######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001512 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أمراض القلب وشفاؤها #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001512 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1512 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1512 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1399هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المطبعة السلفية - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وأصحابه وسلم تسليما ### | فصل في أمراض القلوب وشفائها # قال الله تعالى عن المنافقين البقرة في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال ~~تعالى الحج ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم وقال الأحزاب لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون ~~في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا وقال المدثر ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ماذا اراد الله بهذا مثلا وقال تعالى يونس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء ~~لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وقال الإسراء وننزل من القرآن ماهو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا وقال التوبة ويشف صدور قوم ~~مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ومرض البدن خلال صحته وصلاحه وهو فساد يكون فيه ~~يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية فإدراكه إما أن يذهب كالعمى والصمم وإما أن ~~يدرك الأشياء على خلاف ما هي عليه كما يدرك الحلو مرا وكما يخيل إليه أشياء ~~لا حقيقة لها في الخارج وأما فساد حركته الطبيعية فمثل أن تضعف قوته عن ~~الهضم أو مثل أن يبغض الأغذية التي يحتاج إليها ويحب الاشياء التي تضره ~~ويحصل له من الالام # PageV01P003 # بحسب ذلك ولكن مع ذلك المرض لم يمت ولم يهلك بل فيه نوع قوة على إدراك ~~الحركة الارادية في الجملة فيتولد من ذلك ألم يحصل في البدن إما بسبب فساد ~~الكمية أو الكيفية فالأول إما لنقص المادة فيحتاج إلى غذاء وإما بسب ~~زيادتها فيحتاج إلى استفراغ والثاني كقوة في الحرارة والبرودة خارج عن ~~الاعتدال فيداوى وكذلك مرض القلب هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره ~~وإرادته فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى ms01 لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما ~~هو عليه وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار فلهذا يفسر المرض ~~تارة بالشك والريب كما فسر مجاهد وقتادة قوله البقرة في قلوبهم مرض أي شك ~~وارة يفسر بشوة الزنا كما فسر به قوله الأحزاب فيطمع الذي في قلبه مرض في ~~قلبه مرض ولهذا صنف الخرائطي كتاب اعتلال القلوب أي مرضها وأراد به مرضها ~~بالشهوة والمريض يؤذيه مالا يؤذي الصحيح فيضره يسير الحر والبرد والعمل ~~ونحو ذلك من الأمور التي لا يقوى عليها لضعفه بالمرض والمرض في الجملة يضعف ~~المريض بجعل قوته ضعيفة لا تطيق ما يطيقه القوى والصحة تحفظ بالمثل وتزال ~~بالضد والمرض يقوى بمثل سببه ويزول بضده فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد ~~مرضه وزاد ضعف قوته حتى ربما يهلك وإن حصل له ما يقوى القوة ويزيل المرض ~~كان بالعكس ومرض القلب ألم يحصل في القلب كالغيظ من عدو استولى عليك فإن ~~ذلك يؤلم القلب قال الله تعالى التوبة ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ ~~قلوبهم فشفاؤهم بزوال ما حصل في قلوبهم من الالم ويقال فلان شفى غيظه وفي ~~القود استشفاء أولياء المقتول ونحو ذلك فهذا شفاء من الغم والغيظ والحزن ~~وكل هذه آلام تحصل في النفس وكذلك الشك والجهل يؤلم القلب قال النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) هلا سألوا إذا لم يعلموا فإن شفاء العي السؤال والشاك في ~~الشيء المرتاب فيه يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين ويقال للعالم الذي ~~اجاب بما يبين الحق قد شفاني بالجواب والمرض دون الموت فالقلب يموت بالجهل ~~المطلق ويمرض بنوع من الجهل فله موت ومرض وحياة وشفاء وحياته وموته ومرضه ~~وشفاؤه أعظم من حياة البدن وموته ومرضه وشفائه فلهذا مرض القلب إذا ورد ~~عليه شبهة أو شهوة # PageV01P004 # قوت مرضه وإن حصلت له حكمة وموعظة كانت من أسباب صلاحه وشفاءه قال تعالى ~~الحج ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض لأن ذلك أورث شبهة ~~عندهم والقاسية قلوبهم ليبسها فأولئك ms02 قلوبهم ضعيفة بالمرض فصار ما ألقى ~~الشيطان فتنة لهم وهؤلاء كانت قلوبهم قاسية عن الايمان فصار فتنة لهم وقال ~~الأحزاب لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~كما قال المدثر وليقول الذين في قلوبهم مرض لم تمت قلوبهم كموت قلوب الكفار ~~والمنافقين وليست صحيحة صالحة كصالح قلوب المؤمنين بل فيهامرض شبهة وشهوات ~~وكذلك الأحزاب فيطمع الذي في قلبه مرض وهو مرض الشهوة فإن القلبالصحيح لو ~~تعرضت له المرأة لم يلتفت إليها بخلاف القلب المريض بالشهوة فإنه لضعفه ~~يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه فإذا خضعن بالقول طمع ~~الذي في قلبه مرض والقرآن شفاء لما في الصدور ومن في قلبه أمراض الشبهات ~~والشهوات ففيه من البينات ما يزيل الحق من الباطل فيزيل أمراض الشبهة ~~المفسدة للعلم والتصور والادراك بحيث يرى الاشياء على ما هي عليه وفيه من ~~الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة ما يوجب ~~صلاح القلب فيرغب القلب فيما ينفعه ويرغب عما يضره فيبقى القلب محبا للرشاد ~~مبغضا للغي بعد أن كان مريدا للغي مبغضا للرشاد فالقرآن مزيل للأمراض ~~الموجبة للإرادات الفاسدة حتى يصلح القلب فتصلح إرادته ويعود إلى فطرته ~~التي فطر عليها كما يعود البدن إلى الحال الطبيعي ويغتذي القلب من الايمان ~~والقرآن بما يزكيه ويؤيده كماي يتغذى البدن بما ينميه ويوقمه فإن زكاة ~~القلب مثل نماء البدن والزكاة في اللغة النماء والزيادة في الصلاح يقال زكا ~~الشيء إذا نما في الصلاح فالقلب يحتاج ان يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح ~~كما يحتاج البدن أن يربى بالأغذية المصلحة له ولا بد مع ذلك من منع ما يضره ~~فلا ينمو البدن إلا باعطاء ما ينفعه ومنع ما يضره وكذلك القلب لا يزكو ~~فينمو ويتم صلاحه إلا بحصول ما ينفعه ودفع ما يضره وكذلك الزرع لا يزكو إلا ~~بهذا والصدقة لما كانت تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار صار القلب يزكو ~~بها وزكاته معنى زائد على طهارته من الذنب ms03 قال الله تعالى التوبة خذ # PageV01P005 # من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وكذلك ترك الفواحش يزكو به القلب ~~وكذلك ترك المعاصي فإنها بمنزلة الاخلاط الرديئة في البدن ومثل الدغل في ~~الزرع فإذا استفرغ البدن من الاخلاط الرديئة كاستخراج الدم الزائد تخلصت ~~القوة الطبيعية واستراحت فينمو البدن وكذلك القلب إذاتاب من الذنوب كان ~~استفراغا من تخليطاته حيث خلط عملا صالحا وآخر شيئا فإذا تاب من الذنوب ~~تخلصت قوة القلب وإراداته للأعمال الصالحة واستراح القلب من تلك الحوادث ~~الفاسدة التي كانت فيه فزكاة القلب بحيث ينمو ويكمل قال تعالى النور ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد ابدا وقال تعالى النور وإن قيل ~~لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم وقال النور قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما ينصعون وقال تعالى الاعلى قد ~~افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى وقال تعالى الشمس قد أفلح من زكاها وقد خاب ~~من دساها وقال تعالى عبس وما يدريك لعله يزكى وقال تعالى النازعات فقل هل ~~لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فالتزكية وإن كان أصلها النماء ~~والبركة وزيادة الخير فإنما تحصل بإزالة الشر فلهذا صار التزكي يجمع هذا ~~وهذا وقال فصلت وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهي التوحيد والإيمان ~~الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب وإثبات ~~إليهة الحق في القلب وهو حقيقة لا إله إلا الله وهذا أصل ما تزكو به القلوب ~~والتزكية جعل الشيء زكيا إما في ذاته وإما في الإعتقاد والخبر كما يقال ~~عدلته إذا جعلته عدلا في نفسه أو في اعتقاد الناس قال تعالى النجم فلا ~~تزكوا أنفسكم أي تخبروا بزكاتها وهذا غير قوله الشمس قد افلح من زكاها ~~ولهذا قال النجم هو أعلم بمن اتقى وكان اسم زينب برة فقيل تزكى نفسها ~~فسماها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) زينب وأما قوله النساء ألم تر إلى ~~الذين يزكون أنفسهم بل الله ms04 يزكي من يشاء أي يجعله زاكيا ويخبر بزكاته كما ~~يزكى المزكي الشهود بعدلهم والعدل هو الاعتدال والاعتدال هو صلاح القلب كما ~~أن الظلم فساده ولهذا جميع الذنوب يكون الرجل فيها ظالما لنفسه والظلم خلاف ~~العدل فلم # PageV01P006 # يعدل على نفسه بل ظلمها فصلاح القلب في العدل وفساده في الظلم وإذا ظلم ~~العبد نفسه فهو الظالم وهو المظلوم كذلك إذا عدل فهو العادل والمعدول عليه ~~فمنه العمل وعليه تعود ثمرة العمل من خير وشر قال تعالى البقرة لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت والعمل له أثر في القلب من نفع وضر وصلاح قبل أثره في ~~الخارج فصلاحها عدل لها وفسادها ظلم لها قال تعالى فصلت من عمل صالحا ~~فلنفسه ومن أساء فعليها وقال تعالى الإسراء إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن ~~أسأتم فلها قال بعض السلف إن للحسنة لنورا في القلب وقوة في البدن وضياء في ~~الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة لظلمة في القلب وسوادا ~~في الوجه ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضا في قلوب الخلق وقال تعالى ~~الطور كل امرئ بما كسب رهين وقال تعالى المدثر كل نفس بما كسبت رهينة وقال ~~الأنعام وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع ~~وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا وتبسل أي ترتهن ~~وتحبس وتؤسر كما أن الجسد إذا صح من مرضه قيل قد اعتدل مزاجه والمرض إنما ~~هو انحراف المزاج مع أن الاعتدال المحض السالم من الأخلاط لا سبيل إليه ~~ولكن الأمثل فالأمثل فهكذا صحة القلب وصلاحه في العدل ومرضه من الزيغ ~~والظلم والانحراف والعدل المحض في كل شيء متعذر علما وعملا ولكن الأمثل ~~فالأمثل ولهذا يقال هذا أمثل ويقال للطريقة السلفية الطريقة المثلى وقال ~~تعالى النساء ولن تستعطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم وقال تعالى ~~الأنعام وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها والله تعالى ~~بعث الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس ms05 بالقسط وأعظم القسط عبادة الله وحده لا ~~شريك له ثم العدل على الناس في حقوقهم ثم العدل على النفس والظلم ثلاثة ~~أنواع والظلم كله من أمراض القلوب والعدل صحتها وصلاحها قال أحمد بن حنبل ~~لبعض الناس لو صححت لم تخف أحدا أي خوفك # PageV01P007 # من المخلوق هو من مرض فيك كمرض الشرك والذنوب وأصل صلاح القلب هو حياته ~~واستنارته قال تعالى الأنعام أو من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي ~~به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها لذلك ذكر الله حياة القلوب ~~ونورها وموتها وظلمتها في غير موضع كقوله ياسين لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين وقوله تعالى الأنفال يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ثم قال واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ~~وأنه إليه تحشرون وقال تعالى الروم يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ~~ومن أنواعه أن يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن وفي الحديث الصحيح ~~مثل البيت يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت ~~وفي الصحيح أيضا اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذها قبورا وقد قال ~~تعالى الأنعام والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات وذكر سبحانه آية ~~النور وآية الظلمة فقال النور الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة ~~زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ~~فهذا مثل نور الايمان في قلوب المؤمنين ثم قال النور والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~وفوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه ~~موج فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور فالأول مثل الاعتقادات الفاسدة والأعمال ~~التابعة ms06 لها يحسبها صاحبها شيئا ينفعه فإذا جاءها لم يجدها شيئا ينفعه ~~فوفاه الله حسابه على تلك الأعمال والثاني مثل للجهل البسيط وعدم الايمان ~~والعلم فإن صاحبها في ظلمات بعضها فوق بعض لا يبصر شيئا فإن البصر إنما هو ~~بنور الإيمان والعلم قال تعالى الأعراف إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وقال تعالى يوسف ولقد همت به وهم بها لولا ~~أن رأى برهان ربه وهو برهان الإيمان الذي حصل في قلبه فصرف الله به ما كان ~~هم به وكتب له حسنة كاملة ولم يكتب عليه خطيئة إذ فعل خيرا ولم يفعل سيئة ~~وقال تعالى # PageV01P008 # إبراهيم لتخرج الناس من الظلمات إلى النور وقال البقرة الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات وقال الحديد يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ولهذا ضرب الله ~~للإيمان مثلين مثلا بالماء الذي به الحياة وما يتقرن به من الزبد ومثلا ~~بالنار التي بها النور وما يقترن بما يوقد عليه من الزبد وكذلك ضرب الله ~~للنفاق مثلين قال تعالى الرعد أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ~~زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع ~~الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال وقال تعالى في المنافقين ~~البقرة مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السماء فيه ~~ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط ~~بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم ~~قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير فضرب لهم ~~مثلا بالذي أوقد النار ms07 كلما أضاءت أطفاها الله والمثل المائي كالماء النازل ~~من السماء وفيه ظلمات ورعد وبرق ولبسط الكلام في هذه الأمثال موضع آخر ~~وإنما المقصود هنا ذكر حياة القلوب وإنارتها وفي الدعاء المأثور اجعل ~~القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا والربيع هو المطر الذي ينزل من السماء ~~فينبت به النبات قال النبي (صلى الله عليه وسلم) إن مما ينبت الربيع ما ~~يقتل حبطا أو يلم والفصل الذي ينزل فيه أول المطر تمسيه العرب الربيع لنزول ~~المطر الذي ينبت الربيع فيه وغيرهم يسمى الربيع الفصل الذي يلي الشتاء فإن ~~منه تخرج الأزهار التي تخلق منها الثمار وتنبت الاوراق على الاشجار والقلب ~~الحي المنور فإنه لما فيه من النور يسمع ويبصر ويعقل والقلب الميت فإنه لا ~~يسمع ولا يبصر قال تعالى البقرة ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بمالا ~~يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون وقال تعالى يونس ومنهم من ~~يستعمون إليكم أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون # PageV01P009 # ومنهم من ينظر إليكم أفأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون وقال تعالى ~~الأنعام ومنهم من يستمع إليكم وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم ~~وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين ~~كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين الآيات فأخبر أنهم لا يفقهون بقلوبهم ولا ~~يسمعون بآذانهم ولا يؤمنون بما رأوه من النار كما أخبر عنهم حيث قالوا فصلت ~~قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ~~فذكروا الموانع على القلوب والسمع والأبصار وأبدانهم حية تسمع الأصواب وترى ~~الأشخاص لكن حياة البدن بدون حياة القلب من جنس حياة البهائم لها سمع وبصر ~~وهي تأكل وتشرب وتنكح ولهذا قال تعالى البقرة ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء فشبههم بالغنم التي ينعق بها الراعي وهي ~~لا تسمع إلا نداء كما قال في الآية الأخرى الفرقان أم تحسب أن أكثرهم ~~يسمعون أو يعقلون إن هم إلا ms08 كالأنعام بل هم أضل سبيلا وقال تعالى الأعراف ~~ولقد ذرأنا لجنهم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل فطائفة من ~~المفسرين تقول في هذه الآيات وما أشبهها كقوله يونس وإذا مس الإنسان الضر ~~دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر ~~مسه وأمثالها مما ذكر الله في عيوب الإنسان وذمها فيقول هؤلاء هذه الاية في ~~الكفار والمراد بالإنسان هنا الكافر فيبقى من يسمع ذلك يظن أنه ليس لمن ~~يظهر الإسلام في هذا الذم والوعيد نصيب بل يذهب وهمه إلى من كان مظهرا ~~للشرك من العرب أو إلى من يعرفهم من مظهري الكفر كاليهود والنصارى ومشركي ~~الترك والهند ونحو ذلك فلا ينتفع بهذه الآيات التي أنزلها الله ليهتدي بها ~~عباده فيقال أولا المظهرون للإسلام فيهم مؤمن ومنافق والمنافقون كثيرون في ~~كل زمان والمنافقون في الدرك الأسفل من النار ويقال ثانيا الإنسان قد يكون ~~عنده شعبة من نفاق وكفر وإن كان معه إيمان كما قال النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) في الحديث المتفق عليه أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه ~~خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان # PageV01P010 # وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر فأخبر أنه من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه ~~خصلة من النفاق وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه قال لأبي ذر إنك امرؤ فيك ~~جاهلية وأبو ذر رضي الله عنه من أصدق الناس إيمانا وقال في الحديث الصحيح ~~أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة ~~والاستسقاء بالنجوم وقال في الحديث الصحيح لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو ~~القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود والنصارى قال فمن ~~وقال أيضا في الحديث الصحيح لتأخذن أمتي ما أخذت الأمم قبلها شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع قالوا فارس ms09 والروم قال ومن اناس إلا هؤلاء وقال ابن أبي مليكة ~~أدركت ثلاثين من أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) كلهم يخاف النافق على ~~نفسه وعن علي أو حذيفة رضي الله عنهما قال القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج ~~يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أغلف فذاك قلب الكافر وقلب منكوس فذاك قلب ~~المنافق وقلب فيه مادتان مادة تمده الإيمان ومادة تمده النفاق فأولئك قوم ~~خطلوا عملا صالحا وآخر سيئا وإذا عرف هذا علم أن كل عبد ينتفع بما ذكر الله ~~في الايمان من مدح شعب الايمان وذم شعب الكفر وهذا كما يقول بعضهم في قوله ~~اهدنا الصراط المستقيم فيقولون المؤمن قد هدى إلى الصراط المستقيم فأي ~~فائدة في طلب الهدى ثم يجيب بعضهم بأن المراد ثبتنا على الهدى كما تقول ~~العرب للنائم نم حتى آتيك أو يقول بعضهم ألزم قلوبنا الهدى فحذف الملزوم ~~ويقول بعضهم زدني هدى وإنما يوردون هذا السؤال لعدم تصورهم الصراط المستقيم ~~الذي يطلب العبد الهداية إليه فإن المراد به العمل بما أمر الله به وترك ما ~~نهى الله عنه في جميع الأمور والإنسان وإن كان أقر بأن محمدا رسول الله وأن ~~القرآن حق على سبيل الإجمال فأكثر ما يحتاج إليه من العلم بما ينفعه ويضره ~~وما أمر به وما نهى عنه في تفاصيل الأمور وجزئياتها لم يعرفه وما عرفه ~~فكثير منه لم يعمله ولو قدر أنه بلغه كل امر ونهى في القرآن والسنة فالقرآن ~~والسنة إنما تذكر فيهما الأمور العامة الكلية لا يمكن غير ذلك لا يذكر ~~مايخص به كل عبد ولهذا أمر الإنسان في مثل ذلك بسؤال الهدى إلى الصراط ~~المستقيم والهدى إلى الصراط المستقيم يتناول هذا كله يتناول التعريف بما ~~جاء به الرسول مفصلا ويتناول التعريف بما يدخل في أوامره الكليات ويتناول # PageV01P011 # الهام العمل بعلمه فإن مجرد العلم بالحق لا يحصل به الاهتداء إن لم يعمل ~~بعلمه ولهذا قال لنبيه بعد صلح الحديبية أول سورة الفتح إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا ليغفر لك الله ما ms10 تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما وقال في حق موسى وهارون الصافات وآتيناهما الكتاب المستبين ~~وهديناهما الصراط المستقيم والمسلمون قد تنازعوا فيما شاء الله من الأمور ~~الخبرية والعلمية الاعتقادية والعملية مع أنهم كلهم متفقون على أن محمدا حق ~~والقرآن حق فلو حصل لك منهم الهدى إلى الصراط المستقيم فيما اختلفوا فيه لم ~~يختلفوا ثم الذين علموا ما أمر الله به أكثرهم يعصونه ولا يحتذون حذوه فلو ~~هدوا إلى الصراط المستقيم في تلك الاعمال لفعلوا ما أمروا به وتركوا ما ~~نهوا عنه والذين هداهم الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء الله المتقين ~~كان من اعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة مع علمهم ~~بحاجتهم وفاقتهم إلى الله دائما في أن يهديهم الصراط المستقيم فبدوام هذا ~~الدعاء والافتقار صاروا من أولياء الله المتقين قال سهل بن عبد الله ~~التستري ليس بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الافتقار وما حصل فيه ~~الهدى في الماضي فهو محتاج إلى حصول الهدى فيه في المستقبل وهذا حقيقة قول ~~من يقول ثبتنا واهدنا لزوم الصراط وقول من قال زدنا هدى يتناول ما تقدم لكن ~~هذا كله هدى منه في المستقبل إلى الصراط المستقيم فإن العمل في المستقبل ~~بالعلم لم يحصل بعد ولا يكون مهتديا حتى يعمل في المستقبل بالعلم وقد لا ~~يحصل العلم في المستقبل بل يزول عن القلب وإن حصل فقد لا يحصل العمل فالناس ~~كلهم متضطرون إلى هذا الدعاء ولهذا فرضه الله عليهم في كل صلاة فليسوا إلى ~~شيء من الدعاء أحوج منهم إليه وإذا حصل الهدى إلى الصراط المستقيم حصل ~~النصر والرزق وسائر ما تطلب النفوس من السعادة والله أعلم # PageV01P012 # وأعلم أن حياة القلب وحياة غيره ليست مجرد الحس والحركة الإرادية أو مجرد ~~العلم والقدرة كما يظن ذلك طائفة من النظار في علم الله وقدرته كأبي الحسين ~~البصري قالوا إن حياته أنه