######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000382 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الردود :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: بيان تلبيس الجهمية #META# 030.LibURI :: JK_000382 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة الحكومة #META# 044.EdPLACE :: مكة المكرمة #META# 045.EdYEAR :: 1392 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو عبدالله محمد بن عمر الرازي # الحمد لله الواجب وجوده وبقاؤه الممتنع تغيره وفناؤه العظيم قدره ~~واستعلاؤه العميم نعماؤه وآلاؤه الدال على وحدانيته أرضه وسماؤه المتعالي ~~عن شوائب التشبيه والتعطيل صفاته وأسماؤه فاستواؤه قهره واستيلاؤه ونزوله ~~بره وعطاؤه ومجيئه حكمه وقضاؤه ووجهه وجوده أو وجوده وحباؤه وعينه حفظه ~~وعونه اجتباؤه وضحكه عفوه أو إذنه وارتضاؤه ويده وإنعامه وإكرامه واصطفاؤه ~~ولا يجري في الدارين من أفعاله إلا ما يريد ويشاؤه العظمة إزاره والكبرياء ~~رداؤه # أحمده على جزيل نعمه وجميل كرمه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإني وإن كنت ساكنا في أقاصي بلاد المشرق إلا أني سمعت أهل ~~المشرق والمغرب مطبقين متفقين على أن السلطان المعظم العالم العادل المجاهد ~~سيف الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أفضل سلاطين الحق واليقين أبا ~~بكر بن أيوب لا زالت آيات راياته في تقوية الدين الحق والمذهب الصدق ~~متصاعدة إلى عنان السماء وآثار أنوار قدرته ومكنته باقية بحسب تعاقب الصباح ~~والمساء أفضل الملوك وأكمل السلاطين في آيات الفصل وبينات PageV01P003 ~~الصدق وتقوية الدين القويم ونصرة الصراط المستقيم فأردت أن أتحفه بتحفة ~~سنية وهدية مرضية فأتحفته بهذا الكتاب الذي سميته بأساس التقديس على بعد ~~الدار وتباين الأقطار وسألت الله الكريم أن ينفعه به في الدارين بفضله ~~وكرمه ورتبته على أربعة أقسام # القسم الأول في الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية والحيز وفيه فصول ~~$ الفصل الأول # في تقرير المقدمات التي يجب إيرادها قبل الخوض في الدلائل وهي ثلاثة ~~المقدمة الأولى اعلم أنا ندعي وجود موجود لا يمكن أن يشار إليه بالحس أنه ~~ههنا أو هناك أو نقول أنا ندعي وجود موجود غير مختص بشيء من الأحياز ~~والجهات أو نقول إنا ندعي وجود موجود غير حال في العالم ms001 ولا مباين عنه في ~~شيء من الجهات الست التي للعالم هذه العبارات متفاوتة والمقصود من الكل شيء ~~واحد # ومن المخالفين من يدعي أن فساد هذه المقدمات معلوم بالضرورة وقالوا لأن ~~العلم الضروري حاصل بأن كل موجودين فإنه لا بد وأن يكون أحدهما حالا في ~~الآخر أو مباينا عنه بجهة من الجهات الست المحيطة به قالوا وإثبات موجودين ~~على خلاف هذه الأقسام السبعة باطل في بداية العقول # واعلم أنه لو ثبت كون هذه المقدمة بديهية لم كن الخوض في ذكر الدلائل ~~جائزا لأن على تقدير أن يكون الأمر على ما قالوه كان الشروع في الاستدلال ~~على كون الله تعالى غير حال في العالم ولا مباين عنه بالجهة إبطالا ~~للضروريات PageV01P004 والقدح في الضروريات بالنظريات يقتضي القدح في الأصل ~~بالفرع وذلك يوجب تطرق الطعن إلى الأصل والفرع معا وهو باطل بل يجب علينا ~~بيان أن هذه المقدمة ليست من المقدمات البديهية حتى يزول هذا الأشكال فنقول ~~الذي يدل على أن هذه المقدمات ليست بديهية وجوه # الأول أن جمهور العقلاء المعتبرين اتفقوا على أنه تعالى ليس بمتحيز ولا ~~مختص بشيء من الجهات وأنه تعالى غير حال في العالم ولا مباين عنه في شيء من ~~الجهات ولو كان فساد هذه المقدمات معلوما بالبديهة لكان إطباق أكثر العقلاء ~~على إنكارها ممتنعا لأن الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز إطباقهم على إنكار ~~الضروريات بل نقول الفلاسفة اتفقوا على إثبات موجودات ليست بمتحيزة ولا ~~حالة في المتحيز مثل العقول والنفوس والهيولى بل زعموا أن الشيء الذي يشير ~~إليه كل إنسان بقوله أنا موجود ليس بجسم ولا جسماني ولم يقل أحد بأنهم في ~~هذه الدعوى منكرون للبديهيات بل جمع عظيم من المسلمين اختاروا مذهبهم مثل ~~معمر بن عباد السلمي من المعتزلة ومثل محمد بن النعمان من الرافضة ومثل أبي ~~القاسم الراغب وأبي حامد الغزالي من أصحابنا وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن ~~أن يقال بأن الله تعالى ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز قول مدفوع في بداية ~~العقول PageV01P005 ولا ms002 خارجه لم يقل أحد من العقلاء أنه معلوم بالضرورة ~~وكذلك سائر لوازم هذا القول مثل كونه ليس بجسم ولا متحيز ونحو ذلك لم يقل ~~أحد من العقلاء إن هذا النفي معلوم بالضرورة بل عامة ما يدعى في ذلك أنه من ~~العلوم النظرية والعلوم النظرية لا بد أن تنتهي إلى مقدمات ضرورية وإلا لزم ~~الدور القبلي والتسلسل فيما له مبدأ حادث وكل هذين معلوم الفساد بالضرورة ~~متفق على فساده بين العقلاء # وقال مما يبين أن هذه القضية حق أن جميع الكتب المنزلة من السماء وجميع ~~الأنبياء جاؤوا بما يوافقها لا بنا يخالفها وكذلك سلف هذه الأمة من الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم يوافقون مقتضاها لا يخالفونها ولم يخالف هذه القضية ~~الضرورية من له في الأمة لسان صدق بل أكثر أهل الكلام والفلسفة يقولون ~~بموجبها وإنما خالفها طائفة من المتفلسفة وطائفة من المتكلمين كالمعتزلة ~~ومن اتبعهم والذين خالفوها عقلاؤهم وعلماؤهم تناقضوا في ذلك وادعوا الضرورة ~~في قضايا من جنسها وهي أبين منها ومن أنكر منهم ذلك أدى به الأمر إلى جحد ~~عامة الضروريات والحسيات # يبين ذلك أن الذين قالوا إن الخالق سبحانه ليس هو جسم ولا متحيز تنازعوا ~~بعد ذلك هل هو فوق العالم أم ليس فوق العالم فقال طوائف كثيرة هو فوق ~~العالم بل هو فوق العرش وهو مع هذا ليس بجسم ولا متحيز وهذا يقوله طوائف من ~~الكلابية والكرامية والأشعرية وطوائف من أتباع الأئمة من الحنفية والمالكية ~~والشافعية والحنبلية وأهل الحديث والصوفية وهذا هو الذي حكاه الأشعري عن ~~أهل الحديث والسنة وقال طوائف منهم ليس فوق العالم ولا فوق العالم شيء أصلا ~~ولا فوق العرش شيء وهذا قول الجهمية والمعتزلة PageV01P006 وطوائف من ~~متأخري الأشعرية والفلاسفة النفاة والقرامطة الباطنية أو أنه في كل مكان ~~بذاته كما يقول ذلك طوائف من عبادهم ومتكلميهم وصوفيتهم وعامتهم ومنهم من ~~يقول ليس هو داخلا فيه ولا خارجا عنه ولا حالا فيه وليس في مكان من الأمكنة ~~فهؤلاء ينفون عنه الوصفين المتقابلين جميعا وهذا قول طوائف من متكلميهم ms003 ~~ونظارهم والأول هو الغالب على عامتهم وعبادهم وأهل المعرفة والتحقيق منهم ~~والثاني هو الغالب على نظارهم ومتكلميهم وأهل البحث منهم والقياس فيهم ~~وكثير منهم يجمع بين القولين ففي حال نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين ~~المتقابلين كليهما فيقول لا هو داخل العالم ولا خارجه وفي حال تعبده وتألهه ~~يقول بأنه في كل مكان ولا يخلو منه شيء # وهذه المقالات فسادها معلوم بالضرورة العقلية وإن كان قد تواطأ عليها ~~جماعة كثيرة فإن الجماعة الذين يقلدون مذهبا تلقاه بعضهم عن بعض يجوز ~~اتفاقهم على جحد الضروريات كما يجوز الاتفاق على الكذب مع المواطئة ~~والاتفاق ولهذا يوجد في أهل المذاهب الباطلة كالنصارى والرافضة والفلاسفة ~~من يصر على القول الذي يعلم فساده بالضرورة وإنما الممتنع ما يمتنع على أهل ~~التواتر وهو اتفاق الجماعة العظيمة على الكذب من غير مواطأة ولا اتفاق ~~فيمتنع عليهم جحد ما يعلم ثبوته بالاضطرار وإثبات ما يعلم نفيه بالاضطرار ~~لأن هذا اتفاق على الكذب وأهل التواتر لا يتصور منهم الكذب فأما إذا لقنوا ~~قولا بشبهة وحجج واعتقدوا صحته جاز أن يصروا على اعتقاده وإن كان مخالفا ~~لضرورة العقل وإن كانوا جماعة عظيمة ولهذا يطبع الله على قلوب الكفار فلا ~~يعرفون الحق قال الله تعالى @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة @QE@ وقال تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ وإنما تؤخذ PageV01P007 ~~الضروريات من القلوب السليمة والعقول المستقيمة التي لم تمرض بما تقلدته من ~~العقائد وتعودته من المقاصد # وقال الشيخ قالت المثبتة إنما أثبته هؤلاء المتفلسفة من موجودات ممكنة ~~ليست أجساما ولا أعراضا قائمة بالأجسام كالعقل والنفس والهيولى والصورة ~~التي يدعون أنها جواهر عقلية موجودة خارج الذهن ليست أجساما ولا أعرضا ~~لأجسام فإن أئمة أهل النظر يقولون إن فسادها هذا معلوم بالضرورة كما ذكر ~~ذلك أبو المعالي الجويني وأمثاله من أئمة النظر والكلام ومن لم يهتد لهذا ~~كالشهرستاني والرازي والآمدي ونحوهم فهم ناظروا الفلاسفة مناظرة ضعيفة ولم ~~يثبتوا فساد أصولهم كما ms004 بين ذلك أئمة النظر الذين هم أجل منهم وسلم هؤلاء ~~الفلاسفة مقدمات باطلة استزلوهم بها عن أشياء من الحق بخلاف أئمة أهل النظر ~~كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي وأبي الحسين ~~البصري وأبي عبدالله بن الهيصم الكرامي وأبي الوفاء علي بن عقيل ومن قبل ~~هؤلاء مثل أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وأبي الحسين الأشعري والحسن بن ~~يحيى النوبختي ومن قبل هؤلاء كأبي عبدالله محمد بن كرام وابن كلاب وجعفر بن ~~مبشر وجعفر بن حرب وأبي إسحاق النظام وأبي الهذيل العلاف وعمرو بن بحر ~~الجاحظ وهشام الجواليقي وهشام بن الحكم وحسين بن محمد النجار وضرار بن عمرو ~~الكوفي وأبي عيسى محمد بن عيسى برغوث وحفص الفرد وغير هؤلاء ممن لا يحصيهم ~~إلا الله من أئمة أهل النظر والكلام فإن مناظرة هؤلاء للمتفلسفة خير من ~~مناظرة أولئك PageV01P008 # وهؤلاء وغيرهم لا يسلمون للفلاسفة إمكان وجود ممكن لا هو جسم ولا قائم ~~بجسم بل قد صرح أئمتهم بأن بطلان القسم الثالث معلوم بالضرورة بل قد بين ~~أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب إمام الصفاتية كأبي العباس القلانسي وأبي ~~الحسن الأشعري وأبي عبدالله بن مجاهد وغيرهم من انحصار الموجودات في ~~المباين والمحايث وأن قول من أثبت موجودا غير مباين ولا محايث معلوم الفساد ~~بالضرورة مثل ما بين أولئك انحصار الممكنات في الأجسام وأعراضها وأبلغ # وطوائف من النظار قالوا ما ثم موجود إلا جسم أو قائم بجسم إذا فسر الجسم ~~بالمعنى الاصطلاحي لا اللغوي كما هو مستقر في فطر العامة وهذا قول كثير من ~~الفلاسفة أو أكثرهم وكذلك أيضا الأئمة الكبار كالإمام أحمد في رده على ~~الجهمية وعبدالعزيز المكي في رده على الجهمية وعبد العزيز المكي في رده على ~~الجهمية وغيرهما بينوا أن ما ادعاه النفاة من إثبات قسم ثالث ليس بمباين ~~ولا محايث معلوم الفساد بصريح العقل وأن هذه من القضايا البينة التي يعلمها ~~العقلاء بعقولهم # وإثبات لفظ الجسم ونفيه بدعة لم يتكلم به أحد من السلف والأئمة كما لم ms005 ~~يثبتوا لفظ التحيز ولا نفوه ولا لفظ الجهة ولا نفوه ولكن أثبتوا الصفات ~~التي جاء بها الكتاب والسنة ونفوا مماثلة المخلوقات # ومن نظر في كلام الناس في هذا الباب وجد عامة المشهورين بالعقل والعلم ~~يصرحون بأن إثبات وجود موجود لا محايث للآخر ولا مباين ونحو ذلك معلوم ~~بصريح العقل وضرورته PageV01P009 # ومما يوضح الأمر في ذلك أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على مقدماته ~~بل كان كل طائفة تقدح في دليل الأخرى فالفلاسفة تقدح في دليل المعتزلة على ~~نفي الصفات بل على نفي الجسم والتحيز ونحو ذلك لأن دليل المعتزلة مبني على ~~أن القديم لا يكون محلا للصفات والحركات فلا يكون جسما ولا متحيزا لأن ~~الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات وأن الجسم ~~لا يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث بل الأشعري نفسه ذكر في ~~رسالته إلى أهل الثغر أن هذا الدليل الذي استدلوا به على حدوث العالم وهو ~~الاستدلال على حدوث الأجسام بحدوث أعراضها هو دليل محرم في شرائع الأنبياء ~~لم يستدل به أحد من الرسل وأتباعهم وذكر في مصنف له آخر بيان عجز المعتزلة ~~عن إقامة الدليل على نفي أنه جسم وأبو حامد الغزالي وغيره من أئمة النظر ~~بينوا فساد طريق الفلاسفة التي نفوا بها الصفات وبينوا عجزهم عن إقامة دليل ~~على نفي أنه جسم بل وعجزهم عن إقامة دليل على التوحيد وأنه لا يمكن نفي ~~الجسم إلا بالطريق الأول الذي هو طريق المعتزلة الذي ذكر فيه الأشعري ما ~~ذكر # فإذا كان كل من أذكياء النظار وفضلائهم يقدح في مقدمات دليل الفريق الآخر ~~الذي يزعم أنه بنى عليه النفي كان في هذا دليل على أن تلك المقدمات ليست ~~ضرورية إذ الضروريات لا يمكن القدح فيها وإن قيل إن هؤلاء قدحوا في هذه ~~المقدمات قيل فإذا جوزتم على أئمة النفاة أن يقدحوا بالباطل في المقدمات ~~الضرورية فا التي يستدل بها أهل الإثبات أولى وأحرى # وقد بسط في غير هذا الموضع الكلام على ms006 أدلة النفاة ومقدمات تلك الأدلة ~~على وجه التفصيل بحيث يبين لكل ذي عقل خروج أصحابها عن سواء السبيل وأنهم ~~قوم سفسطوا في العقليات وقرمطوا في السمعيات ما ليس معهم على نفيهم لا عقل ~~ولا سمع ولا رأي سديد ولا شرع بل معهم شبهات يظنها من لم يتأملها ~~PageV01P010 بينات @QB@ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب @QE@ ولهذا تغلب عليهم ~~الحيرة والارتياب والشك والاضطراب وقد صارت تلك الشبهات عندهم مقدمات مسلمة ~~يظنونها عقليات أو برهانيات وإنما هي مسلمات لما فيها من الاشتراك ~~والاشتباه فلا تجد لهم مقدمة إلا وفيها ألفاظ مشتبهة فيها من الإجمال ~~والالتباس ما يضل بها من يضل من الناس وكيف تكون النتيجة المثبتة بمثل هذه ~~المقدمات دافعة لتلك القضايا الضروريات # وهذا الذي قد نبه عليه في هذا المقام كلما أمعن الناظر فيه وفيما تكلم ~~أهل النفي فيه ازداد بصيرة ومعرفة بما فيه فإنه لا يتصور أن يبني النفي على ~~مقدمات ضرورية تساوى في جزم العقل بها مقدمات أهل الإثبات الجازمة لفساد ~~نتيجتهم وهو قولهم إنه موجود لا داخل العالم ولا خارجه جزما لا يساويه فيه ~~جزم العقل بالمقدمات التي تبنى عليها هذه النتيجة الثابتة امتنع أن يزول ~~ذلك الجزم العقلي الضروري بنتيجة ليست مثله في الجزم # وهذا الكلام قبل النظر في تلك المقدمات المعارضة لهذا الجزم هل هي صحيحة ~~أو فاسدة وإنما المقصود هنا أنه لا يصح للمناظرة ولا يقبل في المناظرة أن ~~يعارض هذا الجزم المستقر في الفطرة بما يزعمه من الأدلة النظرية وهذا ~~المقام كاف في دفعه وإن لم تحل شبهاته كما يكفي في دفع السوفسطائي أن يقال ~~إنما تنفيه قضايا ضرورية فلا يقبل نفيها بما يذكر من الشبهة النظرية # قال أبو عبدالله الرازي # الثاني أنا إذا عرضنا على العقل وجود موجود لا يكون حالا في العالم ولا ~~مباينا PageV01P011 عنه في شيء من الجهات الست وعرضنا على العقل أيضا أن ~~الواحد نصف الاثنين وأن النفي ms007 والإثبات لا يجتمعان وجدنا العقل متوقفا في ~~المقدمة الأولى جازما في المقدمة الثانية وهذا التفاوت معلوم بالضرورة وذلك ~~يدل على أن العقل غير قاطع في المقدمة الأولى لا بالنفي ولا بالإثبات غاية ~~ما في الباب أنا نجد من أنفسنا ميلا إلى القول بأن كل ما سوى العالم لا بد ~~وأن يكون حالا فيه أو مباينا عنه بالجهة والحيز إلا أنا نقول لما رأينا أن ~~العقل لم يجزم بهذه المقدمة مثل جزمه بأن الواحد نصف الاثنين علمنا أنه غير ~~قاطع بأن ما سوى العالم لا بد وأن يكون حالا فيه أو مباينا عنه بالجهة بل ~~هو مجوز لنقيضه وإذا ثبت هذا فنقول إن ذلك الظن إنما حصل بسبب أن الوهم ~~والخيال لا يتصرفان إلا في المحسوسات فلا جرم كان من شأنهما أنهما يقضيان ~~على كل شيء بالأحكام اللأئقة بالمحسوسات فهذا الميل إنما جاء بسبب الوهم ~~والخيال لا بسبب العقل البتة # وقال الشيخ وأما قوله إن التقسيم إلى مباين ومحايث لا يعلم فساده كما لا ~~يعلم فساد أن الواحد نصف الاثنين فنقول إن القضايا الضرورية ليس من شرطها ~~أن تكون مفرداتها بينة لكل أحد بل شرطها أن تكون مفرداتها إذا تصورت جزم ~~العقل بها وتصور الواحد نصف الاثنين بين لكل أحد فلهذا كان التصديق التابع ~~له أبين من غيره ولهذا لم يكن هذا في العقل كبيان أن خمسة وخمسين وربعا ~~وثمنا نصف مائة وعشرة ونصف وربع وكلاهما ضروري ونظائر هذا كثيرة ومعنى ~~المباين والمحابين ليس بينا ابتداء إذ اللفظ فيه إجمال كما تقدم ولكن إذا ~~بين معناه لأهل العقل جزموا بانتفاء قسم ثالث كما أن معنى القديم والمحدث ~~والواجب والممكن والجوهر والعرض ونحو ذلك PageV01P012 لما لم يكن بينا ~~بنفسه لعامة العقلاء لم يجزموا بانحصار الموجود في هذين القسمين فإذا بين ~~لهم المعنى جزموا بذلك # فإذاقيل للعقلاء موجودان قائمان بأنفسهما لا يكون هذا خارجا عن الآخر ~~مباينا له ولا داخلا فيه ولا بعيدا ولاقريبا منه ولا بعيدا عنه ولا فوقه ~~ولا تحته ولا ms008 عن يمينه ولا عن يساره ولا أمامه ولا وراءه ولا يتصور أن يشير ~~أحدهما إلى الآخر ولا يذهب إليه ولا يقرب منه ولا يبعد عنه ولا يتحرك إليه ~~ولا عنه ولا يقبل إليه ولا يعرض عنه ولا يحتجب عنه ولا يتجلى له ولا يظهر ~~لعينه ولا يستتر عنه وأمثال هذه المعاني التي يقولها النفاة علم العقلاء ~~بالاضطرار امتناع وجود هذين # قال أبو عبد الله الرازي # الثالث أنا إذا قلنا الموجود إما أن يكون متحيزا أو حالا في المتحيز أولا ~~متحيزا ولا حالا في المتحيز وجدنا العقل قاطعا بصحة هذا التقسيم ولو قلنا ~~الموجود إما أن يكون متحيزا أو حالا في المتحيز واقتصرنا على هذا القدر ~~علمنا بالضرورة أن هذا التقسيم غير تام ولا منحصر لأنه لا يتم إلا بضم ~~القسم الثالث وهو أن يقال وإما أن لا يكون متحيدا ولا حالا في المتحيز وإذا ~~كان الأمر كذلك علمنا بالضرورة أن احتمال هذا القسم وهو وجود موجود لا يكون ~~متحيزا ولا حالا في المتحيز قائم في العقول من غير مدافعة ولا منازعة وأنه ~~لا يمكن الجزم بنفيه ولا بإثباته إلا بدليل منفصل # وقوله إذا قدر موجود ليس بمتحيز ولا في جهة يصح فيه هذا التقسيم ~~PageV01P013 فيقال له ثبوته على هذا التقدير لا يقتضي ثبوته في نفس الأمر ~~إلا أن يكون التقدير ثابتا في نفس الأمر وهذا التقسيم ينفي ثبوت هذا ~~التقدير في نفس الأمر وإذا كان التقسيم معلوما بالاضطرار كان من لوازم ذلك ~~انتفاء هذا التقدير فلا يقبل إثبات هذا التقدير بالنظر لأن ذلك يتضمن القدح ~~في الضروري بالنظري وإذا لم يكن إلى إثبات هذا التقدير سبيل لم يضر فساد ~~التقسيم بتقدير ثبوته لأن ذلك يتضمن فساد التقسيم بتقدير ثبوت ما لم يثبت ~~ولا يمكن إثباته # وأيضا فلو قدر أن إثبات هذا التقدير ممكن كان هذا من باب المعارضة لا من ~~باب منع شيء من المقدمات والمعارضة تحتاج إلى إقامة الدليل ابتداء وصار هذا ~~الاعتراض بمنزلة أن يقال إذا قدر موجد ms009 ليس بقديم ولا محدث لم يصح تقسيم ~~الموجود إلى محدث وقديم وإذا قدر موجود ليس بواجب ولا ممكن ولا قائم بغيره ~~لم يصح تقسيم الموجود إلى الواجب والممكن والقائم بنفسه والقائم بغيره ~~ومعلوم أن التقسيم المعلوم بالاضطرار لا يفسد بتقدير نقيضه أو ما يستلزم ~~نقيضه وإنما يفسد التقسيم بثبوت ما يناقضه فإذا كان المناقض لا يعلم إلا ~~بالنظر لم يصح أن يكون مناقضا فعلم أن هذا من باب معارضة الضروري بالنظري ~~فلا يكون مقبولا ولا يكون حقا # وهذا كما قال القرمطي الباطني لا أقول هو موجود ولا معدوم ولا عالم ولا ~~جاهل ولا قادر ولا عاجز لأن ذلك من صفات الأجسام فإن الجسم ينقسم إلى حي ~~وميت وعالم وجاهل وقادر وعاجز وموجود ومعدوم فإذا قدرنا ما ليس بجسم لم يكن ~~عالما ولا جاهلا ولا قادرا ولا عاجزا ولا حيا ولا ميتا كان كلام القرمطي ~~هذا بمنزلة كلام هؤلاء الجهمية أنه لا داخل العالم ولا خارجه وقول جهم ~~والقرامطة من جنس واحد كما نقله عن الفريقين أصحاب المقالات وقالوا إنه لا ~~يقال هو شيء ولا ليس PageV01P014 بشيء فمن نفى عنه هذه المتقابلات التي لا ~~بد للموجود من أحدهما لم يمكنه قطع القرامطة ولهذا كانت مناظرة هؤلاء ~~للقرامطة مناظرة ضعيفة كما هو مبسوط في موضعه # قال أبو عبدالله الرازي الرابع إنا نعلم بالضرورة أن أشخاص الناس مشتركة ~~في مفهوم الإنسانية ومتباينة بخصوصياتها وتعيناتها وما به المشاركة غير ما ~~به الممايزة وهذا يقتضي أن يقال الإنسانية من حيث هي إنسانية مجرد عن الشكل ~~المعين فالإنسانية من حيث هي هي معقول مجرد فقد أخرج البحث والتفتيش عن ~~المحسوس ما هو معقول مجرد وإذا كان كذلك فكيف يستبعد في العقل أن يكون خالق ~~المحسوسات منزها عن لواحق الحس وعلائق الخيال # قال الشيخ رحمة الله قالت المثبتة ما ذكرتموه من الحجج على إثبات موجود ~~لا داخل العالم ولا خارجه حجج سوفطائي أما الإنسانية المشتركة بين الأناسي ~~ونحوها من الكليات فهذه لا يقال إنها موجودة خارج الذهن ms010 لا داخل العالم ولا ~~خارجه فإنها أمور ثابتة في الذهن والتصور وإذا قيل إنها موجودة في الخارج ~~فلا بد أن تكون عينا قائمة بنفسها أو صفة قائمة بالعين ولا ريب أنها لا ~~توجد في الخارج كلية مطلقة بشرط ما هو معقول بشرط الإطلاق وإنما توجد في ~~الخارج معينة مشخصة فقول القائل إن التفتيش يخرج من المحسوس ما هو معقول إن ~~أراد به أنه معقول ثابت في العقل فما هو ثابت في العقل ليس هو الموجود في ~~الخارج بعينه وإن أراد أن في المحسوس الموجود في الخارج أمرا معقولا ليس هو ~~في الذهن فهذا باطل فليس في الإنسان المعين إلا ما هو معين وهو هذا الإنسان ~~المعين بدنه وروحه وصفاته وهذا كله أمر معين مقيد PageV01P015 مشخص ليس هو ~~كليا ولا مطلقا # الوجه العاشر قوله وإذا كان كذلك فكيف يستبعد في العقل أن يكون خالق ~~المحسوسات منزها عن لواحق الحس وعلائق الخيال # يقال له أنت الذي جعلته متخيلا لا حقيقة له في الخارج حيث جعلت وجوده من ~~جنس وجود الأمور الذهنية التي لا توجد إلا في الذهن والخيال وهذا قول بأنه ~~متخيل لا حقيقة له بمنزلة إلا فك المفترى والكذب المختلق فإن هذه الأمور ~~كلها لها وجود في الذهن والخيال وليس لها حقيقة في الخارج وهذا هو التخيل ~~المذموم وهو أن يتخيل العبد ما ليس له حقيقة موجودة وأما تخيل الأمور ~~الموجودة مثلما يراه النائم في منامه من الرؤئيا المطابقة للخارج فهذا ليس ~~بمذموم ولا معيب بل هو حق في بابه وأما تخيل الأمور الموجودة المحسوسة على ~~ما هي عليه موجودة في الخارج فهذا حق باطنا وظاهرا وإنكار هذا سفطسة كإنكار ~~المحسوسات الموجودة # الوجه الحادي عشر قوله لواحق الحس أن عنى به أن الحس لا يلحقه أي لا ~~يدركه ولا يحيط به فلا الحس يحيط به ولا العقل فلا اختصاص للحس بذلك وإن ~~عنى أنه لا يحس أي لا يرى فهذا ممنوع باطل وهم لا يتظاهرون بإنكار ذلك وإن ~~كانوا في الحقيقة ms011 موافقين لمن أنكره ولولا أن هذا ليس موضعه لذكرناه # الوجه الثاني عشر أن قوله لواحق الحس وعلائق الخيال ظاهر لفظه هو ما يلحق ~~الحس ولا يخلو أن يريد به نفي ما يلحق الحس أو المحسوس وما يتعلق بالخيال ~~أو التخيل أو يريد به أنه لا يلحقه الحس ولا يتعلق به الخيال فإن ~~PageV01P016 أراد الأول وهو مقتضى اللفظ لزم في ذلك أن كلما يوصف به الحس ~~أو المحسوس أو الخيال أو التخيل لا يوصف به ومعلوم أن ذلك يوصف بأنه موجود ~~وثابت وحق ومعلوم ومذكور وموصوف ونحو ذلك مما لا نزاع في أن الله يوصف به ~~وإن أراد الثاني وهو الذي أراده والله أعلم وإن كان قد قصر في دلالة اللفظ ~~عليه كان مضمونه أنه لا يحس بحال فإن أراد به ما يستلزم أنه لا يرى ولا ~~يسمع كلامه فهذا ممنوع وهو باطل وإن أراد به لا يكون كالمحسوسات في إدراك ~~الحس له فيقال ولا هو كالمعلومات والمعقولات في تعلق العلم به فإن الله ليس ~~كمثله شيء بوجه من الوجوه كما قد بيناه في غير هذا الموضع # الوجه الثالث عشر إن طوائف يفرقون بين كونه معقولا وكونه محسوسا حتى يقول ~~النفاة منهم لا يعلم إلا بإشارة العقل وقد يقولون إنه من قسم الحقائق ~~المعقولة دون المحسوسة ونحو ذلك فيقال هذا اللفظ فيه إجمال وإيهام فإن ~~أرادوا أنه في الدنيا لا يعرف إلا بالقلب لا يشهد بالبصر الظاهر وغيره من ~~الحواس فهذا حق لكن ما يعرفه القلب ويشهده القلب ويحسه القلب ونحو ذلك أعم ~~من أن يكون معقولا محضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت وقد اتفق على ذلك سلف الأمة ~~وأئمتها ولم يتنازعوا إلا في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وحده وإن نازع ~~في غيره بعض من لم يعرف السنة ومذهب الجماعة من بعض المتكلمة وجهال ~~المتصوفة ونحوهم # وإن أراد أنه لا يرى في الدنيا ms012 والآخرة ولا يمكن رؤيته فهذا مذهب ~~PageV01P017 الجهمية والمعتزلة له في ذلك معروف وقد ثبت بالكتاب والسنة ~~واتفاق سلف الأمة وأئمتها بل وبصرائح العقل بطلان هذا المذهب # وإن أراد أنه من باب ما يعقله القلب من الأمور المعقولة التي لا يصح تكون ~~محسوسة فيقال له المعقولات المحضة هي الأمور الكلية فإن الإنسان إذا أحس ~~بباطنه أو بظاهره بعض الأمور كإحساسه بجوعه وعطشه ورضاه وغضبه وفرحه وحزنه ~~ولذته وألمه وبما يراه ويسمعه بإذنه فتك الأمور أمور معينة موجودة فالعقل ~~يأخذ منها أمرا مطلقا كليا فيعلم جوعا مطلقا وفرحا مطلقا وشما مطلقا وألما ~~مطلقا ونحو ذلك فهذه الكليات معقولات محضة لأنه ليس في الخارج كليات حتى ~~يمكن إحساسها والإحساس إنما يكون بالأمور الموجودة ولهذا قالوا إنه يعلم ~~المعدومات قبل كونها عاما أما السمع والبصر فإنما يكون للموجود ومن قال إنه ~~يرى وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضوع PageV01P018 وإذا كان كذلك فمن ~~أراد هذا المعنى جعله من باب الموجودات في الأذهان لا في الأعيان وهذا ~~حقيقة قول الجهمية الذين يقولون إنه لا يمكن رؤيته وإحساسه فإن كل موجود ~~قائ بنفسه يمكن رؤيته بل كل موجود يمكن إحساسه إما بالرؤية وإما بغيرها فما ~~لا يعرف بشيء في المحسوس لم يكن إلا معدوما حتى إن الصور الذهنية يمكن ~~إحساسها من حيث وجود ذاتها ولكن هي من جهة مطابقتها للمعدومات كلية ~~والمطابقة لها إضافية فهذه معاني ينبغي أن يفطن لها # قال أبو عبدالله الرازي الخامس أن كل ماهية فإنا إذا اعتبرناها بحدها ~~وحقيقتها فإنا قد نعقلها حال غفلتنا عن الوضع والحيز فكيف والإنسان إذا كان ~~مستغرق الفكر في تفهم أن حد العلم ما هو وحد الطبيعة ما هو فإنه في تلك ~~الحالة يكون غافلا عن حقيقة الحيز والمقدار فضلا عن أن يحكم بأن تلك ~~الحقيقة لا بد وأن تكون مختصة بمحل أو جهة وهذا يقتضي أنه يمكننا أن نعقل ~~الماهيات حال ذهولنا عن الحيز والشكل والمقدار # السادس وهو أن الواحد منا حال ما يكون مستغرق الفكر ms013 والروية في استخراج ~~مسألة معضلة قد يقول في نفسه إني قد حكمت بكذا أو عقلت فحال ما يقول في ~~نفسه إني عقلت كذا وحكمت بكذا يكون عارفا بنفسه إذ لو لم يكن عارفا بنفسه ~~لامتنع منه أن يحكم على ذاته بأنه حكم بكذا أو عرف كذا مع أنه في تلك ~~الحالة قد يكون غافلا عن معنى الحيز والجهة وعن معنى الشكل والمقدار فضلا ~~عن أن يعلم كون ذاته في الحيز أو كون ذاته موصوفة بالشكل والمقدار فثبت أن ~~العلم بالشيء قد يحصل عند عدم العلم بحيزه وشكله ومقداره وذلك يفيد القطع ~~بأن الشيء المجرد عن الوضع والجهة يصح أن يكون معقولا PageV01P019 # السابع إنا نبصر الأشياء إلا أن القوة الباصرة لا تبصر نفسها وكذلك ~~الخيالية تتخيل الأشياء إلا أن هذه القوة لا يمكنها أن تتخيل نفسها فوجود ~~القوة الباصرة يدل على أنه لا يجب أن يكون كل شيء متخيلا وذلك يفتح باب ~~الاحتمال المذكور # قال شيخ الإسلام قلت قد تقدم الكلام على أصول هذا غير مرة من وجوه متعددة # أحدها أن القصور عن معرفة الشيء غير العلم بانتفائه والمنازع له قال إني ~~أعلم انتفاء موجود لا داخل العالم ولا خارجه لم يقل إني قاصر أو عاجز عن ~~معرفة وجوده # الثاني أن قصور الوهم والخيال لا يستلزم قصور العلم والعقل والحس ~~والمنازع له يقول إن ذلك لا يعلم بعقل ولا غيره فإذا كان غيره معقولا لم ~~يجب أن يكون هذا معقولا $ فصل # ثم قال أبو عبدالله الرازي الثامن إن خصومنا لا بد لهم من الاعتراف بوجود ~~شيء على خلاف حكم الحس والخيال لأن خصومنا في هذا الباب إما الكرامية وإما ~~الحنابلة أما الكرامية فإنا إذا قلنا لهم لو كان الله PageV01P020 مشارا ~~إليه بالحس لكان ذلك الشيء إما أن يكون منقسما فيكون مركبا وأنتم لا تقولون ~~بذلك وإما أن يكون غير منقسم فيكون في الصغر والحقارة مثل النقطة التي لا ~~تنقسم ومثل الجزء الذي لا يتجزأ وأنتم لا تقولون بذلك فعند هذا الكلام ms014 ~~قالوا إنه واحد منزه عن التركيب والتأليف ومع هذا فإنه ليس بصغير ولا حقير # فقوله خصومنا في هذا الباب إما الكرمية وإما الحنابلة ليس بسديد ولا سيما ~~وهؤلاء الحنابلة الذين وصفهم إن كان لهم وجود فهم صنف من الحنابلة ~~الموجودين في وقته أو قبله بأرض خراسان وغيرها ليسوا من أئمة علماء ~~الحنابلة ولا أفاضلهم فإن هذه الألفاظ التي حكاها عن الحنابلة لا نعرفها عن ~~أحد منهم كما سنذكره # وكذلك هؤلاء الكرامية الذين حكى قولهم بعض الكرامية وإلا فكثير من ~~الكرامية قد يخالفونه فيما حكاه عنهم بل خصومة في هذا الباب جميع الأنبياء ~~والمرسلين وجميع أئمة الدين من الأولين جمع الأنبياء والمرسلين والتعابعين ~~PageV01P021 والآخرين وجميع المؤمنين الباقين على الفطرة الصحيحة دع ما قد ~~تنازع فيه من ذلك فإنهم لا يطلقون على الله هذا الإطلاق الذي ذكره وإن كان ~~فيهم وفي سائر الطوائف من نص بالصفات التي يطلق عليها هو وأمثاله أنها ~~أجزاء وأبعاض لكنهم لا يطلقون الألفاظ الموهمة المحتملة إلا إذا نص الشرع ~~فأما ما لم يرد به الشرع فلا يطلقونه إلا إذا تبين معناه الصحيح الموافق ~~للشرع ونفي المعنى الباطل كالفظ الأجزاء والأبعاض كما سنذكره إنشاء الله ~~وما علمت أحدا من الحنابلة من يطلقه من غير بيان بل كتبهم مصرحة بنفي ذلك ~~المعنى الباطل ومنهم من لا يتكلم في ذلك بنفي ولا إثبات # فلا ريب أن الكتب الموجودة بأيدي الناس تشهد بأن جميع السلف من القرون ~~الثلاثة كانوا على خلاف ما ذكره وأن الأئمة المتبوعين عند الناس والمشايخ ~~المقتدى بهم كانوا على خلاف ما ذكره وهذه أئمة المالكية والشافعية والحنفية ~~وأهل الحديث والصوفية على ذلك بل أئمة الصفاتية من الكلابية PageV01P022 ~~والكرامية واأشعرية على خلاف ما قاله فهذه كتب ابن كلاب إمام طائفته ثم ~~الحارث المحاسبي ونحوه ثم أبي الحسن الأشعري وأئمة أصحابه مثل عبد الله بن ~~مجاهد وأبي الحسن الطبري وأبي العباس القلانسي وغيره كما سيأتي إن شاء الله ~~حكاية قوله وقول غيره والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأبي علي ms015 بن شاذان ~~وغيرهم كلهم يقولون بإثبات العلو لله على العرش واستوائه عليه دون ما سواه ~~ويضللون من يفسر ذلك بالاستيلاء والقهر ونحوه كما قد حكينا بعض أقوالهم في ~~جواب الاستفتاء وفي جواب هذه المسائل الموردة عليه وذكرنا أن أبا الحسن ~~الأشعري ذكر أن هذا قول جميع أهل السنة والحديث وبه يقول الرازي وهو قد حكى ~~أيضا في كتبه ذلك عن بعض أئمة أصحابه وذكر للأشعري نفسه قولين وقد تكلمنا ~~على ذلك فكيف يزعم أن خصومه إنما هم الكرامية والحنابلة بل لم يوافقه إلا ~~فريق قليل من أهل القبلة # حتى حذاق الفلاسفة فإنهم من خصومه في هذا الباب كما ذكر القاضي أبو ~~الوليد بن رشد الحفيد الفيلسوف مع فرط اعتنائه بالفلسفة وتعظيمه لها ~~PageV01P023 ومعرفته بها حتى يأخذها من أصولها فيقرأ كتب أرسطو وذويه ~~ويشرحها ويتكلم عليها ويبين خطأ من خالفهم مثل ابن سينا وذويه وصنف كتبا ~~متعددة مثل كتاب تهافت التهافت في الرد على أبي حامد فيما رده على الفلاسفة ~~في كتاب تهافت الفاسفة وكتاب تقرير المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة ~~في الاتصال وغير ذلك قال في كتابه الذي سماه مناهج الأدلة على الأصولية وقد ~~ضمن هذا الكتاب بيان الإعتقاد الذي جاءت به الشريعة ووجوب إلقائه إلى ~~الجمهور كما جاءت به الشريعة وبيان ما يقوم عليه من ذلك البرهان للعلماء ~~كما يقوم به ما يوجب التصديق للجمهور وذكر فيه ما يوجب على طريقته أن لا ~~يصرح به للجمهور وذكر فيه ما يوجب من الأمور التي قام عليها البرهان على ~~طريقة ذويه كما ذكر أنه لا يصلح في الشريعة أن يقال إن الله جسم أو ليس ~~بجسم مع أنه يقول في الباطن أن الله ليس بجسم ومع هذا فأثبت الجهة باطنا ~~وظاهرا وذكر أنه قول الفلاسفة فقال # فإن قيل فما تقول في صفة الجسمية هل هي من الصفات التي صرح الشرع بنفيها ~~عن الخالق أو هي من الصفات المسكوت عنها فنقول إنه من البين من أمر الشرع ~~أنها من الصفات ms016 المسكوت عنها وهي إلى التصريح بإثباتها في PageV01P024 ~~الشرع أقرب منها إلى نفيها وذلك أن الشرع قد صرح بالوجه واليدين في غير ما ~~آية من الكتاب العزيز وهذه الآيات قد توهم أن الجسمية هي له من الصفات التي ~~فضل فيها الخالق المخلوق كما فضله في صفة القدرة والإرادة وغير ذاك من ~~الصفات التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق إلا أنها في الخالق أتم وجودا ~~ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقدوا في الخالق أنه جسم لا يشبه ~~سائر الأجسام وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن تبعهم والواجب عندي في هذه الصفة ~~أن يجري فيها على منهاج الشرع فلا يصرح فيها بنفي ولا إثبات ويجاب من سأل ~~عن ذلك من الجمهور بقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ ~~وينهى عن هذا السؤال وذلك لثلاثة معان # أحدها أن إدراك هذا المعنى ليس هو قريبا من المعروف بنفسه برتبة واحدة ~~ولا برتبتين ولا ثلاثة وأنت تتبين ذلك من الطريق التي سلكها المتكلمون في ~~ذلك فإنهم قالوا إن الدليل على أنه ليس بجسم أنه قد تبين أن كل جسم محدث ~~وإذا سئلوا عن الطريق التي بها يوقف على أن كل جسم محدث سلكوا في ذلك ~~الطريق التي ذكرناها في حدوث الأعراض وأن مالا يتعرى من الحوادث حادث وقد ~~تبين لك من قولنا أن هذه الطريقة ليست برهانية ولو كانت برهانية لما كان في ~~طباع الغالب من الجمهور أن يصلوا إليها # وأيضا فإن ما يصفه هؤلاء القوم من أنه سبحانه له ذات وصفات زائدة على ~~الذات يوجبون بذلك أنه جسم أكثر مما ينفون عنه الجسمية بدليل انتفاء الحدوث ~~عنه فهذا هو السبب الأول في أنه لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم # وأما السبب الثاني فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل والمحسوس ~~وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم فإذا قيل لهم إن ها هنا موجودا ليس ~~PageV01P025 بجسم ارتفع عنهم التخيل فصار عندهم من قبيل المعدوم ولا سيما ~~إذا قيل إنه لا ms017 داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا أسفل ولهذا اعتقدت ~~الطائفة الذين أثبتوا الجسمية في الطائفة التي تنفيها عنه سبحانه أنها ~~مثبتة واعتقدت الذين نفوها في المثبتة أنها مكثرة # وأما السبب الثالث فهو أنه إذا صرح بنفي الجسمية عرضت في الشرع شكوك ~~كثيرة مما يقال في المعاد وفي غير ذلك فمنها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي ~~جاءت بها السنة الثابتة وذلك أن الذين صرحوا بنفيها أي بنفي الجسمية فرقتان ~~المعتزلة والأشعرية فأما المعتزلة فدعاهم 2 هذا الإعتقاد إلى أن نفوا ~~الرؤية وأما الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين فعسر ذلك عليهم ولجئوا ~~في الجمع إلى أقاويل سوفسطائية سنرشد إلى الوهم الذي فيها عند الكلام في ~~الرؤية # ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة من بادي الرأي عن الخالق سبحانه كونه ليس ~~بجسم فترجع الشريعة متشابهة وذلك أن بعث الأنبياء ابتنى على أن الوحي نازل ~~عليهم من السماء وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه أعني أن الكتاب العزيز نزل من ~~السماء كما قال تعالى @QB@ إنا أنزلناه في ليلة مباركة @QE@ وابنبنى نزول ~~الوحي من السماء على أن الله في السماء وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء ~~وتصعد إليها كما قال @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ وقال @QB@ تعرج ~~الملائكة والروح إليه @QE@ PageV01P026 # وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة على ما سنذكره بعد ~~عند التكلم في الجهة # ومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية وجب التصريح بنفي الحركة فإذا صرح بنفي ~~هذا عسر ما جاء في صفة الحشر من أن الباري يطلع على أهل المحشر وأنه الذي ~~يلي حسابهم كما قال تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وكذلك يصعب ~~تأويل حديث النزول المشهور وإن كان التأويل إليه أقرب منه إلى أمر الحشر مع ~~أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع فيجب أن لا يصرح للجمهور بما يؤول ~~عندهم إلى إبطال هذه الظواهر فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو إذا حملت ~~على ظاهرها وأما إذا أولت فإنما يؤول الأمر فيها إلى أحد أمرين إما أن ms018 يسلط ~~التأويل على هذه وأشباه هذه من الشريعة فتتمزق الشريعة كلها وتبطل الحكمة ~~المقصودة منها وإما أن يقال في هذه كلها إنها من المتشابهات وهذا كله إبطال ~~للشريعة ومحو لها من النفوس من غير أن يشعر الفاعل لذلك بعظم ما جناه على ~~الشريعة مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المتأولون لهذه الأشياء ~~تجدها كلها غير برهانية بل الظواهر الشرعية أقنع منها أعني أن التصديق بها ~~أكثر وأنت تتبين ذلك من قولنا في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجسمية وكذلك ~~في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجهة على ما سنقوله بعد وقد يدلك على أن ~~الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور أن لمكان انتفاء هذه الصفة ~~عن النفس أعني الجسمية لم يصرح الشرع للجمهور بما هي النفس فقال في الكتاب ~~العزيز @QB@ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا @QE@ وذلك أنه يعسر البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم ~~بذاته ليس بجسم ولو كان انتفاء هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور لاكتفى بذلك ~~الخليل في محاجة الكافر حين قال @QB@ ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي ~~وأميت @QE@ الآية لأنه كان يكتفي PageV01P027 بأن يقول له أنت جسم والله ~~ليس بجسم لأن كل جسم محدث كما يقول الأشعري وكذلك كان يكتفي بذلك موسى صلى ~~الله عليه وسلم عند محاجته لفرعون في دعواه الألوهية وكذلك كان يكتفي صلى ~~الله عليه وسلم في أمر الدجال في إرشاد المؤمنين إلى كذب ما يدعيه في ~~الربوبية في أنه جسم والله ليس بجسم بل قال عليه السلام إن ربكم ليس بأعور ~~فاكتفى بالدلالة على كذبه بوجود هذه الصفة الناقصة التي ينتفي عند كل أحد ~~وجودها ببديهة العقل في الباري سبحانه فهذه كلها كما ترى بدع حادثة في ~~الإسلام هي السبب فيما عرض فيه من الفرق التي أنبأنا المصطفى صلى الله عليه ~~وسلم أنها ستفترق أمته إليها # فإن قال قائل فإذا لم يصرح الشرع للجمهور لا بأنه جسم ولا ms019 بأنه غير جسم ~~فما عسى أن يحاجوا به في جواب ما هو فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان وليس ~~يقدر أن ينفك عنه وكذلك ليس يقنع الجمهور أن يقال لهم في موجود وقع ~~الاعتراف به أنه لا ماهية له لأن مالا ماهية له لا ذات له # قلنا الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع فيقال لهم إنه نور فإنه الوصف ~~الذي وصف الله به نفسه في كتابه العزيز على جهة ما يوصف الشيء بالصفة التي ~~هي ذاته فقال @QB@ الله نور السماوات والأرض @QE@ وبهذا الوصف وصفه النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت فإنه لما قيل له هل رأيت ربك قال نور ~~أني أراه وفي حديث الإسراء أنه لما قرب صلى الله عليه وسلم من سدرة المنتهى ~~غشي السدرة من النور ما حجب بصره عن النظر إليها أو إليه سبحانه ففي مسلم ~~أن لله حجابا من نور لو كشف لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره وفي بعض ~~روايات هذا الحديث سبعين حجابا من نور # وينبغي أن يعلم أن هذا المثال هو شديد المناسبة للخالق سبحانه لأنه يجتمع ~~فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه وكذلك الأوهام مع أنه ليس بجسم ~~PageV01P028 والموجود عند الجمهور إنما هو المحسوس والمعدوم عندهم غير ~~المحسوس والنور لما كان أشرف المحسوسات وجب أن يمثل به أشرف الموجودات وهنا ~~أيضا سبب آخر موجب أن يسمى به نور وذلك أن حال وجوده في عقول العلماء ~~الراسخين في العلم عند النظر إليه بالعقل هي حال الأبصار عند النظر إلى ~~الشمس بل حال عيون الخفافيش وكان هذا الوصف لائقا عند الصنفين من الناس # وأيضا فإن الله تبارك وتعالى لما كان سبب الموجودات وسبب إدراكنا لها ~~وكان النور مع الألوان هذه صفته أعني أنه سبب وجود الألوان بالفعل وسبب ~~رؤيتنا له فالحق ما سمى الله تبارك وتعالى نفسه نورا وإذا قيل إنه نور لم ~~يعرض شك في الرؤية التي جاءت في المعاد فقد تبين لك في هذا القول موجودا ~~الإعتقاد الأول ms020 الذي في هذه الشريعة في هذه الصفة وما حدث في ذلك من البدعة ~~وإنما سكت الشرع عن هذه الصفة لأنه لا يعترف بموجود في الغائب ليس بجسم إلا ~~من أدرك ببرهان أن في المشاهد بهذه الصفة وهي النفس ولما كان الوقوف على ~~معرفة هذا المعنى من النفس مما لا يمكن الجمهور فيهم أن يعقلوا وجود موجود ~~ليس بجسم فلما حجبوا عن معرفة النفس علمنا أنهم حجبوا عن معرفة هذا المعنى ~~من الباري سبحانه وتعالى # قلت وقد تبين في هذا الكلام أنه في الباطن يرى رأي الفلاسفة في النفس ~~أنها ليست بجسم وكذلك في الباري غير أنه يمنع أن يخاطب الجمهور بهذه لأنه ~~ممتنع في عقولهم فضرب لهم أحسن الأمثال وأقربها كما ذكره في اسم النور وهذا ~~قول أئمة الفلاسفة في أمثال هذا من الإيمان بالله واليوم الآخر وقد بين ~~بالحجج الواضحة أن ما يذكره المتكلمون في النفي مخالف للشريعة وهو مصيب في ~~هذا باطنا وظاهرا وقد بين أن ما يذكره المتكلمون في نفي الجسم على الله ~~بحجج ضعيفة وبين فسادها وذكر أن ذلك إنما يعلم إذا علم أن النفس ~~PageV01P029 ليست جسما ومعلوم أن هذا الذي يشير إليه هو وأمثاله من ~~المتفلسفة أضعف مما عابه على المتكلمين فإن المتكلمين أفسدوا حججهم هذه ~~أعظم مما أفسدوا به حجج المتكلمين فيؤخذ من تحقيق الطائفتين بطلان حجج ~~الفريقين على نفي الجسم مع أن دعوى الفلاسفة أن النفس ليست بجسم ولا توصف ~~بحركة ولا سكون ولا دخول ولا خروج وأنه لا يحس إلا بالتصور لا غير يظهر ~~بطلانه وكذلك قولهم في الملائكة وظهور بطلان قول هؤلاء أعظم من ظهور بطلان ~~قول المتكلمين بنحو ذلك في الرب # ثم قال القول في الجهة وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر ~~يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ثم تبعها على نفيها متأخرو ~~الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات ~~الجهة مثل قوله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ومثل قوله تعالى ~~@QB@ وسع ms021 كرسيه السماوات والأرض @QE@ ومثل قوله تعالى @QB@ ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ ومثل قوله تعالى @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون @QE@ ومثل قوله ~~تعالى @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ الآية ومثل قوله تعالى @QB@ ~~أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور @QE@ إلى غير ذلك من ~~الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا وإن قيل فيها إنها ~~من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله ~~في السماء وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن من السماء نزلت ~~الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب PageV01P030 ~~من سدرة المنتهى وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء ~~كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي ~~أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات ~~الجسمية ونحن نقول إن هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان وذلك أن الجهة ~~هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة وبهذا نقول إن هذا كله غير لازم # قال الرازي أما الكرامية فإذا قلنا لهم لو كان الله تعالى مشارا إليه ~~بالحس لكان ذلك الشيء إما أن يكون منقسما فيكون مركبا وأنتم لا تقولون بذلك ~~وإما أن يكون غير منقسم فيكون في الصغر والحقارة مثل النقطة التي لا تنقسم ~~ومثل الجزء الذي لا يتجزأ وأنتم لا تقولون بذلك فعند هذا الكلام قالوا إنه ~~واحد منزه عن التركيب والتأليف ومع هذا فإنه ليس بصغير ولا حقير ومعلوم أن ~~هذا الذي التزموه مما لا يقبله الحس والخيال بل لا يقبله العقل أيضا لأن ~~المشار إليه بحسب الحس أن حصل له امتداد في الجهات والأحياز كان أحد جانبيه ~~مغايرا للجانب الثاني وذلك يوجب الانقسام في بديهة العقل وإن لم يحصل له ~~امتداد في شيء من الجهات لا في اليمين ولا في اليسار ms022 ولا في الفوق ولا في ~~التحت كان نقطة غير منقسمة وكان في غاية الصغر والحقارة فإذا لم يبعد عندهم ~~التزام كونه غير قابل القسمة مع كونه عظيما غير متناه في الامتداد كان هذا ~~جمعا بين النفي والإثبات ومدفوعا في بداية العقول # قال الشيخ رحمه الله والجواب من وجوه PageV01P031 # أحدهما أن يقال لفظ المنقسم لفظ مجمل بحسب الاصطلاحات والمنقسم في اللغة ~~العربية التي نزل بها القرآن هو ما فصل بعضه عن بعض كقسمة الماء وغيره بين ~~المشتركين إلى أن قال فيختار المنازع منه جانب النفي فإن الله ليس بمنقسم ~~وليس هو شيئين أو أشياء كل واحد منها في حيز منفصل عن حيز الآخر إلى أن قال ~~وقد يريد الناس بلفظ المنقسم ما يمكن الناس فصل بعضه عن بعض وإن كان في ذلك ~~فساد نهتنا عنه الشرعة كالحيوان الحي والأبنية فإن أراد بلفظ المنقسم ذلك ~~فلا ريب أن كثيرا من الأجسام ليس منقسما بهذا الاعتبار فإن بني آدم يعجزون ~~عن قسمته فضلا عن أن يقال إن رب العالمين يقدر العباد على قسمته وتفريقه ~~وتمزيقه وهذا واضح وقد يراد بلفظ المنقسم ما يمكن في قدرة الله قسمته ~~كالجبال وغيرها ومن المعلوم أنه لا يجوز أن يقال إن الله يمكن قسمته وأنه ~~قادر على ذلك # وإن كان غير منقسم لا بالمعنى الأول ولا بالمعنى الثاني فقوله وإن لم يكن ~~غير منقسم كان في الصغر بمنزلة الجوهر الفرد ليس بلازم حينئذ فإنما يوصف ~~بأنه واحد في الأجسام كقوله @QB@ وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ ونحو ذلك ~~جسم واحد وهو في جهة ومع ذلك ليس هو منقسما بالمعنى الأول وإن كان هذا فيما ~~يقبل القسمة كالأشياء التي يقدر الناس على قسمتها وأن ما لا يقبل القسمة ~~أولى بذلك وهذا ظاهر محسوس فإن أحدا لم ينازع في أن الجسم العظيم الذي لم ~~يفصل بعضه عن بعض فيحصل في حيزين منفصلين أو لا يمكن ذلك فيه إذا وصف بأنه ~~غير منقسم لم يلزم من ذلك أن يكون بقدر الجوهر ms023 الفرد بل قد يكون في غاية ~~العظمة والكبر وهذا الذي قررناه من فصل بعضه عن بعض بحيث يكون كل بعض في ~~حيزين منفصلين أو إمكان ذلك فيه فإن أحدا لم يقل إن الله منقسم بهذا ~~الاعتبار # وإن قال أريد بالمنقسم إن ما في هذه الجهة غير ما في هذه الجهة كما يقول ~~إن الشمس منقسمة بمعنى إن حاجبها الأيمن غير حاجبها الأيسر والفلك منقسم ~~PageV01P032 بمعنى أن ناحية القطب الشمالي غير ناحية القطب الجنوبي وهذا هو ~~الذي أراده فهذا مما تنازع الناس فيه فيقال له قولك إن كان منقسما كان ~~مركبا وتقدم إبطاله تقدم الجواب عن هذا الذي سميته مركبا وتبين أنه لا حجة ~~أصلا على امتناع ذلك بل بين أن إحالة ذلك تقتضي إبطال كل موجود ولولا أنه ~~أحال على ما تقدم لما أحلنا عليه وتقدم بيان ما في لفظ التركيب والتحيز ~~والغير والافتقار من الاحتمال وإن المعنى الذي يقصد منه بذلك يجب أن يتصف ~~به كل موجود سواء كان واجبا أو ممكنا وإن القول بامتناع ذلك يستلزم السفسطة ~~المحضة ويبين أن كل واحد يلزمه أن يقول بمثل هذا المعنى الذي سماه تركيبا ~~حتى الفلاسفة وأن هذا المنازع يقول مثل ذلك في تعدد الصفات وإن ألزم ~~الفلاسفة مثل ذلك وقول من يقول من هؤلاء ما يكون منقسما أو مركبا بهذا ~~الاعتبار فإنه ل يكون واحدا أو لا يكون أحدا فإن الأحد الذي لا ينقسم خلاف ~~لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ولغة العرب من تسمية الإنسان واحدا كقوله ~~@QB@ وإن كانت واحدة @QE@ وقوله نحو من هذا فهو الذي يقطع الشغب والتنازع ~~فإن هذه الشبهة هي أكبر وأكثر أصول المعطلة لصفات الرب بل المعطلة لذاته ~~وهي عند التحقيق من أفسد الخيالات $ فصل # قال الرازي وأما الحنابلة الذين التزموا الأجزاء والأبعاض PageV01P033 # فيقال إن أردت بهذا الكلام أنهم وصفوه بلفظ الأجزاء والأبعاض وأطلقوا ذلك ~~عليه من غير نفي للمعنى الباطل وقالوا إنه يتجزأ أو يتبعض وينفصل بعضه عن ~~بعض فهذا ما يعلم أحد ms024 من الحنابلة يقوله هم مصرحون وإن أردت إطلاق لفظ ~~البعض على صفاته في الجملة فهذا ليس مشهورا عنهم لا سيما والحنابلة أكثر ~~اتباعا لألفاظ القرآن والحديث من الكرامية ومن الأشعرية بإثبات لفظ الجسم ~~فهذا مأثور عن الصحابة والتابعين والحنبلية وغيرهم متنازعون في إطلاق هذا ~~اللفظ كما سنذكره إن شاء الله وليس للحنبلية في هذا اختصاص ليس لهم قول في ~~النفي والإثبات إلا وهو وما أبلغ منه موجود في عامة الطوائف وغيرهم إذ هم ~~لكثرة الاعتناء بالسنة والحديث والاءتمام بمن كان بالسنة أعلم وأبعد عن ~~الأقوال المتطرفة في النفي والإثبات وإن كان في أقوال بعضهم غلط في النفي ~~والإثبات فهو أقرب من الغلط الموجود في الطرفين في سائر الطوائف الذين هم ~~دونهم في العلم بالسنة والاتباع # وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية مثل الوجه واليد وذلك يقتضي التجزئة ~~والتبعيض أو أنهم وصوفه بما يقتضي أن يكون جسما والجسم متبعض ومتجزئ وإن لم ~~يقولوا هو جسم فيقال له لا اختصاص للحنابلة بذلك بل هذا مذهب جماهير أهل ~~الإسلام بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها # وفي الجملة فإثبات هذه الصفات هو مذهب الصفاتية من جميع طوائف الأمة مثل ~~الكلابية وأئمة الأشعرية وهو مذهب الكرامية ومن المعلوم أن بين إثبات ~~الأشعرية ونحوهم له وبين إثبات الكرامية ونحوهم له فرقا وكثير منهم ينفي ~~PageV01P034 ذلك ومنهم من لا ينفيه ولا يثبته ومنهم من أثبت ما جاء وهذا ~~إمام طائفته أبي الحسن الأشعري وهو من أعلم الناس بمقالات أهل الكلام قد ~~ذكر في غير موضع من كتبه أن هذا مذهب أهل السنة والحديث وقال إنه به يقول ~~كما قد ذكرنا لفظه في غير هذا الموضع وهذه الكتب التي صنفها مصنفوهم كأبي ~~الحسن التميمي وأهل بيته والقاضي أبي يعلى وأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الحسن ~~ابن الزاغوني وذكروا فيها ما جرت عادة المتكلمة الصفاتية بذكره كأبي سعيد ~~ابن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأمثالهما من إثبات الصفات ونفي التجسيم قد ~~بينوا فيها ذلك كما بين هؤلاء ونحوهم هذه ms025 الصفات العينية الخبرية كالوجه ~~واليدين وغيرهما # ومن أشهر مصنفيهم في ذلك أبو الحسن ابن الزاغوني قال في كتابه الإيضاح في ~~أصول الدين $ فصل # وقد وصف الباري نفسه في القرآن بقوله تعالى @QB@ فأينما تولوا فثم وجه ~~الله @QE@ PageV01P035 2115 وقوله @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ~~@QE@ 5527 وأمثال ذلك في الكتاب والسنة ويراد بذلك إثبات صفة تختص باسم ~~يزيد على قولنا ذات وذهبت المعتزلة إلى أن المراد بالوجه الذات فأما صفة ~~زائدة على ذلك فلا ولم يذكر خلافا مع الأشعرية لأن المشهور عنهم إثبات هذه ~~الصفة قال والدلالة على ذلك أنه قد ثبت في عرف الناس وعاداتهم في الخطاب ~~العربي الذي أجمع عليه أهل اللغة أن تسمية الوجه في أي محل وقع في الحقيقة ~~والمجاز يزيد على قولنا ذات وأما في الحيوان فذلك مشهور حقيقة لا يمكن دفعه ~~ولا يسوغ فيه غير ذلك وأما في مقامات المجاز فكذلك أيضا لأنه يقال فلان وجه ~~القوم لا يراد به ذات القوم إذ ذوات القوم غيره قطعا ويقينا ويقال هذا وجه ~~الثوب لما هو أجوده ويقال هذا وجه الرأي أي أصحه وأقومه وأتيت بالخبر على ~~وجهه أي على حقيقته إلى أمثال ذلك مما يقال فيه الوجه فإذا كان هذا هو ~~المستقر في اللغة وجب حمل هذه الصفة في حق الباري تعالى على ظاهر ما وضعت ~~له وهو الصفة الزائدة على تسمية قولنا ذات وهذا جلي واضح # قال وتمهيد هذا الكلام وتقريره أنه لا يجوز أن يقال وجه الله على ما قيل ~~في وجه القوم أنه سيدهم والمعرب عنهم والمشار إليه دونهم لأن ذلك يقتضي ~~بمثله في حق الله أن يقال سيد الله والمشار إليه وهذا في حقه محال ولا يجوز ~~أن يراد به ما أريد من قولهم هذا وجه الثوب أي أحسنه وأجوده لما ذكرنا أيضا ~~لأنه لا يجوز أن يضاف إلى ذاته ولا إلى غيره لأنه تعالى ليس موصوفا بالحسن ~~والجودة ولا يجوز أن يراد به ما أريد بأنه وجه الرأي أنه صوابه لأنه ms026 لا ~~يعبر بذات الله عن الصدق في الخبر والصحة في الرأي فإذا بطلت هذه الأقسام ~~وجب أن تحمل على إثبات صفة هي الوجه التي يستحقها الحي PageV01P036 # قالوا إذا حملتم الأمر على هذا الظاهر وبطل أن يراد بها إلا الوجه الذي ~~هو صفة يستحقها الحي فالوجه الذي يستحقه الحي وجه هو عضو وجارحة يشتمل على ~~كمية تدل على الجزئية وصورة تثبت الكيفية فإن كان ظاهر الأوصاف عندكم إثبات ~~صفة تفارق في الماهية وتقارب فيما يستحق بمثله الاشتراك في الوصف فهذا هو ~~التشبيه بعينه وقد ثبت بالدليل الجلي إبطال قول المجسمة والمشبهة وما يؤدي ~~إلى مثل قولهم فهو باطل # قلنا الظاهر ما كان متلقى في اللفظ على طريق المقتضى وذلك مما يتداوله ~~أهل الخطاب بينهم حتى ينصرف مطلقه عند الخطاب إلى ذلك عند من له أدنى ذوق ~~ومعرفة بالخطاب العربي واللغة العربية وهذا كما نقول في ألفاظ الجموع ~~وأمثالهم إن ظاهر اللفظ يقتضي العموم والاستغراق وكما نقوله في الأمر إن ~~ظاهره الاستدعاء من الأعلى للأدنى يقتضي الوجوب إلى أمثال ذلك مما يرجع فيه ~~إلى الظاهر في المتعارف فإذا ثبت هذا فلا شك ولا مرية على ما بينا أن ~~الظاهر في إثبات صفة هو إذا أضيف إلى مكان أريد به الحقيقة أو أريد بها ~~المجاز فإنه لا ينصرف إلى وهم السامع أن المراد بها جميع الذات التي هي ~~مقولة عليها وهذا مما لا نزاع فيه # والمقصود بهذا إبطال التأويل الذي يدعيه الخصم فإذا ثبت هذا وجب أن يكون ~~صفة خاصة بمعنى لا يجوز أن يعبر بها عن الذات ولا وضعت لها إلا على سبيل ~~الحقيقة ولا على سبيل المجاز # فأما قولهم إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحي ولم يعبر بها عن الذات ~~وجب أن تكون عضوا وجارحة ذات كمية وكيفية فهذا لا يلزم من جهة أن ما ذكروه ~~ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث لا من خصيصة صفة الوجه ~~PageV01P037 ولكن من جهة نسبة الوجوه إلى جملة الذات فيما يثبت ms027 للذات من ~~الماهية المركبة بكمياتها وكيفياتها وصورها وذلك أمر أدركناه بالحس من جملة ~~الذات فكانت الصفة مساوية للذات في موضعها بطريق أنها منها ومنتسبة إليها ~~نسبة الجزء إلى الكل فأما الوجه المضاف إلى الباري تعالى فإنا ننسبه إليه ~~في نفسه نسبة الذات إليه وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم ~~مركب من جملة الكمية وتتسلط عليه الكيفية ولا يعلم له ماهية فالظاهر في ~~صفته التي هي الوجه أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية ولا يوقف لها على ~~كيفية ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية لأن هذه إنما هي صفات الجواهر ~~المركبة أجساما والله يتنزه عن ذلك ولو جاز لقائل أن يقول ذلك في السمع ~~والوجه والبصر وأمثال ذلك في صفات الذات لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها ~~إلى ما سواها بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات لكان في الحياة والعلم ~~والقدرة أيضا كذلك فإن العلم في الشاهد عرض قائم يقدر نفيه بطريق ضرورة أو ~~اكتساب وذلك غير لازم مثله في حق الباري لأنه مخالف للشاهد في الذاتية غير ~~مشارك في إثبات ماهية ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية وهذا الكلام واضح ~~جلي # وأما قولهم إن أردتم إثبات صفة تقارب الشاهد فيما يستحق مثله الاشتراك في ~~الوصف فهذا هو التشبيه بعينه # فنقول لهم المقاربة تقع على وجهين أحدهما مقاربة في الاستحقاق لسبب موجبه ~~التمام والكمال وتنفي النقص الثاني مقاربة في الاستحقاق لسبب تقتضيه الحاجة ~~ويوجبه الحس ومحال أن يراد به الثاني لأن الله تعالى قد ثبت أنه غني ~~PageV01P038 غير محتاج ولا يوصف بأنه يحتاج إلى الإحساس لما في ذلك من ~~النقص فيبقى الأول وصار هذا كإثبات الصفات الموجبة للكمال ودفع النقص # وأما قولهم إن ذلك يوجب إثبات الجوارح والأعضاء فليس بصحيح من جهة أنه ~~يكتسب بها ما لو لا ثبوتها له لعدم الاكتساب مع كونه محتاجا إليه ولهذا ~~سميت الحيوانات المصيودة كسباع الطير والبهائم جوارح لأنها تكتسب الصيود ~~والباري مستغن عن الاكتساب فلا يتصور استحقاقه ms028 لتسميته جارحة مع عدم السبب ~~الموجب للتسمية فأما تسمية الأعضاء فإنها تثبت في حق الحيوان المحدث لما ~~تعينت له من الصفات الزائدة على تسمية الذات لأن العضو عبارة عن الجزء ~~ولهذا نقول عضيته أي جزيته وقسمته ومنه قوله تعالى @QB@ الذين جعلوا القرآن ~~عضين @QE@ أي قسموه فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه فإذا كان العضو إنما هو ~~مأخوذ من هذا فالباري تعالى ليس بذي أجزاء يدخلها الجمع وتقبل التفرقة ~~والتجزئة فامتنع أن يستحق ما يسمى عضوا فإذا ارتفع هذا بقي أنه تعالى ذاته ~~لا تشبه الذوات مستحقة للصفات المناسبة لها في جميع ما تستحقه فإذا ورد ~~القرآن وصحيح السنة في حقه بوصف تلقي في التسمية بالقبول ووجب إثباته له ~~مثل ما يستحقه ولا يعدل به عن حقيقة الوصف إذ ذاته تعالى قابلة للصفات وهذا ~~واضح بين لمن تأمله # فهذا لفظه ولفظ أمثاله من المصنفين على هذا الوجه # وقال أيضا بعد ذلك $ فصل # وقد وصف الباري نفسه في القرآن باليدين بقوله تعالى @QB@ لما خلقت بيدي ~~@QE@ 3876 وقال تعالى @QB@ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا ~~بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء @QE@ PageV01P039 قال وهذه الآية ~~تقتضي إثبات صفتين ذاتيتين سميان يدين قال وذهب المعتزلة وطائفة من ~~الأشعرية إلى أن المراد باليدين النعتين وذهبت طائفة إلى أن المراد باليدين ~~ها هنا القدرة قال والدلالة على كونهما ذاتيتين تزيدان على النعمة وعلى ~~القدرة أنا نقول القرآن نزل بلغة العرب واليد المطلقة في لغة العرب وفي ~~معارفهم وعاداتهم المراد بها إثبات صفة ذاتية للموصوف لها خصائص فيما يقصد ~~به وهي حقيقة في ذلك كما ثبت في معارفهم الصفة التي هي القدرة والصفة التي ~~هي العلم كذلك سائر الصفات من الوجه والسمع والبصر والحياة وغير ذلك وهذا ~~هو الأصل في هذه الصفة وأنهم لا ينتقلون عن هذه الحقيقة إلى غيرها مما يقال ~~على سبيل المجاز إلا بقرينة تدل على ذلك فأما مع الإطلاق فلا ولهذا يقولون ~~لفلان عندي يد فيراد بذلك ما يصل من الإحسان بواسطة ms029 اليد وإنما فهم ذلك ~~بإضافة اليد إلى قوله عندي ويقول ذلك وبينهما من البعد والحوائل ما لو أراد ~~اليد الحقيقية لكان كاذبا ولهذا لو كان بحيث أن يكون عنده يده الحقيقية وهو ~~أن يكونا متماسين في الاجتماع ويحيط بها ثوب أو على صفة يمكن إدخال يده إلى ~~باطن ثوبه فقال حينئذ لفلان عندي يد لا يصرف القول فيه إلى يد الحقيقة لأن ~~شاهد الحال قد قطع عمل القرينة والإطلاق في التعارف أكثر من شاهد الحال في ~~القرب من جهة أنه يجوز أن يتجوز به للقرينة لكن على من شاهد الحال لاغية ~~بما لا طلاقه ذلك أحق وأولى وكذلك القول في التعبير باليد عن القدرة إنما ~~يثبت ذلك بقرينة وهو أن يقول لفلان علي يد فقوله علي قرينة تدل على أن ~~المراد باليد القدرة وهي أيضا مع شاهد الحال لاغية على ما قدمنا في النعمة ~~وهذا جلي واضح # ودليل آخر وهو إنا إذا تأملنا المراد بقوله تعالى @QB@ ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدي @QE@ 3876 امتنع فيه أن يكون المراد به النعمة والقدرة وذلك ~~أن الله PageV01P040 تعالى أراد تفضيل آدم على إبليس حيث افتخر عليه إبليس ~~بجنسه الذي هو النار وأنه بذلك أعلى من التراب والطين فرد الله عليه ~~افتخاره وأثبت لآدم من المزية والاختصاص ما لم يثبت مثله لإبليس بقوله ~~تعالى @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ وفي ذلك ما يدل على أن المراد فيها الصفة ~~التي ذكرنا من وجهين # أحدهما أن إبليس عند الخصم بما خلق به آدم من القدرة والنعمة فلولا أن ~~آدم خالف إبليس في ذلك لما كان فيه إثبات فضيلة وهذا كلام صدر على سبيل ~~الحاجة في إثبات الفضل فلو تساويا في السبب لما ثبتت الحجة لله تعالى على ~~إبليس في ذلك وذلك مما لا يخفى عليه فكان يسعه أن يقول وأنا فقد خلقتني بما ~~خلقت به آدم فأي فضيلة له علي بما ذكرته وما يؤدى إلى تعجيز الله عن حجته ~~وإزالة المميز بين الشيئين فيما قصد التمييز به ms030 بالمخالفة بينهما قول باطل ~~ومحال # والثاني أنه أضاف الخلق وهو فعل يده سبحانه والفعل متى أضيف إلى اليد ~~فإنه لا يقتضي إضافة إلا إلى ما يختص بالفعل وليس إلا اليد التي ذكرنا وهذا ~~جلي واضح # ودليل آخر نقول لا شك أن الرجوع في الكلام الوارد عن الحقيقة والظاهر ~~المعهود إلى المجاز إنما يكون بأحد ثلاثة أشياء # أحدها أن يعترض على الحقيقة مانع يمنع من إجرائها على ظاهر الخطاب # الثاني أن تكون القرينة لها تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها # والثالث أن يكون المحل الذي أضيفت إليه الحقيقة أو المعنى الذي أضيفت ~~إليه الحقيقة لا يصلح لها فينتقل عنها إلى مجازها PageV01P041 # فإن قالوا إن إثبات اليد الحقيقة التي هي صفة لله تعالى ممتنع لعارض يمنع ~~فليس بصحيح من جهة أن الباري تعالى ذات قابلة للصفات المساوية لها في ~~الإثبات فإن الباري تعالى في نفسه ذات ليست بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا ~~ماهية له تعرف وتدرك وتثبت في شاهد العقل ولا ورد ذكرها في نقل وإذا ارتفع ~~عنه إثبات الماهية وإذا كان الكل مرتفعا والمثل بذلك ممتنعا فالنفار من ~~قولنا يد مع هذه الحال كالنفار من قولنا ذات ومهما دفعوا به إثبات ذات مما ~~وصفنا فهو سبيل إلى دفع يد لأنه لا فرق عندنا بينهما في الإثبات وإن عجزوا ~~عن ذلك لثبوت الدليل القاطع للإقرار بالذات على ما هي عليه مما ذكرنا فذاك ~~هو الطريق إلى تعجيزهم عن نفي يد هي صفة تناسب الذات فيما ثبت لها من ذلك ~~وهذا ظاهر لازم لا محيد عنه # وإن قالوا من جهة أنه اقترن بها قرينة تدل على صلاحية نقلها عن حقيقتها ~~إلى مجازها فذلك محال من جهات # أحدها أنا قد بينا أن إضافة الفعل إلى اليد على الإطلاق لا يكون إلا ~~والمراد به يد الصفة وهذا توكيد لإثبات الصفة الحقيقية ومحال أن يجتمع مؤكد ~~للحقيقة مع قرينة ناقلة عن الحقيقة # والثانية أن القرائن قد ذكرناها وهو أنه أريد باليد النعمة قال لفلان ~~عندي ms031 يد فعندي قرينة تدل على النعمة وإذا أريد بها القدرة قال لفلان علي يد ~~فعلي هي القرينة الدالة على القدرة وكلاهما معدومان ها هنا # والثالث أن الخصم يدعي أن الداعي إلى ذلك ما يقتضيه الشاهد من إثبات ~~العضو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية الداخل على جميع ذلك ~~فحصل مثل وشبيه وقد بينا أن ذلك محال في حقه لأن نسبة اليد إليه تعالى ~~PageV01P042 كنسبة الذات إليه على ما تقرر فإذا ارتفع هذا بطل السبب ~~المعارض للحقيقة النافي لإثباتها والموجب لإبدالها بالمجاز # وإن قالوا إن المحل الذي أضيفت إليه اليد وهو ذات الباري لا يصلح لإثبات ~~اليد الحقيقة فهذا محال من جهة أنا قد اتفقنا على أن ذات الباري تقبل إضافة ~~الصفات الذاتية على سبيل الحقيقة كالوجود والذات والعلم والقدرة والإرادة ~~وغير ذلك من صفات الإثبات على ما قدمناه # وإن قالوا إن المعنى الذي أضيف إلى الصفة لا يصلح إضافة اليد الحقيقية ~~إليه من جهة أن آدم كان جسما وإضافة الفعل باليد إليه يقتضي إثبات المماسة ~~باليد الفاعلة وذلك محال من جهة أن يد الباري وذاته لا تقبل المماسة ~~للأجسام وهذا قول باطل من جهة أنا إذا أثبتنا اليد التي هي صفة لله تعالى ~~على مثل ما وصفنا انتفت المماسة والفعل مضاف إليها نطقا ونصا ثابتا بطريق ~~مقطوع عليه فنفينا ما نفاه الإجماع وأثبتنا ما أثبته النص والنطق وجرى ذلك ~~مجرى الذات قولا واحدا في الحكم # والثاني أن هذا إنما يلزم إذا كان الفعل وكل الأحوال لا بد له من المماسة ~~وقد وجدنا فعلا يؤثر وجوده في محل من محل آخر ولا مماسة بينهما مع تساويهما ~~في الجسمية وذلك كما تراه من حجر المغناطيس فإنه يؤثر في حركة الحديد ~~وانتقاله عن محله من غير مماسة تقع بين الفاعل والمفعول والعلة في ذلك قد ~~تكون بين الفاعل والمفعول وتستغني بذلك عن المماسة ومثل هذا ظاهر لاخفاء به ~~فلما ثبت أنه لا سبيل إلى إثبات المماسة أثبتنا الفعل للنص عليه واستغنينا ~~عن المماسة بواسطة ms032 PageV01P043 # قالوا الأصل في اليد الفاعلة أن تكون جارحة عند التعارف والإطلاق ~~فانتقلنا عن ذلك إلى تأويلها في حق آدمي بما يصلح وهو النعمة واليد في ~~اللغة تقال ويراد بها النعمة والمنة ولهذا يقال له عندي يد وله عندي أيادي ~~والله تعالى له في خلق آدم عليه السلام نعمتان دين ودنيا فاقتضى ذلك ~~تأويلها على ما ذكرناه # قلنا قد أبطلنا وجه الحاجة إلى التأويل أو الوجه الموجب اعتراض سبب مانع ~~من إثبات الكلام على أصله وحقيقته وما يبدر إليه الفهم والتعارف في عادات ~~أهل الخطاب ولم يوجد ذلك ها هنا ولأنه لو أراد باليد النعمة لقال لما خلقت ~~يدي لما خلقته بنعمة فإن نعمة الدين والدنيا خلق لها # ومما يحقق هذا أن الخلق بنعم الدين لا يصلح لأن نعم الدين الإيمان ~~والتعبد والطاعة وكل ذلك عندهم مخلوق والمخلوق لا يخلق به وكذلك نعم الدنيا ~~هي اللذات من الشهوات وهذه كلها مخلوقة وبعضها أعراض وهذا بطريق القطع لا ~~يجوز أن يخلق به فكان هذا التأويل من هذا الوجه الباطل # قالوا إنما أضاف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفا وتعظيما على إبليس ومجرد ~~النسبة في ذلك كاف في التشريف ولهذا قال في ناقة صالح @QB@ ناقة الله @QE@ ~~ويقال في مكة بيت الله فجعل هذا التخصيص تشريفا وإن كان ذلك لا يمنع من ~~تساوي أنها كلها لله وكذلك البيوت ومثله ها هنا # قلنا التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة اقتضى مجرد التشريف ~~فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة أوجب ذلك إثبات الصفة التي لولاها ما تمت ~~النسبة فإن قولنا خلق الله الخلق بقدرته لما نسب الفعل إلى PageV01P044 ~~تعلقه بصفة الله اقتضى ذلك إثبات إحاطة بصفة هي القدرة ولا يكون مجرد ~~النسبة واجب منها الصفة فكذلك ها هنا لما كان ذكر التخصيص مضافا إلى صفة ~~وجب إثبات تلك الصفة وهذا لا شك فيه ولا مرية وبهذا يبعد عما ذكروه # قال وأما قوله @QB@ بيدي @QE@ قدرتي لأن اليد في اللغة عبارة عن القدرة ~~ولهذا أنشد في ms033 ذلك % فسلمت ومالي بالأمور يدان % $ # ويحقق هذا ويوضحه أن الخلق من جهة الله إنما هو مضاف إلى قدرته لا إلى ~~يده ولهذا يستقل في إيجاد الخلق بقدرته ويستغني عن يد وآلة يفعل بها مع ~~قدرته # قلنا قد بينا هذا فيما مضى وأبطلنا وجه الحاجة إلى التأويل به إذ الحاجة ~~مرتفعة ولأن قدرة الله واحدة لا تدخلها التثنية والجمع وإذا امتنعت التثنية ~~منها وضعا امتنع عنها ذلك لفظا # قالوا قد يرد لفظ التثنية والجمع والمراد به الواحد ولهذا العالم اسم ~~توحيد والمراد به الجمع وقال تعالى @QB@ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد @QE@ ~~50 24 والمراد به ألق ومثله ها هنا # قلنا إثبات القدرة واحد لله أصل ثبت بالأخبار والنقل وهو مما يعتري القصر ~~والتخصيص فيه وحمل اليد عليه يقتضي إدخال الشك في أصل عظيم يكفر مخالف الحق ~~فيه فكان مراعات هذا الأصل بحراسته عن مقام شك أولى من إدخال التأويل ها ~~هنا وهذا يكفي في الإعراض عن مثل هذا التأويل # وأما قولهم العالم اسم جمع توحيد فليس كذلك بل العالم اسم لا واحد له من ~~لفظه يقع على الواحد PageV01P045 # قال وأما قوله @QB@ ألقيا في جهنم @QE@ فإن ما احتجنا فيه إلى الانتقال ~~عن لفظه لما ثبت أن المأمور واحد فصار قوله ألقيا بمعنى ألق ألق وقد بيناها ~~هنا امتناع التأويل وإبطال سببه إن القائلين بهذه التأويلات يجوزون أن يكون ~~المراد بالانتقال وإنما دخلوا فيها على سبيل الظن ومحال نفي صفة لله تعالى ~~بطريق هو على هذه الصفة # ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات أربعة أصناف # صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقا كما هي طريق ~~الكلابية والأشعرية وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره وهو قول طوائف من ~~الحنبلية والمالكية والشافعية والحنفية كأبي الحسن التميمي وابنه أبي الفضل ~~ورزق الله التميمي والشريف أبي علي ابن أبي موسى والقاضي أبي يعلى والشريف ~~أبي جعفر وأبي الوفاء ابن عقيل وأبي الجسن ابن الزاغوني لا حصى كثرة يصرحون ~~بإثبات هذه الصفات وينفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزئ ms034 والانقسام ونحو ~~ذلك وأول من عرف أنه قال هذا القول هو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب ثم ~~اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله # وصنف يثبتون هذه الصفات ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك ~~من الألفاظ المبتدعة لا بنفي ولا إثبات لكن ينزهون الله عما تزه عنه نفسه ~~ويقولون إنه @QB@ أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ~~PageV01P046 ويقول من يقول منهم مأثور عن ابن عباس وغيره أنه لا يتبعض ~~فينفصل بعضه عن بعض وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزيه بمعنى ~~انفصال شيء منه عن شيء وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها وعليه ~~أئمة الفقهاء وأئمة أهل الحديث وأئمة الصوفية وأهل الاتباع المحض من ~~الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة ولا يطلقون على الله ~~نفيا وإثباتا إلا ما جاء به الأثر وما كان في معناه # وصنف ثالث يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها ويقولون هو جسم ~~لا كالأجسام ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم وهذا قول طوائف ~~من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين # وصنف رابع يصفونه مع كونه جسما بما يوصف به غيره من الأجسام فهذا قول ~~المشبهة الممثلة وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم # فلفظ الجسم لم يتكلم به أحد من الأئمة والسلف في حق الله لا نفيا ولا ~~إثباتا ولا ذموا أحدا ولا مدحوه بهذا الاسم ولا ذموا مذهبا ولا مدحوه بهذا ~~الاسم وإنما تواتر عنهم ذم الجهمية الذين ينفون هذه الصفات وذم طوائف منهم ~~كالمشبهة وبينوا مرادهم بالمشبهة # وأما لفظ الجزء فما علمت أنه روي عن أحد من السلف نفيا ولا إثباتا ولا ~~أنه أطلقه على الله أحد من الحنبلية ونحوهم في الإثبات كما لا أعلم أن أحدا ~~منهم أطلق عليه لفظ الجسم في الإثبات وإن كان أهل الإثبات لهذه الصفات منهم ~~ومن غيرهم من يثبت المعاني التي يسميها منازعوهم تجسيما وتجزئة وتبعيضا ~~وتركيبا وتأليفا ويذكرون عنهم أنهم مجسمة ms035 بهذا الاعتبار لإثباتهم الصفات ~~التي هي أجسام في اصطلاح المنازع PageV01P047 # وأما لفظ البعض فقد روي فيه أثر يطلقه بعض الحنبلية وينكره بعضهم ومع هذا ~~ففي الحنبلية طوائف تنكر ثبوت هذه الصفات الخبرية في الباطن كما ينكرها ~~غيرهم ثم منهم من يتأولها إما إيجابا لتأويلها وإما تجويزا لتأويلها كما ~~يفعل ذلك متأولو النفاة من مستأخري الأشعرية ونحوهم ومن ينفي مدلولها ويفوض ~~معناها كما يفعل ذلك طوائف من هؤلاء وغيرهم ويسموا ذلك طريقة السلف كما فعل ~~ذلك المؤسس وغيره وفيهم وفي غيرهم طوائف لا تحكم فيها بنفي ولا إثبات بل ~~تطلق ألفاظ النصوص الواردة بها وتقف عن إثبات هذه المعاني ونفيها إما شكا ~~وإما إعراضا عن الفكر في ذلك وقد بينا مقالات الناس منهم ومن غيرهم في هذا ~~الموضع # والمقصود بهذا الكتاب الكلام على ما ذكره من حجج فريقي النفاة والمثبتة ~~وقد رووا بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين في الصمد الذي لا جوف له ~~ولفظ بعضهم لا يخرج منه شيء كما روى ابن أبي عاصم والطبراني عن عكرمة من ~~وجوه أنه قال الصمد الذي لا جوف له ومن رواية ابن أبي شيبة عن غندر عن شعبة ~~عطاء عن ميسرة قال الصمت وقال مجاهد هو المصمت الذي لا جوف له وعكرمة قال ~~الذي لا يخرج منه شيء ورواه الطبراني أيضا من حديث عبدالله بن إدريس عن ~~شعبة وروى الطبراني قال حدثنا زكريا حدثنا القاضي حدثنا أحمد بن إسحاق ~~الأهوازي حدثنا أحمد الدينوري حدثنا الحكم بن ظهير عن معمر عن أبي بن كعب ~~قال الصمد الذي لم يخرج منه شيء ولم يخرج من شيء الذي لم يلد ولم يولد وذكر ~~عن عطاء وعن PageV01P048 الحسن وقتادة قالا بعد فناء خلقه وفي رواية أنه ~~قال الحسن الدائم مع أن الحسن قال أيضا كما قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ~~وعطية والضحاك والسدي وغير هؤلاء ورووه عن ليس بأجوف وقال الشعبي هو الذي ~~لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب وقال أبو صالح الذي ليس له أمعاء وروى ms036 ~~الطبراني عن أبي مسعود قال الصمد الذي ليس له أحشاء وعنه أيضا أنه السيد ~~الذي انتهى سؤدده وهذا قول أبي وائل وهو من تفسير الوالبي عن ابن عباس وقد ~~بسطنا هذا في غير هذا الموضع # وهذه الصفة تستلزم امتناع التفرق عليه وأن يخرج منه شيء إذ ذلك ينافي ~~الصمدية وهو ما احتج به في أنه جسم مصمت وقد ذكره المؤسس في حجج منازعيه ~~وأجاب عنه وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله وقد قال أبو القاسم لما روى ~~عبارات الصمد قال وهذه الصفات كلها صفات ربنا جل جلاله ليس يخال شيء منها ~~يعني في هو المصمت الذي لا جوف له وهو الذي لا يأكل الطعام وهو الباقي بعد ~~فناء خلقه # الوجه الثامن عشر إن قولك عن الحنابلة وغيرهم أنهم التزموا الأجزاء ~~والأبعاض أو ما هو في معناه اصطلاح المتكلمين أو بعضهم # أما الأول فإن لفظ الأجزاء والأبعاض إذا أريد به أنه يتجزأ أو يتبعض ~~التبعيض والتجزئ المعروف بمعنى وقوع ذلك كما تتجزى أو تتبعض الثياب واللحم ~~وغيرها كأبدان الحيوان وكما يتجزأ أو يتبعض الحيوان والثمار والخشب والورق ~~ونحو ذلك وكما يتجزئ ويتبعض الحيوان بخروج المني وغيره من العضلات منه ومن ~~ذلك يولد شبهه منه بانفصال جزء منه كمني الرجل ومني PageV01P049 المرأة ~~ودمها فهذا يمتنع باتفاق المسلمين ولم يقل أحد من الحنابلة بل ولا حد من ~~المسلمين فيما علمناه أنه يتجزئ ويتبعض بهذا المعنى وكذلك لم يقولوا إنه ~~يمكن تجزئه وتبعضه كما يمكن تبعيض الجبال ونسفها وكما يمكن انشقاق السماء ~~وانفطارها عند المسلمين وغيرهم ممن يؤمن بالقيامة الكبرى وإن كان ذلك غير ~~ممكن عند من أنكر ذلك من المشركين والصابئين من الفلاسفة وغيرهم فالأجسام ~~المخلوقة يقدر الله على أن يجزيها ويبعضها فيفرقها ويمزقها وهي في العادة ~~ثلاثة أقسام أحدها الأجسام اللينة الرطبة التي تقبل التجزئة بسهولة والثاني ~~الأجسام اليابسة الصلبة التي تقبل التجزئ بقوة والثالث ما لم تجر العادة ~~بتجزيه ولكن يعلم قبوله للتجزي ولم يقل أحد من المسلمين أن الخالق ms037 سبحانه ~~يمكن أن يتفرق وينفصل بعضه من بعض بل هو أحد صمد # والذين قالوا إنه جسم نوعان # أحدهما وهو قول علمائهم أنه جسم لا كالأجسام كما يقال ذات لا كالذوات ~~وموصوف لا كالموصوفات وقائم بنفسه لا كالقائمات وشيء لا كالأشياء فهؤلاء ~~يقولون هو في حقيقته ليس مماثلا بوجه من الوجوه لكن هذا إثبات أن له قدرا ~~يتميز به كما إذا قلنا موصوف فهو إثبات حقيقة يتميز بها وهذا من لوازم كل ~~موجود ولهذا يقولون نعني بأنه جسم أنه قائم بنفسه ونحو ذلك مع قولهم إنه ذو ~~الأبعاد الثلاثة لأنهم يقولون لا يعقل موجود إلا هكذا ويقولون إن المشركين ~~وأهل الكتاب لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ربك الذي تعبد هو ~~من ذهب هو من فضة هو من كذا فأنزل الله هذه السورة تنزيها إنه ليس من جنس ~~شيء من الأجسام ولا من جنس شيء من الذوات ولا من جنس شيء من الموصوفات ~~والأجسام هي الذوات وهي الموصوفات وهؤلاء يقولون إن حقيقته مخالفة سائر ~~الحقائق فيمتنع عليه أن يجوز عليه ما يجوز عليها من عدم أو فناء أو تفرق أو ~~تبعيض ونحو ذلك PageV01P050 # وأما النوع الثاني وهم الغالية الذين يحكى عنهم أنهم قالوا هو لحم وعظم ~~ونحو ذلك فهؤلاء وإن كان قولهم فاسدا ظاهر الفساد إذ لو كان لحما وعظما كما ~~يعقل لجاز عليه ما يجوز على اللحوم والعظام وهذا من تحصيل التمثيل الذي ~~نفاه الله عن نفسه فإنه سبحانه وتعالى إذ قال @QB@ ولم يكن له كفوا أحد ~~@QE@ 1124 وقال إنه @QB@ أحد @QE@ وقال إنه @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ 4511 ~~فإنه قد دخل في ذلك ما هو أيضا معلوم بالعقل وهو أنه لا يكون من جنس شيء أو ~~بما يقتضي أنه يجوز الإشارة إلى شيء دون شيء من الأشياء وإن كان هو أكبر ~~مقدارا من ذلك الشيء فإن القدر الصغير من ذهب أو فضة أو نحاس هو من جنس ~~المقدار الكبير وهذا بعينه هو الذي نزه الله نفسه عنه في هذه ms038 السورة وهو ~~الذي سأل عنه من سأل من المشركين لما قالوا هو من ذهب هو من فضة ونحو ذلك # فمن قال بالتشبيه المتضمن هذا التجسيم فإنه يجعله من جنس غيره من الأجسام ~~لكنه أكبر مقدارا وهذا باطل ظاهر البطلان شرعا وعقلا وهؤلاء هم المشبهة ~~الذين ذمهم السلف وقالوا المشبه الذي يقول بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي ~~فإن هذا التشبيه هو في الجنس وإن كان المشبه أكبر مقدارا من المشبه به إذ ~~لا يقول أحد إلا أنه أكبر ومع ظهور بطلان قول هؤلاء لم ينقل عنهم أنهم ~~جوزوا عليه التبعيض والتفرق لكن هذا لازم قولهم فإنهم متى جعلوه من جنس ~~غيره جاز عليه ما يجوز على ذلك الغير إذ هذا حكم المتجانسين المتماسكين فهم ~~إن أجازوا عليه من التبعي والتفرق ما يجوز على مثله لزمهم القول بجواز ~~تبعيضه وتفرقه بل بجواز فنائه وعدمه وإن لم يجوزوا ذلك كانوا متناقضين ~~وقائلين مالا حقيقة له فإنهم يقولون هو من جنسه وما هو من جنسه PageV01P051 # وأما إن أراد بلفظ الأجزاء الأجزاء والأبعاض ما يريده المتكلمون بلفظ ~~الجسم والتركيب وهو الذي أراده فإن الجسم كل جسم عندهم له أبعاض وأجزاء إما ~~بالفعل على قول من يثبت الجوهر الفرد وإما بالإمكان على قول من ينفيه فيقال ~~له هذا المعنى هو كما يريده الفلاسفة والمعتزلة بلفظ الأجزاء الصفات ~~القائمة به ويقولون ليس فيه أجزاء حد ولا أجزاءكم وعندهم أن الأنواع مركبة ~~من الجنس وهو جزؤها العام والفصل وهو جزؤها الخاص فإن أردت هذا المعنى فلا ~~ريب أن الحنابلة هم من مثبتة الصفات وهم متفقون على أن له علما قدرة وحياة ~~فهذا النزاع الموجود فيهم هو موجود في سائر الصفاتية # وأما وصفه بالحد والنهاية الذي تقول أنت أنه معنى الجسم فهم فيه كسائر ~~أهل الإثبات على ثلاثة أقوال منهم من يثبت ذلك كما هو المنقول عن السلف ~~والأئمة ومنهم من نفى ذلك ومنهم من لا يتعرض له بنفي ولا إثبات ونفاة ذلك ~~منهم يثبتون له مع ذلك ms039 الصفات الخبرية لكن لا اختصاص للحنابلة بذلك كما ~~تقدم بعضه وكما سيأتي حكاية مذاهب الأئمة والأمة في ذلك ومنهم طائفة لا ~~تثبت الصفات الخبرية # الوجه التاسع عشر أن هذا القول الذي حكيته عن الحنابلة مع أنك لم تؤد ~~الأمانة في نقله بل نقلته بلفظ لا يطلقونه بحيث يفهم المستمع معان لم ~~يقصدوها ويوجب أن يعتقد في مذهب القوم ما لا يعتقدونه لم تذكر عنهم تناقضا ~~فيه كما ذكرته عن الكرامية ولا ذكرت أنهم خالفوا لا المحسوس ولا المعقول ~~كما ذكرته عن الكرامية ولا ذكرت أنهم أثبتوا شيئا يعلم بالحس أو بالعقل ~~بطلانه كما ذكرته عن الكرامية ولا وصفت به قولك من مخالفة البديهة العقلية ~~وهذا الذي ذكرته هو الواقع فإن أحدا من العقلاء لم نعلمه ادعى أن فساد هذا ~~القول PageV01P052 معلوم بالضرورة العقلية كما يقولونه في قولك والقول الذي ~~ذكرته عن الكرامية بل غايتهم أن يدعوا أنه معلوم الفساد بدقيق النظر ثم كل ~~طائفة يثبتون فساد الطريق التي نفت بها الأخرى ذلك وهذا يبين أنه ليس عند ~~العقلاء في ذلك دليل يبقى عليه بل ذكرت أنهم مع هذا الإثبات يقولون بأن ذات ~~الباري لا تماثل الذوات وهذا حق لا ريب فيه # فما ذكرته هو تقرير لهذا لاقول ومدح له وليس فيه ما يكون إلزاما لك عليهم ~~ولا ما يقتضي تناقضا فيه فإن إثبات موجود ليس مماثلا لغيره من الموجودات لا ~~يخالف حسا ولا عقلا وهذا هو الذي تقدم ذكرنا له أن قوله لا بد من الاعتراف ~~بوجود موجود على خلاف الحس والخيال أنه إذا أراد بذلك أنه لا يماثل ~~المحسوسات فلا فرق في ذلك بين المحسوسات والمعقولات وغيرها فإنه لا يماثل ~~شيئا من الأشياء المخلوقة بوجه من الوجوه سواء سميت حسيات أو متخيلات أو ~~عقليات أو سميت جسمانيات أو روحانيات فإذن ما تثبته من نفي المماثلة لا يدل ~~على ما قصدته من إثبات شيء على خلاف حكم الحس والخيال دون حكم العقل أو نفي ~~التماثل لا فرق بين المدركات بجميع ms040 أنواع الإدراكات # وقد ذكرنا فيما تقدم أن نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق مما علم بالشرع ~~والعقل وذلك لا يقتضي إثبات ما يعلم بالبديهة انتفاؤه أو إثبات موجود لا ~~داخل العالم ولا خارجه فهو أيضا يقتضي انتفاء مماثلة الخالق للمخلوق كما ~~بيناه فيما تقدم إذ التماثل يقتضي أن يجوز ويجب ويمتنع لكل منهما ما يجوز ~~ويجب ويمتنع للآخر فيلزم أن يكون الشيء الواحد خالقا مخلوقا قديما محدثا ~~موجودا معدوما واجبا ممكنا قادرا عاجزا عالما جاهلا غنيا فقيرا حيا ميتا ~~ولهذا كان مذهب السلف قاطبة يثبتون هذه الصفات الخبرية وينفون التمثيل ~~وكانوا ينكرون على المشبهة الذين PageV01P053 يمثلون الله بخلقه وهم على ~~الجهمية الذين ينكرون أعظم نكيرا وأشد تضليلا وتكفيرا وكلامهم في ذلك أكثر ~~وأكبر # وأما لفظ الجسم والجوهر والمتحيز والمركب والمنقسم فلا يوجد له ذكر في ~~كلام أحد من السلف كما لا يوجد له ذكر في الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات ~~إلا بالإنكار على الخائضين في ذلك من النفاة الذين نفوا ما جاءت به النصوص ~~والمشبهة الذين ردوا ما نفته النصوص # كما ذكرنا أن أول من تكلم بالجسم نفيا وإثباتا هم طوائف من الشيعة ~~والمعتزلة وهم من أهل الكلام الذين كان السلف يطعنون عليهم وهم في مثل هذا ~~على المعتزلة أعظم إنكارا إذ المتشيعة لم يشتهر عن السلف الإنكار عليهم إلا ~~فيما هو من توابع التشيع مثل مسائل الإمامة التي انفردوا بها عن الأمة ~~وتوابعها بخلاف مسائل الصفات والقدر فإن طعنهم فيه على المعتزلة معروف ~~مشهور ظاهر عند الخاص والعام وقدماء الشيعة كانوا مخالفين للمعتزلة في ذلك ~~فأما متأخروهم من عهد بني بويه ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو ذلك ~~فإنهم صار فيهم من يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم والمعتزلة شيوخ هؤلاء ~~إلى ما يوجد في كلام ابن النعمان المفيد وصاحبه أبي جعفر الطوسي والملقب ~~بالمرتضى PageV01P054 ونحوهم هو من كلام المعتزلة وصار حينئذ في المعتزلة ~~من يميل إلى نوع من التشيع إما تسوية علي بالخليفتين وإما تفضيله عليهما ~~وإما بالطعن في ms041 عثمان وإن كانت المعتزلة لم تختلف في إمامة أبي بكر وعمر ~~وقدماء المعتزلة كعمرو بن عبيد وذويه كانوا منحرفين عن علي حتى كانوا ~~يقولون لو شهد هو وواحد من مقاتليه شهادة لم تقبلها لأنه قد فسق أحدهما لا ~~بعينه فهذا الذي عليه متأخرو الشيعة والمعتزلة خلاف ما عليه أئمة الطائفتين ~~وقدماؤهم # الوجه العشرون أنك ذكرت عن الحنابلة أنهم معترفون بأن ذاته تعالى مخالفة ~~لذوات هذه المحسوسات وهذا حق لكن تخصيصك هذه المحسوسات يشعر أن في الوجود ~~أو في العلم ما لا تكون ذات الله مخالفة له وليس كذلك هو سبحانه ليس كمثله ~~شيء فإن كان لفظ المحسوسات يعم سائر الموجودات فلا فرق بين قولك مخالفة ~~لذوات هذه المحسوسات وقولك مخالفة لذوات هذه الموجودات والمعلومات وإن لم ~~يكن عاما كانت هذه عبارة ردية وكان الواجب أن يقال مخالفة لذوات المحسوسات ~~وكما قيل إنه ليس من المحسوسات كما يقوله الفلاسفة في العقول والنفوس ~~الناطقة وكذلك لو قيل المخالف للجسمانيات والروحانيات على لغة العامة الذين ~~يفرقون بين مسمى الجسم والروح إذ الجسم عندهم أخص مما هو عند المتكلمين ~~ولهذا يفرقون بين الأجسام والأرواح وأما اصطلاح المتكلمين فلفظ الجسم عندهم ~~يعم هذا كله # وكذلك قولك لا يساوي هذه الذوات في قبول الاجتماع والافتراق والتغير ~~والفناء والصحة والمرض والحياة والموت كلام صحيح بل لا يساويها في شيء من ~~الأشياء في صفات كمالها وأما صفات النقص فلا يوصف بها بحال فهو سبحانه حي ~~قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم حي لا يموت لا يجوز عليه ضد العلم والقدرة ~~PageV01P055 والغنى وعير ذلك من صفات كماله بل هو القدوس السلام وصفات ~~الكمال العلم والقدرة والرحمة لا يساوي فيها شيء من صفاته شيء من صفات ~~مخلوقاته وهذا لفظ القاضي أبي يعلى في كتابه إبطال التأويلات لأخبار الصفات ~~مع جمعه فيه للأخبار الواردة في الصفات وإبطاله التأويلات التي ذكرها ابن ~~فورك وغيره مثل ما ذكره الرازي في تأسيس تقديسه # قال القاضي أبو يعلى لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل ms042 بتأويلها ~~والواجب حملها على ظاهرها وأنها صفات لله لا تشبه سائر الموصوفين بها من ~~الخلق ولا يعتقد التشبيه فيها لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة ~~وذكر كلام الزهري ومكحول ومالك والثوري ووكيع والأوزاعي والليث وحماد بن ~~زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة والفضيل ابن عياض وعبدالرحمن بن مهدي وأسود ~~بن سالم وإسحاق PageV01P056 ابن راهويه وأبي عبيد وقال في كلامه يدل على ~~إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها ولم ~~يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها ولو كان التأويل سائغا لكانوا إليه ~~أسبق لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة # الوجه الحادي والعشرون أن يقال ما ذكره أنه لو كانت ذاته مساوية لسائر ~~الذوات في هذه الصفات لزم افتقاره إلى خالق آخر ولزم التسلسل أو لزم القول ~~بأن الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق وذلك يلزم منه نفي الصانع فهذه ~~الحجة إن كانت في نفسها صحيحة تدل على نفي هذه النقائص فليست حجة على نفي ~~التمثيل والتشبيه فإن هذه النقائص يجب نفيها مطلقا وأما صفات الكمال فيجب ~~نفي التشبيه والتمثيل فيها فإن قوله لو كانت ذاته مساوية لسائر الذوات في ~~هذه الصفات فرض في الدليل من غير حاجة إليه وتخصيص موهم في هذه الصفات ~~لاستلزام ذلك وليس ناف فرض المساواة في غير هذه الصفات ولا يستلزم ذلك وليس ~~الأمر كذلك بل المساواة في أي صفة تستلزم المحال والجمع بين النقيضين وأما ~~هذه الصفات المذكورة فلا يحتاج تنزيهه عنها إلى أن ينفي مساواته لسائر ~~الذوات في ذلك بل هذه منتفية عنه مع قطع النظر عن التشبيه والتمثيل فإن ~~انتفاء الموت والمرض وغير ذلك عنه لم ينف لمجرد لزومه التشبيه والتمثيل ~~PageV01P057 # ولهذا لو قيل لو جازت عليه هذه الصفات للزم افتقاره إلى خالق آخر لأن هذه ~~مستلزمة للعدم وجواز العدم كان دليلا صحيحا من غير أن يقال لو كانت ذاته ~~مساوية لسائر الذوات في هذه الصفات وهذه الحجة مثل أن يقال لو كانت ذاته ~~مساوية للذوات ms043 الجاهلة والعاجزة في العجز والجهل امتنع خلق العالم منه ونحو ~~ذلك فذكر المساواة والمماثلة في مثل هذا الدليل غلط فاحش لأن هذه النقائص ~~إذا ضم إليها المقدمة التي يقف الدليل عليها يجب تنزهه عن قليلها وكثيرها ~~لوجوب اتصافه بأضدادها لما في ذلك من المماثلة لتلك الذوات بل تنزيهه عن ~~مساواة تلك الذوات يوهم أنه لا ينزه إلا عن المساواة فيها فقط وليس الأمر ~~كذلك # الوجه الثاني والعشرون أن يقال قولك فإنه تعالى لا يساوي هذه الذوات في ~~قبول الاجتماع والافتراق والتغير والفناء والصحة والمرض والحياة والموت ~~يقال لك هو لا يجوز عليه من هذه النقائص ولا ما يساوي فيه هذه الذوات ولا ~~ما يخالفها فيه بل هو منزه عن قليل ذلك وكثيره وعن كل ما يمكن للعقل أن ~~يقدره من هذه الأجناس وإن لم يكن مساويا للذوات في ذلك إذ مساواة الذوات لا ~~يكون إلا فيما يوجد فيها ولفظ مساواة الشيء للشيء يشعر بمماثلته فيه بحيث ~~يكونان سواء في ذلك فكل من هذين المعنيين لا يجوز تخصيص النفي به من غير ~~موجب وهو قد يريد بلفظ المساواة في ذلك مطلق الاشتراك في ذلك لكن العبارة ~~ملبسة وهو باستعمال مثل هذه العبارة في ذلك وقع خطأ كثير في المعاني كما ~~سنذكره في باقي مسألة تماثل الأجسام أو غيرها # وأيضا فهذه الأمور ممتنعة عليه بدون وجود هذه المحسوسات ومع قطع النظر عن ~~وجودها وإنما نفي ذلك معلوم من العلم بكونه قديما واجب الوجود PageV01P058 ~~بنفسه حيا قيوما فإن ما كان قيوما واجب الوجود بنفسه لم تكن ذاته قابلة ~~للعدم إذ الذات القابلة للعدم تقبل العدم والوجود فإن كانت ممكنة لا تقبل ~~الوجود إن كانت ممتنعة والممكن لذاته والممتنع لذاته لا يكون واجبا لذاته ~~وكذلك أيضا لو قبل التفرق والمرض ونحو ذلك من التغيرات والاستحالات التي هي ~~مقدمات للعدم والفناء وأسبابه لم يكن حيا قيوما صمدا واجب الوجود بنفسه لأن ~~هذه الأمور توجب زوال ما هو داخل في مسمى ذاته وعدم ذلك مما هو ms044 صفة له أو ~~جزء ولو زال ذلك لم تكن ذاته واجبة الوجود بل كان من ذاته ما ليس بواجب ~~الوجود ثم ذلك يقتضي أن لا يكون شيء منها واجب الوجود إذ لا فرق بين شيء ~~وشيء ولهذا كان تجويز هذا عليه يستلزم تجويز العدم عليه لأن ما جاز عليه ~~الاستحالات جاز عليه عدم صورته وفسادتها كما هو المعروف في الأجسام التي ~~يجوز عليها التفرق والاستحالة فهذا وأمثاله مما يعلم به تقديسه وتنزهه عن ~~هذه الأمور التي هي عدم ذاته أو عدم ما هو من ذاته ولهذا كان تنزهه عن ذلك ~~بينا في الفطرة معروفا في العقول للعلم بأنه حق واجب الوجود بنفسه يستحيل ~~عليه ما يناقض ذلك فتبين أن ما ذكره من المساواة وإن كان حقا فلم يذكره على ~~الوجه المحقق ولا ذكر دليله المقرر له بل ذكر شيئا يحتاج إليه مع ما فيه من ~~الإيهام # الوجه الثالث والعشرون أنه لو قال لو جازت عليه هذه الصفات لزم افتقاره ~~إلى خالق آخر أو لزم أن الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق لكان قد نبه ~~على دليل نفي هذه الأمور وإن كان لم يبينه ويقرره إذ تجويز هذه الأمور إنما ~~يستلزم الافتقار إلى الخالق وكون الإمكان أو الحدوث ليس محوج إلى الخالق ~~إذا تبين أن بهذه الأمور يجب أن يكون محدثا وممكنا وهو PageV01P059 لم يبين ~~ذلك فكيف وهو لم يقل ذلك بل علق هذا الانتفاء بمماثلته للممكنات فيه # الوجه الرابع والعشرون أنه لو بين أن هذه الأمور تستلزم الحدوث والإمكان ~~كان هذا وحده كافيا في تنزيه الرب عنها للعلم بأنه قديم واجب الوجود وأما ~~كون الممكن المحدث لا بد له من خالق وأن الحدوث والإمكان محوج إلى الخالق ~~فذاك يذكر لبيان ثبوت الخالق القديم واجب الوجود ولا يذكر لبيان تنزيهه عما ~~يستلزم عدمه فإن الكلام في تنزيهه عن ذلك إنما هو بعد أن يقرر العلم الخالق ~~القديم الواجب الوجود فإذا تقرر ذلك بين أنه لا يجوز عليه ما ينافي ذلك ~~لإفضائه ms045 إلى الجمع بين النقيضين لا لأن تجويز ذلك يقتضي ابتداء أنه يفتقر ~~إلى خالق إذ الكلام إنما هو في الخالق فيقال لو جاز هذا عليه امتنع أن يكون ~~هو الخالق القديم وكان هذا أبين في الدلالة على المقصود مما ذكره في أصل ~~إثبات واجب الوجود # الوجه الخامس والعشرون أن نفي المماثلة واجب في صفات الكمال كالعلم ~~والقدرة والحياة بل والوجود فيقال لو كان مماثلا لغيره في هذه الصفات فيوصف ~~غيره بمثل ما يوصف به من الوجود وصفات كمال الوجود لزم تماثلهما وإذا ~~تماثلا جاز على أحدهما ما يجوز على الآخر فيلزم أن يكون القديم محدثا ~~والمحدث قديما والواجب ممكنا والممكن واجبا وأمثال ذلك فهذا ونحوه يدل على ~~أنه ليس مثله شيء في وجوده ونفسه وصفات الكمال الثابتة لوجوده ونفسه وإذا ~~انتفى عنه مماثلة شيء له في الوجود وصفات كمال الوجود كان هذا إثباتا لأنه ~~ليس كمثله شيء وأنه لم يكن له كفوا أحدا وأنه لا سمي له أما أن يترك هذا ~~كله ولا يذكر إلا تنزيهه عن صفات النقص ولا ينزه عنها إلا عن PageV01P060 ~~مماثلته للمخلوقات فيها ولا يذكر دليل لزوم حدوثه وإمكانه أو لزوم اجتماع ~~النقيضين مما هو بين معروف فهذا كما ترى فلو قيل له لكان هذا كلاما متوجها # الوجه السادس والعشرون لا نسلم أنه لو ساوى غيره في هذه الأمور لزم ~~افتقاره إلى خالق آخر ولزم أن يكون الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق ~~فإنك لم تبين هذه الملازمة والقول الذي تنفيه لم يحتج إلى هذا الدليل وإن ~~لم يكن بينا بنفسه لم يكن في إثبات واجب الوجود نفيه إذ الكلام في أن واجب ~~الوجود هل هو متصف به أم لا لا في إثبات واجب الوجود ثد قد تبين بهذه ~~الوجوه أن هذا المقام لما قال فيه ما هو حق لم يحققه لا تصويرا ولا تصديقا ~~والكلام إذا تبين ما هو باطل وبين ما فيه حق ثم تبين ولم يقرر كان فيه ما ~~فيه # الوجه السابع والعشرون ms046 قوله فيثبت أنه لا بد لهم من الاعتراف بأن خصوصية ~~ذاته التي بها امتازت عن سائر الذوات مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها ~~وذلك اعتراف بثبوت أمر على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به الخيال # يقال لا يخلو إما أن تكون ناقلا عنهم ما تقوله أو ملزما لهم أن يقولوا ما ~~لم يقولوه فإن كنت ناقلا عنهم لم يحسن قولك إنه لا بد لهم من الاعتراف بذلك ~~فإن هذا إقامة للحجة بأن عليهم الاعتراف لا نقل عنهم للاعتراف مع أن القوم ~~في نفي هذه الآفات والنقايض ونفي التمثيل والتشبيه من أعظم الأمة قولا بذلك ~~كما دل عليه الكتاب والسنة والحجج العقلية لا يحتجون في نفي PageV01P061 ~~التمثيل بهذه الحجة الفاسدة التي لا تدل على نفي التمثيل مطلقا وإنما تدل ~~إذا كملت على تنزهه عن بعض الآفات والنقايض المستلزمة عدمه أو لجواز عدمه ~~فلا نقلت عنهم ما يقولونه من التنزيه ولا احتججت على التنزيه بحجة موجبة ~~مطلقا بل ولا تدل بنفسها على شيء منه وإن كنت ملزما لهم بمقتضى هذه الحجة ~~فالإلزام إنما يكون لمن لا يقر بمضمون الحجة والقوم من أعظم الناس قولا ~~بموجب هذه الحجة ووجوب تنزيه الله سبحانه وتقديسه عن هذه الأمور وغيرها كما ~~علم ذلك بالشرع والعقل ومعلوم أن المطلوب إذا كان اعتراف المنازع به من ~~أظهر الأمور كان إثبات اعترافه بإثبات وجوب اعترافه به وإثبات الوجوب بمثل ~~هذه الحجة فيه ما فيه مع نفي دخول اعتراف الناس لا يقتضى وجوب اعترافهم ~~لكونهم قد ينازعون في ثبوت الوجوب # الوجه الثامن والعشرون أن هذه الحجة إنما توجب أنه لا تجوز عليه هذه ~~الصفات المقتضية للعدم وهذا ولله الحمد متفق عليه بين المسلمين بل بين ~~المقرين بالصانع حتى أن عليه المشبهة والمجسمة الذين يقولون إنه لحم ودم ~~وإنه ندم حتى عض يده وجرى الدم ونحو ذلك لكن يذكر عن بعض اليهود أنه مرض ~~حتى عادته الملائكة وهذه الحجة لا تنفي شيئا من التشبيه والتمثيل فذكرها ~~ضائع فما توجبه ms047 هذه الحجة يكتفى به في هذا المقام وما يثبته القوم وسائر ~~المؤمنين من التنزيه والتقديس لا يعتمد فيه على مثل هذه الحجة فلم يذكر ما ~~يصلح لهذا المقام لا من المذهب ولا من الدليل # الوجه التاسع والعشرون إن الذي هو أبلغ من مقتضى هذه الحجة من نفي ~~التمثيل والتشبيه يقولون به كما يقول به سلف الأمة وسائر الأئمة وليس فيه ~~PageV01P062 حجة لما ادعيته فكيف في مضمون هذه الحجة وذلك أن نفي التمثيل ~~والتشبيه لا يقتضي تجويز كونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا إثبات ما يعلم ~~ببديهة العقل امتناعه كما تقدم بيانه # الوجه الثلاثون أنك قلت هم أيضا معترفون بأن ذاته مخالفة لذوات هذه ~~المحسوسات وهذا نقل صحيح ثم قررت هذا النقل بأن بحثت بالحجة التي ذكرتها أن ~~خصوص ذاته لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها وهذا ليس هو ذلك المنقول ولا ~~أقمت عليه دليلا فكان هذا من الأغاليط وبه يحصل المقصود من اعترافهم بأنه ~~لا مثل له # الوجه الحادي والثلاثون قولك فثبت أنه لا بد لهم من الاعتراف بأن خصوص ~~ذاته التي بها امتازت عن سائر الذوات مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها ~~وذلك اعتراف بثبوت أمر على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به الخيال أمر لم ~~تنقله عنهم ولا دلت الحجة عليه حتى يقال يجب اعترافهم به كما أنها إنما دلت ~~على امتناع العدم والآفات التي هي ملازمة العدم عليه كالمرض ونحوه وهذا حق ~~لكن ليس في ذلك ما يقتضي أن خصوص الذات مما لايصل إليه الوهم والخيال وإن ~~كان هذا حقا إذا فسر بمعنى صحيح فإن العلم بكونه موجودا واجب الوجود يمتنع ~~عليه العدم وما يستلزم العدم لا يتعرض لكونه يعلم بالعقل والخيال أو الوهم ~~والحس أو غير ذلك لا بنفي ولا إثبات أصلا فضلا عن أن يكون كنهها معلوما أو ~~غير معلوم فأي ملازمة بين الحجة والدعوى بل لو أقمت الحجج الصحيحة الدالة ~~على نفي التمثيل كما قررنا نحن لم يكن في ذلك تعرض ms048 لنفي معرفة كنهه ولا نفي ~~لمعرفته بحس أو خيال أو غير ذلك فضلا عن كونك لم تذكر إلا ما يقتضي وجوب ~~وجوده PageV01P063 # الوجه الثاني والثلاثون أن القوم مع سائر أهل السنة يقولون إن حقيقة ~~الباري غير معلومة للبشر ولهذا اتفقوا على ما اتفق عليه السلف من نفي ~~المعرفة بماهيته وكيفية صفاته ثم جمهورهم يقول ما يقوله السلف من نفي ~~المعرفة بالكيفية ويقولون لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته بمثال ~~ومنهم من يقول كما يقوله طوائف من النفاة المعتزلة وغيرهم إنه لا ماهية له ~~فتجري في مقال ولا كيفية له فتخطر ببال فلا يحيط أحد من المخلوقين على ~~حقيقة ذاته ولا يبلغ قدره غيره كما في الدعاء المأثور يا من لا يعلم ما هو ~~إلا هو بل قد قال في الجنة أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعكم عليه وتصديق ذلك في كتابه حيث قال ~~@QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ 3217 فهم لا يحيطون علما ~~بكنه عامة المخلوقات فكيف يحيطون علما بكنه الخالق تعالى وقد قال تعالى ~~@QB@ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~@QE@ 1715 وفي الصحيح عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إن الخضر الذي قال الله عنه @QB@ فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من ~~عندنا وعلمناه من لدنا علما @QE@ 1865 قال لموسى الذي كلمه الله تكليما ما ~~نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر لما ركب ~~في السفينة وقد وقف عليها عصفور فنقر في البحر نقرة وفي صحيح مسلم عن عائشة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده وروى أنه كان يقوله في ~~قنوته أيضا اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك ~~لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك فإذا ms049 كان أعلم الخلق بربه لا ~~يحصي ثناء عليه فكيف بمن هو دونه بدرجات لا يحصيها إلا الله PageV01P064 # وإن كان هذا الذي يقولنه ويثبتونه بالأدلة الشرعية لم تذكر أنت عليها حجة ~~ولا نقلت فيها مذهبا فقولك لا بد من الاعتراف بأن خصوصية ذاته التي بها ~~امتازت عن سائر الذوات مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها تقصير وتفريط ~~فإنه لا يصل إلى كنهها لا علم ولا عقل ولا معرفة ولا حس ولا وهم ولا خيال ~~ولا نوع من أنواع الإدراكات فتخصيص الوهم والخيال بذلك يشعر بأن غير الوهم ~~والخيال يصل إلى كنهها وأنهم يفرقون بين هذا وهذا وأنه يجب التفريق بين ~~وصول الوهم والخيال إلى كنهها وبين وصول العلم والعقل وكل هذا غلط # الوجه الثالث والثلاثون أنه إذا لم يكن فرق في نفس إدراك كنهه بين الوهم ~~والخيال وبين الحس وبين العلم والعقل لم يحصل شيء من مطلوبك فإن المطلوب ~~أنه لا بد من الاعتراف بثبوت أمر على خلاف حكم الحس والخيال والذي ذكر لا ~~فرق فيه بين الحس والخيال وبين العقل فإن هذه الأمور لا تكيف ذاته ولا يلزم ~~من نفي اكتناه ذاته نفي معرفته بها كما لم يلزم نفي معرفته بالعلم والعقل ~~فإن قوله لا بد لهم من الاعتراف بأن خصوص ذاته الذي امتازت به عن سائر ~~الذوات مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها وذلك اعتراف بثبوت أمر على خلاف ~~ما يحكم به الوهم ويقضي به الخيال مع أنه لم يذكر حجة عليه لا فرق فيه بين ~~الوهم والخيال وبين الحس والعقل والعلم فإن شيئا من ذلك لا يصل إلى كنهه ~~وإذا كان مقصوده الفرق بين الوهم والخيال وبين العقل والعلم بهذا مع أنه لا ~~فرق بينها من هذا الوجه ومع أن ذلك لا ينفي معرفته بذلك وإن لم يوصل ذلك ~~إلى كنهه ظهر أن ما قاله ليس فيه تحصيل لغرضه مع ما فيه من التفريق بين ~~الأشياء فيما اتفقت فيه # فتدبر هذا كله فإنه كلام حق يعرف ms050 كيف أضل هؤلاء لعباد الله بمتشابه ~~PageV01P065 الكلام كما قال الإمام أحمد في وصفهم يتكلمون بالمتشابه من ~~الكلام ويلبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه # الوجه الرابع والثلاثون أنه لو عارضه معارض وقال قد ثبت أنه لا فرق فيما ~~ذكرته من نفي الوصول إلى كنهه بالعقل والوهم والخيال ثم ثبت بذلك أنه لا ~~يجب أن لا يكون معلوما بالعقل فقد ثبت أيضا أنه لا يجب أن لا يكون معلوما ~~بالوهم والخيال لكان هذا متوجها أكثر من كلامه # الوجه الخامس والثلاثون أن يقال الذين اتفقوا من أهل السنة وغيرهم على أن ~~العباد لم يعرفوا كنهه في الدنيا تنازعوا في إمكان ذلك وفي حصول ذلك عند ~~رؤيته في الأخرى وهذا يبين أن معرفة حقيقته وكنهه بالحس أولى منها بالعقل ~~ثم الخيال والوهم يتبع الحس فهذا قد يستدل به على إمكان معرفة كنهه وحقيقته ~~بالحس والخيال والوهم # الوجه السادس والثلاثون قوله وذلك اعتراف بثبوت أمر على خلاف ما يحكم به ~~الوهم ويقضي به الخيال كما أنه لا يلزم من عدم وصول العلم والعقل إلى كنه ~~الذات أن يكون على خلاف ما يقضي به العلم والعقل ويحكم به الحس كما تقدم مع ~~أن هذه العبارة هنا ليست ظاهرة في المعنى # الوجه السابع والثلاثون أن لفظ الوهم والخيال في هذه المواضع التي ذكرتها ~~تحتل شيئين فإن هذه الألفاظ كثيرا ما تستعمل فيما يتوهمه الإنسان ويتخيله ~~مما لا يكون له حقيقة في الخارج مثل ما يتخيل جبل ياقوت وبحر زئبق ونحو ذلك ~~ومثل ما يتوهم شخصا أنه عدوه ويكون وليه أو أنه وليه ويكون PageV01P066 ~~عدوه وأمثال هذه الاعتقادات التي لا تكون مطابقة ترتسم في نفس الإنسان ~~فيتخيلها ويتوهمها وتكون باطلة من جنس الكذب ولهذا إذا دفع نوع من هذه ~~الأقوال يقال هذا خيال وهذا وهم وقد أوهم فلان كذا ومنه سميت الخيلاء ~~والمختال مختالا لأن المختال يتخيل في نفسه من عظمته وقدره ما لا حقيقة له ~~@QB@ والله لا يحب كل مختال فخور @QE@ 436 وكان النبي ms051 صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ في الاستعاذة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه فهمزه ~~الوسوسة ونفخه الكبر ونفثه الشعر فإن الكبر ينفخه حتى يصير مغطى في الخيال ~~مع أنه حقيقة كالظرف المنفوخ من غير أن يكون فيه شيء # ولكن استعمال لفظ التخيل والتوهم في هذا من جنس استعمال لفظ الإعتقاد ~~الفاسد والظن والجهل فيما لا يكون مطابقا وإن كان جنس الإعتقاد قد يكون حقا ~~وعلما وكثيرا ما يستعمل فيما يتخيله و يتوهمه مما يكون له حقيقة في الخارج ~~فيكون التخيل والتوهم ولفظ التخيل والتوهم صادقا مطابقا مثل ما يتخيل ~~الإنسان في نفسه ما أدركه بصره وغيره من الحواس يتوهم في نفسه ما علمه من ~~الصفات إذ قد يصطلح بعض أهل الطب والفلسفة على أن التخيل للصور والتوهم ~~للمعاني التي فيها ولفظ التخيل والتوهم يعم القسمين المطابق وغير المطابق ~~كما يعم لفظ الخبر للخبر الصادق والكاذب ولفظ الكلام للحق والباطل ولفظ ~~الإرادة للمحمود والمذموم ولفظ الظن والحسبان للمصيب والمخطي ولفظ الإعتقاد ~~للحق والباطل فما يتخيله الإنسان ويتوهمه قد يكون حقا أو باطلا مثل ما ~~يعتقده ويظنه ومنه سمي السحاب مخيلة لأنه يخال فيه المطر وفي حديث عائشة ~~رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر ~~فإذا رأى المطر جلس ومنه قول الشاعر % إذا رأيت مخيلة لمعت % وتلألأت ~~كمواقع القطر % $ PageV01P067 # فهذا في التخيل # وأما في التوهم بلفظ التهمة وأصله وهمة يقال إذا توهم في الإنسان شيء من ~~الريب ثم قد يكون ما اتهم به حقا وقد يكون باطلا ولها في الشريعة حكم معروف ~~حيث يحبس فيها المجهول الحال كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في التهمة ولهذا صنف الحارث المحاسبي ~~كتابا سماه كتاب التوهم مضمونه أن يتصور الإنسان في نفسه ما أخبر الله به ~~من أمور الآخرة وغيرها ليتذكر ذلك ويحققه في نفسه واسم الجنس إذا كان يعم ~~نوعين أحدهما ms052 أشرف من الآخر فقد يخصون في العرف النوع الأشرف باسمه الخاص ~~ويبقون الاسم العام مختصا بالنوع المفضول كما في لفظ الحيوان والدابة وذوي ~~الأرحام والجائز والممكن والمباح وغير ذلك فلهذا كثيرا ما يخص بلفظ الوهم ~~والخيال والنوع الناقص وهو الباطل الذي لا حقيقة له وأما ما كان حقا مما ~~يتخيل فيسمونه باسمه الخاص من أنه حق وصدق ونحو ذلك ومن أنه معلوم ومعقول ~~فإنه إذا كان حقا عقله القلب فصار معقولا كما يعقل أمثاله ويقال إنه متصور ~~ومتذكر ونحو ذلك وهذا بخلاف لفظ العلم والعقل والإحساس فإن هذا إنما يقال ~~على نفس الإدراك الذي هو الإدراك الصحيح ولفظ التخيل والتوهم لا يدل على ~~نفس الإدراك وإنما يدل على نحو الإعتقاد الذي يكون مطابقا للإدراك تارة ~~ويكون فيما تصور في النفس وتألف فيها وتنشأ فيها كما تنشأ فيها العلوم ~~بالنظر والاستدلال وهذا الثاني يكون حقا تارة وباطلا أخرى كما أن ما يثبته ~~الإنسان في نفسه من الاعتقادات بالنظر والاستدلال قد يكون حقا وقد يكون ~~باطلا ومن هذا التخيل والتوهم ما يراه الإنسان في منامه فإنه ينشأ في نفسه ~~في النوم إن لم يكن رآه بعينه في النظر PageV01P068 # وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجمع بين لفظ الحس وبين لفظ الوهم والخيال ~~ويجعلهما في قرن واحد حتى يقول لا بد من الاعتراف بوجود شيء على خلاف حكم ~~الحس والخيال فإن الإحساس هو موجب العلم الصحيح وأصله الإبصار كما قال ~~تعالى @QB@ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ~~@QE@ وقال يعقوب @QB@ يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله @QE@ وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما تنتج البهيمة بهمية جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء وأما ~~الخيال والوهم فهو من نحو الإعتقاد الذي يكون حقا تارة وباطلا أخرى وقد يخص ~~باسم الباطل فأين هذا من هذا # وإن أراد أنه لا يحس أي لا يرى فهذا باطل ms053 كما تقدم التنبيه عليه # الوجه الثامن والثلاثون أن يقال له ما تريد بلفظ الوهم والخيال أتريد به ~~ما قد يخص هذا اللفظ به في العرف من تخيل الباطل وتوهمه فلا ريب أن كل حق ~~في الوجود ينزه عن هذا التوهم والتخيل وكل حق فإنه على خلاف ما يقضي به هذا ~~الوهم والخيال وكل حق فهو على خلاف هذا الوهم والخيال وما أكثر ما يسمع وصف ~~شيء بألفاظ فيتخيلونه على صورة فإذا رأوه وجدوه بخلاف ما تخيلوه وما أكثر ~~ما يتوهم الإنسان في إنسان شيئا فإذا رآه وجد بخلاف ما توهمه ولا ريب أن ~~الله على خلاف ما يتخيله ويتوهمه المبطلون من الجهمية وغيرهم كما قال تعالى ~~@QB@ سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين @QE@ 37180 182 وقال @QB@ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ~~@QE@ وقال @QB@ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم ~~الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين @QE@ 2240 23 وقال @QB@ ~~وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا @QE@ 1133 ~~PageV01P069 وقال @QB@ ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء @QE@ إلى قوله @QB@ بل ظننتم أن ~~لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء وكنتم قوما بورا @QE@ 4812 وقال @QB@ فظن أن لن نقدر عليه فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين @QE@ 2187 وقال @QB@ ~~إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور @QE@ 1414 وقال @QB@ إن يتبعون ~~إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ 5838 و @QB@ إن يتبعون إلا ~~الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ 5323 وقال @QB@ أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون @QE@ 4380 # ولا ريب أن الاعتقادات الفاسدة مثل اعتقاد الكفار في ربهم وما يتبعها من ~~الإرادات هي خيالات باطلة وأوهام باطلة كما قال تعالى @QB@ والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ms054 جاءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من ~~فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ 2440 هذا بعد قوله @QB@ الله نور ~~السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة @QE@ إلى قوله @QB@ نور على نور يهدي الله ~~لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم @QE@ 2425 وقال ~~تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ 6122 # ولا ريب أن كثيرا من الناس يتخيل ويتوهم في نفسه صورا باطلة ويعتقد أن ~~ربه كذلك كما يعتقد في ربه اعتقادات باطلة ويعتقد أن ربه كذلك فالاعتقاد ~~والتوهم والتخيل الباطل موجود في جانبي النفي والإثبات والباطل في ~~PageV01P070 جانب النفي أكثر منه في جانب الإثبات ولهذا يوجد من الجهمية ~~النفاة من يعتقد أن الله هو الوجود المطلق وأنه وجود الموجودات أنفسها وأنه ~~بنفسه في كل مكان وأن وجود الموجودات كلها وجود واحد ويقولون بوحدة الوجود ~~في الخارج وأنه عين ذلك الوجود ونحو ذلك من الاعتقادات التي يقولون إنها ~~حصلت لهم بالكشف والمشاهدة وهي خيالات وأوهام باطلة إما أن لا يكون لها ~~حقيقة في الخارج أو يكون لها حقيقة لكن تكون هي أمر مخلوق لا تكون هي ~~الخالق سبحانه وكما يتخيلون ويتوهمون أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ~~ولا تحت ولا كذا ولا كذا مما هو عند أهل العقول السليمة خيالات باطلة ~~وأوهام فاسدة لا تنطبق إلا على المعدوم بل على الممتنع ولهذا يوجد في هؤلاء ~~من يعبد المخلوقات ومن يعتقد في كثير من المخلوقات أن الله أضعاف أضعاف ما ~~يوجد في أهل الإثبات كما قد رأينا وسمعنا من ذلك ما لا يسع هذا المكان ذكر ~~عشره فلهذا هم أعظم الناس اختيالا وكيدا حيث يختال أحدهم في نفسه أنه الله ~~ويعظمون فرعون في ms055 قوله @QB@ أنا ربكم الأعلى @QE@ 7914 @QB@ ما علمت لكم من ~~إله غيري @QE@ 2828 ونحو ذلك من الاختيال الباطل الذي هو أفسد اختيال وأعظم ~~فرية على الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا # وأما إن أراد أنه على خلاف ما يصدق به ويعتقده ويظنه ويتوهمه ويتخيله ~~ويقوله ويصفه وينعته الأنبياء والمؤمنون به فهذا باطل فإن اعتقاد هؤلاء فيه ~~اعتقاد مطابق حي وإن سمي ظنا ونحوه كما قال تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر ~~والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ~~ظننت أني ملاق حسابيه @QE@ PageV01P071 وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال يقول الله أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا وفي صحيح مسلم عن ~~جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن ~~الظن بالله تعالى فمن ظن وتوهم في به أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ~~كان هذا الظن والتوهم حقا وإن كان الواجب تيقن ذلك بخلاف من ظن وحسب أنه لا ~~يسمع سره ونجواه كما قال تعالى @QB@ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ~~بلى ورسلنا لديهم يكتبون @QE@ 4380 وقال @QB@ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ~~@QE@ 186140 # بل لفظ الرؤية وإن كان في الأصل مطابقا فقد لا يكون مطابقا كما في قوله ~~@QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا @QE@ 358 وقال @QB@ يرونهم مثليهم رأي ~~العين @QE@ 313 # وقد يكون التوهم والتخيل مطابقا من وجه دون وجه فهو حق في مرتبته وإن لم ~~يكن مماثلا للحقيقة الخارجة مثل ما يراه الناس في منامهم وقد يرى في اليقظة ~~من جنس ما يراه في منامه فإنه يرى صورا وأفعالا ويسمع أقوالا وتلك أمثال ~~مضروبة لحقائق خارجية كما رأى يوسف سجود الكواكب والشمس والقمر له فلا ريب ~~أن هذا تمثله وتصوره في نفسه وكانت حقيقته سجود أبويه وأخوته كما قال @QB@ ~~يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي ms056 حقا @QE@ 12100 وكذلك رؤيا ~~الملك التي عبرها يوسف حيث رأى السنبل بل والبقر فتلك رآها متخيلة متمثلة ~~في نفسه وكانت حقيقتها وتأويلها من الخصب والجدب فهذا التمثل والتخيل حق ~~وصدق في مرتبته بمعنى أن له تأويلا صحيحا يكون مناسبا له ومشابها له من بعض ~~الوجوه فإن تأويل الرؤيا مبناها على القياس والاعتبار والمشابهة والمناسبة ~~ولكن من اعتقد أن ما تمثل في نفسه وتخيل من الرؤيا هو مماثل لنفس الموجود ~~في الخارج وأن تلك الأمور هي بعينها PageV01P072 رآها فهو مبطل مثل من ~~يعتقد أن نفس الشمس التي في السماء والقمر والكواكب انفصلت عن أماكنها ~~وسجدت ليوسف وأن بقرا موجودة في الخارج سبعا سمانا أكلت سبعا عجافا فهذا ~~باطل # وإذا كان كذلك فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه فهذا حق في الرؤيا ~~ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام فإن سائر ما يرى ~~في المنام لا يجب أن يكون مماثلا ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها ~~مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من ~~الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك وإلا كان بالعكس قال بعض المشايخ إذا ~~رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجابا بينه وبين الله وما زال ~~الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم وما أظن عاقلا ينكر ذلك فإن ~~وجود هذا مما لا يمكن دفعه إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره وهذه مسألة ~~معروفة وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين وحكوا عن طائفة ~~من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في ~~المنام ولكن لعلهم قالوا لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون ~~قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن ~~تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام فهذا مما ~~يقوله المتجهمة وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ms057 بل ولما ~~اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب ~~يتعلق به سبحانه وتعالى وإنما ذلك بحسب حال الرائي وصحة إيمانه وفساده ~~واستقامة حاله وانحرافه وقول من يقول ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله ~~بخلافه ونحو PageV01P073 ذلك إذا حمل على مثل هذا كان محملا صحيحا فلا ~~نعتقد أن ما تخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ~~ذلك فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان ~~ويتخيلها على حقيقتها # بل هي على خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته وإن كان ما رآه مناسبا ~~مشابها لها فالله تعالى أجل وأعظم # وهؤلاء النفاة من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة ونحوهم يزعمون أن الرسل ~~فيما أخبروا به من صفات الرب خيلوا ومثلوا حتى أخرجوا المعقول في مثال ~~المحسوس وكذلك يقول هؤلاء المفلسفة إن ما أخبرت به الرسل من أمر المعاد ~~أمثال مضروبة لتفهيم المعاد العقلي واللذة والألم العقليين ويقول الفارابي ~~وأمثاله إن خاصة الأنبياء جودة التخيل والتخييل والكلام على هؤلاء وبيان ~~خطئهم وضلالهم في هذا التخيل والتوهم الذي هو غير مطابق له موضع غير هذا ~~ومن أكثر أسباب غلطهم بناؤهم على أن المعقول الموجود يكون له وجوده في ~~الخارج وهم إذا تدبروا ذلك علموا أن المعقولات التي هي أمور كلية إنما ~~وجودها في الأذهان لا في الأعيان وإن الخارج لا يكون فيه شيء مما هو معقول ~~مجرد وهو الأمور الكلية إلا أن يراد بالمعقول في قولهم مثلوا المعقول في ~~صورة المحسوس ما يحسه الإنسان بنفسه دون جسده فهذا في الحقيقة محسوس موجود ~~لكن بالحس الباطن والوجد الباطن ليس معقولا محضا ولا في تمثل أن الإنسان ~~يحس جوعه وشبعه ولذته وألمه أنه ينتقل حكمه من الباطن إلى الظاهر كما ينتقل ~~حكم الحس بالظاهر إلى الباطن وإذا قدر وجود النفس بغير بدن فهو يحس بما ~~يجده من لذة وألم وذلك أمر محسوس لها وبجنس أسباب ذلك ms058 لا يكون لها معقولا ~~مجردا كليا فإن PageV01P074 ذاك إنما ثبوته في مجرد العلم والاعتقاد ولا بد ~~له من أفراد موجودة في الخارج وإلا لم يكن حقا ومن المعلوم أن هذا الظان أن ~~النفس تلذذ بهذه الأمور دون إدراك الحقائق الخارجية من أفسد الظن وهو كقول ~~من يقول إن النفس تتلذذ بتمثل المحسوس والمشتهى دون المباشرة لحقيقته ~~الخارجة فقولهم يمثل المعقول في صورة المحسوس كلام لا حقيقة له لكن لو قال ~~يمثل الغائب في صورة الشاهد ويمثل الغيب في صورة الشهادة كان هذا حقا فإن ~~الإنسان إنما يعلم ما يشهده ويحس به بالقياس والتمثيل لما شاهده لكن هذا لا ~~يقتضي أن تكون الأمور الغائبة المتمثلة ليست في أنفسها مما يحس بل يعقل ~~عقلا مجردا فإن هذا لا يقوله من يفهم ما يقوله # قال شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه في كتاب ~~بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية # الوجه الثالث والستون أن يقال إن الصحابة والتابعين وسائر سلف الأمة ~~وأئمتها وأئمة أهل الحديث والفقهاء والصوفية والمتكلمة الصفاتية من ~~الكلابية والكرامية والأشعرية وغيرهم من طوائف المتكلمين من المرجئة ~~والشيعة وغيرهم في إثبات هذه الصفات الخبرية وبقية الصفاتية النفاة ~~PageV01P075 لها في الصفات التي يسمونها الصفات العقلية كالحياة والعلم ~~والقدرة لكن من هؤلاء الصفاتية من يجعل تلك الصفات الخبرية صفات معنوية ~~أيضا قائمة بالموصوف مثل هذه وإنما يفرق بينهما لافتراق الطريق التي به ~~علمت فتلك علمت مع الخبر الصادق بالعقل وهذه لم تعرف إلا بالخبر وأما السلف ~~والأئمة وأهل الحديث وأئمة الفقهاء والصوفية وطوائف من أهل الكلام فلا ~~يقولون إن هذه من جنس تلك لا يسمونها أيضا صفات خبرية لأن من الصفات ~~المعنوية ما لا يعلم إلا بالخبر أيضا فليس هذا مميزا لها عندهم ومنهم من ~~يقول هذه معلومة بالعقل أيضا # وعلى القولين سواء كانت صفات عينية ومعنوية فيقال من المعلوم أن ~~الموجودات في حقنا إما أجسام كالوجه واليد وإما أعراض كالعلم والقدرة فإذا ~~كان أهل الإثبات متفقين على ms059 أن العلم والقدرة ثابت لله على خلاف ما هو ثبات ~~للمخلوق وإن لم يكن في ذلك نفيا لحقيقته ولا تمثيلا له بالمخلوق فكذلك إذا ~~قالوا في هذه الصفات إنا نثبتها على خلاف ما هو ثابت للخلق أو لا فرق بين ~~ثبوت ما هو عرض فينا مع كونه غير مماثل للأعراض وبين ما هو جسم فينا مع ~~كونه غير مماثل للأجسام بل يقال من المعلوم المتفق عليه بين المسلمين أن ~~الله حي عالم قادر مع كونه ليس مثل الأحياء العالمين القادرين بل لا خلاف ~~بين أهل الأثبات أنه موجود مع كونه ليس مثل سائر الموجودات بل العقل الصريح ~~يقتضي وجود موجود واجب قديم ويقتضي بأنه ليس مماثلا للموجود المحدث الممكن ~~وإلا للزم أن يجوز على الواجب ما يجوز على المحدث فبأوائل العقل يعلم أن من ~~الموجود وجودا واجبا وأنه ليس مثل الموجود الممكن فالذي يثبتونه في جميع ~~الصفات المعلومة هو من جنس ما يثبتونه في الذات وذلك أمر PageV01P076 بين ~~بأدنى تأمل معلوم بالعقل الصريح فليس المحكي عنهم في ذلك إلا ما اتفق ~~العقلاء على نظيره وما هو ثابت معلوم بصريح العقل وإن كان بقية الطوائف ~~بينهم نزاع في ذلك قيل له والحنابلة أيضا بينهم نزاع فمنهم من ينفي هذه ~~الصفات ويوجب تأويل النصوص ومنهم من يجوز التأويل ولا يوجبه ومنهم من يفوض ~~معنى النصوص مع نفي ومنهم من لا يحكم فيها بنفي ولا إثبات وهذه المقالات هي ~~الممكنة الموجودة في غيرهم # وأما قوله إنهم يصرحون بأنا نثبت هذا المعنى لله على خلاف ما هو ثابت ~~للخلق فلا ريب إنما يثبتونه وإلا لزم التمثيل والتشبيه المنفي بالعقل ~~والشرع لكنهم لا يقولون نثبت معنى الجوارح والأعضاء ولكن نثبت المعاني التي ~~دل عليها الكتاب والسنة والإجماع # قوله فأثبتوا لله وجها بخلاف وجوه الخلق وبدا بخلاف أيدي الخلق ومعلوم أن ~~اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الوهم والخيال فإذا عقل إثبات ~~ذلك على خلاف الوهم والخيال فأي استبعاد في القول بأنه تعالى موجود ms060 وليس ~~بداخل العالم ولا خارج العالم وإن كان الوهم والخيال قاصرين عن إدراك هذا ~~الموجود # يقال له أكثر ما في هذا أنهم أثبتوا ما لا يعلمون حقيقته لقيام الأدلة ~~الشرعية عليه وهذا لا محذور فيه كما أثبتوا ما أخبر به من الجنة والنار وما ~~فيهما والملائكة وصفاتها وهم لم يعلموا حقيقة ذلك فهم عن معرفة حقيقة ~~الخالق أبعد وأما إثبات ما ليس بداخل العالم ولا خارجه فإنه ممتنع في ~~الفطرة البديهية والفرق PageV01P077 واضح بين عدم العلم وبين العلم بالعدم ~~فأين إثبات شيء يعلم على سبيل الجملة ولا تعلم حقيقته على التفصيل من إثبات ~~شيء يعلم بالبديهية انتفاؤه بل لو علم انتفاؤه بالنظر لم يجز إثباته فكيف ~~إذا علم بالبديهة ولم يرد بثبوته خبر ولا نقل ثبوته عن أحد من السلف ~~والأئمة وأما ما أثبتوه فلم يعلم انتفاؤه لا ببديهة ولا بنظر باتفاق عقلاء ~~الطوائف # والرازي من أقول الناس بذلك صرح في غير موضع من كتبه كالمحصل والتفسير ~~وغيرهما بأنه لا يجوز نفي ما لا يعلم ثبوته من الصفات وأن الظاهريين من ~~أصحابه ينفون ما لم يقم دليل على ثبوته ورد ذلك بأن ما لم يقم دليل بثبوته ~~وعدمه لا يجوز نفيه ولا إثباته وصرح بأن هذه الصفات الخبرية كالوجه واليد ~~الذي أثبتها الأشعري وغيره من أصحابه إنما لم يثبتها لعدم دليل ثبوتها لا ~~لدليل عدمها وزعم أن أدلة الشرع لا تثبتها فلا يجوز إثباتها وأما ثبوت صفات ~~في نفس الأمر لم نعلمها فإنه لا ينفي ذلك ويخطئ من ينفيه وهؤلاء يدعون ثبوت ~~صفاته في نفس الأمر ثم إذا قال أحدهم إنا لا نعلم كيفيتها أو لا نعلم كنهها ~~وحقيقتها كان هذا كقوله في الذات ولو قال أقلهم علما إنا لا نعلم معناها لم ~~يكن عدمه علمه بالمعنى مانعا من ثبوته في نفس الأمر فأين عدم العلم بالشيء ~~إلى العلم بعدمه وهذا الذي ذكره عن ظاهريي أصحابه وإن كان قول أبي المعالي ~~الجويني وغيره وقد نقل الإجماع فيه وهو مما يقوله ms061 أبو الوفاء ابن عقيل ~~ونحوه فالصواب هو الذي ذكر أبو عبدالله الرازي وهو الذي عليه المحققون وهو ~~أحد قولي ابن عقيل بل هو آخر قوليه كما هو في الكفاية PageV01P078 $ فصل # عجيب يخفى على كثير من الأصوليين وذلك أنه لا يجوز الإغراق في الإثبات ~~مجاوزة لما أثبته الشرع ودل عليه كذلك لا يجوز الإغراق في النفي ولا ~~الإقدام على نفي شيء عن الله إلا بدليل لأن النفي أيضا لا يؤمن معه إزالة ~~ما وجب له سبحانه فالنفي يحتاج إلى دليل كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل كما ~~أن إثبات ما لا يجب له كفر فنفي ما جوز عليه خطأ وفسق ومثال ذلك أن يغرق ~~هؤلاء الخطباء والقصاص في نفي النقائص ثم يدرجون فيها ما وردت به السنن ~~ويقولون ليس بفوق ولا تحت ولا يدرك ولا يعلم ولا يعرف ولا ولا فربما ساقوا ~~في نفيهم نفي صفة وردت بها السنن # قلت وهذا هو الصواب عند السلف والأئمة وجماهير المسلمين أنه لا يجوز ~~النفي إلا بدليل كالإثبات فكيف ينفى بلا دليل ما دل عليه دليل إما قطعي ~~وإما ظاهري بل كيف يقال ما لم يقم دليل قطعي على ثبوته من الصفات يجب نفيه ~~أو يجب القطع بنفيه ثم يقال في القطعي إنه ليس بقطعي فهذه المقدمات الفاسدة ~~هي وسائل الجهل والتعطيل وتكذيب المرسلين وإنما اعتمد على ذلك أبو المعالي ~~لما خالف أئمته في إثبات صفة اليد وغيرها فقال في الإرشاد $ فصل # ذهب أئمتنا إلى أن اليدين والعينين والوجه صفات ثابتة للرب والسبيل إلى ~~إثباتها السمع دون قضية العقل والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة وحمل ~~العينين على البصر وحمل الوجه على الوجود قال صاحبه أبو القاسم النيسابوري ~~PageV01P079 الأنصاري شارح الإرشاد شيخ أبي عبدالله الشهرستاني صاحب الملل ~~والنحل ونهاية الإقدام وغيرهما هذا ما قاله الإمام واعلم أن مذهب شيخنا أبي ~~الحسن أن اليدين صفتان ثابتتان زائدتان على وجود الإله سبحانه ونحوه قال ~~عبدالله بن سعيد ومال القاضي أبو بكر في الهداية إلى هذا ms062 المذهب # قلت هو قول القاضي في جميع كتبه كالتمهيد والإبانة وغيرهما # قال أبو القاسم النيسابوري وفي كلام الأستاذ أبي إسحاق ما يدل على أن ~~التثنية في اليدين ترجع إلى اللفظ لا إلى الصفة وهو مذهب أبي العباس ~~القلانسي قال الأستاذ أما العينان فعبارة عن البصر وكان في العقل ما يدل ~~عليه وأما اليد والوجه فقد اختلف أصحابنا في الطريق إليهما قال قائلون قد ~~كان في العقل ما يدل على ثبوت صفتين يقع بإحداهما الاصطفاء بالخلق وبالأخرى ~~الاختيار بالتقريب في التكليم والإفهام لكن لم يكن في العقل دليل على ~~تسميته فورد الشرع ببيانها يسمى الصفة التي يقع بها الاصطفاء بالخلق يدا ~~والصفة التي يقع التقريب في التكليم وجها وقالوا لما صح في العقل التفضيل ~~في الخلق والفعل بالمباشرة والإكرام والتقريب بالإقبال وجب إثبات صفة له ~~سبحانه يصح بها ما قلناه من غير مباشرة ولا محاذاة فورد الشرع بتسمية ~~إحداهما يدا والأخرى وجها ومن سلك هذه الطريقة قال لم يكن في العقل جواز ~~ورود السمع بأكثر منه وما زاد عليه من جهة الإخبار فطريقة الآحاد التي لا ~~توجب العلم ولا يجوز PageV01P080 بمثلها إثبات صفة القديم وإن ثبت منها شيء ~~بطريق يوجب العلم كان متأولا على الفعل # قال وقال آخرون طريق إثباتها السمع المحض ولم يكن للعقول فيه تأثير فإذا ~~قيل لهم لو جاز ورود السمع بإثبات صفات لا يدل العقل عليها لم يأمن أن يكون ~~لله صفات لم يرد الشرع بها ولا صارت معلومة ووجب على القائل بذلك جواز ورود ~~السمع بصفات الإنسان أجمع لله تعالى إذا لم تكن واحدة منها شبيهة بصفته كان ~~جوابهم أن يقولوا لما أخبر الله المؤمنين بصفاته الكاملة له حكم لهم ~~بالإيمان بكماله عند المعرفة بها لم يجز أن يكون له صفة أخرى لا طريق إلى ~~معرفتها لاستحالة أن يكون المؤمن مؤمنا يستحق المدح إذا لم يكن عارفا بالله ~~معنى وبصفاته أجمع فلما وصفهم بالإيمان عند معرفتهم لما ورد من الشرع ثبت ~~أن لا صفة أكثر مما ms063 بين العقل إليه بالعقل والشرع قال الأستاذ أبو إسحاق ~~والتعويل على الجواب الأول فإن فيه الكشف عن المعنى # قال أبو المعالي فمن أثبت هذه الصفات السمعية وصار إلى أنها زائدة على ما ~~دلت عليه دلالات العقول استدل بقوله تعالى @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي @QE@ وذكر أنهم قرروا ذلك بتخصيص آدم بالخلق وبأنه ثنى اللفظ وكلاهما ~~يمنع من حمله على القدرة وتكلم على ذلك إلى أن قال والذي يحقق ما قلناه أن ~~الذي ذكره شيخنا أبو الحسن الأشعري القاضي ليس يوصل إلى القطع بإثبات صفتين ~~زائدتين على ما عداهما من الصفات ونحن وإن لم ننكر في قضية العقل صفة سمعية ~~لا يدل مقتضى العقل عليها وإنما يتوصل إليها سمعا فبشرط أن يكون السمع ~~مقطوعا به وليس فيما استدل به الأصحاب قطع والظواهر المحتملة لا توجب العلم ~~وأجمع المسلمون على منع تقدير صفة مجتهد فيها لله عز وجل لا يتوصل إلى ~~القطع فيها بعقل أو سمع وليس في اليدين على ما قاله شيخنا نص لا يحتمل ~~التأويل PageV01P081 ولا إجماع عقلية فيجب تنزيل ذلك على ما قلناه يعني ~~القدرة والظاهر من لفظ يدين حملهما على جارحتين فإن استحال حملهما على ذلك ~~ومنع من حملهما على القدرة أو النعمة أو الملك فالقول بأنها محمولة على ~~صفتين قديمتين لله زائدتين على ما عداهما من الصفات تحكم محض # قال أبو المعالي وأما العينان والوجه فقد اختلف جواب شيخنا أبي الحسن في ~~ذلك فقال مرة هما صفتان على نحو ما قال في اليدين وقال مرة العينان ~~محمولتان على البصر وهذا أظهر قوليه وعليه حمل الأعين في قوله @QB@ تجري ~~بأعيننا @QE@ 1454 أي تجري السفينة بمرأى منا وقيل بحفظنا وحمل الوجه على ~~وجود الباري واستدل على ذلك بقوله تعالى @QB@ ويبقى وجه ربك @QE@ 2754 ~~والباقي بعد فناء الحق هو الله قال أبو المعالي وهذا هو الصحيح من جوابيه ~~عندنا وإنما اختلف جوابه من حيث كان التعليق بالظاهر في اليدين أظهر # قال أبو القاسم النيسابوري وقول أبي الحسن في ms064 أن الوجه صفة زائدة على ~~الوجود أظهر وقوله في العينين أن المراد بذلك البصر أظهر # قال أبو المعالي ومن سوغ من أصحابنا إثبات الصفات بظواهر هذه الآيات ~~ألزمه بثبوت كلامه أن يجعل الاستواء والنزور والجنب من الصفات تمسكا ~~بالظاهر وإن لم يبعد تأويلها فيما يتفق عليه لم يبعد أيضا طريق التأويل ~~فيما ذكرناه قال أبو القاسم هذا ما قاله الإمام # وقد رأيت في بعض كتب الأستاذ أبي إسحاق قال ومما ثبت من الصفات بالشرع ~~الاستواء على العرش والمجيء يوم القيامة بقوله @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ PageV01P082 وقوله @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ 2289 ومما ثبت ~~بالأخبار الصحيحة النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة وقوله أنا عند ظن عبدي ~~بي فليظن بي ما شاء ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا الحديث قال وأجمع ~~أهل النقل على قبول هذين الخبرين وما هذا وصفه كان موجبا للعمل ومقبولا في ~~مسائل القطع هذا ما ذكره الأستاذ في هذا الكتاب # قال أبو القاسم لا يظن بالأستاذ أبي إسحاق أنه اعتقد أن النزول والمجيء ~~والإتيان من صفات ذات الإله سبحانه فإنه سبحانه لا يوصف بهذه الأوصاف في ~~أزله ويستحيل قيام حادث بذاته فما حكيناه عنه أنه قال ومما يثبت في الصفات ~~بالسمع كذا وكذا فيحتمل أنه أراد بذلك صفات الأفعال ويحتمل أنه أراد به ~~الصفات الخبرية التي لا بيان لها أكثر مما ورد به الخبر # قال وقال الأستاذ أبو بكر يعني ابن فورك من أصحابنا من قال الاستواء وصف ~~خبري لا مجال للعقل فيه وكذلك الفوقية والواجب أن يتوقف في ذلك أن يرد ~~بمعناه خبر قال وهذا مذهب أئمة أهل السلف وقد روي عن أم سلمة أنها قالت ~~الاستواء ثابت بلا كيف وهذا قول مالك بن أنس والأوزاعي وغيرهما من الأئمة ~~وحكى شيخنا أبو الحسن قولين لأصحابنا في الاستواء أحدهما من صفات الذات ~~والثاني أنه من صفات الأفعال فمن صار إلى أنه من صفات الذات اختلفوا فيه ~~فصار الأكثرون منهم إلى أن الاستواء على العرش هو ms065 العلو عليه من جهة القهر ~~والغلبة والانفراد بنعوت الجلال وهذا المعنى وإن كان مدركا بالعقل ولكن ~~تسميته بالاستواء مستقاة من الخبر قال أبو الحسن من قال الاستواء صفة للذات ~~PageV01P083 فإنه سمى الله به حين خلق العرش لأجل أن الاستواء يقتضي إليه ~~يستوي عليه ولم يكن في الأزل غير الله فلم تكن تسميته به قال وقال بعض ~~المتأخرين من أصحابنا ويمكن أن يقال لم يزل كانت له صفة الاستواء مطلقا ~~بمعنى أنه على صفة يصح بها الاستواء على العرش إذا خلق كما يقول لم يزل ~~الله قادرا وإن كان تعلق القدرة بالأحداث يختص بحال الحدوث وصار آخرون إلى ~~أن الاستواء صفة خبرية يتوقف في معناها إلى أن يرد خبر ببيانها # قلت ما نقله من لفظ الأشعري فمعروف وما فسره # قال وقال الإمام يعني أبا المعالي وكنا على الإضراب عن الكلام وعلى ~~الظواهر فإذا عرض فنشير إلى جمل منها في الكتاب والسنة وقد صرح بالاسترواح ~~إليها المجسمة وأصحاب الظواهر قال وأجمع المسلمون على منع تقدير صفة مجتهد ~~فيها لله عز وجل لا يتوصل فيها إلى قطع بعقل أو سمع قال وأجمع المحققون على ~~أن الظواهر يصح تخصيصها أو تركها بما لا يقطع به من أخبار الآحاد والأقيسة ~~وما يترك مما لا يقطع به كيف يقطع به # قلت هذا الإجماع الذي ذكره أبو المعالي مرتين هو الذي ذكره أبو عبدالله ~~الرازي وغيره عن الظاهريين من أصحابه وبين أنه فاسد والذي قاله الرازي ~~PageV01P084 هو الذي عليه جماهير الناس من المتقدمين والمتأخرين قد صرح ~~أئمة السلف بذلك وأن ما لم يعلم ثبوته ولا انتفاؤه من الصفات لا ننفيه ولا ~~نثبته والإجماع الذي ذكره أبو المعالي لا أصل له بل لم يقل ما ادعى فيه ~~الإجماع أحد من أئمة المسلمين لا من الفقهاء ولا أهل الحديث ولا السلف ~~وإنما قال هذا ابتداء من قاله من المعتزلة واتبعهم على ذلك طائفة ممن احتذى ~~حذوهم في الكلام من الأشعرية وغيرهم وذلك لأن من أصلهم أنهم يقولون إنهم ~~عرفوا ms066 الله حق معرفته وعرفوا حقيقة ذاته فعلموا ما يوصف به نفيا وإثباتا ~~فلو جوزوا أن يكون له صفة لا يعلمون نفيها ولا إثباتها بطل هذا الأصل وهذا ~~الأصل قد خالفهم فيه أبو المعالي كما خالفهم فيه أئمته وضرار بن عمر وهم ~~مخالفون فيه لسلف الأمة وأئمتها وسائر أئمة العلم والدين وقد حكينا ذلك في ~~غير هذا الموضع وأن أبا المعالي قال لا شك في ثبوت وجوده سبحانه فأما ~~الموجود من غير اختصاص بصفة تميزه عن غيره فمحال قال ولكن ليس تتطرق إليها ~~العقول ولا هي علم هجمي ولا علم مبحوث عنه غير أنا لا نقول إن حقيقة الإله ~~لا يصح العلم بها فإنه سبحانه يعلم حقيقة نفسه وليس للمقدور الممكن من ~~مزايا العقول عندنا موقف ينتهى إليه ولا يمتنع في قضية العقل مزية لو وجدت ~~لاقتضت العلم بحقيقة الإله # وقد تقدم أن هذا قول أئمة أصحابه كالقاضي وغيره وهذا تصريح منه بأن لله ~~صفة تميزه عن غيره لا تعلم بالعقول لا بضرورة ولا نظر وصرح بإمكان علمنا ~~بها إذا أعطينا مزية نعلمها بها وقد حكى هو عن الأستاذ أبي إسحاق أنه قال ~~حقيقة الإله صفة مائية اقتضت له التنزه عن مناسبة الحدثان وذكر عن القاضي ~~أبي بكر أنه ذكر مذهب ضرار أن لله مائة لا يعلمها في وقتنا إلا هو ~~PageV01P085 وأن القاضي قال لا بعد عندي فيما قاله ضرار فإن الرب يخالف ~~خلقه بأخص صفاته فيعلم على الجملة اختصاص الرب سبحانه بصفة يخالف بها خلقه ~~ولا سبيل إلى صرف الأخص إلى الوجود والقدم ولا شك في امتناع صرفها إلى ~~الصفات الحقيقية وأن القاضي تردد في أن الذين يرون الله سبحانه في الدار ~~الآخرة هل يعلمون تلك الصفة التي يسميها أخص وصفه وسماها ضرار مائية وذكر ~~عن طائفة من الكرامية أنهم أثبتوا لله مائية وكيفية # فقد يقال إذا كان أبو المعالي قد أوجب ثبوت صفة لله يمتنع علمنا بها الآن ~~كيف يصح أن يقال علمنا جميع ما يثبت له وينفي عنه ms067 من الصفات وإذا كان قول ~~طوائف يثبوت صفات له لا تعلم وتجويز ذلك كيف يحكى إجماع المسلمين على خلاف ~~ذلك هذا تناقض منه في كتبه وقد يقال لم يتناقض لأن الذي نفاه بالإجماع ~~تقدير صفة مجتهد فيها لا يتوصل إلى القطع فيها بعقل أو سمع وهو هنا قاطع ~~بما أثبته لا مجوز له فلا تناقض # وقد يقال بل إذا وجب إثبات حقيقة لا تعرف لم يمتنع أن يكون لتلك الحقيقة ~~صفة لا تعرف فالجزم بنفي ذلك مع الجزم بثبوت تلك الحقيقة تناقض وسواء كان ~~تناقضا أو لم يكن ولو لم يتناقض فبطلان هذا الإجماع الذي ادعاه ظاهر لكل من ~~له من العلم أدنى نظر وإنما هو كثير الاستغراق في كلام المعتزلة وأتباعهم ~~قليل المعرفة والعناية بكلام السلف والأئمة وسائر طوائف الإسلام من أهل ~~الفقه والحديث والتصوف وفرق المتكلمين أيضا فحكى الإجماع كما يحكى أمثال ~~هذه الإجماعات الباطلة أمثال هؤلاء المتكلمين ولو كان الأمر كما ادعاه ~~فدعواه أن دلالة القرآن والأخبار على ذلك ليست قطعية يخالفه PageV01P086 في ~~هذه الدعوى أئمة السلف وأهل الحديث والفقه والتصوف وطوائف من أهل الكلام من ~~أصحابه وغيرهم فإن عندهم دلالة النصوص على ذلك قطعية وأما الأخبار فمذهب ~~أكثر أصحابه أنها إذا تلقيت بالقبول أفادت العلم كما تقدم ذكرهم لذلك عن ~~الأستاذ أبي إسحاق وهذا الذي ذكره أبو بكر ابن فورك هو معنى ما ذكره ~~الأشعري في كتبه عن أهل السنة والحديث وذكر أنه قوله وأن الإيمان بموجب هذه ~~الأخبار واجب وإذا كان يمكن أن يكون له صفات لا تعلم بمجرد العقل وكان كثير ~~من المثبتين لهذه الصفات الخبرية من أئمته ومن الحنبلية وغيرهم يثبتون ما ~~لا يعلمون معناها ومالا يعلمون حقيقته ولم يثبتوا ما يعلمون انتفاء ظهر ما ~~تقدم من الجواب من الفرق بين ما يعلم امتناعه وهو وجود موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه وبين ما لا تعلم حقيقته كهذه الصفات عند هؤلاء # الرابع والستون أن ما أثبتوه من الصفات جاء به الكتاب والسنة واتفق ms068 عليه ~~سلف الأمة وأئمتها وقد يقول طوائف أن العقل أيضا يوجب ثبوت أصل هذه الصفات ~~وإن لم يثبتها مفصلة كما أنه في العلو يعلم علوه لكن لا يعلم وما نفوه من ~~كون الخالق ليس داخل العالم ولاخارجه جاء فيه الأثبات الكتاب والسنة واتفق ~~عليه سلف الأئمة وأئمتها مع حكم العقل الصريح به فهم في كلا الموضعين آمنوا ~~بالله وكتبه ورسله وأقروا ما شهدت به الفطرة وما علمه العقل الصريح وأقروا ~~بموجب السمع والعقل ولم يكونوا من أصحاب النار الذين يقولون @QB@ لو كنا ~~نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ 1067 فأين هذا ممن خالف صريح ~~العقل بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه وخالف مع ذلك الكتاب والسنة ~~وإجماع سلف الأمة وأئمتها ونفى مع ذلك PageV01P087 الصفات التي أثبتتها ~~النصوص المتواترة والإجماع السلفي وعلم فساد نقيضها بالعقل الصريح أيضا بأن ~~الله لا مثل له وأن حقيقته مخالفة لحقيقة العالم كما أنه قد يحصل العلم ~~بأنه ليس مماثلا للخلق بل مخالف له قبل العلم بأنه مباين للعالم محتاز عنه ~~منفرد فإن باب الكيف غير باب الكم وباب الصفة غير باب القدر وإذا كانت ~~المباينة بالقدر والجهة تعلم بدون هذه علم أنها أيضا ثابتة وإن كانت تلك ~~أيضا ثابتة وأنه مباين للخلق بالوجهين جميعا بل المباينة بالجهة والقدر ~~أكمل فإنها تكون لما يقوم بنفسه كما تكون لما يقوم بغيره لأن عدم قيامه ~~بنفسه يمنع أن يكون له قدر وحيز وجهة على سبيل الاستقلال ومن هنا تبينا # الوجه الثالث والثلاثون وهو أن من المعلوم أن مباينة الله لخلقه أعظم من ~~مباينة بعض الخلق بعضا سواء في ذلك مباينة الأجسام بعضها لبعض والأعراض ~~بعضها لبعض ومباينة الأجسام والأعراض ثم الأجسام والأعراض تتباين مع ~~تماثلها بأحيازها وجهاتها المستلزمة لتباين أعيانها وتباين مع اختلافها ~~أيضا بتباين أحيازها وجهاتها مع اختلافها كالجسمين المختلفين والعرضين ~~المختلفين في محلين وأدنى ما تتباين به الاختلاف في الحقيقة والصفة دون ~~الحيز كالعرضين المختلفين في محل واحد فلو لم يباين الباري لخلقه ms069 إلا بمجرد ~~الاختلاف في الحقيقة والصفة دون الجهة والحيز والقدر لكانت مباينته لخلقه ~~من جنس مباينة العرض لعرض آخر حال في محله أو مباينة الجسم للعرض الحال في ~~محله وهذا يقتضي أن مباينته للعالم من جنس تباين الشيئين اللذين هما في حيز ~~واحد ومحل واحد فلا تكون هذه المباينة تنفي أن يكون هو والعالم في محل واحد ~~بل إذا كان PageV01P088 العالم قائما بنفسه وكانت مباينته له من هذا الجنس ~~كانت مباينته للعالم مباينة للجسم الذي قام به ويكون العالم كالجسم وهو معه ~~كالعرض وذلك يستلزم أن تكون مباينته للعالم مباينة المفتقر إلى العالم وإلى ~~محل يحله لا سيما والقائم بنفسه مستغن عن الحال فيه وهذا من أبطل الباطل ~~وأعظم الكفر فإن الله تعالى غني عن العالمين كما تقدم # ومن هنا جعله كثير من الجهمية حالا في كل مكان وربما جعلوه نفس الوجود ~~القائم بالذوات نفس أو جعلوه الموجود المطلق أو نفس الموجودات وهذا كله مع ~~أنه من أبطل الباطل وهو تعطيل للصانع ففيه من إثبات فقره وحاجته إلى العالم ~~ما يجب تنزيه الله عنه وهؤلاء زعموا أنهم نزهوه عن الحيز والجهة لئلا يكون ~~مفتقرا إلى غيره فأحوجه بهذا التنزيه إلى كل شيء وصرحوا بهذه الحاجة كما ~~ذكرناه في غير هذا الموضع فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ~~@QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه ~~وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ~~ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم ~~عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا @QE@ 1988 95 ومع هذا فهؤلاء أقرب إلى ~~الإثبات وإلى العلم من إثبات مباينة لا تعقل بحال وهو مباينة من قال لا ~~داخل العالم ولا خارجه فإن هذه ليست كشيء من المباينات المعروفة التي ~~أدناها مباينة العرض للجسم أو للعرض بحقيقته فإن ذاك يقتضي أن يكون أحدهما ~~في الآخر أو يكونان كلاهما في محل واحد وإذا كان ms070 هؤلاء النفاة لم يثبتوا له ~~مباينة تعقل وتعرف بين موجودين علم أنه في موجب قولهم معدوما كما اتفق سلف ~~الأمة وأئمتها على أن ذلك حقيقة قول هؤلاء الجهمية الذين يقولون إنه ليس ~~فوق العرش أنهم جعلوه معدوما ووصفوه بصفة المعدوم PageV01P089 # يدل على ذلك أن هذا الرازي جعل مباينته لخلقه من جنس مباينته للحيز ولا ~~يجب أن يكون موجودا كما تقدم فعلم أنهم أثبتوا للعالم من جنس مباينة ~~الموجود للمعدوم ومن جنس مباينة المعدوم للمعدوم والعالم موجود لا ريب فيه ~~فيكونون قد جعلوه بمنزلة المعدوم وهذا حقيقة قولهم وإن كانوا قد لا يعلمون ~~ذلك فإن هذا حال الضالين # الوجه الرابع والثلاثون أن يقال هب أنهم أثبتوا له مباينة تعقل لبعض ~~الموجودات فالواجب أن تكون مباينته للخلق أعظم من مباينة كل لكل فيجب أن ~~يثبت له من المباينة أعظم من مباينة العرض للعرض ولمحله ومباينة الجوهر ~~للجوهر وكذلك يقتضي أن يثبت له المباينة بالصفة التي تسمى المباينة ~~بالحقيقة أو بالكيفية أو المباينة بالقدر التي تسمى المباينة بالجهة أو ~~الكمية فإن تكون مباينته بهذين أعظم مما يعلم مباينة المخلوق المخلوق إذ ~~ليس كمثله شيء مما يوصف به وأما إثبات بعض المباينات دون بعضها فهذا يقتضي ~~مماثلة المخلوق وإنما يكون شبهه ببعض المخلوقات أعظم من شبه بعضها ببعض ~~وذلك ممتنع يوضح ذلك # الوجه الخامس والثلاثون وهو أن المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة وهو ~~ضد المماثلة وحيث كانت المباينة فإنها تستلزم $ فصل قول المؤسس وأمثاله ~~معلوم أن الوجه واليد بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله الوهم والخيال # إن عنى بذلك ما يعرفه من مسمى ذلك لم ينازع فيما يدعيه وإن ادعى ذلك يبين ~~هذا PageV01P090 # الوجه الثامن والستون وهو أن يقال له لا نسلم إن ذلك مما لا يقبله الوهم ~~والخيال والدليل على ذلك أن القرآن والحديث سمعه الصحابة والتابعون ~~وتابعوهم من القرون الثلاثة وفي غيرها من الأعصار في جميع أمصار المسلمين ~~وهو يتلى ليلا ونهارا والمؤمن يسلم أن ظاهر ذلك هي هذه الصفات ومن المعلوم ms071 ~~أن أحدا من السلف والأئمة لم يتقدموا إلى من يستمع القرآن والحديث بأن يصرف ~~قلبه وفكره عن تدبر ذلك وفهمه وتصوره ولا أمره أن يعتقد أن هذا المعنى منه ~~ليس بمراد وإنما المراد بعض المعاني التي يعينها المتأولون أو المراد معنى ~~آخر لا يعرف جملة ولا تفصيلا ولا يميز بينه وبين غيره ولا يقال اكتفوا في ~~ذلك بسماع قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وقوله @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ ~~وقوله ? < لم يكن له كفوا أحدا > ? لأنه يقال الذي دلت عليه هذه النصوص هو ~~الذي حكى عن أهل الأثبات التصريح بأن الثابت لله هو على خلاف ما يثبت ~~للمخلوق فإن هذه المخالفة هي عدم المماثلة والنصوص تدل على ذلك فإذا كان ما ~~دل عليه النصوص هو الذي حكاه عن أهل الإثبات فلو كان ذلك مردودا أو غير ~~ممكن القبول في التوهم والتخيل مع أن ذلك غالب أو لازم لبني آدم لوجب أن ~~يظهر إنكار ذلك ودفعه من عموم الخلق وجهورهم # الوجه التاسع والستون وهو قوله معلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه ~~مما لايقبله الوهم والخيال أما أن يريد به المعنى الذي يذكره المتكلمة ~~الصفاتية الذين يقولون هذه صفات معنوية كما هو قول الأشعري والقلانسي ~~وطوائف من الكرامية وغيرهم وهو قول طوائف من الحنبلية وغيرهم وأما أن يريد ~~بمعنى أنها أعيان قائمة بأنفسها PageV01P091 # فإن أراد به المعنى الأول فليس هو الذي حكاه عن الحنبلية فإنه قال وأما ~~الحنابلة الذين التزموا الأجزاء والأبعاض فهم أيضا معترفون بأن ذاته مخالفة ~~لسائر الذوات إلى أن قال وأيضا فعمدة مذهب الحنابلة أنهم متى تمسكوا بآية ~~أو خبر يوهم ظاهره شيئا من الأعضاء والجوارح صرحوا بأنا نثبت هذا المعنى ~~لله على خلاف ما هو ثابت للخلق فأثبتوا لله وجها بخلاف وجوه الخلق ويدا ~~بخلاف أيدي الخلق ومعلوم أن اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه عما لا يقبله ~~الوهم والخيال فإذا كان هذا قوله فمعلوم أن هذا القول الذي حكاه هو قول من ~~يثبت هذه بالمعنى الذي سماه هو أجزاء ms072 وأبعاضا فتكون هذه صفات قائمة بنفسها ~~كما هي قائمة بفسها في الشاهد كما أن العلم والقدرة قائم بغيره في الغائب ~~والشاهد لكن لا تقبل التفريق والانفصال كما أن علمه وقدرته لا تقبل الزوال ~~عن ذاته وإن كان المخلوق يمكن مفارقة ما هو قائم به وما هو منه يمكن مفارقة ~~بعض ذلك بعضا فجوزا ذلك على المخلوق لا يقتضي جوازه على الخالق وقد علم أن ~~الخالق ليس مماثلا للمخلوق وأن هذه الصفات وإن كانت أعيانا فليست لحما ولا ~~عصبا ولا دما ولا نحو ذلك ولا هي من جنس شيء من المخلوقات # فإذا كان هذا القول الذي ذكر تنفي الحنابلة وإن هذا هو الظاهر فلو كان ~~هذا مما لا يقبله الوهم والخيال لوجب نفرة من سمع القرآن والحديث عن ذلك من ~~الكفار والمؤمنين ولوجب أن يكون المشركون يقدحون فيه بأنه جاء بما تنكره ~~الفطرة ولوجب أن المؤمنين عوامهم وخواصهم يكون عندهم يفي ذلك شبهة وإشكالا ~~حتى يسألوا عن ذلك كما وقعت الشبهة عند من سمع ذلك واعتقد نفي هذا المعنى ~~إذ يرى ذلك متناقضا ولوجب أن علماء السلف وأئمة الأمة يتكلمون بما ينفي هذا ~~المرض ويزيل هذه الشبهة ويكون ذلك من أعظم الطاعات بل من PageV01P092 أكبر ~~الواجبات فلما لم يمكن شيء من ذلك علم أن هذا الذي ذكرته عنهم ليس هو مما ~~ينكره الوهم والخيال # ألا ترى أن ما نقوله من أنه ليس بداخل العالم ولا خارجه متى صرحت به ~~لجمهور الناس تلقوه بالرد والإنكار ولهذا كان الحذاق من أهل هذا القول ~~يتواصون بكتمانه وإخفائه وكان السلف والأئمة في ذلك يفصحون به في المجالس ~~العامة والخاصة وهكذا الأمر فيما قبل شريعتنا فإن التوراة فيها من هذا ~~الباب نحو ما في القرآن وكان موسى عليه السلام يبلغ ذلك لبني إسرائيل ~~تبليغا عاما والأنبياء بعده ولم يكن بنو إسرائيل ينكرون ذلك ولا كان ~~الأنبياء يأمروهم بترك ما فهموه من ذلك فلو كان الوهم والخيال يرد ذلك ~~للعامة لكان يجب أن يكثر في العامة من ms073 يرد ذلك وهمه وخياله وإن كان في ~~الخاصة فكذلك فلما لم يوجد في العامة ولا الخاصة من رد ذلك لكونه لا يمكنه ~~أن يتصور خياله ووهمه علم بطلان ما ذكره إذ الذين ينفون ذلك يزعمون أن ~~القياس دل على نفيه # الوجه السبعون أن جميع الناس من المثبتة والنفاة متفقون على أن هذه ~~المعاني التي حكيناها عن خصمك هي التي تظهر للجمهور ويفهمونها من هذه ~~النصوص من غير إنكار منهم لها ولا قصور في خيالهم ووهمهم عنها والنفاة ~~المعتقدون انتفاء هذه الصفاة العينية لم يعتقدوا انتفاءها لكونها مردودة في ~~التخيل والتوهم ولكن اعتقدوا أن العين التي تكون كذلك هو جسم واعتقدوا أن ~~الباري ليس بجسم فنفوا ذلك # ومعلوم أن كون الباري ليس جسما ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ~~PageV01P093 ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة بل ~~مقدمات فيها خفاء وطول وليست مقدمات بينة ولا متفقا على قبولها بين العقلاء ~~بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو ~~فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد وطوائف كثيرون من أهل ~~الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا ~~المطلوب وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسما وما لا يكون جسما لا ~~يكون معدوما ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول # وإن قال النفاة إن هذا حكم الخيال والوهم فقد اتفقوا على أن الوهم ~~والخيال يثبت الصانع على قول مثبتة الجسم لا على قول نفاته فإذا كان الوهم ~~والخيال يثبته كذلك بإقرار النفاة فكيف تكون هذه الصفات منفية عنه في حكم ~~الوهم والخيال هذا خلاف ما اتفق عليه النفاة والمثبتة بل على هذا التقدير ~~يكون الوهم والخيال مقرا بما قاله أهل الإثبات في الذات والصفات دون ما ~~قاله النفاة وهذا أمر بين لا يتنازع فيه عاقلان # الوجه الحادي والسبعون أن هذا الذي حكيته عن هؤلاء الذين قلت إنهم ~~التزموا الأجزاء والأبعاض غايته ms074 أنهم يثبتون ما هو الموصوف الذي تسميه جسما ~~وأنهم لا يجوزون عليه ما يجوز على الأجسام من الفناء والآفات ومضمو ذلك أنه ~~جسم يمتنع عليه أن يوصف بما توصف به سائر الأجسام بل هو مختلف عنها في ~~الحقيقة وكذلك ما ذكرته من أنهم يصرحون متى تمسكوا بآية أو خبر يوهم ظاهره ~~شيئا من الأعضاء والجوارح بأنا نثبت هذا المعنى لله على خلاف ما هو ثابت ~~للخلق فأثبتوا لله وجها بخلاف وجوه الخلق ويدا بخلاف أيدي الخلق فهذا الذي ~~ذكرته غايته أنهم يثبتون PageV01P094 وجها ويدان مخالفا لوجوه الخلق ~~وأيديهم كما يقال جسم لا كالأجسام ومن أوضح المعلومات أن إثبات هذا ليس مما ~~لا يقبله الوهم والخيال بل الوهم والخيال من أعظم الأشياء قبولا لمثل هذا ~~كما تقدم تقريره غير مرة فإن الوهم والخيال يتصور أنواعا من الأجسام كل جسم ~~موصوف بضد صفات الآخر وكل جسم يجوز عليه أو يمتنع ما لا يجوز على الآخر أو ~~لا يمتنع فيتصور الأجسام الموجودة ويقدر ما ليس بموجود وما يستحيل وجوده ~~فكيف يقال إنه لا يقبل هذا # يوضح هذا # الوجه الثاني والسبعون وهو أنه إذا وصف له الملائكة وغيرهم بالوجه واليد ~~ونحو ذلك مع أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه على ~~صورته التي خلق عليها مرتين رآه مرة وله ست مائة جناح منها جناحان قد سد ~~بهما الأفق وروي أنه حمل قرى قوم لوط على ريشة من جناحه ونحو ذلك من الصفات ~~العظيمة التي توصف بها الملائكة فإن الوهم والخيال يقبل ذلك مع علمه بأن ~~حقيقتهم ليست مثل حقيقة بني آدم وأنهم ليسوا لحما ودما وعصبا ونحو ذلك من ~~الأجسام الكائنة الفاسدة نعم قد يكون الضعيف الخيال منهم يكل خياله عن مثل ~~ذلك كما يكل حسه عن رؤية الشعاع وعن سماع الصوت القوي ونحو ذلك ولهذا قال ~~علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب ~~الله ورسوله وقال ابن مسعود ما من رجل ms075 يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا ~~كان فتنة لبعضهم ولهذا سأل بعضهم زر بن حبيش عن حديث ابن مسعود في صفة ~~جبريل وأن له ست مائة جناح فلم يحدثه به خوفا أن لا يحتمله عقله فيكذب به ~~فهذا وأمثاله كثير موجود في بني آدم تضعف قوى إدراكهم عن إدراك الشيء ~~العظيم الجليل PageV01P095 لا كون الوهم والخيال لا يقبل جنس ذلك ولكن لأجل ~~ما فيه من العظمة التي لم يعتد تصور مثلها # ومن هذا الباب عجز الخلق عن رؤية الرب في الدنيا لامتناع رؤيه لعجزهم في ~~هذه الحياة فأما أن يكون بنو آدم ينكرون بوهمهم وخيالهم في جسم مخلوق أن ~~يكون مخالفا لغيره وأنه يمتنع تماثلهما فليس الأمر كذلك فكيف ينكرون بوهمهم ~~وخيالهم أن يكون الخالق غير مماثل للمخلوق مع كون الوهم والخيال لا يتصور ~~موجودا إلا جسما أو قائما بجسم # الوجه الثالث والسبعون أن الأجسام بينها قدر مشترك وهو جنس المقدار كما ~~يقولون ما يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه وبينها قدر مميز وهو حقيقة كل واحد ~~وخصوص ذاته التي امتاز بها عن غيره كما يعلم أن الجبل والبحر مشتركان في ~~أصل القدر مع العلم بأن حقيقة الحجر ليست حقيقة الماء وإذا كان كذلك فالحس ~~لم يدرك مقدارا مجردا ولا صورة مجردة ولم يحس قط إلا جسما مهيئا له قدر ~~يخصه وصفة تخصه والخيال إذا تخيل المحسوسات وهو مع هذا يمكنه تجريد المقدار ~~عن الصفة فيشكل في نفسه قدرا معينا أو مطلقا غير مختص بصفة من الصفات وهو ~~تقدير الأبعاد في النفس وإذا وصف له الملك فإنه يتخيل صورة مطلقة وأن لها ~~وجها ويدا تناسبها في غير أن يتخيل حقيقتها فإن تخيل نسبة الصفة المخصوصة ~~إلى الموصوف المخصوص أقرب إلى ما أحسه من تخيل قدر مطلق والتخيل يتبع الحس ~~فكلما كان أقرب إلى الحس كان تخيله أيسر عليه # وهذا ونحوه ما يبين أن تصوير الخيال لما حكاه عن منازعيه من أيسر الأمور ~~بل لو قال إن التخيل لا يتصور إلا ms076 ما يكون هكذا لا يتصور PageV01P096 وصفة ~~بنقيض ذلك لكان هذا القول أقرب بل هذا القول الذي اتفق عليه العقلاء من أهل ~~الإثبات والنفي اتفقوا على أن الوهم والخيال لا يتصور موجودا إلا متحيزا أو ~~قائما وهو الجسم وصفاته ثم المثبتة قالوا وهذا حق معلوم أيضا بالأدلة ~~العقلية والشرعية بل بالضرورة وقالت النفاة إنه قد يعلم بنوع من دقيق النظر ~~أن هذا باطل فالفريقان اتفقوا على أن الوهم والخيال يقبل قول المثبتة الذين ~~ذكرت أنهم يصفونه بالأجزاء والأبعاض وتسميهم المجسمة فهو يقبل مذهبهم لا ~~نقيضه في الذات $ فصل # التخيل والوهم الصحيح لا يتصور الموجود معدوما فعلم أن إنكاره الفطرة ~~لذلك ورد التخيل والوهم له لما فيه من الأمور العدمية كالتناقض الذي فيه لا ~~لعظمته في الوجود والذي يوضح هذا أن كثيرا من الخطباء والقصاص إذا أخذوا ~~يصفون الرب ويعظمونه بهذه الصفات السلبية أخذت العامة الذين لا يفهمون ~~حقيقة ما يقولون وإنما يستشعرون من حيث الجملة أن هذا تعظيم للرب يسبحونه ~~ويمجدونه فلولا أنهم تخيلوا وتوهموا أن هذا السلب متضمن لوجود عظيم كبير ~~وإلا لم يكونوا كذلك فعلم أنهم لم ينكروه لما فيه من الأمور الوجودية بل هم ~~يتخيلون الموجود العظيم في الجملة ولكن إذا فهموا حقيقة هذه الألفاظ وما ~~تشتمل عليه من الأمور العدمية أنكروه حينئذ وردته فطرتهم وذلك لأن السلب ~~والعدم ليس فيه مدح أصلا ولا تعظيم فعلم أنه تعظيم فيها عند من توهمها # ولهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون يعظمون الرب ~~بشيء من ذلك ولا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في آثار الأنبياء ~~وسلف الأمة وأئمتها شيء من ذلك بل أعظم ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في تعظيم الرب وتمجيده PageV01P097 يوم قرأ على المنبر @QB@ وما قدروا الله ~~حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ 6739 ~~كما روى ذلك أبو هريرة وعبدالله بن عمر والحديث في الصحيحين والآية دلت على ~~عظم قدر الرب الذي يقبض الأرض ms077 ويطوي السموات بيمينه وهذا وصف لأمور وجودية ~~تقتضي عظمة القدرة بخلاف السلوب المحضة ففي حديث ابن عمر الذي في الصحيح ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيديه ~~وقبض كفيه أو قال يديه فجعل يقبضهما ويبسطهما ثم يقول أنا الملك أين ~~الجبارون أين المتكبرون ويميل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه ~~وشماله حتى نظرت إلى المنبر من أسفل شيء حتى إني لا أقول أساقط هو برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن حديث عمر بن حمزة قال قال سالم أخبرني عبدالله ~~بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوي الله السموات يوم ~~القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين ~~المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن وفي الصحيحين عن سعيد عن ابن المسيب ~~وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقبض الله الأرض ~~يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم قال أنا الملك أين ملوك الأرض وروى ~~أبو الشيخ وغيره عن ابن عباس قال ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن ~~وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم وفي لفظ إنها لتغيب في يده ~~حتى لا يرى طرفاها # الوجه السادس والسبعون قوله فأثبتوا لله وجها بخلاف وجوه الخلق وبدأ ~~بخلاف أيدي الخلق ومعلوم أن الوجه واليد بالمعنى الذي ذكروه مما لا يقبله ~~الوهم والخيال PageV01P098 # يقال له لا نسلم أن هذا غير مقبول كما يقبل أشباهه وتوابعه بل قبول وجوه ~~وأيد لا تكون من جنس وجوه المخلوقين وأيديهم من جنس قبول ذات لا تكون من ~~جنس ذوات المخلوقين وسمع وبصر وعلم وصفة لا تكون من جنس سمعهم وأبصارهم ~~وعلومهم وإراداتهم شيئا فإن الذات عين قائمة بنفسها وهذه صفات لها ومنها ~~وكل في ذلك ليس من جنس الأعيان المخلوقة وصفاتها التي هي لها ومنها وإن كان ~~اللفظ متواطئا فيهما وقول القائل إن الوهم والخيال لا يقبل ذلك في الوجه ~~كقول ms078 غيره إن الوهم لا يقبل ذلك في العلم وهو قول نفاة الصفات وهو كقول ~~القائل إن الوهم والخيال لا يقبل ذلك في الذوات مطلقا عند كل من أثبت ~~الذوات # وليس له أن يقول فمقصودي أننا متفقون على الإقرار بما لا يقبله الوهم ~~والخيال فإن هذا باطل من وجوه # أحدها أنه لا فرق بين العقل والاعتقاد والعلم والوهم والخيال والظن من ~~هذا الباب # الثاني إن مورد النزاع قد قيل إنه معلوم بالفطرة انتفاؤه عقلا وموقع ~~الإجماع ليس كذلك # الثالث إن موقع النزاع معلوم الانتفاء بالوهم والخيال وموقع الإجماع إنما ~~يقال فيه إن الوهم عاجز عنه كما بين ذلك # الرابع أن إثبات صفات لا تعلم كيفيتها لذات لا تعلم كيفيتها ليس ممتنعا ~~في العقل ولا في الوهم والخيال إنما الممتنع ثبوت ذات قائمة بنفسها لا داخل ~~العالم ولا خارجه PageV01P099 # الخامس أنه إذا عرض على الفطرة وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه نفت ~~ذلك وأنكرته وقضت بعدمه وإذا عرض عليها يد ليست جسما كأيدي المخلوقين وعلم ~~ليس عرضا كعلم المخلوقين لم يقض بعدم فهمه ومعرفته أو بعلمه من وجه دون وجه ~~ولهذا تنفر الفطرة عن الأول مالا تنفر عن الثاني # وتحرير الأمر أن يقال # الوجه السابع والسبعون أن لفظ الجسم والعرض والمتحيز ونحو ذلك ألفاظ ~~اصطلاحية وقد قدمنا غير مرة أن السلف والأئمة لم يتكلموا في ذلك حق الله لا ~~بنفي ولا بإثبات بل بدعوا أهل الكلام بذلك وذموهم غاية الذم والمتكلمون ~~بذلك من النفاة أشهر ولم يذم أحد من السلف أحدا بأنه مجسم ولا ذم المجسمة ~~وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره وذموا أيضا المشبهة الذين يقولون ~~صفاته كصفات المخلوقين ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعرض ونحو ذلك ما في ~~هذه الألفاظ من الاشتباه ولبس الحق كما قال الإمام أحمد يتكلمون بالمتشابه ~~من الكلام ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم # وإنما النزاع المحقق أن السلف والأئمة آمنوا بأن الله موصوف بما وصف به ~~نفسه وصفه به رسوله من أن له ms079 علما وقدرة وسمعا وبصرا ويدين ووجها وغير ذلك ~~والجهمية أنكرت ذلك من المعتزلة وغيرهم # ثم المتكلمون من أهل الإثبات لما ناظروا المعتزلة تنازعوا في الألفاظ ~~الاصطلاحية فقال قوم العلم والقدرة ونحوهما لا تكون إلا عرضا وصفة حيث كان ~~فعلم الله وقدرته عرض وقالوا أيضا إن اليد والوجه لا تكون إلا جسما فيد ~~الله ووجهه كذلك والموصوف بهذه الصفاة لا يكون إلا جسما PageV01P100 فالله ~~تعالى جسم لا كالأجسام قالوا وهذا مما لا يمكن النزاع فيه إذا فهم المعنى ~~المراد بذلك لكن أي محذور في ذلك وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول ~~أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم وأن صفاته ليست أجساما وأعراضا فنفي ~~المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل جهل ~~وضلال # قالوا وكذلك فالعقل ينفي ذلك بما دل على حدوث الجسم والعرض القائم به ~~قالوا لأنه لم يدل العقل على حدوث كل موصوف قائم بنفسه وهو الجسم وكل صفة ~~قائمة به وهو العرض والدليل المذكور على ذلك دليل فاسد وهو أصل علم الكلام ~~الذي اتفق السلف والأئمة على ذمه وبطلانه وسيأتي الكلام على هذا الدليل في ~~موضعه قالوا فلا معنى لإنكار ما هو الحق الثابت بالشرع والعقل لاستلزام ذلك ~~بطلان حجة مبتدعة أنكرها السلف والأئمة لأجل دعوى من ادعى من أهلها أنها ~~أصل الدين الذي لا يعلم الدين إلا به فإنما هو أصل الدين الذي ابتدعوه كما ~~قال تعالى @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ ~~4142 ليست أصلا لدين الله ورسوله بل أصل هذا الدين هو ما بينه الله ورسوله ~~من الأدلة كما هو مبين في موضعه إذ من الممتنع أن يبعث الله رسولا يدعو ~~الخلق إليه ولا يبين لهم الرسول أصل الدين الذي أمرهم به وهذا مبسوط في غير ~~هذا الموضع وعلى هذا التقدير فلا يكون فيما أثبته هؤلاء ما يخالف الوهم ~~والخيال فتنقطع مادة التزامه بالكلية PageV01P101 # وقال قوم بل نقول ما وصف ms080 الله به من العلم والقدرة تسمى صفة ومعنى ولا ~~نسميه عرضا لأن العرض هو ما يعرض ويزول وصفات الله لازمة بخلاف صفة المخلوق ~~فإنها عارضة والتزموا لذلك وغيره أن صفة المخلوقات وهي الأعراض لا يبقى شيء ~~منها زمانين ثم أئمة هؤلاء قالوا وكذلك ما وصف الله به نفسه من الوجه واليد ~~نقول إنه من جنس العلم والقدرة والإكرام بل ما وصف الله به نفسه من الوجه ~~واليد هو مما يوصف من الله ويوصف الله به ولا نسميه جسما لأنها تسمية ~~مبتدعة وموهمة معنى باطلا ولا نقول ذلك من جنس العلم والقدرة ونحوهما بل ~~نقول كما يعلم الفرق في صفاتنا بين العلم والقدرة وبين الوجه واليد ونحوهما ~~فإن الحقائق لا تختلف شاهدا ولا غائبا كما يفرق في حقنا بين العلم والقدرة ~~والسمع والبصر فلكل صفة من هذه خاصة ليست للأخرى كذلك هذه العقيدة في حق ~~الله وإن قيل إن ذلك يقتضي التكثر والتعدد وكذلك نفرق بين الوجه واليد ~~والعين وبين العلم والقدرة ونحو ذلك وإن قيل هذا يقتضي التجسيم والتركيب ~~والتأليف ونحو ذلك فسيأتي الكلام المفصل في هذا في موضعه إن شاء الله لكن ~~علمنا أن ذاته ليست مثل ذوات المخلوقين وعلمنا أن هذه الصفات جميعها ما ~~يفهم أنه عين يقوم بغيره وما يفهم منه أنه معنى قائم بغيره نعلم أن جميع ~~صفات الرب ليست كصفات المخلوقين فإن الشرع والعقل قد نفى المماثلة والشرع ~~والعقل يثبتان أصل الصفات كما يثبتان الذات فإن إثبات ذات لا تقوم بنفسها ~~ممتنع في العقل وإثبات قائم بنفسه يمتنع وصفة بهذه الصفات ممتنع في العقل ~~بل العقل يوجب أن الذات القائمة بنفسها لا تكون إلا بمثل هذه الصفات وعلى ~~قول هؤلاء فلم يثبت شيء على خلاف حكم الوهم والخيال PageV01P102 $ فصل # قال أبو عبدالله الرازي # التاسع أن أهل التشبيه قالوا إن العالم والباري موجودان وكل موجودين فأما ~~أن يكون أحدهما حالا في الآخر أو مباينا عنه قالوا والقول بوجوب هذا الحصر ~~معلوم بالضرورة قالوا والقول بالحلول محال ms081 فتعين كونه مباينا للعالم بالجهة ~~فبهذا الطريق احتجوا بكونه تعالى مختصا بالحيز والجهة وأهل الدهر قالوا ~~العالم والباري موجودان وكل موجودين فأما أن يكون وجودهما معا أو يكون ~~أحدهما قبل الآخر ومحال أن يكون العالم والباري معا وإلا لزم إما قدم ~~العالم أو حدوث الباري وهما محالان فثبت أن الباري قبل العالم ثم قالوا ~~والعلم الضروري حاصل بأن هذه القبلية لا تكون إلا بالزمان والمدة وإذا ثبت ~~هذا فتقدم الباري على العالم إن كان بمدة متناهية لزم حدوث الباري وإن كان ~~بمدة لا أول لها لزوم كون المدة قديمة فأنتجوا بهذا الطريق قدم المدة ~~والزمان # فنقول حاصل هذا الكلام أن المشبهة زعمت أن مباينة الباري تعالى عن العالم ~~لا يعقل حصولها إلا بالجهة وأنتجوا منه كون الإله في جهة وزعمت الدهرية أن ~~تقدم الباري على العالم لا يعقل حصوله إلا بالزمان وأنتجوا منه قدم المدة ~~وإذا ثبت هذا فنقول حكم الخيال إما أن يكون مقبولا في حق الله تعالى أو غير ~~مقبول فإن كان مقبولا فالمشبهة يلزم عليهم مذهب الدهرية وهو أن يكون الباري ~~متقدما على العالم بمدة غير متناهية ويلزمهم القول بكون الزمان أزليا ~~PageV01P103 والمشبهة لا يقولون بذلك والدهرية يلزم عليهم مذهب المشبهة وهو ~~مباينة الباري عن العالم بالجهة والمكان فيلزمهم القول بكون الباري مكانيا ~~وهم لا يقولون به فصار هذا التناقض وارد على الفريقين # وأما إن قلنا إن حكم الوهم والخيال غير مقبول البتة في ذات الله تعالى ~~وفي صفاته فحينئذ نقول قول المشبهة إن كل موجودين فلا بد وأن يكون أحدهما ~~حالا في الآخر أو مباينا عنه بالجهة قول خيالي باطل وقول الدهري إن تقدم ~~الباري على العالم لا بد وأن يكون بالمدة والزمان قول خيالي باطل وذلك هو ~~قول أصحابنا أهل التوحيد والتنزيه الذين عزلوا حكم الوهم والخيال في ذات ~~الله تعالى وصفاته وذلك هو المنهج القويم والصراط المستقيم # قلت والكلام على هذا من وجوه # أحدها أن تسمية هؤلاء أهل التشبيه مما ينازعونه فيه وذلك أن ms082 القوم متفقون ~~على إنكار التشبيه وذم المشبهة الذين يشبهون الله تعالى بخلقه ويجعلون ~~الخالق من جنس شيء من المخلوقات وهذا منتف عندهم كما أقر به هذا الرجل # ومعلوم أن كل من نفى شيئا من الصفات سمى المثبت لها مشبها فمن نفى ~~الأسماء من املاحدة الفلاسفة والقرامطة وغيرهم يجعل من سمى الله تعالى ~~عليما وقديرا وحيا ونحو ذلك مشبها وكذلك من نفى الأحكام يسمى من يقول إن ~~الله يعلم ويقدر ويسمع ويبصر مشبها ومن نفى الصفات من الجهمية والمعتزلة ~~وغيرهم يسمون من يقول إن لله علما وقدرة وأن القرآن كلام الله غير مخلوق ~~وأن الله تعالى يرى في الآخرة مشبها وهم من أكثر الطوائف لهجا بهذا الاسم ~~وذم PageV01P104 أصحابه ولهذا كان السلف إذا رأوا الرجل يكثر من ذم المشبهة ~~عرفوا أنه جهمي معطل لعلمهم بأن هذا الاسم قد أدخلت الجهمية فيه كل من آمن ~~بأسماء الله تعالى وصفاته ومن نفى علو الله على عرشه يسمى المثبت لذلك ~~مشبها ومن نفى الصفات الخبرية والعينية يجعل من أثبتها مشبها وإذا كان هذا ~~اللفظ فيه عموم وخصوص بحسب اعتقاد المتكلمين به واصطلاحهم وقد علم أن ~~الرازي وأشباهه تسميهم المعتزلة وغيرهم مشبهة فإن كان ينفي عن نفسه هذا ~~الاسم بما يقوله من التنزيه فكذلك حال غيره سواء مع أن هذا الاسم ليس له ذم ~~بلفظه في الكتاب والسنة # وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى المازني مصنفا سماه تنزيه أئمة ~~الشريعة عن الألقاب الشنيعة ذكر فيه من كلام السلف والأئمة في هذا الباب ~~كلاما كثيرا لا يحضرني الساعة قال أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة حكى ~~إسماعيل بن زرارة قال سمعت أبا زرعة الرازي يقول المعطلة النافية الذين ~~ينكرون صفات الله التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه ~~وسلم ويكذبون بالأخبار الصحيحة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الصفات ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة ~~وينسبون رواتها إلى لتشبيه فمن نسب الواصفين ربهم ms083 تبارك وتعالى بما وصف به ~~نفسه في كتابه PageV01P105 وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من غير تمثيل ~~ولا تشبيه فهو معطل ناف ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة ~~نافية كذلك كان أهل العلم يقولون منهم عبدالله بن المبارك ووكيع بن الجراح ~~وذكره أيضا أبو القاسم التيمي في كتابة الحجة في بيان المحجة # وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني في اعتقاده ~~المشهور وعلامة أهل البدع شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه ~~وسلم واحتقارهم لهم وتسميتهم إياهم حشوية وجهلة وظاهرية ومشبهة اعتقادا ~~منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بمعزل من العلم وأن العلم ~~ما يلقيه الشيطان إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة ووساوس صدورهم المظلمة ~~وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير العاطلة وحججهم بل شبههم الداحضة الباطلة ~~بل أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم @QB@ ومن يهن الله فما له ~~من مكرم إن الله يفعل ما يشاء @QE@ 1822 # فلو قال الرازي بدل المشبهة مثبتة الصفات الخبرية والعينية الذاتية أو ~~مثبتة العلو أو جهة العلو لكان في ذلك من العدل ما ليس في هذا الاسم ~~PageV01P106 # وأيضا فإنه قد صرح في أجل كتبه وهو نهاية العقول أن المجسمة القائلين ~~بالجهة وغيرها ليسوا مشبهة وكذلك رد على من كفرهم لكونهم مشبهة فتبين ن ~~التشبيه إن كان المراد به إثبات مثل لله عز وجل فهم لا يقولون بذلك وإن كان ~~المراد إثبات وصف مشترك فهذا لازم لجميع الناس وهذا قول أئمته في المجسمة # قال أبو المعالي باب نفي المثل والتشبيه عن الله من صفات نفس القديم ~~تعالى مخالفة للحوادث فالرب سبحانه وتعالى لا يشبه شيئا من الحوادث ولا ~~يشبهه شيء منها والكلام في هذا الباب من أعظم أركان الدين فقد غلت طائفة في ~~النفي فعطلت وغلت طائفة بالإثبات فشبهت وألحدت فأما الغلاة في النفي فقالوا ~~الإشراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه وقالوا على هذا القديم ~~سبحانه لا يوصف بالوجود بل يقال ليس بمعدوم فكذلك ms084 لا يوصف بأنه حي عالم بل ~~يقال ليس بعاجز ولا جاهل ولا ميت وهذا مذهب الفلاسفة والباطنية وأما الغلاة ~~في الإثبات فاعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم سبحانه الحوادث فإنهم ~~أثبتوا له الصورة والجوارح والاختصاص بالجهات والتركيب والأقدار والنهايات ~~ومن غلاتهم من يثبت للقديم تعالى عن قولهم اللحم والدم والهيئة ويقولون ~~بقدم الأرواح وصاروا إلى أنها من ذات القديم سبحانه وإنها تحل الأشخاص # فإن قال قائل ما معنى التشبيه قلنا قد يطلق التشبيه والمراد منه اعتقاد ~~المشابهة ويطلق والمراد منه الإخبار عن تشابه المتشابهين ويطلق ويراد به ~~إثبات فعل على مثال فعل فإن قيل فهل تسمون غلاة المجسمة مشبهة قلنا ~~PageV01P107 قال أبو الحسن في بعض كتبه نسميهم مشبهة وإن لم يصرحوا بلفظ ~~التشبيه بل أبوه وامتنعوا منه فإن الأمة مجمعة على أن من أثبت لله الجوارح ~~والأعضاء والصورة واللحم والدم والتأليف فقد شبه ربه بخلقه فلا ينفعه بعد ~~ذلك نفي سمة التشبيه عن نفسه بالقول بأنه جسم وشخص بلا كيف أو أنه على صورة ~~الإنسان بلا كيف # وقال في بعض كتبه المشبهة من يعترف بالتشبيه ويلتزمه وأما من ينكره فلا ~~نسميه مشبها إذ حقيقة المثلين المشتبهان في جميع صفات النفس وليس كلما يلزم ~~صاحب مذهب نظرا يجوز وصفه ابتداءا # فإن قيل هل تكفرون الغلاة منهم قلنا القول في التكفير سيأتي في موضعه إن ~~شاء الله تعالى وبالجملة كل من شبهه فيما يطلقه من القول أو يعتقده بظاهر ~~من الكتاب والسنة ولم يرد على ما ورد التعبد به ولا يفسره بما يوهم السامع ~~تشبيها مع اعتقاد التقديس والتنزيه عن سمات الحدث فالأمر فيه قريب # هذا كله كلام أبي المعالي وأصحابه فقد ذكر في تسمية غلاة المجسمة مشبهة ~~قولين لأبي الحسن والمنصور عندهم هو القول الثاني وإن لازم المذهب ليس ~~بمذهب فأما المجسمة غير الغلاة فلا يسمون مشبهة على القولين ومعلوم أن ~~القائلين بالعلو على العرش بل بالجهة ليسوا بذلك من الغلاة بلا نزاع سواء ~~صرحوا بأنه جسم غير مركب أو قالوا ms085 بالتركيب أو نفوهما جميعا إذ القول بأن ~~الله تعالى نفسه فوق العالم هو قول الصفاتية من الكلابية والكرامية وأئمة ~~الأشعرية مع جميع طوائف المسلمين فيمتنع إطلاق اسم المشبهة على هؤلاء وإنما ~~يطلقه عليهم الجهمية من المعتزلة ونحوهم وغلاة المجسمة عنده الذين ذكر ~~PageV01P108 فيهم قولين هم الذين يثبتون مع التجسيم صورة الإنسان أو يثبتون ~~له اللحم والدم كما ذكره # ومع هذا كله فالأسماء التي تعلق بها الشريعة المدح والذم والحب والبغض ~~والموالات والمعادات والطاعة والمعصية والبر والفجور والعدالة والفسق ~~والإيمان والكفر هي الأسماء الموجودة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة فأما ~~سوى ذلك من الأسماء فإنما تذكر للتعريف كأسماء الشعوب والقبائل فلا يجوز ~~تعليق الأحكام الشرعية بها بل ذلك كله من فعل أهل الأهواء والتفرق ~~والاختلاف الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كحال من يعلق الموالات والمعاداة ~~بأسماء القبائل أو البلدان أو المذاهب المتبوعة في الإسلام كالحنفية ~~والمالكية والشافعية والحنبلية والمشايخ ونحوهم # وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر يذم في الكتاب والسنة ولا كلام ~~أحد من الصحابة والتابعين ولكن تكلم طائفة من السلف مثل عبدالرحمن بن مهدي ~~ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ونعيم بن حماد وغيرهم بذم ~~المشبهة وبينوا المشبهة الذين ذموهم أنهم الذين يمثلون صفات الله بصفات ~~خلقه فكان ذمهم لما في قولهم من مخالفة الكتاب والسنة إذ دخلوا في التمثيل ~~إذ لفظ التشبيه فيه إجمال واشتراك وإيهام بخلاف لفظ التمثيل الذي ذل عليه ~~القرآن ونفى موجبه عن الله عز وجل # الوجه الثاني أن هذه الحجة يحتج بها طوائف من متكلميهم من الكرامية ~~وغيرهم وإلا فجمهورهم لا يحتاجون إلى قياس شمولي في هذا الباب PageV01P109 ~~بل عندهم أن علو الله على العرش معلوم بالفطرة الضرورية وقد تواطأت عليه ~~الآثار النبوية واتفق عليه خير البرية ويقولون نفي ذلك تعطيل للصانع معلوم ~~بالضرورة العقلية فلو فرض أن هذا القياس عارضه ما أبطله لم يبطل ما علموه ~~بالفطرة الضرورية من أن الله فوق خلقه وأنه يمتنع كونه لا داخل العالم ms086 ولا ~~خارجه ولا يلزم من كون العبد مضطرا إلى العلم بحكم الشيء المعين أن يجعل ~~نقيض ذلك قضية عامة كلية فإن العلم بالمعين الموجود يلزمه نفي النقيض وذلك ~~شيء غير العلم بنفي المطلق الكلي وطوائف من أهل الفطرة الصحيحة والأثبات ~~للشريعة يعلمون أن الله تعالى فوق العالم ولا يخطر بقلوبهم تقدير وجود ~~موجود لا داخل العالم ولا خارجه حتى ينفوه إذ الأقوال المنافية للإيمان لا ~~يجب أن تخطر لكل مؤمن لكن لما حدث من ابتدع هذا النفي تكلم المسلمون في رده ~~تارة ببيان أن الله تعالى فوق خلقه من غير تعرض لغيره وتارة ببيان استحالة ~~نقيض ذلك وتارة ببيان استحالة وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ومن علم ~~أن الله عز وجل فوق العالم نفى أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه وأما هل ~~يمكن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه فقد يخطر بقلبه وقد لا يخطر # الوجه الثالث أن هذه الحجة المذكورة ليست نظير ما ذكره من حجة الدهرية ~~وذلك أن هؤلاء قالوا الخالق والمخلوق موجودان فكل موجودين فإما أن يكون ~~أحدهما حالا في الآخر أو بائنا عنه وكذلك إذا قيل إما أن يكون أحدهما داخلا ~~في الآخر أو خارجا منه وكذلك إذا قيل إما أن يكون أحدهما متصلا بالآخر ~~مقارنا له أو منفصلا عنه بائنا منه ثم قالوا وليس هو فيه فوجب أن يكون ~~خارجا منه وهذا مقصودهم فنظيره أن يقال الباري والعالم موجودان وكل موجودين ~~فإما أن يكون وجودهما معا وهما متقارنان وإما PageV01P110 أن يكون أحدهما ~~قبل الآخر وليس مع العالم مقارنا له فوجب أن يكون متقدما عليه وهذا حق فهذا ~~تمام الموازنة والمعادلة بين الحجتين # فالأولى دلت أن الباري تعالى خارج عن العالم ليس فيه وهذه دلت على أن ~~الباري سابق للعالم لم يقارنه العالم وكذلك قال سبحانه @QB@ هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن @QE@ 6057 وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت ms087 الظاهر فليس ~~فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء والباري سبحانه وتعالى فوق العالم ~~فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة كما أن التقدم على الشيء قد يقال إنه بمجرد ~~الرتبة كما يكون بالمكان مثل تقدم العالم على الجاهل وتقدم الإمام على ~~المأموم فتقدم الله على العالم ليس بمجرد ذلك بل هو قبله حقيقة فكذلك العلو ~~على العالم قد يقال إنه يكون بمجرد الرتبة كما يقال العالم فوق الجاهل وعلو ~~الله على العالم ليس بمجرد ذلك بل هو عال عليه علوا حقيقيا وهو العلو ~~المعروف والتقدم المعروف فهذا هو الذي يدل عليه ما ذكره من الموازنة ~~والمقابلة وكلاهما حق يقولون به فعلم أن الحجة عليه لا له # الوجه الرابع أن هذه المعارضة قد أخذها الرازي ممن احتج بها قبله كأبي ~~المعالي وذويه فإنهم ذكروها في مسألة حدوث العالم وذكروها في مسألة الجهة ~~لما أورد عليهم كل واحدة من الطائفتين ما عارضهم به من القضيتين الفطريتين ~~فظنوا أنهم بهذا الإلزام يخلصون من معارضة الطائفتين ويجعلون ذلك دليلا على ~~أنها من حكم الوهم ومع هذا لم يخلصوا بذلك من معارضة الطائفتين بل ادعوا ما ~~يخالف العقل الصريح وكان ذلك مما سلط PageV01P111 عليهم الفلاسفة الدهرية ~~رأوا احتجاجهم بهذه الحجة الضعيفة وكان ذلك مما سلط عليهم المسلمون ~~المثبتون وهذا كما ذكره الإمام أحمد في مناظرة جهم للسمنية # فهكذا أجاب أهل الكلام الذين تكلموا في مناظرة الكفار وأهل الأهواء في ~~المذاهب والحجج بما ليس موافقا للشريعة وما ينكره العقل الصريح فصاروا كمن ~~جاهد الكفار جهادا ظلمهم به وخرج فيه عن الشريعة وظلم فيه المؤمنين جميعا ~~حتى كان مضرة ذلك الجهاد على المسلمين وعلى أنفسهم وعلى عدوهم أكثر من ~~منفعته وقد بسطنا الكلام في أمثال هذا في غير هذا الموضع # ثم غاية ذلك أنه جواب إلزامي لا علمي وهو لا ينفع لا للناظر ولا للمناظر ~~وذلك أن المثبت إذا قال لهم كل موجودين فإما أن يكون أحدهما حالا في الآخر ~~أو بائنا عنه كان من المعروف بنفسه أن ms088 هذا حكم الفطرة الإنسانية الموجودة ~~لبني آدم وهذه الفطرة الضرورية لا تندفع بمعارضة ولا جدل فإذا قالوا هذا من ~~حكم الوهم الباطل وبمنزلة قول الدهرية من الفلاسفة وغيرهم كل موجودين فإما ~~أن كون أحدهما متقدما على الآخر أو مقارنا قيل له هب أن الأمر كذلك فهذا ~~الذي مثلت به هو حق أيضا تقبله الفطرة وتحكم به فإذا قال هذا من حجة ~~الدهرية القائلين بقدم العالم فإذا صححناه لزمنا القول بقدم العالم وهو ~~باطل وما استلزم الباطل فهو باطل قيل له هذه القضية معلومة بينة بنفسها ~~فطرية ضرورية وأما كونها مستلزمة للقبول بقدم العالم فهذا ليس بين ~~PageV01P112 ولا معلوم بل أنت تقوله وقد يكون هذا من ضعف جوابك عن دعوى ~~التلازم فلما عجزت عن الجواب سلمت التلازم # الوجه الخامس أن يقول هب أنا نفرض تلازمهما فالعلم بهذه القضية التي ~~ألزمتموني نفيها لأنفي معها الأولى التي إثباتها أبين في العقول من كون ~~العالم الذي هو عندكم جميع الأجسام وصفاتها محدث ليس شيء منها بقديم ~~فالاحتجاج على بطلان هذه المقدمة ببطلان هذا اللازم الذي هو أخفى منها عكس ~~الواجب بل إن صح هذا التلازم كان بعض قول الفلاسفة أصح من قولكم يا معشر ~~المناظرين لهم والله تعالى لم يأمرنا أن ندفع الأقوال الباطلة من أقوال ~~الكفار وغيرها بالأقوال الباطلة بل أمرنا أن نكون قوامين بالقسط شهداء لله ~~وأن لا نقول على الله إلا الحق ولا نقفوا ما ليس لنا به علم قال الله تعالى ~~@QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وإذا قلتم فاعدلوا @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ~~للتقوى @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ألم ms089 يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على ~~الله إلا الحق @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن ~~الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا أرسلناك بالحق ~~بشيرا ونذيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين @QE@ وقال تعالى @QB@ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن @QE@ PageV01P113 وليس من الأحسن أن يدفع ~~الباطل بالباطل أو أن نرد ما علمناه بالفطرة والضرورة لظننا أن المبطل يدفع ~~به الحق وقال تعالى @QB@ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون ~~فيما ليس لكم به علم @QE@ فذم الله من جادل في الحق بعد ما تبين ومن حاج ~~فيما ليس له به علم ومن أبين الحق ما كان معلوما بالفطرة فكيف يجوز أن ~~يجادل أحد فيه فيدفعه وإن كان هذا مشتبها على أحد كان ما ليس له به علم ~~وليس لأحد أن يحاج فيما ليس له به علم وهذا أصل عظيم ومن أعظم ما ذم به ~~السلف والأئمة أهل الكلام والجدل وإن جادلوا الكفار وأهل البدع أنهم ~~يجادلون بالباطل في الحجج وفي الأحكام فتدبر هذا واحترس منه فإنه من توقاه ~~الله تخلصت له السنة من البدعة والحق من الباطل والحجج الصحيحة من الفاسدة ~~ونجا من ضلال المتفلسفين وحيرة المتكلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم # الوجه السادس إن كل واحدة من الطائفتين تقول لهم إذا عارضهم بمذهب ~~الآخرين ما يبطل هذه المعارضة فيقول المثبت للعلو من المسلمين وسائر أهل ~~الملل والفلاسفة الصابئين والمشركين وغيرهم أنا أعلم بفطرتي أن الموجود إما ~~أن يكون محايثا لغيره أو مباينا له وقولك إن هذا مثل قول الفيلسوف الدهري ~~الموجودان إما أن يكون أحدهما مع الآخر أو قبله هو أيضا معلوم لي وقولك إن ~~هذا يستلزم تقدم العالم أنا لا أجزم ms090 بهذه الملازمة نفيا ولا إثباتا # وقد يقول أيضا أنا لا أنظر في هذه المعارضة وسواء جزمت بثبوت الملازمة أو ~~انتفائها أو لم أجزم بشيء فأقول لا يخلو إما أن يكون ما ذكرته مستلزما ~~للقول بقدم جسم من الأجسام أو لا يكون فإن لم يكن مستلزما بطلت المعارضة ~~وإن كان مستلزما لقدم جسم من الأجسام فليس علمي بحدوث الأجسام الذي ~~PageV01P114 تسميه حدوث العالم أبين عندي من العلم بهذه القضية إذ هذه ~~المقدمة ضرورية فطرية وتلك تحتاج إلى مقدمات طويلة خفية وفيها نزاع كثير # ولا أيضا دلالة الكتاب والسنة على حدوث جميع الأجسام بأظهر من دلالة ~~الكتاب والسنة على أن الله تعالى فوق العالم بل القرآن مملوء بما يدل على ~~أن الله تعالى فوق العالم وهو دال على أن الله خلق السموات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ولكن هو يذكر مع ذلك أنه استوى على العرش والذي نطق به ~~القرآن في جميع الآيات لا يمكن أن يستدل به على أن جميع الأجسام محدثة إلا ~~بتوسط مقدمات مستنبطة بأن يبين أن هذا المذكور في القرآن هو الأجسام وأن لا ~~جسم إلا ما أخبر بخلقه وأما دلالة القرآن على العلو فلا تحتاج إلى مقدمات ~~مستنبطة فإذا كان العلم بأن الله تعالى فوق العالم أبين في الفطرة والشرعة ~~من كون الأجسام كلها محدثة لم يجب علي أن أترك ذلك المعلوم البين في الفطرة ~~خوفا أن يلزمني إنكار هذا الذي ليس هو مثله في ذلك وهذا الجواب بين ظاهر # وملخصه أن هذه الملازمة التي ذكرها وهو أن هذا يستلزم أن يقال هذا مثل ~~حجة الفلاسفة المستلزمة قدم الزمان إما أن تكون حقا في نفس الأمر أو باطلا ~~فإن كانت باطلا بطلت المعارضة وإن كانت حقا لزم إما ثبوت اللازم وإما ~~انتفاء الملزوم لا يلزم انتفاء الملزوم عينا وإذا كان كذلك فليس العلم ~~بانتفاء اللازم بأظهر من العلم بثبوت الملزوم بل ثبوت الملزوم أبين في ~~الشرع والعقل فلا يجوز على هذا التقدير انتفاء اللازم فلا تصح ms091 المعارضة ~~وهكذا يقول الفيلسوف وذلك يظهر # بالوجه السابع وهو أن الفيلسوف يقول وعلمي بأن الموجودين إما أن يكون ~~أحدهما مع الآخر أو قبله علم بديهي فطري وأما قولك إن هذا مثل قول المجسم ~~PageV01P115 الموجودان إما أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو بائنا عنه أقول ~~لا يخلو إما أن تكون هذه المماثلة حقا أو باطلا فإن كانت باطلا لم يرد علي ~~وإن كانت حقا وجب علي التزام المماثلة وذلك يقتضي أن أقول بثبوت النقيضين ~~جميعا أو انتفائهما جميعا لا يقتضي أن أثبت الزمانية وأنفي المكانية فإذا ~~كنت قد فرقت بينهما بإثبات هذه ونفي الأخرى أكون مخطئا في هذا التفريق لم ~~يتعين خطأي في المكانية حتى أنفيها وأسوي الأخرى بها في النفي بل إذا سويت ~~بينهما في الإثبات يلزمني أن أقول إن واجب الوجود مباين للعالم وإذا سويت ~~بينهما في النفي وسلم أن ذلك يبطل دلالة هذه الحجة على قدم العالم كان غاية ~~ما يلزمني إما بطلان القول بقدم العالم وإما بطلان دليل معين يدل على قدمه ~~ولا ريب أن قدم العالم أو صحة هذه الحجة أخفى وأبعد عن المعلوم من كون واجب ~~الوجود تعالى فوق العالم فإن الإقرار بهذا ثابت في الفطرة وقد تواتر عن ~~الأنبياء والرسل القول به فإذا كان على أحد التقديرين أخالف المعلوم بفطرتي ~~من العلوم الضرورية فأنفي كل واحد من القضيتين وأخالف الأنبياء والمرسلين ~~وعلى الآخر إنما أخالف الحجج الدالة على قدم العالم وأبطل هذه الحجة ~~المعينة كانت مخالفة هذه أولى في عقل كل عاقل وهذا لكلام في غاية الإنصاف ~~والبيان # فعلم أن ما ذكروه من المعارضة لم يندفع به واحدة من الطائفتين لا في ~~المناظرة ولا في نظر الإنسان بينه وبين ربه تعالى ولكن أوهموا هؤلاء بهؤلاء ~~وهؤلاء بهؤلاء والتزموا مخالفة الفطرة الضرورية العقلية التي اتفق عليها ~~العقلاء في كل من الإيهامين مع ما في ذلك من مخالفة الكتب والرسل ببعض ما ~~قالوه في كل واحدة من المسألتين مسألة حدوث الأجسام ومسألة علو الله تعالى ~~على ms092 خلقه PageV01P116 هذا كله إذا لم يكن في الفلاسفة من يقول بالجهة ولا ~~في المسلمين من يقول بقدم بعض الأجسام فكيف والمثبت للجهة يقول ما يقال في # الوجه الثامن وهو أن يقول غاية ما ألزمتني به من حجة الدهرية أن يقال ~~بقدم بعض الأجسام إذ القول بقدم الأجسام جميعها لم يقل به عاقل والقول بخلق ~~السموات والأرض لم تدل هذه الحجة على نفيه وإنما دلت إن دلت على قدم ما هو ~~جسم أو مستلزم لجسم وهذا مما يمكنني التزامه فإنه من المعلوم أن طوائف ~~كثيرة من المسلمين وسائر أهل الملل لا يقولون بحدوث كل جسم إذ الجسم عندهم ~~هو القائم بنفسه أو الموجود أو الموصوف فالقول بحدوث ذلك يستلزم القول ~~بحدوث كل موجود وموصوف وقائم بنفسه وذلك يستلزم بأن الله تعالى محدث # وهؤلاء يقولون لمناظريهم نحن نبين أن القول بحدوث كل ما يدخل في المعنى ~~الذي تسمونه جسما يستلزم حدث الباري تعالى ونبين أن قولكم أن الله تعالى ~~ليس بجسم يستلزم حدوث الباري أكثر مما تبينون أن القول بثبوته يستلزم حدوث ~~الباري كما سنبين أن نفي الجهة يستلزم القول بعدم الباري وهذا أمر قد بين ~~في غير هذا الموضع وبين أنما ذكره النفاة من حدوث كل جسم حجة باطلة مبتدعة ~~حتى ذكر أبو الحسن الأشعري أن هذه الحجة مخالفة لحجج الأنبياء والرسل ~~وأتباعهم وأنها محرمة عندهم # وإذا كان كذلك فتقول لهم مثبتة الجهة إذا كان تصحيح هاتين المقدمتين ~~الفطريتين يستلزم مع كون الباري تعالى فوق العالم مباينا له أن يكون ~~PageV01P117 من الأجسام ما هو قديم أمكنني التزام ذلك على قول طوائف من أهل ~~الكلام بل على قول كثير منهم ولم أكن في ذلك موافقا للدهرية الذين يقولون ~~إن الأفلاك قديمة أزلية حتى يقال هذا مخالف للكتاب والسنة أو هذا كفر بل ~~الذي نطق به الكتاب والسنة واتفق عليه المسلمون من خلق المخلوقات وحدوث ~~المحدثات أقول به وأما كون الباري جسما أو ليس بجسم حتى يقال الأجسام كلها ~~محدثة فمن المعلوم أن ms093 الكتاب والسنة والإجماع لم تنطق بأن الأجسام كلها ~~محدثة وأن الله ليس بجسم ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين فليس في تركي ~~لهذا القول خروج عن الفطرة ولا عن الشريعة بخلاف قولي بأن الله تعالى ليس ~~فوق العالم وأنه موجود لا داخل العالم ولا خارجه فإن فيه من مخالفة الفطرة ~~والشرعة ما هو بين لكل أحد وهو قول لم يقله إمام من أئمة المسلمين بل قالوا ~~نقيضه فكيف التزم خلاف المعقول الفطري وخلاف الكتاب والسنة والإجماع القديم ~~خوفا أن أقول قولا لم أخالف فيه كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا معقولا فطريا # بل يقول في الوجه التاسع هذه المعارضة تؤكد مذهبي وتقوية وتكون حجة ثانية ~~لي على صحة قولي فإن احتججت علي بأن الله تعالى مباين للعالم بأن الموجودين ~~إما أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو محايثا له فقلتم هذا معارض بقول ~~الفيلسوف إن الموجودين إما أن يكون أحدهما متقدما على العالم أو مقارنا له ~~وذلك يستلزم القول بقدم الزمان المستلزم للقول بقدم بعض الأجسام فأقول إذا ~~كانت هذه الحجة التي عارضتموني بها مستلزمة لكون بعض الأجسام قديمة من غير ~~أن تعين جسما أمكن أن يكون ذلك الذي يعنونه بأنه الجسم القديم هو الله ~~سبحانه وتعالى كما يقوله المثبتون وأن ذلك هو ملازم لقولنا إنه موصوف وقائم ~~بنفسه ونحو ذلك فتكون هذه الحجة التي عارضتم بها دليلا على أن الله ~~PageV01P118 تعالى جسم بالمعنى الذي ذكرتموه الذي تقول إنه ملازم لكونه ~~موصوفا وقائما بنفسه وإن نازعتم في الملازمة وذلك يدل على صحة الحجة الأولى ~~بالاتفاق فإن الجسم وما يقوم به إما أن يكون مباينا لغيره وإما أن يكون ~~محايثا له أو حالا فيه وهذا متفق عليه فإنكم لا تنازعون في أن الجسم أو ما ~~يقوم به إما مباينا لغيره أو محايثا له وإذا كان موجب الحجة التي ألزمتموني ~~إياها يلزمني أن أقول هو جسم وذلك يستلزم أن يكون مباينا للعالم كان هذا ~~الذي ألزمتموني به حجة ثانية على أنه مباين ms094 للعالم فأردتم معارضة كل حجة ~~بالأخرى ليكون ما قلتموه من تناقض الحجتين نافيا لكونه مباينا للعالم ولكون ~~كل جسم محدثا فتبين أن الحجتين متعاونتان متصادقتان وأن كل واحدة منهما تدل ~~على أنه تعالى مباين للعالم # ويقول في الوجه العاشر إذا كانت إحدى هاتين المقدمتين الضرورتين تستلزم ~~أنه مباين للعالم والأخرى تستلزم أنه جسم فقد ثبت بموجب هاتين المقدمتين ~~صحة قول القائلين بالجهة وقول القائلين بأنه جسم وكونه جسما يستلزم القول ~~بالجهة كما توافقون عليه وقول القائلين بالجهة يستلزم أيضا القول بالجسم ~~كما تقولون أنتم وأكثر العقلاء خلاف ما يقوله قدماء أصحابكم إن نفي الجسم ~~مستلزم لنفي الجهة والعلو على العرش وأن ثبوت العلو على العرش يستلزم ثبوت ~~الجسم فإذا تكون كل واحدة من هاتين المقدمتين الفطريتين دليل على كل واحد ~~من هذين المطلوبين وكل من المطلوبين دليلا على الآخر فصار على كل واحد من ~~هذين المطلوبين أربع حجج وهي مبنية على مقدمات فطرية فقد بين هذا أن ما ~~ذكرتموه معارضة للنفاة لتبطلوا به حجتهم هو من أعظم الحجج على صحة قولهم ~~PageV01P119 # وكذلك أيضا قول الفيلسوف في # الوجه الحادي عشر وهو أن يقول هذا الذي عارضتموني به في مسألة الزمان ~~أكثر ما يوجب علي أن أقول بالجهة والقول بالجهة هو قول أئمة الفلاسفة كما ~~ذكرناه فيما مضى عن القاضي أبي الوليد ابن رشد الفيلسوف الذي هو من أتبع ~~الناس لأقوال آرسطو وذويه وأنه قال القول في الجهة وأما هذه الصفة فلم يزل ~~أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه وتعالى حتى نفتها المعتزلة ~~ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله قال ~~وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة مثل قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ ومثل قوله @QB@ وسع كرسيه السماوات والأرض @QE@ ومثل قوله @QB@ ويحمل ~~عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ ومثل قوله @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة @QE@ ومثل قوله @QB@ تعرج ~~الملائكة والروح إليه @QE@ ومثل قوله @QB@ أأمنتم من في السماء ms095 أن يخسف بكم ~~الأرض فإذا هي تمور @QE@ إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها ~~عاد الشرع كله مؤولا متشابها لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله تعالى في ~~السماء وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن من السماء نزلت ~~الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة ~~المنتهى قال وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى والملائكة في ~~السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى ~~نفيها هو أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان ~~يوجب إثبات الجسمية # وقد تقدم ذكرنا لبقية كلامه بألفاظه وأنه قرر أن ما فوق العالم ~~PageV01P120 وهو الجهة ليس مكانا على اصطلاح الفلاسفة إذ المكان عند آرسطو ~~هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي إلى ~~أن قال وقد قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة إن ذلك الموضع ~~هو مسكن الروحانيين يريدون الله والملائكة إلى أن قال فقد ظهر من هذا أن ~~إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذي جاء به الشرع وابتنى عليه فإن ~~إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع فقد حكى اتفاق الحكماء على إثبات الجهة ~~قال وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى والملائكة في السماء وأن ~~مما قيل في الآراء السالفة والشرائع الغابرة إن ذلك الموضع يعني ما فوق ~~العالم هو مسكن الروحانيين يريدون الله تعالى والملائكة وتصريحهم في هذا ~~بلفظ المسكن يشبه ما ذكره الأشعري أن المسلمين جميعا إذا نابتهم نائبة ~~يقولون يا ساكن العرش # فقد ظهر بهذا أنما ذكره من التناقض على المجسمة والفلاسفة لا يرد على ~~واحدة منهما بل يمكنهم نفي هذا التناقض $ فصل # لفظ الظرف فيه اشتراك غلط بسببه أقوام فإن الظرف في اللغة قد يعنى به ~~الجسم الذي يوعى فيه غيره فيظن إذا استعملت هذه الأدوات في حق الله تعالى ~~أنه محل المخلوقات تكون في جوفه وأنها محل له يكون في جوفها وهذا مما ms096 يعلم ~~قطعا أن هذه الأدوات لم تدل على ذلك في حق الله تعالى البتة بل النحاة سموا ~~الألفاظ التي يعبر بها العرب عن المعاني التي هي أعم من ذلك بالظروف حتى ~~يدخل في ذلك ما لا يحيط بالمظروف وأنواع متعددة وقد قال تعالى @QB@ ولو ترى ~~إذ وقفوا على ربهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم ~~عند ربهم @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإن استكبروا فالذين عند ربك ~~يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون @QE@ PageV01P121 وقال تعالى @QB@ ~~في مقعد صدق عند مليك مقتدر @QE@ وقال تعالى @QB@ وإنه في أم الكتاب لدينا ~~لعلي حكيم @QE@ وقال تعالى @QB@ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو @QE@ وقال تعالى @QB@ إن ~~الله عنده علم الساعة @QE@ # ولفظ مع من الظروف وقد أضيف اسم الله إليه فيما شاء الله من المواضع ~~وإضافته إلى الظرف أبلغ من إضافة الظرف إليه قال تعالى @QB@ يخافون ربهم من ~~فوقهم @QE@ وقال @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ وقال @QB@ تعرج الملائكة ~~والروح إليه @QE@ # وحق لمن يكون هذا وأمثاله كلامه إذا أراد الله رحمته أن يتوب منه كما قال ~~أبو المعالي عند الموت لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ~~ودخلت في الذي نهوني عنه والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن ~~الجويني وها أنا أموت على عقيدة أمي وروي على عقيدة عجائز نيسابور ولهذا ~~يقول مثل هؤلاء عليكم بدين العجائز فإن تلك العقيدة الفطرية التي للعجائز ~~خير من هذه الأباطيل التي هي من شعب الكفر والنفاق وهم يجعلونها من باب ~~التحقيق والتدقيق $ فصل # أبو عبدالله الرازي فيه تجهم قوي ولهذا يوحد ميله إلى الدهرية أكثر من ~~ميله إلى السلفية الذين يقولون إنه فوق العرش وربما كان يوالي أولئك أكثر ~~من هؤلاء ويعادي هؤلاء أكثر من أولئك مع اتفاق المسلمين على أن الدهرية ~~كفار ms097 وأن المثبتة للعلو فيهم من خيار المسلمين من لا يحصيه إلا الله تعالى ~~وقد صنف على مذهب الدهرية المشركين والصابئين كتبا حتى قد صنف في السحر ~~PageV01P122 وعبادة الأصنام وهو الجبت والطاغوت وإن كان قد أسلم من هذا ~~الشرك وتاب من هذه الأمور فهذه الموالاة والمعادات لعلها في تلك الأوقات ~~ومن كان بتلك الأحوال فهو قبل الإسلام والتوبة ومن فعل هذا كان له نصيب من ~~قوله تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين ~~لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا @QE@ إلى قوله @QB@ ألم تر إلى ~~الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا @QE@ إلى آخر الآيات # يقرر ذلك أنه احتج في مقدمة هذا العلم الشريف بكلام آرسطو معلم المشائين ~~من الدهرية ولم يكن عنده من أثارة الأنبياء والمرسلين ما يقدمه على كلام ~~الدهرية واحتج أيضا بما نقله عن أبي معشر البلخي والمنجم وهو من أتباع ~~الصابئين بل كان تارة من المشركين عباد الشمس والقمر وعبد القمر مدة كما ~~أخبر بذلك عن نفسه وصنفها صنف في ذلك وجواب الدهرية أنه قبل العالم وما فيه ~~من الزمان وقولهم والعلم الضروري حاصل بأن هذه القبلية لا تكون إلا بالزمان ~~والمدة PageV01P123 $ فصل # تنازع المسلمون في تسمية الله بالدهر ففي الصحيح عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر ولا ~~يقولن أحدكم للعنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم وفي الصحيح عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله عز وجل ~~يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار وفي رواية أخرى يؤذيني ~~ابن ms098 آدم يقول يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت ~~قبضتهما هذه ألفاظ مسلم # قال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات اعلم أن أبا بكر الخلال قال ~~أخبرني بشر بن موسى الأسدي قال سألت أبا عبدالله أحمد بن حنبل عن الدهر فلم ~~يجبني فيه بشيء قال القاضي وظاهر هذا أن أحمد توقف عن الأخذ بظاهر الحديث ~~وقال حنبل سمعت هارون الحمال يقول لأبي عبدالله كنا عند سفيان بن عيينة ~~بمكة فحدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تسبوا الدهر فقام فتح بن ~~سهل فقال يا أبا محمد نقول يا دهر ارزقنا فسمعت سفيان PageV01P124 يقول ~~خذوه فإنه جهمي وهرب فقال أبو عبدالله القوم يردون الآثار عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونحن نؤمن بها ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قوله قال القاضي وظاهر هذا أنه أخذ بظاهر الحديث ويحتمل أن يكون قوله ونحن ~~نؤمن بها راجع إلى أخبار الصفات في الجملة ولم يرجع إلى هذا الحديث خاصة # قال وقد ذكر شيخنا أبو عبدالله رحمه الله يعني ابن حامد هذا الحديث في ~~كتابه وقال لا يجوز أن يسمى الله دهرا والأمر على ما قاله لأنه قد روي في ~~بعض ألفاظ الحديث ما يمنع من حمله على ظاهره هذا ولم يرد في غيره من أخبار ~~الصفات ما دل على صرفه عن ظاهره فلهذا أوجب حملها على ظاهرها وذلك أنه روي ~~فيه أنه يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل ~~والنهار وفي لفظ آخر لي الليل والنهار أجدده وأبليه وأذهب بملوك وآتي بملوك ~~فتبين أن الدهر هو الليل والنهار خلق له وبيده وأنه يجدده ويبليه فامتنع أن ~~يكون إلا له وأصل هذا الخبر أنه ورد على سبب وهو أن الجاهلية كانت تقول ~~أصابني الدهر في مالي بكذا ونالتني قوارع الدهر ومصائبه فيضيفون كل حادث ~~يحدث بما هو جار بقضاء الله وقدره وخلقه وتقديره من مرض أو صحة أو غنى أو ms099 ~~فقد أو حياة أو موت إلى الدهر ويقولون لعن الله هذا الدهر والزمان ولذلك ~~قال قائلهم % أمن المنون وريبه تتوجع % والدهر ليس بمعتب من يجزع % $ # وقال تعالى @QB@ نتربص به ريب المنون @QE@ أي ريب الدهر وحوادثه وقال ~~سبحانه وتعالى @QB@ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا ~~إلا الدهر @QE@ فأخبر عنهم بما كانوا عليه من نسبة أقدار الله وأفعاله إلى ~~الدهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P125 لا تسبوا الدهر أي إذا ~~أصابتكم المصائب لا تنسبوها إليه فإن الله هو الذي أصابكم بها لا الدهر ~~وأنكم إذا سببتم الدهر وفاعل ذلك ليس هو الدهر # وقال أبو بكر الخلال سألت إبراهيم الحربي عن قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر وعن لا تسبوا الدهر ~~فإن الله هو الدهر قال كانت الجاهلية تقول الدهر هو الليل والنهار يقولون ~~الليل والنهار فعل بنا كذا فقال الله تعالى أنا أفعل ليس الدهر قال القاضي ~~فقد بين إبراهيم الحربي أن الخبر ليس على ظاهره وأنه ورد على سبب وذكر أبو ~~عبيد نحو ما ذكرنا فقال لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه وذلك أن ~~أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين واحتج به بعضهم فقال ألا تراه يقول فإن ~~الله هو الدهر قال وتأويله أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند ~~المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف فيقولون أصابتهم قوارع الدهر ~~وأبادهم الدهر وأتى عليهم الدهر فيجعلونه الذي يفعل ذلك فيذمونه عليه فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الذي فعل بكم هذه الأشياء أو يصيبكم ~~بهذه المصائب فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى وهو ~~الفاعل لها لا الدهر PageV01P126 $ فصل # القول بأن الله تعالى ليس فوق العرش أول من ابتدعه في الإسلام الجعد بن ~~درهم والجهم بن صفوان وشيعتهما وهم عند الأمة من شرار أهل الأهواء وقد أطلق ~~السلف من القول بتكفيرهم ما ms100 لم طلقوه بتكفير أحد وقالوا نحكي كلام اليهود ~~والنصارى ولا نحكي كلام الجهمية وقالوا اتفق المسلمون واليهود والنصارى على ~~أن الله تعالى فوق العرش وقالت الجهمية ليس فوق العرش وليس هذا قول أئمة ~~متكلمة الصفاتية لا أبي محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب ولا أبي العباس ~~القلانسي ونحوهما ولا قول أبي الحسن الأشعري وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري ~~والقاضي أبي بكر الباقلاني وغيرهم من أئمة الأشعرية الذين تزعم أنهم أصحابك ~~وإن قيل هؤلاء PageV01P127 متناقضون في أقوالهم لم يكن نفي قول الأثبات ~~الذين صرحوا به عنهم لقولهم بما يناقضه بأولى من نفي القول النافي عنهم ~~لقولهم ما يناقضه لا سيما إذا كان المعروف عنهم أن الأثبات آخر القولين ~~وإذا كان أبو المعالي والشهرستاني وطوائف غيرهما قد خالفوه من أئمة أصحابهم ~~وقدمائهم في الأثبات لم يجز أن يجعل قولهم هو قول أولئك بل نقل لمذهب إمامه ~~أنا قد ذكرنا بنقل العدول الأئمة أن أبا المعالي تحير في هذه المسألة في ~~حياته ورجع إلى دين أهل الفطرة كالعجائز عند مماته وكذلك الرازي أيضا حيرته ~~وتوبته معروفة وكذلك أئمة هؤلاء # ثم يقال هب أنه قول هؤلاء أفهؤلاء ومن وافقوه من المعتزلة هم أهل التوحيد ~~والتنزيه دون سائر النبيين والمرسلين والصحابة والتابعين وسائر أئمة ~~الفقهاء والصوفية والمحدثين وأصناف المتكلمين الذين لم يوافقوا هؤلاء في ~~هذا السلب بل يصرحون بنقيضه أو بما يستلزم وكلامهم في ذلك ملء العالم مع ~~موافقتهم للكتب المنزلة من السماء وللفطرة الضرورية التي عليها عموم ~~الدهماء والمقاييس العقلية السليمة عن المراء وقد ذكر هذا الإمام لأتباعه ~~أبو عبدالله الرازي في كتابه أقسام اللذات لما ذكر اللذة العقلية وأنها ~~العلم وأن أعرف العلوم العلم بالله لكنه العلم بالذات والصفات والأفعال ~~وعلى كل واحدة من ذلك عقدة هل الوجود هو الماهية أم قدر زائد وهل الصفات ~~زائدة على الذات أم لا وهل الفعل مقارن أو محدث ثم قال ومن الذي وصل إلى ~~هذا الباب أو ذاق من هذا الشراب PageV01P128 % نهاية إقدام العقول عقال ms101 % ~~وأكثر سعي العالمين ضلال % % وأرواحنا في وحشة من جسومنا % وحاصل دنيانا ~~أذى ووبال % % ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا % سوى أن جمعنا فيه قيل وقال % ~~$ # لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ولا ~~تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن إقرأ في الاثبات @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ ~~واقرأ في النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ ثم ~~قال ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ومثل هذا كثير عن هؤلاء أئمة هذه ~~المقالة النافية يعترفون بعدم العلم بها ويرجعون إلى ما عليه أهل الفطرة ~~وما عليه أهل الظاهر الحشوية عندهم فكيف يكونون هم أهل التوحيد والتنزيه مع ~~هذا الريب والشك والحيرة والتمويه # الوجه السادس والثلاثون أن يقال له دعواكم الرد على الدهرية بمثل جحد هذه ~~المقدمة وأمثالها مما تبين فيها أنكم جحدتم العلوم الفطرية أوقعكم في أمورا ~~أربعة # أحدها اتفاق سلف الأمة وأئمتها على ذمكم وذم كلامكم # الثاني نفور أهل الإيمان عن طريقكم وما قذف الله تعالى في قلوبهم من ~~البغض لذلك وهم شهداء الله تعالى في الأرض # الثالث طمع الفلاسفة الدهرية فيكم أهل جدل وكلام لا أهل علم وبرهان حتى ~~ارتد خلق كثير منكم إليهم بل أن ابن الراوندي PageV01P129 الذي يقال إنه من ~~شيوخ الأشعري صنف كتابه المسمى بكتاب التاج في قدم العالم موافقة للدهرية ~~وهؤلاء المدعون للتحقيق منكم كصاحب الفصوص وابن سبعين وأمثالهما يؤول بهم ~~الأمر إلى أن يقتصروا على قول الدهرية الذين يثبتون واجب الوجود ويفرقون ~~بين الواجب والممكن بل يجعلون وجوده وجود الممكنات ولا يجعلون له وجودا ~~خارجا عن وجود الأرض والسموات ويصرح من يصرح من فضلائهم بأن قولهم هو قول ~~فرعون وأنهم على قول فرعون فيأتون بقول الدهرية المتضمن لإنكار الصانع وهو ~~شر المقالات ويدعون أن هذا هو التحقيق والعرفان وسببه أنكم سلكتم بهم في ~~طريقة النفي والتعطيل التي لا تثبت للصانع وجودا مباينا للمخلوق وهذه يضطر ~~سالكها إلى أن لا يقول بموجود وراء ms102 العالم وهو محض قول الدهرية فكيف ~~تتبرؤون منهم وقولكم يؤول إليهم تصريحا أو لزوما # الرابع أن يقال له أنت معترف بعجزك عن مقاومة الدهرية وأنت في أكبر كتبك ~~المطالب العالمية ذكرت أدلة الفريقين القائلين بحدوث العالم وقدمه وضربت ~~هذه بهذه ولم ترجح شيئا بل ذكرت أن الكتب الإلهية والأدلة السمعية لم تبين ~~هذه المسألة وفي أجل كتبك الكلامية لم تحتج على حدوثه بحجة ظنية فضلا عن ~~علمية وادعيت أن ذلك لا يتم إلا بمقدمة تذكر في سائر كتبك أنها معلومة ~~الفساد بالضرورة وهو ترجيح أحد طرفي الممكن PageV01P130 بلا مرجح فمن تكون ~~هذه حاله كيف يدعي أنه وأصحابه أهل التوحيد والتنزيه دون المثبتين ~~والفلاسفة # وسبب ذلك أنهم أدخلوا في مسألة حدوث العالم حقا وباطلا وطلبوا إثباتهما ~~معا فلم ينهض دليل صحيح بإثبات باطل مع حق وطمع فيهم خصمهم لما رآه من ذلك ~~وإن كان كلام خصومهم فيها أيضا فاسدا متناقضا فالطائفتان فيها ضالتان وذلك ~~أن هذا وأصحابه سلكوا طريق المعتزلة التي التزموا حدوث الموصوفات بحدوث ~~صفاتها والتزموا على ذلك امتناع اتصاف الرب بصفة ولزمهم على ذلك وإن لم ~~يلتزموه حدوث كل قائم بنفسه بل حدوث كل موجود فكان ما ذكروه من الحجة ~~متضمنا حدوث الموجودات كلها ومعلوم أن الدليل على ذلك لا يكون حقا وقابلوا ~~بها من زعم أن من المخلوقات ما هو قديم كالعناصر والسموات وقابلوا باطلا ~~بباطل ثم إنهم اضطربوا في العلم بحدوث الصفات وحدوث موصوفاتها اضطرابا ~~ذكرناه في غير هذا الموضع ثم جاء هؤلاء فوافقوهم في المعنى دون العبارة ~~وزعموا أن الموصوف الذي سموا صفته عرضا يستدل على حدوثه بحدوث صفته وزعموا ~~أن شيئا من صفات المخلوقات لا يبقى زمانين وأن القابل لصفة لا يخلو منها ~~ومن ضدها وقود مقالتهم يوجب مثل تلك المقالة مع ما التزموه في مواضع من ~~المكابرات وإن كانوا في مواضع اعترفوا بالحق الذي أنكره أولئك # ومن تدبر عامة بدع الجهمية ونحوهم وجدها ناشئة عن مباحث هذه الدعوى ~~والحجة # ولهذا كان السلف والأئمة يذمون ms103 كلامهم في الجواهر والأعراض وبناءهم علم ~~الدين على ما ذكروه من هذه المقدمات وقد بسطنا الكلام في هذا في غير ~~PageV01P131 هذا الموضع قال الإمام أبو المظفر السمعاني والأصل الذي يؤسسه ~~المتكلمون والأصل الذي يجعلونه قاعدة علومهم مسألة العرض والجوهر وإثباتهما ~~وأنهم قالوا إن الأشياء لا تخلو من ثلاثة أوجه إما أن تكون جسما أو عرضا أو ~~جوهرا فالجسم ما اجتمع من الافتراق والجوهر ما احتمل الأعراض والعرض مالا ~~يقوم بنفسه وإنما يقوم بغيره وجعلوا الروح من الأعراض وردوا أخبار النبي ~~صلى الله عليه وسلم التي لا توافق نظرهم وعقولهم ولهذا قال بعض السلف إن ~~أهل الكلام أعداء الدين لأن اعتمادهم على حدسهم وظنونهم وما يؤدي إليه ~~نظرهم وفكرهم ثم يعرضون عليه الأحاديث فما وافقه قبلوه وما خالفه ردوه وأما ~~أهل السنة سلمهم الله تعالى فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب ووردت به ~~السنة ويحتجون له بالحجج الواضحة على حسب ما أذن فيه الشرع وورد به السمع ~~وذكر تمام الكلام # والمقصود أن هذا وأمثاله وإن كان في هذا المقام يتجوه بمخالفة الدهرية ~~وليس الرد على الدهرية معلوما من طريقهم بل طريقهم هم والدهرية فيها ~~متقابلون يقولون هؤلاء الحق تارة والباطل أخرى وكذلك أولئك وليس أذكياؤهم ~~على بصيرة فيها وسبب ذلك ما يجحدونه من الحق المعلوم وما يدعونه من الدعاوى ~~الباطلة والمشتملة على حق وباطل وإلا فلو كانت الحجج حقا محضا لم ينكرها ~~أحد من السلف والأئمة ولا كان للمخالفين طريق صحيح إلى هدمها # الوجه السابع والثلاثون إن تسميتك أصحابك أهل التوحد والتنزيه هو مما ~~اتبعتم فيه المعتزلة نفاة الصفات فإنهم فسروا التوحيد بتفسير لم يدل عليه ~~الكتاب والسنة ولا قاله أحد من سلف الأمة وأئمتها كما سيأتي الكلام عليه إن ~~شاء الله PageV01P132 تعالى وادعوا أن من أثبت الصفات لم يكن موحدا لأن ~~الواحد عندهم الذي لا يعقل فيه ما تميز منه شيء عن شيء أصلا وثبوت الصفات ~~يقتضي الكثرة والذي جعلوه واحدا لا ينطبق إلا على معدوم ممتنع كما سيأتي ~~بيان ms104 # ومن المعلوم أن التوحيد الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه هو ما دل ~~عليه الكتاب والسنة والإجماع مثل عبادة الله وحده لا شريك له فمن عب غيره ~~كان مشركا ولم يكن موحدا وإن أقر أنه خالق كل شيء كما قال تعالى @QB@ وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإلهكم ~~إله واحد @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو ~~إله واحد @QE@ وأمثال هذه الآيات # وأما تفسير التوحيد بما يستلزم نفي الصفات أو نفي علوه على العرش بل بما ~~يستلزم نفي ما هو أعم من ذلك فهو شيء ابتدعته الجهمية لم ينطق به كتاب ولا ~~سنة ولا إمام وكذلك جعل التشبيه ضد التوحيد وتفسير التشبيه بما فيه إثبات ~~الصفات هو أيضا باطل فإن التوحيد نقيضه الإشراك بالله تعالى والتمثيل له ~~بخلقه وإن كان ينافي التوحيد فليس المراد بذلك ما يسمونه هم تشبيها فإنهم ~~يسمون المعاني بأسماء سموها هم وآباؤها ما أنزل الله بها من سلطان فمن بنى ~~على ذلك الحمد والذم ومن علق الحمد والذم بأسماء ليست مما أنزل الله بها ~~سلطانا بين فيه ما يحمده وما يذمه فقد ابتدع من الدين ما لم يأذن به الله ~~تعالى وليس هذا موضع بسط PageV01P133 هذا وتبيينه إذ كل من كان إلى التعطيل ~~أقرب وعن القرآن والإسلام أبعد كان أحق بهذا المعنى الذي تسميه التوحيد ~~والتنزيه # فإن المعتزلة أحق منهم بهذا لأنهم أحق بنفي الصفات والكثرة وأحق بنفي ~~الأمور التي يجعلون إثباتها تشبيها والفلاسفة أحق من المعتزلة بهذا وأهل ~~وحدة الوجود أحق بهذا من الفلاسفة ولهذا يدعون من التوحيد والتحقيق ~~والعرفان بحسب هذا الوضع والاصطلاح الذي ابتدعوه مالا يمكن هؤلاء رده إلا ~~بنقض الأصول المبتدعة التي وافقوهم عليها ومن المعلوم أن الوجود المطلق ليس ~~شيئا له وجود في الخارج مطلقا حتى يوصف بوحدة ms105 ولا كثرة وإنما حقيقة قولهم ~~قول أهل التعطيل الذين هم شرار الدهرية فظهر أن توحيدهم هذا وتنزيههم هذا ~~دهليز التعطيل والزندقة وأن من كان أعظم تعطيلا وإلحادا كان أحق بتوحيدهم ~~وتنزيههم هذا وهذا بخلاف ما كان من أهل الإثبات المقرين بالتوحيد والتنزيه ~~الذي جاءت به الرسل عليهم السلام ونزلت به الكتب التوحيد العلمي القولي ~~كالتوحيد الذي دلت عليه السورة التي هي صفة الرحمن وهي تعدل ثلث القرآن ~~والتوحيد العملي الإرادي الذي دلت عليه السورة التي هي براءة من الشرك وهما ~~سورتا الإخلاص فإن هؤلاء الموحدين كلما حققوا هذا التوحيد بعدوا عن أهل ~~الشرك والتعطيل وتبرؤوا منهم كما قال إمامهم إبراهيم لقومه @QB@ إنني براء ~~مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين @QE@ وقال @QB@ أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ وقال @QB@ ~~يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ~~وما أنا من المشركين @QE@ وقال تعالى @QB@ قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ~~كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ~~@QE@ PageV01P134 # الوجه الثامن والثلاثون قوله أهل التوحيد والتنزيه الذين عزلوا حكم الوهم ~~والخيال في ذات الله تعالى وصفاته يقال له قد تقدم الكلام على هذا اللفظ ~~المجمل غير مرة # ثم يقال له لا ريب أن الله تعالى أنزل كتابه بيانا للناس وهدى وشفاءا ~~وقال تعالى فيه @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ وقال @QB@ ~~ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء @QE@ وقال @QB@ إن هذا القرآن يهدي ~~للتي هي أقوم @QE@ وقال @QB@ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى @QE@ وقال ~~@QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ~~@QE@ وقال @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من ms106 نشاء من عبادنا @QE@ وقال @QB@ فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ~~@QE@ وقال @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام @QE@ وقالت الجن @QB@ إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى ~~الرشد فآمنا به @QE@ وقص الله تعالى ذلك عنهم على سبيل التصديق لهم في ذلك ~~والثناء عليهم بهذا القول وكذلك قولهم @QB@ يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل ~~من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم @QE@ ~~وأمثال هذا كثير # وقد بين الله تعالى ما يتقي من القول فيه والظن فقال تعالى @QB@ قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ وقال عن ~~الشيطان PageV01P135 @QB@ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق @QE@ وقال @QB@ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون ~~فيما ليس لكم به علم @QE@ وقال @QB@ يجادلونك في الحق بعد ما تبين @QE@ فذم ~~من يقول مالا يعلم ومن يقو غير الحق ومن يجادل فيما لا يعلم ومن يجادل في ~~غير الحق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثة قاضيان في النار ~~وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل ~~فهو في النار ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار وقال تعالى في موضع ~~آخر @QB@ ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~@QE@ وقال @QB@ وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير @QE@ # ومن المعلوم أن العلم له طرق ومدارك وقوى باطنة وظاهرة في الإنسان فإنه ~~يحس الأشياء ويشهدها ثم يتخيلها ويتوهمها ms107 ويضبطها بعقله ويقيس ما غاب على ~~ما شهد والذي يناله الإنسان بهذه الأسباب قد يكون علما وقد يكون ظنا لا ~~يعلمه وما يقوله ويعتقده ويحسه ويتخيله قد يكون حقا وقد يكون باطلا فالله ~~سبحانه وتعالى لم يفرق بين إدراك وإدراك ولا بين سبب وسبب ولا بين القوى ~~الباطنة والظاهرة فجعل بعض ذلك مقبولا وبعضه مردودا بل جعل المردود هو قول ~~غير الحق والقول بلا علم مطلقا # فلو كان بعض جناس الإدراك وطرقه باطلا مطلقا في حق الله تعالى أو كان ~~حكمه غير مقبول كان رد ذلك مطلقا واجبا والمنع من قبوله مطلقا متعينا إن لم ~~يعلم بجهة أخرى كما قال في الخبر @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ ~~وقال في الاعتبار والقياس الصحيح @QB@ إن الله يأمر بالعدل @QE@ @QB@ وإذا ~~قلتم فاعدلوا @QE@ @QB@ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط @QE@ PageV01P136 ~~@QB@ ليقوم الناس بالقسط @QE@ فلما كان من المخبرين من لا يقبل خبره إذا ~~انفرد أمر بالتثبت في خبره ولما كان القياس والاعتبار يحصل فيه الظلم ~~والبغي بتسوية الشيء بما ليس مثله في الشرع والعقل أمر بالعدل والقسط وقال ~~تعالى @QB@ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم @QE@ فبين تعالى أن سبب الاختلاف هو البغي الذي هو خلاف العدل ~~فالشبهة الفاسدة من هذا النمط وهي من أسباب الاختلاف بعد بيان الكتاب ~~والسنة للحق المعلوم كما قال تعالى @QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل ~~إليك من ربك هو الحق @QE@ # فلو كان في الإحساس الباطن والظاهر ما يرد حكمه مطلقا حتى يوافقه إحساس ~~آخر لكان ذلك أيضا مردودا وليبين ذلك كما بين نظيره فإن الحاجة إلى ذلك في ~~أصل الأيمان أعظم من الحاجة إلى ما هو دون ذلك بدرجات كثيرة فلما كان ~~المحرم هو اتباع الظن وما تهوى الأنفس والقول في الدين بلا علم أو قول غير ~~الحق نهى عن ذلك ولم يفرق بين إحساس ظاهر أو باطن ولا بين حس وعقل فلم يكن ~~لأحد أن يفرق بين ما جمع الله تعالى بينه ويجمع بين ms108 ما فرق الله تعالى بينه ~~بل يتبع كتاب الله تعالى على وجهه والله أعلم # والذي دل عليه الكتاب أن طرق الحس والخيال والعقل وغير ذلك متى لم يكن ~~عالما بموجبها لم يكن له أن يقول على الله وليس له أن يقول عليه إلا الحق ~~وليس له أن يقفو ما ليس له به علم لا في حق الله ولا في حق غيره فإما تخصيص ~~الإحساس بالباطن بمنعه عن تصور الأمور الإلهية بحسه فهو خلاف ما دل عليه ~~القرآن من تسوية هذا بسائر أنواع الإحساس في المنع وأن القول بموجبها ~~جميعها PageV01P137 إذا كان باطلا حرم في حق الله تعالى وحق باده وإن كان ~~حقا لم ينه عنه في شيء من ذلك # يؤكد ذلك أن حكم الوهم والخيال غالب على الآدميين في الأمور الإلهية بل ~~وغيرها فلو كان ذلك كله باطلا لكان نفي ذلك من أعظم الواجبات في الشريعة ~~ولكان أدنى الأحوال أن يقول الشارع من جنس ما يقوله بعض النفاة ما تخيلته ~~فالله بخلافه لا سيما مع كثرة ما ذكره لهم من الصفات # الوجه التاسع والثلاثون قولك الذين عزلوا حكم الوهم والخيال في ذات الله ~~تعالى وصفاته يقال له ليس الأمر كذلك بل هم يستدلون على منازعيهم في إثبات ~~الصفات لله وما يتبع ذلك بما هو من جنس هذه الحجج وأضعف منها سواء سميت ذلك ~~من حكم العقل أو من حكم الوهم والخيال فإن الاعتبار بالمعاني لا بالألفاظ ~~لا سيما وقد جرت عادة هؤلاء المتكلمين أنهم يسمون بدعواهم منازعيهم ~~بالأسماء المذمومة ويسمون أنفسهم بالأسماء المحمودة فإن كانوا مشتركين في ~~جهة الحمد والذم ويقول أحدهم قال أهل الحق وقال أهل التوحيد ونحو ذلك حتى ~~قد يدعون الإيمان أو ولاية الله تعالى لأنفسهم خاصة كما يفعل ذلك الرافضة ~~والمعتزلة وطوائف من غلاة الصوفية وهؤلاء فيهم شبه من أهل الكتاب الذين ~~قالوا @QB@ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى @QE@ وقالوا إن الدار ~~الآخرة خالصة لهم عند الله يوم القيامة والذين ادعوا أنهم أبناء ms109 الله ~~وأحباؤه ويسمى أحدهم من أثبت لله صفة مشبها ومجسما مع كونه قد أثبت نظيرها ~~أو أبلغ منها ويسمى النافي معطلا ويكون قد نفى نظير ما نفاه ذلك ~~PageV01P138 # الوجه السابع والثلاثون أن يقال أصل الجهل والضلال والزندقة والنفاق ~~والإلحاد والكفر والتعطيل في هذا الباب هو ما اشتركت فيه الدهرية والجهمية ~~من التكذيب والنفي والجحود لصفات الله تعالى بلا برهان أصلا بل البراهين ~~إذا أعطوها حقها أوجبت ثبوت الصفات وهم مع اشتراكهم في هذا الأصل الفاسد ~~افترقوا حينئذ في المناظرة والمخاصمة كل قوم معهم من الباطل نصيب # وذلك أن مبدأ حدوث هذا في الإسلام هو مناظرة الجهمية للدهرية كما ذكر ~~الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مناظرة جهم للسمنية وهم من الدهرية حيث ~~أنكروا الصانع وإن كان غيرهم من فلاسفة الهند كالبراهمة لا ينكره بل يقول ~~العالم محدث فعله فاعل مختار كما يحكي عنهم المتكلمون وكذلك مناظرة ~~المعتزلة وغيرهم لغير هؤلاء من فلاسفة الروم والفرس وغيرهم من أنواع ~~الدهرية وكذلك مناظرة بعضهم بعضا في تقرير الإسلام عليهم وإحداثهم في الحجج ~~التي سموها أصول الدين ما ظنوا أن دين الإسلام ينبني عليها وذلك هو أصل علم ~~الكلام الذي اتفق السلف والأئمة على ذمه وذم أصحابه وتجهيلهم فإن كلام ~~السلف والأئمة في ذم الجهمية والمتكلمين لا يحصيه إلا الله تعالى وأصل ذلك ~~أنهم طلبوا أن يقرروا ما لا ريب فيه عند المسلمين من أن الله تعالى خلق ~~السموات والأرض وأن العالم له صانع خالق خلقه ويردوا على من يزعم أن ذلك ~~قديم إما واجب بنفسه وإما معلول علة واجبة بنفسها # فإن الدهرية لهم قولان في ذلك ولعل أكثر المتكلمين إذا ذكروا قول الدهرية ~~لا يذكرون أن الدهرية إلا من ينكر الصانع فيقولون الدهرية وهم الذين يقولون ~~بقدم العالم وإنكار الصانع وعندهم كل من آمن بالصانع فإنه يقول بحدوث ~~العالم وهذا كما قاله طوائف من المتكلمين كالقاضي أبي بكر ابن الباقلاني ~~قال في مسائل التكفير PageV01P139 # وجملة الخلاف على ضربين خلاف مع الخارجين عن الملة ms110 المنكرين لكلمة ~~التوحيد وإثبات النبوة أعني نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وخلاف مع أهل ~~القبلة المنتسبين إلى الملة فأما الخلاف مع الخارجين عن الملة فعلى ثلاثة ~~أضرب خلاف مع المنكرين للصانع والقائلين بقدم العالم وخلاف مع القائلين ~~بحدوث العالم المثبتين للصانع المنكرين للنبوات أصلا كالبراهمة وخلاف مع ~~القائلين ببعض النبوات المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فجعل ثبوت ~~الصانع وحدوث العالم قولا وإنكار الصانع وقدم العالم قولا ولم يذكر قولا ~~ثالثا بإثبات الصانع وقدم العالم لأن ذلك كالمتنافي عند جمهور المتكلمين ~~فلا يجعل قولا قائما بنفسه # وأما الرازي وأمثاله فيذكروا الدهرية أعم من هذا بحيث أدخلوا فيهم هذا ~~القسم الذي هو قول المشائين أر سطو وذويه وقول غيرهم فقال في كتاب نهاية ~~العقول المسألة الرابعة في تفصيل الكفار قال الكافر إما أن يكون معترفا ~~بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم اولا يكون فإن لم يكن فإما أن يكونوا ~~معترفين بشيء من النبوات وهم اليهود والنصارى وغيرهم وإما أن لا يعترفوا ~~بذلك وهم إما أن يكونوا مثبتين للفاعل المختار وهم البراهمة وأما أن لا ~~يثبتوه وهم الدهرية على اختلاف أصنافهم وكذلك قال غير هذا مثل ابن الهيصم ~~وأمثاله قالوا قالت الدهرية من منكري الصانع ومثبتيه أن العالم على هيئة ما ~~تراه عليه قد كان لم يزل إلا أن من أثبت الصانع منهم زعم أنه مصنوع لم ~~يتأخر في الوجود عن صانعه وإليه ذهب أرسطو طاليس ومن قال بقوله وقال أهل ~~التوحيد بل هو مصنوع محدث لم يكن ثم كان # ولا ريب إنكار الصانع بالكلية قول السمنية الذين ناظرهم الجهم بن صفوان ~~وغيرهم من الدهرية وكطوائف غير هؤلاء من الأمم المتقدمة وأما الدهرية ~~اليونان أتباع أرسطو وذويه ونحوهم فهم مع كونهم دهرية يقرون بأن العالم ~~معلول PageV01P140 علة واجبة بنفسها ولهذا نفق قول هؤلاء على طوائف كثيرة ~~وصاروا في ه زنادقة منافقين وادعوا علم الباطن الذي اختصوا بمعرفته وزعموا ~~أن ما أظهرته الشرائع لمنفعة الجمهور ونحو ذلك مما ليس هذا موضعه ms111 # والمقصود هنا أن أولئك المتكلمين لما راموا إثبات وجود الصانع وخلق ~~العالم سلكوا الطريقة التي ابتدعوها من الاستدلال على حدوث الموصوفات بحدوث ~~صفاتها أو بحدوث صفاتها وأفعالها وسموا ذلك أجساما أو جواهر وسموا صفاتها ~~وأفعالها أعراضا وبنوا الحجة على مقدمتين # إحداهما أن الموصوفات لا تخلو عن أعراض حادثة من صفات وأفعال تعتقب عليها # والثانية أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # فاحتاجوا في تقرير المقدمة الأولى إلى ثبوت الأعراض أو بعضها وحدوثها أو ~~حدوث بعضها وأن الأجسام لا تخلو منها أو من بعضها فتارة يستدلون بما شهدوه ~~من الاجتماع والافتراق وتارة يقولون إنه لازم لها من الحركة والسكون وهذه ~~الأقسام الأربعة هي الأكوان عندهم وهذه حجة الصفاتية يحتجون بالأكوان ~~ويقولون إن الله تعالى لا يوصف بها وآخرون فيهم لا يحتجون إلا بجواز ~~الاجتماع والافتراق دون الحركة والسكون حتى يستقيم له أن يصف الرب بذلك ~~ويقول إن هذا هو الذي لا تخلو الجواهر منه وهو مبني على الجوهر الفرد وتارة ~~يدعى بعضهم حدوث جميع الأعراض زعما منه أن العرض لا يبقى زمانين ويدعون مع ~~ذلك بأن كل جسم فلن يخلو PageV01P141 عما يمكن قبوله من الأعراض أو عن ضد ~~ونشأ بينهم في هذا من المقالات والنزاع ما يطول ذكره # وأما المقدمة الثانية فكانت في بادئ الرأي أظهر ولهذا كثير منهم يأخذها ~~مسلمة فإن ما لا يخلو عن الحادث فهو مقارنه ومجامعه لا يتقدم عليه وإذا قدر ~~شيئان متقارنان لا يتقدم أحدهما الآخر وأحدهما حادث كان الآخر حادثا # لكن في اللفظ إجمال فإن هذا القائل ما لا يخلو عن الحوادث أو ما لا يسبق ~~الحوادث فهو حادث أو ما تعتقب عليه الحوادث فهو حادث ونحو ذلك له معنيان # أحدهما ما لا يخلو عن حوادث معينة لها ابتداء فلا ريب أن ما تقدم على ~~ماله ابتداء فله ابتداء # والثاني أن ما لا يخلو عن جنس الحوادث بحيث لم يزل قائما به ما يكون فعلا ~~له كالحركة التي تحدث شيئا بعد شيء فهذا لا ms112 يعلم أنه حادث إن لم يعلم أن ~~ذلك الجنس لا يكون قديما بل يمنع حوادث لا أول لها وهذه مقدمة مشكلة بل ~~كلام المتكلمين والفلاسفة فيما يتناهى وفيما لا يتناهى فيه من الاضطراب ما ~~ليس هذا موضعه فاحتاجوا أن يستدلوا على هذه بأدلة التزموا طردها فنشأ عن ~~ذلك مذاهب أخر كنفي التناهي في المستقبل حتى قال طوائف منهم الجهم بوجوب ~~فناء العالم لوجوب تناهيه أولا وآخرا فقال بفناء الجنة والنار وقال أبو ~~الهذيل بوجوب فناء الحركات إلى مقالات # وإن كان طوائف من المصنفين في الكلام لا يتعرضون لهذه المقدمة بل يرون أن ~~قولهم مالا يخلو عن الحوادث فهو حادث يكفي في العلم بحدوث PageV01P142 ما ~~التزمته الحوادث وهؤلاء يقولون إن قولنا حوادث وقولنا لا أول لها مناقضة ~~ظاهرة في اللفظ والمعنى وإن لفظ كونها حوادث يوجب أن يكون لها أول وهذه ~~طريقة القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما وقولهم هذا يشبه قولهم إن ~~نفي حدوث العالم هو قول نفاة الصانع ولأجل ما في هذه القضية من الاشتباه ~~خفي عليهم هذا الموضع الذي لا بد من معرفته وبهذه الطريقة نفوا يقوم به فعل ~~من الأفعال فنفوا أن الرب استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويا كما نطق به ~~القرآن في قوله تعالى @QB@ خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش @QE@ @QB@ وكان عرشه على الماء @QE@ فخص الاستواء بكونه بعد خلق ~~السموات والأرض كما خصه بأنه على العرش وهذا التخصيص المكاني والزماني ~~كتخصيص النزول وغيره إذ أبطلوا بهذه الطريقة أن يكون على العرش مطلقا وإن ~~كان كثير ممن يسلك هذه الطريقة يجوز عليه الأفعال الحادثة فلا يمنع حدوث ~~الاستواء كما كان كثير ممن ينفي ذلك يقول باستوائه على العرش مع نفي قيام ~~الفعل به كما سيأتي مأخذ الناس في هذا # وإنما الغرض هنا التنبيه على هذه الطريقة فقال نفاة الصفاة من المعتزلة ~~ونحوهم والصفاتية المنكرون للأفعال كالكلابية والأشعرية ومن وافقهم من ~~الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وأبي ms113 الوفاء وابن عقيل وأبي ~~الحسن بن الزاغوني وغيرهم والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأبي إسحاق ~~الأسفرائيني وأبي بكر ابن فورك وغيرهم قالوا الجسم محدث والدلالة على حدوثه ~~أنا وجدنا هذه الأجسام تتغير عليها الأحوال والصفات فتكون تارة متحركة ~~وتارة ساكنة وتارة حية وتارة ميتة وكذلك سائر الصفات التي تتجدد عليها فلا ~~يخلو الجسم من أن يكون انتقل من حال قدم إلى حال قدم أو من حال حدث إلى حال ~~حدث أو من حال قدم إلى حال حدث أو من حال PageV01P143 حدث إلى حال قدم ~~فيستحيل أن يكون متنقلا من حال قدم إلى حال قدم لأنه لو كان كذلك استحال ~~خروجه عن تلك الحال لأن كل حكم حصل عليه الجسم فيما لم يزل وجب وجوده دائما ~~كوجوب وجوده فلما لم يصح خروج القديم عن وجوده الأزلي لأن وجوده ثابت فيما ~~لم يزل كذلك لا يصح خروجه عن كل حكم كان عليه فيما لم يزل وفي العلم بأنه ~~ينتقل من المكان الذي فيه ويخرج عنه دليل على أنه لم يكن في ذلك المكان ~~فيما لم يزل لأن كل مكان يشار إليه وكل حال يشار إليه يصح خروجه عنهما وإذا ~~جاز خروجه عنهما ثبت أنه لم يكن حاصلا في ذلك المكان ولا على تلك الصفة ~~فيما لم يزل وإن كانت الحالة الأولى لم تكن حالة قدم فالحالة التي تجددت ~~بعد أن لم تكن أولى وأحرى أن لا تكون حالة قدم فثبت بذلك أن الجسم لم يكن ~~موجودا فيما لم يزل إذ لو كان موجودا فيما لم يزل لكان لا بد أن يكون في ~~مكان أو ما يقدر تقدير المكان ولو كان كذلك لاستحال خروجه عن تلك المحاذاة ~~لما ذكرناه وإلا نودي إلى حدثه وصح بذلك ما قلناه فهذا نظم حجة القاضي أبي ~~بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما وهي حجة مبنية على وجوب الكون للجسم ووجوب ~~حدوثه وامتناع حوادث لا أول لها وهذه حجة أكثرهم # ومضمونها أن الجسم القديم لا بد له من مكان ms114 فإن كان قديما امتنع خروجه ~~عنه وإن كان حادثا لزم قيام الحادث به وتعاقب الحوادث عليه وهي حجة الرازي ~~وغيره في حدوث العالم $ فصل # النصوص قد أخبرت والعقول قد دلت على ثبوت صفات الله متنوعات له من العلم ~~والقدرة والحب والبغض والسمع والبصر فإذا كان مع ذلك قد لزم PageV01P144 ~~القول بأفعال تقوم بذاته كما تقوله طوائف من أهل الفلسفة والكلام مع جماهير ~~أهل الحديث والفقه والتصوف وسلف الأمة وأن الأفعال متعلقة بمشيئته وقدرته ~~وقد علم ما دلت عليه النصوص مع أن في العقول تنبيه عليه من قوله @QB@ وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه @QE@ فإنه إذا كان جملة السموات مقبوضة بيمينه وقد قال ابن عباس ما ~~السموات السبع والأرضون السبع وما فيهما وما بينهما في يد الرحمن إلا ~~كخردلة في يد أحدكم وقد علم بالعقل أنه يجب أن يكون أعظم بكل وجه من ~~مخلوقاته ومبتدعاته إذ كل ما فيها من وجود وكمال فهو من أثر قدرته ومشيئته ~~فهو أعظم وأكبر وإذا كان كذلك كانت أفعاله التي يفعلها بذاته تناسب ذاته ~~وكانت أعظم وأجل من أن يدرك عقول البشر قدرها وإذا كان من المعلوم أن حدوث ~~هذه المتكونات من استحالة العناصر والمولدات أعظم نسبة إلى الفلك من ~~الخردلة إلى الإنسان العظيم إذ في الإنسان من قدر الخردل أكثر مما في الفلك ~~من قدر العناصر والمولدات فنسبة الأفلاك وما فيها إلى الرب تعالى دون نسبة ~~حوادثها المتكونة إلى الفلك فإذا جاز أن تكون هذه محدثة بحركة مشهودة حادثة ~~في الفلك فحدوث الفلك وما فيه لفعل يفعله الرب أولى بالجواز وأبعد عن ~~الامتناع وله المثل الأعلى هذا مع أن هذه المحدثات إنما هي منسوبة عندهم ~~إلى فيض العقل الفعال مع إعداد حركات جميع الأفلاك للقوابل وحينئذ فتكون ~~نسبة المحدثات إلى ذلك نسبة كثرة أعظم من نسبة الخردلة إلى الإنسان بكثير ~~ولهذا يظهر ذلك للعباد في المعاد إذا قبض الجبار الأرض بيده وطوى السموات ~~بيمينه ثم هزهن وقال ms115 أنا الملك أين ملوك الأرض أين الجبارون أين المتكبرون # وإنما يعظم على الجهال من المتفلسفة وأمثالهم وأشباههم تقدير حدوث العالم ~~PageV01P145 وتغيره لأنهم لم يقدروا الله حق قدره وكان ينبغي كلما شهدوه ~~على عظم العالم وقدره يدلهم على قدر مبدعه لكن لما ضل من ضل منهم لم يثبت ~~لخالقه ومبدعه إلا وجودا مطلقا لا ينطبق إلا على العدم وإن أثبت له نوعا من ~~الخصائص الكلية فهي أيضا لا تمنع أنه إنما يطابق العدم ولهذا كان هؤلاء من ~~الدهرية المعطلة نظيرا للصفاتية الذين لا يثبتون حقيقة الذات المباينة ~~للعالم فإن حقيقة قولهم يعود إلى قول معطلة الصفات أيضا # وإذا كان الأمر كذلك فيقال لمن يلتزم منهم نفي الصانع ويقول أنا أقول إنه ~~قديم واجب بنفسه لئلا يلزمني هذا المحذور الذي ذكرتموه في صدوره عن فاعل ~~قديم كما قد يقول بعض الصفاتية إذا ضاقت عليهم الحجج في مسألة العرش ~~والقرآن والرؤية وغيرها نحن نلتزم قول المعتزلة بنفي الصفات مطلقا فإنه ~~يقال لهذا الدهري إذا كنت تجوز في عقلك وجود هذه الأفلاك قديمة أزلية واجبة ~~الوجود أو حادثة بذاتها فإنها إذا لم تكن مفعولة لغيرها فإما أن تكون قديمة ~~بنفسها أو حادثة بنفسها فإذا جوزت ذلك بلا زمان ولا مكان ولا من مادة ولا ~~عن خالق لأن في إثبات الخالق صدور عن فاعل قديم أو حدوثها عنه بلا زمان ولا ~~مكان ولا من مادة وهذا خلاف ما يشهد من صدور الأجسام عن غيرها أو حدوثها ~~فإن تجويز وجوبها بنفسها وقدمها أو حدوثها بنفسها بلا فاعل أبعد عن المشهود ~~والمحسوس والمعقول من صدورها عن فاعل بلا مادة ولا مكان ولا زمان فإن ~~المشهودات صادرة في مكان وزمان ومن مادة وعن فاعل في الجملة وإن سميتموه ~~طبيعة أو قوى فلكية أو غير ذلك فإنكم لا يمكنكم إنكار الأسباب الحادثة ~~المحسوسة فإذا جوزتم وجود ذلك في غير زمان ولا مكان ولا من مادة ولا بفاعل ~~كان ذلك أبعد عن المحسوس والمعقول مما فررتم منه وإذا قلتم ذلك ms116 قديم واجب ~~الوجود PageV01P146 بنفسه كان ما يلزمكم في هذا من المحذورات أعظم بكثير ~~مما يلزمكم من الاعتراف بصانع لها قديم واجب الوجود فإنكم مهما أوردتموه في ~~ثبوته حينئذ من كونه يستلزم أن يكون محلا للصفات والأفعال ونحو ذلك فإن ذلك ~~يلزمكم أعظم منه إذا قلتم بأن الأفلاك قديمة واجبة الوجود بنفسها وإن قدر ~~أن قائلا يقول إنها حدثت بأنفسها فهذا أعظم إحالة وهذا مما نبغي التفطن له ~~فكل ما يقوله الدهرية من نفاة الصانع ومن مثبتيه من الشبهة النافية لوجوده ~~أو لفعله فإنه يلزمهم أعظم منه على قولهم بأن القديم واجب الوجود بنفسه ~~مستغن عن صانع وقولهم بأنه معلول عن علة موجبة فتدبر هذا # وأصل ذلك أن الله ليس كمثله شيء لا في نفسه ولا في صفاته ولا في أفعاله ~~ولا مفعولاته فإذا رام الإنسان أن ينفي شيئا مما يستحقه لعدم نظيره في ~~الشاهد كان ما يثبته بدون الذي نفاه أبعد عن المشهود مثل أن يثبت الصفات ~~بلا حقيقة الذات أو الذات بلا صفات أو يثبتهما بدون فعل يقوم بنفسه أو يثبت ~~ذلك لازما لذاته أو يقول إن هذا المحسوس هو القديم الواجب الوجود بنفسه أو ~~يقول حدث بنفسه فكل هذه المقالات النافية يلزم كل قول منها من المعارضات ~~أعظم مما أورده هو على أقوال المثبتين فلا خلاص عنها بحال إذ الوجود مشهود ~~محسوس ولا يخلو إما أن يكون قديما واجبا بنفسه أو محدثا بإحداث غيره وممكنا ~~ومفتقرا إلى واجب بنفسه وإذا كان لا بد من الاعتراف بالوجود القديم الواجب ~~وكان من نفي الرب الصانع الخالق السموات والأرض لشبهة يذكرها يلزمه مع هذا ~~هي وما هو أعظم منها علم أن كل ما يذكره النفاة من الشبهة النافية للرب أو ~~صفاته أو أفعاله حجج باطلة متناقضة إذ كان يلزم من صحتها نفي الوجود ~~بالكلية وما استلزم نفي الوجود بالكلية علم أنه باطل PageV01P147 # وهذا المقصود هنا وهو أن كل ما يحتج به في إثبات قدم العالم بل وفي نفي ~~الصفات يلزم صاحبه ms117 أعظم مما فر منه حتى يؤول به الأمر إلى أن ينكر الوجود ~~بالكلية أو يعترف ببطلان قوله وببطلان كل ما يدل على قوله وهذا موجود في ~~عامة الدين مما أمر الله به من اعتقاد أو قول أو قصد وعمل ومن ترك شيئا من ~~ذلك إلى غيره خوفا ترك كان في الذي فر إليه أعظم من ذلك المخوف وإن كان ~~رغبة فيما فر إليه كان ما فاته أعظم مما حصل له بل يعاقبون بأعظم من ذلك ~~وقد قال تعالى @QB@ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ ~~فأخبر أن المشركين لا يأتون بقياس وأقيستهم من الباطل إلا أتى الله بما هو ~~الحق بكلام وقياس أحسن تفسيرا بحيث يكون بيانه ودلالته للمطلوب أبين وأوضح ~~وأجلى وأقرب إلى الأمور البديهية الجليلة فهذا في جانب الحق # وأما في عقوبة المبطل فإن المبطلين رئيسهم من الجن إبليس وأعظم رؤسائهم ~~في الإنس فرعون وإبليس ترك طاعة الله تعالى وعبادته في السجود لآدم حذرا من ~~نقص مرتبته بفضل آدم عليه فأداه ذلك إلى أن رضي بأن صار بأخس المراتب وباع ~~آخرته بدنيا غيره كأخس القوادين فإنه يهلك نفسه في إغواء بني آدم بتحسين ~~شهوات الغي لهم يتلذذون بالشهوات التي لا يلتذ هو بها ثم إنهم قد يتوبون ~~فيغفر لهم وهو قد خسر وهلك من غير فائدة مع أنه ليس بين كونه تابعا لهؤلاء ~~في إرادتهم الخسيسة وكونه تابعا لربه فيما أراد به من السجود لآدم نسبة في ~~الشرف والرفعة كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال قال الشيطان وعزتك لأغوين بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم ~~فقال وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأغفرن لهم ما استغفروني # وهكذا فرعون استكبر أن يعبد رب السموات والأرض خوفا من سقوط رياسته ثم ~~رضي لنفسه أن يعبد آلهة له قد صنعها هو وهكذا تجد كل أهل PageV01P148 ~~المقالات الباطلة وأهل الأعمال الفاسدة وإبليس إمام هؤلاء كلهم فإنه اتبع ~~قياسه الفاسد المخالف للنص واتبع هواه في ms118 استكباره عن طاعة ربه تعالى # فكل من اتبع الظن وما تهوى الأنفس وترك اتباع الهدى ودين الحق الذي بينه ~~الله تعالى وأمر به في كتبه وعلى ألسن رسله وفطر عليه عباده وضرب له ~~الأمثال المشهودة والمسموعة فهو متبع لإبليس في هذا له نصيب من قوله @QB@ ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين @QE@ كما قال محمد بن سيرين أول من ~~قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقايس ولهذا جاء في الحديث الذي ~~رواه الترمذي وغيره عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نعت القرآن من ~~تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله وق قال تعالى ~~لما أهبط آدم @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ فأخبر أن ~~من اتبع هداه الذي جاء من عنده فإنه لا يضل ولا يشقى كما قال @QB@ الم ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون @QE@ إلى قوله @QB@ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون @QE@ فإنه الهدى ضد الضلالة والفلاح ضد الشقاء وقد قال من قال من ~~السلف @QB@ المفلحون @QE@ الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من ما منه هربوا # ولهذا أمرنا أن نقول في كل صلاة @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ فإن المغضوب عليهم هم أهل ~~الشقاء والضالون أهل الضلال وهم الذين اتبعوا هداه فلم يضلوا ولم يشقوا بل ~~أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون وقال أيضا @QB@ إن المجرمين في ~~ضلال وسعر @QE@ والسعر من أعظم الشقاء وهذا باب واسع PageV01P149 # وإنما القصود هنا التنبيه على هذا الأصل وهو أن من أعرض عن هدى الله علما ~~وعملا فإنه لا يحصل له مطلوب ولا ينجو من مرهوب بل يلحقه من المرهوب أعظم ~~مما فر منه ويفوته من المطلوب أعظم مما رغب فيه وأما المتبعون لهداه فإنهم ~~على هدى من ربهم ms119 وهم المفلحون الذين أدركوا المطلوب ونجوا من المرهوب # وهذا الذي شهد الله تعالى به في كتابه وكفى به شهيدا قد يري العباد آياته ~~في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق فتتفق عليه الأدلة المسموعة ~~والمشهودة هي أصل العلوم الضرورية والنظرية والقياسية التي ينتحلها أهل ~~النظر وأهل الذوق فتكون الأدلة الحسية والضرورية والقياسية موافقة للأدلة ~~السمعية من الكتاب والسنة وإجماع المؤمنين والمخالفون لهذا مخالفون لهذا ~~وإن ادعوا في الأول من الأقيسة العقلية وفي الثاني من التأويلات السمعية ما ~~إذا تأمله اللبيب وجد مآلهم في تلك الأقيسة العقلية إلى السفسطة التي هي ~~جحود الحقائق الموجودة بالتمويه والتلبيس ومآلهم في تلك التأويلات إلى ~~القرمطة التي هي تحريف الكلم عن مواضعه وإفساد الشرع واللغة والعقل ~~بالتمويه والتلبيس وهذا أيضا سفسطة في الشرعيات وسمي قرمطة لأن القرامطة هم ~~أشهر الناس بادعاء علم الباطن المخالف للظاهر ودعوى التأويلات الباطنة ~~المخالفة للظاهر المعلوم المعقول من الكتاب والسنة والله يهدينا وسائر ~~أخواننا المؤمنين لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم # ولما كان مآل هؤلاء إلى السفسطة التي هي جحود الحقائق وجحود الخالق وكان ~~لا بد لهم من النفاق كان لتنبيه من نبه من الأئمة كمالك وأحمد وأبي يوسف ~~PageV01P150 وغيرهم على أن كلام هؤلاء جهل وأن مآله إلى الزندقة كقول أحمد ~~علماء الكلام زنادقة وقول أبي يوسف ويروى عن مالك من طلب العلم بالكلام ~~تزندق ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب غريب الحديث كذب وقول الشافعي ~~ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح # ولما كان الرد إلى ما جاءت به الرسل يؤول بأصحابه إلى الهدى والصلاح قال ~~تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ # ثم قال هذا الفيلسوف وهذا كله مع أن هذه الآراء في العالم ليست على ظاهر ~~الشرع فإن ظاهر الشرع إذا تصفح ظهر من الآيات الواردة في الأنباء عن إيجاد ~~العالم أن صورته محدثة بالحقيقة وأن نفس ms120 الوجود والزمان مستمر من الطرفين ~~أعني غير منقطع وذلك أن قوله تعالى @QB@ وهو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام وكان عرشه على الماء @QE@ يقتضي بظاهره أن وجودا قبل هذا الوجود ~~وهو العرش والماء وزمانا قبل هذا الزمان أعني المقترن بصورة هذا الوجود ~~الذي هو عدد حركة الفلك وقوله تعالى @QB@ يوم تبدل الأرض غير الأرض @QE@ ~~يقتضي أيضا بظاهره أن وجودا ثانيا بعد هذا الوجود وقوله تعالى @QB@ ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان @QE@ يقتضي بظاهره أن السموات خلقت من شيء ~~فالمتكلمون ليسوا في قولهم أيضا في العالم على ظاهر الشرع بل يتأولوه بأنه ~~ليس في الشرع أن الله كان موجودا مع العدم المحض ولا يوجد هذا فيه أيضا ~~أبدا فكيف يتصور في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الإجماع انعقد عليه ~~والظاهر الذي قلناه في الشرع في وجود العالم قد قال فيه فرقة من الحكماء ~~PageV01P151 # قلت لم يقل أحد من سلف الأمة ولا أئمتها إن هذه السموات والأرض خلقنا ~~وحدثنا من غير أن يتقدمها مخلوق وهذا وإن كان يظنه طائفة من أهل الكلام أو ~~يستدلون عليه فهذا قول باطل فإن الله قد أخبر أنه خلق السموات والأرض في ~~ستة أيام وكان عرشه على الماء وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين أن أهل ~~اليمن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أول هذا الأمر فقال كان الله ولم ~~يكن شيء غيره وفي رواية في البخاري ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ~~وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض وفي رواية ثم كتب في الذكر كل ~~شيء ثم خلق السموات والأرض وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات ~~والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء وقد بسطنا هذا فيما سيأتي لما ~~احتج المؤسس بحديث عمران هذا وذكر المخلوقات التي أخبر بابتدائها القرآن ~~وإعادتها وما يتعلق بذلك # وكذلك لم يقل أحد ms121 من سلف الأمة وأئمتها أن السموات والأرض لم تخلقا من ~~مادة بل المتواتر عنهم أنهما خلقتا من مادة وفي مدة كما دل عليه القرآن قال ~~الله تعالى @QB@ أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ~~ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم @QE@ # وهذا الذي يذكره كثير من أهل الكلام الجهمة ونحوهم في الابتداء نظير ما ~~يذكرونه في الانتهاء من أنه تفنى أجسام العالم حتى الجنة والنار ~~PageV01P152 أو الحركات أو ينكرون وجود النفس وأن لها نعيما وعذابا ويقولون ~~إن ذلك إنما هو للبدن بلا نفس ويزعمون أن الروح عرض من أعراض البدن ونحو ~~ذلك من المقالات التي خالفوا فيها الكتاب والسنة إذ كانوا فيها هم ~~والفلاسفة على طرفي نقيض وهذا الذي ابتدعه المتكلمون باطل باتفاق سلف الأمة ~~وأئمتها # لكن يقال لهؤلاء الفلاسفة لا ريب أنكم أنتم وهؤلاء كلاكما مخالفون لما ~~نطقت به الكتب الإلهية كما أنكم مخالفون لصرائح المعقولات ومن وافق ظالما ~~في ظلمه كان جزاؤه أن يقال له @QB@ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون @QE@ وأنت قد اعترفت أن الأخبار الإلهية ناطقة بأن صورة ~~العالم أي صورة السموات والأرض محدثة وأما قولك إن ظاهر الشرع أن نفس ~~الوجود والزمان مستمر من الطرفين فليس في القرآن ما يدل ظاهره على أن وجودا ~~غير وجود الله أو زمانا موجودا خارجا عنه هو مقارن لوجوده وما ذكرته إنما ~~يدل على أن العرش كان قبل السموات وهذا حق لكن ليس فيه أن وجود العرش أزلي ~~وقد جاء ذكر خلقه في الأحاديث كحديث أبي رزين الآتي ذكره مع ما في القرآن ~~من أنه رب العرش وأمثال ذلك وكذلك ms122 ما فيه من ذكر زمان قبل هذا الزمن ~~المتعلق بحركة الفلك لا يدل على أن ذلك قديم أزلي مقارن لوجود الله تعالى ~~وكذلك ما فيه من ذكر مادة لخلق السموات والأرض لا يقتضي أن تلك المادة ~~قديمة أزلية هذا مع ما في القرآن من أنه @QB@ خالق كل شيء @QE@ في غير موضع ~~و @QB@ رب كل شيء @QE@ ولفظ الخلق ينافي