######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002642Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن تيمية #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: دقائق التفسير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند السنة #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002642Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2642_دقائق-التفسير-ابن-تيمية-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد السيد الجليند #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1404 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # كتاب دقائق التفسير 2 PageV01P001 # فصل قال الله تعالى * (واستعينوا بالصبر والصلاة) * سورة البقرة 5 قال ~~علي بن أبي طالب الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإن انقطع الرأس ~~بار الجسد ألا لا إيمان لمن لا صبر له فالصبر على أداء الواجبات ولهذا قرنه ~~بالصلاة في أكثر من خمسين موضعا فمن كان لا يصلي من جميع الناس رجالهم ~~ونسائهم فإنه يؤمر فإن امتنع عوقب بإجماع المسلمين ثم أكثرهم يوجبون قتل ~~تارك الصلاة وهل يقتل كافرا مرتدا أو فاسقا على قولين في مذهب أحمد وغيره ~~والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره وهذا مع الاقرار بالوجوب فإنه مع حجود ~~الوجوب فهو كافر بالاتفاق PageV01P211 # ومن ذلك تعاهد مساجد المسلمين وأئمتهم وأمرهم بأن يصلوا بهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم حيث قال صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري وصلى مرة ~~بأصحابه على طرف المنبر وقال إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي فعلى ~~إمام الصلاة أن يصلي بالناس صلاة كاملة لا يقتصر على ما يجوز للمنفرد ~~الاقتصار عليه إلا لعذر وكذلك على إمامهم في الحج وأميرهم في الحرب ألا ترى ~~الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه ~~الأصلح له في ماله وهو في مال نفسه يفوت على نفسه ما شاء فأمر الدين أهم ~~ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس صلح الدين للطائفتين والدنيا وإلا ~~اضطربت الأمور عليهم جميعا وملاك ذلك حسن النية للرعية وإخلاص الدين كله ~~لله عز وجل والتوكل عليه فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة كما ~~أمرنا أن نقول في صلاتنا * (إياك نعبد وإياك نستعين) * فهاتان الكلمتان قد ~~قيل إنهما تجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء وروى أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان مرة في غزاة فقال يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين فجعلت ~~الرؤوس تندر عن كواهلها وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله عز وجل * ~~(فاعبده وتوكل عليه) * سورة هود 123 وقوله * (عليه توكلت وإليه أنيب) * ~~سورة هود 88 سورة ms001 الشورى 10 وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته قال ~~منك وإليك وأصل ذلك المحافظة عل الصلوات بالقلب والبدن والإحسان إلى الناس ~~بالنفع والمال PageV01P212 # الذي هو الزكاة والصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب فبالقيام بالصلاة ~~والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية وإذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه ~~الأسماء الجامعة عرف ما يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى ودعائه وتلاوة ~~كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه وفي الزكاة من الإحسان إلى الخلق ~~بالمال والنفع من نصر المظلوم وإغاثه الملهوف وقضاء حاجة المحتاج وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل معروف صدقة فيدخل فيه كل إحسان ~~ولو ببسط الوجه والكلمة الطيبة ففي الصحيح عن عدي بن حاتم قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ~~ترجمان ولا حاجب فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا ~~يرى إلا شيئا قدمه وينظر أمامه فيستقبل النار فمن استطاع منكم أن يتقي ~~النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يجد فبكلمة طيبة وفي السنن لا تحقرن من ~~المعروف شيئا ولو أن تلقي أخاك بوجه طلق وفي رواية ووجهك إليه منبسط ولو أن ~~تفرغ من دلوك في إناء المستسقى وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو ~~عن الناس ومخالفة الهوى وترك الأشر والبطر كما قال تعالى * (ولئن أذقنا ~~الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ~~ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات) * الآية (سورة هود 9 11) وروى الحسن البصري إذا كان يوم القيامة ~~نادى مناد من بطنان العلق الا ليقم من PageV01P213 # أجره على الله فلا يقوم الا من عفا وأصلح وليس من حسن النية للرعية ~~والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه قال تعالى * (ولو اتبع ~~الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) * سورة المؤمنون 71 وقال ~~لأصحاب نبيه صلى ms002 الله عليه وسلم * (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم) * سورة الحجرات 7 وقال الشيخ الاسلام رحمه الله تعالى ~~هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب في التفسير الا ما هو ~~الخطأ فيها منها قوله * (إن الذين آمنوا والذين هادوا) * الآيتين فهو ~~سبحانه وصف أهل السعادة من الأولين والآخرين وهو الذي يدل عليه اللفظ ويعرف ~~به معناه من غير تناقض ومناسبة لما قبلها ولما بعدها وهو المعروف عند السلف ~~ويدل عليه ما ذكروه من سبب نزولها بالأسانيد الثابتة عن سفيان عن ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد قال سلمان سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت ~~معهم فذكر من عبادتهم فنزلت الآية ولم يذكر فيه أنهم من أهل النار كما روى ~~بأسانيد ضعيفة وهذا هو الصحيح كما في مسلم إلا بقايا من أهل الكتاب والنبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن بما لا علم عنده وقد ثبت أنه أثنى على من مات في ~~الفترة كزيد بن عمرو وغيره ولم يذكر ابن أبي حاتم خلافا عن السلف لكن ذكر ~~عن ابن عباس ثم أنزل الله * (ومن يبتغ غير الإسلام دينا) * الآية ومراده أن ~~الله يبين أنه لا يقبل إلا الإسلام من الأولين والآخرين وكثير من السلف ~~يريد بلفظ النسخ رفع ما يظن أن الآية دالة عليه فإن من المعلوم ان من كذب ~~رسولا واحدا فهو كافر فلا يتناوله قوله * (من آمن بالله) * الخ وظن بعض ~~الناس ان الآية فيمن بعث إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم خاصة فغلطوا ثم ~~افترقوا على أقوال متناقضة PageV01P214 # فصل قال الشيخ الإسلام فذكر سبحانه قصة مريم والمسيح في هذه السورة ~~المكية التي أنزلها في أول الأمر بمكة في PageV01P307 # السور التي ذكر فيها أصول الدين التي اتفق عليها الأنبياء ثم ذكرها في ~~سورة آل عمران وهي من السور المدينة التي يخاطب فيها من اتبع الأنبياء من ~~أهل الكتاب والمؤمينن لما قدم عليه نصارى نجران فكان فيها ms003 الخطاب لأهل ~~الكتاب فقال تعالى * (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم إذ قالت امرأة عمران رب إني ~~نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها ~~قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني ~~سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) * وفي الصحيحين عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من مولود إلا يمسه ~~الشيطان فيستهل صارخا من الشيطان إلا مريم وابنها ثم يقول أبو هريرة اقرأوا ~~إن شئتم * (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) * قال تعالى * ~~(فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) * ثم ذكر قصة زكريا ويحيى ثم قال * (هنالك ~~دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء) * الآيات ~~من سورة آل عمران (38 - 68) PageV01P308 # فهو سبحانه قد ذكر قصة مريم والمسيح في هاتين السورتين إحداهما مكية نزلت ~~في أول الأمر مع السور المهدة لأصول الدين وهي سورة كهيعص PageV01P309 # والثانية مدنية نزلت بعد أن أمر بالهجرة والجهاد ولهذا تضمنت مناظرة أهل ~~الكتاب ومباهلتهم كما نزلت في براءة مجاهدتهم فأخبر في السور المكية أنها ~~لما انفردت للعبادة أرسل إليها روحه فتمثل لها بشرا سويا فقالت * (إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا) * قال أبو وائل علمت أن المتقي ذو نهيه أي تقواه ~~ينهاه عن الفاحشة وأنها خافت منه أن يكون قصده الفاحشة فقالت * (أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا) * أي تتقي الله وما يقول بعض الجهال من أنه كان ~~فيهم رجل فاجر اسمه تقي فهو من نوع الهذيان وهو من الكذب الظاهر الذي لا ~~يقوله إلا جاهل ثم قال * (إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما ms004 زكيا) * وفي ~~القراءة الأخرى * (لأهب لك غلاما زكيا) * فأخبر هذا الروح الذي تمثل لها ~~بشرا سويا أنه رسول ربها فدل الكلام على أن هذا الروح عين قائمة بنفسها ~~ليست صفة لغيرها وأنه رسول الله ليس صفة من صفات الله ولهذا قال جماهير ~~العلماء إنه جبريل عليه السلام فإن الله سماه الروح الأمين وسماه روح القدس ~~وسماه جبريل وهكذا عند أهل الكتاب أنه تجسد من مريم ومن روح القدس لكن ~~ضلالهم حيث يظنون أن روح القدس حياة الله وأنه إله يخلق ويرزق ويعبد وليس ~~في شيء من الكتب الإلهية ولا في كلام الأنبياء أن الله سمى صفته القائمة به ~~روح القدس ولا سمى كلامه ولا شيئا من صفاته ابنا وهذا أحد ما تبين به ضلال ~~النصارى وأنهم حرفوا كلام الأنبياء وتأولوه على غير ما أرادت به الأنبياء ~~فإن أصل تثليثهم مبني على ما في أحد الأناجيل من أن المسيح عليه السلام قال ~~لهم عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس فيقال لهم هذا إذا كان قد ~~قاله المسيح وليس في لغة المسيح ولا لغة أحد الأنبياء أنهم يسمون صفة الله ~~القائمة به لا كلمته ولا حياته لا ابنا ولا روح قدس ولا يسمون كلمته ابنا ~~ولا يسمونه نفسه ابنا ولا روح قدس ولكن يوجد فيما ينقلونه عنهم أنهم يسمون ~~المصطفى المكرم ابنا وهذا موجود في حق المسيح وغيره كما يذكرون أنه قال ~~تعالى لإسرائيل أنت ابني بكري أي بني إسرائيل وروح القدس يراد به الروح ~~التي تنزل على الأنبياء كما نزلت على داود وغيره فإن في كتبهم أن روح القدس ~~كانت في داود وغيره وأن المسيح قال لهم أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم فسماه أبا ~~للجميع لم يكن المسيح مخصوصا عندهم باسم الابن ولا يوجد عندهم لفظ الابن ~~إلا اسما للمصطفى المكرم لا اسما لشيء من صفات الله القديمة حتى يكون الابن ~~صفة الله تولدت منه وإذا كان كذلك كان في هذا ما يبين أنه ليس المراد ~~بالابن كلمة الله القديمة الأزلية ms005 التي يقولون PageV01P310 # أنها تولدت من الله عندهم مع كونها أزلية ولا بروح القدس حياة الله بل ~~المراد بالابن ناسوت المسيح وبروح القدس ما أنزل عليه من الوحي والملك الذي ~~أنزل به فيكون قد أمرهم بالايمان بالله وبرسوله وبما أنزله على رسوله ~~والملك الذي نزل به وبهذا الذي نزل به وبهذا أمرت الأنبياء كلهم وليس ~~للمسيح خاصة استحق بها أن يكون فيه شيء من اللاهوت لكن ظهر فيه نور الله ~~وكلام الله وروح الله كما ظهر في غيره من الأنبياء والرسل ومعلوله أن غيره ~~أيضا فيما ينقلونه عن الأنبياء يسمى ابنا وروح القدس حلت فيه وهذا مبسوط في ~~غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه على أن كلام الأنبياء عليهم السلام ~~يصدق بعضه بعضا وأنه ليس مع النصارى حجة سمعية ولا عقلية توافق ما ابتدعوه ~~ولكن فسروا كلام الأنبياء بما لا يدل عليه وعندهم في الإنجيل أنه قال إن ~~الساعة لا يعلمها الملائكة ولا الابن وإنما يعلمها الأب وحده فبين أن الابن ~~لا يعلم الساعة فعلم أن الابن ليس هو القديم الأزلي وإنما هو المحدث ~~الزماني فصل موقف الأمم من الرسل وأما قوله تعالى * (يا عيسى إني متوفيك ~~ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى ~~يوم القيامة) * فهذا حق كما أخبر الله به فمن اتبع المسيح عليه السلام جعله ~~الله فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وكان الذين اتبعوه على دينه الذي لم ~~يبدل قد جعلهم الله فوق اليهود أيضا فالنصارى فوق اليهود الذين كفروا به ~~إلى يوم القيامة وأما المسلمون فهم مؤمنون به ليسوا كافرين به بل لما بدل ~~النصارى دينه وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بدين الله الذي بعث به ~~المسيح وغيره من الأنبياء جعل الله محمدا وأمته فوق النصارى إلى يوم ~~القيامة كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إنا معاشر PageV01P311 # الأنبياء دينا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا لأنه ليس بيني وبينه ms006 ~~نبي قال تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين) * وقال تعالى * (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) * فكل من كان أتم إيمانا بالله ~~ورسله كان أحق بنصر الله تعالى فإن الله تعالى يقول في كتابه * (إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) * وقال في كتابه * ~~(ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ~~الغالبون) * اليهود كذبوا الرسل واليهود كذبوا المسيح ومحمدا صلى الله عليه ~~وسلم كما قال الله فيهم * (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله ~~بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب) * ~~فالغضب الأول تكذيبهم المسيح والثاني محمدا صلى الله عليه وسلم والنصارى لم ~~يكذبوا المسيح وكانوا منصورين على اليهود والمسلمون منصورون على اليهود ~~والنصارى فإنهم آمنوا بجميع كتب الله ورسله ولم يكذبوا بشيء من كتبه ولا ~~كذبوا أحدا من رسله بل اتبعوا ما قال الله لهم حيث قال * (قولوا آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما ~~أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون) * وقال تعالى * (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا وإليك المصير) * PageV01P312 # المسلمون أتباع جميع الرسل ولما كان المسلمون هم المتبعون لرسل الله كلهم ~~المسيح وغيره وكان الله قد وعد الرسل وأتباعهم قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الصحيح لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من ~~خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة وقال أيضا سألت ms007 ربي أن لا يسلط على ~~أمتي عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها الحديث فكان ما احتجوا به حجة عليهم ~~لا لهم فصل وأما قوله تعالى * (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله ~~آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) * فهذه الآية لا اختصاص ~~فيها للنصارى بل هي مذكورة بعد قوله تعالى * (كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان ~~خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من ~~الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون) * ثم قال * (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة) * ومعلوم أن ~~الصفة المذكورة في قوله * (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق) * صفة لليهود وكذلك قوله PageV01P313 # * (وضربت عليهم الذلة والمسكنة) * فقوله عقب ذلك من أهل الكتاب أمة قائمة ~~لا بد أن يكون متناولا لليهود ثم قد اتفق المسلمون والنصارى على أن اليهود ~~كفروا بالمسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس فيهم مؤمن وهذا معلوم ~~بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم والآية إذا تناولت النصارى كان ~~حكمهم في ذلك حكم اليهود والله تعالى إنما أثنى على من آمن من أهل الكتاب ~~كما قال تعالى * (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما ~~أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم ~~عند ربهم إن الله سريع الحساب) * وقد ذكر أكثر العلماء أن هذه الآية الأخرى ~~في آل عمران نزلت في النجاشي ونحوه ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم لكنه ~~لم تمكنه الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا العمل بشرائع الإسلام ~~لكون أهل بلده نصارى ms008 لا يوافقونه على إظهار شرائع الإسلام وقد قيل إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما صلى عليه لما مات لأجل هذا فإنه لم يكن هناك من ~~يظهر الصلاة عليه في جماعة كثيرة ظاهرة كما يصلي المسلمون على جنائزهم ~~ولهذا جعل من أهل الكتاب مع كونه آمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة من ~~يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في بلاد الحرب ولا يتمكن من الهجرة إلى دار ~~الإسلام ولا يمكنه العمل بشرائع الاسلام الظاهرة بل يعمل ما يمكنه ويسقط ~~عنه ما يعجز عنه كما قال تعالى * (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة) * فقد يكون الرجل في الظاهر من الكفار وهو في الباطن مؤمن كما ~~كان مؤمن آل فرعون قال تعالى * (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا ~~فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف ~~كذاب يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن ~~جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقال الذي ~~آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ~~التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من ~~هاد ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين ~~يجادلون في آيات) * PageV01P314 # فقد أخبر سبحانه وتعالى أنه حاق بآل فرعون سوء العذاب وأخبر أنه كان من ~~آل فرعون رجل مؤمن يكتم إيمانه وأنه خاطبهم بالخطاب الذي ذكره فهو من آل ~~فرعون باعتبار النسب والجنس والظاهر وليس هو من ms009 آل فرعون الذين يدخلون أشد ~~العذاب وكذلك امرأة فرعون ليست من آل فرعون هؤلاء قال تعالى * (وضرب الله ~~مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني ~~من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) * وامرأة الرجل من آله بدليل قوله ~~* (إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين) * ~~وهكذا أهل الكتاب فيهم من هو في الظاهر منهم وهو في باطن يؤمن بالله ورسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم يعمل بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه علما ~~وعملا * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * وهو عاجز عن الهجرة إلى دار ~~الإسلام كعجز النجاشي وكما أن الذين يظهرون الإسلام فيهم من هم في الظاهر ~~مسلمون وفيهم من هو منافق كافر في الباطن إما يهودي وإما مشرك وإما معطل ~~كذلك في أهل الكتاب والمشركين من هو في الظاهر منهم وهو في الباطن أهل ~~الإيمان PageV01P315 # بمحمد صلى الله عليه وسلم يفعل ما يقدر على علمه وعمله ويسقط عنه ما يعجز ~~عنه من ذلك وفي حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال لما مات النجاشي قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم استغفروا لأخيكم فقال بعض القوم تأمرنا أن نستغفر ~~لهذا العلج يموت بأرض الحبشة فنزلت * (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ~~وما أنزل إليكم) * ذكره ابن أبي حاتم وغيره بأسانيدهم وذكر حماد بن سلمة عن ~~ثابت عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال استغفروا لأخيكم ~~النجاشي فذكر مثله وكذلك ذكر طائفة من المفسرين عن جابر وابن عباس وأنس ~~وقتادة أنهم قالوا نزلت هذه الآية في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة وهو ~~بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه اخرجوا ~~فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم فقالوا ومن هو قال النجاشي فخرج رسول الله ~~صلى الله عليه ms010 وسلم إلى البقيع وزاد بعضهم وكشف له من المدينة إلى أرض ~~الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له وقال ~~لأصحابه استغفروا له فقال المنافقون أبصروا إلى هذا يصلي على علج حبشي ~~نصراني لم يره قط وليس على دينه فأنزل الله تعالى * (وإن من أهل الكتاب لمن ~~يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ~~ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب) * وقد ذهبت ~~طائفة من العلماء إلى أنها نزلت فيمن كان على دين المسيح عليه السلام إلى ~~أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به كما نقل ذلك عن عطاء وذهبت ~~طائفة إلى أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم والقول الأول أجود فإن من ~~آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأظهر الإيمان به وهو من أهل دار الإسلام ~~يعمل بما يعمله المسلمون ظاهرا وباطنا فهذا من المؤمنين وإن كان قبل ذلك ~~مشركا يعبد الأوثان فكيف إذا كان كتابيا وهذا مثل عبد الله بن سلام وسلمان ~~الفارسي PageV01P316 # وغيرهما وهؤلاء لا يقال إنهم من أهل الكتاب كما لا يقال في المهاجرين ~~والأنصار إنهم من المشركين وعباد الأوثان ولا ينكر أحد من المنافقين ولا ~~غيرهم أن يصلي على واحد منهم بخلاف من هو في الظاهر منهم وفي الباطن من ~~المؤمنين وفي بلاد النصارى من هذا النوع خلق كثير يكتمون إيمانهم إما مطلقا ~~وإما يكتمونه عن العامة ويظهرونه لخاصتهم وهؤلاء قد يتناولهم قوله تعالى * ~~(وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله) * الآية فهؤلاء لا يدعون الإيمان بكتاب ~~الله ورسوله لأجل مال يأخذونه كما يفعل كثير من الأحبار والرهبان الذين ~~يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدونهم عن سبيل الله فيمنعونهم من الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وأما قوله * (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات ~~الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) * فهذه الآية ~~تتناول ms011 اليهود أقوى مما تتناول النصارى ونظيره قوله تعالى * (ومن قوم موسى ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) * هذا مدح مطلق لمن تمسك بالتوراة ليس في ذلك ~~مدح لمن كذب المسيح ولا فيها مدح لمن كذب محمدا صلى الله عليه وسلم وهذا ~~الكلام تفسير سياق الكلام فإنه قال تعالى * (كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) * ثم قال تعالى * (ولو ~~آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) * فقد جعلهم ~~نوعين نوعا مؤمنين ونوعا فاسقين وهم أكثرهم لقوله تعالى * (منهم المؤمنون) ~~* يتناول من كان مؤمنا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم كما يتناولهم قوله ~~تعالى * (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) * إلى قوله * (وكثير ~~منهم فاسقون) * وكذلك قوله تعالى * (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) * وقوله عن إبراهيم ~~الخليل * (وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) * ~~ثم قال * (وأكثرهم الفاسقون) * قال * (لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من ~~الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون) * PageV01P317 # وضرب الذلة عليهم أينما ثقفوا ومباؤهم بغضب من الله الآية وما ذكر معه من ~~قتل الأنبياء بغير حق وعصيانهم واعتدائهم كان اليهود متصفين به قبل مبعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى في سورة البقرة * (وإذ قلتم يا موسى ~~لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها ~~وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ~~اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من ~~الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون) * ثم قال بعد ذلك * (إن الذين آمنوا والذين ms012 هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * فتناولت هذه الآية من كان من أهل ~~الملل الأربع متمسكا بها قبل النسخ بغير تبديل كذلك آية آل عمران لما وصف ~~أهل الكتاب بما كانوا متصفا به أكثرهم قبل محمد صلى الله عليه وسلم من ~~الكفر قال * (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) * وهذا يتناول من كان ~~متصفا منهم بهذا قبل النسخ فإنهم كانوا على الدين الحق الذي لم يبدل ولم ~~ينسخ كما قال في الأعراف * (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) * * ~~(وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا ~~الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق ~~الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير ~~للذين يتقون أفلا تعقلون والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع ~~أجر المصلحين) * وقد قال تعالى مطلقا * (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون) * PageV01P318 # فهذا خبر من الله عمن كان متصفا بهذا الوصف قبل مبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم ومن أدرك من هؤلاء محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به كان له أجره ~~مرتين فصل في * (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) * دعوى النصارى في المسيح ~~قالوا وقال أيضا في موضع آخر * (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب) * فأعنى بقوله * (مثل عيسى) * إشارة إلى الناسوت المؤخوذ من مريم ~~الطاهرة لأنه لم يذكر هنا اسم المسيح إنما ذكر عيسى فقط وكما أن آدم خلق من ~~غير جماع ومباضعة فكذلك جسد المسيح خلق من غير جماع ولا مباضعة وكما أن جسد ~~آدم ذاق الموت فكذلك جسد المسيح ذاق ms013 الموت وقد يبرهن بقوله أيضا قائلا إن ~~الله ألقى كلمته إلى مريم وذلك حسب قولنا معشر النصارى إن كلمة الله ~~الخالقة حلت في مريم وتجسدت بإنسان كامل وعلى هذاالمثال نقول في السيد ~~المسيح طبيعتان طبيعة لاهوتية التي هي طبيعة كلمة الله وروحه وطبيعة ~~ناسوتية التي اخذت من مريم العذراء واتحدت به ولما تقدم به القول من الله ~~تعالى على لسان موسى النبي إذ يقول أليس هذا الأب الذي خلقك وبرأك واقتناك ~~قيل وعلى لسان داود النبي روحك القدس لا تنزع مني وأيضا على لسان داود ~~النبي بكلمة الله تشددت السماوات وبروح فاه جميع أفواههن وليس يدل هذا ~~القول على ثلاثة خالقين بل خالق واحد الأب ونطقه أي كلمته وروحه أي حياته ~~الرد عليهم حقيقة القول في عيسى والجواب من وجوه PageV01P319 # أحدها أن قوله تعالى * (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون) * كلام حق فإنه سبحانه خلق هذا النوع البشري على الأقسام ~~الممكنة ليبين عموم قدرته فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق زوجته حواء من ~~ذكر بلا أنثى كما قال * (وخلق منها زوجها) * وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر ~~وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح فإن ~~حواء خلقت من ضلع آدم وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم وخلق آدم أعجب ~~من هذا وهذا وهو أصل خلق حواء فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من ~~خلق المسيح فإذا كان سبحانه قادرا أن يخلقه من تراب والتراب ليس من جنس بدن ~~الإنسان أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان وهو سبحانه خلق ~~آدم من تراب ثم قال له كن فيكون لما نفخ فيه من روحه فكذلك المسيح نفخ فيه ~~من روحه وقال له كن فيكون ولم يكن آدم بما نفخ فيه من روحه لاهوتا وناسوتا ~~بل كله ناسوت فكذلك المسيح كله ناسوت والله تبارك وتعالى ذكر هذه ms014 الآية في ~~ضمن الآيات التي أنزلها في شأن النصارى لما قدم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم نصارى نجران وناظروه في المسيح وأنزل الله فيه ما أنزل فبين قول الحق ~~الذي اختلفت فيه اليهود والنصارى فكذب الله الطائفتين هؤلاء في غلوهم فيه ~~وهؤلاء في ذمهم له وقال عقب هذه الآية * (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من ~~العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ~~نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا ~~الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون) * وقد امثثل النبي صلى الله عليه وسلم قول الله فدعاهم إلى ~~المباهلة فعرفوا أنهم إن باهلوه أنزل الله عليهم PageV01P320 # لعنته فأقروا بالجزية وهم صاغرون ثم كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~هرقل ملك الروم بقوله تعالى * (يا أهل الكتاب تعالوا) * إلى آخرها وكان ~~أحيانا يقرأ بها في الركعة الثانية من ركعتي الفجر ويقرأ في الأولى بقوله * ~~(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون) * وهذا كله يبين أن المسيح عبد ليس بإله وأنه ~~مخلوق كما خلق آدم وقد أمر أن يباهل من قال أنه إله فيدعو كل من المتباهلين ~~أبناءه ونساءه وقريبه المختص به ثم يبتهل هؤلاء وهؤلاء ويدعون الله أن يجعل ~~لعنته على الكاذبين فإن كان النصارى كاذبين في قولهم هو الله حقت اللعنة ~~عليهم وإن كان من قال ليس هو الله بل عبد الله كاذبا حقت اللعنة عليه وهذا ~~إنصاف من صاحب يقين يعلم أنه على الحق والنصارى لما لم يعلموا أنهم على ~~الحق نكلوا عن ms015 المباهلة وقد قال عقب ذلك * (إن هذا لهو القصص الحق وما من ~~إله إلا الله) * تكذبيا للنصارى الذين يقولون هو إله حق من إله حق فكيف ~~يقال أنه أراد أن المسيح فيه لاهوت وناسوت وأن هذا هو الناسوت فقط دون ~~اللاهوت وبهذا ظهر الجواب عن قولهم قال في موضع آخر إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم فأعنى بقوله عيسى أشار إلى البشرية المأخوذة من مريم الطاهرة لأنه ~~لم يذكر الناسوت ها هنا اسم المسيح إنما ذكر عيسى فقط فإنه يقال عيسى هو ~~المسيح بدليل أنه قال * (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل) * فأخبر أنه ليس المسيح إلا رسولا ليس هو بإله وأنه ابن مريم والذي ~~هو ابن مريم هو الناسوت وقال * (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ~~انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا) ~~* PageV01P321 # وقال تعالى * (وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون ~~قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون) * وقال تعالى * (لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد ~~أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا) * الوجه الثاني أن ما ~~ذكروه من موته قد بينا أن الله لم يذكر ذلك وأن المسيح لم يمت بعد وما ~~ذكروه من أنه صلب ناسوته دون لاهوته باطل من وجهين إن ناسوته لم يصلب وليس ~~فيه لاهوت وهم ذكروا ذلك دعوى مجردة فيكفي في مقابلتها المنع الوجه الثالث ~~ولكن نقول في الوجه الثالث إنهم في اتحاد اللاهوت بالناسوت يشبهونه تارة ~~باتحاد الماء باللبن وهذا تشبيه اليعقوبية وتارة باتحاد النار بالحديد أو ~~النفس بالجسم وهذا ms016 تشبيه الملكانية وغيرهم ومعلوم أنه لا يصل إلى الماء إلا ~~وصل إلى اللبن فإنه لا يتميز أحدهما عن الآخر وكذلك النار التي في الحديد ~~متى طرق الحديد أو بصق عليه لحق ذلك بالنار التي فيه والبدن إذا ضرب وعذب ~~لحق ألم الضرب والعذاب للنفس فكأن حقيقة تمثيلهم يقتضي أن اللاهوت أصابه ما ~~أصاب الناسوت من إهانة اليهود وتعذيبهم وإتلافهم له والصلب الذي ادعوه وهذا ~~لازم على القول بالاتحاد فإن الاتحاد لو كان ما يصيب أحدهما لا يشركه الآخر ~~فيه لم يكن هنا اتحاد بل تعدد PageV01P322 # الوجه الرابع أن هؤلاء الضلال لم يكفهم أن جعلوا إله السماوات والأرض ~~متحدا ببشر في جوف امرأة وجعلوه له مسكنا ثم جعلوا أخابث خلق الله أمسكوه ~~وبصقوا في وجهه ووضعوا الشوك على رأسه وصلبوه بين لصين وهو في ذلك يستغيث ~~بالله ويقول إلهي إلهي لم تركتني وهم يقولون الذي كان يسمع الناس كلامه هو ~~اللاهوت كما سمع موسى كلام الله من الشجرة ويقولون هما شخص واحد ويقول ~~بعضهم لهما مشيئة واحدة وطبيعة واحدة والكلام إنما يكون بمشيئة المتكلم ~~فيلزم أن يكون المتكلم الداعي المستغيث المصلوب هو اللاهوت هو المستغيث ~~المتضرع وهو المستغاث به وأيضا فهم يقولون إن اللاهوت والناسوت شخص واحد ~~فمع القول بأنهما شخص واحد إما أن يكون مستغيثا وإما أن يكون مستغاثا به ~~وإما أن يكون داعيا وإما أن يكون مدعوا فإذا قالوا إن الداعي هو غير المدعو ~~لزم أن يكون اثنين لا واحدا وإذا قالوا هما واحد فالداعي هو المدعو الوجه ~~الخامس أن يقال لا يخلو الأمر ان يقولوا إن اللاهوت كان قادرا على دفعهم عن ~~ناسوته وإما أن يقولوا لم يكن قادرا فإن قالوا لم يكن قادرا لزم أن يكون ~~أولئك اليهود أقدر من رب العالمين وأن يكون رب العالمين مقهورا مأسورا مع ~~قوم من شرار اليهود وهذا من أعظم الكفر والتنقص برب العالمين وهذا أعظم من ~~قولهم إن لله ولدا وإنه بخيل وإنه فقير ونحو ذلك مما سب به الكفار ms017 رب ~~العالمين وإن قالوا كان قادرا فإن كان ذلك من عدوان الكفار على ناسوته وهو ~~كاره لذلك فسنة الله في مثل ذلك نصر رسله المستغيثين به فكيف لم يغث ناسوته ~~المستصرخ به هذا بخلاف من قتل من النبيين وهو صابر فإن أولئك صبروا حتى ~~قتلوا شهداء والناسوت عندهم استغاث وقال إلهي إلهي لماذا تركتني وإن كان هو ~~قد فعل ذلك مكرا كما يزعمون أنه مكر بالشيطان وأخفى نفسه حتى يأخذه بوجه حق ~~فناسوته أعلم بذلك من جميع الخلق فكان الواجب أن لا يجزع ولا يهرب لما في ~~ذلك من الحكمة وهم يذكرون من جزع الناسوت وهربه ودعائه ما يقتضي أن كل ما ~~جرى عليه كان بغير اختياره ويقول بعضهم مشيئتهما واحدة فكيف شاء ذلك وهرب ~~مما يكرهه الناسوت بل لو يشاء اللاهوت ما يكرهه كانا متباينين وقد اتفقا ~~على المكر بالعدو لم يجزع الناسوت كما جرى ليوسف مع أخيه لما PageV01P323 # وافقه على أنه يجعل الصوامع في رحله ويظهر أنه سارق لم يجزع أخوه لما ظهر ~~الصوامع في رحلة كما جزع إخوته حيث لم يعلموا وكثير من الشطار العيارين ~~يمسكون ويصلبون وهم ثابتون صابرون فما بال هذا يجزع الجزع العظيم الذي ~~يصفون به المسيح وهو يقتضي غاية النقص العظيم مع دعواهم فيه الإلهية الوجه ~~السادس قولهم إنه كلمته وروحه تناقض منهم لأن عندهم أقنوم الكلمة فقط لا ~~أقنوم الحياة الوجه السابع قولهم وقد برهن بقوله رأينا أيضا في موضع آخر ~~قائلا إن الله ألقى كلمته إلى مريم وذلك حسب قولنا معشر النصارى إن كلمة ~~الله الخالقة الأزلية حلت في مريم واتحدت بإنسان كامل فيقال لهم أما قول ~~الله في القرآن فهو حق ولكن ضللتم في تأويله كما ضللتم في تأويل غيره من ~~كلام الأنبياء وما بلغوه عن الله وذلك أن الله تعالى قال * (إذ قالت ~~الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها ~~في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ms018 ~~قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) * ففي هذا الكلام وجوه تبين أنه مخلوق ~~ليس هو ما يقوله النصارى منها أنه قال بكلمة منه وقوله بكلمة منه نكرة في ~~الإثبات يقتضي أنه كلمة من كلمات الله ليس هو كلامه كله كما يقوله النصارى ~~ومنها أنه بين مراده بقوله بكلمة منه وأنه مخلوق حيث قال * (كذلك الله يخلق ~~ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) * كما قال في الآية الأخرى * ~~(إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) * وقال ~~تعالى في سورة كهيعص * (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان ~~لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) * ~~PageV01P324 # فهذه ثلاث آيات في القرآن تبين أنه قال له * (كن فيكون) * وهذا تفسير ~~كونه كلمة منه وقال اسمه المسيح عيسى بن مريم أخبر أنه ابن مريم وأخبر أنه ~~وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين وهذه كلها صفة مخلوق والله تعالى ~~وكلامه الذي هو صفته لا يقال فيه شيء من ذلك وقالت مريم * (أنى يكون لي ~~ولد) * فبين أن المسيح الذي هو الكلمة هو ولد مريم لا ولد الله سبحانه ~~وتعالى وقال في سورة النساء * (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما ~~الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا ~~فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من ms019 دون الله وليا ولا نصيرا) * فقد نهى ~~النصارى عن الغلو في دينهم وأن يقولوا على الله غير الحق وبين أن * (المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) * وأمرهم أن ~~يؤمنوا بالله ورسله فبين أنه رسوله ونهاهم أن يقولوا ثلاثة وقال انتهوا ~~خيرا لكم إنما الله إله واحد وهذا تكذيب لقولهم في المسيح أنه إله حق من ~~إله حق من جوهر أبيه ثم قال * (سبحانه أن يكون له ولد) * فنزه نفسه وعظمها ~~أن يكون له ولد كما تقوله النصارى ثم قال * (له ما في السماوات وما في ~~الأرض) * فأخبر أن ذلك ملك ليس له فيه شيء من ذاته ثم قال * (لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون) * أي لن يستنكفوا أن ~~يكونوا عبيدا لله تبارك وتعالى فمع ذلك البيان الواضح الجلي هل يظن ظان أن ~~مراده بقوله وكلمته أنه إله خالق أو أنه صفة لله قائمة به وأن قوله * (وروح ~~منه) * المراد به أنه حياته أو روح منفصلة من ذاته ثم نقول أيضا أما قوله ~~وكلمته فقد بين مراده أنه خلقه ب كن وفي لغة العرب التي نزل بها القرآن أن ~~يسمى المفعول باسم المصدر فيسمى المخلوق خلقا لقوله * (هذا خلق الله) * ~~ويقال درهم ضرب الأمير أي مضروب الأمير ولهذا يسمى المأمور به أمرا ~~والمقدور قدرة وقدرا والمعلوم علما والمرحوم به رحمة كقوله تعالى * (وكان ~~أمر الله قدرا مقدورا) * وقوله * (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) * ~~PageV01P325 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله للجنة أنت رحمتي أرحم بك من ~~أشاء من عبادي ويقول للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي وقال إن ~~الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة أنزل منها رحمة واحدة فيها تتراحم ~~الخلق ويتعاطفون وأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه ~~إلى تلك فرحم بها الخلق ويقال للمطر والآيات هذه قدرة عظيمة ويقال غفر الله ~~لك علمه فيك أي معلومه فتسمية المخلوق بالكلمة كلمة ms020 من هذا الباب وقد ذكر ~~الإمام أحمد في كتاب الرد على الجهمية وذكره غيره أن النصارى الحلولية ~~والجهمية المعطلة اعترضوا على أهل السنة فقالت النصارى القرآن كلام الله ~~غير مخلوق والمسيح كلمة الله فهو غير مخلوق وقالت الجهمية المسيح كلمة الله ~~وهو مخلوق والقرآن كلام الله فيكون مخلوقا وأجاب أحمد وغيره بأن المسيح ~~نفسه ليس هو كلاما فإن المسيح إنسان وبشر مولود من امرأة وكلام الله ليس ~~بإنسان ولا بشر ولا مولود من امرأة ولكن المسيح خلق بالكلام وأما القرآن ~~فهو نفسه كلام الله فأين هذا من هذا وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة ~~اشتراك الأسماء وما من عاقل إذا سمع قوله تعالى في المسيح عليه السلام إنه ~~كلمته ألقاها إلى مريم إلا يعلم أن المراد (لا) أن المسيح نفسه كلام الله ~~ولا أنه صفة لله ولا خالق ثم يقال للنصارى فلو قدر أن المسيح نفس الكلام ~~ليس بخالق فإن القرآن كلام الله وليس بخالق والتوراة كلام الله وليست ~~بخالقة وكلمات الله كثيرة وليس منها شيء خالق فلو كان المسيح نفس الكلام لم ~~يجز أن يكون خالقا فكيف وليس هو الكلام وإنما خلق بالكلمة وخص باسم الكلمة ~~فإنه لم يخلق على الوجه المعتاد الذي خلق عليه غيره بل خرج عن العادة فخلق ~~بالكلمة من غير السنة المعروفة بالبشر وقوله * (بروح منه) * لا يوجب أن ~~يكون منفصلا من ذات الله كقوله تعالى * (وسخر لكم ما في السماوات وما في ~~الأرض جميعا منه) * PageV01P326 # وقوله تعالى * (وما بكم من نعمة فمن الله) * وقوله تعالى * (ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) * وقال تعالى * (لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو ~~صحفا مطهرة فيها كتب قيمة) * فهذه الأشياء كلها من الله وهي مخلوقة وأبلغ ~~من ذلك روح الله التي أرسلها إلى مريم وهي مخلوقة فالمسيح الذي هو روح من ~~تلك الروح أولى أن يكون مخلوقا قال تعالى * (فأرسلنا إليها ms021 روحنا فتمثل لها ~~بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك ~~لأهب لك غلاما زكيا) * وقد قال تعالى * (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا) * وقال * (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا ~~وجعلناها وابنها آية للعالمين) * فأخبر أنه نفخ في مريم من روحه كما أخبر ~~أنه نفخ في آدم من روحه وقد بين أنه أرسل إليها روحه * (فتمثل لها بشرا ~~سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ~~ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته) * ~~فهذا الروح الذي أرسله الله إليها ليهب لها غلاما زكيا مخلوق وهو روح القدس ~~الذي خلق المسيح منه ومن مريم فإذا كان الأصل مخلوقا فكيف الفرع الذي حصل ~~به وهو روح القدس وقوله عن المسيح * (وروح منه) * خص المسيح بذلك لأنه نفخ ~~في أمه من الروح فحبلت به من ذلك النفخ وذلك غير روحه التي يشاركه فيها ~~سائر البشر فامتاز بأنها حبلت PageV01P327 # به من نفخ الروح فلهذا سمي روحا منه ولهذا قال طائفة من المفسرين روح منه ~~أي رسول منه فسماه باسم الروح الذي هو الرسول الذي نفخ فيها فكما يسمى كلمة ~~يسمى روحا لأنه كون بالكلمة لا كما يخلق الآدميون غيره ويسمى روحا لأنه ~~حبلت به أمه بنفخ الروح الذي نفخ فيها لم تحبل من ذكر كغيره من الآدميين ~~وعلى هذا فيقال لما خلق من نفخ الروح ومن مريم سمى روحا بخلاف سائر ~~الآدميين فإنه يخلق من ذكر وأنثى ثم ينفخ فيه من الروح بعد مضي أربعة أشهر ~~والنصارى يقولون في أمانتهم تجسد من مريم ومن روح القدس ولو اقتصروا على ~~هذا وفسروا روح القدس بالملك الذي نفخ فيها وهو روح الله لكان هذا موافقا ~~لما أخبر الله به لكنهم جعلوا روح القدس ms022 حياة الله وجعلوه ربا وتناقضوا في ~~ذلك فإنه على هذا كان ينبغي فيه أقنومان أقنوم الكلمة وأقنوم الروح ~~PageV01P328 # وهم يقولون ليس فيه ألا أقنوم الكلمة وكما يسمى المسيح كلمة لأنه خلق ~~بالكلمة يسمى روحا لأنه حل به الروح فإن قيل فقد قال في القرآن * (والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك) * وقال * (تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم) * وقد قال أئمة المسلمين وجمهورهم القرآن كلام الله غير ~~مخلوق منه بدأ وقال في المسيح وروح منه قيل هذا بمنزلة سائر المضاف إلى ~~الله إن كان عينا قائمة بنفسها أو صفة فيها كان مخلوقا وإن كان صفة مضافة ~~إلى الله كعلمه وكلامه ونحو ذلك كان إضافة صفة وكذلك ما منه إن كان عينا ~~قائمة تعين بغيرها كما في السماوات والأرض والنعم والروح الذي أرسلها إلى ~~مريم وقال * (إنما أنا رسول ربك) * كان مخلوقا وإن كان صفة لا تقوم بنفسها ~~ولا يتصف بها المخلوق كالقرآن لم يكن مخلوقا فإن ذلك قائم بالله وما يقوم ~~بالله لا يكون مخلوقا والمقصود هنا بيان بطلان احتجاج النصارى وأنه ليس لهم ~~في ظاهر القرآن ولا باطنه حجة كما ليس لهم حجة في سائر كتب الله وإنما ~~تمسكوا بآيات متشابهات وتركوا المحكم كما أخبرا الله عنهم بقوله * (هو الذي ~~أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين ~~في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) * ~~والآية نزلت في النصارى فهم مرادون من الآية قطعا ثم قال * (وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * ~~وفيها قولان وقراءتان منهم من يقف عند قوله إلا الله ويقول الراسخون في ~~العلم لا يعلمون تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله ومنهم من لا يقف بل يصل ~~بذلك قوله تعالى * (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * ~~ويقول الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه وكلا القولين مأثور عن ~~طائفة من السلف وهؤلاء يقولون قد ms023 يكون الحال من المعطوف دون المعطوف عليه ~~كما في قوله تعالى * (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا) * أي قائلين وكلا القولين حق باعتبار فإن لفظ التأويل يراد به ~~التفسير ومعرفة معانيه والراسخون في العلم يعلمون تفسير القرآن قال الحسن ~~البصري لم ينزل الله آية إلا وهو يحب أن تعلم في ماذا نزلت وما عني بها وقد ~~يعني بالتأويل ما استأثر الله بعلمه من كيفية ما أخبر به عن نفسه وعن اليوم ~~الآخر وقت الساعة ونزول عيسى ونحو ذلك PageV01P329 # فهذا التأويل لا يعلمه الا الله وأما لفظ التأويل إذا أريد به صرف اللفظ ~~عن ظاهره إلى ما يخالف ذلك لدليل يقترن به فلم يكن السلف يريدون بلفظ ~~التأويل هذا ولا هو معنى التأويل في كتاب الله عز وجل ولكن طائفة من ~~المتأخرين خصوا لفظ التأويل بهذا بل لفظ التأويل في كتاب الله يراد به ما ~~يؤول إليه الكلام وإن وافق ظاهرة كقوله تعالى * (هل ينظرون إلا تأويله يوم ~~يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل) * ومنه تأويل الرؤيا كقول يوسف الصديق ~~* (هذا تأويل رؤياي من قبل) * وكقوله * (إلا نبأتكما بتأويله) * وقوله * ~~(ذلك خير وأحسن تأويلا) * وهذا مبسوط في موضع آخر والمقصود هنا أنه ليس ~~للنصارى حجة لا في ظاهر النصوص ولا باطنها كما قال تعالى * (إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) * والكلمة عندهم ~~هي جوهر وهي رب لا يخلق بها الخالق بل هي الخالقة لكل شيء كما قالوا في ~~كتابهم إن كلمة الله الخالقة الأزلية حلت في مريم والله تعالى قد أخبر أنه ~~سبحانه ألقاها إلى مريم والرب سبحانه هو الخالق والكلمة التي ألقاها ليست ~~خالقة إذ الخالق لا يلقيه شيء بل هو يلقي غيره وكلمات الله نوعان كونية ~~ودينية فالكونية كقوله للشيء كن فيكون والدينية أمره وشرعه الذي جاءت به ~~الرسل وكذلك أمره وإرادته وإذنه وإرساله وبعثه ينقسم إلى هذين القسمين وقد ~~ذكر الله تعالى إلقاء القول في غير هذا ms024 وقد قال تعالى * (ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) * وقال تعالى * (وإذا رأى الذين أشركوا ~~شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم ~~القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذ السلم) * PageV01P330 # وقال تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة) * وأما لقيته القول فتلقاه فذلك إذا أردت أن تحفظه بخلاف ما ~~إذا ألقيته إليه فإن هذا بقوله فيما يخاطبه به وإن لم يحفظه كمن ألقيت إليه ~~القول بخلاف القول إنكم لكاذبون وألقوا إليهم السلام وليس هنا إلا خطاب ~~سمعوه لم يحصل نفس صفة المتكلم في المخاطب فكذلك مريم إذا ألقى الله كلمته ~~إليها هي قول كن لم يلزم أن تكون نفس صفته القائمة به حلت في مريم كما لم ~~يلزم أن تكون صفته القائمة به حلت في سائر من ألقى كلامه كما لا تحصل صفة ~~كل منكم فيمن يلقي إليه كلامه فصل في الرد على أن في عيسى طبيعتين وأما ~~قولهم وعلى هذا المثال نقول في السيد المسيح طبيعتان طبيعة لاهوتية التي هي ~~طبيعة كلمة الله وروحه وطبيعة ناسوتية التي أخذها من مريم العذراء واتحدت ~~به فيقال لهم كلام النصارى في هذا الباب مضطرب مختلف مناقض وليس لهم في ذلك ~~قول اتفقوا عليه ولا قول معقول ولا قول دل عليه كتاب بل هم فيه فرق وطوائف ~~كل فرقة تكفر الأخرى كاليعقوبية والملكانية والنسطورية ونقل الأقوال عنهم ~~في ذلك مضطربة كثيرة الاختلاف ولهذا يقال لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا على ~~أحد عشر قولا وذلك أن ما هم عليه من اعتقادهم من التثليث والاتحاد كما هو ~~مذكور في أمانتهم لم ينطق به شيء من كتب الأنبياء ولا يوجد لا في كلام ~~المسيح ولا الحواريين ولا أحد من الأنبياء ولكن عندهم في الكتب ألفاظ ~~متشابهة وألفاظ محكمة يتنازعون في فهمها ثم القائلون منهم بالأمانة وهم ~~عامة النصارى اليوم من الملكانية والنسطورية واليعقوبية مختلفون في تفسيرها ~~ونفس قولهم متناقض يمتنع تصوره على الوجه ms025 الصحيح فلهذا صار كل منهم يقول ما ~~يظن أنه أقرب من غيره فمنهم من يراعي لفظ أمانتهم وإن صرح بالكفر الذي يظهر ~~فساده لكل أحد كاليعقوبية ومنهم من يستر بعض ذلك كالنسطورية وكثير منهم وهم ~~الملكانية بين هؤلاء وهؤلاء ولما ابتدعوا ما ابتدعوه من التثليث والحلول ~~كان فيهم من يخالفهم في ذلك PageV01P331 # وقد يوجد نقل الناس لمقالاتهم مختلفا وذلك بحسب قول الطائفة التي ينقل ~~ذلك الناقل قولها والقول الذي يحكيه كثير من نظائر المسلمين يوجد كثير منهم ~~على خلافه كما نقلوا عنهم ما ذكره أبو المعالي وصاحبه أبو القاسم الأنصاري ~~وغيرهما أن القديم واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنوم وأنهم يعنون بالأقنوم ~~الوجود والحياة والعلم ونقلوا عنهم أن الحياة والعلم ليسا بوصفين زائدين ~~على الذات موجودين بل هما صفتان نفسيتان للجوهر قالوا ولو مثل مذهبهم بمثال ~~لقيل إن الأقانيم عندهم تنزل منزلة الأحوال والصفات النفسية عند مثبتيها من ~~المسلمين فإن سوادية اللون ولونيته صفتان نفسيتان للعرض قال وربما يعبرون ~~عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس فيعنون بالأب الوجود وبالابن المسيح ~~والكلمة وربما سموا العلم كلمة والكلمة علما ويعبرون عن الحياة بالروح قال ~~ولا يريدون بالكلمة الكلام فإن الكلام عندهم من صفات الفعل ولا يسمون العلم ~~قبل تدرعه بالمسيح واتحاده به ابنا بل المسيح عندهم مع ما تدرع به ابن ~~قالوا ومن مذهبهم أن الكلمة اتحدت بالمسيح وتدرعت بالناسوت ثم اختلفوا في ~~معنى الاتحاد فمنهم من فسره بالاختلاط والامتزاج وهذا مذهب طوائف من ~~اليعقوبية والنسطورية والملكانية قالوا إن الكلمة خالطت جسد المسيح ومازجته ~~كما مازج الخمر الماء أو اللبن قالوا وهذا مذهب الروم ومعظمهم الملكانية ~~قالوا فمازجت الكلمة جسد المسيح فصارت شيئا واحدا وصارت الكثرة قلة وذهبت ~~طائفة من اليعاقبة إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما قالوا وصارت شرذمة من كل ~~صنف إلى أن المراد بالاتحاد ظهور اللاهوت على الناسوت كظهور الصورة في ~~المرآة والنقش في الخاتم ومنهم من قال ظهور اللاهوت على الناسوت كاستواء ~~الإله على العرش عند المسلمين وذهب كثير من ms026 هذه الطوائف إلى أن المراد ~~بالاتحاد الحلول فصل وأما قوله تعالى * (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) * يريد بحسب مقتضى العدل قومه الذين ~~آتاهم بلغتهم لا غير ممن لم يأتهم بما جاء به فيقال لهم من فسر مراد متكلم ~~أي متكلم كان بما يعلم الناس أنه خلاف مراده فهو PageV01P332 # كاذب مفتر عليه وإن كان المكلم من آحاد العامة ولو كان المتكلم من ~~المتنبئين الكذابين فإن عرف كذبه إذا تكلم بكلام وعرف مراده به لم يجز أن ~~يكذب عليه فيقال أراد كذا وكذا فإن الكذب حرام قبيح على كل أحد سواء كان ~~صادقا أو كاذبا فيكف بمن يفسر مراد الله ورسوله بما يعلم كل من خبر حاله ~~علما ضروريا أنه لم يرد ذلك بل يعلم علما ضروريا أنه أراد العموم فإن قوله ~~تعالى * (ومن يبتغ غير الإسلام دينا) * صيغة عامة وصيغة من الشرطية من أبلغ ~~صيغ العموم كقوله تعالى * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره) * ثم إن سياق الكلام يدل على أنه أراد أهل الكتاب وغيرهم فإن هذا ~~في سورة آل عمران في أثناء مخاطبته لأهل الكتاب ومناظرته للنصارى فإنها ~~نزلت لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران النصارى وروى أنهم ~~كانوا ستين راكبا وفيهم السيد والأيهم والعاقب وقصتهم مشهورة معروفة كما ~~تقدم ذكرها وقد قال قبل هذا الكلام يذم دين النصارى الذين ابتدعوه وغيروا ~~به دين المسيح ولبسوا الحق الذي بعث به المسيح بالباطل الذي ابتدعوه حتى ~~صار دينهم مركبا من حق وباطل واختلط أحدهما بالآخر فلا يكاد يوجد معه من ~~يعرف ما نسخه المسيح من شريعة التوراة مما أقره والمسيح قرر أكثر شرع ~~التوراة وغير المعنى وعامة النصارى لا يميزون ما قرره مما غيره فلا يعرف ~~دين المسيح قال تعالى * (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ~~ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم ms027 ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) * فقد بين أن من اتخذ الملائكة ~~والنبيين أربابا فهو كافر فمن اتخذ من دونهم أربابا كان أولى بالكفر وقد ~~ذكر أن النصارى اتخذوا من هو دونهم أربابا بقوله تعالى * (اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) * ثم قال تعالى في سورة آل عمران * ~~(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) * PageV01P333 # قال ابن عباس وغيره من السلف ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن ~~بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن ~~بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه والآية تدل على ما قالوا فإن قوله ~~تعالى (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين) يتناول جميع النبيين * (لما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) * وهذه اللام ~~الأولى تسمى اللام الموطئة للقسم واللام الثانية تسمى لام جواب القسم ~~والكلام إذا اجتمع فيه شرط وقسم وقدم القسم سد جواب القسم مسد جواب الشرط ~~والقسم كقوله تعالى * (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ~~ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون) * ومنه قوله تعالى * (ومنهم من ~~عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين) * وقوله * ~~(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) * وقوله * (وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة) * وقوله * ~~(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم) * ~~ومنه قوله * (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) * وقوله * ~~(ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) * وقوله * (لئن لم يرحمنا ربنا ~~ويغفر لنا لنكونن من ms028 الخاسرين) * PageV01P334 # وقوله * (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم) * وقوله * (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) * ~~وقوله * (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) * ~~وقوله * (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) * وقوله تعالى ~~* (ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون) * وقوله * ~~(ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم) * وقوله * (ولئن أخرنا عنهم ~~العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه) * ومثل هذا كثير وحيث لم يذكر ~~القسم فهو محذوف مراد تقدير الكلام والله لئن أخرجوا لا يخرجون معهم والله ~~ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ومن محاسن لغة العرب أنها تحذف من الكلام ما يدل ~~المذكور عليه اختصارا وإيجازا لا سيما فيما يكثر استعماله كالقسم وقوله * ~~(لما آتيتكم من كتاب وحكمة) * هي ما الشرطية والتقدير أي شيء أعطيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ولا تكتفوا بما ~~عندكم عما جاء به ولا يحملنكم ما آتيتكم من كتاب وحكمة على أن تتركوا ~~متابعته بل عليكم أن تؤمنوا به وتنصروه وإن كان معكم من قبله من كتاب وحكمة ~~فلا تستغنوا بما آتيتكم عما جاء به فإن ذلك لا ينجيكم من عذاب الله فدل ذلك ~~على أن من أدرك محمدا من الأنبياء وأتباعهم وإن كان معه كتاب وحكمة فعليه ~~أن يؤمن بمحمد وينصره كما قال * (لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول ~~مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) * وقد أقر الأنبياء بهذا الميثاق وشهد ~~الله عليهم به كما قال تعالى * (أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا ~~قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) * ثم قال تعالى * (فمن تولى بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون) * ثم قال تعالى * (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من ~~في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) * ثم قال PageV01P335 # تعالى * (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى ms029 والنبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون) * ثم قال تعالى * (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) * قالت طائفة من السلف لما أنزل الله ~~هذه الآية قال من قال من اليهود والنصارى نحن مسلمون فقال تعالى * (ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * فقالوا لا نحج فقال تعالى * ~~(ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) * فكل من لم ير حج البيت واجبا عليه مع ~~الاستطاعة فهو كافر باتفاق المسلمين كما دل عليه القرآن واليهود والنصارى ~~لا يرونه واجبا عليهم فهم من الكفار حتى أنه روي في حديث مرفوع إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فليمت ~~إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا وهو محفوظ من قول عمر بن الخطاب وقد اتفق ~~المسلمون على أن من جحد وجوب مباني الإسلام الخمس الشهادتين والصلوات الخمس ~~والزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت فإنه كافر وأيضا فقد قال تعالى في أول ~~سورة آل عمران * (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات ~~الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل ~~للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد) * فقد أمره تعالى بعد قوله * (إن ~~الدين عند الله الإسلام) * أن يقول أسلمت وجهي لله ومن PageV01P336 # اتبعن وأن يقول للذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى والأميين وهم ~~الذين لا كتاب لهم من العرب وغيرهم أأسلمتم فالعرب الأميون يدخلون في لفظ ~~الأميين باتفاق الناس وأما من سواهم فإما أن يشمله هذا اللفظ أو يدخل في ~~معناه بغيره من الألفاظ المبينة أنه أرسل إلى جميع الناس قال تعالى * (فإن ~~أسلموا فقد ms030 اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد) * فقد ~~أمر أهل الكتاب بالإسلام كما أمر به الأميين وجعلهم إذا أسلموا مهتدين وإن ~~لم يسلموا فقد قال إنما عليك البلاغ أي تبلغهم رسالات ربك إليهم والله هو ~~الذي يحاسبهم فدل بهذا كله على أنه عليه أن يبلغ أهل الكتاب ما أمرهم به من ~~الإسلام كما يبلغ الأميين وأن الله يحاسبهم على ترك الإسلام كما يحاسب ~~الأميين وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه إلى ~~هرقل ملك النصارى من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع ~~الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك ~~مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون الإسلام دين جميع ~~الأنبياء وأبلغ من ذلك أن الله تعالى أخبر في كتابه أن الإسلام دين ~~الأنبياء كنوح وإبراهيم ويعقوب وأتباعهم إلى الحواريين وهذا تحقيق لقوله ~~تعالى * (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) * و * (إن الدين عند ~~الله الإسلام) * في كل زمان ومكان قال تعالى عن نوح أول رسول بعثه إلى ~~الأرض * (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي ~~وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن ~~أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين) * فهذا نوح الذي غرق أهل ~~الأرض بدعوته وجعل جميع الآدميين من ذريته يذكر أنه أمر أن يكون من ~~المسلمين PageV01P337 # وأما الخليل فقال تعالى * (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ~~ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا ~~أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك ms031 أنت التواب الرحيم) * * (ومن ~~يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها ~~إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون) * فقد أخبر تعالى أنه أمر الخليل بالإسلام وأنه قال أسلمت لرب ~~العالمين وأن إبراهيم وصى بنيه ويعقوب وصى بنيه أن لا يموتن إلا وهم مسلمون ~~وقال تعالى * (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين) * وقال تعالى عن يوسف الصديق بن يعقوب أنه قال * ~~(رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين) * وقد قال ~~تعالى عن موسى * (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين) * وقال عن السحرة الذين آمنوا بموسى * (قالوا لا ضير إنا إلى ~~ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين) * ~~وقال تعالى * (وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ ~~علينا صبرا وتوفنا مسلمين) * قال تعالى في قصة سليمان * (إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين) * PageV01P338 # و * (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين) * وقال ~~تعالى * (وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين) * وقال تعالى عن بلقيس التي ~~آمنت بسليمان * (رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) * ~~وقال عن أنبياء بني إسرائيل * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) * وقال تعالى عن الحواريين * (وإذ أوحيت ~~إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) * وقال ~~تعالى * (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) * ~~فهؤلاء الأنبياء كلهم وأتباعهم كلهم يذكر الله تعالى ms032 أنهم كانوا مسلمين ~~وهذا مما يبين أن قوله تعالى * (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين) * وقوله * (إن الدين عند الله الإسلام) * لا ~~يختص بمن بعث إليه محمد صلى الله عليه وسلم بل هو حكم عام في الأولين ~~والآخرين ولهذا قال تعالى * (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ~~واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا) * وقال تعالى * (وقالوا ~~لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن ~~كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون) * PageV01P339 # فصل قال شيخ الإسلام الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى * (حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم) * PageV02P007 # وقوله تعالى * (إلا ما ذكيتم) * عائد إلى ما تقدم من المنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة وأكلية السبع عند عامة العلماء كالشافعي وأحمد بن حنبل ~~وأبي حنيفة وغيرهم فما أصابه الموت قبل أن يموت أبيح لكن تنازع العلماء ~~فيما يذكى من ذلك فمنهم من قال ما تيقن موته لا يذكى كقول مالك ورواية عن ~~أحمد ومنهم من يقول ما يعيش معظم اليوم ذكي ومنهم من يقول ما كانت فيه حياة ~~مستقرة ذكي كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد ثم من هؤلاء من يقول ~~الحياة المستقرة ما يزيد على حركة المذبوح ومنهم من يقول ما يمكن أن يزيد ~~على حياة المذبوح والصحيح أنه إذا كان حيا فذكي حل أكله ولا يعتبر في ذلك ~~حركة مذبوح فإن حركات المذبوح لا تنضبط بل فيها ما يطول زمانه وتعظم حركته ~~وفيها ما يقل زمانه وتضعف حركته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ما أنهر ~~الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا فمتى جرى الدم الذي يجري من المذبوح الذي ~~ذبح وهو حي حل أكله والناس يفرقون بين دم ما كان ms033 حيا ودم ما كان ميتا فإن ~~الميت يجمد دمه ويسود ولهذا حرم الله الميتة لاحتقان الرطوبات فيها فإذا ~~جرى منه الدم الذي يخرج من المذبوح الذي ذبح وهو حي حل أكله وإن تيقن أنه ~~يموت فإن المقصود ذبح وما فيه حياة فهو حي وإن تيقن أنه يموت بعد ساعة فعمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه تيقن أنه يموت وكان حيا جازت وصيته وصلاته وعهوده ~~وقد أفتى غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم بأنها إذا مصعت بذنبها أو طرفت ~~بعينها أو ركضت برجلها بعد الذبح حلت ولم يشترطوا أن تكون حركتها قبل ذلك ~~أكثر من حركة المذبوح وهذا قاله الصحابة لأن الحركة دليل على الحياة ~~والدليل لا ينعكس فلا يلزم إذا لم يوجد هذا منها أن تكون ميتة بل قد تكون ~~حية وإن لم يوجد منها مثل ذلك والإنسان قد يكون نائما فيذبح وهو نائم ولا ~~يضطرب وكذلك المغمي عليه يذبح ولا يضطرب وكذلك الدابة قد تكون حية فتذبح ~~ولا تضطرب لضعفها عن الحركة وإن كانت حية ولكن خروج الدم الذي لا يخرج إلا ~~من مذبوح وليس هو دم الميت دليل على الحياة والله أعلم PageV02P008 # فصل وتجوز ذكاة المرأة والرجل وتذبح المرأة وإن كانت حائضا فإن حيضتها ~~ليست في يدها وذكاة المرأة جائزة باتفاق المسلمين وقد ذبحت امرأة شاة فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها فصل والتسمية على الذبيحة مشروعة لكن قيل ~~هي مستحبة كقول الشافعي وقيل واجبة مع العمد وتسقط مع السهو كقول أبي حنيفة ~~ومالك وأحمد في المشهور عنه وقيل تجب مطلقا فلا تؤكل الذبيحة بدونها سواء ~~تركها عمدا أو سهوا كالرواية الأخرى عن أحمد اختارها أبو الخطاب وغيره وهو ~~قول غير واحد من السلف وهذا أظهر الأقوال فإن الكتاب والسنة قد علقا الحل ~~بذكر اسم الله في غير موضع كقوله * (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه) * وقوله * (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) * * (وما لكم ألا ~~تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه) * * (ولا تأكلوا ms034 مما لم يذكر اسم الله عليه) ~~* وفي الصحيحين أنه قال ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا وفي الصحيح ~~أنه قال لعدي إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فقتل فكل وإن خالط كلبك ~~كلاب آخر فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره وثبت في ~~الصحيح أن الجن سألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله ~~عليه أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن فهو صلى الله عليه وسلم لم ~~يبح للجن المؤمنين إلا ما ذكر اسم الله عليه فكيف بالإنس ولكن إذا وجد ~~الإنسان لحما قد ذبحه غيره جاز له أن يأكل منه ويذكر اسم الله عليه لحمل ~~أمر الناس على الصحة والسلامة كما ثبت في الصحيح أن قوما قالوا يا رسول ~~الله إن ناسا حديثي عهد بالإسلام يأتونا باللحم ولا ندري أذكروا اسم الله ~~عليه أم لم يذكروا فقال سموا أنتم وكلوا فصل أما عظم الميتة وقرنها وظفرها ~~وما هو من جنس ذلك كالحافر ونحوه وشعرها وريشها ووبرها PageV02P009 # ففي هذين النوعين للعلماء ثلاثة أقوال أحدها نجاسة الجميع كقول الشافعي ~~في المشهور وذلك رواية عن أحمد والثاني أن العظام ونحوها نجسة والشعور ~~ونحوها طاهرة وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد والثالث أن الجميع طاهر ~~كقول أبي حنيفة وهو قول في مذهب مالك وأحمد وهذا القول هو الصواب لأن الأصل ~~فيها الطهارة ولا دليل على النجاسة وأيضا فإن هذه الأعيان هي من الطيبات ~~ليست من الخبائث فتدخل في آية التحليل وذلك لأنها لم تدخل فيما حرمه الله ~~من الخبائث لا لفظا ولا معنى أما اللفظ فكقوله تعالى * (حرمت عليكم الميتة) ~~* لا يدخل فيها الشعور وما أشبهها وذلك لأن الميت ضد الحي والحياة نوعان ~~حياة الحيوان وحياة النبات فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية ~~وحياة النبات النمو والاغتذاء وقوله * (حرمت عليكم الميتة) * إنما هو بما ~~فارقته الحياة ms035 الحيوانية دون النباتية فإن الزرع والشجر إذا يبس لم ينجس ~~باتفاق المسلمين وقد تموت الأرض ولا يوجب ذلك نجاستها باتفاق المسلمين ~~وإنما الميتة المحرمة ما كان فيها الحس والحركة الإرادية وأما الشعر فإنه ~~ينمو ويغتذي ويطول كالزرع ليس فيه حس ولا يتحرك بإرادة ولا تحله الحياة ~~الحيوانية حتى يموت بمفارقتها ولا وجه لتنجيسه وأيضا فلو كان الشعر جزءا من ~~الحيوان لما أبيح أخذه في حال الحياة فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~قوم يحبون أسنمة الإبل وأليات الغنم فقال ما أبين من البهيمة وهي حية فهو ~~ميت رواه أبو داود وغيره وهذا متفق عليه بين العلماء فلو كان حكم الشعر حكم ~~السنام والألية لما جاز قطعه في حال الحياة فلما اتفق العلماء على أن الشعر ~~والصوف إذا جز من الحيوان كان حلالا طاهرا علم أنه ليس مثل اللحم وأيضا فقد ~~ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى شعره لما حلق رأسه للمسلمين وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يستنجي ويستجمر فمن سوى بين الشعر والبول والعذرة ~~فقد أخطأ خطأ مبينا وأما العظام ونحوها فإذا قيل أنها داخلة في الميتة ~~لأنها تنجس قيل لمن قال ذلك لم تأخذوا بعموم اللفظ فإن ما لا نفس له سائلة ~~كالذباب والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم PageV02P010 # وعند جمهور العلماء مع أنها ميتة موتا حيوانيا وقد ثبت في الصحيح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله فإن في ~~أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء ومن نجس هذا قال في أحد القولين أنه لا ينجس ~~المائعات الواقعة فيه لهذا الحديث وإذا كان كذلك علم أن علة نجاسة الميتة ~~إنما هو احتباس الدم فيها فما لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل فإذا مات لم ~~يحتبس فيه الدم فلا ينجس فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجيس من هذا فإن العظم ~~ليس فيه دم سائل ولا كان متحركا بالإرادة إلا على وجه التبع فإذا كان ~~الحيوان الكامل الحساس المتحرك ms036 بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل ~~فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه سائل ومما يبين صحة قول الجمهور أن الله إنما ~~حرم علينا الدم المسفوح كما قال تعالى * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا) * فإذا عفي عن الدم غير ~~المسفوح مع أنه من جنس الدم حيث علم أن الله سبحانه فرق بين الدم الذي يسيل ~~وبين غيره فلهذا كان المسلمون يصنعون اللحم في المرق وخيوط الدم في القدر ~~تبين ويأكلون ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبرت بذلك ~~عائشة رضي الله عنها ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق كما يفعل اليهود ~~والله تعالى حرم ما مات حتف أنفه أو لسبب غير جارح محدد كالموقودة ~~والمتردية والنطيحة وحرم صلى الله عليه وسلم ما صيد بغيره من المعراض وقال ~~إنه وقيذ والفرق بينهما إنما هو سفح الدم فدل على أن سبب التنجيس هو احتقان ~~الدم واحتباسه وإذا سفح بوجه خبيث بأن يذكر عليه غير اسم الله كان الخبث ~~هنا من وجه آخر فإن التحريم تارة لوجود الدم وتارة لفساد التذكية كذكاة ~~المجوسي والمرتد والذكاة في غير المحل فإذا كان كذلك فالعظم والظفر والقرن ~~والظلف وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح فلا وجه لتنجيسه وهذا قول جمهور السلف ~~قال الزهري كان خيار هذه الأمة يتمشطون بأمشاط من عظام الفيل وقد روي في ~~العاج حديث معروف لكن فيه نظر ليس هذا موضعه فإنا لا نحتاج إلى الاستدلال ~~بذلك وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شاة ~~ميمونة هلا أخذتم إهابها PageV02P011 # فانتفعتم به قالوا إنها ميتة قال إنما حرم أكلها وليس في البخاري ذكر ~~الدباغ ولم يذكره عامة أصحاب الزهري عنه ولكن ذكره ابن عيينة ورواه مسلم في ~~صحيحه وقد طعن الإمام أحمد في ذلك وأشار إلى غلط ابن عيينة فيه وذكر أن ~~الزهري وغيره كانوا يبيحون الانتفاع بجلود الميتة بلا ms037 دباغ لأجل هذا الحديث ~~وحينئذ فهذا النص يقتضي جواز الانتفاع بها بعد الدبغ بطريق الأولى لكن إذا ~~قيل أن الله حرم بعد ذلك الانتفاع بالجلود حتى تدبغ أو قيل إنها لا تطهر ~~بالدباغ لم يلزم تحريم العظام ونحوها لأن الجلد جزء من الميتة فيه الدم كما ~~في سائر أجزائه والنبي صلى الله عليه وسلم جعل ذكاته دباغه لأن الدبغ ينشف ~~رطوبته فدل على أن سبب التنجيس هو الرطوبات والعظم ليس فيه نفس سائلة وما ~~كان فيه منها فإنه يجف وييبس وهي تبقى وتحفظ أكثر من الجلد فهي أولى ~~بالجهارة من الجلد والعلماء تنازعوا في الدباغ هل يطهر فذهب مالك وأحمد في ~~المشهور عنهما أنه لا يطهر ومذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور أنه يطهر ~~وإلى هذا القول رجع الإمام أحمد كما ذكر ذلك عنه الترمذي وحديث ابن حكيم ~~يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم أن ينتفعوا من الميتة بإهاب ولا ~~عصب بعد أن كان أذن لهم في ذلك لكن هذا قد يكون قبل الدباغ فيكون قد رخص ~~فإن حديث الزهري بين أنه قد رخص في جلود الميتة قبل الدباغ فيكون قد رخص ~~لهم في ذلك لما نهاهم عن الانتفاع بها قبل الدباغ نهاهم صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك ولهذا قال طائفة من أهل اللغة أن الإهاب اسم لما لا يدبغ ولهذا قرن ~~معه العصب والعصب لا يدبغ فصل وأما لبن الميتة وأنفحتها ففيه قولان مشهوران ~~للعلماء أحدهما أن ذلك طاهر كقول أبي حنيفة وغيره وهو إحدى الروايتين عن ~~الإمام أحمد والثاني أنه نجس كقول الشافعي والرواية الأخرى عن أحمد وعلى ~~هذا النزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس فإن ذبائح المجوس حرام عند جمهور ~~السلف والخلف وقد قيل أن ذلك مجمع عليه بين الصحابة فإذا صنعوا جبنا والجبن ~~يصنع بالأنفحة كان فيه هذان القولان والأظهر أن إنفحة الميتة ولبنها طاهر ~~لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا من جبن المجوس وكان هذا ظاهرا ~~سائغا بينهم وما ينقل عن ms038 بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر PageV02P012 # فإنه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر وأهل العراق كانوا أعلم بهذا فإن ~~المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز ويدل على ذلك أن سلمان ~~الفارسي كان نائب عمر بن الخطاب على المدائن وكان يدعو الفرس إلى الإسلام ~~وقد ثبت عنه أنه سئل عن شيء من السمن والجبن والفراء فقال الحلال ما حلله ~~الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ~~وقد رواه أبو داود مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لم يكن ~~السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب فإن هذا أمر بين وإنما كان السؤال عن ~~جبن المجوس فدل ذلك على أن سلمان كان يفتي بحلها وإذا كان ذلك روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم انقطع النزاع بقول النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا ~~فاللبن والإنفحة لم يموتا وإنما نجسها من نجسها لكونها في وعاء نجس فتكون ~~مائعا في وعاء نجس فالنجس مبني على مقدمتين على أن المائع لاقى وعاء نجسا ~~وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسا فيقال أولا لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة ~~النجاسة وقد تقدم أن السنة دلت على طهارته لا على نجاسته ويقال ثانيا ~~الملاقاة في الباطن لا حكم لها كما قال تعالى * (من بين فرث ودم لبنا خالصا ~~سائغا للشاربين) * ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في باطنه ~~والله أعلم فصل في قوله تعالى * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * سئل ~~شيخ الإسلام عن جماعة من المسلمين اشتد نكيرهم على من أكل من ذبيحة يهودي ~~أو نصراني مطلقا ولا يدري ما حالهم هل دخلوا في دينهم قبل نسخه وتحريفه ~~وقبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أم بعد ذلك بل يتناكحون وتقر مناكحتهم ~~عند جميع الناس وهم أهل ذمة يؤدون الجزية ولا يعرف من هم ولا من هم آباؤهم ~~فهل للمنكرين عليهم منعهم من الذبح للمسلمين أم لهم الأكل من ذبائحهم كسائر ms039 ~~بلاد المسلمين أجاب رضي الله عنه ليس لأحد أن ينكر على أحد أكل من ذبيحة ~~اليهود والنصارى في هذا الزمان ولا يحرم ذبحهم للمسلمين ومن أنكر ذلك فهو ~~جاهل مخطىء مخالف لإجماع المسلمين فإن أصل هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين ~~علماء المسلمين ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة ~~وإيضاح المحجة لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد فإن هذا فعل أهل ~~الجهل والأهواء كيف والقول بتحريم ذلك PageV02P013 # في هذا الزمان وقبله قول ضعيف جدا مخالف لما علم من سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولما علم من حال أصحابه والتابعين لهم بإحسان وذلك لأن ~~المنكر لهذا لا يخرج عن قولين إما أن يكون ممن يحرم ذبائح أهل الكتاب مطلقا ~~كما يقول ذلك من يقوله من الرافضة وهؤلاء يحرمون نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم ~~وهذا ليس من أقوال أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا ولا من أقوال ~~أتباعهم وهو خطأ مخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم فإن الله تعالى قال ~~في كتابه * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من ~~المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) * فإن قيل هذه الآية ~~معارضة بقوله * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * وبقوله تعالى * (ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر) * قيل الجواب من ثلاثة أوجه أحدهما أن الشرك المطلق ~~في القرآن لا يدخل فيه أهل الكتاب وإنما يدخلون في الشرك المقيد قال الله ~~تعالى * (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) * فجعل المشركين ~~قسما غير أهل الكتاب وقال تعالى * (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا) * فجعلهم قسما غيرهم فأما دخولهم في ~~المقيد ففي قوله تعالى * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون) * فوصفهم بأنهم مشركون وسبب هذا أن أصل دينهم الذي أنزل الله ~~به الكتب وأرسل به الرسل ليس فيه شرك كما قال تعالى * (وما أرسلنا من قبلك ~~من ms040 رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) * وقال تعالى * (واسأل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) * وقال * ~~(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) * ولكنهم ~~بدلوا وغيروا فابتدعوا من الشرك ما لم ينزل به الله سلطانا فصار فيهم شرك ~~باعتبار ما ابتدعوا لا باعتبار أصل الدين وقوله تعالى " ولا تمسكوا بعصم ~~PageV02P014 # الكوافر هو تعريف للكوافر المعروفات اللاتي كن في عصم المسلمين وأولئك كن ~~مشركات لا كتابيات من أهل مكة ونحوها والوجه الثاني إذا قدر أن لفظ ~~المشركات ولفظ الكوافر يعني الكتابيات فآية المائدة خاصة وهي متأخرة نزلت ~~بعد سورة البقرة والممتحنة باتفاق باتفاق العلماء كما في الحديث المائدة من ~~آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها والخاص المتأخر يقضي على ~~العام المتقدم باتفاق علماء المسلمين لكن الجمهور يقولون أنه مفسر له فتبين ~~أن صورة التخصيص لم ترد باللفظ العام وطائفة يقولون أن ذلك نسخ بعد أن شرع ~~الوجه الثالث إذا فرضنا النصين خاصين فأحد النصين حرم ذبائحهم ونكاحهم ~~والآخر أحلهما فالنص المحلل لهما هنا يجب تقديمه لوجهين أحدهما أن سورة ~~المائدة هي المتأخرة باتفاق العلماء فتكون ناسخة للنص المتقدم ولا يقال أن ~~هذا نسخ للحكم مرتين لأن فعل ذلك قبل التحريم لم يكن بخطاب شرعي حلل ذلك بل ~~كان لعدم التحريم بمنزلة شرب الخمر وأكل الخنزير ونحو ذلك والتحريم المبتدأ ~~لا يكون نسخا لاستصحاب حكم الفعل ولهذا لم يكن تحريم النبي صلى الله عليه ~~وسلم لكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ناسخا لما دل عليه قوله ~~تعالى * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه) * الآية من أن ~~الله عز وجل لم يحرم قبل نزول الآية إلا هذه الأصناف الثلاثة فإن هذه الآية ~~نفت تحريم ما سوى الثلاثة إلى حين نزول الآية ولم يثبت تحليل ما سوى ذلك بل ~~كان ما سوى ذلك عفوا لا تحليل فيه ولا تحريم كفعل الصبي ms041 والمجنون وكما في ~~الحديث المعروف الحلال ما حلله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في ~~كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه وهذا محفوظ عن سلمان الفارسي موقوفا ~~عليه أو مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على ذلك أنه قال في سورة ~~المائدة * (اليوم أحل لكم الطيبات) * فأخبر أنه أحلها ذلك اليوم وسورة ~~المائدة مدنية بالإجماع وسورة الأنعام مكية بالإجماع فعلم أن تحليل الطيبات ~~كان بالمدينة لا بمكة وقوله تعالى * (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات) * * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) * إلى ~~آخرها فثبت PageV02P015 # نكاح الكتابيات وقبل ذلك كان إما عفوا على الصحيح وإما محرما ثم نسخ يدل ~~عليه أن آية المائدة لم ينسخها شيء الوجه الثاني أنه قد ثبت حل طعام أهل ~~الكتاب بالكتاب والسنة والإجماع والكلام في نسائهم كالكلام في ذبائحهم فإذا ~~ثبت حل أحدهما ثبت حل الآخر وحل أطعمتهم ليس له معارض أصلا ويدل على ذلك أن ~~حذيفة بن اليمان تزوج يهودية ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على أنهم ~~كانوا مجتمعين على جواز ذلك فإن قيل قوله تعالى * (وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم) * محمول على الفواكه والحبوب قيل هذا خطأ لوجوه أحدها أن ~~هذه مباحة من أهل الكتاب والمشركين والمجوس فليس في تخصيصها بأهل الكتاب ~~فائدة الثاني أن إضافة الطعام إليهم يقتضي أنه صار طعاما بفعلهم وهذا إنما ~~يستحق في الذبائح التي صارت لحما بذكاتهم فأما الفواكه فإن الله خلقها ~~مطعومة لم تصر طعاما بفعل آدمي الثالث أنه قرن حل الطعام بحل النساء وأباح ~~طعامنا لهم كما أباح طعامهم لنا ومعلوم أن حكم النساء مختص بأهل الكتاب دون ~~المشركين وكذلك حكم الطعام والفاكهة والحب لا يختص بأهل الكتاب الرابع أن ~~لفظ الطعام عام وتناوله اللحم ونحوه أقوى من تناوله للفاكهة فيجب إقرار ~~اللفظ على عمومه لا سيما وقد قرن به قوله تعالى * (وطعامكم حل لهم) * ونحن ~~يجوز لنا أن نطعمهم كل أنواع طعامنا فكذلك ms042 يحل لنا أن نأكل أنواع طعامهم ~~وأيضا فقد ثبت في الصحاح بل بالنقل المستفيض أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أهدت له اليهودية عام خيبر شاة مشوية فأكل منها لقمة ثم قال إن هذه تخبرني ~~أن فيها سما ولولا أن ذبائحهم حلال لما تناول من تلك الشاة وثبت في الصحيح ~~أنهم لما غزوا خيبر أخذ بعض الصحابة جرابا فيه شحم قال قلت لا أطعم اليوم ~~من هذا أحدا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ولم ينكر عليه ~~وهذا مما استدل به العلماء على جواز أكل جيش المسلمين من طعام أهل الحرب ~~قبل القسمة وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة يهودي إلى ~~خبز شعير وإهالة سنخة رواه الإمام أحمد والإهالة في الودك الذي يكون من ~~الذبيحة ومن السمن ونحوه الذي يكون في أوعيتهم التي يطبخون فيها في العادة ~~ولو كانت ذبائحهم محرمة لكانت أوانيهم كأواني المجوس ونحوهم PageV02P016 # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأكل في أوعيتهم حتى ~~رخص أن يغسل وأيضا فقد استفاض أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~فتحوا الشام والعراق ومصر كانوا يأكلون من ذبائح أهل الكتاب اليهود ~~والنصارى وإنما امتنعوا من ذبائح المجوس ووقع في جبن المجوس من النزاع ما ~~هو معروف بين المسلمين لأن الجبن يحتاج إلى الإنفحة وفي إنفحة الميتة نزاع ~~معروف بين العلماء فأبو حنيفة يقول بطهارتها ومالك والشافعي يقولان ~~بنجاستها وعن أحمد روايتان فصل المأخذ الثاني الإنكار على من يأكل ذبائح ~~أهل الكتاب هو كون هؤلاء الموجودين لا يعلم أنهم من ذرية من دخل في دينهم ~~قبل النسخ والتبديل وهو المأخذ الذي دل عليه كلام السائل وهو المأخذ الذي ~~تنازع فيه علماء المسلمين أهل السنة والجماعة وهذا مبني على أصل وهو أن ~~قوله تعالى * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات ~~من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) * هل المراد به من ~~هو بعد ms043 نزول القرآن متدين بدين أهل الكتاب أو المراد به من كان آباؤه قد ~~دخلوا في دين أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل على قولين للعلماء فالقول ~~الأول هو قول جمهور المسلمين من السلف والخلاف وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ~~وأحد القولين في مذهب أحمد بل هو المنصوص عنه صريحا والثاني قول الشافعي ~~وطائفة من أصحاب أحمد وأصل هذا القول أن عليا وابن عباس تنازعا في ذبائح ~~بني تغلب فقال علي لا تباح ذبائحهم ولا نساؤهم فإنهم لم يتمسكوا من ~~النصرانية إلا بشرب الخمر وروي عنه تغزوهم لأنهم لم يقوموا بالشروط التي ~~شرطها عليهم عثمان فإنه شرط عليهم أن لا وغير ذلك من الشروط وقال ابن عباس ~~بل تباح لقوله تعالى * (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) * وعامة المسلمين من ~~الصحابة وغيرهم لم يحرموا ذبائحهم ولا يعرف ذلك إلا عن علي وحده وقد روي ~~معنى قول ابن عباس عن عمر بن الخطاب فمن العلماء من رجح قول عمر وابن عباس ~~وهو قول الجمهور كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وصححها ~~طائفة من أصحابه بل هي آخر قوليه بل عامة المسلمين من الصحابة والتابعين ~~وتابعيهم على هذا القول وقال أبو بكر الأثرم ما علمت أحدا من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم كرهه إلا عليا وهذا قول جماهير فقهاء الحجاز والعراق ~~وفقهاء الحديث والرأي كالحسن وإبراهيم النخعي والزهري وغيرهم وهو الذي نقله ~~عن أحمد أكثر PageV02P017 # أصحابه وقال إبراهيم بن الحارث كان آخر قولي أحمد على أنه لا يرى ~~بذبائحهم بأسا ومن العلماء من رجح قول علي وهو قول الشافعي وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه وأحمد إنما اختلف اجتهاده في بني تغلب وهم الذين تنازع فيهم ~~الصحابة فأما سائر اليهود والنصارى من العرب مثل تنوخ وبهراء وغيرهما من ~~اليهود فلا أعرف عن أحمد في حل ذبائحهم نزاعا ولا عن الصحابة ولا عن ~~التابعين وغيرهم من السلف وإنما كان النزاع بينهم في بني تغلب خاصة ولكن من ~~أصحاب أحمد من جعل فيهم روايتين كبني ms044 تغلب والحل مذهب الجمهور كأبي حنيفة ~~ومالك وما أعلم للقول الآخر قدوة من السلف ثم هؤلاء المذكورون من أصحاب ~~أحمد قالوا بأنه من كان أحد أبويه غير كتابي بل مجوسيا لم تحل ذبيحته ~~ومناكحته نسائه وهذا مذهب الشافعي فيما إذا كان الأب مجوسيا وأما الأم فله ~~فيها قولان فإن كان الأبوان مجوسيين حرمت ذبيحته عند الشافعي ومن وافقه من ~~أصحاب أحمد وحكي ذلك عن مالك وغالب ظني أن هذا غلط على مالك فإني لم أجده ~~في كتب أصحابه وهذا تفريع على الرواية المخرجة عن أحمد في سائر اليهود ~~والنصارى من العرب وهذا مبني على إحدى الروايتين عنه في نصارى بني تغلب وهي ~~الرواية التي اختارها هؤلاء فأما إذا جعل الروايتين في بني تغلب دون غيرهم ~~من العرب أو قيل أن النزاع عام وفرعنا على القول بحل ذبائح بني تغلب ~~ونسائهم كما هو قول الأكثرين فإنه على هذه الرواية لا عبرة بالنسب بل لو ~~كان الأبوان جميعا مجوسيين أو وثنيين والولد من أهل الكتاب فحكمه حكم أهل ~~الكتاب على هذا القول بلا ريب كما صرح بذلك الفقهاء من أصحاب أحمد وأبي ~~حنيفة وغيرهم ومن ظن من أصحاب أحمد وغيرهم أن تحريم نكاح من أبواه مجوسيان ~~أو أحدهما مجوسي قول واحد في مذهبه فهو مخطىء خطأ لا ريب فيه لأنه لم يعرف ~~أصل النزاع في هذه المسألة ولهذا كان من هؤلاء من يتناقض فيجوز أن يقر ~~بالجزية من دخل في دينهم بعد النسخ والتبديل ويقول مع هذا بتحريم نكاح ~~نصراني العرب مطلقا ومن كان أحد أبويه غير كتابي كما فعل ذلك طائفة من ~~أصحاب أحمد وهذا تناقض والقاضي أبو يعلى وإن كان قد قال هذا القول هو ~~وطائفة من أتباعه فقد رجع عن هذا القول في الجامع الكبير وهو آخر كتبه فذكر ~~فيمن انتقل إلى دين أهل الكتاب من عبدة الأوثان كالروم وقبائل من العرب وهم ~~تنوخ وبهراء ومن بني تغلب هل تجوز مناكحتهم وأكل ذبائحهم وذكر أن المنصوص ~~عن أحمد أنه ms045 لا بأس بنكاح نصارى بني تغلب وأن الرواية الأخرى مخرجة على ~~الروايتين عنه في ذبائحهم واختار أن المنتقل إلى دينهم حكمه حكمهم ~~PageV02P018 # سواء كان انتقاله بعد مجيء شريعتنا أو قبلها وسواء انتقل إلى دين ~~المبدلين أو دين لم يبدل ويجوز مناكحته وأكل ذبيحته وإذا كان هذا فيمن ~~أبواه مشركان من العرب والروم فمن كان أحد أبويه مشركا فهو أولى بذلك هذا ~~هو المنصوص عن أحمد فإن قد نص على أنه من دخل في دينهم بعد النسخ والتبديل ~~كمن دخل في دينهم في هذا الزمان فإنه يقر بالجزية قال أصحابه وإذا أقررناه ~~بالجزية حلت ذبائحهم ونساؤهم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما وأصل النزاع ~~في هذه المسألة ما ذكرته من نزاع علي وغيره من الصحابة في بني تغلب ~~والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه والجمهور أحلوها وهي الرواية الأخرى ~~عن أحمد ثم الذين كرهوا ذبائح بني تغلب تنازعوا في مأخذ علي فظن بعضهم أن ~~عليا إنما حرم ذبائحهم ونساءهم لكونه لم يعلم أن آباءهم دخلوا في دين أهل ~~الكتاب قبل النسخ والتبديل وبنوا على هذا أن الاعتبار في أهل الكتاب بالنسب ~~لا بنفس الرجل وأن من شككنا في أجداده هل كانوا من أهل الكتاب أم لا أخذنا ~~بالاحتياط فحقنا دمه بالجزية احتياطا وحرمنا ذبيحته ونساءه احتياطا وهذا ~~مأخذ الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد وقال آخرون بل علي لم يكره ذبائح بني ~~تغلب إلا لكونهم ما تدينوا بدين أهل الكتاب في واجباته ومحظوراته بل أخذوا ~~منه حل المحرمات فقط ولهذا قال إنهم لم يتمسكوا من دين أهل الكتاب إلا بشرب ~~الخمر وهذا المأخذ من قول علي هو المنصوص عن أحمد وغيره وهو الصواب ~~وبالجملة فالقول بأن أهل الكتاب المذكورين في القرآن هم من كان دخل جده في ~~ذلك قبل النسخ والتبديل قول ضعيف والقول بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~أراد ذلك قول ضعيف بل الصواب المقطوع به أن كون الرجل كتابيا أو غير كتابي ~~هو حكم مستقل بنفسه ms046 لا بنسبه وكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم سواء ~~كان أبوه أو جده دخل في دينهم أو لم يدخل وسواء كان دخوله قبل النسخ ~~والتبديل أو بعد ذلك وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك وهو المنصوص ~~الصريح عن أحمد وإن كان بين أصحابه في ذلك نزاع معروف وهذا القول هو الثابت ~~عن الصحابة رضي الله عنهم ولا أعلم بين الصحابة في ذلك نزاعا وقد ذكر ~~الطحاوي أن هذا إجماع قديم واحتج بذلك في هذه المسألة على من لا يقر الرجل ~~في دينهم بعد النسخ والتبديل كمن هو في زماننا إذا انتقل إلى دين أهل ~~الكتاب فإنه تؤكل ذبيحته وتنكح نساؤه وهذا يبين خطأ من يناقض منهم ~~PageV02P019 # وأصحاب هذا القول الذي هو قول الجمهور يقولون من دخل هو أو أبواه أو جده ~~في دينهم بعد النسخ والتبديل أقر بالجزية سواء دخل في زماننا هذا أو قبله ~~وأصحاب القول الآخر يقولون متى علمنا أنه لم يدخل إلا بعد النسخ والتبديل ~~لم تقبل منه الجزية كما يقوله بعض أصحاب أحمد مع أصحاب الشافعي والصواب قول ~~الجمهور والدليل عليه من وجوه أحدها أنه قد ثبت أنه كان من أولاد الأنصار ~~جماعة تهودوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بقليل كما قال ابن عباس أن ~~المرأة كانت مقلاتا والمقلات التي لا يعيش لها ولد كثيرة القلت والقلت ~~الموت والهلاك كما ياقل امرأة مذكار ميناث إذا كانت كثيرة الولادة للذكور ~~والإناث والسما الكثيرة الموت قال ابن عباس فكانت المرأة تنذر إن عاش لها ~~ولدان تجعل أحدهما يهوديا لكون اليهود كانوا أهل علم وكتاب والعرب كانوا ~~أهل شرك وأوثان فلما بعث الله محمدا كان جماعة من أولاد الأنصار تهودوا ~~فطلب آباؤهم أن يكرهوهم على الإسلام فأنزل الله تعالى * (لا إكراه في الدين ~~قد تبين الرشد من الغي) * الآية فقد ثبت أن هؤلاء كان آباؤهم موجودين ~~تهودوا ومعلوم أن هذا دخول بأنفسهم في اليهودية قبل الإسلام وبعد مبعث ~~المسيح صلوات الله عليه وهذا بعد ms047 النسخ والتبديل ومع هذا نهى الله عز وجل ~~عن إكراه هؤلاء الذين تهودوا بعد النسخ والتبديل على الإسلام وأقرهم ~~بالجزية وهذا صريح في جواز عقد الذمة لمن دخل بنفسه في دين أهل الكتاب بعد ~~النسخ والتبديل فعلم أن هذا القول هو الصواب دون الآخر ومتى ثبت أنه يعقد ~~له الذمة ثبت أن العبرة بنفسه لا بنسبه وأنه تباح ذبيحته وطعامه باتفاق ~~المسلمين فإن المانع لذلك لم يمنعه إلا بناء على أن هذا الصنف ليسوا من أهل ~~الكتاب فلا يدخلون فإذا ثبت بنص السنة أنهم من أهل الكتاب دخلوا في الخطاب ~~بلا نزاع الوجه الثاني أن جماعة من اليهود الذين كانوا بالمدينة وحولها ~~كانوا عربا ودخلوا في دين اليهود ومع هذا فلم يفصل النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أكل طعامهم وحل نسائهم وإقرارهم بالذمة بين من دخل أبواه بعد مبعث ~~عيسى عليه السلام ومن دخل قبل ذلك ولا بين المشكوك في نفسه بل حكم في ~~الجميع حكما واحدا عاما فعلم أن التفريق بين طائفة وطائفة وجعل طائفة لا ~~تقر بالجزية وطائفة تقر ولا تؤكل ذبائحهم وطائفة يقرون وتؤكل ذبائحهم تفريق ~~ليس له أصل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه وقد علم من ~~النقل الصحيح المستفيض أن أهل المدينة كان فيهم يهود كثير من العرب وغيرهم ~~من بني كنانة وحمير وغيرهما من العرب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لمعاذ لما بعثه إلى اليمن PageV02P020 # إنك تأتي قوما أهل كتاب وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا وعدله مغافر ولم ~~يفرق بين من دخل أبوه قبل النسخ أو بعده وكذلك وفد نجران وغيرهم من النصارى ~~الذين كان فيهم عرب كثيرون أقرهم بالجزية وكذلك سائر اليهود والنصارى من ~~قبائل العرب لم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ~~وأصحابه بين بعضهم وبعض بل قبلوا منهم الجزية وأباحوا ذبائحهم ونساءهم ~~وكذلك نصارى الروم وغيرهم لم يفرقوا بين صنف وصنف ومن تدبر السيرة النبوية ~~علم كل ms048 هذا بالضرورة وعلم أن التفريق قول محدث لا أصل له في الشريعة الوجه ~~الثالث أن كون الرجل مسلما أو يهوديا أو نصرانيا ونحو ذلك من أسماء الدين ~~هو حكم يتعلق بنفسه لا باعتقاده وإرادته وقوله وعمله لا يلحقه هذا الاسم ~~بمجرد اتصاف آبائه بذلك لكن الصغير حكمه في أحكام الدنيا حكم أبويه لكونه ~~لا يستقل بنفسه فإذا بلغ وتكلم بالإسلام أو بالكفر كان حكمه معتبرا بنفسه ~~باتفاق المسلمين فلو كان أبواه يهودا أو نصارى فأسلم كان من المسلمين ~~باتفاق المسلمين ولو كانوا مسلمين فكفر كان كافرا باتفاق المسلمين فقد كفر ~~بردة لم يقر عليه لكونه مرتدا لأجل آبائه وكل حكم علق بأسماء الدين من ~~إسلام وإيمان وكفر ونفاق وردة وتهود وتنصر إنما يثبت لمن اتصف بالصفات ~~الموجبة لذلك وكون الرجل من المشركين أو أهل الكتاب هو من هذا الباب فمن ~~كان بنفسه مشركا فحكمه حكم أهل الشرك وإن كان أبواه غير مشركين ومن كان ~~أبواه مشركين وهو مسلم فحكمه حكم المسلمين لا حكم المشركين فكذلك إذا كان ~~يهوديا أو نصرانيا وآباؤه مشركين فحكمه حكم اليهود والنصارى أما إذا تعلق ~~عليه حكم المشركين مع كونه من اليهود والنصارى لأجل كونه آبائه قبل النسخ ~~والتبديل كانوا مشركين فهذا خلاف الأصول الوجه الرابع أن يقال قوله تعالى * ~~(لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) * وقوله * (وقل للذين أوتوا ~~الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا) * وأمثال ذلك إنما هو خطاب ~~لهؤلاء الموجودين وإخبار عنهم المراد بالكتاب هو الكتاب الذي بأيديهم الذي ~~جرى عليه من النسخ والتبديل ما جرى ليس المراد به من كان متمسكا به قبل ~~النسخ والتبديل فإن أولئك لم يكونوا كفارا ولا هم ممن خوطبوا بشرائع القرآن ~~ولا قيل لهم في القرآن يا أهل الكتاب فإنهم قد ماتوا قبل نزول القرآن وإذا ~~كان كذلك فكل من تدين بهذا الكتاب الموجود عند أهل الكتاب فهو من أهل ~~الكتاب وهم كفار تمسكوا بكتاب مبدل منسوخ وهم مخلدون في نار جهنم كما يخلد ms049 ~~سائر أنواع الكفار والله تعالى مع ذلك سوغ إقرارهم بالجزية وأحل طعامهم ~~ونساءهم الوجه الخامس أن يقال هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب بالقرآن هم ~~كفار وإن كان أجدادهم كانوا مؤمنين وليس عذابهم في الآخرة بأخف من عذاب من ~~كان أبوه من غير PageV02P021 # أهل الكتاب بل وجود النسب الفاضل هو إلى تغليظ كفرهم أقرب منه إلى تخفيف ~~كفرهم فمن كان أبوه مسلما وارتد كان كفره أغلظ من كفر من أسلم هو ثم ارتد ~~ولهذا تنازع الناس فيمن ولد على الفطرة إذا ارتد ثم عاد إلى الإسلام هل ~~تقبل توبته على قولين هما روايتان عن أحمد وإذا كان كذلك فمن كان أبوه من ~~أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل ثم إنه لما بعث الله عيسى ومحمدا صلى الله ~~عليهما كفر بهما وبما جاءا به من عند الله واتبع الكتاب المبدل المنسوخ كان ~~كفره من أغلظ الكفر ولم يكن كفره أخف من كفر من دخل بنفسه في هذا الدين ~~المبدل ولا له بمجرد نسبه حرمة عند الله ولا عند رسوله ولا ينفعه دين آبائه ~~إذا كان هو مخالفا لهم فإن آباءه كانوا إذ ذاك مسلمين فإن دين الله هو ~~الإسلام في كل وقت فكل من آمن بكتب الله ورسله في كل زمان فهو مسلم ومن كفر ~~بشيء من كتب الله فليس مسلما في أي زمان كان وإذا لم يكن لأولاد بني ~~إسرائيل إذا كفروا مزية على أمثالهم من الكفار الذين ماثلوهم في اتباع ~~الدين المبدل المنسوخ علم بذلك بطلان الفرق بين الطائفتين وإكرام هؤلاء ~~بإقرارهم بالجزية وحل ذبائحهم ونسائهم دون هؤلاء وأنه فرق مخالف لأصول ~~الإسلام وأنه لو كان الفرق بالعكس كان أولى ولهذا يوبخ الله بني إسرائيل ~~على تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ما لا يوبخه غيرهم من أهل الكتاب ~~لأنه تعالى أنعم على أجدادهم نعما عظيمة في الدين والدنيا فكفروا نعمته ~~وكذبوا رسله وبدلوا كتابه وغيروا دينه فضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا ~~بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا ms050 بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك ~~بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون فهم مع شرف آبائهم وحق دين أجدادهم من أسوأ الكفار عند الله ~~وهو أشد غضبا عليهم من غيرهم لأن في كفرهم من الاستكبار والحسد والمعاندة ~~والقسوة وكتمان العلم وتحريف الكتاب وتبديل النص وغير ذلك ما ليس في كفر ~~هؤلاء فكيف يجعل لهؤلاء الأرجاس الأنجاس الذين هم من أبغض الخلق إلى الله ~~مزية على سائر إخوانهم الكفار مع أن كفرهم إما مماثل لكفر إخوانهم الكفار ~~وإما أغلظ منه إذ لا يمكن أحدا أن يقول إن كفر الداخلين أغلظ من كفر هؤلاء ~~مع تماثلهما في الدين بهذا الكتاب الموجود الوجه السادس أن تعليق الشرف في ~~الدين بمجرد النسب هو حكم من أحكام الجاهلية الذين اتبعتهم عليه الرافضة ~~وأشباههم من أهل الجهل فإن الله تعالى قال * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ~~ولا لأسود على PageV02P022 # أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب ولهذا ~~ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحدا بنسبه ولا يذم أحدا بنسبه وإنما ~~يمدح الإيمان والتقوى ويذم الكفر والفسوق والعصيان وقد ثبت أنه صلى الله ~~عليه وسلم في الصحيح أنه قال أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يدعوهن الفخر ~~بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء بالنجوم فجعل الفخر ~~بالأحساب من أمول الجاهلية فإذا كان المسلم لا فخر له على المسلم بكون ~~أجداده لهم حسب شريف فكيف يكون لكافر من أهل الكتاب فخر على كافر من أهل ~~الكتاب بكون أجداده كانوا مؤمنين وإذا لم تكن مع التماثل في الدين فضيلة ~~لأجل النسب علم أنه لأفضل لمن كان من اليهود والنصارى آباؤه مؤمنين متمسكين ~~بالكتاب الأول قبل النسخ والتبديل على من كان أبوه داخلا فيه بعد ms051 النسخ ~~والتبديل وإذا تماثل دينهما تماثل حكمهما في الدين والشريعة إنما علقت ~~بالنسب أحكاما مثل كون الخلافة من قريش وكون ذوي القربى لهم الخمس وتحريم ~~الصدقة على آل محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك لأن النسب الفاضل مظنة أن ~~يكون أهله أفضل من غيرهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الناس معادن ~~كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ~~والمظنة تعلق الحكم بما إذا خفيت الحقيقة أو انتشرت فأما إذا ظهر دين الرجل ~~الذي به تتعلق الأحكام وعرف نوع دينه وقدره لم يتعلق بنسبه الأحكام الدينية ~~ولهذا لم يكن لأبي لهب مزية على غيره لما عرف كفره كان أحق بالذم من غيره ~~ولهذا جعل لمن يأتي بفاحشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ضعفين من ~~العذاب كما جعل لمن يقنت منهن لله ورسوله أجرين من الثواب فذووا الأنساب ~~الفاضلة إذا أساؤوا كان إساءتهم أغلظ من إساءة غيرهم وعقوبتهم أشد عقوبة من ~~غيرهم فكفر من كفر من بني إسرائيل إن لم يكن أشد من كفر غيرهم وعقوبتهم أشد ~~عقوبة من غيرهم فلا أقل من المساواة بينهم ولهذا لم يقل أحد من العلماء أن ~~من كفر وفسق من قريش والعرب تخفف عنه العقوبة في الدنيا أو في الآخرة بل ~~إما أن تكون عقوبتهم أشد عقوبة من غيرهم في أشهر القولين أو تكون عقوبتهم ~~أغلظ في القول الآخر لأن من أكرمه بنعمته ورفع قدره إذا قابل حقوقه ~~بالمعاصي وقابل نعمه بالكفر كان أحق بالعقوبة ممن لم ينعم عليه كما أنعم ~~عليه PageV02P023 # الوجه السابع أن يقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتحوا ~~الشام والعراق ومصر وخراسان وغيرهم كانوا يأكلون ذبائحهم لا يميزون بين ~~طائفة وطائفة ولم يعرف عن أحد من الصحابة الفرق بينهم بالأنساب وإنما ~~تنازعوا في بني تغلب خاصة لأمر يختص بهم كما أن عمر ضعف عليهم الزكاة وجعل ~~جزيتهم مخالفة لجزية غيرهم ولم يلحق بهم سائر العرب وإنما ألحق بهم من كان ms052 ~~بمنزلتهم الوجه الثامن أن يقال هذا القول مستلزم أن لا يحل لنا طعام جمهور ~~من أهل الكتاب لأنا لا نعرف نسب كثير منهم ولا نعلم قبل أيام الإسلام أن ~~أجداده كانوا يهودا أو نصارى قبل النسخ والتبديل ومن المعلوم أن حل ذبائحهم ~~ونسائهم ثبت بالكتاب والسنة والإجماع فإذا كان هذا القول مستلزما رفع ما ~~ثبت بالكتاب والسنة والإجماع علم أنه باطل الوجه التاسع أن يقال ما زال ~~المسلمون في كل عصر ومصر يأكلون ذبائحهم فمن أنكر ذلك فقد خالف إجماع ~~المسلمين وهذه الوجوه كلها لبيان رجحان القول بالتحليل وأنه مقتضى الدليل ~~فأما أن مثل هذه المسألة أو نحوها من مسائل الاجتهاد يجوز لمن تمسك فيها ~~بأحد القولين أن ينكر على الآخر بغير حجة ودليل فهذا خلاف إجماع المسلمين ~~فقد تنازع المسلمون في جبن المجوس والمشركين وليس لمن رجح أحد القولين أن ~~ينكر على صاحب القول الآخر إلابحجة شرعية وكذلك تنازعوا في متروك التسمية ~~وفي ذبائح أهل الكتاب إذا سموا عليها غير الله وفي شحم الثرب والكليتين ~~وذبحهم لذوات الظفر كالإبل والبط ونحو ذلك مما حرمه الله عليهم وتنازعوا في ~~ذبح الكتابي للضحايا ونحو ذلك من المسائل وقد قال بكل قول طائفة من أهل ~~العلم المشهورين فمن صار إلى قول مقلد لقائله لم يكن له أن ينكر على من صار ~~إلى القول الآخر مقلدا لقائله لكن إن كان مع أحدهما حجة شرعية وجب الانقياد ~~للحجج الشرعية إذا ظهرت ولا يجوز لأحد أن يرجح قولا على قول بغير دليل ولا ~~يتعصب لقول على قول ولا لقائل على قائل بغير حجة بل من كان مقلدا لزم حل ~~التقليد فلم يرجح ولم يزيف ولم يصوب ولم يخطئ ومن كان عنده من العلم ~~والبيان ما يقوله سمع ذلك منه فقبل ما تبين أنه حق ورد ما تبين أنه باطل ~~ووقف ما لم يتبين فيه أحد الأمرين والله تعالى قد فاوت بين الناس في قوى ~~الأذهان كما فاوت بينهم في قوى الأبدان وهذه المسألة ونحوها فيها ms053 من أغوار ~~الفقه وحقائقه ما لا يعرفه إلا من عرف أقاويل العلماء ومآخذهم فأما من لم ~~يعرف إلا قول عالم واحد وحجته دون قول العالم الآخر وحجته فإنه من العوام ~~المقلدين لا من العلماء الذين يرجحون ويزيفون والله تعالى يهدينا وإخواننا ~~لما PageV02P024 # يحبه ويرضاه وبالله التوفيق والله أعلم فصل قوله تعالى * (وامسحوا ~~برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * فيه قراءتان مشهورتان النصب والخفض فمن قرأ ~~بالنصب فإنه معطوف على الوجه واليدين والمعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم ومن قرأ بالخفض فليس معناه وامسحوا ~~أرجلكم كما يظنه بعض الناس لأوجه أحدها أن الذين قرؤوا ذلك من السلف قالوا ~~عاد الأمر إلى الغسل الثاني أنه لو كان عطفا على الرؤوس لكان المأمور به ~~مسح الأرجل لا المسح بها والله إنما أمر في الوضوء والتيمم بالمسح بالعضو ~~لا مسح العضو فقال تعالى * (وامسحوا برؤوسكم) * وقال * (فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * ولم يقرأ القراء المعروفون في آية التيمم ~~وأيديكم بالنصب كما قرؤوا في آية الوضوء فلو كان عطفا لكان الموضعان سواء ~~وذلك أن قوله * (وامسحوا برؤوسكم) * وقوله * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) * ~~يقضتي إلصاق الممسوح لأن الباء للإلصاق وهذا يقتضي إيصال الماء والصعيد إلى ~~أعضاء الطهارة وإذا قيل امسح رأسك ورجلك لم يقتض إيصال الماء إلى العضو ~~وهذا يبين أن لباء حرف جاء لمعنى لا زائدة كما يظنه بعض الناس وهذا خلاف ~~قوله معاوى إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا فإن الباء هنا مؤكدة ~~فلو حذفت لم يختل المعنى والباء في آية الطهارة إذا حذفت اختل المعنى فلم ~~يجز أن يكون العطف على محل المجرور بها بل على لفظ المجرور بها أو على ما ~~قبله الثالث أنه لو كان عطفا على المحل لقرىء في آية التيمم * (فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه) * فكان في الآية ما يبين فساد مذهب الشارح بأنه قد ~~دلت عليه * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * PageV02P025 # بالنصب لأن اللفظين سواء فلما اتفقوا على الجر في آية التيمم مع إمكان ~~العطف على المحل ms054 لو كان صوابا علم أن العطف على اللفظ ولم يكن في آية ~~التيمم منصوب معطوف على اللفظ كما في آية الوضوء الرابع أنه قال * (وأرجلكم ~~إلى الكعبين) * ولم يقل إلى الكعاب فلو قدر أن العطف على المحل كالقول ~~الآخر وأن التقدير أن في كل رجلين كعبين وفي كل رجل كعب واحد لقيل إلى ~~الكعاب كما قيل إلى المرافق لما كان في كل يد مرفق وحينئذ فالكعبان هما ~~العظمان الناتئان في جانبي الساق ليس هو معقد الشراك مجمع الساق والقدم كما ~~يقوله من يرى المسح على الرجلين فإذا كان الله تبارك وتعالى إنما أمر ~~بطهارة الرجلين إلى الكعبين الناتئين والماسح يمسح إلى مجمع القدم والساق ~~علم أنه مخالف القرآن الوجه الخامس أن القراءتين كالآيتين والترتيب في ~~الوضوء إما واجب وإما مستحب مؤكد الاستحباب فإذا فصل ممسوح بين مغسولين ~~وقطع النظير عن النظير دل ذلك على الترتيب المشروع في الوضوء الوجه السادس ~~أن السنة تفسر القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وهي قد جاءت بالغسل الوجه السابع ~~أن التيمم جعل بدلا عن الوضوء عند الحاجة فحذف شطر أعضاء الوضوء وخف الشطر ~~الثاني وذلك فإنه حذف ما كان ممسوحا ومسح ما كان مغسولا وأما القراءة ~~الأخرى وهي قراءة من قرأ وأرجلكم بالخفض فهي لا تخالف السنة المتواترة إذ ~~القراءتان كالآيتين والسنة الثابتة لا تخالف كتاب الله بل توافقه وتصدقه ~~ولكن تفسره وتبينه لمن قصر فهمه عن فهم القرآن فإن القرآن فيه دلالات خفية ~~تخفى على كثير من الناس وفيه مواضع ذكرت مجملة تفسرها السنة وتبينها والمسح ~~اسم جنس يدل على إلصاق الممسوح به بالممسوح ولا يدل على لفظه وجريانه لا ~~بنفي ولا إثبات قال أبو زيد الأنصاري وغيره العرب تقول تمسحت للصلاة فتسمي ~~الوضوء كله مسحا ولكن من عادة العرب وغيرهم إذا كان الاسم عاما تحته نوعان ~~خصوا أحد نوعيه باسم خاص وأبقوا الاسم العام للنوع الآخر كما في لفظة ~~الدابة فإنه عام للإنسان وغيره من الدواب لكن للإنسان اسم يخصه فصاروا ~~يطلقونه على ms055 غيره وكذلك لفظ الحيوان ولفظ ذوي الأرحام يتناول لكل ذي رحم ~~لكن للوارث بفرض أو تعصيب اسم يخصه وكذلك لفظ المؤمن يتناول من آمن بالله ~~وبملائكته وكتبه ورسله ومن آمن بالجبت PageV02P026 # والطاغوت فصار لهذا النوع اسم يخصه وهو الكافر وأبقي اسم الإيمان مختصا ~~بالأول وكذلك لفظ البشارة ونظائر ذلك كثيرة ثم إنه مع القرينة تارة ومع ~~الإطلاق أخرى يستعمل اللفظ العام في معنيين كما إذا أوصى لذوي رحمه فإنه ~~يتناول أقاربه من مثل الرجال والنساء فقوله تعالى في آية الوضوء * (وامسحوا ~~برؤوسكم وأرجلكم) * يقتضي إيجاب مسمى المسح بينهما وكل واحد من المسح الخاص ~~الخالي عن الإسالة والمسح الذي معه إسالة يسمى مسحا فاقتضت الآية القدر ~~المشترك في الموضعين ولم يكن في لفظ الآية ما يمنع كون الرجل يكون المسح ~~بها هو المسح الذي معه إسالة ودل على ذلك قوله * (إلى الكعبين) * فأمر ~~بمسحهما إلى الكعبين وأيضا فإن المسح الخاص هو إسالة الماء مع الغسل فهما ~~نوعان المسح العام الذي هو إيصال الماء ومن لغتهم في مثل ذلك أن يكتفي بأحد ~~اللفظين كقولهم علفتها تبنا وماء باردا والماء سقي لا علف وقوله * ورأيت ~~زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا * والرمح لا يتقلد ومنه قوله تعالى * ~~(يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس) * إلى قوله * (وحور عين) * ~~فكذلك اكتفى بذكر أحد اللفظين وإن كان مراده الغسل ودل عليه قوله * (إلى ~~الكعبين) * والقراءة الأخرى مع السنة المتواترة ومن يقول يمسحان بلا إسالة ~~يمسحهما إلى الكعاب لا إلى الكعبين فهو مخالف لكل واحدة من القراءتين كما ~~أنه مخالف للسنة المتواترة وليس معه لا ظاهر ولا باطن ولا سنة معروفة وإنما ~~هو غلط في فهم القرآن وجهل بمعناه وبالسنة المتواترة وذكر المسح بالرجل مما ~~يشعر بأن الرجل يمسح بها بخلاف الوجه واليد فإنه لا يمسح بهما بحال ولهذا ~~جاء في المسح على الخفين اللذين على الرجلين ما لم يجئ مثله في الوجه واليد ~~ولكن دلت السنة مع دلالة القرآن على المسح بالرجلين ومن مسح على ms056 الرجلين ~~فهو مبتدع مخالف للسنة المتواترة وللقرآن ولا يجوز لأحد أن يعمل بذلك مع ~~إمكان الغسل والرجل إذا كانت ظاهرة وجب غسلها وإذا كانت في الخف كان حكمها ~~مما بينته السنة كما في آية الفرائض فإن السنة بينت حال الوارث إذا كان ~~عبدا أو كافرا أو قاتلا ونظائره متعددة والله سبحانه أعلم PageV02P027 # فصل في مجادلة أهل الكتاب في أمر المسيح قال شيخ الإسلام قال تعالى * ~~(لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا ~~إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا) * وقال تعالى ~~أيضا * (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا ~~بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين ~~كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما ~~المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان ~~الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون ~~الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم قل يا أهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) * وقال تعالى * (يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ~~انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم ms057 إليه جميعا ~~فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ~~ويهديهم إليه صراطا مستقيما) * PageV02P028 # وقال تعالى * (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) * وقال تعالى * ~~(وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ~~ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد) * فقد قال تعالى * ~~(لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) * في موضعين وقال تعالى ~~* (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) * وقال تعالى * (ولا تقولوا ~~ثلاثة انتهوا خيرا لكم) * وقال تعالى * (وقالت النصارى المسيح ابن الله) * ~~فذكر الله عنهم هذه الأقوال الثلاثة والنصارى قالت الأقوال الثلاثة لكن من ~~الناس من يظن أن هذا قول طائفة منهم وهذا قول طائفة منهم وهذا وهذا قول ~~طائفة منهم وقولهم ثالث ثلاثة قول النسطورية وقولهم أنه ابن الله قول ~~الملكانية ومنهم من يقول قوله أن الله هو المسيح بن مريم قول اليعقوبية ~~وقولهم والابن وروح القدس وظن ابن جرير الطبري أن هذه الطوائف كانوا قبل ~~اليعقوبية والنسطورية والملكية كما ذكره طائفة من المفسرين كابن جرير ~~الطبري والثعلبي وغيرهما ثم تارة يحكون ms058 عن اليعقوبية أن عيسى هو الله وعن ~~النسطورية أنه ابن الله وعن المريوسية أنه ثالث ثلاثة وتارة يحكون عن ~~النسطورية أنه ثالث ثلاثة وعن الملكية أنه الله ويفسرون قولهم ثالث ثلاثة ~~بالأب والابن وروح القدس PageV02P029 # والصواب أن هذه الأقوال جميعها قول طوائف النصارى المشهورة الملكية ~~واليعقوبية والنسطورية فإن هذه الطوائف كلها تقول بالأقانيم الثلاثة الأب ~~والابن وروح القدس فتقول إن الله ثالث ثلاثة وتقول عن المسيح إنه الله ~~وتقول إنه ابن الله وهم متفقون على اتحاد اللاهوت والناسوت وأن المتحد هو ~~الكلمة وهم متفقون على عقيدة إيمانهم التي تتضمن ذلك وهو قولهم نؤمن بإله ~~واحد أب ضابط الكل خالق السماوات والأرض كل ما يرى وما لا يرى وبرب واحد ~~يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور نور من نور إله ~~حق من إله حق من إله حق مولود غير مخلوق وأما قوله تعالى * (ولا تقولوا ~~ثلاثة) * وقوله * (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) * فقد فسروه ~~بالتثليث المشهور عنهم المذكور في أمانتهم ومن الناس من يقول إن الله هو ~~المسيح بن مريم قول اليعقوبية وقولهم ثالث ثلاثة هو قول النصارى الذين ~~يقولون بالأب والابن وهم قد جعلوا الله فيها ثالث ثلاثة وسموا كل واحد من ~~الثلاثة بالإله والرب وقد فسره طائفة بجعلهم عيسى وأمه إلهين يعبدان من دون ~~الله قال السدي في قوله تعالى * (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) ~~* قال قالت النصارى إن الله هو المسيح وأمه فذلك قوله * (أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) * وقد قيل قول ثالث أغرب من ذلك عن أبي ~~صخر قال لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة قال هو قول اليهود عزير ~~ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله فجعلوا الله ثالث ثلاثة وهذا ضعيف ~~وقد ذكر سعيد بن البطريق في أخبار النصارى أن منهم طائفة يقال لهم المرسية ~~يقولون إن مريم إله وإن عيسى إله فقد يقال إن هذا قول هؤلاء ms059 كما أن القول ~~بأن عزيرا ابن الله قول طائفة من اليهود وأما الأول فمتوجه فإن النصارى ~~المتفقين على الأمانة كلهم يقولون إن الله ثالث ثلاثة والله تعالى قد نهاهم ~~عن أن يقولوا ذلك فقال تعالى * (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا ~~لكم) * PageV02P030 # فذكر سبحانه في هذه الآية التثليث والاتحاد ونهاهم عنهما وبين أن المسيح ~~إنما هو رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وقال * (فآمنوا بالله ~~ورسله) * ثم قال * (ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم) * ولم يذكر هنا أمه ~~وقوله تعالى * (وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) * قال معمر عن قتادة ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وهو قوله كن فكان وكذلك قال قتادة ليس الكلمة صار ~~عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل في مصنفه الذي ~~صنفه في كتبه في الرد على الجهمية وذكره عنه الخلال والقاضي أبو يعلى قال ~~أحمد ثم إن الجهم ادعى أمرا آخر فقال إنا وجدنا في كتاب الله آية تدل على ~~أن القرآن مخلوق قلنا أي آية قال قول الله * (إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم) * فقلنا إن الله منعكم الفهم في القرآن ~~عيسى عليه السلام تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن لأن عيسى يجري عليه ~~نسمة ومولود وطفل وصبي وغلام يأكل ويشرب وهو يخاطب بالأمر والنهي يجري عليه ~~الوعد والوعيد هو من ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم ولا يحل لنا أن نقول في ~~القرآن ما نقول في عيسى هل سمعتم الله يقول في القرآن ما قول عيسى ولكن ~~المعنى في قوله جل ثناؤه * (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه) * فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له كن ~~فكان عيسى بكن وليس عيسى هو الكن ولكن بالكن كان عيسى ms060 فالكن من الله قوله ~~وليس الكن مخلوقا وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن ~~الجهمية قالوا عيسى روح الله وكلمته لأن الكلمة مخلوقة قالت النصارى روح ~~الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال هذه الخرقة من هذا الثوب ~~وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة قال أحمد وأما قوله جل ~~ثناءه * (وروح منه) * يقول من أمره كان الروح فيه كقوله * (وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه) * يقول من أمره وتفسير روح الله إنما ~~معناها أنها روح بكلمة الله خلقها الله كما يقول عبد الله وسماء الله وفي ~~نسخة روح يملكها الله خلقها الله وقال الشعبي في قوله تعالى * (وكلمته ~~ألقاها إلى مريم) * الكلمة حين قال له كن PageV02P031 # فكان عيسى ب كن وليس عيسى هو الكن ولكن بالكن كان وقال الليث عن مجاهد ~~وروح منه قال رسول منه يريد مجاهد قوله * (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها ~~بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك) * ~~والمعنى أن عيسى خلق من هذه الروح وهو جبريل روح القدس سمي روحا كما سمي ~~كلمة لأنه خلق بالكلمة والنصارى يقولون في أمانتهم تجسد من مريم ومن روح ~~القدس لأنه جاء كذلك في الكتب المتقدمة لكن ظنوا أن روح القدس هو صفة لله ~~وجعلوها حياته وقدرته وهو رب وهذا غلط منهم فإنه لم يسم أحد من الأنبياء ~~حياة الله ولا قدرته ولا شيئا من صفاته روح القدس بل روح القدس في غير موضع ~~من كلام الأنبياء عليهم السلام يراد بها ما ينزله الله على قلوب الأنبياء ~~كالوحي والهدى والتأييد ويراد بها الملك وهكذا في تفسير ابن السائب عن أبي ~~صالح عن ابن عباس أن عيسى بن مريم استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا ~~قد جاء الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه فلما سمع عيسى ~~ذلك قال اللهم أنت ربي وأنا من روحك خرجت ms061 وبكلمتك خلقتني ولم أتهم من تلقاء ~~نفسي وذكر تمام الحديث وقد قال تعالى * (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من ~~روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين) * وقال تعالى * (ومريم ابنة عمران ~~التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) * فهذا يوافق قوله تعالى * (فأرسلنا ~~إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ~~قال إنما أنا رسول ربك) * وهذا مبسوط في موضع آخر والمقصود هنا أنهم سواء ~~صدقوا محمدا أو كذبوه فإنه يلزم بطلان دينهم على التقديرين فإنه إن كان ~~نبيا صادقا فقد بلغ عن الله في هذا الكتاب كفر النصارى في غير موضع ودعاهم ~~إلى الإيمان به وأمر بجهادهم فمن علم أنه نبي ولو إلى طائفة معينة فيجب ~~تصديقه في كل ما أخبر به وقد أخبر بكفر النصارى وضلالهم فإذا ثبت هذا لم ~~يغن PageV02P032 # عنهم الاحتجاج بشيء من الكتب ولا الاحتجاج بشيء من المعقول بل يعلم من ~~حيث الجملة أن كل ما يحتجون به على صحة دينهم فهو باطل وإن لم يبين فساد ~~حججهم على التفصيل لأن الأنبياء لا يقولون إلا حقا كما أن المسيح عليه ~~السلام لما حكم بكفر من كذبه من اليهود كان كل ما يحتج به اليهود على خلاف ~~ذلك باطلا فكل ما عارض قول النبي صلى الله عليه وسلم المعصوم فهو باطل وإن ~~كذبوا محمدا تكذيبا عاما مطلقا وقالوا ليس هو نبي أصلا ولا أرسل إلى أحد لا ~~إلى العرب ولا إلى غيرهم بل كان من الكذابين امتنع مع هذا أن يصدقوا بنبوة ~~غيره فإن الطريق الذي يعلم به بنوة موسى وعيسى يعلم به نبوة محمد بطريق ~~الأولى فإذا قالوا علمت نبوة موسى والمسيح بالمعجزات وعرفت المعجزات بالنقل ~~المتواتر إلينا قيل لهم معجزات محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وتواترها أبلغ ~~والكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وأمته أفضل وشرائع دينه ~~أحسن وموسى جاء بالعدل وعيسى جاء بتكميلها بالفضل وهو صلى الله عليه وسلم ~~قد جمع في شريعته بين ms062 العدل والفضل فإن ساغ لقائل أن يقول هو مع هذا كاذب ~~مفتر كان على هذا التقدير الباطل غيره أولى أن يقال فيه ذلك فيبطل بتكذيبهم ~~محمدا صلى الله عليه وسلم جميع ما معهم من النبوات إذ حكم أحد الشيئين حكم ~~مثله فكيف بما هو أولى منه فلو قال قائل إن هارون ويوشع وداود وسليمان ~~كانوا أنبياء وموسى لم يكن نبيا أو أن داود وسليمان ويوشع ويحيى كانوا ~~أنبياء والمسيح لم يكن نبيا أو قال ما يقوله السامرة إن يوشع كان نبيا ومن ~~بعده كداود وسليمان والمسيح لم يكونوا أنبياء أو قال ما يقوله اليهود إن ~~داود وسليمان وشيعا وحبقوق ومليخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء والمسيح بن ~~مريم لم يكن نبيا كان هذا قولا متناقضا معلوم البطلان فإن الذين نفى هؤلاء ~~عنهم النبوة أحق بالنبوة وأكمل نبوة ممن أثبتوها له ودلائل نبوة الأكمل ~~أفضل فكيف يجوز إثبات النبوة للنبي المفضول دون الفاضل وصار هذا كما لو قال ~~قائل إن زفر وابن القاسم والمزني والأثرم كانوا فقهاء وأبا حنيفة ومالكا ~~والشافعي وأحمد لم يكونوا فقهاء أو قال إن الأخفش وابن الأنباري والمبرد ~~كانوا نحاة والخليل وسيبويه والفراء لم يكونوا نحاة أو قال إن صاحب الملكي ~~والمسيحي ونحوهما من كتب الطب كانوا أطباء وبقراط وجالينوس ونحوهما لم ~~يكونوا أطباء أو قال إن كوشيار والخرقي ونحوهما كانوا يعرفون علم الهيئة ~~وبطليموس ونحوه لم يكن له علم بالهيئة ومن قال إن داود وسليمان ومليخا ~~وعاموص ودانيال كانوا أنبياء ومحمد بن عبد الله لم يكن نبيا فتناقضه أظهر ~~وفساد قوله أبين من هذا جميعه بل وكذلك من قال إن PageV02P033 # موسى وعيسى رسولان رسولان والتوراة والإنجيل كتابان منزلان من عند الله ~~ومحمدا ليس برسول والقرآن لم ينزل من الله فبطلان قوله في غاية الظهور ~~والبيان لن تدبر ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من قبله ~~وتدبر كتابه والكتب التي قبله وآيات نبوته وآيات نبوة هؤلاء وشرائع دينه ~~وشرائع دين هؤلاء وهذه الجملة ms063 مفصلة مشروحة في غير هذا الموضع لكن المقصود ~~هنا التنبيه على مجامع جوابهم وهؤلاء القوم لم يأتوا بدليل واحد يدل على ~~صدق من احتجوا به من الأنبياء فلو ناظرهم من يكذب بهؤلاء الأنبياء كلهم من ~~المشركين والملاحدة لم يكن فيما ذكروه حجة لهم ولا حجة لهم أيضا على ~~المسلمين الذين يقرون بنبوة هؤلاء فإن جمهور المسلمين إنما عرفوا صدق هؤلاء ~~الأنبياء بإخبار محمد أنهم أنبياء فيمتنع أن يصدقوا بالفرع مع القدح في ~~الأصل الذي به علموا صدقهم وأيضا فالطريق الذي به علمت نبوة هؤلاء بما ثبت ~~من معجزاتهم وأخبارهم فكذلك تعلم نبوة محمد بما ثبت من معجزاته وأخباره ~~بطريق الأولى فيمتنع أن يصدق أحد من المسلمين بنبوة واحد من هؤلاء مع ~~تكذيبه لمحمد في كلمة مما جاء به فصل في عقوبة المحاربين بين وقطاع الطريق ~~قال الله تعالى فيهم * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * وقد روى ~~الشافعي رحمه الله في سننه عن ابن عباس رضي الله عنه في قطاع الطريق إذا ~~قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم ~~يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا ~~أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض وهذا قول كثير من أهل العلم ~~PageV02P034 # كالشافعي وأحمد وهو قريب من قول أبي حنيفة رحمه الله ومنهم من قال للإمام ~~أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله مصلحة وإن كان لم يقتل مثل أن يكون رئيسا ~~مطاعا فيهم ويقطع من رأى قطعه مصلحة وإن كان لم يأخذ المال مثل أن يكون ذا ~~جلد وقوة في أخذ المال كما أن منهم من يرى أنه إذا أخذوا المال قتلوا ~~وقطعوا وصلبوا والأول قول الأكثر فمن كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتله ~~الإمام حدا لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع ms064 العلماء ذكره ابن المنذر ولا ~~يكون أمره إلى ورثة المقتول بخلاف ما لو قتل رجلا لعداوة بينهما أو خصومة ~~أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة فإن هذا دمه لأولياء المقتول إن أحبوا قتلوا ~~وإن أحبوا عفوا وإن أحبوا أخذوا الدية لأنه قتله لغرض خاص وأما المحاربون ~~فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس فضررهم عام بمنزلة السراق فكان قتلهم حدا ~~لله وهذا متفق عليه بين الفقهاء حتى لو كان المقتول عير مكافىء للقاتل مثل ~~أن يكون القاتل حرا والمقتول عبدا أو القاتل مسلما والمقتول ذميا أو ~~مستأمنا فقد اختلف الفقهاء هل يقتل في المحاربة والأقوى أنه يقتل لأنه قتل ~~للفساد العام حدا كما يقطع إذا أخذ أموالهم وكما يحبس بحقوقهم وإذ كان ~~المحاربون الحرامية جماعة فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له أعوان ~~وردء له فقد قيل إنه يقتل المباشر فقط والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو ~~كانوا مائة وأن الردء والمباشر سواء وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين ~~فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين والربيئة هو الناظر ~~الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء ولأن المباشر إنما يمكن من ~~قتله بقوة الردء ومعونته والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين ~~فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ويرد ~~متسريهم على قعدهم يعني أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية PageV02P035 # فغنمت مالا فإن الجيش يشاركها فيما غنمت لأنها بظهره وقوته تمكنت ولكن ~~تنفل عنه نفلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل السرية إذا كانوا في ~~بدايتهم الربع بعد الخمس فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية نفلهم الثلث ~~بعد الخمس وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية لأنها في مصلحة الجيش ~~كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير يوم بدر لأنه كان قد ~~بعثهما في مصلحة الجيش فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم ms065 ~~وعليهم وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه مثل المقتتلين على عصبية ~~ودعوى جاهلية كقيس ويمن نحوهما ظالمتان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله ~~هذا القاتل فما بال المقتول قال أراد قتل صاحبه أخرجاه في الصحيحين وتضمن ~~كل طائفة أتلفته الأخرى من نفس ومال وإن لم يعرف عين القاتل لأن الطائفة ~~الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد وأما إذا أخذوا المال فقط ولم ~~يقتلوا كما قد يفعله الأعراب كثيرا فإنه يقطع من كل واحد يده اليمنى ورجله ~~اليسرى عند أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وهذا معنى قول ~~الله تعالى * (أو تقطع أيديهم وأرجلهم) * تقطع اليد التي يبطش بها والرجل ~~التي يمشي عليها وتحسم يده ورجله بالزيت المغلي ونحوه لينحسم الدم فلا يخرج ~~فيفضي إلى تلفه وكذلك تحسم يد السارق بالزيت وهذا الفعل قد يكون أزجر من ~~القتل فإن الأعراب وفسقة الجند وغيرهم إذا رأوا دائما من هو بينهم مقطوع ~~اليد والرجل ذكروا بذلك جرمه فارتدعوا بخلاف القتل فإنه قد ينسى وقد يؤثر ~~بعض النفوس الأبية قتله على قطع يده ورجله من خلاف فيكون هذا أشد تنكيلا له ~~ولأمثاله وأما إذا شهروا السلاح ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا ثم اغمدوه ~~أو هربوا أو تركوا الحراب فإنهم ينفون فقيل نفيهم تشريدهم فلا يتركون يأوون ~~في بلد وقيل هو حبسهم وقيل هو ما يراه الإمام أصلح من نفي أو حبس أو نحو ~~ذلك والقتل المشروع هو ضرب الرقبة بالسيف ونحوه لأن ذلك أوحى أنواع القتل ~~PageV02P036 # وكذلك شرع الله قتل ما يباح قتله من الآدميين والبهائم إذا قدر عليه على ~~هذا الوجه وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء ~~فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته ~~وليرح ذبيحته وقال إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان وأما الصلب المذكور فهو ~~رفعهم على مكان عال ليراهم الناس ويشتهر أمرهم وهو ms066 بعد القتل عند جمهور ~~العلماء ومنهم من قال يصلبون ثم يقتلون وهم مصلبون وقد جوز بعض العلماء ~~قتلهم بغير السيف حتى قال يتركون على المكان العالي حتى يموتوا حتف أنوفهم ~~بلا قتل فأما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص وقد قال عمران ~~بن حصين رضي الله عنهما ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا ~~أمرنا بالصدقة ونهانها عن المثلة حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم ~~بعد القتل ولا نجدع آذانهم وأنوفهم ولا نبقر بطونهم إلا أن يكونوا فعلوا ~~ذلك بنا فنفعل بهم ما فعلوا والترك أفضل كما قال الله تعالى * (وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا ~~بالله) * قيل إنها نزلت لما مثل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد رضي ~~الله عنهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بضعفي ~~ما مثلوا بنا فأنزل الله هذه الآية وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة مثل قوله ~~* (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) * وقوله * (وأقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) * وغير ذلك من الآيات ~~التي نزلت بمكة ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب فأنزلت مرة ثانية فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم بل نصبر وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب رضي ~~الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث PageV02P037 # أميرا على سرية أو جيش أو في حاجة نفسه أوصاهم بتقوى الله تعالى وبمن معه ~~من المسلمين خيرا ثم يقول اغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر ~~بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ولو شهروا السلاح ~~في البنيان لا في الصحراء لأخذ المال فقد قيل إنهم ليسوا محاربين بل هم ~~بمنزلة المختلس والمنتهب لأن المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث بالناس وقال ~~أكثرهم إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد وهذا قول مالك في المشهور عنه ms067 ~~والشافعي وأكثر أصحاب أحمد وبعض أصحاب أبي حنيفة بل هم في البنيان أحق ~~بالعقوبة منهم في الصحراء لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة ولأنه محل ~~تناصر الناس وتعاونهم فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة ولأنهم ~~يسلبون الرجل في داره جميع ماله والمسافر لا يكون معه غالبا إلا بعض ماله ~~وهذا الصواب لا سيما هؤلاء المحترفون الذين تسميهم العامة في الشام ومصر ~~المنسر وكانوا يسمون ببغداد العيارين ولو حاربوا بالعصي والحجارة والمقذوفة ~~بالأيدي أو المقاليع ونحوها فهم محاربون أيضا وقد حكي عن بعض الفقهاء لا ~~محاربة إلا بالمحدد وحكى بعضهم الإجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد ~~والمثقل وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين ~~أن من قاتل على أخذ المال بأي نوع كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع كما ~~أن من قاتل المسلمين من الكفار بأني نوع كان من أنواع القتال فهو حربي ومن ~~قاتل الكفار من المسلمين بسيف أو رمح أو سهم أو حجارة أو عصا فهو مجاهد في ~~سبيل الله وأما إذا كان يقتل النفوس سرا لأخذ المال مثل الذي يجلس في خان ~~يكريه لأبناء السبيل فإذا انفرد بقوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم أو يدعو إلى ~~منزله من يستأجره لخياطة أو طب أو نحو ذلك فيقتله ويأخذ ماله وهذا يسمى ~~القتل غيلة ويسميهم بعض العامة المعرجين فإذا كان المال فهل هم كالمحاربين ~~أو يجري عليهم حكم القود فيه قولان للفقهاء أحدهما أنهم كالمحاربين لأن ~~القتل بالحيلة كالقتل مكابرة كلاهما لا يمكن الاحتراز منه بل قد يكون ضرر ~~هذا أشد لأنه لا يدري به والثاني أن المحارب هو المجاهر بالقتال وأن هذا ~~المغتال يكون أمره إلى ولي الدم والأول أشبه بأصول الشريعة بل قد يكون هذا ~~أشد لأنه لا يدري به PageV02P038 # واختلف الفقهاء أيضا فيمن يقتل السلطان كقتلة عثمان وقاتل علي رضي الله ~~عنهما هل هم كالمحاربين فيقتلون حدا أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم على ~~قولين في مذهب أحمد وغيره لأن في قتله فسادا ms068 فصل وهذا كله إذا قدر عليه ~~فأما إذا طلبهم السلطان أو نوابه لإقامة الحد بلا عدوان فامتنعوا عليه فإنه ~~يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يقدر عليهم كلهم ومتى لم ~~ينقادوا إلا بقتال يفضي إلى قتلهم كلهم قوتلوا وإن أفضى إلى ذلك سواء كانوا ~~قد قتلوا أو لم يقتلوا ويقتلون في القتال كيفما أمكن في العنق وغيره ويقاتل ~~من قاتل معهم ممن يحميهم ويعينهم فهذا قتال وذاك إقامة حد وقتال هؤلاء أوكد ~~من قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام فإن هؤلاء قد تحزبوا لفساد ~~النفوس والأموال وهلاك الحرث والنسل ليس مقصودهم إقامة دين ولا ملك وهؤلاء ~~كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن أو مغارة أو رأس جبل أو بطن واد ونحو ذلك ~~يقطعون الطريق على من مر بهم وإذا جاءهم جند ولي الأمر يطلبهم للدخول في ~~طاعة المسلمين والجماعة لإقامة الحدود قاتلوهم ودفعوهم مثل الأعراب الذين ~~يقطعون الطريق على الحاج أو غيره من الطرقات أو الجبلية الذين يعتصمون ~~برؤوس الجبال أو المغارات لقطع الطريق وكالأحلاف الذين تحالفوا لقطع الطريق ~~بين الشام والعراق ويسمون ذلك النهيضة فإنهم يقاتلون كما ذكرناه ولكن ~~قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار إذا لم يكونوا كفارا ولا تؤخذ أموالهم إلا ~~أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق فإن عليهم ضمانها فيؤخذ منهم بقدر ما ~~أخذوا وإن لم نعلم عين الآخذ وكذلك لو علم عينه فإن الردء والمباشر سواء ~~كما قلناه لكن إذا عرف عينه كان قرار الضمان عليه ويرد ما يؤخذ منه على ~~أرباب الأموال فإن تعذر الرد عليهم كان لمصالح المسلمين من رزق الطائفة ~~المقاتلة لهم وغير ذلك بل المقصود من قتالهم التمكن منهم لإقامة الحدود ~~ومنعهم من الفساد فإذا جرح الرجل منهم جرحا مثخنا لم يجهز عليه حتى يموت ~~إلا أن يموت يكون قد وجب عليه القتل وإذا هرب وكفانا شره لم نتبعه إلا أن ~~يكون عليه حد أو نخاف عاقبته ومن أسر منهم أقيم عليه الحد الذي يقام على ~~غيره ومن الفقهاء من يشدد ms069 فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم وتخميسها وأكثرهم ~~يأبون ذلك فأما إذا تحيزوا إلى مملكة طائفة خارجة عن شريعة الإسلام ~~وأعانوهم على المسلمين قوتلوا كقتالهم وأما من كان لا يقطع الطريق ولكنه ~~يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرؤوس PageV02P039 # والدواب والأحمال ونحو ذلك فهذا مكاس عليه عقوبة المكاسين وقد اختلف ~~الفقهاء جواز قتله وليس هو من قطاع الطريق فإن الطريق لا ينقطع به مع أنه ~~أشد الناس عذابا يوم القيامة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الغامدية ~~لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ويجوز للمظلومين الذين تراد ~~أموالهم قتل المحاربين بإجماع المسلمين ولا يجب أن يبذل لهم من المال لا ~~قليل ولا كثير إذا أمكن قتالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل ~~دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن ~~قتل دون حرمته فهو شهيد وهذا الذي يسميه الفقهاء الصائل وهو الظالم بلا ~~تأويل ولا ولاية فإذا كان مطلوبه المال جاز منعه بما يمكن فإذا لم يندفع ~~إلا بالقتال قوتل وإن ترك القتال وأعطاهم شيئا من المال جاز وأما إذا كان ~~مطلوبه الحرمة مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان أو يطلب من المرأة أو ~~الصبي المملوك أو غيره الفجوربه فإنه يجب عليه أن يدفع نفسه بما يمكن ولو ~~بالقتال ولا يجوز التمكين منه بحال بخلاف المال فإنه يجوز التمكين منه لأن ~~بذل المال جائز وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة غير جائز وأما إذا كان ~~مقصوده قتل الإنسان جاز له الدفع عن نفسه وهل يجب عليه قتله أم لا على ~~قولين للعلماء في مذهب أحمد وغيره وهذا إذا كان للناس سلطان فأما إذا كان ~~والعياذ بالله فتنة مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين ويقتتلان على الملك فهل ~~يجوز للإنسان إذا دخل أحدهما بلد الآخر وجرى السيف أن يدفع عن نفسه في ~~الفتنة أو يستسلم فلا يقاتل فيها على قولين لأهل العلم في مذهب أحمد ms070 وغيره ~~فإذا ظفر السلطان بالمحاربين الحرامية وقد أخذوا الأموال التي للناس فعليه ~~أن يستخرج منهم الأموال التي للناس ويردها عليهم مع إقامة الحد على أبدانهم ~~وكذلك السارق فإن امتنعوا من إحضارهم المال بعد ثبوته عليهم عاقبهم بالحبس ~~والضرب حتى يمكنوا من أخذه بإحضاره أو توكيل من يحضره والإخبار بمكانه كما ~~يعاقب كل ممتنع من حق وجب عليه أداؤه فإن الله قد أباح للرجل في كتابه أن ~~يضرب امرأته إذا نشزت فامتنعت من الحق الواجب عليها حتى تؤديه فهؤلاء أولى ~~وأحرى وهذا المطالبة والعقوبة حق لرب المال فإن أراد هبتهم المال أو ~~المصالحة عليه أو العفو عن عقوبتهم فله ذلك بخلاف إقامة الحد عليهم فإنه لا ~~سبيل إلى العفو عنه بحال PageV02P040 # وليس للإمام أن يلزم رب المال بترك شيء من حقه وإن كانت الأموال قد تلفت ~~بالأكل وغيره عندهم أو عند السارق فقيل يضمنونها لأربابها كما يضمن سائر ~~الغارمين وهو قول الشافعي وأحمد رضي الله عنهما وتبقى مع الإعسار في ذمتهم ~~إلى ميسرة وقيل لا يجتمع الغرم والقطع وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وقيل ~~يضمنونها مع اليسار فقط دون الإعسار وهو قول مالك رحمه الله ولا يحل ~~للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلا عن طلب المحاربين وإقامة الحد ~~وارتجاع أموال الناس منهم ولا على طلب السارقين لا لنفسه ولا للجند الذين ~~يرسلهم في طلبهم بل طلب هؤلاء من نوع الجهاد في سبيل الله فيخرج فيه جند ~~المسلمين كما يخرج في غيره من الغزوات التي تسمي البيكار وينفق على ~~المجاهدين في هذا من المال الذي ينفق منه على سائر الغزاة فإن كان له أقطاع ~~أو عطاء يكفيهم وإلا أعطاهم تمام كفاية غزوهم من مال المصالح من الصدقات ~~فإن هذا من سبيل الله فإن كان على أبناء السبيل المأخوذين زكاة مثل التجار ~~الذين قد يؤخذون فأخذ الإمام زكاة أموالهم وأنفقها في سبيل الله كنفقة ~~الذين يطلبون المحاربين جاز ولو كانت لهم شوكة قوية تحتاج إلى تأليف فأعطى ~~الإمام من الفيء والمصالح ms071 أو الزكاة لبغض رؤسائهم يعينهم على إحضار الباقين ~~أو لترك شره فيضعف الباقون ونحو ذلك جاز وكان هؤلاء من المؤلفة قلوبهم وقد ~~ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره وهو ظاهر بالكتاب والسنة وأصول ~~الشريعة ولا يجوز أن يرسل الإمام من يضعف عن مقارمة الحرامية ولا من يأخذ ~~مالا من المأخوذين التجار ونحوهم من أبناء السبيل بل يرسل من الجند ~~الأقوياء الأمناء إلا أن يتعذر ذلك فيرسل الأمثل فالأمثل فإن كان بعض نواب ~~السلطان أو رؤساء القرى ونحوهم يأمرون الحرامية بالأخذ في الباطن أو الظاهر ~~حتى إذا أخذوا شيئا قاسمهم ودافع عنهم وأرضى المأخوذين ببعض أموالهم أو لم ~~يرضهم فهذا أعظم جرما من مقدم الحرامية لأن ذلك يمكن دفعه بدون ما يندفع به ~~هذا والواجب أن يقال فيه الردء والعون لهم فإن قتلوا قتل هو على قول أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأكثر أهل العلم وإن أخذوا المال قطعت ~~يده ورجله وإن قتلوا وأخذوا المال قتل وصلب وعلى قول طائفة من أهل العلم ~~يقطع ويقتل ويصلب وقيل يخير بين هذين وإن كان لم يأذن لهم لكن لما قدر ~~عليهم قاسمهم الأموال وعطل بعض الحقوق والحدود PageV02P041 # ومن آوى محاربا أو سارقا أو قاتلا ونحوهم ممن وجب عليه حد أو حق لله ~~تعالى أو لآدمي ومنعه ممن يستوفي منه الواجب بلا عدوان فهو شريكه في الجرم ~~وقد لعنه الله ورسوله روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا ~~وإذا ظفر بهذا الذي آوى المحدث فإنه يطلب منه إحضاره أو الإعلام به فإن ~~امتنع عوقب بالحبس والضرب مرة بعد مرة حتى يمكن من ذلك المحدث كما ذكرنا ~~أنه يعاقب الممتنع من أداء المال الواجب فما وجب حضوره من النفوس والأموال ~~يعاقب من منع حضورها ولو كان رجلا يعرف مكان المال المطلوب بحق أو الرجل ~~المطلوب بحق وهو الذي ms072 يمنعه فإنه يجب عليه الإعلام به والدلالة عليه ولا ~~يجوز كتمانه فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وذلك واجب بخلاف ما ~~لو كان النفس أو المال مطلوبا بباطل فإنه لا يحل الإعلام به لأنه من ~~التعاون على الإثم والعدوان بل يجب الدفع عنه لأنه نصر المظلوم واجب ففي ~~الصحيحين عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما قلت يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ~~ظالما قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه وروى مسلم نحوه عن جابر وفي ~~الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وتشميت ~~العاطس وإبرار القسم وإجابة الدعوة ونصر المظلوم ونهانا عن خواتيم الذهب ~~وعن الشرب بالفضة وعن المياثر وعن لبس الحرير والقسي والديباج والإستبرق ~~فإن امتنع هذا العالم به من الإعلام بمكانه جاز عقوبته بالحبس وغيره حتى ~~يخبر به لأنه امتنع من حق واجب عليه لا تدخله النيابة فعوقب كما تقدم ولا ~~تجوز عقوبته على ذلك إلا إذا عرف أنه عالم به وهذا مطرد في ما تتولاه ~~الولاة والقضاة وغيرهم في كل من امتنع من واجب من قول أو فعل وليس هذا ~~مطالبة للرجل بحق وجب على غيره ولا عقوبة على جناية غيره حتى يدخل في قوله ~~تعالى * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا ~~لا يجني جان إلى علي نفسه وإنما ذلك مثل أن يطالب بمال قد وجب على غيره وهو ~~ليس وكيلا ولا ضامنا ولا له عنده مال PageV02P042 # أو يعاقب الرجل بجريمة قريبه أو جاره من غير أن يكون قد أذنب لا بترك ~~واجب ولا بفعل محرم فهذا الذي لا يحل فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه ~~وهو أن يكون قد علم مكان الظالم الذي يطلب حضوره لاستيفاء الحق أو مكان ~~المال الذي قد ms073 تعلق به حقوق المستحقين فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة ~~عليه في الكتاب والسنة والإجماع إما محاباة وحمية لذلك الظالم كما قد يفعل ~~أهل المعصية بعضهم ببعض وإما معاداة أو بغضا للمظلوم وقد قال الله تعالى * ~~(ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) * وإما ~~إعراضا عن القيام لله والقيام بالقسط الذي أوجبه الله وجبنا وفشلا وخذلانا ~~لدينه كما يفعله التاركون لنصر الله ورسوله ودينه وكتابه الذين إذا قيل لهم ~~انفروا في سبيل الله اثاقلوا إلى الأرض وعلى كل تقدير فهذا الضرب يستحق ~~العقوبة باتفاق العلماء ومن لم يسلك هذه السبل عطل الحدود وضيع الحقوق وأكل ~~القوي الضعيف وهو يشبه من عنده مال الظالم المماطل من عين أو دين وقد امتنع ~~من تسليمه لحاكم عادل يوفى به دينه أو يؤدي منه النفقة الواجبة عليه لأهله ~~أو أقاربه أو مماليكه أو بهائمه وكثيرا ما يجب على الرجل حق بسبب غيره كما ~~تجب عليه النفقة بسبب حاجة قريبة وكما تجب الدية على عاقلة القاتل وهذا ~~الضرب من التعزير عقوبة لمن علم أن عنده مالا أو نفسا يجب إحضاره وهو لا ~~يحضره كالقطاع والسراق وحماتهم أو علم أنه خبير به وهو لا يخبر بمكانه فأما ~~إن امتنع من الإخبار والإحضار لئلا يعتدي عليه الطالب أو يظلمه فهذا محسن ~~وكثيرا ما يشتبه أحدهما بالآخر ويجتمع شبهه وشهرته والواجب تمييز الحق من ~~الباطل وهذا يقع كثيرا في الرؤساء من أهل البادية والحاضرة وإذا استجار بهم ~~مستجير أو كان بينهما قرابة أو صداقة فإنهم يرون الحمية الجاهلية والعزة ~~بالإثم والسمعة عند الأوباش أنهم ينصرونه وإن كان ظالما مبطلا على المحق ~~المظلوم لا سيما إن كان المظلوم رئيسا يناوئهم ويناوؤنه فيرون في تسليم ~~المستجير بهم إلى من يناوئهم ذلا أو عجزا وهذا على الإطلاق جاهلية محضة وهم ~~من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا وقد ذكر أنه إنما كان سبب حروب من حروب ~~الأعراب كحرب البسوس التي كانت بين بني بكر وتغلب إلى نحو هذا وكذا ms074 سبب ~~دخول الترك المغول دار الإسلام واستيلاؤهم على ملوك ما وراء النهر وخراسان ~~كان سببه نحو هذا ومن أذل نفسه لله أعزها ومن بذل الحق من نفسه فقد أكرم ~~نفسه فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم ومن اعتز بالظلم في منع وفعل الإثم ~~فقد أذل نفسه وأهانها قال الله تعالى * (من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا) * PageV02P043 # وقال تعالى عن المنافقين * (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) * وقال ~~الله تعالى في صفة هذا الضرب * (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ~~ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد ~~فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته ~~العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) * وإنما الواجب على من استجار به ~~مستجير إن كان مظلوما ينصره ولا يثبت أنه مظلوم بمجرد دعواه فطالما اشتكى ~~الرجل وهو ظالم بل يكشف خبره من خصمه وغيره فإن كان ظالما رده عن الظلم ~~بالرفق إن أمكن أما من صلح أو حكم بالقسط وإلا فبالقوة وإن كان كل