######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000362 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية #META# 011.AuthorBORN :: 661هـ #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: درء تعارض العقل والنقل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية #META# 022.BookVOLS :: 10 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: درء التعارض #META# 030.LibURI :: JK_000362 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد اللطيف عبد الرحمن #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1417هـ - 1997م. #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لابن ~~تيمية PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين # قال شيخ الإسلام علم الأعلام مفتي الأنام الإمام المجاهد الصادق الصابر ~~سيف السنة المسلول على المبتدعين والقاطع البتار لألسنة المارقين الملحدين ~~أبو العباس أحمد بن عبدالحليم تقي الدين الشهير بابن تيمية الحراني رحمه ~~الله وغفر لنا وله # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا PageV01P003 $ فصل # قول القائل إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية أو السمع والعقل أو النقل ~~والعقل أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية أو نحو ذلك من العبارات فإما ~~أن يجمع بينهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين وإما أن يردا جميعا # وإما أن يقدم السمع وهو محال لأن العقل أصل النقل فلو قدمناه عليه كان ~~ذلك قدحا في العقل الذي هو أصل النقل والقدح في أصل الشيء قدح فيه فكان ~~تقديم النقل قدحا في النقل والعقل جميعا فوجب تقديم العقل ثم النقل إما أن ~~يتأول وإما أن يفوض # وأما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجمع بينهما ولم يمتنع ارتفاعهما # وهذا الكلام قد جعله الرازي وأتباعه قانونا كليا فيما يستدل به من كتب ~~PageV01P004 الله تعالى وكلام أنبيائه عليهم السلام وما لا يستدل به ولهذا ~~ردوا الاستدلال بما جاءت به الأنبياء والمرسلون في صفات الله تعالى وغير ~~ذلك من الأمور التي أنبأوا بها وظن هؤلاء أن العقل يعارضها وقد يضم بعضهم ~~إلى ذلك أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين وقد بسطنا الكلام على قولهم هذا ~~في الأدلة السمعية في غير هذا الموضع # وأما هذا القانون الذي وضعوه فقد سبقهم إليه طائفة منهم أبو حامد وجعله ~~قانونا في جواب المسائل التي سئل عنها في نصوص أشكلت على السائل كالمسائل ~~التي سأله عنها ms0001 القاضي أبو بكر بن العربي وخالفه القاضي أبو بكر في كثير من ~~تلك الأجوبة وكان يقول شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن ~~يخرج منهم فما قدر وحكى هو عن أبي حامد نفسه أنه كان يقول أنا مزجى البضاعة ~~في الحديث PageV01P005 # ووضع أبو بكر بن العربي هذا قانونا آخر مبنيا على طريقة أبي المعالي ومن ~~قبله كالقاضي أبي بكر الباقلاني # ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء يضع كل فريق لأنفسهم قانونا فيما جاءت ~~به الأنبياء عن الله فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن ~~عقولهم عرفته ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعا له فما وافق قانونهم قبلوه ~~وما خالفه لم يتبعوه # وهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم وردوا ~~نصوص التوراة والإنجيل إليها لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من ~~نصوص الأنبياء أو ما بلغهم عنهم وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل ~~PageV01P006 كسائر الغالطين ممن يحتج بالسمعيات فإن غلطه إما في الإسناد ~~وإما في المتن وأما هؤلاء فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم وقد غلطوا ~~في الرأي والعقل # فالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء لكن النصارى يشبههم من ~~ابتدع بدعة بفهمه الفاسد من النصوص أو بتصديقه النقل الكاذب عن الرسول ~~كالخوارج والوعيدية والمرجئة والإمامية وغيرهم بخلاف بدعة PageV01P007 ~~الجهمية والفلاسة فإنها مبنية على ما يقرون هم بأنه مخالف للمعروف من كلام ~~الأنبياء وأولئك يظنون أن ما ابتدعوه هو المعروف من كلام الأنبياء وأنه ~~صحيح عندهم # ولهؤلاء في نصوص الأنبياء طريقتان طريقة التبديل وطريقة التجهيل أما أهل ~~التبديل فهم نوعان أهل الوهم والتخييل وأهل التحريف والتأويل # فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن ~~اليوم الآخر وعن الجنة والنار بل وعن الملائكة بأمور غير مطابقة للأمر في ~~نفسه لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله جسم عظيم وأن ~~الأبدان تعاد وأن لهم نعيما محسوسا وعقابا محسوسا وإن كان الأمر ليس كذلك ~~في ms0002 نفس الأمر لأن من مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به PageV01P008 ~~ويتخيلون أن الأمر هكذا وإن كان هذا كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور إذ كانت ~~دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطريق # وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل كالقانون الذي ذكره في ~~رسالته الأضحوية وهؤلاء يقولون الأنبياء قصدوا بهذه الألفاظ ظواهرها وقصدوا ~~أن يفهم الجمهور منها هذه الظواهر وإن كانت الظواهر في نفس الأمر كذبا ~~وباطلا ومخالفة للحق فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب والباطل للمصلحة # ثم من هؤلاء من يقول النبي كان يعلم الحق ولكن أظهر خلافه للمصلحة ومنهم ~~من يقول ما كان يعلم الحق كما يعلمه نظار الفلاسفة وأمثالهم وهؤلاء يفضلون ~~الفيلسوف الكامل على النبي ويفضلون الولي الكامل الذي له هذا المشهد على ~~النبي كما يفضل ابن عربي الطائي خاتم الأولياء في زعمه على الأنبياء ~~PageV01P009 وكما يفضل الفارابي ومبشر بن فاتك وغيرهما الفيلسوف على النبي # وأما الذين يقولون إن النبي كان يعلم ذلك فقد يقولون إن النبي أفضل من ~~الفيلسوف لأنه علم ما علمه الفيلسوف وزيادة وأمكنه أن يخاطب الجمهور بطريقة ~~يعجز عن مثلها الفيلسوف وابن سينا وأمثاله من هؤلاء # ومنا في هذه الجملة قول المتفلسفة والباطنية كالملاحدة الإسماعيلية ~~وأصحاب PageV01P010 رسائل إخوان الصفاء والفارابي وابن سينا والسهرودي ~~المقتول وابن رشد الحفيد وملاحدة الصوفية الخارجين عن طريقة المشايخ ~~المتقدمين من أهل الكتاب والسنة كابن عربي وابن سبعين وابن الطفيل صاحب ~~رسالة حي ابن يقظان وخلق كثير غير هؤلاء # ومن الناس من يوافق هؤلاء فيما أخبرت به الأنبياء عن الله أنهم قصدوا به ~~التخييل دون التحقيق وبيان الأمر على ما هو عليه دون اليوم الآخر # ومنهم من يقول بل قصدوا هذا في بعض ما أخبروا به عن الله كالصفات الخبرية ~~من الإستواء والنزول وغير ذلك ومثل هذه الأقوال يوجد في كلام كثير من ~~النظار ممن ينفي هذه الصفات في نفس الأمر كما يوجد في كلام طائفة ~~PageV01P011 # وأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه ~~الأقوال ms0003 إلا ما هو الحق في نفس الأمر وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه ~~بعقولنا ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع ~~التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة وإلى ~~الإستعانة بغرائب المجازات والإستعارات # وهم في أكثر ما يتأولونه قد يعلم عقلاؤهم علما يقينا أن الأنبياء لم ~~يريدوا بقولهم ما حملوه عليه وهؤلاء كثيرا ما يجعلون التأويل من باب دفع ~~المعارض فيقصدون حمل اللفظ على ما يمكن أن يريده متكلم بلفظه لا يقصدون طلب ~~مراد المتكلم به وحمله على ما يناسب حاله وكل تأويل لا يقصد به صاحبه بيان ~~مراد المتكلم وتفسير كلامه بما يعرف به مراده وعلى الوجه الذي به يعرف ~~مراده فصاحبه كاذب على من تأول كلامه ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل ~~بل يقولون يجوز أن يراد كذا وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ # وأما كون النبي المعين يجوز أن يريد ذلك المعنى بذلك اللفظ فغالبه يكون ~~الأمر فيه بالعكس ويعلم من سياق الكلام وحال المتكلم امتناع إرادته لذلك ~~المعنى بذلك الخطاب المعين PageV01P012 # وفي الجملة فهذه طريق خلق كثير من المتكلمين وغيرهم وعليها بني سائر ~~المتكلمين المخالفين لبعض النصوص مذاهبهم من المعتزلة والكلابية والسالمية ~~والكرامية والشيعة وغيرها PageV01P013 وقد ذكرنا في غير موضع أن لفظ ~~التأويل في القرآن يراد به ما يؤول الأمر إليه وإن كان موافقا لمدلول اللفظ ~~ومفهومه في الظاهر ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه وإن كان موافقا له ~~وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره ويراد به صرف اللفظ عن ~~الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك # وتخصيص لفظ التأويل بهذا المعنى إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما ~~الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم ~~فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعنى بل يريدون بالتأويل المعنى الأول أو ~~الثاني # ولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في ~~مثل قوله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ms0004 يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا @QE@ سورة إل عمران 7 أريد به هذا المعنى الاصطلاحي ~~الخاص واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله ~~@QE@ لزم من أن وايعتقدوا أن لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالف مدلولها ~~المفهوم منها وأن ذلك المعنى المراد بها لا يعلمه إلا الله لا يعلمه الملك ~~الذي نزل بالقرآن وهو جبريل ولا يعلمه محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره من ~~الأنبياء PageV01P014 ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ قوله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~سورة طه 5 وقوله @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ سورة فاطر 10 وقوله @QB@ ~~بل يداه مبسوطتان @QE@ سورة المائدة 64 وغير ذلك من آيات الصفات بل ويقول ~~ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا ونحو ذلك وهو لا يعرف معاني هذه ~~الأقوال بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله ويظنون أن هذه طريقة ~~السلف # وهؤلاء أهل التضليل والتجهيل الذين حقيقة قولهم إن الأنبياء وأتباع ~~الأنبياء جاهلون ضالون لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات ~~وأقوال الأنبياء PageV01P015 # ثم هؤلاء منهم من يقول المراد بها خلاف مدلولها الظاهر والمفهوم ولا يعرف ~~أحد من الأنبياء والملائكة والصحابة والعلماء ما أراد الله بها كما لا ~~يعلمون وقت الساعة # ومنهم من يقول بل تجرى على ظاهرها وتحمل على ظاهرها ومع هذا فلا يعلم ~~تأويلها إلا الله فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها وقالوا مع ~~هذا إنها تحمل على ظاهرها وهذا ما أنكره ابن عقيل على شيخه القاضي أبي يعلى ~~في كتاب ذم التأويل # وهؤلاء الفرق مشتركون في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي ~~يجعلونها مشكلة أو متشابهة ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعل ~~الفريق الآخر مشكلا فمنكر الصفات الخبرية الذي يقول إنها لا تعلم بالعقل ~~يقول نصوصها مشكلة متشابهة بخلاف الصفات المعلومة بالعقل عنده بعقله فإنها ~~عنده محكمة بينة وكذلك يقول من ينكر العلو ms0005 والرؤية نصوص هذه مشكلة ~~PageV01P016 # ومنكر الصفات مطلقا يجعل ما يثبتها مشكلا دون ما يثبت أسماءه الحسنى ~~ومنكر معاني الأسماء يجعل نصوصها مشلكة ومنكر معاد الأبدان وما وصفت به ~~الجنة والنار يجعل ذلك مشكلا أيضا ومنكر القدر يجعل ما يثبت أن الله خالق ~~كل شيء وما شاء كان مشكلا دون آيات الأمر والنهى والوعد والوعيد والخائض في ~~القدر بالجبر يجعل نصوص الوعيد بل ونصوص الأمر والنهى مشكلة فقد يستشكل كل ~~فريق ما لا يستشكله غيره ثم يقول فيما يستشكله إن معاني نصوصه لم يبينها ~~الرسول # ثم منهم من يقول لم يعلم معانيها أيضا ومنهم من يقول بل علمها ولم يبينها ~~بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك ~~النصوص فهم مشتركون في أن الرسول لم يعلم أو لم يعلم بل جهل معناها أو ~~جهلها الأمة من غير أن يقصد أن يعتقدوا الجهل المركب # وأما أولئك فيقولون بل قصد أن يعلمهم الجهل المركب والإعتقادات الفاسدة ~~وهؤلاء مشهورون عند الأمة بالإلحاد والزندقة بخلاف اولئك فإنهم يقولون ~~الرسول لم يقصد أن يجعل أحدا جاهلا معتقدا للباطل ولكن أقوالهم تتضمن أن ~~الرسول لم يبين الحق فيما خاطب به الأمة من الآيات والأحاديث إما مع كونه ~~لم يعلمه أو مع كونه علمه ولم يبينه PageV01P017 # ولهذا قال الإمام أحمد في خطبته فيما صنفه من الرد على الزنادقة والجهمية ~~فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله قال الحمد لله الذي ~~جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ~~ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل ~~العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما أحسن أثرهم ~~على الناس واقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال ~~المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة ~~فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب يقولون على ms0006 ~~الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون ~~جهال الناس بما يلبسون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين PageV01P018 # ويروى نحو هذه الخطبة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كما ذكر ذلك ~~محمد بن وضاح في كتاب الحوادث والبدع # فقد وصفوا في هذا الكلام بأنهم مع اختلافهم في الكتاب فهم كلهم مخالفون ~~له وهم مشتركون في مفارقته يتكلمون بالكلام المتشابه ويخدعون جهال الناس ~~بما يلبسون عليهم حيث لبسوا الحق بالباطل # وجماع الأمر أن الأدلة نوعان شرعية وعقلية فالمدعون لمعرفة الإلهيات ~~بعقولهم من المنتسبين إلى الحكمة والكلام والعقليات يقول من يخالف نصوص ~~الأنبياء منهم إن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفناه أو يقولون عرفوه ولم ~~يبينوه للخلق كما بيناه بل تكلموا بما يخالفه من غير بيان منهم والمدعون ~~للسنة والشريعة واتباع السلف من الجهال بمعاني نصوص الأنبياء يقولون إن ~~الأنبياء والسلف الذين اتبعوا الأنبياء لم يعرفوا معاني هذه النصوص التي ~~قالوها والتي بلغوها عن الله أو إن الأنبياء عرفوا معانيها ولم يبينوا ~~مرادهم للناس فهؤلاء الطوائف قد يقولون نحن عرفنا الحق بعقولنا ثم اجتهدنا ~~في حمل كلام الأنبياء على ما يوافق مدلول العقل وفائدة إنزال هذه ~~المتشابهات المشكلات اجتهاد PageV01P019 الناس في أن يعرفوا الحق بعقولهم ~~ثم يجتهدوا في تأويل كلام الأنبياء الذين لم يبينوا به مرادهم أو أنا عرفنا ~~الحق بعقولنا وهذه النصوص لم تعرف الأنبياء معناها كما لم يعرفوا وقت ~~الساعة ولكن أمرنا بتلاوتها من غير تدبر لها ولا فهم لمعانيها أو يقولون بل ~~هذه الأمور لا تعرف بعقل ولا نقل بل نحن منهيون عن معرفة العقليات وعن فهم ~~السمعيات وإن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات ولا يفهمون السمعيات $ ~~فصل # ولما كان بيان مراد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأبواب لا يتم إلا ~~بدفع المعارض العقلي وامتناع تقديم ذلك على نصوص الأنبياء بينا في هذا ~~الكتاب فساد القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله وعن فهم مراد ~~الرسول وتصديقه فيما ms0007 أخبر إذ كان أي دليل أقيم على بيان مراد الرسول لا ~~ينفع إذا قدر أن المعارض العقلى القاطع ناقضه بل يصير ذلك قدحا في الرسول ~~وقدحا فيمن استدل بكلامه وصار هذا بمنزلة المريض الذي به أخلاط فاسدة تمنع ~~انتفاعه بالغذاء فإن الغذاء لا ينفعه مع وجود الأخلاط الفاسدة التي تفسد ~~الغذاء فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع على نفي الصفات ~~أو بعضها أو نفي عموم خلقه لكل شيء أو نفي أمره ونهيه أو امتناع المعاد ~~PageV01P020 أو غير ذلك لا ينفعه الاستدلال عليه في ذلك بالكتاب والسنة إلا ~~مع بيان فساد ذلك المعارض # وفساد ذلك المعارض قد يعلم جملة وتفصيلا # أما الجملة فإنه من آمن بالله ورسوله إيمانا تاما وعلم مراد الرسول قطعا ~~تيقن ثبوت ما أخبر به وعلم أن ما عارض ذلك من الحجج فهي حجج داحضة من جنس ~~شبه السوفسطائية كما قال تعالى @QB@ والذين يحاجون في الله من بعد ما ~~استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد @QE@ سورة ~~الشورى 16 # وأما التفصيل فبعلم فساد تلك الحجة المعارضة وهذا الأصل نقيض الأصل الذي ~~ذكره طائفة من الملحدين كما ذكره الرازي في أول كتابه نهاية العقول حيث ذكر ~~أن الإستدلال بالسمعيات في المسائل الأصولية لا يمكن بحال لأن الإستدلال ~~بها موقوف على مقدمات ظنية وعلى دفع المعارض العقلي وإن العلم بإنتفاء ~~المعارض لا يمكن إذ يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل عقل يناقض ما دل عليه ~~القرآن ولم يخطر ببال المستمع PageV01P021 # وقد بسطنا الكلام على ما زعمه هؤلاء من أن الإستدلال بالأدلة السمعية ~~موقوف على مقدمات ظنية مثل نقل اللغة والنحو والتصريف ونفي المجاز والإضمار ~~والتخصيص والإشتراك والنقل والمعارض العقلي بالسمعي وقد كنا صنفنا في فساد ~~هذا الكلام مصنفا قديما من نحو ثلاثين سنة وذكرنا طرفا من بيان فساده في ~~الكلام على المحصل وفي غير ذلك # فذاك كلام في تقرير الأدلة السمعية وبيان أنها قد تفيد اليقين والقطع وفي ~~هذا الكتاب كلام في بيان ms0008 انتفاء المعارض العقلي وإبطال قول من زعم تقديم ~~الأدلة العقلية مطلقا # وقد بينا في موضع آخر أن الرسول بلغ البلاغ المبين وبين مراده وأن كل ما ~~في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه إنه يحتاج إلى التأويل الإصطلاحي الخاص ~~الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره فلا بد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ ~~بخطاب آخر لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت ~~عن بيان مراد الحق ولا يجوز أن يريد من الخلق أن PageV01P022 يفهموا من ~~كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه لإمكان معرفة ذلك بعقولهم وأن هذا قدح ~~في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين الذي هدى الله به العباد وأخرجهم به من ~~الظلمات إلى النور وفرق الله به بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين ~~الرشاد والغي وبين أولياء الله وأعدائه وبين ما يستحقه الرب من الأسماء ~~والصفات وما ينزه عنه من ذلك حتى أوضح الله به السبيل وأنار به الدليل وهدى ~~به الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم # فمن زعم أنه تكلم بما لا يدل إلا على الباطل لا على الحق ولم يبين مراده ~~وأنه أراد بذلك اللفظ المعنى الذي ليس بباطل وأحال الناس في معرفة المراد ~~على ما يعلم من غير جهته بآرائهم فقد قدح في الرسول كما نبهنا على ذلك في ~~مواضع كيف والرسول أعلم الخلق بالحق وأقدر الناس على بيان الحق وأنصح الخلق ~~للخلق وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد # فإن ما يقوله القائل ويفعله الفاعل لا بد فيه من قدرة وعلم وإرادة ~~فالعاجز عن القول أو الفعل يمتنع صدور ذلك عنه والجاهل بما يقوله ويفعله لا ~~يأتي بالقول المحكم والفعل المحكم وصاحب الإرادة الفاسدة لا يقصد الهدى ~~والنصح والصلاح فإذا كان المتكلم عالما بالحق قاصدا لهدى الخلق قصدا تاما ~~قادرا على ذلك وجب وجود مقدوره ومحمد صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحق ~~وهو ms0009 أفصح الخلق لسانا وأصحهم بيانا وهو أحرص الخلق على هدى العباد كما قال ~~PageV01P023 تعالى @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم @QE@ سورة التوبة 128 وقال @QB@ إن تحرص على ~~هداهم فإن الله لا يهدي من يضل @QE@ سورة النحل 37 وقد أوجب الله عليه ~~البلاغ المبين وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما نزل إليهم فلا بد أن يكون ~~بيانه وخطابه وكلامه أكمل وأتم من بيان غيره فكيف يكون مع هذا لم يبين الحق ~~بل بينه من قامت الأدلة الكثيرة على جهله ونقص علمه وعقله وهذا مبسوط في ~~غير هذا الموضع # ولما كان ما يقوله كثير من الناس في باب أصول الدين والكلام والعلوم ~~العقلية والحكمة يعلم كل من تدبره أنه مخالف لما جاء به الرسول أو أن ~~الرسول لم يقل مثل هذا واعتقد من اعتقد أن ذلك من أصول الدين وأنه يشتمل ~~على العلوم الكلية والمعارف الإلهية والحكمة الحقيقية أو الفلسفة الأولية ~~صار كثير منهم يقول إن الرسول لم يكن يعرف أصول الدين أو لم يبين أصول ~~الدين ومنهم من هاب النبي ولكن يقول الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ~~ذلك ومن عظم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقى حائرا كيف لم ~~يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم ومن هو مؤمن ~~بالرسول معظم له يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس إليها أحوج ~~منهم إلى غيرها PageV01P024 # ولما كنت بالديار المصرية سألني من سألني من فضلائها عن هذه المسألة ~~فقالوا في سؤالهم إن قال قائل هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل ~~أصول الدين وإن لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا # فإن قيل بالجواز فما وجهه وقد فهمنا منه عليه الصلاة والسلام النهى عن ~~الكلام في بعض المسائل # وإذا قيل بالجواز فهل يجب ذلك وهل نقل عنه عليه الصلاة والسلام ما يقتضي ~~وجوبه # وهل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من ms0010 غلبة الظن أو لا بد من الوصول ~~إلى القطع # وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع فهل يعذر في ذلك أو يكون مكلفا به وهل ~~ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا PageV01P025 # وإذا قيل بالوجوب فما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من ~~الوقوع في المهالك وقد كان عليه الصلاة والسلام حريصا على هدى أمته فأجبت ~~الحمدلله رب العالمين أما المسألة الأولى # فقول السائل هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين وإن ~~لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا # سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة فإن المسائل التي هي ~~من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين أعنى الدين الذي أرسل الله به ~~رسوله وأنزل به كتابه لا يجوز أن يقال لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيها كلام بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون ~~من أهم أمور الدين وأنها مما يحتاج إليه الدين ثم نفى نقل الكلام فيها عن ~~الرسول يوجب أحد أمرين إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها ~~الدين فلم يبينها أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة PageV01P026 وكلا هذين ~~باطل قطعا وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين وإنما يظن هذا وأمثاله من ~~هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل ~~بهما جميعا فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول ~~الدين وفروعه وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو ~~وأشكاله عقليات وإنما هي جهليات وجهله بالامرين يوجب أن يظن من أصول الدين ~~ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة وأن يظن عدم بيان الرسول لما ~~ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلا عن ~~عامتهم # وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل ms0011 يجب اعتقادها ويجب أن تذكر قولا أو ~~تعمل عملا كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد أو دلائل هذه ~~المسائل # أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته وإعتقاده والتصديق به من ~~هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر إذ هذا من أعظم ~~ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله الحجة ~~على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم ~~التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه والحكمة التي هي سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملة من ذلك على غايه المراد وتمام ~~PageV01P027 الواجب والمستحب والحمدلله الذي بعث فينا رسولا من أنفسنا يتلو ~~علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة الذي أكمل لنا الدين وأتم ~~علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا الذي أنزل الكتاب تفصيلا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين @QB@ ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ سورة يوسف 111 # وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصا في عقله ~~وسمعه ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير @QE@ سورة الملك 10 وإن كان ذلك كثيرا في كثير من ~~المتفلسفة والمتكلمة وجهال أهل الحديث والمتفقهة والصوفية # وأما القسم الثاني وهو دلائل هذه المسائل الأصولية فإنه وإن كان يظن ~~طوائف من المتكلمين أو المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق ~~فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر ويجعلون ما يبنى عليه صدق المخبر ~~معقولات محضة فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم أن ~~دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطرق الخير المجرد بل الأمر ما عليه سلف الأمة ~~أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه وتعالى بين من الأدلة العقلية التي ~~يحتاج إليها في بذلك العلم مالا يقدر أحد من هؤلاء قدره ونهاية ما يذكرونه ~~جاء ms0012 القرآن بخلاصته على أحسن وجه PageV01P028 # وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه التي قال