######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000079 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن تيمية #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أمراض القلوب وشفاؤها #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن تيمية :: مجموعة ابن تيمية في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: أمراض القلوب #META# 030.LibURI :: JK_000079 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المطبعة السلفية #META# 044.EdPLACE :: القاهرة #META# 045.EdYEAR :: 1399هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # أمراض القلوب وشفاؤها PageV01P001 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ~~نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد ~~الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم ~~تسليما # | فصل في أمراض القلوب وشفائها # قال الله تعالى عن المنافقين البقرة في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال ~~تعالى الحج ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم وقال الأحزاب لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون ~~في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا وقال المدثر ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ماذا اراد الله بهذا مثلا وقال تعالى يونس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء ~~لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وقال الإسراء وننزل من القرآن ماهو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا وقال التوبة ويشف صدور قوم ~~مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم و مرض البدن خلال صحته وصلاحه وهو فساد يكون فيه ~~يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية فإدراكه إما أن يذهب كالعمى والصمم وإما أن ~~يدرك الأشياء على خلاف ما هي عليه كما يدرك الحلو مرا وكما يخيل إليه أشياء ~~لا حقيقة لها في الخارج وأما فساد حركته الطبيعية فمثل أن تضعف قوته عن ~~الهضم أو مثل أن يبغض الأغذية التي يحتاج إليها ويحب الاشياء التي تضره ~~ويحصل له من الالام PageV01P003 بحسب ذلك ولكن مع ذلك المرض لم يمت ولم ~~يهلك بل فيه نوع قوة على إدراك الحركة الارادية في الجملة فيتولد من ذلك ~~ألم يحصل في البدن إما بسبب فساد الكمية أو الكيفية فالأول إما لنقص المادة ~~فيحتاج إلى غذاء وإما بسب زيادتها فيحتاج إلى استفراغ والثاني كقوة في ~~الحرارة والبرودة خارج عن الاعتدال فيداوى وكذلك مرض القلب هو نوع فساد ~~يحصل له يفسد به تصوره وإرادته فتصوره بالشبهات ms01 التي تعرض له حتى لا يرى ~~الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب ~~الباطل الضار فلهذا يفسر المرض تارة بالشك والريب كما فسر مجاهد وقتادة ~~قوله البقرة في قلوبهم مرض أي شك وارة يفسر بشوة الزنا كما فسر به قوله ~~الأحزاب فيطمع الذي في قلبه مرض في قلبه مرض ولهذا صنف الخرائطي كتاب ~~اعتلال القلوب أي مرضها وأراد به مرضها بالشهوة والمريض يؤذيه مالا يؤذي ~~الصحيح فيضره يسير الحر والبرد والعمل ونحو ذلك من الأمور التي لا يقوى ~~عليها لضعفه بالمرض والمرض في الجملة يضعف المريض بجعل قوته ضعيفة لا تطيق ~~ما يطيقه القوى والصحة تحفظ بالمثل وتزال بالضد والمرض يقوى بمثل سببه ~~ويزول بضده فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه وزاد ضعف قوته حتى ربما ~~يهلك وإن حصل له ما يقوى القوة ويزيل المرض كان بالعكس و مرض القلب ألم ~~يحصل في القلب كالغيظ من عدو استولى عليك فإن ذلك يؤلم القلب قال الله ~~تعالى التوبة ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم فشفاؤهم بزوال ما حصل ~~في قلوبهم من الالم ويقال فلان شفى غيظه وفي القود استشفاء أولياء المقتول ~~ونحو ذلك فهذا شفاء من الغم والغيظ والحزن وكل هذه آلام تحصل في النفس ~~وكذلك الشك والجهل يؤلم القلب قال النبي صلى الله عليه وسلم هلا سألوا إذا ~~لم يعلموا فإن شفاء العي السؤال والشاك في الشيء المرتاب فيه يتألم قلبه ~~حتى يحصل له العلم واليقين ويقال للعالم الذي اجاب بما يبين الحق قد شفاني ~~بالجواب و المرض دون الموت فالقلب يموت بالجهل المطلق ويمرض بنوع من الجهل ~~فله موت ومرض وحياة وشفاء وحياته وموته ومرضه وشفاؤه أعظم من حياة البدن ~~وموته ومرضه وشفائه فلهذا مرض القلب إذا ورد عليه شبهة أو شهوة PageV01P004 ~~قوت مرضه وإن حصلت له حكمة وموعظة كانت من أسباب صلاحه وشفاءه قال تعالى ~~الحج ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض لأن ذلك أورث ms02 شبهة ~~عندهم والقاسية قلوبهم ليبسها فأولئك قلوبهم ضعيفة بالمرض فصار ما ألقى ~~الشيطان فتنة لهم وهؤلاء كانت قلوبهم قاسية عن الايمان فصار فتنة لهم وقال ~~الأحزاب لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~كما قال المدثر وليقول الذين في قلوبهم مرض لم تمت قلوبهم كموت قلوب الكفار ~~والمنافقين وليست صحيحة صالحة كصالح قلوب المؤمنين بل فيهامرض شبهة وشهوات ~~وكذلك الأحزاب فيطمع الذي في قلبه مرض وهو مرض الشهوة فإن القلبالصحيح لو ~~تعرضت له المرأة لم يلتفت إليها بخلاف القلب المريض بالشهوة فإنه لضعفه ~~يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه فإذا خضعن بالقول طمع ~~الذي في قلبه مرض و القرآن شفاء لما في الصدور ومن في قلبه أمراض الشبهات ~~والشهوات ففيه من البينات ما يزيل الحق من الباطل فيزيل أمراض الشبهة ~~المفسدة للعلم والتصور والادراك بحيث يرى الاشياء على ما هي عليه وفيه من ~~الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة ما يوجب ~~صلاح القلب فيرغب القلب فيما ينفعه ويرغب عما يضره فيبقى القلب محبا للرشاد ~~مبغضا للغي بعد أن كان مريدا للغي مبغضا للرشاد فالقرآن مزيل للأمراض ~~الموجبة للإرادات الفاسدة حتى يصلح القلب فتصلح إرادته ويعود إلى فطرته ~~التي فطر عليها كما يعود البدن إلى الحال الطبيعي ويغتذي القلب من الايمان ~~والقرآن بما يزكيه ويؤيده كماي يتغذى البدن بما ينميه ويوقمه فإن زكاة ~~القلب مثل نماء البدن و الزكاة في اللغة النماء والزيادة في الصلاح يقال ~~زكا الشيء إذا نما في الصلاح فالقلب يحتاج ان يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ~~ويصلح كما يحتاج البدن أن يربى بالأغذية المصلحة له ولا بد مع ذلك من منع ~~ما يضره فلا ينمو البدن إلا باعطاء ما ينفعه ومنع ما يضره وكذلك القلب لا ~~يزكو فينمو ويتم صلاحه إلا بحصول ما ينفعه ودفع ما يضره وكذلك الزرع لا ~~يزكو إلا بهذا و الصدقة لما كانت تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار صار ~~القلب ms03 يزكو بها وزكاته معنى زائد على طهارته من الذنب قال الله تعالى ~~التوبة خذ PageV01P005 من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وكذلك ترك ~~الفواحش يزكو به القلب وكذلك ترك المعاصي فإنها بمنزلة الاخلاط الرديئة في ~~البدن ومثل الدغل في الزرع فإذا استفرغ البدن من الاخلاط الرديئة كاستخراج ~~الدم الزائد تخلصت القوة الطبيعية واستراحت فينمو البدن وكذلك القلب إذاتاب ~~من الذنوب كان استفراغا من تخليطاته حيث خلط عملا صالحا وآخر شيئا فإذا تاب ~~من الذنوب تخلصت قوة القلب وإراداته للأعمال الصالحة واستراح القلب من تلك ~~الحوادث الفاسدة التي كانت فيه فزكاة القلب بحيث ينمو ويكمل قال تعالى ~~النور ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد ابدا وقال تعالى ~~النور وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم وقال النور قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما ينصعون ~~وقال تعالى الاعلى قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى وقال تعالى الشمس قد ~~أفلح من زكاها وقد خاب من دساها وقال تعالى عبس وما يدريك لعله يزكى وقال ~~تعالى النازعات فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فالتزكية وإن ~~كان أصلها النماء والبركة وزيادة الخير فإنما تحصل بإزالة الشر فلهذا صار ~~التزكي يجمع هذا وهذا وقال فصلت وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهي ~~التوحيد والإيمان الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من ~~القلب وإثبات إليهة الحق في القلب وهو حقيقة لا إله إلا الله وهذا أصل ما ~~تزكو به القلوب و التزكية جعل الشيء زكيا إما في ذاته وإما في الإعتقاد ~~والخبر كما يقال عدلته إذا جعلته عدلا في نفسه أو في اعتقاد الناس قال ~~تعالى النجم فلا تزكوا أنفسكم أي تخبروا بزكاتها وهذا غير قوله الشمس قد ~~افلح من زكاها ولهذا قال النجم هو أعلم بمن اتقى وكان اسم زينب برة فقيل ~~تزكى نفسها فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب وأما ms04 قوله النساء ألم ~~تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء أي يجعله زاكيا ويخبر ~~بزكاته كما يزكى المزكي الشهود بعدلهم و العدل هو الاعتدال والاعتدال هو ~~صلاح القلب كما أن الظلم فساده ولهذا جميع الذنوب يكون الرجل فيها ظالما ~~لنفسه والظلم خلاف العدل فلم PageV01P006 يعدل على نفسه بل ظلمها فصلاح ~~القلب في العدل وفساده في الظلم وإذا ظلم العبد نفسه فهو الظالم وهو ~~المظلوم كذلك إذا عدل فهو العادل والمعدول عليه فمنه العمل وعليه تعود ثمرة ~~العمل من خير وشر قال تعالى البقرة لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت و العمل ~~له أثر في القلب من نفع وضر وصلاح قبل أثره في الخارج فصلاحها عدل لها ~~وفسادها ظلم لها قال تعالى فصلت من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وقال ~~تعالى الإسراء إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها قال بعض السلف إن ~~للحسنة لنورا في القلب وقوة في البدن وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة ~~في قلوب الخلق وإن للسيئة لظلمة في القلب وسوادا في الوجه ووهنا في البدن ~~ونقصا في الرزق وبغضا في قلوب الخلق وقال تعالى الطور كل امرئ بما كسب رهين ~~وقال تعالى المدثر كل نفس بما كسبت رهينة وقال الأنعام وذكر به أن تبسل نفس ~~بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ~~أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا و تبسل أي ترتهن وتحبس وتؤسر كما أن الجسد ~~إذا صح من مرضه قيل قد اعتدل مزاجه والمرض إنما هو انحراف المزاج مع أن ~~الاعتدال المحض السالم من الأخلاط لا سبيل إليه ولكن الأمثل فالأمثل فهكذا ~~صحة القلب وصلاحه في العدل ومرضه من الزيغ والظلم والانحراف والعدل المحض ~~في كل شيء متعذر علما وعملا ولكن الأمثل فالأمثل ولهذا يقال هذا أمثل ويقال ~~للطريقة السلفية الطريقة المثلى وقال تعالى النساء ولن تستعطيعوا أن تعدلوا ~~بين النساء ولو حرصتم وقال تعالى الأنعام وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ms05 لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها والله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط ~~وأعظم القسط عبادة الله وحده لا شريك له ثم العدل على الناس في حقوقهم ثم ~~العدل على النفس و الظلم ثلاثة أنواع والظلم كله من أمراض القلوب والعدل ~~صحتها وصلاحها قال أحمد بن حنبل لبعض الناس لو صححت لم تخف أحدا أي خوفك ~~PageV01P007 من المخلوق هو من مرض فيك كمرض الشرك والذنوب وأصل صلاح القلب ~~هو حياته واستنارته قال تعالى الأنعام أو من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له ~~نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها لذلك ذكر الله ~~حياة القلوب ونورها وموتها وظلمتها في غير موضع كقوله ياسين لينذر من كان ~~حيا ويحق القول على الكافرين وقوله تعالى الأنفال يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ثم قال واعلموا أن الله يحول ~~بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون وقال تعالى الروم يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن أنواعه أن يخرج المؤمن من الكافر والكافر من ~~المؤمن وفي الحديث الصحيح مثل البيت يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر ~~الله فيه كمثل الحي والميت وفي الصحيح أيضا اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا ~~تتخذها قبورا وقد قال تعالى الأنعام والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في ~~الظلمات وذكر سبحانه آية النور وآية الظلمة فقال النور الله نور السماوات ~~والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب ~~دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور فهذا مثل نور الايمان في قلوب المؤمنين ثم قال النور ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده وفوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي ~~يغشاه موج من فوقه موج فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها ومن لم ms06 يجعل الله له نورا فما له من نور فالأول مثل الاعتقادات ~~الفاسدة والأعمال التابعة لها يحسبها صاحبها شيئا ينفعه فإذا جاءها لم ~~يجدها شيئا ينفعه فوفاه الله حسابه على تلك الأعمال والثاني مثل للجهل ~~البسيط وعدم الايمان والعلم فإن صاحبها في ظلمات بعضها فوق بعض لا يبصر ~~شيئا فإن البصر إنما هو بنور الإيمان والعلم قال تعالى الأعراف إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وقال تعالى يوسف ~~ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه وهو برهان الإيمان الذي حصل في ~~قلبه فصرف الله به ما كان هم به وكتب له حسنة كاملة ولم يكتب عليه خطيئة إذ ~~فعل خيرا ولم يفعل سيئة وقال تعالى PageV01P008 إبراهيم لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور وقال البقرة الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات وقال ~~الحديد يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ولهذا ضرب الله للإيمان مثلين مثلا بالماء الذي به ~~الحياة وما يتقرن به من الزبد ومثلا بالنار التي بها النور وما يقترن بما ~~يوقد عليه من الزبد وكذلك ضرب الله للنفاق مثلين قال تعالى الرعد أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا وممما يوقدون عليه ~~في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما ~~الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله ~~الأمثال وقال تعالى في المنافقين البقرة مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما ~~أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم ~~لا يرجعون أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابهم في آذانهم ~~من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما ~~أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب ms07 بسمعهم ~~وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير فضرب لهم مثلا بالذي أوقد النار كلما ~~أضاءت أطفاها الله والمثل المائي كالماء النازل من السماء وفيه ظلمات ورعد ~~وبرق ولبسط الكلام في هذه الأمثال موضع آخر وإنما المقصود هنا ذكر حياة ~~القلوب وإنارتها وفي الدعاء المأثور اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا ~~والربيع هو المطر الذي ينزل من السماء فينبت به النبات قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم والفصل الذي ينزل فيه ~~أول المطر تمسيه العرب الربيع لنزول المطر الذي ينبت الربيع فيه وغيرهم ~~يسمى الربيع الفصل الذي يلي الشتاء فإن منه تخرج الأزهار التي تخلق منها ~~الثمار وتنبت الاوراق على الاشجار و القلب الحي المنور فإنه لما فيه من ~~النور يسمع ويبصر ويعقل والقلب الميت فإنه لا يسمع ولا يبصر قال تعالى ~~البقرة ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بمالا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم ~~عمي فهم لا يعقلون وقال تعالى يونس ومنهم من يستعمون إليكم أفأنت تسمع الصم ~~ولو كانوا لا يعقلون PageV01P009 ومنهم من ينظر إليكم أفأنت تهدي العمى ولو ~~كانوا لا يبصرون وقال تعالى الأنعام ومنهم من يستمع إليكم وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى ~~إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين الآيات ~~فأخبر أنهم لا يفقهون بقلوبهم ولا يسمعون بآذانهم ولا يؤمنون بما رأوه من ~~النار كما أخبر عنهم حيث قالوا فصلت قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فذكروا الموانع على القلوب والسمع ~~والأبصار وأبدانهم حية تسمع الأصواب وترى الأشخاص لكن حياة البدن بدون حياة ~~القلب من جنس حياة البهائم لها سمع وبصر وهي تأكل وتشرب وتنكح ولهذا قال ~~تعالى البقرة ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ~~فشبههم بالغنم التي ينعق بها الراعي وهي لا تسمع إلا نداء كما ms08 قال في الآية ~~الأخرى الفرقان أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا وقال تعالى الأعراف ولقد ذرأنا لجنهم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ~~أولئك كالأنعام بل هم أضل فطائفة من المفسرين تقول في هذه الآيات وما ~~أشبهها كقوله يونس وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ~~فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه وأمثالها مما ذكر الله في ~~عيوب الإنسان وذمها فيقول هؤلاء هذه الاية في الكفار والمراد بالإنسان هنا ~~الكافر فيبقى من يسمع ذلك يظن أنه ليس لمن يظهر الإسلام في هذا الذم ~~والوعيد نصيب بل يذهب وهمه إلى من كان مظهرا للشرك من العرب أو إلى من ~~يعرفهم من مظهري الكفر كاليهود والنصارى ومشركي الترك والهند ونحو ذلك فلا ~~ينتفع بهذه الآيات التي أنزلها الله ليهتدي بها عباده فيقال أولا المظهرون ~~للإسلام فيهم مؤمن ومنافق والمنافقون كثيرون في كل زمان والمنافقون في ~~الدرك الأسفل من النار ويقال ثانيا الإنسان قد يكون عنده شعبة من نفاق وكفر ~~وإن كان معه إيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه ~~أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من ~~النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان PageV01P010 وإذا عاهد غدر ~~وإذا خاصم فجر فأخبر أنه من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق ~~وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه قال لأبي ذر إنك امرؤ فيك جاهلية وأبو ذر رضي ~~الله عنه من أصدق الناس إيمانا وقال في الحديث الصحيح أربع في أمتي من أمر ~~الجاهلية الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء بالنجوم ~~وقال في الحديث الصحيح لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو ~~دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود والنصارى قال فمن وقال أيضا ms09 في الحديث ~~الصحيح لتأخذن أمتي ما أخذت الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا فارس ~~والروم قال ومن اناس إلا هؤلاء وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النافق على نفسه وعن علي أو حذيفة رضي ~~الله عنهما قال القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب ~~أغلف فذاك قلب الكافر وقلب منكوس فذاك قلب المنافق وقلب فيه مادتان مادة ~~تمده الإيمان ومادة تمده النفاق فأولئك قوم خطلوا عملا صالحا وآخر سيئا ~~وإذا عرف هذا علم أن كل عبد ينتفع بما ذكر الله في الايمان من مدح شعب ~~الايمان وذم شعب الكفر وهذا كما يقول بعضهم في قوله اهدنا الصراط المستقيم ~~فيقولون المؤمن قد هدى إلى الصراط المستقيم فأي فائدة في طلب الهدى ثم يجيب ~~بعضهم بأن المراد ثبتنا على الهدى كما تقول العرب للنائم نم حتى آتيك أو ~~يقول بعضهم ألزم قلوبنا الهدى فحذف الملزوم ويقول بعضهم زدني هدى وإنما ~~يوردون هذا السؤال لعدم تصورهم الصراط المستقيم الذي يطلب العبد الهداية ~~إليه فإن المراد به العمل بما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه في جميع ~~الأمور والإنسان وإن كان أقر بأن محمدا رسول الله وأن القرآن حق على سبيل ~~الإجمال فأكثر ما يحتاج إليه من العلم بما ينفعه ويضره وما أمر به وما نهى ~~عنه في تفاصيل الأمور وجزئياتها لم يعرفه وما عرفه فكثير منه لم يعمله ولو ~~قدر أنه بلغه كل امر ونهى في القرآن والسنة فالقرآن والسنة إنما تذكر فيهما ~~الأمور العامة الكلية لا يمكن غير ذلك لا يذكر مايخص به كل عبد ولهذا أمر ~~الإنسان في مثل ذلك بسؤال الهدى إلى الصراط المستقيم والهدى إلى الصراط ~~المستقيم يتناول هذا كله يتناول التعريف بما جاء به الرسول مفصلا ويتناول ~~التعريف بما يدخل في أوامره الكليات ويتناول PageV01P011 الهام العمل بعلمه ~~فإن مجرد العلم بالحق لا يحصل به الاهتداء إن لم يعمل بعلمه ولهذا قال ~~لنبيه ms10 بعد صلح الحديبية أول سورة الفتح إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وقال ~~في حق موسى وهارون الصافات وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط ~~المستقيم والمسلمون قد تنازعوا فيما شاء الله من الأمور الخبرية والعلمية ~~الاعتقادية والعملية مع أنهم كلهم متفقون على أن محمدا حق والقرآن حق فلو ~~حصل لك منهم الهدى إلى الصراط المستقيم فيما اختلفوا فيه لم يختلفوا ثم ~~الذين علموا ما أمر الله به أكثرهم يعصونه و لا يحتذون حذوه فلو هدوا إلى ~~الصراط المستقيم في تلك الاعمال لفعلوا ما أمروا به وتركوا ما نهوا عنه ~~والذين هداهم الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء الله المتقين كان من ~~اعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة مع علمهم بحاجتهم ~~وفاقتهم إلى الله دائما في أن يهديهم الصراط المستقيم فبدوام هذا الدعاء ~~والافتقار صاروا من أولياء الله المتقين قال سهل بن عبد الله التستري ليس ~~بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الافتقار وما حصل فيه الهدى في ~~الماضي فهو محتاج إلى حصول الهدى فيه في المستقبل وهذا حقيقة قول من يقول ~~ثبتنا واهدنا لزوم الصراط وقول من قال زدنا هدى يتناول ما تقدم لكن هذا كله ~~هدى منه في المستقبل إلى الصراط المستقيم فإن العمل في المستقبل بالعلم لم ~~يحصل بعد ولا يكون مهتديا حتى يعمل في المستقبل بالعلم وقد لا يحصل العلم ~~في المستقبل بل يزول عن القلب وإن حصل فقد لا يحصل العمل فالناس كلهم ~~متضطرون إلى هذا الدعاء ولهذا فرضه الله عليهم في كل صلاة فليسوا إلى شيء ~~من الدعاء أحوج منهم إليه وإذا حصل الهدى إلى الصراط