ما يذكرونه من لزوم العالم له ~~كلزوم الصفة للموصوف # وحديث أبي رزين رواه أحمد والترمذي وغيره قال الترمذي في كتاب التفسير في ~~تفسير سورة هود لأجل قوله تعالى @QB@ وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام وكان عرشه على الماء @QE@ PageV01P153 ثنا أحمد بن منيع قال ثنا يزيد ~~بن هرون أنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين ~~قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه قال كان في عماء ما ~~تحته هو وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء قال أحمد بن منيع قال يزيد بن ~~هارون العماء أي ليس معه شيء فهذا الحديث فيه بيان أنه خلق العرش المخلوق ~~قبل السموات والأرض وأما قوله في عماء فعلى ما ذكره يزيد بن هارون ورواه ~~عنه أحمد بن منيع وقرره الترمذي في أن معناه ليس معه شيء فيكون فيه دلالة ~~على أن الله تعالى كان وليس معه شيء وسيأتي الكلام على ذلك إنشاء الله ~~تعالى # ثم لو دل على وجود موجود على قول من يفسر العماء بالسحاب الرقيق لم يكن ~~في ذلك دليل على قول الدهرية بقدم ما ادعوا قدمه ولا بأن مادة السموات ~~والأرض ليستا مبتدعتين وذلك أن الله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه بابتداء ~~الخلق الذي يعيده كما قال @QB@ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده @QE@ وأخبر ~~بخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام في غير موضع وجاءت بذلك ~~الأحاديث الكثيرة وأخبر أيضا أنه يغير هذه المخلوقات في مثل قوله @QB@ يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض والسماوات @QE@ وقوله تعالى ms123 @QB@ وتتلقاهم الملائكة ~~هذا يومكم الذي كنتم توعدون @QE@ @QB@ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما ~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين @QE@ ومن المعلوم أنه لم ~~يتعقب الإعادة عدمه كما لم يتقدم ابتداء خلق السموات والأرض العدم المطلق ~~وفي قوله تعالى @QB@ إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت @QE@ وقوله @QB@ ~~إذا السماء انفطرت @QE@ وقوله @QB@ إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع @QE@ ~~وقوله @QB@ يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا @QE@ وقال @QB@ فإذا ~~انشقت السماء فكانت وردة كالدهان @QE@ وقال تعالى @QB@ يوم تكون السماء ~~كالمهل وتكون الجبال كالعهن @QE@ وقال تعالى @QB@ @QE@ PageV01P154 وقال ~~تعالى @QB@ فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة ~~واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على ~~أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ~~@QE@ فأخبر في هذه الآيات أن الخلق الذي ابتدأه وخلقه في ستة أيام يعيده ~~ويقيم القيامة وقد أخبر أنه خلقه من مادة وفي مدة وأنه إذا أعاده لم يعدمه ~~بل يحيله إلى مادة أخرى وفي مدة # وأما العرش فلم يكن داخلا فيما خلقه في الأيام الستة ولا فيما يشقه ~~ويفطره بل الأحاديث المشهورة دلت على ما دل عليه القرآن من بقاء العرش وقد ~~ثبت في الصحيح أن جنة عدن سقفها عرش الرحمن قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلا الجنة وأوسط الجنة وسقفها ~~عرش الرحمن وقال تعالى لما أخبر بالقيامة @QB@ وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ وفي الصحيحين ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض الله الأرض يوم ~~القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض وفي ~~الصحيحين أيضا عن ابن عمر واللفظ لمسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا ~~الملك أين الجبارون أين المتكبرون وفي الصحيحين أيضا عن عبدالله بن ms124 مسعود ~~قال جاء جبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أو يا أبا القاسم ~~إن الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال ~~والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع ثم يهزهن ~~ويقول أنا الملك أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما ~~قال وتصديقا له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P155 @QB@ وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون الأرض يوم ~~القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر ~~نزلا لأهل الجنة قال فأتى رجل من اليهود فقال بارك الرحمن عليك يا أبا ~~القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة قال بلى قال تكون الأرض خبزة ~~واحدة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه فقال ألا أخبرك بإدامهم قال بلى قال ~~إدامهم باللام ونون قالوا ما هذا قال ثور ونون يأكل من زائدة كبدها سبعون ~~ألفا وفي الصحيحين عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس بها علم لأحد ~~وفي الصحيحين عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله ~~تعالى @QB@ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات @QE@ فأين يكون الناس يومئذ ~~يا رسول الله فقال على الصراط # ثم إنه سبحانه وتعالى لما أخبر بقبضة الأرض وطيه للسموات بيمينه ذكر نفخ ~~الصور وصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله ثم ذكر النفخة الثانية ~~التي يقومون بها وذكر أنه تشرق الأرض بنور ربها وأنه يوضع الكتاب ويجاء ~~بالنبيين والشهداء وأنه توفى كل نفس ما عملت وذكر سوق الكفار إلى ms125 النار ~~وذكر سوق المؤمنين إلى الجنة إلى قوله تعالى @QB@ وقالوا الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين وترى ~~الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد ~~لله رب العالمين @QE@ PageV01P156 # ولم يكن العرش داخلا فيما يقبض ويطوى ويبدل ويغير كما قال في الآية @QB@ ~~وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء ~~فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ # ثم أخبر ببقاء الجنة والنار بقاءا مطلقا ولم يخبرنا بتفصيل ما سيكون بعد ~~ذلك بل إنما وقع التفصيل إلى قيام القيامة واستقرار الفريقين في الجنة ~~والنار وذكر ما فيهما من الثواب والعقاب وقد أجمل من ذلك مالا نعلمه على ~~التفصيل كقوله تعالى @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما ~~كانوا يعملون @QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أعددت لعبادي ~~الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فكان الذي أخبرنا ~~به مفصلا مالنا حاجة ومنفعة بمعرفته مفصلا وما سوى ذلك فوقع الخبر به مجملا ~~إذ يمتنع أن نعلم كلما كان وسيكون مفصلا وهذا كما أنه أمرنا أن نؤمن ~~بالملائكة والأنبياء والكتب عموما وقد فصل لنا من أخبار الأنبياء وأمر ~~كتبهم وقصصهم وأمر الملائكة ما فصله والثاني أجمله كما قال @QB@ منهم من ~~قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد آتينا موسى ~~الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا فدمرناهم تدميرا وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس ~~آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك ~~كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا @QE@ وأمثال هذا # فلما وقع التفصيل في خلق السموات والأرض وما بينهما وفي القيامة التي ~~تستحيل فيها السموات والأرض وما بينهما لم يكن العرش داخلا في ذلك بل أخبر ~~PageV01P157 ببقائه بعد تغيير السموات والأرض كما أخبر بكونه ms126 قبل خلق ~~السموات والأرض خبرا مطلقا وأخبر في غير موضع أنه ربه وصاحبه تمييزا له من ~~السموات والأرض كقوله @QB@ قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله قل أفلا تتقون @QE@ وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم ~~الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات ورب ~~الأرض ورب العرش الكريم وقال عن أهل سبأ @QB@ ألا يسجدوا لله الذي يخرج ~~الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب ~~العرش العظيم @QE@ وذكر نفسه بأنه ذو العرش في غير موضع كقوله تعالى @QB@ ~~وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد @QE@ وقوله تعالى @QB@ قل لو كان معه ~~آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا @QE@ وقوله @QB@ رفيع ~~الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده @QE@ فهذا كله ~~يبين أن العرش له شأن آخر # كما أن الروح خصه من بين الملائكة في مثل قوله @QB@ تعرج الملائكة والروح ~~إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة @QE@ وفي قوله @QB@ يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا @QE@ وفي قوله ~~تعالى @QB@ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام @QE@ مع ~~العلم أن ذلك جميعه مخلوق لله مملوك له وأنه رب ذلك كله وهم عباده # وليس فيما سكت عن الأخبار بتفصيله ما ينافي ما علم مجملا وما أخبر به ~~مفصلا كما ذكر البخاري عن سليمان التيمي أنه قال لو قيل لي أين الله لقلت ~~في السماء فلو قيل لي أين كان قبل أن يخلق السماء لقلت على عرشه على الماء ~~فلو قيل لي أين كان قبل ذلك لقلت لا أدري قال البخاري وذلك لقوله تعالى ~~@QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ يعني بما بين PageV01P158 # فأما قول الدهرية بأن السموات لم تزل على ما هي عليه ms127 ولا تزال فهذا تكذيب ~~صريح وكفر بين بما في القرآن وما اتفق عليه أهل الإيمان وعلموه بالاضطرار ~~أن الرسل أخبروا به وكذلك قول الجهمية أو من يقول منهم إن السموات والأرض ~~خلقتا من غير مادة ولا في مدة وأنهما يفنيان أو يعدمان أو أن الجنة تفنى ~~أيضا كل ذلك مخالف لنصوص القرآن ولهذا كفر السلف هؤلاء وإن كان كفر الأولين ~~أظهر وأبين لكن لم تكن الدهرية تتظاهر بقوله في زمن السلف كما تظاهرت ~~الجهمية بذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك عند احتجاج المؤسس ~~على نفي العلو بقوله @QB@ هو الأول والآخر @QE@ كما احتج بها الجهمية قبله # والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة وما فسرها به ~~الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها وما حدث من ~~العبارات وتغير من الاصطلاحات # ولفظ العالم ليس في لقرآن ولا يوجد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~كلام أحد من الصحابة والتابعين وإنما الموجود لفظ العالمين وفيه عموم كقوله ~~@QB@ رب العالمين @QE@ وقد يقال فيه خصوص كقوله @QB@ وفضلناهم على العالمين ~~@QE@ وقوله @QB@ واصطفاك على نساء العالمين @QE@ وقوله تعالى @QB@ ما سبقكم ~~بها من أحد من العالمين @QE@ عند من يجعل ذلك المراد به الآدميون أو أهل ~~عصرهم # وكذلك لفظ الخلق هو معرف باللام ففيه عموم وقد ينصرف إلى المعهود الذي هو ~~أخص من جملة المخلوقات كقوله في حديث خلق آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن ~~وفي الحديث المتقدم ذلك وكذلك قوله في حديث الخلق وخلق آدم بعد العصر من ~~يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى ~~الليل والله سبحانه وتعالى أعلم PageV01P159 # والمقصود هنا التنبيه على فساد حجج الدهرية المعطلة للصانع تعالى ~~وتناقضها ومشاركة الجهمية لهم في بعض أصولهم الفاسدة مع حجج الدهرية ~~المثبتة له أيضا # وقد تقدم ما ذكره أبو المعالي من أن شبه الدهرية لحصرها أربعة أقسام # أحدها تعرضهم للقدح في الدليل الذي ذكره أبو المعالي دليل المعتزلة ms128 ومن ~~اتبعهم من المتكلمين الذي استدلوا له على حدوث الأجسام دليل الأعراض ونحن ~~قد ذكرنا في غير هذا الموضع كلام أئمة المسلمين في هذه الطريقة تحريما ~~وكراهة وإبطالا # قال والقسم الثاني يتعلق بالتعرض لنفي الصانع ولهم في ذلك طريقان # أحدهما أن إثبات قائم بنفسه يتقدس عن الجهات المحاذيات غير معقول # والثاني يتعلق بالتعديل والتجويز والحكم بأن الحكم لا يفعل الفعل إلا ~~لغرض والغرض ماله الضر والنفع وذلك يستحيل على القديم # قلت هاتان أيضا كلامهم فيهما مع المعتزلة في الأصل فإنهم جهمية أثبتوه ~~بالصفات السلبية وهم أيضا قدرية ثم انتقلت هذه الحجة إلى المرجئة فجاوبوهم ~~في المقدمة الثانية ببعض جواب المعتزلة وأجابوهم في الصفات بجواب يقال إنه ~~متناقض # قال أبو المعالي والقسم الثالث على الاستشهادات بالشاهد على الغائب من ~~غير رعاية وجه في الجمع بينهما # قال والقسم الرابع من كلامهم يشتمل على ضروب من التمويهات PageV01P160 # قلت قد نبهنا على القسم الثالث والمقصود هنا القسم الثاني فإنه الذي ~~ذكروا فيه نفي الصانع وهو أعظم كلامهم والحجة العظمى التي عول عليها ابن ~~الراوندي المصنف كتاب التاج في قدم العالم ومحمد بن زكريا المتطبب فيما ~~صنفه في ذلك حيث قال بالقدماء الخمسة والاحتجاج بها على قدم العالم تارة مع ~~الإقرار بالعلة الموجبة وتارة مع عدم ذلك # فأما الأول فقالوا لو كان العالم محدثا لكان محدثه فاعلا مختارا وهو محال ~~لوجهين # أحدهما أن ذلك الاختيار إما أن كون لغرض أو لا يكون فإن كان لغرض فهو ~~باطل لأمرين # أحدهما أنه يجب أن يكون ذلك الغرض أولى به من عدمه وإلا لم يكن غرضا وإذا ~~كان وجوده أولى به كان مستكملا بخلق العالم وهو محال # فإن قيل هو فعله لا لغرض يعود إليه بل لغرض يعود إلى غيره وهو الإحسان ~~إلى الغير وهذا يدفع المحذور # قيل الإحسان إلى الغير إما أن يكون بالنسبة إلى ذاته أولى من تركه وإما ~~أن لا يكون فإن كان مساويا لم يكن غرضا وإن لم يكن مساويا عاد المحذور # الثاني إن ms129 من فعل لغرض غيره كان الفاعل دون المفعول كالخادم والمخدوم ومن ~~الممتنع أن يكون غير الله أشرف منه فيمتنع أن يفعل لغرض غيره PageV01P161 # وإن قيل إنه فعل العالم لا لغرض كان عابثا والعبث على الحكيم محال ولأنه ~~يكون ترجيحا لأحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح وهو محال # الوجه الثاني أنه لو فعله بالاختيار فإما أن يجوز منه فعل القبيح أو لا ~~يجوز وإن شئت قلت فإما أن يجوز عليه فعل كل شيء وإما أن يكون متنزها عن بعض ~~الأفعال فإن قيل إنه يجوز أن يصدر منه فعل القبيح لم يؤمن منه تصديق ~~المتنبئين الكذابين بالمعجزات ولم يؤمن أيضا الخبر المخالف لمخبره فإن ~~الكذب وتصديق الكاذب قبيح وتجويز ذلك يبطل النبوات وأخبار المعاد وهذا تبطل ~~بهما الملل # وإن قيل إنه لا يفعل القبيح وهذا قبيح # الثاني أن العالم مملوء طافح بالشرور والآفات وأنواع الألم والعقوبات ~~والقول بالغرض باطل وإذا بطل القسمان بطل القول بالفاعل المختار # وأما الاحتجاج بها على نفي الصانع مطلقا فأن يقال إن كان موجبا بذاته لزم ~~قدم المفعولات وهو خلاف المحسوس لأن الموجب لفعل المحدث الذي هو علة تامة ~~إن كان موجودا في الأزل لزم قدم المحدثات وإن لم يكن موجودا فصدوره بعد أن ~~لم يكن يحتاج إلى سبب حادث والقول فيه كالقول في غيره من الحوادث فيمتنع ~~حدوث محدث عن موجب بذاته وإن كان فاعلا باختياره عادت الحجة المتقدمة ~~PageV01P162 # وهذه الحجة لما كان أصلها هو البحث عن حكمة الإرادة ولم فعل ما فعل وهي ~~مسألة القدر ظهر بها ما كان السلف يقولونه إن الكلام في القدر هو أبو جاد ~~الزندقة وعلم بذلك حكمة نهيه صلى الله عليه وسلم لما رآهم يتنازعون في ~~القدر عن مثل ما هلك به الأمم قال لهم بهذا هلكت الأمم قبلكم أن تضربوا ~~كتاب الله بعضه ببعض وعن هذا نشأ مذهب المجوس والقدرية مجوس هذه الأمة حيث ~~خاضوا في التعديل والتجويز بما هو من فروع هذه الحجة كما أن التجهم فروع ms130 ~~تلك الحجة # ثم إن الدهرية ظنوا أنهم بالقول بقدم العالم ينجون من هذه الشبهات وكان ~~الذي وقعوا فيه شرا مما وقعت فيه المجوس والقدرية ولهذا كان المشركون ~~والصابئون القائلون بقدم العالم ومن معهم من الفلاسفة شرا من المجوس ومن ~~معهم من القدرية المعتزلة وغيرهم # والمقصود بيان هذا يقال لهم لا ريب في هذا الوجود المشهود المستلزم لوجود ~~الموجود القديم الواجب فإن نفس الوجود يستلزم موجودا قديما واجبا بنفسه إذ ~~كل موجود فإما أن يكون واجبا قديما أو يكون محدثا أو ممكنا PageV01P163 ~~والمحدث لا بد له من محدث والممكن لا بد له من واجب وهذا مما لا ينازع فيه ~~أحد من بني آدم وإنما الدهرية تقول هذا العالم قديم واجب بنفسه أو يقولون ~~هو معلول علة قديمة واجبة بنفسها فيقال لهؤلاء إن قلتم إن هذا العالم واجب ~~الوجود بنفسه قديم لزمكم هذه المحالات وأضعافها فإنه يقال لكم لأي سبب تحرك ~~الفلك الأعلا وغيره من الأفلاك ولم حصلت هذه الاستحالات فإن هذه أمور حادثة ~~بعد أن لم تكن وهي ممكنة قطعا فالمحدث لها سواء كان الفلك أو غيره الذي قد ~~قدر أنه قديم واجب الوجود بنفسه إن أحدثها لغرض لزم أن يكون مستكملا بها ~~والتقدير أنه قديم واجب الوجود بنفسه فقد لزمكم أن يكون القديم الواجب ~~الوجود بنفسه مستكملا بغيره وهذا هو المحال الذي فررتم منه فقد وقعتم فيه ~~مع ما في ذلك من المحالات اللازمة على هذا التقدير مثل امتناع كون الفلك ~~الأعلا هو المحدث لجميع الحركات وغير ذلك حتى لو قدر في كل فلك متحرك أنه ~~قديم واجب الوجود بنفسه كان هذا السؤال قائما فيه وفي حركاته الحادثة بعد ~~أن لم تكن وكذلك إن قالوا تحرك لأجل العناية بالسافلات أن يكون الأعلا ~~خادما للأدنى وأن تكون هذه الغاية أعلا من الفاعل الذي هو أشرف منها وهو ~~متناقض # وإن فرض أن قائلا يقول أو يخطر له إن الفلك ليس بقديم واجب بنفسه ولا ~~معلول علة قديمة بل يقول حدث بنفسه بعد ms131 أن لم يكن وهذا لا نعلم به قائلا ~~وقد ذكر أرباب المقالات أنهم لم يعلموا به قائلا لكن هو مما يخطر بالقلب ~~ويوسوس به الشيطان PageV01P164 # فيقال هذا الوجود المشهود إما أن يكون موجودا بنفسه وإما أن لا يكون وإذا ~~كان موجودا بنفسه فإما أن يكون قديما وهو القسم الذي تقدم بيان تناقض ~~أصحابه وإما أن يكون محدثا بنفسه فيقال هذا القول أظهر فسادا وتناقضا فإنه ~~من المعلوم ابالفطرة البديهية أن المحدث بد أن لم يكن لا يتصور أن يحدث عن ~~غير محدث ولا ن يحدث نفسه فلا يكون الشيء صانعا لنفسه ولا مصنوعا لنفسه ولا ~~يكون أيضا على غائية لنفسه كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع قال تعالى ~~@QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون @QE@ قالوا من غير خالق خلقهم قال ~~جبير بن مطعم لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية في صلاة ~~المغرب أحسست بفؤادي قد انصدع وقد تكلمنا على هذه الآية في غير هذا الموضع ~~بين سبحانه باستفهام الإنكار الذي يتضمن أن الأمر المنكر من العلوم ~~المستقرة الملازمة للمخاطب التي ينكر على من جحدها لأنه سفسط بجحد العلوم ~~البديهية الفطرية الضرورية فإنه من المعلوم أن ما حدث لا يكون من غير محدث ~~أحدثه ولا يكون هو حدث بنفسه فقال @QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ~~@QE@ وهذا يستلزم الجمع بين النقيضين وغيره من المحالات # وإن كانت إحالته في العقل من أظهر العلوم الضروريات فإن كونه فاعلا لنفسه ~~يقتضي أن يكون وجوده قبلها وكونها مفعولة يقتضي أن يكون وجوده بعد نفسه ~~فيجب أن تكون نفسه موجودة معدومة في آن واحد # والمقصود هنا بيان تناقض حججهم وأن الذي يقولونه فيه من المحذور أعظم مما ~~فروا منه # فيقال إذا قدر أنه حدث بنفسه بلا محدث بل عن العدم المحض فمعلوم أن هذا ~~مع كونه معلوم الفساد بالضرورة من أبعد الأشياء عن الأمور الموجودة ~~PageV01P165 المحسوسة وعن القياس العقلي فمن جوز أن يكون هذا الوجود صدر ms132 عن ~~عدم محض فصدروه عن علة موجبة لا تستلزم وجود المعلول أقرب إلى العقل وأبعد ~~عن المحذور وهو الذي فروا منه لأن أكثر ما في هذا أنه تكون العلة التامة قد ~~تخلف عنها معلولها أو وجد المعلول عن علة ليست تامة ومن المعلوم أن صدوره ~~لا عن شيء أعظم امتناعا وفسادا من صدوره عن علة ليست تامة ومن المعلوم أن ~~وجود العلة التامة بلا معلول أقل فسادا وامتناعا من وجود المحدث لا من علة ~~أصلا فإن المعلول إما محدث وإما قديم ومعلوم بالعقل أن حاجة المعلول المحدث ~~إلى العلة أظهر من حاجة المعلول القديم ووجود المعلول بلا علة أبعد في ~~العقل من وجود العلة بلا معلول فإذا جوزتم صدور المحدث بلا علة ولا محدث ~~كان تجويز وجود العلة التامة مع تأخر معلولها أقرب في العقل وأبعد عن ~~المحال # وكذلك أيضا إذا جوزتم صدوره عن العدم فصدوره عن فاعل مستكمل بفعله أو ~~فاعل يفعل لا لغرض أقرب في العقل وأبعد عن المحال مما جوزتموه فإن هذا ~~غايته أن يكون أحدثه فاعل ناقص أو عابث وبكل حال فهذا أقل امتناعا من أن ~~يكون حدث لا عن شيء # وبالجملة فافتقار المحدث إلى المحدث من أبده العلوم وأوضح المعارف وهذا ~~لم ينازع فيه أحد من العقلاء وأي قول قيل كان أقرب إلى العقل وأبعد عن ~~المحال من هذا فإذا قرر هذا القول ظهر أن المحال الذي فيه أعظم من المحال ~~الذي يلزم غيره ولهذا لم نكثر تقرير هذا القول وإنما تكلمنا على ما قال به ~~قائلون وهم الدهرية القائلون بقدم العالم إما واجبا بنفسه وإما واجبا بعلته ~~فهؤلاء إذا ظهر تناقض قولهم كان تناقض ذلك القول أظهر وقد ذكرنا بعض ~~تناقضهم PageV01P166 # ويقال لهم أيضا هذه الكمالات الحاصلة للفلك بإحداث ما يحدثه من الحركات ~~إن كانت مقدورة له في الأزل فلم أخرها وإن كانت غير مقدورة له فقد أثبتموه ~~عاجزا عن غير ما فعل من الأحداث فإذا أقررتم بخلق الفلك لم يلزمكم في ~~إثباته أكثر ms133 من هذا وهو أن يكون مستكملا بما يحدثه من الأفعال وأن لا يكون ~~وجود تلك الأفعال في الأزل ممكنا وغاية ما يلتزمونه من قيام أفعال حادثة ~~بذاته أو من كونه جسما أو غير ذلك فإن هذا كله لازم لكم إذا قلتم بأن الفلك ~~قديم واجب الوجود فإذا كان كل محذور يلزمكم على تقدير إثبات الصانع يلزمكم ~~أيضا على تقدير نفي الصانع كان القول بنفيه باطلا قطعا وكانت هذه الحجة ~~فاسدة وهذا هو المقصود هنا # وأما بيان أن هذه الحوادث الموجودة في العالم يمتنع أن يكون الفلك مستقلا ~~بهذا فذاك له مقام آخر إذ الغرض هنا بيان تناقضهم مع أن ذلك ظاهر بين ~~والعقلاء المعروفون متفقون على أن الحوادث التي تحدث لا يستقل بها الفلك ~~ويمتنع أن يكون في المخلوقات ما يستقل بأحداث محدث منفصل عنه فهذا له مقام ~~آخر وهو دليل مستقل عظيم القدر على ثبوت الصانع تعالى # وهكذا الإلزام على التقدير الثاني وهو أن يقال هذه الحركات لغير غرض ~~فيقال فيلزمكم بموجب كلامكم أن يكون الموجود القديم الواجب الوجود يفعل ~~أفعالا دائمة مستمرة لغير غرض وقد قلتم إنه عبث والعبث على الحكيم محال ~~فمهما كان جوابكم عن ذلك في هذا أمكن أن تجيبوا أنفسكم به إذا كان القديم ~~الواجب الوجود هو صانع الفلك مع كون المحذور حينئذ أقل عندكم فلم عدلتم عن ~~القول الأخف إلى القول الأقبح ولله المثل الأعلى فنزهتموه إذا كان ~~PageV01P167 موجودا قديما صانعا عن أن يستكمل بفعله أو يكون عابثا فيه ~~فجعلتموه معدوما وأي موجود فرض كان خيرا من المعدوم فعدلتم عن أن تصفوه ~~بنوع نقص فوصفتموه بما يجمع كل نقص ثم وصفتم غيره بصفات الكمال التي هي ~~وجوب الوجود والقدم مع وصفكم له بتلك النقائص فاجتماع هذه النقائص مع هذه ~~الكمالات لازم لكم ولم تستفيدوا إلا كمال التعطيل والجحود بلا حجة أصلا # وقد ظهر فساد حجتهم وتناقضهم فيها من وجوه # أحدها أن الذي نفوه به يلزمهم مثله فيما أثبتوه من موجود قديم واجب وهو ~~الفلك ms134 المشهود # الثاني أنهم قصدوا تنزيهه عن تجدد كمال له بفعله أو عن عبث فجعلوه أعظم ~~نقصا من المستكمل العابث ومن المعلوم أنه إذا قدر فاعل يستكمل بفعله كان ~~خيرا من المعدوم فإن الفلك أو غير الفلك إذا قدر ذلك فيه لم يشك عاقل أنه ~~خير من المعدوم فكان نفيهم له الذي فروا إليه شرا من نفي بعض الأمور التي ~~ظنوها كمالا فتدبر هذا أيضا وكذلك إذا قدر موجود كامل يفعل فعلا لغير غرض ~~له وقيل إنه عابث فهو أكمل من العدم الذي ليس بشيء أصلا فإن الفاعل لغير ~~غرض بمنزلة الساكن الذي لا يفعل وهذا يقال فيه إنه جامد ويقال في ذلك إنه ~~عابث والجامد والعابث خير من العدم المحض لا سيما إذا كان متصفا بسائر صفات ~~الكمال # الثالث ما تركب من هذين الوجهين وهو أنهم مع التزام المحالات التي زعموا ~~أنهم فروا منها ومع التزام ما هو شر مما فروا منه لم يستفيدوا بذلك إلا ~~جحود الصانع تعالى وتقدس رب العالمين الذي هو أصل كل باطل PageV01P168 وكفر ~~وكذب وتناقض وشر في الوجود كما أن الإيمان به أصل كل حق وهدى وصدق واستقامة ~~وخير في الوجود # وهكذا يقال لهم في فعل القبائح وعدم فعلها من وجوه # أحدها أن هذا لازم لكم فيما تصفونه بأنه واجب لذاته قديم وهذا لا بد منه ~~على كل تقدير ولا مندوحة عنه # الثاني أن يقال تجويز تصديق الكاذب أو الكذب أكثر ما يقال فيه إنه يستلزم ~~بطلان الرسالة والخبر عن الثواب والعقاب وهذا المحذور أخف بكثير من محذور ~~نفي الصانع فهل يسوغ في العقل أن نجحد الصانع وخلقه للعالم لأن ثبوت ذلك ~~يستلزم بطلان النبوة والوعد والوعيد فإنه يقال لذلك وأنت إذا نفيته بطلت ~~النبوة والوعد والوعيد أيضا وبطل أضعاف هذا من أمور الديانات فبتقدير أن ~~يكون هذا لازما على التقديرين لا يجوز أن يحتج به على نفي أحدهما مع كثرة ~~المحاذير على هذا التقدير بل غاية ما يقال إذا قدر أنه لازم فليس بمحذور ms135 ~~ومعلوم أن الإقرار بالصانع تعالى مع الكفر بالرسل والمعاد أقل كفرا من جحود ~~الصانع كما أن الإقرار مستكمل أو عابث أقل كفرا من جحوده فالتزام زيادة ~~الحجة والتعطيل بلا حجة من أبطل الباطل # وهكذا ما احتجوا به على جحود فعل القبيح كتكليف المحال ووجود الشرور فإنه ~~يقال فيه هذان الوجهان # أحدهما لزوم ذلك أيضا مع ما يصفونه بالقدم ووجوب الوجود # الثاني أن ذلك إنما يستلزم نقصا وذلك أهون من العدم فإذا كانت الحجة إنما ~~تستلزم في الوجود لم جز أن يلتزم عدمه بلا حجة بل إذا كان إثبات الوجود ~~الناقص لا بد منه على كل تقدير PageV01P169 # ومثل من احتج على بطلان الخالق بأن ذلك يستلزم بطلان النبوة والمعاد مثل ~~من بلغه أن الله تعالى بعث رسولا وأن قوما كذبوه فتأذى بذلك فجاء إليه ~~فقتله وقال إنما قتلته لئلا يتأذى بالتكذيب وهؤلاء أعدموا الخالق لئلا تكذب ~~رسله على زعمهم # وكذلك مثل من أراد أن ينصر ملكا له مملكة عظيمة ولكن بعض رعيته عصوه فعمد ~~إلى ذلك الملك فقتله أو عزله عن الملك بالكلية وقال إنما فعلت ذلك إجلالا ~~لقدره لئلا يعصيه بعض رعيته # ويحكى عن بعض الحمقاء أنه رأى ذبابا وقع على وجه مخدومه فأخذ المداس فضرب ~~به وجه مخدومه ليطير عنه الذباب # ومثل من كان له ميراث من أبيه غصب بعض الناس شيئا منه فقصد بعض الحكام أو ~~بعض الشهود دفع الشر عن ذلك الوارث ودفع تضرره بالغصب فأثبت أنه ليس ابنه ~~وأنه لا يستحق شيئا من الميراث وقال إنه بهذا الطريق امتنع أن يكون مغصوبا ~~وزال تضرره بالغصب # أو رجل كان له عقار عظيم من مساكن وبساتين وغيرها وله منافع عظيمة وحقوق ~~كثيرة قد غصبه بعض الناس بعضها وهو متألم لذلك فقام قوم من الحكام والشهود ~~والأعوان ليزيلوا عنه فسعوا في أخذ ذلك العقار منه بالكلية وإخراجه من ملكه ~~ويده بلا فائدة حصلت له أصلا وقالوا هذا العقار إذا كان له فلا بد له من أن ~~يؤخذ منه هذا ms136 الجزء اليسير فيتألم فأعدموه إياه كله بلا فائدة حصلت له # ومثل من قال أنا لا أصلي لأني إذا صليت أقصر في ذكر الله وعبادته وطاعته ~~التي ينبغي أن أفعلها في الصلاة فأنا أترك الصلاة بالكلية خوفا من ترك بعض ~~واجباتها PageV01P170 # وكذلك من قال لا أزكي أصلا لأني إذا زكيت فقد يأخذ زكاة بعض مالي من لا ~~يستحقها فيحرم المستحقين لها فأنا أحرم المستحقين جميع الزكاة لئلا يحرموا ~~بعضها بالمزاحمة # ومثل من ارتكب الفواحش المحرمة وترك النكاح الحلال قال لأني إذا نكحت ~~المرأة فقد أطؤها وهي حائض أو في الدبر فأستحل الفواحش من التلوط وغيره ~~حذرا من هذا الذنب # أو من أخذ يسرق أموال الناس خوفا من تجارة أو صناعة يكون ظلمه فيها أقل ~~من ظلم السرقة # أو من أقام ببلاد الحرب معاونا لهم على قتال المسلمين خوفا من أن يهاجر ~~إلى بلاد المسلمين فيقصر بجهاد أهل الحرب والأمثال في هذا كثيرة جدا # ومن العجب أن المتكلمين المناظرين لهؤلاء وأمثالهم من أهل الكفر إذا ~~أوردوا سؤالا من جنس هذا السؤال أن يدخلوا معهم في جوابه وحله وقد لا يكون ~~المجيب متمكنا من ذلك علما وبيانا ولا ينقطع بذلك الخصم ولا يهتدي لنقص قوي ~~إدراكه أو سوء قصده أو لا حتياج تحقيق ذلك إلى مقدمات متعددة وزمان طويل ~~وتقرير لتلك المقدمات بجواب ما ترد بها من ممانعة ومعارضة فيتركوا أن ~~يبدؤوهم من أول الأمر ببيان فساد هذه الحجة وبيان تناقضهم وأن قائلها يلزمه ~~إذا قال بها أعظم مما أنكره فإذا تبين له فسادها وللمتكلمين معه حصل دفع ~~هذا الشر وبطلان هذا القول وهذه الحجة وهو المقصود في هذا المقام ثم بيان ~~الحق وتكميله مقام آخر # ومثل ذلك مثال من قدم العدو بلاده فأخذ يبني ويغرس ويعمر ما ينتفع به ~~لنفسه ويدفع به عدوه قبل دفع العدو عن بلاده فجعل كلما عمر شيئا خربه العدو ~~PageV01P171 وهو غير متمكن من العمارة الثانية فإذا كان قادرا من أول الأمر ~~على دفع العدو كان ذلك أولى ms137 وإن حصل له في ذلك نوع مشقة فهي أخف من كل مشقة ~~يلتزمها مع بقاء العدو ببلاده والحجج الباطلة هي عدو الحق فهي عدو في قلب ~~الناظر بنفسه لطلب الحق وقلبه كبلاده وهي أيضا عدو له مع المناظر الذي ~~يناظره وسواء كان معاونا أو مغالبا ولهذا ناظر إبراهيم الخليل بمثل هذه ~~المناظرة المتضمنة قياس الأولى وإلزام الخصم على قوله أعظم مما ألزمه هو ~~على قول خصمه كما قال @QB@ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ قال ~~تعالى @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء @QE@ ~~قال زيد بن أسلم وغيره بالعلم فالعلم بحسن المحاجة مما يرفع الله تعالى به ~~الدرجات وكذلك قال تعالى فيما أمر أن يخاطب به أهل الكتاب @QB@ قل يا أهل ~~الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ~~وأن أكثركم فاسقون قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله ~~وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن ~~سواء السبيل @QE@ $ فصل # يجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن منافع ~~جميع الموجودات وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان كله ووجود ~~النبات ووجود السموات وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في جميع ~~فطر الناس PageV01P172 # أحدهما أن هذه الموجودات مخترعة وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات كما ~~قال تعالى @QB@ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~@QE@ الآية فإنا نرى أجساما جمادية ثم تحدث فيها الحياة فنعلم قطعا أن ها ~~هنا موجدا للحياة ومنعما بها وهو الله تبارك وتعالى وأما السموات فنعلم من ~~قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية بما ها هنا ومسخرة لنا ~~والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة # وأما الأصل ms138 الثاني فهو أن كل مخترع فله مخترع فيتضح من هذين الأصلين أن ~~للموجود فاعلا مخترعا ل وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات # وكذلك كان واجبا على من أراد معرفة الله تعالى حق معرفته أن يعرف جواهر ~~الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات لأن من لم يعرف حقيقة ~~الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع ولهذا أشار تعالى وتقدس بقوله @QB@ أولم ~~ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء @QE@ وكذلك أيضا من ~~يتتبع معنى الحكمة في موجود موجود عن معرفة السبب الذي من أجله خلق الغاية ~~المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم فهذان الدليلان هما دليلا ~~الشرع # وأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع سبحانه في ~~الكتاب العزيز هي مختصرة في هذين الجنسين من الدلالة فهذا بين لمن تأمل ~~الآيات الواردة في الكتاب العزيز إذا تصفحت وجدت على ثلاث أنواع # إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية # وإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع PageV01P173 # وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعا # فأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فقط فمثل قوله تعالى @QB@ ألم نجعل ~~الأرض مهادا والجبال أوتادا @QE@ إلى قوله @QB@ وجنات ألفافا @QE@ ومثل ~~قوله تعالى @QB@ تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا ~~منيرا @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ أو أراد شكورا @QE@ ومثل قوله تعالى @QB@ ~~فلينظر الإنسان إلى طعامه @QE@ ومثل هذا في القرآن كثير # وأما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط فمثل قوله تعالى @QB@ فلينظر ~~الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق @QE@ ومثل قوله تعالى @QB@ أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت @QE@ الآية ومثل قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس ضرب مثل ~~فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~@QE@ ومن هذا قوله حكاية عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم @QB@ إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين @QE@ إلى غير ذلك من ~~الآيات التي لا تحصى # فأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضا بل ms139 هي الأكثر مثل قوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون @QE@ ~~فإن قوله @QB@ الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون @QE@ تنبيه على ~~دلالة الاختراع وقوله @QB@ الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء @QE@ ~~تنبيه على دلالة العناية ومثل قوله تعالى @QB@ وآية لهم الأرض الميتة ~~أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون @QE@ وقوله @QB@ ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار @QE@ وأكثر ~~الآيات الواردة في هذا المعنى يوجد فيها النوعان من الدلالة PageV01P174 # فهذه الدلالة هي الصراط المستقيم الذي دعا الله تعالى الناس منه إلى ~~معرفة وجوده ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى وإلى هذه ~~الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الإشارة بقوله تعالى @QB@ وإذ أخذ ~~ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ بلى ~~شهدنا @QE@ ولهذا قد يجب على من كان وكده طاعة الله في الإيمان به وامتثال ~~ما جاء به رسله أن يسلك هذه الطريقة حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله ~~بالربوبية مع شهادته لنفسه وشهادة ملائكته له كما قال تبارك وتعالى @QB@ ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا ~~هو العزيز الحكيم @QE@ ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين هو التسبيح ~~المشار إليه بقوله تعالى @QB@ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم @QE@ # فقد بان من هذا أن الأدلة على وجود الصانع تعالى منحصرة في هذين الجنسين ~~دلالة العناية ودلالة الاختراع وأن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما طريقة ~~الخواص وأعني بالخواص العلماء وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفصيل ~~أعني أن الجمهور يقتصرون في معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك ~~بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس وأما العلماء فيزيدون إلى ما يذكرون ~~من هذه الأشياء بالحس ما يدركون بالبرهان أعني من العناية والاختراع حتى ~~لقد قال بعض العلماء إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع ms140 أعضاء الإنسان ~~والحيوان هو قريب ألف منفعة وإذا كان هذا هكذا فهذه الطريقة هي الطريقة ~~الشرعية والطبيعية وهي التي جاءت بها الرسل ونزلت بها الكتب والعلماء ليسوا ~~يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط بل PageV01P175 ومن ~~قبل التعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه فإن مثال الجمهور في النظر إلى ~~الموجودات مثالهم في النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم بصنعتها فإنهم ~~إنما يعرفون من أمرها أنها مصنوعات فقط وأن لها صانعا موجودا ومثال العلماء ~~في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عنده علم ببعض صنعتها وبوجه الحكمة ~~فيها ولا شك أن من حاله من العلماء بالمصنوعات هذه الحال فهو أعلم بالصانع ~~من جهة ما هو صانع من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط ~~وأما مثال الدهرية في هذا الذين جحدوا الصانع سبحانه وتعالى فمثال من أحس ~~مصنوعات فلم يعترف أنها مصنوعات بل نسب ما رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق ~~والأمر الذي يحدث من ذاته # قلت ذكره لهذين النوعين كلام صحيح حسن في الجملة وإن كان في ضمنه مواضع ~~قصر فيها مثلما ذكره في دلالة حركة الفلك وتفسير الآية وتسبيح المخلوقات ~~واستدلال إبراهيم ودليل الأحداث والاختراع يدل على ربوبية الله تعالى ودليل ~~الحكمة والعناية والرحمة يدل على رحمته وقد فتح الله كتابه العزيز بقوله ~~@QB@ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم @QE@ وهذا أجود من طريق ~~المتكلمين طريقة الأعراض وإن كان لم يستقص الكلام في دلالة ثبوت الصانع ~~تعالى ولم يفصل إحداث الجواهر وغير ذلك # مع أن طرق معرفة الصانع بالفطرة والضرورة وبالنظر والاستدلال بنفس الذوات ~~وبصفاته باب واسع ليس هذا موضعه وكثير من يرغب عن طريقة الأعراض يذكر ما في ~~خلق الإنسان أو ما في خلق ما يشهد حدوثه من هذين النوعين من PageV01P176 ~~الحدوث الدال على المحدث والحكمة الدالة على قصد الصانع ورحمته ونعمته بما ~~يدل عليه # وقد ذكرنا ما ذكره الخطابي من كراهة طريقة الأعراض وأنها بدعة محظورة وقد ~~قال في أوائل كتابه ms141 شعار الدين القول فيما يجب من معرفة الله سبحانه وتعالى ~~أول ما يجب على من يلزمه الخطاب أن يعلم أن للعالم بأسره صانعا وأنه هو ~~الواحد لا شريك له وقد جرى كثير من عوام المسلمين في هذا على عادة النشوء ~~وحكم الولادة فكان إيمانهم إيمان تلقين وتربية وذلك أنهم يولدون في دار ~~الإسلام ويتربون في حجور المسلمين وينشأون في بلادهم فيتلقنون كلمة التوحيد ~~من الآباء والأمهات ويسمعون الأذان من المؤذنين ويتلون القرآن من الأئمة في ~~الصلوات ومن المعلمين في المكاتب فيستحكم حب الدين في قلوبهم ويعتقدون حسنه ~~وصحته تقليدا فينتفعون به ويقتصرون عليه ودين الإسلام إذا كان موثوقا بصحته ~~مشهودا له بالفضل على كل دين سواه فقد يجب على كل متدين به أن يكون مصلدا ~~اعتقاده إياه عن نظر واستدلال ليكون العلم به أصح والوثيقة به أشد وقد نصب ~~الله تعالى الأدلة وأزاح بها العلة ووسع من وجوهها وكثر من عددها فهي على ~~اختلاف مراتبها في الوضوح والغموض معروضة للاستدلال بها والاستشهاد ~~بمواضعها فلا أحد يعقل من آحاد الناس إلا وله في جليها مستدل وفي واضحها ~~مستشهد وإن كان نزل فهمه عن دقيقها ولطيفها فالواجب على كل من الناس أن ~~يبذل وسعه فيه ويبلغ جهده في دركه فإن الله تعالى يقول @QB@ والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين @QE@ PageV01P177 # فمن أوضح الدلالة على معرفة الله سبحانه وتعالى على أن للخلق صانعا ~~ومدبرا أن الإنسان إذا فكر في نفسه رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة كان ~~نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحما فيعلم أنه لا ينقل نفسه من حال النقص ~~إلى حال الكمال لأنه لا يقدر أن يحدث في الحال الأفضل التي هي حال كمال ~~عقله وبلوغ أشده عضوا من الأعضاء ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة فيدله ~~ذلك على أنه في وقت نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز وقد يرى نفسه شابا ثم ~~كهلا ثم شيخا وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى ms142 حال الشيخوخة ~~والهرم ولا اختاره لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة ~~الشباب فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه وأن له صانعا ~~صنعه وناقلا نقله من حال إلى حال ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا ~~مدبر # فإن قيل إن النطفة قديمة وفيها قوة قابلة للاغتذاء فإذا وقعت في الرحم ~~والطبائع معتدلة قبلت بالقوة التي فيها الاغتذاء والتربية حتى تستوي جارحة ~~ويتم بها خلقه # قيل لو كانت النطفة قديمة كما زعمتم لم يجز عليها الانقلاب والتغيير لأن ~~التغيير والانقلاب من سمات الحدث فبطل أن يكون المنقلب المتصرف قديما # فأما ما ادعوه من قبول النطفة بما فيها من القوة الاغتذاء والتربية فإن ~~ذلك لا ينكر إذا صح العلم به في طريق العادات ولكن الذي ننكره من ذلك أن ~~يكون هذا الفعل للنطفة بذاتها من غير مدبر دبرها لذلك ولو كان هذا جائزا من ~~غير مدبر حكيم عالم قدير يعلم كيف يدبر النطفة ويقلبها أطوارا PageV01P178 ~~ويسوي منها السمع لما يصلح له ويضعه في موضعه والبصر في مكانه الذي يليق به ~~في البدن وكذلك تعليق اليدين العاملتين في موضعهما والرجلين الحاملتين في ~~أخص المواضع بهما ووضع كل شيء من القلب والكبد والطحال وسائر الأجسام في ~~الموضع الذي هو أملك به وأشكل لما أعد له من الفعل لجاز أن يرتفع الماء من ~~إليه ويختلط بالطين ويقع الطين في قالب اللبن وينطبع به ثم يزحف إلى موضع ~~البناء فيرتفع بعضه على بعض فينتضد حتى يكون بناء رفيعا محكما مشيدا من غير ~~بان ولا رافع ساق على ساق بل ينطبع الماء والتراب بنفسهما لا بشيء سواهما ~~فإن لم يكن هذا جائزا لأنه ليس من طبع الماء أن يكون منهما ما وصفت فكذلك ~~غير جائز تركيب الإنسان وتصويره وتخطيطه على ما عليه الإنسان من جنس الصورة ~~وعجيب التركيب بنفس النطفة وطبعها ويجاز على هذا بطبع الخشب وجودة سفينة ~~اجتمعت أجزاؤها واعتدلت وتماسكت وداخل بعضها بعضا وقربت من الساحل معها ms143 ~~دقلها وآلاتها يعبر من يريد العبور من سوال سق ثم تعود بنفسها إلى مركزها ~~ومرساها كذلك ويجاز بطبع الماء والنار والتربة أن يوجد حمام في أسفله نار ~~وفي بيوته ماء على غاية الاعتدال في الحرارة والرطوبة من غير بان بناه ~~ومسخن سخنه ومدبر دبره فإن لم يجز شيء مما ذكرناه فليكن مثل ذلك ما ادعوه ~~من النطفة واجتماع خلق الإنسان منها من غير مدبر حكيم دبره وأحكمه # فهذا الدليل يتضمن أن المحدث لا بد له من محدث وأن ما فيه من الحكمة لا ~~بد له من قاصد حكيم PageV01P179 # ثم ذكر دليلين في العالم أحدهما حدوث ما يحدث لاختلاف الحركات الطبيعية ~~الدالة على أنه بإرادة كما قد نبهنا أن الإرادة هي أصل جميع الحركات الثاني ~~ما في العالم من الحكمة فقال # دليل ثان أنا رأينا أشياء متضادة من شأنها التباين والتنافر والتفاسد ~~مجموعة في بدن الإنسان وأبدان سائر الحيوان وهي الحرارة والبرودة فعلمنا أن ~~جامعا جمعها وقهرها على اجتماع وأقامها بلطفه ولولا ذلك لتنافرت وتفاسدت ~~ولو جاز أن تجتمع المتضادات المتنافرات وتتقاوم من غير جامع يجمعها لجاز أن ~~يجتمع الماء والنار ويتقاوما من ذاتهما من غير جامع يجمعهما ومقيم يقيمهما ~~وهذا محال لا يتوهم فتعين إنما كان اجتماعهما بجامع قهرهما على الاجتماع ~~والالتئام # دليل ثالث أنك إذا تأملت هيئة العالم يبصرك واعتبرتها بفكرك وجدته كالبيت ~~المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد فالسماء مرفوعة ~~كالسقف والأرض ممدودة كالبساط والنجوم منضودة كالمصابيح والجواهر مخزونة ~~كالذخائر وضروب النبات مهيئة للمطاعم والملابس والمشارب وصنوف الحيوان ~~مسخرة للمراكب مستعملة في المرافق والإنسان كالمملك البيت المخول ما فيه ~~وفي هذا كله دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام وأن له ~~صانعا حكيما تام القدرة بالغ الحكمة وقد نبه كتاب الله عز وجل على هذا ~~النوع من الاستدلال فقال تعالى @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ إشارة إلى ~~أثارة الصنعة الموجودة في الإنسان من يدين يبطش بهما ورجلين يمشي بهما وعين ~~مبصرة وأذن ms144 يسمع ولسان يتكلم به وأضراس تحدث له عند غناه عن الرضاع وحاجته ~~إلى الغذاء ومعدة أعدت لطبخ الغذاء وكبد يسلك إليها صفوه وعروق ومعابر ينفذ ~~منها إلى الأطراف وأمعاء يرسب إليها ثفل الغذاء ويبرز عن أسفل البدن ~~PageV01P180 # وقال عز وجل @QB@ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت @QE@ الآية هذا من قريب ~~ما يستدركه العاقل من وجوه الأدله من غير كثير استقصاء في فعل ومعاناة ~~بدقيق فكر وذلك أنه خطاب للعرب ومن سنة العربي أن يركب راحلته فيسير عليها ~~فيما قرب من الأرض باغيا حاجته وفيما يعد عنها ضاغنا في السفر في الحال ~~يكثر في بلادهم فإذا خلا بالمكان لم ير إلا سماءا فوقه وأرضا تحته وجبلا عن ~~يمينه وجبلا عن شماله ومطية هو راكبها فإذا تأمل هذه الأشياء استبان فيها ~~أثر الصنعة ولطف الحكمة مما جمع الله من المرافق فيها أن صانعها لطيف خبير ~~عالم قدير حكيم عليم وقد قيل إن الإبل خصت بالذكر من بين سائر الحيوان وذلك ~~أن الأنعام ضروبها أربعة حلوبة وركوبة وأكولة وحمولة والإبل تجمع هذه ~~الخلال كلها # وقال سبحانه وتعالى @QB@ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء ~~من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح ~~والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون @QE@ فذكر خلق السموات ~~بما فيها من الشمس والقمر والنجوم وسيرها في أفلاكها الذي يختلف الليل ~~والنهار به ويتبين زيادتهما ونقصانهما ودخول أحدهما على الآخر وأخذ بعضها ~~من بعض فيكون بها انقسام فصول السنة وتعاقب الحر والبرد الذين بأحدهما لقاح ~~الشجر وبالآخر نضج الثمار وذكر الله الأرض التي هي مسكن الحيوان والدواب ~~وفيها قرار البحار التي تجمع المياه التي تحمل السفن والفلك وذكر الريح ~~التي تنشئ السحاب وتجريها إلى حيث أذن لها أن تمطر فيحيي بها البلاد والزرع ~~والأنعام وبها يجري الفلك والسفن في البحار فتصلح بهذه الأمور معايش الناس ~~وتكثر بها منافعهم وباجتماع ms145 هذه الأمور ومعاونة بعضها PageV01P181 بعضا يتم ~~صلاح أمر العالم وينتظم وفي ذلك دليل على أن صانع العالم قادر حكيم عالم ~~خبير ووقع ذكر هذه الأمور عقب قوله تعالى @QB@ وإلهكم إله واحد لا إله إلا ~~هو الرحمن الرحيم @QE@ ليدل بها على صدق الخبر عما قد يدلنا به من وحدانيته ~~سبحانه وذكر رحمته ورأفته بخلقه وطرق الاستدلال كثيرة لكنا أخبرنا منها في ~~الكتاب ما هو أقرب إلى الأفهام وذكر تمام الكلام الذي كتبناه في موضعه # واستدلال الناس من جميع الطوائف بما يشهدونه في العالم من الحكمة والنعمة ~~والبرهنة على حكمة ارب ورحمته وإرادته النعمة والإحسان إلى عباده وعنايته ~~كثيرة جدا # وإنما المقصود هنا أن الفلاسفة يصرحون بذلك وهم من أكثر الناس نظرا في ~~حكم الموجودات وقد اعترفوا بما تقدم من أن هذه الموافقة تعلم ضرورة أنها من ~~قبل فاعل قاصد لذلك مريد إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق فعلم ~~أن نفيهم بعد ذلك كونه فاعلا مختارا تناقض منهم # وأيضا فلو لم يتناقضوا لكانت هذه الدلالة مع دلالة الاختصاص كلاهما يدل ~~على الإرادة الاختصاص يدل على إرادة في نفس المفعول وهذا يدل على الإرادة ~~للمفعول ولحكمته فهذه ثلاث طرق # وقد اعتذر ابن سينا ونحوه من المتفلسفة عن هذا فقال في الإشارات بعد أن ~~ذكر حججه على نفي الفعل بالقصد والاختيار إشارة لا تجد إن طلبت مخلصا إلا ~~أن تقول إن تمثل النظام الكلي في العلم السابق مع ترتيبه الواجب اللائق ~~يفيض منه ذلك النظام على ترتيبه وتفاصيله معقولا فيضانه وهذا هو العناية ~~وهذه جملة تهتدى سبيل تفاصيلها PageV01P182 # وهذا الكلام أبعد ممن يقول بتخصيص العالم بوقت دون وقت وصفة دون صفة إنما ~~كان لأن العلم القديم تعلق به ذلك الوجه كما قال ذلك طوائف من المتكلمين من ~~الأشعرية وغيرهم كما سيأتي بيانه مثل أن هؤلاء جعلوا العلم مخصصا لما أريد ~~وهؤلاء المتفلسفة جعلوا العلم مخصصا لما لم يرد عندهم والكلام على هذا من ~~وجوه # أحدها أن يقال لا نسلم أن هذا مخلصا ms146 ولا أنه واقع ولا ممكن كيف نعلم أنه ~~لا مخلص غيره وهم لم يذكروا حجة على ذلك ولا يمكنهم أن يقيموا عليه حجة ~~أصلا # الوجه الثاني أن يقال العلم أبدا تابع للمعلوم مطابق له ثم قد يكون سببا ~~في وجود المعلوم كالعلم بما يفعله العالم مثلما ذكره من علم الرب تعالى ~~بالنظام الكلي وقد لا يكون سببا كالعلم بالأمور التي لا تكون بفعل الإنسان ~~ولا بقصده ثم من الناس من المتفلسفة ونحوهم من يجعل العلم مطلقا صفة فعلية ~~أو يجعله هو وحده الموجب المعلوم وهو غلط كما سنبينه ومنهم من المتكلمين ~~وغيرهم من يجعله أبدا صفة انفعالية للمعلوم لا يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة ~~ويقول فيه وفي القول ليس لمتعلقهما منها صفة ثبوتية وهذا وإن كان أقرب إلى ~~الصواب من القول الأول ففيه تقصير بل الصواب أنه يجتمع في جنسه الأمران إذ ~~الأولون يسلمون أنه عالم بنفسه وهذا ليس مؤثرا في المعلوم والآخرون يقولون ~~الإرادة مشروطة بالعلم وهذا اعتراف بتوقف المفعول عليه لكن المقصود الكلام ~~في العلم الذي له تأثير في المعلوم وهو العلم العملي فنقول # من الأمور المعلومة بالفطرة البديهية الضرورية أن الإنسان إذا عمل عملا ~~بإرادته يجد من نفسه أنه يكون شاعرا بما يريد أن يفعله وأنه مع الشعور لا ~~بد أن يكون PageV01P183 مريدا ولا بد مع هذين أن يكون قادرا عليه ويجد من ~~نفسه أن إحساسه وشعوره يقتضي إرادة الفعل ومحبته وأن له شعورا بما يفعله ~~لأجله وشعورا بالحب والإرادة التي في نفسه لذلك المطلوب وشعورا بالفعل الذي ~~يتوصل به إليه فهذه أربع حقائق مراد مطلوب بالفعل وإرادة في النفس له وفعل ~~موصل إليه وإرادة لذلك الفعل كالطعام مثلا والشعور يتعلق بهذه الأربعة فإنه ~~إذا أخبر بالطعام وهو جائع أحس من نفسه بشهوته ومحبته فأراد أكله ومقصوده ~~بذلك وجود لذة الأكل ودفع ألم الجوع وهو يفرق بين نفس الأعيان واللذة بها ~~وبين إرادة ذلك ثم يريد الأكل الموصل إلى المطلوب ويفعل هذا الفعل وهكذا في ~~شهوة ms147 النكاح وهكذا في جميع الأفعال من العبادات وغيرها والعلم سابق للإرادة ~~والعمل في ذلك كله فإنه مثلا يعرف الله تعالى وثوابه وعقابه فيصير في قلبه ~~محبة له أو لثوابه الملائم له فالله تعالى هو مقصوده ومعبوده وهو يريد ~~التنعم بما يحصل له من النعيم المتعلق بذاته تعالى كالنظر إليه ومن ~~مخلوقاته مثل موجودات الجنة فكلاهما مقصود له وقصد هذا مستلزم هذا كتلازم ~~قصد الأعيان المطعومة وقصد لذة الأكل ثم يريد الأعمال الموصلة إلى ذلك ~~ويعملها ومن المعلوم أن نفس العلم بالمعلومات لا يغني عن إرادة ذلك والقدرة ~~عليه فمن ادعى أن مجرد العلم كاف في حصول المعلومات كان مكابرا مباهتا فإنه ~~في المشاهد منتف قطعا وأما في الغائب فغايته أن يعلمه بنوع شيء قياس الشمول ~~أو التمثيل $ فصل # ذكر ابن سينا فقال تنبيه أتعلم ما الملك الملك الحق هو الغني الحق مطلقا ~~ولا يستغني عنه شيء ومن شيء وله ذات كل شيء لأنه منه أو ما منه ذاته فكل ~~شيء غيره فهو مملوك وليس له إلى شيء فقر PageV01P184 # قال الرازي الغرض منه ذكر ماهية الملك ويعتبر فيها أمران أحدهما سلبي وهو ~~أن يكون غنيا مطلقا عن كل ما عداه وثانيهما إضافي وهو أن يفتقر إليه كل ما ~~عداه بواسطة أو بغير واسطة # قلت هذه الجملة متفق عليها بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل بل المشركون ~~من العرب وغيرهم يقرون بها كما قال تعالى وتقدس @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب ~~العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ~~ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون @QE@ والأكثرون ~~يقرأون الآخرتين @QB@ سيقولون لله @QE@ كما اتفقوا على أن جواب الأول @QB@ ~~سيقولون لله @QE@ وهو جواب مطابق لمعنى اللفظ لأن معنى قوله @QB@ قل من رب ~~السماوات السبع @QE@ @QB@ من بيده ملكوت كل شيء @QE@ أي لمن ذلك فكان ~~الجواب بقوله @QB@ سيقولون لله @QE@ هذا بيان ms148 لأن المشركين يقرون بأن ملكوت ~~كل شيء لله وذلك مبالغة في الملك فإن الملكوت أبلغ من لفظ الملك وما ذكروه ~~من ذلك يتضمن غناه عن كل شيء وفقر كل شيء إليه فهو حق لكنه يتضمن أكمل من ~~ذلك من العلم والقدرة والتدبير على وفق المشيئة والإرادة وغير ذلك من ~~المعاني التي تبين أن هؤلاء الفلاسفة لا يجعلونه ملكا حقا وكيف يكون ملكا ~~عندهم من لا يقدر على إحداث شيء ولا دفع شيء ولا له تصرف لا بنفسه ولا في ~~غيره بوجه من الوجوه بل هو بمنزلة المقيد بحبل معلق به من لا يقدر على دفعه ~~عن نفسه وما يثبتونه من غناه وافتقاره ما سواه إليه يتناقضون فيها فإنهم ~~يصفونه بما يمتنع معه أن يكون غنيا وأن يكون إليه شيء ما فقير لكن ليس ~~المقصود PageV01P185 هنا كشف أسرار أقاويلهم وإنما المقصود التنبيه على ~~فساد حججهم التي خالفوا بها أهل الملل في هذا ونحوه وأنهم يتكلمون بجهل ~~بسيط أو مركب # فيقال إن كان المقصود إن الله يستحق أن يسمى ملكا حقا لثبوت هذا المعنى ~~فلا ريب أنه قد سمى نفسه ملكا حقا ولا ريب أن هذه المعاني داخلة في ضمن هذا ~~الاسم وأكثر منها في صفات الكمال الثبوتية وتنزيهه عن النقائص لكن في هذا ~~ما يدل على أنه ليس له إرادة وقصد إلا أن يحتج على ذلك بأن لفظ الغني ينفي ~~ذلك أو أن ذلك يقتضي فقرا إلى الغير وقد تقدم الكلام على ذلك وتبين أن ذلك ~~مع أنه لا فقر فيه إلى غيره فالذي يذكرونه يستلزم من المحاذير أعظم مما ~~فروا منه من وجوه بل سلب ذلك هو الذي يقتضي أن يكون فقيرا بل معدوما بل ~~ممتنعا لذاته كما هو مقرر في موضعه $ فصل # ثم قال ابن سينا في تقرير نفي الإرادة والحكمة المقصودة تنبيه أتعرف ما ~~الجود الجود هو إفادة ما ينبغي لا لغرض فلعل من يهب السكين لمن لا ينبغي له ~~ليس بجواد ولعل من يهب ليستعيض معامل فليس ms149 بجواد وليس العوض كله عينا بل ~~وغيره حتى الثناء والمدح والتخلص من المذمة والتوصل إلى أن يكون على الأحسن ~~أو على ما ينبغي فمن جاد للشرف أو ليحمد أو ليحسن به ما يفعل فهو مستعيض ~~غير جواد فالجواد الحق هو الذي يفيض منه الفوائد لا لشوق منه وطلب قصدي ~~لشيء يعود إليه واعلم أن الذي يفعل شيئا لو لم يفعله لقبح به أو لم يحسن ~~منه فهو بما يفيده من فعله متخلص PageV01P186 # وقال أبو عبدالله الرازي في تفسير ذلك الغرض منه بيان ماهية الجود وحده ~~أنه إفادة ما ينبغي لا لغرض وهذا فيه قيود ثلاثة # أحدها الإفادة فإن من لا يفيد شيئا لا يكون جوادا # وثانيها أن يكون المفاد مما ينبغي إفادته فإن من يهب السكين لمن لا ينبغي ~~له ليس بجواد # قال واعلم أن لفظة ينبغي لفظة مجملة فإنه يراد بها تارة الحسن العقلي كما ~~يقال العلم مما ينبغي والجهل مما لا ينبغي لكن الحكماء لا يقولون بالحسن ~~والقبح العقليين وقد يراد بهما الإذن الشرعي كما يقال النكاح مما ينبغي ~~والسفاح مما لا ينبغي أي النكاح مأذون فيه شرعا والسفاح ممنوع منه شرعا ~~وهذا التفسير أيضا لا يليق بالحكماء وليس لهذه اللفظة معنى ملخص سوى هذين ~~المعنيين فظهر الإجمال من هذه اللفظة # وثالثها أن لا تكون الإفادة لعوض فإن من يهب ليستعيض معامل سواء كان ~~العوض عينا أو ثناءا أو مدحا أو تخلصا عن الذم أو أن يكون فاعلا للأليق ~~والأحسن ثم أنه لما مهد هذه القاعدة قال فالجواد الحق إلى آخره ومعناه ظاهر # قال ولقائل أن يقول القصد إلى إيصال الفائدة إلى الغير لو لم يكن معتبرا ~~في الجواد لوجب أن يقال الحجارة إذا سقطت من السقف ووقعت على رأس عدو إنسان ~~ومات ذلك العدو أن تكون تلك الحجارة جوادا مطلقا لأنه حصل منها ما ينفي ~~العوض فإن التزم كون الحجر جوادا مطلقا وقال هذا هو الجود وإن كان شنيعا في ~~المشهور فنقول له الذي عولت عليه أيضا ms150 ليس PageV01P187 حجة برهانية بل ~~كلاما إقناعيا خطابيا فإن غاية كلامك أن كل ما غرضه في الإفادة أن كون ~~فاعلا للأولى كان غرضه من الإفادة تخليص نفسه من الذم فهذا ضعيف لأنه يقال ~~إن عنيت بقولك إنه يخلص نفسه من الذم لأن غرضه من فعله أن لا يصير مستحقا ~~للذم مع علمه أنه لو لم يفعله لا يستحق الذم فلم قلت إن ذلك محال وهل هذا ~~الا الزام للشيء على نفسه وإن عنيت به معنى آخر فبينه لنتكلم عليه فصح أن ~~الحجة التي ذكروها لا تصير على السبك والنظر والحق لكنها حجة إقناعية وإذا ~~كان كذلك كانت الحجة التي ذكرناها تصلح معارضة لها # قلت هذه الحجة من جنس التي قبلها في اسم الغني وأفسد منها ويظهر ذلك ~~بوجوه # أحدها أن يقال هذه الحجة مبنية على مقدمتين # إحداهما أن الحق مسمى بأنه جواد # والثانية أن تفسير الجواد هو ما ذكرته ولم تذكر على واحدة من المقدمتين ~~حجة أصلا لا بينة ولا شبهة فكان ما ذكرته مجرد دعوى لبست بها على الناس كما ~~لبست بقولك انه غني وإن الغني هو من يكون كذا ولم تذكر على واحدة من ~~المقدمتين حجة لكن هناك ادعيت أن ثبوت الإرادة مستلزم للفقر إلى غيره وقد ~~ثبت أنه واجب الوجود فلا يكون مفتقرا إلى غيره وهذه الحجة وإن كان قد تبين ~~فسادها فلم تذكر في اسم الجواد حجة نظيرها بل كان هذا دعوى مجردة إذ لا ~~يمكن أن يقول واجب الوجود يجب أن يكون جوادا كمال قال يجب أن يكون غنيا ~~PageV01P188 # الثاني أن يقال لا ريب أن الله عند أهل الملل كريم جواد ماجد محسن عظيم ~~المن قديم المعروف وأن له الأسماء الحسنى التي يثنى عليه فيها بإحسانه إلى ~~خلقه لكن وإن كانت هذه الحجة مبنية على تسليمهم ذلك فليست حجة عقلية بل ~~جدلية وهذا ليس بفلسفة # الثالث أن يقال هم إذا سموه بهذه الأسماء الحسنى سموه بها بالمعنى الذي ~~يفسرونه به بالذي لا ينافي إرادته ورحمته بل ms151 عندهم نفس الرحمة التي نفيتها ~~أنت لنفيك الإرادة أو إرادة الإحسان إلى عباده هي عندهم تدل على الإحسان ~~والجود بلا نزاع بينهم لكن طائفة من نفاة الصفات يجعلون الرحمة هي نفس ~~الإحسان وإن وافقهم على ذلك بعض الصفاتية حتى بعض أصحاب أحمد رحمه الله ~~وطائفة كبيرة من الصفاتية يقولون الرحمة تعود إلى إرادة الإحسان وهذا قد ~~يقوله بعض أصحاب أحمد والذي عليه أئمة الصفاتية وجمهورهم أن الرحمة صفة لله ~~ليست هي الإرادة كما قال إن السمع والبصر ليس نفس العلم # والمقصود أنك احتججت بموافقتهم لك على إطلاق الاسم فإن كنت تحتج ~~بالموافقة على معناه لم يكن لك حجة لأنهم متفقون على أن معنى هذا الاسم ~~عندهم لا ينفي ما تنفيه أنت في إرادته وغير ذلك وإن كنت تحتج بمجرد ~~الموافقة على اللفظ مع التنازع في معناه فهذه حجة فاسدة جدا لأنهم أطلقوا ~~الاسم بمعان فادعيت أنت أنه كان ينبغي أن يريدوا بهذا الاسم معان أخر وهذا ~~من جنس أن يقال كان ينبغي أن يعنوا بلفظ الإحسان كذا وبلفظ الحركة وبلفظ ~~الفعل كذاونحوذلك من المعاني التي لم يريدوها بذلك اللفظ وحاصله أنه اعتراض ~~على اللغة بأنه كان يجب أن يعنى بألفاظها من المعاني أمورا أخر ولا ريب أن ~~هذا اعتراض فاسد على اللغة فضلا أن يكون حجة في المعاني العقلية الإلهية ~~PageV01P189 # الرابع أن يقال هب أنه سلم لك أن اللفظ كان ينبغي أن يستعمل في المعاني ~~التي ذكرتها لكن هم إذا لم يستعملوها إلا في المعاني التي قصدوها لم يكونوا ~~موافقين لك على ما ادعيته من المعنى وإن قصروا في العبارة فيكون ما أثبته ~~من المعنى أثبته بلا حجة علمية ولا جدلية بل مجرد الدعوى وهذا بين واضح ~~ولله تعالى الحمد # الخامس أنه لو احتج على هذا بدليل سمعي مثل أن يثبت بالنص أنه جواد لم ~~يفسره بهذا المعنى لم يصح ذلك أيضا لهذين الوجهين أحدهما أن الأدلة التي ~~يذكرها ليست سمعية شرعية وهو يعترف بذلك فلا يقبل منه أن يذكر ms152 دليلا سمعيا ~~ويدعي أنه عقلي مع أن هذا الاسم ليس في القرآن وإن جاء في بعض الأحاديث ~~الثاني أن المرجع في ثبوت هذه الأسماء عن الشارع وفي بيان معناها إلى من ~~نقل عنه القرآن والحديث لفظه ومعناه وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ~~الذين تلقوا الإيمان والقرآن والحديث بعضهم عن بعض حتى يصل إليه أو أخذ ذلك ~~هو بلغته التي كان يخاطب بها ولا ريب أن الفلاسفة من أبعد الناس عن ذلك ولو ~~ادعوا نقلا عن المرسلين اللفظ ولمعناه من غير رجوع في ذلك إلى أهل العلم ~~بأثارة المرسلين لم يكن ذلك مقبولا باتفاق العقلاء ثم كيف يصح أن يحتج محتج ~~بمثل هذه الدلالة الضعيفة على نفي إرادة الله تعالى والقرآن مملوء من إثبات ~~إرادته ومشيئته ورحمته وحكمته ولو قدر أنه يتناول ذلك كان من المعلوم ~~بالاضطرار لكل أحد أن ما ذكره ليس فيه ظهور يحتاج إلى تأويل بل هو أبعد من ~~ذلك فكيف يتأول النصوص والظواهر لأجل ذلك وإنما غاية المتأول أن يدعي ~~معارضة المعقولات للسمعيات ونحن قد بينا أن هذه الحجة ليست من المعقول قبل ~~بل هي مع كونها سمعية لفظية فهي دعوى مجردة بل كاذبة كما سنبينه ~~PageV01P190 # الوجه السادس أن يقال له هذا الحد الذي ذكرته في الجود حين قلت إن من جاد ~~ليشرف وليحمد وليحسن به ما يفعل فهو مستعيض غير جواد فهذا التفسير عمن ~~نقلته ومن ذكره من أهل التفسير للنصوص أو من أهل اللغة العربية بل من سائر ~~لغات الأمم وإن كان ذلك لا ينفعه إن لم يبين معنى هذا اللفظ العربي في لغة ~~العرب ومن المعلوم أن هذا لم يقله أحد من أهل العلم بالنصوص الشرعية واللغة ~~العربية فصار ذلك افتراءا على النصوص واللغة # الوجه السابع أن يقال اسم الجواد يقال على كثير من المخلوقين مع انتفاء ~~هذه المعاني عنهم فلو كان هذا المعنى داخلا في هذه الاسم لم يصح إطلاقه على ~~مخلوق إلا مجازا أو بطريق الاشتراك وكلاهما مع كونه خلاف الأصل ms153 إنما يكون ~~إذا ثبت استعمال اللفظ في المعنى مجردا فكيف وأصل الاستعمال منتف # الوجه الثامن أن يقال المعروف في الشرع واللغة والعقل أن الذي يفعل أو ~~يفيد ما ينبغي لا لمقصود أصلا عابث وإن كان لا لمقصود يعود إلى نفسه فهو ~~سفيه أو جاهل وكلاهما مذموم في الشرع والعقل بل يستحق في الشرع أن يحجر ~~عليه وهو من أسو المبذرين حالا فإن من المبذرين من يبذل المال لأغراض محرمة ~~وإن كان فيها ما هو مقصود له فأما من يبذل ما ينبغي لا لمقصود أصلا فهذا إن ~~كان موجودا فهو مذموم واسم الجود في الشرع واللغة والعقل اسم مدح فيستحيل ~~أن يفسر بما لا يكون عند الناس إلا مذموما # بل يقال في الوجه التاسع هذا المسمى لا يعرف وجوده أصلا فليس في ~~الموجودات ما يفيد وينفع لا لمقصود أصلا حتى الحركات الطبيعية لحركتها ~~منتهى ومستقر هو منتهى ميلها ويسمى ميلها إرادة وقد جعلوهم عشقا لذاك ~~الكمال وإذا PageV01P191 كان هذا المسمى معدوما والاسم معروفا في الشرع ~~واللغة لأعيان موجودة امتنع أن يكون مسماه ما ذكره # بل يقال في الوجه العاشر إن ما ذكره ممتنع لذاته ولهذا هم يسلمون أنه ليس ~~في الموجودات ما هو كذلك إلا ما يذكرونه في واجب الوجود وهم متناقضون في ~~ذلك فيصرحون تارة أنه يفعل لقصد منه للغاية ورحمة منه وتارة يقولون ليس له ~~إرادة ولا قصد وإن كانوا متناقضين في ذلك تبين أن أحدا من العقلاء لم يستقر ~~قوله على إثبات موجود بهذه الصفة التي سموها جودا # الوجه الحادي عشر أن يقال الجود إفادة ما ينبغي لا لغرض هو كلام مجمل ~~يحتمل الحق والباطل بل الظاهر منه للناس هو الحق الذي لم يرده فإنه يقال لك ~~العوض المعروف في الشرع واللغة والعرف والعقل هو ما يبذله أحد المتعاوضين ~~للآخر في مقابلة ما بذله الآخر له كثمن المبيع وأجرة الأجير وثواب الهدية ~~ومكافأة النعمة ونحو ذلك فلا ريب أن من أعطى غيره ليعطيه ذلك الغير عوضها ~~فهذا مستعيض ms154 وليس بجواد ولهذا يفرق الفقهاء بين عقود المعاوضات والتبرعات ~~بنحو هذا الفرق ولهذا قال المخلصون @QB@ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاء ولا شكورا @QE@ فأخبروا أنهم لا يريدون من المنعم عليهم لا جزاء ~~ولا شكورا ولم يقولوا لا نريد ذلك من أحد لا من الله ولا من غيره فإن هذا ~~إما ممتنع وإما سفاهة ولهذا كان المحققون للإخلاص لا يطلبون من المحسن إليه ~~لا دعاءا ولا ثناءا ولا غير ذلك فإنه إرادة جزاء منه فإن الدعاء نوع من ~~الجزاء على الإحسان والإساءة كما جاء في الحديث من أسدى إليكم معروفا ~~فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد ~~كافأتموه وقال الشاعر PageV01P192 % ارفع صغيرك لا يجزيك ضعفه % يوما ~~فتدركه العواقب قد نمى % % يجزيك أو يثني عليك وإن من % ثنى عليك بما فعلت ~~فقد جزى % $ # وأيضا كانوا إذا كافأهم المعطي بدعاء وغيره قابلوه بمثل ذلك ليبقى أجرهم ~~على الله تعالى ولا يكونوا قد اعتاضوا عنه كما كانت عائشة رضي الله عنها ~~إذا أرسلت إلى قوم بهدية تقول للمرسل اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم ~~مثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله تعالى فهذا أو نحوه غاية ما يقدر من ~~الجود المعروف فأما جود أهل الجاهلية ونحوهم ممن يقصد به الثناء عليه ولو ~~بعد موته فذاك دون هذا # وأيضا فإن الإنسان قد يحب بنفسه فعل الخير والإحسان ويتلذذ بذلك لا لغرض ~~بل يتلذذ بالإحسان إلى الغير كما يتلذذ الإنسان بلذاته المعروفة وأشد وإن ~~لم يصل إليه نفع لذته بالإحسان كما أن النفوس الخبيثة قد تلتذ بالإساءة ~~والعدوان وإن لم يحصل لها بذلك منفعة ولا دفع مضرة فهذا أيضا موجود وصاحبه ~~من أهل الإحسان والجود فأما أن يكون في الوجود من يفعل فيه ولا لمعنى في ~~غيره فهذا لا حقيقة له أصلا وقد علم أن أهل الشرع واللغة وسائر العقلاء ~~الذين يقولون الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض أصلا إنما يريدون به عوضا يكون ~~في ms155 مقابلة العطية إما من المعطي أو ممن يقوم مقامه كمن يبذل لغيره مالا ~~ليعتق عبده أو يخلع امرأته أو يفك أسيره # وبالجملة فالعوض الذي ينافي الجود يشترط فيه أمران أحدهما أن يقصده ~~PageV01P193 4 المعطى والثاني أن يقصده من المعطى وممن يقوم مقامه فأما من ~~طلب العوض من الله تعالى أو أحسن للتذاذه هو بالإحسان فهذا لا ينافي الجود ~~باتفاق العقلاء بل لو طلب الثناء من عباده ونحوهم لم يمتنع أن يسميه الناس ~~جوادا كما سموا حاتما جوادا وغيره من أهل الجاهلية بالجود وإن كانوا قد ~~يقصدون البسمعة والثناء في الخلق # الوجه الثاني عشر قوله ولعل من وهب ليستعيض معامل وليس بجواد وهذا فيه من ~~الإجمال ما تقدم فإن معنى العوض الذي يمنع الجود في الشرع واللغة والعرف ~~وعقول جميع الآدميين أخص من العوض الذي ادعاه بقوله وليس العوض كله عينا بل ~~وغيره من الثناء والمدح والتخلص من الذم والتوصل إلى أن يكون على الأحسن ~~وعلى ما ينبغي فيقال له لا نسلم أن من أعطى لينال حمد الله وثناءه عليه أو ~~التخلص من ذم الله تعالى لا يكون جوادا بل هذا جواد باتفاق الأنبياء ~~والمرسلين وجميع عباد الله المؤمنين وسائر أهل السموات وأهل الأرضين وكذلك ~~من وهب ليكون ذلك أقرب إلى الله تعالى وأحسن له عنده وأعلا لدرجته أو ليكون ~~عند الله على ما يبنغي فلا نسلم أن هذا ليس بجواد وكذلك أهل كل لغة سواء ~~كانوا مسلمين أو كفارا بل من وهب لينال ما هو عندهم أحسن وأعلى ولينال ~~الحمد والثناء من الجناب الأعلى لشيء يليق به عندهم أن يطلب منه الحمد ~~والثناء فهو جواد عندهم فقوله من جاد ليشرف أو ليحمد أو ليحسن ما يفعل فهو ~~مستعيض غير جواد ليس بمسلم ولا دليل عليه # بل يقال في الوجه الثالث عشر هذا جواد باتفاق العقلاء من جميع الأمم وهذا ~~هو الجود قال تعالى @QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها @QE@ ~~وقال @QB@ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه @QE@ وقال @QB@ فمن يعمل ms156 مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ PageV01P194 وقال @QB@ إن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها @QE@ وقال @QB@ ومثل الذين ينفقون ~~أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل ~~فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل @QE@ وقال @QB@ مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله ~~يضاعف لمن يشاء @QE@ وقال @QB@ وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون @QE@ ويروى عن علي أو غيره أنه قال ما أحسنت إلى أحد وما أسأت ~~إلى أحد إنما أحسنت إلى نفسي وأسأت إلى نفسي وعمل ذلك لأجل الله تعالى ~~نهاية المطلوب قال كل من الرسل @QB@ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا ~~على رب العالمين @QE@ وقال @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى @QE@ # الوجه الرابع عشر أن هذا الاسم بعينه لم يجئ في أسماء الله تعالى التي في ~~القرآن ولا في الأحاديث المشهورة في الصحيحين وإن كان قد جاء بمعناه أسماء ~~أخر كالكريم والاكرم والوهاب وما يستلزم هذا المعنى كالرحمن الرحيم والرب ~~وغير ذلك لكن هذا الاسم جاء ذكره في الحديث حديث أبي ذر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الله وقد رواه مسلم لكن هذا الاسم جاء في رواية الترمذي وابن ~~ماجة فيه يقول الله تعالى يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا ~~في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا ~~كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر غمسة واحدة وذلك أني جواد ماجد عطائي ~~كلام وعذابي كلام إنما أمري إذا أردت شيئا أن أقول له كن فيكون وروى هناد ~~بن السري عن أبي معاوية عن حجاج عن سليمان PageV01P195 6 ابن سحيم عن طلحة ~~بن عبدالله بن كريز قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله جواد يحب ms157 ~~الجود وقال أهل العلم الجواد في كلام العرب معناه الكثير العطاء يقال منه ~~جاد الرجل يجود جودا فهو جواد قال أبو عمرو بن العلاء الجواد الكريم تقول ~~العرب فرس جواد إذا كان غزير الجري ومطر جواد إذا كان غزيرا قال عنترة % ~~جادت عليها كل عين ثرة % فتركن كل حديقة كالدرهم % $ # وجاء في الحديث في وصفه المطر الذي استسقاه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فما جاء أحد من جميع النواحي إلا أخبر بجود وفي حديث أبي هريرة الذي في ~~صحيح مسلم في الثلاثة الذين يقضى الله عليهم يوم القيامة أولا ورجل وسع ~~الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما ~~عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن أنفق فيها إلا أنفقت فيها قال كذبت ~~ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه في النار فهذا ~~الحديث الصحيح يدل على أن قولهم جواد مثل قولهم كريم كما قال أبو عمرو فقد ~~ثبت فيه بالنص وقول أهل اللغة إن المخلوق يسمى جوادا وإن كان إنما يفعل ~~لمصلحة له وإنما يفعل بإرادته # الوجه الخامس عشر أن تسمية الرب سبحانه وتعالى جوادا وإن كان قد قيل هو ~~بمعنى كونه كريما فالاسم الكريم يتناول معاني الجود فإن فيه معنى الشرف ~~والسؤدد ومعنى الحلم وفيه معنى الإحسان PageV01P196 7 # ومن تأمل مقالات أهل الفلسفة والكلام ومن يضاهيهم في هذا الأصل وجدهم ~~عامتهم مضطربين فيه كل منهم وإن أثبت نوعا من الحق واعتصم به فقد كذب بنوع ~~آخر من الحق فتناقض وأكثر عقول الناس تبحث دون تأمل هذا إذ أحدهم يرى نفسه ~~إما أن يقول حقا ويقول ما ينقضه أو يقول حقا ويكذب بحق آخر وتناقض القولين ~~باطل والتكذيب بالحق باطل والحق الصريح لا يرى قلبه يستطيع معرفته كما لا ~~يستطيع أن يحدق بصر عينه في نور الشمس بل كما لا يستطيع الخفاش أن يرى ضوء ~~الشمس وقد قال تعالى @QB@ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ms158 القلوب التي في ~~الصدور @QE@ # والمقصود هنا بيان تناقض الدهرية وفساد حجتهم $ فصل # المشهور بين أهل السنة والجماعة أنه لا يقال في صفات الله عز وجل كيف ولا ~~في أفعاله لم وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن السلف والأئمة نفوا علمنا ~~الآن بكيفيته كقول مالك رحمه الله الاستواء معلوم والكيف مجهول لم ينفوا أن ~~يكون في نفس الأمر له حقيقة يعلمها هو وتكلمنا على إمكان العلم بها عند ~~رؤيته في الآخرة أو غير ذلك لكن كثيرا من الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينفون ~~أن يكون له ماهية وحقيقة وراء ما علموه وكذلك إذا قلنا لا يقال في أفعاله ~~لم فإنما نفينا السؤال بلم وذلك ينفي علم السؤال بالحكمة الغائية المقصودة ~~بالفعل التي تصلح أن تكون جواب لم وهي المقرونة باللام في قول المجيب لكذا ~~وهي التي تنصب على المفعول له إذا حذفت اللام بأن تكون العلة مصدرا فعلا ~~لفاعل الفعل المعلل ومقارنة له في الزمان كما تقول فعلت هذا ابتغاء وجه ~~الله ونحو ذلك لكن اللام تقرن بها نفس PageV01P197 8 الحكمة المقصودة قصدها ~~فيقال فعلت هذا لله ولابتغاء وجه الله وأما مع حذف اللام فلا يكون المنصوب ~~إلا ما يقوم بالفاعل من الباعث له كالإرادة والكراهة وما يستلزم ذلك كما ~~يقال قعد عن الحرب جبنا لأن الجبن يتضمن البغض والكراهة وكما يقال % واغفر ~~عوراء الكريم ادخاره % واعرض عن ذم اللئيم تكرما % $ # فإن ادخاره يتضمن قصد الانتفاع به والتكرم يتضمن صون النفس عن التأذي ~~بشتمه # لكن قولهم لا يقال في أفعاله لم لا ينفي ثبوت الحكمة التي تكون مقصودة له ~~في نفس الأمر ولا كونه مريدا لها قاصدا وإن كان ذلك ينفيه من ينفيه من نفاة ~~التعليل ومثبتيه ولهذا قال بعض علماء السلف إن الله علم علما علمه العباد ~~وعلم علما لم يعلمه العباد وإن القدر من العلم الذي لم يعلمه العباد ورووا ~~في قصة سؤال موسى العرش وعيسى للرب أو تعظيم أنه لو أراد أن يطاع لأطيع وقد ~~أمر أن يطاع ms159 وهو مع ذلك يعصى ومضمون السؤال لو أردت هذا لكان واقعا لأنك ~~قادر عليه فما شئت كان وما لم تشأ لم يكن ثم قد أمرت به والأمر يستلزم ~~محبته وطلبه فهلا كان المحبوب المطلوب قد أريد وقوعه فأوحى الله تعالى ~~إليهم أن هذا سري فلا تسألوني عن سري وأن المسيح قال للحواريين القدر سر ~~الله فلا تكلفوه # والمقصود التنبيه على أن العقول تعجز عن إدراك كنه الغاية المقصودة ~~بالأفعال كما تعجز عن إدراك حقيقة الفاعل ولكن نفي الشيء غير نفي العلم به ~~PageV01P198 9 ونفي هذه الحكمة المقصودة لظن أن ثبوتها يستلزم قيام الحوادث ~~المستلزمة حدوثه به واستكماله بغيره المقتضي حاجته ونحو ذلك هو نظير صفاته ~~الثابتة بالفطرة والشرع والعقل لظن أن ثبوتها يستلزم حدوثه أو يستلزم ~~افتقاره إلى غيره فما توهمه النفاة المكذبون من المتفلسفة والمتكلمين من أن ~~ثبوت الأفعال أو حكمها يستلزم حدوا وحاجة هو من جنس واحد وكل منهم يلزمه ~~فيما أثبته أعظم مما فر منه هو لم يثبت إلا هذا الموجود المحسوس بلا صانع ~~أصلا بل كلما كان أقل إثباتا كانت المحذورات فيما يثبته أعظم وأعظم لأن ~~الإثبات إذا قل قلت صفات الكمال وكان ما يلزمه من النقائص وما يتوهم أنه ~~مستلزم للحوادث والفقر أعظم وأعظم فيلزمه اجتماع هذه الأمور مع نقيضها من ~~القدم والوجوب # فليتدبر المؤمن العلم بهذا الأصل الجامع العظيم فإنه من أعظم ما يهدي به ~~الله تعالى إلى الصراط المستقيم # ثم قالوا في جواب ما ذكروه من إبطال الغرض قوله في الوجه الثاني في إبطال ~~هذا القسم إن كل من فعل فعلا لغرض فهو أحسن من ذلك الغرض # قلنا القضايا المبنية على الشرف والخسة قضايا غير علمية بل خطابية فلا ~~يمكن بناء القواعد العلمية عليها على أننا ننقض هذه القضية بالراعي فإنه ~~ليس أخس من الغنم وبالنبي فلأن أمته ليسوا بأشرف منه فهكذا هنا # وهذا جواب ضعيف وقد تعلمه من ابن سينا فإنه هو القائل في الشفاء إن ~~القضايا المبنية على الشرف والخسة قضايا ms160 خطابية وليس الأمر كذلك فإنه من ~~المعلوم ببديهة العقول أن الشيء إذا لم يقصد به إلا أن يكون وسيلة ~~PageV01P199 0 وطريقا إلى غيره فالذي هو المقصود بذاته يجب أن يكون أكمل في ~~الوجود من الذي ليس يراد منه إلا أن يكون وسيلة إلى غيره والمعني بالشرف ~~كمال الوجود وبالخسة نقص الوجود وهذا أمر معقول بل على مثل ذلك تبنى عامة ~~البراهين الصحيحة بل معرفة الفطرة بمثل هذه القضية أبين عندها من كثير من ~~القضايا البديهية لأنه يجتمع فيها العلم والحب فتبقى معلومة بالعقل موجودة ~~مذوقة بوجد القلب وذوقه وإحساسه فتكون من القضايا العقلية المحسوسة بالحس ~~الباطن وإلا فهل يقول عاقل إن الموجود الذي يكون وجوده أكمل من غيره لا ~~يقصد به إلا أن يكون وسيلة إلى الموجود الذي هو دونه وأنقص منه # وأما ما ذكره من التمثيل بالنبي والراعي فيقال منشأ الغلط في مثل هذا هو ~~اشتباه المقصود بالقصد الأول بالمقصود بالقصد الثاني وذلك أن الراعي ليس ~~مقصوده الأول برعاية الغنم مجرد نفعها بدون غرض يحصل له هو من ذلك بل إنما ~~يقصد أولا ما كان مصلحة له ونفعا وكمالا إما تحصيل الأجرة وهو المال الذي ~~ينتفع به ويقضي به حاجاته أو يتشرف وإما رحمة للغنم وإحسانا إليها ليدفع عن ~~نفسه الألم الحاصل لنفسه إذا كان الحيوان محتاجا متألما وهو لا يزيل ألمه ~~أو لتحصل له العافية والرحمة من هذا الألم ويحصل له تنعم وفرح وسرور ~~بالإحسان إليها أو أن تكون به أو لصديقه أو لقريبه فيقصد برعايته ما يحصل ~~له له من المنفعة والفرح والسرور وزوال الضرر بمثل ذلك وكذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه بالإحسان إلى الأمة إنما يقصد ما يناله من التقرب إلى ~~الله تعالى وعبادته والإحسان إلى عباده من أنواع المطالب والمقاصد التي هي ~~أشرف وأعظم من فعله بهم فمطلوبه ومقصوده أعظم من العباد الذين ينفعهم فأما ~~أن تكون الغاية المقصودة له بذاتها هي مجرد نفعهم من غير مقصود آخر يكون ~~أشرف من هذا فهذا ms161 إنما يقوله جاهل شديد الجهل بالمقاصد والنيات PageV01P200 ~~1 # وقد أجاب طائفة ثالثة من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم كابن الهيصم في ~~كتابه المسمى بجمل الكلام وكالقاضي أبي يعلى الصغير في كتابه المصنف في ~~أصول الدين عن سؤال الحكمة بجواب خير من جواب هذين كما أن هؤلاء أيضا قالوا ~~في سبب الحوادث خيرا من قول هذين وإن كان الجميع مقصرين في الأمرين جميعا ~~وقالوا العلة فيه استدعاء الحمد والتعظيم من عبيده وذلك أن الحكمة تستحسن ~~استدعاء الحمد من مستحقه واستدعاء التعظيم ممن هو أهله كما أنه يسحسن طلب ~~المحامد من عدمها ألا ترى أنه من عدم المعاني التي يستحق عليها الحمد ~~والتعظيم كيف يحسن في الحكمة أن يبذل الوسع في طلبها ولذلك حسن منا طلب ~~العلوم ومكارم الأخلاق فأما الله تعالى فقد كان كامل العلم والقدرة والجود ~~والكرم فخلق العالم وأسكنه أهل التمييز يستدعي بذلك حمدهم له وتعظيمهم ~~إياهه وعلى ذلك يخلد من يخلده منهم في الجنة أبد الآبدين قال الله تعالى ~~@QB@ له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون @QE@ # قالوا والدليل على أن وجه حكمة الله في خلق هذا العالم أن يدل على صفاته ~~التي توجب تعظيمه وأن يستدعي الحمد له أن هذا الوجه من القصد حسن مقبول عند ~~كل عاقل وليست المنافع كذلك من قبل أن المتقدمين والمتأخرين قد اختلفوا في ~~المنافع هل هي حاصلة في أنفسها أم لا وذلك يدل على أن المنفعة ليست صريح ~~الحكمة والحسن لاشتباه ذلك على من عرفها وثبت أن صريح الحكمة والحسن ~~استدعاء الحمد والتعظيم من مستحقها إذ كان هذا الوجه في تشبيه على ذي عقل ~~PageV01P201 2 # قالوا وقد قال الله تعالى جل جلاله فيما وصف أهل الجنة وله الحمد في ~~الأولى والآخرة وقال @QB@ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين @QE@ وإذ ~~قد جعل حمدهم إياه آخر ما يحشرهم إليه بكلية هذا التدبير ثبت أنه الغرض من ~~خلق الكل وقال الله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ يعني ~~ليعبده منهم البعض ms162 فتكون عبادتهم وتعظيمهم إياه عوضا عن جملة ما خلق ممن ~~عبده وممن لم يعبده وذلك أن من لم يعبد صار سببا لعبادة من عبد ولذلك صح أن ~~تكون عبادة من عبد غرضا من كلية هذا التدبير # قالوا وفي تكليف من علم أنه لا يطيع لم يكن غرضه من تكليفه إياه أن يتأدى ~~إلى حسن حال يخصه في عاقبة أمره بل أخر تكليفه ذلك إلى غرض صحيح وليس يجب ~~أن يكون غرضه في تكليف كل واحد من المكلفين ما يعود إلى حسن حال يخصه وما ~~ينتفع به فيعاقبة أمره بل الذي يجب أن يكون غرضه من ذلك أمر هو صحيح في ~~الحكمة كما أنه خلق الجماد ولم يكن غرضه من خلقه أن يتأدى به خلقه إلى ~~منفعة تخصه في نفسه وإنما خلقه لغرض آخر وذلك أنه أظهر بتكليف من هلك ضربا ~~من تدبيره واستدعى بذلك محامد من علم أنهم يعتبرون به ونفع بتكليفه غيره ~~ممن علم أنهم ينتفعون بذلك وهو إنما هلك بسوء اختياره فكان تكليفه حسن إلا ~~أن أمره له بالإيمان والطاعة والشيء الذي كلف فعله حسن لأنه كلفه أن يؤمن ~~ويطيع والذي عرض له أيضا حسن لأنه عرض لنعيم الجنة فأما الغرض من تكليفه ~~فلم يكن حسن حال يخصه في عاقبته إذ قد علم أنه يهلك بسوء اختياره وإنما كان ~~الغرض منه صلاح ضرب من التدبير علمه فيه ولولا ذلك لم يكن ليكلفه # قلت وليس المقصود هنا بيان ما يجب أن يقال في حكمة الله تعالى ومشيئته ~~ورحمته وما يستحقه من الصفات والأفعال إذ لكل مقام مقال PageV01P202 3 # ولكن الغرض بيان ممانعة الجهمية والدهرية وعجز كل طائفة عن تصحيح قولها ~~لاشتراك الطائفتين في جحد أصول فطرية ضرورية جاءت الرسل بكمالها وتمامها ~~وشهدت بها الأقيسة الصحيحة وأن الجهمية عاجزون عن الجواب عن شبه الدهرية ~~على أصولهم وأن الدهرية عن الجواب عن حجج الجهمية على أصول أنفسهم أعجز وأن ~~حجة كل واحدة من الطائفتين باطلة على أصل نفسه كما هي باطلة ms163 على أصل خصمه ~~فإذا كانت حججهم باطلة على الأصلين وجوابهم عن حجج خصومهم باطل على الأصلين ~~كما أن ذلك أيضا باطل على الأصول الصحيحة ظهر مع بطلان أصولهم عظم تناقضهم ~~من كل وجه # وقد تقدم أن هذه الحجة حجة الحكمة والغرض للفعل احتج بها الدهرية وذكرنا ~~أنهم يعارضون بها على كل قول يقولونه فتبين أن الذي يلزمهم أعظم مما فروا ~~منه # ونقول قد تبين أنهم معترفون بما هو مشهود معلوم من ظهور الحكمة التي في ~~العالم التي يسمونها العناية والفلاسفة من أعلم الناس بهذا وأكثر الناس ~~كلاما فيما يوجد في المخلوقات من المنافع والمقاصد والحكم الموافقة للإنسان ~~وغيره وما يوجد من هذه الحكمة في بدن الإنسان وغيره سواء كانوا ناظرين في ~~العلم الطبيعي وفروعه أو علم الهيئة ونحوه من الرياضي أو العلم الإلهي وأجل ~~القوم الإلهيون وقد تقدم ما ذكر في اعترافهم بأن هذه الموافقة ضرورة من قبل ~~فاعل قاصد لذلك مريد ولا ريب أن الاعتراف بهذا ضروري كالاعتراف بأن المحدث ~~لا بد له من محدث والممكن لا بد له من مرجح فكما أن هناك مقدمتين إحداهما ~~أن هنا حوادث مشهودة والحادث لا بد له من محدث والأولى حسية والثانية عقلية ~~بديهية ضرورية وكذلك أن ها هنا ممكنات والممكن لا بد له من مرجح واجب فكذلك ~~ها هنا مقدمتان PageV01P203 4 إحداهما أن هنا حكما أو منافع مطلوبة ~~والثانية أنه لا بد لذلك من فاعل قاصد مريد وهما مقدمتان ضروريتان الأولى ~~حسية والثانية عقلية فإن الإحساس بالانتفاع كالإحساس بالحدوث وإن كان في ~~تفاصيل ذلك ما يعلم بالقياس أو الخبر ثم هذه الحكم قد يعلم حدوثها وقد يعلم ~~إمكانها كالأسباب # وأيضا فإنه يقال هذا الموجود المحسوس يستلزم الواجب القديم فإن كل موجود ~~إما قديم واجب بنفسه وإما ممكن أو محدث والممكن والمحدث يستلزم القديم ~~الواجب فثبت الموجود الواجب القديم فكذلك يقال هذه المقاصد المحسوسة تستلزم ~~وجود موجود مقصود لنفسه لأن هذه المقصودات إما أن تكون مقصودة لنفسها أو ~~لغيرها والمقصود لغيره يستلزم ms164 وجود المقصود لنفسه فثبت أنه لا بدمن مقصود ~~لنفسه على التقديرين كما ثبت أنه لا بد من موجود لنفسه على التقديرين ثم ~~هذا يدل على وجود المريد الفاعل لهذه الموجودات لغيرها ولنفسها # وإذا تقرر هذا تبين تناقض الفلاسفة وفساد مذهبهم في حجة الحكمة والغرض ~~وحجة السبب الحادث وهما جماع الكلام وذلك أنهم لما قالوا في حجة الفرض إذا ~~أحدثه كان فاعلا بالاختيار وذلك محال لما تقدم من الوجهين أحدهما أن ذلك ~~يستلزم إما استكماله بغيره وإما العبث ولما في ذلك من المحذور على تقدير ~~جواز القبائح عليه وعدم جوازها فيقال لهم أنتم معترفون بالاختيار كما تقدم ~~التصريح عنكم بأن هذه الحكم ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد له وهذا ~~موجود في عامة كتب الفلاسفة وأعظمهم قدرا هم الإلهيون المشاؤون وهم أعظم ~~الناس تصريحا بذلك وكذلك الطبائعيون حتى محمد بن زكريا الرازي وأمثاله ~~PageV01P204 5 # ثم يقال ثبوت القصد والاختيار كثبوت الواجب القديم كما تقدم بيانه فقد ~~ثبت بالعلوم الضرورية وبالمقاييس البرهانية وبالاتفاق وجود الفاعل القاصد ~~لهذه الحكم المريد لها كما يثبت ذلك وجود الموجود القديم الواجب بنفسه ~~وحينئذ فالقدح في ثبوت الفاعل المختار كالقدح في ثبوت الموجود القديم ~~الواجب بنفسه وهذا إنما يمكن بإنكار وجود هذه الموجودات المحسوسة وهذا في ~~غاية البيان والإحكام والإتقان ويقال لهم حينئذ فهذا القصد والإرادة يستلزم ~~ما ذكرتموه سواء بسواء فما كان جوابكم عن ذلك فهو جواب لمن قال بحدوث ~~العالم سواء # وأما في مسألة السبب الحادث إذاثبت أنه فاعل بالقصد والإرادة وأن له ~~عناية بالمفعولات لزمكم كلما ألزمتموه لغيركم فإن ابن رشد الحفيد قال في ~~إلزامه للمتكلمين وأيضا فإن الإرادة التي تتقدم المراد وتتعلق به بوقت ~~مخصوص لا بد أن يحدث فيها في وقت إيجاد المراد عزم على الايجاد لم يكن قبل ~~ذلك الوقت لأنه إن لم يكن في المريد في وقت الفعل حالة زائدة على ما كانت ~~عليه في الوقت الذي اقتضت الإرادة عدم الفعل لم يكن وجود ذلك الفعل في ذلك ~~الوقت ms165 أولى من عدمه فيما تقدم # فيقال لهم حينئذ يجب أن يتجدد له عزم في وقت حدوث هذه الحوادث وحكمها ~~وحينئذ فالقول في حدوث ذلك العزم كالقول فيما طلبتموه من السبب الحادث ~~للعالم # وأيضا فقد قلتم إذا كانت الإرادة قديمة لزم قدم المراد فلو كانت له إرادة ~~قديمة لزم قدم الحوادث PageV01P205 6 # وفي الجملة فأنتم بين أمرين إما أن تنكروا القصد والإرادة وقد تبين أن ~~ذلك كإنكار الموجود الواجب نقلا عنكم وإلزاما لكم وإما أن تقروا بالقصد ~~والإرادة فيبطل جميع ما بنيتموه على إنكار ذلك وجميع ما يخالفون به أهل ~~الملل إنما هو مبني على إنكار ذلك وإلا فمتى وقع الاعتراف بأن صانع العالم ~~فاعل مختار انهارت هذه الفلسفة كما ينهار ما أسس @QB@ على شفا جرف هار @QE@ ~~فلا ريب أن هذه الآية إشارة واعتبار لمثل حالهم فإنهم بنوا مذاهب تتخذها ~~القلوب عقائد ومقاصد مقابلة لما جاء به المرسلون @QB@ والذين اتخذوا مسجدا ~~ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ~~وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا ~~لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير ~~أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي ~~القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع ~~قلوبهم والله عليم حكيم @QE@ # ومما يوضح ذلك أن القاضي أبا الوليد الفيلسوف ابن رشد قال في كتاب مناهج ~~الأدلة في الرد على الأصولية وأما الإرادة فظاهر اتصافه بها إذ كان من شرط ~~صدور الشيء عن الفاعل العالم أن يكون مريدا له وكذلك من شرطه أن يكون قادرا ~~فأما أن يقال إنه مريد للأمور المحدثة بإرادة قديمة فبدعة وشيء لا يعلمه ~~العلماء ولا يقنع الجمهور أعني الذين بلغوا رتبة الجدل بل ينبغي أن يقال ~~إنه مريد لكون الشيء في ms166 وقت كونه وغير مريد لكونه PageV01P206 7 في غير وقت ~~كونه كما قال تعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~@QE@ فإنه ليس عند الجمهور كما قلنا شيء يضطرهم إلى أن يقولوا هو مريد ~~للمحدثات بإرادة قديمة إلا ما توهمه المتكلمون من أن الذي تقوم به الحوادث ~~حادث # قلت وهذا الكلام كالصريح في تجويز قيام الحوادث بالرب وبالجملة فهو لازم ~~لهم وهو يبطل القول بقدم الأفلاك ويبين فساد كثير مما اعترض به هذا ~~الفيلسوف على حجج المتكلمين فإنه إنما أطمعه فيمن رد عليهم نفيهم لهذا ~~الأصل وقد تقدم أنه ما من طائفة من الطوائف وإن نفت هذا الأصل إلا وهي ~~تلتزم به في مواضع أخر وإن القول به لازم لجميع الطوائف وذلك أن الفيلسوف ~~قال بعد أن اعترض على حجة الأعراض الي للمتكلمين بما بعضه حق وبعضه باطل ~~والحق منه لا يمنع من القول بحدوث هذه المخلوقات ثم قال وأما الطريقة ~~الثانية فهي الطريقة التي استنبطها أبو المعالي في رسالته المعروفة ~~بالنظامية ومبناها على مقدمتين $ إحداهما أن العالم بجميع ما فيه جائز أن ~~يكون على مقابل وما هو عليه حتى يكون من الجائز مثلا أن يكون أصغر مما هو ~~وأكبر مما هو أو بشكل آخر غير الشكل الذي عليه أو عدد أجسامه غير العدد ~~الذي هو عليه أو تكون حركة كل متحرك منها إلى جهة ضد الجهة التي يتحرك ~~إليها حتى يمكن في الحجر أن يتحرك إلى فوق وفي النار إلى أسفل وفي الحركة ~~الشرقية أن تكون غربية وفي الغربية أن تكون شرقية # والمقدمة الثانية أن الجائز محدث وله محدث أي فاعل محدث صيره بأحد ~~الجائزين أولى منه بالآخر فأما المقدمة الأولى فهي خطابية في بادئ الرأي ~~وهي PageV01P207 8 إما في بعض أجزاء العالم فظاهر كذبها بنفسه مثل كون ~~الإنسان موجودا على خلقة غير هذه الخلقة التي هو عليها وفي بعض الأمر فيه ~~مشكوك مثل كون الحركة الشرقية غربية والغربية شرقية إذ كان ذلك ليس معروفا ~~بنفسه إذ ms167 كان يمكن أن يكون لذلك علة غير بينة الوجود بنفسها أن تكون من ~~العلل الخفية على الإنسان ويشبه أن يكون ما يعرض للإنسان في أول الأمر عند ~~النظر في هذه الأشياء شبيها بما يعرض لمن ينظر في أجزاء المصنوعات من غير ~~أن يكون من أهل تلك الصنائع وذلك أن الذي هذا شأنه قد يسبق إلى ظنه أن كل ~~ما في تلك المصنوعات أو جلها ممكن أن يكون بخلاف ما هو عليه ويوجد عن ذلك ~~المصنوع ذلك الفعل بعينه الذي صنع من أجله أعني غايته فلا يكون في ذلك ~~المصنوع عند هذا موضع حكمة وأما الصانع والذي يشارك الصانع في شيء من علم ~~ذلك فقد يرى أن الأمر بضد ذلك وأنه ليس في المصنوع إلا شيء واجب ضروري أو ~~ليكون به المصنوع أتم وأفضل إن لم يكن ضروريا فيه وهذا هو معنى الصناعة ~~والظاهر أن المخلوقات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع فسبحان الخلاق العظيم # فهذه المقدمة من جهة أنها خطابية قد تصلح لإقناع الجميع ومن جهة أنها ~~كاذبة ومبطلة لحكمة الصانع فليست تصلح لهم وإنما صارت مبطلة للحكمة لأن ~~الحكمة ليست شيئا أكبر من معرفة أسباب الشيء وإذ لم يكن للشيء أسباب ضرورية ~~تقتضي وجوده على الصفة التي هو بها ذلك النوع موجود فليس ههنا معرفة يختص ~~بها الحكيم الخالق دون غيره كما أنه لو لم يكن هنا أسباب ضرورية في وجود ~~الأمور المصنوعة لم يكن هنالك صناعة أصلا ولا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ~~ليس بصانع وأي حكمة كانت تكون في الإنسان لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن ~~أن تتأتى بأي عضو اتفق أو بغير عضو حتى PageV01P208 9 يكون الإبصار مثلا ~~يتأتى بالأذن كما يتأتى بالعين والشم يتأتى بالعين كما يتأتى بالأنف وهذا ~~كله إبطال للحكمة وإبطال للمعنى الذي سمى به نفسه حكيما تعالى وتقدست ~~أسماؤه عن ذلك # الوجه الثالث أن يقال له ما ذكرته من الأمور الضرورية في الأسباب إنما ~~يجيء في حق من لم يخلقها دون من ms168 خلقها ومن هنا وقع الغلط حيث قسمتم أفعال ~~الله بأفعالنا حتى عجزتموه عن غير ما خلقه وذلك أن الواحد منا إذا أراد ~~أمرا من أكل وشرب ولباس وسفر وغير ذلك فإن لم يحصل الأسباب التي بها جعل ~~الله وجود المطلوب لم يحصل والأسباب خارجة عن قدرته وإنما يمكنه تأليف ما ~~يؤلفه أو نقله من موضع إلى موضع وأمثال ذلك من الأفعال دون إبداع الأعيان ~~وأما الله سبحانه وتعالى وإن كان قد جعل بعض الاشياء سببا كما جعل الأكل ~~مثلا سببا للشبع وخلق الطعام يغذي الإنسان فهو الذي خلق الأزواج كلها مما ~~تنبت الأرض ومن أنفسنا ومما لا نعلم وإذا كان هو الخالق للجميع فيمتنع أن ~~يكون مضطرا إلى شيء من دون ذلك فإنه إذا قيل البصر لا يمكن إلا بالعين ~~والسمع لا يمكن إلا بالأذن ونحو ذلك من الأسباب فيقال هو الذي جعل هذه ~~الماهيات وأبدعها وجعل لها هذه الصفات التي يتوصل بها إلى هذه المقاصد وقد ~~كان من الممكن أنه إذا غير هذا التخليق أن يحصل إما فوق تلك الحكمة وإما ما ~~هو دونها وإما ما يشاركها في الجنس دون النوع وإن كان نفس الحكمة الحاصلة ~~فهذا لا يحصل إلا بمثله ألا ترى أن أهل الجنة يكونون في أبدانهم وقواهم ~~أعظم مما هم في الدنيا مع كون هذه الحكم هناك أكمل وأبلغ وهب أن المنازع لا ~~يصدق مثل ذلك فمن المشهود أن أبصار الناس وأسماعهم PageV01P209 0 وسائر ~~قواهم تختلف في القوة والضعف فتكون المنافع الحاصلة لهم متفاوتة مع العلم ~~الضروري بأن الذي له لو جعل لهذا والذي لهذا لو جعل لهذا لكان يفوت التعيين ~~وذلك لا يبطل أصل الحكمة وهكذا البلاد تختلف فيما خلق فيها من الاقوات ~~والأنهار والمساكن فيختلف لذلك وجه الانتفاع مع أن أصل المقصود حاصل في ~~الجميع وقد يحول الله ما ببض البلاد إلى بعض مع أن نظام العالم قائم ~~والتحويل من حال إلى حال موجود في العالم فلو كان ما يوجد من الصفات ~~والمقادير لغاية ms169 بمعنى أن وجود تلك الغاية ضروري أي لا يمكن عدمه إلا لزم ~~منه فساد عام لم يكن الأمر كذلك # الوجه الرابع أن يقال قولك هذا ضروري الوجود في الأسباب والحكم ماذا تعني ~~به أتعني به أنه واجب بنفسه بمعنى أنه يمتنع عدمه أم تعني به أنه إذا عدم ~~عدمت الحكمة التي وجد لأجلها أما الأول فباطل قطعا وهو لم يرده وأما الثاني ~~فيقال لك هب أنه يلزم من عدمه تلك الحكمة المعينة فتلك الحكمة المعينة ليست ~~واجبة بنفسها بل هي أيضا جائزة فالقول بكونها مخصوصة بالإرادة دون غيرها من ~~الحكم لا بد له من تخصيص وهو الإرادة بل تلك الحكمة لا تكون حكمة إلا أن ~~تكون مقصودة وأنت تقول ذلك وتحتج به فصار ما جعلته ضروريا يدل على الإرادة ~~المخصصة بطريق الأولى # الوجه الخامس أن يقال هذه الامور المستحيلة من حال إلى حال فحركاتها ~~واستحالاتها إما أن تكون واجبة لذاتها وإما أن لا تكون واجبة لذاتها بل ~~إنما صارت كذلك بفاعل غيرها فإن قدر الأولى قيل فإن جاز فيما هو واجب بنفسه ~~أن يتحرك حركة استحالة فيكون تارة عالما وتارة جاهلا PageV01P210 1 وتارة ~~شبعان وتارة جائعا وتارة صحيحا وتارة مريضا كما يقول نحو ذلك القائلون ~~بوحدة الوجود كصاحب الفصوص وأمثاله ويدعون أن الكمال المطلق أن يكون واجب ~~الوجود منعوتا بكل نعت سواء كان محمودا شرعا وعرفا وعقلا أو مذموما شرعا ~~وعرفا وعقلا وأنه هو المتلذذ بكل ما في الوجود من الألم وأنه هو الذي يتجدد ~~له العلم بعد أن لم يكن عالما وينشدون % وكل كلام في الوجود كلامه % سواء ~~علينا نثره ونظامه % $ # وينشدون % وما أنت غي الكون بل أنت عينه % ويفهم هذا السر من هو ذائق % $ # وأمثال ذلك من كلامهم المعروف نثرا ونظما ويدعون أن هذا هو التحقيق الذي ~~آمن إليه هرامس الدهور الأولية والمعرفة التي رامت إفادتها الهداية النبوية ~~وإن كان لهم في تفصيل هذا المذهب اضطراب قد بيناه في غير هذا الموضع # فيقال إذا قدرنا هذه الموجودات المشهودة ms170 واجبة الوجود بنفسها أو هي ~~الموجود الواجب بنفسه أو وجودها عين وجود واجب الوجود لم يمكن حينئذ أن ~~يقال في واجب الوجود إنه لا يفعل بعد أن لم يكن فعل لأن ذلك يقتضي تجدد أمر ~~ما وحدوث أمر منه ممتنع ولا أن يقال ذلك يقتضي ثبوت الصفات له أو تجزيه أو ~~حلول الحوادث به نحو ذلك وذلك ممتنع فإنه من يجوز أن يكون واجب الوجود هو ~~الموجود المستحيل من حال إلى حال وأنه تارة يكون PageV01P211 2 نطفة ثم ~~علقة ثم مضغة وتارة حبا ثم شجرا ثم تمرا وتارة حيا ثم ميتا لم يبق عنده شيء ~~يمتنع على واجب الوجود إذ هو واصف له بكل صفات واقعة في الموجودات التي هي ~~عند الناس مخلوقة ممكنة ومن جوز أن يوصف بكل ما يوصف به كل مخلوق وممكن بطل ~~حينئذ أن يكون علة قديمة لا يجوز عليها التغير والاستحالة ونحو ذلك مما يصف ~~به المشاؤون واجب الوجود # وهذا القول وإن كان فاسدا من وجوه كثيرة فالمقصود هنا أن ندرجه في ضمن ~~التقسيم وذلك أن الموجود الواجب بذاته أدنى خصائصه امتناع العدم عليه ~~وهؤلاء يجعلون ما وجد وعدم من واجب الوجود لذاته وأصل كلامهم ظنهم أن ~~الوجود المطلق له وجود في الخارج فقالوا بوحدة الوجود أي الوجود الواحد ولم ~~يعلموا أن الوجود المطلق لا وجود له في الخارج وإنما الموجود في الخارج ~~موجودات أو موجودان كل منهما متعين متميز عن الآخر وليس أحدهما هو الآخر ~~بعينه ولا نفس وجود هذا هو نفس وجود هذا بل الذهن يأخذ وجودا مطلقا مشتركا ~~فيه فإذا قال بوحدة هذا الوجود فإنما قال بوحدة هذا الوجود الذهني المطلق ~~ومن قال الوجود زائد على الماهية قد يقول بأن وجود الماهيات من جنس واحد ~~وهو قول فاسد لكنه لا يقول نفس وجود هذا هو نفس وجود هذا بعينه فإن هذا ~~مخالف للحس ولصريح العقل ولهذا يقول كبير هؤلاء الاتحادية في وقته ~~التلمساني ثبت عندنا بالكشف ما يناقض صريح العقل وذلك أن ms171 الذي ينكشف لهم ~~أنهم متوجهون بقلوبهم توجها لا يعرفون به الرب البائن عن خلقه حتى يقصدوه ~~فيشهدون الوجود المطلق المشترك بين الموجودات وإن لم يوجد في الخارج لكن ~~القلوب تجده وتأخذه مطلقا وفي كل معين منه حصة وهذا الوجود المطلق ~~PageV01P212 3 الساري في الكائنات وإن كان موجودا فيها على وجه التعيين ~~والتخصيص وهو الذي يقال له الكلي الطبيعي فذاك من أثر وجود الله تعالى ومن ~~مخلوقاته ومصنوعاته فيظنون الوجود المخلوق هو الوجود الخالق # وهم يشبهون من بعض الوجوه من رأى شعاع الشمس الذي على الأرض والحيطان ~~والجبال فظنه نفس الشمس التي في السماء مع أن هذا الشعاع منفصل عن الشمس ~~ومع أنه قائم بأجسام غيرها والمخلوقات وإن كان لها وجود وتحقق فهو مخلوق ~~لله بائن منه وغايته إذا قدر أن الوجود زائد على الماهيات أن يكون الوجود ~~في الموجودات كالشعاع في الأجسام المقابلة للشمس فصار هذا الضلال ناشئا من ~~نقص العلم والإيمان بالرب المباين للمخلوقات ومن شهود القلب لما وجد عنه من ~~الوجود الساري في الكائنات فظن هذا هذا # وقوي ضلالهم ما سمعوه من كلام المتفلسفة ومن وافقهم أن واجب الوجود هو ~~الوجود المطلق وأنه لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك من مقالات الجهمية ~~فلم يشهدوا ما يكون كذلك إلا وجود الكائنات بعينه ولهذا يقولون بقول ~~الباطنية القرامطة وغالية الفلاسفة فيقولون هو من حيث ذاته لا اسم له ولا ~~صفة ولا يتميز ويقولون شهود الذات ما فيه خطاب ولا لذة فيه ونحو ذلك لأنهم ~~إنما يتكلمون على ما شهدوه من الموجود المطلق الذي لا يوجد في الخارج مطلقا ~~وليس له حقيقة تميزه حتى يكون لها اسم أو صفة أو خطاب # والمقصود هنا أنه لا بد من الاعتراف بوجود قديم واجب فمن جعل ذلك هذه ~~الموجودات المحسوسة لم يكن عنده وصف يجب تنزيه الرب عنه أصلا من الأمور ~~الممكنة في الوجود وحينئذ فلا يمكن هذا أن ينكر مذهبا من المذاهب فلا يقول ~~حدوث العالم عن واجب الوجود ممتنع لأنه يستلزم ms172 تغيره ويفتقر إلى سبب حادث ~~فإن قوله فيه من الإحالة أعظم من هذا PageV01P213 4 # وأما إذا قيل بأن هنا موجودا قديما واجبا غير هذه الأمور الحادثة ~~المستحيلة في الجملة فمن المعلوم أن ما سوى الوجود الواجب بنفسه ليس هو ~~موجود واجب الوجود بنفسه فثبت بهذا أن في الوجود شيئين أحدهما موجود واجب ~~الوجود بنفسه والثاني موجود لا يجب وجوده بل يكون موجودا تارة ومعدوما أخرى ~~فهذا الموجود إذا وجد لم يكن أن يقال إنه واجب الوجود بنفسه بل هو واجب ~~الوجود بغيره وهب أن الشاك يشك في بعض الأمور التي لم يعلم عدمها ~~واستحالتها هل هي واجبة بنفسها أم لا أما التي لم يعلم أنها تعدم وتستحيل ~~فلا يشكفي أنها ليس بواجبة بنفسها بل بغيرها ما دامت موجودة وهي واجبة ~~العدم إذا عدمت أيضا وليس لها من ذاتها لا وجوب الوجود ولا وجوب العدم لكن ~~ليس لها من ذاتها إلا العدم وفرق بين أن تكون معدومة وعدنها من ذاتها وبين ~~أن تكون واجبة العدم بذاتها فإن هذه صفة الممتنع إذ العدم ليس بشيء وإذا ~~ثبت أن في الموجودات ما هو ممكن وجائز حصل المقصود فإن تخصيص هذا بالوجود ~~دون العدم لا بد له من موجب فاعل ثم إذا كانت ذاته قابلة للعدم فصفاته ~~ومقاديره بطريق الأولى فتخصيصه بصفة وقدر وزمان ومكان لا بد له من مخصص ~~بإرادته ومشيئته وهذا هو مطلوب أبي المعالي وغيره من أهل النظر واعلم في ~~هذا المقام # وأما الذي جرأه عليهم فإن هؤلاء المتكلمين الذين لا يقولون برعاية الحكمة ~~في أفعال الله تعالى كأبي الحسن الأشعري وأصحابه ومن وافقهم من الفقهاء من ~~أصحاب أحمد رحمه الله وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وأبي الوفاء ابن عقيل وأبي ~~الحسن بن الزاغوني ونحوهم ممن يوافقهم على هذا وعلى نفي التحسين والتقبيح ~~العقليين نطلقا مع أن أكثر الذين يوافقونهم من هؤلاء وغيرهم يتناقضون ~~فيثبتون الحكمة في أكثر ما يتكلمون فيه من مسائل الخلق والأمر وجمهور ~~الفقهاء يقولون بذلك ويصرح بالتحسين والتقبيح ms173 العقليين طوائف PageV01P214 5 ~~من الفقهاء كأكثر أصحاب أبي حنيفة وقد ينقلونه عنه وكثير من أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد كأبي الحسن التميم وأبي الخطاب وكأبي نصر السجزي وأبي ~~القاسم سعد بن علي الزنجاني وطوائف كثيرة من أهل الحديث والفقه والكلام # والمقصود هنا أن أبا المعالي وهؤلاء يقولون إن القديم خلق العالم بعد أن ~~لم يكن خالقا لا لعلة وغرض ولا لداعوباعث وخاطر يعتريه لأن ذلك زعموا مقصور ~~على اجتلاب المنافع ودفع المضار وذلك مستحيل في صفته ومناظرتهم في هذا ~~الباب مع الدهرية الطبيعية ومع القدرية الإرادية وقول كلا الفريقين فيه من ~~الباطل أكثر مما يلزم هؤلاء نفاة الحكمة وإن الذي في قول الدهرية الطبيعية ~~أكثر # وقال أبو المعالي وهؤلاء نفاة التعليل معنى قولنا إنه حكيم في أفعاله أنه ~~مصيب في ذلك ومحكم لها لأنه مالك الأعيان فيتصرف تصرف مالك الأعيان في ملكه ~~من غير اعتراض وقد يراد بالحكمة العلم في المعنى بكونه حكيما في فعله أنه ~~خلقه على الوجه الذي أراده وعلمه وحكم به ثم لم يكن علمه وإرادته علة لفعله ~~ولا موجبا له لقدم هذه الصفات وحدوث متعلقها ففسروا حكمته بمعنى أنه يفعل ~~ما يشاء بلا ذمأو بمعنى أنه عالم ولا ريب أن هذا خلاف ما عليه الناس في ~~معنى الحكمة والحكيم فإنهم لا يجعلون الحكمة كون الحكيم له أن يفعل ما يشاء ~~وإن كان الله تعالى له أن يفعل ما يشاء لكن الحكمة فعله بعض الأشياء دون ~~بعض لاشتمال المفعول على ما يصلح أن يكون مرادا للحكيم PageV01P215 6 ~~وتفسيرها بمعنى العلم بالمفعولات أبعد ومع هذا فقول أبي المعالي وأمثاله في ~~الفقه وأصوله يخالف هذا الأصل بخلاف غيره من المتكلمين الذين لم يبرعوا في ~~الفقه كبراعة أبي المعالي فإنه يقول بالعلل المناسبة للأحكام التي تفسر ~~بالباعث والداعي وإثباتها ينافي هذا الأصل # ثم قال أبو المعالي ونحن لا ننكر أن يكون الله تعالى خلق من نفعه بخلقه ~~ومن ضره بخلقه والذي ننكره من الغرض وننفيه عن القديم سبحانه قيام حادث ~~بذاته ms174 كالإرادة والداعية والحاجة والمعتزلة يوافقونا على استحالة قيام ~~الحوادث بذاته غير أنهم أثبتوا للقديم سبحانه أوصافا متجددة وأحوالا من ~~الإرادات التي يحدثها لا في محل والمحذور من قيام الحوادث بذات الباري ~~تعالى تجدد الأوصاف عليه وقد التزموه # قال أبو المعالي فإن قال قائل القديم إنما خلق العالم إظهارا لقدرته ~~وإظهارا لحجج وآيات يستدل بها على الهيتة ويعرف سبحانه وتعالى بنعوته ~~وجلاله وصفاته ويعبد ويعظم ويستحق على عبادته وتعظيمه الثواب الجزيل ~~ويستوجب المعرض عنها العذاب الأليم وهذا منصوص عليه في الكتاب العزيز في آي ~~كثيرة لا تحصى من ذلك قوله تعالى @QB@ وخلق الله السماوات والأرض بالحق ~~ولتجزى كل نفس بما كسبت @QE@ وقال تعالى @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار @QE@ وقوله ~~تعالى عن المؤمنين القائلين @QB@ ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار @QE@ وقال تعالى @QB@ الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما @QE@ قال وهذا نص صريح في أنه إنما خلق هذه الأشياء ليعرف بها ~~ويعبد فقال في الجواب اللام PageV01P216 في قوله @QB@ خلق سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا @QE@ ليست اللام لام علة وإنما هي ~~لام صيرورة وتكون غاية أي ليعلم من في المعلوم أنه يعلم وليجزى على ذلك ~~ويعرض ويعاند من في المعلوم أنه يعاند و @QB@ ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى @QE@ # قلت لام الصيرورة إما أن تكون لمن لا يريد الغاية وذلك إنما يكون لجهل ~~الفاعل بالغاية كقوله @QB@ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا @QE@ وإما ~~لعجزه عن دفعها وإن كان كارها لها كقول القائل لدوا للموت وابنوا للخراب ~~وللموت ما تلد الوالدة فأما العالم بالعاقبة القادر على وجودها ومنعها فلا ~~يتصور أن تكون العاقبة إلا وهو عالم بها قادر عليها والموجود الذي يحدثه ~~الله وهو عالم به قادر عليه لا يكون إلا وهو مريد له بل ms175 أبو المعالي وسائر ~~المسلمين يسلمون أنه لا يكون شيء إلا بمشيئته فيكون مريدا للغاية ومريد ~~الغاية التي للفعل لا يكون اللام في حقه لام صيرورة إذ لام الصيرورة إنما ~~يكون في حق من لا يريد فلو قال إرادته لهذه الغايات كإرادته للأفعال التي ~~هي سببها لكان أمثل مع أن هذا الكلام لا يدفع الحجة من الآية فإن القرآن ~~يشهد بأن الله خلق المخلوقات لحكمة لكن ليس هذا موضع تحقيق ذلك وإزالة ~~الشبهة العارضة فيه # قال الحفيد وأما القضية الثانية وهي قول القائل إن الجائز محدث فهي مقدمة ~~غير بينة بنفسها وقد اختلف فيها العلماء فأجاز أفلاطون أن يكون شيء جائزا ~~أزليا ومنعه أرسطا طاليس وهو مطلب عويص ولن PageV01P217 تتبين حقيقته إلا ~~لأهل صناعة البرهان وهم العلماء الذين خصهم الله تعالى بعلمه وقرن شهادتهم ~~في الكتاب العزيز بشهادته وشهادة ملائكته # قلت قد قدم فيما مضى أن أفلاطون وشيعته يقولون إن الزمان متناه وأنهم ~~يقولون العالم محدث أزلي لكون الزمان متناهيا عندهم في الماضي وأن أرسطو ~~وفرقته يقولون الزمان غير متناه في الماضي كما لا يتناهى في المستقبل ولا ~~يسمون العالم محدثا وهذا يقتضي أن الأزلي في هذا الكلام المراد به الأبدي ~~الذي لا آخر له وإلا تناقض الكلام وأفلاطون شيعته يقولون هو محدث جائز لكنه ~~يكون مع ذلك أبديا والجائز يمكن أن يكون أبديا وأما آرسطو فيقول ما كان ~~محدثا عن عدم فلا بد له من آخر فالجائز لا يكون أبديا وهذا الذي قاله آرسطو ~~هو الذي تقدم قول الحفيد له إن كل محدث فهو فاسد ضرورة فهذا قول معلم ~~طائفته آرسطو وهو أيضا قول طائفة ممن يقول بحدوث العالم كالجهم بن صفوان ~~ومن يقول بوجوب فناء الحوادث وأما الذي حكاه عن أفلاطون فهو قول أهل الملل ~~إن الله يخلق شيئا للبقاء ويخلق شيئا للفناء كما يشاء وهو ومع هذا فالذي ~~ينقلونه عن آرسطو أن النفوس الناطقة عنده محدثة فتكون جائزة وهي مع هذا ~~أبدية باقية فهذا يناقض ما أصله # فهذا ms176 القدر الذي تبين يدل على أن ما حكاه عن هذين الفيلسوفين أو أصحابهما ~~اتفاق منهم على أن ما كان جائزا فهو محدث فإذا كان قد ثبت أن العالم جائز ~~ثبت أنه محدث ولهذا منع هو كونه جائزا وغلط ابن سينا في قوله إنه جائز ~~بنفسه مع موافقته له على قدمه PageV01P218 # فأما الذي فهمه من كلامهم في هذا المقام واعترض به وهو أن يقول عن ~~أفلاطون إن الجائز يكون أزليا وأن آرسطو يقول الجائز لا يكون أزليا فهذا لا ~~يناسب ما تقدم فإنه إذا كان قول أفلاطون إن العالم لم يتقدمه زمان وعنده أن ~~الزمان متناه في الماضي ثبت أنه ليس بأزلي فأي حقيقة لقوله الجائز لا يكون ~~أزليا وكذلك آرسطو لو كان يقول إن الجائز لا يكون أزليا أي قديما لامتنع أن ~~يكون عنده شيء من الممكن بذاته عنده أزليا وهو خلاف قوله فهذا النقل وقع ~~فيه غلط إما لفظ الجائز وإما لفظ الأزلي # ثم يقال له يا سبحان الله من الذي جعل هذه الطائفة من اليونان وأتباعهم ~~هم العلماء دون سائر الأمم وأتباع الأنبياء الذي لا يختلف من له عقل ودين ~~أنهم أعلم منهم وأي برهان عندهم يتبين بها هذه الحقيقة وقد ذكرت أن نفس أهل ~~صناعة البرهان تنازعوا فيها فلو كان ذلك منكشفا بصناعتهم لم يتنازع أئمة ~~الصناعة فيها # ثم يقال ومن الذي خص هؤلاء بكونهم أهل البرهان مع أن غاية ما يقولونه في ~~العلم الإلهي لا يصلح أن يكون من الأقيسة الخطابية والجدلية فضلا عن ~~البرهانية # ثم يقال وكيف يستحسن عاقل أن يجعل المتكلمين على عجزهم وبجرهم أهل جدل ~~وهؤلاء أهل برهان مع أن بين تحقيق المتكلمين للعلم الإلهي بالأقيسة العقلية ~~وبين تحقيقهم تفاوت يعرفه كل عاقل منصف والقوم لم يتميزوا بالعلم الإلهي ~~ولا نبل أحد باتباعهم فيه بل الأمم متفقة على ضلالهم فيه إلا من قلدهم # ولكن يؤثر عنهم من الكلام في الأمور الطبيعية والرياضية ما شاع ذكرهم ~~بسببه ولولا ذلك لما كان لهم ذكر عند ms177 الأمم كيف يستجيز مسلم أن يقول ~~PageV01P219 إن العلماء الذين أثنى الله عليهم في كتابه هم أهل المنطق مع ~~علمه بأن أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم كانوا مرادين من هذا الخطاب قطعا ~~بل هم أفضل من أريد به بعد الأنبياء وقد ماتوا قبل أن تعرب كتب اليونان ~~بالكلية وإن أراد بذلك البرهان العقلي الذي لا يختص بإصلاح اليونان فلا ~~اختصاص لهؤلاء بل الصحابة والتابعون أحذق منهم في المعقولات التي ينتفع بها ~~في الإلهية بما لا نسبة بينهما # ثم العلماء الذين أثنى الله عليهم هم الذين شهدوا أنه لا إله إلا هو ومن ~~المعلوم لكل من عرف أحوال الأمم أن أهل الملل أحق بهذا التوحيد من الصابئة ~~الذين هم أجل من الفلاسفة ومن المشركين الذين منهم فلاسفة كثيرون بل كانت ~~اليونان منهم والمسلمون وعلماؤهم بهذه الشهادة من الأولين والآخرين بل يقال ~~لك نحن لا نعلم أن هؤلاء القوم كانوا يشهدون بهذه الوحدانية فإن الذي في ~~الكتب المنقولة عنهم من التوحيد إنما مضمونه نفي الصفات كما تقوله الجهمية ~~ومعلوم أن هذا ليس الشهادة بأنه لا إله إلا الله بل قد علم النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمته هذا التوحيد والقرآن مملوء منه ولم يقل لهم كلمة واحدة ~~تتضمن نفي الصفات ولا قال ذلك أحد من الصحابة والتابعين وأئمة الدين مع ~~العلم الضروري بأنهم كانوا أعلم بمعاني القرآن منا وإن ادعى مدع تقدمه في ~~الفلسفة عليهم فلا يمكنه أن يدعى تقدمه في معرفة ما أريد به القرآن عليهم ~~وهم الذين تعلموا من الرسول لفظه ومعناه وهم الذين أدوا ذلك إلى من يعدهم ~~قال أبو عبدالرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان ~~و PageV01P220 عبدالله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من ~~العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل # وليس معه ما يعتمد عليه أن هؤلاء كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله بل لو ~~قيل كانوا مشركين ms178 لكان أقرب فإنه من المشهور في أخبار اليونان أهل مقدونية ~~وغيرها أنهم كانوا مشركين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب وهؤلاء الفلاسفة ~~يسمون الكواكب الآلهة الصغرى والأرباب وفي كتاب سقراط والنواميس لأفلاطون ~~وغيرهما من ذلك أمور كثيرة وقد ذكر هذا الرجل عنهم أن أكثرهم انتهى نظرهم ~~إلى الفلك فلم يثبتوا وراءه موجودا ومعلوم أن الذي أثبتوه من واجب الوجود ~~هو أدعى شيء إلى عبادة الكواكب والأصنام فكيف يكون هؤلاء هم أهل العلم ~~بشهادة أن لا إله إلا الله بل إذا قيل إن هؤلاء وأمثالهم أصل كل شرك وأنهم ~~سوس الملل وأعداء الرسل لكان هذا الكلام أقرب إلى الحق من شهادته لهم بما ~~ذكره # قلت ومقتضى ما ذكره هو وذكره عن هؤلاء الفلاسفة أن ما ثبت فيه أنه ممكن ~~جائز وجب أن يكون محدثا وأن القديم لا يكون إلا واجبا فمتى ثبت أنه جائز ~~ثبت أنه محدث وقد تقدم التنبيه على ذلك # قال الحفيد وأما أبو المعالي فإنه رام أن يبين هذه المقدمة بمقدمات أحدها ~~أن الجائز لا بد له من مخصص يجعله بأحد الوصفين الجائزين أولى منه بالثاني ~~والثاني أن هذا المخصص لا يكون إلا مريدا والثالث أن الموجود عن الإرادة هو ~~حادث PageV01P221 # قلت وكذلك قررها الرازي أيضا فهذه المقدمات الثلاث مع أن نزاع الحفيد ~~والفلاسف في تينك المقدمتين لا يضر فإنا قد بينا أنهم موافقون على أن ~~الخالق مريد قاصد كما تبين في إثباتهم العناية وإن تناقضوا بنفي الإرادة ~~هنا لم يفدهم لإقرارهم بذلك ولأنا قد بيننا أن الأدلة الدالة على ذلك ~~يقينية ضرورية وأن نفي ذلك كنفي واجب الوجود ولكن أبو المعالي والرازي ~~ونحوهما إنما احتاجوا إلى هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون الحكمة الغائية ~~وإنما يثبتون الإرادة المخصصة وقد قدمنا أن كونه مختارا يبين بما دل على ~~الإرادة المخصصة لمفعول دون مفعول وبما دل على ما في المفعولات من الحكمة ~~المقصودة وبالأمرين جميعا لكن هؤلاء الفلاسفة سلكوا إحدى الطريقتين ~~وتناقضوا في منازعتهم في الأخرى والأشعرية سلكوا إحدى الطريقتين ونازعوا في ms179 ~~الأخرى والتناقض لازم لهم أيضا والمقصود من الطريقتين واحد وهو كونه قاصدا ~~مريدا مختارا وهذه الطريقة التي سلكها أبو المعالي والرازي وغيرهما صحيحة ~~أيضا توجب العلم اليقني بكونه مريدا مختارا # قال الحفيد ثم بين يعني أبو المعالي أن الجائز يكون عن الإرادة أي عن ~~فاعل مريد من قبل أن كل فعل فإما أن كون عن الطبيعة وإما عن الإرادة ~~والطبيعة ليس يكون عنها أحد هذين الجائزين المتماثلين أعني لا تفعل المماثل ~~دون مماثله بل تفعلهما مثال ذلك السقمونيا ليست تجذب الصفراء التي في ~~الجانب الأيمن في البدن دون التي في الأيسر فأما الإرادة فهي التي تختص ~~بالشيء دون مماثله ثم أضاف هذه إلى أن العالم مماثل كونه في الموضع الذي ~~خلق فيه في الجو الذي خلق فيه يريد الخلاء لكونه في غير ذلك الموضع من ذلك ~~الخلاء فأنتج عن ذلك أن العالم خلق عن الإرادة والمقدمة القائلة إن الإرادة ~~هي التي تخص أحد المتماثلين صحيحة والقائلة إن العالم في خلاء يحيط به ~~كاذبة أو غير بينة بنفسها PageV01P222 ويلزم أيضا عن وضعه هذا الخلاء أمر ~~شنيع عندهم وهو أن يكون قديما لأنه إذا كان محدثا احتاج إلى خلاء # قلت قد سلم المقصود بهذه المقدمة وهو أن الإرادة هي التي تخص أحد ~~المتماثلين صحيحة وأما اعتراضه على العالم فذاك متعلق بالمقدمة الأولى # وينبغي أن يعلم أن الذي سلط هؤلاء الدهرية على الجهمية شيئان أحدهما ~~ابتداعهم لدلائل ومسائل في أصول الدين تخالف الكتاب والسنة ويخالفون بها ~~المعقولات الصحيحة التي ينسر بها خصومهم أو غيرهم والثاني مشاركتهم لهم في ~~العقليات الفاسدة من المذاهب والأقيسة ومشاركتهم لهم في تحريف الكلم عن ~~مواضعه فإنهم لما شاركوهم فيه بعد تأويل نصوص الصفات بالتأويلات المخالفة ~~لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها كان هذا حجة لهم في تأويل نصوص المعاد ~~وغيرها كما احتج به هذا الفيلسوف وكما يذكره أبو عبدالله الرازي ومن قبله ~~حتى أن الدهرية قالوا لهم القول في آيات المعاد كالقول في آيات الصفات فكان ~~من حجتهم ms180 عليهم وضموا ذلك إلى ما قد يطلقونه من أن الأدلة اللفظية لا تفيد ~~اليقين فقالوا له أنت تقول الظواهر لا تفيد القطع أيضا والآيات المتشابهات ~~في القرآن الدالة على المشيئة والقدر ليست أقل ولا أضعف دلالة من الآيات ~~الدالة على المعاد الجسماني ثم إنكم تجوزون تأويل تلك الآيات فلم لا تجوزون ~~تأويل الآيات الواردة ها هنا فقال نحن لم نتمسك بآية معينة ولا بحديث معين ~~ولكن نعلم باضطرار إجماع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم على إثبات المعاد ~~البدني ولم يقل أحد إنه علم من دينهم بالضرورة التشبيه والقدر فظهر الفرق # فالينظر العاقل في هذا الجواب حيث قال لهم هؤلاء المتكلمون نحن نعلم ~~الأخبار بمعاد الأبدان أن الرسل أخبرت به بالضرورة فلم يجعلوا مستند العلم ~~PageV01P223 بذلك دلالة القرآن والحديث والإجماع عليه لأنهم عارضوهم بمثل ~~ذلك وبأبلغ منه في أمر الصفات والقدر فعدلوا إلى ما ذكروه من أنا نعلم ~~بالاضطرار أخبارهم بالمعاد الجسماني فإن هذا الذي قالوه صحيح وحجة صحيحة ~~على إثبات المعاد البدني لكن قصروا في عدم الاحتجاج على ذلك في القرآن ~~وبالأخبار وإجماع السلف # وأيضا فأهل الإثبات من سلف الأمة وأئمتها يقولون للطائفتين نحن نعلم أيضا ~~إخبارهم بما أخبروا به من الصفات والقدر بالضرورة وقول بعضهم إنه لم يقل ~~أحد أن هذا معلوم بالضرورة في دينهم ليس كذلك بل أهل الحديث وغيرهم يعلمون ~~ذلك من دينهم ضرورة وكلا الطائفتين مخالف للفطرة العقلية ومخالف لما نعلم ~~نحن بالضرورة من دين الرسول ومخالف للأقيسة العقلية البرهانية والنصوص ~~الإلهية القرآنية والإيمانية # فإن قال المتكلمون من الجهمية وغيرهم فمن خالف ما علم بالضرورة من الدين ~~فهو كافر قيل لهم لهذا السلف والأئمة مطبقون على تكفير الجهمية حين كان ~~ظهور مخالفتهم للرسول مشهورا معلوما بالاضطرار لعموم المسلمين حتى قيل ~~العلم بالإيمان فيما بعد وصار يشتبه بعض ذلك على كثير ممن ليس بزنديق # ويقال لهم قول أهل الأثبات لكم هو لكم أنتم للدهرية في معاد الأبدان ~~ودعواكم تعارض الأدلة في ذلك أو خفاء ذلك كدعوى الدهرية ms181 ذلك فإن أبا ~~عبدالله الرازي قال في كتابه الكبير نهاية العقول في مسألة التكفير لما حد ~~الكفر بحد أبي حامد الغزالي وهو تكذيب الرسول في شيء مما جاء به ~~PageV01P224 قال ونعني بالتكذيب إما نفس التكذيب أو ما علم من الدين ضرورة ~~دلالته على التكذيب فلو ورد على هذا أن صاحب التأويل إما أن لا يجعل من ~~المكذبين بل يجعل المكذوب من يرد قوله صلى الله عليه وسلم من غير تأويل ~~وأما أن يجعل من المكذبين فإن كان الأول لزمنا أن لا يكون الفلاسفة في ~~قولهم بقدم العالم وإنكارهم علمه تعالى بالجزئيات وإنكار الحشر والنشر ~~كفارا لأنهم يجعلون للنصوص الواردة في هذه المسألة تأويلات ليست بأبعد من ~~تأويلاتكم للنصوص في التشبيه لأنهم يحملون النصوص الواردة في خلقه تعالى ~~العالم على تأثيره في العالم واحتياج العالم في وجوده إليه ويحملون النصوص ~~الواردة في علمه بالجزئيات على أنه تعالى يعلم كل الكليات على وجه كلي ~~ويحملون النصوص الواردة في الحشر والنشر على أحوال النفس الناطقة في ~~سعادتها وشقاوتها بعد المفارقة قالوا إذا جاز لكم حمل الآيات والأخبار ~~المحتملة للتشبيه فلم لا يجوز مثلها في الحشر والنشر على أمور روحانية ~~بصرفها عن ظواهرها 2 التي هي أمور حسمانية فثبت أن لو أردنا بالتكذيب رد ~~النصوص لا على وجه التأويل لزمنا أن لا نجعل الفلاسفة من المكذبين وإن لم ~~يكونوا من المكذبين وجب أن لا يكونوا كفرة لأن العكس واجب في الحد فإما أن ~~جعلنا كصاحب التأويل من المكذبين فمعلوم أنه ليس كل متأول مكذب وإلا لزم ~~إجراء كل الأخبار والآيات على ظواهرها وذلك يوجب التشبيه والقدر والمذاهب ~~المتناقضة وكل ذلك باطل بل يجب أن تجعل التأويلات غير موجبة للتكذيب وبعضها ~~موجب وعند ذلك لا نعلم حقيقة التكذيب إلا عند الضابط الذي به يصير التأويل ~~تكذيبا وما لم يذكروا ذلك كان التأويل غير مقيد # وقال في الجواب عن هذا إنا نعلم بالضرورة إجماع الأمة على أن دينه عليه ~~السلام هو القول بحدوث العالم وإثبات العلم ms182 بالجزئيات وإثبات الحشر والنشر ~~PageV01P225 وإن إنكار هذه الأشياء مخالف لدينه ثم علمنا بالضرورة أنه عليه ~~السلام كان يحكم أن كل ما خالف دينه فهو كفر فعلمنا بهاتين المقدمتين حكمه ~~عليه السلام بكون هذه الأشياء كفرا فمن اعتقدها كان مكذبا له عليه السلام ~~فكان كافرا ومثل هذه الطريقة لم توجد في التشبيه والقدر لأن الأمة غير ~~مجمعة على أن القول بهما مخالف لدينه عليه السلام فالحاصل أنا لا نكفرهم ~~لأجل مخالفتهم للظواهر بل للإجماع على الوجه المذكور ومثله غير حاصل في ~~الاختلاف الحاصل بين الأمة فلا يلزمنا تكفير الداخلين في الأمة هذا كلام ~~أبي عبدالله الرازي # وقد ادعى طائفة من الفلاسفة في مسألة المبدأ والمعاد نظير ما ادعاه هو في ~~مسائل الصفات والقدر كما ذكر ذلك هذا الحفيد الذي تقدم نقل كلامه لما ذكر ~~هذا أيضا في كتابه الذي زعم أنه جمع فيه بين الشريعة والفلسفة لما ذكر ما ~~سيأتي حكايته عنه حيث بين تقارب الطائفتين ومخالفتهما جميعا لظاهر الشرع ~~إلى قوله قلت يتصور في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الإجماع انعقد ~~عليه والظاهر الذي قلناه من الشرع في وجود العالم قد قال به فرقة من ~~الحكماء قال ويشبه أن يكون المختلفون في تأويل هذه المسائل العويصة إما ~~مصيون مأجورون وإما مخطئون معذورون فإن التصديق بالشيء من قبيل التوليد ~~القائم بالنفس هو شيء اضطراري لا اختياري أعني أنه ليس لنا أن نقوم أو لا ~~نقوم وإذا كان من شرط التكليف الاختيار فالمصدق بالخطأ من قبل شبهة عرضت ~~إذا كان من أهل العلم معذور ولذلك قال عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأصاب ~~فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر وأي حاكم أعظم من الذي حكم على الوجود ~~أنه كذا وليس بكذا وهؤلاء الحكام هم العلماء PageV01P226 الذين خصهم الله ~~تعالى بالتأويل وهذا الخطأ المصفوح عنه في الشرع إنما هو الخطأ الذي يقع من ~~العلماء إذا نظروا في الأشياء العويصة الذي كلفهم الشرع النظر فيها وأما ~~الخطأ الذي يقع من غير هذا الصنف ms183 في الناس فهو آثم مخطئ وسواء كان الخطأ في ~~الأمور النظرية أو العملية فكما أن الحاكم الجاهل بالسنة إذا أخطأ في الحكم ~~لم يكن معذورا كذلك الحاكم على الموجودات إذا لم توجد فيه شروط الحكم فليس ~~بمعذور بل هو إما آثم وإما كافر وإذا كان يشترط في الحاكم في الحلال ~~والحرام أن يجتمع له أسباب الاجتهاد وهو معرفة الأصول ومعرفة الاستنباط من ~~تلك الأصول بالقياس بالحري أن يشترط ذلك في الحاكم على الموجودات أعني أن ~~يعرف الأوائل العقلية ووجه استنباطه منها # وبالجملة فالخطأ في الشرع على ضربين إما خطأ يعذر فيه من هو من أهل النظر ~~في ذلك الشيء الذي وقع فيه الخطأ كما يعذر الطبيب الماهر إذا أخطأ في الحكم ~~ولا يعذر فيه من ليس من أهل ذلك الشأن وإما خطأ ليس يعذر فيه أحد من الناس ~~بل إن وقع في مبادئ الشريعة فهو كفر وإن وقع في ما بعد المبادئ فهو بدعة ~~وهذا الخطأ يكون في الأشياء التي يفضي جميع أصناف طرق الدلائل إلى معرفتها ~~فتكون معرفة ذلك الشيء بهذه الجهة ممكنة للجميع وهذا هو مثل الإقرار بالله ~~تبارك وتعالى وبالنبوات والسعادة الأخروية والشقاء الأخروي وذلك أن هذه ~~الأصول الثلاثة تؤدي إليها أصناف الأدلة الثلاثة التي لا يعرى أحد من الناس ~~من وقوع التصديق له من قبلها بالذي كلف معرفته أعني الدلائل الخطابية ~~والجدلية والبرهانية فالجاحد لأمثال هذه الأشياء إذا كانت أصلا من أصول ~~الشرع كافر معاند بلسانه دون قلبه أو بغفلته عن التعرض إلى معرفة دليلها ~~PageV01P227 لأنه إن كان من أهل البرهان فقد جعل له سبيل إلى التصديق بها ~~بالبرهان وإن كان من أهل الجدل فبالجدل وإن كان من أهل الموعظة فبالموعظة ~~ولهذا قال عليه السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ~~ويؤمنوا بي يريد بأي طريق اتفق لهم الإيمان من الطرق # قلت وهذا الكلام فيه أشياء جيدة وفيه تفاصيل غير صحيحة لكن هذا ليس موضع ~~الكلام عليه # ثم قال وأما الأشياء التي ms184 لخفائها لا تعلم عندهم إلا بالبرهان فقد يعف ~~الله فيها لعباده والذين لا سبيل لهم إلى البرهان إما من قبل فطرهم وإما ~~قبل عادتهم وإما من قبل عدمهم أسباب التعلم فإنه ضرب لهم أمثالها وأشباهها ~~ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال إذا كانت تلك الأمثال ممكن أن يقع التصديق ~~بها بالأدلة المشتركة للجميع أعني الجدلية والخطابية وهذا هو السبب في أن ~~يقسم الشرع إلى ظاهر وباطن فإن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك ~~المعاني والباطن هو تلك المعاني التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان وهذه هي ~~أصناف تلك الموجودات الأربعة والخمسة التي ذكرها أبو حامد في كتاب الثغرية # قلت هذا الكلام من أصول النفاق نفاق الدهرية ويظهر بطلانه من وجوه # أحدها قوله وأما الأشياء التي لخفائها لا تعلم إلا بالبرهان إلى آخره ~~يقال له قولك لا تعلم إلا بالبرهان أي لا يمكن تصورها إلا بالبرهان أو لا ~~يمكن التصديق بها عقلا إلا بالبرهان أما الأول فباطل فإن التصور سابق على ~~التصديق PageV01P228 فلو كان لا يمكن تصورها إلا بعد قيام البرهان على ~~ثبوتها والبرهان لا يمكن أن يقوم على التصديق إلا بعد التصور لزم الدور وهو ~~قد ذكر في غير هذا الموضع أن تصور الشيء يكون إما بنفسه وإما بمثاله وليس ~~هذا من البرهان وإذا كان تصورها ممكن بدون البرهان فالرسول خبره يوجب ~~التصديق وليس هو ملزم لأن يقوم برهان خاص على كل ما يخبر به فإذا كان ~~تصورها ممكن بلا برهان وخبره وحده كاف في التصديق لم يحتج إلى ما سماه ~~برهانا # الثاني أن يقال له إذا قدر أن التصديق بها لا يمكن إلا بالبرهان فإما أن ~~يكون الرسول أخبر بها للخاصة مقرونا بالبرهان أو بلا برهان أو لم يخبر بها ~~ومعلوم أن هذه البراهين التي تثبت بها الفلاسفة تجرد النفس ونعيمها وعذابها ~~والعقول والنفوس لم تأت بها الرسل فإما أن كونوا تركوا الإخبار بها أو ~~أخبروا بها بدون ما ادعاه من البرهان وعلى التقديرين يظهر أن الرسول لم ~~يسلك ما ms185 ادعاه فإنه يزعم أن الرسول علمها الخاصة دون العامة # الثالث أن يقال ليس فيما يذكره الفلاسفة ما يبعد فهمه على عامة الناس ~~بأكثر من فهم ما دل عليه ظاهر الشرع وإن كانوا مقصرين عن فهم الأدلة ألا ~~ترى أن المتكلمين يصرحون بما يقولونه للعامة وإن كانت أدلتهم كثيرة أما أن ~~تكون أغمض من أدلة الفلاسفة وإنما هي مسائل معدودة مسألة واجب الوجود وفعله ~~والنفس وسعادتها وشقاوتها والعقول والنفوس وما يتبع ذلك فأي شيء في هذا مما ~~لا يمكن التصريح منه به للعامة لو كان حقا فعلم أن ترك التصريح به إنما هو ~~لما اشتمل عليه من الباطل المخالف للفطرة والشرعة والحق الذي صرحت به ~~الشريعة # الرابع أن يقال إن الله قد أجمل في كتابه وعلى لسان رسوله ما لا يمكن ~~النفوس معرفة تفصيله مثل قوله تعالى @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين @QE@ PageV01P229 ومثله قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى ~~أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر # الخامس أن يقال النقص الذي ذكرته هو إما من قبل نقص الفطرة وأما من قبل ~~سوء العادة وإما من قبل عدم أسباب التعلم فيقال لك أما النقص فنقص بني آدم ~~ليس له حد فمن الناس من ينقص عن فهم ما يفهمه جمهور الناس ومن المعلوم أن ~~نهاية ما عند الفلاسفة يفهمه أوسط المتفقهة في مدة قريبة والشريعة قد جاءت ~~بما هو أبعد عن الفطر الناقصة من هذا وأما العادة والتعليم فالرسول هو ~~المعلم الأعظم الذي علمهم الكتاب والحكمة وقد نقلهم عن كل عادة سيئة إلى ~~أحسن العادات والسير والشرائع فإن كان التصريح بهذه الأمور مشروطا بالعلم ~~التام والعادة الصالحة فلا أكمل من هذا المعلم ولا في السير التي عودها فهل ~~لاعلمها وبينها إذا كان الأمر كذلك # السادس أن يقال هب أن العامة لا يمكنهم فهمها فهل لا بينها للخاصة ومن ~~المعلوم بالاضطرار أن الشريعة ليس فيها دلالة على ما يقوله الدهرية ~~والجهمية ms186 من الأمور السلبية في الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب # السابع أن يقال فإذا صرح فيها بنقيض ما هو الحق وإن قلت إنه أمثال والحق ~~المطلوب لم يبينه لا للعامة ولا للخاصة ألا يكون هذا تلبيسا وإضلالا # الثامن أن يقال قولكم الأشياء التي لخفائها لا تعلم إلا بالبرهان وأن ~~الباطن هو تلك المعاني التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان كلام من أبطل القول ~~وذلك أن هذه الأمور قد فسرتها بما تتأول من صفات الله وصفات المعاد حتى ~~PageV01P230 ذكرت آية الاستواء والنزول ونعيم الجنة والنار وغيرهما من ذلك ~~فيقال لهم التأويلات التي يدعون أنها باطن هذه الألفاظ معان ظاهرة معلومة ~~للخاص والعام مثل تأويلات الاستواء بالقدرة أو بالرتبة فكل أحد من الناس ~~يتصور أن الله قادر على المخلوقات قاهر لها أعظم مما يتصور استواءه عليها ~~فلأي ضرورة يعبر عن المعنى الظاهر الواضح بلفظ يكون تصور ظاهره أخفى من ~~تصور ذلك المعنى وهذا بين قاطع لمن تدبره وإن كانت الوجوه كلها كذلك # ثم قال الحفيد وإذا اتفق كما قلنا أن يعلم الشيء بنفسه بالطرق الثلاث لم ~~يحتج أن يضرب له مثال وكان على ظاهره لا يتطرق إليه تأويل وهذا النحو من ~~الظاهر إن كان في الأصول فالمتأول له كافر مثل من يعتقد ألا سعادة أخروية ~~ها هنا ولا شقاء وأنه إنما قصد بهذا القول أن يسلم الناس بعضهم من بعض في ~~أبدانهم وحواسهم وأنها خيلة وأنه لا غاية للإنسان إلا وجوده المحسوس فقط ~~وإذا تقرر لك هذا فقد ظهر لك في قولنا إن ها هنا ظاهرا من الشرع لا يجوز ~~تأويله فإن كان تأويله في المبادئ فهو كفر وإن كان فيما بعد المبادئ فهو ~~بدعة وها هنا أيضا ظاهر يجب على أهل البرهان تأويله وحملهم إياه على ظاهره ~~كفر وتأويل غير أهل البرهان له وإخراجه عن ظاهره كفر في حقهم أو بدعة ومن ~~هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول ولذلك قال عليه السلام في السوداء إذ ~~أخبرته أن الله تعالى في السماء ms187 أعتقها فإنها مؤمنة إذ كانت ليست من أهل ~~البرهان والسبب في ذلك أن هذا الصنف من الناس الذين لا يقع لهم التصديق إلا ~~من قبل التخيل أعني أنهم لا يصدقون بالشيء إلا من جهة ما يتخيلونه يعسر ~~وقوع التصديق لهم بموجود ليس منسوبا إلى شيء متخيل ويدخل أيضا على من لا ~~يفهم من هذه النسبة إلا المكان وهم الذين شذوا عن PageV01P231 رتبة الصنف ~~الأول قليلا في النظر اعتقاد الجسمية ولذلك كان الجواب لهؤلاء في أمثال هذه ~~أنها من المتشابهات وأن الوقف في قوله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله ~~@QE@ وأهل البرهان مع أنهم مجمعون في هذا الصنف أنه من المتأول فإنهم ~~يختلفون في تأويله # قلت الذين سماهم أهل البرهان هنا هم من عناه من الجهمية والدهرية وقد ~~تناقض في هذا الكلام فإنه قد تقدم ما ذكره في كتاب مناهج الأدلة في الرد ~~على الأصولية ولفظه وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى والملائكة ~~في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك وما ذكره من أن ذلك من الآراء ~~السالفة القديمة والشرائع الغابرة أن العلو مسكن للروحانيين يريدون الله ~~والملائكة وقوله قد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وقد ~~تقدم حكاية قوله فإذا كان هذا هكذا فكيف يكون أهل البرهان متفقين على تأويل ~~ذلك وأن يكون قول الجارية أنه في السماء مما يجب على أهل البرهان تأويله # ثم يقال له هل كان الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين من أهل البرهان الحق ~~أم لا فإن قلت لم يكونوا من أهله ولكن المتأخرين وفي الصابئين قبلنا من كان ~~من أهله فهذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن السابقين الأولين ~~كانوا أعظم علما وإيمانا من هؤلاء وإن قلت كانوا من أهل البرهان فمن ~~المعلوم بالاضطرار أنهم لم يئولوه كما تأوله هؤلاء المتأخرون بل هم متفقون ~~على أن الله تعالى فوق العرش كما ذكرت أنت إجماع الأنبياء والحكماء على ذلك ~~وكلهم في تحريم تأويل ذلك أعظم من أن يذكر هنا ms188 فكيف يكون واجبا PageV01P232 ~~وأيضا فالمتأولون لهذا ليس فيهم من تحمده أنت فإن تأويل ذلك أما أن يكون عن ~~معتزلي أو أشعري أخذ عنه أو من يجري مجراهم وهؤلاء عندك أهل جدل لا أهل ~~برهان وأنت دائما تصفهم بمخالفة الشرع والعقل # وإن قلت نحن أهل برهان وهم المتفلسفة المنتسبون إلى الإسلام فهذا أكذب ~~الدعاوي وذلك أنه لا ريب عند من عرف المقالات وأربابها أن الذي صار به ~~المتكلمون مذمومين هو ما شاركوا به هؤلاء المتفلسفة من القياس الفاسد ~~والتأويل الحائد وأن أحسن حال المتفلسف أن يكون مثل هؤلاء فإذا كان هؤلاء ~~قد اتفقت الأئمة والأمة وعقلاؤهم متفقون أيضا على أنهم فيما قالوه من خلاف ~~مذهب السلف ليسوا أهل برهان بل أهل هذيان كيف بأصحابك الذين اعترف أساطينهم ~~بأنه ليس لهم في العلم الإلهي يقين والمتكلمون لا يقرون على أنفسهم بمثل ~~هذا بل يقولون إن مطالبهم تأولوها بالأدلة العقلية وبسط هذا الكلام له موضع ~~آخر ليس هذا موضعه وليس يلزم من كون الرجل ذا برهان في الهندسة والحساب أن ~~يكون ذا برهان في الطب مع أن كلاهما صناعة حسية وكثيرا ما يحذق الرجل فيهما ~~ومن المعلوم أن العلم بهذه الأمور أبعد عن الطب والحساب من بعد أحدهما عن ~~الآخر # ثم يقال له هب أن تلك الجارية ليست من أهل البرهان فما الموجب لأن ~~يخاطبها الرسول بخطاب الظاهر من غير حاجة إليه فقد كان يمكنه تعرف إيمانها ~~بأن يقول من ربك ومن إلهك ومن تعبدين فتقول الله تعالى فلما يعدل عن لفظ ~~ظاهره وباطنه حق إلى لفظ ظاهره باطل ثم يكلفها مع ذلك تصديق PageV01P233 ~~الباطل ويحرم عليها وعلى غيرها اعتقاد نقيض الباطل فهل فهذا فعل عاقل فضلا ~~عن أن يكون هذا فعل الرسل أم من فعل الكاذبين في خبرهم الموجبين للتصديق ~~بالكذب ثم الله ورسوله يخاطب الخلق بخطاب واحد يخبر به عن نفسه وقد فرض على ~~طوائف أن يعتقدوا ظاهره وإن لم يعتقدوه كفروا وعلى آخرين أن يعتقدوا نقيض ~~ما اعتقده هؤلاء وإن ms189 اعتقدوه كفروا ثم مع هذا كله لا يبين من هؤلاء ولا من ~~هؤلاء ولا يبين ما هو مرده به الذي خالف ظاهره بل يدع الناس في الاختلاف ~~والاضطراب وهذا الفيلسوف ادعى أن الاختلاف نما نشأ من جهة كون العلماء ~~فتحوا التأويلات للعامة فأضلوا العامة بذلك حيث فرقوهم ثم هو قد جعل الرسول ~~نفسه أضل الخاصة وأوقع بينهم التفرق والاختلاف حيث عنى بهذا الخطاب باطنا ~~فرضه عليهم ولم يبينه لهم فإن الذنب الذي شنعه على أهل الكلام نسب الأنبياء ~~إلى أعظم منه وقد قال تعالى للرسل @QB@ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ~~@QE@ وقال @QB@ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون @QE@ وقال @QB@ ~~إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء @QE@ وقال @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ ~~ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب عظيم @QE@ وقال @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة @QE@ وعلى ما زعمه هؤلاء يكونون قد تفرقوا واختلفوا من قبل ~~أن يأتيهم العلم أو تأتيهم البينة لأنهم زعموا أن في الكتاب ظاهرا يجب على ~~أهل البرهان تأويله وأن الذي يعلمونه هو التأويل الذي قال الله تعالى فيه ~~@QB@ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم @QE@ ثم يقول وأهل ~~البرهان مع أنهم مجمعون في هذا الصنف أنه من المتأول فقد يختلفون في تأويله ~~وذلك بحسب مرتبة كل واحد في معرفة البرهان فإذا لم يبين لهم الرسول مراده ~~فما جاءهم العلم ولا البينة فيكونون معذورين في التفرق والاختلاف كما زعم ~~هؤلاء المنافقون PageV01P234 # ثم يقال له البرهان يفضي إلى إحالة الظاهر مثلا أم إلى تعيين المراد أما ~~الأول فهم متفقون عليه وأما تعيين المراد فليس مستفادا من مجرد القياس الذي ~~تسميه البرهان إنما يعرف من حيث مراد المتكلم فكيف يكون اختلافهم في ~~التأويل بحسب مرتبة كل واحد في معرفة ms190 البرهان والبرهان إنما ينفي الظاهر ~~فقط لا يبين ما هو المراد والرد على هؤلاء يطول فليس هذا موضع استقصائه # وإنما الغرض التنبيه على أن هؤلاء الدهرية سلطوا على الجهمية بمثل هذا ~~حتى آل الأمر إلى الكفر بحقيقة الإيمان بالله وباليوم الآخر وجعلوا ذلك هو ~~البرهان والتحقيق الذي يكون للخاصة الراسخين في العلم حتى حرفوا الكلم عن ~~مواضعه وألحدوا في أسماء الله تعالى وآياته وجعلوا أئمة الكفر والنفاق هم ~~أئمة الهدى ورؤوس العلماء وورثة الأنبياء مع أنهم في القياس الذي سموه ~~البرهان إنما أتوا فيه بمقاييس سوفسطائية من شر المقاييس السوفسطائية فآل ~~أمرهم إلى السفسطة في العقليات والقرمطة في الشرعيات وهذه حال القرامطة ~~الباطنية الذين عظمهم وسلك سبيلهم هذا الفيلسوف ولهذا كان ابن سينا وأمثاله ~~منهم وكان أبوه من دعاة القرامطة المصريين ولذلك اشتغلت بالفلسفة # ثم قال وها هنا صنف ثالث من الشرع متردد بين هذين الصنفين يقع فيه شك ~~فيلحقه قوم ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لا يجوز تأويله ويلحقه آخرون ~~بالباطن الذي لا يجوز حمله على الظاهر للعلماء لغرابة هذا الصنف واشتباهه ~~والمخطئ في هذ معذور أعني من العلماء # فإن قيل فإذا تردد أن الشرع في هذا على ثلاث مراتب فمن أي هذه الثلاث ~~مراتب هو عندكم ما جاء في صفات المعاد وأحواله فنقول إن هذه المسألة الأمر ~~فيها أنها من الصنف المختلف فيه وذلك أننا نرى قوما ممن ينسبون أنفسهم ~~PageV01P235 إلى البرهان يقولون إن الواجب حملها على ظاهرها إذ كان ليس ~~فيها برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها وهذه طريقة الأشعرية وقوم آخرون ~~أيضا ممن يتعاطى البرهان يتأولونها وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافا ~~كثيرا وفي هذا الصنف أبو حامد معدود وكثير من المتصوفة ومنهم من يجمع فيها ~~تأويلين كما يفعل ذلك أبو حامد في بعض كتبه ويشبه أن يكون المخطئ في هذه ~~المسألة من العلماء معذور والمصيب مشكور أو مأجور وذلك إذا اعترف بالوجود ~~وتأول فيها نحوا من أنحاء التأويل أعني في صفة المعاد لا في وجوده إذا ms191 كان ~~التأويل لا يؤدي إلى نفي الوجود وإنما كان جحد الوجود في هذه كفرا لأنه في ~~أصل من أصول الشريعة وهو مما يقع التصديق به بالطرق الثلاث المشتركة للأحمر ~~والأسود وأما من كان من غير أهل العلم فالواجب عليه حملها على الظاهر ~~وتأويلها في حقه كفر لأنه يؤدي إلى الكفر وكذلك ما نرى أن من كان من الناس ~~فرضه الإيمان بالظاهر فالتأويل في حقه كفر لأنه يؤدي للكفر والداعي إلى ~~الكفر كافر ولهذا يجب أن لا تثبت هذه التأويلات إلا في كتب البراهين لأنها ~~إذا كانت في كتب البراهين لم يصل إليها إلا من هو من أهل البرهان أما إذا ~~أثبت في غير كتب البرهان واستعمل فيها الطرق الشعرية والخطبية والجدلية كما ~~يصنعه أبو حامد فخطأ على الشرع وعلى الحكمة وإن كان الرجل إنما قصد خيرا ~~وذلك أنه رأى أن يكثر أهل العلم بذلك ولكن كثر بذلك أهل الفساد ليس بدون ~~كثرة أهل العلم وتطرق بذلك قوم إلى ثلب الحكمة وقوم إلى ثلب الشريعة وقوم ~~إلى الجمع بينهما ويشبه أن يكون هذا هو أحد مقاصده بكتبه والدليل على أنه ~~رام بذلك تنبيه الفكر أنه لم يلتزم مذهبا من المذاهب في كتبه هو مع ~~الأشعرية أشعري ومع الصوفية صوفي ومع الفلاسفة فيلسوف كما قيل % يوم يمان ~~إذا لاقيت ذا يمن % وإن لقيت معديا فعدناني % $ PageV01P236 # والذي يجب على أئمة المسلمين أن ينهوا عن كتبه التي تتضمن العلم إلا لمن ~~كان من أهل العلم كما يجب عليهم أن ينهوا عن كتب البرهان من كان ليس أهلا ~~لها # قلت أما عده أبو حامد ممن لا يقر بمعاد الأبدان فهو وإن كان قد قال في ~~بعض كتبه ما نسبه لأجله إلى ذلك فالذي لا ريب فيه أنه لم يستمر على ذلك بل ~~رجع عنه قطعا وجزم بما عليه المسلمون في القيامة العامة كما أخبر به الكتاب # وأما ذكره أن هذا قول كثير من المتصوفة فلا ريب أن في المتصوفة والمتفقهة ~~وغيرهما من هو صديق ومن ms192 هو زنديق فإن انتحال الخيلة والقول ظاهرا ليس بأعظم ~~من انتحال الإسلام وإن كان في نفس ادعاء الإسلام على عهد النبي وفي سائر ~~الأعصار منافقون كثيرون فهؤلاء موجودون في جميع الأصناف من المنتسبين إلى ~~العلم وإلى العبادة وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ~~ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل ~~المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق ~~الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها # فأما شيوخ الصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم في الأمة لسان صدق مثل ~~أبي القاسم الجنيد وسهل بن عبدالله التستري وعمرو بن عثمان PageV01P237 ~~المكي وأبي العباس ابن عطاء بل مثل أبي طالب المكي وأبي عبدالرحمن السلمي ~~وأمثال هؤلاء فحاشا لله أن يكونوا من أهل هذا المذهب بل هم من أبعد الطوائف ~~عن مذهب الجهمية في سلب الصفات فكيف يكونون في مذهب الدهرية المنكرين ~~لانفطار السموات والأرض وانشقاقهما نعم يوجد مثل ذلك في المتكلمين بكلام ~~الفقهاء من أهل الفلسفة والكلام وغيرهم وهذا الرجل قد ذكر أصناف الأمة في ~~الأمور الهية الذين سماهم حشوية والأشعرية والمعتزلة والباطنية وذكر الصنف ~~الرابع الباطنية ولم يتعقبهم بكلام إلا ما ذكره من مذهب الصوفية أنهم ~~يلتمسون العلم بطريقة إماتة الشهوات فإن كان قد جعل هؤلاء هم الباطنية فهذا ~~خطأ عظيم وإن كان يوجد فيهم من يقول بقول الباطنية كما يوجد مثل ذلك في ~~المتكلمين والفقهاء ولعل شبههم في ذلك مع ما حكاه عنهم في أمر المعاد أنهم ~~يقولون علم الباطن وينتسبون إلى علم الباطن ولكن هذا اللفظ فيه إجمال ~~وإيهام فالصوفية العارفون الذين لهم في الأمة لسان صدق إذا قالوا علم ~~الباطن وعلوم الباطن ونحو ذلك فهم لا يريدون بذلك ما يناقض الظاهر بل هم ~~متفقون على أن من ادعا باطنا من الحقيقة يناقض ظاهر الشريعة فهو زنديق ~~وإنما ms193 يقصدون بذلك عمل باطن الإنسان الذي هو قلبه بالأعمال الباطنة ~~كالمعرفة والمحبة والصبر والشكر والتوكل والرضا ونحو ذلك ما هو كله تحقيق ~~كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى PageV01P238 # ومما يبين تناقض الفريقين لاشتراكهما في النفي والتعطيل أن كل حجة يحتج ~~بها أحدهما على الآخر تنقض مذهبه أيضا كما تنقض مذهب خصمه ولهذا عمدة ~~كلامهم بيان كل طائفة تناقض الأخرى وإن كانت هي أيضا متناقضة كما نبهنا ~~عليه غير مرة # ويوضح ذلك ما ذكره هذا القاضي أبو الوليد ابن رشد الحفيد في كتابه الذي ~~سماه مناهج الأدلة في الرد على لأصولية هذا بعد أن قال في خطبته أما بعد ~~فإن كنا قد بينا في أول هذا الكتاب مطابقة الحكمة للشرع وأمر الشريعة بها ~~وقلنا هناك إن الشريعة ظاهر ومئول وأن الظاهر فيها هو فرض الجمهور وأن ~~المئول هو فرض العلماء وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويله # قلت قد جعل فرض الجمهور اعتقاد الباطل الذي هو خلاف الحق إذا كان الحق ~~خلاف ظاهره وقد فرض عليهم حمله على ظاهره قال وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله ~~على ظاهره وترك تأويله وأنه لا يحل للعلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور كما ~~قال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله ~~قلت حرف لفظ حديث علي ومعناه فإن عليا قال كما ذكره البخاري في صحيحه من ~~رواية معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن علي قال حدثوا الناس بما يعرفون ~~ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وهذا يدل على نقيض مطلوبه لأنه ~~قال أتحبون أن يكذب الله ورسوله فعلم أن الأحاديث التي قالها الله ورسوله ~~أحاديث لا يطيق كل أحد حملها فإذا سمعها من لا يطيق ذلك كذب الله ورسوله ~~وهذا إنما يكون PageV01P239 في ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وتكلم به ~~لا في خلاف ما قاله ولا في تأويل ما قال خلاف ظاهره فإن ذكر ذلك لا يوجب أن ~~المستمع يكذب الله ورسوله ms194 بل يكذب المتأول المخالف لما قال الله ورسوله نعم ~~نفس ذلك التأويل المخالف لقوله يكون تكذيبا لله ورسوله إما في الظاهر وإما ~~في الباطن والظاهر فلو أريد ذلك لكان يقول أتريدون أن تكذبوا الله ورسوله ~~أو أن تظهروا تكذيب الله ورسوله فإن المكذب من قال ما يخالف قول الله ~~ورسوله إما ظاهرا واما ظاهرا وباطنا وعلي إنما خاف تكذيب المستمع لله ~~ورسوله وهذا لا يكون لمجرد تأويل المتأولين فإن المؤمن لا يكذب الله ورسوله ~~لقول مخالف لتأويل يخالف ذلك بل يرد ذلك عليه # فإن قال هذه التأويلات الباطنة قد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للخاصة # قيل هذا من الإفك المفترى الذي اتفق أهل العلم بالإسلام على أنه كذب وقد ~~ثبت عن علي رضي الله عنه في الصحيح من غير وجه لما سأله من ظن أن عنده من ~~الرسول علما اختص به فبين لهم علي رضي الله عنه أنه لم يخصه بشيء # قال الحفيد فقد رأيت أن أفحص في هذا الكتاب عن الظاهر من العقائد التي ~~قصد الشرع حمل الجمهور عليها ونتحرى في ذلك كله مقصد الشارع صلى الله عليه ~~وسلم بحسب الجهد والاستطاعة فإن الناس قد اضطربوا في هذا المعنى كل ~~الاضطراب في هذه الشريعة حتى حدثت فرق ضالة وأصناف مختلفة كل واحد منهم يرى ~~أنه على الشريعة الأولى وأن من خالفه إما مبتدع وإما كافر مباح PageV01P240 ~~الدم والمال وهذا كله عدول عن مقصد الشارع وسببه ما عرض لهم من الضلال عن ~~فهم مقصد الشريعة وأشهر هذه الطوائف في زماننا هذا أربعة الطائفة التي تسمى ~~الأشعرية وهم الذين يرى أكثر الناس اليوم أنهم أهل السنة والتي تسمى ~~المعتزلة والطائفة التي تسمى بالباطنية والطائفة التي تسمى بالحشوية وكل ~~هذه الطوائف قد اعتقدت في الله اعتقادات مختلفة وحرفت كثيرا من ألفاظ الشرع ~~عن ظاهرها إلى تأويلات نزلوها على تلك الاعتقادات وزعموا أنها الشريعة ~~الأولى الذي قصد بالحمل عليها جميع الناس وأن من زاغ عنها فهو إما كافر ~~وإما مبتدع وإذا تؤمل ms195 جميعها وتؤمل مقصد الشارع ظهر أنها كلها أقاويل محدثة ~~وتأويلات مبتدعة وأنا أذكر من ذلك ما يجري مجرى العقائد الواجبة في الشرع ~~التي لا يتم الإيمان إلا بها وأتحرى في ذلك كله مقصد الشارع صلى الله عليه ~~وسلم دون ما جعل أصلا في الشرع وعقيدة من عقائده من قبل التأويل الذي ليس ~~بصحيح وأبدأ من ذلك بتعريف ما قصد في الشرع أن يعتقد الجمهور في الله تبارك ~~وتعالى والطرق التي سلك بهم في ذلك وذلك في الكتاب العزيز ونبتدي من ذلك ~~معرفة الطريق التي تفضي إلى وجود الصانع إذ كانت أول معرفة يجب أن يعلمها ~~المكلف وقبل ذلك فينبغي أن نذكر إذا تلك الفرق المشهورة في ذلك فنقول # أما الفرقة التي تدعى بالحشوية فإنهم قالوا إن طريق معرفة وجود الله ~~تعالى هو السمع لا العقل أعني أن الإيمان بوجود الذي كلف الناس التصديق به ~~يكفي فيه السمع أن يتلقى من صاحب الشرع كما يتلقى منه أحوال العبادة وغير ~~ذلك مما لا مدخل للعقل فيه وهذه الفرقة الظاهر من أمرها أنها مقصرة عن ~~مقصود الشرع في الطريق التي نصبها للجميع مفضية إلى معرفة وجود الله تعالى ~~وتقدس ودعاهم من قبلها إلى الإقرار به وذلك أنه يظهر من غير ما آية من ~~PageV01P241 كتاب الله تعالى أنه دعا الناس فيها إلى التصديق بوجود الباري ~~سبحانه وتعالى بأدلة عقلية منصوص عليها فيها مثل قوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم @QE@ الآية ومثل قوله تعالى ~~@QB@ أفي الله شك فاطر السماوات والأرض @QE@ إلى غير ذلك من الآيات الواردة ~~في هذا المعنى وليس لقائل أن يقول إنه لو كان ذلك واجبا على كل من آمن ~~بالله تعالى أعني أن لا يصح إيمانه من قبل وقوعه عن هذه الأدلة لكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يدعو أحدا إلى الإسلام إلا عرض عليه هذه الأدلة فإن ~~العرب كلها كانت تعترف بوجود الباري سبحانه وتعالى وذلك قال تعالى @QB@ ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ms196 ليقولن الله @QE@ ولا يمتنع أن يوجد من ~~الناس من يبلغ به فدامة الطبع وبلادة القريحة ألا يفهم شيئا من الأدلة ~~الشرعية التي نصبها الشارع صلى الله عليه وسلم للجمهور وهذا فهو أقل الوجود ~~وإذا وجد ففرضه الإيمان بالله من جهة السماع فهذه حال الحشوية مع ظاهر ~~الشرع # ثم قال وأما الأشعرية فرأوا أن التصديق بوجود الله تعالى لا يكون إلا ~~بالعقل لكن سلكوا في ذلك طرقا ليست هي الطرق الشرعية وساق الكلام كما ذكرنا ~~عنه أولا # قلت مسمى الحشوية في لغة الناطقين به ليس اسما لطائفة معينة لها رئيس قال ~~مقالة فاتبعته كالجهمية والكلابية والأشعرية ولا اسما لقول معين من قاله ~~كان كذلك والطائفة إنما تتميز بذكر قولها أو بذكر رئيسها ولهذا كان ~~المؤمنون متميزون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فالقول الذي ~~يدعون إليه هو كتاب الله والإمام الذي يوجبون اتباعه هو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P242 وعلى هذا بني الإيمان وبذلك وجب الموالاة والمعاداة ~~كما قال تعالى @QB@ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا @QE@ إلى قوله ~~@QB@ فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ وقال تعالى @QB@ والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أولياء بعض @QE@ وأمثال ذلك وقال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان ~~آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون @QE@ وكذلك ذكر ذلك في البقرة والمائدة ~~ولقمان فذكر أن الكفار لا يستجيبون لذلك وكذلك ذكر عن المنافقين فقال @QB@ ~~ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ~~ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا @QE@ فأخبر عن الكافرين والمنافقين أنهم يعرضون ~~عن الاستجابة للكتاب والرسول فعلم أن المؤمنين ليسوا كذلك بل هم كما قال ~~الله تعالى @QB@ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ms197 @QE@ وقال @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ~~@QE@ وبذلك أمرهم حيث قال @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ وبذلك حكم بين ~~أهل الأرض كما قال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى ~~الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم @QE@ وشواهد هذا الأصل كثيرة PageV01P243 والناس منذ بعث الله ~~تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ثلاثة أصناف إما كافر معلن وإما منافق ~~مستتر وإما مؤمن موافق ظاهرا و باطنا كما ذكر الله تعالى هذه الأصناف ~~الثلاثة في أول سورة البقرة وحينئذ فالواجب أن يكون الرجل مع المؤمنين ~~باطنا وظاهرا وكل قول أو عمل تنازع الناس فيه رده إلى الكتاب والسنة ولا ~~يجوز وضع طائفة بعينها يوالي من والته ويعادي من عادته لا أخص من المؤمنين ~~لو كانت أسماؤهم للتعريف المحض كالمالكية والشافعية والحنبلية أو غير ذلك ~~ولا أعم من ذلك مما يدخل فيه المسلم والكافر كجنس النظر والعقل أو العبادة ~~المطلقة ونحو ذلك ولا يجوز تعليق الحب والبغض والموالاة والمعاداة إلا ~~بالأسماء الشرعية وأما أسماء التعريف كالأنساب والقبائل فيجوز أن يعرف بها ~~ما دلت عليه ثم ينظر في موافقته للشرع ومخالفته له # وإذا كان كذلك فأول من عرف أنه تكلم في الإسلام بهذا اللفظ عمرو ابن عبيد ~~رئيس المعتزلة فقيههم وعابدهم فإنه ذكر له عن ابن عمر شيء يخالف قوله فقال ~~كان ابن عمر حشويا نسبه إلى الحشو وهم العامة والجمهور وكذلك تسميهم ~~الفلاسفة كما سماهم بذلك صاحب هذا الكتاب والمعتزلة ونحوهم يسمونهم الحشوية ~~والمعتزلة تعني بذلك كل من قال بالصفات ms198 وأثبت القدر وأخذ ذلك عنها متأخروا ~~الرافضة فسموهم الجمهور بهذا الاسم وأخذ ذلك عنهم القرامطة الباطنية فسموا ~~بذلك كل من اعتقد صحة ظاهر الشريعة فمن قال عندهم بوجوب الصلوات الخمس ~~والزكاة المفروضة وصوم رمضان وحج البيت وتحريم الفواحش والمظالم والشرك ~~ونحو ذلك سموه حشويا كما رأينا ذلك PageV01P244 مذكورا في مصنفاتهم ~~والفلاسفة تسمي من أقر بالمعاد الجسمي والنعيم الحسي حشويا وأخذوا ذلك عن ~~المعتزلة تلامذتهم من الأشعرية فسموا من أقر بما ينكرونه من الصفات ومن يذم ~~ما دخلوا فيه من بدع أهل الكلام والجهمية والإرجاء حشويا ومنهم أخذ ذلك هذا ~~المصنف # ومما يبين ذلك أن القول الذي حكاه عنهم لا يعرف في الإسلام عالم معروف ~~قال به ولا طائفة معروفة قالت به ولكن قد يقول بعض العوام قولا لا يفصح ~~بمعناه وحجته يظن به مستمعه أنه يعتقد ذلك والتحقيق أن هذا النقل إنما ~~نقلته المعتزلة ومن وافقهم عليه كهذا الرجل بطريق اللزوم لا أنهم سمعوه ~~منهم أو وجدوه مأثورا عنهم وذلك أنهم يسمعون أهل الإيمان من أهل الحديث ~~والسنة والجماعة والفقهاء والصوفية يقولون الكتاب والسنة وإذا تنازعوا في ~~مسألة من موارد النزاع بين الأمة في مسائل الصفات أو القدر أو نحو ذلك ~~قالوا بيننا وبينكم الكتاب والسنة فإذا قال لهم ذلك المنازع بيننا وبينكم ~~العقل قالوا نحن ما نحكم إلا الكتاب والسنة ونحو هذا الكلام الذي هو حقيقة ~~أهل الإيمان وشعار أهل السنة والجماعة وحلية أهل الحديث والفقه والتصوف ~~الشرعي قالوا بموجب رأيهم يلزم من هذا أن تكون معرفة الله تعالى لا تحصل ~~إلا بخبر الشارع إذا لم يكن للعقل مجال في إثبات المعرفة وهذا جهل منهم ~~وقول بلا علم فإن أحدا من هؤلاء لم يقل إن الله تعالى لا يعرف إلا بمجرد ~~خبر الشارع الخبر المجرد فإن هذا لا يقوله عاقل فإن تصديق المخبر قبل ~~المعرفة بصدقه في قوله إنه رسول الله بدون المعرفة بأنه رسول ممتنع ومعرفة ~~أنه رسول الله ممن لا يعرف أن الله موجود ممتنع فنقل مثل ms199 هذا القول عن ~~طائفة توجد في الأمة أو عن PageV01P245 عالم معروف في الأمة من الكذب البين ~~وهو من جنس وضع الملاحدة للأحاديث المتناقضة على المحدثين ليشنوهم بذلك عند ~~الجهال لكن من عموم المؤمنين أهل الحديث وغيرهم من لا يحسن أن يجيب عما ~~يورد عليه من الشبه ومن لا يحسن البيان عما انعقد في نفسه من البرهان ~~واستقر عنده من الإيمان ولكن هذا لا يبيح أن ينقل عنه البهتان كيف وشعارهم ~~الدعاء إلى الكتاب والسنة والقرآن مملوء من طريق تعريف الله تعالى لعباده ~~بالأدلة الواضحة المعقول والأمثال المضروبة التي هي القياسات العقلية # ونحن قد بينا في غير هذا الموضع أن القرآن بين فيه أصول الدين في المسائل ~~والدلائل على غاية الأحكام ونهاية التمام وأن خلاصة ما يذكره أهل الكلام ~~والفلسفة إنما هو بعض ما بينه القرآن والحديث مع سلامة ذلك عما في كلامهم ~~من التناقض والاختلاف واشتماله على ما تقصر عنه نهاية عقولهم ومالا يطمعون ~~أن يكون من مدلولهم وبينا أن تعريف الشارع ودلالة الشرع ليس بمجرد الإخبار ~~كما يظنه من يظن ذلك من أهل الكلام والفلسفة فإن مثل هذا الظن بالشارع هو ~~الذي أوجب أن يلمزوا المؤمنين بما هم به أولى وأحرى @QB@ والذين يؤذون ~~المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا @QE@ ~~وهذا حال الكفار والمنافقين الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ وإذا قيل لهم ~~آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن ~~لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا ~~إنا معكم إنما نحن مستهزؤون @QE@ وقال @QB@ إن الذين أجرموا كانوا من الذين ~~آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ~~@QE@ PageV01P246 فإن الله سبحانه وتعالى ضمن كتابه العزيز فيما أخبر به عن ~~نفسه وأسمائه وصفاته من الأدلة والآيات والأقيسة التي هي الأمثال المضروبات ~~ما بين ثبوت المخبر بالعقل الصريح كما يخاطب أولي الألباب والنهى والحجر ~~ومن يعقل ويسمع بل قد ضمن كتابه من الأدلة ms200 العقلية في أمر المعاد ما هو بين ~~لعامة العباد بل ضمن كتابه العزيز من الأدلة العقلية على ثبوت الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد ما نبه عليه في غير هذا الموضع كقوله تعالى @QB@ سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على ~~كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط @QE@ فكيف ~~يكون أهل الكتاب والسنة والإيمان يقولون إن الله تعالى إنما يعرف وجوده ~~بمجرد خبر الشارع المجرد # وأما ما قد يقولونه من أن العقل لا مجال له في ذلك أو ينهون عن الكلام أو ~~عن ما سمي معقولات ونظرا ونحو ذلك فهذا له وجوه صحيحة ثابتة بالكتاب والسنة ~~بل وبالعقل أيضا وبعضهم قد لا يفرق بين ما يدخل في ذلك من حق وباطل وبعضهم ~~قد يقصر عن الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة كما ذكره هذا الرجل ولا ريب ~~أن التقصير ظاهر على أكثر المنتسبين إلى الكتاب والسنة من جهة عدم معرفتهم ~~بما دل عليه الكتاب والسنة ولوازم ذلك # فيقال من الوجوه الصحيحة إنما نطق به الكتاب وبينه أو ثبت بالسنة الصحيحة ~~أو اتفق عليه السلف الصالح فليس لأحد أن يعارضه معقولا ونظرا أو كلاما ~~وبرهانا وقياسا عقليا أصلا بل كل ما يعارض ذلك فقد علم أنه باطل علما كليا ~~عاما وأما تفصيل العلم ببطلان ذلك فلا يجب على كل أحد PageV01P247 بل يعلمه ~~بعض الناس دون بعض وأهل السنة الذين هم أهلها يردون ما عارض النص والإجماع ~~من هذه وأن زخرفت بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان قال تعالى @QB@ وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون @QE@ فأعداء النبيين دائما ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا # وكذلك من الوجوه الصحيحة أن موارد النزاع لا تفصل بين المؤمنين إلا ~~بالكتاب والسنة وأن كان أحد المتنازعين يعرف ما يقوله بعقله وذلك أن قوى ms201 ~~العقول متفاوتة مختلفة وكثيرا ما يشتبه المجهول بالمعقول فلا يمكن أن يفصل ~~بين المتنازعين قول شخص معين ولا معقوله وإنما يفصل بينهم الكتاب المنزل من ~~السماء والرسول المبعوث المعصوم فيما بلغه عن الله تعالى ولهذا يوجد من خرج ~~عن الاعتصام بالكتاب والسنة من الطوائف فإنهم يفترقون ويختلفون @QB@ ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك @QE@ وأهل الرحمة هم أهل الإيمان والقرآن # ومن الوجوه الصحيحة أن معرفة الله بأسمائه وصفاته على وجه التفصيل لا ~~تعلم إلا من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام إما بخبره واما بخبره وتنبيهه ~~ودلالته على الأدلة العقلية ولهذا يقولون لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه ~~أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى @QB@ سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين @QE@ # ثم ذكر ابن رشد الكلام على الطريق التي عزاها إلى الأشعرية وأبو الحسن ~~الأشعري قد بين في رسالته إلى أهل الثغر بيان الأبواب أن هذه الطريق مبتدعة ~~وأنها ليست هي طريقة الأنبياء وأتباعهم بل هي محرمة عندهم PageV01P248 كما ~~سنذكر ذلك عنه وكذلك ذكر غير واحد عن متقدمي أصحابه ومتأخريهم حتى أبو ~~عبدالله الرازي بين أن معرفة الله تعالى ليست منحصرة في هذه الطريق التي ~~حكاها عن الأشعرية وبين غلط أبي المعالي في قوله اعلم أن أول ما يجب على ~~البالغ العاقل القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم وبين ~~أن العلم بحدوث العالم يمكن أن يعلم بالسمع فضلا عن أن لا يكون طريقا إلى ~~إثبات الصانع إلا العلم بحدوثه بالطريق الذي ذكره وأن يكون القصد إلى النظر ~~في هذه الطريق وكذلك الغزالي قبله بين حصول المعرفة بدون هذه الطريق # وبالجملة فإنه وإن كان أبو المعالي ونحوه يوجبون هذه الطريقة فكثير من ~~أئمة الأشعرية أو أكثرهم يخالفونه في ذلك ولا يوجبونها بل إما أن يحرموها ~~أو يكرهوها أو يبيحوها وغيرها ويصرحون بأن معرفة الله تعالى لا تتوقف على ~~هذه الطريقة ولا يجب سلوكها # ثم هم قسمان ms202 قسم يوسقها ويسوق غيرها ويعدها طريقا من الطرق فعلى هذا إذا ~~فسدت لم يضرهم والقسم الثاني يذمونها ويعيبونها ويعيبون سلوكها وينهون عنها ~~إما نهي تنزيه وإما نهي تحريم كما ذكره أبو الحسن الأشعري في رسالته كما ~~سنذكره عنه كما ذكر ذلك طوائف ممن لا يبطل تلك الطريقة كأبي سليمان الخطابي ~~ونحوه # قال الشيخ أبو سليمان الخطابي في كتاب شعار الدين أما بعد فإن أخا من ~~إخواني سألني بيان ما يجب على المسلمين علمه ولا يسعهم جهله من أمر الدين ~~وشرح أصوله في التوحيد وصفات الباري تعالى والكلام في القضاء والقدر ~~والمشيئة والدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبيان إعجاز القرآن ~~والقول في ترتيب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وما يتصل به من الكلام ~~PageV01P249 وطلب إلي أن أورد في كل شيء منها أوضح ما أعرفه من الدلالة ~~وأقربها من الفهم ينتفع به من لا يرضى بالتقليد في ما يعتقده من أصول الدين ~~وكان مع ذلك ممن لا يحب النظر في الكلام ولا يجرد القول على مذهب المتكلمين ~~وذكر تمام الكلام وذكر عدة أصول من الاستدلال بخلق الإنسان والاستدلال ~~بتركيب المتضادات وتأليفها والاستدلال بما في الوجود من الحكمة الغائية ~~الذي يسميه ابن رشد دليل العناية الدال على الإرادة والرحمة والعناية ~~الدالة على الصانع إلى أن قال # وطرق الاستدلال كثيرة إلا أنا أخترنا منها في الكتاب ما هو أقرب إلى ~~الأفهام وأشبه بمذاهب السلف والعلماء وقد أنزل الله تعالى كتابه على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وحاج به قومه وهم عرب ليسوا بفلاسفة ولا متكلمين وإنما ~~خاصمهم بما يفهمه ألوا العقول الصحيحة ويستدركه ذووا الطباع السليمة وتشهد ~~له المعارف وتجري به العادات القائمة فما قامت الحجة عليهم كان من ~~الاستدلال على إثبات الصانع وحدوث العالم قال وقد أبى متكلمو زماننا هذا ~~إلا الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها وزعموا أنه لا ~~دلالة أقوى من ذلك ولا أصح منه ونحن إن كنا لا ننكر الاستدلال بهذا النوع ~~من الدلالة فإن الذي أختاره ms203 ونؤثره هو ما قدمنا ذكره لأنه أدلة اعتبار ~~وطريق السلف من علماء أمتنا وإنما سلك المتكلمون في الاستدلال بالأعراض ~~مذهب الفلاسفة وأخذوه عنهم وفي الأعراض اختلاف كثير فمن الناس من ينكرها ~~ولا يثبتها رأسا ومنهم من لا يفرق بينها وبين الجواهر في أنها قائمة ~~بأنفسها كالجواهر والاستدلال لا يصح بها إلا بعد استبراء هذه الشبهة ~~وطريقنا الذي سلكناه بريء من هذه الآفات سليم من هذه الريب PageV01P250 # قال ولقد سلك بعض مشائخنا في هذا طريقة الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات ~~الرسالة لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها ومن طريق استفاضة ~~الخبر لمن غاب عنها فلما ثبتت النبوة صارت أصلا في وجوب قبول ما دعا إليه ~~صلى الله عليه وسلم وهذا النوع مقنع في الاستدلال لمن لا يتسع فهمه ~~لاستدراك وجوه سائر الأدلة ولم يتبين تعلق الأدلة بمدلولاتها ولن يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها # قلت هذه الطريق يستدل صاحبها بالنبوة على حدوث العالم لأن معرفة الصانع ~~تعلم بدون ذلك إما بالأدلة الأخر وإما بالفطرة وصدق الرسول مبني على مقدمات ~~ضرورية أو نظرية قريبة من الضرورية ثم يستدل بقوله على حدوث العالم ~~فالخطابي في هذه الطريق ذكرأن طريقة الأعراض غير منكرة عنده ولكنه كرهها ~~ورغب عنها إلى ما ذكر أنه طريق السلف لأنها بدعة ولأن فيها آفات # وقد قال في رسالته في الغنية عن الكلام وأهله كلاما أسد من هذا وبين أنها ~~محرمة كما ذكره الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر فقال الخطابي في هذه ~~الرسالة عصمنا الله تعالى وإياك من الأهواء المضلة والآراء المغوية والفتن ~~المحيرة ورزقنا وإياك الثبات على السنة والتمسك بها ولزوم الطريقة ~~المستقيمة التي درج عليها السلف وانتهجها بعدهم صالح الخلف وجنبنا وإياك ~~مداحض البدع وبنيات طرقها العادلة عن نهج الحق وسوى الواضحة وأعاذنا وإياك ~~من حيرة الجهل وتعاطي الباطل والقول بما ليس لنا به علم والدخول فيما لا ~~يعنينا والتكلف لما قد كفينا الخوض فيه ونهينا عنه ونفعنا وإياك بما علمنا ~~وجعله سببا لنجاتنا ولا جعله وبالا ms204 علينا برحمته وقفت على PageV01P251 ~~مقالتك وما وصفته من أمر ناحيتك وظهور ما ظهر بها من مقالات أهل الكلام ~~وخوض الخائضين فيها وميل بعض منتحلي السنة إليها واغترارهم بها واعتذارهم ~~في ذلك بأن للكلام وقاية السنة وجنة لها يذب به عنها ويذاد بسلاحه عن ~~حريمها وفهمت ما ذكرت من ضيق صدرك بمجالستهم وتعذر الأمر عليك في مفارقتهم ~~لأن توقفك بين أن تسلم لهم ما يدعونه من ذلك فتقبله وبين أن تقابلهم على ما ~~يزعمونه فترده وتنكره وكلا الأمرين يصعب عليك أما القبول فلأن الدين يمنعك ~~منه ودلائل الكتاب والسنة تحول بينك وبينه وأما الرد والمقابلة فلأنهم ~~يطلبونك بأدلة العقول ويأخذونك بقوانين الجدل ولا يقنعون منك بظواهر الأمور ~~وسألتني أن أمدك بما يحضرني في نصرة الحق من علم وبيان وفي رد مقالة أولئك ~~من حجة وبرهان وأن أسلك في ذلك طريقة لا يمكنهم ردها ولا يسوغ لهم من جهة ~~المعقول إنكارها فرأيت إسعافك به لازما في حق الدين وواجب النصيحة لجماعة ~~المسلمين وأنا أسأل الله تعالى أن يوفق لما ضمنت لك وأن يعصم من الزلل فيه # اعلم يا أخي أن هذه الفتنة قد عمت اليوم وشملت فشاعت في البلاد واستفاضت ~~ولا يكاد يسلم من وهج غبارها إلا من عصمه الله وذلك مصداق لقول الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إن الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ~~فنحن اليوم في ذلك الزمان وبين أهله فلا تنكر ما تشاهده منه وسل الله ~~العافية من البلاء واحمده على ما وهبه لك من السلامة PageV01P252 # ثم إني تدبرت هذا الشأن فوجدت عظم السبب فيه أن الشيطان صار بلطيف حيلته ~~سول لكل من أحس من نفسه بفضل ذكاء وذهن بوهمه أنه إن رضي في علمه ومذهبه ~~بظاهر من السنة واقتصر على واضح بيان فيها كان أسوة العامة وعد واحدا من ~~الجمهور والكافة فجرهم بذلك إلى التنطع في النظر والتبدع في مخالفة السنة ~~والأثر ليبينوا عن طريق الدهماء ويتميزوا في الرتبة عن من هو دونهم في ~~الفهم ms205 والذكاء واختدعهم بهذه المقدمة حتى أزلهم عن واضح المحجة وأورطهم في ~~شبهات تعلقوا بزخارفها وتاهوا في حقائقها ولم يخلصوا فيها إلى شفاء نفس ولا ~~قبلوها بيقين ولما رأوا كتاب الله تعالى ينطق بخلاف ما انتحلوه ويشهد عليهم ~~بباطل ما اعتقدوه ضربوا بعض آياته ببعض فتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم ~~واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولغته المأثورة عنه وردوها على وجوهها وأساؤا في نقلها ~~القالة فوجهوا إليهم الظنون ورموهم بالفرية ونسبوهم إلى ضعف السنة وسوء ~~المعرفة بمعاني ما يروونه من الحديث والجهل بتأويله ولو سلكوا سبيل القصد ~~ووقفوا عندما انتهى بهم التوقيف لوجدوا برد اليقين وروح القلوب ولكثرت ~~البركة وتضاعف النماء وانشرحت الصدور ولأضاءت فيها مصباح النور @QB@ والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ # واعلم أن الأئمة الماضين والسلف المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام ~~وهذا النوع من النظر عجزا عنه ولا انقطاعا دونه وقد كانوا ذوا عقول وافرة ~~وأفهام ثاقبة وكان في زمانهم هذه الشبهة والآراء وهذه النحل والأهواء وإنما ~~تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها لما تخفوه من فتنتها وحذروه من سوء مغبتها ~~وقد كانوا على بينة من أمرهم وعلى بصيرة من دينهم لما هداهم الله به من ~~توفيقهم وشرح به صدورهم من نور معرفته ورأوا أن PageV01P253 فيما عندهم من ~~علم الكتاب وحكمته وتوقيف السنة وبيانها غنى ومندوحة عما سواهما وأن الحجة ~~قد وقعت بهما والعلة أزيحت بمكانهما فلما تأخر الزمان بأهله وفترت عزائمهم ~~في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة وقلت عنايتهم بها واعترضهم الملحدون ~~بشبههم والمتحذلقون بجدلهم حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط ~~من الكلام ويدافعوهم بهذا النوع من الجدل لم يقووا ولم يظهروا في الحجاج ~~عليهم فكان ذلك ضلة في الرأي وعيبا فيه وخدعة من الشيطان والله المستعان # فإن قال هؤلاء فإنكم قد أنكرتم الكلام ومنعتم استعمال أدلة العقول فما ~~الذي تعتمدون في صحة أصول دينكم ومن أي طريق تتوصلون إلى ms206 معرفة حقائقها وقد ~~علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه والنبي لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول وأنتم ~~قد نفيتموها # قلنا إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف ولكن لا نذهب في ~~استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها ~~بالجواهر وانقلابها فيها على حدوث العالم واتباع الصانع ونرغب عنها إلى ما ~~هو أوضح بيانا وابين برهانا وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة وإنما سلكت ~~الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة فكان ~~أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال ~~بهذه الأشياء فأما مثبتو النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك وكفاهم كلفة ~~المؤونة في ركوب هذه الطريقة المتعوجة التي لا يؤمن الغيب على راكبها ~~والابتداع والانقطاع على سالكها # وبيان ما ذهب إليه السلف من أئمة المسلمين رحمة الله عليهم أجمعين ~~والاستدلال على معرفة الصانع سبحانه وتعالى وإثبات توحيده وصفاته ~~PageV01P254 وسائر ما ادعى أهل الكلام أنه لا يتوصل إليه إلا من الوجه الذي ~~يزعمونه هو أن الله سبحانه وتعالى لما أراد إكرام من هداه لمعرفته بعث ~~رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا وقال له @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ~~فما بلغت رسالته @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع وفي ~~مقامات له شتى وبحضرته عامة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ألا هل ~~بلغت فكان ما أنزل الله تعالى وأمر بتبليغه هو كمال الدين وتمامه لقوله ~~@QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ فلم يترك صلى الله عليه وسلم شيئا من أمور ~~الدين وقواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه ولم ~~يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان ~~عن وقت الحاجة لا يجوز بحال فمعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تبرح ~~فيهما الحاجة داعية أبدا في كل وقت وزمان ولو ms207 أخر فيها البيان لكان قد ~~كلفهم مالا سبيل لهم إليه وإذا كان على ما قلت وقد علمنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يدعهم من هذه الأمور إلى الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر ~~وانقلابها إذ لا يمكن أحدا من الناس أن يروي في ذلك عنه ولا عن أحد من ~~الصحابة من هذا النمط حرف واحد فما فوقه لا من طريق تواتر ولا آحاد علم ~~أنهم قد ذهبوا خلاف مذاهب هؤلاء وسلكوا غير طريقتهم # قلت وهذا الكلام يشبه ما ذكره أبو الحسن الأشعري في رسالته ومضمون ذلك أن ~~هذه الطريقة محدثة مبتدعة مستغنى عنها منهي عن سلوكها لذلك وليس فيه بيان ~~أنها باطلة ولكون أمثال هؤلاء لا يعتقدون بطلانها في الباطن وإن نهوا عن ~~سلوكها وقع منهم أقوال مبنية على بعض مقدماتها وإن خالفت النصوص والمعقول ~~والذي عليه حذاق الأئمة والعلماء أنها طريقة باطلة كما يقول ذلك طوائف من ~~أهل الكلام والفلاسفة وهذا الحفيد وإن بين PageV01P255 بطلانها لكن طريقته ~~في الباطن أبطل من هذه وإن سماها طريقة البرهان ولهذا لما فرغ من الرد على ~~الأشعرية في هذه الطريقة وذكر طريقة ثانية لأبي المعالي وهي أن العالم جائز ~~والجائز لا بد له من مخصص تكلم عليها بما ليس هذا موضعه # إلى أن قال فقد تبين لك من هذا كله أن الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك ~~إلى معرفة وجود الباري ليست طرقا نظرية يقينية ولا طرقا شرعية يقينية وذلك ~~ظاهر لمن تأمل أجناس الأدلة المنبهة في الكتاب العزيز على هذا المعنى أعني ~~معرفة وجود الصانع وذلك أن الطرق الشرعية إذا تؤملت وجدت في الأكثر قد جمعت ~~وصفين أحدهما أن تكون يقينية والثانية أن تكون بسيطة غير مركبة أعني قليلة ~~المقدمات فتكون نتائجها قريبة من المقدمات الأول # قال وأما الصوفية فطرقهم في النظر ليست طرقا نظرية أعني مركبة من مقدمات ~~وأقيسة وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى في ~~النفس عند تجردها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكرة على المطلوب ~~ويحتجون لتصحيح ms208 هذا بظواهر من الشرع كثيرة مثل قوله تعالى @QB@ واتقوا الله ~~ويعلمكم الله @QE@ ومثل قوله تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ~~وإن الله لمع المحسنين @QE@ ومثل قوله تعالى @QB@ إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا @QE@ إلى أشباه ذلك كثيرة يظن أنها عاضدة لهذا المعنى ونحن نقول إن ~~هذه الطريقة وان سلمنا وجودها ليست عامة للناس بما هم ناس ولو كانت هذه ~~الطريقة هي المقصودة بالناس لبطلت طريقة النظر ولكان وجودها بالناس عبثا ~~PageV01P256 والقرآن كله إنما هو دعاء إلى النظر والاعتبار وتنبيه على طرق ~~النظر نعم لسنا ننكر أن تكون إماتة الشهوات شرطا في صحة النظر مثل ما تكون ~~الصحة شرطا في ذلك لاأن إماتة الشهوات هي التي تفيد بذاتها وإن كانت شرطا ~~فيها كما أن الصحة شرط في التعلم وإن كانت ليست مفيدة له ومن هذه الجهة دعا ~~الشرع إلى هذه الطريقة وحث عليها في جملتها حثا أعني على العمل لا أنها ~~كافية بنفسها كما ظن القوم بل أن كانت نافعة في النظرية فعلى الوجه الذي ~~قلنا وهذا بين عند من أنصف واعتبر الأمر بنفسه # قال وأما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف ~~منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق ~~الأشعرية # قال فإن قيل فإذا قد تبين أن هذه الطرق كلها ليست واحدة منها هي الطريقة ~~الشرعية التي دعا الشرع منها جميع الناس على اختلاف فطرهم إلى الإقرار ~~بوجود الباري سبحانه وتعلى فما هي الطريقة الشرعية التي نبه الكتاب العزيز ~~عليها واعتمدتها الصحابة رضوان الله عليهم قلنا الطريق التي نبه الكتاب ~~العزيز عليها ودعا الكل من بابها إذا استقرىء الكتاب العزيز وجدت تنحصر في ~~جنسين أحدهما طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من ~~أجلها ولنسم هذا دليل العناية والطريقة الثانية ما يظهر من اختراع جواهر ~~الأشياء الموجودات مثل اختراع الحياة في الجماد والإدراكات الحسية والعقل ~~والنسم هذا دليل الاختراع ثم تكلم على شرح كل واحد من ms209 الطريقين # قلت أما المعتزلة فطريقتهم هي طريقة الأعراض هم أهل هذه الطريقة وأشهر ~~الطوائف بها وعنهم تلقاها من المعتزلة وبمثل هذه الطريقة ولوازمها ~~PageV01P257 كثر ذم السلف والأئمة في ما ذموه من الكلام ومن الجهمية فإنهم ~~من أشهر الطوائف بهذا الكلام المبني على هذه الطريقة طريقة الأعراض ~~والجواهر ومذهب الجهمية الذي هو نفي الصفات إذ البدع المضافة إلى الأشعرية ~~هي تعلما من أصولهم وبذلك نعتهم من نعتهم من أهل الحديث والفقهاء والصوفية ~~والفلاسفة أيضا كما ذكره أبو نصر في رسالته إلى أهل زبيد قال ولقد حكى لي ~~محمد بن عبدالله المالكي المغربي وكان فقيها صالحا عن الشيخ أبي سعيد ~~البيرقي وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة عن أستاذه خلف المعلم وكان من ~~فقهاء المالكية أنه قال الأشعري أقام أربعين سنة على الاعتزال ثم أظهر ~~التوبة فرجع عن الفروع وثبت على الأصول قال أبو نصر وهذا كلام خبير بمذهب ~~الأشعري وعودته # قلت وسبب هذا مقدمات هذه الحجة ونحوها حيث لم يبطلها وأبو الحسن الأشعري ~~يذكر أن المعتزلة مع الفلاسفة كذلك كما ذكره في كتاب المقالات فقال الحمد ~~لله الذي نظرنا خطأ المخطئين وعمى العمين وحيرة الحائرين الذين نفوا صفات ~~رب العالمين وقالوا إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لا صفات له وأنه لا علم ~~له ولا قدرة ولا حياة له ولا سمع له ولا بصر له عزة له ولا جلالة له ولا ~~عظمة له ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر صفات الله تعالى التي وصف بها ~~نفسه قال وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم ~~صانعا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا قديم وعبروا عنه ~~بأن قالوا عين لم تزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم ~~من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة ~~تظهره فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ~~ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره ms210 من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف ~~السيف يمنعهم من إظهار ذلك وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الأيادي ~~PageV01P258 كان ينتحل قولهم فزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير في ~~المجاز لا في الحقيقة ومنهم رجل يعرف بعباد بن سليمان يزعم أن الباري ليس ~~بعالم قادر سميع بصير حليم خليل في حقيقة القياس وكذلك ذكره في الإبانة # وأما الفرقة الرابعة وهي الباطنية فلم يذكر لهم مقالة بعضها يرد وذلك ~~لأنه منهم فإنه يرى أن ظواهر الشريعة في وصف الله تعالى واليوم الآخر له ~~باطن يخالف ظاهره وأن فرض الجمهور اعتقاد ظاهره ومن تأوله فقد كفر وفرض ~~الذين سماهم أهل البرهان اعتقاد باطنه ووجوب تأويله ومن لم يتأوله فقد كفر ~~لكن قد ذكر عن الصوفية أنهم يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات ~~شيء يلقى في النفس عند تجردها عن العوارض الشهوانية ولم يرض هذه الطريقة بل ~~ذكر أن إماتة الشهوات شرط في صحة النظر لا أنها تفيد المعرفة بذاتها وقد ~~ذكر مثل هذا عن طائفة من الصوفية أنهم يرون في المعاد رأي الفلاسفة ~~المشائين فتكون الصوفية معدودين عنده من الباطنية وإن كان اسم الباطنية ~~يتناولهم عنده ويتناول الفلاسفة المشائين # وحقيقة الأمر أن اسم الباطنية قد يقال في كلام الناس على صنفين أحدهما من ~~يقول إن للكتاب والسنة باطنا يخالف ظاهرها فهؤلاء هم المشهورون عند الناس ~~باسم الباطنية من القرامطة وسائر أنواع الملاحدة وهم الذين عناهم هذا ~~الفيلسوف # وهؤلاء في الأصل قسمان قسم يرون ذلك في الأعمال الظاهرة حتى في الصلاة ~~والصوم والحج والزكاة وتحريم المحرمات من الفواحش والظلم والشرك ونحو ذلك ~~فيرون أن الخطاب المبين لوجوب هذه الواجبات PageV01P259 وتحريم المحرمات ~~ليس هو على ظاهره المعروف عند الجمهور ولكن لذلك أسرار وبواطن يعرفونها كما ~~يقولون الصلاة معرفة أسرارنا والصوم كتمان أسرارنا والحج الزيارة إلى ~~شيوخنا المقدسين فهؤلاء زنادقة منافقون باتفاق سلف أئمة الإسلام ولا يخفى ~~نفاقهم على من له بالإسلام أدنى معرفة ثم خواصهم لا يقولون برفع هذه ~~الظواهر عن ms211 الجمهور بل يقولون برفعها عن الخاصة كما يقولون في الأمور ~~العملية فإن من دفع أن يكون الخطاب العلمي مرادا به هذه الأعمال فهو للخطاب ~~العملي أعظم دفعا وهذا الصنف يقع في القرامطة المظهرين للرفض ويقع في ~~زنادقة الصوفية من الاتحادية الحلولية ويقع في غالية المتكلمة لكن هؤلاء قد ~~يدعون تخصيص الخطاب العام الموجب للصلاة والزكاة والصيام والحج وإن كان ذلك ~~كذبا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام أنه باطل لا يدعون رفع حكم الخطاب ~~مطلقا وأما عقلاء هذه الطائفة الباطنية مثل ابن رشد هذا وأمثاله فإنهم ~~يقولون بالباطن المخالف للظاهر في العلميات وأما العمليات فيقرونها على ~~ظاهرها وهذا قول عقلاء الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام مع أنهم في التزام ~~الأعمال الشرعية مضطربون لما في قلوبهم من المرض والنفاق وتارة يرون سقوطها ~~عنهم أو عن بعضهم دون العامة وابن سينا كان مضطربا في ذلك لكن له عهد قد ~~التزم فيه موافقة الشريعة وهم في الجملة يرون موافقة الشريعة العملية أولى ~~من مخالفتها وليس هذا موضع تفصيل مقالات الناس ولا يكاد تفصيل الباطل ينضبط # وأما القسم الثاني فالذين يتكلمون في الأمور الباطنة من الأعمال والعلوم ~~لكن مع قولهم إنها توافق الظاهر ومع اتفاقهم على أن من ادعى باطنا يخالف ~~الظاهر فهو منافق زنديق فهؤلاء هم المشهورون بالتصوف عند الأمة وهم في ما ~~يتكلمون فيه من الأعمال الباطنة وعلم الباطن يستدلون على ذلك بالأدلة ~~PageV01P260 الشرعية من الكتاب والسنة كما يستدل بذلك على الأعمال الظاهرة ~~وذلك في علم الدين والإسلام كما للإنسان بدن وقلب وهؤلاء من أعظم الناس ~~إنكارا على من يخالف الظاهر ممن فيه نوع تجهم دع الباطنية الدهرية وهم أشد ~~إيمانا بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا من غيرهم وأشد ~~تعظيما للأعمال الظاهرة مع الباطنة من غيرهم # ولكن يوجد فيهم من جنس ما يوجد في بقية الطوائف من البدعة والنفاق مثل من ~~قد يرى الاستغناء بالعمل الباطن عن الظاهر ومن يدعي أن للقرآن باطنا يخالف ~~ظاهره ونحو ذلك من صنوف ms212 المنافقين والزنادقة فهؤلاء بالنسبة إلى الصوفية ~~الذين هم مشائخ الطريقة الذين لهم في الأمة لسان صدق بالنسبة إلى المنافقين ~~الزنلدقة ومن متكلمي الفلسفة ونحوهم موجودين في الفقهاء بالنسبة إلى ~~الفقهاء الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق فكما أن أولئك الأئمة الفقهاء ~~برءاء من بدع أهل الكلام فضلا عن بدع الفلاسفة من الباطنية ونحوهم فكذلك ~~المشائخ الصوفية برآء من بدع أهل التصوف فضلا عن من دخل فيهم من المتفلسفة ~~وغيرهم فهذا أصل عظيم ينبغي معرفته # واعتبر ذلك بما ثبت مقبولا من أئمة المشائخ كالفضيل بن عياض وأبي سليمان ~~الداراني ومعروف الكرحي والسري السقطي والجنيد بن محمد وسهل ابن عبدالله ~~التستري وعمرة وبن عثمان المكي وخلائق قبل هؤلاء من الصحابة PageV01P261 ~~والتابعين ومن بعدهم من الذين ذكرهم أبو نعيم الأصبهاني في كتاب حلية ~~الأولياء وذكرهم أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه صفوة الصفوة من المتقدمين ~~والمتأخرين # فإن المصنفات في أخبار الزهاد ثلاثة أقسام # قسم جرد النقل لأخبار القرون المفضلة من الصحابة والتابعين ونحوهم كما ~~ذكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله في كتابه المشهور في الزهد فإنه صنفه على ~~الأسماء وذكر فيه زهد الأنبياء والصحابة والتابعين وإن كان آخرون من ~~المصنفين في الزهد كعبدالله بن المبارك وهناد بن السري صنفوا ذلك على ~~الأبواب # وقسم ذكروا أخبار الزهاد المتأخرين من حين حدث اسم التصوف كما فعل أبو ~~عبدالرحمن السلمي في كتابه في طبقات الصوفية وكما فعل أبو القاسم القشيري ~~في رسالته وابن خميس في مناقب الأبرار ونحو هؤلاء PageV01P262 # وقسم ذكروا المتقدمين والمتأخرين كما فعل الحافظ أبو نعيم الأصبهاني وأبو ~~الفرج ابن الجوزي وغيرهما # وهؤلاء المشائخ الموجودون في هذه الكتب ليس فيهم من هو معروف بإعتقاد ~~مذهب الباطنية المخالف للظاهر بل لهم من الكلام في نقيض ذلك بل في رد البدع ~~الصغار وحفظ الشريعة باطنا وظاهرا من الكلام والقوة في ذلك والموالاة عليه ~~والمعاداة عليه مالا يوجد كثير منه للكثير من أئمة الفقهاء وحذاق الشيوخ ~~أكثر عناية بالرد على الجهمية من كثير من حذاق الفقهاء ms213 لا سيما الكاملين في ~~التصوف منهم وهم أهل الحديث كما كانوا يوصون الإنسان أن يكتب الحديث وإن ~~تصوف فإن هؤلاء من أعظم الناس رعاية لما جاءت به الشريعة من الأقوال ~~والأعمال ومحافظة على ما دل عليه ظاهرها مع تحقيق باطنها فيجمعون بين ~~الظاهر والباطن # وأما ما حكاه عنهم حيث قال وأما الصوفية فطرقهم في النظر ليست طريقة ~~نظرية أعني من مقدمات وأقيسة وإنما يزعمون المعرفة بالله وبغيره من ~~الموجودات بشيء يلقي في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية وإقبالها ~~بالقلوب على المطلوب # فيقال هذه الأشياء إنما أخذها هذا من كلام أبي حامد فإنه كثيرا ما يذكر ~~في كتبه أن الطريق إلى المعرفة هي هذا وهو يذكر ذلك في الكتب التي يذكر ~~فيها المشائخ الصوفية كالإحياء وغيره ويذكر بعض ما في PageV01P263 النصوص ~~والآثار وكلام المشائخ الصوفية من الدلالة على تأثير العمل الصالح في حصول ~~العلم فظن هذا وأمثاله أن هذا مذهب الصوفية كما حكاه وليس الأمر على ما ~~قالوه بل مشائخ الصوفية الذين لهم في الأمة لسان صدق متفقون على وجوب تعلم ~~العلم الشرعي وتدبر كتاب الله والنظر فيما ذكره فيه من الآيات والأمثال ~~المضروبة ومتفقون أيضا على النظر والاعتبار بما في المخلوقات من الآيات بل ~~هم أعظم تجردا لكثير من النظر والاعتبار في الآيات المسموعة والآيات ~~المشهودة من كثير من أهل الكلام والفقه وحالهم في ذلك أشهر عند من يعرفه من ~~أن يحتاج إلى بسط # وأما أنهم يقولون إن مجرد ترك الشهوات والتجرد المحض يوجب معرفة ما جاءت ~~به الرسل من غير نظر في ذلك وتدبر فهذا ليس طريق القوم الذين لهم في الأمة ~~لسان صدق ولهذا وصيتهم بالعلم الشرعي والمحافظة عليه في الأصول الخبرية وفي ~~الأعمال أعظم من أن يذكر هنا نعم فيهم ممن قد تجرد لبعض العبادات كالذكر ~~ويوصون بذلك في الابتداء ليصفى به القلب ويثبت على الإسمان وينقطع عن ~~الالتفاف إلى غير الله فليس ذلك مجرد ترك الشهوات بل نفس الذكر لله تعالى ~~والاستحضار هو الذي يرقي ms214 النفس ويصلح القلب وينوره ويقويه ويثبته وإنما ترك ~~الشهوات معين على ذلك أو شرط فيه لا أنها هي كل الطريق إذ الأمور العدمية ~~لا تحصل بنفسها أمورا وجودية ولكن قد تكون شرطا في الأمور الوجودية # وأيضا فهم وغيرهم من أهل الكلام والفقه والحديث يقولون إن المعارف التي ~~يزعم النظار أنها لا تحصل إلا بالقياس قد تحصل بالفطرة البديهية الضرورية ~~عند ترك النفس هواها وتوجهها إلى طلب الحق وهذا والله أعلم هو أصل المعنى ~~الذي قال عنهم لأجله ما قال ولكن هذا ليس كلام الصوفية وحدهم بل حذاق ~~PageV01P264 المتكلمين يوافقونهم على هذا حتى أبو عبدالله الرازي ونحوه ~~فإنه قال في مسألة وجوب النظر لما ذكر أن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر فطالب ~~المعارض بالدليل فقال من جهة نفسه الطريق إلى تحصيل العلم بالأشياء إما ~~الحس أو الخبر أو النظر والأولان لا يكونان طريقين فتعين النظر وقال من جهة ~~المعترض لا نسلم أن طريق تحصيل هذه المعارف هذه الطرق الثلاث فما الدليل ~~عليه ثم إنا نبين ها هنا طريقا آخر وهو تصفية النفس عن العلائق الجسدانية ~~والهيئات البدنية فإنها متى خلت عن هذه الأمور حصلت لها عقائد يقينية وهذا ~~هو طريق الصوفية وأصحاب الرياضة فإنهم جازمون بما هم عليه من العقائد في ~~المعارف الإلهية وأما أصحاب النظر فقل ما يحصل لهم مثل هذا الجزم وإذا كان ~~كذلك فالرياضة إن لم تتعين طريقا إلى معرفة الله تعالى فلا أقل من أن تكون ~~من جملة الطرق المفيدة لمعرفة الله فإذا كان كذلك بطل ما ذكرتموه من الحجة ~~وقال في جواب هذا قوله لم لا يجوز أن تكون التصفية طريقا إلى اكتساب ~~المعارف قلنا العقائد الحاصلة عن التصفية إما أن تكون ضرورية فلا يخلو إما ~~أن تكون تلك العقائد بحال يلزم من زوالها شيء من العلوم النظرية أو لا يلزم ~~فان لزم فتلك العلوم إنما حصلت مرتبة على تلك العلوم الضرورية ولا معنى ~~للعلم النظري إلا ذلك وإن لم يلزم فتلك العقائد ليست إلا عقائد ms215 تقليدية ولا ~~عبرة حينئذ بذلك فإن أمثال تلك العقائد قد تحصل لأصحاب الرياضة من المبطلين ~~نحو اليهود والنصارى والدهرية # قلت وقد رأيت بخط القاضي أبي البيان أحمد بن محمد بن خلف المقدسي حكاية ~~مضمونها أن الشيخ أحمد الخيوقي المعروف بالكبدي أخبره أنه دخل PageV01P265 ~~عليه إمامان من أئمة الكلام أحدهما أبو عبدالله الرازي والآخر من شيوخ ~~المعتزلة الذين بتلك البلاد بلاد خراسان وخوارزم فقالا لي قال يا شيخ بلغنا ~~أنك تعلم علم اليقين فقلت لهم نعم فقالا كيف تعلم علم اليقين ونحن نتناظر ~~من وقت كذا إلى كذا كلما أقام دليلا أظنه قال على صحة الإسلام أفسدته وكلما ~~أقمت دليلا أفسده وقمنا ولم يقدر واحد منا يقيم دليلا على الآخر فقال فقلت ~~ما أدري ما تقولان أنا أعلم علم اليقين فقالا فصف لنا علم اليقين قال فقلت ~~هو واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها وهذا الجواب مناسب لما ~~يعلمانه من حد العلم الضروري فإن العلم الضروري هو الذي يلزم نفس المخلوق ~~لزوما لا يمكنه الانفكاك عنه فبين أن اليقين الذي يحصل لنا أمر نضطر إليه ~~يرد على قلوبنا لا نقدر على دفعه قال فقالا له كيف الطريق إلى هذه الواردات ~~فدلهما على طريقة وهي الإعراض عن الشواغل الدنيوية والإقبال على ما يؤمر به ~~من العبادات والزهد قال فقال الرازي أنا لا يمكنني هذا فإن لي تعلقات كثيرة ~~وأما المعتزلي فقال أنا محتاج إلى هذه الواردات فقد أحرقت الشبهات قلبي ~~فأخبره الشيخ بما يعمله من الذكر والخلوة فتعبد مدة فلما خرج من الخلوة قال ~~يا سيدي والله ما الحق إلا ما يقوله هؤلاء المشبهة هذا معنى الحكاية أو نحو ~~ذلك وذلك أن المعتزلة يسمون من أثبت الصفات مشبها وكان يعتقد النفي لا يرى ~~أن الخالق يتوجه إليه القلب إلى جهة فوق ولا نحو ذلك فلما خلا قلبه من تلك ~~العقائد والأهواء التي هي @QB@ الظن وما تهوى الأنفس @QE@ حصل له بالفطرة ~~علوم ضرورية توافق قول المثبتة # ومع هذا فالمشائخ الصوفية العارفون ms216 متفقون على أن ما يحصل بالزهد ~~والعبادة والرياضة والتصفية والخلوة وغير ذلك من المعارف متى خالف الكتاب ~~والسنة أو خالف العقل الصريح فهو باطل ومن زعم من المنتسبين إليهم أنهم ~~يجدون PageV01P266 في الكشف ما يناقض صريح العقل أو أن أحدهم يرد عليه أمر ~~يخالف الكتاب والسنة بحيث يكون خارجا عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأمره أو أنه يحصل له علم مفصل بجميع ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأمر به فهو عندهم ضال مبطل بل زنديق منافق لا يجوزون قط طريقا يستغنى به ~~عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به الرسول ويأمر به فضلا عن ~~أن يسوغ له مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في أمره وخبره وقد بسطنا هذا ~~في غير هذا الموضع ولو جاز ذلك لأحد لكان مثل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ولم يكن محتاجا إلى متابعته في خبره وأمره وهذه حال الذين @QB@ وإذا جاءتهم ~~آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة @QE@ # ولكن هؤلاء الضالون المنافقون منهم المسوغون للاستغناء عن الرسول بكشفهم ~~أو مشاهدتهم أو لمخالفته بخاصة انفردوا بها عن جميع المؤمنين هم في ذلك ~~بمنزلة كثير من أهل الكلام الظانين أنهم يصلون بالأدلة العقلية إلى ما ~~يستغنون به عن الرسول وأنهم يدركون بمقاييسهم العقلية نقيض ما أخبر به ~~الرسول وهذه الزندقة والنفاق في الطائفتين هي من حال المتفلسفة والباطنية ~~ونحو هذه الأصناف المعروفين بالنفاق # وأما قوله ومن هذه الجهة دعا الشرع إلى هذه الطريقة وحث عليها في جملة ما ~~حث أعني على العمل لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم بل إن كانت نافعة في ~~النظرية فعلى الوجه الذي قلنا PageV01P267 # فيقال الشارع لم يأمر بالأعمال لمجرد كونها معينة للنظر على حصول العلم ~~بل هذا إنما يظنه هؤلاء المتفلسفة ونحوهم من المبطلين الذين يظنون أن غاية ~~الكمال الإنساني المطلوب هو أن يكون الإنسان عالما وهذا في ms217 الجهل كما قد ~~بسطناه في غير هذا الموضع بل مقدمهم الجهم بن صفوان لما ادعى أن المعرفة في ~~القلوب تنفع وإن لم يكن معها عمل أطلق غير واحد من الأئمة كوكيع بن الجراح ~~وغيره تكفير من يقول ذلك فكيف بمن يقول إنها المقصودة فقط وما سواها وسيلة ~~هذا لعمري لو كان مقصودهم المعرفة التي دلت عليها الرسل فكيف وهم يعنون ~~بالمعرفة عقائد أكثرها باطلة مناقضة للشرع والعقل بل كل واحد من علم القلب ~~وعمله الذي أصله محبة القلب هو أمر مأمور به مقصود للشارع فالعلم بمنزلة ~~السبب والأصل يوجب المحبة والإرادة وطلب المحبوب المعبود ثم كلما ازداد ~~العبد معرفة ازداد محبة وكلما ازداد محبة ازداد عبادة والمطلوب المقصود ~~الذي هو الغاية هو الله سبحانه وأن يكون العبد عابدا له قال تعالى @QB@ وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ وليست عبادته مجرد الأعمال البدنية بل ~~أصل العبادة معرفته وكمال محبته وكمال تعظيمه وهذه الأمور تصحبه في الدار ~~الآخرة فكل من النظر والعمل مأمور به مقصود للشارع وكل منهما معين للآخر ~~وشرط في حصول المقصود بالآخر فإن الناظر مع سوء قصده وهواه لا يحصل له ~~المطلوب لا من العلم ولا من العمل والعابد مع فساد نظره لا يحصل له المقصود ~~لا من العلم ولا من العمل بل كلاهما واجب لنفسه وشرط للآخر فلا بد من سلوك ~~الطريقين معا ليس ذلك في وقت واحد ولا بد أن يكون ذلك جميعه موافقا لما ~~أخبر به الرسول ولما أمر به فإذا حصل هذا وهذا كان العبد من الذين هم على ~~هدى من ربهم الذين هم PageV01P268 المفلحون وإلا كان من المغضوب عليهم أو ~~الضالين مثل من اقتصر على النظر دون العمل أو على العمل دون النظر أو ~~جمعهما وأعرض عن كون نظره وعمله على الوجه المشروع المأمور به فكيف بمن كان ~~له نظر مجرد غير شرعي كحال كثير من المتفلسفة والمتصوفة فهذا هذا والله ~~أعلم # ولا ريب أن من أشهر مشائخ الصوفية وأعظمهم عندهم وعند العامة في ms218 عصر أبي ~~المعالي الجويني هو شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري وأحوالهم سعد بن علي ~~الزنجاني وأمثالهما فالينظر ما ذكر هؤلاء في مصنفاتهم ولهذا كانت هذه الحجة ~~التي جعلها المتكلمون الجهمية الدين وهي حجة الأعراض مستلزمة في الحقيقة ~~لحدوث الرب وتعطيله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وكان في ~~المعتزلة أخذها من أخذها من الأشعرية وكان بينها وبين مذهب الدهرية من ~~الملازمة ما تؤل إليه كما نبهنا عليه تكلم الناس بذلك حتى قال شيخ الإسلام ~~أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري في كتابه المشهور في ذم الكلام وأهله ~~ولما نظر المبرزون من علماء الأمة وأهل الفهم من أهل السنة طوايا كلام ~~الجهمية وما ادعته من أمور الفلاسفة ولم يقف فيها PageV01P269 إلا على ~~التعطيل البحت وإن قطب مذهبهم ومنتهى عقدتهم ما صرحت به رؤوس الزنادقة ~~قبلهم إن الفلك دوار والسماء خالية وأن قولهم إنه تعالى في كل موضع وفي كل ~~شيء ما استثنوا جوف كلب ولا جوف خنزير ولا حشا فرارا من الإثبات وذهابا عن ~~التحقيق فإن قولهم سميع بلا سمع بصير بلا بصر عليم بلا علم قادر بلا قدرة ~~إله بلا نفس ولا شخص ولا صورة ثم قالوا لا صورة له ثم قالوا لا شيء فإنه لو ~~كان شيئا لا أشبه الأشياء حاولوا حول مقال رؤوس الزنادقة القدماء إذ قالوا ~~الباري لا صفة ولا لا صفة خفوا على قلوب ضعفى المسلمين وأهل الغفلة وقلة ~~الفهم منهم إذ كان ظاهر تعلقهم القرآن وإن كان اعتصاما به من السيف ~~واجتنابا به منهم وإذ هم يوردون التوحيد ويخادعون المسلمين ويحملون ~~الطيالسة فافتضحوا بمعايبهم وصاحوا بسوء ضمائرهم ونادوا على خبايا نكتهم ~~فيا طول ما لقوا في أيامهم من سيوف الخلفاء وألسن العلماء وهجران الدهماء ~~فقد شحنت كتاب تكفير الجهمية من مقالات علماء المسلمين فيهم ودأب الخلفاء ~~فيهم ودق عامة أهل السنة عليهم وإجماع المسلمين على إخراجهم من الملة فعلت ~~عليهم الوحشة وطالت عليهم الذلة وأعيتهم الحيلة إلا أن يظهروا الخلاف ~~لأوليهم والرد عليهم ويصبغوا ms219 كلامهم صبغا تكون ألوح للأفهام وأنجع في ~~العوام من أساس أوليهم تحدوا بذلك المساغ ليتخلصوا من خزي الشناعة فجاءت ~~بمخاريق ترائا للعين بغير ما في الحشايا ينظر الناظر الفهم في جذرها فيرى ~~مخ الفلسفة يكسى لحاء السنة وعقد الجهمية تنحل ألقاب الحكمة PageV01P270 ~~يردون على اليهود قولهم @QB@ يد الله مغلولة @QE@ فينكرون الغل وينكرون ~~اليد فيكونون أسوء حالا من اليهود لأن الله تعالى أثبت الصفة ونفى النعت ~~واليهود أثبتت الصفة والنعت وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا النعت # ويردون على النصارى في مقالهم في عيسى وأمه فيقولون لا يكون في المخلوق ~~إلا المخلوق فيبطلون القرآن فلا يخفى على ذوي الألباب أن كلام أولهم وكلام ~~آخرهم كخيط السبحانة فاسمعوا الآن يا ذوي الألباب وانظروا ما فضل هؤلاء على ~~أولئك قالوا قبح الله مقالتهم أن الله موجود بكل مكان وهؤلاء يقولون ليس هو ~~في مكان ولا يوصف بأين وقد قال المبلغ عن الله لجارية معاوية ابن الحكم رضي ~~الله عنه أين الله وقالوا هو من فوق كما هو من تحت لا يدرى أين هو ولا يوصف ~~بمكان وليس هو في السماء وليس هو في الأرض وأنكروا الجهة والحيز وقال أولئك ~~ليس له كلام إنما خلق كلاما وهؤلاء يقولون تكلم مرة فهو متكلم به منذ تكلم ~~لم ينقطع الكلام ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به ثم يقولون ليس هو في ~~مكان # ثم قالوا ليس له صوت ولا حرف وقالوا هذا ثاج وورق وهذا صوف وخشب وهذا ~~إنما قصد به النفس وأريد به النفس وهذا صوت القاري أما ترى منه حسا وغير حس ~~وهذا لفظه أو ما نراه مجازا به حتى قال رأس رؤوسهم أو يكون قرانا من لبد ~~وقال آخر من خشب فراوغوا فقالوا هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تعالى ~~تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك ثم قالوا غير مخلوق PageV01P271 ومن قال مخلوق ~~كافر وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة وإنما اعتقادهم القرآن ~~غير موجود لفظية الجهمية الذكور بمرة ms220 والأشعرية الإناث بعشرة مرات # وأولئك قالوا لا صفة وهؤلاء يقولون وجه يقال وجه النهار ووجه الأمر ووجه ~~الحديث وعين لعين المتاع وسمع كأذن الجدار وبصر كما يقال جداراهما يتراءيان ~~ويد ليد المنة والعطية والأصابع كما يقال خراسان هي أصبعي الأمير والقدمين ~~كقولهم جعلت الخصومة تحت قدمي والقبضة كما قيل فلان في قبضتي أنا مالك أمره ~~وقال الكرسي القلم والعرش الملك والضحك الرضا والاستواء الاستيلاء والنزول ~~القرب والهرولة مثله فشبهوا من وجه وأنكروا من وجه وخالفوا السلف وتعدوا ~~الظاهر وردوا الأصل ولم يثبتوا شيئا ولم يبقوا موجودا # ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالألسنة فقالوا لا نفسرها نجريها عربية ~~كما وردت وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة أرادوا بهذه المخرقة أن يكون ~~عوام المسلمين أبعد عيابا عنها وأعيا ذهابا منها ليكونوا أوحش عند ذكرها ~~وأشمش عند سماعها وكذبوا بل التفسير أن يقال وجه ثم لا يقال كيف وليس كيف ~~في هذا الباب من مقال المسلمين فأما العبارة فقد قال الله @QB@ وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة @QE@ وإنما قالوها بالعبرانية وكان يكتب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كتبا بالعربية فيها أسماء الله وصفاته فيعبر بالألسنة ~~عنها ويكتب إليه بالسريانية فيعبره له زيد بن ثابت رضي الله عنه بالعربية ~~والله تعالى يدعي بكل لسان باسمه فيجيب ويحلف بها فيلزم وينشد فيجاز ويوصف ~~فيعرف PageV01P272 # ثم قالوا ليس ذات الرسول بحجة وقالوا ما هو بعد ما مات بمبلغ فلا تلزم به ~~الحجة فسقط من أقاويلهم على ثلاثة أشياء أنه ليس في السماء رب ولا في ~~الروضة رسول ولا في الأرض كتاب كما سمعت يحيى بن عمار رحمه الله يحكم به ~~عليهم وإن كانوا موهوها ووروا عنها أو استوحشوا من تصريحها فإن حقائقها ~~لازمة لهم وأبطلوا التقليد فكفروا آباءهم وأمهاتهم وأزواجهم وعوام المسلمين ~~وأوجبوا النظر في الكلام واضطروا إليه الدين بزعمهم فكفروا السلف وسموا ~~الأثبات تشبيها فعابوا القرآن وضللوا الرسول صلى الله عليه وسلم فلا تكاد ~~ترى منهم رجلا ورعا ولا للشريعة معظما ولا للقرآن محترما ولا للحديث ms221 موقرا ~~سلبوا التقوى ورقة القلب وبركة التعبد ووقار الخشوع واستفضلوا الرسول ~~بالنظر فلا هو طالب ثاره ولا متتبع أخباره ولا متأصل عن سنته ولا هو راغب ~~في أسوته يتقلد مرتبة العلم وما عرف حديثا واحدا تراه يهزأ بالدين ويضرب له ~~الأمثال ويلعب بأهل السنة ويخرجهم أصلا من العلم لا تنفذلهم عن بطانة إلا ~~خانتك ولا عن عقيدة إلا رابتك لبسوا ظلة الهوى وسلبوا هيبة الهدى فتنبو ~~عنهم الأعين وتشمئز منهم القلوب # وقد ذكر قبل ذلك باب تعظيم من سن سنة سيئة أو دعا إليها وذكر الأحاديث في ~~هذا الباب ثم ذكر حديثا رواه من حديث عثمان بن سعيد حدثنا يحيى بن الحماني ~~حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح حدثني أبو صخر حميد بن زياد أن نافعا ~~أخبره عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيكون في ~~أمتى مسخ وذلك في قدرية وزندقية قال فلم يكن بد أن PageV01P273 يكون ما قال ~~هو كائن كائنا فلم يظهر شيء من ذلك حتى قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~ظلما وهي إحدى مصيبتي هذه الأمة اللتين لا ثالث لهما توازنهما التي ثانيتها ~~فتنة الدجال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي في الحديث أنه من ~~نجا من ثلاث موتي وقتل خليفة مضطهد بغير حق والدجال فلما قتل ذو النورين ~~كرم الله وجهه ورضي عنه بين ظهراني المسلمين في الشهر الحرام وفي حرم ~~الرسول عليه السلام بأعين المسلمين وانشقت العصا وتفرقت الجماعة تشامست ~~الأعين وتجادلت الأنفس واختلفت الآراء وتباعدت القلوب وساءت الظنون واشتعلت ~~الريب واستقرت التهم وجدت كل فتنة فرصتها فلفضت غصتها واشتغل الرعآء وأسلم ~~النشا وتزاحف أئمة الهدى رغبة في زهرة الدنيا فأخذت الغواة أزمة الضلالة ~~فتهوشت لها قلوب أهل الغفلة ممن أظهر في المسلمين من زيغ الدين الكلام في ~~التوحيد تكلفا وهي الزندقة الأولى وهي ثلاث قواعد نجم بعضها على إثر بعض ~~الأولى منها القول بالقدر وهي فتنة البصرة ثم نصب السلف وهي فتنة ms222 الكوفة ثم ~~إنكار الكلام لله وهي فتنة المشرق # وأما فتنة القدر فأول من تكلم بها معبد الجهني رجل من البصرة وكان عنده ~~حظ من العلم يقال له معبد بن خالد ويقال معبد بن عبدالله ابن عويمر مات بعد ~~الهزيمة وكان يومئذ مع الأشعث وأصابته جراحة وهو أول من تكلم بالقدر وهو ~~الذي تبرأ منه عبدالله بن عمر بن الخطاب فتكلم عليه عمرو بن عبيد وجادل به ~~غيلان وغيلان هو ابن أبي غيلان PageV01P274 أبو مروان من موالي عثمان بن ~~عفان وكان عنده حظ من العلم تكلم به أمام عبدالملك بن مروان واستتابه عمر ~~بن عبدالعزيز ثم ظهر منه تكذيب التوبة وصلب على باب الشام بأخزى حالة لقيها ~~بشر قصته قد تقصيتها في كتاب تكفير الجهمية # وأما عمرو بن عبيد وهو عمرو بن عبيد بن كيسان بن ثابت مولى بني تيم ~~البصري مات سنة ثلاث وأربعين ومائة ومات في طريق مكة فإنه أول من بسط لسانه ~~وأصبح رأسه ونظم له كلاما ونصبه إماما ودعا إليه ودل عليه فصار مذهبا يسلك ~~وهو امام الكلام وداعية الزندقة الأول ورأس المعتزلة سمي به لاعتزال حلقة ~~الحسن البصري وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي وإمام أهل ~~الرأي النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة وحذر منه إمام أهل المشرق عبدالله ~~بن المبارك الحنظلي وقد قدمنا أسانيد تلك الأقوال فسلط الله عليه وعلى من ~~استتبع واخترع سيفا من سيوف الإسلام وهو أبو بكر أيوب بن أبي تميمة ~~السختياني واسم أبيه كيسان من أهل البصرة فهتك أستاره وأظهر عواره ووسمه ~~باللعنة وألحق به بلاء تلك الفتنة وهو الذي يقول قتيبة بن سعيد إذا رأيت ~~الرجل من أهل البصرة يحب أيوب فاعلم أنه على الطريق وقال رجل لأحمد بن حنبل ~~من السني قال من أين أنت قال من أهل البصرة قال أتحب أيوب السختياني قال ~~نعم قال سني قلت هذه قصة أهل البصرة # وأما قصة غيلان فظهرت بليته بالشام وافتتن بها ثور بن يزيد ومكحول الفقيه ms223 ~~وجماعة من أهل العلم بتلك الناحية فسلط الله عز وجل عليهم ريحانة أهل الشام ~~أبا عمرو عبدالرحمن بن عمر بن محمد الأوزاعي فلحظهم PageV01P275 بالصغار ~~ووضعهم من المقدار وبسط عليهم لسانا أعطي بيانا وظن عليهم ببشارة الوجه ~~وطلاقة اللقاء حتى ذل به الأعزة في سبيل الضلالة وعز به الأذلة في سبيل ~~السنة بحمد الله رب العالمين ومنه # وأما فتنة نصب السلف فإن الكوفة دارها التي خرجتها ثم طار في الآفاق ~~شررها واستطار فيها ضررها وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق وأشربتها قلوب فيها ~~حمق ولها عروق خفية السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها وأربابها أحمق خلق ~~الله تعالى عرضت تساوي بين علي بن أبي طالب وبين أبي بكر وعمر ثم أخذت ~~تفضله عليهما ثم جعلت توليه عليهما وتخاصمهما له وتظلمهما وتوليه حقهما ~~بالقياس العقلي ترفعه ببنت الرسول صلى الله عليه وسلم وسبت الكهول رضي الله ~~عنهما ثم جاءت تعذله بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وتشركه في وحي السماء ثم ~~خطاب جبريل في نزوله فخلت الأمة من النبوة وأحوجتها إلى علي رضي الله عنه ~~ثم ادعت الألوهية ثم ادعتها لولده قال الإمام الشعبي لو كانوا دوابا لكانوا ~~حمرا ولو كانوا طيرا لكانوا رخما فاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب القلوب ~~المريضة فتظاهرت على نصب السلف الصالح الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين ~~وديوان الملة فترى أمثلهم طريقة وأصوبهم وثيقة من يتستر بفضائل علي رضي ~~الله عنه ويربأ به عن منزله الذي أنزله الله تعالى من الشرف ثم روى من طريق ~~أبي العباس بن عقدة حدثني عبدالله بن أحمد بن حنبل قال قرأت على أبي حدثنا ~~أبو الحباب عن عبدالأعلى هو ابن عامر الثعلبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال لا تصلح الصلاة إلا على النبي صلى الله عليه وسلم فلما ~~تعاون أولئك الغواة بتك الضلالة وتعاونت عليها قيض الله لها إماما جعله ~~حساما وهو أبو محمد عبدالله بن إدريس الأودي فصرح PageV01P276 بقدحهم ودفع ~~في نحرهم فنادى على خباياهم وأودى عن ms224 خفاياهم فلم تكابد الأمة من شؤم شيء ~~ما كابدت من شؤم تلك الفتنة لم يكد قلب مسلم يسلم شوب منها إلا من رحم ربك ~~فعصم # وأما فتنة إنكار الكلام لله عز وجل فأول من بدعها جعد بن درهم فلما ظهر ~~جعد قال الزهري وهو أستاذ أئمة الإسلام حينئذ ليس الجعدي من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ورواه بإسناده من طريق ابن أبي حاتم فأخذ منه جهم بن صفوان ~~هذا الكلام فبسطه وطراه ودعا إليه فصار به مذهبا لم يزل هو يدعو إليه ~~الرجال وامرأته زهرة تدعو إليه النساء حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيرا ~~فأما الجعد فكان جذري الأصل فيما أخبرنا وأسنده عن قتيبة بن سعيد ولكن جهم ~~بسط ذلك المذهب وتكلم فيه وهو صاحب ذلك المذهب الخبيث وكانوا حذروه فيما ~~أخبرناه وأسند ذلك من طريق ابن أبي حاتم إلى مقاتل بن حيان قال دخلت على ~~عمر بن عبدالعزيز فقال من أين أنت قلت من أهل بلخ قال كم بينك وبين النهر ~~قلت كذا فرسخا قال هل ظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم قلت لا قال سيظهر ~~من وراء النهر رجل يقال له جهم يهلك خلقا من هذه الأمة يدخله الله وإياهم ~~النار مع الداخلين فأما الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبدالله القسري على ~~رؤوس الخلائق وماله يومئذ نكير وذلك سنة نيف وعشرين ومائة وأما الجهم وكان ~~بمرو فكتب هشام بن عبدالملك إلى واليه على خراسان نصر بن سيار يأمره بقتله ~~فكتب إلى سلم بن أحوز وكان على مرو فضرب عنقه بين نظارة أهل العلم وهم ~~يحمدون ذلك فهذه قصة فتنة أهل المشرق بها بسطت ومهدت ثم سارت في البلاد ~~فقام PageV01P277 لها ابن أبي داود وبشر بن غياث فملآ الدنيا محنة والقلوب ~~فتنة دهرا طويلا فسلط الله تعالى عليهم علما من أعلام الدين أوتي صبرا في ~~قوة اليقين أبا عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني فشد ~~المئزر وأبى الفتنة ms225 وجاد بالدنيا وظن بالدين وأعرض عن الغضاضة على طيب ~~العيش ولم يبال في الله حقه الأقران ونسي قلة الأعوان حتى هد ما شدوا وقد ~~ما مدوا # فأما قول الطائفة التي قالت بالقدر فأرادت منازعته في الربوبية أو وقعت ~~فيها فضاهت المجوس الأولى فهم الزنادقة التي كانت تشوش على الأولين دينهم ~~ولعنهم الله تعالى على لسان سبعين نبيا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنا آخرهم # وأما الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيء فأرادت القدح في الناقل ~~لأن القدح في الناقل إبطال للمنقول فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا وإنما ~~تعلقوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه تسلحا وروى عن أبي ربيع الزهراني قال ~~كان من هؤلاء الجهمية عندنا رجل كان يظهر من ذاته الترفض وانتحال حب علي ~~رضي الله عنه فقال له رجل ممن يخالطه ويعرف مذهبه قد علمت أنكم لا ترجعون ~~إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه فما الذي حدا بكم على الترفض وحب علي قال إذا ~~أصدقك إن أظهرنا الذي نعتقده رمينا بالكفر والزندقة وقد وجدنا أقواما ~~ينتحلون حب علي ويظهرونه ويقعون بمن شاوا فنسبوا بذلك إلى الرفض والتشيع ~~ويقعون ما شاوا ويقولون ما شاوا وقد حبس الخليفة رجلا في الزندقة فدخل عليه ~~رجل فقال له قد كنا نعرفك بسبب الصحابة والرفض PageV01P278 فما خرج بك إلى ~~الزندقة فقال ما بلغماي أو ما جنى علي أبو بكر وعمر لولا بغض صاحبهما قال ~~وقد صدق ما رأيت من رجل يزن بشيء من الرفض إلا كانت تخرج من فيه أشياء لا ~~تشبه كلام المسلمين # وأما الذين قالوا بإنكار كلام الله عز وجل فأرادوا إبطال الكل لأن الله ~~تعالى إذا لم يكن على زعمهم الكاذب متكلما بطل الوحي وارتفع مر والنهي ~~وذهبت الملة عن أن تكون سمعت فلا يكون جبريل عليه السلام سمع ما بلغ ولا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أخذها بعد فيبطل التكلم والسمع والتقليد وتبقى ~~العقول الذي به قاموا وهذا قول عثمان بن سعيد أن جهما إنما بنى ms226 زندقته على ~~نفي الكلام لله عز وجل فهذه القواعد الثلاث أبنية الزندقة الأولى وهم ~~الزنادقة الذكور كما سمعت يحيى بن عمار يقوله وروى بإسناده عن زر بن صالح ~~السدوسي قال قلت لجهم بن صفوان هل نطق الرب قال لا قلت فينطق قال لا قلت ~~فمن يقول @QB@ لمن الملك اليوم @QE@ ومن يرد عليه @QB@ لله الواحد القهار ~~@QE@ فقال لا أدري زادوا في القرآن ونقصوا # ثم قال باب في كلام الأشعري وذكر ما قدمناه عنه وذكر قبل هذا قال سمعت ~~عدنان بن عبدة النميري يقول سمعت أبا عمر البسطامي كان أبو الحسن الأشعري ~~أولا ينتحل الاعتزال ثم رجع فتكلم عليهم وإنما مذهبه التعطيل إلا أنه رجع ~~من التصريح إلى التمويه وقال سمعت أحمد بن أبي نصر يقول رأينا محمد بن ~~الحسين السلمي يلعن الكلابية قال وسمعت عبدالرحمن بن محمد بن الحسن يقول ~~وجدت أبا حامد الإسفرائيني وأبا الطيب الصعلوكي PageV01P279 وأبا بكر ~~القفال المروزي وأبا منصور الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله قال وسمعت ~~عبدالواحد بن ياسين المؤدب أبا جعفر يقول رأيت بابين قلعا من مدرسة أبي ~~الطيب بأمره في شيء شائن حضر أبا بكر بن فورك $ فصل # وأصل هؤلاء المتكلمين من الجهمية المعتزلة ومن وافقهم الذي بنوا عليه هذا ~~هو مسألة الجوهر الفرد فإنهم ظنوا أن القول بإثبات الصانع وبأنه خلق ~~السموات والأرض وبأنه يقيم القيامة ويبعث الناس من القبور لا يتم إلا ~~بإثبات الجوهر الفرد فجعلوه أصلا للإيمان بالله واليوم الآخر أما جمهور ~~المعتزلة ومن وافقهم كأبي المعالي وذويه فيجعلون الإيمان بالله تعالى لا ~~يحصل إلا بذلك وكذلك الإيمان باليوم الآخر إذ كانوا يقولون لا يعرف ذلك إلا ~~بمعرفة حدوث العالم ولا يعرف حدوثه إلا بطريقة الأعراض وطريقة الأعراض ~~مبنية على أن الأجسام لا تخلو منها وهذا لم يمكنهم أن يثبتوه إلا بالأكوان ~~التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون فعلى هذه الطريقة اعتمد أولوهم ~~وآخروهم حتى القائلين بأن الجواهر لا تخلو عن كل جنس من أجناس الأعراض وعن ~~جميع أضداده إن كان ms227 له أضداد وإن كان له ضد واحد لم يخل الجوهر عن أحد ~~الضدين وإن قدر عرض لا جنس له لم يخل الجوهر عن قبول واحد من جنسه إذا لم ~~يمنع مانع من قبوله فإن هذا أبلغ الأقوال وهو قول الأشعري ومن وافقه ~~كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وأبي الحسن بن ~~الزاغوني وغيرهم فإنه لم يمكنهم أن PageV01P280 يثبتوا أن الجسم لا يخلو من ~~الأعراض إلا بالأكوان ثم عند التحقيق لم يمكنهم أن يثبتوا ذلك إلا ~~بالاجتماع والافتراق فإن منهم من يقول السكون أمر عدمي ومنهم من يقول الكون ~~الذي هو الحركة والسكون إنما يلزم إذا كان الجسم في مكان فأما إذا لم يكن ~~في مكان فيجوز خلوه عن الحركة والسكون كما يقوله طوائف كالذين قالوا ذلك من ~~الكرامية فآل الأمر بهذه الطريقة إلى الاجتماع والافتراق وعلى ذلك اعتمد ~~أبو المعالي ومعلوم أن قبول الاجتماع والافتراق لم يمكنهم حتى يثبتوا أن ~~الجسم يقبل الاجتماع والافتراق وذلك مبني على أنه مركب من الأجزاء التي هي ~~الجواهر المنفردة فصار الإقرار بالصانع مبنيا عند هؤلاء المتكلمين على ~~إثبات الجوهر الفرد # ثم الذين ذكروا أن لهم طريقا إلى إثبات الصانع غير هذه كأبي عبدالله ~~الرازي وغيره وهو الذي عليه أبو الحسن الأشعري وغيره من الحذاق قال من قال ~~من هؤلاء إن إثبات المعاد موقوف على ثبوت الجوهر الفرد وهذا قول أبي ~~عبدالله الرازي وغيره وهو مخلص من جعله الأصل في الإيمان بالله فجعله هو ~~الأصل في الإيمان بالمعاد مع كونه يجعله أصلا في نفي الصفات التي ينكرها ~~كما سيأتي بيانه قال في أكبر كتبه الكلامية الذي سماه نهاية العقول في ~~الأصل السابع عشر # اعلم أن معظم الكلام في المعاد إنما يكون مع الفلاسفة ولهم أصول يفرعون ~~شبههم عليها فيجب علينا إيراد تلك الأصول أولا ثم الخوض بعدها في المقصود ~~فلا جرم رتبنا الكلام في هذا الأصل على أقسام ثلاثة القسم الأول في ~~المقدمات وفيه ثمان مسائل المسألة الأولى في الجزء الذي لا ms228 يتجزأ لا شك في ~~أن الأجسام التي شاهدناها قابلة للانقسامات والانقسامات التي يمكن ~~PageV01P281 حصولها فيها إما أن تكون متناهية أولا تكون فيخرج من هذا القسم ~~أقسام أربعة أولها أن تكون الانقسامات حاصلة وتكون متناهية وثانيها أن تكون ~~حاصلة وتكون غير متناهية وثالثها ألا تكون حاصلة ولكن ما يمكن حصوله منها ~~تكون متناهية ورابعها أن تكون حاصلة ولكن ما يمكن حصوله منها تكون غير ~~متناهية والأول مذهب جمهور المتكلمين والثاني هو مذهب النظام والثالث هو ~~مذهب بعض المتأخرين والرابع هو مذهب الفلاسفة فتخلص من هذا أن الخلاف بيننا ~~وبين الفلاسفة في هذه المسألة يقع في مقامين أحدهما أن الجسم مع كونه قابلا ~~للانقسام هل يعقل أن يكون واحدا ثانيهما أنه بتقدير أن يكون واحدا هل يعقل ~~أن يكون قابلا للانقسامات غير المتناهية # وأعجب من هذا أنهم يجعلون إثبات الجوهر الفرد دين المسلمين حتى يعد منكره ~~خارجا عن الدين كما قال أبو المعالي وذووه اتفق المسلمون على أن الأجسام ~~تتناهى في تجزيها وانقسامها حتى تصير أفرادا وكل جزء لا يتجزأ ولا ينقسم ~~وليس له طرف واحد وجزء شائع ولا يتميز وإلى هذا صار المتعمقون في الهندسة ~~وعبروا عن الجزء النقطة فقالوا النقطة شيء لا ينقسم وصار الأكثرون من ~~الفلاسفة إلى أن الأجسام لا تتناهى في تجزيها وانقسامها وإلى هذا صار ~~النظام من أهل الملة ثم اعترفوا بأنه تنتهي قسمتها بالفعل ولا تنتهي قسمتها ~~بالقوة ويعنون بالقوة صلاحية الجزء للانقسام # والعجب أنهم اتفقوا على أن الأجرام متناهية الحدود والأقطار منقطعة ~~الأطراف والأكتاف وكذلك على كل جملة ذات مساحة فإن لها غايات ومنقطعات ~~بالجهات ثم قضوا بأنها تنقسم أجزاء بلا نهاية والجملة المحدودة كيف تنقسم ~~أجزاءا لا تتناهى ولا يحاط بها PageV01P282 # قلت والكلام في ذلك من وجهين # أحدهما أنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول والصحابة والتابعين ~~وأئمة المسلمين لم يبنوا شيئا من أمر الدين على ثبوت الجوهر الفرد ولا ~~انتفائه وليس المراد بذلك أنهم لم ينطقوا بهذا اللفظ فإنه قد تجدد بعدهم ms229 ~~ألفاظ اصطلاحية يعبر بها عما دل عليه كلامهم في الجملة وذلك بمنزلة تنوع ~~اللغات وتركيب الألفاظ المفردات وإنما المقصود أن المعنى الذي يقصده ~~المثبتة والنفاة بلفظ الجوهر الفرد لم يبن عليها أحد من سلف الأمة وأئمتها ~~مسألة واحدة من مسائل الدين ولا ربطوا بذلك حكما علميا ولا عمليا فدعوى ~~المدعى انبناء أصل الإيمان بالله واليوم الآخر على ذلك يضاهي دعوى المدعي ~~أنما بينوه من الإيمان بالله واليوم الآخر ليس هو على ما بينوه بل إما أنهم ~~ما كانوا يعلمون الحق أو يجوزوا الكذب في هذا الباب لمصلحة الجمهور كما ~~يقول نحو ذلك من يقوله من المنافقين من المتفلسفة والقرامطة ونحوهم من ~~الباطنية فإنهم إذا أثبتوا من أصول الدين ما يعلم بالاضطرار أنه ليس من ~~أصول الدين لزم قطعا تغيير الدين وتبديله وبهذا زاد أهل هذا الفن في الدين ~~ونقصوا منه علما وعملا وإذا كان كذلك لم يكن الخوض في هذه المسألة مما يبنى ~~الدين عليه بل مسألة من مسائل الأمور الطبيعية كالقول في غيرها من أحكام ~~الأجسام الكلية # وأيضا فإنه أطبق أئمة الإسلام على ذم من بنى دينه على الكلام في الجواهر ~~والأعراض ثم هؤلاء الذين ادعوا توقف الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر على ~~ثبوته قد شكوا فيه وقد نفوه في آخر عمرهم كإمام المتأخرين من المعتزلة أبي ~~الحسين البصري وإمام المتأخرين من الأشعرية أبي المعالي الجويني وإمام ~~المتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين أبي عبدالله الرازي فإنه في كتابه بعد أن ~~بين توقف المعاد على ثبوته وذكر ذلك غير مرة في أثناء مناظرته للفلاسفة قال ~~في المسألة PageV01P283 لما أورد حجج نفاة الجوهر الفرد فقال وأما ~~المعارضات التي ذكروها واعلم أنا نميل إلى التوقف في هذه المسألة بسبب ~~تعارض الأدلة فإن إمام الحرمين صرح في كتاب التلخيص في أصول الفقه أن هذه ~~المسألة من محارات العقول وأبو الحسين البصري هو أحذق المعتزلة توقف فيها ~~فنحن أيضا نختار التوقف فأي ضلال في الدين وخذلان له أعظم من مثل هذا # الوجه الثاني دعواهم أن ms230 هذا قول المسلمين أو قول جمهور متكلمي المسلمين ~~ومن المعلوم أن هذا إنما قاله أبو الهذيل العلاف ومن اتبعه من متكلمي ~~المعتزلة والذين أخذوا ذلك عنهم # وقد نفى الجوهر الفرد من أئمة المتكلمين من ليسوا دون من أثبته بل الأئمة ~~فيهم أكثر من الأئمة في أولئك فنفاه حسين النجار وأصحابه كأبي عيسى برغوث ~~ونحوه وضرار بن عمرو وأصحابه كحفص الفرد ونحوه ونفاه أيضا هشام بن الحكم ~~وأتباعه وهو المقابل لأبي الهذيل فإنهما متقابلان في النفي والإثبات ونفته ~~الكلابية أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب وذووه ونفاه أيضا طائفة من ~~الكرامية كمحمد بن صابر ونفاه ابن الراوندي وليس نفي هؤلاء موافقة منهم لا ~~للفلاسفة ولا للنظام بل قول النظام ظاهر الفساد وكذلك قول الفلاسفة أيضا ~~وأكثر هؤلاء الذين ذكرناهم من النجارية والضرارية PageV01P284 والكلابية ~~والكرامية وغيرهم لا يقولون في ذلك بقول النظام والفلاسفة ولا يقولون ~~بإثباته وذلك أن دعوى الفلاسفة قبول الأجسام والحركات والأزمنة للانقسام ~~إلى غير نهاية باطل كما ذكره المثبتون وكذلك قول مثبتيه باطل بما ذكره ~~نفاته من أنه لا بد من انقسامه حتى إن أبا المعالي وغيره اعترفوا بأنه غير ~~محسوس ومن تدبر أدلة الفلاسفة القائلين بما لا يتناهى من الانقسام القائلين ~~بوجود الجزء الذي لا يقبل الانقسام وجد أدلة كل واحدة من الطائفتين تبطل ~~الأخرى # والتحقيق أن كلا المذهبين باطل والصواب ما قاله من قاله من الطائفة ~~الثالثة المخالفة للطائفتين أن الأجسام إذا تصغرت أجزاؤها فإنها تستحيل كما ~~هو موجود في أجزاء الماء إذا تصغر فإنه يستحيل هواء أو ترابا فلا يبقى ~~موجود ممتنع عن القسمة كما يقوله المثبتون له فإن هذا باطل بما ذكره النفاة ~~من أنه لا بد أن يتميز جانب له عن جانب ولا يكون قابلا للقسمة إلى غير ~~نهاية فإن هذا أبطل من الأول بل يقبل القسمة إلى حد ثم يستحيل إذا كان ~~صغيرا وليس استحالة الأجسام في صغرها محدودا بحد واحد بل قد يستحيل الصغير ~~وله قدر يقبل نوعا من القسمة وغيره ms231 لا يستحيل حتى يكون أصغر منه وبالجملة ~~فليس في شيء منها قبول القسمة إلى غير نهاية بل هذا إنما يكون في لمقدرات ~~الذهنية فأما وجود مالا يتناهى بين حدين متناهيين فمكابرة وسواء كان بالفعل ~~أو بالقوة ووجود موجود لا يتميز جانب له عن جانب مكابرة بل الأجسام تستحيل ~~مع قبول الانقسام فلا يقبل شيء منها انقساما لا يتناهى كما أنها إذا كثرت ~~وعظمت تنتهي إلى حد تقف عنده ولا تذهب إلى أبعاد لا تتناهى # ولكن بنى هذه الطائفة المشهورة من المتكلمين على مسمى هذا الاسم الهائل ~~الذي هو الجوهر الفرد عندهم وهو عند التحقيق مالا يمكن أحد أن يحضر بجنسه ~~باتفاقهم PageV01P285 وعند المحققين لامس له وما أشبهه بالمعصوم المعلوم ~~الذي ابتدعته القرامطة والمنتظر المعصوم الذي ابتدعته الرافضة والغوث الذي ~~ابتدعته جهال الصوفية هو نظير ما يعظم هنا بل هؤلاء الفلاسفة المشائين ~~وأتباعهم في الجوهر المجرد وهو ما يدعونه في النفوس والعقول من أنها شيء لا ~~داخل العالم ولا خارجه ولا متحرك ولا ساكن ولا متصل بغيره ولا منفصل عنه ~~وأمثال هذه الترهات فقول هؤلاء في إثبات هذا الجوهر المجرد كقول أولئك في ~~الجوهر الفرد ثم إن هؤلاء وهؤلاء يدعون أن هذا هو حقيقة الإنسان هؤلاء ~~يدعون أنه هذا الجوهر المجرد وهؤلاء يقولون إنه جوهر واحد منفرد أو جواهر ~~كل منها يقوم به حياة وعلم وقدرة أو تقوم الأعراض المشروطة بالحياة ببعضها ~~وثبت الحكم للجملة وعلى هذه المقالات يثبتون المعاد $ فصل # ثم قال الرازي العاشر أن معرفة أفعال الله تعالى وصفاته أقرب إلى العقول ~~من معرفة ذات الله تعالى ثم المشبهة وافقونا على أن معرفة أفعال الله تعالى ~~وصفاته على خلاف حكم الحس والخيال PageV01P286 # يقال له إن أردت أن أفعال الله تعالى وصفاته تثبت بلا مثال فهذا حق فإن ~~الله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ~~كما قال تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تضربوا لله ~~الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ms232 @QE@ وذلك أنا لا نعلم الشيء إلا أن ~~ندركه نفسه أو ندرك ما قد يكون مماثلا له أو مشابها له من بعض الوجوه والله ~~يعلم الأشياء كلها ونحن لا نعلم فليس لنا أن نضرب له الأمثال بلا علم # وإن أراد به أن يثبت ما يعلم بالحس أو العقل عدمه فهذا باطل وقد تقدم هذا ~~في أول هذه المقدمة وبينا الفرق بينما يعلم عدمه وبين ما يعلم عدم مثاله ~~كما بينا الفرق بينما يعلم عدمه وبينما لا يعلم وجوده أو كيفيته وهذا الأصل ~~ينبغي استبصاره واستذكاره فإنه بسبب الاشتباه فيه يقع من لبس الحق بالباطل ~~ما الله به عليم # وأيضا فإنه لا اختصاص للحس والخيال بكونهما يثبت على خلاف حكمهما فإنه إن ~~أراد أنها تنافي ما علم بالحس والخيال تنافي معرفة أفعاله لأن الحس والخيال ~~يدرك عدم ذلك فهذا باطل ولو أراد أنه يثبت من أفعاله مالا يعلم نظيره أو ~~مالا يحيط العلم بحقيقته بحس ولا خيال فيقال وماله لا يعلم نظيره بعقل ولا ~~علم ولا قياس فلا فرق بين ثبوتها بهذا الاعتبار على خلاف حكم الحس والخيال ~~أو على خلاف حكم العلم والعقل وهذا الكلام أيضا كلام نافع في هذه المواضع # وليس لأحد أن يفرق بينهما بأن العلم والعقل يدرك من أفعاله مالا يدركه ~~الحس والخيال لوجهين PageV01P287 # أحدهما أنه لا فرق في هذا بين أفعال الله تعالى وصفاته وبين سائر الأشياء ~~فإن الإنسان إذا أحس أمرا أو تخيله حصل له من العلم والعقل بسبب ذلك ما لم ~~يدركه الحس والخيال كما يعقل الأمور العامة الكلية عند إحساس بعض أفرادها ~~بالقياس والاعتبار ولا يجوز أن يقال في جميع المعقولات إنها ثبت على خلاف ~~حكم الحس والخيال وإن أراد أحد بهذا اللفظ هذا المعنى لم يضر ذلك إذ يكون ~~التقدير أن الإنسان ينال بعقله من العلم مالا يناله بحسه وهذا لا نزاع فيه ~~لكن لا يقتضي ذلك تنافي المحسوس والمعقول بل ذلك يوجب تصادقهما وموافقتهما # الوجه الثاني إن الحس يمكنه إدراك كل موجود ms233 فما من شيء من الإدراك إلا ~~ويمكن معرفته بالإحساس الباطن أو الظاهر كما قد نبهنا على ذلك فيما تقدم من ~~هذه الأجوبة بل هذا المنازع وأصحابه قالوا من ذلك ما هو من أبلغ الأمور في ~~مسألة الرؤية وغيرها حيث يجوزون رؤية كل موجود بل يجوزون تعلق الحواس الخمس ~~من السمع والبصر والشم والذوق واللمس بكل موجود فلم يبق عندهم في الموجودات ~~ما يمتنع أن يكون محسوسا فلا يصح أن يقال إنه يدرك بالعقل والعلم ما يمتنع ~~إدراكه بالحس إلا إذا قيد الامتناع بأن يقال مالا يمكننا إحساسه في هذه ~~الحال أو ما تعجز قدرتنا عن إحساسه ونحو ذلك وإلا فإحساسه ممكن والله تعالى ~~قادر عليه ويفعل من ذلك ما يشاء كما يشاء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم # ثم قال أبو عبدالله الرازي أما تقرير هذا المعنى في أفعال الله تعالى ~~فذاك من وجوه # أحدها أن الذي شاهدناه هو تغير الصفات مثل انقلاب الماء والتراب نباتا ~~وانقلاب النبات جزء بدن حيوان فأما حدوث الذوات ابتداء من غير سبق مادة ~~PageV01P288 وطينة فهذا شيء ما شاهدناه البتة ولا يقضي بجوازه وهمنا ~~وخيالنا مع أنا سلمنا أنه هو المحدث للذوات ابتداء من غير سبق مادة وطنية # قلت الكلام على هذا من وجوه # أحدها قوله لم نشاهد إلا تغير الصفات ليس هذا مخاطبة باللغة المعروفة ~~والاصطلاح المشهور بل هذا يفهم قصدا فاسدا لا يقوله أحد وذلك أن الصفة في ~~الاصطلاح المشهور هي عرض يقوم بجوهر قائم بنفسه كقيام اللون والطعم والريح ~~بالجسم فإذا قال القائل لم نشاهد إلا تغير الصفات كان مقتضاه أن الجواهر ~~والأجسام لا تتبدل ولا تستحيل ولا تنقلب وإنما تتغير أعراضها القائمة بها ~~مثل تغير الشمس والقمر والنجوم بحركاتها ومعلوم أن هذا باطل بل نفس الجواهر ~~التي هي أعيان قائمة بنفسها تنقلب وتتبدل وتستحيل كما ذكره من انقلاب الماء ~~والتراب نباتا فلم يكن التغير في مجرد أعراض الماء والتراب وإنما ذلك مثل ~~أن ينقل من موضع إلى موضع أو ms234 يجمع ويفرق أو يسخن ويبرد ونحو ذلك فأما إذا ~~صار الماء والتراب نباتا فقد انقلبت الحقيقة وتبدلت وكذلك إذا صار المني ~~حيوانا والبيضة طيرا وكذلك إذا صار النبات المأكول دما ثم عظما ولحما ~~وعروقا ونحو ذلك فلا يقال في مثل هذا لم نشهد إلا تغير الصفة بل شهدنا تبدل ~~الحقيقة وتغير الأعيان القائمة بنفسها التي هي جواهر بمعنى استحالتها ~~وانتقالها من حقيقة في ذاتها وقدرها ووضعها وسائر الأمور # لكن لم نشهد تكون شيء إلا من شيء فهذا حق كما أخبر الله تعالى به في ~~كتابه العزيز كما قال @QB@ خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من ~~مارج من نار @QE@ وقال @QB@ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ~~@QE@ PageV01P289 وقال تعالى @QB@ وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة @QE@ وقال @QB@ وهو الذي يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به ~~الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون @QE@ وقال ~~@QB@ والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها @QE@ وقال تعالى @QB@ والأرض ~~بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها @QE@ وقال تعالى @QB@ والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل ~~عبد منيب ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل ~~باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج @QE@ ~~وهذا في كتاب الله تعالى كثير يبين خلق الأشياء بعضها من بعض وببعض وفي بعض # ويقررنا أنا نرى ذلك ونشهده كقوله تعالى @QB@ أو لم يروا أنا خلقنا لهم ~~مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ أو لم ير ~~الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ms235 هو خصيم مبين @QE@ وقال تعالى @QB@ يا ~~أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من @QE@ إلى ~~قوله تعالى @QB@ مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت ~~وإلى الأرض كيف سطحت @QE@ الآيات وقال إبراهيم عليه السلام @QB@ رب أرني ~~كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من ~~الطير فصرهن إليك @QE@ الآية PageV01P290 # الوجه الثاني قوله فأما حدوث الذوات ابتداءا من غير سبق مادة ولا طينة ~~فهذا شيء ما شاهدناه البتة # ليست هذه المخلوقات من الماء والطين مثل الصور التي يصورها بنو آدم من ~~المواد مع أن الذات باقية كتصوير الخاتم والدرهم ونحو ذلك من الفضة وتصوير ~~السرير والباب ونحو ذلك من الخشب وتصوير الثوب من الغزل فإن هذه المواضع لم ~~تحدث فيها الذوات وإنما تغيرت صفة الذات وأما الحيوانات والنباتات المشهودة ~~فنفس هذه الذوات شهدنا حدوثها وخلقها لكن خلقت من شيء آخر ليس هو من جنسها ~~ولا من حقيقتها وهذا من أبدع الأمور وأعظمها فلم يكن ما منه خلقت هذه ~~الأمور وإن سماها بعض الناس مادة مثل المواد المعروفة تكون بعينها باقية في ~~الصور وتكون من جنس الصور وإذا كان كذلك فقد شهدنا إبداع هذه الحقائق ~~الموجودة وصفاتها بعد أن لم تكن موجودة كما قال تعالى @QB@ أولا يذكر ~~الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا @QE@ غاية ما في هذا الباب أنا ~~شهدنا خلقها من شيء ليس هو من جنسها ولا من حقيقتها وشهدنا أنها تخلق من ~~أوضع الأشياء وأحقرها وأبعدها عن صفات الكمال كخلق الإنسان من تراب كما قال ~~الشاعر % الذي حارت البرية فيه % حيوان مستحكم من جماد % $ # وهذا الذي شهدنا من أبلغ الإبداع أنه يخلق من الشيء مالا يكون مجانسا له ~~ولا يكون الأصل مشتملا على ما في الفرع من الصفات فهذه الأمور المخلوقة ~~التي لم تكن موجودة في أصلها ولا كامنة فيه هي ms236 مبدعة بعد العدم لا منقولة ~~من وصف إلى وصف ولو كانت منقولة فنفس الصفات القائمة بها مبدعة بعد ~~PageV01P291 العدم فقد شهدنا إبداع الجواهر والأعراض بعد عدمها وهذا كاف في ~~ذلك إذ لا يجب أن نشهد إبداع كل جوهر وعرض بعد العدم بل إذا شهدنا إبداع ما ~~شاء الله من الجواهر والأعراض بعد عدمها كان ذلك محسوسا لنا ثم عقلنا بطريق ~~الاعتبار والقياس ما لم نشهده وهكذا علمنا بجميع الأشياء نحس بعض أفرادها ~~ونقيس ما غاب على ما شهدناه وإلا فلا يمكن أن يعلم الشخص بإحساسه كل شيء # فظهر بذلك أن طريق علمنا بأفعال الله حسا وعقلا مثل طريق علمنا بجميع ~~الأمور وظهر أنما غاب عنا من أفعال الله وعلمناه بعقلنا ليس على خلاف ما ~~أحسسناه وتخيلناه بل هو من جنسه ومشابه له فضلا عن أن يكون مباينا له # ونحن قد بينا فيما تقدم الفرق بينما يعلم عدمه وامتناعه بحس أو عقل وبين ~~مالا يعلم له نظير بحس أو عقل فالأول لا يجوز أن يكون موجودا بخلاف الثاني ~~فإنه يجوز أن يكون موجودا وهذا ينفعنا في ذات الله فإنه @QB@ ليس كمثله شيء ~~@QE@ وأما أفعاله ومخلوقاته ففي الذي أشهدناه عبرة لما لم نشهده والغائب من ~~جنس الشاهد وذلك لأن المماثلة ثابتة في المفعولات كما قال تعالى @QB@ ومن ~~كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون @QE@ فلو لم يكن الغائب من أفعاله تعالى ~~نظيرا للشاهد لم يجز رده ولا يقال إنه على خلاف حكم العقل فالحس والخيال ~~كما في ذاته تعالى فكيف إذا كان الغائب نظير الشاهد حيث أشهدنا إبداع ~~الجواهر وصفاتها بعد عدمها يا سبحان الله أيما أبلغ في عقل الإنسان إبداع ~~الإنسان بعد عدمه أم إبداع طينته التي خلق منها بعد عدمها فإذا كان قد شهد ~~هذا الجوهر العظيم الموصوف بصفات الكمال بعد عدمه أفليس ذلك أعظم من ~~PageV01P292 إبداع تراب أو ماء بعد عدمه والله سبحانه وتعالى لما خلق ~~السموات والأرض خلق آدم آخر المخلوقات كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ومن ~~خلق ms237 آخر المخلوقات لم يمكنه أن يشهد خلق نفسه ولا ما خلق قبله كما قال ~~تعالى @QB@ ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم @QE@ وله فيما ~~شهده في المخلوقات عبرة فيما لم يشهده # الوجه الثالث قوله أما حدوث الذوات ابتداءا فهذا شيء ما شاهدناه البتة ~~ولا يقضي بجوازه وهمنا ولا خيالنا # فيقال له قولك لا يقضي بجوازه وهمنا ولا خيالنا أتريد أن وهمنا وخيالنا ~~يحيل ذلك ويمنعه أو تريد أنه لا يعلم جوازه وأيما أردت فعنه جوابان # أحدهما أن لا نسلم أن وهمنا وخيالنا يحيل ذلك ويمنعه لوجهين أحدهما أن ~~الوهم والخيال لا يمنع كل ما لم يعلم نظيره وإن قيل إنه لا يدركه إلا أن ~~يريد الوهم والخيال الفاسد فهذا لا نزاع فيه الثاني إن الوهم والخيال قد ~~أدرك نظير هذا كما قدمناه من تخيل ما أحسه من إبداع الجواهر وأعراضها بعد ~~عدمها # الجواب الثاني عن التقدير الأول أنا لو سلمنا أن وهمنا وخيالنا يحيل ذلك ~~فليس محذورا إذا علمنا جوازه بعقلنا أو حسنا فإن أحدا لم يقل إن كل ما ~~أحاله مجرد التوهم والتخيل يكون ممتنعا وإنما قيل ما أحالته الفطرة ~~الإنسانية والبديهة والفرق بينهما ما تقدم # وأما الجوابان على التقدير الثاني وهو أن الوهم والخيال لا يعلمان جواز ~~ذلك فأحدهما أن لا نسلم أن الوهم والخيال لا يعلم جواز ذلك فإن الإنسان ~~PageV01P293 قد يتخيل ما أحسه بحواسه من الموجودات بعد عدمها وهو يؤلف ~~بتخيل من ذلك ما لم يتخيله كما هو عادة التخيل فيتخيل نظير ذلك وما يركبه ~~من ذلك مما ليس له نظير كما يتخيل جبل ياقوت وبحر زئبق فيتخيل من المخلوقات ~~ما ليس له نظير ويتخيل الإبداع الذي ليس نظير فكيف بما له نظير الثاني أنا ~~لو سلمنا أن الوهم والخيال لا يعلم جواز ذلك لم يضر ولو لم يعلم جواز نظيره ~~أو وجوده بحس أو عقل فكيف إذا علم ذلك فإن المدفوع ما علم بالفطرة امتناعه ~~لا ما عجز مجرد الوهم عن معرفته # الوجه الرابع ms238 قوله مع أنا سلمنا أنه تعالى هو المحدث للذوات ابتداءا من ~~غير سبق مادة وطنية # يقال له هذا الذي تذكره إنما ينفعك أن لو كان ما علمناه بالفطرة يدفع ما ~~سلمناه فكيف إذا لم يدفعه ما علمناه لا بضرورة بل لا يدفعه ضرورة ولا نظر ~~بل كيف إذا كان ما شهدناه نظيرا له ومشابها بل كيف إذا كان الذي شهدناه ~~أبلغ من الذي سلمناه فإن الذوات التي ابتدعت ابتداءا إنما هي ذوات بسيطة ~~كالماء ونحوه ومن المعلوم أن إبداع هذا الإنسان المركب بما فيه من الأعضاء ~~المختلفة ومنافعها وقواها والأخلاط المختلفة ومقاديرها وصفاتها من أشياء ~~بسيطة أعظم في الاقتدار وأبلغ في الحكمة من إبداع شيء بسيط لا من شيء لأن ~~هذه المركبات كلها كائنة بعد عدم وتأليفها وتركيبها كذلك وما فيها من ~~الجواهر والتأليف والصفات الكائن بعد العدم أبلغ مما في تلك البسائط وهذا ~~كما أن ما شهدنا من الخلق الأول أبلغ مما أخبرنا به من الخلق الثاني في ~~المعاد كما قال تعالى @QB@ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ~~@QE@ وقال @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم @QE@ PageV01P294 ونظائره في ~~القرآن فإذا كان مستقرا في الفطرة العقلية أن ابتداء الخلق أعظم من إعادته ~~فمستقر فيها أن إبداع المركبات وتركيبها وصفاتها بعد العدم أبلغ من إبداع ~~البسائط المفردات لكن المركب لا بد أن يكون مسبوقا # قال الرازي وثانيها أنا لا نعقل حدوث شيء وتكوينه إلا في زمان مخصوص ثم ~~حكمنا بأن الزمان حدث لا في زمان البتة # فيقال لو قال لم نتوهم أو لم نتخيل أ لم نحس لكان مناسبا للفظ دعواه حيث ~~ادعى أن معرفة أفعال الله على خلاف الحس والخيال ولم يدع أنها على خلاف ~~المعقول فإن ذلك سد عليه طريق الإقرار بها ويوجب جحودها حيث لا يثبت ما ~~يخالف المعقول إلا أن يفسر المخالف للمعقول بعدم النظير وحينئذ فلا فرق بين ~~مخالفة ms239 المعقول والمحسوس في أن ذلك لا يكون مانعا في وجود ما يخالف المحسوس ~~والمعقول وهو لا يتم غرضه إلا أن يبين الفرق بينهما بثبوت ما يحيله الحس ~~دون العقل كما قدمناه # وتلخيص النكتة أن يقال إذا لم تعقل حدوث شيء إلا في زمان وأثبتت ما لم ~~تعقله فهل هذا حجة لك في إثبات ما تعلم بعقلك امتناعه أم لا فإن كان هذا ~~حجة لك في إثبات ما يعلم العقل امتناعه لم يكن له بعد هذا أن يحيل وجود شيء ~~بعقله بل يجوز الممتنعات المعلوم امتناعها بالعقل ضرورة ونظرا وهذا لا ~~يقوله عاقل وإن قال ليس هذا حجة في إثبات ما يعلم بالعقل امتناعه لم يكن ~~ذلك نافعا لك في محل النزاع لأن المنازع يدعي أنه يعلم امتناع ما أثبتته ~~بفطرته وهذا لم يدل على إحالة ما عيلم امتناعه بالعقل كما سلمته ولا بالحس ~~لأنك لم تذكره PageV01P295 # ثم يقال كوننا لم نشهد حدوث شيء إلا في زمان بمنزلة كوننا لم نشهد حدوث ~~شيء إلا في مكان ثم كما أن هذا يقتضي افتقار كل مكان إلى مكان فكذلك ذاك ~~يقتضي افتقار كل زمان إلى زمان وأكثر ما في ذلك عدم النظير فيما شهدناه ~~ومجرد عدم النظير لا يكون حجة على نفي الشيء المعلوم بحس أو عقل فلم يقل ~~أحد من العقلاء إن الشيء الذي يعلم ثبوته لا يجوز الإقرار به حتى يكون له ~~مثل ونظير مطابق له وهذا كما أنا لم نشهد شيئا إلا له خالق ثم لا يجب أن ~~يكون للخالق خالق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال الناس يسألونكم ~~حتى يقولوا هذا وقد أخرجاه في الصحيحين عن عروة عن أبي هريرة ورواه أبو ~~داود في الرد على الجهمية من سننه ورواه النسائي عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا الله خلق ~~الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله وهو أيضا فيها ms240 عن ~~عروة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي أحدكم ~~الشيطان فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك فإذا بلغه ~~فليستعذ بالله ولينته ورواه مسلم من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا ~~هذا الله خلقنا فمن خلق الله قال وهو آخذ بيد رجل يعني قد سأله فقال صدق ~~الله ورسوله قد سألني اثنان وهذا الثالث أو قال سألني واحد وهذا الثاني ~~وراه أيضا أبو داود والنسائي من طريق آخر وفيه فإذا قالوا ذلك فقولوا الله ~~أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ثم يتفل عن يساره ~~ثلاثا # ويقال له الزمان الذي رأينا الأشياء تحدث فيه هو مقدار حركة الشمس والقمر ~~أو ما يشبه ذلك إذ لم نشهد زمانا غير مقدار الحركة أو ما يقرب من ذلك ~~PageV01P296 لتنوع عبارات الناس في تفسير الزمان وإذا كان الزمان من جملة ~~الأعراض مفتقرا إلى الحركة والمتحرك إذا كان له وجود في الخارج فمعلوم أنا ~~شهدنا حدوث سبب الزمان الموجب له المتقدم عليه بالذات وهو الحركات والحركة ~~والزمان متقاربان في الوجود والحركة متقدمة على الزمان بالذات وإذا كان كل ~~منهما مقارن للآخر لا ينفك عنه فليس القول باحتياج الحركة التي هي الحدوث ~~والانتقال إلى الزمان بأولى من القول باحتياج الزمان إلى الحركة والحدوث بل ~~هذا الثاني أقرب لأن افتقار المعلول إلى العلة والمشروط إلى الشرط والمسبب ~~إلى السبب أظهر من الأول # يوضح ذلك أن الزمان قد يراد به الليل والنهار كما يراد بالمكان السموات ~~والأرض وهذا هو الذي يعنيه طوائف منهم الرازي في كتابه هذا كما ذكر ذلك حيث ~~قال الحجة الحادية عشرة قوله @QB@ قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ~~@QE@ قال وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك لله تعالى وقوله تعالى @QB@ ~~وله ما سكن في الليل والنهار @QE@ وذلك يدل على ms241 أن الزمان وكل ما فيه ملك ~~لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان ~~والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والزمان قال ~~وهذا الوجه ذكره أبو مسلم الأصفهاني في تفسيره واعلم أن في تقديم ذكر ~~المكان على ذكر الزمان سرا لطيفا وحكمة عالية يشير إلى أنه سببه ما تقدم # قلت وإذا كان المراد بالمكان والمكانيات السموات والأرض وما فيهما ~~وبالزمان والزمانيات الليل والنهار وما سكن فيهما فمن المعلوم أن الله ~~سبحانه وتعالى PageV01P297 @QB@ خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ~~ثم الذين كفروا بربهم يعدلون @QE@ وقد قال تعالى @QB@ إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب @QE@ ونحو ذلك في القرآن ~~ومعلوم أن النهار تابع للشمس وأما الليل فسواء كان عدم النور أو كان وجودا ~~عرضيا كما يقوله قوم أو أجسام سود كما يقوله بعضهم فالله جاعل ذلك كله وهو ~~سبحانه وتعالى كما قال عبدالله بن مسعود إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور ~~السموات من نور وجهه وقد جاء في قوله تعالى @QB@ ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا @QE@ إن أهل الجنة يعرفون مقدار البكرة والعشي بأنوار تظهر من جهة ~~العرش فيكون بعض الأوقات عندهم أعظم نورا من بعض إذ ليس عندهم ظلمة وهذه ~~الأنوار المخلوقة كلها خلقها الله تعالى # فقول القائل بعد هذا لم نعقل حدوث شيء إلا في زمان مخصوص ثم حكمنا بأن ~~الزمان حدث لا في زمان مثل أن يقال أنا لم أعقل حدوث شيء وتكوينه إلا في ~~ليل أو نهار ثم حكمنا بأن الليل والنهار حدثا لا في ليل ولا نهار ولم نعقل ~~شيئا إلا في السموات والأرض ثم عقلنا حدوث السموات والأرض لا في سموات وأرض ~~ومعلوم أن هذا الكلام من أفسد الكلام في الحس والعقل فإن الإنسان كما يشهد ~~حدوث الأشياء لا في ليل ونهار فهو يشهد أيضا حدوث الليل والنهار في غير ليل ~~ولا نهار # وقد يراد بالزمان مجرد التقدير بالحوادث كما يقال هذا قبل هذا ms242 بكذا وكذا ~~وهذا بعد هذا بكذا وكذا فيكون المراد به تقدير ما بين الحوادث بحوادث أخر ~~وهذا التقدير من جنس العدد للمعدودات فإنه بالعدد يظهر وبزيادة أحد ~~المعدودين على الآخر ونقصانه عنه ومساواته له ثم مع ذلك فليس العدد ~~للمعدودات PageV01P298 أمرا موجودا في الخارج قائم بنفسه أو عرض قائم فيها ~~وإنما هو من باب الفصل والتمييز بين بعضها وبعضها وهي ممتازة ومنفصلة ~~بذواتها وأعيانها لا بشيء غير ذلك والعدد لها كالحيز لها كما سنذكره إن شاء ~~الله تعالى وكذلك الوقت لها ولهذا يفرق بين الوقت والعدد كما يروى عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن ذكر الله مأمور به في كل حال ليس له وقت ولا عدد أي ~~ليس له وقت مخصوص ولا عدد مخصوص كالصلاة وغيرها # وهذا موضع تغلط فيه الأذهان حيث يشتبه عليها ما يأخذه الذهن من الحقائق ~~الموجودة في الخارج بنفس الحقاق الموجودة في الخارج كما يشتبه على بعض ~~الناس الصور الذهنية الكلية المطلقة أنها توجد في الخارج حتى يظن أنها ~~بعينها موجودة في الخارج فالعلم بالحقائق وبعددها وزمانها ومكانها كله ~~متقارب ولا ريب أن الحقائق موجودة في نفسها متميز بعضها عن بعض بنفسها بما ~~فيها من الصفات القائمة بها وما يتبع ذلك من حيزها ووقتها وعددها وليست هذه ~~الأمور جواهر وأعراضا منفصلة عن تلك الحقائق بل هي تارة لسبب بينها وبين ~~غيرها إنما يعقل باعتبار الغيرين ولهذا يكثر تنازع الناس في مثل هذه الأمور ~~هل هي أمور وجودية أو عدمية وبكل حال فقول القائل إن كل وقت يفتقر إلى وقت ~~وكل حيز إلى حيز بمنزلة قوله كل عدد يفتقر إلى عدد وقوله كل حقيقة قائمة ~~بنفسها تفتقر إلى حقيقة قائمة بنفسها # ومما يوضح ذلك أن يقال له أيضا قول القائل ثم حكمنا بأن الزمان حدث لا في ~~زمان أضعف من قول القائل حكمنا بأن الحركة حدثت بلا حركة فإن الزمان هو ~~مفتقر إلى الحركة دون زمان آخر والحركة هي سبب الزمان وإن كانت مقارنة له ~~وليست ms243 مفتقرة إلى حركة أخرى فالتعجب من حدوث حركة بلا حركة وهي سبب الزمان ~~وأعني عن الزمان PageV01P299 من الزمان عنها أقرب إلى الصواب من تعجب ~~المتعجب من حدوث زمان في غير زمان وإذا كان التعجب من عدم افتقار كل حركة ~~إلى حركة نوعا من السخف والهذيان فالتعجب من عدم افتقار كل زمان إلى زمان ~~أبلغ منه في السخف والهذيان كما يتعجب من عدم افتقار كل فاعل إلى فاعل وهذا ~~السؤال من آخر ما يورده ويسأل عنه الشيطان لعلمه بأنه آخر مراتب الباطل ~~والهذيان # قال وثالثها أنا لا نعلم فاعلا يفعل بعد ما لم يكن فاعلا إلا لتغير حالة ~~وتبدل صفة ثم إنا اعترفنا بأنه تعالى خلق العالم من غير شيء من ذلك # يقال هذه الوجوه التي أوردها هنا هي من حجج الدهرية إما القائلين بقدم ~~العالم وإما المنكرين للصانع حيث يحتجون بها على امتناع إبداع كل شيء بعد ~~العدم ويوجبون قدم مادة وكذلك يوجبون قدم مدة وكذلك يقولون يمتنع حدوث ~~الفعل بدون حدوث قدرة ولا إرادة ولا علم ولا غير ذلك من أسباب الفعل وهذه ~~حجج الدهرية المتفلسفة المشائين المنتسبين إلى معلمهم الأول آرسطو وإن كان ~~من معظميه من يزعم أنه لم يكن قائلا بقدم العالم ولكن تكلم بكلام مجمل في ~~ذلك كما زعمه بعض الفلاسفة اليهود فيما جمعه وألفه بين فلسفته وبين الملة ~~التي بعث الله بها الرسل فالمقصود هنا أن نعرف أصل هذا الكلام ونعلم أن هذا ~~الرازي وإن أورده هنا من جهة أصحابه المسلمين الموافقين على حدوث العالم في ~~احتجاجهم على إخوان لهم مسلمين في مسائل الصفات فإن هذه الحجج هو دائما ~~يذكرها في معارضة حجج المسلمين وسائر أهل الملك على نفي قدم العالم فتارة ~~يظهر منه التحير وتكافؤ PageV01P300 الأدلة وتقابل الطائفتين بمنزلة ~~المنافق المذبذب الذي لا هو مع هؤلاء ولا مع هؤلاء وتارة ينصر المسلمين بما ~~يصلح من الجدل ويكثر مما لا يصلح وتارة يؤيد أقوال أولئك المشركين الصابئين ~~المبدلين تأييد عاجز عنهم أو معاون لهم أو ms244 معترض عليهم بحق أو باطل # ونحن في هذا المقام الذي غرضه أن يقرر ثبوت ما يعلم امتناعه بالبديهة ~~ويزعم أن هذا من حكم الحس والخيال المردود واحتجاجه بما ذكره من أفعال الله ~~تعالى نجيب عنه بأن نبين أنا شهدنا من أفعال الله تعالى ما هو نظير ما لم ~~نشهده أو أبلغ منه وأن ما تعجب منه هو مثل ما شهدناه أو دونه وبأن نبين أنه ~~إذا أثبت من أفعال الله تعالى ما لم نشهد نظيره فلا محذور في ذلك فإن ثبوت ~~مالا يعلم له نظير ليس بمحذور في حس ولا عقل وبأن نبين أن الحس والعقل في ~~ذلك سواء فلا يثبت مالا يعلم بها عدمه ويثبت مالم يعلم بها نظيره وقد ذكرنا ~~ذلك في المادة والمدة # ونصوص المسلمين