فيها @QB@ ~~ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل @QE@ سورة الزمر 27 فإن الأمثال ~~المضروبة هي الأقيسة العقلية سواء كانت قياس شمول أو قياس تمثيل ويدخل في ~~ذلك ما يسمونه براهين وهو القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية وإن ~~كان لفظ البرهان في اللغة أعم من ذلك كما سمى الله آيتي موسى برهانين @QB@ ~~فذانك برهانان من ربك @QE@ سورة القصص 32 # ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوى ~~فيه الأصل والفرع ولا بقياس شمولي تستوى فيه أفراده فإن الله سبحانه ليس ~~كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية ~~تستوي أفرادها # ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب ~~الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم بعد التناهي ~~الحيرة والإضطراب لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها ولكن يستعمل في ذلك ~~قياس الأولى سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال تعالى @QB@ ولله المثل ~~الأعلى @QE@ سورة النحل 60 مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث لا ~~نقص فيه بوجه من الوجوه وهو ما كان كمالا للموجود غير مستلزم للعدم فالواجب ~~القديم أولى به وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت PageV01P029 نوعه ~~للمخلوق المربوب المعلول المدبر فإنما استفاد من خالقه وربه ومدبره فهو أحق ~~به منه وأن كل نقص وعيب في نفسه وهو ماتضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن ~~شيء ما من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات فإنه يجب نفيه عن الرب ~~تبارك وتعالى بطريق الأولى وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود وأما ~~الأمور العدمية فالممكن المحدث بها أحق ونحو ذلك # ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب ~~كما استعمل نحوها الإمام أحمد ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام وبمثل ms0013 ~~ذلك جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد ونحو ~~ذلك # ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد والعلم به تابع للعلم بإمكانه فإن ~~الممتنع لا يجوز أن يكون بين سبحانه إمكانه أتم بيان ولم يسلك في ذلك ما ~~يسلكه طوائف من أهل الكلام حيث يثبتون الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان ~~الذهني فيقولون هذا ممكن لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال ~~فإن الشأن في هذه المقدمة فمن أين يعلم أنه لا يلزم من تقدير وجوده محال ~~فإن هذه قضية كلية سالبة فلا بد من العلم بعموم هذا النفى PageV01P030 # وما يحتج به بعضهم على أن هذا ممكن بأنا لا نعلم امتناعه كما نعلم امتناع ~~الأمور الظاهر امتناعها مثل كون الجسم متحركا ساكنا فهذا كاحتجاج بعضهم على ~~أنها ليست بديهية بأن غيرها من البديهيات أجلى منها وهذه حجة ضعيفة لأن ~~البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به والمتصوران قد يكونان خفيين ~~فالقضايا تتفاوت في الجلاء والخفاء لتفاوت تصورها كما تتفاوت لتفاوت ~~الأذهان وذلك لا يقدح في كونها ضرورية ولا يوجب أن ما لم يظهر امتناعه يكون ~~ممكنا بل قول هؤلاء أضعف لأن الشيء قد يكون ممتنعا لأمور خفية لازمة له فما ~~لم يعلم انتفاء تلك اللوازم أو عدم لزومها لا يمكن الجزم بإمكانه والمحال ~~هنا أعم من المحال لذاته أو لغيره والإمكان الذهنى حقيقته عدم العلم ~~بالامتناع وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجى بل يبقى ~~الشىء في الذهن غير معلوم الامتناع ولا معلوم الإمكان الخارجى وهذا هو ~~الإمكان الذهني فإن الله سبحانه وتعالى لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا ~~إذ يمكن أن يكون الشيء ممتنعا ولو لغيره وإن لم يعلم الذهن إمتناعه بخلاف ~~الإمكان الخارجي فإنه إذا علم بطل أن يكون ممتنعا # والإنسان يعلم الإمكان الخارجي تارة بعلمه بوجود الشيء وتارة PageV01P031 ~~بعلمه بوجود نظيره وتارة بعلمه بوجود ما الشيء أولى بالوجود منه فإن وجود ~~الشيء دليل على أن ما هو دونه ms0014 أولى بالإمكان منه ثم إنه إذا تبين كون الشيء ~~ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفى في ~~إمكان وقوعه إن لم يعلم قدرة الرب على ذلك فبين سبحانه هذا كله بمثل قوله ~~@QB@ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ~~وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا @QE@ سورة الإسراء 99 ~~وقوله @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى ~~وهو الخلاق العليم @QE@ سورة يس 81 قوله @QB@ أو لم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل ~~شيء قدير @QE@ سورة الأحقاف 33 وقوله @QB@ لخلق السماوات والأرض أكبر من ~~خلق الناس @QE@ سورة غافر 57 فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات ~~والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم والقدرة عليه أبلغ وأن هذا الأيسر أولى ~~بالإمكان والقدرة من ذلك # وكذلك استدلاله على ذلك بالنشأة الأولى في مثل قوله @QB@ وهو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه @QE@ سورة الروم 27 ولهذا قال بعد ذلك ~~PageV01P032 @QB@ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض @QE@ سورة الروم 27 ~~وقال @QB@ يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم ~~من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم @QE@ سورة الحج ~~5 # وكذلك ما ذكر في قوله @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة @QE@ الآيات يس 78 82 فإن قول الله ~~تعالى @QB@ من يحيي العظام وهي رميم @QE@ قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها ~~والأخرى سالبة كلية قرن معها دليلها وهو المثل المضروب الذى ذكره بقوله ~~@QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم @QE@ وهذا ~~استفهام إفكار متضمن للنفى أى لا أحد يحي العظام وهى رميم فإن كونها رميما ~~يمنع عنده إحياءها لمصيرها إلى الحال اليبس والبرودة المنافية ms0015 للحياة التي ~~مبناها على الحرارة والرطوبة ولتفرق أجزائها واختلاطها بغيرها ولنحو ذلك من ~~الشبهات # والتقدير هذه العظام رميم ولا أحد يحي العظام وهى رميم فلا أحد يحييها ~~ولكن هذه السالبة كاذبة ومضمونها امتناع الإحياء فبين سبحانه إمكانه من ~~وجوه ببيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه فقال @QB@ يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة @QE@ وقد أنشأها من التراب ثم قال @QB@ وهو بكل خلق عليم ~~@QE@ سورة يس 79 ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء أو استحال ثم قال @QB@ ~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا @QE@ سورة يس 80 فبين أنه أخرج النار ~~الحارة PageV01P033 اليابسة من البارد الرطب وذلك أبلغ فى المنافاة لأن ~~اجتماع الحرارة والرطوبة أيسر من اجتماع الحرارة واليبوسة إذ الرطوبة تقبل ~~من الانفعال ما لا تقبله اليبوسة ولهذا كان تسخين الهواء والماء أيسر من ~~تسخين التراب وإن كانت النار نفسها حارة يابسة فإنها جسم بسيط واليبس ضد ~~الرطوبة والرطوبة يعنى بها البلة كرطوبة الماء ويعنى بها سرعة الإنفعال ~~فيدخل في ذلك الهواء فكذلك يعنى باليبس عدم البلة فتكون النار يابسلة ويراد ~~باليبس بطء الشكل والانفعال فيكون التراب يابسا دون النار فالتراب فيه ~~اليبس بالمعنيين بخلاف النار لكن الحيوان الذي فيه حرارة ورطوبة يكون من ~~العناصر الثلاثة التراب والماء والهواء # وأما الجزء النارى فللناس فيه قولان قيل فيه حرارة نارية وإن لم يكن فيه ~~جزء من النار وقيل بل فيه جزء من النار # وعلى كل تقدير فتكون الحيوان من العناصر أولى بالإمكان من تكون النار من ~~الشجر الأخضر فالقادر على أن يخلق من الشجر الأخضر نارا أولى بالقدرة أن ~~يخلق من التراب حيوانا فإن هذا معتاد وإن كان ذلك بما يضم إليه من الأجزاء ~~الهوائية والمائية والمقصود الجمع فى المولدات ثم قال @QB@ أو ليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم @QE@ سورة يس 81 # وهذه مقدمة معلومة بالبداهة ولهذا جاء فيها بإستفهام التقرير الدال على ~~أن ذلك PageV01P034 مستقر معلوم عند المخاطب كما قال سبحانه @QB@ ولا ~~يأتونك بمثل إلا ms0016 جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ سورة الفرقان 33 ثم بين ~~قدرته العامة بقوله @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ ~~سور يس 82 # وفى هذا الموضع وغيره من القرآن من الأسرار وبيان الأدلة القطعية على ~~المطالب الدينية ما ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه # وكذلك ما استعمله سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة ~~سواء سموها حسية أو عقلية كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة التى جعلوها ~~جوهر الابن منه وكما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة ~~والنفوس الفلكية التسعة التى هم مضطربون فيها هل هي جواهر أو أعراض وقد ~~يجعلون العقول بمنزلة الذكور والنفوس بمنزلة الإناث ويجعلون ذلك آباءهم ~~وأمهاتهم وآلهتهم وأربابهم القريبة وعلمهم بالنفوس أظهر لوجود الحركة ~~الدورية الدالة على الحركة الإرادية الدالة على النفس المحركة لكن أكثرهم ~~يجعلون النفوس الفلكية عرضا لا جوهرا قائما بنفسه وذلك شبيه بقول مشركى ~~العرب وغيرهم الذين جعلوا له بنين وبنات قال تعالى @QB@ وجعلوا لله شركاء ~~الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون @QE@ ~~سورة الأنعام 100 وقال تعالى @QB@ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله ~~وإنهم لكاذبون @QE@ سورة الصافات 151 152 PageV01P035 # وكانوا يقولون الملائكة بنات الله كما يزعم هؤلاء أن العقول أو العقول ~~والنفوس هى الملائكة وهى متولدة عن الله قال تعالى @QB@ ويجعلون لله البنات ~~سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو ~~العزيز الحكيم @QE@ إلى قوله @QB@ ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم ~~الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون @QE@ سورة النحل 57 ~~62 # وقال تعالى @QB@ أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم ~~بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في ~~الخصام غير ms0017 مبين وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ~~ستكتب شهادتهم ويسألون @QE@ سورة الزخرف 16 19 وقال تعالى @QB@ أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ~~ضيزى @QE@ سورة النجم 19 22 أي جائرة وغير ذلك في القرآن # فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فكيف ~~تجعلون له ما تكرهون ان يكون لكم وتستحيون من إضافته إليكم مع PageV01P036 ~~أن ذلك واقع لا محالة ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه وهو أحق بنفى ~~المكروهات المنقصات منكم # وكذلك قوله في التوحيد @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ~~@QE@ سورة الروم 28 أى كخيفة بعضكم بعضا كما في قوله @QB@ ثم أنتم هؤلاء ~~تقتلون أنفسكم @QE@ سورة البقرة 85 وفي قوله @QB@ لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا @QE@ سورة النور 12 وفي قوله @QB@ ولا ~~تلمزوا أنفسكم @QE@ سورة الحجرات 11 وفي قوله @QB@ فتوبوا إلى بارئكم ~~فاقتلوا أنفسكم @QE@ سورة البقرة 54 وفي قوله @QB@ ولا تخرجون أنفسكم من ~~دياركم @QE@ إلى قوله @QB@ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم @QE@ سورة البقرة ~~84 85 فإن المراد في هذا كله من نوع واحد # فبين سبحانه أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه في ماله حتى يخاف مملوكه ~~كما يخاف نظيره بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيرا فكيف ترضون أن تجعلوا ~~ما هو مخلوقى ومملوكى شريكا لى يدعى ويعبد كما أدعى وأعبد كما كانوا يقولون ~~فى تلبيتهم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ~~PageV01P037 # وهذا باب واسع عظيم جدا ليس هذا موضعه # وإنما الغرض التنبيه على أن فى القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين ~~من المسائل والدلائل التى تستحق أن تكون أصول الدين # وأما ما يدخله بعض الناس فى هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين ~~وإن أدخله فيه مثل المسائل والدلائل الفاسدة مثل نفى الصفات والقدر ونحو ~~ذلك ms0018 من المسائل ومثل الإستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التى هى صفات ~~الأجسام القائمة بها إما الأكوان وإما غيرها # وتقرير المقدمات التى يحتاج إليها هذا الدليل من إثبات الأعراض التى هى ~~الصفات أولا أو إثبات بعضها كالألوان التى هى الحركة والسكون والإجتماع ~~والإفتراق وإثبات حدوثها ثانيا بإبطال ظهورها بعد الكمون وإبطال إنتقالها ~~من محل إلى محل ثم إثبات امتناع خلو الجسم ثالثا إما عن كل جنس من أجناس ~~الأعراض بإثبات أن الجسم قابل لها وأن القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده ~~وإما عن الأكوان وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعا PageV01P038 # وهو مبنى على مقدمتين إحداهما أن الجسم لا يخلو عن الأعراض التي هى ~~الصفات والثانية أن ما لا يخلو عن الصفات التى هى الأعراض فهو محدث لأن ~~الصفات التى هى الأعراض لا تكون إلا محدثة وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات ~~التي هي الأعراض كالأكوان وما لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع ~~حوادث لا تتناهى # فهذه الطريقة مما يعلم بالإضطرار أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدع ~~الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه ولهذا قد اعترف حذاق أهل ~~الكلام كالأشعرى وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم ولا سلف الأمة ~~وأئمتها وذكروا أنها محرمة عندهم بل المحققون على أنها طريقة باطلة وأن ~~مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعى بها مطلقا ولهذا تجد من اعتمد ~~عليها في أصول دينه فأحد الأمرين لازم له إما أن يطلع على ضعفها ويقابل ~~بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة أو يرجح هذا ~~تارة وهذا تارة كما هو حال طوائف منهم وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة ~~الفساد في الشرع والعقل كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار والتزم ~~لأجلها PageV01P039 # أبو الهذيل انقطاع حركات أهل الجنة والتزم قوم لأجلها كالأشعرى وغيره أن ~~الماء والهواء والتراب والنار له طعم ولون وريح ونحو ذلك والتزم قوم لأجلها ~~ولأجل غيرها أن جميع الأعراض كالطعم واللون وغيرهما لا يجوز بقاؤها بحال ms0019 ~~لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله مع ~~الاستدلال على حدوث الأجسام بصفاتها فقالوا صفات الأجسام أعراض أى أنها ~~تعرض فتزول فلا تبقى بحال بخلاف صفات الله فإنها باقية # وأما ما اعتمد عليه طائفة منهم من أن العرض لو بقى لم يمكن عدمه لأن عدمه ~~إما أن يكون بإحداث ضد أو بفوات شرط أو اختيار الفاعل وكل ذلك ممتنع فهذه ~~العمدة لا يختارها آخرون منهم بل يجوزون أن الفاعل المختار يعدم الموجود ~~كما يحدث المعدوم ولا يقولون إن عدم الأجسام لا يكون إلا بقطع الأعراض عنها ~~كما قاله أولئك ولا بخلق ضد هو الفناء لا فى محل كما قاله من قاله من ~~المعتزلة PageV01P040 # وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا هذه مخالفة للمعلوم بالحس # والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفى صفات الرب ~~مطلقا أو نفى بعضها لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات ~~بها والدليل يجب طرده فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به وهو أيضا في ~~غاية الفساد والضلال ولهذا التزموا القول بخلق القرآن وإنكار رؤية الله في ~~الآخرة وعلوه على عرشه إلى أمثال ذلك من اللوازم التى التزمها من طرد ~~مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم # فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين ولكن ليست في الحقيقة من أصول ~~الدين الذى شرعه الله لعباده # وأما الدين الذى قال الله فيه @QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما ~~لم يأذن به الله @QE@ سورة الشورى 21 فذاك له أصول وفروع بحسبه # وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الإسم فيه إجمال ~~وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات تبين أن الذى هو عند ~~الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن الرسول # وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز ~~أن تكون منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو باطل وملزوم ms0020 الباطل باطل ~~PageV01P041 كما أن لازم الحق حق والدليل ملزوم لمدلوله فمتى ثبت ثبت ~~مدلوله ومتى وجد الملزوم وجد اللازم ومتى انتفى اللازم انتفى الملزوم ~~والباطل شىء وإذا انتفى لازم الشىء علم أنه منتف فيستدل على بطلان الشى ~~ببطلان لازمه ويستدل على ثبوته بثبوت ملزومه فإذا كان اللازم باطلا ~~فالملزوم مثله باطل وقد يكون اللازم خفيا ولا يكون الملزوم خفيا وإذا كان ~~الملزوم خفيا كان اللازم خفيا وقد يكون الملزوم باطلا ولا يكون اللازم ~~باطلا فلهذا قيل إن ملزوم الباطل باطل فإن ملزوم الباطل هو ما استلزم ~~الباطل فالباطل هو اللازم وإذا كان اللازم باطلا كان الملزوم باطلا لأنه ~~يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم ولم يقل إن الباطل لازمه باطل # وهذا كالمخلوقات فإنها مستلزمة لثبوت الخالق ولا يلزم من عدمها عدم ~~الخالق والدليل أبدا يستلزم المدلول عليه يجب طرده ولا يجب عكسه بخلاف الحد ~~فإنه يجب طرده وعكسه # وأما العلة فالعلة التامة يجب طردها بخلاف المقتضية وفي العكس تفصيل ~~مبسوط في موضعه # وهذا التقسيم ينبه أيضا على مراد السلف والأئمة بذم الكلام وأهله إذ ذاك ~~متناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة أو استدل على المقالات الباطلة ~~PageV01P042 # فأما من قال الحق الذى أذن الله فيه حكما ودليلا فهو من أهل العلم ~~والإيمان @QB@ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل @QE@ سورة الأحزاب 4 # وأما مخاطبة أهل الإصطلاح بإصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ~~ذلك وكانت المعانى صحيحة كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم ~~وعرفهم فإن هذا جائز حسن للحاجة وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ~~وكانت صغيرة فولدت بأرض الحبشة لأن أباها كان من المهاجرين إليها فقال لها ~~يا أم خالد هذا سنا والسنا بلسان الحبشة الحسن لأنها كانت من أهل هذه اللغة # ولذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهمه إياه بالترجمة وكذلك ~~يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم ويترجمها بالعربية ms0021 ~~PageV01P043 كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب ~~اليهود ليقرأ له ويكتب له ذلك حيث لم يأتمن اليهود عليه # فالسلف والأئمة لم يذموا الكلام لمجرد ما فيه من الإصطلاحات المولدة كلفظ ~~الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك بل لأن المعانى التى يعبرون عنها بهذه ~~العبارات فيها من الباطل المذموم فى الأدلة والأحكام ما يجب النهى عنه ~~لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة فى النفي والإثبات كما قال الإمام أحمد ~~فى وصفه لأهل البدع فقال هم مختلفون فى الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على ~~مفارقة الكتاب يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يلبسون ~~عليهم # فإذا عرفت المعانى التى يقصدونها بأمثال هذه العبارات ووزنت بالكتاب ~~والسنة بحيث يثبت الحق الذى أثبته الكتاب والسنة وينفى الباطل الذي نفاه ~~الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق بخلاف ما سلكه أهل الأهواء PageV01P044 من ~~التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا فى الوسائل والمسائل من غير بيان التفصيل ~~والتقسيم الذى هو من الصراط المستقيم وهذا من مثارات الشبه # فإنه لا يوجد فى كلام النبى صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ~~والتابعين ولا أحد من الأئمة المتبوعين أنه علق بمسمى لفظ الجوهر والجسم ~~والتحيز والعرض ونحو ذلك شيئا من أصول الدين لا الدلائل ولا المسائل # والمتكلمون بهذه العبارات يختلف مرادهم بها تارة لاختلاف الوضع وتارة ~~لاختلافه فى المعنى الذى هو مدلول اللفظ كمن يقول الجسم هو المؤلف ثم ~~يتنازعون هل هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه أو الجوهران فصاعدا أو الستة أو ~~الثمانية أو غير ذلك ومن يقول هو الذى يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه وإنه ~~مركب من المادة والصورة ومن يقول هو الموجود أو يقول هو الموجود القائم ~~بنفسه أو يقول هو الذى يمكن الإشارة إليه وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون ~~إلا كذلك # والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن ~~كلامهم ذم من يدخل المعانى التى يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ فى أصول الدين ~~فى دلائله وفى مسائله نفيا ms0022 وإثباتا فأما إذا عرفت المعانى الصحيحة الثابتة ~~بالكتاب والسنة وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من ~~معاني هؤلاء PageV01P045 وما خالفه فهذا عظيم المنفعة وهو من الحكم بالكتاب ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه @QE@ سورة البقرة 213 وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب ~~فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم وذلك يحتاج ~~إلى معرفة معاني الكتاب والسنة ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم ثم اعتبار هذه ~~المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف # وأما قول السائل فإن قيل بالجواز فما وجهه وقد فهمنا منه عليه الصلاة ~~والسلام النهى عن الكلام في بعض المسائل # فيقال قد تقدم الإستفسار والتفصيل في جواب السؤال وأن ما هو في الحقيقة ~~أصول الدين الذي بعث الله به رسوله فلا يجوز أن ينهى عنه بحال بخلاف ما سمى ~~أصول الدين وليس هو أصولا في الحقيقة لا دلائل ولا مسائل أو هو أصول لدين ~~لم يشرعه الله بل شرعه من شرع من الدين ما لم يأذن به الله # وأما ما ذكره السائل من نهيه فالذي جاء به الكتاب والسنة النهى عن أمور ~~منها القول على الله بلا علم كقوله تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ سورة الأعراف 33 وقوله @QB@ ~~ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ سورة الإسراء 36 PageV01P046 # ومنها أن يقال على الله غير الحق كقوله @QB@ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ~~أن لا يقولوا على الله إلا الحق @QE@ سورة الأعراف 169 وقوله @QB@ لا تغلوا ~~في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق @QE@ سورة النساء 171 # ومنها الجدل بغير علم كقوله تعالى @QB@ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به ~~علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم @QE@ سورة ms0023 آل عمران 66 # ومنها الجدل في الحق بعد ظهوره كقوله تعالى @QB@ يجادلونك في الحق بعد ما ~~تبين @QE@ سورة الأنفال 6 # ومنها الجدل بالباطل كقوله @QB@ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق @QE@ ~~سورة غافر 5 # ومنها الجدل في آياته كقوله تعالى @QB@ ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا @QE@ سورة غافر 4 وقوله @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ~~أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا @QE@ سورة غافر 35 وقال تعالى ~~@QB@ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ~~ما هم ببالغيه @QE@ سورة غافر 56 وقوله @QB@ ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ~~ما لهم من محيص @QE@ سورة الشورى 35 ونحو ذلك قوله @QB@ والذين يحاجون في ~~الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم @QE@ سورة الشورى 16 ~~PageV01P047 وقوله @QB@ وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال @QE@ سورة ~~الرعد 13 وقوله @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب ~~منير @QE@ سورة الحج 8 # ومن الأمور التي نهى الله عنها في كتابه التفرق والإختلاف كقوله @QB@ ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ إلى قوله @QB@ ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه @QE@ سورة آل عمران 103 106 قال ابن عباس تبيض وجوه أهل ~~السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة وقال تعالى @QB@ إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله @QE@ سورة ~~الأنعام 159 وقال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ إلى قوله @QB@ ولا تكونوا من المشركين ~~من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا @QE@ سورة الروم 30 32 # وقد ذم أهل التفرق والإختلاف في مثل قوله تعالى @QB@ وما اختلف الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم @QE@ سورة آل عمران 19 ~~وفي مثل PageV01P048 قوله تعالى @QB@ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم @QE@ سورة هود 119 وفي ms0024 مثل قوله @QB@ وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ سورة البقرة 176 # وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم توافق كتاب الله كالحديث المشهور ~~عنه الذي روى مسلم بعضه عن عبدالله بن عمرو وسائره معروف في مسند أحمد ~~وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج على أصحابه وهم يتناظرون في القدر ورجل يقول ألم يقل الله كذا ~~ورجل يقول ألم يقل الله كذا فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال أبهذا أمرتم ~~إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله ~~يصدق بعضه بعضا لا ليكذب بعضه بعضا انظروا ما أمرتم به فافعلوه وما نهيتم ~~عنه فاجتنبوه هذا PageV01P049 الحديث أو نحوه وكذلك قوله المراء في القرآن ~~كفر وكذلك ما أخرجاه في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ قوله @QB@ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله @QE@ سورة آل عمران 7 فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى ~~الله فاحذروهم # وأما أن يكون الكتاب والسنة نهيا عن معرفة المسائل التي تدخل فيما يستحق ~~أن يكون من أصول الدين فهذا لا يجوز اللهم إلا أن ينهيا عن بعض ذلك في بعض ~~الأحوال مثل مخاطبة شخص بما يعجز عن فهمه فيضل كقول عبدالله بن مسعود ما من ~~رجل يحدث قوما حديث لاتبلغه عقولهم إلا كان PageV01P050 فتنة لبعضهم وكقول ~~علي حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله أو ~~مثل قول حق يستلزم فسادا أعظم من تركه فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم من ~~رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وذلك أضعف الإيمان رواه مسلم # وأما قول السائل ms0025 إذا قيل بالجواز فهل يجب وهل نقل عنه عليه السلام ما ~~يقتضى وجوبه # فيقال لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما ~~مجملا ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ~~ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه ~~وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر والدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى ~~عن المنكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي ~~هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهذا واجب على الكفاية منهم ~~PageV01P051 وأما ما وجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ~~ومعرفتهم وما أمر به أعيانهم فلا يحب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن ~~فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم ~~التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها ويجب على المفتى والمحدث والمجادل ما ~~لا يجب على من ليس كذلك # وأما قوله هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أولا بد من ~~الوصول إلى القطع # فيقال الصواب في ذلك التفصيل فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن ~~المسائل الخبرية التي قد يسمونها مسائل الأصول يجب القطع فيها جميعها ولا ~~يجوز الإستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين وقد يوجبون القطع فيها كلها على ~~كل أحد فهذا الذي قالوه على إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع ~~سلف الأمة وأئمتها ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه فإنهم كثيرا ما ~~يحتجون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات وتكون في الحقيقة من الأغلوطات ~~فضلا عن أن تكون من الظنيات حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرا ما يقطع بصحة ~~حجة في موضع ويقطع ببطلانها في موضع PageV01P052 آخر بل منهم من عامة كلامه ~~كذلك وحتى قد يدعى كل من المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر # وأما التفصيل فما أوجب الله فيه ms0026 العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ~~ذلك كقوله @QB@ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم @QE@ سورة ~~المائدة 98 وقوله @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك @QE@ سورة ~~محمد 19 وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به وقد تقرر في الشريعة ~~أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم ~~@QE@ سورة التغابن 16 وقوله عليه السلام إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم أخرجاه في الصحيحين # فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه المسائل الدقيقة قد يكون عند ~~كثير من الناس مشتبها لا يقدر فيه على دليل يفيد اليقين لا شرعي ولا غيره ~~لم يجب على مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه ~~من اعتقاد قول غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين بل ذلك هو الذي يقدر عليه ~~لا سيما إذا كان مطابقا للحق فالإعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ~~ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه PageV01P053 # لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق ~~فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول وترك النظر والإستدلال الموصل ~~إلى معرفته فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا كما قال تعالى @QB@ يا بني آدم ~~إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون @QE@ سورة الأعراف 35 وقوله @QB@ قال اهبطا منها جميعا بعضكم ~~لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ~~ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ سورة طه 123 124 قال ~~ابن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا ~~يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية # وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0027 إنها ستكون فتن قلت فما المخرج منها يا رسول ~~الله قال كتاب الله PageV01P054 فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما ~~بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في ~~غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ~~وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق عن كثرة الرد ~~ولا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء # وفي رواية ولا تختلف به الآراء هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا ~~@QB@ إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد @QE@ سورة الجن 2 3 من قال به ~~صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم # وقال تعالى @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله @QE@ سورة الأنعام 153 وقال تعالى @QB@ المص كتاب أنزل إليك ~~فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ~~ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء @QE@ PageV01P055 سورة الأعراف 1 3 وقال ~~@QB@ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما ~~أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو ~~أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ~~فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء ~~العذاب بما كانوا يصدفون @QE@ سورة الأنعام 155 157 فذكر سبحانه أنه يجزى ~~الصادف عن آياته مطلقا سواء كان مكذبا أو لم يكن سوء العذاب بما كانوا ~~يصدفون يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر سواء اعتقد ~~كذبه أو استكبر عن الإيمان به أو أعرض عنه اتباعا لما يهواه أو ارتاب فيما ~~جاء به فكل مكذب بما جاء به فهو كافر وقد يكون كافرا من لا يكذبه إذا لم ~~يؤمن به # ولهذا أخبر الله في غير ms0028 موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك إتباع ما ~~أنزله وإن كان له نظر وجدل واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك وجعل ذلك من ~~نعوت الكفار والمنافقين # قال تعالى @QB@ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزؤون @QE@ سورة الأحقاف 26 وقال تعالى @QB@ فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون فلما ~~رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ~~@QE@ PageV01P056 سورة غافر 83 85 وقال @QB@ الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا @QE@ سورة غافر 35 ~~وفي الآية الأخرى @QB@ إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله ~~إنه هو السميع البصير @QE@ سورة غافر 56 # والسلطان هو الحجة المنزلة من عندالله كما قال تعالى @QB@ أم أنزلنا ~~عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون @QE@ سورة الروم 35 وقال تعالى ~~@QB@ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين @QE@ سورة الصافات ~~156 157 وقال @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها ~~من سلطان @QE@ سورة النجم 23 # وقد طالب الله تعالى من اتخذ دينا بقوله @QB@ ائتوني بكتاب من قبل هذا أو ~~أثارة من علم إن كنتم صادقين @QE@ سورة الأحقاف 4 فالكتاب هو الكتاب ~~والأثارة كما قال من قال من السلف هي الرواية والإسناد PageV01P057 # وقالوا هي الخط أيضا إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط وذلك لأن الأثارة من ~~الأثر فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد ويقيد ذلك بالخط فيكون ~~ذلك كله من آثاره # وقد قال تعالى في نعت المنافقين @QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ms0029 يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم ~~مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ~~أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا @QE@ سورة النساء 60 63 # وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب ~~والسنة وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما ~~يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل ~~الكتاب وغير ذلك من أنواع الإعتبار PageV01P058 # فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو ~~لتعديه حدود الله بسلوك السبيل التي نهى عنها أو لإتباع هواه بغير هدى من ~~الله فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد بخلاف المجتهد في طاعة الله ~~ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا ~~مغفور له خطؤه كما قال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا @QE@ إلى قوله @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا @QE@ سورة البقرة 285 286 وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن الله قال قد فعلت وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة ~~إلا أعطى ذلك فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين وأن الله لا ~~يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا # وأما قول السائل هل ذلك من باب تكليف مالا يطاق والحال هذه PageV01P059 # فيقال هذه العبارة وإن كثر تنازع الناس فيها نفيا وإثباتا فينبغي أن يعرف ~~أن الخلاف المحقق فيها نوعان # أحدهما ما اتفق الناس على جوازه ووقوعه وإنما تنازعوا في إطلاق القول ~~عليه بأنه لا يطاق # والثاني ما اتفقوا ms0030 على أنه لا يطاق لكن تنازعوا في جواز الأمر به ولم ~~يتنازعوا في عدم وقوعه # فأما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والإيمان على أنه لا يطاق وتنازعوا في ~~وقوع الأمر به فليس كذلك # فالنوع الأول كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته في استطاعة العبد ~~وهي قدرته وطاقته هل يجب أن تكون مع الفعل لا قبله أو يجب أن تكون متقدمة ~~على الفعل أو يجب أن تكون معه وإن كانت متقدمة عليه فمن قال بالأول لزمه أن ~~يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف مالا يطيقه إذا لم تكن عنده قدرة إلا ~~مع الفعل ولهذا كان الصواب الذي عليه محققو المتكلمين وأهل الفقه والحديث ~~والتصوف وغيرهم ما دل عليه القرآن وهو أن الإستطاعة التي هي مناط الأمر ~~والنهى وهي المصححة للفعل لا يجب أن تقارن الفعل وأما الاستطاعة التي يجب ~~معها وجود الفعل فهي مقارنة له PageV01P060 # فالأولى كقوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~@QE@ سورة آل عمران 97 وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صلى ~~قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ومعلوم أن الحج والصلاة ~~يجبان على المستطيع سواء فعل أو لم يفعل فعلم أن هذه الاستطاعة لا يجب أن ~~تكون مع الفعل # والثانية كقوله تعالى @QB@ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ~~@QE@ سورة هود 20 وقوله @QB@ وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا @QE@ سورة الكهف 101 102 ~~على قول من يفسر الاستطاعة بهذه # وأما على تفسير السلف والجمهور فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم ~~وصعوبته على نفوسهم فنفوسهم لا تستطيع إرادته وإن كانوا قادرين على فعله لو ~~أرادوه وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة ~~واتباعها وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك وهذه الاستطاعة هي المقارنة للفعل ~~الموجبة له وأما الأولى فلولا وجودها لم يثبت التكليف كقوله PageV01P061 ~~@QB@ فاتقوا الله ما ms0031 استطعتم @QE@ سورة التغابن 16 وقوله @QB@ والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ سورة الأعراف 42 وأمثال ذلك ~~فهؤلاء المفرطون والمعتدون في أصول الدين إذا لم يستطيعوا سمع ما أنزل إلى ~~الرسول فهم من هذا القسم # وكذلك أيضا تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون أو أخبر مع ~~ذلك أنه لا يكون فمن الناس من يقول إن هذا غير مقدور عليه كما أن غالية ~~القدرية يمنعون أن يتقدم علم الله وخبره وكتابه بأنه لا يكون وذلك لاتفاق ~~الفريقين على أن خلاف المعلوم لا يكون ممكنا ولا مقدورا عليه # وقد خالفهم في ذلك جمهور الناس وقالوا هذا منقوض عليهم بقدرة الله تعالى ~~فإنه أخبر بقدرته على أشياء مع أنه لا يفعلها كقوله @QB@ بلى قادرين على أن ~~نسوي بنانه @QE@ سورة القيامة 4 وقوله @QB@ وإنا على ذهاب به لقادرون @QE@ ~~سورة المؤمنون 18 وقوله @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم أو من تحت أرجلكم @QE@ سورة الأنعام 65 وقد قال @QB@ ولو شاء ربك ~~لجعل الناس أمة واحدة @QE@ سورة هود 18 ونحو ذلك مما يخبر أنه لو شاء لفعله ~~وإذا فعله فإنما يفعله إذا كان قادرا عليه فقد دل القرآن على أنه قادر عليه ~~يفعله إذا شاءه مع أنه لا يشاؤه # وقالوا أيضا إن الله يعلمه على ما هو عليه فيعلمه ممكنا مقدورا للعبد غير ~~واقع ولا كائن لعدم إرادة العبد له أو لبغضه أياه ونحو ذلك لا لعجزه عنه ~~PageV01P062 وهذا النزاع يزول بتنوع القدرة عليه كما تقدم فإنه غير مقدور ~~القدرة المقارنة للفعل وإن كان مقدورا القدرة المصححة للفعل التي هي مناط ~~الأمر والنهى # وأما النوع الثاني فكاتفاقهم على أن العاجز عن الفعل لا يطيقه كما لا ~~يطيق الأعمى والأقطع والزمن نقط المصحف وكتابته والطيران فمثل هذا النوع قد ~~اتفقوا على أنه غير واقع في الشريعة وإنما نازع في ذلك طائفة من الغلاة ~~المائلين إلى الجبر من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك ~~والشافعي ms0032 وأحمد وغيرهم وإنما تنازعوا في جواز الأمر به عقلا حتى نازع بعضهم ~~في الممتنع لذاته كالجمع بين الضدين والنقيضين هل يجوز الأمر به من جهة ~~العقل مع أن ذلك لم يرد في الشريعة ومن غلا فزعم وقوع هذا الضرب في الشريعة ~~كمن يزعم أن أبا لهب كلف بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فهو مبطل في ذلك عند عامة ~~أهل القبلة من جميع الطوائف فإنه لم يقل أحد إن أبا لهب أسمع هذا الخطاب ~~المتضمن أنه لا يؤمن وإنه أمر مع ذلك بالإيمان كما أن قوم نوح لما أخبر نوح ~~عليه السلام أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن لم يكن بعد هذا يأمرهم ~~بالإيمان بهذا الخطاب بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار PageV01P063 ~~المستلزم لموته على الكفر وأنه سمع هذا الخطاب ففي هذا الحال انقطع تكليفه ~~ولم ينفعه إيمانه حينئذ كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب قال تعالى @QB@ ~~فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا @QE@ سورة غافر 85 وقال تعالى @QB@ ~~آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين @QE@ سورة يونس 91 # والمقصود هنا التنبيه على أن النزاع في هذا الأصل يتنوع تارة إلى الفعل ~~المأمور به وتارة إلى جواز الأمر ومن هنا شبهة من شبه من المتكلمين على ~~الناس حيث جعل القسمين قسما واحدا وادعى تكليف ما لا يطاق مطلقا لوقوع بعض ~~الأقسام التي لا يجعلها عامة الناس من باب ما لا يطاق والنزاع فيها لا ~~يتعلق بمسائل الأمر والنهى وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر # ثم إنه جعل جواز هذا القسم مستلزما لجواز القسم الذي اتفق المسلمون على ~~أنه غير مقدور عليه وقاس أحد النوعين بالآخر وذلك من الأقيسة التي اتفق ~~المسلمون بل وسائر أهل الملل بل وسائر العقلاء على بطلانها فإن من قاس ~~الصحيح المأمور بالأفعال كقوله إن القدرة مع الفعل أو أن الله علم أنه ~~PageV01P064 لا يفعل على العاجز الذي لو أراد الفعل لم يقدر عليه فقد جمع ~~بين ما يعلم الفرق بينهما بالإضطرار عقلا ودينا وذلك ms0033 من مثارات الأهواء بين ~~القدرية وإخوانهم الجبرية # وأذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في ~~الإسلام كإطلاق القول بأن العباد مجبورون على أفعالهم وقد اتفق سلف الأمة ~~وأئمتها على إنكار ذلك وذم من يطلقه وإن قصد به الرد على القدرية الذين لا ~~يقرون بأن الله خالق أفعال العباد ولا بأنه شاء الكائنات وقالوا هذا رد ~~بدعة ببدعة وقابل الفاسد بالفاسد والباطل بالباطل # ولولا أن هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم في ذلك ما ~~يبين ردهم لذلك # وأما إذا فصل مقصود القائل وبين بالعبارة التي لا يشتبه الحق فيها ~~بالباطل ما هو الحق وميز بين الحق والباطل كان هذا من الفرقان وخرج المبين ~~حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفهم الأئمة بأنهم مختلفون في الكتاب ~~مخالفون للكتاب متفقون على ترك الكتاب وأنهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ~~PageV01P065 ويحرفون الكلم عن مواضعه ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليه ~~ولهذا كان يدخل عندهم المجبرة في مسمى القدرية المذمومين لخوضهم في القدر ~~بالباطل إذ هذا جماع المعنى الذي ذمت به القدرية # ولهذا ترجم الإمام أبو بكر الخلال في كتاب السنة فقال الرد على القدرية ~~وقولهم إن الله أجبر العباد على المعاصي ثم روى عن عمرو بن عثمان عن بقية ~~ابن الوليد قال سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر فقال الزبيدي أمر الله ~~أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل ولكن يقضى ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ~~ما أحب وقال الأوزاعي ما أعرف للجبر أصلا من القرآن ولا السنة فأهاب أن ~~أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل تابعي من ~~أهل الجماعة والتصديق PageV01P066 # فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من ~~أحسن الأجوبة # أما الزبيدي محمد بن الوليد صاحب الزهري فإنه قال أمر الله أعظم وقدرته ~~أعظم من أن يجبر أو يعضل فنفى الجبر # وذلك ms0034 لأن الجبر المعروف في اللغة هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه كما يقول ~~الفقهاء في باب النكاح هل تجبر المرأة على النكاح أولا تجبر وإذا عضلها ~~الولي ماذا تصنع فيعنون بجبرها أنكاحها بدون رضاها واختيارها ويعنون بعضلها ~~منعها مما ترضاه وتختاره فقال الله أعظم من أن يجبر أو يعضل لأن الله ~~سبحانه قادر على أن يجعل العبد مختارا راضيا لما يفعله ومبغضا وكارها لما ~~يتركه كما هو الواقع فلا يكون العبد مجبورا على ما يحبه ويرضاه ويريده وهي ~~أفعاله الإختيارية ولا يكون معضولا عما يتركه فيبغضه ويكرهه أو لا يريده ~~وهي تروكه الإختيارية # وأما الأوزاعي فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ وإن عنى به هذا المعنى حيث لم ~~يكن له أصل في الكتاب والسنة فيفضى إلى إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة ~~الباطل وذلك لا يسوغ وإن قيل إنه يراد به معنى صحيح PageV01P067 # قال الخلال أخبرنا أبو بكر المروزي قال سمعت بعض المشيخة يقول سمعت ~~عبدالرحمن بن مهدي يقول أنكر سفيان الثوري جبر وقال الله جبل العباد قال ~~المروزي أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس يعنى قوله ~~الذي في صحيح مسلم إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين ~~تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما فقال بل خلقين جبلت عليهما فقال الحمد لله ~~الذي جبلني على خلقين يحبهما الله # ولهذا احتج البخاري وغيره على خلق أفعال العباد بقوله تعالى @QB@ إن ~~الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا @QE@ سورة ~~المعارج 19 20 فأخبر تعالى أنه خلق الإنسان على هذه الصفة PageV01P068 # واحتج غيره بقول الخليل عليه السلام @QB@ رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ~~ذريتي @QE@ سورة إبراهيم 40 وبقوله @QB@ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا ~~أمة مسلمة لك @QE@ سورة البقرة 128 # وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي لأن الزبيدي نفى الجبر والأوزاعى ~~منع إطلاقه إذ هذا اللفظ قد يحتمل معنى صحيحا فنفيه قد يقتضي نفي الحق ~~والباطل كما ذكر الخلال ما ذكره عبدالله بن أحمد ms0035 في كتاب السنة فقال حدثنا ~~محمد بن بكار حدثنا أبو معشر حدثنا يعلى عن محمد بن كعب قال إنما سمى ~~الجبار لأنه يجبر الخلق على ما أراد فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل ~~المحتمل المشتبه زال المحذور وكان أحسن من نفيه وإن كان ظاهرا في المحتمل ~~المعنى الفاسد خشية أن يظن أنه ينفى المعنيين جميعا # وهكذا يقال في نفى الطاقة عن المأمور فإن إثبات الجبر في المحظور نظير ~~سلب الطاقة في المأمور وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة ~~PageV01P069 # قال الخلال أنبأنا الميموني قال سمعت أبا عبدالله يعنى أحمد بن حنبل ~~يناظر خالد بن خداش يعني في القدر فذكروا رجلا فقال أبو عبدالله إنما أكره ~~من هذا أن يقول أجبرالله # وقال أنبأنا المروزي قلت لأبي عبدالله رجل يقول إن الله أجبر العباد فقال ~~هكذا لا نقول وأنكر هذا وقال @QB@ يضل من يشاء ويهدي من يشاء @QE@ سورة ~~النحل 93 # وقال أنبأنا المروزي قال كتب إلى عبدالوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري ~~وقال إنه يتنزه عن ميراث أبيه فقال رجل قدري إن الله لم يجبر العباد على ~~المعاصي فرد عليه أحمد بن رجاء فقال إن الله جبر العباد على ما أراد أراد ~~بذلك إثبات القدر فوضع أحمد بن علي كتابا يحتج فيه فأدخلته على أبي عبدالله ~~فأخبرته بالقصة فقال ويضع كتابا وأنكر عليهما جميعا على ابن رجاء حين قال ~~جبر العباد وعلى القدري حين قال لم يجبر وأنكر على أحمد بن علي وضعه الكتاب ~~واحتجاجه وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب PageV01P070 وقال لي يجب على ابن رجاء ~~أن يستعفر ربه لما قال جبر العباد فقلت لأبي عبدالله فما الجواب في هذه ~~المسألة قال @QB@ يضل من يشاء ويهدي من يشاء @QE@ سورة النحل 93 # قال المروزي في هذه المسألة إنه سمع أبا عبدالله لما أنكر على الذي قال ~~لم يجبر وعلى من رد عليه جبر فقال أبو عبدالله كلما ابتدع رجل بدعة اتسع ~~الناس في جوابها وقال يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة ms0036 وأنكر على من رد ~~بشيء من جنس الكلام إذ لم يكن له فيه إمام تقدم قال المروزي فما كان بأسرع ~~من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه مشيخة وكتاب من أهل عكبرا فأدخلت أحمد ~~بن علي على أبي عبدالله فقال يا أبا عبدالله هو ذا الكتاب ادفعه إلى أبي ~~بكر حتى يقطعه وأنا أقوم على منبر عكبرا وأستغفر الله عز وجل فقال أبو ~~عبدالله لي ينبغي أن يقبلوا منه فرجعوا له # وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع وتكلمنا على الأصل ~~الفاسد الذي ظنه المتفرقون من أن إثبات المعنى الحق الذي يسمونه جبرا ينافى ~~PageV01P071 الأمر والنهى حتى جعله القدرية منافيا للأمر والنهي مطلقا ~~وجعله طائفة من الجبرية منافيا لحسن الفعل وقبحه وجعلوا ذلك مما اعتمدوه في ~~نفي حسن الفعل وقبحه القائم به المعلوم بالعقل # ومن المعلوم أنه لا ينافي ذلك إلا كما ينافيه بمعنى كون الفعل ملائما ~~للفاعل ونافعا له وكونه منافيا للفاعل وضارا له # ومن المعلوم أن هذا المعنى الذي سموه جبرا لا ينافي أن يكون الفعل نافعا ~~وضارا ومصلحة ومفسدة وجالبا للذة وجالبا للألم # فعلم أنه لا ينافي حسن الفعل وقبحه كما لا ينافي ذلك سواء كان ذلك الحسن ~~معلوما بالعقل أو معلوما بالشرع أو كان الشرع مثبتا له لا كاشفا عنه # وأما قول السائل ما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من ~~الوقوع في المهالك وقد كان حريصا على هدى أمته # فنقول هذا السؤال مبني على الأصل الفاسد المتقدم المركب من الإعراض عن ~~الكتاب والسنة وطلب الهدى في مقالات المختلفين المتقابلين في النفي ~~والإثبات للعبارات المجملات المشتبهات الذين قال الله فيهم @QB@ وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ PageV01P072 سورة البقرة 176 وقال ~~تعالى @QB@ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا @QE@ سورة يونس 19 وقال ~~تعالى @QB@ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم @QE@ سورة آل عمران 19 وقال تعالى @QB@ فتقطعوا أمرهم بينهم ms0037 زبرا كل ~~حزب بما لديهم فرحون @QE@ سورة المؤمنون 53 # وقد تقدم التنبيه على منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله وما في ذلك من ~~العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات سواء كان المحدث هو اللفظ ودلالته ~~أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى كلفظ أصول الدين حيث ~~أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم وإن لم يكن ~~من أصول الدين الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه كما ذكرنا وأنه إذا منع ~~إطلاق هذه المجملات المحدثات في النفي والإثبات ووقع الإستفسار والتفصيل ~~تبين سواء السبيل # وبذلك يتبين أن الشارع عليه الصلاة والسلام نص على كل ما يعصم من المهالك ~~نصا قاطعا للعذر وقال تعالى @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون @QE@ سورة التوبة 115 وقال تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ سورة المائدة 3 # وقال تعالى @QB@ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ سورة ~~النساء 165 وقال تعالى @QB@ وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ سورة ~~النور 54 وقال PageV01P073 @QB@ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم @QE@ سورة ~~الإسراء 9 وقال تعالى @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما @QE@ ~~سورة النساء 66 68 وقال تعالى @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام @QE@ سورة المائدة 15 16 # وقال أبو ذر لقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه ~~في السماء إلا ذكر لنا منه علما وفي صحيح مسلم أن بعض المشركين قالوا ~~لسلمان لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة قال أجل وقال صلى الله عليه ~~وسلم تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك وقال ~~PageV01P074 ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ولا من شيء ~~يبعدكم عن النار إلا وقد ms0038 حدثتكم عنه وقال ما بعث الله من نبي إلا كان حقا ~~عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه خيرا لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه شرا ~~لهم # وهذه الجملة يعلم تفصيلها بالبحث والنظر والتتبع والإستقراء والطلب لعلم ~~هذه المسائل في الكتاب والسنة فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص ~~القاطعة للعذر في هذه المسائل ما فيه غاية الهدى والبيان والشفاء # وذلك يكون بشيئين أحدهما معرفة معاني الكتاب والسنة # والثاني معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون حتى يحسن أن ~~يطبق بين معاني التنزيل ومعاني أهل الخوض في أصول الدين فحينئذ يتبين له أن ~~الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى @QB@ كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ سورة البقرة 213 وقال تعالى @QB@ وما اختلفتم ~~فيه من شيء فحكمه إلى الله @QE@ PageV01P075 سورة الشورى 10 وقال @QB@ فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ~~ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ~~وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا @QE@ سورة النساء 59 61 # ولهذا يوجد كثيرا في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع ~~بالنفي والإثبات وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق ولا قصور أو تقصير في بيان ~~الحق ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق ~~وباطل ففي إثباتها إثبات حق وباطل وفي نفيها نفي حق وباطل فيمنع من كلا ~~الإطلاقين بخلاف النصوص الإلهية فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل ~~ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان ~~الذي يجب إتباعه فيثبتون ما أثبته الله ورسوله وينفون ما نفاه الله ورسوله ~~ويجعلون ms0039 العبارات المحدثة المجملة المتشابهة ممنوعا من إطلاقها نفيا ~~وإثباتا لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الإستفسار والتفصيل فإذا تبين ~~المعنى أثبت حقه ونفى باطله بخلاف كلام الله ورسوله فإنه حق يجب قبوله وإن ~~لم يفهم معناه وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه PageV01P076 # وأما المختلفون في الكتاب المخالفون له المتفقون على مفارقته فتجعل كل ~~طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه ~~وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات التي لا ~~يجوز اتباعها بل يتعين حملها على ما وافق أصلهم الذي ابتدعوه أو الإعراض ~~عنها وترك التدبر لها # وهذان الصنفان يشبهان ما ذكره الله في قوله @QB@ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ~~وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم ~~بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أو لا يعلمون أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم ~~إلا يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون @QE@ ~~سورة البقرة 75 79 # فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه وهو متناول لمن حمل الكتاب ~~والسنة على ما أصله هو من البدع الباطلة وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه ~~ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله لينال به دنيا وقال إنه من ~~عند الله مثل أن يقول هذا هو الشرع والدين وهذا معنى الكتاب والسنة وهذا ~~PageV01P077 قول السلف والأئمة وهذا هو أصول الدين الذي يجب اعتقاده على ~~الأعيان أو الكفاية ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة لئلا يحتج به ~~مخالفه في الحق الذي يقوله وهذه الأمور كثيرة ms0040 جدا في أهل الأهواء جملة ~~كالرافضة والجهمية ونحوهم من أهل الأهواء والكلام وفي أهل الأهواء تفصيلا ~~مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء مع شعبة من حال أهل الأهواء # وهذه الأمور المذكورة في الجواب مبسوطة في موضع آخر والله أعلم # والمقصود هنا الكلام على قول القائل إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية ~~الخ كما تقدم # والكلام على هذه الجملة بني على بيان ما في مقدمتها من التلبيس فإنها ~~مبنية على مقدمات # أولها ثبوت تعارضهما والثانية انحصار التقسيم فيما ذكره من الأقسام ~~الأربعة والثالثة بطلان الأقسام الثلاثة والمقدمات الثلاثة باطلة ~~PageV01P078 # وبيان ذلك بتقديم أصل وهو أن يقال إذا قيل تعارض دليلان سواء كانا سمعيين ~~أو عقليين أو أحدهما سمعيا والآخر عقليا فالواجب أن يقال لا يخلو إما أن ~~يكونا قطعيين أو يكونا ظنيين وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا # فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما سواء كانا عقليين أو سمعيين أو أحدهما ~~عقليا والآخر سمعيا وهذا متفق عليه بين العقلاء لأن الدليل القطعي هو الذي ~~يجب ثبوت مدلوله ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة # وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان وأحدهما يناقض مدلول الآخر للزم الجمع ~~بين النقيضين وهو محال بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها ~~قطعية فلا بد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي أو أن لا يكون ~~مدلولاهما متناقضين فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض ~~الدليلين # وأن كان أحد الدليلين المتعارضين قطعيا دون الآخر فإنه يجب تقديمه بإتفاق ~~العقلاء سواء كان هو السمعي أو العقلي فإن الظن لا يرفع اليقين # وأما إن كانا جميعا ظنيين فإنه يصار إلى طلب ترجيح أحدهما فأيهما ترجح ~~كان هو المقدم سواء كان سمعيا أو عقليا PageV01P079 # ولا جواب عن هذا إلا أن يقال الدليل السمعي لا يكون قطعيا وحينئذ فيقال ~~هذا مع كونه باطلا فإنه لا ينفع فإنه على هذا التقدير يجب تقديم القطعي ~~لكونه قطعيا لا لكونه عقليا ولا لكونه أصلا للسمع وهؤلاء جعلوا عمدتهم في ~~التقديم كون العقل ms0041 هو الأصل للسمع وهذا باطل كما سيأتي بيانه إن شاء الله # وإذا قدر أن يتعارض قطعي وظني لم ينازع عاقل في تقديم القطعي لكن كون ~~السمعي لا يكون قطعيا دونه خرط القتاد # وأيضا فإن الناس متفقون على أن كثيرا مما جاء به الرسول معلوم بالإضطرار ~~من دينه كإيجاب العبادات وتحريم الفواحش والظلم وتوحيد الصانع وإثبات ~~المعاد وغير ذلك # وحينئذ فلو قال قائل إذا قام الدليل العقلي القطعي على مناقضة هذا فلا بد ~~من تقديم أحدهما فلو قدم هذا السمعي قدح في أصله وإن قدم العقلي لزم تكذيب ~~الرسول فيما علم بالاضطرار أنه جاء به وهذا هو الكفر الصريح فلا بد لهم من ~~جواب عن هذا # والجواب عنه أنه يمتنع أن يقوم عقلي قطعي يناقض هذا # فتبين أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي # ومثل هذا الغلط يقع فيه كثير من الناس يقدرون تقديرا يلزم منه لوازم ~~PageV01P080 فيثبتون تلك اللوازم ولا يهتدون لكون ذلك التقدير ممتنعا ~~والتقدير الممتنع قد يلزمه لوازم ممتنعة كما في قوله تعالى @QB@ لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ سورة الأنبياء 22 ولهذا أمثلة # منها ما يذكره القدرية والجبرية في أن أفعال العباد هل هي مقدورة للرب ~~والعبد أم لا فقال جمهور المعتزلة إن الرب لا يقدر على عين مقدور العبد # واختلفوا هل يقدر على مثل مقدوره فأثبته البصريون كأبي على وأبي هاشم ~~ونفاه الكعبي وأتباعه البغداديون PageV01P081 وقال جهم وأتباعه الجبرية إن ~~ذلك الفعل مقدور للرب لا للعبد # وكذلك قال الأشعري وأتباعه إن المؤثر فيه قدرة الرب دون قدرة العبد # واحتج المعتزلة بأنه لو كان مقدورا لهما للزم إذا أراده أحدهما وكرهه ~~الآخر مثل أن يريد الرب تحريكه ويكرهه العبد أن يكون موجودا معدوما لأن ~~المقدور من شأنه أن يوجد عند توفر دواعي القادر وأن يبقى على العدم عند ~~توفر صارفه فلو كان مقدور العبد مقدورا لله لكان إذا أراد الله وقوعه وكره ~~العبد وقوعه لزم أن يوجد لتحقق الدواعي ولا ms0042 يوجد لتحقق الصارف وهو محال # وقد أجاب الجبرية عن هذا بما ذكره الرازي وهو أن البقاء على العدم عند ~~تحقق الصارف ممنوع مطلقا بل يجب إذا لم يقم مقامه سبب آخر مستقل ~~PageV01P082 وهذا أول المسألة وهو جواب ضعيف فإن الكلام في فعل العبد ~~القائم به إذا قام بقلبه الصارف عنه دون الداعي إليه وهذا يمتنع وجوده من ~~العبد في هذه الحال وما قدر وجوده بدون إرادته لا يكون فعلا اختياريا بل ~~يكون بمنزلة حركة المرتعش والكلام إنما هو في الإختياري ولكن الجواب منع ~~هذا التقدير فإن ما لم يرده العبد من أفعاله يمتنع أن يكون الله مريدا ~~لوقوعه إذ لو شاء وقوعه لجعل العبد مريدا له فإذا لم يجعله مريدا له علم ~~أنه لم يشأه ولهذا اتفق علماء المسلمين على أن الإنسان لو قال والله لأفعلن ~~كذا وكذا إن شاء الله ثم لم يفعله أنه لا يحنث لأنه لما لم يفعله علم أن ~~الله لم يشأه إذ لو شاءه لفعله العبد فلما لم يفعله علم أن الله لم يشأه ~~PageV01P083 # واحتج الجبرية بما ذكره الرازي وغيره بقولهم إذا أراد الله تحريك جسم ~~وأراد العبد تسكينه فإما أن يمتنعا معا وهو محال لأن المانع من وقوع مراد ~~كل واحد منهما هو وجود مراد الآخر فلو امتنعا معا لوجدا معا وهو محال أو ~~لوقعا معا وهو محال أو يقع أحدهما وهو باطل لأن القدرتين متساويتان في ~~الإستقلال بالتأثير في ذلك المقدور الواحد والشيء الواحد حقيقته لا تقبل ~~التفاوت فإذن القدرتان بالنسبة إلى اقتضاء وجود ذلك المقدور على السوية ~~وإنما التفاوت في أمور خارجة عن هذا المعنى وإذا كان كذلك امتنع الترجيح ~~فيقال هذه الحجة باطلة على المذهبين # أما أهل السنة فعندهم يمتنع أن يريد الله تحريك جسم ويجعل العبد مريدا ~~لأن يجعله ساكنا مع قدرته على ذلك فإن الإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم ~~PageV01P084 وجود المقدور فلو جعله الرب مريدا مع قدرته لزم وجود مقدوره ~~فيكون العبد يشاء ما لا يشاء الله وجوده وهذا ms0043 ممتنع بل ما شاء الله وجوده ~~يجعل القادر عليه مريدا لوجوده لا يجعله مريدا لما يناقض مراد الرب # وأما على قول المعتزلة فعندهم تمتنع قدرة الرب على عين مقدور العبد ~~فيمتنع اختلاف الإرادتين في شيء واحد # وكلتا الحجتين باطلة فإنهما مبنيتان على تناقض الإرادتين وهذا ممتنع فإن ~~العبد إذا شاء أن يكون شيء لم يشأه حتى يشاء الله مشيئته كما قال تعالى ~~@QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين @QE@ ~~سورة التكوير 28 29 وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإذا شاءه الله جعل ~~العبد شائيا له وإذا جعل العبد كارها له غير مريد له لم يكن هو في هذه ~~الحال شائيا له # فهم بنوا الدليل على تقدير مشيئة الله له وكراهة العبد له وهذا تقدير ~~ممتنع وهذا نقلوه من تقدير ربين وإلهين وهو قياس باطل لأن العبد مخلوق لله ~~هو وجميع مفعولاته ليس هو مثلا لله ولا ندا ولهذا إذا قيل ما قاله أبو ~~إسحاق الإسفراييني من أن فعل العبد مقدور بين قادرين لم يرد به بين قادرين ~~PageV01P085 مستقلين بل قدرة العبد مخلوقة لله وإرادته مخلوقة لله فالله ~~قادر مستقل والعبد قادر بجعل الله له قادرا وهو خالقة وخالق قدرته وارادته ~~وفعله فلم يكن هذا نظير ذاك # وكذلك ما يقدره الرازي وغيره في مسألة إمكان دوام الفاعلية وأن إمكان ~~الحوادث لا بداية له من أنا إذا قدرنا إمكان حادث معين وقدرنا أنه لم يزل ~~ممكنا كان هذا لم يزل ممكنا مع أنه لا بداية لإمكانه فإن هذا تقدير ممتنع ~~وهو تقدير ما له بداية مع أنه لا بداية له وهو جمع بين النقيضين ولهذا منع ~~الرازي في محصله إمكان هذا # وهذا الذي ذكرناه بين واضح متفق عليه بين العقلاء من حيث الجملة وبه ~~يتبين أن إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي ~~معلوم الفساد بالضرورة وهو خلاف ما اتفق عليه العقلاء # وحينئذ فنقول الجواب من وجوه $ أحدها # ان قوله ms0044 إذا تعارض النقل والعقل # وإما أن يريد به القطعيين فلا نسلم إمكان التعارض حينئذ # وإما أن يريد به الظنيين فالمقدم هو الراجح مطلقا PageV01P086 # وإما أن يريد به ما أحدهما قطعي فالقطعي هو المقدم مطلقا وإذا قدر أن ~~العقلي هو القطعي كان تقديمه لكونه قطعيا لا لكونه عقليا # فعلم أن تقديم العقلي مطلقا خطأ كما أن جعل جهة الترجيح لكونه عقليا خطأ ~~$ الوجه الثاني # أن يقال لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكرته من الأقسام الأربعة إذ من ~~الممكن أن يقال # يقدم العقلي تارة والسمعي أخرى فأيهما كان قطعيا قدم وإن كانا جميعا ~~قطعيين فيمتنع التعارض وإن كانا ظنيين فالراجع هو المقدم # فدعوى المدعي أنه لابد من تقديم العقلي مطلقا أو السمعي مطلقا أو الجمع ~~بين النقيضين أو رفع النقيضين دعوى باطلة بل هنا قسم ليس من هذه الأقسام ~~كما ذكرناه بل هو الحق الذي لا ريب فيه $ الوجه الثالث # قوله إن قدمنا النقل كان ذلك طعنا في أصله الذي هو العقل فيكون طعنا فيه ~~غير مسلم # وذلك لأن قوله إن العقل أصل للنقل إما أن يريد به # أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر # أو أصل في علمنا بصحته # والأول لا يقوله عاقل فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع وبغيره هو ثابت ~~سواء علمنا بالعقل أو بغير العقل ثبوته أو لم نعلم ثبوته لا بعقل ولا بغيره ~~إذ عدم العلم ليس علما بالعدم وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في ~~أنفسها PageV01P087 فما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم هو ثابت ~~في نفس الأمر سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه ومن أرسله الله تعالى إلى الناس ~~فهو رسوله سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا وما أخبر به فهو حق وإن لم ~~يصدقه الناس وما أمر به عن الله فالله أمر به وإن لم يطعه الناس فثبوت ~~الرسالة في نفسها وثبوت صدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر ليس ~~موقوفا على وجودنا فضلا على أن ms0045 يكون موقوفا على عقولنا أو على الأدلة التي ~~نعلمها بعقولنا وهذا كما أن وجود الرب تعالى وما يستحقه من الأسماء والصفات ~~ثابت في نفس الأمر سواء علمناه أو لم نعلمه # فتبين بذلك أن العقل ليس أصلا لثبوت الشرع في نفسه ولا معطيا له صفة لم ~~تكن له ولا مفيدا له صفة كمال إذ العلم مطابق للمعلوم المستغني عن العلم ~~تابع له ليس مؤثرا فيه # فإن العلم نوعان أحدهما العملي وهو ما كان شرطا في حصول المعلوم كتصور ~~أحدنا لما يريد أن يفعله فالمعلوم هنا متوقف على العلم به محتاج إليه # والثاني العلم الخبري النظري وهو ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده إلى ~~العلم به كعلمنا بوحدانية الله تعالى وأسمائه وصفاته وصدق رسله وبملائكته ~~وكتبه وغير ذلك فإن هذه المعلومات ثابتة سواء علمناها أو لم نعلمها فهي ~~مستغنية عن علمنا بها والشرع مع العقل هو من هذا الباب فإن الشرع المنزل ~~PageV01P088 من عند الله ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه فهو ~~مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه ~~بعقولنا فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع في نفسه صار عالما به وبما ~~تضمنه من الأمور التي يحتاج إليها في دنياه وآخرته وانتفع بعلمه به وأعطاه ~~ذلك صفة لم تكن له من قبل ذلك ولو لم يعلمه لكان جاهلا ناقصا # وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل لنا على صحته وهذا هو ~~الذي أراده فيقال له أتعني بالعقل هنا الغريزة التي فينا أم العلوم التي ~~استفدناها بتلك الغريزة # أما الأول فلم ترده ويمتنع أن تريده لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور أن ~~يعارض النقل وهي شرط في كل علم عقلي أو سمعي كالحياة وما كان شرطا في الشىء ~~امتنع أن يكون منافيا له فالحياة والغريزة شرط فى كل العلوم سمعيها وعقليها ~~فامتنع ان تكون منافية لها وهي أيضا شرط في الإعتقاد الحاصل بالاستدلال وإن ~~لم تكن علما فيمتنع ms0046 أن تكون منافية له معارضة له # وإن أردت بالعقل الذي هو دليل السمع وأصله المعرفة الحاصلة بالعقل فيقال ~~له من المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا لسمع ودليلا على صحته ~~فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ~~ما به يعلم صدق الرسول صلى الله عليه وسلم # وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بل ذلك ~~يعلم بما يعلم به أن الله تعالى أرسله مثل إثبات الصانع وتصديقه للرسول ~~بالآيات وأمثال ذلك PageV01P089 وإذا كان كذلك لم تكن جميع المعقولات أصلا ~~للنقل لا بمعنى توقف العلم بالسمع عليها ولا بمعنى الدلالة على صحته ولا ~~بغير ذلك لا سيما عند كثير من متكلمة الإثبات أو أكثرهم كالاشعري في أحد ~~قوليه وكثير من أصحابه أو أكثرهم كالاستاذ أبي المعالي الجويني ومن بعده ~~ومن وافقهم الذين يقولون العلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات التي تجري ~~مجرى تصديق الرسول علم ضروري فحينئذ ما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من ~~العلم العقلي سهل يسير مع أن العلم بصدق الرسول له طرق كثيرة متنوعة كما قد ~~بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع # وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحة ~~السمع عليه لم يكن القدح فيه قدحا في أصل السمع وهذا بين واضح وليس القدح ~~في بعض العقليات قدحا في جميعها كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحا في ~~جميعها ولا يلزم من صحة بعض العقليات صحة جميعها كما لا يلزم من صحة بعض ~~السمعيات صحة جميعها # وحينئذ فلا يلزم من صحة المعقولات التي تبنى عليها معرفتنا بالسمع صحة ~~غيرها من المعقولات ولا من فساد هذه فساد تلك فضلا عن صحة العقليات ~~المناقضة للسمع # فكيف يقال إنه يلزم من صحة المعقولات التي هي ملازمة للسمع صحة المعقولات ~~المناقضة للسمع فإن ما به يعلم السمع ولا يعلن السمع إلا به لازم للعلم ~~بالسمع لا يوجد العلم بالسمع بدونه ms0047 وهو ملزوم له والعلم به يستلزم ~~PageV01P090 العلم بالسمع والمعارض للسمع مناقض له مناف له فهل يقول عاقل ~~إنه يلزم من ثبوت ملازم الشىء ثبوت مناقضه ومعارضه # ولكن صاحب هذا القول جعل العقليات كلها نوعا واحد متماثلا في الصحة أو ~~الفساد ومعلوم أن السمع إنما يستلزم صحة بعضها الملازم له لا صحة البعض ~~المنافي له والناس متفقون على أن ما يسمى عقليات منه حق ومنه باطل وما كان ~~شرطا في العلم بالسمع وموجبا فهو لازم للعلم به بخلاف المنافي المناقض له ~~فإنه يمتنع أن يكون هو بعينه شرطا في صحته ملازما لثبوته فإن الملازم لا ~~يكون مناقضا فثبت أنه لا يلزم من تقديم السمع على ما يقال إنه معقول في ~~الجملة القدح في أصله # فقد تبين بهذه الوجوه الثلاثة فساد المقدمات الثلاث التي بنوا عليها ~~تقديم آرائهم على كلام الله ورسوله # فإن قيل نحن إنما نقدم على السمع المعقولات التي علمنا بها صحة السمع # قيل سنبين إن شاء الله أنه ليس فيما يعارض السمع من شىء من المعقولات ~~التي يتوقف السمع عليها فإذن كل ما عارض السمع مما يسمى معقولا ليس أصلا ~~للسمع يتوقف العلم بصحة السمع عليه فلا يكون القدح في شىء من المعقولات ~~قدحا في أصل السمع # الوجه الثاني أن جمهور الخلق يعترفون بأن المعرفة بالصانع وصدق الرسول ~~ليس متوقفا على ما يدعيه بعضهم من العقليات المخالفة للسمع والواضعون لهذا ~~القانون كأبي حامد والرازي وغيرهما معترفون بأن العلم بصدق الرسول ~~PageV01P091 لا يتوقف على العقليات المعارضة له فطوائف كثيرون كأبي حامد ~~والشهرستاني وأبي القاسم الراغب وغيرهم يقولون العلم بالصانع فطري ضروري # والرازي والآمدي وغيرهما من النظار يسلمون أن العلم بالصانع قد يحصل ~~بالإضطرار وحينئذ فالعلم بكون الصانع قادر معلوم بالاضطرار والعلم بصدق ~~الرسول عند ظهور المعجرات التي تحدى الخلق بمعارضتها وعجزوا عن ذلك معلوم ~~بالاضطرار # ومعلوم أن السمعيات مملوءة من إثبات الصانع وقدرته وتصديق رسوله ليس فيها ~~ما يناقض هذه الأصول العقلية التي بها يعلم السمع بل الذي في السمع ms0048 ~~PageV01P092 يوافق هذه الأصول بل السمع فيه من بيان الأدلة العقلية على ~~إثبات الصانع ودلائل ربوبيته وقدرته وبيان آيات الرسول ودلائل صدقه أضعاف ~~ما يوجد في كلام النظار فليس فيه ولله الحمد ما يناقض الأدلة العقلية التي ~~بها يعلم صدق الرسول # ومن جعل العلم بالصانع نظريا يعترف أكثرهم بأن من الطرق النظرية التي بها ~~يعلم صدق الرسول ما لا يناقض شيئا من السمعيات و الرازي ممن يعترف بهذا ~~فإنه قال في نهاية العقول في مسألة التكفير في المسألة الثالثة في أن مخالف ~~الحق من أهل الصلاة هل يكفر أم لا # قال الشيخ أبو الحسن الأشعري في أول كتاب مقالات الإسلاميين اختلف ~~المسلمون بعد نبيهم في أشياء ضلل فيها بعضهم بعضا وتبرأ بعضهم من بعض ~~فصاروا فرقا متباينين إلا أن الإسلام يجمعهم فيعمهم فهذا مذهبه وعليه أكثر ~~الأصحاب ومن الأصحاب من كفر المخالفين PageV01P093 # وأما الفقهاء فقد نقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه قال لا أرد شهادة ~~أهل الأهواء إلا الخطابية فإنهم يعتقدون حل الكذب # وأما أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه فقد حكى الحاكم صاحب المختصر في كتاب ~~المنتقى عن أبي حنيفة أنه لم يكفر أحدا من أهل القبلة # وحكى أبو بكر الرازي عن الكرخي وغيره مثل ذلك # وأما المعتزلة فالذين كانوا قبل أبي الحسين تحامقوا وكفروا أصحابنا في ~~إثبات الصفات وخلق الأعمال # وأما المشبهة فقد كفرهم مخالفوهم من أصحابنا ومن المعتزلة PageV01P094 # وكان الأستاذ أبو اسحاق يقول أكفر من يكفرني وكل مخالف يكفرنا فنحن نكفره ~~وإلا فلا # والذي نختاره أن لا نكفر أحدا من أهل القبلة # والدليل عليه أن نقول المسائل التي اختلف أهل القبلة فيها مثل أن الله ~~تعالى هل هو عالم بالعلم أو بالذات وأنه تعالى هل هو موجد لأفعال العباد أم ~~لا وأنه هل هو متحيز وهل هو في مكان وجهة وهل هو مرئي أم لا لا يخلو إما أن ~~تتوقف صحة الدين على معرفة الحق فيها أو لا تتوقف والأول باطل إذ لو كانت ~~معرفة هذه الأصول ms0049 من الدين لكان الواجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يطالبهم بهذه المسائل ويبحث عن كيفية اعتقادهم فيها فلما لم يطالبهم بهذه ~~المسائل بل ما جرى حديث في هذه المسائل في زمانه عليه السلام ولا في زمان ~~الصحابة والتابعين رضي الله عنهم علمنا أنه لا تتوقف صحة الإسلام على معرفة ~~PageV01P095 هذه الأصول وإذا كان كذلك لم يكن الخطأ في هذه المسائل قادحا ~~في حقيقة الإسلام وذلك يقتضي الإمتناع من تكفير أهل القبلة # ثم قال بعد ذلك وأما دلالة الفعل المحكم على العلم فقد عرفت أنها ضرورية ~~وأما دلالة المعجز على الصدق فقد بينا أنها ضرورية ومتى عرفت هذه الأصول ~~أمكن العلم بصدق الرسول علية السلام فثبت أن العلم بالأصول التي تتوقف على ~~صحتها نبوة محمد عليه السلام علم جلي ظاهر وإنما طال الكلام في هذه الأصول ~~لرفع هذه الشكوك التي يثبتها المبطلون إما في مقدمات هذه الأدلة أو في ~~معارضاتها والإشتغال برفع هذه الشكوك إنما يجب بعد عروضها فثبت أن أصول ~~الإسلام جلية ظاهرة ثم أن أدلتها على الإستقصاء مذكورة في كتاب الله تعالى ~~خالية عما يتوهم معارضا لها # ثم ذكر بعد ذلك فقال قلنا إنا قد ذكرنا في إثبات العلم بالصانع طرقا خمسة ~~قاطعة في هذا الكتاب من غير حاجة إلى القياس الذي ذكروه والله أعلم ~~PageV01P096 وأيضا فإنه ذكر فيه إثبات الصانع أربعة طرق # طريق حدوث الأجسام وطريق إمكانها وطريق إمكان صفاتها وطريق حدوث صفاتها ~~وقال إن هذه الطريق لا تنفي كونه جسما بخلاف الطرق الثلاثة وهم إنما ينفون ~~ما ينفونه من الصفات لظنهم أنها تستلزم التجسيم الذي نفاه العقل الذي هو ~~أصل السمع فإذا اعترفوا بأنه يمكن العلم بالصانع وصدق رسوله قبل النظر في ~~كونه جسما أو ليس بجسم تبين أن صدق الرسول لا يتوقف على العلم بأنه ليس ~~بجسم وحينئذ فلو قدر أن العقل ينفي ذلك لم يكن هذا من العقل الذي هو أصل ~~السمع # الوجه الثالث أن يقال لمن ادعى من هؤلاء توقف العلم بالسمع ms0050 على مثل هذا ~~النفي كقول من يقول منهم إنا لا نعلم صدق الرسول حتى نعلم وجود الصانع وأنه ~~قادر غني لا يفعل القبيح ولا نعلم ذلك حتى نعلم أنه ليس بجسم أو لا نعلم ~~إثبات الصانع حتى نعلم حدوث العالم ولا نعلم ذلك إلا بحدوث الأجسام فلا ~~يمكن أن يقبل من السمع ما يستلزم كونه جسما # فيقال لهم قد علم بالإضطرار من دين الرسول والنقل المتواتر أنه دعا الخلق ~~إلى الإيمان بالله ورسوله ولم يدع الناس بهذه الطريق التي قلتم إنكم أثبتم ~~بها حدوث العالم ونفى كونه جسما وآمن بالرسول من آمن به من المهاجرين ~~والأنصار ودخل الناس في دين الله أفواجا ولم يدع أحدا منهم بهذه الطريق ولا ~~ذكرها أحد منهم ولا ذكرت في القرآن ولا حديث الرسول ولا دعا بها أحد من ~~الصحابة PageV01P097 والتابعين لهم باحسان الذين هم خير هذه الأمة