المستقيم حصل النصر ~~والرزق وسائر ما تطلب النفوس من السعادة والله أعلم PageV01P012 وأعلم أن ~~حياة القلب وحياة غيره ليست مجرد الحس والحركة الإرادية أو مجرد العلم ~~والقدرة كما يظن ذلك طائفة من النظار في علم الله وقدرته كأبي ms11 الحسين ~~البصري قالوا إن حياته أنه بحيث يعلم ويقدر بل الحياة صفة قائمة بالموصوف ~~وهي شرط في العلم والارادة والقدرة على الأفعال الاختيارية وهي أيضا ~~مستلزمة لذلك فكل حي له شعور وإرادة وعمل اختياري بقدرة وكل ماله علم ~~وإرادة وعمل اختياري فهو حي و الحياء مشتق من الحياة فإن القلب الحي يكون ~~صاحبه حيا فيه حياء يمنعه عن القبائح فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح ~~التي تفسد القلب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم الحياء من الإيمان ~~وقال الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق فإن ~~الحي يدفع ما يؤذيه بخلاف الميت الذي لا حياة فيه فإنه يسمى وقحا والوقاحة ~~الصلابة وهو اليبس المخالف الرطوبة الحياة فإذا كان وقحا يابسا صليب الوجه ~~لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه وامتناعه من القبح كالأرض اليابسة لا يؤثر ~~فيه وطء الأقدام بخلاف الأرض الخضر ولهذا كان الحيي يظهر عليه التأثر ~~بالقبح وله إرادة تمنعه عن فعل القبيح بخلاف الوقح والذي ليس بحيي فإنه لا ~~حياء معه ولا إيمان يزجره عن ذلك فالقلب إذا كان حيا فمات الإنسان بفراق ~~روحه بدنه كان موت النفس فراقها للبدن ليست هي في نفسها ميتة بمعنى زوال ~~حياتها عنها ولهذا قال تعالى البقرة ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ~~أموات بل أحياء وقال تعالى آل عمران ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء مع أنهم موتى داخلون في قوله آل عمران كل نفس ذائقة الموت ~~وفي قوله الزمر إنك ميت وإنهم ميتون وقوله الحج وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ~~ثم يحييكم فالموت المثبت غير الموت المنفي المثبت هو فراق الروح البدن ~~والمنفي زوال الحياة بالجملة عن الروح والبدن وهذا كما أن النوم أخو الموت ~~فيسمى وفاة ويسمى موتا وكانت الحياة موجودة فيهما قال تعالى الزمر الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى وكان النبي صلى ms12 الله عليه وسلم إذا استيقظ من ~~منامه يقول الحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور وفي حديث آخر ~~الحمد لله الذي رد علي روحي وعافاني في جسدي وأذن لي PageV01P013 بذكره ~~وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا وإذا أوى إلى فراشه يقول اللهم أنت خلقت ~~نفسي وأنت توفاها لك مماتها ومحياها إن أمسكتها فارحمها وإن أرسلتها ~~فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ويقول باسمك اللهم أموت وأحيا # | فصل ومن أمراض القلوب الحسد كما قال بعضهم في حده إنه أذى يلحق بسبب # العلم بحسن حال الاغنياء فلا يجوز أن يكون الفاضل حسودا لأن الفاضل يجرى ~~على ما هو الجميل وقد قال طائفة من الناس إنه تمنى زوال النعمة عن المحسود ~~وإن لم يصر للحاسد مثلها بخلاف الغبطة فإنه تمنى مثلها من غير حب زوالها عن ~~المغبوط والتحقيق أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود ~~وهو نوعان أحدهما كراهة للنعمة عليه مطلقا فهذا هو الحسد المذموم وإذا أبغض ~~ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه فيكون ذلك مرضا في قلبه ويلتذ بزوال ~~النعمة عنه وإن لم يحصل له نفع بزوالها لكن نفعه بزوال الألم الذي كان في ~~نفسه ولكن ذلك الألم لم يزل إلا بمباشرة منه وهو راحة وأشده كالمريض فإن ~~تلك النعمة قد تعود على المحسود وأعظم منها وقد يحصل نظير تلك النعمة ما ~~أنعم به على النوع ولهذا قال من قال إنه تمنى زوال النعمة فإن من كره ~~النعمة على غيره تمنى زوالها و النوع الثاني أن يكره فضل ذلك الشخص عليه ~~فيجب أن يكون مثله أو أفضل منه فهذا حسد وهو الذي سموه الغبطة وقد سماه ~~النبي صلى الله عليه وسلم حسدا في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود ~~وابن عمر رضي الله عنهما قال لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله الحكمة ~~فهو يقضي بها ويعلمها ورجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته في الحق هذا لفظ ~~ابن مسعود ولفظ ابن عمر ms13 رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل ~~والنهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه PageV01P014 في الحق آناء الليل ~~والنهار ورواه البخاري من حديث أبي هريرة ولفظه لا حسد إلا في اثنين رجل ~~آتاه الله القرآن فهو يتلوه الليل والنهار فسمعه رجل فقال يا ليتني أوتيت ~~مثل ما أوتي هذا فعملت فيه مثل ما يعمل هذا ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه ~~في الحق فقال رجل يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي هذا فعملت فيه مثل ما يعمل ~~هذا فهذا الحسد الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلا في موضعين هو ~~الذي سماه أولئك الغبطة وهو أن يحب مثل حال الغير ويكره أن يفضل عليه فإن ~~قيل إذا لم سمي حسدا وإنما أحب أن ينعم الله عليه قيل مبدأ هذا الحب هونظره ~~إلى إنعامه على الغير وكراهته أن يفضل عليه ولولا وجود ذلك الغير لم يحب ~~ذلك فلما كان مبدأ ذلك كراهته أن يفضل عليه الغير كان حسدا لأنه كراهة ~~تتبعها محبة وأما من أحب أن ينعم الله عليه مع عدم التفاته إلى أحوال الناس ~~فهذا ليس عنده من الحسد شيء ولهذا يبتلى غالب الناس بهذا القسم الثاني وقد ~~يسمى المنافسة فيتنافس الإثنان في الأمر المحبوب المطلوب كلاهما يطلب أن ~~يأخذه وذلك لكراهية أحدهما أن يتفضل عليه الآخر كما يكره المستبقان كل ~~منهما أن يسبقه الآخر والتنافس ليس مذموما مطلقا بل هو محمود في الخير قال ~~تعالى المطففين إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوهم نضرة ~~النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون فأمر ~~المنافس أن ينافس في هذا النعيم لا ينافس في نعيم الدنيا الزائل وهذا موافق ~~لحديث النبي صلى الله عليه وسلم فإنه نهى عن الحسد إلا فيمن أوتي العلم فهو ~~يعمل به ويعلمه ومن أوتى المال فهو ينفقه فأما من أوتي علما ولم يعمل به ~~ولم يعلمه أو أوتي مالا ولم ينفقه في طاعة الله فهذا ms14 لا يحسد ولا يتمنى مثل ~~حاله فإنه ليس في خير يرغب فيه بل هو معرض للعذاب ومن ولي ولاية فيأتيها ~~بعلم وعدل وأدى الأمانات إلى أهلها وحكم بين الناس بالكتاب والسنة فهذا ~~درجته عظيمة لكن هذا في جهاد عظيم كذلك المجاهد في سبيل الله والنفوس لا ~~تحسد من هو في تعب عظيم فلهذا لم يذكره وإن كان المجاهد في سبيل الله أفضل ~~من الذي ينفق المال بخلاف المنفق والمعلم فإن هذين ليس لهما في العادة عدو ~~من خارج فإن قدر أنهما لهما عدو يجاهدانه فذلك أفضل لدرجتهما وكذلك لم يذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم المصلى والصائم والحاج PageV01P015 لأن هذه ~~الأعمال لا يحصل منها في العادة من نفع الناس الذي يعظمون به الشخص ~~ويسودونه ما يحصل بالتعليم والإنفاق والحسد في الأصل إنما يقع لما يحصل ~~للغير من السؤدد والرياسة وإلا فالعامل لا يحسد في العادة ولو كان تنعمه ~~بالأكل والشرب والنكاح أكثر من غيره بخلاف هذين النوعين فإنهما يحسدان ~~كثيرا ولهذا يوجد بين أهل العلم الذين لهم اتباع من الحسد مالا يوجد فيمن ~~ليس كذلك وكذلك فيمن له أتباع بسبب إنفاق ماله فهذا ينفع الناس بقوت القلوب ~~وهذا ينفعهم بقوت الأبدان والناس كلهم محتاجون إلى ما يصلحهم من هذا وهذا ~~ولهذا ضرب الله سبحانه مثلين مثلا بهذا فقال النحل ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ~~هل يستون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم ~~لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن ~~يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم والمثلان ضربهما الله سبحانه لنفسه ~~المقدسة ولما يعبد من دونه فإن الأوثان لا تقدر لا على عمل ينفع ولا على ~~كلام ينفع فإذا قدر عبد مملوك لا يقدر على شيء وآخر قد رزقه الله رزقا حسنا ~~فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوي هذا المملوك ms15 العاجز عن الإحسان وهذا ~~القادر على الاحسان المحسن إلى الناس سرا وجهرا وهو سبحانه قادر على ~~الإحسان إلى عباده وهو محسن إليهم دائما فكيف يشبه به العاجز المملوك الذي ~~لا يقدر على شيء حتى يشرك به معه وهذا مثل الذي اعطاه الله مالا فهو ينفق ~~منه آناء الليل والنهار والمثل الثاني إذا قدر شخصان أحدهما أبكم لا يعقل ~~ولا يتكلم ولا يقدر على شيء وهو مع هذا كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت ~~بخير فليس فيه من نفع قط بل هو كل على من يتولى أمره وآخر عالم عادل يأمر ~~بالعدل ويعمل بالعدل فهو على صراط مستقيم وهذا نظير الذي أعطاه الله الحكمة ~~فهو يعمل بها ويعلمها للناس وقد ضرب ذلك مثلا لنفسه فإنه سبحانه عالم عادل ~~قادر يأمر بالعدل وهو قائم بالقسط على صراط مستقيم كما قال تعالى آل عمران ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا ~~هو العزيز الحكيم وقال هود هود إن ربي على صراط مستقيم ولهذا كان الناس ~~يعظمون PageV01P016 دار العباس كان عبد الله يعلم الناس وأخوه يطعم الناس ~~فكانوا يعظمون على ذلك ورأى معاوية الناس يسألون ابن عمر عن المناسك وهو ~~يفتيهم فقال هذا والله الشرف أو نحو ذلك هذا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~نافس أبا بكر رضي الله عنه الإنفاق كما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا ~~عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما قال فجئت بنصف مالي قال فقال ~~لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك قلت مثله وأتى أبو بكر رضي ~~الله عنه بكل ما عنده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك ~~قال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسابقك إلى شيء أبدا فكان ما فعله عمر ~~من المنافسة والغبطة المباحة لكن حال الصديق ms16 رضي الله عنه أفضل منه وهو خال ~~من المنافسة مطلقا لا ينظر إلى حال غيره وكذلك موسى صلى الله عليه وسلم في ~~حديث المعراج حصل له منافسة وغبطة للنبي صلى الله عليه وسلم حتى بكى لما ~~تجاوزه النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له ما يبكيك فقال أبكي لأن غلاما بعث ~~بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي أخرجاه في الصحيحين وروى ~~في بعض الألفاظ المروية غير الصحيح مررنا على رجل وهو يقول ويرفع صوته ~~أكرمته وفضلته قال فرفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام فقال من هذا معك يا ~~جبريل قال هذا أحمد قال مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته ~~قال ثم اندفعنا فقلت من هذا يا جبريل قال هذا موسى بن عمران قلت ومن يعاتب ~~قال يعاتب ربه فيك قلت ويرفع صوته على ربه قال إن الله عز وجل قد عرف صدقه ~~وعمر رضي الله عنه كان مشبها بموسى ونبينا حاله أفضل من حال موسى فإنه لم ~~يكن عنده شيء من ذلك وكذلك كان في الصحابة أبو عبيدة بن الجراح ونحوه كانوا ~~سالمين من جميع هذه الأمور فكانوا أرفع درجة ممن عنده منافسة وغبطة وإن كان ~~ذلك مباحا ولهذا استحق أبو عبيدة رضي الله عنه أن يكون أمين هذه الأمة فإن ~~المؤتمن إذا لم يكن في نفسه مزاحمة على شيء مما ائتمن عليه كان أحق ~~بالأمانة ممن يخاف مزاحمته ولهذا يؤتمن على النساء والصبيان الخصيان ويؤتمن ~~على الولاية الصغرى PageV01P017 من يعرف أنه لا يزاحم على الكبرى ويؤتمن ~~على المال من يعرف أنه ليس له غرض في أخذ شيء منه وإذا ائتمن من في نفسه ~~خيانة شبه بالذئب المؤتمن على الغنم فلا يقدر أن يؤدي الأمانة في ذلك لما ~~في نفسه من الطلب لما ائمتن عليه وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في ~~مسنده عن أنس رضي الله عنه قال كنا يوما جلسوا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يطلع عليكم الآن ms17 من هذا الفج رجل من أهل الجنة قال فطلع رجل من ~~الأنصار تنطف لحيته من وضوء قد علق نعليه في يده الشمال فسلم فلما كان الغد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل على مثل حاله فلما ~~كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه و مقالته فطلع ذلك الرجل على مثل ~~حاله فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم اتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص ~~رضي الله عنه فقال إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن ~~تؤويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت قال نعم قال أنس رضي الله عنه فكان عبد ~~الله يحدث أنه بات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئا غير انه إذا ~~تعار وانقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم إلى صلاة الفجر فقال ~~عبد الله غير أني لم اسمعه يقول إلا خيرا فلما فرغنا من الثلاث وكدت أن ~~أحقر عمله قلت يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكن سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مرات يطلع عليكم رجل من أهل الجنة ~~فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن آوى إليك لأنظر ما عملك فأقتدي بذلك فلم ~~أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال ما هو إلا ما رأيت غير أنني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشا ~~ولا حسدا على خير أعطاه الله إياه قال عبد الله هذه التي بلغت بك وهي التي ~~لا نطيق فقول عبد الله بن عمرو له هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق يشير ~~إلى خلوه وسلامته من جميع أنواع الحسد وبهذا أثنى الله تعالى على الأنصار ~~فقال الحشر ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة أي مما أوتي إخوانهم المهاجرون قال المفسرون لا يجدون في صدروهم ~~حاجة ms18 أي حسدا وغيظا مما أوتي المهاجرون ثم قال بعضهم من مال الفيء وقيل من ~~الفضل والتقدم فهم لا يجدون حاجة PageV01P018 مما أوتوا من المال ولا من ~~الجاه والحسد يقع على هذا وكان بين الأوس والخزرج منافسة على الدين فكان ~~هؤلاء إذا فعلوا ما يفضلون به عند الله ورسوله أحب الآخرون ان يفعلوا نظير ~~ذلك فهو منافسة فيما يقربهم إلى الله كما قال المطففين وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون وأما الحسد المذموم كله فقد قال تعالى في حق اليهود البقرة ود ~~كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من ~~بعد ما تبين لهم الحق يودون أي يتمنون أرتدادكم حسدا فجعل الحسد هو الموجب ~~لذلك الود من بعد ما تبين لهم الحق لأنهم لما رأوا أنكم قد حصل لكم من ~~النعمة ما حصل بل مالم يحصل لهم مثله حسدوكم وكذلك في الآية الأخرى النساء ~~أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم ~~سعيرا وقال تعالى قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقت ومن ~~شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد وقد ذكر طائفة من المفسرين أنها ~~نزلت بسب حسد اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم حتى سحروه سحره لبيد بن ~~الأعصم اليهودي فالحاسد المبغض للنعمة على من أنعم الله عليه بها ظالم معتد ~~والكاره لتفضيله المحب لمماثلته منهي عن ذلك إلا فيما يقربه إلى الله فإذا ~~أحب أن يعطى مثل ما أعطى مما يقربه إلى الله فهذا لا بأس به وإعراض قلبه عن ~~هذا بحيث لا ينظر إلى حال الغير أفضل ثم هذا الحسد إن عمل بموجبه صاحبه كان ~~ظالما معتديا مستحقا للعقوبة إلا أن يتوب وكان المحسود مظلوما مأمورا ~~بالصبر والتقوى فيصبر على أذى الحاسد ويعفو ويصفح عنه كما قال تعالى البقرة ~~ود كثير من أهل الكتاب ms19 لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ~~من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصحفوا حتى يأتي الله بأمره وقد ابتلى ~~يوسف بحسد إخوة له حيث قالوا يوسف ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ~~إن أبانا لفي ضلال مبين فحسدوهما على تفضيل الأب لهما ولهذا قال يعقوب ~~ليوسف يوسف لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين ثم إنهم ظلموه بتكلمهم في قتله وإلقائه في الجب وبيعه رقيقا لمن ~~ذهب به إلى بلاد الكفر فصار مملوكا لقوم كفار ثم إن يوسف ابتلى بعد أن ظلم ~~بمن يدعوه إلى PageV01P019 الفاحشة ويراوده عليها ويستعين عليه بمن يعينه ~~على ذلك فاستعصم واختار السجن على الفاحشة وآثر عذاب الدنيا على سخط الله ~~فكان مظلوما من جهة من أحبه لهواه وغرضه مفاسد فهذه المحبة أحبته لهوى ~~محبوبها شفاؤها وشقاؤها إن وافقها وأولئك المبغضون ابغضوه بغضة أوجبت أن ~~يصير ملقى في الجب ثم أسيرا مملوكا بغير اختياره فأولئك أخرجوه من انطلاق ~~الحرية إلى رق العبودية الباطلة بغير اختياره وهذه ألجأته إلى أن اختار أن ~~يكون محبوسا مسجونا باختياره فكانت هذه أعظم في محنته وكان صبره هنا ~~اختياريا اقترن به التقوى بخلاف صبره على ظلمهم فإن ذلك كان من باب المصائب ~~التي من لم يصبر عليها صبر الكرام سلا سلو البهائم والصبر الثاني أفضل ~~الصبرين ولهذا قال يوسف إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ~~وهكذا إذا أوذي المؤمن على إيمانه وطلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان وإن ~~لم يفعل أوذي وعوقب فاختار الأذى والعقوبة على فراق دينه إما الحبس وإما ~~الخروج من بلده كما جرى للمهاجرين حين اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين ~~وكانوا يعذبون يؤذون وقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم بأنواع من الأذى ~~فكان يصبر عليها صبرا اختياريا فإنه إنما يؤذي لئلا يفعل ما يفعله باختياره ~~وكان هذا أعظم من صبر يوسف لأن يوسف إنما طلب منه الفاحشة وإنما ms20 عوقب إذا ~~لم يفعل بالحبس والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طلب منهم الكفر وإذا لم ~~يفعلوا طلبت عقوبتهم بالقتل فما دونه وأهون ما عوقب به الحبس فإن المشركين ~~حبسوه وبني هاشم بالشعب مدة ثم لما مات أبو طالب اشتدوا عليه فلما بايعت ~~الأنصار وعرفوا بذلك صاروا يقصدون منعه من الخروج ويحبسونه هو وأصحابه عن ~~ذلك ولم يكن أحد يهاجر إلا سرا إلا عمر بن الخطاب ونحوه فكانوا قد الجأوهم ~~إلى الخروج من ديارهم ومع هذا منعوا من منعوه منهم عن ذلك وحبسوه فكان ما ~~حصل للمؤمنين من الأذى والمصائب هو باختيارهم طاعة لله ورسوله لم يكن من ~~المصائب السماوية التي تجري بدون اختيار العبد من جنس حبس يوسف لا من جنس ~~التفريق بينه وبين أبيه وهذا أشرف النوعين وأهلها اعظم بدرجة وإن كان صاحب ~~المصائب يثاب على صبره ورضاه وتكفر عنه الذنوب بمصائبه فإن هذا أصيب وأوذي ~~باختياره طاعة لله يثاب على نفس المصائب ويكتب له بها عمل صالح قال تعالى ~~التوبة ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون ~~موطئا يغيظ PageV01P020 الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل ~~صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين بخلاف المصائب التي تجري بلا اختيار ~~العبد كالمرض وموت العزيز عليه وأخذ اللصوص ماله فإن تلك إنما يثاب على ~~الصبر عليها لا على نفس ما يحدث من المصيبة وما يتولد عنها والذين يؤذون ~~على الايمان وطاعة الله ورسوله ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض أو حبس أو ~~فراق وطن وذهاب مال وأهل أو ضرب أو شتم أو نقص رياسة ومال وهم في ذلك على ~~طريقة الأنبياء وأتابعهم كالمهاجرين الأولين فهؤلاء يثابون على ما يؤذون به ~~ويكتب لهم به عمل صالح كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع والعطش ~~والتعب وعلى غيظة الكفار وإن كانت هذه الآثار ليست عملا فعله يوقوم به ~~لكنها متسببة عن عفله الاختياري وهي التي يقال لها متولدة ms21 وقد اختلف الناس ~~هل يقال أنها فعل فاعل السبب أو لله أو لا فاعل لها والصحيح أنها مشتركة ~~بين فاعل السبب وسائر الأسباب ولهذا كتب له بها عمل صالح والمقصود أن الحسد ~~مرض من أمراض النفس وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا القليل من الناس ولهذا ~~يقال ما خلا جسد من حسد لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه وقد قيل للحسن ~~البصري ايحسد المؤمن فقال ما أنساك أخوة يوسف لا أبا لك ولكن عمه في صدرك ~~فإنه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولسانا فمن وجد في نفسه حسدا لغيره فعليه أن ~~يستعمل معه التقوى والصبر فيكره ذلك من نفسه وكثير من الناس الذين عندهم ~~دين لا يعتدون على المحسود فلا يعينون من ظلمه ولكنهم أيضا لا يقومون بما ~~يجب من حقه بل إذا ذمه أحد لم يوافقوه على ذمه ولا يذكرون محامده وكذلك لو ~~مدحه أحد لسكتوا وهؤلاء مدينون في ترك المأمور في حقه مفرطون في ذلك لا ~~معتدون عليه وجزاؤهم أنهم يبخسون حقوقهم فلا ينصفون أيضا في مواضع ولا ~~ينصرون على من ظلمهم كما لم ينصروا هذا المحسود وأما من اعتدى بقول أو فعل ~~فذلك يعاقب ومن اتقى الله وصبر فلم يدخل في الظالمين نفعه الله بتقواه كما ~~جرى لزينب بنت جحش رضي الله عنها فإنها كانت هي التي تسامى عائشة من أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحسد النساء بعضهن لبعض كثير غالب لا سيما ~~المتزوجات بزوج واحد فإن المرأة تغار على زوجها لحظها منه فإنه بسبب ~~المشاركة يفوت بعض حظها وهكذا الحسد يقع كثيرا بين المتشاركين في رئاسة أو ~~مال إذا أخذ بعضهم قسطا من ذلك وفات الآخر ويكون بين النظراء لكراهة ~~PageV01P021 أحدهم أن يفضل الآخر عليه كحسد إخوة يوسف وكحسد ابني آدم ~~أحدهما لأخيه فإنه حسده لكون أن الله تقبل قربانه ولم يتقبل قربان هذا ~~فحسده على ما فضله الله من الايمان والتقوى كحسد اليهود للمسلمين وقتله على ~~ذلك ولهذا قيل أول ذنب عصى ms22 الله به ثلاثة الحرص والكبر والحسد فالحرص من ~~آدم والكبر من إبليس والحسد من قابيل حيث قتل هابيل وفي الحديث ثلاث لا ~~ينجو منهن أحد الحسد والظن والطيرة وسأحدثكم بما يخرج من ذلك إذا حسدت فلا ~~تبغض وإذا ظننت فلا تحقق وإذا تطيرت فامض رواه ابن أبي الدنيا من حديث أبي ~~هريرة وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم دب إليكم داء الأمم قبلكم ~~الحسد والبغضاء وهي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين فسماه داء ~~كما