######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000372 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الفقه الإسلامي :: مسائل فقهية :: مسائل فقهية وأصولية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر #META# 030.LibURI :: JK_000372 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد جميل غازي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة المدني #META# 044.EdPLACE :: جدة #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # $ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر PageV01P001 بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا صلى الله عليه وسلم تسليما # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به ~~رسله وهو من الدين # فإن رسالة الله إما إخبار وإما إنشاء فالإخبار عن نفسه عز وجل وعن خلقه ~~مثل التوحيد والقصص الذي يندرج فيه الوعد والوعيد والإنشاء الأمر والنهي ~~والإباحة وهذا كما ذكر في الحديث ( ( أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ) ~~) ( 1 ) لتضمنها الثلث الذي هو التوحيد لأن القرآن توحيد وأمر وقصص ~~PageV01P009 # | مهمة الرسول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # وقوله سبحانه في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم ( يأمرهم بالمعروف وينهاهم ~~عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) ( 1 ) هو بيان لكمال ~~رسالته فإنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر الله على لسانه بكل معروف ونهى ~~عن كل منكر وأحل كل طيب وحرم كل خبيث ولهذا روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ) ( 2 ) # وقال في الحديث المتفق عليه ( ( إنما مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى ~~دارا فأتمها ( ا ب ) وأكملها إلا موضع لبنة فكان الناس يطيفون بها ويعجبون ~~من حسنها ويقولون لولا موضع اللبنة فأنا تلك اللبنة ) ) ( 3 ) # فبه أكمل الله الدين المتضمن للأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر وإحلال ~~كل طيب وتحريم كل خبيث $ تحليل الطيبات وتحريم الخبائث # وأما من كان قبله من الرسل فقد كان يحرم على أممهم بعض PageV01P021 ~~الطيبات كما قال الله تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم ) ( 1 ) وربما لم يحرم عليهم جميع الخبائث كما قال تعالى ( كل الطعام ~~كان حلا لبني إسرائيل إلا ms01 ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ~~) ( 2 ) # وتحريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر كما أن إحلال الطيبات ~~يندرج في الأمر بالمعروف لأن تحريم الطيبات هو مما نهى الله عنه وكذلك ~~الأمر بجميع المعروف والنهي عن كل منكر لم يتم إلا لرسول الله الذي تمم ~~الله به مكارم الأخلاق المنطوية في المعروف # وقد قال الله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا ) ( 3 ) فقد أكمل الله لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي ~~لنا الإسلام دينا # | خصائص الأمة الإسلامية # وكذلك وصف الأمة بما وصف به نبيها حيث قال ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) ( 4 ) PageV01P022 وقال ~~تعالى ( 2 آ ) ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ) ( 1 ) # ولهذا قال أبو هريرة رضي الله عنه ( ( كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في ~~القيود والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة ) ) # فبين الله سبحانه أن هذه الأمة خير الأمم للناس فهم أنفعهم لهم وأعظمهم ~~إحسانا إليهم لأنهم كل خير ونفع للناس بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ~~وأقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم وهذا كمال النفع للخلق # وسائر الأمم لم يأمروا كل أحد بكل معروف ولا نهوا كل أحد عن كل منكر ولا ~~جاهدوا على ذلك بل منهم من لم يجاهد والذين جاهدوا كبني إسرائيل فعامة ~~جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم كما يقاتل الصائل الظالم لا لدعوة إلى ~~الهدى والخير ولا لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر كما قال موسى لقومه ( ~~يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى ~~يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون إلى قوله قالوا يا موسى لن ندخلها ~~أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ) ( 2 ) وقال ~~تعالى ( ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ( 2 ms02 ب ) PageV01P023 ~~إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب ~~عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ~~والله عليم بالظالمين ) ( 1 ) فعللوا القتال بأنهم أخرجوا من ديارهم ~~وأبنائهم ومع هذا كانوا ناكلين عما أمروا به من ذلك ولهذا لم تحل لهم ~~الغنائم ولم يكونوا يطأون بملك اليمين # | أعظم الأمم قبلنا # ومعلوم أن أعظم الأمم المؤمنين قبلنا هم بنو إسرائيل كما جاء في الحديث ~~المتفق على صحته في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ( ( عرضت علي البارحة الأنبياء بأممهم فجعل النبي يمر ومعه ~~الرجل والنبي ومعه الرجلان والنبي ومعه الرهط والنبي وليس معه أحد ورأيت ~~سوادا كثيرا وفي رواية فإذا الظراب ممتلئة بالرجال فقلت هذه أمتي فقيل ~~هؤلاء بنو اسرائيل ولكن انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادا كثيرا قد سد الأفق قيل ~~هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب فتفرق الناس ولم ~~يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أما نحن فولدنا في ~~الشرك ولكنا آمنا بالله ورسوله ولكن هؤلاء أبناؤنا فبلغ النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون ( 3 آ ) وعلى ~~ربهم PageV01P024 يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال أمنهم أنا يا رسول الله ~~قال نعم فقام آخر فقال أمنهم أنا فقال سبقك بها عكاشة ) ) ( 1 ) # | إجماع الأمة حجة # ولهذا كان إجماع هذه الأمة حجة لأن الله تعالى قد أخبر أنهم يأمرون بكل ~~معروف وينهون عن كل منكر فلو اتفقوا على إباحة محرم أو إسقاط واجب أو تحريم ~~حلال أو إخبار عن الله تعالى أو خلقه بباطل كانوا متصفين بالأمر بالمنكر ~~والنهي عن المعروف # والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ليس من الكلم الطيب والعمل الصالح بل ~~الآيه تقتضي أن ما لم تأمر به الأمة فليس ms03 من المعروف وما لم تنه عنه ليس من ~~المنكر إذ كانت آمرة بكل معروف ناهية عن كل منكر فكيف يجوز أن تأمر كلها ~~بمنكر أو تنهى كلها عن معروف # والله سبحانه وتعالى كما أخبر بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقد ~~أوجب ذلك على الكفاية منها بقوله ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) ( 2 ) # وليس من شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يصل أمر الآمر ونهى ~~الناهي إلى كل مكلف في العالم إذ ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة فكيف يشترط ~~فيما هو من توابعها بل الشرط أن PageV01P025 يتمكن المكلفون من وصول ذلك ~~إليهم ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه ~~كان التفريط ( 3 ب ) منهم لا منه # | الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية # ولا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل أحد بعينه بل هو على ~~الكفاية كما دل عليه القرآن # ولما كان الجهاد من تمام ذلك كان الجهاد هو كذلك فإذا لم يقم به من يقوم ~~بواجبه أثم كل قادر بحسب قدرته إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) ) ( 1 ) # وإذا كان كذلك فمعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتمامه ~~بالجهاد هو من أعظم المعروف الذي أمرنا به # | إقامة الحدود من النهي عن المنكر # ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج من شريعة الله ويجب على ~~أولي الأمر وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها أن يقوموا على عامتهم ~~ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر فيأمرونهم بما أمر الله به ورسوله مثل ~~شرائع الإسلام وهي الصلوات الخمس في مواقيتها وكذلك الصدقات المشروعة ~~والصوم المشروع وحج البيت الحرام ومثل الإيمان PageV01P026 بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره ومثل الإحسان وهو أن ~~تعبد ms04 الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك # ومثل ما أمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة ( 4 آ ) ومثل ~~إخلاص الدين لله والتوكل على الله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما والرجاء لرحمة الله والخشية من عذابه والصبر لحكم الله والتسليم ~~لأمر الله ومثل صدق الحديث والوفاء بالعهود وأداء الأمانات إلى أهلها وبر ~~الوالدين وصلة الأرحام والتعاون على البر والتقوى والإحسان إلى الجار ~~واليتيم والمسكين وابن السبيل والصاحب والزوجة والمملوك والعدل في المقال ~~والفعال ثم الندب إلى مكارم الأخلاق مثل أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك ~~وتعفو عمن ظلمك # ومن الأمر بالمعروف كذلك الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف ~~والفرقة وغير ذلك # | أعظم المنكر # وأما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله وهو أن يدعو مع ~~الله إلها آخر كالشمس والقمر والكواكب أو كملك من الملائكة أو نبي من ~~الأنبياء أو رجل من الصالحين أو أحد من الجن أو تماثيل هؤلاء أو قبورهم أو ~~غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى أو يستغاث به أو يسجد له فكل هذا ~~وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله PageV01P027 # ومن المنكر كل ما حرمه الله كقتل النفس بغير الحق وأكل أموال الناس ~~بالباطل بالغصب أو الربا أو الميسر والبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكذلك قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وتطفيف المكيال ~~والميزان والإثم ( 4 ب ) والبغى وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك # | الأمر بالمعروف بمعروف والنهي عن المنكر بغير منكر # والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا قيل ليكن أمرك ~~بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر # وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات ~~لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت ~~الكتب والله لا يحب الفساد بل كل ما أمر الله به هو صلاح وقد ms05 أثنى الله على ~~الصلاح والمصلحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذم الفساد والمفسدين في ~~غير موضع # فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به وإن ~~كان قد ترك واجب وفعل محرم إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباد الله وليس ~~عليه هداهم # وهذا من معنى قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم ) ( 1 ) والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا PageV01P028 ~~قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره ~~من الواجبات لم يضره ضلال الضال # | تغيير المنكر # وذلك يكون تارة بالقلب وتارة باللسان وتارة باليد ( 5 آ ) # فأما القلب فيجب بكل حال إذ لا ضرر في فعله ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( وذلك أدنى أو أضعف الإيمان ( 1 ) ) ) ~~وقال ( ( ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) ) ( 2 ) # وقيل لابن مسعود رضي الله عنه من ميت الأحياء فقال الذي لا يعرف معروفا ~~ولا ينكر منكرا # وهذا هو المفتون الموصوف بأن قلبه كالكوز مجخيا في حديث حذيفة بن اليمان ~~رضي الله عنه في الصحيحين ( ( تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير ) ) الحديث ~~( 3 ) # | عليكم أنفسكم # وهنا يغلط فريقان من الناس # فريق يترك ما يجب عليه من الأمر والنهي تأويلا لهذه الآية كما قال ~~PageV01P029 أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته ( ( أيها الناس إنكم ~~تقرأون هذه الآية ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وإنكم ~~تضعونها على غير موضعها # وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( ( إن الناس إذا رأوا المنكر ~~فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) ) ( 1 ) # والفريق الثاني من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقا من غير ~~فقه ولا حلم ولا صبر ولا نظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح وما يقدر عليه ~~وما لا يقدر ( 5 ب ) كما في حديث أبي ثعلبة الخشنى سألت عنها أي الآية ms06 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال ( ( بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ~~حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ~~ورأيت أمرا لا يدان لك به فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام فإن من ورائك ~~أيام الصبر الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن كأجر خمسين رجلا ~~يعملون مثل عمله ) ) ( 2 ) # فيأتي بالأمر والنهي معتقدا أنه مطيع لله ولرسوله وهو معتد في حدوده كما ~~نصب كثير من اهل البدع والأهواء نفسه للأمر والنهي كالخوارج والمعتزلة ~~والرافضة وغيرهم ممن غلط فيما آتاه الله من الأمر والنهي والجهاد ~~PageV01P030 وغير ذلك وكان فساده أعظم من صلاحه # | قتال الأئمة الظلمة # ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة ونهى عن ~~قتالهم ما أقاموا الصلاة وقال ( ( أدوا إليهم حقوقهم وسلوا الله حقوقكم ) ) ~~( 1 ) # ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة ~~وترك القتال في الفتنة # وأما أهل الأهواء كالمعتزلة فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم # وتجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة التوحيد الذي هو سلب الصفات والعدل الذي ~~هو التكذيب بالقدر والمنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر الذي فيه قتال الأئمة # | إذا تعارضت المصالح والمفاسد # وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد ~~والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ~~PageV01P031 ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد # فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في ~~المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن ~~مأمورا به بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته # | الشريعة هي الميزان # لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان ~~على إتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر ~~وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالته على الأحكام # وعلى هذا إذا كان الشخص والطائفة جامعين بين معروف ms07 ومنكر بحيث لا يفرقون ~~بينهما بل إما أن يفعلوهما جميعا أو يتركوهما جميعا لم يجز أن يؤمروا ~~بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أمر به وإن ~~استلزم ما هو دونه من المنكر ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه ~~بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وزوال فعل الحسنات # وإن كان المنكر أغلب نهى عنه وإن استلزم فوات ما هو دونه PageV01P032 من ~~المعروف ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر ~~وسعيا في معصية الله ورسوله # وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما فتارة ~~يصلح الأمر وتارة يصلح النهي وتارة لا يصلح أمر ولا نهي حيث كان المعروف ~~والمنكر متلازمين وذلك في الأمور المعينة الواقعة # وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا وينهى عن المنكر مطلقا # وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد ~~محمودها ويذم مذمومها بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه أو ~~حصول منكر فوقه ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات ~~معروف أرجح منه # وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق فلا يقدم على الطاعة ~~إلا بعلم ونية وإذا تركها كان عاصيا فترك الواجب معصية وفعل ما نهى عنه من ~~الأمر معصية وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله # ومن هذا الباب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي بن سلول ~~وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان # فإزالة المنكر بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك ~~PageV01P033 بغضب قومه وحميتهم وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقتل أصحابه # ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به واعتذر عنه وقال سعد بن ~~معاذ قوله الذي أحسن فيه حمى له سعد بن عبادة ms08 مع حسن إيمانه وصدقه وتعصب ~~لكل منهم قبيلة حتى كادت تكون فتنة ( 7 آ ) # | الحب الإلهي هو الأصل # وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه وإرادته لهذا وكراهته لهذا ~~موافقا لحب الله وبغضه وإرادته وكراهته الشرعيين وأن يكون فعله للمحبوب ~~ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وقد قال ( ~~فاتقوا الله ما استطعتم ) ( 1 ) # فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهته فينبغي أن تكون كاملة جازمة لا توجب ~~نقص ذلك إلا بنقص الإيمان وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته # ومن كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته ~~فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل PageV01P034 # فإن من الناس من يكون حبه وبغضه لا بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ~~ورسوله وهذا من نوع الهوى فإن اتبعه فقد اتبع هواه ( ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله ) ( 1 ) فإن أصل الهوى هو محبة النفس ويتبع ذلك بغضها # | اتباع الهوى # والهوى نفسه وهو الحب والبغض الذي في النفس لا يلام العبد عليه فإن ذلك ~~لا يملكه وإنما يلام على اتباعه كما قال تعالى ( يا داود إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) ( 2 ) ~~وقال تعالى ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية ~~والقصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في الغضب والرضى وثلاث مهلكات شح مطاع ~~وهوى متبع ( 7 ب ) وإعجاب المرء بنفسه ) ) # والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغوض ووجد وإرادة وغير ذلك ~~فمن اتبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله بل ~~قد يتمادى به الأمر إلى أن يتخذ إلهه هواه PageV01P035 # واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في المشتهيات فإن ~~الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كما قال تعالى ( فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن ms09 أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ( 1 ) وقال تعالى ( ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء ~~تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون بل اتبع الذين ظلموا ~~أهواءهم بغير علم فمن يهدى من أضل الله وما لهم من ناصرين ) ( 2 ) وقال ~~تعالى ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون ~~بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) ( 3 ) وقال تعالى ( قل يا ~~أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من ~~قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) ( 4 ) وقال تعالى ( ولن ترضى عنك ~~اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير ) ( 5 ) وقال ~~في الآية الأخرى ( ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم ( 8 آ ) إنك ~~إذا لمن الظالمين ) ( 6 ) وقال تعالى ( وأن احكم بينهم بما PageV01P036 ~~أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) ~~( 1 ) # ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من المنسوبين إلى العلماء ~~والعباد يجعل من أهل الأهواء كما كان السلف رحمهم الله يسمونهم ( ( أهل ~~الأهواء ) ) # وذلك أن كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه والعلم بالدين لا يكون إلا ~~بهدى الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الله تعالى في ~~موضع ( وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ) ( 2 ) وقال في موضع آخر ( ومن ~~أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) ( 3 ) # | الحب في الله والبغض في الله # فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه ومقدار حبه وبغضه هل هو ~~موافق لأمر الله ورسوله وهو هدى الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بحيث يكون مأمورا بذلك ms10 الحب والبغض لا يكون متقدما فيه بين يدي الله ~~ورسوله فإن الله تعالى قد قال ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله ) ( 4 ) # ومن أحب أو أبغض قبل أن يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم ~~PageV01P037 بين يدي الله ورسوله ومجرد الحب والبغض هوى لكن المحرم منه ~~اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله # ولهذا قال الله لنبيه داود ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ) ( 1 ) # فأخبر أن من اتبع هواه أضله ذلك عن سبيل الله وسبيل الله هو هداه الذي ~~بعث به رسوله وهو السبيل إليه ( 8 ب ) # | الأمر بالمعروف أفضل الأعمال # وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال ~~وأفضلها وأحسنها وقد قال تعالى ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) ( 2 ) وهو كما ~~قال الفضيل بن عياض رحمه الله أخلصه وأصوبه # فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا # والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة فالعمل الصالح لا بد أن ~~يراد به وجه الله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به ~~وجهه وحده كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ( ( يقول الله تعالى أنا أغنى الشركاء PageV01P038 عن الشرك من عمل ~~عملا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو كله للذي أشرك ) ) ( 3 ) # وهذا التوحيد الذي هو أصل الإسلام وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله ~~وله خلق الخلق وهو حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا # والعمل الصالح الذي أمر الله به رسوله هو الطاعة فكل طاعة عمل صالح وهو ~~العمل المشروع المسنون لأنه هو المأمور به أمر إيجاب أو استحباب فهو العمل ~~الصالح وهو الحسن وهو البر وهو الخير وضده المعصية والعمل الفاسد والسيئة ~~والفجور والظلم والبغي # | العمل والنية # ولما ms11 كان العمل لا بد فيه من شيئين النية والحركة كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( ( أصدق الأسماء حارث وهمام ) ) فكل أحد حارث همام له عمل ونية ~~لكن النية المحمودة التي يقبلها الله ( 9 آ ) ويثيب عليها هي أن يراد الله ~~وحده بذلك العمل # والعمل المحمود هو الصالح وهو المأمور به ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يقول في دعائه ( ( اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ~~ولا تجعل لأحد فيه شيئا ) ) PageV01P039 # وإذا كان هذا حد كل عمل صالح فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن ~~يكون كذلك هذا في حق الآمر الناهي بنفسه # | الفقه أساس العمل الصالح # ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه كما قال عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله عنه ( ( من عبد الله بغير علم كان يفسد أكثر مما يصلح ) ) وكما في ~~حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ( ( العلم إمام العمل والعمل تابعه ) ) وهذا ~~ظاهر فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا واتباعا للهوى كما ~~تقدم وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام فلا بد من العلم ~~بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما ولا بد من العلم بحال المأمور وحال ~~المنهي # ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي على الصراط المستقيم والصراط المستقيم ~~أقرب الطرق وهو الموصل إلى حصول القصد # | الرفق والصبر خلق الداعية # ولا بد في ذلك من الرفق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( ما كان ~~الرفق في شيء إلا زانه ولا كان العنف في شيء إلا شانه ) ) ( 1 ) وقال صلى ~~الله عليه وسلم ( ( إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي عليه ما لا ~~يعطي على العنف ) ) ( 2 ) PageV01P040 # ولا بد أيضا أن يكون حليما صبورا على الأذى فإنه لا بد أن يحصل له أذى ~~فإن لم يحلم ويصبر يفسد أكثر مما يصلح # كما قال لقمان لابنه ( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ~~إن ذلك من عزم الأمور ) ( 1 ) # ولهذا أمر الله ms12 الرسل وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر ~~كقوله لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة فإنه ~~أول ما أرسل أنزلت عليه سورة ( يا أيها المدثر ) بعد أن أنزلت وربك فكبر ~~وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر ) ( 2 ) فافتتح آيات ~~الإرسال إلى الخلق بالأمر بالإنذار وختمها بالصبر ونفس الإنذار أمر ~~بالمعروف ونهي عن المنكر فعلم أنه يجب بعده الصبر وقال تعالى ( واصبر لحكم ~~ربك فإنك بأعيننا ) ( 3 ) وقال تعالى ( فاصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا ~~جميلا ) ( 4 ) وقال ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) ( 5 ) وقال ( ~~فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ) ( 6 ) وقال ( واصبر وما صبرك إلا ~~PageV01P041 بالله ) ( 1 ) وقال ( واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) ( ~~2 ) # فلا بد من هذه الثلاثة العلم والرفق والصبر العلم قبل الأمر والنهي ~~والرفق معه والصبر بعده وإن كان كل من الثلاثة لابد ( 20 آ ) أن يكون ~~مستصحبا في هذه الأحوال # وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا ذكره القاضي أبو يعلى ~~في ( ( المعتمد ) ) ( ( لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها ~~فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهي عنه ~~حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهي عنه ) ) # وليعلم أن اشتراط هذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ~~يوجب الصعوبة على كثير من النفوس فيظن أنه بذلك يسقط عنه فيدعه وذلك مما ~~يضره أكثر مما يضره الأمر بدون هذه الخصال أو أقل فإن ترك الأمر الواجب ~~معصية وفعل ما نهى الله عنه في الأمر معصية فالمنتقل من معصية إلى معصية ~~كالمستجير من الرمضاء بالنار أو كالمنتقل من دين باطل إلى دين باطل قد يكون ~~الثاني شرا من الأول وقد يكون دونه وقد يكونان سواء # فهكذا تجد المقصر في الأمر والنهي والمعتدي فيه قد يكون ذنب هذا أعظم وقد ~~يكون ذنب ذاك أعظم وقد يكونان سواء PageV01P042 # | المعاصي سبب المصائب ms13 والطاعات سبب النعم # ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به ~~في كتابه أن المعاصي سبب المصائب فسيئات المصائب والجزاء هي من سيئات ~~الأعمال # وأن الطاعة سبب النعمة فإحسان العبد العمل سبب لإحسان الله قال تعالى ( ~~وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) ( 1 ) وقال تعالى ( ~~ما أصابك من حسنة فمن الله ( 10 ب ) وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) ( 2 ) ~~وقال تعالى ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ) ( 3 ) وقال تعالى ( أو لما أصابتكم ~~مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) ( 4 ) وقال ( أو ~~يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ) ( 5 ) وقال ( وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم فإن الإنسان كفور ) ( 6 ) وقال تعالى ( وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) ( 7 ) PageV01P043 # وقد أخبر الله سبحانه بما عاقب به أهل السيئات من الأمم كقوم نوح وعاد ~~وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وقوم فرعون في الدنيا وأخبر بما سيعاقبهم به في ~~الآخرة # ولهذا قال مؤمن آل فرعون ( يا قوم إني أخاف عليم مثل يوم الأحزاب مثل دأب ~~قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني ~~أخاف عليم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل ~~الله فما له من هاد ) ( 1 ) وقال تعالى ( ذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو ~~كانوا يعلمون ) ( 2 ) وقال ( سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) ( 3 ) ~~وقال ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ) ( 4 ) ~~( 11 آ ) وقال ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين إلى قوله يوم نبطش ~~البطشة الكبرى إنا منتقمون ) ( 5 ) # ولهذا يذكر الله في عامة سور الإنذار ما عاقب به أهل السيئات في الدنيا ~~وما أعده لهم في الأخرة وقد يذكر في السورة وعد الآخرة فقط إذ عذاب ms14 الآخرة ~~أعظم وثوابها أعظم وهي دار القرار وإنما يذكر ما يذكره من الثواب والعقاب ~~تبعا كقوله في قصة يوسف ( وكذلك مكنا PageV01P044 ليوسف في الأرض يتبوأ ~~منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة ~~خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) ( 1 ) وقال ( فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة ) ( 2 ) وقال ( والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ~~لنبوأنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا ~~وعلى ربهم يتوكلون ) ( 3 ) وقال عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ( وآتيناه ~~أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) ( 4 ) # وأما ذكره لعقوبة الدنيا والآخرة ففي سورة النازعات إذ قال ( والنازعات ~~غرقا والناشطات نشطا ثم قال يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ) فذكر ~~القيامة مطلقا ثم قال ( هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ~~اذهب