص أيضا بحكم آخر وهو صحة وقوع التمانع به (1) ~~وذلك معقود في غيره ، لأنه يقع بالأمور المتضادة أو الجارية مجراها ، فان ~~الخط المركب ms0971 من ثلاثة أجزاء لو أراد أحدنا نقل أحد طرفيه إلى الأوسط وأراد ~~القديم تعالى نقل الآخر إليه فمراده هو الواقع وتقع الممانعة لا بنفس ~~الجوهر ، بل بالأكوان. ### |||| ** الثاني : متضاد الأكوان إما أن تتنافى أو لا ، فالأول مثل الكون في المكان الثاني ~~فانه ينفي الكون في المكان الأول ، والثاني كالكون في المكان الثالث ~~بالنسبة إلى الكون في المكان الأول فانه لا ينفيه ، لأن نفيه حصل بالكون في ~~المكان الثاني PageV03P291 # وكل كون سابق فإنه لا ينفي غيره من الأكوان. ### |||| ** الثالث : المتضاد من الأكوان إما أن يثبت ضدا في الجنس ، كالكون في يرد أحدهما على ~~الآخر فينفيه (1)، كالكون في المكان الثاني مع الكون في الأول. (2) # ولا يكون كذلك إلا مع اتحاد المحل ، فأما عند تغايره فهو مثل ما نقوله في ~~المضادة بين الأكوان على هذين الوجهين. وجملة ذلك على ثلاثة أضرب : # أ. يصح فيه طريق البدل أو المعاقبة بأن تكون المحاذاتان قريبتين والكونان ~~من فعل الله تعالى مبتداء ، فانه يصح أن يوجد أحدهما بدلا من الآخر ويعاقب ~~أحدهما صاحبه. # ب. يصح فيه التعاقب دون البدل بأن يكون الكونان من فعلنا أو من فعله ~~تعالى متولدا في محاذاتين متجاورتين ، فان أحدهما يصح معاقبته للآخر ولا ~~يجوز وجوده بدلا منه. # ج. يصح فيه البدل دون المعاقبة ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما هو من فعله ~~تعالى خاصة حال حدوث الجوهر في مكانين متباعدين فيصح من الله تعالى إيجاد PageV03P292 # الجوهر بالبصرة بدلا منه ببغداد (1) وهما كونان ضدان ، والتعاقب بينهما ~~لا يصح لامتناع الطفرة. وإنما استحال منا لامتناع أن يصدر منا الكون في ~~الأول منه في العاشر. (2) ### |||| ** الرابع : قالوا : إذا صح لنا تضاد الحركتين في جهتين بطل قول الفلاسفة : إن الجسم ~~يتحرك دفعة واحدة حركتين متضادتين إحداهما بالذات والأخرى بالعرض (3)، ~~لأنه يقتضي حصوله على حالتين متضادتين ، كفلك البروج المتحرك بذاته على ~~التوالي وكحركة المحيط على خلاف التوالي ، وكذا الكواكب السيارة ، ~~وكالمتحرك في السفينة على خلاف حركتها ، والنملة المتحركة على الرحى على ~~خلاف جهتها. # وأجابوا بأن المتحرك في السفينة ms0972 إنما يتحرك حال وقوفها فإذا تحركت وقف. ~~وكذا النملة تتحرك حال سكون الرحى ويسكن حال حركتها. والأصل فيه أن السكنات ~~تتخلل الحركات. ### |||| ** الخامس : ومنعوا من وصف الحركة بالسرعة والبطء (4) إلا باعتبار تخلل PageV03P293 # السكنات ، وإنما يكون مجموع ذلك في مجموع حركات ، أما الحركة الواحدة ~~فيستحيل عندهم وصفها بالسرعة والبطء ، لأن كل حركة فانه لا يصح أن يقطع بها ~~إلا مكان واحد ، إذ لو قطع بها مكانان لصارت على صفة ضدين. وإنما تسرع ~~الحركة عندهم بخلوها من السكنات أو قلتها. وأبطلوا دوام حركة الكواكب دائما ~~والفلك دائما مع سرعة أحدهما وبطء الآخر. وليس لكثرة الحركات في الجسم ~~تأثير في القطع ، ولهذا لو تحرك جسم أوقاتا بعشر حركات متوالية وتحرك آخر ~~في خمسة أوقات بألوف حركات وسكن في خمسة أوقات لكان وصول الأول أسرع وإن ~~كانت حركات الآخر أكثر. وليست الحركات مما تظهر للحس كأجزاء السواد وإنما ~~تؤثر كثرة الحركات في قوة المنع. # وقال أبو هاشم : العلة في سرعة حركة أحد الجسمين وبطء الآخر أن أحد ~~الجسمين يكون أثقل من الآخر فتكون الحركة الموجودة عن الثقل أكثر. # وهذا لا يتم على قول من يقول : إن كثرة الحركات كقلتها في أنه لا يقطع ~~بها والوقت واحد إلا مكانا واحدا. ### |||| ** السادس : منع المشايخ حركة الجسم على الاستدارة ، لأن الأجزاء لا يصح تحريكها في سمت ~~إلا على الحد الذي يصح ملاقاتها لغيرها ، ومتى تحركت دورا كان هناك من ~~الوجه ما يصغر قدره عن الجزء ولا شيء أصغر من الجزء. PageV03P294 ### | البحث الخامس ### | في بقاء الأكوان (1) # اختلف الشيخان هنا ، فقال أبو هاشم : إنه يصح البقاء عليها أي شيء منها ~~كان. وقال أبو علي : لا يجوز بقاء الحركة (2)، وهو مذهب الكعبي. وأما ~~السكون فجوز أبو علي بقاءه إذا كان من فعل القادر منا ثم صادف منعا أو عجزا ~~، ومنع جماعة من القائلين ببقاء الأعراض من بقائها. وأما الأشاعرة فمذهبهم ~~في ذلك ظاهر فانهم منعوا من بقاء كل الأعراض. # والدليل على البقاء أن الكائن في جهة لا يخرج عن كونه ms0973 كائنا فيها إلا عند ~~طرو ضد على طريقة واحدة. # وأيضا إذا تشبث أحدنا بجسم فمن دونه في القوة لا يتمكن من دفعه فإذا زال ~~يده عنها أمكنه ذلك ، فكانت العلة أنه في الابتداء كان يجذب السكون حالا PageV03P295 # فحالا والحادث مانع وفي الثاني كف عن فعله فصار ما كان فيه باقيا ولا حظ ~~للباقي في الأكوان في المنع ولو لا ذلك لتعذر عليه رفعه في الثاني على حد ~~يعذره في الأول. # وأيضا لو لم تكن الأكوان باقية لزم أحد الأمرين وهو إما أن يمتنع علينا ~~نقل الأجسام الثقيلة أصلا أو يتأتى منا نقلها بسهولة ، لأن القديم عز وجل إن ~~أراد إيجاد السكون فيه حالا بعد حال فمراده بالحصول أحق فكان يمتنع ، وإن ~~كان لا يريد ذلك فيجب أن يتأتى على سهولة ، فلما صعب دلنا هذا على أن هناك ~~ما يحتاج إلى إبطاله فهو باق. # احتج أبو علي بوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : الحركة لو بقيت لصارت سكونا. (1) # والجواب : نلتزم ذلك ، فان الجنس واحد. # لا يقال : الحركة تدرك على خلاف ما يدرك السكون فلو بقيت لاقتضى أن تتغير ~~في الإدراك. # لأنا نقول : لا نسلم أن الأكوان مدركة. ### |||| ** الوجه الثاني : لو بقي السكون لانقلب الحسن قبيحا ، والتالي باطل لامتناع قلب الحقائق ، ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن من أذن لغيره في داره يكون الجلوس في داره يكون جلوسه ~~حسنا فلو أمره بالخروج فلم يخرج صار ذلك السكون بعينه قبيحا ، أما على ~~قولنا بعدم البقاء PageV03P296 # فان الجالس يجدد السكون حالا فحالا فلذلك يستحق الذم. # والجواب : أنه يستحق الذم لأنه لم يفعل ما وجب عليه من الخروج متى نهاه ، ~~والحسن لم ينقلب قبيحا. وقد يحتاج الجالس في دار غيره إلى تجدد أكوان في ~~نفسه حتى لو لم يفعلها لسقط مما فيه من الثقل فيكون النهي والكراهية ~~متناولين لذلك. ### |||| ** الوجه الثالث : لو بقيت الحركة لكانت قطعا للمكان في حال بقائها ، أو كانت تسمى حركة وهي ~~باقية كما تسمى بذلك إذا كانت حادثة. # والجواب : لا عبرة بالعبارة. وأما المعنى فانها ms0974 وإن بقيت لم تخرج عن أن ~~تكون كونا في هذا المكان ، لأن بقاء الشيء لا يقلب جنسه ، ولو قطع بها مكان ~~آخر لاقتضى قلب جنسها فهو كالسواد في أنه لا يصح أن يقال : لو بقي صار ~~بياضا أو حمرة ، وهذا قول أبي هاشم في بعض كتبه. # وقال في الجامع : إذا بقيت لا يصح أن يقطع بها غير ذلك المكان ، كما إذا ~~بقي السواد لا يجب أن يسود به غير ذلك المحل لما كان السواد يختص محلا ~~معينا ، والحركة توجب كون الجوهر كائنا في جهة مخصوصة. ### |||| ** تذنيب : قالوا : لو سأل سائل عن وجود الحركة في الجسم أتوجد في الأول أو في الثاني ~~من مكانيه؟ أجبنا بأنه قد وجد فيه فينتقل به إلى الثاني فكان حال وجودها ~~حال انتقاله إلى الثاني ، وتحقيقه أنه يوجد في الثاني من مكانيه. (1) PageV03P297 ### | البحث السادس ### | في إدراك الأكوان # اختلف الشيخان هنا (1)، فقال أبو علي : إن الأكوان أجمع تدرك رؤية ولمسا ~~، وهو قول الكعبي. ومنع أبو هاشم من ذلك ، وقال : الإدراك لا نتناولها ~~البتة ، لكنه تارة يقول : إنها تعلم بالضرورة وإن لم تدرك ، وذلك حيث جعل ~~العلم بالمتحرك علما بحركته ، وتارة رجع عن ذلك. وأبو علي قال أولا بقول ~~أبي هاشم ثم رجع. # احتج أبو هاشم : بأن راكب السفينة لا يفصل بين كونها سائرة وكونها واقفة ~~، ولو كانت الأكوان مدركة لوجب أن يفصل بينهما ، لأن الإدراك للشيء إنما PageV03P298 # يتعلق بخصوصه لا لمطلق الوجود. (1) # لا يقال : المانع من وقوع الفصل أنه يحدث فيه مثل ما يحدث في السفينة من ~~الأكوان فتصير كالمبرود الذي لا يدرك برد الماء. # لأنا نقول : الحادث في السفينة ضد ما يحدث فيه. وأيضا فهو ينظر إلى الشط ~~فلا يعرف حركته وسكونه وإن كان لا يحدث فيه شيء. وأيضا كان يلزم أن لا يقع ~~له الفصل إذا ركب دابة بين سيره ووقوفه. # لا يقال : غير راكب السفينة يفصل بين كونها متحركة وواقفة فيجب أن يدل ~~على أن الكون مرئي. # لأنا نقول : لو كانت مرئية في نفسها ms0975 لوقع لراكب السفينة الفصل ، وهو ~~ممنوع. وأيضا لو كانت مدركة لوقع الفصل بين كثيرها وقليلها ، كاللون والطعم ~~وغيرهما ، ونحن لا نفرق بين أن يكون في الجسم حركة واحدة أو كثيرة. وأيضا ~~لو كانت الأكوان مدركة لوقع العلم الضروري بها ، فكنا نستغني عن الاستدلال ~~على سكون الأرض. # احتج أبو علي بأنا ندركه بفرقة بين المتحرك والساكن. # والجواب : لا نسلم أن التفرقة باعتبار الإدراك. # ولأبي هاشم في الاعتذار عنه وجهان : ### |||| ** الأول : قال في العسكريات : إن التفرقة هي باعتبار أن الجسم إذا تحرك عن مكانه وشغل ~~غيره فإنا نشاهد الأول فارغا بعد أن كان غير مرئي لكون الجسم فيه ، PageV03P299 # ولا نرى ما كنا رائين له من المكان لتغطيته بالجسم المنتقل إليه ، فلأجل ~~أنه لا نرى ما كان رائيا ونرى ما لم يكن رائيا لم يقع الفصل. ### |||| ** الثاني : الجسم إذا تحرك انخرق شعاع الرائي بعد أن كان منفصلا عنه على حد الاستواء ~~إذا تحرك يمنة ويسرة ويقصر شعاعه بعد استطالته إذا تحرك إلى خلف ، فالفصل ~~بين حالات الجسم إنما هو باعتبار اضطراب حال الشعاع ولا يجب في من لا يعرف ~~الشعاع أن لا يقع له هذا الفرق ، فإن طريق الحكم غير الحكم. # لا يقال : يجب من هذا أن لا يعرف أبو علي الأكوان حيث اعتقد أنها مرئية ~~وهذا يقدح في علمه بحدوث الجسم ، لأن طريق الحدوث معرفة حدوث الأكوان ~~المتوقفة على معرفتها. # لأنا نقول : إذا عرف عند نظره أن الكون غير الجسم فقد عرف نفس المعنى ولا ~~يمنعه ذلك الاعتقاد من هذا النظر. PageV03P300 ### | البحث السابع ### | في أن الأكوان مقدورة # البرهان على أنا قادرون على الأكوان هو البرهان الدال على قدرتنا على ~~جميع الأفعال الصادرة عنا (1) من وجوب وقوعها بحسب قصودنا ودواعينا ، ووجوب ~~انتفائها بحسب صوارفنا. ولأنها موقوفة على ما نفعله من السبب الذي هو ~~الاعتماد ، وفاعل السبب فاعل المسبب. ومن ثبوت الاتقان والاحكام فيها إلى ~~ما شاكل ذلك. # ثم إن الكون يقع منا على وجهين : الابتداء والتوليد ، إما في محل القدرة ~~أو معدى عنها ms0976 ، وإن كان في كلا الحالين يكون الاعتماد هو الذي يولده. # ومن الأكوان ما لا يصح صدوره عنا البتة وهو الموجود في الجوهر حالة ~~الحدوث ، فان القديم تعالى هو المختص بالقدرة عليه. (2) لأن الذي نفعله في ~~غير محل القدرة من شأنه أن يكون هناك مماسة بين محل الاعتماد وبين محل ~~السكون ، ومماسة المعدوم محال. PageV03P301 ### | البحث الثامن ### | في أن الكون يولد غيره # اعلم أن الكون أحد الأسباب ، وإنما يولد التأليف بشرط تجاور المحلين (1) ~~. ويولد الألم بشرط انتفاء الصحة عن المحل. وإنما علمنا الأول باعتبار حصول ~~التأليف مناسبا للكون فان المجاورات إذا حصلت طولا حصل التأليف كذلك ، فإذا ~~حصلت عرضا حصل التأليف في هذه الجهة ، فيختلف حاله بحسب اختلافها فيجب أن ~~تكون مولدة له ، ولأجل هذا تكثر التأليفات في المحال عند كثرة المجاورات. ~~وبهذا نعلم أنه ليس يتولد التأليف عن الرطوبة ، لأنه يحصل التأليف بحسب ~~المجاورة دونها. (2) وعلى أنه كان يجب لو شاركت الرطوبة الكون في توليده ~~التأليف لشاركته في توليد الألم. وإنما علمنا الثاني بأنه متى حصل التفريق ~~وجد الألم بحسبه ، ولولاه لأمكن الانفكاك وهو محال. ولا بد من شرط انتفاء ~~الصحة ، وإلا لوجب أن يتألم أحدنا بانتقاله عن مكانه لحدوث كون فيه. ~~والمجاورة كونان حاصلان في جوهرين لا يفعلان جزءا واحدا PageV03P302 # من التأليف ، وإلا لزم وقوع الفعل بفاعلين إذ من الجائز أن يكون أحد ~~الكونين فعلا لفاعل والآخر فعلا لغيره ، بل كل واحد منهما يوجد جزءا من ~~التأليف في محله على الانفراد. PageV03P303 ### | البحث التاسع ### | في التفريع على التوليد # وهو من وجوه : ### |||| ** الوجه الأول : اختلف الشيوخ في توليد الكون في حالتي الحدوث والبقاء. وكلام أبي هاشم دال ~~على أنه يولد في الحالين معا ، لكن شرط في توليده التأليف تجدد المجاورة ، ~~وإلا لازداد صعوبة التفكيك فيه على الأوقات لتزايد التأليف ، وإذا لم يكن ~~كذلك فلأجل أن التجاور فيه مستمر غير متجدد ، ومتى كان الجسم ملتئما ~~متجاورا فثقلت (1) فيه مجاورة زائدة فالمنع بتبعها ، لأن التأليف يزداد. ~~وكذا في اعتبار تجدد انتفاء الصحة ، لأن الكون ms0977 لو وجد وكان انتفاء الصحة ~~مستمرا غير متجدد لم يزدد الألم على ما كان ، فان اليد المجروحة لو سكنت في ~~الجو وانتفاء الصحة على ما كان عليه لم يزد الألم فإن زاد فمنه تعالى. # وإنما اختار ذلك لأن توليده لما يولده هو لأمر يرجع إلى ذاته فلا يجوز أن ~~يختلف في حالتي الحدوث والبقاء. # وأما أبو علي فانه لما لم يقل ببقاء الحركات ولم يجعل الاعتماد مولدا قال ~~: إن التوليد يتبع الحادث دون الباقي. PageV03P304 ### |||| ** الوجه الثاني : لا يجوز مع تكامل شروط التوليد في الكون أن لا يقع مسببه ، لأن وجود عارض ~~فيه لا يصح من حيث إن ما يولده الكون لا ضد له من تأليف وألم ، فإذا لم ~~يوجد مسبب الكون فلفقد بعض الشروط بخلاف الاعتماد ، لأنه إذا ولد الكون فله ~~ضد يصح حصوله فيمنع الاعتماد من التوليد ولا يحصل مسببه مع تكامل الشروط ~~وإن صح أن يجعل وجود هذا الضد مما لا تكمل معه الشروط ، بل الشرط يحصل ~~بانتفائه ، وإذا وجدت أكوان كثيرة في المحل وانتفت الصحة اشتركت في توليد ~~الألم ، إذ ليس بعضها بالتوليد أحق من الآخر ، خلافا لأبي هاشم حيث قال : ~~إنه متى انتفت صحة واحدة ولد بعضها دون بعض ، وإنما تجتمع علة التوليد إذا ~~انتفت الصحة عن محال كثيرة. وهو غلط ، لفقد الاختصاص ، والشرط حاصل في الكل ~~، فلا وجه للتخصيص. ### |||| ** الوجه الثالث : لا يولد الكون شيئا من الأجناس سوى الألم والتأليف. أما المعاني التي يمكن ~~مفارقة الكون لها على كل وجه فلا شبهة في أنه لا يجري بينهما توليد. وإنما ~~اشتبه الحال فيما لا يوجد عاريا عنه كالجوهر ، وتوليده عنه غير صحيح ؛ لأنا ~~نقدر على الكون فلو ولده لقدرنا عليه ، لأن القادر على السبب قادر على ~~المسبب. # وأيضا نازع أبو علي هنا فجوز توليد الحركة للحركة ، وتوليد الحركة للصوت ~~، وأجاز في الحركة توليدها للسكون في محله ، ومنع في السكون أن يولد ~~السكون. وأجاز أبو القاسم الكعبي ذلك كما أجاز في الحركة توليدها لأخرى. ~~والمشهور أن الذي ms0978 يولد جميع ذلك هو الاعتماد ؛ لأن الحركة (1) لو ولدت ~~الحركة لم تكن بأن تولد الحركة يمنه أولى من يسرة لتساوي حالها مع الجهتين. ~~ولهذا يفارق الاعتماد ، لأنه يختص بجهة يتولد منها والحركة لا جهة لها وإلا ~~كانت مثلا PageV03P305 # للاعتماد ؛ وكان يلزم في السكون أن يختص بجهة ، لأنه قد يكون من جنس ~~الحركة. # وأيضا الحركة الثانية تضاد الأولى ولا شيء من الأضداد يولد ضده ، لأن ~~مضادته تقتضي إحالة وجوده وتوليده له يقتضي تصحيحه ، فيؤدي إلى أن يكون ~~محيلا ومصححا. # وأيضا كان يلزم أن لا يتراجع الحجر إذا رمى إلى فوق ، بل يذهب أبدا بأن ~~(1) تولد الحركة الحركة. إلا أن هذا الوجه إنما يصح على قول أبي هاشم حيث ~~يقول : بتكافؤ الاعتمادات ورجوع الحجر لتناقضها (2)، أما إذا جعلت العلة ~~أمرا يحدث في الجو فلقائل أن يقول : إن الحركة تولد مثلها. ولكن نراجعه ~~بالأمر الذي يقولونه ، وهذا هو الذي أدى أبا هاشم إلى أن جعل علة رجوع ~~الحجر تناقض الاعتماد ، لنسلم له هذا الدليل ، وإلا انقلب عليه في الاعتماد ~~حتى لا يجعل مولدا للحركة ، لعلمنا بتراجع الحجر. # وأما أن السكون لا يولد السكون فظاهر ، وإلا لزم ما لا يتناهى. ولزم أن ~~لا يفترق الحال بين تشبث القوى بالجسم وبين رفع يده عنه في تعذر رفعه على ~~الضعيف ، لأنه كان يجري مجرى ما كان الفاعل يحدثه فيه عند تشبثه به. وكان ~~يلزم أن لا يسقط المعلق في الهواء مع قطع الحبل بأن يولد السكون الذي كان ~~فيه قبل القطع سكونا آخر بعده ؛ وعلى مثل هذا يلزم فيمن سكن نفسه ثم نام أن ~~لا يسقط لتوليد سكونه الذي فيه غيره من السكنات. وبهذه الجملة الأخيرة ~~يستدل على أن الحركة لا تولد السكون ، وإلا لزم ما تقدم. PageV03P306 # وأما السكون فلا يولد الحركة ، لأنه ليس توليدها في جهة أولى من غيرها. ~~ومنه يعلم أنه لا يولد الكون الاعتماد ، وإلا لم يختص بجهة دون غيرها. # والحركة لا تولد الصوت ، لأن الحركة لا جهة لها فلا تولد في غير ms0979 محلها ~~والصوت يحصل في غير محلها ، فالمولد له الاعتماد. ### |||| ** الوجه الرابع : المكان عند المشايخ هو ما منع من اعتماد الثقيل من النزول على وجه ثقله عند ~~اعتماده عليه. وقال الكعبي : هو المحيط لغيره من جميع جوانبه. (1) وأبطلوه ~~بأنه ليس في المتعارف تسمية القميص مكانا. # إذا عرفت هذا فإنه يمكن حركة جسم لا في مكان ، لأن الله تعالى لو خلق ~~جسما ثقيلا لهوى عند فقد العائق ، وإن لم يكن مكان فقد تحرك لا في مكان. ~~وقال النظام : الجسم لا تقع حركته إلا في مكان ، وهو مذهب الكعبي (2)، ~~فإنه منع من # ويقول أبو رشيد بأن البصريين يرون بأن المكان هو «الشيء الذي يسند الجسم ~~الثقيل وزنه إليه ، وحفظ هذا المكان يمنع من سقوط الجسم». ويستطرد أبو رشيد ~~في بحثه قائلا بأنه لا يمكن اعتبار الفضاء المحيط مكانا ، لانه غير ثابت ~~ومستقر. ولكن لو كان هناك جسم ثقيل واحد ، ليس له مكان يستقر عليه ، فليس ~~له وجود في مكان معين ، عندها لا يكون هناك معنى لسقوطه. # إن أساس هذا الاختلاف هو اعتقاد البصريين بوجود الخلاء ، وإنكار البلخي ~~لوجوده. ولو لم يكن هناك شيء اسمه الخلاء ، فسوف يكون الجسم المماس لسطح ~~الأجسام الأخرى دائما محيطا به. ولو كان الخلاء موجودا ، فلا يحتاج الجسم ~~بأن يكون مماسا مع الأشياء الأخرى من جميع الجوانب ، وأفضل شيء يقال في ~~جواب السؤال: أين هو؟ الإدلال على الشيء المستقر عليه إذا كان في حالة ~~السكون. راجع مارتن مكدرموت ، نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد : 259. PageV03P307 # صحة حركة الجسم أو سكونه أو وجود كون فيه إذا لم يكن هناك مكان ، وقال : ~~لو خلق الله تعالى الجوهر الواحد فقط الخلاء عن الكون. # واحتجا بأن الحركة لا تعقل إلا مفرغا لمكان شاغلا لغيره ، وهو ممنوع ، بل ~~الواجب أن تكون في جهة. # وقال الكعبي : إذا زال المكان عن تحت المتمكن عليه فهوى ، فهويه لأجل ~~زوال المكان عن تحته ، وعند المشايخ لما فيه من الثقل لاختلاف الحال بحسب ~~ثقله كالحجر والريشة ، وكان لا يجب اختصاص ms0980 الجهة بالهوي دون غيرها ، ~~فانحداره على وتيرة واحدة يدل على أنه للثقل. PageV03P308 ### | البحث العاشر ### | في القدرة على التحريك والتسكين # لا خلاف بين الشيخين في أن الله تعالى يصح أن يسكن الساكن ، وأن ذلك ~~السكون الذي كان فيه يبقى ، ثم يحدث مثله من جهته حالا فحالا على ما يقال ~~في سكون الأرض. (1) وكذا لا خلاف في صحة تحريك أحدنا أبعاضه وتسكينها أبدا. # واختلفا في أن أحدنا هل يصح منه تسكين الساكن أم لا؟ فمنع أبو علي منه ~~وقال : ما نفعله في الأول يبطل فلا يمكن أن نسكن الجسم سكونا متواليا. ~~وبناء ذلك على قوله أن المولد هو الحركة فلا بد من أن تتخلل سكونين حركة. ~~وجوزه أبو هاشم ، لأن الشيء لا يمنع عن مثله فصح اجتماعهما. وأيضا إذا تشبث ~~أحدنا بجسم فلو لم يسكنه حالا بعد حال لكان من دونه في القوة لا يتعذر عليه ~~تحريكه. # واختلف قول أبي هاشم في الجسم الذي لا يقدر أحدنا على تحريكه هل يقدر على ~~تسكينه؟ قال في الجامع : لا يصح ، وهو ظاهر قول أبي القاسم الكعبي ، وحكي ~~عنه أنه رجع عما قاله في الجامع فجوزه. وأما أبو علي فالذي ذهب إليه هو ~~المنع من تسكين ما لا نقدر على تحريكه ، حتى قال : لا يصح أن نفعل فيه ~~الاعتماد ، PageV03P309 # لأنه ذهب إلى تضاد الاعتمادات ، كما منع من فعل السكون. # واستدل من جوزه : بأن الاعتماد الذي هو سبب السكون حاصل والمحل محتمل ولا ~~مانع فيجب وجود مسببه. ولا يصح أن يجعل ثقله مانعا ، لأن منعه هو بموجبه ~~الذي هو السكون ، ولا منافاة بين السكونين ، ولهذا تجد الحمال إذا اعتمدنا ~~على حمله مشقة ومدافعة زائدة فلا بد وأن يولد اعتماده السكون فيه وإن لم ~~يقدر على تحريكه. # لا يقال : إذا عجز عن تحريكه فقد عجز عن تسكينه. # لأنا نقول : لا نسلم الملازمة ، لأن في التحريك منعا ليس في التسكين ، هو ~~امتناع أن يجتمع موجب الاعتمادين ، ولا يمتنع وجود السكونين. ولأنه يجب أن ~~يفعل بعدد ما في جميع ms0981 أجزاء الحبل من الثقل وزائدا إذا أراد تحريكه ، وليس ~~كذلك عند التسكين. # إذا عرفت هذا ، فإذا صح تسكين ما لا نقدر على تحريكه ، فالقدر الذي نسكنه ~~ما هو؟ إذ لا يجوز أن يقال : إن جميع الجبل يسكن ، وإلا لزم فيمن بعد عنه ~~إذا أراد قلع شيء من الحجارة أن يحتاج إلى أن يفعل أزيد مما يفعله من ~~الأكوان لو لم يكن هنا مسكن ، وخلافه معلوم ، فيجب أن يقال : هو القدر ~~المسامت ليده إذا اعتمد بها حتى يبلغ إلى آخر تخوم الأرض على ما قاله أبو ~~إسحاق ، بخلاف ما قاله أبو هاشم : إنه يسكن القدر الذي لو انفصل لقدر على ~~تحريكه ، لأن السبب الواحد قد صح توليده في المحال الكثيرة كالقدرة ولا ~~يلزم الشناعة بأن يبلغ اعتماده آخر الأرضين السابعة ، لأنه يجب ذلك إن ثبت ~~الاتصال في الجميع ، ولا يكون من الباب الذي يدعي الضرورة في خلافه. # لا يقال : إذا نقدر تحريك بعض الجبل من دون بعض فهلا نقدر مثله في ~~التسكين؟ PageV03P310 # لأنا نقول : الفرق ظاهر ، لأنه بالالتصاق قد صار في حكم الشيء الواحد فلو ~~حرك بعضه مع سكون الباقي لحصل افتراق ، وإذا كان ساكنا فليسكن بعضه زيادة ~~سكون دون غيره فلا يحصل المانع ، فافترقا. ### ||| ** تذنيبات ### |||| ** الأول : قال بعض المشايخ : يجوز أن يتحرك الجسم حركات متوالية لا سكون فيها في جميع ~~الأجسام. وجوزه الكعبي في الخفيف دون الثقيل. ولو قيل بالعكس كان أقرب ، ~~فإنا إذا رمينا الخفيف لم نجد سرعة حركته كسرعة حركة الثقيل ، والمانع في ~~الجو يمنع الخفيف بأكثر من منعه للثقيل ، ولا وجه يمكن الإشارة إليه من منع ~~توالي الحركات في الثقيل إذا كانت الأحوال سليمة ولا عارض في الجو ، والذي ~~بسببه يقع الفرق بين نزول الخفيف والثقيل هو الهواء الذي في الجو ، وإلا ~~فلولاه لكان الحجر والريشة إلها بطان ينزلان معا ، إلا أن الهواء مانع ~~للخفيف من النزول والثقيل يخرقه. هذا هو الصحيح عند مشايخ المعتزلة وإن كان ~~أبو هاشم قد استبعده. ### |||| ** الثاني : يصح من القديم تعالى تسكين ms0982 الثقيل من دون قرار ولا علاقة بأن يخترع فيه ~~سكونا فيقف. (1) وقال الكعبي : إنه غير مقدور. # ويبطل قوله ، لأن السكون لا يحتاج إلى أكثر من المحل ومحله يحتمله لتحيزه ~~فلا وجه للحاجة إلى قرار أو علاقة ، بل إذا فعل الله تعالى فيه السكون وقف كما PageV03P311 # يقف إذا فعله على قرار. هذا ما دام السكون زائدا على موجب الثقل. ولأنه ~~تعالى يسكن السماوات والأرض ولا قرار لهما. # احتج بأنه لو صح منه تعالى لصح منا. # وهو ممنوع ، لتوقف فعلنا على آلات وأسباب بخلاف فعله تعالى. ### |||| ** الثالث : منع الكعبي (1) من صحة تحريك الله تعالى الثقيل بغير جاذب ولا دافع ، ومن ~~صحة إيجاد الحركة مخترعة من غير سبب. وهو خطأ لاستغنائه تعالى عن الآلات ~~والأسباب. ولأن الحركة وجودها مقصور على وجود المحل فيجب صحة وجودها من دون ~~ما شرطه ، ولو لم يصح منه إيجاد الحركة مخترعة لما صح منه فعل الكون في حال ~~حدوث الجوهر ، لأنه لا يقع إلا مخترعا. ### |||| ** الرابع : اختلف الشيخان ، فقال أبو هاشم : يصح أن نحرك جسما باعتمادنا عليه من دون ~~تحرك محل الاعتماد ، لكن هذا في أول الحركات أما إذا توالت # والمسألة وما قبلها تدوران حول قدرة الله تعالى للتدخل مباشرة في السير ~~الاعتيادي للعلية الطبيعية. وأن ما نستنتجه من هذا كله هو أن البغداديين ~~(من المعتزلة) والشيخ المفيد كانوا متشددين أكثر بشأن العلية الميكانيكية ~~الطبيعية ، في حين كان البصريون يرون بأن الله قادر أن يفعل بالأجسام ~~مباشرة دون استعمال آلات مادية. راجع مارتن مكدرموت ، نظريات علم الكلام ~~عند الشيخ المفيد : 281 282. # والحق أن نقول طبقا للأحاديث : «أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها». ~~وهذا لا يعني به الانتقاص من قدرة الله سبحانه ، كما أن عدم تعلق قدرته ~~بالمحالات لا يوجب نقصا في قدرته تعالى ، لانه قادر على الممكنات لا ~~الممتنعات. وقد روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قيل : لأمير ~~المؤمنين عليه السلام : هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغر ~~الدنيا ms0983 أو يكبر البيضة؟ قال : «إن الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز ، ~~والذي سألتني لا يكون». الصدوق ، التوحيد ، باب 9 ، رواية 9 ، ص 130. ~~ومثلها رواية 10. PageV03P312 # فلا بد من الحركة ، لأن المماسة شرط وهي تبطل في الثاني إذا تحرك عنه فلا ~~بد من أن يتحرك إليه ليثبت شرطه ، وبناه على أن الذي يولد في الغير هو ~~الاعتماد. ومنع أبو علي أن يتحرك حركة واحدة إلا بعد حركة محل الاعتماد ~~بناء منه على أن المولد في الغير هو الحركة أو أنها شرط في توليد الاعتماد. # احتج أبو هاشم بوجهين : ### |||| ** الوجه الأول : لو جعل تحرك محل الاعتماد شرطا في توليده للحركة لوجب في حال حصول الاعتماد ~~ثبوت الحركة ، فإن هذا واجب فيما هو شرط في التوليد ، ومعلوم أن محل ~~الاعتماد لا يتحرك إلا بعد تحرك ما ماسه فينتقل إلى مكانه ، وحركة ما ماسه ~~إنما تحصل عن الاعتماد في الثاني وحال حصولها يجوز أن يقدم الاعتماد بأن ~~يكون مجتلبا ، فكيف يحتاج إليها؟ ### |||| ** الوجه الثاني : لو خلق الله تعالى صفحة من أجزاء لا تتجزأ في الجو ولا ثقل فيها وخلق جبلا ~~فوقها لكان يهوى الجبل لا محالة ، ولو كان الأمر بخلاف ما قلناه ، لكان ~~الجبل لا يتحرك إلا بتحرك هذه الصفحة حتى يحصل في مكانها وهي لا تتحرك إلا ~~بعد حركة الجبل ، لأن حركته شرط في توليد اعتماده التحريك في غيره فيقتضي ~~أن لا يتحرك واحد منهما وأن يقفا ، وهو باطل. ### |||| ** الخامس : اختلف الشيوخ ، فقال أبو إسحاق وقاضي القضاة : يحتاج الواحد منا في حمل ~~الثقيل وتحريكه إلى أن يفعل في كل جزء منه بقدر ما فيه وفي جميع الأجزاء من ~~الثقل وجزاء آخر زائدا ، فإذا كان المحمول عشرة أجزاء من الثقل يحتاج أن ~~يفعل في كل جزء إحدى عشرة حركة ، وكذا في تسكين الثقيل المنحدر. ومنع أبو ~~هاشم هذه الزيادة وقال : يكفي أن يفعل في كل جزء بعدد ما في جميعه. # وأما أبو علي فانه لما لم يجعل الثقل معنى ورجع به إلى ذات الجوهر ms0984 أوجب PageV03P313 # أن يفعل في كل جزء بعدد أجزاء المحمول كلها ، فصار قوله في نفس المحمول ~~مثل قول أبي هاشم في المعاني التي نافته. # احتج الأولون بأن الثقل الحاصل في جميع الأجزاء يصير كأنه موجود في هذا ~~الجزء الواحد لمكان الاتصال ، فإذا فعلنا في كل جزء عشرة أجزاء من الحركة ~~قابل ما فيه من الثقل فلا يكون وجود التحريك والحمل أولى من أن لا يوجدا ، ~~بل صارا كالقادرين المتساويين قدرة إذا تجاذبا حبلا فإنه إنما يصير إلى جهة ~~أحدهما بزيادة فعل. # واعلم أن التحريك أسهل من الحمل ، ولهذا صح من أحدنا تحريك الحجر الكبير ~~دون حمله لمساعدة الأرض لفاعل التحريك دون الحمل ، فيحتاج الحمل إلى زيادة. ~~ولأن الحمل يوجب ضعفا في محل القدرة وتفريقا فلا يمكنه الاستمرار عليه. # أما فك بعض الجسم عن بعض فانه يحتاج فيه إلى أزيد مما يحتاج في حمله ~~ولهذا يمكن من حمل ما يعجز عن فكه ، لكن القدر الذي يحتاج إليه في التفكيك ~~غير محصور بعدد. # وأما المتمانعان فتكفي زيادة يسيرة من جهة أحدهما في حصول الجسم في جانبه. ### |||| ** السادس : إذا حركنا جسما كالحجر وغيره فكل أجزائه تتحرك (1)، خلافا للكعبي فإنه قال ~~: إذا حرك لا تتحرك إلا الصفحة العليا منه دون ما بطن ، وذلك أن الكل من ~~أجزائه يحصل في جهة سوى ما كانت فيه ، وإلا لشوهدت الأجزاء PageV03P314 # الباطنة ساكنة في الأول. # وأيضا لو لا حركة ما فيه لم تتفاوت حركة الزق المملوء هواء وزيبقا ، لأنه ~~في الحالين لا تحرك إلا الصفحة العليا. # قال أبو هاشم : هذا القول يقتضي أن أحدنا إذا أطلي بدهن وانتقل من بلد ~~إلى آخر أن لا يكون متحركا بل يوصف الدهن بذلك وكان لا يجد مشقة وتعبا ، ~~وهذا ضروري البطلان ، فان حركة الدهن تابعة لحركته في نفسه. # والكعبي بنى ذلك على قوله : إن المتحرك إنما يتحرك في مكان ، وعنده ~~المكان ما أحاط لغيره. (1) ولا شك أن المفارق هو الصفحة العليا للهواء ~~المحيط لها دون الأجزاء الباطنة من حيث إنها لم تفارق ms0985 ما أحاط بها ، بل هي ~~بحالها. # والتحقيق هنا أن نقول : إن أريد بالمكان السطح الحاوي كما ذهب إليه ~~الكعبي وأرسطو طاليس ، والحركة عبارة عن مفارقة مكان إلى مكان ، فلا شك أن ~~الباطن ليس بمتحرك بهذا المعنى. وإن جعلنا الحركة عبارة عن مفارقة جهة إلى ~~جهة ، فلا شك في أنه متحرك. # وبالجملة فالمحوى يتحرك بحركة الحاوي بالعرض لا بالذات بالنسبة إلى ~~المحاذيات والجهات. ### |||| ** السابع : قال الكعبي : القادران إذا تعاونا على حركة جسم فهما محرك واحد PageV03P315 # وما فعلاه حركة واحدة. (1) فأداه هذا إلى امتناع اجتماع الميلين بأن منع ~~من إيجاب فعل كل واحد من القادرين كون الجوهر كائنا ، وعلق ذلك باجتماع ~~فعلهما. فهو مخالف للمشايخ في المعنى حيث قالوا بفساده. # واعلم أن من جوز اجتماع الميلين قال : كل واحد من القادرين فعل حركة ~~مساوية لحركة صاحبه. وأما القدماء فانهم جعلوا السرعة كيفية قائمة بالحركة ~~، فكانت الصادرين (2) أسرع من غيرها. (3) ### |||| ** الثامن : قالت الثنوية : إن الأرض ليست ساكنة بل هي هابطة دائما. (4) وهو باطل ، ~~وإلا لما وصل الخفيف إليها فكنا إذا رمينا سهما أو حجرا خفيفا لا يصل إلى ~~الأرض ، لأنها أثقل فحركتها تكون أسرع. (5) # ونقل أبو رشيد اختلاف البلخي مع أبي هاشم في هذا المجال ، وينقل كلامهما ~~، ثم يقول : «وهذا الكلام نزاع لفظي فقط. كل محرك إذا كان وحده فلا يحرك ~~الشيء ، لذلك فان الحركة المولدة واحدة». نقلا عن مارتن مكدر موت. PageV03P316 # واختلف الشيوخ في علة سكونها (1) واتفقوا على وجه منها ، وهو أن الله ~~تعالى يسكنها حالا بعد حال قدرا يوفى على ما فيها من الثقل. # وذهب أبو هاشم إلى آخر وهو أن النصف الأسفل يطلب الصعود ، والأعلى ~~الهبوط. (2) # وقال بعضهم : إن الله تعالى يسكن الصفائح التي هي تحت القرار على وجه لا ~~يخرقها ثقل ما فوقها ، لأن وجه الأرض لو كان ساكنا لامتنع حفر الآبار من ~~حيث كان مراد القديم أحق بالوجود. # وليس بمعتمد ، لجواز أن يكون السكون الذي في وجه الأرض دون ما يقدر عليه ~~وإن حدث حالا فحالا ، فلهذا يتأتى ms0986 منا الحفر. وأيضا يجوز أن يكون سكونه ~~باقيا ولا يثبت له حظ في المنع. # وقال قائلون : خلق الله سبحانه تحت العالم جسما صعادا من طبعه الصعود ~~فعمل ذلك الجسم في الصعود كعمل العالم في الهبوط فلما اعتدل ذلك وتقاوم وقف ~~العالم ووقفت الأرض. # وقال قائلون : إن الله سبحانه يخلق تحت الأرض في كل وقت جسما ثم يفنيه في ~~الوقت الثاني ويخلق في حال فنائه جسما آخر فتكون الأرض واقفة على ذلك الجسم ~~وليس يجوز أن يهوى ذلك الجسم في حال حدوثه ولا يحتاج إلى مكان يقله ، لأن ~~الشيء يستحيل أن يتحرك في حال حدوثه ويسكن. # وقال قائلون : إن الله سبحانه خلق الأرض من جسمين أحدهما ثقيل والآخر ~~خفيف على الاعتدال وقفت الأرض لذلك». مقالات الإسلاميين : 326 (اختلفوا في ~~وقوف الأرض). راجع أيضا أوائل المقالات للشيخ المفيد : 99 ؛ المباحث ~~المشرقية 2 : 116 ؛ شرح المواقف 7 : 147. PageV03P317 # وقال النظام : علة سكونها أنها لم تجد مكانا تتحرك فيه. وكان عنده أن ~~المتحرك لا يتحرك إلا في مكان. # وأما كلمات الأوائل (1) في هذا الباب فستأتي إن شاء الله تعالى. ### |||| ** التاسع : قال الكعبي : الأرض خفيفة ، لقوله تعالى : ( @QUR@07 وجعلنا في الأرض رواسي ~~أن تميد بهم ) (2)، فأثبتت الجبال مؤثرة في وقوف الأرض فهي بأن تعينها على ~~النزول أولى لو لا أنها خفيفة. # وحكى أرسطو في كتاب السماء والعالم عن قوم من الفلاسفة : أن الفلك ساكن ~~وأن الأرض هي التي تدور بما عليها من المشرق والمغرب في كل يوم وليلة دورة ~~واحدة. راجع البغدادي ، أصول الدين : 60 61 ؛ الفصل السابع والثامن من الفن ~~الثاني من طبيعيات الشفاء ؛ مناهج اليقين : 135. PageV03P318 ### | المطلب الثاني ### | في أنواع الكون # والنظر في أمرين : ### | النظر الأول ### | ما يتعلق بأنواعه على الوجه الكلي # وفيه مباحث ### | البحث الأول ### | في أعدادها # الكون جنس يندرج تحته أمور خمسة : ### |||| ** الأول : الكون المبتدأ (1) حال حدوث الجسم. ### |||| ** الثاني : الحركة. ### |||| ** الثالث : السكون. ### |||| ** الرابع : الاجتماع. ### |||| ** الخامس : الافتراق. PageV03P319 # والكون المبتدأ لا يخالف الحركة والسكون في جنسه ، بل هو في معناهما ، ~~ولكن لا يسمى حركة لأنها الحصول ms0987 الأول في الحيز الثاني ، ولا سكونا لأنه ~~الحصول الثاني في الحيز الأول. وحكي عن الوراق أنه حركة ، والمحل متحرك به. ~~وعن الأشعري أنه سكون (1)، والمحل ساكن به. وذهب أبو الهذيل العلاف وأبو ~~علي وأبو القاسم الكعبي إلى أن ذلك المعنى غير الحركة والسكون. والتحقيق ~~أنه في معناهما. (2) ثم رجع أبو علي عن مقالته هذه وجعله من جنس السكون ~~وأثبت الحركة مخالفة له. والمشهور ما تقدم من اتحاد الحقائق ، وإنما تتغير ~~العبارات لوقوعها على وجوه ؛ لأنه لا حال للساكن ولا للمتحرك أزيد من ~~كونهما كائنين في المكان الذي هما فيه ، كما نقول : الباقي لا حال له بكونه ~~باقيا أزيد من الوجود المستمر فيجب فيما يوجب هذه الحالة أن يكون جنسا ~~واحدا سواء سمي حركة أو سكونا أو كونا ، لأن تساوي المعلومات يستلزم تساوي العلل. # وأيضا إن ضاد هذا الكون السكون (3) وجب أن لا يصح في الكائن أن PageV03P320 # يكون ساكنا في ذلك المكان ، وإن خالفه وجب أن لا ينتفي بالحركة بل ينتفي ~~(1) السكون خاصة ، لأن الحركة تضاد السكون دون الكون ، وإن نفي السكون دونه ~~فيجب أن يثبت كائنا في مكانه الذي كان فيه مع طرو الحركة ، وهذا باطل. # لا يقال : لم لا يوجد كون آخر مع الحركة يضاد السكون الأول؟ # لأنا نقول : كان يصح أن لا يوجد على بعض الوجوه ، وكان يقدح في تأثير ~~المتضادات فكنا نجوز أن السواد لا ينفي البياض وإنما يوجد معه سواه ينفيه. # وأيضا لو كان مخالفا للسكون وليس بينهما تعلق لزم وجوده في الجوهر ويبقى ~~فيه وقتين فصاعدا ولا يكون ساكنا ، بأن (2) لا يوجد السكون. وإنما قلنا : ~~إنه لا تعلق بينهما ، لأنه لو كان يحتاج إليه في الوجود لم يصح أن يوجد ~~أولا ولا سكون ، وإذا لم يحتج إليه في وجوده لم يحتج في بقائه لأن الصفة ~~واحدة ، وإذا حصلت حاجته إلى الحركة والسكون فهما ضدان ولا يمكن حاجته ~~إليهما ، وإلا لما وجد لاستحالة اجتماعهما ، وإذا لم يحتج إليه في وجوده لم ~~يحتج في بقائه لأن الصفة ms0988 واحدة. PageV03P321 ### | البحث الثاني ### | في الاجتماع والافتراق # لا خلاف أن الحركة والسكون والكون من قبيل الأكوان. وأما الاجتماع ~~والافتراق فقد اختلف في أنهما أمران مغايران للكون المخصص للجوهر بالحيز. ~~فذهب قدماء الأشاعرة إلى ذلك. وأبو الهذيل العلاف ذهب إلى أن للافتراق معنى ~~مغايرا له. وبه قال أبو علي أولا ، ثم رجع عنه. (1) وعند باقي مشايخ ~~المعتزلة أن الافتراق عبارة عن الكونين اللذين يحصل بهما الجسمان في مكانين ~~بعيدين. والمجاورة هي الكونان على وجه القرب ، ولا يحصل عند الافتراق معنى ~~زائدا عليهما كما يحصل عند المجاورة معنى هو التأليف. # والتحقيق أن نقول : الكون جنس لهذه الخمسة على ما تقدم (2)، وكل واحد من ~~هذه الخمسة لا بد وأن يمتاز عن البواقي بفصول زائدة على المعنى المشترك ، PageV03P322 # كما في الاجتماع إن لم يقترن حصول الجوهرين في حيزيهما بقيد أن لا ~~يتخللهما ثالث لم يكن اجتماعا. وإن كان المعنى بمطلق الكلي مغايرا للمتميز ~~(1) وجب مغايرة النوع لذلك الجنس ، وهو مراد من زعم المغايرة. أما إن قالوا ~~: إن كون المطلق مغايرا للاجتماع والافتراق ليست مغايرة الجنس للنوع ، كان باطلا. # واحتج أبو هاشم على نفي هذا المعنى بأن ما ليس بمدرك لا يصح إثباته إلا ~~بحالة أو حكم صادرين عنه ، فإذا كان الإدراك لا طريق له في إثبات هذا ~~المعنى ولا يعقل للمفترقين بكونهما مفترقين أكثر من أحدهما كائنا في هذا ~~المكان وكون الآخر في مكان بعيد عنه ، فقد عرى هذا المعنى عن دليل يدل عليه ~~فيجب نفيه. وهذا في غاية السقوط. PageV03P323 ### | البحث الثالث ### | في ما يتعلق بألفاظ مستعملة هنا # اختار أبو هاشم لفظة الكون ، لأنها أعم حالات الجسم وهو يجري عليه في ~~العدم والوجود ، ويجري مجرى الكون وغيره في أنه لا يقتضي إلا إبانة نوع من ~~نوع دون أن يفيد وجودا على وجه. وما عدا ذلك لا يقال إلا عند الوجود ، ~~كقولنا حركة وسكون واجتماع وافتراق ، لأنه يقتضي أنه كون واقع على وجه. وقد ~~ذكر أبو علي هذه اللفظة أيضا وواصل بن عطاء وأحد الجعفريين. # وقال ms0989 أبو علي : إنه يوصف بأنه حركة وهو معدوم ، وكذا ما يفيد فائدة ~~الحركة ، كالنقلة والزوال. وقال : لا يوصف بأنه سكون ، لأن عنده يقتضي ~~بقاءه فكيف يجري عليه حالة عدمه؟ وقال : الحركة لا تكون إلا كذلك فصار ~~كقولنا كون. وجعل المشي والعدو كالسكون في أنه لا يجري عليه حال العدم ، ~~لأنه يقتضي انضمام حركات. # وأبو هاشم منع ذلك ، لأن الحركة كون واقع على وجه ، وليست كما قال أبو ~~علي : إنها لا توجد إلا حركة ، بل يصح وجودها ولا تسمى حركة ، وإنما تسمى ~~بذلك إذا وجدت عقيب ضدها ، أو يحصل بها الجوهر في مكان بعد أن كان في غيره ~~بلا فصل. # وأما السكون فقيل : يكون كونا باقيا ، وقد يكون حادثا عقيب مثله عند أبي ~~هاشم. وقال أبو علي : السكون لا يسمى به إلا الباقي. PageV03P324 ### | النظر الثاني ### | في مباحث الحركة ### | البحث الأول ### | في تعريفها (1) # أما المتكلمون فقالوا : الحركة هي حصول الجوهر في حيز بعد أن كان في حيز ~~آخر. (2) فالحصول المطلق عرض عام ، لأنه نفس الوجود. وتقييده بكونه في PageV03P325 # الحيز خصصه عن المجردات والأعراض. وقولنا : «بعد أن كان في حيز آخر» خصصه ~~عن باقي أنواع الكون. وهو مبني على القول بالجوهر الفرد وتتالي الآنات ~~وتتالي الحركات التي لا تتجزأ. (1) # وأما الحكماء فقالوا (2): الموجود يستحيل أن يكون بالقوة من كل وجه ، ~~وإلا لكان في وجوده أيضا بالقوة فلا يكون موجودا وقد فرضناه كذلك ، هذا ~~خلف. بل ويكون في كونه بالقوة بالقوة فتكون القوة حاصلة وغير حاصلة ، هذا ~~خلف. ولأن نفي القوة ليس لنفي الإمكان لأنا فرضناه موجودا بل لثبوت الوجود ~~، والقوة تقتضي العدم فيكون موجودا معدوما ، هذا خلف. وإذا كانت القوة ~~حاصلة بالفعل فهي صفة الشيء ، لامتناع بقائها بذاتها ، فذلك الشيء يكون ~~بالفعل بالضرورة. # فإذن كل موجود إما أن يكون بالفعل من كل وجه ، أو يكون بالفعل من وجه ~~وبالقوة من وجه ، وكل ما هو بالقوة فإما أن يكون خروجه إلى الفعل دفعة أو ~~على التدريج ، والثاني هو الحركة. فحقيقتها هو الحدوث أو الحصول ms0990 أو الخروج ~~من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا أو على التدريج أو لا دفعة. وبهذا عرفها ~~قدماء الحكماء. (3) PageV03P326 # وأما المحققون ، كأرسطو وأتباعه فانهم منعوا هذا التعريف لاستلزامه الدور ~~؛ فان قولنا : «لا دفعة» لا يمكن معرفته إلا بالدفعة ، والدفعة هي الحصول ~~في الآن ، والآن عبارة عن طرف الزمان ، والزمان عبارة عن مقدار الحركة ، ~~فينتهي تعريف الدفعة إلى الحركة ، فلو أخذناها في حد الحركة لزم الدور. # وكذا قولنا «يسيرا يسيرا» أو «على التدريج» فان كل ذلك لا يعرف إلا ~~بالزمان (1) الذي لا يعرف إلا بالحركة. # وأجيب : بأن تصور حقيقة الدفعة واللادفعة والتدريج ويسيرا يسيرا بديهي ، ~~لإعانة الحس عليها ، فأما أن هذه الأمور إنما تعرف بسبب الآن والزمان فذلك ~~هو المحتاج إلى البرهان ، فمن الجائز أن تعرف الحركة بهذه الأمور ، ثم تجعل ~~الحركة معرفة للزمان والآن اللذين هما سببا هذه الأمور الأولية التصور ، ~~ولا دور حينئذ. # وهذا جيد (2)، لأن كل عاقل يعرف هذه المعاني وإن لم يخطر بباله شيء من ~~كلمات الحكماء في الآن والزمان. # ولما أرسطو تعريف القدماء سلك نهجا آخر في التعريف (3)، فقال : الحركة ~~ممكن الحصول للجسم ، وكل ما يمكن حصوله للجسم أو لغيره فان حصوله كمال له ، ~~فالحركة إذن كمال لما يتحرك ، لكنها تفارق سائر الكمالات من حيث إنه لا ~~حقيقة لها إلا التأدي إلى الغير والسلوك (4) إليه ، وما كان كذلك PageV03P327 # فله خاصيتان : # أ. أنه لا بد هناك من مطلوب ممكن الحصول ، ليكون التوجه توجها إليه. # ب. أن ذلك التوجه ما دام كذلك فإنه بقى منه شيء بالقوة ، فان المتحرك ~~إنما يكون متحركا بالفعل إذا لم يصل إلى المقصود ، فانه إذا وصل إلى ~~المقصود وقف ، وما دام هو متحرك فقد بقى منه شيء بالقوة. فإذن هوية الحركة ~~متعلقة بأن يبقى منها شيء بالقوة ، وبأن لا يكون المقصود من الحركة حاصلا ~~بالفعل. # وسائر الكمالات لا يوجد فيها شيء من هاتين الخاصيتين ، فان الشيء إذا لم ~~يكن مربعا فحصل أن صار مربعا فحصول المربعية من حيث هي هي لا يوجب أن ينقضي ms0991 ~~ويستعقب شيئا غيره. وأيضا إذا حصل لا يبقى منه شيء بالقوة. # إذا ثبت هذا ، فالجسم إذا كان في مكان وهو ممكن الحصول في آخر ففيه ~~إمكانان : إمكان الحصول في ذلك المكان ، وإمكان التوجه إليه. وقد عرفت أن ~~كل ما يكون ممكن الحصول فان حصوله يكون كمالا له ، فالتوجه إلى ذلك المطلوب ~~كمال ، وحصوله في المكان الثاني كمال أيضا ، لكن التوجه إلى المكان الثاني ~~أسبق الكمالين ، وإلا لم يكن الوصول إليه على التدريج. # فإذن التوجه كمال أول للشيء الذي بالقوة ، لكن لا من كل وجه ، فليست (1) ~~الحركة كمالا للجسم في جسميته ، وإنما هي كمال له من الجهة التي هو ~~باعتبارها كان بالقوة. ثم لما كانت كمالية الحركة بأن تستعقب شيئا مفقودا ~~عن المتحرك إذ لو كانت كمالاته حاصلة بالفعل انتفت الحركة ، وجب أن يقال : في PageV03P328 # حدها : إنها كمال أول لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة. (1) هذا تفسير أرسطو. # واعترض عليه بوجوه : (2) ### |||| ** الاعتراض الأول : تعريف الشيء بما هو أخفى منه ، فان كل أحد يتصور ماهية الحركة ويفرق بينها ~~وبين السكون ويميز بين كون الجسم متحركا وبين كونه ساكنا ، وما ذكر تموه في ~~التعريف لا يفهمه إلا الأذكياء. ### |||| ** الاعتراض الثاني : الكمال الأول لا يفرض إلا لما يكون حدوثه على التدريج ، وسيأتي بطلانه. (3) ### |||| ** الاعتراض الثالث : هب أن الحدوث يسيرا يسيرا غير ممتنع ، لكن الكمال الأول مما لا يمكن تصور ~~ثبوته إلا في الشيء الذي يفرض حدوثه على سبيل التدريج فإن كان تصور الحدوث ~~على التدريج متوقفا على تصور الحركة على ما يعتقد أصحاب أرسطو ، فقد فسد ~~هذا التعريف. وإن لم يكن متوقفا عليه كان تعريف الحركة ابتداء بأنها الحدوث ~~على التدريج أولى من هذه التطويلات. PageV03P329 # وفيه نظر ، لأنا نمنع من معرفة حقيقة الحركة وتصور ذاتها ، بل المتصور ~~لنا بعض عوارضها ، كما في النفس. وكون الشيء لا يتصور ثبوته إلا في الشيء ، ~~لا يستدعي توقف تصوره على تصور ذلك الشيء ، بل قولنا : «كمال أول» يتوقف ~~على معرفة الزمان ، لأن أقسام السبق قد عرفت عددها ms0992 وليس المراد هنا إلا ~~الزماني ، فيدور. # والحق أن يقال : إن تصور الحركة ضروري وإن لزمها ما ذكرتم. # ونقل عن أفلاطون : إنها خروج عن المساواة. وعنى بذلك كون الشيء بحيث لا ~~يفرض آن من الآنات إلا ويكون حاله فيه بخلاف حاله في الآن الذي يكون قبله ~~أو بعده ، ولا يكون مساويا لحالته السابقة أو اللاحقة. # ورسمها فيثاغورس بالغيرية ، لأن حال الجسم في صفة من الصفات في كل آن ~~مغايرة لحاله قبل ذلك الآن وبعده. (1) PageV03P330 ### | البحث الثاني ### | في إمكان الحصول التدريجي # نازع أفضل المتأخرين في ذلك (1)، وذهب إلى امتناعه. واستدل عليه بأن : ~~«الشيء إذا تغير فذلك التغير إنما يكون لحصول شيء فيه أو لزوال شيء عنه ، ~~إذ لو لم يحدث فيه شيء ما كان موجودا أو لم يزل عنه شيء مما يكون موجودا ، ~~وجب أن يكون حاله في ذلك الآن كحاله قبله فلا يكون فيه تغير وقد فرض فيه ~~تغير ، هذا خلف. # فإذن كل شيء متغير فلا بد له من حدوث شيء فيه أو زوال شيء عنه فليفرض أنه ~~حدث فيه شيء ، فذلك الحادث قد كان معدوما ثم صار موجودا تحقيقا للحدوث وكل ~~ما كان كذلك فلوجوده ابتداء بالضرورة وذلك الابتداء غير منقسم ، وإلا لكان ~~أحد جزئيه هو الابتداء لا هو ، فذلك الذي حدث إما أن يكون في ابتداء وجوده ~~موجودا أو لا يكون ، فإن لم يكن فهو بعد في عدمه لا في ابتداء وجوده ، وإن ~~حصل له وجود فلا يخلو إما أن يكون قد بقى منه شيء بالقوة أو لم يبق ، فإن ~~لم يبق فالشيء قد حصل بتمامه في أول حدوثه ، فهو حاصل دفعة لا يسيرا يسيرا ~~، وإن بقي منه شيء بالقوة فذلك الذي بقى إما أن يكون عين الذي وجد ، وهو ~~محال ، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد موجودا معدوما دفعة واحدة ، PageV03P331 # وإما أن يكون غيره فحينئذ الذي حصل أولا فقد حصل بتمامه ، والذي لم يحصل ~~فهو بتمامه معدوم ، فليس هناك شيء واحد له حصول على التدريج ، بل هناك أمور ~~متتالية. ms0993 # فالحاصل : أن الشيء الأحدي الذات يمتنع أن يكون له حصول (1) إلا دفعة ، ~~بل الشيء الذي له أجزاء كثيرة أمكن أن يقال حصوله على التدريج ، على معنى ~~أن كل واحد من تلك الأفراد الحقيقة إنما يحصل في حين بعد حين حصول الآخر. ~~وأما على التحقيق فكل ما حدث فقد حدث بتمامه دفعة ، وما لم يحدث فهو بتمامه ~~دفعة لم يحدث بل هو معدوم». (2) # والأوائل منعوا من كون الحادث ابتداء من نوعه ، فليس لابتداء الحركة آن ~~فيه حركة ، ولا لابتداء الزمان زمان. وبالجملة فالأشياء عندهم تنقسم إلى ما ~~يوجد في آن وهو ما يوجد دفعة كالجوهر والأعراض القارة. ومنها ما لا يمكن ~~وجوده إلا في زمان فأي شيء فرضت منه لا بد وأن يطابقه زمان ، ولا يمكن أن ~~يوجد فيه شيء يكون أقل ما يمكن ، وإلا لزم الجزء الذي لا يتجزأ ، وهو عندهم ~~محال. فالبحث معهم يقع في هذا أولا ، وقد أبطلنا قواعدهم فيه. PageV03P332 ### | البحث الثالث ### | في تحقيق مفهوم الحركة # قال الرئيس : الحركة اسم لمعنيين : (1) ### |||| ** الأول : الأمر المتصل المعقول للمتحرك الممتد في أول المسافة إلى آخرها. ### |||| ** الثاني : كون الجسم متوسطا بين المبدأ والمنتهى للمسافة بحيث أي آن فرضته # وقد فرق بين الحركتين وذكر أمورا لتمييزهما ، منها : أن الحركة التوسطية ~~راسمة للزمان ، والحركة القطعية واقعة في وعاء الزمان ، وأن الأولى تكال ~~بالآن السيال ، والثانية تقدر بالزمان. راجع المصدر نفسه : 205 206. PageV03P333 # يكون المتحرك فيه في حد من الحدود المفروضة للمسافة لا يكون قبله ولا ~~بعده في ذلك الحد. (1) ### |||| ** أما الأول : فلا وجود له في الأعيان ، لأن المتحرك ما دام لم يصل إلى المنتهى فالحركة ~~لم توجد بتمامها ، وإذا وصل فقد انقطعت الحركة وانتهت. # فإذن لا وجود له عينا ، بل في الذهن ، فان للمتحرك نسبتين : نسبة إلى ~~المكان الذي تركه ونسبة إلى المكان الذي أدركه ، فإذا ارتسمت صورة كونه في ~~المكان الأول في الخيال ثم ارتسمت صورة كونه في المكان الثاني قبل زوال ~~الصورة الأولى عن الخيال ، اجتمعت الصورتان في الخيال ، فيشعر الذهن حينئذ ~~بهما ms0994 معا على أنهما شيء واحد ، وأدرك أمرا ممتدا من أول المسافة إلى آخرها ~~، وليس في الخارج لهذه الحركة وجود البتة. (2) ### |||| ** وأما الثاني : فهو أمر موجود في الخارج مستمر ما دام الشيء يكون متحركا ، ولا حصول له في ~~شيء من حدود المسافة إلا آنا واحدا ، فانه لو استقر في حد واحد أكثر من ذلك ~~لكان ذلك الحد منتهى حركته فيكون حاصلا في المنتهى لا في المتوسط بين ~~المبدأ والمنتهى ، وليس في هذه الحالة تغير أصلا ، بل قد تتغير حدود ~~المسافة بالعرض ، لكن ليس كون المتحرك متحركا لأنه في حد معين من الوسط ، ~~وإلا لم يكن متحركا عند خروجه منه ولا بعد دخوله فيه بل هو متحرك ، لأنه ~~متوسط على الصفة المذكورة وتلك الحالة ثابتة في جميع حدود ذلك الوسط ، وهذه ~~الصورة توجد في المتحرك وهو في آن ، لأنه يصح أن يقال في كل آن يفرض أنه في ~~حد متوسط لا قبله ولا بعده فيه. PageV03P334 # وقولهم : «كل حركة في زمان» إن عنوا بها (1) الأمر المعقول المتصل فهو في ~~الزمان ، ووجودها فيه على سبيل وجود الأمور في الماضي ، لكن يفارقها بأن ~~الأمور الموجودة في الماضي قد كان لها وجود في آن من الماضي كان حاضرا فيه ~~، وهذا ليس كذلك ، لاستحالة تحققه في آن ما من آنات الماضي. # وإن عنوا به المعنى الثاني وهو الحركة بمعنى التوسط فكونه في الزمان لا ~~على معنى أنه تلزمه مطابقة الزمان ، بل على معنى أنه لا تخلو من حصول قطع ~~ذلك القطع مطابق للزمان فلا ينفك من حدوث زمان. ولأنه (2) ثابت في كل آن من ~~ذلك الزمان فيكون ثابتا في هذا الزمان بواسطة. # واعلم أن الماهية إنما تتشخص بأمور خارجية ، وتلك الأمور هنا : وحدة ~~الموضوع والزمان وما فيه الحركة ، فإذا اتحدت هذه الثلاثة يتشخص الحصول ~~الذي هو الحركة ، فتكون الحركة الواحدة بالعدد هي التوسط بين مبدأ بالشخص ~~ومنتهى بالشخص لموضوع واحد بالشخص في زمان واحد في نوع واحد ، وهذا المعنى ~~أمر واحد موجود في الآن مستمر باستمرار الزمان ms0995 كسائر الأعراض. فإذا افترضت ~~للمسافة حدود معينة فعند وصول المتحرك إليها يعرض لذلك الحصول في الوسط ان ~~صار حصولا في ذلك الوسط ، لكن صيرورته حصولا في ذلك الوسط أمر زائد على ~~ذاته الشخصية. فإذا خرج الجسم عن ذلك الحد فقد زال كونه حاصلا في ذلك الوسط ~~، وما زال كونه حاصلا في الوسط بين ذلك المبدأ وذلك المنتهى فلا جرم تلك ~~الحركة باقية بالشخص لكن زال عنها عارض من عوارضها. ثم لا يمكن تعاقب آحاد ~~هذه العوارض ، لأن تعاقبها إنما يكون بتتالي النقط في المسافة والآنات في ~~الزمان ، ولما امتنع ذلك امتنع تتالي هذه العوارض. PageV03P335 # فظهر أن الحركة كسائر الأعراض في أن لها وجودا في الآن وجودا في الزمان ~~بالوجه الذي ذكرناه. # ففي قوله : «الحصول في الوسط كلي ، وذلك لا يوجد في الأعيان» ، فنقول : ~~ذلك التوسط إنما تكون فيه كثرة عددية إذا كانت في المسافة كثرة عددية ، حتى ~~يقال : الذي وجد في هذا الحد من المسافة غير الذي وجد في الحد الآخر لكن ~~المسافة متصل واحد ، فلا تكون القطوع والحدود فيه واجبة الحصول ، فإذا لم ~~تحصل لم تكن هناك إلا مسافة واحدة ، فلا يكون ذلك التوسط بين ذلك المبدأ ~~وذلك المنتهى لذلك المتحرك في ذلك الزمان في النوع الواحد إلا أمرا واحدا ~~بالعدد ، لأن الجزئي ما يمنع نفس مفهومه الشركة ، فهو إذن جزئي. (1) وإمكان ~~فرض الأجزاء فيه لا يجعله كليا ، فإن إمكان فرض الأجزاء في الشيء لا يجعله ~~كليا ، كالخط يمكن فرض أجزاء كثيرة فيه مع تشخصه ، بل المعتبر في كلية ~~الشيء إمكان فرض الجزئيات. # واعلم أن هذا الكلام تصريح من الشيخ بأن الحركة المفتقرة إلى مطابقة ~~الزمان ليس موجودة في الخارج ، بل في الذهن ، وأن الحركة الموجودة في ~~الخارج آنية ، وإن كانت لا توجد إلا في زمان لا على معنى مطابقتها للزمان ، ~~بل انها لا توجد إلا وأن يسبقها زمان. # واعترض (2)، بأن ما لا وجود له في الخارج بل في الذهن كيف يتقدر بالزمان ~~الموجود في الأعيان؟ بل الحركة عند ms0996 الشيخ محل للزمان وعلته ، وكيف يمكن أن ~~يكون المعدوم محلا للموجود وعلة له؟ اللهم إلا أن يقال : الزمان لا وجود له في PageV03P336 # الخارج بل في الذهن ، والشيخ غير قائل بهذا المذهب. # وأيضا كيف يكون وجود الحركة بالمعنى الأول في الزمان على سبيل الوجود في ~~الماضي مع الاعتراف بأن حصول الشيء في الماضي هو أن يكون قد كان له حصول في ~~آن الآنات الماضية مع أنه ليس لهذه الحركة وجود أصلا؟ PageV03P337 ### | البحث الرابع ### | في أن الحركة وجودية (1) # الضرورة قاضية بأن الحركة وجودية (2). وقد نازع زينون الحكيم (3) ~~وبارمنيدس (4) وغيرهما في وجودها ، واستدلوا بوجهين : # قال أرسطو : «وحجج زينون في الحركة ، التي يعسر حلها أربع» وسمى الثانية ~~بحجة أخلوس. وقال الشارح : إنه اسم رجل كان سريع الاحضار (العدو)، وزينون ~~يمثل به في حجته. راجع أرسطوطاليس ، الطبيعة 2 : 713. # ولد في إيليا ويقال إنه تتلمذ لأكسانوفان. وضع كتابه «في الطبيعة» شعرا ، ~~فكان أول من نظم الشعر في الفلسفة. وكتابه قسمان : الأول في الحقيقة ، أي ~~الفلسفة. والثاني في الظن ، أي العلم الطبيعي. المصدر نفسه: 28. وانظر ~~آراءه في الحركة في كتاب أفلاطون المحاورات الكاملة ، ج 2 ، محاورة ~~بارمنيدس ، تعريب شوقي داود تمراز. PageV03P338 ### |||| ** الوجه الأول : لو كانت الحركة موجودة لكانت إما أن تقبل القسمة دائما أو لا تكون كذلك. ~~والتالي بقسميه باطل ، فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة. # وأما بطلان الأول : فلأن الحركة إما أن لا يكون لها وجود في الحال أو ~~يكون ، فإن لم يكن لم تكن الحركة موجودة مطلقا ، لأن ما لا وجود له في ~~الحال لا وجود له في الماضي ولا في المستقبل ، لأن الماضي هو الذي كان ~~موجودا في وقت كان حاضرا فيه ، والمستقبل هو الذي سيحضر في وقت ، فإن ~~استحال أن يكون له وجود في الحال استحال أن يكون ماضيا ومستقبلا ، وهو نفي ~~للحركة بالكلية. # وإن كان لها وجود في الحال فذلك القدر الحاضر منه في الحال إما أن يكون ~~منقسما أو لا ، والأول محال ، لأن أحد نصفيه لا يكون سابقا على النصف الآخر ~~، لأن الأجزاء ms0997 المفترضة في الحركة منقضية غير مستقرة فحينئذ لا يكون الحاضر ~~حاضرا ، هذا خلف ، بل يكون بعضه ماضيا أو مستقبلا وبعضه حاضرا. # وأيضا فإما أن لا يحضر منه شيء أصلا وهو القسم الأول. أو يحضر بعضه ، ~~فيعود الكلام في ذلك البعض أنه منقسم. # فيثبت أن الحاضر من الحركة غير منقسم ، والذي يحصل عقيبه أيضا غير منقسم ~~، فتكون الحركة مركبة من أمور متتالية غير قابلة للقسمة ، وذلك أيضا محال ~~لوجهين : ### |||| ** الأول : ذلك الجزء من الحركة يقع على مسافة منقسمة لما عرفت من بطلان الجوهر الفرد ~~فتكون الحركة إلى نصفها نصف الحركة إلى كلها ، فذلك الجزء من الحركة منقسم. ### |||| ** الثاني : لو قدرنا تركب المسافة من الأجزاء التي لا تتجزأ فإذا تحرك جزء من جزء إلى ~~جزء آخر فالحركة إن حصلت حالة كونه ملاقيا لتمام الجزء المتحرك عنه ، فهو ~~محال لأنه حينئذ لأنه لم يتحرك. أو عند كونه ملاقيا لتمام الجزء المتحرك ~~إليه ، وهو PageV03P339 # محال لأنه حينئذ قد انقطعت الحركة. أو فيما بينهما فتكون المسافة منقسمة ~~أبدا والحركة عليها منقسمة. # وبهذا يبطل ما ظنه بعض المتأخرين من أن الحركة عبارة عن حصولات متعاقبة ~~في حدود من المسافات متتالية ، لأن كل واحد من تلك الحصولات إن وجد أكثر من ~~آن واحد كان لكل واحد منها حصولات مستقرة فلا يكون شيء منها حركة ، وإن لم ~~يوجد الواحد منها أكثر من آن واحد فهناك أمور آنية متتالية فيلزم تتالي ~~الآنات ، وهو باطل. ولأن كل واحد من تلك الحصولات ليس كمالا أولا بل هو ~~الكمال الثاني ، لأن الحركة هي السلوك إلى الحصول في حد (1) معين لا أنه ~~نفس ذلك الحصول. ### |||| ** الوجه الثاني : الحركة إما أن تكون عبارة عن المماسة الأولى ، أو عن المماسة الثانية ، أو ~~مجموع المماستين ، أو انتقال الجسم من أحدهما إلى الآخر. # والأول باطل ، لأنه بعد لم يتحرك. # والثاني باطل أيضا ، لأن الحركة قد انتهت. وأيضا لو كانت الحركة هي ~~المماسة لكان متى حصلت المماسة حصلت الحركة ، وليس كذلك. # والثالث باطل لوجهين : ### |||| ** الأول : أنهما لا يوجدان ms0998 معا ، فإذا كانت الحركة عبارة عنهما وجب أن لا يكون للحركة ~~وجود أصلا. ### |||| ** الثاني : المماسة الأولى هي التي عنها الحركة ، والمماسة الثانية هي التي إليها ~~الحركة ، والضرورة قاضية بأن الحركة ليست هي نفس ما عنه الحركة أو إليه ~~الحركة. ولأنه لو كان كذلك لزم تتالي الآنات وتشافع النقط. PageV03P340 # والرابع باطل ، لأن انتقال الجسم من مماسة إلى أخرى معناه اتصافه ~~بإحداهما بعد اتصافه بالأخرى ، وقد بينا أن اتصاف الجسم بما يحل فيه ليس ~~أمرا ثبوتيا بل هو ذهني اعتباري. وبتقدير كونه ثبوتيا إلا أنه لا يكون ذلك ~~الثبوتي الذي حصل حركة ، لأنه نهاية الحركة ونهاية الحركة ليست حركة. ### |||| ** والجواب : أن هذا استدلال في مقابلة الضرورة ، فلا يكون مسموعا. # وأيضا جاز أن ينقسم إلى أجزاء لا تتجزأ ، كما هو الحق من إبطال أدلة ~~الحكماء في نفي الجوهر. # سلمنا ، لكن الحركة ليست موجودة إلا في الماضي أو المستقبل ، أما الحال ~~فهو نهاية الماضي وبداية المستقبل وليس بزمان ، وما ليس بزمان لا تكون فيه ~~حركة ، لأن كل حركة في زمان. والمماسة لا يمكن أن يقال : إنها عدمية. ~~فالحركة عبارة عن الانتقال من المماسة الأولى إلى الثانية ، وكل ما يفرض ~~ثانيا فانه مسبوق بمماسة قبلها ، وهكذا إلى ما لا يتناهى عندهم. PageV03P341 ### | البحث الخامس ### | في وجود السكون وباقي الأنواع # ذهب المتكلمون إلى أن السكون أمر ثبوتي في الأعيان كالحركة ، لأنه عبارة ~~عن : حصول الجسم في المكان أكثر من زمان واحد ، والحركة حصوله في المكان ~~زمانا واحدا عقيب حصوله في مكان آخر. فالماهية واحدة وإنما افترقا بالبقاء ~~وعدمه وليس البقاء معنى زائدا ، ولو كان لم يؤثر في تماثل الحقيقة ، كالصبي ~~والرجل. (1) # قال أفضل المتأخرين (2): «السكون عند المتكلمين حصوله في الحيز الواحد ~~أكثر من زمان واحد». (3) # قال أفضل المحققين : «هذا يقتضي أن تكون الحركة التي تكون قبل السكون ~~سكونا بعينه. والصواب أن يقال : هو الحصول في حيز بعد حصوله في ذلك الحيز # واستدل الرازي بهذا الوجه ووجوه أخرى لإثبات أن السكون صفة موجودة بعد ~~إبطال حجج المتكلمين وبيان ms0999 ضعفها لإثبات المدعى. راجع المطالب العالية 4 : ~~283 وما يليها PageV03P342 # بعينه ، حتى تخرج منه الحركة». (1) # ومعناه أنا إذا أخذنا الحصول في المكان أكثر من زمان تعتبر البداية من ~~الآن الثاني كان الحصول الأول يصدق عليه أنه حصول الجسم في المكان الواحد ~~أكثر من زمان واحد فكان سكونا. # «وأما الاجتماع فهو : حصول الجوهرين في حيزين ولا يمكن أن يتخللهما ثالث. ~~والافتراق كونهما بحيث يتخللهما ثالث». # قال أفضل المحققين : «ينبغي أن يحد الاجتماع بحيث يختص بجوهر واحد ، ~~والذي قاله يفهم منه أن يكون لجوهرين حصول واحد ، لأنه قال : حصول ~~الجوهرين. والصواب أن يقال : هو حصول الجوهر في الحيز بحيث لا يمكن أن ~~يتخلل بينه وبين جوهر (2) آخر ثالث». # وإذا عرفت مفهومات هذه المعاني ، فنقول : إنها وجودية. إما لما سبق من أن ~~الحصول في المكان أمر واحد في الجميع ثبوتي ولا تختلف الأنواع التي تحته ~~إلا بالعدد ، إذ المميزات فيها أمور عارضة ، كالثبات وعدمه في الحركة ~~والسكون ومماسة الجسم لغيره وعدمها. أو نقول : إن الجسم لم يكن على حال من ~~هذه الأحوال ثم يصير عليها ، فيكون غير متحرك ثم يصير متحركا ، ويكون غير ~~ساكن ثم يصير ساكنا ، ويكون غير مجتمع ثم يصير مجتمعا ، ويكون غير متفرق ثم ~~يصير متفرقا ، والتغير من أمر إلى أمر يستدعي وجود الصفة. # لا يقال : هذا ينتقض بأن الباري تعالى كان عالما بأن العالم سيوجد ثم صار ~~عالما بأنه موجود. وكذا لم يكن رائيا للعالم لاستحالة رؤية العدم ثم صار ~~رائيا. ولم يكن فاعلا للعالم ثم صار فاعلا ؛ والفاعلية تمتنع أن تكون صفة ~~حادثة ، PageV03P343 # وإلا لافتقرت إلى احداث آخر ويلزم التسلسل. # وأيضا التغير يكفي في تحققه كون إحدى الحالتين ثبوتية ، وأنتم ادعيتم أن ~~الحركة والسكون كلاهما ثبوتيان. # لأنا نقول : تغير الإضافات لا يوجب تغير الذات والصفات. والحركة والسكون ~~نوع واحد ، لأن المرجع بهما إلى الحصول في الحيز ، إلا أن الحصول إن كان ~~مسبوقا بحصول آخر كان حركة ، وإن كان مسبوقا بالحصول في ذلك الحيز كان ~~سكونا ، وإذا اتحدا في ms1000 الماهية وكان أحدهما ثبوتيا كان الآخر كذلك ~~بالضرورة. وبهذا الطريق ثبت أن الكون المبتدأ ثبوتي. # وإنما احتاج المتكلمون إلى أن السكون ثبوتي لبناء مسألة الحدوث عليه. # والأوائل جعلوا السكون أمرا عدميا هو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك ~~(1)، فالتقابل بينه وبين الحركة تقابل العدم والملكة عندهم. (2) وعند ~~المتكلمين تقابل الضدية. (3) # واعلم أن التحقيق منا : أن نقول للساكن حالتان : إحداهما حفظ النسب إلى ~~الأمور الثابتة وبقاؤها على وتيرة واحدة ، والثانية عدم الحركة عنه مع أنه ~~من شأنه أن يتحرك. فإن جعلنا السكون عبارة عن الأول فهو أمر ثبوتي ، وإليه ~~أشار المتكلمون (4)، وجعلنا الثاني لازما للأول. وإن جعلناه عبارة عن ~~الثاني كان أمرا PageV03P344 # عدميا. فتصير المنازعة هنا لفظية ، لاعتراف الفريقين بثبوت هاتين ~~الحالتين. (1) فلكل أحد أن يطلق السكون على أيهما شاء ، لكن الحكماء جعلوه ~~عبارة عن الثاني لوجهين : (2) ### |||| ** الوجه الأول : لا شك في التقابل بين الحركة والسكون ، وهذا التقابل إنما يكون لو فهمنا من ~~لفظ السكون الأمر العدمي لا الوجودي ، وذلك لأن المتقابلات يجب أن تكون ~~حدودها متقابلة. فلا يخلو إما أن نحد الحركة أولا ثم نطلب للسكون حدا يقابل ~~حدها أو بالعكس. # فإن كان الأول فقد حددنا الحركة بأنها كمال أول لما بالقوة ، فهنا ألفاظ ~~ثلاثة : الكمال ، والأول ، والقوة ، فلا بد أن نأخذ في حد السكون ما يقابل ~~أحدها. فإذا جعلنا السكون أمرا ثبوتيا وجب حفظ الكمال على حاله. ثم إما أن ~~نأخذ مقابل الأول ، فنقول : السكون كمال ثان لما بالقوة فيلزم أن تكون قبل ~~كل سكون حركة ، وإلا لم يكن السكون ثانيا. أو نأخذ مقابل الثاني ، فنقول : ~~السكون كمال أول لما بالفعل فيلزم أن تكون بعد كل سكون حركة ، وإلا لم يكن ~~السكون أولا. ولما لم يقتض مفهوم السكون أحد الأمرين بطل الحدان المذكوران ~~وبقي أن يورد في رسم السكون مقابل الكمال ، وهو الأمر العدمي. # وإن رسمنا السكون أولا وعنينا به الأمر الثبوتي وهو حصوله في الحيز لم ~~يمكننا أن نرسمه إلا بما يشعر باستمرار ذلك الحصول ، وذلك غير ms1001 ممكن إلا ~~بذكر الزمان أو لواحقه ، مثل أن نقول : إنه الحصول في المكان الواحد زمانا ~~وأكثر من PageV03P345 # آن ، أو الحصول في المكان بحيث يكون قبله وبعده فيه ، وكل ذلك مما لا ~~يعرف إلا بالزمان الذي لا يعرف [إلا] بالحركة التي وصفنا أنها لا تعرف إلا ~~بعد معرفة السكون ، فيدور. ولما بطل ذلك تعين جعل رسم الحركة أولا ثم يطلب ~~منه رسم السكون بحيث يكون مقابلا له ، وذلك لا يمكن إلا إذا كان السكون عدميا. ### |||| ** الوجه الثاني : لكل حركة من الحركات سكون يقابلها ، فللنمو سكون يقابله وللاستحالة سكون ~~يقابلها ، وكما أن السكون المقابل للاستحالة ليس هو الكيف المستمر بل عدم ~~ذلك التغير ، فكذلك السكون المقابل للانتقال ليس هو الأين المستمر بل عدم ~~التغير في الأين. (1) # وفيه نظر ، لأن التعريف الذي ذكروه للحركة ليس تعريفا حديا بل رسميا ، ~~ولا يجب التطابق بين الرسم والمرسوم في الثبوت والانتفاء. # سلمنا ، لكن لم لا يعرف السكون بأنه كمال ثان؟ ولا يستلزم سبق حركة ، بل ~~سبق حصوله في المكان ، ونحن نقول بموجبه فان السكون هو الحصول الثاني ولا ~~شك في سبقه بالحصول الأول. # سلمنا لكن لم لا نقول في تعريفه : إنه كمال أول لما بالفعل؟ وذلك لا ~~يستلزم عين الحركة ، بل يستلزم تعقب كمال بعده إما حركة أو سكون ولا شك فيه. # سلمنا ، لكن التقابل المأخوذ لا يجب أن يكون بالعدم والوجود ، بل يكفي ~~تقابل الضدية. # والزمان ضروري التصور. # سلمنا ، لكن لا نعرف الحركة من الجهة التي بها عرفنا السكون ، وإذا ~~اختلفت الجهتان فلا دور. PageV03P346 # ولا نجعل عدم التغير في الأين هو السكون ، بل استمرار الأين ، وهو غير ~~الأين المستمر. # والتحقيق في هذا ما قدمناه نحن أولا. PageV03P347 ### | البحث السادس ### | في الأمور التي تتعلق بها الحركة (1) # اعلم أن الحركة تتعلق بأمور ستة : ### |||| ** الأول : المتحرك. (2) ### |||| ** الثاني : المحرك. (3) ### |||| ** الثالث : ما فيه الحركة. (4) ### |||| ** الرابع : ما منه الحركة. (5) ### |||| ** الخامس : ما إليه الحركة. (6) ### |||| ** السادس : الزمان. (7) PageV03P348 # فهنا مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في المتحرك # الحركة عرض من الأعراض لا توجد إلا في محل يقومها كغيرها ms1002 من الأعراض ، ~~فذلك المحل هو المتحرك فلا بد منه في كل حركة. وقد سبق البحث في أن الحال ~~في المتحرك هل هو متحرك أم لا؟ الحق أنه متحرك بالعرض لا بالذات. # ثم إن جعلت الحركة ما تكون مبدأ المفارقة منه فليس بمتحرك. وإن جعلت أعم ~~وهي المباينة للأمور الثابتة فهو متحرك. # والحاوي في الفلكيات كالمحيط يحرك ما تحته كفلك البروج ، إما لتشبث أجزاء ~~أحدهما بأجزاء الآخر ، أو لأن كل واحد من أجزاء المحوى له مكان خاص في ~~الحاوي إذا تحرك يتبعه. والعذران قالهما الحكماء مع أنهما لا يستقيمان على ~~مذهبهم. # وأجزاء المتحرك المتصل عند المتكلمين متحركة ، لأنها موجودة فيه بالفعل ، ~~أما عند الأوائل فانها غير موجودة بالفعل ، وإنما توجد بالفرض فقبل الفرض ~~لا حركة لها البتة ، إذ لا وجود لها أصلا. والحركة وصف يستحيل ثبوته بدون ~~ثبوت الموصوف ، وإذا فرضها العقل فرض لها حركة لا عن جميع مكانها للاتصال ~~بالكل ، بل عن بعضه وهو الجانب المحاط بالهواء ، أما باقي الأجزاء فإنما ~~تفرض لها حركة وتنمية بمعنى حركة المحوى في الحاوي ، وإذا تحرك على نفسه ~~حركة دورية وجب وجود نقطة في وسطه لا تتحرك هي المركز يتحرك المتحرك عليها ~~، ولا يلزم وجودها بالفعل ، بل بالفرض أيضا. PageV03P349 ### ||| ** المسألة الثانية : في المحرك # لا يمكن أن يكون المحرك هو نفس المتحرك ، فلا يتحرك الجسم لذاته من حيث ~~هو جسم وإنما يكون متحركا بقوة مودعة فيه أو في غيره. واستدلوا عليه بوجوه : ### |||| ** الأول : لو كان الجسم متحركا لذاته لامتنع عليه السكون ، والتالي باطل بالضرورة ، ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن معلول الذات من حيث هي ذات من غير اعتبار حصول شرط أو ~~زوال مانع يبقى ببقاء الذات. ### |||| ** الثاني : لو تحرك الجسم لذاته لكان كل جزء من أجزاء الحركة ثابتا ، لأن كل جزء معلول ~~الجسم والجسم ثابت ومعلول الثابت ثابت ، فكل جزء مفروض في الحركة يكون ~~ثابتا ، وإذا كان ثابتا لم يكن للجزء الآخر حصول ، فلا تكون الحركة موجودة ~~، فلو كان متحركا لذاته لم يكن متحركا. ### |||| ** الثالث ms1003 : لو كان الجسم متحركا لذاته فإما أن يكون له مكان يلائمه أو لا يكون ، فإن ~~كان الأول وجب سكونه إذا حصل فيه ، وإلا لكان المطلوب بالذات مهروبا عنه ~~بالذات ، هذا خلف ، وإذا سكن بطلت الحركة وذاته موجودة فلا تكون الحركة ~~ذاتية ، لأن الذاتي يدوم بدوام الذات. وإن لم يكن له مكان ملائم لم يكن ~~طالبا لشيء منها ، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح ، فلا يتوجه نحو شيء منها ~~لذلك ، فلا يكون متحركا. # ولأنه إذا لم يطلب مكانا بعينه لم تكن حركته إلى جهة وجانب أولى من حركته ~~إلى جميع الجوانب والجهات ، فإما أن يتحرك إلى الكل وهو محال ، أو لا يتحرك ~~إلى شيء منها ، فلا تكون ذاته مقتضية للحركة. PageV03P350 ### |||| ** الرابع : لو تحرك الجسم لانه جسم لكان كل جسم كذلك لاشتراك الكل في الجسمية ، ~~والتالي باطل ، فالمقدم مثله. وإن تحرك لأنه جسم ما فالمحرك هو تلك ~~الخصوصية. ### |||| ** الخامس : الجسم من حيث هو متحرك قابل للحركة ونسبة إليها بالإمكان ، ومن حيث هو محرك ~~فاعل للحركة ونسبة إليها بالوجوب ، فتكون نسبة الجسم إلى الحركة بالوجوب ~~والإمكان معا وهو محال ، لأن الوجوب والإمكان متنافيان فلا يجوز أن يكون ~~القابل هو الفاعل ، فالمحرك غير المتحرك. ### |||| ** السادس : المتحرك إذا حرك لم يخل إما أن يحرك لا بأن يتحرك أو بأن يتحرك ، فإن حرك ~~لا بأن يتحرك فالمحرك غير المتحرك ، وإن حرك بأن يتحرك فتكون الحركة سابقة ~~على نفسها لتقدم السبب على المسبب ، فإذا كان فعله للحركة بأن يتحرك كانت ~~الحركة حال كونها علة موجودة بالفعل وحال كونها معلولة موجودة بالقوة ، ~~فتكون الحركة بالقوة والفعل معا ، وهو محال. ### |||| ** السابع : حركة الجسم تتوقف على حركة جزئه وجزؤه غيره فحركة الجسم تتوقف على حركة ~~غيره والمتوقف على الغير ليس بالذات ، فحركة الجسم ليست بالذات. ### |||| ** واعترض على الأول : (1) لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام يتحرك لذاته ويمتنع عليه السكون؟ فإن ~~ادعيتم بطلان الثاني في كل جسم ، منعناه. ولا دليل عليه سوى تماثل الأجسام ~~وهو ممنوع ، فانا لم نشاهد سكون ms1004 كل جسم ، بل البعض. وإن ادعيتم بطلانه في ~~البعض ، فمسلم. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن تقتضي الحركة لذاته ، لكنه يسكن باعتبار PageV03P351 # القاسر؟ ولا نسلم أن العلة هنا غير موقوفة على حصول شرط أو زوال مانع. ~~ومع هذا فانه ينتقض بالطبيعة ، فانها لذاتها تقتضي الحركة ولا يجب دوام ~~الحركة بدوامها. # لا يقال : الطبيعة إنما تقتضي الحركة بشرط زوال حالة ملائمة ، فإذا وصل ~~إلى المكان الطبيعي حصلت الحالة الملائمة فزال شرط الحركة فعدمت الحركة وإن ~~كانت الطبيعة باقية ، لأن الأثر كما يعتبر فيه وجود الفاعل يعتبر فيه أيضا ~~حصول الشرائط وزوال الموانع ، فان العلة إذا كانت في إيجابها معلولها ~~متوقفة على شرط لم يستمر ذلك الإيجاب عند فوات ذلك الشرط. # لأنا نقول : إذا جوزتم ذلك في الطبيعة ، فلم لا تجوزونه في الجسم؟ ويكون ~~الجسم لذاته علة للحركة ، لكن بشرط حصول حال غير ملائمة فتنقطع الحركة عند ~~زوالها. ### |||| ** وعلى الثاني : بالنقض بالطبيعة أيضا ، فانها ثابتة ولا يجب ثبات أجزاء الحركة. # لا يقال : الطبيعة تحرك بشرط حال غير ملائم فتجدد أجزاء الحركة لأجل تجدد ~~القرب والبعد من الحالة الملائمة. # لأنا نقول : فقولوا مثله في الجسم بأن يكون يقتضي الحركة لذاته بشرط حصول ~~حال منافرة حتى تتجدد أجزاء الحركة بسبب القرب والبعد من تلك الحالة ~~المنافرة. وأيضا ليس للحركة جزء بالفعل بحيث يصدر عن الجسم ، بل الحركة أمر ~~واحد متصل لا جزء فيها بالفعل بل بالفرض ، كأجزاء الجسم ، وإذا لم يكن ~~موجودا بالفعل استحال أن يكون معلولا. ### |||| ** وعلى الثالث : بالنقض بالطبيعة أيضا فإنها تطلب بحركتها مكانا معينا وإذا وصلت إليه ~~انقطعت الحركة ، فلم لا يجوز في الجسم ذلك؟ PageV03P352 # لا يقال : الطبيعة توجب الحركة بشرط زوال الحال الملائم ، فإذا كان الجسم ~~خارجا عن المكان الملائم للطبيعة اقتضت الطبيعة الحركة إليه بشرط الحال ~~الغير الملائم ، فإذا وصل إليه وقف لفقد الشرط وحصول الحال الملائم. # لأنا نقول : إذا جاز ذلك في الطبيعة فليجز في الجسم ، ولم يبق لهم في ~~العذر عن النقض بالطبيعة في هذه الوجوه الثلاثة ms1005 ، إلا بأن يقال : لو كان ~~الجسم مقتضيا للحركة لوجب في كل جسم ذلك وهذا هو الوجه الرابع ، فيبقى ذكر ~~الوجوه الثلاثة ضائعا لا فائدة فيها. ### |||| ** وعلى الرابع : بمنع تماثل الأجسام ، فان كل جسم عندكم له مقدار هو كونه طويلا عريضا عميقا ~~، وله صورة جسمية هو امتداده القابل لهذه الأبعاد الثلاثة ، وله هيولى ~~قابلة للصورة. # أما الأبعاد الثلاثة فلا شك في تشاركها بين الأجسام كلها ، لكن ذلك هو ~~المقدار وهو عارض ولا يلزم من الاشتراك في العارض الاشتراك في الحقيقة. # وأما الصورة الجسمية فلا بد من إقامة البرهان على أنها أمر واحد في ~~الأجسام كلها ، لأن الصورة الجسمية لا يمكن أن تكون عبارة عن نفس القابلية ~~لهذه الأبعاد الثلاثة ، لأن القابلية أمر نسبي والصورة من مقولة الجوهر ~~فكيف يكون الجوهر عبارة عن أمر نسبي لا يعقل إلا بين شيئين؟ فالصورة إذن ~~ماهية جوهرية تلزمها هذه القابلية ، وتلك الماهية غير محسوسة ولا متصورة ~~تصورا أوليا حتى تعرف أنها في جميع المواضع بمعنى واحد ، لأن المحسوس ~~والمتصور إنما هو هذه الأبعاد الثلاثة وليست نفس الصورة الجسمية ، بل اعراض ~~ومقادير لا حيز (1) لها. وإذا كانت الجسمية عبارة عن أمر تلزمه هذه الاعراض ~~لم يعرف كونه واحدا في جميع ما يكون حاصلا فيه أولا ، فإن الاشتراك في ~~اللوازم لا يوجب الاشتراك في الملزومات ، PageV03P353 # فلعل الجسمية التي في الحجر مخالفة في الحقيقة للجسمية التي في الإنسان ~~وإن اتفقتا في قبول الأبعاد. # وبالجملة فالجمهور لما لم يعلموا من الجسم إلا هذه الأبعاد والمقادير ~~وكانت هذه الأبعاد والمقادير مشتركة بين جميع الأجسام ، لا جرم حكموا ~~بتماثل الأجسام. أما الفلاسفة الذين أثبتوا أمرا زائدا على هذا الذي علمه ~~الجمهور جعلوه صورة جسمية ، وهي أمر مغاير للمقادير والأبعاد ، والجسمية ~~(1) أمر مادية قابلية هذه المقادير والأبعاد لم تكن تلك الماهية محسوسة ولا ~~متصورة بالبديهة ، بل لا بد من تصحيحها بالبرهان فكيف يمكن ادعاء الضرورة ~~باشتراكها بين الأجسام؟ # سلمنا أن الصورة الجسمية مشتركة بين الأجسام ، فلم قلتم إنها مشتركة في ~~المادة؟ ونسلم ms1006 أنها لو اقتضت الصورة الجسمية الحركة لتشاركت الأجسام فيها ، ~~لكن لم لا يجوز اسناد الحركة إلى المادة المخصوصة؟ # ولنزده بيانا فنقول : الفلك غير قابل للكون والفساد عندكم فيكون ماله من ~~الشكل والوضع والمقدار واجب الحصول لا يمكن زواله ، فذلك الوجوب إن كان ~~لنفس الجسمية وجب أن يكون كل جسم كذلك لتساوي جسمية الفلك وغيره ، فلما لم ~~يلزم أن يكون كل جسم كذلك فلم لا يجوز مثله هنا؟ فيتحرك بعض الأجسام ~~لجسميته ولا يجب اشتراك الأجسام في الجسمية. وإن كان لأمر موجود في الجسمية ~~زائد عليها ، فذلك الأمر إن لم يكن لازما للجسمية لم يكن اللازم بسببه ~~لازما لجسمية الفلك ، وإن كان لازما فلزومه إما لنفس الجسمية أو لغيرها ~~ويعود البحث ، فلا ينقطع التسلسل إلا باعتبار أحد أمرين : # إما أن يقال : تلك الأشكال والصور والأعراض غير لازمة لجسمية الفلك ، ~~وحينئذ يلزم جواز الخرق والالتئام والكون والفساد على الفلك. PageV03P354 # أو يقال : إنها لازمة للجسمية إما بغير واسطة أو بواسطة ما يلزمها لا ~~بواسطة ، مع أن تلك الأمور غير مشترك فيها فكذلك المتحركية (1) يجوز أن ~~تكون كذلك. # وأما إن قيل : تلك الملازمة ليست للجسمية ولا لما يلزم الجسمية ، بل لما ~~تحل الجسمية فيه وهو المادة ، فان تلك المادة لما كانت مخالفة لسائر المواد ~~وكانت مقتضية للجسمية ولتلك الأشكال والأوضاع لزم من ذلك حصول الملازمة بين ~~تلك الجسمية وبين تلك الأمور. # وعلى هذا نقول : فلم لا يجوز أن تكون لبعض الأجسام مادة مخصوصة مخالفة ~~لسائر المواد تقتضي لذاتها حركة مخصوصة ، ولا يلزم اشتراك الأجسام في تلك ~~الحركة؟ # أما العناصر فلما كانت موادها مشتركة وكذا جسميتها واختلفت حركاتها وجب ~~اسنادها إلى قوى مختلفة. # وأما الأفلاك فموادها مختلفة ومخالفة لمادة العناصر ، وإلا لصح عليها ~~الكون والفساد والخرق والالتئام وهم قد منعوا منه ، فجاز اسناد حركاتها إلى ~~موادها. # ومن جملة قواعد الحكماء التي اتفقوا عليها : أن القوى المادية غير مؤثرة ~~بل معدة ؛ فالجسم لما كان بأصل جسميته قابلا لكل الأضداد فإذا اتصف ببعضها ~~فلا بد فيه من ms1007 قوة مخصوصة توجد فيه وتجعله أولى لقبول ذلك الضد من غيره من ~~الأضداد الممكنة الثبوت له ، وإلا لم يكن حصول ذلك الضد له أولى من غيره من ~~الأضداد ، فإذا تخصص الاستعداد لأجل تلك القوى أفاض واهب الصور عليه ما ~~استعد له. فإذن الحاجة إلى القوى الجسمانية التي هي مبادئ الحركات إنما ~~تثبت حيث تتساوى نسبة المادة إلى جميع المتضادات وتكون قابلة للجميع لتخصص PageV03P355 # المادة لقبول ضد ، ويترجح بتلك القوة ذلك الضد على غيره. وإذا لم تكن ~~المادة كذلك ، بل كانت لذاتها تقتضي قبول شيء بعينه (1) فخصصه القبول به ~~دون غيره استغنت عن القوة الجسمانية أصلا ؛ لأن تلك القوة ليست موجدة ~~للحركة ، فان معطي وجود الأشياء هو المبدأ الفياض ، ولا مخصصة للمادة فقبول ~~هذا العرض دون ضده لأن المادة لذاتها متخصصة الاستعداد فلا يكون لتلك القوة ~~اعتبار البتة فلا تكون موجودة ، وإلا لكانت معطلة ولا معطل في الطبيعة. # لا يقال : المادة لا تصلح لمبدئية الحركة لأنها قابلة ، فلا تكون فاعلة. # لأنا نقول : سيأتي بطلان هذا القول (2). وينتقض بلوازم الماهية فانها ~~تصدر عنها وهي القابلة ، ومع ذلك فانه يعود إلى الوجه الخامس ، وهو ضعيف ~~لما تقدم. ### |||| ** وعلى السادس : بأنه لا يستلزم التقدم ، بل المصاحبة. ولا نقول : الذات تحرك نفسها بواسطة ~~الحركة التي توجدها لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه ، بل النزاع في أن الذات ~~باعتبار حقيقتها وماهيتها هل تكون علة لمتحركيتها؟ ولا يلزم من فساد قولنا ~~: الذات توجب حركة نفسها بواسطة حركة نفسها ، بطلان قولنا : الذات لا توجب ~~الحركة لنفسها. كما أنه لا يلزم من بطلان القول : بأن الأربعة لزوجيتها علة ~~لزوجيتها ، فساد القول: بأن الأربعة لذاتها علة لزوجيتها. # فالحاصل : أن القائل بأن المحرك هو المتحرك لا يعني أنه من حيث هو متحرك ~~علة لحركة نفسه ، بل يعني به : أن الشيء الذي عرضت له المتحركية هو الذي ~~عرضت له المحركية بعينه. ### |||| ** وعلى السابع : بالمنع من توقف حركة الجسم على حركة جزئه ، لأن الجسم إنما يكون له جزء بعد ~~القسمة ، وقبلها لا جزء له ms1008 ، وإذا لم يكن موجودا كيف PageV03P356 # يوصف بالحركة أو السكون؟ ولو كان حركة الجزء الفرضي شرطا وعلة لحركة الكل ~~لزم وجود علل ومعلولات غير متناهية ، لأن الأجزاء الفرضية في كل جسم غير ~~متناهية. وإن لم يكن متصلا (1) لم يكن الجزء جزءا بالحقيقة بل لم يكن الجسم ~~واحدا بالحقيقة ، بل مجموع أجسام كثيرة كل واحد منها متحرك بالذات. # فالحاصل أن الاتصال الحقيقي إن وجد لم يوجد الجزء ، فلم يمكن وصفه ~~بالحركة. وإن وجد لم تكن هناك جزئية ولا كلية. وأيضا حركة الكل لا تتوقف ~~على حركة الجزء ، بل على سكونه بالذات وحركته بالعرض. # سلمنا أن حركة الكل متوقفة على حركة الجزء ، لكن لم لا تكفي في حركة الكل ~~حركة الأجزاء؟ فإن عند الخصم حركة الأجزاء واجبة لذاتها وهي كافية في حركة ~~الكل ، وعلى (2) هذا يحتاج المستدل إلى بيان أن حركة الأجزاء غير واجبة ~~لذاتها ، لكن الطريق الذي تبين به ذلك يمكنه استعماله في المطلوب إن قدر ~~عليه ، فيصير التعرض للكل والجزء ضائعا. # سلمنا أنه لا بد من حركة الجزء ، لكن ذلك لا يقتضي وجود زائد على الجزء ~~يوجب الحركة. ### ||| ** المسألة الثالثة : في ما منه وما إليه # إنه سيظهر لك (3) أن الحركة عند الفلاسفة إنما تقع في مقولات أربع ، وقد ~~عرفت أن الحركة تغير وانتقال من شيء إلى شيء فالمنتقل عنه هو مبدأ الحركة ~~وما منه الحركة ، والمنتقل إليه هو ما إليه الحركة. PageV03P357 # فكل حركة على الإطلاق لا بد فيها من مبدأ ومنتهى إما بالفعل كالحركات ~~المستقيمة، أو بالقوة كالحركات الوضعية ؛ فان الحركة الدورية واحدة متصلة ~~لا مفصل فيها فلا مبدأ ولا منتهى لها. نعم قد يفرض ذلك لنقطتي المشرق ~~والمغرب ، ثم كل نقطة تفرض في الجرم المستدير فالحركة منها هي بعينها حركة ~~إليها (1)، فهنا يتحد ما منه وما إليه بالذات ، فان نقطة المشرق إن ~~جعلناها مبدأ الحركة الدورية فانها إنما تكمل الدورة إذا وصلت إليها فموضوع ~~المبدأ والمنتهى واحد بالذات وقد عرض له هذان الوصفان ، لكن لا في آن واحد ~~، فان النقطة ms1009 الواحدة في الآن لا تكون مبدأ لحركة معينة ومنتهى لها بل في ~~آنين ، فتلك النقطة وإن كانت واحدة بالعدد لكنها اثنتان بالاعتبار ، وذلك ~~كاف في كونها بداية للحركة ونهاية لها. # وليس من شرط وجود الحركة الدورية أن تكون هناك نقطة موجودة بالفعل تكون ~~مبدأ من وجه ومنتهى من وجه ، فان الفلك جرم بسيط ليس فيه نقطة بالفعل بحيث ~~تكون معروضة لهذين الاعتبارين وإنما تحصل فيه النقطة إما بسبب قطع وهو محال ~~، أو بسبب موازاة ، أو مماسة ، أو فرض فارض ، وكل ذلك غير واجب وإلا امتنع ~~تحرك الفلك إلا عند قائم على الأرض ، وامتنعت الحركة عليه عند عدم تلك ~~الأمور وهو محال ، بل يكفي في تحقق الحركة الدورية كون تلك النقطة بالقوة ~~القريبة من الفعل على الوجه المذكور. # واعلم أن هنا نظرا وهو أن يقال : ما منه وما إليه إما أن يقال : باحتياج ~~الحركة إليه أو لا. والثاني يبطل قولهم : إن الحركة تتوقف على أمور ستة ~~ويعدونهما منها. ولأن الحركة تغير وانتقال فلا تعقل إلا مع تعقلهما. ولأن ~~الحركة إنما توجد بوجهين : التوسط ولا يعقل إلا بين مبدأ ومنتهى بالفعل ، ~~وإلا لم يكن هو توسطا PageV03P358 # بالفعل. أو الأمر المتصل الممتد من أول المسافة إلى آخرها ، ولا يعقل ~~تحققه أيضا إلا بعد تعقلهما بالفعل. والأول يستلزم وجودهما بالفعل لأن ~~الحركة موجودة بالفعل فما يتوقف عليه يجب أن يكون موجودا بالفعل. # واعلم أن مبدأ الحركة ومنتهاها متضادان بالذات. # أما في الحركة في الكيف ، فكالحركة من السواد إلى البياض ، فالسواد ~~والبياض اللذان هما مبدأ الحركة ومنتهاها متضادان بالذات. # وأما في الحركة في الكم ، فكالانتقال من أكبر حجم في طبيعة الشيء إلى ~~أصغر حجم في طبيعته ، كالحركة من غاية النمو إلى غاية الذبول. # وقد لا يتضادان فلا بد وأن يكونا بين الضدين (1)، ولكن يجب أن يكون ~~أحدهما أقرب إلى أحد الضدين والآخر أقرب إلى الضد الآخر ، كالانتقال من ~~الصفرة إلى النيلية. (2) وفي الكم من الذبول الذي ليس في الغاية إلى النمو ~~الذي ليس في الغاية ms1010 ، هذا ما يتعلق بالحركة في الكم والكيف. # وأما الحركة في الأين فما منه وما إليه الحركة ليسا ضدين في ذاتيهما ، ~~لأنهما مبدأ مسافة ومنتهاها ، وذلك إما نقطة ، أو خط ، أو سطح ، وهما غير ~~ضدين حينئذ بل عرض لأحدهما أن كان مبدأ وللآخر أن كان منتهى فبهذا الاعتبار ~~صارا ضدين. # ثم إن كونهما طرفي الحركة قد يكون طبيعيا لازما كما في المركز والمحيط فانهما PageV03P359 # ضدان لا لذاتيهما لأن كل واحد منهما نقطة ، بل لعارضين عرضا له وهو كون ~~أحدهما غاية القرب من الفلك والآخر غاية البعد عنه فيلزم أن يكون أحدهما ~~علوا والآخر أن يكون سفلا ، وبسبب ذلك يتضادان إذ ليس في الجهات جهة طبيعية ~~إلا هاتان. # وقد لا يكون طبيعيا ، بل يحصل بواسطة الحركة ، فان الحركة لما ابتدأت من ~~أحد الطرفين وانتهت عند الآخر عرض للأول أن كان مبدأ وللآخر أن كان منتهى ~~وهذان الوصفان متضادان فيصير الطرفان متضادين بسبب تضاد العارضين. # ويمكن انقلابهما فيصير المبدأ لحركة منتهى لغيرها وبالعكس. # واعلم أن كون الشيء مبدأ حركة والآخر منتهى حركة أمران يعرضان لغيرهما ~~بالقياس إلى الغير ولا تأصل لهما في الذاتية ، فللمبدإ ذات يعرض لها أن ~~يكون مبدأ ، وكذا المنتهى ، فللمبدإ والمنتهى ذات وله (1) أنه مبدأ أو ~~منتهى. وهما متغايران بالضرورة لاستحالة كون الشيء عارضا لنفسه. فللسواد ~~ماهية في نفسها ثم عرض له أن صار مبدأ للحركة من السواد إلى البياض. # وقد عرفت أن معروض وصف البداية والنهاية قد يكون موجودا (2)، وقد يكون ~~بالقوة. وأيضا قد يكون متضادا (3) وقد لا يكون. ولا شك في أن لكل واحد من ~~العارضين نسبة إلى معروضه وإلى الآخر الذي يقابله ، فلمبدإ الحركة ومنتهاها ~~من حيث هو مبدأ أو منتهى قياس إلى الحركة ولكل واحد (4) منهما قياس إلى ~~الآخر ، فقياس كل واحد منهما إلى الحركة قياس التضايف ، فان المبدأ مبدأ لذي PageV03P360 # المبدأ والمنتهى منتهى لذي المنتهى وبالعكس. وأما قياس كل واحد منهما إلى ~~الآخر فليس قياس التضايف ، فانه ليس من عقل مبدأ عقل منتهى ولا بالعكس ms1011 ، إذ ~~من الجائز فرض حركة ليس لها بداية ولا نهاية أو ليس لها أحدهما ، كما ~~نتصوره في حركات أهل الجنة (1). والمتضايفان (2) لا يوجدان بأحد الوجودين ~~إلا معا ، فإذن ليس التقابل بينهما تقابل التضايف ، للانفكاك المذكور. ولا ~~تقابل السلب والإيجاب ، لأنهما معا وجوديان. ولا تقابل العدم والملكة ، ~~لذلك ؛ ولأنه ليس أحدهما بأن يكون عدما للآخر أو سلبا له أولى من العكس. ~~فلم يبق بينهما إلا تقابل الضدية. # فالمبدئية والمنتهائية ضدان لأجل أنهما مبدأ ومنتهى حركة بصفة لا يكون ~~مبدؤها هو بعينه منتهاها ، وذلك إنما يكون حيث يكونان لحركة مستقيمة. # لا يقال : كيف يكون المبدأ ضد المنتهى وهما يجتمعان في جسم واحد والأضداد ~~لا تجتمع في الجسم الواحد؟ # لأنا نقول : الأضداد قد تجتمع في الجسم الواحد إذا لم يكن الجسم موضوعا # وقد كان أبو الهذيل يقول : يجوز أن يتحرك الجسم لا عن شيء ولا إلى شيء. # وقال قائلون : إذا تحرك مكان الشيء والشيء لازم لمكان واحد فهو ساكن غير ~~متحرك ، وأحال هؤلاء أن يتحرك المتحرك لا عن شيء ولا إلى شيء. # وكان النظام ممن يحيل أن يتحرك المتحرك لا في شيء ولا إلى شيء.» راجع ~~مقالات الإسلاميين : 322 323. PageV03P361 # قريبا لهما ، وموضوع المبدئية والمنتهائية ليس هو الجسم بل الطرف ، ولا ~~يجتمع في طرف بالفعل أن يكون مبدأ ومنتهى لحركة مستقيمة واحدة. # بقي هنا إشكال في تقابل ما منه وما إليه في الحركة الدورية ، فانه لا ~~يعقل فيه التضاد للوحدة. ### ||| ** المسألة الرابعة : في نسبة الحركة إلى المقولات (1) # والنظر في أمرين : ### ||| ** الأمر الأول : في مفهوم قولنا : في هذه المقولة حركة # اعلم أنا إذا قلنا في مقولة كذا حركة احتمل أربعة أوجه : ### |||| ** الأول : أن المقولة موضوع حقيقي لها. ### |||| ** الثاني : أن الموضوع لها وإن كان هو الجوهر ، لكن بتوسط تلك المقولة. (2) ### |||| ** الثالث : أن المقولة جنس لها ، وهي نوع لها. ### |||| ** الرابع : أن يتغير الجوهر من صنف من تلك المقولة إلى صنف آخر تغيرا على التدريج. # والثلاثة الأول باطلة. أما الأول فنقول : التسود ليس هو أن ذات السواد ~~تشتد ms1012 ، فان ذلك السواد عند اشتداده إن لم يكن موجودا لم يشتد بل عدم. وإن ~~كان موجودا فإن لم يحدث فيه شيء فلا اشتداد بل هو كما كان ، وإن حدث فذات PageV03P362 # السواد باقية وحدث فيه شيء آخر فلا يكون في ذات السواد تبدل بل في صفاته. ~~لكنا لا نعني بالسواد إلا هذه الهيئة المحسوسة لنا فإن وقع التبدل فيها ~~فذات السواد غير باقية ، وإن لم يقع التبدل فيها فالتبدل إن كان فهو شيء ~~آخر لا يسمى سوادا إلا باشتراك الاسم. # فظهر من هذا أن اشتداد السواد يخرجه عن نوعه وتكون للموضوع في كل آن ~~كيفية واحدة بسيطة ، لكن الناس يسمون كل الحدود المقاربة من السواد سوادا ~~وجميع الحدود المقاربة من البياض بياضا. والسواد المطلق واحد في الحقيقة ~~وهو الطرف والغاية التي لا زيادة عليها ، وكذا البياض ، والمتوسط كالممتزج ~~، لكن يعرض لما يقرب من أحد الطرفين أن ينسب (1) إليه والحس لا يميز فيظن ~~أنهما نوع واحد. # قيل (2): الحركة المقدارية ، إما أن يكون هناك مقدار واحد باق في جميع ~~زمان حركة التخلخل أو لا ، فإن كان فالزيادة إن داخلته كان قولا بالتداخل ، ~~وبتقدير جوازه لا يزيد المقدار وكلامنا فيه. وإن لم تداخله بل انضمت ~~الزيادة إليه من الخارج فيكون في الحقيقة كاتصال خط بخط ولم يكن ذلك من باب ~~التخلخل. وإن كان المقدار الأول لا يبقى عند الزيادة فهناك مقادير متتالية ~~على الجسم ويجب أن لا يبقى الواحد منها زمانا وإلا صار ساكنا عند حركته (3) ~~التخلخلية وكلامنا فيه عند الاستمرار ، فهناك مقادير متتالية آنية (4) ~~الوجود بغير نهاية. وأما أنها هل هي متخالفة بالنوع كالكيفيات المتتالية ~~التي تخالفت بالنوع عند تتاليها؟ PageV03P363 # فالأقرب أنه كذلك. # وأيضا القوة المحركة قسرا تضعف عندهم بمصادمات الهواء المخروق لا يمكن أن ~~يكون فيها شيء باق يتناقض ، بل الحاصل هناك أنواع من القوى آنية الوجود ~~متتالية. # وإذا لم يوجد شيء من هذه الأمور المتتالية أكثر من آن واحد وهي متعاقبة ~~لا يتخللها زمان ، لزم تتالي الآنات. # وأجاب الشيخ في التعليقات ms1013 (1) بأن وجود تلك الأنواع بالقوة لا بالفعل. # ويضعف بأن الأنواع إذا لم يكن لها وجود في الخارج لم يكن لحركة الجسم في ~~كيفية واحدة وجود في الخارج ، لأن الحركة إن كانت عبارة عن وجود هذه ~~الأنواع ولم يكن وجودها بالفعل بل بالقوة لم تكن حركتها بالفعل بل بالقوة ، ~~فيكون الجسم غير متحرك بالفعل ، بل يمكن أن يتحرك. وإن كانت هذه الأنواع ~~موجودة بالفعل وقد دل الدليل على تخالفها بالنوع وبالماهية وإن كان كل واحد ~~منها لا يوجد أكثر من آن واحد وهي متتالية لا يتخللها زمان والأمور التي ~~هذا شأنها كيف يقال : إن وجودها بالقوة؟ فثبت أن الكيفية لا يجوز أن تكون ~~موضوعا للحركة. # وبهذا يظهر أنه لا يجوز أن تكون واسطة بينها وبين الموضوع. (2) # وأما الاحتمال الثالث وهو أن تكون المقولة جنسا لها ، فقد ذهب إليه بعضهم ~~، وزعم أن من (3) الأين منه ما هو قار ومنه ما هو سيال هو الحركة المكانية. ~~ومن الكيف قار ومنه سيال هو الحركة في الكيف ، كالاستحالة. ومن PageV03P364 # الكم قار ومنه سيال هو النمو والذبول والتخلخل والتكاثف. (1) وبالجملة ~~فالسيال من كل جنس هو الحركة. # ثم اختلفوا فذهب بعضهم إلى أن المخالفة بالسيلان والثبات مخالفة نوعية ، ~~لأن السيالية جزء ماهية السيال ، فيكون في ماهيته مخالفا لما ليس بسيال. ~~ومنهم من جعل المخالفة عرضية ، كزيادة خط على خط. والقولان ضعيفان والحجتان ~~ساقطتان. # أما الأولى : فلأن البياض داخل في حقيقة الأبيض مع أن امتيازه عن الأسود ~~قد يكون بعرض غريب لا بفصل مقوم ، فليس كل زيادة مميزة تكون منوعة. # وأما الثانية : فلأن كل واحد من مراتب الأعداد مخالفة بالنوع للمرتبة ~~الأخرى مع أن ذلك ليس إلا لزيادة الآحاد ونقصانها ، فكذا هنا لا يلزم من ~~انضياف حقيقة السيلان إلى طبيعة الكيف أن لا يكون السيال مخالفا لغير ~~السيال. # وبالجملة فالحجة الأولى منقوضة بالفصول ، والثانية بالخواص. ومذهبهم باطل ~~من الأصل ، لأنا لا نعني بالحركة إلا تغير الموضوع في صفاته تغيرا على ~~التدريج ومعلوم أن هذا البدل ليس من جنس ms1014 ما وقع فيه التبدل ، فان التبدل ~~حالة نسبية وأمر إضافي والمتبدل ليس كذلك. ولأن التبدل لو كان من جنس ~~المتبدل وهو لا يحصل إلا عند المتبدل فهما إن كانا مثلين لزم اجتماع ~~المثلين وإن كانا مختلفين كانا متضادين مع أنهما يجتمعان فيلزم اجتماع ~~الضدين ، هذا خلف. # فتعين الاحتمال الرابع : وهو أن يكون معنى الحركة في المقولة تغير ~~الموضوع PageV03P365 # من نوع منها إلى نوع آخر. (1) ### ||| ** الأمر الثاني : في جنس الحركة (2) # سألت شيخنا أفضل المحققين نصير الملة والدين قدس الله روحه عن الحركة تحت ~~أي مقولة تقع من المقولات؟ # فأجاب بأن الرئيس استشكل هذا الموضع (3). وتحقيقه أن نقدم له مقدمة ، ~~فنقول : # من الناس من جعل لفظة الحركة واقعة على ما تحتها بالاشتراك البحت ، وهو ~~خطأ ؛ فإن مفهوم التغير على التدريج أمر شامل لما تحته ولكل ما يقال له حركة. # ومنهم من قال : إنها مقولة على ما تحتها بالتشكيك قول البياض على بياض ~~الثلج والعاج ، فان من الخروج التدريجي ما هو سريع ومنه ما هو بطيء وللسريع ~~طرفا قلة وهو البطء وكثرة هو الحصول الدفعي ، وللبطء طرفان أيضا هما السريع ~~والسكون. وأيضا الحركة كمال أول لما بالقوة ومعنى الكمال هنا وجود ما لم ~~يكن ، والوجود مقول بالتشكيك على أشخاصه. # وقد اعترض على الثاني (4) بأن الشيء إنما يكون مقولا على أقسامه بالتشكيك ~~إذا كان ثبوته لأحدها قبل ثبوته للآخر وهنا ليس كذلك ، فانه ليس PageV03P366 # كون النقلة كمالا بسبب كون الاستحالة كمالا ولا بالعكس ، بل يجوز أن يكون ~~وجود النقلة سببا لوجود الاستحالة ، وحينئذ يكون التقدم والتأخر عائدين إلى ~~الوجود ، وهذا كما أن أنواع العدد لما لم يكن شيء منها علة لكون الآخر عددا ~~بل لكونه موجودا (1) لا جرم كان كون العدد مقولا عليها بالتواطؤ أو التشكيك ~~عائدا إلى الوجود ، فكذا هنا. # وفيه نظر ، فانه ليس أسباب المقولية بالتشكيك منحصرة في التقدم السببي ~~والتأخر ، فإن بياض الثلج ليس أولى بأن يكون متقدما على بياض العاج من ~~العكس بل لا تقدم لأحدهما على الآخر في البياضة ms1015 ومع ذلك فالتشكيك ثابت فيه ~~، كذا هنا. # إذا ثبت هذا فنقول : اختلف الناس هنا فقال بعضهم : إن الحركة نفس مقولة ~~أن ينفعل. وبعضهم منع من ذلك. # واحتج المانعون : بأن الحركة مقولة بالتشكيك على ما تقدم ولا شيء من ~~المقولات بمقول على ما تحته بالتشكيك ، فالحركة ليست بمقولة. # وقد سلف ضعف قولهم في مقوليتها على ما تحتها بالتشكيك. ولأن مقوليتها على ~~ما تحتها بالتشكيك لا يمنع من كونها مقولة ، فان الجدة وهي كون الشيء محاطا ~~بغيره بحيث ينتقل بانتقاله مقولة على ما تحتها بالتشكيك ، فان جلد الحيوان ~~أولى بذلك من قميصه ، فكذلك هنا. # وهو ضعيف ، لأنهم يشترطون في مقولة الجدة الخروج عن الشيء احترازا من ~~الجلد. نعم يمكنهم التمسك بأن مقولة أن ينفعل ليست وجودية وإلا تسلسل ، ~~والحركة لا شك في أنها وجودية ، فليست مقولة أن ينفعل. PageV03P367 # واحتج القائلون بأنها مقولة «أن ينفعل» بوجهين : (1) ### |||| ** الوجه الأول : الحركة التغير على التدريج ، والتغير اتصاف الشيء بصفة بعد زوال صفة أخرى ، ~~وذلك الاتصاف هو نفس الانفعال ، فإذن الحركة نفس مقولة أن ينفعل. # وهو ممنوع ، فان الحركة ليست نفس الانفعال ، بل أمر يلزمه ذلك. ### |||| ** الوجه الثاني : «أن ينفعل» إما أن يكون نفس الحركة أو نسبة الحركة ، فإن كان نفس الحركة ~~فإما نفس الحركة المطلقة أو نفس حركة مخصوصة ، والأول يوجب أن تكون الحركة ~~مقولة لأجل أن «أن ينفعل» مقولة ، والثاني يوجب أن تزيد المقولات على العشر ~~(2)، لأنه ليس بعض أقسام الحركة بأن يجعل مقولة أولى من بعض. # وإن كان «أن ينفعل» عبارة عن نسبة الحركة إلى المحل فاما أن يكون عبارة ~~عن نسبة الحركة المطلقة إلى المحل أو عن نسبة حركة خاصة إلى المحل ، والأول ~~يوجب جنسية الحركة ، لأن نسبة الشيء إلى المحل لما كان جنسا فلأن يكون ذلك ~~الشيء في نفسه جنسا أولى فتزيد المقولات على العشرة. وإن كان «أن ينفعل» ~~عبارة عن نسبة حركة خاصة إلى المحل فليس نسبة بعض الحركات بأن تكون مقولة ~~أولى من البعض. ولأنه إذا كانت النسبة مقولة فالشيء ms1016 الذي له النسبة أولى ~~بأن تكون مقولة ، فالحركة ليست مقولة «أن ينفعل». # وفيه نظر ، فإن «أن ينفعل» هو تأثير الشيء عن غيره على التدريج ، فهو ~~يستلزم الحركة ، وملزوم الشيء غيره. والقسمة في الثاني غير حاصرة. والزيادة ~~على المقولات على تقدير كون أن ينفعل حركة خاصة حيث لا أولوية ، ممنوعة ~~لجواز أن PageV03P368 # يكون بعض الحركات أولى ، ولا يلزم من كون النسبة جنسا كون ماله النسبة ~~أولى بالجنسية ، وجاز أن تكون نسبة حركة خاصة أولى. ### ||| ** المسألة الخامسة : في المقولات التي تقع فيها الحركة # ذهب الأوائل إلى أن الحركة إنما تقع في مقولات أربع : الكم والكيف والأين ~~والوضع (1)، فالكلام هنا يقع في مقامات خمسة : ### ||| ** المقام الأول : في وقوع الحركة في الكم # وهو على نوعين : # وأما أرسطو فقد جعل أنواع الحركة ستة : «التكون ، والفساد ، والنمو ، ~~والنقص ، والاستحالة ، والتغير بالمكان.» منطق أرسطو 1 : 73. والظاهر من ~~عباراته انه يجعل الحركة في ثلاث مقولات وهي : الكيف والكم والأين ، بحيث ~~تتلخص الست المذكورة في هذه الثلاث ، وأنه لا يقول بوقوعها في مقولة الوضع. ~~راجع أيضا المقالة الخامسة من طبيعياته ، تحقيق : عبد الرحمن البدوي. يقول ~~فيه : «الحركة ... إنما هي في الكيف والكم والحيث فقط» ، ويقول أيضا : ~~«فواجب ضرورة أن تكون الحركات ثلاثا : حركة الكم ، وحركة الكيف ، والحركة ~~في المكان.» ص 511. # وعددها عند الكندي ست : الكون ، والفساد ، والاستحالة ، والربو ، ~~والاضمحلال ، والنقلة من مكان إلى مكان. رسائل الكندي 2 : 22. ويفصل القول ~~في هذا التقسيم في رسالته في «الجواهر الخمسة». ونجده في مكان آخر يصنفها ~~إلى قسمين رئيسيين : إما مكانية وإما غير مكانية ، والأخيرة إما ربو وإما ~~نقص وإما كون وإما فساد وإما استحالة. المصدر نفسه 1 : 259. PageV03P369 # النوع الأول : التخلخل والتكاثف الحقيقيان. # وقد عرفتهما فيما سبق. (1) ولا شك في أن الأجسام تقبلهما فيصير الجسم ~~أصغر مما كان ، من غير فصل جزء منه ويصير أكبر مما كان ، من غير انضياف جزء ~~إليه. (2) واستدلوا عليه بأمور : (3) ### |||| ** الأمر الأول : الجسم مركب من المادة والصورة ، وليس للمادة حجم في ذاتها ولا مقدار مختص ~~بها ، وإذا لم ms1017 تكن مستحقة لمقدار معين كانت نسبة المقادير إليها واحدة ، ~~وإلا كان لها في خاص ذاتها مقدار معين حتى يكون قابلا لما يساويه وغير قابل ~~لما يفضل عليه ، ولما لم تكن الهيولى كذلك كانت قابلة لجميع المقادير ، ~~فأمكن أن تخلع المادة مقدارا وتتصف بأزيد منه أو بأنقص فأمكنت الحركة ~~الكمية فيه. ### |||| ** الأمر الثاني : الجسم سواء قلنا : إنه مركب من المادة والصورة أو لا ، فان له مقدارا زائدا ~~على حقيقته فيكون من حيث هو هو عديم المقدار فكانت نسبته إلى جميع المقادير ~~واحدة. ولأن نصف الجسم البسيط وكله متساويان في الحقيقة متفقان في الطبع ~~ومختلفان بالمقدار فمقدار النصف نصف مقدار الكل. والمتساويان في الطبيعة ~~متساويان في قبول العوارض ، والمقدار من جملة العوارض ، فأمكن أن يتصف كل ~~من النصف والكل بمقدار صاحبه من غير زيادة شيء إليه حتى يصير الجزء على ~~مقدار الكل ولا نقصان شيء منه حتى يصير الكل على مقدار الجزء ، فأمكن ~~التخلخل والتكاثف الحقيقيان. PageV03P370 ### |||| ** الأمر الثالث : القارورة تمص فتكب على الماء فيدخلها الماء (1)، فإما أن يكون قد وقع ~~الخلاء وهو محال ، وإما أن يكون الجسم الكائن فيها تخلخل بالقسر الحامل ~~إياه على تخلية المكان ، ثم كثفه برد الماء أو تكاثف بطبعه (2) فيرجع إلى # وعلى أثر هذه التجارب يمكننا إثبات الخلاء وأنه ليس بمحال ، وأن صعود ~~الماء في القارورة ليس بسبب السحب من الداخل وإنما بسبب ضغط الهواء من ~~الخارج. # وقد كان أرسطو يقول بعدم وجود الخلاء ، وحتى بعد قرون فإن جون ديكارت كان ~~يعتقد بذلك وكان السجال بين الفلاسفة لمدة ألفي سنة دائرا حول خوف الطبيعة ~~من الفضاء الخالي ( horror vacui )، لذلك كانوا يقولون بأن الطبيعة فورا ~~تملأ كل جو خالي يجاورها وأن ذلك يمنع من وجود الخلاء. # وعلى هذا فإن تجارب توريشلي وباسكال في القرن 17 م أثبتت وجود بعض ~~المحدودية في قدرة الطبيعة من منع وجود الخلاء. وهما أطلقا سراح العلم من ~~وحشة الخلاء وإن كانا مسبوقين في هذا القول ببعض الفلاسفة والعلماء ~~الإسلاميين وغيرهم. والجدير بالذكر أن ms1018 الخلاء المطلق والفضاء الخالي من كل ~~شيء لا يمكن تحصيله بالأجهزة الموجودة في عصرنا الحالي ، وأن ما يمكن ~~تحصيله في الحقيقة هو الخلاء النسبي. # راجع كتاب «الفيزياء» ، تأليف ديويد هاليدي رابرت رزنيك Physics ~~D. Halliday) (. R. Resnick PageV03P371 # حجمه الطبيعي عند زوال السبب المخلخل إياه خارجا عن طبعه ، وذلك هو ~~المطلوب. (1) ### |||| ** الأمر الرابع : تصدع الأواني عند غليان ما فيها إما أن يكون بسبب حركة ما فيها ، أو بسبب ~~حركة ما هو خارج عنها. # والأول لا يخلو إما أن يكون بسبب حركة مكانية أو مقدارية ، والأول محال ~~لأن تلك الحركة إن كانت إلى جهة واحدة وجب أن ينقل الإناء لأن نقل الإناء ~~أسهل من تصدعه ، وإن كانت إلى جهات مختلفة ، صدر عن الطبيعة الواحدة أفعال ~~متضادة وهو محال. # ولا يجوز أن تكون تلك الحركة بشيء من الخارج ، كما يظن أن النار تداخل ~~الماء المغلي فيصير أكبر حجما فينصدع الإناء ، لأن ذلك الخارج إما أن يدخل ~~ثقبا خالية ، أو يحدث ثقبا ويدخلها. والأول باطل لبطلان الخلاء. وبتقدير ~~صحته إذا امتلأت الثقب الخالية لم يجب زيادة حجم الجسم كله بل وجب أن يكون ~~على ما هو عليه. # والثاني إما أن يزيد في الحجم قبل النفوذ في الثقب المستحدثة أو بعده ، ~~والأول محال لأن نفس المماسة لا توجب زيادة الحجم. نعم ربما كان المماس ~~يدفع ويضغط إلى جهة واحدة مخالفة لجهة حركته ويضطره إليها ، ولا يجب أن ~~ينصدع الإناء. ولأن السخونة تحدث كثيرا لا بسبب نار واصلة إليه بل لتسخن ~~المحوى من تلقاء نفسه. ومحال أن يحصل الانصداع بعد النفوذ ، لأن تلك ~~الزيادة إن لم تكن حاصلة قبل الانصداع فهو محال ، لأن الزيادة إنما حصلت ~~بالنفوذ في الإناء PageV03P372 # والنفوذ بالحركة ، وكل حركة منقسمة فكل آن يفرض النفوذ فيه حاصل يكون قد ~~حصل (1) قبله فتكون الزيادة حاصلة قبل ذلك. (2) وإن حصلت الزيادة بعد ~~الانصداع فهو محال لوجهين : ### |||| ** الوجه الأول : الإناء إذا امتلأ بشيء لم يتسع لمالئ آخر حتى يثقبه ويشقه. ### |||| ** الوجه الثاني : إذا كان الانشقاق بسبب ms1019 زيادة وقد حصلت قبله وجب أن يحصل الانشقاق قبل أن ~~يحصل الانشقاق ، وهو محال. إلا أن يقال : دخل شيء وخرج مثله فيكون الحجم في ~~مقطع بحاله لم يزدد إلى وقت الانشقاق ، لكن يعود الإشكال بعينه في القدر ~~الذي لما دخل لم يخرج مثله. وحيث بطلت هذه الأقسام ثبت أن الانشقاق إنما ~~عرض لانبساط الحجم الذي فيه وازدياده لا بمداخلة جسم آخر فيه ، بل بواسطة ~~سخونة الموجبة لانتشار حجمه وزيادة مقداره ، وهو المطلوب. # واعترض على الأول والثاني بأنه يلزم منه أن تصير العناصر بأجمعها على قدر ~~الذرة ، وأن تصير الذرة على مقدار العناصر بجملتها ، والضرورة قاضية ~~ببطلانه. وأن يجوز التخلخل والتكاثف على الأفلاك. # وقد فرق بينهما بأن الجزء ما دام يكون جزءا للكل امتنع قبوله لمقدار الكل ~~، وإذا انفصل أمكن أن يتصف بذلك المقدار ، والفلك يستحيل عليه الانفصال ، ~~وإذا استحال أن ينفصل جزؤه عنه امتنع أن يقبل جزؤه مقدار كله ، وليس جسم ~~آخر غير الفلك تساوي طبيعته طبيعة الفلك حتى يقبل الصغير منه مقدار الفلك. ~~والعناصر يجوز عليه الانفصال ويوجد أيضا جسم غيره على طبيعته PageV03P373 # فيصح الكلام فيه. (1) لكن هذا الفرق قد عرفت ضعفه. # ويلزمهم أيضا أن لا يكون شيء من المواد مستمرا على مقدار معين لعدم ~~استحقاقها لذلك القدر ، لكن كثير من الأجسام تبقى مقاديرها دائما وأكثريا. ~~على أن ذلك كله مبني على كون المقدار عرضا وهو ممنوع. وعلى نفي الجزء ، إذ ~~لو ثبت لاستحال أن ينتقص مقدار عما كان عليه إلا بواسطة زوال شيء عنه ، ولا ~~يزيد إلا بواسطة انضمام غيره ، فلا يتحقق التخلخل والتكاثف. # وقد اعتذر عن صيرورة العناصر في قدر الذرة وبالعكس بأن لكل جسم حيزا ~~معينا من المقدار يكون طبيعيا له والزائد عليه أو الناقص يكون قسريا ، ~~ولذلك القسر أيضا حد محدود لا يمكن التجاوز عنه وذلك كما في الكيفيات ، ~~فاندفع ما قالوه. # وكان ثابت بن قرة ينكر هذه الحركة. واحتج عليه (2) بأنه لو قبلت المادة ~~أي مقدار كان أمكن أن يقبل عنصر مقدار ذراع من ms1020 الماء خمسة أذرع عند انقلابه ~~هواء ، أو عنصر مقدار ذراعين من الماء مقدار ثلاثة أذرع حتى يكون عنصر ~~المقدار الأعظم من الماء قد قبل في الهواء مقدار الأصغر وعنصر الماء الأصغر ~~قبل عند صيرورته مقدارا أعظم. والحس يكذبه ، فانا لو أخذنا مقدارين ~~متساويين من الماء فقلبناهما هواء استويا في المقدار ، ولو كانا مختلفين في ~~المقدار كان الهواءان أيضا مختلفين. # وجوابه ما تقدم من أن لكل مادة حظا من المقدار تستحقه بطبعها (3) وحظا ~~آخر تستحقه عند وجود القاسر ، وأن لكل واحد حدودا معلومة لا يتعداها. PageV03P374 ### ||| ** النوع الثاني : النمو والذبول (1) # إذا ازداد الجسم بسبب اتصال جسم آخر ، فإما أن تكون تلك الزيادة مداخلة ~~في أجزاء المزيد عليه مشتبهة بطبيعته ، وإما أن لا تكون كذلك. والأول هو ~~النمو وضده الذبول. # وفرق بين النمو والسمن ، والذبول والهزال : أن الواقف في النمو قد يسمن ~~كما أن المتزايد في النمو قد يهزل ؛ والأصل فيه أن الزيادة إن أحدثت ~~المنافذ في الأصل ودخلت فيها واشتبهت بطبيعة الأصل واندفعت أجزاء الأصل إلى ~~جميع الأقطار على نسبة واحدة في نوعه ، فذلك هو النمو. وأما الشيخ (2) إذا ~~سمن فان أجزاءه الأصلية قد جفت وتصلبت فلا يقوى الغذاء على تفريقها والنفوذ ~~فيها فلا تتحرك أجزاؤه الأصلية إلى الزيادة فلا يكون ناميا ، نعم لحمه قد ~~يتحرك إلى الزيادة فيكون ذلك نموا فيه بالحقيقة ، لكن المخصوص باسم النمو ~~حركة الأعضاء # وانظر البحث في : الفصل الثالث من المقالة الثانية من الفن الأول ، ~~والفصل الثامن من الفن الثالث من طبيعيات الشفاء ؛ طبيعيات النجاة ، فصل في ~~الحركة ؛ المباحث المشرقية 1 : 692 ؛ شرح حكمة العين : 434 ؛ مقاصد ~~الفلاسفة : 308 ؛ كشف المراد : 267 ؛ إيضاح المقاصد : 282 ؛ شرح المواقف 6 ~~: 207 ؛ شرح المقاصد 2 : 417. PageV03P375 # الأصلية إلى الزيادة ، فهذا هو النمو. (1) # واعترض بوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : الأجزاء الأصلية والزائدة باقية كل واحد على مقداره الذي كان ، نعم ربما ~~تحرك كل واحد منها في أينه أو وضعه أو كيفه ، لكن ذلك في الحقيقة ليس حركة ~~في الكم. ### |||| ** الوجه الثاني : النامي إما أن ms1021 يكون فيه شيء ثابت أو لا ، فإن كان فالثابت إما أن يكون هو ~~الصورة فقط ، أو المادة فقط ، أو المجموع. # والأول محال لاستحالة بقاء الصورة عند تبدل المادة ، لامتناع الانتقال ~~على الصور. ومحال أن تكون المادة باقية ، لأن الباقي إن كان كل المادة فهو ~~محال ، لأن البدن دائما يتصل به شيء وينفصل ، فهو دائما في التحلل ~~والاستخلاف لشيء آخر. # وإن كان الباقي ما هو الأصل ، وأما الزائد عليه فيكون في التحلل فهو محال ~~، لأن الغذاء إذا اتصل به تشبه بطبيعته فإن صار الكل متصلا واحدا ذا طبيعة ~~واحدة امتنع أن يكون بعض الأجزاء المفترضة فيه ممكن الزوال والبعض ممتنع ~~الزوال مع اتحاد الطبيعة والماهية ، لأن البدن ينتهي تحليل تركيبه إلى ~~الأعضاء البسيطة ، وكل واحد من الأجزاء المفترضة في كل واحد منها على طبيعة ~~واحدة ، PageV03P376 # فلم يكن البعض بالبقاء الدائم والبعض بالتحلل أولى من العكس. وإن لم يتصل ~~الغذاء بالأصل ولم يتحده به فالوارد ما صار غذاء له وكلامنا فيه. # وإن لم تكن المادة باقية ولا الصورة فلا يكون المجموع باقيا ، بل يكون ~~بقاؤه بحسب الحس. ثم هذا أيضا محال ، لأن زمان حركة النمو منقسم إلى غير ~~نهاية ، فهناك مراتب في الزيادة كل واحد منها آني الوجود ، لأن المرتبة ~~الواحدة منها (1) لو بقيت أكثر من آن واحد انقطعت الحركة. فثبت أن الشخص ~~متبدل بحسب تلك الزيادة ، فإذن هناك أشخاص متتالية غير متناهية في زمان ~~محصور ، وهو محال. ### |||| ** الوجه الثالث : سلمنا أن في النامي شيئا محفوظا غير متبدل الذات ، لكن الحركة لا بد لها من ~~متحرك باق في جميع زمان الحركة ولا بد من تغير حاله ، فالمتحرك هنا إما أن ~~يكون هو الأصل وهو لم يتغير حاله ، لأنه (2) بعد النمو وقبله على حالة ~~واحدة. وإما أن يكون هو الجملة والمجموع الحاصل ، فالجملة حصولها عند نهاية ~~الحركة والمتحرك لا بد وأن يكون موجودا من ابتداء الحركة إلى انتهائها. ### |||| ** الوجه الرابع : سلمنا وجود شيء محفوظ الذات متبدل الصفة ، لكن ذلك المتبدل (3) ليس بحركة ، ~~لأن ms1022 الحركات إنما تكون بين المتضادين والصغير والكبير ليسا بمتضادين. ### |||| ** والجواب عن الأول : أن يقال : الأصل والزيادة لا تنافي الحركة ، فإن انضمام الزيادة إلى الأصل ~~يفيد الأصل مقدارا زائدا إذا اتحدت به ولا نعني بالحركة في النمو إلا ذلك. PageV03P377 ### |||| ** وعن الثاني : أن في النامي أجزاء أصلية غير متبدلة وهي الحافظة للصورة النوعية المتشخصة ~~، وأجزاء متبدلة وهي أسباب لظهور كمالات تلك الصورة. # واحتج الشيخ (1) على بقاء بعض الأجزاء ببقاء الشامات وأنداب (2) القروح. # وهو ضعيف ، لاحتمال أن الأجزاء الغذائية لما وصلت إلى ذلك الموضع تشبهت به. # وقول المشكك : الزيادة لما اتصلت بالأصل وتشبهت بطبيعته لم يكن البعض ~~أولى بالتحليل من البعض. ممنوع ، لأن التخصيص يجوز اسناده إلى الفاعل ~~المختار. وأيضا الزيادة ربما (3) تتميز عن الأصل في الاستحكام والقوة ، لأن ~~الأجزاء الغذائية لما كان ورودها بعد تمام الخلقة كانت في معرض الزوال ولم ~~تكن مستحكمة الخلقة ، والأصلية لما فيها من الصور النوعية مبدأ لاستزادة ~~تلك الزيادات وتحليلها فتصير تلك الزيادات والنقصانات كالصفات المتعاقبة ~~على ذلك الأصل الباقي وهو الحركة. ### |||| ** وعن الرابع : (4) بما تقدم من أن المبدأ والمنتهى لا يجب أن يكونا متضادين ، بل يكفي في ~~ذلك نوع من التقابل. # ثم إن سلمنا أنه لا بد من التضاد ، فالصغير والكبير الذين يتحرك بينهما ~~النامي والذابل (5) ليس الصغير والكبير الإضافي ، بل الطبيعة جعلت للأنواع # القاموس المحيط 1 : 294 ؛ تاج العروس 4 : 252. PageV03P378 # حدودا في الصغر وحدودا في الكبر لا تتجاوزها (1) وتتحرك فيما بينهما (2) ~~، فيكون العظيم هناك عظيما في ذاته ولا يصير صغيرا بالقياس إلى عظيم آخر في ~~ذلك النوع. وكذلك القول في الصغير ، وإذا كان كذلك كانا متضادين. PageV03P379 ### ||| ** المقام الثاني : في وقوع الحركة في الكيف # قد عرفت أن أقسام الكيف أربعة فلنتكلم في كل واحد منها : ### ||| ** القسم الأول : الانفعالات والانفعاليات (1) # وإنما تثبت فيها الحركة بشرطين : ### |||| ** الشرط الأول : (2) أن حواملها قد تتغير فيها مع بقاء طبائعها النوعية ، فان التغير لو لم ~~يثبت لم تتحقق الحركة التي هي عبارة عن تغير ما ، وبقاء الطبيعة لو لم ~~يتحقق حالة التغير ms1023 لم يكن ذلك حركة ، بل كونا وفسادا. # وقد اختلف الناس هنا ، فالمحققون على جواز التغير وثبوت الاستحالة (3) في ~~الكيفيات. وظن بعض من لا مزيد تحصل له أنه لا يجوز أن تتغير كيفياتها ~~المحسوسة ، وأنكر الاستحالة وزعم أن البارد لا يصير حارا ولا الحار يصير باردا. # ولما كذبهم الحس في ذلك حيث يشاهد تسخن الماء ، افترقوا إلى فرقتين : (4) ### |||| ** الفرقة الأولى : الذين أنكروا الاستحالة والكون (5) معا فزعموا أنه لا يوجد شيء من الأجسام ~~بسيطا على صرافته بل كل جسم يوجد فانه يكون ممتزجا من كل # جميل صليبا ، المعجم الفلسفي 1 : 65. PageV03P380 # الطبائع ، بحيث إذا أخذنا جسما أرضيا في الحس أو مائيا أو هوائيا أو ~~ناريا فانه يشتمل على أجزاء على طبيعة اللحم وعلى أجزاء على طبيعة الخبز ~~وأجزاء على طبيعة العنب إلى غير ذلك من جميع المركبات ، لكنه يسمى باسم ~~الغالب عليه ، فإذا لقيه جسم آخر يكون الغالب فيه غير الغالب الأول برز ذلك ~~المغلوب من الكمون (1) وحاول مقاومة ما كان غالبا. ولا شك أنها حال بروزها ~~تختلط بالأجزاء التي كانت غالبة عليه فتحس بجملتها إحساسا لا يمكن التمييز ~~بين آحادها فيتخيل الحس هناك أمرا ممتزجا منهما كالحار والبارد إذا امتزجا. ~~وهؤلاء هم «أصحاب الخليط». (2) # ثم من هؤلاء من يقول : إن الجسم فيه مثلا أجزاء حارة وباردة ، وليس واحد ~~منهما كامنا ، لكنه إذا صار باردا فارق الحار ظاهره وباطنه فبقي البارد ~~وبالعكس. ### |||| ** الفرقة الثانية : زعموا أن الجسم البارد إذا صار حارا فذلك لأنه تدخل فيه من الخارج أجزاء ~~نارية ، وإذا اختلطت بالبارد أحس شيء متوسط بين الحار PageV03P381 # والبارد. (1) # ويدل على الاستحالة أنا نحس بحرارة الماء بعد برودته ، فتلك الحرارة إن ~~حصلت بالتسخين لا بمداخلة النار وممازجتها فهو المطلوب ، فإن الماء قد كان ~~باردا ثم لما سخناه بالنار خلع تلك الكيفية ولبس كيفية الحرارة وهذا هو ~~معنى الاستحالة. وإن حصلت بمداخلة النار وممازجتها ، فتلك النار إما أن ترد ~~عليه من الخارج أو لا من الخارج. وإن لم تكن من الخارج فإما أن تكون قد ms1024 ~~حدثت الآن بأن انقلب بعض أجزاء الماء نارا ، أو كانت موجودة فيه لكنها ~~كامنة فيه لا تظهر للحس إلا عند مجاورة الحار. ### ||| ** فالمذاهب الباطلة ثلاثة : ### |||| ** المذهب الأول : الكمون ، ويدل على إبطاله وجهان : (2) ### |||| ** الوجه الأول : الكمون إما أن نعني به المداخلة ، أو معنى آخر غيره. والأول باطل لما ثبت ~~(3) من استحالة تداخل الجسمين. ثم لو جوزنا ذلك فهاهنا إما أن يكون مع كل ~~جزء من الماء جزء من النار مداخل فيه ، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون البعض ~~دون البعض. والثاني لا يخلو إما أن تكون الأجزاء الخالية عن مداخلة النار ~~فيها قابلة للسخونة ، أو غير قابلة لها. والأول يقتضي وجود الاستحالة. ~~والثاني يقتضي أن نحس ببعض أجزاء الماء في غاية البرد وبعضها في غاية ~~السخونة. وأيضا فليس البعض بذلك أولى من البعض مع اتحاد طبيعة الأجزاء. ~~وأما إن وجد مع كل جزء في الماء جزء من النار ، فلا يخلو إما أن تنكسر PageV03P382 # صرافة كل واحد بصرافة الآخر أو لا تنكسر. # فإن انكسرت تثبت لا محالة ، وإن لم تنكسر فلا يخلو إما أن يكون الملاقي ~~لأحد الجزءين ملاقيا للآخر أو لا يكون ، فإن لم يكن لم يكن الجزءان ~~متداخلين وإن كان فإذا لمسنا الماء بأيدينا وجب أن نحس من سطح ذلك الجسم ~~الملموس سخونة مثل سخونة النار سارية في كل ذلك السطح ، وبرودة مثل برودة ~~الثلج سارية في كله ، لأنه ليس في (1) ذلك السطح موضع إلا وقد حصلت فيه ~~هاتان الكيفيتان. ولما بطل ذلك بطل ما قالوه. # وأيضا فلأن الحار لما كان كامنا بالمداخلة وجب إذا تخلص البارد من الحار ~~والحار من البارد أن يأخذ المجموع مكانا أعظم وليس كذلك ، فإن ظهور الحر قد ~~يتبعه العظم فاما عند غلبة البارد على الحار فذلك مما ينقص الحجم نقصا ~~محسوسا. وليس ظهور البرد يوجب فرط مداخلة والمداخلة توجب زيادة الخفاء ~~ونقصان الجسم ، لأن حكم كل واحد من المتداخلين كحكم الآخر في المقدار. # فأما إذا فسروا الكمون بانحصار الأجزاء في باطن الجسم فيجب ms1025 أن يكون باطن ~~الماء البارد أسخن من الماء المتسخن ، لأنه إذا تسخن فقد تفرقت النيران ~~وقبل ذلك فقد كانت مجتمعة فتكون سخونتها أقوى ، لكنا لا نحس بالحرارة لا في ~~باطن الجسم ولا في ظاهره ، بل ربما نجد باطنه أبرد من ظاهره ، إلا إذا قيل ~~النار الباطنة لا تحرق ولا تسخن وإذا جاورتها النار الخارجية أبرزتها ~~وجعلتها مسخنة وذلك اعتراف بالاستحالة. ### |||| ** الوجه الثاني : ظهور الكامن إما أن يكون بسبب خارجى أو لا بسبب خارجي. فإن لم يكن بسبب ~~خارجي بل بطبيعته وذاته وجب أن يكون ظاهرا أبدا. وإن كان بسبب خارجي فذلك ~~السبب إما أن يفيد تلك الأجزاء الكامنة قوة بها PageV03P383 # يقوى على البروز أو ليس كذلك. والأول قول بالاستحالة. والثاني لا يخلو ~~إما أن يكون تحريك ذلك السبب له يتوقف على مماسته له أو لا ، فإن توقف وجب ~~أن يكون كل مستحيل يعظم حجمه عند ما يستحيل لنفوذ الجاذب أو الدافع فيه. ~~وإن لم يتوقف على المماسة بل يكفي فيه مجاورة المشابه وجب أن تتحرك الأجزاء ~~المتجانسة بعضها إلى بعض بل هذا أولى ، لأن انجذاب الجسم إلى مجاورة الأقرب ~~أولى من انجذابه إلى مجاورة الأبعد ، بل كان يلزم أن لا يكون انجذاب الكامن ~~إلى الظاهر أولى من العكس. # ولا يقال : الأغلب أجذب. # لأنا نقول : الذي يلي جسما من جهة واحدة هو ما يساويه من تلك الجهة ، فان ~~فصل شيء فهو مباين لذلك ، إلا إذا قلنا : بأنه يشتد القوي عند ازدياد ~~الجاذب وهو قول بالاستحالة. وإذا قربنا شعلة من جبل كبريت ونحيناها عنه ~~بعجلة ظهرت نيران عظيمة كانت كامنة فيه عندهم ، فلو كان الأغلب أجذب لكان ~~انجذاب الشعلة إلى تلك النيران الكامنة أولى من العكس. # لا يقال : نحن لا نقول بالكمون ، بل إن الجسم كان مخلوطا بضده وإنما ~~استحال إلى الحر لأن البارد فارق ظاهره وباطنه. # لأنا نقول : إذا فارق البارد فإما أن ينضاف إليه من الأجسام الحارة ما ~~يسد مسده ، أو لا ينضاف. فإن لم يكن وجب أن يكون كل ms1026 مستحيل ينقص حجمه ، أو ~~يكون كل مستحيل يتخلخل وينفش. وإن كان يسد ضده مسده على سبيل الورود من ~~خارج فلم صار ما يبرد بعد الحرارة ينقص حجمه؟ # إلا أن يقال : الذي لا يبرد لا يرد عليه من الخارج شيء والذي يصير حارا ~~يرد عليه من الخارج ، وذلك تحكم. وأيضا فالحار إذا صار باردا وجب أن لا ~~يصير حارا مرة أخرى ، لأنه في أول الأمر صار صرفا فكيف يصير بعد صرافته ~~صرفا مرة PageV03P384 # أخرى؟ # قال الشيخ : ما معناه النار الكثيرة التي تنفصل عن خشبة الغضا منها ما ~~ينفصل وتبقى في ظاهر جمرها وباطنها ما يبقى لا يمكن أن تكون موجودة بالفعل ~~في باطنها على سبيل الكمون غير محرقة إياها ، وكذلك النارية الفاشية في ~~الزجاج الذائب لو كان قبل ذلك في الزجاج موجودا لكان مبصرا كما كان بعد ~~البروز مبصرا إذ هو شفاف لا يمنع البصر عن النفوذ فيه والإحساس بما في ~~باطنه ، لو (1) لم تكن في الغضا إلا النارية الباقية بعد التجمر لامتنع ~~التصديق بوجودها بالفعل فيه وجودا لا يبرزه الرض والسحق ولا يدرك باللمس ~~والنظر ، فكيف يمكن أن تصدق بوجود جميع تلك النارية التي انفصلت عنها حالة ~~الاشتعال مع هذه الباقية؟ (2) # واعترض أفضل المتأخرين بأن حرارة الأدوية الحارة كالفربيون (3) إنما تكون ~~لكثرة الأجزاء النارية التي فيها مع أنها غير ظاهرة للحس عند السحق والرض ، ~~فلم لا يجوز أن يكون هاهنا مثله؟ # فإن قيل : ليس فيها أجزاء نارية لكنها تسخن بدن الحي عند انفعالها عنه ~~بالخاصية. # كان قولا بأنها تسخن بالخاصية لا بالكيفية ، وهو خلاف إجماع الأطباء. (4) # وأجاب أفضل المحققين : بأن أجزاء النارية التي في الفربيون إنما لا تظهر PageV03P385 # للحس لكونها منكسرة الكيفية للمزاج ، فإن قالوا بمثله ناقضوا مذهبهم وإلا ~~لزمهم ما مر. (1) # وذهب مشايخ المعتزلة (2) إلا الكعبي (3) إلى أن بعض الأجسام تكمن فيها ~~النار كالحديد والحجر والخشب ولهذا تحصل النار فيها بالقدح. وكالأجسام التي ~~يحصل الدفء منها كالقطن وغيره ، لأن فيها أجزاء نارية ولهذا تزداد النار ~~بها اشتعالا كما تزداد ms1027 بزيادة الحطب ، وكذا الأدهان التي تشتعل بها ~~المصابيح. قالوا : لو لم تكن النار الخارجة بالقدح كامنة في هذه الأجسام ~~لكان الله عز وجل يفعلها بالعادة فكان يصح في الحجر. وإن رقق وقدح تجديده ~~مموحة أن لا تخرج النار منه وأن تخرج في الجليد إذا حك بعضه فلما عرفنا ~~فساد ذلك دل على كونها (4) في هذه الأجسام. ولا يقدر أحدنا على الحرارة ~~فيجعلها متولدة عن القدح الذي نفعله. # لا يقال : كان يجب أن يحترق الخشب لما فيه من النار. (5) وأن يظهر لنا ~~عند اللمس. # لأنا نقول : لا نسلم الملازمة فان أجزاء النار إذا كانت قليلة متفرقة في ~~مواضع وفيها صلابة غالبة تمنعها من التأجج لم يجب ما ذكرتم. ولا نجدها عند ~~اللمس لغلبة الأجزاء التي لا نار فيها على ذلك الجسم. ولا يجب أيضا ظهورها ~~وإن سحقنا ذلك الجسم لأنها تتبدد لقلتها. # قال قاضي القضاة : لا يمتنع أن يكون سبب ذلك أن الله تعالى قد أجرى PageV03P386 # العادة أن لا تنبت الشجرة إلا عند وقوع الشمس عليها فتتشبث بذلك أجزاء ~~نارية حتى لو صح ما يقال : إن هاهنا مواضع لا تطلع عليها الشمس جاز أن لا ~~يشتعل الحطب. وبعضهم أوجب وجود النار في الهواء فقط دون غيره من الأجسام. ~~وعند المشايخ يصح وجودها فيه ، لكن لا تكون مقصورة عليه دون غيره من ~~الأجسام. # واعلم أنه لو ادعى في إبطال الكمون الضرورة أمكن. والملازمة في دليلهم ~~ممنوعة ، لجواز أن يحدث بسبب القدح فإنه يؤثر سخونة ويكون الجرم مستعدا ~~للاشتعال بسبب دهنية فيه ، وكون بعض الأجسام يحصل منها الدفء لسخونة مزاجه ~~أو لشدة التصاقه لا باعتبار وجود نار فيه ، وإلا لاحترق. # واعتذارهم بالصلابة فاسد ، فإن أول جزء من أجزاء النار إذا قرب إلى خشب ~~الكبريت فانه يؤثر فيه ، ولا يتأتى هذا العذر في القطن. ### |||| ** المذهب الثاني : الورود وتدل على بطلانه وجوه : (1) ### |||| ** الوجه الأول : إذا ألقينا نارا يسيرة جدا في جبل من الكبريت عظيم جدا ثم بعدناها عنه ~~بسرعة فان الجبل يشتعل كله نارا ولو ms1028 كان ذلك بالورود من دون الاستحالة لم ~~يكن أكثر من تلك الشعلة الملقاة من (2) النار. # لا يقال : (3) النار وإن كانت قليلة المقدار لكنها شديدة القوة فجاز أن PageV03P387 # يستند إليها الأثر العظيم ، كالزعفران اليسير يصبغ الماء الكثير. # لأنا نقول : فحينئذ يكون عوده إلى البرودة لأجل مفارقة تلك النارية ~~القليلة فيجب أن لا يكون النقصان الحاصل عند البرد محسوسا. إلا أن يقال : ~~النارية لما انفصلت استصحبت (1) شيئا كثيرا من الجسم. فنقول : لم إذا صارت ~~صرفة ليس معها الرقيق تعود إلى عظمها؟ ### |||| ** الوجه الثاني : الجمد إذا وضع على شيء برده ، فإن كان لتخلل أجزاء جمدية نافذة في ذلك ~~الجسم من غير أن يطرد شيئا من أجزاء الجسم الأول وجب أن يزداد حجمه عند ~~البرودة ، وإن طرد مثل نفسه وجب أن لا ينتقص الحجم عما كان ، لكن الشيء إذا ~~برد انتقص حجمه عما كان ، وإن طرد أكثر من نفسه لم يعد إلى الحجم الأول إلا ~~بمخالطة حار أكثر من البارد النافذ حتى يعود إلى الحجم الأول ، فيكون ~~البارد أقوى في التأثير من الحار وهو باطل على مذهبهم. ### |||| ** الوجه الثالث : (2) الأجزاء النارية إذا نفذت في الماء فلا بد لذلك النفوذ من سبب ، فإن ~~كان لقوة طبيعية وجب أن يكون ذلك في جهة واحدة. وإن كان سببا خارجيا فذلك ~~الخارجي كيف يسبلها (3) عن مجاورة مشاكلاتها ويخلطها بضدها؟ ### |||| ** الوجه الرابع : السخونة قد تحدث عند الحركة العنيفة فيما يغلب عليه أحد العناصر الثلاثة ~~الباقية من غير حضور نار غريبة يمكن نفوذها في المتسخن ، كالجسم اليابس ~~الصلب إذا ماس مثله (4) مماسة عنيفة وحك أحدهما بصاحبه حكا شديدا فإن ~~المحكوك يتسخن وقد يحترق من غير وصول نار غريبة إليه. PageV03P388 # وكذا المخلخل (1) الذي يجعل قوامه بالقسر رقيقا متخلخلا ، كهواء الكير ~~بإلحاح النفخ عليه ومنع الهواء الخارج من الدخول إليه ، فانه يتسخن لا ~~محالة ، لأن السخونة تستلزم التخلخل. فالحركة الشديدة المقتضية لرقة القوام ~~تقتضي السخونة أيضا. # وكذا المخضخض (2) وهو الجسم الرطب السيال إذا حرك قويا فانه يتسخن أيضا ~~من غير وصول نار ms1029 غريبة إليه ، لانه قبل هذه الأفعال غير متسخن وإذا تسخن ~~بها مع أنا لا نحس بوصول نار غريبة إليه في الحالين وجب اسناد ذلك إلى ~~الاستحالة الحاصلة من هذه الأسباب. ### |||| ** الوجه الخامس : إذا وضعنا جسمين مائعين متشابهين في إناءين أحدهما مستحصف مستحكم الجرم ~~كالنحاس ، والآخر متخلخل في الوضع مشتمل على فرج صغيرة ومسامات ضيقة كالخزف ~~ثم نسخنهما بنار واحدة نسبتها إليهما في التأثير واحدة فان الذي في ~~المستحصف يتسخن قبل الذي في المتخلخل وأشد منه ، ولو كان التسخن بالنفوذ ~~لانعكس الحال (3) لسهولة النفوذ فيه دون الآخر ، وليس كذلك. ### |||| ** الوجه السادس : إذا ملأنا إناء ماء وصممنا (4) رأسه جدا وسخناه لم يمتنع عن التسخن التام ~~بواسطة شد رأسه المانع من خروج شيء منه بحيث تدخل عوضه الأجزاء النارية مع ~~امتناع دخول شيء يعتد به فيه إلا بعد خروج شيء عنه لامتناع التداخل ، وليس كذلك. PageV03P389 ### |||| ** الوجه السابع : القمقمة إذا ملئت ماء وشد رأسها شدا محكما ووضعت في نار قوية فانها تنشق ~~بعد صيرورة أكثر ما فيها نارا وتصيح صيحة هائلة تنفر عنها الدواب ، وهي من ~~حيل السحارين (1)، فحدوث السخونة والنار داخلها مع امتناع دخول النار فيها ~~وخروج الماء منها يدل على الاستحالة والكون معا. ### |||| ** الوجه الثامن : (2) الجمد يبرد ما يوضع فوقه ، والأجزاء الباردة لا تتصعد بالطبع وتنفر عن ~~الحار فلا تتحرك إليه بالطبع ، ولا قاسر هناك ، فإذن هو للاستحالة. # اعترض أفضل المتأخرين بأن الجسم البارد بالطبع إذا وضع فوق الجمد فلعله ~~يبرد بالطبع. (3) # وأجاب أفضل المحققين : بأنه يقتضي أن يبرد مثله من غير وضع على الجمد مثل ~~تبرده. (4) # وفيه منع. # لا يقال : إن مجاورتهما سبب لحصول الاستعداد لذلك النفوذ. # لأنا نقول : هذا اعتراف بالاستحالة. ### |||| ** الوجه التاسع : الإنسان يغضب فتتسخن بشرته من غير وصول نار إليه. (5) PageV03P390 # ومما يدل على إبطال الكمون والنفوذ جميع ما يدل على وجود الكون والفساد. # واعلم أن هؤلاء إنما صاروا إلى هذين المذهبين الفاسدين باعتبار حكمهم ~~بامتناع كون شيء لا عن شيء ، وامتناع صيرورة شيء شيئا آخر. (1) ### |||| ** وأما المذهب الثالث ms1030 : (2) فيدل على إبطاله : أن الماء إذا سخن فان أجزاءه إن كانت متشابهة لم ~~يتميز بعضها عن البعض في استحقاق قبول الأثر ، إلا (3) لأجل أن القريب أولى ~~لقبول الأثر من البعيد فكان يجب إذا ظهرت السخونة أن يظهر كل السخونة في ~~بعض الماء حتى يصير بعضه كالنار ويبقى الباقي على كمال برودته ، لكن الأمر ~~بخلافه فانه يظهر بعض السخونة في كل الجسم على سبيل التشابه وتظهر في الكل ~~ضعيفة ثم تشتد. # لا يقال : إن ذلك لتخلل أجزاء عديمة السخونة بين الأجزاء النارية. # لأنا نقول : يلزم أن يقال الحرارة تعدت من الجزء الأول إلى الثالث في ~~الإسخان وتركت الوسط ، وذلك محال مع فرض تساوي الأجزاء كلها. # حكمهم بامتناع كون شيء لا عن شيء ، إنكار التغيير في الصورة ، فان اللحم ~~مثلا كان معدوما فكيف يكون عن لا شيء؟ وحكمهم بامتناع صيرورة شيء شيئا آخر ~~، إنكار الاستحالة في الكيف ، فان الماء لم يكن حارا فكيف يصير حارا؟ # والجواب عن الأول : بأن الهيولى مشتركة فيزول عنها صورة وتوجد فيها أخرى ~~بحسب استعدادها ، وليس هذا وجود شيء عن لا شيء محض. وعن الثاني : بأن الماء ~~كان باردا فاستعد بواسطة مجاورة النار لزوال البرودة عنها والتكيف بكيفية ~~الحرارة ، وهذا ليس ببعيد. راجع شرح قطب الدين الرازي على شرح الإشارات 2 : ~~279 280. PageV03P391 # وإن كانت أجزاؤه مختلفة فاختلافها إما أن يكون بحر أو برد وحينئذ يمتنع ~~أن نستفيد السخونة مرة أخرى. وإما أن يكون ضعيف السخونة (1) وتتزايد سخونته ~~لأجل المسخن فحينئذ حصلت الشدة والضعف في الحرارة. # وأما إن كان اختلافهما بالكثافة واللطافة فليس يبلغ الفرق بين الكثيف ~~واللطيف من النوع الواحد مبلغ القرب والبعد ، فان كل واحد من اللطيف ~~والكثيف يبتدي الحرارة والإحراق فيما يقرب منه ثم فيما يبعد. # وحيث بطلت هذه المذاهب الثلاثة ثبت وجود الحركة في الكيف المحسوس. # قيل : الجمهور قنعوا في إثبات الاستحالة في هذا النوع من الكيف مطلقا بما ~~ذكرناه ، وأنه غير كاف ، لأن ذلك إنما يدل على وقوع الاستحالة في حرارة بعض ~~الأجسام وبرودتها ms1031 ، فأما في الكل حتى يقال : النار مع بقاء ناريتها تبرد ، ~~والأرض مع بقاء أرضيتها تصير رطبة لا على سبيل البل ، والماء مع بقاء ~~مائيته يصير يابسا كيبوسة الأرض لا على سبيل النشف ، والأسود يصير أبيض ، ~~والحلو يصير مرا ، إلى غير ذلك من الكيفيات المحسوسة ، فلم يشتغلوا به ~~أصلا. نعم ربما حاولوا أن الأرض تنقلب ماء وبالعكس ، ولكن ذلك مبحث آخر ، ~~لأنه فرق بين إثبات أن الأرض هل يمكن زوال الصورة الأرضية عنها وتتصف ~~بالصورة المائية؟ وبين أن يقال : الأرض مع بقاء صورتها الأرضية هل يمكن ~~اتصافها بالرطوبة؟ ### |||| ** الشرط الثاني : للحركة في الكيف (2) ### |||| ** : أن يكون تبدل هذه الكيفيات لا تقع PageV03P392 # دفعة بل على التدريج يسيرا يسيرا. ولم يذكر الحكماء عليه دليلا ، بل ~~قنعوا فيه بالإحساس بانتقال الماء من برودته إلى السخونة ، وانتقال الحصرم ~~من حموضته إلى الحلاوة على التدريج. لكن ليس كل ما حدث في الحس دفعة كان في ~~الحقيقة كذلك ولا بالعكس. # أما الأول : فلأن الشيخ حكى حجة في إفساد الشعاع البصري الخارج وهي : أنه ~~لو كان كذلك كان يجب أن تكون نسبة زمان حركة الشعاع إلى شيء على بعد ذراعين ~~إلى زمان حركته إلى الثوابت نسبة المسافتين ، فيجب أن يظهر بين الزمانين ~~تفاوت عظيم ، فكان يجب إذا فتحنا العين أن لا نرى الثوابت إلا بعد زمان. # ثم زيفها وقال : من الممكن أن يفرض زمان غير محسوس قصرا تحصل فيه حركة ~~الشعاع إلى الثوابت ، ثم إنه يمكن أن ينقسم ذلك الزمان إلى غير النهاية ~~وحينئذ يحصل فيه جزء نسبته إليه كنسبة المسافة القصيرة إلى المسافة البعيدة ~~، فهذه النسبة تكون حاصلة مع أن الزمان العظيم لا يكون محسوسا. (1) # وهذا تصريح بأن ما يكون في الحس دفعة قد لا يكون في الحقيقة كذلك. # وأما العكس ، فلأن مذهبه : أن الصورة الحيوانية تحدث دفعة مع أنا نرى ~~المني يتكون حيوانا يسيرا يسيرا ، وليس ذلك إلا أنه وإن كان متدرجا في الحس ~~لكنه حاصل دفعة في الحقيقة. فظهر أنه لا يمكن التعويل في وقوع الحركة ms1032 في ~~هذه الكيفيات على التدريج المحسوس. # ثم الذي يدل على فساده أن الكيفية إذا تغيرت فإما أن لا تبقى مع التغير ~~أو تبقى فإن لم تبق فإما أن يكون عدمها على التدريج ، وهو محال لما مر من ~~إبطال الحصول التدريجي ، أو دفعة واحدة فيكون آنيا ، وحينئذ إن استمر بعد ~~ذلك لم تكن PageV03P393 # الحركة في الكيف مستمرة لأن استمرار الكيف ضد استمرار الحركة في الكيف ، ~~أو لا يستمر فتحدث لا محالة كيفية أخرى حدوثا آنيا ، فإن لم يكن بين الآنين ~~زمان تتاليا ، وهو محال. وإن كان لم يكن التغير مستمرا في الحقيقة. # وإن بقيت تلك الكيفية فإما أن يكون قد حدث حال تغيرها شيء أو زال شيء أو ~~ما حدث شيء ولا زال شيء. والأول والثاني يرجع التقسيم فيهما بعينه ، ~~والثالث يمنع من وقوع التغير أصلا. والمحققون لأجل هذه الدلالة اتفقوا على ~~استحالة بقاء الكيفية الواحدة بالشخص مع الاشتداد والنقصان ، بل زعموا أن ~~المعنى منهما توالي أنواع متباينة بالماهية كل واحد منها آني الوجود ، وإذا ~~كان كذلك فلا بد من تخلل تلك الأزمنة بين الآنات لئلا يلزم تتاليها. وذلك ~~يقرر ما قلناه من أن هذا الحدوث وإن كان متدرجا في الحس لكنه في الحقيقة ~~ليس كذلك. # وأجاب الفارابي : بأن هذه الأنواع موجودة بالقوة فالآنات المتتالية ~~بالقوة لا بالفعل ، وليس بشيء لأن التغير إذا كان هو عبارة عن تلك الأنواع ~~المتتالية لزم من كون ذلك التغير بالفعل كون تلك الأنواع بالفعل. ومن أنكر ~~الحصول على التدريج جعل بين ما منه الحركة وما إليه الحركة أنواع مختلفة كل ~~واحد منها يوجد آنا ولا يظهر التفاوت بين كل نوعين لتقاربهما طبعا ، بل إذا ~~تباعدت ظهر التفاوت للحس. فتظن النفس أن الحركة قد حصلت ، والحصول على ~~التدريج قد وقع ، وفي الحقيقة ليس كذلك. PageV03P394 ### ||| ** القسم الثاني : في باقي أنواع الكيف # أما الحال والملكة (1) فقد أنكر بعضهم وجود الحركة فيه ، لأنها كيفيات ~~نفسانية والحركة على النفس محال. (2) # قيل : إن العلم لا يمكن فيه الحركة ، لأن الذي يفرض ms1033 علما إن حصل معه ~~احتمال نقيضه ولو على أبعد الوجوه لم يكن علما. وإن لم يحصل ذلك الاحتمال ~~البتة استحال أن يوجد ما هو أقوى منه. # وفيه نظر ، فان العلم طرف والطرف لا حركة فيه وإنما الحركة فيما يقبل ~~الشدة والضعف والزيادة والنقصان ويكون محبوسا بين طرفين. وكما أن الشك لا ~~يقبل الحركة كذا العلم. وأما الظنون والإرادات والكراهات والآلام واللذات ~~والشهوات والنفرات والصحة والمرض والإحساس فمما تقع فيه الحركة لقبول كل ~~واحد منها الشدة والضعف والزيادة والنقصان ، وأنها تحدث على التدريج. # وأما القوة واللاقوة (3) فذهب قوم إلى أنهما تابعان لأمزجة خاصة ويمتنع ~~أن يوجد أحدهما مع المزاج الذي يوجد معه الآخر ، فموضوعهما غير مشترك فلا تضاد PageV03P395 # بينهما فلا حركة فيهما لأن الحركة إنما تثبت من ضد إلى ضد. # وينتقض بالحركة في الكم مع عدم الضدية فيه. وأيضا فانهما وإن كانا تابعين ~~لعرضين مختلفين لكنهما كيف كانا متعاقبين على ذات الموضوع ويمتنع اجتماعهما ~~فيه وبينهما تضاد. # وأما الكيفيات المختصة بالكميات فلا تضاد فيها فلا حركة فيها. # وينتقض بالكم ، بل الأولى أن يقال : الكيفيات المختصة بالكم المنفصل من ~~الزوجية والفردية فانها لا حركة فيها إذ لا يعقل فيها شدة وضعف. وأما ~~المختصة بالمتصل كالاستقامة والانحناء فانه لا حركة فيها إذ لا يمكن ~~الانتقال من أحدهما إلى الآخر فان المستقيم لا يصير مستديرا عندهم ولا ~~بالعكس. PageV03P396 ### ||| ** المقام الثالث : في الحركة في الأين والوضع (1) # أما مقولة الأين فان وقوع الحركة فيها ضروري. (2) # وأما الوضع فقد ذكر الشيخ ما يوهم أنه هو الذي وقف عليها دون من قبله. ~~(3) وليس كذلك ، فان أبا نصر الفارابي ذكره في مختصر له يعرف ب «عيون ~~المسائل» في موضعين ، فقال : «وحركات الأفلاك وضعية دورية ، وعند المتكلمين ~~ان الجوهر الفرد جزء الجسم حاصل بالفعل ، وكل جسم إنما يتحرك بالوضع بحركة ~~أجزائه في المكان». (4) # ويدل على هذه الحركة أن الجسم الذي لا مكان له ، كالفلك الأعظم أو له ~~مكان لكن لا يفارقه كغيره من الأفلاك إذا تحرك على مركزه لا عن ms1034 مكانه بل ~~فيه وكالكرة وغيرها إذا حركناها على نفسها في مكانها حركة دورية لم تكن تلك ~~الحركة مكانية ، لأن ذلك الجسم لم يفارق مكانه ولا شك في تغيره على التدريج ~~وليس في كمه ولا كيفه ولا غيرهما من الأعراض ، بل إنما تتغير نسبة أجزائه ~~إلى أمور خارجة # وانظر اعتراضات وأقول أخرى على ما قاله ابن سينا من أنه أول من ذكر هذه ~~الحركة في كتاب : العراقي ، الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا : 209 وحواشيها. PageV03P397 # عنها إما حاوية لها أو محوية ، وإذا تغيرت تلك النسبة تغيرت الهيئة ~~الحاصلة بسببها وهي الوضع. # لا يقال : كل واحد من أجزاء الفلك متحرك حركة مكانية ، وكل ما كان كل ~~واحد من أجزائه متحركا في المكان فهو أيضا متحرك في المكان ، فحركة الفلك ~~مكانية. # لأنا نقول : لا نسلم أن للفلك أجزاء حتى يقال : إنها متحركة في المكان ، ~~بل هو جسم واحد متصل لا تتحقق له أجزاء إلا بالفرض فلا تكون له حركة فعلية. ~~وأيضا حقيقة الكل مغايرة لحقيقة كل جزء فلا يجب أن يكون الحكم الثابت لكل ~~جزء ثابتا للكل ، فان كل واحد من الأجزاء جزء وليس بكل والكل كل وليس بجزء ~~، فبطل ما قالوه. وليس من البعيد أن يكون شيء ذو أجزاء كثيرة بالفعل كالرمل ~~وغيره ينتقل كل جزء منه إلى مكان الآخر مع أن الكل لا يفارق مكانه. ولأنه ~~بتقدير ثبوته فالمقصود حاصل ، لأن الأجزاء وإن تحركت في المكان لكن المجموع ~~ليس كذلك لأنه حافظ لمكانه ، ولا شك أن الهيئة الحاصلة له بسبب ما يفرض ~~لأجزائه من النسب متغيرة عند تغيرها. # لا يقال : الوضع لا يقبل الاشتداد والتنقص فلا يقبل الحركة. # لأنا نقول : يصح أن يقال للشيء : إنه أشد انتكاسا أو انتصابا من الآخر ، ~~وهذا يدل على أنه قابل لهما. # لا يقال : لا تضاد في الوضع فلا تكون فيه حركة. # لأنا نقول : لا يجب أن يكون ما منه ضدا لما إليه ، بل يكفي ثبوت ضرب ما ~~من التقابل وإن لم يكن ذلك بالتضاد. (1) PageV03P398 ### ||| ** المقام الرابع ms1035 : في امتناع وقوع الحركة في الجوهر (1) # اعلم أن الذي يقع الاشتباه فيه من الجواهر وأنه متحرك في الجوهر إنما هو ~~الصور الجوهرية. # وقد عرفت أن الحدوث يقع على وجهين : الدفعي والتدريجي. والمدعى هنا بيان ~~أن الصور الجوهرية إنما يمكن حدوثها على الوجه الأول دون الثاني. وإنما ~~يمكننا بيان أن الصور الجوهرية تحدث دفعة إذا بينا إمكان تبدلها وتغيرها ؛ ~~فإنه قد نازع بعض القدماء في ذلك ومنع من الكون والفساد وسلم الاستحالة. ~~وهؤلاء هم الذين يجعلون العنصر واحدا ، إما النار وتكون الأشياء عنها ~~بتزايد التكاثف ، أو الأرض وتتكون عنها البواقي بتزايد اللطافة ، أو شيئا ~~متوسطا بينهما كالدخان أو البخار ويتكون منه البعض بتزايد اللطافة والبعض ~~بتزايد الكثافة. ويزعمون أن ذلك العنصر مع اختلاف درجات التخلخل والتكاثف ~~محفوظا الطبيعة. فالنظر في # وانظر البحث في الطبيعة لأرسطوطاليس 2 : 511 (موضوعات الحركة)، قال فيه ~~: «فأما في الجواهر فليس حركة من قبل أنه ليس شيء من الموجودات البتة ضد ~~للجوهر». التحصيل : 426 ؛ المباحث المشرقية 1 : 701 ؛ كشف المراد : 265 ؛ ~~شرح حكمة العين : 437 ؛ إيضاح المقاصد : 283. PageV03P399 # هذا المقام يتعلق بأمرين : ### |||| ** النظر الأول : في إثبات الكون والفساد. يدل على ذلك نوعان : # النوع الأول : الأدلة العقلية ، وقد ذكر الشيخ منها وجهين : (1) ### |||| ** الوجه الأول : أنا سنبين أن ما يصح عليه الكون والفساد (2) تصح عليه الحركة المستقيمة ، ~~وتنعكس (3) إلى قولنا : بعض ما تصح عليه الحركة المستقيمة ، يصح عليه الكون ~~والفساد. (4) ### |||| ** الوجه الثاني : اختصاص جزء معين بجزء معين من حيزه ليس لطبيعته ، لأنا نشاهد انتقال ~~الأجزاء المتساوية ، وحصولها بسبب ناقل نقله إلى ذلك الموضع ، وهو باطل لأن ~~القسري بعد الطبيعي فلو قدرنا عدم الناقل فلا بد من سبب لحصولها في الأحياز ~~، فبقي أن العمدة فيه أن الجزء المعين كان في ابتداء تكونه في حيز يختص ~~حدوثه عن العلل واستمر بعد ذلك فيه وهذا إنما يعقل إذا كانت صورها حادثة. # وهو ضعيف ، لجواز الاستناد إلى الفاعل المختار. # واستدل أفضل المتأخرين : بأن النار مثلا جسم ولا شك أن جسميتها مغايرة ~~لناريتها فتشخص تلك ms1036 النارية ليس لماهيتها ولوازم ماهيتها وإلا كان نوعها في ~~شخص واحد ، وهو محال. فإذن ذلك التشخص بسبب العوارض وذلك لا محالة يكون ~~بسبب المادة كما عرفت. PageV03P400 # فنقول : ليس علة تشخص تلك النار طبيعة ذلك المحل ، لأن ذلك المحل كما ~~يقبلها يقبل مثلها ضرورة وجوب اشتراك المثلين في الصفات الواجبة. فإذن ~~العلة في تشخص تلك النارية أعراض مخصوصة موجودة في المادة. ولا شك في أن ~~الأعراض توابع للصور فالأعراض المشخصة لهذه النارية إن كانت معلولة لتلك ~~اللوازم (1) لزم الدور. وإن كانت معلولة لصورة أخرى موجودة في تلك النارية ~~فقد كانت قبل هذه الصورة صورة أخرى ، فهذه الصورة حادثة. ثم الصورة السابقة ~~إن كانت مساوية لهذه الصورة في النوع امتنع زوالها وقبول هذه ، لأن الصورة ~~إنما تتجدد إذا قويت ملائمة المادة لها ، ولو كانت السابقة مماثلة للمتجددة ~~لكان ما يجعل المادة ملائمة للمتجددة يجعلها لا محالة ملائمة لتلك السابقة ~~فلا يكون مبطلا لها وحينئذ يمتنع تجدد الصورة المتجددة ، هذا خلف. فأما إذا ~~كانت السابقة مخالفة للمتجددة كان ما يجعل المادة ملائمة للمتجددة يجعلها ~~منافرة للسابقة فلا جرم تنعدم تلك السابقة حتى توجد المتجددة ، وظاهر أن كل ~~صورة عنصرية نوعها في شخصها (2)، وقد كانت مادتها موصوفة قبلها بصورة أخرى ~~تخالفها ، وذلك يدل على الكون والفساد. # ويدل على ذلك أن القوة الجسمانية لا تقوى على البقاء الغير المتناهي ~~فتكون حادثة لا محالة. (3) ### ||| ** النوع الثاني من الأدلة : الاعتبارات الحسية # وتقريره أن نقول : إنه سيظهر لك أن العناصر أربعة. فوجوه الكون والفساد PageV03P401 # لا تزيد على اثني عشر ، ستة منها بسائط (1) وهي : تكون النار هواء وعكسه ~~، وتكون الهواء ماء وعكسه ، وتكون الماء أرضا وعكسه. وأربعة ثلاثية (2) هي ~~: تكون النار ماء وعكسه ، وتكون الهواء أرضا وعكسه. وإما رباعيان (3) وهما ~~: تكون النار أرضا وعكسه. # وإذا أثبتنا ثلاثة أوجه منها وهي : صيرورة الأرض ماء ، والماء هواء ، ~~والهواء نارا ، حصل المقصود من جواز البواقي ، لأن ذلك يدل على أن المادة ~~مشتركة بين الكل. # أما صيرورة النار هواء فأمر ظاهر عند الكل ms1037 لم يقع فيه اختلاف (4)، لأنه ~~مشاهد محسوس في الشعل المرتفعة تضمحل في الهواء ولا تبقى لها حرارة محسوسة. # وأما عكسه ، فذلك إذا ألح على الكير الذي شد فيه طرف دخول الهواء الجديد ~~إليه وكرر عليه النفخ والخنق ومنع الهواء من الدخول والخروج ، فانه عن قريب ~~يستحيل ما فيه نارا. # وإذا قربنا شعلة من جبل كبريت ظهرت نيران عظيمة ، وليس ذلك إلا لانقلاب ~~الهواء والأرض نارا # وأما انقلاب الهواء ماء فيدل عليه أمران : (5) PageV03P402 ### |||| ** الأمر الأول : أنا إذا أخذنا قدحا ووضعناه على جمد وجعلنا رأسه خارجا مسدودا فانه يبرد ~~وتحدث على أطراف الاناء قطرات وتجتمع في الإناء قطرات كثيرة ، فهذه القطرات ~~هواء تكونت ماء ، لأن الندى الذي يوجد هناك : إما أن يتكون من الهواء ، وهو ~~المطلوب. أو لا يتكون منه ، بل إما أن يجتمع من الهواء المطيف به على ما ~~ذهب إليه منكروا الكون والفساد بين الهواء والماء كالشيخ أبي البركات (1) ~~وغيره. أو يترشح مما في داخله. # والأول باطل ، لأن الهواء المطيف بالإناء لا يمكن أن يشتمل على أجزاء ~~كثيرة من الماء خصوصا في الصيف ، فان الأجزاء المائية إن كانت باقية فقد ~~تتصاعد جدا لفرط حرارة هوائه (2)، ولا تبقى مجاورة للإناء. وعلى تقدير ~~بقائها هناك يلزم أحد ثلاثة أشياء : إما نفاذ تلك الأجزاء إذا تواتر حدوث ~~الندى بعد تنحيته من الإناء مرة بعد أخرى فينقطع حصوله على الإناء مع كون ~~الإناء بحالة الأولى. (3) وإما تناقصها فيكون حصوله كل مرة أنقص مما كان ~~قبلها. وإما تراخي أزمنة حصولها فيكون بين كل حصولين زمان أطول مما بين ~~حصولين قبلهما. وذلك على تقدير أن تجتمع الأجزاء التي تكون في هواء أبعد من ~~الإناء إليه مع أن ذلك بعيد جدا ، لأن تلك الأجزاء الصغيرة مع جذب حرارة ~~الهواء إياها لا تتمكن من خرق حجم كبير من الهواء. ولكن الوجود يكذب ذلك ~~كله ، لأنا نرى حدوث PageV03P403 # الندى مرة بعد أخرى على وتيرة واحدة بشرط أن ينحى من الإناء ما حدث عليه ~~ويكون الإناء على حاله من التبرد. ms1038 # واعترض بأن برودة الماء (1) إن اقتضت فساد الهواء المحيط بالإناء فوجب أن ~~يصير كل ذلك الهواء ماء ، ولا محالة يسيل الماء حينئذ ويتصل به هواء آخر ~~ويصير أيضا ماء ويجري الماء جريانا صالحا وكان يجب أن يمتلئ الإناء ماء ، ~~وإذ ليس كذلك ، بل يحصل قدر من الماء في زمان يسير لم لا يزيد مثله في مثل ~~ذلك الزمان ، علم أنه حدث من أجزاء مائية خارج الإناء إن اعتبرنا القطرات ~~التي على ظاهره أو في داخل الإناء كانت منتشرة في الهواء المحصور في الكوز ~~فلما بردت نزلت فانقطعت واتصلت بنقلها (2) عن الهواء إلى قعر الكوز فلما ~~استصفاها البرد المصفى من الهواء بالإحدار (3) لم يتصل مددها ولم يزد ما ~~فيه قليلة المدد. # وأجيب عنه بأن جرم الإناء صلب فلا يتكيف بالكيفيات الغريبة سريعا ، وعند ~~التكيف تحفظ الكيفية بطيئا فإذا ألحت القوة المكيفة اشتد تكيفه بها دون ما ~~يشتد تكيف غيره ، ولهذا تجد الأواني الرصاصية المشتملة على المائعات الحارة ~~أسخن من تلك المائعات ، فالإناء المذكور لشدة برده يفسد الهواء المطيف به ، ~~والماء لسرعة تكيفه بالكيفيات الغريبة يحيل (4) الهواء المطيف به ظاهره عن ~~برودته الشديدة سريعا فلا يفسد الهواء ما دام على سطح الإناء (5)، أما إذا ~~نحي منه واتصل الهواء بالسطح عاد إلى إفساده. # وقوله : «لو كان ذلك بسبب إحالة الهواء وجب أن يزداد حتى يمتلئ PageV03P404 # القدح». # فجوابه : أن تبريد الجمد مغلوب بتسخين حرارة العالم فلا يتعدى تبريد ~~الجمد عن الهواء القريب منه جدا فإذا أحاله ماء (1) لم يكن لذلك الماء من ~~البرد ما للجمد فيكون ضعيف البرد فلا يقوى على إحالة هواء آخر ماء ، بل ~~يصير كالحجاب من وصول تأثير الجمد إلى هواء آخر ، بل إذا انقطعت القطرات ~~فقد زال المانع ، فلا جرم تعود تلك الإحالة. ### |||| ** والثاني : وهو أن يقال : الندى يترشح مما في داخل الآنية فهو باطل لوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : قد يوجد الندى من غير أن يكون فيه ماء ، بل بسبب وجود الجمد الذي لم يتحلل ~~بعد ، بل كلما كان الجمد أبعد ms1039 من التحلل كان هذا المعنى أكمل. ### |||| ** الوجه الثاني : يلزم أن لا يوجد الندى إلا في موضع الرشح ، لكن الوجود يكذبه فانه يوجد فوق ~~ذلك الموضع مع أن الجمد يسفل منه. ### |||| ** الوجه الثالث : لو كان ذلك للرشح لكان ظهور الندى مع حرارة الماء أولى وأكثر ، لأن الحار ~~ألطف وأقبل للرشح لرقة قوامه ، وليس كذلك. ### |||| ** الأمر الثاني : تكون السحاب المتولد في قلل الجبال دفعة (2)، وذلك لأنه قد شوهد الهواء ~~الصافي أصفى ما يكون ثم ينعقد دفعة من غير بخار صعد إليه أو ضباب ينساق ~~إليه أو سحاب يأتي إليه من موضع آخر ، ثم ينزل ذلك السحاب ثلجا ، ومقدار ~~ذلك رمية في رمية ثم يعود الهواء صافيا ثم ينعقد مرة أخرى ويدوم ذلك إلى أن ~~يتصل (3) من هذا الوجه على تلك البقعة ثلج عظيم ، وليس ذلك إلا PageV03P405 # هواء استحال ماء. # وحكى الرئيس : انه شاهد ذلك بجبال طبرستان وطوس وغير هما ، وقد شاهد أهل ~~المساكن الجبلية ذلك كثيرا. # قال أفضل المتأخرين : «تبريد الإناء للهواء ليس بأعظم من تبريد الأراضي ~~الجمدية إياه في صميم الشتاء ، بل في المواضع التي تخفى الشمس عنها ستة ~~أشهر ، وذلك يقتضي انقلاب أكثر الهواء ماء. وأيضا لو كان انقلاب الهواء ماء ~~للبرودة فبعد نزول الثلج يصير الهواء أبرد مما كان قبله ، ويوم الصحو أبرد ~~من يوم المطر. فإذن يلزم أن يستمر الثلج والمطر إلى أن يتغير الفصل ~~والهواء». (1) # وأجاب أفضل المحققين : «بأن هذا غير قادح في غرضنا ، لأنا لم ندع أن ~~السبب في ذلك أي برودة هي ، ولا أنها على أي شرط ينبغي أن تكون ، ولا أن ~~المانع إياها عن ذلك أي شيء هو. وإذ لم ندع حصر الأسباب الموجبة للكون ~~والفساد فلا يلزمنا النقض بعدم الكون والفساد عند حصول برودة ما ، بل إنما ~~ادعينا إمكان وجود الكون والفساد بمشاهدة ما يقتضي حصوله ، فمهما ثبت ذلك ~~لمن شاهد واعتبر علم بالجملة أن للكون والفساد سببا موجبا هو البرودة مثلا ~~بحال ، فإن حصلت البرودة ولم يحصل الكون والفساد حكم بفقدان شرط ms1040 أو وجود ~~مانع بالجملة وإن لم يعرفهما بالتفصيل فان الجهل بتفصيل ذلك لا يقدح في ~~علمه بإمكان وجودهما». (2) # وفيه نظر ، فإنا إذا وجدنا برودة غالبة ولم يحصل مانع من تأثير المؤثر ، ~~ثم لا يحصل الأثر جزمنا بانتفاء العلية عن ذلك السبب. # ونقل أفضل المتأخرين عن بعضهم «أنه يحتمل أن يقال : الأجزاء المتصغرة PageV03P406 # المتصعدة إلى الجو البارد لما عرض لها برد هبطت من فضاء المحيط إلى ضيق ~~المركز فاجتمعت وصارت سحابا وإذا قوي بردها امتدت إلى أجزاء أخر فبردت ~~واجتمعت فانفصلت (1) سحابا مثلجا ، ولو كان ذلك لاستحالة الهواء لا تصل مدد ~~الثلج لاتصال مدد البرد بالثلج الواقع على الأرض فكان لا يصحى الجو إلا بحر ~~حادث ، وليس كذلك فان يوم الصحو عن المطر أبرد من يوم المطر. ولأن الهواء ~~الملاصق للثلج النازل على الأرض أولى بالبرودة من الذي في أعالي الجو فلم ~~لا ينكثف ويصير ماء أو ثلجا؟» (2) وذكر أنه وارد. (3) # وأما عكسه وهو انقلاب الماء هواء ، فذلك عند تسخين الماء فانه يظهر له ~~بخار متصاعد وهو هواء فيه أجزاء مائية يسيرة جدا إلى أن ينفى ذلك الماء. # وأما انقلاب الماء أرضا ، فما نشاهد من فعل أهل الاكسير فانهم يعقدون ~~المياه الجارية أحجارا صلبة صلدة (4)، وذلك مشاهد من بعض المياه التي ~~تنعقد حجرا بعد خروجها من منابعها. # لا يقال : تلك المياه تخالطها أجزاء أرضية صغيرة جدا وعند العقد تتحلل ~~الأجزاء المائية بالتبخير وتبقى الباقية على مزاجها المستحكم بالأرضية. # لأنا نقول : لو كان كذلك لكان في تلك المياه من الخثورة (5) ما نفعله PageV03P407 # بسحقنا (1) هذا الحجر وتصويلنا (2) له ومزجنا إياه بقدر من الماء المصعد ~~المقطر المردد مرات قدره أضعاف ذلك ، ولم نر في ذلك الماء خثورة أصلا فبطل ~~هذا السؤال. # ويقرب من ذلك أنا إذا أخذنا ماء القلي المصفى غاية التصفية ثم خلط بخل ~~الذي مزج فيه ماء المرتك ثم صفى عليه ثم خلطا جميعا فانه يحصل منه شيء يسمى ~~لبن العذراء ثم ينعقد في نفسه حجرا قاسيا ، فذلك ماء انقلب أرضا. # وأما ms1041 عكسه وهو انقلاب الأرض ماء ، فإن أهل الحيل يحلون الأجساد الصلبة ~~الحجرية مياها سيالة. يعرف ذلك أصحاب الحيل الذين هم طلاب الإكسير. ويكون ~~ذلك بتصييرها أملاحا إما بالاحتراق أو بالسحق مع الأجسام المشابهة للاملاح ~~كالنوشادر ، ثم إذابتها بالماء كما يشاهد في الأجزاء الأرضية الندية ~~المحترقة كيف تصير ملحا وتذوب بالماء. # لا يقال : تلك الأحجار كانت فيها مياه كثيرة لكنها كانت شديدة الاختلاط ~~بما فيها من الأرضية فإذا دبرت بالمياه الحارة (3) ضعف الامتزاج وتخلصت ~~الأجزاء المائية عن الأرضية واختلط تلك (4) الأجزاء المائية من ذلك الماء ~~الحار (5) قدر صالح. ثم إنه مع ذلك إنما ينحل بالبرد المقتضي لبرد الأجزاء ~~الصغيرة المتفرقة في الهواء وهي إذا بردت ثقلت فنزلت واتصلت عند النزول ~~ويحصل منها ماء صالح له قدر يمتزج بالمحلول الأول فيصير في الحس كأنه ماء حار. PageV03P408 # وبالجملة الملح وما يشبهه من النوشادر المحلولان (1) كالمياه الجارية مع ~~أنا لا نشك في وجود أرضية كثيرة هناك ولذلك يعقدها أدنى حرارة. # لأنا نقول : الأجزاء الرطبة إن كانت مغلوبة في المقدار فكيف صارت غالبة ~~عند الانحلال (2)؟ وإن كانت متساوية معادلة لكنها كانت مغلوبة في الظاهر ~~وجب أن تكون غالبة في الباطن ، وليس الأمر كذلك. ومما يقرب ذلك أن كثيرا من ~~الأجسام تقع في المالح فتصير ملحا ، ثم إن الملح ينحل بالرطوبة ويصير ماء زلالا. # وأما انقلاب الأرض نارا ، فلأن الحطب الرطب يعصي على النار ولا يحترق ~~بسرعة ويجتمع منه دخان كثير وذلك هو الأجزاء العاصية منه ، وإذا كان يابسا ~~لم يدخن أو دخن قليلا. # وليس يمكن أن يجعل السبب فيه كون الأرضية في الرطب أكثر فلا جرم الثقيل ~~الذي يصعده الحر من الرطب أكثر والهوائية في اليابس أكثر ، فلا جرم الثقيل ~~الذي يصعده الحر من الرطب أكثر. # لأنا نقول : ربما كان اليابس أقل لعلمنا (3) أن سبب ذلك كون انقلاب الأرض ~~إلى النار أسهل من انقلاب الماء إليه ، لأن الماء في غاية البعد عن النار. ~~وأيضا البلسان (4) يستحيل دفعة واحدة نارا وليس ذلك إلا لاستحالة كل ما ms1042 فيه ~~من العناصر. PageV03P409 # وأما انقلاب الماء نارا ، فقد ذكر الرئيس أنه شاهد قمقمة صغيرة مشدودة ~~الرأس وضعت في أتون فانشقت وخرج كل ما كان فيها نارا. ومعلوم أن الماء الذي ~~كان فيها لم تمازجه أجزاء نارية لا بأن كانت كامنة فظهرت فيها ، ولا بأن ~~نفذت إليه ودخلت فيه لعدم المنفذ في القمقمة. فإذن الماء الذي كان فيها ~~انقلب إلى الهوائية والنارية. # واعلم أن هذه الأمور غير يقينية. ### |||| ** تذنيب : قالوا لما ثبت تكون كل واحد من صاحبه ثبت أن بينها (1) هيولى مشتركة تخلع ~~صورة كل واحد منها (2) بسبب تجدد استعداد مناسب للصورة الجديدة وتلبس تلك ~~الصورة فيتكون ذلك الذي صورته متجددة وتفسد الصورة المخلوعة وتعدم عن ذلك ~~الجسم ، فلهذا أثبتوا الهيولى مشتركة في العناصر دون الأفلاك. ### ||| ** المقام الخامس : في أن الصور الجوهرية لا تحدث بالحركة # لما أثبتوا الكون والفساد في الصور العنصرية مع أنها جواهر لم يكن ذلك ~~نافعا لهم في مطلوبهم وهو : امتناع وقوع الحركة في الجوهر إلا بالعرض ، ~~فشرعوا في النافع لهم وهو : أن هذا التبدل والتغير في الصور الطبيعية لا ~~يمكن أن يحدث على التدريج ، بل إنما يحدث دفعة واحدة. # واحتجوا عليه بوجوه : (3) PageV03P410 ### |||| ** الوجه الأول : الصورة الجوهرية غير قابلة للاشتداد والتنقص ، وكل ما يكون غير قابل ~~للاشتداد والتنقص فانه لا يحدث على التدريج بل يحدث دفعة واحدة. # أما الصغرى : فلأنها لو قبلت الشدة والضعف لكانت في وسط الاشتداد إما أن ~~يبقى نوعها وذاتها وطبيعتها أو لا يبقى. فإن بقى فالتغير لم يكن في الصورة ~~بل في لوازمها وعوارضها. وإن لم يبق لزم عدم تلك الصورة لا اشتدادها. ثم ~~إما أن تحدث عقيبها صورة أخرى أو لا ، فإن لم تحدث لزم عدم المادة لعدم ما ~~يقومها من الصور ، وإن حدثت فتلك الصور المتعاقبة إن وجد فيها ما يبقى أكثر ~~من آن واحد فيلزم سكون تلك الحركة ، وإن لم يوجد لزم وجود صور متتالية آنية ~~الوجود ويلزم تتالي الآنات وهو محال عندهم. # وهذه الحجة تطعن في الحركة مطلقا سواء كانت ms1043 في الكيف أو في غيرها. والقول ~~بالتخصيص في الحجج العقلية باطل بخلاف النقلية. ### |||| ** الوجه الثاني : وجود الحركة يتوقف على وجود المتحرك بالضرورة ، فانه لا يعقل قيام الحال في ~~غيره مجردا عن ذلك الغير ، والمادة وحدها غير موجودة فلا تقع الحركة في ~~الصور ، لأن المادة لما لم يكن لها وجود بدون الصور لم يمكن أن تتحرك في ~~الصور ، فإن الحركة في الصور إنما تكون بتعاقب صور لا توجد واحدة منها أكثر ~~من آن ، وعدم الصورة المقومة يوجب عدم الذات. فإذن ليس يبقى شيء من الذوات ~~زمانا وكل متحرك فانه باق في زمان الحركة. فإذن ليس شيء من هذه الذوات ~~متحركا. ولا ينتقض ذلك بالحركة في الكيف كما انتقض الوجه الأول ، لأن عدم ~~الكيفية لا يوجب عدم الذات بل تبقى الذات محفوظة في جميع زمان تغير ~~الكيفيات. # اعترض أفضل المتأخرين : بأن قوله : «عدم الصورة المقومة يوجب عدم الذات» ~~إن عنى به أن عدم الصورة يوجب عدم الجملة الحاصلة منها ومن محلها ، PageV03P411 # فذلك حق ، لأن عدم المركب يصح لعدم جزئه ، لكن الخصم لا يجعل المتحرك تلك ~~الجملة حتى يضره عدم الجملة ، كما في الحركة الكيفية لا يجعل المتحرك في ~~الكيف المجموع الحاصل من الجسم والكيف حتى لا يلزم المحال ، بل المتحرك محل ~~تلك الصورة وحده ، كما أن المتحرك في الكيف محل الكيف وحده. # وإن عنى به أن عدم الصورة يوجب عدم المادة ، فليس كذلك ، فإن مواد ~~العناصر عندهم باقية بعد عدم الصور الجسمية بالانفصال وعدم الصور النوعية ~~بالكون والفساد ، ولو عدمت المادة لعدم الصورة كانت حادثة وكل حادث فله ~~مادة عندهم ويتسلسل ، ومع هذا فإن لم يوجد هناك شيء محفوظ الذات باقيا مع ~~تلك الأمور المتعاقبة كان الحادث غنيا عن المادة ، وهو محال عندهم. وإن وجد ~~منها واحد محفوظ الذات لم يكن زوال الصور عن ذلك الشيء موجبا عدمه. (1) # ثم تعجب من الشيخ لما أورد على نفسه سؤالا في باب كيفية تعلق الهيولى ~~بالصورة (2) وهو : أن الصورة النوعية زائلة فتعدم المادة بزوالها. وأجاب ms1044 ~~بأن الوحدة الشخصية للمادة مستحفظة بالوحدة النوعية للصورة لا بالوحدة ~~الشخصية. # وإذا كان هذا قوله فبتقدير أن تقع الحركة في الصورة لا يلزم من تبدل تلك ~~الصورة عدم المادة ، بل هي باقية بعد عدم الصورة. وحينئذ تبطل الحجة. (3) ### |||| ** الوجه الثالث : أورد الشيخ حجة أخرى وبين ضعفها (4) # وهي : أن الحركة إنما تتحقق بين الضدين لأنها سلوك من ضد إلى ضد ، PageV03P412 # والجوهر لا ضد له. # ثم اعترضها بأن التضاد إن اعتبر فيه التعاقب للمتضادين على موضوع واحد ~~فلا ضد للصورة ، وإن لم يعتبر ذلك بل اكتفينا بتعاقبهما على المحل كان ~~للصورة النوعية والجسمية أضداد ، فان الصورة المائية والنارية أمران ~~وجوديان متعاقبان على محل واحد وبينهما غاية الخلاف فيكونان ضدين. # وأيضا ما منه وما إليه الحركة لا يجب تضادهما ، بل قد يكونان واحدا ~~كالنقط المفروضة في الحركة الدورية وقد يكونان متساويين كالحركة من نقطة ~~إلى أخرى وبالعكس. # ثم إن الكم لا تضاد فيه مع أن فيه حركة. # ثم اعترض الشيخ على هذه المقالة (1) بأن المني يتكون حيوانا يسيرا يسيرا ~~، وكذا البذر يتكون نباتا على التدريج. # ثم أجاب : بأن المني إلى أن يتكون تعرض له تكونات أخر تصل ما بينها ~~استحالات في الكم والكيف ، فيكون المني دائما يستحيل يسيرا يسيرا وهو بعد ~~مني لم تنخلع (2) صورة المنوية عنه إلى أن يبلغ حدا يزول معه قبول الصورة ~~المنوية ويحصل له قبول صورة أخرى نوعية هي العلقة فيخلع تلك الصورة ويلبس ~~هذه دفعة لا على التدريج ، وكذا في تنقلاته من العلقة إلى المضغة ، ومن ~~المضغة إلى العظم. لكن في ظاهر الأمر أن هذه التنقلات سلوك واحد من صورة ~~جوهرية إلى صورة أخرى (3)، وليس كذلك بل هنا انتقالات دفعية في الصور ~~وتتخللها حركات في الكيف. PageV03P413 # ثم عول أفضل المتأخرين على الحجة الأولى (1). وأجاب عن ورودها في الكيف ~~: أن كل واحدة من تلك الكيفيات المتعاقبة تبقى زمانا ويكون السلوك من ~~البياض إلى السواد وإن كان في الحس مستمرا إلا أنه في الحقيقة ليس كذلك ، ~~بل هناك توقفات وانتقالات ms1045 (2)، حيث لم يقم برهان قاطع على أن ذلك السلوك ~~مستمر في نفس الأمر وإنما الاعتماد على الحس. والسلوك المستمر حسا لا يمنع ~~من وجود توقفات في أزمنة صغيرة جدا خصوصا والزمان يقبل انقسامات غير ~~متناهية. # ولما أبطل الشيخ الشعاع بحجة حكاها عمن تقدمه وهي : أنه كان يجب أن تكون ~~نسبة زمان حركة الشعاع إلى شيء على بعد ذراع (3) إلى زمان حركته إلى ~~الكواكب الثابتة نسبة المسافتين ، فكان يظهر بين الزمانين تفاوت محسوس. # واعترضها بإمكان فرض زمان غير محسوس قصرا تحصل فيه الحركة الشعاعية ثم ~~يمكن أن يقسم هذا الزمان إلى ما لا يتناهى فيوجد فيه ما نسبته إليه نسبة ~~المسافة القصيرة إلى البعيدة ومع ذلك يكون الزمان للعظيم والصغير غير ~~محسوسين قصرا. (4) # وحينئذ لا يمكن الاستدلال بالسلوك المستمر حسا على أن ذلك السلوك يستمر ~~في الحقيقة ، بل لو لم يلزم على الحركة الكيفية شيء من المحالات لكان من ~~الواجب عليهم عدم الجزم بوجودها تعويلا منهم على الاستمرار الحسي بعد ~~اعتقادهم أن الزمان غير المحسوس يمكن انقسامه إلى الحد الذي قالوه ، فانه ~~لو حصل التوقف في جزء من ألف جزء من ذلك الزمان الغير المحسوس لم يكن PageV03P414 # ذلك الزمان مستمرا في الحقيقة ولم تكن حركة. # ولما ثبت أن الحركة في الكيف لم تقم عليها حجة يعتد بها ، بل يلزم من ~~وجودها تتالي الآنات لزوما لا مدفع له وجب القول بنفيها. # فقد عرفت أن الحجة الدالة على نفي الحركة في الجوهر تدل بعينها على نفيها ~~في الكيف. وأن متمسك من أثبت الحركة في الجوهر هو بعينه متمسك مثبتيها في ~~الكيف ، وهو السلوك (1) حسا يسيرا يسيرا. # والجواب عنهما واحد وهو : الاستمرار الحسي لا يستلزم ثبوته في نفس الأمر ~~ولا بالعكس. # ولمثبتي الحركة الكيفية أن يقولوا : إذا حصل الوقوف في الحركة الكيفية ~~فإن بقى الاستعداد في الحركة فهو تسليم للتغير المتصل المستمر. وإن لم يبق ~~وجب أن تستمر تلك الكيفية وأن لا تحدث بعد زمان كيفية أخرى لأن الاستعداد ~~عند حدوث الكيفية الثانية كهو ms1046 قبل حدوثها ، وإذا كان كذلك استحال حدوث تلك ~~الكيفية ، وهو غير خال عن نظر. ### ||| ** المقام السادس : في نفي الحركة عن باقي المقولات (2) # قالوا : المضاف لا تقع فيه حركة بالذات بل بالعرض ، وذلك أن الإضافة لا ~~تعقل قائمة بنفسها ولا مستقلة بالوجود بل ولا بالتعقل ، بل هي تابعة ~~لغيرها. فإن قبل متبوعها الشدة والضعف قبلهما الإضافة وإلا فلا ، فإن ~~السخونة لما قبلت PageV03P415 # الشدة والضعف كان الأسخن قابلا لهما ، فانها لو بقيت على حد واحد عند ~~تغير متبوعها إلى الاشتداد والتنقص أشعر ذلك باستقلالها بنفسها. ومن هذا ~~يعرف أن ما يقال : من أن حال الانتقال في الإضافة يكون دفعة ، لا يخلو عن نظر. # وأما «متى» فإن وجوده للجسم بتوسط الحركة ، فكيف تكون الحركة فيه؟ فإن كل ~~حركة في «متى» فلو كان فيه حركة لكان لمتى متى آخر ، هذا خلف. (1) # وفي الشفاء : يشبه أن يكون الانتقال فيه واقعا دفعة ، لأن الانتقال من ~~سنة إلى سنة ومن شهر إلى شهر يكون دفعة. (2) # وهما (3) غير متنافيين ، فان الانتقال دفعة والحركة متغايران. # ثم قال الشيخ : ويشبه أن يكون حال متى كحال الإضافة في أن الانتقال لا ~~يكون فيه ، بل يكون الانتقال الأول في كيف أو كم ويكون الزمان لازما لذلك ~~التغير فيعرض بسببه فيه التبدل. (4) # وهو جيد ، لأن متى نسبة الشيء إلى زمانه والنسبة طبيعة غير مستقلة فهي ~~تابعة لمعروضها في التبدل والاستقرار. (5) # وفيه نظر ، فانه لا يلزم من قبول المعروض أو عدم القبول للتغير قبول ~~العارض ولا بالعكس. # وكذا القول في الجدة ، فانها مقولة نسبية. (6) PageV03P416 # وأما مقولتا «أن ينفعل» ، فنقل الشيخ عمن تقدمه قبولهما للحركة. وأبطله ~~بأن الشيء إذا انتقل من التبرد إلى التسخن فإما أن يكون التبرد باقيا لم ~~يعدم بل انتقل إلى التسخن والتبرد بعد تبرد ، أو لا. # والأول باطل ، لأن التبرد توجه إلى البرد وأخذ من طبيعته والتسخن توجه ~~إلى السخونة وأخذ من طبيعة السخونة ، فيكون الشيء الواحد في الزمان الواحد ~~متوجها إلى البرد وأخذا من طبيعته وإلى السخونة وأخذا من طبيعتها ms1047 ، والشيء ~~الواحد لا يتوجه في الوقت الواحد إلى الضدين معا. # وإن لم يبق التبرد فالتسخن إنما وجد بعد وقوف التبرد وبينهما سكون لا ~~محالة ، فليس هناك حركة من التبرد إلى التسخن على الاستمرار. (1) # احتجوا (2) بأن الشيء قد ينسلخ عن اتصافه (3) بالفعل يسيرا يسيرا لا من ~~جهة تنقص قبول الموضوع لتمام ذلك الفعل بل من جهة هيئته ، فذلك إما لأن ~~القوة تخور (4) يسيرا يسيرا إن كان الفعل بالطبع ، وإما لأن العزيمة تنفسخ ~~يسيرا يسيرا إن كان الفعل إراديا ، وإما لأن الآلة تكل يسيرا يسيرا إلى أن ~~بطل الفعل بها. (5) وكل ذلك إنما هو تبدل الحال أولا في القوة أو العزيمة ~~أو الآلة ، ثم يتبعه التبدل في الفاعلية فيكون التبدل في الفاعلية ~~بالتبعية. # والأصل فيه أن الفعل والانفعال أمران نسبيان تابعان لمعروضهما في الثبات ~~والتبدل. ومن نفى التأثير والتأثر بطل هذا التفريع عنده. (6) PageV03P417 ### | البحث السابع ### | في أن المقابل للحركة أي سكون هو؟ (1) # إن بين الحركة والسكون تقابلا ضروريا بحيث لا يمكن اجتماعهما في الجسم ~~الواحد مع اتحاد الوقت والمقولة ، ولا شك أن السكون في المكان قد تسبقه ~~حركة وقد تلحقه حركة أيضا. وقد اختلف الناس هنا فذهب بعضهم إلى أن المقابل ~~للحركة هو السكون في مبدأ الحركة لا في نهايتها ، أعني السكون في ما عنه ~~الحركة ، لأن الحركة مؤدية إلى السكون وتنتهي إليه والشيء لا يتأدى إلى ~~مقابله. # ولأن السكون في النهاية كمال للحركة وكمال الشيء لا يكون مقابلا له. # ولأن السكون ليس عدم أية حركة اتفقت ، وإلا لكان عدم حركة تتوهم للجسم في ~~مكان خارج سكونا ، فالجسم المتحرك في المشرق ساكن في المغرب لأنه قد فقد ~~عنه الحركة في المغرب ، وهو محال. فإذن العدم المقابل هو السكون في المكان ~~الذي تتأتى فيه الحركة ، والحركة في المكان بعينه مفارقة المكان بعينه وكل ~~مفارقة للمكان بعينه فبالحركة عنه لا بالحركة إليه. فإذن السكون المقابل ~~إنما يقابل الحركة عن المكان لا الحركة إليه. PageV03P418 # والثالث ذكره في النجاة. (1) # وزيف في الشفاء (2) الأول بأن الحركة إلى ms1048 المنتهى متأدية إلى عدم تلك ~~الحركة بالاتفاق فإذا جاز تأديها إلى عدمها فأي ضرر في أن يكون ذلك العدم ~~هو المقابل؟ # والثاني بأن السكون في المنتهى ليس كمالا للحركة كيف ويمتنع تحققه معها؟ ~~بل هو كمال المتحرك. # والحق أن السكون في المكان مقابل للحركة منه وإليه (3)، فان السكون ليس ~~عدم حركة خاصة وإلا لكان المتحرك إلى جهة ساكنا في غير تلك الجهة ، بل هو ~~عدم كل حركة ممكنة له في ذلك الجنس. # نعم إن جعل السكون المقابل هو الذي يطرأ على الحركة ، فإن ذلك هو السكون ~~في النهاية. وإن جعل المقابل هو الذي تطرأ عليه الحركة ، كان ذلك هو السكون ~~في البداية. وإن جعل السكون المقابل السكون الذي يمكن أن يطرأ على الحركة ~~وأن تطرأ عليه الحركة معا على البدل فغير موجود أصلا ، لأن السكون في ~~المبدأ يمتنع تأخره والسكون في المنتهى يمتنع تقدمه. # وأيضا لو أوجبنا أن يكون المقابل للحركة الطبيعية سكونا طبيعيا (4) على PageV03P419 # أن (1) المقابل للحركة الطبيعية إلى فوق هو السكون إلى فوق ، لأن ذلك هو ~~الطبيعي ، فحينئذ يكون السكون المقابل هو السكون المنتهى. (2) # تنبيه : الجسم قد يخلو عن الحركة والسكون في أمور ثلاثة : (3) ### |||| ** الأمر الأول : الجسم الذي يمتنع خروجه عن حيزه مثل كليات الأفلاك والعناصر فإنها غير ~~متحركة عن مكانها وهو ظاهر ؛ ولا ساكنة أيضا ، لأن السكون عدم الحركة عما ~~من شأنه أن يتحرك والكليات ليس من شأنها أن تتحرك فلم تكن ساكنة ، بل ثابتة ~~في أحيازها لا ساكنة ولا متحركة. # وليس بجيد ، لأن الجسم من حيث هو جسم يمكن أن يتحرك ، وكليات العناصر من ~~حيث ذاتها يمكن أن تتحرك فإن امتنع فلأمر خارجي لا يطعن في الإمكان الذاتي ~~، وهو كاف في عدم الملكة. ### |||| ** الأمر الثاني : الجسم إذا لم يماسه محيط واحد أكثر من آن واحد كالحجر الواقف في الماء ~~الجاري والطير في الهواء بحيث لا يحيط به سطح من الماء والهواء أكثر من آن ~~واحد فذلك الجسم غير متحرك لعدم تبدل أوضاعه بالنسبة إلى الأمور الخارجة ms1049 ~~عنه ؛ ولا ساكن أيضا ، لأنه غير ثابت في مكان واحد زمانا. # والتحقيق : أنه إن جعل المكان عبارة عن السطح كما اختاره أرسطو ، والسكون ~~عبارة عن الاستقرار في مكان واحد زمانا ، والحركة استبدال مكان بمكان على ~~أن يكون مبدأ الاستبدال من المتحرك ، لم يكن هذا الجسم متحركا ولا ساكنا. # وإن جعلنا المكان عبارة عن البعد كما اخترناه أولا ، فهذا الجسم ساكن لأنه PageV03P420 # باق في ذلك البعد زمانا. # وإن جعلنا المكان هو السطح الحاوي وجعلنا الحركة أعم مما يكون الاستبدال ~~صادرا عن المتحرك أو عن المكان ، فهو متحرك. # وإن جعلنا السكون حفظ النسبة بينه وبين الأمور الثابتة ، فهو ساكن. ### |||| ** الأمر الثالث : الآن الذي هو ابتداء الحركة وانتهاؤها لا يكون الجسم فيه ساكنا ولا متحركا. # وبالجملة كل آن يفرض ينتفي عن الجسم فيه الوصفان ، لاستدعاء كل من الحركة ~~والسكون زمانا يقعان فيه لانقسام الحركة فيمتنع وقوعها في الآن. وامتناع ~~السكون أيضا ، لأن السكون عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك والجسم في الآن ~~الواحد يمتنع عليه أن يتحرك ، فيمتنع عليه السكون. PageV03P421 ### | البحث الثامن ### | في أحكام الحركة # اعلم أن الحركة لها أحكام تشتمل عليها مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في انقسام الحركة (1) # اعلم أن القسمة وعدمها عدم الملكة إنما يعرضان بالذات وأولا للكم ، ~~وبالعرض وثانيا لذي الكم ، والحركة ليست كما (2) بل تعرض لها الكمية أو ~~تعرض لما له كم ، فتقبل حينئذ القسمة باعتبار قسمة عارضها أو معروضها. # أما معروض الحركة فالجسم المتحرك ، فان للجسم مقدارا متصلا والحركة عرض ~~قائم فيه تنقسم بانقسامه. # وأما عارضها فان الحركة يعرض لها مقداران : أحدهما من حيث الزمان ، فانها ~~تزيد بزيادته وتنقص بنقصانه. وثانيهما من حيث المسافة ، فإنها أيضا تعرض ~~لها الزيادة والنقصان باعتبار عروضهما للمسافة. # وإذا تقرر هذا فنقول : لما كان كل حركة إنما تقع في زمان والزمان منقسم ~~أبدا قسمة بغير نهاية وجب انقسام كل حركة دائما ، فإن الحركة الواقعة في نصف PageV03P422 # كل زمان نصف الحركة في كله مع حفظ النسبة. # وأيضا لما كان كل حركة واقعة على مسافة ms1050 وكانت المسافة قابلة للقسمة بغير ~~نهاية وجب انقسام الحركة لذلك ، فانه من المعلوم أن الحركة إلى نصف المسافة ~~نصف الحركة إلى آخرها. وهذا في الحركة الأينية ظاهر على رأي نفاة الجزء. ~~وأما باقي الحركات فكذلك إلا أنه غير ظاهر ظهور الحركة الأينية ، فإن بين ~~كل مقدار يتحرك عنه الجسم وبين كل مقدار يتحرك إليه ، وبين كل كيف وكيف ، ~~ووضع ووضع تفرض حدود غير متناهية كحدود المسافة المفروضة ، إذ لو تناهت لم ~~تكن حركة متصلة بل مركبة من أجزاء غير منقسمة. # واعلم أنه قد سبق أن الجسم منقسم دائما بالقوة أو إلى ما لا يتناهى ~~بالفعل على اختلاف الرأيين ، والحركة عرض قائم به فتنقسم بانقسامه. فعلى ~~رأي مثبتي الجزء تكون الحركة الأينية تابعة في الانقسام الفعلي له. وعلى ~~رأي من نفاه فالحركة المكانية لا تكون منقسمة بالفعل ، فان المتحرك المكاني ~~إن لم تكن أجزاؤه حاصلة بالفعل فهي غير متحركة ، وإن كانت حاصلة بالفعل لم ~~يكن كل واحد منها متحركا على الاستقلال بل هي لا محالة متصلة أو متماسة. ~~وكيف ما كانت فهي إنما تفارق جزء مكانها لا كله بل تفارق جزء مكان الكل ، ~~وقد عرفت أن جزء مكان الكل جزء مكان الجزء لا كل مكانه ، فهي إذن غير ~~مفارقة أمكنتها بالكلية ، فهي غير متحركة. # فأما سائر التغيرات فهي منقسمة بانقسام محالها ، لأنه يصح أن يقال : بعض ~~التسود في بعض الجسم المتسود سواء كانت الجزئية (1) حاصلة بالفعل أو لا. # وفيه نظر ، فان مفارقة الجزء يستلزم مفارقة الكل. والجزء إذا كان حاصلا PageV03P423 # بالفعل كان متحركا بالفعل في المكان لتحركه عن حيزه. وإذا كان بالقوة لم ~~يكن متحركا بالفعل لا في المكان ولا في الكيف ويكون متحركا فيهما معا ~~بالقوة. ### ||| ** المسألة الثانية : في معنى كون الحركة لها أول (1) # الأول يثبت للحركة على وجوه ثلاثة : ### |||| ** الوجه الأول : بمعنى الطرف ، وهو الذي يطابق طرف المسافة وطرف (2) الزمان. وأول الحركة ~~بهذا المعنى ليس بحركة ، كما أن طرف المسافة نقطة وليس جسما ، وطرف الزمان ~~آن ليس بزمان ، لأن ms1051 كل حركة فعلى مسافة منقسمة وفي زمان منقسم فتكون منقسمة ~~فيستحيل حصولها في طرف الجسم الذي لا ينقسم وفي الآن. ### |||| ** الوجه الثاني : إذا عرضت قسمة للحركة بالفعل أو بالفرض كان الجزء المتقدم في هذه القسمة ~~أول أجزاء الحركة ، وهذه الأولية وضعية لا حقيقية. ### |||| ** الوجه الثالث : اعتقد قوم أن للأجسام حدا في الصغر إذا انتهت إليه لا تقبل الانقسام مع ~~بقاء طبائعها النوعية ، فالحركة أيضا لها حد في الوجود بحيث يمتنع أن توجد ~~حركة مفردة أصغر منها زمانا وإن كان يجوز في التوهم وجود ما هو أصغر منها ~~دائما لاحتمالها التجزية بتجزية الجسم لكنها لا تخرج إلى الفعل. فإذن كل ~~حركة فان الجزء الذي يساوي فيها أصغر الحركات بهذا المعنى وهو أول تلك ~~الحركة ، لكن هذا إنما يكون إذا كان هناك حركات غير متصلة متتالية ويكون ~~تقدمها على الصفة المذكورة. وأما إذا كانت متصلة واحدة فلا يوجد فيها (3) جزء PageV03P424 # أول بهذه الصفة ، فانه لا توجد فيها حركة مفردة بنفسها على الوصف المذكور ~~، ولا أيضا هناك جزء على الوجه المذكور ، لأن كل جزء يفرض فهو منقسم إلى ~~أجزاء ويكون السابق منها أولى بالأولية ولما كان كل ما جعل أولا فهناك ما ~~هو أولى بالأولية ، فليس في الحركات المتصلة شيء أول البتة. # وقيل : الجزء من الحركة الذي لا يمكن أن يدخل في الوجود أصغر منه هو أول ~~الحركة ، فان ذلك الجزء متميز عما عداه بالفرض أو بالفعل ولعله يكون بالفعل ~~أبدا ، لأن اختصاص ذلك القدر بهذه الخاصية يقتضي الامتياز بالفعل. ### ||| ** المسألة الثالثة : في أن ما لا ينقسم هل تصح عليه الحركة؟ (1) # اختلف الناس فيه ، فالأوائل على المنع (2) لوجهين : ### |||| ** الوجه الأول : ما لا ينقسم لا تكون له أطراف ولا حدود فلا يكون جانب منه يلي المقصد وجانب ~~آخر يلي المهرب وإذا كان كذلك لم يكن له اختلاف أوضاع ، فلم تصح الحركة عليه. ### |||| ** الوجه الثاني : كل متحرك فإنه يتحرك أولا مثل نفسه وبعد ذلك مثله إلى أن تفنى المسافة ، ~~فلو كان ما لا يتجزأ يتحرك ms1052 لزم تركب المسافة من نقط متتالية ، وهو محال. PageV03P425 # واعترض بالخط القائم على مثله إذا تحرك عليه حتى أنهاه فانه يقطع ذلك ~~الخط بتلك النقطة ويلزم منه ما فروا عنه. وهذا البحث على تقدير وقوع ما لا ~~ينقسم قائما بذاته. ### ||| ** المسألة الرابعة : في المناسبات بين المتحرك والمسافة والزمان (1) # اعلم أنه قد يجري بين هذه الأمور الثلاثة تناسب بالوحدة والتعدد ، فنقول ~~: إذا كان المتحرك واحدا فإن تعددت المسافة وجب أن يتعدد الزمان لامتناع ~~حصول الجسم الواحد فإن دفعة واحدة في مكانين. وإن تعدد الزمان مع وحدة ~~المتحرك أيضا فإن كانت الحركة في الأين لم يجب تعدد المسافة ، لأن المتحرك ~~الواحد قد يقطع المسافة الواحدة بالشخص مرارا متعددة إذا تعدد الزمان. وإن ~~كانت في الكم والكيف والوضع وجب التعدد ، لأن الكيفيات التي وقع التبدل ~~فيها في الزمان الأول غير باقية في الزمان الثاني حتى يقع التبدل (2) في ~~أعيانها ، وكذا الكم والوضع. # وأما إن تعدد المتحرك فإن كانت الحركة في الكم أو الكيف أو الوضع ~~فالمسافة لا محالة متعددة ، لأن الكيفية التي لأحدهما غير التي للآخر ، ~~وكذا الكم والوضع. وإن كانت في الأين فإن اتحدت المسافة تعدد الزمان وإن ~~اتحد الزمان تعددت المسافة. والعلة فيهما امتناع حصول جسمين في زمان واحد ~~في مكان واحد. PageV03P426 ### | البحث التاسع ### | في تقاسيم الحركة # وهو على أنواع ستة : ### | النوع الأول ### | تقسيم الحركة باعتبار الوحدة وعدمها # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في الوحدة الشخصية للحركة (1) # قد عرفت أن الحركة تتعلق بأمور ستة ، فوحدتها الشخصية متعلقة بأحدها لا ~~محالة. ولما اعتبرنا تلك الأمور لم نجد المقتضي لوحدتها إلا وحدة الموضوع ~~والزمان وما هي فيه. # أما وحدة الموضوع والزمان فأمر لا بد منه في وحدة كل عرض ، لأن السواد PageV03P427 # القائم بأحد الجسمين مغاير للسواد القائم بالآخر. وإذا وجد سواد في محل ~~ثم عدم ووجد السواد لم يكن هذا السواد الثاني عين السواد الأول بالشخص بل ~~بالنوع ، لاستحالة إعادة المعدوم. وكذا الحركة إنما تكون واحدة بوحدتهما معا. # وفيه نظر ، فان تعدد السواد هنا ليس ms1053 لتعدد الزمان ، لأن تعدد الزمان إنما ~~هو بالفرض وقد يفرض تعدد الزمان مع بقاء الشيء الواحد بالشخص وقد يتكثر ~~الواحد بالشخص مع الوحدة الاتصالية في الزمان. # وأما وحدة ما فيه الحركة فلانا لو فرضنا متحركا واحدا بالشخص ابتداء ~~انتقاله في الأين حال ابتداء انتقاله في الكيف وحال ابتداء انتقاله في الكم ~~، فان كل واحد من الموضوع والزمان واحد والحركة متكثرة لما تكثرت المسافة ، ~~فلا يلزم من وحدة الموضوع والزمان وحدة الحركة ، لأن ما فيه ليس واحدا ~~وحينئذ لا تكون وحدة ما فيه الحركة لازمة لوحدة الموضوع والزمان. وليس أيضا ~~وحدة الحركة الأينية لوحدة ما فيه الحركة خاصة. فوحدة الحركة إنما تكون إذا ~~اجتمعت هذه الوحدات الثلاثة ، ويلزم من وحدة هذه الأمور الثلاثة وحدة ما ~~منه وما إليه. # ووحدة المحرك غير معتبرة في وحدة الحركة ، فانا لو قدرنا محركا يحرك جسما ~~وقبل انقطاع تحريكه أو معه يوجد محرك آخر بحيث لا تكون بين تعطيل الأول ~~وابتداء الثاني بالتأثير فاصلة فان الحركة تكون واحدة ، كما لو فرضنا ~~مغناطيسا جذب حديدا ثم فسدت طبيعته في آن وهناك مغناطيس آخر في ذلك الآن ~~فان الجذب يتصل والحركة لا تنقطع. وكذا الماء إذا سخن بنيران متلاحقة فإن ~~ذلك التسخن يكون واحدا مستمرا. إلا أن يقال إنه تحدث في تلك الحركة بسبب ~~نسبتها إلى المحركين كثرة وانقسام ولكن مثل هذا الانقسام لا يبطل الوحدة ~~الاتصالية للحركة ، كما أن الحركة الفلكية متصلة وتعرض لها مع اتصالها ~~انقسامات بسبب الشروق والغروب والمسامتات. PageV03P428 # واعترض بأن المحرك الثاني إما أن يكون له أثر أو لا ، فإن لم يكن له أثر ~~لم يكن محركا. وإن كان فإما أن يكون الأثر الحركة التي وجدت وهو محال (1)، ~~أو حركة أخرى فيلزم من تغاير المحرك تغاير الحركة. # وفيه نظر ، فان التغاير لا ينافي الوحدة (2) إذا اختلف الاعتبار ، ~~والوحدة هاهنا بمعنى الاتصال (3) وهو لا ينافي التغاير بين الأجزاء الفرضية ~~كما في الأجسام المتصلة بالفعل إذا فرض لها قسمة بالوهم. # واعلم أن وحدة المبدأ غير كافية ms1054 في وحدة الحركة فقد تتغاير الحركة مع ~~وحدة المبدأ ، كما يتحرك جسمان من مبدأ معين إلى منتهى معين مع امتناع وحدة ~~الحركة بالشخص ، فان العرض القائم بأحد الجسمين يمتنع أن يكون هو العرض ~~القائم بالآخر بل قد تختلف الحركة بالنوع ، فان أحد الجسمين قد يتحرك من ~~البياض إلى السواد والآخر من البياض إلى الإشفاف. # وكذا وحدة المنتهى لا تقتضي وحدة الحركة لا بالشخص كما قلنا من تغاير ~~الحال عند تغاير المحل ولا بالنوع ، فان الوصول إلى المنتهى قد يكون دفعة ~~من غير حركة وقد يكون على التدريج والمتدرج قد يكون واقعا على طرق مختلفة. # ووحدتهما معا أيضا غير كافية (4)، لأن السلوك من المبدأ إلى المنتهى ~~يمكن بطرق كثيرة فان المتحرك الأيني قد يقصد الانتقال من نقطة معينة إلى منتهى PageV03P429 # معين تارة بالاستقامة وتارة بالاستدارة. والمنتقل في الكيف ينتقل من ~~البياض إلى السواد تارة من الصفرة إلى الحمرة إلى القتمة ، وتارة من ~~الفستقية ثم الخضر ثم النيلية ، وقد يكون من الغبرة إلى السواد. فعلم أن ~~اتحاد المبدأ والمنتهى غير كاف في وحدة الحركة. وإذا اعتبرنا وحدة الموضوع ~~والزمان والمسافة وجب اتحاد المبدأ والمنتهى. # وأورد منكروا الوحدة في الحركة (1): أن كل حركة فانها تنقسم إلى ماض ~~ومستقبل لا غير والذي في الماضي مغاير للذي في المستقبل وهما معدومان ، ~~فكيف يعقل الاتصال بين المعدومين؟ وأما الحاضر فليس حركة ولا الحركة مركبة ~~منه ، لاستحالة تتالي الآنات عندهم وتركب المقادير من الأجزاء التي لا ~~تتجزأ سواء كانت قارة أو لا. ولو فرض موجودا كيف يتصل المعدوم به ويتحد هو ~~وإياه حتى تصير حركة؟ # وأجيب : بأن الحركة بمعنى الكون في الوسط أمر موجود وهو أبدا بين الماضي ~~والمستقبل باق في جميع الزمان. # واعترض عليه بأنه يقتضي كون الحركة أمرا ثابتا مستقرا ، وذلك مكابرة. # وقيل : الحركة غير ثابتة فلا تكون واحدة. # وأجيب : بأن الوحدة التمامية أخص من الوحدة المطلقة ولا يلزم من نفي ~~الخاص نفي العام. ولأن الحركة بمعنى التوسط غير منقسمة وهي محفوظة الذات ~~ثابتة إلى ms1055 أن يسكن الجسم ، وأما الحركة بمعنى القطع فإنها تتم عند البلوغ ~~إلى آخر المسافة ، لأن التام هو الذي ليس شيء منه خارجا فإذا كان كل ما له ~~وكل شيء منه قد حصل فهو تام الوجود. PageV03P430 ### ||| ** المسألة الثانية : في الوحدة النوعية والجنسية للحركة (1) # لما كانت الحركة قد تتكثر أفرادها إما تكثرا ذاتيا أو عرضيا مع صدق مفهوم ~~الحركة على تلك الأفراد وجب أن تعرض لها وحدة نوعية وجنسية قريبة وبعيدة ~~فتكثرها بالنوع إنما يكون بأحد أمور ثلاثة : إما المبدأ ، أو المنتهى ، أو ~~الذي فيه الحركة. فأما الثلاثة الباقية فلا أثر لها في ذلك. # أما المتحرك ، فلأن إضافة الحركة إليه إضافة العرض إلى موضوعه وإضافة ~~العرض إلى الموضوع أمر خارج عن ماهيته ، واختلاف الأمور الخارجة لا يوجب ~~اختلاف المعروضات في الماهية ، كما أن بياض القطن والثلج متفقان بالنوع وإن ~~اختلف موضوعاهما فيه فلم يختلفا بالنوع لاختلاف موضوعهما ، بخلاف الكثرة ~~الشخصية فإنها متعلقة بتكثر العوارض فلهذا كفى فيها تعدد الموضوع. # وأما الزمان ، فلا اختلاف فيه بل هو في الحقيقة واحد بالشخص. وإن فرض فيه ~~تكثر فهو تكثر شخصي لا نوعي ، فالأزمنة المتعددة متفقة بالنوع غير مختلفة ~~بالماهية. ولو كانت مختلفة فانها لا تكون علة للاختلاف النوعي في الحركات ، ~~لأن الزمان عوارض الحركات واختلاف العارض لا يوجب اختلاف المعروض فلا تكون ~~أسبابا لاختلاف الحركات في ماهياتها. # واختلاف المحرك غير معتبر في اختلاف الحركات ، لأن المحرك الواحد يفعل ~~حركات مختلفة الماهية وبالعكس. ولأن انتساب المتماثلات إلى المختلفات جائز. PageV03P431 # وإذا خرجت هذه الأمور الثلاثة عن اقتضاء الاختلاف لم يبق لاختلاف الحركات ~~بالماهية إلا اختلاف ما منه وما إليه وما فيه. فإن اتحدت الثلاثة كانت ~~الحركة واحدة بالنوع. وإذا لم يوجد واحد منها اختلفت الحركات في الماهية ، ~~فانه إذا اتحد ما منه وما إليه واختلف ما هي فيه اختلفت ماهية الحركة. # ففي الكيف مثل الانتقال من البياض إلى التسود بطريق التصفر ثم التحمر ثم ~~التسود تارة ، وبطريق الفستقية إلى الخضرة إلى النيلية إلى السواد أخرى ، ~~فإن المبدأ ms1056 والمنتهى في الحركتين واحد وما فيه الحركة مختلفة فاختلفت ~~الحركة. # وفي الأين مثل أن ينتقل جسم من مبدأ مفروض إلى منتهى تارة على الاستقامة ~~وتارة على الاستدارة مع أن المخالفة بالاستقامة والاستدارة مخالفة نوعية لا ~~عرضية ، وكذا الحركة عليهما ، وكذا إذا اتحد ما فيه الحركة واختلف ما منه ~~وما إليه فان الحركة تختلف أيضا ، فان الانتقال من السواد إلى البياض مخالف ~~للانتقال من البياض إلى السواد. وإن اتحد الطريق وسلك كل واحد منهما فيه ~~بالعكس من صاحبه ، وذلك لاختلاف ما منه وما إليه. # وأما في الأين فكالصاعد والهابط. # واعلم أن الصعود حركة مستقيمة من مبدأ إلى منتهى ويتم بذلك تحقيقه. (1) ~~وكذا النزول ، لكن عرض لأحد المبدأين أن كان فوق والآخر أن كان تحت فعرض ~~بسبب ذلك أن للحركة أن صار صعودا وهبوطا ، وهذا لا يوجب الاختلاف في ~~الماهية. لكنهما اختلفا بالمبدئية والمنتهائية وهما متقابلان تقابل الضدية ~~على ما عرفت وهذا القدر يكفي في وقوع الاختلاف بين الحركتين. PageV03P432 # وفيه نظر ، فانا نقول : تضاد العارض لا يوجب تضاد المعروض والبداية ~~والنهاية عارضتان للنقطتين المتساويتين في الحقيقة وللحركة أيضا فكيف اقتضى ~~تضاد العارض هنا تضاد الحركات وقد منعتم ذلك في المحل والزمان على ما سلف؟ # ثم لا يلزم من انتفاء العلية انتفاء الاحتياج فجاز أن لا يكون أحد ما ~~ذكرتم علة ويكون محتاجا إليه. والحركات المتفقة في الجنس الأسفل متحدة ~~بالجنس الأسفل كالانتقال من فوق إلى أسفل وبالعكس ، والانتقال من السواد ~~إلى البياض وبالعكس. وإن أخذ الجنس الأعلى كانت متحدة به كالحركة في الكم ~~أو الكيف. وإن اختلفت في الأعلى لم تكن متحدة باعتبار الذاتيات بل باعتبار ~~العوارض كالحركة في الكم والكيف. # واعلم أن اختلاف الحركات بالطبع والقسر لا يوجب اختلاف الحركات في ~~الماهية (1) لما بينا من أن وحدة المحرك غير معتبرة في وحدة الحركة. ولأن ~~حركة الحجر إلى فوق قسرا تخالف حركة النار إليه طبعا والحركتان واحدة ، لأن ~~الماهية الواحدة يجوز تعلقها بالمختلفات كالحرارة الطبيعية والقسرية فانهما ~~متفقان في الماهية ، وكذا الألوان ms1057 والأشكال الطبيعية والقسرية لا تختلف ~~باعتبار كونها طبيعية أو قسرية ، فكذا الحركات. # فإذن الاختلاف بالطبع والقسر لا يوجب الاختلاف في الماهية. PageV03P433 ### ||| ** المسألة الثالثة : في أن المستديرة أولى بالوحدة من غيرها (1) # أولى الحركات بالوحدة المستوية التي لا اختلاف فيها وتلك هي (2) ~~المستديرة لوجهين: ### |||| ** الأول : المكانية إما طبيعية أو قسرية أو إرادية ، فإن كانت طبيعية لم تتشابه ~~أحوالها فانها في مبدأ حالها تكون ممنوة بالعائق الكبير فإذا قاربت المقصد ~~اشتدت باعتبار قلة المعاوق. وإن كانت قسرية اشتدت في الوسط زيادة على ~~الطرفين على ما يأتي. والإرادية غير الدورية تختلف أحوالها باختلاف ~~الإرادات فانها كالطبيعية في أنها تشتد أخيرا ، لأن الطالب قد يخيل قلة ~~المعاوقة فاشتد طلبه لينال غرضه بسرعة. ### |||| ** الثاني : الواحد يكون تاما والناقص بعض الواحد ، والأولى بالتام (3) هو المستدير ، ~~لأن الزيادة عليها غير ممكنة لذاتها فان الدورة إذا تمت لم يمكن الزيادة ~~عليها ، بل ربما تكررت. وأما المستقيمة فانها إذا تمت لم يمكن تمامها ، لأن ~~الزيادة عليها غير معقولة ، بل لأن المسافة انتهت وانقطعت كقطر العالم. # لا يقال : المستقيمة أولى بالتمام ، لاشتمال المستقيم على المبتدأ والوسط ~~والمنتهى بخلاف الدائرة. # ولأن المستقيمة تتناهى وتتم والدورية لا تتم ولا تنقطع عند حد. # لأنا نقول : لا يلزم من الاشتمال على الطرفين والوسط أولوية باسم PageV03P434 # الوحدة ، فان وحدة الواحد أتم من وحدة العدد مع انتفاء الطرفين والوسط ~~عنه ، فكذا الدائرة لقوة وحدتها لا يوجد فيها ذلك. # وقد تقدم أن المستقيمة تنقطع لا باعتبار تمام طبيعتها بل لانقطاع ~~مسافتها. وأما الدورية فكل دورة حصلت فقد تمت في ذاتها ، وما يوجد بعدها ~~تكون دورة أخرى. (1) # وفيه نظر ، لأن اشتداد الحركة إن اقتضى التكثر لزم اشتمال الحركة على ما ~~لا يتناهى بالفعل وإلا بطل الدليل. والدورة إذا تمت إن اقتضى كمال تلك ~~الحركة لزم تكثر الحركات الفلكية بواسطة تكميل كل دورة دورتها ، وإلا فلا ~~عبرة به. PageV03P435 ### | النوع الثاني ### | تقسيم الحركة باعتبار السرعة والبطء (1) # إن من الأجسام ما يقطع مسافة معينة في زمان معين ، ومنها يقطع تلك ~~المسافة في ms1058 زمان أقل فيلزم أن يقطع بالضرورة في الزمان المساوي مسافة أكثر ~~بذلك الحد بعينه ، ومنها ما يقطع تلك المسافة في زمان أطول ، فتحصل بسبب ~~ذلك للحركات أوصاف من السرعة والبطء وتناسب بعضها مع بعض ، فالسريعة ما ~~يقطع مسافة أطول في زمان مساو أو يقطع المساوي في زمان أقصر ، والبطيء ~~بالعكس. وفي هذا النوع مسائل. ### ||| ** المسألة الأولى : في سبب بطء الحركات وسرعتها (2) # اختلف الناس هنا ، فالمتكلمون على أن سبب ذلك هو تخلل السكنات بين PageV03P436 # أجزاء الحركة ، لأن الحركة عندهم مركبة من أجزاء لا تتجزأ فإن لحق التالي ~~السابق من الأجزاء من غير فصل فالحركة سريعة في الغاية ، وإن تخلل الأجزاء ~~سكنات فالحركة بطيئة. ثم يختلف البطء بكثرة السكنات وقلتها وطول أزمنتها ~~وقصرها. # وأما الأوائل فانهم لما اعتقدوا أن الحركات متصلة اتصال المسافة غير ~~مركبة من أجزاء لا تتجزأ بل هي واحدة من أول المسافة إلى آخرها لم يكن لها ~~جزء بالفعل فلا تتصور السكنات بين أجزائها وإنما سرعتها وبطؤها راجعان إلى ~~شدتها وضعفها ، فهما كيفيتان زائدتان على الحركة. # واستدلوا على ذلك بوجوه : (1) ### |||| ** الوجه الأول : لو كان بطء الحركات لتخلل السكنات لوجب أن لا بظهر للحس أشد الحركات فضلا ~~عن أضعفها ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أنا نفرض فرسا شديد العدو بحيث يخطف البصر فإنه أكثر ما ~~يتحرك من أول النهار إلى آخره فإنه فرسخ ، لكن في هذا الوقت تكون الشمس قد ~~قطعت نصف الفلك ونصف الفلك أضعاف أضعاف ما به فرسخ ، فلو كان البطء لتخلل ~~السكنات لزم أن تكون في حركات الفرس سكنات متخللة بينها بقدر فضل حركات ~~الشمس على حركاته ، لكن فضل الحركات على الحركات أضعاف مضاعفة ، فالسكنات ~~أضعاف أضعاف حركات الفرس فكان يجب أن لا نحس بحركات الفرس الذي لا شيء أسرع ~~من حركته في الحس ، ولما كان ذلك باطلا فانا لا نحس في حركات ذلك الفرس ~~بشيء من السكنات ، عرفنا أن التفاوت بين الحركتين ليس لتخلل السكنات ، وهو ~~المطلوب. # وفيه نظر ، فإن بطء الحركات وسكونها أمر ms1059 محسوس فالإشكال مشترك PageV03P437 # الإلزام. # فإنا نقول : لا شك في أن حركة الفرس أبطأ من حركة الفلك أضعافا مضاعفة ~~فكان يجب أن لا نحس فيه بسرعة. # ويمكن الجواب بأن يقال : الحس قد يعجز عن إدراك مراتب السرعة وتفاوت ~~الشدة فجاز أن تحصل حركة هي في غاية السرعة عند الحس ولا يكون في نفس الأمر ~~كذلك كحركة الفرس ويوجد ما هو أسرع منها أضعافا مضاعفة ويقصر الحس عن إدراك ~~التفاوت بينهما ، لأن السرعة قابلة للشدة إلى ما لا يتناهى. ### |||| ** الوجه الثاني : أنا نشاهد أن الجسم كلما كان أثقل كانت حركته إلى أسفل أشد وأسرع ، فلو ~~فرضنا جسما بلغ ثقله إلى حيث خلا عن السكنات فإن حركته تكون في غاية السرعة ~~بحيث لا يمكن الزيادة عليها ، فإذا فرضنا أن ثقله زاد فإن كانت حركته أسرع ~~كانت الأولى أبطأ بالضرورة مع عدم تخلل السكنات فيها ، فلا يكون بطء ~~الحركات لتخلل السكنات. وإن كانت مساوية لم يكن للثقل الزائد تأثير فيكون ~~الشيء مع غيره كهو لا مع غيره ، هذا خلف. # وفيه نظر ، لأن الثقل إنما تزيد به السرعة لو كان هناك سكنات تعدم أو تقل ~~بواسطة الثقل ، أما إذا انتفت السكنات فلا يكون للثقل الزائد أثر البتة ، ~~أو تكون تلك السرعة حصلت بمجموع الأصل والزائد معا. # سلمنا ، لكن نمنع إمكان وجود تلك الزيادة على تلك السرعة ، لأن الشيء لا ~~يكفي في وجوده حصول العلة الفاعلية بل لا بد من إمكانه في نفسه ، وهو ممنوع. ### |||| ** الوجه الثالث : إذا غرزنا خشبة في الأرض والشمس في أفقها الشرقي (1) وقع PageV03P438 # لها ظل في الجانب الغربي وكلما ارتفعت الشمس جزءا فإن لم ينتقص من الظل ~~شيء جاز أن يرتفع جزءا آخر ولا ينقص الظل وهكذا إلى أن تبلغ الشمس إلى خط ~~نصف النهار والظل على حاله بل وإلى الغروب ، وهو محال ؛ لأن سبب الظل وقوع ~~الحجاب بين الشمس والأرض بالخشبة فإذا انتفى انتفى. ولأن الخط المرتسم فيما ~~بين الشمس وطرف الظل إذا تحرك الطرف المتصل فيه بالشمس دون الطرف المتصل ms1060 ~~بالظل حدث لذلك الخط رأسان فيتساوى الزائد والناقص ، وهو محال. فوجب أن ~~ينتقص الظل. # ثم يستحيل أن تكون حركة الظل في الانتقاص مشوبة بالسكنات وحركة فلك الشمس ~~في الارتفاع خالصة عنها ، إذ لو جاز أن ترتفع الشمس جزءا ولا ينقص من الظل ~~شيء جاز ذلك في الثاني والثالث ، ويلزم المحال السابق. # ويستحيل أيضا مساواة حركة الظل لحركة الفلك في السرعة ، وإلا تساوى ~~المقداران. # فلم يبق إلا أن يقال : إن الظل دائما يتحرك في الانتقاص والشمس دائما في ~~الارتفاع لكن حركات الشمس أسرع من حركة الظل فيكون ذلك تفاوتا في البطء ~~والسرعة لا بسب تخلل السكنات ، وكذا القول في حركة الجزء القريب من القطب ~~من الرحا والبعيد ، والفرجار ذي الشعب الثلاث ، والدلو من أسفل البئر إلى ~~أعلاها حال حركة الكلاب من المنتصف إليه. ### |||| ** الوجه الرابع : إذا رمينا حجرا إلى فوق فتلك الحركة لها (1) علة هي قوة قسرية حصلت من ~~الرامي في المتحرك فإذا كانت القوة محركة والهواء قابل للانخراق وجب أن ~~تستمر تلك الحركة ولا يعرض في شيء من الأحياز توقف وسكون ، لتساوي الأحياز ~~وليس في بعضها ما يقتضي التوقف والسكون. PageV03P439 # فإذن تلك الحركة خالية عن مخالطة السكنات لكنها أبطأ من الحركة الفلكية ~~فقد وجد التفاوت في السرعة والبطء من غير تخلل سكون. # وفيه نظر ، لأن المسافة ممنوة بالعائق فجاز تخلل سكون بينها ، واختص بعض ~~الأحياز فيه لقوة المانع بسبب تلبد الهواء وتكاثف بعض البخارات فيه. # واعلم للبطء أسبابا : (1) أما في الحركة الطبيعية فلا يمكن أن يكون ~~العائق أمرا طبيعيا ، لامتناع اقتضاء الطبيعة الأمرين المتنافيين. # وفيه نظر ، فان ذلك لا يتأتى في مركبات الأجسام لتركب طبائعها ، ولا في ~~بسائطها لجواز أن يشتمل على صفتين إحداهما من حيث المادة والأخرى من حيث ~~الصورة ، وعلى قولهم يجب أن يكون المانع خارجيا وهو ممانعة المخروق لامتناع ~~الخلاء عندهم ، فإذا تحرك الحجر بطبعه ثم اعتمد عليه الإنسان بقوته ازداد سرعة. # وأما في القسرية فممانعة الطبيعة ، فان الطبيعة كلما كانت أقوى كان أثر ~~القاسر أقل فحصل ms1061 البطء. # وأما في الإرادية فالسببان معا. (2) ### ||| ** المسألة الثانية : في أن اختلاف السرعة والبطء ليس اختلافا في الماهية (3) # استدلوا على ذلك بوجهين : PageV03P440 ### |||| ** الوجه الأول : السرعة والبطء يقبلان الشدة والضعف ولا شيء من الفصول يقبل ذلك (1)، فلا ~~شيء من السرعة والبطء بفصل. # وفيه نظر ، لانتقاضه بالكيف القابل لهما مع اختلاف أنواعه بالفصول. ### |||| ** الوجه الثاني : الجنس الواحد من الحركة المستقيمة تنقسم إلى الصاعدة والهابطة وتنقسم أيضا ~~إلى السريعة والبطيئة وهاتان القسمتان ليستا مرتبتين حتى يكون عروض إحداهما ~~لذلك الجنس بواسطة الأخرى ، بل هما تعرضان أولا لذلك الجنس ، والجنس الواحد ~~لا يعرض له فصلان من غير ترتيب بل الفصل أحدهما ، فإذا كان الانقسام ~~بالصعود والنزول انقساما بالفصول كان الانقسام بالسرعة والبطء انقساما بغير ~~الفصول. # وفيه نظر ، لأن السرعة والبطء يقسمان مطلق الحركة ، والصعود والهبوط ~~يقسمان نوعا منها ، ولا امتناع في ذلك إذا كان انقسام الحركة بهذين لا ~~بالفصول. ### ||| ** المسألة الثالثة : في أن مقولية السرعة على المستديرة والمستقيمة بالاشتراك المعنوي (2) # السريع هو الذي يقطع المثل في زمان أقل من زمان قطع الحركة الأخرى ، أو ~~الذي يقطع مسافة أكثر في زمان مساو لزمان حركة الأخرى أو أقل ، وهذا القدر ~~مشترك بين الحركة المستقيمة والمستديرة. نعم لا يمكن أن يقايس بينهما حتى ~~يقال : إن إحداهما أسرع من الأخرى على ما يأتي. # وقال في الشفاء : «قد ظن أن السرعة إذا قيلت على المستقيمة والمستديرة ~~كانت باشتراك الاسم ، وليس كذلك ...». PageV03P441 ### ||| ** المسألة الرابعة : في التقابل بين السرعة والبطء (1) # اعلم أن بين السرعة والبطء تقابلا ، لحكم العقل بامتناع الجمع بينهما ~~بالنسبة لحركة واحدة إلى حركة واحدة ، فانه لا يمكن أن تكون حركة أسرع من ~~حركة وأبطأ منها مع اتحاد المسافة. # وليس هذا التقابل تقابل التضايف ، لأن المتضايفين متلازمان في الوجود ~~الذهني والخارجي ، والسرعة لا تلازم البطء في واحد من الوجودين. # وفيه نظر ، لأن تصور السريع يستلزم تصور البطيء لأنه عرفه بأنه الذي يقطع ~~المثل أو الأزيد. نعم لا يتلازمان في الخارج كالمتقدم والمتأخر. # وليس بينهما تقابل العدم والملكة ، لأنه ليس جعل ms1062 أحدهما عدما للآخر أولى ~~من العكس ، لأن السريع والبطيء إن تساويا في الزمان كان السريع قد قطع ~~مسافة أكثر لم يقطعها البطيء فكان البطيء مشتملا على عدم ، وإن تفاوتا في ~~الزمان وتساويا في المسافة كانت السريعة زمانها أقل واشتملت البطيئة على ما ~~لم تشتمل عليه السريعة من الزمان فاشتملت على عدم ما ، فلأحدهما نقصان ~~المسافة وللآخر نقصان الزمان فليس جعل أحدهما عدميا والآخر وجوديا أولى من العكس. # وظاهر أنه ليس بينهما تقابل السلب والإيجاب ، لأن ذلك عائد إلى القول ~~والعقد. # فلم يبق بينهما إلا تقابل التضاد. # وفيه نظر ، لجواز اشتمال إحداهما على أمر عدمي يكون جزءا والآخر يكون PageV03P442 # لازما. ولأنهما يقبلان التفاوت بالشدة والضعف والعدم لا يقبلهما ، فهما ~~وجوديان. # وهذه السرعة والبطء من الكيفيات المحسوسة وهذا يدل على أن الحركة ليست ~~نفس الانفعال ، لأن الانفعال أمر نسبي والأمور النسبية لو كانت موجودة لم ~~تكن محسوسة فلا تحل فيها الكيفية المحسوسة ، والحركة محل السرعة والبطء ، ~~فليست نفس الانفعال كما توهمه بعضهم. ### ||| ** المسألة الخامسة : في انحصار شدة السرعة والبطء بين طرفين (1) # كل مسافة معينة محصورة بين مبدأ معين ومنتهى معين فانه يمكن قطع تلك ~~المسافة بحركات مختلفة السرعة والبطء. # قيل : (2) ولا بد من انتهاء السرعة إلى حد يستحيل قطع تلك المسافة بأسرع ~~منها وكذلك البطء ، لأن السرعة والبطء يقبلان الاشتداد والتنقص وكل ما كان ~~كذلك فمن ضد إلى ضد والضدان بينهما غاية الخلاف ، فلو لم توجد حركة سريعة ~~فيما بين المبدأ والمنتهى المعينين بحيث يمتنع أن يوجد بينهما ما هو أسرع ~~منها وكذا في جانب البطء لم تكن السرعة مضادة للبطء. # وأيضا فلو كان كل السرعة يمكن أن يوجد ما هو أسرع منها وقد بينا أن تجدد ~~مراتب السرعة والبطء بحسب تجدد مراتب المعاوقات الخارجية والداخلية لكان كل ~~زمان تحصل الحركة فانها (3) تحصل بسبب مقارنة أمور غريبة وهي تلك المعاوقات ~~الداخلية والخارجية فلا تكون الحركة مستحقة في نفسها للزمان ، وهو محال. PageV03P443 # فإذن للسرعة والبطء في طرفي الاشتداد والتنقص طرفان محدودان. (1) # وفيه نظر ms1063 ، فانه لا يجب أن يكون الطرفان من نوع المسافة ، ولو كانا من ~~نوعها لم يجب وجودهما عينا. وكيف يمكن على قواعدهم عدم التفاوت في السرعة ~~إلى غير نهاية مع أن كل حركة فلها زمان وكل زمان يقبل القسمة إلى ما لا ~~يتناهى؟ فللزمان المفروض لأسرع الحركات نصف يمكن وقوع تلك الحركة فيه فتكون ~~أسرع مما فرض الغاية في السرعة. PageV03P444 ### | النوع الثالث ### | التقسيم إلى المطابق وعدمه (1) # ونعني بالحركات المتطابقة التي تكون مسافاتها متطابقة. وقد عرفت أن ~~السريع هو الذي يقطع من المسافة ما هو أطول في الزمان المساوي أو الذي يقطع ~~المسافة المساوية في الزمان الأقل ، فإذا أردنا المقايسة بين الحركات في ~~السرعة والبطء فلا بد من اعتبار ما فيه (2) الحركة ، فإن أمكنت المقايسة ~~بين المسافتين بالزيادة والنقصان أمكن ثبوت المقايسة بين الحركتين في ~~السرعة والبطء ، وإلا فلا. # فالحركات المكانية قد تتطابق مسافاتها بالفعل مثل خط لخط ، وارتفاع ~~لارتفاع. وقد تكون غير متطابقة لكن يمكن وقوع التطابق فيها كالمثلث والمربع ~~، فانهما لا يتطابقان ولكن يمكن وقوع التطابق فيهما بأن يقطع المثلث قطوعا ~~وينعدم (3) بحيث يرد (4) إلى نظام يكون منه المربع. وقد لا يمكن فيها ~~التطابق البتة كالمستقيم والمستدير ، فانه يمتنع استحالة أحدهما إلى الآخر ~~فيستحيل الانطباق ، لكن معلوم أن القوس لو أمكن استحالته إلى الاستقامة ~~لكان أعظم من PageV03P445 # الوتر ، فتكون هذه المقايسة وهمية. وإذا عرفت أنواع تقايس المسافات عرفت ~~تقايس أنواع الحركات المكانية عليها. # وأما الحركة في الكيف فهذه المقايسة قد تكون قريبة وقد تكون بعيدة. # أما القريبة فالتي تتشابه مبدؤهما ومنتهاهما بأن يأخذ أحدهما من السواد ~~الحالك إلى البياض اليقق (1) ويأخذ الآخر كذلك ، فإن تساويا زمانا أخذا ~~وتركا تشابها في السرعة والبطء ، وإن تفاوتا كانت إحداهما أسرع. # وأما البعيدة فإن يكون الاعتبار بالضد مثل أن يأخذ أحدهما في السواد إلى ~~البياض ويأخذ الآخر بالعكس أو إن أخذ أحدهما لا من السواد الطرف بل من شيء ~~قريب منه وجب أن يكون الأمر في الجانب الآخر كذلك. وبالجملة تكون نسبة ~~المبدأ والمنتهى ms1064 في أحد الجانبين شبيهة بالجانب الآخر ، فإن تساوى زماناهما ~~تساويا سرعة وبطءا ، وإلا تفاوتا. # وأما الحركة في الكم فقد عرفت أن لكل واحد من أنواع الكائنات (2) حدا ~~محدودا بالطبع في الصغر والكبر لا يتعداهما فالماء والهواء وغيرهما لها (3) ~~حدان في التخلخل والتكاثف لا تتعداهما ، وحد كل واحد من الماء والهواء في ~~طرفي الزيادة والنقصان مخالف بالطبع لحد الآخر ولما لم تكن بين حدي أحدهما ~~وحدي الآخر مماثلة لم تكن بينهما مماثلة ومساواة ، فلا جرم لا يمكن اعتبار ~~الزيادة والنقصان. فأما إذا اعتبرنا حال حديهما في مطلق الزيادة والنقصان ~~وجدناهما مشتركين ، فللماء زيادة ونقصان وكذا الهواء والزيادات والنقصانات ~~تشتركان في أصل مفهوم الزيادة والنقصان ، ولما تشابها من هذا الوجه صح ~~اعتبار الزيادة والنقصان من PageV03P446 # هذا الوجه. # وبالجملة فالحركات لا يقاس بعضها إلى بعض إلا عند اتحاد طبائعها. فأما من ~~حيث إنها مختلفة فانه لا تصح تلك المقايسة ، فطيران العصفور لا يقاس بطيران ~~النسر باعتبار خصوصية كل واحد منهما بل باعتبار أصل الطيران وهو الأمر ~~المشترك ، وكذلك صحة العين الرمدة لا تقاس بصحة العين المفلوجة باعتبار ~~خصوصية كل واحد منهما بل باعتبار أصل الصحة ، ويكون ذلك مقايسة بين الحركات ~~بحسب الحس. PageV03P447 ### | النوع الرابع ### | التقسيم إلى المتضاد وغيره # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في تحقق تضادها (1) # اعلم أن الحركتين إما أن تقعا في جنس واحد أو أجناس متغايرة مختلفة. ~~فالثاني لا تضاد بينهما ؛ لأن التضاد إنما يتحقق بالتنافي بين الشيئين ولا ~~منافاة بين الحركات المختلفة الأجناس ، فان الجسم الواحد قد يتحرك في الكيف ~~من الحرارة إلى البرودة مثلا حال تحركه في الأين وتحركه في الكم من التخلخل ~~إلى التكاثف وحال تحركه في الوضع ، وإذا أمكن اجتماع هذه الحركات امتنع ~~وقوع التضاد بينها. نعم قد يمتنع اجتماعها في بعض الأوقات لأمور خارجة عن ~~حقائقها لا لنفس ماهياتها. # وأما الداخلة تحت جنس واحد فانها تتضاد ، كالتسود والتبيض ، والصعود ~~والنزول ، والتخلخل والتكاثف ، والحركة على التوالي وإلى خلافه ، إذ لا يمكن PageV03P448 # اجتماعهما في موضوع واحد مع اتحاد الوقت ms1065 وهما أمران وجوديان وبينهما غاية ~~الخلاف. فان الصعود إلى مقعر فلك القمر والنزول إلى المركز بينهما غاية ~~الخلاف في الحركة المكانية ، فان الخلاف بينهما أكثر من الخلاف بين الحركة ~~من كرة الهواء إلى كرة الماء. وكذا الخلاف بين التسود والتبيض أكثر من ~~الخلاف بين التسود والتصفر (1)، ولا معنى للتضاد إلا أن يكون التقابل بين ~~الأمور الوجودية في غاية لا مزيد عليها. والنمو والذبول قد عرفت أن لكل ~~واحد منهما حدا محدودا في الطبع يتوجهان إليه وبينهما غاية الخلاف فهما ~~متضادان. وكذا المتخلخل والمتكاثف. # وأما المستقيمة فانها لا تضاد المستديرة لما يأتي. (2) ### ||| ** المسألة الثانية : في علة تضاد الحركات (3) # قد عرفت أن الحركة تتعلق بأمور ستة فتضادها متعلق بها لا غير ، فنقول : ~~إن تضاد المحل وهو المتحرك لا مدخل له في تضاد الحركات ؛ فان الحجر والنار ~~متضادان ويتحركان حركة واحدة إلى فوق أو إلى أسفل لكن أحدهما بالطبع والآخر ~~بالقسر فالحركتان متفقتان والمتحرك مختلف ، وفي كونهما ضدين نظر. ولو كان ~~الاختلاف ليس إلا بالطبع والقسر لما اختلفت حركتان قسريتان ولا طبيعيتان ، ~~والتالي باطل ، فالمقدم مثله. وأيضا قد يكون المتحرك واحدا والحركتان ~~متضادتان PageV03P449 # كحجر رمي به إلى فوق قسرا ثم هبط طبعا فالحركتان متضادتان والمتحرك واحد ~~، فلما وجد التضاد منفكا عن تضاد المتحرك وبالعكس علم استناده إليه. # وليس علة التضاد تضاد المحرك ، لتضاد القوة القسرية في الحجر والطبيعية ~~في النار مع اتحاد حركتهما. # ولا للزمان ، لأنه لا تضاد فيه فلا يقتضي تضاد غيره. ولأن الزمان عارض ~~للحركة (1) فلو كان فيه تضاد لم يوجب تضاد الحركة ، لأن تضاد العارض لا ~~يوجب تضاد المعروض. # ولا لتضاد المسافة ، لأن المسافة بين السواد والبياض ، وبين الصعود ~~والهبوط ، وبين التخلخل والتكاثف ، وبين التوالي وخلافه ، واحدة مع مضادة ~~الحركة من السواد إلى البياض للحركة من البياض إلى السواد وكذا البواقي. # فلم يبق المقتضي إلا تضاد ما منه وإليه. # لا يقال : مبدأ الحركة المكانية ومنتهاها نقطتان وحقيقتهما متماثلة فإن ~~تضادا فلعارض ، وتضاد العوارض لا يوجب تضاد المعروضات فكيف ما يتعلق ms1066 بها؟ # لأنا نقول : الحركة لا تتعلق بالنقطتين من حيث ماهيتها ولا تتعلق بماهية ~~المبتدأ وماهية المنتهى ، بل إنما تتعلق بوصف المبتدأ والمنتهى (2) ~~المتضادين ، فإذن التعلق الذاتي بين هذه الحركات وبين هذه العوارض المتضادة ~~حاصل وبسبب التعلق بهذه العوارض حصل التعلق بالمعروضات ، فإنه لو لم يعرض ~~لإحدى النقطتين أن كانت مبدأ لهذه الحركة وللأخرى أن كانت نهاية لها لم ~~تتعلق بها الحركة أصلا ، وإذا كان التعلق (3) الذاتي لتلك الحركة بتلك ~~العوارض المتضادة PageV03P450 # وجب من ذلك وقوع التضاد في الحركات ، كما يتضاد الجسم الحار والبارد ~~لعرضيهما (1)، لكن تعلق الإسخان والتبريد لما كان أولا بتلك العوارض ~~المتضادة لا جرم حصلت المضادة في تلك الأفعال فكذا هنا. # وفيه نظر ، فإن أجزاء الزمان وإن كانت متساوية لكن يعرض لها التقدم ~~والتأخر وتتعلق الحركة بهما وهما متقابلان مع عدم تقابل الحركة بسببهما. أو ~~إن تقابلت فلم لا تتضاد بسببهما؟ ولأنه ليس تعلق الحركة بما منه وما إليه ~~أعظم من تعلق القدرة بالضدين ، مع أن الشيء لا يضاد نفسه. ### ||| ** المسألة الثالثة : في أن تضاد الحركات ليس للحصول في الأطراف بل للتوجه إليها (2) # قد عرفت أن بين كل حركتين تضاد مبدأهما ومنتهاهما تضادا ، فنقول : ليس ~~تضاد هاتين الحركتين للحصول في نهايتي الحركة بل للتوجه إليهما ؛ لأنه لو ~~كان التضاد في الحركات متعلقا بنفس الطرفين والحصول فيهما لما حصل التضاد ~~بين الحركات الموجودة ، والتالي باطل لما تقدم من ثبوت التضاد بينها (3)، ~~فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن عند حصول المتحرك في النهاية تنتهي حركته وتنقطع ولا ~~يبقى لها وجود ، فلو كان التضاد إنما يحصل عند الوصول إلى الغاية التي ~~تنقطع عندها الحركة وتعدم لم يكن التضاد عارضا للموجود من الحركات بل ~~للحركات المعدومة ، لكن لا يعقل التضاد في العدم. فإذن ليس التضاد في ~~الحركات معللا PageV03P451 # بالحصول في الأطراف ، بل بالتوجه إليها. (1) # وفيه نظر ، فان الحركة إن أخذت بمعنى القطع لم تكن موجودة بالفعل فلا ~~يكون التضاد عارضا لها. وإن أخذت بمعنى التوسط كانت آنية لا زمانية فلا ~~يكون فيها توجه ms1067 إلى الطرف ، فلا يكون فيها تضاد لانتفاء سببه. وأيضا كما ~~حكمنا بثبوت تقابل التضايف بين المتقدم والمتأخر وبثبوت المعلومية وصحة ~~المقدورية على المعدومات ، فلم لا يعقل ثبوت التضاد فيها لا على المعنى ~~المصطلح عليه ، بل على التقدير وثبوت اللازم وهو امتناع الاجتماع؟ ### ||| ** المسألة الرابعة : في أن الحركتين الطبيعيتين المختلفتي المأخذ هل تختلفان أم لا؟ (2) # قال الشيخ في كتاب «السماء والعالم» من الشفاء (3): الماء إذا حصل في ~~حيز النار أو (4) الهواء بالقسر فإنه يتحرك منهما (5) إلى الوسط ولا يبلغه ~~، وإذا حصل في حيز الأرض بالحقيقة وهو الوسط تحرك عنه بالطبع ، ولا تكون ~~تانك الحركتان متضادتين كما ظنه بعضهم ، لأنهما تنتهيان إلى طرف واحد ~~ونهاية واحدة. # وإنما لم تجعلهما ضدين ، لأن الضدين يشترط فيهما غاية التباعد وليس حاصلا ~~هنا لأن البعد بين حركة النار وحركة الأرض أكثر من البعد بين صعود PageV03P452 # الماء عن المركز وهبوطه عن المحيط (1) وإذا انتفى شرط التضاد انتفى ، ~~خصوصا والمطلوب بالحركتين هنا حالة واحدة وهي الكون فوق الأرض وتحت الهواء. # نعم لا شك في اختلافهما وامتناع اجتماعهما لذاتيهما في المحل. ولا ~~استبعاد في صدور مثل هذين عن قوة واحدة لاختلاف الشرائط ، لأن مطلوب ~~الطبيعة كون الماء في حيزه الطبيعي فإن كان قسر بأن جعل فوقه طلب الهبوط ~~وإن كان بأن جعل تحته طلب الصعود ، فالغاية واحدة والمأخذ مختلف ، كما أن ~~الطبيعة تقتضي الحصول في الحيز المناسب لها فإن كان الجسم فيه اقتضت السكون ~~وإن كان خارجا عنه اقتضت الحركة. ### ||| ** المسألة الخامسة : في عدم التضاد بين الحركات المستقيمة والمستديرة (2) # قد عرفت فيما تقدم (3) أن الاستقامة والاستدارة لا تتضادان لعدم تعاقبهما ~~على موضوع واحد ، فلو تضادت الحركة المستقيمة والمستديرة لم يكن ذلك بسبب ~~الاستدارة والاستقامة فإن ما لا تضاد فيه كيف يوجب التضاد لشيء آخر؟ بل إن ~~كان فبسبب تضاد أطراف المستقيمة المستديرة. وذلك أيضا باطل ، وإلا لزم أن ~~تكون للحركة الواحدة أضداد من الحركات غير متناهية ، والتالي باطل لما يأتي (4) PageV03P453 # من أن ضد الواحد واحد ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية ms1068 : أن الخط المستقيم المعين المشار إليه الذي تقع عليه ~~الحركة المستقيمة يمكن أن يكون وترا لقسي غير متشابهة لا نهاية لها بالقوة ~~، وتلك القسي مختلفة بالنوع فتكون للواحد بالشخص أضداد غير متناهية متخالفة ~~بالنوع. # وفيه نظر ، فانه لا يلزم من اختلاف القسي بالنوع اختلاف الحركات الواقعة ~~عليها به. # وأيضا فكل قوس يفرض ضدا لذلك الخط فهناك قوس آخر أعظم تقعيرا منه فيكون ~~هو أولى بالضدية ، وإذا كان لا قوس هناك في تلك القسي إلا وهناك ما هو أبعد ~~مخالفة منه لم يكن قوس من تلك القسي ضدا للمستقيم ، فلا يكون المستقيم ضدا ~~لشيء منها لأن المضادة إنما تتحقق بين الطرفين. # لا يقال : المستديرات وإن كثرت إلا أنها مشتركة في طبيعة واحدة هي ~~الاستدارة ، وهي من هذه الجهة تخالف المستقيمة وتضادها. # لانا نقول : هذا محال فإن الاستدارة المجردة لا توجد في الخارج بل في ~~الذهن ، وإنما الموجود في الخارج منها مستدير معين ، وكل ما يوجد في الخارج ~~منها فيوجد هناك ما هو أولى بالمضادة لكونه أبعد من الأول ، فإذن لا شيء ~~مما يوجد في الخارج مضادا للمستقيم. وأما مجرد الاستدارة فلما امتنع حصولها ~~في الخارج امتنع أن يكون معاقبا للمستقيم على الموضوع الواحد فاستحال أن ~~يكون ضدا. # وفيه نظر ، فان الصاعد ضد الهابط وإن لم يشترط النهاية فيهما ، أي (1) ~~المحيط والمركز فجاز في المستقيم والمستدير ذلك. ولأن شرط التضاد تضاد ~~الأطراف فالمستدير والمستقيم إذا تضاد طرفاهما ثبت بينهما التضاد. PageV03P454 # لا يقال : إنما تضادتا باعتبار الأطراف لا باعتبار الاستقامة والاستدارة. # لأنا نقول : مسلم ذلك ، لكن المستقيم مخالف بالنوع للمستدير فليس الحكم ~~على أحدهما حكما على الآخر. ### ||| ** المسألة السادسة : في أن الحركات المستديرة غير متضادة (1) # ربما توهم بعض الناس أن بين الحركات المستديرة تضادا ، فان الحركة إلى ~~التوالي وإلى خلافه معنيان وجوديان بينهما غاية الخلاف وموضوعهما لا يمكن ~~اجتماعهما فيه. # وهو باطل ، لإمكان اتفاق قسي غير متناهية في أطراف مشتركة. وأيضا الحركة ~~من طرف قوس إلى طرف آخر لا تضاد الباقي منه ، لأن ms1069 الدائرة لا يجب أن يكون ~~فيها طرف بالفعل وإن وجد كان بعينه مبدأ ومنتهى. وقد عرفت أن تضاد الحركات ~~إنما هو بتضاد مبدئها ومنتهاها. # وأما الحركة إلى التوالي وخلافه فليستا ضدين ، لأن كل واحد منهما يفعل ~~فعل الآخر لكن في النصف الآخر من المدار ، فان المنحدر من السرطان إلى ~~الجدي على التوالي تكون مسافته الأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس ، ~~والمنحدر من السرطان إلى الجدي على خلاف التوالي تكون مسافته الجوزاء ~~والثور والحمل والحوت والدلو ، والصعود بالعكس ، فقد فعل كل منهما ما فعله ~~الآخر لكن في النصف الآخر ، ولما كان الفلك متشابه الأجزاء تساوى النصفان ~~في الماهية. والأطراف والنهايات أيضا متساوية فلا يكون شيء منها سببا لتضاد ~~الحركات PageV03P455 # فهي غير متضادة. # والتحقيق أن يقال : إن عنى بالضدين كل معنيين يمتنع اجتماعهما في المحل ~~الواحد دفعة واحدة فالحركة المستقيمة تضاد المستديرة والمستديرات أيضا ~~متضادة ، لامتناع اجتماعهما. وإن أريد بالضدين منع ذلك أن يكون ما منه وما ~~إليه أمورا موجودة بالفعل متضادة في الحقيقة فالمستقيم لا يضاد المستدير ، ~~وكذا المستديرات. # وفيه نظر ، فانه لا بد في التضاد عندهم من التعاقب على الموضوع الواحد ~~فعلا أو قوة ومن غاية التباعد بينهما. ### ||| ** المسألة السابعة : في تضاد السكنات (1) # إن السكون يتعلق بأمور أربعة مما تتعلق به الحركة ، ولا تعلق له بما منه ~~وما إليه فلا تضاد له باعتبارهما ولا يتضاد بتضاد الساكن ولا المسكن ولا ~~الزمان لما عرفت في الحركة ، فلم يبق سبب لتضاد الواقع فيه إلا تضاد ما فيه ~~السكون ، مثل : أن يكون أحدهما فوق والآخر أسفل ، حتى يكون السكون في ~~المكان الأعلى ضدا للسكون في المكان الأسفل. ولو تضاد المكانان بسبب ~~العوارض لم يتضاد السكون ، مثل : أن يكون أحد المكانين حارا والآخر باردا ، ~~بل لو كان الجسم مستقرا في آخر (2) ثم تغيرت حاله إلى البرودة ومن السواد ~~إلى البياض لم يتغير حال السكون. # واعترض : بأن السكون عندهم عدمي فلا يصح وصفه بالضدية. PageV03P456 ### | النوع الخامس من التقسيم ### | التقسيم إلى المستديرة والمستقيمة (1) # واعلم أن الحركة إما ms1070 مستقيمة أو مستديرة أو مركبة منهما كحركة العجلة ~~والكرة المدحرجة وهي الكوكبية. فهنا مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في أنه هل يجب بين الحركات المستقيمة سكون أم لا؟ (2) # اختلف الحكيمان في أنه هل يجب أن يكون بين الحركتين المتضادتين وذات ~~الزوايا والانعطاف سكون أم لا؟ فأوجبه أرسطو ومنعه أفلاطن. (3) PageV03P457 # وقد احتج المشاءون عليه بوجوه : ### |||| ** الوجه الأول : الجسم إذا كان واصلا إلى غايته في الحركة وانتهى انتقاله عند غاية فانه يصل ~~إليها في آن ، ثم إذا فارق تلك الغاية وجب أن يفارقها في آن آخر لامتناع ~~اتحاد آني الوصول والمباينة ، والآنان يستحيل تتاليهما بل لا بد بينهما من ~~زمان ، فالجسم في ذلك الزمان ساكن لأنه غير متحرك عن تلك الغاية ، وإلا لم ~~تكن تلك نهاية الحركة ، هذا خلف. ولا إليها لانه واصل فيكون بالضرورة ~~ساكنا. وهذه الحجة في غاية الرداءة على أصلهم ؛ لأن الوصول وإن كان آنيا ~~لكن المفارقة حركة لا توجد في آن بل إنما توجد في زمان ولا يجب أن يكون طرف ~~ذلك الزمان مشتملا على ما اشتمل عليه ذلك الزمان بل يمتنع ذلك ، فان طرف ~~زمان الحركة لا يمكن أن توجد فيه حركة ، لأن الحركة إنما توجد في الزمان لا ~~في الآن ، فطرف زمان المباينة هو آن الملاقاة والاتصال ولا استحالة فيه. ### |||| ** الوجه الثاني : لو جاز اتصال الحركة الصاعدة بالهابطة لحدثت منهما حركة واحدة بالاتصال ~~فتكون الحركتان المتضادتان واحدة ، وهو محال. ### |||| ** والجواب : المنع من استحالة الاتحاد ، فان المراد به اتحاد الأطراف وهو ثابت هنا. ولا ~~استبعاد في عروض الوحدة للمتضادين فان السواد والبياض متضادان وهما واحد ~~بالحس. ولأن الخطين المحيطين بالزاوية لا يجب أن يكونا خطا واحدا لأجل وجود ~~الحد المشترك فيهما بالفعل بل بالقوة ، فكذا الحركتان لا يجب وحدتهما لوجود ~~الحد المشترك بالفعل. ### |||| ** الوجه الثالث : لو اتصلت الحركتان لكان غاية الصاعد العود إلى ما عنه صعد ، فيكون المهروب ~~مقصودا من وجه واحد. ### |||| ** والجواب : أن هذا إنما يلزم لو وجب من اتصال الحركتين وحدتهما ، فأما إذا لم يكن كذلك ~~لم ms1071 يلزم ما قالوه. PageV03P458 # سلمنا ، لكنه لا امتناع في ذلك إذا اختلف الاعتبار كحدود المسافة الواحدة ~~وكالنقطة الواحدة في الحركة الدورية. ### |||| ** الوجه الرابع : لو أمكن أن يستمر التسود إلى التبيض من غير أن يقع بينهما زمان كانت القوة ~~على التسود بعينها قوة على التبيض ، فالأبيض إذا أخذ في التسود كانت قوته ~~على التسود قوة على التبيض فتكون في الأبيض قوة على البياض ، وهو محال. ### |||| ** والجواب : الجسم عند كونه طالبا للبياض لا يأخذ في التسود ، لأن التسود آخذ من طبيعة ~~السواد وطلب له وذلك لا يوجد مع طلب البياض بل ذلك إنما يوجد بعد الابيضاض ~~وانتهاء طلبه. فلا يلزم من قول من يقول : القوة على التسود بعينها قوة على ~~التبيض أن تكون في الأبيض قوة على البياض. # سلمنا أنه حال كونه أبيض يأخذ في التسود حتى تكون فيه قوة على البياض لكن ~~لا على البياض الحاصل ، بل على بياض آخر منتظر موجود بالقوة. على أنا نمنع ~~الملازمة الأولى. ولا يلزم من اتصال الحركتين وحدتهما في الماهية بحيث يكون ~~المقتضي لإحداهما مقتضيا للأخرى. # ولما استضعف الشيخ (1) هذه الحجج سلك نهجا آخر في إثبات السكون وهو : أن ~~العلة في تحريك الجسم من حد إلى آخر إنما هو الميل الطبيعي أو القسري أو ~~الإرادي ، والشيء إذا كان محركا للجسم إلى حد فلا بد وأن يكون موصلا له ~~إليه والموصل يجب وجوده عند الاتصال لوجوب وجود العلة عند وجود المعلول ، ~~ثم إذا رجع الجسم من ذلك فلذلك الرجوع علة ، لما عرفت من استناد الحركة إلى ~~الميل ، وتلك العلة أيضا آنية الوجود ولا يمكن أن يكون هو الميل الأول ، ~~لأن الميل PageV03P459 # الواحد لا يمكن أن يكون علة للوصول إلى حد معين وللمفارقة عنه ، فالآن ~~الذي حدث فيه الميل الثاني لا يمكن أن يكون هو الآن الذي كان الميل الأول ~~موصلا ، لامتناع أن يكون للجسم الواحد في آن واحد ميلان مختلفان يقتضيان ~~التوجه في الآن الواحد إلى جهتين مختلفتين ، بل هو آن آخر غير الآن الأول ~~ولا يمكن ms1072 تعاقبهما ، فبين الآنين زمان يكون الجسم فيه ساكنا ، إذ لا ميل له ~~عن ذلك المكان ولا إليه ، لوجوده فيه. # وهذه الحجة مبنية على إثبات الميل وكونه آنيا وامتناع اجتماع الميلين ، ~~وتلك مقدمات سلف البحث فيها. # وأشكل على ذلك أيضا بأن هذه الحجة لا تتمشى في الكم والكيف ، لأن تلك ~~الحركات غنية عن الميول وهذه الحجة إنما تتم بإثبات الميل. # وأيضا لو فرضنا كرة مركبة على دولاب دائر وفوقها سطح بسيط يلقاها عند ~~الصعود فانها تماس ذلك السطح بنقطة ولا توجد تلك المماسة إلا آنا واحدا ولا ~~يحتاج إلى آن آخر تقع فيه اللامماسة ، فكذا هنا. # وأجيب بأن اللامماسة حاصلة في كل الزمان الذي طرفه آن المماسة ، فأما ~~الميل الثاني فانه يكون حدوثه في آن غير الآن الأول ، فلا بد هنا من اعتبار ~~الآنين ولا محالة بينهما زمان. # ثم لو ثبت أن طرف زمان اللامماسة غير آن المماسة حكمنا بوجوب توقف ~~الدولاب عند تلك المماسة ، وأي مانع يمنع منه؟ # ولا شك في أن هذا التجويز في غاية البعد. # احتج افلاطن (1). بوجهين : PageV03P460 ### |||| ** الوجه الأول : لو وقف الحجر بين حركتين لما كان رجوعه دائما ولا أكثريا ، والتالي باطل ~~بالضرورة ، فالمقدم مثله. # بيان الشرطية : أن الحجر لو وقف بين حركتيه الصاعدة والهابطة ولا شك في ~~بقاء طبيعته المقتضية للهبوط ، وإلا لم يهبط لعدم علته فتتم الشرطية ، فتلك ~~الطبيعة إما أن يكون لها ما يعاوقها عن مقتضاها أو لا يكون. فإن لم يكن وجب ~~الهبوط لوجود المقتضي السالم عن معارضة العائق فلا يجب الوقوف وإلا لم يجب ~~وجود المعلول عند وجود علته التامة ، فكان لا يجب الهبوط أيضا فتتم ~~الشرطية. وإن كان لها معاوق يمنعها عن الهبوط فذلك المعاوق إما أن يكون ~~محركا للجسم إلى جهة أو لا يكون. فإن كان فتلك الجهة غير الجهة التي تحركها ~~الطبيعة إليها ، وإلا كان معاونا للطبيعة على فعلها لا معاوقا لها عنه ، ~~وكان لا يجب الوقوف لوجود المقتضي للهبوط السالم عن المعاوق المعتضد ~~بالمعاون. ثم ذلك المحرك إن ms1073 كان أقوى من الطبيعة كانت الحركة القسرية حاصلة ~~فلا وقوف حينئذ. وإن كان أضعف كانت الحركة الطبيعية حاصلة لأنها أقوى ، ~~وإنما تكون أقوى لو ظهر أثرها دون أثر الأضعف ، فلا وقوف. وإن تساويا وجب ~~السكون ، لأن كلا من القوة الطبيعية والغريبة العائقة غير قاهر لصاحبه ~~فيحصل الوقوف لعدم الترجيح من غير مرجح. وهذا هو الذي جعله الشيخ علة لهذا ~~السكون في أحد جوانبه. # إذا تقرر هذا فنقول : ذلك القدر من القوة إن لم يعدم لم تجب الحركة إلى ~~أسفل فتتم الشرطية. وإن عدم فإما لذاته وهو محال وإلا امتنع حصوله فلا يجب ~~الوقوف. وإما أن يعدم بسبب وليس سبب الإعدام هو القوة الطبيعية ، ولا الجسم ~~الحامل لها ، ولا شيئا وجد فيه ، وإلا لما وجد هذا العائق فلا يجب الوقوف ، ~~فلم يبق السبب إلا أمرا خارجيا ، والسبب الضعيف (1) للميل الغريب هو مصادمة الهواء PageV03P461 # المخروق وذلك إنما يكون في حال الحركة. وأما عند السكون فلا مصادمة هناك ~~، فيجب أن لا يعدم ذلك القدر من الميل الغريب ، وإذا لم يعدم بقي الحجر ~~هناك ولا يعود إلا أن دفعة دافع من الفوق ، ولما لم يكن كذلك بطل هذا القسم. # وأما إن كان المعوق للطبيعة أمرا لا يقتضي حركة الجسم فذلك لا يكون ~~طبيعيا لاستحالة أن يكون العائق للطبيعة عن فعلها أمرا طبيعيا فيكون قسريا ~~، وهو لا محالة يقتضي السكون في حد معين ، وإلا عاوقت (1) الطبيعة عن فعلها. # فيرجع حاصل ذلك إلى أن القاسر أعطى الجسم قوة غريبة تسكنه في بعض الأحياز ~~، وهو الذي اختاره الشيخ سببا للسكون في الوجه الثاني. # فنقول : إنه باطل : # أما أولا : فلأن القوة المحركة الغريبة إن أمكن القاسر (2) افادتها دون ~~إفادة هذه القوة المسكنة لم يجب ذلك السكون ، وإن لم يكن فالضدان متلازمان ~~، هذا خلف. # وأما ثانيا : فلأن تلك القوة في أول ما أفادها القاسر لم تكن مسكنة ثم ~~صارت مسكنة ، فعدم كونها مسكنة إن كان لوجود مانع وجب أن لا تخلو عن ذلك ~~المانع إلا عند تكافؤ الطبيعة والميل ms1074 الغريب فإن أي واحد منهما غلب كان ~~الموجود فعله وكانت القوة المسكنة مغلوبة ، فحينئذ لا تقتضي هذه القوة ~~التسكين إلا عند تكافؤهما ، لكن لو ثبت ذلك كان مستقلا بالتأثير فأي حاجة ~~إلى هذه القوة المسكنة؟ # وأيضا فان الالزام المذكور يعود بعينه في أن الميل الغريب إذا صار مساويا PageV03P462 # للطبيعي وجب أن يبقى ذلك المساوي ولا يصير مغلوبا البتة وأن لا يرجع الحجر. # وإن كان لعدم المقتضي بأن يكون عدم تسكين تلك القوة لعدم مقتضي التسكين ~~ثم إنها إذا وصلت إلى ذلك الحيز صارت مقتضية ، عاد السؤال في سبب تلك ~~العلية والاقتضاء. # وأيضا لو كان سبب إعدام العائق أمرا خارجيا فإما أن يكون وصول السبب ~~الخارجي المعدم لذلك العائق إلى الحجر واجبا أو لا يكون ، فإن كان واجبا ~~لزم امتناع حصول هذا العائق ويلزم من امتناع حصوله امتناع حصول السكون ، ~~وإن لم يجب لم يكن حصوله معه دائما ولا أكثريا. # لا يقال : لم لا يجوز أن يكون السكون المتخلل واجبا فاستغنى عن السبب؟ ~~وذلك لأن الجسم في آخر حركته لما امتنع اتصافه بالحركة كان ذلك السكون ~~ضروري الحصول فلا يستدعي علة ، كما أن سائر اللوازم لا تستدعي علة ، وعلى ~~هذا لا يلزمنا بقاء الحجر في الفوق لأن القوة القسرية ما دامت تقوى على ~~التحريك كانت الحركة القسرية حاصلة ، فإذا لم تقو على التحريك عدمت وبقى ~~الحجر هناك زمانا تنفصل به إحدى الحركتين عن الأخرى وإذا زالت تلك الضرورة ~~عادت الطبيعة محركة. # سلمنا أنه لا بد من سبب لكن لم لا يجوز أن يقال : القوة القسرية كانت في ~~أول الأمر غالبة على القوة الطبيعية فلا جرم كان حصول مقتضى القوة القسرية ~~أرجح من حصول مقتضى القوة الطبيعية ، ثم إن القسرية لا تزال تضعف بسبب ~~مصاكات الهواء المخروق إلى أن تعادل القوة الطبيعية فتقف ثم تضعف القسرية ~~فتستولي الطبيعية وينزل الحجر؟ أو يجوز أن يكون القاسر كما أفاد قوة تحرك ~~الجسم إلى فوق أفاد مع ذلك قوة مسكنة في ذلك الموضع فلأجلها سكن ms1075 هناك؟ كما ~~اختاره الشيخ. PageV03P463 # لأنا نقول : لو كان ذلك السكون واجبا لذاته لم يعدم ، ولامتناع كون وصف ~~الممكن واجبا لذاته ، فبقى أن يكون ممكنا لذاته فله سبب. # ولأن كل سكون ففي زمان وكل زمان منقسم والذي يقع في نصف ذلك الزمان من ~~السكون كاف في الفصل بين الحركتين فكل سكون يفرض حاصلا ففي أقل منه بلاغ ~~فلا يكون وقوع ذلك القدر واجبا. # ولأن المقتضي لوجوب السكون لو كان هو الفصل لم يكن بعض أفراده التي لا ~~تتناهى بحسب عدم تناهي قبول القسمة أولى من بعض ، وإذا لم يكن واجبا لم ~~يوجد إذ كل موجود فهو واجب إما لذاته أو لغيره. # وقيل في جوابه : المتحرك جسم يختلف حاله باللطافة والكثافة وغير ذلك من ~~الأسباب الخارجية وهي تكون أسبابا لمقادير السكنات وليس بجيد. (1) # والقدر الباقي من القوة القسرية حال الاعتدال لا يعدم لذاته وإلا لما وجد ~~، بل لا بد له من سبب وليس هناك سبب ضروري يوجب عدمه مثل أن يكون هناك دافع ~~أو جاذب إلى أسفل ، والقوة القسرية إنما تضعف بمصاكات الهواء وإنما تحصل ~~المصاكات حال الحركة لا حال السكون ، وإذا انتفى السبب المبطل لتلك القوة ~~القسرية المعادلة للقوة الطبيعية وجب أن يكون بقاؤها أكثريا فيكون وقوف ~~الحجر في الجو أكثريا ، لكن رجوعه هو الدائم أو الأكثري ، هذا خلف. # والقوة القسرية التي أفادها القاسر محال ، لأن تلك الإفادة اختيارية فلا ~~تصدر إلا عن علم ، لكن رامي الحجر لا يتصور سكونه فضلا عن القوة الموجبة له ~~وإنما يتصور ويقصد إلى تحريكه إلى فوق. ولأن القوة المسكنة حال ما تصير ~~مسكنة يجب أن تستمر ، إلا إذا وجد ما يعدمها وذلك المعدم ليس الطبيعة ، ولا PageV03P464 # الجسم ، ولا شيئا مما كان فيه ، وإلا لما وجدت هذه القوة ، فلا بد وأن ~~يكون أمرا خارجيا اتفاقيا وحينئذ يعود الالزام. # والعجب أن الشيخ ذكر في الخلاء : أنه لو لا مصادمات الهواء المخروق للقوة ~~القسرية وإلا وصل الحجر المرمي إلى سطح الفلك (1)، وهنا ذكر أن القاسر ~~يفيد قوة مسكنة ms1076 في بعض الأحياز ، وهذا لا يخلو من تناقض. ### |||| ** الوجه الثاني : لو فرضنا صعود خردلة وحال سكونها نزل جبل عظيم من فوق لزم أن يقف ذلك الجبل ~~في الهواء حتى تأخذ الخردلة ما تستحقه من السكون ، والضرورة قاضية ببطلانه. # وقد اعترفوا ببعده لو وقع ، لكنه غير محال والبعيد غير الممتنع. ولأن ~~الهواء المشايع للجبل في حركته يلقى الحصاة فتسكن قبل وصول الجبل إليها. ### ||| ** المسألة الثانية : في أن الحركة الدورية ، هل يجب أن تكون إرادية؟ (2) # اتفق الحكماء على أن الحركة الدورية يجب أن تكون إرادية ، لأن الحركات ~~إما طبيعية أو قسرية أو إرادية ، والحركة الدورية لا يجوز أن تكون طبيعية ، ~~لأن الحركة الطبيعية هرب عن حالة منافرة وطلب لحالة ملائمة وهذا لا يتحقق ~~في الدورية. أما أنه لا يجوز أن يكون هربا عن حالة منافرة ، فلأن كل نقطة ~~تفرض الطبيعة هاربة عنها فانه يمتنع أن تكون الطبيعة طالبة لها بعين تلك ~~الحركة ، PageV03P465 # لامتناع أن يكون مقتضى الطبيعة متنافيا ، لكن كل نقطة تفرض في الحركة ~~الدورية مبدأ ومهربا فانها بعينها تكون مقصدا ومطلبا لتلك الحركة ، فان ~~المتحرك بالاستدارة ينتهي بحركته إلى حيث ابتدائها ، فالحركة عن كل نقطة ~~عين الحركة إليها ، وهو محال. # لا يقال : الجسم المستقيم الحركة يطلب النقط والحدود التي في وسط المسافة ~~بطبعه ثم إذا وصل إليها فارقها وهرب منها بطبعه وهكذا في كل حد يفرض بين ~~مبدأ الحركة الطبيعية ومنتهاها ، فلا امتناع في أن يكون المطلوب بالطبع ~~مهروبا عنه بالطبع. # لأنا نقول : هربه عنها ليس بعينه توجها إليها بخلاف الدورية. ونحن لم ~~نمنع من كون المهروب عنه مطلوبا إذا اختلفت الشرائط. وهنا الطبيعة وحدها ~~ليست مبدأ للحركة بل إنما هي مبدأ بمشاركة أحوال غير طبيعية ، فان الصادر ~~عنها لذاتها لا غير هو السكون في المكان الطبيعي ، فإذا خرجت عنه اقتضت ~~الحركة بهذا الاعتبار الغير الطبيعي والأحوال الغير الطبيعية متفاوتة الدرج ~~في القرب والبعد. فالطبيعة إذا حركت جسما إلى نقطة معلومة وحد معين لم تكن ~~لذاتها مقتضية لتلك الحركة ، بل مع ms1077 حالة مخصوصة غير ملائمة ، وهي خروج ~~الجسم عن حيزه الطبيعي وحصوله في حد قبل ذلك الحد ، فإذا وصل الجسم إلى تلك ~~النقطة لم تبق تلك الحالة بل حصلت حالة أخرى وهي الحصول في حد آخر. ولما لم ~~تبق أحد أجزاء تلك العلة لم تبق العلة ، فلم يكن الشيء الواحد مطلوبا ~~ومهروبا لشيء واحد دفعة واحدة. # وأما أنها لا تكون طلبا لحالة ملائمة فائتة ، لأن الطبيعة إذا أوصلت ~~الجسم إلى الحالة المطلوبة انقطع تحريكها ، فلو كانت المستديرة طبيعية كانت ~~منقطعة. وأيضا الطلب الطبيعي لكمال فائت فلا بد وأن يكون على أقرب الطرق ، وإلا PageV03P466 # كانت الطبيعة صارفة عن ذلك الكمال فتكون متوجهة (1) إلى شيء ومنصرفة عنه ~~وهو محال ، وأقرب الطرق هو المستقيم ، فإذن كل حركة طبيعية فهي مستقيمة ~~وينعكس بالنقيض إلى أن كل ما لا يكون مستقيما فانه غير طبيعي. فثبت أن ~~المستديرة غير طبيعية فلا تكون قسرية ، لأن كل قسر فإنه على خلاف الطبيعة ~~بحيث إذا زال القاسر اقتضت الطبيعة مقتضاها لكن الحركة الدورية تمتنع أن ~~تكون طبيعية فتمتنع أن تكون قسرية ؛ لأن القسري معاند للطبيعي فإذا امتنع ~~أن تكون الدورية طبيعية امتنع أن يوجد ما يعاند الطبيعي فامتنعت القسرية. ~~ولأنه لا قسر دائم فكل قسر فلا بد وأن ينتهي إلى طبيعة أو إرادة ، ومستند ~~الحركات كلها المستديرة. # وفيه نظر ، فانا لا نسلم انحصار الحركات في الثلاث فجاز أن يكون بعض ~~الأجسام لا يقتضي حركة ولا سكونا لتساوي نسبة الأوضاع إليه من حيث ماهيته. ~~فإن اتفقت حركته بسبب خارجي لم يمانعه ، وإن لم يحركه بقي على وضعه. بل هذا ~~هو الواجب في الحركات الفلكية ، فإن طبائعها لا تقتضي وضعا معينا ولا ~~ممانعة فيها. والإرادية لا يجب دوامها من حيث هي إرادية. # سلمنا ، فلم لا تكون طبيعية وتكون فاقدة لكمال ما لا يمكن حصوله دفعة ، ~~بل على التعاقب؟ وليس المبدأ من حيث هو مهروب عنه يكون مقصدا ، بل باعتبار ~~آخر ولا امتناع في ذلك. # سلمنا ، فلم لا يجوز أن تكون هاربة عن ms1078 غير الملائم ، ولا يمكن إلا بهذه ~~الحركة؟ وذلك بأن يكون السكون غير ملائم لها أو غير ذلك. # وقد اعترض (2) بأن الحركة الفلكية لو كانت اختيارية لاختلفت كالأفعال PageV03P467 # الحيوانية. # وأجيب : بأن الفعل الذي يفعله الحيوان بالداعية الواحدة المستمرة لا يكون ~~مختلفا بل يكون على طريقة واحدة مستمرة لا تتغير فانه ما لم تتغير داعية ~~الحيوان لا تتغير أفعاله ، فاختلاف الآثار لازم لاختلاف الاختيار لا أنه ~~لازم لنفس الاختيار ، إذ [لو] (1) أوجب الاختيار نفسه تغير الأفعال لاستحال ~~استمرار الفعل الواحد ، إلا أن يقال : كل فاعل بالداعي لا بد وأن يتغير ~~داعيه فيتغير فعله. لكن ذلك باطل ، لأن الفعل لما استمر زمانا واستمراره ~~لاستمرار الداعية الواحدة علمنا أن الداعية ممكنة البقاء ، وإذا كانت ممكنة ~~البقاء فلتكن ممكنة البقاء دائما ، لأن الصحة لا تتخصص بوقت دون وقت ، وإذا ~~أمكن استمرار الداعية أزلا وأبدا أمكن استمرار الفعل الاختياري أزلا وأبدا. ~~ولهذا قال بطلميوس : إن المختار إذا طلب الأفضل ولزمه لم يكن بينه وبين ~~الطبيعي فرق. # وفيه نظر ، لأن الاختيار ينافي الأزلية على ما تقدم فلا يمكن إسناد ~~الحركة الأزلية إليه. وأيضا الحركة الدورية عندهم حافظة للزمان بل هي محله ~~، لأن الزمان عندهم مقدار الحركة الدورية والمقدار عرض حال في ذي المقدار ~~فإذا كانت الحركة اختيارية لم تكن واجبة الحصول من حيث هي هي فلا يجوز أن ~~يكون شرطا لما يجب وجوده ويمتنع عدمه. ### ||| ** المسألة الثالثة : في أن الحركة المستديرة أقدم (2) # قد عرفت أن الحركة إنما تقع في مقولات أربع. أما الحركة الكمية فتحصل # قال بهمنيار بعد ذكر الأدلة على ذلك : «فالدورية غنية عن سائر الحركات ، ~~وسائر الحركات لا تستغني عن الحركة الدورية ، فهي إذن أقدم الحركات ~~بالطبع». PageV03P468 # تارة بالنمو والذبول وأخرى بالتخلخل والتكاثف. # أما النمو والذبول فإن الحركة فيه لا تخلو عن الحركة المكانية في الكم ، ~~لأن الحركة في الأقطار زيادة ونقصانا إنما هي في المكان. وأيضا النمو إنما ~~يكون بورود الغذاء على النامي ونفوذه فيه على التناسب في الأقطار وذلك حركة ~~مكانية. # وأما التخلخل ms1079 والتكاثف فإنما يحصلان بعد استحالة في جوهر المتحرك فيهما ~~والاستحالة إنما تكون بعد الحركة المكانية ، فإن الجسم لذاته لا يستحيل في ~~الكيف بل لا بد له من ملاقاة غيره حارا أو (1) باردا أو محاذاته له بعد أن ~~لم تكن ، وذلك يستدعي الحركة المكانية ، والحركة المكانية إنما تكون في ~~الجهات المتأخرة عن محددها ، فهي أقدم الحركات بالطبع ؛ والشرف أيضا لأنها ~~لا توجد إلا بعد استكمال الجوهر بالفعل. ولا تكون سببا في فساد الجوهر ولا ~~تزيل عنه شيئا من عوارضه الذاتية بل الزائل النسبة إلى الأمور الخارجية. ~~وهي أيضا ثابتة ولا تقبل الشدة والضعف بخلاف الطبيعية المشتدة أخيرا ~~والقسرية المشتدة وسطا. # وفيه نظر ، فان تقدم المحدد لو سلم على ذوات الجهة لم يلزم تقدم حركته ~~على حركتها ، لأن المحتاج إليه في تحدد الجهات وجود محيط ولا تشترط فيه ~~الحركة. ### ||| ** المسألة الرابعة : في نسبة الحركة الدورية إلى الحوادث (2) # كل حادث مستند إلى سبب موجب مؤثر ، فانه يجب أن يكون حادثا إما في ذاته ~~أو في شرطه ، إذ لو كان السبب التام قديما لوجب قدم معلوله ، فان السبب ~~التام الموجب لو وجد مع عدم مسببه لكان وجود المعلول عند وجود ذلك السبب PageV03P469 # ممكنا فيكون وجوده حين ما يوجد يستدعي علة زائدة فلا يكون السبب التام ~~سببا تاما ، هذا خلف. فعلة الحادث الموجبة حادثة والكلام فيها كالكلام في ~~الأول ويتسلسل. # فالحوادث العنصرية إن كانت مباديها عنصرية فاما أن تكون نفس أجسامها أو ~~قوى مركوزة فيها. والأول محال لما سبق من امتناع كون الجسم من حيث هو جسم ~~علة للحركة والسكون. والثاني إما أن يكون لتلك القوة شعور بما يصدر عنها أو ~~لا ، والأول هو القوة الاختيارية ، والثاني إما أن تكون تلك القوة ملائمة ~~للجسم أو لا ، والأول هو القوة الطبيعية ، والثاني القسرية. والقوة ~~الطبيعية إما أن تحصل للبسائط كالنارية والمائية ، أو للمركبات كقوة ~~المغناطيس الجاذبة للحديد ، فالقوى العنصرية هذه الأربع خاصة ولا شيء منها ~~صالح لمبدئية حدوث الحوادث. # أما الاختيارية فلأنها قوة على الطرفين فلا ms1080 بد لها من مرجح فإن كان ~~اختيارا لزم التسلسل أو الانتهاء إلى غيره فلا يكون هو مبدأ أول. # وأما الطبيعة البسيطة فليست أيضا مبادئ أول ، لأن كل عنصر يصح عليه الكون ~~والفساد فاختصاص حامل تلك القوة لها إن كان للجسمية ولوازمها عاد المحال في ~~أنها لا تكون متخالفة الطبيعة وإذا لم تكن متخالفة لم تكن متفاعلة ، فلا ~~تكون القوة مبدأ فضلا عن أن تكون مبدأ أول. وإن كان لأمر مفارق لم تكن ~~القوة الطبيعية مبدأ أول. # وأما ثانيا : فلأن الاختبار دل على أن شيئا من القوى الطبيعية لا تفعل ~~آثارها إلا عند تلاقي حواملها ، والأجسام المتفاعلة متخالفة بالطبع لأن ~~الشيء لا ينفعل عن مثله ، والأجسام المتخالفة بالطبع متنازعة بالطبع إلى ~~التباعد وما تكون كذلك فلا تكون متلاقية بالطبع. فإذن تلاقيها لأمر آخر ~~وذلك الأمر إن كان جسما PageV03P470 # عنصريا عاد البحث فيه ، وإلا توقف حدوث الحوادث عن القوى الطبيعية على ~~تفاعلها المتوقف على تلاقيها المتوقف على الجامع القاسر لها على الالتقاء. ~~مع أن ذلك الجامع ليس من العناصر فالقوى الطبيعية ليست مبادئ أولى. # والقوى المركبة أولى أن لا تكون كذلك. # وأما القسرية فظاهر أنه لا يستند كل قسر إلى قسر آخر بغير نهاية ، بل لا ~~بد من الانتهاء بالآخرة إما إلى طبيعة أو إرادة ، فإذا لم يصلحا لتلك كانت ~~القسرية بأن لا يصلح لها أولى. # فإذن الحوادث العنصرية لا بد من استنادها إلى أمور غير عنصرية وهي إما أن ~~تكون حادثة أو قديمة. فإن كانت حادثة احتاج كل واحد منها إلى آخر لا إلى ~~نهاية ، فتلك الأمور إن كانت معا لزم علل ومعلولات لا نهاية لها دفعة وهو ~~محال ، وإن كان بعضها قبل البعض لم يكن السابق علة موجدة للاحق. وإن كان ~~قديما فإما أن يكون صدور الحوادث عنه موقوفا على تغير أو لا يكون. فإن كان ~~الثاني لزم من قدمه قدم الحوادث ، هذا خلف. وإن كان الأول فتلك الأمور ~~المتغيرة يستحيل أن تكون آنية لاستحالة تتالي الآنات. وبتقدير صحته فكل ms1081 ~~واحد لا يكون متعلقا بما بعده بل تكون متفاصلة فلا يكون واجب الانتهاء إليه ~~فلا تكون علة لما بعده ، وقد فرض كذلك. أو زمانية سيالة وهي الحركة ؛ لأنه ~~إذا حدث في جسم أمر لم يكن بعد حصلت لعلة ذلك الأمر إلى الجسم نسبة لم تكن ~~ولا بد من حركة توجب قربا بعد بعد وبعدا بعد قرب أو موازاة أو مماسة ويحفظ ~~(1) بذلك أيضا اتصال الحوادث. # والأصل فيه أن العلة (2): إما معدة فيجوز تقدمها على المعلول ، لأنها غير PageV03P471 # مؤثرة بل تقرب المعلول إلى حيث يمكن صدوره عن العلة. وإما مؤثرة فإنه يجب ~~مقارنتها للأثر فلا بد من الحركة ، وهي إما مستقيمة وهو محال لانتهائها إلى ~~السكون ، أو مستديرة وهو المطلوب. # مثلا : أن الثقيل في هويه لا ينتهي إلى حد من حدود المسافة إلا ويصير ذلك ~~الانتهاء سببا لاستعداده لأن يتحرك منه إلى الحد الذي يليه والمؤثر في تلك ~~الحركة بالحقيقة هو الثقل. ولكن لو لا انتهاء الجسم بالحركة السابقة إلى ~~ذلك الحد لاستحال وجود (1) تلك الحركة ، لأن قبل الانتهاء إلى ذلك الحد ~~استحال أن يوجب الثقل تحريكه من هناك ولما تحرك إلى ذلك الحد صار الثقل ~~بحيث يمكنه تحريكه منه ، فالحركة من ذلك الحد كانت ممتنعة الصدور عن الثقل ~~وكانت بعيدة عن العلة. # ثم لما صارت ممكنة صارت قريبة وهذا القرب بعد البعد إنما حصل بسبب الحركة ~~السابقة ، فالحركة السابقة قربت الثقل من تلك الحركة بعد بعده عنها. # ومن الحركات الإرادية أن إرادة الذهاب إلى الحج إرادة كلية وهي سبب لحصول ~~إرادات جزئية مترتبة تكون كل واحدة منها مقربة للإرادة الكلية إلى ما بعده ~~، لأنه لا ينتهي إلى حد من حدود المسافة إلا وذلك القصد الكلي عند ذلك ~~يقتضي حصول قصد جزئي إلى الانتقال من ذلك الحد إلى حد آخر ، والمؤثر في ~~وجود تلك المقاصد الجزئية المتتالية المؤثرة في الحركات المتوالية هو القصد ~~الكلي ، وفاعل مقارن لجميع تلك الحوادث. # وإذا تقرر هذا فنقول : لهذه الحوادث سبب قديم أزلي هو واهب الصور ms1082 ، وفيضه ~~موقوف على استعداد المادة لقبول ذلك الفيض وهذا الاستعداد حادث بعد ما لم ~~يكن بواسطة الحركات والتغيرات حتى يكون كل سابق علة لأن تستعد PageV03P472 # المادة لقبول اللاحق ، فلا يمكن حدوث شيء من الأشياء إلا بواسطة حركة ~~تقرب العلة إلى المعلول ، وتلك الحركة أيضا حادثة ، فلا بد قبلها من حركة ~~أخرى فالحركات لا بداية لها والمستقيمة لها بداية ، فلا بد من حركة دورية. ~~ولأن الزمان لا بداية له ولا نهاية وهو من لواحق الحركة فلا بداية لها ولا ~~نهاية والمستقيمة متناهية ، فالحركة التي لا بداية لها هي الدورية. # والاعتراض : أن كل ما تقدم مبني على أصل فاسد هو استناد الموجودات إلى ~~علة موجبة بالذات ، وسيأتي بطلانه وأن الفاعل قادر مختار ، فاندفع كل ما تقدم. # سلمنا ، لكن في جميع ما تقدم نظر ، فانا نقول : لم لا يجوز أن يكون وجود ~~المعلول أولى ولا تنتهي الأولوية إلى حد الوجوب ولا تخرج عن حد الإمكان ولا ~~تفتقر إلى علة أخرى ، لأن تلك العلة كافية في الرجحان؟ # سلمنا ، لكن لم لا يجوز الاستناد إلى الجسم من حيث هو جسم ، لكن بشرط كما ~~يقولون في القوى الطبيعية؟ # سلمنا ، فلم لا يستند إلى الاختيارية خصوصا ومن مذهبكم أن الحركات ~~الدورية مستندة إلى الإرادة والاختيار دون الطبيعة والقسر؟ # واستناد الاختيار إلى الغير لا يخرجه عن كونه مبدأ أولا ، فان الحركة ~~التي جعلوها مبدأ لا بد لها من علة فلا تكون هي المبدأ الأول. # وكونها غير متخالفة الطبيعة لا يقتضي عدم تفاعلها ، لأن اختلاف الأعراض ~~كاف في التفاعل كما في الماء الحار والبارد. وإذا كان الجامع لتلك العناصر ~~المتخالفة جسما عنصريا كيف يعود البحث فيه؟ # وكما جاز استناد كل حركة إلى حركة سابقة معدة ، أو إرادة إلى إرادة أخرى ، PageV03P473 # جاز استناد كل قسر إلى قسر آخر. # وقولهم : «لا قسر دائم» مقدمة لم يقيموا عليها برهانا. # وكما لا يجوز أن يكون السابق علة موجدة للاحق يمتنع أيضا أن يكون علة ~~معدة ، لأنه لو كان علة معدة وجب حصول معلوله ms1083 وهو الإعداد وإلا لزم تخلف ~~المعلول عن علته ، ولو جاز ذلك ، جاز أن تكون علة موجدة ولا يلزم الوجود. # وإذا حصل الإعداد وجب الفيض لحصول القابل التام والفاعل. # وإنما يجب من قدم المؤثر قدم الأثر لو كان التأثير على سبيل الإيجاب ، ~~أما إذا كان على وجه الاختيار فلا. # والذي ألزمه في الآني يلزمه في الزماني ، لأن الزماني لا يجوز أن يكون ~~علة للآني. فهذه الحركة إذا كانت علة في الإعداد والتقريب بعد البعد فذلك ~~الإعداد والتقريب إن كان آنيا لزم إسناد الآني إلى الزماني وهو محال ، وإن ~~كان زمانيا وجب أن يكون معلوله كذلك فلا تكون للحادث الآني علة زمانية ، ~~فبطل دليلهم. # وكما يمتنع بعدم العلة المؤثرة يمتنع بعدم العلة المعدة ، لأنها مؤثرة في ~~الإعداد فيجب وجوده معها ويجب وجود المعلول حينئذ. # وانتهاء الحركة المستقيمة إلى السكون ، ممنوع. # سلمناه ، لكن حدوث الحادث يتوقف على حدوث إعداد ما وذلك الإعداد لا يجب ~~أن يستند إلى حركة معينة خاصة ، فجاز أن تبتدئ حركة مع انقطاع غيرها. # سلمنا ، لكن لا نسلم أن تلك الحركة يجب أن تكون مستديرة جسمانية ، فجاز ~~أن تصدر عن نفس حركات اختيارية أو غيرها. # ثم نقول : انتهاء المتحرك إلى حد معين بحيث يستعد بذلك للوصول إلى PageV03P474 # غيره لا بد وأن يكون لاستعداد صادر عن قوة ، فنقول : ذلك الاستعداد ~~للوصول إلى ذلك الحد المعين كان موجودا قبل الوصول ، فإما أن يكون موجودا ~~بالفعل أو بالقوة. والثاني محال ، وإلا لم يكن الوصول بعد ذلك حاصلا ~~بالفعل. والأول باطل أيضا ، لأنه إما أن يكون في الجسم استعداد بالفعل ~~للوصول إلى كل حد من الحدود المتوسطة من المبدأ والمنتهى ، أو للوصول إلى ~~بعض الحدود دون بعض. والأول يستلزم وجود ما لا يتناهى دفعة واحدة. والثاني ~~يقتضي أولوية الرجحان لأحد المساويين دون الآخر من غير مرجح وهو محال. ولا ~~يمكن أن يقال : الاستعداد أيضا حاصل على التدريج ، لأن الوصول إلى الحد ~~المعين آني الوجود ، فعلته كذلك. ### ||| ** المسألة الخامسة : في أنه لا يجتمع في الجسم ms1084 مبدأ الاستقامة والاستدارة (1) # إنه لا يمكن أن يجتمع في الجسم الواحد مبدءان : أحدهما يقتضي الحركة ~~المستقيمة ، والآخر يقتضي الحركة المستديرة ؛ لأنه إما أن يحصل الأثران معا ~~، أو يعدمان معا ، أو يوجد أحدهما دون الآخر ، أو توجد حالة متوسطة بينهما ~~، والكل محال. # أما الأول : فلأنه يقتضي حصول المتضادين دفعة واحدة وهو محال ، لأنه ~~بالحركة المستقيمة يكون متوجها إلى تلك الجهة وبالحركة المستديرة يكون ~~منصرفا عنها ، والجسم الواحد يستحيل أن يكون متوجها إلى جهة ومنصرفا عنها ~~دفعة واحدة. PageV03P475 # والثاني : محال ، لأن ذلك يقتضي أن لا يكون في الجسم مبدأ حركة مستقيمة ~~ومستديرة معا ، مع أنا قد فرضنا حصولهما فيه. أو يلزم حصول المبدأ مع تعذر ~~حصول الأثر مطلقا ، وهو محال. # والثالث : محال ، لأنه ترجيح من غير مرجح. ولأن حصول أحدهما خاصة هو ~~المطلوب من امتناع اجتماعهما. # والرابع : محال ، لأن الاستقامة والاستدارة لا تقبلان الأشد والأضعف ~~فيستحيل أن تحصل عند امتزاجهما حالة متوسطة. # اعترض (1): بإمكان أن يجتمع فيه الميلان المستقيم والمستدير لكن عند ~~حصول حالتين متضادتين ، وذلك بأن يقتضي ميله الحركة المستديرة إذا كان في ~~مكانه الطبيعي وإذا كان خارجا عنه اقتضى الحركة المستقيمة ، كما أن عند ~~كونه في المكان الطبيعي يقتضي السكون وإذا كان خارجا عنه يقتضي الحركة. # وأجيب : بأنه عند كونه في غير حيزه الطبيعي يحصل فيه الميل المستقيم فإما ~~أن يكون فيه مبدأ الميل المستدير أو لا ، فإن لم يكن فعند حصوله في ذلك ~~الحيز الطبيعي يجب أن لا يحصل أيضا. إلا إذا قيل : إنه يحدث فيه ذلك الميل. ~~لكنه حينئذ لا يكون غريزيا له بل يكون تابعا لحصوله في مكانه الطبيعي ، ~~وذلك لا يوجب ميلا عن حالة إلى حالة مثلها ولا هربا عن الشيء إلى مثله. ولا ~~يمكن أن يقال : القوة النفسانية هناك تأخذ في التحريك على الاستدارة ؛ لأن ~~التحريك الخارجي مما لا يقبله الجسم إلا وله بحسب طبعه مبدأ ميل لازم له. ~~بخلاف اقتضاء الجسم السكون عند حصوله في مكانه الطبيعي والحركة عند خروجه ~~عنه ، لأن اقتضاء الطبيعة ms1085 السكون يجوز أن يتوقف على الحصول في الحيز ~~الطبيعي ، وأما في اقتضاء الميل المستدير فلا يجوز أن يتوقف على الحصول في ~~الحيز الطبيعي ؛ لأن PageV03P476 # أجزاء المكان متشابهة ومن الممتنع أن يكون الحصول في المكان مما يقتضي ~~زوالا عن حالة إلى حالة تشابههما من كل الوجوه. فظاهر أن الجسم الذي فيه ~~مبدأ ميل مستدير لو كان فيه مبدأ ميل مستقيم لوجب أن يكون عند حركته ~~المستقيمة متحركا على الاستدارة ، لكن الاستقامة والاستدارة لا تقبلان ~~الزيادة والنقصان فيستحيل أن يحصل من امتزاجهما شيء متوسط بينهما. فإذن ~~يكون الجسم متوجها بحركته المستقيمة إلى ذلك الحيز ومنصرفا عنه بحركته ~~المستديرة دفعة واحدة ، وهو محال. فإذن كل ما فيه مبدأ ميل مستقيم يمتنع أن ~~يكون فيه مبدأ ميل مستدير. # وفيه نظر ، لأنه لا امتناع بين الحركة في الوضع وفي الأين ، وإذا أمكن ~~اجتماعهما جاز اجتماع مبدأيهما. # ولا نسلم أنه بالحركة المستديرة يكون متوجها إلى ضد ما اقتضته الحركة ~~المستقيمة. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز أن لا يحصل الأثران معا؟ # ولا امتناع في وجود العلة بدون المعلول لوجود مانع منع من التأثير. # سلمنا ، لكن لم لا يجوز حصول أحدهما لمرجح لا نعلمه؟ # والمطلوب غير لازم ، لأن المطلوب عدم اجتماع الميلين لا عدم اجتماع ~~الأثرين. # سلمنا ، لكن تحصل حركة كوكبية لا يمتزجه من المستقيم والمستدير. # وفي جواب الاعتراض نظر ؛ لأنا نمنع عدم كونه غريزيا إذا حدث عند حصول ~~الجسم في مكانه الطبيعي ، لجواز أن تكون الطبيعة تقتضيه عند حصول الحالة ~~الطبيعية. وجاز أن لا يكون المطلوب بالحركة الوضعية القرب عن حالة ، ولا ~~الطلب الأخرى ، بل استخراجات الكمالات الممكنة من القوة إلى الفعل كما هو PageV03P477 # معتقدهم. # سلمنا ، لكن لم لا يكون نفسانيا؟ ولا يجب في النفساني الوضعي أن يقتضي ~~الجسم بطبعه ميلا متضادا فجاز أن يقتضي السكون. # تذنيب : الحركة الكوكبية ليست بسيطة ، لامتناع قبول الاستقامة والاستدارة ~~الأشد والأضعف حتى تحصل هناك حركة واحدة بسيطة متوسطة بينهما ، بل لا بد ~~وأن تكون مركبة من حركات مستقيمة ومستديرة لا يتميز ms1086 في الحس انفصال بعضها ~~من بعض. PageV03P478 ### | النوع السادس من التقسيم ### | التقسيم إلى ما يكون بالذات وبالعرض # وفيه مسائل : ### ||| ** المسألة الأولى : في تحقيق هذه القسمة (1) # اعلم أن الشيء إذا وصف بالحركة فإما أن يكون باعتبار حصولها فيه بالحقيقة ~~، وهي الحركة الذاتية ، والموصوف بها يسمى متحركا بالذات ، كحركتي الحجر ~~صعودا وهبوطا والإنسان يمنة ويسرة. وإما أن يكون باعتبار حصولها فيما يقارن ~~ذلك الشيء لا باعتبار حصولها فيه بالاستقلال ، وتسمى الحركة العرضية ، ~~والموصوف بها يسمى متحركا بالعرض ، وذلك كحركة المحوى في الحاوي بحركة ~~الحاوي كالجالس في السفينة يتحرك بحركة السفينة (2) والراكب على الدابة ~~يتحرك بحركتها. وقد يجتمعان معا كحركة الرجل في السفينة المتحركة يمنة ~~ويسرة وقدام وخلف. PageV03P479 # والقسم الأول لا بد وأن تكون الحركة فيه لقوة مودعة في الجسم المتحرك ، ~~لامتناع صدورها عن الجسمية. فتلك القوة إن حصلت لذلك الجسم من أمر خارجي عن ~~ذاته لولاه لما وجدت ، وهي القوة القسرية والحركة بها تكون قسرية كحركة ~~الحجر إلى فوق. أو تكون بسبب موجود في ذات الجسم. فإما أن يكون له شعور بما ~~يصدر عنه أو لا. والأول هو الحركة الإرادية ، كحركة الإنسان باختياره في ~~جهة إرادية. والثاني هو الحركة الطبيعية ، كحركة الحجر إلى أسفل. فالحركات ~~إذن هذه الأربع : الطبيعية والإرادية والقسرية والتي بالعرض. فلنبحث عن ~~أحكامها. ### ||| ** المسألة الثانية : في أن الحركة ليست طبيعية مطلقا (1) # الطبيعة أمر ثابت باق قار الذات مستمر الوجود على نهج واحد والحركة ليست ~~ثابتة قارة الذات مستمرة على نهج واحد ، فلا تكون صادرة عن الطبيعة وحدها ~~لوجوب بقاء المعلول ببقاء علته. # ولو كانت الحركة قارة الوجود لم تكن حركة ، هذا خلف. # وأيضا لو كانت الطبيعة بانفرادها (2) مقتضية للحركة امتنع سكونه في مكان ~~أصلا ، وحينئذ لا يكون شيء من الأمكنة طبيعيا له فلا يكون شيء من الأمكنة ~~مطلوبا له فلا يكون الجسم متوجها إلى شيء من الأمكنة فلا يكون متحركا ولا ~~ساكنا ، هذا خلف. PageV03P480 # بل الطبيعة إنما تقتضي الحركة عند مقارنة حال غير طبيعية وحصول ما لا ~~يلائم الجسم فحينئذ ms1087 تحاول الطبيعة رده. إما في الأين فكالحجر المرمي إلى ~~فوق ، فإنه قد حصل له حالة غير ملائمة وهي حصوله في غير مكانه الطبيعي. ~~وإما في الكيف فكالماء إذا سخن بالقسر ، فانه قد حصل له حالة غير ملائمة ~~فتطلب الطبيعة رده إلى الحالة الملائمة. وإما في الكم فكالذابل بالمرض ، ~~فانه قد حصل له كم قسري لأجل المرض وهو حال غير ملائم فتطلب الطبيعة رجوعه ~~إلى كمه الطبيعي. وكذا الهواء إذا مص من القارورة ما دامت الحال الغير ~~الملائمة باقية كانت الحركة الطبيعية حاصلة ، وتطلب الطبيعة بالحركة الرد ~~إلى ما يلائمها. # وتختلف أجزاء الحركة بحسب اختلاف القرب والبعد من تلك الحالة المطلوبة ، ~~فإذا حصل الوصول إلى الحالة الملائمة المطلوبة بالحركة وقفت الحركة وانقطع ~~التحريك وبطل الطلب لحصول المطلوب. ### ||| ** المسألة الثالثة : في غاية الحركة الطبيعية (1) # اعلم أن كل حال طبيعية إما أن يمكن إزالتها بالقسر أو لا يمكن. فإن لم ~~يمكن لم تكن (2) إليه حركة لحصوله فلا يتجدد طلب لحصوله ، وذلك مثل مقادير ~~الأفلاك وأحيازها ونضدها (3) في الترتيب عندهم. فإن أمكن فعند زوال القاسر ~~يطلب الجسم العود إلى الحالة الطبيعية ويرجع إليها. لكن في الحركة المكانية ~~بحث ، وهو أنا إذا رمينا الحجر إلى فوق ثم شرع في الهبوط لم يكن طلبه في النزول PageV03P481 # نفس المركز ، وإلا لكانت النار الصاعدة طالبة لسطح الفلك والأرض السافلة ~~طالبة لنفس المركز الحقيقي ، وذلك محال ، لأن المماس لسطح الفلك سطح واحد ~~لطائفة من النار فتكون النار دائما خارجة عن حيزها الطبيعي ، وهو محال. وفي ~~الأرض أظهر إحالة لامتناع حصول الأرض بجملتها (1) في حيز النقطة. # ولأن الماء النازل لو طلب عين المركز لما طفا على الأرض. والهواء لو كان ~~طالبا لمحيط الفلك لما يسفل بطبعه عن حيز النار. # لا يقال : النار والهواء يطلبان جهة واحدة لكن النار أغلب وأسبق إليه. # لأنا نقول : لو كان كذلك لكان إذا وضعنا أيدينا على الهواء لأحسسنا ~~باندفاعه إلى فوق ، كما إذا حبسناه في زق تحت الماء. # ولا يكون طلبه حالة النزول الحصول في ms1088 المكان المطلق ، وإلا لوقف في ~~الهواء ولوقف الهواء تحت الماء. # ولا يجوز أن يكون طلبه القرب من العنصر الموافق له في الطبع ، وإلا لوجب ~~أن يلتصق الحجر المرسل من رأس النهر بشفيرها ، ولا يذهب في النزول ، فإن ~~الاتصال بالكلية حاصل هناك. ولأنا لو قدرنا صعود كلية الأرض فإما أن يصعد ~~ذلك الحجر أو لا ، فإن لم يصعد لم يكن مطلوبه القرب من الكلية ، وإن صعد ~~فإما أن يكون لأنه علم أن كله قد صعد وهو محال ، أو لأن كله جذبه إلى نفسه ~~وهو محال ؛ لأن الشيء لا ينفعل عما يشاركه في نوعه. (2) # فإذن الحركة الطبيعية تطلب الحيز الطبيعي وتهرب عن غير الطبيعي ، لا ~~مطلقا بل مع ترتيب بين أجزاء الكل مخصوص ووضع مخصوص من الجسم PageV03P482 # الفاعل للجهات ، فإن عين الجهة غير مقصود إلا لحصول ذلك المعنى فيها. ~~فالطلب متوجه إلى هذه الغاية. وأما الهرب فيصح في مقابلاتها أيها اتفق ، ~~فلو كان المكان غير طبيعي والترتيب طبيعي هرب عنه ، كالهواء المنتشف (1) ~~المحصور في جرة (2) مرفوعة في الهواء ، فإن الجرة (3) تنشف الماء من أسفل ~~لشدة هرب الهواء من محيط غريب واستحالة وقوع الخلاء ووجوب تلازم الصفائح ~~فيخلفه الماء في مسام الجرة (4) متصعدا فيها لهرب الهواء عنها. ### |||| ** تنبيه : (5) قد عرفت بالوجدان أن الجسم إذا كان خارجا عن مكانه الطبيعي فانه يتحرك ~~إليه ويطلبه ويهرب عن غير الطبيعي. # وإذا تقرر هذا فنقول : هنا أمران يصلحان لعلية الحركة أحدهما : الهرب عن ~~غير الطبيعي ، والثاني : الطلب للأمر الطبيعي ، وكل واحد منهما إذا جعل ~~غاية ذاتية للحركة كان الآخر تابعا له. فهل الحركة بسبب الأول أو الثاني؟ # الحق هو الثاني ، لأنه لو لم تكن الحركة إلا للهرب عن غير الطبيعي لم يكن ~~بأن يتحرك إلى جانب أولى من أن يتحرك إلى جانب آخر ، فإما أن لا يتحرك أصلا ~~، أو يتحرك إلى كل الجوانب. # وفيه نظر ، لجواز أن تكون الحركة للهرب عن غير الطبيعي بالذات وبالعرض ~~للطلب للطبيعي ، فلا تلزم الحركة إلى كل الجوانب. # سلمنا ، لكن قد عرفت ms1089 أن الحركة الطبيعية تطلب الغاية على أقرب الطرق ولا ~~شك أن أقرب الطرق جهة واحدة فيكون ما عداها أمرا غير طبيعي فلا يجوز أن ~~تطلبه الطبيعة حالة الهرب عن غير الطبيعي ، لأن ذلك المغاير للأقرب أيضا غير PageV03P483 # طبيعي فيكون مهروبا عنه والأقرب وإن كان غير طبيعي لكنه أولى ، لأن غير ~~الطبيعي فيه أقل. ### ||| ** المسألة الرابعة : في أقسام الحركة القسرية (1) # قد عرفت أنا نريد بالحركة القسرية : الحركة الصادرة عن سبب خارج عن ~~المتحرك ، كالحجر المرمي إلى فوق والمدحرج. وهي قد تكون خارجة عن الطبع فقط ~~، كجر الحجر على الأرض. وقد تكون مضادة للطبيعة ، كتحريك الحجر إلى فوق. ~~وقد تكون بالجذب. وقد تكون بالدفع. وأما الحمل فالحركة فيه عرضية (2). ~~والتدوير القسري مركب من جذب ودفع. وقد تكون بسبب تعارض الحركتين ، كما في ~~السبيكة المذابة ، فان الجزء المستقر منها لغلبة الحر فيصعده بالإسخان فإذا ~~علا (3) برد فمال إلى حيزه الطبيعي فطلب الهبوط ، وإنما (4) يشتد عند ~~مقارنة المستقر ولأجل اشتداد القوة عند المقارنة ما كان منع الحجر النازل ~~أضعف (5) من إشالة المستقر وإذا حدث هذا الميل قاوم مقتضى التسخين ومال إلى ~~أسفل ونحى مستقره ، وقد عرض لما كان أسفل مثل ما عرض من التصعد وتلك ~~الأجزاء متلاصقة ، فحدثت حركة مستديرة تكون استدارتها لا على المستقر بل ~~فيما بين العلو والمستقر. وأما الدحرجة فربما كانت عن سببين خارجيين. وربما ~~كانت عن ميل طبيعي مع جذب أو دفع ، كالكرة التي ترمى من العلو. هذا في ~~الحركة الأينية. PageV03P484 # وأما الكمية فالزيادة في النمو على سبيل القسر ، كالعظم الكائن بالأورام ~~، والسمن المجتلب. (1) وفي التخلخل كانبساط الهواء الذي في القارورة إذا ~~مصت مصا شديدا. والنقصان كالذبول المرضي. وأما الذبول بسبب الشيخوخة فانه ~~بالقياس إلى طبيعة العالم طبيعي ، وبالقياس إلى ذلك الشخص خارج عن الطبيعي. # وأما في الكيف فالاستحالة الطبيعية في الحال والملكة مثل : الصحة الحاصلة ~~بالبحران. وفي المحسوسات مثل : الماء الحار إذا استحال لطبعه باردا. ~~والقسرية في الانفعاليات والانفعالات ، فكتسخن الماء قسرا. # وأما في الوضع القسري ، فكما يحني الخشب ms1090 المستقيم بالقسر ، فإنه إذا خلى ~~وطبعه من غير كسر أو رض رجع إلى الوضع الأول. # وأما الكون فقد يكون طبيعيا مثل : تكون الجنين والنبات من المني والبذر. ~~وقد يكون قسريا ، كإحداث النار بالقدح. # والفساد قد يكون طبيعيا ، كالموت الهرمي. وقد يكون قسريا كالموت بالقتل بالسم. ### ||| ** المسألة الخامسة : في سبب الحركة القسرية (2) # اختلف الناس في سبب هذه الحركة. وضبط الأقوال الممكنة فيه : أن الحجر ~~المرمى إلى فوق مثلا إما أن يكون المحرك موجودا فيه أو خارجا عنه. والأول إما أن PageV03P485 # يكون باقيا إلى آخر الحركة أو لا يكون ، فإن كان غير باق فهو الذي يقال : ~~إن المحرك يفعل حركة ثم تلك الحركة تولد حركة أخرى ، وهكذا إلى آخر ~~المسافة. وإن كان باقيا فهو الذي يقال : إن القاسر أفاد الجسم قوة بها ~~يتحرك إلى جهة مخصوصة ، وتلك القوة باقية إلى آخر الحركة لكنها لا تزال ~~تضعف بمصادمات الهواء المخروق إلى أن يصير في الضعف بحيث تغلبها الطبيعة ~~(1) فحينئذ يتحرك الجسم إلى أسفل. # والثاني وهو أن يكون المحرك خارجا عن المتحرك غير موجود فيه فلا محالة ~~أنه يكون جسما ، فإما أن يكون على سبيل أن جسما قدامه يجذبه ، أو على سبيل ~~أن جسما خلفه يدفعه. فهذه الأربعة هي المذاهب المشهورة : ### |||| ** الأول : قول من يقول : الهواء المتقدم ينعطف إلى الخلف فيدفع المرمي بقوة. ### |||| ** الثاني : قول من يقول : القاسر يدفع الهواء والمرمي معا ، لكن الهواء ألطف فيندفع ~~أسرع فيجذب معه الجسم الموضوع فيه. ### |||| ** الثالث : قول من قال : المحرك يفعل حركة وتلك الحركة تولد حركة أخرى ، وهلم جرا. ### |||| ** الرابع : قول من قال : المحرك يفيد المتحرك قوة محركة إلى جهة مخصوصة ، ثم إن تلك ~~القوة لا تزال تضعف لمصادمات الهواء المخروق إلى أن تصير مغلوبة (2) ~~للطبيعة فتستولي الطبيعة ويعود الجسم إلى حيزه الطبيعي. # والمذهبان الأولان (3) باطلان ، لأن الحركة الجاذبة والدافعة إن لم تبقيا بعد PageV03P486 # مفارقة المحرك القاسر فللحركة القسرية علة غيرها (1)، وإن بقيتا فالكلام ~~في احتياجهما إلى العلة كالكلام في نفس الحركة القسرية. # ومن قال الهواء للطافته ms1091 يندفع أسرع فينجذب الجسم المدفوع فيه ، فقد أخطأ ~~لوجهين: ### |||| ** الوجه الأول : أن حركة الهواء لو كانت أسرع من حركة السهم كان نفوذه في الحائط أشد من ~~نفوذ السهم فيه ، والتالي باطل بالوجدان. ولأن الهواء تدفعه الأجسام ~~القائمة في وجهها ، وأما السهم فقد نفذ. # لا يقال : السبب في ذلك النفوذ أن الذي يلي نصل السهم قد ضعف والذي يلي ~~فوقه بعد على قوته. # لأنا نقول : يلزم أن يكون السهم أسبق من الهواء ، لكن الهواء أسبق منه ~~عندهم. وأيضا فلو كان السهم أسبق من الهواء لم يكن المنفذ له في الحائط ~~الهواء الذي قدامه وهم لا يقولون بأن الهواء الذي خلفه يدفعه ، فلعل السبب ~~فيه أن السهم يجذب الهواء الذي خلفه ثم ذلك الهواء المنجذب يدفعه دفعا أقوى ~~من ذلك الجذب وحينئذ يكون المجذوب أشد انجذابا من الجاذب الملازم ، وهو محال. ### |||| ** الوجه الثاني : الهواء إنما يمانع الثقال المحمولة (2) فيه عن الرسوب بحركة شديدة يصير بها ~~مقاوما لخرق الثقل ، والرياح إذا هبت على أغصان الشجرة هشمتها مع أنها (3) ~~لا تحمل السهم لو وضع فيها ، فالهواء الذي ينقل الحجر الكبير إذا كان ~~اجتيازه (4) بقرب الأجسام الصغار لزم أن يكسرها ، ولما لم يكن PageV03P487 # كذلك بطل ما قالوه. # وأما المذهب القائل بالتوليد فهو باطل ، لأنه يقتضي كون الحركة الثانية ~~معلولة للأولى والعلة يجب وجودها عند وجود المعلول ولا يمكن اجتماع ~~الحركتين فيلزم أن يكون المعدوم علة في الموجود ، وهو محال. # وإذا بطلت المذاهب الثلاثة بقي الحق هو الرابع. وعليه شكان : ### |||| ** الأول : القوة المحركة إلى فوق هي صورة النار فلو وجدت في الحجر هذه القوة لكانت ~~عرضا في الجوهر وقد كانت جوهرا في النار فيكون الشيء الواحد عرضا وجوهرا ، ~~وهو محال. ### |||| ** الثاني : لو أفاد المحرك قوة لكان كمال فعلها في الابتداء ، والتالي باطل بالوجدان ، ~~لأن الحركة القسرية تشتد في الوسط ، والشرطية ظاهرة. # والأول ردي جدا ، لأن الميل الصاعد في النار مستند إلى قوة طبيعية وصورة ~~نوعية هي الصورة النارية وهي جوهر ، وأما مبدأ الميل الحجر الصاعد فانها ms1092 ~~قوة عرضية مخالفة للصورة النارية ولا يجب أن تكون صورة جوهرية مساوية ~~للصورة النارية ، لأن الآثار المتساوية يجوز استنادها إلى علل مختلفة ، ~~واشتداد الحركة القسرية لا يستلزم اشتداد القوة التي أفادها القاسر لجواز ~~استناد الشدة في الوسط إلى سخونة المتحرك المستفادة من مصاكة الهواء على ما تقدم. # وهنا إشكال صعب وهو : أن تلك القوة المستندة إلى القاسر إما أن تضعف ~~بمصادمات الهواء المخروق أو لا تضعف. والأول باطل ، لما سبق من أن الشيء ~~الواحد لا يشتد ويضعف. وأنه لا معنى للاشتداد والضعف إلا تتالي أنواع ~~مختلفة بالماهية ، وحينئذ يكون الكلام في علة تلك القوة الجاذبة كالكلام في ~~علة الحركة PageV03P488 # الجاذبة فإن أسندنا حدوثها إلى القوة السابقة عليها فليجز مثله في الحركة ~~حتى تكون السابقة منها علة للاحقة ، وحينئذ يستغنى عن إثبات هذه القوة. وإن ~~أسندناها إلى قوة أخرى فهي إن كانت بحيث يتطرق إليها الشدة والضعف عاد ~~الإشكال الأول. # وإن لم يتطرقا إليها ، فهذا هو القسم الثاني من القسمين المذكورين في أول ~~الدلالة وهو باطل ، لأنها إذا كانت باقية بحالها من غير تطرق ضعف ولا فتور ~~إليها استحال عدمها ، ولو كان كذلك لوجب أن يصعد الحجر إلى سطح الفلك وهو ~~محال. وأيضا القوة ما دامت غالبة تقتضي الصعود ومتى لم تصير مغلوبة لا ينزل ~~الحجر ، وبين الغالبية والمغلوبية لا بد من حالة متوسطة وهي المعادلة وذلك ~~يقتضي وقوف الحجر. ثم حال الوقوف لا تكون مصاكات الهواء المخروق حاصلة فلا ~~يكون سبب الضعف حاصلا فوجب أن لا تضعف تلك القوة عن تلك الدرجة فوجب بقاء ~~تلك المعادلة ، فوجب أن لا يرجع الحجر. ### |||| ** وأجيب عن الأول : بأن ذات القوة وإن بقيت كما كانت ، لكن الهواء عند التموج ربما تلبد فصار ~~بحيث لا ينخرق بالسهولة ، كالماء إذا حاولنا تفريق اتصاله سريعا فانه ربما ~~عسر ذلك ، وحينئذ يرجع الحجر. ### |||| ** وعن الثاني : بمنع وجوب حصول المعادلة. # وفيه نظر ، لجواز أن تكون الحركة الأولى علة معدة للحركة الثانية ، ~~والفاعل لها هو المبدأ الفياض ، وتلبد الهواء لا ms1093 سبب له ، ثم لا موجب ~~لاختصاصه بذلك المكان الذي رجع منه الحجر. والعلم الضروري حاصل بحصول ~~المعادلة بين المتفاعلين على التدريج. PageV03P489 ### ||| ** المسألة السادسة : في بقايا مباحث هذا النوع (1) ### |||| ** الأول : ظاهر كلام الشيخ يدل على أن ماهية العلة القسرية هو الميل ، فإنه قال : ~~«أصح المذاهب مذهب من يرى أن المتحرك يستفيد ميلا من المحرك». (2) # فإن عنى بالميل نفس المدافعة الحاصلة بالقاسر ، فإنها لا تبقى بعد ~~مفارقته. وإن عنى به علة المدافعة ، فالأمر كما قال. # وتحقيق القول فيه : أنه قد سبق في الإشكال وما تقدم عليه امتناع اشتداد ~~الشيء وضعفه. نعم المشتد والمتنقص هو الموضوع في ذلك العرض فالميل الغريب ~~(3) إن لم يضعف بقى حتى يصاك الحجر سطح الفلك ، وإن ضعف لم تبق ذاته مع ~~الضعف فيعدم الميل الأول ويحدث آخر. فتكون هناك ميول متوالية ، فإن لم يكن ~~لكل واحد منها وجود إلا في الآن لزم تتالي الآنات. فإذن لا بد في كل واحد ~~منها أن يبقى زمانا ثم يعدم في الآن الذي يوجد فيه الميل المعاقب له ، ولا ~~حاجة إلى فرض آنين يعدم في الأول منهما الميل الأول ، ويوجد في الثاني ~~الميل الثاني حتى يلزم السكون بينهما ، بل كما أن الصورة الكائنة (4) تحدث ~~في آن فساد الصورة الفاسدة ، فكذلك هنا. # لكن يبقى الإشكال الصعب في سبب حدوث الميل الثاني. فإن كان الأول كان ~~المعدوم مؤثرا في الموجود ، كما قال أصحاب التولد (5)، فالأجود أن تثبت ~~قوة محفوظة الذات في جميع زمان الحركة من غير أن يقع فيها اشتداد ولا تنقص وتكون PageV03P490 # الميول متبدلة وتكون القوة في إعطاء الميول القسرية كالعلة (1) في إعطاء ~~الميول العرضية. # ثم تلك القوة الباقية القارة إنما تكون قوة إذا كان من شأنها التأثير ~~فإذا بلغ الهواء عند الاندفاع إلى البداية في التلبد والتصلب إلى حد لا ~~يقبل تأثير تلك القوة عدمت القوة. ### |||| ** الثاني : اشتهر عند الحكماء أن للفلك طبيعة خامسة (2)، ثم نفوا بالدليل الطبيعة عنه ~~، فتأولوا الإطلاق بوجهين : ### |||| ** الوجه الأول : تلك الحركات ليست مخالفة لمقتضى طبيعة أخرى لتلك ms1094 الأجسام ، فإن مبدأ تلك ~~الحركة وإن لم تكن طبيعية لكنه شيء غريب عن ذلك الجسم فكأنه طبيعة. ### |||| ** الوجه الثاني : تحريك القوة إنما يكون بواسطة الميل على ما عرفت ، فمحرك الحركة الأولى لا ~~يزال يحدث في ذلك الجسم ميلا بعد ميل وذلك الميل لا يمتنع أن يسمى طبيعة ~~لأنه ليس بقسر ولا إرادة ولا أمر حصل من الخارج ، ولا يمكنه أن لا يحرك أو ~~يحرك إلى غير تلك الجهة ، ولا هو أيضا مضاد لمقتضى طبيعة ذلك الجسم فإن ~~سميت هذا طبيعة كان لك أن تقول : إن الفلك لا يتحرك بالطبيعة. ### |||| ** الثالث : في الحركة التي من تلقاء المتحرك تفسيران : (3) PageV03P491 ### |||| ** التفسير الأول : قيل : إنها الحركة الصادرة عن مبدأ في جسم المتحرك من شأنه أن يفعل أفعالا ~~مختلفة. فالنبات على هذا التفسير متحرك من تلقاء نفسه. والفلك ليس كذلك، إذ ~~ليس من شأنه أن يتحرك إلى جهات مختلفة. # ومنهم من اشترط فيه أن يكون له مع ذلك أن لا يتحرك. فإن أخذ هنا (1) ~~مطلقا لم يكن الفلك كذلك ، وإن اعتبر أنه إن شاء أن لا يتحرك لا يتحرك ولا ~~يشترط من شأنه إن شاء أن لا يتحرك دخل فيه الفلك ؛ فإن الفلك وإن استحال ~~عليه أن لا يشاء الحركة ، لكن يصدق عليه أنه لو لم يشأ الحركة لا توجد. # وقيل : لا يشترط إلا كون الحركة صادرة عن الإرادة. فعلى هذا التفسير ~~النبات غير متحرك من تلقاء نفسه. وهذا بحث لفظي لا كثير فائدة فيه. (2) ### |||| ** الرابع : (3) كل جسم لا يكون فيه مبدأ ميل فإن حركته يجب أن تقع لا في زمان ؛ لأن كل ~~جسم ميله إلى مكان أشد فتحريكه عن مكانه أصعب لامتناع أن يكون الشيء مع ~~العائق كهو لا مع العائق ، فلو قدر جسم لا ميل فيه وتحرك لم تقع حركته في ~~زمان ، لأنا لو حركنا جسما آخر ذا ميل إلى مكان وقعت حركته في زمان أطول من ~~الأول بسبب الميل الذي هو معاوق ، فلو قدرنا جسما فيه عشر الميل الأول وجب ~~أن يكون ms1095 زمان تلك الحركة عشر زمان الأولى ، لكن زمان حركة عديم الميل أيضا ~~عشر زمان الأولى فيتساوى زمانا عديم الميل وواجده. بل لو PageV03P492 # فرضنا ميلا يكون نصف عشر الميل الأول كان زمان حركته نصف زمان حركة ذي ~~الميل الأول ، فالحركة مع العائق أسرع منها لا معه ، هذا خلف. وإنما يمكننا ~~أن نقسم الزمان أي قسمة شئنا والمقاومة على أي مرتبة أردنا ، لما قد ثبت أن ~~الزمان يقبل القسمة أبدا وأن المراتب القابلة للزيادة والنقصان غير ~~متناهية. # ولما بطل ذلك لزم أن تكون حركة عديم الميل لا في زمان ، وذلك أيضا محال. # وأيضا فكل جسم له حيز طبيعي واقتضاؤه لذلك الحيز لقوة موجودة فيه زائدة ~~على جسميته فإذا أخرج عن ذلك الحيز فتلك القوة لا بد وأن تحاول إعادة الجسم ~~إليه ، ففي كل جسم مبدأ حركة. # وأيضا المقسور على الحركة المستقيمة والمستديرة يختلف عليه تأثير (1) ~~الأقوى والأضعف من حيث إن القوي مطاوع والضعيف معاوق ، وليست المعاوقة ~~للجسم بما هو جسم بل بمعنى (2) فيه يطلب البقاء على حاله من المكان أو ~~الوضع ، فكل جسم يقبل النقل القسري عن مكانه أو وضعه ففيه مبدأ ميل إليه. ### |||| ** الخامس : في الحركة التي بالعرض. (3) # اعلم أن الشيء الذي لا تتبدل أحواله بل أحوال ما يقارنه ، إذا نسب تغيير ~~مقارنه (4) إليه قيل : إنه حركة بالعرض. PageV03P493 # فالمتحرك بالعرض في الأين قد يكون بحال تصح عليه الحركة الأينية وقد لا تصح. # أما الأول : فكالجالس في السفينة أو في الصندوق المتحركين. # وأما في الوضع : فكالكرة التي تكون في جوف كرة أخرى كفلك الثوابت وما ~~تحته في المحيط بحيث يمتنع تبدل النسبة التي بينهما ، فإذا تحركت المحيطة ~~ولم يتبدل الوضع الذي لها بالقياس إلى المحيط لاستمرار تلك النسب وبقائها ، ~~ويتبدل الوضع الذي لها بالقياس إلى غير تلك الكرة المحيطة لتبدل المحاذيات ~~التي كانت لها إلى تلك الأشياء. # وأما المتحرك بالعرض الذي ليس من شأنه أن يتحرك فهو مثل الصور والأعراض ~~الحالة في الجسم ، فإنها تكون مختصة بالأحياز تبعا لاختصاص الجسم بها وتصح ms1096 ~~الإشارة إليها تبعا للإشارة إلى الجسم ، فإذا تحرك الجسم وتبدلت الجهة ~~المصابة (1) بالإشارة تبدلت الإشارة أيضا إلى تلك الأعراض ، فيقال عند ذلك ~~: إنها تحركت ، والمتحرك في الحقيقة هو الجسم. # وأما الشيء الذي لا يكون جسما ولا حالا في الجسم كالنفس مع البدن فيستحيل ~~أن يقال : إنه متحرك بالعرض بحركة البدن. # وإذا عرفت ذلك في المكانية والوضعية فاعرفه في باقي الحركات ، فانه قد ~~يقال للشيء: إنه يسود بالعرض ، إذا كان الموضوع للسواد ليس هو بل جسم آخر ~~يقارنه وإن كان هو هو بالذات لكن يغايره بالاعتبار ، كقولنا : البناء أسود ~~، فان موضوع السواد ليس البناء ولا الجسم مع وصف البنائية ، بل نفس الجوهر. ~~وقد يقال لموضوع الموضوع أيضا مثل: أن الجسم موضوع للسطح والسطح للون ، ~~فاتصاف الجسم بالسواد يكون بالعرض. PageV03P494 # وأما الحركة في الكم فلم يعتبر فيها هذا الاعتبار. # وفيه نظر ، فانه قد يقال : قد تحرك السواد وزاد مقداره ، ولا مقدار له ~~إلا بالعرض ، كما يقال : تحرك في أينه ولا أين له. ### |||| ** السادس : (1). ظن بعض القدماء من الحكماء أن التحريك عبارة عن نسبة الحركة إلى ~~الفاعل ، والتحرك عبارة عن نسبتها إلى المنفعل ، وهو باطل ؛ لأن نسبتها إلى ~~الشيء وصف لها لغيرها والتحريك وصف الفاعل. فإذن التحريك نسبة للفاعل إلى ~~الحركة ، والتحرك نسبة المنفعل (2) إليها وإن كانت نسبتهما إليها لا تنفك ~~من نسبتها إليهما. # واختلاف هذه المباحث لفظية لا يعجبني. لكن يجب أن يعلم أن هنا أمورا ~~ثلاثة : حركة ، وجسم تحل فيه الحركة ، وقوة تصدر عنها تلك الحركة ، ولكل ~~واحد من الجسم والمحرك نسبة إلى الحركة ، ولها نسبتان إليهما. ### |||| ** السابع : في أحوال العلل المحركة (3) # أقسام المحرك قد عرفت أنها ثلاثة : الطبيعة والإرادة والقسر. هذا في ~~المتحرك بالذات. وأما المتحرك بالعرض فإنه مغاير لها لكنه تابع لأحدها. وكل ~~واحد من هذه الأربعة قد تكون أسبابها بالذات وقد تكون بالعرض. وأيضا إما ~~قريبة ، أو بعيدة. وأيضا إما كلية ، أو جزئية. وأيضا إما عامة أو خاصة. ~~وأيضا إما بالقوة ، أو بالفعل. وأيضا إما بسيطة وإما مركبة. ms1097 # والمحرك بالذات إما أن يكون بواسطة أو لا بواسطة ، والواسطة إما أن تكون ~~متحركة من تلقاء نفسها أو لا تكون. فإن لم تكن فإما أن تتصل بالمحرك كيد PageV03P495 # الإنسان وتسمى أداة ، أو لا تتصل به وتسمى آلة. وربما لم يميز في ~~الاستعمال بين مفهومي اللفظين. وإن كانت الواسطة تتحرك من تلقاء نفسها ثم ~~يكون لها محرك فالأولى أن يكون ذلك المحرك غاية لها كالمحبوب ، أو ضد ~~الغاية كالمخوف والمهروب. # وأيضا فالمحركات إما أن تكون متحركة أو لا. [فإن كانت متحركة] فلا بد من ~~الانتهاء إلى ما لا يكون متحركا لاستحالة الدور والتسلسل. # والشيء الذي هو أول المحركات المتحركة (1) يجب الكلام فيه ، فنقول : كل ~~متحرك فلا بد فيه من قوة تكون مبدأ قريبا لتلك الحركة ، لامتناع إسناد ~~الحركة الخاصة إلى نفس الجسمية المشتركة ؛ وإلى أمر خارج ، لأن ذلك الخارج ~~إن كان جسما كان لأول المحركات المتحركة جسم آخر يحركه فلا يكون هو الأول ~~بل الذي يحركه ، وإن كان ذلك المحرك الخارجي مجردا لم يتخصص هو بقبول تلك ~~الحركة عن ذلك المجرد إلا إذا تميز عن سائر الأجسام بخصوصية ، لأن نسبة ~~المجرد إلى جميع الأجسام بالسوية ، وتلك الخصوصية هي المبدأ القريب لتلك ~~الحركة ، ويكون المفارق هو المبدأ البعيد. فالحركة بهذا المعنى دلت على ~~وجود المفارق. ### |||| ** الثامن : في التناسب بين المحركات والمتحركات (2) # لنفرض محركا ومتحركا ومسافة وزمانا ولنفرض المحرك على أنه مبدأ حركة ~~طبيعية وعلى أنه مبدأ جذب أو دفع أو حامل (3)، فإذا حرك محرك ما متحركا في PageV03P496 # مسافة زمانا ما ثم قسم ذلك المحرك بنصفين فلننظر هل نصف المحرك يحرك ~~المتحرك بعينه في ذلك الزمان نصف تلك الحركة أو أقل أو أكثر؟ # فنقول : قد ذهب بعض الناس إلى أن التنصيف يؤدي بالمحرك إلى أن لا يحرك ~~وبالمتحرك إلى أن لا يتحرك ، فحينئذ لا ننظر إلى هذه المناسبات ، لكن قد ~~ظهر بطلان ذلك فصح النظر في هذا التناسب ، فنقول : # أما أولا : فإن من المحركات ما إذا نصف لم تبق قوته ثابتة كالحيوان. # وأما ms1098 ثانيا : فلأن ذلك لو كان ممكنا فإنه لا يجب أن لا يكون نصف المحرك ~~قويا على شيء من التحريك كالحجر العظيم الذي يحتاج في حركته مقدار فرسخ إلى ~~مائة نفس فانه لا يلزم أن يقدر الخمسون على نقله شيئا ما ، نعم يجب أن يكون ~~لكل واحد من تلك الأشخاص أثر في الإعداد للحركة ، كالنقرة الحادثة في ~~الصخرة عن مائة قطرة فانه لا يجب أن يكون لكل قطرة أثر في النقرة بل يؤثر ~~في إعداد الصخرة لأن تأخذ الصلابة التي فيها في الضعف ، فإذا تكامل الضعف ~~بسبب القطرات حصلت النقرة من القطرة الأخيرة. # وإذا فرضنا التنصيف في المتحرك ، فالمشهور أن المحرك (1) يحرك نصف ~~المتحرك في ذلك الزمان ضعف المسافة ، أو يحركه في تلك المسافة في نصف ذلك ~~الزمان. والتحقيق يأباه. # أما في المحرك الطبيعي فإنه متى ينصف المحرك وجب تنصيف القوة المحركة ، ~~لأن قوة نصف الجسم نصف قوة كل الجسم. # وأما في الحامل فيجوز أن لا تبقى قوته بأن تقطع نصف تلك المسافة عند كونه ~~فارغا فضلا عما إذا كان معه نصف المحمول. PageV03P497 # وأما الدافع الرامي (1) فربما عرض أنه يفعل في الأثقل أقوى مما يفعل في ~~الأخف فيفعل في الضعف أشد مما يفعل في النصف ، كالريشة والحجر الصغير ، فلا ~~تبقى تلك النسبة محفوظة ، لأن المرمي لا تتشابه السرعة والبطء في حدوده بل ~~المتأخر منه أبطأ. ويقال : الوسط منه أقوى ، فلا تكون هذه النسبة محفوظة. # وكذا الجاذب ، فإن الجاذب إما أن يجذب بالجر للمجذوب أو يجذب بالقوة التي ~~فيه ولتلك القوة حد ينتهي إليه تأثيرها في المجذوب ، فما خرج منه لا يلزم ~~أن يؤثر فيه فلا يلزم أن يكون الأصغر أسهل انجذابا من المكان الأبعد. # وإن فرضنا التنصيف في الزمان ، فالمشهور أن ذلك المحرك يحرك ذلك المتحرك ~~في نصف ذلك الزمان نصف تلك المسافة. وليس بلازم ، فإنه لا يلزم أن يتساوى ~~المقطوع في نصف (2) زمان الرمي لا في القسري ولا في الطبيعي لما علمت من ~~اختلاف الحركة في السرعة والبطء. # وأما المحرك ms1099 في نصف المسافة ، فالمشهور والحق على قياس ما تقدم. # وأما اعتبار نصف المحرك مع نصف المتحرك ، فالمشهور حفظ النسبة. لكنا بينا ~~أن المحرك يحتمل أن لا يقبل التنصيف ، وبتقدير احتماله لذلك فيحتمل أن يكون ~~تحريك النصف للنصف أبطأ من تحريك الكل بأن تزيد القوة بسبب من أسباب ~~اشتدادها. # أما نصف المحرك في نصف الزمان ، فالمشهور حفظ النسبة. وقد عرفت ما فيه. PageV03P498 # وكذا القول في نصف المحرك في نصف المسافة. # وتعلم من التنصيف حال التضعيف. # وقد يقع اعتبار هذه المناسبات في المحرك والمتحرك والحركة والمسافة ~~والزمان من حيث هي متناهية وغير متناهية أي هذه (1) إذا تناهى تناهى الآخر ~~، لأن هذه الخمسة متطابقة متقابلة ولو كان واحد منها متناهيا والآخر غير ~~متناه انتفى التقابل. ### |||| ** خاتمة : تشتمل على بقايا مباحث الزمان. (2) ### |||| ** الأول : قد عرفت الخلاف في ماهية الزمان (3)، وأن بعضهم جعله واجبا PageV03P499 # لذاته (1)، لأن الزمان يلزم من فرض عدمه لذاته محال ، لأنا لو فرضنا ~~عدمه لكان عدمه بعد وجوده وتلك بعدية زمانية فيكون موجودا عند ما فرض ~~معدوما ففرض عدمه يوجب لذاته وجوده وهو محال فقد لزم من فرض عدمه لذاته ~~المحال. # بل الموجود الذي يجب وجوده غير الزمان لو أردنا بيان امتناع عدمه احتجنا ~~فيه إلى برهان منفصل ، والزمان لو طلبنا بيان امتناع عدمه كفى في بيانه ~~مجرد تصور حقيقته وحقيقة العدم ، لأن الزمان لا يعقل عدمه إلا إذا عقل حصول ~~عدمه بعد وجوده وتلك البعدية لا تقدر إلا بالزمان. فعدم الزمان لذاته يوجب ~~وجود الزمان لتتحقق بسببه بعدية العدم ، فثبت أن تجويز العدم على الزمان ~~متناقض في نفسه ، وأما تجويز العدم على سائر الأمور التي تفرض واجبة فانه ~~وإن كان محالا إلا أنه غير متناقض ، فإذا كان الذي يلزم من فرض عدمه محال ~~واجبا وإن لم يلزم التناقض من فرض عدمه فالزمان الذي يلزم المحال من فرض ~~عدمه ويلزم التناقض أولى بالوجوب. # وإذا كان واجبا لذاته فهو جوهر قائم بنفسه غني عن الموضوع. ثم إن حصلت ~~فيه الحركة ووجدت (2) لأجزائها إليه ms1100 نسبة سمى زمانا وإن لم توجد الحركة فيه ~~فهو الدهر. ### |||| ** والجواب : استحالة عدم الزمان بعد وجوده لا يستلزم وجوبه الذاتي ، بل إنما يستلزم ~~الوجوب الذاتي استحالة عدمه مطلقا ، لكن الزمان ليس كذلك بل استحالة عدمه ~~مشروطة بسبق وجوده بحيث تتحقق البعدية المتوقفة على الزمان. فالغلط نشأ ~~لهؤلاء القوم من باب إغفال توابع الحمل. على أنا نمنع توقف البعدية PageV03P500 # والقبلية على الزمان (1)، وإلا لزم أن يكون للزمان زمان آخر على ما سبق ~~تقريره. # ولأن الزمان لا يعقل وجوبه ، لأنه متقض (2) لذاته وإلا لكان الشيء الحادث ~~الآن قد حدث في زمان الطوفان فلا يكون شيء قبل شيء ، والحس يدفع ذلك. وأيضا ~~يبطل وجود الزمان ، لأنهم إنما أثبتوه باعتبار تحقق قبلية بعض الأشياء ~~وبعدية البعض. وإذا كان متقضيا استحال أن يكون واجبا لذاته ، لأن الواجب ~~لذاته لا يصح عليه العدم فضلا عن أن تكون ذاته تقتضي السيلان وعدم ~~الاستقرار. # وبعضهم قال : إنه نفس الفلك (3)، لأن كل شيء في الزمان وكل شيء في ~~الفلك. وهو عقيم ، مع كذب الكبرى فان الفلك شيء وليس في الفلك. # ومنهم من جعله نفس الحركة لوجهين : (4) ### |||| ** الوجه الأول : الزمان يشتمل على الماضي والمستقبل والحركة كذلك. ### |||| ** الوجه الثاني : من لا يحس بالحركة لا يحس بالزمان كما في حق أصحاب الكهف (5) والمتمادي في ~~اللهو والبطر يستقصر الزمان لانمحاء الحركة عن ذهنه ، وبالعكس المغتم ~~والمنتظر يستطيلان الزمان لبقاء أثر الحركة في ذهنه. ### |||| ** والجواب (6) ### |||| ** عن الأول : أنه قياس عقيم ، فإن الموجبتين في الشكل الثاني لا PageV03P501 # تنتجان ، فإن اشتراك المختلفات في لازم واحد جائز. ### |||| ** والجواب عن الثاني : أنه لا يلزم من ملازمة الحركة والزمان في بعض المواضع اتحادهما في الماهية ~~، بل يمكن الفرق بينهما من وجوه : ### |||| ** الأول : الحركتان المختلفتان قد تتحدان في الزمان وما به الاختلاف غير ما به ~~الاتحاد. ### |||| ** الثاني : توصف الحركة بما لا يوصف به الزمان. ### |||| ** الثالث : يصح انقسام الزمان إلى الساعات والأيام وغيرها بخلاف الحركة ، إلا على جهة ~~المظروفية. ### |||| ** الرابع : يؤخذ الزمان جزءا من حمل أنواع الحركة فيقال : الحركة السريعة هي ms1101 التي تقطع ~~المسافة في زمان أقصر ، والبطيئة في زمان أطول ، والحركة لا تصلح لذلك. ### |||| ** الثاني : أنا فيما سلف (1) قد ذكرنا احتجاج مثبتي الزمان بإمكان فرض حركتين اتفقتا # سرعة وبطأ وأخذا وتركا ، ثم فرض ثالثة بطيئة مع إحداهما اتفقتا أخذا ~~وتركا ، وفرض رابعة مساوية للأخرى سرعة وبطأ أو تركا لا أخذا ، فانه يحصل ~~إمكان قابل للقلة والكثرة والانقسام ، فيكون كما. # وبأن (2) القبلية والبعدية مغايرتان للوجود والعدم وليست القبلية عدما ~~ولا البعدية ، لأنهما نقيض اللاقبلية واللابعدية التي هي عدم محض ونقيض ~~العدم ثبوت ، ولا اعتبارا عقليا كفرض الخمسة زوجا ، بل هما موجودان خارجا ، PageV03P502 # وليستا قائمتين بذاتيهما لأنهما من النسب والإضافات ، وليس كل شيء يقبل ~~هذه النسبة ، فان الأب من حيث هو جوهر ليس قبل الابن فلا بد من شيء يلحقه ~~لذاته القبلية والبعدية، وليس قارا فهو مقتض ، أما الحركة وهو محال ، لأن ~~الحركة قبل كالحركة بعد. فهناك أمر غيرها وهو الزمان. ### |||| ** وأبطلنا الأول (1) ### |||| ** : بأن المراد بالمعية الاتفاق زمانا فيتوقف ثبوتها على ثبوت الزمان ، ويدور. # وإثبات السرعة والبطء يتوقف على ثبوت الزمان ، فيدور. # وبأنهم لما حاولوا الجواب عن قول من يقول : الزمان الماضي قابل للزيادة ~~والنقصان والقابل لهما له بداية فللزمان الماضي بداية. أجابوا بأن الزمان ~~الماضي غير موجود بمجموعه في وقت من الأوقات وما لا يكون موجودا لا يصح ~~الحكم عليه بالزيادة والنقصان. فإذا كنتم تمنعون من صحة الحكم بالزيادة ~~والنقصان على هذا الإمكان عند محاولة (2) الخصوم بيان تناهيه فكيف تحكمون ~~عليها الآن بقبول الزيادة والنقصان عند محاولة إثباته ، وهذا عين التناقض؟ # واعترض (3) على الأولين بأنا نقول : العلم بأصل وجود الزمان ضروري ، ~~والمطلوب بالبرهان ليس كونه موجودا بل المطلوب حقيقته المخصوصة وهو كونه ~~مقدارا للحركة ، وكذا (4) قال الشيخ في «النجاة» (5) إذا كان يوجد في هذا ~~الإمكان زيادة ونقصان يتعينان وجب أن يكون هذا الإمكان ذا مقدار يطابق ~~الحركة. PageV03P503 # فالشيخ لم يستنتج من قبول هذا الإمكان للزيادة والنقصان كونه أمرا وجوديا ~~، بل استنتج منه كونه مقدارا مطابقا للحركة. فظهر أنه ليس الغرض من ms1102 هذا ~~البرهان إثبات أصل وجود الزمان بل تحقيق ماهيته. # وإذا عرفت هذا فنقول : العلم بابتداء الحركة وانتهائها وكونها سريعة ~~وبطيئة يكفي فيه العلم بوجود الزمان ، والعلم بوجود الزمان أولي بديهي ، ~~والذي يبتنى تحقيقه على هذه الأمور هو تحقيق ماهية الزمان لا تحقيق وجوده. # وأما الثالث فنقول : لا يلزم من أن يكون المجموع الذي ليس لأجزائه وجود ~~أن لا يكون قابلا للزيادة والنقصان ، فإنا نعلم أن الحركة من أول المسافة ~~إلى آخرها أكثر منها إلى نصف المسافة مع أنه لا وجود لمجموع أجزاء الحركة ، ~~فكذا هنا. # بقي أن يقال : إذا كان الأمر كذلك فليحكم بأن صحة الحكم على الشيء ~~بالزيادة والنقصان لا تتوقف على كونه موجودا ، وذلك مما يقدح في أصولهم. # ثم قالوا : هذا الإمكان منقسم وكل منقسم فإما مقدار أو ذو مقدار فهذا ~~الزمان (1) لا يعرى عن المقدار ، وليس هذا المقدار نفس السرعة والبطء ، ~~لمساواة الحركة من أول المسافة إلى آخرها نصف تلك الحركة في السرعة والبطء ~~ومخالفتها لها في المقدار. فإذن مقدار الحركة زائد على سرعتها وبطئها ، ~~وهذا المقدار ليس مقدار المسافة ، لأن المتحركات قد تتحد في مقدار المسافة ~~وتختلف في مقدار هذا الإمكان ، فان الذي يقطعه السريع مثلا في نصف ساعة ~~يقطعه البطيء في ساعة ، وقد تتحد المتحركات في هذا الإمكان وتختلف في مقدار ~~المسافة ، مثل أن المسافة (2) الواحدة إذا قطع السريع فيها فرسخا قطع ~~البطيء فيها رمية سهم ، PageV03P504 # وليس أيضا هو مقدار المتحرك. # قال الشيخ في «النجاة» : هذا المقدار لو كان مقدارا للمادة لكان بزيادته ~~زيادة المادة ، ولو كان كذلك لكان كل ما هو أسرع أكبر وأعظم. (1) # وليس بجيد ، لأن هذا المقدار في الأسرع ليس أعظم مما في الأبطأ حتى يلزم ~~أن يكون الأسرع أعظم ، بل هو في الأسرع أقل مما في الأبطأ ، لأن الأسرع هو ~~الذي يقطع المسافة في زمان أقل. بل الواجب أن يقال : لو كان مقدارا للمادة ~~لوجب أن تزداد المادة بزيادته فيكون الأبطأ أعظم لأن هذا المقدار في الأبطأ ~~أكثر. فإذن هذا المقدار ms1103 مغاير لمقدار المسافة ولمقدار المتحرك ، وهذا ~~المقدار ليس أمرا قائما بنفسه لأنه مقتض فهو في موضوع ، فإما أن يكون ~~مقدارا للموضوع أو لهيئة فيه. والأول باطل وإلا لزاد الموضوع بزيادته ~~وانتقص بانتقاصه. فهو مقدار لهيئة فيه ؛ وليست قارة ، لأن مقدار القار يجب ~~أن يكون قارا ، فهو مقدار لهيئة غير قارة هي الحركة. (2) # والاعتراض : دعوى الضرورة على إثبات الزمان باطلة ، خصوصا وقد دلت ~~البراهين القطعية على نفيه في الأعيان ، وأن وجوده يستلزم أحد المحاذير ~~الثلاثة عندهم : إما تتالي الآنات ، أو اتصال المعدوم بالموجود ، أو كون ~~غير القار الذات قار الذات. # سلمنا ، لكن الحكم بالزيادة والنقصان إنما هو على أمر فرضي ذهني كما قلنا ~~في الخلاء. ثم يعارض بنفس الزمان ، فإن بين ابتداء كل زمان وانتهائه إمكانا ~~يتسع لميل ذلك المقدار أو لا يتسع لما هو أعظم منه ولا يمتلي لما هو أصغر ~~منه وإمكانا آخر أقل منه لا يتسع لذلك الزمان ولا لما هو أعظم منه ويمتلي ~~ببعضه ، PageV03P505 # وإذا كان كذلك لزم أن يكون للزمان زمان ، فإن جعلوا ذلك من الأمور ~~الاعتبارية فليقولوا بمثله في الحركة. # ثم نقول : الإمكان أمر ذهني واعتبار عقلي كيف يعقل فيه قبول التفاوت ~~والزيادة والنقصان والقسمة؟ ولو كان أمرا وجوديا لم تعقل فيه كمية وزيادة ~~ونقصان وقسمة ، والكثرة ، والنقصان في الحركة إنما المرجع بهما (1) إلى أمر ~~ذهني هو الحركة بمعنى القطع ، ولا يمكن أن يرجع إلى الحركة بمعنى التوسط ، ~~لأنها آنية عندهم لا تعقل فيها قلة ولا كثرة. ### |||| ** وأبطلنا الثاني : بمنع كون القبلية والبعدية ثبوتيين. والتناقض وارد في الامتناع. (2) ولو ~~كانتا وجوديتين لوجدتا معا لأنهما إضافيان ، ويوجد معروضاهما معا فالقبل مع ~~هذا خلف. ولأن القبلية لو كانت موجودة لكانت لها قبلية أخرى ويتسلسل. ولأنه ~~يستلزم أن يكون للزمان زمان لتقدم بعض أجزائه على بعض وليس لذاته ، وإلا ~~لزم تتالي الآنات ووجود ما لا يتجزأ بالفعل وترجيح بعض الأجزاء بالتقدم من ~~غير أولوية. ولأنه ليس تقدم بعض الأجزاء على البعض مجرد التقدم الذاتي الذي ~~بين العلة والمعلول ms1104 ، لأن هناك المتقدم حاصل مع المتأخر وليس الأمر هنا ~~كذلك ، بل التقدم الذي هنا كتقدم الحركة السابقة على اللاحقة. # فإن كان هذا النوع لا يتقرر إلا مع الزمان وجب أن يكون للزمان زمان ، ~~وإلا جاز مثله في سائر الأشياء. ### |||| ** الثالث : في أن للزمان بداية. # اتفق القائلون بالحدوث من المليين وغيرهم من قدماء الحكماء عليه (3)، PageV03P506 # ومنع منه أرسطو وغيره من القائلين بالقدم. (1) # لنا وجوه : (2) ### |||| ** الوجه الأول : المؤثر في العالم مختار ، وكل فاعل مختار فانه متقدم على جميع أفعاله ، وكل ~~ما تقدمه غيره فله أول فلكل الحوادث أول. ### |||| ** الوجه الثاني : كل واحد من الحوادث مسبوق بعدم لا أول له فمجموع العدمات أزلية فلو وجد ~~معها شيء من الحوادث يساوي السابق والمسبوق. ### |||| ** الوجه الثالث : الحوادث الماضية تتطرق إليها الزيادة والنقصان ، لأنها من زمان الطوفان إلى ~~الأزل جملة (3) ومن زماننا إلى الأزل أكثر. لأنها إما زوج أو فرد |يقولون إن الدهر قد حان موته||ولم يبق في الأيام غير ذماء| |فقد كذبوا ما يعرفون انقضاءه||فلا تسمعوا من كاذب الزعماء| # أما أزلية الزمان فيشير إليها في مواضع كثيرة منها : |خالق لا يشك فيه حكيم||وزمان على الأنام تقادم| |جائز أن يكون (آدم) هذا||قبله (آدم) على إثر (آدم) | |ولو طار جبرئيل بقية عمره||عن الدهر ما اسطاع الخروج من الدهر| |قدم الزمان وعمره إن قسته||فلديه أعمار النسور قصار| |تقادم عمر الدهر حتى كأنما||نجوم الليالي شيب هذى الغياهب| # راجع المعري ، اللزوميات 1 : 22 / 47 و2 : 157 / 278 و1 : 87 / 100. نقلا ~~عن إبراهيم العاتي ، الزمان في الفكر الإسلامي : 148 149. PageV03P507 # وكل واحد منهما أنقص من العدد الذي فوقه. ولأنه عودات القمر أكثر من ~~عودات زحل والمشتري. ولأن الدورات الماضية لو كانت غير متناهية لكانت ~~الأبدان البشرية الماضية غير متناهية فالنفوس البشرية غير متناهية لاستحالة ~~التناسخ ، فالنفوس البشرية في زماننا غير متناهية لوجوب بقاء النفس ، لكن ~~عددها قابل للزيادة والنقصان ، فان النفوس التي كانت في زمان الطوفان أقل ~~من النفوس التي في زماننا ، وكل قابل للزيادة ms1105 والنقصان متناه بالضرورة، ~~فالنفوس البشرية متناهية فالأبدان متناهية فالحركات والمتحركات متناهية فكل ~~العالم متناه. ### |||| ** الوجه الرابع : لو كانت الحوادث غير متناهية لتوقف حدوث الحادث اليومي على انقضاء ما لا ~~نهاية له ، وما يتوقف على انقضاء ما لا نهاية له استحال وجوده ، فكان يلزم ~~استحالة وجود اليوم ، فلما وجد علمنا تناهي الحوادث. ### |||| ** الوجه الخامس : كل واحد من الحوادث له أول فللكل أول ، كما أن كل واحد من الزنج لما كان ~~أسود كان الكل أسود. ### |||| ** الوجه السادس : الحوادث الماضية قد انتهت إلينا فلو كانت غير متناهية لكان ما لا نهاية له ~~متناهيا. ### |||| ** الوجه السابع : إما أن يوجد في الأزل شيء من الحوادث أو لا. والأول محال ، لأن الحادث ~~مسبوق بالعدم والأزل غير مسبوق به. والثاني هو المطلوب ، لأنا قد أشرنا إلى ~~حالة ما كان شيء من الحوادث هناك موجودا. ### |||| ** الوجه الثامن : الأمور الماضية قد دخلت في الوجود وما دخل في الوجود فقد حصره الوجود وما ~~حصره الوجود كان متناهيا ، فالحوادث الماضية متناهية. ### |||| ** الوجه التاسع : كل واحد من الحوادث مسبوق بعدم لا أول فإذا فرضنا جسما قديما وفرضنا حوادث ~~لا أول لها لزم أن لا يكون ذلك الجسم متقدما لا على وجود تلك الحوادث ولا ~~على عدمها ، ومحال أن يكون الشيء لا يتقدم أمورا ولا PageV03P508 # يتقدم ما هو سابق على كل واحد من تلك الأمور ، لأنه يصير حكم السابق ~~والمسبوق في السبق والتقدم حكما واحدا. # اعترض الأوائل (1) على الأول : بمنع الصغرى. # وعلى الثاني : بأن الأزل عدمي. # وعلى الثالث : بأن المحكوم عليه بالزيادة والنقصان : إما كل الحوادث ، ~~وهو محال ؛ لأن الكل من حيث هو كل غير موجود في الخارج ولا في الذهن (2)، ~~فيمتنع وصفه بالزيادة والنقصان الثبوتيين. (3) # أو كل واحد ، ولا نزاع فيه. # وأيضا إذا كان الشيء متناهيا من جانب وغير متناه من آخر فإذا ضم إلى ~~الجانب المتناهي شيء حتى ازداد هذا الجانب فالزيادة إنما حصلت في الجانب ~~المتناهي لا في الجانب الآخر فلا يصير الجانب الآخر متناهيا. إلا أن يقال : ~~إنا نفرض ms1106 في الذهن انطباق الجانب المتناهي من الزائد على الناقص المتناهي ~~فلا بد وأن يظهر التفاوت من الجانب الآخر. لكن لا يصح تطبيق طرف الزائد على ~~طرف الناقص إلا بوقوع فضلة عددية في الزائد ، ومع ذلك فمن المحتمل أن يمتد ~~الزائد مع الناقص أبدا من غير أن ينقطع الناقص ، بل يبقى أبدا مع الزائد من ~~تلك الفضلة العددية. (4) # وأيضا يعارض بصحة حدوث الحوادث من الأزل إلى الطوفان ، فانها PageV03P509 # أقل من صحتها من الأزل إلى الآن مع أنه لا يلزم تناهي الصحة. # وصحة حدوث الحوادث من الطوفان إلى الأبد أكثر من صحة حدوثها من الآن (1) ~~إلى الأبد مع عدم النهاية في طرف الأبد. # وتضعيف الألف أقل من تضعيف الألفين مرارا غير متناهية. # ومعلوماته تعالى أكثر من مقدوراته. ### |||| ** وعلى الرابع : بأن التوقف إن عنى به أن يكون أمران معدومان في وقت وشرط وجود أحدهما في ~~المستقبل أن يوجد المعدوم الآخر قبله ، فإن كان الأمر على هذا وجدنا أمرا ~~معدوما ومن شرط وجوده أن توجد أمور بغير نهاية في رتبتها وكلها معدومة ~~فيبتدئ في الوجود من وقت ما اعتبر هذا الاشتراط ، فالذي يكون كذلك يكون ~~ممتنع الحدوث والوجود. وإن عنى بالحدوث (2) أنه لا يوجد هذا الحادث إلا وقد ~~وجد قبله ما لا نهاية له ثم ادعى أن التوقف بهذا المعنى محال ، فهو ~~المتنازع. ### |||| ** وعلى الخامس : بأن حكم الكل وكل واحد قد يختلفان ، فإن كل واحد من العشرة ليس عشرة ~~والمجموع عشرة. وكل جزء ليس بالكل وكلها كل. وكل واحد من الحوادث اليومية ~~غير مستغرقة لكل اليوم والكل مستغرق. بل الكل من حيث هو كل يستحيل أن يساوي ~~جزءه من حيث هو جزء ، وإلا لم يكن أحدهما كلا والآخر جزءا. # والمثال غير مفيد ، لأنا لا ندعي أن حكم الجملة يجب أن لا يساوي حكم ~~الأجزاء حتى يضر المثال الواحد ، بل ندعي أن التساوي قد يكون وقد لا يكون ، ~~وإنما يثبت أحد الأمرين بالبرهان. PageV03P510 ### |||| ** وعلى السادس : بأن انتهاء الحوادث إلينا يقتضي ثبوت النهاية لها من الجانب ms1107 الذي يلينا ~~وثبوت النهاية من أحد الجانبين لا ينافي اللانهاية من جانب آخر ، كالصحة ~~التي لا بداية لها لا نهاية إليها ، وحركات أهل الجنة لا نهاية لها مع أنها ~~في جانب البداية لها نهاية. ### |||| ** وعلى السابع : بما تقدم من أن الأزل ليس حالة معينة بل هي نفي الأولية ، فلا يقال : هل ~~وجد فيه حادث أو لا؟ والحادث الزماني الذي هو عبارة عن الشيء المسبوق ~~بالعدم يمتنع وقوعه في الأزل. # فأما قولكم : «لما لم يقع شيء من الحوادث في الأزل ، فقد أشرنا إلى حالة ~~لم يكن شيء من الحوادث هناك موجودا». فقد بينا أن الأزل ليس وقتا مخصوصا ~~حتى يقال بأن ذلك الوقت قد خلا من الحوادث ، بل الأزل هو نفي الأولية. ~~فقولنا : الأزل لم يوجد فيه شيء من الحوادث ، معناه أن نفي الأولية لم يوجد ~~فيه شيء من الحوادث ، أي كل واحد من الحوادث مسبوق بالعدم ، فلم قلتم : لما ~~كان كل واحد منها مسبوقا بالعدم وجب أن يكون الكل كذلك؟ فإن النزاع لم يقع ~~إلا فيه. # ويعارض بالصحة ، فإن صحة حدوث الحوادث إن كانت حاصلة في الأزل أمكن حدوث ~~حادث أزلي ، وهو محال. وإن لم تكن فللصحة مبدأ ، وهو محال. ولما لم يقدح ~~هذا في الصحة (1)، فكذا هنا. ### |||| ** وعلى الثامن : بأن كل ما دخل في الوجود فقد حصره الوجود ، بمعنى أن يكون الشيء (2) طرف ، ~~ونحن نسلم أن الحوادث محصورة من الجانب الذي يلينا ، لكن لم قلتم : إنه ~~يلزم من ذلك أن يكون محصورا من الطرف الذي لا يلينا؟ ثم يعارض بصحة ~~الحوادث. PageV03P511 ### |||| ** وعلى التاسع : أن قولكم : «يلزم أن لا ينفك الجسم عن حدوث الحوادث وعدمها». إن عنيتم أنه ~~يكون موصوفا بكل الحوادث وبعدمها معا ، فهو باطل ؛ لأن الحوادث ليس لكليتها ~~وجود حتى يكون الجسم موصوفا بها. وإن عنيتم به أنه في كل وقت من الأوقات ~~يكون موصوفا بواحد من تلك الحوادث فهو في ذلك الوقت لا يكون موصوفا بعدم ~~ذلك الحادث حتى يلزم التناقض ، بل يكون موصوفا بعدم سائر الحوادث. ms1108 والتناقض ~~إنما يلزم إذا كان الشيء موصوفا بالحادث المعين وبعدم ذلك الحادث معا. وأما ~~أن يكون في ذلك الوقت موصوفا بوجوده وبعدم غيره فأي تناقض فيه؟ # والجواب بما يأتي من دلالة الاختيار ، وما تقدم من البراهين الدالة على ~~الحدوث. وكون الأزل عدميا لا ينافي تقدير الوجود فيه ، كالزمان. والحكم ~~يستدعي ثبوت المحكوم عليه ذهنا. ولا شك في تصور الكل وإلا لامتنع الحكم ~~عليه بأنه غير مقصور وغير واقع. والصحة أمر اعتباري لا تعقل فيه زيادة ولا ~~نقصان ولا قلة ولا كثرة. والتوقف بكلا التفسيرين غير معقول ، فإن وجود حادث ~~بعد انتهاء حوادث لا نهاية لها إليه غير ممكن. ونحن لا ندعي عمومية ~~المساواة بين الكل وكل واحد في جميع الأحكام ، بل في حكم لاحق لطبيعة أمر ~~من حيث ماهيته فانه يجب مساواة الكل والجزء فيه ، وبالخصوص هنا ؛ فان ~~الضرورة قضت بأن كل واحد إذا كان قد سبقه عدم فالمجموع المتوقف وجوده على ~~وجود كل واحد يكون أولى بالمسبوقية بالعدم. وهذا حكم ضروري. # احتجوا (1) بوجوه : PageV03P512 ### |||| ** الوجه الأول : لو كان للزمان أول أو آخر لكان عدمه سابقا على وجوده أو وجوده سابقا على ~~عدمه فالزمان موجود حال ما فرض معدوما ، هذا خلف. والزمان من عوارض الحركة ~~التي هي من عوارض الجسم ، فالجسم والحركة لا أول لهما ولا آخر. قال المعلم ~~الأول : من قال بحدوث الزمان فقد قال بقدمه من حيث لا يشعر به. ### |||| ** الوجه الثاني : كل محدث فإن وجوده سابق على عدمه ، فإما أن يكون معنى هذا السبق هو وجوده ~~فقط ، وهو باطل ؛ لأنه تعالى موجود مع الخلق ، وكونه متقدما على الخلق لا ~~يبقى عند كونه مع الخلق. وإما أن يكون معناه وجوده وعدم الحوادث فقط ، وهو ~~باطل ؛ لأن الحوادث قد تكون معدومة بعد ، ولم يصح بهذا الاعتبار أن يقال : ~~إن الخالق قبل الخلق. فإذن المفهوم من هذا السبق شيء ثالث وهو : أنه كان ~~موجودا مع زمان لم توجد فيه هذه الحوادث ثم وجدت هذه الحوادث بعد تقضي ذلك ~~الزمان ، وهذا التقدم ms1109 ثابت لله تعالى من الأزل إلى الأبد ، فهذا الزمان ~~موجود من الأزل إلى الأبد. ### |||| ** الوجه الثالث : المحدث هو الذي لم يكن ثم كان ، فقولنا : «لم يكن» إما أن يكون إشارة إلى ~~عدمه بالقياس إلى مدة منقضية ، وإما أن يكون بالقياس إلى مجرد العدم الصرف. ~~والثاني محال ، لأنه لو كان العدم بالقياس إلى العدم الصرف حدوثا لكان ~~الباري تعالى حادثا لأنه معدوم في المعدوم فانه تعالى لم يكن في العدم ~~الصرف ، فعلمنا أن قولنا : «لم يكن» إشارة إلى عدمه بالقياس إلى مدة منقضية ~~، وقولنا : «لم يكن» (1) ثابت للمحدث من الأزل ، فالمدة ثابتة من الأزل. ### |||| ** الوجه الرابع : لو كان الزمان محدثا لكان إما أن يتميز حين حدوثه عما ليس هو حين حدوثه ، ~~وإما أن لا يتميز. ومحال أن لا يتميز ، لأنه يلزم أن يكون حدوثه PageV03P513 # مقارنا للاحدوثه (1)، وهو محال. وإن كان متميزا فلا يخلو إما أن كان ذلك ~~التميز مترتبا (2) على الحدوث ، وهو محال ؛ لأن صحة حدوثه مترتبة على ~~امتياز حين حدوثه عين حين لا حدوثه ، فلا يجوز أن يكون امتياز أحد الحينين ~~عن الحين الآخر موقوفا على الحدوث ، وإلا دار. فإذن الحينان متميزان ~~بأنفسهما وما كان كذلك فهو أمر موجود. ولأنه قابل للأقل والأكثر والأزيد ~~والأنقص فهو كم متصل غير قار الذات وهو الزمان ، فإذن الزمان غير محدث ~~حدوثا زمانيا. ### |||| ** الوجه الخامس : لو كان الزمان محدثا لأمكن فرض حركتين متفاوتتين تنتهي إحداهما إلى العالم ~~بعشر دورات والأخرى بعشرين ، لأنه لو امتنع فإما أن يكون الامتناع عائدا ~~إلى المقدور لزم انتقال الشيء من الامتناع إلى الإمكان ، وإن كان عائدا إلى ~~القادر لزم انتقاله من العجز إلى القدرة ، وهما محالان ، فهذا الفرض ممكن ~~فإما أن يمكن أن تبتدئ (3) الحركتان العظمى والصغرى وتنتهيا معا أو لا ~~يمكن. والأول محال ، وإلا انتفت الأعظمية. فإذن قبل حدوث العالم امتداد لا ~~يمكن أن يحصل منه إلا عشر دورات وامتداد آخر أزيد ، وذلك الامتداد أمر ~~وجودي قابل للزيادة والنقصان فيكون مقدارا للحركة لما تقدم ، فيلزم من قدم ~~هذه ms1110 المعية (4) قدم الحركة والجسم. ### |||| ** والجواب عن الأول : أنه تمسك بالألفاظ والاصطلاحات ، ونحن بالحقيقة لا نسمي العدم السابق قبلا ~~بل نتوهم القبلية هناك مقدرة ، كما أنا نتوهم أن خارج العالم حيزا وإن كان ~~وهما كاذبا. PageV03P514 # قيل عليه (1): العقل يدرك بالبديهة ترتبا بين العدم والوجود وليس ذلك ~~الترتب بالعلية ، لأن العدم لا يكون علة للوجود ؛ ولأن العلة والمعلول يجب ~~تقارنهما دفعة (2) والعدم والوجود يستحيل تقارنهما دفعة ، ولا بالطبع أيضا ~~لهذا ، وظاهر أنه ليس بالشرف والمكان ، فيكون بالزمان. ونحن لا نعني ~~بالزمان إلا هذا النوع من الترتب فإن لم يحصل هذا الترتب فقد سلمتم أنه ليس ~~للزمان عدم سابق على وجوده ، وهو المطلوب. وإن حصل كان الترتب الزماني حاصلا. # والفرق بين ذلك وبين الأحياز المتوهمة ظاهر ، لأن الحيز (3) لا يتوقف في ~~كونه متناهيا على حصول حيز خارج عنه ، وكونه محدثا يتوقف على مسبوقيته ~~بالعدم. # وهو خطأ ؛ لأن هذا الترتب لا يستدعي زمانا كما بين أجزاء الزمان فإن ~~بعضها مترتب على بعض وليس بالعلية ولا بالطبع ، وإلا لتخالفت في الحقيقة ~~لاستلزام الاختلاف في المعلولات الاختلاف في العلل ، ولا بالشرف والمكان ~~ولا بالزمان ، وإلا تسلسل. فهذا نوع آخر عقل في أجزاء الزمان فليعقل مثله ~~في العدم والوجود. (4) ### |||| ** والجواب عن الثاني : أنه معارض بالزمان على ما تقدم من أن بعض أجزائه سابق على البعض. ويلزم منه ~~أن يكون الله تعالى زمانيا ، لأن الله تعالى كان في غير هذا اليوم ثم كان ~~مع هذا اليوم وسيكون بعده وذلك يوجب أن يكون كونه مع اليوم بسبب زمان ، ~~فيكون للزمان زمان وللباري تعالى زمان. # اعترض بأن تقدم الله تعالى على الزمان المعين ذلك أيضا بسبب الزمان ، لأن PageV03P515 # الزمان المعين لما لم يكن موجودا في الأزمنة المنقضية مع الباري كان ~~الباري تعالى متقدما عليه. والتسلسل غير لازم ، لأن كل زمان متأخر فهو إنما ~~كان متأخرا لأنه لم يوجد مع الباري في الزمان المتقدم وذلك يقتضي أن يكون ~~الحكم على كل زمان متأخر بكونه متأخرا متوقفا على وجود زمان آخر قبله ms1111 ، ~~والتسلسل على هذا الوجه غير باطل بل هو نفس مذهبهم. # لا يقال : التسلسل لازم من وجه آخر وهو أنه إذا كان تقدم الباري تعالى ~~على الزمان المعين لأجل الزمان لزم أن يكون معيته مع الزمان لأجل زمان آخر ~~ويلزم منه أزمنة غير متناهية يحيط بعضها ببعض دفعة ، وهو محال. # لأنا نقول : كون الزمان مع الباري لو ثبت له ثبت لنفسه لا لأمر منفصل ، ~~ولهذا المعنى لا يعقل الوقت المعين واقعا إلا على ذلك الوجه فالساعة لا ~~تتصور إلا الساعة ويستحيل وقوعها قبل هذه الساعة أو بعدها فإنها لو حدثت لا ~~حين ما حدثت لم تكن هذه الساعة بل غيرها ، فوقوعها كما وقعت من الواجبات ~~ووقوعها يقتضي المعية مع الباري. فإذن الوقت المعين المقارن لوجود الباري ~~مقارن له لذاته لا لأمر منفصل. فإذن لا يلزم التسلسل في الأزمنة. # وأما سائر الحوادث التي يحكم عليها بالمعية والتقدم والتأخر فليست ~~معيتهما (1) لذاتيهما (2) وعينهما (3) فإن كل ما غاير الزمان يفرض وقوعه مع ~~الباري أمكن أن يتصور ذلك الشيء بعينه قبله أو بعده. فظهر أن كون الزمان مع ~~الباري لا يقتضي زمانا آخر وأن كون سائر الحوادث مع الباري يقتضي زمانا محيطا. # وكذا كل جزء من الزمان يقال له : إنه تأخر عن جزء آخر ، فإنما يقال له : ~~إنه متأخر ، لأنه لم يوجد مع الجزء السابق من الزمان فهاهنا أيضا لم يظهر ~~معنى التقدم والتأخر إلا عند وجود الزمان. PageV03P516 # ولا يلزم أن يكون ذلك التقدم بسبب زمان آخر ، لأنه متى كان التقدم ~~والتأخر في الزمان من لوازم ماهيته لم يحتج إلى زمان آخر. وأما سائر ~~الحوادث فلما لم تكن معيتها وتقدمها وتأخرها لماهياتها لزم أن تكون بسبب ~~آخر مغاير لها. # لا يقال : إذا كان الزمان لذاته متقدما ومتأخرا وكل ما كان كذلك فهو من ~~المضاف لزم أن يكون الزمان مجرد إضافة. # لأنا نقول : ليس مفهوم الزمان مجرد التقدم والتأخر بل هو مقدار قابل ~~للزيادة والنقصان يقتضي التقدم والتأخر لذاته ، فهو لذاته من مقولة الكم ~~وهو مقدار ms1112 متصل ، لكنه يقتضي أن يكون معروضا للتقدم والتأخر. وفرق بين ما ~~لا وجود له إلا بمجرد كونه متقدما ومتأخرا وبين ما له وجود آخر مغاير لذلك ~~إلا أن ذلك الوجود لما هو هو يقتضي هذين الوصفين. # قوله : «يلزم أن يكون الباري تعالى زمانيا» ، فنقول : لما بينا أن الزمان ~~لذاته لا لغيره مع الباري لم تكن معية الباري مع الزمان محتاجة إلى زمان ~~آخر ، لأن المعية إنما تثبت من الجانبين فإذا استغنى بأحد الجانبين عن زمان ~~آخر محيط بها فذلك الجانب الآخر يكون مستغنيا عنه. # والجواب : قد سبق أنه ليس معنى التأخر كون المتأخر لم يوجد مع الشيء ، ~~لأن اليوم لم يوجد مع الغد وليس متأخرا عنه ، فلو كان التقدم والتأخر إنما ~~يصح بالزمان لزم أن يكون أمس في زمان واليوم في زمان حتى يحكم بينهما ~~بالتقدم والتأخر ، وكذا الباري تعالى والزمان ، وإذا جازت المعية بالذات ~~فليجز في شيئين تصاحبا أن يتصاحبا بالذات. ثم يلزمهم الاشكال الذي لا محيص ~~لهم عنه وهو : كون الزمان منقسما بالفعل إلى أجزاء غير متناهية ، لأن ~~الاختلاف في التقدم والتأخر يقتضي الاختلاف الذاتي ، وكون الساعة هي الساعة ~~ككون زيد هو زيد ، ونحن لم نثبت التسلسل إلا باعتبار ما أوجبتم في التقدم ~~من المقارنة الزمانية. PageV03P517 ### |||| ** والجواب عن الثالث : بالمعارضة بالزمان المعين ، فإن قولنا : «لم يكن هذا الزمان في الأزل» غير ~~مشعر بكون الزمان في زمان آخر ، فكذا فيما ذكروه. ### |||| ** والجواب عن الرابع : بالمعارضة بالأحياز ، فان العالم إذا كان متناهيا كان له حيث وحيز معين ، ~~وليس تعين ذلك الحيز بسبب وجود العالم ، لأن وجود العالم موقوف على وجود ~~ذلك الحيز. فإذن ذلك الحيز ممتاز في نفسه عن سائر الأحياز. فإذن الأحياز ~~الفارغة أمور وجودية مقدرة متمكنة (1) فتكون جسما وجسمانيا فيلزم عدم تناهي ~~الأجسام. ولما حكمتم ببطلانه وجعلتم هذا التقدير وهميا (2)، فليكن في ~~الزمان كذلك. # وقد سألت شيخنا أفضل المحققين نصير الملة والحق والدين قدس الله روحه عن ~~الفرق فقال : لا فرق بينهما. # وأيضا نعارض ما ذكرتم في حدوث ms1113 كل الزمان بحدوث كل واحد من أجزائه ~~فنلزمكم. # أما التسلسل في الأزمنة ، وهو محال. وبتقدير صحته فالمقصود حاصل ، لأنه ~~إذا وقع كل زمان في زمان آخر لا إلى نهاية كانت تلك الأزمنة معا ، لأن ~~الشيء لا يقع في الزمان الذي مر ، فنقول : تلك الأزمنة الغير المتناهية ~~التي وقع بعضها في بعض قد وجدت الآن بأسرها فالذي هو كالطرف لمجموعها ~~يستحيل أن يكون زمانا آخر ، وإلا لكان جزءا من ذلك المجموع لا طرفا له. ~~وإذا عقل ذلك هنا فليعقل مثله في كل حادث. أو عدم الافتقار إلى الزمان ~~وحينئذ يسقط أصل الدليل. ### |||| ** والجواب عن الخامس : أن تقدير حركتين وإمكان وجودهما لا يقتضي إلا PageV03P518 # إمكان وجود الزمان ، فكيف حكمتم بأنه لا بد وأن يكون الزمان موجودا؟ # قيل (1): الحركة وإن كانت غير موجودة إلا أن إمكانها محقق وإمكانها على ~~الوجه المفروض إمكان قابل للتقدير ، فإن الحركة العظيمة المفروضة يمتنع ~~وقوعها في المدة التي تقع فيها الحركة الصغيرة ، والتفاوت بين المدتين حاصل ~~سواء وجدت الحركتان أو لم توجد ، أفنحن نستدل لإمكان وجود الحركتين على ~~وجود المدتين ثم بعد ذلك نستدل بوجود المدة على وجود الحركة؟ # وهو غلط ، لأن الإمكان أمر عقلي وفرض اعتباري لا يعقل فيه زيادة ولا نقصان. # ثم ينتقض بإمكان تصور كرة محيطة بالعالم بحيث يكون بين سطحها الظاهر ~~والباطن ذراع ويمكننا أن نتصورها بحيث بين سطحيها ذراعان ، وهذا المفروض إن ~~كان ممتنعا لزم انتقال الخالق من العجز إلى القدرة ، وإذا كان ممكنا فإما ~~أن يوجد الجسم العظيم في حيز الجسم الصغير وهو محال ، وإلا انتفى التفاوت ~~في المقادير وقد فرض كذلك ، هذا خلف ، فحينئذ تتحقق خارج العالم امتدادات ~~قابلة للتقدير فيكون كما أو ذا كم ، فخارج العالم جسم فالأجسام غير ~~متناهية. # اعترض بأن وجود الكرتين المحيطتين بالعالم على الوجه المفروض محال فلا ~~جرم أدى إلى المحال. # والانتقال من الامتناع إلى الإمكان ، مغالطة ؛ لأن جسما آخر أعظم من ~~العالم لما كان ممتنعا فهو ممتنع أبدا. # وأما تقدير وجود الحوادث قبل أن حدثت ms1114 لو لم يكن ممكنا وكان ممتنعا لزم PageV03P519 # دوام امتناعها ، وإلا فقد انقلب الذي كان ممتنعا إلى الإمكان. (1) # والجواب : لو امتنع وجود الكرتين المماثلتين للعالم في الطبيعة لامتنع ~~وجود العالم لاشتراك المتساويات في اللوازم ، فإذا كان أحد المثلين ممتنعا ~~لذاته كان الآخر كذلك ، ولو جوزنا ذلك جوزناه في الزمان. # وأيضا تقارب الإمكانين لا يستلزم وجود الزمان ، لما تقدم. ### |||| ** رابعا : قد سلف (2) بيان أن الزمان هل هو وجودي ثابت في الخارج أم لا؟ وأبطلنا ~~المذهب القائل بوجوده في الأعيان فلنستقص الآن الكلام من الطرفين في ذلك ، ~~فنقول : الحق أن الزمان ليس أمرا ثابتا في الأعيان لوجوه : (3) ### |||| ** الوجه الأول : لو كان الزمان موجودا فإما أن يكون منقسما أو لا ، والقسمان باطلان. # أما الثاني : فلأنه يلزم أن لا يكون متقضيا فيلزم أن يكون الحاصل في هذا ~~اليوم حاصلا في زمان الطوفان بل يكون حاصلا حين ما كان معدوما ، فيلزم ~~اجتماع النقيضين وارتفاع التقدم والتأخر من الموجودات ، وهو باطل بالبديهة. # وأما الأول : كان غير حاصل بجميع أجزائه وإلا عاد المحال ، بل هو مقتض ~~سيال فيكون منه ماض ومستقبل وهما معدومان. وأما الحاضر فإن كان منقسما وهو ~~مقتض كان بعضه ماضيا وبعضه مستقبلا فلا يكون الحاضر حاضرا ، هذا خلف. وإن ~~لم يكن منقسما كان ذلك هو الآن ، وهو محال. # أما أولا : فلأن الآن طرف الزمان والشيء إذا كان غير موجود في نفسه امتنع PageV03P520 # أن يكون له طرف موجود. # وأما ثانيا : فلأنه عند مثبتيه مشترك بين الماضي والمستقبل فيكون سببا ~~لاتصال المعدوم بالموجود ، هذا خلف. # وأما ثالثا : فلأن ذلك الآن محال أن يبقى ، لأنه إن كان سيالا كان منقسما ~~فلا يكون الشيء الواحد باقيا ، وإن لم يكن سيالا كان الحاصل في آخره وأوله ~~حاصلا دفعة واحدة ، وهو محال. وأما إن انعدم فإن كان عدمه متدرجا عاد ~~المحال ، [وإن كان دفعة لم يكن عدمه مقارنا لوجوده بل كان في آن آخر ، فإن ~~كان بينهما زمان عاد المحال] (1)، وإن لم يكن بينهما زمان تتالي آنات ~~فيلزم وجود الجزء الذي ms1115 لا يتجزأ. ### |||| ** الوجه الثاني : لو كان الزمان ثابتا لكان لأجل احتياج الحركة من حيث هي هي إليه والحركة ~~غير محتاجة إلى وجود حركة أخرى ، وإلا تسلسل. وإذا كان كذلك فكل حركة من ~~حيث هي هي مستتبعة زمانا كما أن كل حركة فهي من حيث هي هي مستتبعة مكانا. ~~وإذا وجدت الحركات معا كانت أزمنتها معا معينة تمتنع (2) أن يثبت المع قبلا ~~أو بعدا ، وتلك هي المعية الزمانية. فإذن لتلك الأزمنة زمان محيط بها وذلك ~~المحيط يكون أيضا مع تلك الأزمنة فيكون هناك زمان آخر محيط بها والكلام فيه ~~كالأول فيلزم وجود أزمنة يحيط بعضها بالبعض لا إلى نهاية ، والأزمنة تابعة ~~للحركات فهناك حركات مختلفة محيط بعضها بالبعض وهي لا محالة لمتحركات محيط ~~بعضها بالبعض لا إلى نهاية فهنا أجسام غير متناهية ، وهو محال. ### |||| ** الوجه الثالث : لو كان الزمان موجودا لكان منقسما سيالا فيكون لا محالة PageV03P521 # بعض أجزائه قبل البعض وتلك القبلية ليست بالعلية ؛ لوجوب حصول المعلول مع ~~علته ، والقبل هنا يمتنع حصوله مع البعد. # ولأن الجزء المفروض علة إن كان وصف العلية له لماهيته أو لوازمها (1) وجب ~~تخالفهما في الحقيقة ، وإلا كان الشيء علة لنفسه. فإذن كل جزء يفرض في ~~الزمان فهو مخالف في الماهية للجزء الآخر ، لكن الأجزاء التي يمكن فرضها ~~فيه غير متناهية فهي حاصلة بالفعل ، لأن امتياز الأمور المتخالفة بالماهية ~~لا يتوقف على الفرض والاعتبار ، وذلك محال لأن كل واحد من تلك الأجزاء غير ~~قابل للقسمة وإلا كانت الأجزاء الممكنة فيه متميزة لا (2) بالفعل فلا يكون ~~واحدا وقد فرض كذلك ، فيلزم تركب الزمان من الآنات المتتالية فيلزم تركب ~~الجسم من الجواهر الأفراد. # وإن كانت علية المتقدم للمتأخر من العوارض ، أمكن زوال هذا الوصف عنه ~~فكان يمكن أن يكون أمس غدا والغد أمس ، وهو محال. ولأن المتقدم إذا أمكن أن ~~يكون هو بعينه متأخرا كان حصول القبلية له بسبب وقوعه في الزمان المتقدم ~~وكذا المتأخر ، فللزمان زمان ويتسلسل. فتقدم بعض أجزاء الزمان على بعض ليس ~~بالذات ولا بالعلية ms1116 ولا بالشرف ولا بالمكان ، لأن الزمان ليس ذا وضع فهو ~~إذن بالزمان لانحصار أنواع التقدم عندهم في الخمسة ، فللزمان زمان ويتسلسل. ### |||| ** الوجه الرابع : المعقول من الزمان : الأمر الذي به يكون تقدم الأشياء بعضها على بعض التقدم ~~والتأخر اللذان يمتنع أن يوجد المتقدم والمتأخر معا ، فهذا المعنى لو ثبت ~~لكان متعلقا بالحركة لأدلة المشائين ، لكن هذا المعنى قد يوجد في PageV03P522 # الموضع الذي يستحيل فيه وجود الحركة ، فإن الباري تعالى لا شك أنه موجود ~~مع كل حادث يحدث ويكون قبلا لكل واحد من تلك الحوادث عند حدوثها ومعا لها ~~عند حدوثها. (1) # فإذا قطعنا النظر عن سائر أنواع التقدم من التقدم بالعلية وبالشرف ~~وبالطبع وجردنا النظر إلى أنه تعالى كان موجودا مع عدم هذه الحوادث وهو ~~الآن موجود مع وجودها ، كانت قبليته لها تارة ومعيته لها أخرى من هذا ~~الاعتبار المخصوص كقبلية سائر الأشياء بعضها مع بعض ومعها (2)، فإذا كانت ~~هذه القبلية والمعية حاصلتين في حقه تعالى مع استحالة حصول الحركة والتغير ~~، علمنا أن حصول التقدم والتأخر من هذا الوجه لا يتوقف على وجود الزمان ~~المتعلق بالحركة والتغير. وعلمنا أن حصول التقدم والتأخر لا يتوقف على وجود ~~الزمان المتوقف على وجود الحركة. (3) # ولا يندفع هذا بما قاله الشيخ (4) بأن معية المتغير مع المتغير بالزمان ~~ومعية الثابت مع المتغير بالدهر فالدهر محيط بالزمان ومعية الثابت مع ~~الثابت بالسرمد فيكون السرمد مباينا للزمان ، لأن هذه تهويلات خالية عن ~~التحصيل ؛ لأنا لما رأينا تقدما وتأخرا ومعية لبعض الحوادث مع بعض ثم ~~اختلفنا في أن هذه العوارض هل هي لأجل الزمان الذي هو مقدار الحركة أو لا؟ ~~فلما رأيناها باقية حيث لا تثبت فيه الحركة أصلا ، علمنا أن ثبوت هذه ~~الأمور غير متعلق بالزمان الذي هو مقدار الحركة. PageV03P523 # ولأن هذا الدهر الذي يثبتونه إما أن يكون وجوديا في الخارج أو لا ، فإن ~~لم يكن بطل القول بالزمان ، لأنه لما جاز أن تكون المعية بين الثابت وبين ~~ما ليس بثابت لأجل أمر ليس بموجود في الخارج جاز أن ms1117 تكون معية المتغير مع ~~المتغير لأجل أمر ليس بموجود في الخارج. وإن كان الدهر موجودا في الخارج ، ~~فإما أن يكون ثابتا أو متقضيا ، فإن كان ثابتا استحال انطباقه على الزمان ~~المقتضي ، إذ لو جاز أن يتقدر الزمان المتقضي بالدهر الثابت جاز أن تتقدر ~~الحركة بالدهر ، وحينئذ لا يحتاج إلى الزمان. وإن كان متقضيا استحال ~~انطباقه على الثابت إذ لو جاز أن يتقدر الثابت بالمتغير ويتحدد به جاز أن ~~تتحدد الأمور الثابتة وتتقدر بالزمان ، وحينئذ لا يحتاج إلى الدهر. فثبت أن ~~التقدم والتأخر والمعية على الوجه المخصوص لا حاجة بها إلى وجود مقدار ~~الحركة ، فبطل القول بالزمان. # وأيضا الدهر والسرمد ليسا واجبين لذاتيهما بل هما ممكنان ، وليسا بجوهرين ~~مستقلين بالذات في الوجود فهما عرضان. وليس بعض الأشياء بالمحلية لهما أولى ~~من بعض. ### |||| ** الوجه الخامس : لو كان الزمان موجودا لكان مقدارا للحركة لأدلة المشائين ، والتالي باطل ، ~~لأن الحركة إما بمعنى التوسط وهي آنية ولا تعلق لها بالزمان ، لأن الشيخ ~~صرح بذلك. (1) ولأن كل آن يفرض فإنه يوجد الجسم فيه عند كونه متحركا حاصلا ~~في الوسط. وإما بمعنى القطع وهي ذهنية لا خارجية على ما صرح به الشيخ ، ~~فيكون الزمان متعلق الوجود بما لا تحقق له في الخارج فلا يكون له وجود في ~~الخارج. # فإذن الحق أن وجود الزمان كوجود الحركة بمعنى القطع ، فكما أن الذهن لما ~~ارتسمت فيه صورة المتحرك عند كونه في المكان الأول ثم قبل زوال تلك الصورة PageV03P524 # ارتسمت صورة عند كونه في المكان الثاني ، فحينئذ يشعر الذهن بالصورتين ~~معا على أنهما شيء واحد ممتد ، وإن لم يكن لذلك وجود في الخارج فكذا الزمان ~~وجوده في الذهن فقط ؛ فان للمتحرك قربا من بداية المسافة ونهايتها ، لكن ~~القربان لا يوجدان دفعة في الخارج بل توجد في النفس صورتاهما معا مع صورة ~~الواسطة ، فحينئذ يشعر الذهن بجميع تلك الأمور على أنها أمر واحد. وليس ~~لذلك وجود في الخارج كما ليس للحركة ، وليس في الخارج إلا اقتران متجدد ~~موهوم بمتجدد معلوم ازالة للابهام ms1118 ، كما يقال : آتيك عند طلوع الشمس ، فإن ~~طلوع الشمس معلوم والمجيء موهوم. فإذا قرن ذلك الموهوم بذلك المعلوم زال ~~الابهام. ولو أن الموقت قرن المجيء بحادث آخر كقدوم زيد صح ، لكن طلوع ~~الشمس لما كان أعم وأعرف وأشهر كان هذا التوقيت أولى. (1) ### |||| ** وقد اعترض الشيخ على الأول : بأنا نسلم أن الزمان ليس موجودا في الآن ولا في الماضي ولا في المستقبل ، ~~لكن لم قلتم بأنه لو كان موجودا لكان وجوده إما في الآن أو في الماضي أو في ~~المستقبل؟ فإن الوجود المطلق أعم من الوجود في الآن أو في الماضي أو في ~~المستقبل ، ولا يلزم من كذب الأخص كذب الأعم ، كما لو قيل : لو كان المكان ~~موجودا لكان موجودا إما في المكان أو في طرف منه ، فانه يكون قولا باطلا. ~~فكذا لو قيل : لو كان الزمان موجودا لكان وجوده إما في الماضي أو في ~~المستقبل أو في الآن الذي هو طرفه ، كان قولا باطلا ، بل الزمان موجود مع ~~أنه ليس موجودا في الماضي ولا في المستقبل ولا في الآن ، لأنا لا نعني ~~بالزمان إلا الإمكان المفترض من مبدأ المسافة ومنتهاها الذي يمكن أن تقع ~~فيه حركة مخصوصة على قدر مخصوص من السرعة ، فإن لم يكن الزمان موجودا لم ~~يكن هذا الإمكان موجودا. ولما عرفنا بالضرورة أن لهذا الإمكان وجودا علمنا ~~أن الزمان PageV03P525 # موجود وإن لم يكن وجوده حاصلا في الماضي والمستقبل والآن. ### |||| ** والجواب أن نقول : الضرورة قاضية بأن كل موجود فإنه لا ينفك وجوده عن أحد الأزمنة الثلاثة. ~~والشيخ استعمل هذه المقدمة فقال لما بحث عن مفهوم قولنا : «الحركات الماضية ~~غير متناهية» ، إن عني بذلك أن الحركات الماضية أمور موجودة موصوفة بوصف ~~اللانهاية فذلك كاذب ، لأنها لو كانت موجودة لكان وجودها إما في الماضي أو ~~المستقبل أو الحال ، ولما لم يكن لذلك المجموع من حيث هو مجموع وجود في أحد ~~هذه الأوقات الثلاثة فهو غير موجود أصلا. فإذا كان الشيخ يستنتج من نفي ~~حصول الشيء في الماضي أو في المستقبل ms1119 أو الحال نفي حصوله مطلقا ، فكيف زعم ~~هنا أن الشيء قد يكون موجودا وإن لم يكن وجوده في أحد الأوقات الثلاثة؟ # وكل من راجع نفسه علم أن الشيء الذي لا ثبوت له لا في الحال ولا في ~~الماضي ولا في المستقبل ولا تمكن الإشارة إليه في وقت من الأوقات أنه الآن ~~قد حصل. فالحكم بثبوته مع ذلك محال ، فإنه لا معنى للعدم إلا ذلك. وكل واحد ~~من الوجود في الماضي أو في الحال أو في المستقبل وإن كان أخص من مطلق ~~الوجود إلا أن العقل لما حصر مطلق الوجود في مجموع هذه الأقسام الثلاثة لزم ~~من ارتفاعها ارتفاع مطلق الحصول. كما أن الواجب والممكن لما كان كل واحد ~~منهما وإن كان أخص من مطلق الوجود إلا أن العقل لما حصر مطلق الوجود فيهما ~~لزم من ارتفاعهما ارتفاع الوجود ، فكذا هنا لما حصر العقل طبيعة في مواضع ~~مخصوصة لزم من ارتفاع تلك المواضع بأسرها ارتفاع تلك الطبيعة ؛ لأن الكلي ~~لا وجود له إلا في جزئياته فإذا انتفت انتفى. # وقد عارض بعضهم بالحركة ، فإن الحس دال على وجودها ، مع أن التقسيم الذي ~~ذكروه قائم بعينه وهو غلط. PageV03P526 # أما أولا : فلأن الحركة عند نفاة الزمان مركبة من أجزاء لا تتجزأ كل واحد ~~منها يوجد آنا ، فإذا عدم الآن عدمت الحركة الموجودة فيه وإذا تجدد آخر ~~تجدد فيه حركة أخرى غير منقسمة. # وأما ثانيا : فإن الحركة بمعنى القطع لا وجود لها عينا ، فالزمان الذي هو ~~الأمر الممتد الذي يكون مطابقا للحركة بمعنى القطع يستحيل أن يكون له وجود ~~في الأعيان. وبمعنى التوسط آنية واحدة ثابتة مستمرة من أول المسافة إلى ~~آخرها. والحركة بمعنى القطع أمر وهمي إنما يحصل بسبب استمرار ذلك المعنى من ~~أول المسافة إلى الآخر ، فيجب أن يعتقد في الزمان ذلك ، وهو أن يقال : ~~الأمر الوجودي في الخارج غير منقسم ، وهو مطابق للحركة بمعنى الكون في الوسط. # ثم كما أن الحركة بمعنى الكون في الوسط تفعل الحركة بمعنى القطع ، كذا في ~~الآن ms1120 الغير المنقسم يفعل بسيلانه الزمان. وكما أن الحركة بمعنى القطع لا ~~وجود لها في الأعيان فالزمان الذي هو أمر ممتد منقسم لا وجود له في ~~الأعيان. والذي ثبت له وجود عينا من الزمان هو الذي يسمى بالآن السيال. ### |||| ** وعلى الثاني : بأن الزمان لكل حركة ولكن وجوده لا يتعلق بكل حركة ، فإن من الجائز أن يكون ~~المقدار الواحد تتقدر به أمور كثيرة بعضها بواسطة البعض ، وإذا جاز ذلك ~~فالدليل الذي ذكرتموه لمنع أن يكون لكل حركة زمان على حدة يوجب الجزم ~~باستحالة ذلك القطع ، فإن وجود الزمان متعلق بالحركة التي هي أقدم الحركات ~~، ثم تتقدر سائر الحركات به. # والجواب أن يقال : إذا قدرنا أن تلك الحركة لا توجد لزم أن تبقى سائر ~~الحركات خالية عن الزمان حتى لا يكون جزء منها مقدما على الآخر ، فلا تكون ~~الحركة حركة. # اعترض بأن عدم الحركة الأولى إنما يكون بعدم محلها الفاعل للجهات ، PageV03P527 # ومتى عدم ذلك الجسم استحال أن تكون الأجسام المستقيمة الحركة موجودة. فما ~~ذكرتموه مبني على مقدمات ممنوعة إلا أن يعتمد على مجرد الوهم الكاذب ، ولكن ~~ذلك لا يوجب نتيجة صادقة. (1) # والجواب : أن المحيط جسم لا يفعل الجهة ، لأن الجهة هي طرف الامتداد. ~~وكما أن الجسم لا يفعل الجسم كذا لا يفعل باقي المقادير ، بل إنما يفعل ~~تمايز الجهات وبوجوده تمايزت الجهات ، ولا يضر عدمه في التميز الذي حصل لها ~~، فلا يلزم ارتفاع ما عداه من الأجسام بارتفاعه وعدمه. # واعترض على من جعل الزمان نفس التوقيت : بأن حاصله راجع إلى معية بين ~~حادثين وتلك المعية ليست هي نفس الزمان ، لأن الزمان الواحد توجد فيه معيات ~~كثيرة ولا توجد في الزمان أزمنة كثيرة. # ولأن المعية ليست نفس ماهيتي المعين ، لأن المعية أمر لا يختلف باختلاف ~~المواضع ، والأشياء التي تعرض لها المعية أمور مختلفة. # ولأن المعية أمر إضافي لا تستقل بنفسها ، بل هي عارضة لغيرها ومعروضها ~~مغاير لها ، ولا يجوز أن تكون المعية لازمة للأمر الذي عرضت له المعية ، ~~لأن الشيء الذي عرضت له المعية ms1121 يمكن أن تعرض له البعدية ، والقبلية لا تبقى ~~مع البعدية. فإذن تلك المعية غير لازمة لماهية المعين ، فهي إذن من العوارض ~~، وذلك لأجل حصول الشيئين في زمان واحد ، فإذا كانت تلك المعية معلولة ~~للزمان امتنع أن تكون هي نفس الزمان. # وأيضا لو كان زمان حصول الشيء الحادث الذي كان معه عبارة عن الوقت الذي ~~يوقت فليكن الغد عبارة عن شيء معين معه حادث آخر ، فلو فرض PageV03P528 # حصول ذلك الشيء لكان الغد حاصلا في اليوم ، فبطل ما قالوه من : أن ~~التوقيت نفس الزمان. # وفيه نظر ، فانا إذا جعلنا الزمان نفس التوقيت الذي هو معية الموقت مع ~~الموقت به ، أمكن اجتماع أوقات كثيرة دفعة واحدة. وإنما يتعذر في المغرب ~~لوقوع التوقيت بطلوع الشمس في المشهور. فأي حادث قارن طلوعا معينا كان ~~مؤقتا به ، ولم تختلف الحوادث ولا الطلوع من هذه الحيثية وإن اختلفت ~~الإضافة. # ولا نسلم أن المعية العارضة للمعين يجب أن تكون بالزمان ، وفرض حصول ما ~~يقارن الغد الآن محال. ### ||| ** المسألة السابعة : في الآن (1) # هنا آنان : # وهذه خلاصة الآراء في تعريفه : # 1. الكندي : «هو نهاية الزمان الماضي الأخيرة ونهاية الزمان الآتي ~~الأولى» رسائل الكندي 1 : 122. # وقال في موضع آخر : «حد الزمان الذي به يسمى متصلا هو : الآن المتوهم ~~الذي يصل أو يواصل ما بين الماضي منه وبين المستقبل». الكندي ، رسالة في ~~الجواهر الخمسة : 33 34. # 2. ابن سينا : «طرف موهوم يشترك فيه الماضي والمستقبل من الزمان ، وقد ~~يقال : آن الزمان صغير المقدار عند الوهم متصل بالآن الحقيقي من جنسه» ~~رسالة الحدود. ومثله في طبيعيات النجاة (القول في الزمان). # وقال في موضع آخر : «الآن : فصل الزمان وطرف أجزائه المفروضة فيه ، ينفصل ~~به كل جزء في حده ويتصل بغيره». عيون الحكمة : 27 ، تحقيق عبد الرحمن بدوي. PageV03P529 ### |||| ** الأول : الذي يكون حصوله فرعا على حصول الزمان ، وهو الذي إذا وجد الزمان ثم فرض ~~فيه حد وفصل فإنه يكون ذلك الحد طرفا للزمان ، وهو المسمى بالآن. ### |||| ** الثاني : الذي يكون حصول الزمان فرعا على حصوله. # أما الأول فالنظر فيه يتعلق ms1122 بأمرين : ### ||| ** الأمر الأول : في كيفية وجوده # قد عرفت أن الزمان عندهم مقدار الحركة متصل وأنه يقبل انقسامات غير ~~متناهية ، وتلك الانقسامات غير موجودة بالفعل ، بل إنما تحصل عند أمور ~~ثلاثة : القطع ، واختلاف الفرضين ، والوهم. # والقطع غير ممكن في الزمان عندهم لاستحالة أن تكون للزمان بداية ونهاية # 4. الآمدي : «الآن عبارة عن نهاية الزمان وإن شئت قلت : هو ما يتصل به ~~الماضي والمستقبل». المبين (الآن). # 5. صدر المتألهين : «الآن : فاصل للزمان باعتبار وواصل له باعتبار آخر. ~~أما كونه فاصلا فلأنه يفصل الماضي عن المستقبل. وأما كونه واصلا فإنه حد ~~مشترك بين الماضي والمستقبل ولأجله يكون الماضي متصلا بالمستقبل». الأسفار ~~الأربعة 4 : 178. # وانظر البحث أيضا في الثاني عشر من ثانية الأول من الشفاء (السماع ~~الطبيعي): 160 ؛ التحصيل : 458 ؛ المعتبر في الحكمة 2 : 77 ؛ المباحث ~~المشرقية 1 : 783 : المطالب العالية 5 : 83. PageV03P530 # بالفعل ، فهذا الآن يستحيل حصوله بالفعل ، بل حصوله إنما يمكن على أحد ~~وجهين آخرين : إما بموافاة الحركة حدا مشتركا غير منقسم ، كمبدإ طلوع أو ~~غروب. وإما بحسب فرض الفارض. # ثم لا شيء من هذه إحداث فصل في ذات الزمان ، وإنما حصول الفصل في الزمان ~~إنما هو بسبب هذه الأمور كحصول الانقسام في الجسم بسبب اختلاف الأعراض ~~النسبية كاختلاف موازاتين (1)، أو مماستين ، وإما بسبب الفرض والوهم. # والاعتراض قد مر منع كون الزمان مقدارا للحركة وعدم المبدئية فيه ، وأن ~~الشيء قد يكون منقسما بالقوة. ثم نقول : إنما منعتم عن إثبات البداية ~~والنهاية في الزمان لاستلزامه ثبوت زمان قبله ، وأنتم قائلون به فلا ~~استحالة فيه عندكم فنقول : لم لا ينقطع الزمان بالآن ويكون ذلك فاصلا ~~بالفعل بين الماضي والمستقبل؟ ### ||| ** الأمر الثاني : في كيفية عدم هذا الآن # والكلام فيه يبتني على مقدمة وهي : أن الشيء إذا كان موصوفا بوصف في زمان ~~ثم يصير موصوفا بوصف آخر في زمان يتلو الزمان الأول فهل يكون في الآن ~~الفاصل بين ذينك الزمانين موصوفا بأحد ذينك الوصفين أم لا؟ وإن كان موصوفا ~~بأحدهما فهل هو موصوف بالوصف الأول أو الثاني؟ فيه تفصيل ms1123 وهو : PageV03P531 # أن الوارد إن أمكن حصوله دفعة كان ذلك الشيء في الآن المشترك موصوفا به ~~كالتربيع الوارد على شكل آخر ، فان الآن الفاصل بين الزمانين يكون الشيء ~~فيه موصوفا بالتربيع ؛ وكذا الصور المتعاقبة ، فإن المادة تخلع الصورة ~~السابقة في الآن الفاصل بين الزمانين وتلبس الصورة الواردة ، فإن الصورة ~~الأولى لو كانت باقية لكان الزمان زمان الصورة الأولى ، فلا يكون هناك ~~زمانان يفصل بينهما آن. ولو عدمت تلك الصورة في ذلك الآن ولم توجد فيه ~~الصورة الثانية فقد خلت المادة عن الصورة. فإذن المادة في ذلك الآن لا تكون ~~موصوفة بالصورة الواردة. # وأما إن كان الوارد مما لا يمكن حصوله دفعة كان ذلك الآن الذي هو ابتداء ~~حصوله يكون خاليا منه ويكون فيه نقيض الحالة الأولى مثل : المماس إذا تحرك ~~كانت حركته معدمة لتلك المماسة ، فبين زمان المماسة وزمان الحركة آن يكون ~~الجسم في ذلك الآن موصوفا بنقيض المماسة وهي اللامماسة ، ولا يكون موصوفا ~~بالحركة والسكون ، لاستحالة حصولهما في الآن. # وإذا تقررت هذه المقدمة على رأيهم ، فنقول : الآن إذا وجد فعدمه إن كان ~~على التدريج كان منقسما ، لأنه تكون بين وجوده الصرف وعدمه الصرف واسطة ~~فيكون زمانا لا آنا ، هذا خلف. وإن كان دفعة فإما أن يكون عدمه مقارنا لآن ~~وجوده وهو ظاهر البطلان ، وإما أن يتراخى عنه ويكون آن عدمه مغايرا لآن ~~وجوده ، فإما أن لا يكون بين الآنين متوسط فيلزم تتالي الآنات. ثم الكلام ~~في عدم الآن الثاني كالكلام في عدم الآن الأول فيلزم تركب الأزمنة من ~~الآنات ، وهو محال. وإما أن يكون بين الآنين متوسط فحينئذ يكون الآن مستمرا ~~في ذلك المتوسط ، وهو محال. PageV03P532 # وقد أجاب الشيخ عن هذا الإشكال بمنع الحصر في القسمة إلى تحقق العدم على ~~التدريج أو دفعة وأبدا قسما آخر وهو : أن يكون عدمه في جميع الزمان الذي ~~بعده. (1) # لا يقال : لا نسلم أن عدم الآن في جميع الزمان الذي بعده ، لكن ليس ~~كلامنا في مطلق عدمه بل في ابتداء عدمه ، ومعلوم أنه ليس ms1124 ابتداء عدمه في ~~جميع الزمان الذي بعده. فإذن ابتداء عدمه إما أن يكون يسيرا يسيرا وإما أن ~~يكون دفعة ، ويعود الإشكال. # لأنا نقول : إن ابتداء عدم ذلك الآن هو نفس وجود ذلك الآن. ولا امتناع في ~~أن يكون أول زمان عدم الآن يكون فيه وجود الآن ، كما أنه لا يجب في المتحرك ~~أن يكون في أول زمان حركته متحركا ، وكذا الساكن لا يفتقر في سكونه إلى أن ~~يثبت له السكون في أول زمان سكونه ، كذا هنا. # والأصل فيه : أن الحركة والسكون زمانيان لا يمكن ثبوتهما في الآن ، بل ~~يجب انتفاؤهما في أول زمان وجودهما. # لا يقال : هب أن ما يتقدر بالزمان لا يتحصل في الآن الذي هو أول ذلك ~~الزمان ، لكن اللاوجود ليس مما يتقدر إلا بالزمان ، فإن بعض الأشياء قد ~~ينعدم في الآن على ما بينا في أول هذا الباب ، فإن التغير المستمر في ~~الزمان عبارة عن حدوث أنواع متعاقبة مختلفة بالماهية ، ولا يوجد كل واحد ~~منها إلا آنا واحدا وينعدم فيه. وإذا ثبت ذلك ظهر أنه يكون للاوجود أول ~~يتحقق فيه كونه لا وجودا. فإذن تكون لعدم ذلك الآن بداية يتحقق فيها عدمه. PageV03P533 # لأنا نقول : لما منعنا أن تكون لعدم الآن بداية يكون هو فيها معدوما ، ~~فليس منعنا ذلك لأجل أن طبيعة العدم لا تتقرر في الآن ، بل كان المراد منه ~~بيان أنه لا يجب في كل شيء أن تكون له بداية تكون ماهيته محصلة في تلك ~~البداية. ولما ثبت أن ذلك معقول في الجملة فهنا لا يمكننا أن نوجب لعدم ~~الآن بداية يكون هو فيها معدوما إلا بعد تجويز تتالي الآنات ، وهو مصادرة ~~على المطلوب. # قال الشيخ : (1) # والحمد لله رب العالمين. PageV03P534 ms1125