سمى البخل داء في قوله وأي داء أدوأ من البخل فعلم أن هذا مرض وقد جاء ~~في حديث آخر أعوذ بك من منكرات الخلاق والأهواء والأدواء فعطف الأدواء على ~~الاخلاق والأهواء فإن الخلق ما صار عادة للنفس وسجية قال تعالى القلم وإنك ~~لعلى خلق عظيم قال ابن عباس وابن عيينة وأحمد ابن حنبل رضي الله عنهم على ~~دين عظيم وفي لفظ عن ابن عباس على دين الإسلام وكذلك قالت عائشة رضي الله ~~عنها كان خلقه القرآن وكذلك قال الحسن البصري ادب القرآن هو الخلق العظيم ~~وأما الهوى فقد يكون عارضا والداء هو المرض وهو تألم القلب والفساد فيه ~~وقرن في الحديث الأول الحسد بالبغضاء لأن الحاسد يكره أولا فضل الله على ~~ذلك الغير ثم ينتقل إلى بغضه فإن بغض اللازم يقتضي بغض الملزوم فإن نعمة ~~الله إذا كانت لازمة وهو يحب زوالها وهي لا تزول إلا بزواله أبغضه واحب ~~عدمه والحسد يوجب البغي كما أخبر الله تعالى عمن قبلنا آل عمران أنهم ~~اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم فلم يكن اختلافهم لعدم العلم بل ~~علموا الحق ولكن بغى بعضهم على بعض كما يبغي ا الحاسد على المحسود وفي ~~الصحيحين عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا ~~يحل لمسلم أن يهجر اخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا ms23 وخيرهما ~~الذي يبدأ بالسلام وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته ~~من رواية أنس أيضا والذي نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه وقد قال تعالى PageV01P022 النساء وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم ~~مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا ولئن أصابكم فضل من الله ~~ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ~~فهؤلاء المبطئون لم يحبوا لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم بل إن ~~أصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم وإن أصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها بل ~~أحبوا أن يكون لهم منها حظ فهم لا يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم أو شر دنيوي ~~ينصرف عنهم إذ كانوا لا يحبون الله ورسوله والدار الآخرة ولو كانوا كذلك ~~لأحبوا إخوانهم وأحبوا ما وصل إليهم من فضله وتألموا بما يصيبهم من المصيبة ~~ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوؤه ما يسوء المؤمنين فليس منهم ففي ~~الصحيحين عن عامر الشعبي قال سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ~~مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وفي ~~الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه و الشح ~~مرض و البخل مرض والحسد شر من البخل كما في الحديث الذي رواه أبو داود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ~~والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار وذلك أن البخيل يمنع نفسه ~~والحسود يكره نعمة الله على عباده وقد يكون في الرجل إعطاء لمن يعينه على ~~أغراضه وحسد لنظرائه وقد يكون فيه بخل بلا حسد لغيره والشح أصل ذلك قال ~~تعالى الحشر و التغابن ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وفي الصحيحين عن ~~النبي ms24 صلى الله عليه وسلم انه قال إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم ~~أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وكان عبد ~~الرحمن بن عوف يكثر من الدعاء في طوافه يقول اللهم قني شح نفسي فقال له رجل ~~ما أكثر ما تدعو بهذا فقال إذا وقيت شح نفسي وقيت الشح والظلم والقطيعة ~~والحسد يوجب الظلم فصل فالبخل والحسد مرض يوجب بغض النفس لما ينفعها بل ~~وحبها لما يضرها ولهذا يقرن الحسد بالحقد والغضب وأما مرض الشهوة والعشق ~~فهو حب النفس PageV01P023 لما يضرها وقد يفترن به بغضها لما ينفعها والعشق ~~مرض نفساني وإذا قوى أثر في البدن فصار مرضا في الجسم إما من أمراض الدماغ ~~كالماليخوليا ولذلك قيل فيه هو مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا وإما من أمراض ~~البدن كالضعف والنحول ونحو ذلك والمقصود هنا مرض القلب فإنه أصل محبة النفس ~~لما يضرها كمريض البدن الذي يشتهى ما يضره وإذا لم يطعم ذلك تألم وإن أطعم ~~قوى به المرض وزاد كذلك العاشق يضره اتصاله بالمعشوق مشاهدة وملامسة وسماعا ~~بل ويضره التفكر فيه والتخيل له وهو يشتهى ذلك فإن منع من مشتهاه تألم ~~وتعذب وإن أعطى مشتهاه قوى مرضه وكان سببا لزيادة الألم وفي الحديث إن الله ~~يحمى عبده المؤمن الدنيا كما يحمى احدكم مريضه الطعام والشراب وفي مناجاة ~~موسى المأثروة عن وهب التي رواها الإمام أحمد في كتاب الزهد يقول الله ~~تعالى إني لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق ~~إبله عن مراتع الهلكة وإني لأجنبهم سكونها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق ~~إبله عن مبارك الغرة وما ذلك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي ~~سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطفئه الهوى وإنما شفاء المريض بزوال مرضه ~~بل بزوال ذلك الحب المذموم من قلبه والناس في العشق على قولين قيل إنه من ~~باب الإرادات وهذا هو المشهور قيل من باب التصورات وإنه فساد في ا لتخييل ~~حيث يتصور المعشوق على غير ما هو به قال هؤلاء ms25 ولهذا لا يوصف الله بالعشق ~~ولا أنه يعشق لأنه منزه عن ذلك ولا يحمد من يتخيل فيه خيالا فاسدا وأما ~~الأولون فمنهم من قال يوصف بالعشق فإنه المحبة التامة والله يحب ويحب وروى ~~في أثر عن عبد الواحد بن زيد أنه قال لا يزال عبدي يتقرب إلى يعشقني وأعشقه ~~وهذا قول بعض الصوفية والجمهور لا يطلقون هذا اللفظ في حق الله لأن العشق ~~هو المحبة المفرطة الزائدة على الحد الذي ينبغي والله تعالى محبته لا نهاية ~~لها فليست تنتهي إلى حد لا تنبغي مجاوزته قال هؤلاء والعشق مذموم مطلقا لا ~~يمدح في محبة اخلالق ولا المخلوق لأنه المحبة المفرطة الزائدة على الحد ~~المحدود وأيضا فإن لفظ العشق إنما يستعمل في العرف في محبة الإنسان لامرأة ~~أو صبي لا يستعمل في محبة كمحبة الأهل والمال والجاه ومحبة الأنبياء ~~والصالحين وهو مقرون كثيرا بالفعل المحرم إما بمحبة امرأة أجنبية أو صبي ~~يقترن به النظر PageV01P024 المحرم واللمس المحرم وغير ذلك من الأفعال ~~المحرمة وأما محبة الرجل لامرأته أو سريته محبة تخرجه عن العدل بحيث يفعل ~~لأجلها ما لا يحل ويترك ما يجب كما هو الواقع كثيرا حتى يظلم ابنه من ~~امرأته العتيقة لمحبته الجديدة وحتى يفعل من مطالبها المذمومة ما يضره في ~~دينه ودنياه مثل أن يخصها بميراث لا تستحقه أو يعطى أهلها من الولاية ~~والمال ما يتعدى به حدود الله أو يسرف في الإنفاق عليها أو يمكنها من أمور ~~محرمة تضره في دينه ودنياه وهذا في عشق من يباح له وطؤها فكيف عشق الأجنبية ~~والذكران من العالمين ففيه من الفساد مالا يحصيه إلا رب العباد وهو من ~~الأمراض التي تفسد دين صاحبها وعرضه ثم قد تفسد عقله ثم جسمه قال تعالى ~~الأحزاب فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ومن في قلبه مرض الشهوة ~~وإرادة الصورة متى خضع المطلوب طمع المريض والطمع يقوى الإرادة والطلب يقوي ~~المرض بذلك بخلاف ما إذا كان آيسا من المطلوب فإن اليأس يزيل الطمع فتضعف ~~الإرادة ms26 فيضعف الحب فإن الإنسان لا يريد أن يطلب ما هو آيس منه فلا يكون مع ~~الإرادة عمل أصلا بل يكون حديث نفس إلا أن يقترن بذلك كلام أو نظر ونحو ذلك ~~فأما إذا ابتلى بالعشق وعف وصبر فإنه يثاب على تقواه لله وقد روى في الحديث ~~أن من عشق فعف وكتم وصبر ثم مات كان شهيدا وهو معروف من رواية يحيى القتات ~~عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا وفيه نظر ولا يحتج بهذا لكن من المعلوم بأدلة ~~الشرع أنه إذا عف عن المحرمات نظرا وقولا وعملا وكتم ذلك فلم يتكلم به حتى ~~لا يكون في ذلك كلام محرم اما شكوى إلى المخلوق وإما إظهار فاحشة وإما نوع ~~طلب للمعشوق وصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى ما في قلبه من ألم العشق ~~كما يصبر المصاب عن ألم المصيبة فإن هذا يكون ممن اتقى الله وصبر و من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين يوسف وهكذا مرض الحسد وغيره من أمراض ~~النفوس وإذا كانت النفس تطلب ما يبغضه الله فينهاها خشية من الله كان ممن ~~دخل في قوله النازعات وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة ~~هي المأوى فالنفس إذا أحبت شيئا سعت في حصوله بما يمكن حتى تسعى في أمور ~~كثيرة تكون كلها مقامات لتلك الغاية فمن احب محبة مذمومة أو أبغض بغضا ~~مذموما وفعل ذلك كان آثما مثل أن يبغض شخصا لحسده له فيؤذي من له به تعلق ~~إما بمنع حقوقه أو بعدوان عليهم أو لمحبة له لهواه معه فيفعل لأجله ما هو ~~محرم أو ما هو PageV01P025 مأمور به لله فيفعله لأجل هواه لا لله وهذه ~~أمراض كثيرة في النفوس والإنسان قد يبغض شيئا فيبغض لأجله أمورا كثيرة ~~بمجرد الوهم والخيال وكذلك يحب شيئا فيحب لأجله أمورا كثيرة لأجل الوهم ~~والخيال كما قال شاعرهم أحب لحبها السودان حتى أحب لحبها سود الكلاب فقد ~~أحسب سوداء فأحب جنس السواد حتى في الكلاب وهذا كله ms27 مرض في القلب في تصوره ~~وإرادته فنسأل الله ان يعافى قلوبنا من كل داء ونعوذ بالله من منكرات ~~الأخلاق والأهواء والأدواء والقلب إنما خلق لأجل حب الله تعالى وهذه الفطرة ~~التي فطر الله عليها عباده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد ~~على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة ~~جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه اقرءوا إن ~~شئتم الروم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله أخرجه ~~البخاري ومسلم فالله سبحانه فطر عباده على محبته وعبادته وحده فإذا تركت ~~الفطرة بلا فساد كان القلب عارفا بالله محبا له وحده لكن تفسد فطرته من ~~مرضه كأبويه يهودانه أو ينصرانه وهذه كلها تغير فطرته التي فطره الله عليها ~~وإن كانت بقضاء الله وقدره كما يغير البدن بالجدع ثم قد يعود إلى الفطرة ~~إذا يسر الله تعالى لها من يسعى في إعادتها إلى الفطرة والرسل صلى الله ~~عليهم وسلم بعثوا لتقرير الفطرة وتكميلها لا لتغيير الفطرة وتحويلها وإذا ~~كان القلب محبا لله وحده مخلصا له الدين لم يبتل بحب غيره فضلا أن يبتلى ~~بالعشق وحيث ابتلى بالعشق فلنقص محبته لله وحده ولهذا لما كان يوسف محبا ~~لله مخلصا له الدين لم يبتل بذلك بل قال تعالى يوسف كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين وأما امرأة العزيز فكانت مشركة هي وقومها ~~فلذلك ابتليت بالعشق وما يبتلى بالعشق أحد إلا لنقص توحيده وإيمانه وإلا ~~فالقلب المنيب إلى الله الخائف منه فيه صار فإن يصرفانه عن العشق أحدهما ~~إنابته إلى الله ومحبته له فإن ذلك ألذ وأطيب من كل شيء فلا تبقى مع محبة ~~الله محبة مخلوق تزاحمه والثاني خوفه من الله فإن الخوف المضاد للعشق يصرفه ~~وكل من احب شيئا بعشق أو بغير عشق فإنه يصرف عن محبته بمحبة ما هو احب إليه ~~منه إذا كان يزاحمه وينصرف عن محبته بخوف حصول ضرر يكون ms28 ابغض إليه من ~~PageV01P026 ترك ذاك الحب فإذا كان الله احب إلى العبد من كل شيء وأخوف ~~عنده من كل شيء لم يحصل معه عشق ولا مزاحمة إلا عند غفلة أو عند ضعف هذا ~~الحب والخوف بترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات فإن الإيمان يزيد بالطاعة ~~وينقص بالمعصية فكلما فعل العبد الطاعة محبة لله وخوفا منه وترك المعصية ~~حبا له وخوفا منه قوى حبه له وخوفه منه فيزيل ما في القلب من محبة غيره ~~ومخافة غيره وهكذا أمراض الأبدان فإن الصحة تحفظ بالمثل والمرض يدفع بالضد ~~فصحة القلب بالإيمان تحفظ بالمثل وهو ما يورث القلب إيمانا من العلم النافع ~~والعلم الصالح فتلك أغذية له كما في حديث ابن مسعود مرفوعا وموقوفا إن كل ~~آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن والآدب المضيف فهو ضيافة ~~الله لعباده آخر الليل وأوقات الأذان والإقامة وفي سجوده وفي أدبار الصلوات ~~ويضم إلى ذلك الاستغفار فإنه من استغفر الله ثم تاب إليه متعه متاعا حسنا ~~إلى اجل مسمى وليتخذ وردا من الأذكار في النهار ووقت النوم وليصبر على ما ~~يعرض له من الموانع والصوارف فإنه لا يلبث أن يؤيده الله بروح منه ويكتب ~~الإيمان في قلبه وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس باطنة وظاهرة ~~فإنها عمود الدين وليكن هجيراه لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها بها تحمل ~~الأثقال وتكابد الأهوال وينال رفيع الأحوال ولا يسأم من الدعاء والطلب فإن ~~العبد يستجاب له ما لم يعجل فيقول قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي وليعلم أن ~~النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرا ولم ينل أحد شيئا من ~~ختم الخير نبي فمن دونه إلا بالصبر والحمد لله رب العالمين وله الحمد ~~والمنة على الاسلام والسنة حمدا يكافئ نعمه الظاهرة والباطنة وكما ينبغي ~~لكرم وجهه وعز جلاله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه ~~امهات المؤمنين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا ~~PageV01P027 بسم الله الرحمن ms29 الرحيم ومما كتبه شيخ الإسلام رحمه الله في ~~أمراض القلوب وشفائها الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد ~~وصحبه وسلم قد ذكرنا في غير موضع أن صلاح حال الإنسان في العدل كما ان ~~فساده في الظلم وأن الله سبحانه عدله وسواه لما خلقه وصحة جسمه وعافيته من ~~اعتدال اخلاطه واعضائه ومرض ذلك الانحراف والميل وكذلك استقامة القلب ~~واعتداله واقتصاده وصحته وعافيته وصلاحه متلازمة وقد ذكر الله مرض القلوب ~~وشفاءها في مواضع من كتابه وجاء ذلك في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كقوله ~~تعالى عن المنافقين البقرة في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال فترى الذين ~~في قلوبهم مرض يسارعون فيهم وقال تعالى التوبة ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب ~~غيظ قلوبهم وقال يونس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وقال ~~تعالى الإسراء وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين وقال تعالى فصلت ~~قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء وقال تعالى الأحزاب ولا تخضعن بالقول فيطمع ~~الذي في قلبه مرض وقال الحزاب لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم وقال الأحزاب وإذ يقول المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرروا وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم هلا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العي السؤال وقال الرشيد الان شفيتني ~~يا مالك وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود أن أحدا لا يزال بخير ما اتقى الله ~~وإذا شك في تفسير شيء سأل رجلا فشفاه وأوشك أن لا يجده والذي لا إله إلا هو ~~وما ذكر الله من مرض القلوب وشفائها بمنزلة ما ذكر من موتها وحياتها وسمعها ~~وبصرها وعقلها وصممها وبكمها وعماها لكن المقصود مرض القلب فنقول المرض ~~نوعان فساد الحس وفساد الحركة الطبيعية وما يتصل بها من الإرادية ~~PageV01P028 وكل منهما يحصل بفقده ألم وعذاب فكما أنه مع صحة الحس والحركة ~~الإرادية والطبيعية تحصل اللذة والنعمة فكذلك بفسادها يحصل الألم والعذاب ~~ولهذا كانت النعمة من النعيم ms30 وهو ما ينعم الله به على عباده مما يكون فيه ~~لذة ونعيم وقال التكاثر لتسألن يومئذ عن النعيم أي عن شكره فسبب اللذة ~~إحساس الملائم وسبب الألم إحساس المنافي ليس اللذة والألم نفس الإحساس ~~والإدراك وإنما هونتيجته وثمرته ومقصوده وغايته فالمرض فيه ألم لا بد منه ~~وإن كان قد يسكن احيانا لمعارض راجح فالمقتضى له قائم يهيج بأدنى سبب فلا ~~بد في المرض من وجود سبب الألم وإنما يزول الألم بوجود المعارض والراجح ~~ولذة القلب وألمه أعظم من لذة الجسم وألمه أعني ألمه ولذته النفسانيين وإن ~~كان قد يحصل فيه من الألم من جنس ما يحصل في سائر البدن بسبب مرض الجسم ~~فذلك شيء آخر فلذلك كان مرض القلب وشفاؤه اعظم من مرض الجسم وشفائه فتارة ~~يكون من جملة الشبهات كما قال الأحزاب فيطمع الذي في قلبه مرض وكما صنف ~~الخرائطي كتاب اعتلال القلوب بالأهواء ففي قلوب المنافقين المرض من هذا ~~الوجه من جهة فساد الاعتقادات وفساد الإرادات والمظلوم في قلبه مرض وهو ~~الألم الحاصل بسبب ظلم الغير له فإذا استوفى حقه اشتفى قلبه كما قال تعالى ~~التوبة ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم فإن ذهاب غيظ القلب إنما هو ~~لدفع الأذى والألم عنه فإذا اندفع عنه الأذى واستوفى حقه زال غيظه فكما أن ~~الإنسان إذا صار لا يسمع بأذنه ولا يبصر بعينه كان ذلك مرضا مؤلما له بما ~~يفوته من المصالح ويحصل له من المضار فكذلك إذا لم يسمع ولم يبصر ولم يعلم ~~بقلبه الحق من الباطل ولم يميز بين الخير والشر والعي والرشاد كان ذلك من ~~أعظم أمراض قلبه وألمه وكما أنه إذا اشتهى ما يضره مثل الطعام الكثير في ~~الشهوة الكلية ومثل أكل الطين ونحوه كان ذلك مرضا فإنه يتألم حتى يزول ألمه ~~بهذا الأكل الذي يوجد ألما أكثر من الأول فهو يتألم إن أكل ويتألم إن لم ~~يأكل PageV01P029 فكذلك إذا بلى بحب من لا ينفعه بعشق ونحوه سواء كان لصورة ~~أو لرياسة أو لمال ونحو ms31 ذلك فإن لم يحصل على محبوبه ومطلوبه فهو متألم ~~ومريض سقيم وإن حصل محبوبة فهو اشد مرضا وألما وسقما كما أن المريض إذا كان ~~يبغض ما يحتاج إليه من الطعام والشراب كان ذلك الألم حاصلا وكان دوامه على ~~ذلك يوجب من الألم اكثر من ذلك حتى يقتله أو يزول ما يوجب بغضه لما ينفعه ~~ويحتاج إليه فهو متألم في الحال وتألمه فيما بعد إن لم يعافه الله اعظم ~~وأكبر فبغض الحاسد لنعمة الله على المحسود كبغض المريض لأكل الأصحاء ~~لأطعمتهم وأشربتهم حتى لا يقدر أن يراهم يأكلون ونفرته عن أن يقوم بحقه ~~كنفرة المريض عما يصلح له من طعام وشراب فالحب والبغض الخارج عن الاعتدال ~~والصحة في النفس كالشهوة والنفرة الخارجة عن الاعتدال والصحة في الجسم وعمى ~~القلب وبكمه عن أن يبصر الحقائق ويميز بين ما ينفعه ويسره كعمى الجسم وخرسه ~~عن أن يبصر الأمور المرئية ويتكلم بها ويميز بين ما ينفعه ويضره وكما أن ~~الضرير إذا أبصر وجد من الراحة والعافية والسرور أمرا عظيما فبصر القلب ~~ورؤيته الحقائق بينه وبين بصر الراس من التفاوت مالا يحصيه إلا الله وإنما ~~الغرض هنا تشبيه أحد المرضين بالآخر فطب الأديان يحتذي حذو طب الأبدان وقد ~~كتب سلمان إلى أبي الدرداء أما بعد فقد بلغني أنك قعدت طبيبا فإياك أن تقتل ~~والله أنزل كتابه شفاء لما في الصدور وقال تعالى الإسراء وننزل من القرآن ~~ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ذلك أن الشفاء إنما ~~يحصل لمن يتعمد الدواء وهم المؤمنون وضعوا دواء القرآن على داء قلوبهم فمرض ~~الجسم يكون بخروج الشهوة والنفرة الطبيعية عن الاعتدال إما بشهوة مالا يحصل ~~أو يفقد الشهوة النافعة وينفر به عما يصلح ويفقد النفرة عما يضر ويكون بضعف ~~قوة الإدراك والحركة كذلك مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن ~~الاعتدال وهي الأهواء التي قال الله فيها القصص ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله وقال الروم بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير ms32 علم كما يكون ~~الجسد خارجا عن الاعتدال إذا فعل ما يشتهيه الجسم بلا قول الطبيب ويكون ~~لضعف إدراك القلب وقوته حتى لا يستطيع أن يعلم ويريد ما ينفعه ويصلح له ~~PageV01P030 وكما أن المرضى الجهال قد يتناولون ما يشتهون فلا يحتمون ولا ~~يصبرون على الأدوية الكريهة لما في ذلك من تعجيل نوع من الراحة واللذة ولكن ~~ذلك يعقبهم من الآلام ما يعظم قدره أو يعجل الهلاك فكذلك بنو آدم هم جهال ~~ظلموا أنفسهم يستعجل أحدهم ما ترغبه لذته ويترك ما تكرهه نفسه مما هو لا ~~يصلح له فيعقبهم ذلك من الألم والعقوبات إما في الدنيا وإما في الآخرة ما ~~فيه عظم العذاب والهلاك الأعظم و التقوى هي الاحتماء عما يضره بفعل ما ~~ينفعه فإن الاحتماء عن الضار يستلزم استعمال النافع وأما استعمال النافع ~~فقد يكون معه أيضا استعمال الضار فلا يكون صاحبه من المتقين وأما ترك ~~استعمال الضار والنافع فهذا لا يكون فإن العبد إذا عجز عن تناول الغذاء كان ~~مغتذيا بما معه من المواد التي تضره حتى يهلك ولهذا كانت العاقبة للتقوى ~~وللمتقين لأنهم المحتمون عما يضرهم فعاقبتهم الإسلام والكرامة وإن وجدوا ~~ألما في الابتداء لتناول الدواء والإحتماء كفعل الأعمال الصالحة المكروهة ~~كما قال تعالى البقرة كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا ~~وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ولكثرة الأعمال الباطلة ~~المشتهاة قال تعالى النازعات وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن ~~الجنة هي المأوى وكما قال الانفال وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم فأما ~~من لم يحتم فإن ذلك سبب لضرره في العاقبة ومن تناول ما ينفعه مع يسير من ~~التخليط فهو أصلح ممن احتمى حمية كاملة ولم يتناول إلا شيئا يسيرا فإن ~~الحمية التامة بلا اغتذاء تمرض فهكذا من ترك السيئات ولم يفعل الحسنات وقد ~~قدمنا في قاعدة كبيرة أن جنس الحسنات أنفع من جنس ترك السيئات كما أن جنس ~~الاغتذاء من جنس الاحتماء وبينا أن ms33 هذا مقصود لنفسه وذلك مقصود لغيره ~~بالانضمام إلى غيره وكما أن الواجب الاحتماء عن سبب المرض قبل حصوله ~~وإزالته بعد حصوله فهكذا أمراض القلب يحتاج فيها إلى حفظ الصحة ابتداء وإلى ~~إعادتها إن عرض له المرض دواما والصحة تحفظ بالمثل والمرض يزول بالضد فصحة ~~القلب تحفظ باستعمال أمثال ما فيها وهو ما يقوى العلم والايمان من الذكر ~~والتفكر والعبادات المشروعة وتزول بالضد فتزال الشبهات بالبينات وتزال محبة ~~الباطل ببغضه ومحبة الحق ولهذا قال يحيى بن عمار العلوم خمسة فعلم هو حياة ~~الدين وهو علم التوحيد وعلم هو غذاء الدين وهو علم التذكر بمعاني القرآن ~~PageV01P031 والحديث وعلم هو دواء الدين وهو علم الفتوى إذا نزل بالعبد ~~نازلة احتاج إلى من يشفيه منها كما قال ابن مسعود وعلم هو داء الدين وهو ~~الكلام المحدث وعلم هو هلال الدين وهو علم السحر ونحوه فحفظ الصحة بالمثل ~~وإزالة المرض بالضد في مرض الجسم الطبيعي ومرض القلب النفساني الديني ~~الشرعي