وأفضلها ~~علما وإيمانا وإنما ابتدعت هذه الطريق في الإسلام بعد المائة الأولى ~~وانقراض عصر أكابر التابعين بل وأوساطهم فكيف يجوز أن يقال إن تصديق الرسول ~~موقوف عليها وأعلم الذين صدقوه وأفضلهم لم يدعوا بها ولا ذكروها ولا ذكرت ~~لهم ولا نقلها أحد عنهم ولا تكلم بها أحد في عصرهم # الوجه الرابع أن يقال هذا القرآن والسنة المنقولة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم متواترها وآحادها ليس فيه ذكر ما يدل على هذه الطريق فضلا عن أن تكون ~~نفس الطريق فيها فليس في شيء من ذلك أن البارئ لم يزل معطلا عن الفعل ~~والكلام بمشيئته ثم حدث ما حدث بلا سبب حادث وليس فيه ذكر الجسم والتحيز ~~والجهة لا بنفي ولا إثبات فكيف يكون الإيمان بالرسول مستلزما لذلك والرسول ~~لم يخبر به ولا جعل الإيمان به موقوفا عليه # الوجه الخامس أن هذه الطرق الثلاثة طريق حدوث الأجسام مبنية على امتناع ~~دوام كون الرب فاعلا وامتناع كونه لم يزل متكلما بمشيئته بل حقيقتها مبنية ~~على امتناع كونه لم يزل قادرا على هذا وهذا ومعلوم أن أكثر العقلاء من ~~المسلمين ms0051 وغير المسلمين ينازعون في هذا ويقولون هذا قول باطل # وأما القول بإمكان الأجسام فهو مبني على أن الموصوف ممكن بناء على أن ~~المركب ممكن وعلى نفي الصفات وهي طريقة أحدثها ابن سينا وأمثاله ~~PageV01P098 وركبها من مذهب سلفهم ومذهب الجهمية وهي أضعف من التي قبلها من ~~وجوه كثيرة # وطريقة إمكان صفات الأجسام مبنية على تماثل الأجسام وأكثر العقلاء ~~يخالفون في ذلك وفضلاؤهم معترفون بفساد ذلك كما قد ذكرنا قول الأشعري ~~والرازي والآمدي وغيرهم واعترافهم بفساد ذلك وبينا فساد ذلك بصريح المعقول # فإذا كانت هذه الطرق فاسدة عند جمهور العقلاء بل فاسدة في نفس الأمر ~~امتنع أن يكون العلم بالصانع موقوفا على طريق فاسدة ولو قدر صحتها علم أن ~~أكثر العقلاء عرفوا الله وصدقوا رسوله بغير هذه الطريق فلم يبق العلم ~~بالسمع موقوفا على صحتها فلا يكون القدح فيها قدحا في أصل السمع # الوجه السادس أن يقال إذا قدر أن السمع موقوف على العلم بأنه ليس بجسم ~~مثلا لم يسلم أن مثبتي الصفات التي جاء بها القرآن والسنة خالفوا موجب ~~العقل فإن عقولهم فيما يثبتونه من الصفات كقول سائر من ينفي الجسم ويثبت ~~شيئا من الصفات # فإذا كان أولئك يقولون إنه حي عليم قدير وليس بجسم ويقول آخرون إنه حي ~~بحياة عليم بعلم قدير بقدرة بل وسميع وبصير ومتكلم بسمع وبصر وكلام وليس ~~بجسم أمكن هؤلاء أن يقولوا في سائر الصفات التي أخبر بها الرسول ما قاله ~~هؤلاء في هذه الصفات PageV01P099 # وإذا أمكن المتفلسف أن يقول هو موجود وعاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق ~~وعشق ولذيذ وملتذ ولذة وهذا كله شيء واحد وهذه الصفة هي الأخرى والصفة هي ~~الموصوف وإثبات هذه الأمور لا يستلزم التجسيم أمكن سائر مثبتة الصفات أن ~~يقولوا هذا وما هو أقرب إلى المعقول فلا يقول من نفى شيئا مما أخبر به ~~الشارع من الصفات قولا ويقول إنه يوافق المعقول إلا ويقول من أثبت ذلك ما ~~هو أقرب إلى المعقول منه # وهذه جملة سيأتي إن شاء الله تفصيلها وبيان أن ms0052 كل من أثبت ما أثبته ~~الرسول ونفي ما نفاه كان أولى بالمعقول الصريح كما كان أولى بالمنقول ~~الصحيح وأن من خالف صحيح المنقول فقد خالف أيضا صريح المعقول وكان أولى بمن ~~قال الله فيه @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ ~~سورة تبارك 10 # فإن قيل قول القائلين إن الأنبياء لم يدعوا الناس إلى إثبات الصانع بهذه ~~الطريقة طريقة الأعراض وحدوثها ولزومها للأجسام وأن ما استلزم الحادث فهو ~~حادث # للمنازعين فيه مقامان أحدهما منع هذه المقدمة فإنه من المعروف أن كثيرا ~~من النفاة يقول إن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل وإنه استدل على ~~حدوث الكواكب والشمس والقمر بالأفول والأفول هو الحركة والحركة هي التغير ~~فلزم من PageV01P100 ذلك أن كل متغير محدث لأنه لا يسبق الحوادث لامتناع ~~حوادث لا أول لها وكل ما قامت به الحوادث فهو متغير فيجب أن يكون محدثا ~~فهذه الطريق التي سلكناها هى طريقة إبراهيم الخليل # وهذا مما ذكره خلق من النفاة مثل بشر المريسي وأمثاله ومثل ابن عقيل وأبي ~~حامد والرازي وخلق غير هؤلاء # وأيضا فالقرآن قد دل على أنه ليس بجسم لأنه أحد والأحد الذي لا ينقسم وهو ~~واحد والواحد الذي لا ينقسم ولأنه صمد والصمد الذي لا جوف له فلا يتخلله ~~غيره والجسم يتخلله غيره ولأنه سبحانه قد قال PageV01P101 @QB@ ليس كمثله ~~شيء @QE@ سورة الشورى 11 والأجسام متماثلة فلو كان جسما لكان له مثل وإذا ~~لم يكن جسما لزم نفي ملزومات الجسم # وبعضهم يقول نفي لوازم الجسم وليس بجيد فإنه لا يلزم من وجود اللازم وجود ~~الملزوم ولكن يلزم من نفيه نفيه بخلاف ملزومات الجسم فإنه يجب من نفيها نفي ~~الجسم فيجب نفي كل ما يستلزم كونه جسما # ثم من نفي العلو والمباينة يقول العلو يستلزم كونه جسما ومن نفي الصفات ~~الخبرية يقول إثباتها يستلزم التجسيم ومن نفى الصفات مطلقا قال ثبوتها ~~يستلزم التجسيم # وأيضا فالتجسيم نفي لأنه يقتضي القسمة والتركيب فيجب نفي كل تركيب فيجب ~~نفي كونه مركبا من ms0053 الوجود والماهية ومن الجنس والفصل ومن المادة والصورة ~~ومن الجواهر المفردة ومن الذات والصفات وهذه الخمسة هي التي يسميها نفاة ~~الصفات من متأخري الفلاسفة تركيبا # والمقصود هنا أن السمع دل على نفي هذه الأمور والرسل نفت ذلك وبينت ~~الطريق العقلي المنافي لذلك وهو نفي التشبيه تارة وإثبات حدوث كل متغير ~~تارة # ثم إنه لما قال هؤلاء إن الأفول هو الحدوث والأفول هو التغير فبنى ~~PageV01P102 ابن سينا وأتباعه من الدهرية على هذا وقالوا ما سوى الله ممكن ~~وكل ممكن فهو آفل فالأفل لا يكون واجب الوجود # وجعل الرازي في تفسير هذا الهذيان وقد يقول هو وغيره كل آفل متغير وكل ~~متغير ممكن فيستدلون بالتغير على الإمكان كما استدل الأكثرون من هؤلاء ~~بالتغير على الحدوث وكل من هؤلاء يقول هذه طريقة الخليل # المقام الثاني أن يقال نحن نسلم أن الأنبياء لم يدعوا الناس بهذه الطريق ~~ولا بينوا أنه ليس بجسم وهذا قول محققي طوائف النفاة وأئمتهم فإنهم يعلمون ~~ويقولون إن النفي لم يعتمد فيه على طريقة مأخوذة عن الأنبياء وإن الأنبياء ~~لم يدلوا على ذلك لا نصا ولا ظاهرا ويقولون إن كلام الأنبياء إنما يدل على ~~الإثبات إما نصا وإما ظاهرا # لكن قالوا إذا كان العقل دل على النفي لم يمكنا إبطال مدلول العقل ~~PageV01P103 # ثم يقول المتكلمون من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم الذين قالوا إنما ~~يمكن إثبات الصانع وصدق رسله بهذه الطريق ويقولون إنه لا يمكن العلم بحدوث ~~العالم وإثبات الصانع والعلم بأنه قادر حي عالم وأنه يجوز أن يرسل الرسل ~~ويصدق الأنبياء بالمعجزات إلا بهذه الطريق كما يذكر ذلك أئمتهم وحذاقهم حتى ~~متأخروهم كأبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني والقاضي أبي يعلى وغيرهم ~~فإذا علمنا مع ذلك أن الأنبياء لم يدعوا الناس بها لزم ما قلناه من أن ~~الرسول أحال الناس في معرفة الله على العقل وإذا علموا ذلك فحينئذ هم في ~~نصوص الأنبياء إما أن يسلكوا مسلك التأويل ويكون القصد بإنزال المتشابه ~~تكليفهم استخراج طريق التأويلات وإما أن يسلكوا مسلك ms0054 التفويض ويكون المقصود ~~إنزال ألفاظ يتعبدون بتلاوتها وإن لم يفهم أحد معانيها # ويقول ملاحدة الفلاسفة والباطنية ونحوهم المقصود خطاب الجمهور بما ~~يتخيلون به أن الرب جسم عظيم وأن المعاد فيه لذات جسمانية وإن كان هذا لا ~~حقيقة له ثم إما أن يقال إن الأنبياء لم يعلموا ذلك وإما أن يقال علموه ولم ~~يبينوه بل أظهروا خلاف الحق للمصلحة # قيل في الجواب أما من سلك المسلك الأول فجوابه من وجوه أحدها أن يقال ~~فإذا كانت الأدلة السمعية المأخوذة عن الأنبياء دلت على صحة هذه الطريق ~~وصحة مدلولها وعلى نفي ما تنفونه من الصفات فحينئذ تكون الأدلة السمعية ~~المثبتة لذلك عارضت هذه الأدلة فيكون السمع قد عارضه سمع آخر وإن كان ~~أحدهما موافقا لما تذكرونه من العقل PageV01P104 # وحينئذ فلا تحتاجون أن تبنوا دفع السمعيات المخالفة لكم على هذا القانون ~~الذي ابتدعتموه وجعلتم فيه آراء الرجال مقدمة على ما أنزل الله وبعث به ~~رسله وفتحتم بابا لكل طائفة بل لكل شخص أن يقدم ما رآه بمعقوله على ما ثبت ~~عن الله ورسوله بل قررتم بهذا أن أحدا لا يثق بشي يخبر به الله ورسوله إذ ~~جاز أن يكون له معارض عقلي لم يعلمه المخبر ولهذا كان هذا القانون لا يظهره ~~أحد من الطوائف المشهورين وإنما كان بعضهم يبطنه سرا وإنما أظهر لما ظهر ~~كلام الملاحدة أعداء الرسل # الوجه الثاني أن يقال كل من له أدنى معرفة بما جاء به النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعلم بالإضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بهذه ~~الطريق طريقة الأعراض ولا نفى الصفات أصلا لا نصا ولا ظاهرا ولا ذكر ما ~~يفهم منه ذلك لا نصا ولا ظاهرا ولا ذكر أن الخالق ليس فوق العالم ولا ~~مباينا له أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصا ~~ولا ظاهرا بل ولا نفى الجسم الإصطلاحي ولا ما يرادفه من الألفاظ ولا ذكر أن ~~الحوادث يمتنع دوامها في الماضي والمستقبل ms0055 أو في الماضي لا نصا ولا ظاهرا ~~ولا أن الرب صار الفعل ممكنا له بعد أن لم يكن ممكنا ولا أنه صار الكلام ~~ممكنا له بعد أن لم يكن ممكنا ولا أن كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه ونحو ~~ذلك أمور مخلوقة بائنة عنه وأمثال ذلك مما يقوله هؤلاء لا نصا وظاهرا ~~PageV01P105 # بل علم الناس خاصتهم وعامتهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك ~~أظهر من علمهم بأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة وأن القرآن لم يعارضه ~~أحد وأنه لم يفرض صلاة إلا الصلوات الخمس وأنه لم يكن يؤخر صلاة النهار إلى ~~الليل وصلاة الليل إلى النهار وأنه لم يكن يؤذن له في العيدين والكسوف ~~والإستسقاء وأنه لم يرض بدين الكفار لا المشركين ولا أهل الكتاب قط وأنه لم ~~يسقط الصلوات الخمس عن أحد من العقلاء وأنه لم يقاتله أحد من المؤمنين به ~~لا أهل الصفة ولا غيرهم وأنه لم يكن يؤذن بمكة ولا كان بمكة أهل صفة ولا ~~كان بالمدينة أهل صفة قبل أن يهاجر إلى المدينة وأنه لم يجمع أصحابه قط على ~~سماع كف ولا دف وأنه لم يكن يقصر شعر كل من أسلم أو تاب من ذنب وأنه لم يكن ~~يقتل كل من سرق أو قذف أو شرب وأنه لم يكن يصلي الخمس إذا كان صحيحا إلا ~~بالمسلمين لم يكن يصلي الفرض وحده ولا في الغيب وأنه لم يحج في الهواء قط ~~وأنه لم يقل رأيت ربي في اليقظة لا ليلة المعراج ولا غيرها ولم يقل إن الله ~~ينزل عشية عرفة إلى PageV01P106 الأرض وإنما قال إنه ينزل إلى السماء ~~الدنيا عشية عرفة فيباهي الملائكة بالحجاج PageV01P107 # ولا قال إن الله ينزل كل ليلة إلى الأرض وإنما قال ينزل إلى سماء الدنيا ~~وأمثال ذلك مما يعلم العلماء بأحواله علما ضروريا أنه لم يكن ومن روى ذلك ~~عنه أو أخذ يستدل على ثبوت ذلك علموا بطلان قوله بالإضطرار كما يعلمون ~~بطلان قول السوفسطائية وإن لم يشتغلوا بحل ms0056 شبههم # وحينئذ فمن استدل بهذه الطريق أو أخبر الأمة بمثل قول نفاة الصفات كان ~~كذبه معلوما بالإضطرار أبلغ مما يعلم كذب من ادعى عليه هذه الأمور المنتفية ~~عنه وأضعافها وهذا مما يعلمه من له أدنى خبرة بأحوال الرسل فضلا عن ~~المتوسطين فضلا عن الوارثين له العالمين بأقواله وأفعاله PageV01P108 # الوجه الثالث أن يقال صحيح ما ذكرتموه من أقوال الأنبياء أنها تدل على ~~مثل قولكم فلا دلالة في شيء منها من وجوه متعددة وذلك معلوم يقينا بل فيها ~~ما يدل على نقيض قولكم وهو مذهب أهل الإثبات وهكذا عامة ما يحتج به أهل ~~الباطل من الحجج لا سيما السمعية فإنها إنما تدل على نقيض قولهم # وأما قصة إبراهيم الخليل عليه السلام فقد علم باتفاق أهل اللغة والمفسرين ~~أن الأفول ليس هو الحركة سواء كانت حركة مكانية وهي الإنتقال أو حركة في ~~الكم كالنمو أو في الكيف كالتسود والتبيض ولا هو التغير فلا يسمى في اللغة ~~كل متحرك أو متغير آفلا ولا أنه أفل لا يقال للمصلي أو الماشي إنه آفل ولا ~~يقال للتغير الذى هو استحالة كالمرض واصفرار الشمس إنه أفول لا يقال للشمس ~~إذا اصفرت إنها أفلت وإنما يقال أفلت إذا غابت واحتجبت وهذا من المتواتر ~~المعلوم بالإضطرار من لغة العرب أن آفلا بمعنى غائب وقد أفلت الشمس تأفل ~~تأفل أفولا أي غابت PageV01P109 ومما يبين هذا أن الله ذكر عن الخليل أنه ~~لما @QB@ رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى ~~القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ~~الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم ~~إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض @QE@ سورة ~~الأنعام 76 79 # ومعلوم أنه لما بزغ القمر والشمس كان في بزوغه متحركا وهو الذي يسمونه ~~تغيرا فلو كان قد استدل بالحركة المسماة تغيرا لكان قد قال ذلك من حين رآه ~~بازغا وليس ms0057 مراد الخليل بقوله هذا ربي رب العالمين ولا أن هذا هو القديم ~~الأزلي الواجب الوجود الذي كل ما سواه محدث ممكن مخلوق له ولا كان قومه ~~يعتقدون هذا حتى يدلهم على فساده ولا اعتقد هذا أحد يعرف قوله بل قومه ~~كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأصنام ويقرون بالصانع # ولهذا قال الخليل @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ سورة الشعراء 75 77 وقال @QB@ إنني براء ~~مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم ~~يرجعون @QE@ سورة الزخرف 26 28 فذكر لهم ما كانوا يفعلونه من اتخاذ الكواكب ~~والشمس والقمر ربا يعبدونه ويتقربون إليه كما هو عادة عباد الكواكب ومن ~~يطلب تسخير روحانية الكواكب وهذا مذهب مشهور ما زال PageV01P110 عليه طوائف ~~من المشركين إلى اليوم وهو الذي صنف فيه الرازي السر المكتوم وغيره من ~~المصنفات # فإن قال المنازعون بل الخليل إنما أراد أن هذا رب العالمين # قيل فيكون إقرار الخليل حجة على فساد قولكم لأنه حينئذ يكون مقرا بأن رب ~~العالمين قد يكون متحيزا متنقلا من مكان إلى مكان متغير وإنه لم يجعل هذه ~~الحوادث تنافي وجوده وإنما جعل المنافي لذلك أفوله وهو مغيبه فتبين أن قصة ~~الخليل إلى أن تكون حجة عليهم أقرب من أن تكون حجة لهم ولا حجة لهم فيها ~~بوجه من الوجوه # وأفسد من ذلك قول من جعل الأفول بمعنى الإمكان وجعل كل ما سوى الله آفلا ~~بمعنى كونه قديما أزليا حتى جعل السماوات والأرض والجبال والشمس والقمر ~~والكواكب لم تزل ولا تزال آفلة وأن أفولها وصف لازم لها إذ هو كونها ممكنة ~~والإمكان لازم لها فهذا مع كونه افتراء على اللغة والقرآن افتراء ظاهرا ~~يعرفه كل أحد كما افترى غير ذلك من تسمية القديم الأزلي محدثا وتسميته ~~مصنوعا فقصة الخليل حجة عليه فإنه لما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ولما ~~رأى الشمس بازغة قال هذا ربي فلما أفلت قال لا أحب الآفلين فتبين أنه أفل ~~بعد ms0058 أن لم يكن آفلا فكون الشمس والقمر والكوكب وكل ما سوى الله ممكنا هو ~~وصف لازم له لا يحدث له بعد أن لم يكن PageV01P111 وهم يقولون إمكانه له من ~~ذاته ووجوده من غيره بناء على تفريقهم في الخارج بين وجود الشيء وذاته ~~فالإمكان عندهم أولى بذاته من الوجود # ولو قال فلما وجدت أو خلقت أو أبدعت قال لا أحب الموجودين والمخلوقين كان ~~هذا قبيحا متناقضا إذ لم يزل كذلك فكيف إذا قال فلما صارت ممكنة وهي لم تزل ~~ممكنة # وأيضا فهى من حين بزغت وإلى أن أفلت ممكنة بذاتها تقبل الوجود والعدم مع ~~كونها عندهم قديمة أزلية يمتنع عدمها وحينئذ يكون كونها متحركة ليس بدليل ~~عند إبراهيم على كونها ممكنة تقبل الوجود والعدم # وأما قول القائل كل متحرك محدث أو كل متحرك ممكن يقبل الوجود والعدم فهذه ~~المقدمة ليست ضرورية فطرية باتفاق العقلاء بل من يدعي صحة ذلك يقول إنها لا ~~تعلم إلا بالنظر الخفي ومن ينازع في ذلك يقول إنها باطلة عقلا وسمعا ويمثل ~~من مثل بها في أوائل العلوم الكلية لقصوره وعجزه وهو نفسه يقدح فيها في ~~عامة كتبه # وأما قوله كل متغير محدث أو ممكن فإن أراد بالتغير ما يعرف من ذلك في ~~اللغة مثل استحالة الصحيح إلى المرض والعادل إلى الظلم والصديق إلى العداوة ~~فإنه يحتاج في إثبات هذه الكلية إلى دليل وإن أراد بالتغير معنى الحركة أو ~~قيام الحوادث مطلقا حتى تسمى الكواكب حين بزوغها متغيرة PageV01P112 ويسمى ~~كل متكلم ومتحرك متغيرا فهذا مما يتعذر عليه إقامة الدليل فيه على دعواه # وأما استدلالهم بما في القرآن من تسمية الله أحدا وواحدا على نفي الصفات ~~الذي بنوه على نفي التجسيم # فيقال لهم ليس في كلام العرب بل ولا عامة أهل اللغات أن الذات الموصوفة ~~بالصفات لا تسمى واحدا ولا تسمى أحدا في النفي والإثبات بل المنقول ~~وبالتواتر عن العرب تسمية الموصوف بالصفات واحدا وأحدا حيث أطلقوا ذلك ~~ووحيدا # قال تعالى @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا @QE@ سورة المدثر 11 ms0059 وهو الوليد ابن ~~المغيرة # وقال تعالى @QB@ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة ~~فلها النصف @QE@ سورة النساء 11 فسماها واحدة وهي امرأة واحدة متصفة ~~بالصفات بل جسم حامل للأعراض # وقال تعالى @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~@QE@ سورة التوبة 6 # وقال تعالى @QB@ قالت إحداهما يا أبت استأجره @QE@ سورة القصص 26 وقال ~~تعالى @QB@ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى @QE@ سورة البقرة 282 وقال ~~تعالى @QB@ فإن بغت إحداهما على الأخرى @QE@ سورة الحجرات 9 PageV01P113 # وقال @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ سورة الإخلاص 4 وقال @QB@ قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد @QE@ سورة الجن 22 وقال تعالى @QB@ فمن كان يرجو لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ سورة الكهف 110 وقال ~~تعالى @QB@ ولا يظلم ربك أحدا @QE@ سورة الكهف 49 # فإن كان لفظ الأحد لا يقال على ما قامت به الصفات بل ولا على شيء من ~~الأجسام التي تقوم بها الأعراض لأنها منقسمة لم يكن في الوجود غير الله من ~~الملائكة والإنس والجن والبهائم من يدخل في لفظ أحد بل لم يكن في الموجودين ~~ما يقال عليه في النفي أنه أحد فإذا قيل @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ لم ~~يكن هذا نفيا لمكافأة الرب إلا عمن لا وجود له ولم يكن في الموجودات ما ~~أخبر عنه بهذا الخطاب أنه ليس كفؤا لله # وكذلك قوله @QB@ ولا أشرك بربي أحدا @QE@ سورة الكهف 38 @QB@ ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا @QE@ فإنه إذا لم يكن الأحد إلا ما لا ينقسم وكل مخلوق ~~وجسم منقسم لم يكن في المخلوق ما يدخل في مسمى أحد فيكون التقدير ولا أشرك ~~به ما لم يوجد ولا يشرك بربه ما لا يوجد # وإذا كان المراد النفي العام وأن كل موجود من الإنس والجن يدخل في مسمى ~~أحد ويقال إنه أحد الرجلين ويقال للأنثى إحدى المرأتين ويقال للمرأة واحدة ~~وللرجل واحد ووحيد علم أن اللغة التي نزل بها القرآن لفظ الواحد والأحد ~~فيها يتناول ms0060 الموصوفات بل يتناول الجسم الحامل PageV01P114 للأعراض ولم ~~يعرف أنهم أرادوا بهذا اللفظ ما لم يوصف أصلا بل ولا عرف منهم أنهم لا ~~يستعملونه إلا في غير الجسم بل ليس في كلامهم ما يبين استعمالهم له في غير ~~ما يسيمه هؤلاء جسما فكيف يقال لا يدل إلا على نقيض ذلك ولم يعرف استعماله ~~إلا في النقيض الذي أخرجوه منه الوجودي دون النقيض الذي خصوه به وهو العدمي ~~وهل يكون في تبديل اللغة والقرآن أبلغ من هذا # وكذلك اسمه الصمد ليس في قول الصحابة إنه الذي لا جوف له ما يدل على أنه ~~ليس بموصوف بالصفات بل هو على إثبات الصفات أدل منه على نفيها من وجوه ~~مبسوطة في غير هذا الموضع # وكذلك قوله @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ سورة الشورى 11 ~~وقوله @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ سورة مريم 65 ونحو ذلك فإنه لا يدل على ~~نفي الصفات بوجه من الوجوه بل ولا على نفي ما يسميه أهل الإصطلاح جسما بوجه ~~من الوجوه # وأما احتجاجهم بقولهم الأجسام متماثلة فهذا إن كان حقا فهو تماثل يعلم ~~بالعقل ليس فيه أن اللغة التي نزل بها القرآن تطلق لفظ المثل على كل جسم ~~ولا أن اللغة التي نزل بها القرآن تقول إن السماء مثل الأرض والشمس والقمر ~~والكواكب مثل الجبال والجبال مثل البحار والبحار مثل التراب والتراب مثل ~~الهواء والهواء مثل الماء والماء مثل النار والنار مثل الشمس والشمس ~~PageV01P115 مثل الإنسان والإنسان مثل الفرس والحمار والفرس والحمار مثل ~~السفرجل والرمان والرمان مثل الذهب والفضة والذهب والفضة مثل الخبز واللحم ~~ولا في اللغة التي نزل بها القرآن أن كل شيئين اشتركا في المقدارية بحيث ~~يكون كل منهما له قدر من الأقدار كالطول والعرض والعمق أنه مثل الآخر ولا ~~أنه إذا كان كل منهما بحيث يشار إليه الإشارة الحسية يكون مثل الآخر بل ولا ~~فيها أن كل شيئين كانا مركبين من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة ~~كان أحدهما مثل الآخر بل اللغة التي نزل بها ms0061 القرآن تبين أن الإنسانين مع ~~اشتراكهما في أن كلا منهما جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق ضحاك بادي ~~البشرة قد لا يكون أحدهما مثل الآخر كما قال تعالى @QB@ وإن تتولوا يستبدل ~~قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم @QE@ سورة محمد 38 فقد بين أنه يستبدل ~~قوما لا يكونون أمثال المخاطبين فقد نفى عنهم المماثلة مع اشتراكهم فيما ~~ذكرناه فكيف يكون في لغتهم أن كل إنسان فإنه مماثل للإنسان بل مماثل لكل ~~حيوان بل مماثل لكل جسم نام حساس بل مماثل لكل جسم مولد عنصري بل مماثل لكل ~~جسم فلكي وغير فلكي # والله إنما أرسل الرسول بلسان قومه وهم قريش خاصة ثم العرب عامة لم ينزل ~~القرآن بلغة من قال الأجسام متماثلة حتى يحمل القرآن على لغة هؤلاء ~~PageV01P116 # هذا لو كان ما قالوه صحيحا في العقل فكيف وهو باطل في العقل كما بسطناه ~~في موضع آخر إذ المقصود هنا بيان أنه ليس لهم في نصوص الأنبياء إلا ما ~~يناقض قولهم لا ما يعاضده # وكذلك الكفء قال حسان بن ثابت % أتهجوه ولست له بكفء % فشركما لخيركما ~~الفداء % $ # فقد نفى أن يكون كفوا لمحمد مع أن كليهما جسم نام حساس متحرك بالإرادة ~~ناطق ولكن النصوص الإلهية لما دلت على أن الرب ليس له كفء في شيء من ~~الأشياء ولا مثل له في أمر من الأمور ولا ند له في أمر من الأمور علم أنه ~~لا يماثله شيء من الأشياء في صفة من الصفات ولا فعل من الأفعال ولا حق من ~~الحقوق وذلك لا ينفي كونه متصفا بصفات الكمال # فإذا قيل هو حي ولا يماثله شيء من الأحياء فى أمر من الأمور وعليم وقدير ~~وسميع وبصير ولا يماثلة عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير في أمر من الأمور ~~كان ما دل عليه السمع مطابقا لما دل عليه العقل من عدم مماثلة شيء من ~~الأشياء له في أمر من الأمور PageV01P117 # وأما كون ما له حقيقة أو صفة أو قدر يكون بمجرد ذلك مماثلا لما له ms0062 حقيقة ~~أو صفة أو قدر فهذا باطل عقلا وسمعا فليس في لغة العرب ولا غيرهم إطلاق لفظ ~~المثل على مثل هذا وإلا فيلزم أن يكون كل موصوف مماثلا لكل موصوف وكل ما له ~~حقيقة مماثلا لكل ما له حقيقة وكل ما له حقيقة وكل ما له قدر مماثلا لكل ما ~~له قدر وذلك يستلزم أن يكون كل موجود مماثلا لكل موجود وهذا مع أنه في غاية ~~الفساد والتناقض لا يقوله عاقل فإنه يستلزم التماثل في جميع الأشياء فلا ~~يبقى شيئان مختلفان غير متماثلين قط وحينئذ فيلزم أن يكون الرب مماثلا لكل ~~شيء فلا يجوز نفي مماثلة شيء من الأشياء عنه وذلك مناقض للسمع والعقل فصار ~~حقيقة قولهم في نفي التماثل عنه يستلزم ثبوت مماثلة كل شيء له فهم متناقضون ~~مخالفون للشرع والعقل # الجواب الرابع أن يقال فهب أن بعض هذه النصوص قد يفهم منها مقدمة واحدة ~~من مقدمات دليلكم فتلك ليست كافية بالضرورة عند العقلاء بل لا بد من ضم ~~مقدمة أو مقدمات أخر ليس في القرآن ما يدل عليها ألبتة فإذا قدر أن الأفول ~~هو الحركة فمن أين في القرآن ما يدل دلالة ظاهرة على أن كل متحرك محدث أو ~~ممكن وأن الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن وأن ما قامت به الحوادث لم يخل ~~منها وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث وأين في القرآن امتناع حوادث لا ~~أول لها # بل أين في القرآن أن الجسم الإصطلاحي مركب من الجواهر الفردة التي لا ~~تقبل الإنقسام أو من المادة والصورة وأن كل جسم فهو منقسم ليس بواحد ~~PageV01P118 # بل أين في القرآن أو لغة العرب أو أحد من الأمم أن كل ما يشار إليه أو كل ~~ما له مقدار فهو جسم وأن كل ما شاركه في ذلك فهو مثل له في الحقيقة # ولفظ الجسم في القرآن مذكور في قوله تعالى @QB@ وزاده بسطة في العلم ~~والجسم @QE@ سورة البقرة 247 وفي قوله @QB@ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم @QE@ ~~سورة المنافقون 4 وقد ms0063 قال أهل اللغة إن الجسم هو البدن قال الجوهري في ~~صحاحه قال أبو زيد الجسم الجسد وكذلك الجسمان والجثمان قال وقال الأصمعي ~~الجسم والجسمان الجسد # ومعلوم أن أهل الإصطلاح نقلوا لفظ الجسم من هذا المعنى الخاص إلى ما هو ~~أعم منه فسموا الهواء ولهيب النار وغير ذلك جسما وهذا لا تسميه العرب جسما ~~كما لا تسميه جسدا ولا بدنا # ثم قد يراد بالجسم نفس الجسد القائم بنفسه وقد يراد به غلظه كما يقال ~~لهذا الثوب جسم # وكذلك أهل العرف الإصطلاحي يريدون بالجسم تارة هذا وتارة هذا ويفرقون بين ~~الجسم التعليمي المجرد عن المحل الذي يسمى المادة والهيولى وبين الجسم ~~الطبيعي الموجود وهذا مبسوط في موضع آخر PageV01P119 # والمقصود هنا أنه لو قدر أن الدليل يفتقر إلى مقدمات ولم يذكر القرآن إلا ~~واحدة لم يكن قد ذكر الدليل إلا أن تكون البواقي واضحات لا تفتقر إلى ~~مقدمات خفية فإنه إنما يذكر للمخاطب من المقدمات ما يحتاج إليه دون ما لا ~~يحتاج إليه ومعلوم أن كون الأجسام متماثلة وأن الأجسام تستلزم الأعراض ~~الحادثة وأن الحوادث لا أول لها من أخفى