منهما ~~ظالما كأهل الأهواء من قيس ويمن ونحوهم وأكثر المتداعين من أهل الأمصار ~~والبوادي أو كانا جميعا غير ظالمين لشبهة أو تأويل أو غلط وقع فيما بينهما ~~سعى بينهما بالإصلاح أو الحكم كما قال الله تعالى * (وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله ~~لعلكم ترحمون) * وقال تعالى * (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة ~~أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما) * وقد روى أبو داود في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قيل له أمن العصبية أن ينصر الرجل ms075 قومه في الحق قال لا قال ولكن من العصبية ~~أن ينصر الرجل قومه في الباطل وقال خيركم الدافع عن قومه ما لم يأثم وقال ~~مثل الذي ينصر قومه بالباطل كبعير تردى في بئر فهو يجر بذنبه وقال من ~~سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا PageV02P044 # وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو ~~طريقة فهو من عزاء الجاهلية بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال ~~المهاجري يا للمهاجرين وقال الأنصاري يا للأنصار قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم وغضب لذلك غضبا شديدا فصل وأما ~~السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى * ~~(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز ~~حكيم فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم) * ~~ولا يجوز بعد ثبوت الحد بالبينة أو بالإقرار تأخيره لا بحبس ولا مال يفتدي ~~به ولا غيره بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها فإن إقامة الحد من ~~العبادات كالجهاد في سبيل الله فينبغي أن يعرف أن إقامة الحد لا تأخذه رأفة ~~في دين الله فيعطله ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات لا شفاء ~~غيظه وإرادة العلو على الخلق بمنزلة الوالد إذا أدب ولده فإنه لو كف عن ~~تأيب ولده كما تشير به الأم رقة ورأفة لفسد الولد وإنما يؤدبه رحمة به ~~وإصلاحا لحاله مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب وبمنزلة الطبيب الذي ~~يسقي المريض الدواء الكريه وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم وقطع العروق ~~بالفصاد ونحو ذلك بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يدخله على نفسه ~~من المشقة لينال به الراحة فهكذا شرعت الحدود وهكذا ينبغي أن تكون نية ~~الوالي في إقامتها فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات بجلب ~~المنفعة لهم ودفع المضرة عنهم وآبتغي بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره ألان ~~الله ms076 له القلوب وتيسرت له أسباب الخير وكفاه العقوبة البشرية وقد يرضى ~~المحدود إذا أقام عليه الحد وأما إذا كان غرضه العلو عليهم وإقامة رياسته ~~ليعظموه أو ليبذلوه له ما يريد من الأموال انعكس عليه مقصوده ويروى أن عمر ~~بن عبد العزيز رضي الله عنه قبل أن يلي الخلافة كان نائبا للوليد بن عبد ~~الملك على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد ساسهم سياسة صالحة فقدم ~~الحجاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب فسأل أهل المدينة عن عمر كيف هيبته ~~فيكم قالوا ما نستطيع أن ننظر إليه قال كيف محبتكم له قالوا هو أحب إلينا ~~من أهلنا قال فكيف أدبه فيكم قالوا ما بين PageV02P045 # الثلاثة الأسواط إلى العشرة هذه هيبته وهذه محبته وهذا أدبه هذا أمر من ~~السماء وإذا قطعت يده حسمت واستحب أن تعلق في عنقه فإن سرق ثانيا قطعت رجله ~~اليسرى فإن سرق ثالثا ورابعا ففيه قولان للصحابة ومن بعدهم من العلماء ~~أحدهما تقطع أربعته في الثالثة والرابعة وهو قول أبي بكر رضي الله عنه ~~ومذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين والثاني أنه يحبس وهو قول علي رضي ~~الله عنه والكوفيين وأحمد في روايته الأخرى وإنما تقطع يده إذا سرق نصابا ~~وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند جمهور العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث ~~وغيرهم كمالك والشافعي وأحمد ومنهم من يقول دينار أو عشرة دراهم فمن سرق ~~ذلك قطع بالاتفاق وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم وفي لقظ لمسلم قطع سارقا في ~~مجن قيمته ثلاث دراهم والمجن الترس وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا وفي ~~رواية للبخاري قال اقطعو في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك وكان ~~ربع الديار يومئذ دراهم والدينار اثني عشر درهما ولا يكون السارق سارقا حتى ~~يأخذ المال من ms077 حرز فأما المال الضائع من صاحبه والثمر الذي يكون في الشجر ~~في الصحراء بلا حائط والماشية التي لا راعي عندها ونحو ذلك فلا قطع فيه لكن ~~يعزر الأخذ ويضاعف عليه الغرم كما جاء به الحديث وقد اختلف أهل العلم في ~~التضعيف وممن قال به أحمد وغيره قال رافع بن خديج سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا قطع في ثمر ولا كثر والكثر جمار النخل رواه أهل السنن وعن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال سمعت رجلا من مزينة يسأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله جئت أسألك عن الضالة من ~~الإبل قال معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء فدعها حتى يأتيها ~~باغيها قال فالضالة من الغنم قال لك أو لأخيك أو للذئب تجمعها حتى يأتيها ~~باغيها قال فالحريسة التي تؤخذ من مراتعها قال فيها ثمنها مرتين وضرب نكال ~~وما أخذ من عطنه ففيه القطع PageV02P046 # إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قال يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها ~~من أكمامها قال من أخذ منها بفمه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء ومن احتمل ~~فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ ~~من ذلك ثمن المجن وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثلية وجلدات نكال رواه ~~أهل السنن لكن هذا سياق النسائي ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس ~~على المنتهب ولا على المختلس ولا الخائن قطع فالمنتهب الذي ينهب الشيء ~~والناس ينظرون والمختلس الذي يجتذب الشيء فيعلم به قبل أخذه وأما الطرار ~~وهو البطاط الذي يبط الجيوب والمناديل والأكمام ونحوها فإنه يقطع على ~~الصحيح فصل * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) * قال ~~عامة المفسرين كابن عباس ومجاهد وعطاء والفراء الوسيلة القربة قال قتادة ~~تقربوا إلى الله بما يرضيه قال أبو عبيدة توسلت إليه أي تقربت وقال عبد ~~الرحمن بن زيد تحببوا إلى الله والتحبب ms078 والتقرب إليه إنما هو بطاعة رسوله ~~فالإيمان بالرسول وطاعته هو وسيلة الخلق إلى الله ليس لهم وسيلة يتوسلون ~~بها البتة إلا الإيمان برسوله وطاعته وليس لأحد من الخلق وسيلة إلى الله ~~تبارك وتعالى إلا توسله بالإيمان بهذا الرسول الكريم وطاعته وهذه يؤمر بها ~~الإنسان حيث كان من الأمكنة وفي كل وقت وما خص من العبادات بمكان كالحج أو ~~زمان كالصوم والجمعة فكل في مكانه وزمانه وليس لنفس الحجرة من داخل فضلا عن ~~جدارها من خارج اختصاص شيء في شرع العبادات ولا فعل شيء منها فالقرب من ~~الله أفضل منه بالبعد منه باتفاق المسلمين والمسجد خص بالفضيلة في حياته ~~صلى الله عليه وسلم قبل وجود القبر فلم تكن فضيلة مسجده لذلك ولا استحب هو ~~صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا علماء أمته أن يجاور أحد عند قبر ~~ولا يعكف عليه لا قبره المكرم ولا قبر غيره ولا أن يقصد السكنى قريبا من ~~قبر أي قبر كان وسكنى المدينة النبوية هو أفضل في حق من تتكرر طاعته لله ~~ورسوله فيها أكثر كما كان الأمر لما كان الناس مأمورين بالهجرة إليها فكانت ~~الهجرة إليها والمقام بها أفضل من جميع البقاع مكة وغيرها بل كان ذلك ~~PageV02P047 # واجبا من أعظم الواجبات فلما فتحت مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وكان من اتى من أهل مكة وغيرهم ليهاجر ويسكن ~~المدينة يأمره أن يرجع إلى مدينته ولا يأمره بسكناها كما كان عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه يأمر الناس عقب الحج أن يذهبوا إلى بلادهم لئلا يضيقوا على ~~أهل مكة وكان يأمر كثيرا من أصحابه وقت الهجرة أن يخرجوا إلى أماكن أخرى ~~لولاية مكان وغيره وكانت طاعة الرسول بالسفر إلى غير المدينة يخرجوا إلى ~~أماكن أخرى لولاية مكان وغيره وكانت طاعة الرسول بالسفر إلى غير المدينة ~~أفضل من المقام عنده بالمدينة حين كانت دار الهجرة فكيف بها بعد ذلك إذ كان ~~الذي ينفع الناس طاعة الله ms079 ورسوله وأما ما سوى ذلك فإنه لا ينفعهم لا قرابة ~~ولا مجاورة ولا غير ذلك كما ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قال يا فاطمة بنت ~~محمد لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله ~~شيئا يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا وقال صلى الله عليه ~~وسلم إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين وقال ~~إن أوليائي المتقون حيث كانوا ومن كانوا قال الشيخ الإسلام رحمه الله فصل ~~قوله * (سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك) * قيل اللام لام كي أي ~~يسمعون ليكذبوا ويمسعون لينقلوا إلى قوم آخرين لم يأتوك فيكونون كذابين ~~ونمامين جواسيس والصواب أنها لام التعدية مثل قوله سمع الله لمن حمده ~~فالسماع متضمن معنى القول أي قائلون للكذب ويسمعون من قوم آخرين لم يأتوك ~~ويطيعونهم فيكون ذما لهم على قبول الخبر الكاذب وعلى طاعة غيره من الكفار ~~والمنافقين مثل قوله * (ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم) ~~* أي هم يطلبون أن يفتنوكم وفيكم من يسمع منهم فيكون قد ذمهم على اتباع ~~الباطل في نوعي الكلام خبره وإنشائه فإن باطل الخبر الكذب وباطل الإنشاء ~~طاعة غير الرسل وهذا بعيد PageV02P048 # 9 ثم قال * (سماعون للكذب أكالون للسحت) * فذكر أنهم في غذاءي الجسد ~~والقلب يغتدون الحرام بخلاف من يأكل الحلال ولا يقبل إلا الصدق وفيه ذم لمن ~~يروج عليه الكذب ويقبله أو يؤثره لموافقته هواه فيدخل فيه قبول المذاهب ~~الفاسدة لأنها كذب لا سيما إذا اقترن بذلك قبولها لأجل العوض عليها سواء ~~كان العوض من ذي سلطان أو وقف أو فتوح أو هدية أو أجرة أو غير ذلك وهو شبيه ~~بقوله * (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون ~~عن سبيل الله) * أهل البدع وأهل الفجور الذين يصدقون بما كذب به على الله ~~ورسوله وأحكامه والذين يطيعون في معصية الخالق ومثله * (هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين تنزل على كل ms080 أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) * فإنما ~~تنزلت بالسمع الذي يخلط فيه بكلمة الصدق ألف كلمة من الكذب على من هو كذاب ~~فاجر فيكون سماعا للكذب من مسترقة السمع ثم قال في السورة * (لولا ينهاهم ~~الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت) * فقول الإثم وسماع الكذب ~~وأكل السحت أعمال متلازمة في العادة وللحكام منها خصوص فإن الحاكم إذا ~~ارتشى سمع الشهادة المزورة والدعوى الفاجرة فصار سماعا للكذب أكالا للسحت ~~قائلا للإثم ولهذا خير نبيه صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم وبين تركه ~~لأنه ليس قصدهم قبول الحق وسماعه مطلقا بل يسمعون ما وافق أهواءهم وإن كان ~~كاذبا وكذلك العلماء الذين يتقولون الروايات المكذوبة فصل قال تعالى * (يا ~~أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ~~ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ~~يحرفون الكلم) * إلى قوله * (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) * ~~PageV02P049 # يعلم من هذا أن التوراة التي كانت موجودة بعد خراب بيت المقدس وبعد مجيء ~~بختنصر وبعد مبعث المسيح وبعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فيها حكم الله ~~والتوراة التي كانت عند يهود المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإن قيل أنه غير بعض ألفاظها بعد مبعثه فلا نشهد على كل نسخة في العالم ~~بمثل ذلك فإن هذا غير معلوم لنا وهو أيضا متعذر بل يمكن تغيير كثير من ~~النسخ وإشاعة ذلك عند الأتباع حتى لا يوجد عند كثير من الناس إلا ما غير ~~بعد ذلك ومع هذا فكثير من نسخ التوراة والإنجيل متفقة في الغالب إنما يختلف ~~في اليسير من ألفاظها فتبديل ألفاظ اليسير من النسخ بعد مبعث الرسول ممكن ~~لا يمكن أحدا أن يجزم بنفيه ولا يقدر أحد من اليهود والنصارى أن يشهد بأن ~~كل نسخة في العالم بالكتابين متفقة الألفاظ إذ هذا لا سبيل لأحد إلى علمه ~~والاختلاف اليسير في ألفاظ هذه الكتب موجود في الكثير من النسخ كما ms081 قد ~~تختلف نسخ بعض كتب الحديث أو تبدل بعض ألفاظ بعض النسخ وهذا بخلاف القرآن ~~المجيد الذي حفظت ألفاظه في الصدور وبالنقل المتواتر لا يحتاج أن يحفظ في ~~كتاب كما قال تعالى * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * وذلك أن ~~اليهود قبل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عهده وبعده منتشرون في مشارق ~~الأرض ومغاربها وعندهم نسخ كثيرة من التوراة وكذلك النصارى عندهم نسخ كثيرة ~~من التوراة ولم يتمكن أحد من جمع هذه النسخ وتبديلها ولو كان هذا ممكنا ~~لكان ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها وكذلك في ~~الإنجيل قال تعالى * (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) * فعلم أن في ~~هذا الإنجيل حكما أنزله الله تعالى لكن الحكم هو من باب الأمر والنهي وذلك ~~لا يمنع أن يكون التغيير في باب الأخبار وهو الذي وقع فيه التبديل لفظا ~~وأما الأحكام التي في التوراة فما يكاد أحد يدعي التبديل في ألفاظها وقد ~~ذكر طائفة من العلماء أن قوله تعالى في الإنجيل * (وليحكم أهل الإنجيل بما ~~أنزل الله فيه) * هو خطاب لمن كان على دين المسيح قبل النسخ والتبديل لا ~~الموجودين بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وهذا القول يناسب مناسبة ظاهرة ~~لقراءة من قرأ وليحكم أهل الإنجيل بكسر اللام كقراءة حمزة فإن هذه لام كي ~~فإنه تعالى قال * (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى ~~وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الفاسقون) * PageV02P050 # فإذا قرأ وليحكم كان المعنى وآتيناه الإنجيل لكذا وكذا وليحكم أهل ~~الإنجيل بما أنزل الله فيه وهذا يوجب الحكم بما أنزل الله في الإنجيل الحق ~~ولا يدل على أن الإنجيل الموجود في زمن الرسول هو ذلك الإنجيل وأما قراءة ~~الجمهور * (وليحكم أهل الإنجيل) * فهو أمر بذلك فمن العلماء من قال هو أمر ~~لمن كان الإنجيل ms082 الحق موجودا عندهم أن يحكموا بما أنزل الله فيه وعلى هذا ~~يكون قوله تعالى * (وليحكم) * أمرا لهم قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقال آخرون لا حاجة إلى هذا التكليف فإن القول في الإنجيل كالقول في ~~التوراة وقد قال تعالى * (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ~~من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون ~~للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن ~~أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من ~~الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن ~~الله يحب المقسطين وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من ~~بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا عليهم ~~فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن ~~بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الظالمون وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه ~~من التوراة وآتيناه الإنجيل) * فهذا قد صرح بأن أولئك الذين تحاكموا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود عندهم التوراة فيها حكم الله ثم تولوا ~~عن حكم الله وقال بعد ذلك * (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) * وهذه ~~لام الأمر وهو أمر من الله أنزله على لسان محمد وأمر من مات قبل هذا الخطاب ~~PageV02P051 # ممتنع وإنما يكون الأمر لمن آمن به من بعد خطاب الله لعباده ms083 بالأمر فعلم ~~أنه أمر لمن كان موجودا حينئذ أن يحكموا بما أنزل الله في الإنجيل والله ~~أنزل في الإنجيل الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم كما أمر به في ~~التوراة فليحكموا بما أنزل الله في الإنجيل مما لم ينسخه محمد صلى الله ~~عليه وسلم كما أمر أهل التوراة أن يحكموا بما أنزله مما لم ينسخه المسيح ~~وما نسخه فقد أمروا فيه باتباع المسيح وقد أمروا في الإنجيل باتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم لمن حكم من أهل الكتاب بعد مبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم بما أنزله الله في التوراة والإنجيل ولم يحكم بما يخالف حكم محمد صلى ~~الله عليه وسلم إذ كانوا مأمورين في التوراة والإنجيل باتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم كما قال تعالى * (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) * وقال تعالى * (وأنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل ~~الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) * فجعل القرآن مهيمنا والمهيمن ~~الشاهد الحاكم المؤتمن فهو يحكم بما فيها مما لم ينسخه الله ويشهد بتصديق ~~ما فيها مما لم يبدل ولهذا قال * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * وقد ثبت ~~في الصحاح والسنن والمسانيد هذا ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما أنه قال إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ~~أن امرأة منهم ورجلا زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون ~~في التوراة في شأن الرجم قالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام كذبتم ~~إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ~~ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية ~~الرجم فقالوا صدق يا محمد فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما وأخرج ~~البخاري عن عبد الله بن عمر أنه قال أتي رسول الله صلى الله عليه ms084 وسلم ~~بيهودي ويهودية قد زنيا فانطلق حتى جاء يهودي فقال ما تجدون في التوراة على ~~من زنى قالوا نسود وجوههما ويطاف بهما قال فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين قال فجاؤوا بها فقرؤوها حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي ~~يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها فقال عبد الله بن ~~سلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليرفع يده فرفعها فإذا ~~تحتها آية الرجم قالوا صدق فيها آية الرجم ولكننا نتكاتمه بيننا وإن ~~أحبارنا أحدثوا التحميم PageV02P052 # والتحبية فأمر رسول الله وسلم برجمهما فرجما وأخرج مسلم عن البراء بن ~~عازب رضي الله عنه أنه قال مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي ~~محمم مجلود فدعاهم فقال هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قالوا نعم فدعى ~~رجلا من علمائهم فقال أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون ~~حد الزاني في كتابكم قال لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجد الرجم ~~ولكنه كثير في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف ~~أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ~~فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ~~إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه فأمر به فرجم فأنزل الله تعالى * (يا أيها ~~الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم) * ~~إلى قوله * (فأولئك هم الكافرون) * إلى * (الظالمون) * إلى * (الفاسقون) * ~~قال هي في الكفارة كلها وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أنه قال رجم ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم ورجلا من اليهود وأما السنن ففي سنن ~~أبي داود عن زيد بن أسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال أتى نفر من ~~اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في بيت المدارس ~~فقالوا يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بينهم فوضعوا لرسول ms085 ~~الله صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم قال ائتوني التوراة فأتي بها ~~فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها وقال آمنت بك وبمن أنزلك ثم قال ~~ائتوني بأعمالكم فأتي بشاب ثم ذكر قصة الرجم وأخرج أيضا أبو داود وغيره عن ~~أبي هريرة أنه قال زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا ~~إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها ~~واحتججنا بها عند الله فقلنا نبي من أنبيائك قالوا فأتوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في ~~رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدارسهم فقام على الباب ~~فقال أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من ~~زنى إذا أحصن قالوا نحمم ونحبيه ونجلده والتحبية أن يحمل الزانيان على حمار ~~ويقابل PageV02P053 # أقفيتهما ويطاف بهما قال وسكت شاب منهم فلما رآه النبي صلى الله عليه ~~وسلم ساكتا أنشده فقال اللهم إذا نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فما أول ما ارتخصتم أمر الله قال زنى ذو قرابة من ~~ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل في أسرة من الناس فأراد رجمه فحال ~~قومه دونه وقالوا لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه فاصطلحوا هذه ~~العقوبة بينهم قال النبي صلى الله عليه وسلم فإني أحكم بما في التوراة فأمر ~~بهما فرجما قال الزهري فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم * (إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا) * وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم منهم وأيضا فقد تحاكموا إليه في القود الذي كان بين بني ~~قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل بعض إحدى القبيلتين ~~قتيلا من الأخرى فيقتلونه ولم يضعفوا الدية وإذا قتل من القبيلة الشريفة ~~قتلوا به وأضعفوا الدية قال أبو داود سلمان بن الأشعث في سننه حدثنا محمد ms086 ~~بن العلا حدثنا عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح عن سماك بن حرب عن عكرمة ~~عن ابن عباس قال كان قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل ~~رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ~~ودي مائة وسق من تمر فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير ~~رجلا من قريظة فقالوا ادفعوه إلينا نقتله فقالوا بيننا وبينكم محمد فأتوه ~~فنزلت * (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) * والقسط النفس بالنفس ثم نزلت * ~~(أفحكم الجاهلية يبغون) * قال أبو داود قريظة والنضير من ولد هارون وبسط ~~هذا له موضع آخر وعلى كل قول فقد أخبر الله عز وجل أن في التوراة الموجودة ~~بعد المسيح عليه السلام حكم الله وأن أهل الكتاب اليهود تركوا حكم الله ~~الذي في التوراة مع كفرهم بالمسيح وهذا ذم من الله لهم على ما تركوه من ~~حكمه الذي جاء به الكتاب الأول ولم ينسخه الرسول الثاني وهذا من التبديل ~~الثاني الذي ذموا عليه ودل على أن في التوراة الموجودة بعد مبعث المسيح ~~حكما أنزله الله أمروا أن يحكموا به وهكذا يمكن أن يقال في الإنجيل ومعلوم ~~أن PageV02P054 # الحكم الذي أمروا أن يحكموا به من أحكام التوراة لم ينسخه الإنجيل ولا ~~القرآن فكذلك ما أمروا أن يحكموا به من أحكام الإنجيل هو مما لم ينسخه ~~القرآن وذلك أن الدين الجامع أن يعبد الله وحده ويأمر بما أمر الله به ~~ويحكم بما أنزله الله في أي كتاب أنزله ولم ينسخه فإنه يحكم به ولهذا كان ~~مذهب جماهير السلف والأئمة أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه ~~ومن حكم بالشرع المنسوخ فلم يحكم بما أنزل الله كما أن الله أمر أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن يحكموا بما أنزل الله في القرآن وفيه الناسخ ~~والمنسوخ فهكذا القول في جنس الكتب المنزلة قال تعالى سورة المائدة الآيات ~~48 56 فقد أمر نبيه ms087 محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحكم بما أنزل الله إليه ~~وحذره اتباع أهوائهم وبين أن المخالف لحكمه وهو حكم الجاهلية حيث قال تعالى ~~* (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) * PageV02P055 # وأخبره تعالى أنه جعل لكل من أهل التوراة والإنجيل والقرآن شرعة ومنهاجا ~~وأمره تعالى بالحكم بما أنزل الله أمر عام لأهل التوراة والإنجيل والقرآن ~~ليس لأحد في وقت من الأوقات أن يحكم بغير ما أنزل الله والذي أنزله الله هو ~~دين واحد اتفقت عليه الكتب والرسل وهم متفقون في أصول الدين وقواعد الشريعة ~~وإن تنوعوا في الشرعة والمنهاج بين ناسخ ومنسوخ فهو شبيه بتنوع حال الكتاب ~~فإن المسلمين كانوا أولا مأمورين بالصلاة لبيت المقدس ثم أمروا أن يصلوا ~~إلى المسجد الحرام وفي كلا الأمرين إنما اتبعوا ما أنزل الله عز وجل وكذلك ~~موسى عليه السلام كان مأمورا بالسبت محرما عليه ما حرمه الله في التوراة ~~وهو متبع ما أنزله الله عز وجل والمسيح صلى الله عليه وسلم أحل بعض ما حرمه ~~الله في التوراة وهو متبع ما أنزل الله عز وجل فليس في أمر الله لأهل ~~التوراة والإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله أمر بما نسخ كما أنه ليس في أمر ~~أهل القرآن أن يحكموا بما أنزل الله أمر بما نسخ بل كان إذا ناسخ ومنسوخ ~~فالذي أنزل الله هو الحكم بالناسخ دون المنسوخ فمن حكم بالمنسوخ فقد حكم ~~بغير ما أنزل الله ومما يوضح هذا قوله تعالى * (قل يا أهل الكتاب لستم على ~~شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا ~~منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين) * فإن ~~هذا يبين أن هذا أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لأهل الكتاب الذي ~~بعث إليهم أنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم ~~من ربهم فدل ذلك على أنهم عندهم ما يعلم أنه منزل من الله وأنهم مأمورون ~~بإقامته إذا كان ms088 ذلك مما قرره محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينسخه ومعلوم أن ~~كل ما أمر الله به على لسان نبي ولم ينسخه النبي الثاني بل أقره كان الله ~~آمرا به على لسان نبي بعد نبي ولم يكن في بعثة الثاني ما يضاد وجوب اتباع ~~ما أمر به النبي الأول وقرره النبي الثاني ولا يجوز أن يقال إن الله ينسخ ~~بالكتاب الثاني جميع ما شرعه بالكتاب الأول إنما المنسوخ قليل بالنسبة إلى ~~ما اتفقت عليه الكتب والشرائع وأيضا ففي التوراة والإنجيل ما دل على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فإذا حكم أهل التوراة والإنجيل بما أنزل الله ~~فيهما حكموا بما أوجب عليهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أن ~~في التوراة والإنجيل ما يعلمون أن الله أنزله إذ لا يؤمرون أن يحكموا بما ~~أنزل الله ولا يعلمون PageV02P056 # ما أنزل الله والحكم إنما يكون في الأمر والنهي والعلم ببعض معاني الكتب ~~لا ينافي عدم العلم ببعضها وهذا متفق عليه في المعاني فإن المسلمين واليهود ~~والنصارى متفقون على أن في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده لا شريك ~~له وأنه أرسل إلى الخلق رسلا من البشر وأنه أوجب العدل وحرم الظلم والفواحش ~~والشرك وأمثال ذلك من الشرائع الكلية وأن فيها الوعد بالثواب والوعيد ~~بالعقاب بل هم متفقون على الإيمان باليوم الآخر وقد تنازعوا في بعض معانيها ~~واختلفوا في تفسير ذلك كما اختلفت اليهود والنصارى في المسيح المبشر به ~~النبوات هل هو المسيح بن مريم عليه السلام أو مسيح آخر ينتظر والمسلمون ~~يعلمون أن الصواب في هذا مع النصارى لكن لا يوافقنهم على ما أحدثوا فيه من ~~الإفك والشرك وكذلك يقال إذا بدل قليل من ألفاظها الخبرية لم يمنع ذلك أن ~~يكون أكثر ألفاظها لم يبدل لا سيما إذا كان في نفس الكتاب ما يدل على ~~المبدل وقد يقال إن ما بدل من ألفاظ التوراة والإنجيل ففي نفس التوراة ~~والإنجيل ما يدل على تبديله فبهذا يحصل الجواب على شبهة عن ms089 يقول إنه لم ~~يبدل شيء من ألفاظها فإنهم يقولون إذا كان التبديل قد وقع في ألفاظ التوراة ~~والإنجيل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلم الحق من الباطل فسقط ~~الاحتجاج بهما ووجوب العمل بهما على أهل الكتاب فلا يذمون حينئذ على ترك ~~اتباعهما والقرآن قد ذمهم على ترك الحكم بما فيها واستشهد بهما في مواضع ~~وجواب ذلك أن ما وقع من التبديل قليل والأكثر لم يبدل والذي لم يبدل فيه ~~ألفاظ صريحة بينة بالمقصود تبين غلط ما خالفها ولها شواهد ونظائر متعددة ~~يصدق بعضها بعضا بخلاف المبدل فإنه ألفاظ قليلة وسائر نصوص الكتب يناقضها ~~وصار هذا بمنزلة كتب الحديث المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إذا ~~وقع في سنن أبي داود والترمذي أو غيرهما أحاديث قليلة ضعيفة كان في ~~الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يبين ضعف تلك بل ~~وكذلك صحيح مسلم فيه ألفاظ قليلة غلط وفي نفس الأحاديث الصحيحة مع القرآن ~~ما يبين غلطها مثل ما روي أن الله خلق التربة يوم السبت وجعل خلق المخلوقات ~~في الأيام السبعة فإن هذا الحديث قد بين أئمة الحديث كيحيى بن معين وعبد ~~الرحمن بن مهدي والبخاري وغيرهم أنه غلط وأنه ليس في كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم بل صرح البخاري في تاريخه الكبير أنه من كلام كعب الأحبار كما قد ~~بسط في موضعه والقرآن يدل على غلط هذا وبين أن الخلق في ستة أيام وثبت في ~~الصحيح أن آخر الخلق كان يوم الجمعة فيكون أول الخلق يوم الأحد وكذلك ما ~~روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف بركوعين أو ثلاثة فإن الثابت ~~المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة ~~وابن عباس وعبد الله بن عمرو وغيرهم أنه صلى كل ركعة بركوعين ولهذا لم يخرج ~~البخاري إلا ذلك وضعف الشامي والبخاري وأحمد فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما PageV02P057 # صلى الكسوف مرة في أحد الروايتين عنه ms090 وغيرهم حديث الثلاثة والأربع فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى مرة واحدة وفي حديث الثلاث والأربع أنه ~~صلاها يوم مات إبراهيم ابنه وأحاديث الركوعين كانت ذلك اليوم فمثل هذا ~~الغلط إذا وقع كان في نفس الأحاديث الصحيحة ما يبين أنه غلط والبخاري إذا ~~روى الحديث بطرق في بعضها غلط في بعض الألفاظ ذكر معه الطرق التي تبين ذلك ~~الغلط كما قد بسطنا الكلام على ذلك في موضعه فكذلك إذا قيل أنه وقع تبديل ~~في بعض ألفاظ الكتب المتقدمة كان في الكتب ما يبين ذلك الغلط وقد قدمنا أن ~~المسلمين لا يدعون أن كل نسخة في العالم من زمن محمد صلى الله عليه وسلم ~~بكل لسان من التوراة والإنجيل والزبور بدلت ألفاظها فإن هذا لا أعرف أحدا ~~من السلف قاله وإن كان من المتأخرين من قد يقول ذلك كما في بعض المتأخرين ~~من يجوز الاستنجاء بكل ما في العالم من نسخ التوراة والإنجيل فليست هذه ~~الأقوال ونحوها من أقوال سلف الأمة وأئمتها وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~لما رأى بيد كعب الأحبار نسخة من التوراة قال يا كعب إن كنت تعلم أن هذه هي ~~التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها فعلق الأمر على ما ~~يمتنع العلم به ولم يجزم عمر رضي الله عنه بأن ألفاظ تلك مبدلة لما لم ~~يتأمل كل ما فيها والقرآن والسنة المتواترة يدلان على أن التوراة والإنجيل ~~الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيهما ما أنزله الله عز وجل ~~والجزم بتبديل ذلك في جميع النسخ التي في العالم متعذر ولا حاجة بنا إلى ~~ذكره ولا علم لنا بذلك ولا يمكن أحدا من أهل الكتاب أن يدعي أن كل نسخة في ~~العالم بجميع الألسنة من الكتب متفقة على لفظ واحد فإن هذا مما لا يمكن ~~أحدا من البشر أن يعرفه باختياره وامتحانه وإنما يعلم مثل هذا بالوحي وإلا ~~فلا يمكن أحدا من البشر أن يقابل كل نسخة موجودة في العالم ms091 بل نسخة من جميع ~~الألسنة بالكتب الأربعة والعشرين وقد رأيناها مختلفة في الألفاظ اختلافا ~~بينا والتوراة هي أصح الكتب وأشهرها عند اليهود والنصارى ومع هذا فنسخة ~~السامرة مخالفة لنسخة اليهود والنصارى حتى في نفس الكلمات العشر ذكر في ~~نسخة السامرة منها من أمر استقبال الطور ما ليس في نسخة اليهود والنصارى ~~وهذا مما يبين أن التبديل وقع في كثير من نسخ هذا الكتب فإن عند السامرة ~~نسخا متعددة وكذلك رأينا في الزبور نسخا متعددة تخالف بعضها بعضا مخالفة ~~كثيرة في كثير من الألفاظ والمعاني يقطع من رآها أن كثيرا منها كذب على ~~زبور داود عليه السلام وأما الأناجيل فالاضطراب فيها أعظم منه في التوراة ~~فإن قيل فإذا كانت الكتب المتقدمة منسوخة فلماذا ذم أهل الكتاب عن ترك ~~الحكم بما أنزل الله منها قيل النسخ لم يقع إلا في قليل من الشرائع وإلا ~~فالأخبار عن الله وعن PageV02P058 # اليوم الآخر وغير ذلك فلم تنسخ وكذلك الدين الجامع والشرائع الكلية لا ~~نسخ فيها وهو سبحانه ذمهم على ترك اتباع الكتاب الأول لأن أهل الكتاب كفروا ~~من جهتين من جهة تبديلهم الكتاب الأول وترك الإيمان والعمل ببعضه ومن جهة ~~تكذيبهم بالكتاب الثاني وهو القرآن كما قال تعالى * (وإذا قيل لهم آمنوا ~~بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا ~~لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) * فبين أنهم ~~كفروا قبل مبعثه بما أنزل عليهم وقتلوا الأنبياء كما كفروا حين مبعثه بما ~~أنزل عليه قال تعالى * (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ~~فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) * وقال تعالى * (فإن كذبوك فقد كذب رسل من ~~قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير) * وقال تعالى * (فلما جاءهم ~~الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي ~~موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا ms092 إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من ~~عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين) * وإذا كان الأمر كذلك فهو ~~سبحانه يذمهم على ترك اتباع ما أنزله في التوراة والإنجيل وعلى ترك اتباع ~~ما أنزله في القرآن وبين كفرهم بالكتاب الأول وبالكتاب الثاني وليس في شيء ~~من ذلك أمرهم أن يحكموا بالمنسوخ من الكتاب الأول كما ليس في أمرهم أن ~~يحكموا بالمنسوخ في الكتاب الثاني فصل قوله في سورة المائدة * (وقفينا على ~~آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه ~~هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل ~~الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) ~~* PageV02P059 # فهذا ثناء منه على المسيح والإنجيل وأمر للنصارى بالحكم بما أنزل الله ~~فيه كما أثنى على موسى والتوراة بأعظم مما عظم به المسيح والإنجيل فقال ~~تعالى * (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا ~~آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ~~آخرين لم يأتوك) * أي قائلون للكذب مصدقون مستجيبون مطيعون لقوم آخرين لم ~~يأتوك فهم مصدقون للكذب مطيعون لما يخالفك وأنت رسول الله فكل من تصديق ~~الكذب والطاعة لمن خالف رسول الله من أعظم الذنوب ولفظ السميع يراد به ~~الإحساس بالصوت ويراد به فهم المعنى ويراد به قبوله فيقال فلان سمع ما يقول ~~فلان أي يصدقه أو يطيعه ويقبل منه بقوله سماعون للكذب أي مصدقون به وإلا ~~مجرد سماع صوت الكاذب وفهم كلامه ليس مذموما على الإطلاق وكذلك سماعون لقوم ~~آخرين لم يأتوك أي مستجيبون لهم مطيعون لهم كما قال في حق المنافقين وفيكم ~~سماعون لهم أي مستجيبون لهم مطيعون لهم ومن قال إن المراد به الجاسوس فهو ~~غالط كغلط من قال سماعون لهم هم الجواسيس فإن الجاسوس إنما ينقل خبر القوم ~~إلى من لا يعرفه ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ما يذكره ويأمر به ms093 ~~ويفعله يراه ويسمعه كل من بالمدينة مؤمنهم ومنافقهم ولم يكن يقصد أن يكتم ~~يهود المدينة ما يقوله ويفعله خلاف من كان يأتيهم من اليهود وهم يصدقون ~~الكذب ويطيعون لليهود الآخرين الذين لم يأتوه والله نهى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يحزنه المسارعون في الكفر من هاتين الطائفتين المنافقتين الذين ~~أظهروا الإيمان به ولم تؤمن قلوبهم ومن أهل الكتاب الذين يطلبون أن يحكم ~~بينهم وليس مقصودهم أن يطيعوه ويتبعوا حكمه بل إن حكم بما يهوونه قبلوه وإن ~~حكم بخلاف ذلك لم يقبلوه لكونهم مطيعين لقوم آخرين لم يأتوه قال تعالى * ~~(سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك) * أي لم يأتك أولئك القوم ~~الآخرون يقولون أي يقول السماعون * (إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه ~~فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * ~~PageV02P060 # والحكم يفتقر إلى الصدق والعدل فلا بد أن يكون الشاهد صادقا والحاكم ~~عادلا وهؤلاء يصدقون الكاذبين من الشهود ويتبعون حكم المخالفين للرسل الذين ~~يحكمون بغير ما أنزل الله وإذا لم يكن قصدهم اتباع الصدق والعدل فليس عليك ~~أن تحكم بينهم بل إن شئت فاحكم بينهم وإن شئت فلا تحكم ولكن إذا حكمت فلا ~~تحكم إلا بما أنزل الله إليك إذ هو العدل قال تعالى * (سماعون للكذب أكالون ~~للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ~~وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين) * ثم قال سورة المائدة ~~الآيات 43 46 فهذا ثناؤه على التوراة وإخباره أن فيها حكم الله وأنه أنزل ~~التوراة وفيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وقال ~~عقب ذكرها * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * وهذا أعظم ~~مما ذكره في الإنجيل فإنه قال في الإنجيل * (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور) ~~* وقال فيه * (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم ms094 بما أنزل ~~الله فأولئك هم الفاسقون) * وقال في التوراة * (يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا) * وقال عقب ذكرها * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون) * فهو سبحانه مع إخباره بإنزال PageV02P061 # الكتابين يصف التوراة بأعظم مما يصف به الإنجيل كما قال تعالى * (إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) ~~* وإذا كان ما ذكره من مدح موسى والتوراة لم يوجب ذلك مدح اليهود الذين ~~كذبوا المسيح ومحمدا صلى الله عليهما وسلم تسليما وليس فيه ثناء على دين ~~اليهود المبدل المنسوخ باتفاق المسلمين والنصارى فكذلك ما ذكره من مدح ~~المسيح والإنجيل ليس فيه مدح النصارى الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وبدلوا أحكام التوراة والإنجيل واتبعوا المبدل المنسوخ واليهود توافق ~~المسلمين على أنه ليس فيما ذكر مدح للنصارى والنصارى توافق المسلمين على ~~أنه ليس فيما ذكر مدح لليهود بعد النسخ والتبديل فعلم اتفاق أهل الملل كلها ~~المسلمون واليهود والنصارى على أنه ليس فيما ذكر في القرآن من ذكر التوراة ~~والإنجيل وموسى وعيسى مدح لأهل الكتاب الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم ولا مدح لدينهم المبدل قبل مبعثه فليس في ذلك مدح لمن تمسك بدين مبدل ~~ولا بدين منسوخ فكيف بمن تمسك بدين مبدل منسوخ فصل * (يا أيها الذين آمنوا ~~من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) * وهذه حال من قاتل المرتدين وأولهم الصديق ~~ومن اتبعه إلى يوم القيامة فهم الذين جاهدوا المرتدين كأصحاب مسيلمة الكذاب ~~ومانعي الزكاة وغيرهما وهم الذين فتحوا الأمصار وغلبوا فارس والروم وكانوا ~~أزهد الناس كما قال عبد الله بن مسعود لأصحابه أنتم أكثر صلاة وصياما من ~~أصحاب محمد وهم كانوا خيرا منكم قالوا لم يا أبا عبد الرحمن قال لأنهم ~~كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة فهؤلاء هم الذين لا ms095 تأخذهم في الله ~~لومة لائم بخلاف الرافضة فإنهم أشد الناس خوفا من لوم اللائم ومن عدوهم وهم ~~كما قال تعالى * (يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون) * PageV02P062 # ولا يعيشون في أهل القبلة إلا من جنس اليهود في أهل الملل ثم يقال من ~~هؤلاء الذين زهدوا في الدنيا ولم تأخذهم في الله لومة لائم ممن لم يبايع ~~أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وبايع عليا فإنه من المعلوم أن في زمن ~~الثلاثة لم يكن أحد منحازا عن الثلاثة مظهرا لمخالفتهم ومبايعة علي بل كل ~~الناس كانوا مبايعين لهم فغاية ما يقال أنهم كانوا يكتمون تقديم علي وليست ~~هذه حال من لا تأخذه في الله لومة لائم وأما في حال ولاية علي فقد كان رضي ~~الله عنه من أكثر الناس لوما لمن معه على قلة جهادهم ونكولهم عن القتال ~~فأين هؤلاء الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم من هؤلاء الشيعة وإن كذبوا ~~على أبي ذر من الصحابة وسلمان وعمار وغيرهم فمن المتواتر أن هؤلاء كانوا من ~~أعظم الناس تعظيما لأبي بكر وعمر واتباعا لهما وإنما ينقل عن بعضهم التعنت ~~على عثمان لا على أبي بكر وعمر وسيأتي الكلام على ما جرى لعثمان رضي الله ~~عنه ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان لم يكن أحد يسمى من الشيعة ولا تضاف ~~الشيعة إلى أحد لا عثمان ولا غيرهما فلما قتل عثمان تفرق المسلمون فمال قوم ~~إلى عثمان ومال قوم إلى علي واقتتلت الطائفتان وقتل حينئذ شيعة عثمان شيعة ~~علي وفي صحيح مسلم عن سعد بن هشام أنه أراد أن يغزو في سبيل الله وقدم ~~المدينة فأراد أن يبيع عقارا له بها فيجعله في السلاح والكراع ويجاهد الروم ~~حتى يموت فلما قدم المدينة لقي أناسا من أهل المدينة فنهوه عن ذلك وأخبروه ~~أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال أليس لكم بي أسوة فلما حدثوه بذلك ms096 راجع امرأته وقد ~~كان طلقها وأشهد على رجعتها فأتى ابن عباس وسأله عن وتر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال له ابن عباس ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال من قال عائشة رضي الله عنها فأتها فاسألها ثم ائتني ~~فأخبرني بردها عليك قال فانطلقت إليها فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته ~~إليها فقال ما أنا بقاربها لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئا ~~فأبت فيهما إلا مضيا قال فأقسمت عليه فجاء فانطلقنا إلى عائشة رضي الله ~~عنها وذكر الحديث PageV02P063 # وقال معاوية لابن عباس أنت على ملة علي فقال لا على ملة علي ولا على ملة ~~عثمان أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الشيعة أصحاب علي ~~يقدمون عليه أبا بكر وعمر وإنما كان النزاع في تقدمه على عثمان ولم يكن ~~حينئذ يسمى أحد لا إماميا ولا رافضا وإنما سموا رافضة وصاروا رافضة لما خرج ~~زيد بن علي بن الحسين بالكوفة في خلافة هشام فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر ~~فترحم عليهم فرفضه قوم فقال رفضتموني رفضتموني فسموا رافضة وتولاه قوم ~~فسموا زيدية لانتسابهم إليه ومن حينئذ انقسمت الشيعة إلى رافضة إمامية ~~وزيدية وكلما زادوا في البدعة زادوا في الشر فالزيدية خير من الرافضة أعلم ~~وأصدق وأزهد وأشجع ثم بعد أبي بكر عمر بن الخطاب وهو الذي لم تكن تأخذه في ~~الله لومة لائم وكان أزهد الناس باتفاق الخلق كما قيل فيه رحم الله عمر لقد ~~تركه الحق ماله من صديق فصل وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه تفسير ~~آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ منها قوله ~~تعالى * (وعبد الطاغوت) * والصواب عطفه على قوله * (من لعنه الله) * فعل ~~ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية لكن المتقدمة الفاعل الله مظهرا ~~أو مضمرا وهذا الفعل اسم من عبد الطاغوت وهو الضمير في عبد ولم يعد حرف من ~~لأن هذه ms097 الأفعال لصنف واحد وهم اليهود والله أعلم فصل في بطلان الاستدلال ~~بالمتشابه قال تعالى * (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين ~~أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم ~~قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) * PageV02P064 # فذكر القسيسين والرهبان لئلا يقال إن هذا قيل عن غيرنا فدل هذا على ~~أفعالنا وحسن نياتنا ونفى عنا اسم الشرك بقوله اليهود والذين أشركوا أشد ~~الناس عداوة للذين آمنوا والذين قالوا إنا نصارى أقربهم مودة والجواب أن ~~يقال تمام الكلام * (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا ~~نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ~~فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء ~~المحسنين) * فهو سبحانه لم يعد بالثواب في الآخرة إلا لهؤلاء الذين آمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم الذين قال فيهم * (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ~~ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين) * والشاهدون هم الذين شهدوا له بالرسالة فشهدوا أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله وهم الشهداء الذين قال فيهم * (وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) * ولهذا قال ابن ~~عباس وغيره * (فاكتبنا مع الشاهدين) * قال محمد صلى الله عليه وسلم وأمته ~~وكل من شهد للرسل بالتصديق فهو من الشاهدين كما قال الحواريون * (ربنا آمنا ~~بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) * وقال تعالى * (يا أيها ~~الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ~~وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس) * PageV02P065 # وأما قوله في أول الآية * (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ~~والذين أشركوا ولتجدن ms098 أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) * ~~فهو كما أخبر سبحانه وتعالى فإن عداوة المشركين واليهود للمؤمنين أشد من ~~عداوة النصارى والنصارى أقرب مودة لهم وهذا معروف من أخلاق اليهود فإن ~~اليهود فيهم من البغض والحسد والعداوة ما ليس في النصارى وفي النصارى من ~~الرحمة والمودة ما ليس في اليهود والعداوة أصلها البغض فاليهود كانوا ~~يبغضون أنبياءهم فكيف ببغضهم للمؤمنين واما النصارى فليس في الدين الذي ~~يدينون به عداوة ولا بغض لأعداء الله الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في ~~الأرض فسادا فكيف بعداوتهم وبغضهم للمؤمنين المعتدلين أهل ملة إبراهيم ~~المؤمنين بجميع الكتب والرسل وليس في هذا مدح للنصارى بالإيمان بالله ولا ~~وعد لهم بالنجاة من العذاب واستحقاق الثواب وإنما فيه أنهم أقرب مودة وقوله ~~تعالى * (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) * أي بسبب هؤلاء ~~وسبب ترك الاستكبار يصير فيهم من المودة ما يصيرهم بذلك خيرا من المشركين ~~وأقرب مودة من اليهود والمشركين ثم قال تعالى * (وإذا سمعوا ما أنزل إلى ~~الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) * فهؤلاء الذين مدحهم ~~بالإيمان ووعدهم بثواب الآخرة والضمير وإن عاد إلى المتقدمين فالمراد به ~~جنس المتقدمين لا كل واحد منهم كقوله تعالى * (الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) ~~* وكان جنس الناس قالوا لهم إن جنس الناس قد جمعوا ويمتنع العموم فإن ~~القائل من الناس والمقول له عنه من الناس والمقول عنه من الناس ويمتنع أن ~~يكون جميع الناس قال لجميع الناس إنه قد جمع لكم جميع الناس ومثل هذا قوله ~~تعالى * (وقالت اليهود عزير ابن الله) * أي جنس اليهود قال هذا لم يقل هذا ~~كل يهودي ومن هذا أن في النصارى من رقة القلوب التي توجب لهم الإيمان ما ~~ليس في اليهود وهذا حق وأما قولهم ونفى عنا اسم الشرك فلا ريب أن الله فرق ~~بين المشركين وأهل الكتاب في عدة مواضع ووصف من أشرك منهم ms099 في بعض المواضع ~~بل قد ميز بين الصابئين والمجوس وبين المشركين في عدة مواضع وكلا الأمرين ~~حق فالأول كقوله PageV02P066 # تعالى * (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) * وقوله تعالى * ~~(إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا) * ~~وقال تعالى * (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) * ~~وأما وصفهم بالشرك ففي قوله * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون) * فنزه نفسه عن شركهم وذلك أن أصل دينهم ليس فيه شرك فإن الله ~~إنما بعث رسله بالتوحيد والنهي عن الشرك كما قال تعالى * (واسأل من أرسلنا ~~من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) * وقال تعالى * (ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) * وقال تعالى * ~~(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) * ~~فالمسيح صلوات الله عليه وسلامه ومن قبله من الرسل إنما دعوا إلى عبادة ~~الله وحده لا شريك له وفي التوراة من ذلك ما يعظم وصفه لم يأمر أحد من ~~الأنبياء بأن يعبد ملك ولا نبي ولا كواكب ولا وثن ولا أن تسأل الشفاعة إلى ~~الله من ميت ولا غائب ولا نبي ولا ملك فلم يأمر أحد من الرسل بأن يدعو ~~الملائكة ويقول اشفعوا لنا إلى الله ولا يدعو الأنبياء والصالحين الموتى ~~والغائبين ويقول اشفعوا لنا إلى الله ولا تصور تماثيلهم لا مجسدة ذات ظل ~~ولا مصورة في الحيطان ولا يجعل دعاء تماثيلهم وتعظيمها قربة وطاعة سواء ~~قصدوا دعاء أصحاب التماثيل أو تعظيمهم والاستشفاع بهم وطلبوا منهم أن ~~يسألوا الله تعالى وجعلوا تلك التماثيل تذكرة بأصحابها وقصدوا دعاء ~~التماثيل ولم يستشعروا أن المقصود دعاء أصحابها كما فعله جهال المشركين وإن ~~كان في هذا جميعه إنما يعبدون الشيطان وإن كانوا لا يقصدون عبادته فإنه ~~يتصور لهم في صورة ما يظنون أنها صورة الذي يعظمونه ويقول أنا الخضر ms100 أنا ~~المسيح أنا جرجس أنا الشيخ فلان كما قد وقع هذا لغير واحد من المنتسبين إلى ~~المسلمين والنصارى وقد يدخل الشيطان في PageV02P067 # بعض التماثيل فيخاطبهم وقد يقضي بعض حاجاتهم فبهذا السبب وأمثاله ظهر ~~الشرك قديما وحديثا وفعل النصارى وأشباههم ما فعلوه من الشرك وأما الأنبياء ~~والرسل صلوات الله عليهم وسلامه فنهوا عن هذا كله ولم يشرع أحد منهم شيئا ~~من ذلك فالنصارى لا يأمرون بتعظيم الأوثان المجسدة ولكن بتعظيم التماثيل ~~المصورة فليسوا على التوحيد المحض وليسوا كالمشركين الذين يعبدون الأوثان ~~ويكذبون الرسل فلهذا جعلهم الله نوعا غير المشركين تارة وذمهم على ما ~~أحدثوه من الشرك تارة وإذا أطلق لفظ الشرك فطائفة من المسلمين تدخل فيه ~~جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم كقوله تعالى * (ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا) * * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * فمن الناس من يجعل اللفظ ~~عاما لجميع الكفار لا سيما النصارى ثم من هؤلاء من ينهى عن نكاح هؤلاء كما ~~كان عبد الله بن عمر ينهي عن نكاح هؤلاء ويقول لاأعظم شركا من أن يقول عيسى ~~ربنا وهذا قول طائفة من الشيعة وغيرهم وأما جمهور السلف والخلف فيجوزون ~~نكاح الكتابيات ويبيحون ذبائحهم لكن إذا قالوا لفظ المشركين عام قالوا هذه ~~الآية مخصوصة أو منسوخة بآية المائدة وهو قوله تعالى * (وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي ~~أخدان) * وطائفة أخرى تجعل لفظ المشركين إذا أطلق لا يدخل فيه أهل الكتاب ~~وأما كون النصارى فيهم شرك كما ذكره الله فهذا متفق عليه بين المسلمين كما ~~نطق به القرآن كما أن المسلمين متفقون على أن قوله * (لتجدن أشد الناس ~~عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا ~~الذين قالوا إنا نصارى) * لأن النصارى لم يدخلوا في لفظ الذين أشركوا كما ~~لم يدخلوا في لفظ اليهود وكذلك قوله * (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين) * ونحو ذلك ms101 وهذا لأن لفظ الواحد تتنوع دلالته بالإفراد ~~والاقتران فيدخل فيه مع الأفراد والتجريد ما لا PageV02P068 # يدخل فيه عند الاقتران كلفظ المعروف والمنكر في قوله تعالى * (يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر) * فإنه يتناول جميع ما أمر الله به فإنه معروف ~~وجميع ما نهى عنه فإنه منكر وفي قوله * (لا خير في كثير من نجواهم إلا من ~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) * فهنا قرن الصدقة بالمعروف ~~والإصلاح بين الناس وكذلك المنكر في قوله * (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر) * قرن الفحشاء بالمنكر وقوله * (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) * ~~قرن الفحشاء بالمنكر والبغي وكذلك لفظ البر والإيمان وإذا أفرده دخل فيه ~~الأعمال والتقوى كقوله * (ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين) * وقال * (إن الأبرار لفي نعيم) * وقوله * (إنما ~~المؤمنون) * * (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري) * وقال * (إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون) * وقد يقرنه بغيره كقوله * (وتعاونوا على البر ~~والتقوى) * وقوله * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) * وكذلك لفظ الفقير ~~والمسكين إذا أفرد أحدهما دخل فيه لفظ الآخر وقد يجمع بينهما في قوله * ~~(إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * فيكونان هنا صنفين وفي تلك المواضع صنف ~~واحد فكذلك لفظ الشرك في مثل قوله * (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا) * يدخل فيه جميع الكفار PageV02P069 # أهل الكتاب وغيرهم عند عامة العلماء لأنه أفرده وجرده وإن كانوا إذا قرن ~~بأهل الكتاب كانا صنفين وفي صحيح مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا أرسل أميرا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ~~وأوصاه بمن معه من المسلمين خيرا وقال لهم اغزوا بسم الله في سبيل الله في ~~دعة قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا ~~وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خلال ثلاث ms102 فإنهم ما ~~أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم إلى الإسلام فإن أجابوك إلى ذلك فاقبل ~~منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم ~~أنهم إن فعلوا ذلك فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم فإن أبوا أن ~~يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله ~~الذي يجري على المسلمين وليس لهم في الغنيمة والفيء نصيب إلا أن يجاهدوا مع ~~المسلمين فإن هم أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم ~~وهذا الحديث كان بعد نزول آية الجزية وهي إنما نزلت عام تبوك لما قاتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم النصارى بالشام واليهود باليمن وهذا الحكم ثابت ~~في أهل الكتاب باتفاق المسلمين كما دل عليه الكتاب والسنة ولكن تنازعوا في ~~الجزية هل تؤخذ من غير أهل الكتاب وهذا مبسوط في موضعه فصل في ادعاء ~~النصارى أن القرآن سوى بين الأديان قالوا في سورة المائدة * (إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * فساوى بهذا القول بين سائر الناس ~~اليهود والمسلمون وغيرهم والجواب أن يقال أولا لا حجة لكم في هذه الآية على ~~مطلوبكم فإنه يسوي بينكم وبين اليهود والصابئين وأنتم مع المسلمين متفقون ~~على أن اليهود كفار من بعث المسيح إليهم فكذبوه وكذا الصابئون من حيث بعث ~~إليهم رسول فكذبوه فهم كفار فإن كان في الآية مدح PageV02P070 # لدينكم الذي أنتم عليه بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ففيها مدح دين ~~اليهود أيضا وهذا باطل عندكم وعند المسلمين وإن لم يكن فيها مدح اليهود بعد ~~النسخ والتبديل فليس فيها مدح لدين النصارى بعد النسخ والتبديل وكذلك يقال ~~لليهودي إن احتج بها على صحة دينه وأيضا فإن النصارى يكفرون اليهود فإن كان ~~دينهم حقا لزم كفر اليهود وإن كان باطلا لزم بطلان دينهم فلا بد من بطلان ~~أحد الدينين فيمتنع أن تكون الآية مدحتهما وقد سوت بينهما فعلم أنها لم ms103 ~~تمدح واحدا منهما بعد النسخ والتبديل وإنما معنى الآية أن المؤمنين بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم والذين هادوا الذين اتبعوا موسى عليه السلام وهم الذين ~~كانوا على شرعة قبل النسخ والتبديل والنصارى الذين اتبعوا المسيح عليه ~~السلام وهم الذين كانوا على شريعته قبل النسخ والتبديل والصابئون وهم ~~الصائبون الحنفاء كالذين كانوا من العرب وغيرهم على دين إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق قبل التبديل والنسخ فإن العرب من ولد إسماعيل وغيره الذين كانوا ~~جيران البيت العتيق الذي بناه إبراهيم وإسماعيل كانوا حنفاء على ملة ~~إبراهيم إلى أن غير دينه بعض ولاة خزاعة وهو عمرو بن لحي وهو أول من غير ~~دين إبراهيم بالشرك وتحريم ما لم يحرمه الله ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه أي أمعاءه في النار وهو أول من بحر البحيرة ~~وسيب السوائب وغير دين إبراهيم وكذلك بنو إسحاق الذين كانوا قبل مبعث موسى ~~متمسكين بدين إبراهيم كانوا من السعداء المحمودين فهؤلاء الذين كانوا على ~~دين موسى والمسيح وإبراهيم ونحوهم الذين مدحهم الله تعالى * (إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * فأهل الكتاب بعد ~~النسخ والتبديل ليسوا ممن آمن بالله ولا باليوم الآخر وعمل صالحا كما قال ~~تعالى * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون) * PageV02P071 # 3 فصل في كفارة اليمين قال شيخ الإسلام ابن تيمية كفارة اليمين هي ~~المذكورة في سورة المائدة قال تعالى * (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ~~ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) * ~~فمتى كان واحدا فعليه أن يكفر بإحدى الثلاث فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ~~وإذا اختار أن يطعم عشرة مساكين فله ذلك ومقدار ما يطعم مبني على أصل وهو ~~أن إطعامهم ms104 هل هو مقدر بالشرع أو بالعرف فيه قولان للعلماء منهم من قال هو ~~مقدر بالشرع وهؤلاء على أقوال منهم من قال يطعم كل مسكين صاعا من تمر أو ~~صاعا من شعير أو نصف صاع من بر كقول أبي حنيفة وطائفة ومنهم من قال يطعم كل ~~واحد نصف صاع من تمر أو شعير أو ربع صاع من بر وهو مد كقول أحمد وطائفة ~~ومنهم من قال بل يجزئ في الجميع مد من الجميع كقول الشافعي وطائفة والقول ~~الثاني أن ذلك مقدر بالعرف لا بالشرع فيطعم أهل كل بلد من أوسط ما يطعمون ~~أهليهم قدرا ونوعا وهذا معنى قول مالك قال إسماعيل بن إسحاق كان مالك يرى ~~في كفارة اليمين أن المد يجزئ بالمدينة قال مالك وأما البلدان فإن لهم عيشا ~~غير عيشنا فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم لقول الله تعالى * (من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم) * وهو مذهب داود وأصحابه مطلقا والمنقول عن أكثر ~~الصحابة والتابعين هذا القول ولهذا كانوا يقولون الأوسط خبز ولبن خبز وسمن ~~خبز وتمر والأعلى خبز ولحم وقد بسطنا الآثار عنهم في غير هذا الموضع وبينا ~~أن هذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار وهو قياس ~~مذهب أحمد وأصوله فإن أصله أن ما لم يقدره الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف ~~وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف لا سيما مع قوله تعالى * (من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم) * فإن أحمد لا يقدر طعام المرأة والولد ولا المملوك ~~ولا يقدر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ظاهر مذهبه ولا يقدر ~~الضيافة الواجبة عنده قولا واحدا ولا يقدر الضيافة المشروطة على أهل الذمة ~~للمسلمين في ظاهر مذهبه هذا مع أن هذه واجبة بالشرط فكيف يقدر طعاما واجبا ~~بالشرع بل ولا يقدر الجزية في أظهر الروايتين عنه ولا الخراج ولا يقدر أيضا ~~الأطعمة الواجبة مطلقا سواء وجبت بشرع أو شرط ولا غير الأطعمة مما وجبت ~~مطلقا فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر والأقسام ثلاثة ms105 فما له حد في الشرع أو ~~اللغة رجع في ذلك إليهما وما ليس له حد فيهما رجع فيه إلى العرف ولهذا لا ~~يقدر للعقود ألفاظا بل أصله في هذه الأمور من جنس أصل مالك كما أن قياس ~~مذهبه أن يكون الواجب في صدقة الفطر نصف صاع من بر وقد PageV02P083 # دل على كلامه أيضا كما قد بين في موضع آخر وإن كان المشهور عنه تقدير ذلك ~~وبالصاع كالتمر والشعير وقد تنازع العلماء في الأدم هل هو واجب أو مستحب ~~على قولين والصحيح أنه إن كان يطعم أهله بأدم أطعم المساكين بأدم وإن كان ~~إنما يطعمهم بلا أدم لم يكن عليه أن يفضل المساكين على أهله بل يطعم ~~المساكين من أوسط ما يطعم أهله وعلى هذا فمن البلاد من يكون أوسط طعام أهله ~~مدا من حنطة كما يقال عن أهل المدينة وإذا صنع خبزا جاء نحو رطلين بالعراقي ~~وهو بالدمشقي خمسة أواق وخمسة أسباع أوقية فإن جعل بعضه أدما كما جاء عن ~~السلف كان الخبز نحوا من أربعة أواق وهذا لا يكفي أكثر أهل الأمصار فلهذا ~~قال جمهور العلماء يطعم في غير المدينة أكثر من هذا إما مدان أو مد ونصف ~~على قدر طعامهم فيطعم من الخبز إما نصف رطل بالدمشقي وإما ثلثا رطل وإما ~~رطل وإما أكثر وإما مع الأدم وإما بدون الأدم على قدر عادتهم في الأكل في ~~وقت فإن عادة الناس تختلف بالرخص والغلاء واليسار والإعسار وتختلف بالشتاء ~~والصيف وغير ذلك وإذا حسب ما يوجبه أبو حنيفة خبزا كان رطلا وثلثا بالدمشقي ~~فإنه يوجب نصف صاع عنده ثمانية أرطال وأما ما يوجبه من التمر والشعير فيوجب ~~صاعا ثمانية أرطال وذلك بقدر ما يوجبه الشافعي ست مرات وهو بقدر ما يوجبه ~~أحمد بن حنبل ثلاث مرات والمختار أن يرجع في ذلك إلى عرف الناس وعادتهم فقد ~~يجزئ في بلد ما أوجبه أبو حنيفة وفي بلد ما أوجبه أحمد وفي بلد آخر ما بين ~~هذا وهذا على حسب عادته عملا بقوله ms106 تعالى * (من أوسط ما تطعمون أهليكم) * ~~وإذا جمع عشرة مساكين وعشاهم خبزا أو أدما من أوسط ما يطعم أهله أجزأه ذلك ~~عند أكثر السلف وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين وغيرهم ~~وهو أظهر القولين في الدليل فإن الله تعالى أمر بالإطعام لم يوجب التمليك ~~وهذا إطعام حقيقة ومن أوجب التمليك احتج بحجتين إحداهما أن الطعام الواجب ~~مقدر بالشرع ولا يعلم إذا أكلوا أن كل واحد يأكل قدر حقه وجواب الأولى أنا ~~لا نسلم أنه مقدر بالشرع وإن قدر أنه مقدر به فالكلام إنما هو إذا أشبع كل ~~واحد منهم غداء وعشاء وحينئذ فيكون قد أخذ كل واحد قدر حقه وأكثر وأما ~~التصرف بما شاء فالله تعالى لم يوجب ذلك إنما أوجب الإطعام ولو أراد ذلك ~~لأوجب مالا PageV02P085 # من النقد والزكاة ونحوه وهو لم يوجب ذلك والزكاة إنما أوجب فيها التمليك ~~لأنه ذكرها باللام بقوله تعالى * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * ولهذا ~~حيث ذكر الله التصرف كقوله * (وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله) * ~~فالصحيح أنه لا يجب التمليك بل يجوز أن يعتق من الزكاة وإن لم يكن تمليكا ~~للمعتق ويجوز أن يشتري منها سلاحا يعين به في سبيل الله وغير ذلك ولهذا قال ~~من قال من العلماء الإطعام أولى من التمليك لأن المملك قد يبيع ما أعطيته ~~ولا يأكله بل قد يكنزه فإذا أطعم الطعام حصل مقصود الشارع قطعا وغاية ما ~~يقال أن التمليك قد يسمى إطعاما كما يقال أطعم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الجدة السدس وفي الحديث ما أطعم الله نبيا طعمة إلا كانت لمن يلي ~~الأمر من بعده لكن يقال لا ريب أن اللفظ يتناول الإطعام المعروف بطريق ~~الأولى ولأن ذلك إنما يقال إذا ذكر المطعم فيقال أطعمه كذا فأما إذا أطلق ~~وقيل أطعم هؤلاء المساكين فإنه لا يفهم منه إلا نفس الإطعام لكن لما كانوا ~~يأكلون ما يأخذونه سمى التمليك للطعام إطعاما لأن المقصود هو الإطعام أما ~~إذا كان المقصود مصرفا غير الأكل فهذا ms107 لا يسمى إطعاما عند الإطعام ~~PageV02P086 # 91 فصل في معنى روح القدس قال تعالى * (يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ~~وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس) * فيقال هذا مما لا ريب فيه ولا حجة لكم ~~فيه بل هو حجة عليكم فإن الله أيد المسيح عليه السلام بروح القدس كما ذكر ~~ذلك في هذه الآية وقال تعالى في البقرة * (وآتينا عيسى ابن مريم البينات ~~وأيدناه بروح القدس) * وقال تعالى * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم ~~من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح ~~القدس) * وهذا ليس مختصا بالمسيح بل قد أيد غيره بذلك وقد ذكروا هم أنه قال ~~لداود روحك القدس لا تنزع مني وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم لحسان بن ~~ثابت اللهم أيده بروح القدس وفي لفظ روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه ~~وكلا اللفظين في الصحيح PageV02P091 # وعند النصارى أن الحواريين حلت فيهم روح القدس وكذلك عندهم روح القدس حدث ~~في جميع الأنبياء وقد قال تعالى سورة النحل الآيات 98 102 وقد قال تعالى في ~~موضع آخر * (نزل به الروح الأمين على قلبك) * وقال * (قل من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) * فقد تبين أن روح القدس هنا جبريل ~~وقال تعالى * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) * وقال تعالى * (وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من ~~نشاء من عبادنا) * وقال تعالى * (ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء ~~من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون) * وقال تعالى * (يلقي الروح ~~من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق) * فهذه الروح التي أوحاها ~~والتي تنزل بها الملائكة على من يشاء من عباده غير الروح الأمين التي تنزل ~~بالكتاب ms108 وكلاهما يتسمى روحا وهما متلازمان فالروح التي ينزل بها ~~PageV02P092 # الملك مع الروح الأمين التي ينزل بها روح القدس يراد بها هذا وهذا وبكلا ~~القولين فسر المفسرون قوله في المسيح * (وأيدناه بروح القدس) * ولم يقل أحد ~~أن المراد بذلك حياة الله ولا اللفظ يدل على ذلك ولا استعمل فيه وهم إما أن ~~يسلموا أن روح القدس في حق غيره ليس المراد بها حياة الله فإذا ثبت أن لها ~~معنى غير الحياة فلو استعمل في حياة الله أيضا لم يتعين أن يراد بها ذلك في ~~حق المسيح فكيف ولم يستعمل في حياة الله في حق المسيح وإما أن يدعوا أن ~~المراد بها حياة الله في حق الأنبياء والحواريين فإن قالوا ذلك لزمهم أن ~~يكون اللاهوت حالا في جميع الأنبياء والحواريين وحينئذ فلا فرق بين هؤلاء ~~وبين المسيح ويلزمهم أيضا أن يكون في المسيح لاهوتان لاهوت الكلمة ولاهوت ~~الروح فيكون قد اتحد به أقنومان ثم في قوله تعالى * (وأيدناه بروح القدس) * ~~يمتنع أن يراد بها حياة الله فإن حياة الله صفة قائمة بذاته لا تقوم بغيره ~~ولا تختص ببعض الموجودات غيره وأما عندهم فالمسيح هو الله الخالق فكيف يؤيد ~~بغيره وأيضا فالمتحد بالمسيح هو الكلمة دون الحياة فلا يصح تأييده بها ~~فتبين أنهم يريدون أن يحرفوا القرآن كما حرفوا غيره من الكتب المتقدمة وأن ~~كلامهم في تفسير المتشابه من الكتب الإلهية من جنس واحد فصل عيسى عبد الله ~~ورسوله قال تعالى سورة البقرة الآية 87 فأخبر عن المسيح أنه لم يقل لهم إلا ~~ما أمره الله به بقوله أن اعبدوا الله ربي وربكم وكان عليهم شهيدا ما دام ~~فيهم وبعد وفاته كان الله الرقيب عليهم فإذا كان بعضهم قد PageV02P093 # غلط في النقل عنه أو في تفسير كلامه أو تعمد تغيير دينه لم يكن على ~~المسيح عليه السلام من ذلك درك وإنما هو رسول عليه البلاغ المبين وقد أخبر ~~الله سبحانه أن أول ما تكلم به المسيح أن قال * (إني عبد الله آتاني الكتاب ms109 ~~وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ~~وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا) * ثم طلب لنفسه السلام فقال * ~~(والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) * والنصارى يقولون علينا ~~منه السلام كما يقوم الغالية فيمن يدعون فيه الإلهية كالنصيرية في علي ~~والحاكمية في الحاكم الوجه الثاني أن يقال إن الله لم يذكر أن المسيح مات ~~ولا قتل وإنما قال * (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا) * وقال المسيح * (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل ~~شيء شهيد) * وقال تعالى سورة النساء الآيات 155 161 فذم الله اليهود بأشياء ~~منها * (وقولهم على مريم بهتانا عظيما) * حيث زعموا أنها بغي ومنها قولهم * ~~(إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله) * قال تعالى * (وما قتلوه وما ~~صلبوه ولكن شبه لهم) * وأضاف هذا القول إليهم PageV02P094 # وذمهم عليه ولم يذكر النصارى لأن الذين تولوا صلب المصلوب المشبه به هم ~~اليهود ولم يكن أحد من النصارى شاهدا معهم بل كان الحواريون خائفين غائبين ~~فلم يشهد أحد منهم الصلب وإنما شهده اليهود وهم الذين أخبروا الناس أنهم ~~صلبوا المسيح والذين نقلوا أن المسيح صلب من النصارى وغيرهم إنما نقلوه عن ~~أولئك اليهود وهم شرط من أعوان الظلمة لم يكونوا خلقا كثيرا يمتنع تواطؤهم ~~على الكذب قال تعالى * (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) * فنفى عنه ~~القتل ثم قال * (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) * وهذا عند ~~أكثر العلماء معناه قبل موت المسيح وقد قيل قبل موت اليهود وهو ضعيف كما ~~قيل إنه قبل موت محمد صلى الله عليه وسلم وهو أضعف فإنه لو آمن به قبل ~~الموت لنفعه إيمانه به فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر وإن قيل ~~المراد به الإيمان الذي يكون بعد الغرغرة لم يكن في هذا فائدة فإن كل أحد ~~بعد موته يؤمن بالغيب الذي كان يجحده فلا اختصاص للمسيح به ولأنه قال قبل ~~موته ولم ms110 يقل بعد موته ولأنه ولا فرق بين إيمانه بالمسيح وبمحمد صلوات الله ~~عليه وسلامه واليهودي الذي يموت على اليهودية فيموت كافرا بمحمد والمسيح ~~عليهما الصلاة والسلام ولأنه قال * (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته) * وقوله * (ليؤمنن به) * فعل مقسم عليه وهذا إنما يكون في المستقبل ~~فدل ذلك على أن هذا الإيمان بعد إخبار الله بهذا ولو أريد قبل موت الكتابي ~~لقال وإن من أهل الكتاب إلا من يؤمن به لم يقل ليؤمنن به وأيضا فإنه قال إن ~~من أهل الكتاب وهذا يعم اليهود والنصارى فدل ذلك على أن جميع أهل الكتاب ~~اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح وذلك إذا نزل آمنت اليهود ~~والنصارى بأنه رسول الله ليس كاذبا كما يقول اليهود ولا هو الله كما تقوله ~~النصارى والمحافظة على هذا العموم أولى من أن يدعي أن كل كتابي ليؤمنن به ~~قبل أن يموت الكتابي فإن هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني وهذا خلاف ~~الواقع وهو لما قال * (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) * ودل ~~على أن المراد بإيمانهم قبل أن يموت هو علم أنه أريد بالعموم عموم من كان ~~موجودا حين نزوله أي لا يتخلف منهم أحد عن الإيمان به لا إيمان من كل منهم ~~ميتا وهذا كما يقال إنه لا يبقى بلد إلا دخله الدجال إلا مكة والمدينة أي ~~في المدائن الموجودة حينئذ وسبب إيمان أهل الكتاب به حينئذ ظاهر فإنه يظهر ~~لكل أحد أنه رسول مؤيد ليس بكذاب ولا هو رب العالمين PageV02P095 # فالله تعالى ذكر إيمانهم به إذا نزل إلى الأرض فإنه تعالى لما ذكر رفعه ~~إلى الله بقوله * (إني متوفيك ورافعك إلي) * وهو ينزل إلى الأرض قبل يوم ~~القيامة ويموت حينئذ أخبر الآية الزخرف الآيات 59 65 في الصحيحين أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا ~~فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية وقوله تعالى * (وما قتلوه وما ~~صلبوه ولكن شبه ms111 لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا ~~اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما) * ~~بيان أن الله رفعه حيا وسلمه من القتل وبين أنهم يؤمنون به قبل أن يموت ~~وكذلك قوله * (ومطهرك من الذين كفروا) * ولو مات لم يكن فرق بينه وبين غيره ~~معنى التوفي ولفظ التوفي في لغة العرب معناه الاستيفاء والقبض وذلك ثلاثة ~~أنواع أحدها توفي النوم والثاني توفي الموت والثالث توفي الروح والبدن ~~جميعا فإنه بذلك خرج عن حال أهل الأرض الذين يحتاجون إلى الأكل والشرب ~~واللباس ويخرج منهم الغائط والبول والمسيح عليه السلام توفاه الله وهو في ~~السماء الثانية إلى أن ينزل إلى الأرض ليست حاله كحالة أهل الأرض في الأكل ~~والشرب واللباس والنوم والغائط والبول ونحو ذلك الوجه الثالث قولهم إنه عنى ~~بموته عن موت الناسوت كان ينبغي لهم أن يقولوا على أصلهم عنى بتوفيته عن ~~توفي الناسوت وسواء قيل موته أو توفيته فليس هو شيئا غير الناسوت فليس هناك ~~شيء غيره لم يتوف الله تعالى قال PageV02P096 # * (إني متوفيك ورافعك إلي) * فالمتوفى هو المرفوع إلى الله وقولهم إن ~~المرفوع