قال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ~~ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم الروم فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~أخرجاه في الصحيحين قال تعالى الروم وله من في السموات والأرض كل له قانتون ~~وهو الذي يبدئ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات ~~والأرض إلى قوله بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم إلى قوله فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون فأخبر الله أنه فطر عباده على إقامة الوجه ~~حنيفا وهو عبادة الله وحده لا شريك له فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية ~~المستقيمة المعتدلة للقلب وتركها ظلم عظيم اتبع اهله اهواءهم بغير علم ولا ~~بد لهذه الفطرة والخلقة وهي صحة الخلقة من قوت وغذاء يمدها بنظير ما فيها ~~مما فطرت عليه علما وعملا ولهذا ms34 كان تمام الدين بالفطرة المكملة بالشريعة ~~المنزلة وهي مأدبة الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن ~~مسعود إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن ومثله كماء ~~أنزله الله من السماء كما جرى تمثيله بذلك في الكتاب والسنة والمحرفون ~~للفطرة المغيرون للقلب عن استقامته هم ممرضون للقلوب مسقمون لها وقد أنزل ~~الله كتابه شفاء لما في الصدور وما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب ~~بمنزلة ما يصيب الجسم من الألم يصح به الجسم وتزول أخلاطه الفاسدة كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ~~ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه وذلك تحقيق ~~لقوله النساء من يعمل سوءا يجز به ومن لم يطهر في هذه الدنيا من هذه ~~الأمراض فيئوب صحيحا وإلا احتاج إلى أن يطهر منها في الآخرة فيعذبه الله ~~كالذي اجتمعت فيه أخلاطه ولم يستعمل الأدوية لتخفيفها عنه فتجتمع حتى يكون ~~هلاكه بها ولهذا جاء في الأثر إذا قالوا للمريض اللهم ارحمه يقول الله كيف ~~أرحمه من شيء به أرحمه وقال النبي صلى الله PageV01P032 عليه وسلم المرض ~~حطة يحط الخطايا عن صاحبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها وكما أن من أمراض ~~الجسم ما إذا مات الإنسان منه كان شهيدا كالمطعون والمبطون وصاحب ذات الجنب ~~وكذلك الميت بغرق أو حرق أو هدم فمن أمراض النفس ما إذا اتقى العبد ربه فيه ~~وصبر عليه حتى مات كان شهيدا كالجبان الذي يتقى الله ويصبر للقتال حتى يقتل ~~فإن البخل والجبن من أمراض النفوس إن أطاعه أوجب له الألم وإن عصاه تألم ~~كأمراض الجسم وكذلك العشق فقد روى من عشق فعف وكتم وصبر ثم مات مات شهيدا ~~فإنه مرض في النفس يدعو إلى ما يضر النفس كما يدعو المريض إلى تناول ما يضر ~~فإن أطاع هواه عظم عذابه في الآخرة وفي الدنيا أيضا وإن عصى الهوى بالعفة ~~والكتمان صار ms35 في نفسه من الألم والسقم ما فيها فإذا مات من ذلك المرض كان ~~شهيدأن هذا يدعوه إلى النار فيمنعه كالجبان تمنعه نفسه عن الجنة فيقدمها ~~فهذه الأمراض إذا كان معها إيمان وتقوى كانت كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء فشكر كان ~~خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له والحمد لله رب العالمين وصلى ~~الله على سيدنا محمد وآله وصحبه اجمعين PageV01P033 فهرس أمراض القلوب ~~وشفاؤها PageV01P034 التحفة العراقية في الاعمال القلبية تأليف شيخ الاسلام ~~تقي الدين أحمد بن تيمية PageV01P035 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ~~نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده ~~الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أما بعد ~~فهذه كلمات مختصرة في أعمال القلوب التي تسمى المقامات والأحوال وهي من ~~أصول الايمان وقواعد الدين مثل محبة الله ورسوله والتوكل على الله وإخلاص ~~الدين له والشكر له والصبر على حكمه والخوف منه والرجاء له وما يتبع ذلك ~~اقتضى ذلك بعض من أوجب الله حقه من أهل الإيمان واستكتبها وكل منا عجلان ~~فأقول هذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق المأمورين في الأصل باتفاق ~~أئمة الدين والناس في هذا على ثلاث درجات كما هم في أعمال الأبدان على ثلاث ~~درجات ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات فالظالم لنفسه العاصي بترك مأمور ~~وفعل محظور والمقتصد المؤدي الواجبات والتارك المحرمات والسابق بالخيرات ~~المتقرب بما يقدر عليه من واجب ومسنون والتارك للمحرم والمكروه وإن كان كل ~~من المقتصد والسابق قد تكون له ذنوب تمحى عنه بتوبة والله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين إما بحسنات ماحية وإما بمصائب مفكرة وإما بغير ذلك وكل من ~~الصنفين المقتصدين والسابقين من أولياء الله الذي ذكرهم في كتابه يونس ~~فأولياء الله هم المؤمنون المتقون ولكن ذلك ينقسم إلى ms36 عام وهم المقتصدون ~~وخاص وهم السابقون وإن كان السابقون هم أعلى درجات كالأنبياء والصديقين وقد ~~ذكر النبي صلى الله عليه وسلم القسمين في الحديث الذي رواه البخاري في ~~صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول ~~الله من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما ~~افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي ~~بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني ~~لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعل ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته PageV01P036 ولا بد له منه وما الظالم لنفسه من أهل ~~الإيمان ففيه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه كما معه من ضد ذلك بقدر ~~فجوره فالشخص الواحد قد تجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب والسيئات ~~المقتضية للعقاب حتى يمكن أن يثاب ويعاقب وهذا قول أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأئمة الإسلام وأهل السنة والجماعة الذين يقولون إنه لا ~~يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان وأما القائلون بالتخليد ~~كالخوارج أو المعتزلة القائلين أنه لا يخرج من النار من دخلها من أهل ~~القبلة وأنه لا شفاعة للرسول ولا لغيره في اهل الكبائر لا قبل دخول النار ~~ولا بعدها فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب وعقاب وحسنات وسيئات بل من ~~اثيب لا يعاقب ومن عوقب لم يثب ودلائل هذا الأصل من الكتاب والسنة وإجماع ~~الأمة كثير ليس هذا هو موضعه قد بسطناه في موضعه وينبني على هذا أمور كثيرة ~~ولهذا من كان معه إيمان حقيقي فلا بد أن يكون معه من هذه الأعمال بقدر ~~إيمانه وإن كان له ذنوب كما رواه البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أن رجلا كان يسمى حمارا وكان يضحك النبي صلى ms37 الله عليه وسلم وكان ~~يشرب الخمر ويجلده النبي صلى الله عليه وسلم فأتى به مرة فقال رجل لعنه ~~الله ما أكثر ما يؤتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله فهذا بين أن المذنب بالشراب وغيره ~~قد يكون محبا لله ورسوله وحب الله رسوله أوثق عرى الإيمان كما أن العابد ~~الزاهد قد يكون لما في قلبه من بدعة ونفاق مسخوطا عند الله ورسوله من ذلك ~~الوجه كما استفاض في الصحاح وغيرها من حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ذكر الخوارج فقال يحقر أحدكم صلاته ~~مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قارءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم ~~فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ~~عاد وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيهم في الحديث الصحيح تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين يقتلهم أدنى ~~الطائفتين ولهذا قال أئمة المسلمين كسفيان الثوري أن البدعة أحب إلى إبليس ~~من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها ومعنى قولهم أن ~~البدعة لا يتاب منها أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ورسوله قد ~~زين له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب PageV01P038 ما دام يراه حسنا لأن ~~أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه أو أنه ترك حسنا مأمورا به أمر ~~إيجاب أو أمر استحباب ليتوب ويفعله فما دام يرى فعله حسنا وهو سيء في نفس ~~الأمر فإنه لا يتوب ولكن التوبة ممكنة وواقعه بأن يهديه الله ويرشده حتى ~~يتبين له الحق كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفار والمافقين وطوائف ~~أهل البدع والضلال وهذا يكون بأن يتبع من الحق ms38 ما علمه فمن عمل بما علم ~~أورثه الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى محمد والذين اهتدوا زادهم هدى ~~وآتاهم تقواهم وقال النساء ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثيبتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما وقال ~~تعالى الحديد يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به وقال تعالى البقرة الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور وقال تعالى المائدة قد جاءكم من الله نور ~~وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام الآية وشواهد هذا كثيرة ~~في الكتاب والسنة وكذلك من أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعا لهواه فإن ~~ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح كما قال تعالى الصف ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم الآية وقال تعالى البقرة في قلوبهم مرض فزادهم ~~الله مرضا وقال تعالى الأنعام وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ~~ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ~~ونقلب أفئدتهم وأبصارهم الآية وهذا استفهام نفي وإنكار أي وما يدريكم أنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون وإنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~على قراءة من قرأ إنها بالكسر تكون جزما بأنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ولهذا قال من قال من السلف ~~كسعيد بن جبير إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة ~~بعدها وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى ~~الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم ~~والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال ~~الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا فأخبر النبي ms39 صلى الله ~~عليه وسلم أن الصدق يستلزم البر وأن الكذب يستلزم الفجور وقد قال تعالى ~~الانفطار PageV01P039 إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ولهذا كان ~~بعض المشايخ إذا أمر متبعيه بالتوبة وأحب أن لا ينفر ويتعب قلبه أمره ~~بالصدق ولهذا يكثر في كلام مشايخ الدين وأئمته ذكر الصدق والإخلاص حتى ~~يقولون قل لمن لا يصدق لا يتبعني ويقولون الصدق سيف الله في الأرض ما وضع ~~على شيء إلا قطعه ويقول يوسف بن اسباط وغيره ما صدق الله عبد إلا صنع له ~~وأمثال هذا كثير والصدق والإخلاص هما تحقيق الإيمان والإسلام فإن المظهرين ~~الإسلام ينقسمون إلى مؤمن ومنافق فالفارق بين المؤمن والمنافق هو الصدق كما ~~في قوله الحجرات قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا إلى ~~قوله إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون وقال تعالى الحشر للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون فأخبر أن الصادقين في دعوى الإيمان ~~هم المؤمنون الذين لم يتعقب إيمانهم به وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم ~~وذلك أن هذا هو العهد المأخوذ على الأولين والآخرين كما قال تعالى آل عمران ~~وإذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري الآية قال ~~ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ~~ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته ليؤمنن به ولينصرنه ~~وقال تعالى الحديد لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله ~~من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز فذكر تعالى أنه أنزل الكتاب ~~والميزان وأنه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط وليعلم الله من ينصره ورسله ~~ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر ms40 وكفى بربك هاديا ونصيرا والكتاب ~~والحديد وإن اشتركا في الإنزال فلا يمنع أن يكون أحدهما نزل من حيث لم ينزل ~~الآخر حيث نزل الكتاب من الله كما قال تعالى أول الزمر تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم وقال تعالى أول هود كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير وقال النمل وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم والحديد أنزل من ~~الجبال التي يخلق فيها وكذلك وصف الصادقين في دعوى البر الذي هو جماع الدين ~~في قوله البقرة ليس البر أن تولوا PageV01P040 وجوهكم قبل المشرق والمغرب ~~ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين إلى قوله ~~أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون وأما المنافقون فوصفهم بالكذب في آيات ~~متعددة كقوله البقرة في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما ~~كانوا يكذبون وقوله أول المنافقون إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون وقال التوبة ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون ونحو ذلك من القرآن كثير ومما ينبغي أن يعرف أن الصدق ~~والتصديق يكون في الأقوال والأعمال كقول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة ~~فالعينان تزنيان وزناهما النظر والأذنان تزنيان وزناهما السمع واليدان ~~تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي والقلب يتمنى ويشتهي ~~والفرج يصدق ذلك ويكذبه ويقال حملوا على العدو حملة صادقة إذا كان إرادتهم ~~القتال ثابتة صادقة ويقال فلان صادق الحب والمودة ونحو ذلك ولهذا يراد ~~بالصادق الصادق في إرادته وقصده وطلبه وهو الصادق في عمله ويريدون الصادق ~~في خبره وكلامه والمنافق ضد المؤمن الصادق وهو الذي يكون كاذبا في خبره أو ~~كاذبا في عمله كالمرائي في عمله قال الله تعالى النساء إن المنافقين ~~يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ~~الآيتين وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام ms41 إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا ~~لغيره كما قال تعالى الزمر ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا ~~سلما لرجل هل يستويان الآية فمن لم يستسلم له فقد استكبر ومن استسلم لله ~~ولغيره فقد أشرك وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام والإسلام ضد الشرك والكبر ~~وذلك في القرآن كثير ولهذا كان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وهي ~~متضمنة عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه وهو الإسلام العام الذي لا يقبل ~~الله من أحد من الأولين والآخرين دينا سواه كما قال تعالى آل عمران ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين وقال آل ~~عمران شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وهذا الذي ذكرنا مما ~~يبين PageV01P041 أن أصل الدين في الحقيقة هو الأمور الباطنة من العلوم ~~والأعمال وأن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده الإسلام علانية والإيمان في القلب ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبين ذلك امور ~~مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن ~~وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا ~~وإن لك ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت ~~صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد وهي القلب وعن أبي هريرة قال ~~القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث خبثت جنوده ~~فصل وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ~~ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودا في حال ~~واحد وإن ارتقى مقامه وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله بل قد نهى عنه ~~في مواضع وإن تعلق ms42 أمر الدين به كقوله تعالى آل عمران ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين وقوله النحل ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق ~~مما يمكرون وقوله التوبة إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا وقوله يونس ~~ولا يحزنك قولهم وقوله الحديد لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم وأمثال ذلك كثيرة وذلك أنه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة ولا فائدة ~~فيه ومالا فائدة فيه لا يأمر الله به نعم لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه ~~محرم كما يحزن على المصائب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا ~~يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا ويرحم وأشار بيده ~~إلى لسانه وقال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى الرب ومنه ~~قوله تعالى يوسف فتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن ~~فهو كظيم وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه ويكون محمودا من ~~تلك الجهة لا من جهة الحزن كالحزين على مصيبة في دينه وعلى مصائب المسلمين ~~عموما فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك ولكن ~~الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع ~~مضرة PageV01P042 منهى عنها وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه من جهة الحزن ~~وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله ورسوله به كان ~~مذموما عليه من تلك الجهة وإن كان محمودا من جهة أخرى وأما المحبة لله ~~والتوكل والإخلاص له ونحو ذلك فهذه كلها خير محض وهي حسنة محبوبة في حق كل ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ومن قال إن هذه المقامات تكون للعامة ~~دون الخاصة فقد غلط في ذلك إن أراد خروج الخاصة عنها فإن هذه لا يخرج عنها ~~مؤمن قط وإنما يخرج عنها كافر ومنافق وقد تكلم بعضهم بكلام بينا غلطه فيه ~~وأنه تقصير في تحقيق هذه ms43 المقامات من مدة وليس هذا موضعه ولكن هذه المقامات ~~ينقسم الناس فيها إلى خصوص وعموم فللخاصة خاصها وللعامة عامها مثال ذلك أن ~~هؤلاء قالوا إن التوكل مناضلة عن النفس في طلب القوت والخاص لا يناضل عن ~~نفسه وقالوا المتوكل يطلب بتوكله أمرا من الأمور والعارف يشهد الأمور ~~بفروغه منها فلا يطلب شيئا فيقال أما الأول فإن التوكل أعم من التوكل في ~~مصالح الدنيا فإن المتوكل يتوكل على الله في صلاح قلبه ودينه وحفظ لسانه ~~وإرادته وهذا أهم الأمور إليه ولهذا يناجي ربه في كل صلاة بقوله إياك نعبد ~~وإياك نستعين كما في قوله هود فاعبده وتوكل عليه وقوله هود و الشورى عليه ~~توكلت وإليه أنيب فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع لأن هذين ~~يجمعان الدين كله ولهذا قال من قال من السلف إن الله جمع الكتب المنزلة في ~~القرآن وجمع علم القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب وجمع ~~علم فاتحة الكتاب في قوله إياك نعبد وإياك نستعين وهاتان الكلمتان ~~الجامعتان اللتان للرب والعبد كما في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله سبحانه قسمت ~~الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني ~~عبدي يقول العبد الرحمن الرحيم يقول الله أثني على عبدي يقول العبد مالك ~~يوم الدين يقول الله مجدني عبدي يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول ~~الله فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل يقول العبد اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين يقول الله ~~فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل PageV01P043 فالرب سبحانه له نصف الثناء والخير ~~والعبد له نصف الدعاء والطلب وهاتان جامعتان ما للرب سبحانه وما للعبد ~~فإياك نعبد للرب وإياك نستعين للعبد وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه قال ~~كنت رديفا ms44 للنبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال يا معاذ أتدري ما حق ~~الله على العباد قلت الله ورسوله اعلم قال حق الله على العباد أن يعبدوه ~~ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به والعبادة ~~هي الغاية التي خلق الله لها العباد من جهة أمر الله ومحبته ورضاه كما قال ~~تعالى الذاريات وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وبها أرسل الرسل وأنزل ~~الكتب وهي اسم يجمع كمال الذل ونهايته وكمال الحب لله ونهايته فالحب الخلي ~~عن ذل والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين ~~ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله وهي وإن كانت منفعتها للعبد والله غني ~~عنها فهي له من جهة محبته لها ورضاه بها ولهذا كان الله أشد فرحا بتوبة ~~العبد من الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه في ارض دوية ملهكة إذا نام ~~آيسا منها ثم استيقظ فوجدها فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته وهذا ~~يتعلق به أمور جليلة قد بسطناها وشرحناها في غير هذا الموضع والتوكل ~~والاستعانة للعبد لأنه هو الوسيلة والطريق الذي ينال به مقصوده ومطلوبه من ~~العبادة فالاستعانة كالدعاء والمسألة وقد روى الطبراني في كتاب الدعاء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله يا ابن آدم إنما هي اربع واحدة لي ~~وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي فأما التي لي فتعبدني ~~لا تشرك بي شيئا وأما التي هي لك فعملك أجازيك به أحوج ما تكون إليه وأما ~~التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلى الاجابة وأما التي بينك وبين خلقي فأت ~~للناس ما تحب أن يأتوا إليك وكون هذا لله وهذا للعبد هو اعتبار تعلق المحبة ~~والرضاء ابتداء فإن العبد ابتداء يحب ويريد ما يراه ملائما له والله تعالى ~~يحب ويرضى ما هو الغاية المقصودة في رضاه وحبه الوسيلة تبعا لذلك وإلا فكل ~~مأمور به فمنفعته عائدة على العبد وكل ذلك يحبه الله ويرضاه ms45 وعلى هذا فالذي ~~ظن أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا ~~وهو غلط بل التوكل في الأمور الدينية أعظم وأيضا التوكل في الأمور الدينية ~~التي لا تتم الواجبات والمستحبات إلا