######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000378 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير :: كتب التفاسير :: كتب التفاسير وعلوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: دقائق التفسير #META# 030.LibURI :: JK_000378 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد السيد الجليند #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة علوم القرآن #META# 044.EdPLACE :: دمشق #META# 045.EdYEAR :: 1404 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | كتاب دقائق التفسير PageV01P001 2 PageV01P001 # فصل # قال الله تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر والصلاة @QE@ سورة البقرة 5 قال ~~علي بن أبي طالب الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإن انقطع الرأس ~~بار الجسد ألا لا إيمان لمن لا صبر له # فالصبر على أداء الواجبات ولهذا قرنه بالصلاة في أكثر من خمسين موضعا فمن ~~كان لا يصلي من جميع الناس رجالهم ونسائهم فإنه يؤمر فإن امتنع عوقب بإجماع ~~المسلمين ثم أكثرهم يوجبون قتل تارك الصلاة وهل يقتل كافرا مرتدا أو فاسقا ~~على قولين في مذهب أحمد وغيره والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره وهذا مع ~~الاقرار بالوجوب فإنه مع حجود الوجوب فهو كافر بالاتفاق PageV01P211 # ومن ذلك تعاهد مساجد المسلمين وأئمتهم وامرهم بأن يصلوا بهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم حيث قال صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري وصلى مرة ~~بأصحابه على طرف المنبر وقال إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي # فعلى إمام الصلاة أن يصلي بالناس صلاة كاملة لا يقتصر على ما يجوز ~~للمنفرد الاقتصار عليه إلا لعذر وكذلك على إمامهم في الحج وأميرهم في الحرب ~~ألا ترى الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على ~~الوجه الأصلح له في ماله وهو في مال نفسه يفوت على نفسه ما شاء فأمر الدين ~~أهم ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس صلح الدين للطائفتين والدنيا وإلا ~~اضطربت الأمور عليهم جميعا # وملاك ذلك حسن النية للرعية وإخلاص الدين كله لله عز وجل والتوكل عليه ~~فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة كما أمرنا أن نقول في صلاتنا ~~@QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فهاتان الكلمتان قد قيل إنهما تجمعان ~~معاني الكتب المنزلة من السماء # وروى أنه صلى الله عليه وسلم كان مرة في غزاة فقال يا مالك يوم الدين ~~إياك نعبد وإياك نستعين فجعلت الرءوس تندر عن كواهلها # وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله عز وجل @QB@ فاعبده وتوكل عليه ~~@QE@ سورة هود 123 وقوله @QB@ عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ سورة هود 88 سورة ms001 ~~الشورى 10 وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته قال منك وإليك # وأصل ذلك المحافظة عل الصلوات بالقلب والبدن والإحسان إلى الناس بالنفع ~~والمال PageV01P212 الذي هو الزكاة والصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب ~~فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية وإذا عرف الإنسان ~~ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة عرف ما يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى ~~ودعائه وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه وفي الزكاة من الإحسان ~~إلى الخلق بالمال والنفع من نصر المظلوم وإغاثه الملهوف وقضاء حاجة المحتاج ~~وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل معروف صدقة فيدخل فيه كل ~~إحسان ولو ببسط الوجه والكلمة الطيبة # ففي الصحيح عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم ~~من أحد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب فينظر أيمن منه فلا ~~يرى إلا شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أمامه ~~فيستقبل النار فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم ~~يجد فبكلمة طيبة # وفي السنن لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقي أخاك بوجه طلق وفي رواية ~~ووجهك إليه منبسط ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقى # وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ومخالفة الهوى وترك ~~الأشر والبطر كما قال تعالى @QB@ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها ~~منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات ~~عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات @QE@ الآية ( سورة هود ~~9 11 ) # وروى الحسن البصري إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العلق الا ~~ليقم من PageV01P213 أجره على الله فلا يقوم الا من عفا وأصلح # وليس من حسن النية للرعية والإحسان اليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما ~~يكرهونه قال تعالى @QB@ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن ~~فيهن @QE@ سورة المؤمنون 71 وقال لأصحاب نبيه ms002 صلى الله عليه وسلم @QB@ ~~واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم @QE@ سورة ~~الحجرات 7 $ وقال الشيخ الاسلام رحمه الله تعالى # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب في التفسير الا ما هو ~~الخطأ فيها # منها قوله @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا @QE@ الآيتين فهو سبحانه وصف ~~أهل السعادة من الأولين والآخرين وهو الذي يدل عليه اللفظ ويعرف به معناه ~~من غير تناقض ومناسبة لما قبلها ولما بعدها وهو المعروف عند السلف ويدل ~~عليه ما ذكروه من سبب نزولها بالأسانيد الثابتة عن سفيان عن ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد قال سلمان سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم ~~فذكر من عبادتهم فنزلت الآية ولم يذكر فيه أنهم من أهل النار كما روى ~~بأسانيد ضعيفة وهذا هو الصحيح كما في مسلم إلا بقايا من أهل الكتاب # والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بما لا علم عنده وقد ثبت أنه أثنى على ~~من مات في الفترة كزيد بن عمرو وغيره ولم يذكر ابن أبي حاتم خلافا عن السلف ~~لكن ذكر عن ابن عباس ثم أنزل الله @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا @QE@ ~~الآية ومراده أن الله يبين أنه لا يقبل إلا الإسلام من الأولين والآخرين # وكثير من السلف يريد بلفظ النسخ رفع ما يظن أن الآية دالة عليه فإن من ~~المعلوم ان من كذب رسولا واحدا فهو كافر فلا يتناوله قوله @QB@ من آمن ~~بالله @QE@ الخ # وظن بعض الناس ان الآية فيمن بعث إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم خاصة ~~فغلطوا ثم افترقوا على أقوال متناقضة PageV01P214 $ فصل قال الشيخ الإسلام # فذكر سبحانه قصة مريم والمسيح في هذه السورة المكية التي أنزلها في أول ~~الأمر بمكة في PageV01P307 السور التي ذكر فيها أصول الدين التي اتفق عليها ~~الأنبياء ثم ذكرها في سورة آل عمران وهي من السور المدينة التي يخاطب فيها ~~من اتبع الأنبياء من أهل الكتاب والمؤمينن لما قدم عليه نصارى نجران فكان ms003 ~~فيها الخطاب لأهل الكتاب فقال تعالى @QB@ إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم إذ قالت ~~امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع ~~العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس ~~الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ~~@QE@ # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من ~~مولود إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخا من الشيطان إلا مريم وابنها ثم يقول ~~أبو هريرة اقرأوا إن شئتم @QB@ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ~~@QE@ # قال تعالى @QB@ فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ~~كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت ~~هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب @QE@ # ثم ذكر قصة زكريا ويحيى ثم قال @QB@ هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من ~~لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء @QE@ الآيات من سورة آل عمران ( 38 - 68 ) ~~PageV01P308 # فهو سبحانه قد ذكر قصة مريم والمسيح في هاتين السورتين # إحداهما مكية نزلت في أول الأمر مع السور المهدة لأصول الدين وهي سورة ~~كهيعص PageV01P309 والثانية مدنية نزلت بعد أن أمر بالهجرة والجهاد ولهذا ~~تضمنت مناظرة أهل الكتاب ومباهلتهم كما نزلت في براءة مجاهدتهم فأخبر في ~~السور المكية أنها لما انفردت للعبادة أرسل إليها روحه فتمثل لها بشرا سويا ~~فقالت @QB@ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا @QE@ # قال أبو وائل علمت أن المتقي ذو نهيه أي تقواه ينهاه عن الفاحشة وأنها ~~خافت منه أن يكون قصده الفاحشة فقالت @QB@ أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ~~@QE@ أي تتقي الله وما يقول بعض الجهال من أنه كان فيهم رجل فاجر اسمه تقي ~~فهو من نوع الهذيان وهو من الكذب الظاهر الذي لا يقوله إلا جاهل ثم قال ~~@QB@ إنما أنا رسول ربك لأهب ms004 لك غلاما زكيا @QE@ # وفي القراءة الأخرى @QB@ لأهب لك غلاما زكيا @QE@ فأخبر هذا الروح الذي ~~تمثل لها بشرا سويا أنه رسول ربها فدل الكلام على أن هذا الروح عين قائمة ~~بنفسها ليست صفة لغيرها وأنه رسول الله ليس صفة من صفات الله ولهذا قال ~~جماهير العلماء إنه جبريل عليه السلام فإن الله سماه الروح الأمين وسماه ~~روح القدس وسماه جبريل وهكذا عند أهل الكتاب أنه تجسد من مريم ومن روح ~~القدس لكن ضلالهم حيث يظنون أن روح القدس حياة الله وأنه إله يخلق ويرزق ~~ويعبد وليس في شيء من الكتب الإلهية ولا في كلام الأنبياء أن الله سمى صفته ~~القائمة به روح القدس ولا سمى كلامه ولا شيئا من صفاته ابنا وهذا أحد ما ~~تبين به ضلال النصارى وأنهم حرفوا كلام الأنبياء وتأولوه على غير ما أرادت ~~به الأنبياء فإن أصل تثليثهم مبني على ما في أحد الأناجيل من أن المسيح ~~عليه السلام قال لهم عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس فيقال لهم ~~هذا إذا كان قد قاله المسيح وليس في لغة المسيح ولا لغة أحد الأنبياء أنهم ~~يسمون صفة الله القائمة به لا كلمته ولا حياته لا ابنا ولا روح قدس ولا ~~يسمون كلمته ابنا ولا يسمونه نفسه ابنا ولا روح قدس ولكن يوجد فيما ينقلونه ~~عنهم أنهم يسمون المصطفى المكرم ابنا وهذا موجود في حق المسيح وغيره كما ~~يذكرون أنه قال تعالى لإسرائيل أنت ابني بكري أي بني إسرائيل وروح القدس ~~يراد به الروح التي تنزل على الأنبياء كما نزلت على داود وغيره فإن في ~~كتبهم أن روح القدس كانت في داود وغيره وأن المسيح قال لهم أبي وأبيكم ~~وإلهي وإلهكم فسماه أبا للجميع لم يكن المسيح مخصوصا عندهم باسم الابن ولا ~~يوجد عندهم لفظ الابن إلا اسما للمصطفى المكرم لا اسما لشيء من صفات الله ~~القديمة حتى يكون الابن صفة الله تولدت منه وإذا كان كذلك كان في هذا ما ~~يبين أنه ليس المراد بالابن كلمة الله ms005 القديمة الأزلية التي يقولون ~~PageV01P310 أنها تولدت من الله عندهم مع كونها أزلية ولا بروح القدس حياة ~~الله بل المراد بالابن ناسوت المسيح وبروح القدس ما أنزل عليه من الوحي ~~والملك الذي أنزل به فيكون قد أمرهم بالايمان بالله وبرسوله وبما أنزله على ~~رسوله والملك الذي نزل به وبهذا الذي نزل به وبهذا أمرت الأنبياء كلهم وليس ~~للمسيح خاصة استحق بها أن يكون فيه شيء من اللاهوت لكن ظهر فيه نور الله ~~وكلام الله وروح الله كما ظهر في غيره من الأنبياء والرسل # ومعلوله أن غيره أيضا فيما ينقلونه عن الأنبياء يسمى ابنا وروح القدس حلت ~~فيه وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على أن كلام الأنبياء عليهم السلام يصدق بعضه بعضا ~~وأنه ليس مع النصارى حجة سمعية ولا عقلية توافق ما ابتدعوه ولكن فسروا كلام ~~الأنبياء بما لا يدل عليه وعندهم في الإنجيل أنه قال إن الساعة لا يعلمها ~~الملائكة ولا الابن وإنما يعلمها الأب وحده فبين أن الابن لا يعلم الساعة ~~فعلم أن الابن ليس هو القديم الأزلى وإنما هو المحدث الزماني $ فصل موقف ~~الأمم من الرسل # وأما قوله تعالى @QB@ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة @QE@ # فهذا حق كما أخبر الله به فمن اتبع المسيح عليه السلام جعله الله فوق ~~الذين كفروا إلى يوم القيامة وكان الذين اتبعوه على دينه الذي لم يبدل قد ~~جعلهم الله فوق اليهود أيضا فالنصارى فوق اليهود الذين كفروا به إلى يوم ~~القيامة # وأما المسلمون فهم مؤمنون به ليسوا كافرين به بل لما بدل النصارى دينه ~~وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بدين الله الذي بعث به المسيح وغيره من ~~الأنبياء جعل الله محمدا وأمته فوق النصارى إلى يوم القيامة كما في ~~الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنا معاشر ~~PageV01P311 الأنبياء دينا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا لأنه ليس ms006 ~~بيني وبينه نبي # قال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين @QE@ # وقال تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ فكل من كان أتم إيمانا بالله ورسله كان ~~أحق بنصر الله تعالى فإن الله تعالى يقول في كتابه @QB@ إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد @QE@ # وقال في كتابه @QB@ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون @QE@ $ اليهود كذبوا الرسل # واليهود كذبوا المسيح ومحمدا صلى الله عليه وسلم كما قال الله فيهم @QB@ ~~بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله ~~على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب @QE@ # فالغضب الأول تكذيبهم المسيح والثاني محمدا صلى الله عليه وسلم والنصارى ~~لم يكذبوا المسيح وكانوا منصورين على اليهود والمسلمون منصورون على اليهود ~~والنصارى فإنهم آمنوا بجميع كتب الله ورسله ولم يكذبوا بشيء من كتبه ولا ~~كذبوا أحدا من رسله بل اتبعوا ما قال الله لهم حيث قال @QB@ قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون @QE@ # وقال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير @QE@ PageV01P312 $ المسلمون أتباع جميع الرسل # ولما كان المسلمون هم المتبعون لرسل الله كلهم المسيح وغيره وكان الله قد ~~وعد الرسل وأتباعهم قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لا تزال ~~طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم ~~الساعة وقال ms007 أيضا سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فيجتاحهم ~~فأعطانيها الحديث فكان ما احتجوا به حجة عليهم لا لهم $ فصل # وأما قوله تعالى @QB@ من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين @QE@ فهذه الآية لا اختصاص ~~فيها للنصارى بل هي مذكورة بعد قوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان ~~خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من ~~الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون @QE@ ثم قال @QB@ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة @QE@ ومعلوم ~~أن الصفة المذكورة في قوله @QB@ ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق @QE@ صفة لليهود وكذلك قوله PageV01P313 @QB@ وضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة @QE@ # فقوله عقب ذلك من أهل الكتاب أمة قائمة لا بد أن يكون متناولا لليهود ثم ~~قد اتفق المسلمون والنصارى على أن اليهود كفروا بالمسيح ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم ليس فيهم مؤمن وهذا معلوم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه ~~وسلم والآية إذا تناولت النصارى كان حكمهم في ذلك حكم اليهود والله تعالى ~~إنما أثنى على من آمن من أهل الكتاب كما قال تعالى @QB@ وإن من أهل الكتاب ~~لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات ~~الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب @QE@ # وقد ذكر أكثر العلماء أن هذه الآية الأخرى في آل عمران نزلت في النجاشي ~~ونحوه ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم تمكنه الهجرة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا العمل بشرائع الإسلام لكون أهل ms008 بلده نصارى لا ~~يوافقونه على إظهار شرائع الإسلام وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما صلى عليه لما مات لأجل هذا فإنه لم يكن هناك من يظهر الصلاة عليه في ~~جماعة كثيرة ظاهرة كما يصلي المسلمون على جنائزهم # ولهذا جعل من أهل الكتاب مع كونه آمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة ~~من يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في بلاد الحرب ولا يتمكن من الهجرة إلى ~~دار الإسلام ولا يمكنه العمل بشرائع الاسلام الظاهرة بل يعمل ما يمكنه ~~ويسقط عنه ما يعجز عنه كما قال تعالى @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ فقد يكون الرجل في الظاهر من الكفار وهو في الباطن ~~مؤمن كما كان مؤمن آل فرعون # قال تعالى @QB@ وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب يا قوم لكم ~~الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما ~~أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقال الذي آمن يا قوم إني ~~أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ~~وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون ~~مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ولقد جاءكم ~~يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في ~~آيات @QE@ PageV01P314 فقد أخبر سبحانه وتعالى أنه حاق بآل فرعون سوء ~~العذاب وأخبر أنه كان من آل فرعون رجل مؤمن يكتم إيمانه وأنه خاطبهم ~~بالخطاب الذي ذكره فهو من آل فرعون باعتبار النسب والجنس والظاهر وليس ms009 هو ~~من آل فرعون الذين يدخلون أشد العذاب وكذلك امرأة فرعون ليست من آل فرعون ~~هؤلاء قال تعالى @QB@ وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ~~@QE@ وامرأة الرجل من آله بدليل قوله @QB@ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ~~إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين @QE@ # وهكذا أهل الكتاب فيهم من هو في الظاهر منهم وهو في باطن يؤمن بالله ~~ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم يعمل بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه ~~علما وعملا @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ وهو عاجز عن الهجرة إلى ~~دار الإسلام كعجز النجاشي وكما أن الذين يظهرون الإسلام فيهم من هم في ~~الظاهر مسلمون وفيهم من هو منافق كافر في الباطن إما يهودي وإما مشرك وإما ~~معطل # كذلك في أهل الكتاب والمشركين من هو في الظاهر منهم وهو في الباطن أهل ~~الإيمان PageV01P315 بمحمد صلى الله عليه وسلم يفعل ما يقدر على علمه وعمله ~~ويسقط عنه ما يعجز عنه من ذلك # وفي حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال لما مات النجاشي قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم استغفروا لأخيكم فقال بعض القوم تأمرنا أن نستغفر لهذا ~~العلج يموت بأرض الحبشة فنزلت @QB@ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما ~~أنزل إليكم @QE@ ذكره ابن أبي حاتم وغيره باسانيدهم وذكر حماد بن سلمة عن ~~ثابت عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال استغفروا لأخيكم ~~النجاشي فذكر مثله # وكذلك ذكر طائفة من المفسرين عن جابر وابن عباس وأنس وقتادة أنهم قالوا ~~نزلت هذه الآية في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك ~~أنه لما مات نعاه جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات ~~بغير أرضكم فقالوا ومن هو قال النجاشي فخرج رسول الله صلى ms010 الله عليه وسلم ~~إلى البقيع وزاد بعضهم وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير ~~النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له وقال لأصحابه استغفروا له ~~فقال المنافقون أبصروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس ~~على دينه فأنزل الله تعالى @QB@ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل ~~إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك ~~لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب @QE@ # وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أنها نزلت فيمن كان على دين المسيح عليه ~~السلام إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به كما نقل ذلك عن ~~عطاء # وذهبت طائفة إلى أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم # والقول الأول أجود فإن من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأظهر الإيمان به ~~وهو من أهل دار الإسلام يعمل بما يعمله المسلمون ظاهرا وباطنا فهذا من ~~المؤمنين وإن كان قبل ذلك مشركا يعبد الأوثان فكيف إذا كان كتابيا وهذا مثل ~~عبدالله بن سلام وسلمان الفارسي PageV01P316 وغيرهما وهؤلاء لا يقال إنهم ~~من أهل الكتاب كما لا يقال في المهاجرين والأنصار إنهم من المشركين وعباد ~~الأوثان ولا ينكر أحد من المنافقين ولا غيرهم أن يصلي على واحد منهم بخلاف ~~من هو في الظاهر منهم وفي الباطن من المؤمنين وفي بلاد النصارى من هذا ~~النوع خلق كثير يكتمون إيمانهم إما مطلقا وإما يكتمونه عن العامة ويظهرونه ~~لخاصتهم وهؤلاء قد يتناولهم قوله تعالى @QB@ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن ~~بالله @QE@ الآية فهؤلاء لا يدعون الإيمان بكتاب الله ورسوله لأجل مال ~~يأخذونه كما يفعل كثير من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدونهم عن سبيل الله فيمنعونهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم # وأما قوله @QB@ من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين @QE@ فهذه الآية ms011 تتناول اليهود ~~أقوى مما تتناول النصارى ونظيره قوله تعالى @QB@ ومن قوم موسى أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون @QE@ هذا مدح مطلق لمن تمسك بالتوراة ليس في ذلك مدح لمن ~~كذب المسيح ولا فيها مدح لمن كذب محمدا صلى الله عليه وسلم # وهذا الكلام تفسير سياق الكلام فإنه قال تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله @QE@ ثم قال تعالى ~~@QB@ ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ~~@QE@ فقد جعلهم نوعين نوعا مؤمنين ونوعا فاسقين وهم أكثرهم لقوله تعالى ~~@QB@ منهم المؤمنون @QE@ يتناول من كان مؤمنا قبل مبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم كما يتناولهم قوله تعالى @QB@ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ~~@QE@ إلى قوله @QB@ وكثير منهم فاسقون @QE@ وكذلك قوله تعالى @QB@ ولقد ~~أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير ~~منهم فاسقون @QE@ # وقوله عن إبراهيم الخليل @QB@ وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن ~~وظالم لنفسه مبين @QE@ ثم قال @QB@ وأكثرهم الفاسقون @QE@ قال @QB@ لن ~~يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة ~~أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت ~~عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون @QE@ PageV01P317 وضرب الذلة عليهم أينما ثقفوا ~~ومباؤهم بغضب من الله الآية وما ذكر معه من قتل الأنبياء بغير حق وعصيانهم ~~واعتدائهم كان اليهود متصفين به قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم كما قال ~~تعالى في سورة البقرة @QB@ وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع ~~لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ~~قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ~~وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون @QE@ ثم ~~قال بعد ذلك @QB@ إن الذين آمنوا ms012 والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون @QE@ # فتناولت هذه الآية من كان من أهل الملل الأربع متمسكا بها قبل النسخ بغير ~~تبديل كذلك آية آل عمران لما وصف أهل الكتاب بما كانوا متصفا به أكثرهم قبل ~~محمد صلى الله عليه وسلم من الكفر قال @QB@ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة ~~قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ~~@QE@ # وهذا يتناول من كان متصفا منهم بهذا قبل النسخ فإنهم كانوا على الدين ~~الحق الذي لم يبدل ولم ينسخ كما قال في الأعراف @QB@ ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون @QE@ @QB@ وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ~~ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون فخلف من بعدهم خلف ~~ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله ~~يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ~~ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون والذين يمسكون بالكتاب ~~وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين @QE@ وقد قال تعالى مطلقا @QB@ ~~وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون @QE@ PageV01P318 # فهذا خبر من الله عمن كان متصفا بهذا الوصف قبل مبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم ومن أدرك من هؤلاء محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به كان له أجره ~~مرتين # | فصل في @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم @QE@ # دعوى النصارى في المسيح # قالوا وقال أيضا في موضع آخر @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب @QE@ فأعنى بقوله @QB@ مثل عيسى @QE@ إشارة إلى الناسوت المؤخوذ من ~~مريم الطاهرة لأنه لم يذكر هنا اسم المسيح إنما ذكر عيسى فقط # وكما أن آدم خلق من غير جماع ومباضعة فكذلك جسد المسيح خلق من غير جماع ~~ولا مباضعة وكما أن جسد آدم ذاق الموت فكذلك جسد المسيح ms013 ذاق الموت وقد ~~يبرهن بقوله أيضا قائلا إن الله ألقى كلمته إلى مريم وذلك حسب قولنا معشر ~~النصارى إن كلمة الله الخالقة حلت في مريم وتجسدت بإنسان كامل # وعلى هذاالمثال نقول في السيد المسيح طبيعتان # طبيعة لاهوتية التي هي طبيعة كلمة الله وروحه # وطبيعة ناسوتية التي اخذت من مريم العذراء واتحدت به ولما تقدم به القول ~~من الله تعالى على لسان موسى النبي إذ يقول أليس هذا الأب الذي خلقك وبرأك ~~واقتناك قيل وعلى لسان داود النبي روحك القدس لا تنزع مني وأيضا على لسان ~~داود النبي بكلمة الله تشددت السموات وبروح فاه جميع أفواههن وليس يدل هذا ~~القول على ثلاثة خالقين بل خالق واحد الأب ونطقه أي كلمته وروحه أي حياته $ ~~الرد عليهم حقيقة القول في عيسى والجواب من وجوه PageV01P319 # أحدها أن قوله تعالى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون @QE@ كلام حق فإنه سبحانه خلق هذا النوع البشري على ~~الأقسام الممكنة ليبين عموم قدرته # فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى # وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى كما قال @QB@ وخلق منها زوجها @QE@ # وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر # وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى # وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح فإن حواء خلقت من ضلع آدم وهذا ~~أعجب من خلق المسيح في بطن مريم وخلق آدم أعجب من هذا وهذا وهو أصل خلق ~~حواء # فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح فإذا كان سبحانه ~~قادرا أن يخلقه من تراب والتراب ليس من جنس بدن الإنسان أفلا يقدر أن يخلقه ~~من امرأة هي من جنس بدن الإنسان # وهو سبحانه خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون لما نفخ فيه من روحه ~~فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له كن فيكون ولم يكن آدم بما نفخ فيه من ~~روحه لاهوتا وناسوتا بل كله ناسوت فكذلك المسيح كله ناسوت والله تبارك ~~وتعالى ذكر ms014 هذه الآية في ضمن الآيات التي أنزلها في شأن النصارى لما قدم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران وناظروه في المسيح وأنزل الله ~~فيه ما أنزل فبين قول الحق الذي اختلفت فيه اليهود والنصارى فكذب الله ~~الطائفتين هؤلاء في غلوهم فيه وهؤلاء في ذمهم له # وقال عقب هذه الآية @QB@ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ~~فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله ~~وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون @QE@ # وقد امثثل النبي صلى الله عليه وسلم قول الله فدعاهم إلى المباهلة فعرفوا ~~أنهم إن باهلوه أنزل الله عليهم PageV01P320 لعنته فأقروا بالجزية وهم ~~صاغرون ثم كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم بقوله تعالى ~~@QB@ يا أهل الكتاب تعالوا @QE@ إلى آخرها وكان أحيانا يقرأ بها في الركعة ~~الثانية من ركعتي الفجر ويقرأ في الأولى بقوله @QB@ قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي ~~موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ~~@QE@ # وهذا كله يبين أن المسيح عبد ليس بإله وأنه مخلوق كما خلق آدم وقد أمر أن ~~يباهل من قال أنه إله فيدعو كل من المتباهلين أبناءه ونساءه وقريبه المختص ~~به ثم يبتهل هؤلاء وهؤلاء ويدعون الله أن يجعل لعنته على الكاذبين فإن كان ~~النصارى كاذبين في قولهم هو الله حقت اللعنة عليهم وإن كان من قال ليس هو ~~الله بل عبد الله كاذبا حقت اللعنة عليه وهذا إنصاف من صاحب يقين يعلم أنه ~~على الحق # والنصارى لما لم يعلموا أنهم على الحق نكلوا ms015 عن المباهلة وقد قال عقب ذلك ~~@QB@ إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله @QE@ تكذبيا للنصارى الذين ~~يقولون هو إله حق من إله حق فكيف يقال أنه أراد أن المسيح فيه لاهوت وناسوت ~~وأن هذا هو الناسوت فقط دون اللاهوت # وبهذا ظهر الجواب عن قولهم قال في موضع آخر إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~آدم فأعنى بقوله عيسى أشار إلى البشرية المأخوذة من مريم الطاهرة لأنه لم ~~يذكر الناسوت ها هنا اسم المسيح إنما ذكر عيسى فقط فإنه يقال عيسى هو ~~المسيح بدليل أنه قال @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل @QE@ فأخبر أنه ليس المسيح إلا رسولا ليس هو بإله وأنه ابن مريم ~~والذي هو ابن مريم هو الناسوت وقال @QB@ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول ~~الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ~~انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ~~@QE@ PageV01P321 # وقال تعالى @QB@ وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم ~~يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون @QE@ # وقال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن ~~يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض ~~جميعا @QE@ $ الوجه الثاني # أن ما ذكروه من موته قد بينا أن الله لم يذكر ذلك وأن المسيح لم يمت بعد ~~وما ذكروه من أنه صلب ناسوته دون لاهوته باطل من وجهين إن ناسوته لم يصلب ~~وليس فيه لاهوت وهم ذكروا ذلك دعوى مجردة فيكفي في مقابلتها المنع $ الوجه ~~الثالث # ولكن نقول في الوجه الثالث إنهم في اتحاد اللاهوت بالناسوت يشبهونه تارة ~~باتحاد الماء باللبن وهذا تشبيه اليعقوبية وتارة باتحاد النار بالحديد أو ~~النفس بالجسم ms016 وهذا تشبيه الملكانية وغيرهم # ومعلوم أنه لا يصل إلى الماء إلا وصل إلى اللبن فإنه لا يتميز أحدهما عن ~~الآخر وكذلك النار التي في الحديد متى طرق الحديد أو بصق عليه لحق ذلك ~~بالنار التي فيه والبدن إذا ضرب وعذب لحق ألم الضرب والعذاب للنفس فكأن ~~حقيقة تمثيلهم يقتضي أن اللاهوت أصابه ما أصاب الناسوت من إهانة اليهود ~~وتعذيبهم وإتلافهم له والصلب الذي ادعوه # وهذا لازم على القول بالاتحاد فإن الاتحاد لو كان ما يصيب أحدهما لا ~~يشركه الآخر فيه لم يكن هنا اتحاد بل تعدد PageV01P322 $ الوجه الرابع # أن هؤلاء الضلال لم يكفهم أن جعلوا إله السموات والأرض متحدا ببشر في جوف ~~امرأة وجعلوه له مسكنا ثم جعلوا أخابث خلق الله أمسكوه وبصقوا في وجهه ~~ووضعوا الشوك على رأسه وصلبوه بين لصين وهو في ذلك يستغيث بالله ويقول إلهي ~~إلهي لم تركتني وهم يقولون الذي كان يسمع الناس كلامه هو اللاهوت كما سمع ~~موسى كلام الله من الشجرة ويقولون هما شخص واحد ويقول بعضهم لهما مشيئة ~~واحدة وطبيعة واحدة # والكلام إنما يكون بمشيئة المتكلم فيلزم أن يكون المتكلم الداعي المستغيث ~~المصلوب هو اللاهوت هو المستغيث المتضرع وهو المستغاث به وأيضا فهم يقولون ~~إن اللاهوت والناسوت شخص واحد فمع القول بأنهما شخص واحد إما أن يكون ~~مستغيثا وإما أن يكون مستغاثا به وإما أن يكون داعيا وإما أن يكون مدعوا ~~فإذا قالوا إن الداعي هو غير المدعو لزم أن يكون اثنين لا واحدا وإذا قالوا ~~هما واحد فالداعي هو المدعو $ الوجه الخامس # أن يقال لا يخلو الأمر ان يقولوا إن اللاهوت كان قادرا على دفعهم عن ~~ناسوته وإما أن يقولوا لم يكن قادرا فإن قالوا لم يكن قادرا لزم أن يكون ~~أولئك اليهود أقدر من رب العالمين وأن يكون رب العالمين مقهورا مأسورا مع ~~قوم من شرار اليهود وهذا من أعظم الكفر والتنقص برب العالمين وهذا أعظم من ~~قولهم إن لله ولدا وإنه بخيل وإنه فقير ونحو ذلك مما سب به ms017 الكفار رب ~~العالمين # وإن قالوا كان قادرا فإن كان ذلك من عدوان الكفار على ناسوته وهو كاره ~~لذلك فسنة الله في مثل ذلك نصر رسله المستغيثين به فكيف لم يغث ناسوته ~~المستصرخ به هذا بخلاف من قتل من النبيين وهو صابر فإن أولئك صبروا حتى ~~قتلوا شهداء والناسوت عندهم استغاث وقال إلهي إلهي لماذا تركتني وإن كان هو ~~قد فعل ذلك مكرا كما يزعمون أنه مكر بالشيطان وأخفى نفسه حتى يأخذه بوجه حق ~~فناسوته أعلم بذلك من جميع الخلق فكان الواجب أن لا يجزع ولا يهرب لما في ~~ذلك من الحكمة وهم يذكرون من جزع الناسوت وهربه ودعائه ما يقتضي أن كل ما ~~جرى عليه كان بغير اختياره ويقول بعضهم مشيئتهما واحدة فكيف شاء ذلك وهرب ~~مما يكرهه الناسوت بل لو يشاء اللاهوت ما يكرهه كانا متباينين وقد اتفقا ~~على المكر بالعدو لم يجزع الناسوت كما جرى ليوسف مع أخيه لما PageV01P323 ~~وافقه على أنه يجعل الصوامع في رحله ويظهر أنه سارق لم يجزع أخوه لما ظهر ~~الصوامع في رحلة كما جزع إخوته حيث لم يعلموا وكثير من الشطار العيارين ~~يمسكون ويصلبون وهم ثابتون صابرون فما بال هذا يجزع الجزع العظيم الذي ~~يصفون به المسيح وهو يقتضي غاية النقص العظيم مع دعواهم فيه الإلهية $ ~~الوجه السادس # قولهم إنه كلمته وروحه تناقض منهم لأن عندهم أقنوم الكلمة فقط لا أقنوم ~~الحياة $ الوجه السابع # قولهم وقد برهن بقوله رأينا أيضا في موضع آخر قائلا إن الله ألقى كلمته ~~إلى مريم وذلك حسب قولنا معشر النصارى إن كلمة الله الخالقة الأزلية حلت في ~~مريم واتحدت بإنسان كامل # فيقال لهم أما قول الله في القرآن فهو حق ولكن ضللتم في تأويله كما ضللتم ~~في تأويل غيره من كلام الأنبياء وما بلغوه عن الله وذلك أن الله تعالى قال ~~@QB@ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ~~ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ~~ومن ms018 الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ~~ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ # ففي هذا الكلام وجوه تبين أنه مخلوق ليس هو ما يقوله النصارى منها أنه ~~قال بكلمة منه وقوله بكلمة منه نكرة في الإثبات يقتضي أنه كلمة من كلمات ~~الله ليس هو كلامه كله كما يقوله النصارى # ومنها أنه بين مراده بقوله بكلمة منه وأنه مخلوق حيث قال @QB@ كذلك الله ~~يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ # كما قال في الآية الأخرى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون @QE@ # وقال تعالى في سورة كهيعص @QB@ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه ~~يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون @QE@ PageV01P324 # فهذه ثلاث آيات في القرآن تبين أنه قال له @QB@ كن فيكون @QE@ وهذا تفسير ~~كونه كلمة منه وقال اسمه المسيح عيسى بن مريم أخبر أنه ابن مريم وأخبر أنه ~~وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين وهذه كلها صفة مخلوق والله تعالى ~~وكلامه الذي هو صفته لا يقال فيه شيء من ذلك وقالت مريم @QB@ أنى يكون لي ~~ولد @QE@ فبين أن المسيح الذي هو الكلمة هو ولد مريم لا ولد الله سبحانه ~~وتعالى # وقال في سورة النساء @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما ~~الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا ~~فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم ms019 من دون الله وليا ولا نصيرا @QE@ # فقد نهى النصارى عن الغلو في دينهم وأن يقولوا على الله غير الحق وبين أن ~~@QB@ المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه @QE@ ~~وأمرهم أن يؤمنوا بالله ورسله فبين أنه رسوله ونهاهم أن يقولوا ثلاثة وقال ~~انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد وهذا تكذيب لقولهم في المسيح أنه إله ~~حق من إله حق من جوهر أبيه ثم قال @QB@ سبحانه أن يكون له ولد @QE@ فنزه ~~نفسه وعظمها أن يكون له ولد كما تقوله النصارى ثم قال @QB@ له ما في ~~السماوات وما في الأرض @QE@ فأخبر أن ذلك ملك ليس له فيه شيء من ذاته ثم ~~قال @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون @QE@ أي ~~لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لله تبارك وتعالى فمع ذلك البيان الواضح الجلي ~~هل يظن ظان أن مراده بقوله وكلمته أنه إله خالق أو أنه صفة لله قائمة به ~~وأن قوله @QB@ وروح منه @QE@ المراد به أنه حياته أو روح منفصلة من ذاته # ثم نقول أيضا أما قوله وكلمته فقد بين مراده أنه خلقه ب كن وفي لغة العرب ~~التي نزل بها القرآن أن يسمى المفعول باسم المصدر فيسمى المخلوق خلقا لقوله ~~@QB@ هذا خلق الله @QE@ ويقال درهم ضرب الأمير أي مضروب الأمير ولهذا يسمى ~~المأمور به أمرا والمقدور قدرة وقدرا والمعلوم علما والمرحوم به رحمة # كقوله تعالى @QB@ وكان أمر الله قدرا مقدورا @QE@ وقوله @QB@ أتى أمر ~~الله فلا تستعجلوه @QE@ PageV01P325 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله للجنة أنت رحمتي أرحم بك من ~~أشاء من عبادي ويقول للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي وقال إن ~~الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة أنزل منها رحمة واحدة فيها تتراحم ~~الخلق ويتعاطفون وأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه ~~إلى تلك فرحم بها الخلق ويقال للمطر والآيات هذه قدرة عظيمة ويقال غفر الله ~~لك علمه فيك أي معلومه فتسمية المخلوق بالكلمة ms020 كلمة من هذا الباب # وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الرد على الجهمية وذكره غيره أن النصارى ~~الحلولية والجهمية المعطلة اعترضوا على أهل السنة فقالت النصارى القرآن ~~كلام الله غير مخلوق والمسيح كلمة الله فهو غير مخلوق وقالت الجهمية المسيح ~~كلمة الله وهو مخلوق والقرآن كلام الله فيكون مخلوقا # وأجاب أحمد وغيره بأن المسيح نفسه ليس هو كلاما فإن المسيح إنسان وبشر ~~مولود من امرأة وكلام الله ليس بإنسان ولا بشر ولا مولود من امرأة ولكن ~~المسيح خلق بالكلام وأما القرآن فهو نفسه كلام الله فأين هذا من هذا # وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وما من عاقل إذا سمع ~~قوله تعالى في المسيح عليه السلام إنه كلمته ألقاها إلى مريم إلا يعلم أن ~~المراد ( لا ) أن المسيح نفسه كلام الله ولا أنه صفة لله ولا خالق ثم يقال ~~للنصارى فلو قدر أن المسيح نفس الكلام ليس بخالق فإن القرآن كلام الله وليس ~~بخالق والتوراة كلام الله وليست بخالقة وكلمات الله كثيرة وليس منها شيء ~~خالق فلو كان المسيح نفس الكلام لم يجز أن يكون خالقا فكيف وليس هو الكلام ~~وإنما خلق بالكلمة وخص باسم الكلمة فإنه لم يخلق على الوجه المعتاد الذي ~~خلق عليه غيره بل خرج عن العادة فخلق بالكلمة من غير السنة المعروفة بالبشر # وقوله @QB@ بروح منه @QE@ لا يوجب أن يكون منفصلا من ذات الله كقوله ~~تعالى @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ ~~PageV01P326 # وقوله تعالى @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ وقوله تعالى @QB@ ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ # وقال تعالى @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة @QE@ فهذه ~~الأشياء كلها من الله وهي مخلوقة وأبلغ من ذلك روح الله التي أرسلها إلى ~~مريم وهي مخلوقة # فالمسيح الذي هو روح من تلك الروح أولى أن يكون مخلوقا قال تعالى @QB@ ~~فأرسلنا ms021 إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا @QE@ # وقد قال تعالى @QB@ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من ~~روحنا @QE@ وقال @QB@ والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها ~~وابنها آية للعالمين @QE@ فأخبر أنه نفخ في مريم من روحه كما أخبر أنه نفخ ~~في آدم من روحه وقد بين أنه أرسل إليها روحه # @QB@ فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال ~~إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني ~~بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا ~~وكان أمرا مقضيا فحملته @QE@ # فهذا الروح الذي أرسله الله إليها ليهب لها غلاما زكيا مخلوق وهو روح ~~القدس الذي خلق المسيح منه ومن مريم فإذا كان الأصل مخلوقا فكيف الفرع الذي ~~حصل به وهو روح القدس وقوله عن المسيح @QB@ وروح منه @QE@ خص المسيح بذلك ~~لأنه نفخ في أمه من الروح فحبلت به من ذلك النفخ وذلك غير روحه التي يشاركه ~~فيها سائر البشر فامتاز بأنها حبلت PageV01P327 به من نفخ الروح فلهذا سمي ~~روحا منه # ولهذا قال طائفة من المفسرين روح منه أي رسول منه فسماه باسم الروح الذي ~~هو الرسول الذي نفخ فيها فكما يسمى كلمة يسمى روحا لأنه كون بالكلمة لا كما ~~يخلق الآدميون غيره ويسمى روحا لأنه حبلت به أمه بنفخ الروح الذي نفخ فيها ~~لم تحبل من ذكر كغيره من الآدميين وعلى هذا فيقال لما خلق من نفخ الروح ومن ~~مريم سمى روحا بخلاف سائر الآدميين فإنه يخلق من ذكر وأنثى ثم ينفخ فيه من ~~الروح بعد مضي أربعة أشهر # والنصارى يقولون في أمانتهم تجسد من مريم ومن روح القدس ولو اقتصروا على ~~هذا وفسروا روح القدس بالملك الذي نفخ فيها وهو روح الله لكان هذا موافقا ~~لما أخبر الله به لكنهم جعلوا روح ms022 القدس حياة الله وجعلوه ربا وتناقضوا في ~~ذلك فإنه على هذا كان ينبغي فيه أقنومان أقنوم الكلمة وأقنوم الروح ~~PageV01P328 # وهم يقولون ليس فيه ألا أقنوم الكلمة وكما يسمى المسيح كلمة لأنه خلق ~~بالكلمة يسمى روحا لأنه حل به الروح فإن قيل فقد قال في القرآن @QB@ والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك @QE@ وقال @QB@ تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم @QE@ # وقد قال أئمة المسلمين وجمهورهم القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وقال ~~في المسيح وروح منه قيل هذا بمنزلة سائر المضاف إلى الله إن كان عينا قائمة ~~بنفسها أو صفة فيها كان مخلوقا وإن كان صفة مضافة إلى الله كعلمه وكلامه ~~ونحو ذلك كان إضافة صفة وكذلك ما منه إن كان عينا قائمة تعين بغيرها كما في ~~السموات والأرض والنعم والروح الذي أرسلها إلى مريم وقال @QB@ إنما أنا ~~رسول ربك @QE@ كان مخلوقا وإن كان صفة لا تقوم بنفسها ولا يتصف بها المخلوق ~~كالقرآن لم يكن مخلوقا فإن ذلك قائم بالله وما يقوم بالله لا يكون مخلوقا # والمقصود هنا بيان بطلان احتجاج النصارى وأنه ليس لهم في ظاهر القرآن ولا ~~باطنه حجة كما ليس لهم حجة في سائر كتب الله وإنما تمسكوا بآيات متشابهات ~~وتركوا المحكم كما أخبرا الله عنهم بقوله @QB@ هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله @QE@ والآية نزلت في ~~النصارى فهم مرادون من الآية قطعا ثم قال @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا @QE@ وفيها قولان ~~وقراءتان منهم من يقف عند قوله إلا الله ويقول الراسخون في العلم لا يعلمون ~~تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله # ومنهم من لا يقف بل يصل بذلك قوله تعالى @QB@ والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا @QE@ ويقول الراسخون في العلم يعلمون تأويل ~~المتشابه وكلا القولين مأثور عن طائفة من السلف وهؤلاء يقولون ms023 قد يكون ~~الحال من المعطوف دون المعطوف عليه كما في قوله تعالى @QB@ والذين جاؤوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا @QE@ أي قائلين وكلا القولين حق ~~باعتبار فإن لفظ التأويل يراد به التفسير ومعرفة معانيه # والراسخون في العلم يعلمون تفسير القرآن قال الحسن البصري لم ينزل الله ~~آية إلا وهو يحب أن تعلم في ماذا نزلت وما عني بها وقد يعني بالتأويل ما ~~استأثر الله بعلمه من كيفية ما أخبر به عن نفسه وعن اليوم الآخر وقت الساعة ~~ونزول عيسى ونحو ذلك PageV01P329 # فهذا التأويل لا يعلمه الا الله وأما لفظ التأويل إذا أريد به صرف اللفظ ~~عن ظاهره إلى ما يخالف ذلك لدليل يقترن به فلم يكن السلف يريدون بلفظ ~~التأويل هذا ولا هو معنى التأويل في كتاب الله عز وجل # ولكن طائفة من المتأخرين خصوا لفظ التأويل بهذا بل لفظ التأويل في كتاب ~~الله يراد به ما يؤول إليه الكلام وإن وافق ظاهرة كقوله تعالى @QB@ هل ~~ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل @QE@ # ومنه تأويل الرؤيا كقول يوسف الصديق @QB@ هذا تأويل رؤياي من قبل @QE@ ~~وكقوله @QB@ إلا نبأتكما بتأويله @QE@ وقوله @QB@ ذلك خير وأحسن تأويلا ~~@QE@ وهذا مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أنه ليس للنصارى حجة لا في ظاهر النصوص ولا باطنها كما قال ~~تعالى @QB@ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه @QE@ # والكلمة عندهم هي جوهر وهي رب لا يخلق بها الخالق بل هي الخالقة لكل شيء ~~كما قالوا في كتابهم إن كلمة الله الخالقة الأزلية حلت في مريم والله تعالى ~~قد أخبر أنه سبحانه ألقاها إلى مريم والرب سبحانه هو الخالق والكلمة التي ~~ألقاها ليست خالقة إذ الخالق لا يلقيه شيء بل هو يلقي غيره وكلمات الله ~~نوعان كونية ودينية فالكونية كقوله للشيء كن فيكون # والدينية أمره وشرعه الذي جاءت به الرسل وكذلك أمره وإرادته وإذنه ~~وإرساله وبعثه ينقسم إلى هذين القسمين وقد ذكر الله تعالى إلقاء القول في ~~غير ms024 هذا وقد قال تعالى @QB@ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ~~@QE@ # وقال تعالى @QB@ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا ~~الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله ~~يومئذ السلم @QE@ PageV01P330 # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة @QE@ # وأما لقيته القول فتلقاه فذلك إذا أردت أن تحفظه بخلاف ما إذا ألقيته ~~إليه فإن هذا بقوله فيما يخاطبه به وإن لم يحفظه كمن ألقيت إليه القول ~~بخلاف القول إنكم لكاذبون وألقوا إليهم السلام وليس هنا إلا خطاب سمعوه لم ~~يحصل نفس صفة المتكلم في المخاطب فكذلك مريم إذا ألقى الله كلمته إليها هي ~~قول كن لم يلزم أن تكون نفس صفته القائمة به حلت في مريم كما لم يلزم أن ~~تكون صفته القائمة به حلت في سائر من ألقى كلامه كما لا تحصل صفة كل منكم ~~فيمن يلقي إليه كلامه # | فصل # في الرد على أن في عيسى طبيعتين # وأما قولهم وعلى هذا المثال نقول في السيد المسيح طبيعتان # طبيعة لاهوتية التي هي طبيعة كلمة الله وروحه # وطبيعة ناسوتية التي أخذها من مريم العذراء واتحدت به فيقال لهم كلام ~~النصارى في هذا الباب مضطرب مختلف مناقض وليس لهم في ذلك قول اتفقوا عليه ~~ولا قول معقول ولا قول دل عليه كتاب بل هم فيه فرق وطوائف كل فرقة تكفر ~~الأخرى كاليعقوبية والملكانية والنسطورية ونقل الأقوال عنهم في ذلك مضطربة ~~كثيرة الاختلاف # ولهذا يقال لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا على أحد عشر قولا وذلك أن ما هم ~~عليه من اعتقادهم من التثليث والاتحاد كما هو مذكور في أمانتهم لم ينطق به ~~شيء من كتب الأنبياء ولا يوجد لا في كلام المسيح ولا الحواريين ولا أحد من ~~الأنبياء ولكن عندهم في الكتب ألفاظ متشابهة وألفاظ محكمة يتنازعون في ~~فهمها ثم القائلون منهم بالأمانة وهم عامة النصارى اليوم من الملكانية ~~والنسطورية واليعقوبية مختلفون في تفسيرها ونفس قولهم متناقض يمتنع تصوره ~~على ms025 الوجه الصحيح # فلهذا صار كل منهم يقول ما يظن أنه أقرب من غيره فمنهم من يراعي لفظ ~~أمانتهم وإن صرح بالكفر الذي يظهر فساده لكل أحد كاليعقوبية ومنهم من يستر ~~بعض ذلك كالنسطورية وكثير منهم وهم الملكانية بين هؤلاء وهؤلاء ولما ~~ابتدعوا ما ابتدعوه من التثليث والحلول كان فيهم من يخالفهم في ذلك ~~PageV01P331 # وقد يوجد نقل الناس لمقالاتهم مختلفا وذلك بحسب قول الطائفة التي ينقل ~~ذلك الناقل قولها والقول الذي يحكيه كثير من نظائر المسلمين يوجد كثير منهم ~~على خلافه كما نقلوا عنهم ما ذكره أبو المعالي وصاحبه أبو القاسم الأنصاري ~~وغيرهما أن القديم واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنوم وأنهم يعنون بالأقنوم ~~الوجود والحياة والعلم # ونقلوا عنهم أن الحياة والعلم ليسا بوصفين زائدين على الذات موجودين بل ~~هما صفتان نفسيتان للجوهر قالوا ولو مثل مذهبهم بمثال لقيل إن الأقانيم ~~عندهم تنزل منزلة الأحوال والصفات النفسية عند مثبتيها من المسلمين فإن ~~سوادية اللون ولونيته صفتان نفسيتان للعرض قال وربما يعبرون عن الأقانيم ~~بالأب والابن وروح القدس فيعنون بالأب الوجود وبالابن المسيح والكلمة وربما ~~سموا العلم كلمة والكلمة علما ويعبرون عن الحياة بالروح قال ولا يريدون ~~بالكلمة الكلام فإن الكلام عندهم من صفات الفعل ولا يسمون العلم قبل تدرعه ~~بالمسيح واتحاده به ابنا بل المسيح عندهم مع ما تدرع به ابن قالوا ومن ~~مذهبهم أن الكلمة اتحدت بالمسيح وتدرعت بالناسوت ثم اختلفوا في معنى ~~الاتحاد # فمنهم من فسره بالاختلاط والامتزاج وهذا مذهب طوائف من اليعقوبية ~~والنسطورية والملكانية قالوا إن الكلمة خالطت جسد المسيح ومازجته كما مازج ~~الخمر الماء أو اللبن قالوا وهذا مذهب الروم ومعظمهم الملكانية قالوا ~~فمازجت الكلمة جسد المسيح فصارت شيئا واحدا وصارت الكثرة قلة # وذهبت طائفة من اليعاقبة إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما قالوا وصارت ~~شرذمة من كل صنف إلى أن المراد بالاتحاد ظهور اللاهوت على الناسوت كظهور ~~الصورة في المرآة والنقش في الخاتم # ومنهم من قال ظهور اللاهوت على الناسوت كاستواء الإله على العرش عند ~~المسلمين وذهب كثير ms026 من هذه الطوائف إلى أن المراد بالاتحاد الحلول $ فصل # وأما قوله تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين @QE@ يريد بحسب مقتضى العدل قومه الذين آتاهم بلغتهم لا ~~غير ممن لم يأتهم بما جاء به # فيقال لهم من فسر مراد متكلم أي متكلم كان بما يعلم الناس أنه خلاف مراده ~~فهو PageV01P332 كاذب مفتر عليه وإن كان المكلم من آحاد العامة ولو كان ~~المتكلم من المتنبئين الكذابين فإن عرف كذبه إذا تكلم بكلام وعرف مراده به ~~لم يجز أن يكذب عليه فيقال أراد كذا وكذا فإن الكذب حرام قبيح على كل أحد ~~سواء كان صادقا أو كاذبا فيكف بمن يفسر مراد الله ورسوله بما يعلم كل من ~~خبر حاله علما ضروريا أنه لم يرد ذلك بل يعلم علما ضروريا أنه أراد العموم ~~فإن قوله تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا @QE@ صيغة عامة وصيغة من ~~الشرطية من أبلغ صيغ العموم كقوله تعالى @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ # ثم إن سياق الكلام يدل على أنه أراد أهل الكتاب وغيرهم فإن هذا في سورة ~~آل عمران في أثناء مخاطبته لأهل الكتاب ومناظرته للنصارى فإنها نزلت لما ~~قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران النصارى وروى أنهم كانوا ستين ~~راكبا وفيهم السيد والأيهم والعاقب وقصتهم مشهورة معروفة كما تقدم ذكرها # وقد قال قبل هذا الكلام يذم دين النصارى الذين ابتدعوه وغيروا به دين ~~المسيح ولبسوا الحق الذي بعث به المسيح بالباطل الذي ابتدعوه حتى صار دينهم ~~مركبا من حق وباطل واختلط أحدهما بالآخر فلا يكاد يوجد معه من يعرف ما نسخه ~~المسيح من شريعة التوراة مما أقره والمسيح قرر أكثر شرع التوراة وغير ~~المعنى وعامة النصارى لا يميزون ما قرره مما غيره فلا يعرف دين المسيح # قال تعالى @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما ms027 كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ # فقد بين أن من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر فمن اتخذ من دونهم ~~أربابا كان أولى بالكفر وقد ذكر أن النصارى اتخذوا من هو دونهم أربابا ~~بقوله تعالى @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ~~@QE@ # ثم قال تعالى في سورة آل عمران @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ~~أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من ~~الشاهدين @QE@ PageV01P333 # قال ابن عباس وغيره من السلف ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن ~~بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن ~~بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه والآية تدل على ما قالوا فإن قوله ~~تعالى ? < وإذا أخذ الله ميثاق النبيين > ? يتناول جميع النبيين @QB@ لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه @QE@ # وهذه اللام الأولى تسمى اللام الموطئة للقسم واللام الثانية تسمى لام ~~جواب القسم والكلام إذا اجتمع فيه شرط وقسم وقدم القسم سد جواب القسم مسد ~~جواب الشرط والقسم كقوله تعالى @QB@ لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا ~~لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون @QE@ # ومنه قوله تعالى @QB@ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين @QE@ وقوله @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم ~~آية ليؤمنن بها @QE@ وقوله @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ~~ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة @QE@ وقوله @QB@ وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم @QE@ ومنه قوله @QB@ ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ وقوله @QB@ ولئن ~~سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب @QE@ وقوله @QB@ لئن لم يرحمنا ربنا ~~ويغفر لنا لنكونن ms028 من الخاسرين @QE@ PageV01P334 وقوله @QB@ لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم @QE@ ~~وقوله @QB@ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك @QE@ وقوله @QB@ وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم @QE@ وقوله @QB@ ولئن ~~لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولئن ~~جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون @QE@ وقوله @QB@ ولئن ~~جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم @QE@ وقوله @QB@ ولئن أخرنا عنهم ~~العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه @QE@ # ومثل هذا كثير وحيث لم يذكر القسم فهو محذوف مراد تقدير الكلام والله لئن ~~أخرجوا لا يخرجون معهم والله ولئن قوتلوا لا ينصرونهم # ومن محاسن لغة العرب أنها تحذف من الكلام ما يدل المذكور عليه اختصارا ~~وإيجازا لا سيما فيما يكثر استعماله كالقسم وقوله @QB@ لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة @QE@ هي ما الشرطية والتقدير أي شيء أعطيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ولا تكتفوا بما عندكم عما جاء به ~~ولا يحملنكم ما آتيتكم من كتاب وحكمة على أن تتركوا متابعته بل عليكم أن ~~تؤمنوا به وتنصروه وإن كان معكم من قبله من كتاب وحكمة فلا تستغنوا بما ~~آتيتكم عما جاء به فإن ذلك لا ينجيكم من عذاب الله # فدل ذلك على أن من أدرك محمدا من الأنبياء وأتباعهم وإن كان معه كتاب ~~وحكمة فعليه أن يؤمن بمحمد وينصره كما قال @QB@ لما آتيتكم من كتاب وحكمة ~~ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه @QE@ وقد أقر الأنبياء ~~بهذا الميثاق وشهد الله عليهم به كما قال تعالى @QB@ أأقررتم وأخذتم على ~~ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين @QE@ ثم قال ~~تعالى @QB@ فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون @QE@ ثم قال تعالى @QB@ ~~أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ~~يرجعون @QE@ ثم قال PageV01P335 تعالى @QB@ قل آمنا بالله وما أنزل علينا ~~وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ms029 وعيسى ~~والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون @QE@ ثم قال تعالى ~~@QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ~~@QE@ # قالت طائفة من السلف لما أنزل الله هذه الآية قال من قال من اليهود ~~والنصارى نحن مسلمون فقال تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا @QE@ فقالوا لا نحج فقال تعالى @QB@ ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين @QE@ # فكل من لم ير حج البيت واجبا عليه مع الاستطاعة فهو كافر باتفاق المسلمين ~~كما دل عليه القرآن واليهود والنصارى لا يرونه واجبا عليهم فهم من الكفار ~~حتى أنه روي في حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من ملك زادا ~~وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ~~وهو محفوظ من قول عمر بن الخطاب وقد اتفق المسلمون على أن من جحد وجوب ~~مباني الإسلام الخمس الشهادتين والصلوات الخمس والزكاة وصيام شهر رمضان وحج ~~البيت فإنه كافر # وأيضا فقد قال تعالى في أول سورة آل عمران @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن ~~الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل ~~أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد @QE@ ~~فقد أمره تعالى بعد قوله @QB@ إن الدين عند الله الإسلام @QE@ أن يقول ~~أسلمت وجهي لله ومن PageV01P336 اتبعن وأن يقول للذين أوتوا الكتاب وهم ~~اليهود والنصارى والأميين وهم الذين لا كتاب لهم من العرب وغيرهم أأسلمتم ~~فالعرب الأميون يدخلون في لفظ الأميين باتفاق الناس # وأما من سواهم فإما أن يشمله هذا اللفظ أو يدخل في معناه بغيره من ~~الألفاظ المبينة أنه أرسل إلى جميع الناس # قال تعالى @QB@ فإن أسلموا ms030 فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله ~~بصير بالعباد @QE@ فقد أمر اهل الكتاب بالإسلام كما أمر به الأميين وجعلهم ~~إذا أسلموا مهتدين وإن لم يسلموا فقد قال إنما عليك البلاغ أي تبلغهم ~~رسالات ربك إليهم والله هو الذي يحاسبهم فدل بهذا كله على أنه عليه أن يبلغ ~~أهل الكتاب ما أمرهم به من الإسلام كما يبلغ الأميين وأن الله يحاسبهم على ~~ترك الإسلام كما يحاسب الأميين # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه إلى هرقل ~~ملك النصارى من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى ~~أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ~~وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون $ الإسلام دين ~~جميع الأنبياء # وأبلغ من ذلك أن الله تعالى أخبر في كتابه أن الإسلام دين الأنبياء كنوح ~~وإبراهيم ويعقوب وأتباعهم إلى الحواريين وهذا تحقيق لقوله تعالى @QB@ ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه @QE@ و @QB@ إن الدين عند الله الإسلام ~~@QE@ في كل زمان ومكان # قال تعالى عن نوح أول رسول بعثه إلى الأرض @QB@ واتل عليهم نبأ نوح إذ ~~قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله ~~توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا ~~تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون ~~من المسلمين @QE@ # فهذا نوح الذي غرق أهل الأرض بدعوته وجعل جميع الآدميين من ذريته يذكر ~~أنه أمر أن يكون من المسلمين PageV01P337 # وأما الخليل فقال تعالى @QB@ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ~~ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا ~~أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا ms031 إنك أنت التواب الرحيم @QE@ @QB@ ومن ~~يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها ~~إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون @QE@ # فقد أخبر تعالى أنه أمر الخليل بالإسلام وأنه قال أسلمت لرب العالمين وأن ~~إبراهيم وصى بنيه ويعقوب وصى بنيه أن لا يموتن إلا وهم مسلمون # وقال تعالى @QB@ ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ~~وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا والله ولي المؤمنين @QE@ # وقال تعالى عن يوسف الصديق بن يعقوب أنه قال @QB@ رب قد آتيتني من الملك ~~وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا ~~والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين @QE@ # وقد قال تعالى عن موسى @QB@ وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ # وقال عن السحرة الذين آمنوا بموسى @QB@ قالوا لا ضير إنا إلى ربنا ~~منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا ~~أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين @QE@ # قال تعالى في قصة سليمان @QB@ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ~~ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين @QE@ PageV01P338 و @QB@ قال يا أيها الملأ ~~أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين @QE@ وقال تعالى @QB@ وأوتينا ~~العلم من قبلها وكنا مسلمين @QE@ # وقال تعالى عن بلقيس التي آمنت بسليمان @QB@ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع ~~سليمان لله رب العالمين @QE@ وقال عن أنبياء بني إسرائيل @QB@ إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا @QE@ ~~وقال تعالى عن الحواريين @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ ربنا آمنا بما أنزلت ~~واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين @QE@ # فهؤلاء الأنبياء كلهم وأتباعهم كلهم يذكر الله ms032 تعالى أنهم كانوا مسلمين ~~وهذا مما يبين أن قوله تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ وقوله @QB@ إن الدين عند الله الإسلام @QE@ ~~لا يختص بمن بعث إليه محمد صلى الله عليه وسلم بل هو حكم عام في الأولين ~~والآخرين ولهذا قال تعالى @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ~~واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ # وقال تعالى @QB@ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك ~~أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ PageV01P339 $ فصل # قال شيخ الإسلام # الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما ~~أكل السبع إلا ما ذكيتم @QE@ PageV02P007 وقوله تعالى @QB@ إلا ما ذكيتم ~~@QE@ عائد إلى ما تقدم من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكلية ~~السبع عند عامة العلماء كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم # فما أصابه الموت قبل أن يموت أبيح لكن تنازع العلماء فيما يذكى من ذلك ~~فمنهم من قال ما تيقن موته لا يذكى كقول مالك ورواية عن أحمد # ومنهم من يقول ما يعيش معظم اليوم ذكي # ومنهم من يقول ما كانت فيه حياة مستقرة ذكي كما يقوله من يقوله من أصحاب ~~الشافعي وأحمد # ثم من هؤلاء من يقول الحياة المستقرة ما يزيد على حركة المذبوح ومنهم من ~~يقول ما يمكن أن يزيد على حياة المذبوح والصحيح أنه إذا كان حيا فذكي حل ~~أكله ولا يعتبر في ذلك حركة مذبوح فإن حركات المذبوح لا تنضبط بل فيها ما ~~يطول زمانه وتعظم حركته وفيها ما يقل زمانه وتضعف حركته وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم # ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا فمتى جرى الدم الذي يجري من ~~المذبوح الذي ذبح وهو حي حل أكله # والناس يفرقون بين دم ما ms033 كان حيا ودم ما كان ميتا فإن الميت يجمد دمه ~~ويسود ولهذا حرم الله الميتة لاحتقان الرطوبات فيها فإذا جرى منه الدم الذي ~~يخرج من المذبوح الذي ذبح وهو حي حل أكله وإن تيقن أنه يموت فإن المقصود ~~ذبح وما فيه حياة فهو حي وإن تيقن أنه يموت بعد ساعة فعمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه تيقن أنه يموت وكان حيا جازت وصيته وصلاته وعهوده وقد أفتى غير ~~واحد من الصحابة رضي الله عنهم بأنها إذا مصعت بذنبها أو طرفت بعينها أو ~~ركضت برجلها بعد الذبح حلت ولم يشترطوا أن تكون حركتها قبل ذلك أكثر من ~~حركة المذبوح وهذا قاله الصحابة لأن الحركة دليل على الحياة والدليل لا ~~ينعكس فلا يلزم إذا لم يوجد هذا منها أن تكون ميتة بل قد تكون حية وإن لم ~~يوجد منها مثل ذلك والإنسان قد يكون نائما فيذبح وهو نائم ولا يضطرب وكذلك ~~المغمي عليه يذبح ولا يضطرب وكذلك الدابة قد تكون حية فتذبح ولا تضطرب ~~لضعفها عن الحركة وإن كانت حية ولكن خروج الدم الذي لا يخرج إلا من مذبوح ~~وليس هو دم الميت دليل على الحياة والله أعلم PageV02P008 $ فصل # وتجوز ذكاة المرأة والرجل وتذبح المرأة وإن كانت حائضا فإن حيضتها ليست ~~في يدها وذكاة المرأة جائزة باتفاق المسلمين وقد ذبحت امرأة شاة فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأكلها $ فصل # والتسمية على الذبيحة مشروعة لكن قيل هي مستحبة كقول الشافعي وقيل واجبة ~~مع العمد وتسقط مع السهو كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه وقيل ~~تجب مطلقا فلا تؤكل الذبيحة بدونها سواء تركها عمدا أو سهوا كالرواية ~~الأخرى عن أحمد اختارها أبو الخطاب وغيره وهو قول غير واحد من السلف وهذا ~~أظهر الأقوال فإن الكتاب والسنة قد علقا الحل بذكر اسم الله في غير موضع ~~كقوله @QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه @QE@ وقوله @QB@ ~~فكلوا مما ذكر اسم الله عليه @QE@ @QB@ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم ~~الله عليه @QE@ @QB@ ولا ms034 تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ # وفي الصحيحين أنه قال # ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا وفي الصحيح أنه قال لعدي # إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فقتل فكل وإن خالط كلبك كلاب آخر ~~فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره وثبت في الصحيح أن الجن ~~سألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال # لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم # فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن # فهو صلى الله عليه وسلم لم يبح للجن المؤمنين إلا ما ذكر اسم الله عليه ~~فكيف بالإنس ولكن إذا وجد الإنسان لحما قد ذبحه غيره جاز له أن يأكل منه ~~ويذكر اسم الله عليه لحمل أمر الناس على الصحة والسلامة كما ثبت في الصحيح ~~أن قوما قالوا # يا رسول الله إن ناسا حديثي عهد بالإسلام يأتونا باللحم ولا ندري أذكروا ~~اسم الله عليه أم لم يذكروا فقال سموا أنتم وكلوا $ فصل # أما عظم الميتة وقرنها وظفرها وما هو من جنس ذلك كالحافر ونحوه وشعرها ~~وريشها ووبرها PageV02P009 ففي هذين النوعين للعلماء ثلاثة أقوال # أحدها نجاسة الجميع كقول الشافعي في المشهور وذلك رواية عن أحمد # والثاني أن العظام ونحوها نجسة والشعور ونحوها طاهرة وهذا هو المشهور من ~~مذهب مالك وأحمد # والثالث أن الجميع طاهر كقول أبي حنيفة وهو قول في مذهب مالك وأحمد وهذا ~~القول هو الصواب لأن الأصل فيها الطهارة ولا دليل على النجاسة # وأيضا فإن هذه الأعيان هي من الطيبات ليست من الخبائث فتدخل في آية ~~التحليل وذلك لأنها لم تدخل فيما حرمه الله من الخبائث لا لفظا ولا معنى ~~أما اللفظ فكقوله تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ لا يدخل فيها الشعور ~~وما أشبهها وذلك لأن الميت ضد الحي والحياة نوعان حياة الحيوان وحياة ~~النبات فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية وحياة النبات النمو ~~والاغتذاء # وقوله @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ إنما هو بما فارقته ms035 الحياة الحيوانية ~~دون النباتية فإن الزرع والشجر إذا يبس لم ينجس باتفاق المسلمين وقد تموت ~~الأرض ولا يوجب ذلك نجاستها باتفاق المسلمين وإنما الميتة المحرمة ما كان ~~فيها الحس والحركة الإرادية وأما الشعر فإنه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع ليس ~~فيه حس ولا يتحرك بإرادة ولا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها ولا ~~وجه لتنجيسه # وأيضا فلو كان الشعر جزءا من الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوم يحبون أسنمة الإبل وأليات الغنم فقال # ما أبين من البهيمة وهي حية فهو ميت رواه أبو داود وغيره وهذا متفق عليه ~~بين العلماء فلو كان حكم الشعر حكم السنام والألية لما جاز قطعه في حال ~~الحياة فلما اتفق العلماء على أن الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان حلالا ~~طاهرا علم أنه ليس مثل اللحم # وأيضا فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى شعره لما حلق رأسه ~~للمسلمين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستنجي ويستجمر فمن سوى بين الشعر ~~والبول والعذرة فقد أخطأ خطأ مبينا # وأما العظام ونحوها فإذا قيل أنها داخلة في الميتة لأنها تنجس قيل لمن ~~قال ذلك لم تأخذوا بعموم اللفظ فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب ~~والخنفساء لا ينجس عندكم PageV02P010 وعند جمهور العلماء مع أنها ميتة موتا ~~حيوانيا # وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر ~~شفاء ومن نجس هذا قال في أحد القولين أنه لا ينجس المائعات الواقعة فيه ~~لهذا الحديث وإذا كان كذلك علم أن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم ~~فيها فما لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل فإذا مات لم يحتبس فيه الدم فلا ~~ينجس فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجيس من هذا فإن العظم ليس فيه دم سائل ولا ~~كان متحركا بالإرادة إلا على وجه التبع # فإذا كان الحيوان الكامل الحساس ms036 المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه ~~دم سائل فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه سائل # ومما يبين صحة قول الجمهور أن الله إنما حرم علينا الدم المسفوح كما قال ~~تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا @QE@ فإذا عفي عن الدم غير المسفوح مع أنه من جنس الدم حيث ~~علم أن الله سبحانه فرق بين الدم الذي يسيل وبين غيره فلهذا كان المسلمون ~~يصنعون اللحم في المرق وخيوط الدم في القدر تبين ويأكلون ذلك على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما أخبرت بذلك عائشة رضي الله عنها ولولا هذا ~~لاستخرجوا الدم من العروق كما يفعل اليهود # والله تعالى حرم ما مات حتف أنفه أو لسبب غير جارح محدد كالموقودة ~~والمتردية والنطيحة وحرم صلى الله عليه وسلم ما صيد بغيره من المعراض وقال ~~إنه وقيذ والفرق بينهما إنما هو سفح الدم فدل على أن سبب التنجيس هو احتقان ~~الدم واحتباسه وإذا سفح بوجه خبيث بأن يذكر عليه غير اسم الله كان الخبث ~~هنا من وجه آخر فإن التحريم تارة لوجود الدم وتارة لفساد التذكية كذكاة ~~المجوسي والمرتد والذكاة في غير المحل # فإذا كان كذلك فالعظم والظفر والقرن والظلف وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح ~~فلا وجه لتنجيسه وهذا قول جمهور السلف # قال الزهري كان خيار هذه الأمة يتمشطون بأمشاط من عظام الفيل وقد روي في ~~العاج حديث معروف لكن فيه نظر ليس هذا موضعه فإنا لا نحتاج إلى الاستدلال ~~بذلك # وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شاة ~~ميمونة # هلا أخذتم إهابها PageV02P011 فانتفعتم به قالوا إنها ميتة قال إنما حرم ~~أكلها وليس في البخاري ذكر الدباغ ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه ولكن ~~ذكره ابن عيينة ورواه مسلم في صحيحه وقد طعن الإمام أحمد في ذلك وأشار إلى ~~غلط ابن عيينة فيه وذكر أن الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع بجلود ~~الميتة ms037 بلا دباغ لأجل هذا الحديث # وحينئذ فهذا النص يقتضي جواز الانتفاع بها بعد الدبغ بطريق الأولى لكن ~~إذا قيل أن الله حرم بعد ذلك الانتفاع بالجلود حتى تدبغ أو قيل إنها لا ~~تطهر بالدباغ لم يلزم تحريم العظام ونحوها لأن الجلد جزء من الميتة فيه ~~الدم كما في سائر أجزائه والنبي صلى الله عليه وسلم جعل ذكاته دباغه لأن ~~الدبغ ينشف رطوبته فدل على أن سبب التنجيس هو الرطوبات والعظم ليس فيه نفس ~~سائلة وما كان فيه منها فإنه يجف وييبس وهي تبقى وتحفظ أكثر من الجلد فهي ~~أولى بالجهارة من الجلد # والعلماء تنازعوا في الدباغ هل يطهر فذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما ~~أنه لا يطهر ومذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور أنه يطهر وإلى هذا القول ~~رجع الإمام أحمد كما ذكر ذلك عنه الترمذي # وحديث ابن حكيم يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم أن ينتفعوا من ~~الميتة بإهاب ولا عصب بعد أن كان أذن لهم في ذلك لكن هذا قد يكون قبل ~~الدباغ فيكون قد رخص فإن حديث الزهري بين أنه قد رخص في جلود الميتة قبل ~~الدباغ فيكون قد رخص لهم في ذلك لما نهاهم عن الانتفاع بها قبل الدباغ ~~نهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولهذا قال طائفة من أهل اللغة أن الإهاب ~~اسم لما لا يدبغ ولهذا قرن معه العصب والعصب لا يدبغ $ فصل وأما لبن الميتة ~~وأنفحتها ففيه قولان مشهوران للعلماء # أحدهما أن ذلك طاهر كقول أبي حنيفة وغيره وهو إحدى الروايتين عن الإمام ~~أحمد # والثاني أنه نجس كقول الشافعي والرواية الأخرى عن أحمد وعلى هذا النزاع ~~انبنى نزاعهم في جبن المجوس فإن ذبائح المجوس حرام عند جمهور السلف والخلف ~~وقد قيل أن ذلك مجمع عليه بين الصحابة فإذا صنعوا جبنا والجبن يصنع ~~بالأنفحة كان فيه هذان القولان # والأظهر أن أنفحة الميتة ولبنها طاهر لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق ~~أكلوا من جبن المجوس وكان هذا ظاهرا سائغا بينهم وما ينقل ms038 عن بعضهم من ~~كراهة ذلك ففيه نظر PageV02P012 فإنه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر وأهل ~~العراق كانوا أعلم بهذا فإن المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز # ويدل على ذلك أن سلمان الفارسي كان نائب عمر بن الخطاب على المدائن وكان ~~يدعو الفرس إلى الإسلام وقد ثبت عنه أنه سئل عن شيء من السمن والجبن ~~والفراء فقال الحلال ما حلله الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه ~~وما سكت عنه فهو مما عفا عنه وقد رواه أبو داود مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومعلوم أنه لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب فإن هذا ~~أمر بين وإنما كان السؤال عن جبن المجوس فدل ذلك على أن سلمان كان يفتي ~~بحلها وإذا كان ذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انقطع النزاع بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وأيضا فاللبن والأنفحة لم يموتا وإنما نجسها من نجسها لكونها في وعاء نجس ~~فتكون مائعا في وعاء نجس فالنجس مبني على مقدمتين على أن المائع لاقى وعاء ~~نجسا وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسا فيقال أولا لا نسلم أن المائع ينجس ~~بملاقاة النجاسة وقد تقدم أن السنة دلت على طهارته لا على نجاسته ويقال ~~ثانيا الملاقاة في الباطن لا حكم لها كما قال تعالى @QB@ من بين فرث ودم ~~لبنا خالصا سائغا للشاربين @QE@ ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ~~ما في باطنه والله أعلم $ فصل # في قوله تعالى @QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم @QE@ سئل شيخ ~~الإسلام عن جماعة من المسلمين اشتد نكيرهم على من أكل من ذبيحة يهودي أو ~~نصراني مطلقا ولا يدري ما حالهم هل دخلوا في دينهم قبل نسخه وتحريفه وقبل ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أم بعد ذلك بل يتناكحون وتقر مناكحتهم عند ~~جميع الناس وهم أهل ذمة يؤدون الجزية ولا يعرف من هم ولا من هم آباؤهم فهل ~~للمنكرين عليهم منعهم من الذبح للمسلمين أم لهم الأكل من ذبائحهم ms039 كسائر ~~بلاد المسلمين # أجاب رضي الله عنه ليس لأحد أن ينكر على أحد أكل من ذبيحة اليهود ~~والنصارى في هذا الزمان ولا يحرم ذبحهم للمسلمين ومن أنكر ذلك فهو جاهل ~~مخطىء مخالف لإجماع المسلمين فإن أصل هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين ~~علماء المسلمين ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة ~~وإيضاح المحجة لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد فإن هذا فعل أهل ~~الجهل والأهواء كيف والقول بتحريم ذلك PageV02P013 في هذا الزمان وقبله قول ~~ضعيف جدا مخالف لما علم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما علم من ~~حال أصحابه والتابعين لهم بإحسان وذلك لأن المنكر لهذا لا يخرج عن قولين # إما أن يكون ممن يحرم ذبائح أهل الكتاب مطلقا كما يقول ذلك من يقوله من ~~الرافضة وهؤلاء يحرمون نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم وهذا ليس من أقوال أحد من ~~أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا ولا من أقوال أتباعهم وهو خطأ مخالف ~~للكتاب والسنة والإجماع القديم فإن الله تعالى قال في كتابه @QB@ وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ # فإن قيل هذه الآية معارضة بقوله @QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن @QE@ ~~وبقوله تعالى @QB@ ولا تمسكوا بعصم الكوافر @QE@ قيل الجواب من ثلاثة أوجه # أحدهما أن الشرك المطلق في القرآن لا يدخل فيه أهل الكتاب وإنما يدخلون ~~في الشرك المقيد قال الله تعالى @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين @QE@ فجعل المشركين قسما غير أهل الكتاب وقال تعالى @QB@ إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا @QE@ ~~فجعلهم قسما غيرهم فأما دخولهم في المقيد ففي قوله تعالى @QB@ اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ فوصفهم بأنهم ~~مشركون # وسبب هذا أن أصل دينهم الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسل ليس فيه ~~شرك كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك ms040 من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون @QE@ وقال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ وقال @QB@ ولقد بعثنا في كل ~~أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ ولكنهم بدلوا وغيروا ~~فابتدعوا من الشرك ما لم ينزل به الله سلطانا فصار فيهم شرك باعتبار ما ~~ابتدعوا لا باعتبار أصل الدين وقوله تعالى ^ ولا تمسكوا بعصم PageV02P014 ~~الكوافر هو تعريف للكوافر المعروفات اللاتي كن في عصم المسلمين وأولئك كن ~~مشركات لا كتابيات من أهل مكة ونحوها # والوجه الثاني إذا قدر أن لفظ المشركات ولفظ الكوافر يعني الكتابيات فآية ~~المائدة خاصة وهي متأخرة نزلت بعد سورة البقرة والممتحنة باتفاق باتفاق ~~العلماء كما في الحديث # المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها والخاص المتأخر ~~يقضي على العام المتقدم باتفاق علماء المسلمين لكن الجمهور يقولون أنه مفسر ~~له فتبين أن صورة التخصيص لم ترد باللفظ العام وطائفة يقولون أن ذلك نسخ ~~بعد أن شرع # الوجه الثالث إذا فرضنا النصين خاصين فأحد النصين حرم ذبائحهم ونكاحهم ~~والآخر أحلهما فالنص المحلل لهما هنا يجب تقديمه لوجهين # أحدهما أن سورة المائدة هي المتأخرة باتفاق العلماء فتكون ناسخة للنص ~~المتقدم ولا يقال أن هذا نسخ للحكم مرتين لأن فعل ذلك قبل التحريم لم يكن ~~بخطاب شرعي حلل ذلك بل كان لعدم التحريم بمنزلة شرب الخمر وأكل الخنزير ~~ونحو ذلك والتحريم المبتدأ لا يكون نسخا لاستصحاب حكم الفعل ولهذا لم يكن ~~تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ~~ناسخا لما دل عليه قوله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه @QE@ الآية من أن الله عز وجل لم يحرم قبل نزول الآية إلا هذه ~~الأصناف الثلاثة فإن هذه الآية نفت تحريم ما سوى الثلاثة إلى حين نزول ~~الآية ولم يثبت تحليل ما سوى ذلك بل كان ما سوى ذلك عفوا لا تحليل فيه ولا ~~تحريم كفعل ms041 الصبي والمجنون وكما في الحديث المعروف # الحلال ما حلله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه ~~فهو مما عفا عنه وهذا محفوظ عن سلمان الفارسي موقوفا عليه أو مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم # ويدل على ذلك أنه قال في سورة المائدة @QB@ اليوم أحل لكم الطيبات @QE@ ~~فأخبر أنه أحلها ذلك اليوم وسورة المائدة مدنية بالإجماع وسورة الأنعام ~~مكية بالإجماع فعلم أن تحليل الطيبات كان بالمدينة لا بمكة وقوله تعالى ~~@QB@ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات @QE@ @QB@ وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم @QE@ إلى آخرها فثبت PageV02P015 نكاح ~~الكتابيات وقبل ذلك كان إما عفوا على الصحيح وإما محرما ثم نسخ يدل عليه أن ~~آية المائدة لم ينسخها شيء # الوجه الثاني أنه قد ثبت حل طعام أهل الكتاب بالكتاب والسنة والإجماع ~~والكلام في نسائهم كالكلام في ذبائحهم فإذا ثبت حل أحدهما ثبت حل الآخر وحل ~~أطعمتهم ليس له معارض أصلا ويدل على ذلك أن حذيفة بن اليمان تزوج يهوديه ~~ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على أنهم كانوا مجتمعين على جواز ذلك # فإن قيل قوله تعالى @QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم @QE@ محمول على ~~الفواكه والحبوب قيل هذا خطأ لوجوه # أحدها أن هذه مباحة من أهل الكتاب والمشركين والمجوس فليس في تخصيصها ~~بأهل الكتاب فائدة # الثاني أن إضافة الطعام إليهم يقتضي أنه صار طعاما بفعلهم وهذا إنما ~~يستحق في الذبائح التي صارت لحما بذكاتهم فأما الفواكه فإن الله خلقها ~~مطعومة لم تصر طعاما بفعل آدمي # الثالث أنه قرن حل الطعام بحل النساء وأباح طعامنا لهم كما أباح طعامهم ~~لنا ومعلوم أن حكم النساء مختص بأهل الكتاب دون المشركين وكذلك حكم الطعام ~~والفاكهة والحب لا يختص بأهل الكتاب # الرابع أن لفظ الطعام عام وتناوله اللحم ونحوه أقوى من تناوله للفاكهة ~~فيجب إقرار اللفظ على عمومه لا سيما وقد قرن به قوله تعالى @QB@ وطعامكم حل ~~لهم @QE@ ونحن يجوز لنا أن نطعمهم كل أنواع طعامنا ms042 فكذلك يحل لنا أن نأكل ~~أنواع طعامهم # وأيضا فقد ثبت في الصحاح بل بالنقل المستفيض أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أهدت له اليهودية عام خيبر شاة مشوية فأكل منها لقمة ثم قال # إن هذه تخبرني أن فيها سما ولولا أن ذبائحهم حلال لما تناول من تلك الشاة ~~وثبت في الصحيح أنهم لما غزوا خيبر أخذ بعض الصحابة جرابا فيه شحم قال قلت ~~لا أطعم اليوم من هذا أحدا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ~~ولم ينكر عليه وهذا مما استدل به العلماء على جواز أكل جيش المسلمين من ~~طعام أهل الحرب قبل القسمة # وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة يهودي إلى خبز شعير ~~وإهالة سنخة رواه الإمام أحمد والإهالة في الودك الذي يكون من الذبيحة ومن ~~السمن ونحوه الذي يكون في أوعيتهم التي يطبخون فيها في العادة ولو كانت ~~ذبائحهم محرمة لكانت أوانيهم كأواني المجوس ونحوهم PageV02P016 وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأكل في أوعيتهم حتى رخص أن يغسل # وأيضا فقد استفاض أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتحوا الشام ~~والعراق ومصر كانوا يأكلون من ذبائح أهل الكتاب اليهود والنصارى وإنما ~~امتنعوا من ذبائح المجوس ووقع في جبن المجوس من النزاع ما هو معروف بين ~~المسلمين لأن الجبن يحتاج إلى الأنفحة وفي أنفحة الميتة نزاع معروف بين ~~العلماء فأبو حنيفة يقول بطهارتها ومالك والشافعي يقولان بنجاستها وعن أحمد ~~روايتان # فصل المأخذ الثاني الإنكار على من يأكل ذبائح أهل الكتاب هو كون هؤلاء ~~الموجودين لا يعلم أنهم من ذرية من دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل وهو ~~المأخذ الذي دل عليه كلام السائل وهو المأخذ الذي تنازع فيه علماء المسلمين ~~أهل السنة والجماعة وهذا مبني على أصل وهو أن قوله تعالى @QB@ وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ هل المراد به من هو ms043 بعد نزول القرآن ~~متدين بدين أهل الكتاب أو المراد به من كان آباؤه قد دخلوا في دين أهل ~~الكتاب قبل النسخ والتبديل على قولين للعلماء # فالقول الأول هو قول جمهور المسلمين من السلف والخلاف وهو مذهب أبي حنيفة ~~ومالك وأحد القولين في مذهب أحمد بل هو المنصوص عنه صريحا # والثاني قول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد # وأصل هذا القول أن عليا وابن عباس تنازعا في ذبائح بني تغلب فقال علي لا ~~تباح ذبائحهم ولا نساؤهم فإنهم لم يتمسكوا من النصرانية إلا بشرب الخمر ~~وروي عنه تغزوهم لأنهم لم يقوموا بالشروط التي شرطها عليهم عثمان فإنه شرط ~~عليهم أن لا وغير ذلك من الشروط وقال ابن عباس بل تباح لقوله تعالى @QB@ ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ وعامة المسلمين من الصحابة وغيرهم لم ~~يحرموا ذبائحهم ولا يعرف ذلك إلا عن علي وحده وقد روي معنى قول ابن عباس عن ~~عمر بن الخطاب # فمن العلماء من رجح قول عمر وابن عباس وهو قول الجمهور كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه وصححها طائفة من أصحابه بل هي آخر قوليه بل ~~عامة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم على هذا القول وقال أبو بكر ~~الأثرم ما علمت أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كرهه إلا عليا وهذا ~~قول جماهير فقهاء الحجاز والعراق وفقهاء الحديث والرأي كالحسن وإبراهيم ~~النخعي والزهري وغيرهم وهو الذي نقله عن أحمد أكثر PageV02P017 أصحابه وقال ~~إبراهيم بن الحارث كان آخر قولي أحمد على أنه لا يرى بذبائحهم بأسا # ومن العلماء من رجح قول علي وهو قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه ~~وأحمد إنما اختلف اجتهاده في بني تغلب وهم الذين تنازع فيهم الصحابة فأما ~~سائر اليهود والنصارى من العرب مثل تنوخ وبهراء وغيرهما من اليهود فلا أعرف ~~عن أحمد في حل ذبائحهم نزاعا ولا عن الصحابة ولا عن التابعين وغيرهم من ~~السلف وإنما كان النزاع بينهم في بني تغلب خاصة ولكن من أصحاب أحمد من جعل ~~فيهم روايتين ms044 كبني تغلب والحل مذهب الجمهور كأبي حنيفة ومالك وما أعلم ~~للقول الآخر قدوة من السلف # ثم هؤلاء المذكورون من أصحاب أحمد قالوا بأنه من كان أحد أبويه غير كتابي ~~بل مجوسيا لم تحل ذبيحته ومناكحته نسائه وهذا مذهب الشافعي فيما إذا كان ~~الأب مجوسيا وأما الأم فله فيها قولان فإن كان الأبوان مجوسيين حرمت ذبيحته ~~عند الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد وحكي ذلك عن مالك وغالب ظني أن هذا ~~غلط على مالك فإني لم أجده في كتب أصحابه وهذا تفريع على الرواية المخرجة ~~عن أحمد في سائر اليهود والنصارى من العرب # وهذا مبني على إحدى الروايتين عنه في نصارى بني تغلب وهي الرواية التي ~~اختارها هؤلاء فأما إذا جعل الروايتين في بني تغلب دون غيرهم من العرب أو ~~قيل أن النزاع عام وفرعنا على القول بحل ذبائح بني تغلب ونسائهم كما هو قول ~~الأكثرين فإنه على هذه الرواية لا عبرة بالنسب بل لو كان الأبوان جميعا ~~مجوسيين أو وثنيين والولد من أهل الكتاب فحكمه حكم أهل الكتاب على هذا ~~القول بلا ريب كما صرح بذلك الفقهاء من أصحاب أحمد وأبي حنيفة وغيرهم # ومن ظن من أصحاب أحمد وغيرهم أن تحريم نكاح من أبواه مجوسيان أو أحدهما ~~مجوسي قول واحد في مذهبه فهو مخطىء خطأ لا ريب فيه لأنه لم يعرف أصل النزاع ~~في هذه المسألة ولهذا كان من هؤلاء من يتناقض فيجوز أن يقر بالجزية من دخل ~~في دينهم بعد النسخ والتبديل ويقول مع هذا بتحريم نكاح نصراني العرب مطلقا ~~ومن كان أحد أبويه غير كتابي كما فعل ذلك طائفة من أصحاب أحمد وهذا تناقض # والقاضي أبو يعلى وإن كان قد قال هذا القول هو وطائفة من أتباعه فقد رجع ~~عن هذا القول في الجامع الكبير وهو آخر كتبه فذكر فيمن انتقل إلى دين أهل ~~الكتاب من عبدة الأوثان كالروم وقبائل من العرب وهم تنوخ وبهراء ومن بني ~~تغلب هل تجوز مناكحتهم وأكل ذبائحهم وذكر أن المنصوص عن أحمد ms045 أنه لا بأس ~~بنكاح نصارى بني تغلب وأن الرواية الأخرى مخرجة على الروايتين عنه في ~~ذبائحهم واختار أن المنتقل إلى دينهم حكمه حكمهم PageV02P018 سواء كان ~~انتقاله بعد مجيء شريعتنا أو قبلها وسواء انتقل إلى دين المبدلين أو دين لم ~~يبدل ويجوز مناكحته وأكل ذبيحته # وإذا كان هذا فيمن أبواه مشركان من العرب والروم فمن كان أحد أبويه مشركا ~~فهو أولى بذلك هذا هو المنصوص عن أحمد فإن قد نص على أنه من دخل في دينهم ~~بعد النسخ والتبديل كمن دخل في دينهم في هذا الزمان فإنه يقر بالجزية قال ~~أصحابه وإذا أقررناه بالجزية حلت ذبائحهم ونساؤهم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ~~وغيرهما # وأصل النزاع في هذه المسألة ما ذكرته من نزاع علي وغيره من الصحابة في ~~بني تغلب والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه والجمهور أحلوها وهي ~~الرواية الأخرى عن أحمد # ثم الذين كرهوا ذبائح بني تغلب تنازعوا في مأخذ علي فظن بعضهم أن عليا ~~إنما حرم ذبائحهم ونساءهم لكونه لم يعلم أن آباءهم دخلوا في دين أهل الكتاب ~~قبل النسخ والتبديل وبنوا على هذا أن الاعتبار في أهل الكتاب بالنسب لا ~~بنفس الرجل وأن من شككنا في أجداده هل كانوا من أهل الكتاب أم لا أخذنا ~~بالاحتياط فحقنا دمه بالجزية احتياطا وحرمنا ذبيحته ونساءه احتياطا وهذا ~~مأخذ الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد # وقال آخرون بل علي لم يكره ذبائح بني تغلب إلا لكونهم ما تدينوا بدين أهل ~~الكتاب في واجباته ومحظوراته بل أخذوا منه حل المحرمات فقط ولهذا قال إنهم ~~لم يتمسكوا من دين أهل الكتاب إلا بشرب الخمر وهذا المأخذ من قول علي هو ~~المنصوص عن أحمد وغيره وهو الصواب # وبالجملة فالقول بأن أهل الكتاب المذكورين في القرآن هم من كان دخل جده ~~في ذلك قبل النسخ والتبديل قول ضعيف والقول بأن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أراد ذلك قول ضعيف بل الصواب المقطوع به أن كون الرجل كتابيا أو غير ~~كتابي هو حكم مستقل ms046 بنفسه لا بنسبه وكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم ~~سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم أو لم يدخل وسواء كان دخوله قبل النسخ ~~والتبديل أو بعد ذلك وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك وهو المنصوص ~~الصريح عن أحمد وإن كان بين أصحابه في ذلك نزاع معروف وهذا القول هو الثابت ~~عن الصحابة رضي الله عنهم ولا أعلم بين الصحابة في ذلك نزاعا # وقد ذكر الطحاوي أن هذا إجماع قديم واحتج بذلك في هذه المسألة على من لا ~~يقر الرجل في دينهم بعد النسخ والتبديل كمن هو في زماننا إذا انتقل إلى دين ~~أهل الكتاب فإنه تؤكل ذبيحته وتنكح نساؤه وهذا يبين خطأ من يناقض منهم ~~PageV02P019 # وأصحاب هذا القول الذي هو قول الجمهور يقولون من دخل هو أو أبواه أو جده ~~في دينهم بعد النسخ والتبديل أقر بالجزية سواء دخل في زماننا هذا أو قبله ~~وأصحاب القول الآخر يقولون متى علمنا أنه لم يدخل إلا بعد النسخ والتبديل ~~لم تقبل منه الجزية كما يقوله بعض أصحاب أحمد مع أصحاب الشافعي والصواب قول ~~الجمهور والدليل عليه من وجوه # أحدها أنه قد ثبت أنه كان من أولاد الأنصار جماعة تهودوا قبل مبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقليل كما قال ابن عباس أن المرأة كانت مقلاتا والمقلات ~~التي لا يعيش لها ولد كثيرة القلت والقلت الموت والهلاك كما ياقل امرأة ~~مذكار ميناث إذا كانت كثيرة الولادة للذكور والإناث والسما الكثيرة الموت ~~قال ابن عباس فكانت المرأة تنذر إن عاش لها ولدان تجعل أحدهما يهوديا لكون ~~اليهود كانوا أهل علم وكتاب والعرب كانوا أهل شرك وأوثان فلما بعث الله ~~محمدا كان جماعة من أولاد الأنصار تهودوا فطلب آباؤهم أن يكرهوهم على ~~الإسلام فأنزل الله تعالى @QB@ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ~~@QE@ الآية # فقد ثبت أن هؤلاء كان آباؤهم موجودين تهودوا ومعلوم أن هذا دخول بأنفسهم ~~في اليهودية قبل الإسلام وبعد مبعث المسيح صلوات الله عليه وهذا ms047 بعد النسخ ~~والتبديل ومع هذا نهى الله عز وجل عن إكراه هؤلاء الذين تهودوا بعد النسخ ~~والتبديل على الإسلام وأقرهم بالجزية وهذا صريح في جواز عقد الذمة لمن دخل ~~بنفسه في دين أهل الكتاب بعد النسخ والتبديل فعلم أن هذا القول هو الصواب ~~دون الآخر # ومتى ثبت أنه يعقد له الذمة ثبت أن العبرة بنفسه لا بنسبه وأنه تباح ~~ذبيحته وطعامه باتفاق المسلمين فإن المانع لذلك لم يمنعه إلا بناء على أن ~~هذا الصنف ليسوا من أهل الكتاب فلا يدخلون فإذا ثبت بنص السنة أنهم من أهل ~~الكتاب دخلوا في الخطاب بلا نزاع # الوجه الثاني أن جماعة من اليهود الذين كانوا بالمدينة وحولها كانوا عربا ~~ودخلوا في دين اليهود ومع هذا فلم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم في أكل ~~طعامهم وحل نسائهم وإقرارهم بالذمة بين من دخل أبواه بعد مبعث عيسى عليه ~~السلام ومن دخل قبل ذلك ولا بين المشكوك في نفسه بل حكم في الجميع حكما ~~واحدا عاما فعلم أن التفريق بين طائفة وطائفة وجعل طائفة لا تقر بالجزية ~~وطائفة تقر ولا تؤكل ذبائحهم وطائفة يقرون وتؤكل ذبائحهم تفريق ليس له أصل ~~في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه # وقد علم من النقل الصحيح المستفيض أن أهل المدينة كان فيهم يهود كثير من ~~العرب وغيرهم من بني كنانة وحمير وغيرهما من العرب ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن PageV02P020 # إنك تأتي قوما أهل كتاب وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا وعدله مغافر ولم ~~يفرق بين من دخل أبوه قبل النسخ أو بعده وكذلك وفد نجران وغيرهم من النصارى ~~الذين كان فيهم عرب كثيرون أقرهم بالجزية وكذلك سائر اليهود والنصارى من ~~قبائل العرب لم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ~~وأصحابه بين بعضهم وبعض بل قبلوا منهم الجزية وأباحوا ذبائحهم ونساءهم ~~وكذلك نصارى الروم وغيرهم لم يفرقوا بين صنف وصنف ومن تدبر السيرة النبوية ~~علم ms048 كل هذا بالضرورة وعلم أن التفريق قول محدث لا أصل له في الشريعة # الوجه الثالث أن كون الرجل مسلما أو يهوديا أو نصرانيا ونحو ذلك من أسماء ~~الدين هو حكم يتعلق بنفسه لا باعتقاده وإرادته وقوله وعمله لا يلحقه هذا ~~الاسم بمجرد اتصاف آبائه بذلك لكن الصغير حكمه في أحكام الدنيا حكم أبويه ~~لكونه لا يستقل بنفسه فإذا بلغ وتكلم بالإسلام أو بالكفر كان حكمه معتبرا ~~بنفسه باتفاق المسلمين فلو كان أبواه يهودا أو نصارى فأسلم كان من المسلمين ~~باتفاق المسلمين ولو كانوا مسلمين فكفر كان كافرا باتفاق المسلمين فقد كفر ~~بردة لم يقر عليه لكونه مرتدا لأجل آبائه وكل حكم علق بأسماء الدين من ~~إسلام وإيمان وكفر ونفاق وردة وتهود وتنصر إنما يثبت لمن اتصف بالصفات ~~الموجبة لذلك وكون الرجل من المشركين أو أهل الكتاب هو من هذا الباب فمن ~~كان بنفسه مشركا فحكمه حكم أهل الشرك وإن كان أبواه غير مشركين ومن كان ~~أبواه مشركين وهو مسلم فحكمه حكم المسلمين لا حكم المشركين فكذلك إذا كان ~~يهوديا أو نصرانيا وآباؤه مشركين فحكمه حكم اليهود والنصارى أما إذا تعلق ~~عليه حكم المشركين مع كونه من اليهود والنصارى لأجل كونه آبائه قبل النسخ ~~والتبديل كانوا مشركين فهذا خلاف الأصول # الوجه الرابع أن يقال قوله تعالى @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين @QE@ وقوله @QB@ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا @QE@ وأمثال ذلك إنما هو خطاب لهؤلاء الموجودين وإخبار ~~عنهم المراد بالكتاب هو الكتاب الذي بأيديهم الذي جرى عليه من النسخ ~~والتبديل ما جرى ليس المراد به من كان متمسكا به قبل النسخ والتبديل فإن ~~أولئك لم يكونوا كفارا ولا هم ممن خوطبوا بشرائع القرآن ولا قيل لهم في ~~القرآن يا أهل الكتاب فإنهم قد ماتوا قبل نزول القرآن وإذا كان كذلك فكل من ~~تدين بهذا الكتاب الموجود عند أهل الكتاب فهو من أهل الكتاب وهم كفار ~~تمسكوا بكتاب مبدل منسوخ وهم مخلدون في نار جهنم كما ms049 يخلد سائر أنواع ~~الكفار والله تعالى مع ذلك سوغ إقرارهم بالجزية وأحل طعامهم ونساءهم # الوجه الخامس أن يقال هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب بالقرآن هم كفار ~~وإن كان أجدادهم كانوا مؤمنين وليس عذابهم في الآخرة بأخف من عذاب من كان ~~أبوه من غير PageV02P021 أهل الكتاب بل وجود النسب الفاضل هو إلى تغليظ ~~كفرهم أقرب منه إلى تخفيف كفرهم فمن كان أبوه مسلما وارتد كان كفره أغلظ من ~~كفر من أسلم هو ثم ارتد ولهذا تنازع الناس فيمن ولد على الفطرة إذا ارتد ثم ~~عاد إلى الإسلام هل تقبل توبته على قولين هما روايتان عن أحمد وإذا كان ~~كذلك فمن كان أبوه من أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل ثم إنه لما بعث الله ~~عيسى ومحمدا صلى الله عليهما كفر بهما وبما جاءا به من عند الله واتبع ~~الكتاب المبدل المنسوخ كان كفره من أغلظ الكفر ولم يكن كفره أخف من كفر من ~~دخل بنفسه في هذا الدين المبدل ولا له بمجرد نسبه حرمة عند الله ولا عند ~~رسوله ولا ينفعه دين آبائه إذا كان هو مخالفا لهم فإن آباءه كانوا إذ ذاك ~~مسلمين فإن دين الله هو الإسلام في كل وقت فكل من آمن بكتب الله ورسله في ~~كل زمان فهو مسلم ومن كفر بشيء من كتب الله فليس مسلما في أي زمان كان # وإذا لم يكن لأولاد بني إسرائيل إذا كفروا مزية على أمثالهم من الكفار ~~الذين ماثلوهم في اتباع الدين المبدل المنسوخ علم بذلك بطلان الفرق بين ~~الطائفتين وإكرام هؤلاء بإقرارهم بالجزية وحل ذبائحهم ونسائهم دون هؤلاء ~~وأنه فرق مخالف لأصول الإسلام وأنه لو كان الفرق بالعكس كان أولى ولهذا ~~يوبخ الله بني إسرائيل على تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ما لا يوبخه ~~غيرهم من أهل الكتاب لأنه تعالى أنعم على أجدادهم نعما عظيمة في الدين ~~والدنيا فكفروا نعمته وكذبوا رسله وبدلوا كتابه وغيروا دينه فضربت عليهم ~~الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ms050 وباؤوا بغضب من الله ~~وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ~~بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون # فهم مع شرف آبائهم وحق دين أجدادهم من أسوأ الكفار عند الله وهو أشد غضبا ~~عليهم من غيرهم لأن في كفرهم من الاستكبار والحسد والمعاندة والقسوة وكتمان ~~العلم وتحريف الكتاب وتبديل النص وغير ذلك ما ليس في كفر هؤلاء فكيف يجعل ~~لهؤلاء الأرجاس الأنجاس الذين هم من أبغض الخلق إلى الله مزية على سائر ~~إخوانهم الكفار مع أن كفرهم إما مماثل لكفر إخوانهم الكفار وإما أغلظ منه ~~إذ لا يمكن أحدا أن يقول إن كفر الداخلين أغلظ من كفر هؤلاء مع تماثلهما في ~~الدين بهذا الكتاب الموجود # الوجه السادس أن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حكم من أحكام ~~الجاهلية الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل فإن الله تعالى ~~قال @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ وقال النبي صلى الله عليه وسلم # لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على PageV02P022 ~~أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب ولهذا ليس ~~في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحدا بنسبه ولا يذم أحدا بنسبه وإنما ~~يمدح الإيمان والتقوى ويذم الكفر والفسوق والعصيان # وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال # أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يدعوهن الفخر بالأحساب والطعن في ~~الأنساب والنياحة والاستسقاء بالنجوم فجعل الفخر بالأحساب من أمول الجاهلية ~~فإذا كان المسلم لا فخر له على المسلم بكون أجداده لهم حسب شريف فكيف يكون ~~لكافر من أهل الكتاب فخر على كافر من أهل الكتاب بكون أجداده كانوا مؤمنين ~~وإذا لم تكن مع التماثل في الدين فضيلة لأجل النسب علم أنه لأفضل لمن كان ~~من اليهود والنصارى آباؤه مؤمنين متمسكين بالكتاب الأول قبل النسخ والتبديل ~~على من كان أبوه داخلا فيه ms051 بعد النسخ والتبديل وإذا تماثل دينهما تماثل ~~حكمهما في الدين والشريعة إنما علقت بالنسب أحكاما مثل كون الخلافة من قريش ~~وكون ذوي القربى لهم الخمس وتحريم الصدقة على آل محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونحو ذلك لأن النسب الفاضل مظنة أن يكون أهله أفضل من غيرهم كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام ~~إذا فقهوا والمظنة تعلق الحكم بما إذا خفيت الحقيقة أو انتشرت فأما إذا ظهر ~~دين الرجل الذي به تتعلق الأحكام وعرف نوع دينه وقدره لم يتعلق بنسبه ~~الأحكام الدينية ولهذا لم يكن لأبي لهب مزية على غيره لما عرف كفره كان أحق ~~بالذم من غيره ولهذا جعل لمن يأتي بفاحشة من أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ضعفين من العذاب كما جعل لمن يقنت منهن لله ورسوله أجرين من الثواب # فذووا الأنساب الفاضلة إذا أساؤوا كان إساءتهم أغلظ من إساءة غيرهم ~~وعقوبتهم أشد عقوبة من غيرهم فكفر من كفر من بني إسرائيل إن لم يكن أشد من ~~كفر غيرهم وعقوبتهم أشد عقوبة من غيرهم فلا أقل من المساواة بينهم ولهذا لم ~~يقل أحد من العلماء أن من كفر وفسق من قريش والعرب تخفف عنه العقوبة في ~~الدنيا أو في الآخرة بل إما أن تكون عقوبتهم أشد عقوبة من غيرهم في أشهر ~~القولين أو تكون عقوبتهم أغلظ في القول الآخر لأن من أكرمه بنعمته ورفع ~~قدره إذا قابل حقوقه بالمعاصي وقابل نعمه بالكفر كان أحق بالعقوبة ممن لم ~~ينعم عليه كما أنعم عليه PageV02P023 # الوجه السابع أن يقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتحوا ~~الشام والعراق ومصر وخراسان وغيرهم كانوا يأكلون ذبائحهم لا يميزون بين ~~طائفة وطائفة ولم يعرف عن أحد من الصحابة الفرق بينهم بالأنساب وإنما ~~تنازعوا في بني تغلب خاصة لأمر يختص بهم كما أن عمر ضعف عليهم الزكاة وجعل ~~جزيتهم مخالفة لجزية غيرهم ولم يلحق بهم سائر العرب وإنما ألحق بهم من ms052 كان ~~بمنزلتهم # الوجه الثامن أن يقال هذا القول مستلزم أن لا يحل لنا طعام جمهور من أهل ~~الكتاب لأنا لا نعرف نسب كثير منهم ولا نعلم قبل أيام الإسلام أن أجداده ~~كانوا يهودا أو نصارى قبل النسخ والتبديل ومن المعلوم أن حل ذبائحهم ~~ونسائهم ثبت بالكتاب والسنة والإجماع فإذا كان هذا القول مستلزما رفع ما ~~ثبت بالكتاب والسنة والإجماع علم أنه باطل # الوجه التاسع أن يقال ما زال المسلمون في كل عصر ومصر يأكلون ذبائحهم فمن ~~أنكر ذلك فقد خالف إجماع المسلمين وهذه الوجوه كلها لبيان رجحان القول ~~بالتحليل وأنه مقتضى الدليل فأما أن مثل هذه المسألة أو نحوها من مسائل ~~الاجتهاد يجوز لمن تمسك فيها بأحد القولين أن ينكر على الآخر بغير حجة ~~ودليل فهذا خلاف إجماع المسلمين فقد تنازع المسلمون في جبن المجوس ~~والمشركين وليس لمن رجح أحد القولين أن ينكر على صاحب القول الآخر إلابحجة ~~شرعية # وكذلك تنازعوا في متروك التسمية وفي ذبائح أهل الكتاب إذا سموا عليها غير ~~الله وفي شحم الثرب والكليتين وذبحهم لذوات الظفر كالإبل والبط ونحو ذلك ~~مما حرمه الله عليهم وتنازعوا في ذبح الكتابي للضحايا ونحو ذلك من المسائل ~~وقد قال بكل قول طائفة من أهل العلم المشهورين فمن صار إلى قول مقلد لقائله ~~لم يكن له أن ينكر على من صار إلى القول الآخر مقلدا لقائله لكن إن كان مع ~~أحدهما حجة شرعية وجب الانقياد للحجج الشرعية إذا ظهرت # ولا يجوز لأحد أن يرجح قولا على قول بغير دليل ولا يتعصب لقول على قول ~~ولا لقائل على قائل بغير حجة بل من كان مقلدا لزم حل التقليد فلم يرجح ولم ~~يزيف ولم يصوب ولم يخطىء ومن كان عنده من العلم والبيان ما يقوله سمع ذلك ~~منه فقبل ما تبين أنه حق ورد ما تبين أنه باطل ووقف ما لم يتبين فيه أحد ~~الأمرين والله تعالى قد فاوت بين الناس في قوى الأذهان كما فاوت بينهم في ~~قوى الأبدان # وهذه المسألة ونحوها ms053 فيها من أغوار الفقه وحقائقه ما لا يعرفه إلا من عرف ~~أقاويل العلماء ومآخذهم فأما من لم يعرف إلا قول عالم واحد وحجته دون قول ~~العالم الآخر وحجته فإنه من العوام المقلدين لا من العلماء الذين يرجحون ~~ويزيفون والله تعالى يهدينا وإخواننا لما PageV02P024 يحبه ويرضاه وبالله ~~التوفيق والله أعلم $ فصل # قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ # فيه قراءتان مشهورتان النصب والخفض # فمن قرأ بالنصب فإنه معطوف على الوجه واليدين والمعنى فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم # ومن قرأ بالخفض فليس معناه وامسحوا أرجلكم كما يظنه بعض الناس لأوجه # أحدها أن الذين قرؤوا ذلك من السلف قالوا عاد الأمر إلى الغسل # الثاني أنه لو كان عطفا على الرؤوس لكان المأمور به مسح الأرجل لا المسح ~~بها والله إنما أمر في الوضوء والتيمم بالمسح بالعضو لا مسح العضو فقال ~~تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ وقال @QB@ فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ ولم يقرأ القراء المعروفون في آية التيمم وأيديكم ~~بالنصب كما قرؤوا في آية الوضوء فلو كان عطفا لكان الموضعان سواء وذلك أن ~~قوله @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ وقوله @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم @QE@ ~~يقضتي إلصاق الممسوح لأن الباء للإلصاق وهذا يقتضي إيصال الماء والصعيد إلى ~~أعضاء الطهارة وإذا قيل امسح رأسك ورجلك لم يقتض إيصال الماء إلى العضو ~~وهذا يبين أن لباء حرف جاء لمعنى لا زائدة كما يظنه بعض الناس وهذا خلاف ~~قوله # معاوى إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا فإن الباء هنا مؤكدة فلو ~~حذفت لم يختل المعنى والباء في آية الطهارة إذا حذفت اختل المعنى فلم يجز ~~أن يكون العطف على محل المجرور بها بل على لفظ المجرور بها أو على ما قبله # الثالث أنه لو كان عطفا على المحل لقرىء في آية التيمم @QB@ فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ فكان في الآية ما يبين فساد مذهب الشارح بأنه قد ~~دلت عليه @QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ PageV02P025 بالنصب لأن ~~اللفظين سواء فلما اتفقوا على الجر في آية التيمم مع إمكان العطف على ms054 المحل ~~لو كان صوابا علم أن العطف على اللفظ ولم يكن في آية التيمم منصوب معطوف ~~على اللفظ كما في آية الوضوء # الرابع أنه قال @QB@ وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ ولم يقل إلى الكعاب فلو ~~قدر أن العطف على المحل كالقول الآخر وأن التقدير أن في كل رجلين كعبين وفي ~~كل رجل كعب واحد لقيل إلى الكعاب كما قيل إلى المرافق لما كان في كل يد ~~مرفق وحينئذ فالكعبان هما العظمان الناتئان في جانبي الساق ليس هو معقد ~~الشراك مجمع الساق والقدم كما يقوله من يرى المسح على الرجلين فإذا كان ~~الله تبارك وتعالى إنما أمر بطهارة الرجلين إلى الكعبين الناتئين والماسح ~~يمسح إلى مجمع القدم والساق علم أنه مخالف القرآن # الوجه الخامس أن القراءتين كالآيتين والترتيب في الوضوء إما واجب وإما ~~مستحب مؤكد الاستحباب فإذا فصل ممسوح بين مغسولين وقطع النظير عن النظير دل ~~ذلك على الترتيب المشروع في الوضوء # الوجه السادس أن السنة تفسر القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وهي قد جاءت ~~بالغسل # الوجه السابع أن التيمم جعل بدلا عن الوضوء عند الحاجة فحذف شطر أعضاء ~~الوضوء وخف الشطر الثاني وذلك فإنه حذف ما كان ممسوحا ومسح ما كان مغسولا # وأما القراءة الأخرى وهي قراءة من قرأ وأرجلكم بالخفض فهي لا تخالف السنة ~~المتواترة إذ القراءتان كالآيتين والسنة الثابتة لا تخالف كتاب الله بل ~~توافقه وتصدقه ولكن تفسره وتبينه لمن قصر فهمه عن فهم القرآن فإن القرآن ~~فيه دلالات خفية تخفى على كثير من الناس وفيه مواضع ذكرت مجملة تفسرها ~~السنة وتبينها # والمسح اسم جنس يدل على إلصاق الممسوح به بالممسوح ولا يدل على لفظه ~~وجريانه لا بنفي ولا إثبات قال أبو زيد الأنصاري وغيره العرب تقول تمسحت ~~للصلاة فتسمي الوضوء كله مسحا ولكن من عادة العرب وغيرهم إذا كان الاسم ~~عاما تحته نوعان خصوا أحد نوعيه باسم خاص وأبقوا الاسم العام للنوع الآخر ~~كما في لفظة الدابة فإنه عام للإنسان وغيره من الدواب لكن للإنسان اسم يخصه ~~فصاروا يطلقونه ms055 على غيره # وكذلك لفظ الحيوان ولفظ ذوي الأرحام يتناول لكل ذي رحم لكن للوارث بفرض ~~أو تعصيب اسم يخصه # وكذلك لفظ المؤمن يتناول من آمن بالله وبملائكته وكتبه ورسله ومن آمن ~~بالجبت PageV02P026 والطاغوت فصار لهذا النوع اسم يخصه وهو الكافر وأبقي ~~اسم الإيمان مختصا بالأول وكذلك لفظ البشارة ونظائر ذلك كثيرة # ثم إنه مع القرينة تارة ومع الإطلاق أخرى يستعمل اللفظ العام في معنيين ~~كما إذا أوصى لذوي رحمه فإنه يتناول أقاربه من مثل الرجال والنساء فقوله ~~تعالى في آية الوضوء @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم @QE@ يقتضي إيجاب مسمى ~~المسح بينهما وكل واحد من المسح الخاص الخالي عن الإسالة والمسح الذي معه ~~إسالة يسمى مسحا فاقتضت الآية القدر المشترك في الموضعين ولم يكن في لفظ ~~الآية ما يمنع كون الرجل يكون المسح بها هو المسح الذي معه إسالة ودل على ~~ذلك قوله @QB@ إلى الكعبين @QE@ فأمر بمسحهما إلى الكعبين # وأيضا فإن المسح الخاص هو إسالة الماء مع الغسل فهما نوعان المسح العام ~~الذي هو إيصال الماء ومن لغتهم في مثل ذلك أن يكتفي بأحد اللفظين كقولهم ~~علفتها تبنا وماء باردا والماء سقي لا علف وقوله # % ورأيت زوجك في الوغى % متقلدا سيفا ورمحا % $ # والرمح لا يتقلد ومنه قوله تعالى @QB@ يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ~~وأباريق وكأس @QE@ إلى قوله @QB@ وحور عين @QE@ فكذلك اكتفى بذكر أحد ~~اللفظين وإن كان مراده الغسل ودل عليه قوله @QB@ إلى الكعبين @QE@ والقراءة ~~الأخرى مع السنة المتواترة # ومن يقول يمسحان بلا إسالة يمسحهما إلى الكعاب لا إلى الكعبين فهو مخالف ~~لكل واحدة من القراءتين كما أنه مخالف للسنة المتواترة وليس معه لا ظاهر ~~ولا باطن ولا سنة معروفة وإنما هو غلط في فهم القرآن وجهل بمعناه وبالسنة ~~المتواترة # وذكر المسح بالرجل مما يشعر بأن الرجل يمسح بها بخلاف الوجه واليد فإنه ~~لا يمسح بهما بحال ولهذا جاء في المسح على الخفين اللذين على الرجلين ما لم ~~يجىء مثله في الوجه واليد ولكن دلت السنة مع دلالة القرآن على المسح ~~بالرجلين # ومن مسح ms056 على الرجلين فهو مبتدع مخالف للسنة المتواترة وللقرآن ولا يجوز ~~لأحد أن يعمل بذلك مع إمكان الغسل والرجل إذا كانت ظاهرة وجب غسلها وإذا ~~كانت في الخف كان حكمها مما بينته السنة كما في آية الفرائض فإن السنة بينت ~~حال الوارث إذا كان عبدا أو كافرا أو قاتلا ونظائره متعددة والله سبحانه ~~أعلم PageV02P027 # | فصل # في مجادلة أهل الكتاب في أمر المسيح # قال شيخ الإسلام # قال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن ~~يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض ~~جميعا @QE@ وقال تعالى أيضا @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك ~~بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما ~~يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ~~والله غفور رحيم ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون قل ~~أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم ~~قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا ~~من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ~~ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ~~ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن ~~يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ms057 ~~فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ~~ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ~~فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما @QE@ PageV02P028 # وقال تعالى @QB@ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن ~~الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون @QE@ # وقال تعالى @QB@ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام ~~الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم ~~شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ~~@QE@ فقد قال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ~~@QE@ في موضعين # وقال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم @QE@ # وقال تعالى @QB@ وقالت النصارى المسيح ابن الله @QE@ # فذكر الله عنهم هذه الأقوال الثلاثة والنصارى قالت الأقوال الثلاثة لكن ~~من الناس من يظن أن هذا قول طائفة منهم وهذا قول طائفة منهم وهذا وهذا قول ~~طائفة منهم وقولهم ثالث ثلاثة قول النسطورية وقولهم أنه ابن الله قول ~~الملكانية ومنهم من يقول قوله أن الله هو المسيح بن مريم قول اليعقوبية ~~وقولهم والابن وروح القدس # وظن ابن جرير الطبري أن هذه الطوائف كانوا قبل اليعقوبية والنسطورية ~~والملكية كما ذكره طائفة من المفسرين كابن جرير الطبري والثعلبي وغيرهما ثم ~~تارة ms058 يحكون عن اليعقوبية أن عيسى هو الله وعن النسطورية أنه ابن الله وعن ~~المريوسية أنه ثالث ثلاثة وتارة يحكون عن النسطورية أنه ثالث ثلاثة وعن ~~الملكية أنه الله ويفسرون قولهم ثالث ثلاثة بالأب والابن وروح القدس ~~PageV02P029 # والصواب أن هذه الأقوال جميعها قول طوائف النصارى المشهورة الملكية ~~واليعقوبية والنسطورية فإن هذه الطوائف كلها تقول بالأقانيم الثلاثة الأب ~~والابن وروح القدس فتقول إن الله ثالث ثلاثة وتقول عن المسيح إنه الله ~~وتقول إنه ابن الله وهم متفقون على اتحاد اللاهوت والناسوت وأن المتحد هو ~~الكلمة وهم متفقون على عقيدة إيمانهم التي تتضمن ذلك وهو قولهم نؤمن بإله ~~واحد أب ضابط الكل خالق السماوات والأرض كل ما يرى وما لا يرى وبرب واحد ~~يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور نور من نور إله ~~حق من إله حق من إله حق مولود غير مخلوق # وأما قوله تعالى @QB@ ولا تقولوا ثلاثة @QE@ وقوله @QB@ لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله ثالث ثلاثة @QE@ # فقد فسروه بالتثليث المشهور عنهم المذكور في امانتهم ومن الناس من يقول ~~إن الله هو المسيح بن مريم قول اليعقوبية وقولهم ثالث ثلاثة هو قول النصارى ~~الذين يقولون بالأب والابن وهم قد جعلوا الله فيها ثالث ثلاثة وسموا كل ~~واحد من الثلاثة بالإله والرب وقد فسره طائفة بجعلهم عيسى وأمه إلهين ~~يعبدان من دون الله # قال السدي في قوله تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~@QE@ قال قالت النصارى إن الله هو المسيح وأمه فذلك قوله @QB@ أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله @QE@ # وقد قيل قول ثالث أغرب من ذلك عن أبي صخر قال لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله ثالث ثلاثة # قال هو قول اليهود عزير ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله فجعلوا ~~الله ثالث ثلاثة وهذا ضعيف وقد ذكر سعيد بن البطريق في أخبار النصارى أن ~~منهم طائفة يقال لهم المرسية يقولون إن مريم إله وإن عيسى إله فقد يقال إن ~~هذا قول ms059 هؤلاء كما أن القول بأن عزيرا ابن الله قول طائفة من اليهود # وأما الأول فمتوجه فإن النصارى المتفقين على الأمانة كلهم يقولون إن الله ~~ثالث ثلاثة والله تعالى قد نهاهم عن أن يقولوا ذلك فقال تعالى @QB@ يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ~~ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم @QE@ PageV02P030 # فذكر سبحانه في هذه الآية التثليث والاتحاد ونهاهم عنهما وبين أن المسيح ~~إنما هو رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وقال @QB@ فآمنوا بالله ~~ورسله @QE@ ثم قال @QB@ ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم @QE@ ولم يذكر ~~هنا أمه وقوله تعالى @QB@ وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه @QE@ قال معمر ~~عن قتادة وكلمته ألقاها إلى مريم وهو قوله كن فكان وكذلك قال قتادة ليس ~~الكلمة صار عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل في ~~مصنفه الذي صنفه في كتبه في الرد على الجهمية وذكره عنه الخلال والقاضي أبو ~~يعلى قال أحمد ثم إن الجهم ادعى أمرا آخر فقال إنا وجدنا في كتاب الله آية ~~تدل على أن القرآن مخلوق قلنا أي آية # قال قول الله @QB@ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها ~~إلى مريم @QE@ # فقلنا إن الله منعكم الفهم في القرآن عيسى عليه السلام تجري عليه ألفاظ ~~لا تجري على القرآن لأن عيسى يجري عليه نسمة ومولود وطفل وصبي وغلام يأكل ~~ويشرب وهو يخاطب بالأمر والنهي يجري عليه الوعد والوعيد هو من ذرية نوح ومن ~~ذرية إبراهيم ولا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى هل سمعتم الله ~~يقول في القرآن ما قول عيسى ولكن المعنى في قوله جل ثناؤه @QB@ إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه @QE@ فالكلمة ~~التي ألقاها إلى مريم حين قال له كن فكان عيسى بكن وليس عيسى هو الكن ولكن ~~بالكن كان ms060 عيسى فالكن من الله قوله وليس الكن مخلوقا وكذبت النصارى ~~والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا عيسى روح الله وكلمته ~~لأن الكلمة مخلوقة # قالت النصارى روح الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال هذه ~~الخرقة من هذا الثوب وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة # قال أحمد وأما قوله جل ثناءه @QB@ وروح منه @QE@ يقول من أمره كان الروح ~~فيه كقوله @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ يقول ~~من أمره وتفسير روح الله إنما معناها أنها روح بكلمة الله خلقها الله كما ~~يقول عبد الله وسماء الله وفي نسخة روح يملكها الله خلقها الله # وقال الشعبي في قوله تعالى @QB@ وكلمته ألقاها إلى مريم @QE@ الكلمة حين ~~قال له كن PageV02P031 فكان عيسى ب كن وليس عيسى هو الكن ولكن بالكن كان ~~وقال الليث عن مجاهد وروح منه قال رسول منه يريد مجاهد قوله @QB@ فأرسلنا ~~إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ~~قال إنما أنا رسول ربك @QE@ # والمعنى أن عيسى خلق من هذه الروح وهو جبريل روح القدس سمي روحا كما سمي ~~كلمة لأنه خلق بالكلمة والنصارى يقولون في أمانتهم تجسد من مريم ومن روح ~~القدس لأنه جاء كذلك في الكتب المتقدمة لكن ظنوا أن روح القدس هو صفة لله ~~وجعلوها حياته وقدرته وهو رب وهذا غلط منهم فإنه لم يسم أحد من الأنبياء ~~حياة الله ولا قدرته ولا شيئا من صفاته روح القدس بل روح القدس في غير موضع ~~من كلام الأنبياء عليهم السلام يراد بها ما ينزله الله على قلوب الأنبياء ~~كالوحي والهدى والتأييد ويراد بها الملك وهكذا في تفسير ابن السائب عن أبي ~~صالح عن ابن عباس أن عيسى بن مريم استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا ~~قد جاء الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه فلما سمع عيسى ~~ذلك قال اللهم أنت ربي وأنا من روحك ms061 خرجت وبكلمتك خلقتني ولم أتهم من تلقاء ~~نفسي وذكر تمام الحديث # وقد قال تعالى @QB@ والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها ~~وابنها آية للعالمين @QE@ # وقال تعالى @QB@ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ~~@QE@ # فهذا يوافق قوله تعالى @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ~~قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك @QE@ وهذا ~~مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أنهم سواء صدقوا محمدا أو كذبوه فإنه يلزم بطلان دينهم على ~~التقديرين فإنه إن كان نبيا صادقا فقد بلغ عن الله في هذا الكتاب كفر ~~النصارى في غير موضع ودعاهم إلى الإيمان به وأمر بجهادهم فمن علم أنه نبي ~~ولو إلى طائفة معينة فيجب تصديقه في كل ما أخبر به وقد أخبر بكفر النصارى ~~وضلالهم فإذا ثبت هذا لم يغن PageV02P032 عنهم الاحتجاج بشيء من الكتب ولا ~~الاحتجاج بشيء من المعقول بل يعلم من حيث الجملة أن كل ما يحتجون به على ~~صحة دينهم فهو باطل وإن لم يبين فساد حججهم على التفصيل لأن الأنبياء لا ~~يقولون إلا حقا كما أن المسيح عليه السلام لما حكم بكفر من كذبه من اليهود ~~كان كل ما يحتج به اليهود على خلاف ذلك باطلا فكل ما عارض قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم المعصوم فهو باطل وإن كذبوا محمدا تكذيبا عاما مطلقا وقالوا ~~ليس هو نبي أصلا ولا أرسل إلى أحد لا إلى العرب ولا إلى غيرهم بل كان من ~~الكذابين امتنع مع هذا أن يصدقوا بنبوة غيره فإن الطريق الذي يعلم به بنوة ~~موسى وعيسى يعلم به نبوة محمد بطريق الأولى فإذا قالوا علمت نبوة موسى ~~والمسيح بالمعجزات وعرفت المعجزات بالنقل المتواتر إلينا قيل لهم معجزات ~~محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وتواترها أبلغ والكتاب الذي جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم أكمل وأمته أفضل وشرائع دينه أحسن وموسى جاء بالعدل وعيسى ~~جاء بتكميلها بالفضل وهو صلى الله عليه وسلم قد جمع في شريعته ms062 بين العدل ~~والفضل فإن ساغ لقائل أن يقول هو مع هذا كاذب مفتر كان على هذا التقدير ~~الباطل غيره أولى أن يقال فيه ذلك فيبطل بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم ~~جميع ما معهم من النبوات إذ حكم أحد الشيئين حكم مثله فكيف بما هو أولى منه ~~فلو قال قائل إن هارون ويوشع وداود وسليمان كانوا أنبياء وموسى لم يكن نبيا ~~أو أن داود وسليمان ويوشع ويحيى كانوا أنبياء والمسيح لم يكن نبيا أو قال ~~ما يقوله السامرة إن يوشع كان نبيا ومن بعده كداود وسليمان والمسيح لم ~~يكونوا أنبياء أو قال ما يقوله اليهود إن داود وسليمان وشيعا وحبقوق ومليخا ~~وعاموص ودانيال كانوا أنبياء والمسيح بن مريم لم يكن نبيا كان هذا قولا ~~متناقضا معلوم البطلان فإن الذين نفى هؤلاء عنهم النبوة احق بالنبوة وأكمل ~~نبوة ممن أثبتوها له ودلائل نبوة الأكمل أفضل فكيف يجوز إثبات النبوة للنبي ~~المفضول دون الفاضل وصار هذا كما لو قال قائل إن زفر وابن القاسم والمزني ~~والأثرم كانوا فقهاء وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد لم يكونوا فقهاء أو ~~قال إن الأخفش وابن الأنباري والمبرد كانوا نحاة والخليل وسيبويه والفراء ~~لم يكونوا نحاة أو قال إن صاحب الملكي والمسيحي ونحوهما من كتب الطب كانوا ~~أطباء وبقراط وجالينوس ونحوهما لم يكونوا أطباء أو قال إن كوشيار والخرقي ~~ونحوهما كانوا يعرفون علم الهيئة وبطليموس ونحوه لم يكن له علم بالهيئة # ومن قال إن داود وسليمان ومليخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء ومحمد بن ~~عبد الله لم يكن نبيا فتناقضه أظهر وفساد قوله أبين من هذا جميعه بل وكذلك ~~من قال إن PageV02P033 موسى وعيسى رسولان رسولان والتوراة والإنجيل كتابان ~~منزلان من عند الله ومحمدا ليس برسول والقرآن لم ينزل من الله فبطلان قوله ~~في غاية الظهور والبيان لن تدبر ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء ~~به من قبله وتدبر كتابه والكتب التي قبله وآيات نبوته وآيات نبوة هؤلاء ~~وشرائع دينه وشرائع دين هؤلاء وهذه ms063 الجملة مفصلة مشروحة في غير هذا الموضع ~~لكن المقصود هنا التنبيه على مجامع جوابهم وهؤلاء القوم لم يأتوا بدليل ~~واحد يدل على صدق من احتجوا به من الأنبياء فلو ناظرهم من يكذب بهؤلاء ~~الأنبياء كلهم من المشركين والملاحدة لم يكن فيما ذكروه حجة لهم ولا حجة ~~لهم أيضا على المسلمين الذين يقرون بنبوة هؤلاء فإن جمهور المسلمين إنما ~~عرفوا صدق هؤلاء الأنبياء بإخبار محمد أنهم أنبياء فيمتنع أن يصدقوا بالفرع ~~مع القدح في الأصل الذي به علموا صدقهم وأيضا فالطريق الذي به علمت نبوة ~~هؤلاء بما ثبت من معجزاتهم وأخبارهم فكذلك تعلم نبوة محمد بما ثبت من ~~معجزاته وأخباره بطريق الأولى فيمتنع أن يصدق أحد من المسلمين بنبوة واحد ~~من هؤلاء مع تكذيبه لمحمد في كلمة مما جاء به $ فصل في عقوبة المحاربين بين ~~وقطاع الطريق # قال الله تعالى فيهم @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم @QE@ وقد روى ~~الشافعي رحمه الله في سننه عن ابن عباس رضي الله عنه في قطاع الطريق # إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا # وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا # وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف # وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض وهذا قول كثير من أهل ~~العلم PageV02P034 كالشافعي وأحمد وهو قريب من قول أبي حنيفة رحمه الله # ومنهم من قال للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله مصلحة وإن كان لم ~~يقتل مثل أن يكون رئيسا مطاعا فيهم ويقطع من رأى قطعه مصلحة وإن كان لم ~~يأخذ المال مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال كما أن منهم من يرى أنه ~~إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا والأول قول الأكثر فمن كان من ~~المحاربين قد قتل فإنه يقتله الإمام حدا لا يجوز العفو عنه بحال ms064 بإجماع ~~العلماء ذكره ابن المنذر ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول بخلاف ما لو قتل ~~رجلا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة فإن هذا دمه ~~لأولياء المقتول إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا عفوا وإن أحبوا أخذوا الدية لأنه ~~قتله لغرض خاص # وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس فضررهم عام بمنزلة السراق ~~فكان قتلهم حدا لله وهذا متفق عليه بين الفقهاء حتى لو كان المقتول عير ~~مكافىء للقاتل مثل أن يكون القاتل حرا والمقتول عبدا أو القاتل مسلما ~~والمقتول ذميا أو مستأمنا فقد اختلف الفقهاء هل يقتل في المحاربة والأقوى ~~أنه يقتل لأنه قتل للفساد العام حدا كما يقطع إذا أخذ أموالهم وكما يحبس ~~بحقوقهم # وإذ كان المحاربون الحرامية جماعة فالواحد منهم باشر القتل بنفسه ~~والباقون له أعوان وردء له فقد قيل إنه يقتل المباشر فقط والجمهور على أن ~~الجميع يقتلون ولو كانوا مائة وأن الردء والمباشر سواء وهذا هو المأثور عن ~~الخلفاء الراشدين فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين ~~والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء ولأن ~~المباشر إنما يمكن من قتله بقوة الردء ومعونته والطائفة إذا انتصر بعضها ~~ببعض حتى صاروا ممتنعين فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ويرد ~~متسريهم على قعدهم يعني أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية PageV02P035 ~~فغنمت مالا فإن الجيش يشاركها فيما غنمت لأنها بظهره وقوته تمكنت ولكن تنفل ~~عنه نفلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل السرية إذا كانوا في ~~بدايتهم الربع بعد الخمس فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية نفلهم الثلث ~~بعد الخمس وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية لأنها في مصلحة الجيش ~~كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير يوم بدر لأنه كان قد ~~بعثهما في مصلحة الجيش فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما ms065 لهم ~~وعليهم وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه مثل المقتتلين على عصبية ~~ودعوى جاهلية كقيس ويمن نحوهما ظالمتان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم # إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله ~~هذا القاتل فما بال المقتول قال أراد قتل صاحبه أخرجاه في الصحيحين وتضمن ~~كل طائفة أتلفته الأخرى من نفس ومال وإن لم يعرف عين القاتل لأن الطائفة ~~الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد # وأما إذا أخذوا المال فقط ولم يقتلوا كما قد يفعله الأعراب كثيرا فإنه ~~يقطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد وغيرهم وهذا معنى قول الله تعالى @QB@ أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم @QE@ تقطع اليد التي يبطش بها والرجل التي يمشي عليها وتحسم يده ~~ورجله بالزيت المغلي ونحوه لينحسم الدم فلا يخرج فيفضي إلى تلفه وكذلك تحسم ~~يد السارق بالزيت وهذا الفعل قد يكون أزجر من القتل فإن الأعراب وفسقة ~~الجند وغيرهم إذا رأوا دائما من هو بينهم مقطوع اليد والرجل ذكروا بذلك ~~جرمه فارتدعوا بخلاف القتل فإنه قد ينسى وقد يؤثر بعض النفوس الأبية قتله ~~على قطع يده ورجله من خلاف فيكون هذا أشد تنكيلا له ولأمثاله # وأما إذا شهروا السلاح ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا ثم اغمدوه أو ~~هربوا أو تركوا الحراب فإنهم ينفون فقيل نفيهم تشريدهم فلا يتركون يأوون في ~~بلد وقيل هو حبسهم وقيل هو ما يراه الإمام أصلح من نفي أو حبس أو نحو ذلك # والقتل المشروع هو ضرب الرقبة بالسيف ونحوه لأن ذلك أوحى أنواع القتل ~~PageV02P036 وكذلك شرع الله قتل ما يباح قتله من الآدميين والبهائم إذا قدر ~~عليه على هذا الوجه وقال النبي صلى الله عليه وسلم # إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم ~~فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته وقال # إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان # وأما الصلب المذكور فهو رفعهم على مكان عال ليراهم الناس ويشتهر أمرهم ms066 ~~وهو بعد القتل عند جمهور العلماء ومنهم من قال يصلبون ثم يقتلون وهم مصلبون ~~وقد جوز بعض العلماء قتلهم بغير السيف حتى قال يتركون على المكان العالي ~~حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل # فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص وقد قال عمران بن ~~حصين رضي الله عنهما ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا ~~بالصدقة ونهانها عن المثلة حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم بعد ~~القتل ولا نجدع آذانهم وأنوفهم ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ذلك ~~بنا فنفعل بهم ما فعلوا والترك أفضل كما قال الله تعالى @QB@ وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا ~~بالله @QE@ قيل إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد رضي ~~الله عنهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم # لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ما مثلوا بنا فأنزل الله هذه الآية وإن ~~كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة مثل قوله @QB@ ويسألونك عن الروح قل الروح من ~~أمر ربي @QE@ وقوله @QB@ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن ~~الحسنات يذهبن السيئات @QE@ وغير ذلك من الآيات التي نزلت بمكة ثم جرى ~~بالمدينة سبب يقتضي الخطاب فأنزلت مرة ثانية فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل نصبر # وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا بعث PageV02P037 أميرا على سرية أو جيش أو في حاجة نفسه ~~أوصاهم بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا ثم يقول # اغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ~~ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا # ولو شهروا السلاح في البنيان لا في الصحراء لأخذ المال فقد قيل إنهم ~~ليسوا محاربين بل هم بمنزلة المختلس والمنتهب لأن المطلوب يدركه الغوث إذا ~~استغاث بالناس # وقال أكثرهم إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد وهذا قول مالك في المشهور ms067 ~~عنه والشافعي وأكثر أصحاب أحمد وبعض أصحاب أبي حنيفة بل هم في البنيان أحق ~~بالعقوبة منهم في الصحراء لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة ولأنه محل ~~تناصر الناس وتعاونهم فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة ولأنهم ~~يسلبون الرجل في داره جميع ماله والمسافر لا يكون معه غالبا إلا بعض ماله ~~وهذا الصواب لا سيما هؤلاء المحترفون الذين تسميهم العامة في الشام ومصر ~~المنسر وكانوا يسمون ببغداد العيارين # ولو حاربوا بالعصي والحجارة والمقذوفة بالأيدي أو المقاليع ونحوها فهم ~~محاربون أيضا وقد حكي عن بعض الفقهاء لا محاربة إلا بالمحدد وحكى بعضهم ~~الإجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقل # وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين أن من ~~قاتل على أخذ المال بأي نوع كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع كما أن من ~~قاتل المسلمين من الكفار بأني نوع كان من أنواع القتال فهو حربي ومن قاتل ~~الكفار من المسلمين بسيف أو رمح أو سهم أو حجارة أو عصا فهو مجاهد في سبيل ~~الله # وأما إذا كان يقتل النفوس سرا لأخذ المال مثل الذي يجلس في خان يكريه ~~لأبناء السبيل فإذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم أو يدعو إلى منزله ~~من يستأجره لخياطة أو طب أو نحو ذلك فيقتله ويأخذ ماله وهذا يسمى القتل ~~غيلة ويسميهم بعض العامة المعرجين فإذا كان المال فهل هم كالمحاربين أو ~~يجري عليهم حكم القود فيه قولان للفقهاء # أحدهما أنهم كالمحاربين لأن القتل بالحيلة كالقتل مكابرة كلاهما لا يمكن ~~الاحتراز منه بل قد يكون ضرر هذا أشد لأنه لا يدري به # والثاني أن المحارب هو المجاهر بالقتال وأن هذا المغتال يكون أمره إلى ~~ولي الدم والأول أشبه بأصول الشريعة بل قد يكون هذا أشد لأنه لا يدري به ~~PageV02P038 # واختلف الفقهاء أيضا فيمن يقتل السلطان كقتلة عثمان وقاتل علي رضي الله ~~عنهما هل هم كالمحاربين فيقتلون حدا أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم على ~~قولين في مذهب أحمد وغيره لأن في قتله ms068 فسادا $ فصل # وهذا كله إذا قدر عليه فأما إذا طلبهم السلطان أو نوابه لإقامة الحد بلا ~~عدوان فامتنعوا عليه فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يقدر ~~عليهم كلهم ومتى لم ينقادوا إلا بقتال يفضي إلى قتلهم كلهم قوتلوا وإن أفضى ~~إلى ذلك سواء كانوا قد قتلوا أو لم يقتلوا ويقتلون في القتال كيفما أمكن في ~~العنق وغيره ويقاتل من قاتل معهم ممن يحميهم ويعينهم فهذا قتال وذاك إقامة ~~حد وقتال هؤلاء أوكد من قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام فإن هؤلاء ~~قد تحزبوا لفساد النفوس والأموال وهلاك الحرث والنسل ليس مقصودهم إقامة دين ~~ولا ملك وهؤلاء كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن أو مغارة أو رأس جبل أو بطن ~~واد ونحو ذلك يقطعون الطريق على من مر بهم وإذا جاءهم جند ولي الأمر يطلبهم ~~للدخول في طاعة المسلمين والجماعة لإقامة الحدود قاتلوهم ودفعوهم مثل ~~الأعراب الذين يقطعون الطريق على الحاج أو غيره من الطرقات أو الجبلية ~~الذين يعتصمون برؤوس الجبال أو المغارات لقطع الطريق وكالأحلاف الذين ~~تحالفوا لقطع الطريق بين الشام والعراق ويسمون ذلك النهيضة فإنهم يقاتلون ~~كما ذكرناه ولكن قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار إذا لم يكونوا كفارا ولا ~~تؤخذ أموالهم إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق فإن عليهم ضمانها ~~فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم نعلم عين الآخذ وكذلك لو علم عينه فإن ~~الردء والمباشر سواء كما قلناه لكن إذا عرف عينه كان قرار الضمان عليه ويرد ~~ما يؤخذ منه على أرباب الأموال فإن تعذر الرد عليهم كان لمصالح المسلمين من ~~رزق الطائفة المقاتلة لهم وغير ذلك بل المقصود من قتالهم التمكن منهم ~~لإقامة الحدود ومنعهم من الفساد فإذا جرح الرجل منهم جرحا مثخنا لم يجهز ~~عليه حتى يموت إلا أن يموت يكون قد وجب عليه القتل وإذا هرب وكفانا شره لم ~~نتبعه إلا أن يكون عليه حد أو نخاف عاقبته ومن أسر منهم أقيم عليه الحد ~~الذي يقام على غيره ومن الفقهاء من ms069 يشدد فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم ~~وتخميسها وأكثرهم يأبون ذلك فأما إذا تحيزوا إلى مملكة طائفة خارجة عن ~~شريعة الإسلام وأعانوهم على المسلمين قوتلوا كقتالهم # وأما من كان لا يقطع الطريق ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل ~~على الرؤوس PageV02P039 والدواب والأحمال ونحو ذلك فهذا مكاس عليه عقوبة ~~المكاسين وقد اختلف الفقهاء جواز قتله وليس هو من قطاع الطريق فإن الطريق ~~لا ينقطع به مع أنه أشد الناس عذابا يوم القيامة حتى قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الغامدية # لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له # ويجوز للمظلومين الذين تراد أموالهم قتل المحاربين بإجماع المسلمين ولا ~~يجب أن يبذل لهم من المال لا قليل ولا كثير إذا أمكن قتالهم فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو ~~شهيد ومن قتل دون حرمته فهو شهيد وهذا الذي يسميه الفقهاء الصائل وهو ~~الظالم بلا تأويل ولا ولاية فإذا كان مطلوبه المال جاز منعه بما يمكن فإذا ~~لم يندفع إلا بالقتال قوتل وإن ترك القتال وأعطاهم شيئا من المال جاز وأما ~~إذا كان مطلوبه الحرمة مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان أو يطلب من المرأة ~~أو الصبي المملوك أو غيره الفجوربه فإنه يجب عليه أن يدفع نفسه بما يمكن ~~ولو بالقتال ولا يجوز التمكين منه بحال بخلاف المال فإنه يجوز التمكين منه ~~لأن بذل المال جائز وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة غير جائز # وأما إذا كان مقصوده قتل الإنسان جاز له الدفع عن نفسه وهل يجب عليه قتله ~~أم لا على قولين للعلماء في مذهب أحمد وغيره وهذا إذا كان للناس سلطان فأما ~~إذا كان والعياذ بالله فتنة مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين ويقتتلان على ~~الملك فهل يجوز للإنسان إذا دخل أحدهما بلد الآخر وجرى السيف أن يدفع عن ~~نفسه في الفتنة أو يستسلم فلا يقاتل فيها على قولين لأهل العلم في مذهب ms070 ~~أحمد وغيره فإذا ظفر السلطان بالمحاربين الحرامية وقد أخذوا الأموال التي ~~للناس فعليه أن يستخرج منهم الأموال التي للناس ويردها عليهم مع إقامة الحد ~~على أبدانهم # وكذلك السارق فإن امتنعوا من إحضارهم المال بعد ثبوته عليهم عاقبهم ~~بالحبس والضرب حتى يمكنوا من أخذه بإحضاره أو توكيل من يحضره والإخبار ~~بمكانه كما يعاقب كل ممتنع من حق وجب عليه أداؤه فإن الله قد أباح للرجل في ~~كتابه أن يضرب امرأته إذا نشزت فامتنعت من الحق الواجب عليها حتى تؤديه ~~فهؤلاء أولى وأحرى وهذا المطالبة والعقوبة حق لرب المال فإن أراد هبتهم ~~المال أو المصالحة عليه أو العفو عن عقوبتهم فله ذلك بخلاف إقامة الحد ~~عليهم فإنه لا سبيل إلى العفو عنه بحال PageV02P040 # وليس للإمام أن يلزم رب المال بترك شيء من حقه وإن كانت الأموال قد تلفت ~~بالأكل وغيره عندهم أو عند السارق فقيل يضمنونها لأربابها كما يضمن سائر ~~الغارمين وهو قول الشافعي وأحمد رضي الله عنهما وتبقى مع الإعسار في ذمتهم ~~إلى ميسرة وقيل لا يجتمع الغرم والقطع وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وقيل ~~يضمنونها مع اليسار فقط دون الإعسار وهو قول مالك رحمه الله # ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلا عن طلب المحاربين وإقامة ~~الحد وارتجاع أموال الناس منهم ولا على طلب السارقين لا لنفسه ولا للجند ~~الذين يرسلهم في طلبهم بل طلب هؤلاء من نوع الجهاد في سبيل الله فيخرج فيه ~~جند المسلمين كما يخرج في غيره من الغزوات التي تسمي البيكار وينفق على ~~المجاهدين في هذا من المال الذي ينفق منه على سائر الغزاة فإن كان له أقطاع ~~أو عطاء يكفيهم وإلا أعطاهم تمام كفاية غزوهم من مال المصالح من الصدقات ~~فإن هذا من سبيل الله فإن كان على أبناء السبيل المأخوذين زكاة مثل التجار ~~الذين قد يؤخذون فأخذ الإمام زكاة أموالهم وأنفقها في سبيل الله كنفقة ~~الذين يطلبون المحاربين جاز ولو كانت لهم شوكة قوية تحتاج إلى تأليف فأعطى ~~الإمام من الفيء ms071 والمصالح أو الزكاة لبغض رؤسائهم يعينهم على إحضار الباقين ~~أو لترك شره فيضعف الباقون ونحو ذلك جاز وكان هؤلاء من المؤلفة قلوبهم وقد ~~ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره وهو ظاهر بالكتاب والسنة وأصول ~~الشريعة # ولا يجوز أن يرسل الإمام من يضعف عن مقارمة الحرامية ولا من يأخذ مالا من ~~المأخوذين التجار ونحوهم من أبناء السبيل بل يرسل من الجند الأقوياء ~~الأمناء إلا أن يتعذر ذلك فيرسل الأمثل فالأمثل فإن كان بعض نواب السلطان ~~أو رؤساء القرى ونحوهم يأمرون الحرامية بالأخذ في الباطن أو الظاهر حتى إذا ~~أخذوا شيئا قاسمهم ودافع عنهم وأرضى المأخوذين ببعض أموالهم أو لم يرضهم ~~فهذا أعظم جرما من مقدم الحرامية لأن ذلك يمكن دفعه بدون ما يندفع به هذا ~~والواجب أن يقال فيه الردء والعون لهم # فإن قتلوا قتل هو على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وأكثر أهل العلم # وإن أخذوا المال قطعت يده ورجله # وإن قتلوا وأخذوا المال قتل وصلب وعلى قول طائفة من أهل العلم يقطع ويقتل ~~ويصلب وقيل يخير بين هذين وإن كان لم يأذن لهم لكن لما قدر عليهم قاسمهم ~~الأموال وعطل بعض الحقوق والحدود PageV02P041 # ومن آوى محاربا أو سارقا أو قاتلا ونحوهم ممن وجب عليه حد أو حق لله ~~تعالى أو لآدمي ومنعه ممن يستوفي منه الواجب بلا عدوان فهو شريكه في الجرم ~~وقد لعنه الله ورسوله روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا وإذا ظفر بهذا الذي آوى المحدث فإنه ~~يطلب منه إحضاره أو الإعلام به فإن امتنع عوقب بالحبس والضرب مرة بعد مرة ~~حتى يمكن من ذلك المحدث كما ذكرنا أنه يعاقب الممتنع من أداء المال الواجب ~~فما وجب حضوره من النفوس والأموال يعاقب من منع حضورها ولو كان رجلا يعرف ~~مكان المال المطلوب بحق أو الرجل المطلوب بحق وهو ms072 الذي يمنعه فإنه يجب عليه ~~الإعلام به والدلالة عليه ولا يجوز كتمانه فإن هذا من باب التعاون على البر ~~والتقوى وذلك واجب بخلاف ما لو كان النفس أو المال مطلوبا بباطل فإنه لا ~~يحل الإعلام به لأنه من التعاون على الإثم والعدوان بل يجب الدفع عنه لأنه ~~نصر المظلوم واجب ففي الصحيحين عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # انصر أخاك ظالما أو مظلوما قلت يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ~~ظالما قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه وروى مسلم نحوه عن جابر # وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال # أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة ~~المريض واتباع الجنازة وتشميت العاطس وإبرار القسم وإجابة الدعوة ونصر ~~المظلوم ونهانا عن خواتيم الذهب وعن الشرب بالفضة وعن المياثر وعن لبس ~~الحرير والقسي والديباج والاستبرق فإن امتنع هذا العالم به من الإعلام ~~بمكانه جاز عقوبته بالحبس وغيره حتى يخبر به لأنه امتنع من حق واجب عليه لا ~~تدخله النيابة فعوقب كما تقدم ولاتجوز عقوبته على ذلك إلا إذا عرف أنه عالم ~~به وهذا مطرد في ما تتولاه الولاة والقضاة وغيرهم في كل من امتنع من واجب ~~من قول أو فعل وليس هذا مطالبة للرجل بحق وجب على غيره ولا عقوبة على جناية ~~غيره حتى يدخل في قوله تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ وفي قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم # ألا لا يجني جان إلى على نفسه وإنما ذلك مثل أن يطالب بمال قد وجب على ~~غيره وهو ليس وكيلا ولا ضامنا ولا له عنده مال PageV02P042 أو يعاقب الرجل ~~بجريمة قريبه أو جاره من غير أن يكون قد أذنب لا بترك واجب ولا بفعل محرم ~~فهذا الذي لا يحل فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه وهو أن يكون قد علم ~~مكان الظالم الذي يطلب حضوره لاستيفاء الحق أو مكان المال الذي قد ms073 تعلق به ~~حقوق المستحقين فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة عليه في الكتاب والسنة ~~والإجماع إما محاباة وحمية لذلك الظالم كما قد يفعل أهل المعصية بعضهم ببعض ~~وإما معاداة أو بغضا للمظلوم وقد قال الله تعالى @QB@ ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ وإما إعراضا عن القيام لله ~~والقيام بالقسط الذي أوجبه الله وجبنا وفشلا وخذلانا لدينه كما يفعله ~~التاركون لنصر الله ورسوله ودينه وكتابه الذين إذا قيل لهم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلوا إلى الأرض وعلى كل تقدير فهذا الضرب يستحق العقوبة باتفاق ~~العلماء ومن لم يسلك هذه السبل عطل الحدود وضيع الحقوق وأكل القوي الضعيف ~~وهو يشبه من عنده مال الظالم المماطل من عين أو دين وقد امتنع من تسليمه ~~لحاكم عادل يوفى به دينه أو يؤدي منه النفقة الواجبة عليه لأهله أو أقاربه ~~أو مماليكه أو بهائمه وكثيرا ما يجب على الرجل حق بسبب غيره كما تجب عليه ~~النفقة بسبب حاجة قريبة وكما تجب الدية على عاقلة القاتل # وهذا الضرب من التعزير عقوبة لمن علم أن عنده مالا أو نفسا يجب إحضاره ~~وهو لا يحضره كالقطاع والسراق وحماتهم أو علم أنه خبير به وهو لا يخبر ~~بمكانه فأما إن امتنع من الإخبار والإحضار لئلا يعتدي عليه الطالب أو يظلمه ~~فهذا محسن وكثيرا ما يشتبه أحدهما بالآخر ويجتمع شبهه وشهرته والواجب تمييز ~~الحق من الباطل وهذا يقع كثيرا في الرؤساء من أهل البادية والحاضرة وإذا ~~استجار بهم مستجير أو كان بينهما قرابة أو صداقة فإنهم يرون الحمية ~~الجاهلية والعزة بالإثم والسمعة عند الأوباش أنهم ينصرونه وإن كان ظالما ~~مبطلا على المحق المظلوم لا سيما إن كان المظلوم رئيسا يناوئهم ويناوؤنه ~~فيرون في تسليم المستجير بهم إلى من يناوئهم ذلا أو عجزا وهذا على الإطلاق ~~جاهلية محضة وهم من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا وقد ذكر أنه إنما كان ~~سبب حروب من حروب الأعراب كحرب البسوس التي كانت بين بني بكر وتغلب إلى نحو ~~هذا وكذا ms074 سبب دخول الترك المغول دار الإسلام واستيلاؤهم على ملوك ما وراء ~~النهر وخراسان كان سببه نحو هذا ومن أذل نفسه لله أعزها ومن بذل الحق من ~~نفسه فقد أكرم نفسه فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم ومن اعتز بالظلم في منع ~~وفعل الإثم فقد أذل نفسه وأهانها قال الله تعالى @QB@ من كان يريد العزة ~~فلله العزة جميعا @QE@ PageV02P043 وقال تعالى عن المنافقين @QB@ يقولون ~~لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون @QE@ وقال الله تعالى في صفة هذا الضرب ~~@QB@ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه ~~وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ~~والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ~~ولبئس المهاد @QE@ وإنما الواجب على من استجار به مستجير إن كان مظلوما ~~ينصره ولا يثبت أنه مظلوم بمجرد دعواه فطالما اشتكى الرجل وهو ظالم بل يكشف ~~خبره من خصمه وغيره فإن كان ظالما رده عن الظلم بالرفق إن أمكن أما من صلح ~~أو حكم بالقسط وإلا فبالقوة وإن كان كل منهما ظالما كأهل الأهواء من قيس ~~ويمن ونحوهم وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي أو كانا جميعا غير ~~ظالمين لشبهة أو تأويل أو غلط وقع فيما بينهما سعى بينهما بالإصلاح أو ~~الحكم كما قال الله تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما @QE@ وقد ~~روى أبو داود في السنن # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له أمن العصبية أن ينصر الرجل ms075 قومه ~~في الحق قال لا قال ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه في الباطل وقال # خيركم الدافع عن قومه ما لم يأثم وقال # مثل الذي ينصر قومه بالباطل كبعير تردى في بئر فهو يجر بذنبه وقال # من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا PageV02P044 # وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو ~~طريقة فهو من عزاء الجاهلية بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال ~~المهاجري يا للمهاجرين وقال الأنصاري يا للأنصار قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم وغضب لذلك غضبا شديدا $ فصل # وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى ~~@QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ~~@QE@ ولا يجوز بعد ثبوت الحد بالبينة أو بالإقرار تأخيره لا بحبس ولا مال ~~يفتدي به ولا غيره بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها فإن إقامة الحد ~~من العبادات كالجهاد في سبيل الله فينبغي أن يعرف أن إقامة الحد لا تأخذه ~~رأفة في دين الله فيعطله ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات لا ~~شفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق بمنزلة الوالد إذا أدب ولده فإنه لو كف ~~عن تأيب ولده كما تشير به الأم رقة ورأفة لفسد الولد وإنما يؤدبه رحمة به ~~وإصلاحا لحاله مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب وبمنزلة الطبيب الذي ~~يسقي المريض الدواء الكريه وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم وقطع العروق ~~بالفصاد ونحو ذلك بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يدخله على نفسه ~~من المشقة لينال به الراحة # فهكذا شرعت الحدود وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها فإنه متى ~~كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات بجلب المنفعة لهم ودفع المضرة ~~عنهم وآبتغي بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره ألان الله ms076 له القلوب وتيسرت له ~~أسباب الخير وكفاه العقوبة البشرية وقد يرضى المحدود إذا أقام عليه الحد ~~وأما إذا كان غرضه العلو عليهم وإقامة رياسته ليعظموه أو ليبذلوه له ما ~~يريد من الأموال انعكس عليه مقصوده ويروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله ~~عنه قبل أن يلي الخلافة كان نائبا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكان قد ساسهم سياسة صالحة فقدم الحجاج من العراق وقد سامهم ~~سوء العذاب فسأل أهل المدينة عن عمر كيف هيبته فيكم قالوا ما نستطيع أن ~~ننظر إليه قال كيف محبتكم له قالوا هو أحب إلينا من أهلنا قال فكيف أدبه ~~فيكم قالوا ما بين PageV02P045 الثلاثة الأسواط إلى العشرة هذه هيبته وهذه ~~محبته وهذا أدبه هذا أمر من السماء # وإذا قطعت يده حسمت واستحب أن تعلق في عنقه فإن سرق ثانيا قطعت رجله ~~اليسرى فإن سرق ثالثا ورابعا ففيه قولان للصحابة ومن بعدهم من العلماء ~~أحدهما تقطع أربعته في الثالثة والرابعة وهو قول أبي بكر رضي الله عنه ~~ومذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين والثاني أنه يحبس وهو قول علي رضي ~~الله عنه والكوفيين وأحمد في روايته الأخرى # وإنما تقطع يده إذا سرق نصابا وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند جمهور ~~العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرهم كمالك والشافعي وأحمد ومنهم من ~~يقول دينار أو عشرة دراهم فمن سرق ذلك قطع بالاتفاق وفي الصحيحين عن ابن ~~عمر رضي الله عنهما # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم وفي لقظ ~~لمسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاث دراهم والمجن الترس وفي الصحيحين عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا وفي رواية للبخاري قال اقطعو في ربع دينار ~~ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك وكان ربع الديار يومئذ دراهم والدينار اثني ~~عشر درهما # ولا يكون السارق سارقا حتى يأخذ المال من ms077 حرز فأما المال الضائع من صاحبه ~~والثمر الذي يكون في الشجر في الصحراء بلا حائط والماشية التي لا راعي ~~عندها ونحو ذلك فلا قطع فيه لكن يعزر الأخذ ويضاعف عليه الغرم كما جاء به ~~الحديث # وقد اختلف أهل العلم في التضعيف وممن قال به أحمد وغيره قال رافع بن خديج ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم # لا قطع في ثمر ولا كثر والكثر جمار النخل رواه أهل السنن وعن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال # سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله ~~جئت أسألك عن الضالة من الإبل قال معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد ~~الماء فدعها حتى يأتيها باغيها قال فالضالة من الغنم قال لك أو لأخيك أو ~~للذئب تجمعها حتى يأتيها باغيها قال فالحريسة التي تؤخذ من مراتعها قال ~~فيها ثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع PageV02P046 إذا ~~بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قال يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها من ~~أكمامها قال من أخذ منها بفمه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء ومن احتمل فعليه ~~ثمنه مرتين وضرب نكال وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ~~ثمن المجن وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثلية وجلدات نكال رواه أهل ~~السنن لكن هذا سياق النسائي ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس على ~~المنتهب ولا على المختلس ولا الخائن قطع فالمنتهب الذي ينهب الشيء والناس ~~ينظرون والمختلس الذي يجتذب الشيء فيعلم به قبل أخذه وأما الطرار وهو ~~البطاط الذي يبط الجيوب والمناديل والأكمام ونحوها فإنه يقطع على الصحيح $ ~~فصل # @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة @QE@ قال عامة ~~المفسرين كابن عباس ومجاهد وعطاء والفراء الوسيلة القربة # قال قتادة تقربوا إلى الله بما يرضيه قال أبو عبيدة توسلت إليه أي تقربت ~~وقال عبد الرحمن بن زيد تحببوا إلى الله والتحبب ms078 والتقرب إليه إنما هو ~~بطاعة رسوله فالإيمان بالرسول وطاعته هو وسيلة الخلق إلى الله ليس لهم ~~وسيلة يتوسلون بها البتة إلا الإيمان برسوله وطاعته وليس لأحد من الخلق ~~وسيلة إلى الله تبارك وتعالى إلا توسله بالإيمان بهذا الرسول الكريم وطاعته ~~وهذه يؤمر بها الإنسان حيث كان من الأمكنة وفي كل وقت وما خص من العبادات ~~بمكان كالحج أو زمان كالصوم والجمعة فكل في مكانه وزمانه وليس لنفس الحجرة ~~من داخل فضلا عن جدارها من خارج اختصاص شيء في شرع العبادات ولا فعل شيء ~~منها فالقرب من الله أفضل منه بالبعد منه باتفاق المسلمين والمسجد خص ~~بالفضيلة في حياته صلى الله عليه وسلم قبل وجود القبر فلم تكن فضيلة مسجده ~~لذلك ولا استحب هو صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا علماء أمته أن ~~يجاور أحد عند قبر ولايعكف عليه لا قبره المكرم ولا قبر غيره ولا أن يقصد ~~السكنى قريبا من قبر أي قبر كان وسكنى المدينة النبوية هو أفضل في حق من ~~تتكرر طاعته لله ورسوله فيها أكثر كما كان الأمر لما كان الناس مأمورين ~~بالهجرة إليها فكانت الهجرة إليها والمقام بها أفضل من جميع البقاع مكة ~~وغيرها بل كان ذلك PageV02P047 واجبا من أعظم الواجبات فلما فتحت مكة قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وكان من اتى من اهل مكة وغيرهم ليهاجر ~~ويسكن المدينة يأمره أن يرجع إلى مدينته ولا يأمره بسكناها كما كان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يأمر الناس عقب الحج أن يذهبوا إلى بلادهم لئلا يضيقوا ~~على أهل مكة وكان يأمر كثيرا من أصحابه وقت الهجرة أن يخرجوا إلى أماكن ~~أخرى لولاية مكان وغيره وكانت طاعة الرسول بالسفر إلى غير المدينة يخرجوا ~~إلى أماكن أخرى لولاية مكان وغيره وكانت طاعة الرسول بالسفر إلى غير ~~المدينة أفضل من المقام عنده بالمدينة حين كانت دار الهجرة فكيف بها بعد ~~ذلك إذ كان الذي ينفع الناس طاعة الله ورسوله ms079 وأما ما سوى ذلك فإنه لا ~~ينفعهم لا قرابة ولا مجاورة ولا غير ذلك كما ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه ~~قال # يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا ~~أغني عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا وقال ~~صلى الله عليه وسلم إن # آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين وقال # إن أوليائي المتقون حيث كانوا ومن كانوا # | قال الشيخ الإسلام رحمه الله # فصل $ # قوله @QB@ سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك @QE@ # قيل اللام لام كي أي يسمعون ليكذبوا ويمسعون لينقلوا إلى قوم آخرين لم ~~يأتوك فيكونون كذابين ونمامين جواسيس والصواب أنها لام التعدية مثل قوله ~~سمع الله لمن حمده فالسماع متضمن معنى القول أي قائلون للكذب ويسمعون من ~~قوم آخرين لم يأتوك ويطيعونهم فيكون ذما لهم على قبول الخبر الكاذب وعلى ~~طاعة غيره من الكفار والمنافقين مثل قوله @QB@ ولأوضعوا خلالكم يبغونكم ~~الفتنة وفيكم سماعون لهم @QE@ أي هم يطلبون أن يفتنوكم وفيكم من يسمع منهم ~~فيكون قد ذمهم على اتباع الباطل في نوعي الكلام خبره وإنشائه فإن باطل ~~الخبر الكذب وباطل الإنشاء طاعة غير الرسل وهذا بعيد PageV02P048 9 # ثم قال @QB@ سماعون للكذب أكالون للسحت @QE@ فذكر أنهم في غذاءي الجسد ~~والقلب يغتدون الحرام بخلاف من يأكل الحلال ولا يقبل إلا الصدق وفيه ذم لمن ~~يروج عليه الكذب ويقبله أو يؤثره لموافقته هواه فيدخل فيه قبول المذاهب ~~الفاسدة لأنها كذب لا سيما إذا اقترن بذلك قبولها لأجل العوض عليها سواء ~~كان العوض من ذي سلطان أو وقف أو فتوح أو هدية أو أجرة أو غير ذلك وهو شبيه ~~بقوله @QB@ إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ~~ويصدون عن سبيل الله @QE@ اهل البدع وأهل الفجور الذين يصدقون بما كذب به ~~على الله ورسوله وأحكامه والذين يطيعون في معصية الخالق # ومثله @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ms080 أثيم يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون @QE@ فإنما تنزلت بالسمع الذي يخلط فيه بكلمة الصدق ~~ألف كلمة من الكذب على من هو كذاب فاجر فيكون سماعا للكذب من مسترقة السمع # ثم قال في السورة @QB@ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم ~~وأكلهم السحت @QE@ فقول الإثم وسماع الكذب وأكل السحت أعمال متلازمة في ~~العادة وللحكام منها خصوص فإن الحاكم إذا ارتشى سمع الشهادة المزورة ~~والدعوى الفاجرة فصار سماعا للكذب أكالا للسحت قائلا للإثم # ولهذا خير نبيه صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم وبين تركه لأنه ليس ~~قصدهم قبول الحق وسماعه مطلقا بل يسمعون ما وافق أهواءهم وإن كان كاذبا ~~وكذلك العلماء الذين يتقولون الروايات المكذوبة $ فصل # قال تعالى @QB@ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين ~~قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم @QE@ إلى قوله @QB@ وكيف يحكمونك وعندهم ~~التوراة فيها حكم الله @QE@ PageV02P049 # يعلم من هذا أن التوراة التي كانت موجودة بعد خراب بيت المقدس وبعد مجيء ~~بختنصر وبعد مبعث المسيح وبعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فيها حكم الله # والتوراة التي كانت عند يهود المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإن قيل أنه غير بعض ألفاظها بعد مبعثه فلا نشهد على كل نسخة في ~~العالم بمثل ذلك فإن هذا غير معلوم لنا وهو أيضا متعذر بل يمكن تغيير كثير ~~من النسخ وإشاعة ذلك عند الأتباع حتى لا يوجد عند كثير من الناس إلا ما غير ~~بعد ذلك ومع هذا فكثير من نسخ التوراة والإنجيل متفقة في الغالب إنما يختلف ~~في اليسير من ألفاظها فتبديل ألفاظ اليسير من النسخ بعد مبعث الرسول ممكن ~~لا يمكن أحدا أن يجزم بنفيه ولا يقدر أحد من اليهود والنصارى أن يشهد بأن ~~كل نسخة في العالم بالكتابين متفقة الألفاظ إذ هذا لا سبيل لأحد إلى علمه ~~والاختلاف اليسير في ألفاظ هذه الكتب موجود في الكثير من النسخ كما قد ms081 ~~تختلف نسخ بعض كتب الحديث أو تبدل بعض ألفاظ بعض النسخ وهذا بخلاف القرآن ~~المجيد الذي حفظت ألفاظه في الصدور وبالنقل المتواتر لا يحتاج أن يحفظ في ~~كتاب كما قال تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ وذلك أن ~~اليهود قبل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عهده وبعده منتشرون في مشارق ~~الأرض ومغاربها وعندهم نسخ كثيرة من التوراة # وكذلك النصارى عندهم نسخ كثيرة من التوراة ولم يتمكن أحد من جمع هذه ~~النسخ وتبديلها ولو كان هذا ممكنا لكان ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر ~~الدواعي على نقلها وكذلك في الإنجيل قال تعالى @QB@ وليحكم أهل الإنجيل بما ~~أنزل الله فيه @QE@ # فعلم أن في هذا الإنجيل حكما أنزله الله تعالى لكن الحكم هو من باب الأمر ~~والنهي وذلك لا يمنع أن يكون التغيير في باب الأخبار وهو الذي وقع فيه ~~التبديل لفظا وأما الأحكام التي في التوراة فما يكاد أحد يدعي التبديل في ~~ألفاظها وقد ذكر طائفة من العلماء أن قوله تعالى في الإنجيل @QB@ وليحكم ~~أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه @QE@ هو خطاب لمن كان على دين المسيح قبل ~~النسخ والتبديل لا الموجودين بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم # وهذا القول يناسب مناسبة ظاهرة لقراءة من قرأ وليحكم أهل الإنجيل بكسر ~~اللام كقراءة حمزة فإن هذه لام كي فإنه تعالى قال @QB@ وقفينا على آثارهم ~~بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ~~ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل ~~الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ~~@QE@ PageV02P050 فإذا قرأ وليحكم كان المعنى وآتيناه الإنجيل لكذا وكذا ~~وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه وهذا يوجب الحكم بما أنزل الله في ~~الإنجيل الحق ولا يدل على أن الإنجيل الموجود في زمن الرسول هو ذلك الإنجيل # وأما قراءة الجمهور @QB@ وليحكم أهل الإنجيل @QE@ فهو أمر بذلك فمن ~~العلماء من قال هو أمر لمن كان الإنجيل الحق ms082 موجودا عندهم أن يحكموا بما ~~أنزل الله فيه وعلى هذا يكون قوله تعالى @QB@ وليحكم @QE@ أمرا لهم قبل ~~مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وقال آخرون لا حاجة إلى هذا التكليف فإن ~~القول في الإنجيل كالقول في التوراة وقد قال تعالى @QB@ يا أيها الرسول لا ~~يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون ~~الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن ~~يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب أكالون ~~للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ~~وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين وكيف يحكمونك وعندهم ~~التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا ~~تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ~~والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو ~~كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون وقفينا على آثارهم ~~بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل @QE@ فهذا ~~قد صرح بأن أولئك الذين تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود ~~عندهم التوراة فيها حكم الله ثم تولوا عن حكم الله وقال بعد ذلك @QB@ ~~وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه @QE@ وهذه لام الأمر وهو أمر من الله ~~أنزله على لسان محمد وأمر من مات قبل هذا الخطاب PageV02P051 ممتنع وإنما ~~يكون الأمر لمن آمن به من بعد خطاب الله لعباده بالأمر ms083 فعلم أنه أمر لمن ~~كان موجودا حينئذ أن يحكموا بما أنزل الله في الإنجيل والله أنزل في ~~الإنجيل الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم كما أمر به في التوراة ~~فليحكموا بما أنزل الله في الإنجيل مما لم ينسخه محمد صلى الله عليه وسلم ~~كما أمر أهل التوراة أن يحكموا بما أنزله مما لم ينسخه المسيح وما نسخه فقد ~~أمروا فيه باتباع المسيح وقد أمروا في الإنجيل باتباع محمد صلى الله عليه ~~وسلم لمن حكم من أهل الكتاب بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزله ~~الله في التوراة والإنجيل ولم يحكم بما يخالف حكم محمد صلى الله عليه وسلم ~~إذ كانوا مأمورين في التوراة والإنجيل باتباع محمد صلى الله عليه وسلم كما ~~قال تعالى @QB@ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل @QE@ # وقال تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ~~@QE@ # فجعل القرآن مهيمنا والمهيمن الشاهد الحاكم المؤتمن فهو يحكم بما فيها ~~مما لم ينسخه الله ويشهد بتصديق ما فيها مما لم يبدل ولهذا قال @QB@ لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ # وقد ثبت في الصحاح والسنن والمسانيد هذا ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهما أنه قال إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما تجدون في التوراة في شأن الرجم قالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن ~~سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية ~~الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله ارفع يدك فرفع يده فإذا ~~فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم ~~فرجما # وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أنه قال # أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ms084 بيهودي ويهودية قد زنيا فانطلق حتى جاء ~~يهودي فقال ما تجدون في التوراة على من زنى قالوا نسود وجوههما ويطاف بهما ~~قال فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قال فجاؤوا بها فقرؤوها حتى إذا ~~مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها ~~وما وراءها فقال عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مره ~~فليرفع يده فرفعها فإذا تحتها آية الرجم قالوا صدق فيها آية الرجم ولكننا ~~نتكاتمه بيننا وإن أحبارنا أحدثوا التحميم PageV02P052 والتحبية فأمر رسول ~~الله وسلم برجمهما فرجما # وأخرج مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال # مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود فدعاهم فقال هكذا ~~تجدون حد الزاني في كتابكم قالوا نعم فدعى رجلا من علمائهم فقال أنشدك الله ~~الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قال لا ولولا ~~أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجد الرجم ولكنه كثير في أشرافنا فكنا إذا أخذنا ~~الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على ~~شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه فأمر به ~~فرجم فأنزل الله تعالى @QB@ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم @QE@ إلى قوله @QB@ فأولئك هم الكافرون ~~@QE@ إلى @QB@ الظالمون @QE@ إلى @QB@ الفاسقون @QE@ قال هي في الكفارة ~~كلها # وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أنه قال # رجم النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم ورجلا من اليهود وأما السنن ~~ففي سنن أبي داود عن زيد بن أسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال # أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم ~~في بيت المدارس فقالوا يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بينهم ~~فوضعوا لرسول الله ms085 صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم قال ائتوني ~~التوراة فأتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها وقال آمنت بك ~~وبمن أنزلك ثم قال ائتوني بأعمالكم فأتي بشاب ثم ذكر قصة الرجم # وأخرج أيضا أبو داود وغيره عن أبي هريرة أنه قال # زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه ~~نبي بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند ~~الله فقلنا نبي من أنبيائك قالوا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس ~~في المسجد في أصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا ~~فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدارسهم فقام على الباب فقال أنشدكم بالله ~~الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن # قالوا نحمم ونحبيه ونجلده والتحبية أن يحمل الزانيان على حمار ويقابل ~~PageV02P053 أقفيتهما ويطاف بهما قال وسكت شاب منهم فلما رآه النبي صلى ~~الله عليه وسلم ساكتا أنشده فقال اللهم إذا نشدتنا فإنا نجد في التوراة ~~الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فما أول ما ارتخصتم أمر الله قال زنى ~~ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل في أسرة من الناس ~~فأراد رجمه فحال قومه دونه وقالوا لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه ~~فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم قال النبي صلى الله عليه وسلم فإني أحكم بما في ~~التوراة فأمر بهما فرجما # قال الزهري فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها ~~هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا @QE@ # وكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم وأيضا فقد تحاكموا إليه في القود ~~الذي كان بين بني قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل ~~بعض إحدى القبيلتين قتيلا من الأخرى فيقتلونه ولم يضعفوا الدية وإذا قتل من ~~القبيلة الشريفة قتلوا به وأضعفوا الدية # قال أبو داود سلمان بن الأشعث في سننه حدثنا محمد بن ms086 العلا حدثنا عبيد ~~الله بن موسى عن علي بن صالح عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال كان ~~قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا ~~من النضير قتل به وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ودي مائة وسق من ~~تمر # فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ~~فقالوا ادفعوه إلينا نقتله فقالوا بيننا وبينكم محمد فأتوه فنزلت @QB@ وإن ~~حكمت فاحكم بينهم بالقسط @QE@ # والقسط النفس بالنفس ثم نزلت @QB@ أفحكم الجاهلية يبغون @QE@ قال أبو ~~داود قريظة والنضير من ولد هارون # وبسط هذا له موضع آخر وعلى كل قول فقد أخبر الله عز وجل أن في التوراة ~~الموجودة بعد المسيح عليه السلام حكم الله وأن أهل الكتاب اليهود تركوا حكم ~~الله الذي في التوراة مع كفرهم بالمسيح وهذا ذم من الله لهم على ما تركوه ~~من حكمه الذي جاء به الكتاب الأول ولم ينسخه الرسول الثاني # وهذا من التبديل الثاني الذي ذموا عليه ودل على أن في التوراة الموجودة ~~بعد مبعث المسيح حكما أنزله الله أمروا أن يحكموا به وهكذا يمكن أن يقال في ~~الإنجيل ومعلوم أن PageV02P054 الحكم الذي أمروا أن يحكموا به من أحكام ~~التوراة لم ينسخه الإنجيل ولا القرآن فكذلك ما أمروا أن يحكموا به من أحكام ~~الإنجيل هو مما لم ينسخه القرآن وذلك أن الدين الجامع أن يعبد الله وحده ~~ويأمر بما أمر الله به ويحكم بما أنزله الله في أي كتاب أنزله ولم ينسخه ~~فإنه يحكم به # ولهذا كان مذهب جماهير السلف والأئمة أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ~~شرعنا بخلافه ومن حكم بالشرع المنسوخ فلم يحكم بما أنزل الله كما أن الله ~~أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكموا بما أنزل الله في القرآن وفيه ~~الناسخ والمنسوخ فهكذا القول في جنس الكتب المنزلة # قال تعالى سورة المائدة الآيات 48 56 # فقد أمر نبيه محمدا ms087 صلى الله عليه وسلم أن يحكم بما أنزل الله إليه وحذره ~~اتباع أهوائهم وبين أن المخالف لحكمه وهو حكم الجاهلية حيث قال تعالى @QB@ ~~أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون @QE@ PageV02P055 ~~وأخبره تعالى أنه جعل لكل من أهل التوراة والإنجيل والقرآن شرعة ومنهاجا ~~وأمره تعالى بالحكم بما أنزل الله أمر عام لأهل التوراة والإنجيل والقرآن ~~ليس لأحد في وقت من الأوقات أن يحكم بغير ما أنزل الله والذي أنزله الله هو ~~دين واحد اتفقت عليه الكتب والرسل وهم متفقون في أصول الدين وقواعد الشريعة ~~وإن تنوعوا في الشرعة والمنهاج بين ناسخ ومنسوخ فهو شبيه بتنوع حال الكتاب ~~فإن المسلمين كانوا أولا مأمورين بالصلاة لبيت المقدس ثم أمروا أن يصلوا ~~إلى المسجد الحرام وفي كلا الأمرين إنما اتبعوا ما أنزل الله عز وجل # وكذلك موسى عليه السلام كان مأمورا بالسبت محرما عليه ما حرمه الله في ~~التوراة وهو متبع ما أنزله الله عز وجل والمسيح صلى الله عليه وسلم أحل بعض ~~ما حرمه الله في التوراة وهو متبع ما أنزل الله عز وجل فليس في أمر الله ~~لأهل التوراة والإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله أمر بما نسخ كما أنه ليس في ~~أمر أهل القرآن أن يحكموا بما أنزل الله أمر بما نسخ بل كان إذا ناسخ ~~ومنسوخ فالذي أنزل الله هو الحكم بالناسخ دون المنسوخ فمن حكم بالمنسوخ فقد ~~حكم بغير ما أنزل الله ومما يوضح هذا قوله تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب ~~لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن ~~كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين ~~@QE@ فإن هذا يبين أن هذا أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لأهل ~~الكتاب الذي بعث إليهم أنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما ~~أنزل إليهم من ربهم فدل ذلك على أنهم عندهم ما يعلم أنه منزل من الله وأنهم ~~مأمورون بإقامته إذا كان ذلك ms088 مما قرره محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينسخه ~~ومعلوم أن كل ما أمر الله به على لسان نبي ولم ينسخه النبي الثاني بل أقره ~~كان الله آمرا به على لسان نبي بعد نبي ولم يكن في بعثة الثاني ما يضاد ~~وجوب اتباع ما أمر به النبي الأول وقرره النبي الثاني # ولا يجوز أن يقال إن الله ينسخ بالكتاب الثاني جميع ما شرعه بالكتاب ~~الأول إنما المنسوخ قليل بالنسبة إلى ما اتفقت عليه الكتب والشرائع # وأيضا ففي التوراة والإنجيل ما دل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإذا ~~حكم أهل التوراة والإنجيل بما أنزل الله فيهما حكموا بما أوجب عليهم اتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أن في التوراة والإنجيل ما يعلمون أن ~~الله أنزله إذ لا يؤمرون أن يحكموا بما أنزل الله ولا يعلمون PageV02P056 ~~ما أنزل الله والحكم إنما يكون في الأمر والنهي والعلم ببعض معاني الكتب لا ~~ينافي عدم العلم ببعضها وهذا متفق عليه في المعاني فإن المسلمين واليهود ~~والنصارى متفقون على أن في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده لا شريك ~~له وأنه أرسل إلى الخلق رسلا من البشر وأنه أوجب العدل وحرم الظلم والفواحش ~~والشرك وأمثال ذلك من الشرائع الكلية وأن فيها الوعد بالثواب والوعيد ~~بالعقاب بل هم متفقون على الإيمان باليوم الآخر وقد تنازعوا في بعض معانيها ~~واختلفوا في تفسير ذلك كما اختلفت اليهود والنصارى في المسيح المبشر به ~~النبوات هل هو المسيح بن مريم عليه السلام أو مسيح آخر ينتظر والمسلمون ~~يعلمون أن الصواب في هذا مع النصارى لكن لا يوافقنهم على ما أحدثوا فيه من ~~الإفك والشرك # وكذلك يقال إذا بدل قليل من ألفاظها الخبرية لم يمنع ذلك أن يكون أكثر ~~ألفاظها لم يبدل لا سيما إذا كان في نفس الكتاب ما يدل على المبدل وقد يقال ~~إن ما بدل من ألفاظ التوراة والإنجيل ففي نفس التوراة والإنجيل ما يدل على ~~تبديله فبهذا يحصل الجواب على شبهة عن يقول ms089 إنه لم يبدل شيء من ألفاظها ~~فإنهم يقولون إذا كان التبديل قد وقع في ألفاظ التوراة والإنجيل قبل مبعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلم الحق من الباطل فسقط الاحتجاج بهما ووجوب ~~العمل بهما على أهل الكتاب فلا يذمون حينئذ على ترك اتباعهما والقرآن قد ~~ذمهم على ترك الحكم بما فيها واستشهد بهما في مواضع وجواب ذلك أن ماوقع من ~~التبديل قليل والأكثر لم يبدل والذي لم يبدل فيه ألفاظ صريحة بينة بالمقصود ~~تبين غلط ما خالفها ولها شواهد ونظائر متعددة يصدق بعضها بعضا بخلاف المبدل ~~فإنه ألفاظ قليلة وسائر نصوص الكتب يناقضها وصار هذا بمنزلة كتب الحديث ~~المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إذا وقع في سنن أبي داود ~~والترمذي أو غيرهما أحاديث قليلة ضعيفة كان في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يبين ضعف تلك بل وكذلك صحيح مسلم فيه ألفاظ ~~قليلة غلط وفي نفس الأحاديث الصحيحة مع القرآن ما يبين غلطها مثل ما روي أن ~~الله خلق التربة يوم السبت وجعل خلق المخلوقات في الأيام السبعة فإن هذا ~~الحديث قد بين أئمة الحديث كيحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري ~~وغيرهم أنه غلط وأنه ليس في كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل صرح البخاري ~~في تاريخه الكبير أنه من كلام كعب الأحبار كما قد بسط في موضعه والقرآن يدل ~~على غلط هذا وبين أن الخلق في ستة أيام وثبت في الصحيح أن آخر الخلق كان ~~يوم الجمعة فيكون أول الخلق يوم الأحد وكذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~صلى الكسوف بركوعين أو ثلاثة فإن الثابت المتواتر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو ~~وغيرهم أنه صلى كل ركعة بركوعين ولهذا لم يخرج البخاري إلا ذلك وضعف الشامي ~~والبخاري وأحمد فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما PageV02P057 صلى الكسوف ~~مرة في أحد الروايتين عنه وغيرهم حديث ms090 الثلاثة والأربع فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما صلى مرة واحدة وفي حديث الثلاث والأربع أنه صلاها يوم مات ~~إبراهيم ابنه وأحاديث الركوعين كانت ذلك اليوم فمثل هذا الغلط إذا وقع كان ~~في نفس الأحاديث الصحيحة ما يبين أنه غلط والبخاري إذا روى الحديث بطرق في ~~بعضها غلط في بعض الألفاظ ذكر معه الطرق التي تبين ذلك الغلط كما قد بسطنا ~~الكلام على ذلك في موضعه # فكذلك إذا قيل أنه وقع تبديل في بعض ألفاظ الكتب المتقدمة كان في الكتب ~~ما يبين ذلك الغلط وقد قدمنا أن المسلمين لا يدعون أن كل نسخة في العالم من ~~زمن محمد صلى الله عليه وسلم بكل لسان من التوراة والإنجيل والزبور بدلت ~~ألفاظها فإن هذا لا أعرف أحدا من السلف قاله وإن كان من المتأخرين من قد ~~يقول ذلك كما في بعض المتأخرين من يجوز الاستنجاء بكل ما في العالم من نسخ ~~التوراة والإنجيل فليست هذه الأقوال ونحوها من أقوال سلف الأمة وأئمتها ~~وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى بيد كعب الأحبار نسخة من التوراة قال ~~يا كعب إن كنت تعلم أن هذه هي التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران ~~فاقرأها فعلق الأمر على ما يمتنع العلم به ولم يجزم عمر رضي الله عنه بأن ~~ألفاظ تلك مبدلة لما لم يتأمل كل ما فيها والقرآن والسنة المتواترة يدلان ~~على أن التوراة والإنجيل الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيهما ~~ما أنزله الله عز وجل والجزم بتبديل ذلك في جميع النسخ التي في العالم ~~متعذر ولا حاجة بنا إلى ذكره ولا علم لنا بذلك ولا يمكن أحدا من أهل الكتاب ~~أن يدعي أن كل نسخة في العالم بجميع الألسنة من الكتب متفقة على لفظ واحد ~~فإن هذا مما لا يمكن أحدا من البشر أن يعرفه باختياره وامتحانه وإنما يعلم ~~مثل هذا بالوحي وإلا فلا يمكن أحدا من البشر أن يقابل كل نسخة موجودة في ~~العالم بل نسخة ms091 من جميع الألسنة بالكتب الأربعة والعشرين وقد رأيناها ~~مختلفة في الألفاظ اختلافا بينا والتوراة هي أصح الكتب وأشهرها عند اليهود ~~والنصارى ومع هذا فنسخة السامرة مخالفة لنسخة اليهود والنصارى حتى في نفس ~~الكلمات العشر ذكر في نسخة السامرة منها من أمر استقبال الطور ما ليس في ~~نسخة اليهود والنصارى وهذا مما يبين أن التبديل وقع في كثير من نسخ هذا ~~الكتب فإن عند السامرة نسخا متعددة وكذلك رأينا في الزبور نسخا متعددة ~~تخالف بعضها بعضا مخالفة كثيرة في كثير من الألفاظ والمعاني يقطع من رآها ~~أن كثيرا منها كذب على زبور داود عليه السلام وأما الأناجيل فالاضطراب فيها ~~أعظم منه في التوراة # فإن قيل فإذا كانت الكتب المتقدمة منسوخة فلماذا ذم أهل الكتاب عن ترك ~~الحكم بما أنزل الله منها قيل النسخ لم يقع إلا في قليل من الشرائع وإلا ~~فالأخبار عن الله وعن PageV02P058 اليوم الآخر وغير ذلك فلم تنسخ # وكذلك الدين الجامع والشرائع الكلية لا نسخ فيها وهو سبحانه ذمهم على ترك ~~اتباع الكتاب الأول لأن أهل الكتاب كفروا من جهتين من جهة تبديلهم الكتاب ~~الأول وترك الإيمان والعمل ببعضه ومن جهة تكذيبهم بالكتاب الثاني وهو ~~القرآن كما قال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن ~~بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون ~~أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين @QE@ # فبين أنهم كفروا قبل مبعثه بما أنزل عليهم وقتلوا الأنبياء كما كفروا حين ~~مبعثه بما أنزل عليه قال تعالى @QB@ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا ~~نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين @QE@ # وقال تعالى @QB@ فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر ~~والكتاب المنير @QE@ # وقال تعالى @QB@ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي ~~موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل ms092 ~~كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين ~~@QE@ # وإذا كان الأمر كذلك فهو سبحانه يذمهم على ترك اتباع ما أنزله في التوراة ~~والإنجيل وعلى ترك اتباع ما أنزله في القرآن وبين كفرهم بالكتاب الأول ~~وبالكتاب الثاني وليس في شيء من ذلك أمرهم أن يحكموا بالمنسوخ من الكتاب ~~الأول كما ليس في أمرهم أن يحكموا بالمنسوخ في الكتاب الثاني $ فصل # قوله في سورة المائدة @QB@ وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما ~~بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون @QE@ PageV02P059 # فهذا ثناء منه على المسيح والإنجيل وأمر للنصارى بالحكم بما أنزل الله ~~فيه كما أثنى على موسى والتوراة بأعظم مما عظم به المسيح والإنجيل فقال ~~تعالى @QB@ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا ~~آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ~~آخرين لم يأتوك @QE@ أي قائلون للكذب مصدقون مستجيبون مطيعون لقوم آخرين لم ~~يأتوك فهم مصدقون للكذب مطيعون لما يخالفك وأنت رسول الله # فكل من تصديق الكذب والطاعة لمن خالف رسول الله من أعظم الذنوب # ولفظ السميع يراد به الإحساس بالصوت ويراد به فهم المعنى ويراد به قبوله ~~فيقال فلان سمع ما يقول فلان أي يصدقه أو يطيعه ويقبل منه بقوله سماعون ~~للكذب أي مصدقون به وإلا مجرد سماع صوت الكاذب وفهم كلامه ليس مذموما على ~~الإطلاق وكذلك سماعون لقوم آخرين لم يأتوك أي مستجيبون لهم مطيعون لهم كما ~~قال في حق المنافقين وفيكم سماعون لهم أي مستجيبون لهم مطيعون لهم ومن قال ~~إن المراد به الجاسوس فهو غالط كغلط من قال سماعون لهم هم الجواسيس فإن ~~الجاسوس إنما ينقل خبر القوم إلى من لا يعرفه ومعلوم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان ما يذكره ويأمر به ويفعله يراه ms093 ويسمعه كل من بالمدينة مؤمنهم ~~ومنافقهم ولم يكن يقصد أن يكتم يهود المدينة ما يقوله ويفعله خلاف من كان ~~يأتيهم من اليهود وهم يصدقون الكذب ويطيعون لليهود الآخرين الذين لم يأتوه ~~والله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحزنه المسارعون في الكفر من هاتين ~~الطائفتين المنافقتين الذين أظهروا الإيمان به ولم تؤمن قلوبهم ومن أهل ~~الكتاب الذين يطلبون أن يحكم بينهم وليس مقصودهم أن يطيعوه ويتبعوا حكمه بل ~~إن حكم بما يهوونه قبلوه وإن حكم بخلاف ذلك لم يقبلوه لكونهم مطيعين لقوم ~~آخرين لم يأتوه # قال تعالى @QB@ سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك @QE@ أي لم يأتك ~~أولئك القوم الآخرون يقولون أي يقول السماعون @QB@ إن أوتيتم هذا فخذوه وإن ~~لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين ~~لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~@QE@ PageV02P060 # والحكم يفتقر إلى الصدق والعدل فلا بد أن يكون الشاهد صادقا والحاكم ~~عادلا وهؤلاء يصدقون الكاذبين من الشهود ويتبعون حكم المخالفين للرسل الذين ~~يحكمون بغير ما أنزل الله وإذا لم يكن قصدهم اتباع الصدق والعدل فليس عليك ~~أن تحكم بينهم بل إن شئت فاحكم بينهم وإن شئت فلا تحكم # ولكن إذا حكمت فلا تحكم إلا بما أنزل الله إليك إذ هو العدل # قال تعالى @QB@ سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله ~~يحب المقسطين @QE@ ثم قال سورة المائدة الآيات 43 46 # فهذا ثناؤه على التوراة وإخباره أن فيها حكم الله وأنه أنزل التوراة ~~وفيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وقال عقب ذكرها ~~@QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ وهذا أعظم مما ~~ذكره في الإنجيل فإنه قال في الإنجيل @QB@ وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ~~@QE@ وقال فيه @QB@ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما ~~أنزل ms094 الله فأولئك هم الفاسقون @QE@ # وقال في التوراة @QB@ يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا @QE@ ~~وقال عقب ذكرها @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ ~~فهو سبحانه مع إخباره بإنزال PageV02P061 الكتابين يصف التوراة بأعظم مما ~~يصف به الإنجيل # كما قال تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا @QE@ # وإذا كان ما ذكره من مدح موسى والتوراة لم يوجب ذلك مدح اليهود الذين ~~كذبوا المسيح ومحمدا صلى الله عليهما وسلم تسليما وليس فيه ثناء على دين ~~اليهود المبدل المنسوخ باتفاق المسلمين والنصارى فكذلك ما ذكره من مدح ~~المسيح والإنجيل ليس فيه مدح النصارى الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وبدلوا أحكام التوراة والإنجيل واتبعوا المبدل المنسوخ واليهود توافق ~~المسلمين على أنه ليس فيما ذكر مدح للنصارى والنصارى توافق المسلمين على ~~أنه ليس فيما ذكر مدح لليهود بعد النسخ والتبديل فعلم اتفاق أهل الملل كلها ~~المسلمون واليهود والنصارى على أنه ليس فيما ذكر في القرآن من ذكر التوراة ~~والإنجيل وموسى وعيسى مدح لأهل الكتاب الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم ولا مدح لدينهم المبدل قبل مبعثه فليس في ذلك مدح لمن تمسك بدين مبدل ~~ولا بدين منسوخ فكيف بمن تمسك بدين مبدل منسوخ $ فصل # @QB@ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم @QE@ # وهذه حال من قاتل المرتدين وأولهم الصديق ومن اتبعه إلى يوم القيامة فهم ~~الذين جاهدوا المرتدين كأصحاب مسيلمة الكذاب ومانعي الزكاة وغيرهما وهم ~~الذين فتحوا الأمصار وغلبوا فارس والروم وكانوا أزهد الناس كما قال عبد ~~الله بن مسعود لأصحابه أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد وهم كانوا خيرا ~~منكم قالوا لم يا أبا عبد الرحمن قال لأنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في ~~الآخرة # فهؤلاء هم الذين لا تأخذهم في ms095 الله لومة لائم بخلاف الرافضة فإنهم أشد ~~الناس خوفا من لوم اللائم ومن عدوهم وهم كما قال تعالى @QB@ يحسبون كل صيحة ~~عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون @QE@ PageV02P062 ولا ~~يعيشون في أهل القبلة إلا من جنس اليهود في أهل الملل # ثم يقال من هؤلاء الذين زهدوا في الدنيا ولم تأخذهم في الله لومة لائم ~~ممن لم يبايع أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وبايع عليا فإنه من ~~المعلوم أن في زمن الثلاثة لم يكن أحد منحازا عن الثلاثة مظهرا لمخالفتهم ~~ومبايعة علي بل كل الناس كانوا مبايعين لهم فغاية ما يقال أنهم كانوا ~~يكتمون تقديم علي وليست هذه حال من لا تأخذه في الله لومة لائم # وأما في حال ولاية علي فقد كان رضي الله عنه من أكثر الناس لوما لمن معه ~~على قلة جهادهم ونكولهم عن القتال فأين هؤلاء الذين لا تأخذهم في الله لومة ~~لائم من هؤلاء الشيعة # وإن كذبوا على أبي ذر من الصحابة وسلمان وعمار وغيرهم فمن المتواتر أن ~~هؤلاء كانوا من أعظم الناس تعظيما لأبي بكر وعمر واتباعا لهما وإنما ينقل ~~عن بعضهم التعنت على عثمان لا على أبي بكر وعمر وسيأتي الكلام على ما جرى ~~لعثمان رضي الله عنه ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان لم يكن أحد يسمى من ~~الشيعة ولا تضاف الشيعة إلى أحد لا عثمان ولا غيرهما فلما قتل عثمان تفرق ~~المسلمون فمال قوم إلى عثمان ومال قوم إلى علي واقتتلت الطائفتان وقتل ~~حينئذ شيعة عثمان شيعة علي # وفي صحيح مسلم عن سعد بن هشام أنه أراد أن يغزو في سبيل الله وقدم ~~المدينة فأراد أن يبيع عقارا له بها فيجعله في السلاح والكراع ويجاهد الروم ~~حتى يموت فلما قدم المدينة لقي أناسا من أهل المدينة فنهوه عن ذلك وأخبروه ~~أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال # أليس لكم بي أسوة فلما حدثوه بذلك راجع امرأته ms096 وقد كان طلقها وأشهد على ~~رجعتها فأتى ابن عباس وسأله عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ~~ابن عباس ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال من قال عائشة رضي الله عنها فأتها فاسألها ثم ائتني فأخبرني بردها عليك ~~قال فانطلقت إليها فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها فقال ما أنا ~~بقاربها لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئا فأبت فيهما إلا مضيا ~~قال فأقسمت عليه فجاء فانطلقنا إلى عائشة رضي الله عنها وذكر الحديث ~~PageV02P063 # وقال معاوية لابن عباس أنت على ملة علي فقال لا على ملة علي ولا على ملة ~~عثمان أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكانت الشيعة أصحاب علي يقدمون عليه أبا بكر وعمر وإنما كان النزاع في ~~تقدمه على عثمان ولم يكن حينئذ يسمى أحد لا إماميا ولا رافضا وإنما سموا ~~رافضة وصاروا رافضة لما خرج زيد بن علي بن الحسين بالكوفة في خلافة هشام ~~فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر فترحم عليهم فرفضه قوم فقال رفضتموني ~~رفضتموني فسموا رافضة وتولاه قوم فسموا زيدية لانتسابهم إليه ومن حينئذ ~~انقسمت الشيعة إلى رافضة إمامية وزيدية وكلما زادوا في البدعة زادوا في ~~الشر فالزيدية خير من الرافضة أعلم وأصدق وأزهد وأشجع # ثم بعد أبي بكر عمر بن الخطاب وهو الذي لم تكن تأخذه في الله لومة لائم ~~وكان أزهد الناس باتفاق الخلق كما قيل فيه رحم الله عمر لقد تركه الحق ماله ~~من صديق $ فصل # وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى # هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ # منها قوله تعالى @QB@ وعبد الطاغوت @QE@ والصواب عطفه على قوله @QB@ من ~~لعنه الله @QE@ فعل ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية لكن المتقدمة ~~الفاعل الله مظهرا أو مضمرا وهذا الفعل اسم من عبد الطاغوت وهو الضمير في ~~عبد ولم يعد حرف من لأن هذه الأفعال لصنف ms097 واحد وهم اليهود والله أعلم $ فصل ~~في بطلان الاستدلال بالمتشابه # قال تعالى @QB@ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون @QE@ PageV02P064 # فذكر القسيسين والرهبان لئلا يقال إن هذا قيل عن غيرنا فدل هذا على ~~أفعالنا وحسن نياتنا ونفى عنا اسم الشرك بقوله اليهود والذين أشركوا أشد ~~الناس عداوة للذين آمنوا والذين قالوا إنا نصارى أقربهم مودة # والجواب أن يقال تمام الكلام @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع ~~القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك جزاء المحسنين @QE@ # فهو سبحانه لم يعد بالثواب في الآخرة إلا لهؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم الذين قال فيهم @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين @QE@ # والشاهدون هم الذين شهدوا له بالرسالة فشهدوا أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وهم الشهداء الذين قال فيهم @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا @QE@ ولهذا قال ابن عباس ~~وغيره @QB@ فاكتبنا مع الشاهدين @QE@ قال محمد صلى الله عليه وسلم وأمته # وكل من شهد للرسل بالتصديق فهو من الشاهدين كما قال الحواريون @QB@ ربنا ~~آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين @QE@ # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ~~وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس @QE@ PageV02P065 # وأما قوله في أول الآية @QB@ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ~~والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة ms098 للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى @QE@ ~~فهو كما أخبر سبحانه وتعالى فإن عداوة المشركين واليهود للمؤمنين أشد من ~~عداوة النصارى والنصارى أقرب مودة لهم وهذا معروف من أخلاق اليهود فإن ~~اليهود فيهم من البغض والحسد والعداوة ما ليس في النصارى # وفي النصارى من الرحمة والمودة ما ليس في اليهود والعداوة أصلها البغض ~~فاليهود كانوا يبغضون أنبياءهم فكيف ببغضهم للمؤمنين # واما النصارى فليس في الدين الذي يدينون به عداوة ولا بغض لأعداء الله ~~الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا فكيف بعداوتهم وبغضهم ~~للمؤمنين المعتدلين أهل ملة إبراهيم المؤمنين بجميع الكتب والرسل # وليس في هذا مدح للنصارى بالإيمان بالله ولا وعد لهم بالنجاة من العذاب ~~واستحقاق الثواب وإنما فيه أنهم أقرب مودة وقوله تعالى @QB@ ذلك بأن منهم ~~قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون @QE@ أي بسبب هؤلاء وسبب ترك الاستكبار ~~يصير فيهم من المودة ما يصيرهم بذلك خيرا من المشركين وأقرب مودة من اليهود ~~والمشركين # ثم قال تعالى @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع مما عرفوا من الحق @QE@ فهؤلاء الذين مدحهم بالإيمان ووعدهم بثواب ~~الآخرة والضمير وإن عاد إلى المتقدمين فالمراد به جنس المتقدمين لا كل واحد ~~منهم كقوله تعالى @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ # وكان جنس الناس قالوا لهم إن جنس الناس قد جمعوا ويمتنع العموم فإن ~~القائل من الناس والمقول له عنه من الناس والمقول عنه من الناس ويمتنع أن ~~يكون جميع الناس قال لجميع الناس إنه قد جمع لكم جميع الناس # ومثل هذا قوله تعالى @QB@ وقالت اليهود عزير ابن الله @QE@ أي جنس اليهود ~~قال هذا لم يقل هذا كل يهودي ومن هذا أن في النصارى من رقة القلوب التي ~~توجب لهم الإيمان ما ليس في اليهود وهذا حق وأما قولهم ونفى عنا اسم الشرك ~~فلا ريب أن الله فرق بين المشركين وأهل الكتاب في عدة مواضع ووصف من أشرك ~~منهم في بعض ms099 المواضع بل قد ميز بين الصابئين والمجوس وبين المشركين في عدة ~~مواضع وكلا الأمرين حق فالأول كقوله PageV02P066 تعالى @QB@ لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين @QE@ # وقوله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا @QE@ وقال تعالى @QB@ لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين أشركوا @QE@ # وأما وصفهم بالشرك ففي قوله @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون @QE@ فنزه نفسه عن شركهم وذلك أن أصل دينهم ليس فيه شرك ~~فإن الله إنما بعث رسله بالتوحيد والنهي عن الشرك كما قال تعالى @QB@ واسأل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون @QE@ # فالمسيح صلوات الله عليه وسلامه ومن قبله من الرسل إنما دعوا إلى عبادة ~~الله وحده لا شريك له وفي التوراة من ذلك ما يعظم وصفه لم يأمر أحد من ~~الأنبياء بأن يعبد ملك ولا نبي ولا كواكب ولا وثن ولا أن تسأل الشفاعة إلى ~~الله من ميت ولا غائب ولا نبي ولا ملك فلم يأمر أحد من الرسل بأن يدعو ~~الملائكة ويقول اشفعوا لنا إلى الله ولا يدعو الأنبياء والصالحين الموتى ~~والغائبين ويقول اشفعوا لنا إلى الله ولا تصور تماثيلهم لا مجسدة ذات ظل ~~ولا مصورة في الحيطان ولا يجعل دعاء تماثيلهم وتعظيمها قربة وطاعة سواء ~~قصدوا دعاء أصحاب التماثيل أو تعظيمهم والاستشفاع بهم وطلبوا منهم أن ~~يسألوا الله تعالى وجعلوا تلك التماثيل تذكرة بأصحابها وقصدوا دعاء ~~التماثيل ولم يستشعروا أن المقصود دعاء أصحابها كما فعله جهال المشركين وإن ~~كان في هذا جميعه إنما يعبدون الشيطان وإن كانوا لا يقصدون عبادته فإنه ~~يتصور لهم في صورة ما يظنون أنها صورة الذي يعظمونه ويقول أنا الخضر أنا ~~المسيح ms100 أنا جرجس أنا الشيخ فلان # كما قد وقع هذا لغير واحد من المنتسبين إلى المسلمين والنصارى وقد يدخل ~~الشيطان في PageV02P067 بعض التماثيل فيخاطبهم وقد يقضي بعض حاجاتهم فبهذا ~~السبب وأمثاله ظهر الشرك قديما وحديثا وفعل النصارى وأشباههم ما فعلوه من ~~الشرك # وأما الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه فنهوا عن هذا كله ولم يشرع ~~أحد منهم شيئا من ذلك فالنصارى لا يأمرون بتعظيم الأوثان المجسدة ولكن ~~بتعظيم التماثيل المصورة فليسوا على التوحيد المحض وليسوا كالمشركين الذين ~~يعبدون الأوثان ويكذبون الرسل فلهذا جعلهم الله نوعا غير المشركين تارة ~~وذمهم على ما أحدثوه من الشرك تارة # وإذا أطلق لفظ الشرك فطائفة من المسلمين تدخل فيه جميع الكفار من أهل ~~الكتاب وغيرهم كقوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا @QE@ @QB@ ~~ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن @QE@ فمن الناس من يجعل اللفظ عاما لجميع ~~الكفار لا سيما النصارى ثم من هؤلاء من ينهى عن نكاح هؤلاء كما كان عبد ~~الله بن عمر ينهي عن نكاح هؤلاء ويقول لاأعظم شركا من أن يقول عيسى ربنا # وهذا قول طائفة من الشيعة وغيرهم # وأما جمهور السلف والخلف فيجوزون نكاح الكتابيات ويبيحون ذبائحهم لكن إذا ~~قالوا لفظ المشركين عام قالوا هذه الآية مخصوصة أو منسوخة بآية المائدة وهو ~~قوله تعالى @QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات ~~من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ~~محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان @QE@ # وطائفة أخرى تجعل لفظ المشركين إذا أطلق لا يدخل فيه أهل الكتاب وأما كون ~~النصارى فيهم شرك كما ذكره الله فهذا متفق عليه بين المسلمين كما نطق به ~~القرآن كما أن المسلمين متفقون على أن قوله @QB@ لتجدن أشد الناس عداوة ~~للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى @QE@ لأن النصارى لم يدخلوا في لفظ الذين أشركوا كما لم ~~يدخلوا في لفظ اليهود # وكذلك قوله @QB@ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين @QE@ ونحو ~~ذلك وهذا لأن ms101 لفظ الواحد تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران فيدخل فيه مع ~~الأفراد والتجريد ما لا PageV02P068 يدخل فيه عند الاقتران كلفظ المعروف ~~والمنكر في قوله تعالى @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر @QE@ فإنه ~~يتناول جميع ما أمر الله به فإنه معروف وجميع ما نهى عنه فإنه منكر # وفي قوله @QB@ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس @QE@ فهنا قرن الصدقة بالمعروف والإصلاح بين الناس # وكذلك المنكر في قوله @QB@ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر @QE@ قرن ~~الفحشاء بالمنكر وقوله @QB@ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون @QE@ قرن الفحشاء ~~بالمنكر والبغي # وكذلك لفظ البر والإيمان وإذا أفرده دخل فيه الأعمال والتقوى كقوله @QB@ ~~ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين @QE@ # وقال @QB@ إن الأبرار لفي نعيم @QE@ وقوله @QB@ إنما المؤمنون @QE@ @QB@ ~~ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري @QE@ وقال @QB@ إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون @QE@ وقد يقرنه بغيره كقوله @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ ~~وقوله @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ وكذلك لفظ الفقير والمسكين ~~إذا أفرد أحدهما دخل فيه لفظ الآخر # وقد يجمع بينهما في قوله @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ ~~فيكونان هنا صنفين وفي تلك المواضع صنف واحد فكذلك لفظ الشرك في مثل قوله ~~@QB@ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا @QE@ يدخل ~~فيه جميع الكفار PageV02P069 أهل الكتاب وغيرهم عند عامة العلماء لأنه ~~أفرده وجرده وإن كانوا إذا قرن بأهل الكتاب كانا صنفين # وفي صحيح مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم # كان إذا أرسل أميرا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ~~وأوصاه بمن معه من المسلمين خيرا وقال لهم اغزوا بسم الله في سبيل الله في ~~دعة قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا ~~وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خلال ثلاث فإنهم ما ms102 ~~أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم إلى الإسلام فإن أجابوك إلى ذلك فاقبل ~~منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم ~~أنهم إن فعلوا ذلك فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم فإن أبوا أن ~~يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله ~~الذي يجري على المسلمين وليس لهم في الغنيمة والفيء نصيب إلا أن يجاهدوا مع ~~المسلمين فإن هم أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم # وهذا الحديث كان بعد نزول آية الجزية وهي إنما نزلت عام تبوك لما قاتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم النصارى بالشام واليهود باليمن # وهذا الحكم ثابت في أهل الكتاب باتفاق المسلمين كما دل عليه الكتاب ~~والسنة ولكن تنازعوا في الجزية هل تؤخذ من غير أهل الكتاب وهذا مبسوط في ~~موضعه $ فصل في ادعاء النصارى أن القرآن سوى بين الأديان # قالوا في سورة المائدة @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون @QE@ # فساوى بهذا القول بين سائر الناس اليهود والمسلمون وغيرهم # والجواب أن يقال أولا لا حجة لكم في هذه الآية على مطلوبكم فإنه يسوي ~~بينكم وبين اليهود والصابئين وأنتم مع المسلمين متفقون على أن اليهود كفار ~~من بعث المسيح إليهم فكذبوه # وكذا الصابئون من حيث بعث إليهم رسول فكذبوه فهم كفار فإن كان في الآية ~~مدح PageV02P070 لدينكم الذي أنتم عليه بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~ففيها مدح دين اليهود أيضا وهذا باطل عندكم وعند المسلمين # وإن لم يكن فيها مدح اليهود بعد النسخ والتبديل فليس فيها مدح لدين ~~النصارى بعد النسخ والتبديل # وكذلك يقال لليهودي إن احتج بها على صحة دينه # وأيضا فإن النصارى يكفرون اليهود فإن كان دينهم حقا لزم كفر اليهود وإن ~~كان باطلا لزم بطلان دينهم فلا بد من بطلان أحد الدينين فيمتنع أن تكون ~~الآية مدحتهما وقد سوت بينهما # فعلم أنها لم تمدح واحدا ms103 منهما بعد النسخ والتبديل وإنما معنى الآية أن ~~المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم والذين هادوا الذين اتبعوا موسى عليه ~~السلام وهم الذين كانوا على شرعة قبل النسخ والتبديل والنصارى الذين اتبعوا ~~المسيح عليه السلام وهم الذين كانوا على شريعته قبل النسخ والتبديل # والصابئون وهم الصائبون الحنفاء كالذين كانوا من العرب وغيرهم على دين ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق قبل التبديل والنسخ # فإن العرب من ولد إسماعيل وغيره الذين كانوا جيران البيت العتيق الذي ~~بناه إبراهيم وإسماعيل كانوا حنفاء على ملة إبراهيم إلى أن غير دينه بعض ~~ولاة خزاعة وهو عمرو بن لحي وهو أول من غير دين إبراهيم بالشرك وتحريم ما ~~لم يحرمه الله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم # رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه أي أمعاءه في النار وهو أول من بحر البحيرة ~~وسيب السوائب وغير دين إبراهيم # وكذلك بنو إسحاق الذين كانوا قبل مبعث موسى متمسكين بدين إبراهيم كانوا ~~من السعداء المحمودين فهؤلاء الذين كانوا على دين موسى والمسيح وإبراهيم ~~ونحوهم الذين مدحهم الله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ # فأهل الكتاب بعد النسخ والتبديل ليسوا ممن آمن بالله ولا باليوم الآخر ~~وعمل صالحا كما قال تعالى @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ PageV02P071 PageV02P072 3 ~~$ فصل في كفارة اليمين # قال شيخ الإسلام ابن تيمية # كفارة اليمين هي المذكورة في سورة المائدة قال تعالى @QB@ فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام @QE@ فمتى كان واحدا فعليه أن يكفر بإحدى الثلاث فإن لم ~~يجد فصيام ثلاثة أيام وإذا اختار أن يطعم عشرة مساكين فله ذلك ومقدار ما ~~يطعم مبني على أصل وهو أن إطعامهم هل هو ms104 مقدر بالشرع أو بالعرف فيه قولان ~~للعلماء منهم من قال هو مقدر بالشرع وهؤلاء على أقوال # منهم من قال يطعم كل مسكين صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو نصف صاع من بر ~~كقول أبي حنيفة وطائفة # ومنهم من قال يطعم كل واحد نصف صاع من تمر أو شعير أو ربع صاع من بر وهو ~~مد كقول أحمد وطائفة # ومنهم من قال بل يجزىء في الجميع مد من الجميع كقول الشافعي وطائفة # والقول الثاني أن ذلك مقدر بالعرف لا بالشرع فيطعم أهل كل بلد من أوسط ما ~~يطعمون أهليهم قدرا ونوعا وهذا معنى قول مالك قال إسماعيل بن إسحاق كان ~~مالك يرى في كفارة اليمين أن المد يجزىء بالمدينة قال مالك وأما البلدان ~~فإن لهم عيشا غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم لقول الله تعالى ~~@QB@ من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم @QE@ وهو مذهب داود وأصحابه مطلقا # والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين هذا القول ولهذا كانوا يقولون الأوسط ~~خبز ولبن خبز وسمن خبز وتمر والأعلى خبز ولحم وقد بسطنا الآثار عنهم في غير ~~هذا الموضع وبينا أن هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة ~~والاعتبار وهو قياس مذهب أحمد وأصوله فإن أصله أن ما لم يقدره الشارع فإنه ~~يرجع فيه إلى العرف وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف لا سيما مع ~~قوله تعالى @QB@ من أوسط ما تطعمون أهليكم @QE@ فإن أحمد لا يقدر طعام ~~المرأة والولد ولا المملوك ولا يقدر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ~~ظاهر مذهبه ولا يقدر الضيافة الواجبة عنده قولا واحدا ولا يقدر الضيافة ~~المشروطة على أهل الذمة للمسلمين في ظاهر مذهبه هذا مع أن هذه واجبة بالشرط ~~فكيف يقدر طعاما واجبا بالشرع بل ولا يقدر الجزية في أظهر الروايتين عنه ~~ولا الخراج ولا يقدر أيضا الأطعمة الواجبة مطلقا سواء وجبت بشرع أو شرط ولا ~~غير الأطعمة مما وجبت مطلقا فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر # والأقسام ثلاثة فما له ms105 حد في الشرع أو اللغة رجع في ذلك إليهما وما ليس ~~له حد فيهما رجع فيه إلى العرف ولهذا لا يقدر للعقود ألفاظا بل أصله في هذه ~~الأمور من جنس أصل مالك كما أن قياس مذهبه أن يكون الواجب في صدقة الفطر ~~نصف صاع من بر وقد PageV02P083 دل على كلامه أيضا كما قد بين في موضع آخر ~~وإن كان المشهور عنه تقدير ذلك وبالصاع كالتمر والشعير # وقد تنازع العلماء في الأدم هل هو واجب أو مستحب على قولين والصحيح أنه ~~إن كان يطعم أهله بأدم أطعم المساكين بأدم وإن كان إنما يطعمهم بلا أدم لم ~~يكن عليه أن يفضل المساكين على أهله بل يطعم المساكين من أوسط ما يطعم أهله # وعلى هذا فمن البلاد من يكون أوسط طعام أهله مدا من حنطة كما يقال عن أهل ~~المدينة وإذا صنع خبزا جاء نحو رطلين بالعراقي وهو بالدمشقي خمسة أواق ~~وخمسة أسباع أوقية فإن جعل بعضه أدما كما جاء عن السلف كان الخبز نحوا من ~~أربعة أواق وهذا لا يكفي أكثر أهل الأمصار فلهذا قال جمهور العلماء يطعم في ~~غير المدينة أكثر من هذا إما مدان أو مد ونصف على قدر طعامهم فيطعم من ~~الخبز إما نصف رطل بالدمشقي وإما ثلثا رطل وإما رطل وإما أكثر وإما مع ~~الأدم وإما بدون الأدم على قدر عادتهم في الأكل في وقت # فإن عادة الناس تختلف بالرخص والغلاء واليسار والإعسار وتختلف بالشتاء ~~والصيف وغير ذلك # وإذا حسب ما يوجبه أبو حنيفة خبزا كان رطلا وثلثا بالدمشقي فإنه يوجب نصف ~~صاع عنده ثمانية أرطال وأما ما يوجبه من التمر والشعير فيوجب صاعا ثمانية ~~أرطال وذلك بقدر ما يوجبه الشافعي ست مرات وهو بقدر ما يوجبه أحمد بن حنبل ~~ثلاث مرات # والمختار أن يرجع في ذلك إلى عرف الناس وعادتهم فقد يجزىء في بلد ما ~~أوجبه أبو حنيفة وفي بلد ما أوجبه أحمد وفي بلد آخر ما بين هذا وهذا على ~~حسب عادته عملا بقوله تعالى @QB@ من ms106 أوسط ما تطعمون أهليكم @QE@ # وإذا جمع عشرة مساكين وعشاهم خبزا أو أدما من أوسط ما يطعم أهله أجزأه ~~ذلك عند أكثر السلف وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين ~~وغيرهم وهو أظهر القولين في الدليل فإن الله تعالى أمر بالإطعام لم يوجب ~~التمليك وهذا إطعام حقيقة ومن أوجب التمليك احتج بحجتين # إحداهما أن الطعام الواجب مقدر بالشرع ولا يعلم إذا أكلوا أن كل واحد ~~يأكل قدر حقه # وجواب الأولى أنا لا نسلم أنه مقدر بالشرع وإن قدر أنه مقدر به فالكلام ~~إنما هو إذا أشبع كل واحد منهم غداء وعشاء وحينئذ فيكون قد أخذ كل واحد قدر ~~حقه وأكثر وأما التصرف بما شاء فالله تعالى لم يوجب ذلك إنما أوجب الإطعام ~~ولو أراد ذلك لأوجب مالا PageV02P085 من النقد والزكاة ونحوه وهو لم يوجب ~~ذلك # والزكاة إنما أوجب فيها التمليك لأنه ذكرها باللام بقوله تعالى @QB@ إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ ولهذا حيث ذكر الله التصرف كقوله @QB@ وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله @QE@ فالصحيح أنه لا يجب التمليك بل يجوز ~~أن يعتق من الزكاة وإن لم يكن تمليكا للمعتق ويجوز أن يشتري منها سلاحا ~~يعين به في سبيل الله وغير ذلك ولهذا قال من قال من العلماء الإطعام أولى ~~من التمليك لأن المملك قد يبيع ما أعطيته ولا يأكله بل قد يكنزه فإذا أطعم ~~الطعام حصل مقصود الشارع قطعا # وغاية ما يقال أن التمليك قد يسمى إطعاما كما يقال أطعم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الجدة السدس وفي الحديث # ما أطعم الله نبيا طعمة إلا كانت لمن يلي الأمر من بعده # لكن يقال لا ريب أن اللفظ يتناول الإطعام المعروف بطريق الأولى ولأن ذلك ~~إنما يقال إذا ذكر المطعم فيقال أطعمه كذا فأما إذا أطلق وقيل أطعم هؤلاء ~~المساكين فإنه لا يفهم منه إلا نفس الإطعام لكن لما كانوا يأكلون ما ~~يأخذونه سمى التمليك للطعام إطعاما لأن المقصود هو الإطعام أما إذا كان ~~المقصود مصرفا غير الأكل فهذا لا يسمى ms107 إطعاما عند الإطعام PageV02P086 91 $ ~~فصل في معنى روح القدس # قال تعالى @QB@ يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك ~~بروح القدس @QE@ # فيقال هذا مما لا ريب فيه ولا حجة لكم فيه بل هو حجة عليكم فإن الله أيد ~~المسيح عليه السلام بروح القدس كما ذكر ذلك في هذه الآية وقال تعالى في ~~البقرة @QB@ وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس @QE@ # وقال تعالى @QB@ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس @QE@ # وهذا ليس مختصا بالمسيح بل قد أيد غيره بذلك وقد ذكروا هم أنه قال لداود ~~روحك القدس لا تنزع مني وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت # اللهم أيده بروح القدس # وفي لفظ روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه # وكلا اللفظين في الصحيح PageV02P091 # وعند النصارى أن الحواريين حلت فيهم روح القدس وكذلك عندهم روح القدس حدث ~~في جميع الأنبياء # وقد قال تعالى سورة النحل الآيات 98 102 # وقد قال تعالى في موضع آخر @QB@ نزل به الروح الأمين على قلبك @QE@ # وقال @QB@ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله @QE@ # فقد تبين أن روح القدس هنا جبريل وقال تعالى @QB@ لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ # وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ # وقال تعالى @QB@ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن ~~أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون @QE@ # وقال تعالى @QB@ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم ~~التلاق @QE@ # فهذه الروح التي أوحاها والتي تنزل بها الملائكة على من يشاء من عباده ~~غير الروح الأمين التي تنزل بالكتاب وكلاهما يتسمى ms108 روحا وهما متلازمان ~~فالروح التي ينزل بها PageV02P092 الملك مع الروح الأمين التي ينزل بها روح ~~القدس يراد بها هذا وهذا # وبكلا القولين فسر المفسرون قوله في المسيح @QB@ وأيدناه بروح القدس @QE@ # ولم يقل أحد أن المراد بذلك حياة الله ولا اللفظ يدل على ذلك ولا استعمل ~~فيه وهم إما أن يسلموا أن روح القدس في حق غيره ليس المراد بها حياة الله ~~فإذا ثبت أن لها معنى غير الحياة فلو استعمل في حياة الله أيضا لم يتعين أن ~~يراد بها ذلك في حق المسيح فكيف ولم يستعمل في حياة الله في حق المسيح وإما ~~أن يدعوا أن المراد بها حياة الله في حق الأنبياء والحواريين فإن قالوا ذلك ~~لزمهم أن يكون اللاهوت حالا في جميع الأنبياء والحواريين وحينئذ فلا فرق ~~بين هؤلاء وبين المسيح # ويلزمهم أيضا أن يكون في المسيح لاهوتان لاهوت الكلمة ولاهوت الروح فيكون ~~قد اتحد به أقنومان ثم في قوله تعالى @QB@ وأيدناه بروح القدس @QE@ يمتنع ~~أن يراد بها حياة الله فإن حياة الله صفة قائمة بذاته لا تقوم بغيره ولا ~~تختص ببعض الموجودات غيره وأما عندهم فالمسيح هو الله الخالق فكيف يؤيد ~~بغيره وأيضا فالمتحد بالمسيح هو الكلمة دون الحياة فلا يصح تأييده بها # فتبين أنهم يريدون أن يحرفوا القرآن كما حرفوا غيره من الكتب المتقدمة ~~وأن كلامهم في تفسير المتشابه من الكتب الإلهية من جنس واحد $ فصل عيسى عبد ~~الله ورسوله # قال تعالى سورة البقرة الآية 87 # فأخبر عن المسيح أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به بقوله أن اعبدوا ~~الله ربي وربكم وكان عليهم شهيدا ما دام فيهم وبعد وفاته كان الله الرقيب ~~عليهم فإذا كان بعضهم قد PageV02P093 غلط في النقل عنه أو في تفسير كلامه ~~أو تعمد تغيير دينه لم يكن على المسيح عليه السلام من ذلك درك وإنما هو ~~رسول عليه البلاغ المبين # وقد أخبر الله سبحانه أن أول ما تكلم به المسيح أن قال @QB@ إني عبد الله ~~آتاني الكتاب وجعلني نبيا ms109 وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا @QE@ # ثم طلب لنفسه السلام فقال @QB@ والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث ~~حيا @QE@ # والنصارى يقولون علينا منه السلام كما يقوم الغالية فيمن يدعون فيه ~~الإلهية كالنصيرية في علي والحاكمية في الحاكم # الوجه الثاني أن يقال إن الله لم يذكر أن المسيح مات ولا قتل وإنما قال ~~@QB@ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا @QE@ وقال ~~المسيح @QB@ فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد @QE@ # وقال تعالى سورة النساء الآيات 155 161 # فذم الله اليهود بأشياء منها @QB@ وقولهم على مريم بهتانا عظيما @QE@ حيث ~~زعموا أنها بغي ومنها قولهم @QB@ إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~@QE@ # قال تعالى @QB@ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم @QE@ وأضاف هذا القول ~~إليهم PageV02P094 وذمهم عليه ولم يذكر النصارى لأن الذين تولوا صلب ~~المصلوب المشبه به هم اليهود ولم يكن أحد من النصارى شاهدا معهم بل كان ~~الحواريون خائفين غائبين فلم يشهد أحد منهم الصلب وإنما شهده اليهود وهم ~~الذين أخبروا الناس أنهم صلبوا المسيح والذين نقلوا أن المسيح صلب من ~~النصارى وغيرهم إنما نقلوه عن أولئك اليهود وهم شرط من أعوان الظلمة لم ~~يكونوا خلقا كثيرا يمتنع تواطؤهم على الكذب # قال تعالى @QB@ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم @QE@ فنفى عنه القتل ثم ~~قال @QB@ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته @QE@ # وهذا عند أكثر العلماء معناه قبل موت المسيح وقد قيل قبل موت اليهود وهو ~~ضعيف كما قيل إنه قبل موت محمد صلى الله عليه وسلم وهو أضعف فإنه لو آمن به ~~قبل الموت لنفعه إيمانه به فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر # وإن قيل المراد به الإيمان الذي يكون بعد الغرغرة لم يكن في هذا فائدة ~~فإن كل أحد بعد موته يؤمن بالغيب الذي كان يجحده فلا اختصاص للمسيح به ~~ولأنه قال قبل موته ولم يقل بعد ms110 موته ولأنه ولا فرق بين إيمانه بالمسيح ~~وبمحمد صلوات الله عليه وسلامه واليهودي الذي يموت على اليهودية فيموت ~~كافرا بمحمد والمسيح عليهما الصلاة والسلام ولأنه قال @QB@ وإن من أهل ~~الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته @QE@ وقوله @QB@ ليؤمنن به @QE@ فعل مقسم ~~عليه وهذا إنما يكون في المستقبل فدل ذلك على أن هذا الإيمان بعد إخبار ~~الله بهذا ولو أريد قبل موت الكتابي لقال وإن من أهل الكتاب إلا من يؤمن به ~~لم يقل ليؤمنن به # وأيضا فإنه قال إن من أهل الكتاب وهذا يعم اليهود والنصارى فدل ذلك على ~~أن جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح وذلك ~~إذا نزل آمنت اليهود والنصارى بأنه رسول الله ليس كاذبا كما يقول اليهود ~~ولا هو الله كما تقوله النصارى # والمحافظة على هذا العموم أولى من أن يدعي أن كل كتابي ليؤمنن به قبل أن ~~يموت الكتابي فإن هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني وهذا خلاف الواقع وهو ~~لما قال @QB@ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته @QE@ ودل على أن ~~المراد بإيمانهم قبل أن يموت هو علم أنه أريد بالعموم عموم من كان موجودا ~~حين نزوله أي لا يتخلف منهم أحد عن الإيمان به لا إيمان من كل منهم ميتا # وهذا كما يقال إنه لا يبقى بلد إلا دخله الدجال إلا مكة والمدينة أي في ~~المدائن الموجودة حينئذ وسبب إيمان أهل الكتاب به حينئذ ظاهر فإنه يظهر لكل ~~أحد أنه رسول مؤيد ليس بكذاب ولا هو رب العالمين PageV02P095 # فالله تعالى ذكر إيمانهم به إذا نزل إلى الأرض فإنه تعالى لما ذكر رفعه ~~إلى الله بقوله @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ وهو ينزل إلى الأرض قبل ~~يوم القيامة ويموت حينئذ أخبر الآية الزخرف الآيات 59 65 # في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل ~~الخنزير ويضع الجزية # وقوله تعالى @QB@ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن ms111 الذين اختلفوا ~~فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه ~~الله إليه وكان الله عزيزا حكيما @QE@ بيان أن الله رفعه حيا وسلمه من ~~القتل وبين أنهم يؤمنون به قبل أن يموت # وكذلك قوله @QB@ ومطهرك من الذين كفروا @QE@ ولو مات لم يكن فرق بينه ~~وبين غيره $ معنى التوفي # ولفظ التوفي في لغة العرب معناه الاستيفاء والقبض وذلك ثلاثة أنواع أحدها ~~توفي النوم والثاني توفي الموت والثالث توفي الروح والبدن جميعا فإنه بذلك ~~خرج عن حال أهل الأرض الذين يحتاجون إلى الأكل والشرب واللباس ويخرج منهم ~~الغائط والبول والمسيح عليه السلام توفاه الله وهو في السماء الثانية إلى ~~أن ينزل إلى الأرض ليست حاله كحالة أهل الأرض في الأكل والشرب واللباس ~~والنوم والغائط والبول ونحو ذلك # الوجه الثالث قولهم إنه عنى بموته عن موت الناسوت كان ينبغي لهم أن ~~يقولوا على أصلهم عنى بتوفيته عن توفي الناسوت وسواء قيل موته أو توفيته ~~فليس هو شيئا غير الناسوت فليس هناك شيء غيره لم يتوف الله تعالى قال ~~PageV02P096 # @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ فالمتوفى هو المرفوع إلى الله وقولهم إن ~~المرفوع هو اللاهوت مخالف لنص القرآن ولو كان هناك موت فكيف إذا لم يكن ~~فإنهم جعلوا المرفوع غير المتوفى والقرآن أخبر أن المرفوع هو المتوفى # وكذلك قوله في الآية الأخرى @QB@ وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه @QE@ ~~هو تكذيب لليهود في قولهم @QB@ إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~@QE@ واليهود لم يدعوا قتل لاهوت ولا أثبتوا لله لاهوتا في المسيح والله ~~تعالى لم يذكر دعوى قتله عن النصارى حتى يقال إن مقصودهم قتل الناسوت دون ~~اللاهوت بل عن اليهود الذين لا يثبتون إلا الناسوت # وقد زعموا أنهم قتلوه فقال تعالى @QB@ وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه ~~@QE@ فأثبت رفع الذي قالوا إنهم قتلوه وإنما هو الناسوت فعلم أنه هو الذي ~~نفي عنه القتل وهو الذي رفع والنصارى معترفون برفع الناسوت لكن يزعمون أنه ~~صلب وأقام ms112 في القبر إما يوما وإما ثلاثة أيام ثم صعد إلى السماء وقعد عن ~~يمين الأب الناسوت مع اللاهوت # وقوله تعالى @QB@ وما قتلوه يقينا @QE@ معناه أن نفي قتله هو يقين لا ريب ~~فيه بخلاف الذين اختلفوا بأنهم في شك منه من قتله وغير قتله فليسوا ~~مستيقنين أنه قتل إذ لا حجة معه بذلك # ولذلك كانت طائفة من النصارى يقولون إنه لم يصلب فإن الذين صلبوا المصلوب ~~هم اليهود وكان قد اشتبه عليهم المسيح بغيره كما دل عليه القرآن وكذلك عند ~~أهل الكتاب أنه اشتبه بغيره فلم يعرفوا من هو المسيح من أولئك حتى قال لهم ~~بعض الناس أنا أعرفه فعرفوه وقول من قالوا معنى الكلام ما قتلوه علما بل ~~ظنا قول ضعيف # الوجه الرابع أنه قال تعالى @QB@ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك ~~إلي ومطهرك من الذين كفروا @QE@ فلو كان المرفوع هو اللاهوت لكان رب ~~العالمين قال لنفسه أو لكلمته @QB@ ورافعك إلي @QE@ وكذلك قوله @QB@ بل ~~رفعه الله إليه @QE@ فالمسيح عندهم هو الله # ومن المعلوم أنه يمتنع رفع نفسه إلى نفسه وإذا قالوا هو الكلمة فهم مع ~~ذلك أنه الإله الخالق لا يجعلونه بمنزلة التوراة والقرآن ونحوهما مما هو ~~كلام الله الذي قال فيه @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ بل عندهم هو الله ~~الخالق الرازق رب العالمين ورفع رب العالمين إلى رب العالمين ممتنع # الوجه الخامس قوله @QB@ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت ~~أنت الرقيب عليهم @QE@ دليل على أنه بعد توفيته لم يكن الرقيب عليهم إلا ~~الله دون المسيح فإن قوله كنت أنت يدل على الحصر كقوله إن كان هذا هو الحق ~~ونحو ذلك فعلم أن المسيح بعد PageV02P097 توفيته ليس رقيبا على اتباعه بل ~~الله هو الرقيب المطلع عليهم المحصي أعمالهم المجازي عليها والمسيح ليس ~~برقيب فلا يطلع على أعمالهم ولا يحصيها ولا يجازيهم بها $ فصل فساد قول ~~النصارى في أن المسيح خالق # قالوا وقد سماه الله أيضا في هذا الكتاب خالقا حيث قال @QB@ وإذ تخلق من ~~الطين ms113 كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني @QE@ سورة المائدة ~~110 # فأشار بالخالق إلى كلمة الله المتحدة في الناسوت المأخوذة من مريم أنه ~~كذا قال على لسان داود النبي # بكلمة الله خلقت السماوات والأرض ليس خالق إلا الله وكلمته وروحه # وهذا مما يوافق رأينا واعتقادنا في السيد المسيح لذكره لأنه حيث قال ~~وتخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله أي بإذن ~~اللاهوت الكلمة المتحدة في الناسوت # والجواب إن جميع ما يحتجون به من هذه الآيات وغيرها فهو حجة عليهم لا لهم ~~وهكذا شأن جميع أهل الضلال إذا احتجوا بشيء من كتب الله وكلام أنبيائه كان ~~في نفس ما احتجوا به ما يدل على فساد قولهم وذلك لعظمة كتب الله المنزلة ~~وما نطق به أنبياؤه فإنه جعل ذلك هدى وبيانا للخلق وشفاء لما في الصدور فلا ~~بد أن يكون في كلام الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين من الهدى ~~والبيان ما يفرق الله به بين الحق والباطل والصدق والكذب لكن الناس يؤتون ~~من قبل أنفسهم لا من قبل أنبياء الله تعالى # إما من كونهم لم يتدبروا القول الذي قالته الأنبياء حق التدبر حتى يفقهوه ~~ويفهموه # وإما من جهة أخذهم ببعض الحق دون بعض مثل أن يؤمنوا ببعض ما أنزل الله ~~دون بعض فيضلون من جهة ما لم يؤمنوا به كما قال تعالى عن النصارى @QB@ ومن ~~الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة @QE@ # وإما من جهة نسبتهم إلى الأنبياء ما لم يقولوه من أقوال كذبت عليهم ومن ~~جهة ترجمة PageV02P098 أقوالهم بغير ما تستحقه من الترجمة وتفسيرها بغير ما ~~تستحقه من التفسير الذي دل عليه كلام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين فإنه يجب أن يفسر كلام المتكلم ببعض ببع ويؤخذ كلامه ها هنا وها هنا ~~وتعرف ما عادته يعينه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به وتعرف المعاني التي ~~عرف أنه أرادها في موضع آخر فإذا عرف عرفه ms114 وعادته في معانيه وألفاظه كان ~~هذا مما يستعان به على معرفة مراده # وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه وترك استعماله ~~في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه وحمل كلامه على خلاف المعنى الذي ~~قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ يجعل كلامه متناقضا ويترك كلامه على ما يناسب ~~سائر كلامه كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه وتبديلا لمقاصده وكذبا عليه # فهذا أصل من ضل في تأويل كلام الأنبياء على غير مرادهم فإذا عرف هذا ~~فيقول $ الرد عليهم # الجواب عما ذكروه هنا من وجوه # أحدهما أن الله لم يذكر عن المسيح خلقا مطلقا ولا خلقا عاما كما ذكر عن ~~نفسه تبارك وتعالى فأول ما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~@QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ # وقال تعالى @QB@ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو ~~الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق ~~البارئ المصور له الأسماء الحسنى @QE@ # فذكر نفسه بأنه الخالق البارىء المصور ولم يصف قط شيئا من المخلوقات بهذا ~~لا ملكا ولا نبيا وكذلك قال تعالى @QB@ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء ~~وكيل له مقاليد السماوات والأرض @QE@ # وقال تعالى @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم @QE@ PageV02P099 # ووصف نفسه بأنه رب العالمين وبأنه مالك يوم الدين وأنه له الملك وله ~~الحمد وأنه الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم وأنه على كل شيء قدير وبكل ~~شيء عليم ونحو ذلك من خصائص الربوبية ولم يصف شيئا من مخلوقاته لا ملكا ~~مقربا ولا نبيا مرسلا بشيء من الخصائص التي يختص بها التي وصف ms115 بها نفسه ~~سبحانه وتعالى # وأما المسيح عليه السلام فقال فيه @QB@ وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ~~بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني @QE@ # وقال المسيح عن نفسه @QB@ أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون ~~طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله @QE@ فلم يذكر ~~إلا خلق شيء معين خاص بإذن الله فكيف يكون هذا الخلق هو ذاك # الوجه الثاني أنه خلق من الطين كهيئة الطير والمراد به تصويره بصورة ~~الطير وهذا الخلق يقدر عليه عامة الناس فإنه يمكن أحدهم أن يصور من الطين ~~كهيئة الطير وغير الطير من الحيوانات ولكن التصوير محرم بخلاف تصوير المسيح ~~فإن الله أذن له فيه # والمعجزة أنه ينفخ فيه الروح فيصير طيرا بإذن الله عز وجل ليس المعجزة ~~مجرد خلقه من الطين فإن هذا مشترك ولقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~المصورين وقال # إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون # الوجه الثالث أن الله أخبر أن المسيح إنما فعل التصوير وهو محرم والنفخ ~~بإذنه تعالى وأخبر المسيح عليه السلام أنه فعله بإذن الله وأخبر الله أن ~~هذا من نعمته التي أنعم بها على المسيح عليه السلام كما قال تعالى @QB@ إن ~~هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل @QE@ # وقال تعالى له @QB@ عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك ~~بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ~~وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات @QE@ PageV02P100 # وهذا كله صريح في أنه ليس هو الله وإنما هو عبد الله فعل ذلك بإذن الله ~~كما فعل مثل ذلك غيره من الأنبياء وصريح بأن الإذن غير المأذون له والمعلم ~~ليس هو المعلم والمنعم عليه وعلى والدته ليس هو إياه كما ليس هو والدته # والوجه الرابع أنهم قالوا أشاروا بالخالق إلى كلمة الله المتحدة ms116 في ~~الناسوت ثم قالوا في قوله @QB@ بإذن الله @QE@ أي بإذن الكلمة المتحدة في ~~الناسوت وهذا يبين تناقضهم وافتراءهم على القرآن لأن الله أخبر في القرآن ~~أن المسيح خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله ففرق بين المسيح وبين الله ~~وبين أن الله هو الآذن للمسيح وهؤلاء زعموا أن مراده بذلك أن اللاهوت ~~المتحد بناسوت المسيح هو الخالق وهو الآذن فجعلوا الخالق هو الآذن وهو ~~تفسير للقرآن بما يخالف صريح القرآن # الوجه الخامس أن اللاهوت إذا كان هو الخالق لم يحتج إلى أن يأذن لنفسه ~~فإنهم يقولون هو إله واحد وهو الخالق فكيف يحتاج أن يأذن لنفسه وينعم على ~~نفسه # الوجه السادس أن الخالق إما أن يكون هو الذات الموصوفة بالكلام أو الكلام ~~الذي هو صفة للذات فإن كان هو الكلام فالكلام صفة لا تكون ذاتا قائمة ~~بنفسها خالقة ولو لم تتحد بالناسوت واتحادها بالناسوت دون الموصوف ممتنع لو ~~كان الاتحاد ممكنا فكيف وهو ممتنع # فقد تبين امتناع كونه الكلمة تكون خالقة من وجوه وإن كان الخالق هو الذات ~~المتصفة بالكلام فذاك هو الله الخالق لكل شيء رب العالمين وعندهم هو الأب ~~والمسيح عندهم ليس هو الأب فلا يكون هو الخالق لكل شيء والقرآن يبين أن ~~الله هو الذي أذن للمسيح حتى خلق من الطين كهيئة الطير فتبين أن الذي خلق ~~من الطين كهيئة الطير ليس هو الله ولا صفة من صفاته فليس المسيح هو ابن ~~قديم أزلي لله ولكن عبده فعل بإذنه # الوجه السابع قولهم فأشار بالخالق إلى كلمة الله المتحدة في الناسوت ~~المأخوذة من مريم أنه كذا قال على لسان داود النبي بكلمة الله خلقت ~~السماوات والأرض # فيقال لهم هذا النص عن داود حجة عليكم كما أن التوراة والقرآن وسائر ما ~~ثبت عن الأنبياء حجة عليكم فإن داود عليه السلام قال بكلمة الله خلقت ~~السماوات والأرض ولم يقل إن كلمة الله هي الخالقة كما قلتم أنتم أنه أشار ~~بالخالق إلى كلمة الله # والفرق بين الخالق للسماوات والأرض وبين الكلمة ms117 التي بها خلقت السماوات ~~والأرض أمر ظاهر معروف كالفرق بين القادر والقدرة فإن القادر هو الخالق وقد ~~خلق الأشياء PageV02P101 بقدرته وليست القدرة هي الخالقة وكذلك الفرق بين ~~المريد والإرادة فإن خلق الأشياء بمشيئته وليست مشيئته هي الخالقة وكذلك ~~الدعاء والعبادة هو للإله الخالق لا لشيء من صفاته فالناس كلهم يقولون يا ~~الله يا ربنا يا خالقنا ارحمنا واغفر لنا ولا يقول أحد يا كلام الله اغفر ~~لنا وارحمنا ولا يا قدرة الله ويا مشيئة الله ويا علم الله اغفر لنا ~~وارحمنا والله تعالى يخلق بقدرته ومشيئته وكلامه وليست صفاته هي الخالقة # الوجه الثامن أن قول داود عليه السلام بكلمة الله خلقت السماوات والأرض ~~يوافق ما جاء في القرآن والتوراة وغير ذلك من كتب الأنبياء أن الله يقول ~~للشيء كن فيكون وهذا في القرآن في غير موضع وفي التوراة قال الله ليكن كذا ~~ليكن كذا # الوجه التاسع قولهم لأنه ليس خالق إلا الله وكلمته وروحه إن أرادوا ~~بكلمته كلامه وبروحه حياته فهذه من صفات الله كعلمه وقدرته فلم يعبر أحد من ~~الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله فمن حمل كلام أحد من الأنبياء بلفظ ~~الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب عليه ثم يقال هذا كلامه وحياته من ~~صفات الله كعلمه وقدرته وحينئذ فالخالق هو الله وحده وصفاته داخلة في مسمى ~~اسمه لا يحتاج أن تجعل معطوفة على اسمه بواو التشريك التي تؤذن بأن الله له ~~شريك في خلقه فإن الله لا شريك له # ولهذا لما قال تعالى @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ دخل كل ما سواه في ~~مخلوقاته ولم تدخل صفاته كعلمه وقدرته ومشيئته وكلامه لأن هذه داخلة في ~~مسمى اسمه ليست أسماؤه مباينة له بل أسماؤه الحسنى متناولة لذاته المقدسة ~~المتصفة بهذه الصفات لا يجوز أن يراد بأسمائه ذات مجردة عن صفات الكمال فإن ~~تلك حقيقة لها ويمتنع وجود ذات مجردة عن صفة فضلا عن وجود ذاته تعالى مجردة ~~عن صفات كماله التي هي لازمة لذاته يمتنع تحقق ms118 ذاته دونها # ولهذا لا يقال الله وعلمه خلق والله وقدرته خلق وإن أرادوا بكلمته وروحه ~~المسيح أو شيئا اتحد بناسوت المسيح فالمسيح عليه السلام كله مخلوق كسائر ~~الرسل والله وحده هو الخالق وإن شئت قلت إن أريد بالروح والكلمة ما هو صفة ~~لله فتلك داخلة في مسمى اسمه وإن أريد ما ليس بصفة فذلك مخلوق له كالناسوت # الوجه العاشر أن داود عليه السلام لا يجوز أن يريد بكلمة الله المسيح لأن ~~المسيح عند جميع الناس هو اسم للناسوت وهو عندهم اسم اللاهوت والناسوت لما ~~اتحد والاتحاد فعل حادث عندهم فقبل الاتحاد لم يكن هناك ناسوت ولا ما يسمى ~~مسيحيا فعلم أن داود لم يرد بكلمة الله المسيح ولكن غايتهم أن يقولوا أراد ~~الكلمة التي اتحدت فيها بعد المسيح لكن الذي خلق بإذن الله هو المسيح كما ~~نطق به القرآن بقوله @QB@ يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها ~~في الدنيا والآخرة ومن المقربين @QE@ PageV02P102 # فالكلمة التي ذكرها وأنها هي التي بها خلقت السماوات والأرض ليست هي ~~المسيح الذي خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فاحتجاجهم بهذا على هذا ~~احتجاج باطل بل تلك الكلمة التي بها خلقت السماوات والأرض لم يكن معها ~~ناسوت حين خلقت باتفاق الأمم والمسيح لا بد أن يدخل فيه الناسوت فعلم أنه ~~لم يرد بالكلمة المسيح # PageV02P103 $ فصل # قال تعالى @QB@ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ سورة الأنعام 53 # فتخصيص هذا بالإيمان كتخصيص هذا بمزيد علم وقوة وصحة وجمال ومال قال ~~تعالى @QB@ أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا @QE@ سورة الزخرف 32 ~~وإذا خص أحد الشخصين بقوة وطبيعة تقتضي غذاء صالحا خصه بما يناسب ذلك من ~~الصحة والعافية ون لم يعط الآخر ذلك نقص عنه وحصل له ضعف ومرض # والظلم وضع الشيء في غير موضعه فهو لا يضع العقوبة إلا في المحل الذي ~~يستحقها لا ms119 يضعها على محسن أبدا وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # يمين الله ملأى لا يغيضها PageV02P107 نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما ~~أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى ~~يقبض ويبسط فبين أنه سبحانه وتعالى يحسن ويعدل ولا يخرج فعله عن العدل ~~والإحسان ولهذا قيل كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل # ولهذا يخبر أنه تعالى يعاقب الناس بذنوبهم وأن إنعامه عليهم إحسان منه ~~كما في الحديث الصحيح الإلهي يقول الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على ~~نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم ~~إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه # وقد قال تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك @QE@ سورة النساء 79 أي ما أصابك من نعم تحبها كالنصر والرزق فالله ~~أنعم بذلك عليك وما أصابك من نقم تكرهها فبذنوبك وخطاياك فالحسنات والسيئات ~~هنا أراد بها النعم والمصائب كما قال تعالى @QB@ وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات @QE@ سورة الأعراف 68 وكما قال تعالى @QB@ إن تصبك حسنة تسؤهم وإن ~~تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل @QE@ سورة التوربة 50 وقوله تعالى ~~@QB@ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها @QE@ سورة آل عمران ~~120 ومثل هذا قوله تعالى @QB@ وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون @QE@ سورة الروم 36 فأخبر أن ما يصيب ~~به الناس من الخير فهو رحمة منه أحسن بها إلى عباده وما أصابهم به من ~~العقوبات فبذنوبهم وتمام الكلام على هذا مبسوط في مواضع آخر # وكذلك الحكمة أجمع المسلمون على أن الله تعالى موصوف بالحكمة لكن تنازعوا ~~في تفسير ذلك # فقالت طائفة الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي ~~أراده PageV02P108 ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة # وقال الجمهور من أهل السنة وغيرهم بل هو حكيم في خلقه وأمره ms120 والحكمة ليست ~~مطلق المشيئة إذ لو كان كذلك لكان كل مريد حكيما ومعلوم أن الإرادة تنقسم ~~إلى محمودة ومذمومة بل الحكمة تتضمن ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة ~~والغايات المحبوبة والقول بإثبات هذه الحكمة ليس هو قول المعتزلة ومن ~~وافقهم من الشيعة فقط بل هو قول جماهير طوائف المسلمين من أهل التفسير ~~والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم فأئمة الفقهاء متفقون على إثبات ~~الحكمة والمصالح في الأحكام الشرعية وإنما ينازع في ذلك طائفة من نفاة ~~القياس وغير نفاته وكذلك ما في خلقه من المنافع والحكم والمصالح لعباده ~~معلوم # وأصحاب القول الأول كجهم بن صفوان وموافقيه كالأشعري ومن وافقه من ~~الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم يقولون ليس في القرآن لام ~~التعليل في أفعال الله بل ليس فيه إلا لام العاقبة # وأما الجمهور فيقولون بل لام التعليل داخلة في أفعال الله وأحكامه # والقاضي أبو يعلى وأبو الحسن بن الزاغوني ونحوهما من أصحاب أحمد وإن ~~كانوا قد يقولون بالأول فهم يقولون بالثاني أيضا في غير موضع وكذلك أمثالهم ~~من الفقهاء أصحاب مالك والشافعي وغيرهما # وأما ابن عقيل في بعض المواضع وأبو خازم بن القاضي أبي يعلى وأبو الخطاب ~~الصغير فيصرحون بالتعليل والحكمة في أفعال الله موافقة لمن قال ذلك من أهل ~~النظر # والحنفية هم من أهل السنة وقائلين بالقدر وجمهورهم يقولون بالتعليل ~~والمصالح PageV02P109 والكرامية وأمثالهم هم أيضا من القائلين بالقدر ~~المثبتين لخلافة الخلفاء المفضلين لأبي بكر وعمر وعثمان وهم أيضا يقولون ~~بالتعليل والحكمة وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد يقولون بالتعليل ~~والحكمة وبالتحسين والتقبيح العقليين كأبي بكر القفال وأبي علي بن أبي ~~هريرة وغيرهم من أصحاب الشافعي وأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب من أصحاب ~~أحمد # وفي الجملة النزاع في تعليل أفعال الله وأحكامه مسألة لا تتعلق بالأمانة ~~أصلا وأكثر أهل السنة على إثبات الحكمة والتعليل # ولكن الذين أنكروا ذلك من أهل السنة احتجوا بحجتين # إحداهما أن ذلك يستلزم التسلسل فإنه إذا فعل لعلة فتلك العلة أيضا حادثة ~~فتفتقر إلى علة إن ms121 وجب أن يكون لكل حادث علة وإن عقل الإحداث بلا علة لم ~~يحتج إلى إثبات علة فهم يقولون إن أمكن الإحداث بغير علة لم يحتج إلى علة ~~ولم يكن ذلك عبثا وإن لم يكن وجود الإحداث إلا لعلة فالقول في حدوث العلة ~~كالقول في حدوث المعلول وذلك يستلزم التسلسل # الحجة الثانية أنهم قالوا من فعل لعلة كان مستكملا بها لأنه لو لم يكن ~~حصول العلة أولى من عدمها لم تكن علة والمستكمل بغيره ناقص بنفسه وذلك ~~ممتنع على الله # وأوردوا على المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة حجة تقطعهم على أصولهم فقالوا ~~العلة التي فعل لأجلها إن كان وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء امتنع أن ~~تكون علة وإن كان وجودها أولى فإن كانت منفصلة عنه لزم أن يستكمل بغيره وإن ~~كانت قائمة به لزم أن يكون محلا للحوادث PageV02P110 # وأما المجوزون للتعليل فهم متنازعون فالمعتزلة وأتباعهم من الشيعة تثبت ~~من التعليل ما لا يعقل وهو أنه فعل لعلة منفصلة عن الفاعل مع كون وجودها ~~وعدمها بالنسبة إليه سواء # وأما أهل السنة القائلون بالتعليل فإنهم يقولون إن الله يحب ويرضى كما دل ~~على ذلك الكتاب والسنة ويقولون إن المحبة والرضا أخص من الإرادة وأما ~~المعتزلة وأكثر أصحاب الأشعري فيقولون إن المحبة والرضا والإرادة سواء ~~فجمهور أهل السنة يقولون إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضاه ~~وإن كان داخلا في مراده كما دخلت سائر المخلوقات لما في ذلك من الحكمة وهو ~~وإن كان شرا بالنسبة إلى الفاعل فليس كل ما كان شرا بالنسبة إلى شخص يكون ~~عديم الحكمة بل لله في المخلوقات حكم قد يعلمها بعض الناس وقد لا يعلمها $ ~~فصل # قال تعالى @QB@ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم @QE@ سورة الأنعام 54 لم يمنع هذا أن يكون كل منهم متصفا بهذه ~~الصفة ولا يجوز أن يقال إنهم لو عملوا سوءا بجهالة ms122 ثم تابوا من بعده ~~وأصلحوا لم يغفر إلا لبعضهم # ولهذا تدخل من هذه في النفي لتحقيق نفي الجنس كما في قوله تعالى @QB@ وما ~~ألتناهم من عملهم من شيء @QE@ سورة الطور 21 وقوله تعالى @QB@ وما من إله ~~إلا الله @QE@ سورة آل عمران 62 وقوله @QB@ فما منكم من أحد عنه حاجزين ~~@QE@ سورة الحاقة 47 ولهذا إذا دخلت في النفي تحقيقا أو تقديرا أفادت نفي ~~الجنس قطعا فالتحقيق ما ذكر والتقدير كقوله تعالى @QB@ وما من إله إلا الله ~~@QE@ سورة آل عمران 62 وقوله @QB@ لا ريب فيه @QE@ سورة البقرة 2 ونحو ذلك ~~بخلاف ما إذا لم تكن من موجودة كقولك ما رأيت رجلا فإنها ظاهرة لنفي الجنس ~~ولكن قد يجوز أن ينفي بها الواحد من الجنس كما قال سيبويه يجوز أن يقال ما ~~رأيت رجلا بل رجلين فتبين أنه يجوز إرادة الواحد وإن كان الظاهر نفي الجنس ~~بخلاف ما إذا دخلت من فإنه ينفي الجنس قطعا # ولهذا لو قال لعبيده من أعطاني منكم ألفا فهو حر فأعطاه كل واحد ألفا ~~عتقوا PageV02P111 كلهم وكذلك لو قال لنسائه من أبرأتني منكن من صداقها فهي ~~طالق فأبرأنه كلهن طلقن كلهن فإن المقصود بقوله منكم بيان جنس المعطي ~~والمبرىء لا إثبات هذا الحكم لبعض العبيد والأزواج # فإن قيل فهذا كما لا يمنع أن يكون كل المذكور متصفا بهذه الصفة فلا يوجب ~~ذلك أيضا فليس في قوله @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~@QE@ ما يقتضي أن يكونوا كلهم كذلك # قيل نعم ونحن لا ندعي أن مجرد هذا اللفظ دل على أن جميعهم موصوفون ~~بالإيمان والعمل الصالح ولكن مقصودنا أن من لا ينافي شمول هذا الوصف لهم ~~فلا يقول قائل إن الخطاب دل على أن المدح شملهم وعمهم بقوله @QB@ محمد رسول ~~الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ إلى آخر الكلام ولا ريب ~~أن هذا مدح لهم بما ذكر من الصفات وهو الشدة على الكفار والرحمة بينهم ~~والركوع والسجود يبتغون فضلا من الله ورضوانا والسيما في وجوههم من ms123 أثر ~~السجود وأنهم يبتدؤون من ضعف إلى كمال القوة والاعتدال كالزرع والوعد ~~بالمغفرة والأجر العظيم ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل ~~الصالح فذكر ما به يستحقون الوعد وإن كانوا كلهم بهذه الصفة ولولا ذكر ذلك ~~لكان يظن أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم ولم يكن فيه ~~بيان سبب الجزاء بخلاف ما إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح فإن الحكم إذا علق ~~باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم # | فصل # في قول إبراهيم $ لا أحب الآفلين # ظن هؤلاء أن قول إبراهيم عليه السلام @QB@ هذا ربي @QE@ سورة الأنعام 77 ~~أراد به هذا خالق السماوات والأرض القديم الأزلي وأنه استدل على حدوثه ~~بالحركة # وهذا خطأ من وجوه PageV02P112 # أحدها أن قول الخليل @QB@ هذا ربي @QE@ سواء قاله على سبيل التقدير ~~لتقريع قومه أو على سبيل الاستدلال والترقي أو غير ذلك ليس المراد به هذا ~~رب العالمين القديم الأزلي الواجب الوجود بنفسه ولا كان قومه يقولون إن ~~الكواكب أو القمر أو الشمس رب العالمين الأزلي الواجب الوجود بنفسه ولا قال ~~هذا أحد من أهل المقالات المعروفة التي ذكرها الناس لا من مقالات أهل ~~التعطيل والشرك الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب ولا من مقالات غيرهم بل ~~قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم كانوا يتخذونها أربابا يدعونها ويتقربون ~~إليها بالبناء عليها والدعوة لها والسجود والقرابين وغير ذلك وهو دين ~~المشركين الذين صنف الرازي كتابه على طريقتهم وسماه السر المكتوم في دعوة ~~الكواكب والنجوم والسحر والطلاسم والعزائم # وهذا دين المشركين من الصابئين كالكشدانيين والكنعانيين واليونانيين ~~وأرسطو وأمثاله من أهل هذا الدين وكلامه معروف في السحر الطبيعي الروحاني ~~والكتب المعروفة بذخيرة الإسكندر بن فيلبس الذي يؤرخون به وكان قبل المسيح ~~بنحو ثلاثمائة سنة # وكانت اليونان مشركين يعبدون الأوثان كما كان قوم إبراهيم مشركين يعبدون ~~الأوثان ولهذا قال الخليل @QB@ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه ~~سيهدين @QE@ سورة الزخرف 26 27 وقال @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم ~~وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب ms124 العالمين @QE@ سورة الشعراء 75 77 ~~وأمثال ذلك مما يبين تبرؤه مما يعبدوه غير الله # وهؤلاء القوم عامتهم من نفاة صفات الله وأفعاله القائمة به كما هو مذهب ~~الفلاسفة المشائين فإنهم يقولون إنه ليس له صفة ثبوتية بل صفاته إما سلبية ~~وإما إضافية وهو مذهب القرامطة الباطنية القائلين بدعوة الكواكب والشمس ~~والقمر والسجود لها كما كان على ذلك من كان عليه من بني عبيد ملوك القاهرة ~~وأمثالهم # فالشرك الذي نهى عنه الخليل وعادى أهله عليه كان أصحابه هم أئمة هؤلاء ~~النفاة للصفات والأفعال وأول من أظهر هذا النفي في الإسلام الجعد بن درهم ~~معلم مروان ابن محمد PageV02P113 # قال الإمام أحمد وكان يقال إنه من أهل حران وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب ~~نفاة الصفات وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة بقايا أهل هذا الدين ~~أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال ولهم مصنفات في دعوة الكواكب كما صنفه ثابت ~~بن قرة وأمثاله من الصابئة الفلاسفة أهل حران وكما صنفه أبو معشر البلخي ~~وأمثاله وكان لهم بها هيكل العلة الأولى وهيكل العقل الفعال وهيكل النفس ~~الكلية وهيكل زحل وهيكل المشتري وهيكل المريخ وهيكل الشمس وهيكل الزهرة ~~وهيكل عطارد وهيكل القمر وقد بسط هذا في هذا الموضع # الوجه الثاني أنه لو كان المراد بقوله @QB@ هذا ربي @QE@ أنه رب العالمين ~~لكانت قصة الخليل حجة على نقيض مطلوبهم لأن الكواكب والقمر والشمس ما زال ~~متحركا من حين بزوغه إلى عند أفوله وغروبه وهو جسم متحرك متحيز صغير فلو ~~كان مراده هذا للزم أن يقال إن إبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من ~~كون المتحرك المنتقل رب العالمين بل ولا كونه صغيرا بقدر الكوكب والشمس ~~والقمر وهذا مع كونه لا يظنه عاقل ممن هو دون إبراهيم صلوات الله وسلامه ~~عليه فإن جوزوه عليه كان حجة عليهم لا لهم # الوجه الثالث أن الأفول هو المغيب والاحتجاب ليس هو مجرد الحركة ~~والانتقال ولا يقول أحد لا من أهل اللغة ولا من أهل التفسير إن الشمس ~~والقمر في حال ميسرهما في ms125 السماء إنهما آفلان ولا يقول للكواكب المرئية في ~~السماء في حال ظهورها وجريانها إنها آفلة ولا يقول عاقل لكل من مشى وسافر ~~وطار إنه آفل # الوجه الرابع أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف أهل ~~التفسير ولا بد من أهل اللغة بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام كما ~~ذكر ذلك عثمان بن سعيد الدارمي وغيره من علماء السنة وبينوا أن هذا من ~~التفسير المبتدع # وبسبب هذا الابتداع أخذ ابن سينا وأمثاله لفظ الأفول بمعنى الإمكان كما ~~قال في إشاراته # قال قوم إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكن إذا تذكرت ما ~~PageV02P114 قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا وتلوث قوله ~~تعالى @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ سورة الأنعام 76 فإن الهوى في حظيرة ~~الإمكان أفول ما فهذا قوله # ومن المعلوم بالضرورة من لغة العرب أنهم لا يسمون كل مخلوق موجود آفلا ~~ولا كل موجود بغيره آفلا ولا كل موجود يجب وجوده بغيره لا بنفسه آفلا ولا ~~ما كان من هذه المعاني التي يعنيها هؤلاء بلفظ الإمكان بل هذا أعظم افتراء ~~على القرآن واللغة من تسمية كل متحرك آفلا ولو كان الخليل أراد بقوله @QB@ ~~لا أحب الآفلين @QE@ سورة الأنعام 76 هذا المعنى لم ينتظر مغيب الكوكب ~~والشمس والقمر ففساد قول هؤلاء المتفلسفة في الاستدلال بالآية أظهر من فساد ~~قول أولئك # وأعجب من هذا قول من قال في تفسيره إن هذا قول المحققين # واستعارته لفظ الهوى والحظيرة لا يوجب تبديل اللغة المعروفة في معنى ~~الأفول فإن وضع هو لنفسه وضعا آخر فليس له أن يتلو عليه كتاب الله تعالى ~~فيبدله أو يحرفه # وقد ابتدعت القرامطة الباطنية تفسيرا آخر كما ذكره أبو حامد في بعض ~~مصنفاته كمشكاة الأنوار وغيرها أن الكواكب والشمس والقمر هي النفس والعقل ~~الفعال والعقل الأول ونحو ذلك # وشبهتهم في ذلك أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أجل من أن يقول لمثل هذه ~~الكواكب إنه رب العالمين بخلاف ما ادعوه من النفس ms126 ومن العقل الفعال الذي ~~يزعمون أنه رب كل ما تحت فلك القمر والعقل الأول الذي يزعمون أنه مبدع ~~العالم كله # وقول هؤلاء وإن كان معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام فابتداع أولئك ~~طرق مثل هؤلاء على هذا الإلحاد # ومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب أن هذه المعاني ليست هي المفهوم من ~~لفظ الكوكب والقمر والشمس # وأيضا فلو قدر أن ذلك يسمى كوكبا وقمرا وشمسا بنوع من التجوز فهذا غايته ~~أن يسوغ للإنسان أن يستعمل اللفظ في ذلك لكنه لا يمكنه أن يدعي أن أهل ~~اللغة التي نزل بها القرآن كانوا يريدون أن يدعي أن أهل اللغة التي نزل بها ~~القرآن كانوا يريدون هذا بهذا PageV02P115 والقرآن نزل بلغة الذين خاطبهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فليس لأحد أن يستعمل ألفاظه في معان بنوع من ~~التشبيه والاستعارة ثم يحمل كلام من تقدمه على هذا الوضع الذي أحدثه هو # وأيضا فإنه قال تعالى @QB@ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا @QE@ الأنعام 76 ~~فذكره منكرا لأن الكواكب كثيرة ثم قال @QB@ فلما رأى القمر @QE@ الأنعام 77 ~~@QB@ فلما رأى الشمس @QE@ سورة الأنعام 78 بصيغة التعريف لكي يبين أن ~~المراد القمر المعروف والشمس المعروفة وهذا صريح بأن الكواكب متعددة وأن ~~المراد واحد منها وأن الشمس والقمر هما هذان المعروفان # وايضا فإن قال @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ والأفول هو المغيب والاحتجاب فإن ~~أريد بذلك المغيب عن الأبصار الظاهرة فما يدعونه من العقل والنفس لا يزال ~~محتجبا عن الأبصار لا يرى بحال بل وكذلك واجب الوجوب عندهم لا يرى بالأبصار ~~بحال بل تمتنع رؤيته بالأبصار عندهم # وإن أراد المغيب عن بصائر القلوب فهذا أمر نسبي إضافي فيمكن أن تكون تارة ~~حاضرة في القلب وتارة غائبة عنه كما يمكن مثل ذلك في واجب الوجود فالأفول ~~أمر يعود إلى حال العارف بها لا يكسبها صفة نقص ولا كمال ولا فرق في ذلك ~~بينها وبين غيرها # وأيضا فالعقول عندهم عشرة والنفوس تسعة بعدد الأفلاك # فلو ذكر القمر والشمس فقط لكانت شبهتهم أقوى حيث يقولون ms127 نور القمر مستفاد ~~من نور الشمس كما أن النفس متولدة عن العقل مع ما في ذلك لو ذكروه من ~~الفساد أما مع ذكر كوكب فقولهم هذا من أظهر الأقوال للقرامطة الباطنية ~~فسادا لما في ذلك من عدم الشبه والمناسبة التي تسوغ في اللغة إرادة مثل هذا # | فصل # الأنبياء أفضل الخلق # قال تعالى @QB@ ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك ~~نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين @QE@ @QB@ ومن ~~آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم @QE@ سورة ~~الأنعام 84 87 فأخبر أنه اجتباهم وهداهم # والأنبياء أفضل الخلق باتفاق المسلمين وبعدهم الصديقون والشهداء ~~PageV02P116 والصالحون فلولا وجوب كونهم من المقربين الذين هم فوق أصحاب ~~اليمين لكان الصديقون أفضل منهم أو من بعضهم # والله تعالى قد جعل خلقه ثلاثة أصناف فقال تعالى في تقسيمهم في الأخرة ~~@QB@ وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ~~ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم @QE@ ~~سورة الواقعة 7 12 وقال في تقسيمهم عند الموت @QB@ فأما إن كان من المقربين ~~فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب ~~اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم @QE@ ~~سورة الواقعة 88 94 وكذلك ذكر في سورة الإنسان والمطففين هذه الأصناف ~~الثلاثة # والأنبياء أفضل الخلق وهم أصحاب الدرجات العلى في الآخرة فيمتنع أن يكون ~~النبي من الفجار بل ولا يكون من عموم أصحاب اليمين بل من أفضل السابقين ~~المقربين فإنهم أفضل من عموم الصديقين والشهداء والصالحين وإن كان النبي ~~أيضا يوسف بأنه صديق وصالح وقد يكون شهيدا لكن ذلك أمر يختص بهم لا يشركهم ~~فيه من ليس بنبي كما قال عن الخليل @QB@ وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين @QE@ سورة العنكبوت 27 وقال يوسف @QB@ توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين @QE@ سورة يوسف 101 # فهذا مما يوجب تنزيه الأنبياء أن يكونوا من الفجار والفساق وعلى هذا ~~إجماع سلف الأمة وجماهيرها # وأما من جوز أن ms128 يكون غير النبي أفضل منه فهو من أقوال بعض ملاحدة ~~المتأخرين من غلاة الشيعة والصوفية والمتفلسفة ونحوهم # وما يحكى عن الفضلية من الخوارج أنهم جوزوا الكفر على النبي فهذا بطريق ~~PageV02P117 اللازم لهم لأن كل معصية عندهم كفر وقد جوزوا المعاصي على ~~النبي وهذا يقتضي فساد قولهم بأن قولهم كل معصية كفر وقولهم بجواز المعاصي ~~عليهم وإلا فلم يلتزموا أن يكون النبي كافرا ولازم المذهب لا يجب أن يكون ~~مذهبا # وطوائف أهل الكلام الذين يجوزون بعثة كل مكلف من الجهمية والأشعرية ومن ~~وافقهم من اتباع الأئمة الأربعة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهم متفقوه ~~أيضا على أن الأنبياء أفضل الخلق وأن النبي لا يكون فاجرا لكن يقولون هذا ~~لم يعلم بالعقل بل علم بالسمع بناء على ما تقدم من أصلهم من أن الله يجوز ~~أن يفعل كل ممكن # وأما الجمهور الذين يثبتون الحكمة والأسباب فيقولون نحن نعلم بما عملناه ~~من حكمة الله أنه لا يبعث نبيا فاجرا وأن ما ينزل على البر الصادق لا يكون ~~إلا ملائكة لا تكون شياطين كما قال تعالى @QB@ وإنه لتنزيل رب العالمين نزل ~~به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين @QE@ إلى قوله @QB@ هل أنبئكم ~~على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ~~والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون @QE@ سورة الشعراء 192 226 # فهذا مما بين الله به الفرق بين الكاهن والنبي وبين الشاعر والنبي لما ~~زعم المفترون أن محمدا صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن وفي الصحيحين من حديث ~~عائشة رضي الله عنها # أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه الوحي في أول الأمر وخاف على نفسه ~~قبل أن يستيقن أنه ملك قال لخديجة لقد خشيت على نفسي قالت كلا والله لا ~~يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب ~~المعدوم وتعين على نوائب الحق فاستدلت رضي الله عنها بحسن عقلها على أن من ~~يكون ms129 الله قد خلقه بهذه الأخلاق الكريمة التي هي من أعظم صفات الأبرار ~~الممدوحين أنه لا يخزيه فيفسد الشيطان عقله ودينه ولم يكن معها قبل ذلك وحي ~~تعلم به انتفاء ذلك بل علمته بمجرد عقلها الراجح # وكذلك لما ادعى النبوة من ادعاها من الكذابين مثل مسيلمة الكذاب والعنسي ~~وغيرهما مع ما كان يشتبه من أمرهم لما كان ينزل عليهم من الشيطان ويوحون ~~إليهم PageV02P118 حتى يظن الجاهل أن هذا من جنس ما ينزل على الأنبياء ~~ويوحى إليهم فكان ما يبلغ العقلاء وما يرونه من سيرتهم والكذب الفاحش ~~والظلم ونحو ذلك يبين لهم أنه ليس بنبي إذ قد علموا أن النبي لا يكون كاذبا ~~ولا فاجرا # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ذو الخويصرة اعدل ~~يا محمد فإنك لم تعدل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم # لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء والرواية ~~الصحيحة بالفتح أي أنت خاسر خائب إن لم أعدل إن ظننت أني ظالم مع اعتقادك ~~أني نبي فإنك تجوز أن يكون الرسول الذي آمنت به ظالما وهذا خيبة وخسران فإن ~~ذلك ينافي النبوة ويقدح فيها # وقد قال تعالى @QB@ وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ~~@QE@ سورة آل عمران 161 وفيه قراءتان يغل ويغل أي ينسب إلى الغلول بين ~~سبحانه أنه ما لأحد أن ينسبه إلى الغلول كما أنه ليس له أن يغل فدل على أن ~~النبي لا يكون غالا # ودلائل هذا الأصل عظيمة لكن مع وقوع الذنب الذي هو بالنسبة إليه ذنب وقد ~~لا يكون ذنبا من غيره مع تعقبه بالتوبة والاستغفار لا يقدح في كون الرجل من ~~المقربين السابقين ولا الأبرار ولا يلحقه بذلك وعيد في الآخرة فضلا عن أن ~~يجعله من الفجار # وقد قال تعالى في عموم وصف المؤمنين @QB@ ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ms130 إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة @QE@ سورة ~~النجم 31 32 وقال @QB@ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات ~~والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين @QE@ سورة آل عمران 333 336 وقال ~~تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ~~ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون @QE@ PageV02P119 سورة الزمر 33 35 وقال @QB@ حتى ~~إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من ~~المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في ~~أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون @QE@ سورة الأحقاف 15 16 # وقد قال في قصة إبراهيم عليه السلام @QB@ فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ~~ربي إنه هو العزيز الحكيم @QE@ سورة العنكبوت 26 وقال في قصة شعيب عليه ~~السلام @QB@ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين قد افترينا ~~على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ~~ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين @QE@ سورة الأعراف 88 ~~89 وقال في سورة إبراهيم @QB@ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا ~~أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين @QE@ سورة إبراهيم 13 # وقد ذم الله تعالى وتبارك فرعون بكونه رفع نبوة موسى بما تقدم من قتله ms131 ~~نفسا بغير حق فقال @QB@ ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت ~~فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت ~~منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين @QE@ سورة الشعراء 18 ~~21 وكان موسى صلى الله عليه وسلم قد تاب من ذلك كما أخبر الله تعالى عنه ~~وغفر له بقوله @QB@ فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو ~~مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم @QE@ ~~سورة القصص 15 16 # فإن قيل فإذا كان قد غفر له فلماذا يمتنعون من الشفاعة يوم القيامة لأجل ~~ما بدا منهم فيقول آدم إذا طلبت منه الشفاعة إني نهيت عن أكل الشجرة وأكلت ~~منها نفسي نفسي اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقول إني دعوت على أهل الأرض ~~دعوة لم أومر PageV02P120 بها والخليل يذكر تعريضاته الثلاث التي سماها ~~كذبا وكانت تعريضا وموسى يذكر قتل النفس # قيل هذا من كمال فضلهم وخوفهم وعبوديتهم وتواضعهم فإن من فوائد ما يتاب ~~منه أن يكمل عبودية العبد ويزيده خوفا وخضوعا فيرفع الله بذلك درجته وهذا ~~الامتناع مما يرفع الله به درجاتهم وحكمة الله تعلى في ذلك أن تصير الشفاعة ~~لمن غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر # ولهذا كان ممن امتنع ولم يذكر ذنبا المسيح وإبراهيم أفضل منه وقد ذكر ~~ذنبا ولكن قال المسيح لست هناكم اذهبوا إلى عبد غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر وتأخر المسيح عن المقام المحمود الذي خص به محمد صلى الله ~~عليه وسلم هو من فضائل المسيح ومما يقربه إلى الله صلوات الله عليهم أجميعن # فعلم أن تأخرهم عن الشفاعة لم يكن لنقص درجاتهم عما كانوا عليه بل لما ~~علموه من عظمة المقام المحمود الذي يستدعي من كمال مغفرة الله للعبد وكمال ~~عبودية العبد لله ما اختص به من غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ~~ولهذا قال المسيح ms132 اذهبوا إلى محمد عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر فإنه إذا غفر له ما تأخر لم يخف أن يلام إذا ذهب إلى ربه ليشفع وإن كن ~~لم يشفع إلا بعد الإذن بل إذا سجد وحمد ربه بمحامد يفتحها عليه لم يكن ~~يحسنها قبل ذلك فيقال له أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه PageV02P121 ~~واشفع تشفع وهذا كله في الصحيحين وغيرهما # وأما من قيل له تقدم ولم يعرف أنه غفر له ما تأخر فيخاف أن يكون ذهابه ~~إلى الشفاعة قبل أن يؤذن له في الشفاعة ذنبا فتأخر لكمال خوفه من الله ~~تعالى ويقول أنا قد أذنبت وما غفر لي فأخاف أن اذنب ذنبا آخر فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال # لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين # ومن معاني ذلك أنه لا يؤتى من وجه واحد مرتين فإذا ذاق ما في الذنب من ~~الألم وزال عنه خاف أن يذنب ذنبا آخر فيحصل له ذلك الألم وهذا كمن مرض من ~~أكلة ثم عوفي فإذا دعي إلى كل شيء خاف أن يكون مثل ذلك الأول لم يأكله يقول ~~قد أصابني بتلك الأكلة ما أصابني فأخاف أن تكون هذه مثل تلك ولبسط هذه ~~الأمور موضع آخر $ فصل # قال تعالى @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم @QE@ فإن قوله @QB@ بديع السماوات ~~والأرض @QE@ أي مبدعهما كما ذكر مثل ذلك في البقرة وليس المراد أنهما بديعة ~~سماواته وأرضه كما تحتمله العربية لولا السياق لأن المقصود نفي ما زعموه من ~~خرق البنين والبنات له ومن كونه اتخذ ولدا # وهذا ينتفي بضده كونه أبدع السموات ثم قال @QB@ أنى يكون له ولد @QE@ ~~وذكر ثلاثة أدلة على نفي ذلك # أحدها كونه ليس له صاحبة فهذا نفي الولادة المعهودة وقوله @QB@ وخلق كل ~~شيء @QE@ نفي للولادة العقلية وهي التولد لأن خلق كل ms133 شيء ينافي تولدها عنه ~~وقوله PageV02P122 @QB@ وهو بكل شيء عليم @QE@ يشبه والله أعلم أن يكون لما ~~ادعت النصارى أن المتحد به هو الكلمة التي يفسرونها بالعلم والصائبة ~~القائلون بالتولد والعلة لا يجعلونه عالما بكل شيء ذكر أنه بكل شيء عليم ~~لإثبات هذه الصفة له ردا على الصائبة ونفيها عن غيره ردا على النصارى # وإذا كان كذلك فقول من قال بتولد العقول والنفوس التي يزعمون أنها ~~الملائكة أظهر في كونهم يقولون أنه ولد الملائكة وأنهم بنوه وبناته فالعقول ~~بنوه والنفوس بناته من قول النصارى # ودخل في هذا من تفلسف من المنتسبة إلى الإسلام حتى إني أعرف كبيرا لهم ~~سئل عن العقل والنفس فقال بمنزلة الذكر والأنثى فقد جعلهم كالابن والبنت ~~وهم يجعلونهم متولدين عنه تولد المعلول عن العلة فلا يمكنه أن يفك ذاته عن ~~معلوله ولا معلوله عنه كما لا يمكنه أن يفصل نفسه عن نفسه بمنزلة شعاع ~~الشمس مع الشمس وأبلغ # وهؤلاء يقولون إن هذه الأرواح التي ولدها متصلة بالأفلاك الشمس والقمر ~~والكواكب كاتصال اللاهوت بجسد المسيح فيعبدونها كما عبدت النصارى المسيح ~~إلا أنهم أكفر من وجوه كثيرة وهم أحق بالشرك من النصارى فإنهم يعبدون ما ~~يعلمون أنه منفصل عن الله وليس هو إياه ولا صفة من صفاته والنصارى يزعمون ~~أنهم ما يعبدون إلا ما اتحد بالله لا لما ولده من المعلولات # ثم من عبد الملائكة والكواكب وأرواح البشر وأجسادهم اتخذ الأصنام على ~~صورهم وطبائعهم فكان ذلك أعظم أسباب عبادة الأصنام # ولهذا كان الخليل إمام الحنفاء مخاطبا لهؤلاء الذين عبدوا الكواكب والشمس ~~والقمر والذين عبدوا الأصنام مع إشراكهم واعترافهم بأصل الجميع # وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير موضع وأولئك هم الصابئون المشركون ~~الذين ملكهم نمروذ وعلماؤهم الفلاسفة من اليونانيين وغيرهم الذين كانوا ~~بأرض الشام والجزيرة والعراق وغيرها وجزائر البحر قبل النصارى وكانوا بهذه ~~البلاد في أيام بني إسرائيل وهم الذين كانوا يقاتلون بني إسرائيل فيغلبون ~~تارة ويغلبون تارة وسنحاريب وبخت نصر ونحوهما هم ملوك الصابئة بعد الخليل ~~والنمروذ الذي ms134 كان في زمانه # فتبين بذلك ما في القرآن من الرد لمقالات المتقدمين قبل هذه الأمة ~~والكفار والمنافقين فيها من إثبات الولادة لله وإن كان كثير من الناس لا ~~يفهم دلالة القرآن على هذه المقالات لأن ذلك يحتاج إلى شيئين إلى تصور ~~مقالتهم بالمعنى لا بمجرد اللفظ وإلى تصور PageV02P123 معنى القرآن والجمع ~~بينهما فتجد المعنى الذي عنوه قد دل القرآن على ذكره وإبطاله # وأما اتحاد الولد فيفسر بعين الولادة وهو من باب الأفعال لا من باب ~~الصفات كما يقوله طائفة من النصارى في المسيح $ فصل # فهذا نفي كونه سبحانه والدا لشيء أو متخذا لشيء ولدا بأي وجه من وجوه ~~الولادة أو اتخاذ الولد أيا كان # وأما نفي كونه مولودا فيتضمن نفي كونه متولدا بأي نوع من التوالد من أحد ~~من البشر وسائر ما تولد من غيره فهو رد على من قال المسيح هو الله ورد على ~~الدجال الذي يقول إنه الله ورد على من قال في بشر إنه الله من غالية هذه ~~الأمة في علي وبعض أهل البيت أو بعض المشايخ كما قال قوم ذلك في علي وطائفة ~~من أهل البيت وقالوه في الأنبياء ايضا وقاله قوم في الحلاج وقوم في الحاكم ~~بمصر وقوم في الشيخ عدي وقوم في يونس العنيني وقوم يعمونه في المشايخ ~~ويصوبون هذا كله # فقوله سبحانه @QB@ ولم يولد @QE@ نفي لهذا كله فإن هؤلاء كلهم مولودون ~~والله لم يولد ولهذا لما ذكر الله المسيح في القرآن قال @QB@ ابن مريم @QE@ ~~بخلاف سائر الأنبياء كقوله @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~@QE@ وقوله @QB@ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل @QE@ ~~وقوله @QB@ إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك @QE@ ~~وقوله @QB@ يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله @QE@ وقوله @QB@ وجعلنا ابن مريم وأمه آية @QE@ وقوله @QB@ وقولهم إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله @QE@ # وفي ذلك فائدتان # إحداهما بيان أنه مولود والله لم يولد # والثانية نسبته ms135 إلى مريم بأنه ابنها ليس هو ابن الله PageV02P124 # وأما قوله @QB@ لن يستنكف المسيح @QE@ الآية وقوله @QB@ وقالت اليهود ~~عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله @QE@ فإنه حكى قولهم الذي ~~قالوه وهم قد نسبوه إلى الله أنه ابنه فلم يضمنوا ذلك قولهم المسيح ابن ~~مريم # وقوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ نفي للشركاء والأنداد يدخل فيه كل ~~من جعل شيئا كفوا لله في شيء من خواص الربوبية مثل خلق الخلق والإلهية ~~كالعبادة له ودعائه ونحو ذلك # فهذه نكت تبين اشتمال كتاب الله على إبطال قول من يعتقد في أحد من البشر ~~الإلهية باتحاد أو حلول أو غير ذلك $ فصل # قوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ سورة الأنعام ~~103 # أولا النزاع في هذه المسألة بين طوائف الإمامية كما النزاع فيها بين ~~غيرهم فالجهمية والمعتزلة والخوارج وطائفة من غير الإمامية تنكرها ~~والإمامية لهم فيها قولان فجمهور قدمائهم يثبت الرؤية وجمهور متأخريهم ~~ينفونها وقد تقدم أن أكثر قدمائهم يقولون بالتجسيم # قال الأشعري وكل المجمسة إلا نفرا قليلا يقول بإثبات الرؤية وقد يثبت ~~الرؤية من لا يقول بالتجسيم # قلت وأما الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين ~~كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي حنيفة ~~وأبي يوسف وأمثال هؤلاء وسائر أهل السنة والحديث والطوائف المنتسبين إلى ~~السنة والجماعة كالكلابية والكرامية والأشعرية والسالمية وغيرهم فهؤلاء ~~كلهم متفقون على إثبات الرؤية لله تعالى والأحاديث بها متواترة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بحديثه # وكذلك الآثار بها متواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وقد ذكر ~~الإمام أحمد وغيره من الأئمة العالمين أقوال السلف أن الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان متفقون على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار ومتفقون على أنه لا ~~يراه أحد في الدنيا بعينه ولم يتنازعوا في ذلك PageV02P125 إلا في نبينا ~~صلى الله عليه وسلم خاصة منهم من نفى رؤيته بالعين في الدنيا ومنهم من ~~أثبتها وقد بسطت هذه الأقوال والأدلة من الجانبين في غير هذا الموضع ~~والمقصود ms136 هنا نقل إجماع السلف على إثبات الرؤية بالعين في الآخرة ونفيها في ~~الدنيا إلا الخلاف في النبي صلى الله عليه وسلم خاصة # وأما احتجاجه واحتجاج النفاة أيضا بقوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار ~~@QE@ سورة الأنعام 103 فالآية حجة عليهم لا لهم لأن الإدراك إما أن يراد به ~~مطلق الرؤية أو الرؤية المقيدة بالإحاطة وألأول باطل لأنه ليس كل من رأى ~~شيئا يقال أنه أدركه كما لا يقال أحاط به كما سئل ابن عباس رضي الله عنهما ~~عن ذلك فقال ألست ترى السماء قال بلى قال أكلها ترى قال لا # ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال أنه أدركها ~~وإنما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية ونحن في هذا المقام ليس علينا بيان ~~ذلك وإنما ذكرنا هذا بيانا لسند المنع بل المستدل بالآية عليه أن يبين أن ~~الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية وأن كل من رأى شيئا يقال في لغتهم أنه ~~أدركه وهذا لا سبيل إليه كيف وبين لفظ الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص أو ~~اشتراك لفظي فقد تقع رؤية بلا إدراك وقد يقع إدراك بلا رؤية فإن الإدراك ~~يستعمل في إدراك العلم وإدراك القدرة فقد يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهد ~~كالأعمى الذي طلب رجلا هاربا منه فأدركه ولم يره وقد قال تعالى @QB@ فلما ~~تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين @QE@ ~~سورة الشعراء 61 62 فنفى موسى الإدراك مع إثبات الترائي فعلم أنه قد يكون ~~رؤية بلا إدراك والإدراك هنا هو إدراك القدرة أي ملحقون محاط بنا وإذا ~~انتفى هذا الإدراك فقد تنتفي إحاطة البصر أيضا # ومما يبين ذلك أن الله تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه سبحانه وتعالى ~~ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح لأن النفي المحض لا يكون مدحا إن ~~لم يتضمن أمرا ثبوتيا ولأن المعدوم أيضا لا يرى والمعدوم لا يمدح فعلم أن ~~مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه # وهذا أصل مستمر ms137 وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمن ثبوتا لا مدح فيه ولا ~~كمال فلا يمدح الرب نفسه به بل ولا يوصف نفسه به وإنما يصفها بالنفي ~~المتضمن معنى ثبوت كقوله @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ وقوله @QB@ من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ وقوله @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما ~~شاء @QE@ وقوله @QB@ ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم @QE@ سورة البقرة ~~225 وقوله @QB@ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض @QE@ سورة ~~سبأ 3 وقوله @QB@ وما مسنا من لغوب @QE@ PageV02P126 سورة ق 38 ونحو ذلك من ~~القضايا السلبية التي يصف الرب تعالى بها نفسه وأنها تتضمن اتصافه بصفات ~~الكمال الثبوتية مثل كمال حياته وقيوميته وملكه وقدرته وعلمه وهدايته ~~وانفراده بالربوبية والإلهية ونحو ذلك وكل ما يوصف به العدم المحض فلا يكون ~~إلا عدما محضا ومعلوم أن العدم المحض يقال فيه أنه لا يرى فعلم أن نفي ~~الرؤية عدم محض ولا يقال في العدم المحض لا يدرك وإنما يقال هذا فيما لا ~~يدرك لعظمته لا لعدمه # وإذا كان المنفي هو الإدراك فهو سبحانه وتعالى لا يحاط به رؤية كما لا ~~يحاط به علما ولا يلزم من نفي إحاطة العلم والرؤية نفي العلم والرؤية بل ~~يكون ذلك دليلا على أنه يرى ولا يحاط به كما يعلم ولا يحاط به فإن تخصيص ~~الإحاطة بالنفي يقتضي أن مدرك الرؤية ليس بمنفي وهذا الجواب قول أكثر ~~العلماء من السلف وغيرهم وقد روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره ~~وقد روي في ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحتاج الآية ~~إلى تخصيص ولا خروج عن ظاهر الآية فلا نحتاج أن نقول لا نراه في الدنيا أو ~~نقول لا تدركه الأبصار بل المبصرون أو لا تدركه كلها بل بعضها ونحو ذلك من ~~الأقوال التي فيها تكلف # ثم نحن في هذا المقام يكفينا أن نقول الآية تحتمل ذلك فلا يكون فيها ~~دلالة على نفي الرؤية فبطل استدلال من استدل بها على ms138 الرؤية وإذا أردنا أن ~~نثبت دلالة الآية على الرؤية مع نفيها للإدراك الذي هو الإحاطة أقمنا ~~الدلالة على أن الإدراك في اللغة ليس هو مرادفا للرؤية بل هو أخص منها ~~وأثبتنا ذلك باللغة ليس هو مرادفا للرؤية بل هو أخص منها وأثبتنا ذلك ~~باللغة وأقوال المفسرين من السلف وبأدلة أخرى سمعية وعقلية # PageV02P127 $ فصل في ذبائح أهل الكتاب # قال شيخ الإسلام # قال الله عز وجل @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ وقال ~~@QB@ وما أهل به لغير الله @QE@ فكل ما ذبح لغير الله فلا يؤكل لحمه # وروى ابن حنبل عن عطاء في ذبيحة النصراني يقول اسم المسيح قال كل # قال ابن حنبل سمعت أبا عبد الله يسأل عن ذلك قال لا تأكل قال الله @QB@ ~~ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ فلا أرى هذا ذكاته @QB@ وما أهل ~~لغير الله به @QE@ # فاحتجاج أبي عبد الله بالآية دليل على أن الكراهة عنده كراهة تحريم وهذا ~~قول عامة قدماء الأصحاب # قال الخلال في باب التوقي لأكل ما ذبحت النصارى وأهل الكتاب لأعيادهم ~~وذبائح أهل الكتاب لكنائسهم كل من روي عن أبي عبد الله روى الكراهة فيه وهي ~~متفرقة في هذه الأبواب # وما قال ابن حنبل في هاتين المسألتين ذكر عن أبي عبد الله @QB@ ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ @QB@ وما أهل لغير الله به @QE@ ~~فإنما الجواب من أبي عبد الله فيما أهل لغير الله به وأما التسمية وتركها ~~فقد روى عنه جميع أصحابه أنه لا بأس بأكل ما لم يسموا عليه إلا في ~~PageV02P130 وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم فإنه في معنى قوله تعالى @QB@ ~~وما أهل لغير الله به @QE@ # وعند أبي عبد الله أن تفسير @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~@QE@ إنما عنى به الميتة وقد أخرجته في موضعه # ومقصود الخلال أن نهي أحمد لم يكن لأجل ترك التسمية فقط فإن ذلك عنده لا ~~يحرم وإنما كان لأنهم ذبحوه لغير الله سواء كانوا يسمون غير الله أو لا ~~يسمون ms139 الله ولا غيره ولكن قصدهم الذبح لغير الله # لكن قال ابن أبي موسى ويجتنب أكل كل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم ~~وأعيادهم ولا يؤكل ما ذبح للزهرة # والرواية الثانية أن ذلك مكروه غير محرم وهذا الذي ذكره القاضي وغيره ~~وأخذوا ذلك فيما أظنه مما نقله عبد الله بن أحمد سألت أبي عمن ذبح للزهرة ~~قال لا يعجبني قلت أحرام أكله قال لا أقول حراما ولكن لا يعجبني وذلك أنه ~~أثبت الكراهة دون التحريم # ويمكن أن يقال إنما توقف عن تسميته محرما لأن ما اختلف في تحريمه وتعارضت ~~فيه كالجمع بين الأختين ونحوه هل يسمى حراما على روايتين كالروايتين عنده ~~في أن ما اختلف في وجوبه هل يسمى فرضا على روايتين # ومن أصحابنا من أطلق الكراهة ولم يفسر هل أراد التحريم أو التنزيه # قال أبو الحسن الآمدي ما ذبح لغير الله مثل الكنائس والزهرة والشمس ~~والقمر فقال أحمد هو مما اهل به لغير الله أكرهه كل ما ذبح لغير الله ~~والكنائس وما ذبحوا في أعيادهم أكرهه فأما ما ذبح أهل الكتاب على معنى ~~الذكاة فلا بأس به # وكذلك مذهب مالك يكره ما ذبحه النصارى لكنائسهم أو ذبحوا على اسم المسيح ~~أو الصليب أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم # وفي المدونة وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم أو لأعيادهم من ~~غير تحريم وتأول قول الله @QB@ أو فسقا أهل لغير الله به @QE@ # قال ابن القاسم وكذلك ما ذبحوا وسموا عليه اسم المسيح وهو بمنزلة ما ~~ذبحوا لكنائسهم ولا أرى أن يؤكل # ونقلت الرخصة في ذبائح الأعياد ونحوها عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم ~~وهذا فيما لم يسموا عليه غير الله فإن سموا غير الله في عيدهم أو غير عيدهم ~~حرم في أشهر PageV02P131 الروايتين وهو مذهب الجمهور وهو مذهب الفقهاء ~~الثلاثة فيما نقله غير واحد وهو قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة منهم ~~أبو الدرداء وأبو أمامة والعرباض بن سارية وعبادة بن الصامت وهو قول أكثر ~~فقهاء الشام ms140 وغيرهم # والثانية لا يحرم وإن سموا غير الله وهو قول عطاء ومجاهد ومكحول ~~والأوزاعي والليث # نقل ابن منصور أنه قيل لأبي عبد الله سئل سفيان عن رجل ذبح ولم يذكر اسم ~~الله متعمدا قال أرى أن لا يؤكل قيل له أرأيت إن كان يرى أنه يجزىء عنه فلم ~~يذكر قال أرى أنه لا يؤكل قال أحمد المسلم فيه اسم الله يؤكل ولكن قد أساء ~~في ترك التسمية النصارى أليس يذكرون غير اسم الله # ووجه الاختلاف أن هذا قد دخل في قوله عز وجل @QB@ وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم @QE@ وفي عموم قوله تعالى @QB@ وما أهل لغير الله به @QE@ ~~لأن هذه الآية تعم كل ما نطق به لغير الله يقال أهللت بكذا إذا تكلمت به ~~وإن كان أصله الكلام الرفيع فإن الحكم لا يختلف برفع الصوت وخفضه وإنما لما ~~كانت عادتهم رفع الصوت في الأصل خرج الكلام على ذلك فيكون المعنى وما تكلم ~~به لغير الله وما نطق به لغير الله # ومعلوم أن ما حرم أن تجعل غير الله مسمى فكذلك منويا إذ هذا مثل النيات ~~في العبادات فإن اللفظ بها وأن كان أبلغ لكن الأصل القصد # ألا ترى أن المتقرب بالهدايا والضحايا سواء قال أذبحه لله أو سكت فإن ~~العبرة بالنية وتسميته الله على الذبيحة غير ذبحها لله فإنه يسمي على ما ~~يقصد به اللحم وأما القربان فيذبح لله سبحانه ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قربانه # اللهم منك ولك بعد قوله بسم الله والله أكبر لقوله تعالى @QB@ إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين @QE@ والكافرون يصنعون بآلهتهم كذلك ~~فتارة يسمون آلهتهم على الذبائح وتارة يذبحونها قربانا إليهم وتارة يجمعون ~~بينهما وكل ذلك والله أعلم يدخل فيما أهل لغير الله به فإن من سمى غير الله ~~فقد أهل به لغير الله فقوله باسم كذا استعانة به وقوله لكذا عبادة له ولهذا ~~جمع الله بينهما في قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ PageV02P132 # وأيضا فإنه سبحانه حرم ما ذبح على ms141 النصب وهي كل ما ينصب ليعبد من دون ~~الله # وأما احتجاج أحمد على هذه المسألة بقوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه @QE@ فحيث اشترطت التسمية في ذبيحة المسلم هل تشترط في ~~ذبيحة الكتابي على روايتين وإن كان الخلال هنا قد ذكر عدم الاشتراط ~~فاحتجاجه بهذه الآية يخرج على إحدى الروايتين # فلما تعارض العموم الحاظر وهو قوله تعالى @QB@ وما أهل لغير الله به @QE@ ~~والعموم المبيح وهو قوله @QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم @QE@ اختلف ~~العلماء في ذلك # والأشبه بالكتاب والسنة ما دل عليه أكثر كلام أحمد من الحظر وإن كان من ~~متأخري أصحابنا من لا يذكر هذه الرواية بحال وذلك لأن عموم قوله تعالى @QB@ ~~وما أهل لغير الله به @QE@ @QB@ وما ذبح على النصب @QE@ عموم محفوظ لم تخص ~~منه صورة بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب فإنه يشترط له الذكاة المبيحة فلو ~~ذكى الكتابي في غير المحل المشروع لم تبح ذكاته ولأن غاية الكتابي أن تكون ~~ذكاته كالمسلم والمسلم لو ذبح لغير الله أو ذبح باسم غير الله لم يبح وإن ~~كان يكفر بذلك فكذلك الذمي لأن قوله تعالى @QB@ وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~حل لكم وطعامكم حل لهم @QE@ سواء وهم وإن كانوا يستحلون هذا ونحن لا نستحله ~~فليس كل ما استحلوه يحل لنا # ولأنه قد تعارض دليلان حاظر ومبيح فالحاظر أولى أن يقدم # ولأن الذبح لغير الله أو باسم غيره قد علمنا يقينا أنه ليس من دين ~~الأنبياء عليهم السلام فهو من الشرك الذي أحدثوه فالمعنى الذي لأجله حلت ~~ذبائحهم منتف في هذا والله تعالى أعلم # فإن قيل ما إذا سموا عليه غير الله بأن يقولوا باسم المسيح ونحوه فتحريمه ~~ظاهر أما إذا لم يسموا أحدا ولكن قصدوا الذبح للمسيح أو للكوكب ونحوهما فما ~~وجه تحريمه # قيل قد تقدمت الإشارة إلى ذلك وهو أن الله سبحانه قد حرم ما ذبح على ~~النصب وذلك يقتضي تحريمه وإن كان ذابحه كتابيا لأنه لو كان التحريم لكونه ~~وثينا لم يكن فرق بين ذبحه ms142 على النصب وغيرها ولأنه لما أباح لنا طعام أهل ~~الكتاب دل على أن طعام المشركين حرام فتخصيص ما ذبح على الوثن يقتضي فائدة ~~جديدة # وأيضا فإنه ذكر تحريم ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله وقد دخل ~~فيما أهل به PageV02P133 لغير الله ما أهل به أهل الكتاب لغير الله فكذلك ~~كل ما ذبح على النصب فإذا ذبح الكتابي على ما قد نصبوه من التماثيل في ~~الكنائس فهو مذبوح على النصب # ومعلوم أن حكم ذلك لا يختلف بحضور الوثن وغيبته فإنما حرم لأنه قصد بذبحه ~~عبادة الوثن وتعظيمه وهذه الأنصاب قد قيل هي من الأصنام وقيل هي غير ~~الأصنام # قالوا كان حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا كان أهل الجاهلية يذبحون عليها ~~ويشرحون اللحم عليها وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها ويذبحون عليها ~~وكانوا إذا شاؤوا أبدلوا هذه الحجارة بحجارة هي أعجب إليهم منها ويدل على ~~ذلك قول أبي ذر في حديث إسلامه حتى صرت كالنصب الأحمر يريد أنه كان يصير ~~أحمر من تلوثه بالدم # وفي قوله @QB@ وما ذبح على النصب @QE@ قولان # أحدهما أن نفس الذبح كان يكون عليها كما ذكرناه فيكون ذبحهم غير الأصنام ~~فيكون الذبح عليها لأجل أن المذبوح عليها مذبوح للأصنام أو مذبوح لها وذلك ~~يقتضي تحريم كل ما ذبح لغير الله ولأن الذبح في البقعة لا تأثير له إلا من ~~جهة الذبح لغير الله كما كرهه النبي صلى الله عليه وسلم من الذبح في مواضع ~~أصنام المشركين ومواضع أعيادهم وإنما يكره المذبوح في البقعة المعينة ~~لكونها محل شرك فإذا وقع الذبح حقيقة لغير الله كانت حقيقة التحريم قد وجدت ~~فيه # والقول الثاني أن الذبح على النصب أي لأجل النصب كما قيل # أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على زينب بخبز ولحم وأطعم فلان على ~~ولده وذبح فلان على ولده ونحو ذلك ومنه قوله تعالى @QB@ لتكبروا الله على ~~ما هداكم @QE@ وهذا ظاهر على قول من يجعل النصب نفس الأصنام ولا منافاة بين ~~كون الذبح لها وبين كونها ms143 كانت تلوث بالدم # وعلى هذا القول فالدلالة ظاهرة # واختلاف هذين القولين في قوله تعالى @QB@ على النصب @QE@ نظير الاختلاف ~~في قوله تعالى @QB@ ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام @QE@ وقوله تعالى @QB@ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله ~~في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام @QE@ PageV02P134 # فإنه قد قيل المراد بذكر اسم الله عليها إذا كانت حاضرة # وقيل بل يعم ذكره لأجلها في مغيبها وشهودها بمنزلة قوله تعالى @QB@ ~~لتكبروا الله على ما هداكم @QE@ # وفي الحقيقة مآل القولين إلى شيء واحد في قوله تعالى @QB@ وما ذبح على ~~النصب @QE@ كما قد أومأنا إليه # وفيها قول ثالث ضعيف أن المعنى على اسم النصف وهذا ضعيف لأن هذا المعنى ~~حاصل من قوله تعالى @QB@ وما أهل لغير الله به @QE@ فيكون تكريرا لكن اللفظ ~~يحتمله كما روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما أنه كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح وذلك قبل أن ينزل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الوحي فقدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة ~~فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال زيد إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ~~ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه $ فصل # قال شيخ الإسلام # الجن مأمورون ومنهيون كالإنس وقد بعث الله الرسل من الإنس إليهم وإلى ~~الإنس وأمر الجميع بطاعة الرسل كما قال تعالى @QB@ يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا ~~على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين @QE@ ~~وهذا بعد قوله @QB@ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ~~وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ~~قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله @QE@ قال غير واحد من السلف ~~أي كثير من ms144 أغويتم من الإنس وأضللتموهم قال البغوي قال بعضهم استمتاع الإنس ~~بالجن ما كانوا يلقون لهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم ~~PageV02P135 لهم الأمور التي يهيؤونها ويسهل سبيلها عليهم واستمتاع الجن ~~بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينن لهم من الضلالة والمعاصي قال محمد بن كعب ~~هو طاعة بعضهم لبعض وموافقة بعضهم بعضا وذكر ابن أبي حاتم عن الحسن البصري ~~قال ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعلمت الإنس وعن محمد بن ~~كعب قال هو الصحابة في الدنيا وقال ابن السائب استمتاع الإنس بالجن ~~استعاذتهم بهم واستمتاع الجن بالإنس أن قالوا قد أسرنا الإنس مع الجن حتى ~~عاذوا بنا فيزدادون شرفا في أنفسهم وعظما في نفوسهم وهذا كقوله @QB@ وأنه ~~كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ # قلت الاستمتاع بالشيء هو أن يتمتع به ينال به ما يطلبه ويريده ويهواه ~~ويدخل في ذلك استمتاع الرجال بالنساء بعضهم لبعض كما قال @QB@ فما استمتعتم ~~به منهن فآتوهن أجورهن فريضة @QE@ ومن ذلك الفواحش كاستمتاع الذكور بالذكور ~~والإناث بالإناث # ويدخل في هذا الاستمتاع بالاستخدام وأئمة الرياسة كما يتمتع الملوك ~~والسادة بجنودهم ومماليكهم ويدخل في ذلك الاستمتاع بالأموال كاللباس ومنه ~~قوله @QB@ ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره @QE@ وكان من السلف من ~~يمتع المرأة بخادم فهي تستمتع بخدمته ومنهم من يمتع بكسوة أو نفقة ولهذا ~~قال الفقهاء أعلى المتعة خادم وأدناها كسوة يجزىء فيها الصلاة # وفي الجملة استمتاع الإنس بالجن والجن بالإنس يشبه استمتاع الإنس بالإنس ~~قال تعالى @QB@ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وتقطعت بهم الأسباب @QE@ قال مجاهد هي المودات التي كانت لغير الله ~~قال الخليل @QB@ إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا @QE@ قال تعالى ~~@QB@ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه @QE@ فالمشرك يعبد ما يهواه واتباع الهوى هو ~~استمتاع من صاحبه بما يهواه وقد وقع في الإنس والجن هذا كله PageV02P136 # وتارة يخدم هؤلاء لهؤلاء في أغراضهم وهؤلاء ms145 لهؤلاء في أغراضهم فالجن ~~تأتيه بما يريد من صورة أو مال أو قتل عدوه والإنس تطيع الجن فتارة يسجد له ~~وتارة لما يأمره بالسجود له وتارة يمكنه من نفسه فيفعل به الفاحشة وكذلك ~~الجينات منهن من يريد من الإنس الذي يخدمنه ما يريد نساء الإنس من الرجال ~~وهذا كثير في رجال الجن ونسائهم فكثير من رجالهم ينال من نساء الإنس ما ~~يناله الإنسي وقد يفعل ذلك بالذكران # وصرع الجن للإنس هو لأسباب ثلاثة # تارة يكون الجني يحب المصروع ليتمتع به وهذا الصرع يكون أرفق من غيره ~~وأسهل # وتارة يكون الإنسي آذاهم إذا بال عليهم أو صب عليهم ماء حارا أو يكون قتل ~~بعضهم أو غير ذلك من أنواع الأذى هذا أشد الصرع وكثيرا ما يقتلون المصروع # وتارة يكون بطريق العبث به كما يعبث سفهاء الإنس بأبناء السبيل # ومن استمتاع الإنس والجن استخدامهم في الإخبار بالأمور الغائبة كما يخبر ~~الكهان فإن في الإنس من له غرض في هذا لما يحصل به من الرياسة والمال وغير ~~ذلك فإن كان القوم كفارا كما كانت العرب لم تبال بأن يقال أنه كاهن كما كان ~~العرب كهانا وقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها كهان وكان ~~المنافقون يطلبون التحاكم إلى الكهان وكان أبو ابرق الأسلمي أحد الكهان قبل ~~أن يسلم وإن كان القوم مسلمين لم يظهر أنه كاهن بل يجعل ذلك من باب ~~الكرامات وهو من جنس الكهان فإنه لا يخدم الإنسي بهذه الأخبار إلا لما ~~يستمتع به من الإنسي بأن يطيعه الإنسي في بعض ما يريده إما في شرك وإما في ~~فاحشة وإما في أكل حرام وإما في قتل بغير حق فالشياطين لهم غرض فيما نهى ~~الله عنه من الكفر والفسوق والعصيان ولهم لذة في الشر والفتن يحبون ذلك وإن ~~لم يكن فيه منفعة لهم وهم يقومون بأمر السارق أن يسرق ويذهب إلى أهل المال ~~فيقولون فلان سرق متاعكم ولهذا يقال القوة الملكية والبهيمية والسبعية ~~والشيطانية فإن الملكية فيها العلم النافع والعمل الصالح ms146 والبهيمية فيها ~~الشهوات كالأكل والشرب والسبعية فيها الغضب وهو دفع المؤذي وأما الشيطانة ~~فشر محض ليس فيها جلب منفعة ولا دفع مضرة # والفلاسفة ونحوهم ممن لا يعرف الجن والشياطين لا يعرفون هذه وإنما يعرفون ~~الشهوة والغضب والشهوة والغضب خلقا لمصلحة ومنفعة لكن المذموم هو العدوان ~~فيهما وأما الشيطان فيأمر بالشر الذي لا منفعة فيه ويحب ذلك كما فعل إبليس ~~بآدم لما وسوس له وكما امتنع من السجود له فالحسد يأمر به الشيطان والحاسد ~~لا ينتفع بزوال النعمة عن المحسود PageV02P137 لكن يبغض ذلك وقد يكون بغضه ~~لفوات غرضه وقد لا يكون # ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم في إحضار بعض ما يطلبونه من مال وطعام ~~وثياب ونفقة فقد يأتون ببعض ذلك وقد يدلونه على كنز وغيره واستمتاع الجن ~~بالإنس استعمالهم فيما يريده الشيطان من كفر وفسوق ومعصية # ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم فيما يطلبه الإنس من شرك وقتل وفواحش ~~فتارة بتمثل الجني في صورة الإنسي فإذا استغاث به في بعض أتباعه أتاه فظن ~~أنه الشيخ نفسه وتارة يكون التابع قد نادى شيخه وهتف به يا سيدي فلان فينقل ~~الجني ذلك الكلام إلى الشيخ بمثل صوت الإنسي حتى يظن الشيخ أنه صوت الإنسي ~~بعينه ثم إن الشيخ يقول نعم ويشير إشارة يدفع بها ذلك المكروه فيأتي الجني ~~بمثل ذلك الصوت والفعل يظن ذلك الشخص أنه شيخه نفسه وهو الذي أجابه وهو ~~الذي فعل ذلك حتى إن تابع الشيخ قد تكون يده في إناء يأكل فيضع الجني يده ~~في صورة يد الشيخ ويأخذ من الطعام فيظن ذلك التابع أنه شيخه حاضر معه ~~والجني يمثل للشيخ نفسه مثل ذلك الإناء فيضع يده فيه حتى يظن الشيخ أن يده ~~في ذلك الإناء فإذا حضر المريد ذكر له الشيخ أن يدي كانت في الإناء فيصدقه ~~ويكون بينهما مسافة شهر والشيخ في موضعه ويده لم تطل ولكن الجني مثل للشيخ ~~ومثل للمريد حتى ظن كل منهما أن أحدهما عند الآخر وإنما كان عنده ما مثله ~~الجني وخيله وإذا ms147 سئل الشيخ المخدوم عن أمر غائب إما سرقة وإما شخص مات ~~وطلب منه أن يخبر بحاله أو علة في النساء أو غير ذلك فإن الجني قد يمثل ذلك ~~فيريه صورة المسروق فيقول الشيخ ذهب لكم كذا وكذا ثم إن كان صاحب المال ~~معظما وأراد أن يدله على سرقته مثل له الشيخ الذي أخذه أو المكان الذي فيه ~~المال فيذهبون إليه فيجدونه كما قال والأكثر منهم أنهم يظهرون صورة المال ~~ولا يكون عليه لأن الذي سرق المال معه أيضا حتى يخدمه والجن يخاف بعضهم من ~~بعض كما أن الإنس يخاف بعضهم بعضا فإذا دل الجني عليه جاء إليه أولياء ~~السارق فآذوه وأحيانا لا يدل لكون السارق وأعوانه يخدمونه ويرشونه كما يصيب ~~معرف اللصوص من الإنس تارة يعرف السارق ولا يعرف به إما لرغبة ينالها منه ~~وإما لرهبة وخوف منه وإذا كان المال المسروق لكبير يخافه ويرجوه عرف سارقه ~~فهذا وأمثاله من استمتاع بعضهم ببعض # والجن مكلفون كتكليف الإنس ومحمد صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الثقلين ~~الجن والإنس وكفار الجن يدخلون النار بنصوص وإجماع المسلمين وأما مؤمنهم ~~ففيهم قولان وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ويدخلون الجنة وقد روي ~~أنهم يكونون في ربضها يراهم الإنس من PageV02P138 حيث لا يرون الإنس عكس ~~الحال في الدنيا وهو حديث رواه الطبراني في معجمه الصغير يحتاج النظر في ~~إسناده وقد احتج ابن أبي ليلى وأبو يوسف على ذلك بقوله تعالى @QB@ ولكل ~~درجات مما عملوا @QE@ وقد ذكر الجن والإنس الأبرار والفجار في الأحقاف ~~والأنعام واحتج الأوزاعي وغيره بقوله تعالى @QB@ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا ~~جان @QE@ وقد قال تعالى في الأحقاف @QB@ أولئك الذين حق عليهم القول في أمم ~~قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ولكل درجات مما عملوا ~~@QE@ وقد تقدم قبل هذا ذكر أهل الجنة وقوله @QB@ أولئك الذين نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة @QE@ ثم قال @QB@ ولكل ~~درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون @QE@ قال عبد الرحمن ms148 بن ~~زيد بن أسلم درجات أهل الجنة تذهب علوا ودرجات أهل النار تذهب سفلا وقد قال ~~تعالى عن قول الجن @QB@ منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا @QE@ ~~وقالوا @QB@ وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ~~وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا @QE@ ففيهم الكفار والفساق والعصاة وفيهم ~~من فيه عباة ودين بنوع من قلة العلم كما في الإنس وكل نوع من الجن يميل إلى ~~نظيره من الإنس فاليهود مع اليهود والنصارى مع النصارى والمسلمون مع ~~المسلمين والفساق مع الفساق وأهل الجهل والبدع مع أهل الجهل والبدع # واستخدام الإنس لهم مثل استخدام الإنس للإنس بشيء منهم من يستخدمهم ~~المحرمات من الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم وقد يظنون ذلك ~~من كرامات الصالحين وإنما هو من أفعال الشياطين # ومنهم من يستخدمهم في أمور مباحة إما إحضار ماله أو دلالة على مكان فيه ~~مال ليس له مالك معصوم أو دفع من يؤذيه ونحو ذلك فهذا كاستعانة الإنس بعضهم ~~ببعض في ذلك PageV02P139 # والنوع الثالث أن يستعملهم في طاعة الله ورسوله كما يستعمل الإنس في مثل ~~ذلك فيأمرهم بما أمر الله به ورسوله وينهاههم عما نهاهم الله عنه ورسوله ~~كما يأمر الإنس وينهاهم وهذه حال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال من اتبعه ~~واقتدى به من أمته وهم أفضل الخلق فإنهم يأمرون الإنس والجن بما أمرهم الله ~~به ورسوله وينهون الإنس والجن عما نهاهم الله عنه ورسوله إذ كان نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم مبعوثا بذلك إلى الثقلين الإنس والجن وقد قال الله له ~~@QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما ~~أنا من المشركين @QE@ وقال @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم @QE@ وعمر رضي لما نادى يا سارية ~~الجبل قال إن لله جنودا يبلغون صوتي وجنود الله هم من الملائكة ومن صالحي ~~الجن فجنود الله بلغوا صوت عمر إلى سارية وهو أنهم نادوه بمثل صوت عمر ms149 وإلا ~~نفس صوت عمر لا يصل نفسه في هذه المسافة البعيدة وهذا كالرجل يدعو آخر وهو ~~بعيد عنه فيقول يا فلان فيعان على ذلك فيقول الواسطة بينهما يا فلان وقد ~~يقول لمن هو بعيد عنه يا فلان احبس الماء تعال إلينا وهو لا يسمع صوته ~~فيناديه الواسطة بمثل ذلك يا فلان احبس الماء أرسل الماء إما بمثل صوت ~~الأول إن كان لا يقبل إلا صوته وإلا فلا يضر بأي صوت كان إذا عرف أن صاحبه ~~قد ناداه وهذا حكاية كان عمر مرة قد أرسل جيشا فجاء شخص وأخبر أهل المدينة ~~بانتصار الجيش وشاع الخبر فقال عمر من أين لكم هذا قالوا شخص صفته كيت وكيت ~~فأخبرنا فقال عمر ذاك أبو الهيتم يريد الجن وسيجيء بريد الإنسان بعد ذلك ~~بأيام # وقد يأمر الملك بعض الناس بأمر ويستكتمه إياه فيخرج فيرى الناس يتحدثون ~~به فإن الجن تسمعه وتخبر به الناس والذين يستخدمون الجن في المباحات يشبه ~~استخدام سليمان لكن أعطي ملكا لا ينبغي لأحد بعده وسخرت له الإنس والجن ~~وهذا لم يحصل لغيره والنبي صلى الله عليه وسلم لما تفلت عليه العفريت ليقطع ~~عليه صلاته قال فأخذته فدعته حتى سال لعابه على يدي وأردت أن أربطه إلى ~~سارية من سواري المسجد ثم ذكرت دعوة أخي سليمان فأرسلته فلم يستخدم النبي ~~الجن أصلا لكن دعاهم إلى الإيمان بالله وقرأ عليهم القرآن وبلغهم الرسالة ~~وبايعهم كما فعل بالإنس والذي أوتيه صلى الله عليه وسلم أعظم مما أوتيه ~~سليمان فإنه استعمل الجن والإنس في عبادة الله وحده وسعادتهم في الدنيا ~~والآخرة لا لغرض يرجع إليه إلا ابتغاء وجه الله وطلب مرضاته واختار أن يكون ~~عبدا رسولا على أن يكون نبيا ملكا فداود وسليمان ويوسف أنبياء ملوك ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد رسل PageV02P140 عبيد فهو أفضل كفضل السابقين ~~المقربين على الأبرار أصحاب اليمين وكثير ممن يرى هذه العجائب الخارقة ~~يعتقد أنها من كرامات الأولياء وكثير من أهل الكلام والعلم لم يعرفوا الفرق ~~بين الأنبياء والصالحين في الآيات ms150 الخارقة وما لأولياء الشيطان من ذلك من ~~السحرة والكهان والكفار من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع والضلال من ~~الداخلين في الإسلام جعلوا الخوارق جنسا واحدا وقالوا كلها يمكن أن تكون ~~معجزة إذا اقترنت بدعوى النبوة والاستدلال بها والتحدي بمثلها # وإذا ادعى النبوة من ليس بنبي من الكفار والسحرة فلا بد أن يسلبه الله ما ~~كان معه من ذلك وأن يقيض له من يعارضه ولو عارض واحد من هؤلاء النبي لأعجزه ~~الله فخاصة المعجزات عندهم مجرد كون المرسل إليهم لا يأتون بمثل ما أتى به ~~النبي كان معتادا للناس قالوا إن عجز الناس عن المعارضة خرق عادة فهذه هي ~~المعجزات عندهم وهم ضاهوا سلفهم من المعتزلة الذين قالوا المعجزات هي خرق ~~العادة لكن أنكروا كرامات الصالحين وأنكروا أن يكون السحر والكهانة من جنس ~~الشعبذة وحيل لم يعلموا أن الشياطين تعين على ذلك وأولئك أثبتوا الكرامات ~~ثم زعموا أن المسلمين أجمعوا على أن هذه لا تكون إلا لرجل صالح أو نبي ~~قالوا فإذا ظهرت على يد رجل كان صالحا بهذا الإجماع وهؤلاء أنفسهم قد ذكروا ~~أنها تكون للسحرة ما هو مثلها وتناقضوا في ذلك كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع # فصار كثير من الناس لا يعلمون ما للسحرة والكهان وما يفعله الشياطين من ~~العجائب وظنوا أنها لا تكون إلا لرجل صالح فصار من ظهرت هذه له يظن أنها ~~كرامة فيقوى قلبه بأن طريقته هي طريقة الأولياء وكذلك غيرهم يظن فيه ذلك ثم ~~يقولون الولي إذا تولى لا يعترض عليه فمنهم من يراه مخالفا لما علم ~~بالاضطرار من دين الرسول مثل ترك الصلاة المفروضة وأكل الخبائث كالخمر ~~والحشيشة والميتة وغير ذلك وفعل الفواحش والفحش والتفحش في المنطق وظلم ~~الناس وقتل النفس بغير حق والشرك بالله وهو مع ذلك يظن فيه أنه ولي من ~~أولياء الله قد وهبه هذه الكرامات بلا عمل فضلا من الله تعالى ولا يعلمون ~~أن هذه من أعمال الشياطين وأن هذه من أولياء الشياطين يضل به الناس ويغويهم # ودخلت ms151 الشياطين في أنواع من ذلك # فتارة يأتون الشخص في النوم يقول أحدهم أنا أبو بكر الصديق وأنا أتوبك لي ~~وأصير شيخك وأنت تتوب الناس لي ويلبسه فيصبح وعلى رأسه ما ألبسه فلا يشك أن ~~الصديق هو الذي جاءه ولا يعلم أنه الشيطان وقد جرى مثل هذا لعدد من المشايخ ~~بالعراق والجزيرة والشام وتارة يقص شعره في النوم فيصبح فيجد شعره مقصوصا ~~وتارة يقول أنا الشيخ فلان فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه وقص شعره ~~PageV02P141 # وكثيرا ما يستغيث الرجل بشيخه الحي أو الميت فيأتونه في صورة ذلك الشيخ ~~وقد يخلصونه مما يكره فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه أو أن ملكا تصور بصورته ~~وجاءه ولا يعلم أن ذلك الذي تمثل إنما هو الشيطان لما أشرك بالله أضلته ~~الشياطين والملائكة لا تجيب مشركا # وتارة يأتون إلى من هو خال في البرية وقد يكون ملكا أو أميرا كبيرا ويكون ~~كافرا وقد انقطع عن أصحابه وعطش وخاف الموت فيأتيه في صورة إنسي ويسقيه ~~ويدعوه إلى الإسلام ويتوبه فيسلم على يديه ويطعمه ويدله على الطريق ويقول ~~من أنت فيقول أنا فلان ويكون في موضع # كما جرى مثل هذا لي كنت في مصر في قلعتها وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك ~~من ناحية المشرق وقال له ذلك الشخص أنا ابن تيمية فلم يشك ذلك الأمير أني ~~أنا هو وأخبر بذلك ملك ماردين وأرسل بذلك ملك ماردين إلى مصر رسولا وكنت في ~~الحبس فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس ولكن كان هذا جنيا يحبنا فيصنع ~~بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاؤوا إلى دمشق كنت أدعوهم إلى ~~الإسلام فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ما تيسر فعمل معهم مثل ما كنت ~~أعمل وأراد بذلك إكرامي ليظن ذاك أني أنا الذي فعلت ذلك # قال لي طائفة من الناس فلم لايجوز أن يكون ملكا قلت لا إن الملك لا يكذب ~~وهذا قد قال أنا ابن تيمية وهو يعلم أنه كاذب في ذلك # وكثير من الناس رأى ms152 من قال إني أن الخضر وإنما كان جنيا ثم صار من الناس ~~من يكذب بهذه الحكايات إنكارا لموت الخضر والذين قد عرفوا صدقها يقطعون ~~بحياة الخضر وكل من الطائفتين مخطىء فإن الذين رأوا من قال إني أنا الخضر ~~هم كثيرون صادقون والحكايات متواترة لكن أخطؤوا في ظنهم أنه الخضر وإنما ~~كان جنيا ولهذا يجري مثل هذا لليهود والنصارى فكثيرا ما يأتيهم في كنائسهم ~~من يقول أنه الخضر وكذلك اليهود يأتيهم في كنائسهم من يقول أنه الخضر وفي ~~ذلك من الحكايات الصادقة ما يضيق عنه هذا الموضع يبين صدق من رأى شخصا وظن ~~أنه الخضر وأنه غلط في ظنه أنه الخضر وإنما كان جنيا وقد يقول أنا المسيح ~~أو موسى أو محمد أو أبو بكر أو عمر أو الشيخ فلان فكل هذا قد وقع والنبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا ~~يتمثل في صورتي قال ابن عباس في صورته التي كان عليه في حياته وهذه رؤيا في ~~المنام وأما في اليقظة فمن ظن أن أحدا من الموتى يجيء بنفسه للناس عيانا ~~قبل يوم القيامة فمن جهله أتى # ومن هنا ضلت النصارى حيث اعتقدوا أن المسيح بعد أن صلب كما يظنون أنه أتى ~~PageV02P142 إلى الحواريين وكلمهم ووصاهم وهذا مذكور في أناجيلهم وكلها ~~تشهد بذلك وذاك الذي جاء كان شيطانا قال أنا المسيح ولم يكن هو المسيح نفسه ~~ويجوز أن يشتبه مثل هذا على الحواريين كما اشتبه على كثير من شيوخ المسلمين ~~ولكن ما أخبرهم المسيح قبل أن يرفع بتبليغه فهو الحق الذي يجب عليهم تبليغه ~~ولم يرفع حتى بلغ رسالات ربه فلا حاجة إلى مجيئه بعد أن رفع إلى السماء # وأصحاب الحلاج لما قتل كان يأتيهم من يقول أن الحلاج فيرونه في صورته ~~عيانا وكذلك شيخ بمصر يقال له الدسوقي بعد أن مات كان يأتي أصحابه من جهته ~~رسائل وكتب مكتوبة وأراني صادق من أصحابه الكتاب الذي أرسله فرأيته بخط ~~الجن وقد رأيت ms153 خط الجن غير مرة وفيه كلام من كلام الجن وذاك المعتقد يعتقد ~~أن الشيخ حي وكان يقول انتقل ثم مات وكذلك شيخ آخر كان بالمشرق وكان له ~~خوارق من الجن وقيل كان بعد هذا يأتي خواص أصحابه في صورته فيعتقدون أنه هو ~~وهكذا الذين كانوا يعتقدون بقاء علي أو بقاء محمد بن الحنفية قد كان يأتي ~~إلى بعض أصحابهم جني في صورته وكذا منتظر الرافضة قد يراه أحدهم أحيانا ~~ويكون المرئي جنيا جنيا فهذا باب واسع واقع كثيرا وكلما كان القوم أجهل كان ~~عندهم أكثر ففي المشركين أكثر مما في النصارى وهو في النصارى كما هو في ~~الداخلين في الإسلام وهذه الأمور يسلم بسببها ناس ويتوب بسببها ناس يكونون ~~أضل من أصحابها فينتقلون بسببها إلى ما هو خير مما كان عليه كالشيخ الذي ~~فيه كذب وفجور من الإنس قد يأتيه قوم كفار فيدعوهم إلى الإسلام فيسلمون ~~ويصيرون خيرا مما كانوا وإن كان قصد ذلك الرجل فاسدا وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم ~~وهذا كان كالحجج والأدلة التي يذكرها كثير من أهل الكلام والرأي فإنه ينقطع ~~بها كثير من أهل الباطل ويقوى بها قلوب كثير من أهل الحق وإن كانت في نفسها ~~باطلة فغيرها أبطل منها والخير والشر درجات فينتفع بها أقوام ينتقلون مما ~~كانوا عليه إلى ما هو خير منه وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة ~~والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك ~~وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفارا وكذلك بعض الملوك قد ~~يغزو غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك ومع هذا فيحصل به نفع ~~خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين وذاك كان شرا بالنسبة إلى القائم ~~بالواجب وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير وكذلك كثير من الأحاديث الضعيفة ~~في الترغيب والترهيب والفضائل والأحكام والقصص قد يسمعها أقوام فينتقلون ~~بها إلى خير مما كانوا عليه وإن ms154 كانت كذبا وهذا كالرجل يسلم رغبة في الدنيا ~~ورهبة من السيف ثم إذا أسلم وطال مكثه بين المسلمين دخل الإيمان في قلبه ~~فنفس ذلك الكفر الذي كان عليه وانتهاره ودخوله في حكم المسلمين خير من أن ~~يبقى كافرا فانتقل إلى خير مما كان عليه وخف الشر الذي كان فيه ثم ~~PageV02P143 إذا أراد الله هدايته أدخل الإيمان في قلبه والله تعالى بعث ~~الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتعليلها والنبي صلى الله ~~عليه وسلم دعا الخلق بغاية الإمكان ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب ~~الإمكان @QB@ ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون @QE@ ~~وأكثر المتكلمين يردون باطلا بباطل وبدعة ببدعة لكن قد يردون باطل الكفار ~~من المشركين وأهل الكتاب بباطل المسلمين فيصير الكافر مسلما مبتدعا وأخص من ~~هؤلاء من يرد البدع الظاهرة كبدعة الرافضة ببدعة أخف منها وهي بدعة أهل ~~السنة وقد ذكرنا فيما تقدم أصناف البدع # ولا ريب أن المعتزلة خير من الرافضة ومن الخوارج فإن المعتزلة تقر بخلافة ~~الخلفاء الأربعة وكلهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان وكذلك المعروف عنهم أنهم ~~يتولون عليا ومنهم من يفضله على أبي بكر وعمر ولكن حكي عن بعض متقدميهم أنه ~~قال فسق يوم الجمل إحدى الطائفتين ولا أعلم عينها وقالوا أنه قال لو شهد ~~علي والزبير لم أقبل شهادتهما لفسق أحدهما لا بعينه ولو شهد علي مع آخر ففي ~~قبول شهادته قولان وهذا القول شاذ فيهم والذي عليه عامتهم تعظيم علي # ومن المشهور عندهم ذم معاوية وأبي موسى وعمرو بن العاص لأجل علي ومنهم من ~~يكفر هؤلاء ويفسقهم بخلاف طلحة والزبير وعائشة فإنهم يقولون أن هؤلاء تابوا ~~من قتاله وكلهم يتولى عثمان ويعظمون أبا بكر وعمر ويعظمون الذنوب فهو ~~يتحرون الصدق كالخوارج لا يختلقون الكذب كالرافضة ولا يرون أيضا اتخاذ دار ~~غير دار الإسلام كالخوارج ولهم كتب في تفسير القرآن ونصر الرسول ولهم محاسن ~~كثيرة يترجحون على الخوارج والروافض وهو قصدهم إثبات توحيد الله ورحمته ~~وحكمته وصدقه وطاعته وأصولهم الخمس ms155 على هذه الصفات الخمس لكنهم غلطوا في ~~بعض ما قالوه في كل واحد من أصولهم الخمس فجعلوا من التوحيد نفي الصفات ~~وإنكار الرؤية والقول بأن القرآن مخلوق فوافقوا في ذلك الجهمية وجعلوا من ~~العدل أنه لا يشاء ما يكون ويكون ما لا يشاء وأنه لم يخلق أفعال العباد ~~فنفوا قدرته ومشيئته وخلقه لإثبات العدل وجعلوا من الرحمة نفي أمور خلقها ~~لم يعرفوا ما فيها من الحكمة وكذلك هم الخوارج قالوا بإنفاذ الوعيد ليثبتوا ~~أن الرب صادق لا يكذب إذا كان عندهم قد أخبر بالوعيد العام فمتى لم يقل ~~بذلك لزم كذبه وغلطوا في فهم الوعيد وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~بالسيف قصدوا به طاعة الله ورسوله كما يقصده الخوارج والزيدية فغلطوا في ~~ذلك وكذلك إنكارهم للخوارق غير المعجزات قصدوا به إثبات النبوة ونصرها ~~وغلطوا فيما سلكوه فإن النصر لا يكون بتكذيب الحق وذلك لكونهم لم يحققوا ~~خاصة آيات الأنبياء ولأشعرية ما ردوه من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية ~~وغيرهم وبينوا ما بينوه من تناقضهم وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة ~~فحصل بما قالوه من بيان تناقض PageV02P144 أصحاب البدع الكبار وردهم ما ~~انتفع به خلق كثير # فإن الأشعري كان من المعتزلة وبقي على مذهبهم أربعين سنة يقرأ على أبي ~~علي الجبائي فلما انتقل عن مذهبهم كان خبيرا بأصولهم وبالرد عليهم وبيان ~~تناقضهم وأما ما بقي عليه من السنة فليس هو من خصائص المعتزلة بل هو من ~~القدر المشترك بينهم وبين الجهمية وأما خصائص المعتزلة فلم يوالهم الأشعري ~~في شيء منها بل ناقضهم في جميع أصولهم ومال في مسائل العدل والأسماء ~~والأحكام إلى مذهب جهم ونحوه وكثير من الطوائف كالنجارية اتباع حسين النجار ~~والضرارية أتباع ضرار بن عمر ويخالفون المعتزلة في القدر والأسماء والأحكام ~~وإنفاذ الوعيد والمعتزلة من أبعد الناس عن طريق أهل الكشف والخوارق ~~والصوفية يذمونها ويعيبونها وكذلك يبالغون في ذم النصارى أكثر مما يبالغون ~~في ذم اليهود وهم إلى اليهود أقرب كما أن الصوفية ونحوهم إلى النصارى أقرب ~~فإن النصارى عندهم ms156 عبادة وزهد وأخلاق بلا معرفة ولا بصيرة فهم ضالون ~~واليهود عندهم علم ونظر بلا قصد صالح ولا عبادة ولا زهد ولا أخلاق كريمة ~~فهم مغضوب عليهم والنصارى ضالون # قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ولا أعلم في هذا الحرف اختلافا بين ~~المفسرين وروى بإسناد عن أبي روق عن ابن عباس وغير طريق الضالين وهم ~~النصارى الذين أضلهم الله بفريتهم عليه يقول فألهمنا دينك الحق وهو لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود ولا تضلنا ~~كما أضللت النصارى فتعذبنا كما تعذبهم يقول امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك ~~ورأفتك وقدرتك قال ابن أبي حاتم ولا أعلم في هذا الحرف اختلافا بين ~~المفسرين وقد قال سفيان بن عيينة كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه ~~من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى # فأهل الكلام أصل أمرهم هو النظر في العلم ودليله فيعظمون العلم وطريقه ~~وهو الدليل والسلوك في طريقه وهو النظر # وأهل الزهد يعظمون الإرادة والمريد وطريق أهل الإرادة فهؤلاء يبنون أمرهم ~~على الإرادة وأولئك يبنون أمرهم على النظر وهذه هي القوة العلمية ولا بد ~~لأهل الصراط المستقيم من هذا وهذا ولا بد أن يكون هذا وهذا موافقا لما جاء ~~به الرسول # فالإيمان قول وعمل وموافقة السنة وأولئك عظموا النظر وأعرضوا عن الإرادة ~~وعظموا جنس النظر ولم يلتزموا النظر الشرعي فغلطوا من جهة كون جانب الإرادة ~~لم يعظموه وإن كانوا يوجبون الأعمال الظاهرة فهم لا يعرفون أعمال القلوب ~~وحقائقها ومن جهة أن النظر لم يميزوا فيه بين النظر الشرعي الحق الذي أمر ~~به الشارع وأخبر به وبين النظر البدعي الباطل المنهي عنه PageV02P145 # وكذلك الصوفية عظموا جنس الإرادة إرادة القلب وذموا الهوى وبالغوا في ~~الباب ولم يميز كثير منهم بين الإرادة الشرعية الموافقة لأمر الله ورسوله ~~وبين الإرادة البدعية بل أقبلوا على طريق الإرادة طريقة النظر # وأعرض كثير منهم فدخل عليهم الداخل من هاتين الجهتين ولهذا صار هؤلاء ~~يميل ms157 إليهم النصارى ويميلون إليهم وأولئك يميل إليهم اليهود ويميلون إليهم ~~وبين اليهود والنصارى غاية التنافر والتباغض وكذلك بين أهل الكلام والرأي ~~وبين أهل التصوف والزهد تنافر وتباغض هذا وهذا من الخروج عن الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا # ونسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين # # # # # # # # # # PageV02P146 148 $ فصل # قال تعالى @QB@ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ~~ولباس التقوى ذلك خير @QE@ الآية وفيهما قراءتان إحداهما بالنصب فيكون لباس ~~التقوى أيضا منزلا واما قراءة الرفع فلا وكلتاهما حق وقد قيل خلقناه وقيل ~~وقدلتاهما حق وقد قيل خلقناه وقيل وقدلتاهما حق وقد قيل خلقناه وقيل أنزلنا ~~أسبابه وقيل ألهمناهم كيفية صنعته وهذه الأقوال ضعيفة فإن النبات الذى ~~ذكروا لم يجيءفيه لفظ أنزلنا ولم يستعمل في كل ما يصنع أنزلنا فلم يقل أ ~~أنزلنا الدور وأنزلنا الطبخ ونحو ذلك وهو لم يقل إنا أنزلنا كل لباس ورياش # وقد قيل إن الريش والرياش المراد به اللباس الفاخر كلاهما بمعنى واحد مثل ~~اللبس واللباس # وقد قيل هما المال والخصب والمعاش وارتاش فلان حسنت حالته # والصحيح أن الرياض هو الأثاث والمتاع قا أبو عمرو والعرب تقول أعطاني ~~فلان ريشه أي كسوته وجهازه # وقال غيره الرياض في كلام العرب الأثاث وما ظهر من المتاع والثياب والفرش ~~ونحوها # وبعض المفسرين أطلق عليه لفظ المال والمراد به مال مخصوص PageV02P148 # قال أبو زيد جمالا وهذا لأنه مأخوذ من ريش الطائر وهو ما يروش به ويدفع ~~عنه الحر والبرد وجمال الطائر ريشه وكذلك ما يبيت فيه الإنسان من الفرش وما ~~يبسطه تحته ونحو ذلك والقرآن مقصوده جنس اللباس الذي يلبس على البدن وفي ~~البيوت # والله أعلم PageV02P149 $ فصل # قال تعالى @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد @QE@ سورة ~~الأعراف 29 لم يقل عند كل مشهد وقال @QB@ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله شاهدين على أنفسهم ms158 بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ سورة التوبة 17 18 ~~ولم يقل @QB@ إنما يعمر @QE@ مشاهد الله بل عمار المشاهد يخشون بها غير ~~الله ويرجون غير الله وقال تعالى @QB@ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا @QE@ سورة الجن 18 ولم يقل وأن المشاهد لله وقال @QB@ ومساجد يذكر ~~فيها اسم الله كثيرا @QE@ سورة الحج 40 ولم يقل ومشاهد وقال @QB@ في بيوت ~~أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة @QE@ سورة ~~النور 36 37 # وأيضا فقد علم بالنقل المتواتر بل علم بالاضطرار من دين الاسلام أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم شرع لأمته عمارة المساجد بالصلوات والاجتماع ~~للصلوات الخمس ولصلاة الجمعة والعيدين وغير ذلك وأنه لم يشرع لأمته أن ~~يبنوا على قبر نبي ولا رجل صالح لا من أهل البيت ولاغيرهم لا مسجدا ولا ~~مشهدا ولم يكن على عهده صلى الله عليه وسلم في الإسلام PageV02P150 مشهد ~~مبين على قبر وكذلك على عهد خلفائه الراشدين وأصحابه الثلاثة وعلي بن أبي ~~طالب ومعاوية لم يكن على عهدهم مشهد مبني لا على قبر نبي ولا غيره لا على ~~قبر إبراهيم الخليل ولا على غيره # بل لما قدم المسلمون إلى الشام غير مرة ومعهم عمر بن الخطاب وعثمان بن ~~عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهم ثم لما قدم عمر لفتح بيت المقدس ثم لما قدم ~~لوضع الجزية على أهل الذمة ومشارطتهم ثم لما قدم إلى سرغ ففي جميع هذه ~~المرات لم يكن أحدهم يقصد السفر إلى قبر الخليل ولا كان هناك مشهد بل كان ~~هناك البناء المبني على المغارة وكان مسدودا بلا باب له مثل حجة النبي صلى ~~الله عليه وسلم # ثم لم يزل الأمر هكذا في خلافة بني أمية وبني العباس إلى أن ms159 ملك النصارى ~~تلك البلاد في أواخر المائة الخامسة فبنوا ذلك البناء واتخذوه كنيسة ونقبوا ~~باب البناء فلهذا تجد الباب منقوبا لا مبنيا ثم لما استنقذ المسلمون منهم ~~تلك الأرض اتخذها من اتخذها مسجدا # بل كان الصحابة إذا رأوا أحدا بنى مسجدا على قبر نهوه عن ذلك ولما ظهر ~~قبر دانيال بتستر كتب فيه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إلى عمر رضي الله ~~عنه فكتب إليه عمر أن تحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا وتدفنه بالليل في واحد ~~منها لئلا يفتتن الناس به # وكان عمر بن الخطاب إذا رآهم ينتابون مكانا يصلون فيه لكونه موضع نبي ~~ينهاهم عن ذلك ويقول إنما هلك من كان قبلكم باتخاذ آثار أنبيائهم مساجد من ~~أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا فليذهب # فهذا وأمثاله كانوا يحققون به التوحيد الذي أرسل الله به الرسول إليهم ~~ويتبعون في ذلك سنته صلى الله عليه وسلم # والإسلام مبني على أصلين أن لا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده ~~بالبدع # فالنصارى خرجوا عن الأصلين وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة ~~وغيرهم # وأيضا فإن النصارى يزعمون أن الحواريين الذين اتبعوا المسيح أفضل من ~~إبراهيم PageV02P151 وموسى وغيرهما من الأنبياء والمرسلين ويزعمون أن ~~الحواريين رسل شافههم الله بالخطاب لأنهم يقولون إن الله هو المسيح ويقولون ~~أيضا إن المسيح ابن الله # والرافضة تجعل الأئمة الاثنى عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار وغالبيتهم يقولون إنهم أفضل من الأنبياء لأنهم يعتقدون فيهم ~~الإلهية كما اعتقدته النصارى في المسيح # والنصارى يقولون إن الدين مسلم للأحبار والرهبان فالحلال ما حللوه ~~والحرام ما حرموه والدين ما شرعوه # والرافضة تزعم أن الدين مسلم إلى الأئمة فالحلال ما حللوه والدين ما ~~شرعوه # وأما من دخل في غلو الشيعة كالإسماعيلية الذين يقولون بإلهية الحاكم ~~ونحوه من أئمتهم ويقولون إن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله ~~وغير ذلك من مقالات الغالية من الرافضة فهؤلاء شر من أكثر الكفار من اليهود ~~والنصارى والمشركين وهم ينتسبون إلى الشيعة ms160 يتظاهرون بمذاهبهم # فإن قيل ما وصفت به الرافضة من الغلو والشرك والبدع موجود كثير منه في ~~كثير من المنتسبين إلى السنة فإن في كثير منهم غلوا في مشايخهم وإشراكا بهم ~~وابتداعا لعبادات غير مشروعة وكثير منهم يقصد قبر من يحسن الظن به إما ~~ليسأله حاجاته وإما ليسأل الله تعالى به حاجة وإما لظنه أن الدعاء عند قبره ~~أجوب منه في المساجد وفيهم من يفضل زيارة قبورشيوخهم على الحج ومنهم من يجد ~~عند قبر من يعظمه من الرقة والخشوع ما لا يجده في المساجد والبيوت وغير ذلك ~~مما يوجد في الشيعة # ويروون أحاديث مكذوبة من جنس أكاذيب الرافضة مثل قوله لو أحسن أحدكم ظنه ~~بحجر نفعه الله به وقولهم إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور وقولهم ~~قبر فلان هو الترياق المجرب # ويروون عن بعض شيوخهم أنه قال لصاحبه إن كان لك حاجة فتعال إلى قبري ~~واستغث بي ونحو ذلك فإن في المشايخ من يفعل بعد مماته كما كان يفعل في ~~حياته وقد يستغيث الشخص بواحد منهم فيتمثل له الشيطان في صورته إما حيا ~~وإما ميتا وربما قضى حاجته أو قضى بعض حاجته كما يجري نحو ذلك للنصارى مع ~~شيوخهم ولعباد الأصنام من العرب والهند والترك وغيرهم # قيل هذا كله مما نهى الله عنه ورسوله وكل ما نهى الله عنه ورسوله فهو ~~مذموم منهي عنه سواء كان فاعله منتسبا إلى السنة أو إلى التشييع ولكن ~~الأمور المذمومة المخالفة للكتاب PageV02P152 والسنة في هذا وغيره هي في ~~الرافضة أكثر منها في أهل السنة فما يوجد في أهل السنة من الشر ففي الرافضة ~~أكثر منه وما يوجد في الرافضة من الخبر ففي أهل السنة أكثر منه # وهذا حال أهل الكتاب مع المسلمين فما يوجد في المسلمين شر إلا وفي أهل ~~الكتاب أكثر منه ولا يوجد في أهل الكتاب خير إلا وفي المسلمين أعظم منه # ولهذا يذكر سبحانه وتعالى مناظرة الكفار من المشركين وأهل الكتاب بالعدل ~~فإذا ذكروا عيبا في المسلمين لم يبرئهم منه لكن يبين ms161 أن عيوب الكفار أعظم # كما قال تعالى @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ~~@QE@ ثم قال @QB@ وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه ~~أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل @QE@ سورة البقرة 217 وهذه الآية نزلت ~~لأن سرية من المسلمين ذكر أنهم قتلوا ابن الحضرمي في آخر يوم من رجب فعابهم ~~المشركون بذلك فأنزل الله هذه الآية # # # # # # # # # # PageV02P153 $ فصل # في قوله تعالى @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم @QE@ # وقد روى مالك في موطئه عن زيد بن اسلم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن ~~زيد بن الخطاب أنه أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن ~~هذه الآية @QB@ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا @QE@ الآية فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يسأل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~تبارك وتعالى خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت ~~هؤلاء للجنة وبعمل اهل الجنة يعملون ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال ~~خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تبارك وتعالى إذا خلق العبد ~~للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة وإذا ~~خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل ~~النار # وهذا الحديث إنما رواه أهل السنن والمسانيد كأبي داود والترمذي والنسائي ~~وقال الترمذي حديث حسن وقد قيل إن إسناده منقطع وأن راويه مجهول ومع هذا ~~فقد رواه مالك في الموطأ مع أنه أبلغ من غيره لقوله ثم مسح ظهره بيمينه ~~فاستخرج منه ذرية ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ومن العجب أن الآجري يروي ~~في كتاب الشريعة له من طريق مالك والثوري والليث وغيرهم فلو ms162 تأمل أبو ~~المعالي وذووه الكتاب الذي أنكروه لوجدوا فيه ما يخصمهم ولكن أبو المعالي ~~مع فرط ذكائه وحرصه على العلم وعلو قدره في فنه كان قليل المعرفة بالآثار ~~النبوية ولعله لم يطالع الموطأ بحال حتى يعلم ما فيه فإنه لم يكن له ~~بالصحيحين البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي والترمذي أمثال هذه السنن ~~علم أصلا فكيف بالموطأ ونحوه وكان مع حرصه على الاحتجاج في مسائل الخلاف في ~~الفقه إنما عمدته سنن أبي الحسن الدارقطني وأبو الحسن مع تمام إمامته في ~~الحديث فإنه إنما صنف هذه السنن كي يذكر فيها الأحاديث المستغربة في الفقه ~~ويجمع طرقها فإنها هي التي يحتاج فيها إلى مثله فأما الأحاديث المشهورة في ~~الصحيحين وغيرهما فكان يستغني عنها في ذلك فلهذا كان مجرد PageV02P168 ~~الاكتفاء بكتابه في هذا الحديث يورث جهلا عظيما بأصول الإسلام واعتبر ذلك ~~بأن كتاب أبي المعالي الذي هو نخبة عمره نهاية المطلب في دراية المذهب ليس ~~فيه حديث واحد معزو إلى صحيح البخاري إلا حديث واحد في البسملة وليس ذلك ~~الحديث في البخاري كما ذكره ولقلة علمه وعلم أمثاله بأصول الإسلام اتفق ~~أصحاب الشافعي على أنه ليس لهم وجه في مذهب الشافعي فإذا لم يسوغ أصحابه أن ~~يعتد بخلافهم في مسألة من فروع الفقه كيف يكون حالهم في غير هذا وإذا اتفق ~~أصحابه على أن لا يجوز أن يتخذ إماما في مسألة واحدة من مسائل الفروع فكيف ~~يتخذ إماما في أصول الدين مع العلم بأنه إنما نبل قدره عند الخاصة والعامة ~~بتبحره في مذهب الشافعي رضي الله عنه لأن مذهب الشافعي مؤسس على الكتاب ~~والسنة وهذا الذي ارتفع به عند المسلمين غايته فيه أنه يوجد منه نقل جمعة ~~أو بحث تفطن له فلا يجعل إماما فيه كالأئمة الذين لهم وجوه فكيف بالكلام ~~الذي نص الشافعي وسائر الأئمة على أنه ليس بعد الشرك بالله ذنب أعظم منه ~~وقد بينا أن ما جعله أصل دينه في الإرشاد والشامل وغيرهما هو بعينه من ~~الكلام الذي نصت عليه ms163 الأئمة ولهذا روى عنه ابن طاهر أنه قال وقت الموت لقد ~~خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه والآن ~~إن لم يدركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني وها أنا أموت على عقيدة أمي ~~أو عقائد عجائز نيسابور وقال أبو عبد الله بن العباس الرستمي حكى لنا ~~الإمام أبو الفتح محمد بن علي الطبري الفقيه قال دخلنا على الإمام أبي ~~المعالي الجويني نعوده في مرضه الذي مات فيه بنيسابور فأقعد فقال لنا ~~اشهدوا على أني رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح ~~عليهم السلام وإني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور وعامة المتأخرين من ~~أهل الكلام سلكوا خلفه من تلامذته وتلامذة تلامذته وتلامذة تلامذة تلامذته ~~ومن بعدهم ولقلة علمه بالكتاب والسنة وكلام سلف الأمة يظن أن أكثر الحوادث ~~ليست في الكتاب والسنة والإجماع ما يدل عليها وإنما يعلم حكمها بالقياس كما ~~يذكر ذلك في كتبه ومن كان له علم بالنصوص ودلالتها على الأحكام علم أن قول ~~أبي محمد بن حزم وأمثاله أن النصوص تستوعب جميع الحوادث أقرب إلى الصواب من ~~هذا القول وإن كان في طريقة هؤلاء من الإعراض عن بعض الأدلة الشرعية ما قد ~~يسمى قياسا جليا وقد يجعل من دلالة اللفظ مثل فحوى الخطاب والقياس في معنى ~~الأصل وغير ذلك ومثل الجمود على الاستصحاب الضعيف ومثل الإعراض عن متابعة ~~أئمة من الصحابة ومن بعدهم ما هو معيب عليهم وكذلك القدح في أعراض الأئمة ~~لكن الغرض أن قول هؤلاء في استيعاب النصوص للحوادث وإن الله ورسوله قد بين ~~للناس دينهم هو أقرب إلى العلم والإيمان الذي هو الحق ممن يقول أن الله لم ~~يبين الناس حكم أكثر ما يحدث لهم من الأعمال بل وكلهم فيها إلى الظنون ~~المتقابلة والآراء المتعارضة ولا ريب أن سبب هذا كله ضعف العلم بالآثار ~~النبوية والآثار السلفية PageV02P169 وإلا فلو كان لأبي المعالي وأمثاله ~~بذلك علم راسخ وكانوا قد عضوا عليه بضرس قاطع لكانوا ملحقين بأئمة ms164 المسلمين ~~لما كان فيهم من الاستعداد لأسباب الاجتهاد ولكن اتبع أهل الكلام المحدث ~~والرأي الضعيف للظن وما تهوى الأنفس الذي ينقص صاحبه إلى حيث جعله الله ~~مستحقا لذلك وإن كان له من الاجتهاد في تلك الطريقة ما ليس لغيره فليس ~~الفضل بكثرة الاجتهاد ولكن بالهدى والسداد كما جاء في الأثر ما ازداد مبتدع ~~اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الخوارج يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ~~يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية ويوجد لأهل البدع من أهل القبلة لكثير من الرافضة والقدرية والجهمية ~~وغيرهم من الاجتهاد ما لا يوجد لأهل السنة في العلم والعمل وكذلك لكثير من ~~أهل الكتاب والمشركين لكن إنما يراد الحسن من ذلك كما قال الفضيل بن عياض ~~في قوله تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ قال أخلصه وأصوبه فقيل له ~~يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه فقال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم ~~يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص ~~أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة # وأما الشافعي رضي الله عنه فقد روى الأحاديث التي تتعلق بغرض كتابه مثل ~~حديث النزول وحديث معاوية بن الحكم السلمي الذي فيه قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم للجارية أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله ~~قال أعتقها فإنها مؤمنة وقد رواه مسلم في صحيحه بل روى في كتابه الكبير ~~الذي اختصر منه مسنده من الحديث ما هو من أبلغ أحاديث الصفات ورواه بإسناد ~~فيه ضعف فقال أخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثني موسى بن عبيدة حدثني أبو ~~الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبيد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك ~~يقول أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms165 ما هذه قال هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك فالناس ~~لكم فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير وفيها ساعة لا يوافقها عبد ~~مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم يا جبريل وما يوم المزيد قال إن ربك اتخذ في الفردوس واديا ~~أفيح فيه كثب مسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله عز وجل ما شاء من ملائكته ~~وحوله منابر من نور عليها مقاعد للنبيين وحفت تلك المنابر بمنابر من ذهب ~~مكللة PageV02P170 بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون ويجلس من ~~ورائهم على تلك الكثب فيقول الله عز وجل لهم أنا ربكم قد صدقتكم وعدي ~~فاسألوني أعطكم فيقولون ربنا نسألك رضوانك فيقول قد رضيت عنكم ولكم علي ما ~~تمنيتم ولدي مزيد فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من خير وهو ~~اليوم الذي استوى ربكم على العرش فيه وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة # وأما ما رواه الثوري والليث بن سعد وابن جريج والأوزاعي وحماد بن سلمة ~~وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة ونحوهم من هذه الأحاديث فلا يحصيه إلا الله ~~بل هؤلاء عليهم مدار هذه الأحاديث من جهتهم أخذت وحماد بن سلمة الذي قال إن ~~مالكا احتذى موطأه على كتابه هو قد جمع أحاديث الصفات لما أظهرت الجهمية ~~إنكارها حتى إن حديث خلق آدم على صورته أو صورة الرحمن قد رواه هؤلاء ~~الأئمة رواه الليث بن سعد عن ابن عجلان ورواه سفيان بن عيينة عن أبي الزناد ~~ومن طريقه رواه مسلم في صحيحه ورواه الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ولفظه خلق آدم على صورة الرحمن مع أن ~~الأعمش رواه مسندا فإذا كان الأئمة يروون مثل هذا الحديث وأمثاله مرسلا ~~فكيف يقال أنهم كانوا يمتنعون عن روايتها # والحديث هو في الصحيحين من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة وفي صحيح مسلم ~~من حديث قتادة عن أبي أيوب عن أبي هريرة ms166 وقد روي عن ابن القاسم قال سألت ~~مالكا عن من يحدث الحديث إن الله خلق آدم على صورته والحديث إن الله يكشف ~~عن ساقه يوم القيامة وإنه يدخل في النار يده حتى يخرج من أراد فأنكر ذلك ~~إنكارا شديدا ونهى أن يتحدث به أحد # قلت هذان الحديثان كان الليث بن سعد يحدث بهما فالأول حديث الصورة حدث به ~~عن ابن عجلان والثاني هو في حديث أبي سعيد الخدري الطويل وهذا الحديث قد ~~أخرجاه في الصحيحين من حديث الليث والأول قد أخرجاه في الصحيحين من حديث ~~غيره وابن القاسم إنما سأل مالكا لأجل تحديث الليث بذلك فيقال إما أن يكون ~~ما قاله مالك مخالفا لما فعله الليث ونحوه أو ليس بمخالف بل يكره أن يتحدث ~~بذلك لمن يفتنه ذلك ولايحمله عقله كما قال ابن مسعود ما من رجل يحدث قوما ~~حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وقد كان مالك يترك رواية أحاديث ~~كثيرة لكونه لا يأخذ بها ولم يتركها غيره فله في ذلك مذهب فغاية ما يعتذر ~~لمالك أن يقال كره أن يتحدث بذلك حديث يفتن المستمع الذي لا يحمل عقله ذلك # واما إن قيل أنه كره التحدث بذلك مطلقا فهذا مردود على من قاله فقد حدث ~~بهذه الأحاديث من هم أجل من مالك عند نفسه وعند المسلمين كعبد الله بن عمر ~~وأبي هريرة وابن PageV02P171 عباس وعطاء بن أبي رباح وقد حدث بها نظراؤه ~~كسفيان الثوري والليث بن سعد وابن عيينة والثوري أعلم من مالك بالحديث ~~وأحفظه له وهو أقل غلطا فيه من مالك وإن كان مالك ينقي من يحدث عنه وأما ~~الليث فقد قال فيه الشافعي كان أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه ففي ~~الجملة هذا كلام في حديث مخصوص أما أن يقال أن الأئمة أعرضوا عن هذه ~~الأحاديث مطلقا فهذا بهتان عظيم # # # # # # # # # # PageV02P172 179 # | بسم الله الرحمن الرحيم # سورة التوبة # | فصل # سئل شيخ الإسلام رحمه الله # عن قوله تعالى @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ms167 كلام ~~الله @QE@ فسماه هنا كلام الله وقال في مكان آخر @QB@ إنه لقول رسول كريم ~~@QE@ فما معنى ذلك فإن طائفة ممن يقول بالعبارة يدعون أن هذا حجة لهم ثم ~~يقولون أنتم تعتقدون أن موسى صلوات الله عليه سمع كلام الله عز وجل حقيقة ~~من الله من غير واسطة وتقولون إن الذي تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من ~~وسائط بأصوات مختلفة فما الفرق بين هذا وهذا وتقولون أن القرآن صفة لله ~~تعالى فما الفرق بين هذا وهذا وتقولون إن القرآن صفة لله تعالى وإن صفات ~~الله تعالى قديمة فإن قلتم أن هذا نفس كلام الله تعالى فقد قلتم بالحلول ~~وأنتم تكفرون الحلولية والاتحادية وإن قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا ونحن ~~نطلب منكم في ذلك جوابا نعتمد عليه إن شاء الله تعالى # فأجاب الحمد لله رب العالمين هذه الآية حق كما ذكر الله وليست إحدى ~~الآيتين معارضة للأخرى بوجه من الوجوه ولا في واحدة منهما حجة لقول باطل ~~وإن كان كل من الآيتين قد يحتج بها بعض الناس على قول باطل وذلك أن قوله ~~@QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ فيه دلالة ~~على أن يسمع كلام الله من التالي المبلغ وأن ما يقرؤه المسلمون هو كلام ~~الله كما في حديث جابر في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه ~~على الناس في الموقف ويقول ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن ~~قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه ~~لما خرج PageV02P179 على المشركين فقرأ عليهم @QB@ الم غلبت الروم في أدنى ~~الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون @QE@ قالوا له هذا كلامك أم كلام صاحبك ~~فقال ليس بكلامي ولا بكلام صاحبي ولكنه كلام الله # وقد قال تعالى @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين ~~شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه ~~صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل ms168 كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ~~أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر @QE@ فمن قال ~~إن هذا القرآن قول البشر كان قوله مضاهيا لقول الوحيد الذي أصلاه الله سقر ~~ومن المعلوم لعامة العقلاء أن من بلغ كلام غيره كالمبلغ لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى إذا سمعه ~~الناس من المبلغ قالوا هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كلام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو قال المبلغ هذا كلامي وقولي لكذبه الناس ~~لعلمهم بأن الكلام كلام لمن قاله مبتدئا منشئا لا لمن أداه راويا مبلغا ~~فإذا كان مثل هذا معلوما في تبليغ كلام المخلوق فكيف لا يعقل في تبليغ كلام ~~الخالق الذي هو أولى أن لا يجعل كلاما لغير الخالق جل وعلا # وقد أخبر تعالى بأنه منزل منه فقال @QB@ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق @QE@ وقال @QB@ حم تنزيل من الرحمن الرحيم @QE@ @QB@ ~~حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم @QE@ فجبريل رسول الله من الملائكة ~~جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البشر والله يصطفي من الملائكة ~~رسلا ومن الناس وكلاهما مبلغ له كما قال @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك @QE@ وقال @QB@ إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم @QE@ وهو مع هذا كلام الله ~~PageV02P180 ليس لجبريل ولا لمحمد فيه إلا التبليغ والأداء كما أن المعلمين ~~له في هذا الزمان والتاليين له في الصلاة أو خارج الصلاة ليس لهم فيه إلا ~~ذلك لم يحدثوا شيئا من حروفه ولا معانيه قال الله تعالى @QB@ فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ إلى قوله @QB@ وإذا بدلنا آية ~~مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل ~~نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ولقد ms169 ~~نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين @QE@ # كان بعض المشركين يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم تعلمه من بعض الأعاجم ~~الذين بمكة إما عبد بن الحضرمي وإما غيره كما ذكر ذلك المفسرين فقال تعالى ~~@QB@ لسان الذي يلحدون إليه @QE@ أي يضيفون إليه التعليم لسان @QB@ أعجمي ~~وهذا لسان عربي مبين @QE@ فكيف يتصور من يعلمه أعجمي وهذا الكلام عربي وقد ~~أخبر أنه نزله روح القدس من ربك بالحق فهذا بيان أن هذا القرآن العربي الذي ~~تعلمه من غيره لم يكن هو المحدث لحروفه ونظمه إذ يمكن لو كان كذلك أن يكون ~~تلقى من الأعجمي معانيه وألف هو حروفه وبيان أن هذا الذ تعلمه من غير نزل ~~به روح القدس من ربك بالحق يدل على أن القرآن جميعه منزل من الرب سبحانه ~~وتعالى لم ينزل معناه دون حروفه # ومن المعلوم أن من بلغ كلام غيره كمن بلغ كلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~أو غيره من الناس أو أنشد شعر غيره كما لو أنشد منشد قول لبيد # % ألا كل شيء ما خلا الله باطل % $ # أو قول عبد الله بن رواحة حيث قال # % شهدت بأن وعد الله حق % وأن النار مثوى الكافرينا % # % وأن العرش فوق الماء طاف % وفوق العرش رب العالمينا % $ # أو قوله # % وفينا رسول الله يتلو كتابه % إذا انشق معروف من الفجر ساطع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه % إذا استثقلت بالمشركين المضاجع % # % أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا % به موقنات أن ما قال واقع % $ ~~PageV02P181 # وهذا الشعر قال منشئه لفظه ومعناه وهو كلامه لا كلام غيره بحركته وصوته ~~ومعناه القائم بنفسه ثم إذا أنشده المنشد وبلغه عنه علم أن شعر ذلك المنشىء ~~وكلامه ونظمه وقوله مع أن هذا التالي أنشده بحركة نفسه وصوت نفسه وقام ~~بقلبه من المعنى نظير من قام بقلب الأول وليس الصوت المسموع من المنشد هو ~~الصوت المسموع من المنشىء والشعر شعر المنشىء لا شعر المنشد والمحدث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا ms170 روى قوله إنما الأعمال بالنيات بلغه بحركته ~~وصوته مع أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به بحركته وصوته وليس صوت ~~المبلغ صوت النبي صلى الله عليه وسلم ولا حركته كحركته والكلام كلام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا كلام المبلغ له عنه # فإذا كان هذا معلوما معقولا فكيف لا يعقل أن يكون ما يقرأ القارىء إذا ~~قرأ @QB@ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين @QE@ أن يقال ~~هذا الكلام كلام البارىء وإن كان الصوت صوت القارىء فمن ظن أن الأصوات ~~المسموعة من القراء صوت الله فهو ضال مفتر مخالف لصريح المعقول وصحيح ~~المنقول قائل قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل قد أنكر الإمام أحمد ~~وغيره على من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق وبدعوه كما جهموا من قال لفظي ~~بالقرآن مخلوق وقالوا القرآن كلام الله غير مخلوق كيف تصرف فكيف من قال ~~لفظي به قديم أو صوتي به قديم فابتدع هذا وضلاله أوضح فمن قال إن لفظه ~~بالقرآن غير مخلوق أو صوته أو فعله أو شيئا من ذلك فهو ضال مبتدع # وهؤلاء قد يحتجون بقوله @QB@ حتى يسمع كلام الله @QE@ ويقولون هذا كلام ~~الله وكلام الله غير مخلوق فهذا غير مخلوق ونحن لا نسمع إلا صوت القارىء ~~وهذا جهل منهم فإن سماع كلام الله بل وسماع كل كلام يكون تارة من المتكلم ~~به بلا واسطة ويكون بواسطة الرسول المبلغ له قال تعالى @QB@ وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ~~@QE@ # ومن قال إن الله كلمنا بالقرآن كما كلم موسى بن عمران أو إنا نسمع كلامه ~~كما سمعه موسى بن عمران فهو من أعظم الناس جهلا وضلالا # ولو قال قائل إنا نسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه الصحابة ~~منه لكان ضلاله واضحا فكيف من يقول أنا أسمع كلام الله منه كما سمعه موسى ~~وإن كان الله كلم موسى تكليما بصوت سمعه موسى فليس صوت ms171 المخلوقين صوتا ~~للخالق وكذلك مناداته لعباده بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وتكلمه ~~بالوحي حتى يسمع أهل السموات والأرض صوته كجر السلسلة على الصفا وأمثال ذلك ~~مما جاءت به النصوص والآثار كلها ليس فيها أن PageV02P182 صفة المخلوق هي ~~صفة الخالق بل ولا مثلها بل فيها الدلالة على الفرق بين صفة الخالق وبين ~~صفة المخلوق فليس كلامه مثل كلامه ولا معناه مثل معناه ولا حرفه مثل حرفه ~~ولا صوته مثل صوته كما أنه ليس علمه مثل علمه ولا قدرته مثل قدرته ولا سمعه ~~مثل سمعه ولا بصره مثل بصره فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في ~~صفاته ولا في أفعاله # ولما استقر في فطر الخلق كلهم الفرق بين سماع الكلام من المتكلم به ~~ابتداء وبين سماعه من المبلغ عنه كان ظهور هذا الفرق في سماع كلام الله من ~~المبلغين عنه أوضح من أن يحتاج إلى الإطناب # وقد بين أئمة السنة والعلم كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتابه ~~في خلق الأفعال وغيرهما من أئمة السنة من الفرق بين صوت الله المسموع منه ~~وصوت العباد بالقرآن وغيره ما لا يخالفهم فيه أحد من العلماء أهل العقل ~~والدين $ فصل # وأما قوله تعالى @QB@ إنه لقول رسول كريم @QE@ فهذا قد ذكره في موضعين ~~فقال في الحاقة @QB@ إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ~~ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون @QE@ فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقال في التكوير @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم ~~أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين @QE@ فالرسول هنا جبريل ~~فأضافه إلى الرسول من البشر تارة وإلى الرسول من الملائكة تارة باسم الرسول ~~ولم يقل إنه لقول ملك ولا نبي لأن لفظ الرسول يبين أنه مبلغ عن غيره لا ~~منشيء له من عنده @QB@ وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ فكان قوله ~~@QB@ إنه لقول رسول كريم @QE@ بمنزلة قوله لتبليغ رسول أو مبلغ من رسول ~~كريم ms172 أو جاء به رسول كريم أو مسموع عن رسول كريم وليس معناه أنه أنشأه أو ~~أحدثه أو أنشأ شيئا منه أو أحدثه رسول كريم إذ لو كان منشئا لم يكن رسولا ~~فيما أنشأه وابتدأه وإنما يكون رسولا فيما بلغه وأداه ومعلوم أن الضمير ~~عائد إلى القرآن مطلقا # وأيضا فلو كان أحد الرسولين أنشأ حروفه ونظمه امتنع أن يكون الرسول الآخر ~~هو المنشىء المؤلف لها فبطل أن تكون إضافته إلى الرسول لأجل أحداث لفظه ~~ونظمه ولو جاز PageV02P183 أن تكون الإضافة هنا لأجل إحداث الرسول له أو ~~لشيء منه لجاز أن نقول إنه قول البشر وهذا قول الوحيد الذي أصلاه الله سقر # فإن قال قائل فالوحيد جعل الجميع قول البشر ونحن نقول إن الكلام العربي ~~قول البشر وأما معناه فهو كلام الله # فيقال لهم هذا نصف قول الوحيد ثم هذا باطل من وجوه أخرى # وهو أن معاني هذا النظم معان متعددة متنوعة وأنتم تجعلون ذلك المعنى ~~واحدا هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار وتجعلون ذلك المعنى إذا عبر عنه ~~بالعربية كان قرآنا وإذا عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإذا عبر عنه ~~بالسريانية كان إنجيلا وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من العقل والدين فإن ~~التوراة إذا عربناها لم يكن معناها معنى القرآن والقرآن إذا ترجمناه ~~بالعبرانية لم يكن معناه معنى التوراة # وأيضا فإن معنى آية الكرسي ليس هو معنى آية الدين وإنما يشتركان في معنى ~~الكلام ومسمى كلام الله كما تشترك الأعيان في مسمى النوع فهذا الكلام وهذا ~~الكلام وهذا الكلام كله يشترك في أنه كلام الله اشتراك الأشخاص في أنواعها ~~كما أن هذا الإنسان وهذا الإنسان وهذا الإنسان يشتركون في مسمى الإنسان ~~وليس في الخارج خص بعينه هو هذا وهذا وهذا وكذلك ليس في الخارج كلام واحد ~~هو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وهو معنى آية الدين وآية الكرسي # ومن خالف هذا كان في مخالفته لصريح المعقول من جنس من قال إن أصوات ~~العباد وأفعالهم قديمة أزلية فاضرب بكلام البدعتين رأس قائلهما والزم ~~الصراط ms173 المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين # وبسبب هاتين البدعتين الحمقاوين ثارت الفتن وعظمت الإحن وإن كان كل من ~~أصحاب القولين قد يفسرونهما بما قد يلتبس على كثير من الناس كما فسر من قال ~~إن الصوت المسموع من العبد أو بعضه قديم وأن القديم ظهر في المحدث من غير ~~حلول فيه # وأما أفعال العباد فرأيت بعض المتأخرين يزعم أنها قديمة خيرها وشرها وفسر ~~ذلك بأن الشرع قديم والقدر قديم وهي مشروعة مقدرة ولم يفرق بين الشرع الذي ~~هو كلام الله والمشروع الذي هو المأمور به والمنهي عنه ولم يفرق بين القدر ~~الذي هو علم الله وكلامه وبين المقدور الذي هو مخلوقاته والعقلاء كلهم ~~يعلمون بالاضطرار أن الأمر والخبر نوعان للكلام لفظه ومعناه ليس الأمر ~~والخبر صفات لموصوف واحد فمن جعل الأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا ~~أنواعا له فقد خالف ضرورة العقل وهؤلاء في هذا بمنزلة من زعم أن الوجود ~~PageV02P184 واحد إذ لم يفرق بين الواحد بالنوع والواحد بالعين فإن انقسام ~~الموجود إلى القديم والمحدث والواجب والممكن والخالق والمخلوق والقائم ~~بنفسه والقائم بغيره كانقسام الكلام إلى الأمر والخبر أو إلى الإنشاء ~~والإخبار أو إلى الأمر والنهي والخبر فمن قال الكلام معنى واحد هو الأمر ~~والخبر فهو كمن قال الوجود واحد هو الخالق والمخلوق أو الواجب والممكن وكما ~~أن حقيقة هذا تؤول إلى تعطيل الخالق فحقيقة هذا تؤول إلى تعطيل كلامه ~~وتكليمه # وهذا حقيقة قول فرعون الذي أنكر الخالق وتكليمه لموسى ولهذا آل الأمر ~~بمحقق هؤلاء إلى تعظيم فرعون وتوليه وتصديقه في قوله @QB@ أنا ربكم الأعلى ~~@QE@ بل إلى تعظيمه على موسى وإلى الاستحقار بتكليم الله لموسى كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع # وأيضا فيقال ما تقول في كلام كل متكلم إذا نقله عنه غيره كما قد ينقل ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والعلماء والشعراء وغيرهم ويسمع من ~~الرواة أو المبلغين أن ذلك المسموع من المبلغ بصوت المبلغ هو كلام المبلغ ~~أو كلام المبلغ عنه # فإن ms174 قال كلام المبلغ لزم أن يكون القرآن كلاما لكل من سمع منه فيكون ~~القرآن المسموع كلام ألف ألف قارىء لا كلام الله تعالى وأن يكون قوله إنما ~~الأعمال بالنيات ونظائره كلام كل من رواه لا كلام الرسول وحينئذ فلا فضيلة ~~للقرآن @QB@ إنه لقول رسول كريم @QE@ فإنه على قول هؤلاء قول كل منافق قرأه ~~والقرآن يقرأه المؤمن والمنافق كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل ~~المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق ~~الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا ~~يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها وعلى هذا التقدير فلا يكون ~~القرآن قول بشر واحد بل قول ألف ألف بشر وأكثر من ذلك وفساد هذا في العقل ~~والدين واضح # وإن قال كلام المبلغ عنه علم أن الرسول المبلغ للقرآن ليس القرآن كلامه ~~ولكنه كلام الله ولكن لما كان الرسول الملك قد يقال إنه شيطان بين الله أنه ~~تبليغ ملك كريم لا تبليغ شيطان رجيم ولهذا قال @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي ~~قوة عند ذي العرش مكين @QE@ إلى قوله @QB@ وما هو بقول شيطان رجيم @QE@ ~~وبين في هذه الآية أن الرسول البشري الذي صحبناه وسمعناه منه ليس بمجنون ~~وما هو على الغيب بمتهم وذكره باسم الصاحب لما في ذلك PageV02P185 من ~~النعمة به علينا إذ كنا لا نطيق أن نتلقى إلا عمن صحبناه وكان من جنسنا كما ~~قال تعالى @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم @QE@ وقال @QB@ ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون @QE@ كما قال في الآية الأخرى @QB@ ~~والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى @QE@ وبين أن الرسول الذي من أنفسنا ~~والرسول الملكي أنهما مبلغان فكان في هذا تحقيق أنه كلام الله # فلما كان الرسول البشري يقال إنه مجنون أو مفتر نزهه عن هذا وهذا وكذلك ~~في السورة الأخرى قال @QB@ إنه لقول ms175 رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين @QE@ وهذا مما ~~يبين أنه إضافة إليه لأنه بلغه وأداه لا لأنه أحدثه وأنشأه فإنه قال @QB@ ~~وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين @QE@ فجمع بين قوله @QB@ إنه ~~لقول رسول كريم @QE@ وبين قوله @QB@ وإنه لتنزيل رب العالمين @QE@ ~~والضميران عائدان إلى واحد فلو كان الرسول أحدثه وأنشأه لم يكن تنزيلا من ~~رب العالمين بل كان يكون تنزيلا من الرسول ومن جعل الضمير في هذا عائدا إلى ~~غير ما يعود إليه الضمير الآخر مع أنه ليس في الكلام ما يقتضي اختلاف ~~الضميرين ومن قال أن هذا عبارة عن كلام الله فقل له هذا الذي تقرأه أهو ~~عبارة عن العبارة التي أحدثها الرسول الملك أو البشر على زعمك أم هو نفس ~~تلك العبارة فإن جعلت هذا عبارة عن تلك العبارة جاز أن تكون عبارة جبريل أو ~~الرسول عبارة عن عبارة الله وحينئذ فيبقى النزاع لفظيا فإنه متى قال إن ~~محمدا سمعه من جبريل جميعه وجبريل سمعه من الله جميعه والمسلمون سمعوه من ~~الرسول جميعه فقد قال الحق وبعد هذا فقوله عبارة لأجل التفريق بين التبليغ ~~والمبلغ عنه كما سنبينه # وإن قلت ليس هذا عبارة عن تلك العبارة بل هو نفس تلك العبارة فقد جعلت ما ~~يسمع من المبلغ هو بعينه ما يسمع من المبلغ عنه إذ جعلت هذه العبارة هي ~~بعينها عبارة جبريل فحينئذ هذا يبطل أصل قولك # واعلم أن أصل القول بالعبارة أن أبا محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب هو ~~أول من قال في الإسلام إن معنى القرآن كلام الله وحروفه ليست كلام الله ~~فأخذ بنصف قول المعتزلة ونصف قول أهل السنة والجماعة وكان قد ذهب إلى إثبات ~~الصفات لله تعالى PageV02P186 وخالف المعتزلة في ذلك وأثبت العلو لله على ~~العرش ومباينة المخلوقات وقرر ذلك تقريرا هو أكمل من تقرير أتباعه بعده ~~وكان الناس قد تكلموا فيمن بلغ كلام غيره هل يقال له ms176 حكاية عنه أم لا وأكثر ~~المعتزلة قالوا هو حكاية عنه فقال ابن كلاب القرآن العربي حكاية عن كلام ~~الله ليس بكلام الله # فجاء بعهد أبو الحسن الأشعري فسلك مسلكه في إثبات أكثر الصفات وفي مسألة ~~القرآن أيضا واستدرك عليه قوله أن هذا حكاية وقال الحكاية إنما تكون مثل ~~المحكي فهذا يناسب قول المعتزلة وإنما يناسب قولنا أن نقول هو عبارة عن ~~كلام الله لأن الكلام ليس من جنس العبارة فأنكر أهل السنة والجماعة عليهم ~~عدة أمور # أحدها قولهم إن المعنى كلام الله وإن القرآن العربي ليس كلام الله وكانت ~~المعتزلة تقول هو كلام الله وهو مخلوق فقال هؤلاء هو مخلوق وليس بكلام الله ~~لأن من أصول أهل السنة أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل ~~فإذا قام الكلام بمحل كان هو المتكلم به كما أن العلم والقدرة إذا قاما ~~بمحل كان هو العالم القادر وكذلك الحركة وهذا مما احتجوا به على المعتزلة ~~وغيرهم من الجهمية في قولهم إن كلام الله مخلوق خلقه في بعض الأجسام قالوا ~~لهم لو كان كذلك لكان الكلام كلام ذلك الجسم الذي خلقه فيه فكانت الشجرة هي ~~القائلة @QB@ إني أنا الله رب العالمين @QE@ فقال أئمة الكلابية إذا كان ~~القرآن العربي مخلوقا لم يكن كلام الله فقال طائفة من متأخريهم بل نقول ~~الكلام مقول بالاشتراك بين المعنى المجرد وبين الحروف المنظومة فقال لهم ~~المحققون فهذا يبطل أصل حجتكم على المعتزلة فإنكم إذا سلمتم أن ما هو كلام ~~الله حقيقة لا يمكن قيامه به بل بغيره أمكن المعتزلة أن يقولوا ليس كلامه ~~إلا ما خلقه في غيره # الثاني قولهم إن ذلك المعنى هو الأمر والنهي والخبر وهو معنى التوراة ~~والإنجيل والقرآن وقال أكثر العقلاء هذا الذي قالوه معلوم الفساد بضرورة ~~العقل # الثالث أن ما نزل به جبريل من المعنى واللفظ وما بلغه محمد لأمته من ~~المعنى واللفظ ليس هو كلام الله # ومسألة القرآن لها طرفان أحدهما تكلم الله به وهو أعظم الطرفين والثاني ~~تنزيله إلى ms177 خلقه والكلام في هذا سهل بعد تحقيق الأول وقد بسطنا الكلام في ~~ذلك في عدة مواضع وبينا مقالات أهل الأرض كلهم في هذه المسائل وما دخل في ~~ذلك من الاشتباه ومأخذ كل طائفة ومعنى قول السلف القرآن كلام الله غير ~~مخلوق وأنهم قصدوا به إبطال PageV02P187 قول من يقول إن الله لم يقم بذاته ~~كلام ولهذا قال الأئمة كلام الله من الله ليس ببائن عنه وذكرنا اختلاف ~~المنتسبين إلى السنة هل يتعلق الكلام بمشيئته وقدرته أم لا وقول من قال من ~~أئمة السنة لم يزل الله متكلما إذا شاء وأن قول السلف منه بدأ لم يريدوا به ~~أنه فارق ذاته وحل في غيره فإن كلام المخلوق بل وسائر صفاته لا تفارقه ~~وتنتقل إلى غيره فكيف يجوز أن يفارق ذات الله كلامه أو غيره من صفاته بل ~~قالوا منه بدأ أي هو المتكلم به ردا على المعتزلة والجهمية وغيرهم الذين ~~قالوا بدأ من المخلوق الذي خلق فيه وقولهم إليه يعود أي يسري عليه فلا يبقى ~~في المصاحف منه حرف ولا في الصدور منه آية # والمقصود هنا الجواب عن مسائل السائل $ فصل # وأما قول القائل أنتم تعتقدون أن موسى سمع كلام الله منه حقيقة من غير ~~واسطة وتقولون أن الذي تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من وسائل بأصوات ~~مختلفة فما الفرق بين ذلك # فيقال له بين هذا وهذا من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق فإن كل عاقل ~~يفرق بين سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم منه بغير واسطة كسماع الصحابة ~~منه وبين سماعه منه بواسطة المبلغين عنه كأبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر ~~وابن عباس وكل من السامعين سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة وكذلك ~~من سمع شعر حسان بن ثابت أو عبد الله بن رواحة أو غيرهما من الشعراء منه ~~بلا واسطة ومن سمعه من الرواة عنه يعلم الفرق بين هذا وهذا وهو في الموضعين ~~شعر حسان لا شعر غيره والإنسان إذا تعلم شعر غيره فهو يعلم أن ms178 ذلك الشاعر ~~أنشأ معانيه ونظم حروفه بأصواته المقطعة وإن كان المبلغ يرويه بحركة نفسه ~~وأصوات نفسه # فإذا كان هذا الفرق معقولا في كلام المخلوقين بين سماع الكلام من المتكلم ~~به ابتداء وسماعه بواسطة الراوي عنه أو المبلغ عنه فكيف لا يعقل ذلك في ~~سماع كلام الله وقد تقدم أن من ظن أن المسموع من القراء هو صوت الرب فهو ~~إلى تأديب المجانين أقرب منه إلى خطاب العقلاء وكذلك من توهم أن الصوت قديم ~~أو أن المداد قديم فهذا لا يقوله ذو حس سليم بل ما بين لوحي المصحف كلام ~~الله وكلام الله ثابت في مصاحف المسلمين لا كلام غيره فمن قال إن الذي في ~~المصحف ليس كلام الله بل كلام غيره فهو ملحد مارق # ومن زعم أن كلام الله فارق ذاته وانتقل إلى غيره كما كتب في المصاحف أو ~~أن المداد قديم أزلي فهو أيضا ملحد مارق بل كلام المخلوقين يكتب في الأوراق ~~وهو لم يفارق ذواتهم PageV02P188 فكيف لا يعقل مثل هذا في كلام الله تعالى # والشبهة تنشأ في مثل هذا من جهة أن بعض الناس لا يفرق بين المطلق من ~~الكلام والمقيد مثال ذلك أن الإنسان يقول رأيت الشمس والقمر والهلال إذ رآه ~~بغير واسطة وهذه الرؤية المطلقة وقد يراه في ماء أو مرآة فهذه رؤية مقيدة ~~فإذا أطلق قوله رأيته أو ما رأيته حمل على مفهوم اللفظ المطلق وإذا قال لقد ~~رأيت الشمس في الماء والمرآة فهو كلام صحيح مع التقييد واللفظ يختلف معناه ~~بالإطلاق والتقييد فإذا وصل بالكلام ما يغير معناه كالشرط والاستثناء ~~ونحوهما من التخصيصات المتصلة كقوله @QB@ ألف سنة إلا خمسين عاما @QE@ كان ~~هذا المجموع دالا على تسعمائة وخمسين سنة بطريق الحقيقة عند جماهير الناس # ومن قال إن هذا مجاز فقد غلط فإن هذا المجموع لم يستعمل في غير موضعه وما ~~يقترن باللفظ من القرائن اللفظية الموضوعة هي من تمام الكلام ولهذا لا ~~يحتمل الكلام معها معنيين ولا يجوز نفي مفهومهما بخلاف استعمال لفظ الأسد ~~في ms179 الرجل الشجاع مع أن قول القائل هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز نزاع لفظي وهو ~~مستند من أنكر المجاز في اللغة أو في القرآن ولم ينطق بهذا أحد من السلف ~~والأئمة ولم يعرف لفظ المجاز في كلام أحد من الأئمة إلا في كلام الإمام ~~أحمد فإنه قال فيما كتبه من الرد على الزنادقة والجهمية هذا من مجاز القرآن ~~وأول من قال ذلك مطلقا أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه الذي صنفه في ~~مجاز القرآن ثم إن هذا كان معناه عند الأولين مما يجوز في اللغة ويسوغ فهو ~~مشتق عندهم من الجواز كما يقول الفقهاء عقد لازم وجائز وكثير من المتأخرين ~~جعله من الجواز الذي هو العبور من معنى الحقيقة إلى معنى المجاز ثم إنه لا ~~ريب أن المجاز قد يشيع ويشتهر حتى يصير حقيقة # والمقصود أن القائل إذا قال رأيت الشمس أو القمر أو الهلال أو غير ذلك في ~~الماء والمرآة فالعقلاء متفقون على الفرق بين هذه الرؤية وبين رؤية ذلك بلا ~~واسطة وإذا قال قائل ما رأى ذلك بل رأى مثاله أو خياله أو رأى الشعاع ~~المنعكس أو نحو ذلك لم يكن هذا مانعا لما يعلمه الناس ويقولونه من أنه رآه ~~في الماء أو المرآة وهذه الرؤية في الماء أو المرآة حقيقة مقيدة وكذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا ~~يتمثل في صورتي هو كما قال صلى الله عليه وسلم رآه في المنام حقا فمن قال ~~ما رآه في المنام حقا فقد أخطأ ومن قال إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة ~~كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير ~~دون تلك PageV02P189 # وكذلك ما سمعه منه من الكلام في المنام هو سماع منه في المنام وليس هذا ~~كالسماع منه في اليقظة وقد يرى الرائي في المنام أشخاصا يخاطبهم ويخاطبونه ~~والمرئيون لا شعور لهم بذلك وإنما رأى مثالهم ولكن يقال رآهم في المنام ~~حقيقة فيحترز بذلك عن الرؤيا ms180 التي هي حديث النفس # فإن الرؤيا ثلاثة أقسام رؤيا بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا ~~مما يحدث المرء به نفسه في اليقظة فيراه في المنام وقد ثبت هذا التقسيم في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الرؤيا يظهر لكل أحد من الفرق ~~بينها وبين اليقظة ما لا يظهر في غيرها فكما أن الرؤية تكون مطلقة وتكون ~~مقيدة بواسطة المرآة والماء أو غير ذلك حتى إن المرئي يختلف باختلاف المرآة ~~فإذا كانت كبيرة مستديرة رأى كذلك وإن كانت صغيرة أو مستطيلة رأى كذلك ~~فكذلك في السماع يفرق بين من سمع كلام غيره منه ومن سمعه بواسطة المبلغ ففي ~~الموضعين المقصود سماع كلامه كما أن هناك في الموضعين يقصد رؤية نفس النبي ~~لكن إذا كان بواسطة اختلف باختلاف الواسطة فيختلف باختلاف أصوات المبلغين ~~كما يختلف المرئي باختلاف المرايا قال تعالى @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ # فجعل التكليم ثلاثة أنواع الوحي المجرد والتكليم من وراء حجاب كما كلم ~~موسى عليه السلام والتكليم بواسطة إرسال الرسول كما كلم الرسل بإرسال ~~الملائكة وكما نبأنا الله من أخبار المنافقين بإرسال محمد صلى الله عليه ~~وسلم # والمسلمون متفقون على أن الله أمرهم بما أمرهم به في القرآن ونهاهم عما ~~نهاهم عنه في القرآن وأخبرهم بما أخبرهم به في القرآن فأمره ونهيه وإخباره ~~بواسطة الرسول فهذا تكليم مقيد بالإرسال وسماعنا لكلامه سماع مقيد بسماعه ~~من المبلغ لا منه وهذا القرآن كلام الله مبلغا عنه مؤدا عنه وموسى سمع ~~كلامه مسموعا منه لا مبلغا عنه ولا مؤدا عنه وإذا عرف هذا المعنى زاحت ~~الشبهة # والنبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه ويخبر عن ربه ويحكي عن ربه فهذا ~~يذكر ما يذكره عن ربه من كلامه الذي قاله راويا حاكيا عنه فلو قال من قال ~~إن القرآن حكاية إن محمدا حكاه عن الله كما يقال بلغه عن الله وأداه عن ~~الله ms181 لكان قد قصد معنى صحيحا لكن يقصدون ما يقصده القائل بقوله فلان يحكي ~~فلانا أي يفعل مثل فعله وهو أنه يتكلم بمثل كلام الله فهذا باطل قال الله ~~تعالى @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ PageV02P190 # ونكتة الأمر أن العبرة بالحقيقة المقصودة لا بالوسائل المطلوبة لغيرها ~~فلما كان مقصود الرائي أن يرى الوجه مثلا فرآه في المرأة حصل مقصوده وقال ~~رأيت الوجه وإن كان ذلك بواسطة انعكاس الشعاع في المرآة وكذلك من كان ~~مقصوده أن يسمع القول الذي قاله غيره الذي ألف ألفاظه وقصد معانيه فإذا ~~سمعه منه أو من غيره حصل هذا المقصود وإن كان سماعه من غيره هو بواسطة صوت ~~ذلك الغير الذي يتخلف باختلاف الصائتين والقلوب إنما تشير إلى المقصود لا ~~إلى ما ظهر به المقصود كما في الاسم والمسمى فإن القائل إذا قال جاء زيد ~~وذهب عمرو ولم يكن مقصوده إلا الإخبار بالمجيء عن المسمى ولكن بذكر الاسم ~~أظهر ذلك # فمن ظن أن الموصوف بالمجيء والإتيان هو لفظ زيد أو لفظ عمرو كان مبطلا ~~فكذلك إذا قال القائل هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فالمقصود هنا ~~الكلام نفسه من حيث هو هو وإن كان إنما ظهر وسمع بواسطة حركة التالي وصوته ~~فمن ظن أن المشار إليه هو صوت القارىء وحركته كان مبطلا ولهذا لما قرأ أبو ~~طالب المكي على الإمام أحمد رضي الله عنه @QB@ قل هو الله أحد @QE@ وسأله ~~هل هذا كلام الله وهل هو مخلوق فأجابه بأنه كلام الله وأنه غير مخلوق فنقل ~~عنه أبو طاب خطأ منه أنه قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فاستدعاه وغضب عليه ~~وقال أنا قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق قال لا ولكن قرأت عليك @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ وقلت لك هذا غير مخلوق فقلت نعم قال فلم تحكي عني ما لم أقل ~~لا تقل هذا فإن هذا لم يقله عالم وقصته مشهورة حكاها عبد الله وصالح ms182 وحنبل ~~والمروذي وفوزان وبسطها الخلال في كتاب السنة وصنف المروذي في مسألة اللفظ ~~مصنفا ذكر فيه أقوال الأئمة # وهذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن الكلام وأدقه فإن الإشارة إذا أطلقت ~~انصرفت إلى المقصود وهو كلام الله الذي تكلم به لا إلى ما وصل به إلينا من ~~أفعال العباد وأصواتهم فإذا قيل لفظي جعل نفس الوسائط غير مخلوقة وهذا باطل ~~كما أن من رأى وجها في مرآة فقال أكرم الله هذا الوجه وحياه أو قبحه كان ~~دعاؤه على الوجه الموجود في الحقيقة الذي رأى بواسطة المرآة لا على الشعاع ~~المنعكس فيها وكذلك إذا رأى القمر في الماء فقال قد أبدر أو لم يبدر فإنما ~~مقصوده القمر الذي في السماء لا خياله وكذلك من سمعه يذكر رجلا فقال هذا ~~رجل صالح أو رجل فاسق علم أن المشار إليه هو الشخص المسمى بالاسم لا نفس ~~PageV02P191 الصوت المسموع من الناطق فلو قال هذا الصوت أو صوتي بفلان صالح ~~أو فاسق فسد المعنى # وكان بعضهم يقول لفظي بالقرآن مخلوق فرأى في منامه وضارب يضربه وعليه ~~فروة فأوجعه بالضرب فقال له لا تضربني فقال أنا ما أضربك وإنما أضرب الفروة ~~فقال إنما يقع الضرب علي فقال هكذا إذا قلت لفظي بالقرآن مخلوق فالخلق إنما ~~يقع على القرآن يقول كما أن المقصود بالضرب بدنك واللباس واسطة فهكذا ~~المقصود بالتلاوة كلام الله وصوتك واسطة فإذا قلت مخلوق وقع ذلك على ~~المقصود كما إذا سمعت قائلا يذكر رجلا فقلت أنا أحب هذا وأنا أبغض هذا ~~انصرف الكلام إلى المسمى المقصود بالاسم لا إلى صوت الذاكر ولهذا قال ~~الأئمة القرآن كلام الله غير مخلوق كيفما تصرف بخلاف أفعال العباد وأصواتهم ~~فإنه من نفى عنها الخلق كان مبتدعا ضالا $ فصل # وأما قول القائل تقولون إن القرآن صفة الله وإن صفات الله غير مخلوقة فإن ~~قلتم أن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفرون بالحلولية ~~والاتحادية وإن قلتم مغير ذلك قلتم بمقالتنا # فمن تبين له ما نبهنا عليه سهل ms183 عليه الجواب عن هذا وأمثاله فإن منشأ ~~الشبهة أن قول القائل هذا كلام الله يجعل أحكامه واحدة سواء كان كلامه ~~مسموعا منه أو كلامه مبلغا عنه # ومن هنا تختلف طوائف من الناس # طائفة قالت هذا كلام الله وهذا حروف وأصوات مخلوقة فكلام الله مخلوق # وطائفة قالت هذا مخلوق وكلام الله ليس بمخلوق فهذا ليس كلام الله # وطائفة قالت هذا كلام الله وكلام الله ليس بمخلوق وهذا ألفاظنا وتلاوتنا ~~فألفاظنا وتلاوتنا غير مخلوقة # ومنشأ ضلال الجميع من عدم الفرق في المشار إليه في هذا فأنت تقول هذا ~~الكلام الذي تسمعه من قائله صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم وكذلك إذا سمعته ~~من ناقله تقول هذا الكلام صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم فالمشار إليه في ~~الموضعين واحد وتقول أيضا إن هذا صوت حسن وهذا كلام من وسط القلب ثم إذا ~~سمعته من الناقل تقول هذا صوت حسن أو كلام من وسط القلب فالمشار إليه هنا ~~ليس هو المشار إليه PageV02P192 هناك بل أشار إلى ما يختص به هذا من صوته ~~وقلبه وإلى ما يختص به هذا من صوته وقلبه وإذا كتب الكلام في صفحتين ~~كالمصحفين تقول في كلم فهما هذا قرآن كريم وهذا كتاب مجيد وهذا كلام الله ~~فالمشار إليه واحد ثم تقول هذا خط حسن وهذا قلم النسخ أو الثلث وهذا الخط ~~أحمر أو أصفر والمشار إليه هنا ما يختص به كل من المصحفين عن الآخر # فإذا ميز الإنسان في المشار إليه بهذا وهذا تبين المتفق والمفترق وعلم أن ~~من قال هذا القرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق أن المشار إليه الكلام ~~من حيث هو مع قطع النظر عما به وصل إلينا من حركات العباد وأصواتهم ومن قال ~~هذا مخلوق وأشار به إلى مجرد صوت العبد وحركته لم يكن له في هذا حجة على أن ~~القرآن نفسه حروفه ومعانيه الذي تعلم هذا القارىء من غيره وبلغه بحركته ~~وصوته مخلوق من اعتقد ذلك فقد أخطأ وضل # ويقال لهذا هذا الكلام الذي ms184 أشرت إليه كان موجودا قبل أن يخلق هذا ~~القارىء فهب أن القارىء لم تخلق نفسه ولا وجدت لا أفعاله ولا أصواته فمن ~~أين يلزم أن يكون الكلام نفسه الذي كان موجودا قبله يعدم بعدمه ويحدث ~~بحدوثه فإشارته بالخلق إن كانت إلى ما يختص به هذا القارىء من أفعاله ~~وأصواته فالقرآن غني عن هذا القارىء وموجود قبله فلا يلزم من عدم هذا عدمه ~~وإن كانت إلى الكلام الذي يتعلمه الناس بعضهم من بعض فهذا هو الكلام المنزل ~~من الله الذي جاء به جبريل إلى محمد وبلغه محمد لأمته وهو كلام الله الذي ~~تكلم به فذاك يمتنع أن يكون مخلوقا فإنه لو كان مخلوقا لكان كلاما لمحله ~~الذي خلق فيه ولم يكن كلاما لله ولأنه لو كان سبحانه إذا خلق كلاما كان ~~كلامه كان ما أنطق به كل ناطق كلامه مثل تسبيح الجبال والحصى وشهادة الجلود ~~بل كان كلام في الوجود وهذا قول الحلولية يقولون # % وكل كلام في الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % $ # ومن قال القرآن مخلوق فهو بين أمرين إما أن يجعل كل كلام في الوجود كلامه ~~وبين أن يجعله غير متكلم بشيء أصلا فيجعل العباد المتكلمين أكمل منه وشبهه ~~بالأصنام والجمادات والموات كالعجل الذي لا يكلمهم ولايهديهم سبيلا فيكون ~~قد فر من إثبات صفات الكمال له حذرا في زعمه من التشبيه فوصفه بالنقص وشبهه ~~بالجامد والموات # وكذلك قول القائل هذا نفس كلام الله وعين كلام الله وهذا الذي في المصحف ~~هو عين كلام الله ونفس كلام الله وأمثال هذه العبارات هذه مفهومها عند ~~الإطلاق في فطر المسلمين أنه كلامه لا كلام غيره وأنه لا زيادة فيه ولا ~~نقصان فإن من ينقل كلام غيره PageV02P193 ويكتبه في كتاب قد يزيد فيه وينقص ~~كما جرت عادة الناس في كثير من مكاتبات الملوك وغيرها فإذا جاء كتاب ~~السلطان فقيل هذا الذي فيه كلام السلطان بعينه بلا زيادة ولا نقص يعني لم ~~يزد فيه الكاتب ولا نقص وكذلك من نقل كلام بعض الأئمة في ms185 مسألة من تصنيفه ~~قيل هذا الكلام كلام فلان بعينه يعني لم يزد فيه ولم ينقص كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه # فقوله فبلغه كما سمعه لم يرد به أنه يبلغه بحركاته وأصواته التي سمعه بها ~~ولكن أراد أنه يأتي بالحديث على وجهه لا يزيد فيه ولاينقص فيكون قد بلغه ~~كما سمعه فالمستمع له من المبلغ يسمعه كما قاله صلى الله عليه وسلم ويكون ~~قد سمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قاله وذلك معنى قولهم هذا ~~كلامه بعينه وهذا نفس كلامه لا يريدون أن هذا هو صوته وحركاته وهذا لا ~~يقوله عاقل ولا يخطر ببال عاقل ابتداء ولكن اتباع الظن وما تهوى الأنفس ~~يلجىء أصحابه إلى القرمطة في السمعيات والسفسطة في العقليات # ولو ترك الناس على فطرتهم لكانت صحيحة سليمة فإذا رأى الناس كلاما صحيحا ~~فإن من تكلم بكلام وسمع منه ونقل عنه أو كتبه في كتاب لا يقول عاقل أن نفس ~~ما قام المتكلم من المعاني التي في قلبه والألفاظ القائمة بلسانه فارقته ~~وانتقلت عنه إلى المستمع والمبلغ عنه ولا فارقته وحلت في الورق بل ولا يقول ~~أن نفس ما قام به من المعاني والألفاظ هو نفس المداد الذي في الورق بل ~~ولايقول أن نفس ألفاظه التي هي أصواته هي أصوات المبلغ عنه فهذه الأمور ~~كلها ظاهرة لا يقولها عاقل في كلام المخلوق إذا سمع وبلغ أو كتب في كتاب ~~فكيف يقال ذلك في كلام الله الذي سمع منه وبلغ عنه أو كتبه سبحانه كما كتب ~~التوراة لموسى وكما كتب القرآن في اللوح المحفوظ وكما كتبه المسلمون في ~~مصاحفهم # وإذا كان من سمع كلام مخلوق فبلغه عنه بلفظه ومعناه بل شعر مخلوق كما ~~يبلغ شعر حسان وابن رواحة ولبيد وأمثالهم من الشعراء ويقول الناس هذا شعر ~~حسان بعينه وهذا هو نفس شعر حسان وهذا شعر لبيد بعينه كقوله # % ألا كل شيء ما خلا الله باطل % $ # ومع هذا ms186 فيعلم كل عاقل أن رواة الشعر ومنشديه لم يسلبوا الشعراء نفس ~~صفاتهم حتى حلت بهم بل ولا نفس ما قام بأولئك من صفاتهم وأفعالهم كأصواتهم ~~وحركاتهم حلت بالرواة والمنشدين فكيف يتوهم متوهم أن صفات الباري كلامه أو ~~غير كلامه فارق ذاته وحل في مخلوقاته وأن ما قام بالمخلوق من صفاته وأفعاله ~~كحركاته وأصواته هي صفات الباري حلت PageV02P194 فيه وهم لا يقولون مثل ذلك ~~في المخلوق بل يمثلون العلم بنور السراج يقتبس منه المتعلم ولا ينقص ما عند ~~العالم كما يقتبس المقتبس ضوء السراج فيحدث الله له ضوءا كما يقال أن الهوى ~~ينقلب نارا بمجاورة الفتيلة للمصباح من غير أن تتغير تلك النار التي في ~~المصباح والمقرىء والمعلم يقرىء القرآن ويعلم العلم ولم ينقص مما عنده شيء ~~بل يصير عند المتعلم مثل ما عنده # ولهذا يقال فلان ينقل علم فلان وينقل كلامه ويقال العلم الذي كان عند ~~فلان صار إلى فلان وأمثال ذلك كما يقال نقلت ما في الكتاب ونسخت ما في ~~الكتاب أو نقلت الكتاب أو نسخته وهم لا يريدون أن نفس الحروف التي في ~~الكتاب الأول عدمت منه وحلت في الثاني بل لما كان المقصود من نسخ الكتاب من ~~الكتب ونقلها من جنس نقل العلم والكلام وذلك يحصل بأن يجعل في الثاني مثل ~~ما في الأول فيبقى المقصود بالأول منقولا منسوخا وإن كان لم يتغير الأول ~~بخلاف نقل الأجسام وتوابعها فإن ذلك إذا نقل من موضع إلى موضع زال عن الأول # وذلك لأن الأشياء لها وجود في أنفسها وهو وجودها العيني ولها ثبوتها في ~~العلم ثم في اللفظ المطابق للعمل ثم في الخط وهذا الذي يقال وجود في ~~الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان وجود عيني ووجود ~~علمي ولفظي ورسمي ولهذا افتتح الله كتابه بقوله تعالى @QB@ اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ~~ما لم يعلم @QE@ فذكر الخلق عموما وخصوصا ثم ذكر التعليم عموما وخصوصا ms187 ~~فالخط يطابق اللفظ واللفظ يطابق العلم والعلم هو المطابق للمعلوم # ومن هنا غلط من غلط فظن أن القرآن في المصحف كالأعيان في الورق فظن أن ~~قوله @QB@ إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون @QE@ كقوله @QB@ الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل @QE@ فجعل إثبات القرآن الذي هو كلام ~~الله في المصاحف كإثبات الرسول في المصاحف وهذا غلط إثبات القرآن كإثبات ~~اسم الرسول هذا كلام وهذا كلام وأما إثبات اسم الرسول فهذا كإثبات الأعمال ~~أو كإثبات القرآن في زبر الأولين قال تعالى @QB@ وكل شيء فعلوه في الزبر ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وإنه لفي زبر الأولين @QE@ فثبوت الأعمال في الزبر ~~وثبوت القرآن في زبر الأولين هو مثل كون الرسول مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل ولهذا قيد سبحانه هذا بلفظ الزبر والكتب زبر يقال زبرت الكتاب إذا ~~كتبته والزبور بمعنى PageV02P195 المزبور أي المكتوب فالقرآن نفسه ليس عند ~~بني إسرائيل ولكن ذكره كما أن محمدا نفسه ليس عندهم ولكن ذكره فثبوت الرسول ~~في كتبهم كثبوت القرآن في كتبهم بخلاف ثبوت القرآن في اللوح المحفوظ وفي ~~المصاحف فإن نفس القرآن أثبت فيها فمن جعل هذا مثل هذا كان ضلاله بينا وهذا ~~مبسوط في موضعه # والمقصود هنا أن نفس الموجودات وصفاتها إذا انتقلت من محل إلى محل حلت في ~~ذلك المحل الثاني وأما العلم بها والخبر عنها فيأخذه الثاني عن الأول مع ~~بقائه في الأول وإن كان الذي عند الثاني هو نظير ذلك ومثله لكن لما كان ~~المقصود بالعلمين واحدا في نفسه صارت وحدة المقصود توجب وحدة التابع له ~~والدليل عليه ولم يكن للناس غرض في تعدد التابع كما في الاسم مع المسمى فإن ~~اسم الشخص وإن ذكره أناس متعددون ودعا به أناس متعددون فالناس يقولون إنه ~~اسم واحد لمسمى واحد فإذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن ~~محمدا رسول الله وقال ذلك هذا المؤذن وهذا المؤذن وقاله غير المؤذن فالناس ~~يقولون إن هذا المكتوب هو اسم الله واسم رسوله كما أن المسمى هو الله ~~ورسوله ms188 # وإذا قال @QB@ اقرأ باسم ربك @QE@ وقال @QB@ اركبوا فيها بسم الله @QE@ ~~وقال @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ وقال @QB@ بسم الله @QE@ ففي الجميع ~~المذكور هو اسم الله وإن تعدد الذكر والذاكر فالخبر الواحد عن المخبر ~~الواحد من مخبره والأمر الواحد بالمأمور به من الآمر الواحد بمنزلة الاسم ~~الواحد لمسماه هذا في المركب نظير هذا في المفرد وهذا هو واحد باعتبار ~~الحقيقة وباعتبار اتحاد المقصود وإن تعدد من يذكر ذلك الاسم والخبر وتعددت ~~حركاتهم وأصواتهم وسائر صفاتهم # وأما قول القائل إن قلتم إن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم ~~تكفرون الحلولية والاتحادية فهذا قياس فاسد مثاله مثال رجل ادعى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يحل بذاته في بدن الذي يقرأ حديثه فأنكر الناس ذلك عليه ~~وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل في بدن غيره فقال أنتم تقولون ~~إن المحدث يقرأ كلامه وإن ما يقرأه هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ~~قلتم ذلك فقد قلتم بالحلول ومعلوم أن هذا في غاية الفساد # والناس متفقون على إطلاق القول بأن كلام زيد في هذا الكتاب وهذا الذي ~~سمعناه كلام زيد ولا يستجيز العاقل إطلاق القول بأنه هو نفسه في هذا ~~المتكلم أو في هذا الورق وقد نطقت النصوص بأن القرآن في الصدور كقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم استذكروا القرآن فلهو أشد نفلتا من صدور الرجال من ~~النعم في عقلها وقوله الجوف الذي ليس فيه شيء من PageV02P196 القرآن كالبيت ~~الخرب وأمثال ذلك وليس هذا عند عاقل مثل أن يقال الله في صدورنا وأجوافنا ~~ولهذا لما ابتدع شخص يقال له الصوري بأن من قال القرآن في صدورنا فقد قال ~~بقول النصارى فقيل لأحمد قد جاءت جهمية رابعة أي جهمية الخلقية واللفظية ~~والواقفية وهذه الرابعة اشتد نكيره لذلك وقال هذا أعظم من الجهمية وهو كما ~~قال # فإن الجهمية ليس فيهم من ينكر أن يقال القرآن في الصدور ولا يشبه هذا ~~بقول النصارى بالحلول إلا من هو في غاية الضلالة والجهالة فإن ms189 النصارى ~~يقولون الأب والابن وروح القدس إله واحد وإن الكلمة التي هي اللاهوت تدرعت ~~الناسوت وهو عندهم إله يخلق ويرزق ولهذا كانوا يقولون إن الله هو المسيح ~~ابن مريم ويقولون المسيح ابن الله ولهذا كانوا متناقضين فإن الذي تدرع ~~المسيح إن كان هو الإله الجامع للأقانيم فهو الأب نفسه وإن كان هو صفة من ~~صفاته فالصفة لا تخلق ولا ترزق وليست إلها والمسيح عندهم إله ولو قال ~~النصارى إن كلام الله في صدر المسيح كما هو في صدور سائر الأنبياء ~~والمؤمنين لم يكن في قولهم ما ينكر # فالحلولية المشهورون بهذا الاسم من يقول بحلول الله في البشر كما قالت ~~النصارى والغالية من الرافضة وغلاة أتباع المشايخ أو يقولون بحلوله في كل ~~شيء كما قالت الجهمية أنه بذاته في كل مكان وهو سبحانه ليس في مخلوقاته شيء ~~من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته وكذلك من قال باتحاده بالمسيح أو غيره ~~أو قال باتحاده بالمخلوقات كلها أو قال وجوده وجود المخلوقات أو غير ذلك # فاما قول القائل إن كلام الله في قلوب أنبيائه وعباده المؤمنين وإن الرسل ~~بلغت كلام الله والذي بلغته هو كلام الله وإن الكلام في الصحيفة ونحو ذلك ~~فهذا لا يسمى حلولا ومن سماه حلولا لم يكن بتسميته لذلك مبطلا للحقائق وقد ~~تقدم أن ذلك لا يقتضي مفارقة صفة المخلوق له وانتقالها إلى غيره فكيف صفة ~~الخالق تبارك وتعالى ولكن لما كان فيه شبهة الحلول تنازع الناس في إثبات ~~لفظ الحلول ونفيه عنه هل يقال إن كلام الله حال في المصحف أو حال في الصدور ~~وهل يقال كلام الناس المكتوب حال في المصحف أو حال في قلوب PageV02P197 ~~حافظيه ونحو ذلك فمنهم طائفة نفت الحلول كالقاضي أبي يعلى وأمثاله وقالوا ~~ظهر كلام الله في ذلك ولا نقول حل لأن حلول صفة الخالق في المخلوق أو حلول ~~القديم في المحدث ممتنع # وطائفة أطلقت القول بأن كلام الله حال في المصحف كأبي إسماعيل الأنصاري ~~الهروي الملقب بشيخ الإسلام وغيره وقالوا ms190 ليس هذا هو الحلول المحذور الذي ~~نفيناه بل نطلق القول بأن الكلام في الصحيفة ولا يقال بأن الله في الصحيفة ~~أو في صدر الإنسان كذلك نطلق القول بأن كلامه حال في ذلك دون حلول ذاته # وطائفة ثالثة كأبي علي بن أبي موسى وغيره قالوا لا نطلق الحلول نفيا ولا ~~إثباتا لأن إثبات ذلك يوهم انتقال صفة الرب إلى المخلوقات ونفي ذلك يوهم ~~نفي نزول القرآن إلى الخلق فنطلق ما أطلقته النصوص ونمسك عما في إطلاق ~~محذور لما في ذلك من الإجمال # واما قول القائل إن قلتم إن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وإن قلتم ~~غير ذلك قلتم بمقالتنا فجواب ذلك أن المقالة المنكرة هنا تتضمن ثلاثة أمور ~~فإذا زالت لم يبق منكرا # أحدها من يقول إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنما أحدثه غير الله ~~كجبريل ومحمد والله خلقه في غيره # الثاني قول من يقول إن كلام الله ليس إلا معنى واحدا هو الأمر والنهي ~~والخبر وإن الكتب الإلهية تختلف باختلاف العبارات لا باختلاف المعاني فيجعل ~~معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحدا وكذلك معنى آية الدين وآية الكرسي كمن ~~يقول إن معاني أسماء الله الحسنى بمعنى واحد فمعنى العليم والقدير والرحيم ~~والحكيم معنى واحد فهذا إلحاد في أسمائه وصفاته وآياته # الثالث قول من يقول إن ما بلغته الرسل عن الله من المعنى والألفاظ ليس هو ~~كلام الله وإن القرآن كلام التالين لا كلام رب العالمين فهذه الأقوال ~~الثلاثة باطلة بأي عبارة عبر عنها # واما قول من قال إن القرآن العربي كلام الله بلغه عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنه تارة PageV02P198 يسمع من الله وتارة من رسله مبلغين عنه ~~وهو كلام الله حيث تصرف وكلام الله تكلم به لم يخلقه في غيره ولا يكون كلام ~~الله مخلوقا ولو قرأه الناس وكتبوه وسمعوه وقال مع ذلك إن أفعال العباد ~~وأصواتهم وسائر صفاتهم مخلوقة فهذا لا ينكر عليه # وإذا نفى الحلول وأراد به أن صفة الموصوف لا تفارقه وتنتقل ms191 إلى غيره فقد ~~أصاب في هذا المعنى لكن عليه مع ذلك أن يؤمن أن القرآن العربي كلام الله ~~تعالى وليس هو ولا شيء منه كلاما لغيره ولكن بلغته عنه رسله وإذا كان كلام ~~المخلوق يبلغ عنه مع العلم بأنه كلامه حروفه ومعانيه ومع العلم بأن شيئا من ~~صفاته لم تفارق ذاته فالعلم بمثل هذا من كلام الخالق أولى وأظهر والله أعلم # # # # # # # # # # # PageV02P199 $ فصل # قال تعالى @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون @QE@ سورة التوبة 59 فجعل ~~الإيتاء لله والرسول لأن المراد به الإيتاء الشرعي وهو ما أباحه الله على ~~لسان رسوله بخلاف ما آتاه الملك خلقا وقدرا ولم يطع الله ورسوله فيه فإن ~~ذلك مذموم مستحق للعقاب وإن كان قد آتاه الله ذلك خلقا وقدرا وأما من رضي ~~بما آتاه الله ورسوله فهو ممن رضي بما أحله الله ورسوله ولم يطلب ما حرم ~~عليه كالذين قال الله فيهم @QB@ ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها ~~رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون @QE@ ثم قال @QB@ ولو أنهم رضوا ما ~~آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله @QE@ سورة التوبة 58 59 ولم يقل ~~ورسوله لأن الله وحده كاف عبده كما قال الله تعالى @QB@ أليس الله بكاف ~~عبده @QE@ سورة الزمر 36 وقال @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ سورة آل ~~عمران 173 ثم دعاهم إلى أن يقولوا @QB@ سيؤتينا الله من فضله ورسوله @QE@ ~~فذكر أن الرسول يؤتيهم وأن ذلك من فضل الله وحده لم يقل من فضله وفضل رسوله ~~ثم ذكر قوله @QB@ إنا إلى الله راغبون @QE@ ولم يقل ورسوله كما قال في ~~الآية الأخرى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ سورة الشرح 7 8 # وأما ما في القرآن من ذكر عبادته وحده ودعائه وحده والاستعانة به وحده ~~والخوف PageV02P200 منه وحده فكثير كقوله @QB@ ولا يخشون أحدا إلا الله ~~@QE@ سورة الأحزاب 39 وقوله ms192 @QB@ فإياي فارهبون @QE@ سورة النحل 51 و @QB@ ~~وإياي فاتقون @QE@ سورة البقرة 41 وقوله @QB@ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ~~مؤمنين @QE@ سورة آل عمران 175 وكذلك قوله @QB@ فلا تدع مع الله إلها آخر ~~فتكون من المعذبين @QE@ سورة الشعراء 213 @QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا @QE@ سورة النساء 36 # وأما المحبة فهي لله ورسوله والإرضاء لله والرسول كقوله تعالى @QB@ أحب ~~إليكم من الله ورسوله @QE@ سورة التوبة 24 وقوله @QB@ والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه إن كانوا مؤمنين @QE@ سورة التوبة 62 فالرسول علينا أن نحبه وعلينا ~~أن نرضيه بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ~~من ولده والناس أجمعين وكذلك الطاعة لله والرسول قال تعالى @QB@ من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله @QE@ سورة النساء 80 # والعبادات بأسرها الصلاة والسجود والطواف والدعاء والصدقة والنسك والذبح ~~لا يصلح إلا لله ولم يخص الله بقعة نفعل الصلاة فيها إلا المساجد لا مقبرة ~~ولا مشهدا ولا مغارة ولا مقام نبي ولا غير ذلك ولا خص بقعة غير المساجد ~~بالذكر والدعاء إلا مشاعر الحج لا قبر نبي ولا صالح ولا مغارة ولا غير ذلك ~~ولا يقبل على وجه الأرض شييء عبادة لله إلا الحجر الأسود ولا يتمسح إلا به ~~وبالركن اليماني ولا يستلم الركنان الشاميان وهما من البيت فكيف غيرهما وقد ~~طاف ابن عباس ومعاوية فجعل معاوية يستلم الأركان الأربعة فقال ابن عباس رضي ~~الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين ~~فقال معاوية ليس من البيت شيء مهجور فقال ابن عباس رضي الله عنه لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة فقال معاوية صدقت ورجع إلى قوله # فالعبادات مبناها على أصلين أحدهما أن لا يعبد إلا الله وحده لا نعبد من ~~دونه شيئا لا ملكا ولا نبيا ولا صالحا ولا شيئا من المخلوقات والثاني أن ~~نعبده بما أمرنا به على لسان رسوله لا نعبده ببدع لم يشرعها الله ورسوله # والعبادات تتضمن كمال الحب وكمال الخضوع فمن ms193 أحب شيئا من المخلوقات كما ~~يحب الخالق فهو مشرك قال الله تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ PageV02P201 سورة ~~البقرة 165 وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ~~أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك ~~خشية أن يطعم معك قلت ثم أي قال ثم أن تزاني بحليلة جارك فأنزل الله تصديق ~~ذلك @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون @QE@ سورة الفرقان 68 # والنبي قد أمر بالعبادة في المساجد وذكر فضل الصلاة في الجماعة ورغب في ~~ذلك ولم يأمر قط بقصد مكان لأجل نبي ولا صالح بل نهى عن اتخاذها مساجد فلا ~~يجوز أن تقصد للصلاة فيها والدعاء وهذا كله لتحقيق التوحيد وإخلاص الدين ~~لله فقد قال بعض الناس يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أو بعيد فنناديه ~~فأنزل الله تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون @QE@ سورة البقرة 186 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أقرب ما يكون العبد من ~~ربه وهو ساجد وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ينزل ربنا كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب ~~له من يستغفرني فأغفر له من يسألني فأعطيه حتى يطلع الفجر # فالرسل صلوات الله عليهم وسلامه أمروا الناس بعبادة الله وحده لا شريك له ~~وسؤاله ودعائه ونهوا أن يدعى أحد من دون الله تعالى وفي الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال أحب البقاع إلى الله تعالى المساجد وأبغضها إلى ~~الله تعالى الأسواق يعني البقاع التي كانت PageV02P202 تكون في مدينته ~~ونحوها ولم يكن بالمدينة لا حانة ولا كنيسة ولا موضع شرك وهذه المواضع شر ~~من الأسواق # وقد قال النبي ms194 صلى الله عليه وسلم شرار الناس الذين تدركهم الساعة وهم ~~أحياء والذين يتخذون القبور مساجد هذا إذا بنى المسجد المسمى مشهدا على قبر ~~صحيح فكيف وكثير من هذه المشاهد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين من ~~الصحابة والقرابة وغيرهم كذب وكثير منها مختلف فيه لا يتوثق فيه بنقل ينقل ~~في ذلك مما يوجد بالشام والعراق وخراسان وغير ذلك والسبب في خفائها وكثرة ~~الخلاف فيها أن الله حفظ الدين الذي بعث به رسوله بقوله @QB@ إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون @QE@ سورة الحجر 9 واتخاذ هذه معابد ليس من الدين ~~فلهذا لم يحفظ هذه المقامات والمشاهد بل مبني أمرهم على الجهل والضلال ~~وإنما يستند أهلها إلى منامات تكون من الشياطين أو إلى أخبار وإما مكذوبة ~~وإما منقولة عمن ليس قوله حجة # والشياطين تضل أهلها كما تضل عباد الأصنام فتارة تكلمهم وتارة تتراءى لهم ~~وتارة تقضي بعض حوائجهم وتارة تصيح وتحرك السلاسل التي فيها القناديل ~~وتطفىء القناديل وتارة تفعل أمورا أخر كما تفعل عبادة الأوثان التي كانت ~~للعرب وهي اليوم تفعل مثل ذلك في أوثان الترك والصين والسودان وغيرهم ~~فيظنون أن ذلك هو الميت أو ملك صور على صورته وإنما هو شيطان أضلهم بالشرك ~~كما يجري ذلك لعباد الأصنام المصورة على صورة الآدميين هذا باب واسع ليس ~~هذا موضع استقصائه # # # # # # # # # # PageV02P203 205 $ فصل # @QB@ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار @QE@ سورة التوبة 100 هم ~~هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم ~~وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة # وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين هم من صلى إلى القبلتين وهذا ضعيف ~~فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة ولأن النسخ ليس من فعلهم ~~الذي يفضلون به ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي ~~كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة تحت الشجرة ولكن ~~فيه سبق الذين ادركوا ذلك على من لم يدركه كما أن الذين أسلموا قبل أن تفرض ~~الصلوات الخمس هم سابقون على من تأخر ms195 إسلامه عنهم والذين أسلموا قبل أن ~~تجعل صلاة الحضر أربع ركعات هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم والذين ~~أسلموا قبل أن يؤذن في الجهاد أو قبل أن يفرض صيام شهر رمضان هم سابقون على ~~من أسلم بعدهم والذين أسلموا قبل أن يفرض الحج هم سابقون على من تأخر عنهم ~~والذين أسلموا قبل تحريم الخمر هم سابقون على من أسلم بعدهم والذين أسلموا ~~قبل تحريم الربا كذلك فشرائع الإسلام من الإيجاب والتحريم كانت تنزل شيئا ~~فشيئا وكل من أسلم قبل أن تشرع شريعة فهو سابق على من تأخر عنه وله بذلك ~~فضيلة ففضيلة من اسلم قبل نسخ القبلة على من أسلم بعده هي من هذا الباب ~~وليس مثل هذا مما يتميز به السابقون الأولون عن التابعين إذ ليس بعض هذه ~~الشرائع بأولى بجعله خيرا من بعض ولأن القرآن والسنة قد دلا على تقديم أهل ~~الحديبية فوجب أن تفسر هذه الآية بما يوافق سائر النصوص # وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبو بكر وعمر وعلي ~~وطلحة PageV02P205 والزبير وبايع النبي صلى الله عليه وسلم بيده عن عثمان ~~لأنه كان غائبا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته وبسببه بايع النبي صلى ~~الله عليه وسلم الناس لما بلغه أنهم قتلوه # وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة # وقال تعالى @QB@ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه ~~بهم رؤوف رحيم @QE@ سورة التوبة 117 فجمع بينهم وبين الرسول في التوبة # وقال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا @QE@ سورة الأنفال 72 إلى قوله @QB@ والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم @QE@ سورة الأنفال 75 فأثبت الموالاة بينهم # وقال للمؤمنين ms196 @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين @QE@ سورة المائدة 51 إلى قوله @QB@ إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ~~ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ المائدة 55 56 وقال ~~تعالى @QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض @QE@ سورة التوبة 71 ~~فأثبت الموالاة بينهم وأمر بموالاتهم والرافضة تتبرأ منهم ولا تتولاهم وأصل ~~الموالاة المحبة وأصل المعاداة البغض وهم يبغضونهم ولا يحبونهم # وقد وضع بعض الكذابين حديثا مفترى أن هذه الآية نزلت في علي لما تصدق ~~بخاتمه في الصلاة وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل وكذبه بين من وجوه ~~كثيرة PageV02P206 # منها أن قوله الذين صيغة جمع وعلي واحد # منها أن الواو ليست واو الحال إذ لو كان كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا ~~من أعطى الزكاة في حال الركوع فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة # ومنها أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب وإيتاء الزكاة في نفس ~~الصلاة ليس واجبا ولا مستحبا باتفاق علماء الملة فإن في الصلاة شغلا # ومنها أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسنا لم يكن فرق بين حال الركوع وغير ~~حال الركوع بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن # ومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم # ومنها أنه لم يكن له أيضا خاتم ولا كانوا يلبسون الخواتم حتى كتب النبي ~~صلى الله عليه وسلم كتابا إلى كسرى فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا ~~مختوما فاتخذ خاتما من ورق ونقش فيها محمد رسول الله # ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم فإن أكثر ~~الفقهاء يقولون لا يجزىء إخراج الخاتم في الزكاة # ومنها أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل والمدح في الزكاة أن يخرجها ~~ابتداء ويخرجها على الفور لا ينتظر أن يساله سائل # ومنها أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار ms197 والأمر بموالاة المؤمنين ~~كما يدل عليه سياق الكلام # وسيجيء إن شاء الله تعالى تمام الكلام على هذه الآية فإن الرافضة لا ~~يكادون يحتجون بحجة إلا كانت حجة عليهم لا لهم كاحتجاجهم بهذه الآية على ~~الولاية التي هي الإمارة وإنما هي في الولاية التي هي ضد العداوة والرافضة ~~مخالفون لها # والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم يوالون الكفار من اليهود والنصارى ~~والمشركين والمنافقين ويعادون المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين وهذا أمر مشهور فيهم يعادون خيار عباد الله ~~المؤمنين ويوالون اليهود والنصارى والمشركين من الترك وغيرهم # وقال تعالى @QB@ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين @QE@ ~~سورة الأنفال 64 أي الله كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين والصحابة أفضل ~~من اتبعه من PageV02P207 المؤمنين وأولهم # وقال تعالى @QB@ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا @QE@ والذين رآهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدخلون في دين الله أفواجا هم الذين كانوا على عصره # وقال تعالى @QB@ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم @QE@ ~~سورة الأنفال 62 63 وإنما أيده في حياته بالصحابة # وقال تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما ~~يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون @QE@ سورة الزمر 33 35 وهذا الصنف ~~الذي يقول الصدق ويصدق به خلاف الصنف الذي يفتري الكذب أو يكذب بالحق لما ~~جاءه كما سنبسط القول فيهما إن شاء الله تعالى # والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن ~~القرآن حق هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به بعد الأنبياء # وليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبا ~~بالحق من المنتسب إلى التشيع ولهذا لا يوجد الغلو في طائفة أكثر مما يوجد ~~فيهم ومنهم من ادعى إلهية البشر وادعى النبوة في غير النبي صلى الله عليه ~~وسلم وادعى العصمة في ms198 الأئمة ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر ~~الطوائف واتفق أهل العلم على أن الكذب ليس في طائفة من الطوائف المنتسبين ~~إلى القبلة أكثر منه فيهم # # # # # # # # # # PageV02P208 218 $ فصل # وقال شيخ الإسلام رحمه الله # قوله تعالى @QB@ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا ~~عدد السنين والحساب @QE@ # وقوله @QB@ وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا @QE@ وقوله @QB@ الشمس ~~والقمر بحسبان @QE@ قوله @QB@ والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ~~@QE@ وقوله @QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ دليل على ~~توقيت ما فيها من التوقيت للسنين والحساب فقوله @QB@ لتعلموا عدد السنين ~~والحساب @QE@ إن علق بقوله @QB@ وقدره منازل @QE@ كان الحكم مختصا بالقمر ~~وإن أعيد إلى أول الكلام تعلق بهما ويشهد للأول قوله من الأهلة فإنه موافق ~~لذلك ولأن كون الشمس ضياء والقمر نورا لا يوجب علم عدد السنين والحساب ~~بخلاف تقدير القمر منازل فإنه هو الذي يقتضي علم عدد السنين والحساب ولم ~~يذكر انتقال الشمس في البروج # ويؤيد ذلك قوله @QB@ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ~~@QE@ الآية فإنه نص على أن السنة هلالية وقوله @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ ~~يؤيد ذلك لكن يدل على الآخر قوله @QB@ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا ~~آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد ~~السنين والحساب @QE@ # وهذا والله أعلم لمعنى تظهر به حكمة ما في الكتاب وما جاءت به الشريعة من ~~اعتبار الشهر والعام الهلالي دون الشمسي إن كل واحد من الشهر والعام ينقسم ~~في اصطلاح الأمم إلى عددي وطبيعي فأما الشهر الهلالي فهو طبيعي وسنته عددية # واما الشهر الشمسي فعددي وسنته طبيعية فأما جعل شهرنا هلاليا فحكمته ~~ظاهرة لأنه طبيعي وإنما علق بالهلال دون الاجتماع لأنه أمر مضبوط بالحس لا ~~يدخله PageV02P218 خلل ولا يفتقر إلى حساب بخلاف الاجتماع فإنه أمر خفي ~~يفتقر إلى حساب وبخلاف الشهر الشمسي لو ضبط # وأما السنة الشمسية فإنها وإن كانت طبيعية فهي من جنس الاجتماع ليس أمرا ~~ظاهرا للحس بل يفتقر إلى حساب ms199 سير الشمس في المنازل وإنما الذي يدركه الحس ~~تقريب ذلك فإن انقضاء الشتاء ودخول الفصل الذي تسميه العرب الصيف ويسميه ~~غيرها الربيع أمر ظاهر بخلاف محاذاة الشمس لجزء من أجزاء الفلك يسمى برج ~~كذا أو محاذاتها لإحدى نقطتي الرأس أو الذنب فإنه يفتقر إلى حساب # ولما كانت البروج اثني عشر فمتى تكرر الهلالي اثني عشر فقد انتقل فيها ~~كلها فصار ذلك سنة كاملة تعلقت به أحكام ديننا من المؤقتات شرعا أو شرطا ~~إما بأصل الشرع كالصيام والحج وإما بسبب من العبد كالعدة ومدة الإيلاء وصوم ~~الكفارة والنذر وإما بالشرط كالأجل في الدين والخيار والأيمان وغير ذلك $ ~~فصل # @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ # و @QB@ أولياء الله @QE@ هم @QB@ الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ كما ذكر ~~الله تعالى في كتابه وهم قسمان المقتصدون أصحاب اليمين والمقربون السابقون # فولي الله ضد عدو الله قال الله تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء @QE@ وقال @QB@ ويوم يحشر ~~أعداء الله إلى النار فهم يوزعون @QE@ وقال @QB@ أفتتخذونه وذريته أولياء ~~من دوني وهم لكم عدو @QE@ وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى من عادى لي ~~PageV02P219 وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما ~~افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي ~~بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني ~~لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره ~~الموت وأكره مساءته ولا بد له منه ms200 # والولي مشتق من الولاء وهو القرب كما أن العدو من العدو وهو البعد فولي ~~الله من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضياته وتقرب إليه بما أمر به من ~~طاعاته وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح الصنفين ~~المقتصدين من أصحاب اليمين وهم المتقربون إلى الله بالواجبات والسابقين ~~المقربين وهم المتقربون إليه بالنوافل بعد الواجبات # وذكر الله الصنفين في سورة فاطر والواقعة والإنسان والمطففين وأخبر أن ~~الشراب الذي يروى به المقربون بشربهم إياه صرفا يمزج لأصحاب اليمين # والولي المطلق هو من مات على ذلك فأما إن قام به الإيمان والتقوى وكان في ~~علم الله أنه يرتد عن ذلك فهل يكون في حال إيمانه وتقواه وليا لله أو يقال ~~لم يكن وليا لله قط لعلم الله بعاقبته هذا فيه قولان للعلماء وكذلك عندهم ~~الإيمان الذي يعقبه الكفر هل هو إيمان صحيح ثم يبطل بمنزلة ما يحبط من ~~الأعمال بعد كماله أو هو إيمان باطل بمنزلة من أفطر قبل غروب الشمس في ~~صيامه ومن أحدث قبل السلام في صلاته فيه أيضا قولان للفقهاء والمتكلمين ~~والصوفية # والنزاع في ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم وكذلك ~~يوجد النزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعي وغيرهم لكن أكثر أصحاب أبي حنيفة ~~لا يشترطون سلامة العاقبة وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد يشترط سلامة ~~العاقبة وهو قول كثير من متكلمي أهل الحديث كالأشعري ومن متكلمي الشيعة ~~ويبنون على هذا النزاع أن ولي الله هل يصير عدوا لله وبالعكس ومن أحبه الله ~~ورضي عنه هل أبغضه وسخط عليه في وقت ما وبالعكس ومن أبغضه الله وسخط عليه ~~هل أحبه الله ورضي عنه في وقت ما على القولين # والتحقيق هو الجمع بين القولين فإن علم الله القديم الأزلي وما يتبعه من ~~محبته ورضاه وبغضه وسخطه وولايته وعداوته لا يتغير فمن علم الله منه أنه ~~يوافي حين موته بالإيمان والتقوى فقد تعلق به محبة الله وولايته ورضاه عنه ~~أزلا وأبدا وكذلك من علم ms201 الله منه PageV02P220 أنه يوافي حين موته بالكفر ~~فقد تعلق به بغض الله وعداوته وسخطه أزلا وأبدا لكن مع ذلك فإن الله تعالى ~~يبغض ما قام بالأول من كفر وفسوق قبل موته وقد يقال أنه يبغضه ويمقته على ~~ذلك كما ينهاه عن ذلك وهو سبحانه وتعالى يأمر بما فعله الثاني من الإيمان ~~والتقوى ويحب ما يأمر به ويرضاه وقد يقال أنه يواليه حينئذ على ذلك # والدليل على ذلك اتفاق الأئمة على أن من كان مؤمنا ثم ارتد فإنه لا يحكم ~~بأن إيمانه الأول كان فاسدا بمنزلة من أفسد الصلاة والصيام والحج قبل ~~الإكمال وإنما يقال كما قال الله تعالى @QB@ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط ~~عمله @QE@ وقال @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ وقال @QB@ ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون @QE@ ولو كان فاسدا في نفسه لوجب الحكم بفساد أنكحته ~~المتقدمة وتحريم ذبائحه وبطلان إرثه المتقدم وبطلان عباداته جميعها حتى لو ~~كان قد حج عن غيره كان حجه باطلا ولو صلى مدة بقوم ثم ارتد كان عليهم أن ~~يعيدوا صلاتهم خلفه ولو شهد أو حكم ثم ارتد لوجب أن تفسد صلاته وحكمه ونحو ~~ذلك وكذلك أيضا الكافر إذا تاب من كفره لو كان محبوبا لله وليا له في حال ~~كفره لوجب أن يقضي بعدم أحكام ذلك الكفر وهذا كله خلاف ما ثبت بالكتاب ~~والسنة والإجماع # والكلام في هذه المسألة نظير الكلام في الأرزاق والآجال وهي أيضا مبنية ~~على قاعدة الصفات الفعلية وهي قاعدة كبيرة # وعلى هذا يخرج جواب السائل فمن قال إن ولي الله لا يكون إلا من وافاه حين ~~الموت بالإيمان والتقوى فالعلم بذلك أصعب عليه وعلى غيره ومن قال قد يكون ~~وليا لله من كان مؤمنا تقيا وإن لم تعلم عاقبته فالعلم به أسهل # ومع هذا يمكن العلم بذلك للولي نفسه ولغيره ولكنه قليل ولا يجوز لهم ~~القطع على ذلك فمن ثبتت ولايته بالنص وأنه من أهل الجنة كالعشرة وغيرهم ~~فعامة أهل السنة يشهدون له بما شهد له به النص وأما من ms202 شاع له لسان صدق في ~~الأمة بحيث اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل يشهد له بذلك هذا فيه نزاع بين ~~أهل السنة والأشبه أن يشهد له بذلك هذا في الأمر العام # وأما خواص الناس فقد يعلمون عواقب أقوام بما كشف الله لهم لكن هذا ليس ~~ممن PageV02P221 يجب التصديق العام به فإن كثيرا ممن يظن به أنه حصل له هذا ~~الكشف يكون ظانا في ذلك ظنا لا يغني من الحق شيئا وأهل المكاشفات ~~والمخاطبات يصيبون تارة ويخطئون أخرى كأهل النظر والاستدلال في موارد ~~الاجتهاد ولهذا وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسول صلى الله ~~عليه وسلم وأن يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآراءهم ومعقولاتهم بكتاب الله ~~وسنة رسوله ولا يكتفوا بمجرد ذلك فإن سند المحدثين والمخاطبين الملهمين من ~~هذه الأمة هو عمر ابن الخطاب وقد كانت تقع له وقائع فيردها عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو صديقه التابع له الآخذ عنه الذي هو أكمل من المحدث ~~الذي يحدثه قلبه عن ربه # ولهذا وجب على جميع الخلق اتباع الرسول وطاعته في جميع أموره الباطنة ~~والظاهرة ولو كان أحد يأتيه من الله مالا يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنة ~~لكان مستغنيا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض دينه وهذا من أقوال ~~المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع موسى ومن ~~قال هذا فهو كافر # وقد قال الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ~~آياته والله عليم حكيم @QE@ فقد ضمن الله للرسول وللنبي أن ينسخ ما يلقي ~~الشيطان في أمنيته ولم يضمن ذلك للمحدث ولهذا كان في الحرف الآخر الذي كان ~~يقرأ به ابن عباس وغيره وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته # ويحتمل والله أعلم أن لا يكون هذا الحرف متلوا حيث لم يضمن نسخ ما ms203 ألقى ~~الشيطان في أمنية المحدث فإن نسخ ما ألقى الشيطان ليس إلا للأنبياء ~~والمرسلين إذ هم معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى أن يستقر فيه شيء من ~~إلقاء الشيطان وغيرهم لا تجب عصمته من ذلك وإن كان من أولياء الله المتقين ~~فليس من شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ ~~مغفورا لهم بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقا بل ولا من شرطهم ترك الكبائر ~~أو الكفر الذي تعقبه التوبة # وقد قال الله تعالى @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ~~ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون @QE@ فقد وصفهم الله بأنهم هم ~~المتقون والمتقون هم أولياء PageV02P222 الله ومع هذا فأخبر أنه يكفر عنهم ~~أسوأ الذي عملوا وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم والإيمان # وإنما يخالف في ذلك الغالية من الرافضة وأشباه الرافضة من الغالية في بعض ~~المشائخ ومن يعتقدون أنه من الأولياء فالرافضة تزعم أن الأثني عشر معصومون ~~من الخطأ والذنب ويرون هذا من أصول دينهم والغالية في المشائخ قد يقولون إن ~~الولي محفوظ والنبي معصوم وكثير منهم إن لم يقل ذلك بلسانه وقد بلغ الغلو ~~بالطائفتين إلى أن يجعلوا بعض من غلوا فيه بمنزلة النبي وأفضل منه وإن زاد ~~الأمر جعلوا له نوعا من الإلهية وكل هذا من الضلالات الجاهلية المضاهية ~~للضلالات النصرانية فإن في النصارى من الغلو في المسيح والأحبار والرهبان ~~ما ذمهم الله عليه في القرآن وجعل ذلك عبرة لنا لئلا نسلك سبيلهم ولهذا قال ~~سيد ولد آدم لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد ~~فقولوا عبد الله ورسوله # هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ ~~فيها # منها قوله تعالى @QB@ وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء @QE@ ظن ~~طائفة أن ما نافية وهو خطأ بل هي استفهام فإنهم يدعون معه شركاء كما ms204 أخبر ~~عنهم في غير موضع فالشركاء يوصفون في القرآن بأنهم يدعون لأنهم يتبعون ~~وإنما يتبع الأئمة ولهذا قال @QB@ إن يتبعون إلا الظن @QE@ ولو أراد النفي ~~لقال إن يتبعون إلا من ليسوا شركاء بل بين أن الشرك لا علم معه إن هو إلا ~~الظن والخرص كقوله @QB@ قتل الخراصون @QE@ PageV02P223 # | بسم الله الرحمن الرحيم # سورة هود $ فصل عرض لما تضمنته السورة # قد افتتح السورة فقال @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ~~ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير @QE@ فذكر أنه نذير وبشير ~~نذير ينذر بالعذاب لأهل النار وبشير يبشر بالسعادة لأهل الحق # ثم ذكر حال الفريقين في السراء والضراء فقال @QB@ ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ~~ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ~~أولئك لهم مغفرة وأجر كبير @QE@ # ثم ذكر بعد هذا قصص الأنبياء وحال من اتبعهم ومن كذبهم كيف سعد هؤلاء في ~~الدنيا والآخرة وشقي هؤلاء في الدنيا والآخرة فذكر ما جرى لهم إلى قوله ~~@QB@ ذلك من أنباء القرى نقصه عليك @QE@ إلى قوله @QB@ وذلك يوم مشهود @QE@ # ثم ذكر حال الذين سعدوا والذين شقوا ثم قال @QB@ إن في ذلك لآية لمن خاف ~~عذاب الآخرة @QE@ فإنه قد يقال غاية ما أصاب هؤلاء أنهم ماتوا والناس كلهم ~~يموتون PageV02P224 وأما كونهم أهلكوا كلهم وصارت بيوتهم خاوية وصاروا عبرة ~~يذكرون بالشر ويلعنون إنما يخاف ذلك من آمن بالآخرة فإن لعنة المؤمنين لهم ~~بالآخرة وبغضهم لهم كما جرى لآل فرعون هو مما يزيدهم عذابا كما أن لسان ~~الصدق وثناء الناس ودعاءهم للأنبياء واتباعهم لهم هو مما يزيدهم ثوابا # فمن استدل بما أصاب هؤلاء على صدق الأنبياء فآمن بالآخرة خاف عذاب الآخرة ~~وكان ذلك له آية وأما من لم يؤمن بالآخرة ويظن أن من مات لم يبعث فقد لا ~~يبالي بمثل هذا وإن كان يخاف هذا من لا يخاف الآخرة لكن كل من خاف الآخرة ~~كان هذا حاله ms205 وذلك له آية # وقد ختم السورة بقوله @QB@ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا ~~عاملون @QE@ إلى آخرها كما افتتحها بقوله @QB@ أن لا تعبدوا إلا الله @QE@ ~~فذكر التوحيد والإيمان بالرسل فهذا دين الله في الأولين والآخرين قال أبو ~~العالية كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم ~~المرسلين # ولهذا قال @QB@ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين @QE@ و @QB@ أين ~~شركائي الذين كنتم تزعمون @QE@ هو الشرك في العبادة وهذان هما الإيمان ~~والإسلام وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ تارة في ركعتي الفجر سورتي ~~الإخلاص وتارة بآيتي الإيمان والإسلام فيقرأ قوله @QB@ آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا @QE@ الآية فأولها الإيمان وآخرها الإسلام ويقرأ في الثانية @QB@ قل ~~يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله @QE@ ~~فأولها إخلاص العبادة لله وآخرها الإسلام له # وقال @QB@ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون @QE@ ففيها الإيمان والإسلام في آخرها وقال @QB@ الذين آمنوا ~~بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون @QE@ PageV02P225 ~~$ فصل # وقوله تعى لى @QB@ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت @QE@ فقد فصله بعد إحكامه ~~بخلاف من تكلم لم يحكمه وقد يكون في الكلام المحكم ما لم يبينه لغيره فهو ~~سبحانه أحكم كتابه ثم فصله وبينه لعباده كما قال @QB@ وكذلك نفصل الآيات ~~ولتستبين سبيل المجرمين @QE@ وقال @QB@ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ~~هدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ فهو سبحانه بينه وأنزله على عباده بعلم ليس كمن ~~يتكلم بلا علم # وقد ذكر براهين التوحيد والنبوة قبل ذكر الفرق بين أهل الحق والباطل فقال ~~@QB@ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ إلى قوله @QB@ ~~فهل أنتم مسلمون @QE@ فلما تحداهم بالإتيان بعشر سور مثله مفتريات هم وجميع ~~من يستطيعون من دونه كان في مضمون تحديه أن هذا لا يقدر أحد على الإتيان ~~بمثله من دون الله كما قال @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا ms206 القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ # وحينئذ فعلم أن ذلك من خصائص من أرسله الله وما كان مختصا بنوع فهو دليل ~~عليه فإنه مستلزم له وكل ملزوم دليل على لازمه كآيات الأنبياء كلها فإنها ~~مختصة بجنسهم # وهذا القرآن مختص بجنسهم ومن بين الجنس خاتمهم لا يمكن أن يأتي به غيره ~~وكان ذلك برهانا بينا على أن الله أنزله وأنه نزل بعلم الله هو الذي أخبره ~~بخبره وأمر بما أمر به كما قال @QB@ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه @QE@ الآية وثبوت الرسالة ملزوم لثبوت التوحيد وأنه لا إله إلا الله ~~من جهة أن الرسول أخبر بذلك ومن جهة أنه لا يقدر أحد على الإتيان بهذا ~~القرآن إلا الله فإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله إلى غير ذلك من وجوه ~~البيان فيه كما قد بسط ونبه عليه في غير هذا الموضع ولا سيما هذه السورة ~~فإن فيها PageV02P226 من البيان والتعجيز ما لا يعلمه إلا الله وفيها من ~~المواعظ والحكم والترغيب والترهيب ما لا يقدر قدره إلا الله # والمقصود هنا هو الكلام على قوله @QB@ أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه ~~شاهد منه @QE@ حيث سأل السائل عن تفسيرها وذكر ما في التفاسير من كثرة ~~الاختلاف فيها وأن ذلك الاختلاف يزيد الطالب عمى عن معرفة المراد الذي يحصل ~~به الهدى والرشاد فإن الله تعالى إنما نزل القرآن ليهتدي به لا ليختلف فيه ~~والهدى إنما يكون إذا عرفت معانيه فإذا حصل الاختلاف المضاد لتلك المعاني ~~التي لا يمكن الجمع بينه وبينها ولم يعرف الحق ولم تفهم الآية ومعناها ولم ~~يحصل به الهدى والعلم الذي هو المراد بإنزال الكتاب # قال أبو عبدالرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن ~~عثمان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا ~~فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا # وقال الحسن البصري ما أنزل الله ms207 آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا نزلت ~~وماذا عنى بها وقد قال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن @QE@ وتدبر الكلام ~~إنما ينتفع به إذا فهم وقال @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ # فالرسل تبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم وعليهم أن يبلغوا الناس البلاغ ~~المبين والمطلوب من الناس أن يعقلوا ما بلغه الرسل والعقل يتضمن العلم ~~والعمل فمن عرف الخير والشر فلم يتبع الخير ويحذر الشر لم يكن عاقلا ولهذا ~~لا يعد عاقلا إلا من فعل ما ينفعه واجتنب ما يضره فالمجنون الذي لا يفرق ~~بين هذا وهذا قد يلقي نفسه في المهالك وقد يفر مما ينفعه $ فصل # قال تعالى @QB@ خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ~~@QE@ سورة هود 7 وأخبر أنه @QB@ استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين @QE@ سورة فصلت 11 # وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ~~بخمسين ألف سنة وكان PageV02P227 عرشه على الماء وقد ثبت في صحيح البخاري ~~وغيره عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق ~~السموات والأرض وفي رواية ثم خلق السموات والأرض والآثار متواترة عن ~~الصحابة والتابعين بما يوافق القرآن والسنة من أن الله تعالى خلق السموات ~~من بخار الماء الذي سماه الله دخانا # وقد تكلم علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في أول هذه ~~المخلوقات على قولين حكاهما الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره أحدهما أنه ~~هو العرش والثاني أنه هو القلم ورجحوا القول الأول لما دل عليه الكتاب ~~والسنة أن الله تعالى لما قدر مقادير الخلائق بالقلم الذي أمره أن يكتب في ~~اللوح كان عرشه على الماء فكان العرش مخلوقا قبل القلم قالوا الآثار ms208 ~~المروية أن أول ما خلق الله القلم معناها من هذا العالم وقد اخبر الله ~~تعالى أنه خلقه في ستة أيام فكان حين خلقه زمن يقدر به خلقه ينفصل إلى أيام # فعلم أن الزمان كان موجودا قبل أن يخلق الله الشمس والقمر ويخلق في هذا ~~العالم الليل والنهار # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته عام حجة ~~الوداع إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر ~~شهرا ومنها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادي ~~وشعبان وفي الصحيح عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خطبة فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار ~~منازلهم # هذا وفي التوراة ما يوافق خبر الله تعالى في القرآن وأن الأرض كانت ~~مغمورة بالماء والهواء يهب فوق الماء وأن في أول الأمر خلق الله السموات ~~والأرض وأنه خلق ذلك في PageV02P228 أيام ولهذا قال من قال من علماء اهل ~~الكتاب ما ذكره الله تعالى في التوراة يدل على أنه خلق هذا العالم من مادة ~~أخرى وأنه خلق ذلك في أزمان قبل أن يخلق الشمس والقمر # وليس فيما أخبر الله تعالى به في القرآن وغيره أنه خلق السموات والأرض من ~~غير مادة ولا أنه خلق الإنس أو الجن أو الملائكة من غير مادة بل يخبر أنه ~~خلق ذلك من مادة وإن كانت المادة مخلوقة من مادة أخرى كما خلق الإنس من آدم ~~وخلق آدم من طين وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خلقت ~~الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم # والمقصود هنا أن المنقول عن أساطين الفلاسفة القدماء لا يخالف ما أخبرت ~~به الأنبياء من خلق هذا العالم من مادة بل المنقول عنهم أن هذا العالم محدث ~~كائن بعد إن لم يكن # وأما قولهم في تلك المادة هل هي قديمة الأعيان أو ms209 محدثة بعد أن لم تكن أو ~~محدثة من مادة أخرى بعد مادة قد تضطرب النقول عنهم في هذا الباب والله أعلم ~~بحقيقة ما يقوله كل من هؤلاء فإنها أمة عربت كتبهم ونقلت من لسان إلى لسان ~~وفي مثل ذلك قد يدخل من الغلط والكذب ما لا يعلم حقيقته ولكن ما تواطأت به ~~النقول عنهم يبقى مثل المتواتر وليس لنا غرض معين في معرفة قول كل واحد ~~منهم بل @QB@ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما ~~كانوا يعملون @QE@ سورة البقرة 134 141 # لكن الذي لا ريب فيه أن هؤلاء اصحاب التعاليم كأرسطو واتباعه كانوا ~~مشركين يعبدون المخلوقات ولا يعرفون النبوات ولا المعاد البدني وأن اليهود ~~والنصارى خير منهم في الإلهيات والنبوات والمعاد # وإذا عرف أن نفس فلسفتهم توجب عليهم أن لا يقولوا بقدم شيء من العالم علم ~~أنهم مخالفون لصريح المعقول كما أنهم مخالفون لصحيح المنقول وأنهم في تبديل ~~القواعد الصحيحة المعقولة من جنس اليهود والنصارى في تبديل ما جاءت به ~~الرسل وهذا هو المقصود في هذا الباب # ثم إنه إذا قدر أنه ليس عندهم من المعقول ما يعرفون به أحد الطرفين فيكفي ~~في ذلك إخبار الرسل باتفاقهم على خلق السماوات والأرض وحدوث هذا العالم ~~والفلسفة الصحيحة المبنية على المعقولات المحضة توجب عليهم تصديق الرسل ~~فيما أخبرت به وتبين PageV02P229 أنهم علموا ذلك بطريق يعجزون عنها وأنهم ~~أعلم بالأمور الإلهية والمعاد وما يسعد النفس ويشقيها منهم وتدلهم على أن ~~من اتبع الرسل كان سعيدا في الآخرة ومن كذبهم كان شقيا في الآخرة وأنه لو ~~علم الرجل من الطبيعيات والرياضيات ما عسى أن يعلم وخرج عن دين الرسل كان ~~شقيا وأن من أطاع الله ورسوله بحسب طاقته كان سعيدا في الآخرة وإن لم يعلم ~~شيئا من ذلك # ولكن سلفهم اكثروا الكلام في ذلك لأنهم لم يكن عندهم من آثار الرسل ما ~~يهتدون به إلى توحيد الله وعبادته وما ينفع في الآخرة وكان الشرك مستحوذا ~~عليهم بسبب السحر ms210 والأحوال الشيطانية وكانوا ينفقون أعمارهم في رصد الكواكب ~~ليستعينوا بذلك على السحر والشرك وكذلك الأمور الطبيعية وكان منتهى عقلهم ~~أمورا عقلية كلية كالعلم بالوجود المطلق وانقسامه إلى علة ومعلول وجوهر عرض ~~وتقسيم الجواهر ثم تقسيم الأعراض وهذا هو عندهم الحكمة العليا والفلسفة ~~الأولى ومنتهى ذلك العلم بالوجود المطلق الذي لا يوجد إلا في الأذهان دون ~~الأعيان # # # # # # # # # # PageV02P230 $ فصل # في قوله تعالى @QB@ يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار @QE@ # وزعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته أن ~~فرعون كان مؤمنا وأنه لا يدخل النار وزعموا أنه ليس في القرآن ما يدل على ~~عذابه بل فيه ما ينفيه كقوله @QB@ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب @QE@ قالوا ~~فإنما أدخل آله دونه وقوله @QB@ يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار @QE@ ~~قالوا إنما أوردهم ولم يدخلها قالوا ولأنه قد آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت ~~به بنو إسرائيل ووضع جبريل الطين في فمه لا يرد إيمان قلبه # وهذا القول كفر معلوم فساده باضطرار من دين الإسلام لم يسبق ابن عربي ~~إليه فيما أعلم أحد من أهل القبلة بل ولا من اليهود ولا من النصارى بل جميع ~~أهل الملل مطبقون على كفر فرعون # فهذا عند الخاصة والعامة أبين من أن يستدل عليه بدليل فإنه لم يكفر أحد ~~بالله ويدعي لنفسه الربوبية والإلهية مثل فرعون # ولهذا ثنى الله قصته في القرآن في مواضع فإن القصص إنما هي أمثال مضروبة ~~للدلالة على الإيمان وليس في الكفار أعظم من كفره والقرآن قد دل على كفره ~~وعذابه في الآخرة في مواضع # أحدها قوله تعالى في القصص @QB@ فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين @QE@ إلى قوله @QB@ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ~~ويوم القيامة هم من المقبوحين @QE@ # فأخبر سبحانه أنه أرسله إلى فرعون وقومه وأخبر أنهم كانوا قوما فاسقين ~~وأخبر أنهم @QB@ قالوا ما هذا إلا سحر مفترى @QE@ وأخبر أن فرعون قال @QB@ ~~ما علمت لكم من إله غيري @QE@ وأنه أمر باتخاذ الصرح ليطلع إلى إله موسى ~~وأنه يظنه ms211 كاذبا وأخبر أنه استكبر فرعون وجنوده وظنوا أنهم لا يرجعون إلى ~~الله وأنه أخذ فرعون وجنوده فنبذهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ~~وأنه جعلهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأنه أتبعهم في ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين PageV02P254 فهذا نص في أن فرعون ~~من الفاسقين المكذبين لموسى الظالمين الداعين إلى النار الملعونين في ~~الدنيا بعد غرقهم المقبوحين في الدار الآخرة # وهذا نص في أن فرعون بعد غرقه ملعون وهو في الآخرة مقبوح غير منصور وهذا ~~إخبار عن غاية العذاب وهو موافق للموضع الثاني في سورة المؤمن وهو قوله ~~@QB@ وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب @QE@ وهذا إخبار عن فرعون وقومه أنه حاق ~~بهم سوء العذاب في البرزخ وأنهم في القيامة يدخلون أشد العذاب وهذه الآية ~~أحد ما استدل به العلماء على عذاب البرزخ # وإنما دخلت الشبهة على هؤلاء الجهال لما سمعوا آل فرعون فظنوا أن فرعون ~~خارج منهم وهذا تحريف للكلم عن مواضعه بل فرعون داخل في آل فرعون بلا نزاع ~~بين أهل العلم بالقرآن واللغة يتبين ذلك بوجوه # أحدها أن لفظ آل فلان في الكتاب والسنة يدخل فيها ذلك الشخص مثل قومه في ~~الملائكة الذي ضافوا إبراهم @QB@ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين إلا امرأته @QE@ ثم قال @QB@ فلما جاء آل لوط المرسلون قال ~~@QE@ يعني لوطا @QB@ إنكم قوم منكرون @QE@ وكذلك قوله @QB@ إنا أرسلنا ~~عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر @QE@ ثم قال بعد ذلك @QB@ ولقد جاء آل ~~فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر @QE@ # ومعلوم أن لوطا في هذه المواضع وكذلك فرعون داخل في آل فرعون والمكذبين ~~المأخوذين ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم قولوا اللهم صل على محمد وعلى ~~آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وكذلك قوله كما باركت على آل إبراهيم ~~فإبراهيم داخل في ذلك وكذلك قوله للحسن إن الصدقة لا تحل ms212 لآل محمد # وفي الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى قال كان القوم إذا أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بصدقة يصلي عليهم فأتى أبي بصدقة فقال اللهم صل على آل ~~أبي أوفى وأبو أوفى هو صاحب الصدقة PageV02P255 # ونظير هذا الاسم أهل البيت فإن الرجل يدخل في أهل بيته كقول الملائكة ~~@QB@ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت @QE@ وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم سلمان منا أهل البيت وقوله تعالى @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت @QE@ وذلك لأن آل الرجل ممن يؤول إليه ونفسه ممن يؤول إليه ~~وأهل بيته هم من يأهله وهو ممن يأهل أهل بيته # فقد تبين أن الآية التي ظنوا أنها حجة لهم هي حجة عليهم في تعذيب فرعون ~~مع سائر آل فرعون في البرزخ وفي يوم القيامة ويبين ذلك أن الخطاب في القصة ~~كلها إخبار عن فرعون وقومه قال تعالى @QB@ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب @QE@ إلى قوله @QB@ قال ~~فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد @QE@ إلى قوله @QB@ ~~وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع ~~إلى إله موسى @QE@ إلى قوله @QB@ وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا @QE@ إلى قوله @QB@ قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن ~~الله قد حكم بين العباد @QE@ # فأخبر عقب قوله @QB@ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب @QE@ عن محاجتهم في ~~النار وقول الضعفاء للذين استكبروا وقول المستكبرين للضعفاء @QB@ إنا كل ~~فيها @QE@ ومعلوم أن فرعون هو رأس المستكبرين وهو الذي استخف قومه فأطاعوه ~~ولم يستكبر أحد استكبار فرعون فهو أحق بهذا النعت والحكم من جميع قومه # الموضع الثاني وهو حجة عليهم لا لهم قوله تعالى @QB@ فاتبعوا أمر فرعون ~~وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد ~~المورود @QE@ إلى قوله @QB@ بئس الرفد المرفود @QE@ فأخبر أن يقدم قومه ولم ~~يقل يسوقهم وأنه أوردهم النار ومعلوم أن المتقدم إذا أورد المتأخرين النار ms213 ~~كان هو أول من يردها وإلا لم يكن قادما بل كان سائقا يوضح ذلك أنه قال @QB@ ~~وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة @QE@ فعلم أنه وهم يردون النار وأنهم ~~جميعا ملعونون في الدنيا والآخرة PageV02P256 # وما أخلق المحاج عن فرعون أن يكون بهذه المثابة فإن المرء مع من أحب @QB@ ~~والذين كفروا بعضهم أولياء بعض @QE@ وأيضا فقد قال الله تعالى @QB@ فلولا ~~كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا @QE@ يقول هلا آمن ~~قوم فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس # وقال تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض @QE@ إلى قوله @QB@ سنة ~~الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون @QE@ فأخبر عن الأمم ~~المكذبين للرسل أنهم آمنوا عند رؤية البأس وأنه لم يك ينفعهم إيمانهم حينئذ ~~وأن هذه سنة الله الخالية في عباده # وهذا مطابق لما ذكره الله في قوله لفرعون @QB@ آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين @QE@ فإن هذا الخطاب هو استفهام إنكار أي الآن تؤمن وقد عصيت قبل ~~فأنكر أن يكون هذا الإيمان نافعا أو مقبولا فمن قال إنه نافع مقبول فقد ~~خالف نص القرآن وخالف سنة الله التي قد خلت في عباده # يبين ذلك أنه لو كان إيمانه حينئذ مقبولا لدفع عنه العذاب كما دفع عن قوم ~~يونس فإنهم لما قبل إيمانهم متعوا إلى حين فإن الإغراق هو عذاب على كفره ~~فإذا لم يكن كافرا لما يستحق عذابا # وقوله بعد هذا @QB@ فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية @QE@ يوجب أن ~~يعتبر من خلفه ولو كان إنما مات مؤمنا لم يكن المؤمن مما يعتبر بإهلاكه ~~وإغراقه وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره ابن مسعود بقتل أبي ~~جهل قال هذا فرعون هذه الأمة فضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل في رأس ~~الكفار المكذبين له برأس الكفار المكذبين لموسى # فهذا يبين أنه هو الغاية في الكفر فكيف يكون قد مات مؤمنا ومعلوم أن من ~~مات مؤمنا ms214 لا يجوز أن يوسم بالكفر ولا يوصف لأن الإسلام يهدم ما كان قبله ~~وفي مسند أحمد وإسحاق وصحيح أبي حاتم عن عوف بن مالك عن عبد الله بن عمرو ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة يأتي مع قارون وفرعون وهامان ~~وأبي بن خلف PageV02P257 $ وسئل رحمه الله # عن قوله تعالى @QB@ وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض @QE@ وقوله تعالى @QB@ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ~~@QE@ # فأجاب الحمد لله قال طوائف من العلماء أن قوله @QB@ ما دامت السماوات ~~والأرض @QE@ أراد بها سماء الجنة وأرض الجنة كما ثبت في الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه ~~أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن وقال بعض العلماء في قوله تعالى ~~@QB@ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~@QE@ هي أرض الجنة # وعلى هذا فلا منافاة بين انطواء هذه السماء وبقاء السماء التي هي سقف ~~الجنة إذ كل ما علا فإنه يسمى في اللغة سماء كما يسمى السحاب سماء والسقف ~~سماء # وأيضا فإن السموات وإن طويت وكانت كالمهل واستحالت عن صورتها فإن ذلك لا ~~يوجب عدمها وفسادها بل أصلها باق بتحويلها من حال إلى حال كما قال تعالى ~~@QB@ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات @QE@ وإذا بدلت فإنه لا يزال سماء ~~دائمة وأرض دائمة والله أعلم # # # # # # # # # # PageV02P258 272 $ فصل # وأما قوله @QB@ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه @QE@ فالهم ~~اسم جنس تحته نوعان كما قال الإمام أحمد الهم همان هم خطرات وهم إصرار وقد ~~ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إن العبد إذا هم بسيئة لم تكتب ~~عليه وإذا تركها لله كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له سيئة واحدة وإن تركها ~~من غير أن يتركها لله لم تكتب له حسنة ولا تكتب عليه سيئة ويوسف صلى الله ~~عليه وسلم هم هما تركه لله ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه ms215 وذلك ~~إنما يكون إذا قام المقتضى للذنب وهو الهم وعارضه الإخلاص الموجب لانصراف ~~القلب عن الذنب لله فيوسف عليه السلام لم يصدر منه إلا حسنة يثاب عليها ~~وقال تعالى @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون @QE@ وأما ما ينقل من أنه حل سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة ~~وأنه رأى صورة يعقوب عاضا PageV02P272 على يده وأمثال ذلك فكله مما لم يخبر ~~الله به ولا رسوله وما لم يكن كذلك فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من ~~أعظم الناس كذبا على الأنبياء وقدحا فيهم وكل من نقله من المسلمين فعنهم ~~نقله لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا صلى الله عليه وسلم حرفا واحدا # وقوله @QB@ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي @QE@ ~~فمن كلام امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة لا يرتاب فيها من ~~تدبر القرآن حيث قال تعالى @QB@ وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ~~ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم ~~قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي ~~إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم @QE@ فهذا كله ~~كلام امرأة العزيز ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك ولا سمع ~~كلامه ولا رآه ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز @QB@ ~~ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب @QE@ أي لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في ~~حال شهودته راودته فحينئذ @QB@ وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما ~~كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين @QE@ وقد قال كثير من المفسرين إن هذا ~~من كلام يوسف ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول ms216 وهو قول في غاية الفساد ولا ~~دليل عليه بل الأدلة تدل على نقيضه وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير ~~هذا الموضع # # # # # # # # # # # PageV02P273 # | فصل # وسئل الشيخ الإمام العالم العامل # الحبر الكامل شيخ الإسلام ومفتي الأنام تقي الدين ابن تيمية أيده الله ~~وزاده من فضله العظيم عن الصبر الجميل في قوله تعالى @QB@ فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون @QE@ و @QB@ الصفح @QE@ الهجر الجميل وما أقسام ~~التقوى والصبر الذي عليه الناس # فأجاب رحمه الله # الحمد لله أما بعد الله أمر نبيه بالهجر الجميل والصفح الجميل والصبر ~~الجميل فالهجر الجميل هجر بلا أذى والصفح الجميل صفح بلا عتاب والصبر ~~الجميل صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه الصلاة والسلام @QB@ إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله @QE@ مع قوله @QB@ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ~~@QE@ فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل ويروى عن موسى عليه الصلاة ~~والسلام أنه كان يقول اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك ~~المستغاث وعليك التكلان ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إليك أشكو ~~ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وانت ربي اللهم ~~إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي ~~فلا ابالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات ~~وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك لك العتبى ~~حتى ترضى وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر @QB@ إنما ~~أشكو بثي وحزني إلى الله @QE@ ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف # بخلاف الشكوى إلى المخلوق قرىء على الإمام أحمد في مرض موته أن طاووسا ~~كره أنين المريض وقال إنه شكوى فما أن حتى مات وذلك أن المشتكي طالب بلسان ~~PageV02P294 الحال إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن ~~يسأل ربه دون خلقه كما قال تعالى @QB@ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب @QE@ ~~وقال لابن عباس إذا ms217 سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله # ولا بد للإنسان من شيئين طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وصبره على ما ~~يصيبه من القضاء المقدور فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر قال تعالى @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا @QE@ إلى ~~قوله @QB@ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ~~ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين @QE@ وقال تعالى @QB@ لتبلون في ~~أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ~~أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ وقد قال يوسف @QB@ ~~أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين @QE@ # ولهذا كان الشيخ عبد القادر الجيلاني ونحوه من المشائخ المستقيمين يوصون ~~في عامة كلامهم بهذين الأصلين المسارعة إلى فعل المأمور والتقاعد عن فعل ~~المحظور والصبر والرضا بالأمر المقدور وذلك أن هذا الموضع غلط فيه كثير من ~~العامة بل ومن السالكين فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون ~~الدينية فيرى أن الله خالق كل شيء وربه ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه ~~وبين ما يسخطه ويبغضه وإن قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية وبين ~~توحيد الربوبية فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات سعيدها وشقيها ~~مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر والنبي الصادق ~~والمتنبىء الكاذب وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله وأعداؤه والملائكة ~~المقربون والمردة الشياطين # فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية وهو أن الله ~~ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره ولا يشهد الفرق الذي فرق الله به بين ~~أوليائه PageV02P295 وأعدائه وبين المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار ~~وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته ~~رسوله وفعل ما يحبه ويرضاه وهو ما أمر به ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب ~~وترك ما نهى ms218 الله عنه ورسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان ~~فمن لم يشهد هذه الحقيقة الدينية الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء ويكون مع أهل ~~الحقيقة الدينية وإلا فهو من جنس المشركين وهو شر من اليهود والنصارى # فإن المشركين يقرون بالحقيقة الكونية إذ هم يقرون بأن الله رب كل شيء كما ~~قال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون @QE@ ولهذا قال سبحانه @QB@ وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ قال بعض السلف تسألهم من خلق ~~السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره # فمن أقر بالقضاء والقدر دون الأمر والنهي الشرعيين فهو أكفر من اليهود ~~والنصارى فإن أولئك يقرون بالملائكة والرسل الذين جاؤوا بالأمر والنهي ~~الشرعيين لكن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما قال تعالى @QB@ إن الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا @QE@ # وأما الذي يشهد الحقيقة الكونية وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة ويقر أن ~~العباد كلهم تحت القضاء والقدر ويسلك هذه الحقيقة فلا يفرق بين المؤمنين ~~والمتقين الذين أطاعوا أمر الله الذي بعث به رسله وبين من عصى الله ورسوله ~~من الكفار والفجار فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى لكن من الناس من قد ~~لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق ~~بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار وبين PageV02P296 بعض الفجار ولا ~~يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه فيكون ناقص الإيمان بحسب ما سوى بين ~~الأبرار والفجار ويكون معه من الإيمان بدين الله تعالى الفارق بحسب ms219 ما فرق ~~بين أوليائه وأعدائه # ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر كان من القدرية ~~كالمعتزلة وغيرهم الذين هم مجوس هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك ~~يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس # ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من أتباع إبليس الذي اعترض على الرب ~~سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه # فهذا التقسيم في القول والاعتقاد # وكذلك هم في الأحوال والأفعال فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي الله ~~فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما يصيبه من المقدور فهو عند الأمر ~~والنهي والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما قال تعالى @QB@ إياك ~~نعبد وإياك نستعين @QE@ # وإذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ولا يرى ~~للمخلوق حجة على رب الكائنات بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في الحديث ~~الصحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ~~خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ~~أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فيقر ~~بنعمة الله عليه في الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من ~~السيئات ويتوب منها كما قال بعضهم أطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك ~~والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا غفرت لي وفي الحديث ~~الصحيح الإلهي يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه # وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع # وآخرون قد يشهدون الأمر فقط فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة لكن ~~ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر ~~وآخرون PageV02P297 يشهدون القدر فقط فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل ~~والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر الله ورسوله واتباع شريعته ~~وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء يستعينون الله ms220 ولا ~~يعبدونه والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه والمؤمن يعبده ~~ويستعينه # والقسم الرابع شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه فلا هو مع الشريعة ~~الأمرية ولا من القدر الكوني وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل ~~وقوع المقدور من توكل واستعانة ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ~~ذلك فهم في التقوى وهي طاعة الأمر الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر ~~الكوني أربعة أقسام # أحدها أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم من أهل السعادة في ~~الدنيا والآخرة # والثاني الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين يمتثلون ما عليهم من ~~الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات لكن إذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض ونحوه أو ~~في ماله أو في عرض أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه # والثالث قوم له نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ما ~~يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما ~~يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك ~~في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرئاسة والعلو ~~على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها أكثر الناس ~~وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون في مثل ما ~~يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام وهؤلاء هم الذين يريدون ~~علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرئاسة والعلو على الخلق ومن طلاب الأموال ~~بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة وغير ذلك يصبرون ~~على على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور ~~وفعلوه من المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب كالمرض ~~والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر # وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام لا يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ~~ابتلوا بل هم كما قال الله تعالى @QB@ إن ms221 الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر ~~جزوعا وإذا مسه الخير منوعا @QE@ PageV02P298 فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس ~~وأجبرهم إذا قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا إن قهرتهم ذلوا لك ~~ونافقوك وحابوك واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب ~~والذل وتعظيم المسؤول وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا وأقلهم ~~رحمة وإحسانا وعفوا كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الإيمان ~~أبعد مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم وإن ~~كان متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم ~~فالاعتبار بالحقائق فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر ~~إلى قلوبكم وأعمالكم # فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها لهم من هذا ~~الوجه وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام ~~وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من ~~هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته خير ~~الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ~~وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فكل من كان إلى ذلك ~~أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب وهو به أحق ومن كان عن ذلك أبعد ~~وشبهه به أضعف كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق والكامل هو من كان لله أطوع ~~وعلى ما يصيبه أصبر فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة ~~لله فيما يحبه ويرضاه وصبرا على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل من نقص ~~عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك # وقد ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من كتابه وبين أنه ~~ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين والمنافقين وعلى من ~~ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة ms222 قال الله تعالى @QB@ بلى إن تصبروا ~~وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ~~@QE@ وقال الله تعالى @QB@ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ~~ذلك من عزم الأمور @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم ~~وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء ~~تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا ~~عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن ~~تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط @QE@ PageV02P299 وقال إخوة يوسف له ~~@QB@ أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ # وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى @QB@ واتبع ما ~~يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين @QE@ # وفي اتباع ما أوحي إليه التقوى كلها تصديقا لخبر الله وطاعة لأمره وقال ~~تعالى @QB@ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار @QE@ وقال تعالى @QB@ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل @QE@ وقال تعالى @QB@ واستعينوا بالصبر ~~والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين @QE@ وقال تعالى @QB@ استعينوا ~~بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين @QE@ فهذه مواضع قرن فيه الصلاة والصبر # وقرن بين الرحمة والصبر في مثله قوله تعالى @QB@ وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة @QE@ وفي الرحمة والإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة ~~أيضا رباعية إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة ومنهم من ~~يرحم ms223 ولا يصبر كأهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من ~~لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال ~~الفقهاء في المتولي ينبغي أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف فبصبره ~~يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه ~~الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنما يرحم الله PageV02P300 ~~من عباده الرحماء وقال من لا يرحم لا يرحم وقال لا تنزع الرحمة إلا من شقي ~~وقال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء والله ~~أعلم انتهى # # # # # # # # # # # PageV02P301 # | بسم الله الرحمن الرحيم # سورة الرعد $ فصل # قال تعالى @QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال @QE@ # شبه ما ينزل من السماء على القلوب من الإيمان القرآن فيختلط بالشبهات ~~والأهواء المغوية بالمطر الذي يحتمل سيله الزبد وبالذهب والفضة والحديد ~~ونحوه إذا أذيب بالنار فاحتمل الزبد فقذفه بعيدا عن القلب وجعل ذلك الزبد ~~هو مثل ذلك الباطل الذي لا منفعة فيه وأما ما ينفع الناس من الماء والمعادن ~~فهو مثل الحق النافع فيستقر ويبقى في القلب # | وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى # فصل # في قوله تعالى @QB@ وجعلوا لله شركاء قل سموهم @QE@ قيل المراد سموهم ~~بأسماء حقيقية لها معان تستحق بها الشرك له والعبادة فإن لم تقدروا بطل ما ~~تدعونه PageV02P312 # وقيل إذا سميتموها آلهة فسموها باسم الإله كالخالق والرازق فإذا كانت هذه ~~كاذبة عليها فكذلك اسم الآلهة وقد حام حول معناها كثير من المفسرين فما ~~شفوا عليلا ولا أرووا غليلا وإن كان ما قالوه صحيحا # فتأمل ما قبل الآية وما بعدها يطلعك على حقيقة المعنى فإنه سبحانه يقول ~~@QB@ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت @QE@ وهذا استفهام تقرير يتضمن ~~إقامة ms224 الحجة عليهم ونفي كل معبود مع الله الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت ~~بعلمه وقدرته وجزائه في الدنيا والآخرة فهو رقيب عليها حافظ لأعمالها مجاز ~~لها بما كسبت من خير وشر # فإذا جعلتم أولئك شركاء فسموهم إذ بالأسماء التي يسمى بها القائم على كل ~~نفس بما كسبت فإنه سبحانه يسمى بالحي المحيي المميت السميع البصير الغني ~~عما سواه وكل شيء فقير إليه ووجوه كل شيء به فهل تستحق آلهتكم اسما من تلك ~~الأسماء فإن كانت آلهة حقا فسموها باسم من هذه الأسماء وذلك بهت بين فإذا ~~انتفى عنها ذلك علم بطلانها كما علم بطلان مسماها # وأما إن سموها بأسمائها الصادقة عليها كالحجارة وغيرها من مسمى الجمادات ~~وأسماء الحيوان التي عبدوها من دون الله كالبقر وغيرها وبأسماء الشياطين ~~الذين أشركوهم مع الله جل وعلا وبأسماء الكواكب المسخرات تحت أوامر الرب ~~والأسماء الشاملة لجميعها أسماء المخلوقات المحتاجات المدبرات المقهورات # وكذلك بنو آدم عبادة بعضهم بعضا فهذه أسماؤها الحق وهي تبطل إلهيتها لأن ~~الأسماء التي من لوازم الإلهية مستحيلة عليها فظهر أن تسميتها آلهة من أكبر ~~الأدلة على بطلان إلهيتها وامتناع شركاء لله عز وجل # # # # # # # # # # PageV02P313 324 $ فصل # @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون @QE@ # قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله # الحمد لله رب العالمين هذه المسألة مبنية على أصلين # أحدهما الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به سبحانه فعلا من المخاطب ~~بل هو الذي يكون المخاطب به ويخلقه بدون فعل من المخاطب أو قدرة أو إرادة ~~أو وجود له وبين خطاب التكليف الذي يطلب به من المأمور فعلا أو تركا يفعله ~~بقدرة وإرادة وإن كان ذلك جميعه بجول الله وقوته إذ لا حول ولا قوة إلا ~~بالله وهذا الخطاب قد تنازع فيه الناس هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط ~~وجوده أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده لا نزاع بينهم أنه لا يتعلق به ~~حكم الخطاب إلا بعد وجوده وكذلك ms225 تنازعوا في الأول هل هو خطاب حقيقي أو هو ~~عبارة عن الاقتدار وسرعة التكوين بالقدرة والأول هو المشهور عند المنتسبين ~~إلى السنة # والأصل الثاني أن المعدوم في حال عدمه هل هو شيء أم لا فإنه قد ذهب طوائف ~~من متكلمة المعتزلة والشيعة إلى أنه شيء في الخارج وذات عين وزعموا أن ~~الماهيات غير مجعولة ولا مخلوقة وأن وجودها زائد على حقيقتها وكذلك ذهب إلى ~~هذا طوائف من PageV02P324 المتفلسفة والاتحادية وغيرهم من الملاحدة والذي ~~عليه جماهير الناس وهو قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين إلى السنة ~~والجماعة أنه في الخارج عن الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلا ولا ذات ولا عين ~~وأنه ليس في الخارج شيئان أحدهما حقيقة والآخر وجوده الزائد على خقيقته فإن ~~الله ابدع الذوات التي هي الماهيات فكل ما سواه سبحانه فهو مخلوق ومجعول ~~ومبدع ومبدو له سبحانه وتعالى لكن في هؤلاء من يقول المعدوم ليس بشيء أصلا ~~وإنما سمي شيئا باعتبار ثبوته في العلم كان مجازا ومنهم من يقول لا ريب أن ~~له ثبوتا في العلم ووجودا فيه فهو باعتبار هذا الثبوت والوجود هو شيء وذات ~~وهؤلاء لا يفرقون بين الوجود والثبوت كما فرق من قال المعدوم شيء ولا ~~يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء من الممكن والممتنع كما فرق من قال المعدوم ~~شيء ولا يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء بين الممكن والممتنع كما فرق أولئك ~~إذ قد اتفقوا على أن الممتنع ليس بشيء وإنما النزاع في الممكن وعمدة من ~~جعله شيئا إنما هو لأنه ثابت في العلم وباعتبار ذلك صح أن يخص بالقصد ~~والخلق والخير عنه والأمر به والنهي عنه وغير ذلك قالوا وهذه التخصيصات ~~تمتنع أن تتعلق بالعدم والمحض فإن خص الفرق بين الوجود الذي هو الثبوت ~~العيني وبين الوجود الذي هو الثبوت العلمي زالت الشبهة في هذا الباب # وقوله تعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون @QE@ ~~وذلك الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقبل توجيه هذا الخطاب إليه وبذلك كان ~~مقدرا ms226 مقضيا فإن سبحان وتعالى يقول ويكتب من ما يعلمه ما شاء كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر ~~أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وفي ~~صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كان ~~الله ولم يكن شيء معه وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق ~~السموات والأرض وفي سنن أبي داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال ما أكتب قال ما هو كائن إلى ~~يوم القيامة إلى أمثال ذلك من النصوص التي تبين أن المخلوق قبل أن يخلق كان ~~معلوما مخبرا عنه مكتوبا فيه شيء باعتبار وجوده العلمي الكلامي الكتابي وإن ~~كانت حقيقته التي هي وجوده العيني ليس ثابتا في الخارج بل هو عدم محض ونفي ~~صرف وهذه المراتب الأربعة المشهورة موجودات وقد ذكرها الله سبحانه في أول ~~سورة أنزلها على نبيه في قوله @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من ~~علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ وقد ~~بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع وإذا كان كذلك كان الخطاب موجها إلى ~~من توجهت إليه الإرادة وتعلقت به القدرة وخلق وكون كما قال @QB@ إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون @QE@ فالذي يقال له كن هو الذي يراد ~~وهو حين يراد قبل أن يخلق له ثبوت وتميز في العلم والتقدير ولولا ذلك لما ~~تميز المراد المخلوق من غيره وبهذا يحصل الجواب عن PageV02P325 التقسيم فإن ~~قول السائل إن كان المخاطب موجودا فتحصيل الحاصل محال يقال له هذا إذا كان ~~موجود في الخارج وجوده الذي هو وجوده ولا ريب أن المعدوم ليس موجودا ولا هو ~~في نفسه ثابت وأما ما علم وأريد وكان شيئا في العلم والإرادة والتقدير فليس ~~وجوده ms227 في الخارج محالا بل جميع المخلوقات لا توجد إلا بعد وجودها في العلم ~~والإرادة وهو قول السائل إن كان معدوما فكيف يتصور خطاب المعدوم ويقال له ~~أما إذا قصد أن يخاطب المعدوم في الخطاب بخطاب يفهمه ويمتثله فهذا محال إلا ~~من شرط المخاطب أن يتمكن من الفهم والفعل والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل ~~فيمتنع خطاب التكليف له حال عدمه بمعنى أنه يطلب منه حين عدمه أن يفهم ~~ويفعل وكذلك أيضا يمتنع أن يخاطب المعدوم في الخارج خطاب تكوين بمعنى أن ~~يعتقد أنه شيء ثابت في الخارج وأنه يخاطب بأن يكون وأما الشيء المعلوم ~~المذكور المكتوب إذا كان توجيه خطاب التكوين إليه مثل توجيه الإرادة إليه ~~فليس ذلك محالا بل هو أمر ممكن بل مثل ذلك يجده الإنسان في نفسه فيقد أمر ا ~~في نفسه يريد أن يفعله ويوجه إرادته وطلبه إلى ذلك المراد المطلوب الذي ~~قدره في نفسه ويكون حصول المراد المطلوب بحسب قدرته فإن كان قادرا على ~~حصوله حصل مع الإرادة والطلب الجازم وإن كان عاجزا لم يحصل وقد يقول ~~الإنسان ليكن كذا ونحو ذلك من صيغ الطلب فيكون المطلوب بحسب قدرته عليه ~~والله سبحانه على كل شيء قدير وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فإن أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # # # # # # # # # # PageV02P326 # | فصل # في قوله تعالى @QB@ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين @QE@ $ ~~سئل شيخ الإسلام # ابن تيمية قدس الله روحه عن قول النبي صلى الله عليه وسلم دعوة أخي ذي ~~النون @QB@ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين @QE@ ما دعا بها ~~مكروب إلا فرج الله كربته ما معنى هذه الدعوة ولم كانت كاشفة للكرب وهل لها ~~شروط باطنة عند النطق بلفظها وكيف مطابقة اعتقاد القلب لمعناها حتى يوجب ~~كشف ضره وما مناسبة ذكره @QB@ إني كنت من الظالمين @QE@ مع أن التوحيد يوجب ~~كشف الضر وهل يكفيه اعترافه أم لا بد من التوبة والعزم في المستقبل وما هو ~~السر في ms228 أن كشف الضر وزواله يكون عند انقطاع الرجاء عن الخلق والتعلق بهم ~~وما الحيلة في انصراف القلب عن الرجاء للمخلوقين والتعلق بهم بالكلية ~~وتعلقه بالله تعالى ورجائه وانصرافه إليه بالكلية وما السبب المعين على ذلك # فأجاب الحمد لله رب العالمين # لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين # دعاء العبادة # ودعاء المسألة # قال الله تعالى @QB@ فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ~~ربه إنه لا يفلح الكافرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تدع مع الله إلها آخر ~~لا إله إلا هو @QE@ وقال @QB@ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون ~~عليه لبدا @QE@ وقال @QB@ إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا @QE@ وقال تعالى @QB@ له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون ~~لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ولا يزنون @QE@ وقال في آخر السورة @QB@ قل ما يعبأ بكم ربي ~~لولا دعاؤكم @QE@ PageV02P358 # قيل لولا دعاؤكم إياه وقيل لولا دعاؤه إياكم فإن المصدر يضاف إلى الفاعل ~~تارة وإلى المفعول تارة ولكن إضافته إلى الفاعل أقوى لأنه لا بد له من فاعل ~~فلهذا كان هذا أقوى القولين أي ما يعبأ بكم لولا أنكم تدعونه فتعبدونه ~~وتسألونه @QB@ فقد كذبتم فسوف يكون لزاما @QE@ أي عذاب لازم للمكذبين # ولفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معنى الدعاء ~~وهو العبادة والمسألة # وقد فسر قوله تعالى @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ بالوجهين قيل اعبدوني ~~وامتثلوا أمري أستجب لكم كما قال تعالى @QB@ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات @QE@ أي يستجيب لهم وهو معروف في اللغة يقال استجابه واستجاب له ~~كما قال الشاعر # % وداع دعايا من يجيب إلى الندى % فلم يستجبه عند ذاك مجيب % $ # وقيل سلوني أعطكم # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ينزل ربنا كل ms229 ليلة إلى ~~السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من ~~يسالني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له فذكر أولا لفظ الدعاء ثم ذكر السؤال ~~والاستغفار والمستغفر سائل كما أن السائل داع لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد ~~السائل الطالب للخير وذكرهما جميعا بعد ذكر الداعي الذي تناولهما وغيرهما ~~فهو من باب عطف الخاص على العام # وقال تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~@QE@ # وكل سائل راغب راهب فهو عابد للمسؤول ولك عابد له فهو أيضا راغب وراهب ~~يرجو رحمته ويخاف عذابه فكل عابد سائل وكل سائل عابد فأحد الاسمين يتناول ~~الآخر عند تجرده عنه ولكن إذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب ~~المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال ~~الأمر وإن لم يكن في ذلك صيغ سؤال # والعابد الذي يريد وجه الله والنظر إليه هو أيضا راج خائف راغب راهب يرغب ~~في حصول مراده ويرهب من فواته قال تعالى @QB@ إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا @QE@ وقال تعالى @QB@ تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا @QE@ ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة ~~أو دعاء مسألة من الرغب والرهب من الخوف والطمع # وما يذكر عن بعض الشيوخ أنه جعل الخوف والرجاء من مقامات العامة فهذا قد ~~يفسر PageV02P359 مراده بأن المقربين يريدون وجه الله فيقصدون التلذذ ~~بالنظر إليه وإن لم يكن هناك مخلوق يتلذذون به وهؤلاء يرجون حصول هذا ~~المطلوب ويخافون حرمانه فلم يخلوا عن الخوف والرجاء لكن مرجوهم بحسب ~~مطلوبهم # ومن قال من هؤلاء لم أعبدك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك فهو يظن أن ~~الجنة اسم لما يتمتع فيه بالمخلوقات والنار اسم لما لا عذاب فيه إلا ألم ~~المخلوقات وهذا قصور وتقصير منهم عن فهم مسمى الجنة بل كل ما أعده الله ~~لأوليائه فهو من الجنة والنظر إليه هو من الجنة ولهذا كان أفضل الخلق يسأل ~~الله الجنة ويستعيذ به ms230 من النار ولما سأل بعض أصحابه عما يقول في صلاته قال ~~إني أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا ~~دندنة معاذ فقال حولها فدندن # وقد أنكر على من قال هذا الكلام يعني أسألك لذة النظر إلى وجهك فريق من ~~أهل الكلام ظنوا أن الله لا يتلذذ بالنظر إليه وأنه لا نعيم إلا بمخلوق ~~فغلط هؤلاء في معنى الجنة كما غلط أولئك لكن أولئك طلبوا ما يستحق أن يطلب ~~وهؤلاء أنكروا ذلك # وأما التألم بالنار فهو أمر ضروري ومن قال لو أدخلني النار لكنت راضيا ~~فهو عزم منه على الرضا والعزائم قد تنفسخ عند وجود الحقائق ومثل هذا يقع في ~~كلام طائفة مثل سمنون الذي قال # % وليس لي في سواك حظ % فكيف ما شئت فامتحني % $ # فابتلي بعسر البول فجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول ادعوا لعمكم الكذاب ~~قال تعالى @QB@ ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون @QE@ # وبعض من تكلم في علل المقامات جعل الحب والرضا والخوف والرجاء من مقامات ~~العامة بناء على مشاهدة القدر وأن من شهد القدر فشهد توحيد الأفعال حتى فني ~~من لم يكن وبقي من لم يزل يخرج عن هذه الأمور وهذا كلام مستدرك حقيقة وشرعا # أما الحقيقة فإن الحي لا يتصور أن لا يكون حساسا محبا لما يلائمة مبغضا ~~لما ينافره ومن قال إن إن الحي يستوي عنده جميع المقدورات فهو أحد رجلين ~~إما أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل وإما أنه مكابر معاند ولو قدر أن ~~الإنسان حصل له حال أزال عقله سواء سمى اصطلاما أو محوا أو فناء أو غشيا أو ~~ضعفا فهذا لم يسقط إحساس نفسه بالكلية بل له إحساس بما يلائمه وما ينافره ~~وإن سقط إحساسه ببعض الأشياء فإنه لم يسقط بجميعها PageV02P360 # فمن زعم أن المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا ~~يشهد فرقا فإنه غالط بل لا بد من الفرق فإنه أمر ضروري # لكن إذا خرج عن ms231 الفرق الشرعي بقي في الفرق الطبعي فيبقى متبعا لهواه لا ~~مطيعا لمولاه # ولهذا لما وقعت هذه المسألة بين الجنيد وأصحابه ذكر لهم الفرق الثاني وهو ~~أن يفرق بين المأمور والمحظور وبين ما يحبه الله وما يكرهه مع شهوده للقدر ~~الجامع فيشهد الفرق في القدر الجامع ومن لم يفرق بين المأمور والمحظور خرج ~~عن دين الإسلام # وهؤلاء الذين يتكلمون في الجمع لا يخرجون عن الفرق الشرعي بالكلية وإن ~~خرجوا عنه كانوا كفارا من شر الكفار وهم الذين يخرجون إلى التسوية بين ~~الرسل وغيرهم ثم يخرجون إلى القول بوحدة الوجود فلا يفرقون بين الخالق ~~والمخلوق ولكن ليس كل هؤلاء ينتهون إلى هذا الإلحاد بل يفرقون من وجه دون ~~وجه فيطيعون الله ورسوله تارة كالعصاة من أهل القبلة وهذه الأمور مبسوطة في ~~غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن لفظ الدعوة والدعاء يتناول هذا وهذا قال الله تعالى @QB@ ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين @QE@ وفي الحديث أفضل الذكر لا إله ~~إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره دعوة أخي ذي النون ~~لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ما دعا بها مكروب إلا فرج الله ~~كربته سماها دعوة لأنها تتضمن نوعي الدعاء فقوله لا إله إلا أنت اعتراف ~~بتوحيد الإلهية وتوحيد الإلهية يتضمن أحد نوعي الدعاء فإن الإله هو المستحق ~~لأن يدعى دعاء عباده ودعاء مسألة وهو الله لا إله إلا هو # وقوله @QB@ إني كنت من الظالمين @QE@ اعتراف بالذنب وهو يتضمن طلب ~~المغفرة فإن الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب وتارة يسأل بصيغة الخبر ~~إما يوصف حاله وإما بوصف حال المسؤول وإما بوصف الحالين كقول نوح عليه ~~السلام @QB@ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين @QE@ فهذا ليس صيغة طلب وإنما هو إخبار عن الله ~~أنه إن لم يغفر له ويرحمه خسر # ولكن هذا ms232 الخبر يتضمن سؤال المغفرة وكذلك قول آدم عليه السلام @QB@ ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@ هو من هذا ~~الباب ومن ذلك قول PageV02P361 موسى عليه السلام @QB@ رب إني لما أنزلت إلي ~~من خير فقير @QE@ فإن هذا وصف لحاله بأنه فقير إلى ما أنزل الله إليه من ~~الخير وهو متضمن لسؤال الله إنزال الخير إليه # وقد روى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من شغله ~~قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين رواه الترمذي ~~وقال حديث حسن ورواه مالك بن الحويرث وقال من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته ~~أفضل ما أعطي السائلين وأظن البيهقي رواه مرفوعا بهذا اللفظ # وقد سئل سفيان بن عيينة عن قوله أفضل الدعاء يوم عرفة لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فذكر هذا الحديث ~~وأنشد قول أمية بن أبي الصلت يمدح ابن جدعان # % أأذكر حاجتي أم قد كفاني % حباؤك إن شيمتك الحباء % # % إذا أثنى عليك المرء يوما % كفاه من تعرضه الثناء % $ # قال فهذا مخلوق يخاطب مخلوقا فكيف بالخالق تعالى # ومن هذا الباب الدعاء المأثور عن موسى عليه السلام اللهم لك الحمد وإليك ~~المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان فهذا خبر يتضمن السؤال # ومن هذا الباب قول أيوب عليه السلام @QB@ أني مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين @QE@ فوصف نفسه ووصف ربه بوصف يتضمن سؤال رحمته بكشف ضره وهي صيغة ~~خبر تضمنت السؤال وهذا من باب حسن الأدب في السؤال والدعاء فقول القائل لمن ~~يعظمه ويرغب إليه أنا جائع أنا مريض حسن أدب في السؤال وإن كان في قوله ~~أطعمني وداوني ونحو ذلك مما هو بصيغة الطلب طلب جازم من المسؤول فذاك فيه ~~إظهار حاله وإخباره على وجه الذل والافتقار المتضمن لسؤال الحال وهذا فيه ~~الرغبة التامة والسؤال المحض بصيغة الطلب # وهذه الصيغة صيغة الطلب والاستدعاء إذا كانت لمن يحتاج إليه الطالب أو ~~ممن يقدر على قهر ms233 المطلوب منه ونحو ذلك فإنها تقال على وجه الأمر إما لما ~~في ذلك من حاجة الطالب وإما لما فيه من نفع المطلوب فأما إذا كانت من ~~الفقير من كل وجهه للغني من كل وجه فإنها سؤال محض بتذلل وافتقار وإظهار ~~الحال PageV02P362 # ووصف الحاجة والافتقار هو سؤال بالحال وهو أبلغ من جهة العلم والبيان # وذلك أظهر من جهة القصد والإرادة فلهذا كان غالب الدعاء من القسم الثاني ~~لأن الطالب السائل يتصور مقصوده ومراده فيطلبه ويسأله فهو سؤال بالمطابقة ~~والقصد الأول وتصريح به باللفظ وإن لم يكن فيه وصف لحال السائل والمسؤول ~~فإن تضمن وصف حالهما كان أكمل من النوعين فإنه يتضمن الخبر والعلم المقتضى ~~للسؤال والإجابة ويتضمن القصد والطلب الذي هو نفس السؤال فيتضمن السؤال ~~والمقتضى له والإجابة كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي ~~الله تعالى عنه لما قال له علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال قل اللهم إني ~~ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك ~~وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم أخرجاه في الصحيحين # فهذا فيه وصف العبد لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة وفيه وصف ربه ~~الذي يوجب أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره وفيه التصريح بسؤال العبد ~~لمطلوبه وفيه بيان المقتضى للإجابة وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة فهذا ~~ونحوه أكمل أنواع الطلب # وكثير من الأدعية يتضمن بعض ذلك كقول موسى عليه السلام @QB@ أنت ولينا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين @QE@ فهذا طلب ووصف للمولى بما يقتضي ~~الإجابة وقوله @QB@ رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي @QE@ فيه وصف حال النفس ~~والطلب وقوله @QB@ إني لما أنزلت إلي من خير فقير @QE@ فيه الوصف المتضمن ~~للسؤال بالحال فهذه أنواع لكل نوع منها خاصة # يبقى أن يقال فصاحب الحوت ومن أشبهه لماذا ناسب حالهم صيغة الوصف والخبر ~~دون صيغة الطلب # فيقال لأن المقام مقام اعتراف بأن ما أصابني من الشر كان بذنبي فأصل الشر ~~هو الذنب والمقصود دفع الضر والاستغفار جاء بالقصد ms234 الثاني فلم يذكر صيغة ~~طلب كشف الضر لاستشعاره أنه مسيء ظالم وهو الذي أدخل الضر على نفسه فناسب ~~حاله أن يذكر ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه ولم يذكر صيغة طلب المغفرة ~~لأنه مقصود للعبد المكروب بالقصد الثاني بخلاف كشف الكرب فإنه مقصود له في ~~حال وجوده بالقصد الأول إذ النفس بطبعها تطلب ما هي محتاجة إليه من زوال ~~الضرر الحاصل من الحال قبل طلبها زوال ما تخاف وجوده من الضرر في المستقبل ~~بالقصد الثاني والمقصود الأول في هذا المقام هو المغفرة وطلب كشف الضر فهذا ~~مقدم في قصده وإرادته وأبلغ ما ينال به رفع سببه فجاء بما يحصل مقصوده ~~PageV02P363 # وهذا يتبين بالكلام على قوله @QB@ سبحانك @QE@ فإن هذا اللفظ يتضمن تعظيم ~~الرب وتنزيهه والمقام يقتضي تنزيهه عن الظلم والعقوبة بغير ذنب يقول أنت ~~مقدس ومنزه عن ظلمي وعقوبتي بغير ذنب بل أنا الظالم الذي ظلمت نفسي قال ~~تعالى @QB@ وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم @QE@ وقال @QB@ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم ~~الظالمين @QE@ وقال آدم عليه السلام @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا @QE@ # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي في مسلم في ~~دعاء الاستفتاح اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت ~~نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وفي ~~صحيح البخاري سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ~~خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت ~~أبوء لك بنعتمك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لايغفر الذنوب إلا أنت من ~~قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا ~~بها فمات من ليلته دخل الجنة # فالعبد عليه أن يعترف بعدل الله وإحسانه فإنه لايظلم الناس شيئا فلا ~~يعاقب أحدا إلا بذنبه وهو يحسن إليهم فكل نقمة منه عدل وكل نعمة منه فضل # فقوله لا ms235 إله إلا أنت فيه إثبات انفراده بالإلهية والألهية تتضمن كمال ~~علمه وقدرته ورحمته وحكمته ففيها إثبات إحسانه إلى العباد فإن الإله هو ~~المألوه والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف ~~به من الصفات التي تستلزمك أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية ~~الخضوع والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل # وقوله @QB@ سبحانك @QE@ يتضمن تعظيمه وتنزيهه عن الظلم وغيره من النقائص ~~فإن التسبيح وإن كان يقال يتضمن نفي النقائص وقد روي في حديث مرسل من ~~مراسيل موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول العبد سبحان الله ~~إنها براءة الله من السوء فالنفي لا يكون مدحا إلا إذا تضمن ثبوتا وإلا ~~فالنفي المحض لا مدح فيه ونفي السوء والنقص عنه يستلزم إثبات محاسنه وكماله ~~ولله الأسماء الحسنى # وهكذا عامة ما يأتي به القرآن في نفي السوء والنقص عنه يتضمن إثبات ~~محاسنه وكماله كقوله تعالى @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم @QE@ فنفي أخذ السنة والنوم له يتضمن كمال حياته وقيوميته ~~وقوله @QB@ وما مسنا من لغوب @QE@ يتضمن كمال قدرته ونحو ذلك فالتسبيح ~~المتضمن تنزيهه عن السوء ونفي النقض عنه يتضمن تعظيمه ففي قوله PageV02P364 ~~@QB@ سبحانك @QE@ تبرئته من الظلم وإثبات العظمة الموجبة له براءته من ~~الظلم فإن الظالم إنما يظلم لحاجته إلى الظلم أو لجهله والله غني عن كل شيء ~~عليم بكل شيء وهو غني بنفسه وكل ما سواه فقير إليه وهذا كمال العظمة # وأيضا ففي هذا الدعاء للتهليل والتسبيح فقوله @QB@ لا إله إلا أنت @QE@ ~~تهليل وقوله @QB@ سبحانك @QE@ تسبيح وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر # والتحميد مقرون بالتسبيح وتابع له والتكبير مقرون بالتهليل وتابع له وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي الكلام أفضل قال ما اصطفى ~~الله لملائكته سبحان الله ms236 وبحمده وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وفي القرآن @QB@ فسبح بحمد ربك @QE@ ~~وقالت الملائكة @QB@ ونحن نسبح بحمدك @QE@ # وهاتان الكلمتان إحداهما مقرونة بالتحميد والأخرى بالتعظيم فإنا قد ذكرنا ~~أن التسبيح فيه نفي السوء والنقائص المتضمن إثبات المحاسن والكمال والحمد ~~إنما يكون على المحاسن وقرن بين الحمد والتعظيم كما قرن بين الجلال ~~والإكرام إذ ليس كل معظم محبوبا محمودا ولا كل محبوب محمودا معظما وقد تقدم ~~أن العبادة تتضمن كمال الحب المتضمن معنى الحمد وتتضمن كمال الذل المتضمن ~~معنى التعظيم ففي العبادة حبه وحمده على المحاسن وفيها الذل له الناشىء عن ~~عظمته وكبريائه ففي إجلاله وإكرامه وهو سبحانه المستحق للجلال والإكرام فهو ~~مستحق غاية الإجلال وغاية الإكرام # ومن الناس من يحسب أن الجلال هو الصفات السلبية والإكرام الصفات الثبوتية ~~كما ذكر ذلك الرازي ونحوه والتحقيق أن كليهما صفات ثبوتية وإثبات الكمال ~~يستلزم نفي النقائص لكن ذكر نوعي الثبوت وهو ما يستحق أن يعظم كقوله @QB@ ~~إن الله هو الغني الحميد @QE@ وكذلك قوله @QB@ له الملك وله الحمد @QE@ فإن ~~كثيرا ممن يكون له الملك والغنى لا يكون محمودا بل مذموما إذ الحمد يتضمن ~~الإخبار عن المحمود بمحاسنه المحبوبة فيتضمن إخبارا بمحاسن المحبوب محبة له # وكثير ممن له نصيب من الحمد والمحبة يكون فيه عجز وضعف وذل ينافي العظمة ~~والغنى والملك فالأول يهاب ويخاف ولا يحب وهذا يحب ويحمد ولا يهاب ولا يخاف ~~والكمال اجتماع الوصفين كما ورد في الأثر أن المؤمن رزق حلاوة ومهابة وفي ~~نعت النبي صلى الله عليه وسلم كان من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه ~~PageV02P365 # فقرن التسبيح بالتحميد وقرن التهليل بالتكبير كما في كلمات الأذان ثم إن ~~كل واحد من النوعين يتضمن الآخر إذا أفرد فإن التسبيح والتحميد يتضمن ~~التعظيم ويتضمن إثبات ما يحمد عليه وذلك يستلزم الإلهية فإن الإلهية تتضمن ~~كونه محبوبا بل تتضمن أنه لا يستحق كمال الحب ms237 إلا هو والحمد هو الإخبار عن ~~المحمود بالصفات التي يستحق أن يجب فالإلهية تتضمن كمال الحمد ولهذا كان ~~الحمد لله مفتاح الخطاب وكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجدم ~~وسبحان الله فيها إثبات عظمته كما قدمناه ولهذا قال @QB@ فسبح باسم ربك ~~العظيم @QE@ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم رواه أهل ~~السنن وقال اما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء ~~فقمن أن يستجاب لكم رواه مسلم فجعل التعظيم في الركوع أخص منه بالسجود ~~والتسبيح يتضمن التعظيم # ففي قوله سبحان الله وبحمده إثبات تنزيهه وتعظيمه وإلهيته وحمده وأما ~~قوله لا إله إلا الله والله أكبر ففي لا إله إلا الله إثبات محامده فإنها ~~كلها داخلة في إثبات إلهيته وفي قوله الله أكبر إثبات عظمته فإن الكبرياء ~~تتضمن العظمة ولكن الكبرياء أكمل # ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول الله أكبر فإن ذلك ~~أكمل من قول الله أعظم كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال يقول الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ~~عذبته فجعل العظمة كالإزار والكبرياء كالرداء ومعلوم أن الرداء أشرف فلما ~~كان التكبير أبلغ من التعظيم صرح بلفظه وتضمن ذلك التعظيم وفي قوله سبحان ~~الله صرح فيها بالتنزيه من السوء المتضمن للتعظيم فصار كل من الكلمتين ~~متضمنا معنى الكلمتين الأخريين إذا أفردتا وعند الاقتران تعطي كل كلمة ~~خاصيتها # وهذا كما أن كل اسم من أسماء الله فإنه يستلزم معنى الآخر لكن هذا ~~باللزوم وأما دلالة كل اسم على خاصيته وعلى الذات بمجموعهما فبالمطابقة ~~ودلالتها على أحدهما بالتضمن # فقول الداعي لا إله إلا أنت سبحانك يتضمن معنى الكلمات الأربع اللاتي هن ~~أفضل الكلام بعد القرآن وهذه الكلمات تتضمن معاني أسماء الله الحسنى وصفاته ~~العليا ففيها كمال المدح # وقوله @QB@ إني كنت من الظالمين @QE@ فيه اعتراف بحقيقة حاله وليس لأحد ~~من العباد أن يبرىء نفسه عن هذا الوصف لا سيما في مقام مناجاته ms238 لربه وقد ~~ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ينبغي لعبد أن يقول ~~أنا خير من يونس بن متى وقال من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب فمن ظن ~~أنه خير من يونس بحيث يعلم أنه ليس PageV02P366 عليه أن يعترف بظلم نفسه ~~فهو كاذب ولهذا كان سادات الخلائق لا يفضلون أنفسهم على يونس في هذا المقام ~~بل يقولون كما قال أبوهم آدم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم $ فصل # في بطلان الاحتجاج بقوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون @QE@ # سئل شيخ الإسلام حسنة الأيام أحد المجتهدين قامع المبتدعين تقي الدين ~~أحمد بن عبد السلام ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي رضي الله عنه عن قوم ~~يحتجون بالقدر ويقولون قد قضي الأمر من الذر فالسعيد سعيد والشقي شقي من ~~الذر ويحتجون بقوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون @QE@ ويقولون ما لنا في جميع الأفعال قدرة وإنما القدرة لله تعالى ~~قدر الخير والشر وكتبه علينا والمراد بيان خطأ هؤلاء بالأدلة القاطعة ~~ويقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ويحتجون بالحديث الذي فيه قوله ~~صلى الله عليه وسلم وإن زنا وإن سرق وبغير ذلك فما الجواب عن هذا جميعه ~~أفتونا مأجورين # فأجاب نفعنا الله بعلومه الحمد لله رب العالمين هؤلاء القوم إذا صبروا ~~على هذا الإعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى فإن النصارى واليهود ~~يؤمنون بالأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب لكن حرفوا وبدلوا ~~وآمنوا ببعض وكفروا ببعض كما قال تعالى @QB@ إن الذين يكفرون بالله ورسله ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ~~والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم ~~وكان الله غفورا رحيما @QE@ فإذا كان من آمن ببعض وكفر ببعض فهو كافر حقا ~~فكيف بمن كفر بالجميع ومن لم يقر بأمر ms239 الله ونهيه ووعده ووعيده بل ترك ذلك ~~محتجا بالقدر فهو أكفر ممن آمن ببعض وكفر ببعض وقول هؤلاء يظهر بطلانه من ~~وجوه # أحدها أن الواحد من هؤلاء إما أن يرى القدر حجة للعبد وإما أن لا يراه ~~حجة للعبد فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس فإنهم كلهم مشتركون ~~في القدر PageV02P367 وحينئذ يلزمه أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه ويأخذ ~~ماله ويفسد حريمه ويضرب عنقه ويهلك الحرث والنسل وهؤلاء جميعهم كذابون ~~متناقضون فإن أحدهم لا يزال يذم هذا ويبغض هذا ويخالف هذا حتى إن الذي ينكر ~~عليهم يبغضونه ويعادونه وينكرون عليه فإذا كان القدر حجة لمن فعل المحرمات ~~وترك الواجبات لزمهم أن لا يذموا أحدا ولا يبغضوا أحدا ولا يقولون عن أحد ~~أنه ظالم ولو فعل ما فعل ومعلوم أن هذا لا يمكن أحدا فعله ولو فعل الناس ~~هذا لهلك العالم فتبين أن قولهم فاسد في العقل كما أنه كفر في الشرع وأنهم ~~كذابون مفترون في قولهم إن القدر حجة للعبد # الوجه الثاني أن هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون وقوم نوح وقوم هود ~~وكل من أهلكه الله بذنوبه معذورين وهذا من الكفر الذي اتفق عليه أرباب ~~الملل # الوجه الثالث أن هذا يلزم منه أن لا يفرق بين أولياء الله وأعداء الله ~~ولا بين المؤمنين والكفار ولا أهل الجنة وأهل النار وقد قال تعالى @QB@ وما ~~يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي ~~الأحياء ولا الأموات @QE@ وقال تعالى @QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون @QE@ وذلك أن هؤلاء جميعهم سبقت لهم من الله ~~تعالى السوابق وكتب الله تعالى مقاديرهم قبل أن يخلقهم وهم مع هذا قد ~~انقسموا إلى سعيد بالإيمان والعمل الصالح وإلى شقي بالكفر والفسوق والعصيان ~~فعلم بذلك أن القضاء والقدر ليس بحجة لأحد على ms240 معاصي الله تعالى # الوجه الرابع أن القدر نؤمن به ولا نحتج به فمن احتج بالقدر فحجته داحضة ~~ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولا لقبل من ~~إبليس وغيره من العصاة ولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب الله أحدا من ~~الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة ولو كان القدر حجة لم يقطع سارق ولا قتل ~~قاتل ولا أقيم حد على ذي جريمة ولا جوهد في سبيل الله ولا أمر بمعروف ولا ~~نهي عن منكر # الوجه الخامس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا فإنه قال ما منكم ~~من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة فقيل يا رسول الله أفلا ~~ندع العمل ونتكل على PageV02P368 الكتاب فقال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق ~~له رواه البخاري ومسلم وفي حديث آخر في الصحيح أنه قيل له يا رسول الله ~~أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أفيما جفت به الأقلام وطويت به الصحف فقيل ~~ففيم العمل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له # الوجه السادس أن يقال إن الله تعالى علم الأمور وكتبها على ما هي عليه ~~فهو سبحانه قد كتب أن فلانا يؤمن ويعمل صالحا فيدخل الجنة وفلانا يفسق ~~ويعصي فيدخل النار كما علم وكتب أن فلانا يتزوج امرأة ويطؤها فيأتيه ولد ~~وأن فلانا يأكل ويشرب فيشبع ويروى وأن فلانا يبذر البذر فينبت الزرع فمن ~~قال إن كنت من أهل الجنة فأنا أدخلها بلا عمل صالح كان قوله قولا باطلا ~~متناقضا لما علمه الله وقدره ومثال من يقول أنا لا أطأ امرأة فإن كان الله ~~قضى لي بولد فهو يولد فهذا جاهل فإن الله تعالى إذا قضى بالولد قضى أن أباه ~~يطأ امرأة فتحبل وتلد فأما الولد بلا حبل ولا وطء فإن الله لم يقدره ولم ~~يكتبه كذلك الجنة إنما أعدها الله تعالى للمؤمنين فمن ظن أنه يدخل الجنة ~~بلا إيمان كان ظنه باطلا وإذا اعتقد أن الأعمال التي أمر الله بها ms241 لا يحتاج ~~إليها ولا فرق بين أن يعملها أو لا يعملها كان كافرا والله قد حرم الجنة ~~إلا على أصحابها $ فصل وأما قوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~@QE@ الآية فمن سبقت له من الله الحسنى فلا بد أن يصير مؤمنا تقيا فمن لم ~~يكن من المؤمنين لم تسبق له من الله الحسنى لكن الله إذا سبقت للعبد منه ~~سابقة استعمله بالعمل الذي يصل به إلى تلك السابقة كمن سبق له من الله ~~تعالى أن يولد له ولد فلا بد أن يطأ امرأة يحبلها فإن الله سبحانه وتعالى ~~قدر الأسباب والمسببات فسبق منه هذا وهذا فمن ظن أن أحدا سبق له من الله ~~الحسنى بلا سبب فقد ضل بل هو سبحانه ميسر الأسباب والمسببات وهو قد قدر ~~فيما مضى هذا وهذا # فصل ومن قال أن آدم عليه الصلاة والسلام ما عصى فهو مكذب للقرآن يستتاب ~~فإن تاب وإلا قتل فإن الله تعالى قال @QB@ وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه ~~فتاب عليه وهدى @QE@ والمعصية هي مخالفة الأمر الشرعي فمن خالف أمر الله ~~الذي أرسل فيه رسله وأنزل به كتبه فقد عصاه وإن كان داخلا فيما قدره الله ~~وقضاه وهؤلاء ظنوا أن المعصية هي الخروج عن قدر الله فإن لم تكن المعصية ~~إلا هذا فلا يكون إبليس وفرعون وقوم نوح وقوم عاد وثمود وجميع الكفار عصاة ~~أيضا لأنهم داخلون في قدر الله تعالى ثم قائل هذا يضرب ويهان فإذا تظلم ممن ~~فعل ذلك به قيل له هذا الذي فعل هذا ليس هو بعاص لله PageV02P369 تعالى ~~فإنه داخل في قدر الله عز وجل كسائر الخلق وقائل هذا القول متناقض لا يثبت ~~على حال $ فصل وأما قول القائل ما لنا في جميع أفعالنا قدرة فقد كذب فإن ~~الله تعالى فرق بين المستطيع القادر وغير المستطيع وقال @QB@ فاتقوا الله ~~ما استطعتم @QE@ وقال تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا @QE@ وقال تعالى @QB@ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ms242 ضعف قوة ~~ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة @QE@ والله تعالى قد أثبت للعبد مشيئة وفعلا ~~كما قال تعالى @QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ جزاء بما كانوا يعملون @QE@ لكن الله سبحانه ~~خالقه وخالق كل ما فيه من قدرة ومشيئة وعمل فإنه لا رب غيره ولا إله سواه ~~وهو خالق كل شيء وربه ومليكه # فصل وأما قول القائل الزنا من المعاصي مكتوب فهو كلام صحيح لكن هذا لا ~~ينفعه الاحتجاج به فإن الله تعالى كتب أفعال العباد خيرها وشرها وكتب ما ~~يصيرون إليه من السعادة والشقاوة وجعل الأعمال سببا للثواب والعقاب وكتب ~~ذلك كما كتب الأمراض وجعلها سببا للثواب والعقاب وكتب ذلك كما كتب الأمراض ~~وجعلها سببا للمرض والموت فمن أكل السم فإنه يمرض أو يموت والله تعالى قدر ~~وكتب هذا وهذا كذلك من فعل ما نهي عنه من الكفر والفسوق والعصيان فإنه فعل ~~ما كتب عليه وهو مستحق لما كتبه الله من الجزاء لمن عمل ذلك وحجة هؤلاء ~~بالقدر على المعاصي من جنس حجة المشركين الذين قال الله تعالى عنهم @QB@ ~~وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم @QE@ وقال تعالى @QB@ سيقول ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب ~~الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون ~~إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ~~@QE@ # # # # # # # # # # PageV02P370 454 $ فصل # قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ونور ضريحه في قوله تعالى @QB@ إن الذين ~~يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ~~@QE@ PageV02P454 في طرده الكلام على ما يتعلق بهذه الآية وغيرها فقال وأما ~~الجواب المفصل فمن ثلاثة أوجه # أحدها أن هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة في قول كثير ms243 ~~من أهل العلم فروى هشيم عن العوام بن حوشب ثنا شيخ من بني كاهل قال فسر ابن ~~عباس سورة النور فلما أتى على هذه الآية @QB@ إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات @QE@ إلى آخر الآية قال هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم خاصة وهي مبهمة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد ~~جعل الله له توبة ثم قرأ @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء @QE@ إلى قوله @QB@ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا @QE@ فجعل ~~لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة قال فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ~~ما فسر # وقال أبو سعيد الأشج حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن المسيب ~~عن ابن عباس @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات @QE@ نزلت في عائشة ~~خاصة واللعنة في المنافقين عامة فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت ~~فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعيبه فإن قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه ~~نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه فإن زنا امرأته يؤذيه أذى عظيما ~~ولهذا جوز له الشارع أن يقذفها إذا زنت ودرأ الحد عنه باللعان ولم يبح ~~لغيره أن يقذف امرأة بحال # ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله أعظم مما يلحقه لو كان ~~هو المقذوف ولهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى أن ~~من قذف امرأة غير محصنة كالأمة والذمية ولها زوج أو ولد محصن حد لقذفها لما ~~ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنين والرواية الأخرى عنه وهي قول ~~الأكثرين أنه لا حد عليه لأنه أذى لهما لا قذف لهما والحد التام إنما يجب ~~بالقذف وفي جانب النبي صلى الله عليه وسلم بعيب أزواجه فهو منافق وهذا معنى ~~قول ابن عباس اللعنة في المنافقين عامة # وقد وافق ابن عباس جماعة فروى الإمام أحمد والأشج عن خصيف قال سألت ms244 سعيد ~~بن جبير فقلت الزنا أشد أو قذف المحصنة قال لا بل الزنا قال قلت فإن الله ~~تعالى يقول @QB@ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في ~~الدنيا والآخرة @QE@ PageV02P455 فقال إنما كان هذا في عائشة خاصة وروى ~~أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه الآية @QB@ إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة @QE@ فقال إنما كان هذا في ~~عائشة خاصة وروى أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه الآية @QB@ إن الذين ~~يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة @QE@ قال هذه ~~الآية لأمهات المؤمنين خاصة وروى الأشج بإسناده عن الضحاك في هذه الآية قال ~~هن نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقال معمر عن الكلبي إنما عنى بهذه الآية ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأما من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق ~~كما قال الله تعالى @QB@ أو يتوب @QE@ # ووجه هذا أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد القذف فتكون ~~اللام في قوله @QB@ المحصنات الغافلات المؤمنات @QE@ لتعريف المعهود ~~والمعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لأن الكلام في قصة الإفك ~~ووقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل ~~الذي يوجب ذلك ويؤيد هذا القول أن الله سبحانه رتب هذا الوعد على قذف ~~محصنات غافلات مؤمنات وقال في أول السورة @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ الآية فرتب الحدود والشهادة ~~والفسق على مجرد قذف المحصنات فلا بد أن يكون المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لهن مزية على مجرد المحصنات وذلك والله أعلم لأن أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم مشهود لهن بالإيمان لأنهن أمهات المؤمنين وهن أزواج نبيه في الدنيا ~~والآخرة وعوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان ولأن الله ~~سبحانه قال في قصة عائشة والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم فتخصيصه متولي ~~كبره دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم وقال @QB@ ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ms245 عذاب عظيم @QE@ فعلم ~~أن العذاب العظيم لا يمس كل من قذف وإنما يمس متولي كبره فقط وقال هنا @QB@ ~~ولهم عذاب عظيم @QE@ فعلم أن الذي رمى أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وتولى كبر الإفك وهذه صفة المنافق ابن أبي والله أعلم على ~~هذا القول تكون هذه الآية حجة أيضا موافقة لتلك الآية لأنه لما كان رمي ~~أمهات المؤمنين أذى للنبي صلى الله عليه وسلم لعن صاحبه في الدنيا والآخرة ~~ولهذا قال ابن عباس ليس فيها توبة لأن مؤذي النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~تقبل توبته أو يريد إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلاما جديدا وعلى هذا ~~فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد ~~العلم بأنهن أزواجه في الآخرة فإنه ما بغت امرأة نبي قط PageV02P456 # وما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ما خرجاه في الصحيحين ~~في حديث الإفك عن عائشة قالت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من ~~عبد الله بن أبي بن سلول قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ~~المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه عن أهل بيتي ~~فوالله ما علمت على أهل بيتي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا ~~خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال أنا ~~أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا ~~الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا ~~صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ لعمر الله لا تقتلنه ولا تقدر ~~على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة ~~كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين قالت فثار الحيان ~~الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم ms246 على ~~المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت # وفي رواية أخرى صحيحة أن هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~خاصة ويقول آخرون يعني أزواج المؤمنين عامة وقال أبو سلمة قذف المحصنات من ~~الموجبات ثم قرأ @QB@ إن الذين يرمون المحصنات @QE@ الآية وعن عمر بن قيس ~~قال قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة رواها الأشنج وهذا قول كثير من الناس ~~ووجهه ظاهر الخطاب فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه إذ لا موجب لخصوصه وليس ~~هو مختصا بنفس السبب بالاتفاق لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم داخل في العموم وليس هو من السبب ولأنه لفظ جمع والسبب في واحدة ~~هنا ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الآيات نزلت ~~بأسباب اقتضت ذلك وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه والفرق بين ~~الآيتين أنه في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من ~~الجلد ورد الشهادة والتفسيق وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه وهي ~~اللعنة في الدارين والعذاب العظيم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~غير وجه عن أصحابه أن قذف المحصنات من الكبائر وفي لفظ في الصحيح قذف ~~المحصنات الغافلات المؤمنات # ثم اختلف هؤلاء فقال أبو حمزة الثمالي بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة ~~إذ كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فكانت المرأة إذا خرجت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة PageV02P457 مهاجرة قذفها ~~المشركون من أهل مكة وقالوا إنها خرجت تفجر فعلى يكون يكون فيمن قذف ~~المؤمنات قذفا يصدهن به عن الإيمان ويقصد بذلك ذم المؤمنين لينفر الناس عن ~~الإسلام كما فعل كعب بن الأشرف وعلى هذا فمن فعل ذلك فهو كافر وهو بمنزلة ~~من سب النبي صلى الله عليه وسلم # وقوله إنها نزلت زمن العهد يعني والله أعلم أنه عنى بها مثل أولئك ~~المشركين المعاهدين وإلا فهذه الآية نزلت ليالي ms247 الإفك في غزوة بني المصطلق ~~قبل الخندق والهدنة كانت بعد ذلك بسنتين # ومنهم من أجراها على ظاهرها وعمومها لأن سبب نزولها قذف عائشة وكان فيمن ~~قذفها مؤمن ومنافق وسبب النزول لا بد أن يندرج في العموم ولأنه لا موجب ~~لتخصيصها والجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا @QB@ لعنوا في الدنيا ~~والآخرة @QE@ على بناء الفعل للمفعول ولم يسم اللاعن وقال في الآية الأخرى ~~@QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة @QE@ وإذا ~~لم يسم الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس وجاز أن يلعنهم ~~الله في وقت ويلعنهم بعض خلقه في وقت وجاز أن الله يتولى لعنة بعضهم وهو من ~~كان قذفه طعنا في الدين ويتولى خلقه لعنة الآخرين وإذا كان اللاعن مخلوقا ~~فلعنه قد يكون بمعنى الدعاء عليهم وقد يكون بمعنى أنهم يبعدونهم عن رحمة ~~الله # ويؤيد هذا أن الرجل إذا قذف امرأته تلاعنا وقال الزوج في الخامسة لعنة ~~الله عليه إن كان من الكاذبين فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبا في القذف أن ~~يلعنه الله كما أمر الله ورسوله أن يباهل من حاجة في المسيح بعد ما جاءه من ~~العلم بأن يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين فهذا مما يعلن به القاذف ~~ومما يلعن به أن يجلد وأن ترد شهادته ويفسق فإنه عقوبة له وإقصاء له عن ~~مواطن الأمن والقبول وهي من رحمة الله وهذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في ~~الدنيا والآخرة فإن لعنة الله توجب زوال النصر عنه من كل وجه وبعده عن ~~أسباب الرحمة في الدارين # ومما يؤيد الفرق أنه قال @QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا @QE@ ولم يجيء إعداد العذاب المهين في ~~القرآن إلا في حق الكفار كقوله @QB@ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ~~ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا @QE@ وقوله ~~@QB@ وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا @QE@ PageV02P458 وقوله ~~@QB@ فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ms248 @QE@ @QB@ إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين @QE@ @QB@ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~فأولئك لهم عذاب مهين @QE@ @QB@ وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك ~~لهم عذاب مهين @QE@ @QB@ وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين @QE@ ~~@QB@ اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين @QE@ # وأما قوله تعالى @QB@ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها وله عذاب مهين @QE@ فهي والله أعلم فيمن جحد الفرائض واستخف بها على ~~أنه لم يذكر أن العذاب أعد له وأما العذاب العظيم فقد جاء وعيدا للمؤمنين ~~في قوله @QB@ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم @QE@ وقوله ~~@QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم @QE@ وفي المحارب @QB@ ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم @QE@ وفي القاتل @QB@ وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ~~@QE@ وقوله @QB@ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها ~~وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم @QE@ وقد قال سبحانه ~~@QB@ ومن يهن الله فما له من مكرم @QE@ وذلك لأن الإهانة إذلال وتحقير وخزي ~~وذلك قدر زائد على ألم العذاب فقد يعذب الرجل الكريم ولا يهان فلما قال في ~~هذه الآية @QB@ وأعد لهم عذابا مهينا @QE@ علم أنه من جنس العذاب الذي توعد ~~به الكفار والمنافقين ولما قال هناك @QB@ ولهم عذاب عظيم @QE@ PageV02P459 ~~جاز أن يكون من جني العذاب في قوله @QB@ لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم ~~@QE@ # ومما يبين به الفرق أيضا سبحانه قال هناك @QB@ وأعد لهم عذابا مهينا @QE@ ~~والعذاب إنما أعد للكافرين فإن جهنم لهم خلقت لأنهم لا بد أن يدخلوها وما ~~هم منها بمخرجين # وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن يدخلوها إذا غفر الله لهم وإذا دخلوها ~~فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين قال سبحانه @QB@ واتقوا النار التي أعدت ~~للكافرين @QE@ فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا الربا وأن يتقوا الله وأن ~~يتقوا النار التي أعدت للكافرين فعلم أنهم يخاف عليهم من دخول النار إذا ~~أكلوا الربا ms249 وفعلوا المعاصي مع أنها معدة للكافرين لا لهم ولذلك جاء في ~~الحديث أما أهل النار هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وأما أقوام ~~لهم ذنوب فيصيبهم سفع من نار ثم يخرجهم الله منها # وهذا كما أن الجنة أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وإن كان ~~يدخلها الأبناء بعمل آبائهم ويدخلها قوم بالشفاعة وقوم بالرحمة وينشىء الله ~~لما فضل منها خلقا آخر في الدار الآخرة فيدخلهم إياها وذلك لأن الشيء إنما ~~يعد لمن يستوجبه ويستحقه ولمن أولى الناس به ثم قد يدخل معه غيره بطريق ~~التبع أو لسبب آخر والله أعلم # PageV02P460 # | فصل # اعتراض وجوابه # قال المعترض في أسماء الله الحسنى النور الهادي يجب تأويله قطعا إذ النور ~~كيفية قائمة بالجسمية وهو ضد الظلمة وجل الحق سبحانه أن يكون له ضد ولو كان ~~نورا لم تجز إضافته إلى نفسه في قوله @QB@ مثل نوره @QE@ فتكون إضافته ~~الشيء إلى نفسه وهو غير جائز وقوله @QB@ الله نور السماوات والأرض @QE@ قال ~~المفسرون يعني هادي أهل السماوات والأرض وهو ضعيف لأن ذكر الهادي بعده يكون ~~تكرارا وقيل منور السماوات بالكواكب وقيل بالأدلة والحجج الباهرة والنور ~~جسم لطيف شفاف فلا يجوز على الله والتأويل مروي عن ابن عباس وأنس وسالم ~~وهذا يبطل دعواه أن التأويل يبطل الظاهر ولم ينقل عن السلف ولو كان نورا ~~حقيقة كما يقوله المشبهة لوجب أن يكون الضياء ليلا ونهارا على الدوام # وقوله @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا @QE@ ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن السراج المعروف ~~وإنما سمي سراجا بالهدى الذي جاء به ووضوح أدلته بمنزلة السراج المنير # وروي عن ابن عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن يعني منور السماوات ~~والأرض شمسها وقمرها ونجومها ومن كلام العارفين النور هو الذي نور قلوب ~~الصادقين بتوحيده ونور أسرار المحبين بتأييده وقيل هو الذي أحيا قلوب ~~العارفين بنور معرفته ونفوس العابدين بنور عبادته # والجواب أن هذا الكلام وأمثاله ليس باعتراض علينا وإنما هو ابتداء نقص ms250 ~~حرمته منهم لما يظن أنه يلزمنا أو يظن أنا نقوله على الوجه الذي حكاه وقد ~~قال تعالى @QB@ اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم @QE@ PageV02P470 ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم # إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وإذا كان في الكلام إخبار عن الغير ~~بأنه يقول أقوالا باطلة في العقل والشرع وفيه رد تلك الأقوال كان هذا كذبا ~~وظلما فنعوذ بالله من ذلك ثم مع كونه ظلما لنا يا ليته كان كلاما صحيحا ~~مستقيما فكنا نحلله من حقنا ويستفاد ما فيه من العلم ولكن فيه من تحريف ~~كتاب الله والإلحاد في آياته وأسمائه والكذب والظلم والعدوان الذي يتعلق ~~بحقوق الله مما فيه لكن عفونا عن حقنا فحق الله إليه لا إلى غيره # ونحن نذكر من القيام بحق الله ونصر كتابه ودينه ما يليق بهذا الموضع فإن ~~هذا الكلام الذي ذكره فيه من التناقض والفساد ما لا أظن تمكنه من ضبطه من ~~وجوه # أحدها أنه قال في أوله النور كيفية قائمة بالجسمية ثم قال في آخره جسم ~~لطيف شفاف فذكر في أول الكلام أنه عرض وصفة في آخره جسم وهو جوهر قائم ~~بنفسه # الثاني أنه ذكر عن المفسرين أنهم تأولوا ذلك بالهادي وضعف ذلك ثم ذكر في ~~آخره أن من كلام العارفين أن النور هو الذي نور قلوب الصادقين بتوحيده ~~وأسرار المحبين بتأييده وأحيا قلوب العارفين بنور معرفته وهذا هو معنى ~~الهادي الذي ضعفه أولا فيضعفه أولا ويجعله من كلام العارفين وهي كلمة لها ~~صولة في القلوب وإنما هو من كلام بعض المشايخ الذين يتكلمون بنوع من الوعظ ~~الذي ليس فيه تحقيق فإن الشيخ أبا عبد الرحمن ذكر في تحقيق التفسير من ~~الإشارات التي بعضها كلام حسن مستفاد وبعضها مكذوب على قائله مفترى ~~كالمنقول عن جعفر وغيره وبعضها من المنقول الباطل المردود فإن إشارات ~~المشايخ وهي إشارتهم بالقلوب وذلك هو الذي امتازوا به وليس هذا موضعه ~~وينقسم إلى الإشارات المتعلقة بالأقوال مثل ما يأخذونها من القرآن ونحوه ~~فتلك الإشارات هي من ms251 باب الاعتبار والقياس وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص ~~مثل الاعتبار والقياس الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام لكن هذا يستعمل في ~~الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ودرجات الرجال ونحو ذلك فإن كانت الإشارة ~~اعتبارية من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة وإن كانت كالقياس الضعيف ~~كان لها حكمه وإن كان تحريفا للكلام على غير تأويله كانت من جنس كلام ~~القرامطة والباطنية والجهمية فتدبر هذا فإني قد أوضحت هذا في قاعدة ~~الإشارات # الوجه الثالث في تناقضه فإن قال التأويل منقول عن ابن عباس وأنس وسالم ~~ولم يذكر PageV02P471 إلا ثلاثة أقوال أحدها أنه هادي أهل السماوات والأرض ~~وقد ضعف ذلك فإن كان المنقول هو هذا الضعيف فيا خيبة المسعى إذ لم ينقل عن ~~السلف في جميع كلامه إلى هنا شيئا عن السلف إلا هذا الذي ضعفه وأوهاه وإن ~~كان المنقول عن هؤلاء الثلاثة أنه منور السماوات بالكواكب كان متناقضا من ~~وجه آخر وهو أنه قد ذكر فيما بعد أن هذا روي عن ابن عباس في رواية أخرى ~~وأبي العالية والحسن أنه منورها بالشمس والقمر والنجوم وهذا يوجب أن يكون ~~المنقول عن ابن عباس والاثنين أولا غير المنقول عنه في رواية أخرى وعمن ليس ~~معه في الأولى وإن كان نوره بالحجج الباهرة والأدلة كان متناقضا فإن هذا هو ~~معنى الهادي إذا نصبه للأدلة والحجج هي من هدايته وهو قد ضعف هذا القول فما ~~أدري من أيهما العجب أم من حكايته القولين اللذين أحدهما داخل في معنى ~~الآخر أم من تضعيفه لقول السائل الذي يوجب تضعيف الاثنين وهو لا يدري أنه ~~قد ضعفهما جميعا # فيجب على الإنسان أن يعرف معنى الأقوال المنقولة ويعرف أن الذي يضعفه ليس ~~هو الذي عظمه # الوجه الرابع أنه قد تبين أنه لم ينقل عن ابن عباس وأنس وسالم إلا القول ~~الذي ضعفه أو ما يدخل فيه فإنه إن كان قولهم الهادي فقد صرح بضعفه وإن كان ~~مقيم الأدلة فهو من معنى الهادي وإن كان المنور بالكواكب فقد جعله قولا آخر ~~وإن ms252 كان ما ذكره عن بعض العارفين فهو أيضا داخل في الهادي وإذا كان قد ~~اعترف بضعف ما حكاه عن ابن عباس وأنس وسالم لم يكن فيه حجة علينا # فتبين أن ما ذكره عن السلف إما أن يكون مبطلا في نقله أو مفتريا بتضعيفه ~~وعلى التقديرين لا حجة علينا بذلك # الوجه الخامس أنه أساء الأدب على السلف إذ يذكر عنهم ما يضعفه وأظهر ~~للناس أن السلف كانوا يتأولون ليحتج بذلك على التأويل في الجملة وهو قد ~~اعترف بضعف هذا التأويل ومن احتج بحجة وقد ضعفها وهو لا يعلم أنه ضعفها فقد ~~رمى نفسه بسهمه ومن رمى بسهم البغي صرع به والله لا يهدي القوم الظالمين # الوجه السادس قوله هذا يبطل دعواه أن التأويل دفع الظاهر ولم ينقل عن ~~السلف فإن هذا القول لم أقله وإن كنت قلته فهو لم ينقل إلا ما عرف أنه ضعيف ~~والضعيف لا يبطل شيئا فهذه الوجوه في بيان تناقضه وحكايته عنا ما لم نقله # وأما بيان فساد الكلام فنقول أما قوله يجب تأويله قطعا فلا نسلم أنه يجب ~~تأويله ولا نسلم أن ذلك لو وجب قطعي بل جماهير المسلمين لا يتأولون هذا ~~الاسم وهذا مذهب PageV02P472 السلفية وجمهور الصفاتية من أهل الكلام ~~والفقهاء والصوفية وغيرهم وهو قول أبي سعيد بن كلاب ذكره في الصفات ورد على ~~الجمهية تأويل اسم النور وهو شيخ المتكلمين الصفاتية الأشعرية الشيخ الأول ~~وحكاه عنه أبو بكر ابن فورك في كتاب مقالات ابن كلاب والأشعرية ولم يذكرا ~~تأويله إلا عن الجهمية المذمومين باتفاق وهو أيضا قول أبي الحسن الأشعري ~~ذكره في الموجز # وأما قوله إن هذا ورد في الأسماء الحسنى فالحديث الذي ذكر فيه ذلك هو ~~حديث الترمذي روى الأسماء الحسنى في جامعه من حديث الوليد بن مسلم عن شعيب ~~عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ورواها ابن ماجه في سننه من طريق ~~مخلد بن زياد القطواني عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وقد ~~اتفق أهل ms253 المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإنما كل منهما من كلام بعض السلف فالوليد ذكرها عن بعض ~~شيوخه الشاميين كما جاء مفسرا في بعض طرق حديثه ولهذا اختلف أعيانهما عنه ~~فروى عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما ذكر في الرواية الأخرى لأن ~~الذين جمعوها قد كانوا يذكرون هذا تارة وهذا تارة واعتقدوا هم وغيرهم أن ~~الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئا معينا بل من أحصى تسعة ~~وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان ~~اللذان يتفقان معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه كالأحد والواحد فإن في رواية ~~هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عنه رواها عثمان بن سعيد الأحد بل الواحد ~~والمعطي بدل المغني وهما متقاربان وعند الوليد هذه الأسماء بعد أن روى ~~الحديث عن خليد بن دعلج عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي PageV02P473 هريرة ثم ~~قال هشام وحدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال كلها في ~~القرآن @QB@ هو الله الذي لا إله إلا هو @QE@ مثل ما ساقها الترمذي لكن ~~الترمذي رواها عن طريق صفوان بن صالح عن الوليد عن شعيب وقد رواها ابن أبي ~~عاصم وبين ما ذكره هو والترمذي خلاف في بعض المواضع # وهذا كله مما يبين لك أنها من الموصول المدرج في الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في بعض الطرق وليست من كلامه ولهذا جمعها قوم آخرون على غير ~~هذا الجمع واستخرجوها من القرآن منهم سفيان بن عيينة والإمام أحمد بن حنبل ~~وغيرهم كما ذكرت ذلك فيما تكلمت به قديما على هذا وهذا كله يقتضي أنها ~~عندهم مما يقبل البدل فإن الذي عليه جماهير المسلمين أن أسماء الله أكثر من ~~تسعة وتسعين قالوا ومنهم الخطابي قوله # إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها التقييد بالعدد عائد إلى الأسماء ~~الموصوفة بأنها هي هذه الأسماء فهذه الجملة وهي قوله # من أحصاها دخل الجنة صفة للتسعة ms254 والتسعين ليست جملة مبتدأة ولكن موضعها ~~النصب ويجوز أن تكون مبتدأة والمعنى لا يختلف والتقدير إن لله أسماء بقدر ~~هذا العدد من أحصاها دخل الجنة كما يقول القائل إن مائة غلام أعددتهم للعتق ~~وألف درهم أعددتها للحج فالتقييد بالعدد هو في الموصوف بهذه الصفة لا في ~~أصل استحقاقه لذلك العدد فإنه لم يقل إن أسماء الله تسعة وتسعون # قال ويدل على ذلك قوله في الحديث الذي رواه أحمد في المسند # اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته ~~احدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك فهذا يدل على أن لله أسماء ~~فوق تسعة وتسعين يحصيها بعض المؤمنين # وأيضا فقوله # إن لله تسعة وتسعين تقييد بهذا العدد بمنزلة قوله تعالى @QB@ عليها تسعة ~~عشر @QE@ فلما استقلوهم قال @QB@ وما يعلم جنود ربك إلا هو @QE@ فأن لا ~~يعلم أسماءه إلا PageV02P474 هو أولى وذلك أن هذا لو كان قد قيل منفردا لم ~~يفد النفي إلا بمفهوم العدد الذي هو دون مفهوم الصفة والنزاع فيه مشهور وإن ~~كان المختار عندنا أن التخصيص بالذكر بعد قيام المقتضى للعموم يفيد ~~الاختصاص بالحكم فإن العدول عن وجوب التعميم إلى التخصيص إن لم يكن ~~للاختصاص بالحكم وإلا كان تركا للمقتضى بلا معارض وذلك ممتنع فقوله إن لله ~~تسعة وتسعين قد يكون للتحصيل بهذا العدد فوائد غير الحصر ومنها ذكر أن ~~إحصاءها يورث الجنة فإنه لو ذكر هذه الجملة منفردة وأتبعها بهذه منفردة ~~لكان حسنا فكيف والأصل في الكلام الاتصال وعدم الانفصال فتكون الجملة ~~الشرطية صفة لا ابتدائية فهذا هو الراجح في العربية مع ما ذكر من الدليل ~~ولهذا قال # انه وتر يحب الوتر ومحبته لذلك تدل على أنه متعلق بالإحصاء أي يجب أن ~~يحصي من أسمائه هذا العدد وإذا كانت أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين أمكن ~~أن يكون إحصاء تسعة وتسعين اسما يورث الجنة مطلقا على سبيل البدل فهذا يوجه ~~قول هؤلاء وإن كان كثيرا # وكثير من الناس ms255 من يجعلها أسماء معينة ثم من هؤلاء من يقول ليس إلا تسعة ~~وتسعين اسما فقط وهو قول ابن حزم وطائفة والأكثرون منهم يقولون وإن كانت ~~أسماء الله أكثر لكن الموعود بالجنة لمن أحصاها هي معينة وبكل حال فتعيينها ~~ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة حديثه ولكن روي ~~في ذلك عن السلف أنواع # من ذلك ما ذكره الترمذي ومنها غير ذلك فإذا عرف هذا فقوله في أسمائه ~~الحسنى النور الهادي لو نازعه منازع في ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم تكن له حجة ولكن جاء ذلك في أحاديث صحاح مثل قوله في الحديث الذي ~~في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول # اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن الحديث وفي صحيح مسلم ~~عن أبي ذر قال # سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه أو قال ~~رأيت نورا فالذي في القرآن والحديث الصحيح إضافة النور بقوله @QB@ نور ~~السماوات والأرض @QE@ أو نور السماوات والأرض ومن فيهن # وأما قوله أن النور كيفية قائمة فنقول النور المخلوق محسوس لا يحتاج إلى ~~بيان كيفية لكنه نوعان أعيان وأعراض فالأعيان هو نفس جرم النار حيث كانت ~~نور السراج والمصباح PageV02P475 الذي في الزجاجة وغيره وهي النور الذي ضرب ~~الله به المثل ومثل القمر فإن الله سماه نورا فقال @QB@ جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا @QE@ ولاريب أن النار جسم لطيف شفاف وأعراض مثل ما يقع من شعاع ~~الشمس والقمر والنار على الأجسام الصقيلة وغيرها فإن المصباح إذا كان في ~~البيت أضاء جوانب البيت فذلك النور والشعاع الواقع على الجدر والسقف والأرض ~~هو عرض وهو كيفية قائمة بالجسم # وقد يقال ليس الصفة القائمة بالنار والقمر ونحوهما نورا فيكون الاسم على ~~الجوهر تارة وعلى صفة أخرى ولهذا يقال لضوء النهار نور كما قال تعالى @QB@ ~~وجعل الظلمات والنور @QE@ ومن هذا تسمية الليل ظلمة والنهار نورا فإنهما ~~عرضان وقد قيل ms256 هما جوهران وليس هذا موضع بسط ذلك فتبين أن اسم النور يتناول ~~هذين والمعترض ذكر أولا حد العرض وذكر ثانيا حد الجسم فتناقض وكأنه أخذ ذلك ~~من كلامي ولم يهتدوا لوجه الجمع وكذلك اسم الحق يقع على ذات الله تعالى ~~وعلى صفاته القدسية القديمة كقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت الحق وقولك ~~الحق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق # وأما قول المعترض النور ضد الظلمة وجل الحق أن يكون له ضد فيقال له لم ~~تفهم معنى الضد المنفي عن الله فإن الضد يراد به ما يمنع ثبوت الآخر كما ~~يقال في الأعراض المتضادة مثل السواد والبياض ويقول الناس الضدان لا ~~يجتمعان ويمتنع اجتماع الضدين وهذا التضاد عند كثير من الناس لا يكون إلا ~~في الأعراض وأما الأعيان فلا تضاد فيها فيمتنع عند هذا أن يقال لله ضد أو ~~ليس له ضد ومنهم من يقول يتصور التضاد فيها والله تعالى ليس له ضد يمنع ~~ثبوته ووجوده بلا ريب بل هو القاهر الغالب الذي لا يغلب # وقد يراد بالضد المعارض لأمره وحكمه وإن لم يكن مانعا من وجود ذاته كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم # من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره رواه أبو داود ~~وتسمية المخالف لأمره وحكمه ضدا كتسميته عدوا وبهذا الاعتبار فالمعادون ~~المضادون لله كثيرون فأما على التفسير الأول فلا ريب أنه ليس في نفس الأمر ~~مضادا لله لكن المضاد يقع PageV02P476 في نفس الكافر فإن الباطل ضد الحق ~~والكذب ضد الصدق فمن اعتند في الله ما هو منزه عنه كان هذا ضدا للإيمان ~~الصحيح به # وأما قوله النور ضد الظلمة وجل الحق أن يكون له ضد فيقال له والحي ضد ~~الميت والعليم ضد الجاهل والسميع والبصير والذي يتكلم ضد الأصم لأعمى ~~الأبكم وهكذا سائر ما سمى الله به من الأسماء لها أضداد وهو منزه عن أن ~~يسمى بأضدادها فجل الله أن يكون ميتا أو عاجزا أو فقيرا ونحو ذلك ms257 # وأما وجود مخلوق له موصوف بضد صفته مثل وجود الميت والجاهل والفقير ~~والظالم فهذا كثير بل غالب أسمائه لها أضداد موجودة في الموجودين ولا يقال ~~لأولئك إنهم أضداد الله ولكن يقال إنهم موصوفون بضد صفات الله فإن التضاد ~~بين إنما يكن في المحل الواحد لا في محلين فمن كان موصوفا بالموت ضادته ~~الحياة ومن كان موصوفا بالحياة ضاده الموت والله سبحانه يمتنع أن يكون ظلمة ~~أو موصوفا بالظلمة كما يمتنع أن يكون ميتا أو موصوفا بالموت فهذا المعترض ~~أخذ لفظ الضد بالاشتراك ولم يميز بين الضد الذي يضاد ثبوته ثبوت الحق ~~وصفاته وأفعاله وبين أن يكون في مخلوقاته ما هو موصوف بضد صفاته وبين ما ~~يضاده في أمره ونهيه فالضد الأول هو الممتنع وأما الآخران فوجودهما كثير ~~لكن لايقال إنه ضد الله فإن المتصف بضد صفاته لم يضاده والذين قالوا النور ~~ضد الظلمة قالوا يمتنع اجتماعهما في عين واحدة ولم يقولوا أنه يمتنع أن ~~يكون شيء موصوف بأنه نور وشيء آخر موصوف بأنه ظلمة فليتدبر العاقل هذا ~~التعطيل والتخطيط # وأما قوله لو كان نورا لم يجز إضافته إلى نفسه في قوله @QB@ مثل نوره ~~@QE@ فالكلام عليه من طريقين أحدهما أن نقول النص في كتاب الله وسنة رسوله ~~قد سمى الله نور السماوات والأرض وقد أخبر النص أن الله نور وأخبر أيضا أنه ~~يحتجب بالنور فهذه ثلاثة أنوار في النص وقد تقدم ذكر الأول # وأما الثاني قوله @QB@ وأشرقت الأرض بنور ربها @QE@ وفي قوله @QB@ مثل ~~نوره @QE@ وفيما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور ~~اهتدى ومن أخطأه ضل ومنه قوله PageV02P477 ص = في دعاء الطائف # أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ~~ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك رواه الطبراني وغيره ومنه قول ابن مسعود إن ~~ربكم