هو اللاهوت مخالف لنص القرآن ولو كان هناك موت فكيف إذا لم يكن ~~فإنهم جعلوا المرفوع غير المتوفى والقرآن أخبر أن المرفوع هو المتوفى وكذلك ~~قوله في الآية الأخرى * (وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه) * هو تكذيب ~~لليهود في قولهم * (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله) * واليهود ~~لم يدعوا قتل لاهوت ولا أثبتوا لله لاهوتا في المسيح والله تعالى لم يذكر ~~دعوى قتله عن النصارى حتى يقال إن مقصودهم قتل الناسوت دون اللاهوت بل عن ~~اليهود الذين لا يثبتون إلا الناسوت وقد زعموا أنهم قتلوه فقال تعالى * ~~(وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه) * فأثبت رفع الذي قالوا إنهم قتلوه ~~وإنما هو الناسوت فعلم أنه هو الذي نفي عنه القتل وهو الذي رفع والنصارى ~~معترفون برفع الناسوت لكن يزعمون أنه ms112 صلب وأقام في القبر إما يوما وإما ~~ثلاثة أيام ثم صعد إلى السماء وقعد عن يمين الأب الناسوت مع اللاهوت وقوله ~~تعالى * (وما قتلوه يقينا) * معناه أن نفي قتله هو يقين لا ريب فيه بخلاف ~~الذين اختلفوا بأنهم في شك منه من قتله وغير قتله فليسوا مستيقنين أنه قتل ~~إذ لا حجة معه بذلك ولذلك كانت طائفة من النصارى يقولون إنه لم يصلب فإن ~~الذين صلبوا المصلوب هم اليهود وكان قد اشتبه عليهم المسيح بغيره كما دل ~~عليه القرآن وكذلك عند أهل الكتاب أنه اشتبه بغيره فلم يعرفوا من هو المسيح ~~من أولئك حتى قال لهم بعض الناس أنا أعرفه فعرفوه وقول من قالوا معنى ~~الكلام ما قتلوه علما بل ظنا قول ضعيف الوجه الرابع أنه قال تعالى * (إذ ~~قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا) * فلو كان ~~المرفوع هو اللاهوت لكان رب العالمين قال لنفسه أو لكلمته * (ورافعك إلي) * ~~وكذلك قوله * (بل رفعه الله إليه) * فالمسيح عندهم هو الله ومن المعلوم أنه ~~يمتنع رفع نفسه إلى نفسه وإذا قالوا هو الكلمة فهم مع ذلك أنه الإله الخالق ~~لا يجعلونه بمنزلة التوراة والقرآن ونحوهما مما هو كلام الله الذي قال فيه ~~* (إليه يصعد الكلم الطيب) * بل عندهم هو الله الخالق الرازق رب العالمين ~~ورفع رب العالمين إلى رب العالمين ممتنع الوجه الخامس قوله * (وكنت عليهم ~~شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) * دليل على أنه بعد ~~توفيته لم يكن الرقيب عليهم إلا الله دون المسيح فإن قوله كنت أنت يدل على ~~الحصر كقوله إن كان هذا هو الحق ونحو ذلك فعلم أن المسيح بعد PageV02P097 # توفيته ليس رقيبا على اتباعه بل الله هو الرقيب المطلع عليهم المحصي ~~أعمالهم المجازي عليها والمسيح ليس برقيب فلا يطلع على أعمالهم ولا يحصيها ~~ولا يجازيهم بها فصل فساد قول النصارى في أن المسيح خالق قالوا وقد سماه ~~الله أيضا في هذا الكتاب خالقا حيث قال * (وإذ تخلق ms113 من الطين كهيئة الطير ~~بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني) * سورة المائدة 110 فأشار بالخالق إلى ~~كلمة الله المتحدة في الناسوت المأخوذة من مريم أنه كذا قال على لسان داود ~~النبي بكلمة الله خلقت السماوات والأرض ليس خالق إلا الله وكلمته وروحه ~~وهذا مما يوافق رأينا واعتقادنا في السيد المسيح لذكره لأنه حيث قال وتخلق ~~من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله أي بإذن اللاهوت ~~الكلمة المتحدة في الناسوت والجواب إن جميع ما يحتجون به من هذه الآيات ~~وغيرها فهو حجة عليهم لا لهم وهكذا شأن جميع أهل الضلال إذا احتجوا بشيء من ~~كتب الله وكلام أنبيائه كان في نفس ما احتجوا به ما يدل على فساد قولهم ~~وذلك لعظمة كتب الله المنزلة وما نطق به أنبياؤه فإنه جعل ذلك هدى وبيانا ~~للخلق وشفاء لما في الصدور فلا بد أن يكون في كلام الأنبياء صلوات الله ~~عليهم وسلامه أجمعين من الهدى والبيان ما يفرق الله به بين الحق والباطل ~~والصدق والكذب لكن الناس يؤتون من قبل أنفسهم لا من قبل أنبياء الله تعالى ~~إما من كونهم لم يتدبروا القول الذي قالته الأنبياء حق التدبر حتى يفقهوه ~~ويفهموه وإما من جهة أخذهم ببعض الحق دون بعض مثل أن يؤمنوا ببعض ما أنزل ~~الله دون بعض فيضلون من جهة ما لم يؤمنوا به كما قال تعالى عن النصارى * ~~(ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) * وإما من جهة نسبتهم إلى ~~الأنبياء ما لم يقولوه من أقوال كذبت عليهم ومن جهة ترجمة PageV02P098 # أقوالهم بغير ما تستحقه من الترجمة وتفسيرها بغير ما تستحقه من التفسير ~~الذي دل عليه كلام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فإنه يجب أن ~~يفسر كلام المتكلم ببعض ببع ويؤخذ كلامه ها هنا وها هنا وتعرف ما عادته ~~يعينه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في ~~موضع آخر فإذا ms114 عرف عرفه وعادته في معانيه وألفاظه كان هذا مما يستعان به ~~على معرفة مراده وأما إذا استعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه ~~وترك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه وحمل كلامه على خلاف ~~المعنى الذي قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ يجعل كلامه متناقضا ويترك كلامه ~~على ما يناسب سائر كلامه كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه وتبديلا لمقاصده ~~وكذبا عليه فهذا أصل من ضل في تأويل كلام الأنبياء على غير مرادهم فإذا عرف ~~هذا فيقول الرد عليهم الجواب عما ذكروه هنا من وجوه أحدهما أن الله لم يذكر ~~عن المسيح خلقا مطلقا ولا خلقا عاما كما ذكر عن نفسه تبارك وتعالى فأول ما ~~أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم * (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق ~~الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) ~~* وقال تعالى * (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ~~العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور ~~له الأسماء الحسنى) * فذكر نفسه بأنه الخالق البارىء المصور ولم يصف قط ~~شيئا من المخلوقات بهذا لا ملكا ولا نبيا وكذلك قال تعالى * (الله خالق كل ~~شيء وهو على كل شيء وكيل له مقاليد السماوات والأرض) * وقال تعالى * ~~(وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ~~وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) * PageV02P099 # ووصف نفسه بأنه رب العالمين وبأنه مالك يوم الدين وأنه له الملك وله ~~الحمد وأنه الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم وأنه على كل شيء قدير وبكل ~~شيء عليم ونحو ذلك من خصائص الربوبية ولم يصف شيئا من مخلوقاته لا ملكا ~~مقربا ولا نبيا مرسلا بشيء من الخصائص التي يختص بها ms115 التي وصف بها نفسه ~~سبحانه وتعالى وأما المسيح عليه السلام فقال فيه * (وإذ تخلق من الطين ~~كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص ~~بإذني) * وقال المسيح عن نفسه * (أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه ~~فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله) * فلم ~~يذكر إلا خلق شيء معين خاص بإذن الله فكيف يكون هذا الخلق هو ذاك الوجه ~~الثاني أنه خلق من الطين كهيئة الطير والمراد به تصويره بصورة الطير وهذا ~~الخلق يقدر عليه عامة الناس فإنه يمكن أحدهم أن يصور من الطين كهيئة الطير ~~وغير الطير من الحيوانات ولكن التصوير محرم بخلاف تصوير المسيح فإن الله ~~أذن له فيه والمعجزة أنه ينفخ فيه الروح فيصير طيرا بإذن الله عز وجل ليس ~~المعجزة مجرد خلقه من الطين فإن هذا مشترك ولقد لعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم المصورين وقال إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون الوجه الثالث ~~أن الله أخبر أن المسيح إنما فعل التصوير وهو محرم والنفخ بإذنه تعالى ~~وأخبر المسيح عليه السلام أنه فعله بإذن الله وأخبر الله أن هذا من نعمته ~~التي أنعم بها على المسيح عليه السلام كما قال تعالى * (إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) * وقال تعالى له * (عيسى ابن مريم ~~اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد ~~وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة ~~الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ ~~تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات) * ~~PageV02P100 # وهذا كله صريح في أنه ليس هو الله وإنما هو عبد الله فعل ذلك بإذن الله ~~كما فعل مثل ذلك غيره من الأنبياء وصريح بأن الإذن غير المأذون له والمعلم ~~ليس هو المعلم والمنعم عليه وعلى والدته ليس هو إياه كما ليس هو والدته ~~والوجه الرابع أنهم قالوا أشاروا بالخالق إلى كلمة ms116 الله المتحدة في الناسوت ~~ثم قالوا في قوله * (بإذن الله) * أي بإذن الكلمة المتحدة في الناسوت وهذا ~~يبين تناقضهم وافتراءهم على القرآن لأن الله أخبر في القرآن أن المسيح خلق ~~من الطين كهيئة الطير بإذن الله ففرق بين المسيح وبين الله وبين أن الله هو ~~الآذن للمسيح وهؤلاء زعموا أن مراده بذلك أن اللاهوت المتحد بناسوت المسيح ~~هو الخالق وهو الآذن فجعلوا الخالق هو الآذن وهو تفسير للقرآن بما يخالف ~~صريح القرآن الوجه الخامس أن اللاهوت إذا كان هو الخالق لم يحتج إلى أن ~~يأذن لنفسه فإنهم يقولون هو إله واحد وهو الخالق فكيف يحتاج أن يأذن لنفسه ~~وينعم على نفسه الوجه السادس أن الخالق إما أن يكون هو الذات الموصوفة ~~بالكلام أو الكلام الذي هو صفة للذات فإن كان هو الكلام فالكلام صفة لا ~~تكون ذاتا قائمة بنفسها خالقة ولو لم تتحد بالناسوت واتحادها بالناسوت دون ~~الموصوف ممتنع لو كان الاتحاد ممكنا فكيف وهو ممتنع فقد تبين امتناع كونه ~~الكلمة تكون خالقة من وجوه وإن كان الخالق هو الذات المتصفة بالكلام فذاك ~~هو الله الخالق لكل شيء رب العالمين وعندهم هو الأب والمسيح عندهم ليس هو ~~الأب فلا يكون هو الخالق لكل شيء والقرآن يبين أن الله هو الذي أذن للمسيح ~~حتى خلق من الطين كهيئة الطير فتبين أن الذي خلق من الطين كهيئة الطير ليس ~~هو الله ولا صفة من صفاته فليس المسيح هو ابن قديم أزلي لله ولكن عبده فعل ~~بإذنه الوجه السابع قولهم فأشار بالخالق إلى كلمة الله المتحدة في الناسوت ~~المأخوذة من مريم أنه كذا قال على لسان داود النبي بكلمة الله خلقت ~~السماوات والأرض فيقال لهم هذا النص عن داود حجة عليكم كما أن التوراة ~~والقرآن وسائر ما ثبت عن الأنبياء حجة عليكم فإن داود عليه السلام قال ~~بكلمة الله خلقت السماوات والأرض ولم يقل إن كلمة الله هي الخالقة كما قلتم ~~أنتم أنه أشار بالخالق إلى كلمة الله والفرق بين الخالق للسماوات والأرض ms117 ~~وبين الكلمة التي بها خلقت السماوات والأرض أمر ظاهر معروف كالفرق بين ~~القادر والقدرة فإن القادر هو الخالق وقد خلق الأشياء PageV02P101 # بقدرته وليست القدرة هي الخالقة وكذلك الفرق بين المريد والإرادة فإن خلق ~~الأشياء بمشيئته وليست مشيئته هي الخالقة وكذلك الدعاء والعبادة هو للإله ~~الخالق لا لشيء من صفاته فالناس كلهم يقولون يا الله يا ربنا يا خالقنا ~~ارحمنا واغفر لنا ولا يقول أحد يا كلام الله اغفر لنا وارحمنا ولا يا قدرة ~~الله ويا مشيئة الله ويا علم الله اغفر لنا وارحمنا والله تعالى يخلق ~~بقدرته ومشيئته وكلامه وليست صفاته هي الخالقة الوجه الثامن أن قول داود ~~عليه السلام بكلمة الله خلقت السماوات والأرض يوافق ما جاء في القرآن ~~والتوراة وغير ذلك من كتب الأنبياء أن الله يقول للشيء كن فيكون وهذا في ~~القرآن في غير موضع وفي التوراة قال الله ليكن كذا ليكن كذا الوجه التاسع ~~قولهم لأنه ليس خالق إلا الله وكلمته وروحه إن أرادوا بكلمته كلامه وبروحه ~~حياته فهذه من صفات الله كعلمه وقدرته فلم يعبر أحد من الأنبياء عن حياة ~~الله بأنها روح الله فمن حمل كلام أحد من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به ~~حياة الله فقد كذب عليه ثم يقال هذا كلامه وحياته من صفات الله كعلمه ~~وقدرته وحينئذ فالخالق هو الله وحده وصفاته داخلة في مسمى اسمه لا يحتاج أن ~~تجعل معطوفة على اسمه بواو التشريك التي تؤذن بأن الله له شريك في خلقه فإن ~~الله لا شريك له ولهذا لما قال تعالى * (الله خالق كل شيء) * دخل كل ما ~~سواه في مخلوقاته ولم تدخل صفاته كعلمه وقدرته ومشيئته وكلامه لأن هذه ~~داخلة في مسمى اسمه ليست أسماؤه مباينة له بل أسماؤه الحسنى متناولة لذاته ~~المقدسة المتصفة بهذه الصفات لا يجوز أن يراد بأسمائه ذات مجردة عن صفات ~~الكمال فإن تلك حقيقة لها ويمتنع وجود ذات مجردة عن صفة فضلا عن وجود ذاته ~~تعالى مجردة عن صفات كماله التي هي لازمة لذاته ms118 يمتنع تحقق ذاته دونها ~~ولهذا لا يقال الله وعلمه خلق والله وقدرته خلق وإن أرادوا بكلمته وروحه ~~المسيح أو شيئا اتحد بناسوت المسيح فالمسيح عليه السلام كله مخلوق كسائر ~~الرسل والله وحده هو الخالق وإن شئت قلت إن أريد بالروح والكلمة ما هو صفة ~~لله فتلك داخلة في مسمى اسمه وإن أريد ما ليس بصفة فذلك مخلوق له كالناسوت ~~الوجه العاشر أن داود عليه السلام لا يجوز أن يريد بكلمة الله المسيح لأن ~~المسيح عند جميع الناس هو اسم للناسوت وهو عندهم اسم اللاهوت والناسوت لما ~~اتحد والاتحاد فعل حادث عندهم فقبل الاتحاد لم يكن هناك ناسوت ولا ما يسمى ~~مسيحيا فعلم أن داود لم يرد بكلمة الله المسيح ولكن غايتهم أن يقولوا أراد ~~الكلمة التي اتحدت فيها بعد المسيح لكن الذي خلق بإذن الله هو المسيح كما ~~نطق به القرآن بقوله * (يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها ~~في الدنيا والآخرة ومن المقربين) * PageV02P102 # فالكلمة التي ذكرها وأنها هي التي بها خلقت السماوات والأرض ليست هي ~~المسيح الذي خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فاحتجاجهم بهذا على هذا ~~احتجاج باطل بل تلك الكلمة التي بها خلقت السماوات والأرض لم يكن معها ~~ناسوت حين خلقت باتفاق الأمم والمسيح لا بد أن يدخل فيه الناسوت فعلم أنه ~~لم يرد بالكلمة المسيح PageV02P103 # فصل قال تعالى * (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) * سورة الأنعام 53 فتخصيص هذا بالإيمان ~~كتخصيص هذا بمزيد علم وقوة وصحة وجمال ومال قال تعالى * (أهم يقسمون رحمة ~~ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ~~ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) * سورة الزخرف 32 وإذا خص أحد الشخصين بقوة وطبيعة ~~تقتضي غذاء صالحا خصه بما يناسب ذلك من الصحة والعافية ون لم يعط الآخر ذلك ~~نقص عنه وحصل له ضعف ومرض والظلم وضع الشيء في غير موضعه فهو لا يضع ~~العقوبة إلا في المحل الذي ms119 يستحقها لا يضعها على محسن أبدا وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يمين الله ملأى لا يغيضها PageV02P107 # نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم ~~يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يقبض ويبسط فبين أنه سبحانه وتعالى ~~يحسن ويعدل ولا يخرج فعله عن العدل والإحسان ولهذا قيل كل نعمة منه فضل وكل ~~نقمة منه عدل ولهذا يخبر أنه تعالى يعاقب الناس بذنوبهم وأن إنعامه عليهم ~~إحسان منه كما في الحديث الصحيح الإلهي يقول الله تعالى يا عبادي إني حرمت ~~الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ~~ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه وقد قال تعالى * (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك) * سورة النساء 79 أي ما أصابك من نعم تحبها كالنصر والرزق فالله أنعم ~~بذلك عليك وما أصابك من نقم تكرهها فبذنوبك وخطاياك فالحسنات والسيئات هنا ~~أراد بها النعم والمصائب كما قال تعالى * (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) * ~~سورة الأعراف 68 وكما قال تعالى * (إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل) * سورة التوربة 50 وقوله تعالى * (إن تمسسكم ~~حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) * سورة آل عمران 120 ومثل هذا قوله ~~تعالى * (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون) * سورة الروم 36 فأخبر أن ما يصيب به الناس من الخير فهو ~~رحمة منه أحسن بها إلى عباده وما أصابهم به من العقوبات فبذنوبهم وتمام ~~الكلام على هذا مبسوط في مواضع آخر وكذلك الحكمة أجمع المسلمون على أن الله ~~تعالى موصوف بالحكمة لكن تنازعوا في تفسير ذلك فقالت طائفة الحكمة ترجع إلى ~~علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده PageV02P108 # ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة وقال الجمهور من أهل السنة وغيرهم ~~بل هو حكيم في ms120 خلقه وأمره والحكمة ليست مطلق المشيئة إذ لو كان كذلك لكان ~~كل مريد حكيما ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى محمودة ومذمومة بل الحكمة تتضمن ~~ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة والقول بإثبات هذه ~~الحكمة ليس هو قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة فقط بل هو قول جماهير ~~طوائف المسلمين من أهل التفسير والفقه والحديث والتصوف والكلام وغيرهم ~~فأئمة الفقهاء متفقون على إثبات الحكمة والمصالح في الأحكام الشرعية وإنما ~~ينازع في ذلك طائفة من نفاة القياس وغير نفاته وكذلك ما في خلقه من المنافع ~~والحكم والمصالح لعباده معلوم وأصحاب القول الأول كجهم بن صفوان وموافقيه ~~كالأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم يقولون ~~ليس في القرآن لام التعليل في أفعال الله بل ليس فيه إلا لام العاقبة وأما ~~الجمهور فيقولون بل لام التعليل داخلة في أفعال الله وأحكامه والقاضي أبو ~~يعلى وأبو الحسن بن الزاغوني ونحوهما من أصحاب أحمد وإن كانوا قد يقولون ~~بالأول فهم يقولون بالثاني أيضا في غير موضع وكذلك أمثالهم من الفقهاء ~~أصحاب مالك والشافعي وغيرهما وأما ابن عقيل في بعض المواضع وأبو خازم بن ~~القاضي أبي يعلى وأبو الخطاب الصغير فيصرحون بالتعليل والحكمة في أفعال ~~الله موافقة لمن قال ذلك من أهل النظر والحنفية هم من أهل السنة وقائلين ~~بالقدر وجمهورهم يقولون بالتعليل والمصالح PageV02P109 # والكرامية وأمثالهم هم أيضا من القائلين بالقدر المثبتين لخلافة الخلفاء ~~المفضلين لأبي بكر وعمر وعثمان وهم أيضا يقولون بالتعليل والحكمة وكثير من ~~أصحاب مالك والشافعي وأحمد يقولون بالتعليل والحكمة وبالتحسين والتقبيح ~~العقليين كأبي بكر القفال وأبي علي بن أبي هريرة وغيرهم من أصحاب الشافعي ~~وأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب من أصحاب أحمد وفي الجملة النزاع في تعليل ~~أفعال الله وأحكامه مسألة لا تتعلق بالأمانة أصلا وأكثر أهل السنة على ~~إثبات الحكمة والتعليل ولكن الذين أنكروا ذلك من أهل السنة احتجوا بحجتين ~~إحداهما أن ذلك يستلزم التسلسل فإنه إذا فعل لعلة فتلك العلة أيضا حادثة ~~فتفتقر إلى ms121 علة إن وجب أن يكون لكل حادث علة وإن عقل الإحداث بلا علة لم ~~يحتج إلى إثبات علة فهم يقولون إن أمكن الإحداث بغير علة لم يحتج إلى علة ~~ولم يكن ذلك عبثا وإن لم يكن وجود الإحداث إلا لعلة فالقول في حدوث العلة ~~كالقول في حدوث المعلول وذلك يستلزم التسلسل الحجة الثانية أنهم قالوا من ~~فعل لعلة كان مستكملا بها لأنه لو لم يكن حصول العلة أولى من عدمها لم تكن ~~علة والمستكمل بغيره ناقص بنفسه وذلك ممتنع على الله وأوردوا على المعتزلة ~~ومن وافقهم من الشيعة حجة تقطعهم على أصولهم فقالوا العلة التي فعل لأجلها ~~إن كان وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء امتنع أن تكون علة وإن كان وجودها ~~أولى فإن كانت منفصلة عنه لزم أن يستكمل بغيره وإن كانت قائمة به لزم أن ~~يكون محلا للحوادث PageV02P110 # وأما المجوزون للتعليل فهم متنازعون فالمعتزلة وأتباعهم من الشيعة تثبت ~~من التعليل ما لا يعقل وهو أنه فعل لعلة منفصلة عن الفاعل مع كون وجودها ~~وعدمها بالنسبة إليه سواء وأما أهل السنة القائلون بالتعليل فإنهم يقولون ~~إن الله يحب ويرضى كما دل على ذلك الكتاب والسنة ويقولون إن المحبة والرضا ~~أخص من الإرادة وأما المعتزلة وأكثر أصحاب الأشعري فيقولون إن المحبة ~~والرضا والإرادة سواء فجمهور أهل السنة يقولون إن الله لا يحب الكفر ~~والفسوق والعصيان ولا يرضاه وإن كان داخلا في مراده كما دخلت سائر ~~المخلوقات لما في ذلك من الحكمة وهو وإن كان شرا بالنسبة إلى الفاعل فليس ~~كل ما كان شرا بالنسبة إلى شخص يكون عديم الحكمة بل لله في المخلوقات حكم ~~قد يعلمها بعض الناس وقد لا يعلمها فصل قال تعالى * (وإذا جاءك الذين ~~يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم ~~سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) * سورة الأنعام 54 لم ~~يمنع هذا أن يكون كل منهم متصفا بهذه الصفة ولا يجوز أن يقال إنهم لو عملوا ms122 ~~سوءا بجهالة ثم تابوا من بعده وأصلحوا لم يغفر إلا لبعضهم ولهذا تدخل من ~~هذه في النفي لتحقيق نفي الجنس كما في قوله تعالى * (وما ألتناهم من عملهم ~~من شيء) * سورة الطور 21 وقوله تعالى * (وما من إله إلا الله) * سورة آل ~~عمران 62 وقوله * (فما منكم من أحد عنه حاجزين) * سورة الحاقة 47 ولهذا إذا ~~دخلت في النفي تحقيقا أو تقديرا أفادت نفي الجنس قطعا فالتحقيق ما ذكر ~~والتقدير كقوله تعالى * (وما من إله إلا الله) * سورة آل عمران 62 وقوله * ~~(لا ريب فيه) * سورة البقرة 2 ونحو ذلك بخلاف ما إذا لم تكن من موجودة ~~كقولك ما رأيت رجلا فإنها ظاهرة لنفي الجنس ولكن قد يجوز أن ينفي بها ~~الواحد من الجنس كما قال سيبويه يجوز أن يقال ما رأيت رجلا بل رجلين فتبين ~~أنه يجوز إرادة الواحد وإن كان الظاهر نفي الجنس بخلاف ما إذا دخلت من فإنه ~~ينفي الجنس قطعا ولهذا لو قال لعبيده من أعطاني منكم ألفا فهو حر فأعطاه كل ~~واحد ألفا عتقوا PageV02P111 # كلهم وكذلك لو قال لنسائه من أبرأتني منكن من صداقها فهي طالق فأبرأنه ~~كلهن طلقن كلهن فإن المقصود بقوله منكم بيان جنس المعطي والمبرىء لا إثبات ~~هذا الحكم لبعض العبيد والأزواج فإن قيل فهذا كما لا يمنع أن يكون كل ~~المذكور متصفا بهذه الصفة فلا يوجب ذلك أيضا فليس في قوله * (وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) * ما يقتضي أن يكونوا كلهم كذلك قيل نعم ~~ونحن لا ندعي أن مجرد هذا اللفظ دل على أن جميعهم موصوفون بالإيمان والعمل ~~الصالح ولكن مقصودنا أن من لا ينافي شمول هذا الوصف لهم فلا يقول قائل إن ~~الخطاب دل على أن المدح شملهم وعمهم بقوله * (محمد رسول الله والذين معه ~~أشداء على الكفار رحماء بينهم) * إلى آخر الكلام ولا ريب أن هذا مدح لهم ~~بما ذكر من الصفات وهو الشدة على الكفار والرحمة بينهم والركوع والسجود ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا والسيما في ms123 وجوههم من أثر السجود وأنهم ~~يبتدؤون من ضعف إلى كمال القوة والاعتدال كالزرع والوعد بالمغفرة والأجر ~~العظيم ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل الصالح فذكر ما به ~~يستحقون الوعد وإن كانوا كلهم بهذه الصفة ولولا ذكر ذلك لكان يظن أنهم ~~بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء ~~بخلاف ما إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب ~~كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم فصل في قول إبراهيم لا أحب الآفلين ظن هؤلاء ~~أن قول إبراهيم عليه السلام * (هذا ربي) * سورة الأنعام 77 أراد به هذا ~~خالق السماوات والأرض القديم الأزلي وأنه استدل على حدوثه بالحركة وهذا خطأ ~~من وجوه PageV02P112 # أحدها أن قول الخليل * (هذا ربي) * سواء قاله على سبيل التقدير لتقريع ~~قومه أو على سبيل الاستدلال والترقي أو غير ذلك ليس المراد به هذا رب ~~العالمين القديم الأزلي الواجب الوجود بنفسه ولا كان قومه يقولون إن ~~الكواكب أو القمر أو الشمس رب العالمين الأزلي الواجب الوجود بنفسه ولا قال ~~هذا أحد من أهل المقالات المعروفة التي ذكرها الناس لا من مقالات أهل ~~التعطيل والشرك الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب ولا من مقالات غيرهم بل ~~قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم كانوا يتخذونها أربابا يدعونها ويتقربون ~~إليها بالبناء عليها والدعوة لها والسجود والقرابين وغير ذلك وهو دين ~~المشركين الذين صنف الرازي كتابه على طريقتهم وسماه السر المكتوم في دعوة ~~الكواكب والنجوم والسحر والطلاسم والعزائم وهذا دين المشركين من الصابئين ~~كالكشدانيين والكنعانيين واليونانيين وأرسطو وأمثاله من أهل هذا الدين ~~وكلامه معروف في السحر الطبيعي الروحاني والكتب المعروفة بذخيرة الإسكندر ~~بن فيلبس الذي يؤرخون به وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وكانت اليونان ~~مشركين يعبدون الأوثان كما كان قوم إبراهيم مشركين يعبدون الأوثان ولهذا ~~قال الخليل * (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) * سورة ~~الزخرف 26 27 وقال * (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم ~~عدو لي ms124 إلا رب العالمين) * سورة الشعراء 75 77 وأمثال ذلك مما يبين تبرؤه ~~مما يعبدوه غير الله وهؤلاء القوم عامتهم من نفاة صفات الله وأفعاله ~~القائمة به كما هو مذهب الفلاسفة المشائين فإنهم يقولون إنه ليس له صفة ~~ثبوتية بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وهو مذهب القرامطة الباطنية ~~القائلين بدعوة الكواكب والشمس والقمر والسجود لها كما كان على ذلك من كان ~~عليه من بني عبيد ملوك القاهرة وأمثالهم فالشرك الذي نهى عنه الخليل وعادى ~~أهله عليه كان أصحابه هم أئمة هؤلاء النفاة للصفات والأفعال وأول من أظهر ~~هذا النفي في الإسلام الجعد بن درهم معلم مروان ابن محمد PageV02P113 # قال الإمام أحمد وكان يقال إنه من أهل حران وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب ~~نفاة الصفات وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة بقايا أهل هذا الدين ~~أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال ولهم مصنفات في دعوة الكواكب كما صنفه ثابت ~~بن قرة وأمثاله من الصابئة الفلاسفة أهل حران وكما صنفه أبو معشر البلخي ~~وأمثاله وكان لهم بها هيكل العلة الأولى وهيكل العقل الفعال وهيكل النفس ~~الكلية وهيكل زحل وهيكل المشتري وهيكل المريخ وهيكل الشمس وهيكل الزهرة ~~وهيكل عطارد وهيكل القمر وقد بسط هذا في هذا الموضع الوجه الثاني أنه لو ~~كان المراد بقوله * (هذا ربي) * أنه رب العالمين لكانت قصة الخليل حجة على ~~نقيض مطلوبهم لأن الكواكب والقمر والشمس ما زال متحركا من حين بزوغه إلى ~~عند أفوله وغروبه وهو جسم متحرك متحيز صغير فلو كان مراده هذا للزم أن يقال ~~إن إبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من كون المتحرك المنتقل رب ~~العالمين بل ولا كونه صغيرا بقدر الكوكب والشمس والقمر وهذا مع كونه لا ~~يظنه عاقل ممن هو دون إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه فإن جوزوه عليه كان ~~حجة عليهم لا لهم الوجه الثالث أن الأفول هو المغيب والاحتجاب ليس هو مجرد ~~الحركة والانتقال ولا يقول أحد لا من أهل اللغة ولا من أهل التفسير إن ~~الشمس والقمر في حال ms125 ميسرهما في السماء إنهما آفلان ولا يقول للكواكب ~~المرئية في السماء في حال ظهورها وجريانها إنها آفلة ولا يقول عاقل لكل من ~~مشى وسافر وطار إنه آفل الوجه الرابع أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد ~~من علماء السلف أهل التفسير ولا بد من أهل اللغة بل هو من التفسيرات ~~المبتدعة في الإسلام كما ذكر ذلك عثمان بن سعيد الدارمي وغيره من علماء ~~السنة وبينوا أن هذا من التفسير المبتدع وبسبب هذا الابتداع أخذ ابن سينا ~~وأمثاله لفظ الأفول بمعنى الإمكان كما قال في إشاراته قال قوم إن هذا الشيء ~~المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكن إذا تذكرت ما PageV02P114 # قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا وتلوث قوله تعالى * (لا ~~أحب الآفلين) * سورة الأنعام 76 فإن الهوى في حظيرة الإمكان أفول ما فهذا ~~قوله ومن المعلوم بالضرورة من لغة العرب أنهم لا يسمون كل مخلوق موجود آفلا ~~ولا كل موجود بغيره آفلا ولا كل موجود يجب وجوده بغيره لا بنفسه آفلا ولا ~~ما كان من هذه المعاني التي يعنيها هؤلاء بلفظ الإمكان بل هذا أعظم افتراء ~~على القرآن واللغة من تسمية كل متحرك آفلا ولو كان الخليل أراد بقوله * (لا ~~أحب الآفلين) * سورة الأنعام 76 هذا المعنى لم ينتظر مغيب الكوكب والشمس ~~والقمر ففساد قول هؤلاء المتفلسفة في الاستدلال بالآية أظهر من فساد قول ~~أولئك وأعجب من هذا قول من قال في تفسيره إن هذا قول المحققين واستعارته ~~لفظ الهوى والحظيرة لا يوجب تبديل اللغة المعروفة في معنى الأفول فإن وضع ~~هو لنفسه وضعا آخر فليس له أن يتلو عليه كتاب الله تعالى فيبدله أو يحرفه ~~وقد ابتدعت القرامطة الباطنية تفسيرا آخر كما ذكره أبو حامد في بعض مصنفاته ~~كمشكاة الأنوار وغيرها أن الكواكب والشمس والقمر هي النفس والعقل الفعال ~~والعقل الأول ونحو ذلك وشبهتهم في ذلك أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أجل ~~من أن يقول لمثل هذه الكواكب إنه رب العالمين بخلاف ما ادعوه ms126 من النفس ومن ~~العقل الفعال الذي يزعمون أنه رب كل ما تحت فلك القمر والعقل الأول الذي ~~يزعمون أنه مبدع العالم كله وقول هؤلاء وإن كان معلوم الفساد بالضرورة من ~~دين الإسلام فابتداع أولئك طرق مثل هؤلاء على هذا الإلحاد ومن المعلوم ~~بالاضطرار من لغة العرب أن هذه المعاني ليست هي المفهوم من لفظ الكوكب ~~والقمر والشمس وأيضا فلو قدر أن ذلك يسمى كوكبا وقمرا وشمسا بنوع من التجوز ~~فهذا غايته أن يسوغ للإنسان أن يستعمل اللفظ في ذلك لكنه لا يمكنه أن يدعي ~~أن أهل اللغة التي نزل بها القرآن كانوا يريدون أن يدعي أن أهل اللغة التي ~~نزل بها القرآن كانوا يريدون هذا بهذا PageV02P115 # والقرآن نزل بلغة الذين خاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم فليس لأحد أن ~~يستعمل ألفاظه في معان بنوع من التشبيه والاستعارة ثم يحمل كلام من تقدمه ~~على هذا الوضع الذي أحدثه هو وأيضا فإنه قال تعالى * (فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا) * الأنعام 76 فذكره منكرا لأن الكواكب كثيرة ثم قال * (فلما رأى ~~القمر) * الأنعام 77 * (فلما رأى الشمس) * سورة الأنعام 78 بصيغة التعريف ~~لكي يبين أن المراد القمر المعروف والشمس المعروفة وهذا صريح بأن الكواكب ~~متعددة وأن المراد واحد منها وأن الشمس والقمر هما هذان المعروفان وأيضا ~~فإن قال * (لا أحب الآفلين) * والأفول هو المغيب والاحتجاب فإن أريد بذلك ~~المغيب عن الأبصار الظاهرة فما يدعونه من العقل والنفس لا يزال محتجبا عن ~~الأبصار لا يرى بحال بل وكذلك واجب الوجوب عندهم لا يرى بالأبصار بحال بل ~~تمتنع رؤيته بالأبصار عندهم وإن أراد المغيب عن بصائر القلوب فهذا أمر نسبي ~~إضافي فيمكن أن تكون تارة حاضرة في القلب وتارة غائبة عنه كما يمكن مثل ذلك ~~في واجب الوجود فالأفول أمر يعود إلى حال العارف بها لا يكسبها صفة نقص ولا ~~كمال ولا فرق في ذلك بينها وبين غيرها وأيضا فالعقول عندهم عشرة والنفوس ~~تسعة بعدد الأفلاك فلو ذكر القمر والشمس فقط لكانت شبهتهم أقوى ms127 حيث يقولون ~~نور القمر مستفاد من نور الشمس كما أن النفس متولدة عن العقل مع ما في ذلك ~~لو ذكروه من الفساد أما مع ذكر كوكب فقولهم هذا من أظهر الأقوال للقرامطة ~~الباطنية فسادا لما في ذلك من عدم الشبه والمناسبة التي تسوغ في اللغة ~~إرادة مثل هذا فصل الأنبياء أفضل الخلق قال تعالى * (ومن ذريته داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى ~~وإلياس كل من الصالحين) * * (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم ~~وهديناهم إلى صراط مستقيم) * سورة الأنعام 84 87 فأخبر أنه اجتباهم وهداهم ~~والأنبياء أفضل الخلق باتفاق المسلمين وبعدهم الصديقون والشهداء ~~PageV02P116 # والصالحون فلولا وجوب كونهم من المقربين الذين هم فوق أصحاب اليمين لكان ~~الصديقون أفضل منهم أو من بعضهم والله تعالى قد جعل خلقه ثلاثة أصناف فقال ~~تعالى في تقسيمهم في الأخرة * (وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك ~~المقربون في جنات النعيم) * سورة الواقعة 7 12 وقال في تقسيمهم عند الموت * ~~(فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب ~~اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من ~~حميم وتصلية جحيم) * سورة الواقعة 88 94 وكذلك ذكر في سورة الإنسان ~~والمطففين هذه الأصناف الثلاثة والأنبياء أفضل الخلق وهم أصحاب الدرجات ~~العلى في الآخرة فيمتنع أن يكون النبي من الفجار بل ولا يكون من عموم أصحاب ~~اليمين بل من أفضل السابقين المقربين فإنهم أفضل من عموم الصديقين والشهداء ~~والصالحين وإن كان النبي أيضا يوسف بأنه صديق وصالح وقد يكون شهيدا لكن ذلك ~~أمر يختص بهم لا يشركهم فيه من ليس بنبي كما قال عن الخليل * (وآتيناه أجره ~~في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) * سورة العنكبوت 27 وقال يوسف * ~~(توفني مسلما وألحقني بالصالحين) * سورة يوسف 101 فهذا مما يوجب تنزيه ~~الأنبياء أن يكونوا من الفجار والفساق وعلى هذا إجماع سلف الأمة وجماهيرها ~~وأما من ms128 جوز أن يكون غير النبي أفضل منه فهو من أقوال بعض ملاحدة المتأخرين ~~من غلاة الشيعة والصوفية والمتفلسفة ونحوهم وما يحكى عن الفضلية من الخوارج ~~أنهم جوزوا الكفر على النبي فهذا بطريق PageV02P117 # اللازم لهم لأن كل معصية عندهم كفر وقد جوزوا المعاصي على النبي وهذا ~~يقتضي فساد قولهم بأن قولهم كل معصية كفر وقولهم بجواز المعاصي عليهم وإلا ~~فلم يلتزموا أن يكون النبي كافرا ولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهبا وطوائف ~~أهل الكلام الذين يجوزون بعثة كل مكلف من الجهمية والأشعرية ومن وافقهم من ~~اتباع الأئمة الأربعة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهم متفقوه أيضا على ~~أن الأنبياء أفضل الخلق وأن النبي لا يكون فاجرا لكن يقولون هذا لم يعلم ~~بالعقل بل علم بالسمع بناء على ما تقدم من أصلهم من أن الله يجوز أن يفعل ~~كل ممكن وأما الجمهور الذين يثبتون الحكمة والأسباب فيقولون نحن نعلم بما ~~عملناه من حكمة الله أنه لا يبعث نبيا فاجرا وأن ما ينزل على البر الصادق ~~لا يكون إلا ملائكة لا تكون شياطين كما قال تعالى * (وإنه لتنزيل رب ~~العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين) * إلى قوله * ~~(هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع ~~وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون) * سورة الشعراء 192 226 فهذا مما بين الله به ~~الفرق بين الكاهن والنبي وبين الشاعر والنبي لما زعم المفترون أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم شاعر وكاهن وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه الوحي في أول الأمر وخاف على نفسه قبل ~~أن يستيقن أنه ملك قال لخديجة لقد خشيت على نفسي قالت كلا والله لا يخزيك ~~الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب ~~المعدوم وتعين على نوائب الحق فاستدلت رضي الله عنها بحسن عقلها على أن ms129 من ~~يكون الله قد خلقه بهذه الأخلاق الكريمة التي هي من أعظم صفات الأبرار ~~الممدوحين أنه لا يخزيه فيفسد الشيطان عقله ودينه ولم يكن معها قبل ذلك وحي ~~تعلم به انتفاء ذلك بل علمته بمجرد عقلها الراجح وكذلك لما ادعى النبوة من ~~ادعاها من الكذابين مثل مسيلمة الكذاب والعنسي وغيرهما مع ما كان يشتبه من ~~أمرهم لما كان ينزل عليهم من الشيطان ويوحون إليهم PageV02P118 # حتى يظن الجاهل أن هذا من جنس ما ينزل على الأنبياء ويوحى إليهم فكان ما ~~يبلغ العقلاء وما يرونه من سيرتهم والكذب الفاحش والظلم ونحو ذلك يبين لهم ~~أنه ليس بنبي إذ قد علموا أن النبي لا يكون كاذبا ولا فاجرا وفي الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ذو الخويصرة اعدل يا محمد فإنك لم ~~تعدل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ألا ~~تأمنوني وأنا أمين من في السماء والرواية الصحيحة بالفتح أي أنت خاسر خائب ~~إن لم أعدل إن ظننت أني ظالم مع اعتقادك أني نبي فإنك تجوز أن يكون الرسول ~~الذي آمنت به ظالما وهذا خيبة وخسران فإن ذلك ينافي النبوة ويقدح فيها وقد ~~قال تعالى * (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) * سورة ~~آل عمران 161 وفيه قراءتان يغل ويغل أي ينسب إلى الغلول بين سبحانه أنه ما ~~لأحد أن ينسبه إلى الغلول كما أنه ليس له أن يغل فدل على أن النبي لا يكون ~~غالا ودلائل هذا الأصل عظيمة لكن مع وقوع الذنب الذي هو بالنسبة إليه ذنب ~~وقد لا يكون ذنبا من غيره مع تعقبه بالتوبة والاستغفار لا يقدح في كون ~~الرجل من المقربين السابقين ولا الأبرار ولا يلحقه بذلك وعيد في الآخرة ~~فضلا عن أن يجعله من الفجار وقد قال تعالى في عموم وصف المؤمنين * (ولله ما ~~في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى الذين يجتنبون كبائر ms130 الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع ~~المغفرة) * سورة النجم 31 32 وقال * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين) * سورة آل عمران 333 336 ~~وقال تعالى * (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون ~~عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون) * PageV02P119 # سورة الزمر 33 35 وقال * (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه ~~وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا ~~يوعدون) * سورة الأحقاف 15 16 وقد قال في قصة إبراهيم عليه السلام * (فآمن ~~له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم) * سورة العنكبوت 26 ~~وقال في قصة شعيب عليه السلام * (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ~~يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا ~~كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ~~وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) * سورة ~~الأعراف 88 89 وقال في سورة إبراهيم * (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم ~~من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين) * سورة ~~إبراهيم 13 وقد ذم الله تعالى وتبارك فرعون بكونه رفع نبوة موسى بما تقدم ms131 ~~من قتله نفسا بغير حق فقال * (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ~~وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ~~ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) * سورة الشعراء ~~18 21 وكان موسى صلى الله عليه وسلم قد تاب من ذلك كما أخبر الله تعالى عنه ~~وغفر له بقوله * (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل ~~مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم) * سورة ~~القصص 15 16 فإن قيل فإذا كان قد غفر له فلماذا يمتنعون من الشفاعة يوم ~~القيامة لأجل ما بدا منهم فيقول آدم إذا طلبت منه الشفاعة إني نهيت عن أكل ~~الشجرة وأكلت منها نفسي نفسي اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقول إني دعوت ~~على أهل الأرض دعوة لم أومر PageV02P120 # بها والخليل يذكر تعريضاته الثلاث التي سماها كذبا وكانت تعريضا وموسى ~~يذكر قتل النفس قيل هذا من كمال فضلهم وخوفهم وعبوديتهم وتواضعهم فإن من ~~فوائد ما يتاب منه أن يكمل عبودية العبد ويزيده خوفا وخضوعا فيرفع الله ~~بذلك درجته وهذا الامتناع مما يرفع الله به درجاتهم وحكمة الله تعلى في ذلك ~~أن تصير الشفاعة لمن غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولهذا كان ممن ~~امتنع ولم يذكر ذنبا المسيح وإبراهيم أفضل منه وقد ذكر ذنبا ولكن قال ~~المسيح لست هناكم اذهبوا إلى عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ~~وتأخر المسيح عن المقام المحمود الذي خص به محمد صلى الله عليه وسلم هو من ~~فضائل المسيح ومما يقربه إلى الله صلوات الله عليهم أجميعن فعلم أن تأخرهم ~~عن الشفاعة لم يكن لنقص درجاتهم عما كانوا عليه بل لما علموه من عظمة ~~المقام المحمود الذي يستدعي من كمال مغفرة الله للعبد وكمال عبودية العبد ~~لله ما اختص به من غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولهذا ms132 قال المسيح ~~اذهبوا إلى محمد عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإنه إذا غفر ~~له ما تأخر لم يخف أن يلام إذا ذهب إلى ربه ليشفع وإن كن لم يشفع إلا بعد ~~الإذن بل إذا سجد وحمد ربه بمحامد يفتحها عليه لم يكن يحسنها قبل ذلك فيقال ~~له أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه PageV02P121 # واشفع تشفع وهذا كله في الصحيحين وغيرهما وأما من قيل له تقدم ولم يعرف ~~أنه غفر له ما تأخر فيخاف أن يكون ذهابه إلى الشفاعة قبل أن يؤذن له في ~~الشفاعة ذنبا فتأخر لكمال خوفه من الله تعالى ويقول أنا قد أذنبت وما غفر ~~لي فأخاف أن أذنب ذنبا آخر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يلدغ ~~المؤمن من جحر مرتين ومن معاني ذلك أنه لا يؤتى من وجه واحد مرتين فإذا ذاق ~~ما في الذنب من الألم وزال عنه خاف أن يذنب ذنبا آخر فيحصل له ذلك الألم ~~وهذا كمن مرض من أكلة ثم عوفي فإذا دعي إلى كل شيء خاف أن يكون مثل ذلك ~~الأول لم يأكله يقول قد أصابني بتلك الأكلة ما أصابني فأخاف أن تكون هذه ~~مثل تلك ولبسط هذه الأمور موضع آخر فصل قال تعالى * (وجعلوا لله شركاء الجن ~~وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع ~~السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم) * فإن قوله * (بديع السماوات والأرض) * أي مبدعهما كما ذكر مثل ذلك ~~في البقرة وليس المراد أنهما بديعة سماواته وأرضه كما تحتمله العربية لولا ~~السياق لأن المقصود نفي ما زعموه من خرق البنين والبنات له ومن كونه اتخذ ~~ولدا وهذا ينتفي بضده كونه أبدع السماوات ثم قال * (أنى يكون له ولد) * ~~وذكر ثلاثة أدلة على نفي ذلك أحدها كونه ليس له صاحبة فهذا نفي الولادة ~~المعهودة وقوله * (وخلق كل شيء) * نفي للولادة العقلية وهي التولد لأن ms133 خلق ~~كل شيء ينافي تولدها عنه وقوله PageV02P122 # * (وهو بكل شيء عليم) * يشبه والله أعلم أن يكون لما ادعت النصارى أن ~~المتحد به هو الكلمة التي يفسرونها بالعلم والصائبة القائلون بالتولد ~~والعلة لا يجعلونه عالما بكل شيء ذكر أنه بكل شيء عليم لإثبات هذه الصفة له ~~ردا على الصائبة ونفيها عن غيره ردا على النصارى وإذا كان كذلك فقول من قال ~~بتولد العقول والنفوس التي يزعمون أنها الملائكة أظهر في كونهم يقولون أنه ~~ولد الملائكة وأنهم بنوه وبناته فالعقول بنوه والنفوس بناته من قول النصارى ~~ودخل في هذا من تفلسف من المنتسبة إلى الإسلام حتى إني أعرف كبيرا لهم سئل ~~عن العقل والنفس فقال بمنزلة الذكر والأنثى فقد جعلهم كالابن والبنت وهم ~~يجعلونهم متولدين عنه تولد المعلول عن العلة فلا يمكنه أن يفك ذاته عن ~~معلوله ولا معلوله عنه كما لا يمكنه أن يفصل نفسه عن نفسه بمنزلة شعاع ~~الشمس مع الشمس وأبلغ وهؤلاء يقولون إن هذه الأرواح التي ولدها متصلة ~~بالأفلاك الشمس والقمر والكواكب كاتصال اللاهوت بجسد المسيح فيعبدونها كما ~~عبدت النصارى المسيح إلا أنهم أكفر من وجوه كثيرة وهم أحق بالشرك من ~~النصارى فإنهم يعبدون ما يعلمون أنه منفصل عن الله وليس هو إياه ولا صفة من ~~صفاته والنصارى يزعمون أنهم ما يعبدون إلا ما اتحد بالله لا لما ولده من ~~المعلولات ثم من عبد الملائكة والكواكب وأرواح البشر وأجسادهم اتخذ الأصنام ~~على صورهم وطبائعهم فكان ذلك أعظم أسباب عبادة الأصنام ولهذا كان الخليل ~~إمام الحنفاء مخاطبا لهؤلاء الذين عبدوا الكواكب والشمس والقمر والذين ~~عبدوا الأصنام مع إشراكهم واعترافهم بأصل الجميع وقد ذكر الله قصتهم في ~~القرآن في غير موضع وأولئك هم الصابئون المشركون الذين ملكهم نمروذ ~~وعلماؤهم الفلاسفة من اليونانيين وغيرهم الذين كانوا بأرض الشام والجزيرة ~~والعراق وغيرها وجزائر البحر قبل النصارى وكانوا بهذه البلاد في أيام بني ~~إسرائيل وهم الذين كانوا يقاتلون بني إسرائيل فيغلبون تارة ويغلبون تارة ~~وسنحاريب وبخت نصر ونحوهما هم ملوك الصابئة بعد الخليل ms134 والنمروذ الذي كان ~~في زمانه فتبين بذلك ما في القرآن من الرد لمقالات المتقدمين قبل هذه الأمة ~~والكفار والمنافقين فيها من إثبات الولادة لله وإن كان كثير من الناس لا ~~يفهم دلالة القرآن على هذه المقالات لأن ذلك يحتاج إلى شيئين إلى تصور ~~مقالتهم بالمعنى لا بمجرد اللفظ وإلى تصور PageV02P123 # معنى القرآن والجمع بينهما فتجد المعنى الذي عنوه قد دل القرآن على ذكره ~~وإبطاله وأما اتحاد الولد فيفسر بعين الولادة وهو من باب الأفعال لا من باب ~~الصفات كما يقوله طائفة من النصارى في المسيح فصل فهذا نفي كونه سبحانه ~~والدا لشيء أو متخذا لشيء ولدا بأي وجه من وجوه الولادة أو اتخاذ الولد أيا ~~كان وأما نفي كونه مولودا فيتضمن نفي كونه متولدا بأي نوع من التوالد من ~~أحد من البشر وسائر ما تولد من غيره فهو رد على من قال المسيح هو الله ورد ~~على الدجال الذي يقول إنه الله ورد على من قال في بشر إنه الله من غالية ~~هذه الأمة في علي وبعض أهل البيت أو بعض المشايخ كما قال قوم ذلك في علي ~~وطائفة من أهل البيت وقالوه في الأنبياء أيضا وقاله قوم في الحلاج وقوم في ~~الحاكم بمصر وقوم في الشيخ عدي وقوم في يونس العنيني وقوم يعمونه في ~~المشايخ ويصوبون هذا كله فقوله سبحانه * (ولم يولد) * نفي لهذا كله فإن ~~هؤلاء كلهم مولودون والله لم يولد ولهذا لما ذكر الله المسيح في القرآن قال ~~* (ابن مريم) * بخلاف سائر الأنبياء كقوله * (لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~هو المسيح) * وقوله * (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) ~~* وقوله * (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك) * ~~وقوله * (يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) ~~* وقوله * (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) * وقوله * (وقولهم إنا قتلنا المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله) * وفي ذلك فائدتان إحداهما بيان أنه مولود والله ~~لم يولد ms135 والثانية نسبته إلى مريم بأنه ابنها ليس هو ابن الله PageV02P124 # وأما قوله * (لن يستنكف المسيح) * الآية وقوله * (وقالت اليهود عزير ابن ~~الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) * فإنه حكى قولهم الذي قالوه وهم قد ~~نسبوه إلى الله أنه ابنه فلم يضمنوا ذلك قولهم المسيح ابن مريم وقوله * ~~(ولم يكن له كفوا أحد) * نفي للشركاء والأنداد يدخل فيه كل من جعل شيئا ~~كفوا لله في شيء من خواص الربوبية مثل خلق الخلق والإلهية كالعبادة له ~~ودعائه ونحو ذلك فهذه نكت تبين اشتمال كتاب الله على إبطال قول من يعتقد في ~~أحد من البشر الإلهية باتحاد أو حلول أو غير ذلك فصل قوله تعالى * (لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) * سورة الأنعام 103 أولا النزاع في هذه ~~المسألة بين طوائف الإمامية كما النزاع فيها بين غيرهم فالجهمية والمعتزلة ~~والخوارج وطائفة من غير الإمامية تنكرها والإمامية لهم فيها قولان فجمهور ~~قدمائهم يثبت الرؤية وجمهور متأخريهم ينفونها وقد تقدم أن أكثر قدمائهم ~~يقولون بالتجسيم قال الأشعري وكل المجمسة إلا نفرا قليلا يقول بإثبات ~~الرؤية وقد يثبت الرؤية من لا يقول بالتجسيم قلت وأما الصحابة والتابعون ~~وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين كمالك والثوري والأوزاعي والليث ~~بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي حنيفة وأبي يوسف وأمثال هؤلاء وسائر أهل ~~السنة والحديث والطوائف المنتسبين إلى السنة والجماعة كالكلابية والكرامية ~~والأشعرية والسالمية وغيرهم فهؤلاء كلهم متفقون على إثبات الرؤية لله تعالى ~~والأحاديث بها متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بحديثه ~~وكذلك الآثار بها متواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وقد ذكر الإمام ~~أحمد وغيره من الأئمة العالمين أقوال السلف أن الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان متفقون على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار ومتفقون على أنه لا يراه ~~أحد في الدنيا بعينه ولم يتنازعوا في ذلك PageV02P125 # إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة منهم من نفى رؤيته بالعين في ~~الدنيا ومنهم من أثبتها وقد بسطت هذه الأقوال والأدلة من الجانبين في غير ~~هذا ms136 الموضع والمقصود هنا نقل إجماع السلف على إثبات الرؤية بالعين في ~~الآخرة ونفيها في الدنيا إلا الخلاف في النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وأما ~~احتجاجه واحتجاج النفاة أيضا بقوله تعالى * (لا تدركه الأبصار) * سورة ~~الأنعام 103 فالآية حجة عليهم لا لهم لأن الإدراك إما أن يراد به مطلق ~~الرؤية أو الرؤية المقيدة بالإحاطة وألأول باطل لأنه ليس كل من رأى شيئا ~~يقال أنه أدركه كما لا يقال أحاط به كما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ~~ذلك فقال ألست ترى السماء قال بلى قال أكلها ترى قال لا ومن رأى جوانب ~~الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال أنه أدركها وإنما يقال ~~أدركها إذا أحاط بها رؤية ونحن في هذا المقام ليس علينا بيان ذلك وإنما ~~ذكرنا هذا بيانا لسند المنع بل المستدل بالآية عليه أن يبين أن الإدراك في ~~لغة العرب مرادف للرؤية وأن كل من رأى شيئا يقال في لغتهم أنه أدركه وهذا ~~لا سبيل إليه كيف وبين لفظ الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص أو اشتراك لفظي ~~فقد تقع رؤية بلا إدراك وقد يقع إدراك بلا رؤية فإن الإدراك يستعمل في ~~إدراك العلم وإدراك القدرة فقد يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهد كالأعمى ~~الذي طلب رجلا هاربا منه فأدركه ولم يره وقد قال تعالى * (فلما تراءى ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين) * سورة ~~الشعراء 61 62 فنفى موسى الإدراك مع إثبات الترائي فعلم أنه قد يكون رؤية ~~بلا إدراك والإدراك هنا هو إدراك القدرة أي ملحقون محاط بنا وإذا انتفى هذا ~~الإدراك فقد تنتفي إحاطة البصر أيضا ومما يبين ذلك أن الله تعالى ذكر هذه ~~الآية يمدح بها نفسه سبحانه وتعالى ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح ~~لأن النفي المحض لا يكون مدحا إن لم يتضمن أمرا ثبوتيا ولأن المعدوم أيضا ~~لا يرى والمعدوم لا يمدح فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه وهذا ms137 أصل ~~مستمر وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمن ثبوتا لا مدح فيه ولا كمال فلا ~~يمدح الرب نفسه به بل ولا يوصف نفسه به وإنما يصفها بالنفي المتضمن معنى ~~ثبوت كقوله * (لا تأخذه سنة ولا نوم) * وقوله * (من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه) * وقوله * (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) * وقوله * (ولا ~~يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم) * سورة البقرة 225 وقوله * (لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض) * سورة سبأ 3 وقوله * (وما مسنا من ~~لغوب) * PageV02P126 # سورة ق 38 ونحو ذلك من القضايا السلبية التي يصف الرب تعالى بها نفسه ~~وأنها تتضمن اتصافه بصفات الكمال الثبوتية مثل كمال حياته وقيوميته وملكه ~~وقدرته وعلمه وهدايته وانفراده بالربوبية والإلهية ونحو ذلك وكل ما يوصف به ~~العدم المحض فلا يكون إلا عدما محضا ومعلوم أن العدم المحض يقال فيه أنه لا ~~يرى فعلم أن نفي الرؤية عدم محض ولا يقال في العدم المحض لا يدرك وإنما ~~يقال هذا فيما لا يدرك لعظمته لا لعدمه وإذا كان المنفي هو الإدراك فهو ~~سبحانه وتعالى لا يحاط به رؤية كما لا يحاط به علما ولا يلزم من نفي إحاطة ~~العلم والرؤية نفي العلم والرؤية بل يكون ذلك دليلا على أنه يرى ولا يحاط ~~به كما يعلم ولا يحاط به فإن تخصيص الإحاطة بالنفي يقتضي أن مدرك الرؤية ~~ليس بمنفي وهذا الجواب قول أكثر العلماء من السلف وغيرهم وقد روي معناه عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما وغيره وقد روي في ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا تحتاج الآية إلى تخصيص ولا خروج عن ظاهر الآية فلا ~~نحتاج أن نقول لا نراه في الدنيا أو نقول لا تدركه الأبصار بل المبصرون أو ~~لا تدركه كلها بل بعضها ونحو ذلك من الأقوال التي فيها تكلف ثم نحن في هذا ~~المقام يكفينا أن نقول الآية تحتمل ذلك فلا يكون فيها دلالة على نفي الرؤية ~~فبطل استدلال من استدل ms138 بها على الرؤية وإذا أردنا أن نثبت دلالة الآية على ~~الرؤية مع نفيها للإدراك الذي هو الإحاطة أقمنا الدلالة على أن الإدراك في ~~اللغة ليس هو مرادفا للرؤية بل هو أخص منها وأثبتنا ذلك باللغة ليس هو ~~مرادفا للرؤية بل هو أخص منها وأثبتنا ذلك باللغة وأقوال المفسرين من السلف ~~وبأدلة أخرى سمعية وعقلية PageV02P127 # فصل في ذبائح أهل الكتاب قال شيخ الإسلام قال الله عز وجل * (ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه) * وقال * (وما أهل به لغير الله) * فكل ما ذبح ~~لغير الله فلا يؤكل لحمه وروى ابن حنبل عن عطاء في ذبيحة النصراني يقول اسم ~~المسيح قال كل قال ابن حنبل سمعت أبا عبد الله يسأل عن ذلك قال لا تأكل قال ~~الله * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) * فلا أرى هذا ذكاته * (وما ~~أهل لغير الله به) * فاحتجاج أبي عبد الله بالآية دليل على أن الكراهة عنده ~~كراهة تحريم وهذا قول عامة قدماء الأصحاب قال الخلال في باب التوقي لأكل ما ~~ذبحت النصارى وأهل الكتاب لأعيادهم وذبائح أهل الكتاب لكنائسهم كل من روي ~~عن أبي عبد الله روى الكراهة فيه وهي متفرقة في هذه الأبواب وما قال ابن ~~حنبل في هاتين المسألتين ذكر عن أبي عبد الله * (ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه) * * (وما أهل لغير الله به) * فإنما الجواب من أبي عبد الله ~~فيما أهل لغير الله به وأما التسمية وتركها فقد روى عنه جميع أصحابه أنه لا ~~بأس بأكل ما لم يسموا عليه إلا في PageV02P130 # وقت ما يذبحون لأعيادهم وكنائسهم فإنه في معنى قوله تعالى * (وما أهل ~~لغير الله به) * وعند أبي عبد الله أن تفسير * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه) * إنما عنى به الميتة وقد أخرجته في موضعه ومقصود الخلال أن نهي ~~أحمد لم يكن لأجل ترك التسمية فقط فإن ذلك عنده لا يحرم وإنما كان لأنهم ~~ذبحوه لغير الله سواء كانوا يسمون غير الله أو ms139 لا يسمون الله ولا غيره ولكن ~~قصدهم الذبح لغير الله لكن قال ابن أبي موسى ويجتنب أكل كل ما ذبحه اليهود ~~والنصارى لكنائسهم وأعيادهم ولا يؤكل ما ذبح للزهرة والرواية الثانية أن ~~ذلك مكروه غير محرم وهذا الذي ذكره القاضي وغيره وأخذوا ذلك فيما أظنه مما ~~نقله عبد الله بن أحمد سألت أبي عمن ذبح للزهرة قال لا يعجبني قلت أحرام ~~أكله قال لا أقول حراما ولكن لا يعجبني وذلك أنه أثبت الكراهة دون التحريم ~~ويمكن أن يقال إنما توقف عن تسميته محرما لأن ما اختلف في تحريمه وتعارضت ~~فيه كالجمع بين الأختين ونحوه هل يسمى حراما على روايتين كالروايتين عنده ~~في أن ما اختلف في وجوبه هل يسمى فرضا على روايتين ومن أصحابنا من أطلق ~~الكراهة ولم يفسر هل أراد التحريم أو التنزيه قال أبو الحسن الآمدي ما ذبح ~~لغير الله مثل الكنائس والزهرة والشمس والقمر فقال أحمد هو مما أهل به لغير ~~الله أكرهه كل ما ذبح لغير الله والكنائس وما ذبحوا في أعيادهم أكرهه فأما ~~ما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به وكذلك مذهب مالك يكره ما ~~ذبحه النصارى لكنائسهم أو ذبحوا على اسم المسيح أو الصليب أو أسماء من مضى ~~من أحبارهم ورهبانهم وفي المدونة وكره مالك أكل ما ذبحه أهل الكتاب ~~لكنائسهم أو لأعيادهم من غير تحريم وتأول قول الله * (أو فسقا أهل لغير ~~الله به) * قال ابن القاسم وكذلك ما ذبحوا وسموا عليه اسم المسيح وهو ~~بمنزلة ما ذبحوا لكنائسهم ولا أرى أن يؤكل ونقلت الرخصة في ذبائح الأعياد ~~ونحوها عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وهذا فيما لم يسموا عليه غير ~~الله فإن سموا غير الله في عيدهم أو غير عيدهم حرم في أشهر PageV02P131 # الروايتين وهو مذهب الجمهور وهو مذهب الفقهاء الثلاثة فيما نقله غير واحد ~~وهو قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة منهم أبو الدرداء وأبو أمامة ~~والعرباض بن سارية وعبادة بن الصامت وهو قول أكثر ms140 فقهاء الشام وغيرهم ~~والثانية لا يحرم وإن سموا غير الله وهو قول عطاء ومجاهد ومكحول والأوزاعي ~~والليث نقل ابن منصور أنه قيل لأبي عبد الله سئل سفيان عن رجل ذبح ولم يذكر ~~اسم الله متعمدا قال أرى أن لا يؤكل قيل له أرأيت إن كان يرى أنه يجزئ عنه ~~فلم يذكر قال أرى أنه لا يؤكل قال أحمد المسلم فيه اسم الله يؤكل ولكن قد ~~أساء في ترك التسمية النصارى أليس يذكرون غير اسم الله ووجه الاختلاف أن ~~هذا قد دخل في قوله عز وجل * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * وفي عموم ~~قوله تعالى * (وما أهل لغير الله به) * لأن هذه الآية تعم كل ما نطق به ~~لغير الله يقال أهللت بكذا إذا تكلمت به وإن كان أصله الكلام الرفيع فإن ~~الحكم لا يختلف برفع الصوت وخفضه وإنما لما كانت عادتهم رفع الصوت في الأصل ~~خرج الكلام على ذلك فيكون المعنى وما تكلم به لغير الله وما نطق به لغير ~~الله ومعلوم أن ما حرم أن تجعل غير الله مسمى فكذلك منويا إذ هذا مثل ~~النيات في العبادات فإن اللفظ بها وأن كان أبلغ لكن الأصل القصد ألا ترى أن ~~المتقرب بالهدايا والضحايا سواء قال أذبحه لله أو سكت فإن العبرة بالنية ~~وتسميته الله على الذبيحة غير ذبحها لله فإنه يسمي على ما يقصد به اللحم ~~وأما القربان فيذبح لله سبحانه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قربانه اللهم منك ولك بعد قوله بسم الله والله أكبر لقوله تعالى * (إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) * والكافرون يصنعون بآلهتهم ~~كذلك فتارة يسمون آلهتهم على الذبائح وتارة يذبحونها قربانا إليهم وتارة ~~يجمعون بينهما وكل ذلك والله أعلم يدخل فيما أهل لغير الله به فإن من سمى ~~غير الله فقد أهل به لغير الله فقوله باسم كذا استعانة به وقوله لكذا عبادة ~~له ولهذا جمع الله بينهما في قوله * (إياك نعبد وإياك نستعين) * ~~PageV02P132 # وأيضا فإنه سبحانه حرم ما ms141 ذبح على النصب وهي كل ما ينصب ليعبد من دون ~~الله وأما احتجاج أحمد على هذه المسألة بقوله تعالى * (ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه) * فحيث اشترطت التسمية في ذبيحة المسلم هل تشترط في ~~ذبيحة الكتابي على روايتين وإن كان الخلال هنا قد ذكر عدم الاشتراط ~~فاحتجاجه بهذه الآية يخرج على إحدى الروايتين فلما تعارض العموم الحاظر وهو ~~قوله تعالى * (وما أهل لغير الله به) * والعموم المبيح وهو قوله * (وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * اختلف العلماء في ذلك والأشبه بالكتاب والسنة ~~ما دل عليه أكثر كلام أحمد من الحظر وإن كان من متأخري أصحابنا من لا يذكر ~~هذه الرواية بحال وذلك لأن عموم قوله تعالى * (وما أهل لغير الله به) * * ~~(وما ذبح على النصب) * عموم محفوظ لم تخص منه صورة بخلاف طعام الذين أوتوا ~~الكتاب فإنه يشترط له الذكاة المبيحة فلو ذكى الكتابي في غير المحل المشروع ~~لم تبح ذكاته ولأن غاية الكتابي أن تكون ذكاته كالمسلم والمسلم لو ذبح لغير ~~الله أو ذبح باسم غير الله لم يبح وإن كان يكفر بذلك فكذلك الذمي لأن قوله ~~تعالى * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) * سواء وهم وإن ~~كانوا يستحلون هذا ونحن لا نستحله فليس كل ما استحلوه يحل لنا ولأنه قد ~~تعارض دليلان حاظر ومبيح فالحاظر أولى أن يقدم ولأن الذبح لغير الله أو ~~باسم غيره قد علمنا يقينا أنه ليس من دين الأنبياء عليهم السلام فهو من ~~الشرك الذي أحدثوه فالمعنى الذي لأجله حلت ذبائحهم منتف في هذا والله تعالى ~~أعلم فإن قيل ما إذا سموا عليه غير الله بأن يقولوا باسم المسيح ونحوه ~~فتحريمه ظاهر أما إذا لم يسموا أحدا ولكن قصدوا الذبح للمسيح أو للكوكب ~~ونحوهما فما وجه تحريمه قيل قد تقدمت الإشارة إلى ذلك وهو أن الله سبحانه ~~قد حرم ما ذبح على النصب وذلك يقتضي تحريمه وإن كان ذابحه كتابيا لأنه لو ~~كان التحريم لكونه وثينا لم يكن فرق ms142 بين ذبحه على النصب وغيرها ولأنه لما ~~أباح لنا طعام أهل الكتاب دل على أن طعام المشركين حرام فتخصيص ما ذبح على ~~الوثن يقتضي فائدة جديدة وأيضا فإنه ذكر تحريم ما ذبح على النصب وما أهل به ~~لغير الله وقد دخل فيما أهل به PageV02P133 # لغير الله ما أهل به أهل الكتاب لغير الله فكذلك كل ما ذبح على النصب ~~فإذا ذبح الكتابي على ما قد نصبوه من التماثيل في الكنائس فهو مذبوح على ~~النصب ومعلوم أن حكم ذلك لا يختلف بحضور الوثن وغيبته فإنما حرم لأنه قصد ~~بذبحه عبادة الوثن وتعظيمه وهذه الأنصاب قد قيل هي من الأصنام وقيل هي غير ~~الأصنام قالوا كان حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا كان أهل الجاهلية يذبحون ~~عليها ويشرحون اللحم عليها وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها ويذبحون ~~عليها وكانوا إذا شاؤوا أبدلوا هذه الحجارة بحجارة هي أعجب إليهم منها ويدل ~~على ذلك قول أبي ذر في حديث إسلامه حتى صرت كالنصب الأحمر يريد أنه كان ~~يصير أحمر من تلوثه بالدم وفي قوله * (وما ذبح على النصب) * قولان أحدهما ~~أن نفس الذبح كان يكون عليها كما ذكرناه فيكون ذبحهم غير الأصنام فيكون ~~الذبح عليها لأجل أن المذبوح عليها مذبوح للأصنام أو مذبوح لها وذلك يقتضي ~~تحريم كل ما ذبح لغير الله ولأن الذبح في البقعة لا تأثير له إلا من جهة ~~الذبح لغير الله كما كرهه النبي صلى الله عليه وسلم من الذبح في مواضع ~~أصنام المشركين ومواضع أعيادهم وإنما يكره المذبوح في البقعة المعينة ~~لكونها محل شرك فإذا وقع الذبح حقيقة لغير الله كانت حقيقة التحريم قد وجدت ~~فيه والقول الثاني أن الذبح على النصب أي لأجل النصب كما قيل أولم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على زينب بخبز ولحم وأطعم فلان على ولده وذبح فلان ~~على ولده ونحو ذلك ومنه قوله تعالى * (لتكبروا الله على ما هداكم) * وهذا ~~ظاهر على قول من يجعل النصب نفس الأصنام ولا منافاة بين كون الذبح لها ms143 وبين ~~كونها كانت تلوث بالدم وعلى هذا القول فالدلالة ظاهرة واختلاف هذين القولين ~~في قوله تعالى * (على النصب) * نظير الاختلاف في قوله تعالى * (ولكل أمة ~~جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) * وقوله ~~تعالى * (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم ~~من بهيمة الأنعام) * PageV02P134 # فإنه قد قيل المراد بذكر اسم الله عليها إذا كانت حاضرة وقيل بل يعم ذكره ~~لأجلها في مغيبها وشهودها بمنزلة قوله تعالى * (لتكبروا الله على ما هداكم) ~~* وفي الحقيقة مآل القولين إلى شيء واحد في قوله تعالى * (وما ذبح على ~~النصب) * كما قد أومأنا إليه وفيها قول ثالث ضعيف أن المعنى على اسم النصف ~~وهذا ضعيف لأن هذا المعنى حاصل من قوله تعالى * (وما أهل لغير الله به) * ~~فيكون تكريرا لكن اللفظ يحتمله كما روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة ~~عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يحدث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح وذلك قبل أن ينزل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فقدمت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال زيد إني لست آكل مما تذبحون ~~على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه فصل قال شيخ الإسلام الجن ~~مأمورون ومنهيون كالإنس وقد بعث الله الرسل من الإنس إليهم وإلى الإنس وأمر ~~الجميع بطاعة الرسل كما قال تعالى * (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ~~وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) * وهذا بعد ~~قوله * (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله) * قال غير واحد من السلف أي ms144 ~~كثير من أغويتم من الإنس وأضللتموهم قال البغوي قال بعضهم استمتاع الإنس ~~بالجن ما كانوا يلقون لهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم ~~PageV02P135 # لهم الأمور التي يهيؤونها ويسهل سبيلها عليهم واستمتاع الجن بالإنس طاعة ~~الإنس لهم فيما يزينن لهم من الضلالة والمعاصي قال محمد بن كعب هو طاعة ~~بعضهم لبعض وموافقة بعضهم بعضا وذكر ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال ما ~~كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعلمت الإنس وعن محمد بن كعب قال ~~هو الصحابة في الدنيا وقال ابن السائب استمتاع الإنس بالجن استعاذتهم بهم ~~واستمتاع الجن بالإنس أن قالوا قد أسرنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا ~~فيزدادون شرفا في أنفسهم وعظما في نفوسهم وهذا كقوله * (وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) * قلت الاستمتاع بالشيء هو أن ~~يتمتع به ينال به ما يطلبه ويريده ويهواه ويدخل في ذلك استمتاع الرجال ~~بالنساء بعضهم لبعض كما قال * (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) ~~* ومن ذلك الفواحش كاستمتاع الذكور بالذكور والإناث بالإناث ويدخل في هذا ~~الاستمتاع بالاستخدام وأئمة الرياسة كما يتمتع الملوك والسادة بجنودهم ~~ومماليكهم ويدخل في ذلك الاستمتاع بالأموال كاللباس ومنه قوله * (ومتعوهن ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) * وكان من السلف من يمتع المرأة بخادم ~~فهي تستمتع بخدمته ومنهم من يمتع بكسوة أو نفقة ولهذا قال الفقهاء أعلى ~~المتعة خادم وأدناها كسوة يجزئ فيها الصلاة وفي الجملة استمتاع الإنس بالجن ~~والجن بالإنس يشبه استمتاع الإنس بالإنس قال تعالى * (الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدو إلا المتقين) * وقال تعالى * (وتقطعت بهم الأسباب) * قال مجاهد هي ~~المودات التي كانت لغير الله قال الخليل * (إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا) * قال تعالى * (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) * فالمشرك يعبد ما يهواه ~~واتباع الهوى هو استمتاع من صاحبه بما يهواه وقد وقع في الإنس والجن هذا ~~كله PageV02P136 # وتارة يخدم هؤلاء لهؤلاء في ms145 أغراضهم وهؤلاء لهؤلاء في أغراضهم فالجن ~~تأتيه بما يريد من صورة أو مال أو قتل عدوه والإنس تطيع الجن فتارة يسجد له ~~وتارة لما يأمره بالسجود له وتارة يمكنه من نفسه فيفعل به الفاحشة وكذلك ~~الجينات منهن من يريد من الإنس الذي يخدمنه ما يريد نساء الإنس من الرجال ~~وهذا كثير في رجال الجن ونسائهم فكثير من رجالهم ينال من نساء الإنس ما ~~يناله الإنسي وقد يفعل ذلك بالذكران وصرع الجن للإنس هو لأسباب ثلاثة تارة ~~يكون الجني يحب المصروع ليتمتع به وهذا الصرع يكون أرفق من غيره وأسهل ~~وتارة يكون الإنسي آذاهم إذا بال عليهم أو صب عليهم ماء حارا أو يكون قتل ~~بعضهم أو غير ذلك من أنواع الأذى هذا أشد الصرع وكثيرا ما يقتلون المصروع ~~وتارة يكون بطريق العبث به كما يعبث سفهاء الإنس بأبناء السبيل ومن استمتاع ~~الإنس والجن استخدامهم في الإخبار بالأمور الغائبة كما يخبر الكهان فإن في ~~الإنس من له غرض في هذا لما يحصل به من الرياسة والمال وغير ذلك فإن كان ~~القوم كفارا كما كانت العرب لم تبال بأن يقال أنه كاهن كما كان العرب كهانا ~~وقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها كهان وكان المنافقون يطلبون ~~التحاكم إلى الكهان وكان أبو أبرق الأسلمي أحد الكهان قبل أن يسلم وإن كان ~~القوم مسلمين لم يظهر أنه كاهن بل يجعل ذلك من باب الكرامات وهو من جنس ~~الكهان فإنه لا يخدم الإنسي بهذه الأخبار إلا لما يستمتع به من الإنسي بأن ~~يطيعه الإنسي في بعض ما يريده إما في شرك وإما في فاحشة وإما في أكل حرام ~~وإما في قتل بغير حق فالشياطين لهم غرض فيما نهى الله عنه من الكفر والفسوق ~~والعصيان ولهم لذة في الشر والفتن يحبون ذلك وإن لم يكن فيه منفعة لهم وهم ~~يقومون بأمر السارق أن يسرق ويذهب إلى أهل المال فيقولون فلان سرق متاعكم ~~ولهذا يقال القوة الملكية والبهيمية والسبعية والشيطانية فإن الملكية فيها ~~العلم النافع ms146 والعمل الصالح والبهيمية فيها الشهوات كالأكل والشرب والسبعية ~~فيها الغضب وهو دفع المؤذي وأما الشيطانة فشر محض ليس فيها جلب منفعة ولا ~~دفع مضرة والفلاسفة ونحوهم ممن لا يعرف الجن والشياطين لا يعرفون هذه وإنما ~~يعرفون الشهوة والغضب والشهوة والغضب خلقا لمصلحة ومنفعة لكن المذموم هو ~~العدوان فيهما وأما الشيطان فيأمر بالشر الذي لا منفعة فيه ويحب ذلك كما ~~فعل إبليس بآدم لما وسوس له وكما امتنع من السجود له فالحسد يأمر به ~~الشيطان والحاسد لا ينتفع بزوال النعمة عن المحسود PageV02P137 # لكن يبغض ذلك وقد يكون بغضه لفوات غرضه وقد لا يكون ومن استمتاع الإنس ~~بالجن استخدامهم في إحضار بعض ما يطلبونه من مال وطعام وثياب ونفقة فقد ~~يأتون ببعض ذلك وقد يدلونه على كنز وغيره واستمتاع الجن بالإنس استعمالهم ~~فيما يريده الشيطان من كفر وفسوق ومعصية ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم ~~فيما يطلبه الإنس من شرك وقتل وفواحش فتارة بتمثل الجني في صورة الإنسي ~~فإذا استغاث به في بعض أتباعه أتاه فظن أنه الشيخ نفسه وتارة يكون التابع ~~قد نادى شيخه وهتف به يا سيدي فلان فينقل الجني ذلك الكلام إلى الشيخ بمثل ~~صوت الإنسي حتى يظن الشيخ أنه صوت الإنسي بعينه ثم إن الشيخ يقول نعم ويشير ~~إشارة يدفع بها ذلك المكروه فيأتي الجني بمثل ذلك الصوت والفعل يظن ذلك ~~الشخص أنه شيخه نفسه وهو الذي أجابه وهو الذي فعل ذلك حتى إن تابع الشيخ قد ~~تكون يده في إناء يأكل فيضع الجني يده في صورة يد الشيخ ويأخذ من الطعام ~~فيظن ذلك التابع أنه شيخه حاضر معه والجني يمثل للشيخ نفسه مثل ذلك الإناء ~~فيضع يده فيه حتى يظن الشيخ أن يده في ذلك الإناء فإذا حضر المريد ذكر له ~~الشيخ أن يدي كانت في الإناء فيصدقه ويكون بينهما مسافة شهر والشيخ في ~~موضعه ويده لم تطل ولكن الجني مثل للشيخ ومثل للمريد حتى ظن كل منهما أن ~~أحدهما عند الآخر وإنما كان عنده ما مثله الجني ms147 وخيله وإذا سئل الشيخ ~~المخدوم عن أمر غائب إما سرقة وإما شخص مات وطلب منه أن يخبر بحاله أو علة ~~في النساء أو غير ذلك فإن الجني قد يمثل ذلك فيريه صورة المسروق فيقول ~~الشيخ ذهب لكم كذا وكذا ثم إن كان صاحب المال معظما وأراد أن يدله على ~~سرقته مثل له الشيخ الذي أخذه أو المكان الذي فيه المال فيذهبون إليه ~~فيجدونه كما قال والأكثر منهم أنهم يظهرون صورة المال ولا يكون عليه لأن ~~الذي سرق المال معه أيضا حتى يخدمه والجن يخاف بعضهم من بعض كما أن الإنس ~~يخاف بعضهم بعضا فإذا دل الجني عليه جاء إليه أولياء السارق فآذوه وأحيانا ~~لا يدل لكون السارق وأعوانه يخدمونه ويرشونه كما يصيب معرف اللصوص من الإنس ~~تارة يعرف السارق ولا يعرف به إما لرغبة ينالها منه وإما لرهبة وخوف منه ~~وإذا كان المال المسروق لكبير يخافه ويرجوه عرف سارقه فهذا وأمثاله من ~~استمتاع بعضهم ببعض والجن مكلفون كتكليف الإنس ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~مرسل إلى الثقلين الجن والإنس وكفار الجن يدخلون النار بنصوص وإجماع ~~المسلمين وأما مؤمنهم ففيهم قولان وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ~~ويدخلون الجنة وقد روي أنهم يكونون في ربضها يراهم الإنس من PageV02P138 # حيث لا يرون الإنس عكس الحال في الدنيا وهو حديث رواه الطبراني في معجمه ~~الصغير يحتاج النظر في إسناده وقد احتج ابن أبي ليلى وأبو يوسف على ذلك ~~بقوله تعالى * (ولكل درجات مما عملوا) * وقد ذكر الجن والإنس الأبرار ~~والفجار في الأحقاف والأنعام واحتج الأوزاعي وغيره بقوله تعالى * (لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) * وقد قال تعالى في الأحقاف * (أولئك الذين حق ~~عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ولكل ~~درجات مما عملوا) * وقد تقدم قبل هذا ذكر أهل الجنة وقوله * (أولئك الذين ~~نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة) * ثم قال * ~~(ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون) * قال ms148 عبد الرحمن ~~بن زيد بن أسلم درجات أهل الجنة تذهب علوا ودرجات أهل النار تذهب سفلا وقد ~~قال تعالى عن قول الجن * (منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا) * ~~وقالوا * (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ~~وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) * ففيهم الكفار والفساق والعصاة وفيهم من ~~فيه عباة ودين بنوع من قلة العلم كما في الإنس وكل نوع من الجن يميل إلى ~~نظيره من الإنس فاليهود مع اليهود والنصارى مع النصارى والمسلمون مع ~~المسلمين