######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022647 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: العبودية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022647 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22647 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22647 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد زهير الشاويش #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة السابعة المجددة 1426هـ - 2005م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتب الإسلامي - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. # أما بعد: فقد سئل شيخ الإسلام وعلم الأعلام ناصر السنة وقامع البدعة أحمد ~~بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله عن قوله عز وجل [21 البقرة] : {يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم} فما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم ~~لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في الدنيا والآخرة أم فوقها ~~شيء من المقامات؟ وليبسط لنا القول في ذلك. # PageV01P043 # فأجاب رحمه الله: # العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال ~~الباطنة والظاهرة. فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء ~~الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن ~~السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك ~~من العبادة. # وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر ~~لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من ~~عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله. # وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق ~~لها كما قال الله تعالى [56 الذاريات] : {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} . # وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه [59 الأعراف] : {اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره} . # وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم وقال تعالى [36 النحل] : {ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا # PageV01P044 # الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} وقال تعالى [25 ~~الأنبياء] : {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} وقال تعالى [92 الأنبياء] : {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاعبدون} كما ms01 قال في الآية الأخرى [51-52 المؤمنون] : {يا أيها الرسل كلوا ~~من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة ~~وأنا ربكم فاتقون} . # وجعل ذلك لازما لرسوله إلى الموت كما قال [99 الحجر] : {واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين} . # وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى [19-20 الأنبياء] : {وله من في ~~السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون} وقال تعال [206 الأعراف] : {إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} . # وذم المستكبرين عنها بقوله [60 غافر] : {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} . # ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى [6 الإنسان] : {عينا يشرب بها ~~عباد الله يفجرونها تفجيرا} وقال [63-77 الفرقان] : {وعباد الرحمن الذين # PageV01P045 # يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} الآيات. # ولما قال الشيطان [39-40 الحجر] : {رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} قال الله تعالى [42 الحجر] : ~~{إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} . # وقال في وصف الملائكة بذلك [26-28 الأنبياء] : {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن # PageV01P046 # ارتضى وهم من خشيته مشفقون} وقال تعالى [88-95 مريم] : {وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * ~~إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * ~~وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} . # وقال تعالى عن المسيح الذي ادعيت فيه الإلهية والبنوة [59 الزخرف] : {إن ~~هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن ~~مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ". # وقد ms02 نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله فقال في الإسراء: {سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا} وقال في الإيحاء [10 النجم] {فأوحى إلى عبده ما أوحى} ~~وقال في الدعوة [19 الجن] {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه ~~لبدا} وقال في التحدي [23 البقرة] {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فاتوا بسورة من مثله} . # فالدين كله داخل في العبادة وقد ثبت في " الصحيح " أن جبريل لما جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي # PageV01P047 # وسأله عن الإسلام قال: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت ~~إليه سبيلا " قال: فما الإيمان؟ قال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره " قال: فما الإحسان؟ قال: " أن ~~تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ثم قال في آخر الحديث: " ~~هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم " فجعل هذا كله من الدين. # والدين يتضمن معنى الخضوع والذل يقال دنته فدان أى أذللته فذل ويقال يدين ~~الله ويدين لله أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له فدين الله عبادته وطاعته ~~والخضوع له. # والعبادة أصل معناها الذل أيضا يقال طريق معبد إذا كان مذللا قد وطئته ~~الأقدام. # لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهى تتضمن غاية الذل ~~لله بغاية المحبة له. # فإن آخر ### | مراتب الحب # هو التتيم وأوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة لانصباب القلب ~~إليه ثم الغرام وهو الحب الملازم للقلب ثم العشق وآخرها التتيم يقال تيم ~~الله أي عبد الله فالمتيم المعبد لمحبوبه. # ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم ~~يكن عابدا له كما قد يحب الرجل ولده # PageV01P048 # وصديقه ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى بل يجب أن يكون الله ~~أحب إلى العبد من كل شيء وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء ms03 بل لا يستحق ~~المحبة والخضوع التام إلا الله. وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة وما عظم ~~بغير أمر الله فتعظيمه باطل. قال الله تعالى [24 التوبة] : {قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} . # فجنس المحبة يكون لله ولرسوله كالطاعة فإن الطاعة لله ولرسوله والإرضاء ~~لله ولرسوله {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [62 التوبة] والإيتاء لله ولرسوله ~~{ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله} [59 التوبة] . # وأما العبادة وما يناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك فلا تكون إلا لله ~~وحده كما قال تعالى [64 آل عمران] : {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} . # وقال تعالى [59 التوبة] : {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} فالإيتاء لله ~~وللرسول كقوله [7 الحشر] : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ~~وأما # PageV01P049 # الحسب وهو الكافي فهو الله وحده كما قال تعالى [173 آل عمران] : {الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل} وقال تعالى [64 الأنفال] : {يا أيها النبي حسبك الله ومن ~~اتبعك من المؤمنين} أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله ومن ظن أن ~~المعنى حسبك الله والمؤمنون معه فقد غلط غلطا فاحشا كما قد بسطناه في غير ~~هذا الموضوع وقال تعالى [36 الزمر] : {أليس الله بكاف عبده} . # وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد الذي عبده الله فذلله ودبره وصرفه. # وبهذا الاعتبار ف ### | المخلوقون كلهم عباد الله # الأبرار منهم والفجار والمؤمنون والكفار وأهل الجنة وأهل النار إذ هو # PageV01P050 # ربهم كلهم ومليكهم لا يخرجون عن مشيئته وقدرته وكلماته التامات التي لا ~~يجاوزهن بر ms04 ولا فاجر؛ فما شاء كان وإن لم يشاءوا. وما شاءوا إن لم يشأه لم ~~يكن كما قال تعالى [83 آل عمران] : {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} . فهو سبحانه رب العالمين ~~وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قلوبهم ومصرف أمورهم لا رب لهم غيره ~~ولا مالك لهم سواه ولا خالق لهم إلا هو سواء اعترفوا بذلك أو أنكروه وسواء ~~علموا ذلك أو جهلوه؛ لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك وآمنوا به؛ بخلاف من ~~كان جاهلا بذلك؛ أو جاحدا له مستكبرا على ربه لا يقر ولا يخضع له؛ مع علمه ~~بأن الله ربه وخالقه. فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبوله ~~والجحد له كان عذابا على صاحبه كما قال تعالى [14 النمل] : {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} وقال تعالى ~~[146 البقرة] : {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن ~~فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} وقال تعالى [33 الأنعام] : {قد نعلم ~~إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} ~~. # PageV01P051 # فإذا عرف العبد أن الله ربه وخالقه وأنه مفتقر إليه محتاج إليه عرف ### | العبودية المتعلقة بربوبية الله # وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه لكن قد يطيع أمره وقد يعصيه ~~وقد يعبده مع ذلك وقد يعبد الشيطان والأصنام ومثل هذه العبودية لا تفرق بين ~~أهل الجنة وأهل النار ولا يصير بها الرجل مؤمنا كما قال الله تعالى [160 ~~يوسف] : {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} فإن المشركين كانوا يقرون ~~أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره قال تعالى [25 لقمان] : {ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} وقال تعالى [84-89 المؤمنون] ~~{قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل ~~من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل ~~من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ms05 * سيقولون لله ~~قل فأنى تسحرون} . # وكثير ممن يتكلم في الحقيقة فيشهدها لا يشهد إلا هذه الحقيقة وهي الحقيقة ~~الكونية التي يشترك فيها وفي شهودها وفي معرفتها المؤمن والكافر والبر ~~والفاجر بل وإبليس معترف بهذه الحقيقة وأهل النار قال إبليس [36 الحجر، 97 ~~ص] : # {رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} و [39 الحجر] : {قال رب بما أغويتني لأزينن ~~لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} وقال [82 ص] : {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} ~~وقال [62 الإسراء] : {أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا} وأمثال هذا # PageV01P052 # من الخطاب الذي يقر فيه بأن الله ربه وخالقه وخالق غيره وكذلك أهل النار ~~قالوا [106 المؤمنون] : {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين} وقال ~~تعالى عنهم [30 الأنعام] : {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق ~~قالوا بلى وربنا} . # فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها ولم يقم بما أمر الله به من الحقيقة ~~الدينية التي هي عبادته المتعلقة بإلوهيته وطاعة أمره وأمر رسوله كان من ~~جنس إبليس وأهل النار. # فإن ظن مع ذلك أنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق، الذين سقط ~~عنهم الأمر والنهي الشرعيان، كان من أشر أهل الكفر والإلحاد. # ومن ظن أن الخضر وغيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك، كان ~~قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله، حتى يدخل في النوع الثاني من ~~معنى العبد، وهو العبد بمعنى العابد، فيكون عابدا لله، لا يعبد إلا إياه، ~~فيطيع أمره وأمر رسله، ويوالي أولياءه المؤمنين المتقين ويعادي أعداءه. # وهذه العبادة متعلقة بالإلهية لله تعالى ولهذا كان عنوان التوحيد لا إله ~~إلا الله بخلاف من يقر بربوبيته ولا يعبده أو يعبد معه إلها آخر. # فالإله هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والاجلال والإكرام ~~والخوف والرجاء ونحو ذلك. # PageV01P053 # وهذه العبادة هي التي يحبها الله ويرضاها وبها وصف المصطفين من عباده ~~وبها بعث رسله. # وأما العبد بمعنى المعبد سواء أقر بذلك أو أنكره فهذا المعنى يشترك فيه ms06 ~~المؤمن والكافر. # وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة في ~~عبادة الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها ويوالى أهلها ويكرمهم ~~بجنته وبين الحقائق الكونية التي يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر ~~التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس اللعين ~~والكافرين برب العالمين ومن اكتفى فيها في ببعض الأمور دون بعض أو في مقام ~~[دون مقام] أو حال [دون حال] نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص من ~~الحقائق الدينية وهذا مقام عظيم غلط فيه الغالطون وكثر فيه الاشتباه على ~~السالكين حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان ~~ما لا يحصيهم إلا الله الذي يعلم السر والإعلان. # وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر رحمه الله فيما ذكر عنه فبين أن كثيرا من ~~الرجال (إذا وصلوا إلى القضاء # PageV01P054 # والقدر أمسكوا إلا أنا فإني انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق ~~للحق والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا للقدر) . # والذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الذي أمر الله به ورسوله ولكن كثير من ~~الرجال غلطوا فيه فإنهم قد يشهدون ما يقدر على أحدهم من المعاصي والذنوب أو ~~ما يقدر على الناس من ذلك بل من الكفر ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله ~~وقضائه وقدره داخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته فيظنون الاستسلام لذلك ~~وموافقته والرضا به ونحو ذلك دينا وطريقا وعبادة فيضاهئون المشركين الذين ~~قالوا [148 الأنعام] : {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~شيء} وقالوا [47 يس] : {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} وقالوا [20 الزخرف] : ~~{لو شاء الرحمن ما عبدناهم} ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ~~ونصبر على موجبه في المصائب التي تصيبنا كالفقر والمرض والخوف قال الله ~~تعالى [11 التغابن] : {ما أصاب من # PageV01P055 # مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال بعض السلف: هو الرجل ~~تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وقال ms07 تعالى [22-23 ~~الحديد] : {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم} . # وفي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " احتج آدم وموسى ~~فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته ~~وعلمك أسماء كل شيء فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى ~~الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه فهل وجدت ذلك مكتوبا علي قبل أن أخلق؟ ~~قال: نعم " قال: " فحج آدم موسى ". # وآدم عليه السلام لم يحتج على موسى بالقدر ظنا أن المذنب يحتج # PageV01P056 # بالقدر فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل ولو كان هذا عذرا لكان عذرا ~~لإبليس وقوم نوح وقوم هود وكل كافر ولا موسى لام آدم أيضا لأجل الذنب فإن ~~آدم قد تاب إلى ربه فاجتباه وهدى ولكن لامه لأجل المصيبة التي لحقتهم ~~بالخطيئة ولهذا قال: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فأجابه آدم: إن هذا ~~كان مكتوبا علي قبل أن أخلق. # فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدرا وما قدر من المصائب يجب ~~الاستسلام له فإنه من تمام الرضا بالله ربا. # وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب ~~من صنوف المعايب ويصبر على المصائب قال تعالى [55 غافر] : {فاصبر إن وعد ~~الله حق واستغفر لذنبك} وقال تعالى [120 آل عمران] : {وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا} وقال [186 آل عمران] : {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ~~عزم الأمور} وقال يوسف عليه السلام [90 يوسف] : {إنه من يتق ويصبر فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين} . # وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~بحسب قدرته ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين ويوالي أولياء الله ~~ويعادي أعداء الله ويحب في الله ويبغض في الله كما قال تعالى [1-4 ~~الممتحنة] : # PageV01P057 # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ms08 وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل * إن يثقفوكم ~~يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون * ~~لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون ~~بصير * قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} وقال تعالى [22 المجادلة] : {لا تجد ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدهم بروح منه} وقال تعالى [35 القلم] : {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} ~~وقال [28 ص] : {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار} وقال تعالى [21 الجاثية] : {أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون} وقال تعالى [19-22 فاطر] : {وما يستوي الأعمى والبصير * ولا ~~الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات} ~~وقال تعالى [29 الزمر] : {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا ~~سلما لرجل هل يستويان مثلا} وقال تعالى [75-76 النحل] {ضرب الله مثلا عبدا # PageV01P058 # مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا ~~هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * وضرب الله مثلا رجلين أحدهما ~~أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي ~~هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} وقال تعالى [20 الحشر] : {لا ~~يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} . # ونظائر ذلك مما يفرق الله فيه بين أهل الحق والباطل وأهل ms09 الطاعة والمعصية ~~وأهل البر والفجور وأهل الهدى والضلال وأهل الغي والرشاد وأهل الصدق ~~والكذب. # فمن شهد الحقيقة الكونية دون [الحقيقة] الدينية سوى بين هذه الأصناف ~~المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق حتى تئول به هذه التسوية إلى أن ~~يسوي بين الله وبين الأصنام كما قال تعالى عنهم [97-98 الشعراء] : {تالله ~~إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين} بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى ~~أن سووا الله بكل موجود وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقا لكل موجود ~~إذ جعلوه هو وجود المخلوقات وهذا من أعظم الكفر والإلحاد والكفر برب ~~العباد. # وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد الله لا بمعنى أنهم ~~معبدون ولا بمعنى انهم عابدون إذ يشهدون أنفسهم هي الحق كما صرح بذلك ~~طواغيتهم كابن عربي # PageV01P059 # صاحب " الفصوص " وأمثاله من الملحدين المفترين كابن سبعين وأمثاله ~~ويشهدون أنهم هم العابدون والمعبودون. # وهذا ليس بشهود للحقيقة لا الكونية ولا الدينية بل هو ضلال وعمى عن شهود ~~الحقيقة الكونية حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق وجعلوا كل وصف ~~مذموم وممدوح نعتا للخالق وللمخلوق إذ وجود هذا هو وجود هذا عندهم. # وأما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهم الذين هم أهل القرآن كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إن لله أهلين من الناس " قيل: من هم يا رسول ~~الله؟ قال: " أهل القرآن هم أهل الله وخاصته " فهؤلاء يعلمون أن الله رب كل ~~شيء ومليكه وخالقه وأن الخالق سبحانه مباين للمخلوق ليس هو حالا فيه ولا ~~متحدا به ولا وجوده وجوده. والنصارى إنما كفرهم الله إذ قالوا بالحلول ~~واتحاد الرب بالمسيح خاصة فكيف من جعل ذلك عاما في كل مخلوق؟ ويعلمون مع ~~ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله ونهى عن معصيته ومعصية رسوله وأنه لا ~~يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وأن على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره # PageV01P060 # ويستعينوا به على ذلك كما قال في فاتحة الكتاب: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~. # ومن عبادته وطاعته: الأمر بالمعروف ms10 والنهي عن المنكر بحسب الإمكان ~~والجهاد في سبيله لأهل الكفر والنفاق فيجتهدون في إقامة دينه مستعينين به ~~رافعين مزيلين بذلك ما قدر من السيئات دافعين بذلك ما قد يخاف من آثار ذلك ~~كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل ويدفع به الجوع المستقبل وكذلك إذا ~~آن أوان البرد دفعه باللباس وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه كما قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها ~~وتقى نتقي بها هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: " هي من قدر الله " وفي ~~الحديث: " إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض ". # PageV01P061 # فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله وكل ذلك من العبادة. # وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية وهي ربوبيته تعالى لكل شيء ويجعلون ~~ذلك مانعا من اتباع أمره الديني الشرعي على مراتب في الضلال: # فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقا عاما فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه ~~الشريعة. # وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى وهو من جنس قول المشركين الذين ~~قالوا [148 الأنعام] : {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~شيء} وقالوا [20 الزخرف] : {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} . # وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضا بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض فإنه ~~لا يمكنه أن يقر كل آدمي على ما يفعل فلا بد إذا ظلمه ظالم أو ظلم الناس ~~ظالم وسعى في الأرض بالفساد وأخذ يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ويهلك ~~الحرث والنسل ونحو ذلك من أنواع الضرر التي لا قوام للناس بها أن يدفع هذا ~~القدر وأن يعاقب الظالم بما يكف عدوانه وعدوان أمثاله فيقال له: إن كان ~~القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك: ~~[إن القدر] حجة. # وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية لا # PageV01P062 # يطردون هذا القول ولا يلتزمونه وإنما هم يتبعون آراءهم وأهواءهم كما قال ~~فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب ms11 وافق ~~هواك تمذهبت به. # ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد ~~لنفسه أفعالا وأثبت له صفات أما من شهد أن أفعاله مخلوقة أو أنه مجبور على ~~ذلك وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات فإنه يرتفع عنه الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد. # وقد يقولون: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف ويزعمون أن الخضر سقط عنه ~~التكليف لشهوده الإرادة. # فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية فشهدوا أن ~~الله خالق أفعال العباد وأنه مريد ومدبر لجميع الكائنات. # وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علما وبين من يراه شهودا فلا يسقطون التكليف ~~عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط ولكن [يسقطونه] عمن يشهده فلا يرى لنفسه فعلا ~~أصلا وهؤلاء # PageV01P063 # يجعلون الجبر وإثبات القدر مانعا من التكليف على هذا الوجه. # وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد. # وسبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه كما ضاق ~~نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي ~~الشرعيين دون القضاء والقدر الذين هما إرادة الله العامة وخلقه لأفعال ~~العباد. وهؤلاء أثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر والنهي في حق من شهد ~~القدر إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقا. # وقول هؤلاء شر من قول المعتزلة ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد، ~~وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة ~~الكونية، ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه الأمر والنهي، ~~ويقولون: إنه صار من الخاصة. وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى [99 الحجر] : ~~{واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} فاليقين عندهم هو معرفة هذه الحقيقة. # وقول هؤلاء كفر صريح وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر فإنه قد علم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازمان لكل عبد ما دام عقله ~~حاضرا إلى أن يموت # PageV01P064 # لا يسقطان عنه لا بشهوده القدر ولا بغير ذلك فمن لم يعرف ذلك عرفه وبين ~~له ms12 فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فإنه يقتل. # وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين. # وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم وهذه ~~المقالات هي محادة لله ورسوله ومعاداة له وصد عن سبيله ومشاقة له وتكذيب ~~لرسله ومضادة له في حكمه وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك ويعتقد ~~أن هذا الذي هو عليه هو طريق الرسول وطريق أولياء الله المحققين فهو في ذلك ~~بمنزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما حصل له من ~~الأحوال القلبية أو أن الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب ~~الخمر أو أن الفاحشة حلال له لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب ونحو ذلك. # ولا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسول يترددون بين البدعة المخالفة ~~لشرع الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله فهذه الأصناف فيها شبه ~~من المشركين؛ إما أن يبتدعوا # PageV01P065 # وإما أن يحتجوا بالقدر وإما أن يجمعوا بين الأمرين كما قال تعالى عن ~~المشركين [28 الأعراف] : {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} ~~وكما قال تعالى عنهم [148 الأنعام] : {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} . # وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه ### | تحليل الحرام وعبادة الله بما لم يشرع الله # في مثل قوله تعالى [138 الأنعام] : {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها ~~إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ~~افتراء عليه} إلى آخر السورة وكذلك في سورة الأعراف [27-33] : {يا بني آدم ~~لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} إلى قوله: {وإذا فعلوا فاحشة ~~قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون * قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد} إلى قوله: ms13 {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * قل من ~~حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} إلى قوله: {قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} . # وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوه من البدع حقيقة كما يسمون ما يشهدون من القدر ~~حقيقة وطريق الحقيقة عندهم هو السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ~~ونهيه ولكن بما # PageV01P066 # يراه ويذوقه ويجده في قلبه مع ما فيه من غفلة عن الله جل وعلا ونحو ذلك. # وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقا بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم وجعلهم ~~ما يرونه وما يهوونه حقيقة ويأمرون باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله ~~نظير بدع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال ~~المخالفة للكتاب والسنة حقائق عقلية يجب اعتقادها دون ما دلت علية السمعيات ~~ثم الكتاب والسنة إما أن يحرفوا القول فيهما عن مواضعه وإما أن يعرضوا عنه ~~بالكلية فلا يتدبرونه ولا يعقلونه بل يقولون: نفوض معناه إلى الله مع ~~اعتقادهم نقيض مدلوله وإذا حقق على هؤلاء ما يزعمونه من العقليات المخالفة ~~للكتاب والسنة وجدت جهليات واعتقادات فاسدة. # وكذلك أولئك إذا حقق عليهم ما يزعمونه من حقائق أولياء الله المخالفة ~~للكتاب والسنة وجدت من الأهواء التي يتبعها أعداء الله لا أولياؤه. # وأصل ضلال من ضل هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله وتقديم ~~اتباع الهوى على اتباع أمر الله فإن الذوق والوجد ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه ~~العبد ويهواه فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته وهواه. # فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P067 # بقوله في الحديث الصحيح: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن ~~كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه ms14 الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار " وقال صلى الله عليه وسلم: " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ". # وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسبه. # قيل لسفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ فقال: ~~أنسيت قوله تعالى [93 البقرة] : {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أو نحو ~~هذا من الكلام. # فعباد الأصنام يحبون آلهتهم كما قال تعالى [165 البقرة] : {ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} وقال ~~[50 القصص] : {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله} وقال [23 النجم] : {إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} . # ولهذا يميل هؤلاء ويغرمون بسماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة ~~التي لا تختص بأهل الإيمان بل # PageV01P068 # يشترك فيها محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب ~~الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم ~~من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. # فالمخالف لما بعث الله به رسوله من عبادته وحده وطاعته وطاعة رسوله لا ~~يكون متبعا لدين شرعه الله أبدا كما قال تعالى [18-19 الجاثية] : {ثم ~~جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم ~~لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي ~~المتقين} بل يكون متبعا لهواه بغير هدى من الله قال تعالى [21 الشورى] : ~~{أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} . # وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة يقدمونها على ما شرعه ~~الله وتارة يحتجون بالقدر الكوني على الشريعة كما أخبر الله به عن المشركين ~~كما تقدم. # ومن هؤلاء طائفة هم أعلاهم عندهم قدرا وهو مستمسكون بما اختاروا بهواهم ~~من الدين في أداء الفرائض المشهورة واجتناب المحرمات المشهورة لكن يضلون ~~بترك ما أمروا به من ms15 الأسباب التي هي عبادة ظانين أن العارف إذا شهد القدر ~~أعرض عن ذلك مثل من يجعل التوكل منهم أو # PageV01P069 # الدعاء منهم ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة بناء على أن من شهد ~~القدر علم أن ما قدر سيكون فلا حاجة إلى ذلك وهذا ضلال مبين. # فإن الله قدر الأشياء بأسبابها كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابهما كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق للجنة أهلا خلقها لهم وهم في ~~أصلاب آبائهم وبعمل أهل الجنة يعملون وخلق للنار أهلا خلقها لهم وهم في ~~أصلاب آبائهم وبعمل أهل النار يعملون " وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما أخبرهم بأن الله كتب المقادير فقالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ~~ونتكل على الكتاب؟ فقال: " لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من ~~أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر ~~لعمل أهل الشقاوة ". # فكل ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة والتوكل مقرون بالعبادة ~~كما في قوله تعالى [123 هود] : {فاعبده وتوكل عليه} وفي قوله [30 الرعد] : ~~{قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} وقول شعيب عليه السلام ~~[88 هود] : {عليه توكلت وإليه أنيب} . # PageV01P070 # ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات فتنقص بقدر ذلك. # ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة - مثل مكاشفة أو استجابة ~~دعوة مخالفة للعادة ونحو ذلك - فيشتغل أحدهم بهذه الأمور عما أمر به من ~~العبادة والشكر ونحو ذلك. # فهذه الأمور ونحوها كثيرا ما تعرض لأهل السلوك والتوجه وإنما ينجو العبد ~~منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت كما قال الزهري: كان من ~~مضى من سلفنا يقولون ### | : الاعتصام بالسنة نجاة. # وذلك أن السنة كما قال مالك رحمه الله: مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن ~~تخلف عنها غرق. # والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء ~~مقصودها واحد ولها أصلان: # أحدهما أن ms16 لا يعبد إلا الله. # والثاني ألا يعبده إلا بما أمر وشرع لا يعبده بغير ذلك من الأهواء ~~والظنون والبدع قال تعالى [110 الكهف] : {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وقال تعالى [112 البقرة] : {بلى من ~~أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ~~وقال تعالى [125 النساء] : {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ~~واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} . # PageV01P071 # ف ### | العمل الصالح هو الإحسان # وهو فعل الحسنات والحسنات هي ما أحبه الله ورسوله وهو ما أمر به أمر ~~إيجاب أو استجاب. # فما كان من البدع في الدين التي ليست في الكتاب، ولا في صحيح السنة، ~~فإنها - وإن قالها من قالها، وعمل بها من عمل - ليست مشروعة؛ فإن الله لا ~~يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح. كما أن من يعمل ~~ما لا يجوز، كالفواحش والظلم ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح. # وأما قوله [110 الكهف] : {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وقوله [112 البقرة] ~~{أسلم وجهه لله} فهو إخلاص الدين لله وحده وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم ~~اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. # وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى [7 هود، 2 الملك] : {ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا} قال: أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن ~~العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا ~~لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على ~~السنة. # فإن قيل: فإذا كان جميع ما يحبه الله داخلا في اسم العبادة فلماذا عطف ~~عليها غيرها كقوله في فاتحة الكتاب [5 الفاتحة] : # PageV01P072 # {إياك نعبد وإياك نستعين} وقوله لنبيه [123 هود] : {فاعبده وتوكل عليه} ~~وقول نوح [3 نوح] : {اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وكذلك قول غيره من الرسل؟ # قيل: هذا له نظائر ms17 كما في قوله [45 العنكبوت] : {إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر} والفحشاء من المنكر وكذلك قوله [90 النحل] : {إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} ~~وإيتاء ذي القربى هو من العدل والإحسان كما أن الفحشاء والبغي من المنكر ~~وكذلك قوله [170 الأعراف] : {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} وإقامة ~~الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب وكذلك قوله عن أنبيائه [90 الأنبياء] : ~~{إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} ودعاؤهم رغبا ورهبا ~~من الخيرات وأمثال ذلك في القرآن كثير. # وهذا الباب يكون تارة مع كون أحدهما بعض الآخر فيعطف عليه تخصيصا له ~~بالذكر لكونه مطلوبا بالمعنى العام والمعنى الخاص. # وتارة ت ### | تنوع دلالة الاسم بحال الانفراد والاقتران # فإذا أفرد عم وإذا قرن بغيره خص كاسم الفقير والمسكين لما أفرد أحدهما في ~~مثل قوله [273 البقرة] : {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} وقوله [89 ~~المائدة] : {إطعام عشرة مساكين} دخل فيه الآخر ولما قرن بينهما في # PageV01P073 # قوله [60 التوبة] : {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} صارا نوعين. # وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران بل ~~يكون من هذا الباب والتحقيق أن هذا ليس لازما قال تعالى [98 البقرة] : {من ~~كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} وقال تعالى [7 الأحزاب] : {وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} . # وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة: تارة لكونه له خاصية ليست لسائر ~~أفراد العام كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وتارة لكون العام فيه إطلاق ~~قد لا يفهم منه العموم كما في قوله [2-4 البقرة] : {هدى للمتقين * الذين ~~يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك} فقوله: {يؤمنون بالغيب} يتناول كل الغيب الذي ~~يجب الإيمان به لكن فيه إجمال فليس فيه دلالة على أن من الغيب {ما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك} وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب ms18 ~~وبالإخبار بالغيب وهو {ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} . # ومن هذا الباب قوله تعالى [45 العنكبوت] : {اتل ما أوحي إليك من الكتاب ~~وأقم الصلاة} وقوله [170 الأعراف] : {والذين يمسكون # PageV01P074 # بالكتاب وأقاموا الصلاة} وتلاوة الكتاب هي اتباعه والعمل به كما قال ابن ~~مسعود في قوله تعالى [121 البقرة] : {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته} قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه ويؤمنون بمتشابهه ويعملون بمحكمه. ~~فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها لكن خصها بالذكر لمزيتها وكذلك قوله ~~لموسى [14 طه] : {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} ~~وإقامة الصلاة لذكره من أجل عبادته وكذلك قوله تعالى [70 الأحزاب] : {اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا} وقوله [35 المائدة] : {اتقوا الله وابتغوا إليه ~~الوسيلة} وقوله [119 التوبة] : {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} فإن هذه ~~الأمور هي أيضا من تمام تقوى الله وكذلك قوله [123 هود] : {فاعبده وتوكل ~~عليه} فإن التوكل هو الاستعانة وهي من عبادة الله لكن خصت بالذكر ليقصدها ~~المتعبد بخصوصها فإنها هي العون على سائر أنواع العبادة إذ هو سبحانه لا ~~يعبد إلا بمعونته. # إذا تبين هذا فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله وكلما ازداد العبد ~~تحقيقا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ومن توهم أن المخلوق يخرج من ~~العبودية بوجه من الوجوه أو أن الخروج عنها أكمل فهو من أجهل الخلق بل من ~~أضلهم قال تعالى [26-28 الأنبياء] : # PageV01P075 # {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم ~~من خشيته مشفقون} وقال تعالى [88-95 مريم] : {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * ~~لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ~~* أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه ~~يوم القيامة فردا} وقال تعالى في المسيح [59 الزخرف] : {إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه وجعلناه ms19 مثلا لبني إسرائيل} وقال تعالى [19-20 الأنبياء] : ~~{وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون} وقال تعالى [172-173 النساء] : {لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا * فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} وقال تعالى [60 غافر] : {وقال ~~ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ~~وقال تعالى [37-38 فصلت] : {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون * فإن ~~استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} وقال ~~تعالى [205-206 الأعراف] : {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من # PageV01P076 # القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين * إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} . # وهذا ونحوه مما فيه ### | وصف أكابر الخلق بالعبادة # وذم من خرج عن ذلك متعدد في القرآن وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك ~~فقال تعالى [25 الأنبياء] : {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى [36 النحل] : {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى لبنى إسرائيل [56 ~~العنكبوت] : {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} [41 ~~البقرة] : {وإياي فاتقون} وقال [21 البقرة] : {يا أيها الناس اعبدوا ربكم ~~الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} وقال [56 الذاريات] : {وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال تعالى [11-15 الزمر] : {قل إني أمرت أن أعبد ~~الله مخلصا له الدين * وأمرت لأن أكون أول المسلمين * قل إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم * قل الله أعبد مخلصا له ديني * فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه} . # وكل رسول من الرسل افتتح دعوته ms20 بالدعاء إلى عبادة الله كقول نوح ومن بعده ~~عليهم السلام في سورة الشعراء وغيرها [59 الأعراف] : {اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره} . # PageV01P077 # وفي " المسند " عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بعثت ~~بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل ~~رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى ". # وقد بين أن عباده المخلصين هم الذين ينجون من السيئات التي زينها الشيطان ~~قال الشيطان [39-40 الحجر] : {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} قال تعالى [41-42 الحجر] : ~~{هذا صراط علي مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين} وقال [82-83 ص] : {فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم ~~المخلصين} وقال في حق يوسف [24 يوسف] : {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه ~~من عبادنا المخلصين} وقال تعالى [159-160 الصافات] : {سبحان الله عما يصفون ~~* إلا عباد الله المخلصين} وقال تعالى [99-100 النحل] : {إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون} . # PageV01P078 # وبالعبودية نعت كل من اصطفى من خلقه في قوله [45-47 ص] : {واذكر عبادنا ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى ~~الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} وقوله [17 ص] : {واذكر عبدنا ~~داود ذا الأيد إنه أواب} . وقال عن سليمان [30 ص] : {نعم العبد إنه أواب} . ~~وعن أيوب [44 ص] : {نعم العبد} . وقال عنه [41 ص] : {واذكر عبدنا أيوب إذ ~~نادى ربه} . وقال عن نوح عليه السلام [3 الإسراء] : {ذرية من حملنا مع نوح ~~إنه كان عبدا شكورا} . وقال عن خاتم رسله [1 الإسراء] : {سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} - وهو أولى القبلتين، وقد ~~خصه الله بأن جعل العبادة فيه بخمسمئة ضعف، والمقصود بمضاعفة الحسنات هو ~~المسجد الذي حرقه اليهود، عليهم لعنة الله، ويظن البعض أن المسجد الأقصى هو ~~الصخرة والقبة المحيطة بها، ms21 وليس كذلك - وقال [19 الجن] : {وأنه لما قام ~~عبد # PageV01P079 # الله يدعوه} وقال [23 البقرة] : {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} ~~وقال [10 النجم] : {فأوحى إلى عبده ما أوحى} وقال [6 الإنسان] : {عينا يشرب ~~بها عباد الله} وقال [63 الفرقان] : {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا} ومثل هذا كثير متعدد في القرآن. # فصل [في التفاضل بالإيمان] # إذا تبين ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلا عظيما وهو ~~تفاضلهم في حقيقة الإيمان وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص ولهذا كانت إلهية ~~الرب لهم فيها عموم وخصوص. # ولهذا كان الشرك في هذه الأمة " أخفى من دبيب النمل ". وفي " الصحيح " عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس ~~عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطي رضي ~~وإن منع سخط ". # فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة ~~وعبد الخميصة وذكر ما فيه دعاء وخبرا وهو قوله: " تعس وانتكس وإذا شيك فلا ~~انتقش " والنقش إخراج الشوكة من الرجل والمنقاش ما يخرج به الشوكة. # وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه # PageV01P080 # تعس وانتكس فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه وهذه ### | حال من عبد المال # وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي وإن منع سخط كما قال تعالى [58 التوبة] : ~~{ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون} فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله. # وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة - ونحو ذلك من أهواء نفسه - إن ~~حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط فهذا عبد ما يهواه من ذلك وهو رقيق له إذ ~~الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته فما استرق القلب واستعبده ~~فهو عبده. # ولهذا يقال: # العبد حر ما قنع ... والحر عبد ما طمع # وقال الشاعر: # أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرا # ويقال: ms22 الطمع غل في العنق قيد في الرجل فإذا زال الغل من العنق زال القيد ~~من الرجل. # PageV01P081 # ويروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: الطمع فقر واليأس غنى وإن ~~أحدكم إذا يئس من شئ استغنى عنه. # وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه ولا ~~يطمع فيه ولا يبقى قلبه فقيرا إليه ولا إلى من يفعله وأما إذا طمع في أمر ~~من الأمور ورجاه فإن قلبه يتعلق به فيصير فقيرا إلى حصوله وإلى من يظن أنه ~~سبب في حصوله وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك قال الخليل صلى الله ~~عليه وسلم [17 العنكبوت] : {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون} . # فالعبد لا بد له من رزق وهو محتاج إلى ذلك فإذا طلب رزقه من الله صار ~~عبدا لله فقيرا إليه وإذا طلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا إليه ~~ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل وإنما أبيحت للضرورة وفي النهى ~~عنها أحاديث كثيرة في " الصحاح " و " السنن " و " المسانيد " كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في ~~وجهه مزعه لحم " وقال: " من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت # PageV01P082 # مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوشا في وجهه " وقوله: " لا تحل ~~المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع " وهذا المعنى في " ~~الصحيح " وفيه أيضا: " لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل ~~الناس أعطوه أو منعوه " وقال: " ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا ~~مستشرف فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك " فكره أخذه مع سؤال اللسان واستشراف ~~القلب وقال في الحديث الصحيح: " من يستغن يغنه الله ومن يستعف يعفه الله ~~ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ". # PageV01P083 # وأوصى خواص أصحابه ألا يسألوا الناس شيئا وفي " المسند ": (أن أبا بكر ~~كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ms23 ناولني إياه ويقول: إن خليلي أمرني ~~ألا أسأل الناس شيئا) وفي " صحيح مسلم " وغيره عن عوف بن مالك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بايعه في طائفة وأسر إليهم كلمة خفية: " أن لا يسألوا الناس ~~شيئا " فكان بعض أولئك النفر يسقط السوط من يد أحدهم ولا يقول لأحد: ناولني ~~إياه. # وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق في غير ~~موضع كقوله تعالى [7 الشرح] : {فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب} وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: " إذا سألت فأسال الله واذا استعنت ~~فاستعن بالله " ومنه قول الخليل [17 العنكبوت] : {فابتغوا عند الله الرزق} ~~ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر ~~كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله وقد قال تعالى [32 النساء] : ~~{واسألوا الله من فضله} . # PageV01P084 # والإنسان لابد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه ودفع ما يضره ~~وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله فلا يسأل رزقه إلا من الله ولا ~~يشتكي إلا إليه كما قال يعقوب عليه السلام [86 يوسف] : {إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله} . # والله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل وقد ~~قيل: إن الهجر الجميل هو هجر بلا أذى والصفح الجميل صفح بلا معاتبة والصبر ~~الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه: إن ~~طاوسا كان يكره أنين المريض ويقول: إنه شكوى فما أن أحمد حتى مات. # وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل فإن يعقوب قال [83 يوسف] ~~: {فصبر جميل} وقال [86 يوسف] : {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} . # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل ~~فمر بهذه الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف. # PageV01P085 # ومن دعاء موسى: " اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك ~~المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ". وفي الدعاء الذي ms24 دعا به ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: " اللهم إليك ~~أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب ~~المستضعفين وأنت ربي اللهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ~~ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ ~~بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي ~~سخطك أو يحل علي غضبك لك العتبى حتى ترضى فلا حول ولا قوة إلا بالله " وفي ~~بعض الروايات: " ولا حول ولا قوة إلا بك ". # وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته ~~قويت عبوديته له وحريته مما سواه فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له ~~فيأسه منه يوجب غنى قلبه # PageV01P086 # نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره. فكذلك ~~طمع العبد في ربه ورجاؤه له يوجب عبوديته له وإعراض قلبه عن الطلب من الله ~~والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله لا سيما من كان يرجو المخلوق ~~ولايرجو الخالق بحيث يكون قلبه معتمدا إما على رئاسته وجنوده وأتباعه ~~ومماليكه وإما على أهله وأصدقائه وإما على أمواله وذخائره وإما على ساداته ~~وكبارئه كمالكه وملكه وشيخه ومخدومه وغيرهم ممن هو قد مات أو يموت قال ~~تعالى [58 الفرقان] : {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به ~~بذنوب عباده خبيرا} . # وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه ~~لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك وإن كان في الظاهر أميرا لهم مدبرا ~~لأمورهم متصرفا بهم فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر فالرجل إذا ~~تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيرا لها تحكم فيه وتتصرف ~~بما تريد وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها أو مالكها ولكنه في الحقيقة هو ~~أسيرها ومملوكها ولا سيما إذا علمت بفقرة إليها ms25 وعشقه لها وأنه لا يعتاض ~~عنها بغيرها فإنها حينئذ تتحكم فيه تحكم السيد القاهر الظالم في عبده ~~المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه بل أعظم فإن أسر القلب أعظم من أسر ~~البدن واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن فإن من استبعد بدنه واسترق ~~وأسر لا يبالي إذا كان قلبه # PageV01P087 # مستريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. # وأما إذا كان القلب الذي هو ملك الجسم رقيقا مستعبدا متيما لغير الله ~~فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية الذليلة لما استعبد القلب. # وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب فإن المسلم لو ~~أسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائما بما يقدر عليه ~~من الواجبات ومن استعبد بحق إذا " أدى حق الله وحق مواليه فله أجران " ولو ~~أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك وأما من ~~استعبد قلبه فصار عبدا لغير الله فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك ~~الناس. # فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب كما أن الغنى غنى النفس قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى ~~النفس ". # وهذا لعمرو الله إذا كان قد استبعد قلبه صورة مباحة. فأما من استعبد قلبه ~~صورة محرمة امرأة أو صبي فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب. # PageV01P088 # وهؤلاء عشاق الصور، من أعظم الناس عذابا وأقلهم ثوابا، فإن العاشق لصورة ~~إذا بقي قلبه متعلقا بها مستعبدا لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا ~~يحصيه إلا رب العباد ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى فداوم تعلق القلب بها ~~بلا فعل الفاحشة أشد ضررا عليه ممن يفعل ذنبا ثم يتوب منه ويزول أثره من ~~قلبه وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين كما قيل: # سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران؟ # وقيل: # قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في حين # PageV01P089 # ومن أعظم ms26 أسباب هذا البلاء إعراض القلب عن الله فإن القلب إذا ذاق طعم ~~عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أمتع ~~ولا أطيب والإنسان لا يترك محبوبا إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه أو ~~خوفا من مكروه فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح أو بالخوف ~~من الضرر. # قال تعالى في حق يوسف [24 يوسف] : {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من ~~عبادنا المخلصين} فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور والتعلق ~~بها ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية ~~لله والإخلاص له بحيث تغلبة نفسه على اتباع هواها فإذا ذاق طعم الإخلاص ~~وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا علاج. # قال تعالى [45 العنكبوت] : {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر ~~الله أكبر} فإن الصلاة فيها دفع مكروه وهو الفحشاء والمنكر وفيها تحصيل ~~محبوب وهو ذكر الله وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه فإن ذكر ~~الله عبادة لله وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها وأما اندفاع الشر عنه فهو ~~مقصود لغيره على سبيل التبع. # والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه فلما عرضت له # PageV01P090 # إرادة الشر طلب دفع ذلك فإنها تفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من ~~الدغل. # ولهذا قال تعالى [9-10 الشمس] : {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} ~~وقال تعالى [14-15 الأعلى] : {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى} وقال ~~تعالى [30 النور] : {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى ~~لهم} وقال تعالى [21 النور] : {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا} فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفس وبين أن ~~ترك الفواحش من زكاة النفوس وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من ~~الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك. # وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض قلبه رقيق لمن يعينه عليها ولو كان ~~في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم ms27 فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم فيبذل لهم ~~الأموال والولايات ويعفوا عما يجترحونه ليطيعوه ويعينوه فهو في الظاهر رئيس ~~مطاع وفي الحقيقة عبد مطيع لهم. # والتحقيق أن كلاهما فيه عبودية للآخر وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله ~~وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض # PageV01P091 # بغير الحق كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق فكل واحد من ~~الشخصين لهواه الذي استعبده واسترقه مستعبد للآخر. # وهكذا أيضا طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه. # وهذه الأمور نوعان: # منها ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إليه من طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ~~ونحو ذلك فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه فيكون المال عنده يستعمله في ~~حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه بل بمنزلة الكنيف ~~الذي يقضى فيه حاجته من غير أن يستعبده فيكون {هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا ~~* وإذا مسه الخير منوعا} [19-21 المعارج] . # ومنها ما لا يحتاج العبد إليه فهذا لا ينبغي له أن يعلق قلبه به فإذا علق ~~قلبه به صار مستعبدا له وربما صار معتمدا على غير الله فلا يبقى معه حقيقة ~~العبادة لله ولا حقيقة التوكل عليه بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة ~~من التوكل على غير الله وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم: " تعس ~~عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة " وهذا هو عبد ~~هذه الأمور فإنه لو # PageV01P092 # طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياه رضي وإن منعه إياه سخط وإنما عبد ~~الله من يرضيه ما يرضي الله ويسخطه ما يسخط الله ويحب ما أحبه الله ورسوله ~~ويبغض ما أبغضه الله ورسوله ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله تعالى ~~وهذا هو الذي استكمل الإيمان كما في الحديث: " من أحب لله وأبغض لله وأعطى ~~لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ". وقال ### | : " أوثق عرى الإيمان # الحب في الله والبغض في الله ". # وفي " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان: من كان الله ورسوله ms28 أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا ~~يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما ~~يكره أن يلقى في النار ". فهذا وافق ربه فيما يحبه وما يكرهه فكان الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما وأحب المخلوق لله لا لغرض آخر فكان هذا من تمام ~~حبه لله فإن محبة محبوب # PageV01P093 # المحبوب من تمام محبة المحبوب فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل ~~قيامهم بمحبوبات الحق لا لشيء آخر فقد أحبهم لله لا لغيره وقد قال تعالى ~~[54 المائدة] : {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين} . # ولهذا قال تعالى [31 آل عمران] : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله} فإن الرسول لا يأمر إلا بما يحب الله ولا ينهى إلا عما يبغضه الله ~~ولا يفعل إلا ما يحبه الله ولا يخبر إلا بما يحب الله التصديق به. # فمن كان محبا لله لزم أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر ~~ويتأسى به فيما فعل ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله فيحبه الله. # وقد جعل الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول والجهاد في سبيله وذلك ~~لأن الجهاد حقيقة الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ~~ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان وقد قال تعالى [24 ~~التوبة] : {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} فتوعد من كان أهله وماله أحب ~~إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد بل قد ثبت عنه صلى الله ~~عليه وسلم في " الصحيح " أنه قال: " والذي نفسي بيده لا يؤمن # PageV01P094 # أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". وفي " الصحيح " ~~أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسى ~~فقال: " لا يا ms29 عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك " فقال: فوالله لأنت أحب إلي ~~من نفسي فقال: " الآن يا عمر ". # فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب وهو موافقته في حب ما يحب وبغض ~~ما يبغض والله يحب الإيمان والتقوى ويبغض الكفر والفسوق والعصيان. # ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب ~~فعل المحبوبات فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول ~~المحبوبات فإذا كان العبد قادر عليها حصلها وإن كان عاجزا عنها ففعل ما ~~يقدر عليه من ذلك كان له أجر كأجر الفاعل كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص ~~من أجورهم شيء ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيء ". وقال: " إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ~~ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم " قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: " وهم ~~بالمدينة حبسهم العذر ". # PageV01P095 # والجهاد: هو بذل الوسع - وهو كل ما يملك من القدرة - في حصول محبوب الحق، ~~ودفع ما يكرهه الحق. فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلا على ~~ضعف محبة الله ورسوله في قلبه. # ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالبا إلا باحتمال المكروهات سواء كانت محبة ~~صالحة أو فاسدة فالمحبون للمال والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر ~~يلحقهم في الدنيا مع ما يصيبهم من الضرر في الدنيا والآخرة فالمحب لله ~~ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذو الرأي من المحبين لغير الله مما يحتملون في ~~سبيل حصول محبوبهم دل ذلك على ضعف محبتهم لله إذا كان ما يسلكه أولئك في ~~نظرهم هو الطريق الذي يشير به العقل. # ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبا لله قال تعالى [165 البقرة] : {ومن الناس ~~من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} . # نعم قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقا لا ms30 يحصل بها المطلوب فمثل ~~هذه الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة فكيف إذا كانت المحبة ~~فاسدة والطريق غير موصل؟! كما يفعله المتهورون في طلب المال الرئاسة والصور ~~من حب أمور توجب لهم ضررا ولا # PageV01P096 # تحصل لهم مطلوبا، وإنما المقصود الطرق التي يسلكها العقل السليم لحصول ~~مطلوبه. # إذا تبين هذا فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية ازداد له ~~عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وفضله عما سواه. والقلب فقير ~~بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية ومن جهة ~~الاستعانة والتوكل وهي العلة الفاعلة فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا ~~يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة ~~إليه ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ~~ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه وبذلك يحصل له الفرح ~~والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة. # وهذا لا يحصل له إلا باعانة الله له فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا ~~الله فهو دائما مفتقر إلى حقيقة {إياك نعبد وإياك نستعين} فإنه لو أعين على ~~حصوله كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده ولم يحصل له عبادة لله فلن يحصل ~~إلا على الألم والحسرة والعذاب ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا ~~بإخلاص الحب لله بحيث يكون الله هو غاية مراده ونهاية مقصوده وهو المحبوب ~~له بالقصد الأول وكل ما سواه # PageV01P097 # إنما يحبه لأجله لا يحب شيئا لذاته إلا الله ومتى لم يحصل له هذا لم يكن ~~قد حقق حقيقة (لا إله إلا الله) ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله ~~وكان فيه من نقص التوحيد والإيمان بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك. # ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعينا بالله متوكلا عليه مفتقرا إليه ~~في حصوله لم يحصل له فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهو مفتقر إلى ~~الله من ms31 حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود ومن حيث هو المسئول ~~المستعان به المتوكل عليه فهو إلهه الذي لا إله له غيره وهو ربه الذي لا رب ~~له سواه. # ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين فمتى كان يحب غير الله لذاته أو يلتفت إلى ~~غير الله أنه يعينه كان عبدا لما أحبه وعبدا لما رجاه بحسب حبه له ورجائه ~~إياه وإذا لم يحب أحدا لذاته إلا الله وأي شيء أحبه سواه فإنما أحبه له ولم ~~يرج قط شيئا إلا الله وإذا فعل ما فعل من الأسباب أو حصل ما حصل منها كان ~~مشاهدا أن الله هو الذى خلقها وقدرها وسخرها له وأن كل ما في السماوات ~~والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه ومسخره وهو مفتقر إليه كان قد حصل له من ~~تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك. # PageV01P098 # والناس في هذا على درجات متفاوتة لا يحصي طرقها إلا الله. # فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم أتمهم ~~عبودية لله من هذا الوجه. # وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه وهو أن ~~يستسلم العبد لله لا لغيره فالمستسلم له ولغيره مشرك والممتنع عن الاستسلام ~~له مستكبر. وقد ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن " الجنة ~~لا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ". كما أن النار لا يخلد فيها ~~من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فجعل الكبر مقابلا للإيمان؛ فإن الكبر ~~ينافي حقيقة العبودية كما ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " يقول الله: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعنى واحدا ~~منهما عذبته " فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية والكبرياء أعلى من ~~العظمة ولهذا جعلها بمنزلة الرداء كما جعل العظمة بمنزلة الإزار. # ولهذا كان شعار الصلاة والأذان والأعياد هو التكبير وكان مستحبا في ~~الأمكنة العالية كالصفا والمروة # PageV01P099 # وإذا علا الإنسان شرفا أو ركب دابة ونحو ذلك وبه يطفأ الحريق وإن عظم ~~وعند الأذان ms32 يهرب الشيطان قال تعالى [60 غافر] : {وقال ربكم ادعوني أستجب ~~لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} . # وكل من استكبر عن عبادة الله لا بد أن يعبد غيره فإن الإنسان حساس يتحرك ~~بالإرادة وقد ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~أصدق الأسماء حارث وهمام " فالحارث الكاسب الفاعل والهمام فعال من الهم ~~والهم أول الإرادة فالإنسان له إرادة دائما وكل إرادة فلا بد لها من مراد ~~تنتهى إليه فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته فمن لم يكن ~~الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك فلا بد أن له مراد محبوب ~~يستعبده غير الله فيكون عبدا لذلك المراد المحبوب إما المال وإما الجاه ~~وإما الصور وإما ما يتخذه إلها من دون الله كالشمس والقمر والكواكب ~~والأوثان # PageV01P100 # وقبور الأنبياء والصالحين أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أربابا ~~أو غير ذلك مما عبد من دون الله. # وإذا كان عبدا لغير الله يكون مشركا وكل مستكبر فهو مشرك ولهذا كان فرعون ~~من أعظم الخلق استكبارا عن عبادة الله وكان مشركا قال تعالى [23-35 غافر] : ~~{ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ~~ساحر كذاب} إلى قوله: {وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب} إلى قوله: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} . وقال ~~تعالى [39 العنكبوت] : {وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات ~~فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} . وقال تعالى [4 القصص] : {إن فرعون ~~علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي ~~نساءهم} . وقال [14 النمل] : {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} . ومثل هذا في القرآن كثير. # وقد وصف فرعون بالشرك في قوله [127 الأعراف] : {وقال الملأ من قوم فرعون ~~أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك} بل الاستقراء يدل على أنه ~~كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله ms33 كان أعظم إشراكا بالله لأنه ~~كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرا وحاجة إلى المراد المحبوب # PageV01P101 # الذي هو المقصود مقصود القلب بالقصد الأول فيكون مشركا بما استعبده من ~~ذلك. # ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا ~~يعبد إلا إياه ولا يستعين إلا به ولا يتوكل إلا عليه ولا يفرح إلا بما يحبه ~~ويرضاه ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه ولا يوالى إلا من والاه الله ولا ~~يعادي إلا من عاداه الله ولا يحب إلا لله ولا يبغض شيئا إلا لله فكلما قوي ~~إخلاص دينه لله كملت عبوديته لله واستغناؤه عن المخلوقات وبكمال عبوديته ~~لله تكمل تبرئته من الكبر والشرك. # والشرك غالب على النصارى والكبر غالب على اليهود قال تعالى في النصارى ~~[31 التوبة] : {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ~~وقال في اليهود [87 البقرة] : {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} وقال تعالى [146 الأعراف] : {سأصرف ~~عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ~~وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} . # PageV01P102 # ولما كان الكبر مستلزما للشرك والشرك ضد الإسلام وهو الذنب الذي لا يغفره ~~الله قال تعالى [48 النساء] : {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} وقال [116 النساء] : ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ~~ضل ضلالا بعيدا} كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام فهو الدين الذي ~~لا يقبل الله غيره لا من الأولين ولا من الآخرين قال نوح [72 يونس] : {فإن ~~توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} ~~وقال في حق إبراهيم [130-132 البقرة] ms34 : {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من ~~سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين * إذ قال له ~~ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} إلى قوله: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~وقال يوسف [101 يوسف] : {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} وقال موسى [84-85 ~~يونس] : {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين * فقالوا ~~على الله توكلنا} وقال تعالى [44 المائدة] : {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} وقالت بلقيس [44 النمل] : ~~{رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} وقال [111 المائدة] : ~~{وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون} وقال [19 آل عمران] : {إن الدين عند الله الإسلام} وقال [85 آل ~~عمران] : {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} # PageV01P103 # وقال تعالى [83 آل عمران] : {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها} فذكر إسلام الكائنات طوعا وكرها لأن المخلوقات ~~جميعها متعبدة له التعبد العام سواء أقر المقر بذلك أو أنكره وهم مدينون له ~~مدبرون فهم مسلمون له طوعا وكرها ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاءه ~~وقدره وقضاه ولا حول ولا قوة إلا به وهو رب العالمين ومليكهم يصرفهم كيف ~~يشاء وهو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم وكل ما سواه فهو مربوب مصنوع مفطور ~~فقير محتاج معبد مقهور وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصور. # وهو وإن كان قد خلق ما خلقه بأسباب فهو خالق السبب والمقدر له وهذا مفتقر ~~إليه كافتقار هذا وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل خير ولا دفع ضر بل كل ~~ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه وإلى ما يدفع عنه الضد الذي يعارضه ~~ويمانعه. # وهو سبحانه وحده الغنى عن كل ما سواه ليس له شريك يعاونه ولا ضد يناوئه ~~ويعارضه قال تعالى [38 الزمر] : {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ms35 أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ~~حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} وقال تعالى [17 الأنعام] : # PageV01P104 # {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير} وقال تعالى عن الخليل [78-82 الأنعام] : {يا قوم إني بريء مما تشركون ~~* إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين * ~~وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن ~~يشاء ربي شيئا} إلى قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون} . # وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن هذه الآية لما ~~نزلت شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله أينا ~~لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: " إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد ~~الصالح [13 لقمان] : {إن الشرك لظلم عظيم} ". # وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين حيث بعث وقد طبق الأرض دين ~~المشركين قال الله تعالى [124 البقرة] : {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين} فبين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم فلم يأمر الله سبحانه أن ~~يكون الظالم إماما وأعظم الظلم الشرك. # وقال تعالى [120 النحل] : {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين} والأمة هو معلم الخير الذي يؤتم به # PageV01P105 # كما أن القدوة الذى يقتدى به. # والله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب وإنما بعث الأنبياء بعده بملته ~~قال تعالى [123 النحل] : {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين} وقال تعالى [68 آل عمران] : {إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} وقال تعالى [67 ~~آل عمران] : {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين} وقال تعالى [135-136 البقرة] : {وقالوا كونوا هودا أو ~~نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا ms36 وما كان من المشركين * قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط} إلى قوله: {ونحن له مسلمون} . # وقد ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن " إبراهيم خير ~~البرية " فهو أفضل الأنبياء بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو خليل الله ~~تعالى. # وقد ثبت في " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: ~~" إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم # PageV01P106 # خليلا ". وقال: " لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ~~ولكن صاحبكم خليل الله " يعنى نفسه. # وقال: " لا تبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر ". وقال: " ~~ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور ~~مساجد إنى أنهاكم عن ذلك ". وكل هذا في " الصحيح " وفيه أنه قال ذلك قبل ~~موته بأيام وذلك من تمام رسالته فإن في ذلك تمام تحقيق مخالته لله التي ~~أصلها محبة الله تعالى للعبد ومحبة العبد لله خلافا للجهمية. # وفي ذلك تحقيق توحيد الله وألا يعبدوا إلا إياه ردا على أشباه المشركين ~~وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق رضي الله عنه حقه وهم أعظم ~~المنتسبين إلى القبلة إشراكا بعبادة علي وغيره من البشر. # والخلة هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله ومن الرب ~~سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه. # ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب فإنهم # PageV01P107 # يقولون قلب متيم إذا كان متعبدا للمحبوب والمتيم المتعبد وتيم الله عبد ~~الله وهذا على الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم. # ولهذا لم يكن له صلى الله عليه وسلم من أهل الأرض خليل إذ الخلة لا تحتمل ~~الشركة فإنه كما قيل في المعنى: # قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا # بخلاف أصل الحب فإنه صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح في ~~الحسن وأسامة: " اللهم إنى أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما ". وسأله عمرو بن ~~العاص: أي الناس ms37 أحب إليك؟ قال: " عائشة ". # PageV01P108 # قال: فمن الرجال؟ قال: "أبوها ". وقال لعلي رضي الله عنه: " لأعطين ~~الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ". وأمثال ذلك كثير. # وقد أخبر تعالى أنه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب المقسطين ويحب ~~التوابين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص وقال [54 المائدة] : {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} فقد أخبر ~~بمحبته لعباده المؤمنين ومحبة المؤمنين له حتى قال [165 البقرة] : {والذين ~~آمنوا أشد حبا لله} . # وأما الخلة فخاصة وقول بعض الناس: إن محمدا حبيب الله وإبراهيم خليل الله ~~وظنه أن المحبة فوق الخلة قول ضعيف فإن محمدا أيضا خليل الله كما ثبت ذلك ~~في الأحاديث الصحيحة المستفيضة. # وما يروى أن العباس يحشر بين حبيب وخليل وأمثال ذلك فأحاديث موضوعة لا ~~تصلح أن يعتمد عليها # PageV01P109 # وقد قدمنا أن محبة الله تعالى هي محبته ومحبة ما أحب كما في " الصحيحين " ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: ~~من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار ". أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من كان فيه هذه الثلاث وجد ~~حلاوة الإيمان لأن وجد الحلاوة بالشيء يتبع المحبة له فمن أحب شيئا أو ~~اشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك واللذة أمر ~~يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى. ومن قال: إن اللذة ~~إدراك الملائم - كما يقوله من يقوله من المتفلسفة والأطباء - فقد غلط في ~~ذلك غلطا بينا فإن الإدراك يتوسط بين المحبة واللذة فإن الإنسان مثلا يشتهي ~~الطعام فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة فاللذة تتبع النظر إلى الشيء فإذا ~~نظر إليه التذ به واللذة التي تتبع النظر ليست نفس النظر وليست هي رؤية ~~الشيء بل تحصل عقيب رؤيته وقال تعالى ms38 [71 الزخرف] : {وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين} وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام # PageV01P110 # من فرح وحزن ونحو ذلك يحصل بالشعور بالمحبوب أو الشعور بالمكروه وليس نفس ~~الشعور هو الفرح ولا الحزن. # فحلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده المؤمن الواجد حلاوة ~~الإيمان تتبع كمال محبة العبد لله وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة ~~وتفريقها ودفع ضدها. فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فإن ~~محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما كما تقدم، وتفريقها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ودفع ~~ضدها أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار. # فإذا كانت محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحب المؤمنين الذين يحبهم الله لأنه أكمل الناس محبة لله وأحقهم ~~بأن يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله والخلة ليس فيها لغير الله نصيب ~~بل قال: " لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا " علم ~~مزيد مرتبة الخلة على مطلق المحبة. # والمقصود هو أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته وإنما يغلط من يغلط في ~~هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه وأن المحبة ~~فيها # PageV01P111 # انبساط في الأهواء أو إدلال لا تحتمله الربوبية ولهذا يذكر عن ذي النون ~~أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها ~~النفوس فتدعيها. # وكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة ~~بلا خشية. # وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده ~~بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري ومن عبده بالحب ~~والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد. # PageV01P112 # ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع ~~من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية وتدخل العبد في نوع ms39 من الربوبية ~~التي لا تصلح إلا لله فيدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حدود الأنبياء والمرسلين أو ~~يطلب من الله ما لا يصلح بكل وجه إلا لله لا يصلح للأنبياء ولا للمرسلين. # وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ وسببه ضعف تحقيق العبودية التي بينها ~~الرسل وحررها الأمر والنهي الذي جاءوا به بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد ~~حقيقته وإذا ضعف العقل وقلص العلم بالدين وفي النفس محبة طائشة جاهلة ~~انبسطت النفس بحمقها في ذلك كما ينبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه ~~وجهله ويقول: أنا محب فلا أؤاخذ بما أفعله من أنواع يكون فيها عدوان وجهل ~~فهذا عين الضلال وهو شبيه بقول اليهود والنصارى [18 المائدة] : {نحن أبناء ~~الله وأحباؤه} قال الله تعالى: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ~~يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} فإن تعذيبه لهم بذنوبهم يقتضي أنهم غير ~~محبوبين ولا منسوبين إليه بنسب البنوة بل يقتضي أنهم مربوبون مخلوقون. # فمن كان الله يحبه استعمله فيما يحبه ومحبوبه لا يفعل ما يبغضه الحق ~~ويسخطه من الكفر والفسوق والعصيان # PageV01P113 # ومن فعل الكبائر وأصر عليها ولم يتب منها فإن الله يبغض منه ذلك كما يحب ~~منه ما يفعله من الخير إذ حبه للعبد بحسب إيمانه وتقواه. # ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله يحبه مع إصراره عليها كان بمنزلة من ~~زعم أن تناول السم لا يضره مع مداومته عليه وعدم تداويه منه لصحة مزاجه ولو ~~تدبر الأحمق ما قص الله في كتابه من قصص أنبيائه وما جرى لهم من التوبة ~~والاستغفار وما أصيبوا به من أنواع البلاء الذي فيه تمحيص لهم وتطهير بحسب ~~أحوالهم علم بعض ضرر الذنوب بأصحابها ولو كان أرفع الناس مقاما فإن المحب ~~للمخلوق إذا لم يكن عارفا بمحابه ولا مريدا لها بل يعمل بمقتضى الحب وإن ~~كان جهلا وظلما كان ذلك سببا لبغض المحبوب له ونفوره عنه بل سببا لعقوبته. # وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعا من أمور ms40 الجهل بالدين: ~~إما من تعدي حدود الله وإما من تضييع حقوق الله وإما من ادعاء الدعاوى ~~الباطلة التي لا حقيقة لها كقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحدا فأنا ~~برئ منه، فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحدا من المؤمنين يدخل النار فأنا منه ~~بريء. # فالأول جعل مريده يخرج كل من في النار. # والثاني جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار. # PageV01P114 # ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم حتى لا يدخلها ~~أحد. # وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين وهي إما كذب ~~عليهم وإما غلط منهم. # ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلبة وفناء يسقط فيها تمييز الإنسان أو ~~يضعف حتى لا يدري ما قال. والسكر هو لذة مع عدم تمييز ولهذا كان من هؤلاء ~~من إذا صحا استغفر من ذلك الكلام والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد ~~المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل والغرام كان هذا أصل مقصدهم فإن هذا ~~الجنس يحرك ما في القلب من الحب كائنا ما كان ولهذا أنزل الله محنة يمتحن ~~بها المحب فقال [31 آل عمران] : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله} فلا يكون محبا لله إلا من يتبع رسوله وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون ~~إلا بتحقيق العبودية وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته صلى الله ~~عليه وسلم ويدعي من الحالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره حتى قد يظن أحدهم ~~سقوط الأمر وتحليل الحرام له وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته ~~وطاعته. # بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله الجهاد في سبيله والجهاد يتضمن ~~كمال محبة ما أمر الله به وكمال بغض ما نهى الله عنه ولهذا قال في صفة من ~~يحبهم ويحبونه [54 المائدة] : # PageV01P115 # {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ~~لومة لائم} . # ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها وعبوديتهم لله أكمل ~~من عبودية من ms41 قبلهم وأكمل هذه الأمة في ذلك هم أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل فأين هذا من قوم يدعون المحبة؟ # وفي كلام بعض الشيوخ: المحبة نار تحرق في القلب ما سوى مراد المحبوب. ~~وأرادوا أن الكون كله قد أراد الله وجوده فظنوا أن كمال المحبة أن يحب ~~العبد كل شيء حتى الكفر والفسوق والعصيان و ### | لا يمكن لأحد أن يحب كل موجود # بل يحب ما يلائمه وينفعه ويبغض ما ينافيه ويضره ولكن استفادوا بهذا ~~الضلال اتباع أهوائهم ثم زادهم انغماسا في أهوائهم وشهواتهم فهم يحبون ما ~~يهوونه كالصور والرئاسة وفضول المال والبدع المضلة زاعمين أن هذا من محبة ~~الله ومن محبة الله بغض ما يبغضه الله ورسوله وجهاد أهله بالنفس والمال. # وأصل ضلالهم: أن هذا القائل الذي قال: إن المحبة نار تحرق ما سوى مراد ~~المحبوب، قصد بمراد الله تعالى: الإرادة الكونية في كل الموجودات. # أما لو قال مؤمن بالله وكتبه ورسله، هذه المقالة، فإنه يقصد الإرادة ~~الدينية الشرعية التي هي بمعنى محبته ورضاه، فكأنه # PageV01P116 # قال: تحرق من القلب ما سوى المحبوب لله. وهذا معنى صحيح فإن من تمام الحب ~~لله ألا يحب إلا ما يحبه الله فإذا أحببت ما لا يحب كانت المحبة ناقصة. ~~وأما قضاؤه وقدره فهو يبغضه ويكرهه ويسخطه وينهى عنه فإن لم أوافقه في بغضه ~~وكراهته وسخطه لم أكن محبا له بل محبا لما يبغضه. # فاتباع هذه الشريعة والقيام بالجهاد بها من أعظم الفروق بين أهل محبة ~~الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ~~ربوبيته أو متبعا لبعض البدع المخالفة لشريعته فإن دعوى هذه المحبة لله من ~~جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله بل قد تكون دعوى هؤلاء شرا من دعوى ~~اليهود والنصارى لما فيهم من النفاق الذين هم به في الدرك الأسفل من النار ~~كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شرا من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل ~~كفرهم. # وفي التوراة والإنجيل ms42 من الترغيب في محبة الله ما هم متفقون عليه حتى إن ~~ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس. # PageV01P117 # ففي الإنجيل أعظم وصايا المسيح: (أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك) ~~والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ~~ذلك وهم برآء من محبة الله إذ لم يتبعوا ما أحبه بل {اتبعوا ما أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [28 محمد] . # والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم وهو سبحانه يحب من يحبه لا يمكن أن ~~يكون العبد محبا لله والله تعالى غير محب له بل بقدر محبة العبد لربه يكون ~~حب الله له وإن كان جزاء الله لعبده أعظم كما في الحديث الصحيح الإلهي عن ~~الله تعالى أنه قال: " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ~~ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ". # وقد أخبر الله سبحانه أنه يحب المتقين والمحسنين والصابرين ويحب التوابين ~~ويحب المتطهرين بل هو يحب من فعل ما أمر به # PageV01P118 # من واجب ومستحب كما في الحديث الصحيح: " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به " الحديث، ~~وكثير من المخطئين الذين ابتدعوا أشياء في الزهد والعبادة وقعوا في بعض ما ~~وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته وترك المجاهدة في ~~سبيله ونحو ذلك ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى الله بنحو ما تمسك ~~به النصارى من الكلام المتشابه والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها ولو صدق ~~لم يكن قائلها معصوما فيجعلون متبوعيهم شارعين لهم دينا كما جعل النصارى ~~قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم دينا ثم إنهم ينتقصون العبودية ويدعون أن ~~الخاصة يتعدونها كما يدعي النصارى في المسيح والقساوسة ويثبتون لخاصتهم من ~~المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه والقسيسين ~~والرهبان إلى أنواع أخر يطول شرحها في هذا الموضع. # وإنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه وهو تحقيق محبة الله بكل ms43 ~~درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة # PageV01P119 # العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا وكلما كان ~~في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك وكلما كان فيه ~~عبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك. # وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل ف ~~" الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله " ولا يكون لله إلا ما أحبه ~~الله ورسوله وهو المشروع. # فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن ~~لله بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله وأن يكون موافقا لمحبة ~~الله ورسوله وهو الواجب والمستحب كما قال تعالى [110 الكهف] : {فمن كان ~~يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . # فلا بد من العمل الصالح وهو الواجب والمستحب ولا بد أن يكون خالصا لوجه ~~الله تعالى كما قال تعالى [112 البقرة] : {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " وقال صلى الله عليه وسلم: " ~~إنما # PageV01P120 # الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه ". # وهذا الأصل هو أصل الدين وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين وبه أرسل الله ~~الرسل وأنزل الكتب وإليه دعا الرسول وعليه جاهد وبه أمر وفيه رغب وهو قطب ~~الدين الذي تدور عليه رحاه. # والشرك غالب على النفوس وهو كما جاء في الحديث: هو في هذه الأمة " أخفى ~~من دبيب النمل " وفي حديث آخر: قال أبو بكر: يا رسول الله كيف ننجو منه وهو ~~أخفى من دبيب النمل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أعلمك كلمة إذا ms44 ~~قلتها نجوت من دقه وجله قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ~~وأستغفرك لما لا أعلم " وكان عمر يقول في دعائه: (اللهم # PageV01P121 # اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا) . # وكثيرا ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها ~~لله وعبوديتها له وإخلاص دينها له كما قال شداد بن أوس: يا نعايا العرب يا ~~نعايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية، وقيل