######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0030903 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0030903 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-30903 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/30903 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1418هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: 64 #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدين # الأمر بالمعروف # والنهي عن المنكر # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ~~أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله من الدين. فإن رسالة الله: إما إخبار، ~~وإما إنشاء. # فالإخبار عن نفسه وعن خلقه: مثل التوحيد والقصص الذي يندرج فيه الوعد ~~والوعيد. والإنشاء الأمر والنهي والإباحة. وهذا كما ذكر في أن {قل هو الله ~~أحد} [الإخلاص: 1] (سورة الإخلاص: آية 1) . تعدل ثلث القرآن؛ لتضمنها ثلث ~~التوحيد؛ إذ هو قصص وتوحيد وأمر. # وقوله سبحانه في صفة نبينا، صلى الله عليه وسلم: {يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] ~~(سورة الأعراف: من الآية 157) هو بيان لكمال رسالته؛ فإنه صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي أمر الله على لسانه بكل معروف، ونهى عن كل منكر وأحل كل طيب ~~وحرم كل خبيث، ولهذا روي عنه أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» . ~~وقال في الحديث المتفق عليه: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأتمها ~~وأكملها إلا موضع لبنة فكان الناس يطيفون بها ويعجبون من حسنها ويقولون: ~~لولا موضع اللبنة! فأنا # PageV01P005 # تلك اللبنة» . فبه كمل دين الله المتضمن للأمر بكل معروف والنهي عن كل ~~منكر، وإحلال كل طيب وتحريم كل خبيث. وأما من قبله من الرسل فقد كان يحرم ~~على أممهم بعض الطيبات، كما قال: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم} [النساء: 160] (سورة النساء: من الآية 165) . وربما لم يحرم ~~عليهم جميع الخبائث، كما قال تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ~~ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} [آل عمران: 93] (سورة آل ~~عمران: من الآية 93) . # وتحريم الخبائث يندرج في معنى: " النهي عن المنكر "، كما أن إحلال ~~الطيبات يندرج في: " الأمر بالمعروف "، لأن تحريم الطيبات مما نهى الله ~~عنه، وكذلك الأمر بجميع المعروف والنهي عن كل منكر مما لم يتم إلا للرسول ~~الذي تمم الله به مكارم الأخلاق المندرجة في ms01 المعروف، وقد قال الله تعالى: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ~~[المائدة: 3] (سورة المائدة: من الآية 3) . فقد أكمل الله لنا الدين، وأتم ~~علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا. # وكذلك وصف الأمة بما وصف به نبيها حيث قال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110] (سورة آل ~~عمران: من الآية 110) . وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التوبة: 71] (سورة التوبة: من الآية ~~71) . ولهذا قال أبو هريرة: كنتم خير # PageV01P006 # الناس للناس، تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة. فبين ~~سبحانه أن هذه الأمة خير الأمم للناس: فهم أنفعهم لهم، وأعظمهم إحسانا ~~إليهم؛ لأنهم كملوا أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة ~~والقدر، حيث أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر لكل أحد، وأقاموا ذلك ~~بالجهاد في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، وهذا كمال النفع للخلق. # وسائر الأمم لم يأمروا كل أحد بكل معروف ولا نهوا كل أحد عن كل منكر، ولا ~~جاهدوا على ذلك. بل منهم من لم يجاهد، والذين جاهدوا كبني إسرائيل فعامة ~~جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم، كما يقاتل الصائل الظالم؛ لا لدعوة ~~المجاهدين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، كما قال موسى لقومه: {يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا ~~خاسرين - قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا ~~منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} [المائدة: 21 - 22] (سورة المائدة: ~~الآيتان 21، 22) . إلى قوله: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا ~~فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] (سورة ~~المائدة: آية 24) . وقال تعالى: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد ~~موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن ~~كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} [البقرة: ms02 246] # PageV01P007 # (سورة البقرة: من الآية 246) . فعللوا القتال بأنهم أخرجوا من ديارهم ~~وأبنائهم، ومع هذا فكانوا ناكلين عما أمروا به من ذلك؛ ولهذا لم تحل لهم ~~الغنائم ولم يكونوا يطؤون بملك اليمين. # ومعلوم أن أعظم الأمم المؤمنين قبلنا بنو إسرائيل؛ كما جاء في الحديث ~~المتفق على صحته في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج علينا ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: «عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي ومعه ~~الرجل والنبي ومعه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد، ورأيت ~~سوادا كثيرا سد الأفق فرجوت أن يكون أمتي؛ فقيل: هذا موسى وقومه. ثم قيل ~~لي: انظر فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ~~ألفا يدخلون الجنة بغير حساب. فتفرق الناس ولم يبين لهم، فتذاكر أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك ولكنا آمنا ~~بالله ورسوله، ولكن هؤلاء أبناؤنا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون " فقام ~~عكاشة بن محصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؛ قال: " نعم " فقام آخر فقال: ~~أمنهم أنا؛ فقال: سبقك بها عكاشة» . # ولهذا كان إجماع هذه الأمة حجة؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم يأمرون بكل ~~معروف وينهون عن كل منكر؛ فلو اتفقوا على إباحة محرم أو # PageV01P008 # إسقاط واجب، أو تحريم حلال، أو إخبار عن الله تعالى أو خلقه بباطل: ~~لكانوا متصفين بالأمر بمنكر والنهي عن معروف: من الكلم الطيب والعمل ~~الصالح؛ بل الآية تقتضي أن ما لم تأمر به الأمة فليس من المعروف، وما لم ~~تنه عنه فليس من المنكر. وإذا كانت آمرة بكل معروف ناهية عن كل منكر: فكيف ~~يجوز أن تأمر كلها بمنكر أو تنهى كلها عن معروف؟ والله تعالى كما أخبر ~~بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقد أوجب ذلك على الكفاية منها بقوله: ~~{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك ~~هم المفلحون} [آل عمران: 104] (سورة ms03 آل عمران: آية 104) . # وإذا أخبر بوقوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها لم يكن من شرط ذلك ~~أن يصل أمر الآمر ونهي الناهي منها إلى كل مكلف في العالم؛ إذ ليس هذا من ~~شرط تبليغ الرسالة: فكيف يشترط فيما هو من توابعها؛ بل الشرط أن يتمكن ~~المكلفون من وصول ذلك إليهم. ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم مع ~~قيام فاعله بما يجب عليه: كان التفريط منهم لا منه. # وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه، بل هو ~~على الكفاية، كما دل عليه القرآن، ولما كان الجهاد من تمام ذلك كان الجهاد ~~أيضا كذلك، فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه أثم كل قادر بحسب قدرته؛ إذ هو ~~واجب على كل إنسان بحسب قدرته. # PageV01P009 ### | مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن ~~لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . # وإذا كان كذلك؛ فمعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتمامه ~~بالجهاد هو من أعظم المعروف الذي أمرنا به؛ ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ~~ونهيك عن المنكر غير منكر، وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات ~~فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة؛ إذ ~~بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب، والله لا يحب الفساد؛ بل كل ما أمر الله به ~~فهو صلاح. وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات، وذم المفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من ~~مصلحته لم تكن مما أمر الله به، وإن كان قد ترك واجب وفعل محرم؛ إذ المؤمن ~~عليه أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم، وهذا معنى قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ~~(سورة المائدة: من الآية 105) . والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام ~~المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ms04 كما قام بغيره من ~~الواجبات لم يضره ضلال الضلال. # وذلك يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد. فأما القلب فيجب بكل ~~حال؛ إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «وذلك أدنى - أو - أضعف الإيمان» # PageV01P010 # وقال: «ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وقيل لابن مسعود: من ميت ~~الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. وهذا هو المفتون ~~الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان. # وهنا يغلط فريقان من الناس: # فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلا لهذه الآية، كما قال أبو بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - في خطبته إنكم تقرؤون هذه الآية: {عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] (سورة المائدة: من الآية 105) ~~وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» . # والفريق الثاني: من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقا، من ~~غير فقه وحلم وصبر ونظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما ~~لا يقدر، كما في حديث أبي ثعلبة الخشني: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ~~وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا يدان لك به، ~~فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام؛ فإن من ورائك أياما الصبر فيهن على مثل ~~قبض على الجمر، للعامل فيهن كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله» فيأتي