إلى فرعون إنه طغى إلى قوله إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) ثم ذكر المبدأ ~~والمعاد مفصلا فقال ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها إلى قوله فإذا جاءت ~~الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى ~~وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ) ( 5 ) إلى آخر السورة ~~PageV01P045 # وكذلك في سورة المزمل ذكر قوله ( وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما إلى قوله كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ) ( 1 ) # وكذلك في سورة الحاقة ذكر قصص الأمم كثمود وعاد وفرعون ثم قال تعالى ( ~~فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ) ( 2 ) ~~إلى تمام ما ذكره من أمر الجنه والنار # وكذلك في سورة ( ( ن والقلم ) ) ذكر قصة أهل البستان الذين منعوا حق ~~أموالهم وما عاقبهم به ثم قال ( كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون ) ( 3 ) # وكذلك في سورة التغابن قال ( ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا ~~وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ذلك بأنه ms15 كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا ~~أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد ) ثم قال تعالى ( ~~زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك ~~على الله يسير ) ( 4 ) # وكذلك في سورة ( ( ق ) ) ( 5 ) ذكر حال المخالفين للرسل وذكر الوعد ~~PageV01P046 والوعيد في الآخرة وكذلك في سورة ( ( القمر ) ) ( 1 ) ذكر هذا ~~وهذا وكذلك في سورة ( ( حم ) ) مثل ( ( حم غافر ) ) ( 2 ) و ( ( السجدة ) ) ~~( 3 ) و ( ( الزخرف ) ) ( 4 ) و ( ( الدخان ) ) ( 5 ) وغير ذلك مما لا يحصى # | أول ما نزل من القرآن # فإن التوحيد والوعد والوعيد من أول ما أنزل كما في صحيح البخاري ( 6 ) عن ~~يوسف بن ماهك قال ( ( إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها ~~عراقي فقال أي الكفن خير قالت ويحك وما يضرك قال يا أم المؤمنين أريني ~~مصحفك قالت لم قال لعلي أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف قالت وما يضرك ~~أيه قرأت قبل إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة ~~والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء ~~لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع ~~الزنا أبدا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب ( ~~بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) ( 7 ) وما نزلت PageV01P047 سورة ~~البقرة والنساء إلا وأنا عنده قال فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السورة ) ~~) # | أعظم الفتن # وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل ~~والطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم وينكر عليهم ~~آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم فيحصل التفرق والاختلاف والشر ~~وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا إذ الانسان ظلوم جهول والظلم ~~والجهل أنواع فيكون ظلم الأول وجهله من نوع وظلم كل من الثاني والثالث ~~وجهلهما من نوع آخر وآخر # ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك # ورأى أن ما ms16 وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن تبعهم من العامة في الفتن ~~هذا أصلها ويدخل في ذلك أسباب الضلال والغي الأهواء الدينية والشهوانية ~~والبدع في الدين والفجور في الدنيا # وذلك أن أسباب الضلال والغي التي هي البدع في الدين والفجور في الدنيا ~~مشتركة تعم بني آدم لما فيهم من الظلم والجهل فيذنب بعض الناس بظلم نفسه ~~وغيره بفعل الزنا أو التلوط أو غيره أو بشرب الخمر أو ظلم في المال بخيانة ~~أو سرقة أو غصب ونحو ذلك PageV01P048 # | شهوة المعصية # ومعلوم أن هذه المعاصي وإن كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي ~~مشتهاة في الطباع # ومن شأن النفوس أنها لا تحب اختصاص غيرها بشيء وزيادته عليها لكن تريد أن ~~يحصل لها ما حصل له وهذا هو الغبطة التي هي أدنى نوعي الحسد فهي تريد ~~الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وإن ~~لم يحصل ففيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما يتقاضاها أن ~~تختص عن غيرها بالشهوات فكيف إذا رأت الغير قد استأثر عليها بذلك واختص به ~~دونها فالمعتدل منهم في ذلك الذي يحب الاشتراك والتساوي وأما الآخر فظلوم ~~حسود # وهذان يقعان في الأمور المباحة والأمور المحرمة لحق الله فما كان جنسه ~~مباحا من أكل وشرب ونكاح ولباس وركوب وأموال إذا وقع فيها الاختصاص حصل ~~بسببه الظلم والبخل والحسد # | الشح أصل الشرور # وأصلها الشح كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ( ~~إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم ~~فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ) ) ( 1 ) PageV01P049 # ولهذا قال الله تعالى في وصف الأنصار ( والذين تبوأوا الدار والأيمان من ~~قبلهم أي من قبل المهاجرين يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ~~مما أوتوا أي لا يجدون الحسد مما أوتي إخوانهم من المهاجرين ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ثم قال ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) ( 1 ~~) # وسمع عبد الرحمن بن عوف وهو يطوف بالبيت يقول ( ( رب قني ms17 شح نفسي رب قني ~~شح نفسي ) ) فقيل له في ذلك فقال ( ( إذا وقيت شح نفسي ( 13 ب ) فقد وقيت ~~البخل والظلم والقطيعة ) ) أو كما قال # فهذا الشح الذي هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنع ما عليه والظلم بأخذ ~~مال الغير ويوجب قطيعة الرحم ويوجب الحسد وهو كراهة ما اختص به الغير وتمنى ~~زواله # والحسد فيه بخل وظلم فإنه بخل بما أعطيه عن غيره وظلم بطلب زوال ذلك عنه # فإذا كان هذا في جنس الشهوات المباحة فكيف بالمحرمة كالزنا وشرب الخمر ~~ونحو ذلك وإذا وقع فيها اختصاص فإنه يصير فيها نوعان أحدهما بغضها لما في ~~ذلك من الاختصاص والظلم كما يقع في الأمور المباحة الجنس # والثاني بغضها لما في ذلك من حق الله PageV01P050 # | أقسام الذنوب # ولهذا كانت الذنوب ثلاثة أقسام أحدها ما فيه ظلم للناس كالظلم بأخذ ~~الأموال ومنع الحقوق والحسد ونحو ذلك والثاني ما فيه ظلم للنفس فقط كشرب ~~الخمر والزنا إذا لم يتعد ضررهما والثالث ما يجتمع فيه الأمران مثل أن يأخذ ~~الحاكم والأمير أموال الناس ليزنى بها ويشرب الخمر ويرتكب الفواحش ومثل أن ~~يزنى بمن يرفعه على الناس بذلك السبب ويضرهم كما يقع ممن يحب النساء ~~والصبيان وقد قال الله تعالى ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ( 1 ) # | العدل أساس الملك # وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك ~~في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في ~~إثم # ولهذا قيل إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة ~~وإن كانت مسلمة PageV01P051 # ويقال الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي ~~وقطيعة الرحم ) ) ( 1 ) # فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما # وذلك أن ms18 العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن ~~لصاحبها من خلاق ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما ~~يجزى به في الآخرة # | الظلم من شيم النفوس # والنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له والتعدي عليه في ~~حقه وفيها داعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث ~~فهي قد تظلم من لا يظلمها وتؤثر هذه الشهوات وإن لم يفعلها غيرها فإذا رأت ~~نظراءها قد ظلموا أو تناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم ~~فيها أعظم بكثير # وقد يصير ويهج ذلك لها من بغض ذلك وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما ~~لم يكن فيها قبل ذلك ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين بكون ذلك ~~الغير قد ظلم نفسه والمسلمين وأن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر والجهاد ~~على ذلك من الدين PageV01P052 # | الناس ثلاثة # والناس هنا ثلاثة أقسام قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم فلا يرضون إلا ~~بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من ~~الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه # وصار الأمر الذي كان عنده منكرا ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب ~~عليه صار فاعلا له شريكا فيه ومعاونا عليه ومعاديا لمن ينهى عنه وينكر عليه ~~وهذا غالب في بني آدم ترى الإنسان يسمع من ذلك مالا يحصيه إلا الله وسببه ~~أن الإنسان ظلوم جهول فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالما في الحالين يرى قوما ~~ينكرون على الحاكم والأمير ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم فيرضي أولئك ~~المنكرين ببعض الشيء من منصب أو مال فينقلبون أعوانا له وأحسن أحوالهم أن ~~يسكتوا عن الإنكار عليه # وكذلك تراهم على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا أحدهم ~~معهم في ذلك أو يرضوه ببعض ذلك فتراه حينئذ قد صار عونا لهم وهؤلاء قد ~~يعودون بإنكارهم إلى أقبح من الحال التي كانوا عليها وقد يعودون إلى ما هو ~~دون ذلك أو ms19 نظيره # وقوم يقومون قومة ديانة صحيحة يكونون في ذلك مخلصين لله مصلحين فيما ~~عملوه ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا فهؤلاء هم الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويؤمنون بالله PageV01P053 وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا وهم من غالب المؤمنين # فمن فيه دين وله شهوة يجتمع في قلبه إرادة الطاعة وإرادة المعصية وربما ~~غلب هذا تارة وهذا تارة # | النفوس ثلاثة # وهذه القسمة الثلاثية كما قيل الأنفس ثلاث أمارة ولوامة ومطمئنة # فالأولون هم أهل النفس الأمارة التي تأمر بالسوء # والوسط هم أهل النفس المطمئنة التي يقال لها ( يا أيتها النفس المطمئنة ~~ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) ( 1 ) # وهؤلاء هم أهل النفس اللوامة التي تفعل الذنب ثم تلوم عليه وتتلون تارة ~~كذا وتارة كذا وتخلط عملا صالحا وآخر سيئا وهؤلاء يرجى أن يتوب الله عليهم ~~إذا اعترفوا بذنوبهم # كما قال الله تعالى ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ~~عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) ( 2 ) ولهذا لما كان الناس في ~~زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهما اللذان أمر المسلمون بالاقتداء بهما ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( اقتدوا PageV01P054 باللذين من بعدي ~~أبي بكر وعمر ) ) ( 1 ) لما كان الناس أقرب عهدا بالرسالة وأعظم ايمانا ~~وصلاحا وأئمتهم أقوم بالواجب وأثبت في الطمأنينة لم تقع فتنة إذ كانوا في ~~حكم القسم الوسط # ولما كان في آخر خلافة عثمان وفي خلافة علي رضي الله عنهما كثر القسم ~~الثالث # فصار فيهم شهوة مع الإيمان والدين قد صار ذلك في بعض الولاة وبعض الرعايا ~~ثم كثر ذلك بعد فنشأت الفتنة التي سببها ما تقدم من عدم تمحيص التقوى ~~والطاعة في الطرفين واختلاطهما بنوع من الهوى والعصبية في وينهى عن المنكر ~~وأنه مع الحق والعدل ومع التأويل نوع من الهوى ففيه نوع من الظن وما تهوى ~~الأنفس وإن كانت إحدى الطائفتين أولى بالحق من الأخرى # فلهذا يجب ms20 على المؤمن أن يستعين بالله ويتوكل عليه في أن يعمر قلبه ~~بالإيمان والتقوى ولا يزيغه ويثبته على الهدى ولا يتبع الهوى كما قال تعالى ~~( فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم ) ( 2 ) # | اختلاف الأمة # وهذا أيضا حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت في المقالات والعبادات ~~PageV01P055 وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين فإنهم محتاجون ~~إلى شيئين إلى دفع الفتنة التي ابتلى بها نظراؤهم من فتنة الدنيا والدين عن ~~نفوسهم مع قيام المقتضى لها فإن معهم نفوسا وشياطين كما مع غيرهم فمع وجود ~~ذلك من نظائرهم يقوى المقتضى عندهم كما هو الواقع فيبقى الداعي الذي في نفس ~~الشيطان وشيطانه ودواعي الخير كذلك وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير # فكم من الناس لم يرد خيرا ولا شرا حتى رأى غيره لا سيما إن كان نظيره ~~يفعله ففعله فإن الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض # | المبتدئون بالخير والشر # ولهذا كان المبتدىء بالخير وبالشر له من الأجر والوزر مثل من تبعه كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سن سنة سيئة فعليه ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ) ) ~~( 1 ) وذلك لاشتراكهم في الحقيقة وأن حكم الشيء حكم نظيره وشبه الشيء منجذب ~~إليه # فإذا كان هذان داعيين قويين فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران ~~PageV01P056 # | شهوة المشاركة # وذلك أن كثيرا من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه ويبغضون من ~~لا يوافقهم وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم ~~ومعاداتهم لمخالفيهم وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرا ما يختار أهلها ~~ويؤثرون من يشاركهم في أمورهم وشهواتهم إما للمعاونة على ذلك كما في ~~المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحو ذلك وإما لتلذذهم بالموافقة ms21 ~~كما في المجتمعين على شرب خمر مثلا فإنهم يحبون أن يشرب كل من حضر عندهم ~~وإما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير إما حسدا له على ذلك أو لئلا يعلو عليهم ~~بذلك ويحمده الناس دونهم أو لئلا يكون له عليهم حجة أو لخوفهم من معاقبته ~~لهم بنفسه أو بمن يرفع ذلك إليهم أو لئلا يكونوا تحت منته وخطره ونحو ذلك ~~من الأسباب قال ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) ( 2 ) وقال ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه ( ( ودت الزانية لو زنى النساء كلهن ) ) # والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور كالاشتراك في شرب الخمر ~~PageV01P057 والكذب والاعتقاد الفاسد وقد يختارونها في النوع الثاني ~~كالزاني الذي يود أن يزني غيره والسارق الذي يود أن يسرق غيره أيضا لكن في ~~غير العين التي زنى بها والتي سرقها # وأما الداعي الثاني فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر ~~فإن شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه قد ينتهي إلى حد الإكراه # ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو يأمرونه ~~بذلك ويستعينون به على ما يريدونه فإنهم متى شاركهم وعاونهم وأطاعهم ~~انتقصوه واستخفوا به وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى وإن لم يشاركهم ~~عادوه وآذوه وهذه حال غالب الظالمين القادرين # وهذا الموجود في المنكر موجود نظيره في المعروف وأبلغ منه كما قال الله ~~تعالى ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) ( 1 ) # فإن الانسان فيه داع يدعوه إلى الايمان والعلم والصدق والعدل وأداء ~~الأمانة فإذا وجد من يعمل ذلك مثله صار له داع آخر لا سيما إذا كان نظيره ~~لا سيما مع المنافسة وهذا محمود حسن # فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين PageV01P058 ~~والصالحين ومن يبغضه إذا لم يفعل ذلك صار له داع ثالث # فإذا أمروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له داع رابع # ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات كما يقابل ~~الطبيب المرض بضده فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه وذلك ms22 بشيئين بفعل الحسنات ~~وترك السيئات مع وجود ما ينفي الحسنات ويقتضي السيئات وهذه أربعة أنواع # ويؤمر أيضا بإصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة قدرته وإمكانه قال تعالى ( ~~والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر ) ( 1 ) وروي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال ( ( لو فكر ~~الناس كلهم سورة العصر لكفتهم ) ) وهو كما قال فإن الله تعالى أخبر فيها أن ~~جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمنا صالحا ومع غيره موصيا بالحق ~~موصيا بالصبر # وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو الدرجة وعظيم الثواب ~~كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم ( ( أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم ~~الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه ~~صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه PageV01P059 وما يزال ~~البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة ) ) وحينئذ فيحتاج ~~من الصبر ما لا يحتاج إليه غيره وذلك هو سبب الإمامة في الدين كما قال ~~تعالى ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) ~~( 1 ) # | الصبر على فعل الحسنات وعلى ترك السيئات # فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور به وعلى ترك المحظور المنهي عنه ~~ويدخل في ذلك الصبر على الأذى وعلى ما يقال والصبر على ما يصيبه من المكاره ~~والصبر عن البطر عند النعم وغير ذلك من أنواع الصبر # | الصبر والرحمة # ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويتغذى به ~~وهو اليقين # كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ( ( أيها الناس سلوا الله اليقين والعافية فإنه لم يعط ~~أحد بعد اليقين خيرا من العافية فسلوهما الله ) ) ( 2 ) # وكذلك إذا أمر غيره بحسن أو أحب موافقته له على ذلك PageV01P060 أو نهى ~~غيره عن سيء فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحسانا يحصل به ms23 مقصوده من حصول ~~المحبوب واندفاع المكروه # فإن النفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو لا يمكن غير ذلك # ولهذا أمر الله بتأليف القلوب حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا في الصدقات # وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين ) ( 1 ) # وقال تعالى ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) ( 2 ) فلا بد أن يصبر ~~ويرحم وهذا هو الشجاعة والكرم # ولهذا يقرن الله بين الصلاة والزكاة تارة وهي الإحسان إلى الخلق وبينها ~~وبين الصبر تارة # ولا بد من الثلاثة الصلاة والزكاة والصبر لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا ~~بذلك في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة فإن ~~الحاجة إلى ذلك تكون أشد # فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا ~~دنياهم إلا بهما PageV01P061 # ولهذا فإن جميعهم يتمادحون بالشجاعة والكرم حتى إن ذاك عامة ما يمدح به ~~الشعراء ممدوحيهم في شعرهم وكذلك يتذامون بالبخل والجبن # | عندما يتفق عقلاء بني آدم # والقضايا التي يتفق عليها عقلاء بني آدم لا تكون إلا حقا كاتفقاهم على ~~مدح الصدق والعدل وذم الكذب والظلم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة ~~فتعلقت بردائه فالتفت إليهم وقال ( ( والذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه ~~العضاه نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا ) ) لكن ~~ينوع ذلك بتنوع المقاصد والصفات فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما ~~نوى # ولهذا جاء الكتاب والسنة بذم البخل والجبن ومدح الشجاعة والسماحة في سبيل ~~الله دون ما ليس في سبيله # فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع ) ) ~~( 1 ) وقال ( ( من سيدكم يا بني سلمة فقالوا الجد بن قيس على أنا نزنه ~~بالبخل فقال وأي داء أدوى من البخل ) ) ( 2 ) PageV01P062 # وفي رواية إن السيد لا يكون بخيلا بل سيدكم الأبيض الجعد البراء ابن ~~معرور ) ) # وكذلك في ( ( الصحيح ) ) قول جابر بن عبدالله لأبي بكر الصديق رضي ms24 الله ~~عنهم ( ( إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني فقال تقول وإما أن تبخل عني وأي ~~داء أدوى من البخل ) ) فجعل البخل من أعظم الأمراض # وفي ( ( صحيح مسلم ) ) عن سليمان بن ربيعة قال قال عمر رضي الله