لأبي داود ~~السجستاني: وما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة. # وعن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما ذئبان جائعان ~~أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه " قال ~~الترمذي: حديث حسن صحيح. # PageV01P122 # فبين صلى الله عليه وسلم أن الحرص على المال والشرف في إفساد الدين لا ~~ينقص عن إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم وذلك بين فإن الدين السليم لا ~~يكون فيه هذا الحرص وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته له لم ~~يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدمه عليه وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله ~~السوء والفحشاء كما قال تعالى [24 يوسف] : {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ~~إنه من عبادنا المخلصين} . # فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره ومن ~~حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا ~~ألذ ولا أطيب ولا أسر ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ~~ومحبته له وإخلاص الدين له وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب ~~منيبا إلى الله خائفا منه راغبا راهبا كما قال تعالى [33 ق] : {من خشي ~~الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} إذ # PageV01P123 # المحب يخاف من زوال مطلوبه أو حصول مرغوبه فلا يكون عبد الله ومحبه إلا ~~بين خوف ورجاء كما قال تعالى [57 الإسراء] : {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ms45 إن عذاب ربك كان ~~محذورا} . # وإذا كان العبد مخلصا لله اجتباه ربه فأحيا قلبه واجتذبه إليه فينصرف عنه ~~ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء ويخاف من حصول ضد ذلك بخلاف القلب الذي لم ~~يخلص لله فإن فيه طلبا وإرادة وحبا مطلقا فيهوى ما يسنح له ويتشبث بما ~~يهواه كالغصن أي نسيم مر به عطفه وأماله فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير ~~المحرمة فيبقى أسيرا عبدا لمن لو اتخذه هو عبدا له لكان ذلك عيبا ونقصا ~~وذما. # وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة ويستعبده من ~~يثني عليه ولو بالباطل ويعادي من يذمه ولو بالحق. # وتارة يستعبده الدرهم والدينار وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب ~~والقلوب تهواها فيتخذ إلها هواه ويتبع هواه بغير هدى من الله. # ومن لم يكن خالصا لله عبدا له قد صار قلبه معبدا لربه وحده لا شريك له ~~بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه ويكون ذليلا له خاضعا وإلا استعبدته ~~الكائنات # PageV01P124 # واستولت على قلبه الشياطين فكان من الغاوين إخوان الشياطين وصار فيه من ~~السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله. # وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه. # فالقلب إن لم يكن حنيفا مقبلا على الله معرضا عما سواه وإلا كان مشركا ~~قال تعالى [30-32 الروم] : {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~* منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} . # وقد جعل الله سبحانه إبراهيم وآل إبراهيم أئمة لهؤلاء الحنفاء المخلصين ~~أهل محبة الله وعبادته وإخلاص الدين له كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة ~~المشركين المتبعين أهواءهم قال تعالى في إبراهيم [72-73 الأنبياء] : ~~{ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا ~~عابدين} وقال في فرعون وقومه [41-42 القصص] : {وجعلناهم أئمة يدعون إلى ~~النار ms46 ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ~~هم من المقبوحين} ولهذا يصير أتباع فرعون أولا إلى ألا يميزوا بين ما # PageV01P125 # يحبه الله ويرضاه وبين ما قدر الله وقضاه بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة ~~الشاملة ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق بل يجعلون وجود هذا ~~وجود هذا. # ويقول محققوهم: الشريعة فيها طاعة ومعصية والحقيقة فيها معصية بلا طاعة ~~والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية. وهذا تحقيق مذهب فرعون وقومه الذين ~~أنكروا الخالق وأنكروا تكليمه لعبده موسى وما أرسله به من الأمر والنهي. # وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء من الأنبياء والمؤمنين بهم فهم يعلمون ~~أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق ولا بد من الفرق بين الطاعة ~~والمعصية وأن العبد كلما ازداد تحقيقا لهذا الفرق ازدادت محبته لله ~~وعبوديته له وطاعته له وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره. # وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه والخليل يقول [75-77 ~~الشعراء] : {أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين} ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى. # مثال ذلك: اسم (الفناء) فإن ### | الفناء ثلاثة أنواع: # نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء. # ونوع للقاصدين من الأولياء والصالحين. # ونوع للمنافقين الملحدين المشبهين. # فأما الأول: فهو الفناء عن إرادة ما سوى الله، بحيث لا # PageV01P126 # يحب إلا الله ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يطلب من غيره وهو ~~المعنى الذي يجب أن يقصد بقول الشيخ أبي يزيد حيث قال: (أريد ألا أريد إلا ~~ما يريد) أي المراد المحبوب المرضي وهو المراد بالإرادة الدينية وكمال ~~العبد ألا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه وهو ما أمر ~~به أمر إيجاب أو استحباب ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء ~~والصالحين وهذا معنى قولهم في قوله [89 الشعراء] : {إلا من أتى الله بقلب ~~سليم} قالوا: هو السليم مما سوى الله أو مما سوى عبادة الله أو مما ms47 سوى ~~إرادة الله أو مما سوى محبة الله فالمعنى واحد وهذا المعنى إن سمي فناء أو ~~لم يسم هو أول الإسلام وآخره وباطن الدين وظاهره. # وأما النوع الثاني: فهو الفناء عن شهود السوى، وهذا يحصل لكثير من ~~السالكين فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف ~~قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد لا يخطر بقلوبهم غير الله ~~بل ولا يشعرون إلا به كما قيل في قوله تعالى [10 القصص] : {وأصبح فؤاد أم ~~موسى فارغا إن # PageV01P127 # كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} قالوا فارغا من كل شيء إلا من ~~ذكر موسى. وهذا كثيرا ما يعرض لمن دهمه أمر من الأمور: إما حب وإما خوف ~~وإما رجاء يبقى قلبه منصرفا عن كل شيء إلا عما قد أحبه أو خافه أو طلبه ~~بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره. # فإذا قوي على صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجوده عن وجوده وبمشهوده عن ~~شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته حتى يفنى من لم يكن وهي ~~المخلوقات العبد فمن سواه ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى والمراد فناؤها ~~في شهود العبد وذكره وفناؤه عن أن يدركها أو يشهدها وإذا قوي هذا ضعف المحب ~~حتى يضطرب في تمييزه فقد يظن أنه هو محبوبه كما يذكر أن رجلا ألقى نفسه في ~~اليم فألقى محبه نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فما أوقعك خلفي؟ قال: غبت بك عني ~~فظننت أنك أني. # وهذا الموضع زلت فيه أقوام وظنوا أنه اتحاد وأن المحب يتحد بالمحبوب حتى ~~لا يكون بينهما فرق في نفس وجودهما وهذا غلط فإن الخالق لا يتحد به شيء ~~أصلا بل لا يمكن يتحد شيء بشيء إلا إذا استحالا وفسدت حقيقة كل منهما وحصل ~~من اتحادهما أمر ثالث لا هو هذا # PageV01P128 # ولا هذا كما إذا اتحد الماء واللبن والماء والخمر ونحو ذلك ولكن يتحد ~~المراد والمحبوب والمراد والمكروه ويتفقان في نوع الإرادة والكراهة فيحب ~~هذا ما ms48 يحب هذا ويبغض هذا ما يبغض هذا ويرضى ما يرضى ويسخط ما يسخط ويكره ~~ما يكره ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي. # وهذا الفناء كله فيه نقص. # وأكابر الأولياء - كأبي بكر وعمر والسابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار - لم يقعوا في هذا الفناء فضلا عمن هو فوقهم من الأنبياء وإنما ~~وقع شيء من هذا بعد الصحابة. # وكذلك كل ما كان من هذا النمط مما فيه غيبة العقل وعدم التمييز لما يرد ~~على القلب من أحوال الإيمان. # فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أكمل وأقوى وأثبت في الأحوال الإيمانية ~~من أن تغيب عقولهم أو يحصل لهم غشي أو صعق أو سكر أو فناء أو وله أو جنون. # وإنما كان مبادئ هذه الأمور في التابعين من عباد البصرة فإنه كان فيهم من ~~يغشى عليه إذا سمع القرآن ومنهم من يموت كأبي جهير الضرير # PageV01P129 # وزرارة بن أوفى قاضي البصرة. # وكذلك صار في شيوخ الصوفية من يعرض له من الفناء والسكر ما يضعف معه ~~تمييزه حتى يقول في تلك الحال من الأقوال ما إذا صحا عرف أنه غالط فيه كما ~~يحكى نحو ذلك عن مثل أبي يزيد وأبي الحسين النوري وأبي بكر الشبلي وأمثالهم ~~بخلاف أبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والفضيل بن # PageV01P130 # عياض بل وبخلاف الجنيد وأمثاله ممن كانت عقولهم وتمييزهم يصحبهم في ~~أحوالهم فلا يقعون في مثل هذا الفناء والسكر ونحوه بل الكمل تكون قلوبهم ~~ليس فيها سوى محبة الله وإرادته وعبادته وعندهم من سعة العلم والتمييز ما ~~يشهدون [به] الأمور على ما هي عليه بل يشهدون المخلوقات قائمة بأمر الله ~~مدبرة بمشيئته بل مستجيبة له قانتة له فيكون لهم فيها تبصرة وذكرى ويكون ما ~~يشهدونه من ذلك مؤيدا وممدا لما في قلوبهم من إخلاص الدين وتجريد التوحيد ~~له والعبادة له وحده لا شريك له. # وهذه هي الحقيقة التي دعا إليها القرآن وقام بها أهل تحقيق الإيمان ~~والكمل من أهل العرفان ونبينا صلى الله عليه وسلم إمام هؤلاء وأكملهم ولهذا ~~لما عرج به إلى ms49 السماوات وعاين ما هناك من الآيات وأوحي إليه ما أوحي من ~~أنواع المناجاة أصبح فيهم وهو لم يتغير حاله ولا ظهر عليه ذلك بخلاف # PageV01P131 # ما كان يظهر على موسى من التغشي صلى الله عليهم وسلم أجمعين. # وأما النوع الثالث مما قد يسمى فناء: فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله ~~وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق فلا فرق بين الرب والعبد فهذا فناء أهل ~~الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد وهذا يبرأ منه المشايخ، إذا ~~قال أحدهم: ما أرى غير الله أو لا أنظر إلى غير الله ونحو ذلك، فمرادهم ~~بذلك ما أرى ربا غيره ولا خالقا ولا مدبرا غيره ولا إلها لي غيره ولا أنظر ~~إلى غيره محبة له أو خوفا منه أو رجاء له؛ فإن العين تنظر إلى ما يتعلق به ~~القلب فمن أحب شيئا أو رجاه أو خافه التفت إليه وإذا لم يكن في القلب محبة ~~له ولا رجاء له ولا خوف منه ولا بغض له ولا غير ذلك من تعلق القلب له لم ~~يقصد القلب أن يلتفت إليه ولا أن ينظر إليه ولا أن يراه وإن رآه اتفاقا ~~رؤية مجردة كان كمن لو رأى حائطا ونحوه مما ليس في قلبه تعلق به. # والمشايخ الصالحون رضي الله عنهم يذكرون شيئا من تجريد التوحيد وتحقيق ~~إخلاص الدين كله بحيث لا يكون العبد ملتفتا إلى غير الله ولا ناظرا إلى ما ~~سواه لا حبا له ولا خوفا منه ولا رجاء له بل يكون القلب فارغا من المخلوقات ~~خاليا منها لا ينظر إليها إلا بنور الله، فبالحق يسمع وبالحق # PageV01P132 # وبالحق يبصر، وبالحق يبطش وبالحق يمشي فيحب منها ما يحبه الله ويبغض منها ~~ما يبغضه الله ويوالي منها ما والاه الله ويعادي منها ما عاداه الله ويخاف ~~الله فيها ولا يخافها في الله ويرجو الله فيها ولا يرجوها في الله فهذا هو ~~القلب السليم الحنيف الموحد المسلم المؤمن المحقق العارف بمعرفة الأنبياء ~~والمرسلين وتحقيقهم وتوحيدهم. # فهذا النوع الثالث الذي هو ms50 الفناء في الوجود هو تحقيق آل فرعون ومعرفتهم ~~وتوحيدهم كالقرامطة وأمثالهم. # وأما النوع الذي عليه أتباع الأنبياء فهو الفناء المحمود الذي يكون صاحبه ~~به ممن أثنى الله عليهم من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين. # وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول أن الذي أراه بعيني من المخلوقات ~~هو رب الأرض والسماوات فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلال والفساد ~~إما فساد العقل وإما فساد الاعتقاد فهو متردد بين الجنون والإلحاد. # وكل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة ~~وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين # PageV01P133 # للمخلوقات وليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ~~وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث وتمييز الخالق عن المخلوق وهذا في كلامهم ~~أكثر من أن يمكن ذكره هنا. # وهم قد تكلموا على ما يعرض للقلوب من الأمراض والشبهات فإن بعض الناس قد ~~يشهد وجود المخلوقات فيظنه خالق الأرض والسماوات لعدم التمييز والفرقان في ~~قلبه بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس التي في السماء. # وهم قد يتكلمون في الفرق والجمع ويدخل في ذلك من العبارات المختلفة نظير ~~ما دخل في الفناء. # فإن العبد إذا شهد التفرقة والكثرة في المخلوقات يبقى قلبه متعلقا بها ~~مشتتا ناظرا إليها وتعلقه بها إما محبة وإما خوفا وإما رجاء فإذا انتقل إلى ~~الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له فالتفت قلبه إلى ~~الله بعد التفاته إلى المخلوقين فصارت محبته إلى ربه وخوفه من ربه ورجاؤه ~~لربه واستعانته بربه وهو في هذا الحال قد لا يسع قلبه النظر إلى المخلوق ~~ليفرق بين الخالق والمخلوق فقد يكون مجتمعا على الحق معرضا عن الخلق نظرا ~~وقصدا وهو نظير النوع الثاني من الفناء. # ولكن بعد ذلك الفرق الثاني وهو أن يشهد أن المخلوقات # PageV01P134 # قائمة بالله مدبره بأمره ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله سبحانه ~~وتعالى وأنه سبحانه رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها فيكون - مع اجتماع ~~قلبه ms51 على الله إخلاصا ومحبة وخوفا ورجاء واستعانة وتوكلا على الله وموالاة ~~فيه ومعاداة فيه وأمثال ذلك - ناظرا إلى الفرق بين الخالق والمخلوق مميزا ~~بين هذا وهذا يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته أن الله رب كل شيء ~~ومليكه وخالقه وأنه هو الله لا إله إلا هو. # وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ~~ومعرفته وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته. # وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى ~~الحق وتثبت في قلبه ألوهية الحق. # فيكون نافيا لألوهية كل شيء من المخلوقات مثبتا لألوهية رب العالمين ورب ~~الأرض والسماوات وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ما سواه ~~فيكون مفرقا في علمه وقصده في شهادته وإرادته في معرفته ومحبته بين الخالق ~~والمخلوق بحيث يكون عالما بالله تعالى ذاكرا له عارفا به وهو مع ذلك عالم ~~بمباينته لخلقه وانفراده عنهم وتوحده دونهم ويكون محبا لله معظما له عابدا ~~له راجيا له خائفا منه محبا فيه مواليا فيه معاديا فيه مستعينا به متوكلا ~~عليه ممتنعا عن عبادة غيره والتوكل عليه # PageV01P135 # والاستعانة به والخوف منه والرجاء له والموالاة فيه والمعاداة فيه ~~والطاعة لأمره وأمثال ذلك مما هو من خصائص إلهية الله سبحانه وتعالى. # وإقراره بإلوهية الله تعالى دون ما سواه يتضمن إقراره بربوبيته وهو أنه ~~رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره فحينئذ يكون موحدا لله. # ويبين ذلك أن ### | أفضل الذكر لا إله إلا الله # كما رواه الترمذي وابن أبي الدنيا وغيرهما مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد الله ~~". وفي " الموطأ " وغيره عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ". # PageV01P136 # ومن زعم أن هذا ذكر العامة وأن ms52 ذكر الخاصة هو الاسم المفرد وذكر خاصة ~~الخاصة هو الاسم المضمر فهم ضالون غالطون واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله [91 ~~الأنعام] : {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} من أبين غلط هؤلاء فإن الاسم ~~[الله] مذكور في الأمر بجواب الاستفهام في الآية قبله وهو قوله [91 ~~الأنعام] : {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه ~~قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله} ~~أي: الله هو الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى فالاسم [الله] مبتدأ وخبره ~~قد دل عليه الاستفهام كما في نظائر ذلك؛ تقول: من جاره؟ فيقول: زيد. # وأما الاسم المفرد مظهرا أو مضمرا فليس بكلام تام ولا جملة مفيدة ولا ~~يتعلق به إيمان ولا كفر ولا أمر ولا نهي. # ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة ولا شرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة ولا حالا نافعا وإنما يعطيه تصورا مطلقا ~~ولا يحكم عليه بنفي ولا إثبات فإن لم يقترن به من معرفة القلب وحاله ما ~~يفيد # PageV01P137 # بنفسه وإلا لم يكن فيه فائدة والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد ~~بنفسه لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره. # وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد وأنواع من الاتحاد ~~كما قد بسط في غير هذا الموضوع. # وما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات، ~~حال لا يقتدى فيها بصاحبها فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء به إذ لو مات ~~العبد في هذه الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه إذ الأعمال بالنيات وقد ~~ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر يتلقين الميت: " لا إله إلا الله " ~~وقال: " من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة " ولو كان ما ذكره ~~محذورا لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يموت في أثنائها موتا غير محمود بل كان ~~يلقن ما ms53 اختاره من ذكر الاسم المفرد. # والذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السنة وأدخل في البدعة وأقرب إلى ~~ضلال الشيطان فإن من قال: يا هو يا # PageV01P138 # هو أو هو هو ونحو ذلك لم يكن الضمير عائدا إلا إلى ما يصوره قلبه والقلب ~~قد يهتدي وقد يضل. # وقد صنف صاحب " الفصوص " كتابا سماه كتاب " الهو " وزعم بعضهم أن قوله [7 ~~آل عمران] : {وما يعلم تأويله إلا الله} معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم ~~الذي هو الهو، وإن كان هذا مما اتفق المسلمون بل العقلاء على انه من أبين ~~الباطل فقد يظن ذلك من يظنه من هؤلاء، حتى قلت مرة لبعض من قال شيئا من ~~ذلك: لو كان هذا ما قلته لكتبت الآية: وما يعلم تأويل (هو) منفصلة. # ثم كثيرا ما يذكر بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل: (الله) بقوله [91 ~~الأنعام] : {قل الله ثم ذرهم} ويظن أن الله أمر نبيه بأن يقول الاسم المفرد ~~وهذا غلط باتفاق أهل العلم فإن قوله: {قل الله} معناه: الله الذي أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى وهو جواب لقوله: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله} أي: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى، رد بذلك قول من قال: {ما أنزل الله على بشر من شيء} فقال: {من أنزل ~~الكتاب # PageV01P139 # الذي جاء به موسى} ثم قال: {قل الله} أنزله ثم ذر هؤلاء المكذبين {في ~~خوضهم يلعبون} . # ومما يبين ما تقدم ما ذكره سيبويه وغيره من أئمة النحو: أن العرب يحكون ~~بالقول ما كان كلاما لا يحكون به ما كان قولا. فالقول لا يحكى به إلا كلام ~~تام أو جملة اسمية أو جملة فعلية ولهذا يكسرون (إن) إذا جاءت بعد القول، ~~فالقول لا يحكى به اسم؛ والله تعالى لا يأمر أحدا بذكر اسم مفرد ولا شرع ~~للمسلمين. # و ### | الاسم المجرد لا يفيد شيئا من الإيمان # باتفاق أهل ms54 الإسلام ولا يؤمر به في شيء من العبادات ولا في شيء من ~~المخاطبات. # ونظير من اقتصر على الاسم المفرد ما يذكر: أن بعض الأعراب مر بمؤذن يقول: ~~(أشهد أن محمدا رسول الله) بالنصب فقال: ماذا يقول هذا؟ هذا الاسم، فأين ~~الخبر عنه الذي يتم به الكلام؟ # وما في القرآن من قوله [8 المزمل] : {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} ~~وقوله [1 الأعلى] : {سبح اسم ربك الأعلى} وقوله [14-15 الأعلى] : {قد أفلح ~~من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى} وقوله [74 الواقعة] : {فسبح باسم ربك العظيم} ~~ونحو ذلك لا يقتضى ذكره مفردا. # PageV01P140 # بل في " السنن " أنه لما نزل قوله: {فسبح باسم ربك العظيم} قال: " ~~اجعلوها في ركوعكم " ولما نزل قوله: {سبح اسم ربك الأعلى} قال: " اجعلوها ~~في سجودكم ". فشرع لهم أن يقولوا في الركوع: (سبحان ربي العظيم) وفي السجود ~~(سبحان ربي الأعلى) . وفي " الصحيح " أنه كان يقول في ركوعه: " سبحان ربي ~~العظيم " وفي سجوده " سبحان ربي الأعلى " وهذا هو معنى قوله: " اجعلوها في ~~ركوعكم وسجودكم " باتفاق المسلمين. # فتسبيح اسم ربه الأعلى وذكر اسم ربه ونحو ذلك هو بالكلام التام المفيد ~~كما في " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: " أفضل الكلام بعد ~~القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر ". وفي " الصحيح " # PageV01P141 # عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في ~~الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ". # وفي " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قال في يومه مائة ~~مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير، كتب الله له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل ~~مما جاء به إلا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه ". و " من قال في يومه مائة ~~مرة: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل ~~زبد البحر ms55 ". وفي " الموطأ " وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " # PageV01P142 # وفي " سنن ابن ماجه " وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أفضل ~~الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله ". # ومثل هذه الأحاديث كثيرة في أنواع ما يقال من الذكر والدعاء. # وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى [121 الأنعام] : {ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه} وقوله [4 المائدة] : {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا ~~اسم الله عليه} إنما هو قول: بسم الله، وهذه جملة تامة، إما اسمية على أظهر ~~قولي النحاة، أو فعلية والتقدير: ذبحي بسم الله أو أذبح بسم الله. وكذلك ~~قول القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، فتقديره قراءتي بسم الله أو اقرأ باسم ~~الله. ومن الناس من يضمر في مثل هذا: ابتدائي بسم الله أو ابتدأت بسم الله، ~~والأول أحسن؛ لأن الفعل كله مفعول باسم الله ليس مجرد ابتدائه، كما أظهر ~~المضمر في قوله [1 العلق] : # PageV01P143 # {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وفي قوله [41 هود] : {بسم الله مجريها ومرساها} ~~وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من كان ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها ~~أخرى ومن لم يكن ذبح فليذبح باسم الله ". ومن هذا الباب قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح لربيبه عمر بن أبى سلمة: " يا غلام سم الله وكل ~~بيمينك وكل مما يليك " فالمراد أن يقول: باسم الله، ليس المراد أن يذكر ~~الاسم مجردا وكذلك قوله في الحديث الصحيح لعدي بن حاتم: " إذا أرسلت كلبك ~~المعلم وذكرت اسم الله فكل " وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا دخل ~~الرجل منزله فذكر اسم الله عند دخوله وعند خروجه وعند طعامه قال الشيطان: ~~لا مبيت لكم ولا عشاء " وأمثال ذلك كثير. # وكذلك ما شرع للمسلمين في صلاتهم وأذانهم وحجهم وأعيادهم من ذكر الله ~~تعالى إنما هو بالجملة ms56 التامة كقول المؤذن: (الله أكبر الله أكبر أشهد أن ~~لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله) وقول المصلي: (الله أكبر سبحان ~~ربي # PageV01P144 # العظيم سبحان ربي الأعلى سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد التحيات لله) ~~وقول الملبي: (لبيك اللهم لبيك) وأمثال ذلك. # فجميع ما شرعه الله من الذكر إنما هو كلام تام لا اسم مفرد ولا مظهر ولا ~~مضمر. # وهذا هو الذي يسمى في اللغة (كلمة) كقوله: " كلمتان خفيفتان على اللسان ~~ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله ~~العظيم " وقوله: " أفضل كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا ~~الله باطل " ومنه قوله تعالى [5 الكهف] : {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} ~~الآية وقوله [115 الأنعام] : {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} . # وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ (الكلمة) من الكتاب والسنة بل وسائر كلام ~~العرب فإنما يراد به الجملة التامة # PageV01P145 # كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم فيقولون: هذا حرف غريب أي لفظ الاسم ~~غريب. # وقسم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، وكل ~~من هذه الأقسام يسمى حرفا لكن خاصة الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا ~~فعل. # وسمى حروف الهجاء باسم الحرف وهي أسماء. # ولفظ الحرف يتناول هذه الأسماء وغيرها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول {ألم} حرف ~~ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " وقد سأل الخليل بن أحمد أصحابه عن النطق ~~بحرف الزاي من زيد؟ فقالوا: (زاي) فقال: جئتم بالاسم وإنما الحرف (ز) . # ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى في اللغة # PageV01P146 # بالحرف يسمى كلمة وأن لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ~~كحروف الجر ونحوها. # وأما ألفاظ حروف الهجاء فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ وتارة ~~باسم ذلك الحرف ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة ~~العرب ومنم ms57 من يجعل لفظ الكلمة في اللغة لفظا مشتركا بين الاسم مثلا وبين ~~الجملة ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ (الكلمة) إلا الجملة التامة. # والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه هو ذكره بجملة تامة وهو ~~المسمى بالكلام والواحد منه بالكلمة وهو الذي ينفع القلوب ويحصل به الثواب ~~والأجر ويجذب القلوب إلى الله ومعرفته ومحبته وخشيته وغير ذلك من المطالب ~~العالية والمقاصد السامية. # وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهرا أو مضمرا فلا أصل له فضلا عن أن ~~يكون من ذكر الخاصة والعارفين. # بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات وذريعة إلى تصورات وأحوال ~~فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد. # كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. # PageV01P147 # فصل # و ### | جماع الدين أصلان: # ألا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع. # كما قال تعالى [110 الكهف] : {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . # وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمد رسول ~~الله. # ففي الأولى: ألا نعبد إلا إياه. # وفي الثانية: أن محمدا هو رسوله المبلغ عنه فعلينا أن نصدق خبره ونطيع ~~أمره. # وقد بين لنا ما نعبد الله به ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة ~~قال تعالى [112 البقرة] : {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . # وكما أننا مأمورون ألا نخاف إلا الله ولا نتوكل إلا على الله ولا نرغب ~~إلا إلى الله ولا نستعين إلا بالله وألا تكون عبادتنا إلا لله فكذلك نحن ~~مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه. # PageV01P148 # والدين ما شرعه قال الله تعالى [59 التوبة] : {ولو أنهم رضوا ما آتاهم ~~الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله ~~راغبون} فجعل الإيتاء لله وللرسول كما قال [7 الحشر] : {وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وجعل ms58 التوكل على الله وحده بقوله: {وقالوا ~~حسبنا الله} ولم يقل: ورسوله - كما قال في وصف الصحابة رضي الله عنهم في ~~الآية الأخرى [173 آل عمران] : {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} ومثله قوله [64 ~~الأنفال] : {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} أي حسبك وحسب ~~المؤمنين كما قال [36 الزمر] : {أليس الله بكاف عبده} - ثم قال: {سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله} فجعل الإيتاء لله وللرسول وقدم ذكر الفضل لله لأن ~~{الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} وله الفضل على رسوله ~~وعلى المؤمنين وقال: {إنا إلى الله راغبون} فجعل الرغبة إلى الله وحده كما ~~في قوله [7-8 الشرح] : {فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب} . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: " إذا سألت فاسأل الله وإذا ~~استعنت فاستعن بالله " والقرآن يدل على مثل هذا في غير موضع. # PageV01P149 # فجعل العبادة والخشية والتقوى لله وجعل الطاعة والمحبة لله ورسوله كما في ~~قول نوح عليه السلام [3 نوح] : {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وقوله [52 ~~النور] : {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} وأمثال ~~ذلك. # فالرسل أمروا بعبادته وحده والرغبة إليه والتوكل عليه وطاعته والطاعة لهم ~~فأضل الشيطان النصارى وأشباههم فأشركوا بالله وعصوا الرسول ف {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} فجعلوا يرغبون ~~إليهم ويتوكلون عليهم يسألونهم مع معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنتهم. # وهدى الله المؤمنين المخلصين لله ### | أهل الصراط المستقيم # الذين عرفوا الحق واتبعوه فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين ~~فأخلصوا دينهم لله وأسلموا وجوههم لله وأنابوا إلى ربهم وأحبوه ورجوه ~~وخافوه وسألوه ورغبوا إليه وفوضوا أمورهم إليه وتوكلوا عليه وأطاعوا رسله ~~وعزروهم ووقروهم وأحبوهم ووالوهم واتبعوهم واقتفوا آثارهم واهتدوا بمنارهم. # PageV01P150 # وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل وهو ~~الدين الذي لا يقبل الله من أحد دينا إلا إياه وهو حقيقة العبادة لرب ms59 ~~العالمين. # فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه ويكمله لنا ويميتنا عليه وسائر إخواننا ~~المسلمين. # والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. PageV01P151 ms60