والفساق مع الفساق وأهل الجهل والبدع مع أهل الجهل والبدع ~~واستخدام الإنس لهم مثل استخدام الإنس للإنس بشيء منهم من يستخدمهم ~~المحرمات من الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم وقد يظنون ذلك ~~من كرامات الصالحين وإنما هو من أفعال الشياطين ومنهم من يستخدمهم في أمور ~~مباحة إما إحضار ماله أو دلالة على مكان فيه مال ليس له مالك معصوم أو دفع ~~من يؤذيه ونحو ذلك فهذا كاستعانة الإنس بعضهم ببعض في ذلك PageV02P139 # والنوع الثالث أن يستعملهم في طاعة الله ورسوله كما يستعمل الإنس في مثل ~~ذلك فيأمرهم بما أمر الله به ورسوله وينهاههم عما نهاهم الله عنه ورسوله ~~كما يأمر الإنس وينهاهم وهذه حال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال من اتبعه ~~واقتدى به من أمته وهم أفضل الخلق فإنهم يأمرون الإنس والجن بما أمرهم الله ~~به ورسوله وينهون الإنس والجن عما نهاهم الله عنه ورسوله إذ كان نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم مبعوثا بذلك إلى الثقلين الإنس والجن وقد قال الله له * ~~(قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا ~~من المشركين) * وقال * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ~~لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) * وعمر رضي لما نادى يا سارية الجبل قال إن ~~لله جنودا يبلغون صوتي وجنود الله هم من الملائكة ومن صالحي الجن فجنود ~~الله بلغوا صوت عمر إلى سارية وهو أنهم نادوه بمثل ms149 صوت عمر وإلا نفس صوت ~~عمر لا يصل نفسه في هذه المسافة البعيدة وهذا كالرجل يدعو آخر وهو بعيد عنه ~~فيقول يا فلان فيعان على ذلك فيقول الواسطة بينهما يا فلان وقد يقول لمن هو ~~بعيد عنه يا فلان احبس الماء تعال إلينا وهو لا يسمع صوته فيناديه الواسطة ~~بمثل ذلك يا فلان احبس الماء أرسل الماء إما بمثل صوت الأول إن كان لا يقبل ~~إلا صوته وإلا فلا يضر بأي صوت كان إذا عرف أن صاحبه قد ناداه وهذا حكاية ~~كان عمر مرة قد أرسل جيشا فجاء شخص وأخبر أهل المدينة بانتصار الجيش وشاع ~~الخبر فقال عمر من أين لكم هذا قالوا شخص صفته كيت وكيت فأخبرنا فقال عمر ~~ذاك أبو الهيتم يريد الجن وسيجئ بريد الإنسان بعد ذلك بأيام وقد يأمر الملك ~~بعض الناس بأمر ويستكتمه إياه فيخرج فيرى الناس يتحدثون به فإن الجن تسمعه ~~وتخبر به الناس والذين يستخدمون الجن في المباحات يشبه استخدام سليمان لكن ~~أعطي ملكا لا ينبغي لأحد بعده وسخرت له الإنس والجن وهذا لم يحصل لغيره ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لما تفلت عليه العفريت ليقطع عليه صلاته قال ~~فأخذته فدعته حتى سال لعابه على يدي وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري ~~المسجد ثم ذكرت دعوة أخي سليمان فأرسلته فلم يستخدم النبي الجن أصلا لكن ~~دعاهم إلى الإيمان بالله وقرأ عليهم القرآن وبلغهم الرسالة وبايعهم كما فعل ~~بالإنس والذي أوتيه صلى الله عليه وسلم أعظم مما أوتيه سليمان فإنه استعمل ~~الجن والإنس في عبادة الله وحده وسعادتهم في الدنيا والآخرة لا لغرض يرجع ~~إليه إلا ابتغاء وجه الله وطلب مرضاته واختار أن يكون عبدا رسولا على أن ~~يكون نبيا ملكا فداود وسليمان ويوسف أنبياء ملوك وإبراهيم وموسى وعيسى ~~ومحمد رسل PageV02P140 # عبيد فهو أفضل كفضل السابقين المقربين على الأبرار أصحاب اليمين وكثير ~~ممن يرى هذه العجائب الخارقة يعتقد أنها من كرامات الأولياء وكثير من أهل ~~الكلام والعلم لم يعرفوا الفرق بين الأنبياء والصالحين ms150 في الآيات الخارقة ~~وما لأولياء الشيطان من ذلك من السحرة والكهان والكفار من المشركين وأهل ~~الكتاب وأهل البدع والضلال من الداخلين في الإسلام جعلوا الخوارق جنسا ~~واحدا وقالوا كلها يمكن أن تكون معجزة إذا اقترنت بدعوى النبوة والاستدلال ~~بها والتحدي بمثلها وإذا ادعى النبوة من ليس بنبي من الكفار والسحرة فلا بد ~~أن يسلبه الله ما كان معه من ذلك وأن يقيض له من يعارضه ولو عارض واحد من ~~هؤلاء النبي لأعجزه الله فخاصة المعجزات عندهم مجرد كون المرسل إليهم لا ~~يأتون بمثل ما أتى به النبي كان معتادا للناس قالوا إن عجز الناس عن ~~المعارضة خرق عادة فهذه هي المعجزات عندهم وهم ضاهوا سلفهم من المعتزلة ~~الذين قالوا المعجزات هي خرق العادة لكن أنكروا كرامات الصالحين وأنكروا أن ~~يكون السحر والكهانة من جنس الشعبذة وحيل لم يعلموا أن الشياطين تعين على ~~ذلك وأولئك أثبتوا الكرامات ثم زعموا أن المسلمين أجمعوا على أن هذه لا ~~تكون إلا لرجل صالح أو نبي قالوا فإذا ظهرت على يد رجل كان صالحا بهذا ~~الإجماع وهؤلاء أنفسهم قد ذكروا أنها تكون للسحرة ما هو مثلها وتناقضوا في ~~ذلك كما قد بسط في غير هذا الموضع فصار كثير من الناس لا يعلمون ما للسحرة ~~والكهان وما يفعله الشياطين من العجائب وظنوا أنها لا تكون إلا لرجل صالح ~~فصار من ظهرت هذه له يظن أنها كرامة فيقوى قلبه بأن طريقته هي طريقة ~~الأولياء وكذلك غيرهم يظن فيه ذلك ثم يقولون الولي إذا تولى لا يعترض عليه ~~فمنهم من يراه مخالفا لما علم بالاضطرار من دين الرسول مثل ترك الصلاة ~~المفروضة وأكل الخبائث كالخمر والحشيشة والميتة وغير ذلك وفعل الفواحش ~~والفحش والتفحش في المنطق وظلم الناس وقتل النفس بغير حق والشرك بالله وهو ~~مع ذلك يظن فيه أنه ولي من أولياء الله قد وهبه هذه الكرامات بلا عمل فضلا ~~من الله تعالى ولا يعلمون أن هذه من أعمال الشياطين وأن هذه من أولياء ~~الشياطين يضل به الناس ms151 ويغويهم ودخلت الشياطين في أنواع من ذلك فتارة يأتون ~~الشخص في النوم يقول أحدهم أنا أبو بكر الصديق وأنا أتوبك لي وأصير شيخك ~~وأنت تتوب الناس لي ويلبسه فيصبح وعلى رأسه ما ألبسه فلا يشك أن الصديق هو ~~الذي جاءه ولا يعلم أنه الشيطان وقد جرى مثل هذا لعدد من المشايخ بالعراق ~~والجزيرة والشام وتارة يقص شعره في النوم فيصبح فيجد شعره مقصوصا وتارة ~~يقول أنا الشيخ فلان فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه وقص شعره PageV02P141 # وكثيرا ما يستغيث الرجل بشيخه الحي أو الميت فيأتونه في صورة ذلك الشيخ ~~وقد يخلصونه مما يكره فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه أو أن ملكا تصور بصورته ~~وجاءه ولا يعلم أن ذلك الذي تمثل إنما هو الشيطان لما أشرك بالله أضلته ~~الشياطين والملائكة لا تجيب مشركا وتارة يأتون إلى من هو خال في البرية وقد ~~يكون ملكا أو أميرا كبيرا ويكون كافرا وقد انقطع عن أصحابه وعطش وخاف الموت ~~فيأتيه في صورة إنسي ويسقيه ويدعوه إلى الإسلام ويتوبه فيسلم على يديه ~~ويطعمه ويدله على الطريق ويقول من أنت فيقول أنا فلان ويكون في موضع كما ~~جرى مثل هذا لي كنت في مصر في قلعتها وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك من ~~ناحية المشرق وقال له ذلك الشخص أنا ابن تيمية فلم يشك ذلك الأمير أني أنا ~~هو وأخبر بذلك ملك ماردين وأرسل بذلك ملك ماردين إلى مصر رسولا وكنت في ~~الحبس فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس ولكن كان هذا جنيا يحبنا فيصنع ~~بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاؤوا إلى دمشق كنت أدعوهم إلى ~~الإسلام فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ما تيسر فعمل معهم مثل ما كنت ~~أعمل وأراد بذلك إكرامي ليظن ذاك أني أنا الذي فعلت ذلك قال لي طائفة من ~~الناس فلم لا يجوز أن يكون ملكا قلت لا إن الملك لا يكذب وهذا قد قال أنا ~~ابن تيمية وهو يعلم أنه كاذب في ذلك وكثير ms152 من الناس رأى من قال إني أن ~~الخضر وإنما كان جنيا ثم صار من الناس من يكذب بهذه الحكايات إنكارا لموت ~~الخضر والذين قد عرفوا صدقها يقطعون بحياة الخضر وكل من الطائفتين مخطىء ~~فإن الذين رأوا من قال إني أنا الخضر هم كثيرون صادقون والحكايات متواترة ~~لكن أخطؤوا في ظنهم أنه الخضر وإنما كان جنيا ولهذا يجري مثل هذا لليهود ~~والنصارى فكثيرا ما يأتيهم في كنائسهم من يقول أنه الخضر وكذلك اليهود ~~يأتيهم في كنائسهم من يقول أنه الخضر وفي ذلك من الحكايات الصادقة ما يضيق ~~عنه هذا الموضع يبين صدق من رأى شخصا وظن أنه الخضر وأنه غلط في ظنه أنه ~~الخضر وإنما كان جنيا وقد يقول أنا المسيح أو موسى أو محمد أو أبو بكر أو ~~عمر أو الشيخ فلان فكل هذا قد وقع والنبي صلى الله عليه وسلم قال من رآني ~~في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي قال ابن عباس في ~~صورته التي كان عليه في حياته وهذه رؤيا في المنام وأما في اليقظة فمن ظن ~~أن أحدا من الموتى يجيء بنفسه للناس عيانا قبل يوم القيامة فمن جهله أتى ~~ومن هنا ضلت النصارى حيث اعتقدوا أن المسيح بعد أن صلب كما يظنون أنه أتى ~~PageV02P142 # إلى الحواريين وكلمهم ووصاهم وهذا مذكور في أناجيلهم وكلها تشهد بذلك ~~وذاك الذي جاء كان شيطانا قال أنا المسيح ولم يكن هو المسيح نفسه ويجوز أن ~~يشتبه مثل هذا على الحواريين كما اشتبه على كثير من شيوخ المسلمين ولكن ما ~~أخبرهم المسيح قبل أن يرفع بتبليغه فهو الحق الذي يجب عليهم تبليغه ولم ~~يرفع حتى بلغ رسالات ربه فلا حاجة إلى مجيئه بعد أن رفع إلى السماء وأصحاب ~~الحلاج لما قتل كان يأتيهم من يقول أن الحلاج فيرونه في صورته عيانا وكذلك ~~شيخ بمصر يقال له الدسوقي بعد أن مات كان يأتي أصحابه من جهته رسائل وكتب ~~مكتوبة وأراني صادق من أصحابه الكتاب الذي أرسله فرأيته بخط ms153 الجن وقد رأيت ~~خط الجن غير مرة وفيه كلام من كلام الجن وذاك المعتقد يعتقد أن الشيخ حي ~~وكان يقول انتقل ثم مات وكذلك شيخ آخر كان بالمشرق وكان له خوارق من الجن ~~وقيل كان بعد هذا يأتي خواص أصحابه في صورته فيعتقدون أنه هو وهكذا الذين ~~كانوا يعتقدون بقاء علي أو بقاء محمد بن الحنفية قد كان يأتي إلى بعض ~~أصحابهم جني في صورته وكذا منتظر الرافضة قد يراه أحدهم أحيانا ويكون ~~المرئي جنيا جنيا فهذا باب واسع واقع كثيرا وكلما كان القوم أجهل كان عندهم ~~أكثر ففي المشركين أكثر مما في النصارى وهو في النصارى كما هو في الداخلين ~~في الإسلام وهذه الأمور يسلم بسببها ناس ويتوب بسببها ناس يكونون أضل من ~~أصحابها فينتقلون بسببها إلى ما هو خير مما كان عليه كالشيخ الذي فيه كذب ~~وفجور من الإنس قد يأتيه قوم كفار فيدعوهم إلى الإسلام فيسلمون ويصيرون ~~خيرا مما كانوا وإن كان قصد ذلك الرجل فاسدا وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم وهذا كان ~~كالحجج والأدلة التي يذكرها كثير من أهل الكلام والرأي فإنه ينقطع بها كثير ~~من أهل الباطل ويقوى بها قلوب كثير من أهل الحق وإن كانت في نفسها باطلة ~~فغيرها أبطل منها والخير والشر درجات فينتفع بها أقوام ينتقلون مما كانوا ~~عليه إلى ما هو خير منه وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة ~~والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك ~~وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفارا وكذلك بعض الملوك قد ~~يغزو غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك ومع هذا فيحصل به نفع ~~خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين وذاك كان شرا بالنسبة إلى القائم ~~بالواجب وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير وكذلك كثير من الأحاديث الضعيفة ~~في الترغيب والترهيب والفضائل والأحكام والقصص قد يسمعها أقوام فينتقلون ~~بها إلى خير مما ms154 كانوا عليه وإن كانت كذبا وهذا كالرجل يسلم رغبة في الدنيا ~~ورهبة من السيف ثم إذا أسلم وطال مكثه بين المسلمين دخل الإيمان في قلبه ~~فنفس ذلك الكفر الذي كان عليه وانتهاره ودخوله في حكم المسلمين خير من أن ~~يبقى كافرا فانتقل إلى خير مما كان عليه وخف الشر الذي كان فيه ثم ~~PageV02P143 # إذا أراد الله هدايته أدخل الإيمان في قلبه والله تعالى بعث الرسل بتحصيل ~~المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتعليلها والنبي صلى الله عليه وسلم دعا ~~الخلق بغاية الإمكان ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب الإمكان * ~~(ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون) * وأكثر المتكلمين ~~يردون باطلا بباطل وبدعة ببدعة لكن قد يردون باطل الكفار من المشركين وأهل ~~الكتاب بباطل المسلمين فيصير الكافر مسلما مبتدعا وأخص من هؤلاء من يرد ~~البدع الظاهرة كبدعة الرافضة ببدعة أخف منها وهي بدعة أهل السنة وقد ذكرنا ~~فيما تقدم أصناف البدع ولا ريب أن المعتزلة خير من الرافضة ومن الخوارج فإن ~~المعتزلة تقر بخلافة الخلفاء الأربعة وكلهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان ~~وكذلك المعروف عنهم أنهم يتولون عليا ومنهم من يفضله على أبي بكر وعمر ولكن ~~حكي عن بعض متقدميهم أنه قال فسق يوم الجمل إحدى الطائفتين ولا أعلم عينها ~~وقالوا أنه قال لو شهد علي والزبير لم أقبل شهادتهما لفسق أحدهما لا بعينه ~~ولو شهد علي مع آخر ففي قبول شهادته قولان وهذا القول شاذ فيهم والذي عليه ~~عامتهم تعظيم علي ومن المشهور عندهم ذم معاوية وأبي موسى وعمرو بن العاص ~~لأجل علي ومنهم من يكفر هؤلاء ويفسقهم بخلاف طلحة والزبير وعائشة فإنهم ~~يقولون أن هؤلاء تابوا من قتاله وكلهم يتولى عثمان ويعظمون أبا بكر وعمر ~~ويعظمون الذنوب فهو يتحرون الصدق كالخوارج لا يختلقون الكذب كالرافضة ولا ~~يرون أيضا اتخاذ دار غير دار الإسلام كالخوارج ولهم كتب في تفسير القرآن ~~ونصر الرسول ولهم محاسن كثيرة يترجحون على الخوارج والروافض وهو قصدهم ~~إثبات توحيد الله ورحمته وحكمته وصدقه ms155 وطاعته وأصولهم الخمس على هذه الصفات ~~الخمس لكنهم غلطوا في بعض ما قالوه في كل واحد من أصولهم الخمس فجعلوا من ~~التوحيد نفي الصفات وإنكار الرؤية والقول بأن القرآن مخلوق فوافقوا في ذلك ~~الجهمية وجعلوا من العدل أنه لا يشاء ما يكون ويكون ما لا يشاء وأنه لم ~~يخلق أفعال العباد فنفوا قدرته ومشيئته وخلقه لإثبات العدل وجعلوا من ~~الرحمة نفي أمور خلقها لم يعرفوا ما فيها من الحكمة وكذلك هم الخوارج قالوا ~~بإنفاذ الوعيد ليثبتوا أن الرب صادق لا يكذب إذا كان عندهم قد أخبر بالوعيد ~~العام فمتى لم يقل بذلك لزم كذبه وغلطوا في فهم الوعيد وكذلك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف قصدوا به طاعة الله ورسوله كما يقصده ~~الخوارج والزيدية فغلطوا في ذلك وكذلك إنكارهم للخوارق غير المعجزات قصدوا ~~به إثبات النبوة ونصرها وغلطوا فيما سلكوه فإن النصر لا يكون بتكذيب الحق ~~وذلك لكونهم لم يحققوا خاصة آيات الأنبياء ولأشعرية ما ردوه من بدع ~~المعتزلة والرافضة والجهمية وغيرهم وبينوا ما بينوه من تناقضهم وعظموا ~~الحديث والسنة ومذهب الجماعة فحصل بما قالوه من بيان تناقض PageV02P144 # أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير فإن الأشعري كان من ~~المعتزلة وبقي على مذهبهم أربعين سنة يقرأ على أبي علي الجبائي فلما انتقل ~~عن مذهبهم كان خبيرا بأصولهم وبالرد عليهم وبيان تناقضهم وأما ما بقي عليه ~~من السنة فليس هو من خصائص المعتزلة بل هو من القدر المشترك بينهم وبين ~~الجهمية وأما خصائص المعتزلة فلم يوالهم الأشعري في شيء منها بل ناقضهم في ~~جميع أصولهم ومال في مسائل العدل والأسماء والأحكام إلى مذهب جهم ونحوه ~~وكثير من الطوائف كالنجارية اتباع حسين النجار والضرارية أتباع ضرار بن عمر ~~ويخالفون المعتزلة في القدر والأسماء والأحكام وإنفاذ الوعيد والمعتزلة من ~~أبعد الناس عن طريق أهل الكشف والخوارق والصوفية يذمونها ويعيبونها وكذلك ~~يبالغون في ذم النصارى أكثر مما يبالغون في ذم اليهود وهم إلى اليهود أقرب ~~كما أن الصوفية ونحوهم إلى النصارى أقرب ms156 فإن النصارى عندهم عبادة وزهد ~~وأخلاق بلا معرفة ولا بصيرة فهم ضالون واليهود عندهم علم ونظر بلا قصد صالح ~~ولا عبادة ولا زهد ولا أخلاق كريمة فهم مغضوب عليهم والنصارى ضالون قال أبو ~~محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ولا أعلم في هذا الحرف اختلافا بين المفسرين ~~وروى بإسناد عن أبي روق عن ابن عباس وغير طريق الضالين وهم النصارى الذين ~~أضلهم الله بفريتهم عليه يقول فألهمنا دينك الحق وهو لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود ولا تضلنا كما أضللت ~~النصارى فتعذبنا كما تعذبهم يقول امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك ورأفتك وقدرتك ~~قال ابن أبي حاتم ولا أعلم في هذا الحرف اختلافا بين المفسرين وقد قال ~~سفيان بن عيينة كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد ~~من عبادنا ففيه شبه من النصارى فأهل الكلام أصل أمرهم هو النظر في العلم ~~ودليله فيعظمون العلم وطريقه وهو الدليل والسلوك في طريقه وهو النظر وأهل ~~الزهد يعظمون الإرادة والمريد وطريق أهل الإرادة فهؤلاء يبنون أمرهم على ~~الإرادة وأولئك يبنون أمرهم على النظر وهذه هي القوة العلمية ولا بد لأهل ~~الصراط المستقيم من هذا وهذا ولا بد أن يكون هذا وهذا موافقا لما جاء به ~~الرسول فالإيمان قول وعمل وموافقة السنة وأولئك عظموا النظر وأعرضوا عن ~~الإرادة وعظموا جنس النظر ولم يلتزموا النظر الشرعي فغلطوا من جهة كون جانب ~~الإرادة لم يعظموه وإن كانوا يوجبون الأعمال الظاهرة فهم لا يعرفون أعمال ~~القلوب وحقائقها ومن جهة أن النظر لم يميزوا فيه بين النظر الشرعي الحق ~~الذي أمر به الشارع وأخبر به وبين النظر البدعي الباطل المنهي عنه ~~PageV02P145 # وكذلك الصوفية عظموا جنس الإرادة إرادة القلب وذموا الهوى وبالغوا في ~~الباب ولم يميز كثير منهم بين الإرادة الشرعية الموافقة لأمر الله ورسوله ~~وبين الإرادة البدعية بل أقبلوا على طريق الإرادة طريقة النظر وأعرض كثير ~~منهم فدخل عليهم الداخل من هاتين الجهتين ولهذا ms157 صار هؤلاء يميل إليهم ~~النصارى ويميلون إليهم وأولئك يميل إليهم اليهود ويميلون إليهم وبين اليهود ~~والنصارى غاية التنافر والتباغض وكذلك بين أهل الكلام والرأي وبين أهل ~~التصوف والزهد تنافر وتباغض هذا وهذا من الخروج عن الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا ونسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين PageV02P146 # 148 فصل قال تعالى * (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ~~وريشا ولباس التقوى ذلك خير) * الآية وفيهما قراءتان إحداهما بالنصب فيكون ~~لباس التقوى أيضا منزلا واما قراءة الرفع فلا وكلتاهما حق وقد قيل خلقناه ~~وقيل وقدلتاهما حق وقد قيل خلقناه وقيل وقدلتاهما حق وقد قيل خلقناه وقيل ~~أنزلنا أسبابه وقيل ألهمناهم كيفية صنعته وهذه الأقوال ضعيفة فإن النبات ~~الذي ذكروا لم يجيءفيه لفظ أنزلنا ولم يستعمل في كل ما يصنع أنزلنا فلم يقل ~~أ أنزلنا الدور وأنزلنا الطبخ ونحو ذلك وهو لم يقل إنا أنزلنا كل لباس ~~ورياش وقد قيل إن الريش والرياش المراد به اللباس الفاخر كلاهما بمعنى واحد ~~مثل اللبس واللباس وقد قيل هما المال والخصب والمعاش وارتاش فلان حسنت ~~حالته والصحيح أن الرياض هو الأثاث والمتاع قا أبو عمرو والعرب تقول أعطاني ~~فلان ريشه أي كسوته وجهازه وقال غيره الرياض في كلام العرب الأثاث وما ظهر ~~من المتاع والثياب والفرش ونحوها وبعض المفسرين أطلق عليه لفظ المال ~~والمراد به مال مخصوص PageV02P148 # قال أبو زيد جمالا وهذا لأنه مأخوذ من ريش الطائر وهو ما يروش به ويدفع ~~عنه الحر والبرد وجمال الطائر ريشه وكذلك ما يبيت فيه الإنسان من الفرش وما ~~يبسطه تحته ونحو ذلك والقرآن مقصوده جنس اللباس الذي يلبس على البدن وفي ~~البيوت والله أعلم PageV02P149 # فصل قال تعالى * (قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) * سورة ~~الأعراف 29 لم يقل عند كل مشهد وقال * (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله ms158 شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) * سورة التوبة 17 18 ~~ولم يقل * (إنما يعمر) * مشاهد الله بل عمار المشاهد يخشون بها غير الله ~~ويرجون غير الله وقال تعالى * (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) * ~~سورة الجن 18 ولم يقل وأن المشاهد لله وقال * (ومساجد يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا) * سورة الحج 40 ولم يقل ومشاهد وقال * (في بيوت أذن الله أن ترفع ~~ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع ~~عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) * سورة النور 36 37 وأيضا فقد علم ~~بالنقل المتواتر بل علم بالاضطرار من دين الاسلام أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم شرع لأمته عمارة المساجد بالصلوات والاجتماع للصلوات الخمس ولصلاة ~~الجمعة والعيدين وغير ذلك وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي ولا رجل ~~صالح لا من أهل البيت ولاغيرهم لا مسجدا ولا مشهدا ولم يكن على عهده صلى ~~الله عليه وسلم في الإسلام PageV02P150 # مشهد مبين على قبر وكذلك على عهد خلفائه الراشدين وأصحابه الثلاثة وعلي ~~بن أبي طالب ومعاوية لم يكن على عهدهم مشهد مبني لا على قبر نبي ولا غيره ~~لا على قبر إبراهيم الخليل ولا على غيره بل لما قدم المسلمون إلى الشام غير ~~مرة ومعهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهم ثم لما ~~قدم عمر لفتح بيت المقدس ثم لما قدم لوضع الجزية على أهل الذمة ومشارطتهم ~~ثم لما قدم إلى سرغ ففي جميع هذه المرات لم يكن أحدهم يقصد السفر إلى قبر ~~الخليل ولا كان هناك مشهد بل كان هناك البناء المبني على المغارة وكان ~~مسدودا بلا باب له مثل حجة النبي صلى الله عليه وسلم ثم لم يزل الأمر هكذا ~~في خلافة بني أمية وبني ms159 العباس إلى أن ملك النصارى تلك البلاد في أواخر ~~المائة الخامسة فبنوا ذلك البناء واتخذوه كنيسة ونقبوا باب البناء فلهذا ~~تجد الباب منقوبا لا مبنيا ثم لما استنقذ المسلمون منهم تلك الأرض اتخذها ~~من اتخذها مسجدا بل كان الصحابة إذا رأوا أحدا بنى مسجدا على قبر نهوه عن ~~ذلك ولما ظهر قبر دانيال بتستر كتب فيه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إلى ~~عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر أن تحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا وتدفنه ~~بالليل في واحد منها لئلا يفتتن الناس به وكان عمر بن الخطاب إذا رآهم ~~ينتابون مكانا يصلون فيه لكونه موضع نبي ينهاهم عن ذلك ويقول إنما هلك من ~~كان قبلكم باتخاذ آثار أنبيائهم مساجد من أدركته الصلاة فيه فليصل وإلا ~~فليذهب فهذا وأمثاله كانوا يحققون به التوحيد الذي أرسل الله به الرسول ~~إليهم ويتبعون في ذلك سنته صلى الله عليه وسلم والإسلام مبني على أصلين أن ~~لا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع فالنصارى خرجوا عن ~~الأصلين وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة وغيرهم وأيضا فإن النصارى ~~يزعمون أن الحواريين الذين اتبعوا المسيح أفضل من إبراهيم PageV02P151 # وموسى وغيرهما من الأنبياء والمرسلين ويزعمون أن الحواريين رسل شافههم ~~الله بالخطاب لأنهم يقولون إن الله هو المسيح ويقولون أيضا إن المسيح ابن ~~الله والرافضة تجعل الأئمة الاثني عشر أفضل من السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار وغالبيتهم يقولون إنهم أفضل من الأنبياء لأنهم يعتقدون ~~فيهم الإلهية كما اعتقدته النصارى في المسيح والنصارى يقولون إن الدين مسلم ~~للأحبار والرهبان فالحلال ما حللوه والحرام ما حرموه والدين ما شرعوه ~~والرافضة تزعم أن الدين مسلم إلى الأئمة فالحلال ما حللوه والدين ما شرعوه ~~وأما من دخل في غلو الشيعة كالإسماعيلية الذين يقولون بإلهية الحاكم ونحوه ~~من أئمتهم ويقولون إن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وغير ذلك ~~من مقالات الغالية من الرافضة فهؤلاء شر من أكثر الكفار من اليهود والنصارى ~~والمشركين وهم ms160 ينتسبون إلى الشيعة يتظاهرون بمذاهبهم فإن قيل ما وصفت به ~~الرافضة من الغلو والشرك والبدع موجود كثير منه في كثير من المنتسبين إلى ~~السنة فإن في كثير منهم غلوا في مشايخهم وإشراكا بهم وابتداعا لعبادات غير ~~مشروعة وكثير منهم يقصد قبر من يحسن الظن به إما ليسأله حاجاته وإما ليسأل ~~الله تعالى به حاجة وإما لظنه أن الدعاء عند قبره أجوب منه في المساجد ~~وفيهم من يفضل زيارة قبورشيوخهم على الحج ومنهم من يجد عند قبر من يعظمه من ~~الرقة والخشوع ما لا يجده في المساجد والبيوت وغير ذلك مما يوجد في الشيعة ~~ويروون أحاديث مكذوبة من جنس أكاذيب الرافضة مثل قوله لو أحسن أحدكم ظنه ~~بحجر نفعه الله به وقولهم إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور وقولهم ~~قبر فلان هو الترياق المجرب ويروون عن بعض شيوخهم أنه قال لصاحبه إن كان لك ~~حاجة فتعال إلى قبري واستغث بي ونحو ذلك فإن في المشايخ من يفعل بعد مماته ~~كما كان يفعل في حياته وقد يستغيث الشخص بواحد منهم فيتمثل له الشيطان في ~~صورته إما حيا وإما ميتا وربما قضى حاجته أو قضى بعض حاجته كما يجري نحو ~~ذلك للنصارى مع شيوخهم ولعباد الأصنام من العرب والهند والترك وغيرهم قيل ~~هذا كله مما نهى الله عنه ورسوله وكل ما نهى الله عنه ورسوله فهو مذموم ~~منهي عنه سواء كان فاعله منتسبا إلى السنة أو إلى التشييع ولكن الأمور ~~المذمومة المخالفة للكتاب PageV02P152 # والسنة في هذا وغيره هي في الرافضة أكثر منها في أهل السنة فما يوجد في ~~أهل السنة من الشر ففي الرافضة أكثر منه وما يوجد في الرافضة من الخبر ففي ~~أهل السنة أكثر منه وهذا حال أهل الكتاب مع المسلمين فما يوجد في المسلمين ~~شر إلا وفي أهل الكتاب أكثر منه ولا يوجد في أهل الكتاب خير إلا وفي ~~المسلمين أعظم منه ولهذا يذكر سبحانه وتعالى مناظرة الكفار من المشركين ~~وأهل الكتاب بالعدل فإذا ذكروا عيبا في المسلمين لم يبرئهم ms161 منه لكن يبين أن ~~عيوب الكفار أعظم كما قال تعالى * (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل ~~قتال فيه كبير) * ثم قال * (وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ~~وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل) * سورة البقرة 217 ~~وهذه الآية نزلت لأن سرية من المسلمين ذكر أنهم قتلوا ابن الحضرمي في آخر ~~يوم من رجب فعابهم المشركون بذلك فأنزل الله هذه الآية PageV02P153 # فصل في قوله تعالى * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) * وقد ~~روى مالك في موطئه عن زيد بن اسلم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن ~~الخطاب أنه أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه ~~الآية * (أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى شهدنا) * الآية فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسأل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تبارك ~~وتعالى خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء ~~للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت ~~هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تبارك وتعالى إذا خلق العبد للجنة ~~استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة وإذا خلق ~~العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ~~وهذا الحديث إنما رواه أهل السنن والمسانيد كأبي داود والترمذي والنسائي ~~وقال الترمذي حديث حسن وقد قيل إن إسناده منقطع وأن راويه مجهول ومع هذا ~~فقد رواه مالك في الموطأ مع أنه أبلغ من غيره لقوله ثم مسح ظهره بيمينه ~~فاستخرج منه ذرية ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ومن العجب أن الآجري يروي ~~في كتاب الشريعة له من طريق مالك والثوري ms162 والليث وغيرهم فلو تأمل أبو ~~المعالي وذووه الكتاب الذي أنكروه لوجدوا فيه ما يخصمهم ولكن أبو المعالي ~~مع فرط ذكائه وحرصه على العلم وعلو قدره في فنه كان قليل المعرفة بالآثار ~~النبوية ولعله لم يطالع الموطأ بحال حتى يعلم ما فيه فإنه لم يكن له ~~بالصحيحين البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي والترمذي أمثال هذه السنن ~~علم أصلا فكيف بالموطأ ونحوه وكان مع حرصه على الاحتجاج في مسائل الخلاف في ~~الفقه إنما عمدته سنن أبي الحسن الدارقطني وأبو الحسن مع تمام إمامته في ~~الحديث فإنه إنما صنف هذه السنن كي يذكر فيها الأحاديث المستغربة في الفقه ~~ويجمع طرقها فإنها هي التي يحتاج فيها إلى مثله فأما الأحاديث المشهورة في ~~الصحيحين وغيرهما فكان يستغني عنها في ذلك فلهذا كان مجرد PageV02P168 # الاكتفاء بكتابه في هذا الحديث يورث جهلا عظيما بأصول الإسلام واعتبر ذلك ~~بأن كتاب أبي المعالي الذي هو نخبة عمره نهاية المطلب في دراية المذهب ليس ~~فيه حديث واحد معزو إلى صحيح البخاري إلا حديث واحد في البسملة وليس ذلك ~~الحديث في البخاري كما ذكره ولقلة علمه وعلم أمثاله بأصول الإسلام اتفق ~~أصحاب الشافعي على أنه ليس لهم وجه في مذهب الشافعي فإذا لم يسوغ أصحابه أن ~~يعتد بخلافهم في مسألة من فروع الفقه كيف يكون حالهم في غير هذا وإذا اتفق ~~أصحابه على أن لا يجوز أن يتخذ إماما في مسألة واحدة من مسائل الفروع فكيف ~~يتخذ إماما في أصول الدين مع العلم بأنه إنما نبل قدره عند الخاصة والعامة ~~بتبحره في مذهب الشافعي رضي الله عنه لأن مذهب الشافعي مؤسس على الكتاب ~~والسنة وهذا الذي ارتفع به عند المسلمين غايته فيه أنه يوجد منه نقل جمعة ~~أو بحث تفطن له فلا يجعل إماما فيه كالأئمة الذين لهم وجوه فكيف بالكلام ~~الذي نص الشافعي وسائر الأئمة على أنه ليس بعد الشرك بالله ذنب أعظم منه ~~وقد بينا أن ما جعله أصل دينه في الإرشاد والشامل وغيرهما هو بعينه من ~~الكلام ms163 الذي نصت عليه الأئمة ولهذا روى عنه ابن طاهر أنه قال وقت الموت لقد ~~خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه والآن ~~إن لم يدركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني وها أنا أموت على عقيدة أمي ~~أو عقائد عجائز نيسابور وقال أبو عبد الله بن العباس الرستمي حكى لنا ~~الإمام أبو الفتح محمد بن علي الطبري الفقيه قال دخلنا على الإمام أبي ~~المعالي الجويني نعوده في مرضه الذي مات فيه بنيسابور فأقعد فقال لنا ~~اشهدوا على أني رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح ~~عليهم السلام وإني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور وعامة المتأخرين من ~~أهل الكلام سلكوا خلفه من تلامذته وتلامذة تلامذته وتلامذة تلامذة تلامذته ~~ومن بعدهم ولقلة علمه بالكتاب والسنة وكلام سلف الأمة يظن أن أكثر الحوادث ~~ليست في الكتاب والسنة والإجماع ما يدل عليها وإنما يعلم حكمها بالقياس كما ~~يذكر ذلك في كتبه ومن كان له علم بالنصوص ودلالتها على الأحكام علم أن قول ~~أبي محمد بن حزم وأمثاله أن النصوص تستوعب جميع الحوادث أقرب إلى الصواب من ~~هذا القول وإن كان في طريقة هؤلاء من الإعراض عن بعض الأدلة الشرعية ما قد ~~يسمى قياسا جليا وقد يجعل من دلالة اللفظ مثل فحوى الخطاب والقياس في معنى ~~الأصل وغير ذلك ومثل الجمود على الاستصحاب الضعيف ومثل الإعراض عن متابعة ~~أئمة من الصحابة ومن بعدهم ما هو معيب عليهم وكذلك القدح في أعراض الأئمة ~~لكن الغرض أن قول هؤلاء في استيعاب النصوص للحوادث وإن الله ورسوله قد بين ~~للناس دينهم هو أقرب إلى العلم والإيمان الذي هو الحق ممن يقول أن الله لم ~~يبين الناس حكم أكثر ما يحدث لهم من الأعمال بل وكلهم فيها إلى الظنون ~~المتقابلة والآراء المتعارضة ولا ريب أن سبب هذا كله ضعف العلم بالآثار ~~النبوية والآثار السلفية PageV02P169 # وإلا فلو كان لأبي المعالي وأمثاله بذلك علم راسخ وكانوا قد عضوا عليه ~~بضرس قاطع ms164 لكانوا ملحقين بأئمة المسلمين لما كان فيهم من الاستعداد لأسباب ~~الاجتهاد ولكن اتبع أهل الكلام المحدث والرأي الضعيف للظن وما تهوى الأنفس ~~الذي ينقص صاحبه إلى حيث جعله الله مستحقا لذلك وإن كان له من الاجتهاد في ~~تلك الطريقة ما ليس لغيره فليس الفضل بكثرة الاجتهاد ولكن بالهدى والسداد ~~كما جاء في الأثر ما ازداد مبتدع اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع ~~صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ويوجد لأهل البدع من أهل القبلة لكثير من ~~الرافضة والقدرية والجهمية وغيرهم من الاجتهاد ما لا يوجد لأهل السنة في ~~العلم والعمل وكذلك لكثير من أهل الكتاب والمشركين لكن إنما يراد الحسن من ~~ذلك كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * ~~قال أخلصه وأصوبه فقيل له يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه فقال إن العمل إذا ~~كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى ~~يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة وأما ~~الشافعي رضي الله عنه فقد روى الأحاديث التي تتعلق بغرض كتابه مثل حديث ~~النزول وحديث معاوية بن الحكم السلمي الذي فيه قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للجارية أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال ~~أعتقها فإنها مؤمنة وقد رواه مسلم في صحيحه بل روى في كتابه الكبير الذي ~~اختصر منه مسنده من الحديث ما هو من أبلغ أحاديث الصفات ورواه بإسناد فيه ~~ضعف فقال أخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثني موسى بن عبيدة حدثني أبو الأزهر ~~معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبيد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك يقول ~~أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي ~~صلى ms165 الله عليه وسلم ما هذه قال هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك فالناس لكم ~~فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن ~~يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم يا جبريل وما يوم المزيد قال إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح ~~فيه كثب مسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله عز وجل ما شاء من ملائكته وحوله ~~منابر من نور عليها مقاعد للنبيين وحفت تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة ~~PageV02P170 # بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون ويجلس من ورائهم على تلك ~~الكثب فيقول الله عز وجل لهم أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فاسألوني أعطكم ~~فيقولون ربنا نسألك رضوانك فيقول قد رضيت عنكم ولكم علي ما تمنيتم ولدي ~~مزيد فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من خير وهو اليوم الذي ~~استوى ربكم على العرش فيه وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة وأما ما رواه ~~الثوري والليث بن سعد وابن جريج والأوزاعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد ~~وسفيان بن عيينة ونحوهم من هذه الأحاديث فلا يحصيه إلا الله بل هؤلاء عليهم ~~مدار هذه الأحاديث من جهتهم أخذت وحماد بن سلمة الذي قال إن مالكا احتذى ~~موطأه على كتابه هو قد جمع أحاديث الصفات لما أظهرت الجهمية إنكارها حتى إن ~~حديث خلق آدم على صورته أو صورة الرحمن قد رواه هؤلاء الأئمة رواه الليث بن ~~سعد عن ابن عجلان ورواه سفيان بن عيينة عن أبي الزناد ومن طريقه رواه مسلم ~~في صحيحه ورواه الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مرسلا ولفظه خلق آدم على صورة الرحمن مع أن الأعمش رواه مسندا فإذا ~~كان الأئمة يروون مثل هذا الحديث وأمثاله مرسلا فكيف يقال أنهم كانوا ~~يمتنعون عن روايتها والحديث هو في الصحيحين من حديث معمر عن همام عن أبي ~~هريرة وفي صحيح مسلم من حديث قتادة عن أبي أيوب ms166 عن أبي هريرة وقد روي عن ~~ابن القاسم قال سألت مالكا عن من يحدث الحديث إن الله خلق آدم على صورته ~~والحديث إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة وإنه يدخل في النار يده حتى يخرج ~~من أراد فأنكر ذلك إنكارا شديدا ونهى أن يتحدث به أحد قلت هذان الحديثان ~~كان الليث بن سعد يحدث بهما فالأول حديث الصورة حدث به عن ابن عجلان ~~والثاني هو في حديث أبي سعيد الخدري الطويل وهذا الحديث قد أخرجاه في ~~الصحيحين من حديث الليث والأول قد أخرجاه في الصحيحين من حديث غيره وابن ~~القاسم إنما سأل مالكا لأجل تحديث الليث بذلك فيقال إما أن يكون ما قاله ~~مالك مخالفا لما فعله الليث ونحوه أوليس بمخالف بل يكره أن يتحدث بذلك لمن ~~يفتنه ذلك ولا يحمله عقله كما قال ابن مسعود ما من رجل يحدث قوما حديثا لا ~~تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وقد كان مالك يترك رواية أحاديث كثيرة ~~لكونه لا يأخذ بها ولم يتركها غيره فله في ذلك مذهب فغاية ما يعتذر لمالك ~~أن يقال كره أن يتحدث بذلك حديث يفتن المستمع الذي لا يحمل عقله ذلك واما ~~إن قيل أنه كره التحدث بذلك مطلقا فهذا مردود على من قاله فقد حدث بهذه ~~الأحاديث من هم أجل من مالك عند نفسه وعند المسلمين كعبد الله بن عمر وأبي ~~هريرة وابن PageV02P171 # عباس وعطاء بن أبي رباح وقد حدث بها نظراؤه كسفيان الثوري والليث بن سعد ~~وابن عيينة والثوري أعلم من مالك بالحديث وأحفظه له وهو أقل غلطا فيه من ~~مالك وإن كان مالك ينقي من يحدث عنه وأما الليث فقد قال فيه الشافعي كان ~~أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه ففي الجملة هذا كلام في حديث مخصوص أما ~~أن يقال أن الأئمة أعرضوا عن هذه الأحاديث مطلقا فهذا بهتان عظيم ~~PageV02P172 # 179 بسم الله الرحمن الرحيم سورة التوبة فصل سئل شيخ الإسلام رحمه الله ~~عن قوله تعالى * (وإن أحد من المشركين استجارك ms167 فأجره حتى يسمع كلام الله) * ~~فسماه هنا كلام الله وقال في مكان آخر * (إنه لقول رسول كريم) * فما معنى ~~ذلك فإن طائفة ممن يقول بالعبارة يدعون أن هذا حجة لهم ثم يقولون أنتم ~~تعتقدون أن موسى صلوات الله عليه سمع كلام الله عز وجل حقيقة من الله من ~~غير واسطة وتقولون إن الذي تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من وسائط ~~بأصوات مختلفة فما الفرق بين هذا وهذا وتقولون أن القرآن صفة لله تعالى فما ~~الفرق بين هذا وهذا وتقولون إن القرآن صفة لله تعالى وإن صفات الله تعالى ~~قديمة فإن قلتم أن هذا نفس كلام الله تعالى فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفرون ~~الحلولية والاتحادية وإن قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا ونحن نطلب منكم في ذلك ~~جوابا نعتمد عليه إن شاء الله تعالى فأجاب الحمد لله رب العالمين هذه الآية ~~حق كما ذكر الله وليست إحدى الآيتين معارضة للأخرى بوجه من الوجوه ولا في ~~واحدة منهما حجة لقول باطل وإن كان كل من الآيتين قد يحتج بها بعض الناس ~~على قول باطل وذلك أن قوله * (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله) * فيه دلالة على أن يسمع كلام الله من التالي المبلغ وأن ما ~~يقرؤه المسلمون هو كلام الله كما في حديث جابر في السنن أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يعرض نفسه على الناس في الموقف ويقول ألا رجل يحملني إلى ~~قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي وفي حديث أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه أنه لما خرج PageV02P179 # على المشركين فقرأ عليهم * (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون) * قالوا له هذا كلامك أم كلام صاحبك فقال ليس بكلامي ولا ~~بكلام صاحبي ولكنه كلام الله وقد قال تعالى * (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت ~~له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان ~~لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف ms168 قدر ثم قتل كيف قدر ثم ~~نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول ~~البشر) * فمن قال إن هذا القرآن قول البشر كان قوله مضاهيا لقول الوحيد ~~الذي أصلاه الله سقر ومن المعلوم لعامة العقلاء أن من بلغ كلام غيره ~~كالمبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل ~~امرئ ما نوى إذا سمعه الناس من المبلغ قالوا هذا حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو قال المبلغ هذا ~~كلامي وقولي لكذبه الناس لعلمهم بأن الكلام كلام لمن قاله مبتدئا منشئا لا ~~لمن أداه راويا مبلغا فإذا كان مثل هذا معلوما في تبليغ كلام المخلوق فكيف ~~لا يعقل في تبليغ كلام الخالق الذي هو أولى أن لا يجعل كلاما لغير الخالق ~~جل وعلا وقد أخبر تعالى بأنه منزل منه فقال * (والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) * وقال * (حم تنزيل من الرحمن الرحيم) * * ~~(حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) * فجبريل رسول الله من الملائكة ~~جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البشر والله يصطفي من الملائكة ~~رسلا ومن الناس وكلاهما مبلغ له كما قال * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك) * وقال * (إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) * وهو مع هذا كلام الله ~~PageV02P180 # ليس لجبريل ولا لمحمد فيه إلا التبليغ والأداء كما أن المعلمين له في هذا ~~الزمان والتاليين له في الصلاة أو خارج الصلاة ليس لهم فيه إلا ذلك لم ~~يحدثوا شيئا من حروفه ولا معانيه قال الله تعالى * (فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) * إلى قوله * (وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى ms169 وبشرى للمسلمين ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) * ~~كان بعض المشركين يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم تعلمه من بعض الأعاجم ~~الذين بمكة إما عبد بن الحضرمي وإما غيره كما ذكر ذلك المفسرين فقال تعالى ~~* (لسان الذي يلحدون إليه) * أي يضيفون إليه التعليم لسان * (أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين) * فكيف يتصور من يعلمه أعجمي وهذا الكلام عربي وقد أخبر ~~أنه نزله روح القدس من ربك بالحق فهذا بيان أن هذا القرآن العربي الذي ~~تعلمه من غيره لم يكن هو المحدث لحروفه ونظمه إذ يمكن لو كان كذلك أن يكون ~~تلقى من الأعجمي معانيه وألف هو حروفه وبيان أن هذا الذ تعلمه من غير نزل ~~به روح القدس من ربك بالحق يدل على أن القرآن جميعه منزل من الرب سبحانه ~~وتعالى لم ينزل معناه دون حروفه ومن المعلوم أن من بلغ كلام غيره كمن بلغ ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الناس أو أنشد شعر غيره كما لو ~~أنشد منشد قول لبيد * ألا كل شيء ما خلا الله باطل * أو قول عبد الله بن ~~رواحة حيث قال * شهدت بأن وعد الله حق * وأن النار مثوى الكافرينا * * وأن ~~العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب العالمينا * أو قوله * وفينا رسول ~~الله يتلو كتابه * إذا انشق معروف من الفجر ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ~~* إذا استثقلت بالمشركين المضاجع * * أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا * به ~~موقنات أن ما قال واقع * PageV02P181 # وهذا الشعر قال منشئه لفظه ومعناه وهو كلامه لا كلام غيره بحركته وصوته ~~ومعناه القائم بنفسه ثم إذا أنشده المنشد وبلغه عنه علم أن شعر ذلك المنشىء ~~وكلامه ونظمه وقوله مع أن هذا التالي أنشده بحركة نفسه وصوت نفسه وقام ~~بقلبه من المعنى نظير من قام بقلب الأول وليس الصوت المسموع من المنشد هو ~~الصوت المسموع من المنشىء والشعر شعر المنشىء لا شعر المنشد والمحدث عن ~~النبي صلى الله ms170 عليه وسلم إذا روى قوله إنما الأعمال بالنيات بلغه بحركته ~~وصوته مع أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به بحركته وصوته وليس صوت ~~المبلغ صوت النبي صلى الله عليه وسلم ولا حركته كحركته والكلام كلام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا كلام المبلغ له عنه فإذا كان هذا معلوما معقولا ~~فكيف لا يعقل أن يكون ما يقرأ القارئ إذا قرأ * (الحمد لله رب العالمين ~~الرحمن الرحيم مالك يوم الدين) * أن يقال هذا الكلام كلام البارىء وإن كان ~~الصوت صوت القارئ فمن ظن أن الأصوات المسموعة من القراء صوت الله فهو ضال ~~مفتر مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول قائل قولا لم يقله أحد من أئمة ~~المسلمين بل قد أنكر الإمام أحمد وغيره على من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق ~~وبدعوه كما جهموا من قال لفظي بالقرآن مخلوق وقالوا القرآن كلام الله غير ~~مخلوق كيف تصرف فكيف من قال لفظي به قديم أو صوتي به قديم فابتدع هذا ~~وضلاله أوضح فمن قال إن لفظه بالقرآن غير مخلوق أو صوته أو فعله أو شيئا من ~~ذلك فهو ضال مبتدع وهؤلاء قد يحتجون بقوله * (حتى يسمع كلام الله) * ~~ويقولون هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فهذا غير مخلوق ونحن لا نسمع ~~إلا صوت القارئ وهذا جهل منهم فإن سماع كلام الله بل وسماع كل كلام يكون ~~تارة من المتكلم به بلا واسطة ويكون بواسطة الرسول المبلغ له قال تعالى * ~~(وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء) * ومن قال إن الله كلمنا بالقرآن كما كلم موسى بن عمران أو ~~إنا نسمع كلامه كما سمعه موسى بن عمران فهو من أعظم الناس جهلا وضلالا ولو ~~قال قائل إنا نسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه الصحابة منه ~~لكان ضلاله واضحا فكيف من يقول أنا أسمع كلام الله منه كما سمعه موسى وإن ~~كان الله كلم موسى تكليما بصوت سمعه ms171 موسى فليس صوت المخلوقين صوتا للخالق ~~وكذلك مناداته لعباده بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وتكلمه بالوحي ~~حتى يسمع أهل السماوات والأرض صوته كجر السلسلة على الصفا وأمثال ذلك مما ~~جاءت به النصوص والآثار كلها ليس فيها أن PageV02P182 # صفة المخلوق هي صفة الخالق بل ولا مثلها بل فيها الدلالة على الفرق بين ~~صفة الخالق وبين صفة المخلوق فليس كلامه مثل كلامه ولا معناه مثل معناه ولا ~~حرفه مثل حرفه ولا صوته مثل صوته كما أنه ليس علمه مثل علمه ولا قدرته مثل ~~قدرته ولا سمعه مثل سمعه ولا بصره مثل بصره فإن الله ليس كمثله شيء لا في ~~ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولما استقر في فطر الخلق كلهم الفرق بين ~~سماع الكلام من المتكلم به ابتداء وبين سماعه من المبلغ عنه كان ظهور هذا ~~الفرق في سماع كلام الله من المبلغين عنه أوضح من أن يحتاج إلى الإطناب وقد ~~بين أئمة السنة والعلم كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتابه في خلق ~~الأفعال وغيرهما من أئمة السنة من الفرق بين صوت الله المسموع منه وصوت ~~العباد بالقرآن وغيره ما لا يخالفهم فيه أحد من العلماء أهل العقل والدين ~~فصل وأما قوله تعالى * (إنه لقول رسول كريم) * فهذا قد ذكره في موضعين فقال ~~في الحاقة * (إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا ~~بقول كاهن قليلا ما تذكرون) * فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم وقال في ~~التكوير * (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما ~~صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين) * فالرسول هنا جبريل فأضافه إلى ~~الرسول من البشر تارة وإلى الرسول من الملائكة تارة باسم الرسول ولم يقل ~~إنه لقول ملك ولا نبي لأن لفظ الرسول يبين أنه مبلغ عن غيره لا منشيء له من ~~عنده * (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) * فكان قوله * (إنه لقول رسول ~~كريم) * بمنزلة قوله لتبليغ رسول أو مبلغ ms172 من رسول كريم أو جاء به رسول كريم ~~أو مسموع عن رسول كريم وليس معناه أنه أنشأه أو أحدثه أو أنشأ شيئا منه أو ~~أحدثه رسول كريم إذ لو كان منشئا لم يكن رسولا فيما أنشأه وابتدأه وإنما ~~يكون رسولا فيما بلغه وأداه ومعلوم أن الضمير عائد إلى القرآن مطلقا وأيضا ~~فلو كان أحد الرسولين أنشأ حروفه ونظمه امتنع أن يكون الرسول الآخر هو ~~المنشىء المؤلف لها فبطل أن تكون إضافته إلى الرسول لأجل أحداث لفظه ونظمه ~~ولو جاز PageV02P183 # أن تكون الإضافة هنا لأجل إحداث الرسول له أو لشيء منه لجاز أن نقول إنه ~~قول البشر وهذا قول الوحيد الذي أصلاه الله سقر فإن قال قائل فالوحيد جعل ~~الجميع قول البشر ونحن نقول إن الكلام العربي قول البشر وأما معناه فهو ~~كلام الله فيقال لهم هذا نصف قول الوحيد ثم هذا باطل من وجوه أخرى وهو أن ~~معاني هذا النظم معان متعددة متنوعة وأنتم تجعلون ذلك المعنى واحدا هو ~~الأمر والنهي والخبر والاستخبار وتجعلون ذلك المعنى إذا عبر عنه بالعربية ~~كان قرآنا وإذا عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإذا عبر عنه بالسريانية كان ~~إنجيلا وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من العقل والدين فإن التوراة إذا ~~عربناها لم يكن معناها معنى القرآن والقرآن إذا ترجمناه بالعبرانية لم يكن ~~معناه معنى التوراة وأيضا فإن معنى آية الكرسي ليس هو معنى آية الدين وإنما ~~يشتركان في معنى الكلام ومسمى كلام الله كما تشترك الأعيان في مسمى النوع ~~فهذا الكلام وهذا الكلام وهذا الكلام كله يشترك في أنه كلام الله اشتراك ~~الأشخاص في أنواعها كما أن هذا الإنسان وهذا الإنسان وهذا الإنسان يشتركون ~~في مسمى الإنسان وليس في الخارج خص بعينه هو هذا وهذا وهذا وكذلك ليس في ~~الخارج كلام واحد هو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وهو معنى آية الدين ~~وآية الكرسي ومن خالف هذا كان في مخالفته لصريح المعقول من جنس من قال إن ~~أصوات العباد وأفعالهم قديمة أزلية فاضرب بكلام البدعتين رأس ms173 قائلهما والزم ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وبسبب هاتين البدعتين الحمقاوين ثارت الفتن وعظمت الإحن وإن كان ~~كل من أصحاب القولين قد يفسرونهما بما قد يلتبس على كثير من الناس كما فسر ~~من قال إن الصوت المسموع من العبد أو بعضه قديم وأن القديم ظهر في المحدث ~~من غير حلول فيه وأما أفعال العباد فرأيت بعض المتأخرين يزعم أنها قديمة ~~خيرها وشرها وفسر ذلك بأن الشرع قديم والقدر قديم وهي مشروعة مقدرة ولم ~~يفرق بين الشرع الذي هو كلام الله والمشروع الذي هو المأمور به والمنهي عنه ~~ولم يفرق بين القدر الذي هو علم الله وكلامه وبين المقدور الذي هو مخلوقاته ~~والعقلاء كلهم يعلمون بالاضطرار أن الأمر والخبر نوعان للكلام لفظه ومعناه ~~ليس الأمر والخبر صفات لموصوف واحد فمن جعل الأمر والنهي والخبر صفات ~~للكلام لا أنواعا له فقد خالف ضرورة العقل وهؤلاء في هذا بمنزلة من زعم أن ~~الوجود PageV02P184 # واحد إذ لم يفرق بين الواحد بالنوع والواحد بالعين فإن انقسام الموجود ~~إلى القديم والمحدث والواجب والممكن والخالق والمخلوق والقائم بنفسه ~~والقائم بغيره كانقسام الكلام إلى الأمر والخبر أو إلى الإنشاء والإخبار أو ~~إلى الأمر والنهي والخبر فمن قال الكلام معنى واحد هو الأمر والخبر فهو كمن ~~قال الوجود واحد هو الخالق والمخلوق أو الواجب والممكن وكما أن حقيقة هذا ~~تؤول إلى تعطيل الخالق فحقيقة هذا تؤول إلى تعطيل كلامه وتكليمه وهذا حقيقة ~~قول فرعون الذي أنكر الخالق وتكليمه لموسى ولهذا آل الأمر بمحقق هؤلاء إلى ~~تعظيم فرعون وتوليه وتصديقه في قوله * (أنا ربكم الأعلى) * بل إلى تعظيمه ~~على موسى وإلى الاستحقار بتكليم الله لموسى كما قد بسط في غير هذا الموضع ~~وأيضا فيقال ما تقول في كلام كل متكلم إذا نقله عنه غيره كما قد ينقل كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والعلماء والشعراء وغيرهم ويسمع من ~~الرواة أو المبلغين أن ذلك المسموع من المبلغ بصوت المبلغ هو كلام المبلغ ~~أو كلام ms174 المبلغ عنه فإن قال كلام المبلغ لزم أن يكون القرآن كلاما لكل من ~~سمع منه فيكون القرآن المسموع كلام ألف ألف قارىء لا كلام الله تعالى وأن ~~يكون قوله إنما الأعمال بالنيات ونظائره كلام كل من رواه لا كلام الرسول ~~وحينئذ فلا فضيلة للقرآن * (إنه لقول رسول كريم) * فإنه على قول هؤلاء قول ~~كل منافق قرأه والقرآن يقرأه المؤمن والمنافق كما في الصحيحين عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب ~~وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح ~~لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل ~~المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها وعلى هذا ~~التقدير فلا يكون القرآن قول بشر واحد بل قول ألف ألف بشر وأكثر من ذلك ~~وفساد هذا في العقل والدين واضح وإن قال كلام المبلغ عنه علم أن الرسول ~~المبلغ للقرآن ليس القرآن كلامه ولكنه كلام الله ولكن لما كان الرسول الملك ~~قد يقال إنه شيطان بين الله أنه تبليغ ملك كريم لا تبليغ شيطان رجيم ولهذا ~~قال * (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين) * إلى قوله * (وما هو ~~بقول شيطان رجيم) * وبين في هذه الآية أن الرسول البشري الذي صحبناه ~~وسمعناه منه ليس بمجنون وما هو على الغيب بمتهم وذكره باسم الصاحب لما في ~~ذلك PageV02P185 # من النعمة به علينا إذ كنا لا نطيق أن نتلقى إلا عمن صحبناه وكان من ~~جنسنا كما قال تعالى * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) * وقال * (ولو جعلناه ~~ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون) * كما قال في الآية الأخرى * ~~(والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى) * وبين أن الرسول الذي من أنفسنا ~~والرسول الملكي أنهما مبلغان فكان في هذا تحقيق أنه كلام الله فلما كان ~~الرسول البشري يقال إنه مجنون أو مفتر نزهه عن هذا وهذا وكذلك في السورة ~~الأخرى ms175 قال * (إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا ~~بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين) * وهذا مما يبين أنه ~~إضافة إليه لأنه بلغه وأداه لا لأنه أحدثه وأنشأه فإنه قال * (وإنه لتنزيل ~~رب العالمين نزل به الروح الأمين) * فجمع بين قوله * (إنه لقول رسول كريم) ~~* وبين قوله * (وإنه لتنزيل رب العالمين) * والضميران عائدان إلى واحد فلو ~~كان الرسول أحدثه وأنشأه لم يكن تنزيلا من رب العالمين بل كان يكون تنزيلا ~~من الرسول ومن جعل الضمير في هذا عائدا إلى غير ما يعود إليه الضمير الآخر ~~مع أنه ليس في الكلام ما يقتضي اختلاف الضميرين ومن قال أن هذا عبارة عن ~~كلام الله فقل له هذا الذي تقرأه أهو عبارة عن العبارة التي أحدثها الرسول ~~الملك أو البشر على زعمك أم هو نفس تلك العبارة فإن جعلت هذا عبارة عن تلك ~~العبارة جاز أن تكون عبارة جبريل أو الرسول عبارة عن عبارة الله وحينئذ ~~فيبقى النزاع لفظيا فإنه متى قال إن محمدا سمعه من جبريل جميعه وجبريل سمعه ~~من الله جميعه والمسلمون سمعوه من الرسول جميعه فقد قال الحق وبعد هذا ~~فقوله عبارة لأجل التفريق بين التبليغ والمبلغ عنه كما سنبينه وإن قلت ليس ~~هذا عبارة عن تلك العبارة بل هو نفس تلك العبارة فقد جعلت ما يسمع من ~~المبلغ هو بعينه ما يسمع من المبلغ عنه إذ جعلت هذه العبارة هي بعينها ~~عبارة جبريل فحينئذ هذا يبطل أصل قولك واعلم أن أصل القول بالعبارة أن أبا ~~محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب هو أول من قال في الإسلام إن معنى القرآن ~~كلام الله وحروفه ليست كلام الله فأخذ بنصف قول المعتزلة ونصف قول أهل ~~السنة والجماعة وكان قد ذهب إلى إثبات الصفات لله تعالى PageV02P186 # وخالف المعتزلة في ذلك وأثبت العلو لله على العرش ومباينة المخلوقات وقرر ~~ذلك تقريرا هو أكمل من تقرير أتباعه بعده وكان الناس قد تكلموا فيمن بلغ ~~كلام غيره ms176 هل يقال له حكاية عنه أم لا وأكثر المعتزلة قالوا هو حكاية عنه ~~فقال ابن كلاب القرآن العربي حكاية عن كلام الله ليس بكلام الله فجاء بعهد ~~أبو الحسن الأشعري فسلك مسلكه في إثبات أكثر الصفات وفي مسألة القرآن أيضا ~~واستدرك عليه قوله أن هذا حكاية وقال الحكاية إنما تكون مثل المحكي فهذا ~~يناسب قول المعتزلة وإنما يناسب قولنا أن نقول هو عبارة عن كلام الله لأن ~~الكلام ليس من جنس العبارة فأنكر أهل السنة والجماعة عليهم عدة أمور أحدها ~~قولهم إن المعنى كلام الله وإن القرآن العربي ليس كلام الله وكانت المعتزلة ~~تقول هو كلام الله وهو مخلوق فقال هؤلاء هو مخلوق وليس بكلام الله لأن من ~~أصول أهل السنة أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل فإذا قام ~~الكلام بمحل كان هو المتكلم به كما أن العلم والقدرة إذا قاما بمحل كان هو ~~العالم القادر وكذلك الحركة وهذا مما احتجوا به على المعتزلة وغيرهم من ~~الجهمية في قولهم إن كلام الله مخلوق خلقه في بعض الأجسام قالوا لهم لو كان ~~كذلك لكان الكلام كلام ذلك الجسم الذي خلقه فيه فكانت الشجرة هي القائلة * ~~(إني أنا الله رب العالمين) * فقال أئمة الكلابية إذا كان القرآن العربي ~~مخلوقا لم يكن كلام الله فقال طائفة من متأخريهم بل نقول الكلام مقول ~~بالاشتراك بين المعنى المجرد وبين الحروف المنظومة فقال لهم المحققون فهذا ~~يبطل أصل حجتكم على المعتزلة فإنكم إذا سلمتم أن ما هو كلام الله حقيقة لا ~~يمكن قيامه به بل بغيره أمكن المعتزلة أن يقولوا ليس كلامه إلا ما خلقه في ~~غيره الثاني قولهم إن ذلك المعنى هو الأمر والنهي والخبر وهو معنى التوراة ~~والإنجيل والقرآن وقال أكثر العقلاء هذا الذي قالوه معلوم الفساد بضرورة ~~العقل الثالث أن ما نزل به جبريل من المعنى واللفظ وما بلغه محمد لأمته من ~~المعنى واللفظ ليس هو كلام الله ومسألة القرآن لها طرفان أحدهما تكلم الله ~~به وهو أعظم الطرفين ms177 والثاني تنزيله إلى خلقه والكلام في هذا سهل بعد تحقيق ~~الأول وقد بسطنا الكلام في ذلك في عدة مواضع وبينا مقالات أهل الأرض كلهم ~~في هذه المسائل وما دخل في ذلك من الاشتباه ومأخذ كل طائفة ومعنى قول السلف ~~القرآن كلام الله غير مخلوق وأنهم قصدوا به إبطال PageV02P187 # قول من يقول إن الله لم يقم بذاته كلام ولهذا قال الأئمة كلام الله من ~~الله ليس ببائن عنه وذكرنا اختلاف المنتسبين إلى السنة هل يتعلق الكلام ~~بمشيئته وقدرته أم لا وقول من قال من أئمة السنة لم يزل الله متكلما إذا ~~شاء وأن قول السلف منه بدأ لم يريدوا به أنه فارق ذاته وحل في غيره فإن ~~كلام المخلوق بل وسائر صفاته لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فكيف يجوز أن يفارق ~~ذات الله كلامه أو غيره من صفاته بل قالوا منه بدأ أي هو المتكلم به ردا ~~على المعتزلة والجهمية وغيرهم الذين قالوا بدأ من المخلوق الذي خلق فيه ~~وقولهم إليه يعود أي يسري عليه فلا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في الصدور ~~منه آية والمقصود هنا الجواب عن مسائل السائل فصل وأما قول القائل أنتم ~~تعتقدون أن موسى سمع كلام الله منه حقيقة من غير واسطة وتقولون أن الذي ~~تسمعونه كلام الله حقيقة وتسمعونه من وسائل بأصوات مختلفة فما الفرق بين ~~ذلك فيقال له بين هذا وهذا من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق فإن كل عاقل ~~يفرق بين سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم منه بغير واسطة كسماع الصحابة ~~منه وبين سماعه منه بواسطة المبلغين عنه كأبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر ~~وابن عباس وكل من السامعين سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة وكذلك ~~من سمع شعر حسان بن ثابت أو عبد الله بن رواحة أو غيرهما من الشعراء منه ~~بلا واسطة ومن سمعه من الرواة عنه يعلم الفرق بين هذا وهذا وهو في الموضعين ~~شعر حسان لا شعر غيره والإنسان إذا تعلم شعر غيره ms178 فهو يعلم أن ذلك الشاعر ~~أنشأ معانيه ونظم حروفه بأصواته المقطعة وإن كان المبلغ يرويه بحركة نفسه ~~وأصوات نفسه فإذا كان هذا الفرق معقولا في كلام المخلوقين بين سماع الكلام ~~من المتكلم به ابتداء وسماعه بواسطة الراوي عنه أو المبلغ عنه فكيف لا يعقل ~~ذلك في سماع كلام الله وقد تقدم أن من ظن أن المسموع من القراء هو صوت الرب ~~فهو إلى تأديب المجانين أقرب منه إلى خطاب العقلاء وكذلك من توهم أن الصوت ~~قديم أو أن المداد قديم فهذا لا يقوله ذو حس سليم بل ما بين لوحي المصحف ~~كلام الله وكلام الله ثابت في مصاحف المسلمين لا كلام غيره فمن قال إن الذي ~~في المصحف ليس كلام الله بل كلام غيره فهو ملحد مارق ومن زعم أن كلام الله ~~فارق ذاته وانتقل إلى غيره كما كتب في المصاحف أو أن المداد قديم أزلي فهو ~~أيضا ملحد مارق بل كلام المخلوقين يكتب في الأوراق وهو لم يفارق ذواتهم ~~PageV02P188 # فكيف لا يعقل مثل هذا في كلام الله تعالى والشبهة تنشأ في مثل هذا من جهة ~~أن بعض الناس لا يفرق بين المطلق من الكلام والمقيد مثال ذلك أن الإنسان ~~يقول رأيت الشمس والقمر والهلال إذ رآه بغير واسطة وهذه الرؤية المطلقة وقد ~~يراه في ماء أو مرآة فهذه رؤية مقيدة فإذا أطلق قوله رأيته أو ما رأيته حمل ~~على مفهوم اللفظ المطلق وإذا قال لقد رأيت الشمس في الماء والمرآة فهو كلام ~~صحيح مع التقييد واللفظ يختلف معناه بالإطلاق والتقييد فإذا وصل بالكلام ما ~~يغير معناه كالشرط والاستثناء ونحوهما من التخصيصات المتصلة كقوله * (ألف ~~سنة إلا خمسين عاما) * كان هذا المجموع دالا على تسعمائة وخمسين سنة بطريق ~~الحقيقة عند جماهير الناس ومن قال إن هذا مجاز فقد غلط فإن هذا المجموع لم ~~يستعمل في غير موضعه وما يقترن باللفظ من القرائن اللفظية الموضوعة هي من ~~تمام الكلام ولهذا لا يحتمل الكلام معها معنيين ولا يجوز نفي مفهومهما ~~بخلاف استعمال ms179 لفظ الأسد في الرجل الشجاع مع أن قول القائل هذا اللفظ حقيقة ~~وهذا مجاز نزاع لفظي وهو مستند من أنكر المجاز في اللغة أو في القرآن ولم ~~ينطق بهذا أحد من السلف والأئمة ولم يعرف لفظ المجاز في كلام أحد من الأئمة ~~إلا في كلام الإمام أحمد فإنه قال فيما كتبه من الرد على الزنادقة والجهمية ~~هذا من مجاز القرآن وأول من قال ذلك مطلقا أبو عبيدة معمر بن المثنى في ~~كتابه الذي صنفه في مجاز القرآن ثم إن هذا كان معناه عند الأولين مما يجوز ~~في اللغة ويسوغ فهو مشتق عندهم من الجواز كما يقول الفقهاء عقد لازم وجائز ~~وكثير من المتأخرين جعله من الجواز الذي هو العبور من معنى الحقيقة إلى ~~معنى المجاز ثم إنه لا ريب أن المجاز قد يشيع ويشتهر حتى يصير حقيقة ~~والمقصود أن القائل إذا قال رأيت الشمس أو القمر أو الهلال أو غير ذلك في ~~الماء والمرآة فالعقلاء متفقون على الفرق بين هذه الرؤية وبين رؤية ذلك بلا ~~واسطة وإذا قال قائل ما رأى ذلك بل رأى مثاله أو خياله أو رأى الشعاع ~~المنعكس أو نحو ذلك لم يكن هذا مانعا لما يعلمه الناس ويقولونه من أنه رآه ~~في الماء أو المرآة وهذه الرؤية في الماء أو المرآة حقيقة مقيدة وكذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا ~~يتمثل في صورتي هو كما قال صلى الله عليه وسلم رآه في المنام حقا فمن قال ~~ما رآه في المنام حقا فقد أخطأ ومن قال إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة ~~كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير ~~دون تلك PageV02P189 # وكذلك ما سمعه منه من الكلام في المنام هو سماع منه في المنام وليس هذا ~~كالسماع منه في اليقظة وقد يرى الرائي في المنام أشخاصا يخاطبهم ويخاطبونه ~~والمرئيون لا شعور لهم بذلك وإنما رأى مثالهم ولكن يقال رآهم في المنام ~~حقيقة فيحترز ms180 بذلك عن الرؤيا التي هي حديث النفس فإن الرؤيا ثلاثة أقسام ~~رؤيا بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث المرء به نفسه في ~~اليقظة فيراه في المنام وقد ثبت هذا التقسيم في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولكن الرؤيا يظهر لكل أحد من الفرق بينها وبين اليقظة ما لا يظهر ~~في غيرها فكما أن الرؤية تكون مطلقة وتكون مقيدة بواسطة المرآة والماء أو ~~غير ذلك حتى إن المرئي يختلف باختلاف المرآة فإذا كانت كبيرة مستديرة رأى ~~كذلك وإن كانت صغيرة أو مستطيلة رأى كذلك فكذلك في السماع يفرق بين من سمع ~~كلام غيره منه ومن سمعه بواسطة المبلغ ففي الموضعين المقصود سماع كلامه كما ~~أن هناك في الموضعين يقصد رؤية نفس النبي لكن إذا كان بواسطة اختلف باختلاف ~~الواسطة فيختلف باختلاف أصوات المبلغين كما يختلف المرئي باختلاف المرايا ~~قال تعالى * (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) * فجعل التكليم ثلاثة أنواع الوحي المجرد ~~والتكليم من وراء حجاب كما كلم موسى عليه السلام والتكليم بواسطة إرسال ~~الرسول كما كلم الرسل بإرسال الملائكة وكما نبأنا الله من أخبار المنافقين ~~بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمون متفقون على أن الله أمرهم بما ~~أمرهم به في القرآن ونهاهم عما نهاهم عنه في القرآن وأخبرهم بما أخبرهم به ~~في القرآن فأمره ونهيه وإخباره بواسطة الرسول فهذا تكليم مقيد بالإرسال ~~وسماعنا لكلامه سماع مقيد بسماعه من المبلغ لا منه وهذا القرآن كلام الله ~~مبلغا عنه مؤدا عنه وموسى سمع كلامه مسموعا منه لا مبلغا عنه ولا مؤدا عنه ~~وإذا عرف هذا المعنى زاحت الشبهة والنبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه ~~ويخبر عن ربه ويحكي عن ربه فهذا يذكر ما يذكره عن ربه من كلامه الذي قاله ~~راويا حاكيا عنه فلو قال من قال إن القرآن حكاية إن محمدا حكاه عن الله كما ~~يقال بلغه عن الله ms181 وأداه عن الله لكان قد قصد معنى صحيحا لكن يقصدون ما ~~يقصده القائل بقوله فلان يحكي فلانا أي يفعل مثل فعله وهو أنه يتكلم بمثل ~~كلام الله فهذا باطل قال الله تعالى * (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) * ~~PageV02P190 # ونكتة الأمر أن العبرة بالحقيقة المقصودة لا بالوسائل المطلوبة لغيرها ~~فلما كان مقصود الرائي أن يرى الوجه مثلا فرآه في المرأة حصل مقصوده وقال ~~رأيت الوجه وإن كان ذلك بواسطة انعكاس الشعاع في المرآة وكذلك من كان ~~مقصوده أن يسمع القول الذي قاله غيره الذي ألف ألفاظه وقصد معانيه فإذا ~~سمعه منه أو من غيره حصل هذا المقصود وإن كان سماعه من غيره هو بواسطة صوت ~~ذلك الغير الذي يتخلف باختلاف الصائتين والقلوب إنما تشير إلى المقصود لا ~~إلى ما ظهر به المقصود كما في الاسم والمسمى فإن القائل إذا قال جاء زيد ~~وذهب عمرو ولم يكن مقصوده إلا الإخبار بالمجيء عن المسمى ولكن بذكر الاسم ~~أظهر ذلك فمن ظن أن الموصوف بالمجيء والإتيان هو لفظ زيد أو لفظ عمرو كان ~~مبطلا فكذلك إذا قال القائل هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق فالمقصود ~~هنا الكلام نفسه من حيث هو هو وإن كان إنما ظهر وسمع بواسطة حركة التالي ~~وصوته فمن ظن أن المشار إليه هو صوت القارئ وحركته كان مبطلا ولهذا لما قرأ ~~أبو طالب المكي على الإمام أحمد رضي الله عنه * (قل هو الله أحد) * وسأله ~~هل هذا كلام الله وهل هو مخلوق فأجابه بأنه كلام الله وأنه غير مخلوق فنقل ~~عنه أبو طاب خطأ منه أنه قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فاستدعاه وغضب عليه ~~وقال أنا قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق قال لا ولكن قرأت عليك * (قل هو ~~الله أحد) * وقلت لك هذا غير مخلوق فقلت نعم قال فلم تحكي عني ما لم أقل لا ~~تقل هذا فإن هذا لم يقله عالم وقصته مشهورة حكاها ms182 عبد الله وصالح وحنبل ~~والمروذي وفوزان وبسطها الخلال في كتاب السنة وصنف المروذي في مسألة اللفظ ~~مصنفا ذكر فيه أقوال الأئمة وهذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن الكلام ~~وأدقه فإن الإشارة إذا أطلقت انصرفت إلى المقصود وهو كلام الله الذي تكلم ~~به لا إلى ما وصل به إلينا من أفعال العباد وأصواتهم فإذا قيل لفظي جعل نفس ~~الوسائط غير مخلوقة وهذا باطل كما أن من رأى وجها في مرآة فقال أكرم الله ~~هذا الوجه وحياه أو قبحه كان دعاؤه على الوجه الموجود في الحقيقة الذي رأى ~~بواسطة المرآة لا على الشعاع المنعكس فيها وكذلك إذا رأى القمر في الماء ~~فقال قد أبدر أو لم يبدر فإنما مقصوده القمر الذي في السماء لا خياله وكذلك ~~من سمعه يذكر رجلا فقال هذا رجل صالح أو رجل فاسق علم أن المشار إليه هو ~~الشخص المسمى بالاسم لا نفس PageV02P191 # الصوت المسموع من الناطق فلو قال هذا الصوت أو صوتي بفلان صالح أو فاسق ~~فسد المعنى وكان بعضهم يقول لفظي بالقرآن مخلوق فرأى في منامه وضارب يضربه ~~وعليه فروة فأوجعه بالضرب فقال له لا تضربني فقال أنا ما أضربك وإنما أضرب ~~الفروة فقال إنما يقع الضرب علي فقال هكذا إذا قلت لفظي بالقرآن مخلوق ~~فالخلق إنما يقع على القرآن يقول كما أن المقصود بالضرب بدنك واللباس واسطة ~~فهكذا المقصود بالتلاوة كلام الله وصوتك واسطة فإذا قلت مخلوق وقع ذلك على ~~المقصود كما إذا سمعت قائلا يذكر رجلا فقلت أنا أحب هذا وأنا أبغض هذا ~~انصرف الكلام إلى المسمى المقصود بالاسم لا إلى صوت الذاكر ولهذا قال ~~الأئمة القرآن كلام الله غير مخلوق كيفما تصرف بخلاف أفعال العباد وأصواتهم ~~فإنه من نفى عنها الخلق كان مبتدعا ضالا فصل وأما قول القائل تقولون إن ~~القرآن صفة الله وإن صفات الله غير مخلوقة فإن قلتم أن هذا نفس كلام الله ~~فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفرون بالحلولية والاتحادية وإن قلتم مغير ذلك ~~قلتم بمقالتنا فمن تبين له ما ms183 نبهنا عليه سهل عليه الجواب عن هذا وأمثاله ~~فإن منشأ الشبهة أن قول القائل هذا كلام الله يجعل أحكامه واحدة سواء كان ~~كلامه مسموعا منه أو كلامه مبلغا عنه ومن هنا تختلف طوائف من الناس طائفة ~~قالت هذا كلام الله وهذا حروف وأصوات مخلوقة فكلام الله مخلوق وطائفة قالت ~~هذا مخلوق وكلام الله ليس بمخلوق فهذا ليس كلام الله وطائفة قالت هذا كلام ~~الله وكلام الله ليس بمخلوق وهذا ألفاظنا وتلاوتنا فألفاظنا وتلاوتنا غير ~~مخلوقة ومنشأ ضلال الجميع من عدم الفرق في المشار إليه في هذا فأنت تقول ~~هذا الكلام الذي تسمعه من قائله صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم وكذلك إذا ~~سمعته من ناقله تقول هذا الكلام صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم فالمشار إليه ~~في الموضعين واحد وتقول أيضا إن هذا صوت حسن وهذا كلام من وسط القلب ثم إذا ~~سمعته من الناقل تقول هذا صوت حسن أو كلام من وسط القلب فالمشار إليه هنا ~~ليس هو المشار إليه PageV02P192 # هناك بل أشار إلى ما يختص به هذا من صوته وقلبه وإلى ما يختص به هذا من ~~صوته وقلبه وإذا كتب الكلام في صفحتين كالمصحفين تقول في كلم فهما هذا قرآن ~~كريم وهذا كتاب مجيد وهذا كلام الله فالمشار إليه واحد ثم تقول هذا خط حسن ~~وهذا قلم النسخ أو الثلث وهذا الخط أحمر أو أصفر والمشار إليه هنا ما يختص ~~به كل من المصحفين عن الآخر فإذا ميز الإنسان في المشار إليه بهذا وهذا ~~تبين المتفق والمفترق وعلم أن من قال هذا القرآن كلام الله وكلام الله غير ~~مخلوق أن المشار إليه الكلام من حيث هو مع قطع النظر عما به وصل إلينا من ~~حركات العباد وأصواتهم ومن قال هذا مخلوق وأشار به إلى مجرد صوت العبد ~~وحركته لم يكن له في هذا حجة على أن القرآن نفسه حروفه ومعانيه الذي تعلم ~~هذا القارئ من غيره وبلغه بحركته وصوته مخلوق من اعتقد ذلك فقد أخطأ وضل ~~ويقال لهذا ms184 هذا الكلام الذي أشرت إليه كان موجودا قبل أن يخلق هذا القارئ ~~فهب أن القارئ لم تخلق نفسه ولا وجدت لا أفعاله ولا أصواته فمن أين يلزم أن ~~يكون الكلام نفسه الذي كان موجودا قبله يعدم بعدمه ويحدث بحدوثه فإشارته ~~بالخلق إن كانت إلى ما يختص به هذا القارئ من أفعاله وأصواته فالقرآن غني ~~عن هذا القارئ وموجود قبله فلا يلزم من عدم هذا عدمه وإن كانت إلى الكلام ~~الذي يتعلمه الناس بعضهم من بعض فهذا هو الكلام المنزل من الله الذي جاء به ~~جبريل إلى محمد وبلغه محمد لأمته وهو كلام الله الذي تكلم به فذاك يمتنع أن ~~يكون مخلوقا فإنه لو كان مخلوقا لكان كلاما لمحله الذي خلق فيه ولم يكن ~~كلاما لله ولأنه لو كان سبحانه إذا خلق كلاما كان كلامه كان ما أنطق به كل ~~ناطق كلامه مثل تسبيح الجبال والحصى وشهادة الجلود بل كان كلام في الوجود ~~وهذا قول الحلولية يقولون * وكل كلام في الوجود كلامه * سواء علينا نثره ~~ونظامه * ومن قال القرآن مخلوق فهو بين أمرين إما أن يجعل كل كلام في ~~الوجود كلامه وبين أن يجعله غير متكلم بشيء أصلا فيجعل العباد المتكلمين ~~أكمل منه وشبهه بالأصنام والجمادات والموات كالعجل الذي لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا فيكون قد فر من إثبات صفات الكمال له حذرا في زعمه من التشبيه ~~فوصفه بالنقص وشبهه بالجامد والموات وكذلك قول القائل هذا نفس كلام الله ~~وعين كلام الله وهذا الذي في المصحف هو عين كلام الله ونفس كلام الله ~~وأمثال هذه العبارات هذه مفهومها عند الإطلاق في فطر المسلمين أنه كلامه لا ~~كلام غيره وأنه لا زيادة فيه ولا نقصان فإن من ينقل كلام غيره PageV02P193 # ويكتبه في كتاب قد يزيد فيه وينقص كما جرت عادة الناس في كثير من مكاتبات ~~الملوك وغيرها فإذا جاء كتاب السلطان فقيل هذا الذي فيه كلام السلطان بعينه ~~بلا زيادة ولا نقص يعني لم يزد فيه الكاتب ولا نقص وكذلك من نقل ms185 كلام بعض ~~الأئمة في مسألة من تصنيفه قيل هذا الكلام كلام فلان بعينه يعني لم يزد فيه ~~ولم ينقص كما قال النبي صلى الله عليه وسلم نضر الله امرأ سمع منا حديثا ~~فبلغه كما سمعه فقوله فبلغه كما سمعه لم يرد به أنه يبلغه بحركاته وأصواته ~~التي سمعه بها ولكن أراد أنه يأتي بالحديث على وجهه لا يزيد فيه ولا ينقص ~~فيكون