وسائر أهل الملل ومعارضتهم لهؤلاء الدهرية كثيرة حسنة لكن ~~ليس هذا موضعها # وكذلك ما ذكره في الفاعل وهي حجة ابن سينا أفضل متأخري هؤلاء الدهرية ~~فإنها هي التي اعتمدها حيث زعم أن الذات الواحدة لا يصدر عنها شيء بعد أن ~~لم يكن صادرا إلا بحدوث أمر من الأمور والكلام في ذلك الأمر كالكلام في ~~الأول فيمتنع الحدوث فيجب القدم ثم ذكر في كيفية صدور العالم بصدور العقل ~~ثم العقل والنفس والفلك من الكلام لا يرتضيه أسخف الناس عقلا ولا يستحسن ~~أحد أن يستعمله إلا في المضاحك والهزليات دون ما هو من أعظم الإلهيات ~~وذكروا هم ما اختص به العالم من المقادير PageV01P301 والصفات غير ذلك وما ~~الموجب لتخصيصه بذلك دون غيرها إلى غير ذلك مما ليس هذا موضعه إذ الغرض ~~جواب ما ذكره الرازي وهو من نمط الذي قبله أيضا لوجوه # أحدها أن غاية ما يذكره إثبات فاعل ليس له نظير وثبوت فعل ليس له نظير ~~وهذا لا نزاع فيه وليس ذلك ممتنعا لا في حس ولا خيال ولا عقل حتى يكون ~~نظيرا لمورد النزاع وكون ذلك على خلاف حكم الحس والخيال هو مثل كونه على ~~خلاف حكم العقل والقياس # الوجه الثاني أن ms245 الانتهاء إلى فاعل لا فاعل له مما يعلم بالفطرة والضرورة ~~العقلية كما يعلم بالفطرة والضرورة العقلية امتناع حدوث فعل بلا فاعل وكما ~~قالوه في امتناع موجود لا داخل العالم ولا خارجه فإذا كان هذا مما يعلم ~~بالضرورة الفطرية كيف يجعل معارضا أيضا لما يعلم بالضرورة الفطرية فالفطرة ~~الضرورية تعلم امتناع أن يكون لكل فاعل فاعلا وامتناع أن يكون الفعل بلا ~~فاعل وأن يكون الفاعل لا داخل المفعول القائم بنفسه ولا خارجه وإذا كان ~~كذلك فتمثيل الفاعل الذي لا فاعل له بالفاعل له فاعل ممتنع أيضا في الفطرة ~~الضرورية # الوجه الثالث أن قوله لم نشهد فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا إلا لتغير حال ~~وتبدل صفة إن أراد به استحالته من حال إلى حال بحيث أن ذاته تستحيل فليس ~~الأمر كذلك فإن الشمس والقمر والكواكب @QB@ كل في فلك يسبحون @QE@ ومع هذا ~~لم يتغير حالها ولم تتبدل صفاتها PageV01P302 وإن عنى به أن نفس الحركة هو ~~تغير وتبدل كما يقوله من يقوله من المتكلمين كان المعنى لم نشهد فاعلا إلا ~~متحركا ومتحولا إما حركة روحانية وإما حركة جسمانية فقوله بعد ذلك ثم إنا ~~اعترفنا بأنه تعالى وتقدس خالق العالم من غير شيء من ذلك مما ينازعه فيه ~~خصومه هنا وغير خصومه فإن المتكلمين يسمون هذه مسألة حلول الحوادث بذاته ~~وقد علم أن مذهب الكرامية القول بها وهم خصومه في هذه المسألة وقد ذكر في ~~أعظم كتبه نهاية العقول أنه ليس في هذه المسألة دليل عقلي على النفي فلا ~~يمكنه أن يقيم عليهم فيها دليلا عقليا وغاية ما اعتصم فيها بما ادعاه من ~~الإجماع على أن سبحانه وتعالى غير موصوف بالنقائص وإن الحادث إن كان صفة ~~كمال فقد كان قبل ذلك ناقصا وإن لم يكن صفة كمال فالإجماع منعقد على أنه ~~تعالى لا يوصف بغير صفة الكمال وقد تكلمنا على ما ذكر في غير هذا الموضع ~~وإذا لم يكن في ذلك دليل عقلي لم يصح أن يكون ذلك معارضا لما يقول المنازع ~~إنه معلوم ms246 بالفطرة الضرورية # ومن أعجب العجب قوله عن المشبهة وهم عنده الكرامية والحنابلة أنهم وافقوه ~~على ما ادعاه من أن معرفة أفعال الله تعالى وصفاته على خلاف الحس والخيال ~~ثم يحتج على ذلك بأنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا من غير حدوث شيء بذاته وهو ~~يعلم أن القول بحلول الحوادث في ذاته تعالى وتقدس هو شعار الكرامية وأنهم ~~متفقون على ذلك وهذا مثل أن يقال عن المعتزلة وقد وافقونا على أن الله ~~تعالى يحدث أفعال العباد بغير فعل منهم ثم إن القول بذلك هو مذهب أكثر أهل ~~الحديث بل قول أئمة أهل الحديث وهو الذي نقلوه عن سلف PageV01P303 الأمة ~~وأئمتها وكثير من الفقهاء والصوفية أو أكثرهم وفيهم من الطوائف الأربعة ~~الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية من لا يحصي عدده إلا الله تعالى وقد ~~ذكره هو في غير موضع من كتبه أن القول بحلول الحوادث يلزم كل الطوائف حتى ~~المعتزلة والفلاسفة وذكر ذلك عن أبي البركات البغدادي صاحب المعتبر وهو من ~~أعظم الفلاسفة المتأخرين قدرا وأنه قال إن ألوهيته لهذا العالم لا تتم إلا ~~بذلك فكيف يحكى الاتفاق على خلاف ذلك # فإن قال قائل الفاعل منا وإن حدثت فيه حركة فالمحدث لها غيره وخالق ~~العالم لا محدث لفعله إلا هو فهذا هو الفرق # قيل هذا حق كما أن ذاتنا محدثة أحدثها غيرنا وهو سبحانه قديم واجب الوجود ~~رب كل شيء ومليكه هو الخالق وما سواه مخلوق ولهذا كان السؤال عن من خلق ~~الله منتهى مسائل الشيطان التي يظل بها الإنسان مع ظهور فسادها بالبرهان ~~والرازي لم يستدل بكونه فاعلا لما لا يفعله من غير محرك من خارج وإنما ~~استدل بكونه فاعلا من غير فعل في نفسه وهذا هو الذي ينازعونه فيه وهو لو ~~استدل بالأول لم يصح لأنها هي مسألة وجود الصانع نفسه وهو في هذا المقام ~~مقصوده أن يبين أن أفعاله على خلاف حكم الحس والخيال ليس مقصوده أن نفسه ~~على خلاف الحس والخيال # قال الرازي ورابعها أنا لا نعقل فاعلا ms247 يفعل إلا لجلب منفعة أو دفع مضرة ~~ثم اعترفنا بأنه تعالى وتقدس خالق العالم بغير شيء من هذا PageV01P304 # والكلام عليه من نمط الذي قبله وإن كان هذا السؤال هو ببحوث القدرية ~~والمعتزلة أخص كما أن الذي قبله ببحوث الفلاسفة والدهرية أخص وذلك من وجوه # أحدها أن غاية هذا ثبوت مالا نظير له وليس ذلك ممتنعا كما تقدم ولا فرق ~~في ذلك بين حكم الحس والخيال وحكم العقل كما تقدم غير مرة # الثاني أنه هو خالق كل شيء ومن أجلب لنفسه منفعة من غيره أو دفع عن نفسه ~~مضرة من غيره كان محتاجا إلى ذلك وهذه حال الفقر إلى غيره فما دل على أنه ~~رب العالمين دل على غناه عن غيره وبذلك أخبر عن نفسه كما قال يا عبادي إنكم ~~لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني وتمام الكلام كما بيناه ~~قبل # الوجه الثالث أن يقال ما تعني بقولك إنا لا نعقل فاعلا يفعل فعلا إلا ~~لجلب منفعة أو دفع مضرة ثم اعترفنا بأنه تعالى خالق العالم لغير شيء من هذا ~~أتريد أنه سبحانه منزه عن نعوت المخلوقين الناقصين المحتاجين إلى غيرهم في ~~اجتلاب منافعهم ودفع مضارهم كما يوجد أن الحي من الإنسان وغيره يطلب ما ~~ينفعه ويلائمه من غيره ويدفع ما يخلف عليه من الضرر من نفسه ومن غيره فهذا ~~حق فإنه سبحانه وتعالى غني عن العالمين لا يحتاج إليهم بل هو الأحد الصمد ~~الحي القيوم وهو سبحانه لا يخاف ضرر شيء لا من نفسه ولا من غيره بل العباد ~~عاجزون عن أن يلحقوا به ضررا أو نفعا قال تعالى في الحديث الصحيح الذي رواه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن ~~تبلغوا نفعي فتنفعوني PageV01P305 # أو تريد أنه سبحانه وتعالى لا يحب فعله ويرضاه ويفرح به فإن أردت هذا لم ~~يسلم لا ذلك فإن الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة قد دل على وصفه بالمحبة ~~والرضا والفرح # أو تريد أنه لا يحدث له ms248 من هذه الأمور ما لم يكن قبل ذلك فهذا هو الوجه ~~الأول وقد تقدم الكلام عليه # ثم قال الرازي وأما تقرير ذلك في الصفات فذلك من وجوه أحدها أنا لا نعقل ~~ذاتا تكون عالمة بمعلومات لا نهاية لها على التفصيل دفعة واحدة وأنا إذا ~~جربنا أنفسنا وجدناها متى اشتغلت باستحضار معلوم معين امتنع عليها في تلك ~~الحالة استحضار معلوم آخر ثم إنا مع ذلك نعتقد أنه تعالى وتقدس عالم بما لا ~~نهاية له من المعلومات على التفصيل من غير أن يحصل فيه اشتباه والتباس فكان ~~كونه تعالى عالما بجميع المعلومات أمرا على خلاف مقتضى الوهم والخيال # والكلام على هذا من وجوه # أحدها أن هذا الكلام أن علم الله ليس من جنس علومنا ولا مماثلا له وأنا ~~لا نستطيع أن نعلم كعلم الله تعالى وهذا من أوضح الأمور وأبينها عند الخاصة ~~والعامة فإن أحدا من الخلق كما لا يظن أن ذاته كذات الله تعالى لا يظن أن ~~علمه كعلم الله تعالى ومن المعلوم لكل أحد أن الله أكبر وأعظم مما يعلمونه ~~ويقولونه فيه فكذلك علمه وقدرته وسائر صفاته أكبر وأعظم من أن يعلم كنه ~~علمه أو يوصف ولم يقل أحد من البشر أن علم الله تعالى مثل علمنا ~~PageV01P306 ولا توهم أحد ذلك ولا تخيله فأي شيء في هذا مما هو على خلاف ~~مقتضى الوهم والخيال غاية ما فيه أنه ليس مثلما نتوهمه ونتخيله من نفوسنا ~~وهذا لا ريب فيه # وهذا يظهر بالوجه الثاني وهو أن الله سبحانه ليس مثلما نعلمه ونعقله ~~ونحسه من نفوسنا فضلا عن أن يكون مثلما نتخيله ونتوهمه من نفوسنا فلا ~~اختصاص للوهم والخيال بذلك وإذا كان الله سبحانه ليس مثلما نحسه ونعلمه ~~ونعقله ونتخيله فينا ولم يكن في ذلك ما يقتضي أن يكون منافيا لما نعلمه لم ~~يجب أن يكون منافيا لما نحسه # ويتقرر هذا بالوجه الثالث وهو أن العلم بامتناع موجود لا داخل العالم ولا ~~خارجه علم فطري ضروري ليس هو من خصائص الوهم والخيال وأما ms249 ما ذكره من إحاطة ~~علم الله تعالى فليس عندنا اعتقاد ينفي ذلك بحال # الوجه الرابع إن كلما وصف الله به علم الله ليس عندنا اعتقاد ينفي ذلك لا ~~محسوس ولا متوهم ولا متخيل ولا معقول إلا أن يكون من الاعتقادات الباطلة ~~التي لم تعلم بضرورة ولا نظر ولا ريب أن ذات الله وصفاته على خلاف ~~الاعتقادات الباطلة التي يظن أنها معقولة أو محسوسة أو متخيلة ولكن لا فرق ~~في ذلك بينما يظن أنه معقول ومعلوم وما يظن أنه محسوس ومتخيل # الوجه الخامس أن قوى بني آدم في العلم متفاوتة تفاوتا لا ينضبط طرفاه ~~أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان ولبعضهم من القوة على استحضار معلومات في ~~وقت واحد ما ليس لبعض وليس لذلك حد معلوم للناس يعتقدون أن أحدا من البشر ~~لا يمكن أن يكون أقوى في ذلك بل @QB@ وفوق كل ذي علم عليم @QE@ PageV01P307 ~~حتى ينتهي ذلك إلى الله تعالى كما قال السلف وإذا كان بنو آدم متفاوتين في ~~العلم والقدرة ولم يكن عجز أحدهم ما يقدر عليه الآخر من العلوم والأعمال ~~مانعا من اعتقاده ذلك لغيره مع كونه مجانسا له مساويا في الحقيقة فلأن لا ~~يكون عجز أحدهم عما يوصف الله تعالى به من العلم مانعا من اعتقاد وجوب ذلك ~~في ربه عز وجل بطريق الأولى والأخرى ولا يكون ذلك معتقدا ما يخالف محسوسه ~~ولا معقوله # الوجه السادس أنه إذا كان الآدمي يعلم من اقتدار غيره على استحضار العلوم ~~المفصلة في زمن واحد مالا يقدر هو عليه كان ذلك دليلا عنده على أن رب ~~العالمين أولى بأن يكون موصوفا بالعلم بمعلومات مفصلة لا يقدر العبد عليها # الوجه السابع أن العبد يعلم أن ربه يدبر أمر السموات والأرض في آن واحد ~~لا يشغله شأنه عن شأن ومعلوم أن التدبير يحتاج إلى قدر زائد عن العلم من ~~القدرة والمشيئة والحكمة مع أن العبد يعلم عجز نفسه عن نظيره من نحو ذلك ~~فأن يكون معتقدا بأن ربه بكل شيء عليم وإن كان ms250 عاجزا عن ذلك بطريق الأولى ~~والأحرى # وبالجملة فهذا الوجه من الوجوه التي ذكرها في تقريره هذه المقدمة وكذلك ~~ما ذكره في قدرة الله تعالى وفي سمعه وفي بصره بعد هذا كما سنذكره # قال الرازي وثانيها أنا نرى كل من فعل فعلا فلا بد له من آلة وأداة فإن ~~الأفعال الشاقة تكون سببا للكلال والمشقة لذلك الفاعل ثم إنا نعتقد ~~PageV01P308 أنه سبحانه وتعالى يدبر من العرش إلى ما تحت الثرى مع أنه منزه ~~عن المشقة واللغوب والكلال # يقال له لا ريب أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز @QB@ وسع كرسيه ~~السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما @QE@ أي لا يكرثه ولا يثقل عليه وقال في ~~الكتاب @QB@ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا ~~من لغوب @QE@ واللغوب الإعياء وإنما يستريح من إعياء ومنه قول أبي قتادة في ~~حديث حمار الوحش فسعى القوم حتى لغبوا وقال أهل الجنة الحمد لله @QB@ الذي ~~أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب @QE@ ~~وهذا مما لا يتنازع فيه المسلمون # وإذا كان كذلك فالكلام على ما ذكرته من وجوه # أحدها أن هذا بيان قدرة الله تعالى كاملة تامة لا نقص فيها ليست مثل قدرة ~~العبادة كما ذكرنا في العلم وهذا حق ولم يقل أحد إن هذا مخالف لا للمحسوس ~~ولا للمعقول وإنما هو مخالف لمقدار صفاتنا # الثاني أن هذا نسبة هذا أن المعلوم والمعقول والمحسوس والمتخيل نسبة ~~واحدة فقولك إن ثبوت هذا على خلاف حكم الوهم والخيال كقول القائل إنه ثابت ~~على خلاف حكم العقل والعلم # الثالث إن هذا معناه أن الله ليس مثلنا ولا صفاته كمقدار صفاتنا وقد مضى ~~أن انتفاء مثل الشيء لا يوجب انتفاءه فكيف إذا كان إنما نفى مماثلته لنا ~~فقط PageV01P309 وإن كان الله تعالى ليس كمثله شيء وقد قدمنا أنه إن عنى ~~ثبوته على خلاف الحس والخيال عدم النظير فهو حق لكن نفي موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه معلوم بالفطرة البديهية لا بالقياس ولا بعدم ms251 النظير # الرابع أن هذه القدرة ليس عندنا اعتقاد بنفيها لا محسوس ولا معقول بخلاف ~~وجود موجود لا داخل ولا خارجه فإن عندنا من العلوم الضرورية والنظرية ما ~~ينفي ذلك # الخامس أن قوى بني آدم في الفعل مختلفة فإذا كان عجز أحدهم عما يقدر عليه ~~الآخر ليس مانعا من اعتقاد ثبوت تلك القدرة مع اشتراكهم في الجنس فأن لا ~~يكون عجز أحدهم مانعا من الإيمان بقدرة خالقه أولى وأحرى # السادس أنه إذا كان أحدهم يعلم من قدرة غيره على العمل ما ليس هو عنده ~~ولا يكون ذلك ممتنعا لا في حسه ولا في خياله ولا في عقله فأن يعلم من قدرة ~~خالقه ما ليس هو عنده أولى وأحرى # قال الرازي وثالثها أنا نعتقد أنه يسمع أصوات الخلق من العرش إلى ما تحت ~~الثرى ويرى الصغير والكبير فوق أطباق السموات العلى وتحت الأرضين السفلى ~~ومعلوم أن الوهم البشري والخيال الإنساني قاصران عن الاعتراف بهذا الموجود ~~مع أنا نعتقد أنه تعالى كذلك # يقال له لا ريب أنه سبحانه وتعالى كما قالت عائشة رضي الله عنها في ~~الحديث الصحيح سبحان الذي وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تناجي رسول ~~PageV01P310 الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وإنه ليخفى علي بعض ~~كلامها فأنزل الله تعالى @QB@ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها @QE@ ~~وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي ~~أو قرشيان وثقفي فتحدثوا بينهم بحديث فقال أحدهم أترون الله يسمع ما تقول ~~فقال الآخر يسمع أن أعلنا ولا يسمع إن أسررنا فقال الثالث إن سمع منه شيئا ~~فإنه يسمع كله فأنزل الله تعالى @QB@ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ~~ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ~~ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين @QE@ # لكن الكلام في سعة سمعه وبصره سبحانه وتعالى كالكلام في سعة علمه وقدرته ~~سواء وليس فيما ذكره إلا أن ذلك ليس مثل سمعنا وبصرنا ms252 وثبوت مثل هذا مما لا ~~ينازع فيه عاقل ولا ينفيه حس ولا عقل ولا تخيل بل ثبوت مالا نظير له في ~~الخلق لا ينفيه الحس والعقل فكيف بما ليس له نظير مساو أيضا فالعقل والحس ~~والخيال والوهم بالنسبة إلى هذا سواء # فقوله ومعلوم أن الوهم البشري والخيال الإنساني قاصران عن الاعتراف بهذا ~~الموجود بمنزلة قول القائل إن العقل البشري والعلم الإنساني قاصران عن ~~الاعتراف بهذا الموجود وهو لا يقول إن الله ثابت على خلاف حكم العقل والعلم ~~فيلزمه في الحس والوهم والخيال مثل ذلك # وأيضا فقوله على خلاف ذلك إن أراد به أن الوهم والخيال يعجز عن إدراك ذلك ~~لم يضر فإن العجز عن إدراك الشيء من بعض الوجوه لا ينفي القدرة على معرفته ~~من وجه آخر وإن أراد أن الوهم والخيال يدرك ما ينافي ذلك لم يصح ذلك فليس ~~في وهمنا وخيالنا الصحيح ما ينافي ذلك وإن فرض اعتقاد فاسد PageV01P311 ~~ينافي ذلك فهو كالاعتقاد الذي يظن صاحبه أنه معقول أو معلوم وقد قدمنا أن ~~لفظ الوهم والخيال يقال على الباطل تارة وعلى المطابق أخرى فالمطابق لا ~~ينافي ذلك والباطل لا نزاع فيه # وأيضا فاعتقاد امتناع موجود لا داخل العالم ولا خارجه ثابت بالضرورة ~~الفطرية والمتوهم المتخيل لا يكون ثابتا بالفطرة الضرورية كما تقدم # قال الرازي فثبت أن الوهم والخيال قاصران عن معرفة الله سبحانه وتعالى ~~وصفاته ومع ذلك فإنا نثبت الأفعال والصفات على مخالفة الوهم والخيال وقد ~~ثبت أن معرفة كنه الذات أعلى وأجل وأغمض من معرفة الصفات فلما عزلنا الوهم ~~والخيال في معرفة الصفات والأفعال فلأن نعزلهما من معرفة الذات أولى وأحرى # فهذه الدلائل العشرة دالة على أن كونه سبحانه وتعالى منزه عن الحيز ~~والجهة ليس أمرا يدفعه صريح العقل وذلك هو تمام المطلوب وبالله التوفيق # قلت قد تقدم الكلام على أصول هذا غير مرة من وجوه متعددة # أحدها أن القصور عن معرفة الشيء غير العلم بانتفائه والمنازع له قال إني ~~أعلم انتفاء موجود لا داخل العالم ولا ms253 خارجه لم يقل إني قاصر أو عاجز عن ~~معرفة وجوده # الثاني أن قصور الوهم والخيال لا يستلزم قصور العلم والعقل والحس ~~والمنازع له يقول إن ذلك لا يعلم بعقل ولا غيره فإذا كان غيره معقولا لم ~~يجب أن يكون هذا معقولا PageV01P312 # الثالث أن المنازع له قال أنا أعلم بالفطرة الإنسانية التامة امتناع هذا ~~الموجود لا يقول إن ذلك نعتقده بوهمنا وخيالنا دون علمنا وعقلنا # الرابع أن جميع ما ذكره إنما يدل على ثبوت مالا نظير له لا يدل على ما ~~نعتقد انتفاءه والأول مسلم ومورد النزاع من الثاني # الخامس أن الوهم والخيال المطابق والعلم والعقل والإحساس فيما ذكره سواء ~~كما تقدم بيانه ثم إنه لم يعزل العلم والعقل في معرفة الله تعالى فلا يعزل ~~الحس الصحيح وأما الفاسد فهو معزول وإن قيل إنه معقول ومعلوم كما يعزل ما ~~يذكره الجهمية وغيرهم من أهل الإلحاد من العقليات التي يسمونها عقليات وهي ~~جهليات # السادس أن المنازع له قد يسلم أن يعزل الوهم والخيال في معرفة أفعال الله ~~تعالى وصفاته وذاته لكن لم يعزل الفطرة الإنسانية والمعارف الضرورية ~~ومسألتنا من هذا الباب ولم يذكر حجة واحدة تنفي كون ذلك معلوما بالضرورة ~~ولا يقبل الاحتجاج على خلاف ما يعرف بالضرورة # السابع أنه إنما أثبت أن أفعال الله تعالى وصفاته ليست مماثلة لأفعالنا ~~وصفاتنا وذلك لا يقتضي كونها ثابتة على خلاف الوهم والخيال فإن الوهم ~~والخيال لا ينفي ما لم يكن مثاله موجودا فيه بل غاية ما ذكره انتفاء المثل ~~في الوجود والوهم والخيال لا ينفي مالا مثل له بل الوهم والخيال من أعظم ~~الأشياء إثباتا لما لا نظير له في ما يقدره ويصوره من الأمور التي تكون ~~موجودة فيه وليس لها نظير في الخارج PageV01P313 # وأما قوله فهذه الدلائل العشرة دالة على أن كونه منزها عن الحيز والجهة ~~ليس أمرا يدفعه صريح العقل وذلك تمام المطلوب # فقد تبين بأدنى نظر أنه ليس فيها وجه واحد يبين إمكان وجود ذلك لا ~~الإمكان الذهني ولا الخارجي أعني ms254 لم يثبت أن العقل يعلم إثبات ذلك ولا أنه ~~لا يعلم امتناعه ولو لم يكن عندنا اعتقاد ينفي إمكان ذلك بضرورة أو نظر ~~فكيف إذا كان اعتقاد امتناع ذلك معلوما بالنظر فكيف إذا كان معلوما ~~بالضرورة وقد تقدم أن ما أعتقد امتناعه بالضرورة وأراد الرجل أن يبين أنه ~~غير ممتنع بالضرورة ولا بالنظر بل هو ممكن في الذهن فلا بد أن يبين أنما ~~يعلم امتناعه بالضرورة والنظر ليس هو الذي لا يعلم امتناعه في الذهن ليبقى ~~الإمكان الذهني مع أن الإمكان الذهني لا يستلزم الإمكان الخارجي كما تقدم $ ~~فصل # ثم إن المنازعين له إذا كانوا يقولون نعلم بالضرورة امتناع ذلك وقالوا ~~إنما يقوله النفاة إنه الحق الذي يجب وصف واجب الوجود به فإنه ممتنع وجوده ~~معلوم امتناعه بضرورة العقل بل يقولون إنا نعلم بضرورة العقل أن رب ~~العالمين فوق العالم فنحن نعلم بضرورة العقل وجوب ما ادعى امتناعه بالنظر ~~وامتناع ما ادعى إمكانه بالنظر وقد يقولون نحن نعلم بالفطرة والضرورة أن ~~الموجود الذي ليس هو صفة لغيره أو أن واجب الوجود لا يكون PageV01P314 إلا ~~قائما بنفسه يمتنع غيره أن يكون بحيث هو وأنه ليس خيالا وشبحا في النفس بل ~~هو شيء موجود له التحقق والثبوت الذي يعلم بالقلوب أنه تحقق وثبوت وإن سماه ~~المنازع تحيزا وتجسيما ونحو ذلك وتعلم بالضرورة والفطرة أنما لا يكون كذلك ~~لا يكون إلا معدوما كما نعلم بالضرورة والفطرة أنه ما من موجودين حيين ~~عالمين قادرين بل ما من موجودين إلا وهما مشتركان في مسمى الوجود والثبوت ~~وأن تميز أحدهما عن الآخر بخاصيته التي تخصه سواء كان واجبا أو لم يكن وما ~~به الاشتراك ليس هو ما به الامتياز ولا مستلزما له وإلا كان أحدهما هو ~~الآخر إذا كان المشترك مستلزما للميز فإنه إذا لم يكن أحدهما مختصا بما ~~يميزه بل حيث تحقق المشترك تحقق المميز والمشترك ثابت لهما فإذا كان المميز ~~ثابت لهما لم يكن لأحدهما تميز يخصه فلا يكون أحدهما غير الآخرة إذ لا ms255 بد ~~في المعينين من أن يمتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه وإذا كان كل منهما ~~موصوفا بقدر مشترك والقدر المشترك أن يكون لأحدهما شبه ما بالآخر ولو من ~~بعض الوجوه امتنع أن يكون في الوجود موجود لا يشارك الموجودات في شيء من ~~الأمور الوجودية ولا يشابهها في شيء من ذلك ولهذا كان السلف والأئمة يقولون ~~إن العقلاء يعلمون بعقلهم انتفاء ذلك كما قال الإمام أحمد رحمه الله في رده ~~على الجهمية لما ذكر عنهم ما وصفوه من السلوب وأنهم قالوا كلما خطر على ~~قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه وهذا معنى قول المؤسس وذويه إنه على خلاف ~~الحس والخيال أو العقل وقد تقدم ذكر ذلك قال فقلنا هو شيء قالوا هو شيء لا ~~كالأشياء فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء ~~فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئا ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة ~~بما يقرون به في العلانية فإذا قيل لهم من تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر ~~هذا الخلق فقلنا فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول PageV01P315 لا ~~يعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون بأنكم لا تثبتون شيئا إنما ~~تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فذكر أولا أنما يقال إنه شيء ثم يقال ~~إنه لا كالأشياء أي لا يشابهها بوجه من الوجوه بل يخالفها من كل وجه فهذا ~~قد عرف أهل العقل أنه لا شيء لأن العلم بذلك عام في أهل العقل ولما ذكر ~~ثانيا من يعبدون قالوا نعبد المدبر لهذا الخلق فهذا إخبار عن المعبود الذي ~~تجب عبادته في الدين فلما قالوا هو مجهول لا يعرف بصفة قد علم المسلمون ~~أنكم لا تثبتون شيئا لأن المسلمين يوجبون عبادة الله تعالى فذكر أولا عن ~~عموم أهل العقل أنهم لا يثبتون شيئا وذكر ثانيا عن أهل الدين أنهم لا ~~يعبدون شيئا ذكر في كل مقام ما يناسبه وذلك لأن المجهول لا يعرف فلا يقصد ~~ولا يعبد ومن لا يعرف ms256 بصفة تميزه عن غيره لم يكن معلوما فلا يكون معبودا ~~فهنا ذكر أن لا بد من صفة تميزه عن غيره والنفاة يقولون هذا تجسيم وذكر ~~أولا أنه يمتنع أن لا يكون بينه وبين شيء من الموجودات قدر مشترك ولا شبه ~~بوجه من الوجوه والنفاة يقولون هذا تشبيه فهم بما عنوه بلفظ التشبيه ~~والتجسيم أوجبوا أن يكون الموصوف بنفي ذلك على المعنى الذي قصدوه معدوما بل ~~واجب العدم ممتنع الوجود وإن كان اللفظ يحتمل نفي معان باطلة مثل نفي كونه ~~مشابها للمخلوقات مماثلا لها من بعض الوجوه فإن نفي هذا واجب وكذلك نفي ~~كونه يقبل التفريق والتفكيك فلا يكون صمدا أحدا هو أيضا واجب فتكلموا أيضا ~~باللفظ المجمل المتشابه الذي يحتمل الحق والباطل ولكن قصدوا به ما هو باطل ~~وإن قصدوا به ما هو أيضا حق أوهموا الناس أنهم لم يقصدوا به إلا نفي ما هو ~~باطل كما قال أحمد رحمه الله يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويوهمون جهال ~~الناس بما يشبهون عليهم PageV01P316 $ فصل # ويقول المنازعون نحن نعلم بالنظر العقلي والاستدلال كما علمنا بالفطرة ~~الضرورية امتناع وجود ما أثبته المنازع من أنه لا داخل العالم ولا خارجه ~~ونعلم انتفاء ذلك وثبوت هذه بالكتاب والسنة والإجماع وبالنقل المتواتر عن ~~الأنبياء المتقدمين وباتفاق أهل الفطر السليمة من جميع العقلاء فصاروا ~~يقولون إن كل واحد من ثبوت ما يقوله ونفي ما يقوله الجاحد المخالف يعلم ~~بالفطرة والضرورة والبديهة والذوق والوجد ويعلم بالفطرة والأدلة العقلية ~~يعلم بالأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع ويعلم بالنقل المتواتر عن ~~الأنبياء ويعلم باتفاق العقلاء ذوي الفطر السليمة # وإذا استدلوا بالنظر والقياس والمعقول والبراهين التي يحتج بنظيرها ~~مخالفوهم بل بالبراهين التي هي أصح من ذلك وهي حق في أنفسها قرروا ذلك من ~~وجوه # أحدها وفيه قاعدة جليلة جامعة وهو أن يقال لا ريب أن قياس الغائب على ~~الشاهد يكون تارة حقا وتارة باطلا وهو متفق عليه بين العقلاء فإنهم متفقون ~~على أن الإنسان ليس له أن يجعل كلما لم يحسه مماثلا لما ms257 أحسه إذ من ~~الموجودات أمور كثيرة لم يحسها ولم يحس ما يماثلها من كل وجه بل من الأمور ~~الغائبة عن حسه مالا يعلمه أو ما يعلمه بالخبر بحسب ما يمكن تعريفه به كما ~~أن منها ما يعلمه بالقياس والاعتبار على ما شاهده وهذا هو المعقول كما أن ~~الأول هو المسموع والمحسوس ابتداءا هو ما يحسه بظاهره أو باطنه وهذا بين # القسم الثاني وهو أنهم متفقون على أن من الأمور الغائبة عن حسه ما يعلمه ~~بالقياس والاعتبار على ما يشهده كما يعلم ما يغيب عنه من أفراد الآدميين ~~PageV01P317 والبهائم والحبوب والثمار وأفراد الأطعمة والأشربة واللباس ~~ونحو ذلك فإنما يسميه الفقهاء ونحوهم جنسا واحدا أو هو ماله اسم جامع يجمع ~~أنواعا يميز بينها بالصفات كالحنطة والثمر والإنسان والفرس وهو الذي يسميه ~~المنطقيون النوع وما هو أخص من ذلك وإن كان قد يسمى أيضا جنسا أو صنفا أو ~~نوعا كالعربي والعبري والفارسي والرومي وكالتمر البرني والمعقلي ونحو ذلك ~~لا ريب أن الإنسان لم يحس جميع أعيانه وأفراده وإنما يعلم غائبها بالقياس ~~على شاهدها فهذا أصل متفق عليه بين العقلاء # ومن حكى من أهل الكلام أن من الأمم أمة لا تقر بشيء من المعقولات وإنما ~~تقر بما أحسته ويذكرون ذلك عن البراهمة السمنية فلا ريب أن هذا النقل وقع ~~فيه غلط من هؤلاء وتغليط من أولئك وقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله أصل هذا ~~النقل لما ذكر مبدأ حدوث الجهمية في هذه الملة فقال وكان مما بلغنا من أمر ~~الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من الترمذ وكان صاحب خصومات وكلام ~~وكان أكثر كلامه في الله تعالى فلقي ناسا من المشركين يقال لهم السمنية ~~فعرفوا الجهم فقالوا له نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت ~~حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له ألست تزعم ~~أنه لك إلاها قال الجهم نعم فقالوا له هل رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت ~~كلامه قال لا ms258 قالوا فشممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له حسا قال لا قالوا ~~فوجدت له مجسا قال لا قالوا فما يدريك أنه إله فتحير الجهم فلم يدر من يعبد ~~أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة مثل حجة الزنادقة من النصارى وذلك أن زنادقة ~~النصارى يزعمون أن الروح التي في عيسى صلى الله على نبينا وعليه هي من روح ~~الله تعالى ومن ذات الله تعالى فإذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه ~~فتكلم على لسان PageV01P318 فيأمر بما يشاء وينهى عما شاء وهو روح غائب عن ~~الأبصار فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني أسلت تزعم أن فيك ~~روحا قال نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال سمعت كلامه قال لا قال فوجدت له ~~حسا أو مجسا قال لا قال فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا تشم ~~له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان ووجد ثلاث آيات في ~~القرآن من المتشابه قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ وهو الله في ~~السماوات وفي الأرض @QE@ و @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ فبنى أصل كلامه كله ~~على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وزعم أن من وصف من الله شيئا مما وصف به نفسه أو حدث عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافرا وكان من المشبهة فأضل بشرا كثيرا # فقد ذكر بأن السمنية طالبوه بأن يكون إلاهه معروفا ببعض حواسه الخمس وأن ~~مالا يعرفه هو بشيء من حواسه الخمس فإنه لا يعلمه وهذا يقتضي أنما لا يحسه ~~الإنسان بشيء من حواسه الخمس فإنه لا يعرفه وهذا تغليظ منهم وظن أنهم ~~يقولون إن مذهبهم أن الإنسان لا يعرف شيئا إلا ما يحسه ببعض حواسه الخمس ثم ~~إن الجهم أجابهم بدعوى وجود موجود لا يمكن إحساسه أيضا فقطعهم مع غلطه في ~~المناظرة ومغالطتهم أيضا ولو كانوا هم لا يقرون إلا بما أحسه أحدهم لم ~~يكونوا قد ms259 انقطعوا بمثل هذه المناظرة لأن غايتها إثبات وجود موجود غير ~~محسوس فيقاس الرب عليه فلو لم يكونوا يقرون بشيء من القياس العقلي لما ~~سمعوا مثل هذا الكلام ولا أمكن مخاطبتهم به كما لا يمكن أن يحتج بقول ~~الأنبياء على من كذبهم PageV01P319 # ولا يقال هو أقام الحجة عليهم ببيان وجود موجود غير محسوس ثم قاس عليه ~~لأنه يقال لو كان من أصلهم أنهم لا يقبلون القياس في المحسوس لكانوا لا ~~يقبلونه فيما لزمهم القول به من غير المحسوس وكانوا يقولون هذا يعلم وجوده ~~كما ذكرت فمن أين يجب علينا أن نعترف بنظيره إذا كان من أصلهم أن الشيء لا ~~يعرف حكمه من جهة النظير # بل الذي يقال إن القوم كانوا يقولون لا يكون شيء موجودا إلا أن يمكن ~~إحساسه فلا يصدق الإنسان بوجود مالا يمكن معرفته بشيء من الحواس لا يقولون ~~الإنسان المعين لا يعلم إلا ما أحسه هو بل ينكر ما أخبره جميع الناس من ~~الأمور التي تماثل ما أحسه وينكر أيضا وجود نظير ما أحسه أو لا يمكنه ~~الاعتراف بذلك فإن هذا لا يتصور أن تقوله طائفة مدنية وقد ذكر هذا ~~المتكلمون فقالوا إن الطائفة التي تبلغ مبلغ التواتر لا يتفقون على إنكار ~~ما يعرف بالضرورة كما ذكر المؤسس في هذا الكتاب إن الطائفة العظيمة من ~~العقلاء لا يجتمعون على إنكار الضروريات فلا ينقلهم ذلك السلب العام عن ~~طائفة من العقلاء ولا يبين به أن طوائف العقلاء يقعوا في شيء من هذا السلب ~~وكلا الأمرين باطل بل التحقيق أن العقلاء لا يتفقون على إنكار العلوم ~~الضرورية من غير تواطئ واتفاق كما لا يتفقون على الكذب من غير تواطئ ولا ~~اتفاق وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان يعلم الأمور الضرورية بغير اختياره ~~كم يجهل بعضها وخلقه بفطرته يخبر بما يعلمه إلا لمعارض يغيره عن فطرته ~~وكذلك خلقه بفطرته يريد العدل والمصلحة إلا لمعارض فهو وإن كان @QB@ ظلوما ~~جهولا @QE@ فذاك في كثير من الأمور أما أن تكون PageV01P320 أمة من الأمم ~~تجهل ms260 كل شيء أو تكذب في كل شيء أو تظلم في كل شيء فهذا لا يتفق أبدا فإن ~~اجتماع بني آدم في الدنيا وهو الاجتماع الفطري الطبيعي الذي لا يعيشون ~~بدونه لا يتصور مع هذا الإنكار وذلك أنهم لا بد أن يقروا بأن لأحدهم أبا ~~وأخا ونحو ذلك ومن المعلوم أنه لم يعرف بحسه إحبال أبيه لأمه ولا ولادة أمه ~~له وكذلك لم يحس ولادة أهله وأهل مدينته مع أنه لا بد لهم من اعتراف أن هذه ~~أم فلان وهذا ابنها وإنما يشهد الولادة في العادة بعض النساء وكذلك لا بد ~~أن يعرف أن آباءهم وأمهاتهم مولودون وأن أجدادهم ماتوا وأن الناس يموتون في ~~الجملة ولم يحس كل منهم موت من غاب عنه ولا أن أحدهم يستعين بالآخر لجلب ~~منفعة ودفع مضرة مباينة فيصلح له طعاما وشرابا أو لباسا ويحصل ذلك بأنواع ~~الصناعات والمعاوضات الذي لم يشهد بحسه تفاصيل ذلك بل يستفيده من إخبار ~~المباشرين له وكذلك ما يكون في قريته ومدينته من أحوال أهلها وصناعتهم ~~وأحوالهم التي تتعلق مصلحته بها لا يعرف كل منهم كل شيء في ذلك بالمشاهدة ~~بل بعضهم يشهد ذلك ويخبر غيره حتى يخبر بعضهم بعضا بالمدائن القريبة منهم ~~وأحوالها ولا يخفى على سليم العقل أن الطعام الذي يأكله واللباس الذي يلبسه ~~قد أوتي به إليه من مكان لم يشهده وصنع بأساب متنوعة لم يشهد عامتها وكذلك ~~لا بد لكل مة من رئيس مطاع وكبير منهم لا يشهدونه وأكثرهم لا يشهدون تفاصيل ~~أحواله التي تتعلق مصالحهم بها وإنما يتسامعون بها ولهذا جاءت الشريعة ~~بقبول شهادة الاستفاضة في هذا وأمثاله كالموت والنسب باتفاق الفقهاء وإن ~~كان لهم فيما يقبل فيه غير ذلك أقوال مختلفة # ففي الجملة قبول الأخبار المستفيضة والمتواترة ونحو ذلك فيما يحس جنسه هو ~~من الأمور الفطرية الضرورية لبني آدم كما أن الأكل والشرب والنكاح ~~PageV01P321 لهم كذلك فمن قال إن أمة من الأمم عاشت بدون هذه العلوم ~~والأقوال كمن قال إنها عاشت بدون هذه الحياة وهذه ms261 الأفعال # ولكن اشتبه النوع بالشخص فلما كان قولهم إنما لا يعرف بجنس الحواس لم ~~يعترف به اشتبه ذلك بأن كل من لا يعرف هذا الجنس المعين لم يعترف به وبين ~~القولين بون عظيم جدا فإن هذا الثاني في غاية الجحد والتكذيب ولهذا اشتد ~~إنكار الناس كلهم لهذا القول وجعل هؤلاء المتكلمين هذا أحد أنواع السفسطة # ولكن غلطهم في تفصيل السفسطة كغلطهم في جملتها فإنهم ذكروا أن من الناس ~~من ينكر جملة العلوم ويجحدها ومنهم من يشك ويقول لا أدري ويسمونهم ~~المتجاهلة واللاأدرية ومنهم من يقول إن الحقائق تتبع العقائد ثم قالوا منهم ~~من يعترف بالحسيات فقط ومنهم من يضم إلى ذلك المتواترات ويقولون إن رئيس ~~هؤلاء شخص يقال له سفسطاء نسبوا إليه كما نسبت المانوية والجهمية إلى ~~رئيسهم وهذا غلط فإن أمة من الأمم لا يتصور أن تنكر ذلك ولا يتصور أن عاقلا ~~يصر على إنكار ذلك ولكن قد يعرض للعقل نوع من الفساد كما يعرض للحس فينكر ~~المنكر لذلك ما دام به ذلك المرض والآفة العارضة لعقله أو حسه أما أن يكون ~~ذلك مقالة ومذهبا يقولها طائفة عقلاء يعيشون بين بني آدم فهذا لا يتصور ~~ولكن وقع اشتباه في هذا النقل فإن هذه الكلمة هي كلمة معربة وأصلها ~~باليونانية سوفسقيا أي حكمة مموهة فإن سوفيا باليونانية هي الحكمة ولهذا ~~يقولون فيلسوف أي محب الحكمة # وهم قسموا الحكمة القياسية إلى خمس أنواع برهانية وخطابية وجدلية وشعرية ~~ومموهة ومفلطية فهذه المموهة المغلطية هي التي تشبه PageV01P322 الحق وتوهم ~~أنها حق باطلة قطعا لا يجوز أن يظن صدقها ولا أن تتأثر النفس عنها فإن ~~الشعرية قد تتأثر النفس عنها كما يتأثر الإنسان عن أقوال الشعر التي فيها ~~من المدح والذم ما يجزم عقله بكذبه لكن لما فيها من التخيل والتشبيه يؤثر ~~في النفس وإن علم أنها ليست مطابقة وأما هذه المموهة فهي تشبه الحق ~~البرهاني ونحوه مما ينبغي قبوله وهي في الحقيقة باطلة يجب ردها ولكن موهت ~~كما يموه الحق بالباطل فسموها سوفسقيا ms262 أي حكمة مموهة # ثم إنه لما عربت الكتب اليونانية في حدود المأة الثانية وقبل ذلك وبعد ~~ذلك وأخذها أهل الكلام وتصرفوا فيها من أنواع الباطل في الأمور الإلهية ما ~~ضل به كثير منهم وفيها من أمور الطب والحساب مالا يضر كونه في ذلك وصار ~~الناس فيها أشتاتا قوم يقبلونها وقوم يحلون ما فيها وقوم يعرضون ما فيها ~~على أصولهم وقواعدهم فيقبلون ما وافق ذلك دون ما خالفه وقوم يعرضونها على ~~ما جاءت به الرسل من الكتاب والحكمة وحصل بسبب تعريبها أنواع من الفساد ~~والاضطراب مضموما إلى ما حصل من التقصير والتفريط في معرفة ما جاءت به ~~الرسل من الكتاب والحكمة حتى صار ما مدح من الكتاب والسنة من مسمى الحكمة ~~يظن كثير من الناس أنه حكمة هذه الأمة أو نحوها من الأمم كالهند وغيرهم ولم ~~يعلموا أن اسم الحكمة مثل اسم العلم والعقل والمعرفة والدين والحق والباطل ~~والخير والصدق والمحبة ونحو ذلك من الأسماء التي اتفق بنو آدم على استحسان ~~مسمياتها ومدحها وإنما تنازعوا في تحقيق مناطها وتغيير مسمياتها فإن كل أمة ~~من أهل الكتب وغير أهل الكتب تسمي بهذه الأسماء ما هو عندها كذلك من القول ~~والعمل وإن كانت في كثير من ذلك أو أكثره إن تتبع @QB@ إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس @QE@ PageV01P323 ولهذا قال تعالى وتقدس @QB@ كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه @QE@ فإنما يفصل النزاع بين الآدميين كتاب منزل من السماء ~~ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين عند تنازعهم بالرد إليه كما قال تعالى وتقدس ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ وهذا ونحوه مبسوط في غير هذا الموضع # وإنما المقصود هنا أن الناقلين للمقالات وأهل الجدل صاروا يعيرون باللفظة ~~المعربة من سوفسقيا وهي سوفسطا عن هذا المعنى الذي يتضمن إنكار الحق ~~وتمويهه بالباطل وظن ms263 من ظن أن هذا قول ومذهب عام لطائفة في كل حق وليس ~~الأمر كذلك وإنما هو عارض لبني آدم في كثير من أمورهم فكل من جحد حقا ~~معلوما وموه ذلك بباطل فهو مسفسط في هذا الموضع وإن كان مقرا بأمور أخرى ~~وهو معاند سوفسطائي إذا علم ما أنكره قال تعالى وتقدس @QB@ وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ فهؤلاء سفسطائيون في هذا الجحود وإن ~~كانوا مقرين بأمور أخرى وقال تعالى وتقدس @QB@ فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون @QE@ ولهذا كان جمهور من كذب بالحق الذي بعث به ~~رسله من ذوي التميز هم من الجاحدين المعاندين وهم من شر السوفسطائين # فهكذا ما ذكروه عن السمنية إنما كان أصل قولهم أن الموجود لا بد أن يمكن ~~أن يكون محسوسا بإحدى الحواس لا أنه لا بد لمن أقر به أن يحس به ~~PageV01P324 # وهذا الأصل الذي قالوه عليه أهل الأثبات فإن أهل السنة والجماعة المقرين ~~بأن الله تعالى يرى متفقون على أن مالا يمكن معرفته بشيء من الحواس فإنما ~~يكون معدوما لا موجودا # فكان حق الجهم أن يقول لهم إن أردتم أني لا بد أن أحس بإلاهي فلا يجب ~~عندكم أن ينكر الإنسان ما لم يحسه هو وإن أردتم أنه لا بد أن يمكن أن يحس ~~به فإلاهي يمكن أن يرى وأن يسمع كلامه وإن أردتم أنه لا بد أن يكون قد عرفه ~~بالحس بعض الآدميين فهذا مع أنه غير واجب فقد سمع كلامه من سمعه من الرسل ~~وهو أحد الحواس وقد رواه بعضهم أيضا عند كثير من أهل الأثبات وكان يقول لهم ~~أتريدون أنه لا بد أن يحسه هذا الحس الظاهر أم يكفي إحساس الباطن إياه ~~وشهوده إياه الأول منقوض بأحوالنا الباطنية الجسمانية والنفسانية وأما ~~الثاني فمسلم وقد شهدته بعض القلوب # فعدل عن ذلك وادعى وجود موجود لا يمكن إحساسه وهو الروح وهذا هو قول ~~المتفلسفة المشائين فيها وحجته هذه من جنس حجة أبي عبدالله الرازي لما ادعى ~~جواز وجود موجود لا يمكن ms264 إحساسه ولا يكون داخل العالم ولا خارجه واحتج على ~~ذلك بقول هؤلاء المتفلسفة ومن وافقهم في العقول والنفوس ويقول بقولهم وقول ~~من وافقهم من متكلمي المسلمين في النفس الناطقة فجهم أول هؤلاء ومقدمهم ~~الأول ولهذا ألزمته هذه الحجة أن يصف الرب تعالى وتقدس من الحلول والاتحاد ~~بنحو مما قالته النصارى في المسيح لكن أولئك خصوه PageV01P325 بالمسيح ~~والجهمية تطلقه في الموجودات فقولهم في كل مكان نظير قول النصارى إنه حال ~~في المسيح # إذا تبين ذلك فنقول المتكلمون والفلاسفة كلهم على اختلاف مقالاتهم هم في ~~قياس الغائب على الشاهد مضطر بين كل منهم يستعمله فيما يثبته ويرد على ~~منازعه ما استعمله في ذلك وإن كان قد استعمل هو في موضع آخر ما هو دونه ~~وسبب ذلك أنهم لم يمشوا على صراط مستقيم بل صار قبوله ورده هو بحسب القول ~~لا بحسب ما يستحقه القياس العقلي كما تجدهم أيضا في النصوص النبوية كل منهم ~~يقبل منها ما وافق قوله ويرد منها ما خالف قوله وإن كان المردود من الأخبار ~~المقبولة باتفاق أهل العلم بالحديث والذي قبله من الأحاديث المكذوبة باتفاق ~~أهل العلم والحديث فحالهم في الأقيسة العقلية كحالهم في النصوص السمعية لهم ~~في ذلك من التناقض والاضطراب مالا يحصيه إلا رب الأرباب # وأما السلف والأئمة فكانوا في ذلك من العدل والاستقامة وموافقة المعقول ~~الصريح والمنقول الصحيح بحال آخر فالعصمة وإن كانت شاملة لجماعتهم فآحادهم ~~مع ذلك لا يجترؤون في مخالفة النصوص المشهورة والمعقولات المعروفة على ما ~~يجترئ عليه هؤلاء المسفسطون وكانوا يستعملون القياس العقلي على النحو الذي ~~ورد به القرآن في الأمثال التي ضربها الله تعالى للناس فإن الله ضرب للناس ~~في القرآن من كل مثل وبين بالأقيسة العقلية المقبولة بالعقل الصريح من ~~المطالب الآلهية والمقاصد الربانية مالا تصل إليه آراء هؤلاء المتكلمين في ~~PageV01P326 المسائل والوسائل في الأحكام والدلائل كما قد تكلمنا على ذلك ~~في غير موضع # والله تعالى له المثل الأعلى فلا يجوز أن يقاس على غيره قياس تمثيل يستوي ~~فيه الأصل ms265 والفرع ولا يقاس مع غيره قياس شمول تستوي أفراده في حكمه فإن ~~الله سبحانه ليس مثلا لغيره ولا مساويا له أصلا بل مثل هذا القياس هو ضرب ~~الأمثال لله وهو من الشرك والعدل بالله وجعل الند لله وجعل غيره له كفوا ~~وسميا وهم مع هذا كثير والبراءة من التشبيه والذم له وهم في مثل هذه ~~المقاييس داخلون في حقيقة التمثيل والتشبيه والعدل بالله وجعل غيره له كفوا ~~وندا وسميا كما فعلوا في مسائل الصفات والقدر وغير ذلك ولهذا ذكر الوزير ~~أبو المظفر ابن هبيرة في كتاب الإيضاح في شرح الصحاح أن أهل السنة يحكون أن ~~النطق بإثبات الصفات وأحاديثها يشتمل على كلمات متداولات بين الخالق وخلقه ~~وتحرجوا من أن يقولوا مشتركة لأن الله تعالى لا شريك له بل لله المثل ~~الأعلى وذلك هو قياس الأولى والأحرى فكلما ثبت للمخلوق من صفات الكمال ~~فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه لأنه أكمل منه ولأنه هو الذي أعطاه ذلك ~~الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه لأنه أكمل منه ولأنه هو الذي ~~أعطاه ذلك الكمال فالمعطي الكمال لغيره أولى وأحرى أن يكون هو موصوفا به إذ ~~ليس أعطى وأنه سلب نفسه ما يستحقه وجعله لغيره فإن ذلك لا يمكن بل وهب ~~PageV01P327 له من إحسانه وعطائه ما وهبه من ذلك كالحياة والعلم والقدرة ~~وكذلك ما كان منتفيا عن المخلوق لكونه نقصا وعيبا فالخالق هو أحق بأن ينزه ~~عن ذلك وقد بسطت هذه القاعدة في غير هذا الموضع # وعلى هذا فجميع الأمور الوجودية المحضة يكون الرب أحق بها لأن وجوده أكمل ~~ولأنه هو الواهب لها فهو أحق باتصافه بها وجميع الأمور العدمية المحضة يكون ~~الرب أحق بالتنزيه عنها لأنه عن العدم أبعد من سائر الموجودات ولأن العدم ~~ممتنع لذاته على ذاته وذاته بذاته تنافي العدم وما كان فيه وجود وعدم كان ~~أحق بما فيه من الوجود وأبعد عما فيه من العدم فهذا أصل ينبغي معرفته فإذا ~~أثبت له صفات الكمال من الحياة والعلم ms266 والقدرة والكلام والسمع والبصر وغير ~~ذلك بهذه الطريق القياسية العقلية التي لله فيها المثل الأعلى كان ذلك ~~اعتبارا صحيحا وكذلك إذا نفي عنه الشريك والولد والعجز والجهل ونحو ذلك ~~بمثل هذه الطريق ولهذا كان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يستعملون مثل هذه ~~الطريق في الأقيسة العقلية التي ناظروا بها الجهمية # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن كون الموجود قائما بنفسه أو موصوفا أو أن ~~له من الحقيقة والصفة والقدرة ما استحق به ألا يكون بحيث غيره وأن لا يكون ~~معدوما بل ما أوجب أن يكون قائما بنفسه مباينا لغيره وأمثال ذلك هو من ~~الأمور الوجودية باعتبار الغائب فيها بالشاهد صار على هذا الصراط المستقيم ~~فكل ما كان أقرب إلى الوجود كان إليه أقرب وكلما كان أقرب إلى المعدوم فهو ~~عنه أبعد # الوجه الثاني أن يقال من المعلوم أن لفظ الوجود هو في أصل اللغة مصدر ~~وجدت الشيء أجده وجودا ومنه قوله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء @QE@ ~~PageV01P328 وقوله @QB@ حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده @QE@ ~~وقوله @QB@ ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى @QE@ وأمثال ذلك فالموجود ~~هو الذي يحده الواجد فنسبة الموجود إلى الوجود كنسبة المعلوم إلى العلم ~~والمذكور إلى الذكر والمحس المحسوس إلى الحس والمشهود والمرئي إلى الرؤية ~~وهذا الاسم إنما يستحقه من يكون موجودا لواجد يجده لكن هم في مثل هذا قد ~~يقولون مشهود ومرئي وموجود ونحو ذلك لما يكون بحيث يشهده الشاهد ويراه ~~الرائي ويجده الواجد وإن تكلموا بذلك في الوقت الذي لا يكون فيه يشهده ~~ويراه ويجده غيره وقد لا يقولون هذا إلا في الوقت الذي يشهده الشاهد ويراه ~~الرائي ويجده الوجد وكثيرا ما يقصدون به المعنى الأول فيطلقون الموجود على ~~ما هو كائن ثابت لكونه بحيث يجده الواجد # وكذلك لفظ الوجود يريدون بها تارة المصدر الذي هو الأصل فيها ويريدون بها ~~تارة المفعول أي الموجود كما في لفظ الخلق ونحوه وكذلك لفظ الفعل فإنهم ~~يقولون وجد هذا وهذا صيغة فعل مبني للمفعول فقد يريدون بذلك ms267 أنه وجده واجد ~~وقد يريدون بذلك أنه كان وحصل حتى صار بحيث يجده الواجد ثم لما صار هذا ~~المعنى هو الغالب في قصدهم صار لفظ الموجود عندهم والوجود يراد به الثبوت ~~والكون والحصول من غير أن يستشعر فيه وجود واجد له لا بالفعل ولا ~~بالاستحقاق فهذه ثلاث معان لكن غروب هذا المعنى عن الذهن إنما كان لما لم ~~يقصد الناطق إلا نفس الكون والثبوت وإن كان المعنى الآخر لازم له # وحينئذ فنقول اتفاق الناس على استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى دليل على ~~تلازمها فكما أن كل ما وجده واجد فله حصول في نفسه فكما له حصول في نفسه ~~فإنه بحيث يجده الواجد ولا يجوز أن يسمى بالموجود ما يكون حيث لا يجده ~~الواجد لأن هذا سلب لمعنى اللفظ الذي به صح إطلاقه على هذا المسمى ~~PageV01P329 كما أن اسم الحي والعالم والقادر لما أطلقوه على المسمى ~~باعتبار كونه عالما وحيا وقادرا لم يجز أن تخرج هذه المعاني من هذه الأسماء ~~ولهذا كثيرا ممن أطلق هذا الاسم على الله تعالى لا يريد به إلا ما فيه من ~~معنى الإضافة مثل قول الداعي يا مقصود يا موجود وقول المذكر والداعي يا من ~~يجيب من قصده أو من طلب الله صادقا وجده وعلى هذا دل قوله @QB@ حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده @QE@ فإنما دل على هذا المعنى بلفظ الفعل ~~الماضي وهو قوله @QB@ ووجد الله عنده @QE@ لكنه عداه إلى مفعولين وإذا كان ~~كذلك علم أنه يجب أن يكون بحيث يجده القاصد والطالب ويجده الواجدون وهذا ~~بعينه هو أنه بحيث يحسونه فإن وجود الشيء وإحساسه متلازمان بل هو هو لا ~~يستعمل لفظ موجود ووجدته فيما لا يحس ولا يمكن الإحساس به البتة # وهذا معنى احتجاج المثبتة بهذا كما قال القاضي أبو يعلى حيث قال في قوله ~~الآخر أثبت الجهة بعد أن كان ينفيها ولأن من نفى الجهة من المعتزلة ~~والأشعرية يقولون ليس هو في جهة ولا خارج منها وقائل هذا بمثابة من ms268 قال ~~إثبات موجود مع وجود غيره لا يكون أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده قال ولأن ~~العوام لا يفرقون بين قول القائل طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله ~~طلبته فإذا هو معدوم فبينوا أن المستقر في فطر الناس أن قولهم طلبته فلم ~~أجده في موضع ما هو يدل على أنهم لم يحسوه في أين من الأيون هذا بمنزلة ~~قولهم فإذا هو معدوم لأن ضد المعدوم هو ما يكون حيث يجده الواجد وقولنا ~~بحيث يجده الواجد هو إشارة إلى الأين الذي يوجد فيه فمالا أين له ولا حيث ~~يمتنع أن يجده الواجد وما امتنع لأن يجده الواجد لم يكن موجودا PageV01P330 ~~بل كان معدوما كما بين أن نفي الأين والحيث ونحوهما من الظروف من جميع ~~الوجوه كنفي المقارنة بالقبل والبعد والمع ومعلوم أن هذا لا ينطبق إلا على ~~المعدوم فكذلك الآخر # والذي يحقق هذا أنك لست تجد أحدا من أهل الفطر السليمة مع ذكائه ونظره ~~وجودة تصوره إلا إذا بينت له حقيقة قول السالبة قال هذا لا شيء ولهذا كثر ~~كلام الناس فيهم بالخبر عنهم بأنهم معطلون وأنهم أعدموه وأمثال ذلك وقد ~~استقرئت أنا في طوائف من الآدميين فوجدت فطرهم كلهم على هذا # الوجه الثالث أن يقولوا نحن نعلم بالضرورة العقلية أن الموجود إما أن ~~يكون موصوفا وإما أن يكون صفة أو نعلم أن القائم بنفسه لا يكون إلا موصوفا ~~وهذا متفق عليه بين الصفاتية ومن نازع في ذلك قيل له أنت توافقنا على ما هو ~~معلوم بالفطرة من أن الموجود القائم بنفسه لا بد أن يوصف أي يخبر عنه بما ~~هو مختص به متميز به عن غيره إذ الموجود في الخارج لا يكون مرسلا مطلقا لا ~~يتميز بشيء بل فساد هذا معلوم بالضرورة باتفاق العقلاء المتفقين على أن ~~الكلي لا يكون في الخارج كليا مطلقا بل لا يكون إلا مخصوصا معينا وإذا كان ~~كذلك فلا يعني بالموصوف إلا ما يوصف سواء قيل إن الصفة ذاتية أو معنوية ~~كقولنا الموجود ms269 إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وكذلك نعلم أن الموجود إما ~~جسم وإما عرض وإما متحيز وإما قائم بمتحيز لمن كان يفهم معاني هذه العبارات ~~الاصطلاحية فإن من فهم هذا وهذا وهذا وتصوره تصورا تاما حصل له حينئذ العلم ~~البديهي والضروري الفطري فإن العلم البديهي يعنون به ما كان تصور طرفيه ~~كافيا في التصديق به فعدم التصديق به كثيرا ما يكون لعدم التصور الصحيح ~~للطرفين PageV01P331 وهذه العبارات المجملة قد لا يتصور أكثر الناس من إذا ~~هل الاصطلاح بها فإذا تصوروا معناها ومعنى الموصوف والقائم بنفسه كان علمهم ~~بهذا كعلمهم بهذا كل ذلك فطري ولذلك اتفق على ذلك محققو المثبتة ومحققو ~~النفاة أما النفاة العقلاء من المتفلسفة والقرامطة وأهل الوحدة وأمثال ~~هؤلاء فقد علموا أنهم مضطرون إلى أن يقولوا هو الوجود المطلق وهو لا يتعين ~~ولا يتخصص ولا كذا ولا كذا لعلمهم بأنه متى كانت له حقيقة معينة في الخارج ~~وخاصة تميزها لزم أن يكون جسما متحيزا داخل العالم أو خارجه وهم قد يسلمون ~~نفي ذلك فصاروا دائرين بين المعنى الذي سموه تجسيما وبين هذا النفي ~~والتعطيل فذهبوا إلى هذا لكنهم ظنوا إمكان وجود ما أثبتوه في الخارج وجميع ~~العقلاء يعلمون بالفطرة الضرورية استحالة وجود مطلق في الخارج ويعلمون أن ~~المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الأذهان لا في الأعيان وهؤلاء أيضا يعلمون ~~ذلك إذا تدبروه ورجعوا إلى ما معهم من العلوم الفطرية الصحيحة العقلية # ولهذا لما خاطبت بهذا غير واحد من أفاضل أهل الوحدة الكبار وثبت هذا لهم ~~تبين الأمر وعلموا من أين دخل الداخل على من كان عندهم أئمة العالم في ~~التحقيق والعرفان ومن كان حاذقا في هذه الأمور منهم يقول ثبت عندنا في ~~الكشف ما يناقض صرائح العقول ولذلك عبر هذا بالكشف والذوق والمشاهدة وهذا ~~لا يحصل إلا بالرياضة والمجاهدة والخلوة ونحو ذلك من الطرق العبادية ~~الزهدية الصوفية # وقلت لبعض أكابرهم لما خاطبني في هذا وكان مهتما في ذلك وطلب مني أن لا ~~أخاطبه بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ms270 وقال أنا لا أقول إنها خبر ~~PageV01P332 والخبر محتمل لكن أمور أخرى وكنت علمت من حاله ما علمت معه ضعف ~~تلك الأدلة في نفسه وكان مخاطبته بالأمور العقلية أيسر عليه وأبين له وإن ~~كان ذلك مما بينه كتاب الله تعالى الذي ضرب للناس فيه من كل مثل وجعله ~~حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه وأخبر المؤمنين عند التنازع @QB@ في ~~ظلمات @QE@ و @QB@ لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك @QE@ وقال @QB@ فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ كما قال تعالى @QB@ ~~أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها @QE@ ونحو ذلك مما يبين أن ~~القول المختلف باطل وذم من لا يعقل مثل ذلك ويعمى عن الحق المعقول فقلت له ~~لا نزاع في أنه قد يحصل من العلم بالكشف والمشاهدة مالا يحصل بمجرد العقل ~~سواء كان للأنبياء فقط أو للأنبياء والأولياء أو لهم ولغيرهم لكن يجب الفرق ~~بين ما يقصر العقل عن دركه وما يعلم العقل استحالته بين مالا يعلم العقل ~~ثبوته وبين ما يعلم العقل انتفاءه بين محارات العقول ومحالات العقول فإن ~~الرسل صلوات الله عليهم وسلامه قد يخبرون بمحارات العقول وهو ما تعجز ~~العقول عن معرفته ولا يخبرون بمحالات العقول وهو ما يعلم العقل استحالته ~~قلت وهذا بين واضح فلو قال قائل إنه يعلم بالكشف والذوق والمشاهدة أو ~~بالأخبار عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو غير ذلك أن الواحد ليس نصف ~~الاثنين وأن الواجب لذاته يكون ممتنعا لذاته وأن المخلوق يماثل الخالق في ~~الحقيقة وأن الوجود كله ممكن الوجود ليس في الوجود وجود واجب ولا وجود قديم ~~ونحو ذلك من القضايا التي يعلم العقل وجوبها وامتناعها وإمكانها فمن ادعى ~~أنه يعلم بالكشف والبصر أو بالسماع والخير عن الأنبياء عليهم السلام ما ~~ينافي هذا كانت هذه الدعوى باطلة فلما بينت له ذلك اعترف بهذا الأصل وبه ~~يتبين زيف هؤلاء فلما تقرر PageV01P333 هذا ثبت له أن العقل الصريح يمنع أن ~~يكون في الخارج وجود كلي مطلق بشرط الإطلاق وأن الكليات ms271 بشرط إطلاقها أو ~~عمومها إنما وجودها في الأذهان لا في الخارج وكان عارفا بهذه العلوم وبينت ~~له ما تستلزم أقوالهم الكثيرة من الجمع بين المتناقضات التي هي معلوم ~~استحالتها ببداية العقول وما كان كذلك فإذا ادعى أنه عرفه كشفا وشهودا أو ~~ذوقا علم أنه خيالات فاسدة وأذواق فاسدة وذلك أنه لا بد من أحد الأمرين إما ~~أن يكون قد شهد ما وجوده في الأذهان فاعتقد وجوده في الأعيان كما يقع لكثير ~~من الناس ومعلوم أن شهود الشيء غير العلم بكونه في النفس أو الخارج وهؤلاء ~~قد يحصل لهم مجرد الشهود من غير تمييز بين الموجود في النفس أو الخارج ~~وكثيرا ما يضلهم الشيطان بتخيلات لا حقيقة لها في الخارج وإما أن يكون قد ~~شهد ما وجوده في الخارج فظن أنه الخالق وإنما هو مخلوق ليس هو الخالق فكل ~~شهود وذوق وكشف يدعى فيه أن المشهود بالقلب هو الله وذلك مما يناقض المعلوم ~~بصريح العقل ويخالف الكتاب والسنة والإجماع فإنه يكون المشهود به إما في ~~الذهن وإما في الخارج ولكن ليس هو الله ولا هو ما يقال هو وجوده ولا ذاته ~~وبسط الكلام في هذا له موضع آخر # فإن المؤسس وأمثاله وإن كانوا هم وهؤلاء يشتركون في إنكار الأصل وهو ~~إنكار حقيقة وجود الله ومباينته لخلقه الذي يستلزم إنكاره هذه المقالات ~~المتناقضة وفي الإقرار يثبتون ما يخالف ذلك من الأمور الممتنعة لكن هو ~~وأمثاله لا يقولون بهذا ويسلمون أنه ليس وجودا مطلقا بل له حقيقة تختص به ~~يمتاز بها عن من سواه PageV01P334 # ولكن المقصود بيان أنه هو وأمثاله كما يعلمون بصريح العقل بطلان قول ~~هؤلاء النفاة فالمثبتة يعلمون بصريح العقل امتناع أن يكون موجودا معينا ~~مخصوصا قائما بنفسه ويكون مع ذلك لا داخل العالم ولا خارجه وأنه في ~~اصطلاحهم لا جسم ولا عرض ولا جسم ولا متحيز كما يعلمون أنه يمتنع أن يقال ~~إنه لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره فإنك إذا استفسرتهم عن معنى التحيز ومعنى ~~الجسم فسروه بما يعلم ms272 أنه الموصوف بأنه القائم بنفسه ولهذا لا يعقل أحد ما ~~هو قائم بنفسه إلا ما يقولون هو متحيز وجسم فدعوى المدعين وجود موجود ليس ~~بمتحيز ولا جسم ولا قائم بمتحيز أو جسم مثل دعواهم وجود موجود ليس قائما ~~بنفسه ولا قائما بغيره # وهذا يتبين بالوجه الرابع وهو أن يقال هم لا ينازعون أن الموجود إما قائم ~~بنفسه وإما قائم بغيره والله سبحانه وتعالى قائم بنفسه وإن نازعوا في وصف ~~غيره بأنه قائم بنفسه لتنازعهم في أن القائم بنفسه هل يراد به الموجود ~~المستغني عن المحل أو المستغني عن المحل والمخصص والمكان وغير ذلك لكن ~~المقصود هنا أنه لا يعقل ما هو قائم بنفسه بمعنى أنه غير حال في محل إلا ما ~~هو مختص بما يقولون إنه جهة وإن كان حقيقته أمرا عدميا وما تصح عليه ~~المحاذاة على اصطلاحهم وما هو في اصطلاحهم جسم ومتحيز هو المعدوم في صرائح ~~العقول ومن قيل له هل تعقل شيئا قائما بنفسه ليس في محل وهو مع هذا ليس ~~بجسم ولا جوهر ولا متحيز ومع هذا إنه لا يجوز أن يكون فوق غيره ولا تحته ~~ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا أمامه ولا وراءه وأنه لا يكون مجامعا له ولا ~~مفارقا له ولا قريبا منه ولا بعيدا عنه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه ولا ~~مماسا له ولا محايثا له وأنه لا يشار إليه بأنه هنا أو هناك ولا يشار إلى ~~شيء منه دون شيء ولا يرى منه شيء دون شيء ونحو PageV01P335 ذلك من الأوصاف ~~السلبية التي يجب أن يوصف بها ما يقال إنه ليس بجسم ولا متحيز لقال حاكما ~~بصريح عقله هذه صفة المعدوم لا الموجود كما سمعنا ورأينا إنه يقول ذلك عامة ~~من يذكر له ذلك من أهل العقول الصحيحة الذكية وكما يجده العاقل في نفسه إذا ~~تأمل هذا القول وأعرض عما تلقنه من الاعتقادات السلبية وما اعتقده من ~~يعظمها ويعظم قائلها واعتقاده أنهم حرروا هذه المعقولات فإن هذه العقائد ~~التقليدية هي ms273 التي تصد القلوب عما فطرت عليه كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه # ثم إن هذه المقالات السلبية لم يقل شيئا منها إمام من أئمة المسلمين ولا ~~نطق بها كتاب ولا سنة والطوائف المتكلمون قد أنكرها من حذاقهم من لا يحصيه ~~إلا الله # فإن قيل الاستغناء عن المحل وصف سلبي فإذا كان القيام بالنفس وصفا سلبيا ~~لم يدل على معنى ثبوتي وهو كونه متحيزا أو جسما # قال له منازعه أولا هذا منقوض بوصف الأجسام والجواهر بأنها قائمة بنفسها ~~غنية عن المحل فإن هذا السلب يستلزم هذا الثبوت # وقالوا ثانيا نحن لم نجعل نفي السلب هو الثبوت وإنما قلت الشيء الموجود ~~المحكوم عليه المخبر عنه بهذا السلب هو الذي يعلم القلب أنه محكوم عليه ~~مخبر عنه بهذا الثبوت ونعلم أن لا يكون هذا السلب عن أمر موجود إلا مع هذا ~~الثبوت # وقالوا ثالثا المستلزم لهذا الثبوت هو الأمر الوجودي المسلوب عنه المحل ~~فهذا الأمر الوجودي هو الذي سموه المتحيز والجسم PageV01P336 وقالوا رابعا ~~وهو الوجه الخامس إن القائم بنفسه لا يقوم بالقائم بنفسه ولا يكونان في حيز ~~واحد بل كل منهما يمتنع أن يكون بحيث هو الآخر وهذا معنى قول المتكلمين إن ~~الأجسام لا تتداخل ولما ذكروا عن النظام أنها تتداخل قالوا هذا قريب من جحد ~~الضرورة ومن قال تتداخل لم يرد المعنى الذي يعلم بالضرورة بطلانه ولكن ~~النظام جعل أعراض الجسم غير الحركة أجساما كاللون والطعم والريح وهذه ~~متداخلة في محل واحد وهذا لا نزاع فيه وإنما النزاع في تسميته أجساما فأما ~~الجسم القائم بنفسه فلم يقل أحد أنه يداخل مثله بل إذا تحلل في تضاعيف غيره ~~زاد ذلك الغير في نفس حجمه وإذا كان القائمان بأنفسهما لا يكون أحدهما بحيث ~~الآخر وإن كان القيام بالنفس عبارة عن عدم المحل فمعلوم أن كل واحد منهما ~~له حيث يخصه وهو حيزه أو له قدر يخصه وجسم يخصه ونحو ذلك من العبارات ms274 وذلك ~~مانع من المحايثة والمداخلة وإلا فإذا قدر أن كلا من الصفتين عدمي فالأمور ~~العدمية لا تكون مانعة من الأمور الوجودية # والمتكلمون قد ذكروا تعليق منع كون الجسم بحيث الجسم الآخر فقال المعتزلة ~~وطائفة من الصفاتية المانع منه التحيز والموجب لهذا الامتناع التحيز وعلى ~~هذا فيجب نفي الحكم لانتفاء علته فما لا يكون متحيزا لا يكون مانعا من ذلك ~~ما ذكرناه وقال بعضهم الموجب لذلك تضاد كونهما وعلى هذا فما لا يكون لا ~~يضاد غيره والأكوان إنما تكون للأجسام باتفاقهم وهو ظاهر وقال بعضهم ~~الاستحالة والامتناع لا يعلل أي هي ثابتة للذات وعلى هذا فالمعلوم إن ذلك ~~ثابت للذوات المتحيزة فما لا يكون متحيزا لا تعقل فيه هذه PageV01P337 ~~الاستحالة وعلى كل تقدير فيجب أن يكون ما ليس بمتحيز إذا كان قائما بنفسه ~~أن لا يكون مانعا لغيره أن يداخله وهذا باطل قطعا وإذا كانت القلوب تعلم ~~بالضرورة أن القائم بنفسه مانع لغيره من المداخلة وهذا الحكم مختص بالمتحيز ~~علم أنها لا تعلم قائما بنفسه إلا المتحيز # الوجه السادس أن يقال ما علم به أن الموجود الممكن والمحدث لا يكون إلا ~~جسما أو عرضا أو لا يكون إلا جوهرا أو جسما أو عرضا أو لا يكون إلا متحيزا ~~أو قائما بمتحيز أو لا يكون إلا موصوفا أو لا يكون إلا قائما بنفسه أو ~~بغيره يعلم به أن الموجود لا يكون إلا كذلك فإن الفطرة العقلية التي حكمت ~~بذلك لم تفرق فيه بين موجود وموجود ولكن لما اعتقدت أن الموجود الواجب ~~القديم يمتنع فيه هذا أخرجته من التقسيم لا لأن الفطرة السليمة والعقل ~~الصريح مما يخرج ذلك ونحن لم نتكلم فيما دل على نفي ذلك عن الباري فإن هذا ~~من باب المعارض وسنتكلم عليه وإنما المقصود هنا بيان أن ما به يعلم هذا ~~التقسيم في الممكن والمحدث هو بعينه يعلم به التقسيم في الموجود مطلقا ~~والمعتزلة ومن اتبعهم الذين يخرجون القديم من هذا التقسيم مما اعتقدوه لما ~~اعتقدوه وهذا قول طائفة من ms275 الفلاسفة لا جميعهم وكذلك ذاك قول طائفة من ~~المتكلمين لا جميعهم وكما أن قول هؤلاء الفلاسفة لم يكن مانعا للمتكلمين ~~ومن وافقهم من الفلاسفة من هذا التقسيم فكذلك قول هؤلاء المتكلمين ليس ~~مانعا لمن خالفوه من جماهير الناس وأهل الكلام والفلسفة من هذا التقسيم # ولهذا قال أئمة المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية ومن ~~أخذ ذلك عنهم من متكلمي الصفاتية كالأستاذ أبي المعالي إمام الحرمين ~~وأمثاله في PageV01P338 تقسيم الموجودات الموجود إما أن كون له أول وإما أن ~~يكون بلا أول والذي له أول هو الحادث وهذه قسمة بديهية مستندة إلى إثبات ~~ونفي الحوادث إلى المحل وهذه القسمة أيضا تستند إلى نفي وإثبات قال ولو قيل ~~هذه القسمة قسمة الموجودات لم يكن بعيدا غير أن الوجود الأول لا بدو له ولا ~~نهاية لوجوده وكذلك أيضا لا نهاية لذاته ولا نهاية لصفاته وجودا وحكما ~~فكذلك لا يتطرق إلى ذات القديم ولا إلى صفاته الأوهام ولا تجول فيه الأفكار # قلت وهذا لا يمنع من التقسيم فإن وصفه بالنهاية وعدمها فيه ما هو معروف ~~في موضعه وهو لا يريد بسلبها أن ذاته لا تتناهى إنما يريد أنها بحيث لا ~~يقال فيها هي متناهية أو ليست متناهية فهي عنده لا تقبل أحدا من الوصفين ~~كما لا تقبل الوصف بالمحايثة والمباينة والدخول والخروج ونحو ذلك والخلو عن ~~هذين الوصفين فرع إمكان ذلك أو ثبوته فلا يجعل دليلا على ما يقتضي وجوده إذ ~~الشيء لا يكون دليلا على نفسه إذا كان مطلوبا بالدليل فكيف تكون دعوى ~~الإمكان والثبوت دليلا على وجود الشيء قبل العلم بوجوده # وأيضا فقوله لا تتطرق إليه الأوهام ولا تجول فيه الأفكار إن أراد به لا ~~تحيط به ولا تدركه فهذا حق وإن أراد به لا تثبته ولا تقر به فهذا باطل # وأيضا فعدم التناهي وعدم تطرق الأوهام والأفكار لا يمنع صحة التقسيم كما ~~إذا قلنا الموجود إما قديم وإما حادث والموجود إما قائم بنفسه وإما قائم ~~بغيره وإما خالق وإما مخلوق وقد قال ms276 أولا في أقسام الموجودات تنقسم قسمين ~~موجود لا افتتاح لوجوده وهذا القديم سبحانه وصفاته وموجود PageV01P339 ~~لوجوده افتتاح وهو الحادث قال وهذه قسمة بديهية مستندة إلى إثبات ونفي لأن ~~الموجود إما أن يكون له أول وإما أن لا يكون له أول فإذا كان قد أدخله في ~~تقسيم الموجود إلى قديم ومحدث فكذلك يجب أن يدخله في قسمة الموجود إلى ~~مستقل ومفتقر بل هذا التقسيم أبين وأوضح والعقلاء متفقون عليه فإنه لا نزاع ~~بينهم أن الباري سبحانه هو موجود مستقل غير مفتقر كما أنهم متفقون على أنه ~~قديم غير محدث لكن العلم باستقلاله وقيامه بنفسه هو أولى به وأبين وأسبق في ~~القلب من كونه قديما كما أن العلم بوجوده أولى به من العلم بوجوب وجوده إذ ~~لو لم يكن مستقلا بنفسه غنيا عن المحل امتنع أن يكون واجبا بخلاف العكس فإن ~~ما لم يكن قديما وحده أو لم يكن واجبا بنفسه يمتنع أن يكون مستقلا أو ~~موجودا فصار هذا مع هذا كالذات والصفات # وأيضا فإذا كان الموجود الأزلي لا بدو له ولا نهاية لوجوده وذلك لا يمنع ~~من دخوله في تقسيم الموجود إلى قديم وحادث فكذلك كونه لا نهاية لذاته وضعا ~~إن صح ذلك لا يكون مانعا من دخوله في التقسيم إلى مستقل ومفتقر # ومما يبين ذلك أن التقسيم الأول بالنسبة إلى الدهر والزمان كالتقسيم ~~الثاني بالنسبة إلى الحيز والمكان فإن الحادث بالنسبة إلى الدهر والزمان ~~كالمفتقر إلى محل بالنسبة إلى الحيز والمكان والقديم لا تحصره الأزمنة ~~كالمستقبل الذي لا تحويه الأمكنة # ثم قال هؤلاء المحدث الذي يستغني عن المحل هو الجوهر في اصطلاح المتكلمين ~~والمفتقر إلى المحل هو العرض ويشمل القسمين اسم العالم ثم إن طائفة من ~~متكلمة المعتزلة لما أثبتوا أعراضا لا في محل كالإرادة PageV01P340 ~~والكراهة والفناء اتفق سائر العقلاء على أن هذا خروج عن المعقول لكونه أثبت ~~مالا يقوم بنفسه لا في محل فكذلك من أثبت قائما بنفسه ليس مباينا لغيره فإن ~~علم العقل باستحالة عرض لا في محل ms277 كعلمه باستحالة قائم بنفسه ليس بمباين أو ~~ليس بجسم كما أن الأول فيه جمع بين المتناقضين في الحس والخيال والعقل كذلك ~~في الثاني جمع بين المتناقضين في الحس والخيال والعقل # ثم قالوا فإن قيل هل في المقدور حدوث ما يخرج عن القسمين # قلنا إنما يوصف الرب سبحانه وتعالى بالاقتدار على الممكنات وليس ذلك من ~~الممكنات فإن الذي يحصره ويضبطه الذكر حسا أو حكما على هذا الحكم قسمان ~~أحدهما موجود وهو جرم متحيز لو اتصل بمثله اتصل به على طريق المجاورة لا ~~بالمداخلة والحقيقية بل ينحاز أحدهما عن الآخر ويختص عنه بجهة ويصير أحد ~~جهاته ولو نظر الناظر إليهما أدركهما شيئين متجاورين لكل واحد منهما حظ من ~~المساحة وما هذا وصفه قد يسمى قائما بنفسه لاستغنائه عن محل يقوم به فيكون ~~صفة له ومعنى تحيزه شغله الحيز وأنه إذا وجد في فراغ أخرجه عن كونه فراغا ~~وما هذا وصفه يسمى جوهرا وأما القسم الثاني وهو الذي لو قدر شيئان منه لا ~~يمتنع حصولهما في محل واحد وحيث واحد ولا يتصور ازدحامهما فيه # ومن تأمل ما ذكرنا من القسمين وأنصف علم استحالة تقدير قسم ثالث خارج عن ~~القسمين وهذا الكلام يتناول الموجود مطلقا ويقال فيه مطلقا ما قاله في ~~المحدث فإن قوله الذي يضبطه الذكر حسا أو حكما يعم ذلك في الموجود لا يفرق ~~في ذلك بين كونه قديما أو محدثا بل ضبط الذكر حسا PageV01P341 أو حكما ~~لهذين القسمين هو للموجود مطلقا من غير تقييد بحدوث أو قدم ويبين ذلك أن ~~الذكر يضبط هذين القسمين قبل علمه بانقسام الموجود إلى محدث وقديم وقبل ~~علمه باستحالة وصف القديم بأحدهما أو بهما أو جواز ذلك عليه # وبالجملة فحكم الفطرة إن كان مقبولا في هذا التقسيم فهو مقبول مطلقا وإن ~~لم يكن مقبولا فليس مقبولا مطلقا إذ الفطرة لا تفرق ولهذا كان يقول غير ~~واحد من الفضلاء العالمين بالفلسفة والشريعة ما ثم إلا مذهب المثبتة أو ~~الفلاسفة وما بينهما متناقض وثبت أن الفلاسفة أكثر تناقضا ms278 # الوجه السابع أن ما به يعلم أنه لا بد لكل موجود في الخارج من صفة وخاصة ~~ينفصل بها ويتميز بها عما سواه يعلم أنه لا بد لكل موجود من حد ومقدار ~~ينفصل به عما سواه إذ كل موجود فلا بد له من صفة تخصه وقدر يخصه وليس ~~المراد بالحد هنا الحد النوعي فإن ذلك هو القول الدال على المحدود وهو كلي ~~لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه وإذا أريد بالحد نفس المحدود ~~وحقيقته فليس في الخارج محدود كلي بشرط كونه كليا بل يقال حقيقة هذا تشبه ~~حقيقة هذا فالحدود على هذا تتشابه وتتماثل إذا عني بها حقيقة الموجودات ~~الخارجية ولا بد لكل موجود من هذه الحدود والحقائق كما ذكرنا وتقدير موجود ~~قائم بنفسه ليس له صفة ولا قدر هو الذي يراد بالكيفية والكمية كتقدير موجود ~~ليس قائما بنفسه ولا بغيره وهو الذي يراد بالعرض والجوهر ولهذا كان السلف ~~والأئمة يقولون إن الكيف غير معقول وغير معلوم ويقولون إن لله عز وجل حدا ~~لا يعلمه إلا هو فهم دائما ينفون علم العباد بكيفية الرب وكيفية صفاته ~~وبحده وحد صفاته لا ينفون ثبوت ذلك في نفسه بل ينفون علمنا به PageV01P342 # يبين هذا أن الذي قاله أئمة أهل الكلام في الصفة يقال مثله في القدر قال ~~الأستاذ أبو المعالي ذهب قدماء المعتزلة إلى أن حقيقة الإله قدمه وذلك أخص ~~وصفة وقال بعضهم حقيقته وجوب وجوده وقال أبو هاشم أخص وصف الإله به حال هو ~~عليها يوجب كونه حيا عالما قادرا قال فهذا قول جهم لا بيان له قال وأما ~~أصحابنا فقال بعضهم حقيقته تقدسه عن مناسبة الحوادث في جهات الاتصالات وقال ~~بعضهم حقيقته غناه وقال بعضهم حقيقته قيامه بنفسه بلا نهاية قال وهذه ~~العبارات تشير إلى نفي الحاجة وقال الأستاذ يعني أبا إسحاق حقيقة الإله صفة ~~تامة اقتضت له التنزه عن مناسبة الحدثان قال أبو المعالي وهذا أيضا فيه ~~إيهام لأنه يلقى من صفة النفي إثبات قال وحكى القاضي أبو جعفر ms279 السمناني عن ~~القاضي أبي بكر حقيقة الإله لا سبيل إلى إدراكها هذا الأوان قال وسنعود إلى ~~هذا في كتاب الإدراكات قال وكان شيخنا أبو القاسم القشيري يقول هو الظاهر ~~بآياته الباطن فلا سبيل إلى درك حقيقته وقال الأستاذ أبو المعالي لا شك في ~~ثبوت وجوده سبحانه وتعالى فأما الموجود المرسل من غير اختصاص بصفة تميزه عن ~~غيره فمحال لكن ليس يتطرق إليها العقول ولا هي علم هجمي ولا علم مبحوث عنه ~~إنا لا نقول إن حقيقة الإله لا يصح العلم بها فإنه سبحانه وتعالى يعلم ~~حقيقة نفسه وليس للمقدور الممكن من مزايا العقول عندنا موقف ينتهي إليه ولا ~~يمتنع في قضية العقل مزية لو وجدت لاقتضت العلم بحقيقة الإله PageV01P343 # قلت المقصود هنا أنه بين امتناع أن يكون وجوده مرسلا وهو المطلق من غير ~~اختصاص بصفة تميزه عن غيره وأنه يعلم تلك الحقيقة وجوز أن يعلمها العباد # وأما الذي أحال عليه في كتاب الإدراكات فإنه قال في باب الرؤية $ فصل # قال ضرار بن عمرو إن الباري يستحيل أن يدرك بالحواس الخمس ولكن يجوز أن ~~يخلق الله تعالى لأهل الثواب حاسة سادسة تخالف الحواس الخمس فيدركونه بها ~~ثم قال هذا الرجل لله عز وجل مائية لا يعلمها في وقتنا إلا هو ثم تردد فقال ~~مرة لا يصح أن يعلم مائية الرب تعالى في الدنيا والعقبى غيره وقال مرة بل ~~يعلمها من يدرك الرب تعالى ويراه وهو سبحانه رأى نفسه عالم بمائيته ونحن ~~إذا رأيناه علمنا مائيته قال القاضي أبو بكر الخلسة قد تطلق والمراد بها ~~الإدراك يقال أحس فلان إذا أدركه وقد يراد بها الجارحة فإن أراد ضرار ~~بالحاسة الجارحة والبينة المخالفة لبقية الحواس شاهدا فقد سبق الرد على من ~~قال الإدراك مفتقر إلى بينة وإن زعم أن الإدراك هو الذي أثبته خارج من قبيل ~~الإدراكات إلا أنه مخالف لها مخالفة متعلقه متعلق الإدراكات فهذا صحيح ~~ولكنه أخطأ في تسميته سادسا وإن هو أومى فيما ذهب إليه إلى اختلاف ~~الإدراكات فتخرج الإدراكات ms280 شاهدا عن الخمس والخمسين قال القاضي فلو قال ~~قائل فما مذهب الرجل قلنا مذهبه إثبات الرؤية بشرط بينة سادسة وصرف الحاسة ~~إلى البينة والتأليف دون الإدراك # قلت الحاسة يراد بها الإدراك ويراد بها القوة التي في العضو والسادس يجوز ~~أن يراد به البينة والتأليف ويجوز أن يراد به القوة PageV01P344 ويجوز أن ~~يراد به الإدراك أي يخلق جنسا من الرؤية مخالفا للجنس الموجود في الدنيا ~~وهذا من جنس قول هؤلاء الذين يقولون يرى لا في جهة وليس المقصود هنا ذلك # قال وأما المائية التي أثبتها فقد صار إلى إثباتها بعض الكرامية ولم ~~يسلكوا في ذلك مسلك ضرار فإنه من نفاة الصفات وإن عنى بها صفة نفسه وحالا ~~فهو مذهب أبي هاشم فإنه صار إلى أنه سبحانه وتعالى في ذاته على صفة وحالة ~~وهي أخص وصفه وبها يخالف خلقه وهذا تصريح بمذهب ضرار وإنما اختلفا في ~~العبارة فإن أبا هاشم سماها خاصة وسماها ضرار مائية وقد رددنا على أبي هاشم ~~مذهبه في إثبات الأحوال وقال القاضي أبو بكر لا بعد عندي فيما قاله ضرار ~~فإن الرب سبحانه وتعالى يخالف خلقه بأخص صفاته فيعلم على الجملة اختصاص ~~الرب بصفة يخالف بها خلقه ولا سبيل إلى صرف الأخص إلى الوجود والعدم ولا شك ~~في امتناع صرفها إلى الصفات المعنوية فهذا أقصى ما يقال في ذلك قال وقد ~~تردد القاضي في أن الذين يرون الله في الدار الآخرة هل يعلمون تلك الصفة ~~التي يسميها أخص وصفه وسماها ضرار مائية أم لا فمرة قال يعلمونها ومرة قال ~~لا يعملها أحد إلا الله تعالى قال وقد قدمنا من مذهب الأستاذ أبي إسحاق أنه ~~أوجب لله صفة توجب التقديس عن الأحياز والجهات والانفراد بنعوت الجلال فإنا ~~نعلم أنه ليس من قبيل ما نشاهده من الجواهر والأعراض وأنه مما لا يتصور في ~~الأوهام ولسنا نعني بقولنا ليس في العالم ولا خارج العالم نفي وجوده تعالى ~~كما نسبتنا إلى ذلك المجسمة وإنما نعني به إثبات وجود غير محدود بوجه ومن ms281 ~~أثبت لله حدا ونهاية من وجه فيلزمه إثبات النهاية من سائر الجهات فإن قول ~~القائل إنه في العالم أو خارج العالم يقتضي حدا ونهاية يصح لأجلهما عليه ~~الدخول PageV01P345 في العالم أو الخروج منه وقال بعض المتكلمين أخص وصفه ~~وجوب وجوده وقال بعض أصحابنا أخص وصفه قيامه بنفسه مع انتفاء النهاية ~~والحجمية وهذا معنى قول الأستاذ ولم ينقل عن شيخنا أبي الحسن رحمه الله ~~تعالى في ذلك شيء غير أنه قال إنما ينفرد الرب سبحانه عن الأغيار بالآلهية ~~وهي قدرته على الاختراع واستحقاقه لنعوت الجلال وذكر الأستاذ أبو بكر في ~~كتاب الانتصار عن بعض الأصحاب أنه قال لله سبحانه وتعالى مائية ثم فسرها ~~بصفاته التي تفرد بها عن المخلوقات من العلم المحيط والقدرة الكاملة ~~والإرادة النافذة وغير ذلك من تقدسه عن سمات الحدث ومن الكرامية من أثبت ~~لله كيفية ومائية فإن عنوا بالمائية ما أشار أليه القاضي والأستاذ وما ~~أراهم يريدون ذلك فيبقى بيننا وبينهم الاختلاف في الاسم فنحن نقول المائية ~~تقتضي الجنس والكيفية تقتضي الكمية والشكل ويتعالى الله عن ذلك فإنه ليس ~~نوعا لجنس ولا جنسا لنوع بل هو الأحد الصمد # قلت ليس هذا موضع بسط الكلام على هذا فإن قوله المائية تقتضي الجنس إنما ~~يعني أن يكون له ما يجانسه أي يماثله في حقيقته وليس الأمر كذلك فإن من ~~أثبت له مائية وهي الحقيقة التي تخصه ويمتاز بها عن غيره لم يلزمه أن تكون ~~تلك المائية من جنس المائيات كما أن الذين يطلقون عليه اسم الذات لا يلزمهم ~~أن تكون ذاته من جنس سائر الذوات وإن فسر ذلك بثبوت قدر ما يتفقان فيه فهذا ~~لا بد منه على كل تقدير ولفظ الجنس فيه عدة اصطلاحات فإن فسر بما يوجب مثلا ~~لله فهو منتف عنه وإن فسر بالحد اللغوي الذي هو مدلول الأسماء المتواطأة ~~والمشككة كما في اسم الحي والعليم والقدير ونحو ذلك من الأسماء فهذا لا بد ~~منه باتفاق أهل الأثبات والنزاع في ذلك معروف عن الملاحدة ومن ضاهاهم ms282 ونفي ~~ذلك تعطيل محض PageV01P346 # وأما قوله الكيفية تقتضي الكمية والشكل فإنه إن أراد أنها تستلزم ذلك ~~فمعلوم أن الذين أثبتوا الكيفية إنما أرادوا الصفات التي تخصه كما تقدم ~~وإذا كان هذا مستلزما للكمية فهو الذي يذكره المنازعون أنه ما من موصوف ~~بصفة الأولة قدر يخصه وأكثر أهل الحديث والسنة من أصحاب الإمام أحمد رحمه ~~الله وغيرهم لا ينفون ثبوت الكيفية في نفس الأمر بل يقولون لا نعلم الكيفية ~~ويقولون لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال بل كما قال الشريف ~~أبو علي ابن أبي موسى وأبو الفرج المقدسي وغيرهما وهو موافق لقول السلف رضي ~~الله عنهم والأئمة كما قالوا لا يعلم كيف هو إلا هو كما قال مالك الاستواء ~~معلوم والكيف مجهول وأمثال هذا كثير في كلامهم ومنهم من ينفي ذلك ويقول لا ~~ماهية له فتجري في مقال ولا كيف فيخطر ببال وهذا قول ابن عقيل وغيره وهذا ~~موافق لقول نفاة الصفات # فقد تبين أن الأقوال في وجود الحق على مراتب فمن قال إنه وجود مطلق فقوله ~~باطل بالبديهة ومن قال إنه يتميز بصفات سلبية مثل امتناع عدمه ونحو ذلك فهو ~~نظيره بل هو هو ومن قال يتميز ببعض الصفات المعنوية كعلمه وقدرته قيل له ~~وإن اختص بذلك لكن لا بد من ذات موصوفة بتلك الصفة وأن تكون الذات لها ~~حقيقة في نفسها يتميز بها عن سائر الحقائق وإن القول الرابع وهو أن له ~~حقيقة يختص بها هو الصواب ومعلوم أن الموجود ينظر في نفسه وفي صفته وفي ~~قدره وإن كان اسم الصفة يتناول قدره ويستلزم ذاته أيضا # فإذا علم بصريح العقل أنه لا بد له من وجود خاص أو حقيقة يتميز بها ولا ~~بد له من صفات تختص به لا يشركه فيها أحد فيقال وكذلك قدره PageV01P347 فإن ~~الموجود لا يتصور أن يكون موجودا إلا بذلك ودعوى وجود موجود بدون ذلك دعوى ~~تخالف البديهة والضرورة العقلية وكذلك حكموا على من نفى ذلك بالتعطيل لأنه ~~لازم قوله وإن كان ms283 لا يعلم لزومه # والتحقيق أنه جمع في قوله بين الإقرار بما يستلزم وجوده والإقرار بما ~~يستلزم عدمه فهو مقر به من وجه منكر له من وجه متناقض من حيث لا يشعر ولهذا ~~يقول المشايخ العارفون إن هؤلاء المنكرين لا تتنور قلوبهم ولا يفتح عليها ~~ولا ينالون زينة أولياء الله تعالى الكاملين لما عندهم من الجحود والإنكار ~~المانع لهم من حقيقة معرفة الله تعالى ومحبته والقرب منه فإنهم التزموا ~~التكذيب بالحق الذي تقربهم معرفته وقصده إلى الله تعالى ففاتهم من معرفة ~~الله وقصده والتقرب إليه بقلوبهم ما به ينالون ولايته التي نعت بها أولياءه ~~المتقين العاملين وإن كانوا قالوا من ذلك بحسب ما عندهم من الإيمان والتقوى # الوجه الثامن إنه قد ثبت بالسنة المتواترة وباتفاق سلف الأمة وأئمتها من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة أهل الإسلام الذين ائتموا بهم في ~~دينهم أن الله سبحانه وتعالى يرى في الدار الآخرة بالأبصار عيانا وقد دل ~~على ذلك القرآن في مواضع كما ذلك مذكور في مواضعه والأحاديث الصحيحة في ذلك ~~كثيرة متواترة في الصحاح والسنن والمساند وقد اعتنى بجمعها أئمة مثل ~~الدارقطني في كتاب الرؤية وأبي نعيم الأصبهاني وأبي بكر الآجري وطوائف ~~كثيرون وفي الصحيحين نحو عشرة أحاديث فيها أن رؤية الأبصار ليست ممتنعة ~~PageV01P348 # والجهمية الذين يدخلون في هذا الاسم عند السلف كالمعتزلة والنجارية ~~والفلاسفة ينكرون الرؤية ويقولن لأن ذلك يستلزم أن يكون بجهة من الرائي وأن ~~يكون جسما متحيزا وذلك منتف عندهم ومسألة الرؤية كانت من أكبر المسائل ~~الفارقة بين السنة المثبتة وبين الجهمية حتى كان علماء أهل الحديث والسنة ~~يصنفون الكتب في الأثبات ويقولون كتاب الرؤية والرد على الجهمية وكذلك ~~الأحاديث التي تنكرها الجهمية من أحاديث الرؤية وما يتبعها ويعدون من أنكر ~~الرؤية معطلا # قال الخلال في كتاب السنة أخبرني حنبل قال سمعت أبا عبدالله يقول وأدركنا ~~الناس وما ينكرون من هذه الأحاديث شيئا أحاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها ~~على الجملة يمرونها على حالها غير منكرين لذلك ولا مرتابين قال وسمعت ms284 أبا ~~عبدالله يقول القوم يرجعون إلى التعطيل في قولهم ينكرون الرؤية قال وسمعت ~~أبا عبدالله يقول قالت الجهمية إن الله لا يرى في الآخرة ونحن نقول إن الله ~~يرى لقول الله تعالى @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ وقال تعالى ~~لموسى @QB@ فإن استقر مكانه فسوف تراني @QE@ فأخبر الله تعالى أنه يرى وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر رواه جرير ~~وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال كلكم يخلو به ربه إن الله يضع كنفه ~~على عبده فيسأله ماذا عملت هذه أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تروى صحيحة عن الله تعالى أنه يرى في الآخرة أحاديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غير مدفوعة والقرآن شاهد أن الله يرى في القيامة وقول إبراهيم ~~لأبيه @QB@ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر @QE@ فثبت أن الله يسمع ~~PageV01P349 ويبصر وقال الله تعالى @QB@ يعلم السر وأخفى @QE@ وقال @QB@ ~~إنني معكما أسمع وأرى @QE@ وقال أبو عبدالله فمن دفع كتاب الله ورده ~~والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واخترع مقالة من نفسه وتأول رأيه ~~فقد خسر خسرانا مبينا وسمعت أبا عبدالله يقول من قال إن الله لا يرى في ~~الآخرة فقد كفر وكذب بالقرآن ورد على الله أمره يستتاب فإن تاب وإلا قتل ~~وروى عن يعقوب بن بختان أنه سمع أبا عبدالله يقول صارت حجتهم كفرا صراحا ~~يقولون إن الله تبارك وتعالى لا يرى في الآخرة وسمعته يقول كفرهم ضروب وعن ~~حنبل سمعت أبا عبدالله يقول إن الله لا يرى في الدنيا ويرى في الآخرة فثبت ~~في القرآن وفي السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين # وقال الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد في نقضه على الجهمي المريسي العنيد ~~فيما افترى على الله تعالى في التوحيد ثم انتدب المريسي الضال لرد ما جاء ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤية في قوله عليه السلام إنكم سترون ~~ربكم ms285 يوم القيامة لا تضامون في رؤيته كما لا تضامون في رؤية الشمس والقمر ~~ليلة البدر فأقر الجاهل بالحديث وصححه وثبت روايته عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم تلطف لرده وإبطاله بأقبح تأويل وأسمج تفسير ولو قد رد الحديث أصلا ~~كان أعذر له من تفاسيره هذه المقلوبة التي لا يوافقه عليها أحد من أهل ~~العلم ولا من أهل العربية فادعى الجاهل أن تفسير قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنكم سترون ربكم لا تضامون في رؤيته تعلمون أن لكم ربا لا تشكون ~~فيه كما لا تشكون في القمر أنه قمر لا على أن أبصار المؤمنين تدركه جهرة ~~يوم القيامة لأنه نفى ذلك عن نفسه بقوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ قال ~~وليس على معنى المشبهة فقوله ترون ربكم تعلمون أن لكم ربا لا تعتريكم فيه ~~الشكوك والريب ألا ترون أن الأعمى يجوز أن يقال ما أبصره أي ما أعلمه وهو ~~لا يبصر شيئا ويجوز أن يقول الرجل نظرت في المسألة PageV01P350 وليس ~~للمسألة جسم ينظر إليه فقوله نظرت فيها رأيت فيها فتوهمت المشبهة الرؤية ~~جهرة وليس ذلك من جهة العيان # فيقال لك أيها المريسي أقررت بالحديث وثبته عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخذ الحديث بحلقك لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرن ~~التفسير بالحديث فأوضحه ولخصه فجمعهما جميعا إسناد واحد حتى لم يدع لمتأول ~~فيه مقالا فأخبر أمته بروية العيان نصا كما توهم هؤلاء الذين سميتهم بجهلك ~~مشبهة فالتفسير فيه مأثور مع الحديث وأنت تفسره بخلاف ما فسره الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من غير أثر تأثره عمن هو أعلم منك فأي شقي من الأشقياء وأي ~~غوي من الأغوياء يترك تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم المقرون بحديثه ~~المقبول عند العلماء الذي يصدقه ناطق الكتاب ثم يقبل تفسيرك المحال الذي لا ~~تأثره إلا عن من هو أجهل منك وأضل # أليس قد أقررت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ترون ربكم لا تضامون فيه ~~كما لا ms286 تضامون في رؤية الشمس والقمر يعني معاينة قلت وإنما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه لا تشكون يوم القيامة في ربوبيته وهذا التفسير مع ~~ما فيه من معاندة الرسول محال باطل خارج عن المعقول لأن الشك في ربوبية ~~الله زائل عن المؤمن والكافر يوم القيامة وكل مؤمن وكافر يعلم يومئذ أنه ~~ربهم لا يعتريهم في ذلك شك فيقبل الله ذلك من المؤمن ولا يقبله من الكافرين ~~ولايعذرهم يومئذ بمعرفتهم ويقينهم به فما فضل المؤمن على الكافر يوم ~~القيامة عندك في معرفة الرب إذ مؤمنهم وكافرهم لا يعتريه في ربوبيته شك # أو ما علمت أيها المريسي أنه من مات ولم يعرف قبل موته أن الله ربه في ~~حياته حتى يعرفه بعد مماته فإنه يموت كافرا ومصيره النار أبدا ولن ينفعه ~~الإيمان يوم القيامة يرى من آياته إن لم يكن آمن به من قبل فما موضع بشرى ~~رسول الله PageV01P351 صلى الله عليه وسلم للمؤمنين برؤية ربهم يوم القيامة ~~إذ كل مؤمن وكافر في الرؤية يومئذ سواء عندك إذ كل لا يعتريه فيه شك ولا ~~ريبة # أولم تسمع أيها المريسي قول الله تعالى @QB@ ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ~~نعمل صالحا إنا موقنون @QE@ @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا ~~بالحق قالوا بلى وربنا @QE@ فقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم به يومئذ موقنون ~~فكيف المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين سألوه هل نرى ~~ربنا تعالى قد علموا قبل أن سألوه أن الله ربهم لا يعتريهم في ذلك شك ولا ~~ريب أو لم تسمع ما قال الله تعالى @QB@ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا @QE@ يقال في تفسيره ~~إنها طلوع الشمس من مغربها فإذا لم ينفع الرجل إيمانه عند الآيات في الدنيا ~~فكيف ينفعه يوم القيامة فيستحق به النظر إلى الله تعالى فاعقل أيها المريسي ~~ما يجلب عليك كلامك من الحجج الآخذة بحلقك # وأما إدخالك على رسول ms287 الله صلى الله عليه وسلم فيما حقق من رؤية الرب ~~تعالى يوم القيامة فإنما يدخل على من عليه نزل وقد عرف ما أراد الله تعالى ~~به وعقل فأوضحه تفسيرا وعبرة تعبيرا ففسر الأمرين جميعا تفسيرا شافيا كافيا ~~سأله أبو ذر هل رأيت ربك يعني في الدنيا قال نور أنى أراه حدثنا الحوضي ~~وغيره عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبدالله بن سفيان عن أبي ذر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فهذا معنى قوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ في الحياة ~~الدنيا فحين سئل عن رؤيته في المعاد قال نعم جهرة كما ترى الشمس والقمر ~~ليلة البدر ففسر رسول الله صلى الله عليه وسلم المعنيين على خلاف ما ادعيت ~~PageV01P352 # والعجب من جهلك بظاهر لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ تتوهم في رؤية ~~الله جهرة أنها كرؤية الشمس والقمر ثم تدعي أنه من توهم من سميتهم بجهلك ~~مشبهة فرسول الله صلى الله عليه وسلم في دعواك أول المشبهة إذ شبه رؤيته ~~برؤية الشمس والقمر كما شبهه هؤلاء المشبهون في دعواك # وأما أغلوطتك التي غلطت بها جهال أصحابك في رؤية الله تعالى يوم القيامة ~~فقلت ألا ترى أن قوم موسى حين قالوا @QB@ أرنا الله جهرة @QE@ أخذتهم ~~الصاعقة وقالوا @QB@ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة @QE@ ~~وقالوا @QB@ أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا @QE@ ~~فادعيت أن الله تعالى أنكر عليهم ذلك وعابهم بسؤالهم الرؤية # فيقال لهذا المريسي تقرأ كتاب الله وقلبك غافل عما يتلى عليك فيه ألا ترى ~~أن أصحاب موسى سألوا موسى رؤية الله في الدنيا إلحافا فقالوا @QB@ لن نؤمن ~~لك حتى نرى الله جهرة @QE@ ولم يقولوا حتى نرى الله في الآخرة ولكن في ~~الدنيا @QB@ فأخذتهم الصاعقة @QE@ لظلمهم وسؤالهم ما حظره على أهل الدنيا ~~ولو قد سألوه رؤيته في الآخرة كما سأل أصحاب محمد محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لم تصبهم تلك الصاعقة ولم يقل لهم إلا ما قال محمد صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه إذ ms288 سألوه هل نرى ربنا يوم القيامة فقال نعم لا تضارون في رؤيته فلم ~~يعبهم الله تعالى ولا رسوله بسؤالهم عن ذلك بل حسنه لهم وبشرهم بشرى جميلة ~~كما رويت أيها المريسي عنه وقد بشرهم الله تعالى بها قبله في كتابه فقال عز ~~من قائل @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ وقال للكفار @QB@ كلا ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون @QE@ PageV01P353 # إلى أن قال وقد فسرنا أمر الرؤية وروينا ما جاء فيها من الآثار في الكتاب ~~الأول الذي أمليناه في الجهمية وروينا منها صدرا في صدر هذا الكتاب أيضا ~~فالتمسوها هناك واعرضوا ألفاظها على قلوبكم وعقولكم تنكشف لكم عورة كلام ~~هذا المريسي وتأويله ودحوض حجته إن شاء الله تعالى # وهو في الكتاب الأول الذي أحال عليه ذكر في ذلك عدة من الأحاديث والآثار ~~مثل حديث جرير وأبي هريرة وأبي سعيد المشهورين الطويلين وهذه في الصحيحين ~~ومثل حديث صهيب في قوله تعالى @QB@ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة @QE@ وحديث ~~أبي موسى وجابر في الورود وهذه في صحيح مسلم ومثل ابن عمر في الدجال ~~واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت وهذه الألفاظ في الصحيح وذكر ~~حديث أبي بكر الصديق المرفوع وحديث عبادة في الدجال وحديث ابن الحسين عن ~~بعض الصحابة وحديث ابن عباس وحديث أنس في يوم المزيد وحديث عمار بن ياسر ~~الذي فيه أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك وحديثا عن ابن عمر في ~~النظر وهذه الأحاديث في السنن والمساند وذكر الآثار عن الصديق وحذيفة وأبي ~~موسى وابن أبي ليلى والضحاك وعامر بن سعد في تفسير الزيادة أنها النظر إلى ~~وجه الله تعالى وذكر قول أبي موسى فكيف بكم إذا رأيتم الله جهرة وذكر أيضا ~~النظر إليه عن عمار وأنس والضحاك وعكرمة وكعب وعمر بن عبدالعزيز والذي تركه ~~من ذلك أكثر مما رواه # ثم قال أبو سعيد فهذه أحاديث كلها وأكثر منها قد رويت في الرؤية على ~~تصديقها والإيمان بها أدركت أهل الفقه من مشائخنا ولم يزل المسلمون ~~PageV01P354 قديما وحديثا يروونها ms289 ويؤمنون بها لا يستنكرونها وينكرونها ومن ~~أنكرها من أهل الزيغ نسبوه إلى الضلال بل كان من أكبر رجائهم وأجزل سؤالهم ~~الله تبارك وتعالى في أنفسهم النظر إلى وجه الله الكريم خالقهم يوم القيامة ~~حتى ما يعدلون به شيئا من نعيم الجنة قال وقد كلمت بعض أولئك المعطلة وذكر ~~كلاما طويلا في تقرير الرؤية والجواب عن شبه النفاة إلى أن قال # وقال بعضهم إنا لا نقبل هذه الآثار قلت أجل ولا كتاب الله تعالى تقبلون ~~أراكم إن لم تقبلوها أتشكون أنها مروية عن السلف مأثورة عنهم مستفيضة فيهم ~~يتوارثونها عن أعلام الناس وفقهائهم قرنا بعد قرن قالوا نعم قلنا فحسبنا ~~بإقراركم بها عليكم حجة لدعوانا أنها مشهورة مروية تداولها العلماء ~~والفقهاء فما تواتر عنهم مثلها حجة لدعواكم التي كذبتها الآثار كلها فلا ~~تقدرون أن تأتوا فيها بخبر ولا أثر وقد علمتم إن شاء الله تعالى أنه لا ~~يستدرك سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأحكامهم وقضاياهم إلا ~~هذه الآثار والأسانيد على ما فيها من الاختلاف وهي السبب إلى ذلك والنهج ~~الذي درج عليه المسلمون وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله تعالى منها ~~يقتبسون العلم وبها يقضون وبها يفتون وعليها يعتمدون وبها يتزينون يورثها ~~الأول منهم الآخر ويبلغها الشاهد منهم الغائب احتجاجا واحتسابا في أدائها ~~إلى من لم يسمعها يسمونها السنن والآثار والفقه والعلم ويضربون في طلبها ~~شرق الأرض وغربها يحلون بها حلال الله تعالى ويحرمون بها حرامه ويميزون بها ~~بين الحق والباطل والسنن والبدع ويستدلون بها على تفسير القرآن ومعانيه ~~وأحكامه ويعرفون بها ضلالة من ضل عن الهدى فمن رغب عنها فإنما يرغب عن آثار ~~السلف وهديهم ويريد مخالفتهم ليتخذ دينه هواه وليتأول كلام الله برأيه خلاف ~~ما عنى PageV01P355 الله به فإن كنتم من المؤمنين وعلى منهاج أسلافهم ~~فاقتبسوا العلم من أثرهم واقتبسوا الهدى في سبيلهم وارضوا بهذه الآثار ~~إماما كما رضي بها القوم لأنفسهم إماما فلعمري ما أنتم أعلم بكتاب الله ~~منهم ولا مثلهم ولا يمكن الاقتداء ms290 بهم إلا باتباع هذه الآثار على ما تروى ~~فمن لم يقبلها فإنه يريد أن يتبع غير سبيل المؤمنين وقال الله @QB@ ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ # فقال قائل منهم لا بل نقول بالمعقول قلنا هنا ضللتم عن سواء السبيل ~~ووقعتم في تيه لا مخرج لكم منه لأن المعقول ليس لشيء واحد موصوف بحدود عند ~~جميع الناس فيقتصر عليه ولو كان كذلك لكان راحة للناس ولقلنا به ولم نعد ~~ولكن الله تبارك وتعالى قال @QB@ كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ فوجدنا ~~المعقول عند كل حزب ما هم عليه والمجهول عندهم ما خالفهم فوجدنا فرقكم معشر ~~الجهمية في المعقول مختلفين كل فرقة منكم تدعي أن المعقول عندها ما تدعو ~~إليه والمجهول ما خالفها فحين رأينا المعقول اختلف منا ومنكم ومن جميع أهل ~~الأهواء ولم نقف له على حد بين في كل شيء رأينا أرشد الوجوه وأهداها أن ترد ~~المعقولات كلها إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المعقول عند ~~أصحابه المستفيض بين أظهرهم لأن الوحي كان ينزل بين أظهرهم فكانوا أعلم ~~بتأويله منا ومنكم وكانوا مؤتلفين في أصول الدين لم يتفرقوا فيه ولم تظهر ~~فيهم البدع والأهواء الجائزة عن الطريق فالمعقول عندنا ما وافق هديهم ~~والمجهول ما خالفهم ولا سبيل إلى معرفة هديهم وطريقهم إلا هذه الآثار وقد ~~انسلختم منها وانتفيتم منها بزعكمم فأنى تهتدون PageV01P356 # قلت كلام السلف والأئمة كثير في مسألة الرؤية وتقرير وجودها بالسمع ~~وتقرير جوازها بالعقل وتقرير أن نفي جوازها مستلزم للتعطيل وقد نبه السلف ~~ومتكلمة الصفاتية على ما هو معلوم بالمعقول أنه من قال إنه لا يمكن رؤيته ~~فقد لزمه أن يعطله ويجعله معدوما لأنه إذا كان موجودا جازت رؤيته # ثم للناس هنا طريقان أحدهما وهي طريقة أبي محمد ابن كلاب وغيره كأبي ~~الحسن ابن الزاغوني أن كل ما هو قائم بنفسه فإنه تجوز رؤيته ولم يلتزم ذلك ~~في سائر الأعراض والصفات والثانية وهي طريقة أبي الحسن الأشعري ومن اتبعه ~~وقد سلكها ms291 القاضي أبو يعلى وغيره أن كل موجود تصح رؤيته سواء كان قائما ~~بنفسه أو قائما بغيره وقد قرروا ذلك بطرق منها ما هو غير بين ويرد عليه ~~أسولة والتزموا لأجل ذلك لوازم يظهر فسادها وقد بينا في غير هذا الموضع كيف ~~تقرر الطريقة العقلية في ذلك على وجه يفيد المقصود ولكن نشير هنا إشارة ~~فنقول # معلوم أن الرؤية تعلق بالموجود دون المعدوم ومعلوم أنها أمر وجودي محض لا ~~يسيطر فيها أمر عدمي كالذوق الذي يتضمن استحالة شيء من المذوق وكالأكل ~~والشرب الذي يتضمن استحالة المأكول والمشروب ودخوله في مواضع من الآكل ~~والشارب وذلك لا يكون إلا عن استحالة وخلق وإذا كانت أمرا وجوديا محضا ولا ~~تتعلق إلا بموجود فالمصحح لها الفارق بين ما يمكن رؤيته ومالا يمكن رؤيته ~~إما أن يكون وجودا محضا أو متضمنا أمرا عدميا والثاني باطل لأن العدم لا ~~يكون له تأثير في الوجود المحض فلا يكون سببا له ولا يكون أيضا شرطا أو ~~جزءا من السبب إلا أن يتضمن وجودا فيكون ذلك الوجود هو المؤثر في الوجود ~~ويكون ذلك العدم دليلا عليه ومستلزما له ونحو ذلك وهذا من الأمور البينة ~~عند التأمل PageV01P357 # ومن قال من العلماء إن العدم يكون علة للأمر الثبوتي أو جزء علة أو شرط ~~علة فإنما يقولون ذلك في قياس الدلالة ونحوه مما يستدل فيه بالوصف على ~~الحكم لا يقول أحد إن نفس العدم هو المقتضى للوجود ولا يقول إن الوصف ~~المركب من وجود وعدم هما جميعا مقتضيان للوجود المحض وشروط العلة هي من ~~جملة أجزاء العلة التامة # وإذا كان المقتضي لجواز الرؤية والمصحح للرؤية والفارق بينما تجوز رؤيته ~~وبينما لا تجوز إما أن يكون وجودا محضا فلا حاجة بنا إلى تعيينه سواء قيل ~~هو مطلق الوجود أو القيام بالنفس أو بالعين بشرط المقابلة والمحاذاة أو غير ~~ذلك مما يقال إنه مع وجوده تصح الرؤية ومع عدمه تمتنع لكن المقصود أنه أمور ~~وجودية # وإذا كان كذلك فقد علم أن الله تعالى هو أحق ms292 بالوجود وكماله من كل موجود ~~إذ وجوده هو الوجود الواجب ووجود كل ما سواه هو من وجوده وله وله الكلام ~~التام في جميع الأمور الوجودية المحضة فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال ~~الوجود وحينئذ فيكون الله وله المثل الأعلى أحق بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده ~~ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا كما لا نستطيع التحديق في شعاع ~~الشمس بل كما لا تطيق الخفاش أن تراها لا لامتناع رؤيتها بل ضعف بصره وعجزه ~~كما قد لا يستطاع سماع الأصوات العظيمة جدا لا لكونها لا تسمع بل لضعف ~~السامع وعجزه ولهذا يحصل لكثير من الناس عند سماع الأصوات العظيمة ورؤية ~~الأشياء الجليلة ضعف أو رجفان أو نحو ذلك مما سببه ضعفه عن الرؤية والسماع ~~لا لكون PageV01P358 ذلك الأمر مما تمتنع رؤيته وسماعه ولهذا وردت الأخبار ~~في قصة موسى عليه الصلاة و السلام وغيره بأن الناس إنما لا يرون الله في ~~الدنيا للضعف والعجز والله سبحانه وتعالى قادر على أن يقويهم على ما عجزوا ~~عنه وتمام بسط هذا وتقريره له في موضع آخر # وأنما المقصود أن نقول إذا ثبتت رؤيته فمعلوم في بداية العقول أن المرئي ~~القائم بنفسه لا يكون إلا بجهة من الرائي وهذه الرؤية التي أخبر بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث قال ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر فأخبر أن ~~رؤيته كرؤية الشمس والقمر وهما أعظم المرئيات ظهورا في الدنيا وإنما يراهم ~~الناس فوقهم بجهة منهم بل من المعلوم أن رؤية مالا يكون داخل العالم ولا ~~خارجه ممتنع في بداية العقول وهذا مما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم من ~~السلف والأئمة وأهل الحديث والفقه والتصوف وجماهير أهل الكلام المثبتة ~~والنافية والفلاسفة وإنما خالف فيه فريق من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من ~~الفقهاء كما قد يوافقهم القاضي أبو يعلى في المعتمد هو وغيره ويقولون ما ~~قاله أولئك في الرؤية إنه يرى لا في جهة ويلتزمون ما اتفق أهل العقول على ~~أنه من الممتنع في بداية ms293 العقول بل يقولون إن المعلوم ببداية العقول أنه لا ~~يرى إلا ما هو متحيز أو قائم بمتحيز ومن ادعى رؤية ما ليس بمتحيز ولا قائما ~~بمتحيز فقد خرج عن ضرورات العقول باتفاق عقلاء بني آدم من جميع الطوائف إلا ~~هذا الفريق الذي اتفق الناس على تناقضهم فإن موافقيهم من الجهمية الفلاسفة ~~والمعتزلة ونحوهم على إمكان وجود موجود ليس بمتحيز ولا حال فيه وعلى إمكان ~~معرفة ذلك بالعقل وإن كانوا عند جمهور العقلاء مخالفين لضرورة العقل فإنهم ~~لا يوافقونهم على أن من كان كذلك فإنه يرى بل هؤلاء يوافقون جمهور العقلاء ~~في أن مالا يكون متحيزا ولا حالا في متحيز PageV01P359 لا يمكن رؤيته حتى ~~إن أئمة أصحاب الأشعري المتأخرين كأبي حامد وابن الخطيب وغيرهما لما تأملوا ~~ذلك عادوا في الرؤية إلى قول المعتزلة أو قريب منه وفسروها بزيادة العلم ~~كما يفسرها بذلك الجهمية والمعتزلة وغيرهم وهذا في الحقيقة تعطيل للرؤية ~~الثابتة بالنصوص والإجماع المعلوم جوازها بدلائل المعقول بل المعلوم بدلائل ~~العقول امتناع وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن تعلقها به لكن هؤلاء المثبتة ~~الذين وافقوا عامة المؤمنين على إمكان رؤيته وانفردوا عن الجماعة بأنه يرى ~~لا فوق الرائي ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا في شيء من جهاته هم قد وافقوا ~~أولئك الجهمية في وجود موجود يكون كذلك فموافقتهم لهؤلاء في إمكان وجود ~~موجود بهذا الوصف أبعد عن الشرع والعقل من قولهم يمكن رؤية هذا الموجود ~~ولهذا تنكر الفطر وجوده أعظم مما تنكر رؤيته بتقدير وجوده كما قد ذكرنا أن ~~قولهم هو فوق العرش وليس بجسم أقرب من قولهم لا داخل العالم ولا خارجه # وهذا أيضا مما عظم فيه إنكار المدعين للجمع بين الشريعة والفلسفة كالقاضي ~~أبي الوليد ابن رشد الحفيد فإنه قال في كتابه الذي سماه مناهج الأدلة في ~~الرد على الأصولية وقال ما ذكرناه عنه قبل هذا في مسائل الجسم ومسألة الجهة ~~وزعم ما ذكرناه عنه إلى قوله ولذلك اضطررنا نحن أيضا إلى وضع قول في موافقة ~~الحكمة ms294 للشريعة قال وإذا تبين هذا فلنرجع إلى حيث كنا فنقول إن الذي بقي ~~علينا من هذا الخبر ومن المسائل المشهورة هي مسألة الرؤية فإنه قد يظن أن ~~هذه المسألة هي بوجه ما داخلة في هذا الجزء المتقدم لقوله تعالى @QB@ لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ PageV01P360 ولذلك أنكرها المعتزلة ~~وردت الآثار الواردة في الشرع بذلك مع كثرتها وشهرتها فشنع الأمر عليهم ~~وسبب وقوع هذه الشبهة في الشرع أن المعتزلة لما اعتقدوا انتفاء الجسمية عنه ~~سبحانه وتعالى واعتقدوا وجوب التصريح بها لجميع المكلفين ووجب عندهم إذا ~~انتفت الجسمية أن تنتفي الجهة وإذا انتفت الجهة انتفت الرؤية إذ كل مرئي في ~~جهة من الرائي فاضطروا لهذا المعنى لرد الشرع المنقول واعتلوا للأحاديث ~~بأنها أخبار آحاد وأخبار الآحاد لا توجب العلم مع أن ظاهر القرآن معارض لها ~~أعني قوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ # وأما الأشعرية فراموا الجمع بين الاعتقادين أعني بين انتفاء الجسمية وبين ~~جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس فعسر ذلك عليهم ولجؤوا في ذلك إلى حجج ~~سوفسطائية مموهة أعني الحجج التي توهم أنها حجج وهي كاذبة وذلك أنه يشبه أن ~~يكون في الحجج ما يوجد في الناس أعني أنه كما يوجد في الناس الفاضل التام ~~الفضيلة فيوجد فيهم من هو دون ذلك في الفضل ويوجد فيهم من يوهم أنه فاضل ~~وليس بفاضل وهو المرائي وكذلك الأمر في الحجج أعني أن منها ما هو في غاية ~~اليقين ومنها ما هو دون اليقين ومنها حجة مرائية وهي التي توهم أنها يقين ~~وهي كاذبة والأقاويل التي سلكها الأشعرية في هذه المسألة منها أقاويل في ~~دفع دليل المعتزلة ومنها أقاويل لهم في إثبات جواز الرؤية لما ليس بجسم ~~وأنه ليس يعرض من فرضها محال # فأما ما عاندوا به قول المعتزلة أن كل مرئي فهو في جهة من الرائي فمنهم ~~من قال إن هذا إنما هو حكم الشاهد لا حكم الغائب وإن هذا الموضوع ليس هو من ~~المواضع التي يجب فيها نقل حكم الشاهد إلى الغائب وأنه ms295 جائز أن يرى الإنسان ~~ما ليس في جهة إذا كان جائزا أن يرى الإنسان بالقوة المبصرة نفسها دون عين ~~PageV01P361 وهؤلاء اختلط عليهم إدراك العقل مع إدراك البصر فإن العقل هو ~~الذي يدرك ما ليس في جهة أعني في مكان وأما إدراك البصر فظاهر من أمره أن ~~من شرطه أن يكون المرئي منه في جهة ولا في كل جهة فقط بل في جهة ما مخصوصة ~~ولذلك ليس تتأتى الرؤية بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي بل بأوضاع ~~محدودة وشروط محدودة أيضا وهي ثلاثة أشياء حضور الضوء والجسم الشفاف ~~المتوسط بين البصر والمبصر وكون المبصر ذا ألوان ضرورة والرد لهذه الأمور ~~المعروفة بنفسها في الإبصار هو رد للأوائل المعلومة بالطبع للجميع وإبطال ~~لجميع معلوم المناظرة والهندسة # وقد قال القوم أعني الأشعرية إن أحد المواضع التي يجب أن ينقل فيها حكم ~~الشاهد إلى الغائب هو الشرط مثل حكمنا أن كل عالم حي لكون الحياة تظهر من ~~الشاهد شرطا في وجود العلم وإن كان ذلك قلنا لهم وكذلك تظهر في الشاهد أن ~~هذه الأشياء هي شروط في الرؤية فألحقوا الغائب فيها بالشاهد على أصلكم # وقد رام أبو حامد في كتابه المعروف بالمقاصد أن يعاند هذه المقدمة أعني ~~كل مرئي في جهة من الرائي بأن الإنسان يبصر ذاته في المرآة وأن ذاته ليست ~~منه في جهة غير جهة مقابلة وذلك أنه لما كان يبصر ذاته وكانت ذاته ليست تحل ~~في المرآة التي في الجهة المقابلة فهو يبصر ذاته في غير جهة وهذه مغالطة ~~فإن الذي يبصر هو خيال ذاته والخيال منه هو في جهة إذ كان الخيال في المرآة ~~والمرآة في جهة # وأما حجتهم التي أتوا بها في إمكان رؤية ما ليس بجسم فإن المشهور عنهم في ~~ذلك حجتان إحداهما وهي أشهر عندهم ما يقولونه من أن الشيء PageV01P362 لا ~~يخلو أن يرى من جهة ما هو متلون أو من جهة أنه جسم أو من جهة أنه لون أو من ~~جهة أنه موجود وربما ms296 عددوا جهات أخر غير هذه الموجودة ثم يقولون وباطل أن ~~يرى من قبل أنه جسم إذ لو كان ذلك كذلك لما رؤي اللون وباطل أن يرى لمكان ~~أنه لون إذ لو كان كذلك لما رؤي الجسم وإذا بطلت جميع هذه الأقسام التي ~~تتوهم في هذا الباب فلم يبق أن يرى الشيء إلا من قبل أنه موجود والمغالطة ~~في هذا القول بينة فإن المرئي منه ما هو مرئي بذاته ومنه ما هو مرئي لذاته ~~وهذه هي حال اللون والجسم فإن اللون مرئي بذاته والجسم مرئي من قبل اللون ~~ولذلك لما لم يكن له لون لم يبصر ولو كان الشيء إنما يرى من حيث هو موجود ~~فقط لوجب أن تبصر الأصوات وسائر المحسوسات الخمس فكان يكون البصر والسمع ~~وسائر الحواس الخمس حاسة واحدة وهذه كلها خلاف ما يعقل # وقد اضطر المتكلمون لمكان هذه المسألة وما أشبهها إلى أن يسلموا أن ~~الألوان ممكنة أن تسمع والأصوات ممكنة أن ترى وهذا كله خروج عن الطبع وعن ~~ما يمكن أن يعقله الإنسان فإنه في الظاهر أن حاسة البصر غير حاسة السمع وأن ~~محوس هذه غير محوس تلك وأن آلة هذه غير آلة تلك وأنه ليس ممكن أن ينقلب ~~البصر سمعا كما ليس يمكن أن يعود اللون صوتا والذين يقولون إن الصوت يمكن ~~أن يبصر في وقت ما فقد يجب أن يسألوا فيقال لهم ما هو البصر فلا بد أن ~~يقولوا هو قوة تدرك بها المرئيات الألوان وغيرها ثم يقال لهم ما هو السمع ~~فلا بد أن يقولوا هو قوة تدرك بها الأصوات فإذا وضعوا هذا قيل لهم فهل ~~البصر عند إدراكه هو بصر فقط أو سمع فقط فإن قالوا هو سمع فقط فقد سلموا ~~أنه لا يدرك الألوان وإن قالوا إنه بصر فقط فليس يدرك الأصوات وإذا لم يكن ~~بصرا فقط لأنه يدرك الأصوات ولا سمعا فقد لأنه يدرك الألوان PageV01P363 ~~فهو بصر وسمع معا وعلى هذا فتكون الأشياء كلها شيئا واحدا حتى المتضادات ~~وهذا شيء ms297 فيما أحسبه يسلمه المتكلمون من أهل ملتنا أو يلزمهم تسليمه يعني ~~هؤلاء الأشعرية وهو رأي سوفسطائي لأقوام قدماء مشهورين بالسفسطة # وأما الطريقة الثانية التي سلكها المتكلمون في جواز الرؤية فهي الطريقة ~~التي اختارها أبو المعالي في كتابه المعروف بالإرشاد وتلخيصها أن الحواس ~~إنما تدرك ذوات الأشياء وما تنفصل به الموجودات بعضها من بعض فهو أحوال ~~ليست بذوات فالحواس لا تدركها وإنما تدرك الذوات والذات هي نفس الموجود ~~المشترك لجميع الموجودات فإذا الحواس إنما تدرك الشيء من حيث هو موجود وهذا ~~كله في غاية الفساد ومن أبين ما يظهر به فساد هذا القول أنه لو كان البصر ~~إنما يدرك الأشياء لما أمكنه أن يفرق بين الأبيض والأسود لأن الأشياء لا ~~تفترق بالشيء الذي تشترك فيه وإلا لكان بالجملة لا يمكن في الحواس لا في ~~البصر أن يدرك فصول الألوان ولا في السمع أن يدرك فصول الأصوات ولا في ~~الطعم أن يدرك فصول المطعومات وللزم أن تكون مدارك المحسوسات بالحس واحدا ~~فلا يكون فرق بين مدرك البصر وهذا كله في غاية الخروج عما يعقله الإنسان ~~وإنما تدرك الحواس ذوات الأشياء المشار إليها لمحسوساتها الخاصة بها فوجه ~~المغالطة في هذا هو أن ما يدرك ذاتيا أخذ أنه مدرك بذاته ولولا النشأ على ~~هذه الأقاويل وعلى التعظيم للقائلين بها أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع ~~ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة # والسبب في مثل هذه الحيرة الواقعة في الشريعة حتى ألجأت القائمين بنصرتها ~~في زعمهم إلى مثل هذه الأقاويل الهجينة التي هي ضحكه من عنى بتمييز أصناف ~~PageV01P364 الأقاويل أدنى عناية هو التصريح في الشرع بما لم يأذن الله ~~ورسوله به وهو التصريح بنفي الجسمية للجمهور وذلك أن من العسير أن يجتمع في ~~اعتقاد واحد أن ها هنا موجودا ليس بجسم وأنه مرئي بالأبصار لأن مدارك ~~الحواس هي في الأجسام أو أجسام ولذلك رأى قوم أن هذه الرؤية هي مزيد علم في ~~ذلك الوقت وهذا أيضا لا يليق الإفصاح به للجمهور وأنه لما ms298 كان العقل من ~~الجمهور لا ينفك من التخيل بل ما لا يتخيلون هو عندهم عدم وكان تخيل ما ليس ~~بجسم لا يمكن والتصديق بوجود ما ليس بمتخيل غير ممكن عندهم عدل الشرع عن ~~التصريح لهم بهذا المعنى فوصف لهم نفسه سبحانه وتعالى بأوصاف تقرب من قوة ~~التخيل مثل ما وصفه به من السمع والبصر والوجه وغير ذلك مع تعريفهم أنه لا ~~يجانسه شيء من الموجودات المتخيلة ولا يشبهه ولو كان القصد تعريف الجمهور ~~أنه ليس بجسم لما صرح لهم بشيء من هذا بل لما كان أرفع الموجودات المتخيلة ~~هو النور ضرب المثال به إذ كان النور هو أشهر الموجودات عند الحس والتخيل ~~وبهذا النحو من التصور أمكن أن يفهموا المعاني الموجودة في المعاد أعني تلك ~~المعاني مثلت لهم بأمور متخيلة محسوسة فإذا متى أخذ الشرع في أوصاف الله ~~تعالى على ظاهره لم تعرض فيه هذه الشبهة ولا غيرها لأنه إذا قيل له نور ~~وأنه له حجابا من نور كما جاء في القرآن والسنن الثابتة ثم قيل إن المؤمنين ~~يرونه في الدار الآخرة كما ترى الشمس لم يعرض في هذا شك ولا شبهة في حق ~~الجمهور ولا حق العلماء وذلك أنه قد تبرهن عند العلماء أن تلك الحال مزيد ~~علم لكن متى صرح به للجمهور بطلت عندهم الشريعة كلها أو كفروا المصرح لهم ~~بها فمن خرج عن منهاج الشريعة في هذه الأشياء فقد ضل عن سواء السبيل ~~PageV01P365 # وأنت إذا تأملت الشرع وجدته مع أنه قد ضرب للجمهور في هذه المعاني ~~المثالات التي لم يمكن تصورهم إياها دونها فقد نبه العلماء على أن تلك ~~المعاني نفسها التي ضرب مثالاتها للجمهور فيجب أن يوقف عند حد الشرع في نحو ~~التعليم الذي خص به صنفا صنفا من الناس وألا يختلط التعليمان كلاهما فتفسد ~~الحكمة الشرعية النبوية ولذلك قال عليه السلام إنا معشر الانبياء أمرنا أن ~~ننزل الناس منازلهم وأن نخاطبهم على قدر عقولهم ومن جعل الناس شرعا واحدا ~~في التعليم فهو كمن جعلهم شرعا ms299 واحدا في عمل من الأعمال وهذا كله خلاف ~~المحسوس والمعقول # وقد تبين لك من هذا أن الرؤية معنى ظاهر وأنه ليس يعرض فيه شبهه إذا أخذ ~~الشرع على ظاهره في حق الله تبارك وتعالى أعني إذا لم يصرح فيه بنفي ~~الجسمية ولا بإثباتها # قلت قد عرف أن هذا الرجل يرى رأي الفلاسفة وإنما أخبرت به الرسل في ~~الإيمان بالله واليوم الآخر أكثره أمثال مضروبة وهذا من أفسد الآراء وهو ~~قول حذاق المنافقين الزنادقة وإن كانوا لا يعلمون أن ذلك نفاقا وزندقة بل ~~يحسبونه كمال التحقيق والمعرفة كما يحسب ذلك هؤلاء المتفلسفة وليس هذا ~~الموضع موضع بيان ذلك # وإنما المقصود أنه مع كونه في الباطن يرى رأي الفلاسفة والمعتزلة في ~~الرؤية وأنها مزيد علم ما يرى نحوا منه طائفة من متأخري الأشعرية فقد علم ~~أنه لا يمكن إثبات الرؤية التي أخبر بها الشارع مع نفي ما يقولون إنه الجسم ~~بل إثباتها مستلزم لما يقولون إنه الجسم والجهة فقد تبين أنه من جمع بين ~~هذين فإنه مكابر للمعقول والمحسوس وهذا مما قد بينه بالدليل فيقبل منه ~~PageV01P366 # وأما زعمه أنها في الباطن مزيد علم فهو لم يذكر على ذلك حجة وقد بين فيما ~~تقدم أنه لا صحة له على أصل ذلك وهو نفي كونه جسما إلا إثبات أن النفس ~~الناطقة ليست بجسم وبين فساد ما احتج به المتكلمون على أنه ليس بجسم بحجج ~~واضحة ومعلوم أن الأصل الذي بنى عليه هو هذا النفي وهي مسألة النفس أضعف ~~بكثير وأن جمهور العقلاء يضحكون مما يقوله هؤلاء في النفس من الصفات ~~السلبية أكثر مما يضحكون ممن يثبت رؤية مرئي ليس هو في اصطلاحهم بجسم ولا ~~في جهة كما قد بيناه في غير هذا الموضع # وأما دعواه ودعوى غيره من الجهمية من المعتزلة ونحوهم أن الرؤية التي ~~أخبر بها الرسول مزيد علم فمن سمع النصوص علم بالاضطرار أن الرسول إنما ~~أخبر برؤية المعاينة # وأيضا فإن أدلة المعقول الصريحة تجوز هذه الرؤية وإن لم يسلك في ذلك ms300 ما ~~ذكروه من المسالك الضعيفة فإن تلك المسالك إنما ضعفت لأن أصحابها أثبتوا ~~رؤية ما ليس في جهة ولا هو متحيز ولا حال في متحيز فاحتاجوا لذلك أن يحذفوا ~~من الرؤية الشروط التي لا تتم الرؤية بدونها لاعتقادهم امتناع تلك الشروط ~~في حق الله تعالى فأما إذا قيل إن الرؤية المعروفة يصح تعلقها بكل قائم ~~بنفسه وإن شرط فيها أن يكون المرئي بجهة من الرائي وأن يكون متحيزا وقائما ~~بمتحيز كانت الأدلة العقلية على إمكان هذه الرؤية مالا يمكن العقلاء أن ~~يتنازعوا في جوازها وإنما ينفيها من نفاها لظنه أن الله تعالى ليس فوق ~~العالم وأنه على اصطلاحهم ليس بجسم ولا متحيز ولا حال في المتحيز ونحو ذلك ~~من الصفات السلبية التي ابتدعوها مع مخالفتها لصحيح المنقول وصريح المعقول ~~PageV01P367 # والمقصود أن المنازعين للمؤسس يقولون له نحن نثبت بالكتاب والسنة ~~والإجماع ونثبت بالأدلة العقلية الصريحة إمكان رؤية الرب نثبت بالضرورة ~~وبالنظر أن الرؤية لا تتعلق إلا بما يكون في اصطلاحهم في جهة وإلا بما يكون ~~متحيزا أو حالا في المتحيز وإذا ثبت أن الرؤية لا تتعلق إلا بمتحيز أو حال ~~في المتحيز مع أن المصحح لها هو الوجود وكماله ثبت أنه ليس في الموجودات ~~مالا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز بل ثبت امتناع وجود ذلك وهذا يبقي ~~هذه الصفة في النفس وفي الملائكة وفي الرب سبحانه وتعالى كما تقدم من ~~الوجوه وكما ذكروه من الضرورة العقلية # الوجه التاسع أن يقال قد ثبت بالفطرة التي اتفق عليها أهل الفطر السليمة ~~وبالنقول المتواترة عن المرسلين من الأخبار وما نطقت به كتب الله واتفق ~~عليه المؤمنون بالرسل قبل حدوث البدع أن الله تعالى عز وجل فوق العالم وثبت ~~أيضا بالكتاب والسنة والإجماع أنه استوى على العرش فالعلو على العالم معروف ~~بالفطرة والمعقول وبالشرعة والمنقول وأما الاستواء فإنما علم بالسمع ~~المنقول وأكثر أهل الكلام والفلسفة من النفاة والمثبتة يقولون هذا لا يمكن ~~إلا أن يكون جسما متحيزا فيكون التحيز من لوازم علوه على العرش ms301 كما قد يقول ~~ذلك أهل الفطر السليمة إذا بين لهم معنى الكلام وهذا يقتضي المعقول ~~والمنقول يستلزم ذلك وهذه المقدمة الثانية قد قررها المؤسس ومتأخرو أصحابه ~~في غير موضع والأولى قد قررها عامة الناس من المثبتين للصفات وسائر أهل ~~الفطر السليمة حتى أئمة أصحابه وإذا ثبت هذا في واجب الوجود امتنع أن يكون ~~غيره من النفس وغيرها موصوفا بهذا السلوب لأن أحدا PageV01P368 لم يقل ذلك ~~من العقلاء ولأن الفطرة والشرعة يقضي ذلك فيها أيضا فإنهم يعلمون بهذه ~~الطرق أن جميع هذه الأمور داخلة في العالم وجزء منه يمتنع أن تكون لا داخلة ~~فيه ولا خارجة منه $ فصل # ثم قال الرازي ولنختم هذا الباب بما روي عن أرسطا ليس أنه كتب في أول ~~كتابه في الإلهيات من أراد أن يشرع في المعارف الإلهية فليستحدث لنفسه فطرة ~~أخرى # قال أبو عبدالله الرازي وهذا الكلام موافق للوحي والنبوة فإنه ذكر مراتب ~~تكوين الجسد في قوله تعالى @QB@ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين @QE@ ~~فلما آل الأمر إلى تعلق الروح بالبدن قال @QB@ ثم أنشأناه خلقا آخر @QE@ ~~وذلك كالتنبيه على أن كيفية تعلق الروح ليس مثل انقلاب النطفة من حال إلى ~~حال بل هذا نوع آخر مخالف لتلك الأنواع المتقدمة فلهذا السبب قال @QB@ ثم ~~أنشأناه خلقا آخر @QE@ فكذلك الإنسان إذا تأمل في أحوال الأجرام السفلية ~~والعلوية وتأمل في صفاتها فذلك له قانون فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفة ~~الربوبية وجب أن يستحدث لنفسه فطرة أخرى وعقلا آخر بخلاف العقل الذي به ~~اهتدى إلى معرفة الجسمانيات وهذا آخر الكلام في هذه المقدمة # قلت والكلام على هذا من وجوه # أحدها أن هذا الكلام هو وما ذكره من الحجة أشبه بكلام أهل الجهل والضلال ~~ومن لا يدري ما يخرج منه من المقال من كلام أهل العقل PageV01P369 والعلم ~~والبيان وهو أشبه بكلام جهال القصاص والمغالطين من كلام العلماء المجادلين ~~بالحق وما أحسن ما قال الإمام أحمد رحمه الله في بشر المريسي إمام الجهمية ~~قال كان صاحب خطب لم ms302 يكن صاحب حجج بل هذا الكلام دون كلام أهل الخطب والحجج # الثاني أن يقال له ألم يكن في أثارة الأنبياء والمرسلين ما يستغنى به في ~~أعظم المطالب وأشرف المعارف عن ما يروى عن معلم المبدلة من الضالين الذين ~~انتقلوا عن الحنيفية الثابتة بالعقل والدين وهو رأس هؤلاء الدهرية ثم هذا ~~الكلام لم تعلم أنه ثابت عنه وإنما قلت بما يروى عنه فهو منقطع هؤلاء ~~الصابئة المبدلين # الثالث أنه لو نقل واحد في هذا الباب شيئا من الإسرائيليات عن المتقدمين ~~لم تقم به حجة إن لم يكن ذلك ثابتا بنقل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~عنهم وأما يذكره لنا أهل الكتابين ومن أسلم منهم عن الأنبياء المتقدمين ~~فليس لنا تصديقه ولا تكذيبه إن لم يكن فيما علمناه ما يدل على صدقه أو كذبه ~~كما في صحيح البخاري عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال كان ~~أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ~~وقولوا @QB@ آمنا بالله وما أنزل إلينا @QE@ الآية وفي سنن أبي داود عن ابن ~~أبي تميلة الأنصاري عن أبيه أنه بينما هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعنده رجل من اليهود مر بجنازة فقال يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أعلم قال اليهودي إنها تتكلم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ~~PageV01P370 وقولوا آمنا بالله ورسله فإن كان باطلا لم تصدقوه وإن كان حقا ~~لم تكذبوه وروى البخاري أيضا عن الزهري عن عبدالله بن عبدالله بن عتبة أن ~~ابن عباس قال كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسوله ~~أحدث الكتب عهدا بالرحمن تقرؤونه محضا لم يشب وقد أخبركم ربكم أن أهل ~~الكتاب بدلوا كلام الله وغيروه وكتبوا بأيديهم وقالوا هو @QB@ من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا ms303 @QE@ ألا نهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا ~~والله ما رأينا أحدا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم وروى البخاري أيضا عن ~~الزهري أخبرني حميد بن عبدالرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة ~~وذكر كعب الأحبار فقال إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل ~~الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه الكذب # فإذا كان أهل الكتاب الذي أنزله الله تعالى والذي وجب علينا أن نؤمن بما ~~فيه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم و ? < قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إليكم > ? الآية وقال قولوا آمنا بالله ورسله إذا رووا لنا ~~شيئا من ذلك لم نصدقه إن لم نعلم من غير ذلك أنهم صادقون وهم يقرؤون ذلك ~~بلسان الأنبياء ثم يترجمون لنا بالعربية # فهؤلاء الذين قرؤوا كتب الصابئة من الفلاسفة وغيرهم بلغتهم اليونانية ~~وغيرها ثم ترجموها بالعربية كيف نقبل ذلك منهم والمنقول عنهم ليسوا أنبياء ~~ولا ممن يصدقون لو شافهونا إذ كان من علماء أهل الكتابين لم يقبل ما ~~يقولونه فكيف وهم من الصابئة المتكلمين في العلم الإلهي بما يخالف ما جاءت ~~به الرسل عليهم السلام وهم أشد تبديلا وتغييرا من أهل الكتابين بشيء كثير ~~فكيف في كلام مرسل لم يوجد في كتبهم وإنما نقل عنهم مطلقا PageV01P371 # الوجه الرابع أن جميع العقلاء الذين خبروا كلام آرسطو وذويه في العلم ~~الإلهي علموا أنهم من أقل الناس نصيبا في معرفة العلم الإلهي وأكثر الناس ~~اضطرابا وضلالا فإن كلامه وكلام ذويه في الحساب والعدد ونحوه من الرياضيات ~~مثل كلام بقية الناس والغلط في ذلك قليل نادر وكلامهم في الطبيعيات دون ذلك ~~غالبه جيد وفيه باطل وأما كلامهم في الإلهيات ففي غاية الاضطراب مع قلته ~~فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل هو قليل ~~كثير الضلال عظيم المشقة يعرفه كل من له نظر صحيح في العلوم الإلهية فكيف ~~يستدل بكلام مثل هؤلاء في العلم الإلهي وحالهم هذه الحال # وهذا المصنف ms304 هو القائل لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما ~~رأيتها تشفي غليلا ولا تروي عليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن هذا ~~بمنزلة أن يستدل الرجل في مسائل الحلول والتثليث بكلام بطرس صاحب الرسائل ~~التي عند النصارى وهو ممن غير دين المسيح وبدله وقد اعترف أساطين الفلسفة ~~بأن العلم الإلهي لا سبيل لهم إلا العلم واليقين فيه وإنما يؤخذ فيه ~~بالأولى والأخلق الأحرى وممن ذكر ذلك عنهم صاحب هذا الكتاب أبو عبدالله ~~الرازي الذي سماه المطالب العالية فإذا كانوا معترفين بأنه ليس عندهم علم ~~ولا يقين في العلم الإلهي كيف يستدل بكلامهم فيه # الوجه الخامس يقال له لم تقبل هذه الوصية التي نقلتها عن الذي ائتممت به ~~من أئمة الضلال وذلك أنه قال من أراد أن يشرع في المعارف الإلهية فليستحدث ~~لنفسه فطرة أخرى وهذا يناسب ترتيب تعاليمه حيث ينقل أتباعه PageV01P372 من ~~درجة إلى درجة كما ينقلهم من المنطق والرياضي إلى الطبيعي ثم إلى الإلهي ~~الذي لهم فجعل ذلك معلقا على إرادة الشرع في المعارف الإلهية وأنت جعلت ما ~~تذكره من النظر في هذا الباب اعتقادا واجبا على جميع المسلمين خاصتهم ~~وعامتهم بل كفرت في الكتاب من خالفك فلو تركت الناس على ما هم عليه إلا من ~~أراد أن يشرع في معارفك لكنت متابعا لهذا الإمام المضل لكنك ابتدأت بخطاب ~~ذلك الملوك والعامة وغيرهم ممن لم يرد الشروع في معارفك الإلهية # الوجه السادس أن يقال ما معنى قوله فليستحدث لنفسه فطرة أخرى والفطرة هي ~~الخلقة التي فطر الله عباده عليها أتريد أن يبدل خلقته وما فيها من قوى ~~الإدراك والحركة وهذا غير مقدور للبشر فإن الله تعالى فطر عباده على ذلك أم ~~تريد أن يترك ما فطر عليه من المعارف والعلوم ويستحدث لنفسه معارف تخالف ~~ذلك وهذا هو الذي يصلح أن يريده فهذا أمر بتبديل فطرة الله تعالى التي فطر ~~عليها عباده وهي طريقة المبتدعة المبدلين لفطرة الله تعالى وشرعته كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على ms305 الفطرة فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه أو يشركانه فأهل الكتاب المنزل بدلوا وحرفوا من كتاب ~~الله تعالى ما به بدلوه وحرفوه وهم مع الصابئين والمشركين القائمين بالنظر ~~العقلي بدلوا من فطرة الله التي فطر الله عباده عليها وغيروا منها ما غيروه # ولهذا قيل إن آرسطو هذا بدل طريقة الصابئة الذين كانوا قبله والذين كانوا ~~مؤمنين بالله واليوم الآخر الذين أثنى عليهم القرآن فهذا الكلام المنقول ~~عنه يوافق ذلك وهؤلاء المحرفة المبدلة في هذه الأمة من الجهمية وغيرهم ~~اتبعوا سنن من كان قبلهم من اليهود والنصارى وفارس والروم فغيروا فطرة الله ~~تعالى وبدلوا كتاب الله والله سبحانه وتعالى خلق عباده على الفطرة التي ~~فطرهم عليها وبعث إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فصلاح العباد وقوامهم ~~بالفطرة المكملة بالشريعة PageV01P373 المنزلة وهؤلاء بدلوا وغيروا فطرة ~~الله وشرعته خلقه وأمره وأفسدوا اعتقادات الناس وإراداتهم إدراكاتهم ~~وحركاتهم قولهم وعملهم من هذا وهذا كما بدل الذين ظلموا من بني إسرائيل ~~القول الذي أمروا به والعمل الذي أمروا به ففي الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنه قيل لهم @QB@ وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة @QE@ فدخلوا ~~الباب يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعرة # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن مبدأ التجهم في هذه الأمة كان أصله من ~~المشركين ومبدلة الصابئين من الهند واليونان وكان من مبدلة أهل الكتاب من ~~اليهود وأن الجعد بن دهم ثم الجهم بن صفوان ومن اتبعهما أخذوا ذلك عنهم # وأنه بعد ذلك أواخر المائة الثانية وقبلها وبعدها اجتلبت كتب اليونان ~~وغيرهم من الروم من بلاد النصارى وعربت وانتشر مذهب مبدلة الصابئة مثل ~~آرسطو وذويه ظهر في ذلك الزمان الخرمية وهم أول القرامطة الباطنية الذين ~~كانوا في الباطن يأخذون بعض دين الصابئين المبدلين وبعض دين المجوس كما ~~أخذوا عن هؤلاء كلامهم في العقل والنفس وأخذوا عن هؤلاء كلامهم في النور ~~والظلمة وكسوا ذلك عبارات وتصرفوا فيه وأخرجوه إلى المسلمين وكان من ~~القرامطة الباطنية في الإسلام ما كان وهم كانوا يميلون كثيرا إلى ms306 طريقة ~~الصابئة المبدلين وفي زمنهم صنفت رسائل إخوان الصفا وذكر ابن سينا أن أباه ~~كان من أهل دعوتهم من أهل دعوة المصريين منهم وكانوا إذ ذاك قد ملكوا مصر ~~وغلبوا عليها قال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في الفلسفة لكونهم كانوا ~~يرونها وظهر في غير هؤلاء من التجهم ما ظهر وظهر بذلك تصديق ما أخبر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ~~حتى لو دخلوا جحر ضب PageV01P374 لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود ~~والنصارى قال فمن وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع فقيل يا رسول الله كفارس والروم قال فمن الناس إلا أولئك # ومعلوم أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين ~~فكان أول ما ظهر من البدع فيه شبه من اليهود والنصارى والنبوة كل ما ظهر ~~نورها انطفت البدع وهي في أول الأمر كانت أعظم ظهورا فكان إنما يظهر من ~~البدع ما كان أخف من غيره كما ظهر في أواخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة ~~الخوارج والتشيع ثم في أواخر عصر الصحابة ظهرت القدرية والمرجئة ثم بعد ~~انقراض أكابر التابعين ظهرت الجهمية ثم لما عربت كتب الفرس والروم ظهر ~~التشبه بفارس والروم وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين وكتب ~~اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ~~ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان مع ما أظهروه من التشيع وكانت قرامطة ~~البحرين أعظم تعطيلا وكفرا كفرهم من جنس كفر فرعون بل شر منه # الوجه السابع أن يقال هذه الوصية مخالفة لما بعث الله تعالى به رسله وأن ~~يقروهم على فطرتهم التي فطروا عليها وبذلك جاءتهم الرسل لم يأمروهم ~~باستحداث فطرة غير الفطرة التي فطروا عليها ولا بتغيير تلك الفطرة كما ~~أمرهم هؤلاء ms307 المبدلون لفطرة الله تعالى وكتبه والله سبحانه وتعالى قد فطر ~~عباده على الإقرار به وعبادته وحده قال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من ~~المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ ~~PageV01P375 وهؤلاء الصابئة المبدلون ومن بدل دينه من اليهود والنصارى ~~وسائر المشركين هم @QB@ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم ~~فرحون @QE@ هم من الذين اختلفوا من بعد ما كانوا أمة واحدة كما قال تعالى ~~@QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم @QE@ # ولهذا يوجد في هؤلاء الصابئة المتفلسفة وغيرهم من الاختلاف والافتراق في ~~أصول الدين أعظم مما يوجد بين اليهود والنصارى لأن أهل الكتاب أقرب إلى ~~الهدى من الصابئين فمبتدعتهم دون مبتدعة الصابئين والتفرق والاختلاف في ~~الصابئين أكثر ولهذا فيهم من عبادة الأصنام والكواكب والشرك مالا يوجد منه ~~في أهل الكتابين وإن كان قد وجد فيهم من الشرك ما وجد فهو في أولك أعظم ~~وهؤلاء وأمثالهم هم الذين بدلوا وغيروا ما فطر الله تعالى عليه عباده وأرسل ~~به رسله وصار فيهم من الاستكبار وطلب العلو ودعوى التحقيق في العلوم ~~والمعارف وعلو الهمة في الأعمال ما هم في الحقيقة متصفون عنده كما قال ~~تعالى فيهم @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ وقال تعالى وتقدس @QB@ فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما ~~رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا @QE@ PageV01P376 وقال تعالى @QB@ وإذا جاءتهم آية ~~قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم ms308 حيث يجعل رسالته ~~سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون @QE@ # وبالجملة فهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل وسوس الملل وخطاب القرآن لهم كثير ~~جدا فإنهم أئمة لأتباعهم وهم من السادة والكبراء الذين قال الله تعالى في ~~أتباعهم @QB@ إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ وكان فرعون موسى من ~~أكابر ملوك هؤلاء وقد ذكر الله تعالى في قصته في القرآن ما فيه عبرة وكذلك ~~مشركو قريش الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم أولا كان فيهم الشبه ~~بهؤلاء أن يكونوا أئمة من كفر بعدهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح الناس تبع لقريش في هذا الشأن مؤمنهم تبع لمؤمنهم وكافرهم ~~تبع لكافرهم # وكان في أئمة الكفر الوحيد الذي قال الله تعالى @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا ~~وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ إنه فكر وقدر ~~فقتل كيف قدر @QE@ فاستعمل نظر أهل المنطق من التفكير الذي يطلب به الحد ~~الأوسط ثم التقدير الذي هو القياس الذي ينتقل فيه من الحد الأوسط إلى ~~المطلوب وكذب بكون القرآن كلام الله تعالى وجعله كلام البشر وهذا في ~~الحقيقة قول هؤلاء المتفلسفة كما قد بيناه في غير هذا الكتاب PageV01P377 # فأمر الأمة بقبول وصية أمثال هؤلاء دون أن يذكر في ذلك ما أوصى الله ~~تعالى به عباده وما وصت به رسله والوصية متضمنة تبديل فطرة الله تعالى ~~بفطرة أخرى من أعظم تبديل الفطرة في العلوم والأعمال وذلك من تبديل دين ~~الله $ فصل # قال أبو عبدالله الرازي المقدمة الثانية اعلم أنه ليس كل موجود يجب أن ~~يكون له نظير وشبيه وأنه ليس يلزم من نفي النظير والشبيه نفي ذلك الشي ~~واحتج عليه بثلاث حجج ثم قال فظهر فساد قول من يقول لا يمكن ms309 أن نعقل وجود ~~موجود لا يكون متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه إلا إذا وجدنا له نظيرا فإن ~~عندنا الموصوف بهذه الصفة ليس إلا الله وبينا أنه لا يلزم من عدم النظير ~~والشبيه عدم الشيء فثبت أن هذا الكلام ساقط بالكلية # قلت نفي النظير والمثل والكفئ والسمي ونحو ذلك عن الله سبحانه وتعالى ~~متفق عليه بين المسلمين الذين يؤمنون بالقرآن وقد بينا فيما تقدم بالدلائل ~~القاطعة الشرعية والعقلية أنه يمتنع أن يكون لله مثل بوجه من الوجوه وبينا ~~أن التماثل بينه وبين خلقه ممتنع لذاته وأنه يستلزم كون الشي الواحد موجودا ~~معدوما قديما محدثا خالقا مخلوقا ممكنا والحجج الثلاثة التي ذكرها الرازي ~~في هذا المطلوب ضعيفة كما سنبينه إن شاء الله وإن كانت PageV01P378 هذه ~~المقدمة في نفسها حقا إذا فسرت بما يوافق الكتاب والسنة والعقل الصريح فإن ~~هذا الرجل ربما يقول الحق ولكن تكون الحجج التي يقيمها عليه ضعيفة وكثيرا ~~ما يقول ما ليس بحق وكثيرا ما يتناقض وهو في هذه المقدمة لم يثبت نفي ~~الشبيه والنظير عن الله تعالى ولكن أراد أن يثبت أنه لا يجب أن يكون لكل ~~موجود نظير وشبيه فأثبت سلب هذا العموم لم يثبت نفي النظير عن الله تعالى ~~ومتى ثبت نفي المثل عن الله تعالى ثبت سلب هذا العموم لانتقاض هذه القضية ~~العامة الكلية ولا يلزم من ثبوت نقيض هذه القضية وسلبها ثبوت نفي المثل عن ~~الله فإنه إذا لم يجب أن يكون لكل موجود نظير لم يلزم من ذلك عدم وجود ~~النظير لكل موجود إذ نفي الوجوب لا ينفي الوجود ولو ثبت أن في الموجودات ~~مالا نظير له بل ما يجب نفي النظير عنه لم يثبت بمجرد هذا الإبهام أنه الله ~~إلا بدليل آخر فكيف إذا لم يثبت إلا مجرد عدم وجوب النظير لكل موجود # وإذا عرف مضمون هذه المقدمة فإن ما استفاد بها قوله فثبت فساد قول من ~~يقول إنه لا يمكننا أن نعقل وجود موجود لا يكون متصلا بالعالم ولا منفصلا ~~عنه ms310 إلا إذا وجدنا له نظيرا # وإذا كان هذا هو الذي استفاده بهذه المقدمة فينبغي أن يعلم أن هذا الكلام ~~لا يقوله من يجزم بقول ولا يقوله أحد من أهل الأقوال المعتبرة وما أعلم ~~أحدا يقوله ممن يذكر له قول لكن لعله قد قاله بعض الجهال بالمذاهب والدلائل ~~وأهل الريب والشك في ذلك وذلك أن المنازعين له عندهم يعلم بضرورة العقل ~~ونظره امتناع وجود موجود لا داخل ولا خارجه وإذا كان هذا ممتنعا عندهم لم ~~يجز أن يكون لهذا الممتنع نظير ولم يجز أن يقول عاقل إن هذا الممتنع لا ~~أعقله إلا إذا كان له نظير فإن هذا يكون تعليقا لعقله على وجود نظيره ويكون ~~PageV01P379 عاقلا له إذا كان له نظير ومتى جوز وجود نظيره لم يكن هو في ~~نفسه ممتنعا عنده والقائل لهذا إن كان يعتقد امتناعه لم يجز أن يكون له في ~~نفسه وجود فضلا عن أن يجوز وجود نظير له وان كان يعتقد إمكانه لم يحتج عقله ~~إلى وجود نظير لكن قد يقول هذا من لا يعلم امتناعه ولا إمكانه ويقول أنا لا ~~أعقل شيئا إلا بشيء له نظير فهذه المقدمة تبطل هذا القول لو كان أقام حجة ~~صحيحة عليها # وتحقيق الأمر أن لفظ النظير إن أراد به هذا القائل أني لا أعقل شيئا إن ~~لم يكن له نظير من كل وجه فهذا لا ينفعه فإنه سلم أن الله تعالى ليس له ~~نظير من كل وجه وإن قال إن لم يكن له نظير من بعض الوجوه يعنى أن يكون بينه ~~وبين غيره مشابهة في شيء فالرازي لم يقم دليلا على إفساد هذا بل قد سلم في ~~كتبه أن هذا في كتبه أن هذا يقول كل أحد قال في كتابه نهاية العقول وهو أجل ~~ما صنفه في الكلام في المسألة الثالثة في أن مخالف الحق من أهل الصلاة هل ~~يكفر أولا قال قال أبو الحسن الأشعرى في أول كتاب مقالات الاسلاميين اختلف ~~المسلمون بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم ms311 في أشياء ضلل بعضهم بعضا فصاروا ~~فرقا متباينين إلا أن الإسلام يجمعهم ويعمهم قال فهذا مذهبه وعليه أكثر ~~الأصحاب ومن الأصحاب من كفر المخالفين قال فأما الفقهاء فقد نقل عن الشافعي ~~رحمه الله أنه قال لا أرد شهادة كل أهل الأهواء والأقوال إلا الخطابية ~~فانهم يعتقدون حل الكذب وأما أبو حنيفة فقد حكى الحاكم صاحب المختصر في ~~كتاب المنتقى عن أبي حنيفة أنه لم يكفر PageV01P380 أحدا من أهل القبلة ~~وحكى الرازى عن الكرخي وغيره مثل ذلك قال وأما المعتزلة فالذين كانوا قبل ~~أبو الحسين تحامقوا وكفروا أصحابنا في إثبات الصفات وخلق الأعمال قال وأما ~~المشبهة فقد كفرهم مخالفوهم من أصحابنا ومن المعتزلة وكان الاستاذ أبو ~~إسحاق يقول أكفر من يكفرني فكل مخالف يكفرنا نكفره وإلا فلا قال والذي ~~نختاره أنا لا نكفر أحدا من أهل القبلة وهذا الذي اختاره آخرا خلاف ما ذكره ~~في تأسيسه ومحصلة من تكفير المجسمة ومن غيرهم # والمقصود هنا أنه ذكر حجج من كفر المشبهة وتكلم عليها فقال وأما تكفير ~~المشبهة فقد كفرهم أصحابنا والمعتزلة من وجوه إلى أن قال ورابعها أن الأمة ~~مجمعة على أن المشبه كافر ثم المشبه لا يخلو إما أن يكون هو أن يذهب إلى ~~كون الله تعالى وتقدس مشبها لخلقه من كل الوجوه أوليس والأول باطل لأن أحدا ~~من العقلاء لم يذهب إلى ذلك ولا يجوز أن يجمعوا على تكفير من لا وجود له بل ~~المشبه الذي يثبت الاله على صفة يشبهه فيها بخلقه والمجسم كذلك لأنه إذا ~~اثبت جسما مخصوصا غير معين فإنه يشتبه عليه بالأجسام المحدثة فثيت أن ~~المجسم مشبه وكل مشبه كافر بالإجماع فالمجسم كافر # ثم قال في الجواب عن هذا قوله المجسم مشبه والمشبه كافر قلنا إن عنيتهم ~~بالمشبه من يكون قائلا بكون الله تعالى وتقدس شبيها بخلقه من كل الوجوه ~~PageV01P381 فلا شك في كفره لكن المجسمة لا يقولون بذلك فلا يلزم من قولهم ~~بالتجسيم قولهم بذلك ألا ترى أن الشمس والقمر والنمل والبق أجسام ولا يلزم ms312 ~~من اعترافنا باشتراكهما في الجسمية كوننا مشبهين للشمس والقمر بالنمل والبق # قال وإن عنيتم بالمشبه من يقول بكون الله تعالى شبيها بخلقه من بعض ~~الوجوه فهذا لا يقتضي الكفر لأن المسلمين اتفقوا على أن الله موجود وشيء ~~وعالم وقادر والحيوانات أيضا كذلك وذلك لا يوجب الكفر وإن عنيتم بالمشبه من ~~يقول الإله جسم مختص بالمكان فلا نسلم انعقاد الإجماع على تكفير من يقول ~~بذلك بل هو دعوى الإجماع في محل النزاع فلا يلتفت إليه # قلت هذا الكلام منه تسليم لأن كون الله شبيها بخلقه من لعض الوجوه متفق ~~عليه بين المسلمين لاتفاقها على أن الله تعالى موجود وشيء وعالم وقادر وعلى ~~هذا فما من موجود إلا وله شبيه من بعض الوجوه لاشتراكها في الوجود والشبه ~~فقوله بعد هذا لا يجب أن يكون لكل موجود نظير وشبيه إن عنى به شبيها به من ~~كل وجه فقد ذكر أن أحدا من العقلاء لم يذهب إلى ذلك وإن عنى به شبيها من ~~بعض الوجوه فقد ذكر أن هذا محل وفاق بين المسلمين وإن أراد نوعا من التشبيه ~~فهو لم يذكره في هذه المقدمة ولم يوضح سبيلا # ومن العجب أنه ذكر في نهايته على لسان منازعيه إجماع المسلمين على تكفير ~~المشبهة وأنه ليس هو الذي يذهب إلى كون الله تعالى وتقدس شبيها بخلقه من كل ~~الوجوه فإن هذا لم يذهب إليه عاقل فتعين أن يكون هو الذي أثب الإله على صفة ~~شبهه معها بخلقه ثم ذكر هو إجماع المسلمين على كون الله شبيها PageV01P382 ~~بخلقه من بعض الوجوه فالذي ذكر أولئك إجماع المسلمين على تكفير قائله ذكر ~~هو إجماع المسلمين على القول به # وهذا الذي قرره في نهاية العقول في علم الأصول الذي صنفه بعد هذا الكتاب ~~وقرر في أوله أن علم أصول الدين أجل العلوم وأشرفها وأعلاها وأنهاها قال ثم ~~إن جماعة من الأفاضل الذين لا يوجد أمثالهم إلا على تباين الأعصار ونوادر ~~الأدوار لما طال اقتراحهم لدي وكثر إلحاحهم علي في تصنيف كتاب ms313 في أصول ~~الدين يشتمل على نهايات الأفكار العقلية وغايات المباحث العلمية صنفت هذا ~~الكتاب بتوفيق الله تعالى على نحو ملتمسهم وأوردت فيه من الدقائق والحقائق ~~ما لا يكاد يوجد في شيء من كتب الأولين والآخرين والسابقين واللاحقين من ~~الموافقين والمخالفين وإن كتابي يتميز على سائر الكتب المصنفة في هذا ~~المعنى بثلاثة أمور أحدها الاستقصاء في الأسولة والأجوبة والتعمق في بحار ~~المشكلات على وجه ربما يكون انتفاع صاحب كل مذهب بكتابي هذا أكثر من ~~انتفاعه بالكتب التي صنفها أصحاب ذلك المذهب فإني أوردت من كل كلام زبدته ~~ومن كل بحث نقاوته حتى أني إذا لم أجد لأصحاب ذلك المذهب كلاما بعول عليه ~~ويلتفت إليه في نصرة مذهبهم وتقرير مقالتهم استنبطت من نفسي أيضا ما يمكن ~~أن يقال في تقرير ذلك المذهب وتحرير ذلك المطلب وإن كنا نرد بالعاقبة كل ~~رئي ونزيف كل رواية سوى ما اختاره أهل السنة والجماعة ونبين بالبراهين ~~الباهرة والأدلة القاهرة أن ذلك الذي يجب له الانقياد بالسمع والطاعة # وثانيهما استنباط الأدلة الحقيقية والبراهين اليقينية المفيدة للعلم ~~الحقيقي واليقين التام لا الا لزامات التي المقصود من إيرادها مجرد التعجيز ~~وألافحام PageV01P383 # وثالثها الترتيب العجيب والتلفيق الأنيق الذي يوجب إلزامه على ملتزمه ~~إيراد جميع مداخل الشكوك والشبهات والإجتناب على الحشو والاطناب وهذا كله ~~لا يعلمه إلا من تقدم تحصيله لأكثر كلام العلماء وتحقق وقوعه على مجامع ~~العقلاء من المحقين والمبطلين والموافقين والمخالفين حتى يمكن بعد ذلك فهم ~~ما فيه من الأدلة العقلية والشكوك العويصة القوية فأني قل ما تكلمت في ~~المبادىء والمقدمات بل أكثر العناية كان مصروفا إلى تخليص النهايات ~~والغايات # قال ولما خرج الكتاب على هذا الوجه سميته نهاية العقول في دراية الأصول ~~ليكون الاسم موافقا واللفظ مطابقا للمعنى وجعلته خالصا لوجه الله تعالى ~~الكريم وطلب مرضاته والفوز العظيم بثوابه والهرب من أليم عذابه وسألت الله ~~تعالى أن بعظم لي الإنتفاع للمسلمين في الدارين ويجعله سبب السعادة في ~~المنزلتين أنه قريب مجيب # فهذا وصفه لكلامه في هذا الكتاب الذي ms314 صنفه بعد هذا وقد نقض فيه ما ذكر في ~~هذا الكتاب في اسم المشبهة وتكفيرهم وذكر اتفاق المسلمين على إثبات التشبيه ~~من بعض الوجوه وإذا كانوا متفقين عليه كيف يكون صاحبه هو المشبه المذموم في ~~قول المسلمين وذكر أن القائلين بالجسم واختصاص الله تعالى بالمكان وإن ~~عناهم متكلم بلفظ فلا حجة على تكفيرهم # وقد ذكر في هذا الكتاب ضد هذين القولين في اسم التشبيه وفي تكفير المشبه ~~مع أن الحج التي ذكرها في هذا الكتاب من جانب منازعه PageV01P384 قوية ~~عظيمة توافق ما رجع إليه في نهايته فقال في القسم الرابع وقد جعله ثلاثة ~~فصول قال # الفصل الثاني في أن المجسم هل يوسف بأنه مشبه أم لا قال المجسم إنا وإن ~~قلنا إنه جسم مختص بالحيز والجهة إلا أنا نعتقد أنه بحلاف سائر الأجسام في ~~ذاته وحقيقته وذلك يمنع من القول بالتشبيه فإن إثبات المساواة في بعض ~~الأمور لا يوجب إثبات التشبيه ويدل على ذلك أنه تعالى صرح في كتابه ~~بالمساواة في الصفات الكثيرة ولم يقل أحد بأن ذلك يوجب التشبيه فالأول قال ~~سبحانه وتعالى في صفة نفسه @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ وقال في صفة ~~الإنسان @QB@ فجعلناه سميعا بصيرا @QE@ الثاني قال @QB@ واصنع الفلك ~~بأعيننا @QE@ وقال في الإنسان @QB@ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا @QE@ ~~الثالث قال @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ وفي الإنسان @QB@ بما قدمت يداك ~~@QE@ وقال في نفسه @QB@ مما عملت أيدينا أنعاما @QE@ وفي الإنسان @QB@ يد ~~الله فوق أيديهم @QE@ الرابع قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وفي ~~الإنسان @QB@ لتستووا على ظهوره @QE@ الخامس قال في صفة نفسه @QB@ العزيز ~~الجبار @QE@ ووصف الخلق بذلك فقال إخوة يوسف @QB@ أيها العزيز @QE@ وقال ~~@QB@ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ والسادس سمى نفسه @QB@ ~~العظيم @QE@ ثم وصف العرش فقال @QB@ رب العرش العظيم @QE@ والسابع وصف نفسه ~~الحفيظ العليم ووصف يوسف بها فقال @QB@ إني حفيظ عليم @QE@ وقال @QB@ ~~وبشروه بغلام عليم @QE@ وقال في آية أخرى @QB@ بغلام حليم @QE@ الثامن سمى ~~تحيتنا سلاما فقال @QB@ تحيتهم يوم يلقونه سلام @QE@ وسمى نفسه سلاما كما ~~صلى الله عليه وسلم ms315 بعد فراغه من الصلاة اللهم أنت السلام ومنك السلام ~~تباركت يا ذا الجلال والإكرام التاسع المؤمن قال PageV01P385 # تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا @QE@ ووصف نفسه تعالى به ~~فقال @QB@ السلام المؤمن @QE@ العاشر الحكم قال الله @QB@ ألا له الحكم ~~@QE@ ووصفنا به فقال @QB@ فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها @QE@ الحادي ~~عشر الراحم @QB@ الرحيم @QE@ وهو ظاهر الثاني عشر الشكور فقال @QB@ إن ربنا ~~لغفور شكور @QE@ الثالث عشر العلي والإنسان يسمى بذلك منهم كعلي رضي الله ~~عنه الرابع عشر الكبير قال في نفسه @QB@ وهو العلي الكبير @QE@ وقال @QB@ ~~إن له أبا شيخا كبيرا @QE@ وقال في حكاية عن المرأتين @QB@ وأبونا شيخ كبير ~~@QE@ الخامس عشر الحكيم والله تعالى وصف نفسه وكتابه السادس عشر الشهيد قال ~~في حق الخلق @QB@ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد @QE@ وقال في حق نفسه @QB@ ~~أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ السابع عشر قال الله تعالى @QB@ ~~فتعالى الله الملك الحق @QE@ وقال @QB@ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل @QE@ ~~@QB@ الملك يومئذ الحق للرحمن @QE@ @QB@ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق ~~@QE@ @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق @QE@ الثامن عشر الوكيل قال ~~تعالى @QB@ وهو على كل شيء وكيل @QE@ وقد يوصف الخلق بذلك فيقال فلان وكل ~~فلانا التاسع عشر المولى قال تعالى @QB@ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم @QE@ ثم قال تعالى في حقنا @QB@ ولكل جعلنا موالي ~~@QE@ والنبي صلى الله عليه وسلم قال من كنت مولاه فعلي مولاه العشرون الولي ~~قال تعالى @QB@ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا @QE@ وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل وقال ~~تعالى PageV01P386 @QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض @QE@ الحادي ~~والعشرون الحي قال الله تعالى @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ ~~وقال @QB@ وجعلنا من الماء كل شيء حي @QE@ الثاني والعشرون قال تعالى @QB@ ~~إنما هو إله واحد @QE@ ويقع هذا الوصف على أكثر الأشياء فيقال ثوب واحد ~~وإنسان واحد الثالث والعشرون الثواب قال الله تعالى @QB@ إن الله كان توابا ~~رحيما @QE@ وسمى الخلق به فقال @QB@ إن ms316 الله يحب التوابين @QE@ الرابع ~~والعشرون الغني قال الله تعالى @QB@ والله الغني @QE@ وقال @QB@ إنما ~~السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء @QE@ وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~خذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم الخامس والعشرون النور قال الله تعالى ~~@QB@ الله نور السماوات والأرض @QE@ وقال @QB@ يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم @QE@ السادس والعشرون الهادي قال الله تعالى @QB@ ولكن الله يهدي ~~من يشاء @QE@ وقال @QB@ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد @QE@ السابع والعشرون ~~الاستماع قال الله تعالى @QB@ فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون @QE@ وقال ~~لموسى @QB@ فاستمع لما يوحى @QE@ الثامن والعشرون القديم قال تعالى @QB@ ~~حتى عاد كالعرجون القديم @QE@ # قال واعلم أنه لا نزاع في أن لفظ الموجود والشيء والواحد والذات والمعلوم ~~والمذكور والعالم والقادر والحي والمريد والسميع والبصير والمتكلم والباقي ~~واقع على الحق سبحانه وتعالى وعلى خلقه فثبت بما ذكرناه أن المشابهة من بعض ~~الوجوه لا توجب أن يكون قائله موصوفا بأنه شبه الله PageV01P387 بالخلق ~~وبأنه مشبه ونحن لا نثبت المشابهة بينه وبين خلقه إلا في بعض الأحوال ~~والصفات إلا أنا نعتقد أنه تعالى وإن كان جسما إلا أنه بخلاف سائر الأجسام ~~في ذاته وحقيقته فثبت أن إطلاق اسم المشبه على هذه الطائفة كذب وزور وهذا ~~جملة كلامهم في هذا الباب # قال واعلم أن حاصل هذا الكلام من جانبنا أنا قد دللنا في القسم الأول من ~~هذا الكتاب على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية فلو كان الباري جسما ~~لزم أن يكون مثلا لهذه الأجسام في تمام الماهية وحينئذ فيكون القول ~~بالتشبيه لازما أما ما لم يدل الدليل على أن الأشياء المتساوية في ~~الموجودية والعالمية والقادرية فإنه لا يجب تماثلها في تمام الماهية فظهر ~~الفرق # قلت قد ذكر ما ذكر في حجج الذين سماهم مجسمة مع تقصير فيها فإنها حجج ~~كثيرة جدا ومع هذا فلم يمكنه أن يمنعهم ثبوت التشبيه من بعض الوجوه كما ~~قرره ولا أمكنه أن يمنع أن هذا ثابت بالكتاب والسنة واتفاق المسلمين لكن ~~ادعى أن التجسيم يوجب إثبات مثل لله في تمام ماهيته وذلك ms317 ليس تشبيها في بعض ~~الأمور بل هو مماثلة في كمال الحقيقة والماهية # قلت ولا ريب أن من أثبت لله مثلا في كمال حقيقته فهو مشبه بل هو أعظم من ~~أن يقال مشبه بل هو جاعل لله تعالى كفوا وشبها ولذا قال فالأشياء المستركة ~~في الموجودية والعالمية والقادرية لا يجب تماثلها في تمام الماهية قلت وهذا ~~حق فإن اشتراك الشيئين في كونهما موجودين أو عالمين أو قادرين لا يوجب ~~استواءهما في حقيقتهما PageV01P388 # والغرض أنه في هذا الكتاب أيضا قد اعترف بأن التشبيه من بعض الوجوه ثابت ~~بالكتاب والسنة واتفاق العقلاء فضلا عن المسلمين لكن خصومه المجسمة إنما ~~عابهم بإثباتهم المشابهة في تمام الماهية وهذا مورد النزاع بينه وبينهم ~~وسنذكر إنشاء الله تعالى ما يجب من الحكم بالقسط بينه وبينهم إذا انتهينا ~~إلى ذكر حججه التي أحال عليها ونبين أن الأجسام كلها هل هي مستوية في تمام ~~ماهيتها وكمال حقيقتها أم لا إذ هذا ليس موضع الكلام في ذلك وهذا الفصل وإن ~~كان ذكره في آخر الكتاب فذكرناه في هذا الموضع لنبين اعترافه واعتراف سائر ~~الخلق بما قامت عليه الأدلة الشرعية والعقلية من ثبوت المشابهة في بعض ~~الأمور وأن ذلك لا يستلزم التماثل في الحقيقة وظهر بذلك ما في هذا اللفظ من ~~العموم والخصوص والإطلاق والتقييد # والمقصود هنا أن لفظ الشبيه والنظير فيه إجمال كبير واشتراك في اللفظ ~~وإجمال في المعنى فإن أراد بما نفاه بهذه المقدمة نفي التشبيه من كل وجه ~~فهذا محل وفاق ولا ينفعه ذلك وإن أراد به نفي التشبيه من بعض الوجوه فقد ~~ذكر أن هذا متفق على ثبوته فلم يرد نفيه ولم يقم دليلا على نفيه والقول ~~الذي ذكره عن بعض منازعيه لا يمكننا عقل موجود لا متصل ولا منفصل إلا إذا ~~وجدنا له نظيرا قد ذكرنا أنه لا يقوله من يعلم امتناع موجود لا متصل ولا ~~منفصل ولا يقوله من يعلم إمكانه وإنما يقوله الواقف الذي يطلب للشيء نظيرا ~~وقد ذكر هذا الرازي أنه لا يطلب ms318 أحد من العقلاء نظيرا من كل وجه وذكر أن ~~الشبيه من بعض الوجوه ثابت للرب سبحانه وتعالى باتفاق المسلمين فضلا عن أن ~~يكون ثابتا لغيره وهذا المنازع له لا يطلب إلا نظيرا من بعض الوجوه فإذا ~~كان مطلوبه حاصلا باتفاق المسلمين لم يكن قوله فاسدا فأحد الأمرين لازم إما ~~أن لا يكون قال أحد هذا القول أو يكون هذا القول حقا مسلما بالاتفاق وعلى ~~التقديرين فلا تصح مناظرة قائله PageV01P389 # فإن قيل هذا المنازع طلب نظيرا في مورد النزاع وهو أني لا أثبت موجودا لا ~~داخل العالم ولا خارجه إن لم يكن له شبيه من هذا الوجه والمخالفون له لا ~~يثبتون المشابهة من هذا الوجه # قيل هذا حق وهو تشبيه من وجه مخصوص لكن المصنف لم يثبت جواز وجود موجود ~~بدون هذا التشبيه الخاص إذ لو أثبت ذلك لكان قد أثبت جواز موجود لا يكون ~~داخل العالم ولا خارجه وذلك لو أثبت كانت له مغنيا عن هذه المقدمة بل ادعى ~~أنه لا يجب الوجود الشبيه والنظير لكل موجود ولفظ الشبيه مجمل كما ذكره هو ~~وإذا كانت الدعوى مجملة تحتمل مورد النزاع وما هو أعم منه وما هو أخص منه ~~لم تكن إقامة الدليل عليها دافعة للخصم وهذا بين # وأما حججه فإنه قال الحجة الأولى أن بديهة العقل لا تستبعد وجود موجود ~~موصوف بصفات مخصوصة بحيث يكون كل ما سواه مخالفا له في تلك الخصوصية إذا لم ~~يكن هذا مدفوعا في بداية العقول علمنا أنه لا يلزم من عدم نظير الشيء عدم ~~ذلك الشيء # وعلى هذا وجوه الأول إن عدم استبعاد البديهة لا يقتضي عدم استبعاد العلم ~~النظري وكذلك كونه غير مدفوع في بديهة العقل لا يقتضى أنه لا يكون مدفوعا ~~في نظره فإن حاصل هذا أنه لا يعلم بالبديهة امتناع هذا وفرق بين أن لا يعلم ~~بالبديهة امتناعه وبين أن يعلم بالبديهة إمكانه وإذا لم يعلم بالبديهة ~~امتناعه لم يجز أن يقال فعلمنا أنه لا يلزم من عدم نظير الشيء عدم ms319 الشيء ~~فإن هذا لم يعلم مما ذكره إنما أفاد عدم العلم البديهي بوجود موجود لا نظير ~~له لم يعدم PageV01P390 وجود علم بإمكانه ولو كان قد قال نعلم بالبديهة أن ~~الشيء قد يكون موجودا ولا يكون له نظير أو نعلم بالبديهة إمكان وجود شيء لا ~~نظير له لكان الدليل تاما لكن هو لم يذكر إلا الإمكان الذهني دون الخارجي ~~والإمكان الذهني ليس فيه علم لا بالامتناع ولا بالإمكان ولكن العلم ~~بالإمكان الخارجي فيه بالإمكان # الثاني أن الذي ادعاه أنه لا يستبعد وجود موجود موصوف بصفات مخصوصة بحيث ~~يكون كل ما سواه مخالفا له في تلك الخصوصية وهذا إثبات للمخالفة في ~~الخصوصية وإن كانت المشابهة ثابتة في غير الخصوصية بحيث يكون بينهما قدر ~~مشترك وقدر مميز والمنازع له لم ينف وجود هذا بل قد حكى الإجماع على أن ~~أحدا من العقلاء لم يثبت المشابهة من كل وجه فلا يفيده هذا الوجه # الثالث أن المنازع له الذي ذكره في هذه المقدمة طلب إثبات شيء يكون لا ~~داخل العالم ولا خارجه وذكر أنه لا يقر بهذا إلا إذا علم المشابهة في هذا ~~فإن لم يقم دليلا على أن وجود الموجود لا يقتضي وجود شبيه له من هذا الوجه ~~إما دليلا يخص هذا الوجه أو دليلا يعم هذا الوجه وغيره لم يكن قد استدل ~~وهذا الدليل إنما فيه جواز المخالفة في تلك الخصوصية ولا يلزم من جواز ~~المخالفة في تلك الخصوصية جواز المخالفة في كونه لا داخل العالم ولا خارجه # ثم قال الحجة الثانية وهو أن الشيء إما أن يتوقف على وجود ما يشابهه أو ~~لا يتوقف والأول باطل لأنهما لو كانا متشابهين وجب استواؤهما في جميع ~~اللوازم فيلزم من توقف وجود هذا على وجود الثاني توقف الثاني على وجود ~~الأول بل توقف كل واحد منهما على نفسه وذلك محال في بداية العقول ~~PageV01P391 # يقال هذه الحجة أفسد من التي قبلها من وجوه # أحدها أن هذه إنما تنفي وجوب التشابه الموجب للاستواء في جميع اللوازم ~~وهذا ms320 هو التماثل وقد حكى الإجماع على أن أحدا من العقلاء لا يثبت لله مثلا ~~يشاركه في جميع اللوازم ولا ريب أن انتفاء هذا الظاهر وإذا كان أحد من ~~العقلاء لم يقل بهذا لم ينفعه في دفع ما ذكره عن منازعه الذي طلب التشابه ~~في صفة واحدة لا في جميع اللوازم # الوجه الثاني أنه كثيرا ما يحتج بمثل هذه الحجة في كتبه وهي من الأغاليط ~~ولا يميز بين دور التقدم والتأخر وبين دور التفاوت وذلك أنه يمتنع أن يكون ~~كل من الشيئين علة للآخر لأن العلة متقدمة للمعلول فيلزم أن يكون كل منهما ~~علة للآخر ومعلولا له فيلزم تقدمه عليه وتأخره عنه وذلك يلزم تقدمه على ~~نفسه بدرجتين وتأخره عن نفسه بدرجتين ويستلزم كونه علة لنفسه ومعلولا لنفسه ~~لأنه يكون علة علته ومعلولا معلوله جميعا ولا يمتنع أن يكون كل من الشيئين ~~مقارنا للآخر بحيث لا يوجد إلا معه كالأمور المتضايفة مثل الأبوة والبنوة ~~ونحو ذلك وهذا دور الشروط فيجوز أن يكون وجود كل من الأمرين شرطا في وجود ~~الآخر بحيث لا يوجد إلا معه فهذا جائز ليس بممتنع فقوله وجود الشيء إما أن ~~يتوقف على وجود ما يشابهه إن أراد بالتوقف توقف العلل بحيث يكون كل منهما ~~موجودا مع الآخر فلم قال إن هذا ممتنع # قوله لأن التشابه يقتضي الاستواء في اللوازم فيلزم من توقف وجود هذا على ~~وجود الثاني توقف وجود الثاني على وجود الأول # يقال له غايته إنه توقف كل منهما على وجود الآخر وهذا أول المسألة وهو ~~توقف الشيء على وجود ما يشبهه فلم قلت إن هذا محال إذا أريد بالتوقف ~~PageV01P392 وجوب وجوده معه لا وجوب وجوده به ومعلوم أن هذا لا يقتضي وقف ~~الشيء على نفسه وأن هذا ليس بمحال في بداية العقول بل المحال أن يكون وجود ~~كل منهما بوجود الآخر وفرق بين كون وجوده معه أو وجوده به فهذه الحجة كما ~~قال الإمام أحمد رحمه الله في هؤلاء يتمسكون بالمتشابه من الكلام ويخدعون ~~جهال ms321 الناس بما يلبسون عليهم # الوجه الثالث أن يقال نختار القسم الثاني وهو أن وجود الشيء لا يتوقف على ~~وجود ما يشبهه بل يجوز وجوده بدونه لكن لم قلت إذا كان وجوده لا يتوقف على ~~النظير أنه لا يجب أن يكون له نظير وإن لم يتوقف عليه وجوده كمعلولي العلة ~~الواحدة لا يتوقف أحدهما على الآخر بأن كان وجود أحدهما مستلزما لوجود ~~الآخر # وأيضا فالمنازع الذي ذكرته لا يمكننا أن نعقل وجود موجود لا يكون متصلا ~~بالعالم ولا منفصلا عنه إلا إذا وجدنا له نظيرا إنما نفى عقل نفسه فلم قلت ~~إنه إذا جاز وجود هذا الموجود يمكن عقلنا له وهذا لا يحصل إلا إذا ثبت أنه ~~يمكن أن يعقل كل ما جاز وجوده وهذا لم تذكر عليه حجة # ثم قال الحجة الثالثة هو أن تعين كل شيء من حيث أنه هو ممتنع الحصول في ~~غيره وإلا لكان ذلك الشيء عين غيره وذلك باطل في بداية العقول فثبت أن تعين ~~كل شيء من حيث أنه هو ممتنع الحصول في غيره فعلمنا أن عدم النظير والمساوي ~~لا يوجب القول بعدم الشيء PageV01P393 # يقال هذه الحجة أفسد من غيرها وهي أيضا من غلطاته فإنه لم يذكر فيها ما ~~يدل على مطلوبه لوجوه # أحدها أن إثبات نظير الشيء وشبهه ومثله يقتضي أن يكون عين أحدهما ليست ~~عين الآخر إذ لو كانت عينه عينه لم يكن مثله ونظيره بل كان هو إياه وإذا ~~كان نفس إثبات النظير يقتضي التغاير في التعيين صار وجود النظير مستلزما ~~لامتناع كون أحدهما عين الآخر وثبوت اللازم لا يقتضي عدم الملزوم فكون عين ~~الشيء يمتنع أن يكون لغيره لا يقتضي نفي ذلك كما لا يقتضي ثبوته وإذا لم ~~يكن مقتضيا ثبوت النظير ولا نفيه لم يكن فيه إعدام الدليل على وجوب النظير ~~وعدم الدليل ليس دليل العدم فتبين أن ما ذكره لا يمنع وجوب النظير كما لا ~~يوجب ثبوت النظير ولكن غايته أنه لا يدل على ثبوت النظير # لكن قد يقول ms322 هو إذا كان تعيينه يمتنع أن يكون لغيره فلا يقتضي وجود ~~التعيين وجوده ولا عدمه # فيقال هذه الحجة لم تفد غير ما هو معروف بدونها من أنه يمكن العقل أن ~~يتصور وجود الشيء الذي ليس له نظير وأن ذلك ممكن فإن هذه الحجة ليس فيها ~~إقامة دليل خاص على نفي الحاجة إلى النظير وإنما غايتها وجود عين الشيء من ~~غير نظير ولو قال قائل قد يكون وجود الشيء موقوفا على نظيره لكون وجوده ~~مشروطا بوجود النظير أو وجود الغير كالأمور المتضايفة وأنتم لم تقيموا ~~دليلا على نفي وجوب التلازم فإنه ليس في حجته ما ينفي التلازم لكان قوله ~~صحيحا لكن يقال نحن نتصور إمكان وجوده بدون التلازم فلا حاجة إلى حجته # يبين ذلك أنه يكون امتناع كون عين الشيء حاصلا في غيره يمنع وجوب الشبيه ~~أو النظير فإن ذلك يستلزم أن يكون إثبات الشيء مستلزما PageV01P394 لعدمه ~~لأن إثبات التشابه والتناظر والتساوي يقتضي ثبوت التغاير في التعيين وأن ~~أحدهما ليست عين الآخر فلو كان هذا التغاير في التعيين مانعا من وجوب مشابه ~~لكان لازما الشيء بل بعض معناه مانعا من وجوبه فإن اللازم لا يمنع وجوب ~~الملزوم ولا يوجب وجوده # الوجه الثاني أن كون تعيين الشيء ممتنع الحصول في غيره لا يقتضي عدم نظير ~~ذلك التعيين في الثاني وإنما يقتضي عدم نفس ذلك التعيين في الثاني والمنازع ~~إنما يثبت نظير التعيين في الثاني لا نفس التعيين فلم قلت إن نظير ذلك ~~التعيين غير واجب فإن قلت يلزم أن يكون لكل نظير نظيرا قيل له كل من ~~التعيينين نظير الآخر # الوجه الثالث أن تعين الشيء في اقتضائه لنفي وجوب لمثل كما هو في اقتضائه ~~لنفي وجود المثل ثم من المعلوم أنه إذا كان امتناع حصول العين في الغير ~~يقتضي نفي المثل وجب أن لا يكون لشيء من الأشياء نظير ولا شبيه ولا مثل ~~فإنه ما من شيء إلا له عين مخصوصة يمتنع حصولها في غيره فإن كان عدم حصول ~~عين الشيء في ms323 غيره يقتضي عدم مثله ونظيره فليس في الوجود ماله نظير وشبيه ~~وهذا من أبطل الأشياء وإذا لم يكن تعيين الشيء مانعا من وجود النظير لم يكن ~~مانعا من وجوب النظير فإنه لا يدل على هذا ولا هذا $ فصل # قال الرازي المقدمة الثالثة أن القائلين بأنه تعالى جسم اختلفوا فمنهم من ~~يقول إنه على صورة الإنسان ثم المنقول عن مشبهة الأمة أنه على صورة ~~PageV01P395 الإنسان الشاب وعن مشبهة اليهود أنه على صورة إنسان شيخ وهؤلاء ~~يجوزون الانتقال والذهاب والمجيء على الله تعالى وأما المحققون من المشبهة ~~فالمنقول عنهم أنه على صورة نور من الأنوار # وقال وذكر أبو معشر المنجم أن سبب إقدام الناس على اتخاذ عبادة الأوثان ~~دينا لأنفسهم هو أن القوم في الدهر الأقدم كانوا على مذهب المشبهة وكانوا ~~يعتقدون أن إله العالم نور عظيم فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا وثنا هو أكبر ~~الأوثان على صورة الإله وأوثانا أخرى أصغر من ذلك الوثن على صورة الملائكة ~~واشتغلوا بعبادة هذه الأوثان على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة فثبت ~~أن دين عبادة الأصنام كالفرع على مذهب المشبهة # واعلم أن كثيرا من هؤلاء يمتنع من جواز الحركة والسكون على الله تعالى ~~وأما الكرامية فهم يقولون بالأعضاء والجوارح بل يقولون إنه مختص بما فوق ~~العرش ثم إن هذا المذهب يحتمل وجوها ثلاثة فإنه تعالى إما أن يقال إنه ملاق ~~للعرش وإما أن يقال إنه مباين عنه ببعد منتاه وإما أن يقال إنه مباين ببعد ~~غير متناه وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة طائفة من الكرامية ~~واختلفوا أيضا في أنه تعالى مختص بتلك الجهات لذاته أو لمعنى قديم وبينهم ~~اختلاف في ذلك فهذا تمام الكلام في المقدمات وبالله التوفيق # قلت هذا الكلام فيه تقصير كثير في معرفة مذاهب الناس وتحقيقها وذلك أن ~~القائلين بأن الله تعالى فوق العرش والقائلين بالصفات الخبرية وهم السلف ~~وأهل الحديث وأئمة الأمة وجماهيرها وجمهور الصفاتية من الكلابية والأشعرية ~~والكرامية وجمهور المشهورين بالإمامة في الفقه والتصوف PageV01P396 في ~~الأمة من ms324 جميع الطوائف جمهورهم لا يقول هو جسم ولا ليس بجسم لما في اللفظين ~~من الإجمال والاشتراك المشتمل على الحق والباطل ومنهم طوائف يقولون هو جسم ~~وطوائف يقولون ليس بجسم ثم إن كثيرا من أئمة السنة والحديث أو أكثرهم ~~يقولون إنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه بحد ومنهم من لم يطلق لفظ ~~الحد وبعضهم أنكر الحد وممن ذكر ما عنده في ذلك من مذاهب أهل الحديث ~~والكلام وإن كان بمقالات أهل الكلام أخبر أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات ~~الإسلاميين واختلاف المصلين الذي من أو ما ذكر فيه أخذ الرازي وغيره مذهبه ~~في عدم تكفير أهل الصلاة # قال أبو الحسن هذه حكاية قول جملة أصحاب الحديث وأهل السنة جملة ما عليه ~~أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وأن ~~الله سبحانه وتعالى إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ~~وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها ~~وأن الله يبعث من في القبور وأن الله على عرشه كما قال @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ وأن له يدين بلا كيف كما قال @QB@ خلقت بيدي @QE@ وكما ~~قال تعالى @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ وأن له عينين بلا كيف كما قال @QB@ ~~تجري بأعيننا @QE@ وأن له وجها كما قال تعالى @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام @QE@ وأن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله كما قال ~~المعتزلة والخوارج وأقروا أن لله علما كما قال @QB@ أنزله بعلمه @QE@ وكما ~~قال @QB@ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه @QE@ وأثبتوا السمع والبصر ~~ولم ينفوا ذلك عن الله تعالى كما نفته المعتزلة وأثبتوا لله تعالى القوة ~~كما قال @QB@ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة @QE@ وذكر ~~PageV01P397 مذهبهم في القدر إلى أن قال ويقولون إن القرآن كلام الله غير ~~مخلوق والكلام في اللفظ و الوقف من قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عندهم لا ~~يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق ms325 ويقولون إن الله يرى بالأبصار ~~يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون ~~لأنهم عن الله محجوبون قال تعالى @QB@ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ~~@QE@ وأن موسى عليه السلام سأل الله تعالى الرؤية في الدنيا وأن الله تعالى ~~تجلى للجبل فجعله دكا فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا بل يراه في الآخرة ~~وذكر مذهبهم في باب الإيمان والوعيد والأسماء والأحكام إلى أن قال ويقولون ~~إن الله لم يأمر بالشر بل نهى عنه وأمر بالخير فلم يرض بالشر وإن كان مريدا ~~له وذكر مذهبهم في الصحابة والخلافة والتفضيل # ثم قال ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر فأغفر له كما جاء في ~~الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ينزل إلى سماء الدنيا ~~فيقول هل من مستغفر فأغفر له ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى @QB@ ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ويرون اتباع من سلف من ~~أئمة الدين وأن لا يبتدعوا في دينهم مالم يأذن به الله ويقرون أن الله يجيء ~~يوم القيامة كما قال @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وأن الله تعالى ~~يقرب من خلقه كيف شاء كما قال @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ وذكر ~~مذهبهم في الأمراء والصلاة خلفهم وترك الخروج عليهم وأشياء غير ذلك ثم قال ~~وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب PageV01P398 ثم قال فأما أصحاب ~~عبدالله بن سعيد القطان يعني ابن كلاب فإنهم يقولون بأكثر مما ذكرناه عن ~~أهل السنة ويثبتون أن الله لم يزل حيا عالما قادرا سميعا بصيرا عظيما جليلا ~~كبيرا كريما مريدا متكلما جوادا ويثبتون العلم والقدرة والحياة والسمع ~~والبصر والعظمة والجلال والكبرياء والإرادة والكلام صفات لله تعالى وذكر ~~غير ذلك قال وكان يزعم أن الباري لم يزل ولا مكان ولا زمان قبل الخلق وأنه ~~على ما لم يزل وأنه مستو على عرشه كما قال وأنه فوق ms326 كل شيء # ثم قال ذكر قول زهير الأثري فأما أصحاب زهير الأثري فإن زهيرا كان يقول ~~إن الله تعالى بكل مكان وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا ~~كيف وأنه موجود الذات بكل مكان وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه ~~الحلول والمماسة ويزعم أنه يجيء يوم القيامة كما قال @QB@ وجاء ربك @QE@ ~~بلا كيف ويزعم أن القرآن كلام محدث غير مخلوق وأن القرآن يوجد في أماكن ~~كثيرة في وقت واحد وإن إرادة الله ومحبته قائمان بالله تعالى ويقول ~~بالاستثناء كما يقول أصحاب الاستثناء المرجئة الذين حكينا قولهم في الوعيد ~~ويقول في القدر بقول المعتزلة وذكر قوله في الإيمان أنه موافق لقول المرجئة # قال وأما أبو معاذ التومني فإنه يوافق زهيرا في أكثر أقواله ويخالفه في ~~القرآن ويزعم أن كلام الله غير محدث ولا مخلوق وهو قائم بالله لا في مكان ~~وكذلك قوله في إرادته ومحبته PageV01P399 وقال في باب اختلاف الناس في ~~الباري هل هو في مكان دون مكان أم لا في مكان أم في كل مكان وهل تحمله ~~الحملة أو يحمله العرش وهل هم ثمانية أملاك أم ثمانية أصناف من الملائكة ~~اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة قد ذكرنا قول من امتنع من ذلك وقال إنه ~~في كل مكان حال وقول من قال لا نهاية له وأنه هاتين الفرقتين أنكرت القول ~~بأنه في مكان دون مكان # قال وقال القائلون هو جسم خارج من جميع صفات الجسم ليس بطويل ولا عريض ~~ولا عميق ولا يوصف بطعم ولا لون ولا مجسة ولا شيء من صفات الأجسام وأنه ليس ~~في الأشياء ولا على العرش إلاعلى معنى أنه فوقه غير مماس له وأنه فوق ~~الأشياء وفوق العرش ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها # قال وقال هشام بن الحكم إن ربه تعالى في مكان دون مكان وأن مكانه هو ~~العرش وأنه مماس للعرش وأن العرش قد حواه وحده وقال بعض أصحابه أن الباري ~~قد ملأ العرش وأنه مماس ms327 له قال وقال بعض من ينتحل الحديث إن العرش لم ~~يمتلىء به وأنه يقعد نبيه صلى الله عليه وسلم معه على العرش # قال وقال أهل السنة وأصحاب الحديث ليس بجسم ولا يشبهه الأشياء وأنه على ~~العرش كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ولا نقدم بين يدي الله ~~تعالى في القول بل نقول استوى بلا كيف وأن له وجها كما قال @QB@ ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وأن له يدين كما قال @QB@ خلقت بيدي @QE@ ~~PageV01P400 وأن له عينين كما قال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ وأنه يجيء يوم ~~القيامة هو وملائكته كما قال تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وأنه ~~ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا شيئا إلا ما وجدوه في ~~الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقالت المعتزلة إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى وقال بعض الناس ~~الاستواء القعود والتمكن # قال واختلف الناس في حملة العرش ما الذي تحمل قال قائلون الحملة تحمل ~~الباري تعالى وإنه إذا غضب ثقل على كواهلهم وإذا رضي خف فيتبينون غضبه من ~~رضاه وأن العرش له أطيط إذا ثقل عليه كأطيط الرحل قال الأشعري وقال بعضهم ~~ليس يثقل الباري ولا يخف ولا تحمله الحملة ولكن العرش هو الذي يخف ويثقل ~~وتحمله الحملة قال وقال بعضهم الحملة ثمانية أملاك وقال بعضهم ثمانية أصناف ~~قال وقال قائلون إنه تعالى على العرش وإنه بائن منه لا بعزلة وإشغال لمكان ~~غيره بل بينونة ليس على العزلة والبينونة من صفات الذات # قال أبو الحسن الأشعري واختلفوا يعني الأمة في العين واليد الوجه على ~~أربع مقالات فقالت المجسمة له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى ~~الجوارح والأعضاء وقال أصحاب الحديث لسنا نقول في ذلك إلا ما قال الله ~~تعالى أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول وجه بلا ~~كيف ويدان وعينان بلا كيف وقال عبدالله ابن كلاب أطلق اليد والعين والوجه ~~خبرا لأن الله تعالى أطلق ذلك ولا ms328 أطلق غيره فأقول هي صفات لله تعالى كما ~~قال في العلم والقدرة والحياة إنها صفات PageV01P401 # وقالت المعتزلة بإنكار ذلك إلا الوجه وقالت اليد بمعنى النعمة وقوله تجري ~~بأعيننا أي بعلمنا والجنب بمعنى الأمر وقالوا في قوله تعالى @QB@ أن تقول ~~نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله @QE@ أي في أمر الله وقالوا نفس ~~الباري هي هو وكذلك ذاته هي هو وتألوا قوله @QB@ الصمد @QE@ على وجهين ~~أحدهما أنه السيد والآخر أنه المصمود إليه بالحوائج قال وأما وجهه فإن ~~المعتزلة قالت فيه قولين قال بعضهم وهو أبو الهذيل وجه الله هو الله تعالى ~~وقال غيره معنى قوله @QB@ ويبقى وجه ربك @QE@ أي يبقى ربك من غير أن يكون ~~يثبت وجها يقال إنه هو الله تعالى أو لا يقال ذلك فيه # قال واختلفوا في رؤية الله تعالى بالإبصار على تسع عشرة مقالة فقال ~~قائلون يجوز أن نرى الله بالإبصار في الدنيا ولسنا ننكر أن يكون بعض من ~~نلقاه في الطرقات وأجاز بعضهم عليه الحلول في الأجسام وأصحاب الحلول إذا ~~رأوا إنسانا يستحسنونه لم يدروا لعل إلههم فيه وأجاز كثير ممن أجاز رؤيته ~~في الدنيا مصافحته وملامسته ومزاورته إياهم وقالوا إن المخلصين يعانقونه في ~~الدنيا والآخرة إذ أرادوا ذلك حكي ذلك عن أصحاب مضر وكهمس وحكي عن أصحاب ~~عبدالواحد بن زيد أنهم كانوا يقولون إن الله تعالى يرى على قدر الأعمال فمن ~~كان عمله أفضل رآه أحسن وقد قال قائلون إنا نرى الله تعالى في الدنيا في ~~النوم فأما في اليقظة فلا وروي عن رقبة بن مصقلة أنه قال رأيت رب العزة في ~~النوم فقال لأكرمن مثواه يعني سليمان التيمي صلى الفجر بطهر العشاء أربعين ~~سنة قال وامتنع كثير من القول إنه يرى في الدنيا ومن سائر ما أطلقوه وقالوا ~~إنه يرى في الآخرة PageV01P402 # قال واختلفوا أيضا في ضرب آخر فقال قائلون نرى جسما محدودا مقابلا لنا في ~~مكان دون مكان وقال زهير الأثري ذات الباري في كل مكان وهو مستو على عرشه ~~ونحن ms329 نراه في الآخرة على عرشه بلا كيف وكان يقول إن الله تعالى يجيء يوم ~~القيامة إلى مكان لم يكن خاليا منه وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ولم تكن ~~خالية منه # قال واختلفوا في رؤية الله تعالى بالأبصار هل هي إدراك له بالأبصار أم لا ~~فقال قائلون هي إدراك له بالأبصار وهو يدرك الأبصار وقال قائلون يرى الله ~~تعالى بالأبصار ولا يدرك بالأبصار # واختلفوا في ضرب آخر فقال قائلون نرى الله جهرة ومعاينة وقال قائلون لا ~~يرى الله جهرة ولا معاينة ومنهم من يقول أحدق إليه إذا رأيته ومنهم من يقول ~~لا يجوز التحديق إليه وقال قائلون منهم ضرار وحفص الفرد إن الله لا يرى ~~بالأبصار ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسة سادسة غير حواسنا هذه فندركه بها ~~وندرك ما هو بتلك الحاسة وقالت البكرية إن الله يخلق صورة يوم القيامة يرى ~~فيها ويكلم خلقه منها وقال الحسين النجار يجوز أن يحول الله تعالى العين ~~إلى القلب ويجعل لها قوة العلم فيعلم بها ويكون ذلك العلم رؤية له أي علما ~~له PageV01P403 # قال وأجمعت المعتزلة على أن الله تعالى لا يرى بالأبصار واختلفت هل يرى ~~بالقلوب فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة أن الله تعالى يرى بقلوبنا بمعنى ~~أنا نعلمه بها وأنكر ذلك الفوطي وعباد وقالت المعتزلة والخوارج وطوائف من ~~المرجئة وطوائف من الزيدية إن الله لا يرى بالأبصار بالدنيا والآخرة ولا ~~يجوز ذلك عليه واختلفوا في الرؤية لله تعالى في الأبصار وهل يجوز أن تكون ~~أو هي كائنة لا محالة على مقالتين فقال قائلون يجوز أن يرى الله تعالى في ~~الآخرة بالأبصار وقال قائلون إنه بتاتا وقال نقول إنه يرى بالأبصار وقال ~~قائلون نقول بالأخبار المروية وبما جاء في القرآن أنه يرى بالأبصار في ~~الآخرة بتاتا يراه المؤمنون # قال وكل المجسمة إلا نفرا يسيرا يقولون بإثبات الرؤية وقد يثبت الرؤية من ~~لا يقول بالتجسيم # قال واختلفوا هل يقال إن الباري تعالى لم يزل عالما قادرا حيا أم لا يقال ~~ذلك على مقالتين ms330 فقال قائلون لم يزل الله تعالى عالما قادرا حيا وزعم كثير ~~من المجسمة أن الباري كان قبل أن يخلق الخلق ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ~~ولا بصير ولا مريد ثم أراد وإرادته عندهم حركته فإذا أراد كون شيء تحرك ~~فكان الشيء لأن معنى أراد تحرك وليست الحركة غيره وكذلك قالوا في قدرته ~~وعلمه وسمعه وبصره إنها معان وليست غيره وليست بشيء لأن الشيء هو الجسم ~~وقال قائلون إن حركة الباري غيره # PageV01P404 واختلف القائلون بتحركه تعالى على مقالتين فزعم هشام أن حركة ~~الباري هي فعله الشيء وكان يأبى أن يكون الباري يزول مع قوله يتحرك وأجاز ~~عليه السكاك الزوال وقال لا يجوز عليه الطفر وحكي عن رجل كان يعرف بأبي ~~شعيب أن الباري يسر بطاعة أوليائه وينتفع بها وبإنابتهم ويلحقه العجز ~~بمعاصيهم إياه # قال واختلف المعتزلة في المكان فقال قائلون إن الباري لا في مكان بل هو ~~على ما لم يزل عليه وقال قائلون الباري في كل مكان بمعنى أنه حافظ الأماكن ~~وذاته مع ذلك موجودة بكل مكان # وقال أيضا اختلفت المعتزلة في المكان فقال قائلون الباري بكل مكان بمعنى ~~أنه مدبر لكل مكان وأن تدبيره في كل مكان والقائلون بهذا القول جمهور ~~المعتزلة أبو هذيل والجعفران والإسكافي والجبائي وقال قائلون الباري لا في ~~مكان بل هو على ما لم يزل وهو قول هشام الفوطي وعبا د بن سليمان وأبي زفر ~~وغيرهم من المعتزلة قال وقالت المعتزلة في قول الله تعالى @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ يعني استولى # قال أبو الحسن وهذا شرح اختلاف الناس في التجسيم قد أخبرنا عن المنكرين ~~للتجسيم أنهم يقولون إن الباري تعالى ليس بجسم ولا محدود ولا ذي نهاية ونحن ~~الآن نخبر عن أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم PageV01P405 # قلت وهذا الذي أحال عليه ذكره في قول المعتزلة فقال هذا شرح قول المعتزلة ~~في التوحيد وغيره أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير وليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا ms331 لحم ولا دم ولا شخص ~~ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة ولا بذي حرارة ~~ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا ~~افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي أبعاض ولا أجزاء وجوارح ~~وأعضاء وليس بذي جهات ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت ولا يحيط به ~~مكان ولا يجري عليه زمان ولا تجوز عليه الممساسة ولا العزلة ولا الحلول في ~~الأماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم ولا يوصف بأنه ~~متناهي ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدود ولا والد ولا مولود ~~ولا تحيط به الأقدار ولا تحجبه الأستار ولا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ~~ولا يشبهه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجري عليه الآفات ولا تحل به العاهات ~~وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له ولم يزل أولا سابقا متقدما ~~للمحدثات موجود قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا ~~تراه العيون ولا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأوهام ولا يسمع بالأسماع شيء ~~لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الأحياء وأنه القديم وحده ~~ولا قديم غيره ولا إله سواء ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا ~~معين على إنشاء ما أنشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق ~~شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ولا أصعب منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ~~ولا تلحقه المضار PageV01P406 ولا يناله السرور واللذات ولا يصل إليه الأذى ~~والآلام ليس بذي غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص ~~تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء # قال أبو الحسن فهذه جملة قولهم في التوحيد وقد شركهم في هذه الجملة ~~الخوارج وطوائف من الشيعة وإن كانوا للجملة التي يظهرونها ناقضين ولها ~~تاركين # ثم ذكر من اختلافهم في مسائل الصفات ما ليس هذا موضع ms332 حكايته كلاما طويلا # قلت فهذا هو قوله قد أخبرنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون إن الباري ~~ليس بجسم ولا محلول ولا ذي نهاية # ونحن الآن نخبر عن أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم قال واختلفت ~~المجسمة فيما بينهم من التجسيم وهل للباري تعالى وتقدس قدر من الأقدار وفي ~~مقداره على ست عشر مقالة وقال هشام بن الحكم إن الله جسم محدود عريض عميق ~~طويل طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه نور ساطع له قدر من الأقدار بمعنى أن له ~~مقدارا في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية ~~يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع PageV01P407 جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ~~ومجسة لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسته وهو نفسه لون ولم يثبت لونا غيره ~~وإنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد # قال وحكى عنه ابن الراوندي أنه يزعم أن الله يشبه الأجسام التي خلقها من ~~جهة من الجهات ولولا ذلك ما دلت عليه وحكى عنه أنه قال إنه جسم لا كالأجسام ~~ومعنى ذلك أنه شيء موجود # قال وقد ذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري ملونا ويأبى أن يكون ذا ~~طعم ورائحة ومجسة وأن يكون طويلا وعريضا وعميقا وزعم أنه في مكان دون مكان ~~من وقت خلق الخلق قال وقال قائلون إن الباري وأنكروا أن يكون موصوفا بلون ~~أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصفه هشام غير أنه تعالى على العرش ~~مباين له دون ما سواه # قال أبو الحسن واختلفوا في مقدار الباري تعالى بعد أن جعلوه جسما فقال ~~قائلون هو جسم وهو في كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن وهو مع ذلك متناه غير ~~أن مساحته أكبر من مساحة العالم إلا أنه أكبر من كل شيء وقال بعضهم مساحته ~~على قدر العالم وقال بعضهم إن الباري عز وجل جسم له مقدار من المساحة ولا ~~ندري كم ذلك المقدار وقال بعضهم هو تعالى في أحسن الأقدار وأحسن الأقدار ~~يكون ليس بالعظيم الجافي ولا بالقليل القميء وحكى ms333 عن هسام بن الحكم إن أحسن ~~الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه وقال بعضهم ليس لمساحة الباري تعالى ~~نهاية PageV01P408 ولا غاية وأنه ذاهب في الجهات الست اليمين والشمال ~~والأمام والخلف والفوق والتحت قالوا وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسيم ولا ~~طويل ولا عريض ولا عميق وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب وقال بعضهم إن ~~معبودهم هو الفضاء وليس بجسم والأشياء قائمة به قال وقال داود الجواربي ~~ومقاتل بن سليمان إن الله جسم وأنه جثة على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم ~~له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا ~~يشبهه غيره وحكى عن الجواربي أنه كان يقول أجوف من فيه إلى صدره ومصمت ما ~~سوى ذلك وكثير من الناس يقولون هو مصمت ويتأولون قول الله تعالى @QB@ الصمد ~~@QE@ المصمت الذي ليس بأجوف # قال وقال هشام بن سالم الجواليقي إن الله تعالى على صورة الإنسان وأنكر ~~أن يكون لحما ودما وأنه نور ساطع يتلألأ بياضا وأنه ذو حواس خمس كحواس ~~الإنسان سمعه غير بصره وكذلك سائر حواسه له يد ورجل وأذن وعين وأنف وفم وأن ~~له وفرة سوداء قال أبو الحسن وممن قال بالصورة من ينكر أن يكون الباري جسما ~~وممن قال بالتجسيم من ينكر أن يكون الباري # وقد ذكر أبو محمد الحسن بن موسى النبخي في كتاب الآراء والديانات وهو ممن ~~يذهب مذهب المعتزلة في توحيدهم وعدلهم فقال في PageV01P409 كتابه باب قول ~~الموحدين والمسبهين زعمت المعتزلة بأجمعها والخوارج بأسرها وأكثر الزيدية ~~وكثير من الشيعة والمرجئة سوى أصحاب الحديث من أهل الإرجاء أن الله ليس ~~بجسم ولا صورة ولا جزء ولا عرض وليس يشبه شيئا من ذلك # وقال هشام بن الحكم وعلي بن منصور ومحمد بن الخليل والسكاك ويونس بن ~~عبدالرحمن ومن قال بقولهم من الشيع إن الله تعالى جسم لا كالأجسام هذه جملة ~~اجتمع هشام بن الحكم وأصحابه عليها فاجتمعت حكاية الحاكين لهذا القول عنه ~~إلا ما أومأ إليه ms334 الراوندي في كتابه الذي احتج به لمذهب هشام في الجسم فزعم ~~أنه تعالى وتقدس يشبه الخلق من جهة دون جهة والذي صح عندي من قول هشام بعد ~~ذلك عمن وافقه من أصحابه بعد في الحكاية عنه أنه كان يزعم أن الله تعالى ~~بعد حدوث الأماكن في مكان دون مكان وأنه يجوز أن يتحرك وسمعت قوما من ~~أصحابه يحكون عنه أنه يزعم أنه نور وقال آخرون منهم إنه كان يزعم أنه ~~متناهى الذات واختلف الحاكون من مخالفي هشام عن هشام فحكوا عنه دروبا من ~~الأقاويل مختلفة لا تليق به وما رأيت أصحابه يدفعونها عنه فمن ذلك أن ~~الجاحظ ذكر عن النظام أن هشاما قال في التشبيه في سنة واحدة خمسة أقاويل ~~قطع في آخرها أن معبوده بشبر نفسه سبعة أشبار وحكى أبو عيسى الوراق في ~~كتابه عن المشبهة عن كثير من مخالفي هشام أنه كان يزعم أن القديم على هيئة ~~السبيكة وقال بعضهم إنه على هيئة البلورة الصافية المستوية الاستدارة التي ~~من حيث أتيتها رأيتها على هيئة واحدة وحكى بعضهم كما قلت إنه سبعة أشبار ~~قال وحكى بعضهم أنه ذو صورة وحكوا غير ذلك أيضا مما رأيت أصحاب هشام ~~يدفعونه عنه وينكرونه ويزعمون أنه لم يرد على PageV01P410 قوله جسم ~~كالأجسام وإنما أراد بذلك إثباته أنه نور لقوله تعالى @QB@ الله نور ~~السماوات والأرض @QE@ وينفون عنه المساحة والذرع والشبر والتحديد قال وسمعت ~~ذلك من غير واحد منهم ممن ينتحل القول بالجسم وناظرونا به وقد وجدت الأمر ~~على ما حكاه الوراق من ذلك وقد أضاف قوم القول في الجسم إلى أبي جعفر ~~الأحول المعروف بشيطان الطاق الذي يسميه أصحابه مؤمن الطاق واسمه محمد بن ~~النعمان والي هشام بن سالم المعروف بالجواليقي والي أبي مالك الحضرمي قال ~~وليس من هؤلاء أحد جرد القول بالجسم ولكنهم كانوا يقولون هو نور على صورة ~~الإنسان وينكرون قول القائل بالجسم فقاس من حكى ذلك عنهم عليهم وحكى من ~~طريق القياس إذ كان الحاكي كذلك يعتقد أن الصور لا تكون ms335 إلا للأجسام فغلط ~~عليهم وهكذا غلط كثير من أهل الكلام وذكر أن هشام بن سالم وأبا جعفر الأحول ~~أمسكا بعد قولهما بالصورة عن الكلام في الله تعالى رجعا إلى تأويل أنه من ~~القرآن فرويا عمن يوجبان تصديقه أنه سئل عن قول الله تعالى @QB@ وأن إلى ~~ربك المنتهى @QE@ قال فإذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكا عن الكلام في ذلك ~~والخوض فيه حتى ماتا وأقام على القول بالصورة من أقام عليه من أتباعهما قال ~~النوبختي وأقول إن هذا الذي ذكره الوراق قد روي وقد رأيت نفرا من أصحاب ~~هشام بن سالم يزعمون نه لم يزل يناظر على القول بالصورة إلى أن مات # قال أبو عيسى وأما علي بن إسماعيل بن ميثم فإن أصحابه ومخالفيه مختلفون ~~في الإخبار عنه فبعضهم يزعم أنه كان يقول بالجسم والصورة وبعضهم ~~PageV01P411 يزعم أنه كان لا يقول بالصورة وبعضهم يزعم أنه كان يقول ~~بالصورة ولا يقول بالجسم قال ولا ثبت عندي في ابن ميثم أنه قال بالصورة ولا ~~بالجسم # قال أبو عيسى في هذا الباب وقد حكى ذلك لي كثير من المتكلمين أن مقاتل بن ~~سليمان ونعيم بن حماد المصري وداود الجواربي في خلق كثير من العامة وأصحاب ~~الحديث قالوا إن لله تعالى صورة والأعضاء قال أبو عيسى وبلغني عن داود ~~الجواربي أنه قال اعفوني عن الفرج والجثة واسألوني عما وراء ذلك أو قال عما ~~شئتم وقد حكى كثير من المتكلمين عن داود ومقاتل أنهما قالا إن معبودهم جسم ~~ولحم ودم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع ذلك لا ~~يشبه غيره ولا يشبهه غيره وحكى عن الجواربي حكاية أخرى أنه كان يقول إنه ~~أجوف من فمه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك وذكر أن مقاتل بن سليمان يأبى هذا ~~القول الأخير # وحكى إبراهيم النظام في كتابه عن المشبهة أن قوما لا أدري هم في الملة أو ~~ليسوا في الملة زعموا أن معبودهم جسم فضاء وأن الأجسام كلها فيه وحكى أن ~~آخرين قالوا هو ms336 فضاء وليس بجسم لأن الجسم يحتاج إلى مكان وهو نفسه المكان ~~وحكى الجاحظ في كتابه عن المشبهة أن بعضهم قال هو جسم في مكانه إلا أنه ~~فاضل عن الأماكن خلا أن له نهاية لازمة قال وزعم بعضهم أنه ذاهب في الجهات ~~الست لا إلى نهاية وهو ليس بجسم وهذا أيضا قول ما علمت أن أحدا من أهل ~~الصلاة قال به ولا كان شيئ منه وهذه أقاويل أهل الملة # قال النوبختي وللفلاسفة القدماء في الباري أقوال مظلمة غير بينة وكان ~~عنايتهم بغير أمر الديانات وكان أكثر كلامهم في أمور الطبيعة والنفس ~~PageV01P412 والفلك والكون والفساد والجواهر والأعراض وقد زعم آرسطاطا ليس ~~على ما قرأناه في مقالة اللام التي فسرها ثامسطيوس أن الله تعالى جوهر أزلي ~~بسيط غير مركب ليس بجسم ولا تجوز عليه الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ~~وسماه مرة عقلا وطبيعة تارة وقال في موضع آخر من هذه المقالة إنه حياة وقال ~~في موضع آخر منها إنه يعقل ذاته ويعلم ذاته وسائر الأشياء التي هو علة لها ~~وذكر فرفوريوس في رسالته التي زعم أنه يحكي فيها مذاهب أرسطاطا ليس في ~~الباري والمبادئ إنه يصف الله تعالى لأنه خير وأنه حكيم وأنه قوي وزعم ~~أفلاطون في كتابه كتاب النواميس أن أشياء لا ينبغي للإنسان أن يجهلها منها ~~أن له صانعا وأن صانعه يعلم أفعاله فأثبت لله العلم بأفعاله # وزعم قوم من فلاسفة دهرنا أن أفلاطون إنما وضع هذا على سبيل التأديب ~~للناس وبحسب السنة وما كان يذهب إليه لا على الإعتقاد قال وهذا ظن من هؤلاء ~~القوم فأما قول أفلاطون فهو ما ذكره في كتابه وحكى يحيى النحوي في المقالة ~~الأولى من كتابه في تفسير سمع الكنان أن الله تعالى إنما يعرف بالسلب فيقال ~~إنه لا شبه له ولا مثال إلا الشمس وحدها فإنه كما أن الشمس تفوق جميع ~~الأشياء التي في العالم كذلك تفوق العلة الأولى جميع الموجودات وتفضلها ~~فضلا يجوز كل قياس قال وكما أن الشمس تدبر جميع الأشياء على طريقة ms337 واحدة ~~PageV01P413 # وقال أبو الحسن الأشعري أيضا اختلفت الروافض أصحاب الإمامة في التجسيم ~~وهم ست فالفرقة الأولى هشامية أصحاب هشام بن الحكم الرافضي يزعمون أن ~~معبودهم جسم وله نهاية وحد وذكر مثل ما تقدم عن هشام وزاد أنهم لم يعينوا ~~طولا غير الطويل وإنما قالوا طوله مثل عرضه على المجاز دون التحقيق وأنه قد ~~كان لا في مكان ثم حدث المكان بأن تحرك فحدث المكان بحركته فكان فيه وزعم ~~أن المكان هو العرش قال وذكر أبو الهذيل في بعض كتبه أن هشام بن الحكم قال ~~له إن ربه جسم ذاهب جاء يتحرك تارة ويسكن أخرى ويقعد مرة ويقوم أخرى وأنه ~~طويل عريض عميق لأن ما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي قال فقلت له فأيما ~~أعظم إلهك أو هذا الجبل قال وأومأت إلى جبل أبي قبيس قال فقال هذا الجبل ~~يومى عليه أي هو أعظم منه # قال وذكر أيضا ابن الراوندي أن هشام بن الحكم كان يقول إن بين إلهه وبين ~~الأجسام المشاهدة تشابها من جهة من الجهات لولا ذلك ما دلت عليه وحكى عنه ~~خلاف هذا أنه كان يقول إنه جسم وأبعاض لا يشبهها ولا تشبهه غير أن هشام بن ~~الحكم في بعض كتبه كان يزعم أن الله تعالى إنما يعلم ما تحت الثرى بالشعاع ~~المتصل منه الذاهب في عمق الأرض ولوا ملابسته لما وراء ما هنالك لما درى ما ~~هناك وزعم أن بعضه يرى وهو شعاعه وأن الثرى محال على بعضه ولو زعم هشام أن ~~الله يعلم ما تحت الثرى بغير اتصال ولا خبر ولا قياس كان قد ترك تعلقه ~~بالمشاهدة وقال بالحق وذكر عن هشام أنه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل ~~زعم مرة أنه كالبلورة وزعم مرة PageV01P414 أنه كالسبيكة وزعم مرة أنه غير ~~صورة وزعم مرة أنه بشبر نفسه سبعة أشبار ثم رجع عن ذلك وقال هو جسم لا ~~كالأجسام # قال وزعم أبو عيسى الوراق أن بعض أصحاب هشام أجابه مرة إلى أن الله ms338 تعالى ~~وتقدس على العرش مماس له وأنه لا يفضل عن العرش ولا يفضل العرش عنه # قال والفرقة الثانية من الرافضة الإمامية يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا ~~كالأجسام وإنما يذهبون في قولهم إنه جسم إلى أنه موجود ولا يثبتون الباري ~~تعالى ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله تعالى وتقدس على ~~العرش مستو بلا مماسة ولا كيف # والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن ربهم تعالى وتقدس على صورة الإنسان ~~ويمنعون أن يكون جسما # والفرقة الرابعة منهم الهشامية أصحاب هشام بن صالح الجواليقي يزعمون أن ~~ربهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحما ودما ويقولون هو نور ساطع ~~يتلألا بياضا وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان له يد ورجل وأنف وأذن وعين ~~وفم وأنه يسمع بغير ما يبصر به وكذلك سائر حواسه متغايرة عندهم قال وحكى ~~أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه تعالى وتقدس وفرة سوداء ~~وأن ذلك نور أسود # والفرقة الخامسة يزعمون أن رب العالمين ضياء خالص ونور بحت وهو كالمصباح ~~الذي من حيث ما جئته يلقاك بأمر واحد وليس بذي صورة PageV01P415 ولا أعضاء ~~ولا اختلاف في الأجزاء وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء ~~من الحيوان # قال والفرقة السادسة من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا صورة ولا ~~يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة ~~والخوارج وهؤلاء قوم من متأخريهم فأما أوائلهم فكانوا يقولون ما حكيناه ~~عنهم من التشبيه # قال أبو الحسن واختلف الرافضة في حملة العرش هل يحملون العرش أم يحملون ~~الباري تعالى وتقدس وهم فرقتان فرقة يقال لهم اليونسية أصحاب يونس بن ~~عبدالرحمن القمي مولى آل يقطين ويزعمون أن الحملة يحملون الباري واحتج يونس ~~في أن الحملة تطيق حمله وشبههم بالكركي وأن رجليه يحملانه وهما دقيقتان ~~وقالت فرقة أخرى إن الحملة تحمل العرش والباري يستحيل أن يكون محمولا # قال أبو الحسن الأشعري واختلفت الروافض في إرادة الله تعالى وهم أربع فرق ~~الفرقة ms339 الأولى منهم وهم أصحاب هشام بن الحكم وهشام الجواليقي يزعمون أن ~~إرادة الله تعال حركة وهي معنى لا هي الله ولا هي غيره وأنها صفة لله تعالى ~~ليست غيره وذلك أنهم يزعمون أن الله إذا أراد الشيء تحرك فكان ما أراد ~~والفرقة الثانية منهم أبو مالك الحضرمي وعلي بن ميثم ومن تابعهما يزعمون أن ~~إرادة الله تعالى غيره وهي حركة الله تعالى كما قال PageV01P416 هشام إلا ~~أن هؤلاء خالفوه فزعموا أن الإرادة حركة وأنها غير الله بها يتحرك والفرقة ~~الثالثة منهم وهم القائلون بالاعتزال والإمامة يزعمون أن إرادة الله تعالى ~~ليست بحركة فمنهم من أثبتها غير المراد فيقول إنها مخلوقة لله تعالى لا ~~بإرادة ومنهم من يقول إرادة الله تعالى لتكوين الشيء وإرادته لأفعال العباد ~~هي أمره إياهم بالفعل وهي غير فعلهم وهم يأبون أن يكون الله تعالى أراد ~~المعاصي فكانت والفرقة الرابعة منهم يقولون لا نقول قبل الفعل إن الله ~~تعالى أراده فإذا فعلت الطاعة قلنا أرادها وإذا فعلت المعصية فهو كاره لها ~~غير محب لها # وذكر عنهم في القول بأن الله حي عالم قادر سميع بصير إله وغير ذلك مقالات ~~يطول وصفها جمهورها يقتضي وصفه بالحركة والتحول كما في الإرادة # قال أبو الحسن الأشعري مقالات المرجئة في التوحيد فقال القائلون منهم في ~~التوحيد بقول المعتزلة وقال قائلون منهم بالتشبيه وهم ثلاث فرق فقالت ~~الفرقة الأولى منهم وهم أصحاب مقاتل بن سليمان إن الله تعالى جسم وأن له ~~جمة وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ~~ولسان ورأس وعينين مصمت وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه وقالت الفرقة ~~الثانية أصحاب داود الجواربي مثل ذلك غير أنهم قالوا أجوف من فيه إلى صدره ~~مصمت ما سوى ذلك وقالت الفرقة الثالثة هو جسم كالأجسام PageV01P417 فقد ذكر ~~الأشعري أن القول بأن الله تعالى فوق العرش وثبوت الصفات الخبرية هو قول ~~أهل السنة وأصحاب الحديث وذكر أن ذلك قول ابن كلاب وأصحابه وقوله وذكر ms340 ~~التنازع في نفي هذه الصفات وإثباتها بين فرق الأمة فنفي الجسم وهذه الصفات ~~هو قول المعتزلة والخوارج وطائفة من المرجئة ومتأخري الشيعة وإثبات الجسم ~~وهذه الصفات قول جمهور الإمامية المتقدمين وطائفة من المرجئة وغيرهم # وهو مع هذا لم يذكر تفصيل أقوال أئمة الإسلام وسلف الأمة وعلماء الحديث ~~وإنما ذكر قولا مجملا ولهم في هذا الباب من الأقوال المفصلة وعندهم في ذلك ~~من النصوص الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما هو معروف ~~عند أهله # وقد ذكر الأشعري عشرة أصناف فقال واختلف المسلمون عشرة أصناف الشيع ~~والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية والضرارية والحسينية وهم النجارية ~~والبكرية والعامة وأصحاب الحديث والكلابية أصحاب عبدالله بن سعيد بن كلاب ~~القطان # ومعلوم أن أئمة الأمة وسلفها ليسوا في شيء من هذه الطوائف إلا في أهل ~~الحديث والعامة وهؤلاء مع جمهور الشيع والمرجئة والكلابية والأشعرية من أهل ~~الأثبات بأن الله تعالى فوق العرش والصفات الخبرية وإن كان فيهم من يثبت ~~الجسم ومنهم من لا ينفيه ولا يثبته وأما نفي ذلك مطلقا فإنما ذكره عن ~~المعتزلة والخوارج وأما الضرارية والبكرية والنجارية فتوافقهم في بعض ذلك ~~وتوافق أهل الأثبات في بعض ذلك وهذه المقالة التي نسبها هو الي المعتزلة هي ~~المشهورة في كلام الأئمة علماء الحديث بمقاله الجهمية فإن الأيمة نسبوها ~~غلى من PageV01P418 أحدث هذه المقالات وابتدعها ودعا الناس إليها والمعتزلة ~~إنما أخذوها عنه كما ذكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله أنه أخذ ذلك عن الجهم ~~قوم من أصحاب عمرو بن عبيد وأصحاب عمرو بن عبيد هم المعتزلة فإن أول ~~المعتزلة هو واصل بن عطاء وإنما كان شعار المعتزلة أولا هو المنزلة بين ~~المنزلتين وإنفاذ الوعيد وبه اعتزلوا الجماعة ثم دخلوا بعد ذلك في إنكار ~~القدر وأما إنكار الصفات فإنما ظهر بعد ذلك وكذلك حكاية ذلك عن الخوارج ~~إنما يكون عن متأخرة الخوارج الموجودين بعد حدوث هذه المقالات التي صنفها ~~المعتزلة والشيعة كما قد ذكر هو ذلك وأما قدماء الخوارج الذين كانوا على ~~عهد الصحابة والتابعين ms341 فماتوا قبل حدوث هذه الأقوال المضافة إلى المعتزلة ~~والجهمية وذلك أن مقالات هؤلاء ونحوهم إنما نقلها من كتب المقالات التي ~~صنفها المعتزلة والشيعة كما قد ذكر هو ذلك لم يقف هو على شيء من كلام ~~الخوارج والمعتزلة يستكثر بالخوارج لموافقتهم لهم في إنفاذ الوعيد ونفي ~~الإيمان والخروج عن الأئمة والأمة لكن الأشعري كان بمقالات المعتزلة أعلم ~~منه بغيرها لقراءته عليهم أولا وعلمه بمصنفاتهم وكثيرا ما يحكي قول الجبائي ~~عنه مشافهة # وقد ذكر مقالة جهم في كتابه فقال ذكر قول الجهمية الذي تفرد بها جهم ~~القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط ~~والكفر هو الجهل به فقط وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله تعالى وحده ~~وأنه هو الفاعل وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يقال ~~تحركت الشجرة ودار الفلك وزالت الشمس وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس ~~الله تعالى إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل وخلق له إرادة للفعل ~~واختيارا له منفردا بذلك كما خلق له طولا كان به طويلا ولونا كان به ~~PageV01P419 متلونا قال وكان الجهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وقتل جهم بمرو قتله سلم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية قال ويحكى عنه ~~قال يقول لا أقول إن الله تعالى شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء قال وكان ~~يقول إن علم الله تعالى محدث فيما حكي عنه ويقول بخلق القرآن وإنه لا يقال ~~إن الله لم يزل عالما بالأشياء قبل أن تكون وكذلك قال أبو الحسن الأشعري في ~~كتاب الإبانة له بعد الخطبة أما بعد فإن كثيرا من المعتزلة وأهل القدر مالت ~~بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومن مضى من أسلافهم فتأولوا القرآن على ~~رأيهم تأويلا لم ينزل الله به سلطانا ولا أوصح به برهانا ولا نقلوه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا عن سلف المتقدمين فخالفوا روايات الصحابة رضي ~~الله عنهم أجمعين عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في ms342 رؤية الله تعالى ~~بالأبصار وقد جاءت بذلك روايات من الجهات المختلفات وتواترت بها الآثار ~~وتتابعت بها الأخبار وأنكروا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين ~~وردوا الرواية في ذلك عن السلف المتقدمين وجحدوا عذاب القبر وأن الكفار في ~~قبورهم يعذبون وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ودانوا بخلق القرآن ~~نظيرا لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا @QB@ إن هذا إلا قول البشر ~~@QE@ فزعموا أن القرآن كقول البشر وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر نظيرا ~~لقول المجوس الذين أثبتوا خالقين أحدهما يخلق الخير والآخر يخلق الشر # وزعمت القدرية أن الله يخلق الخير وأن الشيطان يخلق الشر وزعموا أن الله ~~تعالى يشاء مالا يكون ويكون مالا يشاء خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ~~PageV01P420 ما شاء الله كان وما لم يشأكم لم يكن وردا لقول الله تعالى ~~@QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ فأخبر الله أنا لا نشاء شيئا إلا قد ~~شاء الله أن نشاءه ولقوله @QB@ ولو شاء الله ما اقتتلوا @QE@ وقوله @QB@ ~~ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها @QE@ ولقوله تعلى @QB@ فعال لما يريد @QE@ ~~ولقوله سبحانه وتعالى خبرا عن شعيب أنه قال @QB@ وما يكون لنا أن نعود فيها ~~إلا أن يشاء الله @QE@ ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه ~~الأمة لأنهم دانوا بديانة المجوس وضاهوا قولهم وزعموا أن للخير والشر ~~خالقين كما زعمت المجوس ذلك وأنه يكون من الشر مالا يشاء الله كما قالت ~~المجوس وزعموا أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم ردا لقوله الله تعالى @QB@ ~~قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله @QE@ وإعراضا عن القرآن ~~وعما أجمع المسلمون عليه وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على ما لم يصفو الله ~~بالقدرة عليه كما أثبت المجوس للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لله ~~عز وجل فكانوا مجوس هذه الأمة إذ دانوا بديانة المجوس وتمسكوا بأقاويلهم ~~ومالوا إلى أضاليلهم وقنطوا الناس من رحمة الله وأيسوهم من روح الله وحكموا ~~على العصاة بالنار والخلود فيها خلافا لقول الله تعالى @QB@ ويغفر ms343 ما دون ~~ذلك لمن يشاء @QE@ وزعموا أن من دخل الناء لا يخرج منها خلافا لما جاءت به ~~الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يخرج من النار قوما بعد ~~ما امتحشوا فيها وصاروا حمما ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله @QB@ ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله @QB@ ~~تجري بأعيننا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولتصنع على عيني @QE@ ونفوا ما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله صلى الله عليه وسلم إن الله ينزل إلى ~~سماء الدنيا قال وأنا ذاكر ذلك بابا بابا إن شاء الله تعالى PageV01P421 # قال فإن قيل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية ~~والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون # قيل له قولنا الذي به نقول وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله عز ~~وجل وبسنة نبينا صل الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة ~~الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته ~~وأجزل مثوبته قائلون ولما خالف قوله مخالفون لأنه الإمام الفاضل والرئيس ~~الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلالة وأوضح به المناهج وقمع به ~~بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم ~~وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين # وجملة قولنا أنا نقر بالله تبارك وتعالى وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من ~~عند الله وما روى الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك ~~شيئا وأن الله عز وجل واحد أحد فرد صمد لا غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن ~~محمد عبده ورسوله والجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن ~~الله يبعث من في القبور وأن الله مستو على عرشه كما قال @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ وأن له وجها كما قال عز وجل @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام @QE@ وأن له يدين كما قال عز وجل @QB@ بل يداه مبسوطتان ms344 @QE@ وقال ~~سبحانه وتعالى @QB@ خلقت بيدي @QE@ وأن له عينين بلا كيف كما قال عز وجل ~~@QB@ تجري بأعيننا @QE@ وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا وأن لله ~~تعالى علما كما قال تعالى PageV01P422 @QB@ أنزله بعلمه @QE@ وقال سبحانه ~~@QB@ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه @QE@ ونثبت لله قدرة وقوة كما قال ~~تعالى @QB@ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة @QE@ ونثبت لله ~~تعالى السمع والبصر ولا ننفي ذلك عنه كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج ~~ونقول إن كلام الله تعالى غير مخلوق وأنه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن ~~كما قد قال سبحانه وتعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون @QE@ وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء وأن الأشياء ~~تكون بمشيئة الله تعالى وذكر الكلام في مسائل القدر وخلق الأفعال # إلى أن قال ونقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأن ~~من قال بخلق القرآن كان كافرا وندين بأن الله تعالى يرى بالأبصار يوم ~~القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ونقول إن الكافرين إذا رآه المؤمنون عنه محجوبون ~~كما قال الله عز وجل @QB@ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون @QE@ وأن موسى ~~سأل الله عز وجل الرؤية في الدنيا وأن الله تعالى تجلى للجبل فجعله دكا ~~فأعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا ونرى ألا نكفر أحدا من أهل القبلة ~~بذنب يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب الخمر كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم ~~بذلك كافرون ونقول إن من عمل كبيرة وما أشبهها مستحلا لها غير معتقد ~~لتحريمها كان كافرا ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانا ~~وندين بأن الله تعالى يقلب القلوب وأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ~~وأنه يضع السموات على أصبع والأرضين على PageV01P423 أصبع كما جاءت الرواية ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وندين بأن لا ms345 ننزل أحدا من الموحدين ~~المتمسكين بالإيمان جنة ولا نارا إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالجنة ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين ~~ونقول إن الله عز وجل يخرج من النار قوما بعدما امتحشوا بشفاعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ونؤمن بعذاب القبر وبأن الميزان حق والحوض حق والصراط حق ~~والبعث بعد الموت حق وأن الله عزوجل يوقف العباد بالموقف ويحاسب المذنبين ~~وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ونسلم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات عدلا عن عدل حتى تنتهي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # وندين بحب السلف رضي الله عنهم الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ونثني عليهم بما أثنى الله تعالى عليهم ونتولاهم ونقول إن ~~الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأن ~~الله سبحانه وتعالى أعز به الإسلام والدين وأظهره على المرتين وقدمه ~~المسلمون للإمامة كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة ثم عمر بن ~~الخطاب رضوان الله عليه ثم عثمان نضر الله وجهه قتلوه قاتلوه ظلما وعدوانا ~~ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونكف عما شجر بينهم وندين لله تعالى أن الأئمة الأربعة راشدين ~~مهديين فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم PageV01P424 ونصدق بجميع الروايات ~~التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا وأن الرب عز وجل يقول ~~هل من سائل هل من مستغفر وسائر ما أثبتوه ونقلوه خلافا لما قاله أهل الزيغ ~~والتضليل ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله تعالى بدعة ~~لم يأذن الله تعالى بها ولا نقول على الله مالا نعلم ونقول إن الله عز وجل ~~يجيء يوم القيامة كما قال تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا ms346 صفا @QE@ وأن ~~الله تعالى يقرب من عباده كيف شاء كما قال تعالى @QB@ ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد @QE@ وكما قال عز وجل @QB@ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ~~@QE@ ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد خلف كل بر وفاجر وسائر الصلوات ~~والجماعات كما روي عن عبدالله بن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج ونرى المسح ~~على الخفين سنة في الحضر والسفر خلافا لقول من أنكر ذلك ونرى الدعاء لأئمة ~~المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر ~~منهم ترك الاستقامة وندين بترك الخروج عليهم بالسيف وترك القتال في الفتنة ~~ونقر بخروج الدجال كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير ومسألتهما للمدفونين في قبورهم ونصدق بحديث ~~المعراج ونصحح كثيرا من الرؤيا في المنام ونقر أن لذلك تفسيرا ونرى الصدقة ~~عن موتى المسلمين والدعاء لهم ونؤمن بأن الله تعالى ينفعهم بذلك ونصدق بأن ~~في الدنيا سحرة وسحرا وأن السحر كائن موجود في الدنيا وندين بالصلاة على من ~~مات من أهل القبلة مؤمنهم وفاجرهم وتوارثهم ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان ~~وأن من مات أو قتل فبأجله مات أو قتل وأن الأرزاق من قبل الله تعالى يرزقها ~~عباده حلالا وحراما وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويخبطه خلافا لقول ~~المعتزلة والجهمية PageV01P425 كما قال الله تعالى @QB@ الذين يأكلون الربا ~~لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس @QE@ وكما قال @QB@ من ~~شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس @QE@ ونقول إن ~~الصالحين يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات يظهرها عليهم وقولنا في أطفال ~~المشركين إن الله يؤجج لهم نارا في الآخرة ثم يقول اقتحموها كما جاءت ~~الرواية بذلك وندين بأن الله تعالى يعلم ما العباد عاملون وإلى ما هم ~~صائرون وما كان وما يكون ومالا يكون أن لو كان كيف كان يكون وبطاعة الأئمة ~~ونصيحة المسلمين ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء وقال ~~وسنحتج لما ذكرنا ms347 من قولنا ومما بقي منه مما لم نذكره بابا بابا وشيئا شيئا ~~ثم ذكر من دلائل ذلك وحججه ما قد يذكر بعضه إن شاء الله تعالى عند الكلام ~~على ما ذكره الرازي من الأدلة # وقال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الذي سماه نقض عثمان بن ~~سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد قال فيه ~~باب الحد والعرش وادعى المعارض ايضا أنه ليس له حد ولا غاية ولا نهاية قال ~~وهذا الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالته واشتق منه أغلوطاته وهي كلمة لم ~~يبلغنا أنه سبق جهما إليها أحد من العالمين فقال له قائل ممن حاوره قد علمت ~~مرادك أيها الأعجمي تعني أن الله تعالى لا شيء لأن الخلق كلهم علموا أنه ~~ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة وأنه لا شيء ليس له حد ~~ولا غاية ولا صفة فالشيء أبدا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية ~~وقولك لا حد له تعني أنه لا شيء PageV01P426 # قال أبو سعيد والله تعالى له حد لا يعلمه غيره ولا يجوز لأحد أن يتوهم ~~لحده غاية في نفسه ولكن نؤمن بالحد ونكل علم ذلك إلى الله تعالى ولمكانه ~~أيضا حد وهو على عرشه فوق سمواته فهذان حدان اثنان قال وسئل ابن المبارك ~~بما نعرف ربنا قال بأنه على العرش بائن من خلقه قيل بحد قال بحد حدثناه ~~الحسن بن الصباح البزار عن علي بن الحسين بن شقيق عن ابن المبارك فمن ادعى ~~أنه ليس لله حد فقد رد القرآن وادعى أنه لا شيء لأن الله تعالى وصف حد ~~مكانه في مواضع كثيرة من كتابه فقال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ @QB@ ~~أأمنتم من في السماء @QE@ @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ @QB@ إني متوفيك ~~ورافعك إلي @QE@ @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ فهذا كله وما أشبهه شواهد ~~ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله تعالى وجحد آيات الله ~~تعالى وقال رسول الله ms348 صلى الله عليه وسلم إن الله فوق عرشه فوق سماوته وقال ~~للأمة السوداء أين الله قالت في السماء قال أعتقها فإنها مؤمنة فقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنها مؤمنة إنها لو لم تؤمن بأن الله في السماء لم ~~تكن مؤمنة وأنه لا يجوز في الرقبة المؤمنة إلا من يحد الله أنه في السماء ~~كما قال الله ورسوله فحدثنا أحمد بن منيع البغدادي الأصم حدثنا أبو معاوية ~~عن شبيب بن شيبة عن الحسن عن عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لأبيه يا حصين كم تعبد اليوم إلها قال سبعة ستة في الأرض وواحد في ~~السماء قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء فلم ينكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم على الكافر إذ عرف أن إله العالمين في السماء كما قاله ~~النبي صلى الله عليه وسلم فحصين في كفره يومئذ كان أعلم بالله الجليل الأجل ~~من المريسي وأصحابه مع ما ينتحلون من الإسلام إذ ميز بين الإله الخالق الذي ~~في السماء وبين الآلهة والأصنام المخلوقة التي في الأرض وقد اتفقت الكلمة ~~من المسلمين والكافرين أن الله في السماء وحدوده بذلك إلا المريسي ~~PageV01P427 الضال وأصحابه حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه ~~بذلك إذا حزب الصبي شيء يرفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها ~~فكل أحد بالله تعالى وبمكانه أعلم من الجهمية # قال ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها وعددها في كتابه من الوجه ~~والسمع والبصر وغير ذلك يتأولها ويحكم على الله تعالى وعلى رسوله فيها حرفا ~~بعد حرف وشيئا بعد شيء بحكم بشر بن غياث المريسي لا يعتمد فيها على إمام ~~أقدم منه ولا أرشد منه عنده فاغتنمنا ذلك منه إذ صرح باسمه وسلم فيها لحكمه ~~لما أن الكلمة قد اجتمعت من عامة الفقهاء في كفره وهتوك ستره وافتضاحه في ~~مصره وسائر الامصار الذين سمعوا بذكره وذكر الكلام في الصفات # وقال الخلال في كتاب السنة أخبرنا أبوبكر المروذي قال ms349 سمعت أبا عبدالله ~~قيل له روى عن علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك أنه قيل له كيف نعرف ~~الله عز وجل قال على العرش بحد قال قد بلغني ذلك عنه وأعجبه ثم قال أبو ~~عبدالله @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام @QE@ ثم قال ~~@QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ قال الخلال أخبرنا الحسن بن صالح العطار ~~حدثنا هارون بن يعقوب الهاشمي سمعت أبي يعقوب بن العباس قال كنا عند أبي ~~عبدالله قال فسألناه عن قول ابن المبارك قيل له كيف نعرف ربنا قال في ~~السماء السابعة على عرشه بحد فقال أحمد هكذا على العرش استوى بحد فقلنا له ~~ما معنى قول ابن المبارك بحد قال لا أعرفه ولكن PageV01P428 لهذا شواهد من ~~القرآن في خمسة مواضع @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ @QB@ أأمنتم من في ~~السماء @QE@ @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ وهو على العرش وعلمه مع ~~كل شيء قال الخلال وأخبرنا محمد بن علي الوراق حدثنا أبو بكر الأثرم حدثنا ~~محمد بن إبراهيم القيسي قال قلت لأحمد بن حنبل يحكى عن ابن المبارك قيل له ~~كيف نعرف ربنا قال في السماء السابعة على عرشه بحد فقال أحمد هكذا هو عندنا ~~قال الخلال أخبرنا حرب بن إسماعيل قال قلت لاسحاق يعني ابن راهويه على ~~العرش بحد قال نعم بحد وذكر عن ابن المبارك قال هو على عرشه بائن من خلفه ~~بحد # وقد ذكر أيضا حرب بن إسماعيل في آخر كتابه في المسائل كلها هذا مذهب أئمة ~~العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها وأدركت من ~~أدركت من علماء أهل العراق والشام والحجاز وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من ~~هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن ~~منهج السنة وسبيل الحق وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبدالله ~~بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم ~~فكان من قولهم أن الإيمان قول وعمل إلى أن ms350 قال وخلق الله سبع سموات بعضها ~~فوق بعض وقد تقدم حكاية PageV01P429 قوله إلى قوله لأن الله تبارك وتعالى ~~على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا ~~يخلو من علمه مكان ولله عرش وللعرش حملة يحملونه وله حد الله تعالى أعلم ~~بحده والله تعالى على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره ولكن هذا اللفظ ~~يحتمل أن يعود فيه الحد إلى العرش بل ذلك أظهر فيه # قال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل رأيت بخط أبي إسحاق حدثنا أبو ~~بكر أحمد بن نصر الرفاء سمعت أبا بكر بن أبي داود سمعت أبي يقول جاء رجل ~~إلى أحمد بن حنبل فقال لله تعالى حد فقال نعم لا يعلمه إلا هو قال الله ~~تبارك وتعالى @QB@ وترى الملائكة حافين من حول العرش @QE@ يقول محدقين # وروى الخلال أيضا في كتاب السنة أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبدالله قيل ~~له ولا يشبه ربنا تبارك وتعالى شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه قال نعم ~~@QB@ ليس كمثله شيء @QE@ قال أخبرني عبيدالله بن حنبل حدثني أبي حنبل بن ~~إسحاق قال قال عمي نحن نؤمن بالله تعالى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ~~ولا صفة يبلغها واصف ويحده أحد فصفات الله له ومنه وهو كما وصف نفسه لا ~~تدركه الأبصار بحد ولا غاية وهو يدرك الأبصار وهو عالم الغيب والشهادة علام ~~الغيوب ولا يدركه وصف واصف وهو كما وصف نفسه ليس في الله شيء محدود ولا ~~يبلغ علم قدرته أحد غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه @QB@ ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير @QE@ وكان الله تعالى قبل أن يكون شيئا والله تعالى ~~الأول وهو الآخر ولا يبلغ أحد حد صفاته والتسليم لأمر الله والرضا بقضائه ~~نسأل الله التوفيق والسداد إنه على كل شيء قدير PageV01P430 فهو في هذا ~~الكلام أخبر أنه بلا حد ولا وصف يبلغها واصف أو بحد أحد فنفى أن تحيط به ~~صفة العباد أو حدهم وكذلك ms351 قال @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ بحد ولا غاية ~~فبين أن الأبصار لا تدرك له حدا ولا غاية وقال أيضا ولا يدركه صفة واصف وهو ~~كما وصف نفسه وليس من الله تعالى شيء محدود كما قال بعد هذا ولا يبلغ أحد ~~حد صفاته فنفى في هذا الكلام كله أن يكون وصف العباد أو حد العباد يبلغه أو ~~يدركه كما لا تدركه الأبصار # قال الخلال وأخبرني علي بن عيسى أن حنبل حدثهم قال سألت أبا عبدالله عن ~~الأحاديث التي تروى أن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا وأن الله تعالى يرى ~~وأن الله تعالى يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبو عبدالله نؤمن بها ~~ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ولا نرد منها شيئا ونعلم أن ما جاءت به الرسل ~~حق ونعلم أن ما ثبت به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحيحة ولا نرد على قوله ~~ولا نصف الله تبارك وتعالى بأعظم مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية وقال ~~حنبل في مواضع أخر @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ في ذاته كما وصف به نفسه قد ~~أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء فيعبد الله ~~تعالى بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه قال تعالى @QB@ وهو ~~السميع البصير @QE@ وقال حنبل في مواضع أخر قال فهو سميع بصير بلا حد ولا ~~تقدير ولا يبلغ الواصفون وصفاته منه وله ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول ~~كما قال ونصفه كما وصف نفسه تعالى ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين ~~نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ~~ووصف وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضع كنفه عليه ~~هذا كله يدل على أن الله تعالى يرى في الآخرة والتحديد في هذا بدعة ~~والتسليم لله بأمره بغير صفة PageV01P431 ولا حد إلا ما وصف به نفسه سميع ~~بصير لم يزل متكلما حيا عالما غفورا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب فهذه ~~صفاته وصف بها نفسه ms352 لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما قال @QB@ ثم ~~استوى على العرش @QE@ كيف شاء المشيئة إليه عز وجل والاستطاعة له @QB@ ليس ~~كمثله شيء @QE@ وهو خالق كل شئ وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا ~~تقدير قول إبراهيم لأبيه @QB@ لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا @QE@ فثبت أن الله سميع بصير صفاته منه لا نتعدى القرآن والحديث ~~والخبر يضحك الله ولا يعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتثبيت القرآن لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد تعالى الله عما يقول الجهمية ~~والمشبهة # وقال أبو عبد الله قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ الكتاب بالمحنة تقول ~~ليس كمثله شئ فقلت له ليس كمثله شئ وهو السميع البصير قال ما أردت بها قلت ~~القرآن وصفه من صفات الله وصف بها نفسه لا ننكر ذلك ولا نرده قلت له ~~المشبهة ما يقولون قال من قال بصر كبصري ويد كيدي وقال حنبل في موضع آخر ~~وقد تقدم فقد شبه الله تعالى بخلقه وهذا يحده وهذا كلام سوء وهذا محدود ~~الكلام في هذا لا أحبه قال أبو عبد الله جردوا القرآن وقال النبى صلى الله ~~عليه وسلم يضع قدمه نؤمن به ولا نحده ولا نرده على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بل نؤمن به قال الله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ فقد أمرنا الله عز وجل بالأخذ بما جاء به والنهي عما نهى ~~وأسماؤه وصفاته منه غير مخلوقة ونعوذ بالله من الزلل والارتياب والشك إنه ~~على كل شئ قدير وقال الخلال وزادني أبو القاسم عن حنبل PageV01P432 في هذا ~~الكلام وقال تبارك وتعالى @QB@ لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ @QB@ لا إله ~~إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر @QE@ هذه ~~صفات الله عز وجل وأسماؤه تبارك وتعالى # فهذا الكلام من الإمام أبى عبد الله أحمد رحمه الله يبين أنه نفى أن ~~العباد يحدون الله تعالى أو صفاته ms353 بحد أو يقدرون ذلك بقدر أو أن يبلغوا إلى ~~أن يصفوا ذلك وذلك لا ينافي ما تقدم من إثبات أنه في نفسه له حد يعلمه هو ~~لا يعلمه غيره أو أنه هو يصف نفسه وهكذا كلام سائر أئمة السلف يثبتون ~~الحقائق وينفون علم العباد بكنهها كما ذكر من كلامهم في غير هذا الموضع ما ~~يبين ذلك # وأصحاب الإمام أحمد منهم من ظن أن هذين الكلامين يتناقضان فحكى عنه في ~~إثبات الحد لله تعالى روايتين وهذه طريقة الروايتين والوجهين ومنهم من نفى ~~الحد عن ذاته تعالى ونفى علم العباد به كما ظنه موجب ما نقله حنبل وتأول ما ~~نقله المروذي والأثرم وأبو داود وغيرهم من إثبات الحد له على أن المراد ~~إثبات حد للعرش ومنهم من قرر الأمر كما يدل عليه الكلامان أو تأول نفى الحد ~~بمعنى آخر والنفي هو طريقة القاضي أبى يعلى أولا في المعتمد وغيره فإنه كان ~~ينفي الحد والجهة وهو قوله الأول قال $ فصل # وقد وصف الله تعالى نفسه بالاستواء على العرش والواجب إطلاق هذه الصفة من ~~غير تفسير ولا تأويل وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى العلو ~~والرفعة ولا على معنى الاستيلاء والعلم وقد قال أحمد في رواية حنبل نحن ~~PageV01P433 نؤمن أن الله تعالى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة ~~يبلغها واصف أو يحده أحد قال فقد أطلق القول في ذلك من غير كيفية الاستواء ~~وقد علق القول في موضع آخر فقال في رواية المروذي يروى عن ابن المبارك أنه ~~قيل له كيف نعرف الله تعالى قال على العرش بحد قال قد بلغني ذلك وأعجبه قال ~~القاضي وهذا محمول على أن الحد راجع إلى العرش لا إلى الذات ولا إلى ~~الاستواء وقصد أن يبين أن العرش مع عظمته محدود # قلت وهذا الذي قاله القاضي في الاستواء هنا هو الذي يقوله أئمة الأشعرية ~~المتقدمين وهو قريب من قول أبي محمد ابن كلاب وأبي العباس القلانسي وغيرهم ~~من أهل الحديث والفقه ولهذا ms354 قال خلافا لمن قال من المعتزلة معناه الاستيلاء ~~والغلبة وخلافا لمن قال من الأشعرية معناه العلو من طريق الرتبة والمنزلة ~~والعظمة والقدرة وهذا قول بعض الأشعرية لا أئمتهم المتقدمون قال وخلافا ~~للكرامية والمجسمة معناه المماسة للعرش بالجلوس عليه ثم أنه قال في الحجة ~~والذي بين صحة ما ذكرنا أنه مقالة السلف من أهل اللغة وغيرهم فذكر ابن ~~قتيبة في كتاب مختلف الحديث الرحمن على العرش استوى استقر كما قال الله ~~تعالى @QB@ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك @QE@ أي استقررت وذكر ابن ~~بطة عن ابن الإعرابي قال أرادني ابن أبي داود أن أطلب في بعض لغات العرب ~~ومعانيها @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ فقلت والله ما يكون هذا ~~PageV01P434 ولا أصبته وقال يزيد بن هارون من زعم أن الرحمن على العرش ~~استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي وعن عبد الوهاب قال الرحمن ~~على العرش استوى قال قعد وعن ابن المبارك قال الله على العرش بحد # والقاضي في هذا الكتاب ينفي الجهة عن الله كما قد صرح بذلك في غير موضع ~~كما ينفي أيضا هو وأتباعه كأبي الحسن ابن الزاغونى وغيره التحيز والجسم ~~والتركيب والتأليف والتبعيض ونحو ذلك ثم رجع عن نفي الجهة والحد وقال ~~بإثبات ذلك كما ذكر قوليه جميعا فقال في كتاب إبطال التأويلات لأخبار ~~الصفات لما تكلم على حديث الأوعال فإذا ثبت أنه تعالى على العرش فالعرش في ~~جهة وهو على عرشه وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه ~~والصواب جواز القول بذلك لأن أحمد قد اثبت هذه الصفة التي هي الاستواء على ~~العرش وأثبت أنه في السماء وكل من أثبت هذا اثبت الجهة وهم أصحاب ابن كرام ~~وابن مندة الأصبهاني المحدث والدلالة عليه أن العرش في جهة بلا خلاف وقد ~~ثبت بنص القرآن أنه مستو على العرش فاقتضى أنه في جهة ولأن كل عاقل من مسلم ~~وكافر إذا دعا الله تعالى فإما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء وفي هذا ~~كفاية ms355 ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقولون ليس هو في جهة ولا ~~خارجا منها وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود PageV01P435 غيره ~~ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا معه ولا بعده ولأن العوام لا ~~يفرقون بين قول القائل طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله طلبته فإذا هو ~~معدوم قال وقد احتج ابن منده على إثبات الجهة بأنه لما نطق القرآن بأن الله ~~تعالى على العرش وأنه في السماء وجاءت السنة بمثل ذلك وبأن الجنة مسكنه ~~وأنه في ذلك وهذه الأشياء أمكنة في أنفسها فدل على أنه في مكان # قلت وهذا الكلام من القاضي وابن منده ونحوهما يقتضي أن الجهة أمر وجودي ~~ولهذا حكوا عن النفاة أنه ليس في جهة ولا خارجا منها وأنها غيره وفي كلامه ~~الذي سيأتي ما يقتضي أن الجهة والحد هي من الله تعالى وهو ما حاذى لذات ~~العرش فهو الموصوف بأنه جهة وحد ثم ذكر أن ذلك من صفات الذات # ثم قال وإذا ثبت استواؤه وأنه في جهة وأن ذلك من صفات الذات فهل يجوز ~~إطلاق الحد عليه قد أطلق أحمد القول بذلك في رواية المروذي وقد ذكر له قول ~~ابن المبارك نعرف الله على العرش بحد فقال أحمد بلغني ذلك وأعجبه وقال ~~الأثرم قلت لأحمد يحكى عن ابن المبارك نعرف ربنا في السماء السابعة على ~~عرشه بحد فقال أحمد هكذا هو عندنا قال ورأيت بخط أبي إسحاق حدثنا أبو بكر ~~أحمد بن نصر الرفاء قال سمعت أبا بكر بن أبي داود قال سمعت أبي يقول جاء ~~رجل إلى أحمد بن حنبل فقال لله تبارك وتعالى حد قال نعم لا يعلمه إلا هو ~~قال الله تعالى @QB@ وترى الملائكة حافين من حول العرش @QE@ يقول محدقين ~~قال فقد أطلق أحمد القول بإثبات الحد لله تعالى وقد نفاه في رواية حنبل ~~فقال نحن نؤمن بان الله تعالى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة ~~يبلغها واصف أو يحده أحد ms356 فقد نفى الحد عنه على الصفة المذكورة وهو الحد ~~الذي يعلمه خلقه والموضع الذي أطلقه محمول على معنيين أحدهما على معنى انه ~~PageV01P436 تعالى في جهة مخصوصة وليس هو ذاهبا في الجهات الستة بل هو خارج ~~العالم متميز عن خلقه منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات وهذا معنى قول أحمد ~~حد لا يعلمه إلا هو والثاني أنه على صفة يبين بها من غيره ويتميز ولهذا ~~يسمى البواب حدادا لأنه يمنع غيره من الدخول فهو تعالى فرد واحد ممتنع عن ~~الاشتراك له في أخص صفاته # قال وقد منعنا من إطلاق القول بالحد في غير موضع من كتابنا ويجب أن يجوز ~~على الوجه الذي ذكرنا # ثم قال ويجب أن يحمل اختلاف كلام أحمد في إثبات الحد على اختلاف حالتين ~~فالموضع الذي قال إنه على العرش بحد معناه أنما حاذى العرش من ذاته هو حد ~~له وجهة له والموضع الذي قال هو على العرش بغير حد معناه ما عدى الجهة ~~المحاذية للعرش وهي الفوق والخلف والأمام واليمنة واليسرة وكان الفرق بين ~~جهة التحت المحاذية للعرش وبين غيرها ما ذكرنا أن جهة التحت تحاذي العرش ~~بما قد ثبت من الدليل والعرش محدود فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات أنه حد ~~وجهة وليس كذلك فيما عداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو مار في اليمنة ~~واليسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير غاية فلذلك لم يوصف واحد من ذلك ~~بالحد والجهة وجهة العرش تحاذي ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ جميع الذات ~~لأنه لا نهاية لها # قلت هذا الذي جمع به بين كلامي أحمد وأثبت الحد والجهة من ناحية العرش ~~والتحت دون الجهات الخمس يخالف ما فسر به كلام أحمد أولا من التفسير ~~المطابق لصريح الفاظه حيث قال فقد نفى الحد عنه على الصفة المذكورة وهو ~~الذي يعلمه خلقه والموضع الذي أطلقه محمول على معنيين أحدهما يقال على ~~PageV01P437 جهة مخصوصة وليس هو ذاهبا في الجهات بل هو خارج العالم متميز ~~عن خلقه ms357 منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات وهذا معنى قول أحمد حد لا يعلمه ~~إلا هو والثاني أنه على صفة يبين بها عن غيره ويتميز فهو تعالى فرد واحد ~~ممتنع عن الاشتراك له في أخص صفاته قال منعنا من إطلاق القول بالحد في غير ~~موضع من كتابنا ويجب أن يجوز على الوجه الذي ذكرناه فهذا القول الوسط من ~~أقوال القاضي الثلاثة هو المطابق لكلام أحمد وغيره من الأئمة وقد قال إنه ~~تعالى في جهة مخصوصة وليس هو ذاهبا في الجهات بل هو خارج العالم متميز عن ~~خلقه منفصل عنهم غير داخل في كل الجهات وهذا معنى قول أحمد حد لا يعلمه إلا ~~هو ولو كان مراد أحمد رحمه الله الحد من جهة العرش فقط لكان ذلك معلوما ~~لعباده فانهم قد عرفوا أن حده من هذه الجهة هو العرش فعلم أن الحد الذي لا ~~يعلمونه مطلق لا يختص بجهة العرش # وروى شيخ الإسلام في ذم الكلام ما ذكره حرب بن إسماعيل الكرماني في ~~مسائلة قال قلت لإسحاق بن إبراهيم وهو الإمام المشهور المعروف بابن راهويه ~~ما تقول في قوله تعالى @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة @QE@ الآية قال حيث ما ~~كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد وهو بائن من خلقه قلت لإسحاق على العرش بحد ~~قال نعم بحد وذكره عن ابن المبارك قال هو على عرشه بائن من خلقه بحد وقال ~~حرب أيضا قال إسحاق بن إبراهيم لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى كما يجوز ~~الخوض في فعل المخلوقين لقول الله تعالى @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ~~@QE@ ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله بصفاته PageV01P438 وأفعاله يعني كما ~~نتوهم فيهم وإنما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين وذكر أنه يمكن أن ~~يكون الله عز وجل موصوفا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثاها إلى سماء الدنيا ~~كما يشاء ولا يسأل كيف نزوله لأن الخالق يصنع ما شاء كما شاء # وروى شيخ الإسلام عن محمد بن إسحاق الثقفي سمعت إسحاق بن ms358 إبراهيم الحنظلي ~~قال دخلت يوما على طاهر بن عبد الله وأظنه عبد الله بن طاهر وعنده منصور بن ~~طلحة فقال لي منصور يا أبا يعقوب تقول إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ~~ليلة قلت ونؤمن به إذا أنت لا تؤمن إن لك ربا في السماء فلا تسألني عن هذا ~~فقال ابن طاهر ألم أنهك عن هذا الشيخ وروى عن محمد بن حاتم سمعت إسحاق بن ~~راهويه يقول قال لي عبد الله بن طاهر يا أبا يعقوب هذه الأحاديث التي ~~تروونها وقال في النزول ما هي قال قلت أيها الأمير هذه الأحاديث جاءت مجئ ~~الأحكام الحلال والحرام ونقلها العلماء ولا يجوز أن ترد هي كما جاءت بلا ~~كيف فقال عبد الله بن طاهر صدقت ما كنت اعرف وجوهها حتى الآن وفي رواية قال ~~رواها من روى الطهارة والغسل والصلاة والأحكام وذكر أشياء فإن يكونوا مع ~~هذه عدولا وإلا فقد ارتفعت الأحكام وبطل الشرع فقال شفاك الله كما شفيتني ~~أو كما قال PageV01P439 # وروى أيضا شيخ الإسلام ما ذكره أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم في الرد ~~على الجهمية حدثنا علي بن الحسن السلمي سمعت أبي يقول حبس هشام بن عبيد ~~الله وهو الرازي صاحب محمد بن الحسن الشيباني رجلا في التجهم فتاب فجئ به ~~إلى هشام ليمتحنه فقال الحمد لله على التوبة أتشهد أن الله تعالى على عرشه ~~بائن من خلقه فقال أشهد أن الله على عرشه ولا أدري ما بائن من خلقه فقال ~~ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب # قال شيخ الإسلام شرحت مسألة حد البينونة في كتاب الفاروق باب أغنى عن ~~تكريره هاهنا # قال شيخ الإسلام وسألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم ابن حبان البستي قلت ~~رأيته قال كيف لم أره ونحن أخرجناه من سجستان كان له علم كثير ولم يكن كبير ~~دين قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه من سجستان # قلت وقد أنكره طائفة من أهل الفقه والحديث ممن يسلك في الإثبات مسلك ابن ~~كلاب والقلانسي ms359 وأبي الحسن ونحوهم في هذه المعاني ولا يكاد PageV01P440 ~~يتجاوز ما أثبته أمثال هؤلاء مع ماله من معرفة بالفقه والحديث كأبي حاتم ~~هذا وأبي سليمان الخطابي وغيرهما ولهذا يوجد للخطابي وأمثاله من الكلام ما ~~يظن أنه متناقض حيث يتأول تارة ويتركه أخرى وليس بمتناقض فإن أصله إن ~~الصفات التي في القرآن والأخبار الموافقة له أو ما في الاخبار المتواترة ~~دون ما في الأخبار المحضة أو دون ما في غير المتواترة وهذه طريقة ابن عقيل ~~ونحوه وهي إحدى طريقي أئمة الأشعرية كالقاضي أبي بكر ابن الباقلاني وهم مع ~~هذا يثبتونها صفات معنوية # قال الخطابي في الرسالة الناصحة له ومما يجب أن يعلم في هذا الباب ويحكم ~~القول فيه أنه لا يجوز أن يعتمد في الصفات إلا الأحاديث المشهورة إذ قد ثبت ~~صحة أسانيدها وعدالة ناقليها فإن قوما من أهل الحديث قد تعلقوا منها بألفاظ ~~لا تصح من طريق السند وإنما هي من رواية المفاريد والشواذ فجعلوها أصلا في ~~الصفات وأدخلوها في جملتها كحديث الشفاعة وما روي فيه من قوله صلى الله ~~عليه وسلم فأعود إلى ربي فأجده بمكانه أو في مكانه فزعموا على هذا المعنى ~~أن الله تعالى مكانا تعالى الله عن ذلك وإنما هذه لفظة تغرد بها من هذه ~~القصة شريك بن عبد الله ابن أبي نمر وخالفه أصحابه فيها ولم يتابعوه عليها ~~وسبيل مثل هذه الزيادة أن ترد ولا تقبل لاستحالتها ولأن مخالفة أصحاب ~~الراوي له روايته كاختلاف البينة وإذا تعارضت البينتان سقطتا معا وقد تحتمل ~~هذه اللفظة لو كانت صحيحة أن يكون معناها أن يجد ربه عز وجل بمكانه الأول ~~من الإجابة في الشفاعة والإسعاف بالمسألة إذ كان مرويا في الخبر أنه يعود ~~مرارا فيسأل ربه تعالى في المذنبين من أمته كل ذلك يشفعه فيهم ويشفعه في ~~مسألتهم PageV01P441 # قال ومن هذا الباب أن قوما منهم زعموا أن لله حدا وكان أعلا ما احتجوا به ~~في ذلك حكاية عن ابن المبارك قال علي بن الحسن بن شقيق قلت لابن المبارك ms360 ~~نعرف ربنا بحد أو نثبته بحد فقال نعم بحد فجعلوه أصلا في هذا الباب وزادوا ~~الحد في صفاته تعالى الله عن ذلك سبيل هؤلاء القوم عفانا الله وإياهم أن ~~يعلموا أن صفات الله تعالى لا تؤخذ إلا من كتاب أو من قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دون قول أحد من الناس كائنا من كان علت درجته أو نزلت تقدم ~~زمانه أو تأخر لأنها لا تدرك من طريق القياس والاجتهاد فيكون فيها لقائل ~~مقال ولناظر مجال على أن هذه الحكاية قد رويت لنا أنه قيل له أنعرف ربنا ~~بجد قال نعم بجد بالجيم لا بالحاء وزعم بعضهم أنه جائز أن يقال له تعالى حد ~~لا كالحدود كما نقول يد لا كالأيدي فيقال له إنما أحوجنا إلى أن نقول يد لا ~~كالأيدي لأن اليد قد جاء ذكرها في القرآن وفي السنة فلزم قبولها ولم يجز ~~ردها فأين ذكر الحد في الكتاب والسنة حتى نقول حد لا كالحدود كما نقول يد ~~لا كالأيدي أرأيت إن قال جاهل رأس لا كالرؤوس قياسا على قولنا يد لا ~~كالأيدي هل يكون الحجة عليه إلا نظير ما ذكرناه في الحد من أنه لما جاء ذكر ~~اليد وجب القول به ولما يجئ ذكر الرأس لم يجز القول به # قلت أهل الإثبات المنازعون للخطابي وذويه يجيبون عن هذا بوجوه # أحدها أن هذا الكلام الذي ذكرناه إنما يتوجه لو قالوا إن له صفة هي الحد ~~كما توهمه هذا الراد عليهم وهذا لم يقله أحد ولا يقوله عاقل فإن هذا الكلام ~~لا حقيقة له إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شئ من الموصوفات كما وصف باليد ~~والعلم صفة معينة يقال لها الحد وإنما الحد ما يتميز به الشئ PageV01P442 ~~عن غيره من صفته وقدره كما هو المعروف في لفظ الحد في الموجودات فيقال حد ~~الإنسان وحد كذا وهي من الصفات المميزة له ويقال حد الدار والبستان وهي ~~جهاته وجوانبه المميزة له ولفظ الحد في هذا أشهر في اللغة والعرف ms361 العام ~~ونحو ذلك و لما كان الجهمية يقولون ما مضمونه إن الخالق لا يتميز عن الخلق ~~فيجحدون صفاته التي تميز بها ويجحدون قدره حتى يقول المعتزلة إذا عرفوا أنه ~~حي عالم قدير قد عرفنا حقيقته وماهيته ويقولون إنه لا يباين غيره بل إما أن ~~يصفوه بصفة المعدوم فيقولوا لا داخل العالم ولا خارجه ولا كذا ولا كذا أو ~~يجعلوه حالا في المخلوقات أو وجود المخلوقات فبين ابن المبارك أن الرب ~~سبحانه وتعالى على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه وذكر الحد لأن الجهمية كانوا ~~يقولون ليس له حد وما لا حد له لا يباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم لأن ~~ذلك مستلزم للحد فلما سألوا أمير المؤمنين في كل شئ عبد الله بن المبارك ~~بماذا نعرفه قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فذكروا لازم ذلك ~~الذي تنفيه الجهمية وبنفيهم له ينفون ملزومه الذي هو موجود فوق العرش ~~ومباينته للمخلوقات فقالوا له بحد قال بحد وهذا يفهمه كل من عرف ما بين قول ~~المؤمنين أهل السنة والجماعة وبين الجهمية الملاحدة من الفرق # الوجه الثاني قوله سبيل هؤلاء أن يعلموا أن صفات الله تعالى لا تؤخذ إلا ~~من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم دون قول أحد من الناس ~~فيقولون له لو وفيت أنت ومن اتبعه بإتباع هذه السبيل لم تحوجنا نحن وأئمتنا ~~إلى نفي بدعتكم بل تركتم موجب الكتاب والسنة في النفي والإثبات PageV01P443 # أما في النفي فنفيتم عن الله تعالى أشياء لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولا ~~إمام من أئمة المسلمين بل والعقل لا يقضي بذلك عند التحقيق وقلتم إن العقل ~~نفاها فخالفتم الشريعة بالبدعة والمناقضة المعنوية وخالفتم العقول الصريحة ~~وقلتم ليس هو بجسيم ولا جوهر ولا متحير ولا في جهة ولا يشار إليه بحس ولا ~~يتميز منه شئ عن شئ وعبرتم عن ذلك بأنه تعالى ليس بمنقسم ولا مركب وأنه لا ~~حد له ولا غاية تريدون بذلك انه يمتنع عليه أن يكون ms362 له حد وقدر أو يكون له ~~قدر لا يتناها و أمثال ذلك ومعلوم أن الوصف بالنفي كالوصف بالإثبات فكيف ~~ساغ لكم هذا النفي بلا كتاب ولا سنة مع اتفاق السلف على ذم من ابتدع ذلك ~~وتسميتهم إياهم جهمية وذمهم لأهل هذا الكلام # وأما في الإثبات فإن الله تعالى وصف نفسه بصفات ووصفه رسوله بصفات فكنتم ~~أنتم الذين تزعمون أنكم من أهل السنة والحديث دع الجهمية والمعتزلة تارة ~~تنفونها وتحرفون نصوصها أو تجعلونها لا تعلم إلا أماني وهذا مما عاب الله ~~تعالى به أهل الكتاب قبلنا وتارة تقرونها إقرارا تنفون معه ما أثبته ~~المنصوص من أن يكون النصوص نفته وتاركين من المعاني التي دلت عليه مالا ريب ~~في دلالتها عليه مع ما في جمعهم بين الأمور المتناقضة من مخالفة صريح ~~المعقول فأنت وأئمتك في هذا الذي تقولون إنكم تثبتونه إما أن تثبتوا ما ~~تنفونه فتجمعوا بين النفي والإثبات وإما أن تثبتوا ما لا حقيقة له في ~~الخارج ولا في النفس وهذا الكلام تقوله النفاة المثبتة لهؤلاء كمثل الأشعري ~~والخطابي والقاضي أبي يعلى وغيرهم من الطوائف PageV01P444 # ويقول هؤلاء المثبتة كيف سوغتم لأنفسكم هذه الزيادات في النفي وهذا ~~التقصير في الإثبات على ما أوجبه الكتاب والسنة وأنكرتم على أئمة الدين ~~ردهم لبدعة ابتدعها الجهمية مضمونها إنكار وجوب الرب تعالى وثبوت حقيقته ~~وعبروا عن ذلك بعبارة فأثبتوا تلك العبارة ليبينوا ثبوت المعنى الذي نفاه ~~أولئك وأين في الكتاب والسنة أنه يحرم رد الباطل بعبارة مطابقة له فإن هذا ~~اللفظ لم نثبت به صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة بل بينا به ما عطله ~~المبطلون من وجود الرب تعالى ومباينته لخلقه وثبوت حقيقته # ويقولون لهم قد دل الكتاب والسنة على معنى ذلك كما تقدم احتجاج الإمام ~~أحمد لذلك بما في القرآن مما يدل على أن الله تعالى له حد يتميز به عن ~~المخلوقات وأن بينه وبين الخلق انفصالا ومباينة بحيث يصح معه أن يعرج الأمر ~~إليه ويصعد إليه ويصح أن يجئ هو ويأتي كما ms363 سنقرر هذا في موضعه فإن القرآن ~~يدل على المعنى تارة بالمطابقة وتارة بالتضمن وتارة بالالتزام وهذا المعنى ~~يدل عليه القرآن تضمنا أو التزاما # ولم يقل أحد من أئمة السنة إن السني هو الذي لا يتكلم إلا بالألفاظ ~~الواردة التي لا يفهم معناها بل من فهم معانى النصوص فهو أحق بالسنة ممن لم ~~يفهمها ومن دفع ما يقوله المبطلون مما يعارض تلك المعاني وبين أن معاني ~~النصوص تستلزم نفي تلك الأمور المعارضة لها فهو أحق بالسنة من غيره وهذه ~~نكت لها بسط له موضع آخر PageV01P445 # وممن نفى لفظ الحد أيضا من أكابر أهل الإثبات أبو نصر السجزى قال في ~~رسالته المشهورة إلى أهل زبيد وعند أهل الحق أن الله سبحانه مباين لخلقه ~~بذاته وأن الأمكنة غير خالية من علمه وهو بذاته تعالى فوق العرش بلا كيف ~~بحيث لا مكان # وقال أيضا فاعتقد أهل الخق أن الله سبحانه وتعالى فوق العرش بذاته من غير ~~مماسة وأن الكرامية ومن تابعهم على القول بالمماسة ضلال # وقال وليس من قولنا إن الله فوق العرش تحديد له وإنما التحديد يقع ~~للمحدثات فمن العرش إلى ما تحت الثرى محدود والله سبحانه وتعالى فوق ذلك ~~بحيث لا مكان ولا حد لاتفاقنا أن الله تعالى كان ولا مكان ثم خلق المكان ~~وهو كما كان قبل خلق المكان قال وإنما يقول بالتحديد من يزعم أنه سبحانه ~~وتعالى على مكان وقد علم أن الأمكنة محدودة فإن كان فيها بزعمهم كان محدودا ~~وعندنا أنه مباين للأمكنة ومن حلها وفوق كل محدث فلا تحديد لذاته في قولنا ~~هذا لفظه # وأما قول الرازي وذكر أبو معشر المنجم أن سبب إقدام الناس على اتخاذ ~~عبادة الأوثان دينا لأنفسهم هو أن القوم في الدهر الأقدم كانوا على مذهب ~~المشبهة وكانوا يعتقدون أن إله العالم نور عظيم فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا ~~وثنا هو أكبر الأوثان على صورة الإله وأوثانا أخرى أصغر من ذلك PageV01P446 ~~الوثن على صورة الملائكة واشتغلوا بعبادة هذه الأوثان على اعتقاد أنهم ~~يعبدون الاله والملائكة ms364 فثبت أن دين عبادة الأصنام كالفرع على مذهب المشبهة # فالكلام على هذا من وجوه # أحدها انه من العجب أن يذكر عن أبي معشر ما يذم به عبادة الأوثان وهو ~~الذي اتخذ أبا معشر أحد الأئمة الذين اقتدى بهم في الأمر بعبادة الأوثان ~~لما ارتد عن دين الإسلام وأمر بالإشراك بالله تعالى وعبادة الشمس والقمر ~~والكواكب والأوثان في كتابه الذي سماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة ~~النجوم وقد قيل إنه صنفه لأم الملك علاء الدين ابن محمد أبي بكر ابن جلال ~~الدين هو أنها أعطته عليه ألف دينار وكان مقصودها ما فيه من السحر والعجائب ~~والتوصل بذلك إلى الرئاسة وغيرها من المآرب وقد ذكر فيه عن أبي معشر أنه ~~عبد القمر وأن في عبادته ومناجاته من الأسرار والفوائد ما ذكر فمن تكون هذه ~~حاله في الشرك وعبادة الأوثان كيف يصلح أن يذم أهل التوحيد الذين يعبدون ~~الله تعالى لا يشركون به شيئا ولم يعبدوا لا شمسا ولا قمرا ولا كوكبا ولا ~~وثنا بل يرون الجهاد لهؤلاء المشركين الذين ارتد إليهم أبو معشر والرازي ~~وغيرهما مدة وإن كانوا قد رجعوا عن هذه الردة إلى الإسلام فإن سرائرهم عند ~~الله لكن لا نزاع بين المسلمين إن الأمر بالشرك كفر وردة إذا كان منا مسلم ~~وأن مدحه والثناء عليه والترغيب فيه كفر وردة إذا كان من مسلم فأهل التوحيد ~~وإخلاص الدين لله تعالى وحده الذين يرون جهاد هؤلاء المشركين ومن ارتد ~~إليهم من أعظم PageV01P447 الواجبات و أكبر القربات كيف يصلح أن يعيبهم بعض ~~المرتدين إلى المشركين بأنهم يوافقون المشركين على أصل الشرك وهؤلاء لا ~~يؤمنون بالله وبما أنزل إلى انبيائه وما أشبه حال هؤلاء بقوله تعالى @QB@ ~~قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا @QE@ إلى قوله @QB@ عن سواء السبيل @QE@ ~~فإن هؤلاء النفاة الجهمية منهم من عبد الطاغوت وأمر بعبادته ثم هؤلاء ~~يعيبون من آمن بالله ورسوله # يوضح ذلك أن هذا الرازي اعتمد في الإشراك وعبادة الأوثان على مثل تنكلوا ~~شاه البابلي ومثل طمطم الهندي ومثل ms365 ابن وحشية أحد مردة المتكلمين بالعربية ~~ومعلوم أن الكلدانيين والكشدانيين من أهل بابل وغيرهم أتباع نمرود بن كنعان ~~البابلي وغيره وأهل الهند هم أعظم الأمم شركا وهم اعداء إبراهيم الخليل ~~إمام الحنفاء فكيف يكون أتباع هؤلاء المشركين أعداء إبراهيم الخليل عليه ~~السلام معيرين بأتباع المشركين لأهل الملة الحنفية الذين اتبعوا إبراهيم ~~وآل إبراهيم في إثبات صفات الله وأسمائه وعبادته فإن هؤلاء الجهمية ينكرون ~~حقيقة خلة الله تعالى وتكليمه كما أنكره سلفهم أعداء الخليل وأعداء الكليم # وأول من أظهر في الإسلام التجهم وهذا المذهب الذي نصره الرازي وأبو معشر ~~ونحوها هو الجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولا كلم ~~موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه ~~PageV01P448 فهذا أول الجهمية نفاة الصفات في هذه الأمة هو مكذب حقيقة ما ~~خص الله به إمام الحنفاء المخلصين الذين يعبدون الله لا يشركون به شيئا ~~وكليم الله الذي اصطفاه برسالاته وبكلامه والله تعالى يفضل هذين الرسولين ~~ويخصهما في مثل قوله تعالى @QB@ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ~~@QE@ وقوله @QB@ أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى @QE@ وهما ~~اللذان رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فوق الأنبياء كلهم ~~في السماء السادسة والسابعة فرأى أحدهما في السادسة ورأى الآخر في السابعة ~~وقد جاءت الأحاديث التي في الصحيح بعلو هذا وعلو هذا # فإذا كان سلف الجهمية ومخاطبي الكواكب هم من أعظم المشركين المعادين لرسل ~~الله تعالى الآمرين بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له كيف يصلح لهم أن ~~يعيبوا أهل الأيمان بالله ورسوله الذين يقرون بتوحيد الله وعبادته وحده لا ~~شريك له يقرون بتوحيد الله العلمي القولي كالتوحيد الذي ذكره في سورة @QB@ ~~قل