بها والزاهد فيها زاهد فيما يحبه الله ~~ويأمر به ويرضاه والزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار ~~الآخرة وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله كما أن الورع ~~المشروع هو ترك ما قد يضر في الدار الآخرة وهو ترك المحرمات PageV01P044 ~~والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها كالواجبات فأما ما ~~ينفع في الدار الآخرة بنفسه أو على ما ينفع في الدار الآخرة فالزهد فيه ليس ~~من الدين بل صاحبه داخل في قوله تعالى المائدة يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين كما أن ~~الاشتغال بفضول المباحات هو ضد الزهد المشروع فإن اشتغل بها عن واجب أو ~~بفعل محرم كان عاصيا وإلا كان منقوصا عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين ~~وأيضا فالتوكل هو محبوب لله مرضى مأمور به دائما وما كان محبوبا لله مرضيا ~~مأمورا به دائما لا يكون من فعل المقتصدين دون المقربين فهذه ثلاثة أجوبة ~~عن قولهم المتوكل لا يطلب حظوظه وأما قولهم الأمور قد فرغ منها فهذا نظير ~~ما قاله بعضهم في الدعاء أنه لا حاجة إليه لأن المطلوب إن كان مقدرا فلا ~~حاجة إليه وإن لم يكن مقدرا لم ينفع وهذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا ~~وكذلك قول من قال التوكل والدعاء لا يجلب به منفعة ولا يدفع به مضرة وإنما ~~هو عبادة محضة وإن حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض المحض وهذا وإن كان ~~قاله طائفة من المشايخ فهو غلط أيضا وكذلك قول من قال الدعاء إنما هو عبادة ~~محضة فهذه الأقوال وما أشبهها يجمعها أصل واحد وهو أن هؤلاء ظنوا أن كون ~~الأمور مقدرة مقضية يمنع أن يتوقف ms46 على أسباب مقدرة أيضا تكون من العبد ولم ~~يعلموا أن الله سبحانه يقدر الأمور ويقضيها بالأسباب التي جعلها معلقة بها ~~من أفعال العباد وغير أفعالهم ولهذا كان طور قولهم يوجب تعطيل العمال ~~بالكلية وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا مرات فأجاب عنه كما ~~أخرجاه في الصحيحين عن عمران بن حصين قال قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أعلم أهل الجنة من أهل النار قال نعم قالوا ففيم العمل قال كل ميسر ~~لما خلق له وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال كنا في جنازة فيها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض ثم ~~رفع رأسه وقال ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من النار أو الجنة إلا ~~وقد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل من القوم يا نبي الله أفلا نمكث على ~~كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من ~~أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل ~~السعادة فييسرون للسعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة ثم قال نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم الليل فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى PageV01P045 ~~فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى أخرجه ~~الجماعة في الصحاح والسنن والمسانيد وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل فقيل يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى ~~نتقيها أترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله وقد جاء هذا المعنى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث فبين صلى الله عله وسلم أن تقدم ~~العلم والكتاب بالسعيد والشقي لا ينافي أن تكون سعادة هذا بالأعمال الصالحة ~~وشقاوة هذا بالأعمال السيئة فإنه سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه وكذلك ~~يكتبها فهو يعلم أن السعيد يسعد بالأعمال الصالحة والشقي يشقى بالأعمال ~~السيئة فمن كان سعيدا ييسر للأعمال الصالحة والشقي ms47 يشقى بالأعمال السيئة ~~فمن كان للأعمال السيئة التي تقتضي الشقاوة كلاهما ميسر لما خلق له وهو ما ~~يصير إليه من مشيئة الله العامة الكونية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه ~~في قوله تعالى هود ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وأما ما ~~خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية وأمره بموجباتها فذلك ~~مذكور في قوله الذاريات وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون والله سبحانه قد ~~بين في كتابه في كل واحدة من الكلمات والأمر والإرادة والإذن والكتاب ~~والحكم والقضاء والتحريم ونحو ذلك مما هو ديني موافقته لمحبة الله ورضاه ~~وأمره الشرعي وما هو كوني موافقته لمشيئته الكونية مثال ذلك أنه قال في ~~الأمر الديني النحل إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وقال ~~تعالى النساء إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ونحو ذلك وقال في ~~الكوني ياسين إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وكذلك قوله ~~الإسراء وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول على أحد الأقوال في هذه الآية وقال في الارادة الدينية البقرة يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر النساء يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن ~~الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم المائدة ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وقال في الإرادات الكونية البقرة ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد وقال الأنعام فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد ~~في السماء وقال نوح عليه السلام هود ولا ينفعكم نصحي إن PageV01P046 اردت ~~أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم وقال ياسين إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون وقال في الإذن الديني الحشر ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبأذن الله وقال في الكوني البقرة وما هم بضارين ~~به من أحد إلا ms48 بإذن الله وقال في القضاء الديني الإسراء وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه أي أمر وقال الكوني فصلت فقضاهن سبع سماوات في يومين وقال ~~في الحكم الديني أول المائدة أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير ~~محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد وقال الممتحنة ذلكم حكم الله ~~يحكم بينكم وقال في الكوني يوسف عن ابن يعقوب فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي ~~أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين وقال الأنبياء قال رب احكم بالحق ~~وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون وقال في التحريم الديني المائدة حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير النساء حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم الآية ~~وقال في التحريم الكوني المائدة فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في ~~الأرض وقال في الكلمات الدينية البقرة وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~وقال في الكونية الأعراف وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم المستفيض عنه من وجوه في الصحاح والسنن ~~والمسانيد أنه كان يقول أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا ~~فاجر ومن المعلوم أن هذا هو الكوني الذي لا يخرج منه شيء عن مشيئته وتكوينه ~~وأما الكلمات الدينية فقد خالفها الكفار بمعصيته والمقصود هنا أنه صلى الله ~~عليه وسلم بين أن العواقب التي خلق لها الناس سعادة وشقاوة ييسرون لها ~~بالأعمال التي يصيرون بها إلى ذلك كما أن سائر المخلوقات كذلك فهو سبحانه ~~خلق الولد وسائر الحيوان في الأرحام بما يقدره من اجتماع الأبوين على ~~النكاح واجتماع الماءين في الرحم فلو قال الإنسان أنا أتوكل ولا أطأ زوجتي ~~فإن كان قد قضى لي بولد وإلا لم يوجد ولا حاجة إلى وطء كان أحمق بخلاف ما ~~إذا وطئ وعزل الماء فإن عزل الماء لا يمنع انعقاد الولد إذا شاء الله إذ قد ~~يخرج بغير اختياره وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ms49 بني المصطلق فأصبنا سرايا من العرب ~~فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل فسألنا عن ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم PageV01P047 فقال ما عليكم ألا تفعلوا فإن الله قد ~~كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة وفي صحيح مسلم عن جابر إن رجلا أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وأنا ~~أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها ~~وهذا مع ان الله سبحانه قادر على ما قد فعله من خلق الإنسان من غير أبوين ~~كما خلق آدم ومن خلقه من أب فقط كما خلق حواء من ضلع آدم القصير ومن خلقه ~~من أم فقط كما خلق المسيح بن مريم عليه السلام لكن خلق ذلك بأسباب أخرى غير ~~معتادة وهذا الموضع وإن كان إنما يجحده الزنادقة المعطلون للشرائع فقد وقع ~~في كثير من وكثير من المشايخ المعظمين يسترسل أحدهم مع القدر غير محقق لما ~~أمر به ونهى عنه ويجعل ذلك من باب التفويض والتوكل ويجري مع الحقيقة ~~القدرية ويحسب أن قول القائل ينبغي للعبد أن يكون مع الله كالميت بين يدي ~~الناس يتضمن ترك العمل بالأمر والنهي حتى يترك ما أمر به ويفعل ما نهى عنه ~~وحتى يضعف عنده النور والفرقان والذي يفرق به بين ما أمر الله به وأحبه ~~وأرضاه وبين ما نهى عنه وأبغضه وسخطه فيسوى بين ما فرق الله بينه قال تعالى ~~الجاثية أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون وقال تعالى القلم أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون وقال تعالى ص أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار وقال تعالى ~~الزمر قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وقال تعالى وما يستوى ~~الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي ~~الاحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء ms50 وما أنت بمسمع من في القبور ~~وأمثال ذلك حتى يفضي الأمر بغلاتهم إلى عدم التمييز بين الأمر بالمأمور ~~النبوي الإلهي الفرقاني الشرعي الذي دل عليه الكتاب والسنة وبين ما يكون في ~~الوجوه من الأحوال التي تجري على أيدي الكفار والفجار فيشهدون وجه الجمع من ~~جهة الجمع بقضاء الله وقدره وربوبيته وإرادته العامة وأنه داخل في ملكه ولا ~~يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه والأبرار والفجار ~~والمؤمنين والكافرين وأهل الطاعة الذين أطاعوا أمره الديني وأهل المعصية ~~الذين عصوا هذا الأمر PageV01P048 ويشهدون في ذلك بكلمات مجملة نقلت عن بعض ~~الأشياخ أو ببعض غلطات بعضهم وهذا أصل عظيم من اعظم ما يجب الاعتناء به على ~~أهل طريق الله السالكين سبيل إرادة الدين يريدون وجهه فإنه قد دخل بسبب ~~إهمال ذلك على طوائف منهم من الكفر والفسوق والعصيان مالا يعلمه إلا الله ~~حتى يصيروا معاونين على البغي والعدوان للمسلطين في الأرض من أهل الظلم ~~والعلو الذين يتوجهون بقلوبهم في معاونة من يهوونه من أهل العلو في الأرض ~~والفساد ظانين أنهم إذا كانت لهم احوال أثروا بها في ذلك من أولياء الله ~~فإن القلوب لها من التأثير أعظم مما للأبدان لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها ~~صالحا وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله ~~تارة ومكروها لله أخرى وقد تكلم الفقهاء على وجوب القود على من يقتل بغيره ~~في الباطن حيث يجب القود في ذلك ويستشهدون ببواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ~~ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم بكشف لهم أو بتأثير يوافق إرادته هو كرامة ~~من الله له ولا يعلمون أنه في الحقيقة إهانة وأن الكرامة لزوم الاستقامة ~~وأن الله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته ~~وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين ~~قال الله فيهم يونس ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فإن ~~كانوا موافقين له فيما أوجبه عليهم فهم من المقتصدين وإن كانوا ms51 موافقين ~~فيما أوجبه وأحبه فهم من المقربين مع أن كل واجب محبوب وليس كل محبوب واجبا ~~وأما ما يبتلى الله به عبده من الشر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ~~ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه بل قد يسعد بها أقوام إذا ~~أطاعوه في ذلك وقد يشقى بها قوم إذا عصوه في ذلك قال الله تعالى الفجر فأما ~~الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا ولهذا كان الناس في هذه الأمور ~~على ثلاثة اقسام قسم ترتفع درجاتهم بخرق العادة إذا استعملوها في الطاعة ~~وقوم يتعرضون بها لعذاب الله إذا استعملوها في معصية الله كبلعام وغيره ~~وقوم تكون في حقهم بمنزلة المباحات والقسم الأول هم المؤمنون حقا المتبعون ~~لنبيهم سيد ولد آدم الذي إنما كانت خوارقه لحجة يقيم بها دين الله أو لحاجة ~~يستعين بها على طاعة الله ولكثرة اللغط في هذا الأصل نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الاسترسال PageV01P049 مع القدر بدون الحرص على فعل ~~المأمور الذي ينفع العبد فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ~~وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا ~~تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل ~~الشيطان وفي سنن أبي داود أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقضى على أحدهما فقال المقضي عليه حسبي الله ونعم الوكيل فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر ~~فقل حسبي الله ونعم الوكيل فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يحرص ~~على ما ينفعه وأن يستعين بالله وهذا مطابق لقوله إياك نعبد وإياك نستعين ~~وقوله هود فاعبده وتوكل عليه فإن ms52 الحرص على ما ينفع العبد هو طاعة الله ~~وعبادته إذ النافع له هو طاعة الله ولا شيء أنفع له من ذلك وكل ما يستعان ~~به على الطاعة فهو طاعة وإن كان من جنس المباح قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح لسعد إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت ~~بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن الله يلوم على العجز الذي هو ضد الكيس وهو التفريط فيما يؤمر بفعله ~~فإن ذلك ينافي القدرة المقارنة للفعل وإن كان لا ينافي القدرة المقدمة التي ~~هي مناط الأمر والنهي فإن الاستطاعة التي توجب الفعل وتكون مقارنة له لا ~~تصلح إلا لمقدورها كما ذكرها في قوله هود ما كانوا يستطيعون السمع وقوله ~~الكهف وكانوا لا يستطعيون سمعا وأما الاستطاعة التي يتعلق بها الأمر والنهي ~~فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن كما في قوله آل عمران ولله على الناس ~~حج البيت من استطاع إليه سبيلا وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر أن صل قائما ~~فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك فهذا الموضع قد انقسم الناس ~~فيه على أربعة أقسام قوم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة والطاعة ~~شاهدين لألوهيته سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه ولا ينظروا إلى جانب القضاء ~~والقدر والتوكل والاستعانة وهو حال كثير من المتفقهة المتعبدة فهم مع حسن ~~قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله وشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان ~~والاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التي تقوى العبد ~~وتيسر عليه الأمور ولهذا قال بعض PageV01P050 السلف من سره أن يكون أقوى ~~الناس فليتوكل على الله وفي الصحيحين عن عبد الله ابن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صفته في التوراة إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا ~~للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في ~~الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويغفر ولن ms53 أقبضه ~~حتى اقيم به الملة العوجاء فأفتح بك أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا بأن ~~يقولوا لا إله إلا الله ولهذا روى أن حملة العرش إنما اطاقوا حمل العرش ~~بقولهم لا حول ولا قوة إلا بالله وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنها كنز من كنوز الجنة قال تعالى الطلاق ومن يتوكل على الله فهو حسبه وقال ~~تعالى آل عمران الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل إلى قوله فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ~~مؤمنين وفي صحيح البخاري عن ابن عباس في قوله وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل قالها إبراهيم الخليل حين ألقى في النار وقالها محمد حين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم وقسم ثان يشهدون ربوبية الحق وافتقارهم إليه ~~ويستعينون بها على أهوائهم وأذواقهم غير ناظرين إلى حقيقة امره ونهيه ورضاه ~~وغضبه ومحبته وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة ولهذا كثيرا ما يعملون ~~على الأحوال التي يتصرفون بها في الوجود لا يقصدون ما يرضي الرب ويحبه ~~وكثيرا ما يغلطون فيظنون أن معصيته هي مرضاته فيعودون إلى تعطيل الأمر ~~والنهي ويسمهون هذا حقيقة ويظنون أن هذه الحقيقة الأمرية الدينية هي التي ~~تحوي مرضاة الرب ومحبته وأمره ونهيه ظاهرا وباطنا وهؤلاء كثيرا ما يسلبون ~~أحوالهم وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق بل كثير منهم يرتد عن ~~الاسلام لأن العاقبة للتقوى ومن لم يقف عند أمر الله ونهيه فليس من المتقين ~~فهم يقعون في بعض ما وقع المشركون فيه تارة من بدعة يظنونها شرعة وتارة في ~~الاحتجاج بالقدر على الأمر والله تعالى لما ذكر ما ذم به المشركين في سورة ~~الأنعام ذكر ما ابتدعوه في الدين وجعلوه شرعة كما قال تعالى الأعراف وإذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء وقد ذمهم على أن حرموا ما لم يحرمه الله وأن شرعوا ما لم يشرعه ~~الله وذكر احتجاجهم بالقدر ms54 في قوله الأنعام لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء ونظيرها في النحل ويس والزخرف وهؤلاء يكون فيهم ~~شبهة في هذا وهذا PageV01P051 وأما القسم الثالث وهو من أعرض عن عبادة الله ~~واستعانته به فهؤلاء شر الأقسام والقسم الرابع هو القسم المحمود وهو حال ~~الذين حققوا إياك نعبد وإياك نستعين وقوله هود فاعبده وتوكل عليه فاستعانوا ~~به على طاعته وشهدوا أنه إلههم الذي لا يجوز أن يعبدوا إلا إياه وطاعة ~~رسوله وأنه ربهم الذي ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع وأنه فاطر ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده يونس وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله الزمر قل أفرأيتم ~~ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة ~~هل هن ممسكات رحمته ولهذا قال طائفة من العلماء الالتفات إلى الأسباب شرك ~~في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب ~~بالكلية قدح في الشرع وإنما التوكل المأمور به ما يجتمع فيه مقتضي التوحيد ~~والعقل والشرع فقد بين أن من ظن التوكل من مقامات عامة اهل الطريق فقد غلط ~~غلطا شديدا وإن كان من أعيان المشايخ كصاحب علل المقامات وهو من أجل ~~المشايخ وأخذ ذلك عنه صاحب محاسن المجالس وأظهر ضعف حجته فمن قال ذلك قال ~~إن المطلوب به حظ العامة فقط وظنه أنه لا فائدة له في تحصيل المقصود وهذه ~~حال من جعل الدعاء كذلك وذلك بمنزلة من جعل الأعمال المأمور بها كذلك كمن ~~اشتغل بالتوكل عما يجب عليه من الأسباب التي هي عبادة الله وطاعة مأمور بها ~~فإن غلط هذا من ترك الأسباب المأمور بها التي هي داخلة في قوله هود فاعبده ~~وتوكل عليه كغلط الأول في ترك التوكل المأمور به الذي هو داخل في قوله ~~فاعبده وتوكل عليه لكن يقال من كان توكله على الله ms55 ودعاؤه له هو في حصول ~~مباحات فهو من العامة وإن كان في حصول مستحبات وواجبات فهو من الخاصة كما ~~أن من دعاه وتوكل عليه في حصول محرمات فهو ظالم لنفسه ومن أعرض عن التوكل ~~فهو عاص لله ورسوله بل خارج عن حقيقة الإيمان فكيف يكون هذا المقام للخاصة ~~قال الله تعالى يونس وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين وقال تعالى آل عمران إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم ~~فمن ذا الذي ينصركم من بعده وقال إبراهيم وعلى الله فليتوكل المؤمنون وقال ~~تعالى PageV01P052 الزمر قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله ~~بضر هل هن كاشفات ضره إلى قوله قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون وقد ذكر ~~الله هذه الكلمة حسبي الله في جلب المنفعة تارة وفي دفع المضرة أخرى ~~فالأولى قوله التوبة ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله الآية والثانية قوله آل عمران الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل وفي قوله الأنفال وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله وقوله التوبة ~~ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله الآية يتضمن الأمر بالرضا والتوكل والرضا والتوكل يكتنفان ~~المقدور فالتوكل قبل وقوعه والرضاء بعد وقوعه ولهذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول في الصلاة اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما ~~علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسالك خشيتك ~~في الغيب والشهادة وأسالك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر ~~والغنى وأسالك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع اللهم إني أسألك ~~الرضاء بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك ~~والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان ~~واجعلنا هداة مهتدين ms56 رواه أحمد والنسائي من حديث عمار بن ياسر وأما ما يكون ~~قبل القضاء فهو عزم على الرضا لا حقيقة للرضا ولهذا كان طائفة من المشايخ ~~يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء فإذا وقع انفسحت عزائمهم كما يقع نحو ذلك ~~في الصبر وغيره كما قال تعالى آل عمران ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان ~~تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وقال تعالى الصف يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون إن الله يحب ~~الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص نزلت هذه الاية لما قالوا لو ~~علمنا أي الأعمال احب إلى الله لعملناه فأنزل الله آية الجهاد فكرهه من ~~كرهه ولهذا كره للمرء أن يتعرض للبلاء بأن يوجب على نفسه مالا يوجبه الشارع ~~عليه بالعهد والنذر ونحو ذلك أو يطلب ولاية أو يقدم على بلد فيه طاعون كما ~~ثبت في الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر ~~وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل وثبت عنه في الصحيحين أنه ~~قال لعبد الرحمن بن سمرة PageV01P053 لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن ~~مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين ~~فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك وثبت عنه في الصحيحين ~~أنه قال في الطاعون إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه و إذا وقع بأرض ~~وأنتم بها فلا تخرجوا منها وثبت في الصحيحين أنه قال لا تتمنوا لقاء العدو ~~وأسالوا الله العافية ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال ~~السيوف وأمثال ذلك مما يقتضي أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى فيما يوجب ~~عليه أشياء فيبخل بالوفاء كما يفعل كثير ممن يعاهد الله عهودا على أمور ~~وغالب هؤلاء يبتلون بنقض العهود وينبغي أن الإنسان إذا ابتلى فعليه أن يصبر ~~ويثبت ولا يكل حتى يكون من الرجال الموفين القائمين بالواجبات ms57 ولا بد في ~~جميع ذلك من الصبر ولهذا كان الصبر واجبا باتفاق المسلمين على أداء ~~الواجبات وترك المحظورات ويدخل في ذلك الصبر على المصائب عن أن يخرج والصبر ~~عن ابتاع أهواء النفس فيما نهى الله عنه وقد ذكر الله الصبر في كتابه في ~~اكثر من تسعين موضعا وقرنه بالصلاة في قوله البقرة استعينوا بالصبر والصلاة ~~وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين البقرة استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع ~~الصابرين وقوله هود وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إلى قوله واصبر ~~فإن الله لايضيع اجر المحسنين طه فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها غافر فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك الآية ~~وجعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله السجدة وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فإن الدين كله علم بالحق ~~وعمل به فالعمل به لا بد فيه من الصبر بل وطلب علمه يحتاج إلى الصبر كما ~~قال معاذ بن جبل علكيم بالعلم فإن طلبه لله عبادة ومعرفته خشية والبحث عنه ~~جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ومذاكرته تسبيح به يعرف الله ويعبد به يمجد ~~ويوحد يرفع الله بالعلم أقوما يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم وينتهون ~~إلى رأيهم فجعل البحث عن العلم من الجهاد ولا بد في الجهاد من الصبر ولهذا ~~قال تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وقال تعالى ص واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب أولي الأيدي والأبصار فالعلم النافع ع هو أصل الهدى والعمل بالحق هو ~~PageV01P054 الرشاد وضد الأول هو الضلال وضد الثاني هو الغي والضلال العمل ~~بغير علم والغي اتباع الهوى قال تعالى والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ~~فلا ينال الهدى إلا بالعلم ولا ينال الرشاد إلا بالصبر ولهذا قال علي ألا ~~إن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا انقطع الرأس بان الجسد ثم ~~رفع صوته فقال ألا لا إيمان لمن لا ms58 صبر له وأما الرضا فقد تنازع العلماء ~~والمشايخ من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في الرضاء بالقضاء هل هو واجب أو ~~مستحب على قولين فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين وعلى الثاني يكون من ~~أعمال المقربين قال عمر بن عبد العزيز الرضاء عزيز ولكنه معول المؤمن وقد ~~روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس إن استطعت أن تعمل لله ~~بالرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ~~ولهذا لم يجيء في القرآن إلا مدح الراضين لا إيجاب ذلك وهذا في الرضا فيما ~~يفعله الرب بعبده من المصائب كالمرض والفقر والزلزال كما قال تعالى البقرة ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس وقال البقرة أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلولوا ~~فالبأساء في الأموال والضراء في الأبدان والزلزال في القلوب وأما الرضا بما ~~أمر الله به فأصله واجب وهو من الايمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ~~وهو من توابع المحبة كما سنذكره إن شاء الله تعالى وقال النساء فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما وقال تعالى التوبة ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله روسوله ~~وقالوا حسبنا الله الآية وقال تعالى محمد ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم وقال التوبة وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ~~إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون ~~إلا وهم كارهون ومن النوع الأول ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن سعد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما ~~قسم الله له ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله وسخطه بما يقسم الله له ~~وأما الرضا بالمنهيات من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء ms59 يقولون لا ~~يشرع الرضا بها إذ هي كما لا تشرع محبتها فإن الله سبحانه PageV01P055 لا ~~يرضاها ولا يحبها وإن كان قدرها وقضاها كما قال سبحانه البقرة والله لا يحب ~~الفساد وقال تعالى الزمر ولا يرضى لعباده الكفر بل يسخطه كما قال تعالى ~~محمد ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم وقالت ~~طائفة ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقا وتسخط من جهة كونها مضافة إلى ~~العبد فعلا وكسبا وهذا لا ينافي الذي قبله بل هما يعودان إلى أصل واحد وهو ~~سبحانه قدر الأشياء لحكمة فهي لاعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية وقد تكون في ~~نفسها مكروهة ومسخوطة إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يحب من أحدهما ويكره ~~من الآخر كما في الحديث الصحيح ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس ~~عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه وأما من قال بالرضا ~~بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله لا بالمقضي الذي هو مفعلوه فهو خروج منه عن ~~مقصود الكلام فإن الكلام ليس بالرضاء فيما يقوم بذات الرب تعالى من صفاته ~~وأفعاله وإنما الكلام في الرضاء بمفعولاته والكلام فيما يتعلق بهذا قد ~~بيناه في غير هذا الموضع و الرضاء وإن كان من أعمال القلوب فكماله هو الحمد ~~حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضاء ولهذا جاء في الكتاب والسنة حمد الله على ~~كل حال وذلك يتضمن بمقضياته وفي الحديث أول من يدعى إلى الجنة الحمادون ~~الذين يحمدون الله في السراء والضراء وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان إذا أتاه الأمر يسره قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه ~~الأمر الذي يسؤوه قال الحمد لله على كل حال وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ~~موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قبض ولد العبد يقول الله ~~لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم ~~فيقول ماذا قال فيقولون حمدك واسترجعك فيقول ابنوا لعبدي ms60 بيتا في الجنة ~~وسموه بيت الحمد ونبينا صلى الله عليه وسلم هو صاحب لواء الحمد وأمته هم ~~الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء والرضا والحمد على الضراء ~~يوجبه شاهدان أحدهما علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك مستحق له لنفسه ~~فإنه احسن كل شيء خلقه وأتقن كل شيء وهو العليم الحكيم الخبير الرحيم ~~والثاني علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه كما روى ~~مسلم في صحيحه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده ~~لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له PageV01P056 ليس ذلك إلا للمؤمن ~~إن اصبته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على ~~البلاء ويشكر على السراء فهو خير له قال تعالى إن في ذلك لايات لكل صبار ~~شكور وذكرها في أربعة مواضع من كتابة إبراهيم لقمان سبأ الشورى فأما من لا ~~يصبر على البلاء ولا يشكر على الرخاء فلا يلزم أن يكون القضاء خيرا له ~~ولهذا أجبت من أورد على هذا بما يقضى على المؤمن من المعاصي بجوابين أحدهما ~~أن هذا إنما يتناول ما اصاب العبد لا ما فعله العبد كما في قوله النساء ما ~~أصابك من حسنة فمن الله أي من سراء وما أصابك من سيئة فمن نفسك أي من ضراء ~~وكقوله الأعراف وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون أي بالسراء ~~والضراء كما قال الأنبياء ونبلوكم بالشر والخير فتنة وقال آل عمران إن ~~تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها يراد بها المسار والمضار ~~ويراد بها الطاعات والمعاصي والجواب الثاني أن هذا في حق المؤمن الصبار ~~الشكور والذنوب تنقص الإيمان فإذا تاب العبد أحبه الله وقد ترتفع درجته ~~بالتوبة قال بعض السلف كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فمن قضى ~~له بالتوبة كان كما قال سعيد ابن جبير إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها ~~النار ms61 وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون ~~نصب عينة ويعجب بها ويعمل السيئة فتكون نصب عينة فيستغفر الله ويتوب إليه ~~منها وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأعمال ~~بالخواتيم والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبته تندفع عنه بعشرة أسباب أن يتوب ~~فيتوب الله عليه فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له أو يستغفر فيغفر له أو ~~يعمل حسنات تمحوها فإن الحسنات يذهبن السيئات أو يدعو له إخوانه المؤمنون ~~ويشفعون له حيا وميتا أو يهدون له من ثواب أعمالهم لينفعه الله به أو يشفع ~~فيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أو يبتليه الله في الدنيا بمصائب تكفر ~~عنه أو يبتليه في البرزخ والصعقة فيكفر بها عنه أو يبتليه في عرصات القيامة ~~من أهوالها بما يكفر عنه أو يرحمه أرحم الراحمين فمن أخطأته هذه العشرة فلا ~~يلومن إلا نفسه كما قال تعالى فيما يروى عنه رسوله يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم احصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه فإن كان المؤمن يعلم أن القضاء خير إذا كان صابرا ~~شكورا PageV01P057 وكان قد استخار الله وعلم أن من سعادة ابن آدم استخارته ~~لله ورضاه بما قسم له كان قد رضى بما هو خير له وفي الحديث الصحيح عن علي ~~قال إن الله يقضي بالقضاء فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط ففي هذا ~~الحديث الرضا والاستخارة فالرضا بعد القضاء والاستخارة قبل القضاء وهذا ~~اكمل من الرضا والصبر فلهذا ذكر في ذاك الرضا وفي هذا الصبر ثم إذا كان ~~القضاء مع الصبر خيرا له فكيف مع الرضا ولهذا جاء في الحديث المصاب من حرم ~~الثواب فالأثر الذي رواه الشافعي في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~مات سمعوا قائلا يقول يا آل بيت رسول الله إن في الله عزاء من كل مصيبة ~~وخلفا من كل هالك ودركا من ms62 كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب ~~من حرم الثواب ولهذا لم نؤمر بالحزن المنافي للرضا قط مع أنه لا فائدة فيه ~~فقد يكون مضرة لكنه يعفى عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله لكن البكاء على ~~الميت على وجه الرحمة حسن مستحب وذلك لا ينافي الرضا يخلاف البكاء عليه ~~لفوات حظه منه وبهذا تعرف معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما بكى على ~~الميت وقال إن هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده ~~الرحماء وأن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت وأن الفضيل بن عياض ~~لما مات ابنه على فضحك وقال رأيت أن الله قضى فأحببت أن أرضى بما قضى الله ~~به حاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع وأما رحمة الميت مع الرضا بالقضاء ~~وحمد الله كحال النبي صلى الله عليه وسلم فهذا أكمل قال تعالى البلد ثم كان ~~من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة فذكر سبحانه التواصي ~~بالصبر والرحمة والناس أربعة اقسام منهم من يكون فيه صبر بقسوة ومنهم من ~~يكون فيه رحمة بجزع ومنهم من يكون فيه القسوة والجزع والمؤمن المحمود الذي ~~يصبر على ما يصيبه ويرحم الناس وقد فطن طائفة من المصنفين في هذا الباب أن ~~الرضا عن الله من توابع المحبة له وهذا إنما يتوجه على المأخذ الأول وهو ~~الرضا عنه لاستحقاقه ذلك بنفسه مع قطع العبد النظر عن حظه بخلاف المأخذ ~~الثاني وهو الرضا لعلمه بأن المقضي خير له ثم إن المحبة متعلقة به والرضا ~~متعلق بقضائه لكن قد يقال في تقرير ما قال هذا المصنف ونحوه إن المحبة لله ~~نوعان محبة له نفسه ومحبة لما منهم من الاحسان وكذلك الحمد له نوعان حمد ~~لله على ما يستحقه بنفسه وحمد على إحسانه لعبده فالنوعان للرضا كالنوعين ~~للمحبة وأما الرضا به وبدينه وبرسوله فذلك من PageV01P058 حظ المحبة ولهذا ~~ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذاق طعم الإيمان من رضي ms63 بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر ~~بعد إذ انقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وهذا مما يبين من الكلام ~~على المحبة فنقول فصل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الايمان وأكبر أوصله ~~وأجل قواعده بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين كما أن التصديق أصل ~~كل قول من أقوال الإيمان والدين فإن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة ~~إما عن محبة محمودة أو عن محبة مذمومة كما قد بسطنا ذلك في قاعدة المحبة من ~~القواعد الكبار فجميع الأعمال الايمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة ~~المحمودة وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله سبحانه وتعالى إذ العمل الصادر ~~عن محبة مذمومة عند الله لا يكون عملا صالحا بل جميع الأعمال الإيمانية ~~الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما ~~أريد به وجهه كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول ~~الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا فأشرك فيه غيري فأنا ~~منه برئ وهو كله للذي أشرك وثبت في الصحيح حديث الثلاثة الذين هم اول من ~~تسعر بهم النار القارئ المرائي والمجاهد المرائي والمتصدق المرائي بل إخلاص ~~الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه فهو الذي بعث به الأولين ~~والآخرين من الرسل وانزل به جميع الكتب واتفق عليه أئمة أهل الإيمان وهذا ~~هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه قال تعالى أول ~~الزمر وأول غافر وأول الجاثية وأول الحقاف تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم أول الزمر إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ~~ألا لله الدين الخالص والسورة ms64 كلها عمتها في هذا المعنى من قوله الزمر قل ~~إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين إلى ~~قوله الزمر قل الله أعبد مخلصا له ديني إلى قوله أليس الله بكاف عبده ~~ويخوفونك بالذين من دونه PageV01P059 إلى قوله قل أفرأيتم ما تدعون من دون ~~الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره الآية إلى قوله الزمر أم اتخذوا ~~من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة ~~جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون وإذا ذكر الله وحده اشمأزت ~~قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون إلى ~~قوله قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون إلى قوله بل الله فاعبد وكن ~~من الشاكرين وقال تعالى فيما قصه من قصة آدم وإبليس أنه قال ص فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين وقال تعالى الحجر إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وقال النحل إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون فبين أن سلطان الشيطان وإغواءه إنما هو لغير الملخصين ولهذا قال في ~~قصة يوسف وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين وأتباع ~~الشيطان هم أصحاب النار كما قال تعالى ص لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين وقد قال سبحانه و النساء إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء وهذه الآية في حق من لم يتب ولهذا خصص الشرك وقبل ما سواه ~~بالمشيئة فإنه لا يغفر الشرك لمن لم يتب منه وما دونه يغفره لمن يشاء وأما ~~قوله الزمر قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا فتلك في حق التائبين ولهذا عمم وأطلق وسياق الآية ~~يبين ذلك مع سبب نزولها وقد أخبر سبحانه أن الأولين والآخرين إنما ms65 أمروا ~~بذلك في غير موضع كالسورة التي قرأها النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره أن ~~يقرأ عليه قراءة إبلاغ وإسماع بخصوصه فقال البينة وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفاء الآية وهذا حقيقة قول لا إله إلا الله وبذلك بعث جميع الرسل ~~قال الله تعالى الأنبياء وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون وقال الزخرف واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى النحل ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وجميع الرسل افتتحوا دعوتهم بهذا الأصل كما ~~قال نوح عليه السلام الأعراف اعبدوا الله ما لكم من إله غيره وكذلك ~~PageV01P060 هود هود وصالح هود وشعيب هود عليهم السلام وغيرهم كل يقول ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره لا سيما أفضلا الرسل اللذين اتخذ الله ~~كلاهما خليلا إبراهيم ومحمدا عليهما السلام فإن هذا الأصل بينه الله بهما ~~وأيدهما فيه ونشره بهما فإبراهيم هو الإمام الذي قال الله فيه البقرة إني ~~جاعلك للناس إماما وفي ذريته جعل النبوة والكتاب والرسل فأهل هذه النبوة ~~والرسالة هم من آله الذين بارك الله عليهم قال سبحانه الزخرف وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ~~وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون فهذه الكلمة هي كلمة الإخلاص لله ~~وهي البراءة من كل معبود إلا من الخالق الذي فطرنا كما قال صاحب ياسين ~~ياسين ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون وقال تعالى في قصته بعد أن ~~ذكر ما يبين ضلال من اتخذ بعض الكواكب ربا يعبده من دون الله قال الأنعام ~~فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما ms66 أنا من المشركين إلى قوله ولا تخالفون أنكم أشركتم بالله ~~ما لم ينزل به عليكم سلطانا وقال إبراهيم الخليل عليه السلام الشعراء ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين ~~وقوله تعالى الممتحنة قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم الآية ~~ونبينا صلى الله عليه وسلم هو الذي أقام الله به الدين الخالص لله دين ~~التوحيد وقمع به المشركين من كان مشركا من الأصل ومن الذين كفروا من أهل ~~الكتب وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وغيره بعثت بالسيف ~~بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل ~~الذلة والصغار على من خالف امري ومن تشبه بقوم فهو منهم وقد تقدم بعض ما ~~أنزل الله عليه من الآيات المتضمنة للتوحيد فقال تعالى والصافات صفا إلى ~~قوله إن إلهكم لواحد إلى قوله إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق ~~المرسلين إلى قوله أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون إلى ما ذكره من ~~قصص الأنبياء في التوحيد وإخلاص الدين لله إلى قوله سبحان الله PageV01P061 ~~عما يصفون إلا عباد الله المخلصين وقال تعالى النساء إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتمصوا بالله ~~وأخلصوا دينهم لله وفي الجملة فهذا الأصل في سورة الأنعام والأعراف والنور ~~وطسم وحم وسور المفصل وغير ذلك من السور المكية ومواضع من السور المدنية ~~كثير ظاهر فهو اصل الأصول وقاعدة الدين حتى في سورتي الإخلاص قل يا ايها ~~الكافرون وقل هو الله أحد وهاتان السورتان كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ بهما في صلاة التطوع كركعتي الطواف وسنة الفجر وهما متضمنتان للتوحيد ~~فأما قل ms67 يا أيها الكافرون فهي متضمنة للتوحيد العملي الإرادي وهو إخلاص ~~الدين لله بالقصد والإرادة وهو الذي يتكلم به مشايخ التصوف غالبا وأما سورة ~~قل هو الله أحد فمتضمنة للتوحيد القولي العملي كما ثبت في الصحيحين عن ~~عائشة أن رجلا كان يقرأ قل هو الله أحد في صلاته فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم سلوه لم يفعل ذلك فقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحبها فقال أخبروه أن ~~الله يحبه ولهذا تضمنت هذه السورة من وصف الله سبحانه وتعالى الذي ينفى قول ~~أهل التعطيل وقول أهل التمثيل ما صارت به هي الأصل المعتمد في مسائل الذات ~~كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع وذكرنا اعتماد الأئمة عليها مع ما ~~تضمنته في تفسير الأحد كما جاء تفسيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة والتابعين وما دل على ذلك من الدلائل لكن المقصود هنا هو التوحيد ~~العملي وهو إخلاص الدين لله وإن كان أحد النوعين مرتبطا بالآخر فلا يوجد ~~أحد من اهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه نوع من الشرك ~~العملي إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه أو بينه وبين ~~المعدومات كما يسوى المعطلة بينه وبين المعدومات في الصفات السلبية التي لا ~~تستلزم مدحا ولا ثبوت كمال أو يسوون بينه وبين الناقص من الموجودات في صفات ~~النقص وكما يسوون إذ أثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة مساواة بينه وبين ~~المخلوقات في حقائقها حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ويجعلون