قد بلغه كما سمعه فالمستمع له من المبلغ يسمعه كما قاله صلى الله ~~عليه وسلم ويكون قد سمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قاله وذلك ~~معنى قولهم هذا كلامه بعينه وهذا نفس كلامه لا يريدون أن هذا هو صوته ~~وحركاته وهذا لا يقوله عاقل ولا يخطر ببال عاقل ابتداء ولكن اتباع الظن وما ~~تهوى الأنفس يلجىء أصحابه إلى القرمطة في السمعيات والسفسطة في العقليات ~~ولو ترك الناس على فطرتهم لكانت صحيحة سليمة فإذا رأى الناس كلاما صحيحا ~~فإن من تكلم بكلام وسمع منه ونقل عنه أو كتبه في كتاب لا يقول عاقل أن نفس ~~ما قام المتكلم من المعاني التي في قلبه والألفاظ القائمة بلسانه فارقته ~~وانتقلت عنه إلى المستمع والمبلغ عنه ولا فارقته وحلت في الورق بل ولا يقول ~~أن نفس ما قام به من المعاني والألفاظ هو نفس المداد الذي في الورق بل ولا ~~يقول أن نفس ألفاظه التي هي أصواته هي أصوات المبلغ عنه فهذه الأمور كلها ~~ظاهرة لا يقولها عاقل في كلام المخلوق إذا سمع وبلغ أو كتب في كتاب فكيف ~~يقال ذلك في كلام الله الذي سمع منه وبلغ عنه أو كتبه سبحانه كما كتب ~~التوراة لموسى وكما كتب القرآن في اللوح المحفوظ وكما كتبه المسلمون في ~~مصاحفهم وإذا كان من سمع كلام مخلوق فبلغه عنه بلفظه ومعناه بل شعر مخلوق ~~كما يبلغ شعر حسان وابن رواحة ولبيد وأمثالهم من الشعراء ويقول الناس هذا ~~شعر حسان بعينه وهذا هو نفس شعر حسان وهذا شعر لبيد بعينه كقوله * ألا كل ~~شيء ms186 ما خلا الله باطل * ومع هذا فيعلم كل عاقل أن رواة الشعر ومنشديه لم ~~يسلبوا الشعراء نفس صفاتهم حتى حلت بهم بل ولا نفس ما قام بأولئك من صفاتهم ~~وأفعالهم كأصواتهم وحركاتهم حلت بالرواة والمنشدين فكيف يتوهم متوهم أن ~~صفات الباري كلامه أو غير كلامه فارق ذاته وحل في مخلوقاته وأن ما قام ~~بالمخلوق من صفاته وأفعاله كحركاته وأصواته هي صفات الباري حلت PageV02P194 # فيه وهم لا يقولون مثل ذلك في المخلوق بل يمثلون العلم بنور السراج يقتبس ~~منه المتعلم ولا ينقص ما عند العالم كما يقتبس المقتبس ضوء السراج فيحدث ~~الله له ضوءا كما يقال أن الهوى ينقلب نارا بمجاورة الفتيلة للمصباح من غير ~~أن تتغير تلك النار التي في المصباح والمقرىء والمعلم يقرئ القرآن ويعلم ~~العلم ولم ينقص مما عنده شيء بل يصير عند المتعلم مثل ما عنده ولهذا يقال ~~فلان ينقل علم فلان وينقل كلامه ويقال العلم الذي كان عند فلان صار إلى ~~فلان وأمثال ذلك كما يقال نقلت ما في الكتاب ونسخت ما في الكتاب أو نقلت ~~الكتاب أو نسخته وهم لا يريدون أن نفس الحروف التي في الكتاب الأول عدمت ~~منه وحلت في الثاني بل لما كان المقصود من نسخ الكتاب من الكتب ونقلها من ~~جنس نقل العلم والكلام وذلك يحصل بأن يجعل في الثاني مثل ما في الأول فيبقى ~~المقصود بالأول منقولا منسوخا وإن كان لم يتغير الأول بخلاف نقل الأجسام ~~وتوابعها فإن ذلك إذا نقل من موضع إلى موضع زال عن الأول وذلك لأن الأشياء ~~لها وجود في أنفسها وهو وجودها العيني ولها ثبوتها في العلم ثم في اللفظ ~~المطابق للعمل ثم في الخط وهذا الذي يقال وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ~~ووجود في اللسان ووجود في البنان وجود عيني ووجود علمي ولفظي ورسمي ولهذا ~~افتتح الله كتابه بقوله تعالى * (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من ~~علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) * فذكر ~~الخلق عموما ms187 وخصوصا ثم ذكر التعليم عموما وخصوصا فالخط يطابق اللفظ واللفظ ~~يطابق العلم والعلم هو المطابق للمعلوم ومن هنا غلط من غلط فظن أن القرآن ~~في المصحف كالأعيان في الورق فظن أن قوله * (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) ~~* كقوله * (الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) * فجعل إثبات ~~القرآن الذي هو كلام الله في المصاحف كإثبات الرسول في المصاحف وهذا غلط ~~إثبات القرآن كإثبات اسم الرسول هذا كلام وهذا كلام وأما إثبات اسم الرسول ~~فهذا كإثبات الأعمال أو كإثبات القرآن في زبر الأولين قال تعالى * (وكل شيء ~~فعلوه في الزبر) * وقال تعالى * (وإنه لفي زبر الأولين) * فثبوت الأعمال في ~~الزبر وثبوت القرآن في زبر الأولين هو مثل كون الرسول مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل ولهذا قيد سبحانه هذا بلفظ الزبر والكتب زبر يقال زبرت ~~الكتاب إذا كتبته والزبور بمعنى PageV02P195 # المزبور أي المكتوب فالقرآن نفسه ليس عند بني إسرائيل ولكن ذكره كما أن ~~محمدا نفسه ليس عندهم ولكن ذكره فثبوت الرسول في كتبهم كثبوت القرآن في ~~كتبهم بخلاف ثبوت القرآن في اللوح المحفوظ وفي المصاحف فإن نفس القرآن أثبت ~~فيها فمن جعل هذا مثل هذا كان ضلاله بينا وهذا مبسوط في موضعه والمقصود هنا ~~أن نفس الموجودات وصفاتها إذا انتقلت من محل إلى محل حلت في ذلك المحل ~~الثاني وأما العلم بها والخبر عنها فيأخذه الثاني عن الأول مع بقائه في ~~الأول وإن كان الذي عند الثاني هو نظير ذلك ومثله لكن لما كان المقصود ~~بالعلمين واحدا في نفسه صارت وحدة المقصود توجب وحدة التابع له والدليل ~~عليه ولم يكن للناس غرض في تعدد التابع كما في الاسم مع المسمى فإن اسم ~~الشخص وإن ذكره أناس متعددون ودعا به أناس متعددون فالناس يقولون إنه اسم ~~واحد لمسمى واحد فإذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا ~~رسول الله وقال ذلك هذا المؤذن وهذا المؤذن وقاله غير المؤذن فالناس يقولون ~~إن هذا المكتوب هو اسم الله واسم رسوله ms188 كما أن المسمى هو الله ورسوله وإذا ~~قال * (اقرأ باسم ربك) * وقال * (اركبوا فيها بسم الله) * وقال * (سبح اسم ~~ربك الأعلى) * وقال * (بسم الله) * ففي الجميع المذكور هو اسم الله وإن ~~تعدد الذكر والذاكر فالخبر الواحد عن المخبر الواحد من مخبره والأمر الواحد ~~بالمأمور به من الآمر الواحد بمنزلة الاسم الواحد لمسماه هذا في المركب ~~نظير هذا في المفرد وهذا هو واحد باعتبار الحقيقة وباعتبار اتحاد المقصود ~~وإن تعدد من يذكر ذلك الاسم والخبر وتعددت حركاتهم وأصواتهم وسائر صفاتهم ~~وأما قول القائل إن قلتم إن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم ~~تكفرون الحلولية والاتحادية فهذا قياس فاسد مثاله مثال رجل ادعى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يحل بذاته في بدن الذي يقرأ حديثه فأنكر الناس ذلك عليه ~~وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل في بدن غيره فقال أنتم تقولون ~~إن المحدث يقرأ كلامه وإن ما يقرأه هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ~~قلتم ذلك فقد قلتم بالحلول ومعلوم أن هذا في غاية الفساد والناس متفقون على ~~إطلاق القول بأن كلام زيد في هذا الكتاب وهذا الذي سمعناه كلام زيد ولا ~~يستجيز العاقل إطلاق القول بأنه هو نفسه في هذا المتكلم أو في هذا الورق ~~وقد نطقت النصوص بأن القرآن في الصدور كقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~استذكروا القرآن فلهو أشد نفلتا من صدور الرجال من النعم في عقلها وقوله ~~الجوف الذي ليس فيه شيء من PageV02P196 # القرآن كالبيت الخرب وأمثال ذلك وليس هذا عند عاقل مثل أن يقال الله في ~~صدورنا وأجوافنا ولهذا لما ابتدع شخص يقال له الصوري بأن من قال القرآن في ~~صدورنا فقد قال بقول النصارى فقيل لأحمد قد جاءت جهمية رابعة أي جهمية ~~الخلقية واللفظية والواقفية وهذه الرابعة اشتد نكيره لذلك وقال هذا أعظم من ~~الجهمية وهو كما قال فإن الجهمية ليس فيهم من ينكر أن يقال القرآن في ~~الصدور ولا يشبه هذا بقول النصارى بالحلول إلا من ms189 هو في غاية الضلالة ~~والجهالة فإن النصارى يقولون الأب والابن وروح القدس إله واحد وإن الكلمة ~~التي هي اللاهوت تدرعت الناسوت وهو عندهم إله يخلق ويرزق ولهذا كانوا ~~يقولون إن الله هو المسيح ابن مريم ويقولون المسيح ابن الله ولهذا كانوا ~~متناقضين فإن الذي تدرع المسيح إن كان هو الإله الجامع للأقانيم فهو الأب ~~نفسه وإن كان هو صفة من صفاته فالصفة لا تخلق ولا ترزق وليست إلها والمسيح ~~عندهم إله ولو قال النصارى إن كلام الله في صدر المسيح كما هو في صدور سائر ~~الأنبياء والمؤمنين لم يكن في قولهم ما ينكر فالحلولية المشهورون بهذا ~~الاسم من يقول بحلول الله في البشر كما قالت النصارى والغالية من الرافضة ~~وغلاة أتباع المشايخ أو يقولون بحلوله في كل شيء كما قالت الجهمية أنه ~~بذاته في كل مكان وهو سبحانه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء ~~من مخلوقاته وكذلك من قال باتحاده بالمسيح أو غيره أو قال باتحاده ~~بالمخلوقات كلها أو قال وجوده وجود المخلوقات أو غير ذلك فاما قول القائل ~~إن كلام الله في قلوب أنبيائه وعباده المؤمنين وإن الرسل بلغت كلام الله ~~والذي بلغته هو كلام الله وإن الكلام في الصحيفة ونحو ذلك فهذا لا يسمى ~~حلولا ومن سماه حلولا لم يكن بتسميته لذلك مبطلا للحقائق وقد تقدم أن ذلك ~~لا يقتضي مفارقة صفة المخلوق له وانتقالها إلى غيره فكيف صفة الخالق تبارك ~~وتعالى ولكن لما كان فيه شبهة الحلول تنازع الناس في إثبات لفظ الحلول ~~ونفيه عنه هل يقال إن كلام الله حال في المصحف أو حال في الصدور وهل يقال ~~كلام الناس المكتوب حال في المصحف أو حال في قلوب PageV02P197 # حافظيه ونحو ذلك فمنهم طائفة نفت الحلول كالقاضي أبي يعلى وأمثاله وقالوا ~~ظهر كلام الله في ذلك ولا نقول حل لأن حلول صفة الخالق في المخلوق أو حلول ~~القديم في المحدث ممتنع وطائفة أطلقت القول بأن كلام الله حال في المصحف ~~كأبي إسماعيل الأنصاري ms190 الهروي الملقب بشيخ الإسلام وغيره وقالوا ليس هذا هو ~~الحلول المحذور الذي نفيناه بل نطلق القول بأن الكلام في الصحيفة ولا يقال ~~بأن الله في الصحيفة أو في صدر الإنسان كذلك نطلق القول بأن كلامه حال في ~~ذلك دون حلول ذاته وطائفة ثالثة كأبي علي بن أبي موسى وغيره قالوا لا نطلق ~~الحلول نفيا ولا إثباتا لأن إثبات ذلك يوهم انتقال صفة الرب إلى المخلوقات ~~ونفي ذلك يوهم نفي نزول القرآن إلى الخلق فنطلق ما أطلقته النصوص ونمسك عما ~~في إطلاق محذور لما في ذلك من الإجمال واما قول القائل إن قلتم إن هذا نفس ~~كلام الله فقد قلتم بالحلول وإن قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا فجواب ذلك أن ~~المقالة المنكرة هنا تتضمن ثلاثة أمور فإذا زالت لم يبق منكرا أحدها من ~~يقول إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنما أحدثه غير الله كجبريل ومحمد ~~والله خلقه في غيره الثاني قول من يقول إن كلام الله ليس إلا معنى واحدا هو ~~الأمر والنهي والخبر وإن الكتب الإلهية تختلف باختلاف العبارات لا باختلاف ~~المعاني فيجعل معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحدا وكذلك معنى آية الدين ~~وآية الكرسي كمن يقول إن معاني أسماء الله الحسنى بمعنى واحد فمعنى العليم ~~والقدير والرحيم والحكيم معنى واحد فهذا إلحاد في أسمائه وصفاته وآياته ~~الثالث قول من يقول إن ما بلغته الرسل عن الله من المعنى والألفاظ ليس هو ~~كلام الله وإن القرآن كلام التالين لا كلام رب العالمين فهذه الأقوال ~~الثلاثة باطلة بأي عبارة عبر عنها واما قول من قال إن القرآن العربي كلام ~~الله بلغه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه تارة PageV02P198 # يسمع من الله وتارة من رسله مبلغين عنه وهو كلام الله حيث تصرف وكلام ~~الله تكلم به لم يخلقه في غيره ولا يكون كلام الله مخلوقا ولو قرأه الناس ~~وكتبوه وسمعوه وقال مع ذلك إن أفعال العباد وأصواتهم وسائر صفاتهم مخلوقة ~~فهذا لا ينكر عليه وإذا نفى الحلول وأراد به ms191 أن صفة الموصوف لا تفارقه ~~وتنتقل إلى غيره فقد أصاب في هذا المعنى لكن عليه مع ذلك أن يؤمن أن القرآن ~~العربي كلام الله تعالى وليس هو ولا شيء منه كلاما لغيره ولكن بلغته عنه ~~رسله وإذا كان كلام المخلوق يبلغ عنه مع العلم بأنه كلامه حروفه ومعانيه ~~ومع العلم بأن شيئا من صفاته لم تفارق ذاته فالعلم بمثل هذا من كلام الخالق ~~أولى وأظهر والله أعلم PageV02P199 # فصل قال تعالى * (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون) * سورة التوبة 59 فجعل ~~الإيتاء لله والرسول لأن المراد به الإيتاء الشرعي وهو ما أباحه الله على ~~لسان رسوله بخلاف ما آتاه الملك خلقا وقدرا ولم يطع الله ورسوله فيه فإن ~~ذلك مذموم مستحق للعقاب وإن كان قد آتاه الله ذلك خلقا وقدرا وأما من رضي ~~بما آتاه الله ورسوله فهو ممن رضي بما أحله الله ورسوله ولم يطلب ما حرم ~~عليه كالذين قال الله فيهم * (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها ~~رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) * ثم قال * (ولو أنهم رضوا ما آتاهم ~~الله ورسوله وقالوا حسبنا الله) * سورة التوبة 58 59 ولم يقل ورسوله لأن ~~الله وحده كاف عبده كما قال الله تعالى * (أليس الله بكاف عبده) * سورة ~~الزمر 36 وقال * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) * سورة آل عمران 173 ثم ~~دعاهم إلى أن يقولوا * (سيؤتينا الله من فضله ورسوله) * فذكر أن الرسول ~~يؤتيهم وأن ذلك من فضل الله وحده لم يقل من فضله وفضل رسوله ثم ذكر قوله * ~~(إنا إلى الله راغبون) * ولم يقل ورسوله كما قال في الآية الأخرى * (فإذا ~~فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) * سورة الشرح 7 8 وأما ما في القرآن من ذكر ~~عبادته وحده ودعائه وحده والاستعانة به وحده والخوف PageV02P200 # منه وحده فكثير كقوله * (ولا يخشون أحدا ms192 إلا الله) * سورة الأحزاب 39 ~~وقوله * (فإياي فارهبون) * سورة النحل 51 و * (وإياي فاتقون) * سورة البقرة ~~41 وقوله * (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) * سورة آل عمران 175 وكذلك ~~قوله * (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين) * سورة الشعراء 213 * ~~(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا) * سورة النساء 36 وأما المحبة فهي لله ~~ورسوله والإرضاء لله والرسول كقوله تعالى * (أحب إليكم من الله ورسوله) * ~~سورة التوبة 24 وقوله * (والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين) * ~~سورة التوبة 62 فالرسول علينا أن نحبه وعلينا أن نرضيه بل قد ثبت عنه في ~~الصحيح أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده والناس أجمعين ~~وكذلك الطاعة لله والرسول قال تعالى * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * ~~سورة النساء 80 والعبادات بأسرها الصلاة والسجود والطواف والدعاء والصدقة ~~والنسك والذبح لا يصلح إلا لله ولم يخص الله بقعة نفعل الصلاة فيها إلا ~~المساجد لا مقبرة ولا مشهدا ولا مغارة ولا مقام نبي ولا غير ذلك ولا خص ~~بقعة غير المساجد بالذكر والدعاء إلا مشاعر الحج لا قبر نبي ولا صالح ولا ~~مغارة ولا غير ذلك ولا يقبل على وجه الأرض شئ عبادة لله إلا الحجر الأسود ~~ولا يتمسح إلا به وبالركن اليماني ولا يستلم الركنان الشاميان وهما من ~~البيت فكيف غيرهما وقد طاف ابن عباس ومعاوية فجعل معاوية يستلم الأركان ~~الأربعة فقال ابن عباس رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يستلم إلا الركنين اليمانيين فقال معاوية ليس من البيت شيء مهجور فقال ابن ~~عباس رضي الله عنه لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فقال معاوية صدقت ~~ورجع إلى قوله فالعبادات مبناها على أصلين أحدهما أن لا يعبد إلا الله وحده ~~لا نعبد من دونه شيئا لا ملكا ولا نبيا ولا صالحا ولا شيئا من المخلوقات ~~والثاني أن نعبده بما أمرنا به على لسان رسوله لا نعبده ببدع لم يشرعها ~~الله ورسوله والعبادات ms193 تتضمن كمال الحب وكمال الخضوع فمن أحب شيئا من ~~المخلوقات كما يحب الخالق فهو مشرك قال الله تعالى * (ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) * PageV02P201 # سورة البقرة 165 وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قلت يا رسول ~~الله أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي قال أن تقتل ~~ولدك خشية أن يطعم معك قلت ثم أي قال ثم أن تزاني بحليلة جارك فأنزل الله ~~تصديق ذلك * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ولا يزنون) * سورة الفرقان 68 والنبي قد أمر بالعبادة في ~~المساجد وذكر فضل الصلاة في الجماعة ورغب في ذلك ولم يأمر قط بقصد مكان ~~لأجل نبي ولا صالح بل نهى عن اتخاذها مساجد فلا يجوز أن تقصد للصلاة فيها ~~والدعاء وهذا كله لتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله فقد قال بعض الناس يا ~~رسول الله ربنا قريب فنناجيه أو بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى * (وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا ~~بي لعلهم يرشدون) * سورة البقرة 186 وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وفي الصحيحين عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث ~~الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له من يستغفرني فأغفر له من يسألني ~~فأعطيه حتى يطلع الفجر فالرسل صلوات الله عليهم وسلامه أمروا الناس بعبادة ~~الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعائه ونهوا أن يدعى أحد من دون الله تعالى ~~وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحب البقاع إلى الله تعالى ~~المساجد وأبغضها إلى الله تعالى الأسواق يعني البقاع التي كانت PageV02P202 # تكون في مدينته ونحوها ولم يكن بالمدينة لا حانة ولا كنيسة ولا موضع شرك ~~وهذه المواضع ms194 شر من الأسواق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم شرار الناس ~~الذين تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد هذا إذا بنى ~~المسجد المسمى مشهدا على قبر صحيح فكيف وكثير من هذه المشاهد المبنية على ~~قبور الأنبياء والصالحين من الصحابة والقرابة وغيرهم كذب وكثير منها مختلف ~~فيه لا يتوثق فيه بنقل ينقل في ذلك مما يوجد بالشام والعراق وخراسان وغير ~~ذلك والسبب في خفائها وكثرة الخلاف فيها أن الله حفظ الدين الذي بعث به ~~رسوله بقوله * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * سورة الحجر 9 ~~واتخاذ هذه معابد ليس من الدين فلهذا لم يحفظ هذه المقامات والمشاهد بل ~~مبني أمرهم على الجهل والضلال وإنما يستند أهلها إلى منامات تكون من ~~الشياطين أو إلى أخبار وإما مكذوبة وإما منقولة عمن ليس قوله حجة والشياطين ~~تضل أهلها كما تضل عباد الأصنام فتارة تكلمهم وتارة تتراءى لهم وتارة تقضي ~~بعض حوائجهم وتارة تصيح وتحرك السلاسل التي فيها القناديل وتطفىء القناديل ~~وتارة تفعل أمورا أخر كما تفعل عبادة الأوثان التي كانت للعرب وهي اليوم ~~تفعل مثل ذلك في أوثان الترك والصين والسودان وغيرهم فيظنون أن ذلك هو ~~الميت أو ملك صور على صورته وإنما هو شيطان أضلهم بالشرك كما يجري ذلك ~~لعباد الأصنام المصورة على صورة الآدميين هذا باب واسع ليس هذا موضع ~~استقصائه PageV02P203 # 205 فصل * (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) * سورة التوبة 100 ~~هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم ~~وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين هم من ~~صلى إلى القبلتين وهذا ضعيف فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده ~~فضيلة ولأن النسخ ليس من فعلهم الذي يفضلون به ولأن التفضيل بالصلاة إلى ~~القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق ~~والجهاد والمبايعة تحت الشجرة ولكن فيه سبق الذين أدركوا ذلك على من لم ~~يدركه كما أن الذين أسلموا قبل أن تفرض الصلوات ms195 الخمس هم سابقون على من ~~تأخر إسلامه عنهم والذين أسلموا قبل أن تجعل صلاة الحضر أربع ركعات هم ~~سابقون على من تأخر إسلامه عنهم والذين أسلموا قبل أن يؤذن في الجهاد أو ~~قبل أن يفرض صيام شهر رمضان هم سابقون على من أسلم بعدهم والذين أسلموا قبل ~~أن يفرض الحج هم سابقون على من تأخر عنهم والذين أسلموا قبل تحريم الخمر هم ~~سابقون على من أسلم بعدهم والذين أسلموا قبل تحريم الربا كذلك فشرائع ~~الإسلام من الإيجاب والتحريم كانت تنزل شيئا فشيئا وكل من أسلم قبل أن تشرع ~~شريعة فهو سابق على من تأخر عنه وله بذلك فضيلة ففضيلة من اسلم قبل نسخ ~~القبلة على من أسلم بعده هي من هذا الباب وليس مثل هذا مما يتميز به ~~السابقون الأولون عن التابعين إذ ليس بعض هذه الشرائع بأولى بجعله خيرا من ~~بعض ولأن القرآن والسنة قد دلا على تقديم أهل الحديبية فوجب أن تفسر هذه ~~الآية بما يوافق سائر النصوص وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين ~~الأولين أبو بكر وعمر وعلي وطلحة PageV02P205 # والزبير وبايع النبي صلى الله عليه وسلم بيده عن عثمان لأنه كان غائبا قد ~~أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته وبسببه بايع النبي صلى الله عليه وسلم ~~الناس لما بلغه أنهم قتلوه وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل النار أحد بايع تحت ~~الشجرة وقال تعالى * (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه ~~بهم رؤوف رحيم) * سورة التوبة 117 فجمع بينهم وبين الرسول في التوبة وقال ~~تعالى * (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا) * ~~سورة الأنفال 72 إلى قوله * (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم ~~فأولئك منكم) * سورة الأنفال ms196 75 فأثبت الموالاة بينهم وقال للمؤمنين * (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) * سورة المائدة 51 ~~إلى قوله * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ~~هم الغالبون) * المائدة 55 56 وقال تعالى * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض) * سورة التوبة 71 فأثبت الموالاة بينهم وأمر بموالاتهم ~~والرافضة تتبرأ منهم ولا تتولاهم وأصل الموالاة المحبة وأصل المعاداة البغض ~~وهم يبغضونهم ولا يحبونهم وقد وضع بعض الكذابين حديثا مفترى أن هذه الآية ~~نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل ~~وكذبه بين من وجوه كثيرة PageV02P206 # منها أن قوله الذين صيغة جمع وعلي واحد منها أن الواو ليست واو الحال إذ ~~لو كان كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع فلا ~~يتولى سائر الصحابة والقرابة ومنها أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب ~~وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجبا ولا مستحبا باتفاق علماء الملة فإن ~~في الصلاة شغلا ومنها أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسنا لم يكن فرق بين ~~حال الركوع وغير حال الركوع بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن ومنها أن ~~عليا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أنه لم يكن ~~له أيضا خاتم ولا كانوا يلبسون الخواتم حتى كتب النبي صلى الله عليه وسلم ~~كتابا إلى كسرى فقيل له إنهم لا يقبلون كتابا إلا مختوما فاتخذ خاتما من ~~ورق ونقش فيها محمد رسول الله ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من ~~إيتاء الخاتم فإن أكثر الفقهاء يقولون لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة ~~ومنها أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل والمدح في الزكاة أن يخرجها ~~ابتداء ويخرجها على الفور لا ينتظر أن يسأله سائل ومنها أن الكلام ms197 في سياق ~~النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين كما يدل عليه سياق الكلام ~~وسيجئ إن شاء الله تعالى تمام الكلام على هذه الآية فإن الرافضة لا يكادون ~~يحتجون بحجة إلا كانت حجة عليهم لا لهم كاحتجاجهم بهذه الآية على الولاية ~~التي هي الإمارة وإنما هي في الولاية التي هي ضد العداوة والرافضة مخالفون ~~لها والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم يوالون الكفار من اليهود والنصارى ~~والمشركين والمنافقين ويعادون المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين وهذا أمر مشهور فيهم يعادون خيار عباد الله ~~المؤمنين ويوالون اليهود والنصارى والمشركين من الترك وغيرهم وقال تعالى * ~~(يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) * سورة الأنفال 64 أي ~~الله كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين والصحابة أفضل من اتبعه من ~~PageV02P207 # المؤمنين وأولهم وقال تعالى * (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) * والذين ~~رآهم النبي صلى الله عليه وسلم يدخلون في دين الله أفواجا هم الذين كانوا ~~على عصره وقال تعالى * (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم) * ~~سورة الأنفال 62 63 وإنما أيده في حياته بالصحابة وقال تعالى * (والذي جاء ~~بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ~~ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) * ~~سورة الزمر 33 35 وهذا الصنف الذي يقول الصدق ويصدق به خلاف الصنف الذي ~~يفتري الكذب أو يكذب بالحق لما جاءه كما سنبسط القول فيهما إن شاء الله ~~تعالى والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وأن القرآن حق هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به بعد الأنبياء وليس في الطوائف ~~المنتسبة إلى القبلة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبا بالحق من المنتسب ~~إلى التشيع ولهذا لا يوجد الغلو في طائفة أكثر مما يوجد فيهم ومنهم من ادعى ~~إلهية البشر وادعى النبوة في غير النبي صلى ms198 الله عليه وسلم وادعى العصمة في ~~الأئمة ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر الطوائف واتفق أهل العلم على ~~أن الكذب ليس في طائفة من الطوائف المنتسبين إلى القبلة أكثر منه فيهم ~~PageV02P208 # 218 فصل وقال شيخ الإسلام رحمه الله قوله تعالى * (هو الذي جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) * وقوله * (وجعل ~~الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا) * وقوله * (الشمس والقمر بحسبان) * قوله ~~* (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) * وقوله * (يسألونك عن ~~الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) * دليل على توقيت ما فيها من التوقيت ~~للسنين والحساب فقوله * (لتعلموا عدد السنين والحساب) * إن علق بقوله * ~~(وقدره منازل) * كان الحكم مختصا بالقمر وإن أعيد إلى أول الكلام تعلق بهما ~~ويشهد للأول قوله من الأهلة فإنه موافق لذلك ولأن كون الشمس ضياء والقمر ~~نورا لا يوجب علم عدد السنين والحساب بخلاف تقدير القمر منازل فإنه هو الذي ~~يقتضي علم عدد السنين والحساب ولم يذكر انتقال الشمس في البروج ويؤيد ذلك ~~قوله * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله) * الآية فإنه ~~نص على أن السنة هلالية وقوله * (الحج أشهر معلومات) * يؤيد ذلك لكن يدل ~~على الآخر قوله * (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب) * وهذا ~~والله أعلم لمعنى تظهر به حكمة ما في الكتاب وما جاءت به الشريعة من اعتبار ~~الشهر والعام الهلالي دون الشمسي إن كل واحد من الشهر والعام ينقسم في ~~اصطلاح الأمم إلى عددي وطبيعي فأما الشهر الهلالي فهو طبيعي وسنته عددية ~~واما الشهر الشمسي فعددي وسنته طبيعية فأما جعل شهرنا هلاليا فحكمته ظاهرة ~~لأنه طبيعي وإنما علق بالهلال دون الاجتماع لأنه أمر مضبوط بالحس لا يدخله ~~PageV02P218 # خلل ولا يفتقر إلى حساب بخلاف الاجتماع فإنه أمر خفي يفتقر إلى حساب ~~وبخلاف الشهر الشمسي لو ضبط وأما السنة الشمسية فإنها وإن كانت طبيعية فهي ~~من جنس الاجتماع ليس أمرا ms199 ظاهرا للحس بل يفتقر إلى حساب سير الشمس في ~~المنازل وإنما الذي يدركه الحس تقريب ذلك فإن انقضاء الشتاء ودخول الفصل ~~الذي تسميه العرب الصيف ويسميه غيرها الربيع أمر ظاهر بخلاف محاذاة الشمس ~~لجزء من أجزاء الفلك يسمى برج كذا أو محاذاتها لإحدى نقطتي الرأس أو الذنب ~~فإنه يفتقر إلى حساب ولما كانت البروج اثني عشر فمتى تكرر الهلالي اثني عشر ~~فقد انتقل فيها كلها فصار ذلك سنة كاملة تعلقت به أحكام ديننا من المؤقتات ~~شرعا أو شرطا إما بأصل الشرع كالصيام والحج وإما بسبب من العبد كالعدة ومدة ~~الإيلاء وصوم الكفارة والنذر وإما بالشرط كالأجل في الدين والخيار والأيمان ~~وغير ذلك فصل * (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * و * ~~(أولياء الله) * هم * (الذين آمنوا وكانوا يتقون) * كما ذكر الله تعالى في ~~كتابه وهم قسمان المقتصدون أصحاب اليمين والمقربون السابقون فولي الله ضد ~~عدو الله قال الله تعالى * (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون) * وقال تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) * وقال تعالى * (لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء) * وقال * (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون) * ~~وقال * (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو) * وقد روى البخاري ~~في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول الله تعالى من عادى لي PageV02P219 # وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ~~ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع ~~به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع ~~وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ~~ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت ms200 وأكره ~~مساءته ولا بد له منه والولي مشتق من الولاء وهو القرب كما أن العدو من ~~العدو وهو البعد فولي الله من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضياته ~~وتقرب إليه بما أمر به من طاعاته وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الحديث الصحيح الصنفين المقتصدين من أصحاب اليمين وهم المتقربون إلى الله ~~بالواجبات والسابقين المقربين وهم المتقربون إليه بالنوافل بعد الواجبات ~~وذكر الله الصنفين في سورة فاطر والواقعة والإنسان والمطففين وأخبر أن ~~الشراب الذي يروى به المقربون بشربهم إياه صرفا يمزج لأصحاب اليمين والولي ~~المطلق هو من مات على ذلك فأما إن قام به الإيمان والتقوى وكان في علم الله ~~أنه يرتد عن ذلك فهل يكون في حال إيمانه وتقواه وليا لله أو يقال لم يكن ~~وليا لله قط لعلم الله بعاقبته هذا فيه قولان للعلماء وكذلك عندهم الإيمان ~~الذي يعقبه الكفر هل هو إيمان صحيح ثم يبطل بمنزلة ما يحبط من الأعمال بعد ~~كماله أو هو إيمان باطل بمنزلة من أفطر قبل غروب الشمس في صيامه ومن أحدث ~~قبل السلام في صلاته فيه أيضا قولان للفقهاء والمتكلمين والصوفية والنزاع ~~في ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم وكذلك يوجد ~~النزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعي وغيرهم لكن أكثر أصحاب أبي حنيفة لا ~~يشترطون سلامة العاقبة وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد يشترط سلامة ~~العاقبة وهو قول كثير من متكلمي أهل الحديث كالأشعري ومن متكلمي الشيعة ~~ويبنون على هذا النزاع أن ولي الله هل يصير عدوا لله وبالعكس ومن أحبه الله ~~ورضي عنه هل أبغضه وسخط عليه في وقت ما وبالعكس ومن أبغضه الله وسخط عليه ~~هل أحبه الله ورضي عنه في وقت ما على القولين والتحقيق هو الجمع بين ~~القولين فإن علم الله القديم الأزلي وما يتبعه من محبته ورضاه وبغضه وسخطه ~~وولايته وعداوته لا يتغير فمن علم الله منه أنه يوافي حين موته بالإيمان ~~والتقوى فقد تعلق به محبة الله وولايته ورضاه ms201 عنه أزلا وأبدا وكذلك من علم ~~الله منه PageV02P220 # أنه يوافي حين موته بالكفر فقد تعلق به بغض الله وعداوته وسخطه أزلا ~~وأبدا لكن مع ذلك فإن الله تعالى يبغض ما قام بالأول من كفر وفسوق قبل موته ~~وقد يقال أنه يبغضه ويمقته على ذلك كما ينهاه عن ذلك وهو سبحانه وتعالى ~~يأمر بما فعله الثاني من الإيمان والتقوى ويحب ما يأمر به ويرضاه وقد يقال ~~أنه يواليه حينئذ على ذلك والدليل على ذلك اتفاق الأئمة على أن من كان ~~مؤمنا ثم ارتد فإنه لا يحكم بأن إيمانه الأول كان فاسدا بمنزلة من أفسد ~~الصلاة والصيام والحج قبل الإكمال وإنما يقال كما قال الله تعالى * (ومن ~~يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) * وقال * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * وقال * ~~(ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) * ولو كان فاسدا في نفسه لوجب ~~الحكم بفساد أنكحته المتقدمة وتحريم ذبائحه وبطلان إرثه المتقدم وبطلان ~~عباداته جميعها حتى لو كان قد حج عن غيره كان حجه باطلا ولو صلى مدة بقوم ~~ثم ارتد كان عليهم أن يعيدوا صلاتهم خلفه ولو شهد أو حكم ثم ارتد لوجب أن ~~تفسد صلاته وحكمه ونحو ذلك وكذلك أيضا الكافر إذا تاب من كفره لو كان ~~محبوبا لله وليا له في حال كفره لوجب أن يقضي بعدم أحكام ذلك الكفر وهذا ~~كله خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع والكلام في هذه المسألة نظير ~~الكلام في الأرزاق والآجال وهي أيضا مبنية على قاعدة الصفات الفعلية وهي ~~قاعدة كبيرة وعلى هذا يخرج جواب السائل فمن قال إن ولي الله لا يكون إلا من ~~وافاه حين الموت بالإيمان والتقوى فالعلم بذلك أصعب عليه وعلى غيره ومن قال ~~قد يكون وليا لله من كان مؤمنا تقيا وإن لم تعلم عاقبته فالعلم به أسهل ومع ~~هذا يمكن العلم بذلك للولي نفسه ولغيره ولكنه قليل ولا يجوز لهم القطع على ~~ذلك فمن ثبتت ولايته بالنص وأنه من أهل الجنة كالعشرة وغيرهم فعامة أهل ~~السنة يشهدون له بما ms202 شهد له به النص وأما من شاع له لسان صدق في الأمة بحيث ~~اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل يشهد له بذلك هذا فيه نزاع بين أهل السنة ~~والأشبه أن يشهد له بذلك هذا في الأمر العام وأما خواص الناس فقد يعلمون ~~عواقب أقوام بما كشف الله لهم لكن هذا ليس ممن PageV02P221 # يجب التصديق العام به فإن كثيرا ممن يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ~~ظانا في ذلك ظنا لا يغني من الحق شيئا وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون ~~تارة ويخطئون أخرى كأهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد ولهذا وجب ~~عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم وأن ~~يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآراءهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله ولا ~~يكتفوا بمجرد ذلك فإن سند المحدثين والمخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو ~~عمر ابن الخطاب وقد كانت تقع له وقائع فيردها عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو صديقه التابع له الآخذ عنه الذي هو أكمل من المحدث الذي يحدثه قلبه ~~عن ربه ولهذا وجب على جميع الخلق اتباع الرسول وطاعته في جميع أموره ~~الباطنة والظاهرة ولو كان أحد يأتيه من الله مالا يحتاج إلى عرضه على ~~الكتاب والسنة لكان مستغنيا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض دينه وهذا ~~من أقوال المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع ~~موسى ومن قال هذا فهو كافر وقد قال الله تعالى * (وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) * فقد ضمن الله للرسول وللنبي ~~أن ينسخ ما يلقي الشيطان في أمنيته ولم يضمن ذلك للمحدث ولهذا كان في الحرف ~~الآخر الذي كان يقرأ به ابن عباس وغيره وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ~~ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ويحتمل والله أعلم أن لا ~~يكون هذا الحرف ms203 متلوا حيث لم يضمن نسخ ما ألقى الشيطان في أمنية المحدث فإن ~~نسخ ما ألقى الشيطان ليس إلا للأنبياء والمرسلين إذ هم معصومون فيما ~~يبلغونه عن الله تعالى أن يستقر فيه شيء من إلقاء الشيطان وغيرهم لا تجب ~~عصمته من ذلك وإن كان من أولياء الله المتقين فليس من شرط أولياء الله ~~المتقين أن لا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفورا لهم بل ولا من ~~شرطهم ترك الصغائر مطلقا بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه ~~التوبة وقد قال الله تعالى * (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ~~لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) * فقد وصفهم الله بأنهم هم المتقون ~~والمتقون هم أولياء PageV02P222 # الله ومع هذا فأخبر أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا وهذا أمر متفق عليه ~~بين أهل العلم والإيمان وإنما يخالف في ذلك الغالية من الرافضة وأشباه ~~الرافضة من الغالية في بعض المشائخ ومن يعتقدون أنه من الأولياء فالرافضة ~~تزعم أن الاثني عشر معصومون من الخطأ والذنب ويرون هذا من أصول دينهم ~~والغالية في المشائخ قد يقولون إن الولي محفوظ والنبي معصوم وكثير منهم إن ~~لم يقل ذلك بلسانه وقد بلغ الغلو بالطائفتين إلى أن يجعلوا بعض من غلوا فيه ~~بمنزلة النبي وأفضل منه وإن زاد الأمر جعلوا له نوعا من الإلهية وكل هذا من ~~الضلالات الجاهلية المضاهية للضلالات النصرانية فإن في النصارى من الغلو في ~~المسيح والأحبار والرهبان ما ذمهم الله عليه في القرآن وجعل ذلك عبرة لنا ~~لئلا نسلك سبيلهم ولهذا قال سيد ولد آدم لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ~~ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله هذا تفسير آيات أشكلت حتى ~~لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ فيها منها قوله تعالى * ~~(وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) * ظن طائفة أن ما نافية وهو خطأ ~~بل هي ms204 استفهام فإنهم يدعون معه شركاء كما أخبر عنهم في غير موضع فالشركاء ~~يوصفون في القرآن بأنهم يدعون لأنهم يتبعون وإنما يتبع الأئمة ولهذا قال * ~~(إن يتبعون إلا الظن) * ولو أراد النفي لقال إن يتبعون إلا من ليسوا شركاء ~~بل بين أن الشرك لا علم معه إن هو إلا الظن والخرص كقوله * (قتل الخراصون) ~~* PageV02P223 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة هود فصل عرض لما تضمنته السورة قد افتتح ~~السورة فقال * (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا ~~الله إنني لكم منه نذير وبشير) * فذكر أنه نذير وبشير نذير ينذر بالعذاب ~~لأهل النار وبشير يبشر بالسعادة لأهل الحق ثم ذكر حال الفريقين في السراء ~~والضراء فقال * (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس ~~كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح ~~فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) * ثم ذكر ~~بعد هذا قصص الأنبياء وحال من اتبعهم ومن كذبهم كيف سعد هؤلاء في الدنيا ~~والآخرة وشقي هؤلاء في الدنيا والآخرة فذكر ما جرى لهم إلى قوله * (ذلك من ~~أنباء القرى نقصه عليك) * إلى قوله * (وذلك يوم مشهود) * ثم ذكر حال الذين ~~سعدوا والذين شقوا ثم قال * (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة) * فإنه ~~قد يقال غاية ما أصاب هؤلاء أنهم ماتوا والناس كلهم يموتون PageV02P224 # وأما كونهم أهلكوا كلهم وصارت بيوتهم خاوية وصاروا عبرة يذكرون بالشر ~~ويلعنون إنما يخاف ذلك من آمن بالآخرة فإن لعنة المؤمنين لهم بالآخرة ~~وبغضهم لهم كما جرى لآل فرعون هو مما يزيدهم عذابا كما أن لسان الصدق وثناء ~~الناس ودعاءهم للأنبياء واتباعهم لهم هو مما يزيدهم ثوابا فمن استدل بما ~~أصاب هؤلاء على صدق الأنبياء فآمن بالآخرة خاف عذاب الآخرة وكان ذلك له آية ~~وأما من لم يؤمن بالآخرة ويظن أن من مات لم يبعث فقد لا يبالي بمثل هذا وإن ~~كان يخاف هذا من لا يخاف الآخرة لكن كل ms205 من خاف الآخرة كان هذا حاله وذلك له ~~آية وقد ختم السورة بقوله * (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا ~~عاملون) * إلى آخرها كما افتتحها بقوله * (أن لا تعبدوا إلا الله) * فذكر ~~التوحيد والإيمان بالرسل فهذا دين الله في الأولين والآخرين قال أبو ~~العالية كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم ~~المرسلين ولهذا قال * (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) * و * (أين ~~شركائي الذين كنتم تزعمون) * هو الشرك في العبادة وهذان هما الإيمان ~~والإسلام وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ تارة في ركعتي الفجر سورتي ~~الإخلاص وتارة بآيتي الإيمان والإسلام فيقرأ قوله * (آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا) * الآية فأولها الإيمان وآخرها الإسلام ويقرأ في الثانية * (قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله) * فأولها ~~إخلاص العبادة لله وآخرها الإسلام له وقال * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) * ففيها الإيمان والإسلام في ~~آخرها وقال * (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم ~~وأزواجكم تحبرون) * PageV02P225 # فصل وقوله تعى لي * (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) * فقد فصله بعد إحكامه ~~بخلاف من تكلم لم يحكمه وقد يكون في الكلام المحكم ما لم يبينه لغيره فهو ~~سبحانه أحكم كتابه ثم فصله وبينه لعباده كما قال * (وكذلك نفصل الآيات ~~ولتستبين سبيل المجرمين) * وقال * (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون) * فهو سبحانه بينه وأنزله على عباده بعلم ليس كمن يتكلم ~~بلا علم وقد ذكر براهين التوحيد والنبوة قبل ذكر الفرق بين أهل الحق ~~والباطل فقال * (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) * إلى ~~قوله * (فهل أنتم مسلمون) * فلما تحداهم بالإتيان بعشر سور مثله مفتريات هم ~~وجميع من يستطيعون من دونه كان في مضمون تحديه أن هذا لا يقدر أحد على ~~الإتيان بمثله من دون الله كما قال * (قل لئن اجتمعت الإنس ms206 والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) * وحينئذ ~~فعلم أن ذلك من خصائص من أرسله الله وما كان مختصا بنوع فهو دليل عليه فإنه ~~مستلزم له وكل ملزوم دليل على لازمه كآيات الأنبياء كلها فإنها مختصة ~~بجنسهم وهذا القرآن مختص بجنسهم ومن بين الجنس خاتمهم لا يمكن أن يأتي به ~~غيره وكان ذلك برهانا بينا على أن الله أنزله وأنه نزل بعلم الله هو الذي ~~أخبره بخبره وأمر بما أمر به كما قال * (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه) * الآية وثبوت الرسالة ملزوم لثبوت التوحيد وأنه لا إله إلا الله من ~~جهة أن الرسول أخبر بذلك ومن جهة أنه لا يقدر أحد على الإتيان بهذا القرآن ~~إلا الله فإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله إلى غير ذلك من وجوه البيان ~~فيه كما قد بسط ونبه عليه في غير هذا الموضع ولا سيما هذه السورة فإن فيها ~~PageV02P226 # من البيان والتعجيز ما لا يعلمه إلا الله وفيها من المواعظ والحكم ~~والترغيب والترهيب ما لا يقدر قدره إلا الله والمقصود هنا هو الكلام على ~~قوله * (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) * حيث سأل السائل عن ~~تفسيرها وذكر ما في التفاسير من كثرة الاختلاف فيها وأن ذلك الاختلاف يزيد ~~الطالب عمى عن معرفة المراد الذي يحصل به الهدى والرشاد فإن الله تعالى ~~إنما نزل القرآن ليهتدي به لا ليختلف فيه والهدى إنما يكون إذا عرفت معانيه ~~فإذا حصل الاختلاف المضاد لتلك المعاني التي لا يمكن الجمع بينه وبينها ولم ~~يعرف الحق ولم تفهم الآية ومعناها ولم يحصل به الهدى والعلم الذي هو المراد ~~بإنزال الكتاب قال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا ~~القرآن عثمان بن عثمان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من ~~العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل ms207 جميعا وقال الحسن البصري ~~ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا نزلت وماذا عنى بها وقد قال ~~تعالى * (أفلا يتدبرون القرآن) * وتدبر الكلام إنما ينتفع به إذا فهم وقال ~~* (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) * فالرسل تبين للناس ما أنزل ~~إليهم من ربهم وعليهم أن يبلغوا الناس البلاغ المبين والمطلوب من الناس أن ~~يعقلوا ما بلغه الرسل والعقل يتضمن العلم والعمل فمن عرف الخير والشر فلم ~~يتبع الخير ويحذر الشر لم يكن عاقلا ولهذا لا يعد عاقلا إلا من فعل ما ~~ينفعه واجتنب ما يضره فالمجنون الذي لا يفرق بين هذا وهذا قد يلقي نفسه في ~~المهالك وقد يفر مما ينفعه فصل قال تعالى * (خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام وكان عرشه على الماء) * سورة هود 7 وأخبر أنه * (استوى إلى السماء وهي ~~دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) * سورة فصلت ~~11 وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ~~بخمسين ألف سنة وكان PageV02P227 # عرشه على الماء وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كان الله ولم يكن شيء قبله وكان ~~عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض وفي رواية ثم ~~خلق السماوات والأرض والآثار متواترة عن الصحابة والتابعين بما يوافق ~~القرآن والسنة من أن الله تعالى خلق السماوات من بخار الماء الذي سماه الله ~~دخانا وقد تكلم علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في أول هذه ~~المخلوقات على قولين حكاهما الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره أحدهما أنه ~~هو العرش والثاني أنه هو القلم ورجحوا القول الأول لما دل عليه الكتاب ~~والسنة أن الله تعالى لما قدر مقادير الخلائق بالقلم الذي أمره أن يكتب في ~~اللوح كان عرشه على الماء ms208 فكان العرش مخلوقا قبل القلم قالوا الآثار ~~المروية أن أول ما خلق الله القلم معناها من هذا العالم وقد اخبر الله ~~تعالى أنه خلقه في ستة أيام فكان حين خلقه زمن يقدر به خلقه ينفصل إلى أيام ~~فعلم أن الزمان كان موجودا قبل أن يخلق الله الشمس والقمر ويخلق في هذا ~~العالم الليل والنهار وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~خطبته عام حجة الوداع إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السماوات والأرض ~~السنة اثنا عشر شهرا ومنها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر ~~الذي بين جمادي وشعبان وفي الصحيح عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال خطبنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة ~~منازلهم وأهل النار منازلهم هذا وفي التوراة ما يوافق خبر الله تعالى في ~~القرآن وأن الأرض كانت مغمورة بالماء والهواء يهب فوق الماء وأن في أول ~~الأمر خلق الله السماوات والأرض وأنه خلق ذلك في PageV02P228 # أيام ولهذا قال من قال من علماء أهل الكتاب ما ذكره الله تعالى في ~~التوراة يدل على أنه خلق هذا العالم من مادة أخرى وأنه خلق ذلك في أزمان ~~قبل أن يخلق الشمس والقمر وليس فيما أخبر الله تعالى به في القرآن وغيره ~~أنه خلق السماوات والأرض من غير مادة ولا أنه خلق الإنس أو الجن أو ~~الملائكة من غير مادة بل يخبر أنه خلق ذلك من مادة وإن كانت المادة مخلوقة ~~من مادة أخرى كما خلق الإنس من آدم وخلق آدم من طين وفي صحيح مسلم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من ~~نار وخلق آدم مما وصف لكم والمقصود هنا أن المنقول عن أساطين الفلاسفة ~~القدماء لا يخالف ما أخبرت به الأنبياء من خلق هذا العالم من مادة بل ~~المنقول عنهم أن هذا العالم محدث كائن بعد إن لم يكن وأما قولهم في ms209 تلك ~~المادة هل هي قديمة الأعيان أو محدثة بعد أن لم تكن أو محدثة من مادة أخرى ~~بعد مادة قد تضطرب النقول عنهم في هذا الباب والله أعلم بحقيقة ما يقوله كل ~~من هؤلاء فإنها أمة عربت كتبهم ونقلت من لسان إلى لسان وفي مثل ذلك قد يدخل ~~من الغلط والكذب ما لا يعلم حقيقته ولكن ما تواطأت به النقول عنهم يبقى مثل ~~المتواتر وليس لنا غرض معين في معرفة قول كل واحد منهم بل * (تلك أمة قد ~~خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) * سورة البقرة ~~134 141 لكن الذي لا ريب فيه أن هؤلاء أصحاب التعاليم كأرسطو واتباعه كانوا ~~مشركين يعبدون المخلوقات ولا يعرفون النبوات ولا المعاد البدني وأن اليهود ~~والنصارى خير منهم في الإلهيات والنبوات والمعاد وإذا عرف أن نفس فلسفتهم ~~توجب عليهم أن لا يقولوا بقدم شيء من العالم علم أنهم مخالفون لصريح ~~المعقول كما أنهم مخالفون لصحيح المنقول وأنهم في تبديل القواعد الصحيحة ~~المعقولة من جنس اليهود والنصارى في تبديل ما جاءت به الرسل وهذا هو ~~المقصود في هذا الباب ثم إنه إذا قدر أنه ليس عندهم من المعقول ما يعرفون ~~به أحد الطرفين فيكفي في ذلك إخبار الرسل باتفاقهم على خلق السماوات والأرض ~~وحدوث هذا العالم والفلسفة الصحيحة المبنية على المعقولات المحضة توجب ~~عليهم تصديق الرسل فيما أخبرت به وتبين PageV02P229 # أنهم علموا ذلك بطريق يعجزون عنها وأنهم أعلم بالأمور الإلهية والمعاد ~~وما يسعد النفس ويشقيها منهم وتدلهم على أن من اتبع الرسل كان سعيدا في ~~الآخرة ومن كذبهم كان شقيا في الآخرة وأنه لو علم الرجل من الطبيعيات ~~والرياضيات ما عسى أن يعلم وخرج عن دين الرسل كان شقيا وأن من أطاع الله ~~ورسوله بحسب طاقته كان سعيدا في الآخرة وإن لم يعلم شيئا من ذلك ولكن سلفهم ~~أكثروا الكلام في ذلك لأنهم لم يكن عندهم من آثار الرسل ما يهتدون به إلى ~~توحيد الله وعبادته وما ينفع في ms210 الآخرة وكان الشرك مستحوذا عليهم بسبب ~~السحر والأحوال الشيطانية وكانوا ينفقون أعمارهم في رصد الكواكب ليستعينوا ~~بذلك على السحر والشرك وكذلك الأمور الطبيعية وكان منتهى عقلهم أمورا عقلية ~~كلية كالعلم بالوجود المطلق وانقسامه إلى علة ومعلول وجوهر عرض وتقسيم ~~الجواهر ثم تقسيم الأعراض وهذا هو عندهم الحكمة العليا والفلسفة الأولى ~~ومنتهى ذلك العلم بالوجود المطلق الذي لا يوجد إلا في الأذهان دون الأعيان ~~PageV02P230 # فصل في قوله تعالى * (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) * وزعمت ~~طائفة من هؤلاء الاتحادية الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته أن فرعون كان ~~مؤمنا وأنه لا يدخل النار وزعموا أنه ليس في القرآن ما يدل على عذابه بل ~~فيه ما ينفيه كقوله * (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) * قالوا فإنما أدخل آله ~~دونه وقوله * (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) * قالوا إنما أوردهم ~~ولم يدخلها قالوا ولأنه قد آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ~~ووضع جبريل الطين في فمه لا يرد إيمان قلبه وهذا القول كفر معلوم فساده ~~باضطرار من دين الإسلام لم يسبق ابن عربي إليه فيما أعلم أحد من أهل القبلة ~~بل ولا من اليهود ولا من النصارى بل جميع أهل الملل مطبقون على كفر فرعون ~~فهذا عند الخاصة والعامة أبين من أن يستدل عليه بدليل فإنه لم يكفر أحد ~~بالله ويدعي لنفسه الربوبية والإلهية مثل فرعون ولهذا ثنى الله قصته في ~~القرآن في مواضع فإن القصص إنما هي أمثال مضروبة للدلالة على الإيمان وليس ~~في الكفار أعظم من كفره والقرآن قد دل على كفره وعذابه في الآخرة في مواضع ~~أحدها قوله تعالى في القصص * (فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين) * إلى قوله * (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة هم من المقبوحين) * فأخبر سبحانه أنه أرسله إلى فرعون وقومه وأخبر ~~أنهم كانوا قوما فاسقين وأخبر أنهم * (قالوا ما هذا إلا سحر مفترى) * وأخبر ~~أن فرعون قال * (ما علمت لكم من إله غيري) * وأنه أمر باتخاذ ms211 الصرح ليطلع ~~إلى إله موسى وأنه يظنه كاذبا وأخبر أنه استكبر فرعون وجنوده وظنوا أنهم لا ~~يرجعون إلى الله وأنه أخذ فرعون وجنوده فنبذهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين وأنه جعلهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأنه ~~أتبعهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين PageV02P254 # فهذا نص في أن فرعون من الفاسقين المكذبين لموسى الظالمين الداعين إلى ~~النار الملعونين في الدنيا بعد غرقهم المقبوحين في الدار الآخرة وهذا نص في ~~أن فرعون بعد غرقه ملعون وهو في الآخرة مقبوح غير منصور وهذا إخبار عن غاية ~~العذاب وهو موافق للموضع الثاني في سورة المؤمن وهو قوله * (وحاق بآل فرعون ~~سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب) * وهذا إخبار عن فرعون وقومه أنه حاق بهم سوء العذاب في ~~البرزخ وأنهم في القيامة يدخلون أشد العذاب وهذه الآية أحد ما استدل به ~~العلماء على عذاب البرزخ وإنما دخلت الشبهة على هؤلاء الجهال لما سمعوا آل ~~فرعون فظنوا أن فرعون خارج منهم وهذا تحريف للكلم عن مواضعه بل فرعون داخل ~~في آل فرعون بلا نزاع بين أهل العلم بالقرآن واللغة يتبين ذلك بوجوه أحدها ~~أن لفظ آل فلان في الكتاب والسنة يدخل فيها ذلك الشخص مثل قومه في الملائكة ~~الذي ضافوا إبراهم * (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم ~~أجمعين إلا امرأته) * ثم قال * (فلما جاء آل لوط المرسلون قال) * يعني لوطا ~~* (إنكم قوم منكرون) * وكذلك قوله * (إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط ~~نجيناهم بسحر) * ثم قال بعد ذلك * (ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا ~~كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر) * ومعلوم أن لوطا في هذه المواضع وكذلك ~~فرعون داخل في آل فرعون والمكذبين المأخوذين ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وكذلك ~~قوله كما باركت على آل إبراهيم فإبراهيم داخل في ذلك ms212 وكذلك قوله للحسن إن ~~الصدقة لا تحل لآل محمد وفي الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى قال كان القوم ~~إذا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة يصلي عليهم فأتى أبي بصدقة ~~فقال اللهم صل على آل أبي أوفى وأبو أوفى هو صاحب الصدقة PageV02P255 # ونظير هذا الاسم أهل البيت فإن الرجل يدخل في أهل بيته كقول الملائكة * ~~(رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) * وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~سلمان منا أهل البيت وقوله تعالى * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت) * وذلك لأن آل الرجل ممن يؤول إليه ونفسه ممن يؤول إليه وأهل بيته ~~هم من يأهله وهو ممن يأهل أهل بيته فقد تبين أن الآية التي ظنوا أنها حجة ~~لهم هي حجة عليهم في تعذيب فرعون مع سائر آل فرعون في البرزخ وفي يوم ~~القيامة ويبين ذلك أن الخطاب في القصة كلها إخبار عن فرعون وقومه قال تعالى ~~* (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ~~ساحر كذاب) * إلى قوله * (قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا ~~سبيل الرشاد) * إلى قوله * (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ ~~الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى) * إلى قوله * (وحاق بآل فرعون ~~سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) * إلى قوله * (قال الذين ~~استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد) * فأخبر عقب قوله * ~~(أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) * عن محاجتهم في النار وقول الضعفاء للذين ~~استكبروا وقول المستكبرين للضعفاء * (إنا كل فيها) * ومعلوم أن فرعون هو ~~رأس المستكبرين وهو الذي استخف قومه فأطاعوه ولم يستكبر أحد استكبار فرعون ~~فهو أحق بهذا النعت والحكم من جميع قومه الموضع الثاني وهو حجة عليهم لا ~~لهم قوله تعالى * (فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود) * إلى قوله * (بئس الرفد ~~المرفود) * فأخبر أن يقدم قومه ولم يقل يسوقهم وأنه أوردهم النار ms213 ومعلوم أن ~~المتقدم إذا أورد المتأخرين النار كان هو أول من يردها وإلا لم يكن قادما ~~بل كان سائقا يوضح ذلك أنه قال * (وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة) * ~~فعلم أنه وهم يردون النار وأنهم جميعا ملعونون في الدنيا والآخرة ~~PageV02P256 # وما أخلق المحاج عن فرعون أن يكون بهذه المثابة فإن المرء مع من أحب * ~~(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) * وأيضا فقد قال الله تعالى * (فلولا كانت ~~قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا) * يقول هلا آمن قوم ~~فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس وقال تعالى * (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض) * ~~إلى قوله * (سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) * فأخبر ~~عن الأمم المكذبين للرسل أنهم آمنوا عند رؤية البأس وأنه لم يك ينفعهم ~~إيمانهم حينئذ وأن هذه سنة الله الخالية في عباده وهذا مطابق لما ذكره الله ~~في قوله لفرعون * (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) * فإن هذا الخطاب ~~هو استفهام إنكار أي الآن تؤمن وقد عصيت قبل فأنكر أن يكون هذا الإيمان ~~نافعا أو مقبولا فمن قال إنه نافع مقبول فقد خالف نص القرآن وخالف سنة الله ~~التي قد خلت في عباده يبين ذلك أنه لو كان إيمانه حينئذ مقبولا لدفع عنه ~~العذاب كما دفع عن قوم يونس فإنهم لما قبل إيمانهم متعوا إلى حين فإن ~~الإغراق هو عذاب على كفره فإذا لم يكن كافرا لما يستحق عذابا وقوله بعد هذا ~~* (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) * يوجب أن يعتبر من خلفه ولو ~~كان إنما مات مؤمنا لم يكن المؤمن مما يعتبر بإهلاكه وإغراقه وأيضا فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره ابن مسعود بقتل أبي جهل قال هذا فرعون ~~هذه الأمة فضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل في رأس الكفار المكذبين له ~~برأس الكفار المكذبين لموسى فهذا يبين أنه هو الغاية في الكفر فكيف يكون قد ms214 ~~مات مؤمنا ومعلوم أن من مات مؤمنا لا يجوز أن يوسم بالكفر ولا يوصف لأن ~~الإسلام يهدم ما كان قبله وفي مسند أحمد وإسحاق وصحيح أبي حاتم عن عوف بن ~~مالك عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة يأتي ~~مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف PageV02P257 # وسئل رحمه الله عن قوله تعالى * (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ~~ما دامت السماوات والأرض) * وقوله تعالى * (يوم نطوي السماء كطي السجل ~~للكتب) * فأجاب الحمد لله قال طوائف من العلماء أن قوله * (ما دامت ~~السماوات والأرض) * أراد بها سماء الجنة وأرض الجنة كما ثبت في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس ~~فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن وقال بعض العلماء في قوله ~~تعالى * (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون) * هي أرض الجنة وعلى هذا فلا منافاة بين انطواء هذه السماء وبقاء ~~السماء التي هي سقف الجنة إذ كل ما علا فإنه يسمى في اللغة سماء كما يسمى ~~السحاب سماء والسقف سماء وأيضا فإن السماوات وإن طويت وكانت كالمهل ~~واستحالت عن صورتها فإن ذلك لا يوجب عدمها وفسادها بل أصلها باق بتحويلها ~~من حال إلى حال كما قال تعالى * (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) * ~~وإذا بدلت فإنه لا يزال سماء دائمة وأرض دائمة والله أعلم PageV02P258 # 272 فصل وأما قوله * (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) * ~~فالهم اسم جنس تحته نوعان كما قال الإمام أحمد الهم همان هم خطرات وهم ~~إصرار وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إن العبد إذا هم ~~بسيئة لم تكتب عليه وإذا تركها لله كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له سيئة ~~واحدة وإن تركها من غير أن يتركها لله لم تكتب له حسنة ولا تكتب عليه سيئة ~~ويوسف صلى الله عليه وسلم هم هما تركه لله ms215 ولذلك صرف الله عنه السوء ~~والفحشاء لإخلاصه وذلك إنما يكون إذا قام المقتضى للذنب وهو الهم وعارضه ~~الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله فيوسف عليه السلام لم يصدر منه ~~إلا حسنة يثاب عليها وقال تعالى * (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) * وأما ما ينقل من أنه حل سراويله وجلس ~~مجلس الرجل من المرأة وأنه رأى صورة يعقوب عاضا PageV02P272 # على يده وأمثال ذلك فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله وما لم يكن كذلك ~~فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذبا على الأنبياء وقدحا ~~فيهم وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا صلى ~~الله عليه وسلم حرفا واحدا وقوله * (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ~~إلا ما رحم ربي) * فمن كلام امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك دلالة ~~بينة لا يرتاب فيها من تدبر القرآن حيث قال تعالى * (وقال الملك ائتوني به ~~فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن ~~أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش ~~لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن ~~نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور ~~رحيم) * فهذا كله كلام امرأة العزيز ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى ~~الملك ولا سمع كلامه ولا رآه ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة ~~العزيز * (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) * أي لم أخنه في حال مغيبه عني ~~وإن كنت في حال شهودته راودته فحينئذ * (وقال الملك ائتوني به أستخلصه ~~لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين) * وقد قال كثير من ~~المفسرين إن هذا من كلام يوسف ms216 ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول وهو قول في ~~غاية الفساد ولا دليل عليه بل الأدلة تدل على نقيضه وقد بسط الكلام على هذه ~~الأمور في غير هذا الموضع PageV02P273 # فصل وسئل الشيخ الإمام العالم العامل الحبر الكامل شيخ الإسلام ومفتي ~~الأنام تقي الدين ابن تيمية أيده الله وزاده من فضله العظيم عن الصبر ~~الجميل في قوله تعالى * (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) * و * ~~(الصفح) * الهجر الجميل وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه الناس فأجاب ~~رحمه الله الحمد لله أما بعد الله أمر نبيه بالهجر الجميل والصفح الجميل ~~والصبر الجميل فالهجر الجميل هجر بلا أذى والصفح الجميل صفح بلا عتاب ~~والصبر الجميل صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه الصلاة والسلام * (إنما أشكو ~~بثي وحزني إلى الله) * مع قوله * (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) ~~* فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل ويروى عن موسى عليه الصلاة ~~والسلام أنه كان يقول اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك ~~المستغاث وعليك التكلان ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إليك أشكو ~~ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي اللهم ~~إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي ~~فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ~~وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك لك العتبى ~~حتى ترضى وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر * (إنما أشكو ~~بثي وحزني إلى الله) * ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف بخلاف الشكوى ~~إلى المخلوق قرىء على الإمام أحمد في مرض موته أن طاووسا كره أنين المريض ~~وقال إنه شكوى فما أن حتى مات وذلك أن المشتكي طالب بلسان PageV02P294 # الحال إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه دون ~~خلقه كما قال تعالى * (فإذا فرغت فانصب ms217 وإلى ربك فارغب) * وقال لابن عباس ~~إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ولا بد للإنسان من شيئين ~~طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور ~~فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر قال تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) * إلى قوله * (وإن تصبروا وتتقوا ~~لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط) * وقال تعالى * (بلى إن ~~تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين) * وقال تعالى * (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ~~عزم الأمور) * وقد قال يوسف * (أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من ~~يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) * ولهذا كان الشيخ عبد القادر ~~الجيلاني ونحوه من المشائخ المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين ~~المسارعة إلى فعل المأمور والتقاعد عن فعل المحظور والصبر والرضا بالأمر ~~المقدور وذلك أن هذا الموضع غلط فيه كثير من العامة بل ومن السالكين فمنهم ~~من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون الدينية فيرى أن الله خالق كل ~~شيء وربه ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يسخطه ويبغضه وإن قدره ~~وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية وبين توحيد الربوبية فيشهد الجمع الذي ~~يشترك فيه جميع المخلوقات سعيدها وشقيها مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن ~~والكافر والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبىء الكاذب وأهل الجنة وأهل ~~النار وأولياء الله وأعداؤه والملائكة المقربون والمردة الشياطين فإن هؤلاء ~~كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية وهو أن الله ربهم وخالقهم ~~ومليكهم لا رب لهم غيره ولا يشهد الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه ~~PageV02P295 # وأعدائه وبين المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار وأهل الجنة والنار وهو ~~توحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته رسوله وفعل ما يحبه ~~ويرضاه وهو ما أمر به ورسوله أمر ms218 إيجاب أو أمر استحباب وترك ما نهى الله ~~عنه ورسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان فمن لم يشهد هذه ~~الحقيقة الدينية الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء ويكون مع أهل الحقيقة الدينية ~~وإلا فهو من جنس المشركين وهو شر من اليهود والنصارى فإن المشركين يقرون ~~بالحقيقة الكونية إذ هم يقرون بأن الله رب كل شيء كما قال تعالى * (ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) * وقال ~~تعالى * (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون ~~قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من ~~بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل ~~فأنى تسحرون) * ولهذا قال سبحانه * (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) ~~* قال بعض السلف تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا ~~يعبدون غيره فمن أقر بالقضاء والقدر دون الأمر والنهي الشرعيين فهو أكفر من ~~اليهود والنصارى فإن أولئك يقرون بالملائكة والرسل الذين جاؤوا بالأمر ~~والنهي الشرعيين لكن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما قال تعالى * (إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا) * وأما ~~الذي يشهد الحقيقة الكونية وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة ويقر أن العباد ~~كلهم تحت القضاء والقدر ويسلك هذه الحقيقة فلا يفرق بين المؤمنين والمتقين ~~الذين أطاعوا أمر الله الذي بعث به رسله وبين من عصى الله ورسوله من الكفار ~~والفجار فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في ~~بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر ~~والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار وبين PageV02P296 # بعض الفجار ولا يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه فيكون ناقص الإيمان ~~بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار ويكون معه ms219 من الإيمان بدين الله تعالى ~~الفارق بحسب ما فرق بين أوليائه وأعدائه ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين ~~دون القضاء والقدر كان من القدرية كالمعتزلة وغيرهم الذين هم مجوس هذه ~~الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس ~~ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من أتباع إبليس الذي اعترض على الرب ~~سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه فهذا التقسيم في القول والاعتقاد وكذلك هم ~~في الأحوال والأفعال فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي الله فيفعل ~~المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما يصيبه من المقدور فهو عند الأمر والنهي ~~والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما قال تعالى * (إياك نعبد وإياك ~~نستعين) * وإذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ~~ولا يرى للمخلوق حجة على رب الكائنات بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في ~~الحديث الصحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله ~~إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما ~~صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ~~فيقر بنعمة الله عليه في الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ويقر ~~بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما قال بعضهم أطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك ~~بعلمك والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا غفرت لي وفي ~~الحديث الصحيح الإلهي يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ~~فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وهذا له ~~تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع وآخرون قد يشهدون الأمر فقط فتجدهم يجتهدون ~~في الطاعة حسب الاستطاعة لكن ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة ~~الاستعانة والتوكل والصبر وآخرون PageV02P297 # يشهدون القدر فقط فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند ~~أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر الله ورسوله واتباع شريعته وملازمة ما جاء به ms220 ~~الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم ~~يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينه والقسم الرابع شر ~~الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه فلا هو مع الشريعة الأمرية ولا من ~~القدر الكوني وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل وقوع المقدور من ~~توكل واستعانة ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم في التقوى ~~وهي طاعة الأمر الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة ~~أقسام أحدها أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم من أهل السعادة ~~في الدنيا والآخرة والثاني الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين ~~يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات لكن إذا أصيب أحدهم في ~~بدنه بمرض ونحوه أو في ماله أو في عرض أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر ~~هلعه والثالث قوم له نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ما ~~يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما ~~يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك ~~في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرئاسة والعلو ~~على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها أكثر الناس ~~وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون في مثل ما ~~يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام وهؤلاء هم الذين يريدون ~~علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرئاسة والعلو على الخلق ومن طلاب الأموال ~~بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة وغير ذلك يصبرون ~~على على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور ~~وفعلوه من المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب كالمرض ~~والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر وأما القسم الرابع فهو شر ~~الأقسام لا يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ابتلوا ms221 بل هم كما قال الله ~~تعالى * (إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا) * ~~PageV02P298 # فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم إذا قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم إذا ~~قهروا إن قهرتهم ذلوا لك ونافقوك وحابوك واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به ~~عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم المسؤول وإن قهروك كانوا من أظلم ~~الناس وأقساهم قلبا وأقلهم رحمة وإحسانا وعفوا كما قد جربه المسلمون في كل ~~من كان عن حقائق الإيمان أبعد مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم ~~في كثير من أمورهم وإن كان متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم ~~وتجارهم وصناعهم فالاعتبار بالحقائق فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ~~أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب ~~التتار وأعمالهم كان شبيها لهم من هذا الوجه وكان ما معه من الإسلام أو ما ~~يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه بل يوجد في غير ~~التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق ~~الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار وفي الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي ~~محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وإذا كان خير الكلام كلام الله ~~وخير الهدي هدي محمد فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال ~~أقرب وهو به أحق ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف كان عن الكمال أبعد ~~وبالباطل أحق والكامل هو من كان لله أطوع وعلى ما يصيبه أصبر فكلما كان ~~أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه وصبرا على ~~ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ~~ذلك وقد ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من كتابه وبين أنه ~~ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين والمنافقين وعلى ms222 من ~~ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة قال الله تعالى * (بلى إن تصبروا ~~وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) * ~~وقال الله تعالى * (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ~~عزم الأمور) * وقال تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ~~لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم ~~أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ~~وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ~~من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم ~~وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله ~~بما يعملون محيط) * PageV02P299 # وقال إخوة يوسف له * (أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله ~~علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) * وقد قرن الصبر ~~بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى * (واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى ~~يحكم الله وهو خير الحاكمين) * وفي اتباع ما أوحي إليه التقوى كلها تصديقا ~~لخبر الله وطاعة لأمره وقال تعالى * (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين) * وقال تعالى * (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح ~~بحمد ربك بالعشي والإبكار) * وقال تعالى * (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل) * وقال تعالى * (واستعينوا ~~بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) * وقال تعالى * (استعينوا ~~بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) * فهذه مواضع قرن فيه الصلاة والصبر ~~وقرن بين الرحمة والصبر في مثله قوله تعالى * (وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة) * وفي الرحمة والإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضا ~~رباعية إذ من الناس من يصبر ولا ms223 يرحم كأهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا ~~يصبر كأهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا يصبر ~~ولا يرحم كأهل القسوة والهلع والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء ~~في المتولي ينبغي أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف فبصبره يقوى ~~وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه الله ~~تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنما يرحم الله PageV02P300 # من عباده الرحماء وقال من لا يرحم لا يرحم وقال لا تنزع الرحمة إلا من ~~شقي وقال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ~~والله أعلم انتهى PageV02P301 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة الرعد فصل قال تعالى * (أنزل من السماء ماء ~~فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال) * ~~شبه ما ينزل من السماء على القلوب من الإيمان القرآن فيختلط بالشبهات ~~والأهواء المغوية بالمطر الذي يحتمل سيله الزبد وبالذهب والفضة والحديد ~~ونحوه إذا أذيب بالنار فاحتمل الزبد فقذفه بعيدا عن القلب وجعل ذلك الزبد ~~هو مثل ذلك الباطل الذي لا منفعة فيه وأما ما ينفع الناس من الماء والمعادن ~~فهو مثل الحق النافع فيستقر ويبقى في القلب وقال شيخ الإسلام رحمه الله ~~تعالى فصل في قوله تعالى * (وجعلوا لله شركاء قل سموهم) * قيل المراد سموهم ~~بأسماء حقيقية لها معان تستحق بها الشرك له والعبادة فإن لم تقدروا بطل ما ~~تدعونه PageV02P312 # وقيل إذا سميتموها آلهة فسموها باسم الإله كالخالق والرازق فإذا كانت هذه ~~كاذبة عليها فكذلك اسم الآلهة وقد حام حول معناها كثير من المفسرين فما ~~شفوا عليلا ولا أرووا غليلا وإن كان ما قالوه صحيحا فتأمل ما قبل الآية وما ~~بعدها يطلعك على حقيقة المعنى فإنه سبحانه يقول * (أفمن هو قائم على كل نفس ms224 ~~بما كسبت) * وهذا استفهام تقرير يتضمن إقامة الحجة عليهم ونفي كل معبود مع ~~الله الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت بعلمه وقدرته وجزائه في الدنيا ~~والآخرة فهو رقيب عليها حافظ لأعمالها مجاز لها بما كسبت من خير وشر فإذا ~~جعلتم أولئك شركاء فسموهم إذ بالأسماء التي يسمى بها القائم على كل نفس بما ~~كسبت فإنه سبحانه يسمى بالحي المحيي المميت السميع البصير الغني عما سواه ~~وكل شيء فقير إليه ووجوه كل شيء به فهل تستحق آلهتكم اسما من تلك الأسماء ~~فإن كانت آلهة حقا فسموها باسم من هذه الأسماء وذلك بهت بين فإذا انتفى ~~عنها ذلك علم بطلانها كما علم بطلان مسماها وأما إن سموها بأسمائها الصادقة ~~عليها كالحجارة وغيرها من مسمى الجمادات وأسماء الحيوان التي عبدوها من دون ~~الله كالبقر وغيرها وبأسماء الشياطين الذين أشركوهم مع الله جل وعلا ~~وبأسماء الكواكب المسخرات تحت أوامر الرب والأسماء الشاملة لجميعها أسماء ~~المخلوقات المحتاجات المدبرات المقهورات وكذلك بنو آدم عبادة بعضهم بعضا ~~فهذه أسماؤها الحق وهي تبطل إلهيتها لأن الأسماء التي من لوازم الإلهية ~~مستحيلة عليها فظهر أن تسميتها آلهة من أكبر الأدلة على بطلان إلهيتها ~~وامتناع شركاء لله عز وجل PageV02P313 # 324 فصل * (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) * قال شيخ ~~الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله الحمد لله رب العالمين هذه ~~المسألة مبنية على أصلين أحدهما الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به ~~سبحانه فعلا من المخاطب بل هو الذي يكون المخاطب به ويخلقه بدون فعل من ~~المخاطب أو قدرة أو إرادة أو وجود له وبين خطاب التكليف الذي يطلب به من ~~المأمور فعلا أو تركا يفعله بقدرة وإرادة وإن كان ذلك جميعه بجول الله ~~وقوته إذ لا حول ولا قوة إلا بالله وهذا الخطاب قد تنازع فيه الناس هل يصح ~~أن يخاطب به المعدوم بشرط وجوده أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده لا ~~نزاع بينهم أنه لا يتعلق ms225 به حكم الخطاب إلا بعد وجوده وكذلك تنازعوا في ~~الأول هل هو خطاب حقيقي أو هو عبارة عن الاقتدار وسرعة التكوين بالقدرة ~~والأول هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة والأصل الثاني أن المعدوم في ~~حال عدمه هل هو شيء أم لا فإنه قد ذهب طوائف من متكلمة المعتزلة والشيعة ~~إلى أنه شيء في الخارج وذات عين وزعموا أن الماهيات غير مجعولة ولا مخلوقة ~~وأن وجودها زائد على حقيقتها وكذلك ذهب إلى هذا طوائف من PageV02P324 # المتفلسفة والاتحادية وغيرهم من الملاحدة والذي عليه جماهير الناس وهو ~~قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين إلى السنة والجماعة أنه في الخارج عن ~~الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلا ولا ذات ولا عين وأنه ليس في الخارج شيئان ~~أحدهما حقيقة والآخر وجوده الزائد على خقيقته فإن الله ابدع الذوات التي هي ~~الماهيات فكل ما سواه سبحانه فهو مخلوق ومجعول ومبدع ومبدو له سبحانه ~~وتعالى لكن في هؤلاء من يقول المعدوم ليس بشيء أصلا وإنما سمي شيئا باعتبار ~~ثبوته في العلم كان مجازا ومنهم من يقول لا ريب أن له ثبوتا في العلم ~~ووجودا فيه فهو باعتبار هذا الثبوت والوجود هو شيء وذات وهؤلاء لا يفرقون ~~بين الوجود والثبوت كما فرق من قال المعدوم شيء ولا يفرقون في كون المعدوم ~~ليس بشيء من الممكن والممتنع كما فرق من قال المعدوم شيء ولا يفرقون في كون ~~المعدوم ليس بشيء بين الممكن والممتنع كما فرق أولئك إذ قد اتفقوا على أن ~~الممتنع ليس بشيء وإنما النزاع في الممكن وعمدة من جعله شيئا إنما هو لأنه ~~ثابت في العلم وباعتبار ذلك صح أن يخص بالقصد والخلق والخير عنه والأمر به ~~والنهي عنه وغير ذلك قالوا وهذه التخصيصات تمتنع أن تتعلق بالعدم والمحض ~~فإن خص الفرق بين الوجود الذي هو الثبوت العيني وبين الوجود الذي هو الثبوت ~~العلمي زالت الشبهة في هذا الباب وقوله تعالى * (إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون) * وذلك الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقبل ms226 توجيه ~~هذا الخطاب إليه وبذلك كان مقدرا مقضيا فإن سبحان وتعالى يقول ويكتب من ما ~~يعلمه ما شاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم ~~في صحيحه عن عبد الله بن عمر أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كان الله ولم يكن شيء معه وكان عرشه على ~~الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض وفي سنن أبي داود وغيره ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب ~~فقال ما أكتب قال ما هو كائن إلى يوم القيامة إلى أمثال ذلك من النصوص التي ~~تبين أن المخلوق قبل أن يخلق كان معلوما مخبرا عنه مكتوبا فيه شيء باعتبار ~~وجوده العلمي الكلامي الكتابي وإن كانت حقيقته التي هي وجوده العيني ليس ~~ثابتا في الخارج بل هو عدم محض ونفي صرف وهذه المراتب الأربعة المشهورة ~~موجودات وقد ذكرها الله سبحانه في أول سورة أنزلها على نبيه في قوله * ~~(اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) * وقد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا ~~الموضع وإذا كان كذلك كان الخطاب موجها إلى من توجهت إليه الإرادة وتعلقت ~~به القدرة وخلق وكون كما قال * (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون) * فالذي يقال له كن هو الذي يراد وهو حين يراد قبل أن يخلق له ثبوت ~~وتميز في العلم والتقدير ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره وبهذا ~~يحصل الجواب عن PageV02P325 # التقسيم فإن قول السائل إن كان المخاطب موجودا فتحصيل الحاصل محال يقال ~~له هذا إذا كان موجود في الخارج وجوده الذي هو وجوده ولا ريب أن المعدوم ~~ليس موجودا ولا هو في نفسه ثابت وأما ما علم وأريد وكان ms227 شيئا في العلم ~~والإرادة والتقدير فليس وجوده في الخارج محالا بل جميع المخلوقات لا توجد ~~إلا بعد وجودها في العلم والإرادة وهو قول السائل إن كان معدوما فكيف يتصور ~~خطاب المعدوم ويقال له أما إذا قصد أن يخاطب المعدوم في الخطاب بخطاب يفهمه ~~ويمتثله فهذا محال إلا من شرط المخاطب أن يتمكن من الفهم والفعل والمعدوم ~~لا يتصور أن يفهم ويفعل فيمتنع خطاب التكليف له حال عدمه بمعنى أنه يطلب ~~منه حين عدمه أن يفهم ويفعل وكذلك أيضا يمتنع أن يخاطب المعدوم في الخارج ~~خطاب تكوين بمعنى أن يعتقد أنه شيء ثابت في الخارج وأنه يخاطب بأن يكون ~~وأما الشيء المعلوم المذكور المكتوب إذا كان توجيه خطاب التكوين إليه مثل ~~توجيه الإرادة إليه فليس ذلك محالا بل هو أمر ممكن بل مثل ذلك يجده الإنسان ~~في نفسه فيقد أمر ا في نفسه يريد أن يفعله ويوجه إرادته وطلبه إلى ذلك ~~المراد المطلوب الذي قدره في نفسه ويكون حصول المراد المطلوب بحسب قدرته ~~فإن كان قادرا على حصوله حصل مع الإرادة والطلب الجازم وإن كان عاجزا لم ~~يحصل وقد يقول الإنسان ليكن كذا ونحو ذلك من صيغ الطلب فيكون المطلوب بحسب ~~قدرته عليه والله سبحانه على كل شيء قدير وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~فإن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون PageV02P326 # فصل في قوله تعالى * (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) * سئل ~~شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه عن قول النبي صلى الله عليه وسلم دعوة ~~أخي ذي النون * (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) * ما دعا بها ~~مكروب إلا فرج الله كربته ما معنى هذه الدعوة ولم كانت كاشفة للكرب وهل لها ~~شروط باطنة عند النطق بلفظها وكيف مطابقة اعتقاد القلب لمعناها حتى يوجب ~~كشف ضره وما مناسبة ذكره * (إني كنت من الظالمين) * مع أن التوحيد يوجب كشف ~~الضر وهل يكفيه اعترافه أم لا بد من التوبة ms228 والعزم في المستقبل وما هو السر ~~في أن كشف الضر وزواله يكون عند انقطاع الرجاء عن الخلق والتعلق بهم وما ~~الحيلة في انصراف القلب عن الرجاء للمخلوقين والتعلق بهم بالكلية وتعلقه ~~بالله تعالى ورجائه وانصرافه إليه بالكلية وما السبب المعين على ذلك فأجاب ~~الحمد لله رب العالمين لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين دعاء ~~العبادة ودعاء المسألة قال الله تعالى * (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون ~~من المعذبين) * وقال تعالى * (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ~~فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) * وقال تعالى * (ولا تدع مع ~~الله إلها آخر لا إله إلا هو) * وقال * (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا ~~يكونون عليه لبدا) * وقال * (إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا) * وقال تعالى * (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا ~~يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) * ~~وقال تعالى * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ولا يزنون) * وقال في آخر السورة * (قل ما يعبأ بكم ربي ~~لولا دعاؤكم) * PageV02P358 # قيل لولا دعاؤكم إياه وقيل لولا دعاؤه إياكم فإن المصدر يضاف إلى الفاعل ~~تارة وإلى المفعول تارة ولكن إضافته إلى الفاعل أقوى لأنه لا بد له من فاعل ~~فلهذا كان هذا أقوى القولين أي ما يعبأ بكم لولا أنكم تدعونه فتعبدونه ~~وتسألونه * (فقد كذبتم فسوف يكون لزاما) * أي عذاب لازم للمكذبين ولفظ ~~الصلاة في اللغة أصله الدعاء وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معنى الدعاء وهو ~~العبادة والمسألة وقد فسر قوله تعالى * (ادعوني أستجب لكم) * بالوجهين قيل ~~اعبدوني وامتثلوا أمري أستجب لكم كما قال تعالى * (ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات) * أي يستجيب لهم وهو معروف في اللغة يقال استجابه واستجاب ~~له كما قال الشاعر * وداع دعايا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك ~~مجيب * وقيل سلوني أعطكم وفي الصحيحين عن النبي صلى الله ms229 عليه وسلم أنه قال ~~ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من ~~يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له فذكر أولا لفظ ~~الدعاء ثم ذكر السؤال والاستغفار والمستغفر سائل كما أن السائل داع لكن ذكر ~~السائل لدفع الشر بعد السائل الطالب للخير وذكرهما جميعا بعد ذكر الداعي ~~الذي تناولهما وغيرهما فهو من باب عطف الخاص على العام وقال تعالى * (وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) * وكل سائل راغب راهب ~~فهو عابد للمسؤول ولك عابد له فهو أيضا راغب وراهب يرجو رحمته ويخاف عذابه ~~فكل عابد سائل وكل سائل عابد فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه ولكن ~~إذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ ~~السؤال والطلب ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن في ذلك ~~صيغ سؤال والعابد الذي يريد وجه الله والنظر إليه هو أيضا راج خائف راغب ~~راهب يرغب في حصول مراده ويرهب من فواته قال تعالى * (إنهم كانوا يسارعون ~~في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا) * وقال تعالى * (تتجافى جنوبهم عن المضاجع ~~يدعون ربهم خوفا وطمعا) * ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء ~~مسألة من الرغب والرهب من الخوف والطمع وما يذكر عن بعض الشيوخ أنه جعل ~~الخوف والرجاء من مقامات العامة فهذا قد يفسر PageV02P359 # مراده بأن المقربين يريدون وجه الله فيقصدون التلذذ بالنظر إليه وإن لم ~~يكن هناك مخلوق يتلذذون به وهؤلاء يرجون حصول هذا المطلوب ويخافون حرمانه ~~فلم يخلوا عن الخوف والرجاء لكن مرجوهم بحسب مطلوبهم ومن قال من هؤلاء لم ~~أعبدك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك فهو يظن أن الجنة اسم لما يتمتع فيه ~~بالمخلوقات والنار اسم لما لا عذاب فيه إلا ألم المخلوقات وهذا قصور وتقصير ~~منهم عن فهم مسمى الجنة بل كل ما أعده الله لأوليائه فهو من الجنة والنظر ~~إليه هو من الجنة ولهذا كان ms230 أفضل الخلق يسأل الله الجنة ويستعيذ به من ~~النار ولما سأل بعض أصحابه عما يقول في صلاته قال إني أسأل الله الجنة ~~وأعوذ بالله من النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولها ~~فدندن وقد أنكر على من قال هذا الكلام يعني أسألك لذة النظر إلى وجهك فريق ~~من أهل الكلام ظنوا أن الله لا يتلذذ بالنظر إليه وأنه لا نعيم إلا بمخلوق ~~فغلط هؤلاء في معنى الجنة كما غلط أولئك لكن أولئك طلبوا ما يستحق أن يطلب ~~وهؤلاء أنكروا ذلك وأما التألم بالنار فهو أمر ضروري ومن قال لو أدخلني ~~النار لكنت راضيا فهو عزم منه على الرضا والعزائم قد تنفسخ عند وجود ~~الحقائق ومثل هذا يقع في كلام طائفة مثل سمنون الذي قال * وليس لي في سواك ~~حظ * فكيف ما شئت فامتحني * فابتلي بعسر البول فجعل يطوف على صبيان المكاتب ~~ويقول ادعوا لعمكم الكذاب قال تعالى * (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن ~~تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) * وبعض من تكلم في علل المقامات جعل الحب ~~والرضا والخوف والرجاء من مقامات العامة بناء على مشاهدة القدر وأن من شهد ~~القدر فشهد توحيد الأفعال حتى فني من لم يكن وبقي من لم يزل يخرج عن هذه ~~الأمور وهذا كلام مستدرك حقيقة وشرعا أما الحقيقة فإن الحي لا يتصور أن لا ~~يكون حساسا محبا لما يلائمة مبغضا لما ينافره ومن قال إن إن الحي يستوي ~~عنده جميع المقدورات فهو أحد رجلين إما أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل ~~وإما أنه مكابر معاند ولو قدر أن الإنسان حصل له حال أزال عقله سواء سمى ~~اصطلاما أو محوا أو فناء أو غشيا أو ضعفا فهذا لم يسقط إحساس نفسه بالكلية ~~بل له إحساس بما يلائمه وما ينافره وإن سقط إحساسه ببعض الأشياء فإنه لم ~~يسقط بجميعها PageV02P360 # فمن زعم أن المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا ~~يشهد فرقا فإنه غالط بل لا بد من الفرق ms231 فإنه أمر ضروري لكن إذا خرج عن ~~الفرق الشرعي بقي في الفرق الطبعي فيبقى متبعا لهواه لا مطيعا لمولاه ولهذا ~~لما وقعت هذه المسألة بين الجنيد وأصحابه ذكر لهم الفرق الثاني وهو أن يفرق ~~بين المأمور والمحظور وبين ما يحبه الله وما يكرهه مع شهوده للقدر الجامع ~~فيشهد الفرق في القدر الجامع ومن لم يفرق بين المأمور والمحظور خرج عن دين ~~الإسلام وهؤلاء الذين يتكلمون في الجمع لا يخرجون عن الفرق الشرعي بالكلية ~~وإن خرجوا عنه كانوا كفارا من شر الكفار وهم الذين يخرجون إلى التسوية بين ~~الرسل وغيرهم ثم يخرجون إلى القول بوحدة الوجود فلا يفرقون بين الخالق ~~والمخلوق ولكن ليس كل هؤلاء ينتهون إلى هذا الإلحاد بل يفرقون من وجه دون ~~وجه فيطيعون الله ورسوله تارة كالعصاة من أهل القبلة وهذه الأمور مبسوطة في ~~غير هذا الموضع والمقصود هنا أن لفظ الدعوة والدعاء يتناول هذا وهذا قال ~~الله تعالى * (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) * وفي الحديث أفضل ~~الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله رواه ابن ماجة وابن أبي ~~الدنيا وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره ~~دعوة أخي ذي النون لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ما دعا بها ~~مكروب إلا فرج الله كربته سماها دعوة لأنها تتضمن نوعي الدعاء فقوله لا إله ~~إلا أنت اعتراف بتوحيد الإلهية وتوحيد الإلهية يتضمن أحد نوعي الدعاء فإن ~~الإله هو المستحق لأن يدعى دعاء عباده ودعاء مسألة وهو الله لا إله إلا هو ~~وقوله * (إني كنت من الظالمين) * اعتراف بالذنب وهو يتضمن طلب المغفرة فإن ~~الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب وتارة يسأل بصيغة الخبر إما يوصف حاله ~~وإما بوصف حال المسؤول وإما بوصف الحالين كقول نوح عليه السلام * (رب إني ~~أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) ~~* فهذا ليس صيغة طلب وإنما هو إخبار عن الله أنه إن ms232 لم يغفر له ويرحمه خسر ~~ولكن هذا الخبر يتضمن سؤال المغفرة وكذلك قول آدم عليه السلام * (ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) * هو من هذا ~~الباب ومن ذلك قول PageV02P361 # موسى عليه السلام * (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) * فإن هذا وصف ~~لحاله بأنه فقير إلى ما أنزل الله إليه من الخير وهو متضمن لسؤال الله ~~إنزال الخير إليه وقد روى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ~~رواه الترمذي وقال حديث حسن ورواه مالك بن الحويرث وقال من شغله ذكري عن ~~مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وأظن البيهقي رواه مرفوعا بهذا اللفظ ~~وقد سئل سفيان بن عيينة عن قوله أفضل الدعاء يوم عرفة لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فذكر هذا الحديث وأنشد ~~قول أمية بن أبي الصلت يمدح ابن جدعان * أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حباؤك ~~إن شيمتك الحباء * * إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرضه الثناء * ~~قال فهذا مخلوق يخاطب مخلوقا فكيف بالخالق تعالى ومن هذا الباب الدعاء ~~المأثور عن موسى عليه السلام اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ~~وبك المستغاث وعليك التكلان فهذا خبر يتضمن السؤال ومن هذا الباب قول أيوب ~~عليه السلام * (أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) * فوصف نفسه ووصف ربه ~~بوصف يتضمن سؤال رحمته بكشف ضره وهي صيغة خبر تضمنت السؤال وهذا من باب حسن ~~الأدب في السؤال والدعاء فقول القائل لمن يعظمه ويرغب إليه أنا جائع أنا ~~مريض حسن أدب في السؤال وإن كان في قوله أطعمني وداوني ونحو ذلك مما هو ~~بصيغة الطلب طلب جازم من المسؤول فذاك فيه إظهار حاله وإخباره على وجه الذل ~~والافتقار المتضمن لسؤال الحال وهذا فيه الرغبة التامة والسؤال المحض بصيغة ~~الطلب وهذه الصيغة صيغة الطلب والاستدعاء إذا كانت لمن يحتاج ms233 إليه الطالب ~~أو ممن يقدر على قهر المطلوب منه ونحو ذلك فإنها تقال على وجه الأمر إما ~~لما في ذلك من حاجة الطالب وإما لما فيه من نفع المطلوب فأما إذا كانت من ~~الفقير من كل وجهه للغني من كل وجه فإنها سؤال محض بتذلل وافتقار وإظهار ~~الحال PageV02P362 # ووصف الحاجة والافتقار هو سؤال بالحال وهو أبلغ من جهة العلم والبيان ~~وذلك أظهر من جهة القصد والإرادة فلهذا كان غالب الدعاء من القسم الثاني ~~لأن الطالب السائل يتصور مقصوده ومراده فيطلبه ويسأله فهو سؤال بالمطابقة ~~والقصد الأول وتصريح به باللفظ وإن لم يكن فيه وصف لحال السائل والمسؤول ~~فإن تضمن وصف حالهما كان أكمل من النوعين فإنه يتضمن الخبر والعلم المقتضى ~~للسؤال والإجابة ويتضمن القصد والطلب الذي هو نفس السؤال فيتضمن السؤال ~~والمقتضى له والإجابة كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي ~~الله تعالى عنه لما قال له علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال قل اللهم إني ~~ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك ~~وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم أخرجاه في الصحيحين فهذا فيه وصف العبد لحال ~~نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه لا يقدر على ~~هذا المطلوب غيره وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه وفيه بيان المقتضى ~~للإجابة وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب وكثير ~~من الأدعية يتضمن بعض ذلك كقول موسى عليه السلام * (أنت ولينا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الغافرين) * فهذا طلب ووصف للمولى بما يقتضي الإجابة ~~وقوله * (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي) * فيه وصف حال النفس والطلب وقوله * ~~(إني لما أنزلت إلي من خير فقير) * فيه الوصف المتضمن للسؤال بالحال فهذه ~~أنواع لكل نوع منها خاصة يبقى أن يقال فصاحب الحوت ومن أشبهه لماذا ناسب ~~حالهم صيغة الوصف والخبر دون صيغة الطلب فيقال لأن المقام مقام اعتراف بأن ~~ما أصابني من الشر كان بذنبي فأصل الشر هو ms234 الذنب والمقصود دفع الضر ~~والاستغفار جاء بالقصد الثاني فلم يذكر صيغة طلب كشف الضر لاستشعاره أنه ~~مسيء ظالم وهو الذي أدخل الضر على نفسه فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه من ~~الاعتراف بظلمه ولم يذكر صيغة طلب المغفرة لأنه مقصود للعبد المكروب بالقصد ~~الثاني بخلاف كشف الكرب فإنه مقصود له في حال وجوده بالقصد الأول إذ النفس ~~بطبعها تطلب ما هي محتاجة إليه من زوال الضرر الحاصل من الحال قبل طلبها ~~زوال ما تخاف وجوده من الضرر في المستقبل بالقصد الثاني والمقصود الأول في ~~هذا المقام هو المغفرة وطلب كشف الضر فهذا مقدم في قصده وإرادته وأبلغ ما ~~ينال به رفع سببه فجاء بما يحصل مقصوده PageV02P363 # وهذا يتبين بالكلام على قوله * (سبحانك) * فإن هذا اللفظ يتضمن تعظيم ~~الرب وتنزيهه والمقام يقتضي تنزيهه عن الظلم والعقوبة بغير ذنب يقول أنت ~~مقدس ومنزه عن ظلمي وعقوبتي بغير ذنب بل أنا الظالم الذي ظلمت نفسي قال ~~تعالى * (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * وقال تعالى * (وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم) * وقال * (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) ~~* وقال آدم عليه السلام * (ربنا ظلمنا أنفسنا) * وكذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي في مسلم في دعاء الاستفتاح اللهم أنت ~~الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ~~ذنوبي جميعا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وفي صحيح البخاري سيد الاستغفار ~~أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على ~~عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعتمك علي وأبوء ~~بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها ~~فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل ~~الجنة فالعبد عليه أن يعترف بعدل الله وإحسانه فإنه لا يظلم الناس شيئا فلا ~~يعاقب أحدا إلا بذنبه وهو يحسن إليهم فكل ms235 نقمة منه عدل وكل نعمة منه فضل ~~فقوله لا إله إلا أنت فيه إثبات انفراده بالإلهية والألهية تتضمن كمال علمه ~~وقدرته ورحمته وحكمته ففيها إثبات إحسانه إلى العباد فإن الإله هو المألوه ~~والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من ~~الصفات التي تستلزمك أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع ~~والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل وقوله * (سبحانك) * يتضمن تعظيمه ~~وتنزيهه عن الظلم وغيره من النقائص فإن التسبيح وإن كان يقال يتضمن نفي ~~النقائص وقد روي في حديث مرسل من مراسيل موسى بن طلحة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قول العبد سبحان الله إنها براءة الله من السوء فالنفي لا ~~يكون مدحا إلا إذا تضمن ثبوتا وإلا فالنفي المحض لا مدح فيه ونفي السوء ~~والنقص عنه يستلزم إثبات محاسنه وكماله ولله الأسماء الحسنى وهكذا عامة ما ~~يأتي به القرآن في نفي السوء والنقص عنه يتضمن إثبات محاسنه وكماله كقوله ~~تعالى * (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) * فنفي أخذ ~~السنة والنوم له يتضمن كمال حياته وقيوميته وقوله * (وما مسنا من لغوب) * ~~يتضمن كمال قدرته ونحو ذلك فالتسبيح المتضمن تنزيهه عن السوء ونفي النقض ~~عنه يتضمن تعظيمه ففي قوله PageV02P364 # * (سبحانك) * تبرئته من الظلم وإثبات العظمة الموجبة له براءته من الظلم ~~فإن الظالم إنما يظلم لحاجته إلى الظلم أو لجهله والله غني عن كل شيء عليم ~~بكل شيء وهو غني بنفسه وكل ما سواه فقير إليه وهذا كمال العظمة وأيضا ففي ~~هذا الدعاء للتهليل والتسبيح فقوله * (لا إله إلا أنت) * تهليل وقوله * ~~(سبحانك) * تسبيح وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر والتحميد مقرون بالتسبيح وتابع له والتكبير مقرون ~~بالتهليل وتابع له وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي ms236 ~~الكلام أفضل قال ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده وفي الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في ~~الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وفي ~~القرآن * (فسبح بحمد ربك) * وقالت الملائكة * (ونحن نسبح بحمدك) * وهاتان ~~الكلمتان إحداهما مقرونة بالتحميد والأخرى بالتعظيم فإنا قد ذكرنا أن ~~التسبيح فيه نفي السوء والنقائص المتضمن إثبات المحاسن والكمال والحمد إنما ~~يكون على المحاسن وقرن بين الحمد والتعظيم كما قرن بين الجلال والإكرام إذ ~~ليس كل معظم محبوبا محمودا ولا كل محبوب محمودا معظما وقد تقدم أن العبادة ~~تتضمن كمال الحب المتضمن معنى الحمد وتتضمن كمال الذل المتضمن معنى التعظيم ~~ففي العبادة حبه وحمده على المحاسن وفيها الذل له الناشئ عن عظمته وكبريائه ~~ففي إجلاله وإكرامه وهو سبحانه المستحق للجلال والإكرام فهو مستحق غاية ~~الإجلال وغاية الإكرام ومن الناس من يحسب أن الجلال هو الصفات السلبية ~~والإكرام الصفات الثبوتية كما ذكر ذلك الرازي ونحوه والتحقيق أن كليهما ~~صفات ثبوتية وإثبات الكمال يستلزم نفي النقائص لكن ذكر نوعي الثبوت وهو ما ~~يستحق أن يعظم كقوله * (إن الله هو الغني الحميد) * وكذلك قوله * (له الملك ~~وله الحمد) * فإن كثيرا ممن يكون له الملك والغنى لا يكون محمودا بل مذموما ~~إذ الحمد يتضمن الإخبار عن المحمود بمحاسنه المحبوبة فيتضمن إخبارا بمحاسن ~~المحبوب محبة له وكثير ممن له نصيب من الحمد والمحبة يكون فيه عجز وضعف وذل ~~ينافي العظمة والغنى والملك فالأول يهاب ويخاف ولا يحب وهذا يحب ويحمد ولا ~~يهاب ولا يخاف والكمال اجتماع الوصفين كما ورد في الأثر أن المؤمن رزق ~~حلاوة ومهابة وفي نعت النبي صلى الله عليه وسلم كان من رآه بديهة هابه ومن ~~خالطه معرفة أحبه PageV02P365 # فقرن التسبيح بالتحميد وقرن التهليل بالتكبير كما في كلمات الأذان ثم إن ~~كل واحد من النوعين يتضمن الآخر إذا أفرد فإن التسبيح والتحميد يتضمن ~~التعظيم ويتضمن إثبات ما يحمد عليه وذلك يستلزم الإلهية فإن الإلهية تتضمن ms237 ~~كونه محبوبا بل تتضمن أنه لا يستحق كمال الحب إلا هو والحمد هو الإخبار عن ~~المحمود بالصفات التي يستحق أن يجب فالإلهية تتضمن كمال الحمد ولهذا كان ~~الحمد لله مفتاح الخطاب وكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجدم ~~وسبحان الله فيها إثبات عظمته كما قدمناه ولهذا قال * (فسبح باسم ربك ~~العظيم) * وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم رواه أهل ~~السنن وقال اما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء ~~فقمن أن يستجاب لكم رواه مسلم فجعل التعظيم في الركوع أخص منه بالسجود ~~والتسبيح يتضمن التعظيم ففي قوله سبحان الله وبحمده إثبات تنزيهه وتعظيمه ~~وإلهيته وحمده وأما قوله لا إله إلا الله والله أكبر ففي لا إله إلا الله ~~إثبات محامده فإنها كلها داخلة في إثبات إلهيته وفي قوله الله أكبر إثبات ~~عظمته فإن الكبرياء تتضمن العظمة ولكن الكبرياء أكمل ولهذا جاءت الألفاظ ~~المشروعة في الصلاة والأذان بقول الله أكبر فإن ذلك أكمل من قول الله أعظم ~~كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى ~~الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما عذبته فجعل العظمة ~~كالإزار والكبرياء كالرداء ومعلوم أن الرداء أشرف فلما كان التكبير أبلغ من ~~التعظيم صرح بلفظه وتضمن ذلك التعظيم وفي قوله سبحان الله صرح فيها ~~بالتنزيه من السوء المتضمن للتعظيم فصار كل من الكلمتين متضمنا معنى ~~الكلمتين الأخريين إذا أفردتا وعند الاقتران تعطي كل كلمة خاصيتها وهذا كما ~~أن كل اسم من أسماء الله فإنه يستلزم معنى الآخر لكن هذا باللزوم وأما ~~دلالة كل اسم على خاصيته وعلى الذات بمجموعهما فبالمطابقة ودلالتها على ~~أحدهما بالتضمن فقول الداعي لا إله إلا أنت سبحانك يتضمن معنى الكلمات ~~الأربع اللاتي هن أفضل الكلام بعد القرآن وهذه الكلمات تتضمن معاني أسماء ~~الله الحسنى وصفاته العليا ففيها كمال المدح وقوله * (إني كنت من الظالمين) ~~* فيه اعتراف بحقيقة حاله وليس لأحد من العباد أن يبرئ ms238 نفسه عن هذا الوصف ~~لا سيما في مقام مناجاته لربه وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى وقال من قال ~~أنا خير من يونس بن متى فقد كذب فمن ظن أنه خير من يونس بحيث يعلم أنه ليس ~~PageV02P366 # عليه أن يعترف بظلم نفسه فهو كاذب ولهذا كان سادات الخلائق لا يفضلون ~~أنفسهم على يونس في هذا المقام بل يقولون كما قال أبوهم آدم وخاتمهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم فصل في بطلان الاحتجاج بقوله تعالى * (إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * سئل شيخ الإسلام حسنة الأيام أحد ~~المجتهدين قامع المبتدعين تقي الدين أحمد بن عبد السلام ابن تيمية الحراني ~~ثم الدمشقي رضي الله عنه عن قوم يحتجون بالقدر ويقولون قد قضي الأمر من ~~الذر فالسعيد سعيد والشقي شقي من الذر ويحتجون بقوله تعالى * (إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * ويقولون ما لنا في جميع الأفعال ~~قدرة وإنما القدرة لله تعالى قدر الخير والشر وكتبه علينا والمراد بيان خطأ ~~هؤلاء بالأدلة القاطعة ويقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ويحتجون ~~بالحديث الذي فيه قوله صلى الله عليه وسلم وإن زنا وإن سرق وبغير ذلك فما ~~الجواب عن هذا جميعه أفتونا مأجورين فأجاب نفعنا الله بعلومه الحمد لله رب ~~العالمين هؤلاء القوم إذا صبروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود ~~والنصارى فإن النصارى واليهود يؤمنون بالأمر والنهي والوعد والوعيد والثواب ~~والعقاب لكن حرفوا وبدلوا وآمنوا ببعض وكفروا ببعض كما قال تعالى * (إن ~~الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد ~~منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما) * فإذا كان من آمن ~~ببعض وكفر ببعض فهو كافر ms239 حقا فكيف بمن كفر بالجميع ومن لم يقر بأمر الله ~~ونهيه ووعده ووعيده بل ترك ذلك محتجا بالقدر فهو أكفر ممن آمن ببعض وكفر ~~ببعض وقول هؤلاء يظهر بطلانه من وجوه أحدها أن الواحد من هؤلاء إما أن يرى ~~القدر حجة للعبد وإما أن لا يراه حجة للعبد فإن كان القدر حجة للعبد فهو ~~حجة لجميع الناس فإنهم كلهم مشتركون في القدر PageV02P367 # وحينئذ يلزمه أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه ويأخذ ماله ويفسد حريمه ~~ويضرب عنقه ويهلك الحرث والنسل وهؤلاء جميعهم كذابون متناقضون فإن أحدهم لا ~~يزال يذم هذا ويبغض هذا ويخالف هذا حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ~~ويعادونه وينكرون عليه فإذا كان القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك الواجبات ~~لزمهم أن لا يذموا أحدا ولا يبغضوا أحدا ولا يقولون عن أحد أنه ظالم ولو ~~فعل ما فعل ومعلوم أن هذا لا يمكن أحدا فعله ولو فعل الناس هذا لهلك العالم ~~فتبين أن قولهم فاسد في العقل كما أنه كفر في الشرع وأنهم كذابون مفترون في ~~قولهم إن القدر حجة للعبد الوجه الثاني أن هذا يلزم منه أن يكون إبليس ~~وفرعون وقوم نوح وقوم هود وكل من أهلكه الله بذنوبه معذورين وهذا من الكفر ~~الذي اتفق عليه أرباب الملل الوجه الثالث أن هذا يلزم منه أن لا يفرق بين ~~أولياء الله وأعداء الله ولا بين المؤمنين والكفار ولا أهل الجنة وأهل ~~النار وقد قال تعالى * (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ~~ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات) * وقال تعالى * (أم ~~نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار) * وقال تعالى * (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) * وذلك أن هؤلاء ~~جميعهم سبقت لهم من الله تعالى السوابق وكتب الله تعالى مقاديرهم قبل أن ~~يخلقهم وهم مع هذا قد انقسموا إلى سعيد بالإيمان والعمل الصالح وإلى شقي ~~بالكفر والفسوق والعصيان ms240 فعلم بذلك أن القضاء والقدر ليس بحجة لأحد على ~~معاصي الله تعالى الوجه الرابع أن القدر نؤمن به ولا نحتج به فمن احتج ~~بالقدر فحجته داحضة ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول ولو كان الاحتجاج ~~بالقدر مقبولا لقبل من إبليس وغيره من العصاة ولو كان القدر حجة للعباد لم ~~يعذب الله أحدا من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة ولو كان القدر حجة لم ~~يقطع سارق ولا قتل قاتل ولا أقيم حد على ذي جريمة ولا جوهد في سبيل الله ~~ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر الوجه الخامس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عن هذا فإنه قال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من ~~الجنة فقيل يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على PageV02P368 # الكتاب فقال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له رواه البخاري ومسلم وفي حديث ~~آخر في الصحيح أنه قيل له يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون ~~أفيما جفت به الأقلام وطويت به الصحف فقيل ففيم العمل فقال اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له الوجه السادس أن يقال إن الله تعالى علم الأمور وكتبها على ما ~~هي عليه فهو سبحانه قد كتب أن فلانا يؤمن ويعمل صالحا فيدخل الجنة وفلانا ~~يفسق ويعصي فيدخل النار كما علم وكتب أن فلانا يتزوج امرأة ويطؤها فيأتيه ~~ولد وأن فلانا يأكل ويشرب فيشبع ويروى وأن فلانا يبذر البذر فينبت الزرع ~~فمن قال إن كنت من أهل الجنة فأنا أدخلها بلا عمل صالح كان قوله قولا باطلا ~~متناقضا لما علمه الله وقدره ومثال من يقول أنا لا أطأ امرأة فإن كان الله ~~قضى لي بولد فهو يولد فهذا جاهل فإن الله تعالى إذا قضى بالولد قضى أن أباه ~~يطأ امرأة فتحبل وتلد فأما الولد بلا حبل ولا وطء فإن الله لم يقدره ولم ~~يكتبه كذلك الجنة إنما أعدها الله تعالى للمؤمنين فمن ظن أنه يدخل الجنة ~~بلا إيمان كان ظنه ms241 باطلا وإذا اعتقد أن الأعمال التي أمر الله بها لا يحتاج ~~إليها ولا فرق بين أن يعملها أو لا يعملها كان كافرا والله قد حرم الجنة ~~إلا على أصحابها فصل وأما قوله تعالى * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) * ~~الآية فمن سبقت له من الله الحسنى فلا بد أن يصير مؤمنا تقيا فمن لم يكن من ~~المؤمنين لم تسبق له من الله الحسنى لكن الله إذا سبقت للعبد منه سابقة ~~استعمله بالعمل الذي يصل به إلى تلك السابقة كمن سبق له من الله تعالى أن ~~يولد له ولد فلا بد أن يطأ امرأة يحبلها فإن الله سبحانه وتعالى قدر ~~الأسباب والمسببات فسبق منه هذا وهذا فمن ظن أن أحدا سبق له من الله الحسنى ~~بلا سبب فقد ضل بل هو سبحانه ميسر الأسباب والمسببات وهو قد قدر فيما مضى ~~هذا وهذا فصل ومن قال أن آدم عليه الصلاة والسلام ما عصى فهو مكذب للقرآن ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإن الله تعالى قال * (وعصى آدم ربه فغوى ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) * والمعصية هي مخالفة الأمر الشرعي فمن خالف ~~أمر الله الذي أرسل فيه رسله وأنزل به كتبه فقد عصاه وإن كان داخلا فيما ~~قدره الله وقضاه وهؤلاء ظنوا أن المعصية هي الخروج عن قدر الله فإن لم تكن ~~المعصية إلا هذا فلا يكون إبليس وفرعون وقوم نوح وقوم عاد وثمود وجميع ~~الكفار عصاة أيضا لأنهم داخلون في قدر الله تعالى ثم قائل هذا يضرب ويهان ~~فإذا تظلم ممن فعل ذلك به قيل له هذا الذي فعل هذا ليس هو بعاص لله ~~PageV02P369 # تعالى فإنه داخل في قدر الله عز وجل كسائر الخلق وقائل هذا القول متناقض ~~لا يثبت على حال فصل وأما قول القائل ما لنا في جميع أفعالنا قدرة فقد كذب ~~فإن الله تعالى فرق بين المستطيع القادر وغير المستطيع وقال * (فاتقوا الله ~~ما استطعتم) * وقال تعالى * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا) * وقال تعالى ms242 * (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم ~~جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة) * والله تعالى قد أثبت للعبد مشيئة وفعلا كما ~~قال تعالى * (لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين) * وقال تعالى * (جزاء بما كانوا يعملون) * لكن الله سبحانه خالقه ~~وخالق كل ما فيه من قدرة ومشيئة وعمل فإنه لا رب غيره ولا إله سواه وهو ~~خالق كل شيء وربه ومليكه فصل وأما قول القائل الزنا من المعاصي مكتوب فهو ~~كلام صحيح لكن هذا لا ينفعه الاحتجاج به فإن الله تعالى كتب أفعال العباد ~~خيرها وشرها وكتب ما يصيرون إليه من السعادة والشقاوة وجعل الأعمال سببا ~~للثواب والعقاب وكتب ذلك كما كتب الأمراض وجعلها سببا للثواب والعقاب وكتب ~~ذلك كما كتب الأمراض وجعلها سببا للمرض والموت فمن أكل السم فإنه يمرض أو ~~يموت والله تعالى قدر وكتب هذا وهذا كذلك من فعل ما نهي عنه من الكفر ~~والفسوق والعصيان فإنه فعل ما كتب عليه وهو مستحق لما كتبه الله من الجزاء ~~لمن عمل ذلك وحجة هؤلاء بالقدر على المعاصي من جنس حجة المشركين الذين قال ~~الله تعالى عنهم * (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ~~نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم) * وقال ~~تعالى * (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ~~من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة ~~فلو شاء لهداكم أجمعين) * PageV02P370 # 454 فصل قال شيخ الإسلام قدس الله روحه ونور ضريحه في قوله تعالى * (إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب ~~عظيم) * PageV02P454 # في طرده الكلام على ما يتعلق بهذه الآية وغيرها فقال وأما الجواب المفصل ~~فمن ثلاثة أوجه أحدها أن هذه الآية في أزواج ms243 النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ~~في قول كثير من أهل العلم فروى هشيم عن العوام بن حوشب ثنا شيخ من بني كاهل ~~قال فسر ابن عباس سورة النور فلما أتى على هذه الآية * (إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات) * إلى آخر الآية قال هذه في شأن عائشة وأزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وهي مبهمة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة ~~مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء) * إلى قوله * (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) * فجعل ~~لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة قال فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ~~ما فسر وقال أبو سعيد الأشج حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن ~~المسيب عن ابن عباس * (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات) * نزلت في عائشة ~~خاصة واللعنة في المنافقين عامة فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت ~~فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعيبه فإن قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه ~~نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه فإن زنا امرأته يؤذيه أذى عظيما ~~ولهذا جوز له الشارع أن يقذفها إذا زنت ودرأ الحد عنه باللعان ولم يبح ~~لغيره أن يقذف امرأة بحال ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف ~~أهله أعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف ولهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى ~~الروايتين المنصوصتين عنه إلى أن من قذف امرأة غير محصنة كالأمة والذمية ~~ولها زوج أو ولد محصن حد لقذفها لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصنين ~~والرواية الأخرى عنه وهي قول الأكثرين أنه لا حد عليه لأنه أذى لهما لا قذف ~~لهما والحد التام إنما يجب بالقذف وفي جانب النبي صلى الله عليه وسلم بعيب ~~أزواجه فهو منافق وهذا معنى قول ابن عباس اللعنة في المنافقين عامة وقد ~~وافق ابن عباس ms244 جماعة فروى الإمام أحمد والأشج عن خصيف قال سألت سعيد بن ~~جبير فقلت الزنا أشد أو قذف المحصنة قال لا بل الزنا قال قلت فإن الله ~~تعالى يقول * (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة) * PageV02P455 # فقال إنما كان هذا في عائشة خاصة وروى أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في ~~هذه الآية * (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة) * فقال إنما كان هذا في عائشة خاصة وروى أحمد بإسناده عن أبي ~~الجوزاء في هذه الآية * (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا ~~في الدنيا والآخرة) * قال هذه الآية لأمهات المؤمنين خاصة وروى الأشج ~~بإسناده عن الضحاك في هذه الآية قال هن نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقال ~~معمر عن الكلبي إنما عنى بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأما ~~من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق كما قال الله تعالى * (أو يتوب) * ووجه ~~هذا أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد القذف فتكون اللام في ~~قوله * (المحصنات الغافلات المؤمنات) * لتعريف المعهود والمعهود هنا أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأن الكلام في قصة الإفك ووقوع من وقع في أم ~~المؤمنين عائشة أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك ويؤيد ~~هذا القول أن الله سبحانه رتب هذا الوعد على قذف محصنات غافلات مؤمنات وقال ~~في أول السورة * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة) * الآية فرتب الحدود والشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات ~~فلا بد أن يكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات ~~وذلك والله أعلم لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مشهود لهن بالإيمان ~~لأنهن أمهات المؤمنين وهن أزواج نبيه في الدنيا والآخرة وعوام المسلمات ~~إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان ولأن الله سبحانه قال في قصة عائشة ~~والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم فتخصيصه متولي كبره دون غيره دليل على ~~اختصاصه بالعذاب العظيم وقال * (ولولا فضل الله ms245 عليكم ورحمته في الدنيا ~~والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم) * فعلم أن العذاب العظيم لا يمس ~~كل من قذف وإنما يمس متولي كبره فقط وقال هنا * (ولهم عذاب عظيم) * فعلم أن ~~الذي رمى أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم وتولى كبر ~~الإفك وهذه صفة المنافق ابن أبي والله أعلم على هذا القول تكون هذه الآية ~~حجة أيضا موافقة لتلك الآية لأنه لما كان رمي أمهات المؤمنين أذى للنبي صلى ~~الله عليه وسلم لعن صاحبه في الدنيا والآخرة ولهذا قال ابن عباس ليس فيها ~~توبة لأن مؤذي النبي صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته أو يريد إذا تاب من ~~القذف حتى يسلم إسلاما جديدا وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به ~~أذى النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة فإنه ما ~~بغت امرأة نبي قط PageV02P456 # وما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ما خرجاه في الصحيحين ~~في حديث الإفك عن عائشة قالت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من ~~عبد الله بن أبي بن سلول قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ~~المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه عن أهل بيتي ~~فوالله ما علمت على أهل بيتي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا ~~خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال أنا ~~أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا ~~الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا ~~صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ لعمر الله لا تقتلنه ولا تقدر ~~على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة ~~كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين قالت فثار الحيان ~~الأوس والخزرج حتى هموا ms246 أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على ~~المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت وفي ~~رواية أخرى صحيحة أن هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ~~ويقول آخرون يعني أزواج المؤمنين عامة وقال أبو سلمة قذف المحصنات من ~~الموجبات ثم قرأ * (إن الذين يرمون المحصنات) * الآية وعن عمر بن قيس قال ~~قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة رواها الأشنج وهذا قول كثير من الناس ووجهه ~~ظاهر الخطاب فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه إذ لا موجب لخصوصه وليس هو ~~مختصا بنفس السبب بالاتفاق لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم داخل في العموم وليس هو من السبب ولأنه لفظ جمع والسبب في واحدة هنا ~~ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الآيات نزلت بأسباب ~~اقتضت ذلك وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه والفرق بين الآيتين أنه ~~في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد ورد ~~الشهادة والتفسيق وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه وهي اللعنة في ~~الدارين والعذاب العظيم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه عن ~~أصحابه أن قذف المحصنات من الكبائر وفي لفظ في الصحيح قذف المحصنات ~~الغافلات المؤمنات ثم اختلف هؤلاء فقال أبو حمزة الثمالي بلغنا أنها نزلت ~~في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ~~فكانت المرأة إذا خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ~~PageV02P457 # مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا إنها خرجت تفجر فعلى يكون يكون ~~فيمن قذف المؤمنات قذفا يصدهن به عن الإيمان ويقصد بذلك ذم المؤمنين لينفر ~~الناس عن الإسلام كما فعل كعب بن الأشرف وعلى هذا فمن فعل ذلك فهو كافر وهو ~~بمنزلة من سب النبي صلى الله عليه وسلم وقوله إنها نزلت زمن العهد يعني ~~والله أعلم أنه عنى بها ms247 مثل أولئك المشركين المعاهدين وإلا فهذه الآية نزلت ~~ليالي الإفك في غزوة بني المصطلق قبل الخندق والهدنة كانت بعد ذلك بسنتين ~~ومنهم من أجراها على ظاهرها وعمومها لأن سبب نزولها قذف عائشة وكان فيمن ~~قذفها مؤمن ومنافق وسبب النزول لا بد أن يندرج في العموم ولأنه لا موجب ~~لتخصيصها والجواب على هذا التقدير أنه سبحانه قال هنا * (لعنوا في الدنيا ~~والآخرة) * على بناء الفعل للمفعول ولم يسم اللاعن وقال في الآية الأخرى * ~~(إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) * وإذا لم يسم ~~الفاعل جاز أن يلعنهم غير الله من الملائكة والناس وجاز أن يلعنهم الله في ~~وقت ويلعنهم بعض خلقه في وقت وجاز أن الله يتولى لعنة بعضهم وهو من كان ~~قذفه طعنا في الدين ويتولى خلقه لعنة الآخرين وإذا كان اللاعن مخلوقا فلعنه ~~قد يكون بمعنى الدعاء عليهم وقد يكون بمعنى أنهم يبعدونهم عن رحمة الله ~~ويؤيد هذا أن الرجل إذا قذف امرأته تلاعنا وقال الزوج في الخامسة لعنة الله ~~عليه إن كان من الكاذبين فهو يدعو على نفسه إن كان كاذبا في القذف أن يلعنه ~~الله كما أمر الله ورسوله أن يباهل من حاجة في المسيح بعد ما جاءه من العلم ~~بأن يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين فهذا مما يعلن به القاذف ومما ~~يلعن به أن يجلد وأن ترد شهادته ويفسق فإنه عقوبة له وإقصاء له عن مواطن ~~الأمن والقبول وهي من رحمة الله وهذا بخلاف من أخبر الله أنه لعنه في ~~الدنيا والآخرة فإن لعنة الله توجب زوال النصر عنه من كل وجه وبعده عن ~~أسباب الرحمة في الدارين ومما يؤيد الفرق أنه قال * (إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) * ولم يجيء ~~إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار كقوله * (الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا) * وقوله * (وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا ms248 مهينا) * ~~PageV02P458 # وقوله * (فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) * * (إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين) * * (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك ~~لهم عذاب مهين) * * (وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب ~~مهين) * * (وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين) * * (اتخذوا ~~أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين) * وأما قوله تعالى * (ومن ~~يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) * فهي ~~والله أعلم فيمن جحد الفرائض واستخف بها على أنه لم يذكر أن العذاب أعد له ~~وأما العذاب العظيم فقد جاء وعيدا للمؤمنين في قوله * (لولا كتاب من الله ~~سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) * وقوله * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم) * وفي المحارب * (ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * وفي القاتل * (وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) * وقوله * (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ~~فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم) ~~* وقد قال سبحانه * (ومن يهن الله فما له من مكرم) * وذلك لأن الإهانة ~~إذلال وتحقير وخزي وذلك قدر زائد على ألم العذاب فقد يعذب الرجل الكريم ولا ~~يهان فلما قال في هذه الآية * (وأعد لهم عذابا مهينا) * علم أنه من جنس ~~العذاب الذي توعد به الكفار والمنافقين ولما قال هناك * (ولهم عذاب عظيم) * ~~PageV02P459 # جاز أن يكون من جني العذاب في قوله * (لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم) * ~~ومما يبين به الفرق أيضا سبحانه قال هناك * (وأعد لهم عذابا مهينا) * ~~والعذاب إنما أعد للكافرين فإن جهنم لهم خلقت لأنهم لا بد أن يدخلوها وما ~~هم منها بمخرجين وأهل الكبائر من المؤمنين يجوز أن يدخلوها إذا غفر الله ~~لهم وإذا دخلوها فإنهم يخرجون منها ولو بعد حين قال سبحانه * (واتقوا النار ~~التي أعدت للكافرين) * فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا الربا وأن يتقوا ~~الله وأن يتقوا النار التي أعدت للكافرين فعلم ms249 أنهم يخاف عليهم من دخول ~~النار إذا أكلوا الربا وفعلوا المعاصي مع أنها معدة للكافرين لا لهم ولذلك ~~جاء في الحديث أما أهل النار هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وأما ~~أقوام لهم ذنوب فيصيبهم سفع من نار ثم يخرجهم الله منها وهذا كما أن الجنة ~~أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وإن كان يدخلها الأبناء بعمل ~~آبائهم ويدخلها قوم بالشفاعة وقوم بالرحمة وينشىء الله لما فضل منها خلقا ~~آخر في الدار الآخرة فيدخلهم إياها وذلك لأن الشيء إنما يعد لمن يستوجبه ~~ويستحقه ولمن أولى الناس به ثم قد يدخل معه غيره بطريق التبع أو لسبب آخر ~~والله أعلم PageV02P460 # فصل اعتراض وجوابه قال المعترض في أسماء الله الحسنى النور الهادي يجب ~~تأويله قطعا إذ النور كيفية قائمة بالجسمية وهو ضد الظلمة وجل الحق سبحانه ~~أن يكون له ضد ولو كان نورا لم تجز إضافته إلى نفسه في قوله * (مثل نوره) * ~~فتكون إضافته الشيء إلى نفسه وهو غير جائز وقوله * (الله نور السماوات ~~والأرض) * قال المفسرون يعني هادي أهل السماوات والأرض وهو ضعيف لأن ذكر ~~الهادي بعده يكون تكرارا وقيل منور السماوات بالكواكب وقيل بالأدلة والحجج ~~الباهرة والنور جسم لطيف شفاف فلا يجوز على الله والتأويل مروي عن ابن عباس ~~وأنس وسالم وهذا يبطل دعواه أن التأويل يبطل الظاهر ولم ينقل عن السلف ولو ~~كان نورا حقيقة كما يقوله المشبهة لوجب أن يكون الضياء ليلا ونهارا على ~~الدوام وقوله * (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا) * ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن السراج المعروف ~~وإنما سمي سراجا بالهدى الذي جاء به ووضوح أدلته بمنزلة السراج المنير وروي ~~عن ابن عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن يعني منور السماوات والأرض ~~شمسها وقمرها ونجومها ومن كلام العارفين النور هو الذي نور قلوب الصادقين ~~بتوحيده ونور أسرار المحبين بتأييده وقيل هو الذي أحيا قلوب العارفين بنور ~~معرفته ونفوس العابدين بنور عبادته والجواب أن هذا ms250 الكلام وأمثاله ليس ~~باعتراض علينا وإنما هو ابتداء نقص حرمته منهم لما يظن أنه يلزمنا أو يظن ~~أنا نقوله على الوجه الذي حكاه وقد قال تعالى * (اجتنبوا كثيرا من الظن إن ~~بعض الظن إثم) * PageV02P470 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وإذا ~~كان في الكلام إخبار عن الغير بأنه يقول أقوالا باطلة في العقل والشرع وفيه ~~رد تلك الأقوال كان هذا كذبا وظلما فنعوذ بالله من ذلك ثم مع كونه ظلما لنا ~~يا ليته كان كلاما صحيحا مستقيما فكنا نحلله من حقنا ويستفاد ما فيه من ~~العلم ولكن فيه من تحريف كتاب الله والإلحاد في آياته وأسمائه والكذب ~~والظلم والعدوان الذي يتعلق بحقوق الله مما فيه لكن عفونا عن حقنا فحق الله ~~إليه لا إلى غيره ونحن نذكر من القيام بحق الله ونصر كتابه ودينه ما يليق ~~بهذا الموضع فإن هذا الكلام الذي ذكره فيه من التناقض والفساد ما لا أظن ~~تمكنه من ضبطه من وجوه أحدها أنه قال في أوله النور كيفية قائمة بالجسمية ~~ثم قال في آخره جسم لطيف شفاف فذكر في أول الكلام أنه عرض وصفة في آخره جسم ~~وهو جوهر قائم بنفسه الثاني أنه ذكر عن المفسرين أنهم تأولوا ذلك بالهادي ~~وضعف ذلك ثم ذكر في آخره أن من كلام العارفين أن النور هو الذي نور قلوب ~~الصادقين بتوحيده وأسرار المحبين بتأييده وأحيا قلوب العارفين بنور معرفته ~~وهذا هو معنى الهادي الذي ضعفه أولا فيضعفه أولا ويجعله من كلام العارفين ~~وهي كلمة لها صولة في القلوب وإنما هو من كلام بعض المشايخ الذين يتكلمون ~~بنوع من الوعظ الذي ليس فيه تحقيق فإن الشيخ أبا عبد الرحمن ذكر في تحقيق ~~التفسير من الإشارات التي بعضها كلام حسن مستفاد وبعضها مكذوب على قائله ~~مفترى كالمنقول عن جعفر وغيره وبعضها من المنقول الباطل المردود فإن إشارات ~~المشايخ وهي إشارتهم بالقلوب وذلك هو الذي امتازوا به وليس هذا موضعه ~~وينقسم إلى الإشارات المتعلقة بالأقوال مثل ms251 ما يأخذونها من القرآن ونحوه ~~فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص ~~مثل الاعتبار والقياس الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام لكن هذا يستعمل في ~~الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ودرجات الرجال ونحو ذلك فإن كانت الإشارة ~~اعتبارية من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة وإن كانت كالقياس الضعيف ~~كان لها حكمه وإن كان تحريفا للكلام على غير تأويله كانت من جنس كلام ~~القرامطة والباطنية والجهمية فتدبر هذا فإني قد أوضحت هذا في قاعدة ~~الإشارات الوجه الثالث في تناقضه فإن قال التأويل منقول عن ابن عباس وأنس ~~وسالم ولم يذكر PageV02P471 # إلا ثلاثة أقوال أحدها أنه هادي أهل السماوات والأرض وقد ضعف ذلك فإن كان ~~المنقول هو هذا الضعيف فيا خيبة المسعى إذ لم ينقل عن السلف في جميع كلامه ~~إلى هنا شيئا عن السلف إلا هذا الذي ضعفه وأوهاه وإن كان المنقول عن هؤلاء ~~الثلاثة أنه منور السماوات بالكواكب كان متناقضا من وجه آخر وهو أنه قد ذكر ~~فيما بعد أن هذا روي عن ابن عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن أنه ~~منورها بالشمس والقمر والنجوم وهذا يوجب أن يكون المنقول عن ابن عباس ~~والاثنين أولا غير المنقول عنه في رواية أخرى وعمن ليس معه في الأولى وإن ~~كان نوره بالحجج الباهرة والأدلة كان متناقضا فإن هذا هو معنى الهادي إذا ~~نصبه للأدلة والحجج هي من هدايته وهو قد ضعف هذا القول فما أدري من أيهما ~~العجب أم من حكايته القولين اللذين أحدهما داخل في معنى الآخر أم من تضعيفه ~~لقول السائل الذي يوجب تضعيف الاثنين وهو لا يدري أنه قد ضعفهما جميعا فيجب ~~على الإنسان أن يعرف معنى الأقوال المنقولة ويعرف أن الذي يضعفه ليس هو ~~الذي عظمه الوجه الرابع أنه قد تبين أنه لم ينقل عن ابن عباس وأنس وسالم ~~إلا القول الذي ضعفه أو ما يدخل فيه فإنه إن كان قولهم الهادي فقد صرح ~~بضعفه وإن كان مقيم الأدلة فهو من معنى الهادي ms252 وإن كان المنور بالكواكب فقد ~~جعله قولا آخر وإن كان ما ذكره عن بعض العارفين فهو أيضا داخل في الهادي ~~وإذا كان قد اعترف بضعف ما حكاه عن ابن عباس وأنس وسالم لم يكن فيه حجة ~~علينا فتبين أن ما ذكره عن السلف إما أن يكون مبطلا في نقله أو مفتريا ~~بتضعيفه وعلى التقديرين لا حجة علينا بذلك الوجه الخامس أنه أساء الأدب على ~~السلف إذ يذكر عنهم ما يضعفه وأظهر للناس أن السلف كانوا يتأولون ليحتج ~~بذلك على التأويل في الجملة وهو قد اعترف بضعف هذا التأويل ومن احتج بحجة ~~وقد ضعفها وهو لا يعلم أنه ضعفها فقد رمى نفسه بسهمه ومن رمى بسهم البغي ~~صرع به والله لا يهدي القوم الظالمين الوجه السادس قوله هذا يبطل دعواه أن ~~التأويل دفع الظاهر ولم ينقل عن السلف فإن هذا القول لم أقله وإن كنت قلته ~~فهو لم ينقل إلا ما عرف أنه ضعيف والضعيف لا يبطل شيئا فهذه الوجوه في بيان ~~تناقضه وحكايته عنا ما لم نقله وأما بيان فساد الكلام فنقول أما قوله يجب ~~تأويله قطعا فلا نسلم أنه يجب تأويله ولا نسلم أن ذلك لو وجب قطعي بل ~~جماهير المسلمين لا يتأولون هذا الاسم وهذا مذهب PageV02P472 # السلفية وجمهور الصفاتية من أهل الكلام والفقهاء والصوفية وغيرهم وهو قول ~~أبي سعيد بن كلاب ذكره في الصفات ورد على الجمهية تأويل اسم النور وهو شيخ ~~المتكلمين الصفاتية الأشعرية الشيخ الأول وحكاه عنه أبو بكر ابن فورك في ~~كتاب مقالات ابن كلاب والأشعرية ولم يذكرا تأويله إلا عن الجهمية المذمومين ~~باتفاق وهو أيضا قول أبي الحسن الأشعري ذكره في الموجز وأما قوله إن هذا ~~ورد في الأسماء الحسنى فالحديث الذي ذكر فيه ذلك هو حديث الترمذي روى ~~الأسماء الحسنى في جامعه من حديث الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبي الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة ورواها ابن ماجة في سننه من طريق مخلد بن زياد ~~القطواني عن هشام بن حسان عن ms253 محمد بن سيرين عن أبي هريرة وقد اتفق أهل ~~المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإنما كل منهما من كلام بعض السلف فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه ~~الشاميين كما جاء مفسرا في بعض طرق حديثه ولهذا اختلف أعيانهما عنه فروى ~~عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما ذكر في الرواية الأخرى لأن الذين ~~جمعوها قد كانوا يذكرون هذا تارة وهذا تارة واعتقدوا هم وغيرهم أن الأسماء ~~الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئا معينا بل من أحصى تسعة وتسعين ~~اسما من أسماء الله دخل الجنة أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان ~~يتفقان معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه كالأحد والواحد فإن في رواية هشام ~~بن عمار عن الوليد بن مسلم عنه رواها عثمان بن سعيد الأحد بل الواحد ~~والمعطي بدل المغني وهما متقاربان وعند الوليد هذه الأسماء بعد أن روى ~~الحديث عن خليد بن دعلج عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي PageV02P473 # هريرة ثم قال هشام وحدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال ~~كلها في القرآن * (هو الله الذي لا إله إلا هو) * مثل ما ساقها الترمذي لكن ~~الترمذي رواها عن طريق صفوان بن صالح عن الوليد عن شعيب وقد رواها ابن أبي ~~عاصم وبين ما ذكره هو والترمذي خلاف في بعض المواضع وهذا كله مما يبين لك ~~أنها من الموصول المدرج في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ~~الطرق وليست من كلامه ولهذا جمعها قوم آخرون على غير هذا الجمع واستخرجوها ~~من القرآن منهم سفيان بن عيينة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم كما ذكرت ذلك ~~فيما تكلمت به قديما على هذا وهذا كله يقتضي أنها عندهم مما يقبل البدل فإن ~~الذي عليه جماهير المسلمين أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين قالوا ومنهم ~~الخطابي قوله إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها التقييد بالعدد عائد إلى ~~الأسماء الموصوفة بأنها هي هذه الأسماء فهذه ms254 الجملة وهي قوله من أحصاها دخل ~~الجنة صفة للتسعة والتسعين ليست جملة مبتدأة ولكن موضعها النصب ويجوز أن ~~تكون مبتدأة والمعنى لا يختلف والتقدير إن لله أسماء بقدر هذا العدد من ~~أحصاها دخل الجنة كما يقول القائل إن مائة غلام أعددتهم للعتق وألف درهم ~~أعددتها للحج فالتقييد بالعدد هو في الموصوف بهذه الصفة لا في أصل استحقاقه ~~لذلك العدد فإنه لم يقل إن أسماء الله تسعة وتسعون قال ويدل على ذلك قوله ~~في الحديث الذي رواه أحمد في المسند اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به ~~نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب ~~عندك فهذا يدل على أن لله أسماء فوق تسعة وتسعين يحصيها بعض المؤمنين وأيضا ~~فقوله إن لله تسعة وتسعين تقييد بهذا العدد بمنزلة قوله تعالى * (عليها ~~تسعة عشر) * فلما استقلوهم قال * (وما يعلم جنود ربك إلا هو) * فأن لا يعلم ~~أسماءه إلا PageV02P474 # هو أولى وذلك أن هذا لو كان قد قيل منفردا لم يفد النفي إلا بمفهوم العدد ~~الذي هو دون مفهوم الصفة والنزاع فيه مشهور وإن كان المختار عندنا أن ~~التخصيص بالذكر بعد قيام المقتضى للعموم يفيد الاختصاص بالحكم فإن العدول ~~عن وجوب التعميم إلى التخصيص إن لم يكن للاختصاص بالحكم وإلا كان تركا ~~للمقتضى بلا معارض وذلك ممتنع فقوله إن لله تسعة وتسعين قد يكون للتحصيل ~~بهذا العدد فوائد غير الحصر ومنها ذكر أن إحصاءها يورث الجنة فإنه لو ذكر ~~هذه الجملة منفردة وأتبعها بهذه منفردة لكان حسنا فكيف والأصل في الكلام ~~الاتصال وعدم الانفصال فتكون الجملة الشرطية صفة لا ابتدائية فهذا هو ~~الراجح في العربية مع ما ذكر من الدليل ولهذا قال إنه وتر يحب الوتر ومحبته ~~لذلك تدل على أنه متعلق بالإحصاء أي يجب أن يحصي من أسمائه هذا العدد وإذا ~~كانت أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين أمكن أن يكون إحصاء تسعة وتسعين اسما ~~يورث الجنة مطلقا على سبيل البدل فهذا ms255 يوجه قول هؤلاء وإن كان كثيرا وكثير ~~من الناس من يجعلها أسماء معينة ثم من هؤلاء من يقول ليس إلا تسعة وتسعين ~~اسما فقط وهو قول ابن حزم وطائفة والأكثرون منهم يقولون وإن كانت أسماء ~~الله أكثر لكن الموعود بالجنة لمن أحصاها هي معينة وبكل حال فتعيينها ليس ~~من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة حديثه ولكن روي في ~~ذلك عن السلف أنواع من ذلك ما ذكره الترمذي ومنها غير ذلك فإذا عرف هذا ~~فقوله في أسمائه الحسنى النور الهادي لو نازعه منازع في ثبوت ذلك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم تكن له حجة ولكن جاء ذلك في أحاديث صحاح مثل قوله في ~~الحديث الذي في الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن الحديث وفي صحيح ~~مسلم عن أبي ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال ~~نور أنى أراه أو قال رأيت نورا فالذي في القرآن والحديث الصحيح إضافة النور ~~بقوله * (نور السماوات والأرض) * أو نور السماوات والأرض ومن فيهن وأما ~~قوله أن النور كيفية قائمة فنقول النور المخلوق محسوس لا يحتاج إلى بيان ~~كيفية لكنه نوعان أعيان وأعراض فالأعيان هو نفس جرم النار حيث كانت نور ~~السراج والمصباح PageV02P475 # الذي في الزجاجة وغيره وهي النور الذي ضرب الله به المثل ومثل القمر فإن ~~الله سماه نورا فقال * (جعل الشمس ضياء والقمر نورا) * ولا ريب أن النار ~~جسم لطيف شفاف وأعراض مثل ما يقع من شعاع الشمس والقمر والنار على الأجسام ~~الصقيلة وغيرها فإن المصباح إذا كان في البيت أضاء جوانب البيت فذلك النور ~~والشعاع الواقع على الجدر والسقف والأرض هو عرض وهو كيفية قائمة بالجسم وقد ~~يقال ليس الصفة القائمة بالنار والقمر ونحوهما نورا فيكون الاسم على الجوهر ~~تارة وعلى صفة أخرى ولهذا يقال لضوء النهار نور كما قال تعالى * (وجعل ~~الظلمات والنور) * ومن ms256 هذا تسمية الليل ظلمة والنهار نورا فإنهما عرضان وقد ~~قيل هما جوهران وليس هذا موضع بسط ذلك فتبين أن اسم النور يتناول هذين ~~والمعترض ذكر أولا حد العرض وذكر ثانيا حد الجسم فتناقض وكأنه أخذ ذلك من ~~كلامي ولم يهتدوا لوجه الجمع وكذلك اسم الحق يقع على ذات الله تعالى وعلى ~~صفاته القدسية القديمة كقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت الحق وقولك الحق ~~والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق وأما قول المعترض النور ضد ~~الظلمة وجل الحق أن يكون له ضد فيقال له لم تفهم معنى الضد المنفي عن الله ~~فإن الضد يراد به ما يمنع ثبوت الآخر كما يقال في الأعراض المتضادة مثل ~~السواد والبياض ويقول الناس الضدان لا يجتمعان ويمتنع اجتماع الضدين وهذا ~~التضاد عند كثير من الناس لا يكون إلا في الأعراض وأما الأعيان فلا تضاد ~~فيها فيمتنع عند هذا أن يقال لله ضد أوليس له ضد ومنهم من يقول يتصور ~~التضاد فيها والله تعالى ليس له ضد يمنع ثبوته ووجوده بلا ريب بل هو القاهر ~~الغالب الذي لا يغلب وقد يراد بالضد المعارض لأمره وحكمه وإن لم يكن مانعا ~~من وجود ذاته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حالت شفاعته دون حد من ~~حدود الله فقد ضاد الله في أمره رواه أبو داود وتسمية المخالف لأمره وحكمه ~~ضدا كتسميته عدوا وبهذا الاعتبار فالمعادون المضادون لله كثيرون فأما على ~~التفسير الأول فلا ريب أنه ليس في نفس الأمر مضادا لله لكن المضاد يقع ~~PageV02P476 # في نفس الكافر فإن الباطل ضد الحق والكذب ضد الصدق فمن اعتند في الله ما ~~هو منزه عنه كان هذا ضدا للإيمان الصحيح به وأما قوله النور ضد الظلمة وجل ~~الحق أن يكون له ضد فيقال له والحي ضد الميت والعليم ضد الجاهل والسميع ~~والبصير والذي يتكلم ضد الأصم لأعمى الأبكم وهكذا سائر ما سمى الله به من ~~الأسماء لها أضداد وهو منزه عن أن يسمى بأضدادها فجل الله ms257 أن يكون ميتا أو ~~عاجزا أو فقيرا ونحو ذلك وأما وجود مخلوق له موصوف بضد صفته مثل وجود الميت ~~والجاهل والفقير والظالم فهذا كثير بل غالب أسمائه لها أضداد موجودة في ~~الموجودين ولا يقال لأولئك إنهم أضداد الله ولكن يقال إنهم موصوفون بضد ~~صفات الله فإن التضاد بين إنما يكن في المحل الواحد لا في محلين فمن كان ~~موصوفا بالموت ضادته الحياة ومن كان موصوفا بالحياة ضاده الموت والله ~~سبحانه يمتنع أن يكون ظلمة أو موصوفا بالظلمة كما يمتنع أن يكون ميتا أو ~~موصوفا بالموت فهذا المعترض أخذ لفظ الضد بالاشتراك ولم يميز بين الضد الذي ~~يضاد ثبوته ثبوت الحق وصفاته وأفعاله وبين أن يكون في مخلوقاته ما هو موصوف ~~بضد صفاته وبين ما يضاده في أمره ونهيه فالضد الأول هو الممتنع وأما ~~الآخران فوجودهما كثير لكن لا يقال إنه ضد الله فإن المتصف بضد صفاته لم ~~يضاده والذين قالوا النور ضد الظلمة قالوا يمتنع اجتماعهما في عين واحدة ~~ولم يقولوا أنه يمتنع أن يكون شيء موصوف بأنه نور وشئ آخر موصوف بأنه ظلمة ~~فليتدبر العاقل هذا التعطيل والتخطيط وأما قوله لو كان نورا لم يجز إضافته ~~إلى نفسه في قوله * (مثل نوره) * فالكلام عليه من طريقين أحدهما أن نقول ~~النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السماوات والأرض وقد أخبر ~~النص أن الله نور وأخبر أيضا أنه يحتجب بالنور فهذه ثلاثة أنوار في النص ~~وقد