عنه ( ( ~~قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسما فقلت يا رسول الله والله لغير هؤلاء أحق ~~منهم فقال إنهم خيروني بين أن يسألوني بالفحش وبين أن يبخلوني ولست بباخل ) ~~) ( 1 ) # يقول أنهم سألوني مسألة لا تصلح فإن أعطيتهم وإلا قالوا هو بخيل فقد ~~خيروني بين أمرين مكروهين لا يتركوني من أحدهما المسألة الفاحشة والتبخيل ~~والتبخيل أشد فأدفع الأشد بإعطائهم # | أنواع البخل # والبخل جنس تحته أنواع كبائر وغير كبائر قال الله تعالى ( ولا يحسبن ~~الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو PageV01P063 خيرا لهم بل هو شر لهم ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) ( 1 ) وقال ( واعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا وبالوالدين إحسانا إلى قوله إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) ( 2 ) # وقال تعالى ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ) ( 3 ) # وقال ( فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه ) ( 4 ) # وقال ( ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ) ( 5 ) # وقال ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون ~~الماعون ) ( 6 ) # وقال ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم PageV01P064 ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) ( 1 ) # وكثير من الآي في القرآن من الأمر بالإيتاء والإعطاء وذم من ترك ذلك كله ~~ذم للبخل # | الجبن # وكذلك ذمه للجبن كثير # في مثل قوله ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ~~فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) ( 2 ) # وقوله ms25 عن المنافقين ( ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم ~~يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهو يجمحون ) ( 3 ) # وقوله ( فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم ~~مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ( 4 ) # وقوله ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ~~PageV01P065 وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم منهم يخشون ~~الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا ~~أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون ~~فتيلا ) ( 1 ) # وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه ~~والتاركين له كله ذم للجبن # | لا يتم صلاح بني آدم إلا بالشجاعة والكرم # ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم بين ~~الله سبحانه أنه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك ~~ومن تولى عنه بإنفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك # فقال ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا ~~تضروه شيئا والله على كل شيء قدير ) ( 2 ) # وقال تعالى ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من ~~PageV01P066 يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء ~~وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ( 1 ) # وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل الله السابقين # فقال ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ) ( 2 ) # وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله ومدحه في غير آية من كتابه وذلك ~~هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه فقال ( كم من فئة قليلة غلبت فئة ms26 ~~كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) ( 3 ) # وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ~~واصبروا إن الله مع الصابرين ) ( 4 ) # | الشجاعة قوة القلب # والشجاعة ليست هي قوة البدن فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب ~~PageV01P067 # وإنما هي قوة القلب وثباته فإن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال ~~وعلى قوة القلب وخبرته به # والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة دون التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا ~~يميز بين المحمود والمذموم # ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح ~~دون ما لا يصلح فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد # | الصبر صبران # وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر فإنه لا بد منه # والصبر صبران صبر عند الغضب وصبر عند المصيبة كما قال الحسن رحمه الله ( ~~( ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب وجرعة صبر عند المصيبة ) ) # وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم # والشجاع الشديد هو الذي يصبر على المؤلم # والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار ~~الحزن # ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة ويصفر عند ~~الحزن لغور الدم عند استشعار العجز PageV01P068 # ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن ~~عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ( ما ~~تعدون الرقوب فيكم قالوا الرقوب الذي لا يولد له قال ليس ذاك بالرقوب ولكن ~~الرقوب الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا ثم قال ما تعدون الصرعة فيكم قلنا ~~الذي لا يصرعه الرجال فقال ليس بذلك ولكن الصرعة هو الذي يملك نفسه عند ~~الغضب ) ) ( 1 ) # فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة والصبر عند الغضب # قال الله تعالى في المصيبة ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنا إليه ms27 راجعون ) ( 2 ) # وقال تعالى في الغضب ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم ) ( 3 ) # وهذا الجمع بين صبر المصيبة وصبر الغضب نظير الجمع بين صبر المصيبة وصبر ~~النعمة # كما في قوله تعالى ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ~~ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات ~~PageV01P069 عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم ~~مغفرة وأجر كبير ) ( 1 ) # وقال ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) ( 2 ) # وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من الصحابة المهاجرين رضي الله عنهم حيث ~~قال % لا يفرحون إذا نالت سيوفهم % قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا % # وكذلك قال حسان بن ثابت في وصفه الأنصار رضي الله عنهم % لا فخر إن هم ~~أصابوا من عدوهم % وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع % # وقال بعض العرب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ( ( يغلب فلا يبطر ويغلب ~~فلا يضجر ) ) # ولما كان الشيطان يدعو الناس عند هذين النوعين إلى تعدي الحدود بقلوبهم ~~وأصواتهم وأيديهم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لما قيل له وقد ~~بكى لما رأى إبراهيم في النزع ( ( أتبكي وأنت تنهى عن البكاء فقال إنما ~~نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير شيطان وصوت عند ~~مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية ) ) ( 3 ) فجمع بين الصوتين ~~PageV01P070 # وأما نهيه عن ذلك في المصائب فمثل قوله صلى الله عليه و سلم ( ( ليس منا ~~من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ) ) ( 1 ) و قال ( ( انا ~~برىء من الحالقة والصالقة والشاقة ) ) ( 2 ) وقال ( ( ان الله لا يؤاخذ على ~~دمع العين ولا حزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم ) ) وأشار إلى لسانه ( 3 ) ~~وقال ( ( من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح ) ) ( 4 ) واشترط على النساء في ~~البيعة ( ( ان لا ينحن ) ) وقال ( ( إن النائحة اذا لم تتب قبل موتها فأنها ~~تلبس يوم القيامه درعا من جرب وسربالا من ms28 قطران ) ) ( 5 ) فالنبي صلى الله ~~عليه وسلم ذكر الصوتين الأحمقين الفاجرين الصوت الذي يوجب الاعتداء في ~~الفرح حتى يصير الإنسان فرحا فخورا والصوت الذي يوجب الجزع عند الحزن حتى ~~يصير الإنسان هلوعا جزوعا وأما الصوت الذي يثير الغضب لله فكالأصوات التي ~~تقال في الجهاد من الأشعار المنشدة فتلك لم تكن بآلات PageV01P071 وكذلك ~~أصوات الشهرة في الفرح فرخص منها فيما وردت به السنة من الضرب بالدف في ~~العرس والأفراح للنساء والصبيان وعامة الأشعار التي تنشد بالأصوات لتحريك ~~النفوس هي من هذه الأقسام الأربع وهي التشبيب وأشعار الغضب والحميه وهي ~~الحماسة والهجاء وأشعار المصائب كالمراثي وأشعار النعم والفرح وهي المدائح # والشعراء جرت عادتهم أن يمشوا مع الطبع كما قال الله تعالى ( ألم تر أنهم ~~في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون ) ( 1 ) ولهذا أخبر أنهم ~~يتبعهم الغاوون والغاوي هو الذي يتبع هواه بغير علم وهذا هو الغي وهو خلاف ~~المهتدي كما أن الضال هو الذي لا يعلم مصلحته وهو خلاف المهتدي قال سبحانه ~~( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ) ( 2 ) فلهذا قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ) ~~) ( 3 ) فلهذا تجدهم يمدحون جنس الشجاعه وجنس السماحه إذ كان عدم ~~PageV01P072 هذين مذموما على الإطلاق وأما وجودهما ففيه تحصيل مقاصد النفوس ~~علي الإطلاق لكن العاقبة في ذلك للمتقين وأما غير المتقين فلهم عاجلة لا ~~عاقبة والعاقبة وإن كانت في الآخرة فتكون في الدنيا أيضا كما قال تعالى لما ~~ذكر قصة نوح ونجاته بالسفينه ( قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم إلى قوله فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين وقال الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين # | حمد الله زين وذمه شين # والفرقان أن يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله فإن الله تعالى هو الذي ~~حمده زين وذمه شين دون غيره ms29 من الشعراء والخطباء وغيرهم ولهذا لما قال ~~القائل من بني تميم للنبي صلى الله عليه وسلم ( ( إن حمدي زين وذمي شين ) ) ~~قال له ( ( ذاك الله ) ) # والله سبحانه حمد الشجاعة والسماحة في سبيله كما