ليس عنده ليل ولا نهار ms258 نور السماوات من نور وجهه ومنه قوله ما رواه ~~مسلم في صحيحه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قام فينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ~~ينام يخفض القسط ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل ~~الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه فهذا ~~الحديث فيه ذكر حجابه فإن تردد الراوي في لفظ النار والنور لا يمنع ذلك فإن ~~مثل هذه النار الصافية التي كلم بها موسى يقال لها نار ونور كما سمى الله ~~نار المصباح نورا بخلاف النار المظلمة كنار جهنم فتلك لا تسمى نورا # فالأقسام ثلاثة إشراق بلا إحراق وهو النور المحض كالقمر وإحراق بلا إشراق ~~وهي النار المظلمة وما هو نار ونور كالشمس ونار المصابيح التي في الدنيا ~~توصف بالأمرين وإذا كان كذلك صح أن يكون نور السماوات والأرض وأن يضاف إليه ~~النور وليس المضاف هو عين المضاف إليه # والطريق الثاني أن يقال هذا يرد عليكم لا يختص بمن يسميه بما سمى به نفسه ~~وبينه فأنت إذا قلت هاد أو منور أو غير ذلك فالمسمى نورا هو الرب نفسه ليس ~~هو النور المضاف إليه فإذا قلت هو الهادي فنوره الهدى جعلت أحد النورين ~~عينا قائمة والآخر صفة فهكذا يقول من يسميه نورا وإذا كان السؤال يرد على ~~القولين والقائلين كان تخصيص أحدهما بأنه مخالف ظلما ولددا في المحاجة أو ~~جهلا وضلالا عن الحق # واما ما ذكره من الأقوال فلا ريب أن للناس فيها من الأقوال أكثر مما ذكره ~~والموجود بأيدي الأمة من الروايات الصادقة والكاذبة والآراء المصيبة ~~والمخطئة لا يحصيه إلا الله والكلام في تفسير أسماء الله وصفاته وكلامه فيه ~~من الغث والسمين ما لا يحصيه إلا رب العالمين وإنما الشأن في الحق والعلم ~~والدين # وقد كتبت قديما في بعض كتبي لبعض الأكابر أن العلم ما قام عليه الدليل ~~والنافع منه ما ms259 جاء به الرسول فالشأن في أن نقول علما وهو النقل والصدق ~~والبحث المحقق فإن ما سوى ذلك وإن زخرف مثله بعض الناس خزف مزوق وإلا فباطل ~~مطلق مثلما ذكره في هذه الآية وغيرها PageV02P478 # وهذه الكتب التي يسميها كثير من الناس كتب التفسير فيها كثير من التفسير ~~منقولات عن السلف مكذوبة عليهم وقول على الله ورسوله بالرأي المجرد بل ~~بمجرد شبهة قياسية أو شبهة أدبية فالمفسرون الذين ينقل عنهم لم يسمهم ومع ~~هذا فقد ضعف قولهم بالباطل فإن القوم فسروا النور في الآية بأنه الهادي ولم ~~يفسروا النور في الأسماء الحسنى والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا ~~يصح تضعيف قولهم بما ضعفه ونحن ما ذكرنا ذلك لبيان تناقضه وأنه لا يحتج ~~علينا بشيء يروج على ذي لب فإن التناقض أول مقامات الفساد وهذا التفسير قد ~~قاله طائفة من المفسرين # وأما كونه ثابتا عن ابن عباس أو غيره فهذا مما لم يثبته ومعلوم أن في كتب ~~التفسير من النقل عن ابن عباس من الكذب شيء كثير من رواية الكلبي عن أبي ~~صالح وغيره فلا بد من تصحيح النقل لتقوم الحجة فليراجع كتب التفسير التي ~~يحرر فيها النقل مثل تفسير محمد بن جرير الطبري الذي ينقل فيه كلام السلف ~~بالإسناد وليعرض عن تفسير مقاتل بقي بن مخلد الأندلسي وعبد الرحمن بن ~~إبراهيم دحيم الشامي وعبد بن حميد الكشي وغيرهم إن لم يصعد إلى تفسير ~~الإمام إسحاق ابن راهويه وتفسير الإمام أحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة ~~الذين هم أعلم أهل الأرض بالتفاسير الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وآثار الصحابة والتابعين كما هو أعلم الناس بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~وآثار الصحابة والتابعين في الأصول والفروع وغير ذلك من العلوم فأما أن ~~يثبت أصلا يجعله قاعدة بمجرد رأي فهذا إنما ينفق على الجهال بالدلائل ~~الأغشام في المسائل ومثل هذه المنقولات التي لا يميز صدقها من كذبها ~~والمعقولات التي لا يميز صدقها من خطئها ضل من ضل من أهل المشرق ms260 في الأصول ~~والفروع والفقه والتصوف # وما أحسن ما جاء هذا في آية النور التي قال الله تعالى فيها @QB@ ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ نسأل الله يجعل لنا نورا # ثم نقول هذا القول الذي قاله بعض المفسرين في قوله @QB@ الله نور ~~السماوات والأرض @QE@ أي هادي أهل السماوات لا يضرنا ولا يخالف ما قلناه ~~فإنهم قالوه في تفسير الآية التي ذكر النور فيها مضافا لم يذكروه في تفسير ~~نور مطلق كما ادعيت أنت من ورود الحديث به فأين هذا من هذا # ثم قول من قال من السلف هادي أهل السماوات والأرض لا يمنع أن يكون في ~~نفسه نورا فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفسر من ~~الأسماء أو بعض أنواعه ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات المسمى بل قد يكونان ~~متلازمين ولا دخول لبقية PageV02P479 الأنواع فيه وهذا قد قررناه غير مرة ~~في القواعد المتقدمة ومن تدبره علم أن أكثر أقوال السلف في التفسير متفقة ~~غير مختلفة # مثال ذلك قول بعضهم في الصراط المستقيم إنه الإسلام وقول آخر إنه القرآن ~~وقول آخر إنه السنة والجماعة وقول آخر إنه طريق العبودية فهذه كلها صفات له ~~متلازمة لا مباينة وتسميته بهذه الأسماء بمنزلة تسمية القرآن والرسول ~~بأسمائه بل بمنزلة أسماء الله الحسنى # ومثال الثاني قوله تعالى @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات @QE@ فذكر منهم صنفا من الأصناف والعبد يعم الجميع فالظالم لنفسه ~~المخل ببعض الواجب والمقتصد القائم به والسابق المتقرب بالنوافل بعد ~~الفرائض وكل من الناس يدخل في هذا بحسب طريقه والتفسير والترجمة ببيان ~~النوع والجنس ليقرب الفهم على المخاطب كما قال الأعجمي ما الخبز فقيل له ~~هذا وأشير إلى الرغيف فالغرض الجنس لا هذا الشخص فهكذا تفسير كثير من السلف ~~وهو من جنس التعليم فقول من قال نور السماوات والأرض هادي أهل السماوات ~~والأرض كلام صحيح فإن من معاني كونه نور السماوات والأرض أن يكون هاديا لهم ~~أما أنهم نفوا ما سوى ذلك ms261 فهذا غير معلوم وأما أنهم أرادوا ذلك فقد ثبت عن ~~ابن مسعود أنه قال إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات من نور وجهه ~~وقد تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر وجهه وفي رواية النور ما فيه ~~كفاية فهذا بيان معنى غير الهداية وقد أخبر الله في كتابه أن الأرض تشرق ~~بنور ربها فإذا كانت تشرق من نوره كيف لا يكون هو نورا ولا يجوز أن يكون ~~هذا النور المضاف إليه إضافة خلق وملك واصطفاء كقوله @QB@ ناقة الله @QE@ ~~ونحو ذلك من الوجوه # أحدها أن النور لم يضف قط إلى الله إذا كان صفة لأعيان قائمة فلا يقال في ~~المصابيح إنها نور الله ولا في الشمس والقمر وإنما يقال كما قال عبد الله ~~بن مسعود إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات من نور وجهه وفي ~~الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم # أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة # الثاني أن الأنوار المخلوقة كالشمس والقمر تشرق لها الأرض في الدنيا وليس ~~من نور إلا هو خلق من خلق الله وكذلك من قال منور السماوات والأرض لا ينافي ~~أنه نور وكل PageV02P480 منور نور فهما متلازمان ثم إن الله تعالى ضرب مثل ~~نوره الذي في قلوب المؤمنين بالنور الذي في المصباح وهو في نفسه نور وهو ~~منور لغيره فإذا كان نوره في القلوب هو نور وهو منور فهو في نفسه أحق بذلك ~~وقد علم أن كل ما هو نور فهو منور # وأما قول من قال معناه منور السماوات بالكواكب فهذا إن أراد به قائله أن ~~ذلك من معنى كونه نور السماوات والأرض وليس له معنى إلا هذا فهو مبطل لأن ~~الله أخبر أنه نور السموات والأرض والكواكب لا يحصل نورها في جميع السماوات ~~والأرض وأيضا فإنه قال @QB@ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح @QE@ فضرب المثل ~~لنوره الموجود في قلوب المؤمنين نور الإيمان والعلم المراد من الآية لم ~~يضربها على النور ms262 الحسي الذي يكون للكواكب وهذا هو الجواب عما رواه عن ابن ~~عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن بعد المطالبة بصحة النقل والظن ~~ضعفه عن ابن عباس لأنهم جعلوا ذلك من معاني النور أما أن يقولوا قوله @QB@ ~~الله نور السماوات والأرض @QE@ ليس معناه إلا التنوير بالشمس والقمر ~~والنجوم فهذا باطل قطعا # وقد قال صلى الله عليه وسلم # أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ومعلوم أن العميان لا حظ لهم في ذلك ~~ومن يكون بينه وبين ذلك حجاب لا حظ له في ذلك والموتى لا نصيب لهم من ذلك ~~وأهل الجنة لا نصيب لهم من ذلك فإن الجنة ليس فيها شمس ولا قمر كيف وقد روي ~~أن أهل الجنة يعلمون الليل والنهار بأنوار تظهر من العرش مثل ظهور الشمس ~~لأهل الدنيا فتلك الأنوار خارجة عن الشمس والقمر # وأما قوله قد قيل بالأدلة والحجج فهذا بعض معنى الهادي وقد تقدم الكلام ~~على قوله هذا يبطل قوله أن التأويل دفع للظاهر ولم ينقل عن السلف فإن هذا ~~الكلام مكذوب علي وقد ثبت تناقض صاحبه وأنه لم يذكر عن السلف إلا ما اعترف ~~بضعفه # وأما الذي أقوله الآن وأكتبه وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي وإنما ~~أقوله في كثير من المجالس إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن ~~الصحابة اختلاف في تأويلها وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما ~~رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار ~~والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه ~~أول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف ~~بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام ~~المتأولين ما لا يحصيه إلا الله وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء ~~PageV02P481 كثير وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في قوله تعالى @QB@ ~~يوم يكشف عن ساق @QE@ فروي عن ابن عباس وطائفة أن ms263 المراد به الشدة أن الله ~~يكشف عن الشدة في الآخرة وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات للحديث ~~الذي رواه أبو سعيد في الصحيين ولا ريب أن ظاهر القرآن يدل على أن هذه من ~~الصفات فإنه قال @QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى ~~الله ولم يقل عن ساقه فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا ~~بدليل آخر ومثل هذا ليس بتأويل إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ~~ومعناها المعروف ولكن كثيرا من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولا له ثم ~~يريدون صرفه عنه ويجعلون هذا تأويلا وهذا خطأ من وجهين كما قدمنا غير مرة # وأما قوله لو كان نورا حقيقة كما تقوله المشبهة لوجب أن يكون الضياء ليلا ~~ونهارا على الدوام فنحن نقول بموجب ما ذكره من هذا القول فإن المشبهة ~~يقولون إنه نور كالشمس والله تعالى ليس كمثله شيء فإنه ليس كشيء من الأنوار ~~كما أن ذاته ليست كشيء من الذوات لكن ما ذكره له حجة عليهم فإنه يمكن أن ~~يكون نورا يحجبه عن خلقه كما قال في الحديث حجابه النور أو النار لو كشفه ~~لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه # لكن غلط هنا في النقل وهو إضافة هذا القول إلى المشبهة فإن هذا من أقوال ~~الجهمية المعطلة أيضا كالمريسي فإنه كان يقول إنه نور وهو كبير الجهمية وإن ~~كان قصده بالمشبهة من أثبت أن الله نور حقيقة فالمثبتة للصفات كلهم عنده ~~مشبهة وهذه لغة الجهمية المحضة يسمون كل من أثبت الصفات مشبها فقد قدمنا أن ~~ابن كلاب والأشعري وغيرهما ذكرا أن نفي كونه نورا في نفسه هو قول الجهمية ~~والمعتزلة وأنهما أثبتا أنه نور وقررا ذلك هما وأكابر أصحابهما فكيف بأهل ~~الحديث وأئمة السنة وأول هؤلاء المؤمنين بالله وبأسمائه PageV02P482 وصفاته ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا ~~السؤال الذي عارض به المعترض فقال صلى الله عليه وسلم ms264 # حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه فأخبر أنه ~~حجب عن المخلوقات بحجابه النور أن تدركها سبحات وجهه وأنه لو كشف ذلك ~~الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه فهذا الحجاب عن إحراق ~~السبحات يبين ما يراد في هذا المقام # وأما ما ذكره عن ابن عباس في روايته الأخرى فمعناه بعض الأنوار الحسية ~~وما ذكره من كلام العارفين فهو بعض معاني هدايته لعباده وإنما ذلك تنويع ~~بعض الأنواع بحسب حاجة المخاطبين كما ذكرناه من عادة السلف أن يفسرها بذكر ~~بعض الأنواع يقع على سبيل التمثيل لحاجة المخاطبين لا على سبيل الحصر ~~والتحديد فقد تبين أن جميع ما ذكر من الأقوال يرجع إلى معنيين من معاني ~~كونه نور السماوات والأرض وليس في ذلك دلالة على أنه في نفسه ليس بنور ~~PageV02P483 # | بسم الله الرحمن الرحيم # سورة غافر # | فصل # قوله تعالى @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ $ سئل شيخ الإسلام فقيل له # قوله إذا جف القلم بما هو كائن فما معنى قوله @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ ~~وإن كان الدعاء أيضا مما هو كائن فما فائدة الأمر به ولا بد من وقوعه # فيقال الدعاء في اقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها ~~الإثابة وكسائر الأسباب في اقتضائه المسببات ومن قال إن الدعاء علامة ~~ودلالة محضة على حصول المطلوب المسؤول ليس بسبب أو هو عبادة محضة لا أثر له ~~في حصول المطلوب وجودا ولا عدما بل ما يحصل بالدعاء يحصل بدونه فهما قولان ~~ضعيفان فإن الله علق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب كقوله @QB@ وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم @QE@ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها ~~إحدى خصال ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من الخير مثلها وإما ~~أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر فعلق ~~العطايا بالدعاء تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور ms265 به وقال عمر بن الخطاب ~~إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن ~~الإجابة معه وأمثال ذلك كثير # وأيضا فالواقع المشهود يدل على ذلك وبينه كما يدل على ذلك مثله في سائر ~~أسباب وقد أخبر سبحانه من ذلك ما أخبر به في مثل قوله @QB@ ولقد نادانا نوح ~~فلنعم المجيبون @QE@ وقوله تعالى PageV02P517 @QB@ وذا النون إذ ذهب مغاضبا ~~فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين @QE@ وقوله @QB@ ~~أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض @QE@ وقوله ~~تعالى عن زكريا @QB@ رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ~~ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا ركبوا في الفلك ~~دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن ~~رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن ~~كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص @QE@ # فأخبر أنه إن شاء أوبقهن فاجتمع أخذهم بذنوبهم وعفوه عن كثير منها مع علم ~~المجادلين في آياته أنه ما لهم من محيص لأنه في مثل هذا الحال يعلم المورد ~~للشبهات في الدلائل الدالة على ربوبية الرب وقدرته ومشيئته ورحمته أنه لا ~~مخلص له مما وقع فيه كقوله في الآية الأخرى @QB@ وهم يجادلون في الله وهو ~~شديد المحال @QE@ # فإن المعارف التي تحصل في النفس بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ من ~~المعارف التي ينتجها مجرد النظر القياسي الذي ينزاح عن النفوس في مثل هذه ~~الحال هل الرب موجب بذاته فلا يكون هو المحدث للحوادث ابتداء ولا يمكنه أن ~~يحدث شيئا ولا يغير العالم حتى يدعى ويسأل وهل هو عالم بالتفصيل والإجمال ~~وقادر على تصريف الأحوال حتى يسأل التحويل من حال إلى حال أو ليس كذلك كما ~~يزعمه من ms266 المتفلسفة وغيرهم من الضلال فيجتمع مع العقوبة والعفو من ذي ~~الجلال علم أهل المراء والجدال أنه لا محيص لهم عما أوقع بمن جادلوا في ~~آياته وهو شديد المحال وقد تكلمنا على هذا وأشباهه وما يتعلق به من ~~المقالات والديانات في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن يعلم أن الدعاء والسؤال هو سبب لنيل المطلوب المسؤول ليس ~~وجوده كعدمه في ذلك ولا هو علامة محضة كما دل عليه الكتاب والسنة وإن كان ~~قد نازع في ذلك طوائف من أهل القبلة وغيرهم مع أن ذلك يقربه جماهير بني آدم ~~من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين لكن طوائف من ~~المشركين والصابئين من المتفلسفة المشائين اتباع PageV02P518 أرسطو ومن ~~تبعه من متفلسفة أهل الملل كالفارابي وابن سينا ومن سلك سبيلهما ممن خلط ~~ذلك بالكلام والتصوف والفقه ونحو هؤلاء يزعمون أن تأثير الدعاء في نيل ~~المطلوب كما يزعمونه في تأثير سائر الممكنات المخلوقات من القوى الفلكية ~~والطبيعية والقوى النفسانية والعقلية فيجعلون ما يترتب على الدعاء هو من ~~تأثير النفوس البشرية من غير أن يثبتوا للخالق سبحانه بذلك علما مفصلا أو ~~قدرة على تغيير العالم أو أن يثبتوا أنه لو شاء أن يفعل غير ما فعل لأمكنه ~~ذلك فليس هو عندهم قادرا على إن يجمع عظام الإنسان ويسوي بنانه وهو سبحانه ~~هو الخالق لها ولقواها فلا حول ولا قوة إلا بالله # أما قوله وإن كان الدعاء مما هو كائن فما فائدة الأمر به ولا بد من وقوعه ~~فيقال الدعاء المأمور به لا يجب كونا بل أذا أمر الله العباد بالدعاء فمنهم ~~من يطيعه فيستجاب له دعاؤه وينال طلبته ويدل ذلك على أن المعلوم المقدور هو ~~الدعاء والإجابة ومنهم من يعصيه فلا يدعو فلا يحصل ما علق بالدعاء فيدل ذلك ~~على أنه ليس في المعلوم المقدور الدعاء ولا الإجابة فالدعاء الكائن هو الذي ~~تقدم العلم بأنه كائن والدعاء الذي لا يكون هو الذي تقدم العلم بأنه لا ~~يكون # فإن قيل فما فائدة الأمر فيما علم أنه يكون ms267 من الدعاء قيل الأمر هو سبب ~~ايضا في امتثال المأمور به كسائر الأسباب فالدعاء سبب يدفع البلاء فإذا كان ~~أقوى منه دفعه وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه لكن يخففه ويضعفه ولهذا ~~أمر عند الكسوف والآيات بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق والله ~~أعلم PageV02P519 527 # | بسم الله الرحمن الرحيم # سورة الذاريات $ فصل # سئل شيخ الإسلام عن قوله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~@QE@ فقال رحمه الله # قال السائل قوله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ إن ~~كانت هذه اللام للصيرورة في عاقبة الأمر فما صار ذلك وإن كانت اللام للغرض ~~لزم أن لا يتخلف أحد من المخلوقين عن عبادته وليس الأمر كذلك فما التخلص من ~~هذا المضيق # فيقال هذه اللام ليست هي اللام التي يسميها النحاة لام العاقبة والصيرورة ~~ولم يقل ذلك أحد هنا كما ذكره السائل من أن ذلك لم يصر إلى على قول من يفسر ~~يعبدون بمعنى يعرفون يعني المعرفة التي أمر بها المؤمن والكافر لكن هذا قول ~~ضعيف وإنما زعم بعض الناس ذلك في قوله @QB@ ولذلك خلقهم @QE@ التي في آخر ~~سورة هود فإن بعض القدرية زعم أن تلك اللام لام العاقبة والصيرورة أي صارت ~~عاقبتهم إلى الرحمة وإلى الاختلاف وإن لم يقصد ذلك الخالق وجعلوا ذلك كقوله ~~@QB@ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا @QE@ وقول الشاعر % لدوا للموت ~~وابنوا للخراب % $ # وهذا أيضا ضعيف هنا لأن لام العاقبة إنما تجيء في حق من لا يكون عالما ~~بعواقب الأمور PageV02P527 ومصايرها فيفعل الفعل الذي له عاقبة لا يعلمها ~~كآل فرعون فأما من يكون عالما بعواقب الأفعال ومصايرها فلا يتصور منه أن ~~يفعل فعلا له عاقبة لا يعلم عاقبته وإذا علم أن فعله له عاقبة فلا يقصد ~~بفعله ما يعلم أنه لا يكون فإن ذلك تمن وليس بإرادة # وأما اللام فهي اللام المعروفة وهي لام كي ولام التعليل التي إذا حذفت ~~انتصب المصدر المجرور بها على المفعول له وتسمى العلة الغائية وهي متقدمة ~~في العلم والإرادة متأخرة في الوجود ms268 والحصول وهذه العلة هي المراد المطلوب ~~المقصود من الفعل # لكن ينبغي أن يعرف أن الإرادة في كتاب الله على نوعين # أحدهما الإرادة الكونية وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد التي يقال ~~فيها ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذه الإرادة في مثل قوله @QB@ فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~@QE@ وقوله @QB@ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما ~~يريد @QE@ وقال تعالى @QB@ ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله @QE@ وأمثال ذلك وهذه الإرادة هي مدلول اللام في قوله @QB@ ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم @QE@ # قال السلف خلق فريقا للاختلاف وفريقا للرحمة ولما كانت الرحمة هنا ~~الإرادة وهناك كونية وقع المراد بها فقوم اختلفوا وقوم رحموا # وأما النوع الثاني فهو الإرادة الدينية الشرعية وهي محبة المراد ورضاه ~~ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاهم بالحسنى كما قال تعالى @QB@ يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ وقوله تعالى @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم @QE@ وقوله @QB@ يريد الله ~~ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله ~~يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد ~~الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ PageV02P528 فهذه الإرادة لا ~~تستلزم وقوع المراد إلا أن يتعلق به النوع الأول من الإرادة ولهذا كانت ~~الأقسام أربعة # أحدها ما تعلقت به الإرادتان وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة ~~فإن الله أرادة إرادة دين وشرع فأمر به وأحبه ورضيه وأراده إرادة كون فوقع ~~ولولا ذلك لما كان # والثاني ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط وهو ما أمر الله به من الأعمال ~~الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ~~ويرضاها لو وقعت ولو لم ms269 تقع # والثالث ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط وهو ما قدره وشاءه من الحوادث ~~التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها ~~إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولولا مشيئته وقدرته وخلقه ~~لها لما كانت ولما وجدت فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن # والرابع ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه فهذا ما لم يكن من أنواع ~~المباحات والمعاصي وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله @QB@ وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون @QE@ هذه الإرادة الدينية الشرعية وهذه قد يقع مرادها ~~وقد لا يقع فهو العمل الذي خلق العباد له أي هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم ~~الذي به يكونون مرضيين محبوبين فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادما لما ~~يحب ويرضى ويراد له الإرادة الدينية التي فيها سعادته ونجاته وعادما لكماله ~~وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه وقول من قال العبادة هي العزيمة أو ~~الفطرية فقولان ضعيفان فاسدان يظهر فسادهما من وجوه متعددة # والله أعلم # تم الجزء الرابع وبه تم الكتاب والحمد لله رب العالمين # واللهم اجعله لنا لا علينا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ~~وسلم آمين PageV02P529 $ سورة الانسان # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين $ ( فصل ) عرض مجمل للسورة # اعلم أن سورة @QB@ هل أتى على الإنسان @QE@ سورة عجيبة الشأن من سور ~~القرآن على اختصارها فإن الله سبحانه ابتدأها بذكر كيفية خلق الانسان من ~~النطفة ذات الأمشاج والاخلاط التي لم يزل بقدرته ولطفه وحكمته يصرفه عليها ~~أطوارا وينقله من حال إلى حال إلى أن تمت خلقته وكملت صورته فأخرجه انسانا ~~سويا سميعا بصيرا ثم لما تكامل تمييزه وادراكه هداه طريقي الخير والشر ~~والهدى والضلال وأنه بعد هذه الهداية اما أن يشكر ربه واما أن يكفره ثم ذكر ~~مآل أهل الشكر والكفر وما أعد لهؤلاء وهؤلاء وبدأ أولا بذكر عاقبة أهل ~~الكفر ثم عاقبة أهل الشكر وفي آخر السورة ذكر أولا أهل الرحمة ثم أهل ~~العذاب ms270 فبدأ السورة بأول أحوال الإنسان وهي النطفة وختمها بآخر أحواله وهي ~~كونه من أهل الرحمة أو العذاب ووسطها بأعمال الفريقين فذكر أعمال أهل ~~العذاب مجملة في قوله @QB@ إنا أعتدنا للكافرين @QE@ سورة الانسان 4 وأعمال ~~أهل الرحمة مفصلة وجزاءهم مفصلا # فتضمنت السورة خلق الإنسان وهدايته ومبدأه وتوسطه ونهايته وتضمنت المبدأ ~~PageV03P021 والمعاد والخلق والأمر وهما القدرة والشرع وتضمنت إثبات السبب ~~وكون العبد فاعلا مريدا حقيقة وأن فاعليته ومشيئته إنما هي بمشيئة الله ~~ففيها الرد على الطائفتين القدرية والجبرية وفيها ذكر أقسام بني آدم كلهم ~~فأنهم أما أهل شمال وهم الكفار أو أهل يمين وهم نوعان أبرار ومقربون وذكر ~~سبحانه أن شراب الابرار يمزج من شراب عباده المقربين لأنهم مزجوا أعمالهم ~~ويشربه المقربون صرفا خالصا كما أخلصوا أعمالهم وجعل سبحانه شراب المقربين ~~من الكافور الذي فيه من التبريد والقوة ما يناسب برد اليقين وقوته لما حصل ~~لقلوبهم ووصل إليها في الدنيا مع ما في ذلك من مقابلته للسعير # وأخبر سبحانه أن لهم شرابا آخر ممزوجا من الزنجبيل لما فيه من طيب ~~الرائحة ولذة الطعم والحرارة التي توجب تغير برد الكافور واذابة الفضلات ~~وتطهير الاجواف ولهذا وصفه سبحانه بكونه شرابا طهورا أي مطهرا لبطونهم # فوصفهم سبحانه بجمال الظاهر والباطن كما قال @QB@ ولقاهم نضرة وسرورا ~~@QE@ الآية 11 فالنضرة جمال وجوههم والسرور جمال قلوبهم كما قال @QB@ تعرف ~~في وجوههم نضرة النعيم @QE@ سورة المطففين 24 # وقريب من هذا قول امرأة العزيز في يوسف @QB@ فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد ~~راودته عن نفسه فاستعصم @QE@ سورة يوسف 32 فأخبرت بجمال ظاهره حين أشارت ~~إليه بالخروج عليهن ثم ضمت إلى ذلك اخبارهم بأن باطنه أجمل من ظاهره بأني ~~راودته فأبى إلا العفة والحياء والاستعصام # ثم ذكر سبحانه من أعمال الأبرار ما ينتبه سامعه على جمعهم لأعمال البر ~~كلها فذكر سبحانه وفاءهم بالنذر وخوفهم من ربهم واطعامهم الطعام على محبتهم ~~له واخلاصهم لربهم في طاعتهم # وذكر سبحانه الوفاء بالنذر وهو أضعف الواجبات فإن العبد هو الذي اوجبه ~~على نفسه التزامه فهو دون ms271 ما أوجبه الله سبحانه وعليه فإذا ( وفى ) لله ~~بأضعف الواجبين الذي التزمه هو فهو بأن يوفى بالواجب الاعظم الذي اوجبه ~~الله عليه أولى وأحرى PageV03P022 # ومن ههنا قال من قال من المفسرين المقربون يوفون بطاعة الله ويقومون بحقه ~~عليهم وذلك أن العبد إذا نذر لله طاعة فوفى بها فإنما يفعل ذلك لكونها صارت ~~حقا لله يجب الوفاء بها وهذا موجود في حقوقه كلها فهي في ذلك سواء # ثم أخبر عنهم بأنهم يخافون اليوم العسير القمطرير وهو يوم القيامة ففي ~~ضمن هذا الخوف إيمانهم باليوم الآخر وكفهم عن المعاصي التي تضرهم في ذلك ~~اليوم وقيامهم بالطاعات التي ينفعهم فعلها ويضرهم تركها في ذلك اليوم # ثم أخبر عنهم باطعام الطعام على محبتهم له وذلك يدل على نفاسته عندهم ~~وحاجتهم إليه وما كان كذلك فالنفوس به أشح والقلوب به أعلق واليد له أمسك ~~فإذا بذلوه في هذه الحال فهم لما سواه من حقوق العباد أبذل # فذكر من حقوق العباد بذل قوت النفس على نفاسته وشدة الحاجة منبها على ~~الوفاء بما دونه كما ذكر من حقوقه الوفاء بالنذر منبها على الوفاء بما هو ~~فوقه وأوجب منه ونبه بقوله @QB@ على حبه @QE@ الآية 8 أنه لولا أن الله ~~سبحانه أحب إليهم منه لما آثروه على ما يحبونه فآثروا المحبوب الأعلى على ~~الأدنى # ثم ذكر أن مصرف طعامهم إلى المسكين واليتيم والأسير الذين لا قوة لهم ~~ينصرونهم بها ولا مال لهم يكافئونهم به ولا أهل ولا عشيرة يتوقعون منهم ~~مكافأتهم كما يقصده أهل لدنيا والمعاوضون بانفاقهم واطعامهم # ثم أخبر عنهم أنهم إنما فعلوا ذلك لوجه الله وأنهم لا يريدون من أطعموه ~~عوضا من أموالهم ولا ثناء عليهم بألسنتهم كما يريده من لا اخلاص له باحسانه ~~إلى الناس من معاوضتهم أو الشكور منهم فتضمن ذلك المحبة والاخلاص والاحسان # ثم أخبر سبحانه عنهم بما صدقهم عليه قبل أن يقولوه حيث قالوا @QB@ إنا ~~نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا @QE@ الآية 10 فصدقهم قبل قولهم إذ يقول ~~تعالى @QB@ يوفون بالنذر ويخافون يوما ms272 كان شره مستطيرا @QE@ الآية 7 ثم ~~أخبر سبحانه بأنه وقاهم شر ما يخافونه ولقاهم فوق ما كانوا يأملونه # وذكر سبحانه أصناف النعيم الذي حباهم به من المساكن والملابس والمجالس ~~والثمار PageV03P023 والشراب والخدم والنعيم والملك الكبير # ولما كان في الصبر من حبس النفس والخشونة التي تلحق الظاهر والباطن من ~~التعب والنصب والحرارة ما فيه كان الجزاء عليه بالجنة التي فيها السعة ~~والحرير الذي فيه اللين والنعومة والاتكاء الذي يتضمن الراحة والظلال ~~المنافية للحر # ثم ذكر سبحانه لون ملابس ( الابرار ) وإنها ثياب سندس خضر واستبرق ~~وحليتهم وأنها أساور من فضة فهذه زينة ظواهرهم ثم ذكر زينه بواطنهم وهو ~~الشراب الطهور وهو بمعنى التطهير # فإن قيل فلم اقتصر من آنيتهم وحليتهم على الفضة دون الذهب ومعلوم ان ~~الجنان جنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنتيهما ~~وحليتهما وما فيهما # قيل سياق هذه الآيات إنما هو في وصف الأبرار ونعيمهم مفصلا دون تفصيل ~~جزاء المقربين فإنه سبحانه إنما أشار اليه أشارة تنبه على ما سكت عنه وهو ~~أن شراب الأبرار يمزج من شرابهم # فالسورة مسوقة بصفة الأبرار وجزائهم على التفصيل وذلك والله أعلم لأنهم ~~أعم من المقربين وأكثر منهم ولهذا يخبر سبحانه عنهم بأنهم ثلة من الأولين ~~وثلة من الآخرين وعن المقربين السابقين بأنهم ثلة من الأولين وقليل من ~~الآخرين # وأيضا فإن في ذكر جزاء الأبرار تنبيها على أن جزاء المقربين ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر # وأيضا فإنه سبحانه ذك أهل الكفر وأهل الشكر وأهل الشكر نوعان أبرار أهل ~~يمين ومقربون سابقون وكل مقرب سابق فهو من الابرار ولا ينعكس فاسم الابرار ~~والمقربين كاسم الاسلام والايمان أحدهما أعم من الآخر # وأيضا فأنه سبحانه أخبر أن هذا جزاء سعيهم المشكور وكل من الابرار ~~والمقربين سعيهم مشكور فذكر سبحانه السعي المشكور والسعي المسخوط ~~PageV03P024 # ثم ذكر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما أنعم عليه من تنزيل القرآن ~~عليه وأمره بأن يصبر لحكمه وهو يعم الحكم الديني ms273 الذي أمره به في نفسه ~~وأمره بتبليغه والحكم الكوني الذي يجري عليه من ربه فإنه سبحانه امتحن ~~عباده وابتلاهم بأمره ونهيه وهو حكمه الديني وابتلاهم بقضائه وقدره وهو ~~حكمه الكوني وفرض عليهم الصبر على كل واحد من الحكمين وإن كان الحكم الديني ~~في هذه الآية أظهر ارادة وأنه أمر بالصبر على تبليغه والقيام بحقوقه # ولما كان صبره عليه لا يتم بمخالفته لمن دعاه إلى خلافه من كل آثم أو ~~كفور نهاه عن طاعة هذا وهذا وأتى بحرف أو دون الواو ليدل على أنه منهى عن ~~طاعة أيهما كان أما هذا وأما هذا فكأنه قيل له لا تطع أحدهما وهو أعم في ~~النهي من كونه منهيا عن طاعتهما فإنه لو قيل له لا تطعهما أو لا تطع آثما ~~وكفورا لم يكن صريحا في النهي عن طاعة كل منهما بمفرده # ولما كان لا سبيل إلى الصبر إلا بتعويض القلب بشيء هو أحب إليه من فوات ~~ما يصبر عليه فوته أمره بأن يذكر ربه سبحانه بكرة وأصيلا فإن ذكره أعظم ~~العون على تحمل مشاق الصبر وأن يصبر لربه بالليل فيكون قيامه بالليل عونا ~~على ما هو بصدده بالنهار ومادة لقوته ظاهرا وباطنا ولنعيمه عاجلا وآجلا # ثم أخبر سبحانه عما يمنع العبد من إيثار ما فيه سعادته في الدنيا والآخرة ~~وهو حب العاجلة وإيثارها على الآخرة تقديما لداعي الحس على داعي العقل # ثم ذكر سبحانه خلقهم واحكامه واتقانه بما شد من أسرهم وهو ائتلاف الاعضاء ~~والمفاصل والأوصال وما بينها من الرباطات وشد بعضها ببعض وحقيقته القوة ~~ومنه قول الشاعر PageV03P025 % من كل مجتنب شديد أسره % سلس القياد تخاله ~~مختالا % $ # ولا يكون ذلك إلا فيما له شد ورباط ومنه الاسار وهو الحبل الذي يشد به ~~الأسير # ثم أخبر سبحانه أنه قادر على أن يبدل امثالهم بعد موتهم وأنه شاء ذلك ~~فعله واذا للمحقق فهذا التبديل واقع لا محالة فهو الاعادة التي هي مثل ~~البداءة # هذا هو معنى الآية ومن قال غير ذلك لم يصب معناها ولا ms274 توحشك لفظة المثل ~~فإن المعاد مثل للمبدوء وإن كان هو بعينه فهو معاد أو هو مثله من جهة ~~المغايرة بين كونه مبدءا ومعادا وهذا كالدار إذا تهدمت وأعيدت بعينها فهي ~~الأولى وكذلك الصلاة المعادة هي الأولى وهي مثلها # وقد نطق القرآن بأنه سبحانه يعيدهم ويعيد امثالهم إذا شاء وكلاهما واحد ~~فقال @QB@ كما بدأكم تعودون @QE@ سورة الأعراف 29 وقال تعالى @QB@ وإلينا ~~ترجعون @QE@ سورة الانبياء 35 وقال @QB@ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده @QE@ ~~سورة الروم 27 وقال @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم @QE@ سورة يس 81 وقال @QB@ إنا لقادرون ~~@QE@ @QB@ على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة ~~الأولى فلولا تذكرون @QE@ سورة الواقعة 61 63 # فهذا كله معاد الأبدان وقد صرح سبحانه بأنه خلق جديد في موضعين من كتابه ~~وهذا الخلق الجديد هو المثل # ثم ختم سبحانه السورة بالشرع والقدر كما افتتحها بالخلق والهداية فقال ~~@QB@ فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا @QE@ الآية 29 فهذا شرعه ومحل أمره ونهيه ~~ثم قال @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ الآية 30 فهذا قضاؤه وقدره ~~ثم ذكر الاسمين الموجبين PageV03P026 للتخصيص وهما اسم العليم الحكيم # وقوله @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ فأخبر أن مشيئتهم موقوفة ~~على مشيته ومع هذا فلا يوجب ذلك حصول الفعل منهم إذ أكثر ما فيه أنه جعلهم ~~شائين ولا يقع الفعل إلا حين يشاؤه منهم كما قال تعالى @QB@ فمن شاء ذكره ~~وما يذكرون إلا أن يشاء الله @QE@ سورة المدثر 55 56 وقال @QB@ لمن شاء ~~منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ سورة التكوير 28 29 ومع ~~هذا فلا يقع الفعل منهم حتى يريد من نفسه اعانتهم وتوفيقهم # فهنا أربع ارادات ارادة البيان وارادة المشيئة وارادة الفعل وارادة ~~الاعانة والله أعلم # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم ~~تسليما $ فصل ( * ) # وقوله تعالى @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ لا يدل على أن العبد ms275 ~~ليس بفاعل لفعله الاختياري ولا أنه ليس بقادر عليه ولا أنه ليس بمريد بل ~~يدل على أنه لا يشاؤه الا من يشاء الله وهذه الآية رد على الطائفتين ~~المجبرة والجهمية والمعتزلة القدرية فإنه تعالى قال @QB@ لمن شاء منكم أن ~~يستقيم @QE@ فاثبت للعبد مشيئة وفعلا ثم قال @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء ~~الله رب العالمين @QE@ فبين ان مشيئة معلقه بمشيئة الله و الأولى رد على ~~الجبرية وهذه رد على القدرية الذين يقولون قد يشاء العبد ما لا يشاؤه الله ~~كما يقولون ان الله يشاء ما لا يشاؤون # وإذا قالوا المراد بالمشيئة هنا الأمر على أصلهم والمعنى وما يشاؤون فعل ~~ما أمر الله به ان لم يأمر الله به قيل سياق الآية يبين انه ليس المراد هذا ~~بل المراد وما تشاؤون بعد ان امرتم بالفعل ان تفعلوه الا أن يشاء الله فإنه ~~تعالى ذكر الأمر والنهي والوعد والوعيد ثم قال بعد ذلك @QB@ إن هذه تذكرة ~~فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ وقوله @QB@ ~~وما تشاؤون @QE@ نفي لمشيئتهم في المستقبل وكذلك قوله الا ان يشاء الله ~~تعليق لها بمشيئة الرب في المستقبل فإن حرف ( أن ) تخلص الفعل المضارع ~~للاستقبال فالمعنى الا أن يشاء بعد ذلك والامر متقدم على ذلك وهذا كقول ~~الانسان لا افعل هذا الا ان يشاء الله PageV03P027 # وقد اتفق السلف والفقهاء على أن من حلف فقال لأصلين غدا ان شاء الله أو ~~لأقضين ديني غدا إن شاء الله ومضى الغد ولم يقضه أنه لا يحنث ولو كانت ~~المشيئة هي الأمر لحنث لأن الله أمره بذلك وهذا مما احتج به على القدرية ~~وليس لهم عنه جواب ولهذا خرق بعضهم الاجماع القديم وقال انه يحنث # و ( ايضا ) فقوله @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ سيق لبيان مدح ~~الرب والثناء عليه ببيان قدرته وبيان حاجة العباد إليه ولو كان المراد لا ~~يفعلون الا أن يأمركم لكان كل امر بهذه المثابة فلم يكن ذلك من خصائص الرب ~~التي يمدح بها ms276 وان اريد انهم لا يفعلون الا بأمره كان هذا مدحا لهم لا له ~~PageV03P028 $ ( 22 ) فصل في قوله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء # لا يقتضي هذا أنه إذا صار غريبا يجوز تركه والعياذ بالله بل الأمر كما ~~قال تعالى @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين @QE@ آل عمران 3 85 وقال تعالى @QB@ إن الدين عند الله الإسلام ~~@QE@ آل عمران 3 19 وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ~~تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ آل عمران 3 102 وقال تعالى @QB@ ومن ~~يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها ~~إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون @QE@ البقرة 2 130 132 # وقد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر وبينا أن الانبياء كلهم كان دينهم ~~الاسلام الصحيح حديث عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ان ~~الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الكتاب ~~الحديث # ولا يقتضي هذا أنه أذا صار غريبا أن المتمسك به يكون في شر بل هو أسعد ~~الناس كما قال في تمام الحديث فطوبى للغرباء وطوبى من الطيب قال تعالى @QB@ ~~طوبى لهم وحسن مآب @QE@ PageV03P114 الرعد 13 29 فإنه يكون من جنفى ~~السابقين الأولين الذين اتبعوه لما كان غريبا وهم أسعد الناس أما في الآخرة ~~فهم أعلى الناس درجة بعد الانبياء عليهم السلام # وأما في الدنيا فقد قال تعالى @QB@ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين @QE@ الانفال 8 64 أي ان الله حسبك وحسب متبعك وقال تعالى @QB@ إن ~~وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين @QE@ الأعراف 7 196 وقال ~~تعالى @QB@ أليس الله بكاف عبده @QE@ الزمر 39 36 وقال @QB@ ومن ms277 يتق الله ~~يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ ~~الطلاق 65 2 3 فالمسلم المتبع للرسول الله تعالى حسبه وكافيه وهو وليه حيث ~~كان ومتى كان # ولهذا يوجد المسلمون المتمسكون بالاسلام في بلاد الكفر لهم السعادة كلما ~~كانوا أتم تمسكا بالاسلام فإن دخل عليهم شر كان بذنوبهم حتى ان المشركين ~~وأهل الكتاب إذا رأوا المسلم القائم بالاسلام عظموه وأكرموه وأعفوه من ~~الأعمال التي يستعملون بها المنتسبين إلى ظاهر الاسلام من غير عمل بحقيقته ~~لم يكرم # وكذلك كان المسلمون في أول الاسلام وفي كل وقت # فإنه لا بد أن يحصل للناس في الدنيا شر ولله على عباده نعم لكن الشر الذي ~~يصيب المسلم أقل والنعم التي تصل إليه أكثر فكان المسلمون في أول الاسلام ~~وان ابتلوا بأذى الكفار والخروج من الديار فالذي حصل للكفار الهلاك كان ~~أعظم بكثير والذي كان يحصل للكفار من عز أو مال كان يحصل للمسلمين أكثر منه ~~حتى من الاجانب # فرسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما كان المشركون يسعون في أذاه بكل طرق ~~كان الله يدفع عنه ويعزه ويمنعه وينصره من حيث كان أعز قريش ما منهم الا من ~~كان يحصل له من يؤذيه ويهينه من لا يمكنه دفعه إذ لكل كبير كبير يناظره ~~ويناويه ويعاديه وهذه حال من PageV03P115 $ فصل سورة الليل ( * ) ( معنى ~~آية @QB@ إن علينا للهدى @QE@ ونظيريها من سورتي الحجر والنحل وبيان اغلاط ~~المفسرين فيها ) # قال شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبد السلام بن تيمية ~~الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه ورحمه $ فصل في آيات ثلاث متناسبة ~~متشابهة اللفظ والمعنى يخفى معناها على أكثر الناس # قوله تعالى @QB@ قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ الحجر 15 41 42 # وقوله تعالى @QB@ وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر @QE@ النحل 16 6 وقوله ~~تعالى @QB@ إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى @QE@ الليل 92 12 13 ~~فلفظ هذه الآيات ms278 فيه أن السبيل الهادي هو على الله # وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي في الآية الأولى ثلاثة أقوال بخلاف الآيتين ~~الآخريين فإنه لم يذكر فيهما إلا قوله واحدا فقال في تلك الآية اختلفوا في ~~معنى هذا الكلام على ثلاثة أقوال PageV03P142 أحدها انه يعني بقوله هذا ~~الاخلاص فالمعنى أن الاخلاص طريق إلي مستقيم وعلى بمعنى إلى # والثاني هذا طريق علي جوازه لأني بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم وهو خارج ~~مخرج الوعيد كما تقول للرجل تخاصمه طريقك علي فهو كقوله @QB@ إن ربك ~~لبالمرصاد @QE@ الفجر 89 14 # والثالث هذا صراط على استقامته أي أنا ضامن لاستقامته بالبيان والبرهان ~~قال وقرأ قتادة ويعقوب ( هذا صراط علي ) أي رفيع # ( قلت ) هذه الأقوال الثلاثة قد ذكرها من قبله كالثعلبي والواحدي والبغوي ~~وذكروا قولا رابعا فقالوا واللفظ للبغوي وهو مختصر الثعلبي # قال الحسن معناه صراط إلى مستقيم وقال مجاهد الحق يرجع إلي وعليه طريقه ~~لا يعرج على شيء # وقال الاخفش يعني على الدلالة على الصراط المستقيم # وقال الكسائي هذا على التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه طريقك ~~علي أي لا تفلت مني كما قال تعالى @QB@ إن ربك لبالمرصاد @QE@ # وقيل معناه على استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية # فذكروا الأقوال الثلاثة وذكروا قول الاخفش على الدلالة على الصراط ~~المستقيم وهو يشبه القول الأخير لكن بينهما فرق فإن ذاك يقول على استقامته ~~بإقامة الأدلة فمن سلكه كان على صراط مستقيم والآخر يقول أن أدل الخلق عليه ~~بإقامة الحجج ففي كلا القولين أنه بين الصراط المستقيم بنصف الأدلة لكن هذا ~~جعل عليه الدلالة عليه وهذا جعل عليه استقامته أي بيان استقامته وهما ~~متلازمان ولهذا والله أعلم لم يجعله أبو الفرج قولا رابعا # وذكروا القراءة الأخرى عن يعقوب وغيره أي رفيع قال البغوي وعبر بعضهم عنه ~~رفيع أن ينال مستقيم أن يمال PageV03P143 # ( قلت ) القول الصواب هو قول أئمة السلف قول مجاهد ونحوه فإنهم أعلم ~~بمعاني القرآن لا سيما مجاهد فإنه قال عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته ~~إلى خاتمته أقفه عند كل ms279 آية وأسأله عنها وقال الثوري إذا جاءك التفسير عن ~~مجاهد فحسبك به والأئمة كالشافعي وأحمد والبخاري ونحوهم يعتمدون على تفسيره ~~والبخاري في صحيحة أكثر ما ينقله من التفسير ينقله عنه # والحسن البصري أعلى التابعين بالبصرة # وما ذكروه عن مجاهد ثابت عنه رواه الناس كابن أبي حاتم وغيره من تفسير ~~ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ( هذا صراط علي مستقيم ) الحق يرجع ~~إلى الله وعليه طريقة لا يعرج على شيء # وذكر عن قتادة أنه فسرها على قراءته وهو يقرأ علي فقال أي رفيع مستقيم # وكذلك ذكر ابن أبي حاتم عن السلف أنهم فسروا آية النحل فروى من طريق ~~ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله @QB@ قصد السبيل @QE@ قال طريق الحق ~~على الله قال وروى السدي أنه قال الاسلام وعطاء قال هي طريق الجنة # فهذه الأقوال قول مجاهد والسدي وعطاء في هذه الآية هي مثل قول مجاهد ~~والحسن في تلك الآية # وذكر ابن أبي الحاتم من تفسير العوفي عن ابن عباس في قوله @QB@ وعلى الله ~~قصد السبيل @QE@ يقول على الله البيان أن يبين الهدى والضلالة # وذكر ابن أبي حاتم في هذه الآية قولين ولم يذكر في آية الحجر إلا قول ~~مجاهد فقط # وابن الجوزي لم يذكر في آية النحل إلا هذا القول الثاني وذكره عن الزجاح ~~فقال PageV03P144 @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ القصد استقامة الطريق ~~يقال طريق قصد وقاصد إذا قصد بك إلى ما تريد قال الزجاج المعنى وعلى الله ~~تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين # وكذلك الثعلبي والبغوي ونحوهما لم يذكروا إلا هذا القول لكن ذكروه ~~باللفظين # قال البغوي يعني بيان طريق الهدى من الضلالة وقيل بيان الحق بالآيات ~~والبراهين # قال والقصد الصراط المستقيم و @QB@ ومنها جائر @QE@ يعني ومن السبيل ما ~~هو جائر عن الاستقامة معوج فالقصد من السبيل دين الاسلام والجائر منها ~~اليهودية والنصرانية وسائر ملل الكفر قال جابر بن عبدالله قصد السبيل بيان ~~الشرائع والفرائض وقال عبد الله بن المبارك وسهل بن عبد الله قصد ms280 السبيل ~~السنة ( ومنها جائر ) الأهواء والبدع ودليله قوله تعالى @QB@ وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ الأنعام 6 153 # ولكن البغوي ذكر فيها القول الآخر ذكره في تفسير قوله تعالى @QB@ إن ~~علينا للهدى @QE@ الليل عن القراء كما سيأتي فقد ذكر القولين في الآيات ~~الثلاث تبعا لمن قبله كالثعلبي وغيره # والمهدوي ذكر في الآية الأولى قولين من الثلاثة وذكر في الثانية ما رواه ~~العوفي وقولا آخر فقال # قوله @QB@ هذا صراط علي مستقيم @QE@ أي على أمري وارادتي وقيل هو على ~~التهديد كما يقال على طريقك وإلى مصيرك # وقال في قوله @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ قال ابن عباس أي بيان الهدى ~~من الضلال وقيل السبيل الاسلام ومنها جائر أي ومن السبل جائر أي عادل عن ~~الحق وقيل المعنى وعنها جائر أي عن السبيل ف من بمعنى عن # وقيل معنى قصد السبيل سيركم ووجوعكم والسبيل واحدة بمعنى الجمع ~~PageV03P145 ( قلت ) هذا قول بعض المتأخرين جعل القصد بمعنى الارادة أي ~~عليه قصدكم للسبيل في ذهابكم ورجوعكم وهو كلام من لم يفهم الآية فإن السبيل ~~القصد هي السبيل العادلة أي عليه السبيل القصد والسبيل اسم جنس ولهذا قال ~~ومنها جائر أي عليه القصد من السبيل ومن السبيل جائر فاضافة إلى اسم الجنس ~~إضافة النوع إلى الجنس أي القصد من السبيل كما تقول ثوب خز ولهذا قال ومنها ~~جائر # وأما من ظن أن التقدير قصدكم السبيل فهذا لا يطابق لفظ الآية ونظمها من ~~وجود متعددة # وابن عطية لم يذكر في آية الحجر إلا قول الكسائي وهو أضعف الأقوال وذكر ~~المعنى الصحيح تفسير للقراءة الأخرى فذكر أن جماعة من السلف قرأوا على ~~مستقيم من العلو والرفعة قال والاشارة بهذا على هذه القراءة إلى الاخلاص ~~لما استثنى ابليس من أخلص قال الله له هذا الاخلاص طريق رفيع مستقيم لا ~~تنال أنت باغوائك أهله # قال وقرأ جمهور الناس على مستقيم والاشارة بهذا على هذه القراءة إلى ~~انقسام الناس إلى غاو ومخلص لما قسم ابليس هذين القسمين ms281 قال الله هذا طريق ~~علي أي هذا أمر إلى مصيره والعرب تقول طريقك في هذا الأمر على فلان أي اليه ~~يصير النظر في أمرك وهذا نحو قوله @QB@ إن ربك لبالمرصاد @QE@ قال والآية ~~على هذه القراءة خبر يتضمن وعيدا # ( قلت ) هذا قول لم ينقل عن أحد من علماء التفسير لا في هذه الآية ولا في ~~نظيرها وإنما قاله الكسائي لما أشكل عليه معنى الآية الذي فهمه السلف ودل ~~عليه السياق والنظائر # وكلام العرب لا يدل على هذا القول فإن الرجل وإن كان يقول لمن يتهدده ~~ويتوعده على طريقك فإنه لا يقول إن طريقك مستقيم # وأيضا فالوعيد إنم يكون للمسيء لا يكون للمخلصين فكيف يكون قوله هذا ~~إشارة إلى انقسام الناس إلى غاو ومخلص وطريق هؤلاء غير طريق هؤلاء هؤلاء ~~سلكوا الطريق المستقيم التي تدل على الله وهؤلاء سلكوا السبيل الجائرة # وأيضا فإنما يقول لغيره في التهديد طريقك علي من لا يقدر عليه في الحال ~~لكن ذاك يمر PageV03P146 بنفسه عليه وهو متمكن منه كما كان أهل المدينة ~~يتوعدون أهل مكة بأن طريقكم علينا لما تهددوهم بأنكم آويتم محمدا وأصحابه ~~كما قال أبو جهل لسعد بن معاذ لما ذهب سعد إلى مكة إلا أراك تطوف بالبيت ~~أمنا وقد آويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم فقال لئن منعتني هذا لأمنعنك ~~ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة أو نحو هذا # فذكر أن طريقهم في متجرهم إلى الشام عليهم فيتمكنون حينئذ من جزائهم # ومثل هذا المعنى لا يقال في حق الله تعالى فإن الله قادر على العباد حيث ~~كانوا كما قالت الجن @QB@ وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه ~~هربا @QE@ الجن 72 13 وقال @QB@ وما أنتم بمعجزين في الأرض @QE@ العنكبوت ~~29 22 # فلان أي إليه يصير أمرك فهذا يطابق تفسير مجاهد وغيره من السلف كما قال ~~مجاهد الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على شيء فطريق الحق على الله ~~وهو الصراط المستقيم الذي قال الله فيه @QB@ هذا صراط علي مستقيم ms282 @QE@ كما ~~فسرت به القراءة الأخرى # فالصراط في القرائتين هذا الصراط المستقيم الذي أمر الله المؤمنين أن ~~يسألوه اياه في صلاتهم فيقولوا @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ وهو الذي وصى به في قوله ~~@QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون @QE@ الأنعام # وقوله هذا إشارة إلى ما تقدم ذكره وهو قوله @QB@ إلا عبادك منهم المخلصين ~~@QE@ الحجر 15 40 فتعبد العباد له باخلاص الدين له طريق يدل عليه وهو طريق ~~مستقيم ولهذا قال بعده @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان @QE@ الحجر 15 42 ~~PageV03P147 # وابن عطية ذكر أن هذا معنى الآية في تفسير الآية الأخرى مستشهدا به مع ~~أنه لم يذكره في تفسيرها فهو بفطرته عرف أن هذا معنى الآية ولكنه لما فسرها ~~ذكر ذلك القول كأنه هو الذي اتفق أن رأى غيره قد قاله هناك فقال رحمه الله ~~$ فصل ( في معنى السبيل ) # وقوله @QB@ وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر @QE@ وهذه أيضا من أجل نعم ~~الله تعالى أي على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه وذلك نصب الأدلة وبعث ~~الرسل وإلى هذا ذهب المتأولون # قال ويحتمل أن يكون المعنى أن من سلك السبيل القاصد فعلى الله طريقه وإلى ~~ذلك مصيره فيكون هذا مثل قوله @QB@ هذا صراط علي مستقيم @QE@ وضد قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك أي لا يفضي إلى رحمتك وطريق قاصد معناه ~~بين مستقيم قريب ومنه قول الراجز # قصد عن نهج الطريق القاصد # قال والألف واللام في السبيل للعهد وهي سبيل الشرع وليست للجنس ولو كانت ~~للجنس لم يكن منها جائر وقوله @QB@ ومنها جائر @QE@ يريد طريق اليهود ~~والنصارى وغيرهم كعباد الاصنام والضمير في منها يعود على السبيل التي ~~يتضمنها معنى الآية كأنه قال ومن السبيل جائر فأعاد عليها وان كان لم يجر ~~لها ذكر لتضمن لفظة السبيل بالمعنى لها # قال ويحتمل أن يكون الضمير في منها على سبيل الشرع المذكورة ويكون من ~~للتبعيض ويكون ms283 المراد فرق الضلالة من أمة محمد كأنه قال ومن بينات الطرق من ~~هذه السبيل ومن شعبها جائر # ( قلت ) سبيل أهل البدع جائرة خارجة عن الصراط المستقيم فيما ابتدعوا فيه ~~ولا يقال ان ذلك من السبيل المشروعة # وأما قوله إن قوله @QB@ قصد السبيل @QE@ هي سبيل الشرع وهي سبيل الهدى ~~والصراط المستقيم وأنها لو كانت للجنس لم يكن منها جائر فهذا أحد الوجهين ~~في دلالة الآية وهو مرجوح والصحيح الوجه الآخر أن السبيل اسم جنس ولكن الذي ~~على PageV03P148 الله هو القصد منها وهي سبيل واحد ولماكان جنسا قال @QB@ ~~ومنها جائر @QE@ والضمير يعود على ما ذكر بلا تكلف # وقوله لو كان للجنس لم يكن منها جائر ليس كذلك فإنها ليست كلها عليه بل ~~إنما عليه القصد منها وهي سبيل الهدى والجائر ليس من القصد وكأنه ظن أنه ~~إذا كانت للجنس يكون عليه قصد كل سبيل وليس كذلك بل إنما عليه سبيل واحدة ~~وهي الصراط المستقيم وهي التي تدل عليه وسائرها سبيل الشيطان كما قال @QB@ ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ # وقد أحسن رحمه الله في هذا الاحتمال وفي تمثيله ذلك بقوله @QB@ هذا صراط ~~علي مستقيم @QE@ # وأما آية الليل قوله @QB@ إن علينا للهدى @QE@ فابن عطية مثلها بهذه ~~الآية لكنه فسرها بالوجه الأول فقال # ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعا أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم ~~الإدراك كما قال @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ ثم كل أحد يتكسب ما قدر له ~~وليست هذه الهداية بالارشاد إلى الإيمان ولو كان كذلك لم يوجد كافر # ( قلت ) وهذا هو الذي ذكره ابن الجوزي وذكره عن الزجاج قال الزجاج ان ~~علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال # وهذا التفسير ثابت عن قتادة رواه عبد بن حميد قال حدثنا يونس عن شيبان عن ~~قتادة @QB@ إن علينا للهدى @QE@ علينا بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ~~وكذلك رواه ابن أبي حاتم في تفسير سعيد عن قتادة في قوله @QB@ إن علينا ~~للهدى @QE@ يقول على الله البيان بيان ms284 حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته # لكن قتادة ذكر أنه البيان الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه فتبين به ~~حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته # وأما الثعلبي والواحدي والبغوي وغيرهم فذكروا القولين وزادوا أقوالا آخر ~~فقالوا واللفظ للبغوي PageV03P149 # @QB@ إن علينا للهدى @QE@ يعني البيان قال الزجاج علينا أن نبين طريق ~~الهدى من طريق الضلالة وهو قول قتادة قال على الله بيان حلاله وحرامه # وقال القراء يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله تعالى @QB@ وعلى ~~الله قصد السبيل @QE@ يقول من أراد الله فهو على السبيل القاصد # قال وقيل معناه إن علينا للهدى والاضلال كقوله بيدك الخير # ( قلت ) هذا القول هو من الأقوال المحدثة التي لم تعرف عن السلف وكذلك ما ~~اشبهه فإنهم قالوا معناه بيدك الخير والشر والنبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح يقول والخير بيديك والشر ليس اليك # والله تعالى خالق كل شيء لا يكون في ملكه إلا ما يشاء والقدر حق لكن فهم ~~القرآن ووضع كل شيء موضعه وبيان حكمة الرب وعدله مع الايمان بالقدر هو طريق ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان # ( ذكر المهدوي ثلاثة أقوال ) PageV03P150 # وقد ذكر المهدوي الأقوال الثلاثة فقال إن علينا للهدى والضلال فحذف قتادة ~~المعنى إن علينا بيان الحلال والحرام # وقيل المعنى إن علينا أن نهدي من سلك سبيل الهدى # ( قلت ) هذا هو قول القراء لكن عبارة القراء أبين في معرفة هذا القول # فقد تبين أن جمهور المتقدمين فسروا الآيات الثلاث بأن الطريق المستقيم لا ~~يدل إلا على الله ومنهم من فسرها بأن عليه بيان الطريق المستقيم والمعنى ~~الأول متفق عليه بين المسلمين # وأما الثاني فقد يقول طائفة ليس على الله شيء لا بيان هذا ولا هذا فإنهم ~~متنازعون هل أوجب على نفسه كما قال @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ ~~الأنعام 6 54 وقوله @QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ الروم 20 47 ~~وقوله @QB@ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها @QE@ هود 11 6 # وإذا كان عليه بيان الهدى من الضلال وبيان حلاله وحرامه وطاعته ms285 ومعصيته ~~فهذا يوافق قول من يقول إن عليه ارسال الرسل وإن ذلك واجب عليه فإن البيان ~~لا يحصل إلا بهذا # وهذا يتعلق بأصل آخر وهو أن كل ما فعله فهو واجب منه أوجبته مشيئته ~~وحكمته وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فما شاءه رجب وجوده وما لم يشأه ~~امتنع وجوده وبسط هذا له موضع آخر # ودلالة الآيات على هذا فيها نظر # وأما المعنى المتفق عليه فهو مراد من الآيات الثلاث قطعا وأنه أرشد بها ~~إلى الطريق المستقيم وهي الطريق القصد وهي الهدى إنما تدل عليه وهو الحق ~~طريقه على الله لا يعرج عنه # لكن نشأت الشبهة من كونه قال علينا بحرف الاستعلاء ولم يقل الينا ~~والمعروف أن يقال لمن يشار إليه أن يقال هذه الطريق إلى فلان وطن يمر به ~~ويجتاز عليه أن يقول طريقنا على فلان PageV03P151 # وذكر هذا المعنى بحرف الاستعلاء وهو من محاسن القرآن الذي لا تنقضي ~~عجائبه ولا يشبع منه العلماء # فإن الخلق كلهم مصيرهم ومرجعهم إلى الله على أي طريق سلكوا كما قال تعالى ~~@QB@ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه @QE@ الانشقاق 84 6 ~~وقال @QB@ وإلى الله المصير @QE@ آل عمران 3 28 النور 24 42 فاطر 35 18 ~~@QB@ إن إلينا إيابهم @QE@ الغاشية 88 25 أي الينا مرجعهم وقال @QB@ وهو ~~الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ~~ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ويرسل ~~عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى ~~الله مولاهم الحق @QE@ الانعام 6 60 62 وقال @QB@ أم لم ينبأ بما في صحف ~~موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى @QE@ النجم ~~53 36 42 وقال @QB@ وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم ~~الله شهيد على ما يفعلون ms286 @QE@ يونس 10 46 فأي سبيل سلكها العبد فالى الله ~~مرجعه ومنتهاه لا بد له من لقاء الله @QB@ ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى @QE@ النجم 53 31 # وتلك الآيات قصد بها أن سبيل الحق والهدى وهو الصراط المستقيم هو الذي ~~يسعد أصحابه وينالون به ولاية الله ورحمته وكرامته فيكون الله وليهم دون ~~الشيطان وهذه سبيل من عبدالله وحده وأطاع رسله فلهذا قال @QB@ إن علينا ~~للهدى @QE@ @QB@ وعلى الله قصد السبيل @QE@ @QB@ قال هذا صراط علي مستقيم ~~@QE@ فالهدى وقصد السبيل والصراط المستقيم إنما يدل على عبادته وطاعته يدل ~~على معصيته وطاعة الشيطان # فالكلام تضمن معنى الدلالة إذ ليس المراد ذكر الجزاء في الآخرة فإن ~~الجزاء يعم الخلق كلهم بل المقصود بيان ما أمر الله به من عبادته وطاعته ~~وطاعة رسله ما الذي يدل على ذلك فكأنه قيل الصراط المستقيم يدل على الله ~~على عبادته وطاعته # وذلك يبين أن من لغة العرب أنهم يقولون هذه الطريق على فلان إذا كانت تدل ~~PageV03P152 عليه وكان هو الغاية المقصودة بها وهذا غير كونها عليه بمعنى ~~أن صاحبها يمر عليه وقد قيل % هن المنايا أي واد سلكته % عليها طريقي أو ~~على طريقها % # وهو كما قال الفراء من سلك الهدى فعلى الله سبيله # فالمقصود بالسبيل هو الذي يدل ويوقع عليه كما يقال ان سلكت هذه السبيل ~~وقعت على المقصود ونحو ذلك وكما يقال على الخبير سقطت فإن الغاية المطلوبه ~~إذا كانت عظيمة فالسالك يقع عليها ويرمي نفسه عليها # وأيضا فسالك طريق الله متوكل عليه فلا بد له من عبادته ومن التوكل عليه # فإذا قيل عليه الطريق المستقيم تضمن أن سالكه عليه يتوكل وعليه تدله ~~الطريق وعلى عبادته وطاعته يقع ويسقط لا يعدل عن ذلك إلى نحو ذلك من ~~المعاني التي يدل عليها حرف الاستعلاء دون حرف الغاية # وهو سبحانه قد أخبر أنه على صراط مستقيم فعليه الصراط المستقيم وهو على ~~صراط مستقيم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا والله أعلم آخر ~~كلام شيخ الاسلام ابن تيمية ms287 ( فيما يتعلق بهذه السورة ) PageV03P153 # | سورة التين ( * ) # فصل ( قوله في أسفل سافلين ) # وفي قوله @QB@ أسفل سافلين @QE@ قولان قيل الهرم وقيل العذاب بعد الموت ~~وهذا هو الذي دلت عليه الآية قطعا فإنه جعله في أسفل سافلين إلا المؤمنين ~~والناس نوعان فالكافر بعد الموت يعذب في أسفل سافلين والمؤمن في عليين # وأما القول الأول ففيه نظر فإنه ليس كل من سوى المؤمنين يهرم فيرد إلى ~~أسفل سافلين بل كثير من الكفار يموتون قبل الهرم وكثير من المؤمنين يهرم ~~وإن كان حال المؤمن في الهرم أحسن حالا من الكافر فكذلك في الشباب حال ~~المؤمن أحسن من حال الكافر فجعل الرد إلى أسفل سافلين في آخر العمر وتخصيصه ~~بالكفار ضعيف # ولهذا قال بعضهم إن الاستثناء منقطع على هذا القول وهو أيضا ضعيف فإن ~~المنقطع لا يكون في الموجب ولو جاز هذا لجاز لكل أحد أن يدعى في أي استثناء ~~شاء أنه منقطع وأيضا فالمنقطع لا يكون الثاني منه بعض الأول والمؤمنون بعض ~~نوع الانسان # وقد فسر ذلك بعضهم على القول الأول بأن المؤمن يكتب له ما كان يعمله إذا ~~عجز قال إبراهيم النخعي إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب الله ~~له ما كان يعمل وهو قوله @QB@ فلهم أجر غير ممنون @QE@ وقال ابن قتيبة ~~المعنى الا الذين PageV03P154 آمنوا في وقت القوة والقدرة فإنهم في حال ~~الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن الطاعات فإن الله يعلم لو لم يسلبهم القوة ~~لم ينقطعوا عن أفعال الخير فهو يجري لهم أجر ذلك # فيقال وهذا أيضا ثابت في حال الشباب إذا عجز الشاب لمرض أو سفر كما في ~~الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مرض العبد أو ~~سافر كتب الله له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم # وفسره بعضهم بما روي عن ابن عباس أنه قال من قرأ القرآن فإنه لا يرد إلى ~~ارذل العمر فيقال هذا مخصوص بقارىء القرآن والآية استثنت الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء قرأوا ms288 القرآن أو لم يقرأوه وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ~~طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها ~~طيب ولا ريح لها # وأيضا فيقال هرم الحيوان ليس مخصوصا بالانسان بل غيره من الحيوان إذا كبر ~~هرم # وأيضا فالشيخ وان ضعف بدنه فعقله أقوى من عقل الشاب ولو قدر أنه ينقص بعض ~~قواه فليس هذا ردا إلى أسفل سافلين فإنه سبحانه إنما يصف الهرم بالضعف ~~كقوله @QB@ ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة @QE@ الروم 30 54 وقوله @QB@ ومن ~~نعمره ننكسه في الخلق @QE@ يس 36 68 فهو يعيده إلى حال الضعف ومعلوم أن ~~الطفل ليس هو في أسفل سافلين فالشيخ كذلك أولى # وإنما في أسفل سافلين من يكون في سجين لا في عليين كما قال تعالى @QB@ إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار @QE@ النساء 4 145 # ومما يبين ذلك قوله @QB@ فما يكذبك بعد بالدين @QE@ التين 95 7 فإنه ~~يقتضي ارتباط هذا بما قبله لذكره بحرف الفاء ولو كان المذكور إنما هو رده ~~إلى الهرم دون ما بعد PageV03P155 الموت لم يكن هناك تعرض الدين والجزاء ~~بخلاف ما إذا كان المذكور أنه بعد الموت يرد إلى أسفل سافلين غير المؤمن ~~المصلح فإن هذا يتضمن الخبر بأن الله يدين العباد بعد الموت فيكرم المؤمنين ~~ويهيمن الكافرين # وأيضا فإنه سبحانه أقسم على ذلك بأقسام عظيمة بالتين والزيتون وطور سنين ~~وهذا البلد الأمين وهي المواضع التي جاء منها محمد والمسيح وموسى وأرسل ~~الله بها هؤلاء الرسل مبشرين ومنذرين # وهذا الاقسام لا يكون على مجرد الهرم الذي يعرفه كل واحد بل على الأمور ~~الغائبة التي تؤكد بالأقسام فان اقسام الله وهو على أنباء الغيب # وفي نفس المقسم به وهو ارسال هؤلاء الرسل تحقيق للمقسم عليه وهو الثواب ~~والعقاب بعد الموت لأن الرسل أخبروا ب # وهو يتضمن أيضا الجزاء في الدنيا كاهلاك من أهلكهم من الكفار فانه ردهم ~~إلى أسفل سافلين بهلاكهم في ms289 الدنيا وهو تنبيه على زوال النعم إذا حصلت ~~المعاصي كمن رد في الدنيا إلى أسفل جزاء على ذنوبه # وقوله @QB@ فما يكذبك بعد بالدين @QE@ أي بالجزاء يتناول جزاءه على ~~الأعمال في الدنيا والرزخ والآخرة إذا كان قد أقسم بأماكن هؤلاء المرسلين ~~الذين أرسلوا بالآيات البينات الدالة على أمر الله ونهيه ووعده ووعيده ~~مبشرين لأهل الايمان منذرين لأهل الكفر وقد أقسم بذلك على أن الانسان بعد ~~أن جعل في أحسن تقويم ان آمن وعمل صالحا كان له أجر غير ممنون والا كان في ~~أسفل سافلين PageV03P156 # فتضمن السورة بيان ما بعث به هؤلاء الرسل الذين أقسم بأماكنهم والاقسام ~~بمواضع محنهم تعظيم لهم فإن موضع الانسان إذا عظم لأجله كان هو أحق التعظيم ~~ولهذا يقال في الكاتبات إلى المجلس والمقر ونحو ذلك السامي والعالي ويذكر ~~بخضوع له وتعظيم والمراد صاحبه # فلما قال @QB@ فما يكذبك بعد بالدين @QE@ دل على أن ما تقدم قد بين فيه ~~ما يمنع التكذيب بالدين # وفي قوله @QB@ يكذبك @QE@ قولان قيل هو خطاب للإنسان كما قال مجاهد ~~وعكرمة ومقاتل ولم يذكر البغوي غيره قال عكرمة يقول فما يكذبك بعد بهذه ~~الأشياء التي فعلت بك وعن مقاتل فما الذي يجعلك مكذبا بالجزاء وزعم أنها ~~نزلت في عياش بن أبي ربيعة # والثاني أنه خطاب للرسول وهذا أظهر فإن الانسان إنما ذكر مخبرا عنه لم ~~يخاطب والرسول هو الذي أنزل عليه القرآن والخطاب في هذه السور له كقوله ~~@QB@ ما ودعك ربك وما قلى @QE@ وقوله @QB@ ألم نشرح لك صدرك @QE@ وقوله ~~@QB@ اقرأ باسم ربك @QE@ # والانسان إذا خوطب قيل له @QB@ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم @QE@ ~~@QB@ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا @QE@ # وأيضا فبتقدير أن يكون خطابا للانسان يجب أن يكون خطابا للجنس كقوله @QB@ ~~يا أيها الإنسان إنك كادح @QE@ وعلى قول هؤلاء أنما هو خطاب للكافر خاصة ~~المكذب بالدين # وأيضا فان قوله @QB@ يكذبك بعد بالدين @QE@ أي يجعلك كاذبا هذا هو ~~المعروف من لغة العرب فإن استعمال كذب غيره أي نسبه إلى الكذب وجعله كاذبا ~~مشهور ms290 والقرآن مملوء من هذا وحيث ذكر الله تكذيب المكذبين للرسل أو التكذيب ~~بالحق ونحو ذلك فهذا مراده # لكن هذه الآية فيها غموض من جهة كونه قال @QB@ يكذبك بعد بالدين @QE@ ~~فذكر المكذب بالدين فذكر المكذب والمكذب به جميعا وهذا قليل جاء نظيره في ~~قوله @QB@ فقد كذبوكم بما تقولون @QE@ الفرقان 25 19 فأما أكثر المواضع ~~فإنما يذكر أحدهما اما المكذب كقوله @QB@ كذبت قوم نوح المرسلين @QE@ وأما ~~المكذب به كقوله @QB@ بل كذبوا بالساعة @QE@ وأما الجمع بين ذكر المكذب ~~والمكذب به فقليل PageV03P157 # ومن هنا اشتبهت هذه الآية على من جعل الخطاب فيها للانسان وفسر معنى قوله ~~@QB@ فما يكذبك @QE@ فما يجعلك مكذبا # وعبارة آخرين فما يجعلك كذابا قال ابن عطية وقال جمهور من المفسرين ~~المخاطب الانسان الكافر أي ما الذي يجعلك كذابا بالدين تجعل لله أندادا ~~وتزعم أنه لا بعث بعد هذه الدلائل # ( قلت ) وكلا القولين غير معروف في لغة العرب أن يقول كذبك أي جعلك مكذبا ~~بل كذبك جعلك كذابا # وما قيل جعلك كاذبا أي كاذبا فيما يخبر به كما جعل الكفار الرسل كاذبين ~~فيما أخبروا به فكذبوهم وهذا يقول جعلك كاذبا بالدين فجعل كذبه أنه أشرك ~~وأنه أنكر المعاد وهذا ضد الذي ينكر # ذاك جعله مكذباا بالدين وهذا جعله كاذبا بالدين والأول فاسد من جهة ~~العربية والثاني فاسد من جهة المعنى فان الدين هو الجزاء الذي كذب به ~~الكافر والكافر كذب به لم يكذب هو به # وأيضا فلا يعرف في الخبر أن يقال كذبت به بل يقال كذبته # وأيضا فالمعروف في كذبه أي نسبه إلى الكذب لا أنه جعل الكذب فيه فهذا كله ~~تكلف لا يعرف في اللغة بل المعروف خلافه وهو لم يقل فما يكذبك ولا قال فما ~~كذبك # ولهذا كان علماء العربية على القول الثاني قال ابن عطية واختلف في ~~المخاطب بقوله @QB@ فما يكذبك @QE@ فقال قتادة والفراء والأخفش هو محمد صلى ~~الله عليه وسلم قال الله له فما PageV03P158 الذي يكذبك فيما تخبربه من ~~الجزاء والبعث وهو الدين بعد هذه العبرة التي ms291 يوجب النظر فيها صحة ما قلت # قال ويحتمل أن يكون على هذا التأويل جميع شرعه ودينه # ( قلت ) وعلى أن المخاطب محمد صلى الله عليه وسلم في المعنى قولان أحدهما ~~قول قتادة قال @QB@ فما يكذبك بعد بالدين @QE@ أي استيقن فقد جاءك البيان ~~من الله وهكذا رواه عنه ابن أبي حاتم باسناد ثابت # وكذلك ذكره المهدوي @QB@ فما يكذبك بعد بالدين @QE@ أي استيقن مع ما جاءك ~~من الله أنه أحكم الحاكمين فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وقال معناه عن ~~قتادة قال وقيل المعنى فما يكذبك أيها الشاك يعني الكفار في قدرة الله أي ~~شيء يحملك على ذلك بعد ما تبين لك من قدرته قال وقال الفراء فمن يكذبك ~~بالثواب والعقاب وهو اختيار الطبري # ( قلت ) هذا القول المنقول عن قتادة هو الذي أوجب نفور مجاهد عن أن يكون ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم كما روى الناس ومنهم ابن أبي حاتم عن ~~الثوري عن منصور قال قلت لمجاهد @QB@ فما يكذبك بعد بالدين @QE@ عنى به ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال معاذ الله عني به الانسان # وقد أحسن مجاهد في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال له @QB@ فما ~~يكذبك @QE@ أي استيقن ولا تكذب فإنه لو قيل له لا تكذب لكان هذا من جنس ~~أمره بالايمان والتقوى ونهيه عما نهى الله عنه وأما إذا قيل @QB@ فما يكذبك ~~بعد بالدين @QE@ فهو لم يكذب بالدين بل هو الذي أخبر بالدين وصدق به لهو ~~@QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به @QE@ الزمر 39 33 فكيف يقال له @QB@ فما ~~يكذبك بعد بالدين @QE@ فهذا القول فاسد لفظا ومعنى # واللفظ الذي رأيته مقولا بالاسناد عن قتادة ليس صريحا فيه بل يحتمل أن ~~يكون أراد به خطاب الانسان فإنه قال @QB@ فما يكذبك بعد بالدين @QE@ قال ~~استيقن فقد جاءك البيان وكل انسان مخاطب بهذا فإن كان قتادة أراد هذا ~~فالمعنى صحيح # لكن هم حكوا عنه أن هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فهذا ~~المعنى باطل فلا يقال للرسول فأي شيء ms292 يجعلك مكذبا بالدين وان ارتأت به ~~النفس لأن هذا فيه دلائل تدل على فساده ولهذا استعاذ منه مجاهد # والصواب ما قاله الفراء والأخفش وغيرهما وهو الذي اختاره أبو جعفر محمد ~~ابن جرير الطبري وغيره من العلماء كما تقدم PageV03P159 وكذلك ذكره أبو ~~الفرج بن الجوزي عن الفراء فقال انه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى ~~فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبين له أنا خلقنا الانسان على ~~ما وصفنا قاله الفراء # قال وأما الدين فهو الجزاء ( قلت ) وكذلك قل غير واحد كما روى ابن أبي ~~حاتم عن النضر بن عربي @QB@ فما يكذبك بعد بالدين @QE@ أي بالحساب # ومن تفسير العوفي عن ابن عباس أي بحكم الله قلت قال بحكم الله لقوله @QB@ ~~أليس الله بأحكم الحاكمين @QE@ وهو سبحانه يحكم بين المصدق بالدين والمكذب ~~به # وعلى هذا قوله @QB@ فما @QE@ وصف للأشخاص ولم يقل فمن لأن ما يراد به ~~الصفات دون الأعيان وهو المقصود كقوله @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~@QE@ وقوله @QB@ لا أعبد ما تعبدون @QE@ وقوله @QB@ ونفس وما سواها @QE@ ~~كأنه قيل فما المكذب بالدين بعد هذا أي من هذه صفته ونعته هو جاهل ظالم ~~لنفسه والله يحكم بين عباده فيما يختلفون فيه من هذا النبأ العظيم # وقوله @QB@ بعد @QE@ قد قيل انه ( بعد ما ذكر من دلائل الدين ) # وقد يقال لم يذكر الا الاخبار به وأن الناس نوعان في أسفل سافلين ونوع ~~لهم أجر غير ممنون فقد ذكر البشارة والنذارة والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين # فمن كذبك بعد هذا فحكمة إلى الله أحكم الحاكمين وأنت قد بلغت ما وجب عليك ~~تبليغه # وقوله @QB@ فما يكذبك @QE@ ليس نفيا للتكذيب فقد وقع بل قد يقال انه تعجب ~~منه كما قال @QB@ وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ~~@QE@ الرعد 13 5 # وقد يقال ان هذا تحقير لشأنه وتصغير لقدره لجهله وظلمه كما يقال من فلان ~~ومن يقول هذا الا جاهل لكنه ذكر بصيغة ما فإنها تدل على صفته وهي المقصودة ~~اذ لا غرض ms293 في عينه كأنه قيل فأبي صنف وأي جاهل يكذبك بعد بالدين فإنه من ~~الذين يردون إلى أسفل سافلين # وقوله @QB@ أليس الله بأحكم الحاكمين @QE@ يدل على أنه الحاكم بين المكذب ~~بالدين والمؤمن به والأمر في ذلك له سبحانه وتعالى PageV03P160 # والقرآن لا تنقضي عجائبه والله سبحانه بين مراده بيانا أحكمه لكن ~~الاشتباه يقع على من لم يرسخ في علم الدلائل الدالة فان هذه السورة وغيرها ~~فيها عجائب لا تنقضي # ومنها أن قوله @QB@ فما يكذبك بعد بالدين @QE@ ذكر فيه الرسول المكذب ~~والدين المكذب به جميعا فإن السورة تضمنت الأمرين تضمنت الاقسام بأماكن ~~الرسل المبينة لعظمتهم وما أتوا به من الآيات الدالة على دقهم الموجبة ~~للايمان وهم قد أخبروا بالمعاد المذكور في هذه السورة # وقد أقسم الله عليه كما يقسم عليه في غير موضع وكما أمر نبيه أن يقسم ~~عليه في مثل قوله @QB@ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ~~@QE@ التغابن 64 7 وقوله @QB@ وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم @QE@ سبأ 34 3 # فلما تضمنت هذا وهذا ذكر نوعي التكذيب فقال @QB@ فما يكذبك بعد بالدين ~~@QE@ والله سبحانه أعلم # وأيضا فإنه لا ذنب له في ذلك والقرآن مراده أن يبين أن هذا الرد جزاء على ~~ذنوبه ولهذا قال @QB@ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ كما قال @QB@ ~~إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر @QE@ العصر 103 2 و 3 # لكن هنا ذكر الخسر فقط فوصف المستثنين بأنه تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ~~مع الايمان والصلاح وهناك ذكر أسفل سافلين وهو العذاب والمؤمن المصلح لا ~~يعذب وان كان قد ضيع أمورا خسرها لو حفظها لكان رابحا غير خاسر وبسط له ~~موضع آخر PageV03P161 والمقصود هنا أنه سبحانه يذكر خلق الانسان مجملا ~~ومفصلا # وتارة يذكر احياءه كقوله تعالى @QB@ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون @QE@ البقرة 2 28 وهو كقول ~~الخليل عليه السلام @QB@ ربي الذي يحيي ويميت @QE@ البقرة 2 258 # فان خلق ms294 الحيوة ولوازمها وملزوماتها أعظم وأدل على القدرة والنعمة ~~والحكمة ( آخر كلام الشيخ على سورة والتين ) PageV03P162 ms295