تقدم ذكر الأول وأما الثاني قوله * (وأشرقت الأرض بنور ربها) * وفي ~~قوله * (مثل نوره) * وفيما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من ~~نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل ومنه قوله PageV02P477 # ص = في دعاء الطائف أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر ~~الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك رواه الطبراني وغيره ومنه ms258 ~~قول ابن مسعود إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السماوات من نور وجهه ~~ومنه قوله ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال إن الله لا ~~ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ~~وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه ~~بصره من خلقه فهذا الحديث فيه ذكر حجابه فإن تردد الراوي في لفظ النار ~~والنور لا يمنع ذلك فإن مثل هذه النار الصافية التي كلم بها موسى يقال لها ~~نار ونور كما سمى الله نار المصباح نورا بخلاف النار المظلمة كنار جهنم ~~فتلك لا تسمى نورا فالأقسام ثلاثة إشراق بلا إحراق وهو النور المحض كالقمر ~~وإحراق بلا إشراق وهي النار المظلمة وما هو نار ونور كالشمس ونار المصابيح ~~التي في الدنيا توصف بالأمرين وإذا كان كذلك صح أن يكون نور السماوات ~~والأرض وأن يضاف إليه النور وليس المضاف هو عين المضاف إليه والطريق الثاني ~~أن يقال هذا يرد عليكم لا يختص بمن يسميه بما سمى به نفسه وبينه فأنت إذا ~~قلت هاد أو منور أو غير ذلك فالمسمى نورا هو الرب نفسه ليس هو النور المضاف ~~إليه فإذا قلت هو الهادي فنوره الهدى جعلت أحد النورين عينا قائمة والآخر ~~صفة فهكذا يقول من يسميه نورا وإذا كان السؤال يرد على القولين والقائلين ~~كان تخصيص أحدهما بأنه مخالف ظلما ولددا في المحاجة أو جهلا وضلالا عن الحق ~~واما ما ذكره من الأقوال فلا ريب أن للناس فيها من الأقوال أكثر مما ذكره ~~والموجود بأيدي الأمة من الروايات الصادقة والكاذبة والآراء المصيبة ~~والمخطئة لا يحصيه إلا الله والكلام في تفسير أسماء الله وصفاته وكلامه فيه ~~من الغث والسمين ما لا يحصيه إلا رب العالمين وإنما الشأن في الحق والعلم ~~والدين وقد كتبت قديما في بعض كتبي لبعض ms259 الأكابر أن العلم ما قام عليه ~~الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول فالشأن في أن نقول علما وهو النقل ~~والصدق والبحث المحقق فإن ما سوى ذلك وإن زخرف مثله بعض الناس خزف مزوق ~~وإلا فباطل مطلق مثلما ذكره في هذه الآية وغيرها PageV02P478 # وهذه الكتب التي يسميها كثير من الناس كتب التفسير فيها كثير من التفسير ~~منقولات عن السلف مكذوبة عليهم وقول على الله ورسوله بالرأي المجرد بل ~~بمجرد شبهة قياسية أو شبهة أدبية فالمفسرون الذين ينقل عنهم لم يسمهم ومع ~~هذا فقد ضعف قولهم بالباطل فإن القوم فسروا النور في الآية بأنه الهادي ولم ~~يفسروا النور في الأسماء الحسنى والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا ~~يصح تضعيف قولهم بما ضعفه ونحن ما ذكرنا ذلك لبيان تناقضه وأنه لا يحتج ~~علينا بشيء يروج على ذي لب فإن التناقض أول مقامات الفساد وهذا التفسير قد ~~قاله طائفة من المفسرين وأما كونه ثابتا عن ابن عباس أو غيره فهذا مما لم ~~يثبته ومعلوم أن في كتب التفسير من النقل عن ابن عباس من الكذب شيء كثير من ~~رواية الكلبي عن أبي صالح وغيره فلا بد من تصحيح النقل لتقوم الحجة فليراجع ~~كتب التفسير التي يحرر فيها النقل مثل تفسير محمد بن جرير الطبري الذي ينقل ~~فيه كلام السلف بالإسناد وليعرض عن تفسير مقاتل بقي بن مخلد الأندلسي وعبد ~~الرحمن بن إبراهيم دحيم الشامي وعبد بن حميد الكشي وغيرهم إن لم يصعد إلى ~~تفسير الإمام إسحاق ابن راهويه وتفسير الإمام أحمد بن حنبل وغيرهما من ~~الأئمة الذين هم أعلم أهل الأرض بالتفاسير الصحيحة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وآثار الصحابة والتابعين كما هو أعلم الناس بحديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم وآثار الصحابة والتابعين في الأصول والفروع وغير ذلك من العلوم فأما ~~أن يثبت أصلا يجعله قاعدة بمجرد رأي فهذا إنما ينفق على الجهال بالدلائل ~~الأغشام في المسائل ومثل هذه المنقولات التي لا يميز صدقها من كذبها ~~والمعقولات التي لا ms260 يميز صدقها من خطئها ضل من ضل من أهل المشرق في الأصول ~~والفروع والفقه والتصوف وما أحسن ما جاء هذا في آية النور التي قال الله ~~تعالى فيها * (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) * نسأل الله يجعل ~~لنا نورا ثم نقول هذا القول الذي قاله بعض المفسرين في قوله * (الله نور ~~السماوات والأرض) * أي هادي أهل السماوات لا يضرنا ولا يخالف ما قلناه ~~فإنهم قالوه في تفسير الآية التي ذكر النور فيها مضافا لم يذكروه في تفسير ~~نور مطلق كما ادعيت أنت من ورود الحديث به فأين هذا من هذا ثم قول من قال ~~من السلف هادي أهل السماوات والأرض لا يمنع أن يكون في نفسه نورا فإن من ~~عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفسر من الأسماء أو بعض أنواعه ~~ولا ينافي ذلك ثبوت بقية الصفات المسمى بل قد يكونان متلازمين ولا دخول ~~لبقية PageV02P479 # الأنواع فيه وهذا قد قررناه غير مرة في القواعد المتقدمة ومن تدبره علم ~~أن أكثر أقوال السلف في التفسير متفقة غير مختلفة مثال ذلك قول بعضهم في ~~الصراط المستقيم إنه الإسلام وقول آخر إنه القرآن وقول آخر إنه السنة ~~والجماعة وقول آخر إنه طريق العبودية فهذه كلها صفات له متلازمة لا مباينة ~~وتسميته بهذه الأسماء بمنزلة تسمية القرآن والرسول بأسمائه بل بمنزلة أسماء ~~الله الحسنى ومثال الثاني قوله تعالى * (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات) * فذكر منهم صنفا من الأصناف والعبد يعم الجميع ~~فالظالم لنفسه المخل ببعض الواجب والمقتصد القائم به والسابق المتقرب ~~بالنوافل بعد الفرائض وكل من الناس يدخل في هذا بحسب طريقه والتفسير ~~والترجمة ببيان النوع والجنس ليقرب الفهم على المخاطب كما قال الأعجمي ما ~~الخبز فقيل له هذا وأشير إلى الرغيف فالغرض الجنس لا هذا الشخص فهكذا تفسير ~~كثير من السلف وهو من جنس التعليم فقول من قال نور السماوات والأرض هادي ~~أهل السماوات والأرض كلام صحيح فإن من معاني كونه نور السماوات والأرض ms261 أن ~~يكون هاديا لهم أما أنهم نفوا ما سوى ذلك فهذا غير معلوم وأما أنهم أرادوا ~~ذلك فقد ثبت عن ابن مسعود أنه قال إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور ~~السماوات من نور وجهه وقد تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر وجهه ~~وفي رواية النور ما فيه كفاية فهذا بيان معنى غير الهداية وقد أخبر الله في ~~كتابه أن الأرض تشرق بنور ربها فإذا كانت تشرق من نوره كيف لا يكون هو نورا ~~ولا يجوز أن يكون هذا النور المضاف إليه إضافة خلق وملك واصطفاء كقوله * ~~(ناقة الله) * ونحو ذلك من الوجوه أحدها أن النور لم يضف قط إلى الله إذا ~~كان صفة لأعيان قائمة فلا يقال في المصابيح إنها نور الله ولا في الشمس ~~والقمر وإنما يقال كما قال عبد الله بن مسعود إن ربكم ليس عنده ليل ولا ~~نهار نور السماوات من نور وجهه وفي الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ~~الثاني أن الأنوار المخلوقة كالشمس والقمر تشرق لها الأرض في الدنيا وليس ~~من نور إلا هو خلق من خلق الله وكذلك من قال منور السماوات والأرض لا ينافي ~~أنه نور وكل PageV02P480 # منور نور فهما متلازمان ثم إن الله تعالى ضرب مثل نوره الذي في قلوب ~~المؤمنين بالنور الذي في المصباح وهو في نفسه نور وهو منور لغيره فإذا كان ~~نوره في القلوب هو نور وهو منور فهو في نفسه أحق بذلك وقد علم أن كل ما هو ~~نور فهو منور وأما قول من قال معناه منور السماوات بالكواكب فهذا إن أراد ~~به قائله أن ذلك من معنى كونه نور السماوات والأرض وليس له معنى إلا هذا ~~فهو مبطل لأن الله أخبر أنه نور السماوات والأرض والكواكب لا يحصل نورها في ~~جميع السماوات والأرض وأيضا فإنه قال * (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) * ~~فضرب المثل لنوره الموجود في قلوب المؤمنين ms262 نور الإيمان والعلم المراد من ~~الآية لم يضربها على النور الحسي الذي يكون للكواكب وهذا هو الجواب عما ~~رواه عن ابن عباس في رواية أخرى وأبي العالية والحسن بعد المطالبة بصحة ~~النقل والظن ضعفه عن ابن عباس لأنهم جعلوا ذلك من معاني النور أما أن ~~يقولوا قوله * (الله نور السماوات والأرض) * ليس معناه إلا التنوير بالشمس ~~والقمر والنجوم فهذا باطل قطعا وقد قال صلى الله عليه وسلم أنت نور ~~السماوات والأرض ومن فيهن ومعلوم أن العميان لاحظ لهم في ذلك ومن يكون بينه ~~وبين ذلك حجاب لاحظ له في ذلك والموتى لا نصيب لهم من ذلك وأهل الجنة لا ~~نصيب لهم من ذلك فإن الجنة ليس فيها شمس ولا قمر كيف وقد روي أن أهل الجنة ~~يعلمون الليل والنهار بأنوار تظهر من العرش مثل ظهور الشمس لأهل الدنيا ~~فتلك الأنوار خارجة عن الشمس والقمر وأما قوله قد قيل بالأدلة والحجج فهذا ~~بعض معنى الهادي وقد تقدم الكلام على قوله هذا يبطل قوله أن التأويل دفع ~~للظاهر ولم ينقل عن السلف فإن هذا الكلام مكذوب علي وقد ثبت تناقض صاحبه ~~وأنه لم يذكر عن السلف إلا ما اعترف بضعفه وأما الذي أقوله الآن وأكتبه وإن ~~كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي وإنما أقوله في كثير من المجالس إن جميع ~~ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها وقد طالعت ~~التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء ~~الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي ~~هذه عن أحد من الصحابة أنه أول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف ~~مقتضاها المفهوم المعروف بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من ~~صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله وكذلك فيما ~~يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء PageV02P481 # كثير وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في قوله تعالى * (يوم يكشف ms263 عن ~~ساق) * فروي عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة أن الله يكشف عن الشدة ~~في الآخرة وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات للحديث الذي رواه أبو ~~سعيد في الصحيين ولا ريب أن ظاهر القرآن يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال ~~* (يوم يكشف عن ساق) * نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله ولم يقل عن ساقه ~~فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر ومثل هذا ~~ليس بتأويل إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف ~~ولكن كثيرا من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولا له ثم يريدون صرفه عنه ~~ويجعلون هذا تأويلا وهذا خطأ من وجهين كما قدمنا غير مرة وأما قوله لو كان ~~نورا حقيقة كما تقوله المشبهة لوجب أن يكون الضياء ليلا ونهارا على الدوام ~~فنحن نقول بموجب ما ذكره من هذا القول فإن المشبهة يقولون إنه نور كالشمس ~~والله تعالى ليس كمثله شيء فإنه ليس كشيء من الأنوار كما أن ذاته ليست كشيء ~~من الذوات لكن ما ذكره له حجة عليهم فإنه يمكن أن يكون نورا يحجبه عن خلقه ~~كما قال في الحديث حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما ~~انتهى إليه بصره من خلقه لكن غلط هنا في النقل وهو إضافة هذا القول إلى ~~المشبهة فإن هذا من أقوال الجهمية المعطلة أيضا كالمريسي فإنه كان يقول إنه ~~نور وهو كبير الجهمية وإن كان قصده بالمشبهة من أثبت أن الله نور حقيقة ~~فالمثبتة للصفات كلهم عنده مشبهة وهذه لغة الجهمية المحضة يسمون كل من أثبت ~~الصفات مشبها فقد قدمنا أن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ذكرا أن نفي كونه ~~نورا في نفسه هو قول الجهمية والمعتزلة وأنهما أثبتا أنه نور وقررا ذلك هما ~~وأكابر أصحابهما فكيف بأهل الحديث وأئمة السنة وأول هؤلاء المؤمنين بالله ~~وبأسمائه PageV02P482 # وصفاته ورسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~على هذا السؤال الذي ms264 عارض به المعترض فقال صلى الله عليه وسلم حجابه النور ~~لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه فأخبر أنه حجب عن ~~المخلوقات بحجابه النور أن تدركها سبحات وجهه وأنه لو كشف ذلك الحجاب ~~لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه فهذا الحجاب عن إحراق السبحات ~~يبين ما يراد في هذا المقام وأما ما ذكره عن ابن عباس في روايته الأخرى ~~فمعناه بعض الأنوار الحسية وما ذكره من كلام العارفين فهو بعض معاني هدايته ~~لعباده وإنما ذلك تنويع بعض الأنواع بحسب حاجة المخاطبين كما ذكرناه من ~~عادة السلف أن يفسرها بذكر بعض الأنواع يقع على سبيل التمثيل لحاجة ~~المخاطبين لا على سبيل الحصر والتحديد فقد تبين أن جميع ما ذكر من الأقوال ~~يرجع إلى معنيين من معاني كونه نور السماوات والأرض وليس في ذلك دلالة على ~~أنه في نفسه ليس بنور PageV02P483 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر فصل قوله تعالى * (ادعوني أستجب لكم) * ~~سئل شيخ الإسلام فقيل له قوله إذا جف القلم بما هو كائن فما معنى قوله * ~~(ادعوني أستجب لكم) * وإن كان الدعاء أيضا مما هو كائن فما فائدة الأمر به ~~ولا بد من وقوعه فيقال الدعاء في اقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة في ~~اقتضائها الإثابة وكسائر الأسباب في اقتضائه المسببات ومن قال إن الدعاء ~~علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسؤول ليس بسبب أو هو عبادة محضة لا ~~أثر له في حصول المطلوب وجودا ولا عدما بل ما يحصل بالدعاء يحصل بدونه فهما ~~قولان ضعيفان فإن الله علق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب كقوله * (وقال ~~ربكم ادعوني أستجب لكم) * وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها ~~إحدى خصال ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من الخير مثلها وإما ~~أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر ms265 فعلق ~~العطايا بالدعاء تعليق الوعد والجزاء بالعمل المأمور به وقال عمر بن الخطاب ~~إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن ~~الإجابة معه وأمثال ذلك كثير وأيضا فالواقع المشهود يدل على ذلك وبينه كما ~~يدل على ذلك مثله في سائر أسباب وقد أخبر سبحانه من ذلك ما أخبر به في مثل ~~قوله * (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون) * وقوله تعالى PageV02P517 # * (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ~~ننجي المؤمنين) * وقوله * (أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم ~~خلفاء الأرض) * وقوله تعالى عن زكريا * (رب لا تذرني فردا وأنت خير ~~الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه) * وقال تعالى * ~~(فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا ~~هم يشركون) * وقال تعالى * (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ ~~يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن ~~بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص) * ~~فأخبر أنه إن شاء أوبقهن فاجتمع أخذهم بذنوبهم وعفوه عن كثير منها مع علم ~~المجادلين في آياته أنه ما لهم من محيص لأنه في مثل هذا الحال يعلم المورد ~~للشبهات في الدلائل الدالة على ربوبية الرب وقدرته ومشيئته ورحمته أنه لا ~~مخلص له مما وقع فيه كقوله في الآية الأخرى * (وهم يجادلون في الله وهو ~~شديد المحال) * فإن المعارف التي تحصل في النفس بالأسباب الاضطرارية أثبت ~~وأرسخ من المعارف التي ينتجها مجرد النظر القياسي الذي ينزاح عن النفوس في ~~مثل هذه الحال هل الرب موجب بذاته فلا يكون هو المحدث للحوادث ابتداء ولا ~~يمكنه أن يحدث شيئا ولا يغير العالم حتى يدعى ويسأل وهل هو عالم بالتفصيل ~~والإجمال وقادر على تصريف الأحوال حتى يسأل التحويل من حال ms266 إلى حال أوليس ~~كذلك كما يزعمه من المتفلسفة وغيرهم من الضلال فيجتمع مع العقوبة والعفو من ~~ذي الجلال علم أهل المراء والجدال أنه لا محيص لهم عما أوقع بمن جادلوا في ~~آياته وهو شديد المحال وقد تكلمنا على هذا وأشباهه وما يتعلق به من ~~المقالات والديانات في غير هذا الموضع والمقصود هنا أن يعلم أن الدعاء ~~والسؤال هو سبب لنيل المطلوب المسؤول ليس وجوده كعدمه في ذلك ولا هو علامة ~~محضة كما دل عليه الكتاب والسنة وإن كان قد نازع في ذلك طوائف من أهل ~~القبلة وغيرهم مع أن ذلك يقربه جماهير بني آدم من المسلمين واليهود ~~والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين لكن طوائف من المشركين والصابئين من ~~المتفلسفة المشائين اتباع PageV02P518 # أرسطو ومن تبعه من متفلسفة أهل الملل كالفارابي وابن سينا ومن سلك ~~سبيلهما ممن خلط ذلك بالكلام والتصوف والفقه ونحو هؤلاء يزعمون أن تأثير ~~الدعاء في نيل المطلوب كما يزعمونه في تأثير سائر الممكنات المخلوقات من ~~القوى الفلكية والطبيعية والقوى النفسانية والعقلية فيجعلون ما يترتب على ~~الدعاء هو من تأثير النفوس البشرية من غير أن يثبتوا للخالق سبحانه بذلك ~~علما مفصلا أو قدرة على تغيير العالم أو أن يثبتوا أنه لو شاء أن يفعل غير ~~ما فعل لأمكنه ذلك فليس هو عندهم قادرا على إن يجمع عظام الإنسان ويسوي ~~بنانه وهو سبحانه هو الخالق لها ولقواها فلا حول ولا قوة إلا بالله أما ~~قوله وإن كان الدعاء مما هو كائن فما فائدة الأمر به ولا بد من وقوعه فيقال ~~الدعاء المأمور به لا يجب كونا بل إذا أمر الله العباد بالدعاء فمنهم من ~~يطيعه فيستجاب له دعاؤه وينال طلبته ويدل ذلك على أن المعلوم المقدور هو ~~الدعاء والإجابة ومنهم من يعصيه فلا يدعو فلا يحصل ما علق بالدعاء فيدل ذلك ~~على أنه ليس في المعلوم المقدور الدعاء ولا الإجابة فالدعاء الكائن هو الذي ~~تقدم العلم بأنه كائن والدعاء الذي لا يكون هو الذي تقدم العلم بأنه لا ~~يكون فإن قيل ms267 فما فائدة الأمر فيما علم أنه يكون من الدعاء قيل الأمر هو ~~سبب أيضا في امتثال المأمور به كسائر الأسباب فالدعاء سبب يدفع البلاء فإذا ~~كان أقوى منه دفعه وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه لكن يخففه ويضعفه ~~ولهذا أمر عند الكسوف والآيات بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق ~~والله أعلم PageV02P519 # 527 بسم الله الرحمن الرحيم سورة الذاريات فصل سئل شيخ الإسلام عن قوله ~~تعالى * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * فقال رحمه الله قال السائل ~~قوله تعالى * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * إن كانت هذه اللام ~~للصيرورة في عاقبة الأمر فما صار ذلك وإن كانت اللام للغرض لزم أن لا يتخلف ~~أحد من المخلوقين عن عبادته وليس الأمر كذلك فما التخلص من هذا المضيق ~~فيقال هذه اللام ليست هي اللام التي يسميها النحاة لام العاقبة والصيرورة ~~ولم يقل ذلك أحد هنا كما ذكره السائل من أن ذلك لم يصر إلى علي قول من يفسر ~~يعبدون بمعنى يعرفون يعني المعرفة التي أمر بها المؤمن والكافر لكن هذا قول ~~ضعيف وإنما زعم بعض الناس ذلك في قوله * (ولذلك خلقهم) * التي في آخر سورة ~~هود فإن بعض القدرية زعم أن تلك اللام لام العاقبة والصيرورة أي صارت ~~عاقبتهم إلى الرحمة وإلى الاختلاف وإن لم يقصد ذلك الخالق وجعلوا ذلك كقوله ~~* (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) * وقول الشاعر * لدوا للموت ~~وابنوا للخراب * وهذا أيضا ضعيف هنا لأن لام العاقبة إنما تجيء في حق من لا ~~يكون عالما بعواقب الأمور PageV02P527 # ومصايرها فيفعل الفعل الذي له عاقبة لا يعلمها كآل فرعون فأما من يكون ~~عالما بعواقب الأفعال ومصايرها فلا يتصور منه أن يفعل فعلا له عاقبة لا ~~يعلم عاقبته وإذا علم أن فعله له عاقبة فلا يقصد بفعله ما يعلم أنه لا يكون ~~فإن ذلك تمن وليس بإرادة وأما اللام فهي اللام المعروفة وهي لام كي ولام ~~التعليل التي إذا حذفت انتصب المصدر المجرور بها على المفعول له وتسمى ~~العلة الغائية وهي ms268 متقدمة في العلم والإرادة متأخرة في الوجود والحصول وهذه ~~العلة هي المراد المطلوب المقصود من الفعل لكن ينبغي أن يعرف أن الإرادة في ~~كتاب الله على نوعين أحدهما الإرادة الكونية وهي الإرادة المستلزمة لوقوع ~~المراد التي يقال فيها ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وهذه الإرادة في ~~مثل قوله * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا) * وقوله * (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان ~~الله يريد أن يغويكم) * وقال تعالى * (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله ~~يفعل ما يريد) * وقال تعالى * (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة ~~إلا بالله) * وأمثال ذلك وهذه الإرادة هي مدلول اللام في قوله * (ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) * قال السلف خلق فريقا ~~للاختلاف وفريقا للرحمة ولما كانت الرحمة هنا الإرادة وهناك كونية وقع ~~المراد بها فقوم اختلفوا وقوم رحموا وأما النوع الثاني فهو الإرادة الدينية ~~الشرعية وهي محبة المراد ورضاه ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاهم بالحسنى كما ~~قال تعالى * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) * وقوله تعالى * (ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) * ~~وقوله * (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) * ~~PageV02P528 # فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد إلا أن يتعلق به النوع الأول من ~~الإرادة ولهذا كانت الأقسام أربعة أحدها ما تعلقت به الإرادتان وهو ما وقع ~~في الوجود من الأعمال الصالحة فإن الله إرادة إرادة دين وشرع فأمر به وأحبه ~~ورضيه وأراده إرادة كون فوقع ولولا ذلك لما كان والثاني ما تعلقت به ~~الإرادة الدينية فقط وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر ~~الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين ms269 وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع ~~والثالث ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط وهو ما قدره وشاءه من الحوادث ~~التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها ~~إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولولا مشيئته وقدرته وخلقه ~~لها لما كانت ولما وجدت فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن والرابع ما ~~لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات ~~والمعاصي وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله * (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون) * هذه الإرادة الدينية الشرعية وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع فهو ~~العمل الذي خلق العباد له أي هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي به يكونون ~~مرضيين محبوبين فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادما لما يحب ويرضى ويراد ~~له الإرادة الدينية التي فيها سعادته ونجاته وعادما لكماله وصلاحه العدم ~~المستلزم فساده وعذابه وقول من قال العبادة هي العزيمة أو الفطرية فقولان ~~ضعيفان فاسدان يظهر فسادهما من وجوه متعددة والله أعلم تم الجزء الرابع وبه ~~تم الكتاب والحمد لله رب العالمين واللهم اجعله لنا لا علينا وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم آمين PageV02P529 # سورة الانسان بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ((فصل) عرض مجمل للسورة ~~اعلم أن سورة * (هل أتى على الإنسان) * سورة عجيبة الشأن من سور القرآن على ~~اختصارها فإن الله سبحانه ابتدأها بذكر كيفية خلق الانسان من النطفة ذات ~~الأمشاج والاخلاط التي لم يزل بقدرته ولطفه وحكمته يصرفه عليها أطوارا ~~وينقله من حال إلى حال إلى أن تمت خلقته وكملت صورته فأخرجه انسانا سويا ~~سميعا بصيرا ثم لما تكامل تمييزه وادراكه هداه طريقي الخير والشر والهدى ~~والضلال وأنه بعد هذه الهداية اما أن يشكر ربه واما أن يكفره ثم ذكر مآل ~~أهل الشكر والكفر وما أعد لهؤلاء وهؤلاء وبدأ أولا بذكر عاقبة أهل الكفر ثم ~~عاقبة أهل الشكر وفي آخر السورة ms270 ذكر أولا أهل الرحمة ثم أهل العذاب فبدأ ~~السورة بأول أحوال الإنسان وهي النطفة وختمها بآخر أحواله وهي كونه من أهل ~~الرحمة أو العذاب ووسطها بأعمال الفريقين فذكر أعمال أهل العذاب مجملة في ~~قوله * (إنا اعتدنا للكافرين) * سورة الانسان 4 وأعمال أهل الرحمة مفصلة ~~وجزاءهم مفصلا فتضمنت السورة خلق الإنسان وهدايته ومبدأه وتوسطه ونهايته ~~وتضمنت المبدأ PageV03P021 # والمعاد والخلق والأمر وهما القدرة والشرع وتضمنت إثبات السبب وكون العبد ~~فاعلا مريدا حقيقة وأن فاعليته ومشيئته إنما هي بمشيئة الله ففيها الرد على ~~الطائفتين القدرية والجبرية وفيها ذكر أقسام بني آدم كلهم فأنهم أما أهل ~~شمال وهم الكفار أو أهل يمين وهم نوعان أبرار ومقربون وذكر سبحانه أن شراب ~~الأبرار يمزج من شراب عباده المقربين لأنهم مزجوا أعمالهم ويشربه المقربون ~~صرفا خالصا كما أخلصوا أعمالهم وجعل سبحانه شراب المقربين من الكافور الذي ~~فيه من التبريد والقوة ما يناسب برد اليقين وقوته لما حصل لقلوبهم ووصل ~~إليها في الدنيا مع ما في ذلك من مقابلته للسعير وأخبر سبحانه أن لهم شرابا ~~آخر ممزوجا من الزنجبيل لما فيه من طيب الرائحة ولذة الطعم والحرارة التي ~~توجب تغير برد الكافور واذابة الفضلات وتطهير الأجواف ولهذا وصفه سبحانه ~~بكونه شرابا طهورا أي مطهرا لبطونهم فوصفهم سبحانه بجمال الظاهر والباطن ~~كما قال * (ولقاهم نضرة وسرورا) * الآية 11 فالنضرة جمال وجوههم والسرور ~~جمال قلوبهم كما قال * (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) * سورة المطففين 24 ~~وقريب من هذا قول امرأة العزيز في يوسف * (فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد ~~راودته عن نفسه فاستعصم) * سورة يوسف 32 فأخبرت بجمال ظاهره حين أشارت إليه ~~بالخروج عليهن ثم ضمت إلى ذلك اخبارهم بأن باطنه أجمل من ظاهره بأني راودته ~~فأبى إلا العفة والحياء والاستعصام ثم ذكر سبحانه من أعمال الأبرار ما ~~ينتبه سامعه على جمعهم لأعمال البر كلها فذكر سبحانه وفاءهم بالنذر وخوفهم ~~من ربهم واطعامهم الطعام على محبتهم له واخلاصهم لربهم في طاعتهم وذكر ~~سبحانه الوفاء بالنذر وهو أضعف الواجبات فإن العبد هو ms271 الذي أوجبه على نفسه ~~التزامه فهو دون ما أوجبه الله سبحانه وعليه فإذا (وفى) لله بأضعف الواجبين ~~الذي التزمه هو فهو بأن يوفى بالواجب الأعظم الذي أوجبه الله عليه أولى ~~وأحرى PageV03P022 # ومن ههنا قال من قال من المفسرين المقربون يوفون بطاعة الله ويقومون بحقه ~~عليهم وذلك أن العبد إذا نذر لله طاعة فوفى بها فإنما يفعل ذلك لكونها صارت ~~حقا لله يجب الوفاء بها وهذا موجود في حقوقه كلها فهي في ذلك سواء ثم أخبر ~~عنهم بأنهم يخافون اليوم العسير القمطرير وهو يوم القيامة ففي ضمن هذا ~~الخوف إيمانهم باليوم الآخر وكفهم عن المعاصي التي تضرهم في ذلك اليوم ~~وقيامهم بالطاعات التي ينفعهم فعلها ويضرهم تركها في ذلك اليوم ثم أخبر ~~عنهم باطعام الطعام على محبتهم له وذلك يدل على نفاسته عندهم وحاجتهم إليه ~~وما كان كذلك فالنفوس به أشح والقلوب به أعلق واليد له أمسك فإذا بذلوه في ~~هذه الحال فهم لما سواه من حقوق العباد أبذل فذكر من حقوق العباد بذل قوت ~~النفس على نفاسته وشدة الحاجة منبها على الوفاء بما دونه كما ذكر من حقوقه ~~الوفاء بالنذر منبها على الوفاء بما هو فوقه وأوجب منه ونبه بقوله * (على ~~حبه) * الآية 8 أنه لولا أن الله سبحانه أحب إليهم منه لما آثروه على ما ~~يحبونه فآثروا المحبوب الأعلى على الأدنى ثم ذكر أن مصرف طعامهم إلى ~~المسكين واليتيم والأسير الذين لا قوة لهم ينصرونهم بها ولا مال لهم ~~يكافئونهم به ولا أهل ولا عشيرة يتوقعون منهم مكافأتهم كما يقصده أهل لدنيا ~~والمعاوضون بانفاقهم واطعامهم ثم أخبر عنهم أنهم إنما فعلوا ذلك لوجه الله ~~وأنهم لا يريدون من أطعموه عوضا من أموالهم ولا ثناء عليهم بألسنتهم كما ~~يريده من لا اخلاص له باحسانه إلى الناس من معاوضتهم أو الشكور منهم فتضمن ~~ذلك المحبة والاخلاص والاحسان ثم أخبر سبحانه عنهم بما صدقهم عليه قبل أن ~~يقولوه حيث قالوا * (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا) * الآية 10 ~~فصدقهم قبل قولهم ms272 إذ يقول تعالى * (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا) * الآية 7 ثم أخبر سبحانه بأنه وقاهم شر ما يخافونه ولقاهم فوق ما ~~كانوا يأملونه وذكر سبحانه أصناف النعيم الذي حباهم به من المساكن والملابس ~~والمجالس والثمار PageV03P023 # والشراب والخدم والنعيم والملك الكبير ولما كان في الصبر من حبس النفس ~~والخشونة التي تلحق الظاهر والباطن من التعب والنصب والحرارة ما فيه كان ~~الجزاء عليه بالجنة التي فيها السعة والحرير الذي فيه اللين والنعومة ~~والاتكاء الذي يتضمن الراحة والظلال المنافية للحر ثم ذكر سبحانه لون ملابس ~~(الأبرار) وإنها ثياب سندس خضر وإستبرق وحليتهم وأنها أساور من فضة فهذه ~~زينة ظواهرهم ثم ذكر زينه بواطنهم وهو الشراب الطهور وهو بمعنى التطهير فإن ~~قيل فلم اقتصر من آنيتهم وحليتهم على الفضة دون الذهب ومعلوم ان الجنان ~~جنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنتيهما وحليتهما ~~وما فيهما قيل سياق هذه الآيات إنما هو في وصف الأبرار ونعيمهم مفصلا دون ~~تفصيل جزاء المقربين فإنه سبحانه إنما أشار اليه إشارة تنبه على ما سكت عنه ~~وهو أن شراب الأبرار يمزج من شرابهم فالسورة مسوقة بصفة الأبرار وجزائهم ~~على التفصيل وذلك والله أعلم لأنهم أعم من المقربين وأكثر منهم ولهذا يخبر ~~سبحانه عنهم بأنهم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين وعن المقربين السابقين ~~بأنهم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين وأيضا فإن في ذكر جزاء الأبرار ~~تنبيها على أن جزاء المقربين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر وأيضا فإنه سبحانه ذك أهل الكفر وأهل الشكر وأهل الشكر نوعان أبرار أهل ~~يمين ومقربون سابقون وكل مقرب سابق فهو من الأبرار ولا ينعكس فاسم الأبرار ~~والمقربين كاسم الاسلام والايمان أحدهما أعم من الآخر وأيضا فإنه سبحانه ~~أخبر أن هذا جزاء سعيهم المشكور وكل من الأبرار والمقربين سعيهم مشكور فذكر ~~سبحانه السعي المشكور والسعي المسخوط PageV03P024 # ثم ذكر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما أنعم عليه من تنزيل القرآن ~~عليه وأمره ms273 بأن يصبر لحكمه وهو يعم الحكم الديني الذي أمره به في نفسه ~~وأمره بتبليغه والحكم الكوني الذي يجري عليه من ربه فإنه سبحانه امتحن ~~عباده وابتلاهم بأمره ونهيه وهو حكمه الديني وابتلاهم بقضائه وقدره وهو ~~حكمه الكوني وفرض عليهم الصبر على كل واحد من الحكمين وإن كان الحكم الديني ~~في هذه الآية أظهر إرادة وأنه أمر بالصبر على تبليغه والقيام بحقوقه ولما ~~كان صبره عليه لا يتم بمخالفته لمن دعاه إلى خلافه من كل آثم أو كفور نهاه ~~عن طاعة هذا وهذا وأتى بحرف أو دون الواو ليدل على أنه منهى عن طاعة أيهما ~~كان أما هذا وأما هذا فكأنه قيل له لا تطع أحدهما وهو أعم في النهي من كونه ~~منهيا عن طاعتهما فإنه لو قيل له لا تطعهما أو لا تطع آثما وكفورا لم يكن ~~صريحا في النهي عن طاعة كل منهما بمفرده ولما كان لا سبيل إلى الصبر إلا ~~بتعويض القلب بشيء هو أحب إليه من فوات ما يصبر عليه فوته أمره بأن يذكر ~~ربه سبحانه بكرة وأصيلا فإن ذكره أعظم العون على تحمل مشاق الصبر وأن يصبر ~~لربه بالليل فيكون قيامه بالليل عونا على ما هو بصدده بالنهار ومادة لقوته ~~ظاهرا وباطنا ولنعيمه عاجلا وآجلا ثم أخبر سبحانه عما يمنع العبد من إيثار ~~ما فيه سعادته في الدنيا والآخرة وهو حب العاجلة وإيثارها على الآخرة ~~تقديما لداعي الحس على داعي العقل ثم ذكر سبحانه خلقهم واحكامه واتقانه بما ~~شد من أسرهم وهو ائتلاف الأعضاء والمفاصل والأوصال وما بينها من الرباطات ~~وشد بعضها ببعض وحقيقته القوة ومنه قول الشاعر PageV03P025 # * من كل مجتنب شديد أسره * سلس القياد تخاله مختالا * ولا يكون ذلك إلا ~~فيما له شد ورباط ومنه الاسئار وهو الحبل الذي يشد به الأسير ثم أخبر ~~سبحانه أنه قادر على أن يبدل أمثالهم بعد موتهم وأنه شاء ذلك فعله وإذا ~~للمحقق فهذا التبديل واقع لا محالة فهو الإعادة التي هي مثل البداءة هذا هو ~~معنى الآية ومن ms274 قال غير ذلك لم يصب معناها ولا توحشك لفظة المثل فإن المعاد ~~مثل للمبدوء وإن كان هو بعينه فهو معاد أو هو مثله من جهة المغايرة بين ~~كونه مبدءا ومعادا وهذا كالدار إذا تهدمت وأعيدت بعينها فهي الأولى وكذلك ~~الصلاة المعادة هي الأولى وهي مثلها وقد نطق القرآن بأنه سبحانه يعيدهم ~~ويعيد أمثالهم إذا شاء وكلاهما واحد فقال * (كما بدأكم تعودون) * سورة ~~الأعراف 29 وقال تعالى * (وإلينا ترجعون) * سورة الأنبياء 35 وقال * (وهو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) * سورة الروم 27 وقال * (أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم) * سورة يس ~~81 وقال * (إنا لقادرون) * * (على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ~~ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون) * سورة الواقعة 61 63 فهذا كله ~~معاد الأبدان وقد صرح سبحانه بأنه خلق جديد في موضعين من كتابه وهذا الخلق ~~الجديد هو المثل ثم ختم سبحانه السورة بالشرع والقدر كما افتتحها بالخلق ~~والهداية فقال * (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) * الآية 29 فهذا شرعه ومحل ~~أمره ونهيه ثم قال * (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) * الآية 30 فهذا قضاؤه ~~وقدره ثم ذكر الاسمين الموجبين PageV03P026 # للتخصيص وهما اسم العليم الحكيم وقوله * (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) * ~~فأخبر أن مشيئتهم موقوفة على مشيته ومع هذا فلا يوجب ذلك حصول الفعل منهم ~~إذ أكثر ما فيه أنه جعلهم شائين ولا يقع الفعل إلا حين يشاؤه منهم كما قال ~~تعالى * (فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله) * سورة المدثر 55 56 ~~وقال * (لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) * سورة ~~التكوير 28 29 ومع هذا فلا يقع الفعل منهم حتى يريد من نفسه اعانتهم ~~وتوفيقهم فهنا أربع إرادات إرادة البيان وإرادة المشيئة وإرادة الفعل ~~وإرادة الإعانة والله أعلم آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما فصل (*) وقوله تعالى * (وما تشاؤون إلا أن ~~يشاء ms275 الله) * لا يدل على أن العبد ليس بفاعل لفعله الاختياري ولا أنه ليس ~~بقادر عليه ولا أنه ليس بمريد بل يدل على أنه لا يشاؤه الا من يشاء الله ~~وهذه الآية رد على الطائفتين المجبرة والجهمية والمعتزلة القدرية فإنه ~~تعالى قال * (لمن شاء منكم أن يستقيم) * فاثبت للعبد مشيئة وفعلا ثم قال * ~~(وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) * فبين ان مشيئة معلقه بمشيئة ~~الله و الأولى رد على الجبرية وهذه رد على القدرية الذين يقولون قد يشاء ~~العبد ما لا يشاؤه الله كما يقولون إن الله يشاء ما لا يشاؤون وإذا قالوا ~~المراد بالمشيئة هنا الأمر على أصلهم والمعنى وما يشاؤون فعل ما أمر الله ~~به ان لم يأمر الله به قيل سياق الآية يبين انه ليس المراد هذا بل المراد ~~وما تشاؤون بعد ان أمرتم بالفعل ان تفعلوه الا أن يشاء الله فإنه تعالى ذكر ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد ثم قال بعد ذلك * (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ ~~إلى ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) * وقوله * (وما تشاؤون) * نفي ~~لمشيئتهم في المستقبل وكذلك قوله الا ان يشاء الله تعليق لها بمشيئة الرب ~~في المستقبل فإن حرف (أن) تخلص الفعل المضارع للاستقبال فالمعنى الا أن ~~يشاء بعد ذلك والامر متقدم على ذلك وهذا كقول الانسان لا افعل هذا الا ان ~~يشاء الله PageV03P027 # وقد اتفق السلف والفقهاء على أن من حلف فقال لأصلين غدا إن شاء الله أو ~~لأقضين ديني غدا إن شاء الله ومضى الغد ولم يقضه أنه لا يحنث ولو كانت ~~المشيئة هي الأمر لحنث لأن الله أمره بذلك وهذا مما احتج به على القدرية ~~وليس لهم عنه جواب ولهذا خرق بعضهم الاجماع القديم وقال إنه يحنث و (أيضا) ~~فقوله * (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) * سيق لبيان مدح الرب والثناء عليه ~~ببيان قدرته وبيان حاجة العباد إليه ولو كان المراد لا يفعلون الا أن ~~يأمركم لكان كل امر بهذه المثابة فلم يكن ذلك ms276 من خصائص الرب التي يمدح بها ~~وان أريد انهم لا يفعلون الا بأمره كان هذا مدحا لهم لا له PageV03P028 # ((22) فصل في قوله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بدأ ~~الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء لا يقتضي هذا أنه إذا ~~صار غريبا يجوز تركه والعياذ بالله بل الأمر كما قال تعالى * (ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) * آل عمران 3 85 ~~وقال تعالى * (إن الدين عند الله الإسلام) * آل عمران 3 19 وقال تعالى * ~~(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * ~~آل عمران 3 102 وقال تعالى * (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ~~ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم ~~قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * البقرة 2 130 132 وقد بسطنا ~~الكلام على هذا في موضع آخر وبينا أن الأنبياء كلهم كان دينهم الاسلام ~~الصحيح حديث عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله نظر ~~إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الكتاب الحديث ولا ~~يقتضي هذا أنه إذا صار غريبا أن المتمسك به يكون في شر بل هو أسعد الناس ~~كما قال في تمام الحديث فطوبى للغرباء وطوبى من الطيب قال تعالى * (طوبى ~~لهم وحسن مآب) * PageV03P114 # الرعد 13 29 فإنه يكون من جنفى السابقين الأولين الذين اتبعوه لما كان ~~غريبا وهم أسعد الناس أما في الآخرة فهم أعلى الناس درجة بعد الأنبياء ~~عليهم السلام وأما في الدنيا فقد قال تعالى * (يا أيها النبي حسبك الله ومن ~~اتبعك من المؤمنين) * الأنفال 8 64 أي ان الله حسبك وحسب متبعك وقال تعالى ~~* (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) * الأعراف 7 196 وقال ~~تعالى * (أليس الله بكاف عبده) ms277 * الزمر 39 36 وقال * (ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه) * الطلاق 65 2 ~~3 فالمسلم المتبع للرسول الله تعالى حسبه وكافيه وهو وليه حيث كان ومتى كان ~~ولهذا يوجد المسلمون المتمسكون بالاسلام في بلاد الكفر لهم السعادة كلما ~~كانوا أتم تمسكا بالاسلام فإن دخل عليهم شر كان بذنوبهم حتى أن المشركين ~~وأهل الكتاب إذا رأوا المسلم القائم بالاسلام عظموه وأكرموه وأعفوه من ~~الأعمال التي يستعملون بها المنتسبين إلى ظاهر الاسلام من غير عمل بحقيقته ~~لم يكرم وكذلك كان المسلمون في أول الاسلام وفي كل وقت فإنه لا بد أن يحصل ~~للناس في الدنيا شر ولله على عباده نعم لكن الشر الذي يصيب المسلم أقل ~~والنعم التي تصل إليه أكثر فكان المسلمون في أول الاسلام وان ابتلوا بأذى ~~الكفار والخروج من الديار فالذي حصل للكفار الهلاك كان أعظم بكثير والذي ~~كان يحصل للكفار من عز أو مال كان يحصل للمسلمين أكثر منه حتى من الأجانب ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما كان المشركون يسعون في أذاه بكل طرق ~~كان الله يدفع عنه ويعزه ويمنعه وينصره من حيث كان أعز قريش ما منهم الا من ~~كان يحصل له من يؤذيه ويهينه من لا يمكنه دفعه إذ لكل كبير كبير يناظره ~~ويناويه ويعاديه وهذه حال من PageV03P115 # فصل سورة الليل (*) (معنى آية * (إن علينا للهدى) * ونظيريها من سورتي ~~الحجر والنحل وبيان اغلاط المفسرين فيها) قال شيخ الاسلام أبو العباس أحمد ~~بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه ~~ورحمه فصل في آيات ثلاث متناسبة متشابهة اللفظ والمعنى يخفى معناها على ~~أكثر الناس قوله تعالى * (قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) * الحجر 15 41 42 وقوله تعالى * (وعلى الله ~~قصد السبيل ومنها جائر) * النحل 16 6 وقوله تعالى * (إن علينا للهدى وإن ~~لنا للآخرة والأولى) * الليل ms278 92 12 13 فلفظ هذه الآيات فيه أن السبيل ~~الهادي هو على الله وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي في الآية الأولى ثلاثة ~~أقوال بخلاف الآيتين الآخريين فإنه لم يذكر فيهما إلا قوله واحدا فقال في ~~تلك الآية اختلفوا في معنى هذا الكلام على ثلاثة أقوال PageV03P142 # أحدها انه يعني بقوله هذا الاخلاص فالمعنى أن الاخلاص طريق إلي مستقيم ~~وعلى بمعنى إلى والثاني هذا طريق علي جوازه لأني بالمرصاد فأجازيهم ~~بأعمالهم وهو خارج مخرج الوعيد كما تقول للرجل تخاصمه طريقك علي فهو كقوله ~~* (إن ربك لبالمرصاد) * الفجر 89 14 والثالث هذا صراط على استقامته أي أنا ~~ضامن لاستقامته بالبيان والبرهان قال وقرأ قتادة ويعقوب (هذا صراط علي) أي ~~رفيع (قلت) هذه الأقوال الثلاثة قد ذكرها من قبله كالثعلبي والواحدي ~~والبغوي وذكروا قولا رابعا فقالوا واللفظ للبغوي وهو مختصر الثعلبي قال ~~الحسن معناه صراط إلى مستقيم وقال مجاهد الحق يرجع إلي وعليه طريقه لا يعرج ~~على شيء وقال الأخفش يعني على الدلالة على الصراط المستقيم وقال الكسائي ~~هذا على التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه طريقك علي أي لا تفلت ~~مني كما قال تعالى * (إن ربك لبالمرصاد) * وقيل معناه على استقامته بالبيان ~~والبرهان والتوفيق والهداية فذكروا الأقوال الثلاثة وذكروا قول الأخفش على ~~الدلالة على الصراط المستقيم وهو يشبه القول الأخير لكن بينهما فرق فإن ذاك ~~يقول على استقامته بإقامة الأدلة فمن سلكه كان على صراط مستقيم والآخر يقول ~~أن أدل الخلق عليه بإقامة الحجج ففي كلا القولين أنه بين الصراط المستقيم ~~بنصف الأدلة لكن هذا جعل عليه الدلالة عليه وهذا جعل عليه استقامته أي بيان ~~استقامته وهما متلازمان ولهذا والله أعلم لم يجعله أبو الفرج قولا رابعا ~~وذكروا القراءة الأخرى عن يعقوب وغيره أي رفيع قال البغوي وعبر بعضهم عنه ~~رفيع أن ينال مستقيم أن يمال PageV03P143 # (قلت) القول الصواب هو قول أئمة السلف قول مجاهد ونحوه فإنهم أعلم بمعاني ~~القرآن لا سيما مجاهد فإنه قال عرضت المصحف على ابن عباس من ms279 فاتحته إلى ~~خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها وقال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد ~~فحسبك به والأئمة كالشافعي وأحمد والبخاري ونحوهم يعتمدون على تفسيره ~~والبخاري في صحيحة أكثر ما ينقله من التفسير ينقله عنه والحسن البصري أعلى ~~التابعين بالبصرة وما ذكروه عن مجاهد ثابت عنه رواه الناس كابن أبي حاتم ~~وغيره من تفسير ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله (هذا صراط علي ~~مستقيم) الحق يرجع إلى الله وعليه طريقة لا يعرج على شيء وذكر عن قتادة أنه ~~فسرها على قراءته وهو يقرأ علي فقال أي رفيع مستقيم وكذلك ذكر ابن أبي حاتم ~~عن السلف أنهم فسروا آية النحل فروى من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد قوله * (قصد السبيل) * قال طريق الحق على الله قال وروى السدي أنه ~~قال الاسلام وعطاء قال هي طريق الجنة فهذه الأقوال قول مجاهد والسدي وعطاء ~~في هذه الآية هي مثل قول مجاهد والحسن في تلك الآية وذكر ابن أبي الحاتم من ~~تفسير العوفي عن ابن عباس في قوله * (وعلى الله قصد السبيل) * يقول على ~~الله البيان أن يبين الهدى والضلالة وذكر ابن أبي حاتم في هذه الآية قولين ~~ولم يذكر في آية الحجر إلا قول مجاهد فقط وابن الجوزي لم يذكر في آية النحل ~~إلا هذا القول الثاني وذكره عن الزجاح فقال PageV03P144 # * (وعلى الله قصد السبيل) * القصد استقامة الطريق يقال طريق قصد وقاصد ~~إذا قصد بك إلى ما تريد قال الزجاج المعنى وعلى الله تبيين الطريق المستقيم ~~والدعاء إليه بالحجج والبراهين وكذلك الثعلبي والبغوي ونحوهما لم يذكروا ~~إلا هذا القول لكن ذكروه باللفظين قال البغوي يعني بيان طريق الهدى من ~~الضلالة وقيل بيان الحق بالآيات والبراهين قال والقصد الصراط المستقيم و * ~~(ومنها جائر) * يعني ومن السبيل ما هو جائر عن الاستقامة معوج فالقصد من ~~السبيل دين الاسلام والجائر منها اليهودية والنصرانية وسائر ملل الكفر قال ~~جابر بن عبد الله قصد السبيل بيان الشرائع والفرائض وقال عبد الله ms280 بن ~~المبارك وسهل بن عبد الله قصد السبيل السنة (ومنها جائر) الأهواء والبدع ~~ودليله قوله تعالى * (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله) * الأنعام 6 153 ولكن البغوي ذكر فيها القول الآخر ~~ذكره في تفسير قوله تعالى * (إن علينا للهدى) * الليل عن القراء كما سيأتي ~~فقد ذكر القولين في الآيات الثلاث تبعا لمن قبله كالثعلبي وغيره والمهدوي ~~ذكر في الآية الأولى قولين من الثلاثة وذكر في الثانية ما رواه العوفي ~~وقولا آخر فقال قوله * (هذا صراط علي مستقيم) * أي على أمري وارادتي وقيل ~~هو على التهديد كما يقال على طريقك وإلى مصيرك وقال في قوله * (وعلى الله ~~قصد السبيل) * قال ابن عباس أي بيان الهدى من الضلال وقيل السبيل الاسلام ~~ومنها جائر أي ومن السبل جائر أي عادل عن الحق وقيل المعنى وعنها جائر أي ~~عن السبيل ف من بمعنى عن وقيل معنى قصد السبيل سيركم ووجوعكم والسبيل واحدة ~~بمعنى الجمع PageV03P145 # (قلت) هذا قول بعض المتأخرين جعل القصد بمعنى الإرادة أي عليه قصدكم ~~للسبيل في ذهابكم ورجوعكم وهو كلام من لم يفهم الآية فإن السبيل القصد هي ~~السبيل العادلة أي عليه السبيل القصد والسبيل اسم جنس ولهذا قال ومنها جائر ~~أي عليه القصد من السبيل ومن السبيل جائر فإضافة إلى اسم الجنس إضافة النوع ~~إلى الجنس أي القصد من السبيل كما تقول ثوب خز ولهذا قال ومنها جائر وأما ~~من ظن أن التقدير قصدكم السبيل فهذا لا يطابق لفظ الآية ونظمها من وجود ~~متعددة وابن عطية لم يذكر في آية الحجر إلا قول الكسائي وهو أضعف الأقوال ~~وذكر المعنى الصحيح تفسير للقراءة الأخرى فذكر أن جماعة من السلف قرأوا على ~~مستقيم من العلو والرفعة قال والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى الاخلاص ~~لما استثنى إبليس من أخلص قال الله له هذا الاخلاص طريق رفيع مستقيم لا ~~تنال أنت باغوائك أهله قال وقرأ جمهور الناس على مستقيم والإشارة بهذا على ~~هذه القراءة إلى انقسام الناس إلى ms281 غاو ومخلص لما قسم إبليس هذين القسمين ~~قال الله هذا طريق علي أي هذا أمر إلى مصيره والعرب تقول طريقك في هذا ~~الأمر على فلان أي اليه يصير النظر في أمرك وهذا نحو قوله * (إن ربك ~~لبالمرصاد) * قال والآية على هذه القراءة خبر يتضمن وعيدا (قلت) هذا قول لم ~~ينقل عن أحد من علماء التفسير لا في هذه الآية ولا في نظيرها وإنما قاله ~~الكسائي لما أشكل عليه معنى الآية الذي فهمه السلف ودل عليه السياق ~~والنظائر وكلام العرب لا يدل على هذا القول فإن الرجل وإن كان يقول لمن ~~يتهدده ويتوعده على طريقك فإنه لا يقول إن طريقك مستقيم وأيضا فالوعيد إنم ~~يكون للمسيء لا يكون للمخلصين فكيف يكون قوله هذا إشارة إلى انقسام الناس ~~إلى غاو ومخلص وطريق هؤلاء غير طريق هؤلاء هؤلاء سلكوا الطريق المستقيم ~~التي تدل على الله وهؤلاء سلكوا السبيل الجائرة وأيضا فإنما يقول لغيره في ~~التهديد طريقك علي من لا يقدر عليه في الحال لكن ذاك يمر PageV03P146 # بنفسه عليه وهو متمكن منه كما كان أهل المدينة يتوعدون أهل مكة بأن ~~طريقكم علينا لما تهددوهم بأنكم آويتم محمدا وأصحابه كما قال أبو جهل لسعد ~~بن معاذ لما ذهب سعد إلى مكة إلا أراك تطوف بالبيت أمنا وقد آويتم الصباة ~~وزعمتم أنكم تنصرونهم فقال لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه ~~طريقك على المدينة أو نحو هذا فذكر أن طريقهم في متجرهم إلى الشام عليهم ~~فيتمكنون حينئذ من جزائهم ومثل هذا المعنى لا يقال في حق الله تعالى فإن ~~الله قادر على العباد حيث كانوا كما قالت الجن * (وأنا ظننا أن لن نعجز ~~الله في الأرض ولن نعجزه هربا) * الجن 72 13 وقال * (وما أنتم بمعجزين في ~~الأرض) * العنكبوت 29 22 فلان أي إليه يصير أمرك فهذا يطابق تفسير مجاهد ~~وغيره من السلف كما قال مجاهد الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على ~~شيء فطريق الحق على الله وهو الصراط المستقيم الذي ms282 قال الله فيه * (هذا ~~صراط علي مستقيم) * كما فسرت به القراءة الأخرى فالصراط في القرائتين هذا ~~الصراط المستقيم الذي أمر الله المؤمنين أن يسألوه إياه في صلاتهم فيقولوا ~~* (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين) * وهو الذي وصى به في قوله * (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) * الأنعام ~~وقوله هذا إشارة إلى ما تقدم ذكره وهو قوله * (إلا عبادك منهم المخلصين) * ~~الحجر 15 40 فتعبد العباد له باخلاص الدين له طريق يدل عليه وهو طريق ~~مستقيم ولهذا قال بعده * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) * الحجر 15 42 ~~PageV03P147 # وابن عطية ذكر أن هذا معنى الآية في تفسير الآية الأخرى مستشهدا به مع ~~أنه لم يذكره في تفسيرها فهو بفطرته عرف أن هذا معنى الآية ولكنه لما فسرها ~~ذكر ذلك القول كأنه هو الذي اتفق أن رأى غيره قد قاله هناك فقال رحمه الله ~~فصل (في معنى السبيل) وقوله * (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر) * وهذه ~~أيضا من أجل نعم الله تعالى أي على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه وذلك نصب ~~الأدلة وبعث الرسل وإلى هذا ذهب المتأولون قال ويحتمل أن يكون المعنى أن من ~~سلك السبيل القاصد فعلى الله طريقه وإلى ذلك مصيره فيكون هذا مثل قوله * ~~(هذا صراط علي مستقيم) * وضد قول النبي صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك ~~أي لا يفضي إلى رحمتك وطريق قاصد معناه بين مستقيم قريب ومنه قول الراجز ~~قصد عن نهج الطريق القاصد قال والألف واللام في السبيل للعهد وهي سبيل ~~الشرع وليست للجنس ولو كانت للجنس لم يكن منها جائر وقوله * (ومنها جائر) * ~~يريد طريق اليهود والنصارى وغيرهم كعباد الأصنام والضمير في منها يعود على ~~السبيل التي يتضمنها معنى الآية كأنه قال ومن السبيل جائر فأعاد عليها وان ~~كان لم يجر لها ذكر لتضمن لفظة السبيل بالمعنى لها قال ويحتمل أن يكون ~~الضمير في منها على ms283 سبيل الشرع المذكورة ويكون من للتبعيض ويكون المراد فرق ~~الضلالة من أمة محمد كأنه قال ومن بينات الطرق من هذه السبيل ومن شعبها ~~جائر (قلت) سبيل أهل البدع جائرة خارجة عن الصراط المستقيم فيما ابتدعوا ~~فيه ولا يقال إن ذلك من السبيل المشروعة وأما قوله إن قوله * (قصد السبيل) ~~* هي سبيل الشرع وهي سبيل الهدى والصراط المستقيم وأنها لو كانت للجنس لم ~~يكن منها جائر فهذا أحد الوجهين في دلالة الآية وهو مرجوح والصحيح الوجه ~~الآخر أن السبيل اسم جنس ولكن الذي على PageV03P148 # الله هو القصد منها وهي سبيل واحد ولماكان جنسا قال * (ومنها جائر) * ~~والضمير يعود على ما ذكر بلا تكلف وقوله لو كان للجنس لم يكن منها جائر ليس ~~كذلك فإنها ليست كلها عليه بل إنما عليه القصد منها وهي سبيل الهدى والجائر ~~ليس من القصد وكأنه ظن أنه إذا كانت للجنس يكون عليه قصد كل سبيل وليس كذلك ~~بل إنما عليه سبيل واحدة وهي الصراط المستقيم وهي التي تدل عليه وسائرها ~~سبيل الشيطان كما قال * (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله) * وقد أحسن رحمه الله في هذا الاحتمال وفي تمثيله ذلك ~~بقوله * (هذا صراط علي مستقيم) * وأما آية الليل قوله * (إن علينا للهدى) * ~~فابن عطية مثلها بهذه الآية لكنه فسرها بالوجه الأول فقال ثم أخبر تعالى أن ~~عليه هدى الناس جميعا أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم الإدراك كما قال * ~~(وعلى الله قصد السبيل) * ثم كل أحد يتكسب ما قدر له وليست هذه الهداية ~~بالارشاد إلى الإيمان ولو كان كذلك لم يوجد كافر (قلت) وهذا هو الذي ذكره ~~ابن الجوزي وذكره عن الزجاج قال الزجاج ان علينا أن نبين طريق الهدى من ~~طريق الضلال وهذا التفسير ثابت عن قتادة رواه عبد بن حميد قال حدثنا يونس ~~عن شيبان عن قتادة * (إن علينا للهدى) * علينا بيان حلاله وحرامه وطاعته ~~ومعصيته وكذلك رواه ابن أبي حاتم في تفسير سعيد عن قتادة في قوله * (إن ms284 ~~علينا للهدى) * يقول على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته لكن ~~قتادة ذكر أنه البيان الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه فتبين به حلاله ~~وحرامه وطاعته ومعصيته وأما الثعلبي والواحدي والبغوي وغيرهم فذكروا ~~القولين وزادوا أقوالا آخر فقالوا واللفظ للبغوي PageV03P149 # * (إن علينا للهدى) * يعني البيان قال الزجاج علينا أن نبين طريق الهدى ~~من طريق الضلالة وهو قول قتادة قال على الله بيان حلاله وحرامه وقال القراء ~~يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله تعالى * (وعلى الله قصد السبيل) * ~~يقول من أراد الله فهو على السبيل القاصد قال وقيل معناه إن علينا للهدى ~~والاضلال كقوله بيدك الخير (قلت) هذا القول هو من الأقوال المحدثة التي لم ~~تعرف عن السلف وكذلك ما أشبهه فإنهم قالوا معناه بيدك الخير والشر والنبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح يقول والخير بيديك والشر ليس إليك ~~والله تعالى خالق كل شيء لا يكون في ملكه إلا ما يشاء والقدر حق لكن فهم ~~القرآن ووضع كل شيء موضعه وبيان حكمة الرب وعدله مع الايمان بالقدر هو طريق ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان (ذكر المهدوي ثلاثة أقوال) PageV03P150 # وقد ذكر المهدوي الأقوال الثلاثة فقال إن علينا للهدى والضلال فحذف قتادة ~~المعنى إن علينا بيان الحلال والحرام وقيل المعنى إن علينا أن نهدي من سلك ~~سبيل الهدى (قلت) هذا هو قول القراء لكن عبارة القراء أبين في معرفة هذا ~~القول فقد تبين أن جمهور المتقدمين فسروا الآيات الثلاث بأن الطريق ~~المستقيم لا يدل إلا على الله ومنهم من فسرها بأن عليه بيان الطريق ~~المستقيم والمعنى الأول متفق عليه بين المسلمين وأما الثاني فقد يقول طائفة ~~ليس على الله شيء لا بيان هذا ولا هذا فإنهم متنازعون هل أوجب على نفسه كما ~~قال * (كتب ربكم على نفسه الرحمة) * الأنعام 6 54 وقوله * (وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين) * الروم 20 47 وقوله * (وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها) * هود 11 6 وإذا كان عليه بيان ms285 الهدى من الضلال وبيان حلاله وحرامه ~~وطاعته ومعصيته فهذا يوافق قول من يقول إن عليه ارسال الرسل وإن ذلك واجب ~~عليه فإن البيان لا يحصل إلا بهذا وهذا يتعلق بأصل آخر وهو أن كل ما فعله ~~فهو واجب منه أوجبته مشيئته وحكمته وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فما ~~شاءه رجب وجوده وما لم يشأه امتنع وجوده وبسط هذا له موضع آخر ودلالة ~~الآيات على هذا فيها نظر وأما المعنى المتفق عليه فهو مراد من الآيات ~~الثلاث قطعا وأنه أرشد بها إلى الطريق المستقيم وهي الطريق القصد وهي الهدى ~~إنما تدل عليه وهو الحق طريقه على الله لا يعرج عنه لكن نشأت الشبهة من ~~كونه قال علينا بحرف الاستعلاء ولم يقل الينا والمعروف أن يقال لمن يشار ~~إليه أن يقال هذه الطريق إلى فلان وطن يمر به ويجتاز عليه أن يقول طريقنا ~~على فلان PageV03P151 # وذكر هذا المعنى بحرف الاستعلاء وهو من محاسن القرآن الذي لا تنقضي ~~عجائبه ولا يشبع منه العلماء فإن الخلق كلهم مصيرهم ومرجعهم إلى الله على ~~أي طريق سلكوا كما قال تعالى * (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه) * الانشقاق 84 6 وقال * (وإلى الله المصير) * آل عمران 3 28 النور ~~24 42 فاطر 35 18 * (إن إلينا إيابهم) * الغاشية 88 25 أي الينا مرجعهم ~~وقال * (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ~~ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق ~~عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ~~ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) * الانعام 6 60 62 وقال * (أم لم ينبأ بما ~~في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى وأن إلى ربك المنتهى) * ~~النجم 53 36 42 وقال * (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا ms286 ~~مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) * يونس 10 46 فأي سبيل سلكها العبد ~~فإلى الله مرجعه ومنتهاه لا بد له من لقاء الله * (ليجزي الذين أساؤوا بما ~~عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) * النجم 53 31 وتلك الآيات قصد بها أن ~~سبيل الحق والهدى وهو الصراط المستقيم هو الذي يسعد أصحابه وينالون به ~~ولاية الله ورحمته وكرامته فيكون الله وليهم دون الشيطان وهذه سبيل من عبد ~~الله وحده وأطاع رسله فلهذا قال * (إن علينا للهدى) * * (وعلى الله قصد ~~السبيل) * * (قال هذا صراط علي مستقيم) * فالهدى وقصد السبيل والصراط ~~المستقيم إنما يدل على عبادته وطاعته يدل على معصيته وطاعة الشيطان فالكلام ~~تضمن معنى الدلالة إذ ليس المراد ذكر الجزاء في الآخرة فإن الجزاء يعم ~~الخلق كلهم بل المقصود بيان ما أمر الله به من عبادته وطاعته وطاعة رسله ما ~~الذي يدل على ذلك فكأنه قيل الصراط المستقيم يدل على الله على عبادته ~~وطاعته وذلك يبين أن من لغة العرب أنهم يقولون هذه الطريق على فلان إذا ~~كانت تدل PageV03P152 # عليه وكان هو الغاية المقصودة بها وهذا غير كونها عليه بمعنى أن صاحبها ~~يمر عليه وقد قيل * هن المنايا أي واد سلكته * عليها طريقي أو على طريقها * ~~وهو كما قال الفراء من سلك الهدى فعلى الله سبيله فالمقصود بالسبيل هو الذي ~~يدل ويوقع عليه كما يقال إن سلكت هذه السبيل وقعت على المقصود ونحو ذلك ~~وكما يقال على الخبير سقطت فإن الغاية المطلوبة إذا كانت عظيمة فالسالك يقع ~~عليها ويرمي نفسه عليها وأيضا فسالك طريق الله متوكل عليه فلا بد له من ~~عبادته ومن التوكل عليه فإذا قيل عليه الطريق المستقيم تضمن أن سالكه عليه ~~يتوكل وعليه تدله الطريق وعلى عبادته وطاعته يقع ويسقط لا يعدل عن ذلك إلى ~~نحو ذلك من المعاني التي يدل عليها حرف الاستعلاء دون حرف الغاية وهو ~~سبحانه قد أخبر أنه على صراط مستقيم فعليه الصراط المستقيم وهو على صراط ~~مستقيم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ms287 والله أعلم آخر كلام ~~شيخ الاسلام ابن تيمية (فيما يتعلق بهذه السورة) PageV03P153 # سورة التين (*)) فصل (قوله في أسفل سافلين) وفي قوله * (أسفل سافلين) * ~~قولان قيل الهرم وقيل العذاب بعد الموت وهذا هو الذي دلت عليه الآية قطعا ~~فإنه جعله في أسفل سافلين إلا المؤمنين والناس نوعان فالكافر بعد الموت ~~يعذب في أسفل سافلين والمؤمن في عليين وأما القول الأول ففيه نظر فإنه ليس ~~كل من سوى المؤمنين يهرم فيرد إلى أسفل سافلين بل كثير من الكفار يموتون ~~قبل الهرم وكثير من المؤمنين يهرم وإن كان حال المؤمن في الهرم أحسن حالا ~~من الكافر فكذلك في الشباب حال المؤمن أحسن من حال الكافر فجعل الرد إلى ~~أسفل سافلين في آخر العمر وتخصيصه بالكفار ضعيف ولهذا قال بعضهم إن ~~الاستثناء منقطع على هذا القول وهو أيضا ضعيف فإن المنقطع لا يكون في ~~الموجب ولو جاز هذا لجاز لكل أحد أن يدعى في أي استثناء شاء أنه منقطع ~~وأيضا فالمنقطع لا يكون الثاني منه بعض الأول والمؤمنون بعض نوع الانسان ~~وقد فسر ذلك بعضهم على القول الأول بأن المؤمن يكتب له ما كان يعمله إذا ~~عجز قال إبراهيم النخعي إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب الله ~~له ما كان يعمل وهو قوله * (فلهم أجر غير ممنون) * وقال ابن قتيبة المعنى ~~الا الذين PageV03P154 # آمنوا في وقت القوة والقدرة فإنهم في حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن ~~الطاعات فإن الله يعلم لو لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن أفعال الخير فهو ~~يجري لهم أجر ذلك فيقال وهذا أيضا ثابت في حال الشباب إذا عجز الشاب لمرض ~~أو سفر كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ~~مرض العبد أو سافر كتب الله له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم وفسره ~~بعضهم بما روي عن ابن عباس أنه قال من قرأ القرآن فإنه لا يرد إلى أرذل ~~العمر فيقال هذا مخصوص بقارئ القرآن ms288 والآية استثنت الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء قرأوا القرآن أو لم يقرأوه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب ~~وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح ~~لها وأيضا فيقال هرم الحيوان ليس مخصوصا بالانسان بل غيره من الحيوان إذا ~~كبر هرم وأيضا فالشيخ وان ضعف بدنه فعقله أقوى من عقل الشاب ولو قدر أنه ~~ينقص بعض قواه فليس هذا ردا إلى أسفل سافلين فإنه سبحانه إنما يصف الهرم ~~بالضعف كقوله * (ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة) * الروم 30 54 وقوله * (ومن ~~نعمره ننكسه في الخلق) * يس 36 68 فهو يعيده إلى حال الضعف ومعلوم أن الطفل ~~ليس هو في أسفل سافلين فالشيخ كذلك أولى وإنما في أسفل سافلين من يكون في ~~سجين لا في عليين كما قال تعالى * (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) ~~* النساء 4 145 ومما يبين ذلك قوله * (فما يكذبك بعد بالدين) * التين 95 7 ~~فإنه يقتضي ارتباط هذا بما قبله لذكره بحرف الفاء ولو كان المذكور إنما هو ~~رده إلى الهرم دون ما بعد PageV03P155 # الموت لم يكن هناك تعرض الدين والجزاء بخلاف ما إذا كان المذكور أنه بعد ~~الموت يرد إلى أسفل سافلين غير المؤمن المصلح فإن هذا يتضمن الخبر بأن الله ~~يدين العباد بعد الموت فيكرم المؤمنين ويهيمن الكافرين وأيضا فإنه سبحانه ~~أقسم على ذلك بأقسام عظيمة بالتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين ~~وهي المواضع التي جاء منها محمد والمسيح وموسى وأرسل الله بها هؤلاء الرسل ~~مبشرين ومنذرين وهذا الاقسام لا يكون على مجرد الهرم الذي يعرفه كل واحد بل ~~على الأمور الغائبة التي تؤكد بالأقسام فان اقسام الله وهو على أنباء الغيب ~~وفي نفس المقسم به وهو ارسال هؤلاء الرسل تحقيق للمقسم عليه وهو الثواب ~~والعقاب بعد الموت لأن الرسل أخبروا ب وهو يتضمن أيضا الجزاء في الدنيا ~~كاهلاك من أهلكهم من ms289 الكفار فإنه ردهم إلى أسفل سافلين بهلاكهم في الدنيا ~~وهو تنبيه على زوال النعم إذا حصلت المعاصي كمن رد في الدنيا إلى أسفل جزاء ~~على ذنوبه وقوله * (فما يكذبك بعد بالدين) * أي بالجزاء يتناول جزاءه على ~~الأعمال في الدنيا والرزخ والآخرة إذا كان قد أقسم بأماكن هؤلاء المرسلين ~~الذين أرسلوا بالآيات البينات الدالة على أمر الله ونهيه ووعده ووعيده ~~مبشرين لأهل الايمان منذرين لأهل الكفر وقد أقسم بذلك على أن الانسان بعد ~~أن جعل في أحسن تقويم ان آمن وعمل صالحا كان له أجر غير ممنون والا كان في ~~أسفل سافلين PageV03P156 # فتضمن السورة بيان ما بعث به هؤلاء الرسل الذين أقسم بأماكنهم والاقسام ~~بمواضع محنهم تعظيم لهم فإن موضع الانسان إذا عظم لأجله كان هو أحق التعظيم ~~ولهذا يقال في الكاتبات إلى المجلس والمقر ونحو ذلك السامي والعالي ويذكر ~~بخضوع له وتعظيم والمراد صاحبه فلما قال * (فما يكذبك بعد بالدين) * دل على ~~أن ما تقدم قد بين فيه ما يمنع التكذيب بالدين وفي قوله * (يكذبك) * قولان ~~قيل هو خطاب للإنسان كما قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ولم يذكر البغوي غيره قال ~~عكرمة يقول فما يكذبك بعد بهذه الأشياء التي فعلت بك وعن مقاتل فما الذي ~~يجعلك مكذبا بالجزاء وزعم أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة والثاني أنه خطاب ~~للرسول وهذا أظهر فإن الانسان إنما ذكر مخبرا عنه لم يخاطب والرسول هو الذي ~~أنزل عليه القرآن والخطاب في هذه السور له كقوله * (ما ودعك ربك وما قلى) * ~~وقوله * (ألم نشرح لك صدرك) * وقوله * (اقرأ باسم ربك) * والانسان إذا خوطب ~~قيل له * (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) * * (يا أيها الإنسان إنك ~~كادح إلى ربك كدحا) * وأيضا فبتقدير أن يكون خطابا للانسان يجب أن يكون ~~خطابا للجنس كقوله * (يا أيها الإنسان إنك كادح) * وعلى قول هؤلاء أنما هو ~~خطاب للكافر خاصة المكذب بالدين وأيضا فان قوله * (يكذبك بعد بالدين) * أي ~~يجعلك كاذبا هذا هو المعروف من لغة العرب فإن استعمال كذب ms290 غيره أي نسبه إلى ~~الكذب وجعله كاذبا مشهور والقرآن مملوء من هذا وحيث ذكر الله تكذيب ~~المكذبين للرسل أو التكذيب بالحق ونحو ذلك فهذا مراده لكن هذه الآية فيها ~~غموض من جهة كونه قال * (يكذبك بعد بالدين) * فذكر المكذب بالدين فذكر ~~المكذب والمكذب به جميعا وهذا قليل جاء نظيره في قوله * (فقد كذبوكم بما ~~تقولون) * الفرقان 25 19 فأما أكثر المواضع فإنما يذكر أحدهما اما المكذب ~~كقوله * (كذبت قوم نوح المرسلين) * وأما المكذب به كقوله * (بل كذبوا ~~بالساعة) * وأما الجمع بين ذكر المكذب والمكذب به فقليل PageV03P157 # ومن هنا اشتبهت هذه الآية على من جعل الخطاب فيها للانسان وفسر معنى قوله ~~* (فما يكذبك) * فما يجعلك مكذبا وعبارة آخرين فما يجعلك كذابا قال ابن ~~عطية وقال جمهور من المفسرين المخاطب الانسان الكافر أي ما الذي يجعلك ~~كذابا بالدين تجعل لله أندادا وتزعم أنه لا بعث بعد هذه الدلائل (قلت) وكلا ~~القولين غير معروف في لغة العرب أن يقول كذبك أي جعلك مكذبا بل كذبك جعلك ~~كذابا وما قيل جعلك كاذبا أي كاذبا فيما يخبر به كما جعل الكفار الرسل ~~كاذبين فيما أخبروا به فكذبوهم وهذا يقول جعلك كاذبا بالدين فجعل كذبه أنه ~~أشرك وأنه أنكر المعاد وهذا ضد الذي ينكر ذاك جعله مكذباا بالدين وهذا جعله ~~كاذبا بالدين والأول فاسد من جهة العربية والثاني فاسد من جهة المعنى فان ~~الدين هو الجزاء الذي كذب به الكافر والكافر كذب به لم يكذب هو به وأيضا ~~فلا يعرف في الخبر أن يقال كذبت به بل يقال كذبته وأيضا فالمعروف في كذبه ~~أي نسبه إلى الكذب لا أنه جعل الكذب فيه فهذا كله تكلف لا يعرف في اللغة بل ~~المعروف خلافه وهو لم يقل فما يكذبك ولا قال فما كذبك ولهذا كان علماء ~~العربية على القول الثاني قال ابن عطية واختلف في المخاطب بقوله * (فما ~~يكذبك) * فقال قتادة والفراء والأخفش هو محمد صلى الله عليه وسلم قال الله ~~له فما PageV03P158 # الذي يكذبك فيما تخبربه من ms291 الجزاء والبعث وهو الدين بعد هذه العبرة التي ~~يوجب النظر فيها صحة ما قلت قال ويحتمل أن يكون على هذا التأويل جميع شرعه ~~ودينه (قلت) وعلى أن المخاطب محمد صلى الله عليه وسلم في المعنى قولان ~~أحدهما قول قتادة قال * (فما يكذبك بعد بالدين) * أي استيقن فقد جاءك ~~البيان من الله وهكذا رواه عنه ابن أبي حاتم باسناد ثابت وكذلك ذكره ~~المهدوي * (فما يكذبك بعد بالدين) * أي استيقن مع ما جاءك من الله أنه أحكم ~~الحاكمين فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وقال معناه عن قتادة قال وقيل ~~المعنى فما يكذبك أيها الشاك يعني الكفار في قدرة الله أي شيء يحملك على ~~ذلك بعد ما تبين لك من قدرته قال وقال الفراء فمن يكذبك بالثواب والعقاب ~~وهو اختيار الطبري (قلت) هذا القول المنقول عن قتادة هو الذي أوجب نفور ~~مجاهد عن أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم كما روى الناس ومنهم ابن ~~أبي حاتم عن الثوري عن منصور قال قلت لمجاهد * (فما يكذبك بعد بالدين) * ~~عنى به النبي صلى الله عليه وسلم قال معاذ الله عني به الانسان وقد أحسن ~~مجاهد في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال له * (فما يكذبك) * أي ~~استيقن ولا تكذب فإنه لو قيل له لا تكذب لكان هذا من جنس أمره بالايمان ~~والتقوى ونهيه عما نهى الله عنه وأما إذا قيل * (فما يكذبك بعد بالدين) * ~~فهو لم يكذب بالدين بل هو الذي أخبر بالدين وصدق به لهو * (والذي جاء ~~بالصدق وصدق به) * الزمر 39 33 فكيف يقال له * (فما يكذبك بعد بالدين) * ~~فهذا القول فاسد لفظا ومعنى واللفظ الذي رأيته مقولا بالاسناد عن قتادة ليس ~~صريحا فيه بل يحتمل أن يكون أراد به خطاب الانسان فإنه قال * (فما يكذبك ~~بعد بالدين) * قال استيقن فقد جاءك البيان وكل انسان مخاطب بهذا فإن كان ~~قتادة أراد هذا فالمعنى صحيح لكن هم حكوا عنه أن هذا خطاب للرسول صلى الله ~~عليه وسلم وعلى هذا ms292 فهذا المعنى باطل فلا يقال للرسول فأي شيء يجعلك مكذبا ~~بالدين وان ارتأت به النفس لأن هذا فيه دلائل تدل على فساده ولهذا استعاذ ~~منه مجاهد والصواب ما قاله الفراء والأخفش وغيرهما وهو الذي اختاره أبو ~~جعفر محمد ابن جرير الطبري وغيره من العلماء كما تقدم PageV03P159 # وكذلك ذكره أبو الفرج بن الجوزي عن الفراء فقال إنه خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبين له أنا ~~خلقنا الانسان على ما وصفنا قاله الفراء قال وأما الدين فهو الجزاء (قلت) ~~وكذلك قل غير واحد كما روى ابن أبي حاتم عن النضر بن عربي * (فما يكذبك بعد ~~بالدين) * أي بالحساب ومن تفسير العوفي عن ابن عباس أي بحكم الله قلت قال ~~بحكم الله لقوله * (أليس الله بأحكم الحاكمين) * وهو سبحانه يحكم بين ~~المصدق بالدين والمكذب به وعلى هذا قوله * (فما) * وصف للأشخاص ولم يقل فمن ~~لأن ما يراد به الصفات دون الأعيان وهو المقصود كقوله * (فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء) * وقوله * (لا أعبد ما تعبدون) * وقوله * (ونفس وما سواها) ~~* كأنه قيل فما المكذب بالدين بعد هذا أي من هذه صفته ونعته هو جاهل ظالم ~~لنفسه والله يحكم بين عباده فيما يختلفون فيه من هذا النبأ العظيم وقوله * ~~(بعد) * قد قيل إنه (بعد ما ذكر من دلائل الدين) وقد يقال لم يذكر الا ~~الاخبار به وأن الناس نوعان في أسفل سافلين ونوع لهم أجر غير ممنون فقد ذكر ~~البشارة والنذارة والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين فمن كذبك بعد هذا فحكمة إلى ~~الله أحكم الحاكمين وأنت قد بلغت ما وجب عليك تبليغه وقوله * (فما يكذبك) * ~~ليس نفيا للتكذيب فقد وقع بل قد يقال إنه تعجب منه كما قال * (وإن تعجب ~~فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد) * الرعد 13 5 وقد يقال إن ~~هذا تحقير لشأنه وتصغير لقدره لجهله وظلمه كما يقال من فلان ومن يقول هذا ~~الا جاهل لكنه ذكر بصيغة ما فإنها ms293 تدل على صفته وهي المقصودة إذ لا غرض في ~~عينه كأنه قيل فأبي صنف وأي جاهل يكذبك بعد بالدين فإنه من الذين يردون إلى ~~أسفل سافلين وقوله * (أليس الله بأحكم الحاكمين) * يدل على أنه الحاكم بين ~~المكذب بالدين والمؤمن به والأمر في ذلك له سبحانه وتعالى PageV03P160 # والقرآن لا تنقضي عجائبه والله سبحانه بين مراده بيانا أحكمه لكن ~~الاشتباه يقع على من لم يرسخ في علم الدلائل الدالة فان هذه السورة وغيرها ~~فيها عجائب لا تنقضي ومنها أن قوله * (فما يكذبك بعد بالدين) * ذكر فيه ~~الرسول المكذب والدين المكذب به جميعا فإن السورة تضمنت الأمرين تضمنت ~~الاقسام بأماكن الرسل المبينة لعظمتهم وما أتوا به من الآيات الدالة على ~~دقهم الموجبة للايمان وهم قد أخبروا بالمعاد المذكور في هذه السورة وقد ~~أقسم الله عليه كما يقسم عليه في غير موضع وكما أمر نبيه أن يقسم عليه في ~~مثل قوله * (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن) * التغابن ~~64 7 وقوله * (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم) * ~~سبأ 34 3 فلما تضمنت هذا وهذا ذكر نوعي التكذيب فقال * (فما يكذبك بعد ~~بالدين) * والله سبحانه أعلم وأيضا فإنه لا ذنب له في ذلك والقرآن مراده أن ~~يبين أن هذا الرد جزاء على ذنوبه ولهذا قال * (إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات) * كما قال * (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) * العصر 103 2 و 3 لكن هنا ذكر ~~الخسر فقط فوصف المستثنين بأنه تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر مع الايمان ~~والصلاح وهناك ذكر أسفل سافلين وهو العذاب والمؤمن المصلح لا يعذب وان كان ~~قد ضيع أمورا خسرها لو حفظها لكان رابحا غير خاسر وبسط له موضع آخر ~~PageV03P161 # والمقصود هنا أنه سبحانه يذكر خلق الانسان مجملا ومفصلا وتارة يذكر ~~احياءه كقوله تعالى * (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم ثم إليه ترجعون) * البقرة 2 28 وهو كقول الخليل عليه السلام * (ربي ms294 ~~الذي يحيي ويميت) * البقرة 2 258 فان خلق الحياة ولوازمها وملزوماتها أعظم ~~وأدل على القدرة والنعمة والحكمة (آخر كلام الشيخ على سورة والتين)# ~~PageV03P162 #####ENDNOTES# ms295