في ( ( الصحيح ) ) عن ~~أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال ( ( قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P073 الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل ~~الله فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ) ( 1 ) # وقد قال الله سبحانه ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ~~( 2 ) لأن هذا هو المقصود الذي خلق الله الخلق له # كما قال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( 3 ) # | مواقف الناس أمام الشجاعة والسماحة # فكل ما كان لأجل الغاية التي خلق لها الخلق كان محمودا عند الله وهو الذي ~~يبقى لصاحبه وينفعه الله به وهذه هي الأعمال الصالحات ولهذا كان الناس ~~أربعة أصناف # من يعمل لله بشجاعة وسماحة فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة # ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس له في ~~الآخرة من خلاق PageV01P074 # ومن يعمل لله لكن لا بشجاعة ولا بسماحة فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان ~~بقدر ذلك ومن لا يعمل لله ولا فيه شجاعة ولا سماحة فهذا ليس له دنيا ولا ~~آخرة # فهذه الأخلاق والأعمال يحتاج إليها المؤمن عموما وخصوصا في أوقات المحن ~~والفتن الشديدة فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم عند المقتضى للفتنة عندهم ~~ويحتاجون أيضا إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم وكل من هذين الأمرين فيه من ~~الصعوبة ما فيه وإن كان يسيرا على من يسره الله عليه # وهذا لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح وأمرهم بدعوة الناس ~~وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح # ولكنهم كما قال الله تعالى ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ~~الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتواالزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهواعن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ( 1 ) وكما قال ( إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في ms30 الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) PageV01P075 وكما قال ( ~~كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) ( 1 ) وكما قال ( وإن جندنا ~~لهم الغالبون ) ( 2 ) # | التعلل بخوف الفتنة # ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من ~~الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما ~~وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة كما قال الله تعالى عن ~~المنافقين ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ) ( 3 ) ~~الآية # وقد ذكروا في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم وأظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ~~( ( هل لك في نساء بني الأصفر فقال يا رسول الله إني رجل لا أصبر عن النساء ~~وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر فائذن لي ولا تفتني ) ) # وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة واستتر بجمل أحمر ~~وجاء فيه الحديث ( ( كلهم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر ) ) PageV01P076 # فأنزل الله تعالى فيه ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة ~~سقطوا ) # يقول إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء فلا يفتتن بهن فيحتاج إلى ~~الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه فيتعذب بذلك أو يواقعه فيأثم فإن من ~~رأى الصورة الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن منها إما لتحريم الشارع وإما للعجز ~~عنها يعذب قلبه وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك وفي الحلال من ذلك من ~~معالجة النساء ما فيه بلاء # فهذا وجه قوله ( ( ولا تفتني ) ) فقال الله تعالى ( ألا في الفتنة سقطوا ~~) يقول إن نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه ~~الذي زين له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة ~~صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته والله تعالى يقول ( وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ( 1 ) فمن ترك القتال الذي أمر ms31 ~~الله به لئلا تكون فتنة فهو في الفتنة ساقط لما وقع فيه من ريب قلبه ومرض ~~فؤاده وترك ما أمره الله به من الجهاد PageV01P077 # | الناس أمام الأمر بالمعروف قسمان # فتدبر هذا فإنه مقام خطر والناس فيه على قسمين # قسم يأمرون وينهون ويقاتلون طلبا لإزالة الفتنة زعموا ويكون فعلهم ذلك ~~أعظم فتنة كالمقاتلين في الفتن الواقعة بين الأمة مثل الخوارج # وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون ~~كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا وهم قد سقطوا في الفتنة # وهذه الفتنة المذكورة في سورة ( ( براءة ) ) دخل فيها الافتتان بالصور ~~الجميلة فإنها سبب نزول الآية # وهذه حال كثير من المتدينة يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون ~~به الدين كله لله وتكون به كلمة الله هي العليا لئلا يفتتنوا بجنس الشهوات ~~وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منها # وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب من الأمر والنهي وترك المحظور والقيام ~~بالواجب وترك المحظور متلازمان لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما ~~جميعا أو تركهما جميعا مثل كثير ممن يحب الرياسة أو المال أو شهوات الغي ~~فإذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد وإمارة ونحو ذلك فلا بد أن يفعل ~~معها شيئا من المحظورات فالواجب عليه حينئذ أن ينظر أغلب الأمرين فإن كان ~~المأمور أعظم أجرا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف من أن يقترن به ~~ما هو دونه في المفسدة وإن كان PageV01P078 ترك المحظور أعظم أجرا لم يفوت ~~ذلك برجاء ثواب فعل واجب يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات ~~فهذا هذا وتفصيل ذلك يطول # | لا بد لكل إنسان من أمر ونهي # وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي ولا بد أن يؤمر وينهى حتى ~~لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها إما بمعروف وإما بمنكر كما قال الله ~~تعالى ( إن النفس لأمارة بالسوء ) ( 1 ) فإن الأمر هو طلب ms32 الفعل وإرادته ~~والنهي طلب الترك وإرادته # | المجتمع البشري # ولا بد لكل حي من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بها فعل نفسه ويقتضي بهل فعل ~~غيره إذا أمكن ذلك فإن الأنسان حي يتحرك بإرادته وبنو آدم لا يعيشون إلا ~~باجتماع بعضهم مع بعض # | الإمارة # وإذا اجتمع اثنان فصاعدا فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن أمر ~~PageV01P079 # ولهذا كان أقل الجماعة في الصلاة اثنان كما قيل الاثنان فما فوقهما جماعة ~~ولكن لما كان ذلك اشتراكا في مجرد الصلاة حصل باثنين أحدهما إمام والآخر ~~مأموم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه رضي الله ~~عنهما ( ( إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما ) ) ( 1 ) وكانا ~~متقاربين في القراءة # وأما في الأمور العادية ففي السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ~~( لا يحل لثلاثة يكونون في سفر إلا أمروا عليهم أحدهم ) ) ( 2 ) # | الأمر والنهي ضرورة بشرية # وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم فمن لم يأمر بالمعروف الذي ~~أمر به الله ورسوله وينهى عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله ويؤمر ~~بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله وينهى عن المنكر الذي نهى الله عنه ~~ورسوله وإلا فلا بد من أن يأمر وينهى ويؤمر وينهى إما بما يضاد ذلك وإما ~~بما يشترك فيه الحق الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله ~~PageV01P080 # وإذا اتخذ ذلك دينا كان دينا مبتدعا ضالا باطلا # وكما أن كل بشر هو حي متحرك بإرادته همام حارث فمن لم تكن نيته وعمله ~~عملا صالحا لوجه الله كان عمله عملا فاسدا أو لغير وجه الله وهو الباطل كما ~~قال تعالى ( إن سعيكم لشتى ) ( 1 ) # وهذه الأعمال كلها باطلة من جنس أعمال الكفار ( الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله أضل أعمالهم ) ( 2 ) وقال تعالى ( والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب ) ( 3 ) وقال ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ms33 ~~فجعلناه هباء منثورا ) ( 4 ) # | أولو الأمر # وقد أمر الله تعالى في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من ~~المؤمنين PageV01P081 # كما قال تعالى ( ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) ( 1 ) وأولو الأمر أصحاب الأمر ~~وذووه وهم الذين يأمرون الناس وينهونهم وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة ~~وأهل العلم والكلام # | أولو الأمر صنفان # فلهذا كان أولو الأمر صنفين العلماء والأمراء فإذا صلحوا صلح الناس واذا ~~فسدوا فسد الناس كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه للأحمسيه لما سألته ~~ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح قال ما استقامت لكم أئمتكم ويدخل فيهم ~~الملوك والمشايخ واهل الديوان وكل من كان متبوعا فهو من أولي الأمر وعلى كل ~~واحد من هؤلاء ان يأمر بما امر الله به وينهى عما نهى الله عنه وعلى كل ~~واحد ممن عليه طاعته ان يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية الله كما ~~قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين تولى امر المسلمين وخطبهم فقال في ~~خطبته ( ( ايها الناس القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق اطيعوني ما ~~اطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ) ) PageV01P082 فصل # | أساس الحسنات الأخلاص والموافقة للشريعة # وإذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين ان يراد بها وجه الله وأن ~~تكون موافقة للشريعة فهذا في