الأمور وأحوجها إلى مقدمات خفية لو ~~كان حقا وهذا ليس في القرآن # فإن قيل بل كون الأجسام تستلزم الحوادث ظاهر فإنه لا بد للجسم من الحوادث ~~وكون الحوادث لا أول لها ظاهر بل هذا معلوم بالضرورة كما ادعى ذلك كثير من ~~نظار المتكلمين وقالوا نحن نعلم بالإضطرار أن ما لا يسبق الحوادث أو ما لا ~~يخلو من الحوادث فهو حادث فإن ما لم يسبقها ولم يخل منها لا يكون قبلها بل ~~إما معها وإما بعدها وما لم يكن قبل الحوادث بل معها أو بعدها لم يكن إلا ~~حادثا فإنه لو لم يكن حادثا لكان متقدما على الحوادث فكان خاليا منها ~~وسابقا عليها # قيل مثل هذه المقدمة وأمثالها منشأ غلط كثير من الناس فإنها تكون لفظا ~~مجملا يتناول حقا وباطلا وأحد نوعيها معلوم صادق والآخر ليس كذلك فيلتبس ~~المعلوم منها بغير المعلوم كما في ms0064 لفظ الحادث والممكن والمتحيز والجسم ~~والجهة والحركة والتركيب وغير ذلك من الألفاظ المشهورة بين النظار التي كثر ~~فيها نزاعهم وعامتها ألفاظ مجملة تتناول أنواعا مختلفة PageV01P120 # إما بطريق الإشتراك لاختلاف الإصطلاحات وإما بطريق التواطؤ مع اختلاف ~~الأنواع فإذا فسر المراد وفصل المتشابه تبين الحق من الباطل والمراد من غير ~~المراد # فإذا قال قائل نحن نعلم بالإضطرار أن ما لا يسبق الحوادث أو ما لا يخلو ~~منها فهو حادث فقد صدق فيما فهمه من هذا اللفظ وليس ذلك من محل النزاع كلفظ ~~القديم إذا قال قائل القرآن قديم وأراد به أنه نزل من أكثر من سبعمائة سنة ~~وهو القديم في اللغة أو أراد أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزول القرآن ~~فإن هذا مما لا نزاع فيه وكذلك إذا قال غير مخلوق وأراد به أنه غير مكذوب ~~فإن هذا مما لم يتنازع فيه أحد من المسلمين وأهل الملل المؤمنين بالرسل # وذلك أن القائل إذا قال ما لا يسبق الحوادث فهو حادث فله معنيان أحدهما ~~أنه لا يسبق الحادث المعين أو الحوادث المعينة أو المحصورة أو الحوادث التي ~~يعلم أن لها ابتداء فإذا قدر أنه أريد بالحوادث كل ما له ابتداء واحد كان ~~أو عددا فمعلوم أنه ما لم يسبق هذا أو لم يخل من هذا لا يكون قبله بل لا ~~يكون إلا معه أو بعده فيكون حادثا وهذا مما لا يتنازع فيه عاقلان يفهمان ما ~~يقولان # وليس هذا مورد النزاع ولكن مورد النزاع هو ما لم يخل من الحوادث ~~المتعاقبة التي لم تزل متعاقبة هل هو حادث وهو مبنى على أن هذا هل يمكن ~~وجوده أم لا فهل يمكن وجود حوادث متعاقبة شيئا بعد شيء دائمة لا ابتداء ~~PageV01P121 لها ولا انتهاء وهل يمكن أن يكون الرب متكلما لم يزل متكلما ~~إذا شاء وتكون كلماته لا نهاية لها لا ابتداء ولا انتهاء كما أنه في ذاته ~~لم يزل ولا يزال لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء له بل هو الأول الذي ليس قبله ~~شيء ms0065 وهو الآخر الذي ليس بعده شيء فهو القديم الأزلي الدائم الباقي بلا زوال ~~فهل يمكن أن يكون لم يزل متكلما بمشيئته فلا يكون قد صار متكلما بعد أن لم ~~يكن ولا يكون كلامه مخلوقا منفصلا عنه ولا يكون متكلما بغير قدرته ومشيئته ~~بل يكون متكلما بمشيئته وقدرته ولم يزل كذلك ولا يزال كذلك # هذا هو مورد النزاع بين السلف والأئمة الذين قالوا بذلك وبين من نازعهم ~~في ذلك # والفلاسفة يقولون إن الفلك نفسه قديم أزلي لم يزل متحركا لكن هذا القول ~~باطل من وجوه كثيرة ومعلوم بالإضطرار أن هذا مخالف لقولهم ومخالف لما أخبر ~~به القرآن والتوراة وسائر الكتب بخلاف كونه لم يزل متكلما أو لم يزل فاعلا ~~أو قادرا على الفعل فإن هذا مما قد يشكل على كثير من الناس سمعا وعقلا # وأما كون السماوات والأرض مخلوقتين محدثتين بعد العدم فهذا إنما نازع فيه ~~طائفة قليلة من الكفار كأرسطو وأتباعه # وأما جمهور الفلاسفة مع عامة أصناف المشركين من الهند والعرب وغيرهم ومع ~~المجوس وغيرهم ومع أهل الكتاب وغيرهم فهم متفقون على أن السماوات والأرض ~~وما بينهما محدث مخلوق بعد أن لم يكن ولكن تنازعوا في مادة ذلك PageV01P122 # هل هي موجودة قبل هذا العالم وهل كان قبله مدة ومادة أم هو أبدع ابتداء ~~من غير تقدم مدة ولا مادة # فالذي جاء به القرآن والتوراة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل ~~الكتاب أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله كما أخبر ~~في القرآن أنه @QB@ استوى إلى السماء وهي دخان @QE@ أي بخار @QB@ فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها @QE@ سورة فصلت 11 وقد كان قبل ذلك مخلوق غيره ~~كالعرش والماء كما قال تعالى @QB@ وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام وكان عرشه على الماء @QE@ سورة هود 7 وخلق ذلك في مدة غير مقدار حركة ~~الشمس والقمر كما أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام # والشمس والقمر هما من السموات والأرض وحركتهما بعد ms0066 خلقهما والزمان المقدر ~~بحركتهما وهو الليل والنهار التابعان لحركتهما إنما حدث بعد خلقهما وقد ~~أخبر الله أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام فتلك الأيام مدة ~~وزمان مقدر بحركة أخرى غير حركة الشمس والقمر # وهذا مذهب جماهير الفلاسفة الذين يقولون إن هذا العالم مخلوق محدث وله ~~مادة متقدمة عليه لكن حكي عن بعضهم أن تلك المادة المعينة قديمة أزلية وهذا ~~أيضا باطل كما قد بسط في غير هذا الموضع فإن المقصود هنا إشارة مختصرة إلى ~~قول من يقول إن أقوال هؤلاء دل عليها السمع PageV01P123 # فإن قيل إبطال حوادث لا أول لها قد دل عليه قوله تعالى @QB@ وكل شيء عنده ~~بمقدار @QE@ سورة الرعد 8 وقوله @QB@ وأحصى كل شيء عددا @QE@ سورة الجن 28 ~~كما ذكر ذلك طائفة من النظار فإن ما لا ابتداء له ليس له كل وقد أخبر أنه ~~أحصى كل شيء عددا # قيل هذا لو كان حقا لكان دلالة خفية لا يصلح أن يحال عليها كنفي ما دل ~~على الصفات فإن تلك نصوص كثيرة جليلة وهذا لو قدر أنه دليل صحيح فإنه يحتاج ~~إلى مقدمات كثيرة خفية لو كانت حقا مثل أن يقال هذا يستلزم بطلان حوادث لا ~~أول لها وذلك يستلزم حدوث الجسم لأن الجسم لو كان قديما للزم حوادث لا ~~بداية لها لأن الجسم يستلزم الحوادث فلا يخلو منها لاستلزامه الأكوان أو ~~الحركات أو الأعراض ثم يقال بعد هذا وإثبات الصفات يستلزم كون الموصوف جسما # وهذه المقدمة تناقض فيها عامة من قالها كما سنبينه إن شاء الله تعالى ~~فكيف وقوله @QB@ وأحصى كل شيء عددا @QE@ لا يدل على ذلك فإنه سبحانه قدر ~~مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وقال @QB@ وكل ~~شيء أحصيناه في إمام مبين @QE@ سورة يس 12 فقد أحصى وكتب ما يكون قبل أن ~~يكون إلى أجل محدود فقد أحصى المستقبل المعدوم كما أحصى الماضي الذي وجد ثم ~~عدم PageV01P124 # ولفظ الإحصاء لا يفرق بين هذا وبين هذا فإن كان الإحصاء يتناول ما ms0067 لا ~~يتناهى جملة فلا حجة في الآية وإن قيل بل أحصى المستقبل تقديره جملة بعد ~~جملة لم يكن في الآية حجة فإنه يمكن أن يقال في الماضي كذلك # ومسألة تناول العلم لما لا يتناهى مسألة مشكلة على القولين ليس الغرض هنا ~~إنهاء القول فيها بل المقصود أن مثل هذه الآية لم يرد الله بها إبطال دوام ~~كونه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته # ومما يشبه هذا إذا قيل العالم حادث أم ليس بحادث والمراد بالعالم في ~~الإصطلاح هو كل ما سوى الله فإن هذه العبارة لما معنى في الظاهر المعروف ~~عند عامة الناس أهل الملل وغيرهم ولها معنى في عرف المتكلمين وقد أحدث ~~الملاحدة لها معنى ثالثا # فالذي يفهمه الناس من هذا الكلام أن كل ما سوى مخلوق حادث كائن بعد أن لم ~~يكن وأن الله وحده هو القديم الأزلي ليس معه شيء قديم تقدمه بل كل ما سواه ~~كائن بعد أن لم يكن فهو المختص بالقدم كما اختص الخلق والإبداع والإلهية ~~والربوبية وكل ما سواه محدث مخلوق مربوب عبد له # وهذا المعنى هو المعروف عن الأنبياء وأتباع الأنبياء من المسلمين واليهود ~~والنصارى وهو مذهب أكثر الناس غير أهل الملل من الفلاسفة وغيرهم # والمعنى الثاني أن يقال لم يزل الله لا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيئته ثم ~~حدثت الحوادث من غير سبب يقتضي ذلك مثل أن يقال إن كونه لم يزل متكلما ~~بمشيئته أو فاعلا بمشيئته بل لم يزل قادرا هو ممتنع وإنه يمتنع وجود حوادث ~~لا أول لها فهذا المعنى هو الذي يعنيه أهل الكلام من الجهمية PageV01P125 ~~والمعتزلة ومن اتبعهم بحدوث العالم وقد يحكونه عن أهل الملل وهو بهذا ~~المعنى لا يوجد لا في القرآن ولا غيره من كتب الأنبياء لا التوراة ولا ~~غيرها ولا في حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف هذا عن أحد ~~من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين # والمعنى الثالت الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله قالوا نقول العالم ~~محدث أي معلول لعلة ms0068 قديمة أزلية أوجبته فلم يزل معها وسموا هذا الحدوث ~~الذاتي وغيره الحدوث الزماني # والتعبير بلفظ الحدوث عن هذا المعنى لا يعرف عن أحد من أهل اللغات لا ~~العرب ولا غيرهم إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعنى والقول ~~بأن العالم محدث بهذا المعنى فقط ليس قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم ولا ~~أمة من الأمم العظيمة ولا طائفة من الطوائف المشهورة التي اشتهرت مقالاتها ~~في عموم الناس بحيث كان أهل مدينة على هذا القول وإنما يقول هذا طوائف ~~قليلة مغمورة في الناس # وهذا القول إنما هو معروف عن طائفة من المتفلسفة المليين كابن سينا ~~وأمثاله وقد يحكون هذا القول عن أرسطو وقوله الذي في كتبه أن العالم قديم ~~وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه ويقولون إنه محدث ولم يثبت في كتبه للعالم ~~فاعلا موجبا له بذاته وإنما أثبت له علة يتحرك للتشبه بها ثم جاء الذين ~~PageV01P126 أرادوا إصلاح قوله فجعلوا العلة أولى لغيرها كما جعلها ~~الفارابي وغيره ثم جعلها بعض الناس آمرة للفلك بالحركة لكن يتحرك للتشبه ~~بها كما يتحرك العاشق للمعشوق وإن كان لا شعور له ولا قصد وجعلوه مدبرا ~~بهذا الإعتبار كما فعل ابن رشد وابن سينا جعلوه موجبا بالذات لما سواه ~~وجعلوا ما سواه ممكنا # الوجه الخامس أن يقال غاية ما يدل عليه السمع إن دل على أن الله ليس بجسم ~~وهذا النفي يسلمه كثير ممن يثبت الصفات أو أكثرهم وينفيه بعضهم ويتوقف فيه ~~بعضهم ويفصل القول فيه بعضهم # ونحن نتكلم على تقدير تسليم النفي فنقول ليس في هذا النفي ما يدل على صحة ~~مذهب أحد من نفاة الصفات أو الأسماء بل ولا يدل ذلك على تنزيهه سبحانه عن ~~شيء من النقائص فإن من نفى شيئا من الصفات لكون إثباته تجسيما وتشبيها يقول ~~له المثبت قولي فيما أثبته من الصفات والأسماء كقولك فيما أثبته من ذلك فإن ~~تنازعا في الصفات الخبرية أو العلو أو الرؤية أو نحو ذلك وقال له النافي ~~هذا يستلزم التجسيم والتشبيه لأن لا ms0069 يعقل ما هو كذلك PageV01P127 إلا الجسم ~~قال له المثبت لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلا ~~ما هو جسم فإذا جاز لك أن تثبت هذا الصفات وتقول الموصوف بها ليس بجسم جاز ~~لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات مع أن الموصوف بها ليس بجسم فإذن جاز ~~أن يثبت مسمى بهذه الأسماء ليس بجسم # فإن قال له هذه معان وتلك أبعاض # قال له الرضا والغضب والحب والبغض معان واليد والوجه وإن كان بعضا فالسمع ~~والبصر والكلام أعراض لا تقوم إلا بجسم فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست ~~أعراضا ومحلها ليس بجسم جاز لي إثبات هذه مع أنها ليست أبعاضا # فإن قال نافي الصفات أنا لا أثبت شيئا منها # قال له أنت أبهمت الأسماء فأنت تقول هو حي عليم قدير ولا تعقل حيا عليما ~~قديرا إلا جسما وتقول إنه هو ليس بجسم فإذا جاز لك أن تثبت مسمى بهذه ~~الأسماء ليس بجسم مع أن هذا ليس معقولا لك جاز لي أن أثبت موصوفا بهذه ~~الصفات وإن كان هذا غير معقول لي # فإن قال الملحد أنا أنفي الأسماء والصفات # قيل له إما أن تقر بأن هذا العالم المشهود مفعول مصنوع له صانع فاعله أو ~~تقول إنه قديم أزلي واجب الوجود بنفسه غنى عن الصانع PageV01P128 # فإن قلت بالأول فصانعه إن قلت هو جسم فقد وقعت فيما نفيته وإن قلت ليس ~~بجسم فقد أثبت فاعلا صانعا للعالم ليس بجسم وهذا لا يعقل في الشاهد # فإذا أثبت خالقا فاعلا ليس بجسم وأنت لا تعرف فاعلا إلا جسما كان لمنازعك ~~أن يقول هو حي عليم ليس بجسم وإن كان لا يعرف حيا عليما إلا جسما بل لزمك ~~أن تثبت له من الصفات والأسماء ما يناسبه # وإن قال الملحد بل هذا العالم المشهود قديم واجب بنفسه غني عن الصانع فقد ~~أثبت واجبا بنفسه قديما أزليا هو جسم حامل للأعراض متحيز في الجهات تقوم به ~~الأكوان وتحله الحوادث والحركات وله ms0070 أبعاض وأجزاء فكان ما فر منه من إثبات ~~جسم قديم قد لزمه مثله وما هو أبعد منه ولم يستفد بذلك الإنكار إلا جحد ~~الخالق وتكذيب رسله ومخالفة صريح المعقول والضلال المبين الذي هو منتهى ~~ضلال الضالين وكفر الكافرين # فقد تبين أن قول من نفى الصفات أو شيئا منها لأن إثباتها تجسيم قول لا ~~يمكن أحدا أن يستدل به بل ولا يستدل أحد على تنزيه الرب عن شيء من النقائص ~~بأن ذلك يستلزم التجسيم لأنه لا بد أن يثبت شيئا يلزمه فيما أثبته نظير ما ~~ألزمه غيره فيما نفاه وإذا كان اللازم في الموضعين واحدا وما أجاب هو به ~~أمكن المنازع له أن يجيب بمثله لم يمكنه أن يثبت شيئا وينفى شيئا على هذا ~~PageV01P129 التقدير وإذا انتهى إلى التعطيل المحض كان ما لزمه من تجسيم ~~الواجب بنفسه القديم أعظم من كل تجسيم نفاه فعلم أن مثل هذا الإستدلال على ~~النفي بما يستلزم التجسيم لا يسمن ولا يعني من جوع # وأما الجواب لأهل المقام الثاني وهم محققو النفاة الذين يقولون السمع لم ~~يدل إلا على الإثبات ولكن العقل دل على النفي فجوابهم من وجوه # أحدها أن يقال نحن في هذا المقام مقصودنا أن العقل الذي به يعلم صحة ~~السمع لا يستلزم النفي المناقض للسمع وقد تبين أن الأنبياء لم يدعو الناس ~~بهذه الطريق المستلزمة للنفي طريقة الأعراض وأن الذين آمنوا بهم وعلموا ~~صدقهم لم يعلموه بهذه الطريق وحينئذ فإذا قدر أن معقولكم خالف السمع لم يكن ~~هذا المعقول أصلا في السمع ولم يكن السمع قد ناقض المعقول الذي عرفت به ~~صحته وهذا هو المطلوب # وإذا قلتم نحن لم نعرف صحة السمع إلا بهذه الطريق أو قلتم نعرف السمع إلا ~~بهذه الطريق # قيل لكم أما شهادتكم على أنفسكم بأنكم لم تعرفوا السمع إلا بهذه الطريق ~~فقد شهدتم على أنفسكم بضلالكم وجهلكم بالطرق التي دعت بها الانبياء أتباعهم ~~PageV01P130 وإذا كنتم لا تعرفون تلك الطرق فأنتم جهال بطرق الأنبياء وبما ~~بينوا به إثبات الصانع وتصديق ms0071 رسله فلا يجوز لكم حينئذ أن تقولوا إن صدقهم ~~لا يعرف إلا بمعقول يناقض المنقول عنهم # وأما إذا قلتم لا يمكن أن يعرف الله إلا بهذه الطريق فهذه شهادة زور ~~وتكذيب بما لم تحيطوا بعلمه ونفي لا يمكنكم معرفته فمن أين تعرفون أن جميع ~~بني آدم من الأنبياء وأتباع الأنبياء لا يمكنهم أن يعرفوا الله إلا بإثبات ~~الأعراض وحدوثها ولزومها للجسم وامتناع حوادث لا أول لها أو بنحو هذا ~~الطريق وهل الإقدام على هذا النفي إلا من قول من هو أجهل الناس وأضلهم ~~وأبعدهم عن معرفة طرق العلم وأدلته والأسباب التي بها يعرف الناس ما لم ~~يعرفوه وهذا النفي قاله كثير من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم وهذه حاله ~~وهذا النفي عمدة هؤلاء # الوجه الثاني أن يقال لهم بل صدق الرسول يعلم بطرق متعددة لا تحتاج إلى ~~هذا النفي كما أقر بذلك جمهور النظار حتى إن مسألة حدوث العالم أعترف بها ~~أكابر النظار من المسلمين وغير المسلمين حتى إن موسى بن ميمون صاحب دلالة ~~الحائرين وهو في اليهود كأبي حامد الغزالي في المسلمين يمزج الأقوال ~~PageV01P131 النبوية بالأقوال الفلسفية ويتأولها عليها حتى الرازي وغيره من ~~أعيان النظار اعترفوا بأن العلم بحدوث العالم لا يتوقف على الأدلة العقلية ~~بل يمكن معرفة صدق الرسول قبل العلم بهذه المسألة ثم يعلم حدوث العالم ~~بالسمع فهؤلاء اعترفوا بإمكان كونها سمعية فضلا عن وجوب كونها عقلية فضلا ~~عن كونها أصلا للسمع فضلا عن كونها لا أصل للسمع سواها # وأيضا فقد اعترف أئمة النظار بطرق متعددة لا يتوقف شيء منها على نفي ~~الجسم ولا نفي الصفات # الوجه الثالث أن يقال إذا كانت الرسل والأنبياء قد اتبعهم أمم لا يحصى ~~عددهم إلا الله من غير أن يعتمدوا على هذه الطريق وهو يخبرون أنهم علموا ~~صدق الرسول يقينا لا ريب فيه وظهر منهم من أقوالهم وأفعالهم ما يدل على ~~أنهم عالمون بصدق الرسول متيقنون لذلك لا يرتابون فيه وهم عدد كثير أضعاف ~~أضعاف أضعاف أي تواتر قدر فعلم أنهم لم ms0072 يجتمعوا ويتواطأوا على هذا الإخبار ~~الذي يخبرون به عن أنفسهم علم قطعا أنه حصل لهم علم يقيني بصدق الرسول من ~~غير هذه الطريقة المستلزمة لنفي شيء من الصفات # الوجه الرابع أن نبين فساد هذه الأقوال المخالفة لنصوص الأنبياء وفساد ~~طرقها التي جعلها أصحابها براهين عقلية كما سيأتي إن شاء الله PageV01P132 # الوجه الخامس أن نبين أن الأدلة العقلية الصحيحة البينة التي لا ريب فيها ~~بل العلوم الفطرية الضرورية توافق ما أخبرت به الرسل لا تخالفه وأن الأدلة ~~العقلية الصحيحة جميعها موافقة للسمع لا تخالف شيئا من السمع وهذا ولله ~~الحمد قد اعتبرته فيما ذكره عامة الطوائف فوجدت كل طائفة من طوائف النظار ~~أهل العقليات لا يذكر أحد منهم في مسألة ما دليلا صحيحا يخالف ما أخبرت به ~~الرسل بل يوافقه حتى الفلاسفة القائلين بقدم العالم كأرسطو وأتباعه ما ~~يذكرونه من دليل صحيح عقلي فإنه لا يخالف ما أخبرت به الرسل بل يوافقه ~~وكذلك سائر طوائف النظار من أهل النفي والإثبات لا يذكرون دليلا عقليا في ~~مسألة إلا والصحيح منه موافق لا مخالف # وهذا يعلم به أن المعقول الصريح ليس مخالفا لأخبار الأنبياء على وجه ~~التفصيل كما نذكره إن شاء الله في موضعه ونبين أن من خالف الأنبياء فليس ~~لهم عقل ولا سمع كما أخبر الله عنهم بقوله تعالى @QB@ كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير @QE@ سورة الملك 8 11 # ثم نذكر وجوها أخر لبيان فساد هذا الأصل الذي يتوسل به أهل الإلحاد إلى ~~رد ما قاله الله ورسوله فنقول PageV01P133 $ الوجه الرابع # أن يقال العقل إما أن يكون عالما بصدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس ~~الأمر وإما أن لا يكون عالما بذلك # فإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنده إذا كان المعقول معلوما له ms0073 لأن ~~المعلوم لا يعارضه المجهول وإن لم يكن المعقول معلوما له لم يتعارض مجهولان # وإن كان عالما بصدق الرسول امتنع مع هذا أن لا يعلم ثبوت ما أخبر به في ~~نفس الأمر غايته أن يقول هذا لم يخبر به والكلام ليس هو فيما لم يخبر به بل ~~إذا علم أن الرسول أخبر بكذا فهل يمكنه مع علمه بصدقه فيما أخبر وعلمه أنه ~~أخبر بكذا أن يدفع عن نفسه علمه بثبوت المخبر أن أم يكون علمه بثبوت مخبره ~~لازما له لزوما ضروريا كما تلزم سائر العلوم لزوما ضروريا لمقدماتها # وإذا كان كذلك فإذا قيل له في مثل هذا لا تعتقد ثبوت ما علمت أنه أخبر به ~~لأن هذا الإعتقاد ينافي ما علمت به أنه صادق كان حقيقة الكلام لا تصدقه في ~~هذا الخبر لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه فيقول وعدم تصديقي له فيه هو عين ~~اللازم المحذور فإذا قيل لا تصدقه لئلا يلزم أن لا تصدقه كان كما لو قيل ~~كذبه لئلا يلزم أن تكذبه فيكون المنهي عنه هو المخوف المحذور من فعل المنهي ~~عنه والمأمور به هو المحذور من ترك المأمور به فيكون واقعا في المنهي عنه ~~سواء أطاع أو عصى ويكون تاركا للمأمور به سواء أطاع PageV01P134 أو عصى ~~ويكون وقوعه في المخوف المحذور على تقدير الطاعة لهذا الآمر الذي أمره ~~بتكذيب ما تيقن أن الرسول أخبر به أعجل وأسبق منه على تقدير المعصية ~~والمنهي عنه على هذا التقدير هو التصديق والمأمور به هو التكذيب وحينئذ فلا ~~يجوز النهي عنه سواء كان محذورا أو لم يكن فإنه إن لم يكن محذورا لم يجز أن ~~ينهى عنه وإن كان محذورا فلا بد منه على التقديرين فلا فائدة في النهي عنه ~~بل إذا كان عدم التصديق هو المحذور كان طلبه ابتداء أقبح من طلب غيره لئلا ~~يفضي إليه فإن من أمر بالزنا كان أمره به أقبح من أن يأمر بالخلوة المفضية ~~إلى الزنا # فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول ms0074 فيما علموا أنه أخبر به بعد ~~علمهم أنه رسول الله لئلا يفضي تصديقهم له إلى عدم تصديقهم له بل إذا قيل ~~له لا تصدقه في هذا كان هذا أمرا له بما يناقض ما علم به صدقه فكان أمرا له ~~بما يوجب أن لا يثق بشيء من خبره فإنه متى جوز كذبه أو غلطه في خبر جوز ذلك ~~مي غيره # ولهذا آل الأمر بمن يسلك هذا الطريق إلى أنهم لا يستفيدون من جهة الرسول ~~شيئا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله تعالى وأفعاله بل وباليوم ~~الآخر عند بعضهم لاعتقادهم أن هذه فيها ما يرد بتكذيب أو تأويل وما لا يرد ~~وليس لهم قانون يرجعون إليه في هذا الأمر من جهة الرسالة بل هذا يقول ما ~~أثبته عقلك فأثبته وإلا فلا وهذا يقول ما أثبته كشفك فأثبته وإلا فلا ~~PageV01P135 # فصار وجود الرسول صلى الله عليه وسلم عندهم كعدمه في المطالب الإلهية ~~وعلم الربوبية بل وجوده على قولهم أضر من عدمه لأنهم لم يستفيدوا من جهته ~~شيئا واحتاجوا إلى أن يدفعوا ما جاء به إما بتكذيب وإما بتفويض وإما بتأويل ~~وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # فإن قالوا لا يتصور أن يعلم أنه أخبر بما ينافي العقل فإنه منزه عن ذلك ~~وهو ممتنع عليه # قيل لهم فهذا إقرار منكم بامتناع معارضة الدليل العقلي للسمعي # فإن قالوا إنما أردنا معارضة ما يظن أنه دليل وليس بدليل أصلا أو يكون ~~دليلا ظنيا لتطرق الظن إلا بعض مقدماته إما في الإسناد وإما في المتن ~~كإمكان كذب المخبر أو غلطه وكإمكان احتمال اللفظ لمعنيين فصاعدا # قيل إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليل في نفس الأمر بل اعتقاد ~~دلالته جهل أو بما يظن أنه دليل وليس بدليل أمكن أن يفسر الدليل العقلى ~~المعارض للشرع بما ليس بدليل فى نفس الأمر بل اعتقاد دلالته جهل أو بما يظن ~~أنه دليل و وليس بدليل # وحينئذ فمثل هذا وإن سماه أصحابه براهين عقلية أو قواطع عقلية وهو ليس ~~بدليل ms0075 في نفس الأمر أو دلالته ظنية إذا عارض ما هو دليل PageV01P136 سمعي ~~يستحق أن يسمى دليلا لصحة مقدماته وكونها معلومة وجب تقديم الدليل السمعي ~~عليه بالضرورة واتفاق العقلاء # فقد تبين أنهم بأي شيء فسروا جنس الدليل الذي رجحوه أمكن تفسير الجنس ~~الآخر بنظيره وترجيحه كما رجحوه وهذا لأنهم وضعوا وضعا فاسدا حيث قدموا ما ~~لا يستحق التقديم لا عقلا ولا سمعا وتبين بذلك أن تقديم الجنس على الجنس ~~باطل بل الواجب أن ينظر في عين الدليلين المتعارضين فيقدم ما هو القطعي ~~منهما أو الراجح إن كانا ظنيين سواء كان هو السمعي أو العقلي ويبطل هذا ~~الأصل الفاسد الذي هو ذريعة إلى الإلحاد $ الوجه الخامس # أنه إذا علم صحة السمع وأن ما أخبر به الرسول فهو حق فإما أن يعلم أنه ~~أخبر بمحل النزاع أو يظن أنه أخبر به أولا يعلم ولا يظن # فإن علم أنه أخبر به امتنع أن يكون في العقل ما ينافي المعلوم بسمع أو ~~غيره فإن ما علم ثبوته أو انتفاؤه لا يجوز أن يقوم دليل يناقض ذلك # وإن كان مظنونا أمكن أن يكون في العقل علم ينفيه وحينئذ فيجب تقديم العلم ~~على الظن لا لكونه معقولا أو مسموعا بل لكونه علما كما يجب تقديم ما علم ~~بالسمع على ما ظن بالعقل وإن كان الذي عارضه من العقل ظنيا فإن تكافآ وقف ~~الأمر وإلا قدم الراجح # وإن لم يكن في السمع علم ولا ظن فلا معارضة حينئذ فتبين أن الجزم بتقديم ~~العقل مطلقا خطأ وضلال PageV01P137 $ الوجه السادس # أن يقال إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع لأن العقل مصدق للشرع في ~~كل ما أخبر به والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به ولا العلم بصدقه ~~موقوف على كل ما يخبر به العقل # ومعلوم أن هذا إذا قيل أوجه من قولهم كما قال بعضهم يكفيك من العقل أن ~~يعلمك صدق الرسول ومعاني كلامه وقال بعضهم العقل متول ولى الرسول ثم عزل ~~نفسه لأن العقل دل على ms0076 أن الرسول صلى الله عليه وسلم يجب تصديقه فيما أخبر ~~وطاعته فيما أمر # والعقل يدل على صدق الرسول دلالة عامة مطلقة وهذا كما أن العامي إذا لم ~~عين المفتي ودل غيره عليه وبين له أنه عالم مفت ثم اختلف العامي الدال ~~والمفتي وجب على المستفتي أن يقدم قول المفتي فإذا قال له العامي أنا الأصل ~~في علمك بأنه مفت فإذا قدمت قوله على قولي عند التعارض قدحت في الأصل الذي ~~به علمت أنه مفت قال له المستفتي أنت لما شهدت بأنه مفت ودللت على ذلك شهدت ~~بوجوب تقليده دون تقليدك كما شهد به دليلك وموافقتي لك في هذا العلم المعين ~~لا يستلزم أني أوافقك في العلم بأعيان المسائل وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي ~~الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت وأنت إذا علمت أنه مفت ~~باجتهاد واستدلال ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئا في الإجتهاد ~~والإستدلال الذي خالفت به من يجب عليك PageV01P138 تقليده واتباع قوله وإن ~~لم تكن مخطئا في الإجتهاد والإستدلال الذي به علمت أنه عالم مفت يجب عليك ~~تقليده هذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ والعقل يعلم أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم معصوم في خبره عن الله تعالى لا يجوز عليه الخطأ فتقديمه ~~قول المعصوم على ما يخالفه من استدلاله العقلي أولى من تقديم العامي قول ~~المفتي على قوله الذي يخالفه # وكذلك أيضا إذا علم الناس وشهدوا أن فلانا خبير بالطب أو القيافة أو ~~الخرص أو تقويم السلع ونحو ذلك وثبت عند الحاكم أنه عالم بذلك دونهم أو أنه ~~أعلم منهم بذلك ثم نازع الشهود الشاهدون لأهل العلم بالطب والقيافة والخرص ~~والتقويم أهل العلم بذلك وجب تقديم قول أهل العلم بالطب والقيافة والخرص ~~والتقويم لى قول الشهود الذين شهدوا لهم وإن قالوا نحن زكينا هؤلاء ~~وبأقوالنا ثبتت أهليتهم فالرجوع في محل النزاع إليهم