بالأمر ~~والنهي معتقدا أنه مطيع في ذلك لله ورسوله وهو معتد في # PageV01P011 # حدوده، كما انتصب كثير من أهل البدع والأهواء، كالخوارج والمعتزلة ~~والرافضة، وغيرهم ممن غلط فيما أتاه من الأمر والنهي والجهاد على ذلك، وكان ~~فساده أعظم من صلاحه؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور ~~الأئمة، ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة، وقال: «أدوا ms05 إليهم حقوقهم، وسلوا ~~الله حقوقكم» . وقد بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع. # ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة، ~~وترك القتال في الفتنة، وأما أهل الأهواء - كالمعتزلة - فيرون القتال ~~للأئمة من أصول دينهم، ويجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة: " التوحيد " الذي ~~هو سلب الصفات؛ و " العدل " الذي هو التكذيب بالقدر؛ و " المنزلة بين ~~المنزلتين " و " إنفاذ الوعيد " و " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ". ~~الذي منه قتال الأئمة. # وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع. وجماع ذلك داخل في " ~~القاعدة العامة ": فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو ~~تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، ~~وتعارضت المصالح والمفاسد. فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ~~ودفع مفسدة فينظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من ~~المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من # PageV01P012 # مصلحته؛ لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر ~~الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه ~~والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام. # وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا ~~يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعا، أو يتركوهما جميعا: لم يجز أن ~~يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر؛ بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر ~~به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف ~~أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال ~~طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات. وإن كان المنكر أغلب نهي عنه؛ وإن ~~استلزم فوات ما هو دونه من المعروف؛ ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم ~~للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ ~~المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. # فتارة يصلح ms06 الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث ~~كان المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة. # وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا. وفي ~~الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، # PageV01P013 # ويحمد محمودها ويذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه ~~أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه، أو فوات ~~معروف أرجح منه. # وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة ~~إلا بعلم ونية؛ وإذا تركها كان عاصيا، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما ~~نهي عنه من الأمر معصية. وهذا باب واسع، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # ومن هذا الباب إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي وأمثاله ~~من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه ~~مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا ~~سمعوا أن محمدا يقتل أصحابه؛ ولهذا لما خاطب الناس في قصة الإفك بما خاطبهم ~~به واعتذر منه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه: حمي له سعد بن ~~عبادة مع حسن إيمانه. # وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه للمنكر، وإرادته لهذا، ~~وكراهته لهذا: موافقة لحب الله وبغضه، وإرادته وكراهته الشرعيين. وأن يكون ~~فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته، فإن الله لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها، وقد قال: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] (سورة التغابن: من ~~الآية 16) . فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهيته فينبغي أن تكون كاملة ~~جازمة؛ لا يوجب نقص ذلك # PageV01P014 # إلا نقص الإيمان. # وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة ~~تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته: فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل، كما قد ~~بيناه في غير هذا الموضع، فإن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته ~~بحسب محبة نفسه وبغضها؛ لا بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله، ms07 وهذا ~~من نوع الهوى؛ فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه: {ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله} [القصص: 50] (سورة القصص: من الآية 50) ؛ فإن أصل الهوى ~~محبة النفس، ويتبع ذلك بغضها، ونفس الهوى - وهو الحب والبغض الذي في النفس ~~- لا يلام عليه؛ فإن ذلك قد لا يملك، وإنما يلام على اتباعه؛ كما قال ~~تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26] (سورة ص: من الآية 26) . وقال تعالى: ~~{ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} [القصص: 50] (سورة القصص: من ~~الآية 50) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث منجيات: خشية الله في ~~السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا. ~~وثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه» . # والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغض، ووجد وإرادة، وغير ~~ذلك، فمن اتبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه # PageV01P015 # بغير هدى من الله؛ بل قد يصعد به الأمر إلى أن يتخذ إلهه هواه، واتباع ~~الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات، فإن الأول حال ~~الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين؛ كما قال تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} ~~[القصص: 50] (سورة القصص: من الآية 50) . وقال تعالى: {ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم} [الروم: 28] ~~(سورة الروم: من الآية 28) . إلى أن قال: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم ~~بغير علم} [الروم: 29] (سورة الروم: من الآية 29) . وقال تعالى: {وقد فصل ~~لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} ~~[الأنعام: 119] (سورة الأنعام: من الآية 119) . وقال تعالى: {يا أهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77] (سورة المائدة: من الآية 77) . ~~وقال تعالى: {ولن ms08 ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير} [البقرة: 120] (سورة البقرة: آية 120) . وقال تعالى في الآية ~~الأخرى: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن ~~الظالمين} [البقرة: 145] (سورة البقرة: من الآية 145) . وقال: {وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] (سورة المائدة: من ~~الآية 49) # PageV01P016 # ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من العلماء والعباد يجعل من أهل ~~الأهواء؛ كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء؛ وذلك أن كل من لم يتبع العلم ~~فقد اتبع هواه؛ والعلم بالدين لا يكون إلا بهدي الله الذي بعث به رسوله؛ ~~ولهذا قال تعالى في موضع: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم} [الأنعام: ~~119] (سورة الأنعام: من الآية 119) . وقال في موضع آخر: {ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله} [القصص: 50] (سورة القصص: من الآية 50) . # فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه، ومقدار حبه وبغضه: هل هو ~~موافق لأمر الله ورسوله؟ وهو هدي الله الذي أنزله على رسوله؛ بحيث يكون ~~مأمورا بذلك الحب والبغض، لا يكون متقدما فيه بين يدي الله ورسوله؛ فإنه قد ~~قال: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] (سورة الحجرات: من ~~الآية 1) . ومن أحب أو أبغض قبل أن يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم ~~بين يدي الله ورسوله. ومجرد الحب والبغض هوى؛ لكن المحرم اتباع حبه وبغضه ~~بغير هدي من الله؛ ولهذا قال: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين ~~يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد} [ص: 26] (سورة ص: من الآية 26) . فأخبر ~~أن من اتبع هواه أضله ذلك عن سبيل الله، وهو هداه الذي بعث به رسوله، وهو ~~السبيل إليه. # PageV01P017 # وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال ~~وأفضلها وأحسنها، وقد قال تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] ~~(سورة الملك: من الآية 2) . وهو ms09 كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخلصه ~~وأصوبه. فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل حتى يكون خالصا ~~صوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، فالعمل الصالح لا ~~بد أن يراد به وجه الله تعالى؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما ~~أريد به وجهه وحده: كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول ~~الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه، ~~وهو كله للذي أشرك» . # وهذا هو التوحيد الذي هو أصل الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به جميع ~~رسله، وله خلق الخلق، وهو حقه على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ~~ولا بد مع ذلك أن يكون العمل صالحا، وهو ما أمر الله به ورسوله؛ وهو ~~الطاعة، فكل طاعة عمل صالح، وكل عمل صالح طاعة، وهو العمل المشروع المسنون؛ ~~إذ المشروع المسنون هو المأمور به أمر إيجاب أو استحباب، وهو العمل الصالح، ~~وهو الحسن، وهو البر وهو الخير؛ وضده المعصية والعمل الفاسد، والسيئة، ~~والفجور، والظلم. ### | الشروط الواجب توافرها في الآمر والناهي # ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين: النية والحركة، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء حارث وهمام» فكل أحد حارث # PageV01P018 # وهمام له عمل ونية؛ لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله ويثيب عليها: ~~أن يراد الله بذلك العمل. والعمل المحمود الصالح، وهو المأمور به ولهذا كان ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا، ~~واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا. # وإذا كان هذا حد كل عمل صالح؛ فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن ~~يكون هكذا في حق نفسه، ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه، وكما قال ~~عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وكما ~~في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: «العلم إمام ms10 العمل والعمل تابعه» وهذا ~~ظاهر. فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا واتباعا للهوى كما ~~تقدم، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، فلا بد من العلم ~~بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما. ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي، ~~ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى ~~حصول المقصود. # ولا بد في ذلك من الرفق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان ~~الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه» وقال: «إن الله ~~رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وبعطي عليه ما لا يعطي على العنف» # ولا بد أيضا أن يكون حليما صبورا على الأذى: فإنه لا بد أن # PageV01P019 # يحصل له أذى؛ فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح: كما قال ~~لقمان لابنه: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من ~~عزم الأمور} [لقمان: 17] (سورة لقمان: من الآية 17) . ولهذا أمر الله الرسل ~~- وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بالصبر، كقوله لخاتم الرسل؛ ~~بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة؛ فإنه أول ما أرسل أنزلت عليه سورة: " يا أيها ~~المدثر " بعد أن أنزلت عليه سورة: " اقرأ " التي بها نبئ فقال: {يا أيها ~~المدثر - قم فأنذر - وربك فكبر - وثيابك فطهر - والرجز فاهجر - ولا تمنن ~~تستكثر - ولربك فاصبر} [المدثر: 1 - 7] (سورة المدثر: الآيات 1-7) . فافتتح ~~آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة، وختمها بالأمر بالصبر، ونفس ~~الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر، وقال: ~~{واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} [الطور: 48] (سورة الطور: من الآية 48) . ~~وقال تعالى: {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} [المزمل: 10] (سورة ~~المزمل: آية 10) . {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} [الأحقاف: 35] ~~(سورة الأحقاف: من الآية 35) . {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت} ~~[القلم: 48] (سورة القلم: من الآية 48) {واصبر وما صبرك إلا بالله} [النحل: ~~127] (سورة النحل: من الآية 127) . {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} ~~[هود: 115] (سورة ms11 هود: آية 115) . # فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر. العلم قبل الأمر والنهي، ~~والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا # PageV01P020 # في هذه الأحوال؛ وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا، ذكره ~~القاضي أبو يعلى في المعتمد: " لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من ~~كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا ~~فيما ينهى عنه؛ حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه ". # وليعلم أن الأمر بهذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ~~يوجب صعوبة على كثير من النفوس، فيظن أنه بذلك يسقط عنه، فيدعه، وذلك مما ~~يضره أكثر مما يضره الأمر بدون هذه الخصال أو أقل؛ فإن ترك الأمر الواجب ~~معصية، فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار، والمنتقل من معصية إلى معصية كالمنتقل من دين باطل إلى دين باطل، ~~وقد يكون الثاني شرا من الأول، وقد يكون دونه، وقد يكونان سواء، فهكذا تجد ~~المقصر في الأمر والنهي والمعتدي فيه قد يكون ذنب هذا أعظم، وقد يكون ذنب ~~هذا أعظم، وقد يكونان سواء. ### | المعاصي سبب المصائب # ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به ~~في كتابه: أن المعاصي سبب المصائب، فسيئات المصائب والجزاء من سيئات ~~الأعمال، وأن الطاعة سبب النعمة، فإحسان العمل سبب لإحسان الله، قال تعالى: ~~{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] (سورة ~~الشورى: آية 30) . وقال تعالى: # PageV01P021 # {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] ~~(سورة النساء: من الآية 79) . وقال تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم} [آل ~~عمران: 155] (سورة آل عمران: من الآية 155) . وقال: {أولما أصابتكم مصيبة ~~قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] (سورة ~~آل عمران: من الآية 165) . وقال: {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف ms12 عن كثير} ~~[الشورى: 34] (سورة الشورى: آية 34) . وقال: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم فإن الإنسان كفور} [الشورى: 48] (سورة الشورى: من الآية 48) . وقال ~~تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ~~[الأنفال: 33] (سورة الأنفال: آية 33) . # وقد أخبر سبحانه بما عاقب به أهل السيئات من الأمم، كقوم نوح، وعاد، ~~وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وقوم فرعون، في الدنيا. وأخبر بما يعاقبهم ~~به في الآخرة، ولهذا قال مؤمن آل فرعون: {يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب - مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما ~~للعباد - ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد - يوم تولون مدبرين ما لكم من ~~الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد} [غافر: 30 - 33] (سورة غافر: من ~~الآية 30، والآيات 31-33) . وقال تعالى: {كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر} ~~[القلم: 33] (سورة القلم: من الآية 33) . وقال: {سنعذبهم مرتين ثم يردون ~~إلى عذاب عظيم} [التوبة: 101] (سورة التوبة: من # PageV01P022 # الآية 101) . وقال: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون} [السجدة: 21] (سورة السجدة: آية 21) . وقال: {فارتقب يوم تأتي ~~السماء بدخان مبين} [الدخان: 10] (سورة الدخان: آية 10) . إلى قوله: {يوم ~~نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} [الدخان: 16] (سورة الدخان: آية 16) . # ولهذا يذكر الله في عامة سور الإنذار ما عاقب به أهل السيئات في الدنيا ~~وما أعده لهم في الآخرة، وقد يذكر في السورة وعد الآخرة فقط، إذ عذاب ~~الآخرة أعظم، وثوابها أعظم، وهي دار القرار، وإنما يذكر ما يذكره من الثواب ~~والعذاب في الدنيا تبعا، كقوله في قصة يوسف: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين - ولأجر ~~الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} [يوسف: 56 - 57] (سورة يوسف: الآيتان ~~56، 57) . وقال: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة} [آل عمران: ~~148] (سورة آل عمران: من الآية 148) . وقال: {والذين هاجروا في الله من بعد ~~ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون - ~~الذين ms13 صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 41 - 42] (سورة النحل: الآيتان 41، ~~42) . وقال عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين} [العنكبوت: 27] (سورة العنكبوت: من الآية 27) . ~~وأما ذكره لعقوبة الدنيا والآخرة ففي سورة: {والنازعات غرقا - والناشطات ~~نشطا} [النازعات: 1 - 2] ثم قال: {يوم ترجف الراجفة - تتبعها الرادفة} ~~[النازعات: 6 - 7] (سورة النازعات: الآيتان 6، 7) . # PageV01P023 # فذكر القيامة مطلقا، ثم قال: {هل أتاك حديث موسى - إذ ناداه ربه بالواد ~~المقدس طوى - اذهب إلى فرعون إنه طغى} [النازعات: 15 - 17] (سورة النازعات: ~~الآيات 15-17) . إلى قوله: {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} [النازعات: 26] ~~(سورة النازعات: آية 26) ، ثم ذكر المبدأ والمعاد مفصلا فقال: {أأنتم أشد ~~خلقا أم السماء بناها} [النازعات: 27] (سورة النازعات: آية 27) . إلى قوله ~~تعالى: {فإذا جاءت الطامة الكبرى} [النازعات: 34] (سورة النازعات: آية 34) ~~. إلى قوله تعالى: {فأما من طغى - وآثر الحياة الدنيا - فإن الجحيم هي ~~المأوى - وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى - فإن الجنة هي المأوى} ~~[النازعات: 37 - 41] (سورة النازعات: الآيات 37 - 41) إلى آخر السورة. # وكذلك في " المزمل " ذكر قوله: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا - إن لدينا أنكالا وجحيما - وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} [المزمل: 11 ~~- 13] (سورة المزمل: الآيات 11-13) إلى قوله تعالى: {كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا - فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} [المزمل: 15 - 16] (سورة ~~المزمل: من الآية 15، وآية 16) . # وكذلك في: " سورة الحاقة ". ذكر قصص الأمم، كثمود وعاد وفرعون ثم قال ~~تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة - وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة ~~واحدة} [الحاقة: 13 - 14] (سورة الحاقة: الآيتان 13، 14) . إلى تمام ما ~~ذكره من أمر الجنة والنار. # وكذلك في سورة " القلم ". ذكر قصة أهل البستان الذين منعوا حق # PageV01P024 # أموالهم وما عاقبهم به، ثم قال: {كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو ~~كانوا يعلمون} [القلم: 33] (سورة القلم: آية 33) . # وكذلك في: " سورة التغابن ". قال: {ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل ~~فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم - ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله ms14 غني حميد} [التغابن: ~~5 - 6] (سورة التغابن: الآيتان 5، 6) . ثم قال: {زعم الذين كفروا أن لن ~~يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} [التغابن: 7] (سورة التغابن: من الآية 7) . # وكذلك في سورة: " ق " ذكر حال المخالفين للرسل؛ وذكر الوعد والوعيد في ~~الآخرة. # وكذلك في " سورة القمر " ذكر هذا وهذا. # وكذلك في " الحواميم " مثل حم غافر، والسجدة، والزخرف، والدخان، وغير ~~ذلك، إلى غير ذلك مما لا يحصى. # فإن التوحيد والوعد والوعيد هو أول ما أنزل، كما في صحيح البخاري عن يوسف ~~بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن ~~خير؟ قالت: ويحك! وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك. قالت: لم؟ ~~قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أية قرأت ~~قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى ~~إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا # PageV01P025 # الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنى ~~أبدا، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم، وإني لجارية ألعب: {بل ~~الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 46] (سورة القمر: آية 46) . وما ~~نزلت: " سورة البقرة ". و " النساء ". إلا وأنا عنده، قال: فأخرجت له ~~المصحف فأملت عليه آي السور. # وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو ~~الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم ~~آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف ~~والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا، إذ الإنسان ظلوم جهول، ~~والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع، وظلم كل من الثاني ~~والثالث وجهلهما من نوع آخر. # ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة ~~وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها، ومن تبعهم من العامة من ~~الفتن: هذا أصلها، يدخل في ذلك أسباب الضلال والغي: ms15 التي هي الأهواء ~~الدينية والشهوانية، وهي البدع في الدين والفجور في الدنيا، وذلك أن أسباب ~~الضلال والغي البدع في الدين، والفجور في الدنيا، وهي مشتركة: تعم بني آدم، ~~لما فيهم من الظلم والجهل، فبذنب بعض الناس يظلم نفسه وغيره، كالزنى بلواط ~~وغيره، # PageV01P026 # أو شرب خمر، أو ظلم في المال بخيانة أو سرقة أو غصب، أو نحو ذلك. # ومعلوم أن هذه المعاصي وإن كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي ~~مشتهاة أيضا، ومن شأن النفوس أنها لا تحب اختصاص غيرها بها، لكن تريد أن ~~يحصل لها ما حصل له، وهذا هو الغبطة التي هي أدنى نوعي الحسد، فهي تريد ~~الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه، أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وإن ~~لم يحصل، ففيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أنها ~~تختص عن غيرها بالشهوات؛ فكيف إذا رأت الغير قد استأثر عليها بذلك واختص ~~بها دونها؟ فالمعتدل منهم في ذلك الذي يحب الاشتراك والتساوي، وأما الآخر ~~فظلوم حسود. وهذان يقعان في الأمور المباحة والأمور المحرمة لحق الله، فما ~~كان جنسه مباحا من أكل وشرب ونكاح ولباس وركوب وأموال: إذا وقع فيها ~~الاختصاص حصل الظلم، والبخل والحسد، وأصلهما الشح، كما في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والشح! فإنه أهلك من كان قبلكم: أمرهم ~~بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» # ولهذا قال الله تعالى في وصف الأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل ~~المهاجرين: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} [الحشر: 9] (سورة الحشر: ~~من الآية 9) . أي: لا يجدون الحسد مما أوتي إخوانهم # PageV01P027 # من المهاجرين: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9] (سورة ~~الحشر: من الآية 9) . ثم قال: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} ~~[الحشر: 9] (سورة الحشر: من الآية 9) . ورؤي عبد الرحمن بن عوف يطوف بالبيت ~~ويقول: رب قني شح نفسي! رب قني شح نفسي! فقيل له في ذلك فقال: إذا وقيت شح ~~نفسي فقد وقيت البخل والظلم والقطيعة، أو كما قال. ms16 # فهذا الشح الذي هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنع ما هو عليه، والظلم ~~بأخذ مال الغير، ويوجب قطيعة الرحم، ويوجب الحسد، وهو كراهة ما اختص به ~~الغير، والحسد فيه بخل وظلم، فإنه بخل بما أعطيه غيره، وظلمه بطلب زوال ذلك ~~عنه. # فإذا كان هذا في جنس الشهوات المباحة، فكيف بالمحرمة، كالزنى وشرب الخمر ~~ونحو ذلك؛ وإذا وقع فيها اختصاص فإنه يصير فيها نوعان: # أحدهما: بغضها لما في ذلك من الاختصاص والظلم، كما يقع في الأمور المباحة ~~الجنس. # والثاني: بغضها لما في ذلك من حق الله. ### | أقسام الذنوب # ولهذا كانت الذنوب ثلاثة أقسام: # أحدها: ما فيها ظلم للناس، كالظلم بأخذ الأموال ومنع الحقوق، والحسد ونحو ~~ذلك. # PageV01P028 # والثاني: ما فيه ظلم للنفس فقط، كشرب الخمر والزنى، إذا لم يتعد ضررهما. # والثالث: ما يجتمع فيه الأمران، مثل أن يأخذ المتولي أموال الناس يزني ~~بها ويشرب بها الخمر، ومثل أن يزني بمن يرفعه على الناس بذلك السبب ويضرهم. ~~كما يقع ممن يحب بعض النساء والصبيان، وقد قال الله تعالى: {قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] ~~(سورة الأعراف: آية 33) . # وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم ~~أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن ~~الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت ~~مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة ~~الرحم» فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة، وذلك ~~أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها ~~في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما ~~يجزى ms17 به في الآخرة، فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له، ~~والتعدي عليه في حقه. وداعي الظلم لنفسها بتناول # PageV01P029 # الشهوات القبيحة كالزنى وأكل الخبائث، فهي قد تظلم من لا يظلمها، وتؤثر ~~هذه الشهوات وإن لم تفعلها، فإذا رأت نظراءها قد ظلموا وتناولوا هذه ~~الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير، وقد تصبر، ويهيج ~~ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها ~~قبل ذلك، ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين، بكون ذلك الغير قد ظلم ~~نفسه والمسلمين، وأن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب، والجهاد على ذلك ~~من الدين. والناس هنا ثلاثة أقسام: قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم، فلا ~~يرضون إلا بما يعطونه، ولا يغضبون إلا لما يحرمونه، فإذا أعطي أحدهم ما ~~يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه، وصار الأمر الذي كان ~~عنده منكرا - ينهى عنه ويعاقب عليه، ويذم صاحبه ويغضب عليه - مرضيا عنده، ~~وصار فاعلا له وشريكا فيه، ومعاونا عليه، ومعاديا لمن نهى عنه وينكر عليه، ~~وهذا غالب في بني آدم، يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه، وسببه: أن ~~الإنسان ظلوم جهول، فلذلك لا يعدل، بل ربما كان ظالما في الحالين، يرى قوما ~~ينكرون على المتولي ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم، فيرضي أولئك المنكرين ببعض ~~الشيء فينقلبون أعوانا له، وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه، وكذلك ~~تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي، حتى يدخلوا أحدهم ~~معهم في ذلك، أو يرضوه # PageV01P030 # ببعض ذلك، فتراه قد صار عونا لهم، وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم إلى أقبح من ~~الحال التي كانوا عليها، وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره. # وقوم يقومون ديانة صحيحة، يكونون في ذلك مخلصين لله، مصلحين فيما عملوه، ~~ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا، وهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات، وهم من خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ~~ويؤمنون بالله. ms18 وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا، وهم غالب المؤمنين، فمن فيه دين ~~وله شهوة تجتمع في قلوبهم إرادة الطاعة وإرادة المعصية، وربما غلب هذا تارة ~~وهذا تارة. ### | أقسام الأنفس # وهذه القسمة الثلاثية كما قيل: الأنفس ثلاث: أمارة، ومطمئنة، ولوامة، ~~فالأولون هم أهل الأنفس الأمارة التي تأمره بالسوء، والأوسطون هم أهل ~~النفوس المطمئنة التي قيل فيها: {يا أيتها النفس المطمئنة - ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية - فادخلي في عبادي - وادخلي جنتي} [الفجر: 27 - 30] (سورة ~~الفجر: الآيات 27 - 30) . والآخرون هم أهل النفوس اللوامة التي تفعل الذنب ~~ثم تلوم عليه، وتتلون: تارة كذا، وتارة كذا، وتخلط عملا صالحا وآخر سيئا. # ولهذا لما كان الناس في زمن أبي بكر وعمر اللذين أمر المسلمون بالاقتداء ~~بهما كما قال صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» ~~أقرب عهدا بالرسالة وأعظم إيمانا وصلاحا، # PageV01P031 # وأئمتهم أقوم بالواجب وأثبت في الطمأنينة: لم تقع فتنة، إذ كانوا في حكم ~~القسم الوسط. # ولما كان في آخر خلافة عثمان وخلافة علي كثر القسم الثالث، فصار فيهم ~~شهوة وشبهة مع الإيمان والدين، وصار ذلك في بعض الولاة وبعض الرعايا، ثم ~~كثر ذلك بعد، فنشأت الفتنة التي سببها ما تقدم من عدم تمحيص التقوى والطاعة ~~في الطرفين، واختلاطهما بنوع من الهوى والمعصية في الطرفين، وكل منهما ~~متأول أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأنه مع الحق والعدل، ومع هذا ~~التأويل نوع من الهوى، ففيه نوع من الظن وما تهوى الأنفس، وإن كانت إحدى ~~الطائفتين أولى بالحق من الأخرى. # فلهذا يجب على المؤمن أن يستعين بالله، ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا ~~يزيغه، ويثبته على الهدى والتقوى، ولا يتبع الهوى، كما قال تعالى: {فلذلك ~~فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ~~وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم} [الشورى: 15] (سورة الشورى: من الآية ~~15) . # وهذا أيضا حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت في المقالات والعبادات، وهذه ~~الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين، فإنهم يحتاجون إلى شيئين: ms19 إلى ~~دفع الفتنة التي ابتلي بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع ~~قيام المقتضي لها، فإن معهم نفوسا # PageV01P032 # وشياطين كما مع غيرهم، فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم، كما ~~هو الواقع، فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان وشيطانهم، وما يحصل من الداعي ~~بفعل الغير والنظير، فكم ممن لم يرد خيرا ولا شرا حتى رأى غيره - لا سيما ~~إن كان نظيره - يفعله ففعله! فإن الناس كأسراب القطا، مجبولون على تشبه ~~بعضهم ببعض. # ولهذا كان المبتدئ بالخير والشر: له مثل من تبعه من الأجر والوزر، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة فعليه ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا» ~~وذلك لاشتراكهم في الحقيقة، وأن حكم الشيء حكم نظيره، وشبه الشيء منجذب ~~إليه. فإذا كان هذان داعيين قويين: فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؟ ~~وذلك أن كثيرا من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه، ويبغضون من ~~لا يوافقهم، وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم، ~~ومعاداتهم لمخالفيهم. # وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرا ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم: إما ~~للمعاونة على ذلك، كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحوهم، ~~وإما بالموافقة، كما في المجتمعين على شرب الخمر، فإنهم يختارون أن يشرب كل ~~من حضر عندهم، وإما لكراهتهم # PageV01P033 # امتيازه عنهم بالخير: إما حسدا له على ذلك، لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد ~~دونهم، وإما لئلا يكون له عليهم حجة، وإما لخوفهم من معاقبة لهم بنفسه، أو ~~بمن يرفع ذلك إليهم، ولئلا يكونوا تحت منته وخطره ونحو ذلك من الأسباب، قال ~~الله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ~~من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109] (سورة البقرة: من ~~الآية 109) . وقال تعالى ms20 في المنافقين: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون ~~سواء} [النساء: 89] (سورة النساء: من الآية 89) . وقال عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه: ودت الزانية لو زنى النساء كلهن. # والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور، كالاشتراك في الشرب والكذب ~~والاعتقاد الفاسد، وقد يختارونها في النوع، كالزاني الذي يود أن غيره يزني، ~~والسارق الذي يود أن غيره يسرق أيضا، لكن في غير العين التي زنى بها أو ~~سرقها. # وأما الداعي الثاني فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر، ~~فإن شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه ينتهي إلى حد الإكراه، أو لا ينتهي ~~إلى حد الإكراه، ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم ~~أو يأمرونه بذلك ويستعينون به على ما يريدونه: متى شاركهم وعاونهم وأطاعهم ~~انتقصوه واستخفوا به، وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى، وإن لم يشاركهم ~~عادوه وآذوه، # PageV01P034 # وهذه حال غالب الظالمين القادرين. # وهذا الموجود في المنكر نظيره في المعروف وأبلغ منه، كما قال تعالى: ~~{والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] (سورة البقرة: من الآية 165) . ~~فإن داعي الخير أقوى، فإن الإنسان فيه داع يدعوه إلى الإيمان والعلم، ~~والصدق والعدل، وأداء الأمانة، فإذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع آخر، ~~لا سيما إذا كان نظيره، لا سيما مع المنافسة، وهذا محمود حسن، فإن وجد من ~~يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين والصالحين ويبغضه إذا لم ~~يفعل، صار له داع ثالث، فإذا أمروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على ~~تركه صار له داع رابع. # ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات، كما يقابل ~~الطبيب المرض بضده، فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفوسه، وذلك بشيئين: بفعل ~~الحسنات، وترك السيئات، مع وجود ما ينفي الحسنات ويقتضي السيئات، وهذه ~~أربعة أنواع: # ويؤمر أيضا بإصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه، قال ~~تعالى: {والعصر - إن الإنسان لفي خسر - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1 - 3] (سورة العصر: الآيات 1-3) . ~~وروي عن ms21 الشافعي رضي الله عنه أنه قال: لو فكر الناس كلهم في سورة: " ~~والعصر ". لكفتهم. وهو كما قال، فإن الله # PageV01P035 # تعالى أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمنا صالحا، ومع ~~غيره موصيا بالحق موصيا بالصبر، وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح ~~سببا لعلو الدرجة وعظيم الأجر، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي ~~الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى ~~الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه ~~رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه ~~خطيئة» وحينئذ فيحتاج من الصبر مالا يحتاج إليه غيره، وذلك هو سبب الإمامة ~~في الدين، كما قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] (سورة السجدة: آية 24) . # فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور به وترك السيئ المحظور، ويدخل في ~~ذلك الصبر على الأذى وعلى ما يقال، والصبر على ما يصيبه من المكاره، والصبر ~~عن البطر عند النعم، وغير ذلك من أنواع الصبر. # ولا يمكن للعبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذي به، ~~وهو اليقين، كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «يا أيها الناس، سلوا الله اليقين والعافية، ~~فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيرا من العافية، فسلوهما الله» # PageV01P036 # وكذلك إذا أمر غيره بحسن أو أحب موافقته على ذلك، أو نهى غيره عن شيء، ~~فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحسانا يحصل به مقصوده، من حصول المحبوب ~~واندفاع المكروه، فإن النفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو، لا يمكن ~~غير ذلك، ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب، حتى جعل للمؤلفة قلوبهم ~~نصيبا في الصدقات، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] (سورة الأعراف: آية 199) . وقال ~~تعالى: ms22 {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} [البلد: 17] (سورة البلد: من ~~الآية 17) . فلا بد أن يصبر وأن يرحم، وهذا هو الشجاعة والكرم. # ولهذا يقرن الله بين الصلاة والزكاة تارة، وهي الإحسان إلى الخلق، ~~وبينهما وبين الصبر تارة، ولا بد من الثلاثة: الصلاة، والزكاة، والصبر، لا ~~تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك، في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم، لا سيما كلما ~~قويت الفتنة والمحنة، فالحاجة إلى ذلك تكون أشد، فالحاجة إلى السماحة ~~والصبر عامة لجميع بني آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا به. ### | ذم البخل والجبن # ولهذا جميعهم يتمادحون بالشجاعة والكرم، حتى إن ذلك عامة ما يمدح به ~~الشعراء في شعرهم، وكذلك يتذامون بالبخل والجبن، والقضايا التي يتفق عليها ~~بنو آدم لا تكون إلا حقا، كاتفاقهم على مدح الصدق والعدل، وذم الكذب ~~والظلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، لما # PageV01P037 # سأله الأعراب، حتى اضطروه إلى سمرة فتعلقت بردائه، فالتفت إليهم وقال: ~~«والذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمته عليكم، ثم لا ~~تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا» لكن يتنوع ذلك بتنوع المقاصد والصفات، ~~فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. # ولهذا جاء الكتاب والسنة بذم البخل والجبن، ومدح الشجاعة والسماحة في ~~سبيله دون ما ليس في سبيله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، «شر ما في ~~المرء شح هالع وجبن خالع» وقال: «من سيدكم يا بني سلمة؛ فقالوا الجد بن قيس ~~على أنا نزنه بالبخل فقال: وأي داء أدوأ من البخل؟» وفي رواية: «إن السيد ~~لا يكون بخيلا بل سيدكم الأبيض الجعد البراء بن معرور» وكذلك في الصحيح قول ~~جابر بن عبد الله لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما: إما أن تعطيني وإما أن ~~تبخل عني! فقال تقول: وإما أن تبخل عني! وأي داء أدوأ من البخل؟ فجعل البخل ~~من أعظم الأمراض. # وفي صحيح مسلم عن سلمان بن ربيعة قال: قال عمر: قسم النبي صلى الله عليه ~~وسلم قسما فقلت: يا رسول الله! والله لغير هؤلاء أحق به ms23 منهم فقال: «إنهم ~~خيروني بين أن يسألوني بالفحش وبين أن يبخلوني، ولست بباخل» يقول: إنهم ~~يسألوني مسألة لا تصلح، فإن أعطيتهم وإلا قالوا: هو بخيل، فقال: خيروني بين ~~أمرين مكروهين لا يتركوني # PageV01P038 # من أحدهما: الإفحاش والتبخيل. والتبخيل أشد، فأدفع الأشد بإعطائهم. # والبخل جنس تحته أنواع: كبائر، وغير كبائر، قال تعالى: {ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة} [آل عمران: 180] (سورة آل عمران: من الآية 180) . وقال: ~~{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} [النساء: 36] (سورة ~~النساء: من الآية 36) . إلى قوله: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا - ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} [النساء: 36 - 37] (سورة النساء: من ~~الآيتين 36 و 37) . وقال تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم ~~كارهون} [التوبة: 54] (سورة التوبة: آية 54) . وقال: {فلما آتاهم من فضله ~~بخلوا به وتولوا وهم معرضون - فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه} ~~[التوبة: 76 - 77] (سورة التوبة: آية 76 ومن الآية 77) . وقال: {ومن يبخل ~~فإنما يبخل عن نفسه} [محمد: 38] (سورة محمد: من الآية 38) . وقال: {فويل ~~للمصلين - الذين هم عن صلاتهم ساهون - الذين هم يراءون - ويمنعون الماعون} ~~[الماعون: 4 - 7] (سورة الماعون: الآيات 4-7) . وقال: {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم - يوم يحمى عليها في ~~نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} [التوبة: 34 - 35] (سورة ~~التوبة: # PageV01P039 # من الآيتين 34، 35) . # وما في القرآن من الأمر بالإيتاء والإعطاء وذم من ترك ذلك: كله ذم للبخل، ~~وكذلك ذمه للجبن كثير، مثل قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} ~~[الأنفال: 