بحيث يعلم ويقدر بل الحياة صفة قائمة بالموصوف ~~وهي شرط ms11 في العلم والارادة والقدرة على الأفعال الاختيارية وهي أيضا ~~مستلزمة لذلك فكل حي له شعور وإرادة وعمل اختياري بقدرة وكل ماله علم ~~وإرادة وعمل اختياري فهو حي والحياء مشتق من الحياة فإن القلب الحي يكون ~~صاحبه حيا فيه حياء يمنعه عن القبائح فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح ~~التي تفسد القلب ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وسلم) الحياء من الإيمان ~~وقال الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق فإن ~~الحي يدفع ما يؤذيه بخلاف الميت الذي لا حياة فيه فإنه يسمى وقحا والوقاحة ~~الصلابة وهو اليبس المخالف الرطوبة الحياة فإذا كان وقحا يابسا صليب الوجه ~~لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه وامتناعه من القبح كالأرض اليابسة لا يؤثر ~~فيه وطء الأقدام بخلاف الأرض الخضر ولهذا كان الحيي يظهر عليه التأثر ~~بالقبح وله إرادة تمنعه عن فعل القبيح بخلاف الوقح والذي ليس بحيي فإنه لا ~~حياء معه ولا إيمان يزجره عن ذلك فالقلب إذا كان حيا فمات الإنسان بفراق ~~روحه بدنه كان موت النفس فراقها للبدن ليست هي في نفسها ميتة بمعنى زوال ~~حياتها عنها ولهذا قال تعالى البقرة ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ~~أموات بل أحياء وقال تعالى آل عمران ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء مع أنهم موتى داخلون في قوله آل عمران كل نفس ذائقة الموت ~~وفي قوله الزمر إنك ميت وإنهم ميتون وقوله الحج وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ~~ثم يحييكم فالموت المثبت غير الموت المنفي المثبت هو فراق الروح البدن ~~والمنفي زوال الحياة بالجملة عن الروح والبدن وهذا كما أن النوم أخو الموت ~~فيسمى وفاة ويسمى موتا وكانت الحياة موجودة فيهما قال تعالى الزمر الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا استيقظ من ~~منامه يقول الحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور وفي ms12 حديث آخر ~~الحمد لله الذي رد علي روحي وعافاني في جسدي وأذن لي # PageV01P013 # بذكره وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا وإذا أوى إلى فراشه يقول اللهم أنت ~~خلقت نفسي وأنت توفاها لك مماتها ومحياها إن أمسكتها فارحمها وإن أرسلتها ~~فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ويقول باسمك اللهم أموت وأحيا # فصل ومن أمراض القلوب الحسد كما قال بعضهم في حده إنه أذى يلحق بسبب # العلم بحسن حال الاغنياء فلا يجوز أن يكون الفاضل حسودا لأن الفاضل يجرى ~~على ما هو الجميل وقد قال طائفة من الناس إنه تمنى زوال النعمة عن المحسود ~~وإن لم يصر للحاسد مثلها بخلاف الغبطة فإنه تمنى مثلها من غير حب زوالها عن ~~المغبوط والتحقيق أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود ~~وهو نوعان أحدهما كراهة للنعمة عليه مطلقا فهذا هو الحسد المذموم وإذا أبغض ~~ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه فيكون ذلك مرضا في قلبه ويلتذ بزوال ~~النعمة عنه وإن لم يحصل له نفع بزوالها لكن نفعه بزوال الألم الذي كان في ~~نفسه ولكن ذلك الألم لم يزل إلا بمباشرة منه وهو راحة وأشده كالمريض فإن ~~تلك النعمة قد تعود على المحسود وأعظم منها وقد يحصل نظير تلك النعمة ما ~~أنعم به على النوع ولهذا قال من قال إنه تمنى زوال النعمة فإن من كره ~~النعمة على غيره تمنى زوالها والنوع الثاني أن يكره فضل ذلك الشخص عليه ~~فيجب أن يكون مثله أو أفضل منه فهذا حسد وهو الذي سموه الغبطة وقد سماه ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) حسدا في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود ~~وابن عمر رضي الله عنهما قال لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله الحكمة ~~فهو يقضي بها ويعلمها ورجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته في الحق هذا لفظ ~~ابن مسعود ولفظ ابن عمر رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل ~~والنهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه # PageV01P014 # في ms13 الحق آناء الليل والنهار ورواه البخاري من حديث أبي هريرة ولفظه لا ~~حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه الليل والنهار فسمعه رجل ~~فقال يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي هذا فعملت فيه مثل ما يعمل هذا ورجل آتاه ~~الله مالا فهو يهلكه في الحق فقال رجل يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي هذا ~~فعملت فيه مثل ما يعمل هذا فهذا الحسد الذي نهى عنه النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) إلا في موضعين هو الذي سماه أولئك الغبطة وهو أن يحب مثل حال الغير ~~ويكره أن يفضل عليه فإن قيل إذا لم سمي حسدا وإنما أحب أن ينعم الله عليه ~~قيل مبدأ هذا الحب هونظره إلى إنعامه على الغير وكراهته أن يفضل عليه ولولا ~~وجود ذلك الغير لم يحب ذلك فلما كان مبدأ ذلك كراهته أن يفضل عليه الغير ~~كان حسدا لأنه كراهة تتبعها محبة وأما من أحب أن ينعم الله عليه مع عدم ~~التفاته إلى أحوال الناس فهذا ليس عنده من الحسد شيء ولهذا يبتلى غالب ~~الناس بهذا القسم الثاني وقد يسمى المنافسة فيتنافس الإثنان في الأمر ~~المحبوب المطلوب كلاهما يطلب أن يأخذه وذلك لكراهية أحدهما أن يتفضل عليه ~~الآخر كما يكره المستبقان كل منهما أن يسبقه الآخر والتنافس ليس مذموما ~~مطلقا بل هو محمود في الخير قال تعالى المطففين إن الأبرار لفي نعيم على ~~الأرائك ينظرون تعرف في وجوهم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك ~~وفي ذلك فليتنافس المتنافسون فأمر المنافس أن ينافس في هذا النعيم لا ينافس ~~في نعيم الدنيا الزائل وهذا موافق لحديث النبي (صلى الله عليه وسلم) فإنه ~~نهى عن الحسد إلا فيمن أوتي العلم فهو يعمل به ويعلمه ومن أوتى المال فهو ~~ينفقه فأما من أوتي علما ولم يعمل به ولم يعلمه أو أوتي مالا ولم ينفقه في ~~طاعة الله فهذا لا يحسد ولا يتمنى مثل حاله فإنه ليس في خير يرغب فيه بل هو ~~معرض للعذاب ومن ولي ms14 ولاية فيأتيها بعلم وعدل وأدى الأمانات إلى أهلها وحكم ~~بين الناس بالكتاب والسنة فهذا درجته عظيمة لكن هذا في جهاد عظيم كذلك ~~المجاهد في سبيل الله والنفوس لا تحسد من هو في تعب عظيم فلهذا لم يذكره ~~وإن كان المجاهد في سبيل الله أفضل من الذي ينفق المال بخلاف المنفق ~~والمعلم فإن هذين ليس لهما في العادة عدو من خارج فإن قدر أنهما لهما عدو ~~يجاهدانه فذلك أفضل لدرجتهما وكذلك لم يذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~المصلى والصائم والحاج # PageV01P015 # لأن هذه الأعمال لا يحصل منها في العادة من نفع الناس الذي يعظمون به ~~الشخص ويسودونه ما يحصل بالتعليم والإنفاق والحسد في الأصل إنما يقع لما ~~يحصل للغير من السؤدد والرياسة وإلا فالعامل لا يحسد في العادة ولو كان ~~تنعمه بالأكل والشرب والنكاح أكثر من غيره بخلاف هذين النوعين فإنهما ~~يحسدان كثيرا ولهذا يوجد بين أهل العلم الذين لهم اتباع من الحسد مالا يوجد ~~فيمن ليس كذلك وكذلك فيمن له أتباع بسبب إنفاق ماله فهذا ينفع الناس بقوت ~~القلوب وهذا ينفعهم بقوت الأبدان والناس كلهم محتاجون إلى ما يصلحهم من هذا ~~وهذا ولهذا ضرب الله سبحانه مثلين مثلا بهذا فقال النحل ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ~~هل يستون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم ~~لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن ~~يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم والمثلان ضربهما الله سبحانه لنفسه ~~المقدسة ولما يعبد من دونه فإن الأوثان لا تقدر لا على عمل ينفع ولا على ~~كلام ينفع فإذا قدر عبد مملوك لا يقدر على شيء وآخر قد رزقه الله رزقا حسنا ~~فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوي هذا المملوك العاجز عن الإحسان وهذا ~~القادر على الاحسان المحسن إلى الناس سرا وجهرا وهو سبحانه قادر على ~~الإحسان إلى ms15 عباده وهو محسن إليهم دائما فكيف يشبه به العاجز المملوك الذي ~~لا يقدر على شيء حتى يشرك به معه وهذا مثل الذي اعطاه الله مالا فهو ينفق ~~منه آناء الليل والنهار والمثل الثاني إذا قدر شخصان أحدهما أبكم لا يعقل ~~ولا يتكلم ولا يقدر على شيء وهو مع هذا كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت ~~بخير فليس فيه من نفع قط بل هو كل على من يتولى أمره وآخر عالم عادل يأمر ~~بالعدل ويعمل بالعدل فهو على صراط مستقيم وهذا نظير الذي أعطاه الله الحكمة ~~فهو يعمل بها ويعلمها للناس وقد ضرب ذلك مثلا لنفسه فإنه سبحانه عالم عادل ~~قادر يأمر بالعدل وهو قائم بالقسط على صراط مستقيم كما قال تعالى آل عمران ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا ~~هو العزيز الحكيم وقال هود هود إن ربي على صراط مستقيم ولهذا كان الناس ~~يعظمون # PageV01P016 # دار العباس كان عبد الله يعلم الناس وأخوه يطعم الناس فكانوا يعظمون على ~~ذلك ورأى معاوية الناس يسألون ابن عمر عن المناسك وهو يفتيهم فقال هذا ~~والله الشرف أو نحو ذلك هذا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه نافس أبا بكر رضي ~~الله عنه الإنفاق كما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ~~أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت ~~اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما قال فجئت بنصف مالي قال فقال لي رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) ما أبقيت لأهلك قلت مثله وأتى أبو بكر رضي الله ~~عنه بكل ما عنده فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما أبقيت لأهلك ~~قال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسابقك إلى شيء أبدا فكان ما فعله عمر ~~من المنافسة والغبطة المباحة لكن حال الصديق رضي الله عنه أفضل منه وهو خال ~~من المنافسة مطلقا لا ينظر إلى حال غيره وكذلك موسى (صلى ms16 الله عليه وسلم) ~~في حديث المعراج حصل له منافسة وغبطة للنبي (صلى الله عليه وسلم) حتى بكى ~~لما تجاوزه النبي (صلى الله عليه وسلم) فقيل له ما يبكيك فقال أبكي لأن ~~غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي أخرجاه في ~~الصحيحين وروى في بعض الألفاظ المروية غير الصحيح مررنا على رجل وهو يقول ~~ويرفع صوته أكرمته وفضلته قال فرفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام فقال من ~~هذا معك يا جبريل قال هذا أحمد قال مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ~~ونصح لأمته قال ثم اندفعنا فقلت من هذا يا جبريل قال هذا موسى بن عمران قلت ~~ومن يعاتب قال يعاتب ربه فيك قلت ويرفع صوته على ربه قال إن الله عز وجل قد ~~عرف صدقه وعمر رضي الله عنه كان مشبها بموسى ونبينا حاله أفضل من حال موسى ~~فإنه لم يكن عنده شيء من ذلك وكذلك كان في الصحابة أبو عبيدة بن الجراح ~~ونحوه كانوا سالمين من جميع هذه الأمور فكانوا أرفع درجة ممن عنده منافسة ~~وغبطة وإن كان ذلك مباحا ولهذا استحق أبو عبيدة رضي الله عنه أن يكون أمين ~~هذه الأمة فإن المؤتمن إذا لم يكن في نفسه مزاحمة على شيء مما ائتمن عليه ~~كان أحق بالأمانة ممن يخاف مزاحمته ولهذا يؤتمن على النساء والصبيان ~~الخصيان ويؤتمن على الولاية الصغرى # PageV01P017 # من يعرف أنه لا يزاحم على الكبرى ويؤتمن على المال من يعرف أنه ليس له ~~غرض في أخذ شيء منه وإذا ائتمن من في نفسه خيانة شبه بالذئب المؤتمن على ~~الغنم فلا يقدر أن يؤدي الأمانة في ذلك لما في نفسه من الطلب لما ائمتن ~~عليه وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال ~~كنا يوما جلسوا عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال يطلع عليكم الآن ~~من هذا الفج رجل من أهل الجنة قال فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوء ~~قد علق ms17 نعليه في يده الشمال فسلم فلما كان الغد قال النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) مثل ذلك فطلع ذلك الرجل على مثل حاله فلما كان اليوم الثالث قال ~~النبي صلى الله عليه ومقالته فطلع ذلك الرجل على مثل حاله فلما قام النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) اتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال ~~إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى ~~تمضي الثلاث فعلت قال نعم قال أنس رضي الله عنه فكان عبد الله يحدث أنه بات ~~عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئا غير انه إذا تعار وانقلب على ~~فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم إلى صلاة الفجر فقال عبد الله غير أني ~~لم اسمعه يقول إلا خيرا فلما فرغنا من الثلاث وكدت أن أحقر عمله قلت يا عبد ~~الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكن سمعت رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) يقول ثلاث مرات يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث ~~المرات فأردت أن آوى إليك لأنظر ما عملك فأقتدي بذلك فلم أرك تعمل كثير عمل ~~فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال ما هو إلا ما ~~رأيت غير أنني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشا ولا حسدا على خير ~~أعطاه الله إياه قال عبد الله هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق فقول عبد ~~الله بن عمرو له هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق يشير إلى خلوه وسلامته ~~من جميع أنواع الحسد وبهذا أثنى الله تعالى على الأنصار فقال الحشر ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة أي ~~مما أوتي إخوانهم المهاجرون قال المفسرون لا يجدون في صدروهم حاجة أي حسدا ~~وغيظا مما أوتي المهاجرون ثم قال بعضهم من مال الفيء وقيل من الفضل والتقدم ~~فهم لا يجدون ms18 حاجة # PageV01P018 # مما أوتوا من المال ولا من الجاه والحسد يقع على هذا وكان بين الأوس ~~والخزرج منافسة على الدين فكان هؤلاء إذا فعلوا ما يفضلون به عند الله ~~ورسوله أحب الآخرون ان يفعلوا نظير ذلك فهو منافسة فيما يقربهم إلى الله ~~كما قال المطففين وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وأما الحسد المذموم كله فقد ~~قال تعالى في حق اليهود البقرة ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق يودون أي يتمنون ~~أرتدادكم حسدا فجعل الحسد هو الموجب لذلك الود من بعد ما تبين لهم الحق ~~لأنهم لما رأوا أنكم قد حصل لكم من النعمة ما حصل بل مالم يحصل لهم مثله ~~حسدوكم وكذلك في الآية الأخرى النساء أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من ~~آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا وقال تعالى قل أعوذ برب الفلق من ~~شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقت ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا ~~حسد وقد ذكر طائفة من المفسرين أنها نزلت بسب حسد اليهود للنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) حتى سحروه سحره لبيد بن الأعصم اليهودي فالحاسد المبغض للنعمة ~~على من أنعم الله عليه بها ظالم معتد والكاره لتفضيله المحب لمماثلته منهي ~~عن ذلك إلا فيما يقربه إلى الله فإذا أحب أن يعطى مثل ما أعطى مما يقربه ~~إلى الله فهذا لا بأس به وإعراض قلبه عن هذا بحيث لا ينظر إلى حال الغير ~~أفضل ثم هذا الحسد إن عمل بموجبه صاحبه كان ظالما معتديا مستحقا للعقوبة ~~إلا أن يتوب وكان المحسود مظلوما مأمورا بالصبر والتقوى فيصبر على أذى ~~الحاسد ويعفو ويصفح عنه كما قال تعالى البقرة ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ~~فاعفوا واصحفوا حتى ms19 يأتي الله بأمره وقد ابتلى يوسف بحسد إخوة له حيث قالوا ~~يوسف ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ~~فحسدوهما على تفضيل الأب لهما ولهذا قال يعقوب ليوسف يوسف لا تقصص رؤياك ~~على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ثم إنهم ظلموه ~~بتكلمهم في قتله وإلقائه في الجب وبيعه رقيقا لمن ذهب به إلى بلاد الكفر ~~فصار مملوكا لقوم كفار ثم إن يوسف ابتلى بعد أن ظلم بمن يدعوه إلى # PageV01P019 # الفاحشة ويراوده عليها ويستعين عليه بمن يعينه على ذلك فاستعصم واختار ~~السجن على الفاحشة وآثر عذاب الدنيا على سخط الله فكان مظلوما من جهة من ~~أحبه لهواه وغرضه مفاسد فهذه المحبة أحبته لهوى محبوبها شفاؤها وشقاؤها إن ~~وافقها وأولئك المبغضون ابغضوه بغضة أوجبت أن يصير ملقى في الجب ثم أسيرا ~~مملوكا بغير اختياره فأولئك أخرجوه من انطلاق الحرية إلى رق العبودية ~~الباطلة بغير اختياره وهذه ألجأته إلى أن اختار أن يكون محبوسا مسجونا ~~باختياره فكانت هذه أعظم في محنته وكان صبره هنا اختياريا اقترن به التقوى ~~بخلاف صبره على ظلمهم فإن ذلك كان من باب المصائب التي من لم يصبر عليها ~~صبر الكرام سلا سلو البهائم والصبر الثاني أفضل الصبرين ولهذا قال يوسف إنه ~~من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وهكذا إذا أوذي المؤمن على ~~إيمانه وطلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان وإن لم يفعل أوذي وعوقب فاختار ~~الأذى والعقوبة على فراق دينه إما الحبس وإما الخروج من بلده كما جرى ~~للمهاجرين حين اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين وكانوا يعذبون يؤذون ~~وقد أوذي النبي (صلى الله عليه وسلم) بأنواع من الأذى فكان يصبر عليها صبرا ~~اختياريا فإنه إنما يؤذي لئلا يفعل ما يفعله باختياره وكان هذا أعظم من صبر ~~يوسف لأن يوسف إنما طلب منه الفاحشة وإنما عوقب إذا لم يفعل بالحبس والنبي ~~(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه طلب منهم الكفر وإذا لم يفعلوا طلبت عقوبتهم ms20 ~~بالقتل فما دونه وأهون ما عوقب به الحبس فإن المشركين حبسوه وبني هاشم ~~بالشعب مدة ثم لما مات أبو طالب اشتدوا عليه فلما بايعت الأنصار وعرفوا ~~بذلك صاروا يقصدون منعه من الخروج ويحبسونه هو وأصحابه عن ذلك ولم يكن أحد ~~يهاجر إلا سرا إلا عمر بن الخطاب ونحوه فكانوا قد الجأوهم إلى الخروج من ~~ديارهم ومع هذا منعوا من منعوه منهم عن ذلك وحبسوه فكان ما حصل للمؤمنين من ~~الأذى والمصائب هو باختيارهم طاعة لله ورسوله لم يكن من المصائب السماوية ~~التي تجري بدون اختيار العبد من جنس حبس يوسف لا من جنس التفريق بينه وبين ~~أبيه وهذا أشرف النوعين وأهلها اعظم بدرجة وإن كان صاحب المصائب يثاب على ~~صبره ورضاه وتكفر عنه الذنوب بمصائبه فإن هذا أصيب وأوذي باختياره طاعة لله ~~يثاب على نفس المصائب ويكتب له بها عمل صالح قال تعالى التوبة ذلك بأنهم لا ~~يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ # PageV01P020 # الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين بخلاف المصائب التي تجري بلا اختيار العبد كالمرض وموت العزيز ~~عليه وأخذ اللصوص ماله فإن تلك إنما يثاب على الصبر عليها لا على نفس ما ~~يحدث من المصيبة وما يتولد عنها والذين يؤذون على الايمان وطاعة الله ~~ورسوله ويحدث لهم بسبب ذلك حرج أو مرض أو حبس أو فراق وطن وذهاب مال وأهل ~~أو ضرب أو شتم أو نقص رياسة ومال وهم في ذلك على طريقة الأنبياء وأتابعهم ~~كالمهاجرين الأولين فهؤلاء يثابون على ما يؤذون به ويكتب لهم به عمل صالح ~~كما يثاب المجاهد على ما يصيبه من الجوع والعطش والتعب وعلى غيظة الكفار ~~وإن كانت هذه الآثار ليست عملا فعله يوقوم به لكنها متسببة عن عفله ~~الاختياري وهي التي يقال لها متولدة وقد اختلف الناس هل يقال أنها فعل فاعل ~~السبب أو لله أو لا فاعل لها والصحيح أنها مشتركة بين ms21 فاعل السبب وسائر ~~الأسباب ولهذا كتب له بها عمل صالح والمقصود أن الحسد مرض من أمراض النفس ~~وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا القليل من الناس ولهذا يقال ما خلا جسد من ~~حسد لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه وقد قيل للحسن البصري ايحسد المؤمن ~~فقال ما أنساك أخوة يوسف لا أبا لك ولكن عمه في صدرك فإنه لا يضرك ما لم ~~تعد به يدا ولسانا فمن وجد في نفسه حسدا لغيره فعليه أن يستعمل معه التقوى ~~والصبر فيكره ذلك من نفسه وكثير من الناس الذين عندهم دين لا يعتدون على ~~المحسود فلا يعينون من ظلمه ولكنهم أيضا لا يقومون بما يجب من حقه بل إذا ~~ذمه أحد لم يوافقوه على ذمه ولا يذكرون محامده وكذلك لو مدحه أحد لسكتوا ~~وهؤلاء مدينون في ترك المأمور في حقه مفرطون في ذلك لا معتدون عليه وجزاؤهم ~~أنهم يبخسون حقوقهم فلا ينصفون أيضا في مواضع ولا ينصرون على من ظلمهم كما ~~لم ينصروا هذا المحسود وأما من اعتدى بقول أو فعل فذلك يعاقب ومن اتقى الله ~~وصبر فلم يدخل في الظالمين نفعه الله بتقواه كما جرى لزينب بنت جحش رضي ~~الله عنها فإنها كانت هي التي تسامى عائشة من أزواج النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) وحسد النساء بعضهن لبعض كثير غالب لا سيما المتزوجات بزوج واحد فإن ~~المرأة تغار على زوجها لحظها منه فإنه بسبب المشاركة يفوت بعض حظها وهكذا ~~الحسد يقع كثيرا بين المتشاركين في رئاسة أو مال إذا أخذ بعضهم قسطا من ذلك ~~وفات الآخر ويكون بين النظراء لكراهة # PageV01P021 # أحدهم أن يفضل الآخر عليه كحسد إخوة يوسف وكحسد ابني آدم أحدهما لأخيه ~~فإنه حسده لكون أن الله تقبل قربانه ولم يتقبل قربان هذا فحسده على ما فضله ~~الله من الايمان والتقوى كحسد اليهود للمسلمين وقتله على ذلك ولهذا قيل أول ~~ذنب عصى الله به ثلاثة الحرص والكبر والحسد فالحرص من آدم والكبر من إبليس ~~والحسد من قابيل حيث قتل هابيل وفي ms22 الحديث ثلاث لا ينجو منهن أحد الحسد ~~والظن والطيرة وسأحدثكم بما يخرج من ذلك إذا حسدت فلا تبغض وإذا ظننت فلا ~~تحقق وإذا تطيرت فامض رواه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة وفي السنن عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء وهي ~~الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين فسماه داء كما سمى البخل داء ~~في قوله وأي داء أدوأ من البخل فعلم أن هذا مرض وقد جاء في حديث آخر أعوذ ~~بك من منكرات الخلاق والأهواء والأدواء فعطف الأدواء على الاخلاق والأهواء ~~فإن الخلق ما صار عادة للنفس وسجية قال تعالى القلم وإنك لعلى خلق عظيم قال ~~ابن عباس وابن عيينة وأحمد ابن حنبل رضي الله عنهم على دين عظيم وفي لفظ عن ~~ابن عباس على دين الإسلام وكذلك قالت عائشة رضي الله عنها كان خلقه القرآن ~~وكذلك قال الحسن