الأقوال والأفعال في الكلم الطيب والعمل ~~الصالح في الأمور العلمية والأمور العملية العبادية ولهذا ثبت في ( ( ~~الصحيح ) ) عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ( ( إن اول ثلاثة تسعر بهم ~~جهنم رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن وأقرأه ليقول الناس هو عالم وقارىء ~~ورجل جاهد وقاتل ليقول الناس هو شجاع وجرىء ورجل تصدق وأعطى ليقول الناس هو ~~جواد وسخي ) ) ( 1 ) فإن هؤلاء الثلاثة الذين بعد النبيين من الصديقين ~~والشهداء والصالحين فإن من تعلم العلم الذي بعث الله به رسله ms34 وعلمه لوجه ~~الله كان صديقا ومن قاتل لتكون كلمة الله العليا وقتل كان شهيدا ومن تصدق ~~يبتغي بذلك وجه الله كان صالحا PageV01P083 ولهذا يسأل المفرط في ماله ~~الرجعة وقت الموت كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ( ( من أعطى مالا فلم ~~يحج منه ولم يزك سأل الرجعة وقت الموت ) ) وقرأ قوله تعالى ( وأنفقوا مما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن من الصالحين ) ( 1 ) # ففي هذه الأمور العلمية الكلامية يحتاج الآمر أن يكون ما يخبر به عن الله ~~واليوم الآخر وما كان ويكون صوابا وما يأمر به وما ينهى عنه كما جاءت به ~~الرسل عن الله هذا هو الصواب الموافق للسنة والشريعة المتبع لكتاب الله ~~وسنة رسوله # كما أن العبادات التي نتعبد بها إذا كانت مما شرعه الله وأمر الله به ~~ورسوله بعث الله به رسله وما لم يكن كذلك من القسمين كان من الباطل والبدع ~~المضلة والجهل وإن كان يسميه من يسميه علوما ومعقولات وعبادات ومجاهدات ~~وأذواقا ومقامات # ويحتاج ايضا ان يأمر بذلك لأمر الله وينهى عنه لنهي الله ويخبر بما اخبر ~~الله به لأنه حق وإيمان وهدى كما اخبرت به الرسل كما تحتاج العبادة إلى ان ~~يقصد بها وجه الله فإذا قيل ذلك لأتباع PageV01P084 الهوى والحمية أو ~~لإظهار العلم والفضيلة أو لطلب السمعة والرياء كان بمنزلة المقاتل شجاعة ~~وحمية ورياء # ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من أهل العلم والمقال وأهل العبادة ~~والحال فكثيرا ما يقول هؤلاء من الأقوال ما هو خلاف الكتاب والسنة أو ما ~~يتضمن خلاف السنة ووفاقها # وكثيرا ما يتعبد هؤلاء بعبادات لم يأمر الله بها بل قد نهى عنها أو ما ~~يتضمن مشروعا محظورا # وكثيرا ما يقاتل هؤلاء قتالا مخالفا للقتال المأمور به أو متضمنا لمأمور ~~به ومحظور # ثم كل من الأقسام الثلاثة المأمور به والمحظور والمشتمل على الأمرين قد ~~يكون لصاحبه نية حسنة وقد يكون متبعا لهواه وقد يجتمع له هذا وهذا ms35 فهذه ~~تسعة أقسام في هذه الأمور # وفي الأموال المنفقة عليها من الأموال السلطانية الفيء وغيره والأموال ~~الموقوفة والأموال الموصى بها والمنذورة وأنواع العطايا والصدقات والصلات ~~وهذا كل من لبس الحق بالباطل وخلط عمل صالح وآخر سيء # والسيء من ذلك قد يكون صاحبه مخطئا أو ناسيا فهو مغفور له PageV01P085 ~~كالمجتهد المخطىء الذي له أجر وخطؤه مغفور له وقد يكون صغيرا مكفرا باجتناب ~~الكبائر وقد يكون مغفورا بتوبة أو بحسنات تمحو السيئات أو مكفرا بمصائب ~~الدنيا ونحو ذلك # إلا أن دين الله الذي أنزل به كتبه وبعث به رسله ما تقدم من إرادة الله ~~وحده بالعمل الصالح # | الإسلام دين لله # وهذا هو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من أحد غيره قال تعالى ( ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ( 1 ) ~~وقال تعالى ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام ) ( 2 ) # | معنى الاسلام # والإسلام يجمع معنيين أحدهما الاستسلام والانقياد فلا يكون متكبرا ~~PageV01P086 والثاني الإخلاص من قوله تعالى ( ورجلا سلما لرجل ) ( 1 ( فلا ~~يكون مشتركا وهو أن يسلم لله رب العالمين كما قال تعالى ( ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ~~ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( 2 ) ~~وقال تعالى ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) ( 3 ) # والإسلام يستعمل لازما معدى بحرف اللام مثلما ذكر في هذه الآيات ومثل ~~قوله تعالى ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم PageV01P087 ~~العذاب ثم لا تنصرون ) ( 1 ) ومثل قوله تعالى ( قالت رب إني ظلمت نفسي ms36 ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) ( 2 ) ومثل قوله تعالى ( أفغير دين ~~الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ) ( 3 ) ~~ومثل قوله تعالى ( قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ~~) ( 4 ) # ويستعمل متعديا مقرونا بالإحسان كقوله تعالى ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من ~~أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( ~~5 ) PageV01P088 وقوله تعالى ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ~~واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ) ( 1 ) # فقد أنكر الله أن يكون دين أحسن من هذا الدين وهو إسلام الوجه لله مع ~~الإحسان # وأخبر أن كل من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون # أثبت هذه الكلمة الجامعة والقضية العامة ردا لمزاعم من زعم أنه لا يدخل ~~الجنة إلا متهود أو متنصر # وهذان الوصفان وهما اسلام الوجه لله والإحسان هما الأصلان المتقدمان وهما ~~كون العمل خالصا لله صوابا موافقا للسنة والشريعة وذلك أن اسلام الوجه لله ~~هو متضمن القصد والنية لله كما قال بعضهم % استغفر الله ذنبا لست محصيه % ~~رب العباد إليه الوجه والعمل % $ وقد استعمل هنا أربعة ألفاظ إسلام الوجه ~~وإقامة الوجه وتوجيه الوجه كقوله تعالى ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) ( 2 ~~) PageV01P089 وقوله تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها ( 1 ) ) وكقول الخليل عليه السلام ( إني وجهت ووجهي للذي فطر ~~السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) ( 2 ) وكذلك كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح في صلاته من الليل ( ( وجهت وجهي ~~للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ms37 ) ) # وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علمه أن يقول إذا أوى إلى فراشه ( ( اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي ~~إليك الحديث ) ) ( 3 ) # فالوجه يتناول المتوجه بكسر الجيم والمتوجه بفتح الجيم إليه ويتناول ~~المتوجه نحوه كما يقال أي وجه تريد أي أي وجهة وناحية تقصد وذلك أنهما ~~متلازمان فحيث توجه الانسان توجه وجهه ووجهه مستلزم لتوجهه وهذا في باطنه ~~وظاهره جميعا فهي أربعة أمور والباطن هو الأصل والظاهرة هو الكمال والشعار ~~فإذا توجه قلبه إلى شيء تبعه وجهه الظاهرة PageV01P090 # فإذا كان العبد قصده ومراده وتوجهه إلى الله فهذا صلاح إرادته وقصده فإذا ~~كان مع ذلك محسنا فقد اجتمع له أن يكون عمله صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا وهو قول عمر رضي الله عنه ( ( اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك ~~خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا ) ) # | الاحسان هو العمل الصالح # والعمل الصالح هو الإحسان وهو فعل الحسنات وهو ما أمر الله به والذي أمر ~~الله به هو الذي شرعه وهو الموافق لكتاب الله وسنة رسوله فقد أخبر الله ~~تعالى أن من أخلص قصده لله وكان محسنا في عمله فإنه مستحق للثواب سالم من ~~العقاب # ولهذا كان أئمة السلف رحمهم الله يجمعون هذين الأصلين كقول الفضيل بن ~~عياض في قوله تعالى ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) ( 1 ) قال ( ( أخلصه وأصوبه ~~فقيل يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه فقال إن العمل إذا كان صوابا ولم يكن ~~خالصا لم يقبل وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا ~~والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة ) ) # وقد روى ابن شاهين واللالكائي عن سعيد بن جبير قال ( ( لا يقبل ~~PageV01P091 قول إلا بعمل ولا يقبل قول وعمل إلا بنية ولا يقبل قول وعمل ~~ونية إلا بموافقة السنة ) ) ورويا عن الحسن البصري مثله ولفظه ( ( لا يصلح ~~) ) مكان ( ( لا يقبل ) ) # | الإيمان قول وعمل # وهذا فيه رد على المرجئة الذين يجعلون مجرد القول كافيا فأخبر ms38 أنه لا بد ~~من قول وعمل إذ الإيمان قول وعمل لابد من هذين كما قد بسطناه في غير هذا ~~الموضع وبينا أن مجرد تصديق القلب ونطق اللسان مع البغض لله ولشرائعه ~~والاستكبار على الله وشرائعه لا يكون إيمانا باتفاق المؤمنين حتى يقترن ~~بالتصديق عمل صالح # | أصل العمل # وأصل العمل عمل القلب وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار # ثم قالوا لا يقبل قول وعمل إلا بنية وهذا ظاهر فإن القول والعمل إذا لم ~~يكن خالصا لله تعالى لم يقبله الله # ثم قالوا ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة وهي الشريعة وهي ما ~~أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن القول والعمل والنية الذي لا ~~يكون مسنونا مشروعا قد أمر الله به يكون بدعة وكل بدعة ضلالة ليس مما يحبه ~~الله فلا يقبله الله ولا يصلح مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب PageV01P092 # | معنى السنة # ولفظ ( ( السنة ) ) في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي ~~الاعتقادات وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات ~~وهذا كقول ابن مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء رضي الله عنهم ( ( اقتصاد في ~~سنة خير من اجتهاد في بدعة ) ) وأمثال ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد ~~لله وحده وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما سورة ( إقرأ ) التي ~~بها نبئ فقال الله تعالى ( يا أيها المدثر قم فأنذر الطرفين وكل منهما ~~متأول أنه يأمر بالمعروف الله تعالى ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من ~~بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق وقال تعالى ~~في المنافقين كانت حقا صوابا موافقا لما PageV01P093 ms39