هو الله أحد @QE@ @QB@ الله الصمد @QE@ @QB@ لم يلد ولم يولد @QE@ @QB@ ~~قل يا أيها الكافرون @QE@ @QB@ لا أعبد ما تعبدون @QE@ @QB@ ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد @QE@ @QB@ ولا أنا عابد ما عبدتم @QE@ @QB@ ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد @QE@ @QB@ لكم دينكم ولي دين @QE@ كيف يصلح ms366 لأولئك الذين أشركوا ~~وأتموا بالمشركين في نقيض التوحيد من هذين الوجهين فأمروا بعبادة غير الله ~~ودعائه ورغبوا في ذلك وعظموا قدره وجهلوا من ينكر ذلك وينهى عنه وأنكروا من ~~أسماء الله تعالى وصفاته وحقيقة عبادته ما لا يتم الأيمان والتوحيد إلا به ~~كيف يصلح لهؤلاء أن يعيبوا أولئك باتباع المشركين ويجعلوا موافقيهم على هذا ~~الكفر أعظم قدرا من أولئك المؤمنين الدين ليس لهم نصيب من قوله @QB@ ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت @QE@ إلى قوله ~~@QB@ نصيرا @QE@ فإن سبب نزول هذه الآية ما فعله كعب بن الأشرف رئيس اليهود ~~من تقديمه لدين المشركين على دين PageV01P449 المؤمنين لما كان بينه وبين ~~المؤمنين من العداوة فمن آمن بالجبت وهو السحر والطاغوت وهو ما عظم بالباطل ~~من دون الله تعالى مثل رؤساء المشركين وله من علوم المسلمين ما له ففيه شبه ~~من @QB@ الذين أوتوا نصيبا من الكتاب @QE@ الذين @QB@ يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت @QE@ وإذا كان هؤلاء يتعصبون لأولئك المشركين وينصرونهم ويذمون ~~المؤمنين ويعيبونهم ألم يكن لهم نصيب من قوله تعالى @QB@ ويقولون للذين ~~كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا @QE@ فيكون لهم نصيب من قوله تعالى ~~@QB@ أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا @QE@ وتمام ~~الكلام في قوله تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا @QE@ وهذه الآية مطابقة ~~لحال هؤلاء كما بيناه في غير موضع # الوجه الثاني أن الاستدلال في توحيد الله تعالى الذي بعث به رسله وأنزل ~~به كتبه بمثل كلام أبي معشر المنجم ونقله عن الأمم المتقدمة يليق بمثل ~~الرازي وذويه أترى أبا معشر لو كان من علماء أهل الكتاب المسلمين كمن أسلم ~~من الصحابة والتابعين ونقل لنا شيئا عن الأنبياء المتقدمين أكان يجوز لنا ~~في الشريعة تصديق ذلك ms367 الخبر إذ لم نعلم صدقه من جهة أخرى إذا كان الناقل ~~لنا إنما أخبره عن أهل الكتاب وفي الصحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P450 أنه قال إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن ~~يحدثوكم بحق فتكذبوه وأما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه فكيف وأبو معشر الناقل ~~لذلك وإنما خبرة الرجل بكلام الصائبة المشركين عباد الكواكب ونحوهم وهم من ~~أقل الناس خبرة ومعرفة بالتوحيد الذي بعث الله به رسله وبحال أهله المؤمنين ~~مع الكفار المشركين # الوجه الثالث إن هذه الحكاية تقتضي أن الناس كانوا قبل ابتداع الشرك على ~~المذهب الذي سماه مذهب المشبهة وأنهم كانوا حينئذ يعتقدون أن إله العالم ~~نور عظيم فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا وثنا كما ذكره فيكون هذا الإعتقاد وهو ~~مذهب القوم في الدهر الأقدم قبل عبادة الأوثان ثم إنه بسبب هذا الإعتقاد ~~استحسنوا عبادة الأوثان ومعلوم أن الناس كانوا قبل الشرك على دين الله ~~وفطرته التي فطر الناس عليها وهي دين الإسلام العام الذي لا يقبل الله من ~~أحد غيره كما قال تعالى @QB@ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا ~~كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم @QE@ وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه @QE@ وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال كان بين ~~آدم ونوح عشرة قرون كلها على الإسلام وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه ذكر في حديث الشفاعة عن نوح قول أهل الموقف له وأنت أول نبي ~~بعثه الله إلى أهل الأرض وقد قال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ فإذا كان الله قد بعث في كل أمة رسولا ~~يدعوها إلى عبادة الله وحده لا شريك له واجتناب الطاغوت ونوح أول من بعثه ~~الله تعالى إلى أهل الأرض علم أنه لم يكن قبل قوم نوح PageV01P451 مشركون ~~كما قال ابن عباس وإذا كان كذلك وأولئك على ms368 الإسلام ومذهبهم هو المذهب الذي ~~سماه مذهب المشبهة ثبت بموجب هذه الحكاية أن هذا هو مذهب الأنبياء ~~والمرسلين والمسلمين من كل أمة # الوجه الرابع إن في هذه الحكاية إنهم اشتغلوا بعبادة هذه الأوثان على ~~اعتقاد انهم يعبدون الإله والملائكة وقد ذكر الله تعالى قول المشركين في ~~كتابه الذين جعلوا معه إلها آخر فلم يذكر أنهم كانوا يعتقدون أنهم يعبدون ~~الله إذا عبدوا الأوثان ولكن ذكر أنهم اتخذوا هذه الأوثان شفعاء وذكر أنهم ~~قالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ولكن في هؤلاء الجهمية الاتحادية ~~من يقول إن عباد الأوثان ما عبدوا إلا الله تعالى وأن عابد الوثن هو العابد ~~لله كما ذكرنا ذلك فيما تقدم عن صاحب الفصوص وذويه وهو من رؤساء هؤلاء ~~الجهمية وأئمتهم # الوجه الخامس أن عبادة الأوثان إنما هي مشهورة ومعروفة عن نفاة الصفات من ~~الفلاسفة الصابئين سلف أبي معشر والرازي وذويهم مثل النمرود بن كنعان وقومه ~~أعداء الخليل عليه الصلاة والسلام وأتباعه وأولياء رهط أبي معشر ومثل فرعون ~~عدو موسى كليم الرحمن عز وجل وأتباعه وأولياء الجهمية نفاة الصفات ومن يدخل ~~فيهم من الاتحادية والقرامطة وكما صرح بعضهم بموالاته فرعون وتعظيمه كما ~~فعل صاحب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم PageV01P452 الذي صنفه للقرمطة ~~وكما فعله صاحب الفصوص وذويه ومن لم يصرح بموالاة فرعون ولم يعتقد موالاته ~~فإنه موافق له فيما كذب فيه موسى حيث قال يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الأسباب أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا قال خلائق من ~~العلماء وممن قال ذلك أبو الحسن الأشعري إمام طائفة الرازي قال فرعون كذب ~~موسى في قوله إن الله فوق السموات وهؤلاء النفاة يوافقون فرعون في هذا ~~التكذيب لموسى # الوجه السابع إن القول الذي يسمونه مذهب المشبهة بل التشبيه الصريح لا ~~يوجد إلا في أهل الكتب الالهية كاليهود والمسلمين كما ذكر الرازي ذلك عن ~~مشبهة اليهود ومشبهة المسلمين ومن ليس له كتاب فلا يعرف عنه شئ من التشبيه ~~الذي يعير أهله بأنه تشبيه أو ms369 الذي يقول منازعوهم إنه تشبيه ومن المعلوم أن ~~أصل الشرك لم يكن من أهل الكتب وإنما كان من غيرهم فإن الله لم يبعث رسولا ~~ولم ينزل كتابا إلا بالتوحيد كما قال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب @QE@ وقال تعالى @QB@ أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ وقال PageV01P453 @QB@ ~~يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه ~~أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون @QE@ # ولم يحدث في أهل الكتب وأتباع الرسل من العرب وبني إسرائيل وغيرهم شرك ~~إلا مأخوذ من غير أهل الكتاب كما ابتدع عمرو بن لحي بن قميثة سيد خزاعة ~~الشرك في العرب الذين كانوا على ملة إبراهيم إمام الحنفاء ابتدعه لهم ~~بأوثان نقلها من الشام من البلقاء التي كانت إذ ذاك دار الصابئة المشركين ~~سلف أبي معشر وذويه وكذلك بنو إسرائيل عبد منهم الأوثان كما ذكر الله ذلك ~~في كتابه تعالى وتقدس وإنما حدث فيهم هذا من جيرانهم الصابئة المشركين سلف ~~أبي معشر وذويه فإذا كان أصل المذهب الذي سموه مذهب التشبيه لا يعرف إلا عن ~~من هو من أهل كتاب منزل من السماء وأهل الكتب لم يكونوا هم نواهم الذين ~~ابتدعوا الشرك أولا علم أن الشرك لم يبتدعه أولا القوم الذين سماهم أهل ~~التشبيه # الوجه الثامن أنه إذا كان الإشراك متضمنا لما سماه تشبيها فمن المعلوم أن ~~المرسلين كلهم ليس فيهم ms370 من تكلم بنقيض هذا المذهب ولا نهى الناس عن هذا ~~الذي سماه تشبيها فليس في القرآن عن محمد صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~المرسلين المتقدمين ولا في التوراة والأنجيل وغيرهما من الكتب ولا في ~~الأحاديث المأثورة عن أحد من المرسلين أنهم نهوا المشركين أو غيرهم أن ~~يقولوا إن الله تعالى فوق السموات أو فوق العرش أو فوق العالم أو أن يصفوه ~~بالصفات الخبرية التي يسميها هؤلاء تشبيها بل ولا عنهم حرف واحد بأن الله ~~ليس PageV01P454 بداخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه ولا ليس بجسم ولا ~~جوهر ولا متحيز ولا نحو ذلك فإن كان الشرك متضمنا لما سموه تشبيها والرسل ~~لم تنه عما سموه تشبها ولا ذموه ولا أنكروه ولا تكلموا بما هو عند هؤلاء ~~توحيد وتنزيه ينافي هذا التشبيه عندهم أصلا ثبت أن المرسلين صلوات الله ~~عليهم وسلامه كلهم كانوا مقررين لهذا الذي سموه تشبيها وذلك يقتضي أنه حق ~~فهذا النقل الذي نقله أبو معشر واحتج به الرازي إن كان حقا فهو من أعظم ~~الحجج على صحة مذهب خصومهم الذين سموهم مشبهة وإن لم يكن حقا فهو كذب فهم ~~إما كاذبون مفترون وأما مخصومون مغلوبون كاذبون مفترون في نفس المذهب الذي ~~انتصروا عليه # الوجه التاسع أن الشرك كان فاشيا في العرب ولم يعلم أحد منهم كان يعتقد ~~أن الوثن على صورة الله وقبلهم كان في أمم كثيرة وله أسباب معروفة مثل جعل ~~الأوثان صورا لمن يعظمونه من الأنبياء والصالحين وطلاسم لما يعبدونه من ~~الملائكة والنجوم ونحو ذلك ولم يعرف عن أحد من هؤلاء المشركين أنه اعتقد أن ~~هذا الوثن صورة الله والشرك في أيام الاسلام ما زال بأرض الهند والترك ~~فاشيا والهند فلاسفة وهم من أعظم سلف أبي معشر ومع هذا فليس في الهند ~~والترك من يقول هذا فعلم أن هذا أول مفترى # الوجه العاشر لو كان هذا من أسباب الشرك فمن المعلوم أن غيره من أسباب ~~الشرك أعظم وأكثر وأن الشرك في غير هؤلاء الذي سماهم مشبهة ms371 أكثر فإن كان ~~الشرك في بعض مثبتة هذه الصفات عيبا فالشرك في غيرهم أكثر وأكثر كان الطعن ~~والعيب على نفاة الصفات بما يوجد فيهم من الشرك أعظم وأكبر PageV01P455 # الوجه الحادي عشر قوله فثبت أن دين عبادة الأصنام كالفرع على مذهب الشبهة ~~كلام مجمل فإن من الفرع ما يكون لازما لأصله فإذا كان الأصل مستلزما لوجود ~~الفرع الفاسد كان فساد الفرع وعدمه دليلا على فساد الأصل وعدمه ومن الفروع ~~ما يكون مستلزما للأصل لا يكون لازما له وهو الغالب فلا يلزم من فساده ~~وعدمه فساد الأصل وعدمه ولكن يلزم من فساده وعدمه فساد هذا الفرع وعدمه # فالأول كما قال تعالى @QB@ ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ~~ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال ~~للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما ~~لها من قرار @QE@ فالكلمتان كلمة الأيمان واعتقاد التوحيد وكلمة الكفر ~~واعتقاد الشرك فلا ريب أن الاعتقادات توجب الأعمال بحسبها فإذا كان ~~الإعتقاد فاسدا أورث عملا فاسدا ففساد العمل وهو الفرع يدل على فساد أصله ~~وهو الإعتقاد كذلك الأعمال المحرمة التي تورث مفاسد كشرب الخمر الذي يصد عن ~~ذكر الله تعالى وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء فهذه المفاسد الناشئة من ~~هذا العمل هي فرع لازم للأصل ففسادها يدل على فساد الأصل وهكذا كل أصل فهو ~~علة لفرعه وموجب له # وأما القسم الثاني فالأصل الذي شرطا لا يكون علة كالحياة المصححة للحركات ~~والإدراكات وأصول الفقه التي هي العلم بأجناس أدلة الفقه وصفة الاستدلال ~~ونحو ذلك فهذه الأصول لا تستلزم وجود الفروع وإذا كان الفرع فاسدا لم يوجب ~~ذلك فساد أصله إذ قد يكون فساده من جهة أخرى غير جهة الأصل وذلك نظير تولد ~~الحيوان بعضه من بعض فالوالدان PageV01P456 أصل للولد والله تعالى وتقدس ~~يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فالكافر يلد المؤمن والمؤمن يلد ~~الكافر # وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن اعتقاد ثبوت الصفات بل اعتقاد التشبيه ms372 ~~المحض ليس موجبا لعبادة الأصنام ولا داعيا إليه وباعثا عليه أكثر ما في ~~الباب أن يقال اعتقاد أن الله تعالى وتقدس مثل البشر يمكن معه أن يجعل ~~الصنم على صورة الله بخلاف من لم يعتقد هذا الإعتقاد فإنه لا يجعل الصنم ~~على صورة الله تعالى فيكون ذلك الإعتقاد شرطا في اتخاذ الصنم على هذا الوجه ~~وهذا القدر إذا صح لم يوجب فساد ذلك الإعتقاد بالضرورة فإن كل باطل في ~~العالم من الاعتقادات والإرادات وتوابعها هي مشروطة بأمور صحيحة واعتقادات ~~صحيحة ولم يدل فساد هذه الفروع المشروطة على فساد تلك الأصول التي هي شرط ~~لها فإن الإنسان لا يصدر منه عمل إلا بشرط كونه حيا قادرا شاعرا ولم يدل ~~فساد ما يفعله من الاعتقادات والارادات على فساد هذه الصفات # والذين أشركوا بالله تعالى وتقدس وعبدوا معه إلها آخر كانوا يقولون إنما ~~نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ويقولون هم شفعاؤنا عند الله ويعتقدون أن ~~الله يملكهم كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ~~تملكه وما ملك وقد قال تعالى @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم ~~أنفسكم @QE@ وقد أخبر عنهم سبحانه وتعالى بقوله تعالى @QB@ ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ وقال @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن ~~كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون @QE@ PageV01P457 ~~وقال تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ قال عكرمة ~~يؤمنون أنه رب كل شئ وهم يشركون به # فإذا كانوا إنما أشركوا به لاعتقادهم أنه رب كل شئ وملكيه وأن هذه ~~الشفعاء والشركاء ملكه وآمنوا بأنه رب كل شئ ثم اعتقدوا مع ذلك أن عبادة ~~هذه الأوثان تنفعهم عنده فهل يكون ما ابتدعوه ms373 من الشرك الذي هو فرع مشروط ~~بذلك الأصل قادحا في صحة ذلك الأيمان والإقرار الحق الذي قالوه # الوجه الثاني عشر إن الذين أشركوا بالله تعالى حقيقه من عباد الشمس ~~والقمر والكواكب والملائكة والأنبياء والصالحين والذين اتخذوا أوثانا لهذه ~~المعبودات إنما فعلوا ذلك لاعتقادهم وجود االشمس والقمر والكواكب والملائكة ~~والأنبياء واعتقادهم ما تفعله من الخير تشبيها فهل يكون إشراكهم بها قادحا ~~في وجودها وفي اعتقاد ما هي متصفة أم لا فإن كان كذلك فيلزم أبا معشر ~~والرازي أن يقدحوا في العلوم الطبيعية والرياضية ويقدحوا في الملائكة ~~والنبيين وإن لم يكن كذلك كان ما ذكره من الحجة باطلا # الوجه الثالث عشر قوله فثبت أن دين عبادة الأصنام كالفرع على مذهب ~~المشبهة # يقال له الثبوت إنما يكون بذكر حجة عقلية أو سمعية وهب ما ذكره أبو معشر ~~إنما هو خبر عن أمم متقدمين لم يذكرهم ولم يذكر إسناده في معرفة ذلك وليس ~~أبو معشر من يحتج بنقله في الدين بإجماع أئمة الدين فإنه PageV01P458 إن لم ~~يكن كافرا منافقا كان فاجرا فاسقا وقد قال الله تعالى وتقدس @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ فلو قدر أن هذا النقل نقله ~~بعض أئمة التابعين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن هذا خبرا مرسلا لا ~~يثبت به حكم في فرع من الفروع فكيف والناقل له مثل أبي معشر عن أمم متقدمة ~~فهذا خبر في غاية الانقطاع ممن لا تقبل روايته فهل يحسن بذي عقل أو دين أن ~~يثبت بهذا شيئا في أصول الدين # ومن العجب أن هذا الرجل المحاد لله ولرسوله عمد إلى الأخبار المتفيضة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التي توارثها عنه أئمة الدين وورثة الأنبياء ~~والمرسلين واتفق على صحتها جميع العارفين فقدح فيها قدحا يشبه الزنادقة ~~المنافقين ثم يحتج في أصول الدين بنقل أبي معشر أحد المؤمنين يالجبت ~~والطاغوت أئمة الشرك والضلال نعوذ بالله من ششرورهم وأقوالهم والله ~~المستعان على ما يصفون والله سبحانه وتعالى أعلم $ فصل # قال ms374 الرازي الفصل الثاني في تقرير الدلائل السمعية على أنه تعالى منزه عن ~~الجسمية والحيز والجهة # قلت لم يذكر في هذا الفصل حجة تدل على مطلوبه دلالة ظاهرة فضلا عن أن ~~تكون نصا بل إما أن يكون ما ذكره عديم الدلالة على مطلوبه أو يكون على نقيض ~~مطلوبه أدل منه على مطلوبه وذلك يتبين بذكر حججه PageV01P459 # قال الحجة الأولى قوله تعالى @QB@ قل هو الله أحد @QE@ @QB@ الله الصمد ~~@QE@ @QB@ لم يلد ولم يولد @QE@ @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ قال وأعلم ~~قد اشتهر في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ماهية ربه وعن ~~نعته وصفته فانتظر الجواب من الله تعالى فأنزل الله هذه السورة إذا عرفت ~~هذا فنقول هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى ~~جعلها جوابا عن سؤال السائل وأنزلها عند الحاجة وذلك يقتضي كونها من ~~المحكمات لا من المتشابهات وإذا ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه ~~السورة كان باطلا # قلت كون هذه السورة من المحكمات وكون كل مذهب يخالفها باطلا هو حق لا ريب ~~فيه بل هذه السورة تعدل ثلث القرآن كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة وهي ~~صفة الرحمن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وعليها اعتمد الأئمة في تنزيه ~~الله كما ذكره الفضيل بن عياض والإمام أحمد وغيرهم من أئمة الإسلام وهي على ~~نقيض مطلوب الجهمية أدل منها على مطلوبهم كما قررناه في موضعه وإنما نذكر ~~منه هاهنا ما ييسره الله # لكن سائر الآيات المذكورة فيها أسماء الله وصفاته مثل أية الكرسي وأول ~~الحديد وآخر الحشر ونحو ذلك هي كذلك كل ذلك من الآيات المحكمات لكن هذه ~~السورة ذكر فيها ما لم يذكر في غيرها من اسمه الأحد الصمد PageV01P460 ومثل ~~نفي الأصول والفروع والنظراء جميعا وإلا فأسمه الرحمن أنزله الله لما أنكر ~~المشركون هذا الإسم فأثبته الله لنفسه ردا عليهم وهذا أبلغ في كونه محكما ~~من هذه السورة إذ الرد على المنكر أبلغ في إثبات نقيض قوله من جواب ms375 السائل ~~الذي لم يرد عليه بنفي ولا إثبات وقد قال @QB@ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ~~قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا @QE@ وقال تعالى @QB@ كذلك ~~أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم ~~يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب @QE@ وكذلك ~~قول فرعون يا هامان إبن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى ~~إله موسى وإني لأظنه كاذبا هذا أبلغ في كون موسى صرح له بأن إلهه فوق ~~السموات حتى قصد تكذيبه بالفعل من الأخبار عن ذلك بلفظ موسى # وكذلك مسألة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة ~~فقال هل تضارون في رؤية الشمس صحوا ليس دونها سحاب وهل تضارون في رؤية ~~القمر صحوا ليس دونه سحاب فقالوا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤيته كما لا ~~تضارون في رؤية الشمس والقمر وسائر ما في هذا المعنى من الأحاديث الصحيحة ~~المتواترة مع ورودها على سؤال السائل وجوابه بهذا التصريح هو من أبلغ ما ~~يكون في إثبات هذه الرؤية وأبعد عن التشابه كما يظنه الرازي وغيره ممن يحرف ~~الرؤية عن حقيقتها إتباعا للمريسي وغيره من الجهمية وإن كان الرازي في ~~الظاهر مقرا بالرؤية فإن إقراره بها كإقرار المريسي وذويه بألفاظها ثم ~~يحرفون الكلم عن مواضعه # ثم قال الرازي فنقول إن قوله تعالى أحد يدل على نفي الجسمية ونفي الحيز ~~والجهة أما دلالته على أنه تعالى ليس بجسم فذلك لأن الجسم أقله PageV01P461 ~~أن يكون مركبا من جوهرين وذلك ينافي الوحدة وقوله أحد مبالغة في الوحدانية ~~فكان قوله أحد منافيا للجسمية # قال وأما دلالته على أنه ليس بجوهر فنقول أما الذين ينكرون الجوهر الفرد ~~فإنهم يقولون إن كل متحيز فلا بد وأن يتميز أحد جانبيه عن الثاني وذلك لأنه ~~لا بد أن يتميز يمينه عن يساره وقدامه عن خلفه وفوقه عن تحته وكلما تميز ~~فيه شئ فهو منقسم لأن يمينه موصوف بأنه يمين لا ms376 يسار ويساره موصوف بأنه ~~يسار لا يمين فلو كان يمينه عين يساره لأجتمع في الشئ الواحد أنه يمين وليس ~~بيمين ويسار وليس بيسار فيلزم اجتماع النفي والإثبات في الشئ الواحد وهو ~~محال قالوا فثبت أن كل متحيز فهو منقسم وثبت أن كل منقسم فهو ليس بأحد فلما ~~كان الله موصوفا بأنه أحد وجب أن لا يكون متحيزا أصلا وذلك ينفي كونه جوهرا ~~وأما الذين يثبتون الجوهر الفرد فأنه لا يمكنهم الاستدلال على نفي كونه ~~تعالى جوهرا من هذا الاعتبار ويمكنهم أن يحتجوا بهذه الآية على نفي كونه ~~جوهرا من وجه آخر وبيانه هو أن الأحد كما يراد به نفي التركيب والتأليف في ~~الذات فقد يراد به أيضا نفي الضد والند ولو كان تعالى جوهرا فردا لكان كل ~~جوهر فرد مثلا له وذلك ينفي كونه أحدا ثم أكدوا هذا الوجه بقوله تعالى @QB@ ~~ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ولو كان جوهرا لكان كل جوهر فرد كفوا له فدلت هذه ~~السورة من الوجه الذي قررناه على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وإذا ثبت ~~أنه تعالى ليس بجسيم ولا جوهر وجب أن لا يكون في شئ من الأحياز والجهات لأن ~~كل ما كان مختصا بحيز وجهة فإن كان منقسما كان جسما وقد بينا إبطال ذلك وإن ~~لم يكن كان جوهرا ولما بطل القسمان ثبت أنه يمتنع أن يكون في جهة أصلا ~~PageV01P462 فثبت أن قوله أحد يدل دلالة قطعية على أنه تعالى ليس بجسم ولا ~~جوهر ولا في حيز وجهة أصلا # قلت هذا الاستدلال هو معروف قديما من استدلال الجهمية النافية فأنهم ~~يزعمون أن إثبات الصفات ينافي التوحيد ويزعمون أنهم هم الموحدون فإن من ~~أثبت الصفات فهو مشبه ليس بموحد وأنه يثبت تعدد القدماء لا يجعل القديم ~~واحدا فقط فالجهمية من المتلفسفة والمعتزلة وغيرهم يبنون على هذا وقد يسمون ~~أنفسهم الموحدين ويجعلون نفي الصفات داخلا في مسمى التوحيد ومبني ذلك على ~~أصل واحد وهو أنهم سموا أقوالهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان ms377 إن هي ~~إلا أسماء سموها هم وآباؤهم وجعلوا مسمى الأسماء الواردة في الكتاب والسنة ~~أشياء أخر ابتدعوها هم فألحدوا في أسماء الله وآياته وحرفوا الكلم عن ~~مواضعه # وقد ذكر تلبيسهم وتمويههم وإلحادهم أئمة السلف والخلف وممن نبه عليه ~~الإمام أحمد قال في رسالته في الرد على الزنادقة والجهمية فقالت الجهمية ~~لنا لما وصفنا هذه الصفات إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله ~~وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل ~~وقدرته قلنا لا نقول أن الله لم يزل وقدرته ولا نقول ولم يزل ونوره ولكن ~~نقول لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر فقالوا لا تكونون موحدين ~~أبدا حتى تقولوا قد كان الله ولا شئ فقلنا نحن نقول قد كان الله ولا شئ ~~ولكن PageV01P463 إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها ~~واحدا بجميع صفاته وضربنا لهم مثلا في ذلك فقلنا أخبرونا عن هذه النخلة ~~أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار وأسمها أسم شئ واحد وسميت نخلة ~~بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد لا نقول ~~إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق قدرته والذي ليس له قدرة هو ~~عاجز ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم والذي لا يعلم هو جاهل ~~ولكن نقول لم يزل الله عالما قادرا مالكا لا متى ولا كيف قال وسمى الله ~~رجلا كافرا أسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا ~~@QE@ وقد كان الذي سماه وحيدا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان ~~وجوارح كثيرة وقد سماه وحيدا بجميع صفاته وكذلك الله وله المثل الأعلى ~~بجميع صفاته إله واحد # فهذا القول الذي ذكره الإمام أحمد عنهم أنهم قالوا لا تكونون موحدين أبدا ~~حتى تقولوا قد كان الله ولا شئ وهو كلام مجمل ولكن مقصودهم أنه لم يكن ~~موجودا بشئ يقال إنه من صفاته فإن ثبوت ms378 الصفات يستلزم عندهم التركيب ~~والتجزءة إما تركيب المقدار كالتركيب الذي يزعمونه في تأليف الجسم من ~~أجزائه وإما التركيب الذي يزعمونه في الحدود وهو التركيب من الصفات كما ~~يقولون النوع مركب من الجنس والفصل ويستلزم أيضا التشبيه والتوحيد عندهم ~~نفي التشبيه والتجسيم ويقولون إن الأول يعنون به عدم النظير والثاني يعنون ~~به أنه لا ينقسم # وهم يفسرون الواحد والتوحيد بما ليس هو معنى الواحد والتوحيد في كتاب ~~الله وسنة رسوله وليس هو التوحيد الذي أنزل الله به كتابه وأرسل به رسوله ~~وهذا أصل عظيم تجب معرفته PageV01P464 فقال نفاة الصفات من الجهمية ~~والمعتزلة والفلاسفة ونحوهم الواحد هو الذي لا صفة له ولا قدرة ويعبرون عن ~~هذا المعنى بعبارات فيقول من يريد هذا المعنى من الفلاسفة كابن سينا ~~وأمثاله إن واجب الوجود واحد من كل وجه ليس فيه أجزاء حد ولا أجزاء كم أو ~~يقال ليس فيه كثره حد ولا كثرة كم ويقال ليس فيه تركيب المحدود من الجنس ~~والفصل ولا تركيب الأجسام ومقصود هذه العبارات أنه ليس لله صفة ولا له قدرة # وكذلك تقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم إن القديم واحد ليس معه في القدم ~~غيره ولو قامت به الصفات لكان معه غيره وأنه ليس بجسم إذ الجسم مركب مؤلف ~~منقسم وهذا تعدد ينافي التوحيد أو يقولون أيضا إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة ~~وعددا في ذاته خلاف التوحيد ويسمون أنفسهم الموحدين والعلم الذي يعلم به ~~هذا علم التوحيد وهذا عندهم أول الأصول الخمسة التي هي عندهم التوحيد ~~والعدل والمنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر # ومن هنا أخذ محمد ابن التومرت هذا اللقب وسمى طائفته الموحدين ووضع لهم ~~المرشدة المتضمنة لمثل عقيدة المعتزلة وغيرهم من PageV01P465 الجهمية في ~~التوحيد لم يذكر اعتقاد الصفاتية كابن كلاب والأشعري فضلا عن اعتقاد السلف ~~والأئمة لكن ذكر في القدر مذهب أهل الإثبات وهذا الذي ذكر يشبه قول حسين ~~النجار وضرار بن عمرو وكان حفص الفرد من أصحاب النجار وكان برغوث من أصحاب ~~ضرار وذاك ms379 خصم الشافعي وهذا من خصوم أحمد # وذهب حسين النجار وطائفة من المعتزلة إلى أن معنى الواحد هو الذي لا شبيه ~~له كما يقول فلان واحد دهره وقد يقولون التوحيد يجمع المعنيين جميعا فالأول ~~نفي التجسيم وهذا نفي التشبيه فإن نفي الصفات عندهم هو نفي التجسيم وهذا ~~نفي التشبيه والتوحيد ينافي التشبيه والتجسيم وجماع قولهم أن التوحيد ثلاث ~~معان أنه واحد في نفسه لا صفة له ولا قدر فليس بمركب ولا محدود ولا موصوف ~~بصفة تقوم به وهو أيضا واحد لا شبيه له فهذان نفي التجسيم والتشبيه والثالث ~~أنه واحد في أفعاله لا شريك له فهذا الثالث هو متفق عليه بين المسلمين لكن ~~الناس يقولون هذا التوحيد لا يتم للقدرية الذين يجعلون بعض العالم مفعولا ~~لغير الله ويجعلون من يفعل كفعل الله فإن هذا إثبات شريك له في الملك # ثم أن المعتزلة وغيرهم من الجهمية وإن وافقهم بقية المسلمين على نفي ~~التشبيه فإنهم يدخلون في اسم التشبيه كل من أثبت لله صفة كما هو معروف عنهم ~~ولذلك نقله عنهم الأئمة كما ذكر الإمام أحمد في الرد عليهم فقال في وصف ~~الجهم وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وزعم أن من وصف من الله شيئا وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان كافرا وكان من المشبهة وأضل بشرا كثيرا وتبعه ~~على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة PageV01P466 وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ~~ووضع دين الجهمية وأكثر الشيعة المتأخرين على هذا التوحيد ونفي القدر وأما ~~الشيعة المتقدمون الذين أدركوا زمن الأئمة فكان جهورهم على الإثبات وغالب ~~الإمامية مصرحون بالتجسيم # قلت أصحاب عمرو بن عبيد هم المعتزلة فإن عمرا هو الإمام الأول الذي ابتدع ~~دين المعتزلة هووواصل بن عطاء وأما الذين اتبعوه من أصحاب أبي حنيفة فهم من ~~جنس الذين قاموا بأمر محنة المسلمين على دين الجهمية لما دعوا الناس إلى ~~القول بخلق القرآن وغيره من أقوال الجهمية وهم ms380 مثل بشر المريسي وأحمد بن ~~أبي داود قاضي القضاة وأمثالهم # ولما دخلت الجهمية هذا النفي الذي ابتدعوه في مسمى التوحيد أظهر المسلمون ~~خلافهم من الأئمة والفقهاء وأهل الحديث والكلام كما # وروى أبو عبد الرحمن السلمي ومن طريقه شيخ الإسلام الأنصاري عن عبد ~~الرحمن بن مهدي قال دخلت على مالك وعنده رجل يسأله عن القرآن فقال لعلك من ~~أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرا فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام ولو كان ~~الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع ~~ولكنه باطل يدل على باطل وكان المثبتة من أهل الكلام يخالفونهم في مسمى ~~الواحد وكذلك الصفاتية وقد تقدم كلام أبي محمد ابن كلاب في معنى الواحد ~~وأنه قال في كتاب التوحيد في معنى قول القائل إن الله واحد وفي معنى قولنا ~~مطلقا للشئ PageV01P467 إنه واحد فقال معنى قولنا الله واحد أنه منفرد ~~بنفسه لا يدخله غيره وقال في معنى مطلق قولنا إنه واحد إنه قد يقال ذلك لما ~~هو أشياء كثيرة مجتمعة وهو أجسام متماثلة كما يقال إنسان واحد وقولنا ~~للخالق واحد لا على هذا المنهاج لأجل أنه المنفرد بنفسه الذي لا يدخله غيره ~~قال وقد كان الله واحدا قبل خلقه فلم تداخله الأشياء حين خلقها ولم يداخلها ~~ولو كان ذلك كذلك لم يكن واحدا قال ولو كان داخلا فيها لكان حكمه حكمها ولو ~~كانت داخلة فيه كان كذلك ومن زعم أنها فيه أو هو فيها لزمه أن يحكم فيه ~~بحكم المخلوق إذ كان في المخلوقات أو المخلوقات فيه فلما استحال في ربنا أن ~~يداخل المخلوقين فيكون بعضا لهم أو يداخلوه فيكونوا بعضا له لم نجد منزلة ~~ثالثة غير أنه بائن بخلق الأشياء فهي غير داخلة فيه ولا مماسة له ولا هو ~~داخل فيها ولا ماس لها ولولا أن ذلك كذلك كان حكمه حكمها فإن قالوا فيعتقبه ~~الطول والعرض قيل لهم هذا محال لأنه واحد لا كالآحاد عظيم لا تقاس عظمته ~~بالمخلوقات كما أنه كبير عليم لا ms381 كالعلماء كذلك هو واحد عظيم لا كالآحاد ~~العظماء فإن قلت العظيم لا يكون إلا متحيزا قيل لك والعليم لا يكون إلا ~~متحيزا وكذلك السميع والبصير لأنك تقيس على المخلوقات قال ابن فورك وحكى ~~حاكون عن ابن كلاب أنه لا يصح أن يضبط بالوهم شئ واحد أراد أنه إن كان ~~قديما فلا بد من صفات وإن كان محدثا فمن أعراض # قلت هذا الكلام يقال إبطالا لمذهب الجهمية ونحوهم من الفلاسفة والمعتزلة ~~إن الواحد لا صفة له فيقال لهم فيمتنع على هذا القول أن يكون في الوجود ~~واحد كما سنبين إن شاء الله مخالفة وقولهم للغة والعقل والشرع # وكان كثير من متكلمة الصفاتية من أصحاب الأشعري ونحوهم فسروا الواحد ~~والتوحيد بنحو تفسير المعتزلة وغيرهم من الجهمية ولم يفسروه PageV01P468 ~~بما ذكره ابن كلاب ولا بغير ذلك كما سنذكره لكن مع تفسيرهم إياه بما ينفي ~~التجسيم والتشبيه لم يلتزموا أن ذلك ينفي الصفات بل عندهم تفسير الواحد ~~بذلك لا ينافي ثبوت الصفات القائمة به وهذا من مواضع النزاع بينهم وبين ~~المعتزلة والفلاسفة وغيرهم من الجهمية فإن هؤلاء يزعمون أن نفي الصفات داخل ~~في مسمى الواحد وأما الصفاتية فينكرون ذلك # قال الأستاذ أبو المعالي قال أصحابنا الواحد هو الشئ الذي لا ينقسم أو لا ~~يصح انقسامه قال القاضي أبو بكر ولو قلت الواحد هو الشئ كان كافيا ولم يكن ~~في الحد تركيب وفي قول القائل الشئ الذي لا ينقسم نوع تركيب قال الأستاذ ~~أبو المعالي يقال للقاضي التركيب في الحدود وهو أن يأتي الحاد بوصف زائد ~~يستغني عنه وقد لا تفهم من الشئ المطلق ما تفهم من القيد وليس يفهم من الشئ ~~ما يفهم من الواحد الذي لا ينقسم فإن الوحدة تشعر بانتفاء القسمة عن الشئ ~~المقصود من التحديد والإيضاح أجاب القاضي بأن قال كلامنا في الحقائق والشئ ~~المطلق هو الواحد الذي لا ينقسم قال منازعوه ويقال قد ذكرنا أن الوحدة تشعر ~~بانتفاء القسمة عن الشئ فهما أمران متلازمان فلا بد من التعرض لهما ثم ms382 قال ~~أبو المعالي ثم قال أصحابنا إذا سئلنا عن الواحد فنقول هذه اللفظة تردد بين ~~معان فقد يراد به الشئ لا يقبل وجود القسمة وقد يطلق والمراد به نفي ~~الأشكال والنظائر عنه وقد يطلق والمراد أنه لا ملجأ وملاذ سواه وهذه ~~المعاني متحققة في وصف القديم سبحانه وتعالى # وقال الأستاذ أبو بكر ابن فورك إنه سبحانه واحد في اته لا قسيم له وواحد ~~في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له وحكي عن أبي إسحاق ~~الأسفرائيني أنه قال الواحد هو الذي لا يقبل الرفع والوضع يعني الوصل ~~والفصل PageV01P469 قال الأنصاري أشار إلى وحدة الإله فإن الجوهر واحد لا ~~ينقسم ولكن يقبل النهاية والإله سبحانه واحد على الحقيقة فلا يقبل فصلا ولا ~~وصلا # قال فإن قال قائل الوحدانية ترجع إلى صفة إثبات أم هي من الأوصاف التي ~~تفيد النفي قلنا قال بعض المتكلمين المقصد من الواحد انتفاء ما عدى الموجود ~~الفرد وربما يميل القاضي أبو بكر إلى هذا وقال الجبائي كونه واحدا ثابت لا ~~للنفس ولا للمعنى وطرد ذلك شاهدا وغائبا والذي يدل عليه كلام القاضي أن ~~الأتحاد صفة إثبات ثم هي صفة النفس # قال أبو المعالي فإن قيل أوضحوا معنى التوحيد قيل مراد المتكلمين من ~~إطلاق هذه اللفظة الوحدانية والحكم بذلك وأبو المعالي كثيرا ما يقول قال ~~الموحدون ويعني بهم هؤلاء وسلك سبيله ابن التومرت في لفظة الموحدين لكن لم ~~يذكر في مرشدته الصفات الثبوتية كما يذهب إليه أبو المعالي ونحوه لكن اقتصر ~~على الصفات السلبية وعلى الأحكام وهذه طريقة المعتزلة والنجارية ونحوهم # وكذلك قد وافق هؤلاء في تفسير الواحد بهذه المعاني الثلاثة طائفة من ~~أصحاب الإمام أحمد وغيرهم قال القاضي أبو يعلى في المعتمد كما ذكر ابن ~~الباقلاني وأما الواحد والفرد والوتر فمعناه استحالة التجزئة والانقسام ~~والتبعيض عليه فقال ونفي الشريك عنه ونفى الثاني عنه فيما لم يزل ونفي ~~المثل عنه تعالى وعن صفاته الأزلية فجعل في هذا الموضع اسم الواحد يعم ~~PageV01P470 هذه المعاني الثلاثة وأما ms383 في كتاب إبطال التأويلات لأخبار ~~الصفات ففسر الواحد بما لا شريك له وجعل هذه المعاني ثلاثة أقوال فقال وأما ~~وصفه بأنه واحد فمعناه الذي لا شريك له القهار ويقهر كل جبار والأحد ~~والواحد بمعنى واحد وقيل معناه شيء وكل شيء واحد وكل واحد شيء فإذا قيل ~~للجملة إنها واحدة فإنه يقدر فيها حكم الواحد الذي لا ينقسم وقيل المراد به ~~نفي النظير كقوله فلان واحد زمانه # لكن كثير ممن يفسر الواحد بعدم التجزي يريد بذلك ما يعرفه الناس من معنى ~~التجزي وهو انفصال جزء عن الآخر كما يعنون بلفظ المنقسم انفصال قسم من قسم ~~وليس هذا فقط هو المعنى الذي يريده نفاة الجسم بقولهم ليس بمنقسم ولا متجزئ ~~فإن هذا المعنى لا يشترطون فيه وجود الأنفصال ولا إمكان وجوده وهذا ~~الاصطلاح قول أبي الوفاء ابن عقيل في كتاب الكفاية باب في نفي الولد ~~والتجزية وهو سبحانه واحد لا يتجزأ لقوله تعالى لم يلد لأنه لو كان والدا ~~لكان متجزئا لأن الولد هو انفصال جزء من الوالد قال سبحانه @QB@ وجعلوا له ~~من عباده جزءا @QE@ يعني ولدا قال لأن التجزي لا يجوز إلا على المركبات وقد ~~أفسدنا التركيب حيث أفسدنا كونه جسما قال ونخص هذا بدلالة أخرى فنقول إن ~~الايلاد تحلل والتحلل لا يجوز إلا على ذات مستحيلاة تتعاقب عليها الأزمان ~~وتتغالب فيها الطباع تأخذ من الأغذية حظا وتعيد منها فضلا والقديم سبحانه ~~ذات لا يداخله شئ ولا يداخل شيئا ولا يتصل بشيء ولا ينفصل عنه شيء لأنه ~~واحد والتجزي والانقسام لا يتصور إلا على آحاد التأمت بالاجتماع فتوحدت ~~وتفككت بالانقسام فتعددت ألا ترى أن العلل والأحكام والعقول والعلوم لما لم ~~توصف بالتركيب لم تتسلط عليها التجزءة PageV01P471 # وكذلك قال أبو الوفاء ابن عقيل في باب نفي التشبيه وهو سبحانه غير مشبه ~~بالأشياء فليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا على صفة من صفات الموجودات قال ~~سبحانه @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ معناه ليس مثله شئ والكاف زائدة والدلالة ~~على أنه ليس بجسيم ولا مشبه ms384 للأشياء أنه لو كان جسما لكان مؤلفا لأن حقيقة ~~الجسم هو المؤلف ولهذا أدخلت عليه العرب التزايد فيقال هذا أجسم ويراد به ~~أكثر أجساما وأكبر جثة ولو كان مؤلفا لأحتاج إلى مؤلف كما احتاجت سائر ~~الأجسام ويجاز عليه ما يجوز عليها من التجزي والانقسام والتفكك والالتآم ~~ولو جوزنا قدم غائب مع كونه جسما لاقتبسنا العلم بحدث هذا الجسم الحاضر حدث ~~الغائب ولأن المشبه للشئ ما سد مسده وقام مقامه فلو أشبه هذه الأشياء ~~الموجودة أو أشياء منها لسد مسده وقام مقامه في القدم والأحداث والصفة ~~والاختراع إلى غير ذلك من صفات القديم سبحانه ولأنه لو كان يشبهها من وجه ~~من الوجوه لأحتاج إلى ما احتاجت إليه من الأمكنة لوجود قدم الكائنات وفي ~~وفي ذلك إما قدم العالم أو حدث القديم وكلاهما محال فما أدى إليه محال # قلت وطائفة أخرى تجعل قول النصارى في الأقانيم بمعنى الأجزاء والأبعاض ~~لكن ليس في نقلهم أنهم يوجبون كون الولادة انفصال جزء عن غيره كما يذكر ~~الأولون قال أبو عبد الله بن الهيصم الفصل الرابع وأما القول في أنه أحدي ~~الذات فإن النصارى زعمت أن الله جل عن قولهم أقانيم ثلاثة رب واحد وفسر ~~بعضهم الأقانيم بأنها الأشخاص وقال بعضهم إنها الخواص قال وقال أهل التوحيد ~~إن الله واحد في ذاته ليس بذي أقانيم ولا أبعاض واحتجت النصارى بأنكم قد ~~وافقتمونا على أن الله عز ذكره قد كان لم يزل وله حياة وكلام وذلك ما ~~أردناه بقولنا أقانيم ثلاثة PageV01P472 # قال والرد عليهم أن يقال لهم إن الحياة والكلام عندنا صفتان لذاته وليستا ~~في حكم الذات ولا يقع عليهما اسم الله فإن الله هو الموصوف بهما دونهما ~~وليس يصح إضافة شئ من أفعال الربوبية إليهما لأن الحياة والكلام لا يفعلان ~~وإنما يفعل الحي المتكلم وهو الله الموصوف بهما وليس كذلك قولكم من قبل ~~أنكم جعلتم الروح والابن أقنومين يتناولهما اسم الله وأفعال الربوبية عندكم ~~منسوبة إلى مجموع الأب ولابن والروح القدس قد جعلتموها بمنزلة أركان ~~الإنسان ms385 التي يتناولها مجموعها اسم الإنسان وتنسب إلى جملتها أفعاله وهذا ~~هو وصفه بالتجزئة والتبعيض وليس ما وصفنا به من الحياة والكلام كذلك # ثم يقال لهم وإذ كان الله عندنا وعندكم موصوفا بالقدرة والعلم والمشيئة ~~والسمع والبصر والرحمة والعزة كما كان موصوفا بالحياة والكلام فهلا جعلتم ~~هذه كلها أقانيم له ومالكم قصرتم الأقانيم على الثلاثة وفي هذا ما يدل على ~~أنكم لم تذهبوا من الأقانيم مذهب إثبات الصفات له لذلك فرقتم بين هذه ~~الصفات وبينها وإنما ذهبتم فيها مذهب الأبعاض والأجزاء تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا # قلت مذهب النصارى لكونه متناقضا في نفسه لا يعقل إذ لا حقيقة له كما لا ~~تعقل الممتنعات صاروا يضطربون في قوله فكل طائفة منهم تفسره بغير ما تفسره ~~الأخرى وكذلك يضطرب الناس في نقله فلهذا ذكر هذا أن الأقانيم عندهم أبعاض ~~كأركان الإنسان وأن كان الآخرون من النصارى لا يقولون ذلك فإن عندهم كل ~~واحد من الأقانيم إله يدعى ويعبد مع قولهم أن الثلاثة إله واحد وبعض الإله ~~ليس هو إلها PageV01P473 ولكن عندهم الذات الموصوفة بالأمور الثلاثة مع كل ~~صفة أقنوم ثم يقولون إن الواحد هو المتحد بالمسيح فإن كان متحدا لصفة ~~فالصفة ليست إلها يخلق ويرزق وعندهم المسيح إله وإن كان المتحد الذات فيكون ~~المسيح هو الأب والابن والروح القدس إله وهم لا يقولون ذلك وإنما يقولون ~~المتحد به الكلمة التي هي الابن ويقولون هو ابن الله لذلك ويقولون أيضا هو ~~الله لأن المتحد به هو الذات التي هو الله فيجعلون المتحد به هو الذات بصفة ~~دون الذات بالصفتين الأخريين ومن المعلوم أن الصفات لا تفارق الذات وقد ~~يكونون يقولون كما حكى هذا الأقانيم أبعاض وأجزاء كل منهما إله أيضا # وإذا عرف أن مراد أئمة هذا القول بنفي التجزي والانقسام ليس هو وجود ~~الانقسام بانفصال بعضه عن بعض ولا إمكان ذلك وان كان اللفظ في ذلك أظهر منه ~~في غيره فإن عامة ألفاظهم الاصطلاحية لا يريدون بها ما هو المعروف في اللغة ~~من ms386 معناها بل معاني اختصوا هم بالكلام فيها نفيا وإثباتا ولهذا قال الإمام ~~أحمد فيهم يتكلمون بالمتشابهة من الكلام ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون ~~عليهم # وهذان المعنيان مما اتفق المسلمون فيما أعلمه على تنزه الله وتقدسه عنهما ~~فإن الله سبحانه أحد صمد لا يتجزى ويتبعض وينقسم بمعنى أنه ينفصل بعضه عن ~~بعض كما ينفصل الجسم المقسوم المعضى مثل ما تقسم الأجسام المتصلة كالخبز ~~واللحم والثياب ونحو ذلك ولا ينفصل عن الحيوان ما ينفصل من عضلاته وهذه ~~المعاني هو منزه عنها بمعنى أنها معدومة وأنها ممتنعة في حقه فلا تقبل ذاته ~~التفريق والتبعيض بل ليس هو بأجوف كما قال الصحابة والتابعون PageV01P474 ~~في تفسير الصمد أنه الذي لا جوف له كما سيأتي بيانه وأكثر الناس لا يفهمون ~~من نفي التبعيض والتجزئة والانقسام والتركيب إلا هذين المعنيين ونحوهما ~~وذلك متفق على نفيه بين المسلمين اللهم إلا أن يكون بعض من لا أعلم من ~~الجهال الضلال قد جوز على الله أن ينفصل منه بعضه عن بعض كما يحكى ذلك عن ~~بعض الكفار فبنوا آدم لا يمكن حصر ما يقولونه وإنما المقصود أن المقالات ~~المحكية عن طوائف الأمة لم أجد فيها من حكى هذا القول عن أحد من الطوائف # وإنما مراد أئمة هذا القول من الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ومن اتبعهم من ~~الصفاتية بنفي ذلك ما ينفونه عن الجسم المطلق وهو أنه لا يشار إلى شيء منه ~~دون شيء ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث لا يكون له قدر وحد وجوانب ونهاية ~~ولا عين قائمة بنفسها يمكن أن يشار إليها أو يشار إلى شيء منها دون شيء ولا ~~يمكن أيضا عند التحقيق أن يرى منه شيء دون شيء وهذا عندهم نفي الكم ~~والمساحة وأما غير الصفاتية فيريدون أنه لا صفة له إذ وجود الصفات يستلزم ~~التجسيم والتجزئة والتركيب كما سيأتي بيان قولهم فيه # وهؤلاء ينفون التجسيم والتشبيه وهم متناقضون في ذلك عند النفاة والمثبتة ~~الذين يخالفونهم كما أن النفاة تثبت موجودا مطلقا مجردا عن الصفات ms387 ~~والمقادير وهم في ذلك متناقضون عند جماهير العقلاء وكذلك من أثبت أنه حي ~~عالم قادر ونفي الصفات كانت متناقضا عند جماهير العقلاء ومن أثبت من ~~الصفاتية الخبرية كالوجه واليدين مع نفي التجسيم والتشبيه هم متناقضون في ~~ذلك عند من يخالفهم من الصفاتية والمثبتة كما هو قول ابن كلاب والأشعري ~~وغيرهما ثم متكلمة أهل الحديث وفقهاؤهم الذين يوافقون هؤلاء على النفي مع ~~إثبات المعاني الواردة في آيات الصفات وأحاديثها هم متناقضون في ذلك عند ~~هؤلاء PageV01P475 # ولهذا لما صنف القاضي أبو يعلى كتابه الذي سماه كتاب إبطال التأويلات ~~لأخبار الصفات وقال في أوله أحمده حمدا يرضيه وأستعينه على أوامره ونواهيه ~~وابرأ إليه من التجسيم والتشبيه وصار في عامة ما يذكره من أحاديث الصفات ~~يقر الحديث على ما يقول إنه ظاهره ومقتضاه مع قوله بنفي التجسيم كما يقول ~~سائر الصفاتية في الوجه واليد وكما يقولونه في العلم والقدرة ونحو ذلك وهذا ~~تناقض عند أكثر أهل الإثبات والنفي # ولهذا صار في أصحاب الإمام أحمد وغيرهم من يشهد بتناقضه إما مائلا إلى ~~النفي كرزق الله التميمي وابن عقيل وابن الجوزي وغيرهم وأما مائلا إلى ~~الإثبات كطوائف أجل وأكثر من هؤلاء من أهل السنة والحديث وغيرهم وطوائف ~~آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم يوافقونه على مجمل ما ذكره وإن نازعوه في بعض ~~المواضع وهؤلاء أكثر وأجل من المائلين إلى النفي كالشريف أبي جعفر وأبي ~~الحسن القزويني والقاضي أبو الحسين وأبي وإن كانو يخالفونه في أشياء مما ~~أثبتها إما لضعف الحديث أو لضعف دلالته # وأما التشبيه فهو في اصطلاح المتكلمين وغيرهم هو التمثيل والمتشابهان هما ~~المتماثلان وهما ما سد أحدهما سد صاحبه وقام مقامه وناب منابه وبينهم نزاع ~~في إمكان التشابه الذي هو التماثل من وجه وهل التشابه الذي هو التماثل بنفس ~~الذوات أو بالصفات القائمة بالذوات وهذا التشبيه أيضا منتف عن الله وإنما ~~خالف فيه المثبتة الممثلة الذين وصفهم الأئمة وذموهم كما قال الإمام أحمد ~~المشبه الذي يقول بصر كبصري ويد كيدي وقدم PageV01P476 كقدمي ومن قال هذا ms388 ~~فقد شبه الله بخلقه وكما قال إسحاق وأبو نعيم ومحققو المتكلمين على أن هذا ~~التشابه الذي هو التماثل لا يكون بالموافقة في بعض الصفات بل الموافقة في ~~جميع الصفات الذاتية التي بها يقوم بها أحدهما مقام الآخر # وأما التشبيه في اللغة فإنه قد يقال بدون التماثل في شئ من الحقيقة كما ~~يقال للصورة المرسومة في الحائط إنها تشبه الحيوان ويقال هذا يشبه هذا في ~~كذا وكذا وإن كانت الحقيقتان مختلفتين # ولهذا كان أئمة أهل السنة ومحققو أهل الكلام يمنعون من أن يقال لا يشبه ~~الأشياء بوجه من الوجوه فأن مقتضى هذا كونه معدوما ومنهم طوائف يطلقون هذا # لكن من هؤلاء من يريد بنفي التشابه نفي التماثل فلا يكون بينهما خلاف ~~معنوي إذ هم متفقون على نفي التماثل بوجه من الوجوه كما دل على ذلك القرآن ~~كما قد بيناه في غير هذا الموضع كما يعلم أيضا بالعقل # وأما النفاة من الجهمية وأشباههم فلا يريدون بذلك إلا نفي الشبه بوجه من ~~الوجوه وهذا عند كل من حقق هذا المعنى لا يصلح إلا للمعوم وقد قرر ذلك غير ~~واحد من أئمة المتكلمين حتى أبو عبد الله الرازي كما سنذكر كلامه في ذلك # وكذلك لفظ التجسيم هو كلفظ التأليف والتركيب والتبعيض والتجزئة من معناه ~~ما هو متفق على نفيه بين المسلمين ومنه ما هو متفق على نفيه بين علماء ~~المسلمين من جميع الطوائف إلا ما يحكى عن غلاة المجسمة من أنهم PageV01P477 ~~يمثلونه بالأجسام المخلوقة وأما المعنى الخاص الذي يعنيه النفاة والمثبتة ~~الذين يقولون هو جسم لا كالأجسام فهذا مورد النزاع بين أئمة أهل الكلام ~~وغيرهم وهو الذي يتناقض سائر الطواف من نفاته لإثبات ما يستلزمه كما يتناقض ~~مثبتوه مع نفي لوازمه ولهذا كان الذي عليه أئمة الإسلام إنهم لا يطلقون ~~الألفاظ المبتدعة المتنازع فيها لا نفيا ولا إثباتا إلا بعد الاستفسار ~~والتفصيل فيثبت ما أثبته الكتاب والسنة من المعاني وينفي ما نفاه الكتاب ~~والسنة من المعاني # والمقصود هنا أن التوحيد الذي أنزل الله به ms389 كتبه وأرسل به رسله وهو ~~المذكور في الكتاب والسنة وهو المعلوم بالأضرار من دين الإسلام ليس هو هذه ~~الأمور الثلاثة التي ذكرها هؤلاء المتكلمون وإن كان فيها ما هو داخل في ~~التوحيد الذي جاء به الرسول فهم مع زعمهم أنهم الموحدون ليس توحيدهم ~~التوحيد الذي ذكر الله ورسولهبل التوحيد اللذي يدعون الاختصاص به باطل في ~~الشرع والعقل واللغة وذلك أن توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده فمن ~~عبد الله وحده ولم يشرك به شيئا فقد وحده ومن عبد من دونه شيئا من الأشياء ~~فهو مشرك به ليس بموحد مخلص له الدين وإن كان مع ذلك قائلا بهذه المقالات ~~التي زعموا أنها التوحيد حتى لو أقر بأن الله وحده خالق كل شئ وهو التوحيد ~~في الأفعال الذي يزعم هؤلاء المتكلمون أنه يقر أن لا إله إلا هو ويثبتون ~~بما توهموه من دليل التمانع وغيره لكان مشركا PageV01P478 وهذه حال مشركي ~~العرب الذين بعث الرسول إليهم ابتداءا وأنزل القرآن ببيان شركهم ودعاهم إلى ~~توحيد الله وإخلاص الدين له فإنهم كانوا يقرون بإن الله وحده هو الذي خلق ~~السموات والأرض كما أخبر الله بذلك عنهم في القرآن كما في قوله @QB@ ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ وفي قوله @QB@ قل لمن ~~الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى ~~تسحرون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ ~~قال ابن عباس تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون ~~غيره فهذا الشرك المذكور في القرآن في مواضع كثيرة المضاد للإخلاص والتوحيد ~~كما في حديث جابر وابن عمر وسعد وغيرهم وقد بسطنا الكلام في هذا في غير ~~الموضع # والتوحيد الذي جاء به الرسول يتناول التوحيد في العلم والقول وهو وصفه ~~بما يوجب أنه في نفسه ms390 أحد صمد لا يتبعض ويتفرق فيكون شيئين وهو واحد متصف ~~بصفات تختص به ليس له فيها شبيه ولا كفؤ # والتوحيد في الإدارة والعمل وهو عبادته وحده لا شريك له وقد أنزل الله ~~سورتي الإخلاص @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ و @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ~~الواحدة في توحيد العمل ولهذا كان القول فيها @QB@ لا أعبد ما تعبدون @QE@ ~~وهي جملة إنشائية فعلية والأخرى في توحيد العلم وهي قوله @QB@ قل هو الله ~~أحد @QE@ وبهذا كان PageV01P479 القول جملة خبرية اسمية والكلام إما إنشاء ~~وإما إخبار فالإخبار يكون عن العلم والإنشاء يكون عن الإرادة ولهذا قال ~~الله تعالى @QB@ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم @QE@ وقال ~~@QB@ قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون @QE@ وقال @QB@ ~~قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد @QE@ وقال @QB@ وقال ~~الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون @QE@ وقال @QB@ ~~وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم @QE@ إلى قوله @QB@ أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب @QE@ وفي القرآن من نفي الألوهية عن ~~غيره من المخلوقات وإثباتها له وحده ما لا يحصى إلا بكلفة كقوله @QB@ فلا ~~تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين @QE@ @QB@ ولا تدع مع الله إلها ~~آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ @QB@ رب المشرق والمغرب لا ~~إله إلا هو فاتخذه وكيلا @QE@ @QB@ ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون ~~عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا @QE@ @QB@ لا تجعل مع ~~الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا @QE@ @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله ~~@QE@ @QB@ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون @QE@ ونحو ذلك ~~مما يتضمن وحدانيته في الإلهية فلا يجوز أن يكون إله معبود إلا هو # والإلهية تتضمن استحقاقه للعبادة والدعاء لا أنها بمعنى القدرة على ~~الاختراع كما يذكر ذلك عن الأشعري فإن هذا هو الربوبية التي ms391 كان المشركون ~~يقرون بها # ولهذا خاطبني بعض الأعيان من الفضلاء المتفلسفين وأخذ يقول إن الفلاسفة ~~يوحدون وأنهم من أعظم الناس توحيدا ويفضلهم على النصارى في التوحيد فبينت ~~له أن الأمر ليس كذلك بل النصارى في التوحيد خير منهم وأنهم PageV01P480 ~~مشركون لا موحدون فقلت الفلاسفة الذين تذكرهم إما مشركون يوجبون الشرك ~~ويوالون عليه ويعادون وإما صابئون يسوغون الشرك ويجوزون عبادة ما سوى الله ~~وكتبهم مشحونة بهذا ولهذا كان أحسن أحوالهم أن يكونوا صابئة أو هم علماء ~~الصابئة وهل كان نمرود وقومه وفرعون وقومه وغير هؤلاء إلا منهم وهل عبدت ~~الكواكب وبينت لها الهياكل كل وأصنامها إلا برأي هؤلاء المتفلسفة بل وهل ~~عبد الصالحون وعكف على قبورهم ومثلت صورهم إلا بآرائهم حتى الذين كانوا ~~متظاهرين بالإسلام منهم قد صنفوا في الإشراك بالله وعباده الكواكب والأصنام ~~وذكروا ما في هذا الشرك من الفوائد وتحصيل المقاصد # وبالأضرار يعلم من عرف دين الرسل محمد وغيره أنهم إنما بعثوا بالنهي عن ~~هذا الإشراك وجميع الرسل بعثوا بذلك كما قال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل ~~أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال @QB@ ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال ~~@QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ~~@QE@ # وقد اتفق المسلمون على أن دين أهل الكتاب من اليهود والنصارى خير من دين ~~من لا كتاب له من المشركين والصابئين وغيرهم # والعلماء على تنوع أصنافهم من الفقهاء والمفسرين والمتكلمين وأرباب ~~المقالات وأن اختلفوا في الصابئين فلتنوعهم ولهذا كان للفقهاء فيهم طريقان ~~أحدهما أن في كونهم من أهل الكتاب قولين للشافعي وأحمد والطريق الثاني أنهم ~~صنفان فمن تدين منهم بدين أهل الكتاب كان منهم وإلا فلا هذا هو المختار ~~عندهم # PageV01P481 وأما الشرك الذي في النصارى فإنما ابتدعوه تشبها بأولئك فكان ~~فيهم قليل من شرك أولئك قال تعالى @QB@ وقالت اليهود عزير ابن ms392 الله وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من ~~قبل @QE@ كالذين قالوا الملائكة أولاد الله كما يقوله هؤلاء المتفلسفة ~~الصابئون فإنهم كانوا قبل النصارى # قلت وأما التوحيد الذي يذكر عن الفلاسفة من نفي الصفات فهو مثل تسمية ~~المعتزلة لما يقولونه توحيدا وهذا في التحقيق تعطيل مستلزم للتمثيل ~~والإشراك وأما النصارى فهم لا يقولون إن ثم إلهين متباينين بل يقولون قولا ~~متناقضا حيث يجعلون الثلاثة واحدا ويجعلون الواحد هو المتحد بالمسيح دون ~~غيره مع عدم إمكان تحيز واحد عن غيره وهذا الكفر دون كفر الفلاسفة بكثير ~~وتكلمت في ذلك بكلام بعد عهدي به وفساد هذا وتناقضه أعظم حتى لقد قال عبد ~~الله بن المبارك إنا لنحكي قول اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام ~~الجهمية # وهذا يتبين بما نقوله وهو أن ما فسر به هؤلاء اسم الواحد من هذه التفاسير ~~التي لا أصل لها في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة باطل بلا ريب شرعا ~~وعقلا ولغة # أما في اللغة فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو ~~الذي لا يتميز جانب منه عن جانب ولا يرى منه شئ دون شيء إذ القرآن ونحوه من ~~الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالأضرار في لغة العرب وسائر اللغات ~~أنهم يصفون كثيرا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسما إذ المخلوقات إما ~~أجسام وإما أعراض عند من يجعلها غيرها وزائدة عليها PageV01P482 وإذا كان ~~أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدا امتنع أن يكون في اللغة ~~معنى الواحد الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم وأنه لا يشار إلى شئ ~~منه دون شئ وسيأتي بيان هذا ونذكر ما في اللغة في ذكر الواحد مع كونه ~~موصوفا ذا مقدار بل لا يوجد في اللغة اسم واحد إلا على ذي صفة ومقدار لقوله ~~تعالى @QB@ الذي خلقكم من نفس واحدة @QE@ وقال @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا ~~@QE@ وقال @QB@ وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ وسئل النبي صلى الله ms393 عليه ~~وسلم يصلي الرجل في الثوب الواحد فقال أو كلكم ثوبان وقال لا يصلي أحدكم في ~~الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ وسيأتي بسط هذا إن شاء الله # وأما العقل فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر ~~السليمة إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج وإنما هو أمر مقدر في الذهن ~~ليس في الخارج شئ موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شئ عن شئ ~~بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن سماه المسمي جسما # وأيضا فإن التوحيد إثبات لشئ هو واحد فلا بد أن يكون له في نفسه حقيقة ~~ثبوتية يختص بها ويتميز بها عما سواه حتى يصح أنه ليس كمثله شئ في تلك ~~الأمور الثبوتية ولا مجرد عدم المثل إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة ~~للعدم فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو حقيقة يستحق بها واحدا ولهذا فسر ابن ~~كلاب وغيره الواحد بأنه المنفرد عن غيره المباين له وهذا المعنى داخل في ~~معنى الواحد في الشرع وإن لم يكن إياه ولذلك أهل الإثبات PageV01P483 من ~~أهل السنة والحديث يصنفون كتب التوحيد يضمنونها ثبوت الصفات التي أخبر بها ~~الكتاب والسنة لأن تلك الصفات في كتابه تقتضي ثبوت الصفات التي أخبر بها ~~الكتاب والسنة لأن تلك الصفات في كتبه تقتضي التوحيد ومعناه # وأما الشرع فنقول مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة ~~وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم تعرف مسميات تلك الأسماء حتى يعطوها ~~خقها ومن المعلوم بالأضرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب ~~الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ~~ابتدع نفيها الجهمية واتباعها ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة ولا عن صاحب ~~ولا أئمة المسلمين # قال الإمام عثمان بن سعيد الدرامي في كتابه الذي سماه نقض عثمان بن سعيد ~~على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد وذكر ms394 أن بعض من ~~كان بنواحيه ممن أظهر معارضة السنة والآثار بكلام بشر المريسي وصنف في ذلك ~~إلى أن قال افتتح هذا المعارض كتابه بكلام نفسه منشأ لكلام المريسي مدلسا ~~على الناس بما يوهم أنه يحكي ويرى من قبله PageV01P484 من الجهال ومن ~~حواليه من الأغمار أن مذاهب جهم والمريسي في التوحيد كبعض اختلاف الناس في ~~الأيمان في القول والعمل والزيادة والنقصان وكاختلافهم في التشيع والقدر ~~ونحوهما كيلا ينفروا من مذاهب جهم والمريسي أكثر من نفورهم من كلام الشيعة ~~والمرجئة والقدرية # قال وقد أخطأ المعارض محجة السبيل وغلط غلطا كثيرا في التأويل لما أن هذه ~~الفرق لم يكفرهم العلماء بشيء من اختلافهم والمريسي وجهم وأصحابهما لم يشك ~~أحد منهم في أكفارهم سمعت محبوب بن الحسن الانطاكي أنه سمع وكيعا يكفر ~~الجهمية وكتب ألي علي بن خشرم أن ابن المبارك يخرج الجهمية من عداد ~~المسلمين وسمعت يحيى بن يحيى وأبا توبة وعلي بن المديني يكفرون الجهمية ومن ~~يدعي أن القرآن مخلوق فلا يقيس الكفر ببعض اختلاف هذه الطرق إلا امرؤ جهل ~~العلم ولم يوفق فيه لفهم فادعى المعارض أن الناس قد تكلموا في الأيمان وفي ~~التشيع والقدر ونحوه ولا يجوز لأحد أن يتأول في التوحيد غير الصواب إذ جميع ~~خلق الله تدرك بالحواس الخمس اللمس والشم والذوق والبصر بالعين والسمع ~~والله بزعم المعارض لا يدرك بشيء من هذه الخمس # قال فقلنا لهذا المعارض الذي لا يدي كيف يتناقض أما قولك لا يجوز لأحد أن ~~يتأول في التوحيد غير الصواب فقد صدقت وتفسير التوحيد عم الأمة وصوابه قول ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~جاء بها مخلصا دخل الجنة أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ~~من قالها فقد وحد الله وكذلك روى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه أهل بالتوحيد في حجة الوداع فقال لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك ~~لبيك إن PageV01P485 الحمد ms395 والنعمة لك والملك لا شريك لك حدثنا أبو بكر بن ~~أبي شيبة عن حاتم ابن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فهذا تأويل ~~التوحيد وصوابه عن الأمة # فمن أدخل الحواس الخمس أيها المعارض في صواب التأويل من أمة محمد ومن ~~عداها فأشر إليه غير ما ادعيتم فيه من الكذب على ابن عباس من رواية بشر ~~المريسي ونظرائه # ولمن تأول في التوحيد غير الصواب لقد تأولت أنت فيه غير الصواب إذ ادعيت ~~أن الله لا يدرك ولن يدرك بشيء من هذه الحواس الخمس إذ هو في دعواك لا شيء ~~والله مكذب من ادعى هذه الدعوى في كتابه إذ يقول عز وجل @QB@ وكلم الله ~~موسى تكليما @QE@ @QB@ ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم @QE@ فاخبر ~~في كتابه أن موسى أدرك منه الكلام سمعه وهو أحد الحواس عندك وعندنا ويدرك ~~في الآخرة بالنظر إليه بالأعين وهي الحاسة الثانية كما قال الله تعالى @QB@ ~~وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون الشمس والقمر جهرا لا تضامون في رؤيته ~~وروى عدي بن حاتم الطائي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من ~~أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان فذاك الناطق من قول الله وهذا ~~الصحيح المشهور من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأي صواب أبين من هذا ~~فلذلك قلنا إن المعارض قد تأول فيه غير الصواب # وروى أبو عبد الرحمن السلمي في ما صنفه في ذم الكلام ما ذكره أيضا من ~~طريقه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهري في تصنيفه المشهور في ذلك قال ~~PageV01P486 أبو عبد الرحمن سمعت أبا نصر أحمد بن خالد السجزي يقول سمعت ~~أبي يقول قلت لأبي العباس ابن سريح ما التوحيد قال توحيد أهل العلم وجماعة ~~المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتوحيد أهل الباطل ~~الخوض في الأعراض والأجسام وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ms396 بإنكار ذلك # وفي النفي الذي يذكر النفاة ويفسرون به اسم الله الواحد وغير ذلك هو عند ~~أهل السنة والجماعة مستلزم العدم مناف لما وصف به نفسه في كتابه من أنه ~~الأحد الصمد وأنه العلي العظيم وأنه الكبير المتعال وأنه استوى على العرش ~~وأنه يصعد إليه ويوقف عليه وأنه يرى في الآخرة كما ترى الشمس والقمر وأنه ~~يكلم عباده وأنه السميع البصير وقوله @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ وهو لا يكون له قدر ~~في نفسه وإنما قدره عندهم في القلوب وكذلك لا يكون له في نفسه عظمة وإنما ~~عظمته في النفوس # وذلك يظهر بالكلام على حجته وذلك من وجوه # أحدها أنه قال الجسم أقله أن يكون مركب من جوهرين وذلك ينافي الوحدة ~~وقوله أحد مبالغة في الوحدانية فكان قوله أحد منافيا للجسمية # يقال له هذا يقتضي أن شيئا مما يقال له جسم لا يوصف بالوحدة حيث قلت إن ~~الجسم مركب وذلك ينافي الوحدة ومعلوم أن هذا خلاف PageV01P487 ما في الكتاب ~~والسنة وخلاف لغة العرب قال الله تعالى @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي ~~خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها @QE@ ومعلوم أن النفس الواحدة التي خلق ~~منها زوجها هو آدم وحواء خلقت من ضلع آدم القصيراء من جسده خلقت لم تخلق من ~~روحه حتى يقول القائل الوحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها ~~وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم وجسد آدم جسم من الأجسام وقد سماها الله ~~نفسا واحدة علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة وأبلغ من ذلك ما ذكره الإمام أحمد ~~وغيره من قوله @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا @QE@ فإن الوحيد مبالغة في الواحد ~~فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فأنه واحد أولى ومع هذا فهو جسم من ~~الأجسام وقال تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن ~~كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ فوصف ~~المرأة بأنها واحدة وهذا ms397 جسم موصوف بالوحدة حيث لم يكن لها نظير في كونه ~~بنتا لهذا الميت وقال تعالى @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني ~~أراني أعصر خمرا @QE@ الآيات وقال تعالى @QB@ قالوا يا أيها العزيز إن له ~~أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه @QE@ والفرد والوتر من جنس لفظ الواحد وقد ~~قال تعالى @QB@ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ونرثه ما يقول ويأتينا فردا @QE@ وقال تعالى @QB@ فجاءته إحداهما تمشي ~~على استحياء @QE@ إلى قوله @QB@ قالت إحداهما يا أبت استأجره @QE@ وقد قال ~~تعالى @QB@ بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب @QE@ PageV01P488 وقال ~~@QB@ وآتيتم إحداهن قنطارا @QE@ وقال تعالى @QB@ أيود أحدكم أن تكون له جنة ~~من نخيل وأعناب @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا بشر أحدهم بالأنثى @QE@ في ~~موضعين وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أيصلي الرجل في الثوب ~~الواحد فقال اولكلكم ثوبان وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى ~~أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس عاتقه منه شيء بل في الصحيح من لفظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه ~~منه شيء وفي الصحيح عن عمر بن أبي سلمة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصلي في ثوب واحد مشتملا به وفي حديث المتلاعنين الذي في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب ~~وفي الصحيح عن سلمان بن صرد قال استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني ~~لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد أعوذ بالله من الشيطان ms398 الرجيم وفي ~~حديث إبراهيم اللهم أنت واحد في السماء وأنا واحد في الأرض وفي الصحيح عن ~~ابن عباس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال إنهما يعذبان ~~ومايعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي ~~بالنميمة وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا غضب أحدكم وهو ~~قائم فليجلس وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أحدكم إذا قام ~~إلى الصلاة فإنما يناجي ربه وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إذا أستيقظ أحدكم من نوم الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ~~ثلاثا وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أن أحدكم إذا أتى ~~أهله قال اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم ~~يضره الشيطان وفي الصحيحين عنه النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس ~~وهو البخاري من حديث أبي برزة أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصصبح يقول ~~لأصحابه هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا وفي الصحيحين PageV01P489 عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه ~~وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى وفي لفظ البخاري إذا قام أحدكم إلى ~~الصلاة فلا يبصق أمامه وفي لفظ مسلم ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع ~~أمامه أيحب أن يستقبل فينتخع في وجهه فإذا تنخع أحدكم وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق ~~كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته وفي ~~صحيح البخاري عن جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ~~الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم ~~بالأمر وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يستجاب ~~لأحدكم ما لم يعجل وفيها أنه ms399 قال لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن ~~يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه وفي رواية لأن يأخذ وفي الصحيحين قال إذا استيقظ ~~أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خياشيمه وفي ~~الصحيحين أيضا أنه قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه وفيهما ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وما تصدق أحد بصدقه من طيب ولا يقبل الله إلا ~~الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه فإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون ~~أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال PageV01P490 إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل ~~القبلة ولا يستديرها وفي الصحيحين إنه قال إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض ~~بداخله إزاره الحديث وفيهما إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه وفيهما لا يقولن ~~أحدكم أسق ربك وضيء ربك وفيهما أنه قال بئس ما لأحدكم أن يقول نسيت آية كيت ~~وكيت بل هو نسي وفيهما لا يمشي أحدكم في نعل واحد وفيهما إذا شرب الكلب في ~~إناء أحدكم فليغسله سبعا وفيهما أنه قال مطل الغني ظلم وإذا اتبع أحدكم على ~~مليء فليتبع وفيهما أنه قال إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبه في داره ~~وفي الصحيحين لو اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له فحذفته بحصاة فقأت عينه ما ~~كان عليك جناح وفي الصحيحين عن أبي بكر قال قلت لرسول الله أينطلق أحدنا ~~إلى منى ومذاكيره تقطر منيا وفي الصحيحين أيضا أنه قال لا يضربن أحدكم ~~امرأته ضرب العبد ثم يجامعها بالليل وفي الصحيحين أنه قال لا يزال أحدكم في ~~صلاة ما دامت الصلاة تحبسه وفيهما أيضا أنه قال إن الملائكة تصلي على أحدكم ~~ما دام في مصلاه ما لم يحدث وفي الصحيحين عنه أنه قال لا يصومن أحدكم يوم ~~الجمعة إلا يوما قبله أو بعده وفيهما أنه قال السفر قطعة من العذاب يمنع ~~أحدكم نومه وطعامه وشرابه وفي الصحيحين أنه قال لا ms400 ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته فرس له حمحمة لاألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته ~~شاة لها يعار لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته لها صياح رقاق ~~تحقق لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت وفيهما أنه قال أما ~~يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام وفيهما أنه قال لا يتمنين أحدكم الموت ~~لضر نزل به وفيما أنه قال لقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس ~~أو تغرب وفيهما أنه قال إذا صلى أحدكم للناس فليخفف وفيهما أنه قال ~~PageV01P491 إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة بعشر أمثالها الحديث وفيهما ~~أنه قال يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا نام ثلاث عقد وفيهما أنه قال ~~إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من اسفل منه ~~وفيهما في حديث داود فذهب الذئب بابن إحداهما وفيهما أنه قال نعم ما لأحدهم ~~يحسن عبادة ربه وينصح لسيده وفيهما إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا ~~يجهل وفي لفظ إذا أصبح أحدكم صائما وفيه فإن شاتمه أو قاتله أحد فليقل إني ~~صائم وفيهما عن أبي هريرة اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر ~~وفيهما عنه صلى الله عليه وسلم قال لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من ~~الولد وفيهما عنه أنه قال إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء ~~آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه وفي مسلم إذا ثوب ~~بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم وفي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو انفق أحدكم مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إذا قام أحدكم يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري ~~كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس # الوجه الثاني أن الاستدلال بالقرآن إنما ms401 يكون على لغة العرب التي أنزل ~~بها بل قد نزل بلغة قريش كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه @QE@ وقال @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ فليس لأحد يحمل ألفاظ القرآن على ~~غير ذلك من عرف عام واصطلاح خاص بل لا يحمله إلا على معاني عنوها بها إما ~~من المعنى اللغوي أو أعم أو مغايرا له لم يكن له أن يضع القرآن PageV01P492 ~~على ما وضعه هو بل يضع القرآن على مواضعه التي بينها الله لمن خاطبه ~~بالقرآن بلغته ومتى فعل غير ذلك كان ذلك تحريفا للكلام عن مواضعه ومن ~~المعلوم أنه ما من طائفة إلا وقد تصطلح على ألفاظ يتخاطبون بها كما أن من ~~المتكلمين من يقول الأحد هو الذي لا ينقسم وكل جسم منقسم ويقول الجسم هو ~~مطلق المتحيز القابل للقسمة حتى يدخل في ذلك الهواء وغيره لكن ليس له أن ~~يحمل كلام الله وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخاطب بها أمته وهي لغة العرب عموما ولغة قريش خصوصا # ومن المعلوم المتواتر في اللغة الشائع بين الخاص والعام أنهم يقولون درهم ~~واحد ودينار واحد ورجل واحد وامرأة واحدة وشجرة واحدة وقرية واحدة وثوب ~~واحد وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد فيقولون رجل واحد ~~ورجلان اثنان وثلاثة رجال وأربعة رجال وهذا من أظهر اللغة واشهرها وأعرفها ~~فكيف يجوز أن يقال أن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام وعامة ما يوصف ~~بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام وتحريف هؤلاء للفظ الواحد ~~كتحريفهم للفظ المثل كما نذكره إن شاء الله # الوجه الثالث أن أهل اللغة قالوا إسم الأحد لم يجئ اسما في الإثبات إلا ~~لله لكنه مستعمل في النفي والشرط والاستفهام كقوله تعالى في نفس السورة ~~التي ذكرها @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ وكقوله تعالى @QB@ فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ وقال @QB@ وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنما أدعو ربي ms402 ولا أشرك به أحدا قل إني لا ~~أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ~~ملتحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من ~~تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا @QE@ ~~PageV01P493 وقال @QB@ وما لأحد عنده من نعمة تجزى @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون @QE@ @QB@ ولا يلتفت منكم أحد إلا ~~امرأتك @QE@ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا أحد أغير ~~من الله وفي السنن من غير وجه أنه قال لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ~~يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول بيننا وبينكم كتاب الله ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مأة مرة كتبت له ~~مأة حسنة وحط عنه مئة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه حتى يمسي ولم يأت ~~أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثل ما قال أو زد عليه وفي الصحيحين أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة خطب الناس فقال إن الله حبس عن مكة ~~الفيل وسلط عليها رسوله والمسلمين وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد ~~بعدي وإنما حلت لي ساعة من نهار وفي رواية فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقولوا إنما أحلها الله لرسوله ولم يحلها لك وفي ~~الصحيحين أيضا عنه أنه قال أحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد قبلنا وقال ~~النابغة % وقفت فيها أصيلانا أسائلها % % عيت جوابا وما بالربع من أحد % % ~~إلا الأواري لأيامنا أبينها % % والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد % $ # فلو كان لفظ الأحد لا يقع على جسم أصلا لكان التقدير ولم يكن ما ليس بجسم ~~كفوا له وهذا عنده ليس إلا الجوهر الفرد عند من يقول به فيكون ms403 المعنى لم ~~يكن الجوهر فرد كفوا له وأما سائر الموجودات فلم ينف مكافأتها له ولا أشرك ~~بربي ما ليس بجسم ولن يجيرني من الله ما ليس PageV01P494 بجسم ومعلوم أن ~~عامة ما يعلم من القائمة بأنفسها هي أجسام كأجسام بني آدم وغيرهم والأرواح ~~تدخل في مسمى ذلك عند عامة المسلمين وإن لم تدخل عند بعضهم ومن المعلوم أن ~~الله لم ينه عن أن يشرك به ما ليس بجسم فقط بل نهيه عن أن يشرك به الأجسام ~~أيضا لا سيما وعامة ما أشرك به من الأوثان والشمس والقمر والنجوم إنما هي ~~أجسام # وفي السنن حديث أبي بكر الصديق لما أستأذنه أبو بردة في قتل بعض الناس ~~فقال إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة وفي لفظ لن ~~ينجو أحد منكم بعمله وفيهما أنه قال غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا ~~يتبعني رجل ملك امرأة وهو يريد أن يبني بها ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع ~~سقوفها ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها وفيهما أنه قال ما ~~منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب أو ترجمان وفي الصحيحين أن ~~الأقرع ابن حابس قال للنبي صلى الله عليه وسلم أن لي عشرة من الولد ما قبلت ~~منهم أحدا وفي الصحيحين أنه قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة # الوجه الرابع أن قوله لأن الجسم أقله أن يكون مركب من جوهرين هذا إنما ~~يتم على رأي المثبتين للجوهر الفرد وإلا فنفاته عندهم الجسم في نفسه واحد ~~بسيط ليس مركبا من الجواهر المنفردة وهذا المصنف قد صرح في أشرف كتبه عنده ~~أن هذه المسألة متعارضة من الجانبين وهو لما أقام أدلته على إثبات الجوهر ~~الفرد في هذا الكتاب في مسألة المعاد وزعم أنها قاطعة ثم ذكر المعارضات قال ~~في الجواب أما المعارضات التي ذكروها فأعلم إنا نميل إلى ms404 التوقف ~~PageV01P495 في هذه المسألة بسبب تعارض الأدلة فإن إمام الحرمين صرح في ~~كتاب التلخيص في أصول الفقه أن هذه المسألة من محارات العقول وأبو الحسين ~~البصري وهو أحذق المعتزلة توقف فيها منحن أيضا نختار التوقف فإذن لا حاجة ~~بنا إلى جواب عما ذكره # فإذا كان أذكى المتأخرين من الأشعرية النافية للصفات الخبرية وأمامهم وهو ~~أبو المعالي وأذكى متأخري المعتزلة وهو أبو الحسين وابن الخطيب إمام متبعيه ~~توقفوا في كون الجسم هل هو مركب من الجواهر المنفردة التي لا تنقسم أم ليس ~~مركبا منها كانت هذه المقدمة التي استدل بها مما لا يعلم صحتها أفاضل ~~الطوائف المتبوعين الموافقين له فقوله بتسليمهم ذلك حجة فاسدة وأقل ما في ~~ذلك أن هذه المقدمة ممنوعة فلا يسلم له منازعوه أن الجسم أقله أن يكون ~~مركبا من جوهرين والنزاع في ذلك بين أهل الكلام بعضهم مع بعض وبين ~~المتفلسفة أيضا مشهور وهو لم يذكر حجة على كونه مركبا فلا يكون قد ذكر ~~دليلا أصلا # فإن قيل نفاة الفرد يقولون أنه يقبل التقسيم والتجزئ إلى غير غاية فما من ~~جزء إلا وهو يحتمل التقسيم فيكون عدم الوحدة في الجسم أبلغ على قولهم # قيل هؤلاء أن قالوا أن لفظ الواحد لا يقال إلا على ما لا يقبل القسمة ~~وعندهم كل شئ قابل للقسمة فهذا اللفظ عندهم ليس له مسمى معلوم متفق عليه ~~أصلا إذ مورد النزاع فيه من الخفاء والنزاع ما لا يصلح أن يكون اللفظ مختصا ~~PageV01P496 به إذ اللفظ المشهور بين العامة والخاصة لا يكون مسماه ما قد ~~تنازع الناس في إثباته ولا يعلم إلا بدقيق النظر إن سلم ثبوته # وأيضا فهؤلاء يصرحون بأن الجسم في نفسه واحد بسيط ليس مركبا من جوهرين ~~ولا من جواهر وإذا كانوا يصفونه بالوحدة ويمنعون أن يكون مركبا لا من ~~جوهرين امتنع أن تصح هذه الحجة على أصلهم # فهذه الوجوه الأربعة تبين بطلان ما ذكره من دلالة اسم الأحد على نفي كونه ~~جسما # الوجه الخامس إن الجسم إما أن يكون ms405 مركبا من الجواهر المنفردة وأقل ما ~~يترتب من جوهرين أو لا يكون فإن كان الأول صحيحا بطلت الحجة الثانية التي ~~ذكرها على نفي كونه جوهرا فإنها مبنية على أن الجسم ليس أقله أن يكون مركبا ~~من جوهرين وإن كان باطلا فسدت هذه الحجة التي نفى بها كونه جسما فثبت بطلان ~~إحدى الحجتين وبقيت الحجة الثالثة التي ذكرها لنفي الجوهر الفرد وسنتكلم ~~عليها إن شاء الله # وذلك أن الجسم إن كان أقله مركبا من جوهرين فالجوهر ليس بمنقسم بل هو فرد ~~فلا تصح تلك الحجة وإن لم يكن أقله مركبا من جوهرين بطلت هذه الحجة فبطلت ~~إحدى الحجتين إما التي نفى بها التجسيم أو التي نفى بها الجوهر ويلزم من ~~بطلان إحداهما بطلان الأخرى # الوجه السادس أن يقال ما ذكرته في منع الجوهر الفرد وأن كل متحيز فهو ~~منقسم قد اعترفت بأن هذه الحجة مكافئة لنظيرها ولم تعلم الحق في ذلك ~~PageV01P497 # ثم يقال قولك وثبت أن كل منقسم فهو ليس بأحد هذا لا يصح على قول هؤلاء ~~فأنتم تقولون الجسم واحد في نفسه كما أنه واحد في الحس وهو واحد مستقل ليس ~~مركبا من الجواهر المنفردة فتصفونه بالوحدة وإن قالوا أنه قابل للانقسام ~~فقبوله للإنقسام عندهم لا يمنع وصفه بالوحدة عندهم و تسميتهم إياه واحدا بل ~~يصفون بالوحدة ما هو أبلغ من ذلك فيقولون واحد واحد بالجنس وواحد بالنوع ~~وواحد بالشخص # الوجه السابع أن يقال قولك وثبت أن كل منقسم فهو ليس بأحد لم تذكر على ~~هذا دليلا أصلا لا بينة ولا شبهة وهو لم يذكر قبل هذا إلا أن الجسم مركب من ~~جوهرين وقال وذلك ينافي الوحدة وتلك أيضا دعوى لم تقم عليها دليلا ولو ثبت ~~ذلك في ما هو مركب بالفعل لم يثبت فيما هو قابل للقسمة فإن هذا ليس فيه من ~~التعدد ما في ذلك المركب فكيف إذا لم تذكر حجة على شيء من ذلك فأين هذا ~~الثبوت الذي أحال عليه والشيء لا يقال فيه ثبت إلا إذا ms406 كان معلوما بالبديهة ~~أو قد أقيمت عليه حجة # الوجه الثامن إن طوائف كثيرة من أبناء جنسك المتكلم من الأولين والآخرين ~~يقولون إنه لا موجود إلا جسم أو ما قام به أولا موجود إلا الجسم فقط وأنه ~~لا يعقل موجود إلا كذلك فهؤلاء عندهم إذا فسرت الأحد بما ليس بجسم ولا جوهر ~~يقولون لك فسرته بالمعدوم مثل أن تفسره بما لا يقوم بنفسه أو بغيره أو ~~تفسره بما ليس بخالق ولا مخلوق أو تفسره بما ليس بقديم ولا محدث فتحتاج ~~أولا أن تثبت وجود موجود غير الجسم ليمكنك تفسير لفظ الأحد به وإذ كانت ~~حجتك موقوفة على هذه المقدمة فلو ثبتت هذه المقدمة استغنيت عن هذه الأدلة ~~التي ذكرت إنها سمعية لا تتم PageV01P498 # الوجه التاسع أن يكون لفظ الأحد لا يقال على الجسم والجوهر ليس نصا في ~~اللغة ولا ظاهرا بل إن كان صحيحا فإنما يعلم بهذه المقدمات الخفية التي ~~فيها نزاع عظيم بين أهل الأرض ومعلوم إن إفهام المخاطبين بمثل هذه الطريق ~~لا يجوز وليس هذا من البلاغ المبين الذي وصف الله به الرسول وقد وصف كتابه ~~بأنه بيانا للناس وليس هذا من البيان في شيء لا سيما والقوم كانوا يستعملون ~~لفظ الواحد والأحد في كلامهم وهم لا يعلمون إلا الجسم أو ما قام به لا ~~يطلقون هذا اللفظ إلا على ذلك فإذا قصد بهذا اللفظ أن يبين لهم أن معناه لا ~~يكون جسما كانوا قد خوطبوا بنقيض معنى لغتهم ولو فرض أن لغتهم لا تنفي هذا ~~فهي لا تدل عليه بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام الظاهر بل بلزوم خفي ~~لا يصلح مثله لدلالة اللفظ فإنه يحتاج أن يقال لهم لفظ الأحد والواحد ينفي ~~العدد فهذا ظاهر ثم يقال لهم وكل ما ترونه وتعلمونه من الموجودات فليس هو ~~واحدا لأن يمينه ليست بيساره وأعلاه ليس هو أسفله وكل ما يتميز منه شيء عن ~~شيء فليس هو بواحد ولا أحد ومعلوم أن هذا لا يخطر ببال عامة الخلق بل لا ~~يتصوره ms407 إلا بعد كلفة وشدة وإذا تصوروه أنكرته فطرتهم وأنكروا أن يكون هذا ~~لسانهم الذي خوطبوا به واستلزم ذلك أن يقال الشمس ليست واحدة والقمر ليس ~~واحدا وكل كوكب من هذه الكواكب ليس واحدا وكل سماء من السموات ليست واحدة ~~وكل إنسان ليس بواحد وكل عين ويد ورجل وحاجب وأنف وسن وشفة ورأس وشجرة ~~وورقة وثمرة وغير ذلك ليس واحدا إذ هذا جميعه يميز جانب منه عن جانب وأعلاه ~~عن أسفله # الوجه العاشر أن هذه الحجة يحتج بها نفاة الصفات بأسرها الذين يقولون ليس ~~الله علم ولا قدرة ولا حياة فإن تعدد الصفات يمنع أن يكون الموصوف بها ~~PageV01P499 أحدا وينافي الوحدة لأن هناك عددا من الصفات والوحدة تنافي ~~العدد ولذا احتج الجهمية المحضة بهذه الحجة كما ذكره الإمام أحمد وغيره ~~وهذا المستدل هو ممن يثبت الصفات في الجملة ويقول بإثبات الصفات السبع من ~~الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة فإن كانت هذه الحجة ~~صحيحة لزم إبطال مذهبه ذاك وإن كانت باطلة لزم بطلان هذا الاستدلال وما كان ~~جوابه عن استدلال نفاة الصفات مطلقا بها كان جوابا لمنازعيه في إثبات العلو ~~وما يتبعه بل ذلك يبطل استدلاله بذلك على المجسمة المحضة # الوجه الحادي عشر أن يقال أعظم الناس نفيا للصفات غلاة الفلاسفة ~~والقرامطة وأئمتهم من المشركين الصابئين وغيرهم وهم لا بد إذا أثبتوا ~~الصانع أن يثبتوا وجوده ويثبتوا أنه واجب الوجود غير ممكن الوجود وأن أبدع ~~العالم سواء قالوا إنه علة أو والدا أو غير ذلك فمسمى الوجود إن كان هو ~~مسمى الوجوب لزم أن يكون كل موجود واجبا بنفسه وهو خلاف المشهود بالإحساس ~~وإن كان هذا المسمى ليس هذا المسمى ففيه معنيان وجود ووجوب ليس الوجوب مجرد ~~عدم إذ هو توكيد الوجود والعدم المحض لا يؤكد بالوجود # فإن كان لفظ الأحد والواحد يمنع تعدد المعاني المفهومة الثبوتية بالكلية ~~كما يزعم ابن سينا وذويه من مرتدة العرب المتبعين لمرتدة الصابئة إنه إذا ~~كان واحدا من كل وجه فيه تعدد من جهة ms408 الصفة ولا من جهة القدر ويعبر عن ذلك ~~بأنه ليس فيه أجزاء حد ولا أجزاء كم لزم أن يكون الوجوب والوجود والإبداع ~~معنى واحد وهو معلوم الفساد بالبديهة وإن كان PageV01P500 هو نفسه مقسما ~~بالأحد والواحد مع ثبوت هذه المعاني المتعددة علم أن هذا الاسم لا يوجب نفي ~~الصفات بل هو سبحانه أحد واحد لا شبيه له ولا شريك وليس كمثله شيء بوجه من ~~الوجوه وكذلك هو أيضا ذات وهو قائم بنفسه باتفاق الخلائق كلهم وسائر الذوات ~~وكل ما هو قائم بنفسه يشاركه في هذا الاسم ومعناه كما يشاركه في اسم الوجود ~~ومعناه وهو سبحانه يتميز عن سائر الذوات وسائر ما هو قائم بنفسه بما هو ~~مختص به من حقيقته التي تميز بها وانفرد واختص عن غيره كما تميز بوجوب ~~وجوده وخصوص تلك الحقيقة ليس هو المعنى العام المفهوم من القيام بالنفس ومن ~~الذوات كما أن خصوص وجوب الوجود ليس هو المعنى العام المفهوم من الوجود ~~فسواء سمى المسمي هذا تعادا أو تركيبا أو لم يسمه هو ثابت في نفس الأمر لا ~~يمكن دفعه والحقائق الثابتة لا تدفع بالعبارات المجملة المبهمة وأن شنع بها ~~الجاهلون # الوجه الثاني عشر قوله أن مثبتة الجوهر الفرد يمكنهم الاحتجاج بهذه الآية ~~على نفي كونه جوهرا فردا من وجه آخر وهو أن الأحد كما يراد به نفي التركيب ~~والتأليف في الذات فقد يراد به نفي الضد والند ولو كان تعالى جوهرا فردا ~~لكان كل جوهر فرد كفوا له # يقال هذه الدلالة مشتركة بين جميع الناس نفاة الجوهر وغيرهم فكل أحد ~~يمكنه من ذلك ما أمكن هؤلاء # وأيضا فالمطلوب بهذا الدليل وهو نفي كونه جوهرا فردا أمر متفق عليه بين ~~الخلائق كلهم بل هو معلوم بالضرورة العقلية أن رب السموات والأرض ليس في ~~القدر بقدر الجوهر الفرد فإنه عند مثبتيه أمر لا يحسه أحد من حقارته ~~PageV01P501 فهو أصغر من الذرة والهباه وغير ذلك فكيف يخطر ببال أحد أن رب ~~العالمين بهذا القدر حتى يحتاج هذا إلى دليل ms409 على نفيه ولا ريب أن كونه ~~واحدا يمنع أن يكون له شبيه وكذلك قوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ يمنع ~~الكفؤ فيمنع أن يكون من الجواهر المتماثلة لكن هذه الدلالة إنما تتم إذا ~~كانت الجواهر المنفردة في حقائقها # الوجه الثالث عشر قوله وإذا ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر وجب أن لا يكون في ~~شيء من الأحياز والجهات # يقال له هذا مما ينازعك فيه كثير من أصحابك وغيرهم من متكلمي الصفاتية ~~ويقولون قد يكون في الجهة ما ليس بجسم وهذا هو الذي سلمته لهم في أشرف كتبك ~~وهو نهاية العقول قال المسألة الثالثة في أنه تعالى ليس في الجهة وقبل ~~الخوض في الاستدلال لا بد من البحث عما لا يكون جسما هل يمكن بعقل حصوله في ~~الجهة أم لا فإن لم يعقل حصوله كانت الدلالة على نفي الجسمية كافية في نفي ~~الجهة قال وزعم من أثبت الجهة ونفي الجسمية أنا نعلم بالضرورة اختصاص ~~الأكوان بالجهات المخصوصة مثل الكون القائم بأعلى الجدار والكون القائم ~~بأسفله ولا يضرنا في ذلك ما يقال الأكوان إنما تحصل في الجهات على طريق ~~التبعية لمحلها لأنا نقول الحصول في الجهة أعم من الحصول في الجهة ~~بالاستقلال أو التبعية وتسليم الخاص يتضمن تسليم العام فإذا سلمتم اختصاص ~~الأكوان بالجهات على سبيل التبعية فقد سلمتم اختصاص PageV01P502 الأكوان ~~بالجهات ومتى ثبت ذلك أنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسما نفي اختصاصه ~~بالحيز والجهة # قال وإذا ثبت ذلك وجب علينا بعد الفراغ من نفي الجسمية عن الله إقامة ~~الدليل على نفي حصوله في الحيز والجهة ثم احتج على ذلك بما تكلمنا عليه في ~~موضعه لما ذكرناه # فهذا الكلام وإن كان لمن قال بالأول أن يقول يلزم من نفي كون الشيء جسما ~~أو قائما بجسم نفي اختصاصه بالحيز والجهة لكن المقصود هنا أن كثيرا من ~~الصفاتية أهل الكلام كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي الحسن ~~الأشعري وغيرهم من أئمة الصفاتية المتكلمين من يقول ليس بجسم ولا جوهر ms410 ~~ويقول مع ذلك إنه فوق العرش كما قرروه في كتبهم لكن من هؤلاء من يطلق لفظ ~~الجهة ومنهم من لا يطلق لفظ الجهة ولفظ الحيز وهذا قول طوائف من الفقهاء ~~أهل المذاهب الأربعة ومن الصوفية وأهل الحديث وغيرهم يجمعون بين نفي الجسم ~~وبين كونه نفسه فوق العرش # قال أبو عبد الله الرازي واعلم أنه تعالى كما نص على أنه تعالى واحد فقد ~~نص على البرهان الذي لأجله يجب الحكم بأنه أحد وذلك أنه قال @QB@ هو الله ~~أحد @QE@ وكونه إلها يقتضي كونه غنيا عما سواه وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل ~~واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره وكونه ~~إلها يمنع من كونه مفتقرا إلى غيره وذلك يوجب القطع بكونه أحدا وكونه أحدا ~~يوجب القطع بأنه ليس بجسم ولا جوهر ولا في حيز وجهة فثبت PageV01P503 أن ~~قوله تعالى @QB@ هو الله أحد @QE@ برهان قاطع على ثبوت هذه المطالب # قال الشيخ رحمه الله مضمون هذه الحجة الاحتجاج بما في أسمائه من الدلالة ~~على لفظ الغنى على عدم هذه الصفات وقال إن ثبوت ما أثبته الدليل من هذه ~~الصفات لم يوجب حاجة الرب إليها وقال أيضا إن هذه الحجة من جنس حجة الجهمية ~~المحضة على نفي الصفات بأنه لو كانت له علم وقدرة وحياة لكان محتاجا في أن ~~يعلم ويقدر ويتكلم إلى علم وقدرة وكلام وقال إن الغني الصمد هو غني عن ~~مخلوقاته ومصنوعاته لا يصح أن يقال هو غني عن نفسه وذاته وقال إن المخلوق ~~إذا صح تسميته بأنه غني وأنه صمد مع ماله من الصفات ولا ينافي ذلك إطلاق ~~هذا الاسم كيف يصح أن يقال إن تسمية الخالق بهذه الأسماء ينافي هذه الصفات # وقال الشيخ رحمه الله ومعنى المركب عندهم أعم من معناه في اللغة فإن ~~المركب والمؤلف في اللغة ما ركبه مركب وألفه مؤلف كالأدوية من المعاجين ~~والأشربة ونحو ذلك وبالمركب ما ركب على غيره أو فيه كالباب المركب في موضعه ~~ونحوه ومنه قوله ms411 تعالى @QB@ في أي صورة ما شاء ركبك @QE@ وبالتأليف التوفيق ~~بين القلوب ونحو ذلك ومنه قوله تعالى @QB@ والمؤلفة قلوبهم @QE@ وقوله @QB@ ~~وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ~~ألف بينهم إنه عزيز حكيم @QE@ وقوله @QB@ إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~@QE@ PageV01P504 وللناس اصطلاحات في المؤلف والمركب كما للنحاة اصطلاح فقد ~~يعنون بذلك الجملة التامة وقد يعنون ما ركب تركيب مزج كبعلبك وقد يعنون به ~~المضاف وما يشبهه وهو ما ينصب في النداء وللمنطقيين ونحوهم من أهل الكلام ~~اصطلاحات آخر يعنون به ما دل جزؤه على جزء معناه فيدخل في ذلك المضاف إذا ~~قصد به الإضافة دون العلمية ولا يدخل فيه بعلبك ونحوه ومنهم من يسوي بين ~~المؤلف والمركب ومنهم من يفرق بينهما وهذا كله تأليف في الأقوال وأما ~~التأليف في الأعيان فأولئك إذا قالوا أن الجسم هو المؤلف والمركب لا يعنو ~~به ما كان مفترقا فاجتمع ولا ما يقبل التفريق بل يعنون به ما تميز منه جانب ~~عن جانب كالشمس والقمر وغيرهما من الأجسام وأما المتفلسفة فالمؤلف والمركب ~~عندهم أعم من هذا يدخلون في ذلك تأليفا عقليا لا يوجد في الأعيان ويدعون أن ~~النوع تؤلف من الجنس والفصل فإذا قلت الإنسان حيوان ناطق قالوا إن الإنسان ~~مؤلف من هذين وإنما هو موصوف بهما # وأما لفظ الجسم فإن الجسم عند أهل اللغة كما ذكره الأصمعي وأبو عبيد ~~وغيرهما هو الجسد والبدن قال تعالى @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم @QE@ وقال تعالى @QB@ وزاده بسطة في العلم والجسم @QE@ ~~فهو يدل في اللغة على معنى الكثافة والغلظ كغلظ الجسد ثم يراد به نفس ~~الغليظ وقد يراد به غلظه فيقال لهذا الثوب جسم أي غلظ وكثافة ويقال هذا ~~أجسم من هذا أي أغلظ وأكثف ثم صار لفظ الجسم في اصطلاح أهل الكلام أعم من ~~ذلك فيسمون الهواء وغيره من الأمور اللطيفة جسما وإن كانت العرب لا تسمى ~~هذا جسما وبينهم نزاع فيما يسمى جسما هل هو مركب من ms412 الجواهر المنفردة التي ~~لا يتميز منها شيء إما جواهر متناهية كما يقول النظام والتزم الطفرة ~~المعروفة بطفرة النظام أو هو مركب من المادة والصورة كما يقوله من يقوله من ~~المتفلسفة أو ليس مركبا لا من هذا ولا من هذا كما PageV01P505 يقوله أكثر ~~الناس وهو قول الهاشمية والكلابية والنجارية والضرارية وكثير من الكرامية ~~على ثلاثة أقوال وكثير من الكتب ليس فيها إلا القولان الأولان والصواب أنه ~~ليس مركبا لامن هذا ولا من هذا كما قد بسط في موضعه # والمقصود هنا بيان منشأ النزاع في مسمى الجسم والنظار كلهم متفقون فيما ~~أعلم على أن الجسم يشار إليه وأن اختلفوا في كونه مركبا من الأجزاء ~~المنفردة أو من المادة والصورة أولا من هذا ولا من هذا وقد تنازع العقلاء ~~أيضا هل يمكن وجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يمكن أن يرى على ~~ثلاثة أقوال فقيل لا يمكن ذلك بل هو ممتنع وقيل بل هو ممتنع في المحدثات ~~الممكنة التي تقبل الوجود والعدم دون الواجب وقيل بل ذلك ممكن في الممكن ~~والواجب وهذا قول بعض الفلاسفة ومن وافقهم من أهل الملل ومثبتو ذلك يسمونها ~~المجردات والمفارقات وأكثر العقلاء يقولون إنما وجود هذه في الأذهان لا في ~~الأعيان وإنما يثبت من ذلك وجود نفس الإنسان التي تفارق بدنه وتتجرد عنه # فإذا عرف تنازع النظار في حقيقة الجسم فلا ريب أن الله سبحانه ليس مركبا ~~من الأجزاء المنفردة ولا من المادة والصورة ولا يقبل سبحانه التفريق ~~والاتصال ولا كان متفرقا فاجتمع بل هو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد فهذه المعاني المعقولة من التركيب كلها منتفية عن الله ~~تعالى لكن المتفلسفة ومن وافقهم تزيد على ذلك وتقول إذا كان موصوفا بالصفات ~~كان مركبا وإذا كانت له حقيقة ليست هي مجرد الوجود كان مركبا فيقول لهم ~~المسلمون المثبتون للصفات النزاع ليس في لفظ المركب فإن هذا اللفظ إنما يدل ~~على مركب ركبه غيره ومعلوم أن فلانا لا يقول أن ms413 الله تعالى مركب بهذا ~~الاعتبار وقد يقال لفظ المركب على ما كانت أجزاؤه متفرقة فجمع إما جمع ~~امتزاج وإما غير امتزاج كتركيب الأطعمة والأشربة PageV01P506 والأدوية ~~والأبنية واللباس من أجزائها ومعلوم نفي هذا التركيب عن الله ولا نعلم ~~عاقلا يقول أن الله تعالى مركب بهذا الاعتبار وكذلك التركيب بمعنى أنه مركب ~~من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة وهو التركيب الجسمي وهذا أيضا ~~منتف عن الله تعالى والذين قالوا أن الله جسم قد يقول بعضهم أنه مركب هذا ~~التركيب وإن كان كثير منهم بل أكثرهم ينفون ذلك ويقولون إنما نعني بكونه ~~جسما أنه موجود أو قائم بنفسه وأنه يشار إليه أو نحو ذلك لكن بالجملة هذا ~~التركيب وهذا التجسيم يجب تنزيه الرب عنه # وأما كونه سبحانه ذاتا مستلزمة لصفات الكمال له علم وقدرة وحياة فهذا لا ~~يسمى مركبا فيما يعرف من اللغات وإذا سمى هذا مركبا لم يكن النزاع معه في ~~اللفظ بل في المعنى العقلي ومعلوم أنه لا دليل على نفي هذا كما قد بسط في ~~موضعه بل الدلالة العقلية توجب إثباته ولهذا كان جميع العقلاء مضطرين إلى ~~إثبات معن متعددة لله تعالى فالمعتزلي يسلم أنه حي عالم قادر ومعلوم أن ~~كونه حيا ليس هو معنى كونه عالما ومعنى كونه عالما ليس معنى كونه قادرا ~~والمتفلسف يقول إنه عاقل ومعقول وعقل ولذيذ ومتلذ ولذة وعاشق ومعشوق وعشق ~~ومعلوم بصريح العقل أن كونه يحب ليس كونه محبوبا وكونه معلوما ليس معنى ~~كونه عالما ومعنى كونه قادرا مؤثرا فاعلا وذلك هو نفس ذاته فيجعل العلم هو ~~القدرة وهو الفعل وتجعل القدرة هي القادر والعلم هو العالم والفعل هو ~~الفاعل وهذه الأقوال صريح العقل ومجرد تصورها التام يكفي في العلم بفسادها ~~وليس فرارهم إلا من معنى التركيب وليس معهم قط حجة على نفي مسمى التركيب ~~بجميع هذه المعاني بل عمدتهم أن المركب مفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه غيره ~~والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه بل يكون معلوما وهذه الحجة ألفاظها ~~كلها مجملة فلفظ ms414 الواجب بنفسه يراد به الذي لا فاعل له PageV01P507 فليس له ~~علة فاعلة ويراد به لذي لا يحتاج شيء إلى مباين له ويراد به القائم بنفسه ~~الذي لا يحتاج إلى مباين له وعلى الأول والثاني فالصفات واجبة الوجود ~~والبرهان إنما قام على أن الممكنات لها فاعل واجب الوجود قائم بنفسه أي غني ~~عما سواه والصفة ليست هي الفاعل # وقوله إذا كانت له ذات وصفات كان مركبا والمركب مفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه ~~غيره فلفظ الغير مجمل يراد بالغير المباين فالغيران ما جاز مفارقة أحدهما ~~الآخر بزمان أو مكان أو وجود وهذا اصطلاح الأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء ~~أتباع الأئمة الأربعة ويراد بالغيرين ما ليس أحدهما الآخر أو ما جاز العلم ~~بأحدهما مع الجهل بالآخر وهذا اصطلاح طوائف من المعتزلة والكرامية وغيرهم ~~وأما السلف كالإمام أحمد وغيره فلفظ الغير عندهم يراد به هذا ويراد به هذا ~~ولهذا لم يطلقوا القول بأن علم الله غيره ولا أطلقوا القول بأنه ليس غيره ~~ولا يقولون هو هو ولا هو غيره بل يمتنعون عن إطلاق المجمل نفيا وإثباتا لما ~~فيه من التلبيس فإن الجهمية يقولون ما سوى الله مخلوق وكلامه غيره فيكون ~~مخلوقا فقال أئمة السنة إذا أريد بالغير والسوى ما هو مباين له فلا يدخل ~~علمه وكلامه في لفظ الغير والسوى كما لم يدخل في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حلف بغير الله فقد أشرك وقد ثبت في السنة جواز الحلف بصفاته كعزته ~~وعظمته فعلم فعلم أنها لا تدخل في مسمى الغير عند الإطلاق وإذا أريد بالغير ~~أنه ليس هو إياه فلا ريب أن العلم ليس هو العالم والكلام ليس هو المتكلم ~~وكذلك لفظ افتقار المفعول إلى فاعله ونحو ذلك ويراد به التلازم بمعنى أنه ~~لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر وإن لم يكن أحدهما مؤثرا في الآخر كالأمور ~~المتضايقة مثل الأبوة والبنوة والمركب قد عرف ما فيه من الإشراك فإذا قال ~~القائل لو كان عالما لكان مركبا من ذات وعلم فليس المراد PageV01P508 به ms415 أن ~~هذين كانا مفترقين فاجتمعا ولا أنه يجوز مفارقة أحدهما بل المراد أنه إذا ~~كان عالما فهناك ذات وعلم قائم بها # وقوله والمركب مفتقر إلى أجزائه فمعلوم أن افتقار المجموع إلى أبعاضه ليس ~~بمعنى أن بعض فعله أو وجدت دونه وأثرت فيه بل المعنى أنه لا يوجد إلا بوجود ~~المجموع ومعلوم أن الشيء لا يوجد إلا بوجود نفسه وإذا قيل هو مفتقر إلى ~~نفسه بهذا المعنى لم يكن ممتنعا بل هذا هو الحق فإن نفس الواجب لا يستغني ~~عن نفسه وإذا قيل هو واجب بنفسه فليس المراد أبدعت وجوده بل المراد أن نفسه ~~موجودة بنفسها لم تفتقر إلى غيره في ذلك ووجوده واجب لا يقبل العدم بحال ~~فإذا قيل مثلا العشر مفتقر إلى العشرة لم يكن في هذا افتقار لها إلى غيرها ~~وإذا قيل هي مفتقرة إلى الواحد الذي هو جزؤها لم يكن افتقارها إلى بعضها ~~أعظم من افتقارها إلى المجموع التي هي هو وإذا لم يكن ذلك ممتنعا بل هو ~~الحق فأنه لا يوجد جزئه والدليل إنما دل على أن الممكنات لها مبدع واجب ~~بنفسه خارج عنها أما كون ذلك المبدع مستلزما لصفاته أو لا يوجد إلا متصفا ~~بصفات الكمال فهذا لم ينف بحجة أصلا ولا هذا التلازم سواء سمي فقرا أو لم ~~يسم مما ينافي كون المجموع واجبا قديما أزليا لا يقبل العدم بحال # وأيضا فتسمية الصفات القائمة بالموصوف جزءا له ليس هو من اللغة المعروفة ~~إنما هو اصطلاح لهم كما يسمون الموصوف مركبا وإلا فحقيقة الأمر أن الذات ~~المستلزمة للصفة لا توجد إلا وهي متصفة بالصفة وهذا حق وإذا تنزل إلى ~~اصطلاحهم المحدث وسمي هذا جزءا فالمجموع لا يوجد إلا بوجود جزئه الذي هو ~~PageV01P509 بعضه وإذا قيل هو مفتقر إلى بعضه لم يكن هذا إلا دون قول ~~القائل هو مفتقر إلى نفسه الذي هو المجموع وإذا كان لا محذور فيه فهذا أولى ~~وإذا قيل أجزاؤه غيره والواجب لا يفتقر إلى غيره قيل إن أردت أن جزئه مباين ms416 ~~له وأنه يجوز مفارقة أحدهما الآخر بوجه من الوجوه فهذا باطل فليس جزؤه غيره ~~بهذا التفسير وإن أردت أنه يمكن العلم بأحدهما دون العلم بالآخر كما نعلم ~~أنه قادر قبل العلم بأنه عالم ونعلم الذات قبل العلم بصفاتها فهو غيره بهذا ~~التفسير وقد علم بصريح العقل أنه لا بد من إثبات معان هي أعيان بهذا ~~التفسير وإلا فكونه قائم بنفسه ليس هو كونه عالم وكونه عالما ليس كونه حيا ~~وكونه حيا ليس كونه قادرا ومن جعل هذه الصفة هي الأخرى وجعل الصفات كلها هي ~~الموصوف فقد انتهى في السفسطة إلى الغاية وليس هذا إلا كمن قال السواد هو ~~والبياض والسواد والبياض هو الأسود والأبيض ثم هؤلاء الذين نفوا المعاني ~~التي يتصف بها كلهم متناقضون يجمعون في قولهم بين النفي والإثبات وقد جعلوا ~~هذا أساس التعطيل والتكذيب بما علم بصريح المعقول وصحيح المنقول # والمقصود هنا أن من نفى الجسم وأراد به نفي التركيب من الجواهر الفردة أو ~~من المادة والصورة فقد أصاب في المعنى لكن منازعوه يقولون هذا الذي قلته ~~ليس هو مسمى الجسم في اللغة ولا هو أيضا حقيقة الجسم الاصطلاحي وإن كان ~~منازعوه ممن ينفي التركيب من هذا وهذا فالفريقان متفقان على تنزيه الرب عن ~~ذلك لكن أحدهما يقول نفي الجسم لا يفيد هذا التنزيه وإنما يفيده لفظ هذا ~~التركيب ونحوه والآخر يقول بل لفظ الجسم يفيد هذا التنزيه ومن قال هو جسم ~~فالمشهور عن نظار الكرامية وغيرهم ممن يقول هو جسم أنه يفسر ذلك بأنه ~~الموجود أو القائم بنفسه لا بمعنى المركب وقد اتفق PageV01P510 الناس على ~~أن من قال أنه جسم وأراد هذا المعنى فقد أصاب في المعنى لكن إنما يخطؤه في ~~اللفظ أما من يقول الجسم هو المركب فيقول أخطأت استعملت لفظ الجسم في ~~القائم بنفسه أو الموجود وأما من يقول بأن كل جسم مركب فيقول تسميتك لكل ~~موجود أو قائم بنفسه جسما ليس هو موافقا للغة العرب المعروفة ولا تكلم بهذا ~~اللفظ أحد من السلف والأئمة ms417 ولا قالوا أن الله جسم فأنت مخطئ في اللغة ~~والشرع وإن كان المعنى الذي أردته صحيحا # قال الرازي وأما قوله @QB@ الله الصمد @QE@ فالصمد هو السيد المصمود إليه ~~في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم وعلى أنه غير مختص بالحيز والجهة أما ~~بيان دلالته على نفي الجسمية فمن وجوه الأول إن كل جسم فهو مركب وكل مركب ~~فهو محتاج إلى واحد من أجزائه وكل من أجزائه غيره فكل مركب فهو محتاج إلى ~~غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنيا فلم يكن صمدا مطلقا # قال الشيخ رحمه الله والاسم الصمد فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن إنها ~~مختلفة وليس كذلك بل كلها صواب والمشهور منها قولان أحدهما أن الصمد هو ~~الذي لا جوف له والثاني أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج والأول هو قول ~~أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة والثاني قول طائفة من ~~السلف والخلف وجمهور اللغويين PageV01P511 والاشتقاق يشهد للقولين جميعا ~~وهو على الأول أدل # وكون الصمد يصمد إليه في الحوائج هو حق أيضا وهو مقرر للتفسير الأول ودال ~~عليه فلا ينافي أن يكون هو نفسه مجتمعا لا جوف له بل كونه في نفسه كذلك فهو ~~الموجب لاحتياج الناس إليه # وأما استدلال هؤلاء المتأخرين بذلك على نفي الجسم والحد فباطل أيضا هو ~~قلب الدلالة فإن كون الموصوف مصمتا لا يمنع أن يكون جسما أو محدودا كسائر ~~ما وصف بأنه مصمد # وأما استدلال المجسمة الذين يقولون أن الله لحم ودم وعظم ونحو ذلك والذين ~~يجعلون الباري من جنس شئ من الأجسام المخلوقة بهذا الاسم فباطل لوجوه أحدها ~~أن هذا اللفظ على ذلك من تفاسيره الثاني أن الملائكة موصوفة بأنها صمد ~~والأجسام المصمتة موصوفة بأنها صمد وليست لجما ودما # قال الرازي لو كان مركبا من الجوارح والأعضاء لاحتاج في الإبصار إلى ~~العين وفي الفعل إلى اليد وفي المشي إلى الرجل وذلك ينافي كونه صمدا مطلقا # قلت هذه الحجة كان يمكن أن يذكرها في اسم الله كما ذكرها في ms418 الاسم الصمد ~~إذ مضمونها الاحتجاج بما في أسمائه من الدلالة على الغنى على عدم هذه ~~PageV01P512 الصفات لكن لما كانت من جنس الحجة التي قبلها لم يذكرها إلا في ~~الاسم الصمد لظهور دلالته على الغنى وقد قدمنا أن لفظ الجوارح والأعضاء مما ~~لا يقولها الصفاتية فمضمون حجته أنه لو كان الله خلق آدم بيديه وكتب ~~التوراة بيده وخلق عدن بيده لكان الله محتاجا في الفعل إلى يد وذلك ينافي ~~كونه صمدا وهذا قد ثبت بالكتاب والسنة الصحيحة المتفق على صحتها المتلقاة ~~بالقبول # والكلام على هذا من وجوه أحدها أن ثبوت ما أثبته الدليل من هذه الصفات لم ~~يوجب حاجة الرب إليها فأن الله سبحانه قادر أن يخلق ما يخلقه بيديه وقادر ~~أن يخلق ما يخلقه بغير يديه وقد وردت الأثارة من العلم بأنه خلق بعض ~~الأشياء بيديه وخلق بعض الأشياء بغير يديه قال عثمان بن سعيد الدرامي حدثنا ~~عبد الله بن صالح حدثني هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص قال لقد قالت الملائكة يا ربنا منا الملائكة ~~المقربون ومنا حملة العرش ومنا الكرام الكاتبون ونحن نسبح الله بالليل ~~والنهار ولا نسأم ولا نفتر خلقت بني آدم فجعلت لهم الدنيا وجعلتهم يأكلون ~~ويشربون ويتزوجون فكما جعلت لهم الدنيا فأجعل لنا الآخرة فقال لن أفعل ثم ~~عادوا فاجتهدوا المسألة فقال لن أفعل ثم عادوا فاجتهدوا المسألة بمثل ذلك ~~فقال لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان وقد روى نحو هذا ~~عبد الله بن أحمد بم حنبل في كتاب السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أظنه ~~مرسلا قال الدرامي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا ~~عبيد بن مهران وهو الكاتب حدثنا مجاهد قال قال عبد الله بن عمر خلق الله ~~أربعة أشياء بيده العرش والقلم PageV01P513 وعدن وآدم ثم قال لسائر الخلق ~~كن فكان وقال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن ms419 عطاء بن السائب عن ~~ميسرة قال إن الله لم يمس شيئا من خلقه غير ثلاث خلق آدم بيده وكتب التوراة ~~بيده وغرس جنة عدن بيده وقال حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع ~~حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن كعب قال لم يخلق الله بيده غير ~~ثلاث خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده ثم قال لها تكلمي ~~قالت قد أفلح المؤمنون وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الشفاعة أن موسى يقال له أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح ~~بيده وفي لفظ وكتب لك التوراة بيده وثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال وغرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده # وأما الفعل باليد غير الخلق فقد ثبت بالكتاب والسنة قبضه الأرض والسموات ~~وقد تواترت بذلك الأحاديث المشهورة في الصحيحين وغيرهما كقوله يطوي الله ~~السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون ~~أين المتكبرون ثم يطوي الأرض بيده الأخرى وفي رواية مسلم بشماله ثم يقول ~~أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون وقوله تكون الأرض يوم القيامة خبزة ~~واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة # وهذا كما أنه سبحانه وتعالى قد كتب في اللوح المحفوظ وفي غيره ما كتبه من ~~مقادير الخلائق وقال تعالى @QB@ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ~~إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما ~~فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم @QE@ PageV01P514 ثم لم تدل كتابته لذلك على ~~انه محتاج إلى الكتاب والكتاب خوف النسيان والغلط مع أن الكتاب أمر منفصل ~~عنه فخلقه ما يخلقه بيديه أولى أن لا يدل على حاجته إلى ذلك # الوجه الثاني أن يقال له إنه سبحانه الغني الصمد القادر وقد خلق ما خلقه ~~من أمر السموات والأرض الدنيا والآخرة بالأسباب التي خلقها ms420 وجعل بعض ~~المخلوقات سببا لبعض كما قال تعالى @QB@ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا ~~به من كل الثمرات @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة @QE@ وقال تعالى @QB@ ونزلنا ~~من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فأنبتنا به حدائق ذات بهجة @QE@ # فإذا كان خلقه بعض المخلوقات ببعض لا يوجب حاجته إلى مخلوقاته ولا ينافي ~~كونه صمدا غنيا عن غيره فكيف يكون خلقه لآدم بيده وقبضه الأرض والسموات ~~بيده موجبا لحاجته إلى غيره ومن المعلوم ان فعل الفاعل بيده أبعد عن الحاجة ~~إلى الغير من فعله بمصنوعاته # الوجه الثالث إن هذه الحجة من جنس حجة الجهمية المحضة على نفي الصفات فإن ~~قولهم لو كان له علم وقدرة وحياة وكلام لكان محتاجا في أن PageV01P515 يعلم ~~ويقدر ويتكلم إلى علم وقدرة وكلام بمنزلة قول هذا القائل لو كان له يد لكان ~~محتاجا في الفعل إلى اليد وذلك ينافي كونه صمدا فما كان جوابه لأولئك كان ~~جوابا له عن هؤلاء لا سيما بل هذا أوكد لأنه قد تقدم أنه قادر على الخلق ~~والفعل بيده وبغير يده ولا يجوز أن يقال أنه عالم بلا علم وقادر بلا قدرة ~~فإن كان ثبوت الصفات موجبا حاجته إليها فالحاجة في هذه أقوى وإن لم تكن ~~موجبة حاجته إليها بطلت الحجة # الوجه الرابع إن الغني الصمد هو غني عن مخلوقاته ومصنوعاته لا يصح أن ~~يقال هو غني عن نفسه وذاته كما تقدم وصفاته تعالى ليست خارجة عن ذاته فوجود ~~الصفات والفعل بها كوجود الذات والفعل بها وقد تقدم الكلام على ما في هذا ~~من الألفاظ المجملة مثل الافتقار والجزء وغير ذلك وبينا أن ذلك مثل قول ~~القائل واجب الوجود بنفسه وهو موجود بنفسه وبنفسه فعل ونحو ذلك من ms421 العبارات # الوجه الخامس إن المخلوق إذا صح تسميته بأنه غني وأنه صمد مع ماله من ~~الصفات ولا ينافي ذلك إطلاق هذا الاسم كيف يصح أن يقال إن تسمية الخالق ~~بهذه الأسماء ينافي هذه الصفات # قال الرازي الثالث إنا نقيم الدلالة على أن الأجسام متماثلة والأشياء ~~المتماثلة يجب اشتراكها في اللوازم فلو احتاج بعض الأجسام إلى بعض لزم كون ~~الكل محتاجا إلى ذلك الجسم ولزم أيضا كونه إلى نفسه وكل ذلك محال ولما كان ~~ذلك محالا وجب أن لا يحتاج إلى شيء من الأجسام ولو كان كذلك لم يكن صمدا ~~على الإطلاق PageV01P516 # وأما احتجاجهم بقولهم الأجسام متماثلة فهذا إن كان حقا فهو تماثل يعلم ~~بالعقل ليس فيه أن اللغة التي نزل بها القرآن تطلق لفظ المثل على كل جسم ~~ولا أن اللغة التي نزل بها القرآن تقول إن السماء مثل الأرض والشمس والقمر ~~والكواكب مثل الجبال والجبال مثل البحار والبحار مثل التراب والتراب مثل ~~الهواء والهواء مثل الماء والماء مثل النار والنار مثل الشمس والشمس مثل ~~الإنسان والإنسان مثل الفرس والفرس مثل الحمار والفرس والحمار مثل السفرجل ~~والرمان والرمان مثل الذهب والفضة والذهب والفضة مثل الخبز واللحم ولا في ~~اللغة التي نزل بها القرآن أن كل شيئين اشتركا في المقدارية بحيث يكون كل ~~منهما له قدر من الأقدار كالطول والعرض والعمق أنه مثل الآخر ولا أنه إذا ~~كان كل منهما بحيث يشار إليه الإشارة الحسية يكون مثل الآخر بل ولا فيها إن ~~كل شيئين كانا مركبين من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة كان أحدهما ~~مثل الآخر بل اللغة التي نزل بها القرآن تبين أن الإنسانين مع اشتراكهما في ~~أن كل منهما جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق ضحاك بادئ البشرة قد لا يكون ~~أحدهما مثل الآخر كما قال تعالى @QB@ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم @QE@ إلى أن قال فكيف وهو باطل في العقل كما بسطناه في موضع ~~آخر # وكذلك أيضا يقولون إن الصفات لا تقوم إلا بجسم ms422 متحيز والأجسام متماثلة ~~فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام وهذا هو التشبيه # وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات مستلزم للتجسيم والأجسام ~~متماثلة والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى وتارة بمنع ~~المقدمة PageV01P517 الثانية وتارة بمنع كل من المقدمتين وتارة بالإستفصال ~~ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار إليه ~~أو بالقائم بنفسه أو بالموجود أو بالمركب من الهيولي والصورة ونحو ذلك فأما ~~إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة وعلى أنها متماثلة فهذا ينبني على ~~صحة ذلك وعلى إثبات الجوهر الفرد وعلى أنه متماثل وجمهور العقلاء يخالفونهم ~~في ذلك # وقال أبو عبد الله الرازي وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن الحيز ~~والجهة فهو أنه تعالى لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان إما أن يكون حصوله ~~في الحيز المعين واجبا أو جائزا فإن كان واجبا فحينئذ يكون ذاته تعالى ~~مفتقرا في الوجود والتحقق إلى ذلك الحيز المعين وأما ذلك الحيز المعين فأنه ~~يكون غنيا عن ذاته المخصوص لأنا لو قرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك ~~الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلا وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجا ~~إلى ذلك الحيز فلم يكن صمدا على الإطلاق أما إن كان حصوله في الحيز المعين ~~جائزا لا واجبا فحينئذ يفتقر إلى مخصص يخصصه بالحيز المعين وذلك يوجب كونه ~~محتاجا وينافي كونه صمدا # فيقال له أولا لا الكرامية ولا غيرهم يقولوا أنه في جهة موجودة يحيط بها ~~ويحتاج إليها بل كلهم متفقون على أن الله تعالى مستغن عن كل ما سواه سواء ~~سمي جهة أو لم يسم جهة نعم قد يقولون هو في جهة يعنون بذلك أنه فوق ~~PageV01P518 # وأيضا فمن المعلوم أن القرآن ينطق بالعلو في مواضع كثيرة جدا حتى قيل ~~أنها ثلاثمائة موضع والسنن متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك ~~وكلام السلف المنقول عنهم بالتواتر يقتضي اتفاقهم على ذلك وأنه لم يكن فيهم ~~من ينكره ms423 ومن يريد التشنيع على الناس ودفع هذه الأدلة الشرعية والعقلية لا ~~بد أن يذكر حجة ولنفرض أنه لا بناظره إلا أئمة أصحابه وهو لم يذكر دليلا ~~إلا قوله ولم يعلموا أن كل ما هو في جهة فهو محدث ومحتاج إلى تلك الجهة ~~فيقال له لم يعلموا ذلك ولم تذكر ما به يعلمون ذلك فإن قولك هو محتاج إلى ~~تلك الجهة إنما يستقيم إذا كانت الجهة أمرا وجوديا وكانت لازمة له لا ~~يستغني عنها فلا ريب أن من قال إن الباري لا يقوم إلا بمحل يحل فيه لا ~~يستغني عن ذلك وهي مستغنية عنه فقد جعله محتاجا إلى غيره وهذا لم يقله أحد # وأيضا لم نعلم أحدا قال إنه محتاج إلى شئ من مخلوقاته فضلا عن أن يكون ~~محتاجا إلى غير مخلوقاته ولا يقول أحد أن الله محتاج إلى العرش مع أنه خالق ~~العرش والمخلوق مفتقر إلى الخالق لا يفتقر الخالق إلى المخلوق وبقدرته قام ~~العرش وسائر المخلوقات وهو الغني عن العرش وكل ما سواه فقير إليه فمن فهم ~~عن الكرامية وغيرهم من طوائف الإثبات أنهم يقولون أن الله محتاج إلى العرش ~~فقد افترى عليهم كيف وهم يقولون أنه كان موجودا قبل العرش فإذا كان موجودا ~~قائما بنفسه قبل العرش لا يكون إلا مستغنيا عن العرش وإذا كان الله فوق ~~العرش لم يجب أن يكون محتاجا إليه فإن الله قد خلق العالم بعضه فوق بعض ولم ~~يجعل عاليه محتاجا إلى سافله فالهواء فوق الأرض وليس محتاجا إليها وكذلك ~~السموات فوق السحاب والهواء والأرض وليست محتاجة إلى ذلك PageV01P519 ~~والعرش فوق السموات والأرض وليس محتاجا إلى ذلك فكيف يكون العلي الأعلى ~~خالق كل شيء محتاجا إلى مخلوقاته لكونه فوقها عاليا عليها # وقد قدمنا فيما مضى أن لفظ الجهة يراد به أمر موجود وأمر معدوم فمن قال ~~إنه فوق العالم كله لم يقل أنه في جهة موجودة إلا أن يراد بالجهة العرش ~~ويراد بكونه فيها أنه عليها كما قيل في قوله أنه في السماء ms424 أي على السماء ~~وعلى هذا التقدير فإذا كان فوق الموجودات كلها وهو غني عنها لم يكن عنده ~~جهة وجودية يكون فيها فضلا عن أن يحتاج إليها وإن أريد بالجهة ما فوق ~~العالم فذلك ليس بشيء ولا هو أمر وجودي حتى يقال أنه محتاج إليه أو غير ~~محتاج إليه وهؤلاء أخذوا لفظ الجهة بالاشتراك وتوهموا وأوهموا إذا كان في ~~جهة كان في شيء غيره كما يكون الإنسان في بيته ثم رتبوا على ذلك أنه يكون ~~محتاجا إلى غيره والله تعالى غني عن كل ما سواه وهذه مقدمات كلها باطلة # وكذلك لفظ التحيز إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر ~~بل قد وسع كرسيه السموات والأرض وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات أي مباين ~~لها منفصل عنها ليس حالا فيها فهو سبحانه كما قال أئمة السنة فوق سمواته ~~على عرشه بائن من خلقه # وأما لفظ المتحيز فهو في اللغة اسم لما يتحيز إلى غيره كما قال تعالى ~~@QB@ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة @QE@ وهذا ~~لا بد أن يحيط به حيز وجودي ولا بد أن ينتقل من حيز إلى حيز وعلوم أن ~~الخالق جل جلاله PageV01P520 # لا يحيط به شيء من مخلوقاته فلا يكون متحيزا بهذا المعنى اللغوي وأما أهل ~~الكلام فاصطلاحهم في المتحيز أعم من هذا فيجعلون كل جسم متحيز والجسم عندهم ~~ما يشار إليه فتكون السموات والأرض وما بينهما متحيزا على اصطلاحهم وإن لم ~~يسم ذلك متحيزا في اللغة والحيز تارة يريدون به معنى موجودا وتارة يريدون ~~به معنى معدوما ويفرقون بين مسمى الحيز ومسمى المكان فيقولون المكان أمر ~~موجود والحيز تقدير مكان عندهم فمجموع الأجسام ليست في شيء موجود فلا تكون ~~في مكان وهي عندهم متحيزة ومنهم من يتناقض فيجعل الحيز تارة موجودا وتارة ~~معدوما كالرازي وغيره كما بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع فمن تكلم ~~باصطلاحهم وقال إن الله متحيز بمعنى أحاط به شيء من الموجودات فهذا مخطىء ~~فهو سبحانه ms425 بائن من خلقه وما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق وإذا كان الخالق ~~بائنا عن المخلوق امتنع أن يكون الخالق في المخلوق وامتنع أن يكون متحيزا ~~بهذا الاعتبار وإن أراد بالحيز أمرا عدميا فالأمر العدمي لا شيء وهو سبحانه ~~بائن عن خلقه فإذا سمي العدم الذي فوق العالم حيزا وقال يمتنع أن يكون فوق ~~العالم لئلا يكون متحيزا فهذا معنى باطل لأنه ليس هناك موجود غيره حتى يكون ~~فيه وقد علم بالعقل والشرع أنه بائن عن خلقه كما بسط في غير هذا الموضع # قال الرازي وأما قوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ فهذا أيضا يدل على ~~أنه ليس بجسم ولا جوهر لأنا سنقيم الدلالة على أن الجواهر متماثلة فلو كان ~~تعالى جوهرا لكان مثلا لجميع الجواهر فكان كل واحد من الجواهر كفوا له ولو ~~كان جسما لكان مؤلفا من الجواهر لأن الجسم PageV01P521 يكون كذلك وحينئذ ~~يعود الإلزام المذكور فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى ~~ليس بجسم ولا بجوهر ولا حاصل في مكان وحيز # قال الشيخ وكذلك قوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ فإن المعنى لم يكن ~~أحد من الآحاد كفوا له فإن كان الأحد عبارة عما لا يتميز منه شيء عن شيء ~~ولا يشار إلى شيء منه دون شيء فليس في الموجودات ما هو أحد إلا ما يدعونه ~~من الجوهر الفرد وهذا عند أكثر العقلاء يمتنع وجوده ومن رب العالمين وحينئذ ~~لا يكون قد نفى عن شيء من الموجودات أن يكون كفوا للرب لأنه لم يدخل في ~~مسمى أحد # ومن العجب إن كلامه كلام أمثاله يدور في هذا الباب على تماثل الأجسام وقد ~~ذكر النزاع في تماثل الأجسام وإن القائلين بتماثلها من المتكلمين بنوا ذلك ~~على أنها مركبة من الجواهر المنفردة وإن الجواهر متماثلة ثم أنه في مسألة ~~تماثل الجواهر ذكر أنه لا دليل على تماثلها فصار أصل كلامهم الذي ترجع إليه ~~هذه الأمور كلاما بلا علم بل بخلاف الحق مع أنه كلام في الله تعالى وقد ms426 قال ~~تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون @QE@ # والمقصود هنا أن أئمة السنة كأحمد بن حنبل وغيره كانوا إذا ذكر لهم أهل ~~البدع الألفاظ المجملة كلفظ الجسم والجوهر والحيز ونحوها لم يوافقهم لا على ~~PageV01P522 إطلاق الإثبات ولا على إطلاق النفي وأهل البدع بالعكس ابتدعوا ~~ألفاظا ومعاني إما في النفي وإما في الإثبات وجعلوها هي الأصل المعقول ~~المحكم الذي يجب اعتقاده والبناء عليه ثم نظروا في الكتاب والسنة فما ~~أمكنهم أن يتأولوه على قولهم تأولوه وإلا قالوا هذا من الألفاظ المتشابهة # وقال الرازي وأعلم أنه كما إن الكفار لما سألوا الرسول صلى الله عليه ~~وسسلم عن صفة ربه فأجاب الله بهذه السورة الدالة على كونه تعالى منزها عن ~~أن يكون جسما أو جوهرا أو مختصا بالمكان فكذلك فرعون سأل موسى عليه السلام ~~عن صفة الله تعالى فقال وما رب العالمين ثم إن موسى لم يذكر الجواب عن هذا ~~السؤال إلا بكونه تعالى خالقا للناس ومدبرا لهم وخالق السموات والأرض ~~ومدبرا لهما وهذا أيضا من أقوى الدلائل على أنه تعالى ليس بمتحيز ولا في ~~جهة لأنا سنبين إن شاء الله تعالى أن كون الشيء جسما ومتحيزا عين الذات ~~ونفسها وحقيقتها لا أنه صفة قائمة بالذات وأما كونه خالقا للأشياء ومدبرا ~~لها فهو صفة ولفظة ما سؤال عن الماهية وطلب للحقيقة فلو كان تعالى متحيزا ~~لكان الجواب عن قوله وما رب العالمين بذكر كونه متحيزا أولى من الجواب عنه ~~بذكر كونه خالقا ولو كان كذلك كان جواب موسى عليه السلام خطأ ولكان طعن ~~فرعون بأنه مجنون لا يفهم السؤال ولا يذكر في مقابلة السؤال ما يصلح أن ~~يكون جوابا متجها لازما ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى ما كان متحيزا فلا ~~جرم ما كان يمكن تعريف حقيقته سبحانه وتعالى إلا بأنه خالق مدبر فلا جرم ~~كان جواب موسى عليه السلام ms427 صحيحا وكان سؤال فرعون سؤالا فاسدا PageV01P523 ~~فثبت أنه كما كان جواب محمد صلى الله عليه وسلم عن سؤال الكفار عن صفة الله ~~تعالى يدل على تنزيه الله تعالى عن التحيز فكذلك جواب موسى عليه السلام # وقد ظن بعض الناس إن سؤال فرعون وما رب العالمين هو سؤال عن ما هية الرب ~~كالذي يسأل عن حدود الأشياء فيقول ما الإنسان ما الملك ما الجني ونحو ذلك ~~قالوا ولما لم يكن للمسئول عنه ماهية عدل موسى عن الجواب إلى بيان ما يعرف ~~به وهو قوله @QB@ رب السماوات والأرض @QE@ وهذا قول قاله بعض المتأخرين وهو ~~باطل فإن فرعون إنما استفهم استفهام إنكار وجحد لم يسأل عن ماهية رب أقر ~~بثبوته بل كان منكرا له جاحدا ولهذا قال في تمام الكلام @QB@ لئن اتخذت ~~إلها غيري لأجعلنك من المسجونين @QE@ وقال @QB@ وإني لأظنه كاذبا @QE@ ~~فاستفهامه كان إنكارا وجحدا يقول ليس للعالمين رب يرسلك فمن هو هذا إنكارا ~~له فبين موسى أنه معروف عنده وعند الحاضرين وأن آياته ظاهرة بينة لا يمكن ~~معها جحده وأنكم إنما تجحدون بألسنتكم ما تعرفونه بقلوبكم كما قال موسى في ~~موضع آخر لفرعون @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ~~@QE@ وقال الله تعالى @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر ~~كيف كان عاقبة المفسدين @QE@ ولم يقل فرعون ومن رب العالمين فإن من سؤال عن ~~عينه يسأل بها من عرف جنس المسؤول عنه أنه من أهل العلم وقد شك في عينه كما ~~يقول لرسول عرف أنه جاء من عند إنسان من أرسلك وأما ما فهي سؤال عن الوصف ~~يقول أي شيء هو هذا وما هو هذا الذي اسميته رب العالمين قال ذلك منكرا له ~~جاحدا # فلما سأل جحدا أجابه موسى بأنه أعرف من أن ينكر وأظهر من أن يشك فيه ~~ويرتاب فقال @QB@ رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين @QE@ ~~PageV01P524 ولم يقل موقنين بكذا وكذا بل أطلق فأي يقين كان لكم بشيء من ~~الأشياء فأول اليقين اليقين بهذا الرب كما ms428 قالت الرسل لقومهم أفي الله شك ~~وإن قلتم لا يقين لنا بشيء من الأشياء بل سلبنا كل علم فهذه دعوى السفسطة ~~العامة ومدعيها كاذب ظاهر الكذب فإن العلوم من لوازم كل إنسان فكل إنسان ~~عاقل لا بد له من علم ولهذا قيل في حد العقل إنه علوم ضرورية وهي التي لا ~~يخلو منها عاقل فلما قال فرعون @QB@ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون @QE@ ~~وهذا من افتراء المكذبين على الرسل لما خرجوا من عاداتهم التي هي محمودة ~~عندهم نسبوهم إلى الجنون ولما كانوا مظهرين للجحد بالخالق أو للاسترابة ~~والشك فيه هذه حال عامتهم ودينهم وهذا عندهم دين حسن وإنما إلههم الذي ~~يطيعونه فرعون قال @QB@ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون @QE@ فبين له ~~موسى إنكم الذين سلبتم العقل النافع وأنتم أحق بهذا الوصف فقال @QB@ رب ~~المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون @QE@ فإن العقل مستلزم لعلوم ~~ضرورية يقينيه وأعظمها في الفطرة الإقرار بالخالق فلما ذكر أولا أن من أيقن ~~بشيء فهو موقن به واليقين بشيء هو من لوازم العقل بين ثانيا أن الإقرار به ~~هو من لوازم العقل ولكن المحمود هو العلم النافع الذي يعمل به صاحبه فإن لم ~~يعمل به صاحبه قيل أنه ليس له عقل ويقال أيضا لمن لم يتبع ما أيقن به إنه ~~ليس له يقين فإن اليقين أيضا يراد به العلم المستقر في القلب ويراد به ~~العمل بهذا العلم فلا يطلق الموقن إلا على من أستقر في قلبه العلم والعمل ~~وقوم فرعون لم يكن عندهم إتباع لما عرفوه فلم يكن لهم عقل ولا يقين وكلام ~~موسى يقتضي الأمرين إن كان لك يقين فقد عرفته وإن كان لك عقل فقد عرفته وإن ~~ادعيت أنه لا يقين لك ولا عقل لك فكذلك قولك فهذا إقرار منكم بسبكم خاصية ~~الإنسان ومن يكن هكذا لا يصلح له ما أنتم عليه من PageV01P525 دعوى الالهية ~~مع أن هذا باطل منكم فانكم موقنون به كما قال تعالى @QB@ وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ ولكم عقل ms429 تعرفونه به ولكن هواكم يصدكم ~~عن إتباع موجب العقل وهو إرادة العلو في الأرض والفساد فأنتم لا عقل لكم ~~بهذا الاعتبار كما قال أصحاب النار @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير @QE@ وقال تعالى عن الكفار @QB@ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو ~~يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا @QE@ قال تعالى عن فرعون وقومه ~~@QB@ فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين @QE@ والخفيف هو السفيه ~~الذي لا يعمل بعلمه بل يتبع هواه وبسط هذا له موضع آخر # والله تعالى قد أخبر عن فرعون أنه طلب أن يصعد ليطلع إلى إله موسى فلو لم ~~يكن موسى أخبره أن إلهه فوق لم يقصد ذلك فإنه لو لم يكن مقرا به فإذا لم ~~يخبره موسى به لم يكن إثبات العلو لا منه ولا من موسى عليه الصلاة والسلام ~~فلا يقصد الاطلاع ولا يحصل به ما قصده من التلبيس على قومه بأنه صعد إلى ~~إله موسى # فموسى صدق محمدا في أن ربه فوق وفرعون كذب موسى في أن ربه فوق فالمقرون ~~بذلك متبعون لموسى ومحمد والمكذبون بذلك موافقون لفرعون # وإن كانوا يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام وإيهام كقولهم ~~ليس بمتحيز ولا جسم ولا جوهر ولا هو في جهة ولا مكان وأمثال هذه العبارات ~~التي تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن النقائص PageV01P526 ومقصدهم ~~بها أنه ليس فوق السموات رب ولا على العرش إله يعبد ولا عرج بالرسول إلى ~~الله # قال أبو عبد الله الرازي وأما الخليل صلى الله عليه وسلم فقد حكى الله ~~تعالى عنه في كتابه بأنه استدل بحصول التغير في أحوال الكواكب على حدوثها ~~ثم قال عند تمام الاستدلال @QB@ وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ~~@QE@ واعلم أن هذه الواقعة تدل على تنزيه الله تعالى وتقديسه عن التحيز ~~والجهة أما دلالتها على تنزيه الله تعالى عن التحيز فمن وجوه # أحدها أنا سنبين إن شاء الله تعالى أن الأجسام متماثلة فإذا ثبت ذلك ~~فنقول ما صح ms430 على أحد المثلين وجب أن يصح على المثل الآخر فلو كان تعالى ~~جسما أو جوهرا وجب أن يصح عليه كل ما صح على غيره وأن يصح على غيره كل ما ~~صح عليه وذلك يقتضي جواز التغير عليه ولما حكم الخليل عليه السلام بأن ~~المتغير من حال إلى حال لا يصلح للآلهية وثبت أنه لو كان جسما لصلح عليه ~~التغير لزم القطع بأنه تعالى ليس بمتحيز أصلا # الثاني أنه عليه السلام قال عند تمام الاستدلال وجهت وجهي للذي فطر ~~السموات والأرض فلم يذكر في صفات الله تعالى إلا كونه خالقا للعالم والله ~~مدحه على هذا الكلام وعظمه فقال @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ~~نرفع درجات من نشاء @QE@ ولو كان إله العالم جسما موصوفا بمقدار مخصوص وشكل ~~مخصوص لما كمل العلم به تعالى إلا بعد العلم بكونه جسما متحيزا ولو كان ~~كذلك لما كان مستحقا للمدح والتعظيم بمجرد معرفة كونه خالقا للعالم فلما ~~كان هذا المقدار من المعرفة كافيا في كمال معرفة الله تعالى دل ذلك على أنه ~~تعالى ليس بمتحيز PageV01P527 # الثالث أنه تعالى لو كان جسما لكان كل جسم مشاركا له في تمام الماهية ~~فالقول بكونه تعالى جسما يقتضي إثبات الشريك لله تعالى وذلك ينافي قوله ~~@QB@ وما أنا من المشركين @QE@ فثبت بما ذكرناه أن العظماء من الأنبياء ~~صلوات الله عليهم كانوا قاطعين بتنزيه الله تعالى وتقديسه عن الجسمية ~~والجوهرية والجهة وبالله التوفيق # وقد ظن طائفة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم أن مراده بقوله @QB@ هذا ربي ~~@QE@ أن هذا خالق العالم وأنه استدل بالأفوال وهو الحركة والانتقال على عدم ~~ربوبيته وزعموا أن هذه الحجة هي الدالة على حدوث الأجسام وحدوث العالم وهذا ~~غلط من وجوه # أحدها أن هذا القول لم يقله أحد من العقلاء لا من قوم إبراهيم ولا غيرهم ~~ولا توهم أحدهم أم كوكبا أو القمر أو الشمس خلق هذا العالم وإنما كان قوم ~~إبراهيم مشركين يعبدون هذه الكواكب زاعمين أن في ذلك جلب منفعة أو دفع مضرة ~~على طريقة الكلدانيين والكشدانيين ms431 وغيرهم من المشركين أهل الهند وغيرهم ~~وعلى طريقة هؤلاء صنف الكتاب الذي صنفه أبو عبد الله ابن الخطيب الرازي في ~~السحر والطلمسات ودعوة الكواكب وهذا دين المشركين من الهند والخطا والنبط ~~والكلدانيين والكشدانيين وغير هؤلاء ولهذا قال الخليل @QB@ يا قوم إني بريء ~~مما تشركون @QE@ وقال @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ وأمثال ذلك # وأيضا فالأفول في لغة العرب هو المغيب والاحتجاب ليس هو الحركة والانتقال ~~PageV01P528 # وأيضا فلو كان احتجاجه بالحركة والانتقال لم ينتظر إلى أن يغيب بل كان ~~نفس الحركة التي يشاهدها من حين تطلع إلى أن تغيب الأفول # وأيضا فحركتها بعد المغيب والاحتجاج غير مشهودة ولا معلومة # وأيضا لو كان قوله هذا ربي هذا رب العالمين لكانت قصة إبراهيم عليه ~~السلام حجة عليهم لأنه حينئذ لم تكن الحركة عنده مانعة من كونه رب العالمين ~~وإنما المانع هو الأفول # وهو المخالفون لإبراهيم ولنبينا ولغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وذلك أن الله تعالى قال @QB@ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما ~~أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة ~~قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين @QE@ فقد أخبر ~~الله في كتابه أنه من حين بزغ الكواكب والقمر والشمس وإلى حين أفولها لم ~~يقل الخليل لا أحب البازغين ولا المتحركين ولا المتحولين ولا أحب من تقوم ~~به الحركات ولا الحوادث ولا قال شيئا مما يقوله النفاة حين أفل الكوكب ~~والشمس والقمر والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب بل ~~هذا معلوم بالأضرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن وهو المراد باتفاق ~~العلماء فلم يقل إبراهيم لا أحب الآفلين إلا حين أفل وغاب عن الأبصار فلم ~~يبق مرئيا ولا مشهودا فحينئذ قال ms432 لا أحب الآفلين وهذا يقتضي أ كونه متحركا ~~منتقلا تقوم به الحوادث بل كونه جسما متحيزا تقوم به الحوادث لم يكن دليلا ~~عند إبراهيم على نفي محبته PageV01P529 فإن كان إبراهيم إنما استدل ~~بالأفوال على أنه ليس رب العالمين كما زعموا لزم من ذلك أن يكون ما يقوم به ~~الأفول من كونه متحركا منتقلا تحله الحوادث بل ومن كونه جسما متحيزا لم يكن ~~دليلا عند إبراهيم على أنه ليس برب العالمين وحينئذ فيلزم أن تكون قصة ~~إبراهيم حجة على نقيض مطلوبهم لا على تعيين مطلوبهم وهكذا أهل البدع لا ~~يكادون يحتجون بحجة سمعية ولا عقلية إلا وهي عند التأمل حجة عليهم لا لهم # ولكن إبراهيم عليه السلام لم يقصد بقوله هذا ربي أنه رب العالمين ولا كان ~~أحد من قومه يقولون أنه رب العالمين بل كانوا مشركين مقرين بالصانع وكانوا ~~يتخذون الكواكب والشمس والقمر أربابا يدعونها من دون الله ويبنونن لها ~~الهياكل وقد صنفت في مثل مذهبهم كتب مثل كتاب السر المكتوم في السحر ~~ومخاطبة النجوم وغيره من الكتب ولهذا قال الخليل @QB@ أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ~~إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ ولهذا قال الخليل في ~~تمام الكلام @QB@ إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين @QE@ بين أنه إنما يعبد الله وحده فله ~~يوجه وجهه إذا توجه قصده إليه يتبع قصده وجهه فالوجه توجه حيث توجه القلب ~~فصار قلبه وقصده ووجهه متوجها إلى الله تعالى ولهذا قال @QB@ وما أنا من ~~المشركين @QE@ لم يذكر أنه أقر بوجود الصانع فإن هذا كان معلوما عند قومه ~~لم يكونوا ينازعونه في وجود PageV01P530 فاطر السموات والأرض وإنما كان ~~النزاع في عبادة غير الله واتخاذه ربا فكانوا يعبدون الكواكب السماوية ~~ويتخذون لها ms433 أصناما أرضية # وقوله @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ فالآفل هو الذي يغيب تارة ويظهر تارة ~~فليس هو قائم على عبده في كل وقت والذين يعبدون ما سوى الله من الكواكب ~~ونحوها ويتخذونها أوثانا يكونون في وقت البزوغ طالبين سائلين وفي وقت ~~الأفول لا يحصل مقصودهم ولا ومرادهم فلا يجلبون منفعة ولا يدفعون مضرة ولا ~~ينتفعون إذ ذاك بعبادة فبين ما في الآلهة التي تعبد من دون الله من النقص ~~وبين ما لربه فاطر السموات والأرض من الكمال بأنه الخالق الفاطر العليم ~~السميع البصير والهادي الرازق المحيي المميت # ففي الجملة الاحتجاج بلفظ التغير إن كان سمعيا فالأفول ليس هو التغير وإن ~~كان عقليا فإن أريد بالتغير الذي يمتنع على الرب محل النزاع لم يحتج به وإن ~~أريد به مواقع الإجماع فلا منازعة فيه # ولما فسر هؤلاء الأفوال بالحركة وفتحوا باب تحريف الكلم عن مواضعه دخلت ~~الملاحدة من هذا الباب ففسر ابن سينا وأمثاله من الملاحدة الأفول بالإمكان ~~الذي ادعوه حيث قالوا أن الأفلاك قديمة أزلية وهي مع ذلك ممكنة وكذلك ما ~~فيها من الكواكب والنيرين قالوا فقول إبراهيم لا أحب الآفلين أي لا أحب ~~الممكن المغلول وإن كان قديما أزليا وأين في لفظ الأفول ما يدل على هذا ~~المعنى ولكن هذا PageV01P531 شأن المحرفين للكلم عن مواضعه وجاء بعدهم من ~~جنس من زاد في التحريف فقال المراد بالكواكب والشمس والقمر هو النفس والعقل ~~الفعال والعقل الأول وقد ذكر ذلك أبو حامد الغزالي في بعض كتبه وحكاه عن ~~غيره في بعضها وقال هؤلاء الكواكب والشمس والقمر لا يخفى على عاقل إنها ~~ليست رب العالمين بخلاف النفس والعقل ودلالة لفظ الكواكب والشمس والقمر على ~~هذه المعاني لو كانت موجودة من عجائب تحريفات الملاحدة الباطنية كما ~~يتأولون العمليات مع العمليات ويقولون الصلوات الخمس معرفة أسرارنا وصيام ~~رمضان كتمان أسرارنا والحج هو الزيارة لشيوخنا المقدسين وفتح لهم هذا الباب ~~الجهمية والرافضة حيث صار بعضهم يقول الإمام المبين علي بن أبي طالب ~~والشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية والبقرة ms434 المأمور بذبحها عائشة واللؤلؤ ~~والمرجان الحسن والحسين # قال الرازي الحجة الثانية من القرآن قوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ~~ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام في تمام الماهية لأنا سنبين إن شاء ~~الله تعالى بالدلائل الباهرة أن الأجسام كلها متماثلة وذلك كالمناقض لهذا ~~النص # قال الشيخ وكذلك إذا قالوا الموصوفات تتماثل والأجسام تتماثل والجواهر ~~تتماثل وأرادوا أن يستدلوا بقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ على نفي ~~مسمى هذه الأمور التي سموها بهذه الأسماء في اصطلاحهم الحادث كان هذا ~~افتراءا على القرآن فأن هذا ليس هو المثل في لغة العرب ولا لغة القرآن ولا ~~غيرهما قال تعالى @QB@ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ~~@QE@ PageV01P532 فنفى مماثلة هؤلاء مع اتفاقهم في الإنسانية فكيف يقال إن ~~لغة العرب توجب أن كل ما يشار إليه مثل كل ما يشار إليه وقال تعالى @QB@ ~~ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد @QE@ ~~فأخبر أنه لم يخلق مثلها في البلاد وكلاهما بلد فكيف يقال إن جسم فهو مثل ~~لكل جسم في لغة العرب حتى يحمل على ذلك قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وقد ~~قال الشاعر % ليس كمثل الفتى زهير % $ # وقال % ما إن كمثلهم في الناس من بشر % $ قال الرازي فإن قيل لم لا يجوز ~~أن يقال أنه تعالى وإن كان أنه مخالف لغيره من الأجسام كما أن الإنسان ~~والفرس وإن أشتركا في الجسمية لكنهما مختلفان في الأحوال والصفات ولا يجوز ~~أن يقال الفرس مثل الإنسان فكذا هنا والجواب من جهتين # الأول إنا سنقيم الدلالة على أن الأجسام كلها متماثلة في تمام الماهية ~~فلو كان تعالى جسما لكان ذاته مثلا لسائر الأجسام وذلك يخالف هذا النص ~~والإنسان والفرس ذات كل واحد منهما مماثلة لذات الآخر والاختلاف إنما وقع ~~في الصفات والأعراض والذاتان إذا كانتا متماثلتين لكان اختصاص كل واحدة ~~منهما بصفاته المخصوصة من الجائزات لا من الواجبات لأن الأشياء المتماثلة ~~في تمام الذات والماهية لا يجوز اختلافهم في اللوازم فلو كان ms435 الباري تعالى ~~جسما لوجب أن يكون اختصاصه بصفاته المخصوصة من الجائزات ولو كان كذلك لزم ~~افتقاره إلى المدبر والمخصص وذلك يبطل القول بكونه تعالى إله العالم ~~PageV01P533 # والقول بتماثل الأحسام في غاية الفساد والرازي نفسه قد بين بطلان ذلك في ~~غير موضع بل نقول مجرد اشتراك الاثنين في كون كل منهما جسما أو متحيزا أو ~~موصوفا أو مقدارا أو غير ذلك لا يمنع اختصاص أحدهما بصفات لازمة له وليس ~~إذا احتاج اختصاصه بالحيز إلى سبب غير الجسمية المشتركة يلزم أن يكون ذلك ~~المخصص له مخصص آخر بل المشاهد خلاف ذلك فإن اختصاص الأجسام المشهودة ~~باحيازها ليس للجسمية المشتركة بل لأمر يخصها هو من لوازمها بمعنى أن ~~المقتضي لذاتها هو المقتضي لذلك اللازم إلى أن قال # وهذا مطرد في كل ما يقدر من الموصوفات المستلزمة لصفاتها كالحيوانية ~~والناطقية للإنسان وكذلك الاعتداء والنمو للحيوان والنبات مثلا فإن كون ~~النبات ناميا مغتذيا هو صفة لازمة له لا لعموم كونه جسما ولا لسبب غير ~~حقيقته التي يختص بها بل حقيقته مستلزمة لنموه واغتذائه وهذه الصفات أقرب ~~إلى أن تكون داخلة في حقيقته من كونه ممتدا في الجهات وإن كان ذلك أيضا ~~لازما له فإنا نعلم أن النار والثلج والتراب والخبز والإنسان والشمس والفلك ~~وغير ذلك كلها مشتركة في أنها متحيزة ممتدة في الجهات كما أنها مشتركة في ~~أنها موصوفة بصفات قائمة بها وفي أنها حاملة لتلك الصفات وما به افترقت ~~وامتاز بعضها عن بعض أعظم مما فيه اشتركت فالصفات الفارقة بينها الموجبة ~~لاختلافها ومباينة بعضها لبعض أعظم مما يوجب تشابهها ومناسبة بعضها لبعض ~~فمن يقول بتماثل الجواهر والأجسام يقول أن الحقيقة هي ما اشتركت فيه من ~~التحيزية والمقدارية وتوابعها وسائر الصفات عارضة لها تفتقر إلى سبب غير ~~الذات ومن يقول باختلافها يقول بل المقدارية للجسم والتحيزية للمتحيز ~~كالموصوفية للموصوف واللونية والعرضية للعرض والقيام بالنفس للقائمات ~~بأنفسها ونحو ذلك ومعلوم أن الموجودين إذا اشتركا في أن هذا قائم بنفسه ~~PageV01P534 وهذا قائم بنفسه لم يكن أحدهما مثلا ms436 الآخر وإذا اشتركا في أن ~~هذا لون وهذا لون وهذا طعم وهذا طعم وهذا عرض وهذا عرض لم يكن أحدهما مثلا ~~للآخر وإذا اشتركا في أن هذا موصوف وهذا موصوف لم يكن أحدهما مثلا للآخر ~~وإذا اشتركا في أن هذا مقدار ولهذا مقدار ولهذا حيز ومكان ولهذا حيز ومكان ~~كان أولى أن لا يوجب هذا تماثلها لأن الصفة الموصوف أدخل في حقيقته من ~~القدر للمقدار والمكان للتمكن والحيز للمتحيز فإذا كان اشتراكهما فيما هو ~~أدخل في الحقيقة لا يوجب التماثل فاشتراكهما فيما هو دونه في ذلك أولى بعدم ~~التماثل والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع # قال الرازي الثاني أن تقدير أن يكون هو تعالى مشاركا لسائر الأجسام في ~~الجسمية ومخالفا لها في الماهية المخصوصة يجب وقوع الكثرة في ذات الله ~~تعالى لأن الجسمية مشترك فيها بين الله وبين غيره وخصوصية ذاته غير مشتركة ~~فيما بين الله تعالى وبين غيره وما به المشاركة غير ما به الممايزة وذلك ~~يقتضي وقوع التركيب في ذاته المخصوصة وكل مركب ممكن لا واجب على ما بيناه ~~فثبت أن السؤال ساقط والله أعلم # قال الشيخ رحمه الله يذكرون لفظ التكثر و التغير وهما لفظان مجملان يتوهم ~~السامع أنه تكثر الآلهة وأن الرب يتغير ويستحيل من حال إلى حال إلى أن قال ~~ثم إنهم ينفون ذلك من غير دليل أصلا بل نقول مجرد اشتراك الاثنين في كون كل ~~منهما جسما أو متحيزا أو موصوفا PageV01P535 أو مقدرا لا يمنع من اختصاص ~~أحدهما بصفات لازمة له فإن كون النبات ناميا مغتذيا هو صفة لازمة له لا ~~لعموم كونه جسما ولا لسبب غير حقيقته التي اختص بها بل حقيقة مستلزمة لنموه ~~واغتذائه # وحينئذ فقوله ما به الاشتراك غير ما به الامتياز قلنا لم يشتركا في شيء ~~خارجي حتى يحوجهما اشتراكهما فيه إلى الامتياز بل هما ممتازان بأنفسهما ~~وإنما تشابها أو تماثلا في شيء والمتماثلان لا يحوجهما التماثل إلى مميز ~~بين عينيهما بل كل منهما ممتاز عن الآخر ms437 بنفسه وإن أريد بالمشترك بينهما ~~المعنى المطلق الكلي فذاك لا يفتقر إلى ما به الامتياز وليس له ثبوت في ~~الأعيان حتى يقال أنه يلزم أن يكون المطلق في الأعيان من غير مخصص وإن أريد ~~به ما يقوم بكل منهما من المشترك وهو ما يوجد في الأعيان من الكلي فذاك لا ~~اشتراك فيه في الأعيان فإن كل ما لأحدهما فهو مختص به لا اشتراك فيه وحينئذ ~~فالموجود من الوجوب هو مختص بأحدهما بنفسه لا يفتقر إلى مخصص فلا يكون ~~الوجوب الذي لكل منهما في الخارج مفقرا إلى مخصص وإذا لم يكن ذلك بطل ما ~~احتجوا به على كونه ممكنا # قال أبو عبد الله الرازي الحجة الثالثة قوله تعالى @QB@ والله الغني ~~وأنتم الفقراء @QE@ دلت هذه الآية على كونه غنيا ولو كان جسما لما كان غنيا ~~لأن كل PageV01P536 جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه وأيضا ~~لوجوب اختصاصه بالجهة لكان محتاجا إلى الجهة وذلك يقدح في كونه غنيا على ~~الإطلاق # الحجة الرابعة قوله تعالى @QB@ لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ والقيوم ~~من يكون قائما بنفسه مقوما لغيره فكونه قائما بنفسه عبارة عن كونه غنيا عن ~~كل ما سواه وكونه مقوما لغيره عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه فلو كان ~~جسما لكان هو مفتقرا إلى غيره وهو جزؤه ولكان غيره غنيا عنه وهو جزؤه ~~فحينئذ لا يكون قيوما وأيضا لو وجب حصوله في شئ من الأحياز لكان مفتقرا ~~محتاجا إلى ذلك الحيز فلم يكن على الإطلاق # فإن قيل ألستم تقولون إنه يجب أن يكون موصوفا بالعلم ولم يقدح ذلك عندكم ~~في كونه قيوما فلم لا يجوز أيضا أن يقال إنه يجب أن يحصل في حيز معين ولم ~~يقدح ذلك في كونه قيل عندنا أن ذاته كالموجب لتلك الصفة وذلك لا يقدح في ~~وصف الذات بكونه قيوما أما هنا فلا يمكن أن يقال أن ذاته توجب ذلك الحيز ~~المعين لأن بتقدير أن لا يكون حاصلا في ذلك الحيز لم يلزم بطلان ms438 ذلك ولا ~~عدمه فكان الحيز غنيا عنه وكان هو مفتقرا إلى ذلك الحيز فظهر الفرق والله ~~أعلم # قلت ولقائل أن يقول هذا باطل من وجوده # أحدها إن الذين قالوا إنه جسم لا يقول أكثرهم أنه مركب من الأجزاء بل ولا ~~يقولون إن كل جسم مركب من الأجزاء فالدليل على امتناع ما هو مركب من ~~الأجزاء فقط لا يكون حجة على من قال أنه ليس بمركب PageV01P537 وإن كان ~~بناءا على إن جسم مركب فهذا ممنوع وإن قيل لا نعني بالأجزاء أجزاءا كانت ~~موجودة بدونه وإنما نعني بها أنه لا بد أن يتميز منه شئ عن شئ قيل فحينئذ ~~لا يلزم أن يكون ذلك الذي يمكن أن يصير جزءا غير مفتقر إليه إذ هو لا بد ~~منه في وجود الجملة وليس موجودا دونها فالجملة لا تستغني عنه وهو أيضا لا ~~يستغني عنها فتكون الحجة باطلة # الثاني أن يقال ما تعني بقولك إنه يكون مفتقرا إلى كل واحد من تلك ~~الأجزاء أتعني أنه يكون مفعولا للجزء أو معلولا لعلة فاعلة أم تعني أنه ~~يكون وجوده مشروطا بوجود الجزء بحيث لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر فإن ادعيت ~~الأول كان التلازم باطلا فأنه من المعلوم أن الأجسام التي خلقها الله تعالى ~~ليس شئ من أجزائها فاعلا لها ولا علة فاعلة لها فإذا لم يكن شئ من المركبات ~~المخلوقة جزؤه فاعلا له ولا علة فاعلة له كان دعوى أن ذلك قضية كلية من ~~أفسد الكلام فإنه لا يعلم ثبوتها في شئ من الجزئيات المشهودة فضلا عن أن ~~تكون كلية وإن قيل نعني بالافتقار أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا قيل ولم قلتم ~~إن مثل هذا ممتنع على الواجب بنفسه فإن الممتنع عليه أن يكون فاعلا أو علة ~~فاعلة إذا قيل بإمكان علة فاعلة لا تفعل بالاختيار فأما كونه لا يكون وجوده ~~مستلزما للوازم لا يكون موجودا إلا بها فالواجب بنفسه لا ينافي ذلك سواء ~~سميت صفات أو أجزاء أو ما سميت # ويظهر هذا بالوجه ms439 الثالث وهو أن النافي لمثل هذا التلازم إن كان متفلسفا ~~فهو يقول إن ذاته مستلزمة للمكنات المنفصلة عنه فكيف يمنع أن تكون مستلزمة ~~لصفاته اللازمة له ولما هو داخل في مسمى اسمه وهو أيضا يسم أن ذاته تستلزم ~~كونه واجبا وموجودا وعاقلا وعقلا ولذيذا وملتذا به ومحبا لذاته ومحبوبا لها ~~وأمثال ذلك من االمعاني المتعددة فإذا قيل هذه كلها شئ واحد PageV01P538 ~~قيل هذا مع كونه معلوم الفساد بالضرورة لكونه تضمن أن العلم هو الحب وأن ~~العالم المحب هو العلم والحب فإن قدر إمكانه فقول القائل إن الجسم ليس ~~بمركب من الهيلولي والصورة ولا من الجواهر المنفردة بل هو واحد بسيط أقرب ~~إلى العقل من دعوى اتحاد هذه الحقائق وإن كان من المعتزلة وأمثالهم فهم ~~يسلمون أن ذاته تستلزم أنه حي عالم قادر وإن كان من الصفاتية فهم يسلمون ~~استلزام ذاته للعلم والقدرة والحياة وغير ذلك من الصفات فما من طائفة من ~~الطوائف إلا وهي تضطر إلى أن تجعل ذاته مستلزمة للوازم وحينئذ فنفي هذا ~~التلازم لا سبيل لأحد إليه سواء سمي افتقارا أم لم يسم وسواء قيل أن هذا ~~يقتضي التركيب أو لم يقل # الوجه الرابع أن يقال قول القائل إن المركب مفتقر إلى كل واحد من تلك ~~الأجزاء أتعني بالمركب تلك الأجزاء أو تعني به اجتماعها أو الأمرين أو شيئا ~~رابعا فإن عنيت الأول كان المعني أن تلك الأجزاء مفتقرة إلى تلك الأجزاء ~~وكان حاصله أن الشئ المركب مفتقر إلى المركب وأن الشيء مفتقر إلى نفسه وأن ~~الواجب بنفسه مفتقر إلى الواجب نفسه ومعلوم أن الواجب بنفسه لا يكون ~~مستغنيا عن نفسه بل وجوبه بنفسه يستلزم أن نفسه لا تستغني عن نفسه فما ~~ذكرتموه من الافتقار هو تحقيق لكونه واجبا بنفسه لا مانع لكونه واجبا بنفسه # وإن قيل أن المركب هو الاجتماع الذي هو اجتماع الأجزاء وتركيبها قيل فهذا ~~الاجتماع هو صفة وعرض للأجزاء لا يقول عاقل أنه واجب بنفسه دون الأجزاء بل ~~إنما يقال هو لازم للأجزاء والواجب ms440 بنفسه هو الذات القائمة بنفسها وهي ~~الأجزاء لا مجرد الصفة التي نسبة بين الأجزاء وإذا لم يكن هذا هو نفس الذات ~~الواجبة بنفسها وإنما هو صفة لها فالقول فيه كالقول في غيره مما ~~PageV01P539 سميتموه أنتم أجزاءا وغايته أن يكون بعض الأجزاء مفتقرا إلى ~~سائرها وليس هذا هو افتقار الواجب بنفسه إلى جزئه # وإن قيل أن المركب هو المجموع إي الأجزاء واجتماعها فهذا من جنس أن يقال ~~المركب هو الأجزاء لكن على هذا التقدير صار الاجتماع جزءا من الأجزاء ~~وحينئذ فإذا قيل هو مفتقر إلى الأجزاء كان حقيقته أنه مفتقر إلى نفسه إي لا ~~يستغني عن نفسه وهذا حقيقة وجوبه بنفسه لا مناف لوجوبه بنفسه # وإن عنيت به شيئا رابعا فلا يعقل هنا شيء رابع فلا بد من تصويره ثم هذا ~~الكلام عليه # وإن قال بل المجموع يقتضي افتقاره إلى كل جزء من الأجزاء قيل افتقار ~~المجموع إلى ذلك الجزء كافتقاره إلى سائر الأجزاء وذلك وسائر الأجزاء هي ~~المجموع فعاد إلى أنه مفتقر إلى نفسه # فإن قيل فأحد الجزأين مفتقر إلى الآخر أو قيل الجملة مفتقرة إلى كل جزء ~~إلى آخره قيل أولا ليس هذا هو حجتكم فإنما ادعيتم افتقار الواجب بنفسه إلى ~~جزئه وقيل ثانيا إن عنيت بكون أحد الجزأين مفتقرا إلى الآخر أن أحدهما فاعل ~~للآخر أو علة فاعلة له فهذا باطل بالضرورة فإن المركبات الممكنة ليس أحد ~~أجزائها علة فاعلة للآخر ولا فاعلا له باختياره فلو قدر أن في المركبات ما ~~يكون جزؤه فاعلا لجزئه لم يكن له مركب كذلك فلا تكون القضية كلية فلا يجب ~~أن يكون مورد النزاع داخلا فيما جزؤه مفتقر إلى جزئه فكيف إذا لم يكن من ~~الممكنات شيء من ذلك فكيف يدعى في الواجب بنفسه إذا قدر مركبا أن يكون بعض ~~اجزائه علة فاعلة للجزء الآخر وإن عنيت أن أحد الجزأين لا يوجد إلا مع ~~الجزء الآخر فهذا إنما فيه تلازمهما وكون PageV01P540 أحدهما مشروطا بالآخر ~~وذلك دور معي اقتراني وهو ممكن صحيح لا ms441 بد منه في كل متلازمين وهذا لا ~~ينافي كون المجموع واجبا بالمجموع وإذا قيل في كل من الأجزاء هل هو واجب ~~بنفسه أم لا قيل إن أردت هل هو مفعول معلول لعلة فاعلة أم لا فليس في ~~الأجزاء ما هو كذلك بل كل منها واجب بنفسه بهذا الاعتبار وأن عنيت أنه هل ~~فيها ما يوجد بدون وجود الآخر فليس فيها ما هو مستقل دون الآخر ولا هو واجب ~~بنفسه بهذا الاعتبار والدليل دل على إثبات واجب بنفسه غني عن الفاعل والعلة ~~الفاعلة لا على أنه لا يكون شيء غني عن الفاعل للوازم # فلفظ الواجب بنفسه فيه إجمال واشتباه دخل بسببه غلط كثير فما قام عليه ~~البرهان من إثبات الواجب بنفسه ليس هو ما فرضه هؤلاء النفاة فإن الممكن هو ~~الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده فكونه موجودا بنفسه مستلزما للوازم لا ينافي ~~أن يكون ذاتا متصفة بصفات الكمال وكل من الذات والصفات ملازم للآخر وكل من ~~الصفات ملازمة للأخرى وكل ما يسمى جزأ فهو ملازم للآخر وإذا قيل هذا فيه ~~تعدد الواجب قيل إن أردتم تعدد الإله الموجود بنفسه الخالق للممكنات فليس ~~كذلك وأن أردتم تعدد معان وصفات له أو تعدد ما سميتموه اجزاءا له فلم قلتم ~~إنه إذا كان كل من هذه واجبا بنفسه أي هو موجود بنفسه لا بموجد يوجده مع أن ~~وجوده ملزوم لوجود الآخر يكون ممتنعا ولم قلتم إن ثبوت معنيين أو شيئين ~~واجبين متلازمين يكون ممتنعا وهكذا كما تقول المعتزلة إنكم إذا أثبتم ~~الصفات قلتم بتعدد القديم فيقال لهم إن قلتم إن ذلك يتضمن تعدد آلهة قديمة ~~خالقة للمخلوقات فهذا التلازم باطل وإن قلتم يستلزم تعدد صفات قديمة للإله ~~القديم فلم قلتم إن هذا محال فعامة ما يلبس به هؤلاء النفاة ألفاظ مجملة ~~متشابهة إذا فسرت معانيها وفصل بين PageV01P541 ما هو حق منها وبين ما هو ~~باطل زالت الشبهة وتبين أن الحق الذي لا محيد عنه هو قول أهل الإثبات ~~للمعاني والصفات # قوله أما هاهنا ms442 فلا يمكن أن يقال إن ذاته توجب ذلك الحيز المعين لأن ~~بتقدير أن يكون حاصلا في ذلك الحيز لم يلزم بطلان ذلك ولا عدمه فكان الحيز ~~غنيا عنه وكان هو مفتقرا إلى ذلك الحيز فظهر الفرق والله أعلم # قال ابن تيمية رحمه الله وأيضا لم نعلم أحدا قال إنه محتاج إلى شيء من ~~مخلوقاته فضلا عن أن يكون محتاجا إلى غير مخلوقاته ولا يقول أحد إن الله ~~محتاج إلى العرش مع أنه خالق العرش والمخلوق مفتقر إلى الخالق لا يفتقر ~~الخالق إلى المخلوق وبقدرته قام العرش وسائر المخلوقات وهو الغني عن العرش ~~وكل ما سواه فقير إليه فمن فهم عن الكرامية وغيرهم من طوائف الإثبات إنهم ~~يقولون أن الله محتاج إلى العرش فقد أفترى عليهم كيف وهم يقولون إنه كان ~~موجودا قبل العرش فإذا كان موجودا قائما بنفسه قبل العرش لا يكون إلا ~~مستغنيا عن العرش وإذا كان الله فوق العرش لم يجب أن يكون محتاجا إليه فإن ~~الله قد خلق العالم بعضه فوق بعض ولم يجعل عاليه محتاجا إلى سافله # وكثير مما يسمي مكانا وحيزا وجهة للإنسان يكون مفتقرا إليه بل ولغير ~~الإنسان أيضا كاحتياج القميص إلى لا بسه واستغناء صاحبه عنه وكذلك ~~PageV01P542 الحيز قد ذكرنا أنه يراد به حدود الشيء المتصلة به التي تحوزه ~~وهو جوانبه وتلك تكون داخلة فيه فلا تكون مستغنية عنه مع حاجته إليها وقد ~~يراد به الشيء المنفصل عنه الذي يحيط به كالقميص المخيط وهذا قد يكون ~~مفتقرا إلى الإنسان كقميصه وقد يكون مستغنيا عنه وإن كان مستغنيا عن ~~الإنسان لكن الإنسان لا يحتاج إلى حيز بعينه فليس الإنسان مفتقرا إلى حيز ~~معين خارج عن ذاته بحال بل وكذلك سائر الموجودات وأما الحهة فهي لا تكون ~~جهة إلا بالتوجه فهي مفتقرة إلى كونها جهة إلى المتوجه والمتوجه لا يفتقر ~~إلى جهة بعينها بحال إلى أن قال فكيف في حق الخالق الغني عن كل ما سواه ~~المفتقر إليه كل ما سواه # وقد بسطت معنى القيوم ms443 في موضع آخر وبينا أنه الدائم الباقي الذي لا يزول ~~ولا يعدم ولا يفنى بوجه من الوجوه # قال الرازي الحجة الخامسة قوله تعالى @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما هل تعلم له مثلا ولو كان متحيزا لكان كل واحد من ~~الجواهر مثلا # وأما التمثيل فقد نطق القرآن بنفيه عن الله في مواضع كقوله @QB@ ليس ~~كمثله شيء @QE@ وقوله @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ وقوله @QB@ ولم يكن له ~~كفوا أحد @QE@ وقوله @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا @QE@ # وقوله @QB@ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا @QE@ أي نظيرا يستحق ~~مثل اسمه PageV01P543 ويقال مساميا يساميه وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس ~~@QB@ هل تعلم له سميا @QE@ مثيلا أو شبيها # وموجب الأدلة السمعية يتلقى من عرف المتكلم بالخطاب لا من الوضع المحدث ~~فليس لأحد أن يقول إن الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعاني ثم يريد ~~أن يفسر مراد الله بتلك المعاني هذا من فعل أهل الالحاد المفترين فإن هؤلاء ~~عمدوا إلى معاني ظنوها ثابتة فجعلوها هي معنى الواحد والواجب والغني ~~والقديم ونفي المثل ثم عمدوا إلى ما جاء في القرآن والسنة من تسمية الله ~~تعالى بأنه أحد و واحد وغني ونحو ذلك في نفي المثل والكفؤ عنه فقالوا هذا ~~يدل على المعاني التي سميناها بهذه الأسماء وهذا من أعظم الافتراء على الله # وكذلك إذا قالوا الموصوفات تتماثل والأجسام تتماثل والجواهر تتماثل ~~وأرادوا أن يستدلوا بقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ على نفي مسمى هذه ~~الأمور التي سموها بهذه الأسماء في اصطلاحهم الحادث كان هذا افتراءا على ~~القرآن # ويقال له أتعني بالحيز ما هو من لوازم المتحيز وهو نهايته وحده الداخل في ~~مسماه أم تريد بالحيز شيئا موجودا منفصلا عنه كالعرش فأن أريد بالحيز ~~المعنى الأول وهو ما هو من لوازم كل متحيز فإن حيزه بهذا التفسير داخل في ~~مسمى ذاته ونفسه وعينه إلى أن قال ولا نسلم أنه ممتنع والقدر والحيز الداخل ~~في مسمى المتحيز الذي هو من لوازمه أبلغ من صفاته الذاتية فإن ms444 كل وجود ~~PageV01P544 متحيز بدون الحيز الذي هو جوانبه المحيطة به يمتنع أن يكون هو ~~إياه والقديم الذي يمتنع وجوده مع الله هو ما كان شيئا منفصلا عنه بل كل ~~شيء يكون داخلا في مسماه ليس خارجا عنه إلى أن قال يقال له كل جسم فإنه ~~مختص بحيزه وحيزه الذي هو جوانبه ونهايته وحدوده الداخل في مسماه وأما ~~اختصاصه بحيز وجودي ينفصل عنه فذاك شيء آخر لا يلزم كما قد بيناه فعلم أن ~~ذلك لا ينافي ما ذكره من دليل حدوث الأجسام مع أن ذلك الدليل لا نرتضيه # ولقائل أن يقول إن عنيت بالتحيزية تفرقته بعد الاجتماع واجتماعه بعد ~~الافتراق فلا نسلم أن ما لا يكون كذلك يلزم أن يكون حقيرا وإن عنيت به ما ~~يشار إليه أو يتميز منه شيء عن شيء لم نسلم أن مثل هذا ممتنع بل نقول أن كل ~~موجود قائم بنفسه فإنه كذلك وأن ما لا يكون كذلك فلا يكون إلا عرضا قائما ~~بغيره وأنه لا يعقل موجود إلا ما يشار إليه أو ما يقوم بما يشار إليه # وعند هؤلاء أن الباقي حال بقائه لا يحتاج إلى الرب # قال الرازي الحجة السادسة قوله تعالى @QB@ هو الله الخالق البارئ المصور ~~@QE@ وجه الاستدلال به أنا بينا في سائر كتبنا أن الخالق في اللغة هو ~~المقدر ولو كان تعالى جسما لكان متناهيا ولو كان متناهيا لكان مخصوصا ~~بمقدار معين ولما وصف نفسه بكونه خالقا وجب أن يكون تعالى هو المقدر لجميع ~~PageV01P545 المقدرات بمقاديرها المخصوصة فإذا كان هو مقدرا في ذاته بمقدار ~~مخصوص لزم كونه مقدارا لنفسه وذلك محال # وأيضا لو كان جسما لكن متناهيا وكل متناه فإنه محيط به حد أو حدود مختلفة ~~وكل ما كان كذلك فهو مشكل وكل مشكل فهو صورة فلو كان جسما لكان له صورة ثم ~~أنه تعالى وصف نفسه بكونه مصورا فيلزم كونه مصورا لنفسه وذلك محال فيلزم أن ~~يكون منزها عن الصورة والجسمية حتى لا يلزم هذا المحال # لفظ الخلق المراد به الفعل ms445 الذي يسمى المصدر كما يقال خلق يخلق خلقا ~~كقوله @QB@ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة @QE@ وقوله @QB@ يخلقكم في ~~بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق @QE@ وقوله @QB@ ما أشهدتهم خلق السماوات ~~والأرض ولا خلق أنفسهم @QE@ وليس الكلام في لفظ خلق المراد به المخلوق ومنه ~~قوله @QB@ هذا خلق الله @QE@ # والناس تنازعوا في نفس الخلق والأحداث والتكوين هل هو من صفات الله أم لا ~~وهذا المؤسس وأصحابه مع المعتزلة يقولون إن الخلق هو المخلوق ليس ذلك صفة ~~لله بحال وأما جمهور الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وطوائف من أهل الكلام ~~فيقولون إن الفعل نفسه والخلق من صفاته ولكن المخلوق ليس من صفاته # وقال في قوله @QB@ الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ العطف يقتضي اشتراك ~~المعطوف والمعطوف عليه فيما ذكر وإن بينهما مغايرة في الصفات PageV01P546 ~~فإن الذي خلق فسوى هو الذي قدر فهدى لكن هذا الاسم والصفة ليس هو ذاك الاسم ~~والصفة # قوله لزم أن يكون مقدرا لنفسه # معلوم أن الشيء لا يوجد إلا بنفسه وإذا قيل هو مفتر إلى نفسه بهذا المعنى ~~لم يكن ممتنعا بل هذا هو الحق فأن نفس الواجب لا يستغني عن نفسه وإذا قيل ~~هو واجب بنفسه فليس المراد ابدعت وجوده بل المراد أن نفسه موجودة بنفسها لم ~~تفتقر إلى غيره في ذلك ووجوده واجب لا يقبل العدم بحال # قوله وأيضا لو كان جسما لكان متناهيا وكل منته فإنه محيط به حد أو حدود ~~مختلفة # يقال هذه الحجة من جنس قولهم لو كان فوق العرش لكان إما أن يكون أصغر منه ~~أو بقدره أو أكبر منه ببعد متناه أو غير متناه وهذه حجج الجهمية قديما كما ~~ذكر الأئمة والكلام على هذه الحجة في مقامين أحدهما منع المقدمة الأولى ~~والثاني منع المقدمة الثانية # أما الأول فهو قول من يقول هو فوق العرش وليس له حد ولا مقدار ولا هو جسم ~~كما يقول ذلك كثير من الصفاتية من الكلابية أئمة الأشعرية وقدمائهم ومن ~~وافقهم من الفقهاء والطوائف الأربعة وغيرهم وأهل الحديث PageV01P547 ~~والصوفية ms446 وغير هؤلاء وهم أمم لا يحصيهم إلا الله إلى أن قال وأما المقام ~~الثاني فهو كلام من لا ينفي هذه الأمور التي يحتج بها عليه نفاة العلو على ~~العرش ليس لها أصل في الكتاب والسنة بل قد يثبتها أو يثبت بعضها لفظا أو ~~معنى أو لا يتعرض لها بنفي ولا إثبات وهذا المقام هو الذي تكلم فيه سلف ~~الأمة وأئمتها وجماهير أهل الحديث وطائفة من أهل الكلام والصوفية وغيرهم ~~وكلام هؤلاء أسد في العقل والدين إلى أن قال والكلام على هذا من وجوه # أحدها أن يقال قوله إن كل ما كان متناهيا من جميع الجوانب كانت حقيقته ~~قابلة للزيادة والنقصان وكلما كان كذلك كان محدثا على ما بيناه يقال له قد ~~تقدم الكلام على هذه الحجة وبينا أن جميع بنى آدم من المسلمين واليهود ~~والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين يخالفونك في هذه المقدمة وبينا فساد ~~ما ذكره من الحجة عليها بوجوه كثيرة بيانا واضحا إلى أن قال ويقال له وإذا ~~نازعك إخوانك المتكلمون الجهمية من المجسمة وغير المجسمة الموافقون لك أنه ~~ليس فوق العرش الذين يقولون لا نهاية لذاته ومساحته مع قولهم إنه جسم ومع ~~قولهم ليس بجسم فما حجتك عليهم إلى أن قال وقد يقول هؤلاء هب أنه قام دليل ~~على تناهي العالم وتناهي المخلوقات وتناهي الأبعاد التي فيها المحدثات فلم ~~قلت إن ذلك محال في حق الباري وهذا يقوله مثبتة لجسم ونفاته # ولهذا لم يكن لابتداء وجوده ولا لدوام بقائه حد ولا نهاية ولا غاية ولا ~~يقال مثل ذلك في عظمة ذاته وقدره بل يقال PageV01P548 @QB@ لا تدركه ~~الأبصار @QE@ @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ أو يقال @QB@ وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة @QE@ الآية ولهذا كان جهم وأبو الهذيل ~~وهما إماما الجهمية وغيرهما لما قاسوا النهاية في الذات والمكان على ~~النهاية في الوجود والزمان عدوا حكم هذا إلى حكم هذا وحكم هذا إلى حكم هذا ~~فقال بان المخلوق يتثبت له النهايات جميعا وأثبتوها في الانتهاء فقال الجهم ~~بفناء ms447 الجنة والنار وقال أبو الهذيل بفناء الحركات كلها # قال الرازي الحجة السابعة قوله تعالى @QB@ هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن @QE@ وصف نفسه بكونه ظاهرا وباطنا ولو كان جسما لكان ظاهره غير ~~باطنه فلم يكن الشيء الواحد موصوفا بأنه ظاهر وبأنه باطن لأنه على تقدير ~~كونه جسما يكون الظاهر منه سطحه والباطن منه عمقه فلم يكن الشيء الواحد ~~ظاهرا وباطنا وأيضا المفسرون قالوا أنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب أنه لا ~~يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال ولو كان جسما لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه ~~الحس ولا يصل إليه الخيال # قال الشيخ رحمه الله اعتقاد النفاة هو أنه لا داخل العالم ولا خارجه وأنه ~~ليس فوق السموات رب ولا على العرش إله وإن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ~~يعرج به إلى الله وإنما عرج به إلى السموات فقط لا إلى الله وأن الملائكة ~~لا تعرج إلى الله بل إلى ملكوته وأن الله لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه ~~شيء وأمثال ذلك وأن كانوا يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام ~~وإيهام كقولهم ليس PageV01P549 بمتحيز ولا جسم ولا جوهر ولا هو في جهة ولا ~~مكان وأمثال هذه العبارات التي تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن ~~النقائض # ولفظ الجسم فيه إجمال قد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت أو ~~ما يقبل التفريق والانفصال أو المركب من مادة و صورة أو المركب من الأجزاء ~~المفردة التي تسمى الجواهر الفردة والله تعالى منزه عن ذلك كله أو كان ~~متفرقا فاجتمع أو أن يقبل التفريق والتجزئة التي هي مفارقة بعض الشيء بعضا ~~وانفصاله عنه أو غير ذلك من التركيب الممتنع عليه وقد يراد بالجسم ما يشار ~~إليه أو ما يرى أو ما تقوم به الصفات والله تعالى يرى في الآخرة وتقوم به ~~الصفات ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم فإن ~~أراد بقوله ليس بجسم هذا المعنى قيل له هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا ~~اللفظ معنى ثابت ms448 بصحيح المنقول وصريح المعقول وأنت لم تقم دليلا على نفيه ~~وأما اللفظ فبدعة نفيا وإثباتا فليس في الكتاب ولا السنة ولا قول أحد من ~~سلف الأمة وأئمتها إطلاق لفظ الجسم في صفات الله تعالى لا نفيا ولا إثباتا ~~وكذلك لفظ الجوهر والمتحيز ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع أهل الكلام ~~المحدث فيها نفيا وإثباتا وإن قال كل ما يشار إليه ويرى وترفع إليه الأيدي ~~فإنه لا يكون إلا جسما مركبا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة قيل ~~له هذا محل نزاع فأكثر العقلاء ينفون ذلك وأنت لم تذكر على ذلك دليلا وهذا ~~منتهى نظر النفاة فإن عامة ما عندهم أن ما تقوم به الصفات ويقوم به الكلام ~~والإرادة والأفعال وما يمكن رؤيته بالإبصار لا يكون جسما مركبا من الجواهر ~~الفردة أو من المادة والصورة وما يذكرونه من العبارة فإلى هذا يعود وقد ~~تنوعت طرق أهل الإثبات في الرد عليهم فمنهم من سلم لهم أنه يقوم به الأمور ~~الاختيارية من PageV01P550 الأفعال وغيرها ولا يكون إلا جسما ونازعهم فيما ~~يقوم به من الصفات التي يتعلق منها ششيء بالمشيئة والقدوة ومنهم من نازعهم ~~في هذا وهذا وقال بل لا يكون هذا جسما ولا هذا جسما ومنهم من سلم لهم أنه ~~جسم ونازعهم في كون القديم ليس بجسم # وقوله تعالى هو الظاهر ضمن معنى العالي كما قال @QB@ فما اسطاعوا أن ~~يظهروه @QE@ ويقال ظهر الخطيب على المنبر وظاهر الثوب أعلاه بخلاف بطانته ~~وكذلك ظاهر البيت أعلاه وظاهر القول ما ظهر منه وبان وظاهر الإنسان خلاف ~~باطنه فكلما علا الشيء ظهر ولهذا قال أنت الظاهر فليس فوقك شيء فأثبت ~~الظهور وجعل موجب الظهور أنه ليس فوقه شيء ولم يقل ليس شيء أبين منك ولا ~~أعرف وبهذا تبين خطأ من فسر الظاهر بأنه المعروف كما يقوله من يقول الظاهر ~~بالدليل الباطن بالحجاب كما في كلام أبي الفرج وغيره فلم يذكر مراد الله ~~ورسوله وإن كان الذي ذكره له معنى صحيح وقال أنت الباطن فليس دونك شيء ms449 ~~فيهما معنى الإضافة لا بد أن يكون البطون والظهور لمن يظهر ويبطن وإن كان ~~فيهما معنى التجلي والخفاء ومعنى آخر كالعلو في الظهور فإنه سبحانه لا يوصف ~~بالسفول وقد بسطنا هذا في الإحاطة لكن إنما يظهر من الجهة العالية علينا ~~فهو يظهر علما بالقلوب وقصدا له ومعاينة إذا رؤي يوم القيامة وهو باد عال ~~ليس فوقه شيء ومن جهة أخرى يبطن فلا يقصد منها ولا يشهد وإن لم يكن شيء ~~أدنى منه فإنه من ورائهم محيط فلا شيء دونه سبحانه # والرب تعالى لا يكون أعلى منه قط بل هو العلي إلا على ولا يزال هو العلى ~~الأعلى مع أنه يقرب إلى عباده ويدنو منهم وينزل إلى حيث شاء ويأتي كما ~~PageV01P551 شاء وهو في ذلك العلي الأعلى الكبير المتعالي علي في دنوه قريب ~~في علوه فهذا وإن لم يتصف به غيره فلعجز المخلوق أن يجمع بين هذا وهذا كما ~~يعجز أن يكون هو الأول والآخر والظاهر والباطن ولهذا قيل لأبي سعيد الخراز ~~بم عرفت الله قال بالجمع بين النقيضين وأراد أنه يجتمع له ما يتناقض في حق ~~الخلق # ولو أراد مجرد الانكشاف والتجلي لنافى ذلك وصفه بالبطون لأن كون الشيء ~~ظاهرا بمعنى كونه معلوما أو مشهودا ينافي كونه باطنا # وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس ~~فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين واغنني من الفقر فأخبر ~~بأنه ليس فوقه شيء في ظهوره وعلوه على الأشياء وأنه ليس دونه شيء فلا يكون ~~أعظم بطونا منه حيث بطن في الجهة الأخرى من العباد إلى أن قال ومجموع ~~الأسمين يدلان على الإحاطة والسعة # قال أبو عبد الله الرازي الحجة الثامنة قوله تعالى @QB@ ولا يحيطون به ~~علما @QE@ وقوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ وذلك يدل على كونه تعالى منزها ~~عن المقدار والشكل والصورة وإلا لكان الإدراك والعلم محيطين به وذلك ms450 على ~~خلاف هذين النصين فإن قيل لم لا يجوز أن يقال أنه وإن كان جسما لكنه جسم ~~كبير فلهذا المعنى لا يحيط به الإدراك والعلم قلنا لو كان الأمر كذلك لصح ~~أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسموات ولا بالجبال ولا بالبحار ~~ولا بالمفاوز فإن PageV01P552 هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط ~~بأطرافها والعلوم لا تصل إلى تمام أجزائها ولو كان الأمر كذلك لما كان في ~~تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة # وأما احتجاج النفاة بقوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ فالآية حجة ~~عليهم لا لهم لأن الإدراك أما أن يراد به مطلق الرؤية أو الروية المقيدة ~~بالإحاطة والأول باطل لأنه ليس كل من رأى شيئا يقال إنه أدركه كما لا يقال ~~أحاط به كما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال ألست ترى السماء قال ~~بلى قال أكلها ترى قال لا ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو ~~المدينة لا يقال أنه أدركها وإنما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية ونحن في ~~هذا المقام ليس علينا بيان ذلك وإنما ذكرنا هذا بيانا لسند المنع بل ~~المستدل بالآية عليه أن يبين إن الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية وأن كل ~~من رأى شيئا يقال في لغتهم إنه أدركه وهذا لا سبيل إليه كيف وبين لفظ ~~الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص فقد تقع رؤية بلا إدراك وقد يقع إدراك بلا ~~رؤية أو اشتراك لفظي فإن الإدراك يستعمل في إدراك العلم وإدراك القدرة فقد ~~يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهده كالأعمى الذي طلب رجلا هاربا فأدركه ولم ~~يره وقد قال تعالى @QB@ فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال ~~كلا إن معي ربي سيهدين @QE@ فنفى موسى الإدراك مع إثبات الترائي فعلم أنه ~~قد يكون رؤية بلا إدراك والإدراك هنا هو إدراك القدرة إي ملحقون محاط بنا ~~وإذا انتفى هذا الإدراك هنا هو إدراك القدرة إي ملحقون محاط بنا وإذا انتفى ~~هذا الإدراك فقد تنتفي إحاطة ms451 البصر أيضا PageV01P553 # وقد جاء حيث رواه ابن أبي حاتم قال حدثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث ~~أنبأ بشر بن عمارة عن أبي روق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ قال لو ~~أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ~~ما أحاطوا بالله أبدا وهذا له شواهد مثل ما في الصحاح في تفسير قوله تعالى ~~@QB@ والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ قال ابن ~~عباس ما السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن في كف الرحمن إلا كخردلة في ~~يد أحدكم # ومما يبين ذلك أن الله تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه سبحانه وتعالى ~~ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح لأن النفي المحض لا يكون مدحا إن ~~لم يتضمن أمرا ثبوتيا لأن المعدوم أيضا لا يرى والمعدوم لا يمدح فعلم أن ~~مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه وإن كان المنفي هو الإدراك فهو سبحانه لا يحاط ~~به رؤية كما لا يحاط به علما ولا يلزم من نفي إحاطة العلم والرؤية نفي ~~الرؤية بل يكون ذلك دليلا على أنه يرى ولا يحاط به فإن تخصيص الإحاطة يقتضي ~~أن مطلق الرؤية ليس بمنفي وهذا الجواب قول أكثرالعلماء من السلف وغيرهم وقد ~~روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره فلا تحتاج الآية إلى تخصيص ولا ~~خروج عن ظاهر الآية فلا نحتاج أن نقول لا نراه في الدنيا أو نقول ~~PageV01P554 @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ بل المبصرون أو لا تدركه كلها بل ~~بعضها ونحو ذلك من الإقوال التي فيها تكلف # قال أبو عبد الله الرازي الحجة التاسعة قوله تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون @QE@ وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ولو كان الله تعالى في السماء أو في العرش لما صح ms452 القول ~~بأنه تعالى قريب من عباده # قال الشيخ رحمه الله فصل في الجمع بين علو الرب عز وجل وبين قربه من ~~داعيه وعابديه فنقول قد وصف الله نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو ~~والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة حتى قال بعض كبار ~~أصحاب الشافعي في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله عال على الخلق ~~وأنه فوق عباده وقال غيره فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك مثل قوله @QB@ إن ~~الذين عند ربك @QE@ @QB@ وله من في السماوات والأرض ومن عنده @QE@ فلو كان ~~المراد بأن معنى عنده في قدرته كما يقول الجهمية لكان الخلق كلهم في قدرته ~~ومشيئته لم يكن فرق بين من في السموات ومن في الأرض ومن عنده كما أن ~~الاستواء لو كان المراد به الإستيلاء لكان مستويا على جميع المخلوقات ولكان ~~مستويا على العرش قبل أن يخلقه دائما # وقد افترق الناس في هذا المقام أربع فرق فالجهمية النفاة الذين يقولون ~~ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا فوق ولا تحت لا يقولون بعلوه ولا ~~بفوقيته PageV01P555 بل الجميع عندهم متأول أو مفوض وجميع أهل البدع قد ~~يتمسكون بنصوص كالخوارج والشيعة والقدرية والرافضة والمرجئة وغيرهم إلا ~~الجهمية فإنهم ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه من النفي ~~وقسم ثان يقولون إنه بذاته في كل مكان كما يقوله النجارية وكثير من الجهمية ~~عبادهم وصوفيتهم وعوامهم يقولون إنه عين وجود المخلوقات كما يقوله أهل ~~الوحدة القائلون بأن الوجود واحد ومن يكون قوله مركبا من الحلول والاتحاد ~~وجميع ما يحتجون به حجة عليهم فإن المعية أكثرها خاصة بأنبيائه وأوليائه ~~وعندهم أنه في كل مكان والقسم الثالث من يقول أنه فوق العرش وهو في كل مكان ~~ويقول أنا أقر بهذه النصوص وهذه لا أصرف واحدا فيها عن ظاهره وهذا قول ~~طوائف ذكرهم الأشعري في المقالات الإسلامية وهو موجود في كلام طائفة من ~~السالمية والصوفية لكنه غلط أيضا وأما القسم الرابع فهم سلف الأمة وأئمتها ~~أئمة العلم ms453 والدين من شيوخ العلم والعبادة فانهم أثبتوا أن الله تعالى فوق ~~سمواته وأنه على عرشه بائن من خلقه وهم منه بائنون وهو أيضا مع العباد ~~عموما بعلمه ومع انبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية وهو أيضا قريب ~~مجيب # ولهذا لما ذكر الله سبحانه قربه من داعيه وعابديه قال @QB@ وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ فهنا هو نفسه سبحانه ~~وتعالى القريب الذي يجيب دعوة الداعي لا الملائكة وكذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته أنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما ~~تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته وأما قرب ~~الرب قربا يقوم به بفعله القائم بنفسه فهذا تنفيه الكلابية ومن يمنع قيام ~~الأفعال الاختيارية بذاته PageV01P556 وأما السلف وأئمة الحديث والسنة فلا ~~يمنعون ذلك وكذلك كثير من أهل الكلام # قال أبو عبد الله الرازي الحجة العاشرة لو كان تعالى في جهة فوق لكان ~~سماء ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وذلك محال فكونه في جهة فوق محال ~~وإنما قلنا أنه تعالى لو كان في جهة فوق لكان سماء لوجهين الأول أن السماء ~~مشتق من السمو وكل شيء سماك فهو سماء فهذا هو الاشتقاق الأصلي اللغوي وعرف ~~القرآن أيضا متقرر عليه بدليل أنهم ذكروا في تفسير قوله تعالى @QB@ وينزل ~~من السماء من جبال فيها من برد @QE@ أنه السحاب قالوا وتسمية السحاب ~~بالسماء جائز لأنه حصل فيها معنى السمو وذكروا أيضا في تفسير قوله تعالى ~~@QB@ وأنزلنا من السماء ماء طهورا @QE@ أنه من السحاب فثبت أن الاشتقاق ~~اللغوي والعرف القرآني متطابقان على تسمية كل ما كان موصوفا بالسمو والعلو ~~سماء الثاني أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان من جلس في العرش ونظر إلى فوق ~~لم ير إلا نهاية ذات الله تعالى فكانت نسبة نهاية السطح الأخير من ذات الله ~~تعالى إلى سكان العرش كنسبة السطح الأخير من السموات إلى سكان الأرض وذلك ~~يقتضي القطع بأنه لو كان فوق العرش ms454 لكان ذاته كالسماء لسكان العرش فثبت أنه ~~تعالى لو كان مختصا بجهة فوق لكان ذاته سماء # وإنما قلنا أنه لو كان ذاته مخلوقا لقوله تعالى @QB@ تنزيلا ممن خلق ~~الأرض والسماوات العلى @QE@ ولفظة السموات لفظة جمع مقرونة بالألف ~~PageV01P557 واللام وهذا يقتضي كون كل السموات مخلوقة لله تعالى وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام @QE@ يدل ~~على ما ذكرناه فثبت أنه تعالى لو كان مختصا بجهة فوق لكان سماء ولو كان ~~سماء لكان مخلوقا لنفسه وهذا محال فوجب أن لا يكون مختصا بجهة فوق # فإن قيل لفظ السماء مختص في العرف بهذه الأجرام المستديرة وأيضا فهب إن ~~هذا اللفظ في أصل الوضع يتناول ذات الله تعالى إلا أن تخصيص العموم جائز ~~قلنا أما الجواب عن الأول فهو أن هذا الفرق ممنوع وكيف لا نقول ذلك وقد ~~دللنا على أن بتقدير أن يكون الله تعالى مختصا بجهة فوق فإن نسبة ذاته ~~تعالى إلى سكان العرش كنسبة السماء إلى سكان الأرض فوجب القطع بأنه لو كان ~~مختصا بجهة فوق لكان سماء وأما الجواب عن الثاني فهو أن تخصيص العموم إنما ~~يصار إليه عند الضرورة فلو قام دليل قاطع عقلي على كونه تعالى مختصا بجهة ~~فوق لزمنا المصير إلى التخصيص أما ما لم يقم شيء من الدلائل على ذلك بل ~~قامت القواطع العقلية على امتناع كونه تعالى في الجهة فلم يكن بنا إلى ~~التزام هذا التخصيص ضرورة فسقط هذا الكلام # قال الشيخ في قوله @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي ~~تمور @QE@ من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات فهو ~~جاهل ضال بالاتفاق وإن كنا إذا قلنا أن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك ~~فإن حرف في متعلق بما قبله وبما بعده فهو بحسب المضاف إليه ولهذا يفرق بين ~~كون الشيء في المكان وكون الجسم في الحيز وكون العرض في الجسم وكون الوجه ~~في المرآة وكون الكلام في الورق فإن لكل ms455 نوع من هذه الأنواع خاصة يتميز ~~PageV01P558 بها عن غيره وإن كان حرف في مستعملا في ذلك فلو قال قائل العرش ~~في السماء أو في الأرض لقيل في السماء ولو قيل الجنة في السماء أم في الأرض ~~لقيل الجنة في السماء ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السموات بل ولا ~~الجنة فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سألتم ~~الله الجنة فاسألوه الفردوس فأنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن ~~فهذه الجنة سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك مع أن الجنة في السماء يراد به ~~العلو سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها قال تعالى @QB@ فليمدد بسبب إلى ~~السماء @QE@ وقال تعالى @QB@ وأنزلنا من السماء ماء طهورا @QE@ # ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى وأنه فوق ~~كل شيء كان المفهوم من قوله أنه في السماء أنه في العلو وأنه فوق كل شيء ~~وكذلك الجارية لما قال لها أين الله قالت في السماء إنما أرادت العلو مع ~~عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها وإذا قيل العلو فإنه يتناول ما ~~فوق المخلوقات كلها فما فوقها كلها هو في السماء ولا يقتضي هذا أن يكون ~~هناك ظرف وجودي يحيط به إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله كما لو قيل ~~العرش في السماء فإنه خلا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق وإن ~~قدر أن السماء المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها كما قال @QB@ ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل @QE@ وكما قال @QB@ فسيروا في الأرض @QE@ وكما قال ~~@QB@ فسيحوا في الأرض @QE@ ويقال فلان في الجبل وفي السطح وأن كان على أعلى ~~شيء فيه # ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو ~~كاذب إن نقله عن غيره وضال أن اعتقده في ربه وما سمعنا أحدا يفهمه من اللفظ ~~PageV01P559 ولا رأينا أحدا نقله عن واحد ولو سئل سائر المسلمين هل يفهمون ~~من قوله سبحانه ورسوله أن ms456 الله في السماء إن السماء تحويه لبادر كل أحد ~~منهم إلى أن يقول هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا وإذا كان الأمر هكذا فمن ~~التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس منه ثم يريد أن ~~يتأوله بل عند المسلمين أن الله في اسماء و هو على العرش واحد إذ السماء ~~إنما يراد به العلو فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل وقد علم المسلمون ~~أن كرسيه سبحانه وتعالى وسع السموات والأرض وإن الكرسي في العرش كحلقة ~~ملقاة بأرض فلاة وإن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله ~~وعظمته فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقا يحصره ويحويه # وما في الكتاب والسنة من قوله @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ ونحو ذلك قد ~~يفهم منه بعضهم أن السماء هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه فيقولون ~~قوله @QB@ في السماء @QE@ بمعنى على السماء كما قال @QB@ ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل @QE@ أي على جذوع النخل وكما قال @QB@ فسيروا في الأرض @QE@ أي على ~~الأرض ولا حاجة إلى هذا بل السماء اسم جنس للعالي لا يخص شيئا فقوله في ~~السماء أي في العلو دون السفل وهو العلي الأعلى فله أعلى العلو وهو ما فوق ~~العرش وليس هناك غيره العلي الأعلى سبحانه وتعالى # وقد قدمنا فيما مضى أن لفظ الجهة يراد به أمر موجود وأمر معدوم فمن قال ~~أنه فوق العالم كله لم يقل أنه في جهة موجودة إلا أن يراد بالجهة العرش ~~ويراد بكونه فيها أنه عليها كما قيل في قوله أنه في السماء أي على السماء ~~وعلى هذا التقدير فإذا كان فوق الموجودات كلها وهو غني عنها لم يكن ~~PageV01P560 عنده جهة وجودية يكون فيها فضلا عن أن يحتاج إليها وإن أريد ~~بالجهة ما فوق العالم فذاك ليس بشيء ولا هو أمر وجودي حتى يقال أنه محتاج ~~إليه أو غير محتاج إليه # ومن عرف نهايات أقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب عرف أن غالب ما ~~يزعمونه برهانا هو شبهة ورأى إن ms457 غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة ~~لها أو شبهة مركبة من قياس فاسد أو قضية كلية لا تقع إلا جزئية أو دعوى ~~إجماع لا حقيقة له أو التمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة ثم أن ~~ذلك إذا ركب بالفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلاحهم أوهمت الغر ما ~~يوهمه السراب للعطشان # قال أبو عبد الله الرازي الحجة الحادية عشرة قوله تعالى @QB@ قل لمن ما ~~في السماوات والأرض قل لله @QE@ وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك لله ~~تعالى وقوله @QB@ وله ما سكن في الليل والنهار @QE@ وذلك يدل على أن الزمان ~~وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات ~~والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان ~~والزمان وهذا الوجه ذكره أبو مسلم الاصفهاني رحمه الله تعالى في تفسيره ~~وأعلم أن في تقديم ذكر المكان على ذكر الزمان سرا شريفا وحكمة عالية ~~PageV01P561 # قال الشيخ رحمه الله الزمان قد يراد به الليل والنهار كما يراد بالمكان ~~السموات والأرض وهذا هو الذي يعنيه طوائف منهم الرازي في كتابه هذا # والمكان المشهور المعروف هو الأعيان المشهودة وما يقوم بها سواء قيل أن ~~المكان هو نفس الأجسام التي يكون الشيء عليها أو فيها أو قيل إن المكان هو ~~السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاصق للسطح الظاهر للجسم المحوي وأما ~~الزمان المعروف فأنه تابع للجسم سواء قيل أنه تقدير الحركة أو مقارنة حادث ~~لحادث أو مرور الليل والنهار قال الله تعالى في كتابه @QB@ الحمد لله الذي ~~خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور @QE@ وقال @QB@ إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار @QE@ لا نزاع بين أهل الملل أن الله ~~سبحانه كان قبل أن يخلق هذه الأمكنة والأزمنة وأن وجوده لا يجب أن يقارن ~~وجود هذه الأمكنة والأزمنة كما تقدم بيان ذلك # ولا ريب أن كل تقدم يوصف به المخلوق على غيره فالباري يوصف به وزيادة ~~أخرى وهذا من باب قياس الأولى فإن التقدم على ms458 الغير من صفات الكمال كالعلو ~~وكل علو يثبت للمخلوق فهو به أحق وكل تقدم يثبت للمخلوق فهو به أحق فإذا ~~كان الأولون متقدمين على الآخرين تقدما معلوما بمقارنة ذلك الزمان فالرب ~~أيضا متقدم على هؤلاء تقدما معلوما بمقارنة ذلك الزمان فهو موجود مع طلوع ~~الشمس وغروبها كما أن غيره موجود مع ذلك ووجوده أكمل فمقارنته له أكمل وليس ~~في ذلك ما يقتضي أنه محتاج إلى الزمان بل بينا أن مقارنة المخلوق للزمان لا ~~توجب حاجة المخلوق إليه PageV01P562 فالخالق أولى أن يكون محتاجا إلى ~~الزمان إذا كان الزمان قد قارن وجوده حين وجود الزمان # يبين هذا أن المقارنة يدل عليها لفظ مع فيكون الله مع خلقه عموما أو ~~خصوصا مما أجمع عليه المسلمون ودل عليه القرآن في غير موضع فهو مع كل شيء ~~معية عامة وخاصة فلماذا يمتنع أن يكون مع الزمان والمكان على الوجه الذي ~~يليق به وذلك أمر واجب لا محالة # ولا نزاع بين من يقول بحدوث العالم أو بقدمه ووجوبه عنه في أن العالم ~~مفتقر إليه محتاج إليه وأنه متقدم عليه بالمرتبة والعلية والذات # ومن يقول أنه في كل مكان أو يقول إنه مقارن للوجود فكلا القولين في ~~الحقيقة يوجب افتقاره إلى المخلوقات ويمنع أن يكون واجب الوجود وإن أصحاب ~~هذه الأقوال وإن قالوا مع ذلك هو مباين للعالم وفوقه أو قالوا هو قبل ~~العالم ومتقدم عليه فلا حقيقة لكلامهم وقولهم صريح في معنى ذلك والتكذيب به ~~ومن قال منهم ليس بداخل العالم ولا بخارجه فهو كمن قال لا قبل العالم ولا ~~معه وكل من هؤلاء ينازع في أنه إله العالم المعبود لا يثبتون حقيقة ربوبيته ~~ولا حقيقة إلهيته بل هم مشركون به وجاحدون ومعطلون وإن كان جهمية المتفلسفة ~~أشد إشراكا وجحودا من جهمية المتكلمين # وقال في سياق حديث الجارية المعروف أين الله قالت في السماء ليس معنى ذلك ~~أن الله في جوف السماء وقد قال مالك بن أنس إن الله فوق PageV01P563 السماء ~~وعلمه في كل مكان إلى ms459 أن قال فمن أعتقد أن الله في جوف السماء محصور محاط ~~به وإنه مفتقر إلى العرش أو غير العرش من المخلوقات أو أن استواءه على عرشه ~~كاستواء المخلوق على كرسيه فهو ضال مبتدع جاهل ومن اعتقد أنه ليس فوق ~~السموات إله يعبد ولا على العرش رب يصلى له ويسجد وأن محمدا لم يعرج به إلى ~~ربه ولا نزل القرآن من عنده فهو معطل فرعوني ضال مبتدع # وهؤلاء قد يقولون كان ولا مكان ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان وهذه ~~الزيادة الالحادية وهو قولهم وهو الآن على ما عليه كان قصد بها المتكلمة ~~المتجهمة نفي الصفات التي وصف بها نفسه من استوائه على العرش ونزوله إلى ~~السماء الدنيا وغير ذلك فقالوا كان في الأزل ليس مستويا على العرش وهو الآن ~~على ما عليه كان فلا يكون على العرش لما يقتضي ذلك من التحول والتغير # وقول الرازي واعلم إن في تقديم ذكر الزمان سرا شريفا وحكمة عالية يشير ~~إلى أنه سببه فإن الزمان يفتقر إلى الحركة والحركة هي سبب الزمان وإن كانت ~~مقارنة له # قال أبو عبد الله الرازي الحجة الثانية عشرة قوله تعالى @QB@ ويحمل عرش ~~ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ ولو كان الخالق في العرش لكان حامل العرش ~~حاملا لمن في العرش فيلزم احتياج الخالق إلى المخلوق ويقرب منه قوله تعالى ~~@QB@ الذين يحملون العرش @QE@ PageV01P564 # قال الشيخ رحمه الله $ فصل # للناس في أن الله فوق العرش والعالم قولان مشهوران لعامة الطوائف من ~~المتكلمين وأهل الحديث والصوفية والفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي وأحمد وغيرهم أحدهما أنه مجرد نسبة وإضافة بين المخلوقات والخالق ~~وبين العرش والرب تجددت بخلقه للعرش من غير أن يكون هو في نفسه تحرك أو ~~تصرف بنفسه شيئا وهذا قول من يقول يمتنع حلول الحوادث بذاته وتمتنع الحركة ~~عليه والقول الثاني هو المشهور عن السلف وأئمة الحديث وكثير من أهل الكلام ~~والفقهاء والصوفية من الطوائف الأربعة وغيرهم أنه استوى عليه بعد خلق ~~السموات والأرض كما دل عليه القرآن ms460 فيكون قد استوى عليه بعد أن لم يكن ~~مستويا عليه وكذلك استواؤه إلى السماء ومجيؤه وإتيانه كما وردت بذلك النصوص ~~المتواترة الصحيحة وعلى هذا التقدير فليس في ذلك انقلاب لذاته بل قد ذكر ~~أنه ليس في الأدلة العقلية ما يحيل ذلك $ فصل للناس في حملة العرش قولان # أحدهما أن حملة العرش يحملون العرش ولا يحملون من فوقه # والثاني أنهم يحملون العرش ومن فوقه كما تقدم حكاية القولين فيذكر ما ~~يقوله الفريقان في جواب هذه الحجة فإنهم ينازعونه في المقدمتين جميعا # فيقال من جهة الأولين لا نسلم أن من حمل العرش يجب أن يحمل ما فوقه إلا ~~أن يكون ما فوقه معتمدا عليه وإلا فالهواء والطير وغير ذلك مما هو ~~PageV01P565 فوق السقف ليس محمولا لما يحمل السقف وكذلك السموات فوق الأرض ~~وليست الأرض حاملة السموات وكل سماء فوقها سماء وليست السفلى حاملة للعليا ~~فإذا لم يجب في المخلوقات أن يكون الشيء حاملا لما فوقه بل قد يكون وقد لا ~~يكون لم يلزم أن يكون العرش حاملا للرب تعالى إلا بحجة تبين ذلك وإذا لم ~~يكن العرش حاملا لم يكن حملة العرش حاملة لما فوقه بطريق الأولى # الوجه الثاني أن الطائفة الأخرى تمنع المقدمة الثانية فيقولون لا نسلم أن ~~العرش وحملته إذا كانوا حاملين لله لزم أن يكون الله محتاجا إليهم فإن الله ~~هو الذي يخلقهم ويخلق قواهم وأفعالهم فلا يحملونه إلا بقدرته ومعونته كما ~~لا يفعلون شيئا من الأفعال إلا بذلك فلا يحمل في الحقيقة نفسه إلا نفسه كما ~~أنه سبحانه إذا دعاه عباده فأجابهم وهو سبحانه الذي خلقهم وخلق دعاءهم ~~وأفعالهم فهو المجيب لما خلقه وأعان عليه من الأفعال وكذلك إذا فرح بتوبة ~~التائب من عباده أو غضب من معاصيهم وغير ذلك مما فيه إثبات نوع تحول عن ~~أفعال عباده فإن هذا يقوله كثير من أهل الكلام مع موافقة جمهور أهل الحديث ~~وغيرهم فيه مقامان مشكلان أحدهما مسألة حلول الحوادث والثانية تأثير ~~المخلوق فيه وجواب المسألة الأولى مذكور في غير ms461 هذا الموضع وجواب السؤال ~~الثاني أنه لا خالق ولا بارئ ولا مصور ولا مدبر لأمر الأرض والسماء إلا هو ~~فلا حول ولا قوة إلا به وكل ما في عباده من حول وقوة فبه هو سبحانه فيعود ~~الأمر إلى أنه هو المتصرف بنفسه سيحانه وتعالى الغني عما سواه # وهؤلاء يقولون هذا الذي ذكرناه أكمل في صفة الغني عما سواه والقدرة على ~~كل شيء مما يقوله النفاة فإن أولئك يقولون لا يقدر أن يتصرف بنفسه ولا يقدر ~~أن ينزل ولا يصعد ولا يأتي ولا يجيء ولا يقدر أن يخلق في عباده قوة يحملون ~~بها عرشه الذي هو عليه ويكونون إنما حملوه وهو فوق عرشه بقوته PageV01P566 ~~وقدرته من كونه لا يقدر على مثل ذلك ولا يمكنه أن يقيم نفسه إلا بنفسه كما ~~أنه سبحانه إذا خلق الأسباب وخلق بها أمورا أخرى ودبر أمر السموات والأرض ~~كان ذلك أكمل وأبلغ في الاقتدار من أن يخلق الشيء وحده بغير خلق قوة أخرى ~~من غيره يخلقه بها فإن من يقدر على خلق القوى في المخلوقات أبلغ ممن لا ~~يقدر على ذلك ولهذا كان خلقه للحيوان ولما فيه من القوى والإدراك والحركات ~~من أعظم الآيات الدالة على قدرته وقوته قال الله تعالى @QB@ إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين @QE@ # قال عثمان بن سعيد الدرامي في نقضه على المريسي وصاحبه وأعجب من هذا كله ~~قياسك الله بقياس العرش ومقداره ووزنه من صغير أو كبير وزعمت كالصبيان ~~العميان إن الله أكبر من العرش أو أصغر منه أو مثله فإن كان الله أصغر فقد ~~صيرتم العرش أعظم منه وإن كان أكبر من العرش فقد ادعيتم فيه فضلا عن العرش ~~وإن كان مثله إذا ضم إلى العرش السموات والأرض كانت أكبر مع خرافات تكلم ~~بها وترهات يلعب بها وضلالات يضل بها لو كان من يعمل لله لقطع قشرة لسانه ~~والخيبة لقوم هذا فقيههم والمنظور إليه مع التمييز كله وهذا النظر وكل هذه ~~الجهالات والضلالات # فيقال لهذا البقباق النفاج إن الله أعظم ms462 من كل شيء وأكبر من كل خلق ولم ~~يحمله العرش عظما ولا قوة ولا حملة العرش حملوه بقوتهم ولا استقلوا بعرشه ~~ولكنهم حملوه بقدرته PageV01P567 # وقد بلغنا أنهم حين حملوا العرش وفوقه الجبار في عزته وبهائه ضعفوا عن ~~حمله واستكانوا وجثوا على ركبهم حتى لقنوا لا حول ولا قوة إلا بالله ~~فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته ولولا ذلك ما استقل به العرش ولا الحملة ~~ولا السموات ولا الأرض ولا من فيهن ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة ~~فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم أكبر من السموات والأرض ~~وكيف تنكر أيها النفاج أن عرشه يقله والعرش أكبر من السموات السبع والأرضين ~~السبع ولو كان العرش في السموات والارضين ما وسعته ولكنه فوق السماء ~~السابعة # فكيف تنكر هذا وأنت تزعم أن الله في الأرض في جميع أمكنتها والأرض دون ~~العرش في العظمة والسعة فكيف تقله الأرض في دعواك ولا يقله العرش الذي هو ~~أعظم منها وأوسع وادخل هذا القياس الذي أدخلت علينا في عظم تاعرش وصغره ~~وكبره على نفسك وعلى أصحابك في الأرض وصغرها حتى تستدل على جهلك وتفطن لما ~~يورد عليك حصائد لسانك فأنك لا تحتج بشيء إلا هو راجع عليك وآخذ بحلقك # وقد حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح قال أول ما خلق ~~الله حين كان عرشه على الماء حملة عرشه فقالوا ربنا لما خلقتنا فقال خلقتكم ~~لحمل عرشي قالوا ربنا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك ووقارك ~~فيقول لهم إني خلقتكم لذلك قال قالوا ربنا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه ~~عظمتك وجلالك ووقارك قال فقال خلقتكم لحمل عرشي قال فيقولون ذلك مرارا قال ~~فقال لهم قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فيحملكم والعرش قوة الله ~~PageV01P568 # قال أفلا تدري أيها المعارض أن حملة العرش لم يحملوا العرش ومن عليه ~~بقوتهم وبشدة أسرهم إلا بقوة الله وتأييده # وقال في كتابه حدثني محمد بن بشار بندار حدثنا وهب بن جرير حدثنا ms463 أبي قال ~~سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة وعن جبير بن محمد بن جبير بن ~~مطعم عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله فوق ~~عرشه فوق سمواته فوق أرضه مثل القبة وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده ~~مثل القبة وأنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب # وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في كتاب الرد على الجهمية عن عدة مشايخ ~~منهم ابن بشار قال فيه عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعرابي فقال يا رسول الله جهدت الأنفس ~~وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا فإنا نستشفع بك ~~على الله ونستشفع بالله عليك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا ~~يستشفع بالله على أحد خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن ~~عرشه على سمواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط ~~الرحل بالراكب قال ابن بشار في حديثه إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سمواته ~~وساق الحديث وقوله في الحديث إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه أي الله ~~هو الذي يفعل لا يشفع إلى غيره في أن يفعل وهذا كما يقوله الشعراء مخاطبا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم % شفيعي إليك الله لا شيء غيره % $ PageV01P569 # وهذا الحديث قد يطعن فيه بعض المشتغلين بالحديث انتصارا للجهمية وإن كان ~~لا يفقه حقيقة قولهم وما فيه من التعطيل أو استبشاعا لما فيه من ذكر الأطيط ~~كما فعل أبو القاسم المؤرخ ويحتجون بأنه تفرد به محمد بن إسحاق عن يعقوب بن ~~عتبة عن جبير ثم يقول بعضهم ولم يقل ابن إسحاق حدثني فيتحمل أن يكون منقطعا ~~وبعضهم يتعلل بكلام بعضهم في ابن إسحاق مع إن هذا الحديث وأمثاله وفيما ~~يشبهه في اللفظ والمعنى لم يزل متداولا بين أهل العلم خالقا عن سالف ولم ~~يزل سلف الأمة وأئمتها ms464 يروون ذلك رواية مصدق به راد به على من خالفه من ~~الجهمية متلقين لذلك بالقبول حتى قد رواه الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن ~~خزيمة في كتابه في التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بأحاديث ~~الثقاة المتصلة الإسناد رواه عن بندار كما رواه الدرامي وأبو داود سواء ~~وكذلك رواه عن أبي موسى محمد بن المثنى بهذا الإسناد مثله سواء فقال حدثنا ~~محمد بن بشار حدثنا وهب يعني ابن جرير ثنا أبي سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن ~~يعقوب بن عتبة وعن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاعت ~~العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق لنا فإنا نستشفع بك على الله ~~ونستشفع بالله عليك فقال رسول الله ويحك أتدري ما تقول فسبح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك PageV01P570 في وجوه أصحابه ثم ~~قال ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من جميع خلقه شأن الله أعظم من ذلك ~~ويحك أتدري ما الله إن الله على عرشه وعرشه على سمواته وسمواته على أرضه ~~هكذا وقال بأصابعه مثل القبة وأنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب قال ابن ~~خزيمة قرئ على أبي موسى وأنا أسمع أن وهبا حدثهم بهذا الإسناد مثله سواء # وممن أحتج به الحافظ أبو محمد بن حزم في مسألة استدارة الأفلاك مع أن أبا ~~محمد هذا من أعلم الناس لا يقلد غيره ولا يحتج إلا بما تثبت عنده صحته وليس ~~هذا الموضوع # وهؤلاء يحتجون في معارضة ذلك من الحديث بما أوهى عند أهله من الرأي ~~السخيف الفاسد الذي يحتج به قياسو الجهمية كاحتجاج أبي القاسم المؤرخ في ~~حديث أملاه في التنزيه بحديث أسنده عن عوسجة وهذا الحديث مما يعلم صبيان ~~أهل الحديث أنه كذب مختلق وأنه مفترى وأنه لم يروه قط عالم من علماء ~~المسلمين المقتدى بهم في الحديث ولا دونوه ms465 في شيء من دواوين الإسلام ولا ~~يستجيز أهل العلم والعدل منهم أن يورد مثل ذلك إلا على بيان أنه كذب كما ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حدث عني بحديث وهو ~~يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين فمن رد تلك الأحاديث المتلقاة بالقبول واحتج ~~في نقضها بمثل هذه الموضوعات فإنما سلك سبيل من لا عقل له ولا دين وإن كان ~~في ذلك ممن يتبع الظن وما تهوى الأنفس وهو من المقلدين لقوم لا علم لهم ~~بحقيقة PageV01P571 حالهم كما قال تعالى @QB@ وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم ~~وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب @QE@ # وروى أيضا عثمان بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا إسرائيل عن ~~أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالت ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم الرب وقال إن كرسيه وسع السموات ~~والأرض وانه ليقد عليه فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع ومد أصابعه الأربعة ~~وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركبه من يثقله # وقال أيضا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد وهو ابن سلمة عن الزبير بن عبد ~~السلام عن أيوب بن عبد الله الفهري أن ابن مسعود قال إن ربكم ليس عنده ليل ~~ولا نهار نور السموات من نور وجهه وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده ثنتا ~~عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ~~ساعات فيطلع فيها على ما يكره فيغضبه ذلك فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون ~~العرش يجدونه يثقل عليهم الذين يحملون العرش وسرادقات العرش والملائكة # وأصحاب هذا القول قد يستشهدون بما روي عن طائفة في تفسير قوله تعالى @QB@ ~~تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن @QE@ # قال عثمان بن سعيد في رده على الجهمية حدثنا عبد الله بن صالح المصري قال ~~حدثني الليث وهو ms466 ابن سعد حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن زيد بن ~~أسلم حدثه عن عطاء بن يسار قال أتى رجل كعبا وهو في نفر فقال يا أبا إسحاق ~~حدثني عن الجبار فأعظم القوم قوله فقال كعب دعوا الرجل فإن كان جاهلا يعلم ~~وإن كان عالما إزداد علما قال كعب أخبرك أن الله PageV01P572 خلق سبع سموات ~~ومن الأرض مثلهن ثم جعل ما بين كل سمائين كما بين السماء الدنيا والأرض ~~وكثفهن مثل ذلك ثم رفع العرش فاستوى عليه فما في السموات سماء إلا لها أطيط ~~كأطيط العلا في أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن وهذا الأثر وإن كان هو ~~رواية كعب فيحتمل أن يكون من علوم أهل الكتاب ويحتمل أن يكون مما تلقاه عن ~~الصحابة ورواية أهل الكتاب التي ليس عندنا شاهد هو لا يدافعها ولا يصدقها ~~ولا يكذبها فهؤلاء الأئمة المذكورة في إسناده هم من أجل الأئمة وقد حدثوا ~~به هم وغيرهم ولم ينكروا ما فيه من قوله من ثقل الجبار فوقهن فلو كان هذا ~~القول منكرا في دين الإسلام عندهم لم يحدثوا به على هذا الوجه # وقد ذكر ذلك القاضي أبو يعلى الأزجي فيما خرجه من أحاديث الصفات وقد ذكره ~~من طريق السنة عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثني أبو المغيرة حدثنا ~~عبدة بنت خالد بن معدان عن أبيها خالد بن معدان أنه كان يقول إن الرحمن ~~سبحانه ليثقل على حملة العرش من أول النهار إذا قام المشركون حتى إذا قام ~~المسبحون خفف عن حملة العرش # قال القاضي وذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه بإسناده حدثنا عن ابن ~~مسعود وذكر فيه فإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة فتعرض ~~عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم فينظر فيه ثلاث ساعات فيطلع منها على ~~ما يكره فيغضبه ذلك فأول من يعلم بغضبه الذي يحملون العرش يجدونه ~~PageV01P573 يثقل عليهم فيسبحه الذين يحملون العرش وذكر الخبر القاضي فقال ~~أعلم أنه غير ms467 ممتنع حمل الخبر على ظاهره وأن ثقله يحصل بذات الرحمن إذ ليس ~~في ذلك ما يحيل صفاته قال على طريقته في مثل ذلك لأنا لا نثبت ثقلا من جهة ~~المماسة والاعتماد والوزن لأن ذلك من صفات الأجسام ويتعالى عن ذلك وإنما ~~نثبت ذلك لذاته لا على وجه المماسة كما قال الجميع أنه عال على الأشياء لا ~~على وجه التغطية لها وإن كان في حكم الشاهد بأن العالي على الشيء يوجب ~~تغطيته # قال وقيل أنه تتجدد له صفة يثقل بها على العرش ويزول في حال كما تتجدد له ~~صفة الإدراك عند خلق المدركات وتزول عند عدم المدركات # قال القاضي قيل هذا غلط لأن الهيبة والتعظيم مصاحب لهم في جميع أحوالهم ~~ولا يجوز مفارقتها لهم ولهذا قال سبحانه @QB@ يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون @QE@ وما ذكره من قول القائل الحق ثقيل وكلام فلان ثقيل فإنما لم ~~يحمل على ثقل ذات لأنها معاني والمعاني لا توصف بالثقل والخفة وليس كذلك ~~هنا لأن الذات ليست معاني ولا أعراض فجاز وصفها بالثقل وأما قوله تعالى ~~@QB@ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا @QE@ فقد فسره أهل النقل أن المراد به ثقل ~~الحكم ولأن الكلام ليس بذات # قال فإن قيل يحمل على إنه يخلق في العرش ثقلا على كواهلهم وجعل لذلك ~~إمارة لهم في بعض الأحوال إذا قام المشركون قيل هذا غلط لأنه يفضي أن يثقل ~~عليهم بكفر المشركين ويخفف عنهم بطاعة المطيعين وهذا لا يجوز لما فيه من ~~المواخذ بفعل الغير وليس كذلك إذا حملناه على ثقل الذات لأنه لا يفضي إلى ~~ذلك لأن ثقل ذاته عليهم تكليف لهم وله أن يثقل عليهم في التكليف ويخفف ~~PageV01P574 # قلت المقصود هنا التنبيه على أصل كلام الناس في ذلك # وأما الكلام في الخفة والثقل ونحو ذلك فربما نتكلم عليه إن شاء الله في ~~موضعه فإن طوائف من المتفلسفة يقولون السموات ليست خفيفة ولا ثقيلة قالوا ~~لأن الجسم الثقيل هو الذي يتحرك إلى أسفل وهو الوسط والخفيف هو الذي يتحرك ~~إلى فوق من ms468 الوسط والأفلاك مستديرة لا تتحرك إلى فوق ولا إلى أسفل لذلك لم ~~نصفها بثقل ولا خفة كما لم يصفوها بشيء من الطبائع الأربعة وهذا النزاع قد ~~يكون لفظيا وقد يكون معنويا إذا اصطلحوا على أنهم لا يسمون خفيفا ولا ثقيلا ~~إلا ما هو كذلك فهو نزاع لفظي وأما النزاع في كون أجسام السموات يمكن ~~صعودها وانخفاضها إلا أن الله يمسكها بقدرته كما قال @QB@ إن الله يمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا @QE@ وقال @QB@ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض ~~بأمره @QE@ فهذا نزاع معنوي وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث كريب عن ابن عباس ~~عن جويرية بنت الحارث أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من ~~عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال ~~ما زلت على الحال الذي فارقتك عليها قالت نعم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنهن ~~سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته فالمقصود ~~بالحديث نهاية ما يمكن من المعدود وغاية ما يمكن من القول والمحبوب هو كلام ~~الرب ورضاه وذكر عدد خلقه وزنة عرشه # الوجه الثالث أن يقال هذه المسألة تدل على نقيض مطلوبك فإنه أثبت أن ~~العرش له حملة وأنه يحمل مع ذلك اليوم ويوم القيامة وظاهر هذا الخطاب ~~PageV01P575 أنه على العرش يحمل مع ذلك على أن حملة العرش يحملونه أم لم ~~يدل على ذلك فإن دل على ذلك أيضا فقد دل على ما هو من أبلغ نقيض مطلوبه ثم ~~إذا خالف هو هذه الآية يحتاج إلى تأويلها أو تفويضها فلا تكون الآيات ~~المثبتة للعرش ولحملته أو لحمل الملائكة لما فوقه تنفي كونه على العرش هذا ~~تعليق على الدليل ضد موجبه ومقتضاه ولكن قوله يلزم الافتقار من باب التعارض ~~فيحتاج إلى الجمع بين موجب الآية وبين هذا الدليل لا تكون الآية لأجل ما ~~يقال أنه يعارضها تدل على نقيض ms469 مدلولها هذا لا يقوله عاقل # الوجه الرابع في تقرير ذلك ثم أن قوله @QB@ الذين يحملون العرش ومن حوله ~~@QE@ وقوله @QB@ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ يوجب أن لله عرشا ~~يحمل ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهمية فإن ~~الملك هو مجموع الخلق فهنا دلت الآية على أن لله ملائكة من جملة خلقه ~~يحملون عرشه وآخرون يكونون حوله وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية إما ~~ثمانية أملاك وإما ثمانية أصناف وصفوف وهذا إلى مذهب المثبتة أقرب منه إلى ~~قول النافية بلا ريب # الوجه الخامس أن العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه وكالسقف ~~بالنسبة إلى ما تحته فإذا كان القرآن قد جعل لله عرشا وليس هو بالنسبة إليه ~~كالسقف علم أنه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره وذلك يقتضي أنه فوق ~~العرش # الوجه السادس أن إضافة العرش مخصوصة إلى الله لقوله @QB@ ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ يقتضي أنه مضاف إلى الله إضافة تخصه كما في سائر ~~المضافات إلى الله كقوله بيت الله وناقة الله ونحو ذلك وإذا كان ~~PageV01P576 العرش مضافا إلى الله في هذه الآية إضافة اختصاص وذلك يوجب أن ~~يكون بينه وبين الله من النسبة ما ليس لغيره فما يذكره الجهمية من ~~الاستيلاء والقدرة وغير ذلك أمر مشترك بين العرش وسائر المخلوقات وهذه ~~الآية التي احتج بها تنفي أن يكون الثابت من الإضافة هو القدر المشترك ~~وتوجب اختصاصا للعرش بالله ليس لغيره كقوله @QB@ عرش ربك @QE@ وهذا إنما ~~يدل على قول المثبتة أو هو إلى الدلالة عليه أقرب وأيهما كان فقد دلت الآية ~~على نقيض مطلوبه وهو الذي ألزمناه فلم يذكر آية من كتاب الله على مطلوبه ~~إلا وهي لا دلالة فيها بل دلالتها على نقيض مطلوبه أقوى # قال الرازي الحجة الثانية عشرة لو كان مستقرا على العرش لكان الابتداء ~~بتخليق العرش أولى من الابتداء بتخليق السموات لأن تقدير القول بأنه مستقر ~~على العرش يكون العرش مكانا له والسموات مكان عبيده والأقرب إلى العقول ms470 أن ~~تكون تهيئة مكان نفسه مقدما على تهيئة مكان العبيد لكن من المعلوم أن تخليق ~~السموات مقدم على تخليق العرش لقوله تعالى @QB@ إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش @QE@ وكلمة ثم للتراخي # قلت الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا والحمد لله الذي جعل لرسوله منه سلطانا نصيرا والحمد لله ~~الذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يوم الأشهاد ينصرهم ~~بسلطان الحجة وسلطان القدرة وهو الذي يأتي رسله والمؤمنين به حجة على من ~~خالفهم وجادلهم فيه بالباطل كما قال @QB@ وهم يجادلون في الله وهو شديد ~~المحال @QE@ فإن هذا الرجل وأمثاله لا يحتجون بحجة إلا وهي عليهم لا لهم ~~PageV01P577 لكن يزيد فهم ذلك من يكون الله قد أيده بروح منه وكتب في قلبه ~~الإيمان وجعل في قلبه من نور يفهم دقيق ذلك وأما جليله فيفهمه جمهور الناس ~~وهذه من جليل ذلك وذلك أنه لا خلاف بين المسلمين وأهل الكتاب أن العرش خلق ~~قبل السموات والأرض فقول هذا المحتج لو كان مستقرا على العرش لكان الابتداء ~~بتخليق العرش أولى من الابتداء بتخليق السموات لا يضرهم بل ينفعهم فإن ~~الأمر في الترتيب ذلك ما كان قول المثبتة يستلزم تقديم خلق العرش فهكذا وقع ~~ولله الحمد وإن لم يكن مستلزما هذا الترتيب بطلت هذه الحجة فهي باطلة على ~~التقديرين # أما قوله لكن من المعلوم أن تخليق السموات مقدم على تخليق العرش فيقال ~~هذا لم يعلمه أحدا لا من الأولين ولا من الآخرين ولا قاله أحد يعرف بالعلم # وأما احتجاجه على تقدم خلق السموات بقوله @QB@ إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش @QE@ وكلمة ثم للتراخي ~~فهنا إنما ذكر أنه استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض فأين قوله @QB@ ~~ثم استوى على العرش @QE@ ومن قوله خلق العرش هذا لا يخفى على أحد فليس في ~~كتاب الله ما يوهم خلق العرش فضلا عن ms471 أن يدل فلا دلالة في القرآن على خلق ~~السموات بعد العرش # الوجه الثاني أن القرآن يدل على أن خلق العرش قبل خلق السموات والأرض ~~بهذه الآية التي ذكرها وبغيرها فإن قوله @QB@ خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش @QE@ يقتضي أنه استوى على العرش بعد خلق ~~PageV01P578 السموات والأرض ولم يذكر أنه خلقه حينئذ ولو كان خلقه حينئذ ~~لكان قد ذكر خلقه ثم استواءه عليه ولأن ذكره للاستواء عليه دون خلقه دليل ~~على أنه كان مخلوقا قبل ذلك ولأنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق المسلمين ~~وأهل الكتاب أن الخلق كان في ستة أيام وقد قال تعالى @QB@ وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~@QE@ فأخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وأن عرشه كان حينئذ على ~~الماء وفي الصحيح عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~كان الله ولا شيء وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات ~~والأرض قال البخاري في كتاب التوحيد والرد على الجهمية والزنادقة # باب قوله تعالى @QB@ وكان عرشه على الماء @QE@ @QB@ وهو رب العرش العظيم ~~@QE@ عن عمران بن حصين قال إني كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه ~~وفد بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا بشرتنا فأعطنا فدخل ~~ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشري يا اهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم ~~فقالوا قبلنا جئناك لنفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان قال ~~كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب ~~في الذكر كل شيء # الوجه الرابع أنه إذا كان قد خلق العرش قبل أن يخلق السموات والأرض وكان ~~ذلك مناسبا في العقل لأن يكون العرش مكانا له والسموات مكان PageV01P579 ~~عبيده كان الثابت بالآية التي تلاها وبغيرها من الآيات والأحاديث واتفاق ~~المسلمين دليل على مذهب منازعه دون مذهبه # الوجه الخامس أنه ms472 لو فرض أن الله خلق العرش بعد السموات والأرض لم يكن في ~~هذا ما ينافي أن يكون عليه كما أنه خلق السموات بعد الأرض @QB@ فسواهن سبع ~~سماوات وهو بكل شيء عليم @QE@ بعد قوله @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا @QE@ قال @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين @QE@ بعد قوله @QB@ أئنكم لتكفرون بالذي ~~خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من ~~فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين @QE@ # قال أبو عبد الله الرازي الحجة الرابعة عشرة قوله تعالى @QB@ كل شيء هالك ~~إلا وجهه @QE@ ظاهر الآية يقتضي فناء العرش وفناء جميع الأحياز والجهات ~~وحينئذ يبقى الحق سبحانه وتعالى منزها عن الحيز والجهة وإذا ثبت امتنع أن ~~يكون الآن في جهة والألزم وقوع التغير في الذات # وإذا كان المقصود هنا الكلام في تفسير الآية فنقول تفسير الآية بما هو ~~مأثور ومنقول عن من قاله من السلف والمفسرين من أن المعنى كل شيء هالك إلا ~~ما أريد به وجهه فأنه ذكر ذلك بعد نهيه عن الإشراك وإن يدعو معه إلها آخر ~~وقوله @QB@ لا إله إلا هو @QE@ يقتضي أظهر الوجهين وهو أن كل شيء هالك إلا ~~ما كان لوجهه من الإيمان والأعمال وغيرهما روى عن أبي العالية قال إلا ما ~~أريد به وجهه وعن جعفر الصادق إلا دينه ومعناهما واحد وقد روي عن عبادة بن ~~الصامت قال يجاء بالدنيا يوم القيامة فيقال ميزوا ما كان لله منها ~~PageV01P580 قال فيماز ما كان لله منها ثم يؤمر بسائرها فيلقى في النار وقد ~~روى عن علي ما يعم ففي تفسير الثعلبي عن صالح بن محمد عن سليمان بن عمرو عن ~~سالم الأفطس عن الحسن وعن سعيد بن جبير عن علي ابن أبي طالب أن رجلا سأله ~~فلم يعطه شيئا فقال أسألك بوجه الله فقال له علي كذبت ليس بوجه الله سألتني ~~إنما وجه الله الحق إلا ترى ms473 إلى قوله @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ يعني ~~الحق ولكن سألتني بوجهك الخلق وعن مجاهد إلا هو وعن الضحاك كل شيء هالك إلا ~~الله والجنة والنار والعرش وعن ابن كيسان إلا ملكه # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من ~~المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك ولم ~~يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كالجهم بن ~~صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة ~~رسوله وإجماع سلف الأمة وأئمتها لما في ذلك من الدلالة على بقاء الجنة ~~وأهلها وبقاء غير ذلك مما لا تتسع هذه الورقة لذكره وقد استدل طوائف من أهل ~~الكلام والمتفلسفة على امتناع فناء جمع المخلوقات بأدلة عقلية # ويجيبهم أهل السنة والإثبات بجوابين معروفين أحدهما أن المتجدد نسبة ~~وإضافة بينه وبين العرش بمنزلة المعية ويسميها ابن عقيل الأحوال وتجدد ~~النسب والاضافات متفق عليه بين جميع أهل الأرض من المسلمين وغيرهم إذ لا ~~يقتضي ذلك تغيرا ولا استحالة والثاني إن ذلك وإن اقتضى تحولا من حال إلى ~~حال ومن شأن إلى شأن فهو مثل مجيئه واتيانه ونزوله وتكليمه PageV01P581 ~~لموسى وإتيانه يوم القيامة في صورة ونحو ذلك مما دلت عليه النصوص وقال به ~~أكثر أهل السنة والحديث وكثير من أهل الكلام وهو لازم لسائر الفرق # ولفظ التغير لفظ مجمل يتوهم السامع أن الرب يتغير ويستحيل من حال إلى حال ~~كما يتغير الإنسان أما بمرض وأما بغيره وكما تتغير الشمس إذا اصفر لونها ~~ولا يدري أنه عندهم إذا أحدث ما لم يكن محدثا سموه تغيرا وإذا سمع دعاء ~~عباده سموه تغيرا وإذا رأى ما خلقه سموه تغيرا وإذا كلم موسى بن عمران سموه ~~تغيرا وإذا رضي عمن أطاعه وسخط على من عصاه سموه تغيرا إلى مثل هذه الأمور ~~ثم أنهم ينفون ذلك من غير دليل أصلا فإن الفلاسفة يجوزون أن يكون القديم ~~محلا للحوادث # قوله فإن قيل الحيز والجهة ليس شيئا موجودا ms474 حتى يصير هالكا فانيا قلنا ~~الأحياز والجهات أمور مختلفة بحقائقها متباينة بماهياتها بدليل أنكم قلتم ~~إنه يجب حصول ذات الله تعالى في جهة فوق ويمتنع حصول ذاته في سائر الجهات ~~فلولا أن جهة فوق مخالفة بالماهية لسائر الجهات لما كانت جهة فوق مخالفة ~~لسائر الجهات في هذه الخاصة وهذا الحكم # والجواب عن هذه الحجة وأمثالها ينبني على مقامين المقام الأول قول من ~~يقول أنه نفسه تعالى فوق العرش ويقول أنه ليس بجسم ولا متحيز كما ذكر ابن ~~كلاب والأشعري وكثير من الصفاتية والمنازعون لهم في كونه فوق العرش ~~PageV01P582 كالرازي ومتأخري الأشعرية وكالمعتزلة يدعون أن هذا تناقض مخالف ~~للضرورة العقلية إلى أن قال # وأما القسم الثاني فهو مقام من سلم له أنه فوق العرش وهو متحيز وله حد ~~ونهاية ويطلق عليه أيضا لفظ الجهة فإن أهل الإثبات متنازعون في لفظ الجهة ~~وفي ذلك نزاع بين أصحاب الإمام أحمد وغيرهم كما أنهم متنازعون في اسم الحد ~~أيضا فنقول على هذا التقدير فالكلام على هذا من وجوه # الأول أن كلام هذا وغيره في الحيز هل هو أمر وجودي أو عدمي أو إضافي ~~مضطرب متناقص فإنه وإن كان قد قرر هنا أنه وجودي فقد قرر في غير هذا الموضع ~~أنه عدمي ويكفي نقض كلامه بكلامه فأنا قد اعتمدنا هذا مرات فإن هذا موجود ~~في عامة هؤلاء تحقيقا لقوله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ بخلاف الحق الذي يصدق بعضه بعضا فقد ذكر في البرهان ~~الرابع بعد هذا نقض هذا فقال الرابع وهو أنا نعلم بالضرورة أن الأحياز ~~بأسرها متساوية لأنها فراغ محض وخلاء صرف وإذا كانت بأسرها متساوية يكون ~~حكمها واحدا وذلك يمنع من القول بأنه تعالى واجب الاختصاص ببعض الأحياز على ~~التعيين فإن قالوا فلم لا يجوز أن يكون اختصاصه بجهة فوق أولى قلنا هذا ~~باطل لوجهين أحدهما أنه قبل خلق العالم ما كان إلا الخلاء الصرف والعدم ~~المحض فلم يكن هناك فوق ولا تحت فبطل قولكم الثاني ms475 أنه لو كان الفوق متميزا ~~عن التحت بالتميز الذاتي لكانت الجهات أمورا وجودية ممتدة قابلة للانقسام ~~وذلك يقتضي تقدم الجسم لأنه لا معنى بالجسم إلا ذلك فهذا تصريح في أنها ~~مختلفة في الحقائق وأنها خلاء صرف وفراغ محض وهذا يناقض ما ذكره هنا ومن لم ~~يكن لسانه وراء قلبه كان كلامه كثير التقلب والتناقض PageV01P583 # قال الرازي وأيضا فلأنا نقول هذا الجسم حصل في هذا الحيز بعد أن كان ~~حاصلا في حيز آخر فهذه الأحياز معدودة متباينة متعاقبة والعدم المحض لا ~~يكون كذلك فثبت أن هذه الأحياز أمور متخالفة بالحقائق متباينة بالعدد وكل ~~ما كان كذلك امتنع أن يكون عدما محضا فكان أمرا موجودا وإذا ثبت هذا دخل ~~تحت قوله تعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ وإذا هلك الحيز والجهة بقي ~~ذات الله تعالى منزها عن الحيز وبقية الكلام قد تقدمت # وأما قوله أن الجوهر إذا انتقل من حيز إلى حيز فالمتروك مغاير لا محالة ~~للمطلوب فيقال إن كان الانتقال في أجسام العالم الموجودة فهذه أمور وجودية ~~وإن كان فيما ليس كذلك فلا نسلم إن هناك شيء يكون متروكا ومطلوبا أصلا بل ~~الأحياز الموجودة لا يكون المنتقل فيها طالبا لحيز دون حيز بل قصده شيء آخر ~~فكيف يجب أن يكون منتقل ومتحرك طالبا لحيز وجودي يكون فيه وتاركا لحيز ~~وجودي # قال أبو عبد الله الرازي الحجة الخامسة عشرة قوله تعالى @QB@ هو الأول ~~والآخر @QE@ فهذا يقتضي أن يكون ذاته متقدما في الوجود على كل ما سواه وإن ~~يكون متأخرا في الوجود عن كل ما سواه وذلك يقتضي أنه كان موجودا قبل الحيز ~~والحهة ويكون موجودا بعد فناء الحيز والجهة وإذا ثبت هذا فالتقريب ما ~~ذكرناه في الحجة الثالثة عشرة والرابعة عشرة PageV01P584 # قال الشيخ رحمه الله في شرح حديث عمران بن حصين كان الله ولم يكن شيء ~~قبله وهو الآن على ما عليه كان وهذه الزيادة وهو قوله وهو الآن على ما عليه ~~كان كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ms476 إلى أن قال وهذه الزيادة ~~الالحادية قصد بها المتكلمة المتجهمة نفي الصفات التي وصف بها نفسه من ~~استوائه على العرش ونزوله إلى السماء الدنيا وغير ذلك فقالوا كان في الأزل ~~ليس مستويا على العرش وهو الآن على ما عليه كان فلا يكون على العرش لما ~~يقتضي ذلك من التحول والتغير # ويجيبهم أهل السنة والإثبات بجوابين معروفين أحدهما أن المتجدد نسبة ~~وإضافة بينه وبين العرش بمنزلة المعية ويسميها ابن عقيل الأحوال وتجدد ~~النسب والإضافات متفق عليه بين جميع أهل الأرض من المسلمين وغيرهم إذ لا ~~يقتضي ذلك تغيرا ولا استحالة والثاني أن ذلك وإن اقتضى تحولا من حال إلى ~~حال ومن شأن إلى شأن فهو مثل مجيئه واتيانه ونزوله وتكليمه لموسى وإتيانه ~~يوم القيامة في صورة ونحو ذلك مما دلت عليه النصوص وقال به اكثر أهل السنة ~~والحديث وكثير من أهل الكلام وهو لازم لأهل الفرق # قال الرازي الحجة السادسة عشرة قوله تعالى @QB@ واسجد واقترب @QE@ ولو ~~كان في جهة الفوق لكانت السجدة تفيد البعد عن الله تعالى لا القرب منه وذلك ~~خلاف الأصل # سئل الشيخ رحمه الله عن العرش هل هو كروي وإذا كان كرويا والله محيط به ~~فما فائدة أن العبد يقصد العلو حين دعائه وعبادته دون PageV01P585 التحت ~~فقال الجواب عن هذا السؤال بثلاث مقامات الأول أنه لم يثبت أن العرش فلك ~~مستدير الثاني أن العرش والعالم بالنسبة إلى الله في غاية الصغر سواء كان ~~كرويا أو لا الثالث لو قدر أنه كروي فهو فوق المخلوقات مطلقا إلى أن قال # وإذا كان الأمر كذلك فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو ~~أعلاها وسقفها وهو فوقها مطلقا فلا يتوجه إليه وإلى ما فوقه الإنسان إلا من ~~العلو لا من جهاته الباقية أصلا ومن توجه إلى الفلك التاسع أو الثامن أو ~~غيره من الأفلاك من غير جهة العلو كان جاهلا باتفاق العقلاء فكيف بالتوجه ~~إلى العرش أو إلى ما فوته والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق به ~~فأن السموات ms477 السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا إلى أن قال # وهذا السؤال أنما ورد لتوهم المتوهم أن نصف الفلك يكون تحت الأرض وتحت ما ~~على وجه الأرض من الآدميين والبهائم وهذا غلط عظيم فلو كان الفلك تحت الأرض ~~من جهة لكان تحتها من كل جهة فكان يلزم أن يكون الفلك تحت الأرض مطلقا وهذا ~~قلب للحقائق إذ الفلك هو فوق الأرض مطلقا وأهل الهيئة يقولون لو أن الأرض ~~مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقي في الخرق شيء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهي ~~إلى المركز حتى لو ألقي من تلك الناحية حجر آخر للتقيا جميعا في المركز ولو ~~قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجرين للتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما ~~تحت صاحبه بل كلاهما فوق المركز وكلاهما تحت الفلك إلى أن قال # وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا لم ~~يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين أحدهما أن مطلوبه من الجهة ~~العليا PageV01P586 أقرب إليه من جميع الجهات فلو قدر رجل أو ملك يصعد إلى ~~السماء أو إلى ما فوق كان صعوده مما يلي رأسه أقرب إذا أمكنه ذلك ولا يقول ~~عاقل إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك الناحية إلى من قال ولو أن رجلا أراد ~~أن يخاطب الشمس والقمر فإنه لا يخاطبه إلا من الجهة العليا مع أن الشمس ~~والقمر قد تشرق وقد تغرب فتنحرف عن سمت الرأس فكيف بمن هو فوق كل شيء دائما ~~لا يأفل ولا يغيب سبحانه وتعالى الوجه الثاني أنه إذا قصد أسفل بدون علو ~~كان ينتهي قصده إلى المركز وأن قصده أمامه أو ورائه أو يمينه أو يساره من ~~غير قصد العلو كان منتهى قصده أجزاء الهواء فلا بد له من قصد العلو ضرورة ~~سواء قصد مع ذلك هذه الجهات أو لم يقصدها ولو فرض أنه قال أقصد من اليمين ~~مع العلو أو من السفل مع العلو كان بمنزلة من يقول أريد أن ms478 أحج من المغرب ~~فأذهب إلى خراسان ثم أذهب إلى مكة # قال الرازي الحجة السابعة عشرة قوله تعالى @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا ~~@QE@ والند المثل ولو كان تعالى جسما لكان مثلا لكل واحد من الأجسام لما ~~سنبين إن شاء الله تعالى أن الأجسام كلها متماثلة فحينئذ يكون الند موجودا ~~على هذا التقدير وذلك على مضادة هذا النص # قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وأما التمثيل فقد نطق الكتاب بنفيه عن ~~الله في غير موضع كقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وقوله @QB@ هل تعلم ~~له سميا @QE@ وقوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ وقوله @QB@ فلا تجعلوا ~~لله أندادا @QE@ وقوله @QB@ فلا تضربوا لله الأمثال @QE@ ولكن وقع في لفظ ~~التشبيه إجمال إلى أن قال PageV01P587 فإن التشبيه الذي يجب نفيه عن الرب ~~تعالى اتصافه بشيء من خصائص المخلوقين كما أن المخلوق لا يتصف بشيء من ~~خصائص الخالق وإن يثبت للعبد شيء يماثل فيه الرب وأما إذا قيل حي وحي وعالم ~~وعالم وقادر وقادر وقيل لهذا قدرة ولهذا قدرة ولهذا علم ولهذا علم كان نفس ~~علم الرب لم يشركه فيه العبد ونفس علم العبد لا يتصف به الرب تعالى عن ذلك ~~وكذلك في سائر الصفات إلى أن قال وإن أراد به من جعل صفات الرب مثل صفات ~~العبد فهؤلاء مبطلون ضالون # وأما احتجاجهم بقولهم الأجسام متماثلة فهذا إن كان حقا فهو تماثل يعلم ~~بالعقل ليس فيه أن اللغة التي نزل بها القرآن تطلق لفظ المثل على كل جسم ~~ولا أن اللغة التي نزل بها القرآن تقول إن السماء مثل الأرض والشمس والقمر ~~والكواكب مثل الجبال والجبال مثل الأنهار # ومن العجب أن كلامه وكلام أمثاله يدور في هذا الباب على تماثل الأجسام ~~وقد ذكر النزاع في تماثل الأجسام وإن القائلين بتماثلها من المتكلمين بنوا ~~ذلك على أنها مركبة من الجواهر المنفردة وأن الجواهر متماثلة ثم إنه في ~~مسألة تماثل الجواهر ذكر أنه لا دليل على تماثلها فصار أصل كلامهم الذي ~~ترجع إليه هذه الأمور كلاما بلا علم بل بخلاف الحق ms479 مع أنه كلام في الله ~~تعالى وقد قال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون @QE@ وقال عن الشيطان @QB@ إنما يأمركم بالسوء ~~والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ PageV01P588 # قال أبو عبد الله الرازي الحجة الثامنة عشرة الحديث المشهور وهو ما روي ~~أن عمران أبن الحصين قال يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الأمر فقال كان ~~الله ولم يكن معه شيء وقد دللنا مرارا كثيرة على أنه تعالى لو كان مختصا ~~بالحيز والجهة لكان ذلك الحيز شيئا موجودا معه وذلك على نقيض هذا النص # قال الشيخ رحمه الله الوجه الثالث أنه قال كان الله ولم يكن شيئا قبله ~~وقد روي معه وروي غيره والألفاظ الثلاثة في البخاري والمجلس كان واحدا ~~وسؤالهم وجوابه كان في ذلك المجلس وعمران الذي روى الحديث لم يقم منه حين ~~أنقضى المجلس بل قام لما أخبر بذهاب راحلته قبل فراغ المجلس وهو المخبر ~~بلفظ الرسول فدل على أنه إنما قال أحد الألفاظ والآخران رويا بالمعنى ~~وحينئذ فالذي ثبت عنه لفظ القبل فإنه قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه أنت الأول فليس قبلك شيء ~~وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك ~~شيء وهذا موافق ومفسر لقوله تعالى @QB@ هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~@QE@ وإذا ثبت في هذا الحديث لفظ القبل فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قاله واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما أبدا وكان أكثر أهل الحديث ~~إنما يروونه بلفظ القبل كان الله ولا شيء قبله مثل الحميدي والبغوي وابن ~~الأثير وغيرهم وإذا كان إنما قال كان الله ولم يكن شيء قبله لم يكن في هذا ~~اللفظ تعرض لابتداء الحوادث ولا لأول مخلوق مطلقا بل ولا فيه الإخبار بخلق ~~العرش والماء ms480 وإن كان ذلك كله مخلوقا كما أخبر به في مواضع أخر لكن في جواب ~~PageV01P589 أهل اليمن إنما كان مقصوده إخباره إياهم عن بدء خلق السموات ~~والأرض وما بينهما وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام لا بابتداء ما خلقه ~~الله قبل ذلك # قوله لو كان الباري أزلا وأبدا مختصا بالحيز والجهة لكان الحيز والجهة ~~موجودان في الأزل فيلزم إثبات قديم غير الله وذلك محال بإجماع المسلمين ~~يقال له هؤلاء إن قالوا بأنه مختص بحيز وجودي أزلا وأبدا فليس ذلك عندهم ~~شيئا خارجا عن مسمى الله كما أن الحيز الذي هو نهايات المتحيز وحدوده ~~الداخلة فيه ليس خارجا عنه بل هو منه وعلى هذا التقدير فيكون إثباتهم لقدم ~~هذا الحيز كإثبات سائر الصفاتية للصفات القديمة من علمه وقدرته وحياته لا ~~فرق بين تحيزه وبين قيامه بنفسه وحياته وسائر صفاته اللازمة والحيز مثل ~~الحياة بل أبلغ منه في لزومه للذات إلى أن قال ثم إن هذه الحجة التي ذكرها ~~من لزوم إثبات قديم غير الله تعالى مشهورة من حجج النفاة للصفات # قال أبو عبد الله الرازي الحجة التاسعة عشرة روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قيل له أين كان ربنا قال كان في عماء ليس تحته ماء ولا فوقه هواء فقيل ~~العماء بالمد الغيم الرقيق وأما العمى بالقصر فهو عبارة عن الحالة المضادة ~~للبصر فقال بعض العلماء يجب أن تكون الرواية الصحيحة هي الرواية بالقصر ~~وحينئذ يدل على نفي الجهة لأن الجهة إذا لم تكن موجودة لم تكن مرئية فأمكن ~~جعل العمى عبارة عن عدم الجهة ويتأكد هذا بقوله عليه السلام ليس تحته ماء ~~ولا فوقه هواء PageV01P590 # قال الشيخ رحمه الله وحديث أبي رزين رواه أحمد والترمذي وغيرهما قال ~~الترمذي حدثنا أحمد بن منيع قال حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا حماد بن سلمة ~~عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين قال قلت يا رسول الله أين ~~كان ربنا قبل أن يخلق خلقه قال كان في عماء ms481 ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم ~~خلق عرشه على الماء فهذا الحديث فيه بيان أنه خلق العرش قبل السموات والأرض ~~وأما قوله في عماء فعلى ما ذكره يزيد بن هارون ورواه عنه أحمد بن منيع ~~وقرره الترمذي من أن معناه ليس معه شيء فيكون فيه دلالة على أن الله كان ~~وليس معه شيء # ثم لو دل على وجود موجود على قول لم يفسر العماء بالسحاب الرقيق لم يكن ~~في ذلك دليل على قول الدهرية بقدم ما ادعوا قدمه ولا بأن مادة السموات ~~والأرض ليستا مبتدعتين وذلك أن الله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه بابتداء ~~الخلق الذي يعيده وأخبر بخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام في غير ~~موضع وجاءت بذلك الأحاديث الكثيرة وأخبر أيضا أنه يغير هذه المخلوقات # قوله وأعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها بعضها قوي وبعضها ضعيف وكيفما كان ~~الأمر فقد ثبت أن في القرآن والأخبار دلائل كثيرة تدل على تنزيه الله تعالى ~~عن الحيز والجهة وبالله التوفيق # قال الشيخ وقد بسط الكلام على هذه الأمور في مواضع وبين أن ما ينفيه نفاة ~~الصفات التي نطلق بها الكتاب والسنة من علو الله على خلقه وغير PageV01P591 ~~ذلك كما أنه لم ينطق به كتاب ولا سنة ولا قال بقولهم أحد من المرسلين ولا ~~الصحابة ولا التابعين فلم يدل عليه دليل عقلي بل الأدلة العقلية الصريحة ~~الموافقة للأدلة السمعية الصحيحة ولكن هؤلاء ضلوا بألفاظ متشابهة ابتدعوها ~~ومعاني عقلية لم يميزوا بين حقها وباطلها وجميع البدع كبدع الخوارج والشيعة ~~والمرجئة والقدرية لها شبه في نصوص الأنبياء بخلاف بدعة الجهمية النفاة ~~فإنه ليس معهم فيها دليل سمعي اصلا ولهذا كانت آخر البدع حدوثا بالإسلام ~~ولما أحدثت أطلق السلف والأئمة القول بتكفير أهلها لعلمهم بأن حقيقة قولهم ~~تعطيل الخالق ولهذا يصير محققوهم إلى مثل فرعون مقدم المعطلة بل وينتصرون ~~له ويعظمونه # والمبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم وبيان فسادها أحد ركني ~~الحق وأحد المطلوبين فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت ms482 ولكن ~~صالوا عليها صول المحاربين لله ولرسوله فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ~~ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله # قال أبو عبد الله الرازي الفصل الثالث في إقامة الدلائل العقلية على أنه ~~ليس بمتحيز البتة # أعلم أنا إذا دللنا على أنه تعالى ليس بمتحيز فقد دللنا على أنه تعالى ~~ليس بجسم ولا جوهر فرد لأن المتحيز إن كان منقسما فهو الجسم وإن لم يكن ~~منقسما فهو الجوهر الفرد PageV01P592 # يقال له قد تقدم أن الحيز قد يراد به ما يحوز الشيء وهو نهايته وحدوده ~~الداخلة فيه وقد يراد به الشيء الذي يكون منفصل عنه وهو محيط به وكلاهما ~~أمر وجودي وقد يراد بالحيز ما هو تقدير المكان وهذا هو الحيز عند كثير من ~~أهل الكلام الذين يفرقون بين لفظ الحيز والمكان والحيز على هذا أمر عدمي ~~كما تقدم تقرير ذلك # فإذا قال إذا كان متحيزا فالمتحيزات مماثلة له كان هذا مصادرة على ~~المطلوب لأن نفي كونه جسما بناءا على نفي الجوهر ونفي الجوهر بناءا على نفي ~~التحيز والمتحيز هو الجسم أو الجوهر فيكون قد جعل الشيء مقدمة في إثبات ~~نفسه وهذه هي المصادرة # قوله فنقول الذي يدل على أنه تعالى ليس بمتحيز وجوه البرهان الأول أنه ~~تعالى لو كان متحيزا لكان مماثلا لسائر المتحيزات في تمام الماهية وهذا ~~ممتنع # فيقال هذه الحجة قد تقدم الكلام على موادها غير مرة والكلام عليها من ~~المقامين المتقدمين أحدهما قول من يقول أنه فوق العرش وهو مع ذلك ليس بجسم ~~ولا هو متحيز كما ذكرنا أن هذا قول طوائف كثيرة من أهل الكلام والفقهاء ومن ~~تبعهم من أهل الحديث والصوفية وغيرهم وهذا قول ابن كلاب والأشعري وأئمة ~~أصحابه وغيرهم فعلى هذا PageV01P593 لا يلزم من نفي كونه متحيزا نفي كونه ~~على العرش وتقدم ما في ذلك من دعوى الضرورة من الجانبين المقام الثاني من ~~لا ينفي ذلك بل يسلم إثباته أو لا يتكلم فيه بنفي ولا إثبات والكلام في هذا ~~المقام من وجوه أحدها لا ms483 نسلم أنه لو كان مختصا بشيء من الأحياز والجهات ~~لكان مساويا للمتحيزات وما ذكروه من الحجة مبني على تماثل المتحيزات وقد ~~تقدم إبطال ذلك بما لا حاجة إلى إعادته وأن القول بتماثلها من أضعف الأقوال ~~بل من أعظمها مخالفة للحس والعقل ولما عليه جماهير العقلاء # وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات مستلزم للتجسيم والأجسام ~~متماثلة والمثبتون يجيبون على هذا تارة بمنع المقدمة الأولى وتارة بمنع ~~المقدمة الثانية وتارة بمنع كل من المقدمتين وتارة بالإستفصال ولا ريب أن ~~قولهم بتماثل الأجسام قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار إليه أو بالقائم ~~بنفسه أو بالموجود أو بالمركب من الهيولى والصورة ونحو ذلك فأما إذا فسروه ~~بالمركب من الجواهر المفردة وعلى أنها متماثلة فهذا يبنى على صحة ذلك وعلى ~~إثبات الجوهر المفرد وعلى أنه متماثل وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك إلى ~~أن قال ولهذا يقول هؤلاء أن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه ~~وأكثر العقلاء على خلاف ذلك # قوله فيفتقر هنا إلى بيان أنه يمتنع أن يكون مساويا لسائر المتحيزات في ~~عموم المتحيزية ومخالفا لها في ماهيته المخصوصة فنقول الدليل على أن ذلك ~~ممتنع هو أن بتقدير أن يكون مساويا لسائر المتحيزات في عموم المتحيزية ~~PageV01P594 ومخالفا لها في الخصوصية كان ما به الاشتراك مغايرا لا محالة ~~لما به الامتياز فحينئذ يكون عموم المتحيزية مغايرا لخصوص ذاته المخصوصة ~~وحينئذ نقول إما أن يكون الذات هي المتحيزية ويكون المتحيزية صفة لتلك ~~الذات وإما أن يقال المتحيزية صفة وتلك الخصوصية هي الذات أما القسم الأول ~~فإنه يقتضي حصول المقصود لأنه إذا كان مجرد المتحيزية هو الذات وثبت أن ~~مجرد المتحيزية أمر مشترك فيه بينه وبين سائر المتحيزات فحينئذ يحصل منه أن ~~بتقدير أن يكون تعالى متحيزا كانت ذاته مماثلة لذوات سائر المتحيزات وليس ~~المطلوب إلا ذلك وأما القسم الثاني وهو أن يقال الذات هي تلك الخصوصية ~~والصفة هي المتحيزية فنقول هذا محال وذلك لأن تلك الخصوصية من حيث انها هي ~~هي مع ms484 قطع النظر عن المتحيزية إما أن يكون لها اختصاص بالحيز وإما أن لا ~~يكون كذلك والأول محال لأن كل ما كان حاصلا في حيز وجهة على سبيل الاستقلال ~~كان متحيزا فلو كانت تلك الخصوصية التي فرضناها خالية عن التحيز حاصلة في ~~الحيز لكان الخالي عن التحيز متحيزا وذلك محال وأما القسم الثاني وهو أن ~~يقال إن تلك الخصوصية غير مختصة بشيء من الأحياز والجهات فنقول أنه يمتنع ~~أن تكون المتحيزية صفة قائمة بها لأن تلك الخصوصية غير مختصة بشيء من ~~الأحياز والجهات والمتحيزية أمر لا يعقل إلا أن يكون حاصلا في الجهات ~~والشيء الذي يجب أن يكون حاصلا في الجهات يمتنع أن يكون حاصلا في الشيء ~~الذي يمتنع حصوله في الجهة وإذا لم تكن المتحيزية صفة للشيء كان نفس الذات ~~وحينئذ يلزم أن يكون الأشياء المتساوية في المتحيزية متساوية في تمام الذات ~~فثبت بما ذكرنا أن المتحيزات يجب أن تكون كلها متساوية في تمام الماهية ~~وهذا برهان قاطع في تقرير هذه المقدمة PageV01P595 # قد قدمنا أن هذا المشترك وهو المقدار صفة المقدر قائم به لا نفس المقدار ~~وحقيقته قال تعالى @QB@ وكل شيء عنده بمقدار @QE@ وقال @QB@ قد جعل الله ~~لكل شيء قدرا @QE@ فجعل المقدار القدر للأشياء لم يجعل ذلك أعيان الأشياء ~~أو ذواتها كما قال تعالى @QB@ وما ننزله إلا بقدر معلوم @QE@ وبينا أن كل ~~واحد من المشترك والمميز يجوز أن يكونا سواءا بالنسبة إلى الذات الموصوفة ~~بهما فليس جعل أحدهما ذاتا والآخر صفة بأولى من العكس وبينا أنه وإن قيل ~~أنه الذات فليس هو تمام الحقيقة بل الحقيقة موافقة لما به الاشتراك و ما به ~~الامتياز فالمتحيز وإن كان جنسا كما قيل في الجوهر بالجنس لا يجب أن يكون ~~مماثل الأنواع فإن التماثل يحتاج إلى الاشتراك في جميع الصفات الذاتية وهو ~~قد سلم أن المتحيزات مختلفة في الصفات فيجوز أن يكون كل جسم وإن كان ~~التقدير ذاته فله صفات ذاتية مختصة به كما يقول من يقول من المتكلمين ~~المنطقيين وغيرهم إن الجوهر ms485 جنس وتحته أنواع إضافية وتحت كل نوع أنواع إلى ~~النوع الشامل الخاص الذي تتفق أفراده في تمام الماهية الحقيقية # قال الرازي وإنما قلنا إنه يمتنع أن يكون ذات الله تعالى مساوية لذوات ~~الأجسام في تمام الماهية لوجوه الأول أن من حكم المتماثلين الاستواء في ~~جميع اللوازم فيلزم من قدم ذات الله تعالى قدم سائر الأجسام أو من حدوث ~~سائر الأجسام حدوث ذات الله تعالى وذلك محال الثاني أن المثلين يجب ~~استواؤهما في جميع اللوازم فكما صح على سائر الأجسام خلوها عن صفة العلم ~~والقدرة والحياة وجب أن يصح على ذاته الخلو عن هذه الصفات فحينئذ يكون ~~اتصاف ذاته بحياته وعلمه وقدرته من الجائزات وإذا كان الأمر كذلك امتنع ~~PageV01P596 كون تلك الذات موصوفا بالحياة والعلم والقدرة إلا بإيجاد موجد ~~وتخصيص مخصص وذلك يقتضي احتياجه إلى الإله فحينئذ كل ما كان محتاجا إلى ~~الإله وهذا يقتضي أن الإله يمتنع أن يكون جسما # فإن قيل إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه من ذلك الوجه أو وجب له ~~ما وجب له وامتنع عليه ما امتنع عليه قيل هب أن الأمر كذلك ولكن إذا كان ~~ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع عن الرب سبحانه ولا نفي ما ~~يستحقه لم يكن ممتنعا كما إذا قيل إنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض ~~عباده حيا سميعا بصيرا قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعا على الرب ~~تعالى فإن ذلك لا يقتضي حدوثا ولا إمكانا ولا نقصا ولا شيئا مما ينافي صفات ~~الربوبية وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود أو الحياة أو ~~الحي أو العلم أو العليم أو السمع أو البصر أو السميع أو البصير أو القدرة ~~أو القدير والقدر المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر فلم يقع ~~بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث ولا فيما يختص بالواجب القديم ~~فإنما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه فإذا كان القدر المشترك الذي ~~اشتركا فيه صفة كمال ms486 كالوجود والحياة والعلم والقدرة ولم يكن في ذلك شيء ~~مما يدل على خصائص المخلوقين كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق لم يكن في ~~إثبات هذا محذور أصلا بل إثبات هذا من لوازم الوجود فكل موجودين لا بد ~~بينهما من مثل هذا ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود ولهذا لما اطلع ~~الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة PageV01P597 # ويقال له كل جسم فإنه مختص بحيزه وحيزه الذي هو جوانبه ونهايته وحدوده ~~الداخل في مسماه فعلم أن ذلك لا ينافي ما ذكروه من دليل حدوث الأجسام مع أن ~~ذلك الدليل لا نرتضيه لا لهذا لكن لمعاني أخر ومع إن المنازعين له الذين ~~يقولون أنه جسم أوله حد وقدر ينازعون في حدوث كل ما كان جسما أوله حد وقدر ~~يقولون دعوى حدوث جميع هذا مثل دعوى حدوث كل ذات أو كل موصوف أو كل صفة ~~وموصوف أو حدوث كل قائم بنفسه أو كل موجود ونحو ذلك # قال الرازي الثالث أنه لما كان ذاته تعالى مساوية لذات سائر المتحيزات ~~فكما صح في سائر المتحيزات كونها متحركة تارة وساكنة أخرى وجب أن يكون ذاته ~~أيضا كذلك فعلى هذا التقدير يلزم أن يكون ذاته تعالى قابلة للحركة والسكون ~~وكل ما كان كذلك وجب القول بكونه محدثا لما ثبت في تقرير هذه الدلائل في ~~مسئلة حدوث الأجسام ولما كان محدثا وحدوثه محال فكونه جسما محال # ويقول له الخصم هب أنك تقول لا بد له إذا كان متحيزا من الحركة والسكون ~~فنحن نقول أن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون فإنه أما أن يكون ~~منتقلا أو لا يكون منتقلا فإن كان منتقلا فهو متحرك وإلا فهو ساكن والحركة ~~الاختيارية للشيء كمال له كالحياة ونحوها فإذا قدرنا ذاتين إحداهما تتحرك ~~باختيارها والأخرى لا تتحرك أصلا كانت الأولى أكمل PageV01P598 # ويقول الخصم قولك الحركة حادثة قلت حادثة النوع أو الشخص الأول ممنوع ~~والثاني مسلم قولك ما لا يخلوا عن الحوادث فهو حادث إن ms487 أريد به ما لا يخلو ~~عن نوعها فممنوع والثاني لا يضر وأنت لم تذكر حجة على حدوث نوع الحركة إلا ~~حجة واحدة وهو قولك الحادث لا يكون أزليا وهي ضعيفة كما عرف إذ لفظ الحادث ~~يراد به النوع ويراد به الشخص # قال الرازي الرابع أنه لو كان جسما لكان مؤتلف الأجزاء وتلك الأجزاء تكون ~~متماثلة بأعيانها وهي أيضا مماثلة لأجزاء سائر الأجسام وعلى هذا التقدير ~~كما صح الاجتماع والافتراق على سائر الأجسام وجب أن يصح على تلك الأجزاء ~~وعلى هذا التقدير لا بد له من مركب ومؤلف وذلك على إله العالم محال # وأما الاجتماع والافتراق فهو مبني على مسئلة الجوهر الفرد ومن قال أن ~~الأجسام ليست مركبة من الجواهر الفردة وهم أكثر الطوائف لم يقل بأن الجسم ~~لا يخلو من الاجتماع والافتراق بل الجسم البسيط عنده واحد سواء قبل ~~الافتراق أو لم يقبله وكذلك إذا قدر أن فيه حقائق مختلفة متلازمة لم يلزم ~~من ذلك أن يقبل الاجتماع والافتراق PageV01P599 # قال أبو عبد الله الرازي البرهان الثاني في بيان أنه يمتنع أن يكون ~~متحيزا هو أنه لو كان متحيزا لكان متناهيا وكل متناه ممكن وكل ممكن محدث ~~فلو كان متحيزا لكان محدثا وهذا محال وذاك محال # يقال هذه من حجج الجهمية قديما كما ذكر ذلك الأئمة وذكروا أن جهما ~~وأتباعه هم أول من أحدث في الإسلام هذه الصفات السلبية وإبطال نقيضها مثل ~~قولهم ليس فوق العالم ولا داخل العالم ولا خارجه وليس في مكان دون مكان أو ~~ليس في مكان ولا بمتحيز ولا جوهر ولا جسم ولا له نهاية ولا حد ونحو هذه ~~العبارات إلى أن قال وإذا عرف أصل هذا الكلام فجميع السلف والأئمة الذين ~~بلغهم ذلك أنكروا ما فيه من هذه المعاني السلبية التي تنافي ما جاء به ~~الكتاب والسنة إلى أن قال # والكلام على هذه الحجة في مقامين أحدهما منع المقدمة الأولى والثاني منع ~~المقدمة الثانية أما الأولى فهو قول من يقول هو فوق العرش وليس له حد ms488 ولا ~~مقدار ولا هو جسم كما يقول ذلك كثير من الصفاتية من الكلابية وأئمة ~~الأشعرية وقدمائهم ومن وافقهم من الفقهاء الطوائف الأربعة وغيرهم وأهل ~~الحديث والصوفية وغير هؤلاء وهم أمم لا يحصيهم إلا الله إلى أن قال وأما ~~المقام الثاني فكلام من لا ينفي هذه الأمور التي يحتج بها عليه نفاة العلو ~~على العرش ليس لها أصل في الكتاب والسنة بل قد يثبتها أو يثبت بعضها لفظا ~~أو معنى أو لا يتعرض لها بنفي ولا إثبات وهذا المقام هو الذي يتكلم فيه سلف ~~الأمة وأئمتها وجماهير أهل الحديث PageV01P600 وطائفة من أهل الكلام ~~والصوفية وغيرهم وكلام هؤلاء أسد في العقل والدين حيث أثبتوا بما في الكتاب ~~والسنة وأقروا بفطرة الله التي فطر عليها عباده # قوله أما المقدمة الأولى وهي بيان أنه تعالى لو كان متحيزا لكان متناهيا ~~فالدليل عليه أن كل مقدار فإنه يقبل الزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو ~~متناه وهذا يدل على أن كل متحيز فهو متناه وشرح هذا الدليل قد قررناه في ~~سائر كتبنا # يقال هب أنك صرحت بأن مجاز الاسم