البصري ادب القرآن هو الخلق العظيم وأما الهوى فقد يكون ~~عارضا والداء هو المرض وهو تألم القلب والفساد فيه وقرن في الحديث الأول ~~الحسد بالبغضاء لأن الحاسد يكره أولا فضل الله على ذلك الغير ثم ينتقل إلى ~~بغضه فإن بغض اللازم يقتضي بغض الملزوم فإن نعمة الله إذا كانت لازمة وهو ~~يحب زوالها وهي لا تزول إلا بزواله أبغضه واحب عدمه والحسد يوجب البغي كما ~~أخبر الله تعالى عمن قبلنا آل عمران أنهم اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم فلم يكن اختلافهم لعدم العلم بل علموا الحق ولكن بغى بعضهم على ~~بعض كما يبغي االحاسد على المحسود وفي الصحيحين عن أنس ابن مالك رضي الله ~~عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ~~ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر اخاه فوق ثلاث ~~ليال يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام وقد قال (صلى ~~الله عليه وسلم) في الحديث المتفق على صحته من رواية أنس أيضا والذي ms23 نفسى ~~بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقد قال تعالى # PageV01P022 # النساء وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ ~~لم أكن معهم شهيدا ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه ~~مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما فهؤلاء المبطئون لم يحبوا ~~لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم بل إن أصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم ~~وإن أصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها بل أحبوا أن يكون لهم منها حظ فهم لا ~~يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم أو شر دنيوي ينصرف عنهم إذ كانوا لا يحبون الله ~~ورسوله والدار الآخرة ولو كانوا كذلك لأحبوا إخوانهم وأحبوا ما وصل إليهم ~~من فضله وتألموا بما يصيبهم من المصيبة ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوؤه ~~ما يسوء المؤمنين فليس منهم ففي الصحيحين عن عامر الشعبي قال سمعت النعمان ~~بن بشير يخطب ويقول سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول مثل المؤمنين ~~في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه شيء تداعى له ~~سائر الجسد بالحمى والسهر وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا وشبك بين أصابعه والشح مرض والبخل مرض والحسد شر من البخل كما في ~~الحديث الذي رواه أبو داود عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال الحسد ~~يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء ~~النار وذلك أن البخيل يمنع نفسه والحسود يكره نعمة الله على عباده وقد يكون ~~في الرجل إعطاء لمن يعينه على أغراضه وحسد لنظرائه وقد يكون فيه بخل بلا ~~حسد لغيره والشح أصل ذلك قال تعالى الحشر والتغابن ومن يوق شح نفسه فأولئك ~~هم المفلحون وفي الصحيحين عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال إياكم ~~والشح فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا ~~وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وكان ms24 عبد الرحمن بن عوف يكثر من الدعاء في طوافه ~~يقول اللهم قني شح نفسي فقال له رجل ما أكثر ما تدعو بهذا فقال إذا وقيت شح ~~نفسي وقيت الشح والظلم والقطيعة والحسد يوجب الظلم فصل فالبخل والحسد مرض ~~يوجب بغض النفس لما ينفعها بل وحبها لما يضرها ولهذا يقرن الحسد بالحقد ~~والغضب وأما مرض الشهوة والعشق فهو حب النفس # PageV01P023 # لما يضرها وقد يفترن به بغضها لما ينفعها والعشق مرض نفساني وإذا قوى أثر ~~في البدن فصار مرضا في الجسم إما من أمراض الدماغ كالماليخوليا ولذلك قيل ~~فيه هو مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا وإما من أمراض البدن كالضعف والنحول ~~ونحو ذلك والمقصود هنا مرض القلب فإنه أصل محبة النفس لما يضرها كمريض ~~البدن الذي يشتهى ما يضره وإذا لم يطعم ذلك تألم وإن أطعم قوى به المرض ~~وزاد كذلك العاشق يضره اتصاله بالمعشوق مشاهدة وملامسة وسماعا بل ويضره ~~التفكر فيه والتخيل له وهو يشتهى ذلك فإن منع من مشتهاه تألم وتعذب وإن ~~أعطى مشتهاه قوى مرضه وكان سببا لزيادة الألم وفي الحديث إن الله يحمى عبده ~~المؤمن الدنيا كما يحمى احدكم مريضه الطعام والشراب وفي مناجاة موسى ~~المأثروة عن وهب التي رواها الإمام أحمد في كتاب الزهد يقول الله تعالى إني ~~لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن ~~مراتع الهلكة وإني لأجنبهم سكونها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن ~~مبارك الغرة وما ذلك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما ~~موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطفئه الهوى وإنما شفاء المريض بزوال مرضه بل ~~بزوال ذلك الحب المذموم من قلبه والناس في العشق على قولين قيل إنه من باب ~~الإرادات وهذا هو المشهور قيل من باب التصورات وإنه فساد في التخييل حيث ~~يتصور المعشوق على غير ما هو به قال هؤلاء ولهذا لا يوصف الله بالعشق ولا ~~أنه يعشق لأنه منزه عن ذلك ولا يحمد من يتخيل فيه خيالا فاسدا وأما الأولون ~~فمنهم من قال ms25 يوصف بالعشق فإنه المحبة التامة والله يحب ويحب وروى في أثر ~~عن عبد الواحد بن زيد أنه قال لا يزال عبدي يتقرب إلى يعشقني وأعشقه وهذا ~~قول بعض الصوفية والجمهور لا يطلقون هذا اللفظ في حق الله لأن العشق هو ~~المحبة المفرطة الزائدة على الحد الذي ينبغي والله تعالى محبته لا نهاية ~~لها فليست تنتهي إلى حد لا تنبغي مجاوزته قال هؤلاء والعشق مذموم مطلقا لا ~~يمدح في محبة اخلالق ولا المخلوق لأنه المحبة المفرطة الزائدة على الحد ~~المحدود وأيضا فإن لفظ العشق إنما يستعمل في العرف في محبة الإنسان لامرأة ~~أو صبي لا يستعمل في محبة كمحبة الأهل والمال والجاه ومحبة الأنبياء ~~والصالحين وهو مقرون كثيرا بالفعل المحرم إما بمحبة امرأة أجنبية أو صبي ~~يقترن به النظر # PageV01P024 # المحرم واللمس المحرم وغير ذلك من الأفعال المحرمة وأما محبة الرجل ~~لامرأته أو سريته محبة تخرجه عن العدل بحيث يفعل لأجلها ما لا يحل ويترك ما ~~يجب كما هو الواقع كثيرا حتى يظلم ابنه من امرأته العتيقة لمحبته الجديدة ~~وحتى يفعل من مطالبها المذمومة ما يضره في دينه ودنياه مثل أن يخصها بميراث ~~لا تستحقه أو يعطى أهلها من الولاية والمال ما يتعدى به حدود الله أو يسرف ~~في الإنفاق عليها أو يمكنها من أمور محرمة تضره في دينه ودنياه وهذا في عشق ~~من يباح له وطؤها فكيف عشق الأجنبية والذكران من العالمين ففيه من الفساد ~~مالا يحصيه إلا رب العباد وهو من الأمراض التي تفسد دين صاحبها وعرضه ثم قد ~~تفسد عقله ثم جسمه قال تعالى الأحزاب فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه ~~مرض ومن في قلبه مرض الشهوة وإرادة الصورة متى خضع المطلوب طمع المريض ~~والطمع يقوى الإرادة والطلب يقوي المرض بذلك بخلاف ما إذا كان آيسا من ~~المطلوب فإن اليأس يزيل الطمع فتضعف الإرادة فيضعف الحب فإن الإنسان لا ~~يريد أن يطلب ما هو آيس منه فلا يكون مع الإرادة عمل أصلا بل يكون حديث نفس ~~إلا أن ms26 يقترن بذلك كلام أو نظر ونحو ذلك فأما إذا ابتلى بالعشق وعف وصبر ~~فإنه يثاب على تقواه لله وقد روى في الحديث أن من عشق فعف وكتم وصبر ثم مات ~~كان شهيدا وهو معروف من رواية يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا ~~وفيه نظر ولا يحتج بهذا لكن من المعلوم بأدلة الشرع أنه إذا عف عن المحرمات ~~نظرا وقولا وعملا وكتم ذلك فلم يتكلم به حتى لا يكون في ذلك كلام محرم اما ~~شكوى إلى المخلوق وإما إظهار فاحشة وإما نوع طلب للمعشوق وصبر على طاعة ~~الله وعن معصيته وعلى ما في قلبه من ألم العشق كما يصبر المصاب عن ألم ~~المصيبة فإن هذا يكون ممن اتقى الله وصبر ومن يتق ويصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين يوسف وهكذا مرض الحسد وغيره من أمراض النفوس وإذا كانت النفس ~~تطلب ما يبغضه الله فينهاها خشية من الله كان ممن دخل في قوله النازعات ~~وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى فالنفس إذا ~~أحبت شيئا سعت في حصوله بما يمكن حتى تسعى في أمور كثيرة تكون كلها مقامات ~~لتلك الغاية فمن احب محبة مذمومة أو أبغض بغضا مذموما وفعل ذلك كان آثما ~~مثل أن يبغض شخصا لحسده له فيؤذي من له به تعلق إما بمنع حقوقه أو بعدوان ~~عليهم أو لمحبة له لهواه معه فيفعل لأجله ما هو محرم أو ما هو # PageV01P025 # مأمور به لله فيفعله لأجل هواه لا لله وهذه أمراض كثيرة في النفوس ~~والإنسان قد يبغض شيئا فيبغض لأجله أمورا كثيرة بمجرد الوهم والخيال وكذلك ~~يحب شيئا فيحب لأجله أمورا كثيرة لأجل الوهم والخيال كما قال شاعرهم أحب ~~لحبها السودان حتى أحب لحبها سود الكلاب فقد أحسب سوداء فأحب جنس السواد ~~حتى في الكلاب وهذا كله مرض في القلب في تصوره وإرادته فنسأل الله ان يعافى ~~قلوبنا من كل داء ونعوذ بالله من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء والقلب ~~إنما خلق لأجل ms27 حب الله تعالى وهذه الفطرة التي فطر الله عليها عباده كما ~~قال النبي (صلى الله عليه وسلم) كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من ~~جدعاء ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه اقرءوا إن شئتم الروم فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله أخرجه البخاري ومسلم فالله سبحانه فطر ~~عباده على محبته وعبادته وحده فإذا تركت الفطرة بلا فساد كان القلب عارفا ~~بالله محبا له وحده لكن تفسد فطرته من مرضه كأبويه يهودانه أو ينصرانه وهذه ~~كلها تغير فطرته التي فطره الله عليها وإن كانت بقضاء الله وقدره كما يغير ~~البدن بالجدع ثم قد يعود إلى الفطرة إذا يسر الله تعالى لها من يسعى في ~~إعادتها إلى الفطرة والرسل صلى الله عليهم وسلم بعثوا لتقرير الفطرة ~~وتكميلها لا لتغيير الفطرة وتحويلها وإذا كان القلب محبا لله وحده مخلصا له ~~الدين لم يبتل بحب غيره فضلا أن يبتلى بالعشق وحيث ابتلى بالعشق فلنقص ~~محبته لله وحده ولهذا لما كان يوسف محبا لله مخلصا له الدين لم يبتل بذلك ~~بل قال تعالى يوسف كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ~~وأما امرأة العزيز فكانت مشركة هي وقومها فلذلك ابتليت بالعشق وما يبتلى ~~بالعشق أحد إلا لنقص توحيده وإيمانه وإلا فالقلب المنيب إلى الله الخائف ~~منه فيه صار فإن يصرفانه عن العشق أحدهما إنابته إلى الله ومحبته له فإن ~~ذلك ألذ وأطيب من كل شيء فلا تبقى مع محبة الله محبة مخلوق تزاحمه والثاني ~~خوفه من الله فإن الخوف المضاد للعشق يصرفه وكل من احب شيئا بعشق أو بغير ~~عشق فإنه يصرف عن محبته بمحبة ما هو احب إليه منه إذا كان يزاحمه وينصرف عن ~~محبته بخوف حصول ضرر يكون ابغض إليه من # PageV01P026 # ترك ذاك الحب فإذا كان الله احب إلى العبد من كل شيء وأخوف عنده من كل ~~شيء لم يحصل معه عشق ولا ms28 مزاحمة إلا عند غفلة أو عند ضعف هذا الحب والخوف ~~بترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص ~~بالمعصية فكلما فعل العبد الطاعة محبة لله وخوفا منه وترك المعصية حبا له ~~وخوفا منه قوى حبه له وخوفه منه فيزيل ما في القلب من محبة غيره ومخافة ~~غيره وهكذا أمراض الأبدان فإن الصحة تحفظ بالمثل والمرض يدفع بالضد فصحة ~~القلب بالإيمان تحفظ بالمثل وهو ما يورث القلب إيمانا من العلم النافع ~~والعلم الصالح فتلك أغذية له كما في حديث ابن مسعود مرفوعا وموقوفا إن كل ~~آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن والآدب المضيف فهو ضيافة ~~الله لعباده آخر الليل وأوقات الأذان والإقامة وفي سجوده وفي أدبار الصلوات ~~ويضم إلى ذلك الاستغفار فإنه من استغفر الله ثم تاب إليه متعه متاعا حسنا ~~إلى اجل مسمى وليتخذ وردا من الأذكار في النهار ووقت النوم وليصبر على ما ~~يعرض له من الموانع والصوارف فإنه لا يلبث أن يؤيده الله بروح منه ويكتب ~~الإيمان في قلبه وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس باطنة وظاهرة ~~فإنها عمود الدين وليكن هجيراه لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها بها تحمل ~~الأثقال وتكابد الأهوال وينال رفيع الأحوال ولا يسأم من الدعاء والطلب فإن ~~العبد يستجاب له ما لم يعجل فيقول قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي وليعلم أن ~~النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرا ولم ينل أحد شيئا من ~~ختم الخير نبي فمن دونه إلا بالصبر والحمد لله رب العالمين وله الحمد ~~والمنة على الاسلام والسنة حمدا يكافئ نعمه الظاهرة والباطنة وكما ينبغي ~~لكرم وجهه وعز جلاله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه ~~امهات المؤمنين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا # PageV01P027 # بسم الله الرحمن الرحيم ومما كتبه شيخ الإسلام رحمه الله في أمراض القلوب ~~وشفائها الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم قد ~~ذكرنا في ms29 غير موضع أن صلاح حال الإنسان في العدل كما ان فساده في الظلم وأن ~~الله سبحانه عدله وسواه لما خلقه وصحة جسمه وعافيته من اعتدال اخلاطه ~~واعضائه ومرض ذلك الانحراف والميل وكذلك استقامة القلب واعتداله واقتصاده ~~وصحته وعافيته وصلاحه متلازمة وقد ذكر الله مرض القلوب وشفاءها في مواضع من ~~كتابه وجاء ذلك في سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) كقوله تعالى عن ~~المنافقين البقرة في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال فترى الذين في ~~قلوبهم مرض يسارعون فيهم وقال تعالى التوبة ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ ~~قلوبهم وقال يونس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وقال تعالى ~~الإسراء وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين وقال تعالى فصلت قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء وقال تعالى الأحزاب ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في ~~قلبه مرض وقال الحزاب لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم وقال الأحزاب وإذ يقول المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرروا وقال النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) هلا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العي السؤال وقال الرشيد الان ~~شفيتني يا مالك وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود أن أحدا لا يزال بخير ما ~~اتقى الله وإذا شك في تفسير شيء سأل رجلا فشفاه وأوشك أن لا يجده والذي لا ~~إله إلا هو وما ذكر الله من مرض القلوب وشفائها بمنزلة ما ذكر من موتها ~~وحياتها وسمعها وبصرها وعقلها وصممها وبكمها وعماها لكن المقصود مرض القلب ~~فنقول المرض نوعان فساد الحس وفساد الحركة الطبيعية وما يتصل بها من ~~الإرادية # PageV01P028 # وكل منهما يحصل بفقده ألم وعذاب فكما أنه مع صحة الحس والحركة الإرادية ~~والطبيعية تحصل اللذة والنعمة فكذلك بفسادها يحصل الألم والعذاب ولهذا كانت ~~النعمة من النعيم وهو ما ينعم الله به على عباده مما يكون فيه لذة ونعيم ~~وقال التكاثر لتسألن يومئذ عن النعيم أي عن شكره فسبب اللذة إحساس الملائم ms30 ~~وسبب الألم إحساس المنافي ليس اللذة والألم نفس الإحساس والإدراك وإنما ~~هونتيجته وثمرته ومقصوده وغايته فالمرض فيه ألم لا بد منه وإن كان قد يسكن ~~احيانا لمعارض راجح فالمقتضى له قائم يهيج بأدنى سبب فلا بد في المرض من ~~وجود سبب الألم وإنما يزول الألم بوجود المعارض والراجح ولذة القلب وألمه ~~أعظم من لذة الجسم وألمه أعني ألمه ولذته النفسانيين وإن كان قد يحصل فيه ~~من الألم من جنس ما يحصل في سائر البدن بسبب مرض الجسم فذلك شيء آخر فلذلك ~~كان مرض القلب وشفاؤه اعظم من مرض الجسم وشفائه فتارة يكون من جملة الشبهات ~~كما قال الأحزاب فيطمع الذي في قلبه مرض وكما صنف الخرائطي كتاب اعتلال ~~القلوب بالأهواء ففي قلوب المنافقين المرض من هذا الوجه من جهة فساد ~~الاعتقادات وفساد الإرادات والمظلوم في قلبه مرض وهو الألم الحاصل بسبب ظلم ~~الغير له فإذا استوفى حقه اشتفى قلبه كما قال تعالى التوبة ويشف صدور قوم ~~مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم فإن ذهاب غيظ القلب إنما هو لدفع الأذى والألم عنه ~~فإذا اندفع عنه الأذى واستوفى حقه زال غيظه فكما أن الإنسان إذا صار لا ~~يسمع بأذنه ولا يبصر بعينه كان ذلك مرضا مؤلما له بما يفوته من المصالح ~~ويحصل له من المضار فكذلك إذا لم يسمع ولم يبصر ولم يعلم بقلبه الحق من ~~الباطل ولم يميز بين الخير والشر والعي والرشاد كان ذلك من أعظم أمراض قلبه ~~وألمه وكما أنه إذا اشتهى ما يضره مثل الطعام الكثير في الشهوة الكلية ومثل ~~أكل الطين ونحوه كان ذلك مرضا فإنه يتألم حتى يزول ألمه بهذا الأكل الذي ~~يوجد ألما أكثر من الأول فهو يتألم إن أكل ويتألم إن لم يأكل # PageV01P029 # فكذلك إذا بلى بحب من لا ينفعه بعشق ونحوه سواء كان لصورة أو لرياسة أو ~~لمال ونحو ذلك فإن لم يحصل على محبوبه ومطلوبه فهو متألم ومريض سقيم وإن ~~حصل محبوبة فهو اشد مرضا وألما وسقما كما أن المريض إذا كان يبغض ms31 ما يحتاج ~~إليه من الطعام والشراب كان ذلك الألم حاصلا وكان دوامه على ذلك يوجب من ~~الألم اكثر من ذلك حتى يقتله أو يزول ما يوجب بغضه لما ينفعه ويحتاج إليه ~~فهو متألم في الحال وتألمه فيما بعد إن لم يعافه الله اعظم وأكبر فبغض ~~الحاسد لنعمة الله على المحسود كبغض المريض لأكل الأصحاء لأطعمتهم وأشربتهم ~~حتى لا يقدر أن يراهم يأكلون ونفرته عن أن يقوم بحقه كنفرة المريض عما يصلح ~~له من طعام وشراب فالحب والبغض الخارج عن الاعتدال والصحة في النفس كالشهوة ~~والنفرة الخارجة عن الاعتدال والصحة في الجسم وعمى القلب وبكمه عن أن يبصر ~~الحقائق ويميز بين ما ينفعه ويسره كعمى الجسم وخرسه عن أن يبصر الأمور ~~المرئية ويتكلم بها ويميز بين ما ينفعه ويضره وكما أن الضرير إذا أبصر وجد ~~من الراحة والعافية والسرور أمرا عظيما فبصر القلب ورؤيته الحقائق بينه ~~وبين بصر الراس من التفاوت مالا يحصيه إلا الله وإنما الغرض هنا تشبيه أحد ~~المرضين بالآخر فطب الأديان يحتذي حذو طب الأبدان وقد كتب سلمان إلى أبي ~~الدرداء أما بعد فقد بلغني أنك قعدت طبيبا فإياك أن تقتل والله أنزل كتابه ~~شفاء لما في الصدور وقال تعالى الإسراء وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ذلك أن الشفاء إنما يحصل لمن يتعمد ~~الدواء وهم المؤمنون وضعوا دواء القرآن على داء قلوبهم فمرض الجسم يكون ~~بخروج الشهوة والنفرة الطبيعية عن الاعتدال إما بشهوة مالا يحصل أو يفقد ~~الشهوة النافعة وينفر به عما يصلح ويفقد النفرة عما يضر ويكون بضعف قوة ~~الإدراك والحركة كذلك مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال ~~وهي الأهواء التي قال الله فيها القصص ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله وقال الروم بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم كما يكون الجسد ~~خارجا عن الاعتدال إذا فعل ما يشتهيه الجسم بلا قول الطبيب ويكون لضعف ~~إدراك القلب وقوته حتى لا يستطيع أن يعلم ms32 ويريد ما ينفعه ويصلح له # PageV01P030 # وكما أن المرضى الجهال قد يتناولون ما يشتهون فلا يحتمون ولا يصبرون على ~~الأدوية الكريهة لما في ذلك من تعجيل نوع من الراحة واللذة ولكن ذلك يعقبهم ~~من الآلام ما يعظم قدره أو يعجل الهلاك فكذلك بنو آدم هم جهال ظلموا أنفسهم ~~يستعجل أحدهم ما ترغبه لذته ويترك ما تكرهه نفسه مما هو لا يصلح له فيعقبهم ~~ذلك من الألم والعقوبات إما في الدنيا وإما في الآخرة ما فيه عظم العذاب ~~والهلاك الأعظم والتقوى هي الاحتماء عما يضره بفعل ما ينفعه فإن الاحتماء ~~عن الضار يستلزم استعمال النافع وأما استعمال النافع فقد يكون معه أيضا ~~استعمال الضار فلا يكون صاحبه من المتقين وأما ترك استعمال الضار والنافع ~~فهذا لا يكون فإن العبد إذا عجز عن تناول الغذاء كان مغتذيا بما معه من ~~المواد التي تضره حتى يهلك ولهذا كانت العاقبة للتقوى وللمتقين لأنهم ~~المحتمون عما يضرهم فعاقبتهم الإسلام والكرامة وإن وجدوا ألما في الابتداء ~~لتناول الدواء والإحتماء كفعل الأعمال الصالحة المكروهة كما قال تعالى ~~البقرة كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ~~أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ولكثرة الأعمال الباطلة المشتهاة قال تعالى ~~النازعات وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ~~وكما قال الانفال وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم فأما من لم يحتم فإن ~~ذلك سبب لضرره في العاقبة ومن تناول ما ينفعه مع يسير من التخليط فهو أصلح ~~ممن احتمى حمية كاملة ولم يتناول إلا شيئا يسيرا فإن الحمية التامة بلا ~~اغتذاء تمرض فهكذا من ترك السيئات ولم يفعل الحسنات وقد قدمنا في قاعدة ~~كبيرة أن جنس الحسنات أنفع من جنس ترك السيئات كما أن جنس الاغتذاء من جنس ~~الاحتماء وبينا أن هذا مقصود لنفسه وذلك مقصود لغيره بالانضمام إلى غيره ~~وكما أن الواجب الاحتماء عن سبب المرض قبل حصوله وإزالته بعد حصوله فهكذا ~~أمراض القلب يحتاج فيها ms33 إلى حفظ الصحة ابتداء وإلى إعادتها إن عرض له المرض ~~دواما والصحة تحفظ بالمثل والمرض يزول بالضد فصحة القلب تحفظ باستعمال ~~أمثال ما فيها وهو ما يقوى العلم والايمان من الذكر والتفكر والعبادات ~~المشروعة وتزول بالضد فتزال الشبهات بالبينات وتزال محبة الباطل ببغضه ~~ومحبة الحق ولهذا قال يحيى بن عمار العلوم خمسة فعلم هو حياة الدين وهو علم ~~التوحيد وعلم هو غذاء الدين وهو علم التذكر بمعاني القرآن # PageV01P031 # والحديث وعلم هو دواء الدين وهو علم الفتوى إذا نزل بالعبد نازلة احتاج ~~إلى من يشفيه منها كما قال ابن مسعود وعلم هو داء الدين وهو الكلام المحدث ~~وعلم هو هلال الدين وهو علم السحر ونحوه فحفظ الصحة بالمثل وإزالة المرض ~~بالضد في مرض الجسم الطبيعي ومرض القلب النفساني الديني الشرعي قال (صلى ~~الله عليه وسلم) كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو ~~هريرة اقرءوا إن شئتم الروم فطرة الله التي فطر الناس عليها أخرجاه في ~~الصحيحين قال تعالى الروم وله من في السموات والأرض كل له قانتون وهو الذي ~~يبدئ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~إلى قوله بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم إلى قوله فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون فأخبر الله أنه