له أندادا ~~ويشبهون الملخوق برب العالمين واليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالملخوق ~~ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي ~~يجب تنزيهه عنها وهي من صفات خلقه والنصارى يعدلون المخلوق بالخالق حتى ~~يجعلوا في المخلوق من نعوت الربوبية وصفات الإلهية ويجوزون له مالا يصلح ~~إلا للخالق سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا والله سبحانه ~~وتعالى قد امرنا أن نسأله الهداية بقوله اهدنا الصراط المستقيم PageV01P062 ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ms68 الضالين وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون وفي هذ الأمة من هؤلاء ~~وهؤلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو ~~القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود ~~والنصارى قال فمن والحديث في الصحيحين فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص ~~الدين لله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته وهذا كمال المحبة لكن ~~أكثر ما جاء المطلوب مسمى باسم العبادة كقوله الذاريات وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون وقوله البقرة يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم وأمثال هذا والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ~~ونهايته فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا والمعظم الذي لا ~~يحب لا يكون معبودا ولهذا قال تعالى البقرة ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله فبين سبحانه ان المشركين ~~الذين يتخذون من دون ألله أندادا وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله فالذين ~~آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم لأن المؤمنين أعلم بالله والحب يتبع ~~العلم ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده وأولئك جعلوا بعض حبهم له ~~وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب ومعلوم أن ذلك افضل قال الله تعالى ~~الزمر ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان ~~مثلا الآية واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله ~~وأنبياءه وعباده المؤمنين وإن كان ذلك من محبة الله وإن كانت المحبة التي ~~لله لا يستحقها غيره فلهذا جاءت محبة الله مذكورة بما يختص به سبحانه من ~~العبادة والإنابة إليه والتبتل له ونحو ذلك فكل هذه الأسماء تتضمن محبة ~~الله سبحانه وتعالى ثم إنه كان بين أن محبته أصل الدين فقد بين أن كمال ~~الدين بكمالها ونقصه بنقصها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأس الأمر ~~الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ms69 في سبيل الله فأخبر أن الجهاد ~~ذورة سنام العمل وهو أعلاه وأشرفه وقد قال تعالى التوبة أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا ~~يستوون عند الله إلى قوله أجر عظيم والنصوص في فضائل الجهاد وأهله كثيرة ~~وقد ثبت أنه أفضل ما تطوع به العبد والجهاد دليل المحبة الكاملة قال تعالى ~~التوبة قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم الآية وقال تعالى في ~~صفة المحبين المحبوبين PageV01P063 المائدة يا أيها الذين آمنوا من يرتد ~~منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فإن المحبة ~~مستلزمة للجهاد ولأن المحب يحب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغض محبوبه ويوالي ~~من يوالي محبوبه ويعادي من يعاديه ويرض لرضاه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر ~~به وينهى عما نهى عنه فهو موافق في ذلك وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم ~~ويغضب لغضبهم إذ هم إنما يرضون لرضاه ويغضبون لما يغضب له كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في طائفة فيهم صهيب وبلال لعلك أغضبتهم لئن ~~كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فقال لهم يا إخوتي هل أغضبتكم قالوا لا يغفر ~~الله لك يا أبا بكر وكان قد مر بهم أبو سفيان بن حرب فقالوا ما أخذت السيوف ~~مأخذها فقال لهم أبو بكر أتقولون هذا لسيد قريش وذكر أبو بكر ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال له ما تقدم لان أولئك إنما قالوا ذلك غضبا لله لكمال ~~ما عندهم من الموالاة لله ورسوله والمعاداة لأعدائهما ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح فيما يروى عن ربه لا يزال عبدي يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ~~يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ms70 ترددت عن شيء أنا فاعله ~~ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه ~~فبين أنه يتردد لأن التردد تعارض إرادتين وهو سبحانه يحب ما يحب عبده ويكره ~~ما يكرهه وهو يكره الموت فهو يكرهه كما قال وأنا أكره مساءته وهو سبحانه قد ~~قضى بالموت فهو يريد أن يموت فسمى ذلك ترددا ثم بين أنه لا بد من وقوع ذلك ~~وهذا اتحاد في المحبوب المرضي المأمور به والمبغض المكروه المنهي عنه وقد ~~يقال له اتحاد نوعي وصفي وليس ذلك اتحاد الذاتين فإن ذلك ممتنع والقائل به ~~كافر وهو قول النصارى والغالية من الرافضة والنساك كالحلاجية ونحوهم وهو ~~الاتحاد المقيد في شيء بعينه وأما الاتحاد المطلق الذي هو قول أهل وحدة ~~الوجود الذين يزعمون أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق فهذا تعطيل للصانع ~~وجحود له وهو جامع لكل شرك فكما أن الاتحاد نوعان فكذلك الحلول نوعان قوم ~~يقولون بالحلول المقيد في بعض الأشخاص وقوم يقولون بحلوله في كل شيء وهم ~~الجهمية الذين يقولون إن ذات الله في كل مكان وقد يقع لبعض المصطلمين من ~~أهل الفناء في المحبة أنه يغيب بمحبوبه PageV01P064 عن نفسه وحبه ويغيب ~~بمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته وبموجوده عن وجوده حتى لا يشهد إلا ~~محبوبه فيظن في زوال تمييزه ونقص عقله وسكره أنه هو محبوبه كما قيل إن ~~محبوبا وقع في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال أنا وقعت فأنت ما الذي ~~أوقعك فقال غبت بك عني فظننت أنك أنا فلا ريب أن هذا خطأ وضلال لكن إن كان ~~هذا لقاء المحبة والذكر من غير أن يحصل عن سبب محظور زال به عقله كان ~~معذورا في زواله فلا يكون مؤاخذا بما يصدر منه من الكلام في هذه الحال التي ~~زال فيها عقله بغير سبب محظور كما قيل في عقلاء المجانين أنهم قوم آتاهم ~~الله عقولا وأحوالا فسلب عقولهم وأبقى أحوالهم وأسقط ما فرض بما سلب وأما ~~إذا كان السبب الذي ms71 به زوال العقل محظورا لم يكن السكران معذورا وإن كان لا ~~يحكم بكفره في اصح القولين كما لا يقع طلاقه في أصح القولين وإن كان النزاع ~~فيه مشهورا وقد بسطنا الكلام في هذا وفيمن يسلم له حاله ومن لا يسلم في ~~قاعدة ذلك وبكل حال فالفناء الذي يفضي بصاحبه إلى مثل هذا حال نقاص وإن كان ~~صاحبه غير مكلف ولهذا لم يرد مثل هذا عن الصحابة الذين هم افضل الأمة ولا ~~عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان لهؤلاء في صعق موسى نوع تعلق ~~وإنما حدث زوال العقل عند الواردات الإلهية على بعض التابعين ومن بعدهم وإن ~~كانت المحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته ~~وعداوته فمن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه ~~ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما قال تعالى الصف إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص والمحب التام لا يؤثر فيه لوم ~~اللائم وعذل العاذل بل ذلك يغريه بملازمة المحبة كما قد اكثر الشعراء في ~~ذلك وهؤلاء هم أهل الملام المحمود وهم الذين لا يخافون من يلومهم على ما ~~يحب الله ويرضاه من جهاد أعدائه فإن الملام على ذلك كثير وأما الملام على ~~فعل ما يكرهه الله أو ترك ما أحبه فهو لوم بحق وليس من ذلك المحمود الصبر ~~على هذا الملام بل الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل وبهذا يحصل ~~الفرق بين الملامية الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم ~~في ذلك وبين الملامية الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصبرون على ~~الملام في ذلك PageV01P065 فصل وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني فالخوف ~~والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها فإن الراجي الطامع إنما يطمع ~~فيما يحبه لا فيما يبغضه والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب قال تعالى ~~الإسراء أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه الآية وقال ms72 البقرة إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ورحمته اسم جامع لكل خير وعذابه اسم لكل ~~شر ودار الرحمة الخالصة هي الجنة ودار العذاب الخالص هي النار وأما الدنيا ~~فدار استدارج فالرجاء وإن تعلق بدخول الجنة فالجنة اسم جامع لكل نعيم ~~وأعلاه النظر إلى وجه الله كما في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ~~صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد ~~يا اهل الجنة إن لكم عند الله موعد يريد أن ينجزكموهن فيقولون ما هو ألم ~~يبيض وجوها ألم يثقل موازيننا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار قال فيكشف ~~الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة ~~ومن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول من قال ما عبدتك شوقا إلى جنتك ولا ~~خوفا من نارك وإنما عبدتك شوقا إلى رؤيتك فإن هذا القائل ظن هو ومن تابعه ~~أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح والسماع ونحو ~~ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات كما يوافق على ذلك من ينكر رؤية الله من ~~الجهمية أو من يقر بها ويزعم أنه لا تمتع في نفس رؤية الله كما يقوله طائفة ~~من المتفقهة فهؤلاء متفقون على أن مسمى الجنة والآخرة لا يدخل فيه إلا ~~التمتع بالمخلوقات ولهذا قال بعض من غلط من المشايخ لما سمع قوله آل عمران ~~منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة قال فأين من يريد الله وقال آخر ~~التوبة إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة قال إذا ~~كانت النفوس والأموال بالجنة فأين النظر إليه وكل هذا لظنهم أن الجنة لا ~~يدخل فيها النظر والتحقيق أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم وأعلى ما ~~فيها النظر إلى وجه الله وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة كما أخبرت به ~~النصوص وكذلك اهل النار فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار مع أن قائل ms73 هذا ~~القول إذا كان عارفا بما يقول فإنما قصده إنك لو لم تخلق نارا ولو لم تخلق ~~جنة لكان يجب أن تعبد ويجب التقرب إليك والنظر إليك كما قال عمر رضي الله ~~عنه نعم العبد PageV01P066 صهيب لو لم يخف الله لم يعصه أي هو لم يعصه ولو ~~لم يخفه فإن إجلاله وإكرامه لله يمنعه من معصيته والراجي الخائف إذا تعلق ~~خوفه ورجاؤه بالتعذب باحتجاب الرب عنه والتنعم بتجلية فمعلوم أن هذا من ~~توابع محبته له فالمحبة هي أوجبت محبة التجلي والخوف من الاحتجاب وإن تعلق ~~خوفه ورجاؤه بالتعذب بمخلوق والتنعم به فهذا إنما يطلب ذلك بعبادة الله ~~المستلزمة محبته لله وهي أحلى من كل محبة ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك ~~أعظم من كل شيء كما في الحديث إن اهل الجنة يلهمون التسبيح كما تلهمون وهو ~~يبين غاية تنعمهم بذكر الله ومحبته فالخوف من التعذب بمخلوق والرجاء له ~~يسوقه إلى محبة الله التي هي الأصل وهذا كله ينبني على أصل المحبة فيقال قد ~~نطق الكتاب والسنة بمحبة العباد المؤمنين لله كما في قوله البقرة والذين ~~آمنوا أشد حبا لله وقوله المائدة يحبهم ويحبونه وقوله التوبة أحب إليكم من ~~الله ورسوله وجهاد في سبيله وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ ~~أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار بل محبة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وجبت لمحبة الله كما في قوله التوبة أحب إليكم من الله ورسوله وكما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن ~~أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي صحيح البخاري عن ~~عمر بن الخطاب أنه قال والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من ~~نفسي ms74 فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال والله لأنت أحب إلي من ~~نفسي وكذلك محبة صحابته وقرابته كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار وقال لا يبغض ~~الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر وقال علي رضي الله عنه إنه لعهد النبي ~~الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق وفي السنن أنه قال ~~للعباس والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبونكم لله ولقرابتي يعني بني ~~هاشم وقد روى حديث عن ابن عباس مرفوعا أنه قال أحبوا الله لما يغذوكم به من ~~نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي لأجلي وأما محبة الرب لعبده فقال ~~تعالى النساءواتخذ الله إبراهيم خليلا وقال تعالى المائدة يحبهم ويحبونه ~~وقال البقرة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين الحجرات وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين PageV01P067 التوبة فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب ~~المتقين التوبة فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين الصف ~~إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص آل عمران بلى من ~~أوفى بعهده وأتقى فإن الله يحب المتقين وأما الأعمال التي يحبها الله من ~~الواجبات والمستحبات الظاهرة والباطنة فكثيرة معروفة وكذلك حبه لأهلها وهم ~~المؤمنون أولياء الله المتقون وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة ~~والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث وجميع مشايخ الدين وأئمة ~~التصوف أن الله محبوب لذاته محبة حقيقة بل هي أكمل محبة فإنها كما قال ~~تعالى البقرة والذين آمنوا أشد حبا لله وكذلك هو سبحانه يحب ما يحب عباده ~~المؤمنون وما هو في الله محبة حقيقية وأنكر الجهمية حقيقة المحبة من ~~الطرفين زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب وأنه ~~لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب محبته وقاسوا به المحبة وكان أول من ~~أحدث هذا في الإسلام الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد ms75 ~~ابن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط خطب الناس يوم الأضحى فقال ~~أيها الناس ضحوا يقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن ~~الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه فكأنه قد ~~أخذ هذا المذهب عنه الجهم بن صفوان فأظهره عليه وإليه أضيف قول الجهمية ~~فقتله سلم ابن أحوز أمير خراسان بها ثم نقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو ~~ابن عبيد وأظهر قولهم في زمن الخليفة المأمون حتى امتحن أئمة الإسلام ودعوا ~~إلى الموافقة لهم عن ذلك وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة ~~والمتفسلفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفات ثبوتية ~~أصلا وهؤلاء هم أعداء إبراهيم الخليل عليه السلام وهم يعبدون الكواكب ~~ويبنون الهياكل للعقول والنجوم وغيرهما وهم ينكرون في الحقيقة أن يكون ~~إبراهيم خليلا وموسى كليما وأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للحب كما ~~قيل قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمى الخليل خليلا ويشهد لهذا ما ثبت في ~~الصحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لو كنت متخذا من ~~أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم PageV01P068 خليل الله ~~يعني نفسه وفي رواية إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت متخذ من أهل ~~الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وفي رواية إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ ~~إبراهيم خليلا فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلح له أن يتخذ من ~~المخلوقين خليلا وأنه لو يكون ذلك لكان احق الناس بها أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه مع أنه صلى الله عليه وسلم قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصا كما قال ~~معاذ والله إني لأحبك وكذلك قوله للأنصار وكان زيد بن حارثة حب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكذلك ابنه أسامة حبه وأمثال ذلك وقال له عمرو بن العاص ~~أي الناس أحب إليك قال عائشة قال فمن الرجال قال أبوها وقال لفاطمة رضي ~~الله ms76 عنها ألا تحبين ما أحب قالت بلى قال فأحبي عائشة وقال للحسن اللهم إني ~~أحبه فأحبه وأحب من يحبه وأمثال هذا كثير فوصف نفسه بمحبة الأشخاص وقال إني ~~أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة بحيث هي من كمالها وتخللها الحب ~~حتى يكون المحبوب بها محبوبا لذاته لا لشيء آخر إذ المحبوب لشيء غيره هو ~~مؤخر في المحبة عن ذلك الغير ومن كمالها لا تقبل الشركة والمزاحمة لتخللها ~~الحب ففيها كمال التوحيد وكمال الحب وإن الخلة أيضا تنافي المزاحمة وتقدم ~~الغير بحيث يكون المحبوب محبوبا لذاته لا يزاحمه فيها غيره وهذه محبة لا ~~تصلح إلا لله فلا يجوز أن يشركه غيره فيما يستحقه وهو محبوب لذاته وكل ما ~~يحب غيره إذا كان محبوبا بحق فإنما يحب لأجله وكل ما أحب لغيره فمحبته ~~باطلة في الدنيا والدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله تعالى فإذا ~~كانت الخلة كذلك فمن المعلوم أن من أنكر أن يكون الله محبوبا لذاته ينكر ~~مخاللته وكذلك أيضا إن أنكر محبته لأحد من عباده فقد انكر أن يتخذه خليلا ~~بحيث يحب الرب ويحبه العبد على أكمل ما يصلح للعبادة وكذلك تكليمه لموسى ~~أنكروه لإنكارهم أن يقوم به صفة من الصفات أو فعل من الأفعال فكما ينكرون ~~أن يتصف بحياة أو قدرة أو علم أو أن يستوى أو أن يجيء فكذلك ينكرون أن ~~يتكلم أو يكلم فهذا حقيقة قولهم البقرة كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ~~تشابهت قلوبهم لكن لما كان الإسلام ظاهرا والقرآن متلوا لا يمكن جحده لمن ~~أظهر الإسلام أخذوا يلحدون في أسماء الله ويحرفون الكلم عن مواضعه فتأولوا ~~محبة العباد له بمجرد محبتهم لطاعته والتقرب إليه وهذا جهل عظيم فإن محبة ~~المتقرب إلى المتقرب إليه PageV01P069 تابع لمحبته وفرع عليه فمن لا يحب ~~الشيء لا يمكن أن يحب التقرب إليه إذ التقرب وسيلة ومحبة الوسيلة تبع ms77 لمحبة ~~المقصود فيمتنع أن تكون الوسيلة إلى الشيء المحبوب هي المحبوب دون الشيء ~~المقصود بالوسيلة وكذلك العبادة والطاعة إذا قيل في المطاع المعبود إن هذا ~~يحب طاعته وعبادته فإن محبة ذلك تبع لمحبته وإلا فمن لا يحبه لا يحب طاعته ~~وعبادته ومن كان لا يعمل لغيره إلا لعوض يناله منه أو لدفع عقوبة فإنه يكون ~~معارضا له أو مفتديا منه لا يكون محبا له ولا يقال إن هذا يحبه ويفسر ذلك ~~بمحبة طاعته وعبادته فإن محبة المقصود وإن استلزمت محبة الوسيلة أو غير ~~محبة الوسيلة فإن ذلك يقتضي أن يعبر بلفظين محبة العوض والسلامة عن محبة ~~العمل أما محبة الله فلا تعلق لها بمجرد محبة العوض ألا ترى أن من استأجر ~~أجيرا بعضو لا يقال إن الأجير يحبه بمجرد ذلك بل قد يستأجر الرجل من لا ~~يحبه بحال بل من يبغضه وكذلك من افتدى نفسه بعمل من عذاب معذب لا يقال إنه ~~يحبه بل يكون مبغضا له فعلم أن ما وصف الله به عباده المؤمنين من أنهم ~~يحبونه يمتنع أن يكون معناه مجرد محبة العمل الذي ينالون به بعض الأغراض ~~المحبوبة من غير أن يكون ربهم محبوبا أصلا وأيضا فلفظ العبادة متضمن للمحبة ~~مع الذل كما تقدم ولهذا كانت محبة القلب للبشر على طبقات أحدها العلاقة فهو ~~تعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة وهو انصباب القلب إليه ثم الغرام وهو الحب ~~اللازم ثم العشق وآخر المراتب هو التتيم وهو التعبد للمحبوب والمتيم ~~المعبود وتيم الله عبد الله فإن المحب يبقى ذاكرا معبدا مذللا لمحبوبه ~~وأيضا فاسم الانابة إليه يقتضي المحبة أيضا وما أشبه ذلك من الأسماء كما ~~تقدم وأيضا فلو كان الذي قالوه حقا من كون ذلك مجازا لما فيه من الحذف ~~والاضمار فالمجاز لا يطلق إلا بقرينة تبين المراد ومعلوم أن ليس في كتاب ~~الله وسنة رسوله ما ينفي أن يكون الله محبوبا وأن لا يكون المحبوب إلا ~~الأعمال لا في الدلالة المتصلة ولا المنفصلة بل ولا في العقل أيضا ms78 فمن ~~علامات المجاز صحة إطلاق نفيه فيجب أن يصح إطلاق القول بان الله لا يحب ولا ~~يحب كما أطلق إمامهم الجعد بن درهم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم ~~موسى تكليما ومعلوم أن هذا ممتنع بإجماع المسلمين فعلم دلالة الإجماع على ~~أن هذا ليس مجازا بل هي حقيقة وأيضا فقد فرق بين محبته ومحبة العمل له في ~~قوله التوبة أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله كما فرق بين محبته ~~ومحبة رسوله في قوله أحب إليكم من الله ورسوله فلو كان المراد بمحبته ليس ~~إلا محبة العمل لكان هذا تكريرا أو من باب عطف الخاص PageV01P070 على العام ~~وكلاهما على خلاف ظاهر الكلام الذي لا يجوز المصير إليه إلا بدلالة تبين ~~المراد وكما أن محبته لا يجوز أن تفسر بمجرد محبة رسوله فكذلك لا يجوز ~~تفسيرها بمجرد محبة العمل وإن كانت محبته تستلزم محبة رسوله ومحبة العمل له ~~وأيضا فالتعبير بمحبة الشيء عن مجرد محبة طاعته لا عن محبة نفسه أمر لا ~~يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازا فحمل الكلام عليه تحريف محض وقد قررنا في ~~مواضع من القواعد الكبار أنه لا يجوز أن يكون غير الله محبوبا مرادا لذاته ~~كما لا يجوز أن يكون غير الله موجودا بذاته بل لا رب إلا الله ولا إله غيره ~~والإله هو المعبود الذي يستحق أن يحب لذاته ويعظم لذاته كمال المحبة ~~والتعظيم وكل مولود يولد على الفطرة فإنه سبحانه فطر القلوب على أنه ليس في ~~محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه إلا الله وحده وإن كل ما أحبه المحبوب ~~من مطعوم وملبوس ومنظور وملموس يجد من نفسه وإن قلبه يطلب شيئا سواه ويحب ~~أمرا غيره يتألهه ويصمد إليه ويطمئن إليه ويرى ما يشبهه من هذه الاجناس ~~ولهذا قال