الصمد هو كونه لا قدر له وإذا لم يكن له ~~قدر فلا يجوز وصفه بالزيادة والنقص ولا يجوز وصفه بعدم الزيادة والنقص فإن ~~كون الشيء يزيد وينقص أو لا يزيد ولا ينقص كونه ذا قدر فما لا قدر له ولا ~~يقبل الوصف بالزيادة والنقصان ولا الوصف فأنه لا يزيد ولا ينقص كالمعدوم لا ~~يقال فيه أنه لا يزيد ولا ينقص وقد بسطنا هذا في الوصف بالنهاية وعدمها ~~وإذا كان كذلك فعدم قبول الوصف ثبوت ذلك ونفيه لا يكون صفة إلا للمعدوم لا ~~يكون صفة للموجود كما بينا هذا فيما تقدم فإن المعدوم لا يقبل الاتصاف ~~بالصفات المتقابلة فلا يقال فيه عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا يزيد ~~منقوص ولا غير يزيد منقوص فأما كون الشيء غير موصوف بالزيادة والنقصان ولا ~~بعدم ذلك وهو موجود وليس بذي قدر فهذا لا يعقل # قال الرازي وأما المقدمة ms489 الثانية وهي بيان أن كل متناه فهو ممكن فذلك لأن ~~كل ما كان متناه فإن فرض كونه أزيد قدرا أو أنقص قدرا PageV01P601 ممكن ~~والعلم بثبوت هذا الإمكان ضروري فثبت أن كل متناه فهو في ذاته ممكن # قوله أن المتناهي يقبل الزائد والنقصان قيل لك هذا ممنوع فيما وجوده ~~بنفسه فإن صفاته تكون لازمة لذاته فلا يمكن أن تكون على خلاف ما هو عليه # قال الرازي المقدمة الثالثة وهي بيان أن كل ممكن محدث فهو أنه لما كان ~~الزائد والناقص والمساوي متساوية في الإمكان امتنع رجحان بعضها على بعض إلا ~~لمرجح والافتقار إلى المرجح إما أن يكون حال وجوده أو حال عدمه فإن كان حال ~~وجوده فإنه يكون إما حال بقائه لأن المؤثر تأثيره بالتكوين فلو افتقر حال ~~بقائه إلى المؤثر لزم تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وذلك محال فلم يبق إلا أن ~~يحصل الافتقار أما حال حدوثه أو حال عدمه وعلى التقديرين فأنه يلزم أن يكون ~~كل ممكن محدث فثبت أن كل جسم محدث والإله يمتنع أن يكون محدثا وبالله ~~التوفيق # فيقولون له أنت دائما تثبت تخصيصا من هذا الجنس كما تقول أن الإرادة تخصص ~~أحد المثلين لا لموجب فإذا قيل لك هذا يستلزم ترجيح أحد المتماثلين بلا رجح ~~قلت هذا شأن الإرادة والإرادة صفة من صفاته فإذا كانت ذاته PageV01P602 ~~مستلزمة لما من شأنه ترجيح أحد المثلين لذاته بلا مرجح فلأن تكون ذاته ~~تقتضي ترجيح أحد المثلين بلا مرجح أولى إلى أن قال # والمقصود إن هؤلاء القائلين بعدم التناهي أو بالتناهي من جانب دون جانب ~~مع كون قولهم فاسدا فنفاة كون الرب على العرش الذين يحتجون على نفي ذلك ~~بنفي الجسم وعلى نفي الجسم بهذه الحجج يلزمهم من التناقض أعظم مما يلزم ~~المثبتين والمقدمات التي يحتجون بها هي أنفسها وما هو أقوى منها من جنسها ~~تدل على فساد أقوالهم بطريق الأولى فإن كانت صحيحة دلت على فساد قولهم ومتى ~~فسد قولهم صح قول المثبتة لأمتناع رفع النقيضين وإن كانت باطلة لم ms490 تدل على ~~فساد قول المثبتة فدل ذلك على أن هذه المقدمات مستلزمة فساد قول النفاة دون ~~قول أهل الإثبات وهذه الطريق هي ثابتة في الأدلة الشرعية والعقلية # قال أبو عبد الله الرازي البرهان الثالث لو كان إله العالم متحيزا لكان ~~محتاجا إلى الغير وهذا محال فكونه متحيزا محال بيان الملازمة أنه لو كان ~~مساويا لغيره من المتحيزات في مفهوم كونه متحيزا ولكان مخالفا لها في تعينه ~~وتشخصه # ثم نقول إن بعد حصول الامتياز بالتعين أما أن يحصل الامتياز في الحقيقة ~~وعلى هذا التقدير يكون المتحيز جنسا تحته أنواع أحدها واجب الوجود وإما أن ~~لا يحصل الامتياز في الحقيقة وعلى هذا التقدير يكون المتحيز نوعا تحته ~~أشخاص أحدها واجب الوجود PageV01P603 # فنقول الأول باطل لأن على هذا التقدير يكون ذاته مركبا من الجنس والفصل ~~وكل مركب فهو مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره فلو كان واجب الوجود متحيزا لكان ~~مفتقرا إلى غيره # والثاني أيضا باطل لأن على هذا التقدير يكون تعينه زائدا على ما هية ~~النوعية وذلك التعين لا بد من مقتض وليس هو تلك الماهية وإلا لكان نوعه ~~منحصرا في شخصه وقد فرضنا أنه ليس كذلك فلا بد وأن يكون المقتضي لذلك ~~التعيين شيئا غير تلك الماهية وغير لوازم تلك الماهية فيكون محتاجا إلى ~~غيره فثبت أنه لو كان متحيزا لكان محتاجا إلى غيره وذلك محال لأنه واجب ~~الوجود لذاته وواجب الوجود لذاته لا يكون واجب الوجود لغيره فثبت أن يكون ~~متحيزا محال # لفظ الحيز والجهة ونحو ذلك فيه اشتراك كما تقدم فقد يراد به شيء منفصل عن ~~الله كالعرش والغمام وقد يراد به ما ليس منفصلا عنه وهو نهايته وجوانبه وقد ~~يراد به أمر عدمي وهو ما يقدر فيه الأجسام وهو المعروف من لفظ الحيز عند ~~المتكلمين الذين يفرقون بين لفظ الحيز والمكان فيقولون الحيز تقدير المكان # قوله لكان مساويا لغيره من المتحيزات لا نسلم أنه لو كان متحيزا لكان ~~مساويا للمتحيزات وما ذكروه من الحجة مبني على تماثل المتحيزات وقد ms491 تقدم ~~إبطال ذلك بما لا حاجة إلى إعادته وأن القول بتماثلها من أضعف الأقوال بل ~~من أعظمها مخالفة للحس والعقل ولما عليه جماهير العقلاء PageV01P604 # وقال الشيخ رحمه الله عليه وقد سئل عن جواب شبهة المعتزلة في نفي الصفات ~~ادعوا أن صفات الباري ليست زائدة على ذاته لأنه لا يخلو أما أن يقوم وجوده ~~بتلك الصفة المعينة بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه أولا فإن يقم فقد تعلق ~~وجوده بها وصار مركبا من أجزاء لا يصح وجوده إلا بمجموعها والمركب معلول ~~وإن كان لا يقوم وجوده بها ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهي عرضية والعرض ~~معلول وهما على الله محال فلم يبق إلا أن صفات الباري غير زائدة على ذاته ~~وهو المطلوب # فأجاب الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الله سبحانه له علم وقدرة ورحمة ~~ومشيئة وعزة وغير ذلك وساق النصوص في ذلك إلى أن قال وأما الشبهة الثانية ~~وهي شبهة التركيب وهي فلسفية معتزلية والأولى معتزلية محضة فالجواب عنها ~~أيضا من وجهين أما الأول فإنهم يثبتون عالما وقادرا ويثبتونه واجبا بنفسه ~~فاعلا لغيره ومعلوم بالضرورة أن مفهوم كونه عالما غير مفهوم الفعل بغيره ~~فإذا كانت ذاته مركبة من هذه المعاني لزم التركيب الذي ادعوه وإن كانت ~~عرضية لزم الافتقار الذي ادعوه وإن كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ~~الثبوتية فلا واجب وإذا لم يكن واجبا لم يلزم من التركيب محال وذلك أنهم ~~إنما نفوا المعاني لاستلزامها ثبوت التركيب المستلزم نفي الوجوب وهذا محال ~~إلى أن قال # وأما ما يذكره المنطقيون من تركيب الأنواع من الجنس والفصل كتركيب ~~الإنسان من حيوان وناطق وهو المركب مما به الاشتراك بينه و بين سائر ~~الأنواع ومما به امتيازه عن غيره من الأنواع وتقسيمهم الصفات إلى ذاتي ~~PageV01P605 تتركب منه الحقائق وهو الجنس والفصل وإلى عرضي وهو العرض العام ~~والخاصة ثم الحقيقة المؤلفة من المشترك والمميز هي النوع فنقول هذا التركيب ~~أمر اعتباري ذهني ليس له وجود في الخارج كما أن ذات النوع ms492 من حيث هي عامة ~~ليس لها ثبوت في الخارج بل نفس الحقائق الخارجة ليس فيها عموم خارجي ولا ~~تركيب خارجي كما قلنا في مسئلة المعدوم أنه شيء في الذهن لا في الخارج ~~لتعلق العلم والإرادة به فإن الإنسان الموجود في الخارج ليس فيه ذوات ~~متميزة بعضها حيوانية وبعضها ناطقية وبعضها ضاحكية وبعضها حساسية بل العقل ~~يدرك منه معنى ونظير ذلك المعنى ثابت لنوع آخر فيقول فيه معنى مشترك ويدرك ~~فيه معنى مختصا ثم يجمع بين المعنيين فيقول هو مؤلف منهما ثم إذا أدرك فيه ~~المعنيين لم يدرك أن أحدهما فيه متميز عن الآخر منفصل كما أنه إذا أدرك ~~الوجود والوجوب والقيام بالنفس والإقامة للغير لم يدرك أحد هذه المعاني ~~منفصلا عن الآخر متميزا عنه بل أبلغ من ذلك أن الطعم واللون والريح القائمة ~~بالجسم لا يتميز بعضها عن بعض بمحالها وإنما الحس يميز بين هذه الحقائق ~~فهذا النوع من التركيب ليس من جنس تركيب ابعاضه واخلاصه فليس الأبعاض ~~كالأعراض ونحن لا ننازع في تسمية هذا مركبا فإن هذا نزاع لفظي ولكن الغرض ~~أن هذا التركيب ليس من جنس التركيب الذي يعقله بنو آدم بالفطرة الأولى حتى ~~يطلق عليه لفظ الأجزاء # إذا عرف هذا كان الجواب من فنين في الحل كما كان من فنين في الأبطال ~~أحدهما إنا لا نسلم أن هناك تركيبا من أجزاء بحال وإنما هي ذات قائمة ~~بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجودها إلا بها وليست صفة الموصوف ~~أجزاءا له ولا أبعاضا يتميز بعضها عن بعض أو تتميز عنه حتى يصح أن يقال هي ~~مركبة منه أو ليست مركبة فثبوت التركيب ونفيه فرع تصوره PageV01P606 وتصوره ~~هنا منتف والجواب الثاني أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبا فليس هذا مستلزما ~~للإمكان ولا للحدوث وذلك أن الذي علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب ~~تعالى فقيرا إلى خلقه بل هو الغني عن العالمين وقد علم أنه حي قيوم بنفسه ~~وأن نفسه المقدسة قائمة بنفسه وموجودة بذاته وأنه أحد ms493 صمد غني بنفسه ليس ~~ثبوته وغناه مستفادا من غيره وإنما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقا صمدا ~~قيوما فهل يقال في ذلك إنه مفتقر إلى نفسه أو محتاج إلى نفسه لأن نفسه لا ~~تقوم إلا بنفسه فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في ~~نفسه # وقال بعد ذكر كلام أبي حامد في تهافت الفلاسفة وتكلم في ذلك بكلام حسن ~~بين فيه ما احتاجوا به من الألفاظ المجملة كلفظ التركيب فإنهم جعلوا إثبات ~~الصفات تركيبا وقالوا متى أثبتنا معنى يزيد على مطلق الوجود كان تركيبا ~~وادخلوا في مسمى التركيب خمسة أنواع أحدها أنه ليس له حقيقة إلا الوجود ~~المطلق لئلا يكون مركبا من وجود ماهية والثاني ليس له صفة لئلا يكون مركبا ~~من ذات وصفات والثالث ليس له وصف مختص ومشترك لئلا يكون مركبا مما به ~~الاشتراك وما به الامتياز كتركيب النوع من الجنس والفصل أو من الخاصة ~~والعرض العام الرابع أنه ليس فوق العالم لئلا يكون مركبا من الجواهر ~~المفردة وكذلك لا يكون مركبا من المادة والصورة وهو الخامس # قال أبو عبد الله الرازي البرهان الرابع لو كان إله العالم متحيزا لكان ~~مركبا وهذا محال فكونه متحيزا محال بيان الملازمة من وجهين PageV01P607 ~~أحدهما وهو على قول من ينكر الجوهر الفرد أن كل متحيز فلا بد وأن يتميز أحد ~~جانبيه عن الثاني وكل ما كان كذلك فهو منقسم فثبت أن كل متحيز فهو منقسم ~~مركب الثاني أن كل متحيز فأما أن يكون قابلا للقسمة أو لا يكون فإن كان ~~قابلا للقسمة كان مركبا مؤلفا وإن كان غير قابل للقسمة فهو الجوهر الفرد ~~وهو في غاية الصغر والحقارة وليس العقلاء أحد يقول هذا القول فثبت أنه ~~تعالى لو كان متحيزا لكان مؤلفا منقسما وذلك محال لأن كل ما كان كذلك فهو ~~مفتقر في حقيقته إلى كل واحد من أجزائه زكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب ~~فهو مفتقر في الحقيقة إلى غيره وكل ما كان كذلك فهو ms494 ممكن لذاته فكل مركب ~~ممكن لذاته فيلزم أن يكون الممكن لذاته واجبا لذاته وذلك محال فيمتنع أن ~~يكون متحيزا # ولقائل أن يقول إن عنيت بالتحيزية تفرقته بعد الاجتماع واجتماعه بعد ~~الافتراق فلا نسلم أن ما لا يكون كذلك يلزم أن يكون حقيرا # وإن عنيت به ما يشار إليه أو يتميز منه شيء لم نسلم أن مثل هذا ممتنع بل ~~نقول أن كل موجود قائم بنفسه فإنه كذلك وإن ما لا يكون كذلك فلا يكون إلا ~~عرضا قائما بغيره وإنه لا يعقل موجود إلا ما يشار إليه أو ما يقوم بما يشار ~~إليه PageV01P608 # قال أبو عبد الله الرازي البرهان الخامس أنه لو كان متحيزا لكان مركبا من ~~الأجزاء إذ ليس في العقلاء من يقول إنه في حجم الجوهر الفرد ولو كان مركبا ~~من الأجزاء فأما أن يكون الموصوف بالعلم والقدرة والحياة جزءا واحدا من ذلك ~~المجموع أو يكون الموصوف بهذه الصفات مجموع تلك الأجزاء فإن كان الأول كان ~~إله العالم هو ذلك الجزء الواحد فيكون إله العالم في غاية الصغر والحقارة ~~وقد بينا أنه ليس في العقلاء من يقول بذلك وإن كان الثاني فأما إن يقال ~~القائم بمجموع تلك الأجزاء علم واحد وقدرة واحدة أو يقال القائم بكل واحد ~~من تلك الأجزاء علم على حدة وقدرة على حدة والأول محال لأنه يقتضي قيام ~~الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وذلك محال وإن كان الثاني لزم أن يكون كل ~~واحد منها إلها قديما وذلك يقتضي تكثر الآلهة وهو محال # فإن قيل هذا يشكل بالإنسان فإن ما ذكرتم قائم فيه بعينه فيلزم أن لا يكون ~~جسما وهذه مكابرة فإنا نعلم بالضرورة أن الإنسان ليس إلا هذه البنية # ثم نقول لم لا يجوز أن يقال قام علم واحد بمجموع تلك الأجزاء إلا أنه ~~انقسم ذلك المجموع وقام بكل واحد من تلك الأجزاء جزء من ذلك العلم # وأيضا لم لا يجوز أن نقول قام بكل واحد من تلك الأجزاء علم بمعلوم واحد ~~وقدرة على مقدور واحد وبهذا ms495 الطريق كان مجموع الأجزاء عالما بجملة ~~المعلومات قادرا على جملة المقدورات # والجواب عن السؤال الأول أن نقول أما الفلاسفة فقد طردوا قولهم وزعموا أن ~~الإنسان ليس عبارة هذه البنية فإن الإنسان عبارة عن الشيء الذي يشير إليه ~~كل إنسان بقوله أنا وذلك الشيء موجود ليس بجسم ولا جسماني قالوا وأما قول ~~من يقول بأن هذا باطل بالضرورة لأن كل واحد يعلم أن PageV01P609 الإنسان ~~ليس إلا هذه البنية المخصوصة فقد أجابوا عنه بأن الإنسان مغاير لهذه البنية ~~المشاهدة ويدل عليه وجوه # الأول أنا قد نفعل أنفسنا حال ما نكون غافلين عن جملة اعضائنا الظاهرة ~~والباطنة والمعلوم مغاير لغير المعلوم # الثاني أني أعلم بالضرورة أني أنا الإنسان الذي كنت موجودا قبل هذه المدة ~~بخمسين سنة وجملة أجزاء هذه البنية متبدلة بسبب السمن والهزال والصحة ~~والمرض والباقي مغاير لما ليس بباق # الثالث أن المشاهد ليس إلا السطح الموصوف باللون المخصوص وباتفاق العقلاء ~~ليس عبارة عن هذا القدر فثبت أن الإنسان ليس بمشاهد البتة # وأما سائر الطوائف والفرق فقد ذكروا الفرق بين الشاهد والغائب من وجهين ~~أحدهما قال الأشعري كل واحد من أجزاء الإنسان موصوف بعلم على حدة وقدرة على ~~حدة وهذا يقتضي أن يكون هذا البدن مركبا من أشياء كثيرة وكل واحد منها عالم ~~قادر حي وهذا مما لا نزاع فيه وأما التزام ذلك في حق الله سبحانه وتعالى ~~فإنه يقتضي تعدد الآلهة وذلك محال فظهر الفرق الثاني قال ابن الرواندي ~~الإنسان جزء واحد لا يتجزأ في القلب وهذا يقتضي أن يكون الإنسان في غاية ~~الحقارة وذلك غير ممتنع أما لو قلنا بمثله في حق الله تعالى يلزم كونه في ~~غاية الحقارة وذلك لم يقل بها عاقل # وأما السؤال الثاني وهو قوله لم لا يجوز أن يقال العلم ينقسم فقام بكل ~~واحد من تلك الأجزاء جزء واحد من ذلك فنقول هذا محال لأن كل واحد من أجزاء ~~العلم إما أن يكون علما وإما أن لا يكون علما فإن كان الأول كان القائم بكل ms496 ~~واحد من تلك الأجزاء علما على حدة وذلك PageV01P610 غير هذا السؤال وإن كان ~~الثاني لم يكن شئ من تلك الأجزاء موصوفا بالعلم والمجموع ليس إلا تلك ~~الأمور فوجب أن لا يكون المجموع موصوفا بالعلم والقدرة # وأما السؤال الثالث وهو قولهم كل واحد من تلك الأجزاء يكون موصوفا بعلم ~~متعلق بمعلوم معين وبقدرة متعلقة بمقدور معين فنقول هذا أيضا محال لأنه ~~يقتضي كون كل واحد من تلك الأجزاء عالما بمعلومات معينة قادرا على مقدورات ~~معينة فيرجع حاصل الكلام إلى إثبات آلهة كثيرة كل واحد منها مخصوص بمعرفة ~~بعض المعلومات وبالقدرة على بعض المقدورات وذلك يناقض القول بأن إله العالم ~~موجود واحد والله أعلم # ولقائل أن يقول الاعتراض على هذا من وجوه # الأول قولك لو اتصف بكل واحد من هذه الصفات فأما أن يكون كل جزء من ~~أجزائه متصفا بجميع هذه الصفات إلى آخره فرع على ثبوت الأجزاء وذلك ممنوع ~~فلم قلت إن كل ما هو جسم فهو مركب من الأجزاء فإن هذا مبني على أن الأجسام ~~مركبة من الجواهر المنفردة وهذا ممنوع وجمهور العقلاء على خلافه وهو لم ~~يثبته هنا بالدليل فيكفي مجرد المنع وبسط ذلك في موضعه وكل من أمعن في ~~معرفة هذا المقام علم أن ما ذكروه من أن الجسم مركب من جواهر منفردة ~~متشابهة عرض لها التركيب أو من مادة وصورة وهما جوهران من أفسد الكلام وإذا ~~كان كذلك أمكن أن يكون كل من الصفات القائمة PageV01P611 بجميع المحل شائعة ~~في جميع الموصوف ولا يلزم أن يكون الواحد قام بأجزاء بل القول في الصفة ~~الحالة كالقول في المحل الذي هو الموصوف # الوجه الثاني أن يقال القول في وحدة الصفة وتعددها وانقسامها وعدم ~~انقسامها كالقول في الموصوف وسواء في ذلك الصفات المشروطة بالحياة والقدرة ~~والحس بل والحياة نفسها أو التي لا تشترط بالحياة كالطعم واللون والريح فإن ~~طعم التفاحة مثلا شائع فيها كلها فإذا بعضت تبعض ولا يقال أنها قام طعم ~~واحد بجملة التفاحة بل إن قيل إن التفاحة أجزاء ms497 كثيرة قيل قام بها طعوم ~~كثيرة وإن قيل هي شيء واحد قيل قام بها طعم واحد فإن قيل فهذا هو التقدير ~~الأول وهو اتصاف كل جزء من هذه الأجزاء بجميع هذه الصفات قيل ليس كذلك أما ~~أولا فلمنع التجزي وأما ثانيا فلأنه لم يقم بكل جزء إلا جزء من الصفة ~~القائمة بالجميع لم تقم جميع الصفة بكل جزء وحينئذ فيبطل التلازم المذكور ~~وهو كون كل جزء إلها فإن الإله سبحانه وتعالى هو المتصف بأنه بكل شيء عليم ~~وعلى كل شيء قدير أما إذا قدر موصوف قام به جزء من هذه القدرة لا تنقسم هي ~~ولا محلها لم يلزم أن يكون ذلك الجزء قادرا فضلا عن أن يكون ربا إذ القادر ~~لا يجب أن يكون من قام به جزء من القدرة ولا الحي من قام به جزء من الحياة ~~ولا العالم من قام به جزء من العلم فإن قيل كيف يعقل انقسام محل هذه الصفات ~~فإن الإنسان تقوم حياته بجميع بدنه وكذلك الحس والقدرة تقوم ببدنه وغيرهما ~~من صفاته فكما أن بدنه ينقسم فالقائم ببدنه ينقسم فإن قيل إذا انقسم لم يبق ~~قدرة ولا علما ولا حياة قيل وكذلك المحل لا يبقى يدا ولا عضوا ولا قادرا ~~ولا حيا ولا عالما ولا حساسا فإن الجزء المنفرد بتقدير وجوده هو أحقر من أن ~~يقال أنه يد أو عضو أو بدن حي عالم قادر فكيف يقال فيه أنه إله PageV01P612 # الوجه الثالث أن ما ذكروه معارض بقيام هذه الصفات في الإنسان فإن الإنسان ~~تقوم به الحياة والقدرة والحس ولم نذكر العلم ولا نحتاج أن نقول كما قالت ~~المعتزلة إن الأعراض المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء في الجملة عاد حكمها ~~إلى جميع الجملة بل نذكر من الأعراض ما يعلم قيامه بالبدن الظاهر كالحياة ~~والحس والحركة والقدرة فإن هذا التقسيم الذي ذكروه يرد عليه فأنه إن قيل أن ~~كل جزء من أجزائه متصف بهذه الصفات لزم تعدد الإنسان وأن كان المتصف ~~بجملتها بعض الإجزاء فلا أولوية ms498 ولزم أن لا يتعدى حكم الصفة محلها والتقدير ~~أن ظاهر البدن كله حي حساس وإن قيل أن كل واحد يختص بصفة فهو معلوم الفساد ~~بالضرورة مع أنه لا أولوية وإن قيل تقوم الصفة الواحدة بالجملة لزم قيام ~~الواحد بالمتعدد فإذا كان هذا التقسيم واردا على ما يعلم قيام الصفات به ~~ولم ينف قيامها به علم أنها حجة باطلة # الوجه الرابع قوله والرابع محال لأنه يلزم قيام المتحد بالمعدد فيقال لا ~~نسلم التلازم فإن هذا القيام مبناه على أنه حينئذ يقوم الواحد بالمتعدد ~~فإنه فرض قيام علم واحد بجملة أجزاء وهذا الأصل فاسد فإن المعلوم من وحدة ~~الصفة الحالية وتعددها هو المعلوم من وحدة المحل وتعدده فالحياة القائمة ~~بجسم حي إذا قيل هي حياة واحدة قيل هو حي واحد وإذا قيل الحي أجزاء متعددة ~~قيل الحياة أجزاء متعددة فالحال ومحله سواء في الاتحاد والتعدد حينئذ ~~فقولهم إنه قام المتحد بالمتعدد كلام باطل بل ما فسروا به الاتحاد في ~~أحدهما كان موجودا في الآخر وما فسروا به تعدد أحدهما كان موجودا في الآخر # الوجه الخامس أنا لا نسلم الحصر فيما ذكروه من الأقسام بتقدير انقسام ~~الجسم بل من الممكن أن يقال قام كل جزء من أجزاء هذه الصفات بجزء من أجزاء ~~PageV01P613 الموصوف وكل جزء منه متصف من الصفة وهذا التقسيم غير ما ذكره ~~من الأقسام ليس فيه اتصاف كل جزء بجميع الصفة ولا المتصف بجميعها بعض ~~الجملة ولا كل جزء مختصا بجميع صفته ولا قيام واحد بمتعدد فإن قال الصفة لا ~~تنقسم ومحلها ينقسم قيل هذه مكابرة للحس والعقل بل انقسامها بانقسام محلها ~~يبين هذا أن من أعظم عمد مثبتي الجوهر الفرد قولهم إن الحركة قائمة بالجسم ~~والزمان مقدار الحركة والزمان فيه الآن الذي لا ينقسم فلا ينقسم الجزء الذي ~~يحلها فإنما استدلوا على وجود الجزء الذي لا ينقسم بوجود جزء من الحركة لا ~~ينقسم فعلم أن انقسام الحال عندهم كانقسام محله مع أن هذا معلوم بالحس ~~والعقل وكذلك المتفلسفة القائلون بأن ms499 النفس الناطقة ليست جسما عمدتهم أنه ~~يقوم بها ما لا ينقسم وما لا ينقسم لا يقوم إلا بما لا ينقسم وقد اتفقت ~~الطوائف على أن الصفة إذا لم تنقسم كان محلها لا ينقسم # الوجه السادس أن قوله إما أن يكون كل جزء من الأجزاء متصفا بهذه الصفات ~~يقال له إن أردت انه يتصف به كما تتصف به كما تتصف به الجملة فهذا لا يقوله ~~عاقل فانه ليس في الأجسام ما يكون صفة جميعه صفة للجوهر الفرد منه على ~~الوجه الذي هي به صفة لجميعه وإن أردت أنه متصف به كما يليق بذلك الجزء فلم ~~قلت إن ما اتصف بالصفة على هذا الوجه يمكن انفراده عن غيره فضلا عن كونه ~~إلها وهذا لأنه ليس في جميع ما يعلم من الموصوفين المنفردين بأنفسهم ما هو ~~جوهر فرد ولا في شيء مما يشاهد من الموصوفين ما هو جوهر فرد بل الجوهر ~~الفرد بتقدير وجوده لا يحس به ولا يوجد منفردا فما كان لا يوجد وحده حتى ~~ينضم إليه أمثاله كيف يكون حيا فضلا عن أن يكون فرسا أو بعيرا فضلا عن أن ~~يكون إنسانا أو ملكا أو جنيا فضلا عن أن يكون إلها وهل ذكر مثل هذا في حق ~~الله إلا من أعظم الدليل على جهل قائله فإنهم لا يعلمون PageV01P614 شيئا ~~من الجواهر المنفردة يسمى باسم جملته لقيام الصفة بالجملة فكيف يجب في حق ~~الله إذا قامت به صفات الكمال أن يكون بتقدير ما ذكروه يجب فيه مثل ذلك # السابع أن يقال كما أنه لا يجب في كل جزء من الإنسان أن يكون إنسانا لأنه ~~قام به من الصفات ما يقوم بالإنسان ولا في كل جزء من أجزاء الفرس وسائر ~~الحيوان أن يكون فرسا لكونه من الجملة التي قامت بها الصفة فلماذا يجب في ~~كل ما كان من الإله أن يكون إلها لقيام صفة الأله بالإله الموصوف كله مع أن ~~كل واحد من الموجودات لا يكون جزؤه حكم كله لقيام الصفة بالجميع هل ms500 هذا إلا ~~من أفسد الحجج وإن كان هو من أعظم عمدة النفاة # قال الشيخ رحمه الله وأما التأويل الثالث المذكور عن الغزالي من أن معنى ~~قوله خلق آدم على صورته أن الإنسان ليس بجسم ولا جسماني ولا تعلق له بهذا ~~البدن إلا على سبيل التدبير والتصرف ونسبة ذات آدم إلى هذا البدن كنسبة ~~الباري إلى العالم من حيث أن كل منها غير حال في هذا الجسم وإن كان موجودا ~~فيه فهذا يشبه ما ذكره الإمام أحمد عن الجهم في مناظرة المشركين السمنية ~~إلى أن قال وهذا يشبه قول الصائبة المتفلسفة الذين اتبعهم أبو حامد حيث ~~ادعوا أن الروح هي كذلك ليست جسما ولا يشار إليها ولا تختص بمكان دون مكان ~~ولكنها مدبرة للجسد كما أن الرب مدبر للعالم مع أن في كلام أبي حامد من ~~التناقض في هذه الأمور ما ليس هذا موضع استقصائه وبهذا تبين ما نبهنا عليه ~~في غير موضع أن مذهب الجهمية هو من جنس دين الصائبة المبدلين PageV01P615 # فإن الإنسان عبارة عن البدن والروح معا بل هو بالروح أخص منه بالبدن # فمن قال بالمركب من الجواهر المنفردة اضطربوا في محل العلم ونحوه من ~~العبد هل هو جزء منفرد في القلب كما يذكر عن ابن الراوندي أو عن الأعراض ~~المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء من الجملة اتصف بها سائر الجملة كما يقوله ~~المعتزلة أو حكم العرض لا يتعدى محله بل يقوم بكل جوهر فرد عرض يخصه من ~~العلم والقدرة ونحو ذلك كما يقوله الأشعري على ثلاثة أقوال ومن لم يقل ~~بالجوهر الفرد لم يلزمه ذلك بل يقول أن العرض القائم بالجسم ليس بمنقسم في ~~نفسه كما أن الجسم ليس بمنقسم وأما قبوله للقسمة فهو كقبول الجسم للقسمة ~~وهؤلاء يقولون أن الإنسان من تقوم به الحياة والقدرة والحس بجميع بدنه ~~ويقولون أن بدن الإنسان ليس مركبا من الجواهر المنفردة فلا يرد عليهم ما ~~ورد على أولئك وأما الأعراض القائمة بروحه من العلم والإرادة ونحو ذلك فهي ~~أبعد عن الانقسام ms501 من الأعراض القائمة ببدنه وروحه أبعد عن كونها مركبة من ~~الجواهر المنفردة من بدنه وإن قيل أنها جسم وعلى هذا فإن قيل يقوم بها علم ~~واحد بمعلوم واحد كان هذا بمنزلة أن يقال يقوم بالعين إدراك واحد لمدرك ~~واحد وبمنزلة أن يقوم بداخل الأذن سمع واحد لمسموع واحد وهذا وغيره مما ~~يجيبون به المتفلسفة الذين قالوا أن النفس الناطقة لا تتحرك ولا تسكن ولا ~~تصعد ولا تنزل وليست بجسم فإن عمدتهم على ذلك كونها يقوم بها ما لا ينقسم ~~كالعلم بما لا ينقسم وإذا لم تنقسم امتنع كونها جسما وكلا المقدمتين ممنوعة ~~كما قد بسط الجواب عن هذه الحجة التي هي عمدتهم في غير هذا الموضع ~~PageV01P616 # قال أبو عبد الله الرازي البرهان السادس أنه تعالى لو كان جسما لكانت ~~الحركة إما أن تكون جائزة عليه وأما لا تكون جائزة والقسم الأول باطل لأنه ~~لما لم يمتنع أن يكون الجسم الذي تكون الحركة عليه جائزة إلها فلم لا يجوز ~~أن يكون إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك وذلك لأن هذه الأجسام ليس ~~فيها عيب يمنع من إلهيتها إلا أمور ثلاث وهي كونها مركبة من الأجزاء وكونها ~~محدودة متناهية وكونها موصوفة بالحركة والسكون فإذا لم تكن هذه الأشياء ~~مانعة من الإلهية فكيف يمكن الطعن في إلهيتها وذلك عين الكفر والإلحاد ~~وإنكار الصانع تعالى # والقسم الثاني هو أن يقال أنه تعالى جسم ولكن الانتقال والحركة عليه محال ~~فنقول هذا باطل من وجوه # الأول أن هذا يكون كالزمن المقعد الذي لا يقدر على الحركة وهذا صفة نقص ~~وهو على الله تعالى محال # الثاني أنه تعالى لما كان جسما كان مثلا لسائر الأجسام فكانت الحركة ~~جائزة عليه # الثالث أن القائلين بكونه جسما مؤلفا من الأجزاء والابعاض لا يمنعون من ~~جواز الحركة عليه فأنهم يصفونه بالذهاب والمجيء فتارة يقولون أنه جالس على ~~العرش وقدماه على الكرسي وهذا هو السكون وتارة يقولون أنه ينزل إلى السماء ~~الدنيا وهذا هو الحركة فهذه مجموع الدلائل على أنه ms502 تعالى ليس بجسم ولا ~~بجوهر وبالجملة فليس بمتحيز PageV01P617 # قال الشيخ رحمه الله وقد سئل عن من يقول أن النصوص تظاهرت ظواهرها على ما ~~هو جسم أو يشعر به والعقل دل على تنزيه الباري عز وجل عنه إلى آخره فأجاب ~~هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين من ~~أوائل المئة الثانية من الهجرة النبوية فأما المأة الأولى فلم يكن بين ~~المسلمين اضطراب في هذا وإنما نشاء ذلك في أوائل المأة الثانية لما ظهر ~~الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان ومن اتبعهما من المعتزلة وغيرهم على ~~إنكار الصفات قالوا لأن إثبات الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم والله سبحانه ~~وتعالى منزه عن ذلك لأن الصفات التي هي العلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك ~~أعراض ومعان تقوم بغيرها والعرض لا يقوم إلا بجسم والله تعالى ليس بجسم لأن ~~الأجسام لا تخلوا من الأعراض الحادثة وما لا يخلو من الحوادث محدث # قالوا وإذا كانت الأعراض التي هي الصفات لا تقوم إلا بجسم والجسم مركب من ~~أجزائه والمركب مفتقر إلى غيره ولا يكون غنيا عن غيره واجب الوجود بنفسه ~~والله تعالى غني عن غيره واجب الوجود بنفسه # قالوا ولأن الجسم محدود متناهى فلو كان له صفات لكان محدودا متناهيا وذلك ~~لا بد أن يكون له مخصص بقدر دون قدر وما افتقر إلى مخصص لم يكن غنيا قديما ~~واجب الوجود بنفسه قالوا ولأنه لو قامت به الصفات لكان جسم ولو كان جسما ~~لكان مماثلا لسائر الأجسام فيجوز عليه ما يجوز عليها ويمتنع عليه ما يمتنع ~~عليها وذلك ممتنع على الله تعالى # أو قالوا إنما أثبتنا حدوثها بحدوث الأفعال التي هي الحركات وأن القابل ~~لها لا يخلو منها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث وأن ما قبل المجيء ~~PageV01P618 والإتيان والنزول كان موصوفا بالحركة وما اتصف بالحركة لم يخل ~~منها أو من السكون الذي هو ضدها وما لا يخل من الحوادث فهو حادث فإذا ثبت ~~حدوث الأجسام قلنا إن المحدث لا بد له من محدث ms503 فأثبتنا الصانع بهذا فلو ~~وصفناه بالصفات أو بالأفعال القائمة به لجاز أن تقوم الأفعال والصفات ~~بالقديم وحينئذ فلا يكون دليلا على حدوث الأجسام فيبطل دليل إثبات الصانع # فيقال لهم الجواب من وجوه أحدها أن بطلان هذا الدليل المعين لا يستلزم ~~بطلان جميع الأدلة وإثبات الصانع له طرق كثيرة لا يمكن ضبط تفاصيلها وإن ~~أمكن ضبط جملها الثاني أن هذا الدليل لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين ~~ولا من أئمة المسلمين فلو كانت معرفة الرب عز وجل والإيمان به موقوفة عليه ~~للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به وهذا من أعظم الكفر باتفاق ~~المسلمين الثالث أن الأنبياء والمرسلين لم يأمروا واحدا بسلوك هذا السبيل ~~فلو كانت المعرفة موقوفة عليه وهي واجبة لكان واجبا وإن كانت مستحبة كان ~~مستحبا ولو كان واجبا أو مستحبا لشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ~~كان مشروعا لنقلته الصحابة # وقال بعضهم قد قال الله تعالى @QB@ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا @QE@ فقد ذم الله من ~~أتخذ إلها جسدا والجسد هو الجسم فيكون الله قد ذم من اتخذ إلها هو جسم ~~فيقال له هذا باطل من وجوه # أحدها أن هذا إنما يدل على نفي أن يكون جسدا لا على نفي أن يكون جسما ~~والجسم في اصطلاح نفاة الصفات أعم من الجسد إلى أن قال PageV01P619 # الثاني أن يقال إن سبحانه منزه أن يكون من جنس شيء من المخلوقات لا أجساد ~~الآدميين ولا أرواحهم ولا غير ذلك من المخلوقات فإنه لو كان من جنس شيء من ~~ذلك بحيث تكون حقيقته كحقيقته للزم أن يجوز على كل منهما ما يجوز على الآخر ~~ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه لأنه يستلزم أن يكون القديم ~~الواجب الوجود بنفسه غير قديم واجب الوجود بنفسه وأن يكون المخلوق الذي ~~يمتنع غناه غنيا يمتنع افتقاره إلى الخالق وأمثال ذلك من الأمور المتناقضة ~~والله تعالى ms504 نزه نفسه أن يكون له كفوأ ومثل أو سمي أو ند # والمقصود إنما أخرجه كان جسدا مصمتا لا روح فيه حتى تبين نقصه وأنه كان ~~مسلوب الحياة والحركة # الوجه الثالث وهو إنه سبحانه قال @QB@ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم ~~سبيلا @QE@ فلم يذكر فيما عابه به كونه ذا جسد ولكن ذكر فيما عابه به @QB@ ~~أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا @QE@ ولو كان مجرد كونه ذا بدن عيبا ونقصا ~~لذكر ذلك فعلم أن الآية تدل على نقض حجة من يحتج بها على أن كون الشيء ذا ~~بدن عيبا ونقصا وهذه الحجة نظير احتجاجهم بالأفول فإنهم غيروا معناه في ~~اللغة وجعلوه الحركة فظنوا أن إبراهيم احتج بذلك على كونه ليس رب العالمين ~~ولو كان كما ذكروه لكان حجة عليهم لا لهم # الوجه السادس أن الله تعالى ذكر عن الخليل أنه قال @QB@ يا أبت لم تعبد ~~ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا @QE@ وقال تعالى @QB@ هل يسمعونكم ~~إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون @QE@ ~~فاحتج على نفي إلهيتها بكونها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر مع كون ~~PageV01P620 كل منها لها بدن وجسم سواء كان حجرا أو غيره فلو كان مجرد هذا ~~الاحتجاج كافيا لذكره إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة ~~واللام بل إنما احتجوا بمثل ما احتج الله به من نفي صفات الكمال عنها ~~كالتكليم والقدرة والحركة وغير ذلك # الوجه السابع أن يقال ما ذكره الله تعالى أما أن يكون دالا على أن إلا له ~~سبحانه موصوف ببعض هذه الصفات وإما أن لا يدل فإن لم يدل بطل ما ذكروه وإن ~~دل فهو يدل على إثبات صفات الكمال لله تعالى وهو التكليم للعباد والسمع ~~والبصر والقدرة والنفع والضر وهذا يقتضي أن تكون الآيات دليلا على إثبات ~~الصفات لا على نفيها ونفاة والصفات إنما نفوها لزعمهم إن إثباتها يقتضي ~~التجسيم والتجسيد فالآيات التي احتجوا هي عليهم لا لهم # الوجه الثامن أنه إذا ms505 كان كل جسم جسدا وكل ما عبد من دون الله تعالى من ~~الشمس والقمر والكواكب والأوثان وغير ذلك أجساما وهي أجساد فإن كان الله ~~ذكر هذا في العجل لينفي به عنه الإلهية لزم أن يطرد هذا الدليل في جميع ~~المعبودات ومعلوم أن الله لم يذكر هذا في غير العجل أنه ذكر كونه جسدا ~~لبيان سبب افتتانهم به لا أنه جعل ذلك هو الحجة عليهم بل احتج عليهم بكونه ~~@QB@ لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا @QE@ # ويقول له الخصم إنك تقول لا بد له إذا كان متحيزا من الحركة والسكون فنحن ~~نقول أن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون فإنه إما أن يكون منتقلا ~~أو لا يكون منتقلا فإن كان منتقلا فهو متحرك وإلا فهو ساكن PageV01P621 ~~ويقول الخصم قولك الحركة حادثة قلت حادثة النوع أو الشخص الأول ممنوع ~~والثاني مسلم قولك ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث إن أريد به ما لا يخلو ~~عن نوعها فممنوع والثاني لا يضر # وأما لفظ الزوال والانتقال فهذا اللفظ مجمل ولهذا كان أهل الحديث والسنة ~~فيه على أقوال عثمان بن سعيد الدارمي وغيره أنكر وأعلى الجهمية قولهم أنه ~~لا يتحرك وذكروا أثرا أنه لا يزول وفسروا الزوال بالحركة فبين عثمان بن ~~سعيد أن ذلك الأثر إن كان صحيحا لم يكن حجة لهم لأنه في تفسير قوله @QB@ ~~الحي القيوم @QE@ ذكروا عن ثابت دائم باق لا يزول عما يستحقه كما قال ابن ~~إسحاق لا يزول عن مكانته قلت والكلبي بنفسه الذي يروي هذا الحديث وهو يقول ~~@QB@ استوى على العرش @QE@ استقر ويقول @QB@ ثم استوى إلى السماء @QE@ صعد ~~إلى السماء وأما الانتقال فابن حامد وطائفة يقولون ينزل بحركة وانتقال ~~وآخرون من أهل السنة كالتميمي من أصحاب أحمد أنكروا هذا وقالوا بل ينزل بلا ~~حركة وانتقال وطائفة ثالثة كابن بطة وغيره يقفون في هذا وقد ذكر الأقوال ~~الثلاثة القاضي أبو يعلى في كتاب اختلاف الروايتين والوجهين ونفى اللفظ ~~بمجمله والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص فيثبت ما أثبت ms506 الله ~~ورسوله باللفظ الذي أثبته وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه وهو أن يثبت ~~النزول والإتيان والمجيء وينفي المثل والسمي والكفؤ والند # وقد صرح طوائف منهم بالحركة كما صرح بذلك طوائف من أئمة الحديث والسنة ~~وصرحوا بأنه لم يزل متكلما إذا شاء وأن الحركة من لوازم الحياة وقد صرح ~~بالحركة من صرح من الفلاسفة PageV01P622 # قوله فهذه مجموع الدلائل على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وبالجملة فليس ~~بمتحيز # قال الشيخ رحمة الله عليه قد بينا في الرد على أصول الجهمية النفاة ~~للصفات في الكلام على تأسيس التقديس وغيره أن عامة ما يحتج به النفاة ~~للرؤية والنفاة لكونه فوق العرش ونحوهم من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة هي ~~أنفسها تدل على نقيض قولهم ولا تدل على قولهم فضلا عما يعترفون هم بدلالته ~~على نقيض قولهم وهكذا أيضا عامة ما يحتجون به من الأدلة العقلية إذا وصلت ~~معهم فيها إلى آخر كلامهم وما يجيبون به معارضهم وجدت كلامهم في ذلك يدل ~~على نقيض قولهم وإنما يذكرونه من المناظرات العقلية هو على قول أهل الإثبات ~~أدل منه على قولهم # قال أبو عبد الله الرازي أما شبه الخصم فمن وجوه # الشبهة الأولى أن العالم موجود والباري سبحانه وتعالى موجود وكل موجودين ~~فلا بد وأن يكون أحدهما ساريا في الآخر أو مباينا عنه بالجهة وكون الباري ~~تعالى ساريا في العالم محال فلا بد وأن يكون مباينا عنه بالجهة وكل ما كان ~~كذلك فهو متحيز ثم أنه إما أنم يكون غير منقسم فيكون في الصغر والحقارة ~~كالجوهر الفرد وهو محال وإما أن يكون شيئا كبيرا مركبا من الأجزاء والأبعاض ~~وهو المقصود # الشبهة الثانية أنا لم نشاهد حيا عالما قادرا ألا وهو جسم وإثبات شيء على ~~خلاف المشاهدة لا يقبله العقل ولا يقر به القلب فوجب القول بكونه تعالى ~~جسما PageV01P623 # الشبهة الثالثة أن إله العالم يجب أن يكون عالما بهذه الجسمانيات والعالم ~~بها يجب أن يحصل في ذاته صورها ومن كان كذلك يجب أن يكون جسما فهذه ms507 مقدمات ~~ثلاث متى ظهرت لزم القول بأنه جسم # أما المقدمة الأولى فقد اتفق المسلمون عليها وأيضا فهذه الأجسام الموصوفة ~~بهذه المقادير فلا بد لها من خالق وذلك الخالق هو الله تعالى وخالق الشيء ~~لا بد وأن يكون عالما به فثبت أن خالق العالم عالم بهذه الجسمانيات # وأما المقدمة الثانية فهي في بيان أن العالم بهذه الجسمانيات يجب أن يحصل ~~في ذاته صور الجسمانيات فالدليل عليه أن خالقها يجب أن يكون عالما بها قبل ~~وجودها وإلا لم يصح منه خلقها وإيجادها والعالم بالشيء يجب أن يتميز ذلك في ~~علمه عن سائر المعلومات وإلا لم يكن عالما بها وإذا تميز ذلك المعلوم عن ~~غيره فذلك المعلوم ليس عدما محضا لأن العدم المحض لا يحصل فيه الامتياز ~~فذلك المعلوم يجب أن يكون أمرا موجودا وهو غير موجود في الخارج لأن الكلام ~~فيما إذا علمها قبل وجودها ولما لم يكن وجوده في الخارج وجب أن يكون وجوده ~~في علم صانع العالم # وأما المقدمة الثالثة وهي في بيان أن من يحصل في ذاته صور الجسمانيات وجب ~~أن يكون جسما فالدليل عليه أن من علم مربعا مجنحا بمربعين متساويين وجب أن ~~يحصل هذا في ذات ذلك العالم وذلك العالم لا بد وأن يميز بين ذينك المربعين ~~المتطرفين وذلك الامتياز ليس في الماهية ولا في لوازمها لأنهما متماثلان في ~~الماهية فلا بد وأن يكون بالعوارض ولو كان محلاهما واحد لامتنع امتياز ~~أحدهما عن الآخر بشيء من العوارض لأن المثلين إذا حصلا في محل واحد فكل ~~عارض يعرض لأحدهما فهو بعينه عارض للآخر وذلك يمنع من حصول PageV01P624 ~~الامتياز ولما بطل هذا وجب أن يكون محل أحد المربعين مغايرا لمحل المربع ~~الآخر حتى يكون امتياز أحد المحلين عن الثاني سببا لامتياز إحدى الصورتين ~~عن الأخرى وامتياز أحد المحلين عن الثاني لا يحصل إلا إذا كان ذلك المحل ~~جسما منقسما فثبت أن خالق العالم مدرك للجسمانيات وثبت أن كل من كان كذلك ~~فهو جسم فيلزم أن يكون إله العالم جسما ms508 # قال الشيخ رحمه الله قلت أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس منازعة ~~للكرامية حتى يذكر بينه وبينهم أنواع من ذلك وميله إلى المعتزلة والمتفلسفة ~~أكثر من ميله إليهم # وقال ليس في الحنابلة من أطلق لفظ الجسم لكن نفاة الصفات يسمون كل من ~~أثبتها مجسما بطريق اللزوم إذ كانوا يقولون أن الصفات لا تقوم إلا بجسم ~~وذلك أنهم اصطلحوا في معنى الجسم على غير المعنى المعروف في اللغة فإن ~~الجسم في اللغة هو البدن وهم يسمون كل ما يشار إليه جسما فيلزم على قولهم ~~PageV01P625 أن كل ما جاء به الكتاب والسنة وما فطر الله عليه عباده وما ~~سلف الأمة وأئمتها تجسيما وهذا لا يختص طائفة لا الحنابلة ولا غيرهم بل ~~يطلقون لفظ المجسمة والمشبهة على أتباع السلف كلهم # قوله الجواب عن الشبهة الأولى أنا قد بينا أن قولهم كل موجودين فإما أن ~~يكون أحدهما حالا في الآخر أو مباينا عنه بالجهة مقدمة غير بديهية بل مقدمة ~~محتاجة في النفي والإثبات إلى برهان منفصل فسقط الكلام # قوله والجواب عن الشبهة الثانية ما بيناه أنه لا يلزم من عدم النظير ~~للشيء عدم ذلك الشيء فسقطت هذه الشبهة # قوله والشبهة الثالثة ساقطة أيضا والدليل عليه أنه يمكننا التخيل صورة ~~الشجر والخيل فهذه الصورة لو كانت منتقشة في ذاتنا لكانت ذاتنا إما أن يكون ~~هو هذا الجسم وإما أن يكون جوهرا مجردا والأول محال لأنا نعلم بالضرورة أن ~~الأشياء العظيمة لا يمكن انطباعها في المحل الصغير وأما الثاني فأنه اعتراف ~~بأن صور المحسوسات يمكن انطباعها فيما لا يكون جسما وذلك يوجب سقوط هذه ~~الشبهة وبالله التوفيق PageV01P626 # قال الشيخ فصل قال ابن سينا في تمام مسألة العلم ونحن قد بينا في كتب ~~أخرى أن كل صورة لمحسوس وكل صورة خيالية فإنما ندركها بآلة متجزية فيقال له ~~هذا إن كان حقا فهو منتقض على أصلك بعلمه بالأفلاك والكواكب فأنها محسوسة ~~وعندك أنه يعلمها بأعيانها إلى أن قال وهذه الأقوال إذا ضم بعضها إلى بعض ~~لزم أن ms509 يكون واجب الوجود على قوله جسما وأن يكون النفس على أقواله أيضا ~~جسما # وما ذكره أبو البركان إنما هو إلزام لابن سينا بطريق المناقضة وليس فيه ~~ما يدل على بطلان ما ذكره من الإدراك إنما أحتج أبو البركات على بطلان ذلك ~~بأن المدركات كبار والمدرك إذا كان جسما أو قوة في جسم فهو صغير يسعها وهذه ~~حجة ضعيفة فإن القائلين بارتسام المدرك في المدرك لا يقولون أن المرتسم فيه ~~مساو في المقدار للموجود في الخارج كما أنهم لا يقولون أن المرتسم حقيقة ~~مساوية لحقيقة الموجود في الخارج وإنما هذا من جنس اعتراض الرازي عليهم ~~بأنه لو كان صحيحا لكان من أدرك النار وجب أن يسخن ومن أدرك الثلج وجب أن ~~يبرد ومن أدرك الرحى وجب أن يدور ودعوى ذلك مما لا يقوله عاقل ولهذا صاروا ~~يتعجبون بل يسخرون ممن يورد عليهم مثل هذا وهم يشبهون تمثل المدركات في ~~المدرك بتمثل المرئيات في المرآة ومعلوم أن ما في المرآة ليس مماثلا في ~~الحقيقة والمقدار للموجود في الخارج أما حقيقة فلأن غايته أن يكون عرضا في ~~المرآة والمرئي الخارج يكون جسما موجودا كالسماء والشمس والإنسان وغير ذلك ~~مما يرى في المرآة وكذلك الإدراك فأنه عرض قائم بالمدرك والمدرك نفسه يكون ~~عينا قائمة بنفسها سواء كان مرئيا أو معلوما بالقلب وأما قدره فلأن مقدار ~~المرئي يختلف باختلاف المرآة فإذا كانت كبيرة رؤي كبيرا وإن كانت صغيرة رؤي ~~صغيرا وهو PageV01P627 على التقديرين يشبه الصورة الموجودة في الخارج فلذلك ~~إذا قيل أن المدرك يتمثل في المدرك لم يلزم أن يكون قدره في المدرك مثل ~~قدره في نفسه فهذا جملة ما احتج به هؤلاء الذين هم فحول النظر وأئمة الكلام ~~والفلسفة في هذه المسائل # وقد تبين بكلام بعضهم في بعض إفساد هذه الدلائل وهذا جملة ما يعارضون به ~~الكتاب والسنة ويسمونه قواطع عقلية ويقولون أنه يجب تقديم مثل هذا الكلام ~~على نصوص التنزيل والثابت من أخبار الرسول وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ~~فلو لم يكن ms510 في المعقول ما يوافق قول الرسول لم تجز معارضته بمثل هذا الكلام ~~فضلا عن تقديمه عليه فكيف والمعقول الصريح موافق لما جاء به الرسول بل لا ~~يجوز أن يعارض بمثل هذا الكلام الأحكام الثابتة بالعمومات والأقيسة ~~والظواهر وأخبار الآحاد فكيف يعارض بذلك النصوص الثابتة عن المعصوم بل مثل ~~هذا الكلام لا يصلح لإفادة ظن ولا يقين وإنما هو كلام طويل بعبارات طويلة ~~وتقسيمات متنوعة يهابه من ما يفهمه وعامة من وافق عليه وافق عليه تقليدا ~~لمن قاله قبله لا عن تحقيق عقلي قام في نفسه وكلام السلف والأئمة في ذم مثل ~~هذا الكلام الذي احتجوا فيه بطريقة الأعراض والجواهر على حدوث الأجسام ~~وإثبات الصانع كثير منتشر في غير هذا الموضع وكل من أمعن النظر وفهم حقيقة ~~الأمر علم أن السلف كانوا أعمق من هؤلاء علما وأبر قلوبا وأقل تكلفا وأنهم ~~فهموا من حقائق الأمور ما لم يفهمه هؤلاء الذين خالفوهم وقبلوا الحق وردوا ~~الباطل والله أعلم PageV01P628 # والمقصود هنا نوع تنبيه على إن ما يدعونه من العقليات المخالفة للنصوص لا ~~حقيقة لها عند الاعتبار الصحيح وإنما هي من باب القعقعة بالشنان لمن يفزعه ~~ذلك من الصبيان ومن هو شبيه بالصبيان وإذا أعطى النظر في المعقولات حقه من ~~التمام وجدها براهين ناطقة بصدق ما أخبر به الرسول وأن لوازم ما أخبر به ~~لازم صحيح وإن من نفاه نفاه لجهله حقيقة الأمر وفزعا باطنا وظاهرا كالذي ~~يفزع من الآلهة المعبودة من دون الله أن تضره ويفزع من عدو الإنسان لما ~~عنده من ضعف الإيمان ومن خالف الرسول لم يسلم من الشرك والإفك فسبحان ربك ~~رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين $ آخر ~~المجلد الأول # من كتاب نقض تأسيس الجهمية ويليه المجلد الثاني وأوله فصل قال الرازي في ~~تأسيسه الفصل الرابع في إقامة البراهين على أنه ليس مختصا بحيز وجهة ~~PageV01P629 بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الامام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله ورضي عنه ~~$ فصل # ثم ms511 قال أبو عبد الله الرازي في تأسيسه الفصل الرابع في اقامة البراهين ~~على انه ليس بمختص بحيز وجهة بمعنى انه يصح ان يشار اليه بالحس انه ها هنا ~~وهناك # وقد ذكر على ذلك ثمانية براهين مع ما بعضها مبني على ما تقدم من نفي انه ~~جسم فانه قرر ان ذلك يستلزم نفي ان يكون على العرش واكثرها غير مبني على ~~ذلك # وهذا الفصل يتضمن انه ليس على العرش ولا فوق السموات وان الرسول لم يعرج ~~به اليه وانه لا يصعد اليه شيء ولا ينزل من عنده شيء ولا ترفع الابصار ~~والرؤوس والايدي اليه في الدعاء بل لا تتوجه القلوب إلى فوق قصدا للتوجه ~~اليه اصلا في دعاء ولا عبادة ولا غير ذلك ويتضمن انه ليس فوق العالم رب ولا ~~اله وليس هناك الا العدم المحض والنفي الصرف وان ما فوق العرش وما تحت ~~الأرض السابعة سواء في ذلك فكما انه ليس في جوف الأرض فليس فوق العرش بل ~~منهم من يقول انه في كل مكان أو في كل موجود اما بمعنى ان تدبيره فيهم واما ~~بمعنى ان ذاته في كل مكان أو ان ذاته هي كل موجود واما ما فوق العرش فليس ~~هناك شيء لانه هو ليس هناك عندهم وليس فوق العالم موجود آخر مخلوق حتى يقال ~~انه فيه بمعنى التدبير أو بذاته أو بمعنى ان وجوده وجوده فهذه اقوال ~~الجهمية متكلمهم ومتعبدهم لكن متكلموهم الجهمية إلى النفي المطلق اقرب لكن ~~ثم طائفة تقول PageV02P005 هو بذاته فوق العرش وفي كل مكان كما ذكر ذلك ~~الاشعري في المقالات عن زهير الاثري وابي معاذ التومنى واصحابهم فقال انهم ~~يقولون ان الله بكل مكان وانه مع ذلك مستو على عرشه وانه يرى بالابصار بلا ~~كيف وانه موجود الذات بكل مكان وانه ليس بجسم لا محدود ولا يجوز عليه ~~الحلول والمماسة ويزعم انه يجيء يوم القيامة كما قال @QB@ وجاء ربك @QE@ ~~وهذا في نفاة الجسم يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون انه لا نهاية ms512 له ~~اذ الكلام قد يصف الموجود بصفة المعدوم ويشبه ذلك # واما عبادهم فلهم قصد وارادة فيمن يعبدونه والقصد لا بتوجه إلى العدم ~~المحض فلهذا كثيرا ما يجعلونه هو في كل مكان أو يجعلونه هو الوجود كله ~~والعامة هم إلى هذا اقرب لانه لا تخرج القلوب ان تعبد شيئا موجودا وبنوا ~~آدم قد اشركوا بالله فعبدوا ما شاء الله من المخلوقات فاذا ذكر لهم ما ~~يقتضي عبادة كل شيء كما فعلته الاتحادية لم ينفروا عن هذا نفورهم عن ان ~~تعطل قلوبهم من عبادة شيء من الاشياء بالكلية فهؤلاء يشركون شركا ظاهرا ~~واما اولئك فالجحود المحض اغلب على قلوبهم ولهذا يوجد فيهم من الاستكبار عن ~~العبادة وقسوة القلوب ما لا يوجد في الاخرين وكل واحد من الاستكبار ~~والاشراك ينافي الاسلام الذي بعث الله به رسله وانزل به كتبه # فان الاسلام ان تعبد الله وحده لا شريك له فمن عبد الله وغيره فقد اشرك ~~به كما كان مشركو العرب وغيرهم ومن امتنع عن عبادة الله كفرعون ونحوه فهو ~~جاحد وهو اكفر من هؤلاء وان كان مشركا حيث له آلهة يعبدها PageV02P006 # ولما كان الاسلام هو دين الله العام الذي اتفق عليه الاولون والاخرون من ~~جميع عباده المؤمنين كما قال نوح عليه السلام @QB@ فإن توليتم فما سألتكم ~~من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين @QE@ وقال @QB@ ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ~~@QE@ وقال @QB@ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم ~~الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ وقال يوسف عليه السلام @QB@ توفني ~~مسلما وألحقني بالصالحين @QE@ كما قال @QB@ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون ~~بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما ~~كان لنا أن نشرك بالله من شيء @QE@ إلى قوله @QB@ ما تعبدون من دونه إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله ~~أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين ms513 القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ ~~وقال موسى عليه السلام @QB@ يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين @QE@ وقال @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا @QE@ وقالت بلقيس @QB@ رب إني ظلمت نفسي ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين @QE@ وقد قال تعالى @QB@ ومن أحسن دينا ~~ممن أسلم وجهه لله وهو محسن @QE@ وقال تعالى @QB@ وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من ~~أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ ~~وهذا عام في الاولين والاخرين كما قال @QB@ أفغير دين الله يبغون وله أسلم ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون قل آمنا بالله وما أنزل ~~علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ وقال شهد الله ~~انه PageV02P007 @QB@ لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام @QE@ ثم قال @QB@ وما ~~اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر ~~بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ~~وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد @QE@ # وقوله تعالى @QB@ إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم @QE@ فيه بيان انهم اختلفوا ~~في دين الله الذي هو الاسلام من بعد ما جاءهم العلم حملهم على الاختلاف ~~البغي وهذا كما قال @QB@ بكل شيء عليم شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه ms514 كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ~~ويهدي إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا ~~كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من ~~بعدهم لفي شك منه مريب فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ~~آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير @QE@ # واختلاف اهل الكتاب في دين الله الذي هو الاسلام قد تكلمنا عليه في غير ~~الموضع PageV02P008 # ومن ذلك ان اليهود يغلب عليهم الاستكبار والقسوة فهم يعرفون الحق ولا ~~يتبعونه وبذلك وصفهم الله في القرآن ومن فسد من اهل العلم والكلام كان فيه ~~شبه منهم ولهذا يوجد في متكلمه الجهمية من المعتزلة ونحوهم شبه كثير حتى ان ~~من احبار اليهود من يقرر الاصول الخمس التي للمعتزلة ويوجد فيهم من التكذيب ~~بالقدر والصفات وتأويل ما في التوراة وغير ذلك ما فيه مضاهاة للمعتزلة # واما النصارى فيغلب عليهم الاشراك والجهل فهم يتعبدون ويرحمون لكن بضلال ~~واشراك وبذلك وصفهم الله في القرآن ولهذا يوجد في متعبدة الجهمية من ~~الاتحادية وغيرهم منهم سبه كثير حتى قد رأيت من هؤلاء الاتحادية من اخذ ~~كلام النصارى النسطورية يزنه بكلامهم وحتى ان من النصارى من يأخذ فصوص ~~الحكم لابن عربي فيعظمه تعظيما شديدا ويكاد يغشى عليه من فرحه به ولهذا ~~يوجد شيوخ الاتحادية موالين للنصارى ولعهلم يوالونهم اكثر من المسلمين # واذا كان كذلك فينبغي ان يعلم ان الكلام في هذا الفصل مقصود لنفسه وفيه ~~ينفصل اهل التوحيد من اهل الالحاد فان القول بان الله فوق العرش هو مما ~~اتفقت عليه الانبياء كلهم وذكر في كل كتاب انزل على كل نبي ارسل وقد اتفق ~~على ذلك سلف الامة وائمتها من جميع الطوائف وجميع طوائف الصفاتية تقول بذلك ~~الكلابية وقدماء الاشعرية وائمتهم PageV02P009 والكرامية وقدماء الشيعة من ~~الامامية وغيرهم بخلاف لفظ الجسم والمتحيز ms515 فإن هذا لم يثبته السلف والائمة ~~مطلقا ولا نفوه مطلقا وان كان فيما اثبتوه ما يوافق ما قد يعنيه مثبتو ذلك ~~وفيما نفوه ما قد يوافق بعض اقوال نفاة ذلك وذلك ان الله سبحانه له الاسماء ~~الحسنى كما سمى نفسه بذلك وانزل كتبه وعلمه من شاء من خلقه كاسمه الحق ~~والعليم والرحيم والحكيم والاول والاخر والعلي والعظيم والكبير ونحو ذلك ~~وهذه الاسماء كلها اسماء مدح وحمد تدل على ما يحمد به ولا يكون معناها ~~مذموما وهي مع ذلك قد تستلزم معاني اذا اخذت مطلقة وسميت باسمائها عمت ~~المحمود والمذموم مثل اسمه الرحيم فانه يستلزم الارادة فاذا اخذت الارادة ~~مطلقا وقيل المريد فالمريد قد يريد خيرا يحمد عليه وقد يريد شرا يذم عليه ~~وكذلك اسمه الحكيم و الصادق وغيرهما يتضمن انه متكلم فاذا اخذ الكلام مطلقا ~~وقيل متكلم فالمتكلم قد يتكلم بصدق وعدل وقد يتكلم بكذب وظلم وكذلك الاسم ~~الاول يدل على انه متقدم على كل شيء فاذا اخذ معنى التقدم وقيل قديم فإنه ~~يقال على ما تقدم على غيره وان تقدم غيره عليه كالعرجون القديم والافك ~~القديم وكذلك اسم الحق بل وسائر الاسماء تدل على انه بحيث يجده الواجدون ~~فإذا اخذ لفظ الوجود مطلقا لم يدل الا على انه بحيث يجده غيره لم يدل على ~~انه حق في نفسه وان لم يكن ثم غيره يجده وكذلك اذا قيل ذات أو ثابت أو نحو ~~ذلك لم يدل الا على القدر المشترك لم يدل على خصوصية وكذلك اسم العلي ~~والعظيم والكبير يدل على انه فوق العالم وانه عظيم وكبير وكذلك يستلزم انه ~~مباين للعالم متحيز عنه بحده وحقيقته فاذا اخذ اسم المتحيز ونحوه لم يدل ~~الا على القدر المشترك لم يدل على ما يمدح به الرب ويتميز به عن غيره وقد ~~قال من قال من العلماء ان مثل اسمائه الخافض الرافع والمعز المذل والمعطي ~~PageV02P010 المانع والضار النافع لا يذكر ولا يدعى بأحد الاسمين الذي هو ~~مثل الضار والنافع والخافض لان الاسمين اذا ms516 ذكرا معادل ذلك على عموم قدرته ~~وتدبيره وانه لا رب غيره وعموم خلقه وامره فيه مدح له وتنبيه على ان ما ~~فعله من ضرر خاص ومنع خاص فيه حكمة ورحمة بالعموم واذا ذكر احدهما لم يكن ~~فيه هذا المدح والله له الاسماء الحسنى ليس له مثل السوء قط فكذلك ايضا ~~الاسماء التي فيها عموم واطلاق لما يحمد ويذم لا توجد في اسماء الله الحسنى ~~لانها لا تدل على ما يحمد الرب به ويمدح # لكن مثل هذه الاسماء ومثل تلك ليس لاحد ان ينفي مضمونها ايضا فيقول ليس ~~بضار ولا خافض أو يقول ليس بمريد ولا متكلم ولا بائن عن العالم ولا متحيز ~~عنه ونحو ذلك لان نفي ذلك باطل وان كان اثباته يثبت على الوجه المتضمن مدح ~~الله وحمده واذا نفى هاتان فقد تقابل ذلك النفي بالاثبات ردا لنفيه وان لم ~~تذكر مطلقة في الثناء والدعاء والخبر المطلق فإن هذا نوع تقييد يقصد به ~~الرد على المنافق المعطل وهذا في الاثبات والنفي جميعا فمن العيوب والنقائص ~~ما لا يحسن ان يثنى على الله به ابتداء لكن اذا وصفه بعض المشركين نفي ذلك ~~ردا لقولهم كمن يقول ان الله فقير ووالد ومولود أو ينام ونحو ذلك فينفى عن ~~الله الفقر والولادة وغير ذلك فهذا اصل في التفريق بين ما ذكر من اسماء ~~الله وصفاته مطلقا وما لا يذكر الا مقيدا اما مقرونا بغيره واما لمعارضة ~~مبطل وصف الله بالباطل ف @QB@ سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين @QE@ # ومما ينبغي ان يعلم ان المبطل اذا اراد ان ينفي ما اثبته القرآن أو يثبت ~~ما نفاه لم يصادم لفظ القرآن الا اذا افرط في الجهل مثل من ينكر من الجهمية ~~اطلاق القول بان الله كلم موسى تكليما أو ان @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ ونحو ذلك PageV02P011 وقد يقول انما انكرت اطلاقه لان مطلقه عنى به ~~معنى فاسدا ويكون المطلق لم يعن غير ما عناه الله ورسوله ومنهم من ms517 لا يمكنه ~~منع اطلاق اللفظ فيطلق من التصريف ما جاء به نص آخر وما هو من لوازم هذا ~~النص مثل ان يقول يقال @QB@ الرحمن على العرش @QE@ ولا يقال الله ولا الرب ~~على العرش استوى أو لا يقال هو مستو فاذا قيل لاحد هؤلاء فقد قال في الاية ~~الاخرى @QB@ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش @QE@ وقال @QB@ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى ~~على العرش @QE@ بقي حائرا كما روى ان عمرو بن عبيد قال لابي عمرو بن العلاء ~~احب ان تقرأ هذا الحرف @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ ليكون موسى هو الذي ~~كلم الله ولا يكون في الكلام دلالة على ان الله كلم احدا فقال له فكيف تصنع ~~بقوله @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه @QE@ # واذا كان الفاظ النصوص لها حرمة لا يمكن المظهر للاسلام ان يعارضها فهم ~~يعبرون عن المعاني التي تنافيها بعبارات اخرى ابتدعوها ويكون فيها اشتباه ~~واجمال كما قال الامام أحمد فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب محمعون ~~على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم ~~يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم # ومن هذا الباب قول المؤسس ونحوه ممن فيه تجهم اقامة البراهين على انه ليس ~~بمختص بحيز وجهة بمعنى انه يصح ان يشار اليه بالحس انه ها هنا وهناك فان ~~المقصود الذي يرده على منازعه بهذا الكلام انه ليس على العرش PageV02P012 ~~ولا فوق العالم كما يذكره في سائر كلامه ويحرف النصوص الدالة على ذلك ولكن ~~لم يترجم للمسألة بنفي هذا المعنى الخاص الذي اثبتته النصوص بل عمد إلى معى ~~عام مجمل يتضمن نفي ذلك وقد يتضمن ايضا نفي معنى باطل فنفاهما جميعا نفي ~~الحق والباطل فان القائل ليس في جهة ولا حيز يتضمن نفيه انه ليس داخل ~~العالم ولا في اجواف الحيوانات ولا الحشوش القذرة وهذا كله حق ويتضمن انه ~~ليس على العرش ولا فوق العالم وهذا باطل وكان ms518 في نفيه نفي الحق والباطل # ولهذا كان اهل الاثبات على فريقين منهم من يقول بل هو في جهة وحيز لانه ~~فوق العرش وهذا مما دخل في عموم كلام النافي والنافية الكلية السالبة تناقض ~~بإثبات معين كما في قوله @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل ~~الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى @QE@ ومقصود هذا ~~المثبت جهة معينة وحيزا معينا وهو ما فوق العرش ومنهم لا يطلق انه لا في ~~جهة ولا في حيز اما لان هذا اللفظ لم ترد به النصوص واما لانه مطلق لا يبين ~~المقصود الحق وهو انه على العرش وفوق العالم واما لان لفظه يفهم أو يوهم ~~معنى فاسدا مثل كونه قد احاط به بعض المخلوقات فإن كثيرا من النفاة وان كان ~~مشهورا عند الناس بعلم أو مشيخة أو قضاء أو تصنيف قد يظن ان قول من قال انه ~~في السماء أو في جهة معناه ان السموات تحيط به وتحوزه وكذلك اذا قال متحيز ~~يظن ان معناه التحيز اللغوى وهو كونه تحيز في بعض مخلوقاته حتى ينقلون ذلك ~~عن منازعهم اما عمدا أو خطأ وربما صغروا الحيز حتى يقولوا ان الله في هذه ~~البقعة أو هذا الموضع أو نحو ذلك من الاكاذيب المفتراة PageV02P013 وايضا ~~فمن المثبتة الضلال من يقول ان الله متحيز بهذا الاعتبار مثل من يقول انه ~~ينزل عشية عرفة على جمل اورق فيصافح المشاة ويعانق الركبان وان النبي صلى ~~الله عليه وسلم رآه في الطواف أو في بعض سكك المدينة وان مواضع الرياض هو ~~موضع خطواته ونحو ذلك مما فيه من وصفه بالتحيز امر باطل مبني على احاديث ~~موضوعة ومفتراة # ولهذا الاجمال والاشتراك الذي يوجد في الاسماء نفيا واثباتا تجد طوائف من ~~المسلمين يتباغضون ويتعادون أو يختصمون أو يقتتلون على اثبات لفظ أو نفيه ~~والمثبتة يصفون النفاة بما لم يريدوه والنفاة يصفون المثبتة بما لم يريدوه ~~لان اللفظ فيه اجمال واشتراك يحتمل معنى حقا ومعنى باطلا فالمثبت ms519 يفسره ~~بالمعنى الحق والنافي يفسره بالمعنى الباطل ثم المثبت ينكر على النافي بأنه ~~جحد من الحق والنافي ينكر على المثبت انه قال على الله الباطل وقد يكون ~~احدهما أو كلاهما مخطئين في حق الاخر وسبب ذلك مع اشتراك اللفظ نوع جهل ~~ونوع ظلم ولا حول ولا قوة الا بالله # واذا كان القول بان الله فوق العرش وفوق العالم ولوازم هذا القول الذي ~~يلزم بالحق لا بالباطل هو قول سلف الامة وائمتها وعامة الصفاتية لم يكن رد ~~هذا المؤسس على طائفة أو طائفتين بل على هؤلاء كلهم وقد ذكرنا بعض ما يعرف ~~به مذهبهم في غير هذا الموضع فإن المقصود الاكبر هنا انما هو النظر العادل ~~فيما ذكره من دلائل الطرفين ليحكم بينهما بالعدل واما ما للمثبتة من الحجج ~~التي لم يذكرها هو وذكر القائلين بالاثبات فلم يكن ذلك هو المقصود لكن ~~الكلام يحوج إلى ذكر بعضه فينبه على ذلك فمن ذلك طائفة هذا المؤسس ~~PageV02P014 وهم أبو الحسن الاشعري واتباعه فان قدماءهم جميعهم وائمتهم ~~الكبار كلهم متفقون على ان الله فوق العرش ينكرون ما ذكره المؤسس وطائفة ~~معه كأبي المعالي وابي حامد من نفي ذلك أو تأويل آيات القرآن كقوله @QB@ ثم ~~استوى @QE@ بمعنى استولى وقد ذكرت قبل ذلك قول أبي الحسن الاشعري في كتاب ~~الابانة حيث قال # فإن قال قائل قد انكرتم قول المعتزلة والقدرية والرافضة والمرجئة فعرفونا ~~قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي به نقول ~~وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وما روى عن الصحابة والتابعين وائمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما ~~كان يقول أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته واجزل مثوبته قائلون ولما ~~خالف قوله مجانبون لانه الامام الفاضل والرئيس الكامل الذي ابان الله به ~~الحق عند ظهور الضلال واوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ ~~الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من امام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع ~~ائمة المسلمين ms520 # وجملة قولنا انا نقر بالله تبارك وتعالى وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من ~~عند الله وما روى الثقاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك ~~شيئا وان الله عز وجل واحد فرد أحد صمد لا اله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ~~وان محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله والجنة حق والنار حق وان الساعة ~~آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور وان الله مستو على عرشه كما ~~قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وان له وجها كما قال @QB@ ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ PageV02P015 وان له يدين كما قال تعالى @QB@ ~~بل يداه مبسوطتان @QE@ وقال سبحانه وتعالى @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ وان له ~~عينان بلا كيف كما قال عز وجل @QB@ تجري بأعيننا @QE@ وان من زعم ان اسم ~~الله عز وجل غيره كان ضالا وان لله علما كما قال عز وجل @QB@ أنزله بعلمه ~~@QE@ وقال سبحانه @QB@ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه @QE@ ونثبت لله ~~تعالى قدرة وقوة كما قال سبحانه @QB@ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد ~~منهم قوة @QE@ ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة ~~والجهمية والخوارج ونقول ان كلام الله غير مخلوق وانه لم يخلق شيئا الا وقد ~~قال له كن فيكون كما قال سبحانه @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون @QE@ وانه لا يكون في الأرض شيء من خير ولا شر الا ما شاء الله ~~وان الاشياء تكون بمشيئة الله ونقول ان القرآن كلام الله غير مخلوق وان من ~~قال بخلق القرآن كان كافرا وندين بان الله يرى بالابصار يوم القيامة كما ~~يرى القمر ليلة البدر ويراه المؤمنون كما جاءت به الروايات عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ونقول ان الكافرين اذا رآه المؤمنون عنه محجوبون كما ~~قال @QB@ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون @QE@ وان موسى سأل الله الرؤية ~~في الدنيا وان الله تجلى للجبل فجعله دكا واعلم بذلك موسى ان لا يراه ms521 في ~~الدنيا PageV02P016 ونرى ان لا نكفر احدا من اهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا ~~والسرقة وشرب الخمر كما دانت بذلك الخوارج وزعموا انهم بذلك كافرون ونقول ~~ان من عمل كبيرة وما اشبهها مستحلا لها كان كافرا اذا كان غير معتقد ~~لتحريمها ونقول ان الاسلام اوسع من الايمان وليس كل اسلام ايمانا وندين بان ~~الله يقلب القلوب وان القلوب بين اصبعين من اصابعه وانه يضع السموات على ~~اصبع والارضين على اصبع كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وندين بأن لا ننزل احدا من الموحدين المسلمين بالايمان جنة ولا نارا ~~الا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ونرجوا الجنة للمذنبين ونخاف ~~عليهم ان يكونوا بالنار معذبين ونقول ان الله سبحانه وتعالى يخرج من النار ~~قوما بعد ما امتحشوا بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ونؤمن بعذاب القبر ~~وبأن الميزان والحوض حق والصراط حق والبعث بعد الموت حق وان الله يوقف ~~العباد بالمواقف ويحاسب المؤمنين وان الايمان قول وعمل يزيد وينقص ونسلم ~~للروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها ~~الثقات عدلا عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم # وندين بحب السلف رضي الله عنهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ونثني ~~عليهم بما اثنى الله عليهم ونتولاهم ونقول ان الامام بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه وان الله اعز به الدين واظهره على ~~المرتدين وقدمه المسلمون للامامة كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للصلاة ثم عمر بن الخطاب رضوان الله عليه ثم عثمان بن عفان نضر الله وجهه ~~قتله قاتلوه ظلما وعدوانا ثم علي ابن أبي طالب صلوات الله عليه ورضوانه ~~فهؤلاء الائمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P017 وخلافتهم ~~خلافة النبوة ونشهد للعشرة بالجنة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونتولى سائر اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكف عما شجر بينهم ms522 ~~وندين الله ان الائمة الاربعة راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل ~~غيرهم ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها اهل النقل من النزول إلى السماء ~~الدنيا وان الرب يقول هل من سائل هل من مستغفر وسائر ما نقلوه واثبتوه ~~خلافا لما قاله اهل الزيغ والتضليل # ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~واجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله ~~بها ولا نقول على الله ما لا نعلم ونقول ان الله يجيء يوم القيامة كما قال ~~@QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وان الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال ~~سبحانه @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ وكما قال @QB@ ثم دنا فتدلى ~~فكان قاب قوسين أو أدنى @QE@ # ومن ديننا ان نصلي الجمعة والاعياد خلف كل بر وفاجر وكذلك الجماعات كما ~~روى عن عبد الله بن عمر انه كان يصلي خلف الحجاج وان المسح على الخفين سنة ~~في الحضر والسفر خلافا لقول من انكر ذلك ونرى الدعاء لائمة المسلمين ~~بالصلاح والاقرار بامامتهم وتضليل من رأى الخروج عليهم اذا ظهر منهم ترك ~~الاستقامة وندين بترك الخروج عليهم وترك القتال في الفتنة ونقر بخروج ~~الدجال كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونؤمن بعذاب ~~القبر ومنكر ونكير ومسألتهم في قبورهم ونصدق بحديث المعراج ونصحح كثيرا من ~~الرؤيا في المنام ونقول ان لذلك تفسيرا ونرى الصدقة عن موتى المسلمين ~~والدعاء لهم ونؤمن أن الله ينفعهم بذلك ونصدق بأن في الدنيا سحرة ~~PageV02P018 وان رسم السحر كائن موجود في الدنيا ونؤمن بالصلاة على من مات ~~من اهل القبلة مؤمنهم وفاجرهم وتوارثهم ونقر ان النار والجنة مخلوقتان وان ~~من مات أو قتل فبأجله مات أو قتل وان الارزاق من قبل الله يرزقها عباده ~~حلالا وحراما وان الشيطان يوسوس للانسان ويشككه ويخبطه خلافا لقول المعزلة ~~والجهمية كما قال الله عز وجل @QB@ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذي يتخبطه الشيطان ms523 من المس @QE@ وكما قال الله عز وجل @QB@ من شر ~~الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس @QE@ # ونقول ان الصالحين يجوز ان يخصهم الله بآيات يظهرها عليهم وقولنا في ~~الاطفال اطفال المشركين ان الله يؤجج لهم نارا في الاخرة ثم يقول اقتحموها ~~كما جاءت الرواية بذلك وندين ان الله يعلم ما العباد عاملون والى ما هم ~~صائرون وما كان وما يكون وما لا يكون ان لو كان كيف كان يكون وبطاعة الائمة ~~ونصيحة المسلمين ونرى مفارقة كل داعية لبدعة ومجانية اهل الاهواء وسنحتج ~~لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه وما لم نذكره بابا بابا وشيئا فشيئا ~~ونتكلم عن مسألة رؤية الله بالابصار وعلى القرآن ثم قال & باب ذكر الاستواء # وذكر ما قد نبه عنه قريبا الذي اوله فان قال قائل ما تقولون في الاستواء ~~قيل له ان الله مستو على عرشه كما قال سبحانه @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ وقال ~~سبحانه وتعالى @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ وقال سبحانه وتعالى @QB@ يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ PageV02P019 وقال فرعون @QB@ ~~يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى ~~وإني لأظنه كاذبا @QE@ فاكذب موسى ان الله فوق السموات وقال سبحانه @QB@ ~~أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور @QE@ والسموات فوقها ~~العرش وانما اراد العرش الذي على السموات وقال @QB@ وجعل القمر فيهن نورا ~~@QE@ ولم يرد ان القمر يملؤهن جميعا وانه فيهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا ~~يرفعون ايديهم اذا دعوا نحو العرش كما لا يحطونهااذا دعوا نحو الأرض # قال وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية ان معنى قوله @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ انه استولى وملك وقهر وان الله في كل مكان ~~وجحدوا ان يكون الله على عرشه كما قال اهل الحق فذهبوا في الاستواء إلى ~~الاستيلاء ولو كان هذا كما قالوه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة ~~السفلى لان الله عز ms524 وجل قادر على كل شيء # ثم قال أبو الحسن الاشعري # باب الكلام في الوجه والعينين والبصر # قال الله تبارك وتعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ وقال سبحانه ~~وتعالى @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ فاخبر سبحانه وتعالى ان ~~له وجها لا يفنى ولا يلحقه الهلاك وقال تعالى @QB@ تجري بأعيننا @QE@ فاخبر ~~عن العينين PageV02P020 ولله تعالى ذكره عين ووجه كما قال لا يحد ولا يكيف ~~وقال سبحانه @QB@ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا @QE@ وقال عز وجل @QB@ ~~ولتصنع على عيني @QE@ وقال تعالى @QB@ وكان الله سميعا بصيرا @QE@ وقال ~~تعالى لموسى وهارون @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ فاخبر عن سمعه ورؤيته ~~وبصره # قال ونفت الجهمية ان يكون له وجه كما قال وابطلوا ان يكون له سمع وبصر ~~ووافقوا النصارى لان النصارى لم تثبت لله سمعا ولا بصرا الا على معنى انه ~~عالم وكذلك قالت الجهمية قال وحقيقة قول الجهمية انهم قالوا ان الله عالم ~~ولا يقولون سميع بصير على غير معنى عالم وكذلك قول النصارى وقالت الجهمية ~~ان الله عز وجل لا علم له ولا قدرة ولا سمع ولا بصر وانما قصدوا إلى تعطيل ~~التوحيد والتكذيب فقالوا سميع بصير لفظا ولم يحصلوا تحت قولهم معنى ولولا ~~انهم خافوا السيف لافصحوا ان الله غير سميع ولا بصير ولا عالم ولكن خوف ~~السيف منعهم من اظهار كفرهم وكشف زندقتهم وهذا قول المعتزلة والجهال قال ~~وزعم شيخ منهم مقدم عندهم ان علم الله هو الله سبحانه وان الله علم فنفى ~~العلم من حيث اوهم انه يثبته حتى الزم ان يقول يا علم اغفر لي اذا كان علم ~~الله هو الله وكان الله على قياسه علما وقدرة وهو أبو الهذيل تعالى الله عز ~~وجل عما يقولون علوا كبيرا # ومن سألنا فقال تقولون ان لله عز وجل وجها قيل له نقول ذلك خلافا لما ~~قاله المبتدعون وقد دل على صحة ذلك قوله سبحانه وتعالى @QB@ ويبقى وجه ربك ~~ذو الجلال والإكرام @QE@ PageV02P021 وان سألنا فقال تقولون ان لله عز وجل ~~يدين قيل له نعم ms525 نقول ذلك لقوله سبحانه @QB@ يد الله فوق أيديهم @QE@ وروى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم خلق آدم بيده وغرس شجرة طوبى بيده وقال سبحانه ~~وتعالى @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ~~قال كلتا يديه يمين وقال سبحانه @QB@ لأخذنا منه باليمين @QE@ وليس يجوز في ~~لسان العرب ولا في عادة اهل الخطاب ان يقول القائل عملت كذا وكذا بيدي وهو ~~يعني به النعمة واذا كان الله خاطب العرب بلغتها وما تجده مفهوما في كلامها ~~ومعقولا في خطابها ولا يجوز ان يقول القائل لي عليه يدين يعني به نعمتين ~~ومن دافعنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى اهل اللسان فيها ودفع ذلك ان ~~تكون اليد بمعنى النعمة اذ كان لا يمكنه ان يتعلق في ان اليد نعمة إلى من ~~جهة اللغة فاذا دفع اللغة لزم ان لا يحتج بها وان لا يقرأ القرآن ولا يثبت ~~اليد نعمة من قبلها لانه ان رجع في تفسير قوله @QB@ بيدي @QE@ يعنى نعمتي ~~إلى الاجماع فليس المسلمون على ما ادعاه من ذلك متفقين وان رجع إلى اللغة ~~ان يقول معنى نعمتي ان يقول القائل بيدي نعمتي وان لجأ إلى وجه ثالث سألناه ~~عنه ولن يجد إلى ذلك سبيلا # ويقال لاهل البدع لم زعمتم ان معنى قوله @QB@ بيدي @QE@ نعمتي ازعمتم ذلك ~~اجماعا أو لغة فلا تجدون ذلك في اجماع ولا في لغة فان قالوا قلنا ذلك من ~~القياس قيل لهم من اين وجدتم في القياس ان قول الله عز وجل @QB@ خلقت بيدي ~~@QE@ لا يكون معناه الا نعمتي ومن اين يمكن ان يعلم العقل ان يفسر لفظه كذا ~~وكذا مع انا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه الناطق على لسان نبيه @QB@ ~~وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ وقال سبحانه @QB@ أفلا يتدبرون ~~القرآن @QE@ PageV02P022 ولولا ان القرآن بلسان العرب ما جاز ان تتدبره ولا ~~ان تعرف العرب معانيه اذا سمعته فلما كان من لا يحسن كلام العرب لا يحسنه ~~وانما يعرفه العرب اذا سمعوه ms526 علم انهم علموه لانه بلسانهم نزل # قال وقد اعتل معتل بقول الله عز وجل @QB@ والسماء بنيناها بأيد @QE@ قال ~~الايدي القوة فوجب ان يكون معنى قوله @QB@ بيدي @QE@ أي بقدرتي قيل لهم هذا ~~التأويل فاسد من وجوه # احدهما ان الايد ليس بجمع اليد لان جمع يد ايدي وجمع اليد التي هي نعمة ~~ايادي والله عز وجل لم يقل بأيدي ولا قال بأيادي وانما قال @QB@ لما خلقت ~~بيدي @QE@ فبطل ان يكون معنى قوله @QB@ بيدي @QE@ معنى قوله @QB@ بنيناها ~~بأيد @QE@ # وايضا فول اراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي وهذا ناقض لقول مخالفينا ~~ومجانب لمذاهبهم لانهم لا يثبتون قدرة الله عز وجل فكيف يثبتون قدرتين # وايضا فلو كان الله عز وجل عنى بقوله @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ القدرة لم ~~يكن لادم على ابليس في ذلك مزية والله عز وجل اراد ان يرى فضل آدم عليه ~~السلام اذ خلقه بيديه دونه فلو كان خالقا لابليس بيده كما خلق آدم بيده لم ~~يكن لتفضيله عليه بذلك وجه وكان ابليس يقول محتجا على ربه عز وجل فقد ~~خلقتني بيديك كما خلقت آدم بها فلما اراد الله تفضيله عليه بذلك قال له ~~موبخا على استكباره على آدم ان يسجد له @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أستكبرت أم كنت من العالين @QE@ فدل ذلك على انه ليس معنى الاية القدرة كان ~~الله عز وجل قد خلق الاشياء جميعها بقدرته وانه انما اراد اثبات يدين لم ~~يشارك ابليس لآدم في انه خلق بهما PageV02P023 قال وليس يخلو قول الله عز ~~وجل @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ أن يكون يعني بذلك إثبات يدين نعمتين أو يكون ~~معنى ذلك إثبات يدين جارحتين أ يكون معنى ذلك إثبات يدين قدرتين أو يكون ~~معناه ليسا نعمتين ولا جارحتين ولا قدرتين ولا يوصفان إلا كما وصف اله ولا ~~يجوز أن يكون معنى ذلك نعمتين لأنه لا يجوز أن يقول القائل عملت بيدي وهو ~~يعني نعمتي ولا يجوز أن يعني عندنا ولا عند خصومنا جارحتين ولا يجوز عند ~~خصومنا أن يعني ms527 قدرتين لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة فكيف يثبتون قدرتين وإذا ~~فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع وهو أن معنى قوله عز وجل بيدي إثبات ~~يدين ليستا قدرتين ولا نعمتين ولا جارحتين ولا يوصفان إلا أن يقال إنهما ~~يدان ليست كالأيدي خارجا عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت # وأيضا قالوا فلو كان معنى قوله بيدي نعمتي لكان لا فضيلة لآدم عليه ~~السلام على إبليس في ذلك على مذاهب مخالفينا لأن الله قد إبتدأ إبليس بنعمة ~~على قولهم كما إبتدأ بذلك لآدم فليس تخلو النعمتان أن تكونا هما بدن آدم أو ~~تكونا عرضين خلقا في آدم فإن كان عني بذلك بدن آدم فالأبدان عند مخالفينا ~~من المعتزلة جنس واحد وإذا كان الأبدان عندهم جنسا واحدا فقد حصل في جسد ~~إبليس على مذاهبهم من النعمة ما حصل في جسد آدم وكذلك إن كان عنى عرضين ~~فليس من عرض فعله في بدن آدم من كون أو حياة أو قوة أو غير ذلك إلا وقد فعل ~~من جنسه عندهم في بدن إبليس فهذا لا يوجب الأفضلية لآدم على إبليس في ذلك ~~والله عز وجل إنما احتج على إبليس بذلك ليد له PageV02P024 أن لآدم في ذلك ~~الفضيلة فدل ما قلناه على أن الله عز وجل قال @QB@ خلقت بيدي @QE@ لم يعن ~~نعمتي # ويقال لهم ما أنكرتم أن يكون الله عز وجل عني بقوله @QB@ يدي @QE@ يدين ~~ليستا نعمتين فإذا قالوا لأن اليدين إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة قيل ~~لهم ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة فإن قالوا رجعنا ~~إلى الشاهد وإلى ما نجد فيما بيننا مخلوقا فوجدنا ذلك إذا لم يكن نعمة في ~~الشاهد لم يكن إلا جارحة قيل لهم إن كان رجوعكم إلى الشاهد وعليه عملتم وبه ~~قضيتم على الله عز وجل فكذلك لم تجدوا حيا من الخلق إلا جسما لحما ودما ~~فاقضوا بذلك على ربكم تعالى وإلا كنتم لقولكم تاركين ولاإعتلالكم ناقصين ~~وإن أثبتم حيا لا كالأحياء ms528 فلم أنكرتم أن تكون اليدان التي اخبر الله عنهما ~~يدين ليستا جارحتين ولا نعمتين ولا كالأيدي وكذلك يقال لم تجدوا مدبرا ~~حكيما إلا إنسانا وأثبتم الباري مدبرا حكيما ليس كالإنسان وخالفتم الشاهد ~~فقد نقضتم إعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا ~~كالأيدي من أجل أن ذلك خلاف الشاهد # فإن قالوا فإذا أثبتم لله يدين لقوله سبحانه @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ فلم ~~لا أثبتم له أيدي لقوله سبحانه @QB@ مما عملت أيدينا @QE@ قيل له قد أجمع ~~على بطلان قول من قال ذلك فوجب ان يكون الله عز وجل ذكر أيدي ورجع إلى ~~إثبات يدين لأن الدليل قد دل على صحة الإجماع وإذا كان الإجماع صحيحا وجب ~~أن يرجع من قوله @QB@ أيدي @QE@ إلى يدين لأن القرآن على طاهره PageV02P025 ~~ولايزول عن ظاهره إلا بحجة فوجدنا حجة أولنا بها ذكر الأيدي على الظاهر إلى ~~ظاهر آخر ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقة لا يزول عنه إلا بحجة # فإن قال قائل إذا ذكر الله الأيدي وأراد يدين فما أنكرتم أن يكون ذكر ~~الأيدي ويريد يدا واحدة قيل له ذكر الله عز وجل أيدي وأراد يدين لأنهم ~~أجمعوا على بطلان قول من قال أيدي كثيرة وقول من قال يد واحدة فقلنا يدان ~~لأن القرآن على ظاهره إلا أن تقوم حجة يكون على خلاف ظاهره # فإن قال قائل ما أنكرتم أن يكون قوله @QB@ مما عملت أيدينا @QE@ على ~~المجاز قيل له حكم كلام الله على ظاهره وحقيقتة ولا يخرج الشيء عن ظاهره ~~إلى المجاز إلا بحجة ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام عموم فإذا ورد بلفظ ~~العموم والمراد به الخصوص فليس على حقيقة الظاهر وليس يجوز أن يعدل بما ~~ظاهره العموم بغير حجة فكذلك قوله عز وجل @QB@ خلقت بيدي @QE@ على ظاهره من ~~إثبات الأيدي ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهره الأيدي إلى ما ادعاه خصومنا ~~بغير حجة فلو كان ذلك جائزا لجاز لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم فهو على ~~الخصوص وما ms529 ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة وإذا لم يحز هذا لمدعيه ~~بغير برهان لم يجز لكم ما ادعيتموه وأنه محال أن يكون مجازا بغير حجة بل ~~واجب أن يكون @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ إثبات يدين لله عز وجل في غير نعمتين ~~إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم فعلت بيدي وهو ~~يعني نعمتي PageV02P026 قلت وهذا القول الذي ذكره الأشعري في الإبانة ونصرة ~~ذكره في كتاب المقالات الكبير الذي فيه مقالات الإسلاميين ومقالات الطوائف ~~غير الإسلاميين وكتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين أنه قول جملة ~~أصحاب الحديث وأهل السنة فقال بعد أن ذكر مقالات الشيع ثم الخوارج ثم ~~المعتزلة ثم المجسمة ثم الجهمية ثم الضرارية ثم البكرية ثم قوم من النساك ~~ثم قال هذه حكاية قول جملة أصحاب الحديث وأهل السنة جملة ما عليه أصحاب ~~الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله ~~وما رواه الثقاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # لا يردون وصل وليس بداية قوه جديده من ذلك شيئا والله تعالى إله واحد فرد ~~صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة ~~حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن ~~الله على عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وأن له يدين بلا ~~كيف كما قال @QB@ خلقت بيدي @QE@ وكما قال @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ وأن ~~له عينين بلا كيف كما قال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ وأن له وجها كما قال @QB@ ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وأن اسماء الله لا يقال أنها غير ~~الله كما قالت المعتزلة والخوارج وأقروا أن الله علما كما قال @QB@ أنزله ~~بعلمه @QE@ وكما قال @QB@ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه @QE@ وأثبتوا ~~السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة وأثبتوا لله القوة ~~كما قال @QB@ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة @QE@ # وقالوا إنه لا يكون في ms530 الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله وأن الأشياء ~~تكون بمشيئة الله كما قال الله تعالى @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ~~@QE@ وكما قال المسلمون ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وقالوا إن أحدا لا ~~يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله أو يكون أحد يقدر أن يخرج عن علم الله أو ~~وأن يفعل PageV02P027 شيئا علم الله أنه لا يفعله وأقروا أنه لا خالق إلا ~~الله وأن أعمال العباد يخلقها الله وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا # وأن الله وفق المؤمنين لطاعته وخذل الكافرين ولطف لهم ونظر لهم وأصلحهم ~~وهداهم ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم ولو أصلحهم لكانوا صالحين ~~ولو هداهم لكانوا مهتدين وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف لهم حتى ~~يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علمهم وخذلهم ولم يصلحهم ~~وطبع على قلوبهم وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره ويؤمنون بقضاء الله قدرة ~~خيره وشره حلوه ومره ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله كما قال ويلجئون أمرهم إلى الله ويثبتون الحاجة إلى الله في كل ~~وقت والفقر إلى الله في كل حال # ويقولون أن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ من قال ~~باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال ~~غير مخلوق ويقولون إن الله يرى بالإبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة ~~البدر يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون قال الله ~~تعالى وأن موسى سأل الله عز وجل الرؤية كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجبون في ~~الدنيا وأن الله تعالى تجلى للجبل فجعله دكا فأعلمه بذلك أنه لا يراه في ~~الدنيا بل يراه في الآخرة ولا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو ~~الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر وهم بما معهم من الأيمان مؤمنين وأن ~~ارتكبوا الكبائر والإيمان عندهم هو الإيمان بالله PageV02P028 وملائكته ~~وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره ms531 حلوه ومره وان ما اخطأهم لم يكن ليصيبهم وان ~~ما اصابهم لم يكن ليخطئهم والاسلام هو ان تشهد ان لا اله الا الله على ما ~~جاء في الحديث والاسلام عندهم غير الايمان ويقرون بان الله مقلب القلوب ~~ويقرون بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانها لاهل الكبائر من امته ~~وبعذاب القبر وان الحوض حق والصراط حق والبعث بعد الموت حق والمحاسبة من ~~الله للعباد حق والوقوف بين يدي الله حق ويقرون بان الايمان قول وعمل يزيد ~~وينقص ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق ويقولون اسماء الله هي الله ولا ~~يشهدون على أحد من اهل الكبائر بالنار ولا يحكمون بالجنة لاحد من الموحدين ~~حتى يكون الله ينزلهم حيث شاء ويقولون امرهم إلى الله ان شاء عذبهم وان شاء ~~غفر لهم ويؤمنون بأن الله يخرج قوما من الموحدين من النار على ما جاءت به ~~الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينكرون الجدل والمراء في الدين ~~والخصومة في القدر والمناظرة فيما يتناظر فيه اهل الجدل ويتنازعون فيه من ~~دينهم بالتسليم للروايات الصحيحة ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقاة ~~عدلا عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقولون ~~كيف ولا لم لان ذلك بدعة ويقولون بأن الله لم يأمر بالشر بل نهى عنه وامرنا ~~بالخير ولم يرض بالشر وان كان مريدا له ويعرفون حق السلف الذين اختارهم ~~الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عما شجر ~~بينهم صغيرهم وكبيرهم ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله ~~عنهم اجمعين ويقرون انهم الخلفاء الراشدون المهديون افضل الناس كلهم بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويصدقون بالاحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ان الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل مستغفر كما جاء في ~~الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال الله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله ms532 والرسول @QE@ PageV02P029 ويرون اتباع من سلف من ائمة الدين ~~وان لا يبتدعوا في دينهم ما لم يأذن به الله ويقرون ان الله يجيء يوم ~~القيامة كما قال @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وان الله يقرب من خلقه ~~كيف شاء كما قال @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ ويرون العيد ~~والجمعة والجماعة خلف كل امام بر وفاجر ويثبتون المسح على الخفين سنة ~~ويرونه في الحضر والسفر ويثبتون فرض الجهاد للمشركين منذ بعث نبيه صلى الله ~~عليه وسلم إلى آخر عصابة تقاتل الدجال وبعد ذلك ويرون الدعاء لائمة ~~المسلمين بالصلاح وان لا يخرجوا عليهم بالسيف وان لا يقاتلوا في الفتنة ~~ويصدقون بخروج الدجال وان عبسى بن مريم يقتله ويؤمنون بمنكر ونكير والمعراج ~~والرؤيا في المنام وان الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تصل ~~اليهم ويصدقون بأن في الدنيا سحرة وان الساحر كافر كما قال الله وان السحر ~~كائن موجود في الدنيا ويرون الصلاة على كل من مات من اهل القبلة مؤمنهم ~~وفاجرهم وموارثتهم # ويقرون ان الجنة والنار مخلوقتان وان من مات مات بأجله وكذلك من قتل قتل ~~بأجله وان الارزاق من قبل الله يرزقها عباده حلالا كانت أو حراما وان ~~الشيطان يوسوس للانسان ويشككه ويخبطه وان الصالحين قد يجوز ان يخصهم الله ~~بآيات تظهر عليهم وان السنة لا تنسخ بالقرآن وان الاطفال امرهم إلى الله ان ~~شاء عذبهم وان شاء فعل بهم ما اراد وان الله عالم ما العباد عاملون وكتب ان ~~ذلك يكون وان الامر بيد الله ويرون الصبر على حكم الله والاخذ بما امر الله ~~والانتهاء عما نهى الله عنه واخلاص العمل والنصيحة لجماعة المسلمين ويدينون ~~بعبادة الله في العابدين واجتناب الكبائر والزنا وقول الزور والعصبية ~~والفخر والكبر والازراء على الناس والعجب ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة ~~والتشاغل بقراءة PageV02P030 القرآن وكتابة الآثار والنظر في الفقه مع ~~التواضع والاستكانة وحسن الخلق وبذل المعروف وكف الاذى وترك الغيبة ~~والنميمة والسعاية وتفقد المأكل والمشرب فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ~~ويرونه قال ms533 وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول واليه نذهب وما توفيقنا الا بالله ~~وهو حسبنا وبه نستعين وعليه نتوكل واليه المصير # ثم قال فأما اصحاب عبد الله بن سعيد القطان وهو ابن كلاب فانهم يقولون ~~بأكثر مما ذكرناه عن اهل السنة ويثبتون ان الباري تعالى لم يزل حيا عالما ~~قادرا سميعا بصيرا عزيزا عظيما جليلا كبيرا كريما مريدا متكلما جوادا ~~ويثبتون العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والعظمة والجلال والكبرياء ~~والارادة والكلام صفات لله تعالى ويقولون اسماء الله وصفاته لا يقال هي ~~غيره ولا يقال ان علمه غيره كما قالت الجهمية ولا يقال ان علمه هو هو كما ~~قال بعض المعتزلة وكذلك قولهم في سائر الصفات ولا يقولون العلم هو القدرة ~~ولا يقولون غير القدرة ويزعمون ان الصفات قائمة بالله وان الله لم يزل ~~راضيا عمن يعلم انه يموت مؤمنا ساخطا على من يعلم انه يموت كافرا وكذلك ~~قوله في الولاية والعداوة والمحبة وكان يزعم ان القرآن كلام الله غير مخلوق ~~وقوله في القدر كما حكينا عن اهل السنة والحديث وكذلك قوله في اهل الكبائر ~~وكذلك قوله في رؤية الله بالابصار وكان يزعم ان الباري لم يزل ولا مكان ولا ~~زمان قبل الخلق وانه على ما لم يزل وانه مستو على عرشه كما قال وانه فوق كل ~~شيء تعالى PageV02P031 # وقال ايضا أبو الحسن الاشعري في باب اختلافهم في الباري هل هو في مكان ~~دون مكان أم لافي مكان أم في كل مكان وهل تحمله الحملة أو تحمل العرش وهل ~~هم ثمانية املاك أم ثمانية اصناف من الملائكة اختلفوا في ذلك على سبع عشرة ~~مقالة قد ذكرنا قول من امتنع من ذلك وقال انه في كل مكان حال وقول من قال ~~لا نهاية له وان هاتين الفرقتين انكرتا القول انه في مكان دون مكان # قلت وكان قد ذكرنا في شرح اختلاف الناس في التجسيم فقال واختلفوا في ~~مقدار الباري بعد ان جعلوه جسما فقال قائلون هو جسم وهو في كل مكان وفاضل ~~عن ms534 جميع الاماكن وهو مع ذلك متناهي غير ان مساحته اكثر من مساحة العالم ~~لانه اكبر من كل شيء وقال بعضهم ليس لمساحة الباري نهاية ولا غاية وانه ~~ذاهب في الجهات الست اليمين والشمال والامام والخلف والفوق والتحت قالوا ~~وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق وليس بذي ~~حدود ولا هيئة قال وقال قوم ان معبودهم هو الفضاء وهو جسم تحل الاشياء فيه ~~ليس بذي غاية ولا نهاية فهاتان هم الفرقتان قال وقال قائلون هو جسم خارج عن ~~جميع صفات الجسم ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ولا يوصف بلون ولا طعم ولا ~~مجسة ولا شيء من صفات الاجسام وانه ليس في الاشياء ولا على العرش الا على ~~معنى انه فوقه غير مماس له وانه فوق الاشياء وفوق العرش ليس بينه وبين ~~الاشياء اكثر من انه فوقها قال وقال هشام بن الحكم ان ربه في مكان دون مكان ~~وان مكانه هو العرش وانه مماس للعرش وان العرش قد حواه وحده وقال بعض ~~اصحابه ان الباري قد ملاء العرش وانه مماس له PageV02P032 # وقال من ينتحل الحديث ان العرش لم يمتلىء به وانه يقعد نبيه عليه السلام ~~معه على العرش قال وقال اهل السنة واصحاب الحديث ليس بجسم ولا يشبه الاشياء ~~الا انه على العرش كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ولا نتقدم بين ~~يدي الله في القول بل نقول استوى بلا كيف وان له وجها كما قال @QB@ ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وان له يدين كما قال @QB@ خلقت بيدي @QE@ ~~وان له عينين كما قال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ وانه يجيء يوم القيامة هو ~~وملائكته كما قال @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وانه ينزل إلى سماء ~~الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا شيئا الا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت ~~به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # قال وقالت المعتزلة ان الله استوى على عرشه بمعنى استولى وقال بعض الناس ~~الاستواء القعود والتمكن قال ms535 واختلف الناس في حملة العرش ما الذي تحمل فقال ~~قائلون الحملة تحمل الباري وانه اذا غضب ثقل على كواهلهم واذا رضي خف ~~فيتبينون غضبه من رضاه وان العرش له اطيط اذا ثقل عليه كاطيط الرحل وقال ~~بعضهم ليس يثقل الباري ولا يخف ولا تحمله الحملة ولكن العرش هو الذي يخف ~~ويثقل ويحمله الحملة وقال بعضهم الحملة ثمانية املاك وقال بعضهم ثمانية ~~اصناف قال وقال قائلون انه على العرش مباين منه لا بعزلة واشغال لمكان غيره ~~بل بينونة ليس على العزلة والبينونة من صفات الذات قال واختلفت المعتزلة في ~~المكان فقال قائلون ان الله بكل مكان وقال قائلون الباري لافي مكان بل هو ~~على ما لم يزل عليه وقال قائلون الباري في كل مكان بمعنى اه حافظ للاماكن ~~وذاته مع ذلك موجودة بكل مكان # قلت وهذا الذي ذكره أبو الحسن في كتاب الابانة هو الذي يذكره من ينقل ~~مذهبه جملة ويرد بذلك على الطاعنين فيه كما ذكر ذلك PageV02P033 الحافظ أبو ~~بكر البيهقي وابو القاسم ابن عساكر في كتاب تبيين كذب المفتري فيما ينسب ~~إلى الشيخ أبي الحسن الاشعري # والذي ذكره في كتاب المقالات هو الذي ذكره أبو بكر ابن فورك في كتاب ~~مقالات ابن كلاب فقال الفصل الاول في ذكر ما حكى شيخنا أبو الحسن في كتاب ~~المقالات من جمل مذاهب اصحاب الحديث وقواعدهم وما ابان في آخره انه هو يقول ~~بجميع ذلك وان أبا محمد عبد الله ابن سعيد يقول بذلك وبأكثر منه # وهكذا ذكر القاضي أبو بكر ابن الباقلاني في عامة كتبه مثل التمهيد ~~والابانة وكتابه الذي سماه كتاب الرد على من نسب إلى الاشعري خلاف قوله بعد ~~فصول ذكرها قال وكذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في صفات الله تعالى اذا ثبتت بذلك الرواية من اثبات اليدين اللتين نطق ~~بهما القرآن والوجه والعينين قال تعالى @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام @QE@ وقال تعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ وقال في قصة ~~ابليس ms536 @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ وقال @QB@ بل يداه مبسوطتان ~~@QE@ وقال @QB@ تجري بأعيننا @QE@ قال وروي في الحديث من رواية ابن عمر ان ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الدجال قال انه اعور وان ربكم ليس بأعور ~~فأثبت له العينين قال وهذا حديث غير مختلف في صحته عند العلماء بالحديث وهو ~~في صحيح البخاري وقال عليه السلام فيما يروى من الاخبار المشهورة وكلتا ~~يديه يمين ونقول انه تعالى يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام PageV02P034 ~~والملائكة كما نطق بذلك القرآن وانه ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من سائل ~~فيعطى أو مستغفر فيغفر له الحديث وانه عز وجل مستو على عرشه كما قال @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ قال قد بينا دين الائمة واهل السنة ان هذه ~~الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير كما روي عن ~~ابن شهاب وغيره وروى الثقاة عن مالك ان سائلا سأله عن قوله @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ فقال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والايمان به ~~واجب والسؤال عنه بدعة قال فمن تجاوز هذا المروي من الاخبار عن التابعين ~~ومن بعدهم من السلف الصالحين وائمة الحديث فقد تعدى وضل وابتدع في الدين ما ~~ليس منه وذكر باقي الكتاب وهذا لفظه # فاذا كان قول ابن كلاب والاشعري وائمة اصحابه وهو الذي ذكروا انه اتفق ~~عليه سلف الامة واهل السنة ان الله فوق العرش وان له وجها ويدين وتقرير ما ~~ورد في النصوص الدالة على انه فوق العرش وان تأويل @QB@ استوى @QE@ بمعنى ~~استولى هو تأويل المبطلين ونحو ذلك علم ان هذا الرازي ونحوه هم مخالفون ~~لائمتهم في ذلك وان الذي نصره ليس هو قول ابن كلاب والاشعري وائمة اصحابه ~~وانما هو صريح قول الجهمية والمعتزلة ونحوهم وان كان قد قاله بعض متأخري ~~الاشعرية كأبي المعالي ونحوه # وكذلك نقل الناس مذهبهم قال الامام أبو بكر محمد بن الحسن الخضرمي ~~القيرواني الذي له الرسالة التي سماها ب رسالة الايماء إلى مسألة الاستواء ~~لما ms537 ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء قول الطبري يعني أبا جعفر صاحب ~~PageV02P035 التفسير الكبير وابي عبد الله محمد بن أبي زيد والقاضي عبد ~~الوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر وابي ~~الحسن يعني الاشعري وحكاه عنه اعني القاضي أبي بكر القاضي عبد الوهاب نصا ~~وهو انه سبحانه مستو على العرش بذاته واطلقوا في بعض الاماكن فوق عرشه قال ~~الامام أبو بكر وهو الصحيح الذي اقول به من غير تحديد ولا تمكين في مكان ~~ولا كون فيه ولا مماسه قال أبوعبدالله القرطبي في كتاب شرح الاسماء الحسنى ~~هذا قول القاضي أبي بكر في كتاب تمهيد الاوائل له وقاله الاستاذ أبو بكر ~~ابن فورك في شرح اوائل الادلة له وهو قول أبي عمر بن عبد البر والطلمنكي ~~وغيرهما من الاندلسيين وقول الخطابي في شعار الدين ثم قال بعد ان حكى اربعة ~~عشر قولا واظهر الاقوال ما تظاهرت عليه الآي والاخبار والفضلاء الاخيار ان ~~الله على عرشه كما اخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من جميع خلقه ~~وهذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقاة PageV02P036 وقال هذا القرطبي ~~في تفسيره الكبير قوله تعالى @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ هذه مسألة ~~الاستواء وللعلماء فيها كلام واجزاء وقد بينا اقوال العلماء فيها في كتاب ~~الاسنى في شرح اسماء الله الحسنى وصفاته العلى وذكرنا فيها هناك اربعة عشر ~~قولا والاكثر من المتقدمين والمتأخرين انه اذا وجب تنزيه الباري عن الجهة ~~والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين ~~وقادتهم المتأخرين تنزيه الباري عن الجهة فليس بجهة فوق عندهم لانه يلزم في ~~ذلك عندهم متى اختص بجهة ان يكون في مكان أو حيز ويلزم على المكان والحيز ~~الحركة والسكون وذلك مستلزم للتحيز والتغير والحدوث هذا قول المتكلمين قال ~~وقد كان السلف الاول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ~~بل نطقوا هم والكافة باثباتها لله تعالى كما نطق كتابه واخبرت رسله ولم ~~ينكر أحد ms538 من السلف الصالح انه استوى على عرشه حقيقة وخص العرش بذلك لانه ~~اعظم مخلوقاته وانما جهلوا كيفية الاستواء فانه لا تعلم حقيقته كما قال ~~مالك رحمه الله الاستواء معلوم يعني في اللغة والكيف مجهول والسؤال عن هذا ~~بدعة وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها وهذا القدر كاف قال والاستواء في ~~كلام العرب هو العلو والاستقرار وذكر كلام الجوهري وغيره # واما نقل مذاهب سلف الامة وائمتها وسائر الطوائف فروى أبو بكر البيهقي في ~~كتاب الاسماء والصفات باسناد صحيح عن الاوزاعي قال PageV02P037 كنا ~~والتابعون متوافرون نقول ان الله تعالى ذكره فوق سماواته ونؤمن بما وردت ~~السنة به من صفاته وقال أبو بكر النقاش صاحب التفسير والرسالة حدثنا أبو ~~العباس السراج سمعت قتيبة بن سعيد يقول هذا قول الائمة في الاسلام والسنة ~~والجماعة نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه كما قال @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ # وقال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الابانة له وائمتنا كسفيان الثوري ~~ومالك بن انس وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الله بن ~~المبارك وفضيل بن عياض واحمد بن حنبل واسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقون على ~~ان الله سبحانه بذاته فوق العرش وان علمه بكل مكان وانه يرى يوم القيلمه ~~بالابصار وانه ينزل إلى سماء الدنيا وانه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن ~~خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء # وقال الامام أبو عمر الطلمنكي في كتاب الوصول إلى معرفة الاصول واجمع ~~المسلمون من اهل السنة على ان معنى @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ ونحو ~~ذلك من القرآن ان ذلك علمه وان الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف ~~شاء وقال ايضا قال اهل السنة في قول الله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~ان الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز ~~PageV02P038 # وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد في شرح الموطأ لما تكلم على ~~حديث النزول قال هذا حديث ثابت من جهة النقل ms539 صحيح الاسناد ولا يختلف اهل ~~الحديث في صحته وهو منقول من طرق سوى هذه من اخبار العدول عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفيه دليل على ان الله في السماء على العرش من فوق سبع ~~سموات كما قالت الجماعة قال وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم ان الله في ~~كل مكان قال والدليل على صحة قول اهل الحق قول الله تعالى وذكر بعض الآيات ~~إلى ان قال وهذا اشهر واعرف عند العامة والخاصة من ان يحتاج إلى اكثر من ~~حكايته لانه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا انكره عليهم مسلم # وقال أبو عمر بن عبد البر ايضا اجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل ~~عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم @QE@ هو على العرش وعلمه في كل مكان وما ~~خالفهم في ذلك من يحتج بقوله # وقال أبو عمر بن عبد البر ايضا اهل السنة مجمعون على الاقرار بالصفات ~~الواردة كلها في القرآن والسنة والايمان بها وحملها على الحقيقة لا على ~~المجاز الا انهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة واما اهل ~~البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها ~~على الحقيقة ويزعم ان من اقر بها مشبه وهم عند من اقر بها نافون للمعبود ~~والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم ائمة ~~الجماعة # وقال الشيخ العارف معمر بن أحمد الاصفهاني احببت ان اوصي اصحابي ~~PageV02P039 بوصية من السنة وموعظة من الحكمة واجمع ما كان عليه اهل الحديث ~~والاثر واهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين فذكر عقيدة قال فيها ~~وان الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول ~~والكيف فيه مجهول والله عز وجل بائن من خلقه والخلق منه بائنون بلا حلول ~~ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة لانه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني ~~عن الخلق وانه سميع بصير عليم خبير متكلم ويرضى ms540 ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى ~~لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول هل ~~من داع فأستجيب له هل من مستغفر فاغفر له هل من تائب فأتوب عليه حتى يطلع ~~الفجر قال ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن انكر ~~النزول أو تأول فهو مبتدع ضال # وقال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني في العقيدة المشهورة عنه طريقتنا طريقة ~~المتبعين للكتاب والسنة واجماع الامة فما اعتقدوه اعتقدناه فمما اعتقدوه ان ~~الاحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله ~~عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وان الله بائن ~~من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في ~~سمائه دون ارضه # وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي سألت أبي وابا زرعة عن مذاهب اهل ~~السنة في اصول الدين وما ادركنا عليه العلماء في جميع الامصار PageV02P040 ~~فقالا ادركنا العلماء في جميع الامصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا فكان ~~من مذهبهم ان الايمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق ~~بجميع جهاته إلى ان قالا وان الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه وعلى ~~لسان رسوله بلا كيف احاط بكل شيء علما وهذا مشهور عن الامام عبد الرحمن بن ~~أبي حاتم من وجوه وقد ذكره عنه الشيخ نصر المقدسي في كتاب الحجة له # وقال نصر في هذا الكتاب ان قال قائل قد ذكرت ما يجب على اهل الاسلام من ~~اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اجمع عليه الائمة العلماء والاخذ بما عليه ~~اهل السنة والجماعة فاذكر مذاهبهم وما اجمعوا عليه من اعتقادهم وما يلزمنا ~~من المصير اليه من اجماعهم فالجواب ان الذي ادركت عليه اهل العلم ومن ~~لقيتهم واخذت عنهم ومن بلغني قوله من غيرهم فذكر جمل اعتقاد اهل السنة وفيه ~~وان الله مستو على عرشه بائن من خلقه كما قال في كتابه احاط بكل شيء ms541 علما ~~واحصى كل شيء عددا # ونقل اقوال السلف من القرون الثلاثة ومن نقل اقوالهم في اثبات ان الله ~~فوق العرش يطول ولا يتسع له هذا الموضع ولكن نبهنا عليه # ولم يكن هذا عندهم من جنس مسائل النزاع التي يسوغ فيها الاجتهاد بل ولا ~~كان هذا عندهم من جنس مسائل اهل البدع المشهورين في الامة كالخوارج والشيعة ~~والقدرية والمرجئة بل كان انكار هذا عندهم اعظم من هذا كله وكلامهم في ذلك ~~مشهور متواتر PageV02P041 # ولهذا قال الملقب بامام الائمة أبو بكر ابن خزيمة فيما رواه عنه الحاكم ~~من لم يقل ان الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وجب ان يستتاب فان ~~تاب والا ضربت عنقه ثم القي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه اهل القبلة ولا ~~اهل الذمة كما روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة عن عبد الرحمن ~~بن مهدي الامام المشهور انه قال ليس في اصحاب الاهواء اشر من اصحاب جهم ~~يدورون ان يقولوا ان الله لم يكلم موسى ويدورون ان يقولوا ليس في السماء ~~شيء وان الله ليس على العرش ارى ان يستتابوا فان تابوا والا قتلوا وعن عباد ~~بن العوام الواسطي من طبقة شيوخ الشافعي واحمد قال كلمت بشر المريسي واصحاب ~~بشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى ان يقولوا ليس في السماء شيء وروى عبد ~~الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي من ~~هذه الطبقة وهو امام البصرة اذ ذاك علما ودينا انه ذكر عنده الجهمية فقال ~~هم شر قولا من اليهود والنصارى قد اجتمع اليهود والنصارى واهل الاديان مع ~~المسلمين ان الله على العرش وهم قالوا ليس عليه شيء # وروى عبد الله بن أحمد عن سليمان بن حرب الامام المشهور قال سمعت حماد بن ~~زيد وهو الامام الكبير المشهور وذكر هؤلاء الجهمية فقال انما يحاولون ان ~~يقولوا ليس في السماء شيء وعن عاصم بن علي بن عاصم PageV02P042 شيخ أحمد ~~والبخاري قال ناظرت جهميا فتبين من ms542 كلامه انه لا يؤمن ان في السماء ربا ~~وقال أحمد بن حنبل ثنا شريح بن يونس سمعت عبد الله بن نافع الصائغ سمعت ~~مالك بن انس يقول الله في السماء وعلمه في كل مكان وروى عبد الله بن أحمد ~~وغيره باسانيد صحيحة عن عبد الله بن المبارك انه قيل له بماذا نعرف ربنا ~~قال بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقول كما تقول الجهمية انه ~~ها هنا وكذلك قال الامام أحمد بن حنبل وغيره # وقال الامام أبو عبد الله البخاري صاحب الجامع الصحيح في كتاب خلق ~~الافعال باب ما ذكر اهل العلم للمعطلة الذين يريدون ان يبدلوا كلام الله ~~قال وقال وهب بن جرير الجهمية الزنادقة انما يريدون انه ليس على العرش ~~استوى قال وقال حماد بن زيد القرآن كلام الله نزل به جبريل ما يجادلون الا ~~انه ليس في السماء اله قال وقال ابن المبارك لا نقول كما قالت الجهمية في ~~الأرض ها هنا بل على العرش استوى وقيل له كيف نعرف ربنا قال فوق سمواته على ~~عرشه وقال لرجل منهم اتظنك خال منه فبهت الاخر وقال من قال لا اله الا هو ~~مخلوق فهو كافر وانا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع ان نحكي كلام ~~الجهمية قال وقال علي بن عاصم ما الذين قالوا ان لله ولدا اكفر من الذين ~~قالوا ان الله لا يتكلم وقال احذر من المريسي واصحابه فان كلامهم أبو جاد ~~الزندقة وانا كلمت استاذهم جهما فلم يثبت ان في PageV02P043 السماء الها ~~قال أبو عبد الله البخارى نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت ~~قوما اضل في كفرهم منهم واني لاستجهل من لا يكفرهم الا من لا يعرف كفرهم # وقال الفضيل بن عياض اذا قال لك الجهمي انا كافر برب يزول عن مكانه فقل ~~انا اومن برب يفعل ما يشاء وقال وحدث يزيد بن هرون عن الجهمية فقال من زعم ~~ان الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب ms543 العامة فهو جهمي قال ~~وقال حمزة بن ربيعة عن صدقة سمعت سليمان التيمي يقول لو سئلت اين الله ~~تبارك وتعالى لقلت في السماء فإن قال فاين كان عرشه قبل السماء لقلت على ~~الماء فان قال فاين كان عرشه قبل الماء لقلت لا اعلم ورى عن يزيد بن هرون ~~انه ذكر أبا بكر الاصم والمريسي فقال هما والله زنديقان كافران بالرحمن ~~حلال الدم قال وسئل عبد الله بن ادريس عن الصلاة خلف اهل البدع فقال لم يزل ~~في الناس اذا كان فيهم مرضي أو عدل فصل خلفه قلت فالجهمية قال لا هذه من ~~المقاتل هؤلاء لا يصلى خلفهم ولا يناكحون وعليهم التوبة قال وقال وكيع بن ~~الجراح الرافضة شر من القدرية والحرورية شر منهما والجهمية شر هذه الاصناف ~~قال البخاري وقال زهير السجستاني سمعت سلام بن أبي مطيع يقول الجهمية كفار # وكلام السلف والائمة في هذا الباب اعظم واكثر من ان يذكر هنا الا بعضه ~~كلهم مطبقون على الذم والرد على من نفى ان يكون الله فوق العرش كلهم متفقون ~~على وصفه بذلك وعلى ذم الجهمية الذين ينكرون ذلك وليس PageV02P044 بينهم في ~~ذلك خلاف ولا يقدر أحد ان ينقل عن أحد من سلف الامة وائمتها في القرون ~~الثلاثة حرفا واحدا يخالف ذلك لم يقولوا شيئا من عبارات النافية ان الله ~~ليس في السماء والله ليس فوق العرش ولا انه لا داخل العالم ولا خارجه ولا ~~ان جميع الامكنة بالنسبة اليه سواء ولا انه في كل مكان أو انه لا تجوز ~~الاشارة الحسية اليه ولا نحو ذلك من العبارات التي تطلقها النفاة لان يكون ~~فوق العرش لا نصا ولا ظاهرا بل هم مطبقون متفقون على انه نفسه فوق العرش ~~وعلى ذم من ينكر ذلك بأعظم مما يذم به غيره من اهل البدع مثل القدرية ~~والخوارج والروافض ونحوهم # واذا كان كذلك فليعلم ان الرازي ونحوه من الجاحدين لان يكون الله نفسه ~~فوق العالم هم مخالفون لجميع سلف الامة وائمتها الذين لهم في الامة ms544 لسان ~~صدق ومخالفون لعامة من يثبت الصفات من الفقهاء واهل الحديث والصوفية ~~والمتكلمين مثل الكرامية والكلابية والاشعرية الذين هم الاشعري وائمة ~~اصحابه ولكن الذين يوافقونه على ذلك هم المعتزلة والمتفلسفة المنكرون ~~للصفات وطائفة من الاشعرية وهم في المتأخرين منهم اكثر منهم في المتقدمين ~~وكذلك من اتبع هؤلاء من الفقهاء والصوفية وطائفة من اهل الحديث # وحينئذ فيذكر ما يتكلم به على حججه ولا حول ولا قوة الا بالله # قال الرازي الفصل الرابع في اقامة الحجج والبراهيم على ان الله ليس بمختص ~~بحيز ولا جهة بمعنى انه يشار اليه بالحس انه هاهنا أو هناك وذلك لانه لم ~~يخل اما ان يكون منقسما أو غير منقسم فان كان منقسما كان مركبا وقد تقدم ~~ابطاله وان لم يكن منقسما كان في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك ~~باطل باتفاق كل العقلاء PageV02P045 # وايضا فان من ينفي الجوهر الفرد يقول ان كل ما كان مشارا اليه بأنه ها ~~هنا أو هناك فلا بد وان يتميز أحد جانبيه عن الآخر وذلك يوجب كونه منقسما ~~فثبت بأن القول بأنه مشار اليه بحسب الحس يفضي إلى هذين الباطلين فوجب ان ~~يكون القول به باطلا # فان قيل لم لا يجوز ان يقال انه تعالى واحد منزه عن التأليف والتركيب ومع ~~كونه كذلك فانه يكون عظيما والعظيم يجب ان يكون مركبا منقسما وذلك ينافي ~~كونه احدا قلنا سلمنا ان العظيم يجب ان يكون منقسما في الشاهد فلم قلتم انه ~~يجب ان يكون في الغائب كذلك فان قياس الغائب على الشاهد من غير جامع باطل # وايضا لم لا يجوز ان يكون غير منقسم ويكون في غاية الصغر وهو مقتضى انه ~~حقير وذلك على الله محال قلنا الذي لا يمكن ان يشار اليه ولا يحس به يكون ~~كالعدم فيكون اشد حقارة فاذا جاز هذا فلم لا يجوز ذلك # والجواب عن الاول ان نقول انه اذا كان عظيما فلابد ان يكون منقسما وليس ~~هذا من باب قياس الشاهد على الغائب بل هذا بناء ms545 على البرهان القطعي وذلك ~~لانا اذا اشرنا إلى نقطة لا تنقسم فاما ان يحصل فوقها شيء آخر اولا يحصل ~~فان حصل فوقها شيء آخر كان ذلك الفوقاني مغايرا له اذ لو جاز ان يقال ان ~~هذا المشار اليه عينه لا غيره جاز ان يقال هذا الجزء عين ذلك الجزء فيفضي ~~إلى تجويز ان الجبل شيء واحد أو جزء لا يتجزأ مع كونه جبلا وذلك شك في ~~البديهيات فثبت انه لابد من التزام التركيب والانقسام واما ان لا يحصل ~~فوقها شيء آخر ولا على يمنها ولا على يسارها ولا من تحتها PageV02P046 ~~فحينئذ تكون نقطة غير منقسمة وجزءا لا يتجزأ وذلك باتفاق العقلاء باطل فثبت ~~ان هذا ليس من باب قياس الغائب على الشاهد بل هو مبني على التقسيم الدائر ~~بين النفي والاثبات # قال واعلم ان الحنابلة القائلين بالتركيب والتأليف اسعد حالا من هؤلاء ~~الكرامية وذلك لانهم اعترفوا بكونه مركبا من الاجزاء والابعاض واما هؤلاء ~~الكرامية فزعموا انه مشار اليه بحسب الحس وزعموا انه غير متناه ثم زعموا ~~انه مع ذلك واحد لا يقبل القسمة فلا جرم صار قولهم على خلاف بديهة العقل ~~اما قولهم الذي لا يحس ولا يشار اليه اشد حقارة من الجزء الذي لا يتجزأ ~~قلنا كونه موصوفا بالحقارة انما يلزم لو كان له حيز ومقدار حتى يقال انه ~~اصغر من غيره اما اذا كان منزها عن الحيز والمقدار فلم يحصل بينه وبين غيره ~~مناسبة في الحيز والمقدار فلم يلزم وصفه بالحقارة # يقال هذه الحجة مع كل من قال انه فوق العرش وقال مع ذلك انه غير مؤلف ولا ~~مركب ممن يثبت له معنى الجسم كمن ذكره من الكرامية وممن ينفي عنه معنى ~~الجسم كالكلابية وائمة الاشعرية ومع كل طائفة ممن يوافقها من الفقهاء ~~والصوفية وغيرهم وان كان عامة اهل السنة وائمة الدين واهل الحديث لا يقولون ~~هو جسم ولا يقولون ليس بجسم ولا هو نصها وهي ايضا مع من نقل عنه انه يصفه ~~بالتركيب والتأليف والكلام عليها من ms546 وجوه # احدها ان يقال قد تقدم ان لفظ المنقسم لفظ مجمل بحسب الاصطلاحات فالمنقسم ~~في اللغة العربية التي نزل بها القرآن هو ما فصل بعضه PageV02P047 عن بعض ~~كقسمة الماء وغيره بين المشتركين كما قال الله تعالى @QB@ ونبئهم أن الماء ~~قسمة بينهم @QE@ وقال تعالى @QB@ لكل باب منهم جزء مقسوم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا @QE@ ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم انما انا قاسم أقسم بينكم وهذا هو حقيقة ~~المقسوم بدليل صحة نفي اللفظ عما ليس كذلك كما في الحديث الصحيح قضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم وكما في قوله ايما ميراث قسم ~~في الجاهلية فهو على ما قسم وايما مال ادركه الاسلام فهو على قسم الاسلام ~~وكما قال لا تقتسم ورثتي دينارا ولا درهما وتقول الفقهاء العقار اما ان ~~يحتمل القسمة اولا يحتمل القسمة فان كان كالرحى الصغيرة والحانوت الصغير ~~التي لا تحتمل ففي ثبوت الشفعة فيه نزاع مشهور بين الفقهاء وان كان يحتمل ~~القسمة كالارض البيضاء الكبيرة ونحو ذلك ثبتت فيه الشفعة بالاتفاق وكذلك ~~يقولون في باب القسمة ان المال اما ان يحتمل القسمة واما ان لا يحتملها ~~فالذي لا يحتمل القسمة كالعبد الواحد والفرس الواحد وكالجوهرة والاناء ~~الواحد ونحو ذلك # فهذه الباب باب القسمة وما فيه من المسائل كقولهم القسمة هل هي افراز ~~الحقوق وتمييز الانصباء أم هي بيع وقولهم ما لا يمكن قسمته اذا طلب أحد ~~الشريكين بيعه ليقسم الثمن هل يجبر الآخر على البيع وقولهم اذا كان في ~~القسمة ضرر على أحد الشريكين فهل يجبر الممتنع فيها ونحو ذالك ومن ذلك ~~قولهم في المضربة والغنيمة ونحوها هل يملك الربح أو المغنم بالظهور اولا ~~يملك الا بالقسمة وقولهم باب قسم الصدقة والغنائم والفيء وامثال ذلك مما لا ~~يحصيه الا الله انما يريد الخاصة من العلماء والعامة من الناس بلفظ القسمة ~~هنا تفصيل الشيء بعضه عن بعض بحيث يكون هذا في حيز وهذا في PageV02P048 حيز ~~منفصل ms547 عنه ليتميز احدهما عن الآخر تميزا يمكن به التصرف في احدهما دون ~~الآخر # واذا كان هذا المعنى هو الظاهر في لغة الناس وعاداتهم بلفظ القسمة فقوله ~~بعد ذلك اما ان يكون منقسما أو لا يكون يختار في المنازع جانب النفي فان ~~الله ليس بمنقسم وليس هو شيئين أو اشياء كل واحد منهما في حيز منفصل عن حيز ~~الآخر كالاعيان المقسومة وما نعلم عاقلا يقول ذلك وما كان منقسما بهذا ~~المعنى فهو اثبات كل منهما قائم بنفسه ولم يقل أحد من الناس ان الله أو ان ~~خالق العالم هما اثنان متميزان كل منهما قائم بنفسه الا ما يحكي عن بعض ~~الثانوية من قولهم ان اصل العالم النور والظلمة القديمان لكن هؤلاء لا ~~يقولون بتساويهما في الصفات # وايضا فهؤلاء لا يسمون كلا منهما الله أو رب العالمين ولا يسمون اثناهما ~~باسم واحد فلم يقل أحد من العقلاء ان مسمى الله أو رب العالمين هو منقسم ~~الانقسام المعروف في نظر الناس وهو ان يكون عينان لكل منهما حيز منفصل عن ~~حيز الآخر # وايضا فلم يقل أحد ان الله كان واحدا ثم انه انفصل وانقسم حتى صار بعضه ~~في حيز فهذا المعنى المعروف من لفظ المنقسم منتف باتفاق العقلاء وهو مناف ~~لان يكون رب العالمين واحدا منافاة ظاهرة ولكن لا يلزم من بطلان هذا بطلان ~~مذهب المنازع الذي يقول ان الله واحد ليس هو اثنين منفصلين كل منهما في حيز ~~منفصل عن حيز الآخر # وقد يريد بعض الناس بلفظ المنقسم ما يمكن الناس فصل بعضه عن PageV02P049 ~~بعض وان كان في ذلك فساد تنهى عنه الشريعة كالحيوان الحي والاينة ونحو ذلك ~~فإن اراد بلفظ المنقسم ذلك فلا ريب ان كثيرا من الاجسام ليس منقمسا بهذا ~~الاعتبار فان بني آدم يعجزون عن قسمته فضلا عن ان يقال ان رب العالمين يقدر ~~العباد على قسمته وتفريقه وتمزيقه وهذا واضح # وقد يراد بلفظ المنقسم ما يمكن في قدرة الله قسمته لكن العباد لا يقدرون ~~على قسمته كالجبال وغيرها ms548 ومن المعلوم انه لا يجوز ان يقال ان الله يمكن ~~قسمته وانه قادر على ذلك كما لا يجوز ان يقال انه يمكن عدمه أو موته أو ~~نومه وانه قادر على ذلك فانه واحد لا اله الا هو وهذه القسمة تجعله اثنين ~~منفصلين كل منهما في حيز آخر وهذا ممتنع على الله وذلك ظاهر ولا نزاع بين ~~المسلمين بل بين العقلاء في ذلك وانما تنازع الناس في كثير من الاجسام هل ~~يمكن قسمتها وتفريقها أم لا يمكن كأرواح بني آدم والملائكة بل كالعرش وغيره ~~وقد خالف كثير من الفلاسفة للمسلمين في ان الافلاك تقبل الانقسام الذي هو ~~تفريق لبعض الجسم عن بعض فاما الخالق تعالى فما علمنا احدا منهم يصفه بذلك ~~ولو وصفه واصف بذلك لم يكن ما ذكره الرازي حجة على بطلان قوله كما سنذكره # وان كان غير منقسم لا بالمعنى الاول الذي هو وجود الانقسام المعروف ولا ~~بالمعنى الثاني الذي هو امكان هذا الانقسام فقوله وان لم يكن غير منقسم كان ~~في الصغر بمنزلة الجوهر الفرد ليس بلازم حينئذ فان ما يوصف بأنه واحد من ~~الاجسام كقوله تعالى @QB@ وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ وقوله @QB@ ذرني ~~ومن خلقت وحيدا @QE@ ونحو ذلك جسم واحد ومتحيز واحد وهو PageV02P050 في جهة ~~ومع ذلك ليس هو منقسما بالمعنى الاول فان المنقسم بالمعنى الاول لا يكون ~~الا عددا اثنين فصاعدا كالماء اذا اقتسموه وكالاجزاء المقسومة التي لكل باب ~~في جهنم جزء مقسوم واذا كان هذا فيما يقبل القسمة كالانسان والذي يقدر ~~البشر على قسمته وما لا يقبل القسمة اولى بذلك وهذا ظاهر محسوس بديهي لا ~~نزاع فيه فان احدا لم ينازع في ان الجسم العظيم الذي لم يفصل بعضه عن بعض ~~فيجعل في حيزين منفصلين اولا يمكن ذلك فيه اذا وصف بأنه غير منقسم لم يلزم ~~من ذلك ان يكون بقدر الجوهر الفرد بل قد يكون في غاية العظم والكبر # ولا ريب ان الرازي ونحوه ممن يحتج بمثل هذه الحجة لا يفسرون الانقسام ~~بهذا الذي ms549 قررناه من فصل بعضه عن بعض بحيث يكون كل بعض حيزين منفصلين أو ~~امكان ذلك فيه فان احدا لم يقل ان الله منقسم بهذا الاعتبار ولا يلزم من ~~كونه جسما أو متحيزا أو فوق العالم أو غير ذلك ان يكون منقسما بهذا ~~الاعتبار # وان قال اريد بالمنقسم ان ما في هذه الجهة منه غير ما في هذه الجهة كما ~~نقول ان الشمس منقسمة بمعنى ان حاجبها الايمن غير حاجبها الايسر والفلك ~~منقسم بمعنى ان ناحية القطب الشمالي غير ناحية القطب الجنوبي وهذا هو الذي ~~اراده فهذا مما يتنازع الناس فيه # فيقال له قولك ان كان منقسما كان مركبا وقد تقدم ابطاله تقدم الجواب عن ~~هذا الذي سميته مركبا وتبين انه لا حجة اصلا على امتناع ذلك بل تبين ان ~~احالة ذلك تقتضي ابطال كل موجود ولولا انه احال على ما تقدم PageV02P051 ~~لما احلنا عليه وتقدم بيان ما في لفظ التركيب والحيز والافتقار من الاحتمال ~~وان المعنى الذي يقصدونه بذلك يجب ان يتصف به كل موجود سواء كان واجبا أو ~~ممكنا وان القول بامتناع ذلك يستلزم السفسطة المحضة وتبين ان كل أحد يلزمه ~~ان يقول بمثل هذا المعنى الذي سماه تركيبا حتى الفلاسفة وان هذا المنازع ~~يقول مثل ذلك في تعدد الصفات وانه الزم الفلاسفة مثل ذلك # وقول من يقول من هؤلاء ما يكون منقسما أو مركبا بهذا الاعتبار فانه لا ~~يكون واحدا ولا يكون احدا فان الاحد هو الذي لا ينقسم خلاف لما جاء في كتاب ~~الله وسنة رسوله ولغة العرب من تسمية الانسان واحدا كقوله @QB@ وإن كانت ~~واحدة فلها النصف @QE@ وقوله @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا @QE@ ونحو ذلك # وتحرير هذا المقام هو الذي يقطع الشغب والنزاع فان هذه الشبهة هي من اكبر ~~أو اكبر اصول المعطلة لصفات الرب بل المعطلة لذاته وهو عند التحقيق من افسد ~~الخيالات ولكن لا حول ولا قوة الا بالله فان الاشراك قد ضل به كثير من ~~الناس قال الخليل @QB@ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب ms550 إنهن أضللن كثيرا ~~من الناس @QE@ واذا شرح الله صدر العبد للاسلام يتعجب غاية العجب ممن ضل ~~عقله حتى اشرك كما روي ان بعض الناس قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما كان ~~لهم عقول يعنى لمشركي قريش فقال النبي صلى الله عليه وسلم كانت لهم عقول ~~امثال الجبال ولكن كادها باريها وروي ان خالد بن الوليد لما هدم العزى ~~وكانت عند عرفات قال يا رسول الله عجبت من أبي ووعقله كان يجيء إلى هذه ~~العزى فيسجد لها وينسك لها ويحلق لها رأسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~تلك عقول كادها باريها ولهذا يعترف PageV02P052 المشركون بالضلال يوم ~~القيامة كما قال تعالى @QB@ فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون ~~قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ~~وما أضلنا إلا المجرمون @QE@ قال تعالى عن قوم عاد الذين كانوا من اعظم بني ~~آدم @QB@ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ~~فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات ~~الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون @QE@ # وهذه الشبهة وان تنوعت عباراتها هي التي ذكر الائمة انهااصل كلام الجهمية ~~كما ذكر ذلك الامام أحمد حيث قال وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى ~~المتشابه من القرآن والحديث فضلوا واضلوا بكلامهم بشرا كثيرا فكان مما ~~بلغنا من امر الجهم عدو الله انه كان من اهل خراسان من اهل الترمذ وكان ~~صاحب خصومات وكلام وكان اكثر كلامه في الله فلقي اناسا من المشركين يقال ~~لهم السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له نكلمك فان ظهرت حجتنا عليك دخلت في ~~ديننا وان ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم ان قالوا ~~الست تزعم ان لك الها قال جهم نعم فقالوا فهل رأيت الهك قال لا قالوا فهل ~~سمعت كلامه قال لا قالوا افشممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له حسا قال لا ~~قالوا فوجدت له مجسا قال لا قالوا ms551 فما يدريك انه اله فتحير الجهم فلم يدر ~~من يعبد اربعين يوما ثم انه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك ان ~~زنادقة النصارى يزعمون ان الروح التي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا ~~اراد ان يحدث امرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء ~~وينهى عما شاء وهو روح غائب عن الابصار فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة ~~فقال للسمني الست تزعم ان فيك روحا قال نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال ~~فهل سمعت كلامه قال لا PageV02P053 قال فهل وجدت له حسا أو مجسا قال لا قال ~~فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن ~~الابصار ولا يكون في مكان دون مكان # فهذا الذي حكاه الامام أحمد من مناظرة السمنية المشركين للجهم هو كما ~~ذكره اهل المقالات والكلام عنهم انهم لا يقرون من العلوم الا بالحسيات ولكن ~~قد يقول بعض الناس انهم ارادوا بذلك ان مالا يدركه الانسان بحسه فانه لا ~~يعلمه حتى يقولوا عنهم انهم ينكرون المتواترات والمجربات والبديهيات وهذا ~~والله اعلم غلط عليهم # كما غلط هؤلاء في نقل مذهب السوفسطائية فزعموا ان فرقة من الناس تنكر ~~وجود شيء من الحقائق ومن المعلوم ان امة يكون لهم عقل يفارقون به المجانين ~~لا يقولون هذا ولكن قد تقع السفسطة في بعض الأمور يوفي بعض الأحوال وتكون ~~كما فسرها بعض الناس أن السفسطه هي كلمة معربة واصلها يونانية سوفسقيا ~~ومعناها الحكمة المموهة فان لفظ سوفيا يدل في لغتهم على الحكمة ولهذا ~~يقولون فيلاسوف أي محب الحكمة فلما كان من القضايا ما يعلم بالبرهان ومنه ~~ما يثبت بالقضايا المشهورة وبعضها يناظر فيه بالحجج المسلمة وبعضها تتخيله ~~النفس وتشعر به فيحركها وان لم تكن صادقة وهي القضايا الشعرية ومنها ما ~~يكون باطلا لكن يشبه الحق فهذه الحكمة المموهة هي المسماة بالسفسطة عند ~~هؤلاء وقد تكلمنا على هذا في غير هذا الموضع PageV02P054 فهؤلاء السمنية ~~يكون ms552 قولهم ان ما لا يدرك بالحواس لا يكون له حقيقة ثم الرجل قد يعلم ذلك ~~بحواسه وقد يعلم ذلك باخبار من علم ذلك بحواسه ويدل على ذلك ان هؤلاء قوم ~~موجودون فالرجل منهم لابد ان يقر بوجود ابويه وجده وولادته وحوادث بلده ~~الموجودة قبله وما يحتاج اليه من اخبار الناس والبلاد وهذه الامور كلها لا ~~يعلمها احدهم الا بالخبر فانه لم يدرك بحسه ولادته واحبال أبيه لامه ونحو ~~ذلك لكن المخبرون يعلمونها بالاحساس ولا يتصور ان يعيش في العالم امة ~~يكذبون بكل ما لم يحسوه بل هذا يلزم ان بعضهم لا يزال غير مصدق لبعض في ~~معاملاتهم واجتماعاتهم والانسان مدني بالطبع لا يعيش الا مع بني جنسه ومن ~~لم يقر الا بما احسه لم يمكنه الاستعانة ببني جنسه في عامة مصالحه # واذا كان مقصودهم ان ما لا يحس به لم يكن موجودا كان من الجواب السديد ~~لهم ان يقال لهم الهي سبحانه يمكن احساسه فتمكن رؤيته وسماع كلامه وقد كلم ~~في الدنيا بعض خلقه وسوف يكلم عباده ويرونه في الدار الاخرة فان كانوا ~~ينكرون العلم والاقرار بكل ما لا يحسه الانسان امكنه ان يقرر عليهم العلم ~~بالخبريات والمجربات والبديهيات وغير ذلك وان كانوا يقولون ان كل موجود ~~فلابد ان يمكن احساسه فهذا الذي قالوه هو مذهب الصفاتية كلهم الذين يقرون ~~بأن الله يرى في الدار الاخرة وهو مذهب سلف الامة وائمتها لكنه هنا ضل فظن ~~ان الله لا يمكن احساسه ولا رؤيته واحتاج حينئذ إلى اثبات موجود لا يمكن ~~احساسه فزعم ان روح بني آدم كذلك لا يمكن احساسها بشيء من الحواس وقاس وجود ~~الله على وجود الروح من هذا الوجه PageV02P055 وهذه هي الطريقة التي سلكها ~~هذا المؤسس في اول تأسيسه حيث اثبت وجود ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه ~~بما قال من قال من الفلاسفة وموافقيهم من المسلمين ان الروح الذي في بني ~~آدم لا داخل العالم ولا خارجه ولا يمكن احساسها فقول جهم هو قول هؤلاء كما ms553 ~~قال تعالى @QB@ وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك ~~قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ففروا ~~إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه ~~نذير مبين كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون @QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ # قال الامام أحمد ووجد الجهم ثلاث آيات من القرآن من المتشابه قوله @QB@ ~~ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ وهو الله في السماوات وفي الأرض @QE@ و @QB@ لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ فبنى اصل كلامه على هؤلاء الآيات ~~وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وزعم ان من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان ~~كافرا وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشرا كثيرا واتبعه على قوله رجال من ~~اصحاب أبي حنيفة واصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية فاذا سألهم ~~الناس عن قول الله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ يقولون ليس كمثله شيء من ~~الاشياء وهو تحت الارضين السابعة كما هو على العرش ولا يخلو منه مكان دون ~~مكان ولا يكون في مكان ولم يتكلم ولا يتكلم ولا ينظر اليه أحد في الدنيا ~~ولا في الآخرة ولا يوصف ولا يعرف بصفة ولا بفعل ولا له غاية ولا منتهى ~~PageV02P056 ولا يدرك بعقل وهو وجه كله وهو علم كله وهو سمع كله وهو بصر ~~كله وهو نور كله وهو قدرة كله لا يوصف بوصفين مختلفين وفي نسخة ولا يكون ~~شيئين مختلفين وليس له اعلى ولا اسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا ~~شمال ولا هو ثقيل ولا خفيف ولا له لون وفي نسخة ولا له نور ولا له جسم وليس ~~معلوم أو معقول وكلما خطر على قلبك انه شيء تعرفه فهو على خلافه فقلنا هو ms554 ~~شيء فقالوا هو شيء لا كالاشياء فقلنا ان الشيء الذي يكون لا كالاشياء قد ~~عرف اهل العقل انه لا شيء فعند ذلك تبين للناس انهم لا يثبتون شيئا أو قال ~~لا يأتون بشيء ولكنهم بدفعون عن انفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية فاذا ~~قيل لهم من تعبدون قالوا نعبد من يدبر امر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر ~~امر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون انكم ~~لا تثبتون شيئا أو قال لا تأتون بشيء وانما تدفعون عن انفسكم الشنعة بما ~~تظهرون فقلنا لهم هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى قالوا لم يتكلم ولا يكلم ~~لان الكلام لا يكون الا بجارحة والجوارح عن الله منتفية فلما سمع الجاهل ~~قولهم ظن انهم من اشد الناس تعظيما لله ولا يعلم انهم انما يقود قولهم إلى ~~ضلالة وكفر وفي نسخة انهم انما يقودون قولهم إلى فرية في الله ثم ذكر أحمد ~~الكلام في مناظرتهم في القرآن والرؤية والصفات والعرش ونحو ذلك # وكان الائمة كالامام أحمد والفضيل بن عياض وغيرهما اذا ارادوا ان يذكروا ~~ما يستحقه الله من التنزيه ذكروا سورة الاخلاص التي تعدل ثلث القرآن وانها ~~مستوفية كل ما ينفي في هذا الباب ولهذا لما ناظرت الجهمية PageV02P057 ~~الامام أحمد كأبي عيسى محمد بن عيسى برغوث وغيره من البصريين والبغداديين ~~وذكروا الجسم وملازمة ذكر لهم أحمد سورة الاخلاص فان ما فيها من التنزيه هو ~~الحق دون ما ادخلوه في لفظ الجسم من الزيادات الباطلة # وذلك ان ما يذكرونه يدور على اصلين نفي التشبيه ونفي التجسيم الذي هو ~~التركيب والتأليف ولهذا يذكر من العقائد التي يبغي فيها التنزيه الإعتقاد ~~السليم من التشبيه والتجسيم فأصل كلامه كله يدور على ذلك ولا ريب انهم ~~نزهوا الله بنفي هذين الامرين عن امور كثيرة بحسب تنزيهه عنها وما زادوه من ~~التعطيل فانما قصدوا به التنزيه والتقديس وان كانوا في ذلك ضالين مضلين # وسورة الاخلاص تستوفي الحق من ذلك فان الله يقول @QB@ قل ms555 هو الله أحد ~~الله الصمد @QE@ وهذان الاسمان الاحد والصمد لم يذكرهما الله الا في هذه ~~السورة وهما ينفيان عن الله ما هو متنزه عنه من التشبيه والتمثيل ومن ~~التركيب والانقسام والتجسيم فان اسمه الاحد ينفي المثل والنظير كما تقدم ~~الكلام على ذلك في ادلته السمعية وبينا ان الاحد في اسماء الله ينفي عنه ان ~~يكون له مثل في شيء من الاشياء فهو أحد في كل ما هو له واسمه الصمد ينفي ~~عنه التفرق والانقسام والتمزق وما يتبع ذلك من تركيب ونحوه فإن اسم الصمد ~~يدل على الاجتماع # وكذلك كل واحد من معنييه اللذين يتناولهما هذا الاسم وهو ان الصمد هو ~~السيد الذي كمل سؤدده ويصمد اليه في الامور والصمد هو الذي PageV02P058 لا ~~جوف له كما يقال الملائكة صمد والادمي اجوف والمصمت ضد الاجوف فان اسم ~~السيد يقتضي الجمع والقوة ولهذا يقال السواد هو اللون الجامع للبصر والبياض ~~اللون المفرق للبصر ويقال للحليم السيد لان نفسه تجتمع فلا تتفرق وتتميز من ~~الغيظ والواردات عليها وكذلك هو الذي يصبر على الامور والصبر يقتضي الجمع ~~والحبس والضم وضده الجزع الذي يقتضي التفرق وكذلك التعزي والتعزز وعززته ~~فتعزى أو هو لا يتعزى هو ضد الجزع فان التعزز والتعزي يقتضي الاجتماع ~~والقوة والجزع يقتضي التفرق والضعف # والانسان له في في سؤدده وعزته حالان احدهما ان يستغني بنفسه عن غيره ~~ويعز بنفسه عن غيره فلا يحتاج إلى الغير الذي يحتاج اليه غيره لغناه و لا ~~يخاف منه لعزته والثاني ان يكون هو قد احتاج اليه غيره ويكون قد اعز غيره ~~فغلبه واعزه فمنعه فيكون الناس قد صمدوا له أي قصدوه واجمعوا له وهذا هو ~~الصمد السيد وذلك انما يكون من كمال سؤدده وصمديته التي تنافي تفرقه وتمزقه ~~وضعفه # ولفظ الصمد يدل على انه لا جوف له وعلى انه السيد ليس كما تقول طائفة من ~~الناس ان الصمد في اللغة انما هو السيد ويتعجبون مما نقل عن الصحابة ~~والتابعين من ان الصمد هو الذي لا جوف له ms556 فان اكثر الصحابة والتابعين فسروه ~~بهذا وهم اعلم باللغة وبتفسير القرآن ودلالة اللفظ على هذا اظهر من دلالتها ~~على السؤدد وذلك ان لفظ ص م د يدل على الاجتماع والانضمام المنافي للتفرق ~~والخلو والتخويف كما يقال صمد المال وصمده وتصمد اذا حمعه وضم بعضه إلى بعض ~~ومنه في الاشتقاق الاكبر الصمت والمصمت فان التاء والدال اخوان متقاربان ~~إلى بعض في المخرج والاشتقاق الاكبر PageV02P059 هو ما يكون فيه الكلمتان ~~قد اشتركت في جنس الحرف فالكلمتان اشتركت في الصاد والتاء والتاء والدال ~~اخوان يقال صمت يصمت صماتا واصمت اصماتا وهو جمع وضم ينافي الانفتاح ~~والتفريج ولهذا يقال للعظام ونحوها من الاجسام منها اجوف ومنها مصمت # فظهر ان اسمه الاحد يوجب تنزيهه عن ما يجب نفيه عنه من التشبيه ومماثلة ~~غيره له في شيء من الاشياء واسمه الصمد يوجب تنزيهه عما يجب نفيه من ~~الانقسام والتفرق ونحو ذلك مما ينافي كمال صمديته سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا # واما ما تزيده المعطلة على ذلك من نفي صفاته التي وصف بها نفسه التي ~~يجعلون نفيها تنزيها واثباتها تشبيها ومن نفي حده وعلوه على عرشه وسائر ~~صفاته التي وصف بها نفسه يجعلون نفيها تنزيها ويجعلون اثبات ذلك اثباتا ~~لانقسامه وتفرقه الذي يسمونه تجسيما وتركيبا فهذا باطل # وليتدبر هذا المقام فانه من اعظم الاشياء منفعة في اعظم اصول الدين الذي ~~جاءت به هذه السورة التي تعدل ثلث القرآن وفيه اعظم اضطراب الخلائق وكثر ~~فيه تعارض الحجج وتفرق الطوائف واذا كانت هذه الشبهة ونحوها هي اصل ضلال ~~الاولين والاخرين لما فيها من الالفاظ المشبهة المجملة كما قال الامام أحمد ~~في وصف الذين عقدوا الوية البدعة واطلقوا عنان الفتنة قال فهم مختلفون في ~~الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله ~~وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس ~~بما يشبهون عليهم فطريق حل مثلها وامثالها ما تقدم من الكلام على الالفاظ ~~المتشابهة المجملة التي فيها والتي احدثوها وليس ms557 لها اصل في PageV02P060 ~~كتب الله ولهذا كان هؤلاء من @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ~~أتاهم @QE@ اذ السلطان هو كتاب الله فمن جادل بغير سلطان من الله كان ممن ~~ذمه الله في الكتاب قال الله تعالى @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار @QE@ وقال @QB@ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ~~إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير ~~@QE@ فهذه الالفاظ المشتبهة متى استفسر عن معانيها وفصلت زال ما في حجتهم ~~من الاشتباه وتبين انها حجة داحضة وان كان هؤلاء ممن قال الله فيهم @QB@ ~~وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال @QE@ وقال تعالى @QB@ أو يوبقهن بما ~~كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص @QE@ # الوجه الثاني ان قوله من ينفي الجوهر يقول ان كل ما كان يشار اليه بحسب ~~الحس بانه ها هنا أو هناك فلابد ان يتميز أحد جانبيه عن الاخر وذلك يوجب ~~كونه منقسما انما يريد هؤلاء بكونه منقسما انه يمكن ان يتميز في نفسه بعضه ~~عن بعض أو يتميز منه شيء عن شيء أو العقل يميز منه شيئا من شيء وليس لهذا ~~التميز حد يوقف عنده لا يقولون ان فيه انقساما غير هذا بل يقولون انه واحد ~~في نفسه كما انه واحد في الحس ويقولون ان الجسم منقسم إلى بسيط والى مركب ~~واما مثبتوه فلهم قولان احدهما انه ايضا واحد في نفسه وفي الحس ولكن قسمته ~~تنتهي إلى حد والثاني إلى ان فيه اجزاءا موجودة PageV02P061 فالمشار اليه ~~بحسب الحس لا يفضي إلى الامرين جميعا بل على ان كان منقسما كما ذكر لم يفض ~~إلى شيئين بل غايته ان يفضي إلى ما ذكره من التركيب الذي تقدم الكلام عليه ~~وان لم يكن منقسما وذلك عنده لا يكون الا على مثبتة الجوهر الفرد افضى إلى ~~ان يكون في غاية ms558 الحقارة وهذا الجوهر الفرد اما ان يكون منتفيا في نفس ~~الامر واما ان يكون ثابتا فلا يقول العاقل ان رب العالمين بقدره فلم يبق ما ~~يقال الا ما ذكره من الانقسام والتركيب وقد تقدم الكلام عليه وثبت انه لا ~~يفضي إلى هذين الامرين جميعا بل انما يفضي ان افضى إلى احدهما فقط لكن يفضي ~~إلى هذا على تقدير والى هذا على تقدير آخر فظهر ان كونه مشارا اليه بالحس ~~لا يفضي إلى الامرين الذين ذكرهما وانما يفضي ان افضى إلى احدهما # الوجه الثالث السؤال الذي اورده وهو انه لم لا يجوز ان يكون غير منقسم ~~ويكون بقدر الجوهر الفرد بل يكون واحدا عظيما منزها عن التركيب والتأليف ~~والانقسام وهذا ليس قول من ذكره من الكرامية فقط بل اذا كان هو قول من يقول ~~انه فوق العرش وهو جسم فهو قول من يقول هو فوق العرش وليس بجسم بطربق ~~الاولى والاحرى فان نفي التركيب والانقسام على القول بنفي الجسم أظهر من ~~نفيه على القول بثبوت الجسم فاذا على ما ذكره هذا السؤال يورده على كل من ~~يقول انه فوق العرش ويقول مع ذلك انه ليس بجسم وهذا قول الكلابية وائمة ~~الاشعرية وطوائف لا يحصون من الفقهاء واهل الحيدث والصوفية من اصحاب أبي ~~حنيفة ومالك والشافعي واحمد كالقاضي أبي يعلي وابي الوفاء ابن عقيل وابي ~~الحسن ابن الزاغوني وغيرهم بل قد ذكر الاشعري ان هذا قول اهل السنة واصحاب ~~الحديث فقال وقال اهل السنة واصحاب الحديث ليس بجسم ولا يشبه الاشياء ~~PageV02P062 وانه على العرش وقد تقدم قوله في ذلك وقول غيره وهؤلاء طوائف ~~عظيمة وهم اجل قدرا عند المسلمين ممن قال انه ليس على العرش # فان نفاة كونه على العرش لا يعرف فيهم الا من هو مأبون في عقله ودينه عند ~~الامة وان كان قد تاب من ذلك بل غالبهم أو عامتهم حصل منهم نوع ردة عن ~~الاسلام وان كان منهم من عاد إلى الاسلام كما ارتد عنه قديما شيخهم الاول ~~الجهم ms559 بن صفوان وبقي اربعين يوما شاكا في ربه لا يقر بوجوده ولا يعبده وهذه ~~ردة باتفاق المسلمين وكذلك ارتد هذا الرازي حين امر بالشرك وعبادة الكواكب ~~والاصنام وصنف في ذلك كتابه المشهور وله غير ذلك بل من هو اجل منه من هؤلاء ~~بقي مدة شاكا في ربه غير مقر بوجوده مدة حتى آمن بعد ذلك وهذا كثير عالب ~~فيهم ولا ريب ان هذا ابعد العالمين عن العقل والدين فاذا كان نؤلاء لا ~~يناظرون ويخاطبون ويستعد لرد قولهم الباطل لما احتيج إلى ذلك فالذين هم ~~اولى بالعقل والدين اولى منهم بذلك # ونحن نورد من كلامهم ما يتبين به ان جانبهم اقوى من جانب النفاة وليس لنا ~~غرض في تقرير ما جمعوه من النفي والاثبات في هذا المقام بل نبين انهم في ~~ذلك احسن حالا من نفاة انه على العرش فيما جمعوه من النفي والاثبات وقد ~~اجاب هؤلاء عما الزمهم النفاة من التجسيم الذي هو التركيب والانقسام كقول ~~القاضي أبي بكر # فان قيل فما الدليل على ان لله وجها ويدا قيل قوله @QB@ ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام @QE@ وقوله @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ فاثبت ~~لنفسه وجها ويدا PageV02P063 # فإن قال فما انكرتم ان يكون وجهه ويده جارحة اذ كنتم لا تعقلون وجها ويدا ~~الا جارحة قلنا لا يجب هذا كما لا يجب اذا لم يعقل حيا عالما قادرا الا ~~جسما ان نقضي نحن وأنتم بذلك على الله ولا يجب في كل شيء كان قائما بذاته ~~ان يكون جوهرا لانا واياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا الا كذلك قال ~~وكذلك الجواب لهم ان قالوا فيجب ان يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره ~~وسائر صفاته عرضا واعتلوا بالوجود # فإن قال قائل اتقولون انه في كل مكان قيل له معاذ الله بل هو مستو على ~~عرشه كما اخبر في كتابه فقال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وقال @QB@ ~~إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ وقال @QB@ أأمنتم من في ~~السماء أن يخسف بكم الأرض ms560 فإذا هي تمور @QE@ قال ولو كان في كل مكان لكان ~~في بطن الانسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب ان يزيد ~~بزيادة الاماكن اذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها اذا بطل منها ما كان ~~ويصح ان يرغب اليه إلى نحو الأرض والى خلفنا والى يميننا والى شمالنا وهذا ~~قد اجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله # وقال أبو الحسن الاشعري يقال لهم ما انكرتم ان يكون الله عنى بقوله @QB@ ~~يدي @QE@ يدين ليستا نعمتين قان قالوا لان اليدين اذا لم يكن نعمة لم يكن ~~الا جارحة فان قالوا رجعنا إلى المشاهد والى ما نجد فيما بيننا مخلوقا ~~فوجدنا ذلك اذا لم يكن نعمة في الشاهد لم يكن الا جارحة قيل لهم ان كان ~~رجوعكم إلى الشاهد وعليه عملتم وبه قضيتم على الله عز وجل فكذلك لم تجدوا ~~حيا من الخلق الا جسما لحما ودما فاقضوا بذلك على ربكم والا كنتم لقولكم ~~تاركين ولاعتلالكم ناقصين وان قلتم حيا لا كالاحياء فلم انكرتم ان يكون ~~PageV02P064 اليدان اللتان اخبر الله عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ~~ولا كالايدي وكذلك يقال لهم لم تجدوا قديرا حكيما ليس كالانسان وخالفتم ~~الشاهد فيه فقد نقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من اثبات يدين ليستا نعمتين ولا ~~جارحتين من اجل ان ذلك خلاف الشاهد # الوجه الرابع قوله عن المنازع لم لا يجوز ان يقال انه تعالى واحد منزه عن ~~التأليف والتركيب ومع كونه كذلك فانه يكون عظيما # قوله والعظيم يجب ان يكون مركبا منقسما وذلك ينافي كونه واحدا قلنا سلمنا ~~ان العظيم يجب ان يكون منقسما في الشاهد فلم قلتم انه يجب ان يكون في ~~الغائب كذلك فان قياس الغائب على الشاهد من غير جامع باطل # والجواب عن الاول ان نقول انه اذا كان عظيما فلابد وان يكون منقسما وليس ~~هذا من باب قياس الغائب على الشاهد بل هذا بناء على البرهان القطعي وذلك ~~لانا اذا اشرنا إلى نقطة لا تنقسم فاما ان يحصل فوقها شيء آخر ms561 أو لا يحصل ~~فان حصل فوقها شيء آخر كان ذلك الفوقاني مغايرا له اذ لو جاز ان يقال ان ~~هذا المشار اليه عينه لا غيره جاز ان يقال هذا الجزء غير ذلك الجزء فيفضي ~~إلى تجويز ان الجبل شيء واحد PageV02P065 # يقال له هؤلاء قد يقولون لا هو عينه ولا هو غيره كما عرف في اصولهم ان ~~غير الشيء ما جاز مفارقته له وان صفة الموصوف وبعض الكل لا هو هو ولا هو ~~غيره فطائفة هذا المؤسس هم ممن يقولون بذلك وحينئذ فلا يلزم اذا لم يكن ~~عينه ان يكون مغايرا له ولا يفضي إلى تجويز ان الجبل شيء واحد واذا جاز ان ~~يقولوا ان الموصوف الذي له صفات متعددة هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ~~ينقسم جاز ايضا ان يقال ان الذي له قدر هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ~~ينقسم وان كان في الموضعين يمكن ان يشار إلى شيء منه ولا يكون المشار هو ~~عين الآخر # فان قيل فهذا يقتضي ان يكون كل جسم غير مركب ولا منقسم والغرض في هذا ~~السؤال خلافه فان هذا السؤال فرق فيه بين العظيم الشاهد والعظيم الغائب وان ~~الشاهد منقسم بخلاف الغائب # قيل هذا الجواب هو مبني على ان غير الشيء ما جاز مفارقته له وكل مخلوق ~~فان الله سبحانه قادر على ان يفرق بعضه عن بعض واذا جاز مفارقة بعضه لبعض ~~جاز ان يكون مغايرا لبعض كما ان علمه وقدرته لما كان قيامه به جائزا لا ~~واجبا كان عرضا أي عارضا للموصوف لا لازما والرب تعالى لا يجوز ان يفارقه ~~شيء من صفاته الذاتية ولا يجوز ان يتفرق بل هو واحد صمد واذا كان كذلك لم ~~يلزم عند هؤلاء ان يكون بعضه مغايرا لبعض كما اصلوه # الوجه الخامس انهم قد الزموا المنازع مثلما ذكره وقالوا اذا كان حيا ~~عالما قادرا ولم يعقل في الشاهد من يكون كذلك الا جسما منقسما مركبا وقد ~~اثبته المنازع حيا علاما قادرا ليس بجسم منقسم ms562 مركب فكذلك يجوز ان يكون اذا ~~كان عظيما وكبيرا وعليا ولم يعقل في الشاهد عظيم وكبير وعلي PageV02P066 ~~الا ما هو جسم مركب منقسم لم يجب ان يكون جسما مركبا منقسما الا اذا كان ~~وجب ان يكون كل حي عليم قدير جسما مركبا منقسما # وكذلك يقولون لمن يقول ان حياته وعلمه وقدرته اعراض وكذلك يقول هؤلاء لمن ~~يسلم اثبات الصفات فيقال اذا كان القائم بغيره من الحياة والعلم والقدرة ~~وان شارك سائر الصفات في هذه الخصائص ولم يكن عندك عرضا فكذلك القائم بنفسه ~~وان شارك غيره من القائمين بأنفسهم فيما ذكرته لم يجب ان يكون جسما مركبا ~~منقسما ولا فرق بين البابين بحال فان المعلوم من القائم بنفسه انه جسم ومن ~~القائم بغيره انه عرض وان القائم بنفسه لا بد ان يتميز منه شيء عن شيء ~~والقائم بغيره لابد ان يحتاج إلى محله فاذااثبت قائما بغيره يخالف ما علم ~~من حال القائم بنفسه في ذلك فكذلك لزمه ان يثبت قائما بنفسه يخالف ما علم ~~من حال القائمين بأنفسهم # وجماع الامر انه سبحانه قائم بنفسه متميز عن غيره وله اسماء وهو موصوف ~~بصفات فان كان كونه عظيما وكبيرا موجبا لان يكون كغيره من العظماء الكبراء ~~في وجوب الانقسام الممتنع عله فكذلك كونه حيا عالما قادرا وله حياة وعلم ~~وقدرة # وسنتكلم على قوله ان هذا ليس من باب قياس الشاهد على الغائب # واما ما ذكره من التقسيم فيقال له في الوجه السادس ان ما ذكرته من ~~التقسيم يرد نظيره في كل ما يثبت للرب فانه يقال اذا اشرنا إلى صفة أو معنى ~~أو حكم كعلمه وقدرته أو عالميته وقادريته أو وجوبه ووجوده أو كونه عاقلا ~~ومعقولا وعقلا ونحو ذلك فاما ان تكون الصفة أو المعنى والحكم الاخر هو اياه ~~أو هو غيره فان كان هو اياه لزم ان يكون كونه PageV02P067 حيا هو كونه ~~عالما وكونه عالما هو كونه قادرا وكونه موجودا هو كونه فاعلا وكونه فاعلا ~~هو كونه عاقلا ومعقولا وعقلا وهذا يفضي ms563 إلى تجويز جعل المعاني المختلفة ~~معنى واحدا وان يكون كل عرض وصفة قامت بموصوف صفة واحدة وهذا شك في ~~البديهيات فهذا نظير ما الزموه للمنازع فانه يجب الاعتراف بثبوت معنيين ليس ~~المفهوم من احدهما هو المفهوم الاخر وهذا قد قررناه فيما تقدم فان كان ثبوت ~~هذه المعاني يستلزم التركيب والانقسام كان ذلك لازما على كل تقدير وان لم ~~يكن مستلزما للتركيب والانقسام لم يكن ما ذكره مستلزما للتركيب والانقسام ~~فان مدار الامر على ثبوت شيئين ليس احدهما هو الآخر وهذا موجود في موضعين # وهذا يتقرر بالوجه السابع وهو ان يقال المراد بالغيرين اما ان يكونا ما ~~يجوز وجود احدهما دون الاخر أو ما يجوز العلم بأحدهما دون الاخر # فان كان المراد بالغيرين هو الاول لم يجب ان يكون ما فوق المشار اليه ~~غيره الا اذا جاز وجود احدهما دون الاخر وهذا ممتنع في حق الله تعالى ~~بالاتفاق وبأنه واجب الوجود بنفسه على ما هو عليه كماهو مقرر في موضعه # ثم قد يقال في سائر المعاني انه يجوز وجود احدهما دون الاخر فيجوز حصول ~~الوجود دون الوجوب أو دون الفاعلية أو دون العلم والعناية ودون كونه حيا ~~عالما قادرا ونحو ذلك # وان كان المراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الاخر كالاحساس ~~بأحدهما دون الآخر كما ذكره في جواز الاشارة إلى نقطة دون ما فوقها فيقال ~~لا ريب PageV02P068 في جواز العلم ببعض المعاني الثابتة لله دون الآخر كما ~~قد يعلم وجوده دون وجوبه ويعلم وجوبه دون كونه فاعلا وبعلم ذلك دون العلم ~~بكونه حيا أو عالما أو قادرا أو غير ذلك واذا كانت المغايرة ثابتة بهذا ~~المعنى على كل تقدير وعند كل أحد ولا يصح وجود موجود الا بها وان كان واحدا ~~محضا كان بعد هذا تسمية ذلك تركيبا أو تأليفا أو غير تركيب ولا تأليف نزاعا ~~لفظيا لا يقدح في المقصود # الوجه الثامن ان يقال اصطلاح هؤلاء اجود فانه اذا ثبت ان الموجودات تنقسم ~~إلى مفرد ومؤلف أو إلى بسيط ms564 ومركب أو إلى واحد وعدد علم ان في الموجودات ما ~~ليس بمركب ولا مؤلف ولا عدد وهذه المعاني لا يخلو منها شيء من الموجودات ~~فعلم ان هذه المعاني لا تنافي كون الشيء واحدا ومفردا فيما اذا كان مخلوقا ~~فكيف ينافي كون الخالق واحدا فردا غير مركب ولا مؤلف فهذا الاعتبار المعروف ~~الذي فطر الله عليه عباده # يوضح هذا ما قد قدمنا ان اسمه الاحد ينفي ان يكون له مثل في شيء من ~~الاشياء فهو ينفي التشبيه الباطل واسمه الصمد ينفي ان يجوز عليه التفرق ~~والانقسام وما في ذلك من التركيب والتجسد وذلك لانه سبحانه وصف نفسه ~~بالصمدية كما وصف بالاحدية وهو سبحانه @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ في جميع ~~صفاته بل هو كامل في جميع نعوته كما لا يشبهه فيه شيء فهو كامل الصمدية كما ~~انه كامل الاحدية والواحد من الخلق قد يوصف بأنه واحد كما قال @QB@ وإن ~~كانت واحدة @QE@ وكما قال @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا @QE@ ويوصف بالاحد ~~مقيدا ومنفيا كقوله @QB@ فخذ أحدنا مكانه @QE@ @QB@ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ~~@QE@ @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ويوصف ايضا بالصمدية كما قال يحيى بن ~~أبي كثير الملائكة PageV02P069 صمد والآدميون جوف وكما قال الشاعر % الا ~~بكر الناعي بخير بني اسد % بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد % $ # وكما قال % فأنت السيد الصمد % $ # وكذلك لما في العبد من معنى الوحدة ومعنى الصمدية مع انه جسم من الاجسام ~~فعلم ان كون الموجود جسما لا يمنع ان يكون واحدا وان يكون أحد الاجسام وان ~~يكون صمدا كما ان كونه جسما لا يمنع ان يكون حيا عالما قادرا لكن العبد ليس ~~له الكمال الذي يستحقه الله في شيء من صفاته ولا قريب من ذلك فالله تعالى ~~اذا وصف بأنه واحد صمد عالم قادر كان في ذلك على غاية الكمال الذي لا ~~يماثله في شيء منه شيء من الاشياء لكن اذا كان ما ذكروه من المعاني التي ~~يجعلونه كثرة وعددا وتركيبا هي ثابته لكل موجود وذلك لا يمنع ان يكون ~~المخلوق واحدا فكيف يمنع ms565 ذلك ان يكون الاله الذي ليس كمثله شيء احدا # وذلك يظهر بالوجه التاسع وهو ان هذه المعاني التي تعلم القلب ان احدها ~~ليس هو الاخر امر لابد منه كما قد علم على كل تقدير ونفي هذه نفي لكل موجود ~~وهي غاية السفسطة ونهايته وذلك يجمع كل كفر وضلال ويخالف كل حس وعقل فهذا ~~التميز ان اوجب ان تكون الحقيقة في نفسها فيها نوع من تميز لم يكن هذا ~~منافيا لما هو الواجب والواقع من الوحدانية فان ذلك اذا لم PageV02P070 ينف ~~ان يكون كثير من المخلوقات واحدا فأن لا ينفي ذلك في الخالق اولى واحرى مع ~~ان احديته لها من الخصائص ما لا يجوز مثله لشيء من المخلوقات فانه لا مثل ~~له في شيء من الاشياء واما غيره فله الامثال قال تعالى @QB@ ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين لعلكم تذكرون @QE@ قالوا فتعلمون ان خالق الازواج واحد # وان قيل كما يقوله بعض الناس ان هذا الامتياز والتعدد الذهني لا يوجب ان ~~يكون كذلك في الخارج وجعلوا هذا مثل الاتحاد الذي في المعاني الكلية فانه ~~كما ان الذهن يدرك انسانية واحدة وجسما واحدا كليا عاما أو مطلقا يطابق ~~الافراد الموجودة في الخارج ومع انه ليس في الخارج شيء الا موجود بعينه لا ~~يوجد فيها ما هو كلي عام ولكن لما بين الحقائق من التشابه والتماثل يوجد في ~~هذا نظير ما يوجد في هذا فهو هو باعتبار النوع لا باعتبار العين بل هو ~~نظيره باعتبار العين فاذا كان هذا التشبيه والتمثيل الموجود في الخارج اوجب ~~للذهن ادراك معنى عام كلي يجمع الامرين وان لم يكن ذلك في الخارج عاما كليا ~~فكذلك ما يوجد في العين الوحدة فيما يظن انه اجزاء كيف أو كم قد يقال الذهن ~~هو الذي يفرق تلك ويميز بعضها عن بعض والا فهي في نفسها واحدة لا تعدد فيها ~~ولا تكثر ولا تركيب فالذهن هو الذي يأخذ الشيء الواحد فيفصله ويركبه بعد ~~التفصيل كما انه هو الذي يأخذ الشيئين فيمثل احدهما بالآخر ms566 ويجعلهما واحدا ~~بعد التمثيل PageV02P071 فما يدرك من التشبيه والتمثيل الذي يعود إلى معنى ~~عام كلي يشتر كان فيه وما يذكر من الاجزاء والصفات الذي يعود إلى معان ~~تتميز في الذهن فيركبها ويؤلفها هو الذي عليه مدار باب التشبيه والتمثيل ~~وباب التجسيم الذي هو التركيب وفي احدهما يجعل الذهن العدد واحدا وفي الآخر ~~يجعل الواحد عددا لكن باعتبارين صحيحين لا يخالف ما هو عليه الحقيقة في نفس ~~الامر ولهذا تغلط الاذهان هنا كثيرا لان بين ما في الاذهان وما في الاعيان ~~مناسبة ومطابقة ومن وجه هو مطابقة العلم للمعلوم وهو ان ما في النفس من ~~العلم ليس مساويا للحقيقة الخارجة فلاجل ما بينهما من الائتلاف والاختلاف ~~كثر بين الناس الائتلاف والاختلاف ومن فهم ما يجتمعان فيه ويفترقان زاحت ~~عنه الشبهات في هذه المحارات # والغرض في هذا الوجه ان الذي يقال في مواقع الاجماع بين الخلائق التي لا ~~بد من اثبات شيء منها لكل عاقل في كل موجود يقال في مواقع النزاع بين مثبتة ~~الصفات ونفاتها ولهذا يقال ما من أحد ينفي صفة من الصفات التي وردت بها ~~النصوص أو يتأولها على خلاف مفهومها فرارا من محذور ينفيه الا ويلزمه فيما ~~اثبته نظير ما فر منه فيما نفاه فسبحان من لا ملجأ منه الا اليه اللهم انا ~~نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ونعوذ بك منك لا نحصي ثناء عليك ~~انت كما اثنيت على نفسك # وهذا القدر وان كان فيه رد على الطائفتين فيما نفته بغير حق فلا يضر في ~~هذا المقام فان المقصود هنا حاصل به وهو ان هؤلاء المثبتة لعلو الله على ~~عرشه مع نفيهم ما ينفونه يلزمون نفاة العلو على العرش بأعظم مما يلزمونهم ~~به PageV02P072 # الوجه العاشر قوله ان نقول اذا كان عظيما فلابد وان يكون منقسما وليس هذا ~~من باب قياس الغائب على الشاهد بل بناء على البرهان القطعي وهو ما ذكره من ~~التقسيم # فيقال له كل برهان قطعي يستعملونه في حق الله فلا بد وان يتضمن ms567 نوعا من ~~قياس الغائب على الشاهد فانهم انما يمكنهم استعمال القياس الشمولي الذي هو ~~القياس المنطقي الذي لابد فيه من قضية كلية سواء كانت القضية جزائية حملية ~~أو كانت شرطية متصلة تلازمية أو كانت شرطية منفصلة عنادية تقسيمية فانه اذا ~~قيل الواحد لا يصدر عنه الا واحد وقيل لو كان مشارا اليه بالحس لكان اما ~~منقسما أو غير منقسم أو لو كان فوق العرش لكان اما كذا واما كذا أو لو كان ~~جسما أو غير ذلك فلابد في جيمع ذلك من قضية كلية وهو ان كل واحد بهذه ~~المثابة وان كل ما كان مشارا اليه بالحس لا يخرج عن القسمين وان كل ما كان ~~فوق شيء فاما ان يكون كذا وكذا ولابد ان يدخلوا الله تعالى في هذه القضايا ~~العامة الكلية ويحكمون عليه حينئذ بما يحكمون به على سائر الافراد الداخلة ~~في تلك القضية ويشركون بينها وبينه في ذلك ومشاركته لتلك الافراد في ذلك ~~الحكم المطلق والمعلق على شرط ومشابهته لها في ذلك هو القياس بعينه # ولهذا لما تنازع الناس في مسمى القياس فقيل قياس الشمول احق بذلك من قياس ~~التمثيل كما يقوله ابن حزم وطائفة وقيل بل قياس التمثيل احق باسم القياس من ~~قياس الشمول كما يقوله أبو حامد وابو محمد PageV02P073 المقدسي وطائفة وقيل ~~بل اسم القياس يتناول القسمين جميعا حقيقة كان هذا القول اصوب فما من أحد ~~يقيس غائبا بشاهد الا ولابد ان يدخلهما في معنى عام كلي كما في سائر اقيسة ~~التمثيل وما من أحد يدخل الغائب والشاهد في قياس شمول تحت قضية كلية الا ~~ولابد ان يشرك بينهما ويشبه احدهما بالآخر في ذلك # فقول القائل لو كان عظيما مشارا اليه لكان منقسما لانا لا نعلم عظيما الا ~~كذلك اولا نعقل عظيما الا كذلك هو كقوله لان كل عظيم فاذا اشرنا فيه إلى ~~نقظة فاما ان تكون هي ما فوقها وتحتها اولا تكون هي ذلك فانه من الموضعين ~~لابد ان يتصور عظيما مطلقا مشارا اليه ويشرك بين ms568 العظيم الشاهد المشار اليه ~~والعظيم الغائب المشار اليه في ذلك لكن قوله لا يعقل ابلغ من قوله لا نعلم ~~أو لم نشهد لان قوله لم نعلم أو لم نشهد انما ينفي ما قد علمه وشهده دون ما ~~لم يعلمه ويشهده بعد وقوله لا يعقل ينفي ان يكون معقولا في وقت من الاوقات ~~ومتى لم يعقل العظيم المشار اليه الا كذلك فالبرهان الشمولي انما هو بناء ~~على ما تصوره المستدل به وعقله من معنى العظيم المشار اليه فان فرضية ~~النقطة في ذلك العظيم المشار اليه وقوله اما ان تكون هي الاخرى اولا تكون ~~انما فرض ذلك وقدره فيما عقله وعلمه وارتسم في ذهنه وهو الذي يعقله من معنى ~~العظيم المشار اليه فان جاز ان يثبت الغائب على خلاف ما يعقل بطل هذا ~~البرهان وكان لمنازعه ان يثبت واحدا عظيما مشارا اليه منزها عن التركيب وان ~~كان ذلك على خلاف PageV02P074 ما يعقل من معنى العظيم المشار اليه وان كان ~~لا يثبت الغائب الا على ما يعقل من معنى العظيم المشار اليه بطلت مقدمة ~~الكتاب وبطل قوله باثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه وباثبات موجودين ~~ليس احدهما متصلا بالآخر ولا منفصلا عنه # وهذا كلام في غاية الانصاف لمن فهمه فإنا لم نقل ان هذا البرهان باطل لكن ~~قلنا صحة مثل هذا البرهان مستلزم صحة مذهب المنازع الذي يقول انه خارج ~~العالم ويمتنع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه فان كان البرهان صحيحا ~~صح قوله انه فوق العرش وان كان البرهان باطلا لم يدل على انه ليس فوق العرش # وهذا يتقرر بالوجه الحادي عشر وهو ان يقال ما قاله المنازع في مقدمة ~~الكتاب مثل قوله الانسان اذا تأمل في احوال الاجرام السفلية والعلوية وتأمل ~~في صفاتها فذلك له قانون فاذا اراد ان ينتقل منها إلى معرفة الربوبية وجب ~~ان يستحدث لنفسه فطرة اخرى ومنهجا آخر وعقلا آخر بخلاف العقل الذي اهتدى به ~~إلى معرفة الجسمانيات وتقريره لما ذكره عن معلم الصابئة المبدلين ms569 ارسطو حيث ~~قال من اراد ان يشرع من المعارف الالهية فليستحدث لنفسه فطرة اخرى # فيقال له قولك اذا اشرنا إلى نقطة لا تنقسم فاما ان يحصل فوقها شيء آخر ~~اولا يحصل هذا هو العقل الذي يهتدي به إلى معرفة الجسمانيات PageV02P075 ~~فان الكلام في النقطة والخط وما يتبع ذلك من علم الهندسة وهو متعلق بمقادير ~~الاجسام فان كان مثل هذا الدليل حقا في امر الربوبية بطلت تلك المقدمة التي ~~قررت فيها انه لا ينظر في الامور الالهية بالعقل الذي به تعرف الجسمانيات ~~واذا بطلت صح قول منازعك وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ممتنع ومتى ~~بطلت كان قول منازعك معلوما بالبديهة والفطرة الضرورية التي لا معارض لها ~~حيث لم يعلم فسادها الا اذا بطل حكم العقل الذي يه تعرف الجسمانيات في امر ~~الربوبية وان كان هذا الدليل لما انه متعلق بالجسمانيات لا يجوز الاستدلال ~~بمثله في امر الربوبية فقد بطل هذا الدليل ولم يكن لك طريق إلى فساد قول من ~~يقول انه فوق العالم وفوق العرش وانه مع ذلك ليس بمركب ولا مؤلف أو يقول ~~ليس بجسم كما ذكرنا القولين فيما تقدم # يوضع ذلك الوجه الثاني عشر وهو ان علوه وكونه فوق العرش هو صفة من صفاته ~~سبحانه وتعالى والعلم والقول في صفات الموصوف يتبع العلم والقول في ذاته ~~فان كان مثل هذا الدليل حجة في صفاته نفيا واثباتا كان حجة مثله حجة في ~~ذاته نفيا واثباتا لان العلم بالصفة بدون العلم بالموصوف محال # فاذا قال لو كان فوق العرش لكان منقسما مركبا مؤلفا فانما هوحكم على ذاته ~~بانها لا تكون فوق العرش الا اذا كانت منقسمه مركبة مؤلفة والعلم بذلك ليس ~~اظهر في العقل من العلم بانه اذا كان موجودا لم يكن الا داخل العالم أو ~~خارجه فان جميع ما ذكره من الحجج في معارضة قولهم اذا كان PageV02P076 ~~موجودا اما ان يكون داخل العالم واما ان يكون خارجه هو بعينه يقال في قوله ~~اذا كان فوق العرش مشارا اليه ms570 فاما ان يكون منقسما واما ان يكون حقيرا # بل تلك يقال فيها انا نعلم بالاضطرار انه فوق العالم ونعلم بالاضطرار انه ~~يمتنع ان يكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار اليه فهاتان قضيتان ~~معينتان ونعلم بالاضطرار ان الموجودين فاما ان يكون احدهما داخلا في الآخر ~~بحيث هو كالعرض في الجسم واما ان يكون مباينا عنه ونعلم بالاضطرار وجود ~~موجود لا يكون داخلا في الآخر ولا خارجا عنه بحال فهذان علمان عامان مطلقان # فان جاز دفع هذه بأن يقال حقيقة الرب على خلاف ما يعقل من الحقائق وامره ~~ثابت على حكم الحس والخيال فقول القائل اذا كان فوق العرش فاما ان يكون ~~منقسما مركبا واما ان يكون بقدر الجوهر الفرد اولى بالدفع بأن يقال حقيقة ~~الرب على خلاف ما يعقل من الحقائق وامره ثابت على خلاف حكم الحس والخيال ~~وكون الشيء الذي فوق غيره والذي يشار اليه بالحس لابد ان يكون منقسما أو ~~حقيرا هو من حكم الحس والخيال قطعا # يقرر ذلك الوجه الثالث عشر وهو انك وسائر الصفاتية تثبتون رؤية الرب ~~بالابصار كما تواترت بذلك النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم انك ~~وطائفة معك تقولون انه يرى لافي جهة ولا مقابلا للرائي ولا فوقه ولا في شيء ~~من جهاته الست وجمهور عقلاء بنى آدم من مثبتة الصفاتية ونفاتها يقولون ان ~~فساد هذا معلوم بالبديهة والحس ومن المعلوم ان كونه فوق العرش غير منقسم ~~ولا حقير اظهر في العقل من كونه مرئيا بالابصار لا في شيء من الجهات الست ~~فان هذا مبني PageV02P077 على اصلين كلاهما تدفعه بديهية العقل والفطرة ~~احدهما اثبات موجود لا في شيء من الجهات ولا داخل العالم ولا خارجه ولهذا ~~كان عامة السليمي الفطرة على انكار ذلك والثاني اثبات رؤية هذا بالابصار ~~فان هذا يخالفك فيه من وافقك على الاول فان كونه موجودا ايسر من كونه مرئيا ~~فاذا كنت تجوز رؤية شيء بالابصار لا مقابل للرائي ولا في شيء من جهاته الست ~~فكيف تنكر وجود ms571 موجود فوق العالم وليس بمركب ولا بجزء حقير وهو انما فيه ~~اثبات وجوده على خلاف الموجود المعتاد من بعض الوجوه وذاك فيه اثباته على ~~خلاف الموجود المعتاد من وجوه اعظم من ذلك # ودليل ذلك ان جميع فطر بني آدم السليمة تنكر ذلك اعظم من انكار هذا وان ~~المخالفين لك في ذلك اعظم من المخالفين لك في هذا فان كون الرب فوق العالم ~~اظهر في فطر الاولين والاخرين من كونه يرى بل العلم بالرؤية عند كثير من ~~المحققين انما هو سمعي محض اما العلم بأنه فوق العالم فانه فطري بديهي ~~معلوم بالادلة العقلية واما دلالة النصوص عليه فلا يحصيها الا الله # وما وقع في هذا من الغلط يكشفه الوجه الرابع عشر هو ان معرفة القلوب ~~واقرارها بفطرة الله التي فطرها عليها ان ربها فوق العالم ودلالة الكتاب ~~والسنة على ذلك وظهور ذلك في خاصة الامة وعامتها وكلام السلف في ذلك اعظم ~~من كونه تعالى يرى بالابصار يوم القيامة أو ان رؤيته بالابصار جائزه # ويشهد لهذا ان الجهمية اول ما ظهروا في الاسلام في اوائل المأة الثانية ~~وكان حقيقة قولهم في الباطن تعطيل هذه الصفات كلها كما ذكر ذلك الائمة لا ~~يصفونه الا بالسلوب المحضة التي لا تنطبق الا على المعدوم وقد ذكر هذا ~~المؤسس ان جهما ينفي الاسماء كلها ان تكون معانيها ثابتة لله تعالى ~~PageV02P078 وكانوا في الباطن ينكرون ان يرى أو ان يتكلم بالقرآن أو غيره ~~أو يكون فوق العرش أو ان يكون موصوفا بالصفات التي جاءت بها الكتب وعلمت ~~بدليل من الدلائل العقلية وغيرها لكن ما كانوا يظهرون من قولهم للناس الا ~~ما هو ابعد ان يكون معروفا مستيقنا من الدين عند العامة والخاصة واقرب إلى ~~ان يكون فيه شبهة ولهم فيه حجة ويكونون فيه اقل مخالفة لما يعلمه الناس من ~~الحجج الفطرية والشرعية والقياسية وغير ذلك # وهذا شأن كل من اراد ان يظهر خلاف ما عليه امة من الامم من الحق انما ~~يأتيهم بالاسهل الاقرب إلى موافقتهم فان ms572 شياطين الانس والجن لا يأتون ~~ابتداءا ينقضون الاصول العظيمة الظاهرة فانهم لا يتمكنون # ومما عليه العلماء ان مبدأ الرفض كان من الزنادقة المنافقين ومبدأ التجهم ~~كان من الزنادقة المنافقين بخلاف رأي الخوارج والقدرية فانه انما كان من ~~قوم فيهم ايمان لكن جهلوا وضلوا # ولهذا لما نبغت القرامطه الباطنية وهم يتظاهرون بالتجهم والرفض جميعا وهم ~~في الباطن من اعظم بني آدم كفرا والحادا حتى صار شعارهم الملاحدة عند الخاص ~~والعام وهم كافرون بما جاءت به الرسل مطلقا ومن اعظم الناس منافقة لجميع ~~الناس من اهل الملل المسلمين واليهود النصارى وغير اهل الملل وضعوا الرأي ~~الذي لهم والتدبير على سبع درجات سمو آخرها البلاغ الاكبر والناموس الاعظم ~~وكان من وصيتهم لدعاتهم ان المسلمين اذا اتيتهم فلا تأت هؤلاء الذين يقولون ~~الكتاب والسنة فانهم صعاب عليك لا يستجيبون لك PageV02P079 ولكن ائتهم من ~~جهة التشيع فاظهر الموالاة لآل محمد والتعظيم لهم والانتصار لهم والمعادات ~~لمن ظلمهم واذكر من ظلم الاولين لهم ما امكن فان ذلك يوجب ان يستجيب لك خلق ~~عظيم وبذلك يمكنك القدح في دينهم اخيرا ثم ذكر درجات دعوته درجة درجة كيف ~~تدرج الناس فيها بحسب استعدادهم وموافقتهم له ما يطول وصفه هنا # وانما الغرض التنبيه على ان دعاة الباطل المخالفين لما جاءت به الرسل ~~يتدرجون من الاسهل الاقرب إلى موافقة الناس إلى ان ينتهوا إلى هدم الدين ~~وهذا مما يفعله بعض اهل الحق ايضا في دعوة الناس إلى الحق شيئا بعد شيء ~~بحسب ما تقتضيه الشريعة وما يناسب حاله وحال اصحابه # واذا كان كذلك فالجهمية الذين كان باطن امرهم السلب والتعطيل لما نبغوا ~~لم يكونوا يظهرون للناس الا ما هو اقل انكارا عليهم فاظهروا القول بان ~~القرآن مخلوق واظهروا القول بأن الله لا يرى وكانت مسألة القرآن عندهم اقوى ~~ولهذا افسدوا من افسدوه من ولاة الامور في امارة أبي العباس الملقب ~~بالمأمون واخيه أبي اسحاق المعتصم والواثق جعلوا هذه PageV02P080 المسألة ~~مسألة يمتحنون بها الناس واظهروا ان مقصودهم انما هو توحيد الله ms573 وحده لانه ~~هو الخالق وكل ما سواه مخلوق وان من جعل شيئا ليس هو الله تعالى وقال انه ~~غير مخلوق فقد اشرك وقال بقول النصارى أو نحو ذلك فصار كثير ممن لم يعرف ~~حقيقة امرهم يظن ان هذا من الدين ومن تمام التوحيد فضلوا واضلوا وكانوا ~~يتظاهرون بأن الله لا يرى لكن لم يجعلوا هذه المسألة المحنة لانه لا يظهر ~~فيها من شبهة التوحيد للعامة ما يظهر في ان كل ما سوى الله مخلوق # وكان اهل العلم والايمان قد عرفوا باطن زندقتهم ونفاقهم وان المقصود ~~بقولهم ان القرآن مخلوق ان الله لا يكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول وبهذا ~~تتعطل سائر الصفات من العلم والسمع والبصر وسائر ما جاءت به الكتب الالهية ~~وفيه ايضا قدح في نفس الرسالة فان الرسل انما جاءت بتبليغ كلام الله فاذا ~~قدح في ان الله يتكلم كان ذلك قدحا في رسالة المرسلين فعلموا ان في ان باطن ~~ما جاؤا به قدح عظيم في كثير من اصلي الاسلام شهادة ان لا اله الا الله ~~وشهادة ان محمدا رسول الله # لكن كثيرا من الناس لا يعلمون ذلك كما ان كثيرا من الناس لا يعلم باطن ~~حال القرامطة لانهم انما يظهرون موالاة آل محمد صلى الله عليه وسلم ولا ريب ~~ان كل مؤمن يجب عليه ان يواليهم وان اظهروا شيئا من التشيع الباطل الذي ~~يوافقهم عليه الشيعة الذين ليسوا زنادقة ولا منافقين ولكن فيهم جهل وهوى ~~تلبس عليهم فيه بعض الحق كما ان هؤلاء الجهمية وافقهم من العلماء والامراء ~~في بعض ما يظهرونه من لم يكن من الزنادقة المنافقين لكن كان فيهم جهل وهوى ~~PageV02P081 # وقد قال الله تعالى في صفة المنافقين @QB@ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم @QE@ فاخبر الله ان ~~المنافقين لا يزيدون المؤمنين الا خبالا وانهم يوضعون خلالهم أي يبتغون ~~بينهم ويطلبون لهم الفتنة قال الله تعالى @QB@ وفيكم سماعون لهم @QE@ فاخبر ~~ان في المؤمنين من يستجيب للمنافقين ويقبل ms574 منهم فاذا كان هذا في عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان استجابة بعض المؤمنين لبعض المنافقين فيما بعده ~~اولى # ولهذا استجاب لهؤلاء الزنادقة المنافقين طوائف من المؤمنين في بعض ما ~~دعوهم اليه حتى اقاموا الفتنة وهذا موجود في الزنادقة الجهمية والزنادقة ~~الرافضة والزنادقة الجامعة للامرين واعظمهم القرامطة والمتفلسفة ونحوهم فإن ~~متقدمي الرافضة لم يكونوا جهمية بخلاف المستأخرين منهم فانه غلب عليهم ~~التجهم ايضا # ولهذا كانت الشيعة المتقدمون خيرا من الخوارج الذين قاتلهم امير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم واما كثير من مستأخري ~~الرافضة فقد صار شرا من الخوارج بكثير بل فيهم من هو من اعظم الناس نفاقا ~~بمنزلة المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو فوقهم ~~أو دونهم ولهذا قال البخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق الافعال ما ابالي ~~اصليت خلف الجهمي أو صليت خلف اليهودي والنصراني ولا يسلم عليهم ولا يعادون ~~ولا يناكحون ولا يشهدون ولا توكل ذبائحهم قال وقال عبد الرحمن بن مهدي هما ~~ملتان فاحذروهم الجهمية والرافضة PageV02P082 # اذا عرف ذلك فالجهمية اظهروا مسألة القرآن وانه مخلوق واظهروا ان الله لا ~~يرى في الآخرة ولم يكونوا يظهرون لعامة المؤمنين وعلمائهم انكار ان الله ~~فوق العرش وانه لا داخل العالم ولا خارجه وانما كان العلماء يعلمون هذا ~~منهم بالاستدلال والتوسم كما يعلم المنافقون في لحن القول قال تعالى @QB@ ~~ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول @QE@ # وهذا كما قال حماد بن زيد الامام الذي هو من اعظم ائمة الدين القرآن كلام ~~الله نزل به جبريل ما يحاولون الا ان ليس في السماء اله وقال ايضا سليمان ~~بن حرب سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال انما يحاولون ان يقولوا ~~ليس في السماء شيء وقال عباد بن العوام الواسطي كلمت بشر المريسي واصحاب ~~بشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي ان يقولوا ليس في السماء شيء وقال عبد الرحمن ~~بن مهدي ليس في اصحاب الاهواء اشر من اصحاب جهم ms575 يدورون على ان يقولوا ليس ~~في السماء شيء ارى والله ان لا يناكحوا ولا يوارثوا وقال ايضا اصحاب جهم ~~يريدون ان يقولوا ليس في السماء شيء وان الله ليس على العرش ارى ان ~~يستتابوا فان تابوا والا قتلوا وقال عاصم ابن علي بن عاصم ناظرت جهميا ~~فتبين من كلامه ان لا يؤمن ان في السماء ربا وقال علي بن عاصم مالذين قالوا ~~ان لله ولدا اكفر من الذين قالوا ان الله لا يتكلم وقال احذر من المريسي ~~واصحابه كلامهم أبو جاد الزندقة وانا كلمت استاذهم جهما فلم يثبت ان في ~~السماء الها هكذا وجدت هذا عنه في كتاب خلق الافعال للبخاري والاول رواه ~~ابن أبي حاتم عن عاصم بن علي PageV02P083 ابن عاصم في كتاب الرد على ~~الجهمية وكان اسماعيل بن أبي اويس يسميهم زنادقة العراق وقيل له سمعت احدا ~~يقول القرآن مخلوق فقال هؤلاء الزنادقة لقد فررت إلى اليمن حين تكلم أبو ~~العباس ببغداد فهذا فرارا من هذا الكلام وقال وكيع بن الجراح من كذب بحديث ~~اسماعيل عن قيس عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني قوله انكم سترون ~~ربكم كما ترون الشمس والقمر فهو جهمي فاحذروه قال وكيع ايضا لا تستخفوا ~~بقولهم القرآن مخلوق فانه من شر قولهم انما يذهبون إلى التعطيل وقال الحسن ~~بن موسى الاشيب وذكر الجهمية فنال منهم ثم قال ادخل رأس من رؤساء الزنادقة ~~يقال له سمعلة على المهدي فقال دلني على اصحابك فقال اصحابي اكثر من ذلك ~~فقال دلني عليهم فقال صنفان ممن ينتحل القبلة الجهمية والقدرية الجهمي اذا ~~غلا قال ليس ثم شيء واشار الاشيب إلى السماء والقدري اذا غلا قال هم اثنان ~~خالق خير وخالق شر فضرب عنقه وصلبه # ومثل هذا كثير في كلام السلف والائمة كانوا يردون ما اظهرته الجهمية من ~~نفي الرؤية وخلق القرآن ويذكرون ما تبطنه الجهمية مما هو اعظم من ذلك ان ~~الله ليس على العرش ويجعلون هذا منتهى قولهم وان ذلك تعطيل للصانع وجحود ~~للخالق ms576 اذ كانوا لا يتظاهرون بذلك بين المؤمنين كما كانوا يظهرون مسألة ~~الكلام والرؤية لانه قد استقر في قلوب المؤمنين بالفطرة PageV02P084 ~~الضرورية التي خلقوا عليها وبما جاءتهم به الرسل من البينات والهدى وبما ~~اتفق عليه اهل الايمان من ذلك ما لم يمكن الجهمية اظهار خلافه @QB@ ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ # فهذا يبين ان الاعتراف بان الله فوق العالم في العقل والدين اعظم بكثير ~~من الاعتراف بان الله يرى وان القرآن غير مخلوق # فاذا كان هؤلاء الشرذمة الذين فيهم من التجهم ما فيهم مثل الرازي وامثاله ~~يقرون بأن الله يرى كان اقرارهم بان الله فوق العالم اولى واحرى فانه لا ~~يرد على مسألة العلو سؤال الا ويرد على مسألة الرؤية ما هو اعظم منه # ولا يمكنهم ان يجيبوا لمن يناظرهم في مسألة الرؤية بجواب لا اجابوا لمن ~~يناظرهم في مسألة العرش بخير منه فان نفاة الرؤية قالوا في أحد حججهم ~~الواحد منا لا يرى الا ما كان مقابلا للرائي أو لآلة الرائي والله يستحيل ~~ان يكون كذلك فيستحيل ان يكون مرئيا لنا قالوا واحترزنا بقولنا أو لآلة ~~الرائي عن رؤية الانسان وجهه في المرآة اما المقدمة الاولى فهي من العلوم ~~الضرورية الحاصلة بالتجربة واما المقدمة الثانية فمتفق عليها لو صحت رؤيته ~~لوجبت رؤيته الآن لارتفاع موانع الرؤية وثبوت شروطها وهي صحة الحالة وحضور ~~طرفي وان لا يكون في غاية الصغر واللطافة ويكون مقابلا للرائي أو لآية ~~الرؤية PageV02P085 ولا تكون الحجب حاصلة وزعموا ان هذه الشروط متى وجدت ~~وجبت الرؤية واذا انتفى بعضها امتنعت الرؤية # قال الرازي وهاتان الطريقتان يعني حجة الموانع وحجة المقابلة عليها تعويل ~~المعتزلة في العقليات يعنى في مسألة نفي الرؤية لله تعالى # وقال في الجواب عن هذه الحجة من وجوه ثلاثة الاول ما بينا فيما مضى ان ~~المقابلة ليست شرطا لرؤيتنا لهذه الاشياء وابطلنا ما ذكروه من دعوى الضرورة ~~والاستدلال في هذا المقام الثاني ms577 سلمنا ان المقابلة شرط في صحة رؤيتنا لهذه ~~الاشياء فلم قلتم انها تكون شرطا في صحة رؤية الله تعالى فإن رؤية الله ~~تعالى بتقدير ثبوتها مخالفة لرؤية هذه الاشياء فلا يلزم من اشتراط نوع من ~~جنس اشتراط نوع آخر من ذلك الجنس بذلك الشرط الثالث سلمنا انه يستحيل كوننا ~~رآئين لله ولكنه لا يدل على انه لا يرى نفسه وانه في ذاته ليس بمرئي لا ~~يقال ليس في الامة أحد قال انه يصح ان يكون مرئيا مع انه يستحيل منا رؤيته ~~فيكون مردودا بالاجماع ولا نا نقول لا نسلم ان احدا من الامة لم يقل بذلك ~~فإن اصحاب المقالات قد حكوا ذلك عن جماعة # وهو قد ذكر قبل في مسألة كون الله سميعا بصيرا من دعوى الضرورة في هذه ~~الامور ومن مقابلة الدعوى بالمنع ما هو اعظم مما يكون في مسألة العرش # فان قيل هذا يبين ان مسألة العلو اظهر في الفطرة والشريعة من مسألة ~~الرؤية فلأي شيء هؤلاء اقروا بهذه وانكروا تلك # قيل سببه ان الجهمية كانت متظاهرة بدعوى خلق القرآن وانكار الرؤية ولم ~~تكن متظاهرة بانكار العلو كما تقدم فكان الذين يناظرونهم PageV02P086 من ~~متكلمة اثبات الصفة كأبي سعيد ابن كلاب وابي الحسن الاشعري واصحابهما فظهر ~~من مخالفتهم لهم في هاتين المسألتين بسبب ظهور الخلاف فيهما مالا يظهر فيما ~~يخفونه من المسائل ومع هذا فقد كان اولئك يخالفونهم ايضا في انكار ان الله ~~فوق العرش كما تقدم ذكره في كلامهم # لكن لم يأتوا في مناظرتهم بما يقطع مادة التجهم ويقلع عروقه بل سلموا لهم ~~بعض الاصول التي بنوا عليها التجهم ومباحثهم في سألة حدوث العالم والكلام ~~في الأجسام والأعرا وهو من الكلام الذي ذمه السلف والأئمة حتى قال محمد بن ~~خويز منداد أهل البدع والأهواء عند مالك واصحابه هم فكل متكلم في الاسلام ~~فهو من اهل البدع والاهواء اشعريا كان أو غير اشعري وذكر ابن خزيمة وغيره ~~ان الامام أحمد كان يحذر مما ابتدعه عبد الله بن سعيد بن ms578 كلاب وعن اصحابه ~~كالحارث وذلك لما علموه في كلامهم من المسائل والدلائل الفاسدة وان كان في ~~كلامهم من الادلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف ~~فانهم اقرب طوائف اهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث وهم يعدون من اهل ~~السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم بل هم اهل ~~السنة والجماعة في البلاد التي يكون اهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ~~ونحوهم # فلما كان الامر كذلك جاء بعض المتأخرين من اتباعهم فنظروا في الاصول التي ~~وافقوا فيها الجهمية واخذوا لوازمها وكان أبو المعالي الجويني كثير ~~المطالعة لكتب أبي هاشم بن أبي علي الجبائي وكان من اذكياء العالم وكان هو ~~أبو الحسن الاشعري كلاهما تلميذا لابي علي الجبائي لكن PageV02P087 الاشعري ~~رجع إلى مذهب اهل الاثبات الذين يثبتون الصفات والقدر ويثبتون خروج اهل ~~الكبائر من النار ولا يخرجون احدا من الايمان ولا يرون القتال في الفتنة ~~فناقض المعتزلة في اصولهم الخمس التي خالفوا بها اهل السنة والجماعة التي ~~يسمونها التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وانفاذ الوعيد والامر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر واما أبو هاشم فكان على هذه الاصول مع أبيه وان ~~كان يخالفه في كثير من المسائل # وكان أبو المعالي كثير المطالعة لكتب أبي هاشم فصار هو وغيره يقودون ~~الاصول التي وافق قدماؤهم فيها المعتزلة فرأوا ان من لوازمها نفي ان يكون ~~الله على العرش فتظاهروا بانكار ذلك موافقة للمعتزلة ولم يكن الخلاف في ذلك ~~مع المعتزلة من المسائل المشهورة لما قدمناه واما مسألة الرؤية والقرآن فهي ~~من شعائر المذهبين فجعلوا ينصبون الخلاف مع المعتزلة في مسألة الرؤية ~~ويسلمون لهم نفي علو الله على العرش وهذا عكس الواجب # ولهذا صارت المعتزلة تسخر منهم حتى يقول قائلهم من سلم ان الله ليس في ~~جهة وادعى مع ذلك انه يرى فقد اضحك الناس على عقله أو نحو هذا الكلام ولهذا ~~صار كثير مناظراتهم مع الفلاسفة والمعتزلة فيها من الضعف ما اطمع اولئك ~~فيهم وصاروا يفزعون منهم ويجبنون عنهم ويستطيلون ms579 على اخوانهم المؤمنين ~~وبسبب ما وقع من ذلك في اهل الايمان والسيف واهل العلم والقلم اديلت عليهم ~~الاعداء كما قال تعالى @QB@ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا @QE@ حتى ان بعض الاعيان الذي كان في ~~PageV02P088 باطنه ميل إلى الفلسفة والاعتزال ولا يتظاهر بذلك درس مسألة ~~الرؤية من جانب المثبتين وذكر حجتهم فيها ولا ريب ان ذلك يظهر من استطالة ~~المعتزلة عليهم ما يشفي به قلبه # ولهذا صار كثير من اهل العلم والحديث يصف اقوال هؤلاء بان فيها نفاقا ~~وتناقضا حيث يوافقون اهل السنة والجماعة على شيء من الحق ويخالفونهم فيما ~~هو اولى بالحق منهم ويفسرون ما يوافقون فيه بما يحيله عن حقيقته وهذا كله ~~لما وقع من الاشتباه عندهم في هذه المسائل ولما تعارض عندهم من الدلائل # والله هو المسئول ان يغفر لجميع المؤمنين ويصلح لهم امر الدينا والدين ~~انه على كل شيء قدير # وهذا القدر الذي يوجد في هؤلاء قد يوجد من جنسه في منازعيهم من اهل ~~الاثبات بحيث يعظم اهتمامهم لما ينازعون فيه اخوانهم الذين يوافقونهم في ~~اكثر الاثبات من دق مسائل القرآن والصفات وغير ذلك بحيث يوالون على ذلك ~~ويعادون عليه مع اعراضهم عمن هم ابعد من هؤلاء عن الحق والسنة حتى يفضي ~~بكثير منهم الجهل والظلم إلى ان يحب اولئك ويثني عليهم لما يرى فيهم من نوع ~~خير أو انه لا يبغضهم ولا يذمهم مع انه يبغض هؤلاء ويذمهم وهذا من جهله ~~بحقيقة احوال الناس ومراتب الحق عند الله ومن ظلمه حيث يكون غضبه لنفسه لما ~~يناله من اذى هؤلاء احيانا اعظم من غضبة لربه فيما فعله اولئك PageV02P089 ~~والدين انما يقوم بالعلم والعدل المضاد للجهل والظلم وبذلك انزل الله كتبه ~~وارسل رسله والله تعالى يؤلف بين قلوب عباده المؤمنين على ما يحبه ويرضاه # الوجه الخامس عشر قوله واعلم ان الحنابلة القائلين بالتركيب والتأليف ~~اسعد حالا من هؤلاء الكرامية وذلك لانهم اعترفوا بكونه مركبا من الاجزاء ~~والابعاض واما هؤلاء الكرامية فانهم ms580 زعموا انه يشار اليه بحسب الحس وزعموا ~~انه غير متناه ثم زعموا انه مع ذلك واحد لا يقبل القسمة فلا جرم صار قولهم ~~على خلاف بديهة العقل # يقال قولك عن الحنبلية انهم يقولون بالتأليف والتركيب ويعبرون بكونه ~~مركبا من الاجزاء والابعاض اتعنى به انهم يطلقون هذا اللفظ أم تعنى به انهم ~~يثبتون الصفات المستلزمة لهذا المعنى فان عنيت الاول فلم نعلم احدا من ~~الحنابلة يطلق هذا اللفظ كله وان كنت انت اطلعت على أحد منهم يقول هذا ~~اللفظ فهذا ممكن لكن يكون هؤلاء طائفة قليلة منهم والذي بلغنا من ذلك ان ~~لفظ البعض جاء في كلام طائقة من السلف من الصحابة والتابعين وهو مذكور في ~~كتب السنة جاء عن عبيد بن عمير من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه ورواه ~~عنه حماد بن سلمة وصرح به ورواه سفيان الثوري واظنه احتصر بعضه ورواه سفيان ~~بن عيينة فكنى عنه وكذلك في خبر مسألة رؤية محمد ربه شيء يشبة ذلك من كلام ~~عكرمة عن ابن عباس # ثم ذلك ليس مختصا بالحنابلة ولا هو فيهم اكثر منه في غيرهم بل يوجد في ~~الشافعية والمالكية والحنفية والصوفية واهل الحديث واهل الكلام من الامامية ~~وغيرهم من يطلق من هذه الالفاظ امورا لا يصل اليها أحد من الحنابلة فما من ~~نوع غلو يوجد في بعض الحنابلة الا ويوجد في غيرهم من الطوائف PageV02P090 ~~ما هو اكثر منه وهذا موجود في كتب المقالات وكتب السنة وكتب الكلام وفي ~~طوائف بني آدم المعروفين وقد تكلمنا على هذا في غير هذا الموضع # وبينا سبب ذلك ان الامام أحمد رضي الله عنه له من الكلام في اصول الدين ~~وتقرير ما جائت به السنة والشريعة في ذلك ما عليه جماعة المؤمنين واظهار ~~دلالة الكتاب والسنة والاجماع على ذلك والرد على اهل الاهواء والبدع ~~المخالفين للكتاب والسنة في ذلك اعظم مما لغيره لانه ابتلي بذلك اكثر مما ~~ابتلي به غيره ولانه اتصل اليه من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واصحابه ms581 وتابعيهم والائمة بعدهم اعظم مما اتصل إلى غيره فصار له من الصبر ~~واليقين الذين جعلهما الله سببا للامامة في الدين بقوله @QB@ وجعلنا منهم ~~أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ ما جعله الله له ~~من الامامة في اصول الدين السنية الشرعية ما انعم به عليه وفضله به # فاتباعه لا يمكنهم مع اظهار موافقتهم له من الانحراف ما يمكن غيرهم ممن ~~لم يجد لمتبوعه من النصوص في هذا الباب ما يصده عن مخالفته # ولهذا يوجد في غيرهم من الانحراف في طرفي النفي والاثبات في مسائل الصفات ~~والقدر والوعيد والامامة وغير ذلك اكثر مما يوجد فيهم وهذا معلوم ~~بالاستقراء # ولهذا ما زال كثير من ائمة الطوائف الفقهاء واهل الحديث والصوفية وان ~~كانوا في فروع الشريعة متبعين بعض ائمة المسلمين رضي الله عنهم اجمعين ~~PageV02P091 فانهم يقولون نحن في الاصول أو في السنة على مذهب أحمد بن حنبل ~~لا يقولون ذلك لاختصاص أحمد بقول لم يقله الائمة ولا طعنا في غيره من ~~الائمة بمخالفة السنة بل لانه اظهر من السنة التي اتفقت عليها الائمة قبله ~~اكثر مما اظهروه فظهر تأثير ذلك لوقوعه وقت الحاجة اليه وظهور المخالفين ~~للسنة وقلة انصار الحق واعوانه # حتى كانوا يشبهون قيامه بأمر الدين ومنعه من تحريف المبتدعين المشابهين ~~للمرتدين بأبي بكر يوم الردة وعمر يوم السقيفة وعثمان يوم الدار وعلي يوم ~~حروراء ونحو ذلك مما فيه تشبيه له بالخلفاء الراشدين فيما خلفت فيه الرسل ~~وقام فيه مقامهم وكذلك سائر أئمة الدين كل منهم يخلف الأنبياء بقدر ما قام ~~به من ميراثهم وما خلفهم فيه من دعوتهم والله يرضى عن جميع السابقين ~~الاولين والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين # وان كان يعنى بالتركيب والتأليف واعترافهم بالاجزاء والابعاض هو اثباتهم ~~للصفات التي ورد بها الكتاب والسنة مثل الوجه واليدين ونحو ذلك فهذا قول ~~جميع سلف الامة وائمتها وجميع المشهورين بلسان الصدق فيها من الفقهاء ~~والصوفية واهل الحديث وهو قول الصفاتية قاطبة من الكلابية والكرامية ~~والاشعرية وقد ذكر محمد بن الهيصم ms582 في كتاب جمل الكلام له هذه المسألة واثبت ~~صفة الوجه واليد # فقوله عن الكرامية انهم لا يثبتون ذلك ان اراد به بعضهم فلعله بكون ولا ~~ريب ان فيهم من يثبت هذه الصفات الخبرية كالوجه واليد التي يسميها هو ~~الجوارح والابعاض ويطلقون ايضا لفظ الجسم اما لفظا واما لفظا PageV02P092 ~~ومعنى واما الحنبلية فلا يعرف فيهم من يطلق هذا اللفظ لكن فيهم من ينفيه ~~وفيهم من لا ينفيه ولايثبته وهو الذي كان عليه الامام أحمد وسائر ائمة ~~السنة وان كانوا مع ذلك يثبتون ما جاءت به النصوص مما يسميه المنازعون ~~تجسيما وتشبيها بل يقولون اثبات هذه المعاني احق بمعنى التجسيم ممن يثبت ~~لفظه دون معناه # وكذلك قوله عن الكرامية انهم زعموا انه غير متناهي فهذا انما هو قول ~~بعضهم كما تقدم ذكره لذلك وان منهم من يقول هو متناهي ثم ان كلا من القولين ~~ليس من خصائص الكرامية بل النزاع في ذلك مشهور عن غيرهم وقد ذكرنا بعض ما ~~في ذلك من النزاع فيما ذكره الاشعري في المقالات # وكذلك قولهم لا يقبل القسمة هذا اللفظ قد يطلقه طوائف منهم ومن غيرهم وقد ~~لا يطلقه طوائف لما فيه من الاجمال والتناقض # فالذي يقال على الكرامية باثباتهم واحدا فوق العرش لا ينقسم يقال على ~~غيرهم ففي الطوائف الاربعة من الفقهاء كثير ممن يقول نحو ذلك وكذلك ابن ~~كلاب والاشعري وائمة اصحابه يقولون نحو ذلك فان كل من قال انه فوق العرش ~~وقال انه ليس بجسم أو اثبت له هذه الصفات التي وردت بها النصوص كالوجه ~~واليدين وقال مع ذلك انه جسم يرد عليه ذلك فانه يلزمه انه يشار اليه بحسب ~~الحس وائه واحد لا ينقسم هذه القسمة التي زعمها # ولهذا نجد في هذه الطوائف منازعة بعضهم لبعض في ذلك كما يوجد في اصحاب ~~أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد وكذلك يوجد في اصحاب الاشعري من يتنازعون ~~في ذلك فنفاة الجهة منهم يقولون ان ادلتهم وائمتهم الذين يقولون ~~PageV02P093 ان الله تعالى فوق العرش وانه ليس بجسم ms583 متناقضون وكذلك نفاة ~~الصفات الخبرية منهم يقولون ان مثبتيها مع نفي الجسم متناقضون ومثبتة العلو ~~والصفات الخبرية يقولون ان نفاة ذلك منهم متناقضون حيث اثبتوا ما هو عرض في ~~المخلوقات كالعلم والقدرة والحياة قالوا وليس هو بعرض في حق الخالق ولم ~~يثبتوا ما هو جسم في حق المخلوق كاليد والوجه ويقولوا ليس لجسم في حق ~~الخالق وكذلك اصحاب الامام أحمد فطائفة منهم كابن عقيل وصدقة بن الحسين ~~وابي الفرج بن الجوزي قد يقولون ان ابن حامد والقاضي أبا يعلي وابا الحسن ~~ابن الزاغوني ونحوهم متناقضون حيث ينفون الجسم ويثبتون هذه الصفات وجمهورهم ~~يقول بل هؤلاء هم المتناقضون الذين يثبتون الشيء تارة وينفونه اخرى كما هو ~~معروف من حالهم واجتماع النفي والاثبات في الشيء الواحد اعظم من اجتماعهما ~~في لوازمه وملزوماته فان كان كل منهما في وقتين فالاول اعظم وكذلك ان كانا ~~في وقت واحد واما ان كان الاول في وقتين والثاني في وقت واحد فهذا ابلغ من ~~وجه وهذا ابلغ من وجه ويقولون ان اولئك متناقضون حيث يسلمون بثبوت الصفات ~~التي هي فينا اعراض ويمنعون ثبوت الصفات التي هي فينا اجسام # الوجه السادس عشر قوله فلا جرم صار قول الكرامية على خلاف العقل يقال هذا ~~العقل الذي هذا على خلاف بديهته اما ان يكون PageV02P094 حكمه وشهادته في ~~الربوبية مقبولا أو مردودا فان لم يكن مقبولا لم يضر هؤلاء ولا غيرهم ~~مخالفته فانه يكون بمنزلة الشاهد الفاسق الذي قال الله فيه @QB@ إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ # وان كان حكمه وشهادته مقبولا كان هذا المنازع وموافقوه اعظم مخالفة له من ~~هؤلاء كما قد تقدم بيان ذلك واذا كان مخالفة قولهم لبديهة العقل اعظم من ~~قول هؤلاء لم يجب على هؤلاء ان يرجعوا عن القول الذي هو اقل مخالفة لبديهة ~~العقل إلى القول الذي هو اكثر مخالفة لبديهة العقل بل يكون الواجب على هذا ~~التقدير على الطائفتين الاعتراف بما في بديهة العقل فيعترفون جميعا بانه ~~فوق العالم ويمتنع ان يكون لا داخله ولا ms584 خارجه وحينئذ يكون مشارا اليه بحسب ~~الحس وحينئذ يكون فيه ما سماه تأليفا وانقساما وان لم يكن هو المعروف من ~~التأليف والانقسام فان المعروف من ذلك يجب تنزيه الله عنه كما نزه عنه نفسه ~~في سورة الاخلاص كما تقدم التنبيه عليه بقوله @QB@ الله الصمد @QE@ فان ~~الصمد فيه من معنى الاجتماع والقوة والسؤدد ما ينافي الانقسام والافتراق # الوجه السابع عشر انه ورد من جهة المنازع تشبيه بالمعدوم وذلك ان النفاة ~~كثيرا ما يصفون اهل الاثبات بالتشبيه والتجسيم الذي هو التأليف ومن المعلوم ~~انهم احق بالتشبيه الباطل حيث يشبهونه بالمعدومات والناقصات وهم يجمعون بين ~~التمثيل والتعطيل بين ما هو قول المشركين الذين هم بربهم يعدلون وقول ~~الكافرين الذين هم لربهم جاحدون # وذلك انهم يقولون ان كل ما هو عالم بعلم وقادر بقدرة وحي بحياة ونحو ذلك ~~فهو من جنس واحد وهو متماثل لانه متحيز والمتحيزات كلها متماثلة ويقولون ~~كلما هو فوق شيء فانه من جنس واحد متماثل لانه متحيز PageV02P095 ~~والمتحيزات متماثلة ويقولون كلما له سمع وبصر فهو من جنس واحد وهو متماثل ~~لانه من المتحيزات التي هي متماثلة وهذا قول الجهمية والمعتزلة وغيرهم # وقد سلك الرازي ذلك في قوله ان الاجسام متماثلة لكن قصده به نفي العلو ~~على العرش ونفي الصفات الخبرية # واما المعتزلة ونحوهم من الجهمية الذين ابتدعوا هذا القول اولا مقصودهم ~~به النفي المطلق وكل ذلك بناء على ان جعلوا لله عدلا وسميا وكفوا في كل ما ~~هو موصوف به حتى ان غاليتهم من الملاحدة والجهمية يقولون كلما يقال له حي ~~وعالم وقادر فهو جنس واحد متماثل هؤلاء جعلوا لله عدلا وسميا وكفوا وندا في ~~كل ماله من الاسماء والصفات حتى لزم من ذلك ان يكون كل جسم عدلا لله ومثلا ~~وكفوا حتى البقة والبعوضة وان يكون كل حي عدلا لله وكفوا وسميا وكل ذلك ~~بناء على ان كلما هو مسمى بهذه الاسم موصوف بهذه الصفات فانه جنس واحد ~~متماثل وهذا من اعظم العدل بالله وجعل الانداد لله # ثم انهم ms585 نفوا ذلك عن الله فجحدوه بالكلية فصاروا مشركين معطلين لهذا جوز ~~الاتحادية منهم عبادة كل شيء وجعلوا كل شيء عابدا ومعبودا وجوزا كل شرك في ~~العالم فجمعوا جميع ما عليه المشركون من الاقوال والافعال فهذا تمثيلهم ~~وعدلهم بالله واشراكهم به وتشبيههم اياه بخلقه فيما لله من صفات الاثبات # واما عدلهم وتمثيلهم فيما يصفونه به من السلوب فهم يعدلونه بالمعدوم تارة ~~وبالمنقوصات اخرى فانهم تارة يصفونه بالصفات السلبية التي لا تنطبق الا على ~~المعدوم فيكونون عادلين به المعدومات PageV02P096 # وقد قدمنا فيما مضى ان الله سبحانه لا يوصف بصفة سلب ان لم تتضمن معنى ~~ثبوتيا واما الصفة السلبية التي لا تتضمن ثبوتا فلا يوصف بها الا المعدوم ~~وبيناايضا ان كل صفة تصلح للمعدوم المحض فانها لا تصلح لله تعالى لان تلك ~~الصفة لا مدح فيها بحال اذ المعدوم المحض لا يمدح بحال وما ليس فيه مدح فان ~~الله لا يوصف به سبحانه وتعالى بل له الاسماء الحسنى والمثل الاعلى ولما ~~ذكرناه ايضا فيما تقدم # واما تمثيلهم له وعدلهم اياه بالمنقوصات القبيحات من المخلوقات فقولهم ~~انه لا يتكلم وان وصفوه بالكلام ظاهرا موافقة للمؤمنين فمعناه عندهم انه ~~خلف كلاما في غيره وكذلك قولهم انه ليس له سمع ولا بصر ولا قوة ولا حياة ~~ونحو ذلك # واذا كان كذلك ظهر ما ذكره من جهة المنازع فان المنازع قلب عليهم القضية ~~وقال اذا الزمتمونا انا نجعله كالجوهر الفرد فأنتم جعلتموه كالمعدوم وذلك ~~انه لما قال انه لا يمكن ان يكون غير منقسم ويكون في غاية الصغر لان ذلك ~~حقير وذلك على الله محال فقال المنازع أنتم قلتم لا يمكن الاحساس به ولا ~~الاشارة اليه بحال والذي لا يمكن الاحساس به ولا الاشارة اليه يكون ~~كالمعدوم فيكون اشد حقارة واذا جاز وصفكم بهذا فلم لا يجوز الاول وهو كلام ~~قوي جدا # والمنازع واصحابه يعلمون صحة هذا الكلام لانهم يقرون في مسألة الرؤية ان ~~كل موجود يجوز ان يحس بالحواس الخمس وملتزمون على ذلك ان الله يجوز ms586 ان يحس ~~به بالحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس وان PageV02P097 ما لا ~~يحس به بالحواس الخمس لا يكون الا معدوما فعامة السلف والصفاتية على ان ~~الله يمكن ان يشهد ويرى ويحس به واول من نفى امكان احساسه الجهم ابن صفوان ~~لما ناظره السمنية المشركون # الوجه الثامن عشر انه قال في الجواب اما قولهم الذي لا يحس ولا يشار اليه ~~اشد حقارة من الجزء الذي لا يتجزى قلنا كونه موصوفا بالحقارة انما يلزم لو ~~كان ذا حيز ومقدار حتى يقال انه اصغر من غيره اما اذا كان منزها عن الحيز ~~والمقدار فلم يلزم وصفه بالحقارة # يقال له هذه مصادرة على المطلوب فانك انت اثبتت تنزيهه عن الحيز بهذه ~~الحجة التي جعلت من مقدماتها انه ليس بحقير بقدر الجوهر الفرد فقيل لك مالا ~~يمكن الاشارة اليه واحساسه احقر من الجوهر الفرد وقد وصفته بذلك فلا يكون ~~وصفه بقدر الجوهر الفرد محالا على اصلك فقلت اما كونه موصوفا بالحقارة انما ~~يلزم اذا كان له حيز مقدار واما اذا كان منزها عن الحيز والمقدار فلم يحصل ~~بينه وبين غيره مناسبة فيقال لك الكلام انما هو في تنزيهه عن الحيز ~~والمقدار فانت تنفي ذلك ومنازعك يثبته وهو محل النزاع فاذا كان جوابك مبنيا ~~على محل النزاع كنت قد صادرت منازعك على المطلوب حتى حعلت المطلوب مقدمة في ~~اثبات نفسه والمقدمة لا بد ان تكون معلومة أو مسلمة فتكون قد طلبت من تسليم ~~الحكم قبل الدلالة عليه وادعيت علمه قبل حصول علمه وقد صادرته عليه وطلبت ~~منه ان يسلمه لك بلا حجة # وايضاح هذا ان العلم بكونه اذا وصقته بأنه لا يحس ولا يشار اليه ليس ~~بأحقر من الجوهر الفرد اما ان يقف على العلم بكونه ليس بذي حيز ومقدار أو ~~لا يتوقف PageV02P098 # فان توقف عليه لم يصح هذا الجواب حتى يثبت انه ليس بذي حيز ومقدار حتى ~~يتم الجواب عما اورد على الحجة فاذا كان جواب الحجة لا يتم حتى يثبت انه ~~ليس بذي ms587 حيز ولا مقدار ولا يثبت ذلك حتى يتم جواب الحجة لم يكن واحدا منهما ~~حتى يكون الاخر قبله وذلك دور ممتنع # وان كان العلم بكونه ليس احقر من الجوهر الفرد اذا وصف بأنه لا يحس ولا ~~يشار اليه لا يقف على العلم بانه ليس بذي حيز ومقدار لم يصح هذا الجواب وهو ~~قولك كونه موصوفا بالحقارة انما يلزم لو كان له حيز ومقدار حتى يقال انه ~~اصغر من غيره بل كان الجواب ان يقال لا يلزم ان يكون احقر من الجوهر الفرد ~~سواء قيل انه ذو حيز ومقدار أو لم يقل ذلك لكنه لو قال ذلك لظهر ان كلامه ~~باطل فانه يعلم بالحس والضرورة ان كل ما كان ذا حيز ومقدار قيل انه لا يحس ~~ولا يشار اليه فانه اصغر من الجوهر الفرد # ومما يوضح الامر في ذلك ان هذا السؤال الذي ذكره من جهة المنازع هو من ~~باب المعارضة فانه لما ذكر حجته على انه ليس بذي جهة بأن ذلك يستلزم ~~التركيب والحقارة قال له المعارض ما ذكرته من انه لا يمكن احساسه والاشارة ~~اليه يستلزم ان يكون معدوما وذلك ابلغ في الحقارة من الجوهر الفرد فقال له ~~قولك يستلزم من الحقارة اعظم مما الزمت به اهل الاثبات فاجاب عن المعارضة ~~بمنع الحكم وان صحته ملازمة لصحة قول المنازع وهذا من افسد الاجوبة فان ~~المعارض يقول لك بل هو عندي ذو حيز ومقدار فلم قلت انه ليس كذلك وهل النزاع ~~الا فيه وقولك اما اذا لم يكن ذا حيز ومقدار لم يلزم وصفه بالحقارة يقال لك ~~من الذي سلم لك ذلك وهل النزاع الا فيه وهذه الحجة التي ذكرتها انما اقمتها ~~على نفي ذلك وهي لا تتم الا بالجواب على PageV02P099 المعارضة فيكف تجيب عن ~~المعارضة المستلزمة لنقيض مذهبك بنفسك مذهبك وهل هذا الا بمنزلة ان يقدح ~~المعترض في دليلك بأنه يستلزم نقيض مذهبه # فان قيل هو لم يجب عن المعارضة بنفس مذهبه لكن قال صحة المعارضة مبنية ~~على نقيض ms588 مذهبه وهو لا يقول بذلك فهو يقول للمعترض ما لم تثبت نقيض قولي لا ~~تصح معارضتك وهو في هذا الباب في مقام المنع والمعترض يستدل وللمستدل الاول ~~ان يمنعه بعض المقدمات ويجعل سند منعه ان لا يقول بذلك فهو ذكر ذلك لابداء ~~سند المنع لا حجة للمنع فان المانع المطالب بالدليل ليس عليه حجة # فيقال المعترض لم يبن دليله على هذا بل ذكر ان ما لا يحس ولا يشار اليه ~~معدوم احقر من الجزء الذي لا يتجزى فادعيت ان هذا انما يلزم اذا كان منزها ~~عن الحيز والمقدار فلم يلزم وصفه بالحقارة فهذا الملزوم انما تقول انه لازم ~~لدليله ان دليله مستلزم لهذا فمتى صح دليله صح هذا فهذا القدر ينفعه ولا ~~يضره لانه يكون دليله حينئذ قد دل على شيئين على انك جعلته اصغر من الجوهر ~~الفرد وجعلته معدوما وانه ذو حيز ومقدار فيدل على صحة مذهبه وعلى ان مذهبك ~~يستلزم ان الله معدوم هذا باقراره ان دليله يستلزم صحة ذلك # وان قلت ان دليله يتوقف على صحة هذا بمعنى انه لم يثبت ان الله ذو حيز ~~ومقدار لم يثبت انه اذا كان لا يحس ولا يشار اليه انه اصغر من الجوهر الفرد ~~فهذا لم تثبته بل ادعيته دعوى ساذجة فلا تكون قد اجبت عن المعارضة وهو ~~المطلوب وذلك انه لا يسلم انا اذا علمنا ان الشيء لا يحس ولا يشار اليه لم ~~يعلم انه معدوم حتى يعلم قبل ذلك انه ذو حيز ومقدار بل قد يكون العلم بانه ~~ذو حيز ومقدار بعد ذلك أو قبله أو معه اذا كانا متلازمين PageV02P100 # وهذا لازم على اصلك واصل اصحابك لزوما قويا فانكم أنتم وسائر الصفاتية ~~تسلمون ان كل موجود فانه يمكن ان يحس وان الذي لا يمكن احساسه هو المعدوم ~~وكثير من اهل السنة والحديث يقولون بانه يلمس ايضا وأنتم تريدون انه يدرك ~~بالحواس الخمس وأنتم تثبتون هذا مثل اثبات انه ذو حيز ومقدار ولم يكن العلم ~~بذلك موقوفا على العلم ms589 بأنه ذو حيز ومقدار # واذا كنت قلت ان كونه موصوفا انه احقر من الجوهر الفرد فاذا كان لا يحس ~~ولا يشار اليه مستلزم ان يكون ذو حيز ومقدار وانت قلت هنا انه لا يحس ولا ~~يشار اليه فقد لزمك اما ان يكون معدوما أو يكون ذا حيز ومقدار واذا قلت انه ~~يحس بطل ما ذكرته هنا من انه لا يحس ولا يشار اليه # وهذا الذي يورده المنازع حق في النظر الصحيح في المناظرة العادلة فانه ~~يظهر به من تناقض منازعه وضعف حجته ما يدفعه به عنه ويظهر به من صحة حجته ~~ما ينفع الناظر والمناظر # وهذا يتقرر بالوجه الثامن عشر وهو ان هؤلاء المنازعين له الذين ينتصر لهم ~~المؤسس يقولون انه تجوز رؤيته بل يجوزون كونه مدركا بادراك اللمس بل يجوزون ~~كونه مدركا بغير ذلك من الحواس مع قولهم انه ليس فوق العرش ولا يمكن ان ~~يكون مشارا اليه بالحس ولا يمكن ان يحس به لا ريب انهم متناقضون في ذلك ~~غاية التناقض فإنه من المعلوم ان ادراك اللمس به ابعد من كونه مشارا اليه ~~بالحس أو كونه في جهة فان لمس الانسان قائما بذاته التي هي في جهة معينة ~~فادراكه الشيء بلمسه يقتضي من الاتصال به والملاصقة وكونه جهة PageV02P101 ~~من الملامس وغير ذلك مالا يقتضيه مجرد كونه ترفع اليه الايدي أو الاعين فان ~~من المعلوم انا نشير إلى كل شيء من الموجودات التي نراها ومع هذا فلا ~~يمكننا ان نلمس منها الا بعضها فاذا جاز كونه باللمس فلأن يجوز كونه مشارا ~~اليه باليد والعين اولى واحرى # وكذلك كلما يلمسه فلا يكون الا في جهة وكثيرا ما يكون الشيء في جهة ولا ~~يمكننا لمسه فكيف يجوز اثبات لمسه مع منع كونه في جهة اللامس هذا تناقض محض ~~بل هذا نفي الشيء مع اثبات ما هو ابلغ منه وتحريم الشيء مع استحلال ما اعظم ~~منه كما قال ابن عمر يستفتوني في دم البعوضة وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ~~صلى الله ms590 عليه وسلم بل كما قال تعالى @QB@ قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله @QE@ وهو بمنزلة من ~~يقول ان الله لا يرى ولكن يصافح ويعانق # وكذلك قولهم انه يرى وقولهم انه يتعلق به ادراك اللمس مع قولهم لا يمكن ~~ان يحس تناقض ظاهر واذا كان ذلك تناقضا منهم ومن المعلوم ان مسألة الرؤية ~~ثابتة بالنصوص المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وباجماع سلف ~~الامة وائمتها فتكون صحتها مستلزمة لكونه يحس وذلك مستلزم لبطلان ما قالوه ~~في هذه المسألة # فان قيل دليلهم العقلي في الرؤية ضعيف قيل لا نسلم انه ضعيف ثم ان كان ~~ضعيفا فليس هو بأضعف مما ذكروه في هذه المسألة فان كان اضعف ظهر تناقضهم في ~~النفي والاثبات في هاتين المسألتين # الوجه التاسع عشر انهم قد قرروا في هاتين المسألتين هنا وهناك ان ما يمكن ~~ان يشار اليه ويحس به يكون معدوما وقرر هناك ان كل موجود PageV02P102 فانه ~~يصح ان يرى وان يلمس فيحس به ويلمس الذي هو ابلغ من الاشارات الحسية وان ~~الله يصح ان يرى وان يتعلق به ادراك اللمس وان كل واحد من الرؤية واللمس ~~مشترك بين الجواهر والاعراض فيتعلق بالله تعالى وهذا يوجب ان يكون الله ~~يمكن ان يشار اليه ويمكن ان يحس به خلاف ما ذكره هنا كما تقدم وقرر هنا ان ~~ما كان كذلك فانه يكون ذا حيز ومقدار وانه يلزمه ان يكون منقسما مركبا ~~الانقسام والتركيب العقلي الذي الزم به مخالفة هنا وهذا يقتضي ان من لوازم ~~اصولهم التي هم معترفون بالاصل وبلازم الأصل لم يلزمهم اياه غيرهم بالدليل ~~بل هم اعترفوا به ان يكون الله له حيز ومقدار وانه مركب مؤلف له اجزاء ~~وابعاض وهذا هو الذي انكره في هذا الموضع وليس هذا من جنس ما يلزم الرجل ~~غيره شيئا بالحجة لكن هذا اقر بان الله سبحانه وتعالى موصوف بوصف واقر في ~~موضع آخر انه اذا كان موصوفا بذلك ms591 الوصف لزم ان يكون كذا وكذا فمجموع ~~الاقرارين اقر فيهما بما ذكرناه # الوجه العشرون انه اعترف هنا انه يكون اشد حقاره من الجوهر الفرد وان ~~يكون معدوما اذا كان ذا حيز ومقدار وقلنا انه لا يمكن ان يشار اليه ولا ~~يمكن ان يحس وقد ذكر هنا انه لا يمكن ان يشار ولا يمكن ان يحس به فلزم ان ~~يكون معدوما احقر من الجوهر الفرد ولا ريب ان هذا حقيقة قولهم وقد اعترف هو ~~بمقدمات ذلك لكن مفرقة لم يجمعها في موضع واحد اذ لو جمعها لم يخف عليه ~~وهذا شأن المبطل # الوجه الحادي والعشرون ان منازعه يقول قد ثبت بالفطرة الضرورية وبالضرورة ~~الشرعية واتفاق كل عاقل سليم الفطرة من البرية ان رب العالمين فوق خلقه وان ~~من قال انه ليس فوق السموات رب يعبد ولا هناك اله يصلي PageV02P103 له ~~ويسجد وانما هناك العدم المحض فانه جاحد لرب العالمين مالك يوم الدين فان ~~اعتقد انه مقر به وهذا يقتضي كما قلت انه ذو حيز ومقدار وكلما كان ذا حيز ~~ومقدار وهو لا يمكن الاشارة الحسية اليه ولا يمكن الاحساس به فانه معدوم ~~كما اعترف به وكما هو معروف في الفطر وهو احقر من الجوهر الفرد بلا ريب ~~فثبت ان قولك يستلزم ان الباري معدوم وانه احقر من الجوهر الفرد وهذا مما ~~اتفق علماء السلف وائمة الدين ان قول الجهمية انه ليس فوق العرش ولا داخل ~~العالم ولا خارجه يتضمن انه معدوم لا حقيقة له ولا وجود قد صرحوا بذلك في ~~غير موضع وكذلك هو في جميع الفطر السليمة # وان اردت ان تلزمه عدمه من غير بناء على المقدار فيقال # الوجه الثاني والعشرون انه اذا عرض على الفطر السليمة التي لم تتقلد ~~مذهبا تتعصب له شيء لا يكون داخل العالم ولا خارجه ولا يمكن ان يشار اليه ~~ولا يمكن ان يحس به ولا هو في شيء من الجهات الست فان الفطرة تقضي بأن هذا ~~لا يكون موجودا لان يكون معدوما وهذا قبل ms592 ان يخطر بفكر الانسان الحيز ~~والمقدار نفيا واثباتا ثم بعد ذلك اذا علم ان الموجود أو ان هذا لايكون الا ~~ذا حيز ومقدار كان ذلك لانها آخر يقرر مذهب المنازع لهذا المؤسس # الوجه الثالث والعشرون ان المنازعين له في مسألة الرؤية قالوا لهم ما ~~ذكرتموه من الحجة يقتضي كون الباري مدركا بادراك اللمس وذلك لانا من حيث ~~اللمس نميز بين الطويل والاطول كما اننا نميز من حيث البصر الطويل والاطول ~~فان اقتضى ذلك كون الاجسام مرئية اقتضى ان تكون ملموسة PageV02P104 ولا شك ~~انا ندرك من حيث اللمس الفرق بين الحرارة والبرودة فان ادراك اللمس معلق ~~بالاجسام والاعراض فيعود ما ذكرتموه في الرؤية بتمامه في اللمس فيلزمكم ~~تعلق اللمس للباري تعالى وانه باطل بالضرورة # وقال في الجواب ان اصحابنا التزموا ذلك ولا طريق الا ذلك # وقال ايضا قولهم لو كان الوجود علة لصحة رؤية الحقائق لصح منا رؤية ~~الطعوم والعلوم وذلك معلوم الفساد بالضرورة قلنا دعوى الضرورة في محل ~~الخلاف غير مقبولة # وذكر ايضا ان المخالفين له في مسألة الرؤية يدعون العلم الضروري بوجوب ~~الرؤية عند الشروط النهائية وامتناعها عند عدمها وهو ما اذا كانت الحاسة ~~سليمة والمرئي حاضرا ولا يكون على القرب القريب ولا على البعد البعيد ولا ~~يكون متغيرا جدا ولا لطيفا ولا يكون بين المرئي والرائي حجب كثيفة وكان ~~المرئي مقابلا للرائي أو في حكم المقابلة فتارة يدعون ان ذلك العلم الضروري ~~حاصل للعقلاء بعد الاختبار ولا حاجة فيه إلى ضرب الامثال وتارة يثبتون ~~بالاستدلال ان ذلك معلوم بالضرورة # وقال في الجواب اما دعوى العلم الضروري بحصول الادراك عند حضور هذه ~~الامور فلا نزاع فيه واما العلم الضروري بعدمه عند عدمها ففيه كل النزاع # قال فإن زعمت انا مكابرون في هذا الانكار حلفنا بالايمان المغلظة انا لما ~~رجعنا إلى انفسنا لم نجد العلم بذلك اكثر من العلم باستمرار الامور العادية ~~التي توافقنا على جواز تغيرها عن مجاريها فان الانسان كما يستبعد ان يأخذ ~~الحديدة المحماة بيده ولا يجد ms593 حرارتها فكذلك يستبعد ان يذهب إلى جيحون فيجد ~~ماءه بالكلية دما أو عسلا ويرى شخصا شابا قويا مع ان ذلك الشخص حدث ~~PageV02P105 في تلك اللحظة من غير اب وام على ذلك الوجه ويرى طفلا رضيعا مع ~~ان ذلك الطفل كان مولودا قبل ذلك بمأة الف سنة على ذلك الحال وليس استبعاد ~~ما ذكروه بأقوى من هذه الامور استبعادا مع ان شيئا من ذلك ليس بممتنع وكذا ~~فيما ذكروه # قال واعلم ان تجويز اخراق العادات لازم على الفلاسفة أو المسلمين ~~والمتكلمين وبين ذلك إلى ان قال فليس لابي الحسن الا دعوى الضرورة في اول ~~المسألة وليس لنا في مقابلتها الا المنع # فاذا كان هذه ثلاث قضايا ادعى منازعوه فيها العلم الضروري وهو يثبتها ~~لاثبات رؤية موجود لا داخل العالم ولا خارجه كيف ينكر على منازعه فيما ~~ادعاه من العلم البديهي بأن الموجود اذا كان خارج العالم لم يكن الا منقسما ~~أو حقيرا مع ان هذا اظهر بوجوه $ فصل # قال الرازي البرهان الثاني في بيان انه يمتنع ان يكون مختصا بالحيز ~~والجهة وذلك انه لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان محتاجا في وجوده إلى ذلك ~~الحيز وتلك الجهة وذلك محال فكونه في الحيز والجهة محال بيان الملازمة ان ~~الحيز والجهة امر موجود والدليل عليه وجوه # احدها ان الاحياز الفوقانية مخالفة في الحقيقة والماهية للاحياز ~~التحتانية بدليل انهم قالوا يجب ان يكون الله مختصا بجهة فوق ويمتنع حصوله ~~في سائر الجهات والاحياز يعني التحت واليمين واليسار ولولا كونها مختلفة في ~~الحقائق والماهيات لا متنع القول بأنه يجب حصوله تعالى في جهة الفوق ويمتنع ~~PageV02P106 حصوله في سائر الجهات واذا ثبت ان هذه الاحياز مختلفة في ~~الماهيات وجب كونها امورا موجودة لان العدم المحض يمتنع كونه كذلك # الثاني هو ان الجهات مختلفة بحسب الاشارات فان جهة الفوق متميزة عن جهة ~~التحت في الاشارة والعدم المحض والنفي الصرف يمتنع تميز بعضه عن بعض في ~~الاشارة الحسية # الثالث ان الجوهر اذا انتقل من حيز إلى حيز فالمتروك ms594 مغاير لا محالة ~~للمطلوب والمتنقل عنه مغيرا للمنتقل اليه فثبت بهذه الوجوه الثلاثة ان ~~الحيز والجهة امر موجود ثم ان المسمى بالحيز والجهة امر مستغن في وجوده عما ~~يتمكن ويستقر فيه واما الذي كون مختصا بالحيز والجهة فانه يكون مفتقرا إلى ~~الحيز والجهة فان الشيء المرئي الذي يمكن حصوله لا مختصا بالجهة فثبت انه ~~تعالى لو كان مختصا بالجهة والحيز لكان مفتقرا في وجوده إلى الغير وانما ~~قلنا ان ذلك محال لوجوه # الاول ان المفتقر في وجوده إلى الغير يكون في وجوده يحيث يلزم من عدم ذلك ~~الغير عدمه وكل ما كان كذلك كان ممكنا لذاته وكل ذلك في حق واجب الوجود ~~محال # الثاني ان المسمى بالحيز والجهة امر متركب من الاجزاء والابعاض لما بينا ~~انه يمكن تقديره بالذراع والشبر ويمكن وصفه بالزائد والناقص وكلما كان كذلك ~~كان مفتقرا إلى غيره والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته فالشيء المسمى بالحيز ~~والجهة ممكن لذاته فلو كان الله مفتقرا اليه لكان مفتقرا إلى الممكن ~~والمفتقر إلى الممكن اولى ان يكون ممكنا لذاته فالواجب لذاته ممكن لذاته ~~وهو محال PageV02P107 # الثالث لو كان الباري ازلا وابدا مختصا بالحيز والجهة لكان الحيز والجهة ~~موجودا في الازل فيلزم اثبات قديم غير الله وذلك محال باجماع المسلمين فثبت ~~بهذه الوجوه انه لو كان في الحيز والجهة يلزم هذه المحذورات فيلزم امتناع ~~كونه في الحيز والجهة # فان قيل لا معنى لكونه مختصا بالحيز والجهة الا كونه مباينا عن العالم ~~منفردا عنه ممتازا عنه وكونه تعالى كذلك لا يقتضي وجود امر آخر سوى ذات ~~الله تعالى فبطل قولكم لو كان تعالى في الجهة لكان مفتقرا إلى الغير والذي ~~يدل على صحة ما ذكرناه ان العالم لا نزاع في انه مختص بالحيز والجهة وكونه ~~مختصا بالحيز والجهة لا معنى له إلا كون البعض منفردا عن البعض ممتازا عنه ~~وإذا عقلنا هذا المعنى هاهنا فلم لا يجوز مثله في كون الله تعالى مختصا ~~بالحيز والجهة # الجواب اما قوله الحيز والجهة ليس امرا ms595 موجودا فجوابه انا قد بينا ~~بالبراهين القاطعة انها اشياء موجودة وبعد قيام البراهين على صحته لا يبقى ~~في صحته شك # واما قوله المراد من كونه مختصا بالحيز كونه منفردا عن العالم أو ممتازا ~~عنه أو مباينا عنه قلنا هذه الالفاظ كلها مجملة فان الانفراد والامتياز ~~والمباينة قد تذكر ويراد بها المخالفة في الحقيقة والماهية وذلك مما لا ~~نزاع فيه ولكنه لا يقتضي الجهة والدليل على ذلك هو ان حقيقة ذات الله تعالى ~~مخالفة لحقيقة الحيز والجهة وهذه المخالفة والمباينة ليست بالجهة فان ~~امتياز ذات الله تعالى عن الجهة لا تكون بجهة اخرى والا لزم التسلسل وقد ~~تذكر هذه الالفاظ ويراد بها الامتياز في الجهة وهو كون الشيء بحث يصح ان ~~يشار اليه بأنه ها هنا PageV02P108 او هناك وهذا هو مراد الخصم من قولهم ~~انه تعالى مباين عن العالم أو منفرد عنه وممتاز عنه الا انا بينا بالبراهين ~~القاطعة ان هذا يقتضي كون ذلك الحيز امرا موجودا ويقتضي ان المتحيز محتاج ~~إلى الحيز # قوله الاجسام حاصلة في الاحياز فنقول غاية ما في الباب ان يقال الاجسام ~~تحتاج إلى شيء آخر وهذا غير ممتنع اما كونه تعالى محتاجا في وجوده إلى شيء ~~آخر فممتنع فظهر الفرق # يقال هذه الحجة وغيرها من الحجج كلها مبنية على ان القول بكونه فوق العرش ~~يستلزم ان يكون متحيزا كما قدمه في الحجة الاولى فقد تقدم ان هذا فيه نزاع ~~مشهور بين الناس من مثبتة الصفات ونفاتها فان كثيرا من الصفاتية من ~~الكلابية والاشعرية وغيرهم من الفقهاء والصوفية واهل الحديث يقولون ليس ~~بجسم وهو فوق العرش وقد يقولون ليس بمتحيز وهو فوق العرش اذا كان المراد ~~بالمتحيز الجسم أو الجوهر الفرد وكثيرا منهم من الكرامية والشيعة والفقهاء ~~والصوفية واهل الحديث يقولون هو فوق العرش وهو جسم وهو متحيز ولكن منهم من ~~يقول ليس بمركب ولا منقسم ولا ذي اجزاء وابعاض ومنهم من يقول لا ينفي ذلك # واما سلف الامة وائمتها ومن اتبعهم فالفاظهم فيها انه فوق العرش ms596 وفيها ~~اثبات الصفات الخبرية التي يعبر هؤلاء المتكلمون عنها بأنها ابعاض وانها ~~تقتضي التركيب والانقسام وقد ثبت عن ائمة السلف انهم قالوا لله حد وان ذلك ~~لا يعلمه غيره وانه مباين لخلقه وفي ذلك لاهل الحديث والسنة مصنفات وهذا هو ~~معنى التحيز عند من تكلم به من الاولين فإن هؤلاء كثيرا ما يكون ~~PageV02P109 النزاع بينهم لفظيا لكن اهل السنة والحديث فيهم رعاية لالفاظ ~~النصوص والفاظ السلف وكثير من مبتغي ذلك يؤمن بألفاظ لا يفهم معناها وقد ~~يؤمن بلفظ ويكذب بمعنى آخر غايته ان يكون فيه بعض معنى اللفظ الذي آمن به ~~ولهذا يطعن كثر من اهل الكلام في نحو هؤلاء الذين يتكلمون بألفاظ متناقضة ~~لا يفهمون التناقض فيها لكن وجود هذا وامثاله في اهل الكلام اكثر منه في ~~اهل الحديث باضعاف مضاعفة كما قد بيناه في غير هذا الكتاب # واذا كان كذلك فالجواب عن هذه الحجة وامثالها مبين على مقامين # المقام الاول مقام من يقول انه نفسه تعالى فوق العرش ويقول انه بيس بجسم ~~ولا متحيز كما يقول ذلك ابن كلاب والاشعري وكثير من الصفاتية فقهائهم ~~ومحدثيهم وصوفيتهم وهو كثير فيهم فاش ظاهر منتشر والمنازعون لهم في وكونه ~~فوق العرش كالرازي ومتأخري الاشعرية وكالمعتزلة يدعون ان هذا تناقض مخالف ~~للضرورة العقلية وقد تكلمنا بين الطائفتين فيما تقدم بما ينبه على حقيقة ~~الامر وتبين ان الاولين اعظم مخالفة للضرورة العقلية واعظم تناقضا من هؤلاء ~~وان هؤلاء لا يسع احدهم في نظره ولا مناظرته ان يوافق اولئك على ما سلكوه ~~من النفي فرارا مما الرموه اياه من التناقض لانه يكون كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار فيكون الذي وقع فيه من التناقض ومخالفة الفطرة الضرورية العقلية ~~اعظم مما فر منه مع ما في ذلك من مخالفة القرآن والسنة وما اتفق عليه سلف ~~الامة وان كان قد يضطر إلى نوع PageV02P110 باطل في الأول فإنه بمنزلة قول ~~الواقف في الرمضاء أنا أجد حرارتها وألمها فيقال له النار التي فررت إليها ~~أعظم حرارة وألما وأن كنت لا ms597 تجدها حين وقوفك على الرمضاء بل تجدها حين ~~تباشرها فيكون قد فر من نوع تناقض و خلاف بعض الضرورة فوقع في انواع من ~~التناقضات و مخالفة الضرورات و بقي ما امتاز به الاول في كلامه من الزندقه ~~و الالحاد و مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى و اتباع غير سبيل ~~المؤمنين زيادة على ذلك و لهذا كان في هؤلاء المثبته ممن له في الامه من ~~الثناء و لسان الصدق ما ليس لمن هو من اولئك وان كان قد يذمه من يذمه من ~~وجه اخر فليس الغرض بيان صوابهم مطلقا و لكن بيان ان طريقهم اقل خطا و طريق ~~الاولين اعظم ضلاله فهذا أحد المقامين و قد تقدم بيانه فلا نعيده # واما المقام الثاني فهو مقام من يسلم له انه فوق العرش وهو متحيز و له حد ~~و نهايه و يطلق عليه ايضا لفظ الجهه فان اهل الإثبات متنازعون في اثبات لفظ ~~الجهه وفي ذلك نزاع بين اصحاب الإمام أحمد وغيرهم كما أنهم متنازعون في إسم ~~الحد أيضا وفي نزاع بين أصحاب الإمام أحمد وغيرهم فنقول وعلى هذا التقدير ~~فالكلام على هذا من وجوه # الأول أن كلام هذا وغيره في الحيز هل هو أمر وجودي أو عدمي أو أضافي ~~مضطرب متناقض فإنه وإن كان قد قرر هنا أنه وجودي فقد قرر في غير هذا الموضع ~~أنه عدمي ويكفي نقض كلامه بكلامه فإنا قد إعتمدنا هذا مرات فإن هذا موجود ~~في عامة هؤلاء تحقيقا لقوله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ بخلاف الحق الذي يصدق بعضه بعضا PageV02P111 فقد ذكر في ~~البرهان الرابع بعد هذا نقيض هذا فقال # الوجه الربع أنا نعلم بالضرورة أن الأحياز بأسرها متساوية لأنها فراغ محض ~~وخلاء صرف وإذا كانت بأسرها متساويا فيكون حكمها واحدا وذلك يمنع من القول ~~واجب الإختصاص ببعض الأحياز على التعيين وقال فإن قيل لم لا يجوز أن يكون ~~أختصاصه بجهة فوق أولى قلنا هذا باطل لوجهين أحدهما ms598 أنه قبل خلق العالم ما ~~كان إلا الخلاء الصرف والعدم المحض فلم يكن هناك فوق ولا تحت الثاني أنه لو ~~كان الفوق متميزا عن التحت بالتميز الذاتي لكانت أمورا موجودة قابلة ~~للأنقسام وذلك يقتضي قدم الجسم لأنه لا معنى للجسم إلا ذلك # فهذا تصريح بأنها مختلفة في الحقائق وأنها خلاء صرف وفراغ محض وهذا يناقض ~~ما ذكره هنا ومن لم يكن لسانه وراء قلبه كان كلامه كثير التقلب والتناقض # وذكر في نهايته في مسألة حدوث العالم لما ذكر نزاع المازع في أن الكون ~~والحصول في الحيز أمر زائدا على ذات الجسم وذكر اسولتهم على دليله ثم قال ~~وإن سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على أن الحصول في الحيز زائد على ذات الجسم ~~لكن معنا ما يدل على نفي ذلك وهو أمور ثلاثة # الأول وهو أن الحصول أمر نسبي والأمور النسبية تستدعي وجود أمرين لتتحقق ~~بينهما تلك النسبة فلو كان الحصول في الحيز أمرا ثبوتيا للزم ان يكون الحيز ~~أمرا ثبوتيا وهو باطل لأنه لو كان موجودا لكان أما أن يكون حالا ~~PageV02P112 في الجسم أولا يكون حالا فيه فإن كان حالا في الجسم لم يكن ~~الجسم حالا فيه فلا حيزا للجسم وإن لم يكن حالا فيه فأما أن يكون ذا حيز ~~أولا يكون والأول يقتضي التسلسل ثم ذكر # الثاني والثالث وليس هذا ذكر موضوعها ثم أنه في الجواب سلم أن الحيز ليس ~~أمرا وجوديا وأجاب عما ذكروه فقال قوله الحصول في الحيز أمر نسبي فوجوده في ~~الخارج يستدعي وجود الحيز في الخارج قلنا هذا باطل بالعلم فإنه نسبة أو ذو ~~نسبة بين العالم والمعلوم ثم أنا نعلم به المحالات ولا وجود لها في أنفسها ~~مع أن النسبة المسماة بالعلم حاصلة موجودة فعلمنا أن وجود النسبة لا يقتضي ~~وجود كل واحد في المنتسبين # وقال في نهايته في آخر هذه الطريقة وأعلم أن هذه الطريقة مبنية على جواز ~~خروج كل جسم عن حيزه وقد دللنا على ذلك بما مر ويمكن أن يستدل عليه ms599 بوجوه ~~أخر منها أن نقول لووجب حصول جسمين في حيز لكان الحيز الذي حصل فيه الجسم ~~الآخر إما أن يكون مخالفا للحيز الأول أولا يكون فأن كان مخالفا له كان ~~أمرا ثبوتيا لأن العدم الصرف والنفي المحض لا يتصور فيه الإختلاف لأن ~~المعقول في الإختلاف ان تكون حقيقة غير قائمة مقام الحقيقة الأخرى وذلك ~~يستدعي حقائق متعينة في أنفسها وذلك في العدم محال ولما بطل ذلك ثبت ان ~~الأحياز لو كانت متخالفة لكانت أمورا وجودية وهي ان يكون مشارا إليها أو لا ~~يكون والقسم الأول على قسمين إما أن تكون حالة في الأجسام فحينئذ يستحيل ~~حصول الجسم فيها وإلا لزم الدور أو لا تكون حالة في الأجسام مع أنه يمكن ~~الإشارة إليها وذلك وهو المتحيز فيكون الحيز متحيزا وكل متحيز فله حيز ~~وللحيز حيز آخر ولزم التسلسل PageV02P113 وإن لم يكن الحيز مشارا إليه ~~إستحال حصول الجسم المشار إليه فيه قال فثبت أن الحيز نفي محض وأنه إذا كان ~~كذلك إستحال أن يخالف حيزا # وقال أيضا في نهايته في الحجة الثانية على حدوث العالم وهو أنه ممكن وكل ~~ممكن محدث وقرر إمكانه بوجوه منها الكلام الذي حكيناه عنه قبل هذا في تقرير ~~أن واجب الوجود لا يقال ينفى في ضمن الكلام على حجته على نفي الجسم وكون كل ~~حيز هل يكون واجب الوجود أم لا فهي طريقة الفلاسفة التي قررها واستضعفها ~~وفي ضمنها سؤال أورده وهو أنا لا نسلم أن الوجود أمر ثبوتي فيقال في الجواب ~~قوله لا نسلم أن الوجود أمر ثبوتي قلنا يدل عليه أمران وذكر أحدهما قم قال ~~الثاني أن المعقول في الوجوب إستحقاق الوجود والعلم الضروري حاصل فإن ~~إستحقاق الوجود وصف ثبوتي كما أن العلم الضروري حاصل فإن حصول الجسم في ~~الجهة أمر ثبوتي بل ها هنا أولى لأن حصول الجسم بالجهة عبارة عن إنتساب ~~مخصوص للجسم إلى الجهة والجهة امر تقديري لا وجود له فإذا كان العلم ~~الضروري حاصلا هناك مع هذا الإشكال فها هنا مع ms600 عدم ذلك الاشكال أولى # وقال أيضا في نهايته في مسألة الجهة بعينها ما سنذكره في آخر هذه الحجج ~~وهو قوله لو كان الله حاصلا في الحيز لكان إما أن يكون واجبا أو غير واجب ~~والأول باطل إذ لو صح حصوله في ذلك الحيز وامتنع حصوله في سائر الأحياز كان ~~حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة سائر هذه الأحياز ولو كان كذلك لكانت ~~الأحياز امورا وجودية لأن العدم الصرف يستحيل أن يخالف بعضه بعضا ولو كانت ~~الأحياز أمورا وجودية لكان إما أن تمكن الإشارة الحسية إليها أولا يمكن فإن ~~أمكن فذلك الشيء إما أن يكون منقسما فيكون الباري الحال فيه منقسما أو لا ~~يكون منقسما فيكون ذلك الشيء PageV02P114 مختصا بجهة دون جهة فيكون للحيز ~~حيزا آخر ويلزم التسلسل وإن لم يمكن الإشارة الحسية اليه أي الحيز الذي حصل ~~الباري فيه وجب إستحاله الأشارة الحسية أم لا فهي طريقة الفلاسفة الإشارة ~~الحسية إلى جهته إستحالت الإشارة الحسية إليه وكذلك قال في التأسيس في هذه ~~الحجة # الوجه الثاني أن يقال لا نسلم أن كلما يسمي حيزا وجهة فهو أمر وجودي بل ~~قد يقال إن المسمى بالجهة والحيز منه ما يكون وجديا وهو الأمكنة الوجودية ~~مثل داخل العالم فإن الشمس والقمر والأفلاك والأرض والحجر والشجر ونحو هذه ~~الأشياء كلها في أحياز وجودية ولها جهات وجودية وهو ما فوقها وما تحتها ~~ونحو ذلك ومنه ما يكون عدميا مثل ما وراء العالم فإن العالم إذا قيل إنه في ~~حيز أو وجهة فليس هو في جهة وجودية وحيز وجودي لأن ذلك الوجودي هو العالم ~~أيضا والكلام في جهة جميع المخلوقات وحيزها ولأن ذلك يفضي إلى التسلسل وهو ~~لم يقم دليلا على أن كل ما يسمي حيزا وجهة فهو أمر وجودي وإذا لم يثبت ذلك ~~لم يجب أن يقال أن الباري إذا كان في حيز وجهة كان في أمر وجودي وذلك لأن ~~الأدلة التي ذكرها إنما تدل لو دلت على وجود تلك الأمور المعينة المسماة ~~بالحيز والجهة فلم قلت ms601 إن كل ما سمي بالحيز أو الجهة يكون موجودا # الوجه الثالث أن يقال لا نسلم أن الحيز لا يطلق إلا على المعدوم لا يطلق ~~على الموجود بحال وهذا قول كثير من المتكلمين الذين يفرقون بين الحيز ~~والمكان ويقولون العالم في حيز وليس في مكان وما في العالم في مكان والحيز ~~عندهم هو تقدير المكان بمنزلة ما قبل خلق العالم ليس بزمان ولكنه تقدير ~~الزمان وإذا كان أمرا مقدرا ومفروضا لا وجود له في نفسه بطل ما ذكره ~~PageV02P115 لكن يحتاج إلى الجواب عن وجوهه الثلاث # فأما الوجه الأول فإنه إحتجاج بقول المنازع له إنه يجب أن يكون الله في ~~جهة الفوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات فإن كان قول المخالف حقا فقد صح ~~مذهبه الذي تستدل على إبطاله ولم تسمع منه الدلالة على ذلك وأن كان باطلا ~~لم يدل على أن الحيز أمر وجودي فعلى التقديرين لا تكون هذه الحجة مقبولة ~~لأنها إما أن تكون باطلة أو تكون مستلزمة لصحة قول المنازع # فإن قال أنا ألزم المنازع بها قيل له فغاية ما في الباب أن تكون حجة ~~جدلية أحتججت فيها بكذب خصمك وهذا لا يكون برهانا قاطعا على أن الحيز أمر ~~وجودي # ثم يقال لك أنت من أين تعلم أو تفيد الناس الذين يسترشدون منك ولا ~~يتقلدون مذهبا أن الحيز أمر وجودي فإن كنت تعلم ذلك وتعلمه لقول خصمك لزم ~~صحته وبطل مذهبك وإن لم تحتج بقول خصمك الذي تدفعه عنه بطلت هذه الحجة أن ~~تكون طريقا لك إلى العلم أو إلى التعليم والإرشاد وكان غايتها ذكر تناقض ~~الخصم وللخصم عنها اجوبة لا نحتاج إلى ذكرها هنا # وأما قوله في الوجه الثاني أن حهة الفوق متميزة عن جهة التحت في الإشارة ~~فيقال له إن كانت الإشارة إلى ما فوقنا من العالم وما تحتنا منه فلا ريب أن ~~هذا موجود لكن ليس ذلك هو مسمى الحيز والجهة الذي ينازعونك في أن الله فيه ~~فإنهم لم يقولوا إن الله في جوف العالم وإنما ms602 قالوا هو خارج العالم فإن ~~كانت الإشارة إلى ما فوق العالم وما تحته فلا نسلم أن أحدا يشير إلى ما تحت ~~العالم أصلا وأما ما فوق العالم فالله هو الذي فوق العالم فالإشارة إلى ما ~~هناك إشارة إليه سبحانه وتعالى ولا يسلم أنه يشار إلى شيء موجود فوق العالم ~~غير الله تعالى فلم تحصل الإشارة إلى شيء معدوم بحال ولم PageV02P116 يشر ~~أحد إلى جهة عدمية بحال بل المشار اليه ليس هو الجهة التي ينازع فيها ~~المناعون # واما قوله في الوجه الثالث ان الجوهر اذا انتقل من حيز إلى حيز فالمتروك ~~مغاير لا محالة للمطلوب فيقال ان كان الانتقال في اجسام العالم الموجودة ~~فهذه امور وجودية وان كان فيما ليس كذلك فلا نسلم ان هناك شيء يكون متروكا ~~ومطلوبا اصلا بل الاحياز الموجودة قد لا يكون المنتقل فيها طالبا لحيز دون ~~حيز بل قصده شيء آخر فكيف يجب ان يكون كل منتقل ومتحرك طالبا لحيز وجودي ~~يكون فيه وتاركا لحيز وجودي انتقل عنه # الوجه الرابع ان يقال لا ريب ان الجهة والحيز من الامور التي فيها اضافة ~~ونسبة فانه يقال هذا جهة هذا وحيزه والجهة اصلها الوجه الذي يتوجه اليها ~~الشيء كما يقال عدة ووعد وزنة ووزن وجهة ووجهة والوجهة من ذلك قال تعالى ~~@QB@ ولكل وجهة هو موليها @QE@ # واما الحيز فانه فيعل من حازه يحوزه اذا جمعه وضمه وتحيز تفعيل كما ان ~~يحوز يفعل كما قال تعالى @QB@ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو ~~متحيزا إلى فئة @QE@ فالمقاتل الذي يترك مكانا وينتقل إلى آخر لطائفة تفيء ~~إلى العدو فاجتمع اليها وانضم اليها فقد تحيز اليها # واذا كان كذلك في فالجهة تضاف تارة إلى المتوجه اليها كما يقال في ~~الانسان له ست جهات لانه يمكنه التوجه إلى النواحي الست المختصة به التي ~~يقال انها جهاته والمصلى يصلي إلى جهة من الجهات لانه يتوجه اليها وهنا ~~تكون الجهة ما يتوجه اليها المضاف وتارة تكون الجهة ما يتوجه منها المضاف ~~كما يقول القائل ms603 اذا استقبل الكعبة هذه جهة الكعبة وكما يقول وهو بمكة ~~PageV02P117 هذه جهة الشام وهذه جهة اليمن وهذه جهة المشرق وهذه جهة المغرب ~~كما يقال هذه ناحية الشام وهذه ناحية اليمن والمراد هذه الجهة والناحية ~~التي يتوجه منها اهل الشام واليمن # فأما الحيز فلفظه في اللغة يقتضي انه ما يحوز الشيء ويجمعة ويحيط به وذلك ~~قد يقال على الشيء المنفصل عنه كداره وقوبه ونحو ذلك وقد يقال لنفس جوانبه ~~واقطاره انها حيزه فيكون حيزه بعضا منه # وهذا كما ان لفظ الحدود التي تكون للاجسام فانهم تارة يقولون في حدود ~~العقار حده من جهة القبلة ملك فلان ومن جهة الشرق ملك فلان ونحو ذلك فهنا ~~حد الدار هو حيزها المنفصل عنها وقد يقال حدها من جهة القبلة ينتهي إلى ملك ~~فلان ومن جهة الشرق ينتهي إلى ملك فلان فحدها هنا آخر المحدود ونهايته وهو ~~متصل ليس منفصلا عنه وهو ايضا حيزه وقد جاء في كتاب الله تعالى في موضع ~~@QB@ تلك حدود الله فلا تقربوها @QE@ والحدود هنا هي نهايات المحرم واولها ~~فلا يجوز قربان شيء من المحرم وفي موضع @QB@ تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~@QE@ والحدود هنا نهايات الحلال فلا يجوز تعدي الحلال # واذا كان هذا هو المعروف من لفظ الجهة والحيز في الموجودات المخلوقة ~~فنقول اذا قيل الخالق سبحانه في جهة فاما ان يراد في جهة له أو في جهة ~~لخلقه فان قيل في جهة له فاما ان تكون جهة يتوجه منها أو جهة بتوجه اليها ~~وعلى التقديرين فليس فوق العالم شيء غير نفسه فهو جهة نفسه سبحانه لا يتوجه ~~منها إلى شيء موجود خارج العالم ولا يتوجه اليها من شيء موجود خارج العالم ~~وليس هناك شيء موجود غير نفسه يتوجه منه ولا يتوجه اليه ومن قال ان العالم ~~هناك ليس في جهة بهذا الاعتبار فقد صدق ومن قال PageV02P118 انه جهة نفسه ~~بهذا الاعتبار فقد قال معنى صحيحا ومن قال انه فوق المخلوقات كلها في جهة ~~موجودة يتوجه اليها أو يتوجه منها خارجة ms604 عن نفسه فقد كذب # وان اريد بما يتوجه منه أو يتوجه اليه ما يراد بالحيز الذي هو تقدير ~~المكان فلا ريب ان هذا عدم محض # واما الحيز فقد يحوز المخلوق جوانبه وحدود ذاته وقد يحوزه غيره فمن قال ~~ان الباري فوق العالم كله يحوزه شيء موجود ليس هو داخلا في مسمى ذاته فقد ~~كذب فان كل ما هو خارج عن نفس الله التي تدخل فيها صفاته فانه من العالم ~~ومن قال ان حيزه هو نفس حدود ذاته ونهايتها فهنا الحيز ليس شيئا خارجا عنه # وعلى كل تقدير فمن قال انه فوق العالم لم يقل انه في حيز موجود خارج عن ~~نفسه ولا في جهة موجودة خارجة عن نفسه واذا كان صاحب المذهب يصرح بنفي ذلك ~~فالاحتجاج على انه ليس في حيز موجود احتجاج في غير محل النزاع فلا يضر ~~المنازع # الوجه الخامس قوله الاحياز الفوقانية مخالفة بالحقيقة للاحياز التحتانية ~~بدليل انهم قالوا يجب ان يكون الله مختصا بجهة فوق ويمتنع حصوله في سائر ~~الجهات والاحياز اعنى التحت واليمين واليسار ولولا كونها مختلفة في الحقائق ~~والماهيات لامتنع القول بأنه يجب حصوله في جهة الفوق ويمتنع حصوله في سائر ~~الجهات # يقال له الذي اتفق عليه اهل الاثبات ان الله فوق العالم ويمتنع ان لا ~~يكون فوق العالم سواء قدر انه في التحت أو غير ذلك بل كون الله تعالى هو ~~العلي PageV02P119 الاعلى المتعالي فوق العالم امر واجب ونقيضه وهو كونه ~~ليس فوق العالم ممتنع فثبوت علوه بنفسه على العالم واجب ونقيض هذا العلم ~~ممتنع هذا هو الذي انفق عليه اهل الاثبات من سلف الامة وائمتها وسائر اهل ~~الفطر السليمة المقرة بالصانع # واما ما ذكره من قول القائل يجب ان يكون مختصا بجهة فوق ويمتنع حصوله في ~~سائر الجهات والاحياز فهؤلاء يريدون بذلك انه يجب ان يكون فوقنا ويمتنع ان ~~يكون تحتنا أو عن يميننا أو عن شمائلنا وهم لا يعنون بذلك انه يكون متصلا ~~برؤوسنا بل يعنون انه فوق الخلق فالعبد يتوجه ms605 اليه هناك لا يتوجه اليه من ~~تحت رجليه أو عن يمينه أو عن شماله وقد قلنا ان الجهة فيها معنى الاضافة ~~فالعبد يتوجه إلى ربه بقلبه إلى جهة العلو لا إلى جهة السفل واليمين ~~واليسار كما قال ابن عباس وعكرمة في قوله تعالى عن ابليس @QB@ ثم لآتينهم ~~من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ~~@QE@ قال ولم يقل من فوقهم لانه علم ان الله من فوقهم # وهم لا يريدون بذلك انه من جهة العلو الموجودة في العالم دون جهة اليمين ~~واليسار والتحت بل ليس هو فيما على رأس العبد من الاجسام ولا فيما عن يمينه ~~ولا فيما عن شماله فهذه الاجسام المختلطة بالعبد من جهاته الست ليس شيء ~~منها مما يجب ان يكون الله فيه وما اعلم أحد قط يقول انه يجب ان يكون في ~~شيء موجود منفصل عنه سواء كان ذلك فوق العبد أو تحته فالرب يجب عندهم ان ~~يكون فوق العالم وهي الجهة التي فوق ولا يجوز ان يكون فوق العالم وغيره ~~بالنسبة اليه سواء # واما ان القوم يثبتون وراء العالم امورا وجودية يقولون يجب ان يكون الله ~~في واحد منها دون سائرها فهذا ما علمنا احدا قاله وان قاله أحد تكلم ~~PageV02P120 معه بخصوصه ولا يجعل هذا قول اهل العلم والايمان الذين يقولون ~~ان الله فوق العرش # ولكن منشأ غلط كثير من الناس هنا ان الجهة نوعان اضافية متغيره وثابتة ~~لازمة حقيقة فالاولى هي بحسب الحيوان فان كل حيوان له ست جهات جهة يؤمها هي ~~امامه وجهة يخلفها هي خلفه وجهة تحاذي يمينه وجهة تحاذي يساره وجهة فوقه ~~وجهة تحته وهذه الجهات تتبدل وتتغير بحسب حركته وليس لها صفة لازمة ثابتة ~~وانما الجهة اللازمة الثابتة الحقيقية هي جهتا العلو والسفل فقط فالعلو ما ~~فوق العالم والسفل سجين واسفل السافلين وهو اسفل العالم وقعره وجوفه # واذا كان الامر كذلك لزم من مباينة الله للعالم ان يكون فوقه وليس هناك ~~شيء آخر يجوز ان يكون ms606 جهة لله تعالى ولا يمين العالم ولا يساره ولا تحته ~~وكلام هؤلاء خارج باعتبار جهاتهم الاضافية المتنقلة لا باعتبار الجهة ~~اللازمة الحقيقية # الوجه السادس ان يقال هب ان وراء العالم ست جهات وقالوا يجب اختصاصه ~~بالعلو دون غيره كما انه يجب ان يكون فوقنا فالاختصاص من الامور النسبية ~~والاضافية قد يكون لمعنى فيه وفي العالم أو لمعنى فيه لا في العالم أو في ~~العالم لا فيه لا لمعنى في امر وجودي غيرهما # وقوله يمتنع ان يكون في سائر الجهات والاحياز لمعنى فيه سبحانه وهو انه ~~العلي الاعلى وهو الظاهر الذي لا يكون فوقه شيء فالحاصل ان وجوب علوه ~~PageV02P121 هو لمعنى فيه سبحانه يستحق به ان يكون هو الاعلى الظاهر الذي ~~لا يكون فوقه شيء فلا يجوز ان يكون في جهة تنافي علوه وظهوره وذلك لا يوجب ~~ان تكون الجهة وجودية لان العلو والظهور نسبة بينه وبين الخلق فاذا قيل يجب ~~ان يكون فوقهم وان يكون عاليا عليهم ولا يجوز غير ذلك لم يكن في هذا ما ~~يقتضي ان يسبق ذلك ثبوت محل وجودي له بحيث لو فرض ان وراء العالم ست جهات ~~وان العالم كالانسان الذي له ست جهات لكان انما هو ايجاب لنسبة خاصة واضافة ~~خاصة له إلى العالم لا يقتضي ذلك ان يكون هناك امور وجودية فضلا عن ان تكون ~~مختلفة الحقائق # الوجه السابع ان وجود كونه فوق العالم امر مشروط بوجود العالم فانه قبل ~~خلق العالم لا يقال انه فوقه ولا انه ليس فوقه اذ العلو والفوقية هي من ~~الامور التي فيها نسبة واضافة وان كان الناس قد تنازعوا هل علوه وفوقيته ~~واستواءه على العرش من الصفات الذاتية التي وجبت له بنفس ذاته وان كان فيه ~~اضافة ظهر حكمها بخلق العالم والعرش كما يقولون في المشيئة والعلم أو هو من ~~الصفات الفعلية وانه استوى على العرش بعد ان لم يكن مستويا عليه أو هو ~~اضافة محضة بينه وبين العرش أم متضمن لامرين من ذلك أو للامور الثلاثة ms607 فلا ~~ريب ان وجود العلو على العرش والاستواء عليه انما هو بعد خلقه ولو قدر ان ~~العالم أو العرش خلق في حيز آخر لكان الله سبحانه وتعالى عاليا عاليبه ~~ومستويا عليه حيث خلق كما أنه سبحانه إذا كان مع عبده بعلمه وقدرته أو نصره ~~وتأييده وغير ذلك فحيث كان العبد كان الله معه PageV02P122 # واذا كان كذلك لم يكن لبعض الاحياز حقيقة يتميز بها عن حيز آخر لاجلها ~~يستحق ان يكون الله فيه وانما وجوب اختصاصه هو تابع لوجوب علوه ولاستوائه ~~وعلوه واستواءه على عرشه ينافي ان لا يكون عاليا عليه فما يفرض من سفول ~~وتياسر ونحو ذلك مما ينافي العلو كان منتفيا لان أحد النقيضين ينفي الآخر ~~لا لصفة ثابتة لاحد الحيزين دون الاخر # الوجه الثامن قوله ولولا كونها مختلفة في الحقائق والماهيات لامتنع القول ~~بأنه يجب حصوله تعالى في جهة الفوق يقال لا نسلم ذلك ولم يذكر على ذلك حجة ~~فالمنع المجرد يكفي هذه الدعوى # ثم يقال اختصاص الشيء بوجوب كونه فوق الآخر دون كونه عن يمينه ويساره قد ~~يكون لمعنى في الاعلى أو لمعنى في الاسفل أو لمعنى فيهما وهكذا كل امر فيه ~~اضافة بين امرين كالحب والقدرة ونحو ذلك قد يكون لمعنى في المضاف وقد يكون ~~لمعنى في المضاف اليه وقد يكون لمعنى فيهما كالحب والقدرة ونحو ذلك يقتضي ~~معنى في المحب والمحبوب وكذلك القدرة ولذلك يختصان بشيء دون شيء # واما العلم فيقتضي معنى في العالم لا يقتضي معنى في المعلوم فان العلم ~~يتعلق بكل شيء لا يختص بموجود دون معدوم ولا بممكن دون ممتنع فالاختصاص فيه ~~انما هو في العالم لا في المعلوم وكذلك القول ونحوه # واما العلو فقد يكون لمعنى في العالي كصعود الانسان على السطح فانه هو ~~الذي تحرك حركة اوجبت علوه والسطح لم يتغير فالرجل يكون تارة فوقه وتارة ~~تحته لتحوله هو دون السطح والطير اذا حاذى الانسان وكان فوق رأسه ثم نزل ~~حتى صار تحت مكان هو فيه كان الطير فوقه تارة ms608 وتحته اخرى لتحول PageV02P123 ~~الطير دون تحوله هو واذا كانت الامور الاضافية لا تستلزم وجود معنى في غير ~~المضاف والمضاف اليه وان جاز وجود ذلك لكن نفس معنى في احدهما قد يكفي في ~~الصفات الذاتية التي فيها اضافة عارضة لها فيكف يكون في الاضافات المحضة ~~فالعلو سواء كان صفة ثبوتية مستلزما للاضافة أو كان فعلا مستلزما للاضافة ~~أو كان فيه الامران أو كان اضافة محضة يكفي في تحققه وجود معنى في العالي ~~تارة وفي السافل اخرى من غير اختلاف في حقيقة الاحياز # يوضح هذا الوجه التاسع ان الاحياز التي لا ريب في وجودها كالهواء ~~والسطوحات ونحوها قد يعلو عليها الحيوان وتعلو عليه اخرى وتكون تارة عن ~~يمينه وتارة عن شماله مع ان حقائقها في جميع هذه الاحوال سواء لم يتجدد لها ~~باختلاف الحال في كونه عالية وسافلة ومتيامنة ومتياسرة صفة اصلا فاذا كانت ~~الاحياز التي علم وجودها ولا يزال حكم الجهات يختلف فيها بكونها عالية ~~وسافلة ومتيامنة ومتياسرة وهي مع ذلك لا يحدث فيها شيء من التغير فكيف يقال ~~انه لولا كون الاحياز التي هي الفوق والتحت واليمين واليسار مختلفة في ~~الحقائق والماهيات والا لامتنع القول بانه يجب حصوله في جهة فوق # ومما يصح ذلك الوجه العاشر وهو ان رأس الانسان ينبغي ان يكون مختصا بجهة ~~فوق بالنسبة إلى سائر بدنه ويده اليمنى يجب ان تكون مختصة بجهته اليمنى ~~ويده اليسرى يجب ان تكون مختصة بجهته اليسرى وصدره وبطنه يجب ان يختص بجهة ~~امامه وظهره يجب ان يختص بجهة خلفه واسفل قدميه يجب ان يختص بجهة تحته ومع ~~هذا الوجوب المعلوم بالاحساس ليس ذلك لاختلاف حقائق الجهات التي اختصت بها ~~هذه الاعضاء ولاختلاف صفاتها بل هذا الاختصاص لا يؤثر في الجهات شيئا اصلا ~~وانما الاختصاص لمعنى في الانسان نفسه لا لمعنى في الجهات PageV02P124 # الوجه الحادي عشر انه اذا قدر ان الحيز والجهة امر موجود لم نسلم المقدمة ~~الثانية وهو قوله ان المسمى بالحيز والجهة امر مستغن في وجوده عما يتمكن ~~ويستقر ms609 فيه والذي يكون مختصا بالحيز والجهة يكون مفتقرا إلى الحيز والجهة ~~فإن الشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يتسحيل عقلا حصوله لا مختصا بالجهة ~~وذلك ان وجود موجود مستغن عن الله ممتنع فان كل ما سواه مفتقر اليه وهو ~~خالق كل شيء وربه ومليكه # وقوله ان المسمى بالحيز والجهة امر مستغن في وجوده مما يتمكن ويستقر فيه ~~قياس شمول عام عدل الله فيه بأحقر المخلوقات فان الاجسام الضعيفة من المواد ~~والحيوان كالحجر والمدر والبعوضة ونحوها اذا كانت في مكان أو حيز فلا ريب ~~انها قد تكون محتاجة اليه وهو مستغن عنها لكن قياس الله الخالق لكل شيء ~~الغني عن كل شيء الصمد الذي يفتقر اليه كل شيء بالمخلوقات الضعيفة المحتاجة ~~عدل لها برب العالمين ومن عدلها برب العالمين فانه في ضلال مبين وذلك ان ~~اعظم الامكنة العرش ولا خلاف بين المسلمين الذين يقولون انه مستو عليه أو ~~مستقر أو متمكن عليه والذين لا يقولون ذلك ان العرش مفتقر إلى الله والله ~~غني عن العرش بل هم متفقون على ان الله بقدرته الذي يمسك العرش وحملة العرش ~~وسائر المخلوقات هذا معما جاء في الآثار من اثبات مكانه تعالى كالحديث الذي ~~رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الشيطان قال وعزتك يارب لا ابرح ~~اغوي عبادك ما دامت ارواحهم في اجسادهم فقال الرب تعالى وعزتي وجلالي ~~وارتفاع مكاني لا ازال اغفر لهم ما استغفروني # وفي شعر حسان % تعالى علوا فوق عرش الهنا % وكان مكان الله اعلا وارفعا % ~~$ PageV02P125 # فقوله ان الحيز والجهة امر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه قضية ~~عامة ضرب بها مثلا في قياس شمولي ليس معه فيه الا مجرد تمثيل الخالق ~~بالمخلوق الضعيف الفقير وان كان من الجنس الحقير وهؤلاء الجهمية دائما ~~يشركون بالله ويعدلون به ويضربون له الامثال بأحقر المخلوقات بل بالمعدومات ~~كما قدمنا التنبيه عليه غير مرة فلمارأوا ان المستوى على الفلك أو الدابة ~~أو السرير يتغنى عنه مكانه قالوا يجب ان يكون الله ايضا ms610 يستغنى عنه مكانه ~~تشبيها له بهذا المخلوق العاجز الضعيف ولما رأوا ان الحجر والمدر والشجر ~~والانثى والذكر يستغنى عن حيزه ومكانه قالوا فرب الكائنات مشبه بهذه ~~المتحيزات في افتقاره إلى ما هو مستغن عنه تعالى الله عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا # ثم يقال له في الوجه الثاني عشر ان كثيرا مما سمي مكانا وحيزا وجهة ~~للانسان يكون مفتقرا اليه بل لغير الانسان ايضا فمن قال ان المكان هو السطح ~~الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي كبطانة قميص ~~اللابس كان كثير من الامكنة محتاجا إلى الممكن كاحتياج القميص إلى لابسه ~~واستغناء صاحبه عنه # وكذلك الحيز قد ذكرنا انه يراد به حدود الشيء المتصلة به التي تحوزه وهو ~~جوانبه وتلك تكون داخلة فيه فلا تكون مستغنية عنه مع حاجته اليها وقد يراد ~~به الشيء المنفصل عنه الذي يحيط به كالقميص المخيط وهذا قد يكون مفتقرا إلى ~~الانسان كقميصه وقد يكون مستغنيا عنه وان كان مستغنيا عن الانسان لكن ~~الانسان لا يحتاج إلى حيز بعينه فليس الانسان مفتقرا إلى حيز معين خارج غير ~~ذاته بحال بل وكذلك جيمع الموجودات حيزها اما حدودها المحيطة بها ~~PageV02P126 ونهاياتها وهي منها فتلك لا توصف بالاستغناء عنها واما ما يحيط ~~بها منفصلا عنها فليس في المخلوقات ما يحتاج إلى حيز بعينه # واما الجهة فهي لا تكون جهة الا بالتوجه فهي مفتقرة في كونها جهة إلى ~~المتوجه والمتوجه لا يفتقر إلى جهة بعينها بحال # واذا كانت المخلوقات لا تفتقر إلى حيز موجود وجهة موجودة أو مكان موجود ~~بعينه وان كان فيها ما يفتقر إلى نوع ذلك على البدل وما يسمى لها مكانا قد ~~يفتقر اليها وكذلك ما يسمى حيزا لها متصلا أو منفصلا قد يكون مفتقرا اليها ~~وكذلك الجهة مفتقرة اليها في معنى كونها جهة كان دعوى افتقار المتحيزات ~~للحيز مع استغناء الحيز عنه في حق المخلوقات ليس على اطلاقه بل اطلاق ذلك ~~دعوى باطلة فكيف في حق الخالق الغني عن كل ما سواه المفتقر ms611 اليه كل ما سواه # الوجه الثالث عشر قوله والشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يتسحيل عقلا ~~حصوله لا في جهة يقال له الاجسام كلها حاصلة في الحيز كما ذكرته افتقول انه ~~يستحيل عقلا حصول كل جسم في غير جهة وجودية فهذا لا يقوله عاقل بل يعلم ~~ببديهة العقل ان كل جسم يمكن حصوله في غير جهة وجودية منفصلة كما ان العالم ~~حصال في غير جهة وجودية وما علمنا عاقلا قال ان كل جسم يجب ان يكون حاصلا ~~في حيز وجودي منفصل عنه # واذا كان كذلك كان قوله والشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يستحيل عقلا ~~حصوله لا في جهة التى قد قدم انها وجودية قول معلوم الفساد ببديهة العقل ~~متفق على فساده بين العقلاء وهذا ليس مما يخفى على من تأمله # وانما الرجل غلط أو خالط في المقدمين فانه قد سمع وعلم ان الجسم لا يكون ~~الا متحيزا فلا بد لكل جسم من حيز ثم سمى حيزه جهة وقد قرر قبل هذا ~~PageV02P127 ان الجهة امر وجودي فركب ان كل جسم يفتقر إلى حيز وجودي منفصل ~~عنه وهذا الغلط نشأ من جهة ما في لفظ الحيز والجهة من الاجمال والاشتراك ~~فيأخذ احدهما بمعنى ويسميه بالآخر ثم يأخذ من ذلك الآخر المعنى الآخر فيكون ~~بمنزلة من قال المشتري قد قارن زحل وهذا هو المشتري الذي اشترى العبد وقد ~~قارن البائع فيكون البائع هو زحل أو يقول هذه الثريا والثريا قد نكحها سهيل ~~وقارنها فتكون هذه الثريا قد قارنها سهيل ونحو ذلك ومن المعلوم ان الجهة ~~التي نصر انها وجودية وهي مستغنية عن الحاصل فيها ليست هي الحيز الذي يجب ~~لكل جسم # يوضح ذلك الوجه الرابع عشر وهو انه قال ان المسمى بالحيز والجهة امر ~~مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه واما الذي يكون مختصا بالحيز والجهة ~~فانه يكون مفتقرا إلى الحيز والجهة فان الشيء الذي يمكن حصوله في الحيز ~~يستحيل عقلا حصوله لا مختصا بالجهة # وذلك يقتضي ان الشيء الذي يمكن ms612 حصوله في الحيز يستحيل عقلا حصوله في غير ~~حيز وجهة فيكون محتاجا إلى الحيز والجهة وقد قرر ان المسمى بالحيز والجهة ~~امر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه فيكون الحيز والجهة مستغنيا عن ~~المتحيز المتوجه وذلك يقتضي ان المتحيزات بأسرها مفتقرة إلى احيازها وان ~~احيازها التي يستحيل عقلا حصولها في غيرها مستغنية عنها ومن المعلوم لكل ~~عاقل ان تحيز الجسم امر قائم به محتاج اليه ليس هو مستغنيا عن الجسم وهذا ~~هوالذي يستحيل عقلا حصول المتحيز بدونه فانه يستحيل حصول متحيز بدون تحيز ~~وكل جسم متحيز وحصول PageV02P128 المتحيز بدون التحيز محال وهو مثل حصول ~~الجسم أو حصول المقدور بدون تقدر أو حصول المميز بدون التميز واما كون ~~المتحيز يستحيل عقلا حصوله في غير حيز وراء هذا التحيز فالعقل يعلم خلاف ~~ذلك فيعلم ان المتحيز لا يفتقر إلى حيز وجهة غير هذا التحيز الذي قام به # فظهر انه ناقض ما يعلم بالعقل خلافه بأن العقل يعلم افتقار المتحيز إلى ~~حيز منفصل عنه بل يفتقر إلى حيز هو نهايته التي تحيط به فقلب القضية وجعل ~~الحيز المنفصل الذي هو للجهة مستغنيا عن المتحيز والمتحيز يستحيل عقلا ~~حصوله بدونه وظهر ببطلان المقدمين بطلان المقدمة الاولى من الحجة وهو قوله ~~لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان مفتقرا إلى غيره # ونتكلم على المباينة فنقول # الوجه الخامس عشر قولك لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان مفتقرا إلى غيره ~~لفظ مجمل قد تقدم الكلام على نظيره غير مرة وهو ان لفظ الغير عند كثير من ~~الصفاتية أو اكثرهم منهم اصحابك هو ما جاز مفارقة احدهما الاخر بزمان أو ~~مكان أو وجود أو ما جاز وجود احدهما دون الآخر وعند كثير من نفاة الصفات ~~ومثبتيها ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر فما الذي تريد بلفظ الغير في قولك ~~لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان مفتقرا إلى غيره # ان اردت به لكان مفتقرا إلى ما يجوز وجوده دونه فهذا باطل فليس في ~~الموجوات ما يجوز وجوده دون الله ms613 وعلى هذا التقدير فيمتنع افتقار الله الى ~~PageV02P129 غيره لامتناع الغير الذي يجوز وجوده دونه كما يمتنع افتقاره ~~إلى مثله لامتناع مثله ويمتنع خوفه من نده لامتناع نده فالفقر والحاجة ~~وعناه إلى ما يستغنى عنه محال هذا ان اراد وجود ذلك الغير دونه # وان اراد وجود الله دون ذلك الغير فيكون المعنى انه مفتقر إلى الغير الذي ~~يجوز وجود الله دونه وهذا جمع بين القيضين فإنه أذا كان هو سبحانه موجودا ~~دونه لم يكن مفتقرا اليه واذا كان مفتقرا اليه لم يكن سبحانه موجودا دونه ~~فقول القائل انه مفتقر إلى الغير الذي يوجد دونه مثل قوله مفتقرا إلى ما هو ~~سبحانه وتعالى مستغن عنه وذلك مثل قول القائل مفتقر لا مفتقر ويستغنى لا ~~يستغنى # وكذلك ان اراد بالغير ما يجوز مفارقته لله بزمان أو مكان أو وجود فالحيز ~~الذي هو من لوازم وجوده كالصفة الذاتية اللازمة له لا يفارقه بزمان ولا ~~مكان # وقد ذكرنا ان الحيز الوجودي يراد به حد الشيء المتحيز الذي يجوزه ويراد ~~به شيء منفصل عنه يحوزه والله سبحانه ليس هو بل ولا غيره من الملخلوقات ~~مفتقرا إلى حيز وجودي بالمعنى الثاني واما الحيز الوجودي بالمعنى الاول ~~فهذا لا يجوز ان يفارق المتحيز لا في زمان ولا في مكان ولا وجود الا اذا ~~فرق ذلك المتحيز وحينئذ فلا يكون هو اياه مع ان الله سبحانه صمد لا يجوز ~~عليه التفرق والانقسام # فان ارد بالغير هذا المعنى كان التقدير لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان ~~مفتقرا في وجوده إلى ما هو لازم لذاته لا يجوز مفارقته له ولا انفصاله عنه ~~وهكذا PageV02P130 حكم جميع الصفات الذاتية فيكون المعنى كما لو قيل لو كان ~~له صفة ذاتية لكان مفتقرا اليها افتقار الموصوف إلى الصفة وهذا من شبه نفاة ~~الصفات التي يبطلها هذا المؤسس نفسه كما تقدم الكلام عليه وهذا أحد الوجوه ~~التي ذكرها في حجة نفاة الصفات في نهايته فقال الثالث عالمية الله وقادريته ~~لو كانت لاجل صفات قائمة به لكان ms614 الباري محتاجا إلى تلك الصفات لكن الحاجة ~~على الله محال فبطل باتصاف ذاته بالصفات فقوله لو كان مختصا بالحيز والجهة ~~لكان مفتقرا في وجوده إلى ذلك مثل هذه سواء اذا فهم ان الحيز الذي يلزم ~~المتحيز هو امر لازم له ليس شيئا منفصلا عنه وان المتحيز لا يفتقر إلى حيز ~~موجود منفصل عنه بضرورة العقل والحس واتفاق العقلاء وقد تقدم الكلام على ~~مثل هذه الحجة غير مرة # وهي مثل قولهم يستلزم التركيب والكثرة الموجبة لافتقاره إلى اجزائه وقد ~~قال هو قولهم يلزم من اثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الالهية فتكون ~~تلك الحقيقة ممكنة قلنا ان عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا ~~يلزم لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها وان عنيتم به ~~توقف الصفات المخصوصة في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك مما نلتزمه ~~فأين المحال قال وايضا فعندهم الاضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ~~الزمتمونا ويلزمكم ايضا في الصورة المرتسمة في ذاته من المفعولات ما ~~الزمتمونا ونحن قد بينا ان هذه الامور ليست غيرا له بهذا الاصطلاح فلا يصح ~~ان يقال هو مفتقر إلى غيره # واما ان اراد بالغيرين ما يجوز العلم بأحدهما دون الاخر فنقول ثبوت هذه ~~المعاني في حق الله تعالى متفق عليه بين العقلاء معلوم بضرورة العقل فلابد ~~منه في كل موجود فانه يعلم شيء ثم يعلم شيءآخر فان كان ثبوت هذه الامور ~~PageV02P131 مستلزم حاجة الله إلى الغير فهذا اللازم على كل تقدير ولكل ~~العقلاء وحينئذ فلا يكون محذورا بهذا التفسير # فظهر ان قوله لكان مفتقرا في وجوده إلى الغير اما منع الملازمة أو منع ~~انتفاء اللازم وذلك بسبب اشتراك لفظ الغير بضرورة العقل واتفاق العقلاء فان ~~الغير ان عنى به ما يجوز مفارقته في وجود أو زمان أو مكان منعت المقدمة ~~الاولى وهو قوله لكان مفتقرا إلى غيره فان الحيز الوجودي الذي يلزمه ليس ~~مما تجوز مفارقته وان عنى بالغير ما يجوز العلم بأحدهما دون الآخر فثبوت ~~هذا في ms615 حق الله معلوم بضرورة العقل واتفاق العقلاء وان كان فيهم من لا ~~يسميه غير # فالمقصود هنا المعنى دون الالفاظ فتكون المقدمة الثانية باطلة بضرورة ~~العقل واتفاق العقلاء # الوجه السادس عشر يقال له ما تعني بقولك لكان مفتقرا في وجوده إلى الغير ~~فان الافتقار المعروف عند الاطلاق ان يكون الشيء محتاجا إلى ما هو مستغن ~~عنه كافتقار العبد إلى الله # واما الشيئأن اللذان لا يوجد احدهما الا مع الآخر كالموصوف وصفته اللازمة ~~أو المقدرة وقدره اللازم له وكالامور المتضايفة مثل الابوة والبنوة والعلو ~~والسفل ونحو ذلك فهذه الامور لا توصف بافتقار احدهما إلى الآخر دون العكس ~~لكن اذا قيل كل منهما مفتقر إلى للآخر كان بمنزلة قول القائل الشيء مفتقر ~~إلى نفسه والمعنى ان احدهما لا يوجد الا مع الآخر كما ان الشيء لا يكون ~~موجودا الا بنفسه فاذا كان مخلوقا كان الفاعل له لنفسه والفاعل لاحدهما هو ~~الفاعل الآخر واذا كان ذلك هو الخالق لم يكن سبحانه مفتقرا إلى غير ذاته ~~وانما المعنى انه واجب الوجود بنفسه ووجوده لازم لزوما لا يمكن عدمه واحد ~~هذه الامور لازم للآخر لزوما يمكن معه عدمه PageV02P132 # واذا كان هذا المعنى هو الذي يمكن ان يراد بلفظ الافتقار هنا فيكون ~~المعنى لو كان له صفة ذاتية لازمة له أو لو كان له تحيز لازم لكان ملازما ~~له لا ينفك عنه وحينئذ فيتحد اللازم والملزوم ويكون هذا من باب تحصيل ~~الحاصل كما لو قيل لو كان واجبا بنفسه لكان مفتقرا إلى نفسه والمعنى ان ~~نفسه لازمة لنفسه لزوما لا يمكن عدمه فانما تغلط الاذهان هنا وتحصل الشبهة ~~عند كثير من الناس والوهم في قلوبهم لما في لفظ الافتقار إلى الغير من ~~المحذور # وهؤلاء عمدوا إلى هذا اللفظ فاستعملوه في غير المعنى المعروف في اللغة ~~وسموا لزوم صفاته له افتقارا إلى الغير فلما عبروا عن المعاني الصحيحة بل ~~المعاني التي يعلم بضرورة العقل ثبوتها في نفس الامر بل لا يستريب في ~~ثبوتها أحد من العقلاء ما دام ms616 عاقلا عبروا عنها بالعبارات المشتركة المجملة ~~التي قد تستعمل في معاني فاسدة يجب تنزيه الباري سبحانه وتعالى عنها كان ~~هذا الاشراك مما اشركوا فيه بين الله وبين خلقه وهو من نوع شركهم وعدلهم ~~بالله حيث اشركوا بين المعاني والواجبة لله الممتنعة عليه في لفظ واحد ثم ~~نفوا به ما يجب لله وكانوا مشركين معطلين في المعاني كما تقدم التنبيه على ~~ذلك غير مرة # بمنزلة من سمى رحمان اليمامة الرحمن وجعل يقول للناس انا كافر بالرحمن ~~يوهمهم انه رحمان اليمامة وهو كافر بالرحمن الذي على العرش أو بمنزلة من ~~سمى الاوثان الآلهة والاله وجعل يقول للمؤمنين قد عبدت الاله ودعوت الاله ~~وانما يعنى به الوثن اوبمنزلة الله اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى وهو ~~يعني الكفر بالله فهذا المثل نظير ما فعلوه من تسميته لما اثبته الله لنفسه ~~بأسمائه PageV02P133 وآياته بأسماء باطلة من المفتقر والغير ونحو ذلك ثم ~~جعل يقول ينزه الله تعالى عن ان يكون مفتقرا إلى الغير وهو مثل من يسمى ~~نبيه محمدا مذمما ثم يقول العنوا مذمما وهو صلى الله عليه وسلم محمد ولي ~~بمذمم # والله سبحانه الغني بماله من الاسماء والصفات وليس بمفتقر إلى غيره بوجه ~~من الوجوه وان سموه هم مفتقرا إلى غيره اذا ثبتت له هذه الصفات كما سمى ~~المشركون محمدا مذمما لما دعاهم إلى توحيد الله وعبادته # وهذا حال فريق ممن خالف سلطان الله الذي بعث به رسله وسمى سبحانه الاشياء ~~بما تستحقه من الاسماء من اهل الكفر والبدع التي تشتمل على ما هو من ~~الايماز وما هو من الكفر فانهم يسمون الاشياء بأسماء تتضمن حمدا وذما ونفيا ~~واثباتا وتلك الاسماء سموها هم وآباؤهم ما انزل الله بها من سلطان وذلك مثل ~~تسمية الكفار النبي صلى الله عليه وسلم شاعرا وساحرا وكاهنا ومجنونا وذلك ~~لنوع شبهة قد ازاحها بما اظهره من البينات فلما رأوا القرآن كلاما موزونا ~~شبهوه بالشعر الموزون ورأوا الرسول يخبر بالغيوب عن روح ينزل اليه بها ~~فشبهوه بالكاهن الذي يخبر بكلمة فيكذب ms617 معها مأة كذبة عن روح شيطاني ينزل ~~علييه بها ورأوه يزيل مافي النفوس من الأعتقادات الفاسدة والإرادات الفاسدة ~~إلى الصحيح التي فطر الله عليه فشبهوه بالساحر الذي يغير الامر في ~~ادراكاتهم وحركاتهم حتى يعتقدوا الشيء بخلاف ما هو عليه ويحبوا ما ابغضوه ~~ويبغضوا ما احبوه ورأوه قد اتى بما يخالف عاداتهم الفاسدة وما يذمونه عليه ~~فشبهوه بالمجنون الذي يخرج عما يعرف في العقل وما يذم عليه PageV02P134 # كذلك يسمى اهل البدع لمن اتبع سبيله الذين قال فيهم @QB@ قل هذه سبيلي ~~أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ~~@QE@ باسماء باطلة كتسمية الرافضة لهم ناصبة مع محبتهم اهل البيت وموالاتهم ~~تشبيها لهم بمن يبغضهم ويعاديهم لاعتقادهم ان لا ولاية لهم الا بالبراءة من ~~الصحابة وزعموا انهم كانوا يعادونهم # وكسمية القدرية لهم مجبرة مع كونهم يعتقدون ان العبد فاعل حقيقة وله ~~ارادة وقدرة تشبيها بمن يسلب العبد الفعل ويجعله كالجمادات التي لا ارادة ~~لها لما اعتقدوا ان الله خالق كل شيء وهو خالق العبد وصفاته وافعاله # وكذلك تسمية الجهمية لهم مشبهة مع كونهم يعتقدون ان الله ليس كمثله شيء ~~في صفة من صفاته اصلا تشبيها لهم بالممثلة الذين يجعلون الله من جنس ~~المخلوقات لما اعتقدوا ان الله موصوف بصفات الاثبات التي جاءت بها النبوات # واما في الذم فتسمية الكفار اصنامهم الاله وتسميتها اللات والعزى ومنات ~~الثالثة الاخرى وما في ذلك لها من معنى الهيبة والعزة والتقدير # وكذلك تسمية اهل البدع لانفسهم بأسماء لا يستحقونها كما تسمى الخوارج ~~انفسهم المؤمنين دون بقية اهل القبلة ويسمون دارهم دار الهجرة # وكذلك الرافضة تسمى اهلها المؤمنين واولياء الله دون بقية اهل القبلة ~~PageV02P135 # وكذلك الجهمية ونحوها يسمونه انفسهم الموحدين ويسمون نفي الصفات توحيد ~~الله # وتسمي المعتزلة ذلك توحيدا وتسمي التكذيب بالقدر عدلا وتسمى القتال في ~~الفتنة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر # وكذلك تسمية الصابئة لعلومهم أو اعمالهم الحكمة أو الحكمة الحقيقية أو ~~المعارف اليقينية مع ان فيها من الجهل والشبه والضلال مالا ms618 يحصيه الا ذو ~~الجلال # وكذلك تسمية الاتحادية انفسهم اهل الله وخاصة الله والمحققين وهم من اعظم ~~الناس عداوة لله وابعد الناس عن التحقيق # وما من اسم من هذه الاسماء الباطلة في الحمد والذم الا ولابد لاصحابه من ~~شبهة يشتبه فيها الشيء بغيره بل قد يفعل المبطلون اعظم من ذلك كتسمية بعض ~~الزنادقة المتفقرة المسجد اسطبل البطالين وهذا كثير في من يسمي الحق باسم ~~الباطل والباطل باسم الحق وتلك كلها اسماء سموها هم وآباءهم ما انزل الله ~~بها من سلطان وانما فعلوها لنوع من الشبه التي هي قياس فاسد كشبه الجهمية ~~وقياسهم انه لو كان لله صفات لازمة لكان مفتقرا إلى غيره فسموا لاجل ما هو ~~به مستحق الحمد والثناء والمجد وهو الغني الصمد سموه لاجل ذلك مفتقرا إلى ~~الغير وهذا منهم باطل ما أنزل به من سلطان # الوجه السابع عشر قوله المفتقر في وجوده إلى الغير يكون بحيث يلزم من عدم ~~ذلك الغير عدمه وكل ما كان كذلك كان ممكنا لذاته وذلك في حق واجب الوجود ~~لذاته محال PageV02P136 # يقال اذا كان الشيء مفتقرا إلى شيء آخر مستغن عنه وانه يكون بحيث يلزم من ~~عدم ذلك الثاني عدم الاول أو لا وجود للاول الا بالثاني وما كان كذلك فانه ~~ممكن لذاته # لكن اذا كان الثاني غير مستغن عن الاول بل كان الثاني مفتقرا إلى الاول ~~بحيث يلزم من عدم الاول عدمه لم يمكن ان يجعل الاول ممكنا لافتقاره إلى ~~الثاني باولى من ان يجعل الثاني ممكنا لافتقاره إلى الاول وحينئذ يجب ~~دخولهما جميعا في وجوب الوجود اذا ثبت ان كلا منهما حاجته إلى الآخر كحاجة ~~الآخر اليه فكيف والموصوف هنا المستلزم للصفة # وذلك يظهر بالوجه الثامن عشر وهو انه قد عرف ان الغير هنا لا يعني الغير ~~المنفصل عنه بل ما تغاير في العلم وان الافتقار المراد به اللازم فيكون ~~المعنى ان الموصوف مستلزم الصفة ومعنى افتقاره اليها انه لا يكون له حقيقة ~~اولا يكون على ما هو عليه الا بها ms619 وانه يلزم من عدمها عدمه لكن تلك الصفة ~~ايضا يلزم من عدم الموصوف عدمها ولا حقيقة لها ولا وجود الا بالموصوف ~~وكونها تستلزم الموصوف وهو افتقارها إلى الموصوف ابلغ من كون الموصوف ~~مستلزما لها واذا كان كذلك كان الموصوف واجبا للوجود ولم يكن يفتقر إلى شيء ~~منفصل عنه ولكن معنى حاجته استلزامه للصفة التي هي مستلزمة له وهذا حق وهو ~~غير مناف لوجوب الوجود بل لا يكون وجود واجب ولا غير واجب الا كذلك # والوجه التاسع عشر انه لو فرض ان ذاته مستلزمهة لشيء منفصل عنه من حيز أو ~~غيره لكان بحيث يلزم من عدم ذلك اللازم لذاته المنفصل عنه عدم الملزوم الذي ~~هو ذاته ثم لم يقل أحد من الخلائق بأن رب العالمين مفتقر لاجل PageV02P137 ~~ذلك إلى ما يكون عنه ولا على قول القائل بالتعليل والتوليد الذين منهم خرج ~~التكلم بواجب الوجود فانهم يقولون انه علة تامة مستلزم لوجود معلوله الذي ~~هو العالم الذي تولد عنه ومع هذا فهو واجب الوجود ليس بممكن الوجود ولا ~~يفتقر إلى غيره # الوجه العشرون قوله ان المسمى بالحيز والجهة امر مركب من الاجزاء ~~والابعاض لانه يمكن تقديره بالذراع والشبر وما كان كذلك كان مفتقرا إلى ~~غيره ممكنا لذاته فالمفتقر اليه اولى ان يكون ممكنا # يقال له قد تقدم ان الحيز الوجودي الذي يقال ان ذات الله مستلزمة له ليس ~~هو شيئا منفصلا عنه حتى يقال انه مركب من الاجزاء والابعاض أم ليس بمركب ~~وهذا الوجه انما هو اقامة دليل على حيز وجودي منفصل عن الله تعالى مثل ~~العرش والمنازعون له يقولون ان ذات الله ليست مستلزمة لوجود حيز وجودي ~~منفصل عنه وانما قد يقول من يقول منهم انه يكون على العرش أو يأتي في ظلل ~~من الغمام أو كان قبل ان يخلق العرش في عماء وهر السحاب الرقيق لكن لم ~~يقولوا ان ذلك لازم له بل هو من الامور الجائزة عليه فلا يكون مفتقرا اليه # والوجه الحادي والعشرون انه اذا قال قائل انه ms620 لابد من حيز وجودي غير ذاته ~~الغمام أو غيره أو الخلاء عند من يتخيل انه موجود فانه قد يقول لا نسلم ~~انما ذكره من تقديره ومساحته يدل على امكانه فان هذا هو الادلة الدالة على ~~PageV02P138 امكان ذوات المقدار وقد تقدم بيان بطلانه وانه لم يقم على ذلك ~~حجة لما ذكر ادلته على ان كل متحيز وكل جسم فهو ممكن # الوجه الثاني والعشرون انه اذا قدر ان ذلك ممكن لذاته فانه لا يكون الا ~~مفتقرا إلى الله لان كل ما سواه مفتقرا اليه وغيته ان تكون حقيقة الرب ~~مستلزمة له ويكون افتقاره اليه كما يقال من افتقار الموصوف إلى صفته واكثر ~~ما يقال انه مفتقر اليه كافتقار العلة إلى معلولها الذي هو مفتقر اليها ~~يعني ان العلة لا تكون موجودة الا بوجود معلولها ومعلولها هو مفتقر اليها ~~فجعل العلة الموجبة بنفسها مفتقرة إلى معلولها حاصله ان وجوده لا يكون الا ~~مع وجوده وهذا لا يوجب ان يكون واجب الوجود ممكنا # والوجه الثالث والعشرون قوله والمفتقر إلى الممكن بذاته اولى ان يكون ~~ممكنا لذاته فيقال اذا كان معنى الفقر ما يعود اليه حاصل كلامك وان معناه ~~ان الواجب بنفسه مستلزم لوجود ما هو ممكن بذاته وهو الواجب لذلك الممكن وهو ~~مع حاجته اليه هو الموجب فيكون حقيقة الامر ان الواجب بنفسه اوجب أو اوجد ~~ما يحتاج اليه وهذا لا يوجب ان يكون محتاجا إلى ما هو مستغن عنه ولا أن ~~يكون ممكنا بل لا يوجب إلى ما هو غيره لان ذاته هي الموجبة لكل ما يحتاج ~~اليه فلا حاجة به إلى غيره بحال هذا مع تسميتنا هذه المعاني حاجة وافتقارا ~~على ما زعمته ولكن لو كان محتاجا إلى ممكن مستغن عنه بوجه من الوجوه كان ~~فيه امكان اما اذا كان ذلك الامر محتاجا اليه من كل وجه غير مستغن عنه ~~فالحاجة إلى ما لا يقوم الا بنفسه كالحاجة إلى نفسه وذلك لا ينافي وجوبه ~~بنفسه بل حقيقة الواجب بنفسه ان لا يستغني ms621 عن نفسه ولا يكون الا ~~PageV02P139 بنفسه سمبت ذلك فقرا إلى نفسه اولم تسمه وهذه الحجة لامور قد ~~تقدم الكلام عليها فلهذا نختصر الكلام عليها ها هنا # الوجه الرابع والعشرون قوله في الثالث لو كان الباري ازلا وابدا مختصا ~~بالحيز والجهة لكان الحيز والجهة موجودين في الازل فلزم اثبات قديم غير ~~الله وذلك محال باجماع المسلمين # يقال له هؤلاء اذا قالوا بأنه مختص بحيز وجودي ازلا وابدا فليس ذلك عندهم ~~شيئا خارجا عن مسمى الله كما ان الحيز الذي هو نهايات المتحيز وحدوده ~~الداخلة فيه ليس خارجا عنه بل هو منه وعلى هذا التقدير فيكون اثباتهم لقدم ~~هذا الحيز كاثبات سائر الصفاتية للصفات القديمة من علمه وقدرته وحياته لا ~~فرق بين تحيزه وبين قيامه بنفسه وحياته وسائر صفاته اللازمة والحيز مثل ~~الحياة والعلم بل ابلغ منه في لزومه للذات كما انه كذلك في سائر المتحيزات ~~فالحيز الذي هو داخل في المتحيز الذي هو حدوده وجوانبه ونواحيه ونهاياته ~~ابلغ في لزومه لذاته من بعض الصفات كالسمع والبصر والقدرة وغير ذلك # ثم ان هذه الحجة التي ذكرها من لوازم اثبات قديم غير الله تعالى مشهورة ~~من حجج النفاة للصفات وقد ذكرها هو في نهايته فقال في حجتهم الرابع الصفات ~~القديمة لابد وان تكون مساوية للذات القديمة في القدم وذلك بمقتضى الاشتراك ~~في الحقيقة ولا يستحيل ان يكون للذات صفات قديمة لكن هذا الموضع لا يحتاج ~~إلى ذلك فانه احتج على نفي قديم غير الله باجماع المسلمين فيكون الجواب في # الوجه الخامس والعشرون وهو ان المسلمين لم يجمعوا على انه ليس لله صفة ~~قديمة بل عامة اهل القبلة على اثبات ذلك ولكن اجمعوا على انه ليس ~~PageV02P140 فيما هو خارج من مسمى الله وهو الامور المخلوقة شيء قديم فاين ~~هذا من هذا فهذا الاجماع انما يلزم لو قيل ان هناك حيزا وجوديا خارجا عن ~~مسمى الله تعالى يختص به ازلا وابداء # الوجه السادس والعشرون ان احتجاجك في هذا الاجماع لا يصح فانك قد حكيت ~~نزاع ms622 المسلمين في ان الباري هل هو متحيز ومختص بحيز وجهة وقررت ان الحيز ~~امر وجودي فتكون قد حكيت نزاع المسلمين في ثبوت حيز قديم مع الله بل قد ~~يقال حكيت اختلافهم في ثبوت حيز قديم وجودي غير الله واذاحكيت اختلافهم في ~~ذلك لم يجز ان تحكي اجماعهم على نفي قديم غير الله تعالى # وتقرير هذا في الوجه السابع والعشرين ان يقال هذه الحجة في اولها مبنية ~~على ان الحيز امر وجودي وبذلك ابطلت المنازع لك في ان الباري متحيز فلا ~~يخلو اما ان يكون الحيز وجوديا أم لا فان كان الحيز وجوديا فقد ثبت تنازع ~~الامة في ثبوت قديم غير الله معه لان النزاع في تحيزه معلوم مشهور وانت ~~انما قصدت الرد على المخالف في ذلك وان لم يكن الحيز وجوديا بطلت الحجة من ~~اصلها وعلى التقديرين لا يصح ان تحتج بالاجماع على نفي قديم غير الله تعالى ~~مع حكايتك الخلاف في ان الله متحيز وبنائك الحجة على ان الحيز امر وجودي بل ~~ان كان ما ذكرته من النزاع نقلا صحيحا وما ذكرته من الحجة صحيحة فقد ثبت ان ~~في الامة من يقول بثبوت قديم غير الله وان لم يكن صحيحا بكل الاستدلال من ~~اوله # الوجه الثامن والعشرون ان هذا اللفظ بعينه لا ينقل عن سلف الامة حتى يحتج ~~بمضمون اللفظ ولكن لما علم من مذهب الامة ان الله خالق كل شيء PageV02P141 ~~وان العالم محدث ذكر هذا اللفظ نقلا لمذهبهم بالمعنى واذا كان كذلك لم يكن ~~هذا متناولا لموارد النزاع بين الامة # الوجه التاسع والعشرون انه اورد من جهة المنازع انه لا يعنى بكونه مختصا ~~بالحيز والجهة الا انه مباينا عن العالم منفردا عنه ممتازا عنه وكونه كذلك ~~لا يقتضي وجودا آخر سوى ذات الله تعالى فبطل قولكم لو كان في الجهة لكان ~~مفتقرا إلى الغير وهذا كلام جيد قوي كما قد بيناه في ما مضى ان الحيز لا ~~خلاف بين الناس انه قد يراد به ما ليس بخارج عن ms623 مسمى الذات وان هؤلاء ~~المنازعين لا يقولون ان مع الباري موجودا هو داخل في مسمى نفسه أو موجودا ~~مستغنيا عنه فضلا عن ان يكون الرب مفتقرا اليه بل كلما سواه فانه محتاج ~~اليه وقد قرر لهم ذلك بالعالم فقال # والذي يدل على صحة ما ذكرنا ان العالم لا نزاع في انه مختص بالحيز والجهة ~~وكونه مختصا بالحيز والجهة لا معنى له الا كون البعض منفردا عن البعض ~~ممتازا عنه واذا عقلنا هذا المعنى ههنا فلم لا يجوز مثله في كون الباري ~~مختصا بالحيز والجهة وهذا كلام سديد وهو قياس من باب الاولى # ومثل هذا القياس يتعمل في حق الله تعالى وكذل ورد به الكتاب والسنة ~~واستعمله سلف الامة وائمتها كقوله تعالى @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل ~~لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم @QE@ الآية وقوله @QB@ أم له البنات ولكم البنون @QE@ وقوله ~~@QB@ أصطفى البنات على البنين @QE@ وقوله @QB@ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم ~~يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله ~~المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم @QE@ PageV02P142 وقوله @QB@ ويجعلون لله ~~ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم ~~مفرطون @QE@ # فان الله اخبر انهم اذا لم يرضوا لانفسهم ان يكون مملوك احدهم شريكه ولم ~~يرضوا لانفسهم ان يكون لهم البنات فربهم احق واولى بأن ينزهوه عما لا يرضوه ~~لانفسهم للعلم بأنه احق منهم بالتنزيه عما هو عيب ونقص عندهم وهذا كما ~~يقوله المسلم للنصراني كيف تنزه البتريك عن ان يكون له ولد وانت تقول ان ~~لله ولدا وكذلك هنا هو ينزه العالم المتحيز ان يكون مفتقرا إلى شيء موجود ~~ولا ينزه الرب المعبود اذا كان فوق العرش ان يكون مفتقرا إلى شيء موجود ~~والخالق احق بالغنى من المخلوق فتنزيهه عن الشريك والولد والحاجة كل ذلك ~~واجب ms624 له فاذا نزه بعض الموجودات عن شيء من ذلك كان تنزيهه الباري عنه اولى ~~واحرى # ولم يجب عن هذا القياس والمثل الذي ضربوه له بالعالم بجواب صحيح بل قال ~~قوله الاجسام حاصلة في الاحياز فنقول غاية ما في هذا الباب ان يقال الاجسام ~~تحتاج إلى شيء آخر وهذاغير ممتنع واما كون الله تعالى محتاج في وجوده إلى ~~شيء آخر فممتنع فظهر الفرق # فيقال له انت وجميع الخلق تسلمون ان كون العالم في حيز وجهة لا يستلزم ~~الافتقار إلى حيز موجود مستغن عن العالم فهذا لم يقله عاقل فانه يستلزم ~~التسلسل واذا كان قد علم بالعقل والاتفاق ان العالم يستغنى في تحيزه عن حيز ~~موجود خارج عنه فخالق العالم اولى ان يكون مستغنيا عن ذلك ومن قال انه في ~~تحيزه يكون مفتقرا إلى شيء موجود خارج عنه فلم يكفه انه عدله بالمخلوقات بل ~~فضل المخلوق بالاستغناء عليه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ~~PageV02P143 # واما قوله ايضا في الجواب فد بينا بالبراهين القاطعة ان الاحياز اشياء ~~موجودة فلا يبقى في صحتها شك فيقال له قد تبين ان هذه من اضعف الشبه مع انك ~~مبطل لها كما تقدم ثم ما ذكرته في نهايتك في ذلك منقوص عليك في العالم فما ~~كان جوابك فيه كان جواب منازعك هنا لانك ضربت لله امثالا اوجبت فيها انه ~~محتاج مع وصفك لمن هو دونه بالغنى عما جعلته محتاجا اليه # ويكفيك ضلالا انك لو اشركت بالله وجعلته مثل المخلوقات لنجوت من هذا ~~الضلال الذي اوجبت فيه حاجة رب العالمين إلى غيره اذا كان فوق العالم بل ~~هذه الحال الذي سلكتها اسوأ من حال المشركين في هذا المقام حيث اغنيت ~~المخلوق عما احوجت اليه الخالق @QB@ الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش @QE@ # ومثله في هذه المناظرة كما وقع بين اثنين واحد من المثبتة الذين يثبتهم ~~الله بالقول الثابت وآخر من النفاة قال النافي للمثبت اذا قلتم ان الله فوق ~~العالم وفوق العرش لزم ان ms625 يكون محتاجا إلى العرش أو يكون محمولا له محتاجا ~~اليه كما اذا كان احدنا على السطح فقال له المثبت السماء فوق الأرض وليست ~~محتاجة اليها وكذلك العرش فوق السموات وليس محتاجا اليها فاذا كان كثير من ~~الامور العالية فوق غيرها ليس محتاجا اليها فكيف يجب ان يكون خالق الخلق ~~الغني الصمد محتاجا إلى ما هو عال عليه وهو فوقه مع انه هو خالقه وربه ~~ومليكه وذكل المخلوق بعض مخلوقاته مفتقر في كل اموره اليه فاذا كان المخلوق ~~اذا علا على كل شيء غني عنه لم يجب ان يكون محتاجا اليه فكيف يجب على الرب ~~اذا علا على كل شيء من مخلوقاته وذلك الشيء مفتقر اليه ان يكون الله محتاجا ~~اليه PageV02P144 # الوجه الثلاثون انه قال في الاعتراض لا معنى لكونه مختصا بالحيز والجهة ~~الا كونه مباينا عن العالم منفردا عنه ممتازا عنه وكونه كذلك لا يقتضى وجود ~~امر آخر سوى ذات الله تعالى فقال في الجواب اما قوله المراد من كونه مختصا ~~بالحيز والجهة كونه تعالى منفردا عن العالم أو ممتازا عنه أو بائنا عنه ~~قلنا هذه الالفاظ كلها مجملة فان الانفراد والامتياز والمباينة قد تذكر ~~ويراد بها المخالفة في الحقيقة والماهية وذلك مما لا نزاع فيه ولكنه لا ~~يقتضي الجهة والدليل على ذلك هو ان حقيقة ذات الله تعالى مخالفة لحقيقة ~~الحيز واجهة وهذه المخالفة والمباينة ليست بالجهة فان امتياز ذات الله عن ~~الجهة لا يكون بجهة اخرى والا لزم التسلسل # فيقال له هذا الذي ذكرته ليس دليلا على ان المخالفة في الحقيقة والماهية ~~لا تقتضي الجهة فان قولك ان حقيقة ذات الله تعالى مخالفة لحقيقة الحيز ~~والجهة وليس ذلك بالجهة انما يكون حجة لو ثبت ان الحيز والجهة امر وجودي ~~فان الكلام هنا انما هو في الامتياز والمباينة التي من الامور الموجودة لا ~~بين الموجود والمعدوم فان المعدوم ليس شيء في الخارج حتى يحتاج إلى التمييز ~~بينه وبين غيره وليس له حقيقة وماهية حتى يميز بينه وبين غيره ولو ms626 فرض انه ~~محتاج إلى التمييز بينه وبين غيره فالكلام هنا هو المباينة التي بين ~~موجودين وهي المباينة بين الله وبين العالم # واذا كان كذلك كان احتجاجه بالمباينة التي بين الله وبين الجهة على ~~المباينة بين الموجودين يكون بالحقيقة لا بالجهة انما يقع اذا كانت الجهة ~~امرا وجوديا وهذا هو محل النزاع الذي نازعه فيه المنازع على ان الجهة ~~المضافة PageV02P145 الى الله تعالى ليست امرا موجودا فانه لا معنى لكون ~~الباري في الجهة الا كونه مباينا للعالم ممتازا عنه منفردا وهو لا يقتضي ~~وجود امر سوى ذات الله فاذا احتج على ان المباينة التي بين الله تعالى وبين ~~العالم انما هي بالحقيقة ومباينة الشيء بالحقيقة لا يقتضي الجهة كمباينة ~~الرب للجهة كان قد سلم ان الجهة امر وجودي في هذا الجواب وهذه مصادرة على ~~المطلوب حيث جعل الشيء مقدمة في اثبات نفسه والمنازع يقول لا اسلم ان الجهة ~~امر موجود حتى يقال ان الله تعالى مباين لشيء موجود بغير جهة فان النزاع ما ~~وقع الا في وجودها وهذا اول المسألة فكيف يحتج في وجوده بدليل محتج فيه ~~بوجوده وهذا ظاهر لا يخفى على من تدبره وظهر انه لم يذكر حجة على ان ~~المخالفة بالحقيقة لا تقتضي الجهة # الوجه الحادي والثلاثون ان يقال المعلوم من المباينة والامتياز بالحقيقة ~~والماهية لا يخلوا عن الجهة وذلك انه اما ان يكون بين جوهرين وجسمين وما ~~يقوم بهما وكل منهما مباين للآخر بالجهة واما ان يكون عرضين بجوهر واحد ~~وعين واحدة كطعمه ولونه وريحه وعلمه وقدرته أو بين العينين وبين صفاتها ~~واعراضها كالتميز بين الجسم وبين طعمه ولونه وريحه وهذان الموضعان لا تخلوا ~~الامرين عن الجهة ايضا فان الجوهر هو في الحيز بنفسه بخلاف العرض الذي فيه ~~فانه قائم في الحيز تبعا لغيره واما الصفتان والعرضان فهما ايضا قائمان ~~بمتحيز وان كان احدهما لا يتميز عن الآخر بمحله فليس في الاشياء الموجودة ~~التي يعلم تباينها وتمايزها ما يخلوا عن الجهة والحيز # فان قيل فاحد العرضين مباين ms627 الاخر بحقيقته مع اتفاق محلهما # فيقال الوجه الثاني والثلاثون وهو ان كل شيئين قائمين بأنفسهما لا يباين ~~احدهما الآخر الا بالجهة وذلك ان الموجودات كلها الواجب والممكن ~~PageV02P146 اما قائم بنفسه واما القائم بغيره فالقائمان بأنفسهما لا يتميز ~~بعضهما عن بعض الا بالجهة واما القائم بغيره فانه تبع في الوجود للقائم ~~بنفسه # يوضع ذلك ان قالقائم بغيره هو محتاج إلى محل ومكان # وايضا فقد يقال الاعراض نوعان احدهما مالا تشرتط له الحياة وهي قسمان # احدهما الاكوان وهي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق فهذه لا تتميز ~~وتتباين الا بالجهة والحيز وان كان تبعا للمحل فلا يفرق بين الحركة والسكون ~~ولا بين الاجتماع والافتراق الا بالحيز والجهة فان الحركة انتقال في حيز ~~بعد حيز والسكون دوام في حيز واحد والاجتماع يكون بتلاقي الحيزين والافتراق ~~يكون بتباينهما # والثاني الطعوم والالوان والروايح وهذه هي الصفات فهذه الامور لا تدرك ~~بشيء واحد بل تتميز بحواس مختلفة فالذي يتميز به هذا غير الذي يتميز به هذا ~~فحقائقها لا تظهر الا بادراكها وادراكها من اجناس في احياز متباينة فامتياز ~~الاحياز التي لا دراكاها تقوم مقام امتياز احيازها # والقسم الثاني ما تشترط له الحياة كالعلم والقدرة والسمع والبصر فهذه ~~ايضا متابينة قد يحصل بين محالها التباين فقد يحصل بين آثارها من تباين ~~المحال ما يقوم مقام تباين محالها وقد يقال هذه الاعراض كلها مفروضة ~~الاضافة إلى الغير وذلك الغير الذي هي مضافة اليه متباين بجهته فهي متباينة ~~بالاضافة إلى ما تتباين جهته وظهر انه ليس في الموجودات ما يباين غيره ~~بمجرد حقيقته المجردة عن الجهة من كل وجه بل لابد من شيء يظهر تحصل به ~~PageV02P147 الوجه الثالث والثلاثون أن يقال لا نسلم أنه إذا قيل هذا مباين ~~لهذا وممتاز عنه أو منفرد عنه فإنه لا يراد به إلا أن حقيقته ليست مثل ~~حقيقته بل المراد بذلك أن هذا في ناحية عن هذا وأنه منفصل عنه بحيث يكون ~~حيزه غير حيز هذا هو المعروف من هذا وأما الإختلاف في الحقيقة فمعناه ms628 عدم ~~المماثلة فإن الحقائق إما مختلفة وإما متماثلة ومن المعلوم أنه إذا قيل ان ~~الله مباين للعالم أو ممتاز عنه ومنفرد عنه لم يرد به أن الله ليس مثل ~~العالم وهذا كما قيل لإبن المبارك بماذا نعرف ربنا بأنه فوق سمواته على ~~عرشه بائن من خلقه فهذه المباينة لا يراد بها عدم المماثلة بل يراد بها أنه ~~منفصل عنه وتصور ذلك بديهي ظاهر # وما يعلم في المواضع التي يستعمل فيها لفظ مباينة الشيء لغيره وامتيازه ~~عنه وانفراده عنه ألا ويكون ذلك مع إنفصال أحدهما عن الآخر حتى إذا ضمن ذلك ~~المفاضلة وعدم المماثلة مثل أن يقال هذا متميز عن هذا بكذا وكذا وهذا منفرد ~~عن إقرانه بكذا وكذا ففي هذه المواضع كلها يوجد معنى الإنفصال والتميز ~~بالحيز والجهة دليل ذلك أنه لا يعرف أن يقال اللون منفرد عن الطعم ومباين ~~له مع أن أحدهما ليس مثل الآخر فعلم أن المخالفة التي مضمونها عدم المماثلة ~~فهي متضمنة الإنفصال # الوجه الرابع والثلاثون أن يقال المختلفان في الحقيقة هما اللذان لا ~~يتماثلان فالمماثلة ضد المخالفة والإختلاف ضد التماثل وعدم التماثل لا بد ~~أن يستلزم صفات حقيقية ثبوتية أختلفا بها وإلا فالعدم المحض لا يوجب إمتياز ~~أحدهما عن الآخر فإذن التباين بمعنى الأختلاف في الحقيقة يقتضي أمورا ~~ثبوتية خالف بهما أحدهما الآخر مخالفة تنفي ثماثله وإذا كان المراد ~~بالمباينة ذلك لم يجز العلم بها إلا بعد العلم PageV02P148 بأن الشيئين ~~ليسا متماثلين وذلك لا يكون إلا بعد العلم بأمور ثبوتية تنفي مماثلتهما كما ~~يعلم الطعم واللون والريح فيعلم أنها ليست متماثلة والعلم بأن الخالق مباين ~~للمخلوق وأنه ممتاز عنه وأنه منفرد عنه يحصل قبل العلم بأن الله لا مثيل له ~~وأن حقيقته مخالفة لحقيقة العالم كما أنه قد يحصل العلم بأنه ليس مماثلا ~~للخلق بل مخالف له قبل العلم بأنه مباين للعالم ممتاز عنه منفرد عنه فإن ~~باب الكيف غير باب الكم وباب الصفة غير باب القدر # وإذا كانت المباينة بالقدر والجهة تعلم دون هذه ms629 علم أنها أيضا ثابتة وأن ~~كانت تلك أيضا ثابتة وأنه مباين للخلق بالوجهين جميعا بل المباينة بالجهة ~~والقدر أكمل فإنها تكون لما يقوم بنفسه كما تكون له المباينة بالصفة ~~والكيفية وأما المباينة بمجرد الصفة والكيفية فلا تكون إلا لما يقوم بغيره ~~لأن عدم قيامه بنفسه يمنع أن يكون له قدر وحيز وجهة على سبيل الإستقلال ومن ~~ها هنا تبينا الوجه الخامس والثلاثون وهو أن من المعلوم أن مباينة الله ~~لخلقه أعظم من مباينة بعض الخلق بعضا سواء في ذلك مباينة الأجسام بعضها ~~لبعض والأعراض بعضها لبعض ومباينة الأجسام للأعراض ثم الأجسام والأعراض ~~تتباين مع تماثلها بأحيازها وجهاتها المستلزمة لتباين أعيانها وتتباين مع ~~اختلافها كالجسمين المختلفين والعرضين المختلفين في محلين وأدنى ما تتباين ~~به الإختلاف في الحقيقة والصفة دون الحيز كالعرضين المختلفين في محل واحد ~~PageV02P149 فلو لم يباين الباري لخلقه إلا بمجرد الإختلاف في الحقيقة ~~والصفة دون الجهة والحيز والقدر لكانت مباينته لخلقه من جنس مباينة العرض ~~لعرض آخر حال في محله أو مباينة الجسم للعرض الحال في محله وهذا يقتضي أن ~~مباينته للعالم من جنس مباينة الشيئين اللذين هما في حيز واحد ومحل واحد ~~فلا تكون هذه المباينة تنفي أن يكون هو العالم في محل واحد بل إذا كان ~~العالم قائما بنفسه وكانت مباينته له من هذا الجنس كانت مباينته للعالم ~~مباينة العرض للجسم الذي قام به ويكون العالم كالجسم وهو معه كالعرض وذلك ~~يستلزم أن تكون مباينته للعالم مباينة المفتقر إلى العالم وإلى محل يحله لا ~~سيما والقائم بنفسه مستغن عن الحال فيه وهذا من أبطل الباطل وأعظم الكفر ~~فإن الله غني عن العالمين كما تقدم # ومن ها هنا جعله كثير من الجهمية حالا في كل مكان وربما جعلوه نفس الوجود ~~القائم بالذوات أو جعلوه الوجود المطلق أو نفس الموجودات فهذا كله مع أنه ~~من أبطل الباطل وهو تعطيل للصانع ففيه من إثبات فقره وحاجته إ إلى العالم ~~ما يجب تنزيه الله عنه # وهؤلاء قد زعموا أنهم نزهوه عن ms630 الحيز والجهة فلا يكون مفتقرا إلى غيره ~~فأحوجوه بهذا التنزيه إلى كل شيء وصرحوا بهذه الحاجة كما ذكرناه في غير هذا ~~الموضع فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا @QB@ وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا @QE@ PageV02P150 ومع هذا فهؤلاء أقرب إلى الإثبات وإلى العلم ~~من إثبات مباينة لا تعقل بحال وهو مباينة من قال لا داخل العالم ولا خارجه ~~فإن هذه ليست كشيء من المباينات المعروفة التي أدناها مباينة العرض للجسم ~~أو للعرض بحقيقته وأن ذلك يقتضي أن يكون أحدهما في الآخر أو يكونان كلاهما ~~في محل واحد # وإذا كان هؤلاء النفاة لم يثبتوا له مباينة تعقل وتعرف بين موجودين علم ~~أنه في موجب قولهم معدوما كما اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن ذلك حقيقة قول ~~هؤلاء الجهمية الذين يقولون إنه ليس فوق العرش إنهم جعلوه معدوما ووصفوه ~~بصفة المعدوم # يدل على ذلك أن هذا الرازي جعل مباينته لخلقه من جنس مباينته للحيز ولا ~~يجب أن يكون موجودا كما تقدم فعلم أنهم أثبتوا مباينته للعالم من جنس ~~مباينة الموجود للمعدوم أو من جنس مباينة المعدوم للمعدوم والعالم موجود لا ~~ريب فيه فيكونون قد جعلوه بمنزلة المعدوم وهذا حقيقة قولهم وإن كانوا قد لا ~~يعلمون ذلك فإن هذا حال الضالين # الوجه السادس والثلاثون أن يقال هب أنهم أثبتوا له مباينة تعقل لبعض ~~الموجودات فالواجب أن يكون مباينته للخلق أعظم من مباينة كل لكل فيجب أن ~~يثبت له من المباينة أعظم من مباينة العرض للعرض ومباينة الجوهر للجوهر ~~وذلك يقتضي أن يثبت له المباينة بالصفة التي تسمى المباينة بالحقيقة ~~والكيفية والمباينة بالقدر التي تسمى المباينة بالجهة أو الكمية وأن كانت ~~مباينته لهذين أعظم مما يعلم من مباينة المخلوق للمخلوق إذ ليس كمثله شيء ms631 ~~في شيء مما يوصف به وأما إثبات بعض المباينات دون بعضها فهذا يقتضي مماثلته ~~للمخلوق وأن يكون شبهه ببعض المخلوقات أعظم من شبه بعضها ببعض وذلك ممتنع ~~PageV02P151 # يوضح ذلك الوجه السابع والثالثون وهو أن المباينة تقتضي المخالفة في ~~الحقيقة وهي ضد المماثلة وحيث كانت المباينة فإنها تستلزم ذلك فإن المباينة ~~بالجهة والحيز تقتضي أن تكون عين أحدهما مغايرة لعين الآخر وهذا فيه رفع ~~الأتحاد وإثبات مخالفة وكذلك أختلاف الصفة والقدر ترفع المماثلة وتثبت ~~المباينة والمخالفة وهو ان كان قد قال ان المباينة يعني بها المباينة ~~بالجهة والمخالفة في الحقيقة وقد ذكرنا انها في المعنى الاول اظهر فإنها ~~تستلزم الأختلاف في الحقيقة حيث كانت فإن الشيئين المتماثلين لا يتصور أن ~~يتماثلا حتى يرتفع التباين في العين بل لا بد أن تكون عين أحدهما ليست عين ~~الآخر وأن يكون له ما يخصه من أحوال كالعرضين المتماثلين بل السوادين إذا ~~حل أحدهما في محل بعد الآخر فإن زمان هذا غير زمان الآخر ولهذا يقال ~~المباينة تكون بالزمان وتكون بالمكان وتكون بالحقيقة # المقصود هنا أن المباينة مستلزمة لرفع المماثلة فإذا كان الله سبحانه ليس ~~كملثه شيء في أمر من الأمور وجب أن تكون له المباينة التامة بكل وجه فيكون ~~مباينا للخلق بصفته وقدره بحقيقته وجهته وبقدمه الذي يفارق به الكائنات في ~~زمانها فتكون الأشياء مباينة له بمكانها وزمانها وحقيقتها وهو سبحانه مباين ~~لها بأزله وأبده وظهوره وبطونه فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو مباين ~~لها بصفته سبحانه وتعالى # يؤيد هذا أن المثبتة للصور أعظم تنزيها لله عن مماثلة الخلق من نفاتها ~~لأن الأمور السلبية لا ترفع المماثلة بل الإعدام متماثلة وإنما يرتفع ~~التماثل بالأمور الوجودية فكل من كان أعظم إثباتا لما توجبه اسماء الله ~~وصفاته كان رفعه PageV02P152 المماثلة عن الله أعظم وظهر أن هؤلاء الجهمية ~~الذين يزعمون أنهم يقصدون تنزيهه عن المشابهه هم الذين جعلوا له أمثالا ~~وأندادا فيما أثبتوه وفيما نفوه كما تقدم بيان ذلك والله أعلم $ فصل # قال الرزاي البرهان الثالث في ms632 أنه يمتنع أن يكون الله مختصا بالجهة ~~والحيز هو أنه لو كان مختصا بالجهه والحيز لكان لا يخلو إما أن يقال إنه ~~غير متناه من جميع الجوانب أو يقال إنه غير متناه من بعض الجوانب أو يقال ~~إنه متناه من كل الجوانب والأقسام الثلاثة باطلة فالقول بكونه مختصا بحيز ~~وجهة باطل # أما قولنا إنه يمتنع أن يكون غير متناه من جميع الجوانب فيدل عليه وجوه # الأول أن وجود بعد لا نهاية له محال والدليل عليه أن فرض بعد غير متناه ~~بفضي إلى المحال فوجب أن يكون محالا وإنما قلنا إنه بفضي إلى المحال لأنا ~~إذا فرضنا بعدا غير متناه وفرضنا بعدا آخر متناهيا موازيا له ثم زال خط ~~المتناهي من الموازاة إلى المسامتة فنقول هذا يقتضي أن يحصل من الخط الأول ~~الذي هو غير متناه نقطة هي أول نقطة المسامتة وذلك الخط المتناهي ما كان ~~مسامتا للخط الغير متناهي ثم صار مسامتا له فكانت هذه المسامتة حادثه في ~~أول أوان حدوثها لا بد وأن يكون مع نقطة معينة فتكون تلك النقطة هي أول ~~نقطة المسامتة لكن كون الخط غير متناه يمنع من ذلك لأن المسامتة مع النقطة ~~PageV02P153 الفوقانية تحصل قبل المسامتة مع النقطة التحتانية فإذا كان ~~الخط غير متناه فلا نقطة فيه إلا وفوقها نقطة أخرى وذلك يمنع من حصول ~~المسامتة في المرة الأولى مع نقطة معينة فثبت أن هذا يقتضي أن يحصل في الخط ~~الغير متناهي نقطة هي أول نقطة المسامتة وأن لا يحصل وهذا المحال إنما لزم ~~من فرضنا أن ذلك الخط غير متناه فوجب أن يكون في ذلك محالا فثبت أن القول ~~بوجود بعد متناه محال # الوجه الثاني وهو أنه إذا كان القول بوجود بعد غير متناه ليس محالا فعند ~~هذا لا يمكن إقامة الدليل على كون العالم متناهيا بكلية وذلك باطل بالإجماع # الوجه الثالث أنه لو كان غير متناه من جميع الجوانب لوجب أن لا يخلو شيء ~~من الجهات والأحياز عن ذاته فحينئذ يلزم أن يكون ms633 العالم مخالطا لأجزاء ذاته ~~وأن تكون القاذورات والنجاسات كذلك وهذا لا يقوله عاقل # وأما القسم الثاني وهو أن نقول غير متناه من بعض الجوانب وقناه من سائر ~~الجوانب فهو أيضا باطل لوجهين # الأول أن البرهان الذي ذكرناه على امتناع بعد غير متناه قائم سواء قيل ~~إنه غير متناه من كل الجوانب أو من بعض الجوانب # الثاني أن الجانب الذي فرض أنه غير متناه والجانب الذي فرض أنه متناه إما ~~أن يكونا متساويين في الحقيقة والماهية وأما أن لا يكونا كذلك أما القسم ~~الأول فإنه يقتضي أن يصح على كل واحد من هذين الجانبين ما يصح على الجانب ~~الآخر وذلك بقتضي جواز الفصل والوصل والزيادة والنقصان على ذات الله تعالى ~~وهو محال وأما القسم الثاني وهو القول بأن PageV02P154 أحد الجانبين مخالف ~~للجانب الثاني في الحقيقة والماهية فنقول أن هذا محال من وجوه الأول أن هذا ~~يقتضي كون ذاته مركبة وهو باطل كما بينا الثاني أنا بينا أنه لا معنى ~~للمتحيز إلا الشيء الممتد في الجهات المختص بالأحياز وبينا أن المقدار ~~يمتنع أن يكون صفة بل يجب أن يكون ذاتا وبينا أنه متى كان الأمر كذلك كان ~~جميع المتحيزات متساوية وإذا كان كذلك أمتنع القول بأن أحد جانبي ذلك شيء ~~مخالف للجانب الآخر في الحقيقة والماهية # أما القسم الثالث وهو ان يقال إنه متناه من كل الجوانب فهذا أيضا باطل من ~~وجهين الأول أن كل ما كان متناهيا من جميع الجوانب كانت حقيقته قابلة ~~الزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك كان محدثا على ما بيناه الثاني أنه كان ~~متناهيا من جميع الجوانب فحينئذ تفرض فوقه أحياز خالية وجهات فارغة فلا ~~يكون هو تعالى فوق جميع الأشياء بل تكون تلك الأحياز أشد فوقية من الله # وايضا فهو تعالى قادر على خلق الجسم في الحيز الفارغ فلو فرض حيز خال ~~لكان قادرا على أن يخلق فيه جسما وعلى هذا التقدير يكون ذلك الجسم فوق الله ~~تعالى وذلك عند الخصم محال مثبت أنه لو كان ms634 في جهة لم يخل الأمر عن أحد هذه ~~الأقسام الثلاثة وثبت أن كل واحد منها باطل محال فكان القول بأن الله تعالى ~~في الحيز والجهة محال # فإن قيل الستم تقولون أنه غير متناه في ذاته فيلزمكم جميع ما ألزمتمونا # قلنا الشيء الذي يقال إنه غير متناه على وجهين أحدهما أنه شيء غير مختص ~~بجهة وحيز ومتى كان كذلك امتنع أن يكون له طرف ونهاية وحد PageV02P155 # والثاني أنه مختص بجهة وحيز إلا أنه مع ذلك ليس لذاته مقطع وحد فنحن إذا ~~قلنا لا نهاية لذات الله تعالى عنينا به التفسير الأول فإن كان مرادكم ذلك ~~فقد ارتفع النزاع بيننا وإن كان مرادكم هو الوجه الثاني فحينئذ يتوجه عليكم ~~ما ذكرنا من الدليل ولا ينقلب ذلك علينا لأنا لا نقول انه غير متناه بهذا ~~التفسير حتى يلزمنا ذلك الإلزام فظهر الفرق وبالله التوفيق # يقال هذه الحجة هي من جنس قولهم لو كان فوق العرش لكان إما أن يكون أصغر ~~منه أو بقدره أو أكبر منه ببعد متناه أو غير متناه وهذه الحجج من حجج ~~الجهمية قديما كما ذكر ذلك الأئمة وذكروا أن جهما وأتباعه هم أول من أحدلث ~~في ألإسلام هذه الصفات السلبية وإبطال نقيضها مثل قولهم ليس فوق العالم ولا ~~هو داخل العالم ولا خارجه وليس في مكان دون مكان وليس بمتحيز ولا جوهر ولا ~~جسم ولا نهاية ولا حد ونحو هذه العبارات فإن هذه العبارات جميعها وما ~~يشبهها لا تؤثر عن أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة الدين المعروفين ~~ولا يروي بها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا توجد في شيء من كتب ~~الله المنزلة من عنده بل هذه هي من أقوال الجهمية ومن الكلام الذي إتفق ~~السلف على ذمة لما أحدثه من أحدثه فحيث ورد في كلام السلف ذم الجهمية كأن ~~أهل هذه العبارات داخلين في ذلك وحيث ورد عنهم الكلام والمتكلمين كان أهل ~~هذه العبارات داخلين في ذلك فإن ذلك لما أحدثه المبتدعون كثر ذم ms635 أئمة الدين ~~لهم وكلامهم في ذلك كثير قد صنف فيه مصنفات حتى إن أعيان هذه العبارات ~~وأمثالها ذكرها السلف والأئمة فيما أنكروه على الجهمية وأهل الكلام المحدث ~~PageV02P156 وقد قدمنا ما وصفه الإمام أحمد من مذهب جهم حيث قال وتأول ~~القرآن على غير تأويله وكذب باحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وزعم أن من ~~وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه النبي كان كافرا وكان ~~من المشبهة فأضل بشرا كثيرا وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب ~~عمرو إبن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية فإذا سالهم الناس عن قول الله عز ~~وجل @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ما تفسيره يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء هو ~~نحت الأرضين السابعة كما هو على العرش لا يخلو منه مكان ولا هو في مكان دون ~~مكان ولا يتكلم ولا يكلم ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا ينظر إليه أحد في ~~الآخرة ولا يوصف ولا يعرف بصفته ولا يعقل ولا له غاية ولا منتهى ولا يدرك ~~بعقل وهو وجه كله وهو سمع كله وهو نور كله وهو قدرة كله ولا يوصف بوصفين ~~مختلفين وليس له أعلا ولا أسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا شمال ولا ~~هو خفيف ولا ثقيل ولا له لون ولا له جسم وليس بمعقول وكلما خطر بقلبك أنه ~~شيء تعرفه فالله بخلافه # وقال أيضا الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد في كتابه المعروف الذي سماه نقض ~~عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد ~~قال # باب الحد والعرش # وادعى المعارض أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية قال وهذا هو الأصل الذي ~~بني عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها أغلوطاته وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق ~~جهما إليها أحد من العالمين فقال له قائل ممن يحاوره قد علمت مرادك أيها ~~الأعجمي تعني أن الله لا شيء لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه ~~إسم الشيء إلا ms636 وله حد وغاية وصفة وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ~~PageV02P157 ولا صفة فالشيء ابدا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا ~~غاية وقولك لا حد له تعني أنه لا شيء # قال أبو سعيد والله تعالى له حد لا يعلمه غيره ولا يجوز لأحد أن يتوهم ~~لحده عاية في نفسه ولكن نؤمن بالحد ونكل علم ذلك إلى الله ولمكانه أيضا حد ~~وهو على عرشه فوق سمواته فهذان حدان إثنان # قال وسئل إبن المبارك بم نعرف ربنا قال بأنه على عرشه بائن من خلقه قيل ~~بحد قال بحد حدثناه الحسن بن الصباح البزار عن علي بن الحسن بن شقيق عن أبن ~~المبارك قال فمن ادعى أن ليس لله حد فقد ردالقرآن وادعى أنه لا شيء لأن ~~الله تعالى وصف حد مكانه في مواضع كثيرة من كتابه فقال @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ @QB@ يخافون ربهم من فوقهم ~~@QE@ @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ ~~فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل ~~الله وجحد آيات الله # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله فوق عرشه فوق سمواته وقال ~~للأمة السوداء أين الله قالت في السماء قال أعتقها فإنها مؤمنة فقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنها مؤمنة دليل على أنها لو لم تؤمن أن الله في ~~السماء لم تكن مؤمنة وأنه لا يجوز في الرقبة المؤمنة إلا من شهد لله أنه في ~~السماء كما قال الله ورسوله # ثم قال وحدثنا أحمد بن منيع البغدادي حدثنا أبو معاوية عن شبيب إبن شيبة ~~عن الحسن عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبيه يا حصين ~~كم تعبد اليوم إلها قال سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء قال فأيهم تعده ~~لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P158 على الكافر إذا عرف أن أله العالمين في السماء كما ms637 قاله النبي ~~صلى الله عليه وسلم لحصين الخزاعي في كفره يوئذ كان أعلم بالله الجليل ~~الأجل من المريسي وأصحابه معما ينتحلون من الإسلام إذ ميز بين الإله الخالق ~~الذي في السماء وبين الآلهة والأصنام المخلوقة التي في الأرض فقد اتفقت ~~الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء وحدوه بذلك إلا المريسي ~~الضال وأصحابه حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم قد عرفوه بذلك إذا حزب ~~الصبي شيء رفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها فكل أحد بالله ~~وبمكانه أعلم من الجهمية # وقدمنا أيضا قوله في ضمن رده على الجهمي المنكر لأستواء الله على العرش ~~قال وأعجب من هذا كله قياسك الله بقياس العرش ومقداره ووزنه من صغير أو ~~كبير وزعمت كالصبيان العميان أن كان الله أكبر من العرش أو أصغر منه أو ~~مثله فإن كان الله أصغر فقد صيرتم العرش أعظم منه وإن كان أكبر من العرش ~~فقد ادعيتم فيه فضلا عن العرش وإن كان مثله فإنه إذا ضم إلى العرش السموات ~~والأرض كانت أكبر من خرافات تكلم بها وترهات يلعب بها وضلالات يضل بها لو ~~كان من يعمل عليه لله لقطع ثمرة لسانه والخيبة لقوم هذا مقيههم والمنظور ~~إليه مع هذا التمييز كله وهذا النظر وكل هذه الجهالات والضلالات # فيقال لهذا البقباق النفاخ إن الله أعظم من كل شيء وأكبر من كل خلق ولم ~~يحتمله العرش عظما ولا قوة ولا حمله العرش احتملوه بقوتهم ولا استقلوا ~~بعرشه بشدة أسرهم ولكنهم حملوه بقدرته ومشيئته وإرادته وتأييده لولا ذلك ما ~~أطاقوا حمله وقد بلغنا أنهم حين حملوا العرش وفوقه الجبار في عزته ~~PageV02P159 وبهائه ضعفوا عن حمله واستكانوا وجثوا على ركبهم حتى لقنوا لا ~~حول ولا قوة الا بالله فاستقلوا به بقدرة الله وارادته ولولا ذلك ما استقل ~~به العرش ولا الحملة ولا السموات والأرض ومن فيهن ولو قد شاء لا ستقل على ~~ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم اكبر من ~~السموات السبع والارضين ms638 السبع ولو كان العرش في السموات والارضين ما وسعته ~~ولكنه فوق السماء السابعة # واذا عرف اصل هذا الكلام فجيمع السلف والائمة الذين بلغهم ذلك انكروا ما ~~فيه من هذه المعاني السلبية التي تنافي ما جاء به الكتاب والسنة # ثم من كان من السلف اخبر بحال الجهمية مثل الذين كانوا يباشرونهم من ~~السلف والائمة الذين بالعراق وخراسان اذ ذاك فانهم كانوا اخبر بحقيقة امرهم ~~لمجاورتهم لهم فانهم قد يتكلمون بنقيض ما نفوه وقد يتوقف بعضهم عن اطلاق ~~اللفظ مثل لفظ الحد فان المشاهير بالامامة في السنة اثبتوه كما ذكره عثمان ~~بن سعيد عنهم وسمى ابن المبارك # وذكر شيخ الاسلام أبو اسماعيل الانصاري الهروى في كتاب ذم الكلام باسناده ~~ما ذكره حرب بن اسماعيل الكرماني صاحب أحمد واسحاق في مسائلة عنهما وعن ~~غيرهما قال قلت لاسحاق بن إبراهيم ما تقول في قوله @QB@ ما يكون من نجوى ~~ثلاثة @QE@ الآية قال حيث ما كنت هو اقرب اليك من حبل الوريد وهو بائن من ~~خلقه قلت لاسحاق على العرش بحد قال نعم بحد وذكره عن ابن المبارك قال هو ~~على عرشه بائن من خلقه وذكر ايضا ما ذكره ابن أبي حاتم باسناده ان هشام بن ~~عبيد الله الرازي القاضي صاحب محمد بن الحسن حبس رجلا في التجهم فتاب فجيء ~~به إلى هشام ليمتحنه PageV02P160 فقال الحمد لله على التوبة اتشهد ان الله ~~على عرشه بائن من خلقه قال اشهد ان الله على عرشه ولا ادري ما بائن من خلقه ~~فقال ردوه إلى الحبس فانه لم يتب وقال شيخ الاسلام شرح مسألة حد البينونة ~~في كتاب الفاروق يعني تصنيفه باب اغنى عن تكريره ها هنا # وقال شيخ الاسلام في اثناء الطبقة الثانية من كتاب ذم الكلام واهله وسألت ~~يحيى بن عمار عن أبي حاتم بن حبان البستي قلت رأيته قال كيف لم اره ونحن ~~اخرجناه من سجستان كان له علم كثير ولم يكن له كثير دين قدم علينا فانكر ~~الحد فاخرجناه من سجستان هذا مع ان هؤلاء ms639 الذين يذكر شيخ الاسلام اقوالهم ~~من ائمة الحديث والفقه والتصوف وغيرهم وقد ذكر عنهم ذم الكلابية والكرامية ~~والاشعرية ونحوهم على ما احدثوه مما بخالف طريقة اهل السنة والحديث # وذكر الخلال في كتاب السنة ما تقدم من رواية حرب عن اسحاق ابن إبراهيم ~~وذكر ايضا عن حرب قال املي علي اسحاق بن إبراهيم ان الله عز وجل وصف نفسه ~~في كتابه بصفات استغنى الخلق ان يصفوه بغير ما وصف به نفسه من ذلك قوله ~~@QB@ يأتيهم الله في ظلل من الغمام @QE@ وقوله @QB@ وترى الملائكة حافين من ~~حول العرش @QE@ في آيات كلها تصف العرش وقد ثبتت الروايات في العرش واعلى ~~شيء فيه واثبته قول الله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ قال وانا أبو ~~بكر المروذي ثنا محمد بن الصباح النيسابوري ثنا سليمان بن داود أبو داود ~~الخفاف قال قال إساحاق بن إبراهيم بن راهويه PageV02P161 قال الله تبارك ~~وتعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ اجماع اهل العلم انه فوق العرش ~~استوى ويعلم كل شيء في اسفل الأرض السابعة وفي قعور البحر ورؤوس الآكام ~~وبطون الاودية وفي كل موضع كما يعلم علم ما في السموات السبع وما فوق العرش ~~احاط بكل شيء علما وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات البر ~~والبحر الا وقد عرف ذلك كله واحصاه ولا يعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره # قال أبو بكر الخلال في كتاب السنة انا أبو بكر المروذي قال سمعت أبا عبد ~~الله قيل له روى علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك انه قيل له كيف نعرف ~~الله قال على العرش بحد قال قد بلغني ذلك عنه واعجبه ثم قال أبو عبد الله ~~@QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام @QE@ ثم قال @QB@ وجاء ~~ربك والملك صفا صفا @QE@ قال الخلال وانا محمد بن علي الوراق حدثنا أبو بكر ~~الاثرم حدثني محمد بن إبراهيم القيسي قال قلت لاحمد بن حنبل يحكى عن ابن ~~المبارك قيل له كيف نعرف ربنا قال في السماء السابعة ms640 على عرشه بحد فقال ~~أحمد هكذا هو عندنا وقال حدثنا الحسن بن صالح العطار ثنا هارون ابن يعقوب ~~الهاشمي ان يعقوب بن العباس قال كنا عند أبي عبد الله قال فسألناه عن قول ~~ابن المبارك على العرش استوى بحد فقلنا له ما معنى قول ابن المبارك بحد قال ~~لا اعرفه ولكن ولهذا شواهد من القرآن في خمسة مواضع @QB@ إليه يصعد الكلم ~~الطيب @QE@ @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه ~~@QE@ وهو على العرش وعلمه مع كل وقولهم ما معنى قول ابن المبارك وقوله لا ~~اعرفه قد يكون لا اعرف حقيقة مراده لكن للمعنى الظاهر من اللفظ PageV02P162 ~~شواهد وهو النصوص التي تدل على ان الله تنتهي اليه الامور وانه في السماء ~~ونحو ذلك وقد يكون لا ادري من اين قال ذلك لكن له شواهد # وقال الخلال انا يوسف بن موسى ان أبا عبد الله أحمد بن حنيل قيل له والله ~~تبارك وتعالى فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه بكل ~~مكان قال نعم على عرشه لا يخلو شيء من علمه وقال اخبرني عبد الملك الميموني ~~انه سأل أبا عبد الله ما تقول فيمن قال ان الله ليس على العرش قال كلامهم ~~كله يدور على الكفر # وهذا المحفوظ عن السلف والائمة من اثبات حد لله في نفسه قد بينوا مع ذلك ~~ان العباد لا يحدونه ولا يدركونه ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه ~~بعض الناس فانهم نفوا ان يحد أحد الله كما ذكره حنبل عنه في كتاب السنة ~~والمحنة وقد رواه الخلال في كتاب السنة اخبرني عبد الله بن حنبل حدثني أبي ~~حنبل بن اسحاق قال قال عمي نحن نؤمن بالله عز وجل على عرشه كيف شاء وكما ~~شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد فصفات الله عز وجل منه وله وهو ~~كما وصف نفسه لا تدركه الابصار بحد ولا غاية وهو يدرك الابصار وهو عالم ~~الغيب والشهادة علام الغيوب ولا يدركه وصف واصف ms641 وهو كما وصف نفسه وليس من ~~الله شيء محدود ولا يبلغ علمه وقدرته أحد غلب الاشياء كلها بعلمه وقدرته ~~وسلطانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وكان الله قبل ان يكون شيء والله ~~الاول وهو الآخر ولا يبلغ أحد حد صفاته فالتسليم لامر الله والرضا بقضائه ~~نسأل الله التوفيق والسداد انه على كل شيء قدير # وذلك ان لفظ الحد عند كل من تكلم به يراد به شيئآن يراد به حقيقة الشيء ~~في نفسه ويراد به الوجود العيني أو الوجود الذهني فاخبر PageV02P163 ابو ~~عبد الله انه على العرش بلا حد يحده أحد أو صفة يبلغها واصف واتبع ذلك ~~بقوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ بحد ولا غاية وهذا التفسير الصحيح ~~للادراك أي لا تحيط الابصار بحده ولا غايته ثم قال @QB@ وهو يدرك الأبصار ~~@QE@ وهو عالم الغيب والشهادة علام الغيوب ليتبين انه عالم بنفسه وبكل شيء # وقال الخلال واخبرني علي بن عيسى ان حنبلا حدثهم قال سألت أبا عبد الله ~~عن الاحاديث التي تروى ان الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا وان ~~الله يضع قدمه وما اشبه هذه الاحاديث فقال أبو عبد الله نؤمن بها ونصدق بها ~~ولا كيف ولا معنى ولا نرد منها شيئا ونعلم ان ما جاء به الرسول حق اذا كانت ~~بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ~~ولا غاية ليس كمثله شيء قال وقال حنبل في موضع آخر قال ليس كمثله شيء في ~~ذاته كما وسف به نفسه فقد اجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ~~ليس يشبهه شيء فيعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة الا بما وصف نفسه ~~قال تعالى @QB@ وهو السميع البصير @QE@ # قال وقال حنبل في موضع آخر قال فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ ~~الواصفون وصفاته منه وله ولا يتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه كما ~~وصف نفسه ولا يتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين نؤمن بالقرآن كله محكمة ~~ومتشابهة ولا ms642 نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ~~ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه هذا كله يدل على ان الله ~~يرى في الآخرة والتحديد في هذا بدعة والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد ~~الا ما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلما PageV02P164 عالما غفورا عالم ~~الغيب والشهادة علام الغيوب فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد وهو ~~على العرش بد حد كما قال @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ كيف شاء المشيئة ~~اليه عز وجل والاستطاعة له @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وهو خالق كل شيء وهو ~~كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير قول إبراهيم لابيه @QB@ يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر @QE@ فثبت ان الله سميع بصير صفاته منه لا نتعدى ~~القرآن والحديث والخبر يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك الا بتصديق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وتثبيت القرآن ولا يصفه الواصفون ولا يحده أحد تعالى الله ~~عما يقول الجهمية والمشبهة # وقال لي أبو عبد الله قال لي اسحاق بن إبراهيم لما قرأ الكتاب بالمحنة ~~تقول @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ فقلت له @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير @QE@ قال ما اردت بهذا قلت القرآن صفة من صفات الله وصف بها نفسه لا ~~ننكر ذلك ولا نرده قلت له المشبهة ما يقولون قال من قال بصر كبصري ويد كيدي ~~وقال حنبل في موضع آخر وقدم كقدمي فقد شبه الله بخلقه وهذا يحده وهذا كلام ~~سوء وهذا محدود والكلام في هذا لا احبه قال عبد الله جردوا القرآن وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم يضع قدمه نؤمن به ولا نحده ولا نرده على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بل نؤمن به قال الله تبارك وتعالى @QB@ وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ فقد امرنا الله عز وجل بالاخذ بما ~~جاء والنهي عما نهى واسماؤه وصفاته غير مخلوقة ونعوذ بالله من الزلل ~~والارتياب والشك انه على كل شيء قدير ms643 # قال وزادني أبو القاسم الجبلي عن حنبل في هذا الكلام وقال تبارك وتعالى ~~@QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ @QB@ الله الذي لا إله إلا هو ~~الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر @QE@ ~~PageV02P165 هذه صفات الله عز وجل واسماؤه تبارك وتعالى وزاد علي بن عيسى ~~عن حنبل قال وسمعت أبا عبد الله يقول ما أحد اشد حدثا على اهل البدع ~~والخلاف من حماد بن سلمة ولا اروى لاحاديث الرؤية والرد على القدرية ~~والمعتزلة منه قال وسمعت أبا عبد الله يقول القوم يرجعون إلى التعطيل في ~~قولهم كله ينكرون الآثار وما ظننتهم هكذا حتى سمعت مقالتهم # وكذلك قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون أحد ائمة المدينة ~~المشاهير على عهد مالك بن انس وهم مالك وابن أبي ذئب وابن الماجشون هذا قال ~~في كلامه المشهور عنه الذي رواه ابن بطة وغيره بأسانيد صحيحة قال وقد سئل ~~فيما جحدته الجهمية اما بعد فقد فهمت ما سألت فيما تتابعت فيه الجهمية ومن ~~خالفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكلت الالسن عن ~~تفسير صفته وانحسرت العقول دون معرفة قدره وردت عظمته العقول فلم تجد مساغا ~~فرجعت خاسئة وهي حسيرة فانما امروا بالنظر والتفكير فيما خلق بالتقدير ~~وانما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان فأما الذي يحول ولا يزول ولم يزل ~~وليس له مثل فانه لا يعلم كيف هو الا هو وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ولا يموت ~~ولا يبلى وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدره واصف ~~على انه الحق المبين لا حق احق منه ولا شيء ابين منه الدليل على عجز العقول ~~عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة اصغر خلقه لا تكاد تراه صغيرا يحول ويزول ~~PageV02P166 ولا يرى له سمع ولا بصر ولما يتقلب به ويحتال من عقله اعضل بك ~~واخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله احسن الخالقين وخالقهم وسيد ~~السادة وربهم ms644 @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ اعرف رحمك الله ~~غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها ~~اذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف هل تستدل بذلك على شيء من ~~طاعته أو تنزجر به عن شيء من معصيته # فأما الذي جحد ما وصف الرب تعمقا وتكلفا فقد استهوته الشياطين في الأرض ~~حيران فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال لا بد ان ~~كان له كذا من ان يكون له كذا فعمي عن البين بالخفي بجحد ما سمى الرب بنفسه ~~بصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله عز ~~وجل @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ فقال لا يراه أحد يوم ~~القيامة فجحد والله افضل كرامة الله التي اكرم بها اولياءه يوم القيامة من ~~النظر إلى وجهه ونظر الله اياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر قد قضى انهم لا ~~يموتون فهم بالنظر اليه ينضرون # إلى ان قال وانما جحد رؤيته يوم القيامة اقامة للحجة الضالة المضلة لانه ~~قد عرف اذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان ~~له جاحدا وقال المسلمون يا رسول الله هل نرى ربنا فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تضارون ~~في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا قال فانكم ترون ربكم ~~يومئذ كذلك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمتليء النار حتى يضع رب ~~العزة فيها قدمه فتقول قط قط وينزوي بعضها إلى بعض وقال لثابت بن قيس بن ~~شماس لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة PageV02P167 وقال فيما بلغنا ان ~~الله ليضحك من ازلكم وقنوطكم وسرعة اجابتكم فقال له رجل من العرب ان ربنا ~~ليضحك قال نعم قال لا نعدم من رب يضحك خيرا ms645 في اشباه لهذا مما لم نحصيه # وقال الله تعالى @QB@ وهو السميع البصير @QE@ @QB@ واصبر لحكم ربك فإنك ~~بأعيننا @QE@ وقال @QB@ ولتصنع على عيني @QE@ وقال @QB@ ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدي @QE@ وقال @QB@ والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ فوالله ما دلهم على عظم ما ~~وصف به نفسه وما تحيط به قبضته الا صغر نظيرها منهم عندهم ان ذلك الذي القى ~~في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان ~~رسوله سميناه كما سماه ولم نتكلف منه صفة ما سواه لا هذا ولا هذا لا نجحد ~~ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف # اعلم رحمك الله ان العصمة في الدين ان تنتهي حيث انتهى بك ولا تجاوز ما ~~قد حد لك فان من قوام الدين معرفة المعروف وانكار المنكر فما بسطت عليه ~~المعرفة وسكنت اليه الافئدة وذكر اصله في الكتاب والسنة وتوارث علمه الامة ~~فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيبا ولا تكلفن لما وصف لك ~~من ذلك قدرا وما انكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في الحديث عن ~~نبيك من ذكر صفة ربك فلا تتكلفن علمه بعقلك ولا تصفه بلسانك واصمت عنه كما ~~صمت الرب عنه من نفسه فان تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه مثل انكارك ما وصف ~~منها فكما اعظمت ما جحد الجاحدون مما وصف من نفسه فكذلك اعظم تكلف ما وصف ~~PageV02P168 الواصفون ما لم يصف منها فقد والله عز المسلمون الذين يعرفون ~~المعروف ويمعرفتهم يعرف وينكرون المنكر ويانكارهم ينكر يسمعون ما وصف الله ~~به نفسه من هذا في كتابه وما يبلغهم مثله عن نبيه فما مرض من ذكر هذا ~~وتسميته من الرب قلب مسلم ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن ~~وما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ~~ما سمى ووصف الرب تعالى من نفسه والراسخون ms646 في العلم الواقفون حيث انتهى ~~علمهم الواصفون لربهم بما وصف من نفسه التاركون لما ترك من ذكرها لا ينكرون ~~صفة ما سمى منها جحدا ولا يتكلفون صفة ما لم يسم تعمقا لان الحق تبرك ما ~~ترك وتسمية ما سمى @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا @QE@ وهب لنا ولكم حكما والحقنا بالصالحين وهذا كله كلام ابن ~~الماجشون $ فصل # والكلام على هذه الحجة في مقامين احدهما منع المقدمة الاولى والثاني منع ~~الثانية # اما الاول فهو قول من يقول هو فوق العرش وليس له حد ولا مقدار ولا هو جسم ~~كما يقول ذلك كثير من الصفاتية من الكلابية وائمة الاشعرية وقدمائهم ومن ~~وافقهم من الفقهاء والطوائف الاربعة وغيرهم واهل الحديث والصوفية وغير ~~هؤلاء وهم امم لا يحصيهم الا الله ومن هؤلاء أبو حاتم ابن حبان وابو سليمان ~~الخطابي البستيان قال أبو سليمان الحطابي في الرسالة الناصحة لما تكلم على ~~الصفات ومما يجب ان يعلم من هذا الباب ويحكم القول فيه انه لا يجوز ان ~~يعتمد في الصفات الا الاحاديث المشهورة التي قد ثبتت بصحة PageV02P169 ~~اسانيدها وعدالة ناقليها فان قوما من اهل الحديث قد تعلقوا منها بالفاظ لا ~~تصح من طريق السند وانما هي من رواية المفاريد والشواذ فجعلوها اصلا في ~~الصفات وادخلوها في جملتها كحديث الشفاعة وما روي فيه من قوله فاعود إلى ~~ربي فاجده بمكانه أو في مكانه فزعموا على هذا المعنى ان لله مكانا تعالى ~~الله عن ذلك وانما هذه اللفظة تفرد بها في هذه القصة شريك بن عبد الله بن ~~أبي نمر وخالفه اصحابه فيها ولم يتابعوه عليها وسبيل مثل هذه الزيادة ان ~~ترد ولا تقبل لاستحالتها ولان مخالفة اصحاب الراوي له في الرواية كخلاف ~~البينة للبينة اذا تعارضت البينتان سقطتا معا وقد تحتمل هذه اللفظة لو كانت ~~صحيحة ان يكون معناها انه يجد ربه بمكانه الاول من الاجابة في الشفاعة ~~والاسعاف بالمسألة اذا كان مرويا في الخبر انه يعود مرارا فيسأل ربه في ~~المذنبين ms647 من امته كل ذلك يشفعه ويسعفه بمسألته فيهم # قلت هذا في حديث المعراج بحديث الشفاعة ولكن في حديث الشفاعة فأستأذن من ~~رواية شريك ولكن غلظ الخطابي في بذلك فاشتبه عليه حديث المعراج على ربي في ~~داره فيؤذن لي عليه فاذا رأيته وقعت ساجدا ذكر ذلك ثلاث مرات وهذا في ~~الصحيح من رواية قتادة عن انس واما تلك اللفظة فهي في حديث المعراج من ~~رواية شريك وليس هذا موضع الكلام في ذلك # قال الخطابي ومن هذا الباب قوما منهم زعموا ان لله حدا وكان اعلا ما ~~احتجوا به في ذلك حكاية عن ابن المبارك قال علي بن الحسن بن شقيق قلت لابن ~~المبارك انعرف الله بحد أو نثبته بحد فقال نعم بحد فحعلوه اصلا في ~~PageV02P170 هذا الباب وزادوا الحد في صفاته تعالى الله عن ذلك وسبيل هؤلاء ~~القوم عافانا الله واياهم ان بعلموا ان صفات الباري لا تؤخذ الا من كتاب ~~الله تعالى وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم دون قول أحد من الناس كائنا ~~من كان علت درجته أو نزلت تقدم زمانه أو تأخر لانها لا تدرك من طريق القياس ~~والاجتهاد فيكون فيها لقائل مقال ولنظر مجال على ان هذه الحكاية عن ابن ~~المبارك قد رويت لنا انه قيل له انعرف الله بجد فقال نعم بجد بالجيم دون ~~الحاء # قال وزعم بعضهم ان يقال ان له حدا لا كالحدود كما تقول يد لا كالايدي ~~فيقال له انما احوجنا إلى ان نقول يد لا كالايدي لان اليد قد جاء ذكرها في ~~القرآن وفي السنة فلزم قبولها ولم يجز ردها فاين ذكر الحد في الكتاب أو في ~~السنة حتى نقول حدا لا كالحدود كما نقول يد لا كالايدي ارأيت ان قال قائل ~~رأس لا كالرؤوس قياسا على قولنا يد لا كالايدي هل تكون الحجة عليه الا نظير ~~ما ذكرنا في الحد من انه لما جاء ذكر اليد وجب القول به ولما لم يجيء ذكر ~~الرأس لم يجز القول به # وممن انكر ms648 الحد أبو الحارث # وكان القاضي أبو يعلي ينكر الحد ثم رجع إلى الاقرار به وكذلك لفظ الجهة ~~قال في كتاب ابطال التأويلات لاخبار الصفات في كلامه على حديث العباس بن ~~عبد المطلب والاستواء على العرش فاذا ثبت انه على العرش فالعرش في جهة وهو ~~على عرشه وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع اطلاق الجهة عليه والصواب ~~جواز القول بذلك لان أحمد قد اثبت PageV02P171 هذه الصفة التي هي الاستواء ~~على العرش وأثبت أنه في السماء وكل من أثبت هذا أثبت الجهة وهم أصحاب ابن ~~كرام وابن منده الأصبهاني المحدث # قال والدلالة عليه أن العرش في جهة بلا خلاف وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو ~~عليه فاقتضى أنه في جهة ولأن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا فإنما يرفع ~~يديه ووجهه نحو السماء وفي هذا كفاية ولأن من نفي الجهة من المعتزلة ~~والأشعرية يقول ليس في جهة ولا خارجا منها وقال قائل هذا بمثابة من قال ~~باثبات موجود مع وجود غيره ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده ~~ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله ~~طلبته فإذا هو معدوم # قال وقد احتج ابن منده على اثبات الجهة بأنه لما نطق القرآن بإذن الله ~~على العرش وأنه في السماء وجاءت السنة بمثل ذلك وبأن الجنة مسكنه وأنه في ~~ذلك وهذه الأشياء أمكنة في نفسها فدل على أنه في مكان # قال وإذا ثبت استواؤه ثبت أنه على العرش وأنه في جهة فهل الاستواء من ~~صفات الذات قياس قول أصحابنا أنه من صفات الذات وأنه موصوف بها في القدم ~~وإن لم يكن هناك عرش موجود لتحقق وجود ذلك فيه في الثاني لأنهم قالوا خالق ~~ورازق موصوف به فيما لم يزل ولا مخلوق ولا مرزوق لتحقق الفعل من جهته وقد ~~تقول العرب سيف مقطوع و خبر مستمع و ماء مرو وإن لم يوجد منه القطع لتحقق ~~الفعل منه واستدل بعض أصحابنا بأنه موصوف ms649 في الأزل بالربوبية ولا مربوب ~~وبالألوهية ولا مألوه وعلى قياس هذا النزول إلى السماء والمجيء في ظلل من ~~الغمام ووضع القدم في النار PageV02P172 # فإن قيل فقد قال أحمد في رواية حنبل هو على العرش كيف شاء وكما شاء وصفات ~~الذات لا تدخل تحت المشيئة بل المشيئة راجعة إلى خلق العرش لا إلى الاستواء ~~عليه قلت وفي هذا نزاع بين الأصحاب وغيرهم ليس هذا موضعه # قال القاضي وإذا ثبت استواؤه وأنه في جهة وأن ذلك من صفات الذات فهل يجوز ~~اطلاق الحد عليه قد أطلق أحمد القول بذلك في رواية المروذي فقد ذكر له قول ~~ابن المبارك نعرف الله على العرش بحد فقال أحمد بلغني ذلك وأعجبه وقال ~~الأثرم قلت لأحمد يحكى عن ابن المبارك نعرف ربنا في السماء السابعة على ~~عرشه بحد فقال أحمد هكذا هو عندنا قال القاضي ورأيت بخط أبي اسحاق أنا أبو ~~بكر أحمد بن نصر الرفاء سمعت أبا بكر بن أبي داود سمعت أبي يقول جاء رجل ~~إلى أحمد بن حنبل فقال له لله تبارك وتعالى حد قال نعم لا يعلمه إلا هو قال ~~الله تبارك وتعالى @QB@ وترى الملائكة حافين من حول العرش @QE@ يقول محدقين # قال فقد أطلق أحمد القول بإثبات الحد لله وقد نفاه في رواية حنبل فقال ~~نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف ~~أو يحده أحد فقد نفى الحد عن الصفة المذكورة وهو الحد الذي يعلمه خلقه ~~والموضع الذي أطلقه محمول على معنيين أحدهما أنه تعالى في جهة مخصوصة وليس ~~هو تعالى ذاهبا في الجهات بل خارج العالم متميز عن خلقه منفصل عنهم غير ~~داخل في كل جهة وهذا معنى قول أحمد له حد لا يعلمه إلا هو والثاني أنه على ~~صفة يبين بها عن غيره ويتميز ولهذا سمي البواب حدادا لأنه يمنع غيره عن ~~الدخول فهو تعالى فرد واحد ممتنع عن الاشتراك له في أخص صفاته PageV02P173 # قال وقد منعنا من إطلاق القول بالحد ms650 في غير موضع من كتابنا ويجب أن يجوز ~~على الوجه الذي ذكرناه فهذا رجوع منه إلى القول بإثبات الحد لكن اختلف في ~~ذلك كلامه فقال هنا ويجب أن يحمل على اختلاف كلام أحمد في إثبات الحد على ~~اختلاف حالين فالموضع الذي قال إنه على العرش بحد معناه ما حاذى العرش من ~~ذاته فهو حد له وجهة له والموضع الذي قال هو على العرش بغير حد معناه ما ~~عدا الجهة المحاذية للعرش وهي الفوق والخلف والأمام والميمنة والميسرة وكان ~~الفرق بين جهة التحت المحاذية للعرش وبين غيرها ما ذكرنا أن جهة التحت ~~تحاذي العرش بما قد ثبت من الدليل والعرش محدود فجاز أن يوصف ما حاذاه من ~~الذات أنه حد وجهة وليس كذلك فيما عداه لأنه لا يحاذي ما هو محدود بل هو ~~مار في الميمنة والميسرة والفوق والأمام والخلف إلى غير غاية فلهذا لم يوصف ~~واحد من ذلك بالحد والجهة وجهة العرش تحاذي ما قابله من جهة الذات ولم تحاذ ~~جميع الذات لأنه لا نهاية لها # قلت هذا الذي ذكره في تفسير كلام أحمد ليس بصواب بل كلام أحمد كما قال ~~أولا حيث نفاه نفي تحديد الحاد له وعلمه بحده وحيث أثبته أثبته في نفسه ~~ولفظ الحد يقال على حقيقة المحدود صفة أو قدرا أو مجموعهما ويقال على العلم ~~والقول الدال على المحدود # وأما ما ذكره القاضي في إثبات الحد من ناحية العرش فقط فهذا قد اختلف فيه ~~كلامه وهو قول طائفة من أهل الإثبات والجمهور على خلافه وهو الصواب # والمقصود أن نفاه الحد والمقدار والجسم ونحو ذلك من الصفاتية الذين ~~يقولون أنه على العرش يقولون لا نسلم أنه إذا كان هو ينفسه فوق العرش فإنه ~~لا يلزم PageV02P174 أن يوصف بتناهي المقدار كما لا يستلزم الانقسام وكذلك ~~لا يستلزم أن يوصف عندهم بعدم التناهي الذي هو بعد لا يتناهى كما لا يوصف ~~عندهم بعدم الانقسام الذي هو جزء لا ينقسم وكذلك لا يستلزم ذلك عندهم أن ~~يوصف بأنه أكبر من ms651 العرش في المقدار والمساحة أو أصغر أو بقدره فإنهم ~~يقولون هذه اللوازم كلها إنما تلزم إذا فرض أن فوق العرش ما هو جسم أما إذا ~~كان الذي فوق العرش ليس بجسم فإنه يمتنع أن يستلزم لوازم الجسم لأن ~~الانقسام أو التناهي والتحديد ونحو ذلك هي لازمة للجسم وملزومة له فلا يكون ~~متناهيا محدودا مقسوما إلا ما يكون جسما ولا يكون جسما إلا ما جاز أن يوصف ~~بالانقسام أو بقبول التناهي والتحديد وعدم ذلك # قالوا لمنازعيهم من النفاة فإذا اتفقنا على أنه ليس بجسم أو إذا قام ~~الدليل على انه ليس بجسم وقد علمنا بالفطرة والضرورة العقلية والأدلة ~~المتواترة السمعية واتفاق سلف الأمة وخير البرية أنه فوق العرش كان التقدير ~~أن الذي فوق العرش ليس بجسم وحينئذ فقول القائل إما أن يكون متناهيا أو ~~ذاهبا في الجهات إلى غير غاية وإما أن يكون منقسما أو جوهرا فردا كل ذلك ~~باطل لأن هذه اللوازم إنما تكون إذا كان الذي على العرش جسما أما إذا كان ~~غير جسم ولا متحيز فإنه لا يلزمه شيء من هذه اللوازم # وقالوا هذا اللزوم والتقسيم كله من حكم الوهم والخيال وباب الربوبية لا ~~يجوز أن يحكم فيه بحكم الوهم والخيال كما قد قرره هذا المؤسس في مقدمة هذا ~~الكتاب # ولا ريب أن قولهم هذا أصح من قول منازعيهم من النفاة لما قيل لهم إما أن ~~يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين وإما أن يكون أحدهما بحيث الآخر ~~PageV02P175 وإما أن يكون مباينا عنه بالجهة فقالوا ليس بكذا ولا كذا ففنوا ~~الطريقين جميعا وقالوا إنه لا يمكن أن يحس به ولا أن يشار إليه بالحس فقيل ~~لهم هذا أحقر من الجوهر الفرد فقالوا في جواب ذلك إنما يلزم لو كان جسما أو ~~لو كان موصوفا بالحيز والمقدار أو قالوا هذا من حكم الوهم والخيال أو حكم ~~الحس والوهم # فقد بينا فيما تقدم غير مرة أن كلام منازعيهم هؤلاء أبعد عن الخطأ في ~~العقل والدين من منازعيهم فانهم هم أعظم ms652 مخالفة لما يعلم بضرورة العقل ~~وبديهته وفطرته من منازعيهم هؤلاء المثبتين لأن الله على العرش الموافقين ~~لهم على نفي الجسم وقد تقدم التنبيه على أصل كلام هؤلاء وأنه إن كان كثيرا ~~ممن يوافقهم على أن الله على العرش أو على نفي الجسم يقول إن هذا القول ~~متناقض ويصفهم بالتناقض في ذلك فالنفاة أعظم تناقضا منهم وأعظم مخالفة لما ~~يعلم بالاضطرار في العقل والدين وأن هؤلاء أعظم مخالفة للعلوم الشرعية ~~والعقلية ولا ريب أن كلام هؤلاء فيه ما يحتج به مثبتو الحد والمقدار ~~والتحيز والجهة وفيه ما يحتج به نفاة الجسم والتحيز والجهة أيضا فلهذا قيل ~~إنهم متناقضون أو أن لهم قولين # وقد ذكرنا بعض كلام أبي الحسن الأشعري وغيره من أئمة أصحابه الذي احتجوا ~~به على أن الله على العرش وما احتجوا في ذلك من الآيات التي يحتج بها على ~~اثبات الحد فقال باب ذكر الاستواء فإن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل ~~له إن الله مستو على عرشه كما قال سبحانه @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~PageV02P176 وقد قال عز وجل @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه @QE@ وقال سبحانه @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ وقال سبحانه @QB@ يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ وهذه الآيات التي استشهد بها ~~الامام أحمد لقول ابن المبارك وكذلك هي التي احتج بها عثمان بن سعيد ~~الدارمي وغيره على ذلك فهذا الرازي وموافقوه على النفي من المعتزلة ومتأخري ~~الأشعرية يسلمون أن الاستدلال بهذه الآيات على أن الله فوق العرش يستلزم ~~القول بدلالتها على أن الله متحيز في جهة وأن له حدا وقد تقدم تمام قول ~~الأشعري # قال أيضا وقد قال تعالى @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ وقال سبحانه @QB@ ~~تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ وقال سبحانه @QB@ ثم استوى إلى السماء @QE@ ~~وقال @QB@ ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا @QE@ وقال @QB@ ثم ~~استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ قال وكل هذا يدل على ~~أنه في السماء مستو على عرشه قال والسماء باجماع ms653 الناس ليست في الأرض فدل ~~على أنه عز وجل منفرد بوحدانيته مستو على عرشه كما وصف نفسه قال وقال ~~سبحانه @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ وقال عز وجل @QB@ هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة @QE@ وهاتان الآيتان هما اللتان ~~احتج بهما أحمد على قول ابن المبارك في الرواية الأخرى # قال وقال سبحانه @QB@ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ وقال سبحانه ~~@QB@ وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه @QE@ قال واجتمعت الأمة على أن ~~الله رفع عيسى إلى السماء قال ومن دعاء المسلمين جميعا إذا هم رغبوا إلى ~~الله في الأمر النازل بهم أنهم يقولون يا ساكن العرش أو يامن احتجب بالعرش ~~أو بسبع PageV02P177 سموات وهذا تصريح منه باحتجابه بالأجسام المخلوقة وهذا ~~عند منازعيه من نفاة أصحابه وغيرهم يستلزم أن يكون جسما متحيزا # قال وقال عز وجل @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ وقد خصت الآية البشر دون ~~غيرهم وهذا كله منه يقتضي أن الله سبحانه قد يحتجب عن شيء دون شيء ممن ليس ~~من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم لكان أبعد عن شبهة وإدخال ~~الشك عل من سمع الآية أن يقول لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا ومن وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا فيرفع الشك والحيرة من أن يقول ما كان لجنس من الأجناس أن ~~يكلمه الله إلا وحيا ومن وراء حجاب أو يرسل رسولا وترك أجناسا لم يعمهم ~~بالآية قال فدل ما ذكرناه على أن خص البشر دون غيرهم وقد احتج بذلك على أن ~~الله فوق العرش لأن النفاة يقولون الاحتجاب لا يكون إلا من صفات الأجسام ~~ولا يكون على العرش إلا إذا كان جسما وهذا قد استدل بهذه الآيات على ~~احتجابه عن بعض خلقه المستلزم أن يكون على العرش # قال وقال الله عز وجل @QB@ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق @QE@ @QB@ ولو ~~ترى إذ وقفوا على ربهم @QE@ وقال @QB@ ولو ترى ms654 إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم ~~عند ربهم @QE@ وقال سبحانه @QB@ وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة @QE@ وقال كل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه ولا خلقة فيه ~~وأنه سبحانه مستو على عرشه جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا جل عما ~~يقول الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية ~~إذ كان PageV02P178 كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي ~~في التأويل ويريدون بذلك زعموا التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه ~~يوجب النفي والتعطيل فاحتجاجه بقوله @QB@ ثم ردوا إلى الله @QE@ وقوله @QB@ ~~وقفوا على ربهم @QE@ وقوله @QB@ وعرضوا على ربك @QE@ وقوله @QB@ ناكسو ~~رؤوسهم عند ربهم @QE@ على أن الله فوق العرش كل ذلك لأن هذه الآيات تدل على ~~النهايات والغايات والحدود والتباين الذي بينه وبين خلقه # فإذا نتكلم على حجته في هذا المقام فإنه يقال له قولك لو كان مختصا ~~بالحيز والجهة لكان لا يخلو إما أن يكون متناهيا أو غير متناه فإن قلت نحن ~~نقول هو موجود في غير جهة ولا حيز أصلا وهو غير متناه من جميع الجوانب أو ~~بعضها أو غير متناه من جميعها يعارضونه بأن يقولوا هذه الحجة ترد عليك أيضا ~~بأن يقال ولو كان موجودا أو قائما بنفسه كان متناهيا في ذاته بمعنى أن ذاته ~~يمتنع أن يكون لها طرف ونهاية وحد # يقال لك اذا عقل موجود لا نهاية له فهل التفسير يعقل موجود فوق العرش لا ~~يوصف بالتناهي وعدمه أولى وأحرى بمعنى أنه يمتنع أن يكون له نهاية أو يكون ~~ذا مسحة لا نهاية لها فانه إذا عقل هذا في موجود مطلق لم يمتنع وصف هذا ~~الموجود بأنه فوق العرش ويكون كذلك بل يكون هذا أقرب إلى العقل لأن الفطر ~~تقر بأن الله فوق العالم وتنكر وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه فإذا ~~أقررت بوجوده خارج العالم كان أقرب إلى الفطرة والعقل وإذا جاز أن يقال في ~~هذا إنه لا يتناهى بمعنى أن ذاته لا تقبل ms655 الوصف بتناهي المقدار وعدمه كذلك ~~يقال فيه مع وجوده فوق العرش PageV02P179 وإذا قال قائل هذا الفوقية أو هذا ~~العلو فوق العرش لا يعقل أو قال لا يعقل علو ولا فوقية إلا بمعنى الذهاب في ~~الجهات قيل له معرفة الصفة وعقلها فرع على معرفة الموصوف وعقله فطلبك العلم ~~بكيفية علوه مع أنك لا تعقل حقيقته جمع بين الضدين وإذا كنت تقر بأنه موجود ~~بل إقرارك بأن ذاته فوق العرش فوقية تناسب ذاته أسهل على العقل من الاقرار ~~بأنه لا داخل العالم ولا خارجه بل الاقرار بأنه ليس ذا مساحة ومقدار لا ~~ينافي الاقرار بأنه خارج العالم وفوقه كما يناسب ذاته ومنافاة الاقرار ~~بوجوده مع كونه لا داخل العالم ولا خارجه أعظم تنافيا # وأما المقام الثاني فكلام من لا ينفي هذه الأمور التي يحتج بها عليه نفاة ~~العلو على العرش ليس لها أصل في الكتاب والسنة بل قد يثبتها أو يثبت بعضها ~~لفظا أو معنى أو لا يعترض لها بنفي ولا إثبات وهذا المقام هو الذي يتكلم ~~فيه سلف الأمة وأئمتها وجماهير أهل الحديث وطوائف من أهل الكلام والصوفية ~~وغيرهم وكلام هؤلاء أسد في العقل والدين حيث ائتموا بما في الكتاب والسنة ~~وأقروا بفطرة الله التي فطر عليها عباده فلم يغيروا وجعلوا كتب الله التي ~~بعث بها رسله هي الأصل في الكلام وأما الكلام المجمل المتشابه الذي يتكلم ~~به النفاة ففصلوا مجمله ولم يوافقوهم على لفظ مجمل قد يتضمن نفي معنى حق ~~ولا وافقوهم أيضا على نفي المعاني التي دل عليها القرآن والعقل وان شنع ~~النفاة على من يثبت ذلك أو زعموا أن ذلك يقدح في أدلتهم وأصولهم # والكلام عليه من وجوه أحدها أن يقال قوله وأما القسم الثالث PageV02P180 ~~وهو أن يقال كل متناه من كل الجوانب فهذا باطل من وجهين الأول أن كل ما كان ~~متناهيا من جميع الجوانب كانت حقيقته قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان ~~كذلك كان محدثا على ما بيناه فيقال له قد تقدم الكلام على هذه الحجة ms656 وبينا ~~أن جماهير بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس ~~والمشركين يخالفونك في هذه المقدمة وبينا فساد ما ذكرته من الحجة عليها ~~بوجوه كثيرة بيانا واضحا ونحن نحيل على ما ذكرناه هناك كما أحال هو عليه # وأما الوجه الثاني فقوله إنه لما كان متناهيا من جميع الجوانب فحينئذ ~~نفرض فوقه أحيازا خالية وجهات فارغة فلا يكون هو تعالى فوق جميع الأشياء بل ~~تكون تلك الأحياز أشد فوقية من الله تعالى ويكون قادرا على أن يخلق فيها ~~جسما فوقه فيقولون لك هذا بناء على أن الأحياز والجهات لابد أن تكون أمرا ~~وجوديا وأنه يمكن أن تكون فوقه وهم ينازعونك في هاتين المقدمتين وأنت معترف ~~بفسادها في غير موضع من كتبك وقد تقدم البيان بأن الحيز لا يجب أن يكون ~~أمرا وجوديا وإبطال ما يستدل به على خلاف ذلك وظهر صحة قوله سبحانه @QB@ هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن @QE@ وما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنه كان يقول في دعائه أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس ~~بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء وهذا النص ~~أيضا يدل على أنه ليس فوق الله شيء وهذا نفي عام لكل ما يسمى شيئا وكل ~~موجود فإنه يسمى شيئا فقد اتفق PageV02P181 الناس على أن كل موجود غير الله ~~فإنه شيء لكون النبي صلى الله عليه وسلم قد نفى أن يكون فوقه شيء موجود ~~حيزا وغيره وهذا يبطل أن يكون فوقه أحياز موجودة # والذي يوضح ذلك أنه قد قرر في هذه الحجة امتناع وجود أبعاد لا تتناهى ~~وذلك يبطل وجود أحياز لا تتناهى حتى إنه يقول ليس وراء العالم أحياز وأبعاد ~~لا تتناهى فإذا كانوا يوجبون في العالم الذي هو متحيز محدود متناهي أن لا ~~يكون وراءه أحياز موجودة فكيف يوجبون أن يكون فوق خالق العالم أحياز موجودة ~~بل هذا الرازي وأمثاله إذا ناظره الفلاسفة في أنه يمكن أن يكون العالم أكثر ~~مما هو ويمكن أن ms657 يخلق مثله عالم آخر لم يقرر ذلك عليهم إلا بما هو من جنس ~~مجادلاته المعرفة التي لا يزال يضطرب فيها غاية الاضطراب من السلب والايجاب ~~فكيف يوجب أن يكون فوق رب العالمين أحيازا خالية وجهات فارغة ويضرب لهم هنا ~~مثلا من أنفسهم كما يناظر به من يقول إن الله شريكا من خلقه أو أن له ولدا ~~لا يرضى مثله لنفسه فيقال له المخلوق الذي هو عندك متحيز لا يجب أن يكون ~~فوقه عندك أحياز خالية وجهات فارغة فكيف توجب في خالق العالم إذا وصف بأنه ~~فوق العرش وأنه متحيز أن يكون فوقه أحياز خالية وجهات فارغة # وأما قوله هو قادر على خلق الجسم في الحيز الفارغ فيكون ذلك الجسم فوقه ~~فيقال لك هذا مبني على أنه يمكن أن يكون فوقه شيء فإن لم يبين إمكان ذلك لم ~~يصح أن يقال هو قادر على خلق جسم فوقه كما لا يصح أن يقال هو قادر على خلق ~~جسم قبله أو بعده فقد يقول لك المنازع إذا وجب أن يكون هو العلي الأعلى ~~المتعالي الذي لا يعلوه شيء لم يجز أن يعلوه شيء كما أنه إذا وجب أن يكون ~~الأول والآخر لم يجز أن يسبقه شيء أو يتأخر عنه PageV02P182 شيء كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك ~~شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء لكن الأول والآخر ~~لا ابتداء له ولا انتهاء وإذا لم يكن له نهاية ولا حد من الوجهين جميعا ظهر ~~فيه امتناع أن قبله أو بعده شيء بخلاف المتناهي المحدود من الأحياز # ولكن هذا الفرض جاء من خصوص المكان والزمان بدليل أن أهل الجنة لا آخر ~~لوجودهم بل هم باقون أبدا وإن كانوا متحيزين لا حد ولا نهاية لآخرهم وإن ~~كانت ذواتهم محدودة متناهية في أحيازها وأما كنها ولهذا لما أراد جهم أن ~~يطرد دليلة في وجوب النهاية لكل مخلوق أوجب فناء الجنة والنار ولما أراد ~~أبو ms658 الهذيل أن يطرد دليله في تناهي الحوادث أوجب انقطاع حركات أهل الجنة ~~والنار # والمقصود هنا أن وجوب تناهي البقاء والأمد وإذا كانت الأحياز متناهية أو ~~كان المتحيز متناهيا لم يجب أن يكون فوقه شيء إذ ليس وراء الموجود شيء ~~موجود إلى غير نهاية وقد تقدم ابطاله لذلك # وأيضا فيقال له لم تذكر حجة على امتناع أحياز خالية ولا امتناع خلق أجسام ~~وأنت تقول إن هذا برهان فإن لم تذكر حجة على امتناع ذلك لم يكن هذا الوجه ~~دليلا # وأما قولك لا يكون هو فوق جميع الأشياء بل تكون الأحياز أشد فوقية فهذا ~~تمسك باطلاق لفظ مع أنك لا تقول بمعناه فهو عندك أيضا ليس فوقه شيء من ~~الأشياء فضلا عن أن تكون فوقه جميعها إلا بمعنى القدرة والتدبير وهذا ~~المعنى يثبته المنازع مع اثباته لهذه الفوقية الأخرى فيكون قد أثبت ما ~~تثبته من صفات الكمال ويثبت كمالا آخر لم تثبته أنت PageV02P183 # وأيضا فتلك الأحياز ليست شيئا أصلا لأن الأشياء هي الموجودة ولا موجود ~~إلا الله وخلقه وهو فوق خلقه وإذا لم تكن أشياء لم يصح أن يكون شيء فوقه ~~وكان هو فوق كل شيء # وأما خلق جسم هناك فلم يذكر على امتناعه حجة إلا أن الخصم لا يقول به ~~والخصم يقول ذلك ممتنع لامتناع أن يكون شيء موجود فوق الله فإن سلمت له هذه ~~العلة كان ذلك جوابا لك وإن لم تسلمها لم يكن مذهبه صحيحا فلا تحتج به وقد ~~تقدم كلامك على إبطال مثل هذه الحجة وهي الالزامات المختلفة المآخذ # وأيضا فلو قال قائل بل ذلك جائز فلم تذكر على إبطاله حجة لا سيما وعندك ~~أن النقص على الله لم يعلم امتناعه بالعقل وإنما علمته بالاجماع لا سيما إن ~~احتج بظاهر قوله تعالى @QB@ يأتيهم الله في ظلل من الغمام @QE@ وبقوله كان ~~في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء لا سيما وهذا لا ينافي الفوقية والعلو ~~بالقدرة والقهر والتدبير وعندك لا يستحق الله الفوقية إلا بهذا وهذا المعنى ~~ثابت ms659 سواء خلق فوقه شيئا آخر أو لم يخلقه فإذا لم يكن هذا مستحيلا على أصلك ~~لم يصح احتجاجك باستحالته عن المنازع الذي ينازعك في المسألة بل قد يقول لك ~~إذا لم يكن ما يمنع جواز ذلك إلا هذا فعليك أن تقول به لأن هذا ليس بمانع ~~عندك # الوجه الثاني أن يقال قد ذكرت أن الكرامية الذين قالوا انه فوق العرش ~~منهم من قال إنه ملاق للعرش ومنهم من قال إنه مباين عنه ببعد متناه ومنهم ~~من قال إنه مباين عنه ببعد غير متناه وهذا القول يتضمن أن بين الله وبين ~~العرش بعدا غير متناهيا PageV02P184 # وقد ذكر الأشعري في المقالات قول طوائف ممن يقول أنه لا نهاية لذاته مع ~~قولهم إنه ممتد في الجهات فقال بعد ذكر مقالات المعتزلة هذا شرح اختلاف ~~الناس في التجسيم قال قد أخبرنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون إن الباري ~~ليس بجسم ولا محدود ولا ذي نهاية ونحن الآن نخبر عن أقاويل المجسمة ~~واختلافهم في التجسيم قال واختلفوا فيما بينهم في التجسيم وهل للباري قدر ~~من الأقدار وفي مقداره على ستة عشر مقالة فذكر قول هشام انه جسم وأن له ~~مقدارا وأنه ذو لون وطعم ورائحة ومجسة لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسته ~~وهو نفسه لون قال ولم يثبت لونا غيره وأنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد وهذا قد ~~يقال إنه يناسب قول من قال من الصفاتية إن يدرك بالحواس # قال وحكي عن بعض المجسمة أنه كان يثبت البارى ملونا ويأبى أن يكون ذا طعم ~~ولون ورائحة ومجسة وأن يكون طويلا أو عريضا أو عميقا وزعم أنه في مكان دون ~~مكان متحرك من وقت ما خلق الخلق وهذا قد يناسب قول من يقول إنه يدرك ~~بالرؤية فقط فإن هذا يزعم أنه لا يرى إلا اللون # قال وقال قائلون إن الباري جسم وأنكروا أن يكون موصوفا بلون وطعم ورائحة ~~أو مجسة أو شيء مما وصف به هشام غير أنه على العرش مباين له دون ما سواه ~~قال ms660 واختلفوا في مقدار البارى بعد أن جعلوه جسما فقال قائلون هو جسم وهو في ~~كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكبر من ~~مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء وقال بعضهم مساحته على قدر العالم وقال ~~بعضهم أن البارى جسم له مقدار من المساحة PageV02P185 ولا يدري كم ذلك ~~القدر وقال بعضهم هو في أحسن الأقدار وأحسن الأقدار أن يكون ليس بالعظيم ~~الجافي ولا بالقليل القمي وحكي عن هشام أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار ~~بشبر نفسه وقال بعضهم ليس لمساحة البارى نهاية ولا غاية وأنه ذاهب في ~~الجهات الست اليمين والشمال والأمام والخلف والفوق والتحت قالوا وما كان ~~كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق وليس بذي حدود ولا ~~قطب وقال قوم أن معبودهم هو الفضاء وهو جسم تحل الأشياء فيه ليس بذي غاية ~~ولا نهاية وقال بعضهم هو الفضاء ليس بجسم والأشياء قائمة به # فقد ذكر عن هاتين الفرقتين أنه لا نهاية لمساحته مع قول بعضهم إنه جسم ~~وقول بعضهم إنه ليس بجسم كما ذكر عن آخرين من المجسمة أنه جسم وهو في كل ~~مكان وفاضل عن جميع الأماكن وهو مع ذلك متناه وعن آخرين أنه بقدر العالم ~~وأما القائلون بأنه على العرش فلم يذكر عنهم قولا أنه لا نهاية لمساحته ~~وذكر أيضا عن زهير الأثري وأبي معاذ التومنى أنه فوق العرش وبكل مكان وقال ~~فأما أصحاب زهير الأثري فإن زهيرا كان يقول إن الله بكل مكان وأنه مع ذلك ~~على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف وأنه موجود الذات بكل مكان وأنه ليس ~~بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول والمماسة ويزعم أنه يجئ يوم القيامة ~~كما قال @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ بلا كيف # فيقال له إذا نازعك إخوانك المتكلمون الجهمية من المجسمة وغير المجسمة ~~الموافقون لك على أنه ليس فوق العرش الذين يقولون لا نهاية لذاته ومساحته ~~مع قولهم انه جسم ومع قولهم ms661 انه ليس بجسم فما حجتك عليهم وهذا هو القسم ~~الأول وهذا ليس من أقوال من يقول انه فوق العرش PageV02P186 # وكذلك ذكر أبو الحسن الأشعري لما ذكر اختلاف الناس هل هو في مكان دون ~~مكان أم لا في مكان أم في كل مكان فقال قد ذكرنا قول من امتنع من ذلك وقال ~~إنه في كل مكان حال وقول من قال لا نهاية له وأن هاتين الفرقتين ذكرتا ~~القول أنه في مكان دون مكان فأخبر أن القائلين بأنه لا نهاية له ينكرون أن ~~يكون في مكان دون مكان فلا يقولون إنه فوق العرش لكن هذا المؤسس ان لم يبطل ~~قول هؤلاء بالحجة والا خصموه فانه ينكر أن يكون الله فوق العرش ويوافقهم ~~على اطلاق القول بأنه لا نهاية له ولا حد ولا غاية وإن كان يفسر ذلك بتفسير ~~آخر لكن نفي قولهم لابد له من حجة # فأما الوجه الأول الذي ذكره فيقولون له لا نسلم أن الخط المتناهي يمكنه ~~أن يسامت غير المتناهي فقولك زال عن الموازاة إلى المسامتة فرع إمكان ذلك ~~والمحال المذكور إنما لزم من فرض مسامتة خط متناه لخط غير متناهي فلزم من ~~قولك أن يحصل في المتناهي نقطة هي أول نقطة المسامتة وأن لا يحصل لكن قولك ~~إن هذا المحال إنما لزم من فرضنا أن ذلك الخط غير متناه ممنوع بل يقال هذا ~~المحال إنما لزم من فرض مسامتة المتناهي لغير المتناهي فالاحالة كانت بفرض ~~مسامتة له لا بفرض وجود غير المتناهي لم قلت إن الأمر ليس كذلك # وقد يقول لك أحد الفريقين من هؤلاء نحن نقول أنه غير متناه وأنه غير جسم ~~وحينئذ لا يمكن أن يفرض فيه خطوط ونقط فلا بد من إقامة دليل على امتناع شيء ~~ليس بجسم غير متناهي فان أقمت دليلا على ذلك بطل ما ذكرته في القسم الثالث ~~من وجود أحياز خالية فوق البارى لأنه إذا أوجب عندك تناهي PageV02P187 ~~الأبعاد وإن لم تكن أجساما وجب تناهي الأحياز فلم يجب أن يكون فوق ms662 الباري ~~حيز ولا بعد كما الزمتهم إياه في القسم الثالث # وأما الوجه الثاني الذي احتججت به عليهم فقولك إذا كان القول بوجود بعد ~~غير متناه ليس محالا فعند هذا لا يمكن إقامة الدليل على كون العالم متناهيا ~~بكليته وذلك باطل بالاجماع يقولون لك أكثر ما يمكنك دعوى الاجماع على أن ~~دليله امتناع بعد لا يتناهى ولا يلزم من الاجماع على الحكم أن يكونوا ~~مجمعين على دليل معين # وأيضا فلا يلزم من بطلان هذا الدليل بطلان سائر الأدلة كيف وقد ذكرت أنه ~~مجمع عليه والاجماع من أعظم الأدلة إذ حجة الاجماع ليست موقوفة على إحالة ~~أبعاد لا تتناهى بدليل أن سلف الأمة وأئمتها يعترفون أن الاجماع حجة من غير ~~أن يبنوا ذلك على أدلة فيها هذه المقدمة التي قد لا تخطر ببال أكثرهم # وقد يقول هؤلاء هب أنه قام دليل تناهي العالم وتناهي المخلوقات وتناهي ~~الأبعاد التي فيها المحدثات فلم قلت إن ذلك محال في حق البارى وهذا يقوله ~~مثبتة الجسم ونفاته كما تقدم ذكر القولين لهم # وأما الوجه الثالث قولك لو كان غير متناه من جميع الجوانب أوجب أن لا ~~يخلو شيء من الجهات والأحياز عن ذاته فحينئذ يلزم أن يكون العالم مخالطا ~~لأجزائه وأن يكون القاذورات والنجاسات كذلك وهذا لا يقوله عاقل فان أردت أن ~~ليس في المكلفين من العقلاء من يقوله فقد قاله منهم طوائف كما ذكرناه عن ~~الأشعري أنه نقل ذلك عن طائفتين ممن يقول إن له مساحة طائفة تقول إنه جسم ~~وطائفة تنفى الجسم PageV02P188 # وأيضا فطوائف من الجهمية يقولون إنه بذاته في كل مكان وقد ذكر الأئمة ~~والعلماء ذلك عن الجهمية وردوا ذلك عليهم وطوائف أخر يقولون إنه موجود ~~الذات في كل مكان وأنه على العرش كما نقله الأشعري عن زهير وأبي معاذ # وأيضا هؤلاء الاتحادية يصرحون بذلك تصريحا لا مزيد عليه حتى يجعلونه عين ~~الكلب والخنزير والنجاسات لا يقولون إنه مخالط لها بل وجودها عين وجوده ~~وهذا وان كان من أعظم الكفر فالغرض أن إخوانه ms663 من الذين يقولون أن الله ليس ~~فوق العرش قد قالوا هذا كله وما هو أكثر منه فلا بد أن يرد قولهم بطرقه ~~التي يسلكها وإلا لم يكن قوله أصح من قولهم بل قولهم أقرب إلى العقل من ~~قوله أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولهم في الجواب عن المخالطة من الكلام ~~ما هو مع كونه باطلا أقرب إلى العقل من كلامه مثل قولهم أنه بمنزلة الشعاع ~~للشمس الذي لا يتجنس بما يلاقيه وبمنزلة الفضاء والهواء الذي لا يتأثر بما ~~يكون فيه ونحو هذا من الأمثال التي يضربونها لله فهم مع كونهم جعلوا لله ~~ندا وعدلا ومثلا وسميا في كثير من أقوالهم إن لم يكونوا أمثل منه فليسوا ~~دونه بكثير # وأما إن أردت أن العقل يبطل هذا القول فلم تذكر على بطلانه حجة عقلية ~~أكثر ما ذكرت قولا تنفر عنه النفوس أو ما يتضمن نوع نقص وأنت تقول ليس في ~~العقل ما ينفي عن الله النقص وإنما نفيته بالاجماع فهذا الوجه في جانب من ~~يقول بالقسم الثالث # وأما القسم الثاني وهو التناهي من جهة دون جهة فما علمت به قائلا فإن قال ~~هذا أحد فإنه يقول إنه فوق العرش ذاهبا إلى غير نهاية فهو متناه من جهة ~~العالم غير متناه من الجهة الأخرى وهذا لم يبلغني أن أحدا قاله ونقل ~~الأشعري PageV02P189 يقتضي أن هذا لم يقله أحد بل كل من قال بعدم نهايته ~~أنكر أن يكون فوق العرش # الوجه الثالث أن يقال فرض بعد غير متناه لا يخلو إما أن يكون محالا أو لا ~~يكون محالا فإن كان محالا بطل ما ذكر مما ذكرته في القسم الثالث من تجويز ~~أحياز خالية فوقه إذا كان متناهيا من جميع الجهات فإنه إذا وجب تناهي ~~الأبعاد لم يجب أن يكون فوق العالم بعد فضلا عن أن يكون فوق الباري بعد ~~وأذا فرض ما ذكرته في القسم الثالث وهو أحد الوجهين نفي الوجه الأول وهو ~~كون كل ماله قدر مخصوص يجب أن يكون محدثا وقد ms664 تقدم الكلام عليه بما فيه ~~كفاية وإذا بطل الوجهان بطل ما ذكرته على إفساد القسم الثالث وإن كان فرض ~~بعد غير متناه ممكنا ثبت إمكان القسم الأول وبطل ما ذكرته من الحجة على ~~إحالة ذلك فقد ظهر على التقديرين أن ما ذكرته ليس بدليل صحيح # الوجه الرابع أن القسم الثاني وهو أنه غير متناه من بعض الجوانب ومتناه ~~من سائر الجوانب وان كنا لم نعلم به قائلا فلم تذكر دليلا على إبطاله ولا ~~استدللت على إبطاله بنص أو اجماع فأما الدليل الذي ذكرته على امتناع بعد ~~غير متناه فقد تقدم القول عليه مع إن تلك الوجوه لا تصلح هنا كما صلحت هناك # أما الوجه الأول وهو اجتماع وجود المسامتة وعدمها إذا قدر مسامتة غير ~~المتناهي للمتناهي فإنه ما تقدم فيه إذا كان متناهيا من بعض الجهات أمكن ~~فرض المسامتة في تلك الجهة وحينئذ فتسامت النقطة الفوقانية من تحت الجهة ~~قبل التحتانية لكن هذا لا يحصل إلا عند فرض مسامتا من الجهة التي لا تتناهى ~~PageV02P190 # وأما الوجه الثالث وهو لزوم مخالطة ذاته للقاذورات فهذا لا يلزم إذا قيل ~~إنه متناه من جانب الخلق دون الجانب الآخر فإنه حينئذ لا يكون مخالطا لهم ~~من هذا الوجه هنا بطولا ظاهرا # وأما بطلان إقامة الدليل على تناهي العالم فقد تقدم الكلام عليه مع أن ~~العالم في بقائه فيه متناه من أوله غير متناه من آخره ففيه تناه من وجه دون ~~وجه لكن هذا ليس هو المتناهي في الجهة والمقدار والبعد # والغرض أن الوجوه الثلاثة هي في هذا القسم فيها نوع نقص عن ذلك القسم # وأما الوجه الثاني وهو قولك أن الجانب الذي فرض أنه غير متناه والجانب ~~الآخر إما أن يتساويا في الحقيقة والماهية وإما أن لا يكونا كذلك أما القسم ~~الأول فإنه يقتضي أن يصح على كل واحد من هذين الجانبين ما يصح على الآخر ~~وذلك يقتضي جواز الفصل والوصل والزيادة والنقصان فيقال لك مشاركة الشيء ~~لغيره في حقيقته لا يقتضي مساواته له ms665 في المقدار كالمقادير المختلفة من ~~الفضة والذهب وسائر الأجسام المتماثلة في الحقيقة فانها تتماثل في الحقيقة ~~مع اختلاف المقادير وحينئذ فهذه الأمور إنما يجوز على بعضها ما يجوز على ~~بعض فيما تماثلت فيه وهو الصفة والكيفية وأما ما يتعلق بالمقدار فليس ~~الكبير في ذلك كالصغير ولا يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر بل للصغير ~~أحكام لا تصح في الكبير وللكبير أحكام لا تصح على الصغير مثل شغل الحيز ~~الذي بقدره وغير ذلك # وإذا كان كذلك فالبعد الذي يتناهى من أحد جانبيه دون الآخر وإنما تماثلت ~~حقيقة الجانبين في الصفة والكيفة فلم تتماثل في المقدار لأن أحدهما أكبر من ~~الآخر قطبا فلا يلزم أن يجوز على غير المتناهي من النقص والفصل PageV02P191 # وأيضا فان لزم أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر فقولك ذلك يقتضي ~~جواز الفصل والوصل والزيادة والنقصان على ذات الله تعالى هذا هو بعينه ~~الدليل على امتناع كونه متناهيا وهو أن المتناهي يقبل الزيادة والنقصان وقد ~~قيل لك أن هذا ممنوع فيما وجوبه به بنفسه فإن صفاته تكون لازمة لذاته فلا ~~يمكن أن يكون على خلاف ما هو عليه كما نقول إن معلوماته أكثر من مقدوراته ~~ومقدوراته أكثر من مخلوقاته ومراداته وهذان لم يكن نظير ذلك والغرض التنبيه ~~على تقدم الكلام في مثل هذا # وأيضا فلم تذكر دليلا على امتناع الفصل والوصل والزيادة والنقصان فإن ~~اعتصمت في ذلك بإجماع كانت الحجة سمعية وأن قنعت بنفور النفوس عن ذلك فنفور ~~النفوس على قولك أعظم مع أن هذا ليس حجة عندك # وقولك وأما القسم الثاني وهو القول بأن أحد الجانبين مخالف للجانب الآخر ~~في الحقيقة والماهية فنقول إن هذا محال من وجوه الأول أن هذا يقتضي كون ~~ذاته مركبة وهو باطل كما بيناه # يقال لك قد تقدم الكلام على إبطال حجة التركيب بما يظهر به فسادها لكل ~~عاقل لبيب # فقولك الثاني أنا بينا أنه لا معنى للمتحيز إلا الشيء الممتد في الجهات ~~المختص بالأحياز وبينا أن المقدار يمتنع أن ms666 يكون صفة بل يجب أن يكون ذاتا ~~وبينا أنه متى كان الأمر كذلك كانت جميع المتحيزات متساوية وإذا كان كذلك ~~امتنع القول بأن أحد جانبي ذلك الشيء يخالف الجانب الآخر في الحقيقة ~~والماهية PageV02P192 # فيقال لك هذه حجة تماثل الأجسام وقد تقدم أنها من أبطل ما في العالم من ~~الكلام وهي منشاها من كلام المعتزلة والجهمية كما ذكره الأشعري وغيره كما ~~أن الأولى من كلام الفلاسفة والصابئة وهي أيضا من حجج المعتزلة والجهمية ~~وقد تبين أن المقدر صفة للشيء المقدر المحدود وليس هو عين الشيء المقدر ~~المحدود وتبين أيضا أنه لو كان المقدار هو الذات لم يجب أن تكون المقدورات ~~متساويات فإن بينها اختلافا في صفات ذاتيات لها وهي مختلفة في تلك الصفات ~~الذاتيات وان كانت مشتركة في أصل المقدار الذي جعلته الذات وغايتها أن تكون ~~بمنزلة الأنواع المشتركة في الجنس المتمايزة بالفصول # وأيضا فأنت وسائر الصفاتية بل وجميع العباد يثبتون لله معاني ليست ~~متماثلة بل هذا واجب في كل موجود مثل إثبات أنه موجود بنفسه ومبدع بنفسه ~~ومبدع لغيره وأنه عالم وأنه قادر وأنه حي وهذه حقائق مختلفة فالقول في ~~اقتضائها للتركيب كالقول في اختلاف الجانبين كذلك كما تقدم ذلك # وأما حجة تساوي الأبعاد وتماثلها فهذه الحجة إن صحت فهي كافية في نفي ~~كونه كذلك سواء قبل إنه متناه أو غير متناه والحجة المستقلة بنفسها في ~~المطلوب لا تصلح أن تجعل دليل بعض مقدمات دليل المطلوب لأن هذا تطويل وعدول ~~عن سواء السبيل # الوجه الخامس أنه أورد اعتراضا من جهة المنازع بقوله فان قيل ألستم ~~تقولون أنه تعالى غير متناه في ذاته فيلزمكم جميع ما ألزمتموه علينا وقال ~~في الجواب قلنا الشيء الذي يقال انه غير متناه على وجهين أحدهما أنه غير ~~مختص بجهة وحيز ومتى كان كذلك امتنع أن يكون له طرف ونهاية وحد والثاني ~~PageV02P193 أنه مختص بجهة وحيز إلا أنه مع ذلك ليس لذاته منقطع وحد فنحن ~~إذا قلنا إنه لا نهاية لذات الله عنينا به التفسير الأول ms667 # فيقال المعقول المعروف إذا قيل هذا لا يتناهى أو لا حد له ولا غاية ولا ~~نهاية أن يكون موجودا أو مقدر الوجود ويكون ذلك الموجود أو المقدر ليس له ~~حد ولا نهاية ولا منقطع بل لا يفرض له حد ومنقطع إلا وهو موجود بعده كما ~~يقال في وجود الباري وبقائه فيما لم يزل ووجوده وبقائه فيما لا يزال بل في ~~وجود أهل الجنة في الجنة فيما لم يزال بقاؤه لا ينتهي ذلك إلى حد الا ويكون ~~بعده شيء كما أن وجود البارى لا يقدر له حد ووقت الا وهو موجود قبله وكذلك ~~اذا قدر أجسام أو أبعاد لا تتناهى فانه لا يفنى قبله وكذلك إذا قدر أجسام ~~أو أبعاد لا تتناهى فانه لا يفنى منها شيء أو يقدر منها الا وهي تكون ~~موجودة بعده وكذلك ما يقدر في الذهن إلى حد ومقطع الا ويقدر بعده شيء آخر ~~وكذلك ما يقدر في الذهن من عدم التناهي من العلل وغيرها كما بين فساده هو ~~من هذا الباب # فالغرض ان الشيء الذي يوصف بعدم التناهي إما حقيقة وإما مقدار ممتنعا ~~وإما تقديرا غير ممتنع أو غير معلوم الامتناع كلها مشتركة في ذلك فاما وصف ~~الشيء بانه غير متناه بمعنى أن ليس له حقيقة تقبل التناهي وتقبل عدم ~~التناهي فوصف هذا بأنه غير متناه مثل صفة المعدوم بأنه غير متناهي لأنه لا ~~يمكن له نهاية وحد وطرف ولا يمكن أن يقال وذاته لا تقبل أن يوصف بالتناهي ~~وعدمه كما لا يقبل أن يوصف بالحياة وعدمها ولا بالعلم وعدمه ولا بالقدرة ~~وعدمها # ولهذا يفرق من يفرق بين العدم المحض وعدم الصفة عما من شأنه أن يقبلها ~~فان الأعمى والأصم ونحو ذلك لا يوصف به المعدوم المحض ولا يقال أيضا للعدم ~~PageV02P194 المحض إنه جاهل أو عاجز أو يثبت له أنه عالم ولا قادر بل كل ~~صفة تستلزم الثبوت يمتنع أن يوصف بها المعدوم فإذا قيل الأعمى والأصم كان ~~ذلك نفيا للسمع والبصر عما يقبله لا عن ms668 المعدوم الذي يمتنع أن يوصف بثبوت ~~ففرق بين نفي الصفة التي يمكن ثبوتها للموصوف في الذهن أو في الخارج ونفي ~~الصفة التي لا تكون لا في الذهن ولا في الخارج ثبوتها للموصوف فاذا قيل ~~المعدوم لا يتناهى والمعدوم غير متناهي كان المعنى أن المعدوم ليس له حقيقة ~~تقبل أن تكون متناهية أو غير متناهية كما ليس له حقيقة تقبل أن تكون حية أو ~~غير حية أو عالمة أو غير عالمة أو قادرة أو غير قادرة # فاذا قيل قول القائل في الله إنه غير متناهي بمعنى أن ذاته لا تقبل الوصف ~~بالنهاية وعدمها كان ذلك بمنزلة قول القائل أن الله ليس باصم ولا ميت ولا ~~جاهل بمعنى أن ذاته لا تقبل الوصف بهذه الصفات وعدمها فيكون المعنى حينئذ ~~أنه لا يقال أصم ولا يقال غير أصم ولا يقال ميت ولا يقال غير ميت وهذا شر ~~من أقوال الملاحدة الذين يمتنعون من إثبات الأسماء الحسنى له ونفيها فان ~~أولئك يقولون لا نقول حي ولا غير حي بل يسلبون أضدادها فيقولون هو ليس بميت ~~ولا جاهل وان كان هذا الذي قالوه يستلزم عدمه كما تقدم لكن ليس ظهور عدمه ~~في ذلك كظهوره في قول القائل لا يوصف بالموت ولا بعدمه ولا بالعجز ولا ~~بعدمه كما لا يوصف بالقدرة ولا بعدمها ولا بالحياة ولا عدمها بمعنى أن ذلك ~~لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك لا نفيا ولا إثباتا فان هذا حال المعدوم المحض # وإذا كان كذلك فقول القائل أنا أقول أن الله غير متناهي في ذاته بمعنى أن ~~ذاته لا تقبل أن يوصف بالتناهي وعدمه لأن ذلك من عوارض ذات المقدار كما لا ~~يوصف بالطول وعدمه ولا بالقصر وعدمه ولا بالاستدارة والتثليث والتربيع وعدم ~~ذلك لأن ذلك من عوارض المقدار وهو التجسيم والتحيز PageV02P195 جمع بين ~~النقيضين لأن قوله غير متناه في ذاته يفهم المقدار الذي لا يتناهى وهو ~~البعد الذي لا يتناهى كما إذا قيل إنه لا نهاية له في أزله أفهم ذلك ms669 البقاء ~~الذي لا يتناهى وهو عمر الله الذي لا يتناهى كما يحلف به فيقال لعمر الله ~~كما حلف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بذلك # وقولهم بعد ذلك لا يقبل الوصف بالتناهي وعدمه نفي لما أثبتوه من كونه غير ~~متناهي وكذلك قوله امتنع أن يكون له طرف ونهاية وحد هذا يفهم منه أن ذاته ~~غير متناهي فلا نهاية لها وهو إنما أراد أن ذاته لا يجوز إثبات النهاية لها ~~ولا سلبها عنها وهذا صفة المعدوم # فالحاصل أنهم في هذا المقام إما أن يفسروا سلب النهاية بما هو صفة ~~المعدوم أو بما يستلزم وجودا غير متناهي في نفسه فان قالوا ان وجود ذلك ~~الموجود غير متناه في نفسه فهذا قول من يقول إن ذات الله لا نهاية لها وان ~~قالوا إن ذاته لا يجوز أن يعتقد أو يقال فيها إنها متناهية أو أنها غير ~~متناهي لأنها لا تقبل الاتصاف بذلك فهذا صفة المعدوم سواء فأحد الأمرين ~~لازم إما تمثيل ربهم بالمعدوم وإما القول بأبعاد لا نهاية لها # وهكذا كان السلف يقولون عن قول الجهمية انهم لما قالوا ان الله ليس على ~~العرش وأنه لا يكون في مكان دون مكان صاروا تارة يقولون إنه في كل مكان ~~ويقول من يقول منهم إنه موجود ولا نهاية لذاته فيجعلونه من الموجودات ~~المخلوقة أو نفس وجودها وتارة يقولون ليس في مكان أصلا ولا داخل العالم ولا ~~خارجه فيجعلونه كالمعدومات فهم دائما مترددون بين الاشراك وبين التعطيل إما ~~يجعلونه كالمخلوقات وإما أن يجعلوه كالمعدومات فالأول يكثر في عبادهم ~~ومتصوفتهم والثاني يكثر في علمائهم ومتكلمتهم PageV02P196 # ولهذا لما كان صاحب الفصوص ونحوه من القسم الأول جعلوه نفس الموجودات ~~وجوزوا كل شرك في العالم وجعلوه نفس العابد والمعبود والناكح والمنكوح ~~والشاتم والمشتوم وقالوا ما عبد أحد الله ولا يمكن أن يعبد الا الله بل لا ~~يتصور أن يكون العابد والمعبود عندهم إلا الله ولما كان صاحب التأسيس ونحوه ~~من القسم الثاني جعلوه كالمعدومات المحضة ولهذا يقال فيهم متكلمة الجهمية ms670 ~~لا يعبدون شيئا وهذا هو نهاية التعطيل ومتصوفتهم يعبدون كل شيء وهذا نهاية ~~الاشراك # ولهذا ذكر الاسلام والسنة أن هذا السلب أول من ابتدعه في الاسلام هم ~~الجهمية وليس له أصل في دين المسلمين ولا غيرهم بل الموجود في كتاب الله ~~وسنة رسوله وكلام سلف الأمة وأئمتها هو نفي ادراك نهايته ونفي الاحاطة به ~~كما قال تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ وقال من قال من السلف لمن سأله ~~عن هذه الأشياء الست ترى السماء قال بلى قال أفكلها ترى قال لا قال فالله ~~أكبر وكذلك قوله @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ سواء كان الضمير عائدا على ~~الله أو على ما بين أيديهم فان ذلك يدل على عدم إحاطة العلم بالله من طريق ~~الأولى وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك وغير ذلك وكذلك من قال من سلف الأمة إن حده لا يعلمه أحد ~~غيره # وقد قال سبحانه @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ فأخبر ~~سبحانه أنهم ما قدروا الله حق قدره وهو يقبض الأرض بيده ويطوى السماء ~~بيمينه كما استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ~~حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود كلها في الصحيحين ومثل حديث ابن عباس ~~وغيره من الأحاديث الحسان وقال أيضا في الآية الأخرى @QB@ وما قدروا الله ~~حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء @QE@ PageV02P197 فالآية ~~الأولى في الأصل الأول من الاسلام وهو التوحيد والثانية في الأصل الثاني ~~وهو الرسالة وهؤلاء الجهمية لهم قدح في كلا الأصلين فانهم لا يقدرون الله ~~حق قدره فلا يقبض عندهم أرضا ولا يطوي السماء بيمينه بل ليس له قدر في ~~الحقيقة الخارجية عندهم وإنما قدره عندهم ما يقوم بالأنفس والأذهان فيثبتون ~~لقدره الوجود الذهني دون العيني وكذلك عندهم في الحقيقة ما تكلم بشيء حتى ~~ينزله على بشر لا سيما الصابئة المتفلسفة منهم فان الكلام ms671 انما يفيض عندهم ~~على قلب النبي من العقل الفعال لا من رب العالمين # وقد قال في الآية الأخرى @QB@ وأن إلى ربك المنتهى @QE@ وقال @QB@ إنك ~~كادح إلى ربك كدحا فملاقيه @QE@ وقال @QB@ وردوا إلى الله مولاهم الحق @QE@ ~~وقال @QB@ ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ واذا كان منتهى المخلوقات إليه ~~وهو الغاية والنهاية التي ينتهى إليها امتنع أن يكون بحيث لا ينتهى إليه ~~ولا يكون غاية ومالا يوصف بالنهاية لا ينتهى إليه أصلا فانه لا اختصاص له ~~حتى يكون الشيء غير منته إليه ثم ينتهي إليه بل وصف الشيء بالانتهاء إليه ~~وعدم الانتهاء إليه سواء كما يقوله الجهمية فانه لا يتصور عندهم أن ينتهي ~~إلى الله شيء أو يرجع إليه أمر أو يصير إليه أمر أو يرد إليه أحد لا سيما ~~الاتحادية منهم من يقول انه في كل مكان كما لا يتصور عنده أن ينزل من عنده ~~شيء أو يعرج إليه شيء أو يصعد إليه شيء وليس هذا موضع تقرير ذلك # وإنما الغرض هنا أن قوله الشيء الذي يقال إنه غير متناه على وجهين أحدهما ~~أنه غير مختص بجهة وحيز قول لا يعرف ما يعرف اطلاق القول على شيء بأنه غير ~~متناه بهذا المعنى أصلا إلا إذا كان معدوما أو كان ذاهبا في الجهات كلها ~~غير متناه كما يقدر من الأبعاد PageV02P198 # الوجه السادس أن هذا الوجه معارض بما اختص الله به سبحانه من الحقيقة ~~والصفات فان الاختصاص بالوصف كالاختصاص بالقدر فهو مختص بالحياة والعلم ~~والقدرة وغير ذلك بحيث له صفات مخصوصة يمتنع اتصافه بأضدادها ونقائضها ~~ويقال فيها نظير ما قالوا في المقدار بأن يقال إما أن تكون الصفات متناهية ~~أو غير متناهية أو متناهية من وجه دون وجه فان كانت متناهية فكل متناهي ~~يستدعى مخصصا ويقبل الزيادة والنقص كما قدره في المقدار وان لم تكن متناهية ~~لزم وجود صفات لا نهاية لها وفرض وصف لا نهاية له كفرض قدر لا نهاية له فان ~~الصفة لا بد لها من محل ويلزم من عدم تناهيها عدم ms672 تناهي محلها # وأيضا فان كل صفة متميزة عن الأخرى فيكون للصفات عدد فإما أن يكون عدد ~~الصفات يتناهى أو لا يتناهى فإن تناهى لزم الأول وإن لم يتناهى لزم الثاني ~~وإذا كان له أعداد لا تتناهى فهو كمقدار لا يتناهى فكلما يحتج به على ~~امتناع مقدار لا يتناهى يحتج به على امتناع عدد صفات لا تتناهى إذ ما يفرض ~~من المسامتة وعدمها في المقدار يفرض من المطابقة وعدمها في الأعداد # وهذا الوجه يمكن أن يلزم به كل أحد فانه لابد من الاعتراف بموجود له خاصة ~~يتميز بها عما سواه إذ وجود ليست له خاصة تميزه ممتنع والكليات مع كونها ~~موجودة في الأذهان فتميز ما في نفس زيد عما في نفس عمرو فانها من الصفات ~~القائمة بالأذهان وإذا كان لكل موجود خاصة يتميز بها سواء كان واجبا بذاته ~~أو كان ممكنا فالقول في اختصاصه بتلك الخاصة كالقول في اختصاصه بقدر # | فصل # قال الرازي البرهان الرابع على أنه يمتنع أن يحصل في الجهة والحيز هو ~~PageV02P199 أنه لو حصل في شيء من الجهات والأحياز لكان إما أن يحصل مع ~~وجوب أن يحصل فيه أو لا مع وجوب أن يحصل فيه والقسمان باطلان فكان القول ~~بأنه تعالى حاصل في جهة محالا وإنما قلنا إنه يمتنع أن يحصل فيه مع الوجوب ~~لوجوه # الأول أن ذاته مساوية لذوات سائر الأجسام في كونه حاصلا في الحيز ممتدا ~~في الجهة وإذا أثبت التساوي من هذا الوجه ثبت التساوي في تمام الذات على ما ~~بيناه في البرهان الأول في نفي كونه جسما وإذا ثبت التساوي مطلقا فكل ما صح ~~على أحد المتساويين وجب أن يصح على الآخر ولما لم يجب في سائر الذوات ~~حصولها في ذلك الحيز وجب أن لا يجب في تلك الذات حصولها في ذلك الحيز وهو ~~المطلوب # الثاني أنه لو وجب حصوله في تلك الجهة وامتنع حصوله في سائر الجهات لكانت ~~تلك الجهة مخالفة في الماهية لسائر الجهات فحينئذ تكون الجهات شيئا موجودا ~~فإذا كان الله ms673 واجب الحصول في الجهة أزلا وأبدا التزموا قديما آخر مع الله ~~تعالى في الأزل وذلك محال # الثالث أنه لو جاز في شيء مختص بجهة معينة أن يقال اختصاصه بتلك الجهة ~~واجب جاز أيضا ادعاء أن بعض الأجسام حصل في حيز معين على سبيل الوجوب بحيث ~~يمتنع خروجه عنه وعلى هذا التقدير لا يتمشى دليل حدوث الأجسام في ذلك فثبت ~~أن القائل بهذا القول لا يمكنه الجزم بحدوث كل الأجسام بل يلزمه تجويز أن ~~يكون بعضها قديما # الرابع وهو أنا نعلم بالضرورة أن الأحياز بأسرها متساوية لأنها فراغ محض ~~وخلاء صرف وإذا كانت بأسرها متساوية يكون حكمها واحدا وذلك يمنع القول بأن ~~الله تعالى واجب الاختصاص ببعض الأحياز على التعيين PageV02P200 # فإن قالوا لم لا يجوز أن يكون اختصاصه بجهة فوق أزلي قلنا هذا باطل ~~لوجهين # أحدهما أنه قبل خلق العالم ما كان الا الخلاء الصرف والعدم المحض فلم يكن ~~هناك لا فوق ولا تحت فبطل قولكم # الثاني لو كان الفوق متميزا عن التحت بالتميز الذاتي لكانت أمورا موجودة ~~قابلة للانقسام وذلك يقتضي تقدم الجسم لأنه لا معنى للجسم إلا ذلك # الثالث هو أنه لو جاز أن يختص ذات الاله تعالى ببعض الجهات على سبيل ~~الوجوب مع كون الأحياز متساوية في العقل لجاز اختصاص بعض الحوادث المعينة ~~ببعض الأوقات دون بعض على سبيل الوجوب مع كونها متساوية في العقل وعلى هذا ~~التقدير يلزم استغناؤها عن الصانع ولجاز أيضا اختصاص عدم القديم ببعض ~~الأوقات على سبيل الوجوب وعلى هذا التقدير ينسد باب إثبات الصانع وباب ~~اثبات وجوبه وقدمه # الخامس أنه لو حصل في حيز معين مع كون لا يمكنه الخروج منه لكان كالمفلوج ~~الذي لا يمكنه أن يتحرك أو كالمربوط الممنوع من الحركة وذلك نقص والنقص على ~~الله محال # وأما القسم الثاني وهو أن يقال إنه تعالى حصل في الحيز مع جواز كونه ~~حاصلا فيه فنقول ان هذا محال لأنه لو كان كذلك لما ترجح وجود ذلك الاختصاص ~~إلا بجعل جاعل وتخصيص مخصص ms674 وكل ما كان كذلك فالفاعل متقدم عليه فيلزم أن لا ~~يكون حصول ذات الله في الحيز أزليا لأن ما تأخر عن الغير لا يكون أزليا ~~وإذا كان في الأزل مبرءا عن الوضع والحيز امتنع أن يصير بعد ذلك مختصا ~~بالحيز وإلا لزم وقوع الانقلاب في ذاته تعالى وهو محال PageV02P201 # والكلام على هذه الحجة على قول من يطلق الحيز والجهة ومن لا يطلق ذلك على ~~مذهب مثبتة الجسم ونفاته مع قولهم إنه على العرش سواء فإنه يمكن أن يقال لو ~~كان فوق العرش أو كان عاليا على العرش لكانت فوقيته وعلوه إما واجبا وإما ~~جائزا وساق الحجة والجواب عنها أن يعرف أن لفظ الحيز والجهة ونحو ذلك فيه ~~اشتراك كما تقدم فقد يراد به شيء منفصل عن الله كالعرش والغمام وقد يراد به ~~ما ليس منفصلا عنه كما ذكرنا أن لفظ الحيز والحد في المخلوقات يراد به ما ~~ينفصل عن المحدود ويحيط به ويراد به نهاية الشيء وجوانبه فإن كلاهما يحوزه ~~وقد يراد بالحيز أمر عدمي وهو ما يقدر فيه الأجسام وهو المعروف من لفظ ~~الحيز عند المتكلمين الذين يفرقون بين لفظ الحيز والمكان فيقولون الحيز ~~تقدير المكان وكذلك الجهة قد يعنى بها أمر وجودي منفصل عنه فقد يعنى بها ما ~~لا يقتضي موجودا غيره بل يكون إما أمرا عدميا وإما نسبيا وإضافيا وإذا كان ~~في الألفاظ اشتراك فمن مسمى ذلك ما يكون واجبا ومنه ما يكون جائزا ~~والاستفصال يكشف حقيقة الحال وحينئذ فالكلام عليها من وجوه # الأول أن يقال ما تعنى بقولك لو حصل في شيء من الجهات والأحياز لكان إما ~~أن يحصل مع الوجوب أو مع عدم الوجوب أتعنى بالحيز ما هو من لوازم المتحيز ~~وهي نهايته وحده الداخل في مسماه أم تريد بالحيز شيئا موجودا منفصلا عنه ~~كالعرش وكذلك الجهة أتريد بالجهة أمرا موجودا منفصلا عنه أم تريد بالجهة ~~كونه بحيث يشار إليه ويمكن الاحساس به وإن لم يكن هناك موجود غيره فإن أراد ~~بالحيز المعنى الأول وهو ms675 ما هو من لوازم كل متحيز وان أراد بالجهة كونه ~~يشار إليه من غير وجود شيء منفصل عنه لم نسلم أن ذلك غير واجب وبهذا ~~التفصيل يظهر الجواب عما ذكره من الوجوه PageV02P202 # أما قوله لا يجب في سائر الذوات حصولها في ذلك الحيز فكذلك هذا فيقال له ~~بل يجب في سائر الذوات المتحيزة أن يكون لكل منها تحيز يخصه وهو قدره ~~ونهايته التي تحيط به ويلزمه الحيز الذي هو تقدير المكان وهو عدمي لكن لا ~~يجب أن يكون عين تحيز هذا وعين حيزه الذي هو نهايته أن يكون عين تحيز الآخر ~~وحيزه الذي هو نهايته كما لا يجب أن يكون عين هذا هو عين الآخر فان حيزه ~~بهذا التفسير داخل في مسمى ذاته ونفسه وعينه والشيئان المتماثلان لا يكون ~~أحدهما عين الآخر فإن هذا لا يقوله عاقل وهذا معلوم بالاضطرار لا نزاع فيه ~~هذا لو سلم أن الأجسام متماثلة فكيف وقد تقدم أن هذا قول باطل # وكذلك قوله في الثاني لو وجب حصوله في تلك لجهة لكانت مخالفة لغيرها ~~فيكون موجودا فيكون مع الله قديم آخر يقال اثبات صفة قديمة ليس ممتنعا على ~~الله كما اتفق عليه الصفاتية أو لا نسلم أنه ممتنع والقدر والحيز الداخل في ~~مسمى المتحيز الذي هو من لوازمه أبلغ من صفاته الذاتية فإن كل وجود متحيز ~~بدون الحيز الذي هو جوانبه المحيطة به يمنع أن يكون هو إياه والقديم الذي ~~يمتنع وجوده مع الله ما يكون شيئا منفصلا عنه بل شيء يكون داخلا في مسماه ~~ليس خارجا عنه # وقوله في الوجه الثالث لو جاز دعوى وجوب اختصاص شيء بجهة معينة جاز أن ~~يدعى في بعض الأجسام حصوله في حيز بعينه على سبيل الوجوب وحينئذ لا يتمشى ~~دليل حدوث الأجسام بل يلزمه تجويز قدم بعضها يقال له كل جسم فإنه مختص ~~بتحيز وحيزه الذي هو جوانبه ونهايته وحدوده الداخلة في مسماه وأما اختصاصه ~~بحيز وجودي منفصل عنه فذلك شيء آخر لا يلزم كما قد بيناه فعلم ms676 أن ذلك لا ~~ينافي ما ذكروه من دليل حدوث الأجسام مع أن ذلك PageV02P203 الدليل لا ~~نرتضيه لا لهذا لكن لمعاني آخر ومع أن المنازعين له الذين يقولون هو جسم ~~أوله حد وقدر ينازعونه في حدوث كل ما كان جسما أوله حد فقد يقولون دعوى ~~حدوث جميع هذا مثل دعوى حدوث كل ذات أو كل موصوف أو كل صفة وموصوف وحدوث كل ~~قائم بنفسه أو كل موجود ونحو ذلك # وقوله في الوجه الرابع الاحياز متساوية وذلك يمنع الاختصاص ببعضها على ~~التعيين يقال له الأحياز المتساوية التي تدعى فيها التساوي هي ما كانت ~~منفصلة عن المتحيز كما ذكر من الخلاء والفراغ وأما الذي هو داخل في مسمى ~~المتحيز وهو جانبه وحده ونهايته فهذا تابع للمتحيز وهذه الأحياز مختلفة ~~باختلاف المتحيزات فحيز كل متحيز وهو حده ونهايته وجانبه يتبع حقيقته وهذا ~~ظاهر فحيز الذهب ذهب وحيز الفضة فضة بهذا الاعتبار # وقوله في الوجه الخامس المختص بحيز معين يكون كالمربوط والمفلوج يقال له ~~هذا إنما يقال إذا كان في حيز وجودي منفصل عنه أما ما هو داخل في مسمى نفسه ~~وهو حده ونهايته فلا يلزم ذلك فيه كما لا يلزم في سائر المتحيزات وهذا ظاهر ~~بل عدم هذا يستلزم عدم في سائر المتحيزات وهذا ظاهر بل عدم هذا يستلزم عدم ~~بعض الشيء # الوجه الثاني أن يقال إذا أراد القائل بأنه متحيز وأراد بالحيز أمرا ~~موجودا منفصلا عنه كالغمام والعرش فإنه قد يقول حصوله فيه على سبيل الجواز ~~وبذلك يظهر الجواب عن قوله ذلك الاختصاص لا يكون إلا بجعل جاعل وهو الفاعل ~~المتقدم على التخصيص فيلزم أن لا يكون ذات الله في الحيز أزليا فإن هذا سلم ~~PageV02P204 على هذا التقدير بأن حصول ذاته فوق العرش ليس أزليا بل كان ~~الله قبل أن يكون مستويا على العرش سواء قيل إن الاستواء أمر نسبي إضافي أو ~~قيل إنه من صفات الأفعال وأنه استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويا عليه ~~فعلى التقديرين إنما حصل الاستواء بخلقه ms677 للعرش وخلقه للعرش بمشيئته ~~واختياره # وأما قوله وإذا كان في الأزل مبرءا عن الموضع والحيز امتنع أن يصير بعد ~~ذلك مختصا بالحيز وإلا لزم الانقلاب في ذاته يقال له هذا ممنوع فإنه إذا ~~كان في الأزل مبرءا عن حيز وجودي كالعرش والغمام ثم صار بعد أن خلق العرش ~~والعالم فوقه لم يكن ذلك ممتنعا فإن تجدد النسب والاضافات عليه جائز باتفاق ~~العقلاء وأما إن قيل إن الاستواء فعل وأنه استوى عليه بعد أن لم يكن مستويا ~~كما هو المعروف من مذاهب السلف وأهل الحديث فهذا مبني على مسألة الحركة ~~وحلول الحوادث وقد تقدم كلامه بان هذا لم يقم دليل عقلي على نفيه وان جميع ~~الطوائف يلزمهم القول به وليس ذلك انقلاب في ذات الله بحال كما تقدم # وهو إنما ادعى لزوم الانقلاب لأنه أخذ لفظ الحيز بالاشتراك فقدر أنه يصير ~~متحيزا بعد أن لم يكن متحيزا ومعلوم أن هذا يوجب انقلاب ذاته فإن ضرورة صير ~~المتحيز متحيزا توجب الانقلابات لكن هذا التحيز هو القسم الأول وهو التحيز ~~اللازم للمتحيز الذي يمتنع انفصاله عنه والمراد بالحيز في هذا المتحيز إما ~~أمر عدمي أو إضافي أو المراد به جوانب المتحيز ونهايته فلو كان في الأزل ~~مبرءا عن هذا ثم صار موصوفا به لزم الانقلاب ونظيره في المخلوقات أن يصير ~~ما ليس بجسم جسما وهذا عند قوم متنع وعند قوم قد يقلب الله الأعراض ~~PageV02P205 أجساما وذلك انقلاب بلا نزاع أما إذا أريد بالحيز أمرا موجودا ~~منفصلا عنه فلا يلزم بكونه فوقه وعليه أن تنقلب ذاته بوجه من الوجوه # فإن للناس في كونه فوق العرش والعالم قولان مشهوران لعامة الطوائف من ~~المتكلمين وأهل الحديث والفقهاء والصوفية من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد وغيرهم أحدهما أنه مجرد نسبة وإضافة بين المخلوق والخالق أو بين ~~العرش والرب تجددت بخلقه للعرش من غير أن يكون هو في نفسه تحرك أو تصرف ~~بنفسه شيئا وهذا قول من يقول يمتنع حلول الحوادث بذاته وتمتنع الحركة عليه ~~والقول الثاني هو ms678 المشهور عن السلف وأئمة أهل الحديث وكثير من أهل الكلام ~~والفقهاء والصوفية من الطوائف الأربعة وغيرهم أنه استوى عليه بعد أن خلق ~~السموات والأرض كما دل عليه القرآن فيكون قد استوى عليه بعد أن لم يكن ~~مستويا عليه وكذلك استواؤه إلى السماء ومجيؤه وإتيانه كما وردت بذلك النصوص ~~المتواترة الصحيحة وعلى هذا التقدير فليس في ذلك انقلاب لذاته بل قد ذكر هو ~~أن ليس في الأدلة العقلية ما يحيل ذلك # الوجه الثالث أن يقال تحيزه واجب بذلك بناءا على أن نفس العرش ليس بحيز ~~بل الحيز تقدير المكان ومن قال بذلك فهم في جواز الحركة عليه على قولين فمن ~~قال بالامتناع يقول إنه لما خلق العرش تجددت بينه وبين العرش نسبة ولم ~~يتغير عما كان موصوفا إن وصفه بأنه متحيز فإنا قد ذكرنا أن للقائلين بأنه ~~على العرش في ذلك قولان PageV02P206 # وقد يقول إن حصوله في الحيز المعين واجب ومن قال ذلك يجيب عن أوجهه ~~الخمسة أما الوجه الأول فمبني على تماثل المتحيزات وقد تقدم أن هذا باطل # وأما قوله في الوجه الثاني أنه لو وجب حصوله في الجهة وامتنع حصوله في ~~غيرها لكانت تلك الجهة مخالفة لغيرها في الحقيقة فتكون موجودة فيكون مع ~~الله قديم غيره تعالى يقال له هؤلاء لا يقولون إن الحيز الذي يجب لله أمرا ~~موجودا منفصلا عنه بل هو عندهم أمر عدمي بينه وبين الله نسبة وإضافة أو هو ~~تقدير المكان وذلك لا يقتضي وجود قديم آخر مع الله ومن قال إن تقدير الزمان ~~وتقدير المكان وجوديان قال بقدمهما جميعا كما يقول ذلك طائفة من الصابئة ~~ومن اتبعهم ثم قد يقولون إن ذلك لازم لواجب الوجود بنفسه وقد يقولون إن ~~القدماء خمسة الزمان والمكان والنفس والهيولى وواجب الوجود بنفسه كما يقول ~~ذلك بعض الصابئين ومن اتبعهم كديمقراطيس # والغرض أن المسلمين الذين يقولون ليس مع الله قديم منفصل عنه موجود لا ~~يقولون أن الحيز موجود وقد تقدم الدليل على ذلك وقد قال هو بعد هذا إنه ms679 قبل ~~خلق العالم ما كان إلا الخلاء الصرف والعدم المحض وذلك ينافي قوله أن ~~الأحياز وجودية # وأما قوله ما سبب الاختصاص بهذا الأمر العدم فسيأتي الكلام عليه # وهؤلاء يقولون قوله في الوجه الثالث لو جاز في شيء مختص بجهة معينة أن ~~يقال اختصاصه بتلك الجهة واجب جاز أيضا ادعاء أن بعض الأجسام حصل في حيز ~~معين على سبيل الوجوب وعلى هذا لا يتمشى دليل حدوث العالم فثبت أن القائل ~~بهذا القول لا يمكنه الجزم بحدوث كل الأجسام بل يلزمه تجويز أن يكون بعضها ~~قديما فهم يجيبون بجوابين PageV02P207 # أحدهما أن الأجسام مختلفة بالحقيقة فلا يلزم من اختصاص بعضها بصفة معينة ~~أن يكون غيره مختصا بمثل تلك الصفة كما أنه عندهم إذا اختص بسائر صفاته ~~الذاتية لم يلزم أن يكون غيره مختصا لغيره # الثاني أنهم إذا قالوا بأن الأجسام الباقية مختص بحيز معين إنما يبطل ~~الدليل الذي ذكره منازعوهم ولا ريب في بطلان هذا الدليل عندهم كما اتفق ~~السلف والأئمة على أنه من الكلام المنهي عنه ومن قال من هؤلاء إنه جسم لم ~~ينكر أن الأجسام كلها ليست محدثة كما لاينكر أن القائمات بأنفسها كلها ليست ~~محدثة وأن الموصوفات كلها ليس محدثة بل يضلل من يطلق العموم بحدوث الأجسام ~~كما يضلل من أطلق القول بحدوث الموصوفات والقائمات بأنفسها أو الموجودات # ويقولون قوله في الوجه الرابع إنا نعلم بالضرورة أن الأحياز بأسرها ~~متساوية لأنها فراغ محض وخلاء صرف وذلك يمنع وجوب الاختصاص ببعضها فهم ~~يقولون ليس الاختصاص لمعنى فيها بل هو لمعنى في نفسه وهو امتناع الحركة ~~عليه والانتقال عنه كما يوافقهم هو على ذلك وأيضا فالعالم مختص بحيزه لمعنى ~~فيه لا في حيزه # وأما السؤال الذي أورده من جهتهم لم لا يجوز أن يكون اختصاصه بجهة فوق ~~أولى وجوابه بأنه قبل خلق العالم ما كان إلا الخلاء الصرف وبأنه لو كان ~~الفوقاني متحيزا عن التحتاني لكانت وجودية فإنهم يقولون كونه فوق العالم ~~إنما يظهر إذا خلق العالم فإنه لما خلقه وهو على ms680 علو يستحقه بنفسه وخلق ~~العالم بصفة التحت وجب أن يكون فوق العالم لمعنى في نفسه وفي العالم لا ~~لمعنى وجودي في الحيز وإن لم يكن قبل خلق العالم ولا فوق العالم إلا لعدم ~~المحض PageV02P208 والخلاء الصرف فالاختصاص بالحيز لامتناع الحركة عليه ~~عندهم ووجوب علوه لمعنى في نفسه وفي العالم # وكذلك قوله في الثالث لو جاز اختصاص ذات الاله ببعض الجهات على سبيل ~~الوجوب مع كون الأحياز متساوية يلزم استغناؤها عن الصانع فيقولون هذا بناء ~~على أن الأحياز أمور وجودية وليس الأمر كذلك بل هي أمور عدمية # وقوله في الخامس إنه يكون كالمفلوج الذي لا يمكنه الحركة وهو نقص وهو على ~~الله محال فيقال أنت تقول أن نفي النقص عن الله لا يعلم بالعقل وأنت أيضا ~~تقول لا يجوز عليه الحركة وقد تقدم الكلام على هذا في آخر حجة من نفي الجسم ~~وهو برهان الحركة وبينا أن ما وصف به قول منازعيه يلزمه مثله أو أكثر # الوجه الرابع قول من لا يوجب حصوله في حيز معين خارج عنه وجوديا كان أو ~~عدميا بل ذلك عنده على سبيل الجواز مطلقا وهو قول كل من يقول أنه استوى على ~~العرش بعد أن خلق السموات والأرض بعد أن لم يكن مستويا عليه ويقول انه ~~استوى إلى السماء وأنه يجيء يوم القيامة ويأتي إلى سائر ما جاءت به النصوص ~~من ذلك وعلى قول هؤلاء يجب حصوله في حيز معين جل وتكون ذاته مستلزمة للتحيز ~~المطلق لا لحيز معين وإذا حصل في حيز معين جاز أن يكون حاصلا فيه ولم يجب # وأما قوله إن هذا محال لأنه لو كان كذلك لما ترجح ذلك الاختصاص إلا بجعل ~~جاعل وتخصيص مخصص وما كان كذلك فالفاعل متقدم عليه فيلزم PageV02P209 أن ~~يكون حصول ذات الله في الحيز أزليا لأن ما تأخر عن الغير لا يكون أزليا ~~يقال له أما اختصاصه بحيز دون حيز فهو الذي يفتقر إلى جعل جاعل وأما أصل ~~التحيز فمن لوازم ذاته القدرة والفعل فإن القدرة على ms681 كل شيء لوازم ذاته ~~وأما تخصيص بعض المقدورات فتتبع مشيئته واختياره ولى هذا فنقول حصوله في ~~حيز معين دون غيره بمشيئته واختياره وذلك لأن هذا هو الفعل والتصرف والحركة ~~كما يقولون إنه ما زال متكلما إذا شاء كذلك يقولون ما زال فاعلا بنفسه إذا ~~شاء وعلى هذا فحصول ذاته في الأزل يكون أزليا لأنه من لوازم ذاته لكن تعين ~~حيز دون حيز هو تابع لمشيئته واختياره وذلك أن الأحياز ليست أمورا وجودية ~~بل هي أمور عدمية فليس الأمر إلا مجرد كونه يفعل بنفسه ويتصرف وتقدم الفاعل ~~على هذا الفعل كتقدم حركة اليد على حركة الخاتم لا يوجب ذلك تقدما بالزمان # وعلى هذا فيقال الوجه الخامس وقولك لو حصل في شيء من الأحياز والجهات ~~لكان إما أن يحصل مع وجوب أن يحصل فيه أولا مع الوجوب فيقال أتريد بالوجوب ~~وجوب الحيز المطلق أو وجوب حيز معين فإن أردت الأول فالوجوه الخمسة ~~المذكورة لا تنفي ذلك وإن أردت الثاني فقوله إن هذا يلزم أن لا يكون حصول ~~ذات الله في الحيز أزليا يقال هذا ممنوع # قوله ما ترجح وجود ذلك الاختصاص إلا بجعل جاعل وكل ما كان كذلك فالفاعل ~~متقدم عليه وما تأخر عن الحيز لا يكون أزليا يقال له التقدم في مثل هذا لا ~~يوجب أن يكون بزمان يفصل بين الفعل والفاعل كما تقول حركت يدي فتحرك ثوبي ~~أو تحرك خاتمي ونحو ذلك فحركة اليد متقدمة على حركة الخاتم والكم ومع هذا ~~فزمانهما واحد فكذلك إذا كان هذا التخصيص جائزا وهو بمشيئته واختياره لم ~~يمنع ذلك أن يتقدما على فعله تقدما بغير PageV02P210 الزمان وهذا القدر وإن ~~كان الفلاسفة يقولونه في تقدمه على العالم فهؤلاء لم يقولوه في ذلك بل ~~قالوه في تقدمه على هذا الفعل القائم بنفسه والتحيز المعين وهم يقولون ذلك ~~في سائر ما يضاف إليه من أعيان الأقوال وأعيان الأفعال القائمة بنفسه التي ~~يمكن أن يكون يقول ويفعل غيرها مما يكون بمشيئته واختياره وهذا قول طوائف ~~كثيرة من منازعيه ms682 معروف عنهم من أهل الكلام وأهل الحديث والصوفية وغيرهم $ ~~فصل # قال الرازي البرهان الخامس هو أن الأرض كرة فإذا كان كذلك امتنع كونه ~~تعالى في الحيز والجهة بيان الأول أنه إذا حصل خسوف قمري فإذا سألنا سكان ~~أقصى المشرق عن ابتدائه قالوا إنه حصل في أول الليل وإذا سألنا سكان أقصى ~~المغرب قالوا إنه حصل في آخر الليل فعلمنا أن أول الليل في أقصى المشرق هو ~~بعينه آخر الليل في أقصى المغرب وذلك يوجب كون الأرض كرة وإنما قلنا إن ~~الأرض لما كانت كرة امتنع كون الخالق في شيء من الأحياز وذلك أن الأرض إذا ~~كانت كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى سكان أهل المشرق هي تحت بالنسبة ~~إلى سكان أهل المغرب وعلى العكس فلو اختص الباري بشيء من الجهات لكان تعالى ~~في جهة التحت بالنسبة إلى بعض الناس وذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين الخصم ~~فثبت أنه يمتنع كونه مختصا بالجهة # والكلام على هذا أن يقال هذا الذي ذكره مبني على أن الأرض مستديرة ~~والأفلاك مستديرة وهذا القدر قد ينازعه فيه بعض الناس فإن من أهل الكلام ~~PageV02P211 من نازعه فيه ودفع كون الأفلاك مستديرة كما فعل بعض من رد ~~عليهم في كتاب الدقايق وغيرهم وكذلك قد يدفع ذلك بعض من ينتسب إلى العلم ~~وربما حصل هذا من أقوال المنجمين التي يخالف الشرع وكذلك المتكلم قد ينازع ~~في هذا بطريق جدلية وهذا المتفقه قد ينازع في هذا زعما منه أن هذا مخالف ~~للشريعة وليس مع واحد منهما دليل شرعي ولا عقلي يخالف ذلك ولا يمنع كون ~~الأفلاك مستديرة ولا ينقل عن أحد من أئمة الإسلام وعلمائه النزاع في ذلك بل ~~قد ذكر غير واحد من علماء المسلمين مثل الشيخ أبي جعفر بن المنادي أحد ~~العلماء المشاهير ذوي التصانيف الكثيرة من الطبقة الثانية من أصحاب الامام ~~أحمد ومثل محمد بن حزم ومثل أبي الفرج ابن الجوزي إجماع المسلمين على أن ~~الأفلاك مستديرة وأبو جعفر من أعظم الناس اطلاعا وكذلك هؤلاء وإذا ms683 ذكر هو ~~أو غيره اجماع علماء المسلمين على أن الأفلاك مستديرة كان من نازع بعد هذا ~~الاجماع من متكلم ومتفقه وغيرهما مسبوقا بالاجماع وما علمت منازعا في ذلك ~~إلا نقل الاجماع الذي ذكره أبو جعفر بن المنادي وإن كان قد نقل عن بعض ~~السلف نزاع في حركة الأفلاك لكن ما علمت عنهم نزاعا في استدارتها # وقد ذكر العلماء دلالة الكتاب والسنة على أن الأفلاك مستديرة من وجوه ~~كثيرة ليس هذا موضعها قد كتبنا في ذلك ما تيسر في غير هذا الموضع مثل قوله ~~تعالى في موضعين من كتابه @QB@ وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر ~~كل في فلك يسبحون @QE@ قال ابن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل والفلك في ~~اللغة هو الشيء المستدير ومنه يقال تفلك ثدي الجارية إذا PageV02P212 ~~استدار ومنه فلكه المغزل وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~إذا سألتم الله الجنة فأسألوه الفردوس فإنها أعلا الجنة وأوسط الجنة وسقفها ~~عرش الرحمن والأعلى لا يكون الأوسط إلا إذا كان الشكل مستديرا بخلاف المربع ~~والمثلث ونحوهما من الأشكال فإنه لا يكون أعلاه أوسطه # وفي حديث الأطيط الذي رواه أبو داود وغيره عن جبير بن محمد بن جبير بن ~~مطعم عن أبيه عن جده قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال يا ~~رسول الله جهدت الأنفس وضاعت العيال وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا فإنا ~~نستشفع بك إلى الله ونتشفع بالله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويحك أتدري ما تقول وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى ~~عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك أتدري ما تقول لا يستشفع بالله على أحد ~~من خلقه شان الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن عرشه على سمواته هكذا ~~وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب قال أبو داود ~~وقال ابن بشار في حديثه إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سمواته وساق الحديث ~~ولفظ عثمان ms684 بن سعيد عن ابن بشار إن الله فوق عرشه فوق سمواته فوق أرضه مثل ~~القبة وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده مثل القبة وأنه ليئط به أطيط ~~الرحل بالراكب # وقد قال سبحانه وتعالى @QB@ وسع كرسيه السماوات والأرض @QE@ وفي حديث أبي ~~ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ~~ملقاة بأرض فلاة والكرسي في العرش مثل تلك الحلقة في الفلاة والعرش لا يقدر ~~أحد قدره إلا الله وقد روى أبو بكر الخلال في كتاب السنة أخبرني حرب حدثنا ~~محمد بن مهدي ومالك ثنا اسماعيل بن عبد الكريم ثنا عبد الصمد بن معقل قال ~~سمعت هناد ذكر من عظمة الله تعالى قال إن السموات السبع والأرضين ~~PageV02P213 السبع والبحار لفي الهيكل وإن الهيكل لفي الكرسي وإن قدميه على ~~الكرسي وقال الخلال سألت إبراهيم الحربي عن حديث وهب بن منبه ان السموات ~~والأرض لفي الهيكل فقال الهيكل هو الشيء العظيم وأنت إذا دخلت البيعة ورأيت ~~الشيء العظيم يعنى عندهم يسمونه الهيكل وإن الهيكل لفي الكرسي وإن الكرسي ~~لفي العرش قال والعرش أعظم من ذلك وروى عمر بن سعيد حدثنا الحماني حدثنا ~~الحكم بن ظهير عن عاصم عن زر عن عبد الله هو ابن مسعود قال ما السموات ~~والأرض في الكرسي إلا مثل حلقة بأرض فلاة وقال ثنا يحيى الحماني ثنا أبو ~~معوية عن الأعمش عن مجاهد قال مالسموات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة ~~في أرض فلاة وقال ثنا موسى بن اسماعيل ثنا حماد هو ابن سلمة عن عاصم عن زر ~~عن عبد الله بن مسعود قال بين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام ومن ~~الكرسي إلى الماء خمسمائة عام والعرش على الماء والله فوق العرش وهو يعلم ~~ما أنتم عليه وقال ثنا يحيى الحماني وأبو بكر قالا حدثنا وكيع عن سفيان عن ~~عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الكرسي موضع ~~القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله # وقد ms685 أخبر الله تعالى في كتابه أنه جعل الأرض فراشا والسماء بناءا ~~والأبنية هي الخيام والفساطيط وفيها استدارة وذكر أنه جعل الأرض مهادا وأنه ~~بسطها وأخبر أنه جعل الجبال فيها أوتادا وروى الخلال في كتاب السنة قال ~~أعطاني محمد بن عوف هذا الحديث وقال اروه عني فإنه بسماعي أبو المغيرة قال ~~ثنا ابن مهدي قال ثنا أبو الزاهرية عن أبي شجرة عن عبد الله بن عمرو أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأرض على ما هي قال الأرضون على الماء ~~وروى الامام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ليلة إلا ~~والبحر يستأذن ربه PageV02P214 أن يغرق بني آدم فينهاه ربه ولولا ذلك ~~لأغرقهم وهذا كله مما يبين أن الماء محيط بالأرض وأن من شأنه العلو عليها ~~ولكن الله مهد الأرض وقد ثبتها وبسطها في الماء وأوتدها بالجبال الراسيات ~~التي ترسيها أن تميد وتضطرب فإن السفينة إذا كانت في البحر لابد لها من شيء ~~يثقلها ويسكنها وإلا مادت واضطربت وليس هذا موضع بسط ذلك وشرحه وما يرد ~~عليه # وإنما الغرض إنما ذكره هذا الرازي من استدارة الفلك لا ننازعه فيه كما قد ~~ينازعه فيه بعض الجهال وكما ينقل هو فإنه تارة يدخل من المنجمين في الشرك ~~وعبادة الكواكب وتارة ينازعهم في الأمور المعلومة من الحساب وكلاهما خروج ~~عن الحق # وقد احتج هنا بالحجة المشهورة عند أهل الحساب الناظرين في هيئة الأفلاك ~~والأرض وهي صورتها وشكلها فإنهم يستدلون على أن الشمس والقمر والكواكب تطلع ~~في مشرق الأرض قبل طلوعها في المغرب وتغرب في مشرق الأرض قبل غروبها في ~~المغرب ولهذا يكون أوائل الليل والنهار في المشرق قبل المغرب وأما أول ~~الشهر فيكون في المغرب قبل المشرق لأن الشهر هو بظهور الهلال والهلال يعظم ~~ظهوره بقدر مباعدته للشمس واحتجاب الشمس ليرى نوره والشمس يتأخر غروبها في ~~المغرب عن غروبها في المشرق فيبعد بقدر ذلك ما بينها وبين الهلال فيعظم ~~نوره وإذا غربت ضعف بسبب البعد الشعاع الذي ms686 تحت الهلال فقوي المقتضى للرؤية ~~وضعف المانع يستدلون على ذلك بالخسوف فإنه يمكن الناس أن يرصدوه بالليل في ~~وقت واحد فيعلمون حدوثه عند أهل المشرق قبل حدوثه عند أهل المغرب ويعلمون ~~قدره في أقطار الأرض وليس الاستدلال على ذلك مختصا بخسوف القمر بل هو ممكن ~~بكسوف الشمس أيضا بل واقتران الكواكب وبكسوف الكواكب أيضا بل وكل ~~PageV02P215 أمر يكون في الفلك في درجة واحدة فإن كل درجة من درج الفلك ~~تطلع على الجانب الشرقي قبل الغربي فإذا كان فيها أمر غريب مثل الكسوف ~~والخسوف والقرآن ونحو ذلك كان وقته من ليل أو نهار في المشرق قبل وقته ~~بالمغرب مثل أن يكون عند هؤلاء في أول النهار وعند هؤلاء في أواخره أو عند ~~هؤلاء في أوائل الليل وعند هؤلاء في أواخره كان بمنزلة خسوف القمر ويمكن ~~الاستدلال أيضا بغير ذلك من الأدلة المعروفة # لكنه لم يستوف الحجة ويظهرها بل كلامه في ذلك كلام الشادي فإن القدر ~~المرئي من الخسوف عند أهل المشرق لا يجب أن يكون هو القدر المرئي من الخسوف ~~عند أهل المغرب حتى يقال إن أهل المشرق والمغرب يرون الخسوف في ساعة واحدة ~~ويكون أول ليل هؤلاء بل قد يخسف القمر عند قوم دون قوم وقد يكون الخسوف عند ~~قوم كليا لجميع القمر وعند بعضهم جزئيا يخسف بعضه ولكن يشترك أهل المشرق ~~والمغرب إذا اشتركوا فيه في طرفيه فإن الخسوف في القمر يبدأ فيه من جانبه ~~الشرقي وفي الشمس من جانبها الغربي وإذا بدأ الخسوف في القمر من جانبه ~~الشرقي لا يخسف حينئذ عند أهل المغرب وكذلك طلوع الشمس وكسوفها وقد يكون ضد ~~ذلك # إذا عرف ذلك فالكلام على هذه الحجة من مقامين كسائر الحجج المذكورة في ~~منع كونه على العرش فإن من يقول إنه فوق العرش ويقول هو مع ذلك ليس بجسم ~~ولا متحيز ولا مركب يمنع ما ذكره من الملازمة كما تقدم ذكره غير مرة سواء ~~فرض أن العرش يكون تحت بعض الناس أو أن السموات تكون تحت ms687 بعض الناس أو لم ~~يفرض ومن وجوه PageV02P216 # أحدها أن قوله أن الأرض إذا كانت كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى ~~سكان أهل المشرق هي تحت بالنسبة إلى سكان المغرب فلو اختص الباري بشيء من ~~الجهات لكان في جهة التحت بالنسبة إلى بعض الناس يقال له كان الواجب إذا ~~احتجت بما ذكرته من أمر الهيئة تتم ما يقولونه هم وما يعلمه الناس كلهم ~~فإنه لا نزاع بينهم ولا بين أحد من بني آدم أن الأرض هي تحت السماء حيث ~~كانت وأن السماء فوق الأرض حيث كانت وهذا وهم متفقون مع جملة الناس على أن ~~الجهة الشرقية سماؤها وأرضها ليست تحت الغربية ولا الجهة الغربية سماؤها ~~وأرضها تحت الشرقية ومتفقون على جهل من جعل إحدى الجهتين في نفسها فوق ~~الأخرى أو تحتها # وذلك يتضح بما قدمناه قبل هذا من أن الجهات نوعان جهات ثابتة لازمة لا ~~تتحول وجهات إضافية نسبية تتبدل وتتحول فأما الأولى وهي الجهة الثابتة ~~اللازمة الحقيقية فهي جهة العلو والسفل فالسماء أبدا في الجهة العالية التي ~~علوها ثابت لازم لايتبدل وكلما علت اتسعت وكلما والأرض أبدا في الجهة ~~السافلة التي سفلوها ثابت لازم لا يتبدل سفلت ضاقت فلهذا كان الأعلا هو ~~الأوسع وكان السفل هو الأضيق ولهذا قابل الله تعالى بين عليين وبين سجين في ~~كتابه فقال @QB@ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين @QE@ وقال @QB@ كلا إن كتاب ~~الفجار لفي سجين @QE@ ولم يقل في سفلين كما لم يقل هناك في وسعين ليبين ~~الضيق والحرج الذي في المكان كما بين سفوله بمقابلته بعليين وبين أيضا سعة ~~عليين بمقابلة سجين فيكون قد دل على العلو والسعة التي للأبرار وعلى السفول ~~والضيق الذي للفجار # وأما الجهات الست فقد ذكرنا أنها تقال بالنسبة والاضافة إلى الحيوان ~~وحركته ولهذا تتبدل بتبدل حركته وأعضائه فإذا تحرك إلى المشرق كان ~~PageV02P217 المشرق أمامه والمغرب خلفه والجنوب يمينه والشمال شامه وعلى ~~هذا بنيت الكعبة لأن وجهها مستقبل مهب الصبا بين المشرق والشمال وأركانها ~~على الجهات الأربع فالحجر الأسود ms688 مستقبل المشرق واليماني مستقبل اليمن ~~والغربي مستقبل الغرب والشامي مستقبل الشام إلى القطب الشمالي وهو محاذ أرض ~~الجزيرة كالرقة وحران ونحوهما ولهذا قال من قال من المصنفين في دلائل ~~القبلة كأبي العباس بن القاص وغيره إن قبلة هذه البلاد أعدل القبل لأن ~~سكانها يستدبرون القطب الشمالي لا يحتاجون أن ينحرفوا عنه إلى المشرق كما ~~يفعل أهل الشام ولا إلى المغرب كما يفعل أهل العراق # فالانسان تتبدل جهاته بتبدل حركاتهم مع أن الجهات نفسها لم تختلف أصلا ~~ولم يصر الشرق منها غربيا ولا الغربي شرقيا وكذلك الجهة التي تحاذي رأسه هي ~~علوه والتي تحاذي رجليه هي سفله فإذا كان رجلان في أقصى المشرق منتهى الأرض ~~عند ساحل البحر هناك وفي أقصى المغرب منتهى الأرض عند ساحل البحر هناك فكل ~~منهما تكون السماء فوقه لأنها تحاذي رأسه وكذلك الأرض تحته لأنها تحاذي ~~رجليه كما أن السماء فوق الأرض في نفسها وليس أحد هذين تحت الآخر في نفس ~~الأمر كما أن سجين الذي هو أسفل السافلين تحتهما ولو هبط شيئان ثقيلان من ~~عندهما لانتهى إلى أسفل السافلين وهو سجين لم يلتق ذلك الشيئان الثقيلان ~~لكن لو قدر أن تخرق الأرض فيلتقيان هناك لكانت رجلا أحدهما إلى رجلي الآخر ~~ولو فرض أن أحدهما أخرقت له الأرض حتى يمر في جوفها ويصل إلى الآخر لكانت ~~رجلاه تلاقي رجلي الآخر فبهذا الاعتبار يتخيل كل واحد منهما أن الآخر تحته ~~بمحاذاته ناحية رجليه لكن الحركة السفلية هي إلى أسفل الأرض وقعرها ومن ~~هناك تبقى الحركة صاعدة إلى فوق كحركة الصاعد من الأرض إلى السماء فيكون ~~PageV02P218 المتحرك من أسفل الأرض وقعرها إلى ظهرها وعلوها على هذا الوجه ~~كهيئة المعلق برجليه إلى ناحية السماء وذراعيه إلى ناحية الأرض وكهيئة ~~النملة المتحركة تحت السقف والسقف يحاذي رجليها فتصير بهذا الاعتبار السماء ~~تحاذي رجليه والأرض تحاذي رأسه فمن هنا يقال إن السماء تحته والأرض فوقه ~~إذا كان مقلوبا منكوسا # فيجتمع من هذا أمران أحدهما أن تكون حركته على خلاف الحركة التي ms689 جعلها ~~الله في خلقه والثاني أن تبدل الجهة تبدلا إضافيا لا حقيقيا كما تتبدل ~~اليمين باليسار والأمام بالوراء ومن المعلوم أن المشرق والمغرب لا يتبدلان ~~قط باستقبالهما تارة واستدبارهما أخرى فكيف يتبدل العلو والسفل بتنكيس ~~الانسان وقلبه على رأسه والمحاذاة حينئذ للسماء برجليه والأرض برأسه بل هذا ~~المنكوس يعلم أن السماء فوقه والأرض تحته ونحن لا نمنع أن هذا قد يسمى علوا ~~وسفلا بهذا الاعتبار التقديري الاضافي لكن هذا لا يعتبر الجهة الحقيقية ~~الثابتة # وبهذا الاعتبار سمى في هذا الحديث المروي عن أبي هريرة وأبي ذر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث قال فيه لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله فإنه قدر ~~ضعيف الادلاء وهو ممتنع فسماه هبوطا على هذا التقدير كما لو قلبت رجلا ~~الانسان ورمي إلى ناحية السماء لكن قائما على السماء # وإذا ظهر هذا علم أن الله سبحانه لا يكون في الحقيقة قط إلا عاليا # وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو أن يقال هذا الذي ذكرته وارد في جميع الأمور ~~العالية من العرش والكرسي والسموات السبع وما فيهن من الجنة والملائكة ~~والكواكب والشمس والقمر ومن الرياح وغير ذلك فإن هذه الأجسام مستديرة كما ~~ذكرت ومعلوم أنها فوق الأرض حقيقة وإن كان على مقتضى ما ذكرته PageV02P219 ~~تكون هذه الأمور دائما تحت قوم كما تكون فوق آخرين وتكون موصوفة بالتحت ~~بالنسبة إلى بعض الناس وهي التحتية التقديرية الاضافية وإن كانت موصوفة ~~بالعلو الحقيقي الثابت كما أنها أيضا عالية بالعلو الإضافي الوجودي دون ~~الإضافي التقديري وإذا كان الأمر كذلك ولم يكن في ذلك من الأحالة إلا ما هو ~~مثلما في هذا ودونه لم يكن في ذلك محذورا فإن المقصود أن الله فوق السموات ~~وهذا ثابت على كل تقدير # وهذا يظهر بالوجه الثالث وهو أن يقال هذا الذي ذكرته من هذا الوجه لا ~~يدفع فإنه كما أنه معلوم بالحساب والعقل فإنه ثابت بالكتاب والسنة قال الله ~~تعالى @QB@ هو الأول والآخر والظاهر والباطن @QE@ وقد روى مسلم في صحيحه عن ~~أبي هريرة ms690 رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول أنت ~~الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ~~وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأعننا من الفقر فأخبر أنه الظاهر ~~الذي ليس فوقه شيء وأنه الباطن الذي ليس دونه شيء فهذا خبر بأنه ليس فوقه ~~شيء في ظهوره وعلوه على الأشياء وإنه ليس دونه شيء فلا يكون أعظم بطونا منه ~~حيث بطن من الجهة الأخرى من العباد جمع فيها لفظ البطون ولفظ الدون وليس هو ~~لفظ الدون بقوله وأنت الباطن فليس دونك شيء فعلم أن بطونه أوجب أن لا يكون ~~شيء دونه فلا شيء دونه باعتبار بطونه والبطون يكون باعتبار الجهة التي ليست ~~ظاهرة # ولهذا لم يقل أنت السافل ولهذا لم يجئ هذا الاسم الباطن كقوله وأنت ~~الباطن فليس دونك شيء إلا مقرونا بالاسم الظاهر الذي فيه ظهوره PageV02P220 ~~وعلوه فلا يكون شيء فوقه لأن مجموع الاسمين يدلان على الاحاطة والسعة وأنه ~~الظاهر فلا شيء فوقه والباطن فلا شيء دونه # لم يقل أنت السافل ولا وصف الله قط بالسفول لا حقيقة ولا مجازا بل قال ~~ليس دونك شيء فأخبر أنه لا يكون شيء دونه هناك كما جاء في الأثر الذي ذكره ~~مالك في الموطأ أنه يقال حسبنا الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله ~~منتهى فالأمر متناه مداه ولا شيء دونه في معنى اسمه الباطن ليبين أنه ليس ~~يخرج عنه من الوجهين جميعا وذلك لأن ما في هذا المعنى من نفي الجهة شيء ~~دونه هو بالنسبة والاضافة التقديرية وإلا ففي الحقيقة هو عال أيضا من هناك ~~والأشياء كلها تحته # وهذا كما أن الضار والمانع والخافض لا تذكر إلا مقرونة بالنافع المعطي ~~الرافع لأن ما فعله من الضرر والمنع والخفظ فيه حكمة بالغة أوجب أن تكون ~~فيه رحمة واسعة ونعمة سابغة فليس في الحقيقة ضررا عاما وإن كان فيه ضرر ~~فالضرر الاضافي بالنسبه إلى بعض المخلوقات يشبه ما في ms691 البطون من كونه ليس ~~تحته شيء وأنه لو أدلى بحبل لهبط عليه فإن الهبوط والتحتية أمر اضافي ~~بالنسبة إلى تقدير حال لبعض المخلوقات هذا في قدره وهذا في فعله وضلال ~~هؤلاء الجهمية في قدره كضلال القدرية في فعله وكلاهما من وصفه ولهذا كانت ~~المعتزلة ضالة في الوجهين جميعا وقد قابلهم بنوع من الضلال بعض أهل الاثبات ~~حتى نفوا ما أثبتته النصوص والله يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ~~PageV02P221 # وبيان ما في الحديث الصحيح من قوله وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت ~~الباطن فليس دونك شيء أنه من المعلوم أن فوق و دون من الأسماء التي تسميها ~~النحاة ظروف المكان لدلالة لفظها على المكان اللغوي فأما لفظ الفوق فظاهر ~~وهو بحسب المضاف إليه فكون الشيء فوق لا ينافي أن يكون تحت غيره وانتفاء أن ~~يكون فوقه شيء لا يمنع أن يكون تحته شيء فقوله وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ~~فنفى أن يكون فوق الله شيء وذلك يقتضي أنه سبحانه وتعالى أكمل شيء ظهورا ~~والظهور يتضمن العلو فلهذا قال فليس فوقك شيء ولم يقل فليس أظهر منك شيء ~~لأنه لو أراد مجرد الانكشاف والتجلي للناس لنا في ذلك وصفة بالبطون لأن كون ~~الشيء ظاهرا بمعنى كونه معلوما ومشهودا ينافى كونه باطنا ولكن الظهور يتضمن ~~معنى العلو ومن شأن العالي أبدا أن يكون ظاهرا متجليا بخلاف السافل فإن من ~~شأنه أن يكون خفيا لأنه إذا علا ترآى للأبصار فراته فهو سبحانه مع ظهوره ~~المتضمن علوه فلا شيء فوقه وهو أيضا باطن فلا شيء دونه # ولفظ الدون ليس المراد به أي الناقص ولكن لما كان يقال هذا دون هذا أي ~~دونه بمعنى أنه يحصل دونه ويجعل الآخر فوقه صار يفهم من اللفظ هذا بل هذا ~~اللفظ في كتاب الله تعالى في مواضع قال تعالى @QB@ أتبع سببا حتى إذا بلغ ~~مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا @QE@ إلى قوله ~~@QB@ ثم ms692 أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا @QE@ فقوله @QB@ لم نجعل لهم من دونها سترا @QE@ بين أن الستر ~~إذا كان عليهم كالسقوف كان ذلك من دون الشمس فيكون بينهم وبين الشمس وتكون ~~الشمس محجوبة مستورة عنهم بذلك الستر فتكون هي أبطن عنهم من الستر والستر ~~أدنى إليهم وتكون الشمس من ورائه وكذلك قوله @QB@ حتى إذا بلغ بين السدين ~~وجد من دونهما قوما @QE@ PageV02P222 الآية فهؤلاء القوم كان السدان من ~~ورائهم إذ في قولك هذا فوق هذا وهذا دون هذا ثلاثة أسماء اسم مضاف إليه ~~وظرف مضاف إلى هذا الاسم واسم أول متصل بالظرف ومتعلق به ويقال هذا هو مضاف ~~إليه اضافة معنوية كما يقال حروف الجر تضيف معاني الأسماء إلى الأفعال # فإذا قيل @QB@ وجد من دونهما قوما @QE@ فالقوم هم المتعلقون بالمكان الذي ~~هو دون السدين والسدان هما المضاف إليهما فكونهما دون السدين هو بالنسبة ~~إلى ذي القرنين الذين وجدهما هناك فإنه وجدهم إليه أدنى وأقرب والسدان أبعد ~~والقرب إليه أحق بالظهور والبيان والبعيد عنه أولى بالاحتجاب والاستتار هذه ~~هي العادة فيما يقرب الينا ويبعد عنا من الأجسام ولو جاء أحد من جهة السد ~~لقال وجدت هؤلاء دون ذي القرنين فالشيء الذي بين اثنين يقول هذا هو دونك ~~ويقول الآخر هذا دونك وكل منهما صادق كما لو كان بينهما حائط أو نهر أو بحر ~~لقال هؤلاء لأهل تلك الناحية هذا دونكم وكذلك يقولون الآخرون هذا دونكم كما ~~أن كل أهل جانب يقولون عن الأخرى هم من وراء هذا الحائط ومن خلفه إذ الجهات ~~أمور نسبية إضافية وكذلك قال تعالى @QB@ ومن دونهما جنتان @QE@ فهاتان دون ~~تلك والأولتان فوق هاتان وهاتان أدنى إلينا # ولهذا صار في هذا اللفظ معنى القرب والبعد من وجه ومعنى الاحتجاب ~~والاختفاء من وجه فقوله وأنت الباطن فليس دونك شيء نفى أن يكون شيء دونه ~~كما نفى أن يكون فوقه ولو قدر فوقه شيء لكان أكمل منه في العلو والبيان إذ ~~هذا شأن ms693 الظاهر ولو كان دونه شيء لكان أكمل منه في الدنو والاحتجاب إذ هذا ~~شأن الباطن وهذا يوافق قوله أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ~~PageV02P223 # وتمام هذا بالوجه الرابع وهو أن يقال إذا كان البارى فوق العالم وقلت إنه ~~يلزم من ذلك أن يكون في جهة التحت بالنسبة إلى بعض الناس فلم قلت ان هذا ~~ممتنع وأنت لم تذكر على امتناع ذلك حجة عقلية ولا سمعية ولو قدر أن ذلك نقص ~~فعندك ليس في الأدلة العقلية ما يحيل النقص على الله تعالى مع أنه قد علم ~~بالعقل والشرع أن هذا ليس بنقص بل هذا غاية الكمال والاحاطة كما بينه النبي ~~صلى الله عليه وسلم # وأما قوله هذا باطل بالاتفاق بيننا وبين الخصم فيقال في الوجه الخامس مثل ~~هذه الحجة غير مقبولة كما ذكرت ذلك في نهايتك في ترتيب الطرق الضعيفة في ~~أصول الدين وذكرت منها الالزام وهو الاستدلال بموافقة الخصم في صورة على ~~وجوب موافقته على الأخرى لملازمة بينهما يذكرها المستدل فقلت هذا النوع من ~~الحجة لا يصلح لافادة اليقين وهذا ظاهر ولا لافحام الخصم أيضا وبيانه هو أن ~~للخصم أن يقول اني إنما اعترفت بالحكم في محل الوفاق لعله غير موجودة في ~~محل النزاع فان صحت تلك العلة بطل القياس اظهور الفارق وإن بطلت تلك العلة ~~منعت الحكم في محل الوفاق فهذه الحجة دائرة بين منع الحكم في الأصل وبين ~~ظهور الفارق بينه وبين الفرع # وهذا بعينه وارد فيما ذكرته هنا فإن الخصم الذي وافقك على أنه ليس في ~~جهات التحت هو يقول أن الله فوق العرش فوق السموات والعرش فوق السموات ~~والسموات فوق الأرض ولا يوصف بالتحت لأنه يلزم من ذلك أن لا يكون فوق العرش ~~وهذا الخصم قد لا يعلم أو لا يسلم أنه ممكن أن يوصف بعض هذه الأجسام بأنها ~~تكون تحت شيء بوجه من الوجوه فنفوا أن يكون الله تحت PageV02P224 شيء ~~لمنافاته لذلك فهذا الذي التزمته يقولون إنه لا يوجب أن لا يكون تحت ms694 شيء من ~~الأشياء بوجه ولا يخلو إما أن تسلم ذلك أو تمنعه فإن منعت ذلك وقلت بل هذا ~~يستلزم أن يكون تحت بعض الأجسام مع كونه فوق العرش منعك المقدمة الجدلية ~~وقالوا لا نسلم أنه حينئذ لا يوصف بما لا ينافي علوه من التحتية الاضافية ~~التقديرية وإن قلت إن هذا لا يوجب تحتية حقيقية ولا إضافية موجودة وإنما ~~يوجب تحتية إضافية فهذا لا يضر فإن الحكم المقدر معلق بشرط والحكم المعلق ~~بشرط معدوم بعدمه كما في الحديث لو أدلى أحدكم دلوه لهبط على الله ومن ~~المعلوم أن إدلاء شيء إلى تلك الناحية ممتنع فهبوط شيء على الله ممتنع فكون ~~الله تحت شيء ممتنع وإنما الغرض بهذا التقدير الممتنع بيان إحاطته من جميع ~~الجهات وهذا توكيد لكونه فوق السموات على العرش لا مناف لذلك # وهذا الكلام مع انه في غاية الانصاف في المناظرة ففيه كمال تحقيق الحقائق ~~على ما هي عليه وتبيين تطابق ما علم بالفطرة العقلية الضرورية وبالخيال ~~العقلي الهندسي وما جاءت به الرسل وكمال ما بعث الله به رسله من بيان ~~أسمائه وصفاته وهذاهو ببيان الحق أن يتيقن ويتشابه ولا يختلف كما يختلف ~~كلام هذا المؤسس وأمثاله الذي هو من عند غير الله فلذلك يكون فيه اختلاف ~~كثير # ومما يوضح ذلك أن المنازع له قد علم على يقينا بالشرع والعقل أن الله فوق ~~العرش فكل قول نافى ذلك فهو باطل فنحن نزهناه عن الوصف بالتحتية لأنه ينافي ~~ذلك ولما فيه من النقص PageV02P225 # فهذا الذي ذكرته من التحتية لبعض الناس لنا فيه جوابان أحدهما أن نمنع ~~كون ذلك تحتية والثاني أن نقول مثل هذه التحتية ليس بممتنع والجواب المركب ~~من الجوابين أن يقال لا يخلو إما أن تكون هذه تحتية حقيقية تنافي علوه ~~وتوجب النقص أو لا تكون فإن لم يكن ذلك بطل ما ذكرته هنا وإن كان كذلك فنحن ~~لا نسلم أنه يمتنع أن يوصف بمثل هذه التحتية وهذا منع على تقدير أما أن ~~تأخذ منا مسلما أنه لا ms695 يوصف بالتحتية بحال وتحتج بذلك على أنه لا يوصف ~~بالعلو أيضا فهذا باطل # يظهر بالوجه السادس وهو أنه يقال إنك استدللت بموافقة الخصم لك على أنه ~~لا يوصف بالتحتية على أنه لا يوصف بالفوقية فذكرت أن وصفه بالفوقية أو ~~بغيرها يستلزم أن يكون موصوفا بالتحتية فإن جميع ما يوصف بالفوقية من ~~الموجودات كالسموات والكواكب وغيرها يجب أن يوصف بهذه التحتية التي ذكرتها ~~لما ذكرته من الحجة ثم قلت التحتية متفق على انتفائها فيجب نفي ملزومها وهو ~~الوصف بالفوقية # فيقال لك إذا كان كل ما وصف بالفوقية فلابد من وصفه بهذا لمعنى كان هذا ~~لازما لكل ما هو فوق وعال ولم يكن ذلك محذورا فنحن نلتزم هذا المعنى الذي ~~هو لازم لكل ما يوصف بالفوق وهذا خير من أنه لا يوصف لا بفوقية ولا غيرها ~~فإن ذلك يستلزم عدمه لأن مالا يكون فوق شيء أصلا ولا في شيء من جهاته الست ~~ولا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه لا يكون إلا معدوما فثبوت هذا ~~المعنى الذي ذكرته إن سلم أن منه تحتية تجامع الفوقية الحقيقية خير من سلب ~~الفوقية وسائر المعاني السلبية المستلزمة لعدمه فانك نزهته مما ادعيت أنه ~~تحتية لتنفي بذلك ما يستحقه من الفوقية وذلك يستلزم عدمه بالكلية فما في ~~PageV02P226 قولك من النقص والعيب الذي يجب تنزيه الله تعالى عنه أعظم مما ~~ادعيته في قول مخالفك # وإذا قلت له هذه حجة توجب أن مذهبه يستلزم وصفه بالتحتية وهي متفق على ~~نفيها بيننا قال لك ولي أنا حجج أعظم من هذه توجب أن مذهبك يستلزم وصفه ~~بالعدمية التي هي أعظم من التحتية وهي ممتنعة بالضرورة والاتفاق قال تعالى ~~@QB@ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ فمخالفو الرسل ~~ومنم مخالفو ما جاء به الكتاب والسنة لا يأتون بقياس يردون به بعض ما جاءت ~~به الرسل فيكون قياسا أقاموا به باطلا إلا جاء الله فيما بعث به الرسل ~~بالحق وبقياس أحسن تفسيرا وكشفا وإيضاحا للحق كما أن الحجج الفطرية ~~الضرورية ms696 التي تبين أن مذهب المؤسس يستلزم أن يكون الله معدوما هي مع أنها ~~حق فهي أحسن بيانا وإيضاحا وتفسيرا للمطلوب من قياسه هذا الذي بين به أن ~~وصفه بالعلو والفوقية يستلزم وصفه بالسفول والتحتية # وكذلك قول من يقول هذا يوجب أن يكون فلكا من الأفلاك فيقال لهم أنتم قد ~~جعلتم لكل فلك عقلا على حدة والأفلاك بعضها فوق بعض وقلتم إن لكل فلك عقلا ~~ونفسا حتى ينتهي الأمر إلى العقل الفعال الذي لهذا الفلك القريب لنا ومع ~~هذا فلم تجعلوا هذه العقول والنفوس المختصة بفلك فلك من جنس الأفلاك بل ~~زعمهم أنها لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت مع جعلهم لها درجة ~~بعد درجة فكيف ينكرون أن يكون خالق لجميع فوق الجميع ومحيطا به من جهته ~~المحيطة جميعها وليس هو من جنسها حتى يقال فيه ما يقال في فلك فلك وإن كان ~~بعض متأخري أهل الحديث وهو قد جعله بمنزلة ذلك فهذا خطأ لأن الله ليس كمثله ~~شيء والمخلوقات كلها كما قال ابن PageV02P227 عباس ما السموات السبع ~~والأرضون السبع وما فيهن ما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم فهي ~~في قبضته أقل من أن تكون نسبته إليها نسبة الفلك إلى ما فيه # الوجه السابع أنه قد ثبت في الصحيحين عن أبي ذر قال دخلت المسجد ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جالس فلما غابت الشمس قال يا أبا ذر هل تدري أين ~~تذهب هذه الشمس قال قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب تسجد تحت العرش ~~فتستأذن فيؤذن لها وكانها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ~~فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنها تسجد كل ليلة تحت العرش ~~فقد علم اختلاف حالها بالليل والنهار مع كون سيرها في فلكها من جنس واحد ~~وأن كونها تحت العرش لا يختلف في نفسه وإنما ذلك اختلاف بالنسبة والاضافة ~~علم أن تنوع النسب والاضافات لا يقدح فيما هو ثابت في نفسه ms697 لا مختلف # ومن هنا يظهر عما ذكره ابن حزم وغيره في حديث النزول حيث قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ~~الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ~~حتى يطلع الفجر فقالوا قد ثبت أن الليل يختلف بالنسبة إلى الناس فيكون أوله ~~ونصفه وثلثه بالمشرق قبل أوله ونصفه وثلثه بالمغرب قالوا فلو كان النزول هو ~~النزول المعروف للزم أن ينزل في جميع أجزاء الليل إذ لا يزال في الأرض ليل ~~قالوا أو لا يزال نازلا وصاعدا وهو جمع بين الضدين # وهذا إنما قالوه لتخيلهم من نزوله ما يتخيلونه من نزول أحدهم وهذا عين ~~التمثيل ثم إنهم بعد ذلك جعلوه كالواحد العاجز منهم الذي لا يمكنه أن يجمع ~~من الأفعال ما يعجز غيره عن جمعه وقد جاءت الأحاديث بأنه يحاسب خلقه يوم ~~PageV02P228 القيامة كل منهم يراه مخليا به ويناجيه لا يرى أنه متخليا ~~لغيره ولا مخاطب لغيره وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال العبد ~~الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال ~~الله أثنى علي عبدي فكل من الناس يناجيه والله تعالى يقول لكل منهم ذلك ولا ~~يشغله شأن عن شأن وذلك كما قيل لابن عباس كيف يحاسب الله تعالى الخلق في ~~ساعة واحدة فقال كما يرزقهم في ساعة واحدة # ومن مثل مفعولاته التي خلقها بمفعولات غيره فقد وقع في تمثيل المجوس ~~القدرية فكيف بمن مثل أفعاله بنفسه أو صفاته بفعل غيره وصفته # يقال لهؤلاء أنتم تعلمون أن الشمس جسم واحد وهي متحركة حركة واحدة ~~متناسبة لا تختلف ثم إنه بهذه الحركة الواحدة تكون طالعة على قوم وغاربة عن ~~آخرين وقريبة من قوم وبعيدة من آخرين فيكون عند قوم عنها ليل وعند قوم نهار ~~وعند قوم شتاء وعند قوم صيف وعند قوم حر وعند قوم برد فإذا كانت حركة واحدة ~~يكون عنها ليل ونهار في وقت واحد ms698 لطائفتين وشتاء وصيف في وقت واحد لطائفتين ~~فكيف يمتنع على خالق كل شيء الواحد القهار أن يكون نزوله إلى عباده ونداه ~~إياهم في ثلث ليلهم وإن كان مختلفا بالنسبة إليهم وهو سبحانه لا يشغله شأن ~~عن شأن ولا يحتاج أن ينزل عن هؤلاء ثم ينزل على هؤلاء بل في الوقت الواحد ~~الذي يكون ثلثا عند هؤلاء وفجرا عند هؤلاء يكون نزوله إلى سماء هؤلاء ~~الدنيا وصعوده عن سماء هؤلاء الدنيا فسبحان الله الواحد القهار @QB@ سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين @QE@ # ويقال لهؤلاء كما قيل للرازي وأمثاله هل حكم الحس والخيال والعقل الذي به ~~تعلم الجسمانيات مقبول في الربوبية أم مردود فإن كان مقبولا بطل قوله كله ~~PageV02P229 حيث أثبت حيا عالما قادرا لا يتحرك ولا يسكن ولا يقرب ولا يبعد ~~ولا يفعل بنفسه فعلا وزعمت مع ذلك أنه غير عاجز ولا مقيد ولا ممنوع وإن كان ~~مردودا بطل ما ضربته من الأمثال في رد حقيقة ما أخبر به عنه الصادق المصدوق ~~الذي هو أعلم به منك ومن أمثالك # | فصل # قال الرازي البرهان السادس لو كان تعالى مختصا بشيء من الأحياز والجهات ~~لكان مساويا للمتحيزات وهذا محال فذلك محال بيان الملازمة انه تعالى لو كان ~~مختصا بحيز لكان معنى كونه شاغلا لذلك الحيز بحيث يمنع غيره أن يكون بحيث ~~هو ولو كان كذلك لكان متحيزا وقد بينا في الفصل المتقدم أن المتحيزات ~~بأسرها متماثلة في تمام الماهية فثبت أنه تعالى لو كان متحيزا لكان مثلا ~~لسائر المتحيزات وإنما قلنا إن ذلك محال لأن المثلين يجب تساويهما في جميع ~~اللوازم فلزم إما حدوث الكل وإما قدم الكل وذلك محال # فإن قيل حصول الشيء في الحيز وكونه مانعا لغيره أن يحصل بحيث هو حكم من ~~أحكام الذات ولا يلزم من الاستواء في الأحكام واللوازم الاستواء في الماهية ~~والجواب عنه من وجهين # الأول أن المتحيز له أحكام ثلاثة أحدها أنه حاصل في الحيز شاغل له ~~والثاني كونه مانعا ms699 لغيره بأن يحصل بحيث هو والثالث كونه بحال لو ضم إليه ~~أمثاله حصل له حجم كبير ومقدار عظيم ولا شك أن كلما يحصل في حيز فقد حصل له ~~هذه الأمور الثلاثة إلا أن الذات الموصوفة بهذه الأحكام الثلاثة لابد وأن ~~يكون لها في نفسها الحجم والمقدار وهذا المعنى معقول مشترك بين كل ~~PageV02P230 الأحجام ثم إنا قد دللنا على أن هذا المفهوم المشترك يمتنع أن ~~يكون صفة لشيء آخر بل لابد وأن يكون ذاتا وإذا كان كذلك فالمتحيزات في ~~ذواتها متماثلة والاختلاف إنما وقع في الصفات وحينئذ يحصل التقريب المذكور # والوجه الثاني أن السؤال الذي ذكرتم إن صح فحينئذ لا يمكنكم القطع بتماثل ~~الجواهر لاحتمال أن يقال الجواهر وان اشتركت في الحصول في الحيز إلا أن هذا ~~اشتراك في حكم من الأحكام والاشتراك في الحكم لا يقتضي الاشتراك في الماهية ~~وإذا لم يثبت كون الجواهر متماثلة فحينئذ لا يبعد في العقل وجود جواهر ~~مختصة بأحيازها على سبيل الوجوب بحيث يمتنع خروجها عن تلك الأحياز وحينئذ ~~لا يطرد دليل حدوث الأجسام في تلك الأشياء وعلى هذا التقدير لا يمكنكم ~~القطع بحدوث كل الأجسام # فيقال هذه الحجة قد تقدم الكلام على موادها غير مرة والكلام عليها من ~~المقامين المتقدمين أحدهما قول من يقول إنه فوق العرش وهو مع ذلك ليس بجسم ~~ولا هو متحيز كما ذكرنا أن هذا قول طوائف كثيرة من أهل الكلام والفقهاء ومن ~~تبعهم من أهل الحديث والصوفية وغيرهم وهذا قول ابن كلاب والأشعري وأئمة ~~أصحابه وغيرهم فعلى هذا لا يلزم من نفى كونه متحيزا نفي كونه على العرش وقد ~~تقدم ما في ذلك من دعوى الضرورة من الجانبين # المقام الثاني من لا ينفي ذلك بل يسلم اثباته أولا يتكلم فيه بنفي ولا ~~اثبات والكلام في هذا المقام من وجوه # أحدها لا نسلم أنه لو كان مختصا بشيء من الأحياز والجهات لكان مساويا ~~للمتحيزات وما ذكره من الحجة مبني على تماثل المتحيزات وقد تقدم ~~PageV02P231 ابطال ذلك بما لا حاجة إلى ms700 اعادته وأن القول بتماثلها من أضعف ~~الأقوال بل من أعظمها مخالفة للحس والعقل ولما عليه جماهير العقلاء # الوجه الثاني قوله لو كان مختصا بحيز لكان معنى كونه شاغلا للحيز كونه ~~بحيث يمنع غيره عن أن يكون بحيث هو يقال قد تقدم أن الحيز قد يراد به ما ~~يحوز الشيء وهي نهاياته وحدوده الداخلة فيه وقد يراد به الشيء الذي يكون ~~منفصلا عنه وهو محيط به وكلاهما أمر وجودي وليس كونه مختصا بالحيز بهذا ~~المعنى أن يكون شاغلا لحيز بل الحيز هنا إما بعضه وإما ما يلاقيه من خارج ~~وليس في شيء من هذين كونه شاغلا لحيز وقد يراد بالحيز ما هو تقدير المكان ~~وهذا هو الحيز عند كثير من أهل الكلام الذين يفرقون بين الحيز والمكان ~~والحيز على هذا أمر عدمي كما تقدم تقرير ذلك # وقوله إنا نعلم بالضرورة أن الأحياز بأسرها متساوية لأنها فراغ محض وخلاء ~~صرف وقوله قبل خلق العالم ما كان إلا الخلاء الصرف والعدم المحض وبينا ذلك # ويكفي أن يقال هنا لا نسلم أن الحيز أمر موجود وإذا لم يكن هناك موجود ~~فقوله شاغل لذلك الحيز ليس فيه معنى زائد على كونه موجودا بنفسه بحيث يشار ~~إليه # وقوله لو كان مختصا بحيز لكان معنى كونه شاغلا لذلك الحيز كونه بحيث يمنع ~~غيره لا يستقيم حتى يبين أن الاختصاص بالحيز هو الشغل لذلك الحيز وهو لم ~~يفعل ذلك فإذا قيل الاختصاص بالحيز هو الاختصاص بما يحوزه من الجوانب لم ~~يكن معناه ذلك وإذا قيل هو الاختصاص بتقدير المكان بالمتحيز فالاختصاص ~~بالحيز بهذا المعنى يوجب كونه متحيزا فلا حاجة إلى ما ذكره من PageV02P232 ~~الدليل على كونه متحيزا وأما كونه منع غيره أن يكون بحيث هو فهذا مبني على ~~تداخل الأجسام وليس هذا داخلا في حقيقة المتحيز فإن المتحيز يعلم أنه متحيز ~~قبل العلم بكونه بحيث يمنع غيره أن يكون بحيث هو # الوجه الثالث قوله الذات الموصوفة بهذه الأحكام الثلاثة لابد وأن يكون ~~لها في نفسها الحجمية والمقدار وهذا ms701 المعنى معقول مشترك بين كل الأحجام ثم ~~إنا دللنا على أن هذا المفهوم المشترك يمنع أن يكون صفة لشيء آخر بل لابد ~~وأن يكون هو الذات يقال هذا الذي أحلت عليه الاحتجاج على تماثل المتحيز ~~فايرادك لذلك السؤال ثم كونك تذكر في الجواب من ما قد احلت عليه تكرير محض ~~بلا فائدة فالواجب إما ذكر الحجة الدالة على التماثل إما ابتداء وإما جوابا ~~وإما ترك هذا السؤال للجواب فإنه لم يحصل به التقريب # ثم يقال في الوجه الرابع قد قدمنا أن هذا المشترك وهو المقدار صفة المقدر ~~قائم به لا أنه نفس المقدر وحقيقته قال تعالى @QB@ وكل شيء عنده بمقدار ~~@QE@ وقال @QB@ قد جعل الله لكل شيء قدرا @QE@ فجعل المقدار القدر للأشياء ~~ولم يجعل ذلك أعيان الأشياء وذواتها كما قال تعالى @QB@ وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم @QE@ وبينا أن كل واحد من المشترك والمميز يجوز أن يكونا سوءا ~~بالنسبة إلى الذات الموصوفة بهما فليس جعل أحدهما ذاتا والآخر صفة بأولى من ~~العكس وبينا أنه وان قيل إنه الذات فليس جعل أحدهما ذاتا والآخر صفة بأولى ~~من العكس وبينا أنه وإن قيل إنه الذات فليس هو تمام الحقيقة بل الحقيقة ~~مؤلفة مما به الاشتراك وما به الامتياز # فالمتحيز وإن كان جنسا كما قيل في الجوهر بالجنس لا يجب أن يكون متماثل ~~الأنواع فإن التماثل يحتاج إلى الاشتراك في جميع الصفات الذاتية وهو قد سلم ~~أن المتحيزات مختلفة في الصفات فيجوز أن يكون كل جسم وأن كان التقدير ~~PageV02P233 ذاته فله صفات ذاتية مختصة به كما يقول من يقول من المتكلمين ~~المنطقيين وغيرهم إن الجوهر جنس وتحته أنواع إضافية وتحت كل نوع أنواع إلى ~~النوع الشامل الخاص الذي تتفق أفراده في تمام الماهية الحقيقية وقد تقدم ~~بسط هذا فلا نعيده إذ لم يذكر هو الحجة على ذلك بل أحال على ما تقدم # الوجه الخامس قوله إن صح هذا السؤال لم يمكن القطع بتماثل الجواهر ~~لاحتمال أن يقال الجواهر وان اشتركت في الحصول في الحيز إلا ms702 أن هذا اشتراك ~~في حكم من الأحكام والاشتراك في الحكم لا يقتضي الاشتراك في الماهية يقال ~~لك هذا أولا مبني على ثبوت الجوهر الفرد وهذا فيه من النزاع المشهور ما قد ~~عرف وأنت قد اعترفت بأنك مع الأذكياء المتوقفين عن نفيه وإثباته وإذا لم ~~يعلم وجود جوهر منفرد لم يصح هذا الكلام ثم إن كان الجوهر الفرد موجودا فلا ~~ريب أنه ليس مما يحس به حتى يعلم بالحس أن الجوهر مماثل له أو غير مماثل ~~وحينئذ فلا يمكن العلم بكون الجواهر متماثلة بل يقال هي غير متماثلة كما ~~قيل في الأجسام وقد قدمنا تنازع الناس هل الجواهر جنس أو جنسان أو ثلاثة أو ~~خمسة أو أكثر من ذلك مع أن الذين يقولون إنها جنس واحد لا يقولون هي ~~متماثلة كما أن الحيوان عندهم جنس وليس متماثلا # قوله فحينئذ لا يبعد في العقل وجود جواهر مختصة بأحيازها على سبيل الوجوب ~~فلا يطرد دليل حدوث الأجسام في تلك الأشياء يقال لا ريب أن المسلك الذي ~~سلكته في حدوث العالم بنيته على هذا الأصل لكن من تأمل ما يذكره من الأدلة ~~في هذه المسألة ونحوها تبين له أن الذي يذكره من جانب المنازعين أقوى من ~~الذي يذكره من جانب المسلمين وعلم بالأضطرار أن اعتقاد حدوث العالم على هذا ~~الدليل ونحوه في غاية الفساد وهذا من أخبث الكلام PageV02P234 الذي كان ~~السلف يذمونه ويذمون أصحابه بل مثل هذه الحجج لا تصلح للمسائل الظنية فكيف ~~تصلح لأصول الدين وقواعد الايمان وأنت تعترف بهذا في مواضع لكن إنما تحتج ~~هنا بذلك تهويلا على من لا يعرف القضية وتوهم الناس أن هذا يقدح في قاعدة ~~من قواعد الدين وليس الأمر كذلك وإنما تظهر به فساد ما سميته أنت وأصحابك ~~أدلة الدين وأصولا له وأنت دائما تقدح فيها فإن كانت هذه الأدلة هي أصول ~~دين المسلمين فأنت من أعظم الناس هدما لها في مواضع وإلا فلا يضر القدح ~~فيها # ثم يقال كون الجواهر متماثلة أمر غير معلوم فإن كان ms703 دليل الحدوث مبنيا ~~على تماثلها فهو مبني على مقدمة فاسدة أو غير معلومة # الوجه السادس قوله لا يبعد في العقل وجود جواهر مختصة بأحيازها على سبيل ~~الوجوب يقال له الاحياز التي هي تقدير المكان ليست أمورا وجودية وإذا لم ~~تكن أمورا وجودية لم يجز أن يختص بعضها بمعنى يقتضي اختصاص جوهر به وحينئذ ~~فالعلم يكون الجواهر لا يجب اختصاصها بأحياز معينة لا يحتاج أن يبنى على ~~تماثلها بل يعلم ذلك بدون العلم بتماثلها كما أن كثيرا من أهل الكلام الذين ~~أثبتوا جواز الحركة والسكون والاجتماع والافتراق على الجواهر من غير بناء ~~على تماثلها مع أن هذه الجواهر المشهودة في السموات والأرض يشهد انتقالها ~~عن أحيازها وهذه كافية في إثبات العلم بالصانع لمن سلك هذه الطريق وقد تسلك ~~هنا طرق أخرى ليس هذا موضعها # الوجه السابع قوله وحينئذ لا يطرد دليل حدوث الأجسام في تلك الأشياء يقال ~~له هب أن دليلك لم يطرد لكن من أين قلت أن سائر أدلة الناس تحتاج إلى ذلك ~~ثم غاية ما في هذا أن يكون بعض الأجسام غير معلوم الحدوث بهذا PageV02P235 ~~الدليل فإن كان هؤلاء ممن لا يقول بأن الله جسم فيمكنه العلم بحدوث سائر ~~الأجسام بأدلة أخرى ولو بالسمع وإن كانوا ممن يقولون بأنه جسم فلا ريب أن ~~الأجسام عندهم ليست كلها محدثة كما أن الذوات ليست كلها محدثة والقائمات ~~بأنفسها ليست كلها محدثة والموصوفات ليست كلها محدثة لا سيما وأنت تقول إن ~~كل من قال إنه متحيز وأنه في جهة لزمه القول بأنه جسم منقسم بل تقول لكل من ~~قال أنه فوق العرش لزمه أن يقول بأنه جسم فإذا كان المنازعون لك القائلون ~~بأنه على العرش يلزمهم كلهم القول بأنه جسم فكيف تحتج عليهم بأن هذا يستلزم ~~أن لا يقطع بحدوث كل الأجسام وهذا عندك حقيقة المذهب فهل تحتج على إبطال ~~المذهب بنفس حكاية المذهب مع ظهور القول بالنزاع فيه $ فصل # قال الرازي البرهان السابع أنه تعالى لو كان مختصا بالجهة والحيز لكان ms704 ~~عظيما لأنه ليس في العقلاء من يقول إنه مختص بجهة ومع ذلك فإنه في الحقارة ~~مثل النقطة التي لا تنقسم ومثل الجزء الذي لا يتجزأ كل من قال إنه مختص ~~بالجهة والحيز قال إنه عظيم في الذات وإذا كان كذلك فنقول الجانب الذي منه ~~يحاذي يمين العرش إما أن يكون هو الجانب الذي منه يحاذي يسار العرش أو غيره ~~والأول باطل لأنه إذا عقل ذلك فلم لا يعقل أن يقال إن يمين العرش عين يسار ~~العرش حتى يقال العرش على عظمته مثل الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ ~~وذلك لا يقوله عاقل والثاني باطل أيضا لأن على هذا التقدير تكون ذات الله ~~مركبة من الأجزاء ثم تلك الأجزاء إما أن تكون متماثلة الماهية أو مختلفة ~~الماهية والأول محال لأن على هذا التقدير يكون بعض تلك الأجزاء المتماثلة ~~متباعدة وبعضها متلاقية والمثلان يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر ~~فعلى هذا يلزم القطع بأنه يصح على المتلاقيين أن يصيرا متباعدين وعلى ~~PageV02P236 المتباعدين أن يصيرا متلاقيين وذلك يقتضي جواز الاجتماع ~~والافتراق على الله وهو محال # والقسم الثاني وهو أن يقال إن تلك الأجزاء مختلفة في الماهية فنقول كل ~~جسم مركب من أجزاء مختلفة في لاالماهية فلابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى ~~أجزاء يكون كل واحد منها مبرأ عن هذا التركيب لأن التركيب عبارة عن اجتماع ~~الوحدات فلولا حصول الوحدات لما عقل اجتماعها # إذا ثبت هذا فنقول إن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد وأن يماس كل ~~واحد منها بيمينه شيئا ويساره شيئا آخر لكن يمينه مثل يساره وإلا لكان هو ~~نفسه مركبا وقد فرضناه غير مركب هذا خلف وإذا ثبت أن يمينه مثل يساره وثبت ~~أن المثلين لابد وأن يشتركا في جميع اللوازم لزم القطع بان ممسوس يمينه يصح ~~أن يصير ممسوس يساره وبالعكس ومتى صح ذلك فقد صح التفرق والانحلال عن تلك ~~الأجزاء فحينئذ يعود الأمر إلى جواز الاجتماع والافتراق على ذات الله وهو ~~محال فثبت أن القول ms705 بكونه في جهة من الجهات يفضي إلى هذه المحالات فيكون ~~القول به محالا # فيقال هذه الحجة هي حجة على نفي كونه جسما فكان ذكره في الفصل الأول على ~~نفي كونه جسما أجود من ذكرها هنا ولكن ذكرها هنا لتكون حجة على من قال إنه ~~على العرش وذكر فيها قول من يقول إنه عظيم وليس بجسم فإن النزاع في هذا ~~مشهور لو صرح به لاحتاج إلى كلام آخر وإذا ثبت أنه ليس على العرش أمكن أن ~~ينفي عنه الجسم فيقول له كان جسما لجاز أن PageV02P237 يكون على العرش مع ~~أن هذا فيه نزاع بين مثبتة الجسم كما تقدم ذكره فإن النزاع في كونه على ~~العرش بين مثبتة الجسم وبين نفاته أيضا # فالقائلون بأنه جسم منهم من يقول هو فوق العرش ومنهم من يقول هو في كل ~~مكان بذاته أو أنه ذاهب في الجهات إلى غير غاية وكذلك القائلون بأنه ليس ~~بجسم منهم من يقول إنه على العرش ومنهم من يقول في كل مكان متناهي أو غير ~~متناهي ومنهم من يقول غير داخل في العالم ولا خارجه فالأقوال أربعة في ~~اختصاصه بما فوق العرش أنه فوق العرش وهو جسم وفوق العرش وليس بجسم وأن كان ~~الخواص من أهل السنة لا يثبتون الجسم ولا ينفونه وأنه ليس فوق العرش وليس ~~بجسم وأنه ليس فوق العرش وهو جسم # وإذا ظهر ما في هذه الحجة فالكلام فيها في المقامين المتقدمين # أحدهما قول من يقول أنه فوق العرش وهو عظيم وليس بجسم أو يقول هو جسم ~~وليس بمنقسم ولا مركب وقد تقدم ذكر ذلك # وأما المقام الثاني فالكلام فيه من وجوه # أحدها قولك والجانب الذي يحاذي يمين العرش إما أن يكون هو الجانب الذي ~~يحاذي يساره أو غيره يقال لا نسلم الحصر بل لا هو هو ولا هو غيره أو يقال ~~لا نقول إنه هو ولا نقول إنه غيره فإن كثيرا من متكلمي الصفاتية أو أكثرهم ~~من الكلابية والأشعرية وطوائف من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية منهم ms706 من ~~يقول الصفة لا هي الموصوف ولا هي غيره ومنهم من يقول أقول هي هي ولا أقول ~~هي غيره ولا أقول لا هي هو ولا هي غيره # وتوجيه الكلام أنه إما أن يريد بالغيرين ما جاز وجود أحدهما دون الآخر أو ~~ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بمكان أو زمان أو وجود أو يريد بالغيرين ما جاز ~~PageV02P238 العلم بأحدهما دون الآخر فإن أراد بالغيرين الأول لم يسلم أن ~~هذا الجانب هو ذاك الجانب ولا هو غيره إلا إذا بين جواز أحدهما دون الآخر ~~وهو يحتج بهذا الامتياز على جواز التفرق فيكون هذا دورا باطلا لأنه لا يثبت ~~أنهما غيران بهذا التفسير حتى يثبت جواز انفصالهما ولا يثبت جواز انفصالهما ~~حتى يثبت أنهما غيران وذلك دور # وإن قيل في جوانب الأجسام المخلوقة إن هذا غير هذا فذلك لجواز وجود ~~أحدهما دون الآخر والله سبحانه وتعالى صمد لا يجوز عليه التفرق والانفصال ~~كما تقدم بيانه وأن هذا الاسم يقتضي الاجتماع والقوة ويمنع التفرق ~~والانفصال وإذا كانت الصمدية واجبة له كان الاجتماع واجبا له والافتراق ~~ممتنعا على ذاته وقد تقدم في ذلك كلام موجز # ومن قال الغيران ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود فإنه ~~قد يقول إن الصفات مثل العلم والقدرة والحياة ليست كل صفة هي الأخرى ولا هي ~~غيرها لأن محل الصفات واحد # وأما الحدود فقد يقولون إن هذا الجانب فارق ذلك الجانب في المكان وإن كان ~~لا يفارقه في الزمان والوجود فقد يقال إن هذا ليس بافتراق في المكان وهذه ~~منازعات لفظية اصطلاحية # وأيضا فإن المغايرة بين الصفة والموصوف وبين البعض والكل أبعد من ~~المغايرة بين صفة وصفة وبعض وبعض ولهذا يقولون إن الواحد من العشرة ليس هو ~~العشرة ولا غيرها وأن يد الإنسان ليست هي الانسان ولا غيره ولا يقولون إن ~~الواحد من العشرة ليس هو الواحد الآخر لجواز وجود أحدهما دون الآخر بخلاف ~~وجود الجملة دون أجزائها فإنه ممتنع وهذا فيما يجوز عليه PageV02P239 ~~التفرق من الأجسام ms707 المخلوقة وأما الخالق سبحانه فلا يجوز عليه التفرق فلا ~~يقولون إن هذا الجانب منه غير هذا الجانب فيمنعون المقدمة الأولى # وإن قال أريد بالغير ما هو أعم من هذا وهو ما جاز العلم بأحدهما دون ~~الآخر أو ما أمكن الاشارة الحسية إلى أحدهما دون الآخر أو ما أمكن رؤية ~~أحدهما دون الآخر كما قال من قال من السلف لمن سأله عن قوله تعالى @QB@ لا ~~تدركه الأبصار @QE@ ألست ترى السماء قال بلى قال فكلها ترى قال لا قال ~~فالله أعظم فيقال له وإذا كان يمين الرب غير يساره بهذا التفسير فقولك تكون ~~ذات الله مركبة من الأجزاء أتعنى به ورود المركب عليها بمعنى أن مركبا ~~ركبها كما قال @QB@ في أي صورة ما شاء ركبك @QE@ أو أنها كانت متفرقة ~~فتركبت أم تعنى أن اليمين متميزة عن اليسار وهو التركيب في الاصطلاح الخاص ~~كما تقدم بيانه # فإن أراد الأول لم يلزم ذلك وهو ظاهر فإن الأجسام المخلوقة أكثرها ليس ~~بمركب بهذا الاعتبار فكيف يجب أن يقال إن الخالق مركب بهذا الاعتبار وهذا ~~مما لا نزاع فيه وهو يسلم أنه لا يلزم من التصريح بأنه جسم هذا التركيب إذ ~~هو عدم لزومه ظاهرا # وأما إن أراد بالتركيب الامتياز مثل امتياز اليمين عن شماله قيل له هذا ~~التركيب لا نسلم أنه يستلزم الأجزاء فإنه هذا مبني على إثبات الجزء الذي لا ~~ينقسم والنزاع فيه مشهور وقد قرر أن الأذكياء توقفوا في ذلك وإذا لم يثبت ~~أن الأجسام المخلوقة فيها أجزاء بالفعل امتنع أن يجب ذلك في الخالق # وأيضا فالقائلون بثبوت الأجزاء يعلمون أن الجسم البسيط لم يكن مركبا من ~~الأجزاء بمعنى أنها كونت ثم ركب منها فيكون قوله مركبا من PageV02P240 ~~الأجزاء امتياز شيء من شيء وغايته أن يقال امتياز بعض عن بعض كما ورد عن ~~طائفة من السلف التكلم بلفظ البعض # فقوله بعد ذلك إما أن تكون متماثلة في الماهية أو مختلفة والأول محال ~~لأنه على هذا التقدير يكون بعض تلك الأجزاء المتماثلة متباعدة وبعضها ms708 ~~متلاقية والمثلان يصح على كل واحد منهما ما يصح على الآخر فيلزم القطع بأنه ~~يصح على المتلاقيين أن يصيرا متباعدين وعلى المتباعدين أن يصير متلاقيين # يقال التماثل في الماهية لا يوجب أن يكون أحدهما عين الآخر ولا أن يساويه ~~في الأحكام اللازمة للتعيين وما يتبع ذلك # وبيان ذلك أنه إن قيل المتماثلان يجوز على عين كل منهما ما يجوز على عين ~~الآخر فليس في العالم شيئان متماثلان بهذا الاعتبار فإن عامة ما يقدر من ~~المتماثلين مثل الحبتين من الحنطة والهنابين ونحو ذلك قد علم أن عين هذا ~~ليست عين هذا وأن الحيز الذي لهذه العين ليس عين الحيز الذي للعين الأخرى ~~ولا الأعراض التي قامت بها هي عين تلك الأعراض وأن ما امتازت به أحدهما عن ~~الأخرى من عينها وصفتها وحيزها لا يجوز أن يكون للأخرى حيز يكون لتلك فإن ~~هذا يستلزم أن يصير عين هذه عين تلك وحيزها حيزها وصفتها صفتها بعينها وذلك ~~يرفع تعددها ويوجب اتحادهما # ومن المعلوم أن التماثل يوجب التعدد فإن المتماثلين ليسا شيئا واحدا بل ~~هما عدد فإذا كان التماثل يوجب التعدد فلو اقتضى اتحاد عينها لكان التماثل ~~يوجب الاتحاد ويوجب التعدد وذلك يقتضي الجمع بين النقيضين فإن العدد اثبات ~~ما زاد على الواحد والاتحاد نفي ما زاد على الواحد والجمع بين النفي ~~PageV02P241 والاثبات جمع بين النقيضين فعلم أن اثبات كون عين هذا المثل هو ~~عين ذلك المثل أو كونه في حيزه وصفته ينافي التماثل وهذا ظاهر # وإذا كان كذلك فمعلوم أن الجسم الواحد الذي يقال له إن له أبعاضا وأجزءا ~~كالجوانب والوسط إذا فرض في غاية البساطة التي توجب تماثل أبعاضه وأجزائه ~~كالنار البسيطة والهواء البسيط والفلك البسيط وما هو أعظم بساطة من ذلك ~~لابد أن يتميز جوانبه عن وسط لابد ان يتميز جانب عن جانب ولو بالحيز والصفة ~~وأنه مع مماثلته للجانب الآخر لا يستلزم أن يكون هذا في حيز ذاك وذاك في ~~حيز هذا وعين هذا عين صفة الآخر كما لا يستلزم ms709 أن يكون عينه عين الآخر إذ ~~لابد من امتياز أحدهما عن الآخر بعينه وصفته وحيزه يخصه والآخر والامتياز ~~الذي يوجبه التعدد لا يرفعه التماثل فلو جوزنا أن يصير لكل منهما ما للآخر ~~من أعيان الصفات والأحياز لزم زوال التعدد وإذا كان لابد من هذا الامتياز ~~مع التماثل فما هو لازم للشيئين المتغايرين مع تماثلهما ومع اختلافهما من ~~امتياز أحدهما على الآخر بعين ذاته وعين صفاته التي منها التحيز لا يجب أن ~~يشاركه الآخر فيها لأن ذاك يرفع المغايرة وإذا كان كذلك لم يجب في كل جسم ~~مخلوق وإن كان بسيطا أن يكون طرفه في موضع وسطه ووسطه في موضع طرفه وما ~~لهذا من الصفة المعينة والحيز المعين لهذا وما لهذا لهذا لا سيما إذا لم ~~تكن تلك الأبعاض المتماثلة منفصلة ولا يتميز بعضها عن بعض بالمباينة وإنما ~~هو شيء واحد متصل # وأيضا فإذا كانت أبعاضه متماثلة فجواز لفرق المتباعدين وتباعد المتفرقين ~~مشروط بجواز التفرق عليه وإلا فإذا قدر جسم بسيط لا يجوز تفريقه وأبعاضه ~~متماثلة لم PageV02P242 يجز أن يقال في هذا إنه يجوز على المتباعدين أن ~~يصيرا متلاقيين وعلى المتلاقيين أن يصيرا متباعدين فإن جواز ذلك مشروط ~~بجواز الافتراق # وأيضا فإذا كانا متماثلين ومن حقيقة أحدهما امتناع المفارقة عليه لزم أن ~~يكون من حقيقة الآخر امتناع المفارقة عليه فيكون تماثلهما مانعا من جواز ~~تباعد المتلاقيين وتلاقي المتباعدين فإن أحدهما إذا فارق ملاقيه ثبت جواز ~~المفارقة عليه وذلك يمنع أن يكون مثلا لما لا يجوز المفارقة عليه # وأيضا فالمتماثلان في الحقيقة والصفة إذا كانت مقاديرها متفاوتة لم يجب ~~أن يساوي أحدهما الآخر فيما هو من حكم المقدار كالدينار الصغير مع الدينار ~~الكبير # ومما يوضح ذلك أن هذا الافتراق يغير حقيقة الشيء كما يغير ويبدل صفته فإن ~~النار والهواء إذا تبدلت صفة النارية والهوائية فيه خرج عن أن يكون نارا ~~وهواءا أو أن تكون الأجزاء النارية نارا وهواءا وكذلك متى تفرق المجتمع ~~الذي حقيقته باجتماعه متى تفرق وتمزق خرج عن حقيقته فجميع ms710 المركبات مثل بدن ~~الانسان إذا قطع قطعا صغارا جدا بل كثير من الأجسام تتبدل حقيقته بالتفريق ~~كما تتبدل بالتحويل وإن كان في نفسه بسيطا # وفي الجملة فأصل هذا الكلام أنه فرض تماثلا وقال فيه يلزم أن يجوز على ~~أحدهما ما يجوز على الآخر فيقال له التماثل الذي سلمناه لم يدخل فيه ما ~~يستلزم جواز التفريق أو جواز حلول كل بعض محل الآخر ولا يدخل هذا في مسمى ~~التماثل المفروض # وإن قلت بل هو داخل في مسمى التماثل الذي فرضته كان النزاع لفظيا وعاد ~~الكلام إلى القسم الثاني فيقال لك لا يكون مماثله بهذا الاعتبار الذي ~~PageV02P243 ذكرته كما قد يقال ابتداءا لا يحب أن تكون الأبعاض متماثلة بل ~~يجوز أن تكون غير متماثلة كما أن الصفات مثل الحياة والعلم والقدرة ليست ~~متماثلة فيقول هؤلاء في القدر ما قاله الباقون في الوصف ويقولون أبعاض ~~المقدار كآحاد الصفات وإذا كان حاملا لصفات ليست متماثلة كان أيضا جامعا ~~لأبعاض ليست متماثلة فما الدليل على بطلان ذلك ونفي ذلك مما ذكره الأئمة من ~~قول الجهمية حيث قالوا عنهم إنهم قالوا لا يكون شيئين مختلفين وليس له أعلا ~~ولا أسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا شمال ولا هو خفيف ولا ثقيل ولا ~~له لون ولا له جسم معما في الكتاب والسنة وفي اتفاق سلف الأمة وأئمتها من ~~وصفه باليدين والوجه بل وغير ذلك من الصفات التي تقتضي أن لها حقائق لا تسد ~~هذه مسد هذه ولا يسد العلم مسد القدرة فكذلك الوجه واليد لا يسد أحدهما مسد ~~الآخر # قوله والقسم الثاني وهو أن يقال إن تلك الأجزاء مختلفة في الماهية فنقول ~~كل جسم مركب من أجزاء مختلفة في الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى ~~أجزاء يكون كل واحد منها مبرءا عن هذا التركيب لأن التركيب عبارة عن اجتماع ~~الوحدات يقال هب أنه تحلل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد مبرءا عن هذا ~~التركيب لكن لا يجب أن تكون تلك الأجزاء متماثلة في الصفة ms711 والحقيقة وإن ~~كانت جواهر منفردة بل قد يقال إنها متساوية في المقدار بمعنى أنها غير ~~قابلة الانقسام وليست مستوية في الصفة والحقيقة بل حقيقة كل جزء من تلك ~~الأجزاء مخالف لحقيقة الآخر وهذا فيه أن الجواهر المنفردة تكون مستوية في ~~القدر غير مستوية في الحقيقة وهذا قول كثير من الناس أو أكثرهم بل أكثر ~~العالمين على أن الجواهر ليست متماثلة في الحقيقة بل مع تنازعهم في الجوهر ~~هل هو جنس أو جنسان أو ثلاثة أو أكثر من ذلك فإن عامتهم متفقون على أن ~~الجنس الواحد ليس متماثلا بل هو متنوع إلى أنواع PageV02P244 مختلفة فإذا ~~كان القائلون بأنها جنس واحد لا يقولون بتماثلها فالقائلون بأنها أجناس ~~كثيرة مختلفة أبعد عن القول بتماثلها وقد تقدم حكاية النزاع في ذلك كما ~~حكاه الأشعري وغيره # إذا ظهر هذا فقوله بعد ذلك إذا ثبت هذا فنقول إن كل واحد من تلك الأجزاء ~~البسيطة لابد وأن يماس كل واحد منها بيمينه شيئا وبيساره شيئا آخر لكن ~~يمينه مثل يساره وإلا لكان هو نفسه مركبا وقد فرضناه غير مركب وهذا خلف ~~وإذا ثبت أن يمينه مثل يساره وثبت أن المثلين لابد وأن يشتركا في جميع ~~اللوازم فلزم القطع بأن ممسوس يمينه يصح أن يصير ممسوس يساره وبالعكس ومتى ~~صح هذا فقد صح التفرق والانحلال عن تلك الأجزاء فحينئذ يعود الأمر إلى جواز ~~الاجتماع والافتراق على ذات الله تعالى وهو محال # يقال له عن هذا جوابان هب أنك قد فرضته جزءا بسيطا لا تركيب فيه بحال ~~ومثل هذا يقال له فيه إنه لابد أن يماس بيمينه شيئا وبيساره شيئا آخر فإن ~~هذا يقتضي أن فيه شيئين يمينا ويسارا وهذا يوجب تركيبه وقد فرضته غير مركب ~~فهذا جمع بين النقيضين # يوضح ذلك أن مماسته بيمينه شيئا وبيساره شيئا هي من حجج نفاة الجوهر ~~الفرد فإنهم احتجوا بذلك على جواز انقسام ذلك فقد تقدم ذكر ذلك في كلامك ~~وذكرت أن هذا الكلام حجتهم وإذا كان هذا حجة على نفي الجوهر ms712 الفرد لم يصح ~~الاستدلال به مع القول بثبوث الجوهر الفرد وهو الجزء البسيط الذي لا تركيب ~~فيه بحال PageV02P245 # بل يقال لك من رأس قولك كل جسم مركب من أجزاء مختلفة الماهية فلابد وأن ~~ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منها مبرءا عن هذا التركيب لا ~~يخلو إما أن تقول بثبوت الجوهر الفرد الذي لاتركيب فيه أو تقول بأنه مامن ~~شيء من المتحيزات إلا وفيه تركيب يقبل لأجله الانقسام فإن قلت بالأول لم ~~يصح أن تقول لابد وأن يماس بيمينه شيئا وبيساره شيئا آخر فإن هذا قول ~~بانقسامه وتركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منهما مبرءا عن التركيب بل يقال ~~هذا أبدا فيه من التركيب ما يقبل لأجله الانقسام في الكم والكيف لكن هذا ~~الجواب يصح إذا أراد بالأجزاء البسيطة الجوهر الفرد # وأما إن أراد البسيطة عن ذلك التركيب وإن كانت مركبة من أجزاء متشابهة ~~فنذكر الجواب الثاني # فيقال هب أن كل جزء من تلك الأجزاء يصح أن يكون ممسوس يمينه ممسوس يساره ~~وبالعكس لكن لم قلت إن كل واحد من تلك الأجزاء يصح أن يماس بيمينه ويساره ~~ما يصح أن يماسه الجزء الآخر بيمينه ويساره وذلك لأن تلك الأجزاء إذا كانت ~~مختلفة في الحقيقة مع تساويها في المقدار لم تكن مستوية في الحقيقة والصفة ~~فلا يجب أن يكون حكم كل واحد منها حكم الآخر وإن كان حكم جانب كل واحد حكم ~~جانب الآخر لا سيما والذي يجب أن ينتهي إليه تحليل المركب من أجزاء مختلفة ~~الحقائق إنما هي المبرأة عن ذلك التركيب إلى أجزاء بسيطة وإن كانت أجساما ~~بسيطة لا يجب أن تنتهي إلى الجوهر الفرد والأجزاء البسيطة تكون مختلفة ~~الحقائق كما هو التقدير أنه مركب من أجزاء مختلفة الحقائق وقد تقدم أنه إذا ~~سلم لك وجود الجوهر الفرد الذي ينتهي إليه تحليل التركيب لم يسلم لك أن ~~الجواهر مستوية في الحقيقة PageV02P246 # وهذا أمر يشهد له الحس فإن أجزاء الماء وإن تفرقت وتصاغرت ليست في ~~الحقيقة مثل أجزاء ms713 التراب ولا أجزاء الذهب وإن تصاغرت مثل أجزاء الفضة وإن ~~كانت هذه الأجزاء الصغار ليست هي الجواهر المنفردة بل تلك أصغر منها فإما ~~أن يستدل بما شهد في المحسوسات على مالم يعلم منها وبقياس غائبها عن ~~الإدراك على شاهدها فهذا من أوضح القياس وأثبته وهو قياس الأجزاء المتساوية ~~في الحقيقة بعضها على بعض في حكم تلك الحقيقة فإن تفاوتها بالصغر والكبر لا ~~يوجب اختلاف حقيقتها وصفتها وإما أن لا يقال إن ذلك الجزء لا ينقسم لا يعلم ~~حكمه # أما أن يقال أن الأمور المختلفة في الحقيقة يجب أن تكون أجزاؤها المساوية ~~لها في الحقيقة متماثلة في الحقيقة فهذا مما يعلم ببديهة العقل بطلانه وهذا ~~المستدل قد فرض أجزاء مختلفة في الحقيقة وقال لابد أن ينتهي تحليل تركيبها ~~إلى أجزاء صغار لا تنقسم فيقال هب أن الأمر كذلك إلا أن أجزاء الأجسام ~~المختلفة في الحقيقة لا يقال يجب أن تكون متماثلة بل إذا قيل يجب أن تكون ~~مختلفة لأن بعض الجسم مساو لكله في الحقيقة كان هذا الكلام أصح وأولى ~~بالقبول من أن يقال يجب أن تكون أجزاء الأجسام المختلفة متماثلة في الحقيقة ~~ولهذا كان من قال إن الأجسام متماثلة قال إن الجواهر متماثلة ومن قال أنها ~~مختلفة قال إن الجواهر مختلفة إما أن يقال إن الجواهر متماثلة في الحقيقة ~~ولكن مجرد ضم بعضها إلى بعض حتى زادت وبعد الجمع منها اختلفت في الحقيقة أو ~~يقال إنها كانت متماثلة في الحقيقة فبتفريقها اختلفت في الحقيقة # الوجه الثاني أن يقال لاريب أن مضمون هذه الحجة أنه لو كان على ~~PageV02P247 العرش لكان جسما عظيما وإذا كان جسما وجب جواز التفرق عليه وقد ~~تقدم أن القائلين بأنه على العرش منهم من يمنع المقدمة الأولى ومنهم من ~~يمنع الثانية # ثم يقال قد أخبر الله تعالى في كتابه أنه الصمد وقد قال عامة السلف من ~~الصحابة والتابعين وغيرهم إن الصمد هو الذي لا جوف له وقالوا أمثال هذه ~~العبارات التي تدل على أن معناه أنه لا ms714 يتفرق واللغة تدل على ذلك فإن هذا ~~اللفظ وهو لفظ صمد يقتضي الجمع والضم كما يقال صمدت المال إذا جمعته وقد ~~قال من قال من حذاق أهل الكلام وغيرهم إن هذا تفسير المجسمة لأن الأجسام ~~نوعان أجوف ومصمت كالطعام منها أجوف ومنها مصمت فالحجر ونحوه مصمت قالوا ~~هذا يقتضي أنه جسم مصمت لا جوف له # وهذا يدل على أن صمديته تنافي جواز التفرق والانحلال عليه # فلا يخلو إما أن تكون هذه الآية قد دلت على ذلك أو لم تدل عليه فإن كانت ~~دلت على ذلك وعلى أنه مصمت لا جوف له يمتنع عليه التفرق بطل قولك إن كل جسم ~~يصح عليه التفرق والانحلال وإن لم تكن دلت على ذلك فأنت لم تذكر دليلا ~~عقليا على امتناع التفرق عليه ولا نصا ولا إجماعا وإذا كان كذلك لم تكن ~~حجتك تامة فإن هذه إحدى مقدمات الدليل فإذا لم يكن مدلولا عليها لم يكن ~~المذكور دليلا وإذا لم يكن دليلا لم يصح نفي كونه جسما بهذا الدليل # فإن قال أنا أثبت امتناع التفريق عليه بالإجماع أو موافقة الخصم قيل له ~~الذي يوافقك على دليل وافقك على أنه مجتمع يمتنع عليه الافتراق ولم يوافقك ~~PageV02P248 على أنه لا يوصف باجتماع ولا افتراق وحينئذ فهو يقول أنا ما ~~علمت امتناع الافتراق عليه إلا بوجوب اجتماعه كما أني لم أعلم امتناع الموت ~~عليه إلا لوجوب حياته ولم أعلم امتناع الجهل والعجز عليه إلا لوجوب علمه ~~وقدرته ولم أعلم امتناع العدم عليه إلا لوجوب وجوده فإن نازعني منازع فيما ~~أثبته وقال ليس بمجتمع أو ليس بعالم أو ليس بحي ولا قادر أو ليس بموجود ~~وطلب مني أن أوافقه على أنه لا يجوز عليه الافتراق والعدم والموت والجهل ~~والعجز ونحو ذلك كان قد طلب مني موافقته على امتناع أحد الضدين دون ثبوت ~~الآخر الذي هو من صفات الكمال أو الذي ليس هو من صفات النقص أو الذي ليس هو ~~عندي من صفات النقص وكان حينئذ من جنس الملاحدة الذي ms715 يطلبون أن أوافقهم على ~~أنه ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل مع منازعتهم لنا في أنه حي عالم قادر # ومن طلب الموافقة على ثبوت الشيء بدون لازمه ليحتج بذلك على نفي اللازم ~~لم يكن علينا أن نوافقه بل لم يكن لنا أن نوافقه فإن نفي اللازم يقتضي نفي ~~الملزوم فإذا وافقناه على ثبوت الملزوم كنا في الحقيقة موافقين له على نفي ~~الملزوم الذي وافقناه في الظاهر على ثبوته وإذا كانت الموافقة على ثبوت ~~الشيء تقتضي نفيه لم تجز الموافقة عليه # فإذا قال الملحد أنتم توافقون على أنه ليس بميت ولا جاهل ولا عاجز وأنا ~~لا أوافقك على أنه حي عالم قادر وغرضه أن يستدل بنفي هذه الصفات على ~~انتفائها وانتفاء أضدادها بأن يقول كونه حيا عالما قادرا وميتا جاهلا عاجزا ~~يقتضي أنه موصوف بالحياة والموت والعلم والجهل والقدرة والعجز وهذه أعراض ~~والموصوف بالأعراض يجب أن يكون ممكنا أو يكون جسما متحيزا وذلك يقتضي حدوثه ~~وهو محال لم يكن علينا أن نوافقه على ثبوت هذا السلب المستلزم لثبوت كونه ~~حيا عالما قادرا مع منعه لذلك فإن تحقق هذا السلب بدون هذا PageV02P249 ~~الاثبات محال وليس علينا أن نوافقه على شيء يتوسل به إلى القول الباطل بل ~~ليس لنا ذلك إذا كانت يتوسل به إلى إبطال حق علمناه فإن هذه الموافقة مثل ~~مصالحة الكفار على مافيه فساد الاسلام وهذا لايجوز # وهذا كما يذكر عن أبي الهذيل العلاف أنه قال دخلت دار النظر وفيها يهودي ~~قد ناظر قوما من المتكلمين في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم ~~الستم توافقوني على أن موسى رسول الله فقالوا بلى قال وأنا أخالفكم على أن ~~محمدا رسول الله والمتفق على ثبوته خير من المختلف في ثبوته أو نحو هذا ~~الكلام قال فقلت تعال ناظرني قال قد انقطع شيوخك معي فقلت ناظرني فأعاد ~~حجته فقلت له من موسى الذي وافقك على ثبوته أموسى بن عمران الذي أنزل الله ~~عليه التوراة التي فيها خبر محمد صلى الله عليه ms716 وسلم وموسى الذي بشر بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وأخذ الله عليه الميثاق ليؤمنن به ولينصرنه وأخذ ~~الميثاق على قومه ليؤمنن به ولينصرنه قال أبو الهذيل أو نحو هذا الكلام أم ~~موسى الذي قال تمسكوا بالسبت مادامت السموات والأرض وذكر أن شريعته لاتنسخ ~~أبدا أما الأول فإني أوافقك على ثبوته وثبوته مستلزم لنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأما الثاني فلا أؤمن به ومثل هذا كثير في المناظرة # وقد ذكر هذا المؤسس أبو عبد الله الرازي في نهايته أنه لا يجوز الاحتجاج ~~بهذه الالزامات كما تقدم بيانه وهو الاحتجاج بموافقته على مقدمة لمأخذ إن ~~سلمت ذلك المأخذ بطل الاحتجاج بالمقدمة وإن لم تسلم المأخذ منعت المقدمة # وهكذا الأمر هنا فإن المنازع الذي يسلم لك أنه لا يجوز الافتراق ~~والانحلال عليه إنما سلم لك ذلك لأنه صمد يجب أن يكون سيدا مجتمعا ويمتنع ~~أنه يكون PageV02P250 متفرقا فإن كان هذا المأخذ صحيحا بطل احتجاجك بذلك ~~على امتناع كونه مجتمعا وإن كان هذا المأخذ فاسدا لم يكن قد سلم لك امتناع ~~الافتراق عليه فلا ينفعك هذا التسليم لافي النظر ولافي المناظرة وكان له أن ~~يقول أنا لا أسلم لك امتناع الافتراق عليه لوجوب كونه صمدا والصمد يوجب ~~الاجتماع وإن فرض أنه لا يقتضي الاجتماع فهو لا ينفي الافتراق أو لا ينفي ~~الاجتماع والافتراق جميعا فإن أحدا من الناس لا يمكنه أن يدعي أن هذا الاسم ~~يدل على نفي الاجتماع والافتراق جميعا أو على نفي الافتراق وحده إلا بناءا ~~على أن المجتمع يفتقر إلى أجزائه ونحو ذلك مما تقدم الكلام عليه وأما ~~القياس فلم يذكر حجة على امتناع الافتراق عليه فظهر أن هذا الذي ذكره ليس ~~بحجة أصلا وهذا يتقرر # بالوجه الثالث وهو أن يقال لا ريب أن الله سبحانه مقدس منزه عن جواز ~~الافتراق والتمزق عليه سبحانه لكن إقرار الفطر بذلك ليس بأعظم من إقرارها ~~بتنزهه عن العدم والتلاشي بل علم القلوب بوجوب وجوده وامتناع عدمه أعظم من ~~إقرارها بامتناع تفرقه وانحلاله وهي ms717 لما يستلزم عدمه أعظم نفيا منها لما ~~يقال إنه يستلزم تفرقه وانحلاله وإذا كان كذلك فقد استقر في الفطر أن القول ~~بكونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا يشار إليه ولا يمكن ~~الاحساس به أدل على عدمه من دلالة كونه مجتمعا على جواز التفرق عليه فإن ~~الأول عند عامة الناس بديهي فطري وأما الثاني فلا تمكن معرفته إلا بدقيق ~~النظر إن كان صحيحا # وإن كان كذلك فالمتناظران في هذه المسألة يقول النافي فيها للمثبت كون ما ~~نفيته من أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا كذا ولا كذا ~~PageV02P251 يستلزم عدمه إنما هو من حكم الوهم والخيال وأما كون وجوده فوق ~~العرش يستلزم جواز الانحلال عليه فمعلوم بالقياس العقلي البرهاني والمثبت ~~يقول أما لزوم ما ذكرته للعدم فمعلوم بالفطرة الضرورية العقلية وأما لزوم ~~ما ذكرته أنا للانحلال فإنما هو شبهات مركبة من ألفاظ مشتركة وحينئذ فإن ~~تحاكما إلى فطر العالم السليمة قضت للمثبت على النافي لأن إقرار الفطر بما ~~يقول المثبت معلوم وإقرارها بما يقوله النافي غير معلوم # وإن تحاكما إلى المقاييس العقلية فيقال قول هذا الرازي وأمثاله المتقدم ~~في مقدمته إن الإنسان إذا تأمل في أحوال الأجرام السفلية والعلوية وتأمل في ~~صفاتها فذلك له قانون فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفة الربوبية وجب أن ~~يستحدث لنفسه فطرة أخرى ومنهجا آخر وعقلا آخر بخلاف العقل الذي اهتدى به ~~إلى معرفة الجسمانيات إما أن يكون هذا الكلام حقا وإما أن يكون باطلا فإن ~~كان حقا بطلت هذه الحجة وأمثالها مما بناه على الجوهر الفرد نفيا وإثباتا ~~وعلى كون الأجسام توصف بالاجتماع والافتراق وإن الجواهر والأجسام متماثلة ~~أو مختلفة لأن هذه الأمور كلها جسمانيات فالعقل الذي ينظر في هذه الأمور لا ~~يجوز أن ينظر به في الالهيات وهذا المؤسس وأمثاله من هؤلاء المتفلسفة ~~والمتكلمة إنما يتكلمون في التجسيم نفيا وإثباتا بالنظر الذي نظروا به في ~~الجسمانيات المخلوقة فيكون كلامهم كله في ذلك باطلا ولهذا اعترف أساطين ms718 ~~الفلاسفة أن كلامهم لا يفيد في الالهيات العلم واليقين وإنما ينظر فيها ~~بالأولى والأحرى والأخلق وإن كان هذا الكلام باطلا لم يصح أن يبطل به ما ~~استقر في الفطر استقرار ضروريا من أن رب العالمين فوق العالم وأنه يمتنع ~~وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه # وهذا الكلام في غاية الانصاف فإن هؤلاء القوم يريدون أن يبطلوا ~~PageV02P252 ما استقر في الفطر بما لا يصح إلا بما استقر في الفطر وبما هو ~~دونه فإن كان ما استقر في الفطر حقا لم يكن لهم دفعه وإن كان باطلا لم يكن ~~لهم الاحتجاج به على إبطال ما استقر في الفطر فإن هذا يكون قدحا في الأصل ~~فإثبات الفرع والقدح في الأصل قدح في الفرع وهذه عادة القوم المخالفين ~~للفطرة والشرعة ولهذا كلامهم كله كما قيل % حجج تهافت كالزجاج تخالها % % ~~حقا وكل كاسر مكسور % $ # ومما يوضح هذا أن عامة الحجج التي احتج بها على نفي كونه جسما ونفي كونه ~~على العرش مثل تماثل الأجسام وتماثل الجواهر ومثل كون الجسم المتناهي يقبل ~~الزيادة والنقصان يكون ممكنا ومثل كون الجسم مركبا إما تركيب الصفات وإما ~~تركيب المقادير مثل كون الصفة الواحدة لا تقوم بالجسم ومثل كون الجسم لا ~~يخلو عن الحركة والسكون ومثل كون تحيز الجسم أمر وجودي أو أمر عدمي ومثل ~~كون الجسم أو البعد لابد وأن يكون متناهيا أو غير متناهي ومثل كون علو بعض ~~الأجسام يستلزم أن يكون تحت قوم ومثل أن الجسم يجوز عليه الافتراق ~~والانحلال ومثلما يأتي من كون الجهة أعلا من الشيء بل جميع ما يتكلمون به ~~في هذا الباب من لفظ المتحيز والجهة والجسم والجوهر والاجتماع والافتراق ~~والحركة والسكون سواء تكلموا به في صفات الباري نفيا وإثباتا أو تكلموا به ~~في المخلوقات وصفاتها نفيا وإثباتا أو في أدلة حدوثها وإمكانها أو غير ذلك ~~كل هذه الأمور إنما هو كلام في الجسم وأحكام الجسم وما يتبع ذلك # فإن كان هذا الكلام والعقل الذي به يعرف مثل هذا الكلام غير مقبول ms719 في ~~العلم الالهي بطل جميع ما ذكره الفلاسفة والمتكلمون جميعا مما يتعلق بهذا ~~وإذا بطل لم يصح أن ينفوا بمثل هذا الكلام ما علم بالفطرة ولا ما دلت عليه ~~PageV02P253 الشريعة وهذا من أعظم المفاسد وحينئذ فلا يصح قولهم إنه ليس ~~بجسم ولا متحيز ولا في جهة وأنه ليس فوق العالم يشار إليه # وإن كان مثل الكلام والعقل الذي به ينظر في الأجسام وصفاتها مقبولا في ~~العلم الالهي بطلت مقدمته كلها وكان من أعظم العلوم في العقل أن الباري فوق ~~العالم وأنه يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه بل يمتنع أن يكون شيء ~~من الموجودات كذلك كما تقدم وهذا بين وله الحمد والمنة # وأما أن يخالفوا ما فطر الله عليه عباده وما أنزل به كتبه وأرسل به رسله ~~بمقاييس لا تدل لهم إلا بمقدمات كثيرة مركبة لابد فيها من الاستدلال بما هو ~~في الفطرة دون ما دفعوه أو مثله مع مافيها من الألفاظ المشتركة وغيرها فهذا ~~لا يفعله إلا جاهل أو ظالم أو من جمع الأمرين بل هو من أعظم العالمين جهلا ~~وظلما لكونه يتكلم في الله وأسمائه وآياته بمثل هذا العقل الفاسد وكان من ~~أعظم المطففين في أصول الدين فإذا كان المطففون في الأموال قد قال الله ~~تعالى فيهم @QB@ ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم ~~الناس لرب العالمين @QE@ وقد جاء في الحديث الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ~~ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين فكيف في أصول الدين بل في أعظم ~~أبواب أصول الدين وهو الكلام في رب العالمين وأسمائه وصفاته يكون فيه هذا ~~التطفيف والاخبار العظيم فيبطلون ما فطر الله عباده عليه وأنزل به كتبه ~~بمقاييسهم ويمنعون غيرهم أن يحتج بها عليهم وهي عليهم أدل منها لهم وهذا من ~~أعظم الجهل والظلم والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا من عباده ~~وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا ms720 PageV02P254 # يقرر هذا أن الكلام في الشيء نفيا وإثباتا مسبوق بتصوره فليس للإنسان أن ~~ينفي شيئا عن شيء أو يثبته له إلا بعد تصوره تصورا يمكن معه النفي والإثبات ~~فإذا قال القائل عن موجود إنه جسم أو هو جوهر أو متحيز أو في جهة أو فوق ~~العالم أو غير ذلك أو قال ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة ولا فوق ~~العالم أو قال إن له علما وقدرة أو حياة أو قال ليس له علم ولا قدرة ولا ~~حياة فكل واحد من هذين لابد أن يتصور ما نفاه وما أثبته فمن أثبت لله ~~سبحانه وتعالى أمرا من الصفات فإنما أثبته بعد أن فهم نظير ذلك من ~~الموجودات وأثبت القدر المطلق مع وصفه له بخاصة تمتنع فيها الشركة ومن نفى ~~عن الله شيئا من هذه الأمور فإنما نفى ما علم نظيره في الموجودات ونفى عن ~~الله أن يكون له مثلما للمخلوق من ذلك لم ينف ما يختص به الرب مما لم يعلم ~~نظيره فإن هذا لم يتصوره حتى يحكم عليه بالنفي # فالنافي لا ينفي شيئا قط إلا ما له نظير فيما أدركه لأن نفس المنفي ما ~~علمه أصلا لأن النفي المحض لا يعلم بنفسه فإن النفس لا تباشر المعدوم حتى ~~تشعر به وإنما تباشر الموجود وتقيس له نظيرا فينفي ذلك النظير عما هو منتف ~~عنه مثل نفيها لجبل ياقوت وبحر زئبق ونحو ذلك بعد أن علمت البحر والزئبق ~~والجبل والياقوت ثم قدرت معلوما مؤلفا من شيئين نظيرهما موجود ثم نفته ~~وكذلك النفي عن الله من الشركاء والأولاد والنوم وغير ذلك يعلم وجوده في ~~العالم ثم يقدر نظير هذا الموجود في حق الله تعالى في الذهن وينفي عن الله ~~تعالى فأما نفيه قبل العلم به من جهة القياس فممتنع فإنه لا يكون معلوما ~~ولا يعلم المعدوم إلا بنوع قياس فإذا كل ناف فلابد له من القياس على ما في ~~الموجودات الجسمانية وأما المثبت فإنه وإن احتاج إلى نوع قياس فإنه يثبت ms721 ~~معه الفارق الذي يقطع المماثلة بالأمور المخلوقة فهو وإن كان جامعا فمعه ~~فارق أقوى من جامعه بخلاف الثاني فإن عمدته على الجامع وهو القدر المشترك ~~الذي ينفيه PageV02P255 # وإذا ظهر ذلك فيقال لارسطو الذي ذكر عنه هذا المؤسس الذي قال من أراد ~~النظر في العلم الالهي فليحدث لنفسه فطرة أخرى وقد قرره المؤسس بأن الانسان ~~إذا تأمل في أحوال الاجرام السفلية والعلوية وتأمل في صفاتها فذلك له قانون ~~فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفة الربوبية وجب أن يستحدث لنفسه فطرة أخرى ~~ونهجا آخر وعقلا آخر بخلاف العقل الذي به اهتدى إلى معرفة الجسمانيات أنت ~~يا معلم هؤلاء الصابئة الفلاسفة المبتدعين لما تكلمت في أقسام العلم ~~بالمقولات العشر وهي الجوهر وأعراضه التسعة الكم والكيف والاضافة والأين ~~ومتى والوضع وأن يفعل وأن ينفعل والملك فهذا وإن كلاما في الوجود المطلق ~~الذي قد يقولون إنه العلم الأعلى وهو الناظر في الوجود ولواحقه من حيث هو ~~وجود ومنه العلم الالهي وهم يجعلون العلم الالهي يعم هذا كله فهذا نزاع ~~بينكم فهذه المقولات العشرة إذا أثبتها للعقول والنفوس ونفس الانسان ~~ونفيتها عنها أو نفيت شيئا منها أو نفيتها عن واجب الوجود أو أثبتها أو ~~شيئا منها له أتحكم في هذا النفي والاثبات بالفطرة التي علمت بها هذه ~~الأمور أم بفطرة أخرى فإن قال بفطرة أخرى كان هذا اعترافا بان الفطرة التي ~~يحكم فيها على الشيء بنفيه وإثباته غير الفطرة التي يتصور بها الشيء فتكون ~~فطرة التصديق غير فطرة التصور ومن المعلوم أن الحاكم بالتصديق العالم به ~~الناطق به إن لم يكن هو العالم بالتصور المدلول له الناطق به كان حكمه ~~باطلا فيلزم أن يكون جميع ما ذكروه في العلم الالهي باطلا لكون الحاكم ~~بالتصديق فيه ليس هو المتصور # وإن قلتم بل بالفطرة التي عرفت بها هذه الأمور يحكم بنفيها وإثباتها بطلت ~~تلك القعقعة التي تشبه قعقعة الشنان التي يقعقع بها للصبيان لتخوفوا بما لا ~~حقيقة له عند الانسان وعلم إنما خالفتم به الفطرة والشرعة فكله ms722 هذيان بل من ~~PageV02P256 الافك والبهتان و @QB@ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ~~ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ ~~الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن ~~يقولون إلا كذبا @QE@ @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ~~ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله ~~إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار وهو اللطيف الخبير @QE@ وليس هذا موضع استقصاء الكلام في هذا وإنما ~~الغرض التنبيه على تناقض هؤلاء وابطال حججهم # وحينئذ يقال في # الوجه الثالث قوله إنه إذا كان على العرش وكان عظيما فلابد أن يكون له ~~جانبان جانب عن يمين العرش وجانب عن يساره ويكون أحدهما غير الآخر العلم ~~بهذا إما أن يكون من العقل الجسماني ومقتضى الحس والخيال أو لا يكون فإن ~~كان من هذا القسم وهو مقبول نظيره وما هو أولى منه فتبطل هذه الحجة لأن هذا ~~العقل يحكم بأن الموجود لابد أن يكون داخل العالم أو خارجه وإن لم يكن ~~مقبولا بطلت هذه الحجة # وإن قيل إن هذا ليس من حكم العقل الجسماني ومقتضى الحس والخيال وهو قد ~~حكم بأن الموجود العظيم الذي فوق غيره لابد أن يكون جسما يتميز منه ~~PageV02P257 جانب عن جانب بأن يقال إن الحكم بأن الموجود إما أن يكون داخل ~~العالم أو خارجه وأنه يمتنع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه أولى بأن ~~لا يكون من حكم العقل الجسماني ومقتضى الحس والخيال لأن الحكم الأول فيه ~~تصريح بأنه جسم فإن كان الحكم بأن الشيء جسم ليس من مقتضى العقل الجسماني ~~ومقتضى الحس فالحكم بما لم يصرح فيه بالجسم بل حكم فيه ms723 على الوجود مطلقا ~~أولى بذلك ولهذا يكون مثل هذا الحكم من العلم الأعلى عندهم ومن العلم ~~الالهي وأما الأول ففيه نوع من العلم الطبيعي الجسماني قطعا # الوجه الرابع أنه إذا كان جسما فأنت قد ذكرت في نهايتك النزاع بين الناس ~~في الجسم هل هو في نفسه واحد أو منقسم بعد اتفاقهم على قبولية الانقسام وهي ~~مسألة الجوهر الفرد فقلت في مسائل المعاد المسألة الأولى في الجزء الذي لا ~~يتجزأ لاشك في أن الأجسام التي شاهدناها قابلة للانقسامات والانقسامات التي ~~يمكن حصولها فيها إما أن تكون متناهية أو لا تكون فيخرج من هذا التقسيم ~~أربعة أقسام أولها أن الانقسامات حاصلة وتكون متناهية ثانيها أن تكون حاصلة ~~وتكون غير متناهية وثالثها أن لا تكون حاصلة ولكن ما يمكن حصوله منها يكون ~~متناهيا ورابعها أن لا تكون حاصلة ولكن ما يمكن حصوله منها يكون غير ~~متناهيا قال والأول مذهب جمهور المتكلمين والثاني هو مذهب النظام والثالث ~~هو مذهب بعض المتأخرين وهذا الذي أشار إليه هو الشهرستاني والرابع هو مذهب ~~الفلاسفة # قال فتخلص من هذا أن الخلاف بيننا وبين الفلاسفة في هذه المسألة يقع في ~~مقامين أحدهما أن الجسم مع كونه قابلا للانقسام هل يعقل أن يكون ~~PageV02P258 واحدا وثانيهما أنه بتقدير أن يكون هل يعقل أنه يكون قابلا ~~للانقسامات الغير متناهية قال فنحن نتكلم في كل واحد من القسمين ثم نذكر ~~بعده شبه النفاة ونتكلم عليها # قال والمعتمد في أن يكون قابلا للانقسام لابد أن يكون منقسما هو أن وحدة ~~الجسم إما أن يكون غير كونه جسما أو جزءا داخلا فيه أو أمرا خارجا عنه فإن ~~كان الأول أو الثاني لزم أن يكون تفريق الجسم إعداما له وذلك محال وإن كان ~~الثالث كانت الوحدة صفة قائمة بالجسم والعرض لا يحدث في المحل ولا يحصل فيه ~~إلا إذا كان المحل متعينا متميزا عن غيره ولا يعقل من وحدته إلا تعينه وفي ~~نفسه وتميزه عن غيره فيلزم أن يكون قيام الوحدة بالجسم متوقفا على كون ~~الجسم ms724 واحدا ثم الكلام في تلك الوحدة كالكلام في الأول ويلزم التسلسل وهو ~~محال وبتقدير إمكانه فلابد أن ينتهي إلى وحدة تقوم بالذات لا بتوسط وحدة ~~أخرى وإلا لم تكن الذات موصوفة بالوحدة أصلا وذلك هو المطلوب # فهذا الدليل الذي ذكره على امتناع أن يكون شيء من الأجسام واحدا أو على ~~امتناع أن يكون شيء من الموجودات واحدا ومعلوم أن ذلك خلاف الكتاب والسنة ~~وإجماع المسلمين بل إجماع العقلاء قال الله تعالى @QB@ وإن كانت واحدة فلها ~~النصف @QE@ وقال @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا @QE@ والقول بأن هذا واحدا من ~~الانسان الواحد والحيوان الواحد والشجرة الواحدة والدرهم الواحد من أشهر ~~الأمور عند العامة والخاصة من أعرف الأمور عند بني آدم وهو من أوائل العلوم ~~البديهية الحسية عندهم وهو علم العدد أن الواحد نصف الاثنين PageV02P259 # فلو لم يكن في الأجسام ما يوصف بأنه واحد والناس لم يشهدوا إلا لأجسام مع ~~أن العلم بأن الواحد المطلق نصف الاثنين موقوف على أن الواحد في الخارج نصف ~~الاثنين إذ العلوم الكلية الذهنية مسبوقة بالعلوم المعينة الوجودية فلو لم ~~يكن في الأجسام ما هو واحد امتنع حكم الذهن بأن الواحد نصف الاثنين وهذا من ~~أوائل العلوم البديهية التي يضرب بها المثل في النظر والمناظرة فيكون ~~احتجاجه على أن الجسم لا يكون واحدا في مقابلة ذلك فيكون من أفسد حجج ~~السوفسطائية لقدحها في أظهر الأمور الحسية اليديهية # ثم يقال هذه الحجة تستلزم أن لا يكون الله واحدا ولا يكون الجوهر الفرد ~~واحدا إلا به ثم يقال في وحدة ذلك مثل ما قلته في وحدة الجسم وذلك يستلزم ~~أن تكون الوحدة بالذات وبالجوهر الفرد متوقفا على كونه واحدا فالكلام في ~~تلك الوحدة كالكلام في الأولى وذلك يستلزم التسلسل وهو محال # وإذا كانت هذه الحجة تستلزم هذا الكفر فهي تستلزم أيضا نقيض المطلوب لأن ~~المقصود بنفي وحدة الجسم اثبات تركيبه من الأجزاء المفردة التي كل منها ~~واحدا فإذا نفيت وحدة الجوهر الفرد استلزمت إبطاله وإذا بطل الجوهر الفرد ~~امتنع كون الجسم مركبا ms725 من الجواهر المنفردة فيلزم أن يكون واحدا فصارت هذه ~~الحجة المذكورة لنفي وحدة الجسم مستلزمة لوحدته ونافية لوحدة الجوهر الفرد ~~أيضا وكل هذا تناقض # ثم من العجب تولك بعد أن ثبت أن الوحدة تستلزم التسلسل وهو محال ثم قلت ~~وبتقدير إمكانه فلابد أن ينتهي إلى وحدة تقوم بالذات لا بتوسط PageV02P260 ~~وحدة أخرى وإذا كانت الوحدة مستلزمة للتسلسل المحال فكيف يكون تقدير امكانه ~~مبينا لك جواز اتصاف شيء بالوحدة من غير توسط وحدة أخرى # وكذلك من العجب قولك فلابد وأن ينتهي إلى وحدة تقوم بالذات لا بتوسط وحدة ~~أخرى وإلا لم تكن الذات موصوفة بالوحدة وهو المطلوب فليس هذا هو المطلوب ~~لأن هذا الذي قدرته مع قولك إنه محال يفيد أن الذات توصف بالوحدة مع غير أن ~~تتوقف هذه الوحدة على وحدة أخرى للذات وهذا لم ينازعك فيه أحد ولا ينفي ~~وحدة الجسم فإن وحدة الجسم ليست موقوفة على وحدة أخرى تقوم بالجسم غاية ما ~~في هذا الباب أن وحدة الجسم معها وحدات أخر تقوم بالجوهر إذا أفردت وهذه ~~الوحدة ليست شرطا في ثبوت الأولى ولا هي سابقة عليها ولا تلك متوقفة عليها ~~ولا هي وحدة الجسم التي وصفت بها الأولى والتسلسل الذي ذكرته إنما يمنع أن ~~تكون وحدة الشيء متوقفة على وحدة أخرى لذلك الشيء وليس الأمر كذلك هنا لكن ~~مع وحدة الجسم وحدة كل موصوف بالوحدة من الأجسام والجواهر وغير ذلك ~~والموصوف بأنه واحد إذا كان مستلزما إمكان أن ينقسم إلى ما يوصف بأنه واحد ~~لم يكن وحدة موقوفة على وحدة أخرى تقوم به فليتدبر اللبيب كيف ذكر الحجة ~~التي مضمونها نفي كل وحدة في العالم واحالتها ثم أخذ ثبوت الوحدة مسلما ~~وادعى أن ثبوت الوحدة بلا واسطة ينفي وحدة الجسم وكلاهما عجب نفي الوحدة ~~مطلقا ودعوى أن الوحدة بلا واسطة وحدة أخرى ينفي وحدة الجسم # ثم يقال عن هذه الشبهة الفاسدة الباردة تعين الواحد جسما كان أو غيره ~~وتميزه عن غيره لا يخلو إما أن تكون هي وحدته ms726 أو لا تكون فإن لم يكن هو ~~وحدة الجسم بطل قولك لا نعقل من وحدته إلا تعينه في نفسه وتميزه عن غيره ~~فبطلت الحجة وإن كان هو وحدته بطل قولك لا تحصل فيه PageV02P261 الوحدة إلا ~~إذا كان متعينا متميزا عن غيره تعنى قبل ذلك وحينئذ فقد بطلت الحجة أيضا ~~فسواء كانت الوحدة هي التعين والتمييز أو كانت غيره لم يلزم أن يكون قيام ~~الوحدة بالجسم متوقفا على وحدة أخرى وهذا ظاهر وسواء كانت الوحدة أمورا ~~وجوديا أو عدميا فليس المقصود هنا بسط الكلام على هذا # وإنما الغرض التنبيه على أن ما يستدل به على أن الجسم فيه انفسام وتركيب ~~وكثرة وأنه ليس بواحد من أفسد الحجج فإنه قد بنى على هذا الأصل الفاسد ~~كثيرا من تجهمه وتعطيله الذي جحد فيه حقيقة أسماء الله وصفاته وما هو عليه ~~في ذاته # أما كون الجسم قابلا للانقسامات التي لا تتناهى أو غير قابل فهذا ليس لنا ~~فيه هنا غرض وهو احتج على نفي ذلك بالحركة وأنها موجودة في الحاضر وإلا لم ~~تكن موجودة في الماضي والمستقبل وأن وجودها الحاضر لا ينقسم وإلا لكان ~~الحاضر ماضيا ومستقبلا وإذا لم تنقسم الحركة إلى غير نهاية لم تنقسم ~~المسافة التي تكون الحركة عليها فلا يكون في الجسم الذي هو مسافة انفسام لا ~~يتناهى # وعارض ذلك بعشرة أوجه مثل تميز اليمين عن الشمال وانقسام الجزء الموضوع ~~على جزئين وغير ذلك من الوجوه ثم قال في الجواب وأما المعارضات التي ذكروها ~~فاعلم أنا نميل إلى التوقف في هذه المسألة بسبب تعارض الأدلة فإن إمام ~~الحرمين صرح في كتاب التلخيص في أصول الفقه أن هذه المسألة من محارات ~~العقول وأبو الحسين البصري وهو أحذق المعتزلة توقف فيها فنحن PageV02P262 ~~أيضا نختار التوقف فإذن لا حاجة إلى الجواب فهذا نقوله في الانقسام الممكن ~~هو متوقف فيه ونقول وقوله في نفي وحدة الجسم وثبوت الانقسام الحاصل قد ظهر ~~فساده لكل أحد # وإذا كان الأمر كذلك فقوله لو كان على العرش لكان منقسما ms727 مركبا أو لو كان ~~جسما منقسما مركبا أو لو كان على العرش لكان عظيما ولكان منقسما مركبا إلى ~~الأجزاء قد تبين فساده وظهر أن قوله إذا كان عظيما فلابد أن يكون أحد ~~جانبيه غير الآخر ويكون على هذا التقدير ذات الله مركبة من الأجزاء كلام ~~باطل لم يقرر تركيبا موجودا في الأجسام المشاهدة ولا أن فيها أجزاء موجودة ~~بل ادعى فيها ما يضحك عليه الصبيان # وأما قبولها للتجزئة إلى غير غاية فقد توقف فيه فأكثر ما يبقى معه أن ~~الجسم وإن كان واحدا لكنه يقبل التجزية إلى حد محدود وهذا قول الشهرستاني ~~مع أنه يستخف بهذا القول أحيانا وقد اضطر إلى موافقته لكن هذا أكثر ما فيه ~~أنه يمكن في الجسم من حيث الجملة أن ينقسم بمعنى أن ذات الجسم من حيث هو ~~جسم لا تكون مانعة من الانقسام وهذا حق فإن من الأجسام ما ينقسم حقيقة فلو ~~كان حقيقة الجسم مانعة من الانقسام لم يصح الانقسام على شيء من الأجسام لكن ~~هذا لا يثبت له قبول كل جسم للانقسام فضلا أن يكون العلي العظيم الكبير ~~المتعال الذي هو على عرشه العظيم مركبا من الأجزاء كما ادعاه فإنه إذا كان ~~الجسم واحدا وقبول القسمة لم يثبت إلا لبعض الأجسام لم يلزم أن يكون رب ~~العالمين منقسما ولا قابلا للقسمة فلا يكون مركبا من الأجزاء لا الأجزاء ~~الموجودة ولا الأجزاء المقدرة الممكنة ثم إذا كان في الأجسام المشهودة قد ~~اضطربوا أو تحيروا في تركيبها وانقسامها وعدوا ذلك من محارات العقول كيف ~~PageV02P263 يصح منهم الحكم على رب العالمين بمثل هذه الأمور نفيا وإثباتا ~~وهذا بين ولا حول ولا قوة إلا بالله # الوجه الخامس أن يقال هب أنه يلزم أن يكون فيه أجزاء وأبعاض بمعنى أن فيه ~~ما يميز منه شيء عن شيء كما أن الفلك يتميز منه شيء من شيء وجانب من جانب ~~وهذا هو المعني بالتركيب من الأجزاء فهذا يكون بمنزلة الصفات القائمة من ~~العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وسائر الصفات ms728 # فقولك في تلك الأمور التي سميتها أجزاءا إما أن تكون متماثلة أو مختلفة ~~فيقال لك مثله في الصفات التي سمتها نفاة الصفات كابن سينا وغيره أجزاءا ~~ويقولون واجب الوجود ليس فيه أجزاء لا أجزاء حد ولا أجزاء كم وإن كانت هذه ~~تسمية باطلة كما قررناه في غير هذا الموضع فتسميته أيضا تشبيها كما قد ~~قررناه والنزاع هنا ليس في اللفظ بل في المعنى # فيقال لك في تلك الصفات إن كانت متماثلة وجب أن تقوم كل صفة مقام الأخرى ~~فيقوم العلم مقام القدرة والحياة مقام الكلام وهذا باطل # وإن كانت مختلفة فكل صفة تشارك الأخرى في كونها صفة وتفارقها في خصوصيتها ~~وما به الاشتراك غير ما به الافتراق فتكون كل صفة مركبة من جزئين جزء به ~~الاشتراك وجزء به الامتياز ثم كل واحد من ذينك الجزئين يشارك غيره في جزء ~~ويفارقه في جزء وهلم جرا فالقول في تركب كل مركب من جزئين وتركب كل جزء من ~~جزئين يعم ما يقال إنه مركب تركيب المقدار والكم وما هو مركب تركيب الصفة ~~والكيفية فإن أوجب أحد التركيبين الانحلال إلى ما تركب فيه أوجبه الآخر ~~وإلا فلا PageV02P264 # وحينئذ فيعارض ما ذكرته في تركيب المقدار مثله سواء فيقال لك إن لم يوجب ~~التركيب الانحلال إلى ما تركب فيه لم يجب فيه ذلك في الموضعين فبطلت الحجة ~~وإن أوجب ذلك بانحلال المقدار إلى جزء لا تركب فيه فانحلال الصفة إلى جزء ~~هو صفة لا تركب فيها # وإذا قيل في أجزاء المقدار إنها متماثلة وإلا كانت مركبة قيل في أجزاء ~~الكيفية إنها متماثلة وإلا كانت مركبة وإذا قيل إن تماثلها يوجب أن يجوز ~~على كل واحد ما يجوز على الآخر قيل إن تماثل تلك يوجب أن يجوز على كل واحد ~~ما يجوز على الآخر وحينئذ فيجب أن يوصف العلم بما توصف به القدرة وتوصف ~~الحياة بما يوصف به الكلام ويسد كل منهما مسد الآخر وهذا مع أنه محال فذلك ~~يستلزم جواز الاكتفاء بصفة عن سائر الصفات وذلك ms729 يستلزم عدم وجوب هذه الصفات ~~للذات وهذا أبلغ مما ألزمه في المقدار من جواز انحلال الذات وتفرقها فإن ~~عدم كيفيات الموجود أو الجسم أبلغ في عدمه وتلاشيه من تفرق أجزائه ولهذا ~~كثير من الأجسام يفرق ثم يجتمع كما يتفرق الماء ثم يجتمع وأما إذا بطلت ~~كيفيته مثل بطلان المائية والنارية فإنه يكون فاسدا مستحيلا # وهذا وإن كان إلزاما لمن يثبت الصفات فهو لازم لكل أحد أيضا فإنه لابد في ~~إثبات وجود ووجوب ونحو ذلك وأي معنى أثبت جعل فيه نظير هذا التركيب وهذا ~~لازم لابن سينا ونحوه من الملاحدة أيضا فإنه يقال في الوجود والوجوب إن ~~الموجود يشارك غيره من الموجودات في مسمى الوجود ويفارقها في خصوصه والوجوب ~~بالذات يشارك الوجوب بالغير في مسمى الوجوب ويفارقه في كونه بالذات وكذلك ~~يقال في العاقل والمعقول والعقل والعناية وكونه فاعلا أو مبدءا أو علة أو ~~غير ذلك إذ لابد لكل من أثبت موجودا PageV02P265 من أن يثبت وجودا واجبا ~~ويلزمه فيه هذه اللوازم وقد بينا هذا فيما تقدم # وابن سينا كان من الملاحدة وكان أبوه من دعاتهم وذكر أنه بسبب ذلك اشتغل ~~فيما اشتغل به من علوم الفلاسفة الصابئة الأوائل فإن أصول الملاحدة مبنية ~~على ما أخذوه من هؤلاء الصابئة وما أخذوه من المجوس وهؤلاء الصابئة ~~المبتدعون يقولون أن العالم متولد عن الله والمجوس يجعلون له شريكا في خلقه ~~فالطائفتان كما قال تعالى @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم @QE@ @QB@ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له ~~شريك في الملك @QE@ وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد فإن المجوس تجعل ابليس وهو أصل الظلمة هو شريك النور في التخليق ~~فيجعلون الجن شركاءه وليس هذا موضع بسط ذلك ولكن ننبه على أن كتاب الله لما ~~كان دعوة لجميع الخلق ففيه تفصيل كل شيء وهو الحاكم بين جميع الناس فيما ~~اختلفوا فيه # ولهذا أراد النصير الطوسى ونحوه من ملاحدة المسلمين واليهود على ms730 أن يضعوا ~~للدولة الكافرة المشركة الجاهلة دولة هولاكو عقيدة واتفقوا على أن تكون ~~عقيدة ابن سينا ولهذا كانت الملاحدة تميل إلى هؤلاء المشركين كثيرا وكان ~~ملكهم هولاكو يقرب الملاحدة ويستعين بهم على المسلمين لما عرف مباينتهم في ~~الباطن للاسلام وأهله مع منافقتهم لهم في الظاهر # الوجه السادس قوله إن تلك الأجزاء إما أن تكون متماثلة الماهية أو مختلفة ~~الماهية يقال قد تبين أن ما ذكرته لا يستلزم أن تكون هنا أجزاء PageV02P266 ~~موجودة وغاية ما يلزم ما ذكرته تمييز شيء عن شيء وجانب عن جانب والذي يكون ~~كذلك يقال في صفاته ما يقال فيه فإذا قيل إنه مع أنه واحد فهو ذو أبعاض ~~يتميز منه شيء من شيء فكذلك يقال في صفاته القائمة به وفي حيزه وفيما ~~يلاقيه ففي الجملة متى فرض تميز شيء منه عن شيء وقيل إن ذلك أبعاض ولكل بعض ~~خاصة تميز بها ثم يقال وسواء كان هناك أجزاء وأبعاض موجودة يتميز بعضها عن ~~بعض أو لم يكن # فإذا قيل كل بعض إما أن يماثل الآخر أو لا يماثله قيل إن أردت بالمماثلة ~~أن يقوم مقامه فيما يختص بعينه فلا يكون في العالم شيئين متماثلين وإن أردت ~~بالتماثل أن يقوم مقامه فيما يكون لنوعه لا لعينه قال لك المنازع إنها ~~متماثلة وإذا قال ذلك لم يجز أن تقول فيصح أن يكون الملاقي مباعدا والمباعد ~~ملاقيا لأن ذلك الملاقي من صفات عينه مجاورته لما جاورته وحيزه المعين وتلك ~~الصفة لا يقوم فيها غيره مقامه وإن كان مثله كما تقدم فلا يلزم من كونهما ~~متماثلين إن يصير الملاقي مباعدا والمباعد ملاقيا # وقولنا المثلان يصح على كل منهما ما صح على الآخر إنما هو فيما ليس في ~~خصائص العين والملاقاة والمباعدة من خصائص العين فإن الملاقي إذا صار ~~مباعدا خرج عن حيزه المعين وعن أن يكون ملاقيا لما كان ملاقيا له ووجب أن ~~يصير ملاقيا لغيره وكذلك المباعد وحينئذ فتختلف صفات عينه بالتفريق فلا ~~يكون ذلك لازما لكونهما مثلين فلا يلزم ms731 من التماثل ذلك # الوجه السابع أن يقال هذه التي سميتها أجزاءا سواء كانت أجزاءا مقدرة أو ~~هي متميزة تميزا حقيقيا لا يخلو إما أن تريد بكل واحد منها الجزء الذي ~~PageV02P267 لا يتجزأ وهو الجوهر الفرد أو ما هو أكبر من ذلك فإن أردت ~~بالأجزاء الجواهر المنفردة وقد قلت إما أن تكون متماثلة الماهية أو مختلفة ~~فيقال لك هب أنها مختلفة في الماهية ما الذي يلزم قولك و القسم الثاني وهو ~~أن يقال إن تلك الأجزاء مختلفة في الماهية فنقول كل جسم مركب من أجزاء ~~مختلفة الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منها ~~مبرءا عن هذا التركيب يقال هذا باطل على هذا التقدير لأن كل واحد من تلك ~~الأجزاء المختلفة الماهية إذا كان جزءا لا ينقسم وهو الجوهر الفرد امتنع ~~حينئذ أن يكون مركبا وأن يتحلل إلى أجزاء أخر فإنه لا تركيب فيه بحال أكثر ~~ما يمكنك أن تقول فيه ما قلته في الأجزاء التي يتحلل إليها من لزوم مماسته ~~بيمينه شيئا وبيساره شيئا آخر لكن يقال لك هذا أولا في الجزء الذي لا ينقسم # وقولك لكن يمينه مثل يساره إلا لكان هو نفسه مركبا وقد فرضناه غير مركب ~~كلام متناقض ينقض بعضه بعضا فإنه إذا كان له يمين ويسار كان مركبا # وقولك يمينه مثل يساره والمثلان غير أن يقضى أن فيه غير أن وهذا تركيب ~~أيضا وتماثل جانبيه لا يخرجه عن أن يكون مركبا فقولك وقد فرضناه غير مركب ~~تناقض # وكذلك قولك ودعواك أنه تماثل يمينه يساره وإلا لكان هو نفسه مركبا يقتضي ~~أنه مع تماثل جانبيه يكون غير مركب ومع عدم تماثلهما يكون مركبا وليس الأمر ~~كذلك بلا نزاع # وأيضا فإنه على هذا التقدير الأجزاء مختلفة في الحقيقة وإذا كانت مختلفة ~~في الحقيقة لم يلزم أن يجوز على كل واحد منها ما جاز على الآخر بل يمتنع ~~تساويهما PageV02P268 فيما يجب ويجوز ويمتنع فلو وجب أن يقوم كل منها مقام ~~الآخر لكانت متماثلة والتقدير إنها ms732 مختلفة هذا تناقض فعلم أنه يمتنع مع كون ~~الأجزاء غير منقسمة وهي مختلفة في الحقيقة أن يقوم بعضها مقام البعض وحينئذ ~~فيبطل لزوم تفرقها # بل يقال إذا كان تفرقها يوجب قيام بعضها مقام بعض امتنع تفرقها مع كونها ~~مختلفة لأن الحقائق الختلفة يمتنع أن يقوم بعضها مقام بعض هذا إن أراد ~~بالأجزاء الجواهر المنفردة وهو المفهوم من اطلاقه # وإن أراد بالأجزاء الأجزاء الكبار قيل # الوجه الثامن وهو أن المعنى أنه مركب من أجزاء كبار بحيث يلزم إذا كانت ~~مختلفة أن يكون الجزء منها ينحل إلى أجزاء لا تنقسم وقد قلت إما أن تكون ~~متماثلة أو مختلفة فيقال لك نقدر إنها متماثلة وهي وإن كانت متماثلة في ~~الصفة فلها قدر في نفسها ليست أجزاء منفردة إذ التقدير كذلك وإذا كانت كذلك ~~لم يلزم أن يكون الطرف منها وسطا لأن الطرف يكون غير منقسم وغير المنقسم لا ~~يسد مسد الجزء الكبير الذي قد ينقسم وإذا لم يكن كذلك لم يلزم جواز تباعد ~~المتلاقيين وتلاقي المتباعدين لتباين مقاديرهما واشكالهما وإن الذي يقوم ~~مقام غيره لابد أن يكون مساويا له في الصفة والقدر جميعا لاسيما وعلى هذا ~~التقدير فيمكن أن يكون بعضها أكبر من بعض لأنه أكثر ما يلزم أن يكون كل جزء ~~منها يمكن انقسامه ليصح الحكم عليها بالتحليل إلى الذي لا ينقسم حتى يتوجه ~~كلامه في القسم الثاني وإذا لم يجب إلا ذلك لم يلزم تساويها في المقدار ~~وإذا لم يلزم تساويها في المقدار لم يجب أن يقوم بعضها مقام بعض فلا يلزم ~~جواز التفرق والانحلال فحاصله أن هذه الأجزاء إن قدرها PageV02P269 منقسمة ~~جاز اختلاف مقاديرها وأحكامها فلم يلزم قيام بعضها مقام بعض وعلى التقديرين ~~يبطل ما ذكره من لزوم التفرق والانحلال # الوجه التاسع أن يقال الذات التي هي واجبة الوجود بنفسها وصفاتها لازمة ~~لها لا يجوز أن توصف بما توصف به الذات الممكنة الجائزة وذلك لأن الأجسام ~~المخلوقة لها أبعاض وصفات فيجوز أن الله يفرق بين أبعاضها ويجوز أن يزيل ~~صفاتها ms733 عنها كما يجوز أن يعدمها والله سبحانه وتعالى لا يجوز عليه العدم ~~ولا يجوز أن تفارقه صفاته الذاتية فبتقدير أن يكون على العرش وهو عظيم ~~يتميز منه جانب عن جانب ويكون ما هو داخل في مسمى اسمه من الأمور اللازمة ~~التي لا يجوز أن تفارق ذاته ويكون ما هو موصوف به من الاجتماع والاتصال ~~أمرا واجبا لذاته لأنه الصمد كما تقدم وهذا ظاهر # وإن كان واجبا فبتقدير تماثل الأبعاض مع هذا لا يستلزم جواز التفرق لأن ~~وجوب الاجتماع والاتصال يوجب أن يكون مكان كل واحد وحيزه داخلا في عينه ~~الحاصلة والمثلان لا يجب أن يوصف أحدهما بما يوصف به خصوص عينه ولأن الموجب ~~للاجتماع والاتصال ما تستحقه الذات من وجوب وجودها بصفاتها اللازمة وإذا ~~كان كذلك فصار المتلاقيان متباعدين والمتباعدين متلاقيين بغير اجتماع الذات ~~واتصالها عما كان عليه فلم يقم أحدهما مقام الآخر ولا يسد مسده فلا تكونان ~~مثلين # وهذا يتقرر بالوجه العاشر وهو أن يقال هب أن الأجزاء متماثلة فقولك ~~والمثلان يصح على كل واحد منهما ما يصح على الأخر فعلى هذا يلزم القطع بأنه ~~يصح على المتلاقيين أن يصيرا متباعدين وعلى المتباعدين أن يصيرا ~~PageV02P270 متقاربين وذلك يقتضي جواز الاجتماع والافتراق إنما يكون كذلك ~~لو كانا بعد تغيرهما بالتباعد والتلاقي يبقى تماثلهما وليس كذلك بل إذا ~~تفرق أجزاء الذات المجتمعة تغيرت الأجزاء ولم تبق بعد الافتراق كما كانت ~~حال الاجتماع وهذا مشهود في الأجرام المخلوقة فإن اجتماع بعضها ببعض يوجب ~~لها من القوة وغيرها من الصفات ما لا يوجد عند الافتراق حتى إن من أحكامها ~~واحكام الذات التي هي أبعاضها ما لا يصح إلا عند الاجتماع والتفرق يبطل ذلك ~~وإذا كانت بالتفرق تخرج عما كانت عليه حين الاجتماع لم يلزم من تماثلها ~~جواز تفرقها لأن التفرق يخرجها عن المماثلة فيكون إذا كانت متماثلة وجب أن ~~تصير غير متماثلة # يقرر هذا الوجه الحادي عشر وهو أن كل جسم مؤلف هو يشتمل على جواهر منفردة ~~كما ذكر وهي متماثلة كما ذكر ms734 والمثلان يصح على كل واحد منهما ما صح على ~~الآخر فيقال لا يخلو إذا تفرقت هذه الأجزاء أن تكون حين افتراقها كما كانت ~~حين اجتماعها أو لا تكون فإن كانت كذلك لزم أن يكون كل جسم في العالم إذا ~~افترقت أجزاؤه إلى الجوهر المنفرد أن يكون حال تلك الجواهر حين ما كانت ~~متصلة وهي تلك الذات كحالها حين تفرقها وفساد هذا معلوم بالحس والبديهة فإن ~~الجسم ليس هو إلا تلك الجواهر وتركيبها فإذا فرض أن حالها مع زوال التركيب ~~كحالها مع التركيب وجب أن تكون موصوفة حال افتراقها بما كانت موصوفة به حال ~~اجتماعها وهذا معلوم الفساد بالحس والبديهة لأن عامة الأجسام إذا تفرقت ~~أجزاؤها بطل عامة صفاتها وأحكامها # وإذا كانت حين افتراقها بخلاف ما كانت حين اجتماعها لم يلزم من تماثلها ~~جواز افتراقها لأن ذلك يقتضي اختلاف حالها وليس الشيء إلى مثله PageV02P271 ~~بأقرب منه إلى نفسه فإذا كان الشيء إذا خالف غيره بشيء لم يجب أن يكون مثله ~~فالشيء الواحد إذا وجب بانتقاله من حيز إلى حيز اختلاف حقيقته أن لا يجب ~~ذلك فيه بطريق الأولى # وحينئذ فيقال الوجه الثاني عشر وهو أن تماثلها يوجب اشتراكها فيما يجب ~~ويجوز ويمتنع عليها والواحد منها يمتنع عليه أن يفارق عينه لأن ذلك يقتضي ~~استحالته وتغيير حقيقته والواجب الوجود لا يجوز عليه ما يفضي إلى استحالته ~~وتغيير حقيقته فإذا مع تماثلها يجب اشتراكها في امتناع استحالتها وتغيير ~~حقيقتها وذلك يقتضي تماثلها في امتناع الافتراق عليها لأن الافتراق يبطل ~~حقيقتها # وهذا يظهر بالوجه الثالث عشر وهو أن صفات الجسم المخلوق وأعراضه يجوز أن ~~يرفعها الله تعالى فإن اقتضى ذلك استحالته وتغير حقيقته لأن الله تعالى ~~قادر على ذلك ولا محذور فيه وأما صفات الرب كحياته وعلمه وقدرته فلا يجوز ~~أن تفارق ذاته لأن ذلك يلزم استحال الرب وتغير حقيقته وذلك محال فزوال ~~صفاته الذاتية محال ولا يلزم إذا كان غيره من الموجودات يجوز أن تفارقه ~~صفاته أن يقال في حق الله تعالى يجوز ms735 أن تفارقه صفاته وكذلك إذا كان غيره ~~من ذوات الأقدار يجوز أن تتفرق أبعاضه لأن ذلك يقتضي تغير حقيقته وهو محال ~~وإذا قيل الأبعاض متماثلة كان هذا مما يوجب اشتراكها فيما يمتنع عليها من ~~العدم وتغير الحقيقة كما أن الصفات مشتركة في ذلك وإن كانت غير متماثلة ~~فالأبعاض المتماثلة أولى بالاشتراك في ذلك # الوجه الرابع عشر أن يقال قولك أما ثم تكون متماثلة الماهية أو مختلفة ~~الماهية تقسيم غير حاصر لأن التماثل والاختلاف فرع التغاير ونحن لا نسلم أن ~~PageV02P272 الواحد منها يقال إنه عين الآخر حتى يقال إنه مثله أو خلافه بل ~~لا يقال إنه غيره لا مثله ولا خلافه ولا يقال هو هو كما يقوله كثير من ~~الصفاتية أو أكثرهم في العلم والقدرة والحياة أن أحدها وإن لم يكن عين ~~الآخر فلا يقال إنه غيره ولا أنه مثله ولا خلافه لأن التماثل والاختلاف فرع ~~التغاير فإن الغيران إما أن يكونا مثلين أو خلافين والخلافان إما أن يكونا ~~ضدين أو خلافين غير ضدين وإذا كان كذلك فالمتغايران ما يجوز وجود أحدهما ~~دون الآخر ولا ينقض هذا بالخالق والمخلوق فإن الله يجوز وجوده بدون المخلوق ~~وصفات الحق لا يجوز وجود بعضها دون بعض فلا تكون متغايرة ولا توصف بتماثل ~~ولا اختلاف # الوجه الخامس عشر هب أن يقال إنها غير متماثلة بل هي مختلفة أو بعضها ~~يختلف وبعضها غير مختلف حيث وردت النصوص بأسماء تقتضي حقائق غير متماثلة ~~كقوله تعالى @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ وقوله @QB@ ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وقوله @QB@ ولتصنع على عيني @QE@ وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم # المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين وقوله # يقبض السموات بيمينه والأرض بيده الأخرى وفي رواية في الصحيح والأرض ~~بشماله إلى سائر ما ورد في هذا الباب مما يطول وصفه فأما أن يجب تحللها إلى ~~أجزاء متماثلة أو لا يجب فإن وجب ذلك جاز على كل شيئين مختلفين أن يصيرا ~~متماثلين بل وجب منهما ms736 أن يكونا متماثلين فإنه إذا وجب تحللها إلى الأجزاء ~~المتماثلة التي يجوز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر فقد وجب أن يجوز ~~على أجزاء كل واحد ما جاز على أجزاء الآخر ومن الجائز على أجزاء كل واحد ~~التباعد والتلاقي كما ذكره فيجب فيه جواز تفرق أجزائه وجواز أن يسد كل واحد ~~منهما مسد الآخر PageV02P273 وذلك يستلزم أن يجوز على كل مختلفين أن يكونا ~~متماثلين وإذا جاز على المختلفين أن يكونا متماثلين فقد اشتركا في أنه يجوز ~~أن يجب ويمتنع ويجوز على أحدهما ما جاز على الآخر فإذا اشتركا في جواز ذلك ~~لزم من ذلك محالات منها أن يشتركا في جواز الممتنع والجائز لا يكون ممتنعا ~~بل هو نقيضه فيكونا قد اشتركا في جواز النقيضين عليهما # وأيضا فإنه إذا جاز على أحدهما ما يجوز على الآخر ووجب ما يجب له وامتنع ~~عليه ما يمتنع عليه ولو بواسطة يتماثلان فيها لزم أن يكونا متماثلين وذلك ~~يقتضي أن يكون كل مختلفين متماثلين وهذا قلب للحقائق وتبديلها وهو من أعظم ~~السفسطة وهذا على أصله لازم من وجه آخر فإن عنده جميع الأجسام متماثلة فإذن ~~ليس في الأشياء التي لها أجزاء أشياء مختلفة بحال فقوله تلك الأجزاء إما أن ~~تكون متماثلة أو مختلفة إنما هو تقدير وإلا فعلى أصله لا تكون متماثلة ليس ~~في الأجسام عنده ما هو غير متماثل وإن كان في هذا من السفسطة ومكابرة الحس ~~والعقل ما فيه مع مخالفة النصوص من القرآن التي تثبت عدم تماثل الأجسام ~~كقوله تعالى @QB@ يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم @QE@ ونحو