فطر عباده على إقامة الوجه حنيفا ~~وهو عبادة الله وحده لا شريك له فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية المستقيمة ~~المعتدلة للقلب وتركها ظلم عظيم اتبع اهله اهواءهم بغير علم ولا بد لهذه ~~الفطرة والخلقة وهي صحة الخلقة من قوت وغذاء يمدها بنظير ما فيها مما فطرت ~~عليه علما وعملا ولهذا كان تمام الدين بالفطرة المكملة بالشريعة المنزلة ~~وهي مأدبة الله كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في حديث ابن مسعود إن ~~كل آدب يحب أن ms34 تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن ومثله كماء أنزله الله ~~من السماء كما جرى تمثيله بذلك في الكتاب والسنة والمحرفون للفطرة المغيرون ~~للقلب عن استقامته هم ممرضون للقلوب مسقمون لها وقد أنزل الله كتابه شفاء ~~لما في الصدور وما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب بمنزلة ما يصيب الجسم ~~من الألم يصح به الجسم وتزول أخلاطه الفاسدة كما قال النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى ~~الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه وذلك تحقيق لقوله النساء من يعمل ~~سوءا يجز به ومن لم يطهر في هذه الدنيا من هذه الأمراض فيئوب صحيحا وإلا ~~احتاج إلى أن يطهر منها في الآخرة فيعذبه الله كالذي اجتمعت فيه أخلاطه ولم ~~يستعمل الأدوية لتخفيفها عنه فتجتمع حتى يكون هلاكه بها ولهذا جاء في الأثر ~~إذا قالوا للمريض اللهم ارحمه يقول الله كيف أرحمه من شيء به أرحمه وقال ~~النبي صلى الله # PageV01P032 # عليه وسلم المرض حطة يحط الخطايا عن صاحبه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها ~~وكما أن من أمراض الجسم ما إذا مات الإنسان منه كان شهيدا كالمطعون ~~والمبطون وصاحب ذات الجنب وكذلك الميت بغرق أو حرق أو هدم فمن أمراض النفس ~~ما إذا اتقى العبد ربه فيه وصبر عليه حتى مات كان شهيدا كالجبان الذي يتقى ~~الله ويصبر للقتال حتى يقتل فإن البخل والجبن من أمراض النفوس إن أطاعه ~~أوجب له الألم وإن عصاه تألم كأمراض الجسم وكذلك العشق فقد روى من عشق فعف ~~وكتم وصبر ثم مات مات شهيدا فإنه مرض في النفس يدعو إلى ما يضر النفس كما ~~يدعو المريض إلى تناول ما يضر فإن أطاع هواه عظم عذابه في الآخرة وفي ~~الدنيا أيضا وإن عصى الهوى بالعفة والكتمان صار في نفسه من الألم والسقم ما ~~فيها فإذا مات من ذلك المرض كان شهيدأن هذا يدعوه إلى النار فيمنعه كالجبان ~~تمنعه نفسه عن الجنة فيقدمها فهذه ms35 الأمراض إذا كان معها إيمان وتقوى كانت ~~كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا ~~له إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له ~~والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه اجمعين # PageV01P033 # فهرس أمراض القلوب وشفاؤها # PageV01P034 # التحفة العراقية في الاعمال القلبية تأليف شيخ الاسلام تقي الدين أحمد بن ~~تيمية # PageV01P035 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه ~~وسلم أما بعد فهذه كلمات مختصرة في أعمال القلوب التي تسمى المقامات ~~والأحوال وهي من أصول الايمان وقواعد الدين مثل محبة الله ورسوله والتوكل ~~على الله وإخلاص الدين له والشكر له والصبر على حكمه والخوف منه والرجاء له ~~وما يتبع ذلك اقتضى ذلك بعض من أوجب الله حقه من أهل الإيمان واستكتبها وكل ~~منا عجلان فأقول هذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق المأمورين في ~~الأصل باتفاق أئمة الدين والناس في هذا على ثلاث درجات كما هم في أعمال ~~الأبدان على ثلاث درجات ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات فالظالم لنفسه ~~العاصي بترك مأمور وفعل محظور والمقتصد المؤدي الواجبات والتارك المحرمات ~~والسابق بالخيرات المتقرب بما يقدر عليه من واجب ومسنون والتارك للمحرم ~~والمكروه وإن كان كل من المقتصد والسابق قد تكون له ذنوب تمحى عنه بتوبة ~~والله يحب التوابين ويحب المتطهرين إما بحسنات ماحية وإما بمصائب مفكرة ~~وإما بغير ذلك وكل من الصنفين المقتصدين والسابقين من أولياء الله الذي ~~ذكرهم في كتابه يونس فأولياء الله هم المؤمنون المتقون ولكن ذلك ينقسم إلى ~~عام وهم المقتصدون وخاص وهم السابقون وإن كان السابقون هم أعلى درجات ~~كالأنبياء والصديقين وقد ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) القسمين في الحديث ~~الذي رواه ms36 البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) أنه قال يقول الله من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما ~~تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي ~~يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن ~~سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعل ترددي عن ~~قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته # PageV01P036 # صفحة فارغة # PageV01P037 # ولا بد له منه وما الظالم لنفسه من أهل الإيمان ففيه من ولاية الله بقدر ~~إيمانه وتقواه كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره فالشخص الواحد قد تجتمع فيه ~~الحسنات المقتضية للثواب والسيئات المقتضية للعقاب حتى يمكن أن يثاب ويعاقب ~~وهذا قول أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأئمة الإسلام وأهل السنة ~~والجماعة الذين يقولون إنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ~~وأما القائلون بالتخليد كالخوارج أو المعتزلة القائلين أنه لا يخرج من ~~النار من دخلها من أهل القبلة وأنه لا شفاعة للرسول ولا لغيره في اهل ~~الكبائر لا قبل دخول النار ولا بعدها فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب ~~وعقاب وحسنات وسيئات بل من اثيب لا يعاقب ومن عوقب لم يثب ودلائل هذا الأصل ~~من الكتاب والسنة وإجماع الأمة كثير ليس هذا هو موضعه قد بسطناه في موضعه ~~وينبني على هذا أمور كثيرة ولهذا من كان معه إيمان حقيقي فلا بد أن يكون ~~معه من هذه الأعمال بقدر إيمانه وإن كان له ذنوب كما رواه البخاري في صحيحه ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا كان يسمى حمارا وكان يضحك النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) وكان يشرب الخمر ويجلده النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~فأتى به مرة فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتي به ms37 إلى النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ~~فهذا بين أن المذنب بالشراب وغيره قد يكون محبا لله ورسوله وحب الله رسوله ~~أوثق عرى الإيمان كما أن العابد الزاهد قد يكون لما في قلبه من بدعة ونفاق ~~مسخوطا عند الله ورسوله من ذلك الوجه كما استفاض في الصحاح وغيرها من حديث ~~علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه ذكر ~~الخوارج فقال يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قارءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم ~~لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وهؤلاء أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) فيهم في الحديث الصحيح تمرق مارقة على خير فرقة ~~من المسلمين يقتلهم أدنى الطائفتين ولهذا قال أئمة المسلمين كسفيان الثوري ~~أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب ~~منها ومعنى قولهم أن البدعة لا يتاب منها أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم ~~يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب # PageV01P038 # ما دام يراه حسنا لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه أو أنه ~~ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو أمر استحباب ليتوب ويفعله فما دام يرى ~~فعله حسنا وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب ولكن التوبة ممكنة وواقعه بأن ~~يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من ~~الكفار والمافقين وطوائف أهل البدع والضلال وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما ~~علمه فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى محمد والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقال النساء ms38 ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم وأشد تثيبتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم ~~صراطا مستقيما وقال تعالى الحديد يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به وقال تعالى البقرة ~~الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور وقال تعالى المائدة قد ~~جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~الآية وشواهد هذا كثيرة في الكتاب والسنة وكذلك من أعرض عن اتباع الحق الذي ~~يعلمه تبعا لهواه فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق ~~الواضح كما قال تعالى الصف فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم الآية وقال تعالى ~~البقرة في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال تعالى الأنعام وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم ~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم الآية وهذا استفهام نفي ~~وإنكار أي وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون وإنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~كما لم يؤمنوا به أول مرة على قراءة من قرأ إنها بالكسر تكون جزما بأنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ولهذا ~~قال من قال من السلف كسعيد بن جبير إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من ~~عقوبة السيئة السيئة بعدها وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى ~~البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب ~~عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي ~~إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا فأخبر ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الصدق يستلزم البر وأن الكذب يستلزم الفجور ~~وقد قال تعالى الانفطار # PageV01P039 # إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ms39 ولهذا كان بعض المشايخ إذا أمر ~~متبعيه بالتوبة وأحب أن لا ينفر ويتعب قلبه أمره بالصدق ولهذا يكثر في كلام ~~مشايخ الدين وأئمته ذكر الصدق والإخلاص حتى يقولون قل لمن لا يصدق لا ~~يتبعني ويقولون الصدق سيف الله في الأرض ما وضع على شيء إلا قطعه ويقول ~~يوسف بن اسباط وغيره ما صدق الله عبد إلا صنع له وأمثال هذا كثير والصدق ~~والإخلاص هما تحقيق الإيمان والإسلام فإن المظهرين الإسلام ينقسمون إلى ~~مؤمن ومنافق فالفارق بين المؤمن والمنافق هو الصدق كما في قوله الحجرات ~~قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا إلى قوله إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون وقال تعالى الحشر للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ~~من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك ~~هم الصادقون فأخبر أن الصادقين في دعوى الإيمان هم المؤمنون الذين لم يتعقب ~~إيمانهم به وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم وذلك أن هذا هو العهد ~~المأخوذ على الأولين والآخرين كما قال تعالى آل عمران وإذ اخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ~~ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري الآية قال ابن عباس ما بعث الله ~~نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره ~~أن يأخذ الميثاق على أمته ليؤمنن به ولينصرنه وقال تعالى الحديد لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن ~~الله قوى عزيز فذكر تعالى أنه أنزل الكتاب والميزان وأنه أنزل الحديد لأجل ~~القيام بالقسط وليعلم الله من ينصره ورسله ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي ~~وسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا والكتاب والحديد وإن اشتركا في الإنزال ~~فلا يمنع أن يكون أحدهما نزل من حيث لم ينزل الآخر حيث نزل الكتاب ms40 من الله ~~كما قال تعالى أول الزمر تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم وقال تعالى ~~أول هود كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير وقال النمل وإنك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم والحديد أنزل من الجبال التي يخلق فيها وكذلك وصف ~~الصادقين في دعوى البر الذي هو جماع الدين في قوله البقرة ليس البر أن ~~تولوا # PageV01P040 # وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين إلى قوله أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ~~وأما المنافقون فوصفهم بالكذب في آيات متعددة كقوله البقرة في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وقوله أول المنافقون إذا ~~جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون وقال التوبة فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ونحو ذلك من القرآن ~~كثير ومما ينبغي أن يعرف أن الصدق والتصديق يكون في الأقوال والأعمال كقول ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح كتب على ابن آدم حظه من الزنا ~~فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر والأذنان تزنيان ~~وزناهما السمع واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي ~~والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه ويقال حملوا على العدو حملة ~~صادقة إذا كان إرادتهم القتال ثابتة صادقة ويقال فلان صادق الحب والمودة ~~ونحو ذلك ولهذا يراد بالصادق الصادق في إرادته وقصده وطلبه وهو الصادق في ~~عمله ويريدون الصادق في خبره وكلامه والمنافق ضد المؤمن الصادق وهو الذي ~~يكون كاذبا في خبره أو كاذبا في عمله كالمرائي في عمله قال الله تعالى ~~النساء إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى يراؤون الناس الآيتين وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام إذ الإسلام هو ~~الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى الزمر ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان الآية ms41 فمن لم يستسلم له فقد استكبر ~~ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام والإسلام ~~ضد الشرك والكبر وذلك في القرآن كثير ولهذا كان الإسلام شهادة أن لا إله ~~إلا الله وهي متضمنة عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه وهو الإسلام العام ~~الذي لا يقبل الله من أحد من الأولين والآخرين دينا سواه كما قال تعالى آل ~~عمران ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ~~وقال آل عمران شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وهذا الذي ~~ذكرنا مما يبين # PageV01P041 # أن أصل الدين في الحقيقة هو الأمور الباطنة من العلوم والأعمال وأن ~~الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في ~~الحديث الذي رواه أحمد في مسنده الإسلام علانية والإيمان في القلب ولهذا ~~قال النبي (صلى الله عليه وسلم) الحلال بين والحرام بين وبين ذلك امور ~~مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن ~~وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا ~~وإن لك ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت ~~صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد وهي القلب وعن أبي هريرة قال ~~القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث خبثت جنوده ~~فصل وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ~~ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودا في حال ~~واحد وإن ارتقى مقامه وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله بل قد نهى عنه ~~في مواضع وإن تعلق أمر الدين به كقوله تعالى آل عمران ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين وقوله النحل ولا تحزن عليهم ولا تك في ms42 ضيق ~~مما يمكرون وقوله التوبة إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا وقوله يونس ~~ولا يحزنك قولهم وقوله الحديد لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم وأمثال ذلك كثيرة وذلك أنه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة ولا فائدة ~~فيه ومالا فائدة فيه لا يأمر الله به نعم لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه ~~محرم كما يحزن على المصائب كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) إن الله لا ~~يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا ويرحم وأشار بيده ~~إلى لسانه وقال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى الرب ومنه ~~قوله تعالى يوسف فتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن ~~فهو كظيم وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه ويكون محمودا من ~~تلك الجهة لا من جهة الحزن كالحزين على مصيبة في دينه وعلى مصائب المسلمين ~~عموما فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك ولكن ~~الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع ~~مضرة # PageV01P042 # منهى عنها وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه من جهة الحزن وأما إن أفضى ~~إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله ورسوله به كان مذموما عليه ~~من تلك الجهة وإن كان محمودا من جهة أخرى وأما المحبة لله والتوكل والإخلاص ~~له ونحو ذلك فهذه كلها خير محض وهي حسنة محبوبة في حق كل النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين ومن قال إن هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد ~~غلط في ذلك إن أراد خروج الخاصة عنها فإن هذه لا يخرج عنها مؤمن قط وإنما ~~يخرج عنها كافر ومنافق وقد تكلم بعضهم بكلام بينا غلطه فيه وأنه تقصير في ~~تحقيق هذه المقامات من مدة وليس هذا موضعه ولكن هذه المقامات ينقسم الناس ~~فيها إلى خصوص وعموم فللخاصة خاصها وللعامة عامها مثال ذلك أن هؤلاء قالوا ms43 ~~إن التوكل مناضلة عن النفس في طلب القوت والخاص لا يناضل عن نفسه وقالوا ~~المتوكل يطلب بتوكله أمرا من الأمور والعارف يشهد الأمور بفروغه منها فلا ~~يطلب شيئا فيقال أما الأول فإن التوكل أعم من التوكل في مصالح الدنيا فإن ~~المتوكل يتوكل على الله في صلاح قلبه ودينه وحفظ لسانه وإرادته وهذا أهم ~~الأمور إليه ولهذا يناجي ربه في كل صلاة بقوله إياك نعبد وإياك نستعين كما ~~في قوله هود فاعبده وتوكل عليه وقوله هود والشورى عليه توكلت وإليه أنيب ~~فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع لأن هذين يجمعان الدين كله ~~ولهذا قال من قال من السلف إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن وجمع علم ~~القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب وجمع علم فاتحة الكتاب ~~في قوله إياك نعبد وإياك نستعين وهاتان الكلمتان الجامعتان اللتان للرب ~~والعبد كما في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) أنه قال يقول الله سبحانه قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) يقول العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي يقول العبد ~~الرحمن الرحيم يقول الله أثني على عبدي يقول العبد مالك يوم الدين يقول ~~الله مجدني عبدي يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله فهذه الآية ~~بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل يقول العبد اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين يقول الله فهؤلاء لعبدي ولعبدي ~~ما سأل # PageV01P043 # فالرب سبحانه له نصف الثناء والخير والعبد له نصف الدعاء والطلب وهاتان ~~جامعتان ما للرب سبحانه وما للعبد فإياك نعبد للرب وإياك نستعين للعبد وفي ~~الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه قال كنت رديفا للنبي (صلى الله عليه وسلم) ~~على حمار فقال يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قلت الله ورسوله اعلم ~~قال حق الله على العباد ms44 أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله ~~أن لا يعذب من لا يشرك به والعبادة هي الغاية التي خلق الله لها العباد من ~~جهة أمر الله ومحبته ورضاه كما قال تعالى الذاريات وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب وهي اسم يجمع كمال الذل ونهايته ~~وكمال الحب لله ونهايته فالحب الخلي عن ذل والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة ~~وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله ~~وهي وإن كانت منفعتها للعبد والله غني عنها فهي له من جهة محبته لها ورضاه ~~بها ولهذا كان الله أشد فرحا بتوبة العبد من الفاقد لراحلته عليها طعامه ~~وشرابه في ارض دوية ملهكة إذا نام آيسا منها ثم استيقظ فوجدها فالله أشد ~~فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته وهذا يتعلق به أمور جليلة قد بسطناها ~~وشرحناها في غير هذا الموضع والتوكل والاستعانة للعبد لأنه هو الوسيلة ~~والطريق الذي ينال به مقصوده ومطلوبه من العبادة فالاستعانة كالدعاء ~~والمسألة وقد روى الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~قال يقول الله يا ابن آدم إنما هي اربع واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني ~~وبينك وواحدة بينك وبين خلقي فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما ~~التي هي لك فعملك أجازيك به أحوج ما تكون إليه وأما التي بيني وبينك فمنك ~~الدعاء وعلى الاجابة وأما التي بينك وبين خلقي فأت للناس ما تحب أن يأتوا ~~إليك وكون هذا لله وهذا للعبد هو اعتبار تعلق المحبة والرضاء ابتداء فإن ~~العبد ابتداء يحب ويريد ما يراه ملائما له والله تعالى يحب ويرضى ما هو ~~الغاية المقصودة في رضاه وحبه الوسيلة تبعا لذلك وإلا فكل مأمور به فمنفعته ~~عائدة على العبد وكل ذلك يحبه الله ويرضاه وعلى هذا فالذي ظن أن التوكل من ~~المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا وهو غلط بل ~~التوكل في الأمور الدينية ms45 أعظم وأيضا التوكل في الأمور الدينية التي لا تتم ~~الواجبات والمستحبات إلا بها والزاهد فيها زاهد فيما يحبه الله ويأمر به ~~ويرضاه والزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو ~~فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله كما أن الورع المشروع هو ترك ~~ما قد يضر في الدار الآخرة وهو ترك المحرمات # PageV01P044 # والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها كالواجبات فأما ما ~~ينفع في الدار