16] (سورة الأنفال: آية 16) . وقوله عن المنافقين: {ويحلفون ~~بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون - لو يجدون ملجأ أو مغارات ~~أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون} [التوبة: 56 ms24 - 57] (سورة التوبة: الآيتان ~~56، 57) . وقوله: {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في ~~قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} [محمد: 20] (سورة محمد: ~~من الآية 20) . وقوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى ~~أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} ~~[النساء: 77] (سورة النساء: الآية 77) . # وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه ~~والتاركين له، كله ذم للجبن، ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ~~ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم، بين سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل ~~الله به من يقوم بذلك، فقال: # PageV01P040 # {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ~~إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا قليل - إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا ~~تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} [التوبة: 38 - 39] (سورة التوبة: ~~الآيتان 38، 39) . وقال تعالى: {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] (سورة محمد: ~~آية 38) . وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل السابقين، فقال: {لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10] (سورة الحديد: من الآية 10) . # وقد ذكر الجهاد بالنفوس والمال في سبيله، ومدحه في غير آية من كتابه، ~~وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه، فقال: {كم من فئة قليلة غلبت ~~فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] (سورة البقرة: من ~~الآية 249) . وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون - وأطيعوا ms25 الله ورسوله ولا تنازعوا ~~فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال: 45 - 46] ~~(سورة الأنفال: الآيتان 45، 46) . # والشجاعة ليست هي قوة البدن، وقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب، وإنما ~~هي قوة القلب وثباته، فإن القتال مداره على قوة # PageV01P041 # البدن وصنعته للقتال، وعلى قوة القلب وخبرته به، والمحمود منهما ما كان ~~بعلم ومعرفة، دون التهور الذي لا يفكر صاحبه، ولا يميز بين المحمود ~~والمذموم، ولهذا كان القوي الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، حتى يفعل ما ~~يصلح، فأما المغلوب حين غضبه فليس بشجاع ولا شديد. ### | الصبر على المصائب # وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر، فإنه لا بد منه. والصبر صبران: صبر عند ~~الغضب، وصبر عند المصيبة، كما قال الحسن: ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة ~~حلم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة، وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على ~~المؤلم وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم. # والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار ~~الحزن، ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة، ويصفر ~~عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز، ولهذا جمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «ما تعدون الرقوب فيكم؟ قالوا: الرقوب الذي لا يولد له، ~~قال: ليس ذلك بالرقوب! ولكن الرقوب الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا، ثم ~~قال: ما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا تصرعه الرجال فقال: ليس بذلك ~~ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب» فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة # PageV01P042 # والصبر عند الغضب، قال الله تعالى في المصيبة: {وبشر الصابرين - الذين ~~إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 155 - 156] ~~(سورة البقرة: من الآية 155، وآية 156) . وقال الله تعالى في الغضب: {وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: 35] (سورة فصلت: ~~آية 35) . # وهذا الجمع بين صبر المصيبة وصبر ms26 الغضب نظير الجمع بين صبر النعمة وصبر ~~المصيبة كما في قوله تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه ~~إنه ليئوس كفور - ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني ~~إنه لفرح فخور - إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر ~~كبير} [هود: 9 - 11] (سورة هود: الآيات 9 - 11) . وقال: {لكيلا تأسوا على ~~ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} [الحديد: 23] (سورة الحديد: من الآية 23) . ~~وبهذا وصف كعب بن زهير من وصفه من الصحابة المهاجرين حيث قال: # لا يفرحون إذا نالت سيوفهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # وكذلك قال حسان بن ثابت: # لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع # وقال بعض العرب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: يغلب فلا يبطر، ويغلب ~~فلا يضجر. # ولما كان الشيطان يدعو الناس عند هذين النوعين إلى تعدي الحدود بقلوبهم ~~وأصواتهم وأيديهم، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال لما قيل له # PageV01P043 # وقد بكى لما رأى إبراهيم في النزع: أتبكي؟ أولم تنه عن البكاء؟ فقال: ~~«إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، ~~وصوت عند مصيبة: لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية» فجمع بين ~~الصوتين. # وأما نهيه عن ذلك في المصائب فمثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ~~لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى جاهلية» وقال: «أنا بريء من الحالقة ~~والصالقة والشاقة» وقال: «ما كان من العين والقلب فمن الله، وما كان من ~~اليد واللسان فمن الشيطان» وقال: «إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا حزن ~~القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم - وأشار إلى لسانه» وقال: «من نيح عليه فإنه ~~يعذب بما نيح عليه» واشترط على النساء في البيعة أن لا ينحن، وقال: «إن ~~النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا ~~من قطران» # وقال في الغلبة والمصائب والفرح: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا ~~قتلتم ms27 فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ~~ذبيحته» وقال: «إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان» وقال: «لا تمثلوا ولا ~~تغدروا، ولا تقتلوا وليدا» إلى غير ذلك مما أمر به في الجهاد من العدل وترك ~~العدوان، اتباعا لقوله تعالى: # PageV01P044 # {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: ~~8] (سورة المائدة: من الآية 8) . وقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] (سورة ~~البقرة: آية 190) . # ونهى عن لباس الحرير وتختم الذهب، والشرب في آنية الذهب والفضة، وإطالة ~~الثياب، إلى غير ذلك من أنواع السرف والخيلاء في النعم، وذم الذين يستحلون ~~الحر والحرير والخمر والمعازف، وجعل فيهم الخسف والمسخ، وقد قال الله ~~تعالى: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} [النساء: 36] (سورة النساء: ~~من الآية 36) . وقال عن قارون: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين} [القصص: 76] (سورة القصص: من الآية 76) . وهذه الأمور الثلاثة مع ~~الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب. # وذلك أن الإنسان بين ما يحبه ويشتهيه، وبين ما يبغضه ويكرهه، فهو يطلب ~~الأول بمحبته وشهوته، ويدفع الثاني ببغضه ونفرته، وإذا حصل الأول أو اندفع ~~الثاني أوجب له فرحا وسرورا، وإن حصل الثاني أو اندفع الأول حصل له حزن، ~~فهو محتاج عند المحبة والشهوة أن يصبر عن عدوانهما، وعند الغضب والنفرة أن ~~يصبر عن عدوانهما، وعند الفرح أن يصبر عن عدوانه، وعند المصيبة أن يصبر عن ~~الجزع منها، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصوتين الأحمقين الفاجرين: ~~الصوت الذي يوجب الاعتداء في الفرح حتى يصير الإنسان فرحا فخورا، والصوت ~~الذي # PageV01P045 # يوجب الجزع. # وأما الصوت الذي يثير الغضب لله، كالأصوات التي تقال في الجهاد من ~~الأشعار المنشدة، فتلك لم تكن بآلات، وكذلك أصوات الشهوة في الفرح، فرخص ~~منها فيما وردت به السنة من الضرب بالدف في الأعراس والأفراح للنساء ~~والصبيان. # وعامة الأشعار التي تنشد بالأصوات لتحريك النفوس هي من هذه الأقسام ~~الأربعة، وهي ms28 التشبيب، وأشعار الغضب والحمية، وهي الحماسة والهجاء، وأشعار ~~المصائب كالمراثي، وأشعار النعم والفرح، وهي المدائح. والشعراء جرت عادتهم ~~أن يمشوا مع الطبع، كما قال الله تعالى: {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون - ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون} [الشعراء: 225 - 226] (سورة الشعراء: الآيتان ~~225، 226) . ولهذا أخبر أنهم يتبعهم الغاوون، والغاوي: هو الذي يتبع هواه ~~بغير علم، وهذا هو الغي، وهو خلاف الرشد، كما أن الضال الذي لا يعلم مصلحته ~~هو خلاف المهتدي، قال الله سبحانه وتعالى: {والنجم إذا هوى - ما ضل صاحبكم ~~وما غوى} [النجم: 1 - 2] (سورة النجم: الآيتان 1، 2) . ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» ~~فلهذا تجدهم يمدحون جنس الشجاعة وجنس السماحة، إذ كان عدم هذين مذموما على ~~الإطلاق، وأما وجودهما، فبه تحصل مقاصد النفوس على الإطلاق، لكن العاقبة في ~~ذلك للمتقين، وأما # PageV01P046 # غير المتقين فلهم عاجلة لا عاقبة، والعاقبة وإن كانت في الآخرة فتكون في ~~الدنيا أيضا، كما قال تعالى لما ذكر قصة نوح ونجاته بالسفينة: # {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ~~ثم يمسهم منا عذاب أليم} [هود: 48] (سورة هود: آية 48) . إلى قوله: {فاصبر ~~إن العاقبة للمتقين} [هود: 49] (سورة هود: من الآية 49) . وقال: {فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع ~~المتقين} [البقرة: 194] (سورة البقرة: من الآية 194) . # والفرقان: أن يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله، فإن الله تعالى هو الذي ~~حمده زين، وذمه شين، دون غيره من الشعراء والخطباء وغيرهم، ولهذا لما قال ~~القائل من بني تميم للنبي صلى الله عليه وسلم: إن حمدي زين وذمي شين! قال ~~له: «ذاك الله» ### | أصناف الناس في الشجاعة # والله سبحانه حمد الشجاعة والسماحة في سبيله، كما في الصحيح عن أبي موسى ~~قال: قيل: «يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، ~~فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في ms29 ~~سبيل الله» وقد قال سبحانه: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله} [الأنفال: 39] (سورة الأنفال: من الآية 39) . وذلك أن هذا هو المقصود ~~الذي خلق الخلق له، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ~~[الذاريات: 56] (سورة الذاريات: آية 56) . فكل ما كان لأجل الغاية التي # PageV01P047 # خلق لها الخلق كان محمودا عند الله، وهو الذي يبقى لصاحبه، وهذه الأعمال ~~الصالحات. # ولهذا كان الناس أربعة أصناف: من يعمل لله بشجاعة وسماحة، فهؤلاء هم ~~المؤمنون المستحقون للجنة. ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة فهذا ينتفع ~~بذلك في الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق، ومن يعمل لله لكن لا بشجاعة ولا ~~سماحة، فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان بقدر ذلك، ومن لا يعمل لله وليس ~~فيه شجاعة ولا سماحة، فهذا ليس له دنيا ولا آخرة. # فهذه الأخلاق والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموما، وخصوصا في أوقات المحن ~~والفتن الشديدة، فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند ~~المقتضي للفتنة عندهم، ويحتاجون أيضا إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم، وكل ~~من هذين الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه، وإن كان يسيرا على من يسره الله ~~عليه. وهذا لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح، وأمرهم بدعوة ~~الناس وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: {ولينصرن ~~الله من ينصره إن الله لقوي عزيز - الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} [الحج: ~~40 - 41] (سورة الحج: من الآية 40، وآية 41) . وكما قال: {إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] (سورة غافر: ~~آية 51) # PageV01P048 # وكما قال: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} [المجادلة: 21] ~~(سورة المجادلة: آية 21) . وكما قال: {وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: ~~173] (سورة الصافات: آية 173) . # ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من ~~الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة، صار في الناس من يتعلل لترك ما ~~وجب عليه من ذلك ms30 بأنه يطلب السلامة من الفتنة، كما قال عن المنافقين: ~~{ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} [التوبة: 49] (سورة ~~التوبة: من الآية 49) . وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما ~~أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم - وأظنه قال: «هل لك في ~~نساء بني الأصفر» ؟ - فقال يا رسول الله: إني رجل لا أصبر على النساء، وإني ~~أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر، فأذن لي ولا تفتني، وهذا الجد هو الذي تخلف ~~عن بيعة الرضوان تحت الشجرة، واستتر بجمل أحمر، وجاء فيه الحديث: «إن كلهم ~~مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر» فأنزل الله تعالى فيه: {ومنهم من يقول ~~ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} [التوبة: 49] (سورة التوبة: من ~~الآية 49) . # يقول: إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء، فلا يفتن بهن، فيحتاج إلى ~~الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه فيتعذب بذلك أو يواقعه فيأثم، فإن من ~~رأى الصور الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن منها # PageV01P049 # إما لتحريم الشارع وإما للعجز عنها يعذب قلبه، وإن قدر عليها وفعل ~~المحظور هلك، وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء، فهذا وجه ~~قوله: {ولا تفتني} [التوبة: 49] (سورة التوبة: من الآية 49) قال الله ~~تعالى: {ألا في الفتنة سقطوا} [التوبة: 49] (سورة التوبة: من الآية 49) . ~~يقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي ~~زين له ترك الجهاد: فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة ~~صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؛ والله يقول: {وقاتلوهم حتى ~~لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] (سورة الأنفال: من الآية ~~39) . فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة: فهو في الفتنة ساقط ~~بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده، وتركه ما أمر الله به من الجهاد. ### | أقسام الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # فتدبر هذا، فإن هذا مقام خطر، فإن الناس هنا ثلاثة أقسام: # قسم يأمرون وينهون ms31 ويقاتلون، طلبا لإزالة الفتنة التي زعموا، ويكون فعلهم ~~ذلك أعظم فتنة، كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة. # وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون ~~كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا، وهم قد سقطوا في الفتنة، وهذه الفتنة ~~المذكورة في " سورة براءة " دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة، فإنها سبب ~~نزول الآية، وهذه حال كثير من المتدينين، يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي ~~وجهاد يكون به الدين كله لله # PageV01P050 # وتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في ~~الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منه، وإنما الواجب عليهم القيام ~~بالواجب وترك المحظور، وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا ~~تطاوعهم إلا على فعلهما جميعا أو تركهما جميعا: مثل كثير ممن يحب الرئاسة ~~أو المال وشهوات الغي، فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد وإمارة ~~ذلك فلا بد أن يفعل شيئا من المحظورات. # فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين. فإن كان المأمور أعظم أجرا من ترك ~~ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة، وإن ~~كان ترك المحظور أعظم أجرا لم يفوت ذلك برجاء ثواب بفعل واجب يكون دون ذلك، ~~فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات، فهذا هذا، وتفصيل ~~ذلك يطول. # وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يأمر وينهى، حتى ~~لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها، إما بمعروف وإما بمنكر، كما قال ~~تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 53] (سورة يوسف: من الآية 53) . ~~فإن الأمر هو طلب الفعل وإرادته، والنهي طلب الترك وإرادته، ولا بد لكل حي ~~من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بهما فعل نفسه، ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ~~ذلك، فإن الإنسان حي يتحرك بإرادته، وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم ~~مع بعض، # PageV01P051 # وإذا اجتمع اثنان فصاعدا فلا بد أن يكون بينهما ائتمار ms32 بأمر وتناه عن ~~أمر، ولهذا كان أقل الجماعة في الصلاة اثنين، كما قيل: الاثنان فما فوقهما ~~جماعة، لكن لما كان ذلك اشتراكا في مجرد الصلاة حصل باثنين أحدهما إمام ~~والآخر مأموم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، لمالك بن الحويرث وصاحبه: ~~«إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما» وكانا متقاربين في ~~القراءة. # وأما الأمور العادية ففي السنن أنه صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يحل ~~لثلاثة يكونون في سفر إلا أمروا عليهم أحدهم» # وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يأمر بالمعروف الذي ~~أمر الله به ورسوله وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، ويؤمر ~~بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ~~ورسوله، وإلا فلا بد أن يأمر وينهى، ويؤمر وينهى، إما بما يضاد ذلك، وإما ~~بما يشترك فيه الحق الذي أنزل الله بالباطل الذي لم ينزله الله. وإذا اتخذ ~~ذلك دينا، كان دينا مبتدعا. وهذا كما أن كل بشر فإنه متحرك بإرادته همام ~~حارث، فمن لم تكن نيته صالحة وعمله عملا صالحا لوجه الله وإلا كان عملا ~~فاسدا أو لغير وجه الله، وهو الباطل، كما قال تعالى: {إن سعيكم لشتى} ~~[الليل: 4] (سورة الليل: آية 4) . # وهذه الأعمال كلها باطلة، من جنس أعمال الكفار: {الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله أضل أعمالهم} [محمد: 1] (سورة محمد: آية 1) . وقال تعالى: ~~{والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور: 39] (سورة ~~النور: آية 39) . # PageV01P052 # وقال: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] ~~(سورة الفرقان: آية 23) . # وقد أمر الله في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين، ~~كما قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] (سورة النساء: آية ~~59) . ### | من هم ms33 أولو الأمر # و (أولو الأمر) أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك ~~فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: ~~العلماء، والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس، كما قال ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه للأحمسية لما سألته: ما بقاؤنا على هذا الأمر؟ ~~قال: ما استقامت لكم أئمتكم، ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان، وكل ~~من كان متبوعا فإنه من أولي الأمر، وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر ~~الله به، وينهى عما نهى عنه، وعلى كل واحد ممن عليه طاعته أن يطيعه في طاعة ~~الله، ولا يطيعه في معصية الله، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين ~~تولى أمر المسلمين وخطبهم، فقال في خطبته: أيها الناس: القوي فيكم الضعيف ~~عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق، أطيعوني ~~ما أطعت الله! فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. # PageV01P053 ### | فصل في الإخلاص والصواب ### | منزلة الإخلاص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # فصل وإذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه الله، ~~وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال، في الكلم الطيب، ~~والعمل الصالح، في الأمور العلمية والأمور العبادية، ولهذا ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن أول ثلاثة تسجر بهم جهنم: رجل تعلم العلم ~~وعلمه وقرأ القرآن وأقرأه ليقول الناس: هو عالم وقارئ، ورجل قاتل وجاهد ~~ليقول الناس: هو شجاع وجريء، ورجل تصدق وأعطى ليقول الناس: جواد سخي» فإن ~~هؤلاء الثلاثة الذين يريدون الرياء والسمعة هم بإزاء الثلاثة الذين بعد ~~النبيين من الصديقين والشهداء والصالحين، فإن من تعلم العلم الذي بعث الله ~~به رسله وعلمه لوجه الله كان صديقا، ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ~~وقتل كان شهيدا، ومن تصدق يبتغي بذلك وجه الله كان صالحا، ولهذا يسأل ~~المفرط في ماله الرجعة وقت الموت، كما قال ابن عباس: من أعطي مالا فلم ms34 يحج ~~منه ولم يزك سأل الرجعة وقت الموت. وقرأ قوله تعالى: {وأنفقوا من ما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن من الصالحين} [المنافقون: 10] (سورة المنافقون: آية 15) . . # PageV01P054 # فهذه الأمور العلمية الكلامية يحتاج الخبر بها أن يكون ما يخبر به عن ~~الله واليوم الآخر، وما كان وما يكون، حقا صوابا. وما يأمر به وينهى عنه ~~كما جاءت به الرسل عن الله، فهذا هو الصواب الموافق للسنة والشريعة، المتبع ~~لكتاب الله وسنة رسوله. كما أن العبادات التي يتعبد العباد بها إذا كانت ~~مما شرعه الله وأمر الله به ورسوله: كانت حقا صوابا، موافقا لما بعث الله ~~به رسله، وما لم يكن كذلك من القسمين كان من الباطل والبدع المضلة والجهل، ~~وإن كان يسميه من يسميه علوما ومعقولات، وعبادات ومجاهدات، وأذواقا ~~ومقامات. # ويحتاج أيضا أن يؤمر بذلك لأمر الله، وينهى عنه لنهي الله، ويخبر بما ~~أخبر الله به، لأنه حق وإيمان وهدى كما أخبرت به الرسل، كما تحتاج العبادة ~~أن يقصد بها وجه الله، فإذا قيل ذلك لاتباع الهوى والحمية، أو لإظهار العلم ~~والفضيلة، أو لطلب السمعة والرياء: كان بمنزلة المقاتل شجاعة وحمية ورياء. # ومن هنا يتبين لك ما وقع فيه كثير من أهل العلم والمقال، وأهل العبادة ~~والحال، فكثيرا ما يقول هؤلاء من الأقوال ما هو خلاف الكتاب والسنة ~~ووفاقها، وكثيرا ما يتعبد هؤلاء بعبادات لم يأمر الله بها، بل قد نهى عنها، ~~أو ما يتضمن مشروعا محظورا، وكثيرا ما يقاتل هؤلاء قتالا مخالفا للقتال ~~المأمور به، أو متضمنا لمأمور محظور. # ثم كل من الأقسام الثلاثة: المأمور، والمحظور، والمشتمل على # PageV01P055 # الأمرين قد يكون لصاحبه نية حسنة، وقد يكون متبعا لهواه، وقد يجتمع له ~~هذا وهذا. # فهذه تسعة أقسام في هذه الأمور، وفي الأموال المنفقة عليها من الأموال ~~السلطانية، الفيء وغيره، والأموال الموقوفة، والأموال الموصى بها ~~والمنذورة، وأنواع العطايا والصدقات والصلات، وهذا كله من لبس الحق ~~بالباطل، وخلط عمل صالح وآخر سيئ. # والسيئ من ms35 ذلك قد يكون صاحبه مخطئا أو ناسيا مغفورا له كالمجتهد المخطئ ~~الذي له أجر وخطؤه مغفور له، وقد يكون صغيرا مكفرا باجتناب الكبائر، وقد ~~يكون مغفورا بتوبة أو بحسنات تمحو السيئات، أو مكفرا بمصائب الدنيا ونحو ~~ذلك، إلا أن دين الله الذي أنزل به كتبه وبعث به رسله ما تقدم من إرادة ~~الله وحده بالعمل الصالح، وهذا هو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من أحد ~~غيره، قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة ~~من الخاسرين} [آل عمران: 85] (سورة آل عمران: آية 85) . وقال تعالى: {شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم - إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 18 - 19] (سورة آل ~~عمران: آية 18، ومن الآية 19) . # والإسلام يجمع معنيين: أحدهما الاستسلام والانقياد، فلا يكون متكبرا، ~~والثاني الإخلاص من قوله تعالى: {ورجلا سلما لرجل} [الزمر: 29] (سورة ~~الزمر: من الآية 29) # PageV01P056 # فلا يكون مشركا، وهو: أن يسلم العبد لله رب العالمين، كما قال تعالى: ~~{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين - إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين - ووصى ~~بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون} [البقرة: 130 - 132] (سورة البقرة: الآيات 130-132) . وقال ~~تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين - قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 161 - 163] (سورة ~~الأنعام: الآيات 161-163) . # والإسلام يستعمل لازما معدى بحرف اللام، مثل ما ذكر في هذه الآيات، ومثل ~~قوله تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون} [الزمر: 54] (سورة الزمر: آية 54) . ومثل قوله تعالى: {قالت رب إني ~~ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] (سورة النمل: من ~~الآية 44) . ومثل ms36 قوله: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} [آل عمران: 83] (سورة آل عمران: آية 83) . ~~ومثل قوله: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ~~بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه ~~إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين - وأن ~~أقيموا الصلاة واتقوه} [الأنعام: 71 - 72] (سورة الأنعام: آية 71، ومن ~~الآية 72) # PageV01P057 ### | إسلام الوجه لله والإحسان هما أصلا الشريعة # ويستعمل متعديا مقرونا بالإحسان، كقوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين - بلى ~~من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~[البقرة: 111 - 112] (سورة البقرة: الآيتان 111، 112) . وقوله: {ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا} [النساء: 125] (سورة النساء: آية 125) . فقد أنكر أن يكون ~~دين أحسن من هذا الدين، وهو إسلام الوجه لله مع الإحسان، وأخبر أن كل من ~~أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ~~أثبتت هذه الكلمة الجامعة والقضية العامة ردا لما زعم من زعمه أن لا يدخل ~~الجنة إلا متهود أو متنصر. # وهذان الوصفان - وهما إسلام الوجه لله، والإحسان - هما الأصلان المتقدمان ~~وهما: كون العمل خالصا لله، صوابا موافقا للسنة والشريعة، وذلك أن إسلام ~~الوجه لله هو متضمن للقصد والنية لله، كما قال بعضهم: # أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل # وقد استعمل هنا أربعة ألفاظ: إسلام الوجه، وإقامة الوجه، كقوله تعالى: ~~{وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} [الأعراف: 29] (سورة الأعراف: من # PageV01P058 # الآية 29) . وقوله: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس ~~عليها} [الروم: 30] (سورة الروم: من الآية 30) . وتوجيه الوجه كقول الخليل: ~~{إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} ~~[الأنعام: 79] (سورة الأنعام: آية ms37 79) . وكذلك كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يقول في دعاء الاستفتاح في صلاته: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين» وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، مما يقول إذا أوى إلى فراشه: «اللهم أسلمت نفسي ~~إليك ووجهت وجهي إليك» # فالوجه يتناول المتوجه والمتوجه إليه، ويتناول المتوجه نحوه كما يقال: أي ~~وجه تريد؟ أي أي وجهة وناحية تقصد، وذلك أنهما متلازمان، فحيث توجه الإنسان ~~توجه وجهه، ووجهه مستلزم لتوجهه، وهذا في باطنه وظاهره جميعا، فهذه أربعة ~~أمور، والباطن هو الأصل، والظاهر، هو الكمال والشعار، فإذا توجه قلبه إلى ~~شيء تبعه وجهه الظاهر، فإذا كان العبد قصده ومراده وتوجهه إلى الله فهذا ~~صلاح إرادته وقصده، فإذا كان مع ذلك محسنا فقد اجتمع أن يكون عمله صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، وهو قول عمر رضي الله عنه: اللهم اجعل عملي كله ~~صالحا واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا، والعمل الصالح هو ~~الإحسان، وهو فعل الحسنات وهو ما أمر الله به، والذي أمر الله به هو الذي ~~شرعه الله، وهو الموافق لسنة الله وسنة # PageV01P059 # رسوله، فقد أخبر الله تعالى أنه من أخلص قصده لله وكان محسنا في عمله ~~فإنه مستحق للثواب سالم من العقاب. # ولهذا كان أئمة السلف يجمعون هذين الأصلين، كقول الفضيل بن عياض في قوله ~~تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] (سورة الملك: من الآية 2) . ~~قال: أخلصه وأصوبه، فقيل: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا ~~كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ~~حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. # وقد روى ابن شاهين واللالكائي عن سعيد بن جبير، قال: لا يقبل قول وعمل ~~إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة، ورويا عن الحسن ~~البصري مثله، ولفظه: " لا يصلح " مكان " لا يقبل "، وهذا فيه رد على ~~المرجئة الذين يجعلون ms38 مجرد القول كافيا، فأخبر أنه لا بد من قول وعمل، إذ ~~الإيمان قول وعمل، لا بد من هذين، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع وبينا ~~أن مجرد تصديق القلب واللسان مع البغض والاستكبار لا يكون إيمانا - باتفاق ~~المؤمنين - حتى يقترن بالتصديق عمل. # وأصل العمل عمل القلب، وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار، ثم ~~قالوا: ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، وهذا ظاهر، فإن القول والعمل إذا لم ~~يكن خالصا لله تعالى لم يقبله الله تعالى، ثم # PageV01P060 # قالوا: ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة، وهي الشريعة وهي ما ~~أمر الله به ورسوله، لأن القول والعمل والنية الذي لا يكون مسنونا مشروعا ~~قد أمر الله به: يكون بدعة ليس مما يحبه الله، فلا يقبله الله، ولا يصلح: ~~مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب. # ولفظ " السنة " في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات، ~~وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات، وهذا كقول ابن ~~مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء رضي الله عنهم: اقتصاد في سنة خير من ~~اجتهاد في بدعة، وأمثال ذلك. والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد وآله ~~الطاهرين وأصحابه أجمعين. PageV01P061 ms39