ذلك ~~مما تقدم ذكره وإن لم يجب تحللها إلى أجزاء غير منقسمة بطل ما ذكرته # الوجه السادس عشر يقال قوله كل جسم مركب من أجزاء مختلفة الماهية فإنه ~~لابد أن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء لا تركب فيها يصح أن يمس كل منهما ~~بيمينه ما يمسه يساره لا يخلو إما أن يدخل رب العالمين في هذه القضية على ~~تقدير كونه على العرش ms737 أو لا يدخله فإن لم يدخله لم يكن هذا حجة ولم يكن في ~~هذا الكلام فائدة وإن أدخله في هذا القياس الشمولي PageV02P274 فقد ضرب لله ~~مثلا بكل جسم حقير وغير حقير حين مثله بالبعوضة ونحوه مما فيه أجزاء مختلفة ~~وهذا فيه اشراك بالله تعالى وعدل لله وجعل انداد له وجعل سمي له وكل ذلك ~~ممتنع على الله تعالى # ولا يقال هذا إنما هو اشراك به وتمثيل على هذا التقدير لأنه يقال بطلان ~~هذا التقدير يكون ممكنا امكانا ذهنيا فيجوز أن يكون ثابتا في نفس الأمر فلا ~~يجوز أن يجعل لله شريك على تقدير يجوز أن يكون ثابتا في نفس الأمر قبل أن ~~يعلم انتفاؤه وإذا علم انتفاؤه لم يكن هذا موجبا للعلم بانتفائه لكن قد ~~يقال هذا دليل ثان فيقال هذا التقدير عند منازعك حق لأن القرآن والعقل قد ~~دل على أن الله فوق العرش فإذا كنت قد جعلت له أندادا وأمثالا وسميا على ~~هذا التقدير الذي ثبت بالكتاب والعقل فقد يثبت بالكتاب والعقل أنك جعلت لله ~~عدلا وسميا ومثلا أيضا فيقال لك في # الوجه السابع عشر من أين لك إذا كان الله فوق العرش وقلت كونه يجب أن ~~يكون جسما فيه حقائق غير متماثلة أن يكون مساويا لجميع الأجسام المؤلفة من ~~أجزاء مختلفة ليس العلم بهذا إلا محض قياس الله تعالى على خلفه وتمثيله بهم ~~وهو باطل # وتقرير ذلك بالوجه الثامن عشر وهو أن يقال ما تنازع فيه الناس من الصفات ~~نفيا واثباتا هل يسوغ لمن يثبته أن يمثل الله بما ثبت له من تلك الصفات من ~~جميع المخلوقات أم لا يسوغ ذلك فإن ساغ ذلك ساغ أن يقال لو كان عالما لكان ~~بمنزلة جميع العلماء ولو كان حيا لكان يمنزلة جميع الأحياء بل يقال هذا ~~فيما لا نزاع فيه PageV02P275 مثل أن يقال لو كان موجودا لكان بمنزلة سائر ~~الموجودات بل يقال لو كان في الوجود وجود واجب لكان بمنزلة سائر الموجودات ~~ومعلوم أن هذا باطل بالبديهة والحس فبطل ms738 إذا كان جسما فيه حقائق أن يكون ~~كسائر الأجسام المختلفة الأجزاء # فإن قلت الفرق بينهما أن الأجسام متماثلة بخلاف العالمين والقادرين ~~والموجودات قيل هذا باطل كما تقدم ثم إنه غير نافع لأن هذا التقدير الذي ~~نتكلم عليه أن تكون فيه أجزاء مختلفة الماهية وإذا كانت أجزاء الجسم مختلفة ~~الماهية مخالفة لغيره من الأجسام بطريق الأولى والأحرى وإذا كان الكلام على ~~تقدير أن لا تكون الأجسام أجزاؤها متماثلة لم يجز أن تحتج على هذا التقدير ~~بما يستلزم تماثل الأجسام لأنه يكون جمعا بين النقيضين فظهر أنه إذا قيل ~~هذا التقدير فكل جسم مركب من أجزاء مختلفة لم تعلم هذه القضية الكلية إلا ~~بمحض تمثيل الله يخلقه المستلزم أن يمثل إذا سمي باسم أو وصف بوصف بكل مسمى ~~أو موصوف بذلك الاسم والصفة وأن يكون مثله في حقيقته وفساد هذا معلوم ~~بالبديهة والحس وهو من أعظم الكفر # ولهذا كانت الأمثال المستعملة في جانب الربوبية في الكتاب والسنة وكلام ~~العلماء هي من باب الأولى وهو أن ينزه بعض خلقه عن بعض كالشريك والبنات ~~والفقر فيقال الله أحق بهذا التنزيه عن ذلك أو يوصف بعض خلقه بصفة كمال ~~كالعلم والقدرة والكلام فيقال الله أحق بذلك وهذه طريقة الأنبياء واتباعهم ~~أما ادخال الله وغيره من المخلوقات تحت قضية كلية تتضمن قياس شمول وكل قياس ~~شمول متضمن لقياس تمثيل فإن هذا لا يجوز لا لما يثبت من الصفات ولا لما ~~ينفى # الوجه التاسع عشر يقال لك لا نسلم أن كل جسم مركب من أجزاء مختلفة ~~الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء مبرأة عن التركيب يصح أن ~~PageV02P276 يماس كل واحد ما يماسه الآخر فإن اعتصمت في هذا بقياس الغائب ~~على الشاهد ذكرت لك الفوارق من وجوب أحدهما وقدمه وغناه وغير ذلك دون الآخر ~~كما يفعل في سائر الأقيسة الفاسدة وليس معك حجة على هذا العموم سوى ما ~~يحتاج فيه إلى القياس # وهذا يظهر بالوجه العشرين وهو أن يقال ما تعنى بتحليل تركيبه إلى آخره ~~أتعني ms739 به لابد أن يتفرق أو يقبل التفرق إلى تلك الأجزاء فهذا ممنوع وهو محل ~~النزاع فكيف تحتج بالشيء على نفسه فتصادر على المطلوب أم تعنى بالتحليل ~~اشتماله على الأجزاء كاشتمال الأصل على هذا الجزء وغيره فلا يخلو إما ان ~~يريد بالجزء المبرأ عن التركيب أن يكون بسيطا عن ذلك التركيب وإن كان أجزاء ~~متشابهة أو يريد أنه لا تركيب فيه بحال فإن أردت هذا فيكون مضمون الكلام ~~أنه لابد وأن يكون فيه الجوهر الفرد وأنت قد وافقت أذكياء العالم على ~~التوقف في اثبات الجوهر الفرد وإن كان ثبوته غير معلوم لك لم يجز أن تدعي ~~في جسم من الأجسام المختلفة وجوب اشتماله على الأجزاء التي لا تركب فضلا عن ~~أن تدعي ذلك في رب العالمين # وأيضا فإنك قد ذكرت بعد هذا أن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد أن ~~يماس كل واحد بيمينه شيئا وبيساره شيئا آخر لكن يمينه مثل يساره وهذا تصريح ~~منك بأنه يقبل القسمة وأنه يشتمل على شيئين متماثلين وهذا ينفي الجوهر ~~الفرد فقوله لابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منها ~~مبرءا عن هذا التركيب لأن التركيب عبارة عن اجتماع الوحدات مع قوله إذا ثبت ~~هذا فنقول إن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد وأن يماس كل واحد منها ~~بيمينه شيئا غير ما يماسه بيساره إثبات PageV02P277 التركيب في البسيط ~~المبرأ عن التركيب وهو الجوهر الفرد فيكون لازمه بين إثبات الجوهر ونفيه ~~وذلك تلازم بين النقضين # وإن أراد المبرأ من التركيب من الأجزاء المختلفة وبالبسيط بما ليس فيه ~~ذلك التركيب وذلك لا يستلزم أن يكون كل جزء جوهر فردا بل يكون كل من تلك ~~الأجزاء بسائط بحيث يكون في البسيط أجزاء مختلفة وهذا هو أقرب إلى ارادته ~~فيقال لك تلك الأجزاء البسيطة هي في أنفسها مختلفة الحقائق كما ذكرت وإذا ~~كانت مختلفة الحقائق لم يمتنع أن تشترك فيما يجب ويجوز ويمتنع وإذا امتنع ~~أن تشترك في ذلك لم يلزم أن يماس أحدهما ms740 ما يماس الآخر وإذا فرض أن جوانب ~~أحدهما متساوية إما لاستدارتها واما لتساوي يمينها ويسارها لكن إن ما يجب ~~أن يمس بيمينه ما يمس بيساره إذا كان ذلك الممسوس يجوز أن ينتقل عن يمين ~~هذا إلى يسار هذا ينتقل عن مماسة ما كان يماسه إذا كان يمين هذا إلى مماسة ~~ما يماسه إذا كان عن يساره فإنه مع مماسته لهذا لابد أن يماس غيره وذلك ~~إنما يصح أن لو كان يمين الأول ويساره من الآخر متماثلة والتقدير أن ~~الأجزاء مختلفة في الحقائق فلا يلزم وان كان كل منهما بسيطا متشابهة ~~الأجزاء إنما يباين جوهرا منها ما باين غيره إذ هذا غير معلوم إلا إذا كانت ~~متماثلة والتقدير أنها مختلفة فوجب القطع بأن ما كان عن يمين أحدهما لا ~~يلزم جواز كونه عن يساره نقيض ما ذكره فإنه إنما ذكر تساوي جانبي الممسوس ~~الوسط وأغفل اختلاف جانبي المماسين وأن هذا المنتقل لابد أن يزيل واحدا عن ~~حيزه وإن يماس حيزا يخالف في الحقيقة الحيز الذي كان يماسه وهذا بين ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله PageV02P278 # قال الرازي البرهان الثامن لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة ~~لكان علو تلك الجهة أكمل من علو الباري تعالى لأنه بتقدير أن يحصل ذات الله ~~في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفا بالعلو على العالم أما تلك الجهة ~~التي في جهة العلو فلا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو فثبت أن تلك ~~الجهة عالية على العالم لذاتها وثبت أن الحاصل في تلك الجهة يكون عاليا لا ~~لذاته لكن تبعا لكونه حاصلا في تلك الجهة العالية على العالم وإذا كان كذلك ~~فحينئذ يلزم أن يكون الباري ناقصا لذاته مستكملا بغيره وذلك محال فثبت أنه ~~يمتنع أن يكون علوه على العالم بالجهة والحيز وذلك هو المطلوب # والكلام على هذا من وجوه # أحدها أن يقال ومن الذي قال إن علو الباري على العالم شيء موجود منفصل ~~عنه أو بشيء منفصل عنه مطلقا هذا لا يقوله ms741 المنازع ولا يحتاج أن يقوله بل ~~عندهم أن ذات رب العالمين فوق العالم وأنه سبحانه وتعالى العلي الأعلى ~~المتعال بذاته لا يحتاج علوه إلى شيء غيره أصلا ولا يكون علوه بشيء منفصل ~~عنه وما علمت أحدا من هؤلاء يقول إنه يحتاج في علوه إلى شيء منفصل عنه # وقول القائل إنه على العالم بالجهة والحيز لا يقتضي وجود شيء غير نفسه ~~وغير العالم فإن الجهة من الأمور الاضافية كما تقدم والحيز يراد به ما هو ~~داخل في مسمى اسمه وليس شيئا خارجا عنه ويراد به تقدير المكان وليس ذلك ~~شيئا وجوديا بل لا حقيقة له بحال إلا أنه مقدر مفروض كما يقدر الزمان قبل ~~العالم PageV02P279 وإنما يقصدون بهذه العبارة أنه بذاته فوق العالم ليست ~~فوقيته مجرد القدرة كما تقوله الجهمية وإذا كان كذلك فليس هناك شيء هو أعلا ~~من الله تعالى أو شيء يحتاج الله إليه في علوه بل الأمر عندهم كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنت الظاهر فليس فوقك شيء وقد ~~تقدم الكلام على هذا غير مرة # واعتراف هذا بأن الجهة والحيز أمرا وجوديا وأنه ليس وراء العالم إلا ~~العدم المحض فكيف يقال إن علو العدم المحض أكمل من علو الباري والعدم المحض ~~لا حقيقة له بحال ولا وجود بل أحقر حقير في العالم وأسفل سافل هو خير منه ~~ولا يوصف لا بعلو في الحيز ولا بسفول ولا شيء من ذلك # الوجه الثاني قوله إن بتقدير أن يحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره ~~لم يكن موصوفا بالعلو على العالم وتلك الجهة لا يمكن فرض وجودها خالية عن ~~هذا العلو يقال له قد قررت فيما تقدم أن العالم كري الشكل وإذا كان كذلك لم ~~يكن له يمين ولا يسار بل ليس له إلا جهة المحدب وهو المحيط والباري خارج ~~العالم فيمتنع أن يكون الباري إلا فوق العالم # فقولك بعد هذا إذا كان عن يمين العالم أو يساره أسقط من قولك إذا كان ~~داخل العالم ms742 فإن العالم له داخل وأما يمين أو يسار فليس له وفرض وجود موجود ~~داخل العالم ممكن وفرض وجود موجود عن يمينه ويساره غير ممكن كما قررته # الوجه الثالث هب أن بعض سطوح العالم سميته يمينا أو يسارا مع كونه ~~مستديرا بالنسبة والاضافة لكن سطوح العالم مستوية في العلو فليس شيء أعلا ~~مما تقدره يمينا أو يسارا وقد ذكرنا فيما مضى قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا سألتم الله PageV02P280 الجنة فسلوه الفردوس فإنه أعلا الجنة وأوسط ~~الجنة وسقفها عرش الرحمن فجعل الأعلى هو الأوسط وذكرنا أن هذا لا يتأتى إلا ~~في الجسم المستدير لأنه يمكن أن يجعل وسطه أعلاه وكذلك ما يفرض متيامنا فيه ~~أو متياسرا هو أيضا يكون أعلاه وإن لم يكن وسطه فقوله بتقدير أن تحصل ذات ~~الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفا بالعلو على العالم كلام باطل ~~وقد قرره هو وكما اتفق عليه أهل الحساب بل قد أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن عرشه على سمواته مثل القبة وقد قدمنا دلالة الكتاب والسنة والاجماع ~~مع الحساب العقلي على أن الأفلاك مستديرة فبطل ما ذكره # الوجه الرابع هب أنه يمكن فرض متيامنا عن العالم أو متياسرا وأنه لا يكون ~~كذلك حينئذ فوق العالم فقد لا يسلم المنازع أن هذا الفرض يمكن في حق الله ~~تعالى لأنه العلي الأعلى الذي يستحق العلو لذاته ولا يلزم من جواز انخفاض ~~غيره عن بعض الموجودات جواز انخفاضه هو وإذا كان هذا الفرض غير معلوم ~~الجواز أو هو ممتنعا في حق الله تعالى لم يكن ما يلزم عليه لازما لأن ~~التقدير الممتنع يلزمه حكم ممتنع كما لو فرض أنه معدوم أو أنه غير عالم أو ~~أن العالم فوقه أو أنه محتاج إلى خلقه وغير ذلك # الوجه الخامس أن هذا الفرض هب أنه ممكن أو يقدر تقديرا فلم قيل أن ما ~~يكون متيامنا عن العالم أو متياسرا ولو كان غير الله يكون فوقه شيء قوله ~~لأن تلك الجهة التي في ms743 جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن العلو يقال ~~هذا تخليط فقولك الجهة التي في جهة العلو يقتضي شيئين أحدهما في الآخر ~~وقولك لا يمكن فرض وجودها يقتضي أنها شيء موجود وقولك خالية عن العالم ~~يقتضي أن فوق العالم شيء غير الله وهو موجود موصوف في العلو وهذا باطل بل ~~كفر باجماع المسلمين فإن الله خالق كل شيء والعالم PageV02P281 اسم لكل ~~موجود سوى الله تعالى فلو كان فوقه شيء موجود غير الله لكان ثم موجود غير ~~الله لم يخلقه الله بل هو مستغن عن الله لاسيما وقد جعل الله محتاجا إليه ~~وهذا لا يقوله عاقل فضلا عن أن يقوله مسلم وقد تقدم الكلام على هذا بأبسط ~~من هذا لما ذكر أن الله يحتاج إلى حيز في الأدلة العقلية ولما ذكر أن الحيز ~~منها في الأدلة السمعية وفي غير ذلك # الوجه السادس أنا قد قررنا غير مرة أن ليس فوق العالمين إلا رب العالمين ~~وليس هناك غيره ولا شيء يشاركه في العلو غيره بوجه من الوجوه فضلا عن أن ~~يكون هناك ما هو عال عليه فقوله الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض ~~وجودها خالية عن هذا العلو يقال له لا جهة هناك إلا الله فهو الذي يشار ~~إليه موجودا والاشارة إلى موجود غيره هناك ممتنعة فإن كنت تعتقد أن هناك ~~موجودا يشار إليه فأبطل ما تعتقده وإلا فالناس لا يعتقدون هذا ومنازعة ~~الانسان فيما لا يعتقده تضييع زمان ونوع من الكذب والبهتان # الوجه السابع قولك إن الحاصل في الجهة يكون عاليا لا لذاته لكن تبعا ~~لكونه حاصلا في تلك الجهة العالية على العالم ممنوع بل باطل لأنه استحق ~~العلو بذاته لا لأمر منفصل عنه كما استحق الأزلية بنفسه لا لأمر منفصل عنه ~~فقول القائل علوه تبع لعلو الجهة كقوله إنه قديم تبع لقدم الزمان وكل من ~~الخيالات الفاسدة بل هو الأول بنفسه الذي ليس قبله شيء وهو الآخر بنفسه ~~الذي ليس بعده شيء وهو الظاهر بنفسه الذي ليس ms744 فوقه شيء وهو الباطن بنفسه ~~الذي ليس دونه شيء # الوجه الثامن هب أن الجهة في العلو أو الدهر في القدم شيء موجود تبع له ~~فوجوده تبع لوجود الحق لا أن علو الحق وقدمه تبع له فإن ذلك يكون ~~PageV02P282 داخلا في مسمى نفسه كما يقال إن الحيز هو جوانب المتحيز فإن ~~كون الدهر هو عبارة عن قدمه فقدمه وحيزه داخل في مسماه وصفة من صفاته فلا ~~يكون هو سبحانه تبعا لصفاته ولو قدر شيئا خارجا عن صفاته لكان وجوده تابعا ~~لوجود الحق وكان الحق هو الموجب له فكيف يكون عاليا لا لذاته لكن تبعا ~~لكونه حاصلا في تلك الجهة وهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والعادلون به علوا كبيرا # فإن كلام هذا وأمثاله عدل بالله وإشراك به وجعل أنداد له وضرب أمثال له ~~حيث جعل علوه وفوقيته على العالم بمنزلة علو الملك على سريره أو هو في هواء ~~سطحه الذي قد سفل الرجل عنه فيكون دونه ويكون ذاك باقيا على علوه وجعل علوه ~~محتاجا إلى ما يعلو به كما يحتاج الانسان إلى السطح أو السرير فكلامه في ~~علو الله يوجب أنه جعله مثل هذا العلو يجمع من التمثيل لله والعدل به ~~ابتداءا ومن جحد علوه المستلزم لجحود ذاته انتهاءا ولهذا كان السلف والأئمة ~~يصفون هؤلاء بالأمرين بأنهم ممثلون عادلون بالله وبأنهم معطلون جاحدون لله ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله وهذا الذي قاله السلف والأئمة يلزمهم لزوما لا ~~محيد عنه وقد يظهر هذا تارة وكثيرا ما يظهر الأمران ولا ريب أنهم إنما ~~عدلوا به في هذه المعاني لينفوها عنه ظانين أن هذا تنزيه لله وتقديس لم ~~يقصدوا أن يثبتوا له مثلا ولكن قدروا المثل لينفوه لكن لزمهم التمثيل من ~~وجهين # أحدهما أنهم سووا بين الله وبين غيره في هذه المقاييس الشمولية المنطقية ~~وهي الأمثال التي ضربوا له فجعلوه فردا من أفراد تلك الأمور العامة وحكموا ~~عليه بمثل ما حكموا به على ms745 الأفراد حيث قالوا كلما كان فوق غيره فلابد أن ~~PageV02P283 يكون كذا أو كلما كان كذا فلابد أن يكون كذا وأيضا فإنهم مثلوه ~~بغيره على ذلك التقدير وهو لا يكون مثلا لغيره لا تحقيقا ولا تقديرا من ~~التقادير التي يقع فيها شبهة ونزاع على ذلك التقدير يعلم أن له من الخصوص ~~ما يقطع مماثلته لغيره # الوجه الثاني أن هذه المعاني التي ينفونها هي ثابتة في نفس الأمر معلومة ~~بالكتابة والسنة وبالفطرة والعقل وبالقياس أيضا فإذا مثلوه فيها بالمخلوقات ~~فقد صرحوا بجعل أنداد له والأمثال والأسماء ثم إنهم عطلوا فجحدوا الحقائق ~~هي ثابتة للرب وعطلوا ما في الكتاب والسنة والاجماع من بيان ذلك والدلالة ~~عليه وعطلوا في القلوب من المعرفة الفطرية والقياسية فصاروا معطلين للحقيقة ~~الخارجية والعلوم الثابتة بالنبوات المعروفة بالقلوب فعطلوا الشرع والعقل ~~جميعا مع دعواهم العقليات كما عطلوا التوحيد مع دعواهم أنهم هم الموحدون # الوجه التاسع أن يقال قد قلت لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة ~~لكان علة الجهة أكمل من علو الباري ولم تذكر على ذلك حجة إلا قولك لأنه ~~بتقدير أن يحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفا بالعلو على ~~العالم أما تلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا ~~العلو فثبت أن تلك الجهة عالية عن العالم لذاتها وثبت أن الحاصل في تلك ~~الجهة يكون عاليا لا لذاته لكن تبعا لكونه حاصلا في الجهة PageV02P284 # فيقال لك أنت قد قدرت تقديرا أن الباري عن يمين العالم أو عن يساره ولم ~~تذكر دليلا على امتناع ذلك في الجهة وكل واحد من هاتين الدعوتين ممنوعة فلا ~~نسلم لك إمكان هذا التقدير في حق الباري ولا امتناعه في الجهة أو لا اسلم ~~لك مجموع إمكان هذا وامتناع هذا بل قد يشتركان في الامكان أو الامتناع فهذا ~~المنع له ثلاث موجبات أحدها إمكانها جميعا والثاني امتناعهما جميعا والثالث ~~تيامن الجهة وتياسرها وامتناع تيامن الباري وتياسره فلم تذكر حجة تنفي ~~واحدا من ms746 هذه الوجوه ونحن نذكر توجيه هذه الأجوبة فنقول # الوجه العاشر أن الجهة والحيز إما أن تكون وجودية أو عدمية فإن كانت ~~عدمية لم يجز أن توصف بعلو على العالم ولا سفول ولا يقال إن علو الباري تبع ~~لها ولا أنه محتاج إليها ولا شيء من هذه الأمور فبطلت الحجة # وإن كان الحيز والجهة أمرا وجوديا فمن المعلوم أنه إذا قدر تيامن الرب ~~وتياسره فبتقدير تيامن ذلك الشيء الموجود المسمى بالحيز والجهة أولى ~~بالتيامن والتياسر فإن ذلك إن كان من صفات الرب الداخلة في مسمى اسمه فهي ~~تبع له وإن كان شيئا منفصلا كالعماء أو العرش أو ما يقدر فإن تقدير التحول ~~على هذا أولى من تقديره على الله فإن انتقال هذا وتحوله أولى بالجواز من ~~انتقال الله تعالى وتحوله ولهذا لم ينازع في هذا المسلمون الذين ينازعون في ~~جواز الحركة والانتقال على الله بل يجوزون ذلك على العرش وغيره وينازعون في ~~جوازه على الله فظهر أن تقدير تيامن الحيز والجهة وتياسره أولى من تقدير ~~ذلك في الرب # وإذا كان كذلك فقوله إنه بتقدير أن يحصل ذات الرب في يمين العالم أو ~~يساره لا يكون موصوفا بالعلو وتلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرضها ~~خالية PageV02P285 عن العلو باطل قطعا بل إن كانت شيئا يحتمل الصفات يوصف ~~بالعلو ويكون في الجهة فإن خلوه عن صفة العلو أولى من خلو الله عن صفة ~~العلو على كل تقدير وإن كان شيئا لم يحتمل هذه الصفة ولا يكون في جهة فهذا ~~عدم لا يقال فيه إنه عال عن العالم فضلا عن أن يقال إن علوه لذاته وعلو ~~الباري تبع له # الوجه الحادي عشر إن كثيرا من المسلمين من الصفاتية الذين يقولون إن الرب ~~فوق العالم وفوق العرش يقولون إنه لا يجوز عليه الحركة والانتقال ولا يتصور ~~أن يتيامن أو يتياسر فضلا عن أن يكون خاليا عن صفة العلو فيكون ما قدرته في ~~حق الباري ممتنعا بل أصحابه الذين يقولون إنه فوق العرش يقولون ms747 بذلك وإذا ~~كان هذا التقدير ممتنعا عندهم كان أدن أحواله أن يكون كما ادعيته من علو ~~الجهة أنها عالية لذاتها لا يمكن فرضها خالية عن هذا العلو فكيف وقد تقدم ~~بينان أن الأمر ليس كذلك وإذا كان على أسوء التقديرين يكون كل منهما مما ~~يمنع زواله فيكون علو كل منهما لذاته فلا يكون علو الجهة أكمل من علو الله ~~ولا يكون مستكملا بها بل إن امتنع عليه الحركة والزوال امتنع تحوله عن ~~العلو فإذا كنت في هذا المقام لو اشركت بالله فجعلت الجهة له عدلا وشبها في ~~مشاركتها له في العلو الذاتي لكان هذا الاشراك خيرا من أن يفضل علو الجهة ~~على علوه ويجعل علوها بنفسه وعلوه بها # فتبين أن الذي قلته أقبح من هذا الشرك ومن جعل الأنداد لله كما أن جحود ~~فرعون الذي وافقتموه على أنه ليس فوق السموات رب العالمين إله موسى جحوده ~~لرب العالمين ولأنه في السماء كان أعظم من شرك المشركين الذين كانوا يقرون ~~بذلك ويعبدون معه آلهة أخرى كحصين الخزاعي لما كان مشركا وأمثاله الذي قال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم كم تعبد اليوم إله قال سبعة آلهة ستة في ~~PageV02P286 الأرض وواحد في السماء فلا ريب أن شرك هذا أخف من جحود فرعون ~~مع أن هذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك ~~قال الذي في السماء فهو يعتقد أن الاله الذي في السماء أعظم من تلك الآلهة ~~فأنتم لم ترضوا أن تجعلوا علو الله أكمل من علو غيره ولا جعلتموه مثل علوه ~~بل جعلتم علو الغير أكمل من علوه وهو يحتاج إلى ذلك الغير الذي هو مستغن ~~عنه وكل هذا إفك وبهتان عظيم على رب العالمين # الوجه الثاني عشر أن المسلمين المزيد يجوزون عليه النزول والمجيء ~~والاتيان والحركة قد يوافقون الأولين في أنه لا يكون إلا عاليا حتى يقولوا ~~أنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش ويقولون وصفه بهذه الصفات ~~لا ينافي علوه فهؤلاء أيضا ms748 يوجبون له العلو ويقولون إنه عال بذاته ويمتنع ~~أن يكون غير عال وإن جوزوا عليه الحركة والانتقال وإذا كان كذلك فهؤلاء ~~يقولون لا نسلم إمكان خروج الله عن صفة العلو لوجه من الوجوه حتى نقدر له ~~تيامن أو تياسر يخرجه عن أن يكون موصوفا بالعلو بل هذا يمتنع عندهم فإذا ~~كان كذلك كان قولهم مثل قول اخوانهم المتقدمين في توجيه المنع فيقولون لا ~~نسلم أن علو الجهة يكون أكمل من غيره وأنه محتاج إليها هذا لو كانت الجهة ~~أمرا يمكن وصفه بالعلو بحيث يحتمل أن يكون في ذاته عاليا وإلا فإذا لم يكن ~~كذلك بطل أصل الكلام # الوجه الثالث عشر أن يقال هب أنه سلم لك أنه قد يتيامن أو يتياسر بحيث لا ~~يكون موصوفا بالعلو لكن لا يسلم أن الجهة التي توصف بالعلو لا يمكن فرض ~~وجودها خالية عن العلو فإن الذي يحتمل صفة لا يكون إلا موجودا إذ المعدوم ~~لا يحتمل الصفات ولا يقال إنه في جهة العلو ولا في جهة PageV02P287 السفل ~~ولا في شيء من الجهات وإذا كان موجودا كان تقدير خروجه عن صفة العلو أولى ~~من تقدير كون الله ليس موصوفا بالعلو على كل وجه من الوجوه فإن التحول ~~والانتقال وجوازه على المخلوق أولى من جوازه على الخالق # الوجه الرابع عشر أن كونه موصوفا بعلو ذاته على العالم إما أن يكون واجبا ~~له أو لا يكون فإن كان واجبا له فأنتم معاشر الجهمية من أعظم الناس سلبا ~~لهذا الواجب عنه وتقولون إن علوه إنما هو القدرة فقط فالذي يقول إنه تارة ~~يكون عاليا بذاته على العالم وتارة يكون غير عال بل إما متيامنا أو متياسرا ~~وغير ذلك مع كونه عاليا بالقدرة التي أثبتموها في الحالين هو أعظم وصفا لله ~~بصفة الكمال منكم حيث أثبت له العلو الذي أثبتموه وزاد عليكم بأن أثبت له ~~من العلو الذي هو كمال مالم تثبتوه أنتم ثم هو موع هذا إذا وصفه وزاد عليكم ~~بأن أثبت له من الذي هو كمال ms749 مالم تثبتوه أنتم ثم هو مع هذا إذا وصفه بما ~~يقتضي أن يكون علو الجهة أكمل منه مثل تجويز عدم العلو عليه بعض الأوقات هو ~~أحسن حالا منكم حيث سلبتموه هذا العلو الذي هو كمال فمن اثبته له ولو لم ~~يجعله أكمل فيه من غيره هو أحسن حالا فليس لكم أن تبطلوا قوله بتصحيح قولكم ~~فإن كان علو ذاته على العالم ليس بصفة الكمال لم يصح أن يقال علو الجهة ~~أكمل من علوه لأن التفضيل في الكمال يقتضي الاشتراك فيه فإذا كان كل واحد ~~من علو ذاته على العالم ومن علو الجهة على العالم ليس هو صفة كمال لم يكن ~~أحدهما أكمل من الآخر فبطلت هذه الحجة وظهر أن هذه الحجة باطلة على ~~التقديرين ولله الحمد PageV02P288 # الوجه الخامس عشر أن يقال أنتم تقولون ليس علوه إلا علو القدرة فإذا قدر ~~أنه جعل نفسه متيامنا عن العالم أو متياسرا بل جعل نفسه في غمام بل جعل ~~نفسه تحت العرش ونحو ذلك مما فيه علو شيء فوقه مع كونه مقتدرا على ذلك وعلى ~~كل شيء ومقتدرا على تغيير كل شيء وتحويله وجعل العالي سافلا وجعل السافل ~~عاليا لم يخرج بذلك عما يستحقه من صفة العلو عندكم وخروجه عن العلو بالجهة ~~لا ينافي الكمال عندكم فلا يكون في ذلك نقص بحال حتى يكون مستكملا وغير ~~مستكمل ولو قيل إنه في الجهة أو قيل أنه واجب أن يكون في الجهة أو واجب أن ~~يكون متحيزا فإن الذي يقول هذا قد لا يقول إن ذلك صفة كمال بل هو جائز عليه ~~كما يجوز من أفعاله وكما تجوز رؤيته وذلك ليس بنقص # فأنتم موافقون على أن كونه غير عال بالجهة ليس بصفة نقص فالذي يقول إنه ~~عال إذا قال لكم سواء في حقه علا على العالم أو لم يقل وسواء كان في الجهة ~~أو لم يكن هو في الحالين غير موصوف بصفة نقص بل هو موصوف بالقدرة على هذا ~~كله فإن هذا القائل أثبت له من ms750 صفة القدرة التي هي العلو عندكم أعظم مما ~~أثبتوه ولم يثبت له نقصا بحال وإذا كان كذلك لم يجب أن يكون علوه بالجهة لا ~~كمالا ولا نقصا إذا كانت قدرته كاملة على التقديرين وهو العلو عندكم وإذا ~~كان كذلك لم يكن ما هو أعلى منه لو كان موجودا أكمل منه ولم يكن هو مستكملا ~~بذلك الغير لأن ذلك فرع كون ذلك كمالا وهذا قد وافقتموه على أنه ليس بكمال ~~وهو قد وافقكم على ما هو كمال وأثبته أكمل مما أثبتموه فلا يلزم من قال أنه ~~على العرش أن يكون غيره أكمل منه ولا أنه مستكمل بغيره PageV02P289 # الوجه السادس عشر أن يقال هب أن العلو بالجهة كمال فأنتم تقولون إن العلو ~~بالقدرة أكمل منه فإذا وافقكم موافق على هذا وقال علو القدرة أكمل من العلو ~~بالجهة وكل شيء موجود سواء كان حيزا أو جهة أو شيئا غير ذلك فإن الله قادر ~~عليه مدبر له قاهر له فإذا قدر أنه تيامن أو تياسر أو نزل حتى يجعل شيئا ~~أعلى منه بالجهة فهو أعلى من ذلك الشيء بالقدرة والربوبية والتدبير وهو ~~الذي جعله في تلك الجهة بمشيئته واختياره وذلك الشيء مفتقر إلى الله عز وجل ~~والله غني عنه وإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون أكمل من الله في العلو ولا أن ~~يكون الرب مستكملا به وأن الرب خرج عن صفة العلو مع لزومها لذلك بل الرب ~~موصوف بالعلو الحقيقي عندكم على ذلك والقهر له والتدبير وذلك موصوف بأنه ~~تحت حكم الله وأمره فإذا شاء الرب أن يرفع جهته مع كونه مدبرا لم يلزم أن ~~يكون هذا نقصا على الأصول التي سلمتموها كما يضربون به المثل فيقولون إن ~~الملك هو أعلا من رعيته وإن كان مكان بعض رعيته فوق مكانه ولهذا يقال ~~لمجلسه المجلس العالي والسامي وإن كان مجلس رعيته أعلا حيزا منه # فإذا كان الأمر كذلك فقولك لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة ~~لكان علو تلك الجهة أكمل من علو ms751 الباري أتريد به أن علوه ليس إلا بالجهة ~~فقط ليس هو قادرا على العالم مدبرا له أم تريد أن علوه بالجهة مع ماله من ~~العلو بالقدرة فإن أردت الأولى فهو أعظم الكفر وأبطل الباطل ولا يقوله مسلم ~~ولا عاقل يقر بالصانع بل المؤمنون متفقون على أن الله قادر على العالم وليس ~~العالم قادر عليه فإذا ضموا إلى ذلك أنه عال بالجهة والحيز وفرض أن من ~~العالم ما علا عليه بعض الأعيان بالجهة فقط بل لو علا عليه دائما بالجهة ~~فقط مع علو الرب عليه بالقدرة لكان علو الرب أكمل من علو ذلك فكيف ~~PageV02P290 إذا كان الرب هو الذي دبره وهو الذي علا وبمشيئته وأمره يكون ~~جميع شئوونه # الوجه السابع عشر قولك أن يكون للباري ناقصا بذاته مستكملا بغيره إنما ~~يصح إذا كان الحيز والجهة غيرا له وذلك إنما يصح لو كان الحيز والجهة أمرا ~~منفصلا عنه فأما إذا كان الحيز هو حده ونهايته فالجهة كونه بحيث يشار إليه ~~لم يكن هناك غيرا له عند الصفاتية الذين يقولون ليست صفاته غيره ومن سمى ~~هذا غيرا كان قوله مستكملا بغيره كقوله مستكملا بعلمه وقدرته وحياته وذلك ~~مثل قوله مستكملا بنفسه وهذا ليس بممتنع بل هو واجب فالكلام في كماله ~~كالكلام في وجوده # قد تقدم الكلام في قول القائل هو واجب بنفسه وما يدخل في ذلك من صفاته ~~وأنه لا يكون موجودا إلا بما تستحقه ذاته من صفاته بل لا يكون موجود قط إلا ~~كذلك ففرض عدم ذلك جحد لجميع الموجودات وتكلمنا على لفظ الغير والحيز ~~والافتقار ونحو ذلك وكذلك القول في قول القائل هو مستكمل بغيره إذا فسر ذلك ~~الغير بما هو من صفاته اللازمة لم يكن ذلك ضارا بل هذا أمر واجب فإن الكمال ~~لا يكون إلا بأمور وجودية لا يكون بالأمور العدمية وهو سبحانه كامل بتلك ~~الأمور الوجودية التي حقيقته وذاته عليها # الوجه الثامن عشر أن ذلك الغير الذي جعلته مستكملا به أهو غير غني عن ~~الله أم غير مفتقر ms752 إلى الله إن قلت إنه غني عن الله فليس في الوجود شيء غني ~~عن الله بل جميع الكائنات مفتقرة إليه وإن قلت بل هو المفتقر إلى الله كان ~~معنى قولك أنه يكون مستكملا بما هو مفتقر إليه والأمر المفتقر إليه إما أن ~~يكون من PageV02P291 لوازم ذاته وإما أن يكون كائنا بمشيئته واختياره فيعود ~~الأمر إلى أنه مستكمل بذاته ومشيئته التي هي من لوازم ذاته فيكون ذلك ~~الاستكمال بذاته كما تقدم وحينئذ فلا يصح قولك ناقص لذاته مستكمل بغيره لأن ~~ذاته مستلزمة لذلك الكمال فلا يتصور نقصها # الوجه التاسع عشر أنك زعمت في نهايتك أن امتناع النقص على الله لم يعلم ~~بالعقل وإنما ثبت امتناع النقص عليه إذا أثبته بالاجماع وقد تقدم بعض حكاية ~~ألفاظه في ذلك وقال في مسألة السمع والبصر لما احتج أصحابه بأن ضد ذلك نقص ~~فقال في الأسولة على الحجة ولئن سلمنا أن ضد السمع والبصر نقص فلم قلتم إن ~~النقص على الله محال قال واعلم أن أجود ما قيل في بيان هذه المقدمة الاجماع ~~وعلى هذا تصير الدلالة سمعية لأن الذي يدل على كون الاجماع حجة إما الآيات ~~وإما الأخبار # وإذا كان الأمر كذلك كان المستمسك في الابتداء بالآيات الدالة على كونه ~~سميعا بصيرا أولى من ذكر هذه الطريقة الطويلة والاجماع لم ينعقد على أمور ~~معينة بل كل مسلم ينزه الله عما يعتقده نقصا # وإذا كان هذا فالجهة فيها نزاع عظيم بين الناس وأكثر المسلمين بل أكثر ~~العالمين بل سلف الأمة وأئمتها يقولون بأن الله تعالى فوق العالم وعلى ~~العرش فإن كان هذا نقصا لم يكن قد انعقد الاجماع على نفيه وأنت فقد زعمت أن ~~العقل لا ينفى عنه النقص فلا يكون معك حجة على نفي هذا الذي سميته نقصا لا ~~من عقل ولا من سمع ولا يصح قولك وذلك محال هذا لو كان هذا الذي سميته نقصا ~~مستمرا فكيف إذا كان فيه استكمال بالغير فإنه من المعلوم أن الناقص ~~المستكمل بغيره خير من الناقص الذي ms753 ليس مستكملا لا بنفسه ولا بغيره ~~PageV02P292 # وبهذا الوجه وأمثاله يتبين أن هؤلاء الجهمية مع ما هم عليه من التعطيل ~~الذي زخرفوه بشوب التنزيه فإنهم لا ينزهون الله تعالى عما يجب تنزيهه عنه ~~من النقايص والعيوب بل يصفونه بالفقر والحاجة وبغير ذلك من الصفات كما ~~بيناه في غير هذا الموضع ويعترف أئمة كلامهم أن العقل لا يقتضي تنزيه الله ~~عن النقص وإنما يأخذون مقدمات سلمها لهم المسلمون فيحتجون بها على المسلمين ~~في ابطال بعض دينهم وهذا شأن المنافقين الذين يجادلون بكتاب الله تعالى كما ~~في الحديث موقوفا على عمر ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكما في ~~حديث عبد الملك بن عمير عن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول إني أخاف عليكم ثلاثا وهي كائنة زلة العالم وجدال ~~منافق بالقرآن ودنيا تفتح عليكم ورواه ابن أبي حاتم والنجاد وغيرهما من ~~حديث يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا ~~تقطع أعناقكم فاتهموها على أنفسكم وهذا مشهور من حديث كثير بن عمرو بن عوف ~~المزني عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني ~~أخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة قيل وما هي يا رسول الله قال زلة ~~العالم وحكم جائر وهوى متبع وروي من حابر وحديث الأئمة المضلين نحفوظ وأصله ~~في الصحيح فروى ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال أخوف ما ~~أخالف على أمتي بعدي الأئمة المضلون ويروى من حديث أبي الدرداء وشداد بن ~~أوس # وأما اللفظ الذي ذكرناه فهو محفوظ عن عمر بن الخطاب من حديث ابن المبارك ~~ووكيع وغيرهما عن مالك بن مغول سمعت أبا حصين يذكر عن زياد PageV02P293 ابن ~~حدير قال قال عمر بن الخطاب يهدم الاسلام زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ~~وأئمة مضلون وفي ms754 مسند الإمام أحمد ثنا يزيد بن هارون ثنا ديلم بن غزوان ~~العبدي ثنا ميمون الكردي عن أبي عثمان النهدي قال إني جالس تحت منبر عمر بن ~~الخطاب وهو يخطب الناس فقال في خطبته سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان وفي رواية أخرى ~~يتكلم بالحكمة ويعمل بالفجور ورواه من حديث مالك بن دينار عن ميمون ولفظه ~~حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل منافق عليم ورووا عن عمر بن الخطاب ~~أنه قال أخوف ما أخاف على هذه الأمة الذين يتأولون القرآن على غير تأويله # ومن المشهور عن عمر أنه قال إذا جادلكم أهل البدع بشبهات القرآن فخذوهم ~~بالسنة فإن أهل السنة أعلم بكتاب الله تعالى منهم فإن المنافق لا يعتقد ~~وجوب اتباع الكتاب والسنة واتباع الاجماع إذ ليس في باطن الأمر متدينا ~~باتباع النص والاجماع بل يأخذ من النص ولاجماع ما يحتج به على المؤمنين في ~~تنفيق نفاقه وترويج غشه وتلبيسه # وإذا كان كذلك فما يرفع الله به الدرجات كما رفع درجات إبراهيم ويوسف ~~عليهم السلام أن يحتج عليهم بالحجج الدافعة لهم وأن يكادوا كيدا حسنا لدفع ~~كيدهم وعدوانهم على الايمان وأهله فلا يمكنون من القدح في الايمان بما ~~يسلمه لهم المؤمنون بل إذا عارضوا ما يقوله المؤمنون من الحق بحجج فسلم لهم ~~المؤمنون بعض مقدماتها بين لهم أن تلك الحجج عليهم لا لهم أو أنها على فساد ~~قولهم وفعلهم أدل منها على ما عارضوه من الحق # بل لو كان المتنازعان مبطلين كأهل الكتاب والمشركين إذا تجادلوا أو ~~تقاتلوا كان المشروع نصر أهل الكتاب على المشركين بالقدر الذي يوافقهم ~~PageV02P294 عليه المؤمنون إذا لم يكن في ذلك مفسدة تقاوم هذا المصلحة فإن ~~ذلك من الحق الذي يفرح به المؤمنون كما قال تعالى @QB@ الم غلبت الروم في ~~أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ~~ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر ms755 من يشاء @QE@ فإنها نزلت كما استفاض ~~في التفسير والمغازي والحديث في اقتتال الروم النصارى والفرس المجوس وكانت ~~المجوس قد غلبت النصارى على أرض الشام وغيرها فغلبت الروم وفرح بذلك مشركو ~~قريش لأن المجوس إليهم أقرب من النصارى لأن كلاهما لا كتاب له واغتم لذلك ~~المؤمنون لأن النصارى إليهم أقرب لأنهم أهل كتاب فذكر ذلك أبو بكر للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الروم سوف تغلب ~~فارس بعد ذلك في بضع سنين وناظرهم أبو بكر على هذا قبل تحريم ذلك وظهرت ~~الروم على فارس بعد ذلك # فهؤلاء الجهمية قد سلم لهم المؤمنون أن الله غني عن كل ما سواه فإنه ~~سبحانه مقدس عن كل نقص وأنه أحد لا مثل له والجهمية في الحقيقة لا يعتقدون ~~فيه هذا المعنى ولا هذا التنزيه ولا هذه الوحدانية بل يثبتون له أمثالا ~~ويصفونه بالحاجة وما يستلزم الحاجة ولا ينزهونه عن النقائص والعيوب وقد ~~يصرحون بذلك تارة وتارة بأنه ليس على ذلك دليل عقلي فالاتحادية منهم كصاحب ~~الفصوص وغيره يصرحون بأنه موصوف بكل ما يوصف به كل موجود من عيب ونقص وغير ~~ذلك وهؤلاء المتكلمة منهم كالرازي يصرحون بأن العقل لا ينفي عنه النقائص ~~وبذلك يظهر أن تسميته لما عطله من الصفات تقديسا كتسمية الملاحدة تعطيلهم ~~تقديسا وقد علموا أن المسلمين يقولون إنه منزه عن النقص فأخذوا هذا اللفظ ~~يجحدون به ما يستحق من صفات الحمد زاعمين أن ذلك نقص كما زعم أن علوه على ~~العرش نقص PageV02P295 أو يستلزم النقص كما زعم أنه يستلزم الحاجة وأنه ~~مستلزم لعدم الوحدانية # فتبين لهم صورة الحال وهو أن هذه الأمور التي يوافق المسلمون على نفيها ~~وإن كنتم لا تقيمون على نفيها حجة عقلية هي على فساد قولكم أدل منها على ~~فساد قول من نازعكم من أهل الاثبات وإن كان مخطئا في بعض ما يقوله إذا كان ~~خطاه أقل من خطاكم وهو مع ضلاله عن بعض الهدى أقرب إليه منكم # وإذا كان الأمر كذلك ms756 فهؤلاء الذين يزعمون أنهم ينفون عن الله النقص بكونه ~~على العرش قد بينا أنهم يصفونه بالنقص إما تصريحا وإما لزوما ويصرحون بأن ~~العقل لا ينفي النقص عن الله كانوا لم ينفوا ذلك إلا بالإجماع فلم يجمع ~~المسلمون على قولهم فلا يكون لهم حجة على نفي كونه على العرش لو كان فيه ما ~~زعموه من النقص والاستكمال بالغير فكيف والنقص إنما هو لازم على قولهم كما ~~قد بين ذلك غير مرة # وقيل لك ثانيا هب أن هذا متناقض لكن إذا كانوا قد جمعوا في قولهم من ~~إثبات كونه على العرش وبين نفي كونه جسما فلما أن يكون إثبات هذا أو نفي ~~هذا متناقضا أو لا يكون فإن لم يكن متناقضا صح قولهم وبطل قولك في نفي ~~الجهة فإذا كان هذا متناقضا لم يكن الزامهم لوازم أحد النقيضين بأولى من ~~الزامهم النقيض الآخر فإن حقيقة هذا عند من يقول إنهم تناقضوا أنهم قد ~~قالوا هو فوق العرش ليس فوق العرش وهو جسم وهو ليس بجسم ومثل هذا إما أن ~~يجعل لهم قولين فيكون لهم قول بأنه فوق العرش ولوازمه وهو أنه جسم وقول ~~بأنه ليس بجسم ولوازمه وهو أنه ليس فوق العرش PageV02P296 أو يذكر قولهم ~~المتناقض على جهته ولا يلزمون لوازم النفي دون لوازم الاثبات ولا لوازم ~~الاثبات دون لوازم النفي بل يثبت اللازم كما أثبت الملزوم وإن قيل إن فيها ~~تناقضا وإذا كان كذلك لم يجز أن يلزموا بأن يكون متحيزا أو غير متحيز فإن ~~ذلك لا يلزمهم ما داموا جامعين بين النفي والاثبات وهذا بين # ولهذا لا يزال هؤلاء وأمثالهم يميلون إلى النفاة من وجه وإلى المثبتة من ~~وجه # وقيل لك ثالثا هب أن هؤلاء متناقضين في إثبات موجود ليس بجسم فوق العالم ~~فقولك بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه أعظم تناقضا فإن قولك موجود ~~يقضي ثبوت أحد الأمرين فإذا نفيتهما فقد نفيت لازم الوجود المعلوم بالفطرة ~~الضرورية لاسيما وقد علم بالضرورة الفطرية أن الله فوق العالم وأن ما ms757 يكون ~~لا داخل ولا خارجه فإنه لا يكون إلا معدوما # وقالوا لك رابعا لا نسلم أن هذا تناقض بل قد علمناه بالضرورة الفطرية ~~والضرورة الدينية والأدلة السميعة والعقلية أنه فوق العرش وعلمنا بما ~~وافقتنا عليه من الأدلة العقلية وما تذكر في موافقتنا عليه من الأدلة ~~الشرعية أنه ليس بجسم وموجب الأدلة الصحيحة لا تتناقض وإذا لم تتناقض فإذا ~~قدرنا فوق العالم ما ليس بجسم لم يمكن أن يكون في حيز كما يكون الاجسام ~~وحينئذ ما تذكره من اللوازم في هذه الحجة وفي نظائرها من الحجج مثل لزوم ~~كونه منقسما أو جوهرا فردا وكونه في حيز أو أكثر من حيز ممنوعة PageV02P297 # | فصل # وقد ذكر في نهايته على نفي الجهة حجة أخرى فنذكرها وإن كان موادها داخلة ~~فيما ذكرناه ليكمل ما ذكره في ذلك فقال المسألة الثانية في أنه ليس في ~~الجهة قال وقبل الخوض في الاستدلال لابد من البحث عما لا يكون جسما هل يعقل ~~حصوله في الجهة أم لا فإن لم يعقل حصوله كانت الدلالة على نفي الجسمية ~~كافية في نفي الجهة قال وزعم من أثبت الجهة نفى الجسمية أنا نعلم بالضرورة ~~اختصاص الأكوان بالجهة المخصوصة مثل الكون القائم بأعلى الجدار والكون ~~القائم بأسفله ولا يضرنا في ذلك ما يقال الأكوان إنما تحصل في الجهات على ~~طريق التبعية لمحلها لأنا نقول الحصول في الجهة أعم من الحصول في الجهة ~~بالاستقلال أو التبعية وتسليم الخاص يتضمن تسليم العام فإذا سلمتم اختصاص ~~الأكوان والجهات على سبيل التبعية فقد سلمتم اختصاص الأكوان بالجهات ومتى ~~ثبت ذلك ثبت أنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسما نفي اختصاصه بالجهة والحيز ~~وإذا ثبت ذلك وجب علينا بعد الفراغ من نفي الجسمية عن الله إقامة الدليل ~~على نفي حصوله في الجهة والحيز # يقال هذا الذي ذكره يمكن الجواب عنه بأن يقال لا يحصل في الجهة إلا الحيز ~~أو ما قام به أو يقال لا يحصل في الجهة على سبيل الاستقلال إلا الجسم لا ~~يحصل في الجهة ms758 على سبيل الاستقلال أو التبعية إلا الجسم أو ما قام به وأي ~~هذه العبارات قيل لم يكن ما ذكره دليلا على إمكان أن يكون في الجهة قائم ~~بنفسه غير الجسم # ونحن نذكر حجته قال فنقول الباري تعالى لو كان حصوله في جهة لكان إما أن ~~يكون في أكثر من حيز واحد أو لا يكون إلا في حيز واحد PageV02P298 والأول ~~باطل لأن الحاصل في أحد الحيزين إما أن يكون هو الحاصل في الحيز الثاني أو ~~غيره والأول باطل وإلا لكان الشيء الواحد حاصلا دفعة واحدة في حيزين وهو ~~محال ولو عقل ذلك فليعقل مثله في الجسم حتى يحصل الجسم الواحد دفعة واحدة ~~في حيزين وأنه محال والثاني أيضا محال أما أولا فلأنه يلزم منه انقسام ذاته ~~وهو محال على ما مر وأما ثانيا فلأن اختصاص كل جزء منه بحيزه إما أن يكون ~~واجبا أو جائزا والقسمان باطلان على ما سيأتي # وأما إن قيل بأنه في حيز واحد فهو باطل لوجهين الأول بأنه يكون أقل ~~القليل ويتعالى الله عنه والثاني فلأن حصوله في ذلك الحيز إما أن يكون ~~واجبا أو غير واجب والأول باطل إذ لو صح حصوله في ذلك الحيز وامتنع حصوله ~~في سائر الأحياز لكانت حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة سائر الأحياز ولو كان ~~كذلك لكانت الأحياز أمورا وجودية لأن العدم الصرف يستحيل أن يخالف بعضه ~~بعضا ولو كانت الأحياز أمورا وجودية لكان إما يمكن الإشارة الحسية إليها أو ~~لا يمكن فإن أمكن فذلك الشيء إما أن يكون منقسما فيكون الباري الحال فيه ~~منقسما أولا يكون منقسما فيكون ذلك الشيء مختصا بجهة دون جهة فيكون للحيز ~~حيز آخر ويلزم التسلسل وإن لم يمكن الإشارة الحسية إلى الحيز الذي حصل ~~الباري تعالى فيه وجب استحالة الاشارة الحسية إلى الباري تعالى لأنا نعلم ~~بالضرورة أن مالا يمكن الإشارة الحسية إلى جهته استحالت الاشارة الحسية ~~إليه فإذا لا يكون الباري في الجهة وهو المطلوب وأما إن لم يكن حصول الباري ~~واجبا فاختصاصه بها ms759 لابد وأن يكون لفاعل مختار سواء إن كان بواسطة معنى ~~أولا بواسطة معنى وكل ما كان فعلا لفاعل مختار فهو محدث فاختصاص الباري ~~بالحيز محدث فهو إذا في الأزل ما كان حاصلا في الحيز والشيء الذي لا يكون ~~كذلك استحال أن PageV02P299 يصير محتاجا إلى الحيز فثبت أن الباري يمتنع أن ~~يكون في الأحياز والجهات # قال ويمكن أن يعتمد في هذه المسألة أيضا على أنه لو كان في الجهة لكان ~~منقسما لأن الجانب الذي منه يلينا غير الجانب الذي لا يلينا وذلك يوجب ~~انقسام ذاته لكنا بينا أن الانقسام عليه تعالى محال فحصوله في الجهة والحيز ~~أيضا محال قال وهذا الكلام إنما يدفع القول بنفي الجزء الذي لا يتجزأ ولم ~~يذكر في نهايته على نفي الجهة إلا هذا الكلام وقد تقدم ما ذكره على نفي ~~الجسم # وهذه الحجة هي مثل الحجة الرابعة التي ذكرها في تاسيسه لكن فيها حشو ~~وزيادة مستغنى عنها لا حاجة إليها وهؤلاء القوم من أعظم الناس إتيانا بحشو ~~القول الكثير الذي نقل فائدته أو تعلم مضرته كما يروى فيهم عن أمير ~~المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه ذكر قال أنا ضمين وذمتي رهينة ~~لا يهيج على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على الهدى سبخ أصل وإن أبغض الناس إلى ~~الله تعالى رجل قمش علما حتى إذا ارتوى من ماء آجن وامتلأ من غير طائل سماه ~~أشباهه من الناس عالما فإن نزلت به احدى الشبهات هيأ له حشو الرأي من قيله ~~فلا هو سكت عما لا يعلم فيسلم ولا تكلم بما يعلم فيغنم تصرخ منه الدماء ~~وتبكي منه الفروج الحرام وهو من أحق الناس بهذا هؤلاء المتكلمون في أصول ~~الدين بغير كتاب الله وسنة رسوله ويوقعون بين الأمة العداوة والبغضاء بما ~~لا أصل له حتى قد يكفروا من خالفهم ويبيحوا قتلهم وقتالهم كما يفعل أهل ~~الأهواء من الخوارج والرافضة والجهمية والمعتزلة كما فعله هذا المؤسس في ~~كتابه هذا وأمثاله حيث كفر الذين خالفوه وهم أحق ms760 بالإيمان بالله ورسوله منه ~~بدرجات لا تحصى ولا حول ولا قوة إلا بالله PageV02P300 # ولهذا كان التكفير لمن يخالفهم من أهل السنة والجماعة من شعار المارقين ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما استفاض عنه من الأحاديث الصحيحة في ~~صفة الخوارج يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية وفي رواية يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان # وهؤلاء الذي يدعون الإيمان لأنفسهم دون أهل السنة والجماعة من المسلمين ~~كالخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة لهم نصيب من قوله تعالى @QB@ وقالوا ~~لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن ~~كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون @QE@ وبعضهم مع بعض كما قال الله تعالى @QB@ وقالت اليهود ~~ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب ~~كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون @QE@ فهم كما قال الامام أحمد مختلفون في الكتاب مخالفون ~~للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب قد جمعوا وصفي الاختلاف الذي ذمه الله في ~~كتابه فإنه ذم الذين خالفوا الأنبياء والذي اختلفوا على الأنبياء فآمن كل ~~منهم ببعض وكفر ببعض قال في الأولين @QB@ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد @QE@ وقال في الثاني @QB@ ~~ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم @QE@ وقال @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله @QE@ وقال @QB@ ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم @QE@ PageV02P301 # وهؤلاء الجهمية معروفون بمفارقة ms761 السنة والجماعة وتكفير من خالفهم ~~واستحلال دمه كما نعت النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج لكن قولهم في الله ~~أقبح من قول الخوارج وإن كان للخوارج من المباينة للجماعة والمقاتلة لهم ما ~~ليس لهم مع أن أهل المقالات ذكروا أن قول الخوارج في الصفات هو قول الجهمية ~~والمعتزلة هذا ذكره الأشعري وغيره من المعتزلة وهذا والله أعلم يكون قول من ~~تأخر من الخوارج إلى أن حدث التجهم في أول المأة الثانية وأما الخوارج ~~الذين كانوا في زمن الصحابة وكبار التابعين فأولئك لم يكن قد ظهر في زمنهم ~~التجهم أصلا ولا عرف في الأمة إذ ذاك من كان ينكر الصفات أو ينكر أن يكون ~~على العرش أو يقول أن القرآن مخلوق أو ينكر رؤية الله تعالى ونحو ذلك مما ~~ابتدعته الجهمية من هذه الأمة # وقد تكلمنا على هذه الحجة في غير هذا الموضع بما فيه كفاية ونذكر ما يليق ~~بهذا الموضع وذلك من وجوه # أحدها أن قوله لو كان حصوله في جهة لكان إما أن يكون في أكثر من حيز واحد ~~أو لا يكون إلا في حيز واحد يقال له أما الذين يقولون إنه فوق العرش وليس ~~بجسم وهم أئمة أصحابك والكلابية وطوايف كثيرة من الفقهاء وأهل الحديث ~~والصوفية وقد ذكر الأشعري أنه قول أهل السنة وأصحاب الحديث فيمنعون التلازم ~~ويقولون لا نسلم أنه إذا كان في جهة بمعنى أنه نفسه فوق العرش لكان إما أن ~~يكون في حيز واحد أو في أكثر من حيز فإن هذا التلازم إنما فيما إذا كان فوق ~~العالم جسما أما إذا وافقتمونا على أنه ليس بجسم فإن التقدير يكون إذا كان ~~فوق العالم ما ليس بجسم أو إذا كان في الجهة ما ليس بجسم فإنه إما أن يكون ~~في حيز واحد أو أكثر ومعلوم أن ما ليس بجسم لا يكون في الحيز الاصطلاحي ~~لافي واحد ولافي أكثر وهذا ظاهر واضح PageV02P302 # فإن قلت هذا متناقض فإنه إذا كان فوق العالم أو في الجهة وجب أن يكون ms762 ~~جسما قيل لك أولا قد صدرت هذا الكلام في هذه المسألة بأنه لايلزم من نفي ~~كون الشيء جسما نفي اختصاصه بالحيز وإذا سلمت لهم لم يكن لك أن تنازعهم فيه ~~فإن هذا رأس المسألة فيكون التقدير باتفاق منك ومنهم أن ما ليس بجسم إذا ~~كان في الجهة بمعنى أنه يكون فوق العالم هل يكون في حيزين يعني الحيز ~~الاصطلاحي وهم يقولون أنه لا يكون في الحيز الاصطلاحي مع كونه فوق العالم ~~ومع كونه في الجهة وهي جهة العلو # الوجه الثاني أن يقال قولك في حيز واحد أوفي أكثر من حيز يقتضي تعدد ~~الأحياز وذلك ممنوع فإن الأحياز إما أن تكون وجودية أو عدمية وهي ليست ~~وجودية كما قررته في هذه الحجة وفي غيرها وإذا كانت عدمية فالعدم المحض لا ~~يتعدد ولا يقال فيه إما أن يكون واحدا أو اثنان فامتنع أن يقال إما أن يكون ~~في حيز واحد أو في حيزين # ويتقوى هذا بالوجه الثالث وهو أن الحيز إما أن يكون وجوديا أو عدميا فإن ~~كان وجوديا جاز اختصاصه بأمر وجودي على سبيل الوجوب كاختصاصه بصفاته ~~الواجبة له الوجودية وحينئذ فيبطل ما ذكره في الحجة من امتناع كونه في ~~الحيز واجبا أو جائزا وإن كان الحيز عدميا لم يصح أن يقال إما أن يكون في ~~حيز واحد أو في حيزين وهذا يقتضي بطلان أحد طريقيه الذي ذكرهما في هذه ~~الحجة أحدهما إما أن يكون في حيز أو حيزين والثاني امتناع كونه واجبا أو ~~جائزا # يوضح هذا الوجه الرابع وهو أن أحياز المتحيز الوجودية اللازمة له هي ~~حدوده ونهايته والعدمية هي ما يقال إنه تقدير المكان فإن أراد بالحيز الأمر ~~PageV02P303 الوجودي منعت الحجة التي منع فيها أن يكون له حيز واجب وأن ~~أراد به الأمر العدمي منع انقسامه إلى واحد وكثير # فإن قيل الحيز العدمي الذي هو تقدير المكان يتجدد ويتعدد باتحاد الحال ~~وتعدده فإذا كان الحال فيه جوهرا واحدا كان واحدا وإن كان جواهر متعددة كان ~~متعددا # قيل الجواب عن ms763 هذا هو الوجه الخامس وهو أن هذه المسألة قد صدرها بالكلام ~~في الحيز مع من يقول أنه ليس بجسم ومع هذا فإنه يكون مختصا بالجهة وقد قال ~~هو لما ذكر الحجة إذا ثبت ذلك ثبت أنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسما نفي ~~اختصاصه بالجهة والحيز # وإذا كان كذلك فيقال إما أن يكون الحال فيه جسما أو جوهرا فردا أو لا ~~يستلزم ذلك فإن كان الحيز مستلزما لذلك لم يكن المختص بالحيز إلا جسما أو ~~جوهريا فردا وحينئذ فيلزم من نفي كونه جسما وكونه جوهرا فردا أن لا يكون ~~متحيزا كما قد يفعله المؤسس وغيره أحيانا وهو خلاف الفرض فإن الفرض نفي ~~الحيز والجهة بدون البناء على نفي الجسمية خلافا لمن يقول ليس بجسم ولكنه ~~في الحيز والجهة فإذا كان هذا الدليل لا يتم إلا بنفي الجسمية بطل هذا ~~الدليل من أصله ومتى كان الحيز مستلزما للجسم أو للجوهر الفرد لزم من نفي ~~اللازم وهو الجسم والجوهر الفرد نفي الملزوم وهو الحيز وإن كان الحيز ليس ~~مستلزما للجسم والجوهر الفرد لم يلزم أن يكون الحال فيه جسما ولا جوهرا ~~فردا وحينئذ فلا يلزم أن يقال ينقسم بانقسام الحال فيه إن كان جوهرا فردا ~~كان PageV02P304 الحيز واحدا وإن كان جسما كان أكثر من واحد فإن الحال فيه ~~على هذا التقدير لا يكون جسما ولا جوهرا فردا وإن كان كذلك ظهر أن تقسيمه ~~الحيز إلى واحد وإلى أكثر من واحد غير لازم على هذا التقدير ولا يصح الدليل ~~على التقدير الأول وذلك يظهر بطلانه على التقديرين # الوجه السادس أن يقال هب أنه لم يسلم أن الحيز مستلزم لكون الحال فيه ~~جسما ولم يسلم أن نفي الجسم لا يستلزم نفي الحيز لكن يقال انقسام الحيز إلى ~~واحد أو أكثر من واحد إما أن لا يعلم إلا بأن يعلم أن محله جسم أو جوهر أو ~~يعلم قبل العلم بحال محله فإن لم يعلم اتحاده وتعدده إلا بالحال فيه لم ~~يلزم إذا قيل إن ms764 الله في حيز أن يكون الحيز منقسما إلى واحد وعدد حتى يثبت ~~أنه يجب أن يكون الله جسما أو جوهرا فردا فيكون العلم بانقسام الحيز إلى ~~واحد وعدد متوقفا على العلم بأن الباري تعالى يجب أن يكون على هذا التقدير ~~جسما أو جوهرا فردا وهو لم يبين ذلك وإذا تبين ذلك كان نفي الجسم كافيا له ~~في نفي كونه متحيزا فلم يحتج حينئذ إلى تقسيم الحيز إلى واحد أو أكثر من ~~ذلك فظهر أن هذا الذي ذكره لم يذكر عليه حجة ولو ذكر عليه حجة لم يحتج إلى ~~ذكره وعلى التقديرين فلا يصلح ذكره لامع الحجة ولا بدون الحجة على هذا ~~التقدير وإن كان العلم بانقسامه إلى واحد أو عدد يعلم بدون أن يعلم أن محله ~~جوهر أو جسم فليذكر ذلك أو لم يذكره فيتوجه المنع ثم إنه لا يصلح أن تحتج ~~على ذلك إلا بكون الحيز ينقسم بانقسام الحال فيه والحال فيه لا يكون إلا ~~جوهرا أو جسما لأن التقدير أن انقسامه لا يتوقف العلم به على هذه الحجة ~~PageV02P305 # الوجه السابع أن يقال وصف الشيء بأنه واحد وبأنه أكثر من واحد إما أن ~~يستلزم كونه موجودا أو لا يستلزم كونه موجودا فإن استلزم كونه موجودا لزم ~~من هذا التقسيم أن يكون وجوديا وأنت قد ذكرت في تمام الحجة أنه ليس بوجودي ~~وإن كان الوصف بأنه وجودي وإن كان الوصف بأنه واحد وبأكثر من واحد لايستلزم ~~أنه موجود بطل ما ذكره فيما تقدم حكايته عنه من أن الجسم منقسم ليس بواحد ~~فإنه بنى ذلك على أن الوحدة صفة قائمة بالجسم قال والعرض لا يحدث في المحل ~~ولا يحصل فيه إلا إذا كان المحل متعينا متميزا عن غيره فإنه إذا ثبت أن كون ~~الموصوف واحدا أو أكثر لا يستلزم أن يكون موجودا لم يلزم أن تكون الوحدة ~~والكثرة صفة وجودية فإن المعدوم لا يوصف بالصفة الوجودية فإذا لم يجب أن ~~تكون الوحدة وجودية لم يجب أن يقوم بالجسم ولا أن يكون ms765 عرضا فلا يمتنع أن ~~يكون الجسم واحدا وإذا كان الجسم واحدا مع عظمته ولم يكن فيه كثرة وجودية ~~لم يصح أن يستدل بحلوله في الحيز على انقسام الحيز وتعدده وحينئذ فإذا لم ~~يلزم من حلول الجسم في الحيز أن يكون الحيز متعددا منقسما في نفسه لم يلزم ~~من حلول الرب في الحيز أن يكون منقسما وجاز حلوله في الحيز الذي لا يقال ~~إنه أكثر من واحد ولا يكون أقل القليل ولايكون جوهرا فردا # وبالجملة فإذا لم يكن الجسم مشتملا على كثرة مع كونه في الحيز فالباري ~~أولى أن يكون كذلك وحيزه أولى بذلك وهو يبطل ما ذكره # الوجه الثامن أن يقال الحيز في نفسه ليس إلا واحدا وليس هو في نفسه ~~منقسما ولا متكثرا وإذا كان كذلك لم يصح أن يكون الحال فيه إما أن يحل في ~~حيز واحد أو في أحياز متعدده فإن هذا مقتضى أن الحيز فيه كثرة وهذا ~~PageV02P306 ممنوع وتوجيه ذلك أن الناس قد تنازعوا في الجسم هل واحد في ~~نفسه أو هو متكثر فيه انقسامات حاصلة على قول كما تقدم حكايته وتقدم أن ~~المؤسس لم يذكر على انقسامه وعدم وحدته حجة وإذا كان الأمر كذلك مع أن ~~الجسم يقبل الانقسام بلا نزاع فالحيز الذي لا يعقل فيه وجود الانقسام أولى ~~أن لا يكون فيه كثرة ولا انقسام وهذا ظاهر # بل يقال في الوجه التاسع إن انقسام الحيز في نفسه قبل حلول شيء فيه ممتنع ~~قطعا سواء قيل إن الجسم واحد أو منقسم في نفسه وذلك لأن الحيز هنا ليس ~~المراد به شيئا موجودا كما قد قرره وإنما هو تقدير المكان وهذا هو مسمى ~~الحيز في اصطلاح كثير من المتكلمين وإذا كان كذلك فمن الممتنع أن يتميز ~~بعضه عن بعض قبل حلول ما يتقدر به وهذا معلوم بالحس والضرورة العقلية ولا ~~يقول قائل إن ذلك يتميز بالإشارة فإن الإشارة إلى العدم محال وإنما يشار ~~إلى موجود وإذا كان الحيز لا يتعدد ولا ينقسم قبل حلول الحال فيه ms766 كان تعدده ~~تابعا لتعدد الحال فيه فإن لم يثبت كون الحال فيه جسما منقسما لم يكن ~~منقسما وإذا كان المنازع له يقول إن الحال فيه ليس هو جسما أو هو جسم وليس ~~بمنقسم في نفسه بطل انقسام الحيز ومن المعلوم أن القائلين بأنه متحيز ~~يقولون هذا تارة وهذا تارة كما تقدم ذكر ذلك عنهم # ومن قال إنه منقسم بمعنى يتميز بعضه عن بعض فجوابهم ما يقال في الوجه ~~العاشر أن يقال الحيز الواحد هو ما يحل فيه الجوهر الفرد كما فسرته فيما ~~بعد فإن الحال فيه يكون أقل القليل ويتعالى الله عن ذلك وإذا كان كذلك كان ~~ثبوته مبنيا على ثبوت الجوهر الفرد وأنت قد اعترفت أنك وأذكياء الطوائف ~~متوقفون فيه لتعارض الأدلة فيه وإذا لم يعلم ثبوت الجوهر الفرد لم يعلم ~~ثبوت حيز واحد بهذا الصغر واذا لم يعلم ذلك بطل العلم بأن الحيز ~~PageV02P307 إما واحدا بهذا التفسير وإما أكثر من واحدا بهذا التفسير وإما ~~أكثر من واحد # الوجه الحادي عشر أن يقال لك ما مرادك بالحيز الواحد وبأي شيء يتميز ~~الحيز الواحد عما هو أكثر منه فإن أردت به ما يحله الجوهر الفرد لم يثبت ~~توحد الحيز حتى يثبت الجوهر الفرد ويثبت حلوله فيه ومن المعلوم أن الحيز لو ~~كان ثابتا في نفس الأمر فليس هو مما يحس حتى يعلم حلوله في الحيز أو عدم ~~حلوله بل أكثر ما يقال إنه داخل الجسم في حيز علمنا أن الجواهر التي خلقت ~~فيه أيضا لكن هذا لا يفيد تميز الحيز الواحد عن غيره ولا العلم به وإذا كان ~~الحيز الواحد الذي أردته لا يتميز ولا يعلم به كان العلم بحلول الشيء فيه ~~أو عدم حلوله باطلا لأن العلم بحلول الشيء في محله فرع تصور المحل فإذا كان ~~المحل لا يعلم توحده ولا يتميز كان الحكم بثبوت الحلول فيه أو عدمه حكما ~~باطلا فيكون الدليل باطلا # الوجه الثاني عشر أن يقول لك المنازع إما أن تريد بالحيز الواحد ما يحل ~~فيه ms767 الجوهر الفرد أو ماهو أكبر منه فإن أردت الأول فحلول الرب فيه محال كما ~~ذكرته وكان المنازع يقول لك يحل في أكثر من واحد بهذا التفسير # وأما قولك الحاصل في أحد الحيزين إما أن يكون هو الحاصل في الآخر أو غيره ~~يقال لك لا هو هو ولا هو غيره أو لا يقال هو هو ولا هو غيره كما تقدم تقرير ~~ذلك على أصل كثير من متكلمي الصفاتية أو أكثرهم غير مرة بأن الغيرين ماجاز ~~وجود أحدهما دون الآخر أو ماجاز مفارقته له في مكان أو زمان أو وجود وحينئذ ~~فلا يرد ما ذكرته على كونه هو هو وكونه غيره وإن أردت بالواحد PageV02P308 ~~ما هو أكبر من محل الجوهر الفرد لم يكن الحال مستلزما لأن يكون أقل القليل ~~وقد بطل حجة الصغير وسيأتي الكلام على الوجوب والجواز # الوجه الثالث عشر أن يقال هذه الحجة مشتملة على حجتين إحداهما حجة ~~الانقسام أو الصغر وهي تعم الأقسام والثانية ما يخص قسما قسما مع ذلك ونحن ~~نتكلم على الحجتين جميعا فإحداهما حجة الانقسام والتركيب والأخرى هي من جنس ~~حجة تماثل الأجسام وهاتان الحجتان هما جماع ما يذكره النفاة في هذا الباب ~~فإنه يعود إلى ما يذكره من التركيب وإلى ما يذكره من التمثيل وقد تقدم فيما ~~يمتنع من ذلك وبينا أن سورة الإخلاص @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ ~~تنزهه عن الممتنع من هذين فاسمه الأحد منع التشبيه الممتنع عليه واسمه ~~الصمد منع الانقسام والتركيب الممتنع عليه ولكن هؤلاء النفاة غلوا في ذلك ~~وتعدوا حدود الله فيه فزادوا على الحق من الباطل شيئا كثيرا كما أن من ~~المثبتة من غلا في الاثبات وتعدى حدودا الله حتى زاد على إثبات الحق زيادات ~~باطلة والله يهدينا الصراط المستقيم وليس هذا موضع الشرح والبسط لما تضمنته ~~هذه السورة العظيمة من أصول التوحيد والايمان فإنها كثيرة عظيمة إذ الأحدية ~~والصمدية ينتظمان أصول التوحيد والإيمان والدين في أسماء الله وصفاته في ~~دينه إذ دينه الحق يتبع ما هو عليه ms768 سبحانه في نفسه # ولما كان الدين عند الله هو الاسلام والاسلام هو الاستسلام لله وحده وله ~~ضدان الاشراك والاستكبار فالمستكبر استكبر عن الاسلام له والمشرك استسلم ~~لغيره وإن كان قد استسلم له فمعنى الأحد يوجب الاخلاص لله المنافي للشرك ~~ومعنى الصمد يوجب الاستسلام لله وحده المنافي للاستكبار فإن الصمد يتضمن ~~صمود كل شيء إليه وفقره إليه PageV02P309 # وأيضا فدين الله واحد لا تفرق فيه والصمد يناسب اجتماعه فالله سبحانه ~~وتعالى هو الاله الواحد ودينه واحد وعباده المؤمنون مجتمعون يعتصمون بحبله ~~غير مفترقين واسمه الأحد يقتضي التوحيد والصمد يقتضي الاجتماع وعدم التفرق ~~فإن الصمد فيه معنى الاجتماع وعدم التفريق والتوحيد أبدا قرين الاجتماع لأن ~~الاجتماع فيه الوحدة والتفرق لابد فيه من التثنية والتعدد كما أن الاشراك ~~مقرون بالتفرق قال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ ولهذا كان شعار الطائفة ~~الناجية هو السنة والجماعة دون البدعة والفرقة فإن أصل توحيد الله وعبادته ~~وحده لا شريك له وأصل البدع الاشراك بالله شركا أصغر أو أكبر # وهؤلاء الملبسون يقولون لا ينقسم أو لا يتجزأ أو لا يتبعض ونحو ذلك ولو ~~لم يريدوا إلا ما هو حق لكانوا محسنين لكن حقيقة قولهم أنه ليس هناك شيء ~~يتصور أن يكون مجتمعا فضلا أن يكون متفرقا ولا شيء موجود يتميز عن غيره ~~فضلا عن أن يكون منقسما فأخذوا لفظ التفرق والانقسام فوضعوه على غير ~~المعاني المعروفة ونفوا به ما يستلزم نفي الحقيقة بالكلية كما فعل غيرهم في ~~نفي العلم والقدرة ونحوهما أو نفي الأسماء كالحي والعليم والقدير ونحو ذلك ~~فنفي الصفات يستلزم نفي الأسماء كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع # والمقصود هنا الكلام على هاتين الحجتين الانقسام والجواز بحسب ما ذكره في ~~نهايته وإن كان قد تقدم الكلام عليها فنقول ms769 PageV02P310 قوله إذا كان في ~~أكثر من حيز لزم انقسامه لا نسلم أنه يستلزم انقسامه ولا نسلم أيضا أن ~~الحيز الكبير ينقسم حتى يكون مافيه منقسما ولو كان هو منقسما لم نسلم أن كل ~~ما في المنقسم يجب أن يكون منقسما # الوجه الرابع عشر أنه قد تقدم غير مرة أن هذا الانقسام أكثر ما يراد به ~~امتياز بعضه عن بعض وبينا أن هذا مثل امتياز الصفات وبينا أن هذا مما يجب ~~أن يقر به كل أحد في كل موجود وأن نفي هذا يستلزم جحد الموجودات جميعها ~~الواجب والممكن وبينا أن ما يذكر في ذلك من الافتقار والغير والحيز فهو ~~ألفاظ مجملة مشتركة مشتبهة يراد بها حق وباطل فيجب أن ينفى ما فيها من ~~الباطل دون الحق الذي يريده بعض الناس بهذه الألفاظ وقد تقدم بسط ذلك بما ~~يغني عن إعادته وهو أحال على ما تقدم فأحلنا أيضا عليه # الوجه الخامس عشر أن المنازع يقول به هب أن في حيز واحد فلم قلت أن ذلك ~~محال قولك إنه يكون أقل القليل ويتعالى الله عنه يقال لا نسلم أنما هو حيز ~~واحد لا يتسع إلا مقدار الجوهر الفرد بل يكون واحدا وهو عظيم وهذا في الحيز ~~أولى منه في الجسم فإذا كان قال طوائف إن الجسم يكون عظيما ويكون واحدا ~~فالحيز أولى وأيضا فمن قال إنه فوق العرش وهو عظيم وليس بجسم أو هو جسم ~~وليس بمركب فإنه يقول بثبوت حيز واحد عظيم # الوجه السادس عشر أن المنازع يقول الجوهر الفرد لا يخلو إما أن يكون ~~ثابتا أو لا يكون فإن كان ثابتا لم تكن قد ذكرت دليلا عقليا على نفي ~~PageV02P311 كونه بقدره كما اعترفت بذلك فيما تقدم في نهايتك في المسلك ~~الثاني على نفي الجسم أن المنازع إذا أصر على المطالبة بالدليل على أنه حال ~~كونه بقدر الجوهر فطريق دفعه أن يتمسك بالوجوه التي استدل بها على نفي ~~الجزء الذي يتجزأ حتى تنقطع المطالبة وإذا لم يكن لك طريق إلا هذا فهذا ms770 ~~الطريق باطلة إذا قدر ثبوت الجوهر الفرد فإنه بتقدير ثبوته تكون الوجود ~~التي احتج بها على نفيه باطلة وإذا لم يكن الجوهر الفرد ثابتا لم يجز أن ~~يقال إن الحال في الجزء الواحد هو أقل القليل بل لم يكن الحيز الواحد إذا ~~فسر بذلك وجود أصلا وإذا كان كذلك فعلى التقديرين لا تكون قد ذكرت حجة على ~~أنه لا يكون في الحيز الواحد وإنما تعتصم في مثل ذلك بالإجماع إجماع ~~العقلاء وإجماع المسلمين داخل في ذلك # فيقال لك هؤلاء المنازعون يقول إنه عظيم في نفسه أعظم من كل عظيم وأكبر ~~من كل كبير وأعلى من كل عال قد وسع كرسيه السموات السبع والأرضين السبع ~~ويقولون لك @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه @QE@ قال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون ~~السبع وما بينهما في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم أو كما قال فهذا ~~مستند ثان نفى كونه بقدر الجوهر الفرد فإن سلمت ذلك لم يكن لك أن تقول ليس ~~فوق العرش ولا هو في نفسه كبير وعظيم ولم يكن ما سلموه يستلزم أن لا يكون ~~فوق العرش وإن قيل إنه في حيز واحد أو جهة واحدة وإن لم تسلم ذلك بل زعمت ~~أنما فوق السماوات رب ولا هناك إله أصلا وأن محمدا لم يعرج به إلى الله ~~تعالى بل صعد إلى علو العالم فقط وأن رب العالمين ليس داخل العالم ولا ~~خارجه قالوا لك PageV02P312 نحن نقول إن من وصفه بهذا فقد جعله معدوما ~~والمعدوم أحقر من الجوهر الفرد وإذا كان كذلك لم نسلم لك مادمت مصرا على ~~هذا النفي أنه أحقر من الجوهر الفرد فإن ذلك يستلزم تسليم النقيضين فيكون ~~قد سلمنا أنه معدوم وأنه ليس أحقر من الجوهر الفرد وذلك باطل وإذا لم يسلم ~~له على هذا التقدير أنه أحقر من الجوهر الفرد لم يكن له أن يحتج بالاجماع ~~كما تقدم نظير هذا # وتقدم ما قرره في أول نهايته أن الاحتجاج ms771 بمثل هذا الاجماع الذي يختلف ~~فيه المأخذ لا يصح نظرا ولا مناظرة فإن المناظر ليس له أن يحتج بموافقة ~~موافق بناءا على مأخذ لا يعتقد صحته والمناظر يجيبه خصمه بأنك إن وافقتني ~~على المأخذ وإلا منعتك الحكم على هذا التقدير لأنه عندي تقدير غير واقع فلا ~~يكون له حجة بحال ولو احتج بها في الفطرة في إعظام الله أن يكون كذلك قيل ~~له هذه الفطرة التي فيها أن الله تعالى فوق العالم وهي تحيل الله أن يقال ~~ليس فوق العالم ولا داخله ولا خارجه كما يحيله أن يقال هو بقدر الجوهر ~~الفرد فإن كان ما الفطرة من هذا حقا فكذلك الآخر وحينئذ فلا يبقى معه حجة ~~على نفي كونه بقدر الجوهر الفرد لا عقلية ولا سمعية لأن السمع إما نص وإما ~~إجماع والسمعيات التي وصف الله فيها نفسه بأنه علي وعظيم وكبير معناها ~~عندهم القدرة والقهر لا يعنون بها عظم قدره في نفسه فلا ينافي ما زعموه صغر ~~المقدار لا سيما مع ما يعتمدونه من القول بأن الملك العظيم والآدمي العظيم ~~يكون بقدر الجوهر الفرد لأن الحياة ولازمها لا تحل إلا في قدر ذلك كما تقدم ~~وإذا لم يكن لهم على ذلك حجة بطلت هذه الحجج التي ذكرها وظهر عجزهم عن ~~تنزيه الله تعالى أن يكون فيه نقص فلا يقدرون أن ينزهوه على أصولهم العقلية ~~عن نقص ولا عن صغر # الوجه السابع عشر قوله في الحجة الثانية حصوله في ذلك الحيز إما واجب ~~وإما جائز يقال إن أريد بالحيز ما هو داخل في مسمى اسمه مثل PageV02P313 ما ~~يدخل في صفاته في مسمى اسمه ومثل ما يدخل حدود الشيء ونهايته في مسى اسمه ~~فيقال حصوله فيه واجب ويكون وجوديا والكلام في قوله يكون منقسما قد تقدم ~~غير مرة بأن الانقسام لفظ مجمل تختلف فيه الاصطلاحات فهو منفي بالمعنى الذي ~~لا يلزم من هذا والمعنى الذي يلزم لا محذور فيه بل هو واجب لكل موجود # الوجه الثامن عشر قول من يقول لا ms772 يجوز عليه الحركة والانتقال فإنه يقول ~~حصوله في الحيز المعين يكون واجبا # وأما قوله لو كان كذلك لكانت حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة غيره فيكون ~~وجوديا يقول لا نسلم وذلك لأن الاختصاص لا يجب أن يكون لمعنى في الحيز يجوز ~~أن يكون لمعنى في الرب وهو ما توافقهم عليه من امتناع الحركة والانتقال ~~وعدم ذلك ليس بنقص عندك ولا عندهم كما تقدم وتقدم أن ما الزمتهم من كونه ~~يكون كالزمن هو لك ألزم أيضا فأنت وهم مشتركون في ذلك وهو بك الصق منه بهم # الوجه التاسع عشر أن يقال هب أنه وجودي وحقيقته مخالفة لحقيقة غيره وأنه ~~يمكن الاشارة الحسية إليه فقولك إنه إن كان منقسما كان الحال فيه منقسما ~~يمنعون الملازمة كما تقدم ويقولون في الانقسام بما تقدم من الجواب المفصل # الوجه العشرون قولك أولا يكون منقسما فيكون مختصا بجهة دون جهة فيكون ~~للحيز حيز آخر ويلزم التسلسل يقال هب أن هذا الحيز أمر وجودي فلم لا يجوز ~~أن يكون حيز هو عدمي والتسلسل إنما يلزم أن لو كان لكل حيز وجودي حيز وجودي ~~PageV02P314 الوجه الحادي والعشرون قولك وإن لم تمكن الاشارة الحسية إلى ~~الحيز الذي حصل فيه الباري وجب استحالة الاشارة إلى الباري لأنا نعلم ~~بالضرورة أن ما لا تمكن الاشارة الحسية إلى جهته استحالت الاشارة الحسية ~~إليه فإذا لا يكون الباري في الجهة # يقال لك الضروري بأن ما لا يشار إلى جهته لا يشار إليه ليس بأن ما لا ~~يشار إليه لا يشار إلى جهته ثم كثير من الناس بل أكثرهم يقولون ذلك مثل ~~العلم الضروري بأن ما يشار إليه وإلى جهته لا يكون إلا جسما وكثير من الناس ~~إن ذلك مثل العلم الضروري بأن مالا يشار إليه ولا إلى جهته ولا يكون داخل ~~العالم ولا خارجه لا يكون إلا معدوما بل المقرون بأن هذا علم ضروري أعظم من ~~المقرين بذلك # وإذا كان كذلك فإن نازعتهم في هذا العلم الضروري لم يكن عليهم أن يسلموا ~~لك ذلك ms773 العلم الضروري الذي يلزمهم بتسليمه نفي هذا العلم الضروري لأن تسليم ~~العلم الضروري يستلزم نفي علم ضروري تسليم لتنافي العلمين الضروريين وذلك ~~باطل ولا يجب تسليم الباطل وإن لم تنازعهم في هذا العلم الضروري لم يكن ما ~~ذكرته حجة عليهم فإنه إذا سلم أنه فوق العالم وأنه يمتنع أن يكون لا داخل ~~العالم ولا خارجه حصل المطلوب # الوجه الثاني والعشرون قولك وإن لم يكن حصوله في الجهة واجبا فاختصاصه ~~بها لابد أن يكون لفاعل مختار فاختصاص الباري به محدث فهو في الأزل ما كان ~~في الحيز والذي يكون كذلك يستحيل أن يصير حاصلا في الحيز وفي نسخة محتاجا ~~إلى الحيز PageV02P315 # فيقال لك إذا كان الحيز أمرا وجوديا كالعرش والغمام كان اختصاص الله ~~بكونه فوق العرش تابعا لخلقه العرش وذلك حاصل بمشيئته واختياره وهو محدث ~~وهو وإن لم يكن في الأزل على العرش لكن لم قلت إذا لم يكن في الأزل على ~~العرش أنه يستحيل أن يصير بعد ذلك على العرش هذا لم تذكر عليه دليلا وأما ~~إن كان المدعي أنه يستحيل أن يصير محتاجا إلى الحيز فهذا حق لكن كونه فوق ~~العرش لا يوجب احتياجه إلى شيء بل هو الحامل بقدرته للعرش ولكل شيء # الوجه الثالث والعشرون أن يقال العلو على العرش للناس فيه قولان مشهوران ~~أحدهما أنه نسبة وإضافة بينه وبين العرش من غير فعل محدث يقوم بذات الرب ~~وهؤلاء قد يقولون الاستواء من صفات الذات وعلى هذا التقدير فتجديده بخلق ~~العرش كتجديد سائر النسب والاضافات وذلك جائز باتفاق العقلاء كتجديد المعية ~~والثاني أنه استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويا عليه كما دل على ذلك ~~القرآن والذي قال هذا يقول في استوائه إلى السماء ونزوله ومجيئه وإتيانه ~~ونحو ذلك مثلما يقول في الاستواء وإن ذلك من أفعال ذات الله تعالى وهؤلاء ~~هم جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام والفقهاء والصوفيه وغيرهم وعامة ~~كلام السلف يدل على هذا وهذا متصل بمسألة حلول الحوادث به وهو قد ذكر ms774 أنه ~~ليس في الأدلة العقلية ما ينفي حلول الحوادث به وذكر أن الطوائف جميعهم ~~يلزمهم القول به وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يستوي عليه بعد أن لم يكن ~~مستويا # وإذا كان على القولين لا يمتنع أن يصير فوق العرش وإن لم يكن في الأزل ~~عرش يكون الله فوقه بطل ما ادعاه من أنه إذا كان اختصاص الباري بالحيز ~~محدثا فهو إذا في الأزل ما كان حاصلا في الحيز والشيء الذي يكون كذلك ~~استحال أن PageV02P316 أن يصير حاصلا في الحيز فإن ذلك لا يستحيل على الوجه ~~الذي بيناه وأما إن كان قد قال استحال أن يصير محتاجا إلى الحيز فهذا حق ~~لكن تجدد الأمور الجائزة لا يقتضي أنه محتاج إليها # الوجه الرابع والعشرون أنه يقال قولك في أصل هذه الحجة الثانية حصوله في ~~الحيز إما أن يكون واجبا أو غير واجب يقال لك أتريد بالحيز نوع الحيز أم ~~تريد الحيز المعين فإن اللام تكون للجنس وتكون للحيز المعين فإن أردت به ~~النوع لم يصح ما ذكرته في القسم الأول وهو قولك لو صح حصوله في ذلك الحيز ~~وامتنع حصوله في سائر الأحياز لكانت حقيقته محالفة لحقيقة غيره لأن الحيز ~~على هذا التقدير هو النوع ولا يختص بشيء دون شيء كما أن القائل إذا قال لو ~~كان الجسم مختصا بالحيز لم يرد به حيزا بعينه بل يريد به أنه مختص بأنه لا ~~يكون إلا متحيزا فيمتنع أن يكون غير متحيز # أردت به الحيز المعين لم يصح ما ذكرته في القسم الثاني وهو أنما كان كذلك ~~ما كان في الأزل حاصلا في الحيز المعين والذي يكون كذلك يستحيل أن يصير ~~حاصلا في الحيز وذلك أن الحيز تقدير المكان ليس أمرا موجودا فلم قلت إنه ~~إذا لم يكن في الأزل في حيز معين امتنع أن يكون بعد ذلك في حيز معين فإن ~~هذا مبني على مسألة حلول الحوادث وقد تقدم القول فيه # الوجه الخامس والعشرون أن قولك الشيء الذي يكون كذلك استحال أن ms775 يصير ~~حاصلا يمنعه المنازع ويقول لا نسلم أن كل اختصاص بحيز معين وهو تقدير ~~المكان يكون محدثا وأنه يمتنع أن يصير في حيز لم يكن فيه بل الحي القادر ~~سبحانه يختص بما يشاء من الأحياز ولا يلزم من ذلك اختصاصه بحيز معين ولا ~~يلزم من ذلك أن أصل التحيز محدث بل هو PageV02P317 سبحانه وتعالى يخلق ما ~~يشاء من الأجسام ولا يكون الجسم مخلوقا في حيز ولا يختص بحيز بل له أن ~~ينقله من حيز إلى حيز # وهؤلاء يقولون حياته وقدرته توجب ذلك ونفي إمكان ذلك يقتضي نفي حياته ~~وقدرته كما تقدم بعض حكاية قولهم ويقولون اختصاصه بحيز دون حيز هو نسبة ~~وإضافة إلى ذلك الحيز والأمور الإضافية لا يمنع تجددها ولا زوال المتقدم ~~منها بإتفاق العقلاء فإن الحيز العدمي الذي هو تقدير المكان يجري فيه ~~القولان في العرش ونحوه فمن قال الاستواء عليه مجرد نسبة أمكن أن يقول ذلك ~~هنا ومن قال إن فيه حركة قال بذلك هنا # الوجه السادس والعشرون قولك حصوله في الحيز إما أن يكون واجبا وإما أن ~~يكون غير واجب يقول لك المنازع قولا مفصلا الاختصاص بأصل الحيز واجب أما ~~تعين حيز دون حيز فهو ممكن ليس بواجب وذلك لأن الحيز في الاصطلاح المشهور ~~للمتكلمين هو تقدير المكان وهم يقولون إن كل متحيز يستلزم نوع التحيز وأما ~~الحيز المعين فيجوز أن ينتقل عنه المتحيز كما لو شاء الله تحويل العالم من ~~حيز إلى آخر # ثم لهم هنا قولان أحدهما أن اختصاصه بذلك الحيز المعين مجرد نسبة وإضافة ~~وإذا كان تجدد النسب والإضافات له وزوالها من الأمور الموجودة جائزة باتفاق ~~العقلاء فحدوث هذه النسب وزوالها عما هو تقدير المكان بطريق الأولى والأحرى # | فصل # الثاني أي يقال أكثر ما ذلك الحركة وهذا جائز كما تقدم في قولهم استوى ~~على العرش بعد أن لم يكن مستويا عليه وإنه يجىء يوم القيامة ويأتي ونحو ذلك ~~PageV02P318 $ فصل قال الرازي الفصل الخامس في حكاية الشبه العقلية في كونه ~~تعالى مختصا بالحيز والجهة ms776 # الشبهة الأولى لهم أنهم قالوا العالم موجود والباري موجود وكل موجودين ~~فلابد أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بجهة من الجهات لست ولما ~~لم يكن الباري محايثا للعالم وجب كونه تعالى مباينا عن العالم بجهة من ~~الجهات الست وإذا ثبت ذلك وجب كونه تعالى مختصا بجهة فوق أما قولهم إن كل ~~موجودين فلا بد أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مبينا عنه بجهة فلهم فيها ~~طريقان # الطريق الأول ادعاء البديهة إلا أنه سبق الكلام على هذه الطريقة في أول ~~الكتاب # الطريق الثاني أنهم يستدلون عليه وهو الطريق الذي اختاره ابن الهيصم في ~~المناظرة التي حكاها عن نفسه مع ابن فورك قال الرازي وأنا أذكر محصل تلك ~~الكلمات على الترتيب الصحيح على أحسن وجه يمكن تقرير تلك الشبهة وهو أن ~~يقال لاشك أن كل موجودين في الشاهد فإن أحدهما لابد وأن يكون محايثا للآخر ~~أو مباينا عنه بالجهة وكون كل موجودين في الشاهدكذلك إما أن يكون لخصوص ~~كونه جوهرا أو لخصوص كونه عرضا أو لأمر مشترك بين الجوهر والعرض وذلك ~~المشترك إما الحدوث وإما الوجود PageV02P319 والكل باطل سوى الوجود فوجب أن ~~تكون العلة لذلك الحكم هو الوجود والباري تعالى موجود فوجب الجزم بأنه ~~تعالى إما أن يكون محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة # قال وأعلم أن هذا الكلام لا يتم إلا بتقرير مقدمات نحن نذكرها وتلك ~~الوجوه التي يمكن ذكرها في تقرير تلك المقدمات # أما المقدمة الأولى وهي قولنا إن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون ~~أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة لابد له من علة والدليل عليه هو ~~أن المعدومات لا يصح فيها هذا الحكم وهذه الموجودات يصح فيها هذا الحكم ~~فلولا امتياز ما صح فيه هذا الحكم عما لا يصح فيه هذا الحكم بأمر من الأمور ~~وإلا لما كان هذا الامتياز واقعا # وأما المقدمة الثانية فهي في بيان أن هذا الحكم لا يمكن تعليله بخصوص ~~كونه جوهرا ولا بخصوص كونه عرضا فالدليل عليه أن المقتضى ms777 لهذا الحكم لو كان ~~هو كونه جوهرا لصدق على الجوهر أن ينقسم إلى ما يكون محايثا لغيرة وإلى ما ~~يكون مباينا عنه ومعلوم أن ذلك محال لأن الجوهر يمتنع أن يكون محايثا لغيره ~~وبهذا الطريق تبين أن المقتضي لهذا الحكم ليس كونه عرضا لامتناع أن يكون ~~العرض مباينا لغيره بالجهة # المقدمة الثالثة في بيان أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث ويدل عليه وجوه # الأول أن الحدوث عبارة عن وجود سبقة عدم والعدم غير داخل في العلة وإذا ~~سقط العدم عن درجة الاعتبار لم يبق إلا الوجود PageV02P320 # والثاني وهو الذي عول عليه ابن الهيصم في المناظرة التي زعم أنها دارت ~~بينه وبين ابن فورك فقال لو كان هذا الحكم معللا بالحدوث لكان الجاهل بكون ~~السماء حادثة جاهلا بأن السماء بالنسبة إلى سائر الموجودات التي في هذا ~~العالم إما أن تكون محايثة لها أو مباينة عنها بالجهة لأن المقتضي للحكم ~~إذا كان أمرا معينا فالجاهل بذلك المقتضي يجب أن يكون جاهلا بذلك الحكم ألا ~~ترى الوجود لما كان هو المستدعي للتقسيم إلى القديم والمحدث لا جرم كان ~~اعتقاد أنه غير موجود مانعا من التقسيم بالقدم والحدوث فلما كان التقسيم ~~إلى الأبيض والأسود معلقا بكونه كان ملونا كان اعتقاد أن الشيء غير ملون ~~مانعا من اعتقاد التقسيم إلى الأسود والأبيض ولما رأينا الدهري الذي يعتقد ~~قدم السموات والأرض لا يمنعه ذلك من اعتقاد أن السموات والأرضين إما أن ~~تكون محايثة وإما أن تكون مباينة بالجهة علمنا أن هذا الحكم غير معلل ~~بالحدوث # الوجه الثالث في بيان أن المقتضي لها الحكم ليس هو الحدوث وقد ذكره ابن ~~الهيصم أيضا في تلك المناظرة وتقريره أن كونه محدثا وصف يعلم بالاستدلال ~~وكونه بحيث يجب أن يكون إما محايثا أو مباينا بالجهة حكم معلوم بالضرورة ~~والوصف المعلوم الثبوت بالاستدلال لا يجوز أن يكون أصلا للحكم الذي يعلم ~~ثبوته بالضرورة فثبت بهذه الوجوه أن المقتضي لهذا الحكم ليس هو الحدوث # المقدمة الرابعة وهي في بيان أنه لما كان ms778 المقتضي لهذا الحكم في الشاهد ~~هو الوجود والباري موجود وكان المقتضي لكونه تعالى إما محايثا للعالم أو ~~مباينا عنه بالجهة حاصلا في حقه فكان هذا حاصلا هناك PageV02P321 # فاعلم أنا نفتقر في هذه المقدمة إلى بيان أن الوجود حقيقة واحدة في ~~الشاهد والغائب وذلك يقتضي كون وجوده تعالى زائدا على حقيقته فإنه ما لم ~~يثبت هذا الأصل لم يحصل المقصود فهذا غاية ما يمكن ذكره في تقرير هذه ~~الشبهة ومن نظر في تقريرنا لهذه الشبهة وتقريرهم لها علم أن التفاوت بينهما ~~كبير # قال والجواب أن مدار هذه الشبهة على أن كل موجودين في الشاهد فلا بد أن ~~يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا بالجهة وهذه المقدمة ممنوعة وبيانه من ~~وجوه # الأول أن جمهور الفلاسفة يثبتون موجودات غير محايثة لهذا العالم الجسماني ~~ولا مباينة عنه بالجهة وذلك لأنهم بثبتون العقول والنفوس الفلكية الناطقة ~~ويثبتون الهيولي ويزعمون أن هذه الأشياء موجودات غير متحيزة ولا حالة في ~~المتحيز فلا يصدق عليها أنها محايثة لهذا العالم ولا مباينة عنه بالجهة وما ~~لم يبطلوا هذا المذهب بالدليل لا يصح القول بأن كل موجودين في الشاهد إما ~~أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه # الثاني أن جمهور المعتزلة يثبتون إرادات وكراهات موجودة لا في محل ~~ويثبتون فناءا لا في محل وتلك الأشياء لا يصدق عليها أنها محايثة للعالم أو ~~مباينة عن العالم بالجهة فما لم يبطلوا ذلك لا تتم دعواهم # الثالث أنا نقيم الدليل على أن الاضافات أعراض موجودات في الأعيان ثم ~~نبين أنها تمتنع أن تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة وذلك يبطل ~~كلامهم وإنما قلنا إن الاضافات أعراض موجودات في الأعيان وذلك لأن ~~PageV02P322 المعقول من كون الإنسان أبا لغيره مغاير لذاته المخصوصة بدليل ~~أنه يمكن أن يعقل ذاته مع الذهول عن كونه أبا وابنا والمعلوم غير ما هو غير ~~معلوم # وأيضا فإنه يمكن ثبوت ذاته منفكة عن الأبوة والنبوة مثل عيسى عليه السلام ~~وآدم فإنه ما كان أبا لأحد ولا ابنا لأحد من ms779 الذكور والثابت غير ما هو ثبات ~~فكونه أبا وابنا مغايرا لذاته المخصوصة ثم هذا المغاير إما أن يكون وصفا ~~سلبيا أو ثبوتيا والأول باطل لأن عدم الأبوة هو الوصف السلبي والأبوة واقعة ~~له ورافع العدم الوجود فثبت أن الأبوة وصف وجودي مغاير لذات الأب إذ ثبت ~~هذا فنقول إنه مستحيل أن يقال الأبوة محايثة لذات الأب وإلا لزم أن يقال ~~إنه قائم بنصف الأب نصف الأبوة وبثلثه ثلث الأبوة ومعلوم أن ذلك باطل ومحال ~~أن يقال إنها مباينة عن ذات الأب بالجهة والحيز وإلا لزم كون الأبوة جوهرا ~~قائما بذاته مباينا عن ذات الأب بالجهة وذلك أيضا محال فثبت بهذا الدليل ~~وجود موجود لا يمكن أن يقال إنه محايث لغيره ولا أن يقال مباين عنه بالجهة ~~وإذا ثبت هذا بطل قولهم # السؤال الثاني سلمنا أن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما ~~محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة لكن كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا إما ~~أن يكون وإما أن لا يكون إشارة إلى كونه قابلا للانقسام إليهما لكن قبول ~~القسمة حكم عدمي والعدم لا يعلل وإنما قلنا إن قبول القسمة حكم عدمي لأن ~~أصل القبول حكم عدمي فوجب أن يكون قبول القسمة حكما عدميا وإنما قلنا إن ~~أصل القبول حكم عدمي لأنه لو كان أمرا ثابتا لكان صفة من صفات الشيء ~~المحكوم عليه بكونه قابلا والذات قابلة لتلك الصفة القائمة بها فيكون قبول ~~ذلك القبول زائدا عليه ولزم التسلسل وإنما قلنا إنه لما كان أصل القبول ~~عدميا كان قبول القسمة أيضا كذلك لأن القبول للقسمة قبول مخصوص فتلك ~~PageV02P323 الخصوصية إن كانت صفة موجودة لزم قيام الوجود بالعدم وهو محال ~~وإن كانت عدمية لزم القطع بأن قبول القسمة عدمي وإذا ثبت أنه حكم عدمي ~~امتنع تعليله لأن العدم نفي محض فكان التأثير فيه محالا فثبت أن قبول ~~القسمة لا يمكن تعليله # السؤال الثالث هب أنه من الأحكام الوجودية فلم لا يجوز أن يكون معللا ~~بخصوص كونه جوهرا أو بخصوص ms780 كونه عرضا قوله لأن كونه جوهرا يمنع من المحايثة ~~وكونه عرضا يمنع من المباينة بالجهة وما كان علة لقبول الانقسام إلى قسمين ~~يمنع كونه مانعا من أحد القسمين قلنا ما الذي تريدون بقولكم الوجود في ~~الشاهد ينقسم إلى المحايث وإلى المباين بالجهة إن أردتم أن الوجود في ~~الشاهد قسمان أحدهما أن يكون محايثا لغيره بالجهة وهو العرض والثاني أن ~~يكون مباينا لغيره بالجهة وهو الجوهر فهذا مسلم لكنه في الحقيقة إشارة إلى ~~حكمين مختلفين معللين بعلتين مختلفتين فإن عندنا وجوب كونه محايثا لغيره ~~معلل بكونه عرضا ووجوب كون القسم الثاني مباينا عن غيره بالجهة معلل بكونه ~~جوهرا فبطل قولكم إن خصوص كونه عرضا وجوهرا لا يصلحان لعلة هذا الحكم # وإن أردتم به أن إمكان الانقسام إلى هذين القسمين حكم واحد وأنه ثابت في ~~جميع الموجودات التي في الشاهد فهو باطل لأن إمكان الانقسام إلى هذين ~~القسمين لم يثبت في شيء من الموجودات التي في الشاهد فضلا عن أن يثبت في ~~جميعها لأن كل موجود في الشاهد فهو إما جوهر وإما عرض فإن كان جوهرا امتنع ~~أن يكون محايثا لغيره بالجهة فلم يكن قابلا لهذا الانقسام وإن كان عرضا ~~امتنع أن يكون مباينا لغيره بالجهة فلم يكن قابلا لهذا PageV02P324 ~~الانقسام فثبت بما ذكرنا أن الذي قالوه مغالطة والحاصل أن هذا المستدل أوهم ~~أن قوله الموجود في الشاهد إما أن يكون محايثا لغيره أو يكون مباينا عنه ~~بالجهة إشارة إلى حكم واحد ثم بني عليه أنه لا يمكن أن يعلل هذا الحكم ~~بخصوص كونه جوهرا ولا بخصوص كونه عرضا ونحن بينا أنه إشارة إلى حكمين ~~مختلفتين معللين بعلتين مختلفتين # السؤال الرابع سلمنا أنه لا يمكن تعليل هذا الحكم بخصوص كونه جوهرا ولا ~~بخصوص كونه عرضا فلم قلتم إنه لابد من تعليله إما بالحدوث وإما بالوجود وما ~~الدليل على هذا الحصر أقصى ما في الباب أن يقال سبرنا وبحثنا فلم نجد قسما ~~آخر إلا أنا بينا في الكتب المطلولة أن عدم الوجدان لا ms781 يدل على عدم الوجود ~~وشرحنا أن هذا السؤال هادم لكل دليل مبني على تقسيمات منتشرة غير محصورة ~~بين النفي والاثبات # السؤال الخامس سلمنا أن عدم الوجدان يدل على عدم الوجود ولكن لا نسلم ~~قولكم أنا وجدنا لهذا الحكم علة سوى الحدوث والوجود بيانه من وجهين # أحدهما أن من المحتمل أن يقال المقتضى لقولنا إن الشيء إما أن يكون ~~محايثا للعالم أن مباينا عنه هو كونه بحيث تصح الاشارة الحسية إليه وذلك ~~لأن كل شيئين تصح الاشارة الحسية إليهما فإما أن تكون الاشارة إلى أحدهما ~~عين الاشارة إلى الآخر وذلك كما في اللون والمتلون وهذا هو المحايثة وإما ~~أن تكون غير الاشارة إلى الآخر وهذا هو المباينة بالجهة فثبت أن المقتضي ~~لقبول هذه القسمة هو كون الشيء مشارا إليه بحسب الحس وعلى هذا التقدير ما ~~لم يقيموا الأدلة على أنه مشار إليه بحسب الحس لا يمكن أن يقال إنه يجب أن ~~يكون محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة لكن كونه تعالى مشارا إليه بحسب ~~الحس هو مما وقع PageV02P325 النزاع فيه وحينئذ تتوقف صحة الدليل على صحة ~~المطلوب وذلك يفضي إلى الدور وهو باطل # الثاني لاشك أن ما سوى الله تعالى إما أن يكون محايثا لغيره أو مباينا عن ~~غيره بالجهة ولاشك أن الله تعالى محالف لهذين القسمين بحقيقته المخصوصة إذ ~~لو لم يكن مخالفا لهما بحقيقته المخصوصة لكان مثلا للجواهر أو الأعراض ~~ويلزم منه كونه تعالى محدثا كما أن الأعراض والجواهر محدثة وذلك محال # وإذا ثبت هذا فنقول إن الجواهر والأعراض يشتركان في الأمر الذي وقعت به ~~المخالفة بينهما وبين ذات الباري فلم لا يجوز أن يكون المقتضي لقبول ~~الانقسام إلى المحايث وإلى المباين هو ذلك الأمر وعلى هذا التقدير سقط هذا ~~السؤال لأنه لا مشترك بين الجواهر والأعراض إلا الحدوث # السؤال السادس سلمنا الحصر فلم لا يجوز أن يكون المقتضي لهذا الحكم هو ~~الحدوث قوله أولا الحدوث ماهية مركبة من العدم والوجود قلنا كل محدث فإنه ~~بصدق عليه كونه قابلا ms782 للعدم والوجود وأيضا كون الشيء منقسما إلى المحايث ~~والمباين أيضا معناه كونه قابلا للانقسام إلى هذين القسمين فالقابلية إن ~~كانت صفة وجودية كانت في الموضعين كذلك وإن كانت عدمية فكذلك ولا يبعد ~~تعليل عدم بعدم أما قوله ثانيا لو كان المقتضى لهذا الحكم هو الحدوث لكان ~~الجهل بحدوث الشيء يوجب الجهل بهذا الحكم قلنا الكلام عليه من وجهين # الأول لم قلتم إن الجهل بالمؤثر يوجب الجهل بالأثر ألا ترى أن جهل ~~الانسان بأسباب المرض والصحة لا يوجب جهله بحصول المرض والصحة وجهل نفاة ~~الأعراض بالمعاني الموجبة لتغير أحوال الأجسام لا يوجب جهلهم بتلك ~~PageV02P326 التغيرات وجهل الدهري بكونه تعالى قادرا على الخلق والتكوين لا ~~يوجب جهله بوجود هذا العالم # الثاني لو كان الجهل بالعلة يوجب الجهل بالمعلول لكان العلم بالعلة يوجب ~~العلم بالمعلول وعلى هذا التقدير لو كان المقتضي لكون الموجودين في الشاهد ~~إما متحايثين أو متباينين بالجهة هو الوجود لزم أن من علم كون الشيء موجودا ~~أن يعلم وجوب كونه محايثا للعالم أو مباينا له لكن الجمهور الأعظم وهم أهل ~~التوحيد يعتقدون أنه تعالى موجود ولا يعلمون أنه تعالى لابد وأن يكون إما ~~محايثا للعالم أو مباينا له فوجب على هذا المساق أن لا يكون المقتضي لهذا ~~الحكم هو كونه موجودا وهذا السؤال قد اورده الأستاذ ابن فورك من أصحابنا ~~على ابن الهيصم ولم يقدر أن يذكر عنه جوابا سوى أن قال يمتنع أن يحصل العلم ~~بالأثر مع الجهل بالمؤثر ولا يمتنع أن يحصل العلم بالمؤثر مع الجهل بالأثر ~~وطال كلامه في تقرير هذا الفرق ولم يظهر منه شيء معلوم يمكن حكايته قوله ~~ثالثا كونه محدثا وصف استدلالي وكونه إما محايثا أو مباينا أمر معلوم ~~بالبديهة والوصف الاستدلالي لا يجوز أن يكون علة للحكم المعلوم بالبديهة ~~قلنا ممنوع فإنا بينا أن المؤثر في كثير من الأشياء استدلالي والأثر بديهي # السؤال السابع سلمنا أن المؤثر في هذا الحكم ليس هو الحدوث وأنه هو ~~الوجود لكن لم قلتم إنه يلزم حصوله في ms783 حق الله تعالى وبيانه أن المطلوب ~~إنما يلزم لو كان الوجود أمرا واحدا في الشاهد والغائب أما إذا لم يكن ~~الأمر كذلك بل كان وقوع لفظ الوجود على الشاهد والغائب ليس إلا بالاشراك ~~اللفظي كان هذا الدليل ساقطا بالكلية ثم إن الكرامية لا يمكنهم أن يقولوا ~~بأن الوجود في الغائب والشاهد واحد إذ لو كان كذلك لزمهم إما القول بكون ~~PageV02P327 الباري تعالى مثلا للمحدثات من جميع الوجوه أو القول بأن وجوده ~~زائدا على ما هيته والقوم لا يقولون هذا الكلام # السؤال الثامن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على الوجود هو العلة لهذا الحكم لكن ~~هاهنا دليل آخر يمنع منه وهو أن المقتضي لقبول الانقسام في الجوهر والعرض ~~لو كان هو الوجود لزم في الجوهر وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض ~~وأنه محال ولزم أيضا في العرض وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض ~~ومعلوم أن ذلك محال فإن قالوا إن كل جوهر وعرض فإنه يصح كونه منقسما إلى ~~هذين القسمين نظرا إلى كونه موجودا وإنما يمتنع ذلك الانقسام نظرا إلى مانع ~~منفك وهو خصوصية ماهيته قلنا هذا اعتراف بأنه لا يلزم من كون الوجود علة ~~لصحة أمر من الأمور أن يصح ذلك الحكم على كل ما كان موصوفا بالوجود لاحتمال ~~أن يكون ماهية المخصوص مانعة من ذلك الحكم وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن ~~يقال الوجود وإن اقتضى كون الشيء إما محايثا لغيره أو مباينا عنه إلا أن ~~خصوصية ذاته تعالى كانت مانعة من هذا الحكم فلم يلزم من كونه تعالى موجودا ~~كونه بحيث يكون إما محايثا للعالم أو مباينا عنه بالجهة # السؤال التاسع أنما ذكرتموه من الدليل قائم في صور كثيرة مع أن النتيجة ~~اللازمة عنه باطلة قطعا وذلك يدل على أن هذا الدليل منقوض وبيانه من وجوه # الأول أن كل ما سوى الله فهو محدث فيكون صحة الحدوث حكما مشتركا بينهما ~~فنقول هذه الصحة حكم مشترك فلابد لها من علة مشتركة والمشترك إما الحدوث أو ~~الوجود ms784 ولا يمكن أن يكون المقتضي لصحة الحدوث هو الحدوث لأن صحة الحدوث ~~سابقة على الحدوث بالرتبة والسابق بالرتبة على PageV02P328 الشيء لا يمكن ~~تعليله بالمتأخر عن الشيء فثبت أن صحة الحدوث غير معللة بالحدوث فوجب كونها ~~معللة بالوجود والله تعالى موجود فوجب أن يثبت في حقه صحة الحدوث وهو محال # الثاني أن كل موجود في الشاهد فهو إما حجم قائم بالحجم ثم يذكر التقسيم ~~إلى آخره حتى يكون الباري تعالى إما حجما أو قائما بالحجم والقوم لا يقولون ~~به # الثالث أن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو ~~مباينا عنه في أي جهة كان ثم يذكر التقسيم المتقدم حتى يظهر أن هذا الحكم ~~معلل بالوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يصح على الباري كونه محايثا ~~للعالم أو مباينا عنه في أي جهة كان من الجوانب التي للعالم وذلك يقتضي أن ~~لا يكون اختصاص الله بجهة فوق بل يلزم صحة الحركة على ذات الله تعالى من ~~الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال # الرابع أن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو ~~مباينا عنه بالجهة والمباين بالجهة لابد وأن يكون جوهرا فردا أو يكون مركبا ~~من الجواهر وكون كل موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني ~~كونه عرضا أو جوهرا فردا أو جسما مؤتلفا لابد وأن يكون معللا بالوجود فوجب ~~أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه ~~تعالى ليس بعرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف مركب من الأجزاء والأبعاض # الخامس أن كل موجود يفرض مع العالم فهم إما أن يكون مساويا للعالم أو ~~زائدا عليه في المقدار أو أنقص منه في المقدار وانقسام الوجود في ~~PageV02P329 الشاهد إلى هذه الإقسام الأربعة حكم لابد له من علة ولا علة ~~إلا الوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه ~~لأقسام الثلاثة والقوم لا يقولون به فثبت بما ذكرنا أن هذه الشبهة منقوضة # قال ms785 واعلم أنا إنما طولنا في الكلام على هذه الشبهة لأن القوم يعولون ~~عليها ويظنون أنها حجة قاهرة ونحن بعد أن بالغنا في تنفيحها وتقريرها ~~أوردنا عليها هذه الأسولة القاهرة والاعتراضات القادحة ونسأل الله تعالى أن ~~يجعل هذه التحقيقات والتدقيقات سببا لمزيد من الأجر والثواب بمنه وفضله # قلت والكلام على هذا مع العلم بأن المقصود ذكر القول والفصل والحكم ~~العادل فيما يذكره النفاة من الحجج والجواب عما ذكره من جهة منازعة ليس ~~المقصود استيفاء حجج المثبتة بل إذ تبين أن هذا الذي هو الإمام المطلق في ~~المتأخرين من هؤلاء النفاة المتكلمين والفلاسفة وعرف فرط معاداته لهؤلاء ~~المثبتة الذين ذكرهم وذكر حججهم مع ما هم عليه من ضعف الحجج وقلة المعرفة ~~بالسنن ومذاهب السلف ومع ما فيهم من الانحراف ثم تبين ظهور حججهم العقلية ~~التي ذكرها دع السمعية على ما استوفاه من حجج النفاة العقلية والسمعية مع ~~استعانته بكل من هو من النفاة حتى المشركين الصابئين مثل ارسطو وأبي معشر ~~وشعيتهما من الفلاسفة والمنجمين والمعتزلة وغيرهم ومع أنه لم يبق ممكنا ~~فيما فيه شبهة حجة عرف من الحق ما يهدي به الله من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين ولا حول ولا قوة إلا بالله # وقد ذكر أن لهم طريقين على أن كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثا ~~للآخر أو مباينا له أحدهما ادعاء البديهة وقد ذكر أنه سبق PageV02P330 ~~الكلام في ذلك فأحال على ما تقدم وقد قدمنا القول على ما ذكره هناك في ~~مقدمة كتابه مما يبين الحق لمن له أدنى نظر ولا حول ولا قوة إلا بالله # وما ذكره هنا من حكاية كلام ابن الهيصم في مناظرته لابن فورك لم يبلغنا ~~عن الوجه المفصل لكن ذكر بعض المصنفين من النفاة أيضا أنهما تناظرا بحضرة ~~ولي السلطان محمود بن سبكتكين وكان من أحسن ملوك أهل المشرق اسلاما وعقلا ~~ودينا وجهادا وملكا في آخر المائة الرابعة وكانت ملوك في خلافة الظاهر ~~وكانت قد انتشرت إذا ذاك دعوة الملاحدة المنافقين الذين كانوا إذ ms786 ذاك بمصر ~~وقد بنوا القاهرة وغيرها ولهم دعاة من أقاصي الأرض بالمشرق وغيره وكان والد ~~ابن سينا منهم وقال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في علوم الأوائل وكان بعض ~~المشرق وكثير من جنده يميل إليهم وفي ذلك الوقت صنف الناس الكتب في كشف ~~أسرارهم وهتك أستارهم مثل الكتاب الذي صنفه القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره ~~وقد صنف مثل ذلك وبعده كتب آخر وإنما المقصود التنبيه على ما يتعلق بما نحن ~~فيه # وكان هذا مما دعا القادر إلى إظهار السنة وقمع أهل البدع فكتب الإعتقاد ~~القادري المنسوب إليه وهو في الأصل من جمع الشيخ أبي أحمد القصار وهو من ~~أجل المشايخ وأعلمهم وله لسان صدق عظيم وأمر القادر باستتابة من خالف ذلك ~~من المعتزلة وغيرهم وقام الشيخ أبو حامد الاسفرائيني إمام الشافعية والشيخ ~~أبو عبد الله ابن حامد إمام الحنابلة على ابن الباقلاني بسبب ما ينسب إليه ~~من بدعة الأشعري وجرت أمور بلغتنا مجملة غير مفصلة وصنف ابن الباقلاني ~~كتابه المعروف في الرد على من ينسب إلى الأشعري خلاف قوله واعتمد السلطان ~~محمود بن سبككتين في مملكته نحو هذا وزاد PageV02P331 عليه بأن أمر بلعنة ~~أهل البدع على المنابر فلعنت الجهمية والرافضة والحرورية والمعتزلة ~~والقدرية ولعنت أيضا الأشعرية حتى جرى بسبب ذلك نزاع وفتنة بين الشافعية ~~والحنفية وغيرهم قوم يقولون هم من أهل البدع فيلعنون وقوم يقولون ليسوا من ~~أهل البدع فلا يلعنون وجرت لابن فورك محنة بأصبهان وجرت له مناظرة مع ابن ~~الهيصم بحضرة هذا السلطان محمود وكان يحب الاسلام والسنة مستنصرا بالاسلام ~~عارفا به غزا المشركين من أهل الهند وفتح الهند وروي أنه قتل عشرة آلاف ~~زنديق # فكان مما حكاه ميمون النسفى الحنفي في كتابه وهو من نفاة العلو أن ~~السلطان فهم كلام الطائفتين وفهم ما ذكرته المثبتة من أن أقوال النفاة توجب ~~تعطيله وأنهم قالوا لو أردنا أن نصف المعدوم لم نصفه إلا بهذه الصفة بأنه ~~لا داخل العالم ولا خارجه أو كلاما هذا معناه وابن فورك عجز عن ms787 جواب هذا ~~حتى كتب فيه إلى أبي اسحاق الأسفرائيني وأن الاسفرائيني لم يجب أيضا بما ~~يدفع به ذلك إلا أن قال يلزم من الاثبات أن يكون جسما أو نحو هذا # مع أن المعروف عن أبي بكر بن فورك هو ما عليه الأشعري وأئمة أصحابه من ~~إثبات أن الله فوق العرش كما ذكر ذلك في غير موضع من كتبه وحكاه عن الأشعري ~~وابن كلاب وارتضاه وذكر البيهقي عنه في كتاب الصفات أنه قال استوى بمعنى ~~علا وقال في قوله @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ أي من فوق السماء واحتج ~~البيهقي لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ حين حكم في بني ~~قريظة لقد حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به فوق سبع سماوات وبقول ابن عباس ~~إن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك PageV02P332 # قال أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني الذي له الرسالة التي سماها ~~برسالة الايماء إلى مسألة الاستواء لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء ~~وذكر أقوالا متعددة قول الطبري أبي جعفر بن جرير صاحب التفسير وأبي محمد بن ~~أبي زيد والقاضي عبد الوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه قال وهو ظاهر بعض ~~كتب القاضي أبي بكر وأبي الحسن يعني الأشعري وحكاه عنه أعني القاضي أبا بكر ~~والقاضي عبد الوهاب نصا وهو أنه سبحانه وتعالى مستو على عرشه بذاته قال ~~وأطلقوا القول في بعض الأماكن فوق عرشه قال أبو بكر الحضرمي وهو الصحيح ~~الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكن في مكان ولا كون فيه ولا مماسة # قال أبو عبد الله القرطبي صاحب التفسير الكبير في كتاب شرح الأسماء ~~الحسنى بعد أن حكى كلام الحضرمي هذا قول القاضي أبي بكر في كتاب تمهيد ~~الأوائل له وقاله الاستاذ ابن فورك في شرح أوائل الأدلة وهو قول عمر بن عبد ~~البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين وقول الخطابي في شعار الدين ثم قال ~~بعد أن ذكر في الاستواء أربعة عشر قولا وأظهر الأقوال ما ms788 تظاهرت عليه الآي ~~والأخبار والفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان ~~نبيه بلا كيف بائن من جميع خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم ~~الثقاة # ونقل أبو بكر بن فورك في كتاب مقالة أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ~~وموافقته الأشعري وما بينهما من النزاع اليسير أو اللفظي فقال الفصل الأول ~~في ذكر ما حكى شيخنا أبو الحسن رضي الله عنه في كتاب المقالات من جمل مذاهب ~~أصحاب الحديث وأبان ما أبان في آخره أنه يقول بجميع ذلك PageV02P333 ثم سرد ~~ابن فورك المقالة التي تقدم ذكرنا لها من كلام الأشعري بعينها وما فيها من ~~ذكر العرش واستواء الله عليه والصفات الخبرية وغير ذلك كما تقدم ثم قال في ~~آخرها فهذا يحقق لك من ألفاظه أنه يعتقد لهذه الأصول التي هي قواعد أصحاب ~~الحديث وأساس توحيدهم # ولا ريب أن هذا قول الأشعرية المتقدمين وأئمتهم كلهم ما علمت بينهم في ~~ذلك نزاعا وإنما أنكر ذلك من أنكره من متأخريهم وجميع كتب الأشعري تنطق ~~بذلك كما ذكرنا فيما تقدم من كتبه وفيما لم يصل إلينا مما يحيل هو عليه مثل ~~ما ذكره أبو القاسم بن عساكر في تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن ~~الأشعري بعد أن قال فلا بد أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة لتعلم ~~حاله وصحة عقيدته في الديانة فاسمع ما ذكره في الابانة فإنه قال الحمد لله ~~الواحد العزيز الماجد المتفرد بالتوحيد المتمجد بالتمجيد الذي لا تبلغه ~~صفات العبيد وليس له مثل ولا نديد وذكر تمام الخطبة إلى أن قال فإن قال ~~قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة ~~والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له ~~قولنا الذي نقول به وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك ~~معتصمون وبما كان عليه الامام أحمد بن حنبل نضر الله ms789 وجهه قائلون ولمن خالف ~~قوله مخالفون لأنه الامام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ~~عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك ~~الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين ~~وذكر تمام الإعتقاد كما ذكرناه عنه فيما تقدم لما ذكر ما ذكره الأشعري في ~~الأبانة PageV02P334 # ثم قال ابن عساكر بعد أن فرغ من سياق ذلك فتأملوا رحمكم الله هذا ~~الإعتقاد ما أوضحه وأبينه واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه # قال الحافظ ابن عساكر قال أبو الحسن في كتابه الذي سماه العمدة في الرؤية ~~ألفنا كتابا كبيرا في الصفات تكلمنا فيه على أصناف المعتزلة والجهمية فيه ~~فنون كثيرة من الصفات في إثبات الوجه لله واليدين وفي استوائه على العرش # ولشهرة هذا من مذهب الأشعري قال أبو الحسن علي بن مهدي الطبري المتكلم ~~صاحب أبي الحسن الأشعري في كتابه الذي ألفه في مشكل الآيات في باب قوله ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ اعلم أن الله سبحانه وتعالى في السماء ~~فوق كل شيء على عرشه بمعنى أنه عليه ومعنى الاستوى الاعتلاء كما تقول العرب ~~استويت على ظهر الدابة واستويت على السطح بمعنى علوته واستوى الشمس على ~~رأسي واستوى الطير على قمة رأسي بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي فالقديم ~~جل جلاله عال على عرشه قوله @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ وقوله @QB@ يا ~~عيسى إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ وقوله @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ ~~وقوله @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ # قال وزعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه مأخوذ من ~~قول العرب استوى بشر على العراق استولى عليها وقال إن العرش يكون الملك ~~فيقال ما أنكرت أن يكون عرش الله جسما خلقه وأمر ملائكته بحمله قال @QB@ ~~ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ وأمية يقول % مجدوا الله فهو للمجد ~~أهل % ربنا في السماء أمسى كبيرا % % بالبناء الأعلى الذي سبق النا % س ~~وسوى فوق السماء سريرا % $ PageV02P335 # قال ومما ms790 يدل على أن الاستواء هاهنا ليس بالاستيلاء لأنه لو كان كذلك لم ~~ينبغ أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه إذ هو مستول على العرش ~~وعلى سائر خلقه وليس للعرش مزية على ما وصفته فبان بذلك فساد قوله # ثم يقال له أيضا إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي من قول العرب استوى ~~فلان على كذا أي استولى إذا تمكن فيه بعد أن لم يكن متمكنا فلما كان الباري ~~لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء # ثم قال حدثنا أبو عبد الله نفطويه ثنا أبو سعيد قال كنا عند ابن الاعرابي ~~فأتاه رجل فقال ما معنى قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ قال هو على ~~عرشه كما أخبر فقال ليس هو كذلك إنما معناه استولى قال ابن الاعرابي اسكت ~~ما يدريك ما هذا العرب لا تقول للرجل استولى على العرش حتى يكون له في مضاد ~~فأيهما غلب قيل استولى عليه والله لا مضاد له وهو على عرشه كما أخبر # قال أبو الحسن بن مهدي الطبري فإن قيل فما تقولون في قوله @QB@ أأمنتم من ~~في السماء @QE@ قيل له معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش كما قال @QB@ ~~فسيحوا في الأرض @QE@ بمعنى على الأرض وقال @QB@ ولأصلبنكم في جذوع النخل ~~@QE@ أي على جذوع النخل فكذلك قوله @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ # قال فإن قيل فما تقولون في قوله تعالى @QB@ وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض يعلم سركم وجهركم @QE@ قيل له إن بعض القراء يجعل الوقف في @QB@ ~~السماوات @QE@ ثم يتبدى @QB@ وفي الأرض يعلم سركم وجهركم @QE@ وكيف ما كان ~~فلو أن قائلا قال PageV02P336 فلان بالشام والعراق ملك لدل على الملك ~~بالشام والعراق لا أن ذاته فيهما قال فإن قيل ما تقول في قوله @QB@ ما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم @QE@ الآية قيل له كون الشيء مع الشيء على ~~وجوه منها بالنصر ومنها بالصحبة ومنها بالمماسة ومنها بالعلم فمعنى هذا ~~عندنا أن الله تعالى مع كل الخلق بالعلم # قال قال ms791 البخلي فإن قيل لنا ما معنى رفع أيدينا إلى السماء وقوله @QB@ ~~والعمل الصالح يرفعه @QE@ قلنا تأويل ذلك أن أرزاق العباد لما كانت تأتي من ~~السماء جاز أن نرفع أيدينا إلى السماء عند الدعاء وجاز أن يقال أعمالنا ~~ترفع إلى الله لما كانت حفظة الأعمال إنما مساكنهم في السماء قيل له إن ~~كانت العلة في رفع أيدينا إلى السماء أن الأرزاق فيها وأن الحفظة مساكنهم ~~في السماء جاز أن نخفض أيدينا في الدعاء نحو الأرض من أجل أن الله يحدث ~~فيها النبات والأقوات والمعاش وأنها قرارهم ومنها خلقوا أو لأن الملائكة ~~معهم في الأرض فلم تكن العلة في السماء بما وصفه وإنما أمرنا الله تعالى ~~برفع أيدينا قاصدين إليه لرفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه # فإذا كان ابن فورك وسائر أئمة الأشعرية موافقين الكرامية وغيرهم على أن ~~الله عز وجل نفسه فوق العرش وهم جميعا متفقون على مخالفة المعتزلة الذين ~~ينفون ذلك ويتأولون الاستواء بمعنى الاستيلاء ونحو ذلك وهم جميعا متفقون ~~على الاستدلال على أن الله فوق العالم بالآيات التي ذكرها هذا الرازي من ~~ناحية مخالفية مثل قوله @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ~~@QE@ وقوله @QB@ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ وقوله @QB@ أأمنتم من ~~في السماء أن يخسف بكم الأرض @QE@ مثل ذلك في الآيات كما ذكرنا بعض ذلك وقد ~~تنازع ابن فورك وأصحابه مع ابن الهيصم وأصحابه فإما أن يكون نزاعهم لفظيا ~~أو معنويا PageV02P337 # فإن كان لفظيا لم يكن ذلك منافيا لاتفاقهم من جهة المعنى وإن كانت ~~المعاني متفقة لم يضر اختلاف الألفاظ إلا إذا كان منهيا عنها في الشريعة # وإن كان النزاع معنويا فهو أيضا قسمان أحدهما اختلاف تنوع بأن يكون هؤلاء ~~يثبتون شيئا لا ينفيه هؤلاء وهؤلاء ينفون شيئا لا يثبته هؤلاء فهذا أيضا ~~ليس باختلاف معلوم إلا إذا كان كل منهما يدفع ما يقوله الآخر من الحق فإذا ~~كان أحدهما يثبت حقا والآخر ينفي باطلا كان على كل منهما أن يوافق الآخر ~~وإذا اختلفا كانا جميعا ms792 مذمومين وهذا من الاختلاف الذي ذمه الله تعالى في ~~كتابه حيث قال سبحانه وتعالى @QB@ وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق ~~بعيد @QE@ وقال @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات @QE@ وأمثال ذلك # وإن كانا قد تنازعا حقيقيا هما فيه متناقضان على حقيقة التناقض بحيث أن ~~يكون أحدهما ينفي غير ما أثبته الآخر فهذا بعد اتفاقهم على إثبات أنه فوق ~~العرش وفوق العالم ومخالفتهم جميعا للمعتزلة الذين سلك هذا الرازي وأمثاله ~~مسلكهم في كتابه هذا التأسيس إنما يكون بأن يقول المثبت كونه فوق العرش ~~يستلزم أن يكون في جهة أو يكون متحيزا أو أن يكون منقسما ونحو ذلك ويقول ~~الثاني كونه على العرش لا يستلزم ذلك بل يجوز أن يكون على العرش ولا يكون ~~جسما وهذا الثاني قول الأشعرية فالخلاف بينهم وبين الأشعرية إنه إذا كان ~~على العرش هل يستلزم ذلك أن يكون جسما أو لا يستلزم ذلك # فإن كان هذا هو الخلاف المحقق بين ابن فورك وأصحابه وبين ابن الهيصم ~~وأصحابه فإما أن يكون الصواب مع ابن فورك أو مع ابن الهيصم PageV02P338 # فإن كان الصوب مع ابن فورك ثبت حينئذ أنه إذا كان على العرش لم يستلزم ~~ذلك أن يكون جسما ولا أن يكون مركبا أو منقسما ولا غير ذلك وإذا صح هذا بطل ~~ما ذكره هذا المؤسس وأمثاله من أن كونه فوق العرش يستلزم التجسيم وحينئذ ~~فيبطل جميع ما ذكره من الحجج في هذا الكتاب على ابطال كونه على العرش وإذا ~~أقر بأنه فوق العرش فهو أعظم المقصود وحينئذ فيكون كلامه من جنس الأشعرية ~~الأكابر المتقدمين # وإن كان الصواب مع ابن الهيصم وهو أن كونه فوق العرش يستلزم أن يكون جسما ~~وهذا هو الذي يقوله هذا المؤسس وأمثاله من الأشعرية المتأخرين وهو الذي ~~يقوله المعتزلة والفلاسفة الجهمية وأمثالهم فيكون هذا المؤسس وهؤلاء كلهم ~~متفقون على أن الصواب في المناظرة كان مع ابن الهيصم دون ابن فورك # ومعلوم أن أهل الاثبات الذين يقولون هو على العرش ولا ms793 يتكلمون في الجسم ~~بنفي ولا إثبات لا ينفون هذا الكلام أيضا وإن خالفهم بعضهم لفظا فيها ولا ~~ينازع في ذلك نزاعا معنويا فيكون جماهير الخلائق من مثبتة الصفات ونفاتها ~~مع ابن الهيصم # فقد ظهر بما ذكره أن تصويب بن فورك ومتقدمي الأشعرية يقتضي تخطئة الرازي ~~ومتأخري الأشعرية الذي خالفوا متقدميهم في قولهم إن الله ليس على العرش وأن ~~تصويب ابن الهيصم وتخطئة ابن فورك هو أولى بتخطئة هؤلاء المتأخرين النفاة ~~لكونه على العرش وإذا كان كذلك ثبت خطأ هذا الرازي وذويه سواء كان المصيب ~~هو ابن فورك أو هو ابن الهيصم وثبت اتفاق الطائفتين المتقدمتين من الأشعرية ~~والكرامية على خطأ هؤلاء المتأخرين من PageV02P339 الأشعرية الموافقين ~~للمعتزلة في نفي أن يكون الله فوق العرش وهذا هو المقصود الأكبر فيما ~~ذكرناه # وأيضا فهذا الرازي وذووه يقولون هم وغيرهم إن العلم بأن كونه على العرش ~~يستلزم أن يكون متحيزا أو أن يكون جسما علم ضروري وإذا كان كذلك كانوا ~~مقرين بأن الكرامية أصوب من شيوخهم المتقدمين وأن ذلك معلوم بالاضطرار وإذا ~~كان كذلك ثبت أن قول الكرامية هو الصواب دون قولهم وقول شيوخهم المتقدمين ~~وذلك أيضا يستلزم أن يكون الله فوق العرش # وهذا يبين إنما تنازع فيه متقدمو الأشعرية ومتأخروهم ثبت به خطؤ إحدى ~~الطائفتين منهم ولم يثبت خطؤ الكرامية في قولهم إن الله فوق العرش فإنه إن ~~كان الصواب مع متقدميهم فهم والكرامية متفقون على أن الله فوق العرش وإن ~~كانت الكرامية مخطئة على هذا التقدير في قولهم هو جسم فهذا لا يضر وإن كان ~~الصوب مع متأخريهم أن كونه على العرش يستلزم التجسيم فهم والمتقدمون من ~~الأشعرية متفقون على أن الله فوق العرش فيكون التجسيم حينئذ لازما ~~للطائفتين جميعا فلا تكون إحداهما مصيبة والأخرى مخطئة # وإذا ثبت خطؤ احدى طائفتي الأشعرية تيقنا بالاتفاق إما مثبتو العلو وإما ~~الملازمون بين العلو والجسم ولم يثبت خطؤ الكرامية المنازعين لهم في قولهم ~~إنه على العرش لا على قول الأولين المثبتين العلو ولا على قول ms794 الآخرين ~~الملازمين بين العلو والجسم ظهر أن الكرامية المنازعين الأشعرية في مسألة ~~العلو والجسم أقرب إلى الصواب منهم فإن من ظهر خطؤه على كل تقدير أولى ~~بالخطأ ممن لم يظهر خطؤه في المسألة الواحدة وهي المقصودة الكبرى على ~~التقديرين جميعا وخطاهم في المسألة الأخرى وهي مسألة الجسم إنما يظهر على ~~إحدى التقديرين فقط وهذا بين ظاهر PageV02P340 # فإن الأشعرية قد ثبت لزوم الخطأ لهم بالضرورة إما لأوليهم وإما لآخريهم ~~إذا كان النزاع معنويا تضادا كما تقدم وأما الكرامية فهم في مسألة كونه على ~~العرش لم يظهر خطؤهم على التقديرين جميعا وفي مسألة الجسم إنما يكونون ~~مخطئين على قول الأولين فقط إذ الآخرون من الأشعرية يوافقونهم على أن العلو ~~يستلزم التجسيم وظهر بذلك أن كلما تنازع فيه هؤلاء لم يظهر فيه نفي أن يكون ~~الله على العرش وذلك لأن هذا هو الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وهو القائل سبحانه وتعالى @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله @QE@ الآية ودين الحق الذي بعث به رسوله ظاهر على كل ~~تقدير # وأيضا فإن هذا معلوم بالفطرة والبديهة وقد ظهر بذلك أن متقدمي الأشعرية ~~وأئمتهم هم أولى بالحق والصواب من متأخريهم وإن كان في قولهم ما يذكر أنه ~~خطؤ فالخطاء الذي مع المستأخرين أعظم وأكثر وهذا لأن الكلام الذي فيه بدعة ~~كلما كان أقرب إلى الفطرة والشرعة كان أقرب إلى الهدى ودين الحق وكلما بعدت ~~البدعة عن ذلك تغلظت # وهذا مما يبين أن فطر الناس وبدائههم ممن ليس به هوى ولا تقليد سواء كان ~~في الأمراء أو الملوك أو غيرهم فإنهم يعرفون بفطرتهم وبديهة عقولهم أن ما ~~ذكره من أنه لا داخل العالم ولا خارجه إنما هو صفة المعدوم وأن الموجودين ~~لابد أن يكون أحدهما قائما بالآخر محايثا له أي يكون حيث هو يكون أو يكون ~~مباينا له منفصلا عنه في جبهه غير جهته # وما زال أئمة السنة يذكرون هذا مثل ما ذكره عبد العزيز الكناني صاحب ~~الشافعي ms795 صاحب الحيدة المشهور بالرد على الجهمية والقدرية وغيرهم ~~PageV02P341 قال في رده على الجهمية باب قول الجهمي في قول الله عز وجل ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ زعمت الجهمية أنما قول الله @QB@ الرحمن ~~على العرش استوى @QE@ أنما المعنى استولى كقول العرب استوى فلان على مصر ~~استوى فلان على الشام يريد استولى عليهما باب البيان لذلك يقال له هل يكون ~~خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه فإذا قال لا قيل له فمن ~~زعم ذلك فهو كافر ويقال له يلزمك أن تقول إن العرش قد أتت عليه مدة ليس ~~الله بمستول عليه بعد خلق السموات والأرض قال وذلك أن الله أخبر أنه خلق ~~العرش قبل السماوات والأرض ثم استوى عليه الله تعالى @QB@ وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء @QE@ فأخبر أن العرش كان ~~على الماء قبل خلق السموات والأرض ثم قال @QB@ خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا @QE@ وقوله ~~@QB@ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم @QE@ وقوله عز وجل @QB@ ~~ثم استوى إلى السماء وهي دخان @QE@ وقوله عز وجل @QB@ ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات @QE@ فأخبر أنه استوى على العرش فيلزمك أن تقول المدة ~~التي كان العرش فيها قبل خلق السموات والأرض ليس الله بمستول عليه إذا كان ~~استوى على معناه عندك استولى فإنما استولى بزعمه في ذلك الوقت لا قبل # قال وقد روى عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أقبلوا ~~البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فاعطنا قال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن ~~قالوا قد قبلنا فاخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان قال كان الله قبل كل شيء ~~وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح ذكر كل شيء وروي عن أبي رزين العقيلي ~~وكان يعجب النبي صلى الله عليه وسلم مسألته أنه قال يا رسول الله ~~PageV02P342 أين كان الله قبل أن يخلق السموات والأرض قال كان ms796 في عماء فوقه ~~هواء وتحته هواء ثم خلق عرشه على الماء # قال فقال الجهمي أخبرني كيف استوى على العرش أهو كما تقول العرب استوى ~~فلان على السرير فيكون السرير حوى فلانا وحده إذا كان عليه فيلزمك أن تقول ~~إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا ~~هكذا باب من البيان لذلك يقال له أما قولك كيف استوى فإن الله لا يجري عليه ~~كيف وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى فوجب على ~~المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى ~~لأنه لم يخبرهم كيف كذلك ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت وحرم ~~عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون فآمنوا بخبره عن الاستواء ثم ردوا ~~علم كيف استوى إلى الله ولكن يلزمك أنت أيها الجهمي أن تقول إن الله محدود ~~وقد حوته الأماكن إذ زعمت في دعواك أنه في الأماكن لأنه لا يعقل شيء في ~~مكان إلا والمكان قد حواه كما تقول العرب فلان في البيت والماء في الجب ~~فالبيت قد حوى فلانا والجب قد حوى الماء ويلزمك أشنع من ذلك لأنك قلت أشنع ~~من ذلك لأنك قلت أفضع مما قالت به النصارى وذلك أنهم قالوا إن الله حل في ~~عيسى وعيسى بدن انسان واحد فكفروا بذلك وقيل لهم ما أعظمتم الله تعالى إذ ~~جعلتموه في بطن مريم وأنتم تقولون إنه في كل مكان وفي بطون النساء كلهم ~~وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم ويلزمك أيضا أن تقول في أجواف الكلاب ~~والخنازير لأنها أماكن وعندك أنه في كل مكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا # قال فلما شنعت مقالته قال أقول بأن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء ~~ولا كالشيء على الشيء ولا كالشيء مع الشيء خارجا عن الشيء ولا مباينا ~~PageV02P343 للشيء باب البيان لذلك يقال له إن أصل قولك القياس والمعقول ~~فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد ms797 شيئا لأنه لو كان شيئا ما خلا ~~في القياس والمعقول أن يكون داخلا في الشيء أو خارجا عنه فلما لم يكن في ~~ذلك شيئا استحال أن يكون كالشيء أو خارجا عن الشيء فوصفت لعمري ملتبسا لا ~~وجود له وهو دينك وأصل مقالتك التعطيل # وأما الحجة التي ذكرها عن ابن الهيصم فلم يذكر ألفاظها لكن ذكر أنه نظمها ~~أحسن من نظمه ونحن في جميع ما نورده نحكي ألفاظ المحتجين بعينها فإن التصرف ~~في ذلك قد يدخله خروج عن الصدق والعدل إما عمدا وإما خطأ فإن الانسان إن لم ~~يتعمد أن يلوي لسانه بالكذب أو يكتم بعض ما يقوله غيره لكن المذهب الذي ~~يقصد الانسان إفساده لا يكون في قلبه من المحبة له ما يدعوه إلى صوغ أدلته ~~على الوجه الأحسن حتى ينظمها نظما ينتصر به فكيف إذا كان مبغضا لذلك والله ~~أعلم بحقيقة ما قاله ابن الهيصم وما نقله هذا عنه لكن نحن نتكلم على ما ~~وجدناه مع العلم بأن الكرامية فيهم نوع بدعة في مسألة الايمان وغيرها كما ~~في الأشعرية أيضا بدعة لكن المقصود في هذا المقام ذكر كلامهم وكلام النفاة # ولا ريب أن أئمة الأشعرية وهم الذين كانوا أهل العراق كأبي الحسن الكبير ~~وأبي الحسن الباهلي وأبي عبد الله بن مجاهد وصاحبة القاضي أبي بكر وأبي علي ~~بن شاذان ونحوهم لم يكونوا في النفي كأشعرية خراسان مثل أبي بكر بن فورك ~~ونحوه بل زاد أولئك في النفي أشياء على مذهب PageV02P344 أبي الحسن ونقصوا ~~من إثباته أشياء ولهذا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وكلام أبي سعيد بن ~~كلاب الذي ذكره أبو بكر بن فورك فيما جمعه من كلامهما وبيان مذهبهما أشياء ~~تخالف ما انتصر له ابن فورك في مواضع # وهذه الحجة القياسية التي ذكرها عن ابن الهيصم هي مأخوذة من حجة أهل ~~الاثبات في مسألة رؤية الله وأنهم كانوا يحتجون على جواز رؤية الله بأن ~~الله قادر على أن يرينا نفسه لأنه موجود وما لم تمكن رؤيته لا يكون ms798 إلا ~~معدوما وهذه الحجة كانوا يتكلمون فيها كنحو كلام أهل الاثبات في مسألة ~~العلو تارة يحتجون فيها بالعلم الضروري بأن الله تعالى قادر على ذلك وتارة ~~يثبتون ذلك بالقياس فإن الرؤية مما يشترك فيها الجواهر والأعراض فيكون ~~عليها أمر مشترك بينهما ولا مشترك إلا الوجود والحدوث لا يكون علة فثبت أن ~~المصحح للرؤية هو الوجود # وهذه الطريقة القياسية مشهورة عن أبي الحسن الأشعري وللناس عليها ~~اعتراضات معروفة كما ذكر ذلك الشهرستاني وغيره ولذلك عدل طائفة من أتباعه ~~كالقاضي أبي بكر إلى أن أثبتوا إمكان الرؤية بالسمع كما أن وقوعها معلوم ~~بالسمع بلا نزاع وأبو عبد الله الرازي قد ذكر طريقة الأشعري هذه في الرؤية ~~في نهايته وذكر ما فيها من القوادح التي يظهر معها وهاها # وإذا علم ذلك فينبغي أن يعلم لأمران أحدهما أن الطريقة التي سلكها أهل ~~الاثبات في مسألة العلو بدعوى الضرورة تارة وبالقياس الذي احتج به ابن ~~الهيصم وغيره تارة أصح من الطريقة التي يسلكونها في مسألة الرؤية بدعوى ~~الضرورة تارة وبالقياس أخرى كما قد ذكرنا فيما قبل أن العلم بأن الله ~~PageV02P345 تعالى فوق خلقه أعرف في الفطرة وأشهر في الشريعة وأعظم ~~استقرارا عند سلف الأمة وأئمتها من العلم بأنه يرى وأن الجهمية كانوا ~~يكتمون إنكار ذلك ويتظاهرون بإنكار الرؤية ونحوها ليتوسلوا بما يظهرونه من ~~إنكار الرؤية والقول القرآن على ما يكتمونه من إنكار وجود الله فوق العرش ~~وكان أئمة السلف يعلمون ذلك منهم فيعرفونهم في لحن القول ويستدلون بما ~~أظهروه على ما أسروه لعلمهم بأصل كلامهم وأنهم إنما أنكروا رؤيته وأنكروا ~~أنه يتكلم حقيقة لأن رؤيته وكلامه مستلزم لوجوده فوق العالم فإذا سلموا ~~الكلام والرؤية وغيرهما لزمهم تسليم أنه فوق العرش وغير ذلك إذ يقال لو كان ~~على العرش لجازت رؤيته ولكان متكلما ومالا يجوز أن يرى يمتنع أن يكون فوق ~~العرش # فلما كانت مسألة العلو هي في نفسها أعظم وأدلتها أقوى وأكثر والمقرون بها ~~أكثر وأكثر من السلف والأئمة والعامة كانت الطريقة التي يسلكها أهل ms799 الإثبات ~~فيها أقوى من الطريقة التي يسلكوها في مسألة الرؤية # وبيان ذلك أن اعتراف الفطر بأن الله فوق العالم أعظم من اعترافها بأنه ~~يرى ودلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على ذلك أعظم من دلالة هذه ~~الأصول على رؤية الله تعالى واعتراف القلوب بأن مالا يكون داخل العالم ولا ~~خارجه لا يكون إلا معدوما أعظم من أعترافها بأن مالا يمكن رؤيته لايكون ~~إلامعدوما وما في القلوب من البديهة والضرورة إلى الأول أعظم مما فيها من ~~الضرورة والبديهية إلى الثاني وكذلك اعترافها بديهة وضرورة بأن كل موجودين ~~لابد أن يكونا متباينين أو متحايثين أعظم من اعترافها بأن كل موجود فلابد ~~وأن تمكن رؤيته # وإذا كان الأمر كذلك ظهر أن الطريقة القياسية التي سلكها ابن الهيصم ~~ونحوه في مسألة العلو أقوى من الطريقة التي سلكها الأشعري ونحوه وابن ~~الهيصم PageV02P346 أيضا في عين مسألة الرؤية وكلاهما سلك طريقة ينصر بها ~~الاثبات الذي جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة # وكل ما ذكره الرازي من القوادح في هذه الطريقة التي سلكها ابن الهيصم ~~فإنما هي قدح في الأصول العقلية التي سلكها أئمة الأشعرية وغيرهم فهدمه ~~وهدم ابن فورك ونحوه بما ذكروه لأصول أصحابهم وأئمتهم أعظم من هدمهم للأصول ~~التي تذكرها الكرامية وغيرهم في مسألة العرش وهذا بين يعرفه من شدى شيئا من ~~النظر في هذه المواضع ومن عرف ما اعتمده من الأصول في مسألة الرؤية وعلم ما ~~اعتمده هؤلاء في مسألة العرش # الأمر الثاني أنا نذكر أن الطريقة التي سلكها أهل الاثبات في الرؤية ليست ~~من الضعف كما يظنه اتباع الأشعري مثل الشهرستاني والرازي وغيرهما بل لم ~~يفهموا غورها ولم يقدروا الأشعري قدره بل جهلوا مقدار كلامه وحججه وكان هو ~~أعظم منهم قدرا وأعلم بالمعقولات والمنقولات ومذاهب الناس من الأولين ~~والآخرين كما تشهد به كتبه التي بلغتنا دع ما لم يبلغنا فمن رأى ما في كتبه ~~من ذكر المقالات والحجج ورأى ما في كلام هؤلاء رأى بونا عظيما # وإذا ظهر أن طريقهم في ms800 الرؤية أقوى مما يظنه هؤلاء كان ذلك تنبيها على أن ~~طريقة ابن الهيصم في العلو أولى أن تكون أقوى منها وأن يكون القدح فيها دون ~~القدح في تلك ثم نبين إن شاء الله تعالى بالكلام المفصل أن عامة ما ذكره ~~الرازي من القدح فيها قدح باطل ولا حول ولا قوة إلا بالله PageV02P347 # والله هو المسئول أن يوفقنا للكلم الطيب والعمل الصالح وهو الذي يقوله ~~وإن كان فيه حكم بين هؤلاء الذين يخوضون أحيانا بكلام مذموم عند السلف لكن ~~قد ذكرنا غير مرة أن من حكم الشريعة إعطاء كل ذي حق حقه كما في السنن عن ~~عائشة قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم وأن ~~من كان منهم أقرب إلى الحق والسنة عرفت مرتبته ووجب تقديمه في ذلك الأمر ~~على ما كان أبعد عن الحق والسنة منه قال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ~~@QB@ وأمرت لأعدل بينكم @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله @QE@ وقال في حق أهل الكتاب @QB@ وإن حكمت فاحكم ~~بينهم بالقسط @QE@ وقال @QB@ فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~عما جاءك من الحق @QE@ فكيف الحال بين طوائف أهل القبلة بل الحكم بين من ~~فيه فجور ومن فيه بدعة بالعدل ووضعهم مراتبهم وترجيح هذا من الوجه الذي هو ~~فيه أعظم موافقة للشريعة والحق أمر واجب ومن عدل عن ذلك ظانا أنه ينبغي ~~الاعراض عن الجميع بالكلية فهو جاهل ظالم وقد يكون أعظم بدعة وفجورا من ~~بعضهم # قال أبو الحسن الأشعري في الابانة بعد أن احتج بحجج كثيرة جيدة على اثبات ~~الرؤية من الكتاب والسنة والاجماع ومقصوده الأكبر في الابانة ذكر الحجج ~~السمعية دون القياسية المبنية على الكلام في الجواهر والأعراض فإنه يختصرها ~~فقال بعد ذلك ومما يدل على جواز رؤية الله بالأبصار أنه ليس موجودا غير ~~مستحيل أن يريناه وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم فلما كان الله موجودا مثبتا ~~كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عز وجل ms801 PageV02P348 وإنما أراد من نفي الرؤية ~~لله عز وجل بالأبصار التعطيل فلما لم يمكنهم ذلك صراحا أظهروا ما يؤول بهم ~~إلى التعطيل وجحدوا الله تعالى تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا # قال ومما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار أن الله تعالى يرى ~~الأشياء وإذا كان للأشياء رائيا وليس يجوز أن يرى الأشياء من لا يرى نفسه ~~وإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه وذلك أنه من لا يعلم نفسه لا ~~يعلم شيئا فلما كان الله تعالى عالما بالأشياء كان عالما بنفسه فكذلك من لا ~~يرى نفسه لا يرى الأشياء فلما كان الله رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه وإذا ~~كان رائيا لها فجائز أن يرينا نفسه كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن ~~يعلمناها وقد قال الله عز وجل @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ فاخبر أنه ~~سمع كلامهما ويراهما ومن زعم أن الله لا يرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن ~~يكون الله عز وجل عالما ولا قادرا ولا رائيا لأن العالم القادر الرائي جائز ~~أن يرى # قلت وهذا المعنى الذي ذكره الأشعري من أن الموجود يقدر الله على أن ~~يريناه وأن المعدوم هو الذي لا يجوز رؤيته فنفي رؤيته يستلزم نفي الوجود هو ~~مأخوذ من كلام السلف والأئمة كما ذكره حنبل عن الامام أحمد ورواه الخلال ~~عنه في كتاب السنة قال القوم يرجعون إلى التعطيل في كونهم ينكرون الرؤية # وذلك أن الله على كل شيء قدير وهذا لفظ عام لا تخصيص فيه فأما الممتنع ~~لذاته فليس بشيء باتفاق العقلاء وذلك أنه متناقض لا يعقل وجوده فلا يدخل في ~~مسمى الشيء حتى يكون داخلا في العموم مثل أن يقول القائل PageV02P349 هل ~~يقدر أن يعدم نفسه أو يخلق مثله فإن القدرة تستلزم وجود القادر وعدمه ينافي ~~وجوده فكأنه قيل هل يكون موجودا معدوما وهذا متناقض في نفسه لا حقيقة له ~~وليس بشيء أصلا وكذلك وجود مثله يستلزم أن يكون الشيء موجودا معدوما فإن ~~مثل الشيء ما يسد مسده ويقوم ms802 مقامه فيجب أن يكون الشيء موجودا معدوما قبل ~~وجوده مفتقرا مربوبا فإذا قدر أنه مثل الخالق تعالى لزم أن يكون واجبا ~~قديما لم يزل موجودا غنيا ربا ويكون الخالق فقيرا ممكنا معدوما مفتقرا ~~مربوبا فيكون الشيء الواحد قديما محدثا فقيرا مستغنيا واجبا ممكنا موجودا ~~معدوما ربا مربوبا وهذا متناقض لا حقيقة له وليس شيء أصلا فلا يدخل في ~~العموم وأمثال ذلك # أما خلق قوة في العباد يقدرون بها على رؤيته فإن ذلك يقتضي كمال قدرته ~~وما من موجود قائم بنفسه إلا والله قادر على أن يرينا إياه بل قد يقال ذلك ~~في كل موجود سواء قام بنفسه أو قام بغيره # وهنا طريقة أخرى وهي أن نقول كل موجود فالله قادر على أن يجعلنا نحسه ~~بأحد الحواس الخمس وما لا يكون ممكن إحساسه باحدى الحواس الخمس فإنه معدوم ~~وهذه الطريقة مما بين الأئمة أن جهما يقول بأن الله معدوم لما زعم أنه لا ~~يحس بشيء من الحواس لأن الموجود لابد أن يمكن إحساسه باحدى الحواس كما ذكر ~~الامام أحمد أصل قوم جهم # قال وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث ~~واضلوا بكلامهم بشرا كثيرا فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان ~~صاحب خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله فلقي أناسا من المشركين يقال ~~لهم السمنية فعرفوا الجهم فقالوا نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا ~~وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك PageV02P350 وكان مما كلموا به الجهم أن ~~قالوا ألست تزعم أن لك الها قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيت إلهك قال لا ~~قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له ~~حسا قال لا قالوا له فوجدت له مجسا قال لا قالوا فما يدريك أنه إله قال ~~فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة مثل زنادقة ~~النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هي روح الله ms803 ~~من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه ~~فيأمر بما شاء وينهى عما شاء وهو روح غائب الأبصار فاستدرك الجهم حجة مثل ~~هذه الحجة فقال للسمني ألست تزعم أن فيك روحا قال نعم قال فهل رأيت روحك ~~قال لا قال فهل سمعت كلامه قال لا قال فوجدت له حسا أو مجسا قال لا قال ~~فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن ~~الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان ووجد ثلاث آيات من المتشابه من القرآن ~~قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ وهو الله في السماوات وفي الأرض @QE@ ~~@QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ فبنى أصل اضلاله على هؤلاء ~~الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث به رسوله ~~كان كافرا وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشرا كثيرا واتبعه على قوله رجال من ~~أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية فإذا سألهم ~~الناس عن قول الله عز وجل @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ يقولون ليس كمثله شيء من ~~الأشياء وهو تحت الأرضين السابعة كما هو على العرش لا يخلو منه مكان ولا ~~يكون في مكان دون مكان ولا يكلم ولا يتكلم ولا ينظر PageV02P351 إليه أحد ~~في الدنيا ولا في الآخرة ولا يوصف بصفة ولا بفعل ولا له غاية ولا له منتهى ~~ولا يدرك بعقل وذكر تمام كلامه وقد كتبناه قبل هذا إلى أن قال فعند ذلك ~~تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئا ولكن يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في ~~العلانية وذكر تمام الكلام # والمقصود أنه بين أن وصفه بأنه لا يعرف بشيء من الحواس هو أصل كلامه الذي ~~لزمه به التعطيل وأنه لا يثبت شيئا لأن مالا يكون كذلك لا يكون شيئا # وهذا أمر مستقر في فطر المؤمنين لا يشكون في أن ms804 الله تعالى قادر على أن ~~يريهم نفسه وإنما يشكون هل يكون ذلك أو لا يكون كما سأل المؤمنون النبي صلى ~~الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة فقال نعم هل تضارون في رؤية الشمس ~~وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة فإنما كانوا شاكين هل ~~يرون ربهم لم يكونوا شاكين هل يقدر على أن يريهم نفسه وكذلك في المعاد ~~يعلمون أنهم عاجزون عن رؤيته كما أنهم عاجزون عن رؤية الأشياء البعيدة ~~والأشياء اللطيفة مع علمهم عن أن يقدموا بسمعه م وبصرهم على أكثر مما هم ~~قادرين عليه كما يعجزون أن الله قادر على أن يريهم ذلك وكذلك من قبلهم من ~~الأمم ولهذا سأل موسى ربه الرؤية وسأل قومه أن يروا الله جهرة كما سألوا ~~سائر الآيات فإنهم وإن كانوا مذمومين على مسألة الآيات فليسوا مذمومين على ~~علمهم بأن الله قادر عليها كما يسأل الرجل ما لا يصلح وهو من الاعتداء في ~~الدعاء مثل أن يسأل منازل الأنبياء ونحو ذلك فإن الله قادر على ذلك ولكن ~~مسألة هذا عدوان # ولهذا لا يوجد أن أحدا من الأمم السليمة الفطرة قال إن رؤية الله ممتنعة ~~عليه يعني أنه لا يجوز أن يكون مرئيا بحال وليس في مقدوره أن يرى أحدا ~~PageV02P352 نفسه بل هم إذا نفوا الرؤية كان لعظمته من جهة القدر أو الوصف ~~مثل قوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ أي لا تحيط به ومثل قوله صلى الله ~~عليه وسلم نور أنى أراه وقال رأيت نورا وهذا في المخلوقات فالخالق أعظم فإن ~~السماء ينفى عنها إدراك البصر لسعتها والشمس لبرهانها وشعاعها الذي يعشى ~~البصر فيكون ذلك لعجز البصر عن وصف المرئي وقدره # أما أن يقال إن موجودا عظيما يمتنع في نفسه أن يكون مرئيا كما يمتنع ذلك ~~في المعدوم فهذا خلاف ما فطر الله عليه عباده بل حيث كان الوجود أكمل كان ~~أحق بأن يجوز أن يرى ويشهد لكن بشرط قوى الرائي وكماله ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة أنكم ms805 ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر ~~لا تضامون في رؤية وفي رواية كما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب فقوله لا ~~تضامون ولا تضارون نفي لأن يلحقهم ضيم أو ضير كما يلحقهم في الدنيا في رؤية ~~الشيء إما لظهوره كالشمس أو لخفائه كالهلال # أما المعدوم فالاحساس به برؤية أو غيرها يقتضى أن يكون موجودا معدوما فإن ~~كونه معدوما يقتضى أنه ليس في الخارج فرؤيته في الخارج تقتضي أنه في الخارج ~~فيقتضي الجمع بين النقيضين الوجود والعدم وهذا باطل ممتنع لا حقيقة له أصلا ~~فلا يدخل في مسمى الشيء حتى يقال إن الله عليه قدير فإنه سبحانه على كل شيء ~~قدير وهذا ليس بشيء أصلا نعم صورة المعدوم الثابتة في العلم قد تنازع الناس ~~في جواز رؤيتها وتنازعوا كذلك في جواز رؤية الله للمعدومات لثبوتها في علمه ~~والنزاع فيها مشهور PageV02P353 # وأما الحجة القياسية المشهورة في هذا الباب التي احتج بها الأشعري وغيره ~~فإن هذا الرازي قد ذكرها في نهايته وأورد عليها اعتراضات كثيرة تهدمها ~~وكذلك من قبله كالشهرستاني وغيره ولم يقفوا على غورها ولا أعطوها حقها وليس ~~هذا موضع بسطها لكن ننبه عليها فإنا قد قدمنا فيما تقدم أن الأمثال ~~المضروبة إذا كانت من باب الأولى جاز استعمالها في حق الله تعالى كما ورد ~~به القرآن والسنة واستعملها السلف والأئمة كما يقال إذا كان العبد ينزه ~~نفسه عن شريك أو أنثى فتنزيه ربه أولى وإذا كان العبد عالما قادرا فالله ~~أولى # وكذلك هذه فإن حاصلها أنه إذا جاز رؤية الموجود المحدث الممكن فرؤية ~~الموجود الواجب القديم أولى وإذا كان المخلوق الناقص في وجوده يجوز أن يرى ~~ويحس به فالرب الكامل في وجوده أحق بأن يرى فإن كون الشيء بحيث يرى كمال في ~~حقه لا نقص لأن كونه لا يرى ولا يحس به لا يثبت في الشاهد إلا للمعدوم فكل ~~صفة لم نعلمها تثبت إلا لمعدوم فإنها لا تكون صفة نقص إلا بالنسبة إلى وجود ~~آخر هو أكمل منها وكل صفة لا ms806 تثبت للمعدوم ولا يختص بها الناقص فإنها لا ~~تكون إلا صفة كمال وهذه طريقة في المسألة يتبين بها أن جواز الرؤية من صفات ~~الكمال التي هو الباري أحق بها من المخلوقات # ونظيرها في مسألة العلو أن علو الشيء بنفسه على غيره صفة كمال كما أن ~~قدرته عليه صفة كمال وإذا كان كذلك فالله أحق بهذه الصفة من جميع ما يوصف ~~بها غيره فيجب أن يكون عاليا بنفسه وكذلك تميزه بذاته عن غيره هي صفة لا ~~يوصف بها المعدوم ولا تختص بالناقصات فتكون صفة كمال فيجب إنصاف الله بها ~~وذلك يوجب مباينته للعالم PageV02P354 # لكن قد علم أنا لم نكتب هنا ما يحتج به أهل الإثبات ولكن تكلمنا على ما ~~ذكره الرازي ولوازمه فبينا أن هذه الحجة القياسية المذكورة في الرؤية ~~مضمونها أنا إنما نرى الأشياء لكونها موجودة والله سبحانه وتعالى موجود بل ~~هو أكمل في الوجود فيجب أن تكون رؤيته جائزة # وتلخيصها أن يقال لا ريب أنا نرى الموجودات من الجواهر والأعراض كالألوان ~~والمقادير مثل الطول والقصر ونحوهما دون المعدومات واختصاص الرؤية بالموجود ~~دون المعدوم يقتضي أن المقتضي لجواز الرؤية مختص بالموجود ومعنى هذا أنه لا ~~يجوز أن يكون الموجود والمعدوم في الرؤية سواء إذا لو كانا متماثلين في ذلك ~~لم يجز اختلافهما في رؤية أحدهما دون الآخر فليس المراد بقولنا إن علة ~~الرؤية والمقتضي لها مختص بالموجود إثبات علة أو سبب زائد على حقيقة ~~الموجود مقتض لصحة رؤيته كما توهمه من قال في الأحكام ما يعلل منها ما ~~لايعلل فيجوز أن تكون الرؤية من الأحكام التي لا تعلل بل المراد أن كون أحد ~~الجنسين تصح رؤيته دون الآخر يقتضي اختلافهما في ذلك وعدم تماثلهما سواء ~~كان سبب هذا الاختلاف نفس ذات الموجود أو صفة له أو غير ذلك وهذا لا ينازع ~~فيه من فهمه # وإذا كان المقتضي لجواز الرؤية مختصا بالموجود فإما أن يكون قدرا مشتركا ~~بين المرئيات من الجواهر والأعراض أو أمرا مختصا ببعضها لكن الثاني باطل ~~فإن الحكم ms807 المشترك يجب أن يكون سببه مشتركا لأنه لو كان سببه مختصا كان ~~الحكم موجودا مع وجوده وموجودا مع عدمه فلا يكون الحكم متوقفا عليه بل يكون ~~ذلك الوصف عديم التأثير فيه لا أثر له في وجوده إذ هو موجود مع عدمه كوجوده ~~مع وجوده وهذا بين وقد نبهنا PageV02P355 عليه فيما تقدم في تماثل العلل ~~والمعلولات وتكلمنا على النقض وعدم التأثير وبينا الفرق بين العلة التامة ~~التي لا تتبعض وغير التامة وعلى هذا فرؤية كل شيء خاص من نوع أو شخص يشارك ~~رؤية غيره في مطلق الرؤية ويفارقها في خصوص رؤية ذلك النوع أو البعض كما أن ~~المرئي يشارك غيره في كونه موجودا مرئيا ويفارقها بخصوص نوعه أو شخصه فيكون ~~الحكم المطلق المشترك وهو مطلق الرؤية معلقا بالقدر المشترك بين المرئيات ~~والحكم الخاص وهو الرؤية الخاصة معلقا بالقدر المختص في كل نوع وشخص على ~~حدته # وبهذا التحقيق يندفع ما يقال هناك إن الرؤية قد تكون معلقة بخصوص المرئي ~~مثل أن تكون رؤية الجواهر والأعراض معلقة تخص الأعراض فإنه إذا فهم أن ~~الرؤية جنس تحتها أنواع كالمرئيات وأن العام المطلق يضاف إلى العام المطلق ~~والخاص المقيد يضاف إلى الخاص المقيد اندفع هذا وغيره ويزول ما ينقض العلة ~~ويبين عدم تأثيرها # وإذا كان كذلك وأن المقتضي لها مشترك فالمشترك بين المرئيات من الأعيان ~~القائمة بأنفسها والصفات القائمة بغيرها إما الوجود ولوازمه وإما غير ذلك ~~والذي هو غير ذلك هو أخص من الوجود وما كان غير ذلك فلابد أن يستلزم العدم ~~سواء قيل هو الحدوث أو غير ذلك مثل بعض لوازم الحدث لأن المشترك إذا لم يكن ~~هو الوجود ولا شيئا من لوازمه التي يلزم من عدمها عدم الوجود كان أخص من ~~الوجود بحيث يكون وجود خاص لئلا يلزم من عدم هذا الوجود الخاص عدم الوجود ~~بالكلية إذ كل ما هو مساو للوجود في العموم أو هو أعم منه كالمعلوم ~~والمذكور يلزم من نفيه نفي الوجود وهو من لوازم الوجود والكلام هنا في ~~القسم ms808 الثاني الذي ليس الوجود ولا شيئا من لوازمه ولم نقل ولا شيئا من ~~لوازمه وهذا الوجود الخاص الذي يقدر أنه سبب الرؤية لا يجوز أن يكون ~~PageV02P356 هو الوجود الواجب فإنا تكلمنا في رؤية المشهودات المخلوقة مع ~~أن علة الرؤية إذا كانت هو الوجود الواجب كان ذلك أبلغ في جواز رؤية الله ~~تعالى فإنه سبحانه هو الوجود الواجب لكن ليس الأمر كذلك # وإذا كان الأمر كذلك فهذا المقتضي للرؤية على هذا التقدير الذي هو أخص من ~~الوجود إما أن يكون ما يدخل فيه الوجود الواجب أو لا يكون فإن كان المقتضي ~~لجواز الرؤية ما يتناول الوجود الواجب ثبت أن المقتضي لجواز الرؤية أمر ~~مشترك بين الوجود الواجب وبين غيره من المرئيات وهذا هو المطلوب # وإن كان المقتضي الأخص لا يدخل فيه الوجود الواجب وجب أن يكون مختصا بما ~~عدا الوجود وهذا سواء كان هو الامكان أو الحدوث أو ما هو أخص من الإمكان ~~والحدوث مثل التحيز أو المقابلة عند من يقول ذلك هو المقتضي للرؤية وهو ~~منتف في حق الله أو المشروط بالثمانية التي يذكرها المعتزلة أو غير ذلك وكل ~~هذه الأمور إذا قيل بانتفائها عن واجب الوجود واختصاصها بالمخلوق فإنها ~~مستلزمة للعدم وأقل ما يكون القبول العدم فإن كل مالا يدخل في الوجود ~~الواجب فهو قابل للعدم بل هو معدوم تارة وموجود أخرى وإذا كان كذلك ظهر أن ~~المقتضي للرؤية إذا لم يكن هو الوجود أو لوازمه كان مستلزما للعدم وإن شئت ~~لقبول العدم وبهذا التقسيم الدائر بين النفي والاثبات انقطع ما يورد هنا من ~~السؤالات # وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المقتضي لرؤية المرئيات أمر يشترط فيه ~~العدم أو قبوله لأن كونه معدوما أو قابلا للعدم لا يكون مقتضيا لأمر وجودي ~~فالرؤية أمر وجودي والأمر الوجودي لا تكون علته أمر عدمي والعلم بهذا بديهي ~~لمن تصوره لكن قد يكون الأمر العدمي مستلزما لوجود مثل عدم PageV02P357 ~~الموانع المستلزمة لكمال العلة بوجود شروطها التي هي أجزاء العلة التامة ~~فيضاف الحكم ms809 إلى ذلك العدم ويكون ذلك إضافة إلى علة ناقصة والعلة الناقصة ~~تكون جزءا وشرطا من العلة التامة والعدم وإن كان في الظاهر جزءا من العلة ~~التامة فلابد أن يستلزم أمرا وجوديا وإلا فيمتنع أن يكون العدم علة للوجود ~~أو جزءا من علة الحقيقة بوجه من الوجوه وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ~~المقتضي للرؤية التي هي أمر موجودا أمرا يستلزم العدم أو قبول العدم لأنه ~~يكون العدم أو قبول العدم جزءا من علة الأمر الموجود وهذا باطل # فإن قيل هذا أو قبوله إنما كان علة للأمر الموجود لأنه يستلزم أمرا ~~وجوديا كان ذلك الوجود هو جزء العلة في الحقيقة فلا يكون علة الرؤية إلا ~~الوجود أو لوازم الوجود لا يكون ما يستلزم العدم أو قبوله وإذا لم تكن ~~العلة ما يستلزم العدم أو قبوله بطل أن يكون علة الرؤية الحدوث أو شيئا ~~يختص بالمحدثات أو ببعضها أو الامكان أو وصفا يختص بالممكنات أو ببعضها ~~ووجب أن يكون قدرا مشتركا بين القديم والمحدث بين الواجب والممكن بل أن ~~يكون القديم الواجب أحق به فإنه إن كان هو الوجود فظاهر وإن كان شيئا من ~~لوازم الوجود فذلك الوصف متى انتفى انتفى الوجود فلا يكون ثابتا إلا بثبوت ~~الوجود ومن المعلوم أن الوجود وجميع لوازم الوجود مشتركة بين الواجب ~~والممكن والقديم والمحدث وإذا كان كذلك ثبت أن المقتضي للرؤية أمر ثابت في ~~حق الله تعالى القديم الواجب الوجود فتكون رؤية الله جائزة بل تكون أحق ~~بجواز الرؤية لأن وجوده أكمل من وجود غيره # ومن فهم هذه الحجة على هذا الوجه ظهر له أنها برهانية وأمكنه دفع تلك ~~السؤالات الكثيرة التي تورد إذا ذكرت على هذا النظم ولولا أن هذا ليس ~~PageV02P358 موضع ذلك وإلا كنا نفعل ذلك مفصلا لكن فالجواب عما أورده على ~~هذه الحجة في احتجاج ابن الهيصم بها في مسألة العلو فظهر أصل الجواب في ~~مسألة الرؤية وقد ظهر أن حجة ابن الهيصم لم يقررها هو تقريرا جيدا # فإذا أردت تلخيص هذه ms810 الحجة فقل الرؤية مختصة بالموجود دون المعدوم وهذا ~~الاختصاص إما أن يكون للموجود أو لما يساويه في العموم والخصوص أو لما هو ~~أعم منه أو لما هو أخص منه فإن جازت لموجود أو لما يساويه أو لما هو أعم ~~منه جاز رؤية كل موجود لثبوت الوجود أو ما يساويه أو ما هو أعم منه لكل ~~موجود وإن كان لما هو أخص من الوجود فإذا كان لما يندرج فيه الواجب جاز ~~رؤيته أيضا لوجود نقيضها وهو الوصف الذي يوجد للواجب وغيره وإن كان لا ~~يندرج فيه الواجب فما سوى الواجب فهو محدث عند أهل الملل قد كان معدوما وهو ~~قابل للعدم بلا نزاع فيكون المقتضي للرؤية لا بد أن يشترط فيه العدم أو ~~قبوله ولا يجوز ذلك لأن الأمور الوجودية لا يشترط في علتها العدم ولا قبول ~~العدم وطرد هذه الحجة يوجب ثبوت كل أمر وجودي # ويقال على هذا جميع النقائص التي يجب تنزيهه تعالى عنها فإنما هو ~~لاستلزامها العدم وأما الوجود من حيث هو وجود فهو كمال فلا يجوز نفيه عنه ~~وهذه الطريق توافق قول من يقول الكمال وهو الوجود وتوابعه كالسمع والبصر ~~والكلام فإنها وجود ليس فيها عدم والنقائص التي هي ضد هذه فيها العدم وهو ~~عدم هذه الأمور PageV02P359 # وكلام السلف والائمة موافق لهذه الطريقة حيث كانوا ينزهونه عن النقائص ~~التي يشبه فيها المعدوم أو الموات العادم لصفات الكمال وهذا موافق ما ~~قدمناه قبل هذا من ان ما كان صفة للعدم لم يجز ان يوصف الله به وانما يوصف ~~من السلوب بما كان مستلزما للوجود اذ العدم المحض ليس فيه ثناء وحمد وصفات ~~الله فيها الثناء والحمد وهذا يطابق ان الموجود من حيث هو فيه الثناء ~~والحمد والحمد لله رب العالمين # ونكتة هذه الحجة ان كل حكم ثبت لمحض الوجود فالوجود الواجب اولى به من ~~الممكن وكذلك من الامثال المضروبة وهي الاقيسة العقلية ولله المثل الاعلى ~~ان كل كمال ثبت لموجود فالواحب اولى به من الممكن وكل كمال يوجد ms811 في المربوب ~~فالرب اولى به من العبد وهذا مما سلكه الفلاسفة لكن يعبرون بمعنى التولد ~~فيقولون كل كمال ثبت للمعلول فانه من اثر العلة والعلة اولى به من المعلول ~~وهذه اقيسة عقلية وامثال مضروبة ولله المثل الاعلى تستعمل في عامة الامور ~~الالهية كما ورد الكتاب والسنة بنحو ذلك كما قد بيناه في غير هذا الموضع # وقولنا في هذه الحجة كل حكم ثبت لمحض الوجود يخرج الاحكام التي تتضمن ~~العدم مثل الاكل والشرب فان ذلك يستلزم كون الآكل والشارب اجوف بحيث يحصل ~~الغذاء الذي هو اجسام في محل خال لا سيما اذا كان قد خرج غيره بالتحلل ~~ويكون بدل المتحلل فيكون متضمنا خروج شيء من الجسم وذلك نقص منه وهو صفة ~~عدمية ووجود اجزاء فيه وذلك يستلزم خاليا وهو نقص فيه وهو صفة عدمية وهذا ~~ينافي الصمدية فان الصمد هو الذي لا جوف له فلا يأكل ولا يشرب ولا يلد ولا ~~يخرج منه شيء ولا غيره PageV02P360 من جنس الفضلات التي تخرج من الانسان ~~فان دخول جسم فيه أو خروج جسم منه يتضمن النقص المستلزم لامر عدمي وهذا ~~ينافي الصمدية وليس هو من الاحكام الثابتة لمحض الوجود بل من الاحكام ~~المتضمنة وجودا أو عدما فلا جرم لم يكن سبب ذلك وصفا يتناول الواجب والممكن ~~بل وصف يختص بالممكن المحدث وهو الحاجة والافتقار في الطعام لا خلاف بدل ما ~~يتحلل من البدن وفي الانزال لدفع الضرر الحاصل بسبب المني بمنزلة اخراج ~~الدم عند الحاجة فوجود جسم فيه يضاره ويضاده عجز وفقر من خصائص المخلوق ~~وحاجته إلى جسم خارج يستوفيه يتم به وجوده فقر وحاجة من خصائص المخلوق # ولهذا كان اهل الجنة يأكلون ويشربون وينكحون ولا يبولون ولا يبصقون ولا ~~يتمخطون ولا يتغوطون ولا يمنون وانما يتحلل الطعام عنهم برشح كرشح المسك ~~لان تلك الفضلات مضادة للبدن مؤذية له وليس في الجنة اذى واما الاكل والشرب ~~فانما هو استكمال بعد نقص وهذا من لوازم المخلوقات وهذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع ولهذا قال سبحانه ms812 ( ما المسيح بن مريم الا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل وامه صديقة كانا يأكلان الطعام ) فأكل الطعام ينافي الصمدية ويوجب ~~الفقر والحاجة المنافي للربوبية من وجوه متعددة # وهذا سائر الاحكام التي تعرض لبعض الموجودات والرب منزه عنها مثل السنة ~~والنوم هما من الاحكام المتضمنة امرا عدميا فليس هو من احكام الوجود المحض ~~ولهذا كان اهل الجنة مع كونهم موجودين لا ينامون فان النوم اخو الموت وهو ~~يتضمن امرا عدميا وكذلك العجز والجهل والصمم والعمي وسائر ما ينافي صفات ~~الكمال وان وصف به بعض الموجودات فانه متضمن امرا عدميا وهذا معنى النقص ~~فان النقص يتضمن امرا عدميا PageV02P361 وكل ما تضمن عدما محضا فان الله لا ~~يوصف به فانه يقتضي العدم المحض اذ هو الوجود الواجب وانما يوصف بالصفات ~~السلبية المتضمنة امرا وجوديا # واما طرد هذه الحجة في الادراكات الاربعة هي السمع واللمس والشم والذوق ~~فانه وان كان طردها طائفة من الصفاتية كالاشعري وائمة اصحابه فلا يحتاج إلى ~~ذلك عند التأمل بل يفصل الامر فيه واذا فصل تفصيلاا يقتضيه العقل الصريح ~~كان ذلك موافقا لما جاءت به الايات وعليه ائمة الحديث وذلك ان السمع لم ~~يتعلق بالجواهر والاعراض كالرؤية وانما يتعلق بنوع من الاعراض وهو الاصوات ~~مثلا فاذا لم يكن متعلقا بشيء قائم بنفسه كيف يمكن طرده في كل موجود قائم ~~بنفسه حتى يقال انه يمكن سمعه # واما اللمس فانه يتعلق بالجواهر والاعراض وهو الذي اورده من جهة الالزام ~~فلزم لزوما واضحا لكن قاسوا عليه بقية الادراكات فلا جرم جاءت الاحاديث ~~بثبوت المماسة كما دل على ذلك القرآن وقاله ائمة السلف وهو نظير الرؤية وهو ~~متعلق بمسألة العرش وخلق آدم بيده وغير ذلك من مسائل الصفات وان كان قد ~~نفاه طوائف من اهل الكلام والحديث من اصحاب الامام أحمد وغيرهم وليس هذا ~~موضع الكلام فيه وانما الغرض التنبيه على مجامع هذه الحجة # واما الذوق فهو مس خاص وكذلك الشم مس خاص فان الهواء وهو جسم يدخل إلى ~~المنخرين إلى الزائدة التي ms813 في الدماغ بخلاف السمع والبصر فانه ليس معهما ~~مماسة المرئي والمسموع ولهذا كانت اصول الاحساس ثلاثة السمع والبصر والمس ~~قال تعالي @QB@ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ~~جلودكم @QE@ PageV02P362 # ولما كان اللمس جنسا تحته انواع مختلفة في الحيوان وليس طريقا عاما إلى ~~حصول العلم الكلي المجرد في القلب بل نفس الاحساس وما يتبعه من ملائمة ~~ومنافرة فيه خصوص في سببه ومقصوده بخلاف السمع والبصر فانهما طريقتان إلى ~~حصول العلم العام الكلي في القلب والبصر يحصل به العلم بنفس الحقائق ~~الموجودة والسمع يحصل به العلم بما يقال من اسمائها وصفاتها كان السمع ~~والبصر في كتاب الله مخصوصين بالذكر دون غيرهما من الاحساس # فيقال اما قوله في الوجه الاول مدارها على ان كل موجودين في الشاهد فلا ~~بد وان يكون احدهما محايثا للاخر أو مباينا عنه بالجهة قوله وهذه المقدمة ~~ممنوعة فنقول منع هذه من اعظم السفسطة فان الشاهد ما نشهده بحوسنا الظاهرة ~~أو الظاهرة والباطنة وليس فيما نشهده شيء الا محايث لغيره وهي الصفات التي ~~هي الاعراض أو مجانب له بالجهة وهي الاعيان القائمة بانفسها وهي الجواهر ~~فمن منع ان يكون المشهود لا يخلو عن أحد هذين الوصفين فقد منع ان تنقسم ~~المشهودات إلى الجواهر والاعراض ومعلوم ان هذا خلاف اتفاق الخلائق من ~~الاولين والاخرين وخلاف ما يعلم بالضرورة والحس فان الشيء المشهود اما قائم ~~بنفسه وهو مباين له واما قائم بغيره وهو محايث له # واما الوجوه التي ذكرها فعنها اجوبة # احدها ان الاستدلال على ذلك غير مقبول لانه قدح في اظهر الحسيات ~~الضروريات # الثاني ان هذا المؤسس وسائر طوائف اهل الحق متفقون على بطلانها وهو من ~~اعظم الناس ابطالا لما ذكره الفلاسفة في وجود جواهر غير محايثة لغيرها ولما ~~PageV02P363 # ذكره المعتزلة من وجود اعراض غير محايثة لغيرها بل ما زال الناس يذكرون ~~ان هذا من اعظم المحالات المتناقضة التي اثبتتها المعتزلة حيث اثبتوا ~~ارادات وكراهات لافي محل وان قولهم هذا يوجب عليهم وجود بقية الاعراض لافي ~~محل ms814 وينقض عامة اصولهم # الوجه الثالث ان يقال ما ذكروه من الحجة على ان الموجودين لا بد وان ~~يكونا متباينين أو متحايثين هو حجة على هؤلاء وغيرهم فيكون التزام بطلان ~~هذه الاقوال طردا لدليل والمستدل اذا استدل بدليل يبطل مذهب منازعيه في ~~الصورة التي تنازعا فيها وفي غيره مما لم يذكره لم يكن للمنازع ان ينقض ~~دليله بمجرد مذهبه في صورة النزاع ولا يجب على المستدل ان يخص كل صورة صورة ~~بدليل خاص اذا كان العام يتناول الجميع # وبهذا ظهر خطاه في قوله ( ما لم تبطلوا هذا المذهب بالدليل لا يصح القول ~~بأن كل موجودين في الشاهد فاما ان يكون احدهما محايثا للاخر أو مباينا عنه ~~) وكذلك قوله ( ما لم تبطلوا قول المعتزلة بثبوت ارادات وكراهات وفناء لافي ~~محل ) فان الدليل الذي ذكروه على ان كل موجودين لا بد ان يكون احدهما ~~مبيانا للاخر أو يكون بحيث هو سواء كان هو الضرورة أو الحجة القياسية حجة ~~على هؤلاء وعلى غيرهم فلا يكون مجرد دعوى هؤلاء أو دعى غيرهم معارضة لما ~~ذكر من الدليل لكن ان اقاموا حج على جوهر غير مباين لغيره أو ثبوت عرض غير ~~محايث لغيره كان ذلك الدليل معارضا لكن هذا لم يذكر والجواب عنه اذا ذكر هو ~~جواب المؤسس وسائر بني آدم # وذلك يظهر بالوجه الرابع وهو ان قوله ان جمهور الفلاسفة يثبتون هذه ~~الاشياء ويصفونها بما ذكر ليس كذلك بل هذا تثبته طائفة من الفلاسفة ~~PageV02P364 # وهو المشاؤون اتباع ارسطو ومن وافقهم وهؤلاهم الذين سلك سبيلهم الفارابي ~~وابن سينا وهذا المؤسس من كتب ابن سينا يأخذ مذاهب الفلاسفة وكثير ما يقول ~~اتفق الفلاسفة ولا يكون عنده الا ما ذكره ابن سينا وليس ما يذكره ابن سينا ~~قول جميع الفلاسفة بل الفلاسفة اعظم تفرقا واختلافا واكثر طوائف من ان يحصر ~~قولهم كلام ابن سينا أو غيره وقد حكى من صنف في المقالات من المسلمين مثل ~~أبي الحسن الاشعري والنوبختي والباقلاني وغيرهم من مقالات الفلاسفة اضعاف ~~اضعاف ما يذكره ms815 ابن سينا وهذا المؤسس # وكذلك حكايته عن جمهور المعتزلة اثبات ارادات وكراهات وفناء لافي محل ~~وهذا انما هو قول بعض البصريين وهم أبو علي وابو هاشم ونحوهما وليس هؤلاء ~~جمهور المعتزلة بل لهم في الارادة والكراهة وفي الفناء اقوال كثيرة معروفة ~~هذا واحد منها # واما الوجه الثالث الذي ذكره على وجود موجودات في الاعيان وهي الاضافات ~~وانه يمتنع ان تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة فهذا يعلم فساده ~~بالضرورة والحس واتفاق العقلاء فلا يستحق الجواب فان بعض الناس قد تنازع في ~~الامور التي لم يشهدها كالعقول والارادات اما هذه الاعيان المشهودة فانه لم ~~يقل عاقل انه يوجد فيها امور لا مباينة للغير ولا محايثة له فاذا كان على ~~هذا ألوجه لم يستحق الجواب لكن نبين وجه الفائدة فنقول # الابوة هي كون الانسان تولد منه نظيره والبنوة كونه يولد من نظيره أو ما ~~يشبه هذا فان الولادة داخلة في مسمى الابوة والبنوة وكون الشيء ولده غيره ~~أو ولد غيره وصف محسوس قائم بالوالد والولد وفي الحقيقة هو صفة ثبوتية فيها ~~اضافة واما العمومة والخؤولة ففيها ولادتان ولادة الاب للشخص وولادة ~~PageV02P365 جده لعمه وبنوة العم فيها ولادة ثالثة وهي ولادة العم لابنه ~~فتفرع النسب يكون متعدد الولادة وقد يكون احدى الولادات موجودا لكن يتوقف ~~الوصف على الاخرى كما يتوقف الامر في العمومة والخؤولة على نحو ذلك # ومن هنا يظن الظان انها اضافة محضة والتحقيق ان أحد الوصفين وجد قبل ~~الاخر ومن المعلوم ان كونه ولد وانفصل عن أبيه أو امه ليس هو سببا يتبعض ~~حتى يقال ثلث ولادة وربع ولادة اذا خرج جميعه واذا لم تكن منقسمة لم تكن ~~الابوة والبنوة منقسمة حتى يقال ثلث الابوة أو ثلث البنوة كما لا يقال نصف ~~الحيوانية والانسانية والناطقية ونحو ذلك # فظهر ان الابوة التي هي وجودية محايثة لذات الاب كغيرها وكيف لا يكون ذلك ~~والابوة من اعظم الصفات القائمة بالاب المغيرة له تغيرا مشهودا بالحس لما ~~يوجد فيه محبة الولد والحنو عليه والعطف ms816 عليه وامثال ذلك مما لا يوجبه سائر ~~الصفات فهي بأن تكون قائمة به اولى من غيرها # واما السؤال الثاني وهو قوله كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا اما ان يكون ~~واما ان لا يكون اشارة إلى كونه قابلا للانقسام اليهما وقبول القسمة حكم ~~عدمي فلا يكون معللا فعنه اجوبة # احدها ان المراد بذلك ان الموجود يلزمه أحد الوصفين اي ان كل موجودين ~~فانه يلزم احدهما ان يكون محايثا للاخر أو مباينا عنه فلزوم أحد الوصفين ~~للوجود وقيامه به وكونه لا يفارقه هو المعني بقولهم اما ان يكون محايثا أو ~~يكون مباينا وهذه القضية التي يسمونها مانعة الخلو مع كونها مانعة ~~PageV02P366 # الجمع اي ان الموجود لا يخلو عن أحد هذين والخلو عن الصفات امر عدمي ~~فنقيضه يكون وجوديا فثبوت أحد هذين الوصفين للموجود امر وجودي ليس المراد ~~بهذا التقسيم ان الموجودين ينقسمان إلى ما يكون محايثا وما يكون مباينا فان ~~العرضين القائمين بمحل كل منهما للاخر ليس محايثا له والجوهر ان كل منهما ~~محايث للاخر ليس محايثا له فهذا ليس من باب تقسيم الكلي إلى جزئياته وانما ~~هو من باب التقسيم المانع من الجمع بين القسمين والخلو منهما # وبهذا يظهر غلطة في السؤال الثالث ايضا واذا كان هذا التقسيم ليس هو ~~القسمة إلى امرين كتقسيم الكلي والكل وانما هو بيان لزوم أحد القسمين ونفي ~~خلو المحلين عنهما جميعا بطل قوله هذا اشارة إلى كونه قابلا للانقسام ~~اليهما بل هذا اشارة إلى لزوم احدهما # الوجه الثاني قوله قبول القسمة حكم عدمي يقال لا نسلم ان اصل القبول حكم ~~عدمي بل كون الوجود قابلا لشيء نقيضه عدم كونه ليس بقابل له والقبول رافع ~~لهذا العدم ورافع العدم وجود وهذه الحجة هي التي احتج بها على ان الابوة ~~وجودية فان صحت صح ان القبول وجودي وان بطل ذلك في القبول بطل في الابوة ~~ايضا # الوجه الثالث قوله لو كان امرا ثابتا لكان صفة من صفات الشيء المحكوم ~~عليه بكونه قابلا والذات قابلة للصفة القائمة ms817 بها فيكون قبول ذلك القبول ~~زائدا عليه ويلزم التسلسل يقال قبول الانقسام ونحوه من الصفات كون ذلك ~~ممكنا في نفس الذات وامكان الشيء لا يحتاج إلى امكان آخر PageV02P367 وهذه ~~الصفة لازمة للذات ليست الذات قابلتها بمعنى انه يمكن وجودها ويمكن عدمها ~~بل كونها قابلة امر لازم لها واجب لها وهذا القبول يراد به عدم الامتناع ~~بمعنى الامكان العام الذي يدخل فيه الواجب والاولى بمعنى الامكان الخاص ~~فاذا كان أحد القبولين هو الامكان الخاص والاخر هو العام وهو بمعنى الوجوب ~~كان ذلك بمعنى الوجوب ووجوب الصفة للموصوف ليس فيه تسلسل وانما جاء الغلط ~~من لفظ الاشتراك والقبول # الوجه الرابع هنا ان القبول امر عدمي فقوله يمتنع تعليله قيل المراد ~~بالتعليل هنا التلازم ليس المراد به ان يكون أحد الامرين غنيا عن الاخر ~~موجبا له وبهذا الاعتبار يصح ان يكون كل من الامرين لازما ملزوما # فقد تبين بهذه الوجوه الثلاثة ان التقسيم لزوم لا قبول ولو كان قبولا لم ~~يكن عدميا ولو كان عدميا فمعناه ان الموجود لا بد له ان انه يكون مع غيره ~~من الموجودات اما محايثا له واما مباينا له وهذا لازم لكون الموجود اما ~~قائم بنفسه واما قائم بغيره وكل قائم بنفسه فهو مباين للقائم بنفسه وكل ~~قائم بغيره فهو محايث لذلك الغير ولما شاركه في القيام بذلك الغير # واما السؤال الثالث فقوله ما الذي تريدون بقولكم الموجود في الشاهد منقسم ~~إلى المحايث والمباين فعنه جوابان احدهما ان يقال له لم يقولوا هكذا وانما ~~قالوا الموجودان لا بد وان يكون كل منهما مباينا للاخر أو محايثا له ~~والموجود بنفسه مع الموجود الاخر اما مباينا له أو محايثا له لم يقولوا ~~PageV02P368 # ان الموجودات تنقسم إلى قسمين احدهما مباين والاخر محايث وفرق بين كون ~~الموجود بالنسبة إلى غيره يلزمه أحد الامرين وبين كون الموجود ينقسم إلى ~~الامرين واذا كان كذلك فلزوم أحد الامرين حكم واحد وليس هو حكمين مختلفين ~~والفرق ظاهر بين ان يكون الموجود ينقسم إلى قائم بنفسه مباين ms818 لغيره وهو ~~الجوهر والى قائم بغيره محايث له وهو العرض وبين ان يقال كل موجود مع غيره ~~فلا بد ان يكون مباينا له أو محايثا له أو يقال الموجود من حيث هو موجود ~~يلزمه ان يكون قائما بنفسه أو بغيره فان هذا حكم واحد لموجود وذاك حكمان ~~مختلفان فهذا الواحد هو ما به الاشتراك وهو مورد التقسيم وذانك الاثنان هما ~~ما به الامتياز وهو ما به يمتاز أحد القسمين عن الاخر بالحكم الواحد ~~المشترك وهو لزوم احدهما والانقسام اليهما يلزم الوجود المشترك والحكم ~~المختص يلزم القسم الخاص فخصوص كونه قائما بنفسه حكم النوع الخاص وهو ~~الجوهر وخصوص كونه قائما بغير حكم النوع الآخر الخاص وهو العرض وريب ان ~~خصوص كونه جوهرا وعرضا يصلحان لما يختص بالجوهر والعرض وأما لزوم أحد ~~الحكمين لكل موجودين أو كل موجود وكون الموجود والموجودين لا يخلو عن أحد ~~هذين الوصفين فهذا الحكم المشترك بينهما لا يصلح تعليله بخصوص الجوهر وخصوص ~~العرض وهذا ليس هو ان الموجود في الشاهد منقسم إلى هذين القسمين فليس هو ~~قسمة الكل إلى اجزائه فظهر ان الذي قالوه ليس بغلط ولكن هو غلط أو اغلط # وهذا مثل ان يقال الموجود لا بد ان يكون اما قديما أو محدثا واما ان يكون ~~خالقا أو مخلوقا فان هذا يختص بالموجود فالمعدوم لا يكون قديما ولا محدثا ~~ولا خالقا ولا مخلوقا فلزوم أحد القسمين حكم مشترك بينهما والموجود من حيث ~~هو مشترك بينهما PageV02P369 # الجواب الثاني ان يقال هب انهم قالوا الموجود في الشاهد ينقسم إلى ~~المحايث والمباين فان انقسام الشيء إلى قسمين حكم واحد ولكن ما يختص أحد ~~القسمين حكم يخالف الاخر فهب ان وجوب المباينة معلل بكونه جوهرا ووجوب ~~المحايثة معلك بكونه عرضا لكن القدر المشترك وهو لزوم الانقسام وقبوله ~~ووجوب الانقسام إلى جوهر والى عرض حكم مشترك بينهما وهذا الحكم المشترك يجب ~~تعليلة بالقدر دون المختص لان وجوب الانقسام ولزومه وقبوله وكونه بحيث ~~ينقسم إلى قسمين هو مورد التقسيم ومورد التقسيم مشترك ms819 بين الاقسام فيجب ~~تعليله بالمشترك فالمقسوم هو الموجود من حيث هو لا وجود الجوهر خاصة ولا ~~وجود العرض خاصة والموجود وان لم يكن في الخارج الا متميزا فهذه قسمة الكلي ~~إلى جزئياته وكل كلي ينقسم إلى جزئياته فهذا حاله بخلاف الكلي الموجود في ~~الخارج كالانسان مثلا اذا قسم إلى اجزائه من الرأس واليد ونحو ذلك # واما قوله في السؤال الرابع لم قلتم انه لا بد من تعليله اما بالوجود ~~واما بالحدوث وما الدليل على الحصر فانه يمكن ان يقال هنا ثلاثة اشياء # احدها ان يقال البحث التام والسبر التام والاستقراء التام قد يفيد اليقين ~~تارة كما يفيد الظن القوي اخرى وهذا مما يقال في مواضع وقول القائل الشهادة ~~على النفي غير معلومة ليس بصحيح بل النفي قد يعلم تارة كما يعلم الاثبات # الثاني ان يقال هذا يفيد الإعتقاد القوي والظن الغالب وهذا فيه انصاف ~~وعدل وهو خير من دعوى البراهين القطعية التي يظهر عند التحقيق انها شبهات ~~وخيالات فاسدة PageV02P370 # ومن قال لا يجوز ان يحتج في هذا الباب الا بالقطعى الذي لا يحتمل النقيض ~~قيل له اولا انت اول من خالف هذا فانت دائما تحتج بما لا يفيد الظن الغالب ~~فضلا عن اليقين # وقيل له ثانيا لا نسلم بل الواجب على كل انسان ان يأتي بما هو الحق فان ~~كان عنده علم قاطع قال به وان كان عنده ظن غالب قال به والمسائل التي تنازع ~~بنو آدم فيها لان يحصل للانسان فيها ظن غالب خير من ان يكون في الحيرة ~~والجهالة أو يكون في التقليد أو الحجج الفاسدة كما هو الواقع كثيرا وسنتكلم ~~ان شاء الله على هذا الكلام على الاحاديث # وقيل له ثالثا هذا اذا انضم إلى غيره حصل من مجموعهما اليقين وان لم يكن ~~اليقين حاصلا بأحدهما كغير ذلك من الادلة السمعية والعقلية # الثالث ان هذا يمكن تقريره بالتقسيم الدائر بين النفي والاثبات كما ~~قررناه في مسألة الرؤية وهو ان يقال المشترك بينهما اما ان يكون هو الوجود ms820 ~~أو ما هو من لوازمه اولا الوجود ولا شيئا من لوازمه وما ليس هو الوجود ولا ~~شيئا من لوازمه يكون اخص من الوجود لان ما هو مساوله في العموم والخصوص وما ~~هو اعم منه لازم له واما الاخص منه كالحدوث والامكان فليس بلازم له لان ~~الوجود قد لا يكون ممكنا ولا محدثا بخلاف الاعم مثل جواز كونه مذكورا ~~ومعلوما فان ذلك يلزم من انتفائه انتفاء كونه موجودا لانه اعم منه # وان شئت قلت اما ان يكون هو الوجود أو ما يساويه في العموم والخصوص أو ~~اعم منه أو اخص فاذا كان اخص منه فاما ان يتناول الوجود PageV02P371 # الواجب اولا يتناوله فان تناوله فهو في ذلك كالوجود وان لم يتناوله فانه ~~مستلزم الحدوث فان كل مالا يدخل في مسمى واجب الوجود فهو محدث فثبت ان ~~العلة اما ان تكون هي الحدوث أو ما يشترط فيه الحدوث مثل ما هو اخص من ~~الحدوث واما ان يكون هو الوجود أو ما يتناول واجب الوجود وهذا التقسيم دائر ~~بين النفي والاثبات واليه يرجع حقيقة قولهم اما الوجود واما الحدوث # وهذا التحرير يظهر الجواب عن السؤال الخامس وهو قوله لا نسلم انا ما ~~وجدنا لهذا الحكم علة سوى الحدوث أو الوجود بيانه من وجهين الاول ان من ~~المحتمل ان يقال المقتضي لقولنا ان الشيء اما ان يكون محايثا للعالم أو ~~مباينا عنه بالجهة كونه بحيث يصح الاشارة الحسية لان كل شيئين صح الاشارة ~~اليهما فاما ان تكون الاشارة إلى احدهما عين الاشارة إلى الاخر أو غيره # فيقال له كونه بحيث تصح الاشارة الحسية اليه اما ان يكون مطابقا للوجود ~~في العموم والخصوص بحيث يقال الموجود لا بد ان تصح الاشارة الحسية اصلا أو ~~تبعا وان كل موجودين فلا بد ان تكون الاشارة إلى احدهما عين الاشارة إلى ~~الاخر أو غيره أو يكون اخص منه فان كان مطابقا له حصل المقصود وكذلك اذا ~~كان اعم منه بطريق الاولى لانه حينئذ تكون الحجة دليلا على شيئين على ms821 صحة ~~الاشارة الحسية اليه وعلى كونه مباينا للعالم وان كانت صحة الاشارة اليه ~~اخص من الوجود بحيث تصح الاشارة الحسية إلى بعض الموجودات دون بعض فان كان ~~واجب الوجود داخلا في ذلك صحت الحجة ايضا PageV02P372 # وان لم يكون داخلا في ذلك كانت صحة الاشارة مستلزما للحدوث فيكون التعليل ~~بصحة الاشارة الحسية تعليلا بما يستلزم الحدوث والتعليل بنفس الحدوث ~~كالتعليل بما يستلزم الحدوث كما سنبينه ان شاء الله # اما قوله في الوجه الثاني ان الجواهر والاعراض مشتركان في الامر الذي به ~~وقعت المخالفة بينهما وبين الباري فلم لا يجوز ان يكون هذا هو المقتضى ~~لقبول الانقسام إلى المباين والمحايث وحينئذ يبطل قوله لا مشترك بينهما الا ~~الحدوث # يقال هذه المخالفة لذات الباري المشتركة بينهما هي مستلزمة للحدوث فانها ~~من خصائصها لا توجد في الاري وما يختص المحدث مستلزم للحدوث واذا كان كذلك ~~كان حكمه حكم الحدوث فان قولهم هو الوجود أو الحدوث كل وصف يستلزم الحدوث ~~فحكمه كحكمه في ذلك وكل وصف لازم للوجود بحيث يلزم من عدمه عدم الوجود هو ~~كالوجود فان رفع التعليل به يقتضي رفع التعليل بالوجود كما تقدم بيانه # قوله في السؤال السادس لم لا يجوز ان يكون المقتضي لهذا الحكم هو الحدوث ~~قوله اولا الحدوث ما هية مركبة من العدم والوجود قلنا كل محدث فانه يصدق ~~عليه كونه قابلا للعدم والوجود وايضا كون الشيء منقسما إلى المحايث ~~والمباين معناه كونه قابلا للانقسام إلى القسمين فالقابلية ان كانت صفة ~~وجودية كانت في الموضعين كذلك وان كانت عدمية فكذلك ولا يبعد تعليل عدم ~~بعدم # يقال اما الحدوث أو ما يستلزم الحدوث فلا يجوز ان يكون هو علة للامر ~~الوجودي لان ذلك مستلزم للعدم وما يستلزم العدم لا يجوز ان PageV02P373 # يكون علة للامر الوجودي فلا يعلل الامر الوجودي الذي يختص بالموجودات دون ~~المعدومات الا بأمر وجودي يختص بالموجودات # وكذلك لو اريد بالتعليل الملازمة فان الامر الوجودي لا يكون مستلزما ~~للامر المستلزم للعدم لانه يوجب ان يكون العدم مستلزما الوجود ms822 والعدم لا ~~يكون مستلزما للوجود فلا تكون الرؤية ولا صحة المحايثة والمباينة مستلزما ~~لما يتضمن العدم سواء كان هو الحدوث أو ما يستلزم الحدوث اذ كل منهما ~~مستلزم للعدم والوجود لا مستلزما للعدم الا بطريق استلزامه لوجود يمنع غيره ~~فيكون العدم ضد الوجود اما ان يكون وجود جنس الامر الوجودي معلقا بوجود ~~يشترط فيه ان يكون معدوما فلا # قوله كل محدث يصدق عليه كونه قابلا للوجود والعدم وكذلك كون الشيء منقسما ~~إلى المحايث والمباين إلى آخره يقال له هذا غلط من وجوه # احدها ان المحدث الذي يجوز رؤية هو الموجود دون المعدوم فان المعدوم لا ~~يجوز رؤيته ولا يجوز تعليل رؤية الوجود المنقسم إلى محايث ومباين بأنه محدث ~~منقسم إلى موجود ومعدوم فان المحدث الذي يدخل فيه المعدوم لا يرى محال فهو ~~اعم مما يرى والعلة لا تكون اعم من المعلول وايضا فالمحدث الذي يصدق عليه ~~انه قابل للوجود والعدم انما هو حقيقته الذهنية التي لا وجود لها في الخارج ~~فهي تقبل ان تكون موجودة وان تكون معدومة واما الوجود فلا يقبل ذلك # الثاني انه ليس قبول الحقيقة لان تكون موجودة ومعدومة مثل قبولها لان ~~تكون محايثة لغيرها أو مباينة له لان ذلك القبول لا يقوم بشيء موجود بل ~~PageV02P374 # هو حكم ذهني واما هذا الثاني فهو صفة لامر موجود فان المحايثة والمباينة ~~صفة لامر موجود وليس كل واحد من الوجود والعدم صفة لوجود # الثالث ان الشيء الذي قبل الوجود والعدم هو شيء بعينه يقبل الوجود والعدم ~~تارة ليس المحدث ينقسم إلى موجود ومعدوم واما المحايثة والمباينة فليستا ~~صفتين متعاقبتين على حقيقة واحدة بل الحقيقة الموجودة المطلقة تنقسم إلى ~~محايث ليس موصوفا بالمباينة والى مباين ليس موصوفا بالمحايثة فليس هذا نظير ~~ذلك # الرابع انا قد بينا ان الحكم الواحد هو لزوم احدهما للوجود وهذا حكم واحد ~~وجودي ولا يقال ان أحد الامرين من الوجود والعدم يلزم المحدث بل المحدث بعد ~~حدوثه لا يكون الا موجودا وقبل وجوده لم يكن الا معدوما ms823 وان اريد به ~~الحقيقة انه يلزمها أحد الامرين فيقال هو يلزمها اما الوجود واما العدم ~~ولزوم أحد الامرين واحد وجود والثاني عدم لا يكون وجوديا بخلاف لزوم أحد ~~امرين وجوديين المباينة والمحايثة فان لزوم أحد هذين يكون وجوديا # الخامس ان الصواب المتفق عليه بين اهل السنة وعقلاء الخلق ان العدم ليس ~~بشيء في الخارج وانما كان له وجود في العلم واذا كان كذلك فالمحدث تارة ~~يكون شيئا وتارة لا يكون شيئا فلا يكون كونه شيئا وكونه ليس بشيء علة لكونه ~~محايثا أو مباينا فان هذين يختصان بما هو شيء وما هو شيء لا يكون علة ما ~~يستلزم في أحد حاليه ان لا يكون شيئا أو لا يكون علة انقسام حالية إلى ان ~~يكون شيئا تارة وغير شيء اخرى # واما ما اورده على قوله ان الجهل بالعلة يوجب الجهل بالمعلول من معارضة ~~ذلك بأن يقال العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فيقال عنه جوابان ~~PageV02P375 # احدهما القول بموجب ذلك فان كل ذي فطرة سليمة لم يتقلد مذهبا يصده ويغير ~~فطرته اذا علم ان الشيء موجود علم انه اما ان يكون محايثا لغيره واما ان ~~يكون مباينا له كما يعلمون ان القائم بنفسه لا يكون الا داخل العالم أو ~~خارجه واذا قيل له موجود لا داخل العالم ولا خارجه أو قيل له شيئان موجودان ~~ليس احدهما مباينا للاخر ولا هو بحيث هو وفهم ذلك انكرته فطرته # وقوله الجمهور الاعظم وهم اهل التوحيد يعلمون ان الباري جل وعلا موجود ~~ولا يعملون انه لا بد وان يكون محايثا للعالم أو مباينا له قلنا ليس الامر ~~كذلك بل النفاة مغمورون في جانب اهل التوحيد ايضا فيكون بالنسبة إلى جماهير ~~بني آدم من المسلمين وغيرهم وجمهورهم تقلد هذا القول عن بعض حتى تغيرت ~~فطرته ليس في هؤلاء أحد من سلف الامة ولا ائمتها ولا فيهم الا من هو مجروح ~~من المسلمين ببدعة وان كان متأولا فيها ومغفورا له خطاه أو فيه ما هو اكثر ~~من البدعة وهو الغالب ms824 على ائمة هذا القول من نوع ردة عن الاسلام ونفاق فيه ~~وغير ذلك وقد اتفق سلف الامة وائمتها على انهم من اضل الخلق واجهلهم فلا ~~يضرهم خلافهم في ذلك # الوجه الثاني ان يقال العلم امر وجودي واما عدم العلم فوصف عدمي والامر ~~الوجودي يتوقف على السبب التام بخلاف العدمي فانه يكفي فيه عدم السبب أو ~~نقصه واذا كان كذلك فليس مجرد علم الانسان بالدليل علة كان أو غيرها يوجب ~~علمه بالمدلول معلولا كان أو غيره ان لم يستحضر في ذهنه دلالة الدليل على ~~المدلول ويتفطن لما فيه من الدلالة وهذا كما ان خلقا يسمعون كلام الله وهو ~~الدليل الهادي ويشهدون آيات الله بالليل والنهار وهم عنها معرضون لعدم ~~التفكر والتدبر اما اذا علم الرجل الحكم فلا بد له من سبب يوجب العلم ~~PageV02P376 # في قلبه وكون الشيء اما محايثا وإما مباينا واما قديما واما محدثا ونحو ~~ذلك ليس هو الوصف المحسوس المشهود بالحس من المحايثة والمباينة وانما هو ~~الوصف المعقول وهو لزوم أحد الوصفين للموجود وكون الموجود ينقسم إلى هذين ~~فان الموجود المطلق وجوده ذهني وكذلك الانقسام إلى قسمين هو حكم عقلي وكذلك ~~لزوم أحد الوصفين لا بعينه حكم عقلي ليس بحسي فاذا كان هذا الحكم يحكم به ~~العقل بمجرد علمه وجود الشيء المحايث والمباين قبل علمه بكونه محدثا علم ان ~~العلم بهذا الانقسام العقلي لا يتوقف على الحكم بالحدوث بل يعلم بمجرد ~~العلم بكونه موجودا فلو كان المقتضى له ليس هو الوجود بل هو الحدوث أو ما ~~يشترط فيه الحدوث كان الحكم بذلك بدون العلم بمقتضيه وملزومه حكما للذهن ~~بلا حجة فانه انما يستدل على الشيء بعلته أو معلوله أو يستدل باحد ~~المعلولين على الاخر فاذا كانت جميع وجوه الادلة منتفية انتفى العلم فاذا ~~كان العلم بهذا الانقسام موجودا بدون هذه الوجوه علم انها ليست ادلة فلا ~~تكون داخلة في التعليل # وكذلك قوله الاثر المعلوم بالبديهة لا يجوز ان يكون علة وصف استدلالي ~~انما هو العلة التي توجب العلم بالحكم ms825 ولكن يجوز ان يكون المؤثر فيما ادركه ~~الحس ما لم يذكره الحس ولكن الانقسام ليس من الامور الحسية بل من الاحكام ~~العقلية والعقل لا يحصر شيئا قبل الاحاطة بأفراده ولا يلزم بين شيئين قبل ~~العلم بوجه الملازمة فان لم يكن الوجود هو المقتضى لهذا الحصر والتقسيم ~~ولهذه الملازمة لم يجز حكم الذهن بذلك حتى يعلم دليلا يدله على هذا الحصر ~~والتقسيم وهذه الملازمة ولا يجوز ان يكون الحكم بديهيا ودليله نظريا ~~استدلاليا ومن يدير عقله علم انه يحكم بهذا التقسيم وهذا اللزوم بمجرد ~~العلم بالوجود قبل العلم بالحدوث وغيره فان لم يكن الوجود مقتضيا له لم يكن ~~له ان يحكم PageV02P377 # الا بما احسه وهذان هذا مباين لهذا وهذا محايث له اما ان يحكم حكما عاما ~~على جميع الموجودات اما ان يكون محايثا واما ان يكون مباينا قبل علمه ~~بتساويهما في ذلك فهو حكم بلا اصل وهذا الكلام يحتاج إلى تقرير ان العلة ~~الخارجة هي العلة الذهنيه والا فيمكن النزاع في ذلك # واما قوله في السؤال السابع لو كان الوجود واحدا في الشاهد والغائب ليس ~~الاشتراك اللفظي وهذا لا يمكن الا بأن يكون الباري مثلا للمحدثات أو يكون ~~الوجود زائدا على الماهية والمخالفون لا يقولون بواحد منهما # فيقال مثل هذا الكلام تكرر في تصانيف هذا الرجل وهو غلط عظيم في اظهر ~~الامور واول الامور المعقولة من العلم الالهي و العلم الكلي وهو وجود الحق ~~ووجود الخلق ولهذا يغلط به من نقل مذاهب الناس # فان مذهب عامة الناس بل عامة الخلائق من الصفاتية كالاشعرية والكرامية ~~وغيرهم ان الوجود وهو مقولا بالاشتراك اللفظي فقط وكذلك سائر اسماء الله ~~التي سمي بها وقد يكون لخلقه اسم كذلك مثل الحي والعليم والقدير فان هذه ~~ليست مقولة بالاشتراك اللفظي فقط بل بالتواطىء وهي ايضا مشككة فان معانيها ~~في حق الله تعالى اولى وهي حقيقة فيهما ومع ذلك فلا يقولون ان ما يستحقه ~~الله تعالى من هذه الاسماء اذا سمي بها مثل ما يستحقه غيره ولا انه ms826 في ~~وجوده وحياته وعلمه وقدرته مثلا لخلقه ولا يقولون ايضا ان له أو لغيره في ~~الخارج وجودا غير حقيقتهم الموجودة في الخارج بل اللفظ يدل على قدر مشترك ~~اذ اطلق وجرد عن الخصائص التي تميز احدهما وهو لا يستعمل PageV02P378 كذلك ~~في اسماء الله فقط ولا هو موضوعا في اللغة كذلك وانما يذكر كذلك في مواضع ~~تجرد عن الخصائص كما تجرد في المناظرة لامور يحتاج اليها فيقدر تجريده عن ~~الخصائص تقديرا كما يقدر اشياء لم توجد وهو حينئذ دال على قدر مشترك بين ~~المسميين ولكن ذلك المشترك ليس مجموع حقيقة كل منهما الموجودة في الخارج ~~فان لفظ الموجود اذا جرد يدل على الموجود المطلق لم يكن الوجود المطلق ~~حقيقة الا في الذهن واما الوجود الخارجي فوجود كل موجود معين مميز عن الاخر ~~مختص به وذلك الجسم المطلق والحيوان المطلق والانسان المطلق # وقد تقدم غير مرة ان حقيقة ذلك ان هذه الحيوانية الخارجية المعينة تشبه ~~هذه الحيوانية وهذه الانسانية الخارجية تشبه هذه الانسانية فبينهما مشابهة ~~من هذا الوجه وان كانت بينهما مخالفة من وجوه اخرى واذا قيل هذا موجود وهذا ~~موجود ففيه اثبات اصل الوجود والثبوت والكون لكل منهما وان ما لهذا يشبه ما ~~لهذا من هذا الوجه وهذا المعنى الذي اشتركا فيه واشتبها في غاية البعد عن ~~حقيقة كل منهما كما ان حقيقة كل منهما يكون في غاية البعد عن حقيقة الاخر ~~فوجود احدهما في الخارج هو عين حقيقته فاذا قيل ان سائر الحقائق والماهيات ~~تشاركها في مسمى الحقيقة والماهية أو تشبهها في ذلك كان هذا الشبه البعيد ~~في غاية البعد عن الحقيقتين ولكن الامور العظمية الاختلاف بالحقيقة قد ~~تشتبه في امر ما وهو الذي اشتركت فيه واعم هذه الامور هو الوجود والثبوت ~~والكون فمن كان نظره في هذا كان نظره في ابعد الاشياء عن حقيقة الرب ~~PageV02P379 # وكثير من هؤلاء يعتقد انه قد ادرك حقيقته أو انه لا حقيقة له الا ذلك ~~وهؤلاء من اعظم الخلق تمثيلا لربهم بكل شيء وتشبيها ms827 له بكل شيء وقد جعلوا ~~كل شيء ندا له وكفوا حيث جعلوا حقيقته هي الوجود المطلق وذلك يثبت لكل ~~موجود فهم اعظم الخلق اشراكا بالله ومن هنا قال الاتحادية منهم انه وجود كل ~~شيء وانه وجود الموجودات كلها ونحو ذلك مما هو من اعظم الاشراك والتعطيل # واصل هذا ان الاشتراك أو الاشتباه في امر ما لمسمى الوجود أو الحي أو غير ~~ذلك لا يقتضي التماثل بوجه من الوجوه بل يقتضي نوع اشتباه وقد يكون بعيدا ~~عن التماثل وهذا الرازي كثيرا يظن ان الاشتراك في شيء هو التماثل فحكم على ~~المشتبهين في شيء بحكم المتماثلين ثم انه في موضع آخر يناقض ذلك حتى يجعل ~~الامور المتماثلة في الحكم لا تتماثل في العلة والامور المتماثلة في العلة ~~لا تتماثل في الحكم اذ هو متناقض في عامة كلامه # ثم ان هؤلاء المتفلسفة والمتصوفة وسائر الملاحدة من القرامطة وغيرهم ~~الذين يقولون حقيقته هي الوجود المحض أو المطلق أو نحو ذلك يزعمون انهم ~~ابعد الخلق عن التشبيه وانهم هم الموحدون المحققون للتوحيد حتى ينفوا ~~الصفات والاسماء نفيا منهم زعموا التشبيه هم اعظم الخلق تشبيها وتمثيلا ~~واشراكا وجعل اندادا لله معماهم عليه من التعطيل وابعد الخلق عن ان يوحدوا ~~الله تعالى بوحدانيته التي انفرد بها عن سائر مخلوقاته # فانهم اذا جعلوا حقيقته الوجود المطلق فهذا القدر ثابت لكل موجود فقد ~~جعلوا حقيقته ما هو ثابت لكل شيء فقد حقيقة الله تشركه فيها PageV02P380 # البعوضة والنملة بل الكلب والخنزير وقد يصرحون بأن وجود الكلب والخنزير ~~عين وجوده وهذا من اغلظ الاشراك والكفر برب العالمين وهو تعطيل الله اذ لا ~~وجود للوجود المطلق الا في المعين فاذا لم تثبت له حقيقة موجودة مختصة به ~~منفصلة عن الموجودات لزم تعطيله ثم ان حقيقته التي اختص بها وامتاز بها عن ~~خلقه لا يثبتونها وبها وجبت له الوحدانية والوجود من حيث هو وجود كالثبوت ~~والكون وكونه حقا وهذا القدر ثابت لكل ما خلقه وسواه وهو سبحانه رب كل ~~موجود سواه وخالقه وباريه ms828 ليس كمثله شيء من ذلك @QB@ سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا @QE@ # وهذا الموضع قد اوسعنا القول فيه في مواضع غير هذا وهو منشأ الاشراك ~~والضلال في طوائف من الفلاسفة والاتحادية وسائر الملاحدة الذين يعمهم معنى ~~الجهمية وان كان لبعضهم عن بعض في ذلك مزية # ومنشأ هذا من القياس الفاسد والتمثيل برب العالمين والتسوية بينه وبين ~~غيره كما قال تعالى فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود ابليس اجمعون قالوا وهم ~~فيها يختصمون تا الله ان كنا لفي ضلال مبين اذ نسويكم برب العالمين وما ~~اضلنا الا المجرمون ) واصل الاشراك الذي هو من القياس الفاسد هو ابليس اول ~~من قاس قياسا فاسدا وهو امام المشركين وقائدهم ولا ينجو منه الا المخلصون ~~الذين اثبتوا لله ما يختص به من الصفات والعبادات كما قال ( فبعزتك ~~لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين ) وقال تعالى ( انه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون انما سلطانه على الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون ) وهذا باب واسع ليس هذا موضعه PageV02P381 # وذلك انهم يجردون اسماء هذا وصفاته واسماء هذا وصفاته فيسوون بينهما ~~ويجردون القدر المشترك بينهما فيثبتونه حقيقة خارجة وقد يجعلون هذا الذي ~~جردوه هم بأذهانهم فقدروه في انفسهم هو الحقيقة الموجودة في الخارج ثم قد ~~يجعلون هذا ثابتا لكل موجود في الخارج كقولهم هو في كل مكان بذاته وقولهم ~~هو نفس وجود الموجودات وهو الوجود المطلق ونحو ذلك واما السؤال الثامن ~~فقوله في المعارضة ان المقتضي لقبول الانقسام في الجوهر والعرض لو كان هو ~~الوجود لزوم في الجوهر وحده أن يقبل الأنقسام إلى الجوهر والعرض وكذلك في ~~العرض وهو محال فيقال هذا غلط ظاهر ومغالطة قبيحة وذلك ان هذا الموجود اما ~~ان يراد به الموجود المعين الخارجي فيكون المعنى انه يلزمه أحد الحكمين اما ~~المحايثة واما المباينة لا يقال فيه انه منقسم اليهما وعلى هذا فالجوهر ~~الموجود يلزمه احدهما والعرض الموجود يلزمه احدهما فاما ان يراد به الوجود ~~المطلق الكلي الذي هو مورد التقسيم إلى الاقسام فهذا ms829 اذا قيل انه ينقسم إلى ~~محايث ومباين فهو كقولنا ينقسم إلى جوهر وعرض ولا يلزم من قبول القسمة ان ~~يكون أحد قسميه القسمة التي يقبلها هو بل هذا جمع بين النقيضين # واما قوله في السؤال التاسع ان ما ذكرتموه من الدليل قائم في صور كثيرة ~~مع ان النتيجة اللازمة عنه باطلة وهذا يدل على انه منقوض وبيانه من وجوه # الاول ان كل ما سوى الله محدث فتكون صحة الحدوث حكما مشتركا فلا بد لها ~~من علة مشتركة والمشترك الحدوث أو الوجود والحدوث لا يكون على صحة نفسه ~~فوجب كونها معللة بالوجود فيلزم ان يكون الله محدثا PageV02P382 # فيقال صحة الحدوث ليست من احكام الامور الوجودية بل من احكام الامور التي ~~يمكن وجودها سواء كانت موجودة أو لم تكن بخلاف المحايثة والمباينة فانها ~~مختصة بالوجود دون العدم واما صحة الحدوث فهي مشتركة بين الوجود الممكن ~~وبين كل معدوم ممكن فبينها وبين لزوم المحايثة أو المباينة عموم وخصوص اذ ~~صحة الحدوث يعم المعدوم الممكن بخلاف لزوم المحايثة أو المباينة وبخلاف ~~الرؤية واما لزوم المحايثة أو المباينة والرؤية فلا يعلم انتفاؤه عن الله ~~بخلاف صحة الحدوث فانه يعلم بالضرورة انتفاؤه في حق الله تعالى واذا كان ~~كذلك فيجب ان تكون علة صحة الحدوث ما يطابقه في العموم وذلك ليس هو الحدوث ~~فانه اخص منه اذ ليس كلما صح حدوثه كان محدثا ولا الوجود فانه ليس كل موجود ~~يصح حدوثه والمطابق له هو الامكان الخاص فصحة الحدوث معللة بعلة مشتركة وهي ~~الامكان الخاص وهذه علة مطردة منعكسة كتعليل الموجود بالرؤية وبلزوم ~~المحايثة والمباينة # وقوله في الوجه الثاني ان كل موجود في الشاهد فهو اما حجم أو قائم بالحجم ~~ثم نذكر التقسيم إلى آخره حتى يلزم ان يكون الباري اما حجما أو قائما ~~بالحجم والقوم لا يقولون بذلك فعنه جوابان # احدهما ان المعني بالحجم في اللغة الظاهرة هو الشيء الكثيف المتحد كالحجر ~~والتراب خلاف الهوى فانه لا يسمى في اللغة المشهورة حجما فان كان مقصوده ~~هذا ms830 فليس كل موجود في الشاهد اما حجما أو قائما بالحجم # فان اراد به ان كل موجود في الشاهد فهو اما جسم واما عرض أو اما جوهر ~~واما عرض ويذكر التقسيم إلى آخره # فيقال له لفظ الجوهر والعرض في الاصطلاح الخاص ليس نفيهما PageV02P383 # عن الله من الشريعة كما انه ليس اثباتهما من الشريعة بل سلف الامة ~~وائمتها انكروا على من تكلم بنفيها كما انكروا التكلم باثباتها أو اكثر ~~وعدوا ذلك بدعة فليس لاحد ان ينفي بهذين اللفظين الذين ليس لهما اصل لا في ~~نص ولا في اجماع ولا اثر الا بحجة منفصلة غير هذا اللفظ اذ الحجج التي ~~يستدل فيها باللفظ لا بد ان يكون لفظها منقولا عمن يجب اتباع قوله وهو ~~الكتاب والسنة أو الاجماع فكيف باللفظ الذي لا ينقل عن امام في الدين ولا ~~أحد من سلف الائمة # واما المعاني المرادة بهذين اللفظين فلا بد من تفسيرها فان الناس ~~متنازعون فيما يريدون بهذه الالفاظ من المعاني ومتنازعون في لزوم تلك ~~المعاني لبعض وغير ذلك واذا كان كذلك فان فسر مفسر معنى الجوهر والعرض بما ~~لم يعلم انتفاؤه في حق الله تعالى كان ذلك طرد الدليل فلا ينتقض به ولا ~~ينتقض الدليل حتى يبين ان هذا التقسيم يمكن في بعض المعاني التي يجب نفيها ~~عن الله تعالى ولم يفعل ذلك # وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو ان قوله وهم لا يقولون به قياس الزامي وقد ~~تقدم انه قال ان هذا الدليل ليس بحجة لافي النظر ولا في المناظرة وذلك ان ~~هذا الدليل ان كان مستلزم ثبوت مسمى الجسم والعرض كان حجة عليهم في هذا ~~الموضع كما هو حجة على اولئك في المواضع الاخر فاذا ذكروا فرقا فان كان ذلك ~~الفرق صحيحا لم يصح النقض بالجسم والعرض وان لم يكن الفرق صحيحا لم يكن ~~نفيهم لمسمى الجسم والعرض صحيحا على التقديرين فلا يلزم بطلان هذه الحجة ~~PageV02P384 # واما قوله في الوجه الثالث ان كل موجودين فلا بد وان يكون احدهما محايثا ~~للاخر أو ms831 مباينا عنه في اي جهة كان وساق التقسيم إلى آخره حتى يلزم كونه ~~محايثا للعالم أو مباينا عنه في اي جهة كان وذلك يقتضي ان لا يختص بجهة فوق ~~بل يلزم صحة الحركة على ذاته من الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال ~~فعنه اجوبة # احدها انه ليس كل موجودين فلا بد وان يكون احدهما محايثا للآخر أو مباينا ~~عنه في اي جهة كان بل من الاجسام الموجودة ما يمتنع مع بقاء حقيقته ان يكون ~~من الاخر الا في جهة معينة كما ان رأس الانسان يمتنع ان يكون الا فوق وبطن ~~قدمه يمتنع ان يكون الا في اسفله ولو غير ذلك خرج عن حقيقته وكذلك العرش ~~يمتنع ان يكون في اسفل سافلين واسفل سافلين يمتنع ان يكون فوق العرش # الثاني ان يقال ما تعني بقولك فلا بد وان يكون محايثا أو مباينا عنه في ~~اي جهة كان اتعني ان العقل يشهد انه لا بد من وجوب المباينة ولو بأي جهة ~~كان أو تعني انه لا بد مع وجوب المباينة من جواز المباينة من جميع الجهات ~~فهذان معنيان متغايران فان وجوب مطلق المباينة من غير تعيين جهة غير وجوب ~~المباينة ووجوب جوازها بكل جهة فان عني ان كل موجودين فانه لا بد وان ~~يتحايثا أو بيان احدهما الاخر وانه لا بد مع ذلك ان يجوز مباينته من جميع ~~الجهات فهذا القدر ليس معلوما بالبديهة ولا بالحس وكثير من الناس ينازع في ~~كثير من ذلك PageV02P385 # وبالجملة ليس هذا هو العلم البديهي الذي يعلم في المشهودات فانا لا نعلم ~~ان كل ما هو قائم بنفسه يجوز ان يكون في جميع الجهات من كل قائم بنفسه هذا ~~لا يعلم بالبديهة بحال واذا لم يكن معلوما بالبديهة لم يجب ان يعلل بعلة ~~تعم الموجود حتى نعلم ثبوته وحينئذ فمن الناس من يقول ليس هذا ثابتا لجميع ~~المخلوقات ومنهم من يثبته للمخلوق دون الخالق واذا كان الأمر كذلك فان ~~المنازع يقول قد قام الدليل على ms832 أن هذا ليس ثابتا لجميع الموجودات وليس هو ~~مما علم بالبديهة أنه يشترك فيه جميع المشهودات فلا يكون نظير حجتنا اذا ~~علم اختصاصه ببعض الموجودات فانه يعلل بما يختص به # الوجه الرابع أن الاستدلال بما يجب لكل موجودين والواجب لكل موجودين أن ~~يكونا متباينين أو متحايثين أما كون أحدهما يصح أن يكون مباينا للآخر من ~~جميع جهاته فهذا ليس هو الواجب لكل موجودين والحجة كانت فيما يلزم الموجود ~~من المحايثة أو المباينة واللازم له أصل المباينة أما المباينة من جميع ~~الجهات فليس ذلك بلازم وان كان جائزا بل يجوز ان يجعل الله بعض الأشياء لا ~~تباين الا بجهة معينة # الخامس أن يقال ليس للعالم الا جهتان وهي العلو والسفل فأما العلو فانه ~~مختص بالله تعالى وأما أسفل سافلين فذلك سجين وهو المركز الذي لا يسع الا ~~الجوهر الفرد وكل قائم بنفسه فانه يصح أن يكون مباينا عنه بجميع الجهات لأن ~~كل ما سواه يصح أن يكون فوقه وان كان كذلك فيقال بموجب المعارضة وهو أن ~~الله تعالى يجوز أن يكون مباينا للعالم من جميع جهاته لأن جميع جهاته هي ~~العلو ليس له جهة أخرى فظهر القول بموجب الحجة ألا ترى أن سطح العرش مباين ~~للعالم كذلك PageV02P386 # السادس أن قوله ذلك يستلزم صحة الحركة عليه من الفوق إلى السفل وهم لا ~~يقولون بذلك فنقول هذا قياس الزامي وفي صحة الحركة نزاع مشهور وهم يدعون ~~ثبوت الفارق فان صح ما يدعونه من الفارق والا كانت هذه الحجة حجة عليهم في ~~المسألتين جميعا ولا يتفصل ذلك كما تقدم نظيره # وأما قوله في الرابع ان كل موجودين في الشاهد فانه يجب أن يكون أحدهما ~~محايثا أو مباينا عنه بالجهة والمباين بالجهة لا بد وأن يكون جوهرا فردا أو ~~مركبا من الجواهر وكون كل موجودين في الشاهد على أحد هذه الاقسام الثلاثة ~~أعنى كونه عرضا أو جوهرا فردا أو جسما مؤتلفا لا بد أن يكون معللا بالوجود ~~فوجب أن يكون الباري على أحد هذه الأقسام ms833 الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه ~~عندهم ليس بعرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف من الأجزاء والابعاض # فيقال له أما تسمية صفاته عرضا فان منهم من سمي صفاته أعراضا مع أن ~~النزاع في ذلك لفظي وذلك أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين ينفون الصفات ~~لما رأوا أن الصفات تقوم بالأجسام وهي الأعراض أيضا وبها أو ببعضها احتجوا ~~على حدوث الموصوف الذي قامت به وقالوا انها لا تقوم الا بمتحيز ولا تقوم ~~الا بمحدث نفوها عن الله تعالى وقالوا من أثبتها فقد قالوا انه يقوم به ~~الأعراض وهي لا تقوم الا بمتحيز فيكون متحيزا محدثا فسلك معهم مثبتة الصفات ~~ثلاثة مسالك # احدها قول من يقول له صفات لكن ليست اعراضا أو لا تسمى أعراضا لأن العرض ~~ما يعرض لمحله ويزول عنه وصفاته لازمة لذاته ليست زائلة عنها وهذا مما قوى ~~عند هؤلاء أن يقولوا الأعراض لا تبقى زمانين أصلا ليكون هذا فرقا بين صفات ~~الله تعالى وصفات المخلوقين من تسمية صفات المخلوقات أعراضا PageV02P387 # دون صفات الخالق وبهذا وأمثاله انتحلوا دعوى السنة في قولهم الأعراض لا ~~تبقى زمانين لأن هذا مما وكدوا به في اعتقادهم مذهب أهل السنة في ثبوت صفات ~~الله تعالى وهذه طريقة الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء من أهل ~~المذاهب الأربعة وغيرهم # والمسلك الثاني طريقة من لا ينازعهم في تسمية صفات الله تعالى أعراضا كما ~~لا ينازعهم في تسمية من قامت به الصفات جسما ولا يقول أيضا بأن الأعراض لا ~~تبقى بل الأعراض التي في الحس باقية هي باقية كالألوان وغيرها بخلاف ما ليس ~~باقيا كالحركة وهؤلاء يقولون هب أن الأعراض قامت به وهب أنه جسم فليس يلزم ~~من ذلك محذور وهذا قول طوائف من الصفاتية من الكرامية والشيعة ومن وافقهم ~~من الفقهاء وغيرهم # والمسلك الثالث ان لا يقولوا صفاته أعراض ولا يقولوا ليست أعراضا كما لا ~~يقولون انه جسم ولا أنه ليس بجسم للأن ذلك كله بدعة مذموم عند سلف الأمة ~~وأئمتها ولأن النزاع في ذلك ان كان ms834 في معنى وجب اثبات المعنى الحق دون ~~المعنى الباطل فيسأل النفاة المثبتة ما أرادوا بذلك فان أثبتوا حقا وباطلا ~~أقروا الحق دون الباطل وكذلك النفاة ان نفوا حقا وباطلا نفي الباطل دون ~~الحق ومن أثبت حقا أو نفى باطلا أقر ومن أثبت باطلا أو نفى حقا منع وان كان ~~النزاع في اللفظ فما يوصف به الباري نفيا واثباتا من الأسماء والصفات ~~فالمتبع فيه الشريعة فلا وصف الله الا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا ~~من الاثبات ولا من النفي والله سبحانه وتعالى قد أخبر أنه أحد صمد ونزه ~~نفسه عن الوالد والولد والشريك والكفو والسمي والحاجة والنوم والموت وغير ~~ذلك ما دل عليه القرآن PageV02P388 # ولم يذكر هو ولا رسوله ولا أهل العلم والايمان به أنه ليس بجسم ولا جوهر ~~ولا متحيز ولا في جهة ولا أن صفاته ليست بعرض ولا قائمة بالغير ولا نحو ذلك ~~وكذلك في الاثبات له الأسماء الحسنى التي يدعى بها وليس في تلك الأسماء انه ~~جسم ولا جوهر ونحو ذلك ولا أن صفاته تسمى أعراضا ونحو ذلك فلم يكن واحد من ~~هذين مشروعا على الاطلاق ولا هو أيضا منهيا عنه على الاطلاق بل اذا اثبت ~~الرجل معنى حقا ونفى معنى باطلا واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لاجل ~~افهام المخاطب لأنها من لغة المخاطب ونحو ذلك لم يكن ذلك منهيا عنه لأن ذلك ~~يكون من باب ترجمة أسمائه وآياته بلغة أخرى ليفهم أهل تلك اللغة معاني ~~كلامه وأسمائه وهذا جائز بل مستحب أحيانا بل واجب أحيانا وان لم يكن ذلك ~~مشروعا على الاطلاق كمخاطبة أهل هذه الاصطلاحات الخاصة في أسماء الله ~~وصفاته وأصول الدين باصطلاحهم الخاص اذا كانت المعاني التي تبين لهم هي ~~معاني القرآن والسنة تشبه قراءة القرآن بغير العربية وهذه الترجمة تجوز ~~لافهام المخاطب بلا نزاع بين العلماء وأما قراءة الرجل لنفسه فهذا لا يجوز ~~عند عامة أهل العلم لافي الصلاة ولافي خارج الصلاة وجوزه بعضهم مطلقا لكن ~~لمن لم يحسن ms835 العربية لكن المخاطبة ليست كاقراء القرآن لكن تشبه ذكره ~~والثناء عليه والدعاء له بما لم يوقت الشارع فيه شيئا بعينه ولهذا يكره ~~أيضا عند كثير من العلماء أو أكثرهم تغيير العربية الا للحاجة ومنهم من لم ~~يكرهه # اذا تبين ذلك فجوابه من وجوه # احدها أن هذا الوجه الذي ذكره هو من الوجوه الالزامية وهذه ليست بحجة لا ~~للناظر ولا للمناظر كما تقدم غير مرة وذلك أن هذه الحجة اما أن توجب أن كل ~~موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام أولا توجبه فان لم PageV02P389 # توجبه فلا يضر وان أوجب ذلك ولم يذكر الفارق فرقا بين الموضعين والا كانت ~~حجة عليهم في الموضعين وكان له أن يقول أنا انما أثبت الجسم والجوهر والعرض ~~لكذا وكذا فان كان هذا فرقا صحيحا بطل الالزام وان لم يكن فرقا صحيحا تاما ~~امتنع الحكم اذ ليس في ذلك نص ولا اجماع عام # الوجه الثاني أن يقال كون الموجود في الشاهد جوهرا فردا أو ليس بجوهر فرد ~~ليس ذلك بمشهود ولا معلوم بحس ولا ضرورة كالعلم بأن الموجود في الشاهد اما ~~مباين واما محايث بل في ذلك نزاع عظيم بين المتكلمين وهذا المؤسس هو من ~~المتوقفين في اثبات الجوهر الفرد وقد حكى التوقف فيه عمن حكاه من أذكياء ~~الطوائف كأبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني واذا لم يكن هذا معلوما ~~بالحس والاضطرار لم يكن نظير تلك الحجة # الوجه الثالث أن من ينكر الجوهر من أهل الكلام والفلسفة أو من توقف فيه ~~يمنع الانقسام إلى هذه الثلاثة وهؤلاء طوائف كثيرون # الوجه الرابع أن قوله ان المباين بالجهة لا بد وأن يكون جوهرا فردا أو ~~يكون مركبا من الجواهر وكون كل موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام ~~الثلاثة أعنى كونه عرضا أو جوهرا فردا أو جسما مؤتلفا لا بد وأن يكون معللا ~~بالوجود يقال له ليس كون الأشياء القائمة بأنفسها في الشاهد مركبة من ~~الجواهر وأنها اما جوهر فرد واما جسم مؤتلف مما يعلم لا بحس ولا ms836 بضرورة كما ~~يعلم أن الموجود اما أن يقوم بنفسه واما ان يقوم بغيره بل في ذلك نزاع عظيم ~~بين الناس نفيا واثباتا ووقفا واذا كان كذلك لم يكن نظيرا له PageV02P390 # الوجه الخامس أن من يقول الجسم واحد في نفسه ليس مركبا من الجواهر من أهل ~~الكلام والفلسفة سواء قالوا ينقسم إلى جزء لا يقبل القسمة أو قالوا يقبل ~~القسمة إلى ما لا يتناهي ينازعون في هذا الانقسام ويقولون لا نسلم ان ~~القائم بنفسه لا يكون الا مركبا من الأجزاء أو جوهرا فردا وهؤلاء طوائف ~~كثيرة # الوجه السادس أن يقال قد مر الكلام على معنى القسمة والتركيب وأن حاصله ~~يعود إلى تميز شيء من شيء كامتياز صفة من صفة وأن ذلك مما يجب الاعتراف به ~~في حق كل موجود فانه يمتنع أن يكون شيء من الموجودات بدون ذلك وان كان كذلك ~~لم يكن ما يلزم الوجود مما سموه انقساما وتركيبا محالا فاذا اوجبت الحجة ~~القول به قيل به # الوجه السابع أن يقال ان عنيت بكونه عرضا انه صفة قائمة بالموصوف ويكون ~~منقسما اي فيه نوع تميز فهذا يلتزمه أهل الاثبات للعلو وان عنيت بكونه عرضا ~~انه يعرض ثم يزول وبكونه منقسما مركبا انه يقبل التفرق والاجتماع بعد ~~التفرق فيقال هذا وصف له بعدم بعد الوجود وبوجود بعد عدم واذا كان هذا كذلك ~~لم يمتنع ان يكون الموجب لذلك متضمنا للعدم فان الممتنع تعليل الامر ~~الوجودي كالرؤية ولزوم أحد الوصفين الموجودين بما فيه عدم اما الوصف ~~المشتمل على عدم فلا يمتنع تعليله بالوصف المشتمل على عدم # يوضع ذلك الوجه الثامن وهو أن العرض الذي يختص به المخلوق جوهر عند من ~~يقول ذلك ويفرق بين صفة الخالق وصفة المخلوق مما يمتنع بقاؤه ويجب عدمه بعد ~~وجوده وأقل ما في ذلك أنه يجوز عدمه بعد وجوده والجسم المخلوق اما أن يكون ~~متفرقا في نفسه منقسما قسمة حقيقية بحيث يكون بعضه منفصلا PageV02P391 # عن بعض واما أن يكون قابلا لذلك وعلى التقديرين فلا يكون هذا الحكم ms837 صفة ~~للموجود من حيث هو موجود فان الموجود من حيث هو موجود لا يكون واجب العدم ~~ولا واجب التفرق والانفصال واذا كان كذلك كان نفس هذا الوصف المذكور يوجب ~~ان يختص ما يجوز عليه العدم والتفرق # الوجه التاسع ان وجوب العدم أو التفرق لا يجوز تعليله بالوجود فان الوجود ~~نفسه لا يوجب التفرق والعدم فان العدم ينافي الوجود والشيء لا يكون موجبا ~~لما ينافيه وكذلك التفرق هو نوع من عدم الكمال فان الاجتماع صفة كمال وقوة ~~والافتراق ينقص تلك القوة والكمال وكذلك يسمى الشيء جميلا والجمال مشتق من ~~الاجمال الذي هو الجمع والضم ولهذا يقال كل ألم في العالم فأصله من تفرق ~~واجتماع فكون الشيء موجودا أو مقصودا بحث يحصل به الفرح والسرور لا يناسب ~~تفرقه واختلاله وانما يناسب اجتماعه واكماله ولهذا كان الاسم الصمد فيه ~~معنى الاجتماع المنافي للتفرق وفيه اجتماع الخلق اليه بحيث يكون هو المقصود ~~لهم في العبادة في الدعاء والعبد لا بد له من قصد يقصده والشيء انما يقصد ~~لنفسه أو لغيره والله هو المقصود المعبود لنفسه وهو المدعو المسؤول الذي ~~يسأل منه كل شيء واذا كان كذلك تبين أن هذا الحكم لا يجوز تعليله بالوجود ~~المطلق ولا بما يشتمل على الوجود الواجب # وأما قوله في الوجه الخامس اذ كل موجود يفرض مع العالم فهو اما أن يكون ~~مساويا للعالم أو زائدا عليه في المقدار أو انقص منه في المقدار فانقسام ~~الموجود في الشاهد إلى هذه الاقسام الثلاثة حكم لا بد له من علة ولا علة ~~الا الوجود والباري تعالى موجود فوجب ان يكون الباري تعالى على أحد هذه ~~الأقسام الثلاثة والقوم لا يقولون به ثبت بما ذكرنا ان هذه الشبهة منقوضة # فيقال له عن هذه ايضا وجوه PageV02P392 # احدها ان هذه أيضا حجة الزامية لا حقيقية فالذي ينفي هذه الأقسام عن ~~الباري اما أن يذكروا فرقا صحيحا اولا يذكروه فان ذكروه بطل الزامهم بذلك ~~في حجة المباينة والمحايثة وان لم يذكروا فرقا صحيحا كان ذلك حجة ms838 عليهم في ~~الموضعين كما تقدم نظيره وحينئذ فلا يكون هذا حجة لا في نظر ولا في مناظرة ~~فان هذا ليس هو متفقا على نفيه بل أكثر اهل الاثبات يلتزم أحد الاقسام # الوجه الثاني أن يقال هذا التقسيم باطل فان كل ما نشهده فهو جزء من ~~العالم سواء كان قائما بنفسه أو بغيره فكيف يقال فيما هو بعض العالم اما ان ~~يكون مساويا للعالم أو أزيد منه أو أنقص منه ومن المعلوم أنه لا يكون الا ~~أنقص منه واذا كان لا يصح ان يكون مساويا له ولا أزيد وبهذا يظهر ان هذا ~~ليس نظير الحجة فان تلك مضمونها ان كل موجود يلزمه أحد الأمرين اما ~~المحايثة لغيره واما المباينة له والوجود ينقسم إلى قسمين محايث ومباين ولا ~~يمكن ان يقال الوجود المشهود يلزمه أحد هذه الأقسام انما يلزمه واحد منها ~~معين وهو النقص # الوجه الثالث ان هذا الذي ذكره انما هو فيما تقدم وجوده ويفرض مع العالم ~~ومعلوم أنما يقدر وجوده ويفرض لا يعلم حكمه بالحس ولا بالبديهة كما يعلم ~~حكم الموجود المشهود المحسوس مع الموجود المشهود المحسوس فان تلك الحجة ~~مبناها على ما علم بالحس والضرورة ثم النظر هل ذلك معلل بما يتناول الوجود ~~الواجب أو بما يخص غيره وأما الموجودات المقدرة فحكمها لا يعلم بحس ولا ~~ضرورة وانما يعلم بالقياس على ما علم وجوده PageV02P393 # الوجه الرابع أن هذا إذا كان في الوجود المقدر مع العالم فذلك الموجود ~~اما أن يكون هو الله أو غيره فان كان غيره فقد علم انه معدوم لأن كل ما ~~يقدر وجوده سوى الله فهو من العالم فلا يمكن تقدير موجود غير الله خارج عن ~~مجموع خلقه وان كان المراد بهذا الموجود هو الله كان المعنى ان الله لا ~~يخلو اما أن يكون اكبر من العالم أو اصغر أو بقدره واذا كان هذا هو المعنى ~~المقدر فاحتجاجه بهذا على ان الباري موصوف بأحد هذه الأقسام هو استدلال ~~بالشيء على نفسه فالدليل هو غير المدلول ويكون ms839 التقدير ان الرب الموجود مع ~~العالم اما أن يكون مساويا له أو اكبر أو اصغر واذا كان كذلك فهو اما ان ~~يكون مساويا أو اكبر أو اصغر وملعوم ان هذا باطل فضلا ان يكون نظير الحجة # وقد ظهر بما نبهنا عليه في الكلام على هذه الحجة ان قوله ونحن بعد ان ~~بالغنا في تنقيحها وتقريرها اوردنا عليها هذه الاسئلة القاهرة والاعتراضات ~~القادحة ليس الأمر كما قاله فان الحجة لم يستوف تقريرها كما يجب وليس ما ~~ذكره من الأعتراض كما زعم هذا مع أنا لم نستوف الكلام في تقريرها ولا في ~~الأجوبة عن اسولته لأن المقصود حكاية ما ذكره هو من الحجة وذكر ما ينبه على ~~الحكم العادل بينه وبين خصومه $ فصل # قال الرازي الشبهة الثالثة للكرامية في اثبات كونه تعالى في الجهة قالوا ~~ثبت أنه تعالى تجوز رؤيته والرؤية تقتضي مواجهة المرئي أو مواجهة شيء هو في ~~حكم مقابلته وذلك يقتضي كونه تعالى مخصوصا بجهة قال PageV02P394 # والجواب اعلم ان المعتزلة والكرامية توافقوا على ان كل مرئي لا بد وأن ~~يكون في جهة الا ان المعتزلة قالوا لكنه ليس في الجهة فوجب أن لا يكون ~~مرئيا والكرامية قالوا لكنه مرئي فوجب ان يكون في الجهة واصحابنا نازعوا في ~~هذه المقدمة وقالوا لا نسلم ان كل مرئي فانه مختص بالجهة بل لا نزاع ان ~~الأمر في الشاهد كذلك فلم قلتم ان كل ما كان كذلك في الشاهد وجب ان يكون في ~~الغائب كذلك # وتقريره ان هذه المقدمة اما ان تكون مقدمة بديهية أو استدلالية فان كانت ~~بديهية لم يكن في اثبات كونه مختصا بالجهة حاجة إلى هذا الدليل وذلك لأنه ~~ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس مختص بالجهة وثبت ان الباري جل وتعالى ~~قائم بالنفس فوجب القطع بأنه تعالى مختص بالجهة لأن العلم الضروري حاصل بأن ~~كلما ثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك فاذا كان هذا الوجه حاصلا ~~في اثبات كونه تعالى في الجهة كان اثبات كونه في ms840 الجهة بكونه مرئيا ثم ~~اثبات ان كل ما كان مرئيا فهو مختص بالجهة تطويل من غير فائدة ومن غير مزيد ~~شرح وبيان # وأما ان قلنا ان قولنا كل مرئي فهو مختص بالجهة ليست مقدمة بديهية بل هي ~~مقدمة استدلالية فحينئذ ما لم يذكروا على صحتها دليلا تصير هذه المقدمة ~~يقينية وأيضا فكما أنا لا نعقل مرئيا في الشاهد الا اذا كان مقابلا أو في ~~حكم المقابل للرائي فكذلك لا نعقل مرئيا الا اذا كان صغيرا أو كبيرا أو ~~ممتدا في الجهات مؤتلفا من الأجزاء وهم يقولون انه تعالى يرى لا صغيرا ولا ~~كبيرا ولا ممتدا في الجهات والجوانب والأحياز فاذا جاز لكم ان تحكموا بأن ~~الغائب مخالف للشاهد في هذا الباب فلم لا يجوز ايضا ان يقال ان المرئي في ~~الشاهد وان PageV02P395 # وجب كونه مقابلا للرائي الا أن المرئي في الغائب لا يجوز ان يكون كذلك # والكلام على ما ذكره من وجوه # احدها انما ذكره عن المعتزلة والكرامية ليس هو قولهم فقط بل قول عامة ~~طوائف بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين ~~وهو قول جماهير مثبتي الصفات ونفاتها ولا يعرف القول باثبات الرؤية مع نفي ~~كون الله تعالى فوق العالم الا عن هذه الشرذمة وهم بعض اتباع الأشعري ومن ~~وافقهم وليس ذلك قول ائمتهم كما يقول هؤلاء وان كانوا هم وغيرهم يقولون ان ~~في كلام أئمتهم تناقضا أو اختلافا فقد قدمنا ان تناقض من كان إلى الاثبات ~~اقرب هو أقل من تناقض من كان إلى النفي اقرب وقدمنا ان العلم بأنه فوق ~~العالم اعظم من العلم بأنه يرى فعلم ذلك بالعقل اعظم في الطرق البديهية ~~والقياسية وعلم ذلك بالسمع أعظم لما في الكتاب والسنة من الدلالات الكثيرة ~~التي لا يحصيها الا الله على أن الله فوق # ولهذا تجد هؤلاء الذين يثبتون الرؤية دون العلو عند تحقيق الأمر منافقين ~~لأهل السنة والاثبات يفسرون الرؤية التي يثبتونها بنحو ما يفسرها به ~~المعتزلة وغيرهم من الجهمية فهم ينصبون الخلاف فيها ms841 مع المعتزلة ونحوهم ~~ويتظاهرون بالرد عليهم وموافقة أهل السنة والجماعة في اثبات الرؤية وعند ~~التحقيق فهم موافقون المعتزلة انما يثبتون من ذلك نحو ما اثبته المعتزلة من ~~الزيادة في العلم ونحو ذلك مما يقوله المعتزلة في الرؤية أو يقول قريبا منه ~~ولهذا يعترف هذا الرازي بأن النزاع بينهم وبين المعتزلة في الرؤية قريب من ~~اللفظي PageV02P396 # فعلم ان هؤلاء حقيقة باطنهم باطن المعتزلة الجهمية المعطلة وإن كان ~~ظاهرهم ظاهر اهل الاثبات كما أن المعتزلة عند التحقيق حقيقة امرهم امر ~~الملاحدة نفاة الأسماء والصفات بالكلية وان تظاهروا بالرد عليهم والملاحدة ~~حقيقة امرهم حقيقة من يجحد الصانع بالكلية هذا لعمري عند التحقيق وأما عوام ~~الطوائف وان كان فيهم فضيلة وتميز فقد يجمعون بين المتناقضات تقليدا وظنا ~~ولهذا لا يكونون جاحدين وكافرين مطلقا لأنهم يثبتون من وجه وينفون من وجه ~~فيجمعون بين النفي والاثبات # قال الأشعري في الابانة باب الرد على الجهمية في نفيهم على الله وقدرته ~~قال الله تعالى ( انزله بعلمه ) وقال سبحانه ( وما تحمل من انثى ولا تضع ~~الا بعلمه ) وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه فقال سبحانه @QB@ فإن لم ~~يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله @QE@ @QB@ ولا يحيطون بشيء من ~~علمه إلا بما شاء @QE@ وذكر تعالى القوة فقال ( اولم يرو أن الله الذي ~~خلقهم هو أشد منهم قوة ) وقال سبحانه ( ذو القوة المتين ) وقال الله تعالى ~~( والسماء بنيناها بأيد ) قال وزعمت الجهمية والقدرية ان الله عز وجل لا ~~علم له ولا حياة ولا سمع ولا بصر وأرادوا ان ينفوا ان الله عالم قادر حي ~~سميع بصير فمنعهم خوف السيف من اظهارهم ذلك فأتوا بمعناه لأنهم اذا قالوا ~~لا علم ولا قدرة لله فقد قالوا ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم وهذا ~~انما اخذوه عن اهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم ليس بعالم ~~ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير فلم تقدر المعتزلة ان تفصح بذلك فأتت ~~بمعناه وقالت ان الله عالم قادر حي سميع بصير من ms842 طريق التسمية من غير ان ~~نثبت له علما وقدرة وسمعا وبصرا PageV02P397 # وهؤلاء الذين ذكر قولهم قالوا ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا ~~بصير وهؤلاء شر من الذين تقدم ذكرهم وحكاية الرازي قولهم الذين يقولون لا ~~نقول موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل فان أولئك امتنعوا ~~من التسمية بالضدين لم ينفوا أن يكون هو تعالى في نفسه موصوفا بأحدهما ~~فهؤلاء الذين نفوا ذلك اعظم من اولئك وقد أخبر ان قول المعتزلة مأخوذ من ~~هؤلاء # وكذلك قال في كتاب المقالات لما قال وهذا ذكر اختلاف الناس في الأسماء ~~والصفات فقال الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين وعمى العمين وحيرة ~~المتحيرين الذي نفوا صفات الله رب العالمين وقالوا انه جل ثناؤه وتقدست ~~اسماؤه لا صفات له وأنه لا علم له ولا قدرة له ولا حياة له ولا سمع له ولا ~~بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له وكذلك قالوا في ~~سائر صفات الله التي توصف لنفسه قال وهذا قول اخذوه عن اخوانهم من ~~المتفسلقة الذين يزعمون ان للعالم صانعا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ~~ولا سميع ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا نقول عين لم تزل ولم يزيدوا على ~~ذلك غير ان هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا ان ~~يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا معناه بنفيهم ان يكون للباري ~~علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهر من ~~ذلك ولأفصحوا به غير ان خوف السيف يمنعهم من اظهار ذلك قال وقد أفصح بذلك ~~رجل يعرف بابن الأيادي كان ينتحل قولهم فزعم ان الباري تعالى عالم قادر ~~سميع بصير في المجاز لافي الحقيقة ومنهم رجل يعرف بعباد بن سليمان يزعم ان ~~الباري تعالى عالم قادر سميع بصير حكيم جليل PageV02P398 # في حقيقة القياس قال وقد اختلفوا فيما بينهم اختلافا تشتت فيه اهواؤهم ~~واضطربت فيه أقاويلهم ثم ms843 ذكر بينهم نزاعا كثيرا ليس هذا موضعه # وقال شيخ الاسلام أبو اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتاب ذم ~~الكلام في آخره لما عقد بابا في ذكر هؤلاء الأشعرية المتأخرين فقال باب في ~~ذكر كلام الأشعري ولما نظر المبرزون من علماء الأمة وأهل الفهم من اهل ~~السنة طوايا كلام الجهمية وما اودعته من رموز الفلاسفة ولم يقع منهم الا ~~على التعطيل البحت وان قطب مذهبهم ومنتهى عقدتهم ما صرحت به رؤوس الزنادقة ~~قبلهم ان والفلك دوار والسماء خالية وان قولهم انه تعالى في كل موضع وفي كل ~~شيء ما استثنوا جوف كلب ولا جوف خنزير ولا حشا فرارا من الاثبات وذهابا عن ~~التحقيق وان قولهم سميع بلا سمع بصير بلا بصر عليم بلا علم قادر بلا قدرة ~~اله بلا نفس ولا شخص ولا صورة ثم قالوا لا حياة له ثم قالوا لا شيء فانه لو ~~كان شيئا لأشبه الأشياء حاولوا مقال رؤوس الزنادقه القدماء إذ قالوا الباري ~~لا صفة لهم ولا لا صفة خافوا على قلوب ضعفاء المسلمين وأهل الغفلة وقلة ~~الفهم منهم اذ كان ظاهر تعلقهم بالقرآن اعتصاما به من السيف واجتنابا به ~~منهم واذ هم يرون التوحيد ويخاوضون المسلمين ويحملون الطيالسة فأفصحوا ~~بمعائبهم وصاحوا بسوء ضمائرهم ونادوا على خبايا نكتهم فيا طول ما لقوا في ~~أيامهم من سيوف لخلفاء وألسن العلماء وهجران الدهماء فقد شحنت كتاب تكفير ~~الجهمية من مقالات علماء الاسلام ورن الخلفاء فيهم ودق عامة أهل السنة ~~عليهم واجماع PageV02P399 # المسلمين على اخراجهم من الملة ثلت عليهم الوحشة وطالت الذلة وأعيتهم ~~الحيلة الا ان يظهروا الخلاف لأوليهم والرد عليهم ويصبغوا كلامهم صيغة تكون ~~ألوح للأفهام وانجع في العوام من أساس اوليهم تحدوا بذلك المساغ وليتخلصوا ~~من خزي الشناعة فجاءت بمخاريق ترئا للعين بغير ما في الحشايا ينظر الناظر ~~الفهم في جذرها فيرى فخ الفلسفة يكسى لحاء السنة وعقد الجهمية ينحل القاب ~~الحكمة يردون على اليهود قولهم يد الله مغلولة فينكرون الغل وينكرون اليد ~~فيكونوا اسوأ حالا ms844 من اليهود لأن الله سبحانه اثبت الصفة ونفى العيب ~~واليهود اثبتت الصفة واثبتت العيب وهؤلاء نفو الصفة كما نفوا العيب ويردون ~~على النصارى في مقالتهم في عيسى وامه فيقولون لا يكون في المخلوق غير ~~المخلوق فيبطلون القرآن فلا يخفى على ذوي الألباب ان كلام اولهم وكلام ~~آخرهم كخيط السحارة فاسمعوا الآن يا ذوي الألباب وانظروا ما فضل هؤلاء على ~~اولئك اولئك قالوا قبح الله مقالهم ان الله موجود بكل مكان وهؤلاء يقولون ~~ليس هو في كل مكان ولا يوصف بأين وقد قال المبلغ عن الله عز وجل لجارية ~~معاوية بن الحكم رضي الله عنه اين الله قالت في السماء الحديث وقالوا هو من ~~فوق كما هو من تحت لا ندري اين هو ولا يوصف بمكان فليس هو في السماء وليس ~~هو في الأرض وانكروا الجهة والحد وقال اولئك ليس له كلام انما خلق كلاما ~~وهؤلاء يقولون تكلم مرة فهو متكلم به منذ تكلم لم ينقطع الكلام ولا يوجد ~~كلامه في موضع ليس هو به ثم يقولون ليس هو في مكان ثم قالوا ليس له صوت ولا ~~حروف وقالوا هذا زاج وورق وهذا صوف PageV02P400 # وخشب وهذا انما قصد النفس واريد به التفسير وهذا صوت القاري اما يرى حسن ~~وغير حسن وهذا لفظه أو ما تراه مجازا به حتى قال رأس من رؤوسهم أو يكون ~~قرآن من لبد وقال آخر من خشب فراوغوا فقالوا هذا حكاية عبر بها عن القرآن ~~والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك ثم قالوا غير مخلوق ومن قال مخلوق كافر ~~وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام اهل السنة وانما اعتقادهم ان القرآن ~~غير موجود لفظية الجهمية الذكور بمرة والجهمية الاناث بعشر مرات # اولئك قالوا لاصفة وهؤلاء يقولون وجه كما يقال وجه النهار ووجه الأمر ~~ووجه الحديث وعين كعين المتاع وسمع كأذن الجدار وبصر كما يقال جدارهما ~~يترائيان ويد كيد المنة والعطية والأصابع كقولهم خراسان بين اصبعي الأمير ~~والقدمان كقولهم جعلت الخصومة تحت قدمي والقبضة كما قيل ms845 فلان في قبضتي اي ~~انا املك امره وقال الكرسي العلم والعرش الملك والضحك الرضى والاستواء ~~الاستيلاء والنزول القبول والهرولة مثله شبهوا من وجه وانكروا من وجه ~~وخالفوا السلف وتعدوا الظاهر فردوا الأصل ولم يثبتوا شيئا ولم يبقوا موجودا # ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالالسنة فقالوا لا نفسرها نجريها عربية ~~كما وردت وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة وأرادوا بهذه المخرقة ان يكون ~~عوام المسلمين بعد غيابا عنها واعيا ذهابا منها ليكونوا اوحش عند ذكرها ~~واشمس عند سماعها وكذبوا بل التفسير ان يقال وجه ثم لا يقال كيف وليس كيف ~~في هذا الباب من مقال المسلمين فأما العبارة فقد قال الله تعالى ( وقالت ~~PageV02P401 # اليهود يد الله مغلولة غلت ايدهم ) وانما قالوها هم بالعبرانية فحكاها ~~عنهم بالعربية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب كتابه بالعبرانية ~~فيها اسماء الله وصفاته فيعبر بالألسنة عنها ويكتب اليه بالسريانية فيعبر ~~له زيد بن ثابت رضي الله عنه بالعربية والله تعالى يدعى بكل لسان باسمه ~~فيجيب ويحلف بها فيلزم وينشد فيجاز ويوصف فيعرف # ثم قالوا ليس ذات الرسول صلى الله عليه وسلم بحجة وقالوا ما هو بعد ما ~~مات بمبلغ فلا يلزم به الحجة فسقط من اقاويلهم على ثلاثة اشياء انه ليس في ~~السماء رب ولا في الروضة رسول ولا في الأرض كتاب كما سمعت يحيى بن عمار ~~يحكم به عليهم وان كانوا موهوها ووروا عنها واستوحشوا من تصريحها فان ~~حقائقها لازمة لهم وابطلوا التقليد فكفروا آباءهم وامهاتهم وازواجهم وعوام ~~المسلمين وواجبوا النظر في الكلام واضطروا اليه الدين بزعمهم فكفروا السلف ~~وقالت طائفة منهم الفرض لا يتكرر فأبطلت الشرائع وسموا الاثبات تشبيها ~~فعابوا القرآن وضللوا الرسول فلا تكاد ترى منهم رجلا ورعا ولا للشريعة ~~معظما ولا للقرآن محترما ولا للحديث موقرا سلبوا التقوى ورقة القلب وبركة ~~التعبد ووقار الخشوع واستفضلوا الرسول بالنظر فلا هو طالب آثاره ولا يتبع ~~أخباره ولا يناضل على سننه ولا هو راغب في اسوته يتلقد مرتبة العلم وما عرف ~~حديثا واحدا تراه ms846 يهزأ بالدين ويضرب له الامثال ويتلعب بأهل السنة ويخرجهم ~~اصلا من العلم لا تنفر لهم عن بطانة الا خانتك ولا عن عقيدة الا رابتك ~~البسوا ظلمة الهوى وسلبوا نعمة الهدى فتنبوا عنهم الأعين وتشمئز منهم ~~القلوب # قالوا وقد شاع في المسلمين ان رأسهم علي بن اسماعيل الأشعري كان لا ~~يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي وقد سمعت محمدا العمري النسابة انبأنا المعافي ~~PageV02P402 # سمعت أبا الفضل الحارثي القاضي بسر حبس يقول سمعت زاهر بن أحمد يقول اشهد ~~لمات أبو الحسن الأشعري متحيرا بسبب مسألة تكافىء الأدلة فلا جزى الله ~~امرءا أناط مخاريقه بمذهب الامام المطلبي رحمه الله تعالى وكان من ابر خلق ~~الله قلبا واصونهم سمتا وأهدأهم هديا وأعمقهم علما وأقلهم تعمقا وأوقرهم ~~للدين وابعدهم من التنطع وانصحهم لخلق الله جزاء خير قال فرأيت قوما منهم ~~يجتهدون في قراءة القرآن وحفظ حروفه والاكثار من ختمه ثم اعتقاده فيه ما قد ~~بيناه اجتهاد روغان كالخوارج وذكر باسناده من حديث سفيان الثوري عن الصلت ~~بن بهرام عن المنذر بن هوذة عن خرشة ابن الحر ان حذيفة بن اليمان قال انا ~~آمنا ولم نقرأ وسيجيء قوم يقرؤون القرآن ولا يؤمنون وباسناده من حديث زيد ~~بن أبي انيسة عن القاسم بن عون قال سمعت ابن عمر يقول لقد عشنا برهة من ~~دهرنا وان احدنا يؤتي الايمان قبل القرآن وباسناده من حديث اسماعيل بن ~~مهاجر عن أبيه عن ابن عمر قال انا كنا صدور هذه الأمة وكان الرجل من خيار ~~اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحيهم وما يقم الا سورة من القرآن ~~أو شبه ذلك وكان القرآن قد ثقل عليهم رزقوا علما به أو عملا وان آخر هذه ~~الأمة يخفف عليه القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون شيئا منه قلت ~~ومثل ذلك معروف عن جندب بن عبد الله البجلي انه قال اوتينا الايمان قبل ان ~~نقرأ القرآن ثم اوتينا القرآن فازددنا ايمانا وانكم تؤتون القرآن قبل ~~الايمان فتوسل أحدكم PageV02P403 # وهذا الرازي لما ذكر مسألة ms847 الرؤية في نهايته وذكر فيها حجج النفاة ~~والمثبتة كان ما ذكره من حجج النفاة العقلية والسمعية اظهر مما ذكره من حجج ~~المثبتة وهذه عادته في كثير من مناظرته يحتج للباطل من السفسطة وفروعها بما ~~لا يحتج بمثله للحق وقال في مسألة الرؤية بعد ان ذكر مسالكها العقلية فظهر ~~من مجموع ما ذكرناه ان الادلة العقلية ليست قوية في هذه المسألة قال واعلم ~~ايضا ان التحقيق في هذه المسألة ان الخلاف فيها يقرب ان يكون لفظيا وسنبينه ~~ان شاء الله تعالى # الوجه الثاني ان هذا الرجل قد اعترف هو ومن يوافقه ان الرؤية التي دل ~~عليها الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة بل الادراك المنفي عن الله في قوله ( ~~لا تدركه الأبصار ) يدل على ان الله تعالى في الجهة وذلك يقتضي دلالة ~~الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة على شيئين على رؤية الله تعالى وعلى انه في ~~الجهة وذكر اعتراف فضلاء المعتزلة بأن النبيين كانوا يعتقدون ذلك # اما الأول فانه لما ذكر الحجج السمعية التي للمعتزلة على نفي الرؤية قال ~~وهذه الشبه اربع الأولى وهي الأقوى التمسك بقوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار ) قال واعلم ان هذه الآية تارة يتمسكون بها على أنه تعالى ~~لا يرى بالأبصار في الدنيا ولا في الآخرة وتارة على استحالة كوننا رائين له ~~اما الوجه الاول فانما يتم باثبات امور اربعة أحدها ان ادراك البصر هو ~~الرؤية قال ويدل عليه امران احهما انه لا فرق في اللغة بين ان يقال رأيت ~~فلانا ببصري وبين ان يقال ادركته ببصري كما لا فرق بين ان يقال ادركته ~~بأذني وبين ان يقال سمعته بأذني ثانيهما ان اهل اللسان فهموا من هذه الآية ~~نفي الرؤية وذلك يدل على ان العرب يستعملون ادراك البصر بمعنى الرؤية وروي ~~عن عائشة PageV02P404 # لما بلغها ان كعبا قال ان محمدا رأى ربه انكرت ذلك وقالت ثلاث من حدثك ~~بهن فقد كذب من حدثك ان محمدا رأى ربه فقد اعظم الفرية على الله قال تعالى ~~( لا ms848 تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) قال وروي عن ابن عباس مثل ذلك # ثم قال في الجواب عن هذا لا نسلم ان ادراك البصر عبارة عن نفس الرؤية ~~بيانه هو ان الادراك غير موضوع لحقيقة الرؤية اصلا لكنه مستعمل في رؤية ~~الشيء المحدود بطريق المجاز ومتى كان كذلك لم يلزم من الآية هاهنا نفي ~~الرؤية وانما قلنا ان الادراك غير موضوع للرؤية حقيقة لان لفظ الادراك ~~حقيقة في غير الرؤية فوجب أن لا يكون حقيقة فثي الرؤية إنما قلنا أن ~~الأدراك غير حقيقة في الرؤية لأنها حقيقة في اللحوق والبلوغ سواء كان في ~~المكان كما في قوله تعالى ( قال اصحاب موسى انا لمدركون ) أو في الزمان كما ~~يقال ادرك قتادة الحسن أو في صفة وحالة كما يقال ادرك الكلام وادركت الثمرة ~~اذا نضجت وايضا فانه يقال ادركت ببصري حرارة الليل وان كانت الحرارة لا ترى ~~فعلمنا ان الادراك حقيقة في غير الرؤية فوجب ان لا يكون حقيقة في الرؤية ~~لئلا يؤدي إلى الاشتراك الذي هو خلاف الأصل # وانما قلنا ان الادراك لا يستعمل مجازا الا في رؤية الشيء المتناهي ~~لوجهين احدهما انا لما أبصرنا الشيء المتناهي فكان البصر على بعده من ذلك ~~المرئي يتناوله ولم يتناوله غيره فجرى في ذلك مجرى من قطع المسافة إلى شيء ~~حتى بلغه ووصل اليه فلما توهم في هذا النوع من الابصار معنى اللحوق سمي ~~ادراكا فأما ادراكنا للشيء الذي لا يكون في جهة اصلا فانه لا يتحقق فيه ~~معنى البلوغ فلا جرم لا يسمى ادراكا الثاني ان الاسم انما يوضع لما يكون ~~معلوما PageV02P405 # للواضع والعرب ما كانوا يتصورون الا رؤية الشيء المحدود اما عند الخصم ~~فلأن الرؤية لا على هذا الوجه مستحيلة وأما عندنا فانه وان أمكن الا يكون ~~كذلك لكنه ما كان معلوما للعرب ولا متصورا لهم واذا ثبت ذلك ثبت انهم لم ~~يستعملوا الادراك الا لرؤية الشيء الذي في جهة فثبت بما ذكرناه ان الادراك ~~لو افاد الرؤية لأفاد رؤية الشيء المتناهي وهذا ms849 هو المراد من قول قدماء ~~الأصحاب الادراك هو الاحاطة بالمرئي # واذا ثبت ان الادراك لا يفيد الا رؤية مخصوصة لم يلزم من نفي الادراك نفي ~~مطلق الرؤية لأنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم واما قوله العرب لا تفرق ~~بين الرؤية وبين الادراك قلنا ان ادعيتم ذلك في مطلق الرؤية فهو ممنوع ~~ودليله ما مضى وان ادعيتم ذلك في رؤية مخصوصة فهو مسلم ولا يضرنا قوله اهل ~~اللسان فهموا من هذه الآية نفي الرؤية فدل على ان ادراك البصر هو الرؤية ~~قلنا وقد نقل ايضا ان كثيرا من السلف فهموا الرؤية من قوله تعالى ( وجوه ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) مع ان النظر عندكم ليس هو الرؤية وكذلك هاهنا # قلت فقد أخبر ان العرب ما كانوا يتصورون الا رؤية الشيء المحدود وان رؤية ~~ما ليس في الجهة لم يكن معلوما لهم ولا متصورا لهم واذا كان كذلك وقد ثبت ~~في النصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال انكم سترون ربكم ~~كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته وقال ايضا انكم سترون ربكم كما ترون ~~الشمس صحوا ليس دونهما سحاب وكما ترون القمر صحوا ليس دونه سحاب وثبت اتفاق ~~سلف الأمة على ان المؤمنين يرون الله يوم القيامة وقد اخبر ان العرب ~~المخاطبين بهذا الكلام لم يكونوا يتصورون من ذلك الا رؤية PageV02P406 # ما كان في الجهة وان ما سوى ذلك لم يكن معلوما ولا متصورا لهم من لفظ ~~الرؤية ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم واهل الاجماع من الصحابة ~~والتابعين اخبروا والخلق بأنهم يروا ربهم ولم يقولوا برؤية في غير جهة ولا ~~ما يؤدي هذا المعنى بل قال كما ترون الشمس والقمر فمثل رؤيته بالرؤية لما ~~هو في جهة علم بالاضطرار ان الرؤية التي دل عليها نصوص الرسول واجماع ~~السابقين هي الرؤية التي كان الناس يعرفونها وهي لما يكون في الجهة وهذا ~~بين # وايضا فقد اخبر ان ما لا يكون في جهة لا تسمى رؤيته ادراكا ms850 وان لفظ ~~الادراك اذا اريد به الرؤية فهي رؤية مخصوصة وهي رؤية المتناهي الذي يكون ~~في جهة فأما الشيء الذي لا يكون في جهة فلا تسمى رؤيته ادراكا واذا كان ~~كذلك فيكون قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) اي متناهيا لا تحيط به ولا ~~تدركه متناهيا محدودا وهذا الذي ذكره جيد وان كان لم يستوف حجته فان أئمة ~~السلف بهذا فسروا الآية وما ذكرته المعتزلة عن ابن عباس انه تأول الآية على ~~نفي الرؤية كذب على ابن عباس بل قد ثبت عنه بالتواتر انه كان يثبت رؤية ~~الله وفسر قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) بأنها لا تحيط وضرب المثل ~~بالسماء فقال الست ترى السماء فقال بلى فقال أكلها ترى قال لا قال فالله ~~اعظم # واذا كان كذلك فمعلوم ان الله نفى ادراك الأبصار له لم ينف ادراكه هو ~~لنفسه ولم ينف مطلق الرؤية فلو كان هو في نفسه بحيث تمتنع رؤيته مطلقا ليس ~~الممتنع الاحاطة دون الرؤية باحاطة لم ينف هذا الخاص وهو الادراك من ~~الأبصار دون ادراكه هو ودون رؤية الأبصار لأن نفي العام يستلزم نفي الخاص ~~ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام بل يقتضي جواز الخاص أو ايهامه PageV02P407 # لأن المدح بنفي الخاص مع كون العام منتفيا لا يحسن كما لا يحسن ان يقال ~~لا يقدر بنو آدم على افناء جميعه اولا يقدرون على افناء ذاته وصفاته فان ~~هذا غير مقدور لا لنبي آدم ولا لغيرهم بل هو ممتنع في نفسه وكذلك لا يقال ~~الآدميون لا يقدرون على اعدامه أو اماتته أو على سلب قدرته وعلمه ونحو هذا ~~لأن هذه الامور ممتنعة في نفسها لا يختص بنو آدم بنفي الاقتدار عليها بل ~~تخصيصهم بذلك يوهم انه هو يقدر على ذلك وهذا كلام باطل فان هذا ليس بشيء ~~اصلا حتى تكون رؤية الله عند النفاة هي من باب الممتنعات مثل عدمه وموته ~~واحداثه ونحو ذلك ولو كان كذلك لم يحسن نفي هذا عن ابصار العباد فقط كما لا ~~يحسن مدحه بأن ms851 العباد لا يعدمونه ولا يميتونه بل تخصيصهم بنفي ادراك ~~ابصارهم له يقتضي انه هو يدرك نفسه # واذا كان كذلك ولفظ الادراك يقتضي الرؤية الخاصة لمن يكون في جهة علم ان ~~الاية دلت على انه كذلك # واما ما ذكره عن فضلاء المعتزلة فانه اورد سؤال أبي الحسين البصري ~~واتباعه وهو ان موسى عليه السلام يجوز ان لا يكون عالما باستحالة الرؤية ~~وقال في الجواب قوله لم لا يجوز يقال ان موسى عليه السلام كان جاهلا ~~باستحالة الرؤية قلنا لوجوه ثلاثة الأول الاجماع على ان علم الأنبياء بالله ~~وصفاته اتم من علم غيرهم بذلك فلا يشك أحد ان دعوى الاجماع في ذلك اظهر من ~~دعوى اجماع الصحابة على العمل بالقياس واخبار الآحاد فاذا خصصنا هذه الأصول ~~بالاجماع فلأن يتمسك بالاجماع هاهنا اولى # الثاني ان قبل ظهور أبي الحسين لم ينسب أحد من الأئمة موسى عليه السلام ~~إلى الجهل بل الناس كانوا بين المعترف بصحة الرؤية وبين المنكر PageV02P408 # متأولين لهذه الرؤية اما على سؤال رؤية الآية أو على انه عليه السلام سأل ~~الرؤية لقومه واذا كان كذلك كان أبو الحسين مسبوقا بهذا الاجماع فيكون ~~سؤاله مردودا الثالث هو ان أبا الحسين يدعي العلم الضروري بأن المرئي يجب ~~ان يكون مقابلا للرائي أو لآلة الرؤية والعلم الضروري حاصل بأن ما كان ~~مقابلا للجسم فهو مختص بجهة وتحيز فهذان العلمان الضروريان ان كانا حاصلين ~~لموسى عليه السلام فيلزم من اعتقاد صحة رؤية الله اعتقاده لكونه جسما ~~متحيزا قال وذلك ما لا يجوز بالاتفاق على الأنبياء عليهم السلام لأن تجويزه ~~يمنع من العلم بحكمته عند أبي الحسين واذا لم يحصل عنده العلمان الضروريان ~~كان ذلك قادحا في كونه عليه السلام عاقلا وذلك لا يقوله عاقل فضلا عن ~~المسلم # قلت فهذا الذي ذكره عن أبي الحسين واتباعه وهم فضلاء المعتزلة قد تضمن ان ~~موسى عليه السلام سأل الله ان يراه بالبصر وهم يقولون يعلم العاقل بالضرورة ~~ان المرئي لا يكون الا في جهة ويعلم العاقل بالضرورة انه ms852 لا يكون في الجهة ~~الا الجسم المتحيز وذلك يقتضي ان موسى عندهم كان يعتقد ان الله في جهة وانه ~~جسم # وأما قول هذا بالاتفاق لا يجوز اي بالاتفاق بينه وبين الشيخ أبي الحسين ~~لكن هذا الاتفاق ليس بحجة بالاجماع # الوجه الثالث ان كون الرؤية مستلزمة لأن يكون الله بجهة من الرائي امر ~~ثبت بالنصوص المتواترة ففي الصحيحين وغيرهما الحديث المشهور عن الزهري قال ~~انا سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي ان أبا هريرة اخبرهما ان الناس ~~قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV02P409 # هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تمارون في رؤية ~~القمر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فانكم ترونه كذلك وذكر ~~الحديث بطوله قال أبو سعيد اشهد لحفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهكذا هو في الصحيحين من حديث زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال ~~قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا قال هل تضارون في رؤية الشمس اذا كان صحوا ~~قلنا لا يا رسول الله قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر اذا كان ~~صحوا قلنا لا قال فانكم لا تضارون في رؤية ربكم الا كما تضارون في رؤيتهما ~~وساق الحديث بطوله وفي صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي ~~هريرة قال قال ناس يا رسول الله انرى ربنا يوم القيامة قال فهل تضارون في ~~رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحاب قالوا لا قال فهل تضارون في رؤية القمر ~~ليلة البدر ليس في سحاب قالوا لا قال والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤيته ~~الا كما تضارون في رؤية احدهما وذكر الحديث بطوله # فهذا فيه مع اخباره انهم يرونه اخبارهم انهم يرونه في جهة منهم من وجوه ~~احدها ان الرؤية في لغتهم لا تعرف الا لرؤية ما يكون بجهة منهم فأما رؤية ~~ما ليس ms853 في الجهة فهذا لم يكونوا يتصورونه فضلا عن ان يكون اللفظ يدل عليه ~~كما قد اعترف هو بذلك فيما تقدم وهو ايضا فانك لست تجد احدا من الناس يتصور ~~وجود موجود في غير جهة فضلا عن ان يتصور انه يرى فضلا عن ان يكون اسم ~~الرؤية المشهور في اللغات كلها يدل على هذه الرؤية الخاصة # الوجه الثاني انه قال فانكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحوا وكما ترون ~~القمر صحوا فشبه لهم رؤيته برؤية الشمس والقمر وليس ذلك PageV02P410 # تشبيها للمرئي بالمرئى ومن المعلوم انه اذا كانت رؤيته مثل رؤية الشمس ~~والقمر وجب ان يرى في جهة من الرائي كما ان رؤية الشمس والقمر كذلك فانه لو ~~لم يكن كذلك لأخبرهم برؤية مطلقة نتأولها على ما يتأول من يقول بالرؤية في ~~غير جهة اما بعد ان يستفسرهم عن رؤية الشمس صحوا ورؤية البدر صحوا ويقول ~~انكم ترون ربكم كذلك فهذا لا يمكن ان يتأول على الرؤية التي يزعمونها فان ~~هذا اللفظ لا يحتملها لا حقيقة ولا مجازا # الوجه الثالث انه قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب وهل تضارون في ~~القمر ليس دونه سحاب فشبه رؤيته برؤية اظهر المرئيات اذا لم يكن ثم حجاب ~~منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي ومن يقول انه يرى في غير جهة يمتنع ~~عنده ان يكون بينه وبين العباد حجاب منفصل عنهم اذا الحجاب لا يكون الا ~~لجسم ولما يكون في جهة وهم يقولون الحجاب عدم خلق الادراك في العين والنبي ~~صلى الله عليه وسلم مثل رؤيته برؤية هذين النورين العظيمين اذا لم يكن ~~دونهما حجاب # الوجه الرابع انه اخبر انهم لا يضارون في رؤيته وفي حديث آخر لا يضامون ~~ونفي الضير والضيم انما يكون لا مكان لحوقه للرائي ومعلوم انما يسمونه رؤية ~~وهو رؤية ما ليس بجهة من الرائي لا فوقه ولا شيء من جهاته لا يتصور فيها ~~ضير ولا ضيم حتى ينفي ذلك بخلاف رؤية ما يواجه الرائي ويكون فوقه فانه قد ms854 ~~يلحقه فيه ضيم وضير اما بالازدحام عليه أو كلال البصر لخفائه كالهلال واما ~~لجلائه كالشمس والقمر # ومثل هذا الحديث المشهور حديث قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله ~~البجلي قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة ~~البدر PageV02P411 # فقال انكم ترون ربكم عيانا كاترون هذا لا تضارون في رؤيته فان استطعتم ان ~~لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وقرأ ( فسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ) وهذا لفظ البخاري في بعض طرقه وفيه زيادة لفظ ~~عيانا والا فبقية الفاظ الحديث مستفيضة في الصحيحين وغيرهما وفي الصحيحين ~~من حديث يحيى بن سعيد ثنا سعيد بن أبي عروبة ثنا قتادة عن أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك فيقولون لو ~~استشفعنا على ربنا فاراحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فذكر الحديث إلى ان ~~قالوا ائتوا محمدا عبد قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني ~~حتى استأذن على ربي فيؤذن لي فاذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجدا لربي فيدعني ~~ما شاء الله ان يدعني ثم يقال لي ارفع محمد قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع ~~فارفع رأسي فاحمده بتحميد يعلمنيه الله ثم اشفع فيحد لي حدا فادخلهم الجنة ~~ثم اعود اليه الثانية فاذا رأيت ربي عز وجل وقعت أو خررت ساجدا فيدعني ما ~~شاء الله ان يدعني ثم يقال لي ارفع رأسك قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فارفع ~~رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ثم اشفع فيحد لي حدا فادخلهم الجنة ثم اعود ~~اليه الثالثة فاذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجدا لربي فيدعني ما شاء الله ان ~~يدعني فذكر الحديث # فكون الرائي وهو النبي صلى الله عليه وسلم يراه والرائي في مكان ولا يراه ~~والرائي في مكان آخر ويعود إلى ذلك المكان دليل على ان المرئي يرى والرائي ~~في مكان ولا يرى اذا كان الرائي في مكان آخر وهذا الاختصاص ms855 لا يكون الا بما ~~يكون بجهة من الرائي بخلاف ما يسمونه رؤية فانها من جنس العلم لا اختصاص ~~لها بكون الرائي في مكان دون مكان # وايضا ففي الصحيحين عن أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله ~~PageV02P412 # ابن قيس وهو ابن أبي موسى الأشعري عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما ~~بين القوم وبين ان ينظروا إلى ربهم الا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ~~فأخبر انه لا يمنعهم من النظر الا ما على وجهه من رداء الكبرياء ومن يقول ~~انه يرى لا في جهة عنده ليس المانع الا كون الرؤية لم تخلق في عينه لا ~~يتصور عنده ان يحجب الرائي شيء منفصل عنه أصلا سواء فسر رداء الكبرياء بصفة ~~من صفات الرب أو بحجاب منفصل عن الرب فعلى التقديرين لا يتصور عند هؤلاء من ~~ذلك مانعا من الرؤية ولا يمنع من رؤية الله عندهم الا ما يكون في نفس ~~الرائي وكذلك قوله ( في جنة عدن ) سواء كانت ظرفا له أو للرداء فعلى ~~التقديرين يخالف مذهب هؤلاء # وأيضا ففي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اذا دخل اهل الجنة الجنة نودوا يا أهل الجنة ان ~~لكم عند الله موعدا يريد ان ينجزكموه قال فيقولون ما هو الم يبيض وجوهنا ~~ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة قال فيكشف الحجاب فينظرون اليه فوالله ما ~~اعطاهم الله شيئا هو احب اليهم مما هم فيه ثم قرأ للذين احسنوا الحسنى ~~وزيادة فأخبر انه يكشف الحجاب فينظرون اليه ومن يقول يرى لافي جهة لا يقول ~~ان بينه وبين الخلق حجابا ولا يتصور ان يحتجب عن الخلق ولا ان يكشف الحجاب ~~وقد صرحوا بذلك كله قالوا لان ذلك كله من صفة الجسم المتحيز فاذا كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد أخبر بذلك علم انه يرى في ms856 الجهة وليست الرؤية التي ~~أخبر بها ما يزعمونه من الأمر الذي لا يعقل الذي ينافقون فيه أهل الايمان # وعن شعبة عن يعلي بن عطاء عن وكيع بن عدس عن أبي رزين PageV02P413 # قالت قلت يا رسول الله اترى ربنا يوم القيامة قال نعم قال وما آية ذلك في ~~خلقه # قال اليس كلكم ينظر إلى القمر ليلة البدر وانما هو خلق من خلق الله الله ~~اعظم واجل وفي رواية حماد بن سلمة عن يعلي بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه ~~أبي رزين قال قلت يا رسول الله كلنا نرى الله يوم القيامة وما آية ذلك في ~~خلقه # قال يا أبا رزين اليس كلكم يرى القمر مخليا قلت بلى قال والله اعظم وذلك ~~آيته في خلقه رواه أحمد وابو داود وابن ماجه ولفظ أبي داود قلت يا رسول ~~الله اكلنا يرى ربه وفي رواية له مخليا به يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه ~~قال يا أبا رزين اليس كلكم يرى القمر وفي رواية له ليلة البدر مخليا به قلت ~~بلى قال والله اعظم # قال الخلال سمعت أبا سعيد المصيصي الفقيه قال قال أبو صفوان رأيت المتوكل ~~في النوم وبين يديه ناز مؤججة عظيمة فقلت يا امير المؤمنين لمن هذه النار ~~فقال هذه لا بني المنتصر لأنه قتلني وتدري لم قتلني لأني حدثته ان الله يرى ~~في الآخرة قال أبو سعيد وقال إبراهيم الحربي هذه رؤيا حق وذلك ان المتوكل ~~كتب حديث حماد بن سلمة عن يعلي بن عطاء عن وكيع بن عدس بيده عن عبد الأعلى ~~وقال لا اكتبه الا بيدي فقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان الله يرى يوم ~~القيامة لما سأله وسأله عن آية ذلك في خلقه والآية العلامة والدلالة وهو ما ~~يعلم به ويدل على جواز ذلك فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل بطريق ~~قياس التنبيه والأولى وقد قدمنا غير مرة ان مثل هذا القياس في قياس الغائب ~~على الشاهد هو مما ms857 ورد في الكتاب والسنة فقال اليس كلكم يرى القمر مخليا به ~~ليلة البدر قال فالله اعظم وأجل وقال انما هو خلق من خلق الله وذلك آيته في ~~خلقه PageV02P414 # واثباته صلى الله عليه وسلم جواز الرؤية لجميع الخلق في وقت واحد وكل ~~منهم يكون مخليا به بالقياس على رؤية القمر مع قوله ( والله اعظم واجل ) ~~دليل واضح على ان الناس يرونه مواجهة عيانا يكون بجهة منهم واذا امكن في ~~بعض مخلوقاته انه يراه الناس في وقت واحد كلهم يكون مخليا به فالله اولى ان ~~يمكن ذلك فيه فانه اعظم واجل # الوجه الرابع ان كون الله يرى بجهة من الرائي ثبت باجماع السلف والأئمة ~~مثل ما روي اللآلكائي عن علي بن أبي طالب انه قال ان من تمام النعمة دخول ~~الجنة والنظر إلى الله في جنته وعن عبد الله بن مسعود انه قال في مسجد ~~الكوفة وبدأ باليمين قبل الحديث فقال والله ما منكم من انسان الا ان ربه ~~سيخلو به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر قال فيقول ما غرك ~~بي يا ابن آدم ثلاث مرات ما ماذا أجبت المرسلين ثلاثا كيف عملت فيما عملت ~~وعن أبي موسى الأشعري انه كان يعلم الناس سنتهم ودينهم قال فشخصت ابصارهم ~~أو قال حرفوها عنه قال فما حرف ابصاركم عني قالوا الهلال ايها الامير قال ~~فذاك اشخص ابصاركم عني قالوا نعم قال فكيف اذا رأيتم الله جهرة وعن معاذ بن ~~جبل قال يحبس الناس يوم القيامة في صعيد واحد فينادي اين المتقون فيقومون ~~في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر قلت من المتقون قال قوم اتقوا ~~الشرك وعبادة الأوثان واخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة # وروي اللآلكائي عن ابن وهب قال سمعت مالك بن انس يقول الناظرون ينظرون ~~إلى الله عز وجل يوم القيامة باعينهم وعن اشهب قال وسئل PageV02P415 # مالك عن قوله تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) اينظر الله عز ~~وجل قال نعم فقلت ان أقواما يقولون ينظر ms858 ما عنده قال بل ينظر اليه نظرا وقد ~~قال موسى ( رب ارني انظر اليك قال لن تراني ) وقال الله ( كلا انهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون ) وعن مالك انه قيل له انهم يزعمون ان الله لا يرى فقال ~~السيف السيف # وقد تقدم كلام ابن الماجشون واحتجابه ايضا على الرؤية بحجابه عن الكفار ~~وعن الأوزاعي انه قال اني لأرجو ان يحجب الله جهما واصحابه افضل ثوابه الذي ~~وعده اولياءه حيث يقول ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) فجحد جهم ~~واصحابه افضل ثوابه الذي وعد اولياءه وعن أبي الوليد مسلم قال سألت ~~الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن انس والليث بن سعد عن هذه الاحاديث التي ~~فيها الرؤية فقال امروها بلا كيف وعن الربيع قال حضرت الشافعي وقد جاءته ~~رقعة من الصعيد فيها ما تقول في قول الله ( كلا انهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون ) قال الشافعي فلما ان حجب هؤلاء السخط كان هذا دليلا عن أنهم ~~يرونه في الرضى قال الربيع قلت يا أبا عبد الله وبه تقول قال نعم وبه ادين ~~الله لو لم يؤمن محمد بن ادريس انه يرى ي الله لما عبد الله وعن عبد الله ~~بن المبارك قال ما حجب الله عنه احدا الا عذبه ثم قرأ ( كلا انهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون ثم انهم لصال الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ) قال ~~بالرؤية # وقال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الابانة له وأئمتنا رحمهم الله كسفيان ~~الثوري ومالك بن انس وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله ~~بن المبارك وفضيل بن عياض واحمد بن حنبل PageV02P416 # وفضيل بن عياض واحمد بن حنبل واسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقون على ان ~~الله سبحانه وتعالى بذاته فوق عرشه وان علمه في كل مكان وانه يرى يوم ~~القيامة بالأبصار فوق العرش وانه ينزل إلى سماء الدنيا وانه يغضب ويرضى ~~ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه برآء # وروى الخلال في كتاب السنة ms859 قال حدثنا أبو بكر المروذي قال سألت أبا عبد ~~الله عن احاديث الرؤية فصححها وقال قد تلقتها العلماء بالقبول لنسلم الخبر ~~كما جاء وعن حنبل بن اسحاق قال سمعت أبا عبد الله يقول ادركنا الناس وما ~~ينكرون من هذه الاحاديث شيئا احاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها على الجملة ~~يمرونها على حالها غير منكرين لذلك ولا مرتابين وقال حنبل قال أبو عبد الله ~~قال الله تعالى ( وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو ~~يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء ) فكلم الله موسى من وراء حجاب وقال ( رب ~~ارني انظر اليك ) قال الله تعالى ( لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فان استقر ~~مكانه فسوف تراني ) فأخبر الله تعالى ان موسى عليه السلام يراه في الآخرة ~~وقال عز وجل ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) ولا يكون حجاب الا لرؤية ~~فأخبر الله ان من شاء الله ومن اراد يراه والكفار لا يرونه وقال حنبل في ~~موضع اخر القوم يرجعون إلى التعطيل في قولهم ينكرون الرؤية # قال وسمعت أبا عبد الله يقول قال الله عز وجل ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة ) قال احاديث تروى في النظر حديث جرير بن عبد الله وغيره تنظرون ~~إلى ربكم احاديث صحاح وقال ( للذين احسنوا الحسنى وزيادة ) PageV02P417 # وهي النظر إلى الله عز وجل ثم قال أبو عبد الله نؤمن بها ونعلم انها حق ~~يعني احاديث الرؤية ونؤمن ان الله يرى يرى ربنا يوم القيامة لا نشك فيه ولا ~~نرتاب وسمعت أبا عبد الله يقول قالت الجهمية ان الله لا يرى في الآخرة ونحن ~~نقول ان الله يرى لقوله عز وجل ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) وقال ~~الله تبارك وتعالى لموسى ( فان استقر مكانه فسوف تراني ) فاخبر الله انه ~~يرى وقال النبي صلى الله عليه وسلم انكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ~~وهذه الشمس رواه جرير وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال كلكم يخلو به ~~ربه و ان الله ms860 يضع كنفه على عبده فيسأله ما عملت هذه الأحاديث تروى عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تروى صحيحة وعن الله تبارك وتعالى انه يرى في ~~الآخرة وهذه احاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مدفوعة والقرآن ~~شاهد ان الله يرى في القيامة وقول إبراهيم لأبيه ( يا ابت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) فثبت ان الله يسمع ويبصر وقال الله ~~تعالى ( يعلم السر واخفى ) وقال ( انني معكما اسمع وأرى ) وقال أبو عبد ~~الله فمن دفع كتاب الله ورده والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واخترع مقالة من نفسه وتأول برأيه فقد خسر خسرانا مبينا وسمعت أبا عبد الله ~~يقول من زعم ان الله لا يرى في الآخرة فقد كفر بالله وكذب بالقرآن ورد على ~~الله امره فيستتاب فان تاب والا قتل # الوجه الخامس ان أئمة هذا الرازي كالأشعري وغيره هو ايضا ممن يثبت الرؤية ~~والاحتجاب ان الله فوق العرش قال الأشعري في مسألة العرش فقال سبحانه ( ~~وجاء ربك والملك صفا صفا ) وقال عز وجل ( هل ينظرون الا ان يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام ) وقال سبحانه ( ثم دنى فتدلى PageV02P418 # فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى ~~افتمارونه على ما يرى إلى قوله لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) وقال تعالى ( ~~يا عيسى اني متوفيك ورافعك الي ) وقال سبحانه ( وما قتلوه وما صلبوه ) ( ~~وما قتلوه يقينا بل رفعه الله اليه ) وأجمعت الأمة على ان الله عز وجل رفع ~~عيسى اليه إلى السماء ومن دعاء المسلمين جميعا اذا هم رغبوا إلى الله عز ~~وجل في الأمر النازل بهم انهم يقولون يا ساكن العرش ومن حلفهم لا والذي ~~احتجب بسبع سموات قال الحافظ أبو العباس وهذا مأخوذ من قوله ? < ان الله ~~خلق سبع سماوات ثم اختار العليا فسكنها > ? # وقال عز وجل ( وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو ~~يرسل ms861 رسولا فيوحي باذنه ما يشاء ) وقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس ~~من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم كان أبعد من الشبهة وادخال ~~الشك على من يسمع الآية ان يقول ما كان لأخذ ان يكلمه الله الا وحيا أو من ~~وراء حجاب أو يرسل رسولا فيرتفع الشك والحيرة من ان يقول ما كان لجنس من ~~الأجناس ان يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ونزل اجناسا ~~لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرناه على انه خص البشر دون غيرهم # وقال الله عز وجل ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) ( ولو ترى اذ وقفوا ~~على ربهم ) ( ولو ترى اذ المجرمون ناكسو رؤسهم عند ربهم ) وقال سبحانه ( ~~وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم اول مرة ) قال كل ذلك يدل على ~~ان الله ليس في خلقه ولا خلقه فيه وان سبحانه مستو على عرشه جل وعز عمال ~~يقول الظالمون علوا كبيرا جل وعز عما يقول الذين لم يثبتوا له في وصفهم ~~PageV02P419 # حقيقة ولا اوجبوا له بذكرهم اياه وحدانية اذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل ~~وجميع اوصافهم تدل على النفي في التأويل يريدون زعموا التنزيه ونفي التشبيه ~~فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل # قال الله تعالى ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره ) فسمي نورا والنور ~~عند الأمة لا يخلو من أحد معنيين اما أن يكون نورا يسمع أو نورا يرى فمن ~~زعم ان الله يسمع ولا يرى كان مخطئا في نفيه رؤية ربه وتكذيبه لكتابه وقول ~~نبيه صلى الله عليه وسلم قال وروي عن عبد الله بن عباس انه قال تفكروا في ~~خلق الله ولا تفكروا في الله فان مابين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز ~~وجل فوق ذلك # قال وروت العلماء ايضا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان العبد لا ~~تزول قدماه من بين يدي الله حتى يسأله عن ثلاث وروت العلماء ان رجلا اتى ~~النبي صلى الله عليه ms862 وسلم بأمة سوداء فقال يا رسول الله اني اريد ان اعتقها ~~في كفارة فهل يجوز عتقها فقال النبي صلى الله عليه وسلم اين الله فقالت في ~~السماء واومئت بيدها إلى فوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند 1 ذلك ~~اعتقها فانها مؤمنه قال وهذا يدل على ان الله على عرشه فوق السماء # فهذا كله من كلام الأشعري مثل احتجاجه بما ذكره عن المسلمين جميعا من ~~قولهم ان الله احتجب بسبع سموات على انه فوق العرش وهو انما احتجب عن ان ~~يراه خلقه لم يحتجب عن ان يراهم هو فعلم ان هذا يحجب PageV02P420 # العباد عن رؤيته وهذا يقتضي انهم يرونه برفع هذه الحجب وذلك يقتضي انهم ~~يرونه في الجهة فان من يثبت رؤيته في غير جهة من الرائي لا يقول بجواز ~~الحجب المنفصلة ايضا كما تقدم وكذلك احتجاجه بقوله ( ما كان لبشر ان يكلمه ~~الله الا وحيا أو من وراء حجاب ) وان الآية دلت على ان الله يحجب بعض ~~المخلوقات دون بعض فعلم انه لا يحتجب عن بعضهم واحتجابه بذلك على ان الله ~~فوق العرش يقتضي ان يحتجب عمن يراه ببعض مخلوقاته وهذا يستلزم انه لا يرى ~~الا في جهة من الرائي وكذلك احتجاجه في مسألة العلو بأن الله نور وان ذلك ~~يقتضي انه يرى ويقتضي ان رؤيته توجب علوه وكلام الأشعري في مسألة الرؤية ~~والعلو يقتضي تلازمهما وهذا هو الذي ذكره هذا المؤسس عن الكرامية # الوجه السادس ان هذا المؤسس ذكر في نهايته في مسألة الرؤية ما احتج به ~~النفاة من الحجج العقلية والسمعية وذكر ان اعظم حججهم العقلية حجتان ~~احداهما حجة الموانع قالوا لو صح منا رؤية الله في حال من الحالات لصح ان ~~نراه الآن ولو صح ان نراه الآن لوجب ان نراه الآن لكنه لم يجب ان نراه الآن ~~فلا يصح ان نراه في حال من الأحوال وانما قلنا انه لوصح ان نراه في حال من ~~الأحوال لصح ان نراه الآن لأن كونه بحال يصح ان ms863 يرى حكم يثبت له اما لذاته ~~واما لبعض ما يلزم ذاته وعلى التقديرين فانه يلزم من استمرار ذاته استمرار ~~هذه الصحة وإنما قلنا انه لو صح ان نراه الآن لوجب ان نراه الآن لأن الحاسة ~~ان كانت صحيحة والمرئي يكون حاضرا ولا يكون على القرب القريب ولا على البعد ~~البعيد ولا يكون في غاية الصغر واللطافة ويكون مقابلا للرائي أو لآلة ~~الرؤية أو لا تكون الحجب حائلة فانه يجب حصول الرؤية اذ لو لم يجب حصولها ~~عند حصول هذه الأمور لجاز ان يكون بين ايدينا PageV02P421 # جبال شاهقة ونحن لا ندركها وذلك محال على ما سبق بيانه في مسألة الادراك ~~فاذا ثبت ذلك فهذه شرائط لا يمكن اعتبارها في حق الله تعالى لأنها لا تعقل ~~الا في حق الأجسام أو ما يقوم بها واذا لم يمكن اعتبار هذه الشرائط في حق ~~الله لرؤيته وجب ان يكون مجرد سلامة الحس وكونه تعالى بحيث يصح رؤيته كافيا ~~في حصول رؤيته فلزم ان تدوم رؤية اصحاب الحواس لله تعالى وذلك باطل ~~بالضرورة فثبت ان القول بأن الله تعالى يصح ان يرى يفضي إلى الباطل وما ~~يفضي إلى الباطل يكون باطلا # ثم قال في الجواب عما تمسكوا به اولا ان نقول ان مدار هذه الشبهة على ان ~~هذه الحاسة متى كانت سليمة وكان المرئي حاضرا والشرائط تكون حاصلة فانه يجب ~~حصول هذه الرؤية قال ونحن قد بينا فيما مضى ان ذلك غير واجب بأدلة عقلية ~~قاطعة لا يرتاب العاقل فيها وأجبنا عن شكوكهم بأجوبة يقينية لا حاجة بنا ~~إلى اعادتها فاذا كان كذلك سقطت هذه الشبهة # وهذا الذي أحال عليه قد ذكره في مسألة السمع والبصر وهي مسألة الادراك ~~فذكر الفصل الاول في حقيقته ثم قال الفصل الثاني في كيفية حصول هذه ~~المدركية زعمت المعتزلة انه مهما كانت الحاسة سليمة والمرئي حاضرا ولا يكون ~~على القرب القريب ولا على البعد البعيد ولا يكون صغيرا جدا ولا لطيفا ولا ~~يكون بين الرائي والمرئي حجب كثيفة وكان ms864 المرئي مقابلا للرائي أو في حكم ~~المقابلة فعند اجتماع هذه الشرائط يجب حصول الادراك وعندنا ان ذلك غير واجب ~~وهو مذهب أبي الهذيل من المعتزلة ثم ذكر لهم حجتين # ثم قال واما المحالفون فلهم في هذه المسألة مقامان تارة بدعوى الضرورة ~~وتارة بدعوى الاستدلال اما الأول فتارة يدعون ان ذلك العلم PageV02P422 # الضروري حاصل للعقلاء بعد الاختبار ولا حاجة فيه إلى ضرب الأمثال وتارة ~~يثبتون بالاستدلال ان ذلك معلوم بالضرورة وبسط كلامهم في ذلك # ثم قال والجواب ان نقول اما ان تدعي الضروري بخصوص الادراك عند حضور هذه ~~الامور أو بعدمه عند عدمها والأول لا نزاع فيه والثاني فيه كل النزاع فان ~~زعمت انا مكابرون في هذا الانكار حلفنا بالأيمان المغلظة انا لما رجعنا إلى ~~أنفسنا لم نجد العلم بذلك اكثر من العلم باستمرار الأمور العادية التي ~~توافقنا على جواز تغييرها عن مجاريها # فهذا الجواب الذي ذكره يقتضي انه وافق على ان العلم الضروري حاصل بوجود ~~الرؤية عند وجود هذه الشرائط وهذا هو اول المسألة فانه حكى عن المعتزلة انه ~~متى تجتمع هذه الشرائط يجب حصول الادراك قال وعندنا أن ذلك غير واجب فأذا ~~سلم أن العلم الضروري بحصول الأدراك عند حصول هذه الأمور لا نزاع فيه كان ~~قد وافق على ما ذكر فيه النزاع واذا كان كذلك ظهر ان ما ذكره من الجواب في ~~مسألة الرؤية وهو قوله ان مدار هذه الشبهة على ان هذه الحاسة متى كانت ~~سليمة وكان المرئي حاضرا فانه يجب حصول هذه الرؤية قال ونحن قد بينا فيما ~~مضى ان ذلك غير واجب وكلامه فيما مضى قد وافق فيه على وجوب الرؤية عند وجود ~~الشروط لكن لم يوافق على وجوب عدمها عند عدم الشروط واذا لم يذكر جوابا عن ~~حجتهم الا هذا وهذا ليس بجواب صحيح بقيت حجتهم على حالها واذا كان كذلك لم ~~يصح نفيه لما اتفقت عليه المعتزلة والكرامية # الوجه السابع انه ذكر الحجة الثانية لنفاة الرؤية وهي حجة المقابلة فقال ~~وهي ان الواحد ms865 منا لا يرى الا ما يكون مقابلا للرائي أو لآلة المرئي ~~PageV02P423 # والله تعالى يستحيل ان يكون كذلك فيستحيل ان يكون مرئيا لنا واحترزنا ~~بقولنا أو لآلة الرائي عن رؤية الانسان وجهه في المرآه اما المقدمة الاولى ~~فهي من العلوم الضرورية الحاصلة بالتجربة واما المقدمة الثاني فمتفق عليها ~~ثم قال في الجواب عما تمسكوا به ثانيا من وجوه ثلاثة الأول ما بينا فيما ~~مضى ان المقابلة ليست شرطا لرؤيتنا هذه الأشياء وأبطلنا ما ذكروه من دعوى ~~الضرورة والاستدلال في هذا المقام والثاني سلمنا ان المقابلة شرط في صحة ~~رؤيتنا لهذه الأشياء فلم قلتم انها تكون شرطا في صحة رؤية الله تعالى فان ~~رؤية الله تعالى بتقدير ثبوتها مخالفة لرؤية هذه الأشياء فلا يلزم من ~~اشتراط نوع من جنس اشتراط نوع آخر من ذلك الجنس بذلك الشرط الثالث سلمنا ~~انه يستحيل كوننا رائين لله تعالى ولكنه لا يدل على انه لا يرى نفسه وانه ~~في ذاته ليس بمرئي فأحال على ما تقدم وهو لم يذكر هناك الا مسلكين الأول ~~انا نرى الجسم الكبير من البعد صغيرا وذلك يقتضي انا نرى بعضه دون بعض ومن ~~المعلوم بالضرورة ان الشرائط المذكورة كما انها حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء ~~التي هي مرئية فكذلك هي حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء التي هي غير مرئية ولما ~~كان المرئي من الأشياء المجتمعة لهذه الشروط بعض الأجزاء دون بعض علمنا ان ~~حصول الرؤية عند اجتماع الشرائط غير واجب والمسلك الثاني لو وجب حصول ~~الادراك عند حصول هذه الشروط لوجب رؤية الجوهر الفرد وذوات الهباء لكن ~~الثاني ظاهر الفساد فالمقدم مثله بيان الأول انا اذا رأينا جسما كبيرا فلا ~~بد وأن نرى جزءا صغيرا اذ لو لم نرى جزءا صغيرا لم نرى مجموع تلك الأجزاء ~~ثم رؤية الجزء لا تتوقف على رؤية غيره لئلا يلزم الدور فيجب ان تصح رؤيتنا ~~للجوهر الفرد PageV02P424 # فهاتان الحجتان ان كانتا باطلتين فلا كلام وان كانتا صحيحتين فهما يدلان ~~على ان الرؤية لا تجب عند وجود الشروط ms866 الثمانية وهو قد سلم في الجواب وجوب ~~الرؤية عند وجود الشروط فلا تدل هاتان الحجتان على ان الرؤية لا تمتنع عند ~~عدم بعض الشروط الثمانية واذا لم يذكر دليلا على عدم هذا الاشتراط اصلا بقي ~~ما ذكره منازعوه من العلم الضروري والاستدلال بأن المرئي لا بد ان يكون ~~مقابلا للرائي أو لآلة الرائي سليما عن المعارض فيجب القول بموجبه وهذا بين ~~واضح # ولهذا لما كانت مناظرته لنفاة الرؤية هذه المناظرة الضعيفة كان كلامهم ~~فيها ارجح من كلامه وهذه عادته يعجز عن مناظرة أهل الباطل ويأخذ ما يحتجون ~~به فيحتج به على اهل الحق فلا ينصف اهل الحق ولا ينفعهم ولا يرد اهل الباطل ~~ويدفعهم وانما فيه جدال وحجاج لبس فيه الحق بالباطل مع هؤلاء وهؤلاء واذا ~~كان الامر كذلك لم يمكن له الجواب عما اتفقت عليه المعتزلة والكرامية كما ~~تقدم # الوجه الثامن ان يقال ما ذكره المعتزلة في شروط الرؤية وموانعها بعضه حق ~~وبعضه باطل وهؤلاء الذين وافقوهم على نفي العلو واثبات الرؤية يكابرونهم في ~~الحق كما يدفعون باطلهم ولهذا كان كلا الطائفتين تقول الحق والباطل واذا ~~كان مثبتة الرؤية مع نفي العلو اقرب إلى الحق من نفاة الرؤية ونفاة العلو ~~وذلك ان كونهم لم يشترطوا في الحاسة الا مجرد سلامتها ليس بسديد فان الحواس ~~تختلف بالقوة والضعف فقد يكون بصر أحد من بصر وسمع اقوى من سمع وشم اقوى من ~~شم وذوق اقوى من ذوق وهذا موجود في البهائم وفي الآدميين ولهذا يرى احدهم ~~من الأشياء الدقيقة اللطيفة مالا يراه الآخر ويرى من الأمور البعيدة مالا ~~يراه الآخر ويرى من النور والشعاع والبياض مالا PageV02P425 # يراه الآخر وكذلك قد يسمع الأصوات البعيدة والأصوات القريبة مالا يمكن ~~الأخر ان يسمعه واذا كان الأمر كذلك فقوة ادراك العباد وحركاتهم في الآخرة ~~يجعلها الله اعظم من قوى ادراكهم وحركاتهم في الدنيا وهذا ظاهر بين # وقولهم لا يكون على القرب القريب ولا على البعد البعيد ولا يكون صغيرا ~~لطيفا هذا انما اشترط لعجز البصر ms867 عن ادراك ما يكون كذلك لا لأن ذلك ممتنع ~~في نفسه والا فيمكن ان يقوى بصر العبد حتى يرى القريب والبعيد واللطيف وليس ~~هذا ممتنعا في ذاته يبين ذلك ان القرب والبعد والصغر والكبر من الأمور ~~الاضافية قد يكون صغيرا بالنسبة إلى بصر هذا الرائي ما ليس بصغير بالنسبة ~~إلى بصر غيره وكذلك في القرب والبعد وكذلك قولهم ان لا يكون بين الرائي ~~والمرئي حجب كثيفة فان رؤية ما وراء الحجاب ليس بممتنع في نفسه بل لعجز ~~البصر عنه فان الله يرى كل شيء ولا تحجبه السموات والأرض وسائر الحجب # وكذلك قولهم ان يكون مقابلا للرائي فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم انه قال لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فاني اراكم من خلفي كما ~~اراكم من بين يدي لكن هذا يدل على انه لا يشترط في الرؤية ان يكون المرئي ~~امامه لكن لا يدل على انه لا يشترط ان يكون بجهة منه فانما خلفه بجهة منه # الوجه الثامن انه قال هنا ان اصحابه نازعوا في هذه المقدمة وقالوا لا ~~نسلم ان كل مرئي فانه يختص بالجهة بل لا نزاع ان الأمر في الشاهد كذلك فلم ~~قلتم ان كل ما كان كذلك في الشاهد وجب ان يكون في الغائب كذلك PageV02P426 # وهذا تسليم لكون الواحد منا لا يرى ئ الا ما يكون في الجهة فمنازعته لذلك ~~في هذا الكتاب ودعواه ان ذلك ليس بشرط في رؤية الأشياء المرئية مخالف لما ~~ذكره من تسليم اصحابه وذلك خلاف ما ذكره من انه لا يشترط شيء من هذه الشروط ~~في رؤية الأشياء المرئية # الوجه التاسع ان قوله لم قلتم ان كل ما كان كذلك في الشاهد وجب ان يكون ~~في الغائب كذلك وتقريره ان هذه المقدمة اما ان تكون مقدمة بديهية أو ~~استدلالية يقال له المنازع يقول انها بديهية # قوله فان كانت بديهية لم يكن في اثبات كونه تعالى مختصا بالجهة حاجة إلى ~~هذا الدليل وذلك لأنه قد ثبت في الشاهد ms868 ان كل قائم بالنفس فهو مختص بالجهة ~~وثبت ان الباري قائم بالنفس فوجب القطع بأنه مختص بالجهة لأن العلم الضروري ~~بأن كل ما يثبت في الشاهد وجب ان يكون في الغائب كذلك يقال له ان المنازع ~~لا يقرر الحجة على هذا الوجه ولا يدعي ان كل ما يثبت في الشاهد فانه يجب ان ~~يكون في الغائب كذلك وهذا لا يقوله عاقل والفرق ظاهر بين دعوى الضرورة ~~والبديهة في الشيء المعين الخاص والشيء العام الكلي فاذا قال القائل العلم ~~الضروري بأن كل مرئي في الشاهد والغائب لا بد أن يكون بجهة من الرائي ~~والعلم الضروري حاصل بأن الغائب كالشاهد في هذا الأمر الخاص لم يستلزم هذا ~~ان يقول ان العلم الضوري حاصل بأن كلما يثبت في الشاهد وجب ان يكون في ~~الغائب كذلك والمقدمة المذكورة هي قوله كل مرئي فلا بد وان يكون في الجهة ~~وهذا قالوه قولا عاما مطلقا لم يثبتوه بقياس الغائب على الشاهد حتى يصوغوه ~~الصوغ الذي ذكره ويدخل فيه تلك القضية العامة الكاذبة PageV02P427 الوجه ~~العاشر ان ما ذكره ان كان حجة كان حجة ثانية على المطلوب فانه من الممكن ان ~~يستدل بكونه قائما بالنفس على كونه مختصا بالجهة ويحتج بكونه مرئيا على ~~كونه مختصا بالجهة ويحتج بكونه موجودا على انه اما ان يكون مباينا لغيره أو ~~محايثا له وتعدد الأدلة على المطلوب الواحد ليس بممتنع # الوجه الحادي عشر ان ما ذكره من الحجة قد يقال فيه نحن نعلم بالاضطرار ان ~~كلما يقوم بنفسه فانه لا بد ان يكون مختصا بجهة بحيث يمتنع ان يكون لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا يختص الكلام بالشاهد ثم يقاس عليه الغائب بل العلم ~~الضروري حاصل بذلك مطلقا كما تقدم ذكره # الوجه الثاني عشر ان ذلك اذا قررناه بالدليل قرر تقريرا يفيد بأن يقال ~~ثبت في الشاهد ان كل قائم بالنفس فهو مختص بالجهة وهذا مما فارق به الموجود ~~المعدوم فالموجب لذلك اما كونه موجودا قائما بنفسه أو ما يندرج فيه الموجود ms869 ~~الواجب لنفسه أو ما يختص بالممكن أو المحدث ويساق الكلام إلى اخره كما ذكر ~~في حجة المباينة والمحايثة لا يقول عاقل ان العلم الضروري حاصل بأن كلما ~~ثبت في الشاهد وجب ان يكون في الغائب كذلك ولكن ذكر الحجة على هذا الوجه ~~القبيح الذي يظهر بطلانه لما في ذلك من التنفير والتقبيح لقول منازعيه وهذه ~~ليست حال أهل العلم والعدل بل حال الجاهل أو الظالم # الوجه الثالث عشر قوله فاذا كان هذا الوجه حاصلا في اثبات كونه تعالى في ~~الجهة كان اثبات كونه في الجهة بكونه مرئيا ثم اثبات ان كل ما كان مرئيا ~~فهو مختص بالجهة تطويلا من غير فائدة ومن غير مزيد شرح وبيان يقال لو قدر ~~انما ذكرته من حجة القيام بالنفس صحيح لم يكن اثبات الجهة بطريق الرؤية ~~تطويلا من غير فائدة بل هو اثبات لها بطريق آخر غير PageV02P428 # الأولى فان الاستدلال على كون الشيء في الجهة بكونه قائما بنفسه غير ~~الاستدلال على ذلك بكونه مرئيا مشهودا واذا كان هذان دليلان متغايران لم ~~يجز ان يكون ذكر احدهما متضمنا للآخر ولا ان يكون ذكر الآخر تطويلا اقصى ما ~~يقال ان العلم بالمقدمتين التي في الدليلين يستفاد من وجه واحد وهو الضرورة ~~أو قياس الغائب على الشاهد اما مطلقا كما ذكره أو قياسا صحيحا ملخصا ~~بالتقسيم الحاصر الجامع بين النفي والاثبات أو بغيره كما يسلكه اهل الاثبات ~~واذا كان الدليل على مقدمة في دليل كالدليل على مقدمة في دليل آخر لم يوجب ~~ان يكون أحد الدليلين متضمنا للآخر ويكون ذكر الآخر تطويلا بلا فائدة # الوجه الرابع عشر قوله وأما ان قلنا كل مرئي فهو مختص بالجهة ليست مقدمة ~~بديهية بل هي مقدمة استدلالية فحينئذ ما لم يذكروا على صحتها دليلا لا تصير ~~هذه المقدمة يقينية فهذا كلام صحيح لكن كان ينبغي له اذا كان ذاكرا لحجج ~~منازعيه ان يذكر ما يستدل به الناس على ذلك فتركه لذلك تقصير وخيانة في ~~المناظرة ونحن لم نلتزم الكلام في تقرير ms870 هذه المسائل ابتداءا وانما تكلمنا ~~على ما ذكره من حججه وحجج منازعيه # الوجه الخامس عشر قوله وأيضا فكما انا لا نعقل مرئيا في الشاهد الا اذا ~~كان مقابلا أوفى الحكم المقابل للرأي فكذلك لا نعقل مرئيا إلا إذا كان ~~صغيرا أو كبيرا أو ممتدا في الجهات مؤتلفا من الأجزاء وهم يقولون انه تعالى ~~يرى لا صغيرا ولا كبيرا ولا ممتدا في الجهات والجوانب والأحياز فاذا جاز ~~لكم ان تحكموا بأن الغائب مخالف للشاهد في هذا الباب فلم لا يجوز ان يقال ~~ان المرئي في الشاهد وان وجب كونه مقابلا الا ان المرئي في الغائب لا يجوز ~~ان يكون كذلك PageV02P429 # فيقال له هذا الزام جدلي وليس بحجة في المناظرة ولا النظر كما تقدم فانه ~~يقال لا بد وأن يكون في الجهة ما ذكرته في صورة الالزام ان كانت مساوية ~~لصورة النزاع فما ذكروه في صورة النزاع حجة في موضعين وغايته ان يكونوا ~~اخطؤا في صورة الالزام وهي صورة النقض والمعارضة وان لم تكن مساوية لها لم ~~يكن النقض والمعارضة والالزام صحيحا ويقول لك المناظر الفرق بين صورة النقض ~~وصورة النزاع كيت وكيت فان صح الفرق بطل النقض وان بطل الفرق منعت الحكم في ~~صورة النقض اذ ليس مجمعا عليه بين الأمة # الوجه السادس عشر انهم يقولون نقول انه لا يرى الا كبيرا عظيما لا نقول ~~انه يرى لا صغيرا ولا كبيرا بل نقول انه يرى عظيما كبيرا جليلا كما سمي ~~ووصف نفسه بذلك في الكتاب والسنة ومن لم يقل ذلك من المنازعين كان ما ذكره ~~حجة عليه واما قوله ممتدا في الجهات مؤتلفا من الأجزاء فلا نسلم انا لا ~~نعقل مرئيا في الشاهد الا مؤتلفا من الاجزاء فان المرئيات مثل الشمس والقمر ~~ونحو ذلك هو شيء واحد لا نعلم لا بحس ولا ضرورة انها مركبة من الأجزاء ~~المفردة وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس ان هذا التركيب ليس معلوما بالحس ~~ولا بالضرورة بل هي من ادق مسائل النزاع بين الخلق ms871 # الوجه السابع عشر ان يقال ما تريد بقولك ممتد مؤتلف اتريد انه مركب من ~~الأجزاء وانه يجوز تفريقه فليس كلما نشاهده كذلك أم تريد به ان منه شيئا ~~ليس هو الشيء الآخر فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لا بد وان يكون ~~كذلك # الوجه الثامن عشر ان يقال لا يعقل مرئي الا موصوف بما هو المرئي المشهود ~~موصوف به من صفات الموجود التي استحق بها جواز رؤيته أو ما هو PageV02P430 ~~بأبلغ في الوجود واستحقاق الرؤية منه فاذا كنا نرى الموجود الذي يجوز عدمه ~~فما لا يجوز عدمه اولى فاذا كنا نرى ما هو في جهة وهو مجتمع يجوز تفريقه ~~وتقسيمه فالمجتمع الذي لا يجوز تفريقه وتقسيمه اولى بالرؤية لكن لا يمكن ان ~~نقول اذا رأينا ما هو بجهة مرئيا ان يكون ما ليس في الجهة اولى بالرؤية ~~واذا رأينا ما هو مجتمع فما ليس بمجتمع ولا متفرق اولى بالرؤية وقد ذكرنا ~~غير مرة ان الأقيسة والأمثال المضروبة في باب الالهيات اذا كانت من باب ~~التنبيه والأولى في النفي والاثبات فهي من جنس ما ورد به الكتاب والسنة $ ~~فصل # ثم قال الرازي الشبهة الرابعة تمسكوا برفع الأيدي إلى السماء قالوا وهذا ~~شيء يفعله جميع ارباب النحل فدل على انه تقرر في عقول جميع الخلق ان الههم ~~فوق # ثم قال في الجواب ان هذا معارض بما تقرر في عقول جميع الخلق انهم عند ~~تعظيم خالق العالم يضعون جباههم على الأرض ولما لم يدل هذا على كون خالق ~~العالم في الأرض لم يدل على ما ذكروه على انه في السماء وأيضا فالخلق انما ~~يقدمون على رفع الأيدي إلى السماء لوجوه اخرى وراء اعتقادهم ان خالق العالم ~~في السماء # فالأول ان اعظم الأشياء نفعا للخلق ظهور الأنوار وأنها انما تظهر من جانب ~~السموات PageV02P431 # والثاني ان مبنى حياة الخلق على استنشاق النفس وليس ذلك الاستنشاق الا من ~~الهواء والهواء ليس موجودا الا فوق الأرض فلهذا السبب كان ما فوق الأرض ~~اشرف مما تحت ms872 الأرض # الثالث ان نزول الغيث من جهة الفوق ولما كانت هذه الأشياء التي هي منافع ~~الخلق انما تنزل من جانب السموات لا جرم كان ذلك الجانب عندهم اشرف وتعلق ~~الخاطر بالأشرف اقوى من تعلقه بالأخس فهذا هو السبب في رفع الأيدي إلى ~~السماء وأيضا فانه تعالى جعل العرش قبلة لدعائنا كما جعل القبلة قبلة ~~لصلاتنا وأيضا انه تعالى جعل الملائكة وسائط في مصالح هذا العالم قال الله ~~تعالى ( فالمدبرات أمرا ) وقال ( فالمقسمات أمرا ) واجمعوا على ان جبريل ~~عليه السلام ملك الوحي والتنزيل والنبوة وميكائيل ملك الأرزاق وملك الموت ~~ملك الوفاة وكذلك القول في سائر الأمور واذا كان الأمر كذلك لم يبعد ان ~~يكون الغرض من رفع الأيدي إلى السماء رفع الأيدي إلى الملائكة # وهذه الحجة ذكرها في نهايته فقال وثالثها التمسك بالاتفاق من الأمم ~~المختلفة الآراء على الاشارة إلى فوق عند الدعاء وطلب الأجابة من الله وإن ~~ذلك يدل على علمهم الضروري إن الذي يطلب منه تحصيل المطالب وتيسير العسير ~~في تلك الجهة ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأمة أين ربك قال ~~فاشارت إلى السماء فقال انها مؤمنه # وقال والجواب عما تمسكوا به من الاشارة إلى فوق سببه الألف والعادة ~~وجريان الناس على ذلك فانهم ما شاهدوا عالما قادرا حيا الا جسما فكما أن ~~PageV02P432 من لم يشاهد الا انسانا اسود فحين يمثل في نفسه انسانا يخاطبه ~~انما يسبق إلى نفسه انه اسود لا غير ومن لم يسمع من اللغات الا العربية ~~فحين يمثل في نفسه معنى انما يسبق إلى نفسه التعبير عن ذلك المعنى بلفظ ~~العرب وكذلك سبق إلى الوهم ان من يدعو حيا عالما قادرا على ما يشاء معنى ~~الأحياء القادرين ويتبع ذلك انه في مكان ولأن العلو اشرف لأن الأنوار فيه ~~ولأن الرأس لما كان اشرف الأعضاء كان ما يليه اشرف الجهات فيسبق إلى فهم ~~الدعي ان يعتقد عظمته اذا كان في جهة وجب ان يكون في جهة العلو فلسبب هذه ~~الأمور وامثالها وقعت الاشارة ms873 إلى السماء ثم ان الاخلاف اخذوا ذلك عن ~~الاسلاف مع مشاركتهم لهم في هذا التخيل فظهر ان سبب ذلك هو الالف فلا يكون ~~صوابا واما حديث الأمة فهو من الآحاد ثم لو صح لكان سببه ما ذكرنا من الالف # والكلام على ما ذكره من وجوه الأول ان الاستدلال برفع الأيدي والأبصار ~~إلى السماء عند الدعاء على ان الله فوق هو حجة اهل الاثبات المثبتين الصفات ~~من السلف والخلف ليس ذلك مختصا بالكرامية بل من اشهر المحتجين به ائمة ~~اصحاب الأشعري وذووه # وقال أبو الحسن الأشعري فان قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل له ان ~~الله مستو على عرشه كما قال ( الرحمن على العرش استوى ) وقال سبحانه ( اليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وقال سبحانه ( بل رفعه الله اليه ) ~~وقال سبحانه ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج اليه ) وقال فرعون ( ~~يا هامان ابن لي صرحا لعلي ابلغ الأسباب اسباب السموات فاطلع إلى اله موسى ~~واني لأظنه كاذبا ) فاكذب موسى في قوله ان الله فوق السموات PageV02P433 # وقال سبحانه وتعالى ( أأمنتم من في السماء ان يخسف بكم الأرض فاذا هي ~~تمور ) والسموات فوقها العرش وانما أراد العرش الذي هو على السموات الا ترى ~~ان الله ذكر السموات فقال ( وجعل القمر فيهن نورا ) ولم يرد ان القمر ~~يملؤهن جميعا وانه فيهن جميعا قال ورأينا المسلمين جميعا يرفعون ايديهم اذا ~~دعوا نحو العرش كما لا يحطونها اذا دعوا نحو الأرض وهذا الاحتجاج منه ~~باجماع المسلمين على رفع ايديهم في الدعاء على ان الله فوق السموات لأنهم ~~انما يرفعوها اليه نفسه لا إلى غيره من المخلوقات # وقال صاحبه أبو الحسن علي بن مهدي الطبري قال البلخي فان قيل لنا ما معنى ~~رفع أيدينا إلى السماء وقوله ( والعمل الصالح يرفعه ) قلنا تأويل ذلك ان ~~ارزاق العباد لما كانت تأتي من السماء جاز ان نرفع ايدينا إلى السماء عند ~~الدعاء وجاز ان يقال اعمالنا ترفع إلى الله لما كانت حفظة الأعمال انما ~~مساكنهم في ms874 السماء قال الطبري قيل له ان كانت العلة في رفع ايدينا إلى ~~السماء ان الأرزاق منها وان الحفظة مساكنهم فيها جاز ان نخفض ايدينا في ~~الدعاء نحو الأرض من اجل ان الله يحدث فيها النبات والأقوات والمعايش وانها ~~قرارهم ومنها خلقوا ولأن الملائكة معهم في ] الأرض فلم تكن العلة في رفعها ~~إلى السماء ما وصفه وانما امرنا الله تعالى برفع ايدينا قاصدين اليه برفعها ~~نحو العرش الذي هو مستو عليه # وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه التمهيد وفي الابانة فان قال ~~قائل اتقولون انه في كل مكان قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما ~~اخبر في كتابه فقال ( الرحمن على العرش استوى ) وقال تعالى ( اليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وقال ( أأمنتم من في السماء PageV02P434 # ان يخسف بكم الأرض فاذا هي تمور ) قال ولو كان في كل مكان لكان في بطن ~~الانسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب ان يزيد بزيادة ~~الامكنة اذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها اذا بطل منها ما كان واحتيج ~~ان يرغب اليه إلى نحو الأرض والى خلفنا والى يميننا والى شمالنا وهذا قد ~~أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله # وهذا تصريح بأن الأيدي انما ترفع إلى الله نفسه وانه يجب ان يصح رفعها ~~اليه حيث كان وانه انما اختص رفعها بجهة العلو لأن الله هناك اذ لو لم تجب ~~صحة رفعها إلى جهته لم يجب اذا كان في كل مكان ان يصح ان يرغب اليه إلى نحو ~~الأرض والى خلفنا وأيماننا وشمائلنا فان ذلك انما يلزم اذا لزم ان يشار ~~اليه حيث كان وهذا الذي قاله ابلغ من جواز الاشارة اليه فانه أوجب ان يصح ~~الاشارة والرغبة إلى غير جهة الفوق لو كان فيها وهذه الحجة انما تصح اذا ~~كانت الاشارة بالأيدي إلى فوق اشارة اليه نفسه اذ لو لم يكن كذلك لقال له ~~منازعه فعندك الاشارة بالدعاء ليست اليه واذا كان كذلك لم تكن الاشارة ms875 اليه ~~واجبة بحال وانما هو معنى يختص بجهة فوق غير كون الله تعالى هناك واذا كنت ~~موافقي على هذا يلزم اذا كان في كل مكان ان يشار في الدعاء إلى سائر الجهات ~~كالسفل واليمين واليسار لأن عندك الاشارة بالأيدي ليست اليه وانما هي لأمر ~~يختص بالجهة العالية غير الله وهذا من احتجاج الأولين والآخرين # قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب مختلف الحديث له نحن ~~نقول في قوله تعالى ( ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم ) انه معهم يعلم ~~ما هم عليه كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع احذر التقصير فاني معك تريد ~~انه لا يخفى علي تقصيرك وكيف يسوغ لأحد ان يقول انه سبحانه وتعالى ~~PageV02P435 بكل مكان على الحلول مع قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~ومع قوله @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ وكيف يصعد اليه شيء هو معه وكيف ~~تعرج الملائكة والروح اليه وهي معه ولو ان هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت ~~عليه خلقتهم من معرفة الخالق لعلموا ان الله هو العلي وهو الأعلى وان ~~الأيدي ترفع بالدعاء اليه والأمم كلها عربها وعجمها يقولون ان الله في ~~السماء ما تركت على فطرها وفي الانجيل ان المسيح قال للحواريين ? < ان أنتم ~~غفرتم للناس فان اباكم الذي في السماء يغفر لكم ظلمكم انظروا إلى طير ~~السماء فانهن لا يزرعن ولا يحصدن وابوكم الذي في السماء هو يرزقهن ومثل هذا ~~في الشواهد كثير > ? # وقال الامام أبو بكر بن اسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد باب ذكر البيان ~~ان الله عز وجل في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه وكما ~~هو مفهوم في فطر المسلمين علماؤهم وجهالهم وأحرارهم ومماليكهم وذكرانهم ~~وانائهم بالغوهم وأطفالهم كل من دعا الله عز وجل فانما يرفع رأسه إلى ~~السماء ويمد يديه إلى الله تعالى إلى الأعلى لا إلى الأسفل # وقال أبو سليمان الخطابي في كتاب شعار الدين وهو في اصول الدين القول في ~~انه مستو على العرش هذه المسألة ms876 سبيلها التوقيف المحض ولا يصل اليه الدليل ~~من غير هذا الوجه وقد نطق الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة ~~فقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز وقد قال ~~أبو عبدالله مالك بن أنس رحمه الله وسئل عن قول الله @QB@ الرحمن على العرش ~~استوى @QE@ فقال الاستواء معلوم والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال ~~عنه بدعة وذكر المواضع التي في القرآن من ذكر العرش وقوله @QB@ أأمنتم من ~~في السماء أن يخسف بكم الأرض @QE@ وقال @QB@ أم أمنتم من في السماء أن يرسل ~~عليكم حاصبا @QE@ وقال تعرج الملائكة والروح PageV02P436 # @QB@ إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة @QE@ وقال @QB@ بل رفعه الله ~~إليه @QE@ وقال @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ وقال ~~حكاية عن فرعون انه قال @QB@ يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى @QE@ فوقع قصد الكافر إلى الجهة التي أخبره ~~موسى عنها لذلك لم يطلبه في طول الأرض وعرضها ولم ينزل إلى طبقات الأرض ~~سفلا فدل ما تلوناه من هذه الآيات على ان الله في السماء ومستو على العرش ~~ولو كان بكل مكان لم يكن لهذا الأختصاص معنى ولا فيه فائدة قال وقد جرت ~~عادة المسلمين خاصتهم وعامتهم ان يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة اليه ~~ويرفعوا أيديهم إلى السماء وذلك لاستفاضة العلم عندهم بأن المدعو في السماء ~~سبحانه وتعالى # قال واعترض من خالف هذا بقوله @QB@ وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم ~~سركم وجهركم @QE@ وبقوله @QB@ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله @QE@ ~~وبقوله @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ~~@QE@ ونحو هذا من آي القرآن وهذا لا يقدح في الآي التي تلوناها قبل ولا ~~يخالفها والخبر عن حال الشيء وصفته من جهة غير الخبر عن نفس الشيء وذاته ~~وانما هذا كقول القائل فلان في السوق معروف وفي البلاد وجائز ان يكون فلان ~~في بيته وقت هذا الكلام غائبا عن السوق وعن البلاد ms877 وانما المعنى في هذه ~~الآي اثبات علمه وقدرته في السماء والأرض وهو في الآي المتقدم اخبار عن ~~الذات والاستواء على العرش حسب من غير قران لذلك بصلة أو تعليق له بشيء آخر ~~فأحد الكلامين قائم بنفسه والكلام الآخر انما سيق لغيره وتعدى إلى ما سواه ~~وهو يجمع قضيتين اثنتين والكلام الأول قضية واحدة # قال وزعم بعضهم ان معنى الاستواء ها هنا الاستيلاء نزع فيه ببيت ~~PageV02P437 # مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله ولو كان معنى الاستواء ها ~~هنا الاستيلاء لكان الكلام عديم الفائدة لأن الله قد أحاط ملكه وقدرته بكل ~~الأشياء وبكل قطر وبقعة من السموات والأرض وتحت الثرى فما معنى تخصيصه ~~العرش بالذكر ثم ان الاستيلاء انما يتحقق معناه عند المنع عن الشيء فاذا ~~وقع الظفر قيل استولى عليه فأي منع كان هناك حتى يوصف بالاستيلاء بعده ~~وكذلك لو كان بكل مكان كما زعموا لم يكن لتخصيصه العرش بالذكر فائدة فثبت ~~انه ليس المعنى الا ما أشار اليه التوقيف # فان قيل ان اضافة العرش اليه كاضافة البيت اليه وهو لم يجعله ليسكنه ~~فكذلك لم يجعل العرش للكينونة والاستواء عليه قيل ان العرش لا يشبه البيت ~~فيما ذكرتموه وذلك لأن البيوت تتخذ غرفا وعادة لتكون وقاية من الحر والبرد ~~وما اشبههما من وجوه الأذى والله متعال عن هذه الصفات والعرش والسرير انما ~~يتخذ لتمجد وليستكبر بهما فقياسكم للجمع بين الاثنين قياس فساد # وقال القاضي أبو يعلى في كتاب ابطال التأويلات لأخبار الصفات لما تكلم ~~على حديث العباس قال فاذا ثبت انه على العرش فالعرش في جهة وهو على عرشه ~~قال وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع اطلاق الجهة عليه والصواب جواز ~~القول بذلك لأن أحمد قد اثبت هذه الصفة التي هي الاستواء على العرش واثبت ~~انه في السماء وكل من اثبت هذا اثبت الجهة وهم اصحاب ابن كرام وابن مندة ~~الأصبهاني المحدث والدلالة عليه ان العرش في جهة بلا خلاف فقد ثبت بنص ~~القرآن انه مستو عليه ms878 فاقتضى انه في جهة ولأن كل عاقل من مسلم وكافر اذا ~~دعا فانما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء وفي هذا PageV02P438 # كفاية ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقول ليس هو في جهة ولا ~~خارجا منها وقائل هذا بمثابة من قال باثبات موجود مع وجود غيره ولا يكون ~~وجود احدهما قبل وجود الآخر ولا بعده ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل ~~طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله طلبته فاذا هو معدوم قال وقد احتج ابن ~~منده على اثبات الجهة بأنه لما نطق القرآن بأن الله على العرش وانه في ~~السماء وجاءت السنة بمثل ذلك وبأن الجنة مسكنه وانه في ذلك وهذه الأشياء ~~أمكنة في نفسها فدل على انه في مكان # الوجه الثاني ان الاشارة إلى فوق إلى الله في الدعاء وغير الدعاء باليد ~~والأصبع أو العين أو الرأس أو غير ذلك من الاشارات الحسية قد تواترت به ~~السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق عليه المسلمون وغير المسلمين قال ~~تعالى @QB@ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام @QE@ وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من حاكم ~~يحكم بين الناس الا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يوقفه على جهنم ثم ~~يرفع رأسه إلى الله عز وجل فان قال ألقه ألقاه في مهوى فيهوي اربعين خريفا ~~رواه الامام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه بمعناه وعن أبي هريرة ان رجلا ~~اتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء عجمية فقال يا رسول الله علي ~~عتق رقبة مؤمنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم اين الله فأشارت إلى ~~السماء بأصبعها السبابة فقال لها من انا فاشارت بأصبعها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والى السماء اي انت رسول الله فقال اعتقها رواه أحمد في ~~مسنده والبرقي في مسنده ايضا ورواه ابن خزيمه في التوحيد وقد اشترط فيه ان ~~لا يحتج فيه الا ms879 بحديث صحيح واسناده عن يزيد بن هارون اخبرنا المسعودي عن ~~عوف بن عبد الله عن اخيه عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة مثله وقال ~~لجارية سوداء لا تفصح فقال ان علي رقبة مؤمنة وقال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من PageV02P439 # ربك فأشارت بيدها إلى السماء ثم قال من أنا فقالت بيدها ما بين السماء ~~إلى الأرض تعنى رسول الله والباقي مثله ورواه ايضا من حديث أبي داود ~~الطيالسي عن المسعودي بهذا الاسناد مثله وقال ايضا بجارية عجماء لا تفصح ~~وقال اعتقها وقال فقال المسعودي مرة اعتقها فانها مؤمنة وقد روي نحو هذا ~~المعنى عن عبيد الله بن عبد الله الزهري مسندا عن أبي هريرة ومرسلا ورواه ~~الامام أحمد وابن خزيمة ايضا من حديث معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد ~~الله عن رجل من الأنصار انه جاء بأمة سوداء فقال يا رسول الله ان علي رقبة ~~مؤمنة فان كنت ترى هذه مؤمنة فاعتقها فقال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اتشهدين ان لا اله الا الله قالت نعم قال اتشهدين اني رسول الله قالت ~~نعم قال اتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت نعم قال اعتقها ورواه مالك عن أبي ~~شهاب عن عبيد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم # قال ابن خزيمة لست انكر ان يكون خبر معمر ثابتا صحيحا ليس بمستنكر لمثل ~~عبيد الله بن عبد الله ان يروي خبرا عن أبي هريرة عن رجل من الأنصار لو كان ~~متن الخبر متنا واحدا فكيف وهما متنان وهما على حديثان لا حديث واحد حديث ~~عون بن عبد الله في الامتحان انما اجابت السوداء بالاشارة لا بالنطق وفي ~~خبر الزهري أجابت السوداء بنطق نعم بعد الاستفهام لما قال لها اتشهدين ان ~~لا اله الا الله في الخبر انها قالت نعم وكذلك عند الاستفهام لما قال لها ~~اتشهدين اني رسول الله قالت نعم نطقا بالكلام والاشارة باليد ليس النطق ~~بالكلام وفي خبر الزهري زيادة الامتحان بالبعث بعد ms880 الموت لما استفهمها ~~اتؤمنين بالبعث بعد الموت # وهذا الذي قاله ابن خزيمة يحققه ان هذا الحديث رواه القاضي أبو أحمد ~~PageV02P440 # العسال في كتاب المعرفة له من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي ~~هريرة ولهذا يقال انه حديث حسن صحيح ومثلما روي أبو عثمان النهدي عن سلمان ~~الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ربكم حيى كريم يستحيي من ~~عبده اذا رفع يديه اليه ان يردهما صفرا رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي ~~وقال حديث حسن غريب قال ورواه بعضهم ولم يرفعه وهذا لا يضر لأنه اذا كان ~~موقوفا على سلمان فمثل هذا الكلام لا يقال الا توقيفا وقد أخبر في هذا ~~الحديث ان العبد يشير بيديه ويرفعهما إلى الله سبحانه وكذلك الحديث الذي في ~~عن الفضل بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة مثنى مثنى ~~تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن ثم تقنع يديك يقول ترفعهما إلى ربك ~~مستقبلا ببطونهما وجهك وتقول يا رب يا رب ومن لم يفعل ذلك فهو خداج فاخبر ~~فيه انه يقنع يديه اي يرفعهما وأنه يرفعهما إلى ربه # وفي الحديث المشهور الذي في صحيح مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ~~في صفة حجة الوداع وهو الحديث الطويل المشهور اكثر حديث روي في حجة الوداع ~~قال فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فاهلوا بالحج وركب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى ~~طلعت الشمس وأمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال ان ~~دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا الا ~~كل من امر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم اضع ~~من دماءنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل وربا ~~الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربا PageV02P441 # عباس بن عبد المطلب فانه موضوع كله واتقوا ms881 الله في النساء فانكم اخذتموهن ~~بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ان لا يوطئن فرشكم ~~احدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده ان اعتصمتم به كتاب الله ~~وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد انك قد بلغت واديت ونصحت فقال ~~بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وفكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ~~ثلاث مرات ثم اذن بلال ثم اقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل ~~بينهما شيئا ثم ركب حتى أتى الموقف وذكر تمام الحديث فأشار بأصبعه السبابة ~~وحدها إلى فوق بابلاغ الاشارة اللهم اشهد ثلاث مرات يجمع بين الاشارة ~~الحسية المرئية والعبارة الحسية المسموعة # وفي صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خطب الناس يوم النحر وقال يا أيها الناس أي يوم هذا قالوا هذا يوم حرام قال ~~فأي بلد هذا قالوا بلد حرام قال فأي شهر هذا قالوا شهر حرام قال فان دمائكم ~~وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ~~فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت قال ابن عباس ~~والذي نفسي بيده انها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي ~~كفارا بضرب بعضكم رقاب بعض وقد أخبرنا هنا أنه رفع رأسه وقال اللهم أشهد ~~وعن سعد ابن أبي وقاص قال مر علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو ~~باصبعي فقال أحد أحد وأشار بالسبابة رواه الامام أحمد وأبو داود والنسائي ~~واخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي عن أبي هريرة نحوه وقال حسن غريب قالوا ~~PageV02P442 # ومعناه أشر بواحدة فان الذي تدعوه واحد وهذا نص بين في أن الاشارة إلى ~~الله حيث قال له أحد أحد أي أحد الاشارة فاجعلها باصبع واحدة فلو كانت ~~الاشارة إلى غير الله لم يختلف الأمر بين ان يكون بواحدة أو اكثر فعلم ان ms882 ~~الاشارة لما كانت إلى الله وهو اله واحد أمره ان لا يشير الا باصبع واحدة ~~لا باثنين # وكذلك استفاضت السنن بأنه يشار بالأصبع الواحدة في الدعاء في الصلاة وعلى ~~المنابر يوم الجمعة وفي غير ذلك فعن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع أصبعه اليمنى التي ~~تلي الابهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها وفي رواية كان ~~اذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار ~~بأصبعه التي تلي الابهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى رواهما أحمد ~~ومسلم والنسائي وروي الثاني أبو داود ايضا وعن عبد الله بن الزبير قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه ~~اليمنى وساقه وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبة فخذه اليسرى ووضع ~~يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه وأشار بعض الرواة بالسبابة رواه ~~أحمد ومسلم وابو داود وعن ابن الزبير أيضا قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على ~~فخذه اليسرى وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره اشارته رواه أحمد وابو داود ~~والنسائي وعن وائل ابن حجر انه قال في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى وحد مرفقه الأيمن ~~على فخذه اليمنى ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته ~~يحركها يدعو بها وفي رواية يقول هكذا وحلق الأبهام والوسطى وأشار بالسبابة ~~ورواه أحمد وابو داود PageV02P443 والنسائي وابن ماجه وعن مالك بن نمير ~~الخزاعي عن أبيه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعا ذراعه اليمنى على ~~فخذه اليمنى رافعا اصبعه السبابى قد حناها شيئا رواه أبو داود والنسائي ~~وابن ماجه # وعن حصين بن عبد الرحمن قال رأى عمارة بن رؤيبة بشر بن مروان وهو يدعو ms883 في ~~يوم جمعة فقال عمارة قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو على المنبر ما يزيد على هذه يعني السبابة وفي رواية رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المبنر ما يزيد على هذه يعني السبابة ~~وفي رواية رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يخطب اذا دعا ~~يقول هكذا فرفع السبابة وحدها وهذا الحديث رواه أحمد ومسلم وابو داود وفي ~~سنن أبي داود عن ابن عباس قال المسألة ان ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما ~~والاستغفار ان تشير باصبع واحد والابتهال ان تمد يديك جميعا وفي رواية ~~والابتهال هكذا ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه رواه أيضا مرفوعا عن ~~بن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأما رفع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يديه في الدعاء فهو في الحديث اكثر من ان يبلغه الاحصاء # وأما حديث أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء ~~من دعائه الا في الاستسقاء فانه كان يرفع يديه حتى يرى بياض أبطيه رواه ~~الجماعة اهل الصحاح والسنن والمسانيد مثل البخاري ومسلم وابو داود والترمذي ~~والنسائي وابن ماجه والامام أحمد في مسنده وغيرهم وفي رواية لمسلم ان النبي ~~صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفه إلى السماء رواه أبو داود ولفظه ~~ان أبي صلى الله عليه وسلم يستسقي هكذا يعني ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي ~~الأرض حتى رأيت ابطيه فهذا هو رفعهما إلى فوق رأسه وهو الابتهال المذكور في ~~حديث ابن PageV02P444 # عباس ومن صوره هذا الرفع إلى فوق الرأس ان تصير كفيه من جهة السماء اذ لا ~~يمكن مع استيفاء الرفع أن تكون بطونهما من نحو السماء # الوجه الثالث انه قد نهى عن رفع البصر في الصلاة إلى فوق امرا بالخشوع ~~الذي اثنى الله على اهله حيث قال @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون @QE@ وقال @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها ms884 لكبيرة إلا على ~~الخاشعين @QE@ والخشوع يكون مع تحفض البصر كما قال تعالى @QB@ يوم يكشف عن ~~ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا ~~يدعون إلى السجود وهم سالمون @QE@ وقال تعالى @QB@ يوم يخرجون من الأجداث ~~سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا ~~يوعدون @QE@ وقال @QB@ فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم ~~@QE@ @QB@ مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر @QE@ كما وصف ~~الأصوات بالخشوع في قوله @QB@ وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا @QE@ ~~وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بال اقوام يرفعون ابصارهم إلى ~~السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال لينتهن أو لتخطفن ابصارهم رواه ~~البخاري واكثر اهل السنن وعن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لينتهين اقوام يرفعون ابصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن ابصارهم رواه ~~مسلم وغيره ولو كان الله ليس فوق بل هو في السفل كما هو في الفوق لا ~~لاختصاص لأحد الجهتين به لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع بل كان ~~يكون بمنزلة حفظها # الوجه الرابع ان الذين يرفعون ايديهم وابصارهم وغير ذلك إلى السماء وقت ~~الدعاء تقصد قلوبهم الرب الذي هو فوق وتكون حركة جوارحهم PageV02P445 # بالاشارة إلى فوق تبعا لحركة قلوبهم إلى فوق وهذا امر يجدونه كلهم في ~~قلوبهم وجدا ضروريا الا من غيرت فطرته باعتقاد يصرفه عن ذلك وقد حكى محمد ~~بن طاهر المقدسي عن الشيخ أبي جعفر الهمذاني انه حضر مجلس أبي المعالي فذكر ~~العرش وقال كان الله ولا عرش ونحو ذلك وقام اليه الشيخ أبو جعفر فقال يا ~~شيخ دعنا من ذكر العرش واخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فانه ~~ما قال عارف قط يا الله الا وجد في قلبه ضرورة لطلب العلو لا يلتفت يمنة ~~ولا يسرة قال فضرب أبو المعالي على رأسه وقال حيرني الهمداني فاخبر هذا ~~الشيخ عن كل من عرف الله انه ms885 يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو اذا قال يا ~~الله وهذا يقتضي انه في فطرتهم وخلقتهم العلم بأن الله فوق وقصده والتوجه ~~اليه إلى فوق # الوجه الخامس ان الناس مع اختلاف عقائدهم واديانهم يشيرون إلى السماء عند ~~الدعاء لله تعالى والرغبة اليه وكلما عظمت رغبتهم واشتد الحاحهم قوي رفعهم ~~واشارتهم ولهذا لما كان دعاء الاستسقاء فيه من الرغبة والالحاح ما ليس في ~~غيره كان رفع النبي صلى الله عليه وسلم واشارته فيه اعظم منه في غيره وهذا ~~يفعلونه اذا دعوا الله مخلصين له الدين عندما يكونون مضطرين إلى الله عند ~~الرغبة والرهبة مثل ركوب البحر وغيره وفي تلك الحال يكونون قاصدين الله ~~قصدا قويا بل لا يقصدون غيره ويقرنون بقصد قلوبهم وتوجهها اشارتهم بعيونهم ~~ووجوهم وايديهم إلى فوق ومعلوم ان الاشارة تتبع قصد المشير وارادته فاذا لم ~~يكونوا قاصدين الا الله ولا مريدين الا اياه لم تكن الاشارة الا إلى ما ~~قصدوه وسألوه فانه في تلك الحال لا يكون في قلوبهم الا شيئان المسؤول ~~والمسؤول منه ومعلوم ان هذه الاشارة باليد وغيرها ليست إلى الشيء المسؤول ~~المطلوب من الله ولا يخطر بقلوبهم ان هذه الاشارة إلى ذلك ولا ادعاه ~~المنازع في ذلك في PageV02P446 # اكثر الاوقات لا يكون فوق فلم يبق ما تكون الاشارة اليه الا المدعو ~~المقصود والا كانت الاشارة إلى ما لم يقصده الداعي ولم يشعر به وهذا ممتنع ~~وهذا واضح لمن تدبره # الوجه السادس انهم يقولون بألسنتهم ارفعو أيديكم إلى الله ونحو ذلك من ~~العبارات وهذا اخبار عن انفسهم انهم يقصدون الاشارة إلى الله ورفع الايدي ~~اليه واذا كان هذا الخبر لم يتواطؤا عليه ولم يجمعهم عليهم أحد كان اتفاقهم ~~في الخبر عما في نفوسهم كاتفاقهم في سائر الاخبار التي تجري مجرى هذا من ~~الأمور الحسية والضرورية وغير ذلك # الوجه السابع ان هذا الرفع يستدل به من وجوه احدها ان العبد الباقي على ~~فطرته يجد في قلبه امرا ضروريا اذا دعا الله دعاء المضطر انه يقصد بقلبه ms886 ~~الله الذي هو عال وهو فوق الثاني انه يجد حركة عينه ويديه بالاشارة إلى فوق ~~تتبع اشارة قلبه إلى فوق وهو يجد ذلك ايضا ضرورة الثالث ان الأمم المختلفة ~~متفقة على ذلك من غير مواطأة الرابع انهم يقولون بألسنتهم انا نرفع ايدينا ~~إلى الله ويخبرون عن انفسهم انهم يجدون في قلوبهم اضطرارا إلى قصد العلو ~~فالحجة تارة بما يجده الانسان من العلم الضروري وتارة بما يدل على العلم ~~الضروري في حق الناس وتارة بأن الناس لا يتفقون على ضلالة فانه اذا كان ~~اجماع المسلمين وحدهم لا يكون الا حقا فاجماع جميع الخلق الذين منهم ~~المسلمون اولى ان لا يكون الا حقا # وبهذه المجامع يظهر الجواب عما تذكر الجهمية وجماعة شيئان احدهما ان يكون ~~الناس مخطئين في هذا الرفع لاعتقادهم ان الله فوق وليس هو فوق PageV02P447 # وهذا جوابه في نهايته والثاني ان يكون الرفع إلى بعض المخلوقات اما ~~الملائكة أو الجهة الشريفة أو العرش الذي هو القبلة ومن تدبر ما بيناه علم ~~امتناع هذين الوجهين ونحن نفصل ذلك # الوجه الثامن قوله ان الرفع إلى فوق لأن الجهة العالية اشرف من السافلة ~~بظهور الانوار منها وان الهوى الذي هو مادة النفس منها وان النظر منها ~~مضمونة ان ما يحتاج اليه الآدميون من الرزق الذي هو الماء والهواء ومن ~~النور يأتي من الجهة العالية فكانت اشرف # فيقال له أولا لا ريب ان حاجتهم إلى الأرض وما فيها اكثر فان عليها ~~قرارهم ومنها تخرج ارزاقهم التي هي النبات وفيها الحيوان وهي كما قال الله ~~تعالى @QB@ فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون @QE@ ولهذا كان نظر ~~ابصارهم إلى الأرض وما فيها أكثر من نظرهم إلى السماء وما فيها فعلم ان ~~النظر الذي يكون لأجل الحاجة إلى المنظور اليه لتعلق القلب به هو إلى الأرض ~~اكثر منه إلى السماء # ويقال له ثانيا الاحتجاج انما هو يرفع ايديهم وابصارهم حين الدعاء لله ~~وحده لا شريك له فاما دعوى غير الله فانما يرفعون أيديهم ان رفعوها إلى جهة ~~ذلك ms887 المدعو واما في غير صد الله ودعائه وذكره فانهم لا يلتزمون الاشارة إلى ~~السماء بل انما يشير احدهم ان اشار إلى شيء معين مثل الشمس والقمر وغير ذلك ~~واذا كان الأمر كذلك كان ماذا ذكره من الاشارة إلى الجهة لشرفها من أبطل ~~الباطل فان ذلك انما يتوجه لو كان المذكور هو اشارتهم إلى فوق مطلقا وهذا ~~خلاف الواقع بل انما يشيرون الاشارة المذكورة اذا دعوا الله مخلصين له ~~الدين وأين هذا من هذا # PageV02P448 # ويقال له ثالثا قد تقدم انهم يعلمون ويخبرون أنهم انما يشيرون إلى الله ~~لا إلى محض الجهة # الوجه التاسع قوله ان الاشارة قد تكون إلى الملائكة التي هي مدبرة امر ~~العباد يقال له اولا اشارة الانسان إلى الشيء مشروطة بشعوره به وقصد ~~الاشارة اليه فان لم يشعر به ولم يقصد الاشارة اليه محال ان يشير اليه ~~والداعون لله مخلصين له الدين لا تخطر لهم الملائكة في تلك الحال فضلا عن ~~ان يقصدوا الاشارة اليها وكل منهم يعلم من نفسه ويسمع من غيره بل ويعلم منه ~~بغير سمع أنه لم يقصد الاشارة إلى الملائكة واذا كانوا يعلمون من انفسهم ~~انهم لم يشيروا إلى الملائكة ولا إلى محض الجهة كان حمل اشارتهم على هذا مع ~~علمهم بأنهم لم يقصدوا ذلك مثل من يحمل سجود المسلمين في اوقات صلواتهم على ~~انهم يسجدون للكواكب والملائكة بل الاشارة في الدعاء إلى الله ابلغ وذلك ان ~~السجود في الظاهر مشترك بين من يسجد لله ويسجد لغيره وأما الذي يقول بلسانه ~~انه يدعو الله وهو مع ذلك يشير مع دعائه فالظن به أنه اشار إلى غير الله ~~اقبح من الظن بالمسمين أنهم يسجدون لغير الله # ويقال له ثانيا الاشارة إلى الملائكة حين دعاء الله وحده لا شريك له ~~اشراك بالله بل دعاء الملائكة ومسألتهم اشراك بالله فكيف بالاشارة اليهم ~~حين دعاء الله وحده لا شريك له # وقيل له ثالثا الاحتجاج ليس بمطلق الاشارة إلى فوق بل الاشارة عند دعاء ~~الله وحده لا شريك له ms888 ومن المعلوم انه لا يجوز في تلك الحال رفع الأيدي إلى ~~الملائكة فكيف يحمل حال الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله المخلصين على ~~أنهم رفعو أيديهم إلى غير الله حين مسألتهم لله وحده PageV02P449 # وقيل له رابعا لا يجوز لأحد ان يرفع يديه داعيا لا إلى الملائكة ولا إلى ~~غير الملائكة بل هذا من خصائص الربوبية ومن جوز رفع الأيدي عند الدعاء إلى ~~غير الله فهو من المشركين الذين يدعون غير الله قال تعالى @QB@ وأن المساجد ~~لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه ~~لبدا قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل أندعو من ~~دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله @QE@ ~~الآية وقال تعالى @QB@ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا ~~بغير علم @QE@ وقال @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق @QE@ الاية وقال @QB@ ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر ~~الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ~~ينفعه ذلك هو الضلال البعيد @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تدع مع الله إلها آخر ~~فتكون من المعذبين @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان ~~له به فإنما حسابه عند ربه @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا @QE@ # ولهذا كانت الاشارة اليه من تمام دعائه وذلك من تحقيق كونه الصمد الذي ~~يصمد العباد اليه فان قصده بالباطن والظاهر والقلب وسائر الجسد اكمل من ~~قصده بالقلب فقط فيكون الاشارة اليه من تمام كونه صمدا ويكون اسم الصمد ~~مستلزما لذلك فكونه موجودا يوجب المباينة التي تقتضي الاشارة اليه وكونه ~~صمدا مقصودا يقتضي الدعاء المتضمن الاشارة اليه والاشارة إلى غيره بالدعاء ~~اشراك به واخراج له عن أن يكون احدا # فظهر أن هؤلاء الجهمية منكرين لحقيقة كونه ms889 احدا صمدا وأنهم جاحدون لحقيقة ~~دعائه مسوغين للاشراك به فان أهل السنة هم الموحدون له والمكملون ~~PageV02P450 # لحقيقة الاقرار بأنه الأحد الصمد وهذا ظاهر ولله الحمد # ويبين هذا أن هؤلاء الجهمية ومن دخل فيهم من الملاحدة والفلاسفة ~~والصابئين وغيرهم لا يعتقدون حقيقة الدعاء لله ولا يؤمنون ان الله على كل ~~شيء قدير لا سيما من يقول منهم انه موجب بالذات لا يمكنه ان يغير سببا ولا ~~يحدثه فالدعاء عندهم انما يؤثر تأثير النفوس البشرية وتصرفها في هيولي ~~العالم واذا كان كذلك فهم في الحقيقة لا يقصدون الله ان يفعل شيئا ولا يحدث ~~شيئا ولا يطلبون منه شيئا ولكن يقوون نفوسهم قوة يفعلون بها والعلم الضروري ~~حاصل بالفرق بين ما يفعله الحيوان بنفسه وبين ما يطلبه من غيره فاذا كان ~~دعاء العباد عندهم لا معنى له الا أنهم يفعلون بأنفسهم لم يكونوا داعين لله ~~قط ومن لم يكن داعيا لله فانه لا يشير اليه عند الدعاء بل ذلك عبث بل قوله ~~يا الله افعل كذا عبث وهذا حقيقة مذهب القوم ابطال ما بعثت به الرسل من ~~أنواع الأدعية وابطال ما فطر الله عليه عباده من ذلك وهؤلاء هم أصل التهجم ~~والتعطيل فمن وافقهم في شيء من ذلك كان من الجاحدين لأن يكون الله هو ~~الموجود المقصود المدعو المعبود # ولهذا تجد غالب هؤلاء النفاة لأن يكون الله فوق العرش فيهم من الانحلال ~~عن دعاء الله ومسألته وعبادته بقدر ذلك الا من يكون منهم جاهلا بحقيقة ~~مذهبهم يوافقهم بلسانه على قول لا يفهم حقيقته وفطرته على الصحة والسلامة ~~فانه يكون فيه ايمان ونفاق فأما اذا استحوذ على قلبه تغيرت فطرته وهؤلاء ~~يعرضون عن دعاء الله وعبادته مخلصين له الدين عند الاختيار ويجادلون في ذلك ~~لكن عند الاضطرار هم كما قال الله تعالى @QB@ ومن آياته الجوار في البحر ~~كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في ms890 آياتنا ~~ما لهم من محيص @QE@ PageV02P451 لا سيما على اشهر القرائتين وهي قراءة ~~النصب في قوله ويعلم فان ذلك من باب قولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن ومثل ~~هذا في الاعراب قوله @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ويعلم الصابرين @QE@ ومعنى آية الشورى أنه سبحانه ان شاء اسكن ~~فيظللن رواكد على ظهره وان شاء أو بقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير ويعلم ~~الذين يجادلون في آياتنا وهذا كله في جواب ان يشأ اي وان يشأ يهلكهن ~~بذنوبهم ويعف ايضا عن كثير منها ويجتمع مع ذلك علم المجادلين في أياتنا ~~بأنه مالهم من محيص فهو ان شاء جمع بين أن يهلك بعضا ويعف عن بعض وبين علم ~~المجادلين في آياته حينئذ أنه ما لهم من محيص # الوجه العاشر قوله وأيضا انه تعالى جعل العرش قبلة لدعائنا كما جعل ~~الكعبة قبلة لصلاتنا يقال له هذا باطل معلوم بالاضطرار بطلانه عقلا ودينا ~~وذلك يظهر بوجوه # احدها ان المسلمين مجمعون على أن القبلة التي يشرع للداعي استقبالها حين ~~الدعاء هي القبلة التي شرع استقبالها حين الصلاة فكذلك هي التي شرع ~~استقبالها حين ذكر الله كما تستقبل بعرفة والمزدلفة وعلى الصفا والمروة ~~وكما يستحب لكل ذاكر لله وداع ان يستقبل القبلة كما ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم انه كان قد يقصد أن يستقبل القبلة حين الدعاء وكذلك هي التي يشرع ~~استقبالها بالبول والغائط فليس للمسلمين كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد بل ولا لغيرهم قبلتان ~~أصلا في العبادات التي هي من جنسين كالصلاة والنسك فضلا عن العبادات التي ~~هي من جنس واحد وبعضها متصل ببعض فان الصلاة فيها الدعاء في الفتاتحة ~~وغيرها والدعاء نفسه هو صلاة قد سماه الله في كاباه صلاة حيث قال @QB@ وصل ~~عليهم إن صلاتك سكن لهم @QE@ وفي PageV02P452 # الصحيح عن عبد الله بن أبي اوفى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان اذ اتاه ~~قوم بصدقتهم ms891 صلى عليهم وان أبي اتاه بصدقه فقال اللهم صلى على آل أبي أو في ~~وقد قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما @QE@ وقد ~~علم النبي صلى الله عليه وسلم امته الصلاة عليه في غير حديث في الصحاح ~~وغيرها وفي جميعها انما يعلمهم الدعاء له بصلاة الله وبركاته كما قال قولوا ~~اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ~~انك حميد مجيد # وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع حيث تكلمنا على مسمى الصلاة ~~في اللغة الذي هو الدعاء وان الصلاة المشروعة هي دعاء كلها فان الدعاء هو ~~قصد المدعو تارة لذاته وتارة لمسألته أمرا منه وهذا كالشخص يدعو غيره ~~ويطلبه ويقصده تارة لذاته وتارة لأمر يطلبه منه والصلاة تتضمن هذين النوعين ~~عبادة الله والثناء عليه والسؤال له # وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النوعين في الحديث الذي في صحيح مسلم ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # يقول الله سبحانه وتعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ~~ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فاذا قال العبد @QB@ الحمد لله رب العالمين ~~@QE@ قال الله حمدني عبدي فاذا قال @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ قال الله اثنى ~~علي عبدي فاذا قال العبد @QB@ مالك يوم الدين @QE@ قال الله مجدني عبدي أو ~~قال فوض الي عبدي فاذا قال العبد @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ قال ~~الله هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فاذا قال @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~@QE@ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل PageV02P453 # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه انه # قال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ومسمى الصلاة في اللغة قد قالوا ~~انه مسمى الدعاء والدعاء نوعان كما تقدم والنصف الذي للرب جل وعلا هو ~~الثناء عليه والمقصود بذلك نفسه سبحانه وتعالى فهو بذلك نفسه سبحانه وتعالى ~~فهو بذلك معبود مقصود مدعو لنفسه والنصف الاخر الذي للعبد هو السؤال ms892 والطلب ~~منه وهو بذلك يقصد لذلك الأمر ويسأل ويطلب منه وهو الصمد في الأمرين لا ~~يصلح ان يصمد لغيره لا هذا الصمد ولا هذا الصمد وهو ايضا أحد في هذين لا ~~يصلح لغيره ان يكون هو المعبود ولا ان يكون هو المتوكل عليه المستعان به ~~المسؤول منه فهو الأحد الصمد في النصف الذي له كقوله @QB@ إياك نعبد @QE@ ~~وهو الأحد الصمد في النصف الذي للعبد كقوله @QB@ وإياك نستعين @QE@ ولهذا ~~قال من قال من السلف ان الله سبحانه انزل مائة كتاب واربع كتب جمع معانيها ~~في الأربعة وجمع معاني الأربعة في القرآن وجمع معاني القرآن في المفصل وجمع ~~معاني المفصل في أم القرآن وجمع معاني أم القرآن في قوله @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ # وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع في غير هذا الكتاب وبينا تعلق العبادة ~~بالالهية فان الاله هو المعبود وتعلق الاستعانة بربوبيته فان رب العباد ~~الذي يربهم وذلك يتضمن انه الخالق لكل ما فيهم ومنهم والالهية هي العلة ~~الغائية والربوبية هي العلة الفاعلية والغائية هي المقصودة وهي علة فاعلية ~~للعلة الفاعلية ولهذا قدم قوله @QB@ إياك نعبد @QE@ على قوله @QB@ وإياك ~~نستعين @QE@ وتوحيد الالهية يتضمن توحيد الربوبية فانه من لم يعبد الا الله ~~يندرج في ذلك انه لم يقر بربوبية غيره بخلاف توحيد الربوبية فانه قد أقر به ~~عامة المشركين في توحيد الالهية كما قال تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله ~~إلا وهم مشركون @QE@ ذكر البخاري في صحيحه عن عكرمة وغيره تسألهم من خلق ~~السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره PageV02P454 # وقد اخبر عنهم بذلك في قوله @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله @QE@ وفي قوله @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ~~ما اتخذ الله ms893 من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ~~@QE@ فأخبر عن هؤلاء الذين نزه نفسه عن اشراكهم واخبر أنهم كاذبون في ~~عدولهم عن الحق الذي جاء به ورد عليهم انه @QB@ ما اتخذ الله من ولد وما ~~كان معه من إله @QE@ انه اذا سألهم @QB@ لمن الأرض ومن فيها @QE@ @QB@ ~~سيقولون لله @QE@ واذا سألتهم @QB@ من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله @QE@ واذا سألتهم @QB@ من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار ~~عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله @QE@ # فالاول اقرارهم بأن الأرض وما فيها لله والثاني اقرارهم بأن السموات ~~السبع والعرش العظيم لله والثالث اقرارهم بأن ملكوت جميع الأشياء بيده وانه ~~الذي يمنع المخلوق وينصره فيجيره من الضرر والأذى فيجير على من يشاء ولا ~~يجير عليه أحد فاذا أراد بأحد ضررا لم يمنعه مانع واذا رفع الضر عن أحد لم ~~يستطع أحد ان يضره وفي كون ملكوت كل شيء بيده بيان انه هو المدبر النافع له ~~فهو الذي يأتي بالمنفعة وهو الذي يدفع المضرة كما قال في الاية الأخرى @QB@ ~~قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته @QE@ وكما قال في الاية الأخرى @QB@ وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله @QE@ ~~PageV02P455 # واذا كانوا مقرين بهذا فهذا اقرار منهم بعموم ربوبيته وتدبيره لكل شيء ~~وهو اعظم من اقرار القدرية والصابئة والمتفلسفة الطبيعية ونحوهم ممن يجعل ~~الرب لبعض الكائنات شيئا غير الله وهو مع هذا قد اخبر انهم مشركون نزه نفسه ~~عن شركهم لكونهم عبدوا معه غيره لا لكونهم اعتقدوا ان للعالمين ربا معه # وكذلك قوله @QB@ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء @QE@ إلى آخر الايات ~~يستفهم فيها كلها استفهام انكار ms894 هل يفعل هذه الأمور أحد من الالهة التي ~~يعبدون من دون الله فان قوله @QB@ أإله مع الله @QE@ اسم واحد وقع صفة لا ~~له ليس هو جملة واحدة كما ظنه طائفة من المفسرين واعتقدوا ان المعنى مع ~~الله اله فان القوم كانوا يجعلون مع الله آلهة اخرى وقد ذكر ذلك في السورة ~~بقوله @QB@ آلله خير أما يشركون @QE@ فلا يفيد استفهامهم عما هم معترفون به ~~وأيضا فان جواب المستفهم عنه لا يكون الا مفردا لا يكون جملة فاذا قيل من ~~فعل هذا فانه يقال فلان أم فلان لا يذكر جملة بل لو كان كذلك لم ينتظم ~~الكلام ولكن المقصود ان هذه الآلهة التي تدعونها من دون الله هل هي التي ~~فعلت هذه الامور أم الله وحده فعلها فان القوم كانوا مقرين بأن الله وحده ~~هو الفاعل لهذه الامور وهذا شأن استفهام الانكار فانه يتضمن نفي المستفهم ~~عنه والانكار على من اثبته والقوم كانوا معترفين بذلك لكن كانوا مع ذلك ~~مشركين به الالهة التي يعلمون انها لم تفعل ذلك فانكر عليهم ذلك وزجروا عنه ~~ومثل هذا في القرآن كثير # ومن عرف هذا عرف الشرك الذي ذمه الله في كتبه وارسل رسله جميعا بالنهي ~~عنه كما قال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون @QE@ PageV02P456 وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ والعبادة تتضمن كمال المحبة ~~وكمال الخضوع قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ # فهذه السورة يعني الفاتحة التي قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم انها اعظم سوره في القرآن وانه لم ينزل في التوراة ولا في الانجيل ولا ~~في القرآن مثلها قد ذكر فيها جماع الكتب الالهية بقوله @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ ومما يشبهها قوله @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ وقوله ~~@QB@ فاعبده وتوكل عليه @QE@ وقوله @QB@ عليه توكلت وإليه متاب @QE@ وهذان ~~هما نوعا الدعاء كما تقدم وهما ms895 جميعا مختصان بالله حقان له لا يصلحان لغيره ~~بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك كما قال تعالى @QB@ وأن المساجد لله فلا ~~تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل ~~إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تدع مع الله إلها ~~آخر فتكون من المعذبين @QE@ وقال تعالى @QB@ ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ~~@QE@ وقال @QB@ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي ~~يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب @QE@ # فغير الله لا يجوز ان يكون مستعانا به متوكلا عليه لانه لا يستقل بفعل ~~شيء اصلا فليس من الأسباب ما هو مستقل بوجود المسبب لكن له شريك فيه وما ثم ~~علة تامة الا مشيئة الله فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكذلك لا يجوز ~~ان يكون غيره معبودا مقصودا لذاته اصلا فان ذلك لا يصلح له ولهذا كان الشرك ~~غالبا على بني آدم كما قال تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون @QE@ فيكون احدهم عبدا لغير الله متألها له مما يحبه ويجله ويكرمه ~~ويخافه ويرجوه حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح تعس عبد ~~الدرهم تعس PageV02P457 # عبد الدينار تعس عبد الخميصة ان اعطي رضي وان منع سخط تعس وانتكس واذا ~~شيك فلا انتقش وهذا باب واسع ليس هذا موضع بسطه # وقد قدمنا ان كلا النوعين يوجب اختصاص الرب سبحانه وتعالى بأنه الأحد ~~وبأنه الصمد فن كونه احدا يوجب ان لا يشرك به في العبادة ولا الاستغاثة فلا ~~يدعى غيره والاسم الصمد جاء معرفا ليبين انه هو الصمد الذي يستحق ان يصمد ~~اليه نوعي الصمد وهذان الاسمان لم يذكرا في القرآن الا في هذه السورة التي ~~قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه انها تعدل ثلث القرآن مثل ~~ما # روي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ms896 ~~ايعجز احدكم ان يقرأ ثلث القرآن في ليلة فشق ذلك عليهم وقالوا اينا يطيق ~~ذلك يا رسول الله قال @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ثلث القرآن رواه البخاري ~~وروي عنه ايضا عن قتادة بن النعمان ان رجلا كان في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في الفجر @QB@ قل هو الله أحد @QE@ يرددها لا يزيد عليها فلما ~~اصبح اتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله فلانا بات ~~الليلة يقرأ من السحر @QB@ قل هو الله أحد @QE@ يرددها لا يزد عليها كأن ~~الرجل يتقالها فقال النبي صلى الله عليه وسلم # فو الذي نفسي بيده انها لتعدل ثلث القرآن وروي مسلم عن أبي هريرة قال خرج ~~الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اقرأ عليكم ثلث القرآن فقرأ @QB@ ~~قل هو الله أحد @QE@ حت ختمها وروى مسلم ايضا عن أبي الدرداء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # قال ايعجز احدكم ان يقرأ في ليلة ثلث القرآن قالوا وكيف يقرأ ثلث القرآن ~~قال @QB@ قل هو الله أحد @QE@ تعدل ثلث القرآن وعن عائشه ان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل ~~هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سلوه ~~لأي شيء يصنع ذلك فسألوه PageV02P458 # فقال انها صفة الرحمن عز وجل فأنا احب ان اقرأ بها فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اخبروه ان الله يحبه رواه البخاري ومسلم # وقد قال من قال من العلماء هي ثلث القرآن لأن القرآن ثلاثة اقسام قسم ~~توحيد وقسم قصص وقسم امر ونهي وهذه فيها التوحيد وهذا الذي قاله انما يتم ~~اذا كانت جامعة للتوحيد والأمر كذلك فان هذين الاسمين يستلزمان سائر اسماء ~~الله الحسنى وما فيها من التوحيد كله قولا وعملا والنبي صلى الله عليه وسلم ~~ذكر هذين الاسمين # فقال @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ تعدل ثلث القرآن وذلك ان كونه ~~احدا وكونه الصمد يتضمن انه ms897 الذي يقصده كل شيء لذاته ولما يطلب منه وانه ~~مستغن بنفسه عن كل شيء وانه بحيث لا يجوز عليه التفرق والفناء وانه لا نظير ~~له في شيء من صفاته ونحو ذلك مما ينافي الصمدية وهذا يوجب ان يكون حيا ~~عالما قديرا ملكا قدوسا سلاما مهيمنا عزيزا جبارا متكبرا # اذا تبين ذلك فالدعاء الذي ذكره الرازي هنا هو أحد نوعي الدعاء وهو دعاء ~~المسألة والطلب منه قال تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ~~دعوة الداع إذا دعان @QE@ وهذا في الكلام نظير الذكر الذي هو ثناء وتحميد ~~لله تعالى ولهذا يقال في الفاتحة نصفها ثناء ونصفها دعاء ومن المعلوم ان ~~استقبال القبلة في هذا كاستقبالها في الذكر أو اوكد والقبلة التي تستقبل ~~بهذا الدعاء هي قبلة الصلاة بعينها ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا ~~اجتهد في الدعاء يستقبلها كما فعله في اثناء الاستسقاء الذي رفع فيه يديه ~~رفعا تاما فعن عباد بن تميم عن عمه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحول رداءه ورفع يديه ~~فدعى واستسقى واستقبل القبلة رواه الجماعة اهل الصحاح والسنن والمساند ~~كالبخاري ومسلم وابو داود والترمذي النسائي وابن ماجه وغيرهم فاخبر انه ~~استقبل القبلة التي هي قبلة الصلاة في اثناء دعاء الاستسقاء واذا كانت قبلة ~~الدعاء هي قبلة PageV02P459 # الصلاة بعينها كان قول الجهمي ان العرش والسماء قبلة للدعاء قول مخالف ~~لاجماع المسلمين ولما علم بالاضطرار من دين الاسلام فيكون من ابطل الباطل # الوجه الثاني في ذلك وهو الحادي عشر ان توجه الخلائق بقلوبهم وأيديهم ~~وابصارهم إلى السماء حين الدعاء امر فطري ضروري عقلي لا يختص به اهل الملل ~~والشرائع بل يفعله المشركون وغيرهم ممن لا يعرف العرش ولا يسمع به ولا يعلم ~~ان فوق السماء لله عرشا فلو كان الرفع انما هو إلى العرش فقط الذي هو قبلة ~~لم يقصد ذلك الرفع الا من علم ان هناك عرشا كمالا يقصد التوجه إلى القبلة ~~الا ms898 من علم ان الكعبة التي يستقبلها المسلمون هناك لان القصد والارادة لا ~~يكون الا بعد الشعور بالمقصود فمن لم يشعر ان هناك عرشا امتنع ان يقصد ~~الرفع إلى العرش وهذا تحقيق ما تقدم من ان العلو لله علم بالفطرة والعقل ~~واما استواؤه على العرش فانما علم بالسمع # الوجه الثالث في ذلك وهو الثاني عشر ان يقال كون العرش أو السماء قبلة ~~للدعاء لا يثبت بغير الشرع فان اختصاص بعض الجهات والامكنة بانه يستقبل دون ~~غيرها هو امر شرعي ولهذا افترقت اهل الملل كما قال تعالى @QB@ ولكل وجهة هو ~~موليها @QE@ فلو كان الله جعل العرش أو السماء قبلة للدعاء كان في الشريعة ~~ما يبين ذلك ومعلوم انه ليس في الكتاب والسنة ولا شيء من الآثار عن سلف ~~الأمة ولا أئمتها ولا في الاثارة عن الأنبياء المتقدمين كموسى وعيسى ~~وغيرهما من المرسلين صلوات الله عليهم اجمعين ان العرش أو السماء قبلة ~~للدعاء فعلم ان دعوى ذلك من من اعظم الفرية على الله وان هذا من جملة ~~افتراء الجهمية ونحوهم على الله وعلى رسله ودينه # الوجه الرابع وهو الثالث عشر ان القبلة امر تتميز به الملل ويقبل النسخ ~~والتبديل كما قال تعالى @QB@ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ~~ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن ~~الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون ~~ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم ~~وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك ~~إذا لمن الظالمين الذين آتيناهم الكتاب @QE@ PageV02P460 الى قوله تعالى ~~@QB@ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله ~~جميعا @QE@ فاخبر سبحانه أن لكل أمة وجهة يستقبلونها وولى محمدا قبلة ~~يرضاها فأمره بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام بعد أن كان قد أمره ان يصلي ~~إلى البيت المقدس هو وأمته فصلى إلى بيت المقدس بعد مقدمه ms899 المدينة بضعة عشر ~~شهرا وصلى اليها قبل مقدمه المدينة وقد روي أنه كان بمكة يجعل الكعبة بينه ~~وبين المسجد الأقصى واذا كانت القبلة أمرا يقبل النسخ والتبديل وهو مختلف ~~في أمر الملل فيجب على هذا التقدير اذا كان العرش أو السماء قد جعل قبلة ~~للدعاء أن يجوز تغيير ذلك وتبديله حتى يجوز ان يدعى الله إلى نحو الأرض ~~ويجوز أن يدعوه الانسان من الجهات الست ويمد يده وعينيه إلى سائر جهاته وأن ~~يكون ذلك قبلة لبعض الداعين دون بعض وهذا مع أنه قد ذكر غير واحد اجماع ~~المسلمين على تخطئة قائله وفاعله فالعلم بذلك اضطراري فان بني آدم مفطورون ~~على أن لا يتوجهوا بقلوبهم وأيديهم إلى غير الجهة العالية ولا يقصدوا الله ~~من تحت اقدامهم ويمدوا أيديهم إلى تلك الجهة السافلة ولا إلى غير الجهة ~~العالية # الوجه الخامس وهو الرابع عشر أن الله تعالى قد قال @QB@ ولله المشرق ~~والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ فأخبر ان العبد حيث استقبل فقد ~~استقبل قبلة الله ليبين انه حيث أمر العبد الاستقبال والتولية فقد استقبل ~~وولي قبلة الله ووجهته ولهذا ذكروا أن هذه الاية فيما لا يتعين فيه استقبال ~~الكعبة كالمتطوع PageV02P461 # الراكب في السفر فانه يصلي حيث توجهت به راحلته والعاجز الذي لا يعلم جهة ~~الكعبة أو لا يقدر على استقبال الكعبة فانه يصلي بحسب امكانه إلى أي جهة ~~امكن وذكروا ايضا أنه نسخ ما تضمنته من تسويغ الاستقبال إلى بيت المقدس كما ~~كان ذلك قبل النسخ واذا كان هذا في القبلة المعروفة للصلوات التي يجب فيها ~~استقبال قبلة معينة في الفريضة وفي التطوع في المقام فينبغي أن يكون في ~~قبلة الدعاء اولى وأحرى فان الدعاء لا يجب فيه استقبال قبلة معينة باجماع ~~المسلمين ولا يجب أن يستقبل القبلة المعروفة ولا أن يرفع يديه لا عند من ~~يقول ان السماء والعرش قبلة الدعاء ولا عند من لا يقول بذلك واذا كان هذا ~~لازما اقتضى جواز الاشارة في الدعاء إلى غير فوق فيجب ان ms900 تجوز الاشارة ~~بالأيدي حين الدعاء إلى الأرض والتيامن والتياسر وقد تقدم قول من حكى اجماع ~~المسلمين على خلاف ذلك وعلى تخطئة من يجوز ذلك كالقاضي أبي بكر وأيضا فمن ~~المعلوم بالفطرة الضرورية أن احدا لا يقصد ذلك ولا يريده فعلم بطلان ما ~~زعموه من كون العرش أو السماء قبلة للدعاء # الوجه السادس وهو الوجه الخامس عشر أن القبلة ما يستقبله الانسان بوجهه ~~وكذلك يسمى وجهة ووجها وجهة لاستقبال الانسان له بوجهه وتوجهه اليه كما قال ~~تعالى @QB@ ولكل وجهة هو موليها @QE@ والاستقبال ضد الاستدبار فالقبلة ما ~~يستقبله الانسان ولا يستدبره فأما ما يرفع الانسان اليه يده أو رأسه أو ~~بصره فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة لأن الانسان لم يستقبله كما لا يستدبر ~~الجهة التي تقابله ومن استقبل شيئا فقد استدبر ما يقابله كما أن من استقبل ~~الكعبة فقد استدبر ما يقابلها ومعلوم ان الداعي لا يكون مستقبلا للسماء ~~ومستدبرا للأرض بل يكون مستقبلا لبعض الجهات اما القبلة أو غيرها مستدبرا ~~PageV02P462 # لما يقابلها كالمصلى فظهر ان جعل ذلك قبلة باطل في العقل واللغة والشرع ~~بطلانا ظاهرا لكل أحد # الوجه السابع وهو السادس عشر ان القبلة امر يحتاج إلى توقيف وسماع ليس في ~~الفطرة والعقل ما يخص مكانا دون مكان باستقباله في الصلاة والدعاء أو غير ~~ذلك فلو كان الداعون انما يقصدون برفع أيديهم وابصارهم وغير ذلك استقبال ~~بعض المخلوقات مثل العرش والسماء وغير ذلك من غير أن يكون الرفع إلى الخالق ~~تعالى لم يفعلوا ذلك الا عن توقيف وسماع ومن المعلوم أنهم يفعلون ذلك ~~بفطرتهم وعقولهم من غير أن يوقفهم عليه أحد ولا تلقوه عن أحد # الوجه الثامن وهو السابع عشر أن القبلة لا يجد الناس في أنفسهم معنى يطلب ~~تعيينها ولا فرقا بين قبلة وقبلة ولهذا لما أمر المسلمون باستقبال المسجد ~~الأقصى ثم امروا باستقبال المسجد الحرام كان هذا جميعه عندهم سائغا لا يجد ~~المؤمنون في أنفسهم حرج من ذلك ولا تفريقا بينه فلو كان الرفع والتوجه إلى ~~جهة السماء ms901 لكونه قبلة لكان ذلك عند الناس مؤمنهم وغير مؤمنهم منزلة ~~التيامن والتياسر والسفل والقفا ومن المعلوم أنهم يجدون في أنفسهم طلبا ~~ضروريا لما فوق فهذه المعرفة والطلب الضروري الذي يجدونه يطلب العلو دون ~~السفل يمنع أن يكون لكونه قبلة وضعية بل ذلك يقتضي ان المطللوب المدعو هناك ~~كما يجدونه ايضا في أنفسهم ويقرون به بألسنتهم # الوجه التاسع وهو الوجه الثامن عشر أنه قد اعترف في نهايته بأن الناس ~~انما يرفعون إلى الله واعرض عن هذه الأجوبة الثلاثة التي ذكرها هنا وهو أن ~~الرفع للجهة التي تتعلق بها منافعهم من الأنوار والأرزاق أو لمن فيها من ~~الملائكة أو لكون العرش قبلة الدعاء وذلك أنه قد علم علما يقينيا ان ~~PageV02P463 # الخلائق انما يقصدون بالرفع الرفع إلى الله لكن تكلم في المقدمة الثانية ~~وهو ان ذلك يدل على علمهم الضروري بأن الذي يطلب منه تحصيل المطالب وتيسير ~~العسير في تلك الجهة بما تقدم ذكره ونحن نتكلم عليه # الوجه التاسع عشر أن الاشارة مع العبارة هي لمن ذكر في العبارة سواء كان ~~ذلك في الجمل الخبرية أو الجمل الطلبية وسواء في ذلك الاشارة بلفظ هذا أو ~~نحوه من الفاظ الاشارة والفاظ الدعاء والنداء وذلك ان المتكلم اذا قال فعل ~~هذا الرجل أو هذا الرجل ينطلق أو اكرم هذا الرجل ونحو ذلك فان العبارة وهي ~~لفظ هذا يطابق ما يشير الله المتكلم ولهذا سمي النحاة هذه أسماء الاشارة ~~وهذه الألفاظ بنفسها لا تعين المراد الا باشارة المتكلم إلى المراد بها ~~ولهذا من سمع هذا وذاك وهؤلاء و أولئك ولم يعرف إلى اي شيء أشار المتكلم لم ~~يفهم المراد بذلك فالدلالة على العين هي بمجموع اللفظ وبالاشارة اذ هذه ~~الألفاظ ليست موضوعة لشيء بعينه وانما هي موضوع لجنس ما يشار اليه وأما ~~تعيين المشار اليه فيكون بالإشارة مع اللفظ كما ان أداة أل التعريف موضوعة ~~لما هو معروف من الأسماء أما كون الشيء معروفا فذاك يجب ان يكون معروفا ~~بغير اللام اما بعلم متقدم أو ذكر ms902 متقدم # وكذلك المعرف بالنداء فان النداء والدعاء من أسباب التعريف فالمنادى ~~المعرفة يكون مفهوما وان كان نكرة كان منصوبا فاذا نادى المنادي رجلا مطلقا ~~قال يا رجلا كقول الأعمى يا رجلا خذ بيدي ومن نادى رجلا بعينه قال يا رجل ~~كقول موسى عليه السلام ثوبي حجر ثوبي حجر وهذا المنادى المعين يشير اليه ~~الداعي المنادي فيقصده بعينه بخلاف المطلق الذي يدل عليه لفظ النكرة كقوله ~~رجلا خذ بيدي فانه هنا لم يشر إلى شيء بعينه فهذا التعريف PageV02P464 # بالنداء انما هو يتعين في الباطن بقصد الداعي وفي الظاهر باشارته ~~والمنادي الداعي ونحوه من ذوي الطلب والاستدعاء أو المخبر المحدث قد يشير ~~اشارة ظاهرة إلى المنادي وغيره من المقصودين اما لتعريف المخاطبين اذا لم ~~يعرفوا المعين الا بذلك مثل من ينادي رجلا بعينه في رجال فيقول يا رجل أو ~~يا هذا أو يا زيد ويكون هناك جماعة اسمهم زيد ولا بد أن يشير اليه اما ~~بتوجيه وجهه نحوه أو بعينه أو براسه أو يده أو غير ذلك وتارة يشير توكيدا ~~وتحقيقا لخطابه وإذا كان متميزا بالاسم ولا يجوز ان يدعو احدا وتكون ~~الاشارة خ إلى غير من دعا فلا يجوز ان يقول يا زيد ويشير إلى غير من قصده ~~أو يا هذا ويشير إلى غير من قصده # فاذا قال الداعي اللهم وأشار برأسه أو عينه أو وجهه أو يده أو أصبعه لم ~~تكن اشارته الا إلى الله الذي دعاه وناداه وناجاه لا إلى غيره اذ المدعو ~~المنادى من شأن الداعي ان يشير اليه وليس هنا من يشير اليه الداعي بقوله ~~اللهم أو يا الله ونحو ذلك الا الله فهو الذي يشير اليه بباطنه وظاهره ~~واشارته اليه بباطنه وظاهره هي قصده وصمده ذلك من معنى كونه صمدا اي يصمد ~~العباد له واليه ببواطنهم وظواهرهم وهو من معنى كونه مقصودا مدعوا معبودا ~~وهو من معنى الهيته فيدعونه ويقصدونه ببواطنهم وظواهرهم فكما لا يجوز ان ~~يكون القصد بالقلب اذا قالوا يا الله لغيره بل هو ms903 المقصود بالباطن فكذلك هو ~~ايضا المقصود بالظاهر اذا قالوا ي الله وأشاروا بظواهرهم بحركة ظاهرة ~~بالاشارة اليه والتوجه نحوه وقصده كحركة بواطنهم بالاشارة اليه والتوجه ~~نحوه وقصده لكن الظاهر تبع للباطن ومكمل له فمن دفع هذه الاشارة اليه فهو ~~كدفع الاشارة اليه بالقلب وذلك دفع لقصده الدافع لدعائه المتضمن لدفع ~~عبادته ولكونه صمدا PageV02P465 # فهؤلاء المعطلة حقيقة قولهم منع أن يكون صمدا مدعوا معبودا مقصودا كما أن ~~حقيقة قولهم منع أن يكون في نفسه حقا صمدا موجودا فقولهم مستلزم لعدم نفسه ~~وتعطيله ولعدم معرفته وعبادته وقصده وان كانوا من وجه آخر يقرون بوجوده ~~وعبادته ودعائه وقصده اذ ليسوا معطلين مطلقا بل جامعين بين الاقرار ~~والانكار والاثبات والنفي ولهذا كان أهل المعرفة بالله متفقين على أنه لا ~~يتم معرفة عبد بربه ويتم قصده له وتوجهه اليه ودعاه له الا باقراره بأنه ~~فوق العالم وأنه باقراره بذلك تثبت الالهية في قلبه ويصير له رب يعبده ~~ويقصده وبدون ذلك لا يبقى قلبه مستقرا مطمئنا إلى اله يعبده ويقصده بل يبقى ~~عنده من الريب والاضطراب ما يجده من جرب قلبه في هذه الأسباب كما قال الشيخ ~~أبو جعفر الهمداني ما قال عارف قط يا الله الا وجد في قلبه ضرورة تطلب ~~العلو لا تلفت يمنة ولا يسرة # وكذلك المخاطب له بمثل قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ هو مثل ~~الداعي بقوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ فان الخطاب كله سواء كان ~~بالأسماء المضمرة منفصلها ومتصلها مرفوعها ومنصوبها ومخفوضها كقوله انت ربي ~~وأنا عبدك وقوله @QB@ إياك نعبد @QE@ وقوله اسلمت نفسي اليك ووجهت وجهي ~~اليك وفوضت امري اليك وقوله خلقتني ورزقتني وقوله نستعينك ونستهديك ~~ونستغفرك # الوجه العشرون أن كون الرب الها معبودا يستلزم أن يكون بجهة من عابده ~~بالضرورة وذلك ان العبادة تتضمن قصد المعبود وارادته وتوجه القلب اليه وهذا ~~امر يحسه الانسان من نفسه في جميع مراداته ومقصوداته ومطلوباته ومحبوباته ~~التي قصدها وأحبها وطلبها دون قصده وحبه وطلبه للآلهة كما قال تعالى @QB@ ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله ms904 أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله @QE@ PageV02P466 # والانسان يحس من نفسه أنه اذا قصد شيئا أو احبه غير نفسه فلا بد وان يكون ~~بجهة منه وانه اذا قيل له اقصد أو اطلب أو اعبد أو احب من لا يكون بجهة منك ~~ولا هو فيك ولا فوقك ولا تحتك ولا أمامك ولا وراءك ولا عن يمينك ولا عن ~~شمالك كان هذا امرا بالممتنع لذاته ليس هو امرا بممكن لا يطيقه والممتنع ~~لذاته يمتنع الأمر الشرعي به باتفاق المسلمين ويكون حقيقة الأمر اعبد من ~~يمتنع ان تعبد واقصد من يمتنع ان تقصد وادع من يمتنع ان يدعى ووجه وجهك إلى ~~من يمتنع التوجه اليه وهذا امر بالجمع بين النقيضين # وقد ذكرنا نظير هذا غير مرة وبينا ان قول الجهمية يستلزم الجمع بين ~~النقيضين وان يكون موجودا معدوما معبودا غير معبود مأمورا بعبادته منهيا ~~عنها فحقيقته امر بعبادة العدم المحض والنفي الصرف وترك عبادة الله سبحانه ~~وهذا رأس الكفر وأصله وهو لازم لهم لزوما لا محيد عنه واذا كان فيه ايمان ~~لا يقصد ذلك لكن الذي ابتدع هذا النفي ابتداءا وهو عالم بلوازمه كان من ~~أعظم المنافقين الزنادقة المعطلين للصانع ولعبادته ودعائه # ولهذا تجد هذا السلب انما يقع كثيرا من متكلمي الجهمية الذين ليس فيهم ~~عبادة لله ولا انابة اليه وتوجه اليه وان صلوا صلوا بقلوب غافة وان دعوه ~~دعوه بقلوب لاهية لا تتحقق قصد المعبود المدعو فانها متى صدقت في العبادة ~~والدعاء اضطرت إلى قصد موجود يكون بجهة منها فتنتقل حينئذ إلى حال عبادة ~~الجهمية فتجعله في كل مكان أو الوجود المطلق ويتوجه بقلبه إلى الجهات الست ~~فبينما كان في نفيه عن الجهات الست صار مثبتا له في الجهات الست وهذا حال ~~الجهمية دائما يترددون بين هذا النفي العام المطلق وهذا الاثبات العام ~~المطلق وهم في كلاهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي امروا بعبادته ~~PageV02P467 # وكل من جرب نفسه وامتحنها من المؤمنين علم من نفسه علما يقينيا ضروريا ~~يجده من ms905 نفسه كما يجد حبه وبغضه ورضاه وغضبه وفرحه وحزنه انه متى صدق في ~~عبادة الله ودعائه والتوجه اليه بقلبه لزم ان يقصده بجهة منه فان كان على ~~فطرته التي فطر عليها أو ممن هو مع ذلك مؤمن بما جاءت به الرسل قصد الجهة ~~العالية وان كان ممن غيرت فطرته قصد الجهات كلها وقصد كل موجود فلهذا قال ~~الشيخ أبو جعفر الهمداني لأبي المعالي ما قال عارف قط ي الله الا وجد من ~~قلبه ضرورة تطلب الجهة العالية لا تلتفت يمنة ولا يسرة # فتبين ان قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ بل وقوله @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم @QE@ لا يصدق في قول ذلك الا من يقر ان الله فوقه ومن لم ~~يقر بذلك يكون فيه نفاق عنده قصد بلا مقصود وعبادة بلا معبود حقيقي وان كان ~~مثبتا له من بعض الوجوه لكن قلبه لا يكون مطمئنا إلى انه يعبده # يوضح ذلك ان عبادة القلب وقصده وتوجهه حركة منه وحركة الانسان بل كل جسم ~~لا يكون الا في جهة اذ الحركة مستلزمة للجهة وتقدير متحرك بلا جهة كتقدير ~~حركة بلا متحرك وهذا مما لا نزاع فيه بين العقلاء لكن غلاة المتفلسفة قد ~~يزعمون ان القلب والروح ليس جسما وانه لا داخل البدن ولا خارجه وهذا معلوم ~~فساده بالحس والعقل والسمع كما قد بيناه في غير هذا الموضع وغلاة المتكلمين ~~يزعمون ان الروح انما هو عرض من اعراض البدن ليست شيئا ينمارق البدن ويقوم ~~بنفسه وهذا ايضا فاسد في الشرع والعقل كما بيناه في غير هذا الموضع واذا ~~عرف فساد القولين علم ان الروح التي فينا جسم يتحرك ثم نقول القلب الذي هو ~~مضغة يحس الانسان من نفسه بصمود وارتفاعه إلى فوق عند اضطراره إلى الله ~~تعالى PageV02P468 # الوجه الحادي والعشرون قوله في نهايته الاشارة إلى فوق سببها الالف ~~والعادة وجريان الناس على ذلك وقد ذكر مستند هذه العادة أنه مستند فاسد # يقال هذه المقدمة تقرر بوجوه # احدها ان ذلك يستلزم علما ضروريا بأن مدعوهم فوق كما ms906 تقدم من انهم يجدون ~~هذا العلم الفطري الضروري وانهم يخبرون بألسنتهم انهم يجدونه وان افعالهم ~~واقوالهم تدل على انهم يجدونه وهذا العلم يلزم نفوسهم لزوما لا يمكنهم ~~الانفكاك عنه اعظم من لزوم العلم الضروري بالأمور الحسابية والطبيعية مثل ~~كون الواحد ثلث الثلاثة وان الجسم لا يجتمع في مكانين وذلك ان ذلك علم مجرد ~~ليسوا مضطرين اليه بل قد لا يخطر ذلك ببال احدهم وأما هذا العلم فهم مع ~~كونهم مضطرين اليه هم مضطرون إلى موجبه ومقتضاه وهو الدعاء والسؤال والذل ~~والخضوع للمدعو المعبود الذي هو فوق فهم مضطرون إلى العلم والى العمل الذي ~~يتبع هذا العلم وهو السؤال والطلب وان كان فيهم من يكون عند ظنه الاستغناء ~~ويحمله الاستكبار على الأعراض عن هذا العلم والاعتراف والطلب والارادة ~~والدعاء أو يحمله عليه اعتقاد فاسد أو عادة فاسدة فهذا لا يخرجه عن ان يكون ~~ضروريا فان هذا من اعظم السفسطة التي يدعو اليها أهل التقليد للآباء وطلب ~~العلو والفساد في الأرض ومن المعلوم انه مع قوة الصارف المعارض للداعي لا ~~يكون حاله كحال الداعي الذي لم يعارضه صارف # وما ذكر من مبادىء العلم الحسابي والطبيعي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين ~~وان الجسم لا يكون في مكانين ونحو ذلك ليس الداعي إلى هذا العلم قويا في ~~النفوس ولا الصارف عنه قويا في النفس ولهذا تجد عامة من يصير هذا العلم ~~PageV02P469 # قائما بنفسه من عنده نوع نظر وبحث فيما يتعلق بذلك وتجد الحاجة لمثل هذا ~~النوع فساد خاص في عقله أو غرض خاص وأما العلم الالهي فهو أجل واشرف فانه ~~ضروري لبني آدم علما وارادة فطروا على ذلك موجود هذا العلم والأرادة ~~الضروريتين في أنفسهم اكثر وأكثر من وجود ذلك والمعارض لهذا لا بد وأن يكون ~~قويا اما اعتقاد فاسد كاعتقاد الجهمية المتأولين الذين لم يكابروا العقل ~~وليس لهم غرض في خلاف الدين واما ارادة فاسدة قوية كارادة فرعون وقومه ~~الذين قال الله فيهم @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر ~~كيف كان عاقبة ms907 المفسدين @QE@ وقال له موسى @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ~~رب السماوات والأرض بصائر @QE@ وهذه الارادة الفاسدة هي الهوى الذي يصد عن ~~معرفة الحق وهو مرض في القلب يمنعه ما فطر عليه من صحة الادراك والحركة كما ~~يمنع مرض العين ما فطرت عليه من صحة الادراك والحركة وكذلك المرض في سائر ~~الأعضاء فهؤلاء الذين لا يجدون في انفسهم علما ضروريا وقصدا ضروريا لمن هو ~~فوق العالم قد مرضت قلوبهم وفسدت فطرتهم ففسد احساسهم الباطن كما يفسد ~~الاحساس الظاهر مثل المرة التي تفسد الذوق والحول والعشي الذي يفسد البصر ~~وغير ذلك ولهذا انما يكون الاعتبار في هذا بذوي الفطر السليمة من الفساد ~~والاحالة # فان قيل قد تكرر ما ذكرتموه من كون الناس مضطرين إلى الاقرار بأن صانع ~~العالم فوق ولا ريب ان هذا قد قاله طوائف كثيرة من أهل الكلام والحديث ~~والفقه والتصوف وهو من أشهر حججهم وادلتهم عند خاصتهم وعامتهم لكن هذا ~~مستلزم أن يكون الاقرار بالصانع فطريا ضروريا فانه اذا كان الاقرار بعلوه ~~فطريا ضرويا فالاقرار به نفسه اولى ان يكون فطريا ضروريا لان العلم ~~بالموصوف لا يجوز أن يتأخر عن العلم بالصفة خ والعلم بالقضية المرادية ~~PageV02P470 # لا يجوز ان يتأخر عن العلم بفردها فاذا كان العلم بمضمون قولنا هو فوق ~~علما ضروريا فالعلم به وبمعنى فوق أولى أن يكون ضروريا وليس الأمر كذلك فان ~~الأقرار بالصانع انما هو معلو بالنظر والاستدلال كا هو مشهور عند العلماء ~~النظار ولهذا تنازعوا في اول الواجبات هل العل نفسه أو النظر المفضي اليه ~~على قولين وان كان النزاع قد يقال انه لفظي لكون العلم واجبا لنفسه والنظر ~~واجبا وجوب الوسائل التي تجب لغيرها وهذا نزاع مشهور في عامة الطوائف وهو ~~قولان لاصحاب الامام أحمد وغيرهم # قيل له من الناس من قد يقول في مثل هذا أن العلم بالتصديق والقضية ~~المؤلفة اذا كان بديهيا ضروريا فقد يكون ذلك لكون تصور المفردين بديهيا ~~وهذا هو البديهي تصورا وتصديقا وقد يكون تصور المفردين كسبيا نظريا ms908 ولكن ~~بعد حصول تصورهما يكون العلم بنسبة احدهما إلى الأخر بديهيا ضروريا لا ~~يفتقر إلى وسط بينهما يكون دليلا على المطلوب واذا كان كذلك لم يجب اذا كان ~~العلم بأنه فوق بديهي ضروري أن يكون العلم بمعناه وبمعنى فوق بديهيا ضروريا ~~لكن هذا القول لم يجب به لأن القائلين بأن العلم بهذا بديهي ضروري قالوا ~~انه فطري لبني آدم بدون نظر قياسي يكون سابقا على هذا العلم فهم جعلوه من ~~الفطري الضروري البديهي المطلق # ولأن البديهي للتصديق دون التصور انما يقف على ما يحصل به تصور المفردين ~~لا يقف على ما يحصل به وجود المفردين في الخارج فهب أن العلم بمسمى اسم ~~الله فطري لكن العلم بوجوده هو أيضا علم بتصديق كالعلم بعلوه ولأن دعوى كون ~~التصور مطلوبا يعلم بالحدود باطل كما بيناه في غير هذا الموضع PageV02P471 # وبيتا ان الحدود لا تفيد الا لتمييز بين المحدود وغيره لا تفيد المستمع ~~تصور ما لم يتصوره بدونها وأن التصورات لو لم تعلم الا بالحدود لأفضى إلى ~~الدور ولأن الحاد يجب أن يتصور المحدود قبل أن يحده وان الحد من باب ~~الاقوال والعبارة والقول لا يفيد المستمع ان لم يكن متصورا لمفردات الكلام ~~قبل ذلك بنفسها أو بنظيرها اذ العلم بالمعنى الذي قصده المخاطب يفتقر إلى ~~العلم بأن اللفظ دال على المعنى موضوع له والعلم بكون اللفظ موضوعا للمعنى ~~يقف على العلم بالمعنى وباللفظ فلا يجوز ان يكون تصور ذلك المعنى مستفادا ~~من اللفظ الذي لا يدل الا بعد أن يعلم المعنى وأن اللفظ موضوع له ودال عليه ~~ولان المعرف للمفرد بالقول اما أن يعرفه بلفظ مفرد مطابق له وهو الاسم أو ~~يعرفه بذكر صفة مخصوصة به ولفظ تلك الصفة بمنزلة الاسم في العموم والخصوص ~~كالناطق والانسان واما أن يعرفه بذكر الخاص بعد العام فتصور العام وشموله ~~لتلك الأفراد مسبوق بتصور تلك الأفراد فلو كان تصور تلك الأفراد مستفادا من ~~العام لزم الدور اذ علم المتكلم والمستمع بأن الانسان حيوان مسبوق بتصور ~~الانسان ms909 والحيوان اذ لا يعلم أن الانسان حيوان الا من يعلم الانسان ولا ~~يعلم ان الحيوان جسم الا من يعلم الحيوان والجسم فلو كانت معرفة الانسان لا ~~تستفاد الا بعد معرفة الحيوان ومعرفة الحيوان لا تعلم الا بعد معرفة ~~مفرداته التي يوصف بها لزم الدور وذلك أن الأجناس الكلية لا وجود لها كلية ~~الا في الأذهان والذهن انما يجردها اذا أحس بها معينة موجودة مشخصة في ~~الخارج لكن يقال انه قد ينتزعها من بعض الأعيان مثل ان يتصور الحيوان من ~~جهة معرفته بالفرس ولا يتصور كون الانسان هو أيضا كذلك فيقال له ذلك المعنى ~~الذي يوصف به الفرس يكون نظيره للأمر الذي يحد لك وهو الانسان لكن هذا أيضا ~~يلزم الدور فانه ليس علم الانسان بانطباق بعض الانواع بأنه حيوان أولي من ~~العلم بانصاف النوع الآخر به PageV02P472 # وأهل هذه الحدود لا يقولون المحدود هو نوع الانسان دون الفرس ولا بالعكس ~~بل الحدود لهذه الأنواع كلها سواء بل علم الانسان عندهم بنفسه وبنوعه ~~وبصفاته هي عنده اسبق واظهر من علمه بصفات غيره ن الأنواع وبالجملة فليس ~~موضع هذا وانما المقصود هنا أنا لا نجيب بذلك الجواب بل نقول هب أن العلم ~~بأنه فوق اذا كان فطريا ضرويا أولى فأي محذور في ذلك # قوله المشهور عند النظار أن العلم بالصانع انما يحصل بالنظر والاستدلال ~~وهو ترتيب الأقيسة العقلية # يقال له ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا ائمتها ولا قاله أحد من ~~الأنبياء والمرسلين ولا هو قول كل المتكلمين ولا غالبهم بل هذا قول محدث في ~~الاسلام ابتدعه متكلمو المعتزلة ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة ~~وأئمتها على ذمهم وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة والشيعة ~~وغيرهم وقالوا بل الاقرار بالصانع فطري ضروري بديهي لا يجب ان يتوقف على ~~النظر والاستدلال بل قد يقولون يمتنع ان يحصل بالقياس والنظر وهذا قول ~~جماهير الفقهاء والصوفية واهل الحديث والعامة وغيرهم بل قد اتفق سلف الأمة ~~وأئمتها على ان معرفة الله ms910 والاقرار به لا يقف على هذه الطرق التي يذكرها ~~اهل طريقة النظر بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة فضلا عن أن يكون ~~الله لا يقر به مقر ولا يعرفه عارف الا بالطريقة المشهورة له من اثبات حدوث ~~العالم بحدوث صفاته مع دعواهم أن الله لا يعرف الا بهذه الطريقة وهذه مسألة ~~عظيمة ليس هذا موضع بسطها وقد بسطناها في غير هذا الموضع # وياق ان أصل المعرفة والاقرار بالصانع لا يقف على النظر والاستدلال بل ~~يحصل بديهة وضرورة ولهذا يقر بالصانع جميع الأمم مع عظيم شركهم PageV02P473 # وكفرهم وأنهم لا يسلكون من هذه الطرق المشهورة عند النظار مثل الاستدلال ~~بالحدوث على المحدث وبالامكان على الواجب ولهذا يوجد له عند كل أمة اسم ~~يسمونه والتسمية مسبوقة بالتصور فلا يسمى أحد الا ما عرفه ثم المستمع لذلك ~~الاسم يقبل بفطرته ثبوت المسمى به من غير طلب حجة على وجوده ويكون قبولها ~~لذلك كقبولها لأسماء سائر ما أدركه بحسه وعقله مثل الشمس والقمر والواحد ~~والاثنين بل هذا أكمل واشرف ودلائل هذا كثيرة ليس هذا موضعها # ومع هذا فالطرق النظرية تفيد العلم والمعرفة ولا منافاة بين كون الشيء ~~يعلم بالبديهة والضرورة ويكون عليه أدلة وهي نوعان # احدهما الآيات كما يذكر الله ذلك في القرآن والآية هي دليل عليه بعينه لا ~~تدل على قدر مشترك بينه وبين غيره منفس الكائنات وما فيها وهو عين وجودها ~~في الخارج مستلزم لوجود الرب وهو آية له ودليل عليه وشاهد بوجوده بعينه لا ~~قدر مشترك بينه وبين غيره # الثاني ضرب الأمثال والقياس وهو نوعان أحدهما قياس الأولى والأخرى فهذا ~~أيضا مما يذكره الله في القرآن لكن عامة ما يستعمل هذا في صفاته كاثبات ~~وحدانيته في الهيته وقدرته ونحو ذلك # والثاني الأقيسة المطلقة اقيسة الشمول المنطقية واقيسة التمثيل وهذه التي ~~يسلكها هؤلاء النظار المتكلمون من المتفسلفة ومتكلمي أهل الملل وهي اضعف ~~الطرق وأقلها فائدة وطريقة المتكلمين أجود فانهم يثبتون بها ان للعالم ~~محدثا وأما المتفلسفة فما يثبتون أولا الا وجودا ms911 واجبا ليس فيه انه صانع ~~العالم ولا باريه ثم ان كلا من الصنفين لا بد أن يستعمل طريقته قضية كلية ~~مثل PageV02P474 # قول أولئك العالم محدث أو العالم فيه حوادث من جواهر وصفات وغير ذلك وكل ~~محدث فلا بد له من محدث فان هذه قضية كلية وهي مع كونها معلومة بالبديهة ~~والضرورة فقد يثبتها كثير من المعتزلة بقياس التمثيل وهو القياس على محدثات ~~الآدمي من الدور والبنيان # ومن المعلوم أن علم الانسان بأن كل محدث لا بد له من محدث هو علم يندرج ~~فيه أن هذا المحدث لا بد له من محدث وهذا المحدث لا بد له من محدث ومن ~~المعلوم أن علمه بهذه الأفراد المعينة أسبق إلى حسه وعقله من علمه بهذه ~~القضية الكلية العامة كما في نظائر ذلك كما أن علمه هذا الانسان يحس ويلتذ ~~ويتألم قبل علمه بأن كل انسان يحس ويلتذ ويتألم اذ الأمور الموجودة الحسية ~~يكون العلم بها قبل أن يعقل عامة كلية واذا كان كذلك فعلم الانسان بأن هذا ~~المحدث الذي علم حدوثه كما يشهده من الحوادث أو يعلم حدوثه بدليل أو قياس ~~علمه بأن هذا المحدث لا بد له من محدث لا يحتاج إلى أن يعلم قبل ذلك أن كل ~~محدث فلا بد له من محدث فلا يحتاج في العلم بالمحدث إلى هذه القضية الكلية ~~والقياس المشتمل عليها وان كان ذلك أيضا من جملة الأقيسة والأمثال المضروبة ~~التي يثبت بها ذلك لكن ينبغي أن يكون على وجه أالأولى بأن يقال اذا كان هذا ~~المحدث الصغير لا بدل له محدث فهذا المحدث الكبير أولى # وأيضا فنحن لم نشهد محدثا تاما مطلقا اذ لا محدث تام على الحقيقة الا ~~الله سبحانه فظن من ظن من المعتزلة أنه انما يعرف ان المحدث يفتقر إلى محدث ~~الا بالقياس على احداث الآدميين غلط وذلك أن حكم الاصل أضعف من حكم الفرع ~~فان الانسان وان زعموا انه يحدث تصرفاته فلا ريب انه يفتقر فيما يبنيه ~~وينسجه إلى آلة خارجة عن ms912 قدرته فليس هو نظير حكم الفرع بل يستعمل قياس ~~الأولى ليعلم ان حكم الفرع أقوى وأحق PageV02P475 # وكذلك قول القائل ان الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر الا بمرجح قضية ~~كلية مضمونها أن جميع الممكنات وهي التي لا تستحق بنفسها الوجود ولا يمتنع ~~عليها العدم فلا تكون موجوده الا بمرجح لكن العلم بها ليس باسبق ولا بأظهر ~~من العلم بافرادها فان الانسان متى تصور أن الشيء الفلاني لا يستحق الوجود ~~في نفسه ولا يمتنع أن ذلك الشيء الفلاني لا يوجد بنفسه بل نفس تصور الممكن ~~يوجب هذا العلم فانه اذا قيل الشيء يجوز وجوده من غيره والشان انما هو في ~~تعيين الأمور التي هي ممكنة وهذا قد يعلم بالحدوث المشهود أو المستدل عليه ~~فتكون طريقتهم تابعة لطريقة الأولين واما علم ذلك بغير هذه الطريق ففيها من ~~الخفاء والنزاع ما ليس هذا موضعه # ولهذا كثر في هؤلاء من يجحد الصانع مع اقراره بوجود واجب ثم مع ذلك ~~فأؤلئك انما يستفيدون بطريقهم العلم بالقدر المشترك بينه وبين سائر ~~المحدثين اذ القضية الكلية لا تدل الا على القدر المشترك فيكونوا قد علموا ~~من احداثه ما علموه من احداث سائر الحيوانات حتى البعوضة ومعلوم أن هذا علم ~~قليل نزر بما يستحقه الرب ولم يعلموا من احداث ربهم الا ما اشركوا به فيه ~~جميع الحيوانات فيكونون أبعد عن معرفة الله تعالى من المشركين الذين قال ~~فيهم @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ # ونحن نعلم أن المحدث تعظم قدرته وفعله الأمر المحدث كما يعلم أن باني ~~الدار العظيمة وناسج الثوب العظيم اعظم من باني الدار الصغيرة وناسج الثوب ~~الصغير لكن القضية الكلية التي ذكروها تفيد أنه أعظم من سائر المحدثين ~~PageV02P476 بقدر عظمة العالم على جميع مصنوعات اولئك وهذا بعض ما يستحقه ~~الرب من التعظيم وعدم المماثلة لكن نفس الاحداث ايضا فيه من التفاوت اعظم ~~من هذا التفاوت فما احدثه الرب وان كان اعظم فنفس احداثه ايضا اعظم وهو ليس ~~من جنس احداث المخلوقين وما ذكروه ms913 من القياس لا يفيد هذا الا بدليل آخر اذ ~~القضية الكلية لا تدل الا على القدر المشترك ثم قياسهم يدل على ذات ما ~~موصوفة بهذاه الاحداث # ففي الجملة ليس في هذا القياس علم بخصوص الربوبية ولهذا كان ما ورد به ~~القرآن من كونه رب العالمين وخالق كل شيء ونحو ذلك له من الربوبية على هذا ~~ما لم يتسع هذا الموضع لذكره اذ غيره ليس ربا مطلقا ولا خالقا مطلقا ايضا ~~فكان ما اثبته له من فعل العالم أثبته على الوجه المختص به لم يثبته باسم ~~لا يفيد الا القدر المشترك كما فعله هؤلاء الذين قاسوا احداثه على احداثهم ~~وأما الآخرون فانما يستفيدون الاقرار بوجود واجب الوجود قدرمشترك بينه وبين ~~سائر الموجودات فكان معلوم هذا أبعد عن معرفة الله وما يخصه من معلوم اولئك ~~اذ كونه محدثا فيه تعرض لربوبيته وفعله وان كانوا قد اشركوا بينه وبين ~~الحيوانات وأما هؤلاء فانهم اشركوا بينه وبين سائر الموجودات باثبات وجوده ~~ثم تمييزه بكون وجوده واجبا كتميز أولئك بأنه محدث العالم ولا ريب أن تمييز ~~هؤلاء اجود فان كونه محدث العالم مستلزم غناه ووجوده بنفسه وأما العلم ~~بمجرد كونه موجودا بنفسه فلا يفيد العلم بأنه صانع العالم ولا بأنه رب ~~السموات والأرض ولا يفيد أيضا العلم بمغايرته لشيء من الموجودات التي لم ~~يعلم حدوثها اذ كون وجوده واجبا لا ينفي بنفسه أن يكون بعض الذوات التي ~~ليست محدثة ثم اذا قرروا أن الاجسام كلها ممكنة أو أن السموات والأرض كلها ~~ممكنة وواجب الوجود غيرها أو قرروا أن واجب الوجود PageV02P477 # لا يكون اثنين لم يستفيدوا بذلك الا مجرد ان الوجود المشترك بينه وبين ~~غيره وجد بنفسه ولم يحتج إلى فاعل فيكونون قد مثلوه بسائر الموجودات ولكن ~~فرقوا بينه وبينها بالغنى عن الغير فقط وهذا الوصف قد يزعمون انه عدمي وقد ~~يزعمون أنه اضافي وعلى هذين التقديرين فلا يكونون اثبتوا لرب العالمين الا ~~ما أثبتوه لسائر الموجودات وهذا يجمع كل شرك في العالمين وان زعموا أنه ms914 ~~ثبوتي نقضوا ما أثبتوه وحده واجب الوجود بحيث اثبتوا لواجب الوجود امرين ~~ثبوتيين وهذا باب واسع يطول الكلام فيه # فظهر أن قيستهم قد يستغنى عنها كما قد يتفطن بها بعض الناس لما كان ذاهلا ~~عنه لكن مع امكان ان يتفطن بدونها ومع ذلك فلا تفيد المعرفة الضرورية التي ~~تحصل بالفطرة أو بالآيات أو بقياس الأولى فضلا عن أن تفيد المعرفة التي ~~تحصل بعد ذلك بالشرعة لكن تفيد نوعا من المعرفة الفاجرة وتبطل ما يقابل ذلك ~~من النكرة والجهل والكفر فتثبت شيئا من الاقرار بالصانع وتمنع شيئا من ~~الانكار له وأما أن تفيد ما تفيده الآيات المشهوده والمسموعة وما في ضمن ~~ذلك من الأمثال المضروبة التي مبناها على ألأولوية # وقد نقلوا عن أساطين الفلاسفة القدماء انهم قالوا العلم الالهي لا سبيل ~~فيه إلى اليقين وانما نتكلم بالأولى والأخلق والأحرى وحملوا ذلك على أنهم ~~ارادوا انه ليس فيه الا الظن الغالب فان كانوا ارادوا هذا فناهيك بهذا ~~الافلاس من معرفة الله تعالى ولكن يحتمل أنهم ارادوا أن اليقين الذي يستفاد ~~بالمقاييس الشمولية والتمثيلية المستعملة في الموجودات لا توجد في حق الله ~~تعالى لكن هؤلاء احق واولى واحرى بما يثبت من صفات الكمال وبما ينفي من ~~صفات النقص PageV02P478 # ومعلوم ان ذلك الرجحان والفضل غير معلوم قدره ووصفه بالقياس فحينئذ لا ~~لنا سبيل إلى اليقين بالحقيقة التي دل عليها القياس العقلي فهذا ان أرادوه ~~فهو جيد لهم ومن قال ذلك فقد قال الحق واعطى النظر القياسي حقه اذ لا يمكن ~~به في معرفة الربوبية غير هذا أو هو معرفة مجملة غير مفصلة # وبكل حال فقد لا يحتاج إلى هذه الطرق النظرية استغني عنها بالفطرة ~~البديهية الضرورية عاما وخاصا وبالآيات المشهودة والمسموعة وعلم جماهير ~~الخلق من هذا الباب وهو اثبت وأرسخ من علم أؤلئك فان أولئك عندهم من الشك ~~والارتياب وأنواع التلون والاضطراب مالا يوجد عند عامة هؤلاء فضلا عمن كان ~~من ذوي الالباب والآيات لا يحتاج فيها إلى القياس كما أن الشعاع آية على ms915 ~~الشمس وليس ذلك بقياس الشمس على غيرها من المؤثرات وبقياس الشعاع على غيره ~~من الآثار بل عند الناس علم فطري بالحس والعقل أن نفس الشعاع مستلزم للشمس ~~على وجه لا يشرك الشمس في ذلك غيرها وما من مخلوق الا وهو نفسه آية على ~~خالقه على وجه لا يشركه فيه غيره كما قيل % وفي كل شيء له آية % تدل على ~~أنه واحد % $ # لكن الكلام في هذا يحتاج إلى بسط طويل ليس هذا موضعه # وانما الغرض التنبيه على أن ما ذكره اهل الاثبات من اقرار العباد بفطرهم ~~أن ربهم فوقهم اذا كان مستلزما لاقرارهم بربهم بفطرهم وان الاقرار به فطري ~~فليس في لزوم ذلك شيء من الاستبعاد اذ على القول بذلك جماهير اصناف العباد ~~وانما يستبعد ذلك من غير متبدعة المتكلمين فطرته وسلكوا به في مسالكهم ~~الحرجة الضيقة وأوهموه أنهم العارفون بالحجة والدليل دون الأولين والآخرين ~~من كل صنف وجيل وهذا كما تزعمه القرامطة الباطنية انهم خلاصة أهل ~~PageV02P479 # المعرفة والتحقيق دون من لم يسلك هذه الطريق ويزعم الاتحادية انهم خلاصة ~~الخاصة من أهل الله دون سائر عباد الله ويزعم الرافضة انهم هم أولياء الله ~~المتقون فدعاوى هؤلاء المتكلمين ودعاوي الرافضة والاتحادية والقرامطة ~~والباطنية هي من دعاوي شر البرية فالحمد لله الذي هدانا بالاسلام ومن علينا ~~بالقرآن وارسل الينا رسولا من انفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا ~~الكتاب والحكمة ة وان كنا من قبل لفي ضلال مبين # والله سبحانه فطر عباده على شيئين اقرار قلوبهم به علما وعلى محبته ~~والخضوع له عملا وعبادة واستعانة فهم مفطرون على العلم به والعمل له وهو ~~الاسلام الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة ~~وفي رواية على هذه الفطرة وفي الصحيحين عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # ما من مولود الا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم ms916 يقول أبو هريرة ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ~~واخرجاه من حديث همام عن أبي هيريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # قال من يولد يولد على هذه الفطرة فابواه يهودانه أو ينصرانه كما تنتجون ~~الابل هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها قالوا يا رسول الله ~~أرأيت من يموت صغيرا قال الله اعلم بما كانوا عاملين وروي البخاري من حديث ~~شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال نصلي على كل مولود يتوفى وان كان لعنة من ~~أجل أنه ولد على فطرة الاسلام يدعي أبواه الاسلام أو أبوه خاصة وان كانت ~~أمه على غير الاسلام واذا استهل صارخا ولا نصلى على من لم يستهل من أجل انه ~~سقط فان أبا هريرة كان يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مولود ~~الا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه PageV02P480 # أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيتمه جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم ~~يقول أبو هريرة فطرة الله التي فطر الناس عليها أخرجه البخاري من هذا الوجه ~~وان كان منقطعا لما فيه من كلام الزهري الذي فيه تفسير الحديث بأنه على ~~فطرة الاسلام والبخاري قد أخرجه متصلا من حديث يونس عن الزهري عن أبي هريرة ~~كما تقدم وأخرجه مسلم من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بنحوه ~~وفي آخره ثم يقول أبو هريرة اقرؤا ان شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~وأخرجه مسلم من حديث الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما من مولود الا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويشركانه فقال رجل يا رسول الله أرأيت لو مات قبل ذلك قال الله ~~أعلم بما كانوا عاملين وفي رواية ابن نمير عن الأعمش # ما من مولود يولد الا وهو على الملة وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش # الا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه ms917 لفظ ابن أبي شيبة عنه ولفظ أبي ~~كريب عن أبي معاوية ليس من مولود ولد الا على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه ~~ورواه مسلم من حديث الدراوردي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي ~~هريرة # قال كل انسان تلده أمه على الفطرة وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فان ~~كانا مسلمين فمسلم كل انسان تلده امه يلكزه الشيطان في حضنيه الا مريم ~~وابنها # وأعلم أن المتكلمين يحكون هذا القول عمن يذكرونه من أهل الحديث وأهل ~~الكلام لكن يزعمون أن الأكثرين على قولهم بأن الاقرار بالصانع نظري ونقلهم ~~ذلك بحسب ما يحكونه كما نقل هذا الرازي عن أكثر أهل التوحيد انكار أن يكون ~~الله فوق العرش ونقل عن اكثر المسلمين انكار PageV02P481 # النفس وأنه لا يعاد الا البدن بل ذكر من نقل اجماع الصحابة على أن الله ~~يغنى جميع الأجسام ولم يجزم بنفي ذلك وأمثال هذه النقول التي ينقلونها بحسب ~~ما عندهم # واعجب من ذلك أن كثيرا منهم يظن أن هذا مما لا خلاف فيه بل القول بأن ~~معرفة الله التي هي الاقرار بالصانع لا تحصل الا بالنظر متفق عليه بين ~~النظار فاذا ذكر له أن في ذلك خلافا بين أهل الكلام بعضهم مع بعض تعجب من ~~ذلك وذلك لأن من سلك طريقة من هذه الطرائق لا يكاد يعرف غيرها فلهذا تجد في ~~كتب أهل الكلام مما يدل على غاية الجهل بما قاله الرسول والصحابة والتابعون ~~وأئمة الاسلام مما يوجب أن يقال كأن هؤلاء نشؤوا في غير ديار الاسلام ولا ~~ريب أنهم نشؤا بين من لم يعرف العلوم الاسلامية حتى صار المعروف عندهم ~~منكرا والمنكر معروفا ولبسهم فتن ربي فيها الصغير وهرم فيها الكبير وبدلت ~~السنة بالبدعة والحق بالباطل # ولهذا أنا أنقل من مقالات كبارهم حكاية الخلاف في ذلك ليستأنس بذلك من ~~يعتمد على نقلهم وان كان في ذلك النقل من التحريف ما فيه كما ذكره الاستاذ ~~أبو اسحاق الاسفرائيني في بيان ما يدرك عقلا وما لا يدرك عقلا قال قال أهل ms918 ~~الحق العلم والعقل واحد واختلاف الناس في العقول لكثرة العلوم وقلتها واذا ~~كمل عقل الانسان وسلم من الآفة أمكنه الاستدلال بما وجد من الأفعال على ~~حدوث العالم اذ في مجرد العقول ادلة عليه وعلى افتقاره إلى محدث احدثه ~~وفيها أدلة على قدم محدثه وأوصافه التي تدل عليها أفعاله وما يجوز منه ~~ويستحيل عليه ونفي ما يدل على حدوثه عنه وجواز وصفه بالقدرة عليه وغير ذلك ~~من المسائل التي لا تتعلق بحقيقة شرع يرد فيه فان لصانع العالم أن يبعث ~~الرسل ويأمر الخلق بالشرائع تعبدا وله أن لا يبعثهم ولا يكلفهم استغناءا ~~PageV02P482 # وليس في العقول بمجردها أدلة على تغيير الشرائع وايجاب العادات وكيفية ~~العقود قال وعلى ذلك أكثر أهل القبلة الا في قولهم ان له سبحانه أن لا يبعث ~~الرسل فانه تحيله القدرية أو بعضهم على تفصيل له رمزنا اليه كما تقدم # قال فزعمت طائفة من مقلدي أصحاب الحديث وفرقة من نظارهم وجماعة من ~~المعتزلة أن المعرفة بالمحدث وحاجته إلى المحدث من طريق الضرورة وورود ~~الرسول بايجاب الاقرار وبيان الشرائع وقال جمهور أهل الحق ان المعرفة من ~~طريق الدلالة قالوا وفي العقل دليل على أنه لا يجب على العاقل الاستدلال ~~عليه ولا يجب شكر الخالق قبل الشرع ولا يجب ترك الظلم من جهة الصانع على ~~معنى أنه يستحق منه العقوبة أو اللوم قال وزعمت القدرية أن الاستدلال على ~~حدوث العالم وقدم الصانع صانعه وأوصافه والشكر له بعد معرفته وترك الظلم من ~~جهته واجب عليه بمجرد فعله ووردت الرسل بتأكيد ما فيه إلى ما في عقله ~~ايجابه وربما يكون ورود الشرع لطفا لبعضهم لكون الايمان عنده وذكر تمام ~~الكلام # قلت فقد ظهر بذلك أن مراده بأهل الحق هم أصحابه وكذلك عادة أبي المعالي ~~اذا قال قال أهل الحق فهم أصحابه وهذا مما يقوله كثير من الناس في خطابه ~~وهو من باب اخبار الرجل عن اعتقاده اذ كل أحد يمكنه أن يقول عن طائفته ذلك ~~يعرفهم بهذا التعريف والغرض أنما ذكره من أن ms919 المعرفة من طريق الدلالة ذكره ~~عن جمهورهم لا عن جمهور المسلمين وأما قوله ابتداءا على هذا أكثر أهل ~~القبلة فانه يعني به عن المتكلمين الذين هم عنده علماء أهل القبلة كاصحابه ~~المعتزلة ونحوهم وان لم يحمل على ذلك والا كان كذبا صريحا فان هذا الكلام ~~الذي ذكره لا يقدر هو ولا غيره أن ينقله لا بلفظه ولا بمعناه عن امام من ~~أئمة المسلمين لا أئمة العلم ولا أئمة العبادة ولا عن أحد من سلف الأمة ~~PageV02P483 # ولا عن أحد له في الأمة لسان صدق عام بل كلام هؤلاء كله صريح في انكار ما ~~أوجبه هؤلاء وجعلوه طريقة المعرفة حتى الأشعري بنفسه قد ذكر اجماع السلف ~~على ذلك كما في رسالته إلى أهل الثغر بيان الأبواب كما قد حكينا لفظه عند ~~احتجاج المنازع بالحركة ونحوها كما تقدم # نقول الوجه الثاني في تقرير المقدمة المذكورة أن يقال اجماع المسلمين حجة ~~فكيف باجماع جميع الأمم من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين وغيرهم فمن ~~اعتقد ان الأمم المختلفة الملل والأجناس اذا اجتمعت على مثل هذا الأمر من ~~غير أن يجمعها عليه جامع خاص تكون مخطئة فلا ريب أنه مع كونه قد قدح في ~~اجماع المسلمين مصاب في عقله كما هو مصاب في دينه حيث جوز أن يكون الأولون ~~والآخرون مخطئين وهو المصيب وصار هذا بمنزلة ان يخبر جميع الناس بأنهم رأوا ~~الهلال ويقول بعض الناس ان حسهم غلط ولا هلال هناك أو يخبر جميع الناس ~~برؤية شيء من الكواكب أو سماع شيء من الأصوات أو ذوق شيء من المطعومات ~~ويطعن طاعن فيما يخبر به أصناف الأمم من ذلك فان هذا من اعظم السفسطة وفساد ~~العقل الوجه الثالث أن من المجمعين على ذلك الأنبياء صلوات الله عليهم ~~أجمعين فانه قد تواتر عنهم رفع الأيدي في الدعاء فان كان مستند ذلك عادة ~~فاسدة أصلها اعتقاد فاسد كان الأنبياء قد وافقوا الناس على الدين الفاسد ~~والاعتقاد الفاسد في الله تعالى وهذا من أعظم الكفر # الوجه الرابع أن القدح في ms920 هذا مستلزم القدح في جميع العلوم والمعارف فانه ~~اذا جوز ان يكون الناس كلهم مخطئين فيما يجدونه في قلوبهم من هذه المعرفة ~~والقصد الضروريين كان القدح في سائر العلوم الضرورية أولى وحينئذ فيبطل ~~جميع PageV02P484 # ما يقوله المتكلمون من القدح في هذا والانتصار لضده اذ غايتهم أن يبنو ~~ذلك على مقدمات ضرورية # الوجه الثالث والعشرون ان يقال لا نسلم أن سبب اشارة الناس إلى فوق فوق ~~هو ما ذكره ولم يذكر على ذلك حجة بل ادعاه دعوى مجردة فقال سبب ذلك الالف ~~والعادة فانهم ما شاهدوا عالما قادرا حيا الا جسما فيسبق إلى الوهم ان من ~~يدعا عالما قادرا حيا على ما يشاهده عليه الأحياء القادرين ويتبع ذلك أنه ~~في مكان ولأن العلو اشرف فيسبق إلى وهم الداعي ان من يعتقد عظمته اذا كان ~~في جهة وجب ان يكون في جهة العلو فمسبب هذه الأمور وأمثالها وقعت الاشارة ~~إلى السماء ثم ان الاخلاف أخذوا ذلك عن الأسلاف مع مشاركتهم لهم في هذا ~~التخيل فظهر أن سبب ذلك الالف ولا يكون صوابا # فيقال له هذا الذي قلته مجرد دعوى لم تذكر عليه حجة وما ذكرته من التمثيل ~~بالأسود والعربية انما غايته تجويز ان يكون للانسان اعتقاد غير مطابق سببه ~~ذلك فلم قلت ان هذا من ذاك وهذا بمنزلة أن يقال هؤلاء غلطوا في وجدهم طعم ~~هذه الفاكهة مرا لأن المرور يجد طعم الحلو مرا أو غلطوا في رؤيتهم لهذين ~~الشخصين لأن الأحول يرى الواحد اثنين فيقال له هب أن الحس يغلط لفساد يعرض ~~له فلم قلت ان حس هؤلاء مع كثرتهم قد غلط لفساد عرض له واعجب من ذلك قوله ~~فظهر أن سبب ذلك الالف ولم يظهر شيئا من ذلك الا أنه ظهر أنه ادعى ذلك ~~وظهور كونه ادعاه غير ظهور صحة دعواه # الوجه الرابع والعشرون أن يقال هب أن سبب ذلك الالف والعادة التي تلقاها ~~الأخلاف عن الاسلاف لكن العادة التي تعم بني آدم مع تباين حالهم ~~PageV02P485 # وأديانهم واختلاف علومهم واراداتهم ms921 لا تكون الاعادة صحيحة كما اعتادوه من ~~الأمور الطبيعية والخلقية فانهم جميعهم يعتادون الأكل والشرب والنكاح ~~واللباس وكل هذه العادات صحيحة مبنية على علوم صحيحة ولها منافع صحيحة كذلك ~~اعتيادهم مدح الصدق والعدل والعلم ومحبته وتحسينه وذم الكذب والظلم والجهل ~~وبغضه وتقبيحه هذه عادة صحيحة حسنة باتفاق الخلائق لا ينازع في ذلك من يقول ~~بتحسين العقل وتقبيحه ولا من ينفيه اذهم جميعا متفقون على أن اعتقاد محبة ~~هذا وحمده وبغض هذا وذمه عادة صحيحة ليست فاسدة ولا مبنية على اعتقاد فاسد ~~سواء كان ذلك لانتفاعهم بذلك في الدنيا أو لغير ذلك # فظهر أن ما أضعف به الحجة فادها به قوة اذ العادات العامة لجميع الأمم من ~~أعظم العادات وأصحها وبنو آدم لا يؤتون من جهة ما اتفقوا عليه لأنهم لا ~~يتفقون إلا على حق وانما يؤتون من جهة تفرقهم واختلافهم كما قال تعالى @QB@ ~~ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك @QE@ ولهذا كانوا مفطورين على الاقرار ~~بالصانع والدين له فهذا الذي اجتمعوا عليه حق ولكن تفرقوا في الشرك فكل قوم ~~لهم رأي وهوى يخالفون به الآخرين قال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من ~~المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ ~~ولهذا وصف الله نبيه وأمته بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~والمعروف الذي تطلبه القلوب وتريده بفطرتها اذا علمته والمنكر الذي تبغضه ~~وتكرهه اذا علمته PageV02P486 # فاذا كان بنو آدم متفقين على هذه العادة التي مضمونها الرفع إلى الله حين ~~الدعاء وكان ذلك يتضمن قصدهم للاله الذي هناك كان هذا من أعرف المعروف عند ~~جميع بني آدم # الوجه الخمس والعشرون ان يقال هذا العمل يتضمن ثلاثة أشياء الرفع الذي ~~فيه الاشارة الحسية الظاهرة والقصد والارادة التي في القلب التي يقصد بها ~~الصمد الأعلى والاعتقاد الذي هو أصل الذي هو أصل العمل فان ms922 كل عمل اختياري ~~لا بد فيه من ارادة وشعور وأنت تزعم أن الثلاثة فاسدة وان هذا العمل التابع ~~للارادة سبب الارادة فيه هو تخييل غير مطابق فيقال لك لو كان الأمر كذلك ~~لكان النهي عن ذلك من اعظم الواجبات في الدين اذ ذاك من أعظم المنكرات ~~لتضمنه اعتقادا فاسدا في حق الله تعالى ودعاءا فاسدا متعلقا به وعبادة غير ~~صالحة له ومن المعلوم ان الله قد بعث الأولين والآخرين من النبيين مبشرين ~~ومنذرين ولم ينه أحدا من الأنبياء والمرسلين لبني آدم عن شيء من ذلك لا عن ~~هذا الرفع ولا عن هذا الصمد ولا عن هذا الإعتقاد بل كان الأنبياء موافقين ~~لهم على هذا العمل وذلك يوجب العلم الضروري من دين النبيين أن ذلك عندهم ~~ليس من المنكر بل من المعروف وذلك يبطل كونه مبنيا على اعتقاد فاسد في حق ~~الله تعالى مستلزما له ودالا عليه فان كل ما كان متفرعا عن الإعتقاد الفاسد ~~أو كان مستلزما له مثل أن يكون دليلا عليه فانه يجب النهي عنه فان العقائد ~~الفاسدة والمقاصد الفاسدة في حق الله تعالى تجب ازالتها وازالة فروعها ~~وأصولها التي توجبها # واذا كان كذلك فالجهمية تنهى عن هذا الإعتقاد وهذه الارادة فهم ناهون عن ~~معرفة الله تعالى وعبادته وليس هذا مختصا بهذا الموضع بل هم كذلك اذ أصل ~~قولهم هو قول المشركين المنكرين لملة إبراهيم ولهذا كان أولهم الجعد ابن ~~درهم الذي ضحى به أمير المشرق يوم النحر وقال ضحوا تقبل الله ضحاياكم ~~PageV02P487 # فاني مضح بالجعد بن درهم فانه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم ~~يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه وشكره العلماء على ذلك وكان هذا في زمن ~~التابعين وذلك أن الله بعث الرسل تدعوا الخلق إلى عبادته الجامعة لمعرفته ~~بأسمائه وصفاته وآياته ولمحبته والانابة اليه واخلاص الدين له حتى يكون ~~الدين كله لله والجهمية تصد القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته بحسب تجهمهم ~~اذهم بين المستقل والمستكثر ولا تجد أحدا فيه شعبة من التجهم الا ms923 وفيه من ~~نقص التوحيد والايمان بحسب ذلك ولهذا كانت المعتزلة من أبعد الناس عن طريقة ~~أولياء الله المتقين العارفين بطريق الله علما السالكين فيه عملا وحالا ~~وقصدا # الوجه الخامس والعشرون أن يقال هب أن سببه هذه العادة هل سببها علم صحيح ~~واعتقاد مطابق أو سببها تخيل فاسد اما الأول فهو حجة في المسألة وأما ~~الثاني فممنوع وهو لم يذكر على ذلك حجة الا قولهم انهم ما شاهدوا عالما ~~قادرا حيا الا جسما الا أنهم قاسوا العالم القادر الحي الغائب على ما ~~شاهدوه من العلماء والأحياء القادرين فصاروا بمنزلة من لم ير من الناس الا ~~السود ولم يسمع الا العربية فاذا مثل في نفسه انسانا أو لغة لم يسبق إلى ~~نفسه الا الأسود والعربية # ومعلوم أن هذا قياس فاسد وذلك أن من لم ير انسانا الا أسود ولم يسمع لغة ~~الا العربية انما يسبق إلى نفسه الأسود اذا مثل انسانا يخاطبه وانما يسبق ~~إلى نفسه العربية اذا مثل في نفسه التعبير لأن الذي مثله في نفسه من جنس ~~الذي شاهده والتخيل يتبع الاحساس وكان الذي تخيله من جنس الذي أحسه لما علم ~~PageV02P488 # أن جنسهما واحد والباري سبحانه وتعالى ليس هو عندهم ولا عند غيرهم من جنس ~~الآدميين حتى تكون نسبته إلى ما شاهدوه من الأحياء العالمين القادرين نسبة ~~ما لم ير من الآدميين إلى من رئي بل هؤلاء الذين يدعون الله برفع الأيدي ~~إلى فوق عامتهم لم يخطر بقلبه أن الله من جنس الآدميين مشارك لهم في ~~الحقيقة حتى يكون لحما ودما ونحو ذلك بل هؤلاء كلهم ينزهون الله تعالى عن ~~ذلك ولا يعرف في عامة المقرين بالصانع من قال بشيء من ذلك الا ما ذكره ~~أرباب المقالات عن شرذمة من المشبهة ومع هذا فلا بد أن يجعل هؤلاء له من ~~المقدار والصفات ما يفرقون بينه وبين الآدميين فعلم أن هذا الذي احتج به ~~باطل # الوجه السادس والعشرون أن يقال هذا قد أخبر عن بني آدم الأولين والآخرين ~~الذين يدعون الله ms924 برفع أيديهم اليه وتوجه قلوبهم إلى جهته العالية أنهم ~~مثلوه بما شاهدوه من الأحياء العالمين القادرين كما يمثل أحدهم ما يراه من ~~هذا الجنس بما رآه ومن المعلوم أن هذا الضلال الذي ذكره عن بني آدم هو ~~الضال فيه في الأصل المشبه به والفرع الذي قاسه عليه وذلك أن قوله كما أن ~~من لم يشاهد انسانا الا أسود فحين يمثل في نفسه انسانا يخاطبه انما يسبق ~~إلى نفسه انه أسود لاغير # يقال له هذا على قسمين أحدهما أن لا يعلم وجود انسان الا أسود والثاني أن ~~يكون وان لم يشاهد الأسود قد علم بالخبر أو غيره أن في الأناسي من هو أبيض ~~وكذلك اذ مثل انسانا يخاطبه قد مثل انسانا مطلقا لا يقدره من أحد الصنفين ~~وقد يمثل مخاطبه انسان من الصنف الأبيض أو يخاطبه انسان من الصنف الأسود # فيقال له هذا المثل الذي ضربته انما يسلم لك فيمن لا يعلم وجود انسان غير ~~ابيض فانه اذا مثل مخاطبه انسان انما يكون مثله بمبلغ علمه فاذا لم يكن ~~عالما PageV02P489 # بوجود أبيض لم يتمثل مخاطبه أبيض بل وقد يتمثل مخاطبه انسان مطلق ولا ~~يخطر بقلبه لونه وقد يخطر بقلبه لونه فلا يكون الا ما علمه من ألوان الناس ~~وهو السواد أما اذا علم وجود البيض من الناس ومثل في نفسه أنه يخاطبهم وان ~~كان لم يرهم بعد كما لو قيل لملك السودان قد قدم عليك رسل البيض وهم بيض ~~فهنا اذا زور في نفسه ما يخاطبه به لم يمثل أنه يخاطبه به لم يمثل أنه ~~يخاطب أسود وكذلك لو علم وجود الصنفين وقدر مخاطبه انسان مطلق لم يتمثل ~~لونه بل قد يصنف الكتب ويقف الوقوف وقد يكتب ذلك بالعربية وقد لا يكون رأى ~~غير البيض ومع هذا فلا يتمثل حين المخاطبة المطلقة لون المخاطبين ولهذا ~~يندرج في خطابه البيض والسود واللفظ يطابق المعنى وهو ما عناه وقصده بكلامه ~~ولو لم يقصد الا البيض مثلا لم يتناول لفظه لغيرهم وليس الأمر كذلك ms925 باجماع ~~الناس # وأما التمثيل باللغة فليس هو من أمثلة هذه المسألة وذلك أن من لم يسمع ~~غير العربية لا يقدر أن يتكلم بغيرها ولا يتمثل في عبارات نفسه لغة غيرها ~~فلا يكون التعبير بغير العربية متمثلا في نفسه لا سابقا ولا لاحقا ولو علم ~~أن للناس لغة غير العربية أو سمعها ولم يحفظها لم يقدر بذلك على التعبير ~~بغير العربية متمثلا في نفسه لا سابقا ولا لاحقا ولو علم أن للناس لغة غير ~~العربية أو سمعها ولم يحفظها لم يقدر بذلك على التعبير بها ولا على تمثيلها ~~فاللغات بمنزلة تعلم الانسان الصناعات والأعمال كالخياطة والنجارة والحراثة ~~اذا لم يكن يحسنها الانسان الا على صفة لم يتمثل في نفسه اذا رآها أن ~~يعملها الا الصفة التي يحسنها فأين ما يقدره الانسان وليصورة في نفسه من ~~مراده ومقصوده الذي يفعله بقدرته من الألفاظ والحركات PageV02P490 # من الأمور الخارجة عن قدرته وارادته فعلم أن هذا ليس من هذا الباب وأما ~~الأول فانه يشبه لكن الحكم المذكور فيه ليس على اطلاقه وانما هو في حق من ~~لا يعمل وجود انسان الا أسود ويقصد خطاب اسود واذا كان الأمر كذلك ظهر فساد ~~ما ذكره من المثالين # الوجه السابع والعشرون أن يقال لو كان ما ذكرته في المشبه به لم يكن ما ~~ذكرته في المشبه نظيرا له فان الخلق الذين يدعون الله ويقرون بأنه حي قادر ~~عالم انما يدعون من يعتقدون أنه رب العالمين الذي يقدر على مالا يقدر عليه ~~بنو آدم مثل انزال المطر وانبات النبات وتسكين الريح اذا هاجت في البحر ~~وغير ذلك مما يطلب من الله فقد علموا أن الحي العالم القادر الذي هو رب ~~العالمين الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى اذا اقلت سحابا ثقالا ~~ساقه لبلد ميت وأنزل به الماء فخرج به من كل الثمرات ليس من جنس ما يعهدونه ~~من بني آدم بل المطلوب منه ما لا يقدر عليه هؤلاء وأيضا فكثير منهم قد لا ~~يتصور ان كلا منهما ms926 حي قادر عالم ولا يتمثل في نفسه قدرا مشتركا بينهما ~~فكيف يجوز أن يحكى عن بني آدم من الأولين والآخرين أنهم قاسوا الله على ما ~~شاهدوه من الآدميين # الوجه الثامن والعشرون أنك لو سألت من سألته من الادعين لربهم هل اعتقدت ~~بقلبك أن الله من جنس ما شاهدته في الآدميين الذين هم أحياء قادرون عالمون ~~لقال لك من سألته هذا شيء لم يخطر بقلبي ولكان نفرته عن هذا وانكاره على من ~~يقول هذا أو يعتقده أعظم من نفرته عمن يجعل الملائكة من جنس الذباب ~~والعصافير وبالجملة فبنو آدم يعلمون من أنفسهم أنه لم يكن دفعهم لهذا ~~الاعتقادر المتضمن تمثيل الله بالبشر وانه من جنسهم فدعوى ذلك عليهم افتراء ~~عليهم PageV02P491 # الوجه التاسع والعشرون أن يقال هو دائما يسمعون ذكر الملائكة والجن وهم ~~أحياء عالمون قادرون ومع هذا فقد علموا أنهم يتصورون بصور الآدميين كما ~~تمثل جبريل لمريم بشرا سويا وكا تمثل ابليس في صورة سراقة ابن جعثم ومع هذا ~~لما أخبروا بأن جبريل عليه السلام له ستمائة جناح وسمعوا قول الله في ~~الملائكة @QB@ أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع @QE@ لم يكن فيهم من يعتقد أن ~~الملائكة والجن من جنس الآدميين مطلقا لما استشعروه من نوع فرق وقد علم ما ~~بين الله وبين البشر من عدم المماثلة أعظم مما بين البشر والملائكة فكيف ~~يقال ان رفع ايديهم انما كان لاعتقادهم ان الله من جنس ما يشاهدونه من ~~الأحياء القادرين وهب أن ذلك قد يخطر بقلب الواحد والاثنين منهم فكيف يجعل ~~هذا الإعتقاد شاملا لبني آدم الذين يرفعون أيديهم إلى الله عز وجل من ~~الأولين والآخرين وأن الآخرين اخذوه عن الأولين وشاركوهم في التخيل # الوجه الثلاثون أن يقال قوله فيسبق إلى الوهم أن من يدعو حيا عالما قادرا ~~على ما يشاهد عليه الأحياء القادرين أتريد بذلك أنه يسبق إلى الوهم أنه ~~مثله مطلقا بحيث يجوز عليه ما يجوز عليه ويمتنع عليه ويجب له أو أنه يشابهه ~~من بعض الوجوه أما الأول فأنت وسائر العلماء ms927 يعلمون أن هذا لم يقله أحد قط ~~وقد ذكرت ذلك في كتبك واعترفت بأن أحدا من العقلاء لم يقل بالمماثلة هكذا ~~واذا كان هذا لم يقله أحد لم يجز أن يجعل هذا اعتقاد الداعين الذين يرفعون ~~أيديهم إلى الله مع العلم بأنه لم يقله أحد من المشبهة ولا من غيرهم # وأما ان كان مقصوده أنهم يثبتون المشابهة من بعض الوجوه فهذا حق وقد ذكر ~~في هو نهايته اجماع المسلمين على ثبوت المشابهة من بعض الوجوه PageV02P492 # فان ذلك مما لا يمكن النزاع فيه كما حكيناه عنه فيما تقدم وحينئذ فيكون ~~ما عليه بنو آدم من الإعتقاد الذي هو مستند رفع أيديهم إلى الله حين الدعاء ~~اعتقادا صحيحا في الأصل ليس بفاسد # لكن قد علم أن الناس هنا في طرفي نقيض منهم من يغلو في الاثبات حتى يثبت ~~مماثلة الله لخلقه في بعض الأمور ومنهم من يلغو في التعطيل حتى لا يمثله ~~الا بالمعدوم والموات لكن الإعتقاد الذي يدعوهم إلى رفع ايديهم لا يجب أن ~~يكون من التمثيل الباطل اذ لا يختص أهله بالرفع إلى الله واذا كان كذلك لم ~~يكن مستند الناس كلهم في الرفع إلى الله باطلا واذا لم يكن مستندهم كلهم ~~باطلا بل كان مستند بعضهم حقا ثبت أن الله يرفع اليه الأيدي وأن فاعل ذلك ~~يكون اعتقاده صحيحا وذلك يقتضي صحة الاشارة الحسية اليه إلى فوق وهو ~~المطلوب # الوجه الحادي والثلاثون أن يقال مضمون ما ذكرته أن الناس لما لم يشاهدوا ~~حيا عالما قادرا الا جسما سبق إلى اعتقادهم انهم اذا دعوا حيا قادرا عالما ~~كان جسما ويتبع ذلك انه في مكان والعلو أشرف من غيره فيسبق إلى فهم الداعي ~~أن من اعتقد عظمته اذا كان في جهة وهي أن يكون في جهة العلو وحاصل هذا أن ~~الأمم المختلفة من الأولين والآخرين المجمعون على رفع ايديهم إلى الله في ~~الدعاء انما فعلوا ذلك لاعتقادهم ان الله جسم ووجه هذا الإعتقاد أنهم لم ~~يشهدوا حيا عالما قادرا الا جسما ms928 فاعتقدوا فيمن يدعونه ذلك واثبتوا له ~~المكان اذ الجسم لا بد له من حيز وخصوه بالعلو لأنه اشرف فمضمون هذا ذكر ~~مستند العباد في رفع الأيدي # فيقال له لا يخلو اما أن يكون هذا مستندهم اولا يكون فان لم يكن هذا ~~مستندهم بطل هذا الجواب وصحت الحجة وثبت أنهم PageV02P493 # انما رفعوا أيديهم إلى الله لعلمهم الضروري بأن الذي يطلب منه تحصيل ~~المطالب وتيسير العسير في تلك الجهة وان كان هذا مستندا لهم كان قد حكى ~~اتفاق الأمم الذين يرفعون أيديهم في الدعاء على أن الله جسم اذ لم يشهدوا ~~موجودا الا جسما وحينئذ فهذا أبلغ في الحجة عليه فان الأمم المتفقين على ~~رفع الأيدي اذا كانوا يعتقدون ان الله جسم كان هذا من ابلغ حجج القائلين ~~بالجسم لأن هؤلاء الذين يرفعون ايديهم فيهم الأنبياء وفيهم هذه الأمة التي ~~لا تجتمع على ضلالة فصار ما جعله جوابا حجة عليه # الوجه الثاني والثلاثون أن يقال هب انما ذكرته مستندهم فلم تذكر حجة على ~~بطلان هذا أكثر ما قلت فظهر أن سبب هذا الالف فلا يكون صوابا ومعلوم ان ~~مجرد إعتياد الأمم كلهم للشيء إن لم يدل على انه حق يدل على أنه باطل فليس ~~في كون الفوا ذلك واعتادوه ما يدل على أنه ليس بصواب حتى تقول فظهر ان سبب ~~ذلك الالف فلا يكون صوابا # الوجه الثالث والثلاثون انك قد ذكرت ان مستند هذا الالف هو اعتقاد الدعاة ~~ان الحي العليم القادر لا يكون الا جسما ومعلوم أن هذا بلفظه قول طوائف ~~كثيرة من أهل الكلام من الشيعة والكرامية وغيرهم وأما بمعناه فالمؤسس وغيره ~~يقول أن هذا قول من رقال إن الله فوق العرش أو إنه يشار إليه في الدعاء ~~ومعلوم أن القول بكون الله فوق العرش أو أنه يشار اليه بالأيدي والدعاء هو ~~قو سلف الأمة وأئمتها وعامتها واذا كان هؤلاء كلهم يقولون بالمعنى الذي ~~سميته تجسيما لم يضر القول بذلك ولم يجزرده الا بحجة وانت لم تذكر في جواب ~~هذه ms929 الحجة ما يصلح أن يكون جوابا # وقد قدمنا في الوجه الذي قبل هذا ان الاشارة إلى الله في الدعاء ان ~~استلزم اعتقاد الداعي أن الله جسم فقد ثبت أن هذا قول من قوله حجة والا ~~بطلت PageV02P494 # حكايته وأما هنا فان كون الحي القادر لا يكون الا بائنا عن غيره بالجهة ~~له حد يتميز به عن غيره وهو معنى كونه جسما عنده وهذا المعنى ما اتفق عليه ~~سلف الامة وأئمتها وان تنوعت الفاظهم فيه فكلها متوافقة متطابقة وبالجملة ~~فلا يمكنه أن ينازع أن هذا قول خلق كثير من أهل الحديث والفقه والتصوف ~~والكلام فلا بد من دليل ابطاله فان قال دليل ابطاله ما ذكره من نفي كون ~~الله جسما قيل قدمنا ما يتبين معه فساد تلك الأدلة # ثم يقال هذا لا يصلح أن يكون جوابا لما تذكره وهو الوجه الرابع والثلاثون ~~يقال له هذا الذي ذكرته مضمونه الدعاة الرافعي أيديهم لاعتقادهم أن الله ~~جسم حيث لم يشهدوا مدعوا حيا عالما قادرا الا جسما ومعلوم أن الدعاة ~~الرافعي أيديهم لو لم يكن فيهم من قوله حجة وخلاف قوله كفر فلا نزاع في ~~أنهم جماهير بني آدم من الأولين والآخرين وفيهم من العلماء والعباد من لا ~~يحصيه الا رب العباد فلو لم يكن هذا دليلا من أعظم الأدلة على أن الله جسم ~~بمقتضى ما قررته لكان هذا مما يجب الجواب عن حجة قائله فان مخالفة جماهير ~~بني آدم ليست هينة ولا يصلح ما ذكرته من الحجة على نفي الجسم جوابا لان هذا ~~الدليل الذي ذكرته عنهم يقتضي أنهم احتجوا على كونه جسما بما ذكرته عنهم ~~وهذه معارضة لما ذكرته فان لم تبين فساد هذه المعارضة لم يكن بطلان حجته ~~لحجتهم بأولى من العكس وأنت لم تذكر حجة على فساد حجتهم بحال # فان قيل هذه الحجة مبناها على قياس الغائب على الشاهد وهو باطل قيل قياس ~~الغائب على الشاهد باتفاق الأمم ينقسم إلى حق وباطل فان لم تبين أن هذا من ~~الباطل لم يصلح ms930 رده بمجرد ذلك PageV02P495 # الوجه الخامس والثلاثون أن تقرير ما ذكرته من مستندهم مثل تقرير المسلك ~~القياسي في العلو وهو أن يقال لم نشهد موجودا قائما بنفسه الا جسما أو لم ~~نشهد حيا عالما قادرا الا جسما فاختصاص القائم بنفسه أو الحي القادر بكونه ~~جسما دون أن يكون عرضا أو يكون لا جسما ولا عرضا اما أن يكون لكونه موجودا ~~قائما بنفسه أو لما يندرج فيه واجب الوجود أو لما يختص الممكن أو المحدث ~~فان كان الأول والثاني وجب في كل موجود قائم بنفسه أن يكون جسما وحينئذ ~~فتصح حجتهم والثاني باطل لأنه يوجب تعليل الأمر الوجودي وهو القائم بالنفس ~~أو كون القائم بنفسه حيا عالما قادرا بما فيه أمر عدمي والعدم لا يصلح أن ~~يكون علة للوجود وقد تقدم الكلام على هذه الحجة وأنه لم يقدح فيها بقادح ~~واذا كان كذلك كان قد ذكر لهم حجة توجب أنه فوق وأنه جسم غير ما ذكروه من ~~العلم الضروري وان لم يقدح في ذلك بشيء وذكر أن الأخلاف اخذوا ذلك عن ~~الاسلاف واتفقوا عليه وتسمية ذلك تخيلا لا يوجب فساده ان لم يبين أنه خيال ~~فاسد # فظهر انما ذكره تقرير لقولهم بالقياس العقلي والأثر النبوي والاجماع ~~الشرعي مع ما ذكروه من الضرورة العقلية وأنه زاد في التقرير على كونه فوق ~~أنه مع ذلك جسم ولا ريب أن هذا قوله وقول أكثر الناس من النفاة والمثبتة ~~فانهم يقولون ان كونه فوق العرش يستلزم المعنى الذي يسميه المتكلمون جسما ~~ويسميه أهل الحديث حدا # الوجه السادس والثلاثون أن العلوم الكلية والعقلية لبني آدم جميعها من ~~هذا الباب فان الانسان يشهد بحسه الباطن والظاهر أمورا معينة جزئية على ~~PageV02P496 # صفات ثم يعقل بما يجعله الله في عقله من العبرة والقياس ان الأعيان التي ~~لم يشهدها هي كالأعيان المشهودة في تلك الصفات وعلم عقله بالتماثل ~~والاختلاف كاحساسه بالأعيان قد يكون علما قطعيا وقد يكون ظنا غالبا وقد ~~يكون صوابا وقد يكون خطئا وكل من الحس والعقل يعرض له ms931 الغلط لأسباب والناس ~~متنازعون أي الادراكين اكمل ادراك الحس أو العقل وأيهما الذي يرجح على ~~الآخر وبكل حال فلا يقوم بنفسه قضية كلية عقلية ضرورية أو غير ضرورية الا ~~بتوسط قياس واعتبار حتى مثل علمه بأن الواحد نصف الاثنين وان الجسم لا يكون ~~في مكانين وأن الضدين لا يجتمعان هو في ذلك كله قد أدرك بحسه ذلك في بعض ~~الأجسام والأجساد والألوان المتضادة وعقل أن ما لم يحسه مثل ما أحسه في ذلك ~~وأن الحكم لا يفترق واحد وواحد وجسم وجسم ولون ولون وضد وضد يحكم بذلك حكما ~~عاما كليا # واذا كان كذلك لم يكن له حجة عقلية في العلم الالهي أصلا الا ولا بد فيها ~~من قضية كلية والقضية الكلية لا بد فيها من قياس الغائب على الشاهد فان كان ~~هذا باطلا بطل جميع كلامهم بالأدلة العقلية في العلم الالهي وحينئذ فيبطل ~~ما ذكروه في نفي الجسم وغيره فلا يكون لهم جواب عما احتج به المنازع وان لم ~~يكن باطلا لم يكن له ابطال هذه الحجة بما ذكره من أن مضمونها قياس الغائب ~~على الشاهد فحاصله أنه ان كان ما يسلكونه من الطرق الكلامية العقلية في ~~الالهيات طرقا صحيحة فهذه الطريق منها فتكون حجة عليهم وان لم تكن صحيحة لم ~~تكن حجة لهم كما لا تكون عليهم فلا يكون كلامهم حقا دون كلام خصومهم ولا ~~يكون ما دفع به الضرورة التي ذكرها منازعوهم حقا PageV02P497 # الوجه السابع والثلاثون أن المنازعين لهم يحتجون بالدلائل السمعية ~~الكثيرة وبما يذكرونه من الضرورة العقلية وبما ذكروه من الأقيسة العقلية ~~فان كانت الأقيسة العقلية صحيحة كما تقدم ذكرها مقبولة في هذا الباب لم يجز ~~رد ما يذكرونه من الأقيسة العقلية الا بما يبين فساد القياس الخاص الذي ~~أوردوه لا بمجرد كونه قياسا للغائب على الشاهد وان كانت مردودة كان ما ~~يذكره النفاة كله مردودا وحينئذ فتبقى الأدلة السمعية سليمة عن معارض عقلي ~~فيبطل ما يذكرونه من كونها عارضت القواطع العقلية وحينئذ يمتنع تأويلها ~~ويجب اعتقاد ms932 مضمونها ويكون ما ذكروه من الضرورة العقلية لا دليل على فسادها ~~وهذا بين لمن تدبره ومبناه على العدل والانصاف وقد قدمنا فيما مضى التنبيه ~~على هذا وأن مبنى كلامهم في الالهيات انما هو القياس على ما وجدوه في ~~المشهودات لا طريق لهم غير ذلك اصلا # الوجه الثامن والثلاثون ان القول بان الله ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ~~ولا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك ليس هو قول أحد من سلف الأمة ولا ~~أئمتها ولا له أصل في شيء من كتب الله المنزلة ولا آثار انبيائه بل متواتر ~~عن السلف والأئمة انكار هذا الكلام وتبديع أهله كما قال أبو العباس بن سريج ~~توحيد اهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا اله الا الله وان محمدا رسول ~~الله وتوحيد اهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام وانما بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم بانكار ذلك وذلك ان التوحيد الذي بعث الله به رسله هو عبادة ~~الله وحده لا شريك له وهو معنى شهادة أن لا اله الا الله وذلك يتضمن ~~التوحيد بالقول والاعتقاد وبالارادة والقصد وأما الخوض في الأعراض والأجسام ~~كما خاض فيه المتكلمون كقولهم ليس بجسم ولا عرض ونحو ذلك فأول من ابتدعه في ~~الاسلام الجهمية واتباعهم من المعتزلة لا يعرف في هذه الأمة حدوث القول في ~~الله بأنه ليس بجسم PageV02P498 # ولا جوهر ونحو ذلك الا من جهة هؤلاء وكذلك الاستدلال على حدوث العالم ~~بطريق الجسم والعرض انما ابتدعها في الاسلام هؤلاء وهذا أصل علم الكلام ~~الذي اطبق على ذمة أئمة الاسلام من الأولين والآخرين ولما ابتدع هؤلاء ~~القول بأنه ليس بجسم ولا جوهر عارضهم الطائفة الأخرى من الشيعة وغيرهم ~~فقالوا بل هو جسم # والسلف والأئمة لم يثبتوا هذه الاسماء لله ولا نفوها عنه لما في كل من ~~الاثبات والنفي من الابتداع في الدين من اجمال واشتراك ويثبت به باطل وينفي ~~به حق مع أن السلف والأئمة لم يختلفوا أن نفاة الجسم اعظم ضلالا وابتداعا ~~من مثبتيه بل الأئمة والسلف تواتر ms933 عنهم من ذم الجهمية مالا يحصيه الا الله ~~ولهم أيضا كلام في ذم المشبهة لكن أقل من ذم الجهمية بكثير وأما لفظ الجسم ~~فلا يحفظ عن أحد منهم ذمه ولا انكاره كما لا يحفظ عنهم مدحه واقراره ولكن ~~المحفوظ عنهم من الألفاظ الاثبات فقول نفاة الجسم انها هي التجسيم ويعدون ~~أعلام الدين وأئمة الدين من المجسمين والمشبهين كما هو موجود في كتب ~~مقالاتهم كما يعدون منهم مالكا وأصحابه وحماد بن سلمة وأصحابه والشافعي ~~وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وأمثال هؤلاء الأئمة # ولما تكلم بنفي الجسم أبو الهذيل امام المعتزلة واتباعه وتكلم في اثباته ~~هشام بن الحكم واشياعه قال هؤلاء الجسم هو الموجود هو القائم بنفسه ولا ~~يعني بالجسم الا القائم بنفسه ولا يعقل قائم بنفسه الا الجسم وقالوا دعوى ~~وجود قائم بنفسه ليس بجسم كدعوى قائم بنفسه لا تقوم به صفة فان المعتزلة ~~يقولون ان الباري تعالى قائم بنفسه وأنه يمتنع أن يكون PageV02P499 # محلا للصفات والحوادث قالوا وهذان مثل دعوى قائم بنفسه لا يباين غيره ولا ~~يتميز عنه قالوا واثبات موجود قائم بنفسه ليس هو جسما ولا يقوم به صفة مثل ~~اثبات قائم بنفسه ليس حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز كا ~~يقوله من يقوله من الملاحدة والفلاسفة هذا كله جحد لما يعلم بضرورة العقل ~~ومخالفة للبديهة والحس وما زال الأئمة يصفون مقالة الجهمية بأنها مخالفة ~~للعقول وأن العقل يعلم أنهم يصفون العدم لا الوجود ولهذا عندهم نفاة ~~التجسيم من المجسمة لموافقتهم لهم في أصل الاثبات وان خالفوهم في بعض ~~التفاصيل # واذا كان كذلك فهذا الذي مستندا للداعين من الأولين والآخرين أنه هو ~~الرجوع إلى القياس العقلي وهو قياس ما غاب عنهم من الموجود على ما شاهدوه ~~لا ينافي ما ذكروه من أن ذلك يقتضي علمهم الضروري بأن الذي يدعي ويسأل هو ~~في جهة فوق لأن العلوم الضرورية الكلية لا بد فيها من قياس كما تقدم وهم ~~كما قد يقولون يعلم بالضرورة ان الله ms934 فوق ويقولون أيضا يعلم بالضرورة أن ~~مالا يكون داخل العالم ولا خارجه فانه معدوم ويقول من يفهم معنى الجسم على ~~اصطلاح المتكلمين يعلم بالضرورة انه لا يكون موجود قائم بنفسه الا ما ~~سميتموه الجسم ويقولون كل من رجع إلى فطرته وفهم معنى ذلك ولم يصده عن موجب ~~الفطرة ظن التقليد أو اقيسة فاسدة وهوى من تعصب للمذهب المألوف فانه يعلم ~~ذلك ويثبتون ذلك بالمقاييس العقلية التي هي أقوى من مقاييس النفاة # واذا كان كذلك فنفي التجسيم لا يمكن ان يكون بنص ولا اجماع بل ولا بأثر ~~عن أحد من سلف الأمة وأئمتها وليس مع نفاته الا مجرد PageV02P500 # ما يذكرونه من الأقيسة العقلية فاذا كان رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء ~~مستلزما لاعتقاد الدعاة التجسيم وهم يثبتون ذلك بالأقيسة العقلية أيضا كان ~~جانبهم أرجح لو لم يجيبوا عن حجج النفاة فكيف اذا اجابوا عنها واذا بينوا ~~ان نقيض قولهم مستلزم للتعطيل لتعطيل وجود الباري ذاته وصفاته وتعطيل ~~معرفته وعبادته ودعائه # الوجه التاسع والثلاثون أن يقال ليس قول القائل بأن رفع الأيدي إلى ~~السماء مستلزم التجسيم بأعظم مما يقال لكل من أثبت شيئا من الأسماء والصفات ~~فان الملاحدة من المتفلسفة واتباعهم الذين يجمعون بين النقيضين فيقولون لا ~~موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت أو يقولون لا يقال موجود ولا معدوم ولا حي ~~ولا ميت يزعمون أن هذه الأسماء لا تقال الا لما هو جسم ونفاة الصفات من ~~العلم والقدرة وغيرها يقولون ان هذه الصفات لا تقوم الا بجسم ومنكروا ~~الرؤية والقائلون بخلق القرآن يقولون لا يمكن أن يرى الا جسم ولا يقوم ~~الكلام الا بجسم وهو يبينون ذلك اعظم من بيان هذا المؤسس ان الرافعين ~~لأيديهم في الدعاء مستندهم اعتقاد أن المدعو جسم # وحينئذ فلا يخلو اما أن يكون ما ذكره النفاة من لزوم التجسيم لهؤلاء ~~المثبتة حقا أو باطلا فان كان ذلك حقا كان التجسيم حقا اذ الاثبات للأسماء ~~والصفات حق معلوم بالضرورة العقلية وبالنصوص السمعية وقول النفاة مستلزم ~~للجمع ms935 بين النقيضين ولغير ذلك من السفسطة وان كان ما يذكره هؤلاء النفاة من ~~لزوم التجسيم باطلا فانتفاء هذا اللازم في حق الداعين اولى وأوكد # الوجه الاربعون أن يقال ومن المعلوم ان هذاب الباب كثيرا ما يقال فيه ان ~~الناس يتناقضون فيه فيثبت أحدهما شيئا من وجود واجب أو اسم أو صفة وينفي ~~PageV02P501 # لوازمه أو ينفي الجسم ونحوه ويثبت ملازمه ولا ريب أن باب الاثبات حجته ~~العقلية الضرورية والنظرية اعظم من حجج النفي فان النفاة ليس معهم حجج ~~ضرورية وليس معهم قياس عقلي الا ومع أولئك ما هو أقوى واكثر هذا اذا لم ~~يعرف الانسان القدح في مقاييسهم والا فمن عرف القدح فيها تبين له أن حاصلها ~~تهويل لا تحصيل وأما الحجج السمعية فهي مع المثبتة أضعافا مضاعفة وليس مع ~~النفاة ما يفيد ظنا # واذا كان كذلك فالذي تسميه النفاة تجسيما اذا كان لازما أمكن المثبتة أن ~~تلزمه ويكون مقرره الأدلة العقلية والسمعية وأما النفاة فلا يمكنهم النفي ~~الا تركوا العقل والسمع وهذه حال أهل النار الذين @QB@ وقالوا لو كنا نسمع ~~أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ واذا لم يكن لازما لم يحتج إلى اثباته ~~وان دفع الشك في لزومه وكان في تناقض المثبت مع نفي الجسم قولان فلا ريب ان ~~تناقض المثبت اقل بكثير من تناقض النافي ومتابعته الأدلة السمعية والعقلية ~~اكثر وتقريره للفطرة والشرعة أظهر واذا كان ما في جانبه من الخطأ أقل لم ~~يحزأن يرجع إلى من خطأه اكثر بل على ذلك ان يوافقه على ما معه من الصواب ثم ~~ان رجعا جميعا إلى تمام الصواب والا كان استكثارهما من الصواب اولى وأحب من ~~استكثار الخطأ $ فصل # قد ذكر أبو عبد الله الرازي في نهاية العقول له لمثبتي الجهة حججا أخرى ~~فنذكر هنا أيضا ما ذكره من الجانبين في الكتابين فقال واحتج مثبتو الجهة ~~بأمور اربعة أولها أنا نعلم بالضرورة ان كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد ~~وأن يكونا متباينين وتعلم بالضرورة أن التباين بين الشيئين لا ms936 يخلو عن ~~PageV02P502 # أحد الوجوه الثلاثة التباين بالحقيقة أو بالزمان أو بالمكان واذا ثبت ذلك ~~فنقول التباين بين الباري تعالى وبين العالم لا يمكن ان يكون بالحقيقة أو ~~بالزمان أو بهما فقط لأن الجوهر يباين العرض الحال فيه بالحقيقة وبالزمان ~~وكذلك العرضان الحالان في محل واحد قد تباينا تباينا بالحقيقة والزمان مع ~~أنا نعلم بالضرورة أن بين الباري وبين العالم من التباين ما ليس بين الجوهر ~~وما حل فيه وبين العرضين الحالين في المحل الواحد اذ لا بد من زيادة بيان ~~على هذين القسمين ولا ثالث يعقل الا التباين بالمكان فوجب أن يكون التباين ~~بين الباري تعالى وبين العالم بالمكان وذلك يقتضي كون الباري تعالى في ~~الجهة # ثم قال والجواب عما تمسكوا به اولا أن المحل مباين للحال في الحقيقة ~~والزمان ولكن أحدهما حال في الآخر محل له ويشتركان أيضا في الحدوث والامكان ~~والحاجة إلى المؤثر وأما الباري تعالى كما خالف العالم في الحقيقة وفي ~~الزمان فليس حالا فيه ولا محلا له ولا بينهما مشاركة في الحدوث والامكان ~~والحاجة فلما كان كذلك كان الاختلاف بين الباري تعالى وبين العالم اتم من ~~الاختلاف بين الحال وبين المحل فاذا ادعيتم ثبوت التباين بينهما من غير هذه ~~الوجوه حتى تقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان فهو محل النزاع # قلت وهذه الحجة التي ذكرها عن ابن الهيصم من بعض الوجوه والكلام على هذا ~~من وجوه # أحدها ان هذا الذي ذكره من الجواب تقرير لحجة المنازع وتوكيد لها ليس ~~بجواب عنها ومثل هذا يفعله هذا وامثاله في مواضع قال تعالى @QB@ أو من ينشأ ~~في الحلية وهو في الخصام غير مبين @QE@ قالوا هي المرأة لا تتكلم بحجة لها ~~الا كانت عليها وهؤلاء فيهم من التخنث بمشابهتهم المشركين الذين قال الله ~~@QB@ إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا @QE@ ~~PageV02P503 ما شابهوا به النساء وكذلك ان حجة المنازع مبنية على مقدمات ~~احداهن ان الله مباين للعالم والثانية ان المباينة ليست بالحقيقة أو الزمان ~~أو المكان ms937 والثالثة أن مباينته للعالم أعظم من أن يكون بمجرد الحقيقة أو ~~الزمان واذا اثبتت هذه المقدمات لزم أن يكون مباينا له بالمكان # ويظهر ذلك بنظم ذلك في قياسين أحدهما ان يقال الباري مباين للعالم وكل ~~مباين لغيره فلا بد وأن يكون مباينا بالحقيقة أو الزمان أو المكان فينتج ان ~~الباري سبحانه لا بد أن يكون مباينا للعالم بالحقيقة أو الزمان أو المكان ~~ثم يقال ومباينته للعالم ليست بمجرد الحقيقة والزمان وكل مباينة ليست بمجرد ~~الحقيقة والزمان فلا بد أن تكون بالمكان فينتج أنه لا بد من المباينة ~~بالمكان # اذا تبين نظم الدليل فقولهم الباري مباين للعالم لا منازعة فيه وقد ذكروا ~~ان ذلك معلوم بالضرورة في كل موجودين قائمين بأنفسهما ولم ينازعهم في ذلك ~~وقولهم كل مباين لغيره فلا بد وأن تكون مباينته بأحد الوجوه الثلاثة قد ~~ذكروا أن ذلك معلوم بالضرورة قالوا ويعلم بالضرورة أن التباين بين الشيئين ~~لا يخلو عن أحد الوجوه الثلاثة التباين بالحقيقة أو بالزمان أو بالمكان وقد ~~سلم لهم ذلك ولم ينازعهم فيه فاثبتوا بذلك أن الباري لا بد أن يكون مباينا ~~للعالم بالحقيقة أو الزمان أو المكان # وأما القياس الثاني قولهم مباينته ليست بمجرد الحقيقة والزمان أثبتوا ذلك ~~بأن قالوا المباينة بالحقيقة وبالزمان بين الحال والمحل وبين الحالين في ~~المحل مع أنا نعلم بالضرورة أن بين الباري وبين العالم من التباين ما ليس ~~PageV02P504 # بين المحل والحال فيه وبين الحالين في المحل والمحل هو الجوهر والحال فيه ~~هو العرض واذا كان التباين الذي بينه وبين العالم زائدا على تباين هذين ~~وهذان متباينان بالحقيقة وبالزمان لم يكن التباين بينه وبين العالم بمجرد ~~الحقيقة والزمان فانه اذا كانت مباينته للعالم أعظم من مباينة المباين ~~لغيره بالحقيقة والزمان لم تكن من جنسها وهذا بين فانه اذا كانت حقيقة ~~المباينة بمجرد الحقيقة والزمان لم يمتنع أن يكون أحدهما حالا في الآخر أو ~~يكونان جميعا حالين في محل واحد وهذا تقوله الحلولية من الجهمية فان القائل ~~اذا قال الباري مباين ms938 للعالم وهو مع هذا حال فيه أو محل له ومباينته له ~~بانه قبله وأن حقيقته تخالف حقيقته كما يباين الجوهر العرض والعرض الجوهر ~~لم تكن المباينة بالحقيقة والزمان مانعة من هذه المحايثة فاذا كانت ~~المحايثة منتفية لم يكن بد من اثبات مباينة تتقي هذه المحايثة والمباينة ~~بالحقيقة والزمان لا تنفي المحايثة # ولهذا لما زعم الجهمية أنه ليس مباينا بالمكان اضطربوا بعد ذلك فقال ~~جمهور علمائهم لا هو محايث للعالم ولا هو خارج عنه وقال كثير من عامتهم ~~وعبادهم وعلمائهم بل هو محايث فانه اذا ارتفعت المباينة بالمكان لم يبق الا ~~المحايثة ولا ريب أن قول هؤلاء اقرب إلى المعقول لكنه اقرب إلى العقل ~~ابتداءا حيث جعلوه موجودا محاثيا للعالم لكنه أعظم تناقضا وجهلا من وجه آخر ~~فان ما به نفوا أن يكون على العرش هو أعظم نفيا لكونه محايثا للعالم ولأن ~~في كونه في نفس المخلوقات من الكفر والضلال ما فيه شناعة تزيد على النفي ~~المطلق الذي لا يفهم بحال وأيضا فالأدلة الدالة على أنه فوق العالم وأنه ~~مباين للعالم تمنع المحايثة أيضا PageV02P505 # والمقصود هنا أنهم اذا لم يثبتوا الا المبيانة بالحقيقة أو بالزمان لم ~~يكن العلم بهذه المباينة مانعا من جواز المحايثة عليه لأن العرض والجوهر ~~بينهما تباين بالحقيقة وبالزمان مع تحايثهما وهذا قد اتفقوا على نفيه وقد ~~ذكروا انهم يعلمون بالاضرار ان بين الباري تعالى وبين العالم من التباين ما ~~ليس بين الجوهر والعرض الحال فيه وهذا بين اذ لولا زيادة التباين لجاز أن ~~يكون العالم كالعرض في الخالق والخالق جواهر قائمة بنفسها أو يكون الخالق ~~كالعرض القائم بالجوهر ومعلوم أن هذا أشد استحالة باتفاق العقلاء فان ~~الباري قائم بنفسه وهو المقيم لكل قائم فضلا عن أن يكون كالعرض في الجوهر ~~والعالم جواهر قائمة بانفسها فثبت بذلك أن مباينته للعالم ليست بمجرد ~~الحقيقة والزمان واذا ثبت ذلك فالمقدمة الثانية وهو أن المباينين الذين ليس ~~تباينهما بمجرد الحقيقة والزمان فلا بد أن يكونا متباينين بالمكان وقد ~~تقدمت وتقدم ما ms939 ذكر وسلم فيها من العلم الضروري # اذا تبين ما ذكره من حجتهم فقوله في الجواب ان المحل مباين للحال في ~~الحقيقة والزمان ولكن احدهما حال في الآخر والآخر محل له ويشتركان ايضا في ~~الحدوث والامكان والحاجة إلى المؤثر كلام صحيح لكن مضمونهما أنهما مع ~~التباين بالحقيقة والزمان متحايثان مشتركان في الحيز وفي أمور أخرى وهي ~~الحدوث والامكان والحاجة إلى المؤثر وهذا الكلام انهما مع هذا التباين ~~متحايثان ومشتركان ومجتمعان في أمور اخرى فتكون المباينة بينهما دون ~~المباينة بين العالم والباري وهكذا قال القوم انا نعلم بالضروة ان بين ~~الباري سبحانه PageV02P506 # ومن العالم من التباين ما ليس بين الجوهر الذي هو المحل وبين ما حل فيه ~~فما ذكره تقرير لذلك # وقوله واما الباري كما خالف العالم في الحقيقة وفي الزمان فليس حالا فيه ~~ولا محلا له ولا بينهما مشاركة في الحدوث والامكان والحاجة فلما كان كذلك ~~كان الاختلاف بين الباري تعالى وبين العالم أتم من الاختلاف بين الحال ~~والمحل فيقال له هذا توكيد لما قالوه لأنهم ذكروا أن مباينة الباري تعالى ~~أتم فانه غير محايث اذ ليس هو حالا في العالم ولا محلا له بخلاف الجوهر ~~والعرض واما عدم المشاركة في الحدوث فيعود إلى المباينة بالزمن فان القديم ~~قبل المحدث والى المباينة بالحقيقة فان حقيقة القديم مخالفة لحقيقة المحدث ~~وأما عدم المشاركة في الامكان والحاجة إلى المؤثر فيعود إلى المباينة ~~بالحقيقة فان الواجب بنفسه الغنى عن غيره حقيقته مخالفة لحقيقة الممكن في ~~نفسه المفتقر إلى غيره فهذا الذي ذكره مضمونه أن مباينة الباري أتم من ~~مباينة الجوهر للعرض لأنه مع المخالفة بالحقيقة وبالزمان غير محايث وهكذا ~~قال القوم ان مباينة العالم أزيد من مباينة الجوهر للعرض فهذا الكلام تقرير ~~لمقدمة من مقدمات دليلهم # وقوله بعد ذلك فاذا ادعيتم ثبوت التباين بينهما من غير هذه الوجوه حتى ~~تقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان فهو محل النزاع يقال أولا ليس هذا ~~جوابا للقوم فانك لم تمنعهم شيئا من مقدمات دليلهم ولا عارضتهم ms940 ولكن ذكرت ~~كلاما اجنبيا وذكرت أنهم ينازعونك في المباينة بالمكان ولا ريب أنهم ~~ينازعونك في ذلك لكن قد أقاموا حجة ولم تمنع شيئا من مقدماتها ولكن حكيت ~~مذهبك وحكاية المذهب ليست جوابا لم احتج على بطلانه PageV02P507 # ثم يقال لم يدعوا ثبوت التباين من غير هذه الوجوه لكن قالوا هذا التباين ~~الذي ثبت بعدم المحايثة وهو أحد الوجوه يستلزم أن يكون بالمكان أو قالوا ان ~~التباين الثابت بهذه الوجوه يجب أن يكون بالمكان أو قالوا ان التباين ~~الثابت بهذه الوجوه لا يجوز ان يكون بمجرد الحقيقة أو الزمان فتعين كأن ~~يكون بالمكان اذ لم يبق قسم ثالث # وأيضا فلا ريب أن التباين حاصل بغير هذه الوجوه فانه قد قرر في غير هذا ~~الموضوع ما هو القول الحق وهو أن حقيقة الله غير معلومة للبشر وأنه مخالف ~~لخلقه بحقيقته الخاصة وليست هي ما علمه الناس من قدمه ووجوبه وغناه فهو ~~أيضا مباين للعالم بحقيقته الخاصة الخارجة عما ذكره والتحقيق أنه مباين ~~للعالم بأمور كثيرة لا يحصيها العباد غير ما ذكره ولا ينظر إلى من ينازع من ~~أهل العلم في أخص وصف الله الذي به يميز هل هو القدرة على الخلق أو هو ~~الاستغناء أو القدم أو أنه ذاته المخصوصة بل كل ما ثبت للرب تعالى من ~~الأسماء والصفات يختص به مثل انه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وما شاء ~~كان وما لم يشاء لم يكن وأنه أرحم الراحمين وأنه خير الناصرين وأنه اذا ~~أراد شيئا قال له كن فيكون وكل هذه الأمور وغيرها من أخص وصفه ليست له صفة ~~يماثله غيره فيها بوجه من الوجوه بل كل صفة له فانها تختص به وتوجب امتيازه ~~بها عن خلقه ولكن ليس هذا موضع ذكر ذلك فان مباينة الله لخلقه بالحقيقة مما ~~لا نزاع فيه وكذلك تقدمه على خلقه # وانما المقصود أنه المباين مباينة زائدة على المباينة بالحقيقة وعلى ~~المباينة بالزمان والمخالفة بينه وبين الخلق أتم من الاختلاف بين الحال ~~وبين المحل وهو ms941 قرر ذلك مع أن هذين يتباينان بالحقيقة كما تقدم واذا كانوا ~~القوم بينوا انما ذكره من التباين يستلزم التباين بالمكان والزمان لأن هذه ~~يشاركه فيها المحل والحال فيه PageV02P508 # وهذه المباينة لا تمنع أن يكون أحدهما حالا في الآخر فلا بد من المباينة ~~بشيء غير ذلك وليس غير ذلك الا المباينة بالمكان والزمان فاذا كانت ~~المباينة بينه وبين خلقه ليست مجرد الحقيقة والزمان وكان قد قرر هذا ~~التباين كان ما ذكره توكيدا لحجتهم # الوجه الثاني أن قوله وأما الباري كما خالف العالم في الحقيقة وفي الزمان ~~فليس حالا فيه ولا محلا له ولا بينهما مشاركة في الامكان والحدوث والحاجة ~~فيقال له قولك ليس بحال ولا محل سلب محض والأمور السلبية لا تتباين بها ~~الحقائق ولا تختلف ولا تتماثل الا أن تكون مستلزمة لأمور وجودية لأن ~~المتماثلين ما قام بأحدهما من الأمور الوجودية مثل ما قام بالآخر والخلافين ~~اختص احدهما بأمور وجودية خالف بها الآخر اذ عدم ما به التماثل والاختلاف ~~مستلزم لعدم التماثل والاختلاف فعدم كونه حالا ومحلا لم يستلزم أمرا وجوديا ~~يحصل به مخالفة وقد علم أنه لا يستلزم الاختلاف في الحقيقة وفي الزمان لان ~~المتماثلين في الحقيقة والزمان قد لا يكون أحدهما حالا في الآخر ولا محلا ~~له كالجسمين المتماثلين # وأيضا فهو قد ذكر أن هذا من المباينة الزائدة على المباينة بالحقيقة ~~والزمان والأمر كذلك واذا كان الأمر كذلك وعدم كونه حالا أو محلا هو عدم ~~المحايثة والمباينة فعدم المحايثة مع المباينة بالحقيقة والزمان اذا كان ~~مستلزما لأمر وجودي لم يكن الا المباينة بالجهة وهذا يتقرر بوجهين أحدهما ~~أنه لم تبق مباينة وجودية بعد المباينة بالحقيقة والزمان الا المباينة ~~بالمكان كما تقدم والثاني أن عدم المحايثة يستلزم المبيانة اذ لا يعقل الا ~~متحايثان أو متباينان كما تقدم قبل هذا PageV02P509 الوجه الثالث قوله اذا ~~ادعيتم ثبوت التباين بينهما من غير هذه الوجوه حتى تقولوا يجب أن يكون ذلك ~~التباين بالمكان فهو محل النزاع يقال له هم قالوا التباين بالوجوه الزائدة ms942 ~~على الحقيقة والزمان لا تكون الا بالمكان وقد قرروا ذلك لم يقولوا بالتباين ~~من غير هذه الوجوه حتى يقولوا يجب أن يكون ذلك التباين بالمكان بل قولهم ان ~~هذا التباين الذي سلمه هو الذي هو زائد على الحقيقة والزمان هو مستلزم ~~التباين بالمكان واذا لم يكن لهم حاجة إلى ثبوت التباين من غير هذه الوجوه ~~التي سلمها تبين ان هذا الجواب فاسد # الوجه الرابع ان يقال التباين بين الله سبحانه وتعالى وبين العالم هو ~~باكثر مما ذكرته فانه مباين للعالم بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ~~وبأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وغير ذلك من الصفات ومباين العالم ~~بقدرته وعظمته وعلوه وكبريائه وهذه الأمور ليست مباينة بالزمان فاما ان أن ~~يقول هي من التباين بالحقيقة أولا يقول فان قال هي التباين بالحقيقة ~~فالمباينة بوجوبه وقدمه وغناه أولى أن يكون من التباين بالحقيقة فيبطل ما ~~ذكره من كون تلك المباينات زائدة على التباين بالحقيقة وان لم يقل هي من ~~التباين بالحقيقة فقد ثبت تباين زائد على ماذكره فأحد الأمرين لازم اما ~~زيادة على ما ذكره أو انحصار ما ذكره غير المحايثة في الحقيقة والزمان وقد ~~علم أن التباين بين الباري والعالم أزيد من التباين بالحقيقة والمحل وزعم ~~أنها بهذه الأمور دون غيرها وقد تبين أن هذه الأمور هي كغيرها فلا يكون ما ~~ذكره من الجواب عن تلك الحجة صحيحا # الوجه الخامس أن قوله وأما الباري تعالى كما خالف العالم في الحقيقة وفي ~~الزمان فليس حالا فيه ولا محلا له ولا بينهما مشاركة في الحدوث والامكان ~~PageV02P510 # والحاجة لهما كان كذلك كان الاختلاف بين الباري وبين العالم أتم من ~~الاختلاف بين الحال وبين المحل يقال له أما عدم المشاركة في الحدوث ~~والامكان والحاجة فمرجعها إلى ثبوت الوجوب والى القدم وذلك لا يخرج عن ~~المخالفة بالحقيقة أو الزمان كما تقدم وأما كونه ليس حالا فيه ولا محلا له ~~فيقال له ان أردت بهذا أنه مباين عنه بالجهة والمكان فهو ms943 المطلوب وأن أردت ~~بذلك أنه ليس حالا ولا محلا ولا مباينا بالجهة فهذا غير معقول ولا متصور ~~فاما أن يقول انه معقول والمنازع مكابر فهم يحلفون الايمان المعلطة أن هذا ~~غير معقول لهم وهم أمم عظيمة وفيهم من الصدق والديانة ما يمنع أقدامهم على ~~الكذب ولقد خاطبت بهذا طوائف مع ذكائهم وصحة فطرتهم فلم يكن فيهم من يتصور ~~ذلك أو يعقله وان ادعيت انه معقول لطائفة دون طائفة فهذا لا يستقيم عندك ~~لاشتراك الناس في المعقولات وان قيل ان ذلك لاختصاص بعضهم زيادة ذكاء أو ~~فطنة فمعلوم أن هذا لا يختص به أهل هذا القول دون ذاك بل الاستقراء يدل على ~~أن المنازعين له أكمل عقولا وأحد اذهانا واوضح ادراكا وأقل تناقضا وأقل ما ~~يمكن أن تقابل دعواه بمثلها # الوجه السادس أن يقال هب أن هذا معقول وممكن امكانا ذهنيا فما الدليل على ~~انه ليس بحال في محل ولا محياثا للعالم اذا قلت انه ليس بخارج العالم فان ~~المنازع لك يقول نفي كونه محايثا للعالم انما علم بأنه مباين للعالم بالجهة ~~فاذا قدر أنه غير مباين للعالم الا بالحقيقة والزمان دون الجهة لهذا القدر ~~لا يمنع أن يكون حالا في العالم أو محلاله كالجوهر مع عرضه فان تباينهما ~~بالحقيقة والزمان لا يمنع ذلك من تحايثهما فلا بد لك من دليل يبين عدم ~~محايثة العالم اذا اثبت مباينته بالجهة وانت لم تذكر على ذلك حجة حتى يتم ~~ما ذكرته من المباينة فان قلت المنازع سلم لي ذلك فهو انما سلم عدم ~~المحايثة التي هي المبيانة بالجهة فاما نفي المحايثة من PageV02P511 # غير مباينة بالجهة فهذا عند المنازع غير معقول ولا هو حقا عنده فهو لا ~~يسلم لك عدم المحايثة على هذا التقدير ولم تذكر عليها حجة فلا يكون ما ~~ذكرته من المباينة ثابتا بحجة ولا تسليم فلا يصح في النظر ولا المناظرة # الوجه السابع أن يقال هذا الموضع من اصعب المواضع على الجهمية فانهم لما ~~نفوا مباينته للعالم بالجهة ذهب بعضهم إلى ms944 عدم محايثته أيضا كما ذكره هذا ~~وهو المشهور من قول متكلميهم وذهب بعضهم إلى محايثته للعالم وانه بكل مكان ~~وهو قول كثير من عبادهم وبعض متكلميهم فتعارض كل طائفة بقول الأخرى فان قال ~~مثبتوا المحايثة للعالم لا أعقل موجودا لا داخل العالم أو خارجه وليس ~~بخارجه فيكون داخله وهذا معنى حجة طائفة من الجهمية الاتحادية ونحوهم يقال ~~له اذا لم تعقل موجودا الا كذلك دل على أنه اما خارج العالم واما داخله لا ~~يتعين أن يكون داخله وكونه ليس بخارج العالم انما اثبت بهذه الحجة ونحوها ~~فاذا كنت طاعنا فيها كطعن اهل الاثبات بطل اصل قولك ولم يكن لك بعد هذا ان ~~تنفي كونه خارج العالم # وامانا في المحايثة للعالم مثل الرازي ونحوه فقد احتجوا على كونه ليس ~~بحال في محل بما ذكره الرازي في نهايته فقال المسألة الثالثة في أنه لا ~~يمكن أن يكون حالا في محل ولنا فيه مسالك ثلاثة الأول لو حل في محل لكان ~~اما أن يحل في أكثر من حيز واحد أو يحل في حيز واحد وساق الحجة مختصرة ~~ومضمونها أن الأول يستلزم أن يكون منقسما أو يكون الواحد في حيزين الثاني ~~يستلزم أن يكون بقدر الجوهر الفرد وقد تقدم الكلام على هذه الحجة بعينها في ~~نفي التحيز المسلك الثاني لو حل في جسم فاما أن يقال انه أبدا كان حالا فيه ~~فيلزم اما قدم المحل أو حدوثه وهما باطلان أو يقال حل بعد ان لم يكن حالا ~~فيه وحينئذ اما أن يكون واجبا أو جائزا فان كان واجبا PageV02P512 # فذاك الوجوب اما أن يكون للمحل أو للحال أو الثالث والاول باطل لأن ~~الأجسام متساوية في الماهية خ وجميع اللوازم على ما مر فلو اقتضى شيء منها ~~حلول الله فيه لاقتضى الآخر مثل ذلك فيلزم أن يحل الباري في كلها فيلزم اما ~~انقسام ذاته أو حلول واحد في اكثر من محل وأنهما محلان والثاني باطل ايضا ~~لأن اقتضاء الحلول ان لم يكن بشرط حدوث المحل كان ms945 حالا في المحل قبل حدوث ~~المحل وهذا محال وان كان بشرط حدوثه فعند حدوث الجواهر الكثيرة لم يكن بأن ~~يحل في واحد منها أولى بأن يحل في غيره فيعود المحال المذكور والثالث أيضا ~~باطل لأن ذلك الثالث أن كان لازما للحال أو المحل عادت المحالات وان لم يكن ~~لازما لها فهو اما موجب واما مختار والموجب لا بد وأن يكون لا جسما ولا ~~جسمانيا والا فليس اختصاصه بهذا الاقتضاء اولى من الاختصاص بسائر الأجسام ~~بل يكون الجسم الذي هو محل اولى بذلك ويعود المحال وان لم يكن ذلك الموجب ~~جسما ولا جسمانيا فليس بأن يقتضي حلول الله في بعض الجواهر أولى من أن يقضي ~~حلوله في غيره فيلزم أن يحل في كل الجواهر فيعود المحال # وأما ان كان مختارا فذلك المختار لا بد وأن يفعل فعلا والا لما افترق ~~الحال بين ما قبل الحلول وبين ما بعده وذلك الفعل لا بد وأن يكون هو الحلول ~~أو ما يقتضي الحلول لكن حلول الشيء في غيره ليس أمرا وجوديا حتى يصح أن ~~يجعل اثرا للفاعل أو موجودا لأن حلول الشيء في الشيء لو كان صفة موجودة ~~لكانت تلك الصفة أيضا حالة في الشيء الذي صار حالا فيه PageV02P513 # فيكون حلول الحلول زائدا عليه ولزم التسلسل فثبت أن القول بحلول الله في ~~غيره يفضي إلى أقسام فاسدة فيكون القول به فاسدا فليس في النسخة ذكر القسم ~~الآخر وهو أن يكون جائزا فلا أدري هل سقط من النسخة أم من التصنيف ولكن ما ~~ذكره يدل على نظيره # وهذه الحجة مبنية على تماثل الأجسام وقد تقدم بيان فساده من وجوه كثيرة ~~ومبنية على امتناع ما سماه انقساما وقد تقدم أيضا بيان فساده وقوله عند ~~حدوث الجواهر الكبيرة لم يكن بأن يحل في واحد منها أولى من أن يحل في غيره ~~فهذا مبني على تماثل الأجسام وقد تقدم وبتقدير تماثلها فهو مبني على أن ~~الرب لا يخص أحد المثلين لمجرد مشيئته وهذا خلاف أصله وأيضا فان تخصيص ms946 بعض ~~الأجسام ببعض الصفات أمر موجود فان كل هذا قبل عدم تماثلها وان كان التخصيص ~~بعد التماثل فقد ثبت جواز تخصيص أحد المثلين بما يحل فيه وعلى التقديرين ~~يبطل ما ذكره من القسم الثاني وكذلك ما ذكره في القسم الثالث من أنه ليس ~~اقتضاء المقتضى للحلول في بعض اولى من الحلول في بعض يرد عليه هذه الوجوه ~~الثلاثة # وما ذكره من التخصيص باختيار المختار من أن المختار لا بد وأن يفعل فعلا ~~والحلول ليس بأمر وجودي فهو ابطل من غيره فان هذا لو صح لم يمتنع عليه ~~الحلول في غيره فانه لا يمتنع عليه أن يكون بينه وبين المخلوقات تعلقات غير ~~وجودية وأيضا لو صح ذلك لكان التحيز والعلو على العرش ونحو ذلك أمورا عدمية ~~وبطل نفي ذلك عنه لأن وصفه بالسلوب متفق عليه بين العالمين وأيضا فلو كان ~~ذلك أمرا عدميا لكان نقيضه وجوديا فكان عدم الحلول أمرا PageV02P514 # وجوديا ولو كان أمرا وجوديا لم يصح أن يكون صفة المعدوم ومن المعلوم أن ~~المعدوم يوصف بأنه ليس حالا في غيره وليس غيره حالا فيه وذلك يمنع أن يكون ~~سبب الحلول وجوديا ويقتضي أن الحلول وجودي # وأما قوله لو كان وجوديا لكانت الصفة حالة في الشيء ولكان للحلول حلول ~~وهو يقتضي التسلسل فيقال الأول هو حلول الشيء القائم بنفسه والثاني حلول ~~الصفة بالموصوف فهذا من باب حلول الاجسام في محالها وهذا من باب حلول ~~الاعراض في الأجسام وأحد النوعين مخالف للآخر وذلك لا يقتضي أن يكون لحلول ~~الصفة بالموصوف حلول فيها لأن العرض لا يقوم بالعرض # ثم قال المسلك الثالث وهو أنه تعالى ان كان محتاجا إلى ذلك المحل كان ~~ممكنا لذاته لأن المحتاج إلى الغير ممكن لذاته ولكان ذلك المحل غنيا عنه ~~فكان واجبا لذاته أو لشيء آخر غيره فيلزم وجود موجودين ولمعنى الوجود وهو ~~محال وان لم يكن محتاجا إلى ذلك المحل كان غنيا عنه والغنى بذاته عن المحل ~~يستحيل أن يعرض له ما يحوجه إلى المحل لأن العرضيات ms947 لا تزيل الصفات الذاتية ~~قال وفي هذا المسلك مباحث وهو أعم من المسلكين السالفين لأنهما ينفيان حلول ~~الله في الجسم وهذا المسلك ينفي حلوله في المحل سواء كان ذلك المحل جسما أو ~~غير جسم # قلت وهذا المسلك ان دل فانما يدل على أنه لا يحل في محل على طريق الحاجة ~~اليه وأما الحلول على غير طريق الحاجة فلا ينفيه هذا المسلك فكيف وليس ~~بمستقيم فان قوله ولكان ذلك المحل غنيا عنه ليس بلازم اذ الممكن لن يكون ~~وجوده مستلزما لمحل يكون ذلك المحل محتاجا اليه وواجب PageV02P515 # به لا بنفسه فلا يكون فيما يسميه حاجة إلى ذلك المحل ما ينافي وجوبه ~~بنفسه لأن الحاجة هنا معناها الملازمة كما يقوله في صفاته اللازمة وأيضا ~~فهو قدح في الحجة المانعة من وجود واجبين # وقد تقدم الكلام على هذا مبسوطا وان لهذا الكلام ثلاثة أوجه أحدها ان ~~يكون ذلك المحل داخلا في صفات الرب كما تقدم بيان ذلك في لفظ الحيز والنزاع ~~في كونه في المحل لا يعني به هذا الثاني انه يراد بالمحل ما اراده هو ~~بالحيز المنفصل عنه وقد زعم هو في موضع انه وجودي والتحقيق انه عدمي الوجه ~~الثالث انه لو قدر انه وجودي فالمقصود هنا ان استلزام ذاته لذلك المحل لا ~~ينافي وجوبه لذاته ولا يقتضي انه ممكن مفتقر اليه فان المتفلسفة القائلين ~~بأن ذاته تستلزم لوجود العالم يعلمون أن ذلك لا ينافي وجوب وجوده بنفسه ~~فهذا أولى وان كان انتفاء هذا المحل معلوما بأدلة اخرى عقلية أو سمعية لكن ~~المقصود بيان أنما ذكره ليس بدليل فاذا تبين انه ليس لهم حجة صحيحة تنفي ~~حلوله في المحل اذا قالوا ليس مبانيا للعالم بالجهة كان قولهم حينئذ ليس هو ~~حالا في العالم ولا العالم محلا له اذا لم يقولوا بكونه مباينا العالم ~~قولاا بلا علم ولا حجة فلا يكون مقبولا وكذلك يقتضي انهم لا يثبتون له في ~~المباينة قدرا زائدا على المباننة بالحقيقة والزمان وان كل من قال انه ليس ~~بخارج ms948 العالم لم يثبت مباينة زائدة على المباينة التي يشاركها فيه المحل ~~والحال فيه وهذا معلوم الفساد بالضرورة كما تقدم # الوجه الثامن أن اخوانهم الجهمية الموافقون لهم على نفي كونه خارج العالم ~~اذا قالوا لهم هو في كل مكان وحال في كل مكان لم يمكنهم نفي ذلك عنه بهذه ~~PageV02P516 # الحجج كما تقدم وأولئك اذا قالوا هو في كل مكان لم يمكنهم الاحتجاج على ~~ذلك بما نفي كونه خارج العالم وكان قول طائفة من الطائفتين مانعا من صحة ~~قول الآخرين وذلك يقتضي بطلان قول الطائفتين وبطلانهما جميعا يوجب أن يكون ~~خارج العالم # وايضاح ذلك أن من يقول في كل مكان يجعله مقدرا محدودا بقدر العالم فجميع ~~ما يحتج به على نفي كونه فوق العرش ينفي أن يكون بكل مكان بطريق الأولى ~~والأحرى لأن في هذا القول من وصفه بالصفات الممتنعة عليه وتجويز النقائص ~~عليه وقبوله للزيادة والنقصان وغير ذلك ما ليس في كونه خارج العالم ومن قال ~~انه ليس داخل العالم ولا خارجه اما أن يثبت مباينته للعالم بقدر زائد على ~~المباينة بالحقيقة والزمان أو لا يثبته فان اثبت المباينة الزائدة وجب أن ~~يكون مباينا للمكان وان لم يثبتها لم يمكنه نفي حلوله في العالم مع مبيانته ~~بالحقيقة والزمان اذ لا يكون له حجة على نفي حلوله في العالم كما تقدم وهذا ~~باطل وما استلزم الباطل فهو باطل وان قال هو داخل العالم وهو خارجه ايضا ~~كما يقوله بعض الناس فانه يرد عليه كل ما يورد على من قال هو خارج العالم ~~سواء قال هو جسم مع ذلك أو ليس بجسم # فقد تبين أن من قال أن الله ليس خارج العالم يلزمه أن لا يكون الله ~~مباينا للعالم منفصلا عنه وهذا باطل عند المنازع ونحوه ومن التزمه وقال ~~بالحلول كان ما يلزمه من الفساد والتناقض اكثر مما يلزم خصمه فيكون قوله من ~~أبطل الباطل وابطال قول هؤلاء زيادة زدناها اذ هو لم يتعرض لذلك هنا وانما ~~أفرد له مسألة ولهذا كان الأئمة ms949 كأبن المبارك والامام أحمد واسحاق بن ~~إبراهيم وغيرهم يقولون ان الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ويقولون ~~بجد PageV02P517 # لأن نفي المباينة لخلقه يستلزم حلوله فيهم واتحاده بهم # وأما نفي المباينة ونفي المحايثة فانه جمع بين النقيضين من جنس كلام ~~الملاحدة الذين يقولون ليس بعالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز اذ كلام هؤلاء ~~النفاة كله من واد واحد هو الالحاد في اسماء الله وآياته بالقرمطة وتحريف ~~الكلم عن مواضعه وبالسفسطة في العقليات بدعوى عدم النقيضين أو دعوى ~~اجتماعهما لكن فيهم من يلحد في أمور يقر الآخر باثباتها والا فينفي علوه ~~على العرش فقول القائل ليس داخل العالم ولا خارجه هو مثل نفي علمه وقدرته ~~بقول القائل لا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز كل هذا من باب واحد ومن لم ~~يثبت انه عالم قادر لزمه أن يكون جاهلا عاجزا كما أن من لم يثبت أنه فوق ~~العالم لزمه أن يكون حالا في العالم وكونه حالا في العالم هو من صفات النقص ~~كوصفه بعدم العلم والقدرة # الوجه التاسع أن الجهمية بعد اشتراكه في أن الله ليس فوق العرش وأنه ليس ~~خارج العالم اختلفوا فقالوا ما يمكن أن يخطر بالبال من الأقوال والممكن أن ~~يقال اما أن يكون في كل مكان أو هو جسم بقدر العالم أو هو جسم فاضل عن ~~العالم متناه أو هو في كل مكان وليس بجسم أو يقال انه في كل مكان بذاته وهو ~~مع ذلك فوق العرش وليس بجسم أو يقال ليس لمساحته نهاية ولا غاية وهو ذاهب ~~في الجهات الست وليس بجسم أو يقال هو مع ذلك جسم أو يقال ليس داخل العالم ~~ولا خارجه وهذه الأقوال قد ذكرها أرباب المقالات كما تقدم ذلك PageV02P518 # واذا كان كذلك فهؤلاء الذين يقولون هو في كل مكان بذاته ليس مع ذلك خارج ~~العالم أو هو مع ذلك خارج العالم ببعد متناه أو أنه لا نهاية له سواء قالوا ~~هو جسم أو قالوا ليس بجسم أو قالوا ms950 ليس داخل العالم ولا خارجه فهذه الأقوال ~~السبعة يقابل بعضها بعضا كما تراه وهم كما قال الامام أحمد مختلفون في ~~الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب وهم مع ذلك لا بد أن ~~يقولوا هو مخالف للعالم في حقيقته ليست حقيقته مثل حقيقة العالم كما تقدم ~~وأنه متقدم عليه أيضا فهم يثبتون المباينة بالحقيقة والزمان وأما المباينة ~~بالجهة فلا يثبتها أحد منهم لكن منهم من ينفي المحايثة ومنهم من لا ينفيها ~~بل يثبت المحايثة للعالم فمن نفي المحايثة للعالم لزمه أن يثبت المباينة ~~بالجهة والا جمع بين النقيضين ولم يمكن أن ينفي المحايثة مع نفي المباينة ~~بالجهة كما تقدم ومن أثبت المحايثة لم يجعله مباينا للعالم بالجهة بل غايته ~~أن يجعل مباينته للعالم بالحقيقة والزمان وهذه المباينة تثبت للجوهر مع ~~عرضه ونحن نعلم بالاضطرار أن مباينة الله للمخلوق أعظم من مباينة المخلوق ~~بعضه لبعض ومن مباينة الجوهر للعرض فكل من هؤلاء لا يذكر بجحد الضرورة ~~العقلية # الوجه العاشر أن هؤلاء جميعا فروا بزعمهم من التشبيه ومن المعلوم أن هذا ~~فيه من تشبيههم اياه بكل شيء من الجواهر والأجسام بل ومن المعدومات ما ليس ~~في قول أهل الفطرة والشرعة فان نفي المباينة والمحايثة صفة للمعدوم والقول ~~بالمحايثة تمثيل له بكل جوهر فان أحدهما محايث للآخر مع مباينته له ~~بالحقيقة والزمان على أن فيهم من يجعل الأشياء حالة فيه ومنهم من يجعله ~~حالا فيها فيكون هؤلاء مثلوه بالجواهر وهؤلاء مثلوه بالأعراض PageV02P519 # الوجه الحادي عشر انه قد ثبت بالشرع والعقل ان الله سبحانه ليس كمثله شيء ~~وان حقيقته لا تماثلها حقيقة وذلك انه لو كان له مثل والمثلان يجوز ويجب ~~ويمتنع على احدهما ما يجوز ويجب ويمتنع على الآخر لوجب للمخلوق ما يجب له ~~من الوجوب والقدم والخلق وسائر خصائص الربوبية ولجاز عليه ما يجوز على ~~المخلوق من العدم والحاجة والحدوث وسائر صفات النقص ولا ممتنع على المخلوق ~~ما يمتنع عليه من العدم ونحو ذلك وذلك يستلزم ان يكون الشيء موجودا معدوما ~~قديما ms951 محدثا خالقا مخلوقا واجبا ممكنا إلى غير ذلك من الأمور المتناقضة ~~واذا كان كذلك فمن المعلوم ان عدم مماثلته لشيء من المخلوقات اعظم من عدم ~~مماثلة المخلوق للمخلوق اذ المخلوقات تشترك في كثير مما يجوز ويجب ويمتنع ~~عليها واذا كان عدم مماثلته للعالم أعظم فالمباينة والمخالفة ونحوهما تتبع ~~عدم المماثلة فكلما كان الشيء عن مماثلة الشيء أبعد كانت مباينته له ~~ومخالفته له أعظم وذلك يوجب أن يكون مباينته له أعظم من مباينة كل جوهر وكل ~~عرض لكل جوهر ولكل عرض فاذا لم يكن مباينا الا بالحقيقة والزمان لم يكن ~~كذلك فعلم ان ذلك باطل # الوجه الثاني عشر يقال لو كان لا يباين العالم الا بالحقيقة والزمان وهذه ~~المباينة يشاركه فيها الجواهر وما يقوم بها من الأعراض لم يكن لمباينته ~~للعالم قدر زائد على مباينة الجوهر للعرض واذا انتفت المباينة الزائدة ثبتت ~~المماثلة والمشابهة في المباينة فان الشيئين اذا كان كل منهما لا يباين ما ~~يباينه الا بالحقيقة والزمان كانت نسبة كل منهما إلى ما يباينه كنسبة الآخر ~~إلى ما يباينه فتكون نسبته إلى العالم كنسبة كل من الجواهر والأعراض ~~المخلوقه إلى الآخر اكثر ما يقال ان حقيقته اكثر مباينة لحقيقة غيره من ~~لجوهر للعرض والعرض للعرض كما ان تقدمه للعالم اعظم من تقدم بعض العالم ~~لبعض لكن بكل حال اذا كانت مباينته من جنس المباينة بالحقيقة والزمان لم ~~يخرج عما يجوز على هذا PageV02P520 الجنس كما انه اذا كان موجودا وقائما ~~بنفسه لم يخرج عما يجوز على جنس الموجود والقائم بنفسه فاذا كان الموجود ~~والقائم بنفسه لا يكون الا واجبا أو ممكنا ولا يكون الا قديما أو محدثا لم ~~يخرج عن أحد القسمين # واذا كان التباين بالحقيقة أو الزمان لا يخرج عن ان يكون محلا لحال يقوم ~~به أو حالا في محل والحال مفتقر إلى محله والمحل لا يوجد بدون وجود الحال ~~فيه اذ العرض مفتقر إلى الجوهر مستلزم للعرض وقد يقال هو محتاج اليه ايضا ~~لزم اذا جعل حالا في ms952 العالم ان يكون مفتقرا إلى العالم محتاجا اليه لا يقوم ~~وجوده الا بالعالم مع ان العالم قائم بنفسه بدونه وهذا يقتضي ان يكون غنيا ~~عن الله تعالى والله مفتقر اليه وان يكون هو إلى العالم أحوج من العالم ~~اليه أو ان يكون كل منهما محتاجا إلى الآخر # وهذا قد صرح به الاتحادية كصاحب الفصوص وقال بان العالم والحق كل منهما ~~محتاج إلى الآخر ونحو ذلك مما قد ذكرناه في غير هذا الموضوع ويقال ان أعيان ~~العالم هي ثابتة في العدم مستغنية عن الحق وأن وجود الحق ظهر فيها وهذا من ~~جنس حلوله في تلك الأعيان لكن هما متحدان لا يتميز الحال عن المحل ولهذا ~~يقول بنوع من الحلول وبنوع من الاتحاد وهو في ذلك متناقض كتناقض النصارى في ~~الحلول والاتحاد الخاص بالمسيح وذلك لأنه يجعل الثبوت غير الوجود كما يقوله ~~من يقول المعدوم شيء وهذا باطل وان كان محققوا هؤلاء لا يرضون بالحلول الذي ~~يقتضي اثنين حالا ومحلا بل عندهم ما ثم الا وجود واحد ومنهم من يقول هو ~~الوجود المطلق وان كان المطلق لا وجود له في الخارج الا معينا مخصصا فيكون ~~هو وجود المخلوقات بعينه ومنهم من يصرح PageV02P521 # بذلك فيقول هو عين الموجودات لا يفرق بين ثبوت ووجود ولا بين مطلق ومعين ~~فهؤلاء يجعلونه نفس المخلوقات فالحلول والاتحاد المطلق يشبه الحلول ~~والاتحاد المعين # وكما أن النصارى في المسيح منهم من يقول اللاهوت والناسوت جوهر واحد وصفة ~~واحدة كاليعقوبية القائلين بأن اللاهوت والناسوت اتحدا كاتحاد الماء واللبن ~~وبأن نفس المصلوب المسمر هو خالق العالم ومنهم من يقول بالحلول كحلول الماء ~~في الظرف كالنسطورية القائلين بأنهما جوهران وطبيعتان واقنومان ومنهم من ~~يقول بالحلول من وجه بالاتحاد من وجه كالملكية الذين يقولون كالنار في ~~الحديدة # فهؤلاء الذين يقولون بالحلول والاتحاد المطلق في المخلوقات جميعها من ~~الجهمية قولهم ذلك شر من مقالة النصاري في الاتحاد فان قولهم من جنس قول ~~المشركين والمعطلين وهم شر حال من النصارى وذلك من وجهين # أحدهما أن ms953 النصارى قالوا بالاتحاد والحلول في شخص واحد وهؤلاء قالوا انه ~~في العالم كله حتى ذكروا عن صاحب الفصوص أنه قال النصارى ما كفروا الا ~~لأنهم خصصوا وقال ذلك التلمساني وغيره من شيوخهم وقد صرح في غير موضوع بأن ~~المشركين عباد الأوثان انما أخطئوا من حيث عبادة بعض الأشياء دون البعض ~~والمحقق عندهم من يعبد كل شيء ويرى كل شيء عابدا للحق ومعبودا له وكل من ~~عبد شيءا غير الله عنده فما عبد الا الله وهذا يجمع كل شرك في العالم مع ~~قوله ان الشريك هو الله كما زعمت النصارى ان الله هو المسيح بن مريم ولهذا ~~كثيرا ما يصرح شيوخ الجهمية بأن الله في العالم كالزبد في اللبن وهذا قول ~~اليعقوبية في المسيح وقد قالوا في مجموع الوجود ما يقوله النصارى في المسيح ~~PageV02P522 # الوجه الثاني ان النصارى يقولون بأن الاتحاد والحلول فعل من أفعال الرب ~~وان اللاهوت اتحد بالناسوت مرة وانفصل عنه أخرى وهؤلاء عندهم ما يتصور أن ~~يتميز وجود الحق عن المخلوقات ولا يباينها ولا ينفصل عنها وهؤلاء الاتحادية ~~هم أكفر وأضل ممن يقول ان الله تعالى بذاته في كل مكان ونحو ذلك من ~~المقالات الشنيعة المتقدمة ولكن هم مشاركون لهم في أصل المقالة وزائدون ~~عليهم في الضلالة # والمقصود هنا التنبيه على ان اولئك الجهمية الذين لا يثبتون المباينة ~~يضطرون إلى ان يجعلوا الرب مفتقرا إلى العالم اذا جعلوه حالا فيه مع ~~استغناء العالم عنه وان جعلوه محلاله مع أن ذاته لا تباين ذات العالم بل ~~تحايثه كما هو قولهم بانهم يقولون بأنه لا وجود للرب الا بوجود العالم ولا ~~يمكن وجود الرب بدون وجود العالم كما لا يمكن وجود المحل الذي هو الجوهر أو ~~الهيولي بدون ما يحل فيه من الأعراض أو الصورة فيكون العالم مقويا لوجود ~~الرب والرب محتاج اليه أيضا وهو اعظم من قدم جميع العالم # الوجه الثالث عشر أن هؤلاء الجهمية يقولون انه لا تحله الصفات ولا تقوم ~~به فانه اذا قامت به الصفات والأعراض ms954 كان محتاجا اليها وكانت مقومة له ~~ومنافية لوحدته ووجوب وجوده وقدمه فاذا قال منهم طائفة بأن المخلوقات كلها ~~تحله وتقوم به كان هذا مع فيه من الكفر والضلال في الاختلاف والتناقض اعظم ~~من ان يوصف وكذلك قالوا انه لا يكون فوق العرش لئلا يكون حالا بغيره وقائما ~~بغيره وكأننا في كل مكان ونحو ذلك مع انه متميز عن العرش منفصل PageV02P523 # عنه فاذا قالوا أنه حال في المخلوقات مختلط بالقاذورات كان هذا مع ما فيه ~~من الكفر والضلالات من أعظم المتناقضات # والمقصود ان هؤلاء الجهمية لا يفرون من شيء من الحق لما يظنونه شبهة الا ~~وقعوا في اضعاف مضاعفة من الباطل التي يلزمها ذلك المحذور عندهم فهم دائما ~~متناقضون فان كل من نفي عن الله ان يكون فوق العرش لا بد أن يحتج بحجة ~~تقتضي السلب والنفي فهو مع قوله بالمحايثة أو قوله بالمباينة بلا محايثة ~~يكون مثبتا لكل ما سلبه ولأضعافه أو يلزمه ذلك فلم يستفيدوا الا التناقض في ~~المقال وجحدوا الخالق الذي هو من أعظم الضلال ونفس تناقض القولين يقتضي ~~فساده فكيف بما زاد على ذلك # فانهم اذا قالوا الوجود الواجب لا يكون الا واحدا ليس هو صفة ولا قدرة ~~ونحو ذلك مما أصل قولهم فكل ما يقولونه بعد ذلك من كونه بكل مكان أو كونه ~~داخل العالم وخارجه أو كونه هو الوجود القائم بالكائنات ونحو ذلك مما يناقض ~~هذا فان المحايث لجواهر العالم وأعراضه يجب ان يوصف بما توصف به الجواهر ~~والأعراض من التركيب والانقسام وغير ذلك وان لم يوصف بذلك مع قولهم ~~بالمحايثة له كان هذا مع فساده في ضرورة العقل ناقضا لجميع اصولهم فانهم ~~اذا جعلوا ذاتين محايثتين وجعلوا احداهما منقسمة ومركبة وغير ذلك دون ~~الأخرى وجعلوا الواحد الذي لا تركيب فيه محايثا لكل مركب كان هذا مفسدا لكل ~~حجة لهم وقولهم انه غير محايث له مع قولهم انه لا يباينه الا بالحقيقة ~~والزمان جمع بين النقيضين حيث جعلوا مباينته غير زائدة على مباينة المحل ~~للحال ms955 فيه وقالوا مع ذلك انه غير مباين بغير هذه المباينة كما تقدم ~~PageV02P524 # ولو أن هذا الموضع ليس هو موضع الرد على من يقول هو بذاته في كل مكان اذ ~~المؤسس وذووه لا يقولون هذا لكنا نوسع المقال فيه وانما المقصود هنا قول من ~~يقول انه لا داخل العالم ولا خارجه وان كان القولان جميعا خارجين من مشكاة ~~واحدة وهي التعطيل لكونه فوق العرش فانهم لاما جحدوا هذا الحق الذي فطر ~~الله عليه عباده وبعث به رسله وانزل به كتبه واجتمع عليه المؤمنون به ~~تفرقوا بعد ذلك وفسادا أحد القولين مستلزم لفساد اصل القول الآخر وكل من ~~القولين يناقض الآخر وكل منهما لا يمكنه افساد قول خصمه مع مقامه على قوله ~~فيلزم اما القول بباطل خصمه واما الرجوع إلى الحق ومتى ابطل قول خصمه ~~ابطالا محققا لزم ابطال قوله # وأدلة ابطال قول الحولية والاتحادية الذين يقولون انه في كل مكان ونحو ~~ذلك كثيرة ليس هذا موضعها وكل آية في القرآن تبين ان لله ما في السموات ~~والأرض وما بينهما ونحو ذلك فانها تبطل هذا القول فان السموات والأرض وما ~~بينهما وما فيهما اذا كان الجميع له وملكه ومخلوقه امتنع ان يكون شيء من ~~ذلك ذاته فان المملوك ليس هو المالك والمربوب ليس هو الرب والمخلوق ليس هو ~~الخالق ولهذا كان حقيقة قول الاتحادية ان المخلوق هو الخالق والمصنوع هو ~~الصانع لا يفرقون بينهما حتى انه يمتنع عندهم انه يكون الله رب العالمين ~~كما يمتنع ان يكون رب نفسه اذ ليس العالمون شيئا خارجا عن نفسه عندهم # وقد قدمنا فيما مضى طرفا من كلام السلف والأئمة في الرد على هؤلاء مثل ~~الأثر المشهور عن ابن المبارك انه قيل له بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق ~~سماواته على عرشه بائن من خلقه لا نقول كما تقول الجهمية انه ها هنا في ~~الأرض وقول الامام أحمد هكذا هو عندنا وروي عن أبي حاتم في كتاب الرد على ~~الجهمية حدثنا علي بن الحسن بن مهران ms956 حدثنا سبشار بن موسى الخفاف ~~PageV02P525 # قال جاء بشر بن الوليد إلى أبي يوسف فقال له تنهاني عن الكلام وبشر ~~المريسي وعلي الأحوال وفلان يتكلمون فقال وما يقولون قال يقولون الله في كل ~~مكان فبعث أبو يوسف وقال علي بهم فأتوا اليهم وقد قام بشر فجيء بعلي الأحول ~~والشيخ يعني الآخر فنظر أبو يوسف إلى الشيخ وقال لو أن فيك موضع ادب ~~لأوجعتك فأمر به إلى الحبس وضرب علي الأحول وطوف به # وقال ايضا حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي سمعت أبي يقول حبس رجل في ~~التجهم فتاب فجيء به إلى هشام بن عبيد الله الرازي ليمتحنه فقال له أتشهد ~~أن الله على عرشه بائن من خلقه قال لا أدري ما بائن من خلقه فقال ردوه فانه ~~لم يتب بعد وقال عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق لما روي حديث ابن عباس ما ~~بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور فهو فوق ذلك قال من زعم ان ~~الله هاهنا فهو جهمي خبيث ان الله سبحانه فوق العرش وعلمه محيط بالدنيا ~~والآخرة وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة ~~في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك ~~فقالا أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا فكان ~~من مذاهبهم أن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه بلا كيف احاط بكل ~~شيء علما وقال عثمان بن سعيد الرازي قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله ~~فوق عرشه فوق سماواته وقال ايضا قال أهل السنة ان الله بكماله فوق عرشه ~~يعلم ويسمع من فوق العرش لا يخفي عليه خافية من خلقه لا يحجبهم عنه شيء ~~وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش له ذكروا أن الجهمية يقولون ~~ليس بين الله وبين خلقه PageV02P526 # حجاب أي يحجبهم عن أن يروه وانكروا العرش وأن يكون الله فوقه وقالوا انه ~~في كل مكان إلى أن ms957 قال فسرت العلماء وهو معكم يعني بعلمه ثم تواترت الأخبار ~~ان الله خلق العرش فاستوى عليه بذاته فهو فوق العرش بذاته متخلصا من خلقه ~~بائنا منهم # وقال عمرو بن عثمان المكي رفيق الجنيد في كتاب آداب المريدين والتعرف ~~لأحوال العباد في باب ما يجيء به الشيطان للتائبين من الوسوسة أما الوجه ~~الثالث الذي يأتي به للتائبين اذا هم امتنعوا عليه واعتصموا بالله فانه ~~يوسوس لهم في أمر الخالق ليفسد عليهم اصول التوحيد وذكر كلاما طويلا إلى أن ~~قال فهذا من أعظم ما يوسوس به في التوحيد بالتشكيك أو في صفات الرب ~~بالتمثيل والتشبيه أو بالجحد لها والتعطيل وأن يدخل عليه مقاييسس عظمة الرب ~~بقدر عقولهم فهلكوا ان قبلوا وتضعضع أركانهم ان لم يلجؤا بذلك إلى العلم ~~وتحقيق المعرفة لله عز وجل من حيث أخبر عن نفسه ووصف به نفسه وما وصفه به ~~رسول إلى أن قال فهو تعالى القائل انا الله لا الشجرة الجائي بعد أن لم يكن ~~جائيا لا أمره المستوي على عرشه بعظمته وجلاله دون كل مكان الذي كلم موسى ~~تكليما وأراه من آياته عظيما فسمع موسى كلام الله الوارث لخلقه السميع ~~لأصواتهم الناظر بعينه إلى أجسامهم يداه مبسوطتان وهما غير نعمته وقدرته ~~خلق آدم بيده وذكر أشياء أخر # وذكر زكريا بن يحيى الساجي امام البصرة في زمانه وعنه أخذ الاشعري كثيرا ~~مما اخذه من مذاهب أهل السنة والحديث والفقه قال القول في السنة التي رأيت ~~عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم أن الله على عرشه في سمائه ~~PageV02P527 # يقرب من خلقه كيف شاء وقال نظيره أبو بكر بن محمد اسحاق بن خزيمة رضي ~~الله عنه من لم يقر بأن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فانه ~~ايستتاب فان تاب والا ضربت عنقه والقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه اهل ~~القبلة وأهل الذمة # وقال أبو عبد الله بن بطة في الابانة الكبرى اجمع المسلمون من الصحابة ~~والتابعين ان الله على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه # وقال ms958 الحافظ أبو نعيم الاصبهاني في الإعتقاد الذي جمعه طريقتنا طريق ~~السلف المتبعين للكتاب والسنة واجماع الأمة ومما اعتقدوه ان الله سبحانه لم ~~يزل كاملا بجميع صفاته القديمة لا يزول ولا يحول لم يزل عالما بعلم بصيرا ~~ببصر سميعا بسمع متكلما بكلام ثم أحدث الأشياء من غير شيء وان القرآن كلام ~~الله وكذلك سائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق وان القرآن من جميع الجهات ~~مقروءا ومتلوا ومحفوظا ومسموعا ومكتوبا وملفوظا كلام الله حقيقة لا حكاية ~~ولا ترجمة وأنه بالفاظنا كلام الله غير مخلوق وان الواقفة واللفظية من ~~الجهمية وأن من قصد القرآن بوجه من الجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم ~~من الجهمية وان الجهمي عندهم كافر إلى ان قال وأن الاحاديث التي ثبتت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها ~~من غير تكييف ولا تمثيل وان الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل ~~فيهم ولا يمتزج به وهو مستو على عرشه في سمائه من دون ارضه وذكر سائر ~~اعتقاد السلف واجماعهم على ذلك PageV02P528 # وقال يحيى بن عمار السبحستاني في رسالته وفيه لا نقول كما قالت الجهمية ~~انه مداخل الأمكنة وممازج لكل شيء ولا يعلم أين هو بل نقول هو بذاته على ~~العرش وعلمه محيط بكل شيء وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء وهو معنى قوله ~~وهو معكم أين ما كنتم هذا الذي قلنا أن الأمكنة غير خالية من علمه وقدرته ~~وأنه مدرك لها بسمعه وبصره وهو بذاته على العرش سبحانه وكما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وقال معمر بن زياد شيخ الصوفية في عصر أبي نعيم ويحيى بن عمار احببت أن ~~اوصي أصحابي بوصية من السنة واجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل المعرفة ~~والتصوف من المتقدمين والمتأخرين فذكر أشياء في الوصية إلى أن قال فيها وأن ~~الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف ~~مجهول وأنه مستو على عرشه بائن من خلقه ms959 والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ~~ممازجة ولا ملاصقة وأنه عز وجل سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ~~ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا كيف شاء بلا كيف ولا تأويل فمن انكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال # وقال أبو عثمان اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتاب الرسالة في السنة ~~له ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سمواته على عرشه كما نطق به ~~كتابه وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله تعالى على ~~عرشه وعرشه فوق سماواته PageV02P529 # وقال أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقادر له في باب القول في الاستواء قال ~~الله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ثم استوى على العرش وهو ~~القاهر فوق عباده يخافون ربهم من فوقهم اليه يصعد الكلم الطيب أأمنتم من في ~~السماء أراد فوق السماء كما قال @QB@ ولأصلبنكم في جذوع النخل @QE@ وقال ~~@QB@ فسيحوا في الأرض @QE@ يعني على الأرض وكل ما علا فهو سماء والعرش على ~~السموات فمعنى الآية أأمنتم من على العرش كما صرح به في سائر الآيات وقال ~~فيما كتبنا من الآيات دلالة على ابطال قول من زعم من الجهمية بأن الله ~~بذاته في كل مكان وقوله @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ انما أراد بعلمه لا ~~بذاته # وقال أبو عمر بن عبد البر لما تكلم على حديث النزول قال هذا حديث ثابت من ~~النقل صحيح الاسناد لا يختلف اهل الحديث في صحته وهو منقول من طرق سوى هذه ~~من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على أن الله في ~~السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على ~~المعتزلة في قولهم ان الله في كل مكان قال والدليل على صحة قول اهل الحق ~~قول الله تعال وذكر بعض الآيات إلى أن قال وهذا اشهر واعرف عند العامة ~~والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ~~ولا ms960 أنكره عليهم مسلم # وقال أبو اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب شيخ الاسلام في كتاب ~~الصفات له باب اثبات استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة بائنا من ~~خلقه من الكتاب والسنة فذكر رحمه الله دلالات ذلك من الكتاب والسنة إلى أن ~~قال ففي أخبار شتى أن الله تعالى فوق السماء السابعة على العرش بنفسه وهو ~~ينظر كيف يعملون وعلمه وقدرته واستماعه ونظره ورحمته في كل مكان ~~PageV02P530 وهذا باب واسع لا يحصيه الا الله تعالى فان الذين نقلوا اجماع ~~السلف أو اجماع اهل السنة أو اجماع الصحابة والتابعين على أن الله فوق ~~العرش بائن من خلقه لا يحصيهم الا الله وما من أحد من هؤلاء المذكورين الا ~~وشهرته في الاسلام بالعلم والدين أعظم من أن يتسع لها هذا الموضع وان كان ~~بعضهم أفضل من بعض وفي شيء دون شيء وما زال علماء السلف يثبتون المباينة ~~ويردون قول الجهمية بنفيها مع أن نفيها بالحقيقة أو الزمان لا ينكره أحد ~~وانما ينكرون المباينة بالجهة ثم هم مضطربون في ثبوت المحايثة وعدمها كما ~~تقدم واثبات المحايثة اقرب إلى الفطر ابتداءا من نفي المباينة والمحايثة ~~فلهذا كان هذا هو الذي تتظاهر به الجهمية وان كان منهم من يتأول قوله انه ~~في كل مكان بمعنى علمه وقدرته لكن منهم من يقول ان ذاته في كل مكان وهو قول ~~طوائف من علمائهم وعبادهم حتى انهم قالوا انه نفس وجود الأمكنة ومعلوم ان ~~في هذا من الفساد أمور كثيرة من وصف الله تعالى بالنقائص والعيوب وما هو ~~منزه عنه وقد التزم ذلك جميعه من التزمه من هؤلاء كالاتحادية وقالوا ان من ~~كماله أن يكون هو الموصوف بكل مدح وذم ولعن وشتم وهو الناكح المنكوح ~~والشاتم والمشتوم وأمثال ذلك مما هو من أعظم الكفر والسب والشتم والالحاد ~~والمحادة لرب العالمين فكان السلف يحتجون على الجهمية بما يلزم قولهم ممن ~~كونه مخالطا للأجسام المذمومة من النجاسات والشياطين # وقد اخذ هذه الحجة عنهم من اتبعهم في ذلك من متكلمة ms961 الصفاتية ونحوهم كما ~~ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في غير موضع من كتبه قال فان قال قائل فهل ~~تقولون ان الله في كل مكان قيل له معاذ الله بل مستو على العرش كما أخبر في ~~كتابه فقال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وقال @QB@ إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ وقال @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم ~~الأرض فإذا هي تمور @QE@ PageV02P531 وذكر آيات أخر إلى أن قال ولو كان في ~~مكان لكان في بطن الانسان وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولو ~~وجب أن يزيد بزيادة الأمكنة اذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها اذا بطل ~~منها ما كان ولصح أن يرغب اليه إلى نحو الأرض والى خلفنا والى يميننا ~~وشمالنا وهذا قد اجمع السملمون على خلافه وتخطئه قائله # فذكر بعد ما ذكره من النصوص ثلاث حجج قياسية عقلية أحدها أن ذلك يستلزم ~~أن يكون في الأمكنة والأجسام القبيحة المذمومة كالحشوش وأن يكون في جوف ~~الانسان وفمه وهذا مما يعلم الانسان بفطرته وبديهة عقله أن الله سبحانه ~~منزه عنه يعلم بضرورة حسه وعقله أن الله ليس في جوفه وأن ذاته لا تصلح أن ~~تلاصق النجاسات والأجواف بل ملائكته عليهم السلام مثل جبريل ونحوه قد نزههم ~~أن يدخلوا بيتا فيه كلب أو جنب وانما يحضر الحشوش الشياطين كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ان هذه الحشوش محتضرة # والحجة الثانية أنه كان يجب ان يزيد بزيادة الأمكنة اذا زيد فيها بالخلق ~~وينقص بنقصها اذا نقص منها وهذا على قول من يقول منهم أنه في كل مكان لا ~~يفضل عن العالم فان الأمكنة اذا زادت زاد واذا نقصت نقص بالضرورة # والحجة الثالثة ان ذلك يوجب دعاءه والرغبة اليه إلى جهة السفل واليمين ~~والشمال وذلك مخالف لاجماع المسلمين لأن الرغبة اليه هنا كالرغبة اليه هناك # والأشعري قبله قد احتج في كتاب الابانة المشهور بهذا التنزيه PageV02P532 # فاحتج بتنزيهه عن أن يكون مستويا على الأقذار على المنع أن يكون الاستواء ~~هو الاستيلاء ms962 واحتج على نفي كونه في كل مكان بتنزيهه عن أن يكون في ~~النجاسات وقال وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية ان معنى قوله ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ انه استولى وملك وقهر وأن الله في كل ~~مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الاستواء ~~على العرش إلى معنى القدرة ولو كان هذا كما قالوه كان لا فرق بين العرش ~~والأرض السابعة السفلى لأن الله عز وجل قادر على كل شيء والأرض والسموات ~~وكل شيء في العالم فالله قادر عليه فلو كان الاستواء بمعنى الاستيلاءلكان ~~الله مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والانتان ~~والأقذار لأن الله سبحانه وتعالى قادر على الأشياء كلها ولما لم نجد أحدا ~~من المسلمين يقول أن الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون معنى ~~الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون ~~معنى الاستواء يختص بالعرش دون سائر الأشياء قال وزعمت المعتزلة والجهمية ~~والحرورية أن الله عز وجل في كل مكان فلزمهم أن يكون في بطن مريم وفي ~~الحشوش تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا # ويقال لهم اذا لم يكن الله مستويا على العرش بمعنى يختص به العرش دون ~~غيره كما قال ذلك نقلة الآثار وكان الله في كل مكان فهو سبحانه تحت الأرض ~~والأرض فوق والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا ان الله تحت ما ~~هو ما فوقه وفوق التحت والأشياء فوق وإنه فوق الإشياء كلها تحته وفي هذا ما ~~يوجب أنه تحت ما هو تحته وهذا المحال الفاسد المتناقض تعالى الله ربنا جل ~~جلاله عن ذلك علوا كبيرا PageV02P533 # فاحتج أبو الحسن بما يعلم بالاضطرار انه ليس في الأجواف والحشوش وخص بطن ~~مريم بالذكر لأن ذلك مشاركة للنصارى الذين يقولون ان الله حل في بطن مريم ~~لما تدرع اللاهوت بالناسوت مع ان هذا حين تقوله علماء النصارى لعامتهم ~~تنكره فطرتهم وتدفعه عقولهم لما يجدون في انفسهم ms963 من العلم الضروري بنفي ذلك ~~فانهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فابواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه فالنصارى مولودون على الفطرة التي تنكر ذلك ولكن ~~الدين الذي وجدوا عليه آباءهم هو الذي اوجب تغيير فطرتهم وهذه حال هؤلاء ~~الجهمية اجمعين فما منهم من أحد الا حين يذكر قول الجهمية تنكره فطرته ~~وترده ضرورة عقله لكن يتبع سادته وكبراءة في خلاف طاعة الرسول حتى يغيروا ~~فطرته لأجل المذهب الذي وجد عليه أباه وأمه أو من يجري مجري ذلك من سيد ~~مالك أو معلم أو نحو ذلك # وهم اعنى متكلمة الصفاتية أخذوا ما أخذوه من هذه الحجج عن السلف والأئمة ~~وان كان في كلام السلف ولأئمة ما لم يهتدوا اليه هؤلاء من التحقيق # قال الامام أحمد فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية ومما أنكرت ~~الجهمية الضلال ان الله سبحانه على العرش قلت لم أنكرتم أن الله سبحانه على ~~العرش وقد قال سبحانه @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وقال @QB@ ثم استوى ~~على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا @QE@ قالوا هو تحت الأرض السابعة كما هو ~~على العرش فهو على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان لا يخلو منه ~~مكان ولا يكون في مكان وتلوا آيات من القرآن @QB@ وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض @QE@ فقلنا عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء فقلنا ~~أحشاءكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والاماكن القذرة ليس فيها من عظم ~~الرب سبحانه وتعالى شيء PageV02P534 # فهذا الذي ذكره الامام أحمد متضمن اجماع المسلمين ويتضمن أن ذلك من ~~المعروف في فطرتهم التي فطروا عليها وقوله من عظم الرب كلمة شديدة فان اسمه ~~العظيم يدل على العظم الذي هو قدره كما بيناه في غير هذا الموضوع وذكر ~~الاحشاش والاجواف لأن علم المسلمين بذلك ببديهة حسهم وعقلهم ولأن في ذلك ما ~~يجب تنزيه الرب عنه اذ كان من أعظم كفر النصارى دعواهم ذلك في واحد من ~~البشر فكيف من يدعيه في البشر كلهم وكذلك ما ms964 ذكره من أجواف الخنازير ~~والحشوش والاماكن القذرة فان هذا كما تقدم مما يعلم بالضرورة العقلية ~~الفطرية أنه يجب تنزيه الرب وتقديسه أن يكون فيها أو ملاصقا لها أو مماسا ~~وتخصيص هذه الأجسام القذرة والاجواف بالذكر فيه اتباع لطريقة القرآن في ~~الأمثال والأقيسة المستعملة في باب صفات الله سبحانه # فان الامام أحمد ونحوه من الأئمة هم في ذلك جارون على المنهج الذي جاء به ~~الكتاب والسنة وهو المنهج العقلي المستقيم فيستعملون في هذا الباب قياس ~~الأولى والأمرى والتنبيه في باب النفي والاثبات فما وجب اثباته للعباد من ~~صفات المدح والحمد والكمال فالرب أولى بذلك وما وجب تنزيه العباد عنه من ~~النقص والعيب والذم فالرب سبحانه أحق بتنزيهه وتقديسه عن العيوب والنقائص ~~من الخلق وبهذا جاء القرآن في مثل قوله @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم @QE@ ~~وفي مثل قوله @QB@ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا @QE@ وغير ذلك فانه ~~احتج على نفي ما يثبتونه له من الشريك والولد بأنهم ينزهون أنفسهم عن ذلك ~~لأنه نقص وعيب عندهم فاذا كانوا لا يرضون بهذا الوصف ومثل السؤ بوكيف يصفون ~~ربهم به ويجعلون لله مثل السوء بل @QB@ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ~~ولله المثل الأعلى @QE@ ومما يشبه هذا في حقنا قول النبي صلى الله عله وسلم ~~ليس لنا مثل السوء ولهذا شبه الله من ذمه بالحمار تارة وبالكلب أخرى ~~PageV02P535 # والأقيسة العقلية وهي الأمثال المضروبة كالتي تسمى أقيسة منطقية وبراهين ~~عقلية ونحو ذلك استعمل سلف الأمة وأئمتها منها في حق الله سبحانه وتعالى ما ~~هو الواجب وهو ما يتضمن نفيا واثباتا بطريق الأولى لأن الله تعالى وغيره لا ~~يكونان متماثلين في شيء من الأشياء لافي نفي ولا في اثبات بل ما كان من ~~الاثبات الذي ثبت لله تعالى ولغيره فانه لا يكون الا حقا متضمنا مدحا ~~وثناءا وكمالا والله احق به ليس هو فيه مماثلا لغيره وما كان من النفي الذي ~~ينفي عن الله وعن غيره فانه لا يكون الا نفي عيب ونقص والله سبحانه احق ms965 ~~بنفي العيوب والنقائص عنه من المخلوق فهذه الأقيسة العادلة والطريقة ~~العقلية السلفية الشرعية الكاملة # فاما ما يفعله طوائف من اهل الكلام من ادخال الخالق والمخلوقات تحت قياس ~~أو تمثيل يتساويان فيه فهذا من الشرك والعدل بالله وهو من الظلم وهو ضرب ~~الامثال لله وهو من القياس والكلام الذي ذمه السلف وعابوه ولهذا ظن طوائف ~~من عامة أهل الحديث والفقه والتصوف انه لا يتكلم في أصول الدين ولا يتكلم ~~في باب الصفات بالقياس العقلي وان ذلك بدعة وهو من الكلام الذي ذمه السلف ~~وكان هذا مما اطمع الأولين فيهم لما رأوهم ممسكين عن هذا كله اما عجزا أو ~~جهلا وأما لاعتقاد أن ذلك بدعة وليس من الدين وقال لهم الأولون ردكم أيضا ~~علينا بدعة فان السلف والأئمة لم يردوا مثل ما رددتم وصار اولئك يقولون عن ~~هؤلاء انهم ينكرون العقليات وانهم لا يقولون بالمعقول واتفق اولئك ~~المتكلمون مع طوائف من المشركين والصائبين والمجوس وغيرهم من الفلاسفة ~~الروم والهند والفرس وغيرهم على ما جعلوه معقولا يقيسون فيه الحق تارة ~~والباطل اخرى وحصل من هؤلاء تفريط وعدوان ومن هؤلاء تفريط وعدوان اوجب ~~تفرقا واختلافا بين الأمة ليس هذا موضعه PageV02P536 # ودين الاسلام هو الوسط وهو الحق والعدل وهو متضمن لما يستحق ان يكون ~~معقولا ولما ينبغي عقله وعلمه ومنزه عن الجهل والضلال والعجز وغير ذلك مما ~~دخل فيه أهل الانحراف فسلك الامام أحمد وغيره مع الاستدلال بالنصوص ~~وبالاجماع مسلك الاستدلال بالفطرة والأقيسة العقلية الصحيحة المتضمنة ~~للأولى وذلك ان النجاسات مما أمر الشارع باجتنابها والتنزه عنها وتوعد على ~~ذلك بالعقاب كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح تنزهوا عن البول ~~فان عامة عذاب القبر منه وهذا مما علم بالاضطرار من دين الاسلام وهي مما ~~فطرت القلوب على كراهتها والنفور عنها واستحسان مجانبتها لكونها خبيثة فاذا ~~كان العبد المخلوق الموصوف بما شاء الله من النقص والعيب الذي يجب تنزيه ~~الرب عنه لا يجوز أن يكون حيث تكون النجاسات ولا أن يباشرها ويلاصقها لغير ~~حاجة ms966 واذا كان لحاجة يجب تطهيرها ثم انه في حال صلاته لربه يجب عليه ~~التطهير فاذا أوجب الرب على عبده في حال من جاته ان يتطهر له وينزه عن ~~النجاسة كان تنزيه الرب وتقديسه عن النجاسة اعظم واكثر للعلم بأن الرب احق ~~بالتنزيه عن كلما ينزه عن غيره # وأيضا فالمعبود اعظم من العابد وهذا معلوم في بداية العقول لا سيما وهو ~~سبحانه @QB@ القدوس السلام @QE@ والقدوس مأخوذ من التقديس وهو التطهير ومنه ~~سمي القدوس قدوسا والجهمية تدعي انها تقدسه بنفي الصفات ويسمون كلامهم ~~تأسيس التقديس ومنهم من يقول بمخالطته للنجاسات والباقون يلتزمون ذلك فهم ~~منجسون لا مقدسون ومن أنكر الأمور في بداية العقول أن يكون العابد واجبا ~~عليه التنزيه عن النجاسات التي تخرج منه مع أن المعبود مختلط بها ملاصق لها ~~واذا كان العلم بأن الرب سبحانه أحق بالتنزيه والتعظيم من العبد والمعبود ~~أحق بذلك من العابد كان هذا القياس وأمثاله من اظهر الأقيسة في بديهة ~~العقول بل قد قال تعالى لخليله @QB@ وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع ~~السجود @QE@ PageV02P537 فاذا أمر عبده بتطهير بيته الذي يطاف به ويصلى فيه ~~واليه ويعكف عنده من النجاسة الم يكن هو أحق بالطيب والطهارة والنزاهة من ~~بيته وبدن عبده وثيابه # ولهذا كان هؤلاء الاتحادية والحلولية يصفونه بما توصف به الأجسام ~~المذمومة ويصرحون بذلك وهؤلاء من أعظم الناس كفرا وشتما لله وسبا لله ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وحصل بما ذكره الأئمة ان هؤلاء ~~الجهمية أصل قولهم الذي به يموهون على الناس انما هو التنزيه ويسمون انفسهم ~~المنزهون وهم ابعد الخلق عن تنزيه الله واقرب الناس لتنجيس تقديسه وهذا ~~يظهر بوجوه كثيرة لكن المذكور هنا كونهم يقولون انه في كل مكان من الأمكنة ~~النجسة القذرة فأي تنزيه وتقديس يكون مع جعلهم له في النجاسات والقاذورات ~~والكلاب والخنازير بل وتصريحهم بذلك حتى حدثني من شهد أحذق محققيهم ~~التلمساني وآخر من طواغيتهم وقد اجتاز بكلب جرب ميت فقال ذلك للتلمساني ~~وهذا الكلب ايضا ذلك فقال أو ثم شيء ms967 خارج عن الذات # وهذا التلمساني هو وسائر الاتحادية كابن عربي الطائي صاحب الفصوص وغيره ~~وابن سبعين وابن الفارض والقونوي صاحب ابن عربي شيخ التلمساني وسعيد ~~الفرغاني انما يدعون الكشف والشهود لما يخبرون عنه وأن تحققهم لا يوجد ~~بالنظر والقياس والبحث وانما هو شهود الحقائق وكشفها ويقولون ثبت عندنا في ~~الكشف ما يناقض صريح العقل ويقولون لمن PageV02P538 # يسلكونه لا بد أن يجمع بين النقيضين وأن يخالف العقل والنقل ويقولون ~~القرآن كله شرك وانما التوحيد في كلامنا ويقولون لا فرق عندنا بين الاخوات ~~والبنات والزوجات فان الوجود واحد لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا ~~حرام عليكم ومن شعر هذا التلمساني قبحه الله % يا عاذلي انت تنهاني وتأمرني ~~% والوجد اصدق نهاء وأمار % % فان اطعك واعصى الوجد عدت عمي % عن العيان ~~إلى اوهام اخبار % % وعين ما انت تدعوني اليه اذا % حققته تره المنهي يا ~~جاري % $ # يقول انت تدعوني إلى أن اعبد الله ولا اعبد غيره وما ثم غيره بل هو الذي ~~تظنه غيرا وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع # وأصل ذلك ان علم الانسان كله انما يحصل بطريق الاحساس والمشاهدة الباطنة ~~والظاهرة أو بطريق القياس والاعتبار العقلي أو بطريق السمع والخبر والكلام ~~كما قال تعالى @QB@ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ ~~والعبد الصالح يحصل له من المشاهدة الباطنة ما ينكشف له به أمور كانت مغطاة ~~عنه ويفهم من كلام الله ورسوله والسلف معاني يشهدها لم يكن قبل ذلك يشهدها ~~بل يظهر له قوله تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين ~~لهم أنه الحق @QE@ ثم قال @QB@ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ اي ~~اولم يكف بشهادته وعلمه التي اخبرهم عنها في كتابه # وهؤلاء المنافقون المرتدون الزنادقة ومن وقع في بعض ضلالاتهم من الغالطين ~~الضالين هم في الشهود الذي يحصل لهم ويجعلونها من جنس شهود المؤمنين مثل ما ~~هم في المخاطبة التي تقع لهم ويجعلونها من جنس مخاطبة المؤمنين التي قال ~~فيها PageV02P539 # النبي صلى الله عليه ms968 وسلم انه كان في الأمم محدثون فان يكن في امتي أحد ~~فعمر وقد رواه البخاري في صحيحه من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البخاري ورواه زكريا بن أبي زائدة ~~عن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~انه كان يقول قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فان يكن في امتي منهم أحد ~~فان عمر بن الخطاب منهم قال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون قال أبو مسعود ~~الدمشقي الصواب من حديث إبراهيم بن سعد عن أبي هريرة كما ذكره البخاري وأما ~~حديث ابن عجلان عن سعد فانه يقول فيه عن عائشه # والمخاطبة التي تقع لهؤلاء المنافقين والغالطين المتشبهين بالمؤمنين هي ~~من الشياطين التي تنزل على امثالهم من كل افاك اثيم ومن حديث النفس ولهذا ~~يكثرون من الشعر والكهانة التي يقترن بأهلها الشياطين كثيرا قالوا لابن عمر ~~ولابن عباس ان المختار يزعم انه ينزل عليه فقال صدق @QB@ هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين @QE@ وقالوا للآخر انه يزعم انه يوحي اليه فقال صدق @QB@ وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم @QE@ فلهم وحي وتنزيل ولكن من ~~الشياطين كما تنزل على اشباههم من السحرة والكهان وبينهم قدر مشترك في كثير ~~من الأمور # واما المشاهدة فان احدهم يشهد بباطنه الوجود المطلق الساري في الكون كله ~~الذي لا يختص بشيء دون شيء وهذا شهود صحيح لكن ضلوا في ظنهم ان ذلك هو الله ~~رب العالمين وان ما وراء السموات والأرض شيئا اخر حيث يقولون ما فوق العرش ~~رب ولا فوق العالم اله ويقول احدهم لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله ~~فكانوا في هذا الشهود والذوق والوجود كما ذكرته لمن خاطبته من اهل المعرفة ~~والتحقيق في بيان الشبهة التي ضل بها PageV02P540 هؤلاء مع كثرة ما فيهم من ~~العبادة والصدق في ذلك والعلم والفضيلة فقلت هم بمنزلة من شاهد شعاع الشمس ~~فظن أن ذلك هو الشمس وليس وراء الشعاع ms969 شىء آخر أصلا وجحد أن يكون في الوجود ~~شمس غير ما شهده من الشعاع وهذا مثل بعيد والا فالله سبحانه وتعالى أجل ~~وأعلاه وأعظم وأكبر من جميع المخلوقات أن يكون نسبته إليها كنسبة الشمس إلى ~~شعاعها ولكن هذا كما تقدم من باب قياس الأولى فإنه إذا كان من شهد شعاع ~~الشمس ووجده فظن أنها عين الشمس وحقيقتها من أعظم الجاهلين الضالين فالذي ~~شهد وجود المخلوقات فاعتقد أن عين وجود رب العالمين هو الأرض والسموات أعظم ~~جهلا وضلالا وهؤلاء لم يكن ضلالهم فيما علموه وشهدوه من وجود رب المخلوقات ~~ولكن في نفي ما لم يشهدوه وأنكروه من وجود رب السموات ثم ضلوا فظنوا وجود ~~المخلوق هو وجود خالق الكائنات فوافقوا فرعون في ذلك النفي وامتازوا عنه ~~بهذا الإثبات وهذا حال عامة الكفار وأهل البدع أنما ضلالتهم في التكذيب بما ~~لم يعرفوه من الحق فلا بما علموه من الحق لكن يضمون إلى ذلك التكذيب ظنونا ~~كاذبة تنشأ عن الهوى يصدقون لأجلها بالباطل # وذكر الأئمة في الرد على الجهمية ما علمه المسلمون بضرورة حسهم وعقلهم ~~ودينهم من تنزيهه عن أن يكون في أجوافهم وأحشائهم أيضا مع ما ذكروه من ~~تنزهه عن الأنجاس لأن ذلك أقرب إلى حس الإنسان وبديهة عقله فكلما كان ~~المعلوم مما يحسه الأنسان ويعقله بديهة كان أعلم به لاسيما مع تكرر إحساسه ~~به وعقله له # وأيضا فنبهوا بذلك على ما ذكره الله تعالى من كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح بن مريم وأن الله تعالى حل في بطن مريم فإن هذا تكفير لكل من قال في ~~بشر أنه الله بطريق الأولى فمن قال في الوجود كله ذلك أكفر PageV02P541 ~~وأكفر ولهذا اجتمع جماعة عظيمة بدمشق في سماع فأنشد فيه القوال شعرا لابن ~~اسرائيل و كان شاعرا من شعراء الفقراء في شعره ايمان وكفر وهدى و ضلال و في ~~شعره كثير من كلام الاتحادية لكن التلمساني و ابن الفارض أحذق في ~~الاتحادمنه فأنشد القوال له % وما أنت غير الكون بل أنت ms970 عينه % ويفهم هذا ~~السر من هوذايق % $ # وكان هناك شيخ يعرف بالشيخ نجم الدين بن الحكيم صحب الشيخ اسماعيل ~~الكوراني فانكر ذلك وتلا قوله تعالى ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح بن مريم ) و التفت إلى القوال و قال له قل % وما أنت عين الكون بل ~~أنت غيره % و يشهد هذا الأمر من هو صادق % $ # وهي واقعة مشهورة حدثني بها غيرواحد ممن شهدها ولقد أحسن هذا الشيخ ~~التالي لهذه الآية في الرد على هذا الشعر الذي هو من أقوال الملاحدة و ~~الاتحادية # و أيضا نبهوا بذلك على ضلال من يقول انه الله أو أن الله فيه من أهل ~~الاتحاد و الحلول الخاص فان المسلمين يعلمون بضرورة حسهم و عقلهم أن الله ~~ليس في أجوافهم ولا أحشائهم # ثم احتج الامام أحمد بالنصوص وقال و قد أخبرنا الله أنه في السماء فقال ~~سبحانه ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) ( أم امنتم من في السماء ~~أن يرسل عليكم حاصبا ) الآية وقال ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه ) وقال ( اني متوفيك و رافعك الي ) و قال بل رفعه الله إليه وقال ( ~~وله من في السموات ومن في الأرض ومن عنده ) و قال ( يخافون ربهم من ~~PageV02P542 # فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) وقال ( ذي المعارج تعرج الملائكة والروح اليه ~~) وقال ( وهو القاهر فوق عباده ) وقال ( وهو العلي العظيم ) وقال فقد أخبر ~~الله أنه في السماء # ثم احتج بحجة أخرى من الأقسية العقلية وقال وجدنا كل شيء أسفل مذموما قال ~~الله تعالى ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) وقال الذين كفروا ~~ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن ولانس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من ~~الاسفلين ) وهذه الحجة من باب قياس الأولى وهو أن السفل مذموم في المخلوق ~~حيث جعل الله أعداءه في أسفل السافلين وذلك مستقر في فطر العباد حتى إن ~~أتباع المضلين طلبوا أن يجعلوهم تحت اقدامهم ليكونوا من الأسفلين وإذا كان ~~هذا مما ينزه عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق ms971 فالرب تعالى ~~أحق أن ينزه ويقدس عن ان يكون في السفل أو يكون موصوفا بالسفل هو اوشى منه ~~أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه بل هو العلى الأعلى بكل وجه ولهذا ~~يروى عن بشر المريسي انه كان يقول في سجوده سبحان ربي الأسفل وكذلك بلغني ~~عن طائفة من أهل زماننا أن منهم من يقول إن يونس عرج به إلى بطن الحوت كما ~~عرج بمحمد إلى السماء وانه قال لاتفضلوني على يونس وأراد هذا المعنى وقد ~~بينا كذب هذا الحديث وبطلان التفسير في غير هذا الموضع ) # وهذه الحجة التي احتج بها الأئمة اجود من حجة التناقض التي احتج بها أبو ~~الحسن فانه يرد على تلك الأسولة ما لم يرد على هذه حيث يمكن ان يقال هو ~~يجمع بين مايتناقض في حق غيره كما قيل لأبي سعيد الخراز بماذا عرفت ~~PageV02P543 # ربك قال بالجمع بين النقيضين ثم تلا قوله تعالى @QB@ هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم @QE@ وأما هذا القياس قياس الأولى ووجوب ~~تنزيه الرب عن كل نقص ينزه عنه غيره ويذم به سواه فهذا فطري ضروري متفق ~~عليه # ثم ذكر أحمد حجة اخرى عقلية قياسية قال وقلنا لهم اليس تعلمون ان ابليس ~~مكانه مكان ومكان الشياطين مكانهم مكان فلم يكن الله ليجتمع هو وابليس في ~~مكان واحد وهذا التنزيه عن مجامعة الخبيث والنجس من الأحياء نظير التنزيه ~~عن مجامعة الخبيث النجس من الجمادات ولهذا نهي عن الصلاة في المواطن التي ~~تسكنها الشياطين كالحمام والحش واعطان الابل ونحو ذلك وان كان المكان ليس ~~فيه من النجاسات الجامدة شيء بل أرواث الابل طاهرة بل قد بثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه انه ذكر ان الكلب يقطع الصلاة وخصه في ~~الحديث الصحيح بالأسود وقال انه شيطان لما سئل عن الفرق بين الأحمر والأبيض ~~والأسود فقال الأسود شيطان وفي الصحيح عنه انه قال ان الشيطان تفلت علي ~~البارحة فاراد أن يقطع علي صلاتي فامكنني الله منه ms972 فاخذته فذعته ولها امر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمقاتلة المار بين يدي المصلي وقال ان معه القرين ~~فأما مرور الانسي فقد قال ابن مسعود انه يذهب بنصف اجر الصلاة واما شيطان ~~الجن فقد قال طائفة من الفقهاء من اصحاب أحمد وغيرهم انه يقطع الصلاة اذا ~~علم ذلك كما يقطعها الكلب الاسود أليهم الذي هو شيطان الدواب # وأيضا فالشيطان معلون رجيم كما قال تعالى @QB@ وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا لعنه الله @QE@ وقد اخبر سبحانه وتعالى ان الشياطين ترجم بالشهب لئلا ~~يسترق السمع PageV02P544 # من الملائكة فقال تعالى @QB@ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا ~~من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ~~ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب @QE@ # وقد امر الله عباده بالاستعاذة من الشيطان فقد قال لكبيرهم في السماء ~~@QB@ اخرج منها مذؤوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين @QE@ ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض عباد الله وهو عمر بن الخطاب ما رآك ~~الشيطان سالكا فجا الا سلك فجا غير فجك وقد اخبر الله في كتابه عن هرب ~~الشيطان من الملائكة حيث قال @QB@ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا ~~غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه ~~وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ~~@QE@ فاذا كان ملعونا مبعدا مطرودا عن ان يجتمع بملائكة الله أو يسمع منهم ~~ما يتكلمون به من الوحي فمن المعلوم ان بعده عن الله اعظم وتنزه الله ~~وتقدسه عن قرب الشياطين فاذا كان كثير من الأمكنة مملوءا وكان تعالى في كل ~~مكان كان الشياطين قريبين منه غير مبعدين عنه ولا مطرودين بل كانوا متمكنين ~~من سمع كلامه منه دع الملائكة وهذا يعلم بالاضطرار وجوب تنزه الله وتقديسه ~~عنه اعظم من تنزيه الملائكة والأنبياء والصالحين وكلامه الذي يبلغه هؤلاء ~~ومواضع عباداته فان نفسه احق بالتنزيه والتقديس عن جميع هذه ms973 الأعيان ~~المخلوقة ومن كلامه الذي يتلوه هؤلاء # ثم أجاب الامام أحمد عن حجتهم فقال واما معنى قوله تبارك وتعالى @QB@ وهو ~~الله في السماوات وفي الأرض @QE@ يقول هو اله من في السموات واله من في ~~PageV02P545 # الأرض وهو على العرش وقد احاط بعلمه ما دون العرش لا يخلو من علم الله ~~مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان وكذلك قوله تعالى @QB@ لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما @QE@ # ثم ذكر الامام أحمد حجة اعتبارية عقلية قياسية لا مكان ذلك هي من باب ~~الاولى قال ومن الاعتبار في ذلك لو ان رجلا كان في يده قدح من قوارير صاف ~~وفيه شيء كان بصر ابن آدم قد احاط بالقدح من غيران يكون ابن آدم في القدح ~~فالله سبحانه له المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من ~~خلقه قلت وقد تقدم ان كل ما يثبت من صفات الكمال للخلق فالخالق احق به ~~واولى فضرب أحمد رحمه الله مثلا وذكر قياسا وهو ان العبد اذا امكنه ان يحيط ~~بصره بما في يده وقبضته من غير ان يكون داخلا فيه ولا محايثا له فالله ~~سبحانه اولى باستحقاق ذلك واتصافه به واحق بأن لا يكون ذلك ممتنعا في حقه ~~وذكر أحمد في ضمن هذا القياس قول الله تعالى @QB@ وله المثل الأعلى @QE@ ~~مطابق لما ذكرناه من أن الله له قياس الأولى والأخرى بالمثل الأعلى اذ ~~القياس الأولى والأخرى هو من المثل اذ القياس الأولى والأخرى هو من المثل ~~الأعلى واما المثل الساوي أو الناقص فليس لله بحال ففي هذا الكلام الذي ~~ذكره واستدلاله بهذه الاية تحقيق لما قدمناه من أن الأقيسة في باب صفات ~~الله وهي أقيسة الأولى كما ذكره من هذا القياس فان العبد اذا كان هذا ~~الكمال ثابتا له فالله الذي له المثل الأعلى احق بذلك # ثم ذكر قياسا آخر فقال وخصلة اخرى لو ان رجلا بني دارا بجميع مرافقها ثم ~~اغلق ms974 بابها وخرج منها كان لا يخفى عليه كم بيت في داره وكم سعة كل بيت من ~~غير ان يكون صاحب الدار في جوف الدار فالله سبحانه له المثل الاعلى قد أحاط ~~PageV02P546 # بجميع ما خلق وقد علم كيف هو وما هو من غير ان يكون في جوف شيء مما خلق ~~وهذا ايضا قياس عقلي من قياس الأولى قرر به امكان العلم بدون المخالطة فذكر ~~ان العبد اذا فعل مصنوعا كدار بناها فانه يعلم مقدارها وعدد بيوتها مع كونه ~~ليس هو فيها لكونه هو بناها فالله الذي خلق كل شيء اليس هو احق بأن يعلم ~~مخلوقاته ومقاديرها وصفاتها وان لم يكن فيها محايثا لها وهذا من ابين ~~الأدلة العقلية وهذان القياسان احدهما لاحاطته بخلقه اذ الخلق جميعا في ~~قبضته وهو محيط بهم ببصره والثاني لعلمه بهم لانه هو الخالق كما قال سبحانه ~~@QB@ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ # وهؤلاء الجهمية نفاة الصفات كثيرا مما يجمعون بين نفي علوه وكونه فوق ~~العالم وبين الريب في علمه فان كثيرا منهم مستريب في علمه لا سيما من تفلسف ~~منهم فتارة يقولون لا علم له وتارة يقولون لا يعلم الا نفسه وتارة يقولون ~~انما يعلم غيره على وجه كلي ولهم من الاضطراب في مسألة العلم ما هو نظير ~~اضطرابهم في علوه وفوقيته وكا ما ذكره الله في كتابه وما كان عليه سلف ~~الأمة وائمتها من الجمع بين هذين ردا لضلال هؤلاء في الأمرين كما قال تعالى ~~@QB@ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما ~~يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ~~ما كنتم والله بما تعملون بصير @QE@ وهؤلاء جاحدون أو مستريبون بأنه فوق ~~العرش وبأنه معنا أينما كنا ومن هؤلاء طوائف موجودون وان كان لهم من ~~الفضيلة والذكاء ما تميزوا به على من لم يشركهم في ذلك ولهم من السمعة ~~والرياسة مالهم ففيهم من الجهل والنفاق هذا وغيره ولا حول ms975 ولا قورة الا ~~بالله PageV02P547 # قال الامام أحمد ومما تأول الجهمية من قول الله تعالى @QB@ ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم @QE@ الآية قالوا ان الله ~~عز وجل معنا وفينا فقلنا لم قطعتهم الخبر من أوله ان الله يقول @QB@ ألم تر ~~أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم @QE@ يعني ان الله يعلمه رابعهم @QB@ ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم @QE@ يعني بعلمه فيهم @QB@ أين ما كانوا ~~ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم @QE@ يفتح الخبر ~~بعلمه ويختم الخبر بعلمه # ثم ذكر حجتين عقليتين على مباينته فقال ويقال للجهمي ان الله اذا كان ~~معنا بعظمة نفسه فقل له هل يغفر الله لكم فيما بينكم وبين خلقه فان قال نعم ~~فقد زعم ان الله بائن من خلقه وان خلقه دونه وان قال لا كفر وذلك ان من ~~اثبت ان شيئا بين الله وبين خلقه فقد جعله مباينا فان المباينة والبين من ~~اشتقاق واحد واذا كان شيء بين شيئين فالثلاثة مباينة بعضها عن بعض وهذا ~~الوسط من هذا وهو ما بينه وبين هذا هو مباينته ومباين المباينين اولى ان ~~يكون مباينا # وقد ذكر في كتابه انه يحجب بعض خلقه عنه فقال تعالى @QB@ وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب @QE@ وقال @QB@ كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون @QE@ واختصاص بعض خلقه بالحجاب يمنع ان يكون الجميع محجوبين ~~واذا كان البعض محجوبا والبعض ليس محجوبا امتنع ان يكون فيهم كلهم لان ~~نسبتهم اليه حينئذ تكون نسبة واحدة ووجب ان يكون بينه وبين بعضهم حجابا ~~وذلك يقتضي المباينة كما تقدم PageV02P548 # ومثل هذا قوله @QB@ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق @QE@ وقوله @QB@ ولو ~~ترى إذ وقفوا على ربهم @QE@ وقوله @QB@ وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة @QE@ @QB@ ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم @QE@ ~~فلفظ ms976 اليه وعنده وعليه بحيث يكون بعض الخلق مردودا اليه وبعضهم موقوفا عليه ~~ومعروضا عليه وبعضهم ناكسو رؤوسهم عنده يقتضي ان الخلق ليسوا كلهم كذلك ~~وانهم قبل ذلك لم يكونوا كذلك وأنهم مباينون له منفصلون عنه وأنه بحيث يكون ~~شيء عنده ويرد شيء اليه ويعرض ولون كانت ذاته مختلطة بذواتهم لامتنع ذلك ~~وهذا يقتضي مباينته وامتيازه واختصاصه بجهة وحد وبطلان قول من يقول ان ذاته ~~مختلطة بذواتهم أو يجعل الموجودات لا تختلف نسبتها اليه بل ما فوق السماء ~~كما تحتها وعلى قول هذا يمتنع لقاه والعروج اليه والرد اليه والوقوف عليه ~~والعرض عليه وأمثال ذلك مما دل عليه القرآن وعلم بالاضطرار من دين الاسلام ~~ولهذا يجعلون ما جعل له في هذه الآيات انما هو لبعض المخلوقات اما ثوابه ~~واما عقابه واما غير ذلك أو يجعلون ذلك عبارة عن حصول العلم به وأمثال ذلك ~~من التأويلات التي هي من جنس تأويل القرامطة # قال الامام أحمد واذا اردت ان تعلم ان الجهمي كاذب على الله تعالى حين ~~زعم انه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له اليس كان الله ولا ~~شيء فسيقول نعم فقل له حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه أو خارجا عن نفسه ~~فانه يصير إلى ثلاثة اقاويل واحد منها ان زعم ان الله خلق الخلق في نفسه ~~كفر حين زعم انه خلق الجن والشياطين وابليس في نفسه وبأن قال خلقهم خارجا ~~عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضا كفرا حين زعم انه في كل مكان وحش قذر ~~رديء وان قال خلقهم خارجا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله اجمع ~~وهو قول اهل السنة وهذه الحجة PageV02P549 # التي ذكرها الامام أحمد مبناها على انه يخلو عن المباينة للخلق والمحايثة ~~لهم وهذا كما انه معلوم بالفطرة العقلية الضرورية كما تقدم فان الجهمية ~~كثيرا مما يضطرون إلى تسليم ذلك كقوله انه في كل مكان ولأن الخروج عن هذين ~~القسمين مما تنكره قلوبهم بفطرتهم ومما ms977 ينكره الناس عليهم # واذا كان كذلك فالامام أحمد بنى الحجة على أن الله تعالى كان وحده متميزا ~~عن الخلق وهذا مخاطبة للمسلمين وسائر اهل الملل الذين يقرون بأنه خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام وانها محدثة بعد ان لم تكن فان الأمر اذا كان ~~كذلك فمن أثبت محايثته للخلق اثبت محايثة بعد أن لم تكن محايثة بخلاف ما لو ~~لم يقر بذلك فانه لا يثبت انفراده ومباينته أصلا وهذا لا ريب أنه اعظم كفرا ~~وجحودا للخالق كما تفعله الاتحادية من هؤلاء فان هؤلاء كثيرا اما أن يكونوا ~~متفلسفة لكن المتفلسفة الضالون يقولون بقدم العالم اما معلولا عن علة واجبة ~~كما يقوله ارسطو وذووه واما غير معلول كما يقوله غيرهم وهؤلاء ضموا إلى ذلك ~~انه هو العالم أو في العالم وأولئك الجهمية الذين ناظرهم الامام أحمد ~~وأمثاله كانوا اقرب إلى العقل والدين فانهم لم يكونوا يقولون انه عين ~~الموجودات ولا يقولون انه لم يزل محايثا لها ولا كانوا يظهرون انه ليس ~~بمباين للعالم ولا محايث له بل يقولون بنفي الاختصاص بالعرش بقولهم انه في ~~كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان واذا كان وحده ثم خلق الخلق فاما ان ~~يقولوا انه محل الخلق أو يقولوا انه حل في الخلق أو يقولوا انه ليس بحال ~~ولا محل فهذه القسمة حاصرة كما ذكره أحمد انه لا بد من قول من هذه الأقوال ~~الثلاثة فان جعلوه محلا للمخلوقات فقد جعلوا ابليس والشياطين PageV02P550 # والنجاسات مما يبعد عن الله ملعون مطرود جعلوه في جوف الله وذلك كفر وان ~~جعلوه حالا فيها فقد جعلوه حالا في كل مكان يتنزه عن مقاربته وملاصقته ~~والقرب منه وذلك أيضا كفر كما تقدم # وفرق الامام أحمد في كونه محلا وكونه حالا بين الخبيث الحي وبين الخبيث ~~الموات الجامد فذكر في القسم الأول الخبيث الحي وهم الشياطين وفي الثاني ~~الخبيث الجامد وهي النجس الرديء لانه في هذا القسم يكون التقدير ان المخلوق ~~امكنة له ومحل والمكان والمحل في شأنه ان لا ms978 يكون من الحيوانات فالزمهم ~~المكان من الأجسام النجسة الخبيثة القذرة وفي القسم الأول ذكر انه هو المحل ~~والمكان فذكر المتمكن في المكان الحال فيه والعادة ان الحيوانات تكون في ~~الأمكنة فالحيوان يتحرك في المكان واليه ليس المكان هو يتحرك إلى الحيوان ~~يجيء اليه واذا انتفى هذان القسمان بقي القسم الثالث هو انه سبحانه وتعالى ~~خلق الخلق خارجا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم وهو الحق الذي عليه أهل السنة ~~والجماعة وعموم الخلائق من كل ذي فطرة سليمة # قال الامام أحمد بيان ما ذكر الله في القرآن @QB@ وهو معكم @QE@ وهذا على ~~وجوه قول الله تعالى لموسى @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ يقول في الدفع ~~عنكما وقال تعالى @QB@ ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ~~إن الله معنا @QE@ يعني في الدفع عنا وقال @QB@ والله مع الصابرين @QE@ ~~يعني في النصرة لهم على عدوهم وقوله @QB@ وأنتم الأعلون والله معكم @QE@ في ~~النصرة لكم على عدوكم وقال سبحانه @QB@ وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول @QE@ يقول بعلمه فيهم وقوله @QB@ كلا إن معي ربي سيهدين @QE@ يقول في ~~العون على فرعون PageV02P551 # قال فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله عز وجل انه مع خلقه ~~قال هو في كل شيء غير مماس للشيء ولا مباين منه فقلنا اذا كان غير مباين ~~اليس هو مماس فلم يحسن الجواب فقال بلا كيف فخدع الجهال بهذه الكلمة موه ~~عليهم فقلنا له اذا كان يوم القيامة اليس انما هو الجنة والنار والعرش ~~والهواء قال بلى قلنا فأين يكون ربنا قال يكون في كل شيء كما كان حيث كانت ~~الدنيا فقلنا فان مذهبكم ان ما كان من الله على العرش فهو من العرش وما كان ~~من الله في الجنة فهو في الجنة وما كان من الله في النار فهو في النار وما ~~كان من الله في الهواء فهو في الهواء فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله ~~عز وجل # فذكر الامام أحمد بعد تفسير المعية التي احتجوا ms979 بها من جهة السمع حجتين ~~عقليتين فذكر قول الجهمية انه في كل شيء غير مماس للأشياء ولا مباين لها ~~وهذا قول الجهمية س الذين ينفون مباينته ثم يبقون مع ذلك مماسته فيقولون هو ~~في كل مكان والصنف الآخر كالمؤسس ينفون مباينته الحقيقية وان قالوا انهم ~~يثبتون مباينته بالحقيقة الزمان فان اؤلئك ايضا وان نفوا المباينة فانهم ~~يثبتونها بالحقيقة والزمان فكلا الطائفتين يقولون انهم يثبتون مباينته لكن ~~ينفون ان يكون خارج العالم وكل من الصنفين خصم للآخر فيما يوافقه عليه ~~الجماعة فالأولون يقولون كما تقول الجماعة انه اذا لم يكن مباينا للعالم ~~بغير الحقيقة والزمان كان محايثا له خلافا للطائفة الأخرى ثم يقول بما تقول ~~به الأخرى وليس بمباين للعالم بغير الحقيقة والزمان فيلزم ان يكون محايثا ~~له والآخرون يقولون اذا كان محايثا للعالم كان مماسا له كما تقول الجماعة ~~خلافا لتلك الطائفة ثم يقولون مع PageV02P552 # الجماعة وليس بمماس للعالم فيلزم ان لا يكون فيه ولا مباينا له بغير ~~الحقيقة والزمان فلا يكون خارجا عنه # واحمد رحمه الله ذكر ما يعلم بضرورة العقل من انه اذا كان فيه وليس ~~بمباين فانه لا بد أن يكون مماسا له فانه لا يعقل كون الشيء في الشيء الا ~~مماسا له أو مباينا له فانه لما كان خطابه مع الجهمية الذين يقولون انه في ~~كل مكان ذكر انه لا بد من المماسة أو المباينة على هذا التقدير وهو تقدير ~~المحايثة فان اولئك لم يكونوا ينكرون دخوله في العالم وانما ينكرون خروجه ~~وذكر دعوى الجهمية بنفي هذين النقيضين قال فقلنا اذا كان غير مباين اليس هو ~~مماس قال لا قال فكيف يكون في كل شيء غير مماس يقول أحمد ان هذا لا يعقل ~~فكيف يكون ذلك وذكر ان الخصم لم يحسن الجواب عن ذلك فانه لا يمكنه ان يذكر ~~ما يعقل كونه في كل شيء وهو مع ذلك غير مماس فلما كان هذا غير معقول لجأ ~~الخصم إلى ان قال بلا كيف قال أحمد رحمه الله ms980 فخدع الجهال بهذه الكلمة موه ~~عليهم # فبين أحمد أن هذه الكلمة انما يقبلها الجهال فينخدعون بها لأنهم يعتقدون ~~ان ما ذكره هذا ممكن وأن لم نعلم نحن كيفيته وانما كانوا جهالا لأنهم ~~خالفوا العقل والشرع وقبلوا ما لا يقبله العقل واعتقدوا هذا من جنس ما اخبر ~~به الشارع من الصفات التي لا نعلم نحن كيفيتها والفرق بينهما من وجهين # أحدهما ان الله ورسوله عالم صادق فيما اخبر به عن نفسه وهو اعلم من عباده ~~فاذا اخبرنا بأمر فقد علمنا صدقه في ذلك وعلمنا مما أخبرنا به ما أفهمناه ~~وما لم نعلم كيفيته من ذلك لا يضرنا عدم علمنا به بعد أن نعلم صدق المخبر ~~PageV02P553 # وأما هؤلاء فانما يدعون ما يقولونه بالعقل لا يثبتونه بالشرع فاذا كان ~~العقل الذي به يعتصمون لا يقبل ما يقولونه ولا يثبته بل ينفيه كان ما ~~يقولون باطلا ولم يكن لهم به علم وكانوا أسوأ حالا ممن استشهد بشاهد فكذبه ~~أو نزع بآية ليحتج بها وكانت حجة عليه اذ كان مفزعهم العقل والعقل عليهم ~~لالهم # وهذا الذي ذكره الامام أحمد هو كما ذكرناه على كلام هذا المؤسس ونحوه من ~~أنهم يدعون بالعقل مالا يقبله العقل بل يرده كدعواهم وجود موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه كما قال اخوانهم بوجود موجود في العالم لا مباين العالم ~~ولا مماس له ثم ان صنف المؤسس وهذا الصنف الآخر كل منهما يقول بأن الالهيات ~~تثبت على خلاف ما يعلمه الناس وتثبت بلا كيفية ويدعون ذلك فيما يثبتونه ~~بالعقل والعقل نفسه لا يقبل ما يقولونه بل يرده بضرورته وفطرته فضلا عن ~~قياسه ونظره # الوجه الثاني ان الشارع لم يخبر بما يعلم بالعقل بطلانه ولا بما يحيله ~~العقل حتى يكون نظيرا لهذا وهؤلاء ادعوا ما يرده العقل ويحله فلهذا كان ما ~~اخبر به الشارع يقال له والكسيف مجهول ويقال فيه بلا كيف لعدم امتناعه في ~~العقل وهؤلاء الجهمية ادعوا محالا في العقل فلم يقبل منهم بلا كيف ولهذا ~~قال الامام أحمد انه ms981 خدع الجهال بهذه الكلمة موه عليهم حيث لم يثبتوا الفرق ~~بين خبر الشارع وبين كلام هؤلاء الضلال ولم يثبتوا الفرق بين ما يقبله ~~العقل ويرده وهذا الذي ذكره أحمد عنهم من قولهم هو فيه غير مباين ولا مماس ~~وقول الآخرين الذين منهم المؤسس لا داخله ولا خارجه قد علم بالفطرة ~~الضرورية انه خروج عن النقيضين كما علم مثل ذلك في قول سائر الجهمية من ~~الملاحدة والباطنية ونحوهم حيث قالوا هو لا حي ولا ميت ولا عاجز ولا قادر ~~PageV02P554 # ولا عالم ولا جاهل وكلام هؤلاء كلهم من جنس واحد يتضمن الخروج عن ~~النقيضين ويتضمن تعطيل ما يستحقه الباري وحقيقته تعطيل ذاته بالكلية وتعطيل ~~معرفته وذكره وعبادته بحيث مانعوه من ذلك # فان قيل ما ذكره الامام أحمد وقدرتموه من امتناع كونه في العالم غير ~~مباين ولا مماس معارض بما يذكره المؤلف عن أهل الاثبات من أصحاب الامام ~~أحمد وغيرهم القائلون بأنه فوق العرش فانهم يقولون هو فوق العرش غير مباين ~~ولا مماس فما الفرق بين الموضعين قيل هؤلاء الذين يقولون هذا انما يقولونه ~~لأنهم يقولون انه فوق العرش وليس بجسم وهذا قول الكلابية وأئمة الأشعرية ~~وطوائف ممن اتبعهم من أهل الفقه وغيرهم وطوائف كثيرة من أهل الكلام والفقه ~~يقولون بل هو مماس للعرش ومنهم من يقول هو مباين له ولأصحاب أحمد ونحوهم من ~~أهل الحديث والفقه والتصوف في هذه المسألة ثلاثة اقوال منهم من يثبت ~~المماسة كما جاءت بها الآثار ثم من هؤلاء من يقول انما اثبت ادراك اللمس من ~~غير مماسة للمخلوق بل اثبت الادراكات الخمسة له وهذا قول اكثر الأشعرية ~~والقاضي أبي يعلي وغيره فلهم في المسألة قولان كما تقدم بيانه وعلى هذا فلا ~~يرد السؤال ومنهم من اصحاب أحمد وغيره من ينفي المماسة ومنهم من يقول لا ~~اثبتها ولا أنفيها فلا اقول هو مماس مباين ولا غير مماس ولا مباين # وهذه المباينة التي تقابل المماسة اخص من المباينة التي تقابل المحايثة ~~فان هذه العامة متفق عليها عند أهل الاثبات ms982 وهي تكون للجسم مع الجسم وللجسم ~~مع العرض وأما التي تقابل المماسة س فانها لا تكون له مع العرض PageV02P555 # والعرض يحايث الجسم فلا يباينه المباينة العامة وأما الخاصة فلا يقال ~~فيها مباينة ومماسة فامتناع خلوه عن المباينة العامة والمحايثة اولى فان ~~المباينة الخاصة والمماسة نوعان للمباينة العامة فاذا امتنع رفع النوع ~~فامتناع رفع الجنس اولى وليس هذا موضع الكلام في هذه الأقوال # ولكن نذكر جوابا عاما فنقول كونه فوق العرش ثبت بالشرع المتواتر واجماع ~~سلف الأمة مع دلالة العقل ضرورة ونظرا انه خارج العالم فلا يخلو مع ذلك اما ~~أن يلزم ان يكون مماسا أو مباينا اولا يلزم فان لزم احدهما كان ذلك لازما ~~للحق ولازم الحق حق وليس في مماسته للعرش ونحوه محذور كما في مماسته لكل ~~مخلوق من النجاسات والشياطين وغير ذلك فان تنزيهه عن ذلك انما اثبتناه ~~لوجوب بعد هذه الاشياء وكونها ملعونة مطرودة لم نثبته لاستحالة المماسة ~~عليه وتلك الأدلة منتفية في مماسته للعرش ونحوه كما روي في مس آدم وغيره ~~وهذا جواب جمهور اهل الحديث وكثير من أهل الكلام وان لم يلزم من كونه فوق ~~العرش ان يكون مماسا أو مباينا فقد اندفع السؤال فهذا الجواب هنا قاطع من ~~غير حاجة إلى تغيير القول الصحيح في هذا المقام وبين من قال انه فوق العرش ~~ليس بمباين كما يقوله من الكلابية والأشعرية من يقول ومن اتبعهم من اهل ~~الفقه والحديث والتصوف والحنبلية وغيرهم ان كان قولهم حقا فلا كلام وان كان ~~باطلا فليس ظهور بطلانه موجود قائم بنفسه مع وجود قائم بنفسه انه فيه ليس ~~بمماس ولا مباين له وأنه ليس هو فيه ولا هو خارجا عنه PageV02P556 # ثم ذكر أحمد الحجة الثانية فقال قلنا لهم اذا كان يوم القيامة أليس انما ~~الجنة أو النار والعرش والهواء إلى آخره فبين ان موجب قولهم ان يكون بعضه ~~على العرش وبعضه في الجنة وبعضه في النار وبعضه في الهواء لأن هذه هي ~~الأمكنة التي ادعوا ان الله فيها فيتبعض ms983 ويتجزى بتبعض الامكنة وتجزيها وذكر ~~انه عند ذلك تبين للناس كذبهم على الله لان الناس في الدنيا آمنوا بالغيب ~~وبأمور أخرى لم يروها في الدنيا وسوف يرونها في الآخرة فاذا ظهر لهم أن ~~هؤلاء يقولون انه يكون في الآخرة كما كان في الدنيا متفرقا متجزءا لم يمكن ~~أن يراه أحد ولا أن يحايث احدا ولا أن يختص أوليائه بالقرب منه دون اعدائه ~~بل يكون في النار مع اعدائه كما هو في الجنة مع اوليائه فظهر بذلك من كذبهم ~~على الله ما يلم يظهر بما ذكروه في أمر الدنيا # وقال عبد العزيز الكناني في رده على الجهمية بعد ان بين انه على العرش ~~وأجاب عما احتجوا به ثم قال ولكن يلزمك انت ايها الجهمي ان تقول ان الله عز ~~وجل محدود حوته الاماكن اذ زعمت في دعواك انه لا يعقل شيء في مكان الا ~~والمكان قد حواه كما تقول العرب فلان في البيت والماء في الجب والبيت قد ~~حوى فلانا والجب قد حوى الماء ويلزمك اشنع من ذلك لأنك قلت افضع مما قالت ~~به النصارى وذلك أنهم قالوا ان الله حل في عيسى وعيسى بدن انسان واحد ~~وكفروا بذلك وقيل لهم ما أعظمتم الله تعالى اذ جعلتموه في بطن مريم وأنتم ~~تقولون انه في كل مكان وفي بطون النساء كلهن وبدن عيسى وابدان الناس كلهم ~~ويلزمك ايضا ان تقول انه في اجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن وعندك انه ~~في كل مكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا PageV02P557 # فلما شنعت مقالته قال اقول ان الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء ولا ~~كالشيء على الشيء ولا كالشيء مع الشيء خارجا عن الشيء ولا مباينا للشيء ~~يقال له أن اصل قولك القياس والمعقول فقد دللت بالقياس والمعقول على انك لا ~~تعبد شيئا لأنه اذا كان شيئا ما خلا في القياس والمعقول ان يكون داخلا في ~~الشيء أو خارجا عنه فلما لم يكن في قولك شيئا استحال ان يكون كالشيء في ~~الشيء أو ms984 خارجا عن الشيء فوصفته لعمري ملتبسا لا وجود له وهو دينك وأصل ~~مقالتك التعطيل PageV02P558 ms985