الآخرة بنفسه أو على ما ينفع في الدار الآخرة فالزهد فيه ليس ~~من الدين بل صاحبه داخل في قوله تعالى المائدة يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين كما أن ~~الاشتغال بفضول المباحات هو ضد الزهد المشروع فإن اشتغل بها عن واجب أو ~~بفعل محرم كان عاصيا وإلا كان منقوصا عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين ~~وأيضا فالتوكل هو محبوب لله مرضى مأمور به دائما وما كان محبوبا لله مرضيا ~~مأمورا به دائما لا يكون من فعل المقتصدين دون المقربين فهذه ثلاثة أجوبة ~~عن قولهم المتوكل لا يطلب حظوظه وأما قولهم الأمور قد فرغ منها فهذا نظير ~~ما قاله بعضهم في الدعاء أنه لا حاجة إليه لأن المطلوب إن كان مقدرا فلا ~~حاجة إليه وإن لم يكن مقدرا لم ينفع وهذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا ~~وكذلك قول من قال التوكل والدعاء لا يجلب به منفعة ولا يدفع به مضرة وإنما ~~هو عبادة محضة وإن حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض المحض وهذا وإن كان ~~قاله طائفة من المشايخ فهو غلط أيضا وكذلك قول من قال الدعاء إنما هو عبادة ~~محضة فهذه الأقوال وما أشبهها يجمعها أصل واحد وهو أن هؤلاء ظنوا أن كون ~~الأمور مقدرة مقضية يمنع أن يتوقف على أسباب مقدرة أيضا تكون من العبد ولم ~~يعلموا أن الله سبحانه يقدر الأمور ويقضيها بالأسباب التي جعلها معلقة بها ~~من أفعال العباد وغير أفعالهم ms46 ولهذا كان طور قولهم يوجب تعطيل العمال ~~بالكلية وقد سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن هذا مرات فأجاب عنه كما ~~أخرجاه في الصحيحين عن عمران بن حصين قال قيل لرسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) أعلم أهل الجنة من أهل النار قال نعم قالوا ففيم العمل قال كل ميسر ~~لما خلق له وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال كنا في جنازة فيها رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض ثم ~~رفع رأسه وقال ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من النار أو الجنة إلا ~~وقد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل من القوم يا نبي الله أفلا نمكث على ~~كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من ~~أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل ~~السعادة فييسرون للسعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة ثم قال نبي الله ~~(صلى الله عليه وسلم) الليل فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى # PageV01P045 # فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى أخرجه ~~الجماعة في الصحاح والسنن والمسانيد وروى الترمذي أن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) سئل فقيل يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى ~~نتقيها أترد من قدر الله شيئا فقال هي من قدر الله وقد جاء هذا المعنى عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) في عدة أحاديث فبين صلى الله عله وسلم أن تقدم ~~العلم والكتاب بالسعيد والشقي لا ينافي أن تكون سعادة هذا بالأعمال الصالحة ~~وشقاوة هذا بالأعمال السيئة فإنه سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه وكذلك ~~يكتبها فهو يعلم أن السعيد يسعد بالأعمال الصالحة والشقي يشقى بالأعمال ~~السيئة فمن كان سعيدا ييسر للأعمال الصالحة والشقي يشقى بالأعمال السيئة ~~فمن كان للأعمال السيئة التي تقتضي الشقاوة كلاهما ميسر لما خلق له وهو ما ~~يصير إليه من مشيئة الله العامة الكونية التي ms47 ذكرها الله سبحانه في كتابه ~~في قوله تعالى هود ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وأما ما ~~خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية وأمره بموجباتها فذلك ~~مذكور في قوله الذاريات وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون والله سبحانه قد ~~بين في كتابه في كل واحدة من الكلمات والأمر والإرادة والإذن والكتاب ~~والحكم والقضاء والتحريم ونحو ذلك مما هو ديني موافقته لمحبة الله ورضاه ~~وأمره الشرعي وما هو كوني موافقته لمشيئته الكونية مثال ذلك أنه قال في ~~الأمر الديني النحل إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وقال ~~تعالى النساء إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ونحو ذلك وقال في ~~الكوني ياسين إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وكذلك قوله ~~الإسراء وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول على أحد الأقوال في هذه الآية وقال في الارادة الدينية البقرة يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر النساء يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن ~~الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم المائدة ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وقال في الإرادات الكونية البقرة ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد وقال الأنعام فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد ~~في السماء وقال نوح عليه السلام هود ولا ينفعكم نصحي إن # PageV01P046 # اردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم وقال ياسين إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وقال في الإذن الديني الحشر ما قطعتم من ~~لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبأذن الله وقال في الكوني البقرة وما ~~هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله وقال في القضاء الديني الإسراء وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه أي أمر وقال الكوني فصلت فقضاهن سبع سماوات في يومين ~~وقال في ms48 الحكم الديني أول المائدة أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد وقال الممتحنة ذلكم ~~حكم الله يحكم بينكم وقال في الكوني يوسف عن ابن يعقوب فلن أبرح الأرض حتى ~~يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين وقال الأنبياء قال رب احكم ~~بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون وقال في التحريم الديني المائدة ~~حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير النساء حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~الآية وقال في التحريم الكوني المائدة فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون ~~في الأرض وقال في الكلمات الدينية البقرة وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن وقال في الكونية الأعراف وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما ~~صبروا ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم) المستفيض عنه من وجوه في الصحاح ~~والسنن والمسانيد أنه كان يقول أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن ~~بر ولا فاجر ومن المعلوم أن هذا هو الكوني الذي لا يخرج منه شيء عن مشيئته ~~وتكوينه وأما الكلمات الدينية فقد خالفها الكفار بمعصيته والمقصود هنا أنه ~~(صلى الله عليه وسلم) بين أن العواقب التي خلق لها الناس سعادة وشقاوة ~~ييسرون لها بالأعمال التي يصيرون بها إلى ذلك كما أن سائر المخلوقات كذلك ~~فهو سبحانه خلق الولد وسائر الحيوان في الأرحام بما يقدره من اجتماع ~~الأبوين على النكاح واجتماع الماءين في الرحم فلو قال الإنسان أنا أتوكل ~~ولا أطأ زوجتي فإن كان قد قضى لي بولد وإلا لم يوجد ولا حاجة إلى وطء كان ~~أحمق بخلاف ما إذا وطئ وعزل الماء فإن عزل الماء لا يمنع انعقاد الولد إذا ~~شاء الله إذ قد يخرج بغير اختياره وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري ~~قال خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في غزوة بني المصطلق فأصبنا ~~سرايا من العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل فسألنا ~~عن ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) # PageV01P047 # فقال ما عليكم ms49 ألا تفعلوا فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة ~~وفي صحيح مسلم عن جابر إن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال إن لي ~~جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال ~~اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها وهذا مع ان الله سبحانه قادر على ~~ما قد فعله من خلق الإنسان من غير أبوين كما خلق آدم ومن خلقه من أب فقط ~~كما خلق حواء من ضلع آدم القصير ومن خلقه من أم فقط كما خلق المسيح بن مريم ~~عليه السلام لكن خلق ذلك بأسباب أخرى غير معتادة وهذا الموضع وإن كان إنما ~~يجحده الزنادقة المعطلون للشرائع فقد وقع في كثير من وكثير من المشايخ ~~المعظمين يسترسل أحدهم مع القدر غير محقق لما أمر به ونهى عنه ويجعل ذلك من ~~باب التفويض والتوكل ويجري مع الحقيقة القدرية ويحسب أن قول القائل ينبغي ~~للعبد أن يكون مع الله كالميت بين يدي الناس يتضمن ترك العمل بالأمر والنهي ~~حتى يترك ما أمر به ويفعل ما نهى عنه وحتى يضعف عنده النور والفرقان والذي ~~يفرق به بين ما أمر الله به وأحبه وأرضاه وبين ما نهى عنه وأبغضه وسخطه ~~فيسوى بين ما فرق الله بينه قال تعالى الجاثية أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون وقال تعالى القلم أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ~~وقال تعالى ص أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار وقال تعالى الزمر قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون وقال تعالى وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا ~~الظل ولا الحرور وما يستوي الاحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما ~~أنت بمسمع من في القبور وأمثال ذلك حتى يفضي الأمر بغلاتهم إلى عدم التمييز ~~بين الأمر بالمأمور النبوي الإلهي الفرقاني الشرعي الذي دل عليه ms50 الكتاب ~~والسنة وبين ما يكون في الوجوه من الأحوال التي تجري على أيدي الكفار ~~والفجار فيشهدون وجه الجمع من جهة الجمع بقضاء الله وقدره وربوبيته وإرادته ~~العامة وأنه داخل في ملكه ولا يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين ~~أوليائه وأعدائه والأبرار والفجار والمؤمنين والكافرين وأهل الطاعة الذين ~~أطاعوا أمره الديني وأهل المعصية الذين عصوا هذا الأمر # PageV01P048 # ويشهدون في ذلك بكلمات مجملة نقلت عن بعض الأشياخ أو ببعض غلطات بعضهم ~~وهذا أصل عظيم من اعظم ما يجب الاعتناء به على أهل طريق الله السالكين سبيل ~~إرادة الدين يريدون وجهه فإنه قد دخل بسبب إهمال ذلك على طوائف منهم من ~~الكفر والفسوق والعصيان مالا يعلمه إلا الله حتى يصيروا معاونين على البغي ~~والعدوان للمسلطين في الأرض من أهل الظلم والعلو الذين يتوجهون بقلوبهم في ~~معاونة من يهوونه من أهل العلو في الأرض والفساد ظانين أنهم إذا كانت لهم ~~احوال أثروا بها في ذلك من أولياء الله فإن القلوب لها من التأثير أعظم مما ~~للأبدان لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحا وإن كانت فاسدة كان تأثيرها ~~فاسدا فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تارة ومكروها لله أخرى وقد تكلم ~~الفقهاء على وجوب القود على من يقتل بغيره في الباطن حيث يجب القود في ذلك ~~ويستشهدون ببواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم ~~بكشف لهم أو بتأثير يوافق إرادته هو كرامة من الله له ولا يعلمون أنه في ~~الحقيقة إهانة وأن الكرامة لزوم الاستقامة وأن الله لم يكرم عبده بكرامة ~~أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ~~ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم يونس ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فإن كانوا موافقين له فيما أوجبه ~~عليهم فهم من المقتصدين وإن كانوا موافقين فيما أوجبه وأحبه فهم من ~~المقربين مع أن كل واجب محبوب وليس كل محبوب واجبا وأما ما يبتلى الله به ~~عبده من الشر بخرق ms51 العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد ~~على ربه ولا هوانه عليه بل قد يسعد بها أقوام إذا أطاعوه في ذلك وقد يشقى ~~بها قوم إذا عصوه في ذلك قال الله تعالى الفجر فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ~~ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ~~ربي أهانن كلا ولهذا كان الناس في هذه الأمور على ثلاثة اقسام قسم ترتفع ~~درجاتهم بخرق العادة إذا استعملوها في الطاعة وقوم يتعرضون بها لعذاب الله ~~إذا استعملوها في معصية الله كبلعام وغيره وقوم تكون في حقهم بمنزلة ~~المباحات والقسم الأول هم المؤمنون حقا المتبعون لنبيهم سيد ولد آدم الذي ~~إنما كانت خوارقه لحجة يقيم بها دين الله أو لحاجة يستعين بها على طاعة ~~الله ولكثرة اللغط في هذا الأصل نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ~~الاسترسال # PageV01P049 # مع القدر بدون الحرص على فعل المأمور الذي ينفع العبد فروى مسلم في صحيحه ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المؤمن القوي خير ~~وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ~~ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله ~~وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان وفي سنن أبي داود أن رجلين اختصما إلى ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) فقضى على أحدهما فقال المقضي عليه حسبي الله ~~ونعم الوكيل فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الله يلوم على العجز ~~ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل فأمر النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) المؤمن أن يحرص على ما ينفعه وأن يستعين بالله وهذا مطابق ~~لقوله إياك نعبد وإياك نستعين وقوله هود فاعبده وتوكل عليه فإن الحرص على ~~ما ينفع العبد هو طاعة الله وعبادته إذ النافع له هو طاعة الله ولا شيء ~~أنفع له من ذلك وكل ما يستعان به ms52 على الطاعة فهو طاعة وإن كان من جنس ~~المباح قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح لسعد إنك لن تنفق ~~نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في ~~امرأتك فأخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الله يلوم على العجز الذي هو ~~ضد الكيس وهو التفريط فيما يؤمر بفعله فإن ذلك ينافي القدرة المقارنة للفعل ~~وإن كان لا ينافي القدرة المقدمة التي هي مناط الأمر والنهي فإن الاستطاعة ~~التي توجب الفعل وتكون مقارنة له لا تصلح إلا لمقدورها كما ذكرها في قوله ~~هود ما كانوا يستطيعون السمع وقوله الكهف وكانوا لا يستطعيون سمعا وأما ~~الاستطاعة التي يتعلق بها الأمر والنهي فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا ~~يقترن كما في قوله آل عمران ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~وقوله (صلى الله عليه وسلم) لعمر أن صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم ~~تستطع فعلى جنبك فهذا الموضع قد انقسم الناس فيه على أربعة أقسام قوم ~~ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة والطاعة شاهدين لألوهيته سبحانه ~~الذي أمروا أن يعبدوه ولا ينظروا إلى جانب القضاء والقدر والتوكل ~~والاستعانة وهو حال كثير من المتفقهة المتعبدة فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم ~~لحرمات الله وشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان والاستعانة بالله ~~والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التي تقوى العبد وتيسر عليه الأمور ~~ولهذا قال بعض # PageV01P050 # السلف من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله وفي الصحيحين عن عبد ~~الله ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صفته في التوراة إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ~~ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزي ~~بالسيئة الحسنة ويغفر ولن أقبضه حتى اقيم به الملة العوجاء فأفتح بك أعينا ~~عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا بأن يقولوا لا إله إلا الله ولهذا روى أن حملة ~~العرش ms53 إنما اطاقوا حمل العرش بقولهم لا حول ولا قوة إلا بالله وفي الصحيحين ~~عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها كنز من كنوز الجنة قال تعالى الطلاق ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه وقال تعالى آل عمران الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ~~إلى قوله فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ~~في قوله وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم الخليل حين ألقى في ~~النار وقالها محمد حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم وقسم ثان ~~يشهدون ربوبية الحق وافتقارهم إليه ويستعينون بها على أهوائهم وأذواقهم غير ~~ناظرين إلى حقيقة امره ونهيه ورضاه وغضبه ومحبته وهذا حال كثير من المتفقرة ~~والمتصوفة ولهذا كثيرا ما يعملون على الأحوال التي يتصرفون بها في الوجود ~~لا يقصدون ما يرضي الرب ويحبه وكثيرا ما يغلطون فيظنون أن معصيته هي مرضاته ~~فيعودون إلى تعطيل الأمر والنهي ويسمهون هذا حقيقة ويظنون أن هذه الحقيقة ~~الأمرية الدينية هي التي تحوي مرضاة الرب ومحبته وأمره ونهيه ظاهرا وباطنا ~~وهؤلاء كثيرا ما يسلبون أحوالهم وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق بل ~~كثير منهم يرتد عن الاسلام لأن العاقبة للتقوى ومن لم يقف عند أمر الله ~~ونهيه فليس من المتقين فهم يقعون في بعض ما وقع المشركون فيه تارة من بدعة ~~يظنونها شرعة وتارة في الاحتجاج بالقدر على الأمر والله تعالى لما ذكر ما ~~ذم به المشركين في سورة الأنعام ذكر ما ابتدعوه في الدين وجعلوه شرعة كما ~~قال تعالى الأعراف وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء وقد ذمهم على أن حرموا ما لم يحرمه الله ~~وأن شرعوا ما لم يشرعه الله وذكر احتجاجهم بالقدر في قوله الأنعام لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ونظيرها في النحل ويس والزخرف ~~وهؤلاء يكون فيهم شبهة في هذا ms54 وهذا # PageV01P051 # وأما القسم الثالث وهو من أعرض عن عبادة الله واستعانته به فهؤلاء شر ~~الأقسام والقسم الرابع هو القسم المحمود وهو حال الذين حققوا إياك نعبد ~~وإياك نستعين وقوله هود فاعبده وتوكل عليه فاستعانوا به على طاعته وشهدوا ~~أنه إلههم الذي لا يجوز أن يعبدوا إلا إياه وطاعة رسوله وأنه ربهم الذي ليس ~~لهم من دونه ولي ولا شفيع وأنه فاطر ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك ~~لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده يونس وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله الزمر قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ~~ولهذا قال طائفة من العلماء الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو ~~الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في ~~الشرع وإنما التوكل المأمور به ما يجتمع فيه مقتضي التوحيد والعقل والشرع ~~فقد بين أن من ظن التوكل من مقامات عامة اهل الطريق فقد غلط غلطا شديدا وإن ~~كان من أعيان المشايخ كصاحب علل المقامات وهو من أجل المشايخ وأخذ ذلك عنه ~~صاحب محاسن المجالس وأظهر ضعف حجته فمن قال ذلك قال إن المطلوب به حظ ~~العامة فقط وظنه أنه لا فائدة له في تحصيل المقصود وهذه حال من جعل الدعاء ~~كذلك وذلك بمنزلة من جعل الأعمال المأمور بها كذلك كمن اشتغل بالتوكل عما ~~يجب عليه من الأسباب التي هي عبادة الله وطاعة مأمور بها فإن غلط هذا من ~~ترك الأسباب المأمور بها التي هي داخلة في قوله هود فاعبده وتوكل عليه كغلط ~~الأول في ترك التوكل المأمور به الذي هو داخل في قوله فاعبده وتوكل عليه ~~لكن يقال من كان توكله على الله ودعاؤه له هو في حصول مباحات فهو من العامة ~~وإن كان في حصول مستحبات وواجبات فهو من الخاصة كما أن من دعاه وتوكل عليه ~~في ms55 حصول محرمات فهو ظالم لنفسه ومن أعرض عن التوكل فهو عاص لله ورسوله بل ~~خارج عن حقيقة الإيمان فكيف يكون هذا المقام للخاصة قال الله تعالى يونس ~~وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وقال ~~تعالى آل عمران إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم ~~من بعده وقال إبراهيم وعلى الله فليتوكل المؤمنون وقال تعالى # PageV01P052 # الزمر قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ~~ضره إلى قوله قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون وقد ذكر الله هذه الكلمة ~~حسبي الله في جلب المنفعة تارة وفي دفع المضرة أخرى فالأولى قوله التوبة ~~ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله الآية والثانية قوله آل عمران الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وفي قوله ~~الأنفال وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله وقوله التوبة ولو أنهم رضوا ما ~~آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله الآية ~~يتضمن الأمر بالرضا والتوكل والرضا والتوكل يكتنفان المقدور فالتوكل قبل ~~وقوعه والرضاء بعد وقوعه ولهذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول في ~~الصلاة اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ~~وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسالك خشيتك في الغيب والشهادة ~~وأسالك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسالك ~~نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع اللهم إني أسألك الرضاء بعد القضاء ~~وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من ~~غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين ~~رواه أحمد والنسائي من حديث عمار بن ياسر وأما ما يكون قبل القضاء فهو عزم ~~على الرضا لا حقيقة للرضا ولهذا كان طائفة من المشايخ ms56 يعزمون على الرضا قبل ~~وقوع البلاء فإذا وقع انفسحت عزائمهم كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره كما ~~قال تعالى آل عمران ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه ~~وأنتم تنظرون وقال تعالى الصف يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص نزلت هذه الاية لما قالوا لو علمنا أي الأعمال ~~احب إلى الله لعملناه فأنزل الله آية الجهاد فكرهه من كرهه ولهذا كره للمرء ~~أن يتعرض للبلاء بأن يوجب على نفسه مالا يوجبه الشارع عليه بالعهد والنذر ~~ونحو ذلك أو يطلب ولاية أو يقدم على بلد فيه طاعون كما ثبت في الصحيحين من ~~غير وجه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي ~~بخير وإنما يستخرج به من البخيل وثبت عنه في الصحيحين أنه قال لعبد الرحمن ~~بن سمرة # PageV01P053 # لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير ~~مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو ~~خير وكفر عن يمينك وثبت عنه في الصحيحين أنه قال في الطاعون إذا سمعتم به ~~بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وثبت في ~~الصحيحين أنه قال لا تتمنوا لقاء العدو وأسالوا الله العافية ولكن إذا ~~لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف وأمثال ذلك مما يقتضي ~~أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى فيما يوجب عليه أشياء فيبخل بالوفاء كما ~~يفعل كثير ممن يعاهد الله عهودا على أمور وغالب هؤلاء يبتلون بنقض العهود ~~وينبغي أن الإنسان إذا ابتلى فعليه أن يصبر ويثبت ولا يكل حتى يكون من ~~الرجال الموفين القائمين بالواجبات ولا بد في جميع ذلك من الصبر ولهذا كان ~~الصبر واجبا باتفاق المسلمين على أداء الواجبات وترك المحظورات ويدخل في ~~ذلك الصبر على المصائب عن أن ms57 يخرج والصبر عن ابتاع أهواء النفس فيما نهى ~~الله عنه وقد ذكر الله الصبر في كتابه في اكثر من تسعين موضعا وقرنه ~~بالصلاة في قوله البقرة استعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين البقرة استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين وقوله هود ~~وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إلى قوله واصبر فإن الله لايضيع ~~اجر المحسنين طه فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها غافر فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك الآية وجعل الإمامة في ~~الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله السجدة وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فإن الدين كله علم بالحق وعمل به فالعمل ~~به لا بد فيه من الصبر بل وطلب علمه يحتاج إلى الصبر كما قال معاذ بن جبل ~~علكيم بالعلم فإن طلبه لله عبادة ومعرفته خشية والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن ~~لا يعلمه صدقة ومذاكرته تسبيح به يعرف الله ويعبد به يمجد ويوحد يرفع الله ~~بالعلم أقوما يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم وينتهون إلى رأيهم فجعل ~~البحث عن العلم من الجهاد ولا بد في الجهاد من الصبر ولهذا قال تعالى ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر وقال تعالى ص واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي ~~الأيدي والأبصار فالعلم النافع ع هو أصل الهدى والعمل بالحق هو # PageV01P054 # الرشاد وضد الأول هو الضلال وضد الثاني هو الغي والضلال العمل بغير علم ~~والغي اتباع الهوى قال تعالى والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فلا ينال ~~الهدى إلا بالعلم ولا ينال الرشاد إلا بالصبر ولهذا قال علي ألا إن الصبر ~~من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا انقطع الرأس بان الجسد ثم رفع صوته ~~فقال ألا لا إيمان لمن لا صبر له وأما الرضا فقد تنازع العلماء والمشايخ من ~~أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في الرضاء بالقضاء هل هو واجب أو مستحب على قولين ~~فعلى الأول يكون ms58 من أعمال المقتصدين وعلى الثاني يكون من أعمال المقربين ~~قال عمر بن عبد العزيز الرضاء عزيز ولكنه معول المؤمن وقد روى عن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) أنه قال لابن عباس إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع ~~اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ولهذا لم ~~يجيء في القرآن إلا مدح الراضين لا إيجاب ذلك وهذا في الرضا فيما يفعله ~~الرب بعبده من المصائب كالمرض والفقر والزلزال كما قال تعالى البقرة ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس وقال البقرة أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلولوا ~~فالبأساء في الأموال والضراء في الأبدان والزلزال في القلوب وأما الرضا بما ~~أمر الله به فأصله واجب وهو من الايمان كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~في الحديث ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ~~وهو من توابع المحبة كما سنذكره إن شاء الله تعالى وقال النساء فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما وقال تعالى التوبة ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله روسوله ~~وقالوا حسبنا الله الآية وقال تعالى محمد ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم وقال التوبة وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ~~إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون ~~إلا وهم كارهون ومن النوع الأول ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن سعد عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه ~~بما قسم الله له ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله وسخطه بما يقسم الله ~~له وأما الرضا بالمنهيات من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء يقولون ~~لا يشرع الرضا بها إذ هي كما لا تشرع محبتها فإن الله سبحانه # PageV01P055 # لا يرضاها ولا يحبها وإن كان قدرها وقضاها كما قال سبحانه البقرة ms59 والله ~~لا يحب الفساد وقال تعالى الزمر ولا يرضى لعباده الكفر بل يسخطه كما قال ~~تعالى محمد ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ~~وقالت طائفة ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقا وتسخط من جهة كونها ~~مضافة إلى العبد فعلا وكسبا وهذا لا ينافي الذي قبله بل هما يعودان إلى أصل ~~واحد وهو سبحانه قدر الأشياء لحكمة فهي لاعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية ~~وقد تكون في نفسها مكروهة ومسخوطة إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يحب من ~~أحدهما ويكره من الآخر كما في الحديث الصحيح ما ترددت عن شيء أنا فاعله ~~ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه وأما ~~من قال بالرضا بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله لا بالمقضي الذي هو مفعلوه ~~فهو خروج منه عن مقصود الكلام فإن الكلام ليس بالرضاء فيما يقوم بذات الرب ~~تعالى من صفاته وأفعاله وإنما الكلام في الرضاء بمفعولاته والكلام فيما ~~يتعلق بهذا قد بيناه في غير هذا الموضع والرضاء وإن كان من أعمال القلوب ~~فكماله هو الحمد حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضاء ولهذا جاء في الكتاب ~~والسنة حمد الله على كل حال وذلك يتضمن بمقضياته وفي الحديث أول من يدعى ~~إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله في السراء والضراء وروى عن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) أنه كان إذا أتاه الأمر يسره قال الحمد لله الذي ~~بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر الذي يسؤوه قال الحمد لله على كل حال ~~وفي مسند الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~قال إذا قبض ولد العبد يقول الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم ~~فيقول أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال فيقولون حمدك واسترجعك ~~فيقول ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ونبينا (صلى الله عليه ~~وسلم) هو صاحب لواء الحمد وأمته هم الحمادون الذين يحمدون الله على السراء ~~والضراء والرضا والحمد على ms60 الضراء يوجبه شاهدان أحدهما علم العبد بأن الله ~~سبحانه مستوجب لذلك مستحق له لنفسه فإنه احسن كل شيء خلقه وأتقن كل شيء وهو ~~العليم الحكيم الخبير الرحيم والثاني علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن ~~خير من اختياره لنفسه كما روى مسلم في صحيحه وغيره عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) أنه قال والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له # PageV01P056 # ليس ذلك إلا للمؤمن إن اصبته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر ~~كان خيرا له فأخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن كل قضاء يقضيه الله ~~للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له قال تعالى إن في ~~ذلك لايات لكل صبار شكور وذكرها في أربعة مواضع من كتابة إبراهيم لقمان سبأ ~~الشورى فأما من لا يصبر على البلاء ولا يشكر على الرخاء فلا يلزم أن يكون ~~القضاء خيرا له ولهذا أجبت من أورد على هذا بما يقضى على المؤمن من المعاصي ~~بجوابين أحدهما أن هذا إنما يتناول ما اصاب العبد لا ما فعله العبد كما في ~~قوله النساء ما أصابك من حسنة فمن الله أي من سراء وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك أي من ضراء وكقوله الأعراف وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ~~أي بالسراء والضراء كما قال الأنبياء ونبلوكم بالشر والخير فتنة وقال آل ~~عمران إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها يراد بها المسار ~~والمضار ويراد بها الطاعات والمعاصي والجواب الثاني أن هذا في حق المؤمن ~~الصبار الشكور والذنوب تنقص الإيمان فإذا تاب العبد أحبه الله وقد ترتفع ~~درجته بالتوبة قال بعض السلف كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فمن ~~قضى له بالتوبة كان كما قال سعيد ابن جبير إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها ~~النار وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون ~~نصب عينة ويعجب بها ويعمل السيئة فتكون نصب عينة فيستغفر الله ويتوب إليه ~~منها وقد ms61 ثبت في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال الأعمال ~~بالخواتيم والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبته تندفع عنه بعشرة أسباب أن يتوب ~~فيتوب الله عليه فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له أو يستغفر فيغفر له أو ~~يعمل حسنات تمحوها فإن الحسنات يذهبن السيئات أو يدعو له إخوانه المؤمنون ~~ويشفعون له حيا وميتا أو يهدون له من ثواب أعمالهم لينفعه الله به أو يشفع ~~فيه نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) أو يبتليه الله في الدنيا بمصائب تكفر ~~عنه أو يبتليه في البرزخ والصعقة فيكفر بها عنه أو يبتليه في عرصات القيامة ~~من أهوالها بما يكفر عنه أو يرحمه أرحم الراحمين فمن أخطأته هذه العشرة فلا ~~يلومن إلا نفسه كما قال تعالى فيما يروى عنه رسوله يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم احصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن إلا نفسه فإن كان المؤمن يعلم أن القضاء خير إذا كان صابرا ~~شكورا # PageV01P057 # وكان قد استخار الله وعلم أن من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما ~~قسم له كان قد رضى بما هو خير له وفي الحديث الصحيح عن علي قال إن الله ~~يقضي بالقضاء فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط ففي هذا الحديث الرضا ~~والاستخارة فالرضا بعد القضاء والاستخارة قبل القضاء وهذا اكمل من الرضا ~~والصبر فلهذا ذكر في ذاك الرضا وفي هذا الصبر ثم إذا كان القضاء مع الصبر ~~خيرا له فكيف مع الرضا ولهذا جاء في الحديث المصاب من حرم الثواب فالأثر ~~الذي رواه الشافعي في مسنده أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما مات سمعوا ~~قائلا يقول يا آل بيت رسول الله إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل ~~هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب ~~ولهذا لم نؤمر بالحزن المنافي للرضا قط مع أنه لا فائدة فيه فقد يكون مضرة ~~لكنه ms62 يعفى عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله لكن البكاء على الميت على وجه ~~الرحمة حسن مستحب وذلك لا ينافي الرضا يخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه ~~وبهذا تعرف معنى قول النبي (صلى الله عليه وسلم) لما بكى على الميت وقال إن ~~هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء وأن ~~هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت وأن الفضيل بن عياض لما مات ~~ابنه على فضحك وقال رأيت أن الله قضى فأحببت أن أرضى بما قضى الله به حاله ~~حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع وأما رحمة الميت مع الرضا بالقضاء وحمد الله ~~كحال النبي (صلى الله عليه وسلم) فهذا أكمل قال تعالى البلد ثم كان من ~~الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة فذكر سبحانه التواصي بالصبر ~~والرحمة والناس أربعة اقسام منهم من يكون فيه صبر بقسوة ومنهم من يكون فيه ~~رحمة بجزع ومنهم من يكون فيه القسوة والجزع والمؤمن المحمود الذي يصبر على ~~ما يصيبه ويرحم الناس وقد فطن طائفة من المصنفين في هذا الباب أن الرضا عن ~~الله من توابع المحبة له وهذا إنما يتوجه على المأخذ الأول وهو الرضا عنه ~~لاستحقاقه ذلك بنفسه مع قطع العبد النظر عن حظه بخلاف المأخذ الثاني وهو ~~الرضا لعلمه بأن المقضي خير له ثم إن المحبة متعلقة به والرضا متعلق بقضائه ~~لكن قد يقال في تقرير ما قال هذا المصنف ونحوه إن المحبة لله نوعان محبة له ~~نفسه ومحبة لما منهم من الاحسان وكذلك الحمد له نوعان حمد لله على ما ~~يستحقه بنفسه وحمد على إحسانه لعبده فالنوعان للرضا كالنوعين للمحبة وأما ~~الرضا به وبدينه وبرسوله فذلك من # PageV01P058 # حظ المحبة ولهذا ذكر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال ذاق طعم ~~الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وفي الصحيحين عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن ~~يكون الله ورسوله ms63 أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ انقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار وهذا مما يبين من الكلام على المحبة فنقول فصل محبة الله ورسوله من ~~أعظم واجبات الايمان وأكبر أوصله وأجل قواعده بل هي أصل كل عمل من أعمال ~~الإيمان والدين كما أن التصديق أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين فإن كل ~~حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة إما عن محبة محمودة أو عن محبة مذمومة ~~كما قد بسطنا ذلك في قاعدة المحبة من القواعد الكبار فجميع الأعمال ~~الايمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة وأصل المحبة المحمودة هي ~~محبة الله سبحانه وتعالى إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لا يكون ~~عملا صالحا بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله ~~فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال يقول الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن ~~الشرك فمن عمل عملا فأشرك فيه غيري فأنا منه برئ وهو كله للذي أشرك وثبت في ~~الصحيح حديث الثلاثة الذين هم اول من تسعر بهم النار القارئ المرائي ~~والمجاهد المرائي والمتصدق المرائي بل إخلاص الدين لله هو الدين الذي لا ~~يقبل الله سواه فهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل وانزل به جميع ~~الكتب واتفق عليه أئمة أهل الإيمان وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب ~~القرآن الذي تدور عليه رحاه قال تعالى أول الزمر وأول غافر وأول الجاثية ~~وأول الحقاف تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم أول الزمر إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والسورة كلها ~~عمتها في هذا المعنى من قوله الزمر قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له ~~الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين إلى قوله الزمر قل الله ms64 أعبد مخلصا له ~~ديني إلى قوله أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه # PageV01P059 # إلى قوله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره الآية إلى قوله الزمر أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات ~~والأرض ثم إليه ترجعون وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون إلى قوله قل أفغير الله ~~تأمروني أعبد أيها الجاهلون إلى قوله بل الله فاعبد وكن من الشاكرين وقال ~~تعالى فيما قصه من قصة آدم وإبليس أنه قال ص فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا ~~عبادك منهم المخلصين وقال تعالى الحجر إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين وقال النحل إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون فبين أن سلطان ~~الشيطان وإغواءه إنما هو لغير الملخصين ولهذا قال في قصة يوسف وكذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين وأتباع الشيطان هم أصحاب النار ~~كما قال تعالى ص لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وقد قال سبحانه ~~والنساء إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وهذه الآية ~~في حق من لم يتب ولهذا خصص الشرك وقبل ما سواه بالمشيئة فإنه لا يغفر الشرك ~~لمن لم يتب منه وما دونه يغفره لمن يشاء وأما قوله الزمر قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا فتلك ~~في حق التائبين ولهذا عمم وأطلق وسياق الآية يبين ذلك مع سبب نزولها وقد ~~أخبر سبحانه أن الأولين والآخرين إنما أمروا بذلك في غير موضع كالسورة التي ~~قرأها النبي (صلى الله عليه وسلم) لما أمره أن يقرأ عليه قراءة إبلاغ ~~وإسماع بخصوصه فقال البينة وما تفرق الذين أوتوا ms65 الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء الآية ~~وهذا حقيقة قول لا إله إلا الله وبذلك بعث جميع الرسل قال الله تعالى ~~الأنبياء وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون وقال الزخرف واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى النحل ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت وجميع الرسل افتتحوا دعوتهم بهذا الأصل كما قال نوح ~~عليه السلام الأعراف اعبدوا الله ما لكم من إله غيره وكذلك # PageV01P060 # هود هود وصالح هود وشعيب هود عليهم السلام وغيرهم كل يقول اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره لا سيما أفضلا الرسل اللذين اتخذ الله كلاهما خليلا ~~إبراهيم ومحمدا عليهما السلام فإن هذا الأصل بينه الله بهما وأيدهما فيه ~~ونشره بهما فإبراهيم هو الإمام الذي قال الله فيه البقرة إني جاعلك للناس ~~إماما وفي ذريته جعل النبوة والكتاب والرسل فأهل هذه النبوة والرسالة هم من ~~آله الذين بارك الله عليهم قال سبحانه الزخرف وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ~~إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه لعلهم يرجعون فهذه الكلمة هي كلمة الإخلاص لله وهي البراءة من كل ~~معبود إلا من الخالق الذي فطرنا كما قال صاحب ياسين ياسين ومالي لا أعبد ~~الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون وقال تعالى في قصته بعد أن ذكر ما يبين ضلال من ~~اتخذ بعض الكواكب ربا يعبده من دون الله قال الأنعام فلما أفلت قال يا قوم ~~إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا ~~من المشركين إلى قوله ولا تخالفون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا وقال إبراهيم الخليل عليه السلام الشعراء أفرأيتم ما كنتم تعبدون ~~أنتم وآباؤكم ms66 الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين ~~والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين وقوله تعالى الممتحنة قد كانت ~~لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم الآية ونبينا (صلى الله عليه وسلم) هو الذي ~~أقام الله به الدين الخالص لله دين التوحيد وقمع به المشركين من كان مشركا ~~من الأصل ومن الذين كفروا من أهل الكتب وقال (صلى الله عليه وسلم) فيما ~~رواه الإمام أحمد وغيره بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا ~~شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف امري ومن ~~تشبه بقوم فهو منهم وقد تقدم بعض ما أنزل الله عليه من الآيات المتضمنة ~~للتوحيد فقال تعالى والصافات صفا إلى قوله إن إلهكم لواحد إلى قوله إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا ~~لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين إلى قوله أولئك لهم رزق معلوم ~~فواكه وهم مكرمون إلى ما ذكره من قصص الأنبياء في التوحيد وإخلاص الدين لله ~~إلى قوله سبحان الله # PageV01P061 # عما يصفون إلا عباد الله المخلصين وقال تعالى النساء إن المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتمصوا ~~بالله وأخلصوا دينهم لله وفي الجملة فهذا الأصل في سورة الأنعام والأعراف ~~والنور وطسم وحم وسور المفصل وغير ذلك من السور المكية ومواضع من السور ~~المدنية كثير ظاهر فهو اصل الأصول وقاعدة الدين حتى في سورتي الإخلاص قل يا ~~ايها الكافرون وقل هو الله أحد وهاتان السورتان كان النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) يقرأ بهما في صلاة التطوع كركعتي الطواف وسنة الفجر وهما متضمنتان ~~للتوحيد فأما قل يا أيها الكافرون فهي متضمنة للتوحيد العملي الإرادي وهو ~~إخلاص الدين لله بالقصد والإرادة وهو الذي يتكلم به مشايخ التصوف غالبا ~~وأما سورة قل هو الله أحد فمتضمنة ms67 للتوحيد القولي العملي كما ثبت في ~~الصحيحين عن عائشة أن رجلا كان يقرأ قل هو الله أحد في صلاته فقال النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) سلوه لم يفعل ذلك فقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحبها ~~فقال أخبروه أن الله يحبه ولهذا تضمنت هذه السورة من وصف الله سبحانه ~~وتعالى الذي ينفى قول أهل التعطيل وقول أهل التمثيل ما صارت به هي الأصل ~~المعتمد في مسائل الذات كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع وذكرنا اعتماد ~~الأئمة عليها مع ما تضمنته في تفسير الأحد كما جاء تفسيره عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) والصحابة والتابعين وما دل على ذلك من الدلائل لكن المقصود ~~هنا هو التوحيد العملي وهو إخلاص الدين لله وإن كان أحد النوعين مرتبطا ~~بالآخر فلا يوجد أحد من اهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه ~~نوع من الشرك العملي إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه أو ~~بينه وبين المعدومات كما يسوى المعطلة بينه وبين المعدومات في الصفات ~~السلبية التي لا تستلزم مدحا ولا ثبوت كمال أو يسوون بينه وبين الناقص من ~~الموجودات في صفات النقص وكما يسوون إذ أثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة ~~مساواة بينه وبين المخلوقات في حقائقها حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ~~ويجعلون له أندادا ويشبهون الملخوق برب العالمين واليهود كثيرا ما يعدلون ~~الخالق بالملخوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك ~~من النقائص التي يجب تنزيهه عنها وهي من صفات خلقه والنصارى يعدلون المخلوق ~~بالخالق حتى يجعلوا في المخلوق من نعوت الربوبية وصفات الإلهية ويجوزون له ~~مالا يصلح إلا للخالق سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا والله ~~سبحانه وتعالى قد امرنا أن نسأله الهداية بقوله اهدنا الصراط المستقيم # PageV01P062 # صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين وقد قال النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون وفي هذ الأمة من ~~هؤلاء وهؤلاء كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لتتبعن سنن ms68 من كان قبلكم ~~حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود ~~والنصارى قال فمن والحديث في الصحيحين فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص ~~الدين لله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته وهذا كمال المحبة لكن ~~أكثر ما جاء المطلوب مسمى باسم العبادة كقوله الذاريات وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون وقوله البقرة يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم وأمثال هذا والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ~~ونهايته فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا والمعظم الذي لا ~~يحب لا يكون معبودا ولهذا قال تعالى البقرة ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله فبين سبحانه ان المشركين ~~الذين يتخذون من دون ألله أندادا وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله فالذين ~~آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم لأن المؤمنين أعلم بالله والحب يتبع ~~العلم ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده وأولئك جعلوا بعض حبهم له ~~وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب ومعلوم أن ذلك افضل قال الله تعالى ~~الزمر ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان ~~مثلا الآية واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله ~~وأنبياءه وعباده المؤمنين وإن كان ذلك من محبة الله وإن كانت المحبة التي ~~لله لا يستحقها غيره فلهذا جاءت محبة الله مذكورة بما يختص به سبحانه من ~~العبادة والإنابة إليه والتبتل له ونحو ذلك فكل هذه الأسماء تتضمن محبة ~~الله سبحانه وتعالى ثم إنه كان بين أن محبته أصل الدين فقد بين أن كمال ~~الدين بكمالها ونقصه بنقصها فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال رأس الأمر ~~الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله فأخبر أن الجهاد ~~ذورة سنام العمل وهو أعلاه وأشرفه وقد قال تعالى التوبة أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد ms69 في سبيل الله لا ~~يستوون عند الله إلى قوله أجر عظيم والنصوص في فضائل الجهاد وأهله كثيرة ~~وقد ثبت أنه أفضل ما تطوع به العبد والجهاد دليل المحبة الكاملة قال تعالى ~~التوبة قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم الآية وقال تعالى في ~~صفة المحبين المحبوبين # PageV01P063 # المائدة يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم فإن المحبة مستلزمة للجهاد ولأن المحب يحب ما يحب ~~محبوبه ويبغض ما يبغض محبوبه ويوالي من يوالي محبوبه ويعادي من يعاديه ويرض ~~لرضاه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهى عما نهى عنه فهو موافق في ذلك ~~وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم ويغضب لغضبهم إذ هم إنما يرضون لرضاه ~~ويغضبون لما يغضب له كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لأبي بكر في طائفة ~~فيهم صهيب وبلال لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فقال لهم يا ~~إخوتي هل أغضبتكم قالوا لا يغفر الله لك يا أبا بكر وكان قد مر بهم أبو ~~سفيان بن حرب فقالوا ما أخذت السيوف مأخذها فقال لهم أبو بكر أتقولون هذا ~~لسيد قريش وذكر أبو بكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقال له ما تقدم ~~لان أولئك إنما قالوا ذلك غضبا لله لكمال ما عندهم من الموالاة لله ورسوله ~~والمعاداة لأعدائهما ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث ~~الصحيح فيما يروى عن ربه لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ~~ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي ~~المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه فبين أنه يتردد لأن ~~التردد تعارض إرادتين وهو ms70 سبحانه يحب ما يحب عبده ويكره ما يكرهه وهو يكره ~~الموت فهو يكرهه كما قال وأنا أكره مساءته وهو سبحانه قد قضى بالموت فهو ~~يريد أن يموت فسمى ذلك ترددا ثم بين أنه لا بد من وقوع ذلك وهذا اتحاد في ~~المحبوب المرضي المأمور به والمبغض المكروه المنهي عنه وقد يقال له اتحاد ~~نوعي وصفي وليس ذلك اتحاد الذاتين فإن ذلك ممتنع والقائل به كافر وهو قول ~~النصارى والغالية من الرافضة والنساك كالحلاجية ونحوهم وهو الاتحاد المقيد ~~في شيء بعينه وأما الاتحاد المطلق الذي هو قول أهل وحدة الوجود الذين ~~يزعمون أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق فهذا تعطيل للصانع وجحود له وهو ~~جامع لكل شرك فكما أن الاتحاد نوعان فكذلك الحلول نوعان قوم يقولون بالحلول ~~المقيد في بعض الأشخاص وقوم يقولون بحلوله في كل شيء وهم الجهمية الذين ~~يقولون إن ذات الله في كل مكان وقد يقع لبعض المصطلمين من أهل الفناء في ~~المحبة أنه يغيب بمحبوبه # PageV01P064 # عن نفسه وحبه ويغيب بمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته وبموجوده عن ~~وجوده حتى لا يشهد إلا محبوبه فيظن في زوال تمييزه ونقص عقله وسكره أنه هو ~~محبوبه كما قيل إن محبوبا وقع في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال أنا وقعت ~~فأنت ما الذي أوقعك فقال غبت بك عني فظننت أنك أنا فلا ريب أن هذا خطأ ~~وضلال لكن إن كان هذا لقاء المحبة والذكر من غير أن يحصل عن سبب محظور زال ~~به عقله كان معذورا في زواله فلا يكون مؤاخذا بما يصدر منه من الكلام في ~~هذه الحال التي زال فيها عقله بغير سبب محظور كما قيل في عقلاء المجانين ~~أنهم قوم آتاهم الله عقولا وأحوالا فسلب عقولهم وأبقى أحوالهم وأسقط ما فرض ~~بما سلب وأما إذا كان السبب الذي به زوال العقل محظورا لم يكن السكران ~~معذورا وإن كان لا يحكم بكفره في اصح القولين كما لا يقع طلاقه في أصح ~~القولين وإن كان النزاع فيه مشهورا ms71 وقد بسطنا الكلام في هذا وفيمن يسلم له ~~حاله ومن لا يسلم في قاعدة ذلك وبكل حال فالفناء الذي يفضي بصاحبه إلى مثل ~~هذا حال نقاص وإن كان صاحبه غير مكلف ولهذا لم يرد مثل هذا عن الصحابة ~~الذين هم افضل الأمة ولا عن نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) وإن كان ~~لهؤلاء في صعق موسى نوع تعلق وإنما حدث زوال العقل عند الواردات الإلهية ~~على بعض التابعين ومن بعدهم وإن كانت المحبة التامة مستلزمة لموافقة ~~المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته فمن المعلوم أن من أحب الله ~~المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما ~~قال تعالى الصف إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ~~والمحب التام لا يؤثر فيه لوم اللائم وعذل العاذل بل ذلك يغريه بملازمة ~~المحبة كما قد اكثر الشعراء في ذلك وهؤلاء هم أهل الملام المحمود وهم الذين ~~لا يخافون من يلومهم على ما يحب الله ويرضاه من جهاد أعدائه فإن الملام على ~~ذلك كثير وأما الملام على فعل ما يكرهه الله أو ترك ما أحبه فهو لوم بحق ~~وليس من ذلك المحمود الصبر على هذا الملام بل الرجوع إلى الحق خير من ~~التمادي في الباطل وبهذا يحصل الفرق بين الملامية الذين يفعلون ما يحبه ~~الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك وبين الملامية الذين يفعلون ما ~~يبغضه الله ورسوله ويصبرون على الملام في ذلك # PageV01P065 # فصل وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم ~~المحبة ويرجع إليها فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه ~~والخائف يفر من الخوف لينال المحبوب قال تعالى الإسراء أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه الآية وقال ~~البقرة إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ~~رحمة الله ورحمته اسم جامع لكل خير وعذابه اسم لكل شر ودار الرحمة الخالصة ~~هي الجنة ms72 ودار العذاب الخالص هي النار وأما الدنيا فدار استدارج فالرجاء ~~وإن تعلق بدخول الجنة فالجنة اسم جامع لكل نعيم وأعلاه النظر إلى وجه الله ~~كما في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا اهل الجنة إن لكم عند ~~الله موعد يريد أن ينجزكموهن فيقولون ما هو ألم يبيض وجوها ألم يثقل ~~موازيننا ويدخلنا الجنة وينجينا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه ~~فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة ومن هنا يتبين زوال ~~الاشتباه في قول من قال ما عبدتك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك وإنما ~~عبدتك شوقا إلى رؤيتك فإن هذا القائل ظن هو ومن تابعه أن الجنة لا يدخل في ~~مسماها إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح والسماع ونحو ذلك مما فيه التمتع ~~بالمخلوقات كما يوافق على ذلك من ينكر رؤية الله من الجهمية أو من يقر بها ~~ويزعم أنه لا تمتع في نفس رؤية الله كما يقوله طائفة من المتفقهة فهؤلاء ~~متفقون على أن مسمى الجنة والآخرة لا يدخل فيه إلا التمتع بالمخلوقات ولهذا ~~قال بعض من غلط من المشايخ لما سمع قوله آل عمران منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة قال فأين من يريد الله وقال آخر التوبة إن الله اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة قال إذا كانت النفوس والأموال ~~بالجنة فأين النظر إليه وكل هذا لظنهم أن الجنة لا يدخل فيها النظر ~~والتحقيق أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم وأعلى ما فيها النظر إلى وجه ~~الله وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة كما أخبرت به النصوص وكذلك اهل ~~النار فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار مع أن قائل هذا القول إذا كان ~~عارفا بما يقول فإنما قصده إنك لو لم تخلق نارا ولو لم تخلق جنة لكان يجب ~~أن تعبد ويجب التقرب إليك والنظر إليك كما ms73 قال عمر رضي الله عنه نعم العبد # PageV01P066 # صهيب لو لم يخف الله لم يعصه أي هو لم يعصه ولو لم يخفه فإن إجلاله ~~وإكرامه لله يمنعه من معصيته والراجي الخائف إذا تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب ~~باحتجاب الرب عنه والتنعم بتجلية فمعلوم أن هذا من توابع محبته له فالمحبة ~~هي أوجبت محبة التجلي والخوف من الاحتجاب وإن تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب ~~بمخلوق والتنعم به فهذا إنما يطلب ذلك بعبادة الله المستلزمة محبته لله وهي ~~أحلى من كل محبة ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء كما في ~~الحديث إن اهل الجنة يلهمون التسبيح كما تلهمون وهو يبين غاية تنعمهم بذكر ~~الله ومحبته فالخوف من التعذب بمخلوق والرجاء له يسوقه إلى محبة الله التي ~~هي الأصل وهذا كله ينبني على أصل المحبة فيقال قد نطق الكتاب والسنة بمحبة ~~العباد المؤمنين لله كما في قوله البقرة والذين آمنوا أشد حبا لله وقوله ~~المائدة يحبهم ويحبونه وقوله التوبة أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله وفي الصحيحين عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال ثلاث من كن فيه ~~وجد حلاوة الايمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء ~~لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره ~~أن يلقى في النار بل محبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجبت لمحبة الله ~~كما في قوله التوبة أحب إليكم من الله ورسوله وكما في الصحيحين عن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) أنه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ~~إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر ~~حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال والله لأنت أحب إلي من نفسي وكذلك محبة ~~صحابته وقرابته كما في الصحيح عن النبي (صلى الله ms74 عليه وسلم) أنه قال آية ~~الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار وقال لا يبغض الأنصار رجل يؤمن ~~بالله واليوم الآخر وقال علي رضي الله عنه إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا ~~يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق وفي السنن أنه قال للعباس والذي نفسي ~~بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبونكم لله ولقرابتي يعني بني هاشم وقد روى حديث ~~عن ابن عباس مرفوعا أنه قال أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني بحب ~~الله وأحبوا أهل بيتي لأجلي وأما محبة الرب لعبده فقال تعالى النساءواتخذ ~~الله إبراهيم خليلا وقال تعالى المائدة يحبهم ويحبونه وقال البقرة وأحسنوا ~~إن الله يحب المحسنين الحجرات وأقسطوا إن الله يحب المقسطين # PageV01P067 # التوبة فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين التوبة فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين الصف إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص آل عمران بلى من أوفى بعهده وأتقى ~~فإن الله يحب المتقين وأما الأعمال التي يحبها الله من الواجبات والمستحبات ~~الظاهرة والباطنة فكثيرة معروفة وكذلك حبه لأهلها وهم المؤمنون أولياء الله ~~المتقون وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة والذي عليه سلف الأمة ~~وأئمتها وأهل السنة والحديث وجميع مشايخ الدين وأئمة التصوف أن الله محبوب ~~لذاته محبة حقيقة بل هي أكمل محبة فإنها كما قال تعالى البقرة والذين آمنوا ~~أشد حبا لله وكذلك هو سبحانه يحب ما يحب عباده المؤمنون وما هو في الله ~~محبة حقيقية وأنكر الجهمية حقيقة المحبة من الطرفين زعما منهم أن المحبة لا ~~تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث ~~توجب محبته وقاسوا به المحبة وكان أول من أحدث هذا في الإسلام الجعد بن ~~درهم في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد ابن عبد الله القسري أمير ~~العراق والمشرق بواسط خطب الناس يوم الأضحى فقال أيها الناس ضحوا يقبل الله ~~ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله ms75 لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه فكأنه قد أخذ هذا المذهب عنه الجهم بن ~~صفوان فأظهره عليه وإليه أضيف قول الجهمية فقتله سلم ابن أحوز أمير خراسان ~~بها ثم نقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو ابن عبيد وأظهر قولهم في زمن ~~الخليفة المأمون حتى امتحن أئمة الإسلام ودعوا إلى الموافقة لهم عن ذلك ~~وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة من البراهمة والمتفسلفة ومبتدعة أهل ~~الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفات ثبوتية أصلا وهؤلاء هم أعداء ~~إبراهيم الخليل عليه السلام وهم يعبدون الكواكب ويبنون الهياكل للعقول ~~والنجوم وغيرهما وهم ينكرون في الحقيقة أن يكون إبراهيم خليلا وموسى كليما ~~وأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للحب كما قيل قد تخللت مسلك الروح مني ~~وبذا سمى الخليل خليلا ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) أنه قال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا ~~بكر خليلا ولكن صاحبكم # PageV01P068 # خليل الله يعني نفسه وفي رواية إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت ~~متخذ من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وفي رواية إن الله اتخذني ~~خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا فبين (صلى الله عليه وسلم) أنه لا يصلح له أن ~~يتخذ من المخلوقين خليلا وأنه لو يكون ذلك لكان احق الناس بها أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه مع أنه (صلى الله عليه وسلم) قد وصف نفسه بأنه يحب ~~أشخاصا كما قال معاذ والله إني لأحبك وكذلك قوله للأنصار وكان زيد بن حارثة ~~حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكذلك ابنه أسامة حبه وأمثال ذلك وقال ~~له عمرو بن العاص أي الناس أحب إليك قال عائشة قال فمن الرجال قال أبوها ~~وقال لفاطمة رضي الله عنها ألا تحبين ما أحب قالت بلى قال فأحبي عائشة وقال ~~للحسن اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه وأمثال هذا كثير فوصف نفسه بمحبة ~~الأشخاص وقال إني ms76 أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة بحيث هي من ~~كمالها وتخللها الحب حتى يكون المحبوب بها محبوبا لذاته لا لشيء آخر إذ ~~المحبوب لشيء غيره هو مؤخر في المحبة عن ذلك الغير ومن كمالها لا تقبل ~~الشركة والمزاحمة لتخللها الحب ففيها كمال التوحيد وكمال الحب وإن الخلة ~~أيضا تنافي المزاحمة وتقدم الغير بحيث يكون المحبوب محبوبا لذاته لا يزاحمه ~~فيها غيره وهذه محبة لا تصلح إلا لله فلا يجوز أن يشركه غيره فيما يستحقه ~~وهو محبوب لذاته وكل ما يحب غيره إذا كان محبوبا بحق فإنما يحب لأجله وكل ~~ما أحب لغيره فمحبته باطلة في الدنيا والدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ~~كان لله تعالى فإذا كانت الخلة كذلك فمن المعلوم أن من أنكر أن يكون الله ~~محبوبا لذاته ينكر مخاللته وكذلك أيضا إن أنكر محبته لأحد من عباده فقد ~~انكر أن يتخذه خليلا بحيث يحب الرب ويحبه العبد على أكمل ما يصلح للعبادة ~~وكذلك تكليمه لموسى أنكروه لإنكارهم أن يقوم به صفة من الصفات أو فعل من ~~الأفعال فكما ينكرون أن يتصف بحياة أو قدرة أو علم أو أن يستوى أو أن يجيء ~~فكذلك ينكرون أن يتكلم أو يكلم فهذا حقيقة قولهم البقرة كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم لكن لما كان الإسلام ظاهرا والقرآن متلوا لا ~~يمكن جحده لمن أظهر الإسلام أخذوا يلحدون في أسماء الله ويحرفون الكلم عن ~~مواضعه فتأولوا محبة العباد له بمجرد محبتهم لطاعته والتقرب إليه وهذا جهل ~~عظيم فإن محبة المتقرب إلى المتقرب إليه # PageV01P069 # تابع لمحبته وفرع عليه فمن لا يحب الشيء لا يمكن أن يحب التقرب إليه إذ ~~التقرب وسيلة ومحبة الوسيلة تبع لمحبة المقصود فيمتنع أن تكون الوسيلة إلى ~~الشيء المحبوب هي المحبوب دون الشيء المقصود بالوسيلة وكذلك العبادة ~~والطاعة إذا قيل في المطاع المعبود إن هذا يحب طاعته وعبادته ms77 فإن محبة ذلك ~~تبع لمحبته وإلا فمن لا يحبه لا يحب طاعته وعبادته ومن كان لا يعمل لغيره ~~إلا لعوض يناله منه أو لدفع عقوبة فإنه يكون معارضا له أو مفتديا منه لا ~~يكون محبا له ولا يقال إن هذا يحبه ويفسر ذلك بمحبة طاعته وعبادته فإن محبة ~~المقصود وإن استلزمت محبة الوسيلة أو غير محبة الوسيلة فإن ذلك يقتضي أن ~~يعبر بلفظين محبة العوض والسلامة عن محبة العمل أما محبة الله فلا تعلق لها ~~بمجرد محبة العوض ألا ترى أن من استأجر أجيرا بعضو لا يقال إن الأجير يحبه ~~بمجرد ذلك بل قد يستأجر الرجل من لا يحبه بحال بل من يبغضه وكذلك من افتدى ~~نفسه بعمل من عذاب معذب لا يقال إنه يحبه بل يكون مبغضا له فعلم أن ما وصف ~~الله به عباده المؤمنين من أنهم يحبونه يمتنع أن يكون معناه مجرد محبة ~~العمل الذي ينالون به بعض الأغراض المحبوبة من غير أن يكون ربهم محبوبا ~~أصلا وأيضا فلفظ العبادة متضمن للمحبة مع الذل كما تقدم ولهذا كانت محبة ~~القلب للبشر على طبقات أحدها العلاقة فهو تعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة ~~وهو انصباب القلب إليه ثم الغرام وهو الحب اللازم ثم العشق وآخر المراتب هو ~~التتيم وهو التعبد للمحبوب والمتيم المعبود وتيم الله عبد الله فإن المحب ~~يبقى ذاكرا معبدا مذللا لمحبوبه وأيضا فاسم الانابة إليه يقتضي المحبة أيضا ~~وما أشبه ذلك من الأسماء كما تقدم وأيضا فلو كان الذي قالوه حقا من كون ذلك ~~مجازا لما فيه من الحذف والاضمار فالمجاز لا يطلق إلا بقرينة تبين المراد ~~ومعلوم أن ليس في كتاب الله وسنة رسوله ما ينفي أن يكون الله محبوبا وأن لا ~~يكون المحبوب إلا الأعمال لا في الدلالة المتصلة ولا المنفصلة بل ولا في ~~العقل أيضا فمن علامات المجاز صحة إطلاق نفيه فيجب أن يصح إطلاق القول بان ~~الله لا يحب ولا يحب كما أطلق إمامهم الجعد بن درهم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم ms78 خليلا ولم يكلم موسى تكليما ومعلوم أن هذا ممتنع بإجماع المسلمين ~~فعلم دلالة الإجماع على أن هذا ليس مجازا بل هي حقيقة وأيضا فقد فرق بين ~~محبته ومحبة العمل له في قوله التوبة أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله كما فرق بين محبته ومحبة رسوله في قوله أحب إليكم من الله ورسوله فلو ~~كان المراد بمحبته ليس إلا محبة العمل لكان هذا تكريرا أو من باب عطف الخاص # PageV01P070 # على العام وكلاهما على خلاف ظاهر الكلام الذي لا يجوز المصير إليه إلا ~~بدلالة تبين المراد وكما أن محبته لا يجوز أن تفسر بمجرد محبة رسوله فكذلك ~~لا يجوز تفسيرها بمجرد محبة العمل وإن كانت محبته تستلزم محبة رسوله ومحبة ~~العمل له وأيضا فالتعبير بمحبة الشيء عن مجرد محبة طاعته لا عن محبة نفسه ~~أمر لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازا فحمل الكلام عليه تحريف محض وقد ~~قررنا في مواضع من القواعد الكبار أنه لا يجوز أن يكون غير الله محبوبا ~~مرادا لذاته كما لا يجوز أن يكون غير الله موجودا بذاته بل لا رب إلا الله ~~ولا إله غيره والإله هو المعبود الذي يستحق أن يحب لذاته ويعظم لذاته كمال ~~المحبة والتعظيم وكل مولود يولد على الفطرة فإنه سبحانه فطر القلوب على أنه ~~ليس في محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه إلا الله وحده وإن كل ما أحبه ~~المحبوب من مطعوم وملبوس ومنظور وملموس يجد من نفسه وإن قلبه يطلب شيئا ~~سواه ويحب أمرا غيره يتألهه ويصمد إليه ويطمئن إليه ويرى ما يشبهه من هذه ~~الاجناس ولهذا قال الله تعالى في كتابه الرعد ألا بذكر الله تطمئن القلوب ~~وفي الصحيح عن عياض بن حمار عن النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الله قال إني ~~خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما احللت لهم وأمرتهم ان ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) أنه قال كل ms79 مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه كما نتنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ~~ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم الروم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبيدل لخلق الله ذلك الدين القيم وأيضا فكل ما فطرت القلوب على محبته من ~~نعوت الكمال فالله هو المستحق له على الكمال وكل ما في غيره من محبوب فهو ~~منه سبحانه وتعالى فهو المستحق لأن يحب على الحقيقة والكمال وإنكار محبة ~~العبد لربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودا كما أن إنكار محبته ~~لعبده يستلزم إنكار مشيئته وهو يستلزم إنكار كونه ربا خالقا فصار إنكارها ~~مستلزما لإنكار كونه رب العالمين ولكونه إله العالمين وهذا هو قول أهل ~~التعطيل والجحود ولهذا اتفقت الأمتان قبلنا على ما عندهم من مأثور وحكم عن ~~موسى وعيسى أن أعظم الوصايا أن تحب الله بكل قلبك وعقلك وقصدك وهذا هو ~~حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم التي هي اصل شريعة التوراة والإنجيل والقرآن ~~وإنكار ذلك هو مأخوذ من مقال الصابئين أعداء إبراهيم الخليل ومن وافقهم على ~~ذلك من متفلسف أو متكلم أو متفقه أخذه عن هؤلاء وظهر ذلك في القرامطة ~~الباطنية من الاسماعيلية ولهذا قال الخليل إمام الحنفاء الشعراء أفرأيتم # PageV01P071 # ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين وقال ~~أيضا الأنعام لا احب الآفلين وقال تعالى الشعراء يوم لا ينفع مال ولا بنون ~~إلا من أتى الله بقلب سليم وهو السليم من الشرك وأما قولهم إنه لا مناسبة ~~بين المحدث والقديم توجب محبته له وتمتعه بالنظر إليه فهذا الكلام مجمل فإن ~~ارادوا بالمناسبة أنه ليس بوالد فهذا حق وإن أرادوا أنه ليس بينهما من ~~المناسبة ما بين الناكح والمنكوح والآكل والمأكول ونحو ذلك فهذا أيضا حق ~~وإن أرادوا أنه لا مناسبة بينهما توجب أن يكون أحدهما محبا عابدا والاخر ~~معبودا محبوبا فهذا هو رأس المسألة والاحتجاج به مصادرة على المطلوب ويكفي ~~في ذلك المنع ثم يقال بل لا مناسبة تقتضي ms80 المحبة الكاملة إلا المناسبة التي ~~بين المخلوق والخالق الذي لا إله غيره الذي هو في السماء إله وفي الأرض إله ~~وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وحقيقة قول هؤلاء أنهم جحدوا كون الله ~~معبودا في الحقيقة ولهذا وافق على هذه المسألة طوائف من الصوفية المتكلمين ~~الذين ينكرون أن يكون الله محبا في الحقيقة فأقروا بكونه محبوبا ومنعوا ~~كونه محبا لأنهم تصوفوا مع ما كانوا عليه من قول أولئك المتكلمة فأخذوا عن ~~الصوفية مذهبهم في المحبة وإن كانوا قد يخلطون فيه وأصل إنكارها إنما هو ~~قول المعتزلة ونحوهم من الجهمية فأما محبة الرب عبده فهم لها أشد إنكارا ~~ومنكروها قسمان قسم يتأولونها بنفس المفعولات التي يحبها العبد فيجعلون ~~محبته نفس خلقه وقسم يجعلونها نفس إرادته لتلك المفعولات وقد بسطنا الكلام ~~في ذلك في قواعد الصفات والقدر وليس هذا هو موضعها ومن المعلوم أنه قد دل ~~الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة على أن الله يحب ويرضى ما أمر بفعله من ~~واجب ومستحب وإن لم يكن ذلك موجودا وعلى أنه قد يريد وجود أمور يبغضها ~~ويسخطها من الأعيان والأفعال كالفسق والكفر وقد قال الله تعالى البقرة ~~والله لا يحب الفساد وقال تعالى الزمر ولا يرضى لعباده الكفر والمقصود هنا ~~إنما هو في ذكر محبة العباد لله وقد تبين أن ذلك هو أصل أعمال الإيمان ولم ~~يتبين بين أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان نزاع في ذلك ~~وكانوا يحركون هذه المحبة بما شرع الله أن تحرك به من أنواع العبادات ~~الشرعية كالعرفان الإيماني والسماع الفرقاني قال تعالى الشورى وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان إلى آخر السورة ثم ~~أنه لما طال الأمد صار في طائف المتكلمة من المعتزلة وغيرهم من ينكر هذه ~~المحبة وصار في بعض المتصوفة من يطلب تحريكها بأنواع من سماع # PageV01P072 # الحديث كالتغيير وسماع المكاء والتصدية فيسمعون من الأقوال والأشعار ما ~~فيه تحريك جنس الحب الذي يحرك من كل قلب ما فيه ms81 من الحب بحيث يصلح لمحب ~~الأوتار والصلبان والاخوان والأوطان والمردان والنسوان كما يصلح لمحب ~~الرحمن ولكن كان الذين يحضرونه من الشيوخ يشترطون له المكان والإمكان ~~والخلان وربما اشترطوا له الشيخ الذي يحرس من الشيطان ثم توسع في ذلك غيرهم ~~حتى خرجوا في ذلك إلى أنواع من المعاصي بل إلى نوعم الفسوق بل خرج فيه ~~طوائف إلى الكفر الصريح بحيث يتواجدون على أنواع من الأشعار التي فيها ~~الكفر والإلحاد مما هو من أعظم أنواع الفساد وينتج ذلك لهم من الأحوال ~~بحسبه كما تنتج لعباد المشركين وأهل الكتاب عباداتهم بحسبها والذي عليه ~~محققوا المشايخ أنه كما قال الجنيد رحمه الله من تكلف السماع فتن به ومن ~~صادفه استراح به ومعنى ذلك أنه لا يشرع الاجتماع لهذا السماع المحدث ولا ~~يؤمر به ولا يتخذ دينا وقربة وأن القرب والعبادات إنما تؤخذ عن الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليهم فكما أنه لا حرام إلا ما حرمه الله فإنه لا دين إلا ما ~~شرعه الله قال الله تعلى الشورى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن ~~به الله ولهذا قال آل عمران قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم فجعل محبتهم لله موجبة لمتابعة رسوله وجعل متابعة رسوله ~~موجبة لمحبة الله لهم قال أبي بن كعب رضي الله عنه عليكم بالسبيل والسنة ~~فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله فاقشعر جلده من مخافة الله إلا ~~تحاتت عنه خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن الشجرة وما من عبد على السبيل ~~والسنة ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من مخافة الله إلا لم تمسه النار أبدا ~~وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون ~~أعمالكم اقتصادا واجتهادا على منهاج الأنبياء وسنتهم وهذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع فلو كان هذا مما يؤمر به ويستحب وتصلح به القلوب للمعبود المحبوب ~~لكان ذلك مما دلت الأدلة الشرعية عليه ومن المعلوم أنه لم يكن في القرون ~~الثلاثة ms82 المفضلة التي قال فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) خير القرون قرني ~~الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم لا في الحجاز ولا في الشام ~~ولا في اليمن ولا في العراق ولا في مصر ولا في خراسان أحد من أهل الخير ~~والدين يجتمع على السماع المبتدع لصلاح القلوب ولهذا كرهه الأئمة كالإمام ~~أحمد وغيره وعده الشافعي من إحداث الزنادقة # PageV01P073 # حين قال خلفت ببغداد شيئا أحدثه الزنادقة يسموه التغيير يصدون به الناس ~~عن القرآن وأما مالا يقصده الإنسان من الاستماع فلا يترتب عليه نهى ولا ذم ~~باتفاق الآئمة ولهذا إنما يترتب الذم والمدح على الاستماع لا على السماع ~~فالمستمع للقرآن يثاب عليه والسامع له من غير قصد لا يثاب على ذلك إذ ~~الأعمال بالنيات وكذلك ما ينهى عن استماعه من الملاهي لو سمعه السامع بدون ~~قصد لم يضره ذلك فلو استمع السامع بيتا يناسب بعض حاله تحرك ساكنه المحمود ~~وأزعج قاطنه المحبوب أو تمثل بذلك ونحو ذلك لم يكن ذلك مما ينهى عنه وإن ~~كان المحمود الحسن حركة قلبه التي يحبها الله ورسوله أو التي تتضمن فعل ما ~~يحبه الله وترك ما يكرهه كالذي اجتاز ببيت فسمع قائلا يقول كل يوم تتلون ~~غير هذا بك أجمل فأخذ منه إشارة تناسب حاله فإن الاشارة من باب القياس ~~والاعتبار وضرب الأمثال ومسألة السماع كبيرة منتشرة قد تكلمنا عليها في غير ~~هذا الموضع والمقصود ههنا أن المقاصد المطلوبة للمريدين تحصل بالسماع ~~الايماني القرآني النبوي الديني الشرعي الذي هو سماع النبيين وسماع ~~العالمين وسماع العارفين وسماع المؤمنين قال الله تعالى مريم أولئك الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم إلى قوله إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا وقال تعالى الإسراء إن الذين أوتوا العلم من قبله ~~إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا إلى قوله ويزيدهم خشوعا وقال تعالى ~~المائدة وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا ~~من الحق وقال تعالى الأنفال إنما المؤمنون ms83 الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا الآية وقال تعالى الزمر الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم الآية وكما ~~مدح المقبلين على هذا السماع فقد ذم المعرضين عنه في مثل قوله لقمان ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا إلى ~~قوله وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها الآية وقال تعالى ~~الفرقان والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا وقال ~~تعالى الأنفال ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم الآية # PageV01P074 # وقال تعالى فصلت وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون وقال تعالى المدثر فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر ~~مستنفرة فرت من قسورة ومثل هذا كثير في القرآن وهذا كان سماع سلف الأمة ~~وأكابر مشايخها وأئمتها كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ كإبراهيم ~~بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي سليمان الدراراني ومعروف الكرخي ويوسف بن ~~أسباط وحذيفة المرعشي وامثال هؤلاء وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى ~~الأشعري يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يسمعون ويبكون وكان أصحاب محمد ~~إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ القرآن والباقي يستمعون وقد ثبت في ~~الصحيح أن النبي (صلى الله عليه وسلم) مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فجعل ~~يستمع لقراءته وقال لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود وقال مررت بك ~~البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك فقال لو علمت أنك تسمع لحبرته لك ~~تحبيرا أي لحسنته لك تحسينا وقال زينوا القرآن بأصواتكم وقال الله أشد أذنا ~~إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته أذنا أي استماعا ~~كقوله الانشقاق وأذنت لربها وحقت أي استمعت وقال (صلى الله عليه وسلم) ما ~~أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به وقال ليس منا ~~من لم يتغن بالقرآن ولهذا السماع من المواجيد العظيمة والأذواق الكريمة ~~ومزيد المعارف والأحوال الجسيمة ms84 مالا يسعه خطاب ولا يحويه كتاب كما أن في ~~تدبر القرآن وتفهمه من مزيد العلم والإيمان مالا يحيط به بيان ومما ينبغي ~~التفطن له أن الله سبحانه قال في كتابه آل عمران قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله قال طائفة من السلف أدعى قوم على عهد النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الاية قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله الآية فبين سبحانه أن محبته توجب اتباع الرسول وأن ~~ابتاع الرسول يوجب محبة الله للعبد وهذه محبة امتحن الله بها أهل دعوى محبة ~~الله فإن هذا الباب يكثر فيه الدعاوى والاشتباه ولهذا يروى عن ذي النون ~~المصري أنهم تكلموا في مسألة المحبة عنده فقال اسكتوا عن هذه المحبة لا ~~تسمعها النفوس فتدعيها وقال بعضهم من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن ~~عبد الله بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجيء ومن عبده ~~بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد وذلك لأن الحب المجرد تتبسط النفوس فيه ~~حتى تتسع في أهوائها إذا لم يزعها وازع الخشية لله حتى قالت اليهود ~~والنصارى # PageV01P075 # المائدة نحن أبناء الله وأحباؤه ويوجد في مدعى المحبة من مخالفة الشريعة ~~مالا يوجد في أهل الخشية ولهذا قرن والخشية بها في قوله ق هذا ما توعدون ~~لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام ذلك يوم ~~الخلود وكان المشايخ المصنفون في السنة يذكرون في عقائدهم مجانبة من يكثر ~~دعوى المحبة والخوض فيها من غير خشية لما في ذلك من الفساد الذي وقع فيه ~~طوائف من المتصوفة وما وقع في هؤلاء من فساد الإعتقاد والأعمال أوجب إنكار ~~طوائف لأصل طريقة المتوصفة بالكلية حتى صار المنحرفون صنفين صنف يقر بحقها ~~وباطلها وصنف ينكر حقها وباطلها كما عليه طوائف من أهل الكلام والفقه ~~والصواب إنما هو الإقرار بما فيه وفي غيرها من موافقة الكتاب والسنة ~~والإنكار لما فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب والسنة وقال تعالى آل ms85 عمران ~~قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم فاتباع سنة ~~رسوله (صلى الله عليه وسلم) واتباع شريعته باطنا وظاهرا هي موجب محبة الله ~~كما أن الجهاد في سبيله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه هو حقيقتها كما في ~~الحديث أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله وفي الحديث من أحب ~~لله وابغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل المحبة وكثير ممن يدعى المحبة ~~هو أبعد من غيره عن ابتاع السنة وعن الأمر بالمعروف وعن النهي عن المنكر ~~والجهاد في سبيل الله ويدعى مع هذا أن ذلك أكمل لطريق المحبة من غيره لزعمه ~~أن طريق المحبة لله ليس فيه غيرة ولا غضب لله وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب ~~والسنة ولهذا في الحديث المأثور يقول الله تعالى يوم القيامة اين المتحابون ~~بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي فقوله أين المتحابون بجلال ~~الله تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه والتحاب فيه وبذلك ~~يكونون حافظين لحدوده دون الذين لا يحفظون حدوده لضعف الإيمان في قلوبهم ~~وهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي ~~للمتجالسين في وحقت محبتي للمتزاورين في وحقت محبتي للمتابذلين في ~~والأحاديث في المتحابين لله كثيرة وفي الصحيحين عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) من حديث أبي هريرة سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام ~~عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل # PageV01P076 # قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه ورجلان تحابا في الله ~~واجتمعا وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لاتعلم شماله ما أنفقت ~~يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات نسب وجمال فقال ~~إني أخاف الله رب العالمين وأصل المحبة هو معرفة الله سبحانه وتعالى ولها ~~أصلان أحدهما وهو الذي يقال له محبة العامة لأجل إحسانه إلى عباده وهذه ~~المحبة على هذا الأصل لا ينكرها أحد فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن ~~إليها ms86 وبغض من اساء إليها والله سبحانه هو المنعم المحسن إلى عبده بالحقيقة ~~فإنه المتفضل بجميع النعم وإن جرت بواسطة إذ هو ميسر الوسائط وسبب الأسباب ~~لكن هذه المحبة إذا لم تجذب القلب إلى محبة الله نفسه فما أحب العبد في ~~الحقيقة إلا نفسه وهذا ليس بمذموم بل محمود وهذه المحبة هي المشار إليها ~~بقوله أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهلي بحبي ~~والمتقصر على هذه هو لم يعرف من جهة الله ما يستوجب أنه يحبه إلا للإحسان ~~إليه وهذا كما قالوا إن الحمد لله على نوعين حمد هو شكر وذلك لا يكون إلا ~~على نعمته وحمد هو ثناء عليه ومحبة له وهو بما يستحقه لنفسه سبحانه فكذلك ~~الحب فإن الأصل الثاني هو محبته لما هو أهل وهذا حب من عرف من الله ما ~~يستحق أن يحب لأجله وما من وجه من الوجوه التي يعرف الله بها مما دلت عليه ~~أسماؤه وصفاته إلا وهو يستحق المحبة الكاملة من ذلك الوجه حتى جميع ~~مفعولاته إذ كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ولهذا استحق ان يكون محمودا ~~على كل حال ويستحق أن يحمد على السراء والضراء وهذا أعلى وأكمل وهذا حب ~~الخاصة وهؤلاء هم الذين يطلبون لذة النظر إلى وجهه الكريم ويتلذذون بذكره ~~ومناجاته ويكون ذلك لهم أعظم من الماء للسمك لو أنقطعوا عن ذلك لوجدوا من ~~الألم مالا يطيقون وهم السابقون كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال مر ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) بجبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق ~~المفردون قالوا يا رسول الله من المفردون قال الذاكرون الله كثيرا ~~والذاكرات وفي رواية أخرى قال المستهترون بذكر الله يضع الذكر عنهم اثقالهم ~~فيأتون يوم القيامة خفافا وفي حديث هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال قال موسى يا رب أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ~~ينساني # PageV01P077 # قال أي عبادك أعلم قال الذي يطلب ms87 علم الناس إلى علمه ليجد كلمة تدله على ~~هدى أو ترده عن ردي قال أي عبادك أحكم قال الذي يحكم على نفسه كما يحكم على ~~غيره ويحكم لغيره كما يحكم لنفسه فذكر في هذا الحديث الحب والعلم والعدل ~~وذلك جماع الخير ومما ينبغي التفطن له أنه لا يجوز أن يظن في باب محبة الله ~~تعالى ما يظن في محبة غيره مما هو من جنس التجني والهجر والقطيعة لغير سبب ~~ونحو ذلك مما قد يغلط فيه طوائف من الناس حتى يتمثلون في حبه بجنس ما ~~يتمثلون به في حب من يصد ويقطع بغير ذنب أو يبعد من يتقرب إليه وإن غلط في ~~ذلك من غلط من المصنفين في رسائلهم حتى يكون مضمون كلامهم إقامة الحجة على ~~الله بل لله الحجة البالغة وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) أنه قال يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ~~ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ~~ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وفي بعض ~~الآثار يقول الله تعالى أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيارتي وأهل ~~طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي أؤيسهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم لأن ~~الله يحب التوابين وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب حتى أطهرهم ~~من المعايب وقال تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما قيل الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن ينقص من حسنات نفسه وقال ~~تعالى وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر ~~رضي الله عنه قال يقول الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ~~يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا ~~من كسوته فاستكسوني ms88 أكسكم يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر ~~الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني ~~ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا ~~على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ~~يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد # PageV01P078 # فسألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص ~~المخيط إذا غمس في البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم ~~إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وما ~~رواه البخاري عن شداد بن أوس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيد ~~الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك ~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي ~~وابوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا ~~بها فمات في يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته ~~دخل الجنة فالعبد دائما بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر وذنب منه ~~يحتاج فيه إلى أستغفار وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائما فإنه لا ~~يزال يتقلب في نعم الله وآلائه ولا يزال محتاجا إلى التوبة والاستغافر ~~ولهذا كان سيد ولد آدم وإمام المتقين يستغفر في جميع الأحوال وقال (صلى ~~الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أيها الناس توبوا إلى ~~ربكم فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة وقال عبد الله بن عمر كنا نعد ~~لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المجلس الواحد يقول رب أغفر لي وتب علي ~~إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة وقال ms89 إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم ~~اثنتين وسبعين مرة وفي صحيح مسلم أنه قال إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر ~~الله في اليوم مائة مرة ولهذا شرع الاستغفار في خواتيم الأعمال قال تعالى ~~آل عمران والمستغفرين بالأسحار قال بعضهم أحيوا الليل بالصلاة فلما كان وقت ~~السحر أمروا بالاستغفار وفي الصحيح أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان إذا ~~انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ~~ياذا الجلال والإكرام وقال تعالى البقرة فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام إلى قوله واستغفروا الله إن الله غفور رحيم وقد أمر الله ~~نبيه بعد أن بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهادة وأتى بما أمر الله به مما ~~لم يصل إليه غيره فقال إذا جاء نصر الله والفتح رأيت الناس يدخلون في دين ~~الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ولهذا كان قوام الدين ~~بالتوحيد والاستغفار كما قال الله تعالى أول هود الر كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا الآية وقال تعالى فصلت ~~فاستقيموا إليه واستغفروه # PageV01P079 # وقال تعالى محمد فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات ولهذا جاء في الحديث يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني ~~بلا إله إلا الله والاستغفار وقال يونس الأنبياء لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا ركب دابته يحمد الله ~~ثم يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي وكفارة المجلس التي ~~كان يختم بها المجلس والوضوء سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ~~أستغفرك وأتوب إليك والله أعلم وصلى الله على محمد وسلم PageV01P080 ms90