الله تعالى في كتابه الرعد ألا بذكر الله تطمئن القلوب وفي ~~الصحيح عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله قال إني خلقت ~~عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت ms79 عليهم ما احللت لهم وأمرتهم ان ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه كما نتنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول ~~أبو هريرة اقرءوا إن شئتم الروم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبيدل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم وأيضا فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت ~~الكمال فالله هو المستحق له على الكمال وكل ما في غيره من محبوب فهو منه ~~سبحانه وتعالى فهو المستحق لأن يحب على الحقيقة والكمال وإنكار محبة العبد ~~لربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودا كما أن إنكار محبته لعبده ~~يستلزم إنكار مشيئته وهو يستلزم إنكار كونه ربا خالقا فصار إنكارها مستلزما ~~لإنكار كونه رب العالمين ولكونه إله العالمين وهذا هو قول أهل التعطيل ~~والجحود ولهذا اتفقت الأمتان قبلنا على ما عندهم من مأثور وحكم عن موسى ~~وعيسى أن أعظم الوصايا أن تحب الله بكل قلبك وعقلك وقصدك وهذا هو حقيقة ~~الحنيفية ملة إبراهيم التي هي اصل شريعة التوراة والإنجيل والقرآن وإنكار ~~ذلك هو مأخوذ من مقال الصابئين أعداء إبراهيم الخليل ومن وافقهم على ذلك من ~~متفلسف أو متكلم أو متفقه أخذه عن هؤلاء وظهر ذلك في القرامطة الباطنية من ~~الاسماعيلية ولهذا قال الخليل إمام الحنفاء الشعراء أفرأيتم PageV01P071 ما ~~كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين وقال أيضا ~~الأنعام لا احب الآفلين وقال تعالى الشعراء يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا ~~من أتى الله بقلب سليم وهو السليم من الشرك وأما قولهم إنه لا مناسبة بين ~~المحدث والقديم توجب محبته له وتمتعه بالنظر إليه فهذا الكلام مجمل فإن ~~ارادوا بالمناسبة أنه ليس بوالد فهذا حق وإن أرادوا أنه ليس بينهما من ~~المناسبة ما بين الناكح والمنكوح والآكل والمأكول ونحو ذلك فهذا أيضا حق ~~وإن أرادوا أنه لا مناسبة بينهما ms80 توجب أن يكون أحدهما محبا عابدا والاخر ~~معبودا محبوبا فهذا هو رأس المسألة والاحتجاج به مصادرة على المطلوب ويكفي ~~في ذلك المنع ثم يقال بل لا مناسبة تقتضي المحبة الكاملة إلا المناسبة التي ~~بين المخلوق والخالق الذي لا إله غيره الذي هو في السماء إله وفي الأرض إله ~~وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وحقيقة قول هؤلاء أنهم جحدوا كون الله ~~معبودا في الحقيقة ولهذا وافق على هذه المسألة طوائف من الصوفية المتكلمين ~~الذين ينكرون أن يكون الله محبا في الحقيقة فأقروا بكونه محبوبا ومنعوا ~~كونه محبا لأنهم تصوفوا مع ما كانوا عليه من قول أولئك المتكلمة فأخذوا عن ~~الصوفية مذهبهم في المحبة وإن كانوا قد يخلطون فيه وأصل إنكارها إنما هو ~~قول المعتزلة ونحوهم من الجهمية فأما محبة الرب عبده فهم لها أشد إنكارا ~~ومنكروها قسمان قسم يتأولونها بنفس المفعولات التي يحبها العبد فيجعلون ~~محبته نفس خلقه وقسم يجعلونها نفس إرادته لتلك المفعولات وقد بسطنا الكلام ~~في ذلك في قواعد الصفات والقدر وليس هذا هو موضعها ومن المعلوم أنه قد دل ~~الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة على أن الله يحب ويرضى ما أمر بفعله من ~~واجب ومستحب وإن لم يكن ذلك موجودا وعلى أنه قد يريد وجود أمور يبغضها ~~ويسخطها من الأعيان والأفعال كالفسق والكفر وقد قال الله تعالى البقرة ~~والله لا يحب الفساد وقال تعالى الزمر ولا يرضى لعباده الكفر والمقصود هنا ~~إنما هو في ذكر محبة العباد لله وقد تبين أن ذلك هو أصل أعمال الإيمان ولم ~~يتبين بين أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان نزاع في ذلك ~~وكانوا يحركون هذه المحبة بما شرع الله أن تحرك به من أنواع العبادات ~~الشرعية كالعرفان الإيماني والسماع الفرقاني قال تعالى الشورى وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان إلى آخر السورة ثم ~~أنه لما طال الأمد صار في طائف المتكلمة من المعتزلة وغيرهم من ينكر هذه ~~المحبة وصار في بعض ms81 المتصوفة من يطلب تحريكها بأنواع من سماع PageV01P072 ~~الحديث كالتغيير وسماع المكاء والتصدية فيسمعون من الأقوال والأشعار ما فيه ~~تحريك جنس الحب الذي يحرك من كل قلب ما فيه من الحب بحيث يصلح لمحب الأوتار ~~والصلبان والاخوان والأوطان والمردان والنسوان كما يصلح لمحب الرحمن ولكن ~~كان الذين يحضرونه من الشيوخ يشترطون له المكان والإمكان والخلان وربما ~~اشترطوا له الشيخ الذي يحرس من الشيطان ثم توسع في ذلك غيرهم حتى خرجوا في ~~ذلك إلى أنواع من المعاصي بل إلى نوعم الفسوق بل خرج فيه طوائف إلى الكفر ~~الصريح بحيث يتواجدون على أنواع من الأشعار التي فيها الكفر والإلحاد مما ~~هو من أعظم أنواع الفساد وينتج ذلك لهم من الأحوال بحسبه كما تنتج لعباد ~~المشركين وأهل الكتاب عباداتهم بحسبها والذي عليه محققوا المشايخ أنه كما ~~قال الجنيد رحمه الله من تكلف السماع فتن به ومن صادفه استراح به ومعنى ذلك ~~أنه لا يشرع الاجتماع لهذا السماع المحدث ولا يؤمر به ولا يتخذ دينا وقربة ~~وأن القرب والعبادات إنما تؤخذ عن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فكما أنه ~~لا حرام إلا ما حرمه الله فإنه لا دين إلا ما شرعه الله قال الله تعلى ~~الشورى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله ولهذا قال آل ~~عمران قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم فجعل ~~محبتهم لله موجبة لمتابعة رسوله وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الله لهم ~~قال أبي بن كعب رضي الله عنه عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما من عبد على ~~السبيل والسنة ذكر الله فاقشعر جلده من مخافة الله إلا تحاتت عنه خطاياه ~~كما يتحات الورق اليابس عن الشجرة وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله ~~خاليا ففاضت عيناه من مخافة الله إلا لم تمسه النار أبدا وإن اقتصادا في ~~سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون أعمالكم ~~اقتصادا واجتهادا على منهاج الأنبياء وسنتهم وهذا مبسوط في غير هذا ms82 الموضع ~~فلو كان هذا مما يؤمر به ويستحب وتصلح به القلوب للمعبود المحبوب لكان ذلك ~~مما دلت الأدلة الشرعية عليه ومن المعلوم أنه لم يكن في القرون الثلاثة ~~المفضلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني الذي بعثت ~~فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم لا في الحجاز ولا في الشام ولا في ~~اليمن ولا في العراق ولا في مصر ولا في خراسان أحد من أهل الخير والدين ~~يجتمع على السماع المبتدع لصلاح القلوب ولهذا كرهه الأئمة كالإمام أحمد ~~وغيره وعده الشافعي من إحداث الزنادقة PageV01P073 حين قال خلفت ببغداد ~~شيئا أحدثه الزنادقة يسموه التغيير يصدون به الناس عن القرآن وأما مالا ~~يقصده الإنسان من الاستماع فلا يترتب عليه نهى ولا ذم باتفاق الآئمة ولهذا ~~إنما يترتب الذم والمدح على الاستماع لا على السماع فالمستمع للقرآن يثاب ~~عليه والسامع له من غير قصد لا يثاب على ذلك إذ الأعمال بالنيات وكذلك ما ~~ينهى عن استماعه من الملاهي لو سمعه السامع بدون قصد لم يضره ذلك فلو استمع ~~السامع بيتا يناسب بعض حاله تحرك ساكنه المحمود وأزعج قاطنه المحبوب أو ~~تمثل بذلك ونحو ذلك لم يكن ذلك مما ينهى عنه وإن كان المحمود الحسن حركة ~~قلبه التي يحبها الله ورسوله أو التي تتضمن فعل ما يحبه الله وترك ما يكرهه ~~كالذي اجتاز ببيت فسمع قائلا يقول كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فأخذ منه ~~إشارة تناسب حاله فإن الاشارة من باب القياس والاعتبار وضرب الأمثال ومسألة ~~السماع كبيرة منتشرة قد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع والمقصود ههنا أن ~~المقاصد المطلوبة للمريدين تحصل بالسماع الايماني القرآني النبوي الديني ~~الشرعي الذي هو سماع النبيين وسماع العالمين وسماع العارفين وسماع المؤمنين ~~قال الله تعالى مريم أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ~~إلى قوله إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا وقال تعالى الإسراء ~~إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان ms83 سجدا إلى قوله ~~ويزيدهم خشوعا وقال تعالى المائدة وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق وقال تعالى الأنفال إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا الآية ~~وقال تعالى الزمر الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم الآية وكما مدح المقبلين على هذا السماع فقد ذم المعرضين ~~عنه في مثل قوله لقمان ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~بغير علم ويتخذها هزوا إلى قوله وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم ~~يسمعها الآية وقال تعالى الفرقان والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا ~~عليها صما وعميانا وقال تعالى الأنفال ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~الآية PageV01P074 وقال تعالى فصلت وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون وقال تعالى المدثر فما لهم عن التذكرة معرضين ~~كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ومثل هذا كثير في القرآن وهذا كان سماع سلف ~~الأمة وأكابر مشايخها وأئمتها كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ ~~كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي سليمان الدراراني ومعروف الكرخي ~~ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وامثال هؤلاء وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي ~~موسى الأشعري يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يسمعون ويبكون وكان أصحاب ~~محمد إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ القرآن والباقي يستمعون وقد ثبت ~~في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فجعل ~~يستمع لقراءته وقال لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود وقال مررت بك ~~البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال لو علمت أنك تسمع لحبرته لك ~~تحبيرا أي لحسنته لك تحسينا وقال زينوا القرآن بأصواتكم وقال الله أشد أذنا ~~إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته أذنا أي استماعا ~~كقوله الانشقاق وأذنت لربها وحقت أي استمعت وقال صلى الله عليه وسلم ما أذن ~~الله ms84 لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به وقال ليس منا من لم ~~يتغن بالقرآن ولهذا السماع من المواجيد العظيمة والأذواق الكريمة ومزيد ~~المعارف والأحوال الجسيمة مالا يسعه خطاب ولا يحويه كتاب كما أن في تدبر ~~القرآن وتفهمه من مزيد العلم والإيمان مالا يحيط به بيان ومما ينبغي التفطن ~~له أن الله سبحانه قال في كتابه آل عمران قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله قال طائفة من السلف أدعى قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الاية قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله الآية فبين سبحانه أن محبته توجب اتباع الرسول وأن ابتاع ~~الرسول يوجب محبة الله للعبد وهذه محبة امتحن الله بها أهل دعوى محبة الله ~~فإن هذا الباب يكثر فيه الدعاوى والاشتباه ولهذا يروى عن ذي النون المصري ~~أنهم تكلموا في مسألة المحبة عنده فقال اسكتوا عن هذه المحبة لا تسمعها ~~النفوس فتدعيها وقال بعضهم من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبد الله ~~بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجيء ومن عبده بالحب ~~والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد وذلك لأن الحب المجرد تتبسط النفوس فيه حتى ~~تتسع في أهوائها إذا لم يزعها وازع الخشية لله حتى قالت اليهود والنصارى ~~PageV01P075 المائدة نحن أبناء الله وأحباؤه ويوجد في مدعى المحبة من ~~مخالفة الشريعة مالا يوجد في أهل الخشية ولهذا قرن والخشية بها في قوله ق ~~هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها ~~بسلام ذلك يوم الخلود وكان المشايخ المصنفون في السنة يذكرون في عقائدهم ~~مجانبة من يكثر دعوى المحبة والخوض فيها من غير خشية لما في ذلك من الفساد ~~الذي وقع فيه طوائف من المتصوفة وما وقع في هؤلاء من فساد الإعتقاد ~~والأعمال أوجب إنكار طوائف لأصل طريقة المتوصفة بالكلية حتى صار المنحرفون ~~صنفين صنف يقر بحقها وباطلها وصنف ينكر حقها وباطلها كما عليه طوائف ms85 من أهل ~~الكلام والفقه والصواب إنما هو الإقرار بما فيه وفي غيرها من موافقة الكتاب ~~والسنة والإنكار لما فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب والسنة وقال تعالى آل ~~عمران قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم فاتباع ~~سنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتباع شريعته باطنا وظاهرا هي موجب محبة ~~الله كما أن الجهاد في سبيله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه هو حقيقتها ~~كما في الحديث أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وفي الحديث من ~~أحب لله وابغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل المحبة وكثير ممن يدعى ~~المحبة هو أبعد من غيره عن ابتاع السنة وعن الأمر بالمعروف وعن النهي عن ~~المنكر والجهاد في سبيل الله ويدعى مع هذا أن ذلك أكمل لطريق المحبة من ~~غيره لزعمه أن طريق المحبة لله ليس فيه غيرة ولا غضب لله وهذا خلاف ما دل ~~عليه الكتاب والسنة ولهذا في الحديث المأثور يقول الله تعالى يوم القيامة ~~اين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي فقوله أين ~~المتحابون بجلال الله تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه ~~والتحاب فيه وبذلك يكونون حافظين لحدوده دون الذين لا يحفظون حدوده لضعف ~~الإيمان في قلوبهم وهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث حقت محبتي للمتحابين في ~~وحقت محبتي للمتجالسين في وحقت محبتي للمتزاورين في وحقت محبتي للمتابذلين ~~في والأحاديث في المتحابين لله كثيرة وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حديث أبي هريرة سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام ~~عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل PageV01P076 قلبه معلق بالمسجد إذا خرج ~~منه حتى يرجع إليه ورجلان تحابا في الله واجتمعا وتفرقا عليه ورجل تصدق ~~بصدقة فاخفاها حتى لاتعلم شماله ما أنفقت يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت ~~عيناه ورجل دعته امرأة ذات نسب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين وأصل ~~المحبة هو معرفة الله سبحانه وتعالى ولها ms86 أصلان أحدهما وهو الذي يقال له ~~محبة العامة لأجل إحسانه إلى عباده وهذه المحبة على هذا الأصل لا ينكرها ~~أحد فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من اساء إليها والله ~~سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة فإنه المتفضل بجميع النعم وإن ~~جرت بواسطة إذ هو ميسر الوسائط وسبب الأسباب لكن هذه المحبة إذا لم تجذب ~~القلب إلى محبة الله نفسه فما أحب العبد في الحقيقة إلا نفسه وهذا ليس ~~بمذموم بل محمود وهذه المحبة هي المشار إليها بقوله أحبوا الله لما يغذوكم ~~به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهلي بحبي والمتقصر على هذه هو لم يعرف ~~من جهة الله ما يستوجب أنه يحبه إلا للإحسان إليه وهذا كما قالوا إن الحمد ~~لله على نوعين حمد هو شكر وذلك لا يكون إلا على نعمته وحمد هو ثناء عليه ~~ومحبة له وهو بما يستحقه لنفسه سبحانه فكذلك الحب فإن الأصل الثاني هو ~~محبته لما هو أهل وهذا حب من عرف من الله ما يستحق أن يحب لأجله وما من وجه ~~من الوجوه التي يعرف الله بها مما دلت عليه أسماؤه وصفاته إلا وهو يستحق ~~المحبة الكاملة من ذلك الوجه حتى جميع مفعولاته إذ كل نعمة منه فضل وكل ~~نقمة منه عدل ولهذا استحق ان يكون محمودا على كل حال ويستحق أن يحمد على ~~السراء والضراء وهذا أعلى وأكمل وهذا حب الخاصة وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة ~~النظر إلى وجهه الكريم ويتلذذون بذكره ومناجاته ويكون ذلك لهم أعظم من ~~الماء للسمك لو أنقطعوا عن ذلك لوجدوا من الألم مالا يطيقون وهم السابقون ~~كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بجبل يقال ~~له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا يا رسول الله من ~~المفردون قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات وفي رواية أخرى قال المستهترون ~~بذكر الله يضع الذكر عنهم اثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا وفي حديث هارون ~~بن عنترة عن ms87 أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال موسى يا رب أي عبادك ~~أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني PageV01P077 قال أي عبادك أعلم قال ~~الذي يطلب علم الناس إلى علمه ليجد كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردي قال ~~أي عبادك أحكم قال الذي يحكم على نفسه كما يحكم على غيره ويحكم لغيره كما ~~يحكم لنفسه فذكر في هذا الحديث الحب والعلم والعدل وذلك جماع الخير ومما ~~ينبغي التفطن له أنه لا يجوز أن يظن في باب محبة الله تعالى ما يظن في محبة ~~غيره مما هو من جنس التجني والهجر والقطيعة لغير سبب ونحو ذلك مما قد يغلط ~~فيه طوائف من الناس حتى يتمثلون في حبه بجنس ما يتمثلون به في حب من يصد ~~ويقطع بغير ذنب أو يبعد من يتقرب إليه وإن غلط في ذلك من غلط من المصنفين ~~في رسائلهم حتى يكون مضمون كلامهم إقامة الحجة على الله بل لله الحجة ~~البالغة وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ~~ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ~~ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وفي بعض الآثار يقول ~~الله تعالى أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيارتي وأهل طاعتي أهل ~~كرامتي وأهل معصيتي أؤيسهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم لأن الله يحب ~~التوابين وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب حتى أطهرهم من ~~المعايب وقال تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ~~قيل الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن ينقص من حسنات نفسه وقال ~~تعالى وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر ~~رضي الله عنه قال يقول الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما ms88 فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ~~يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا ~~من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر ~~الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني ~~ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا ~~على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ~~يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد ~~PageV01P078 فسألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا ~~كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ~~وما رواه البخاري عن شداد بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ~~الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك ~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي ~~وابوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا ~~بها فمات في يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته ~~دخل الجنة فالعبد دائما بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر وذنب منه ~~يحتاج فيه إلى أستغفار وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائما فإنه لا ~~يزال يتقلب في نعم الله وآلائه ولا يزال محتاجا إلى التوبة والاستغافر ~~ولهذا كان سيد ولد آدم وإمام المتقين يستغفر في جميع الأحوال وقال صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أيها الناس توبوا إلى ربكم ~~فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة وقال ms89 عبد الله بن عمر كنا نعد لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد يقول رب أغفر لي وتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم مائة مرة وقال إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم اثنتين ~~وسبعين مرة وفي صحيح مسلم أنه قال إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في ~~اليوم مائة مرة ولهذا شرع الاستغفار في خواتيم الأعمال قال تعالى آل عمران ~~والمستغفرين بالأسحار قال بعضهم أحيوا الليل بالصلاة فلما كان وقت السحر ~~أمروا بالاستغفار وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من ~~صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال ~~والإكرام وقال تعالى البقرة فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام إلى قوله واستغفروا الله إن الله غفور رحيم وقد أمر الله نبيه بعد ~~أن بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهادة وأتى بما أمر الله به مما لم يصل ~~إليه غيره فقال إذا جاء نصر الله والفتح رأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ولهذا كان قوام الدين ~~بالتوحيد والاستغفار كما قال الله تعالى أول هود الر كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا الآية وقال تعالى فصلت ~~فاستقيموا إليه واستغفروه PageV01P079 وقال تعالى محمد فاعلم أنه لا إله ~~إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ولهذا جاء في الحديث يقول ~~الشيطان أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار وقال ~~يونس الأنبياء لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا ركب دابته يحمد الله ثم يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا ~~أنت ظلمت نفسي فاغفر لي وكفارة المجلس التي كان يختم بها المجلس والوضوء ~~سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك والله أعلم ~~وصلى الله على ms90 محمد وسلم PageV01P080 * حذف * فهرس PageV01P081 ms91