دوننا يقدح في الأصل ~~الذي ثبت به قولهم # كما قال بعض الناس أن العقل مزكى الشرع ومعدله فإذ ms0077 قدم الشرع عليه كان ~~قدحا فيمن زكاه وعدله فيكون قدحا فيه PageV01P139 # قيل لهم أنتم شهدتم بما علمتم من أنه من أهل العلم بالطب أو التقويم أو ~~الخرص أو القيافة ونحو ذلك أن قوله في ذلك مقبول دون قولكم فلو قدمنا قولكم ~~عليه في هذه المسائل لكان ذلك قدحا في شهادتكم وعلمكم بأنه أعلم منكم بهذه ~~الأمور وإخباركم بذلك لا ينافي قبول قوله دون أقوالكم في ذلك إذ يمكن ~~إصابتكم في قولكم هو أعلم منا وخطؤكم في قولكم نحن أعلم ممن هو أعلم منا ~~فيما ينازعنا فيه من المسائل التي هو أعلم بها منا بل خطؤكم في هذا أظهر # والإنسان قد يعلم أن هذا أعلم منه بالصناعات كالحراثة والنساجة والبناء ~~والخياطة وغير ذلك من الصناعات وإن لم يكن عالما بتفاصيل تلك الصناعة فإذا ~~تنازع هو وذلك الذي هو أعلم منه لم يكن تقديم قول الأعلم منه في موارد ~~النزاع قدحا فيما علم به أنه أعلم منه # ومن المعلوم أن مباينة الرسول صلى الله عليه وسلم لذوي العقول أعظم من ~~مباينة أهل العلم بالصناعات العلمية والعملية والعلوم العقلية الإجتهادية ~~كالطب والقيافة والخرص والتقويم لسائر الناس فإن من الناس من يمكنه أن يصير ~~عالما بتلك الصناعات العلمية والعملية كعلم أربابها بها ولا يمكن من لم ~~يجعله الله رسولا إلى الناس أن يصير بمنزلة من جعله الله تعالى رسولا إلى ~~الناس فإن PageV01P140 النبوة لا تنال بالإجتهاد كما هو مذهب أهل الملل ~~وعلى قول من يجعلها مكتسبة من أهل الإلحاد من المتفلسفة وغيرهم فإنها عندهم ~~أصعب الأمور فالوصول إليها أصعب بكثير من الوصول إلى العلم بالصناعات ~~والعلوم العقلية # وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله وعلم أنه ~~أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره كان عقله يوجب عليه أن يسلم ~~موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه وأن لا يقدم رأيه على قوله ويعلم أن ~~عقله قاصر بالنسبة إليه وأنه أعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر ms0078 ~~منه وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين ~~العامة وأهل العلم بالطب # فإذا كان عقله يوجب أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره به من مقدرات من ~~الأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات واستعمالها على وجه مخصوص مع ما في ~~ذلك من الكلفة والألم لظنه أن هذا أعلم بهذا مني وأني إذا صدقته كان ذلك ~~أقرب إلى حصول الشفاء لي مع علمه بأن الطبيب يخطئ كثيرا وأن كثيرا من الناس ~~لا يشفى بما يصفه الطبيب بل قد يكون استعماله لما يصفه سببا في هلاكه ومع ~~هذا فهو يقبل قوله ويقلده وإن كان ظنه واجتهاده يخالف وصفه فكيف حال الخلق ~~مع الرسل عليهم الصلاة والسلام PageV01P141 # والرسل صادقون مصدوقون لا يجوز أن يكون خبرهم على خلاف ما أخبروا به قط ~~والذين يعارضون أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال ما لا يحصيه إلا ذو ~~الجلال فكيف يجوز أن يعارض ما لم يخطئ قط بما لم يصب في معارضته له قط # فإن قيل فالشهود إذا عدلوا شخصا ثم عاد ذلك المعدل فكذبهم كان تصديقه في ~~جرحهم جرحا في طريق تعديله # قيل ليس هذا وزان مسألتنا فإن المعدل إما أن يقول هم فساق لا يجوز قبول ~~شهادتهم وإما أن يقول هم في هذه الشهادة المعينة أخطأوا أو كذبوا فإن جرحهم ~~مطلقا كان نظير هذا أن يكون الشرع قد قدح في دلالة العقل مطلقا وليس الأمر ~~كذلك فإن الأدلة الشرعية لا تقدح في جنس الأدلة العقلية # وأما إذا قدح في شهادة معينة من شهادات مزكيه وقال إنهم أخطأوا فيها فهذا ~~لا يعارض تزكيتهم له باتفاق العقلاء فإن المزكي للشاهد ليس من شرطه أن لا ~~يغلط ولا يلزم من خطئه في شهادة معينة خطؤه في تعديل من عدله وفي غير ذلك ~~من الشهادات # وإذا قال المعدل المزكى في بعض شهادات معدله ومزكيه قد أخطأ فيها لم يضره ~~هذا باتفاق العقلاء بل الشاهد العدل قد ترد شهادته لكونه خصما PageV01P142 ~~أو ظنيا لعداوة أو غيرها وإن لم ms0079 يقدح ذلك في سائر شهاداته فلو تعارضت شهادة ~~المعدل والمعدل وردت شهادة المعدل لكونه خصما أو ظنينا لم يقدح ذلك في ~~شهادة الآخر وعدالته فالشرع إذا خالف العقل في بعض موارد النزاع ونسبه في ~~ذلك إلى الخطأ والغلط لم يكن ذلك قدحا في كل ما يعلمه العقل ولا في شهادته ~~له بأنه صادق مصدوق # ولو قال المعدل إن الذي عدلني كذب في هذه الشهادة المعينة فهذا أيضا ليس ~~نظيرا لتعارض العقل والسمع فإن الأدلة السمعية لا تدل على أن أهل العقول ~~الذين حصلت لهم شبه خالفوا بها الشرع تعمدوا الكذب في ذلك # وهب أن الشخص الواحد والطائفة المعينة قد تتعمد الكذب لكن جنس الأدلة ~~المعارضة لا توصف بتعمد الكذب # وأيضا فالشاهد إذا صرح بتكذيب معدليه لم يكن تكذيب المعدل من عدله في ~~قضية معينة مستلزما للقدح في تعديله لأنه يقول كان عدلا حين زكاني ثم طرأ ~~عليه الفسق فصار يكذب بعد ذلك ولا ريب أن العدول إذا عدلوا شخصا ثم حدث ما ~~أوجب فسقهم لم يكن ذلك قادحا في تعديلهم الماضي كما لا يكون قادحا في غير ~~ذلك من شهاداتهم PageV01P143 فتبين أن تمثيل معارضة الشرع للعقل بهذا ليس ~~فيه حجة على تقديم آراء العقلاء على الشرع بوجه من الوجوه # وأيضا فإذا سلم أن هذا نظير تعارض الشرع والعقل فيقال من المعلوم أن ~~الحاكم إذا سمع جرح المعدل وتكذيبه لمن عدله في بعض ما أخبر به لم يكن هذا ~~مقتضيا لتقديم قول الذين زكوه بل يجوز أن يكونوا صادقين في تعديله كاذبين ~~فيما كذبهم فيه ويجوز أن يكونوا كاذبين في تعديله وفي هذا ويجوز أن يكونوا ~~كاذبين في تعديله صادقين في هذا سواء كانوا متعمدين للكذب أو مخطئين وحينئذ ~~فالحاكم يتوقف حتى يتبين له الأمر لا يرد قول الذين عدلوه بمجرد معارضته ~~لهم فلو كان هذا وزان تعارض العقل والشرع لكان موجب ذلك الوقف دون تقديم ~~العقل $ الوجه السابع # أن يقال تقديم المعقول على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض وأما تقديم ~~الأدلة ms0080 الشرعية فهو ممكن مؤتلف فوجب الثاني دون الأول وذلك لأن كون الشيء ~~معلوما بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس هو صفة لازمه لشيء من الأشياء بل هو ~~من الأمور النسبية الإضافية فإن زيدا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكر بعقله ~~وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجهله في وقت آخر # والمسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والشرع جميعها مما اضطرب فيه ~~العقلاء ولم يتفقوا فيها على أن موجب العقل كذا بل كل من العقلاء ~~PageV01P144 يقول إن العقل أثبت أو أوجب أو سوغ ما يقول الآخر إن العقل ~~نفاه أو أحاله أو منع منه بل قد آل الأمر بينهم إلى التنازع فيما يقولون ~~إنه من العلوم الضرورية فيقول هذا نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر ~~إنه غير معلوم بالضرورة العقلية # كما يقول أكثر العقلاء نحن نعلم بالضرورة العقلية امتناع رؤية مرئى من ~~غير معاينة ومقابلة ويقول طائفة من العقلاء إن ذلك ممكن # ويقول أكثر العقلاء إنا نعلم أن حدوث حادث بلا سبب حادث ممتنع ويقول ~~طائفة من العقلاء إن ذلك ممكن # ويقول أكثر العقلاء إن كون الموصوف عالما بلا علم قادرا بلا قدرة حيا بلا ~~حياة ممتنع في ضرورة العقل وآخرون ينازعون في ذلك # ويقول أكثر العقلاء إن كون الشيء الواحد أمرا نهيا خبرا ممتنع في ضرورة ~~العقل وآخرون ينازعون في ذلك # ويقول أكثر العقلاء إن كون العقل والعاقل والمعقول والعشق والعاشق ~~والمعشوق والوجود والموجود والوجوب والعناية أمرا واحدا هو ممتنع في ضرورة ~~العقل وآخرون ينازعون في ذلك # ويقول جمهور العقلاء إن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وإن لفظ ~~الوجود يعمهما ويتناولها وإن هذا معلوم بضرورة العقل ومن الناس من ينازع في ~~ذلك PageV01P145 # ويقول جمهور العقلاء إن حدوث الأصوات المسموعة من العبد بالقرآن أمر ~~معلوم بضرورة العقل ومن الناس من ينازع في ذلك # وجمهور العقلاء يقولون إثبات موجودين ليس أحدهما مباينا للآخر ولا داخلا ~~فيه أو إثبات موجود ليس بداخل العالم ولا خارجه معلوم ms0081 الفساد بضرورة العقل ~~ومن الناس من نازع في ذلك # وجمهور العقلاء يعلمون أن كون نفس الإنسان هي العالمة بالأمور العامة ~~الكلية والأمور الخاصة الجزئية معلوم بضرورة العقل ومن الناس من نازع في ~~ذلك وهذا باب واسع # فلو قيل بتقديم العقل على الشرع وليست العقول شيئا واحدا بينا بنفسه ولا ~~عليه دليل معلوم للناس بل فيها هذا الإختلاف والإضطراب لوجب أن يحال الناس ~~على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته ولا اتفاق للناس عليه # وأما الشرع فهو في نفسه قول الصادق وهذه صفة لازمة له لا تختلف باختلاف ~~أحوال الناس والعلم بذلك ممكن ورد الناس إليه ممكن ولهذا جاء التنزيل برد ~~الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا @QE@ سورة النساء 59 فأمر الله تعالى المؤمنين عند التنازع بالرد ~~إلى الله والرسول وهذا PageV01P146 يوجب تقديم السمع وهذا هو الواجب إذ لو ~~ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا ~~الرد إلا اختلافا واضطرابا وشكا وارتيابا # ولذلك قال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ ~~سورة البقرة 213 # فأنزل الله الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه إذ لا يمكن الحكم ~~بين الناس في موارد النزاع والإختلاف على الإطلاق إلا بكتاب منزل من السماء ~~ولا ريب أن بعض الناس قد يعلم بعقله ما لا يعلمه غيره وإن لم يمكنه بيان ~~ذلك لغيره ولكن ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع ألبتة بل ~~المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط قط # وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة ~~الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها ~~الموافق للشرع # وهذا تأملته في مسائل الأصول ms0082 الكبار كمسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر ~~والنبوات والمعاد وغير ذلك ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط بل ~~السمع الذي يقال إنه يخالفه إما حديث موضوع أو دلالة ضعيفة فلا يصلح أن ~~يكون دليلا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح فكيف إذا خالفه صريح المعقول # ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول بل بمحارات العقول فلا ~~يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته ~~PageV01P147 # والكلام على هذا على وجه التفصيل مذكور في موضعه فإن أدلة نفاة الصفات ~~والقدر ونحو ذلك إذا تدبرها العاقل الفاضل وأعطاها حقها من النظر العقلي ~~علم بالعقل فسادها وثبوت نقيضها كما قد بيناه في غير هذا الموضع $ الوجه ~~الثامن # أن يقال المسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والسمع ليست من ~~المسائل البينة المعروفة بصريح العقل كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات ~~الظاهرة والإلهيات البينة ونحو ذلك بل لم ينقل أحد بإسناد صحيح عن نبينا ~~صلى الله عليه وسلم شيئا من هذا الجنس ولا في القرآن شيء من هذا الجنس ولا ~~يوجد ذلك إلا في حديث مكذوب موضوع يعلم أهل النقل أنه كذب أو في دلالة ~~ضعيفة غلط المستدل بها على الشرع # فالأول مثل حديث عرق الخيل الذي كذبه بعض الناس على أصحاب حماد ابن سلمة ~~وقالوا إنه كذبه بعض أهل البدع واتهموا بوضعه محمد بن شجاع الثلجي وقالوا ~~إنه وضعه ورمى به بعض أهل الحديث ليقال عنهم إنهم يروون مثل هذا وهو الذي ~~يقال في متنه إنه خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق PageV01P148 نفسه من ذلك ~~العرق تعالى الله عن فرية المفترين وإلحاد الملحدين وكذلك حديث نزوله عشية ~~عرفة إلى الموقف على جمل أورق ومصافحته للركبان ومعانقته للمشاه وأمثال ذلك ~~هي أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل العلم فلا يجوز لأحد أن يدخل هذا ~~وأمثاله في الأدلة الشرعية # والثاني مثل الحديث الذي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~يقول الله تعالى عبدي مرضت فلم تعدني فيقول رب ms0083 كيف أعودك وأنت رب العالمين ~~فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده عبدي جعت فلم ~~تطعمني فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا ~~جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي PageV01P149 # فإنه لا يجوز لعاقل أن يقول إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولاسمع إلا ~~من يظن أنه قد دل على جواز المرض والجوع على الخالق سبحانه وتعالى ومن قال ~~هذا فقد كذب على الحديث ومن قال إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه ~~فقد كذب فإن الحديث قد فسره المتكلم به وبين مراده بيانا زالت به كل شبهة ~~وبين فيه أن العبد هو الذي جاع وأكل ومرض وعاده العواد وأن الله سبحانه لم ~~يأكل ولم يعد # بل غير هذا الباب من الأحاديث كالأحاديث المروية في فضائل الأعمال على ~~وجه المجازفة كما يروى مرفوعا أنه من صلى ركعتين في يوم عاشوراء يقرأ فيهما ~~بكذا وكذا كتب له ثواب سبعين نبيا ونحو ذلك هو عند أهل الحديث من الأحاديث ~~الموضوعة فلا يعلم حديث واحدا يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل ~~العلم ضعيف بل موضوع بل لا يعلم حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الأمر والنهي أجمع المسلمون على تركه إلا أن يكون له حديث صحيح يدل على أنه ~~منسوخ ولا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P150 حديث صحيح أجمع ~~المسلمون على نقيضه فضلا عن أن يكون نقيضه معلوما بالعقل الصريح البين ~~لعامة العقلاء فإن ما يعلم بالعقل الصريح البين أظهر مما لا يعلم إلا ~~بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية # فإذا لم يوجد في الأحاديث الصحيحة ما يعلم نقيضه بالأدلة الخفية كالإجماع ~~ونحوه فأن لا يكون فيها ما يعلم نقيضه بالعقل الصريح الظاهر أولى وأحرى ~~ولكن عامة موارد التعارض هي من الأمور الخفية المشتبهة التي يحار فيها كثير ~~من العقلاء كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله وما بعد الموت من الثواب ~~والعقاب والجنة والنار والعرش والكرسي وعامة ms0084 ذلك من أنباء الغيب التي تقصر ~~عقول أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرد رأيهم ولهذا كان عامة الخائضين ~~فيها بمجرد رأيهم إما متنازعين مختلفين وإما حيارى متهوكين وغالبهم يرى أن ~~إمامه أحذق في ذلك منه # ولهذا تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون إنه من العقليات ~~المعلومة بصريح العقل فتجد أتباع أرسطو طاليس يتبعونه فيما ذكره من ~~المنطقيات والطبيعيات والإلهيات مع أن كثيرا منهم قد يرى بعقله نقيض ما ~~قاله أرسطو وتجده لحس ظنه به يتوقف في مخالفته أو ينسب النقص في الفهم إلى ~~نفسه مع أنه يعلم أهل العقل المتصفون بصريح العقل أن في المنطق من الخطأ ~~البين ما لاريب فيه كما ذكر في غير هذا الموضع PageV01P151 # وأما كلامه وكلام أتباعه كالأسكندر الأفروديسي وبرقلس وثامسطيوس ~~والفارابي وابن سينا والسهروردي المقتول وابن رشد الحفيد وأمثالهم في ~~الإلهيات فما فيه من الخطأ الكثير والتقصير العظيم ظاهر لجمهور عقلاء بني ~~آدم بل في كلامهم من التناقض مالا يكاد يستقصى PageV01P152 # وكذلك أتباع رؤوس المقالات التي ذهب إليها من ذهب من أهل القبلة وإن كان ~~فيها ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ففيها أيضا ~~من مخالفة العقل الصريح ما لا يعلمه إلا الله كأتباع أبي الهذيل العلاف ~~وأبي إسحاق النظام وأبي القاسم الكعبي وأبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين ~~البصري وأمثالهم # وكذلك أتباع من هو أقرب إلى السنة من هؤلاء كاتباع حسين النجار ~~PageV01P153 وضرار بن عمرو مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث الذي ناظر أحمد ~~ابن حنبل ومثل حفص الفرد الذي كان يناظر الشافعي وكذلك أتباع متكلمي أهل ~~الإثبات كأتباع أبي محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب وأبي عبدالله محمد بن ~~عبدالله بن كرام وأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وغيرهم PageV01P154 # بل هذا موجود في أتباع أئمة الفقهاء وأئمة شيوخ العبادة كأصحاب أبي حنيفة ~~والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم تجد أحدهم دائما يجد في كلامهم ما يراه هو ~~باطلا وهو يتوقف في رد ذلك لاعتقاده أن إمامه أكمل منه عقلا ms0085 وعلما ودينا ~~هذا مع علم كل من هؤلاء أن متبوعه ليس بمعصوم وأن الخطا جائز عليه ولا تجد ~~أحدا من هؤلاء يقول إذا تعارض قولي وقول متبوعي قدمت قولي مطلقا لكنه إذا ~~تبين له أحيانا الحق في نقيض قول متبوعه أو أن نقيضه أرجح منه قدمه ~~لاعتقاده أن الخطأ جائز عليه # فكيف يجوز أن يقال إن في كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة الثابتة عنه ما ~~يعلم زيد وعمرو بعقله أنه باطل وأن يكون كل من اشتبه عليه شيء مما أخبر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم قدم رأيه على نص الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~أنباء الغيب التي ضل فيها عامة من دخل فيها بمجرد رأيه بدون الإستهداء بهدى ~~الله والإستضاءة بنور الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه مع علم كل أحد ~~بقصوره وتقصيره في هذا الباب وبما وقع فيه من أصحابه وغير أصحابه من ~~الإضطراب # ففي الجملة النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بين قط ولا ~~يعارضها إلا ما فيه اشتباه واضطراب وما علم أنه حق لا يعارضه ما فيه اضطراب ~~واشتباه لم يعلم أنه حق # بل نقول قولا عاما كليا إن النصوص الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لم يعارضها قط صريح معقول فضلا عن أن يكون مقدما عليها وإنما الذي ~~PageV01P155 يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة ~~فمتى وقع الإستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية لا براهين ~~عقلية ومما يوضح هذا $ الوجه التاسع # وهو أن يقال القول بتقديم الإنسان لمعقوله على النصوص النبيوية قول لا ~~ينضبط وذلك لأن أهل الكلام والفلسفة الخائضين المتنازعين فيما يسمونه ~~عقليات كل منهم يقول إنه يعلم بضرورة العقل أو بنظره ما يدعى الآخر أن ~~المعلوم بضرورة العقل أو بنظره نقيضه # وهذا من حيث الجملة معلوم فالمعتزلة ومن اتبعهم من الشيعة يقولون إن ~~أصلهم المتضمن نفي الصفات والتكذيب بالقدر الذي يسمونه التوحيد والعدل ~~معلوم بالأدلة العقلية القطعية ومخالفوهم من أهل الإثبات يقولون إن ms0086 نقيض ~~ذلك معلوم بالأدلة القطعية العقلية # بل الطائفتان ومن ضاهأهما يقولون إن علم الكلام المحض هو ما أمكن علمه ~~بالعقل المجرد بدون السمع كمسألة الرؤية والكلام وخلق الأفعال وهذا هو الذي ~~يجعلونه قطعيا ويؤثمون المخالف فيه # وكل من طائفتي النفي والإثبات فيهم من الذكاء والعقل والمعرفة ما هم ~~متميزون به على كثير من الناس وهذا يقول إن العقل الصريح دل على النفي ~~والآخر يقول العقل الصريح دل على الإثبات PageV01P156 # وهم متنازعون في المسائل التي دلت عليها النصوص كمسائل الصفات والقدر # وأما المسائل المولدة كمسألة الجوهر الفرد وتماثل الأجسام وبقاء الأعراض ~~وغير ذلك ففيها من النزاع بينهم ما يطول استقصاؤه وكل منهم يدعى فيها القطع ~~العقلي # ثم كل من كان عن السنة أبعد كان التنازع والإختلاف بينهم في معقولاتهم ~~أعظم فالمعتزلة أكثر اختلافا من متكلمة أهل الإثبات وبين البصريين ~~والبغداديين منهم من النزاع ما يطول ذكره والبصريون أقرب إلى السنة ~~والإثبات من البغداديين ولهذا كان البصريون يثبتون كون البارئ سميعا بصيرا ~~مع كونه حيا عليما قديرا ويثبتون له الإرادة ولا يوجبون الأصلح في الدنيا ~~ويثبتون خبر الواحد والقياس ولا يؤثمون المجتهدين وغير ذلك ثم بين ~~المشايخية والحسينية أتباع أبي الحسين البصري من التنازع ما هو معروف # وأما الشيعة فأعظم تفرقا واختلافا من المعتزلة لكونهم أبعد عن السنة منهم ~~حتى قيل إنهم يبلغون اثنتين وسبعين فرقة # وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع بل هم أعظم اختلافا من جميع طوائف ~~المسلمين واليهود والنصارى والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا ~~إنما هي فلسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم وبينه وبين سلفه من ~~النزاع والإختلاف ما يطول وصفه ثم بين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه وأما ~~سائر طوائف الفلاسفة فلو حكى اختلافهم في علم الهيئة وحده لكان أعظم من ~~اختلاف كل طائفة من طوائف أهل القبلة والهيئة علم رياضي حسابي هو ~~PageV01P157 من أصح علومهم فإذا كان هذا اختلافهم فيه فكيف باختلافهم في ~~الطبيعيات أو المنطق فكيف بالإلهيات # واعتبر هذا بما ذكره أرباب المقالات عنهم ms0087 في العلوم الرياضية والطبيعية ~~كما نقله الأشعري عنهم في كتابه في مقالات غير الإسلاميين وما ذكره القاضي ~~أبو بكر عنهم في كتابه في الدقائق فإن في ذلك من الخلاف عنهم أضعاف أضعاف ~~ما ذكره الشهر ستاني وأمثاله ممن يحكي مقالاتهم فكلامهم في العلم الرياضي ~~الذي هو أصح علومهم العقلية قد اختلفوا فيه اختلافا لا يكاد يحصى ونفس ~~الكتاب الذي اتفق عليه جمهورهم وهو كتاب المجسطي لبطليموس فيه قضايا كثيرة ~~لا يقوم عليها دليل صحيح وفيه قضايا ينازعه غيره فيها وفيه قضايا مبينة على ~~أرصاد منقولة عن غيره تقبل الغلط والكذب # وكذلك كلامهم في الطبيعيات في الجسم وهل هو مركب من المادة والصورة أو ~~الأجزاء التي لا تنقسم أو ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا # وكثير من حذاق النظار حار في هذه المسائل حتى أذكياء الطوائف كأبي الحسين ~~البصري وأبي المعالي الجويني وأبي عبدالله بن الخطيب حاروا في مسألة الجوهر ~~الفرد فتوقفوا فيها تارة وإن كانوا قد يجزمون بها أخرى فإن الواحد من هؤلاء ~~تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب PageV01P158 واحد وتارة ~~يحار فيها مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قطعي برهاني عقلي لا يحتمل ~~النقيض # وهذا كثير في مسائل الهيئة ونحوها من الرياضيات وفي أحكام الجسم وغيره من ~~الطبيعيات فما الظن بالعلم الإلهي وأساطين الفلسفة يزعمون أنهم لا يصلون ~~فيه إلى اليقين وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأحرى والأخلق # وأكثر الفضلاء العارفين بالكلام والفلسفة بل وبالتصوف الذين لم يحققوا ما ~~جاء به الرسول تجدهم فيه حيارى كما أنشد الشهرستاني في أول كتابه لما قال ~~قد أشار إلى من إشارته غنم وطاعته حتم أن أجمع له من مشكلات الأصول ما أشكل ~~على ذوي العقول ولعله استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم لعمري % لقد طفت في ~~تلك المعاهد كلها % وسيرت طرفي بين تلك المعالم % % فلم أر إلا واضعا كف ~~حائر % على ذقن أو قارعا سن نادم % $ # وأنشد أبو عبدالله الرازي في غير موضع من كتبه مثل كتاب أقسام ms0088 اللذات لما ~~ذكر أن هذا العلم أشرف العلوم وأنه ثلاث مقامات العلم بالذات والصفات ~~والأفعال وعلى كل مقام عقدة فعلم الذات عليه عقدة PageV01P159 # هل الوجود هو الماهية أو زائدة على الماهية وعلم الصفات عليه عقدة هل ~~الصفات زائدة على الذات أم لا وعلم الأفعال عليه عقدة هل الفعل مقارن للذات ~~أو متأخر عنها ثم قال ومن الذي وصل إلى هذا الباب أو ذاق من هذا الشراب ثم ~~أنشد % نهاية إقدام العقول عقال % وأكثر سعى العالمين ضلال % % وأرواحنا في ~~وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال % % ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا % ~~سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا % $ # لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفى عليلا ولا ~~تروى غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ سورة طه 5 @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه @QE@ فاطر 10 واقرأ في النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ الشورى 11 @QB@ ~~ولا يحيطون به علما @QE@ طه 110 @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ مريم 65 ومن جرب ~~مثل تجربتى عرف مثل معرفتي PageV01P160 # وكان ابن أبي الحديد البغدادي من فضلاء الشيعة المعتزلة المتفلسفة وله ~~أشعار في هذا الباب كقوله % فيك يا أغلوطة الفكر % حار أمري وانقضى عمري % ~~% سافرت فيك العقول فما % ربحت إلا أذى السفر % % فلحى الله الأولى زعموا % ~~أنك المعروف بالنظر % % كذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر % $ # هذا مع إنشاده % وحقك لو أدخلتني النار قلت % للذين بها قد كنت ممن يحبه ~~% % وأفنيت عمري في علوم كثيرة % وما بغيتي إلا رضاه وقربه % % أما قلتم من ~~كان فينا مجاهدا % سيكرم مثواه ويعذب شربه % % أما رد شك ابن الخطيب وزيغه ~~% وتمويه في الدين إذا جل خطبه % % وآية حب الصب أن يعذب الأسى % إذا كان ~~من يهوى عليه يصبه % $ PageV01P161 # وابن رشد الحفيد يقول في كتابه الذي صنفه ردا على أبي حامد في كتابه ~~المسمى تهافت الفلاسفة فسماه تهافت التهافت ومن الذي قاله في الإلهيات ما ~~يعتد به وأبو الحسن الآمدي في عامة كتبه ms0089 هو واقف في المسائل الكبار يزيف ~~حجج الطوائف ويبقى حائرا واقفا والخونجي المصنف في أسرار المنطق الذي سمى ~~كتابه كشف الأسرار يقول لما حضره الموت أموت ولم أعرف شيئا إلا أن الممكن ~~يفتقر إلى الممتنع ثم قال الإفتقار وصف سلبي أموت ولم أعرف شيئا حكاه عنه ~~التلمساني وذكر أنه سمعه منه وقت الموت # ولهذا تجد أبا حامد مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه ~~طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف ويحيل في آخر ~~آمره على طريقه أهل الكشف وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ومات ~~وهو يشتغل في صحيح البخاري PageV01P162 # والحذاق يعلمون أن تلك الطريقة التي يحيل عليها لا توصل إلا المطلوب ~~ولهذا لما بنى على قول النفاة من سلك هذه الطريق كابن عربي وابن سبعين وابن ~~الفارض وصاحب خلع النعلين والتلمساني وأمثالهم وصلوا إلى ما يعلم فساده ~~بالعقل والدين مع دعواهم أنهم أئمة المحققين # ولهذا تجد أبا حامد في مناظرته للفلاسفة إنما يبطل طرقهم ولا يثبت طريقة ~~معينة بل هو كما قال نناظرهم يعني مع كلام الأشعري تارة بكلام المعتزلة ~~وتارة بكلام الكرامية وتارة بطريق الواقفة وهذه الطريق هي الغالب عليه في ~~منتهى كلامه PageV01P163 # وأما الطريقة النبوية السنية السلفية المحمدية الشرعية فإنما يناظرهم بها ~~من كان خبيرا بها وبأقوالهم التي تناقضها فيعلم حينئذ فساد أقوالهم ~~بالمعقول الصريح المطابق للمنقول الصحيح # وهكذا كل من أمعن في معرفة هذه الكلاميات والفلسفيات التي تعارض بها ~~النصوص من غير معرفة تامة بالنصوص ولوازمها وكمال المعرفة بما فيها ~~وبالأقوال التي تنافيها فإنه لا يصل إلى يقين يطمئن إليه وإنما تفيده الشك ~~والحيرة # بل هؤلاء الحذاق الذين يدعون أن النصوص عارضها من معقولاتهم ما يجب ~~تقديمه تجدهم حيارى في أصول مسائل الإلهيات حتى مسألة وجود الرب تعالى ~~وحقيقته حاروا فيها حيرة أوجبت أن يتناقض هذا كتناقض الرازي وأن يتوقف هذا ~~كتوقف الآمدي ويذكرون عدة أقوال يزعمون أن الحق ينحصر فيها وهي كلها باطلة # وقد حكي عن طائفة ms0090 من رءوس أهل الكلام أنهم كانوا يقولون بتكافؤ الأدلة ~~وأن الأدلة قد تكافأت من الجانبين حتى لا يعرف الحق من الباطل ومعلوم أن ~~هذا إنما قالوه فيما سلكوه هم من الأدلة PageV01P164 # وقد حكى لي أن بعض الأذكياء وكان قد قرأ على شخص هو إمام بلده ومن أفضل ~~أهل زمانه في الكلام والفلسفة وهو ابن واصل الحموي أنه قال أضطجع على فراشي ~~وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء حتى يطلع الفجر ~~ولم يترجح عندي شيء ولهذا انتهى أمره إلى كثرة النظر في الهيئة لكونه تبين ~~له فيه من العلم ما لم يتبين له في العلوم الإلهية # ولهذا تجد كثيرا من هؤلاء لما لم يتبين له الهدى في طريقه نكص على عقبيه ~~فاشتغل باتباع شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته وماله ونحو ذلك لعدم ~~العلم واليقين الذي يطمئن إليه قلبه وينشرح له صدره # وفي الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما أخاف عليكم ~~شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن وهؤلاء المعرضون عن PageV01P165 ~~الطريقة النبوية السلفية يجتمع فيهم هذا وهذا اتباع شهوات الغي ومضلات ~~الفتن فيكون فيهم من الضلال والغي بقدر ما خرجوا عن الطريق الذي بعث الله ~~به رسوله # ولهذا أمرنا الله أن نقول في كل صلاة @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ وقد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون # وكان السلف يقولون احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما ~~فتنة لكل مفتون فكيف إذا اجتمع في الرجل الضلال والفجور # ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان لكان شيئا ~~كثيرا وما لم يبلغني من حيرتهم وشكهم أكثر وأكثر # وذلك لأن الهدى هو فيما بعث الله به رسله فمن أعرض عنه لم يكن مهتديا ~~فكيف بمن عارضه بما يناقضه وقدم مناقضه عليه # قال الله تعالى لما أهبط آدم @QB@ قال اهبطا منها جميعا بعضكم ms0091 لبعض عدو ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن ~~له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ سورة طه 123 126 ~~PageV01P166 # قال ابن عباس رضي الله عنهما تكفل الله لمن قرآ القرآن وعمل بما فيه أن ~~لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية # وقوله تعالى @QB@ ومن أعرض عن ذكري @QE@ يتناول الذكر الذي أنزله وهو ~~الهدى الذي جاءت به الرسل كما قال تعالى في آخر الكلام @QB@ كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها @QE@ أي تركت اتباعها والعمل بما فيها فمن طلب الهدى بغير ~~القرآن ضل ومن اعتز بغير الله ذل وقد قال تعالى @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم ~~من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء @QE@ سورة الأعراف 3 وقال تعالى @QB@ ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ ~~سورة الأنعام 153 # وفي حديث علي رضي الله عنه الذي رواه الترمذي ورواه أبو نعيم من عدة طرق ~~عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال إنها ستكون فتنة قلت فما ~~المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم ~~وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى ~~الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط ~~المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق عن ~~كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ولا تشبع منه العلماء من قال به PageV01P167 ~~صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه على أنه لو سوغ للناظرين أن يعرضوا عن كتاب الله ~~تعالى ويعارضوه بأرائهم ومعقولاتهم لم يكن هناك أمر مضبوط يحصل لهم به علم ~~ولا هدى فإن ms0092 الذين سلكوا هذه السبيل كلهم يخبر عن نفسه بما يوجب حيرته وشكه ~~والمسلمون يشهدون عليه بذلك فثبت بشهادته وإقراره على نفسه وشهادة المسلمين ~~الذين هم شهداء الله في الأرض أنه لم يظفر من أعرض عن الكتاب وعارضه بما ~~يناقضه بيقين يطمئن إليه ولا معرفة يسكن بها قلبه # والذين ادعوا في بعض المسائل أن لهم معقولا صريحا يناقض الكتاب قابلهم ~~آخرون من ذوي المعقولات فقالوا إن قول هؤلاء معلوم بطلانه بصريح المعقول ~~فصار ما يدعى معارضته للكتاب من المعقول ليس فيه ما يجزم بأنه معقول صحيح ~~إما بشاهدة أصحابه عليه وشهادة الأمة وإما بظهور تناقضهم ظهورا لا ارتياب ~~فيه وإما بمعارضة آخرين من أهل هذه المعقولات لهم بل من تدبر ما يعارضون به ~~الشرع من العقليات وجد ذلك مما يعلم بالعقل الصريح بطلانه والناس إذا ~~تنازعوا فى المعقول لم يكن قول طائفة لها مذهب حجة على أخرى بل يرجع فى ذلك ~~إلى الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولا هوى فامتنع حينئذ ~~أن يعتمد على ما يعارض الكتاب من الأقوال التي يسمونها معقولات PageV01P168 ~~وإن كان ذلك قد قالته طائفة كبيرة لمخالفة طائفة كبيرة لها ولم يبق إلا أن ~~يقال إن كل إنسان له عقل فيعتمد على عقل نفسه وما وجده معارضا لأقوال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من رأيه خالفه وقدم رأيه على نصوص الأنبياء ~~صلوات الله وسلامه عليهم ومعلوم أن هذا أكثر ضلالا واضطرابا # فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى ~~الغاية وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات ثم لم يصلوا فيها ~~إلى معقول صريح يناقض الكتاب بل إما إلى حيرة وارتياب وإما إلى اختلاف بين ~~الأحزاب فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما ~~سلكوه من العقليات # فهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه لم يعارضه ~~إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب فالأول @QB@ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ~~حتى ms0093 إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ~~@QE@ سورة النور 39 والثاني @QB@ كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج ~~من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور @QE@ سورة النور 40 # وأصحاب القرآن والإيمان في نور على نور قال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به ~~من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ سورة الشورى 52 53 # وقال تعالى @QB@ الله نور السماوات والأرض مثل نوره @QE@ إلى آخر الآية ~~PageV01P169 سورة النور 35 وقال تعالى @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون @QE@ سورة الأعراف 157 # فأهل الجهل البسيط منهم أهل الشك والحيرة من هؤلاء المعارضين للكتاب ~~المعرضين عنه وأهل الجهل المركب أرباب الإعتقادات الباطلة التي يزعمون أنها ~~عقليات وآخرون ممن يعارضهم يقول المناقض لتلك الأقوال هو العقليات # ومعلوم أنه حينئذ يجب فساد أحد الإعتقادين أو كليهما والغالب فساد كلا ~~الإعتقادين لما فيهما من الإجمال والإشتباه وأن الحق يكون فيه تفصيل يبين ~~أن مع هؤلاء حق وباطلا ومع هؤلاء حقا وباطلا والحق الذي مع كل منهما هو ~~الذي جاء به الكتاب الذي يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه والله أعلم $ ~~الوجه العاشر # أن يعارض دليلهم بنظير ما قالوه فيقال إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم ~~النقل لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين ورفعهما رفع للنقيضين ~~وتقديم العقل ممتنع لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل ~~وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضا للنقل لأن ما ليس بدليل لا ~~يصلح لمعارضة شيء من الأشياء فكان تقديم العقل ms0094 موجبا عدم تقديمه فلا يجوز ~~تقديمه # وهذا بين واضح فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق ~~لمخبره فإن جاز أن تكون هذه الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون ~~PageV01P170 العقل دليلا صحيحا وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يجز أن يتبع ~~بحال فضلا عن أن يقدم فصار تقديم العقل على النقل قدحا في العقل بانتفاء ~~لوازمه ومدلوله وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه والقدح فيه ~~يمنع دلالته والقدح في دلالته يقدح في معارضته كان تقديمه عند المعارضة ~~مبطلا للمعارضة فامتنع تقديمه على النقل وهو المطلوب # وأما تقديم النقل عليه فلا يستلزم فساد النقل في نفسه # ومما يوضح هذا أن يقال معارضة العقل لما دل العقل على أنه حق دليل على ~~تناقض دلالته وذلك يوجب فسادها وأما السمع فلم يعلم فساد دلالته ولا ~~تعارضها في نفسها وإن لم يعلم صحتها وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده ~~والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم فساده أقرب إلى الصواب من تقديم ~~ما يعلم فساده كالشاهد الذي علم أنه يصدق ويكذب والشاهد المجهول الذي لم ~~يعلم كذبه فإن تقديم قول الفاسق المعلوم كذبه على قول المجهول الذى لم يعلم ~~كذبه لا يجوز فكيف إذا كان الشاهد هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته # والعقل إذا صدق السمع في كل ما يخبر به ثم قال إنه أخبر بخلاف الحق كان ~~هو قد شهد للسمع بأنه يجب قبوله وشهد له بأنه لا يجب قبوله وشهد بأن الأدلة ~~السمعية حق وأن ما أخبر به السمع فهو حق وشهد بأن ما أخبر به السمع فليس ~~بحق فكان مثله مثل من شهد لرجل بأنه صادق لا يكذب وشهد له بأنه قد كذب فكان ~~هذا قدحا في شهادته مطلقا وتزكيته فلا يجب قبول شهادته الأولى ولا الثانية ~~فلا يصلح أن يكون معارضا للسمع بحال PageV01P171 # ولهذا تجد هؤلاء الذين تتعارض عندهم دلالة العقل والسمع في حيرة وشك ~~واضطراب إذ ms0095 ليس عندهم معقول صريح سالم عن معارض مقاوم كما أنهم أيضا في نفس ~~المعقول الذي يعارضون به السمع في اختلاف وريب واضطراب # وذلك كله مما يبين أنه ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدما على ~~ما جاءت به الرسل وذلك لأن الآيات والبراهين دالة على صدق الرسل وأنهم لا ~~يقولون على الله إلا الحق وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر ~~والطلب لا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ كما اتفق على ذلك ~~جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم # فوجب أن جميع ما يخبر به الرسول عن الله صدق وحق لا يجوز أن يكون في ذلك ~~شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي فمتى علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ~~ذلك جزم جزما قاطعا أنه حق وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر ~~به وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي لا عقلي ولا سمعي وأن كل ما ظن أنه ~~عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة وشبه من جنس شبه السوفسطائية # وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك وأنه يمتنع أن يعارض ~~خبره دليل صحيح كان هذا العقل شاهد بأن كل ما خالف خبر الرسول فهو باطل ~~فيكون هذا العقل والسمع جميعا شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع PageV01P172 # فإن قيل فهذا يوجب القدح في شهادة العقل حيث شهد بصدق الرسول وشهد بصدق ~~العقل المناقض لخبره # قيل له عن هذا جوابان أحدهما إنا نحن يمتنع عندنا أن يتعارض العقل والسمع ~~القطعيان فلا تبطل دلالة العقل وإنما ذكرنا هذا على سبيل المعارضة فمن قدم ~~دلالة العقل على السمع يلزمه أن يقدم دلالة العقل الشاهد بتصديق السمع وأنه ~~إذا قدم دلالة العقل لزم تناقضها وفسادها وإذا قدم دلالة السمع لم يلزم ~~تناقضها في نفسها وإن لزمه أن لا يعلم صحتها وما علم فساده أولى بالرد مما ~~لم تعلم صحته ولا فساده # والجواب الثاني أن نقول الأدلة العقلية التي تعارض ms0096 السمع غير الأدلة ~~العقلية التي يعلم بها أن الرسول صادق وإن كان جنس المعقول يشملها ونحن إذا ~~أبطلنا ما عارض السمع إنما أبطلنا نوعا مما يسمى معقولا لم نبطل كل معقول ~~ولا أبطلنا المعقول الذي علم به صحة المنقول وكان ما ذكرناه موجبا لصحة ~~السمع وما علم به صحته من العقل # ولا مناقضة في ذلك ولكن حقيقتة أنه قد تعارض العقل الدال على صدق الرسول ~~والعقل المناقض لخبر الرسول فقدمنا ذلك المعقول على هذا المعقول كما تقدم ~~الأدلة على صدق الرسول على الحجج الفاسدة والقادحة في نبوات الأنبياء وهي ~~حجج عقلية # بل شبهات المبطلين القادحين في النبوات قد تكون أعظم من كثير من الحجج ~~العقلية التي يعارض بها خبر الأنبياء عن أسماء الله وصفاته وأفعاله ومعاده ~~فإذا كان PageV01P173 تقديم الأدلة العقلية الدالة على أنهم صادقون في ~~قولهم إن الله أرسلهم مقدمة على ما يناقض ذلك من العقليات كذلك تقديم هذه ~~الأدلة العقلية المستلزمة لصدقهم فيما أخبروا به على ما يناقض ذلك من ~~العقليات وعاد الأمر إلى تقديم جنس من المعقولات على جنس # وهذا متفق عليه بين العقلاء فإن الأدلة العقلية إذا تعارضت فلا بد من ~~تقديم بعضها على بعض ونحن نقول لا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان لا عقليان ~~ولا سمعيان ولا سمعي ولا عقلي ولكن قد ظن من لم يفهم حقيقة القولين ~~تعارضهما لعدم فهمه لفساد أحدهما # فإن قيل نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع على أن دلالة السمع المخالفة له ~~باطلة إما لكذب الناقل عن الرسول أو خطئه في النقل وإما لعدم دلالة قوله ~~على ما يخالف العقل في محل النزاع # قيل هذا معارض بأن يقال نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع على أن دلالة ~~العقل المخالفة له باطلة لبطلان بعض مقدماتها فإن مقدمات الأدلة العقلية ~~المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والإشتباه والإختلاف والإضطراب ما ~~يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلى مقدمات الأدلة السمعية # ومما يبين ذلك أن يقال دلالة السمع على مواقع الإجماع مثل ms0097 دلالته على ~~موارد النزاع فإن دلالة السمع على علم الله تعالى وقدرته وإرادته وسمعه ~~وبصره كدلالته على رضاه ومحبته وغضبه واستوائه على عرشه ونحو ذلك وكذلك ~~دلالته على عموم مشيئته وقدرته كدلالته على عموم علمه PageV01P174 # فالأدلة السمعية لم يردها من ردها لضعف فيها وفي مقدماتها لكن لاعتقاده ~~أنها تخالف العقل بل كثير من الأدلة السمعية التي يردونها تكون أقوى بكثير ~~من الأدلة السمعية التي يقبلونها وذلك لأن تلك لم يقبلوها لكون السمع جاء ~~بها لكن لاعتقادهم أن العقل دل عليها والسمع جعلوه عاضدا للعقل وحجة على من ~~ينازعهم من المصدقين بالسمع لم يكن هو عمدتهم ولا أصل علمهم كما صرح بذلك ~~أئمة هؤلاء المعارضين لكتاب الله وسنة رسوله بآرائهم # وإذا كان كذلك تبين أن ردهم الأدلة السمعية المعلومة الصحة بمجرد مخالفة ~~عقل الواحد أو لطائفة منهم أو مخالفة ما يسمونه عقلا لا يجوز إلا أن يبطلوا ~~الأدلة السمعية بالكلية ويقولون إنها لا تدل على شيء وإن إخبار الرسول عما ~~أخبر به لا يفيد التصديق بثبوت ما أخبر به وحينئذ فما لم يكن دليلا لا يصلح ~~أن يجعل معارضا # والكلام هنا إنما هو لمن علم أن الرسول صادق وأن ما أخبر به ثابت وأن ~~إخباره لنا بالشيء يفيد تصديقنا بثبوت ما أخبر به فمن كان هذا معلوما له ~~امتنع أن يجعل العقل مقدما على خبر الرسول صلى الله عليه وسلم بل يضطره ~~الأمر إلى أن يجعل الرسول يكذب أو يخطئ تارة في الخبريات ويصيب أو يخطئ ~~أخرى في الطلبيات وهذا تكذيب للرسول وإبطال لدلالة السمع وسد لطريق العلم ~~بما أخبر به الأنبياء والمرسلون وتكذيب بالكتاب وبما أرسل الله تعالى به ~~رسله PageV01P175 # وغايته إن أحسن المقال أن يجعل الرسول مخبرا بالأمور على خلاف حقائقها ~~لأجل نفع العامة ثم إذا قال ذلك امتنع أن يستدل بخبر الرسول على شيء فعاد ~~الأمر جذعا لأنه إذا جوز على خبر الرسول التلبيس كان كتجويزه عليه الكذب # وحينئذ فلا يكون مجرد إخبار الرسول موجبا للعلم بثبوت ما ms0098 أخبر به وهذا ~~وإن كان زندقة وكفرا وإلحادا فهو باطل في نفسه كما قد بين في غير هذا ~~الموضع # فنحن في هذا المقام إنما نخاطب من يتكلم في تعارض الأدلة السمعية ~~والعقلية ممن يدعي حقيقة الإسلام من أهل الكلام الذين يلبسون على أهل ~~الإيمان بالله ورسوله وأما من أفصح بحقيقة قوله وقال إن كلام الله ورسوله ~~لا يستفاد منه علم بغيب ولا تصديق بحقيقة ما أخبر به ولا معرفة بالله ~~وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته وجنته وناره وغير ذلك فهذا لكلامه مقام ~~آخر # فإن الناس في هذا الباب أنواع منهم من يقر بما جاء به السمع في المعاد ~~دون الأفعال والصفات # ومنهم من يقر بذلك في بعض أمور المعاد دون بعض # ومنهم من يقر بذلك في بعض الصفات والمعاد مطلقا دون الأفعال وبعض الصفات # ومنهم من لا يقر بحقيقة شيء من ذلك لا في الصفات ولا في المعاد # ومنهم من لا يقر بذلك أيضا في الأمر والنهى بل يسلك طريق التأويل في ~~الخبر والأمر جميعا لمعارضة العقل عنده كما فعلت القرامطة الباطنية وهؤلاء ~~أعظم الناس كفرا وإلحادا PageV01P176 # والمقصود هنا أن من أقر بصحة السمع وأنه علم صحته بالعقل لا يمكنه أن ~~يعارضه بالعقل ألبتة لأن العقل عنده هو الشاهد بصحة السمع فإذا شهد مرة ~~أخرى بفساده كانت دلالته متناقضة فلا يصلح لا لإثبات السمع ولا لمعارضته # فإن قال أنا أشهد بصحته ما لم يعارض العقل # قيل هذا لا يصح لوجوه أحدها أن الدليل العقلي دل على صدق الرسول وثبوت ما ~~أخبر به مطلقا فلا يجوز أن يكون صدقه مشروطا بعدم المعارض # الثاني أنك إن جوزت علي أن يعارضه العقل الدال على فساده لم تثق بشيء منه ~~لجواز أن يكون في عقل غيرك ما يدل على فساده فلا تكون قد علمت بعقلك صحته ~~البتة وأنت تقول إنك علمت صحته بالعقل # الثالث أن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له سواء كان حقا أو ~~باطلا فإذا جوز المجوز أن يكون في المعقولات ms0099 ما يناقض خبر الرسول لم يثق ~~بشيء من أخبار الرسول لجواز أن يكون في المعقولات التي لم تظهر له بعد ما ~~يناقض ما أخبر به الرسول ومن قال أنا أقر من الصفات بما لم ينفه العقل أو ~~أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابط فإن تصديقه بالسمع ~~مشروط بعدم جنس لا ضابط له ولا منتهى وما كان مشروطا بعدم ما لا ينضبط لم ~~ينضبط فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان PageV01P177 # ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان بل يكون ~~كما قال الأئمة إن علماء الكلام زنادقة وقالوا قل أحد نظر في الكلام إلا ~~كان في قلبه غل على أهل الإسلام مرادهم بأهل الكلام من تكلم في الله بما ~~يخالف الكتاب والسنة # ففي الجملة لا يكون الرجل مؤمنا حتى يؤمن بالرسول إيمانا جازما ليس ~~مشروطا بعدم معارض فمتى قال أؤمن بخبره إلا أن يظهر له معارض يدفع خبره لم ~~يكن مؤمنا به فهذا أصل عظيم تجب معرفته فإن هذا الكلام هو ذريعة الإلحاد ~~والنفاق # الرابع أنهم قد سلموا أنه يعلم بالسمع أمور كما يذكرونه كلهم من أن ~~العلوم ثلاثة أقسام منها ما لا يعلم إلا بالعقل ومنها ما لا يعلم إلا ~~بالسمع ومنها ما يعلم بالسمع والعقل # وهذا التقسيم حق في الجملة فإن من الأمور الغائبة عن حس الإنسان ما لا ~~يمكن معرفته بالعقل بل لا يعرف إلا بالخبر # وطرق العلم ثلاثة الحس والعقل والمركب منهما كالخبر فمن الأمور ما لا ~~يمكن علمه إلا بالخبر كما يعلمه كل شخص بأخبار الصادقين كالخبر المتواتر ~~وما يعلم بخبر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين # وهذا التقسيم يجب الإقرار به وقد قامت الأدلة اليقينية على نبوات ~~الأنبياء وأنهم قد يعلمون بالخبر ما لا يعلم إلا بالخبر وكذلك يعلمون غيرهم ~~بخبرهم PageV01P178 # ونفس النبوة تتضمن الخبر فإن النبوة مشتقة من الإنباء وهو الإخبار ~~بالمغيب # فالنبي يخبر بالمغيب ويخبرنا بالغيب ويمتنع أن يقوم دليل صحيح على أن كل ~~ما ms0100 أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون الخبر فلا يمكن أن يجزم بأن كل ما ~~أخبرت به الأنبياء هو منتف فإنه يمتنع أن يقوم دليل على هذا النفي العام ~~ويمتنع أن يقول القائل كل ما أخبر به الأنبياء يمكن غيرهم أن يعرفه بدون ~~خبرهم ولهذا كان أكمل الأمم علما المقرون بالطرق الحسية والعقلية والخبرية ~~فمن كذب بطريق منها فاته من العلوم بحسب ما كذب به من تلك الطريق # والمتفلسفة الذين أثبتوا النبوات على وجه يوافق أصولهم الفاسدة كابن سينا ~~وأمثاله لم يقروا بأن الأنبياء يعلمون ما يعلمونه بخبر يأتيهم عن الله لا ~~بخبر ملك ولا غيره بل زعموا أنهم يعلمونه بقوة عقلية لكونهم أكمل من غيرهم ~~في قوة الحدس ويسمون ذلك القوة القدسية فحصروا علوم الأنبياء في ذلك # وكان حقيقة قولهم أن الأنبياء من جنس غيرهم وأنهم لم يعلموا شيئا بالخبر ~~ولهذا صار هؤلاء لا يستفيدون شيئا بخبر الأنبياء بل يقولون إنهم خاطبوا ~~الناس بطريق التخييل لمنفعة الجمهور وحقيقة قولهم أنهم كذبوا PageV01P179 ~~لمصلحة الجمهور وهؤلاء في الحقيقة يكذبون الرسل فنتكلم معهم في تحقيق ~~النبوة على الوجه الحق لا في معارضة العقل والشرع # وهذا الذي ذكرته مما صرح به فضلاؤهم يقولون إن الرسل إنما ينتفع بخبرهم ~~الجمهور في التخييل لا ينتفع بخبرهم أحد من العامة والخاصة في معرفة الغيب ~~بل الخاصة عندهم تعلم ذلك بالعقل المناقض لأخبار الأنبياء والعامة لا تعلم ~~ذلك لا بعقل ولا خبر والنبوة إنما فائدتها تخييل ما يخبرون به للجمهور كما ~~يصرح بذلك الفارابي وابن سينا وأتباعهما # ثم لا يخلوا الشخص إما أن يكون مقرا بخبر نبوة الأنبياء وإما أن يكون غير ~~مقر فإن كان غير مقر بذلك لم نتكلم معه في تعارض الدليل العقلي والشرعي فإن ~~تعارضهما إنما يكون بعد الإقرار بصحة كل منهما لو تجرد عن المعارض فمن لم ~~يقر بصحة دليل عقلي ألبتة لم يخاطب في معارضة الدليل العقلي والشرعي وكذلك ~~من لم يقر بدليل شرعي لم يخاطب في هذا التعارض # ومن لم يقر بالأنبياء ms0101 لم يستفيد من خبرهم دليلا شرعيا فهذا يتكلم معه في ~~تثبيت النبوات فإذا ثبتت فحينئذ يثبت الدليل الشرعي وحينئذ فيجب الإقرار ~~بأن خبر PageV01P180 الأنبياء يوجب العلم بثبوت ما أخبروا به ومن جوز أن ~~يكون في نفس الأمر معارض ينفي ما دلت عليه أخبارهم امتنع أن يعلم بخبرهم ~~شيئا فإنه ما من خبر أخبروا به ولم يعلم هو ثبوته بعقله إلا وهو يجوز أن ~~يكون في نفس الأمر دليل يناقضه فلا يعلم شيئا مما أخبروا به بخبرهم فلا ~~يكون مقرا بنبوتهم ولا يكون عنده شيء يعلم بالسمع وحده وهم قد أقروا بأن ~~العلوم ثلاثة منها ما يعلم بالسمع وحده ومنها ما يعلم بالعقل وحده ومنها ما ~~يعلم بهما # وأيضا فقد قامت الأدلة العقلية اليقينية على نبوة الأنبياء وأنهم قد ~~يعلمون ما يعلمونه بخبر الله وملائكته تارة بكلام يسمعونه من الله كما سمع ~~موسى بن عمران وتارة بملائكة تخبرهم عن الله وتارة بوحي يوحيه الله كما قال ~~تعالى @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ سورة الشورى 51 # فتبين أن تجويزهم أن يكون في نفس الأمر دليل يناقض السمع يوجب أن لا يكون ~~في نفس الأمر دليل سمعي يعلم به مخبره وهذا مما تبين به تناقضهم حيث أثبتوا ~~الأدلة السمعية ثم قالوا ما يوجب إبطالها وحيث أثبتوا الأدلة العقلية ثم ~~قالوا ما يوجب تناقضها فإن العقل يعلم به صحة الأدلة السمعية فمتى بطلت بطل ~~العقل الدال على صحة السمع والدليل مستلزم للمدلول ومتى PageV01P181 انتفى ~~اللازم الذي هو المدلول انتفى ملزومه الذي هو الدليل فيبطل العقل وتناقضهم ~~حيث أقروا بنبوات الأنبياء ثم قالوا ما يوجب بطلانها # وأيضا فالأدلة العقلية توجب الإقرار بنبوة الأنبياء فالقدح في نبوة ~~الأنبياء قدح في الأدلة العقلية ومع كون قولهم مستلزما لتناقضهم فهو مستلزم ~~لبطلان الأدلة العقلية والسمعية وبطلان النبوات وهذا من أعظم أنواع السفسطة ~~فتبين بعض ما في قولهم من أنواع السفسطة الدالة على فساده ومن ms0102 أنواع ~~التناقض الدالة على جهلهم وتناقض مذاهبهم # وإن قالوا نحن لا نعلم شيئا مما دل عليه الشرع من الخبريات أو من ~~الخبريات وغيرها إلا أن نعلم بالإضطرار أن الرسول أخبر به # قيل فيقال لكم على هذا التقدير فكل ما لا يعلم شخص بالإضطرار أن الرسول ~~أخبر به يجب أن ينفيه إذا قام عنده ما يظنه دليلا عقليا # فإن قالوا نعم لزم أنه يجوز لكل أحد أن يكذب بما لم يضطر إلى أن الرسول ~~أخبر به وإن كان غيره قد علم بالإضطرار أن الرسول أخبر به وحينئذ فيلزم من ~~ذلك تجويز تكذيب الرسول ونفي الحقائق الثابتة في نفس الأمر والقول بلا علم ~~والقطع بالباطل # وإن قالوا نحن إنما نجوز ذلك إذا قام دليل عقلي قاطع # قيل هذا باطل لوجهين PageV01P182 # أحدهما أنه إذا لم يعلم بالإضطرار أنه أخبر به كان على قولكم غير معلوم ~~الثبوت وحينئذ فإذا قام عنده دلالة ظنية ترجح النفي أخبر بموجبها وإن جوز ~~أن يكون غيره يعلم باضطرار نقيضها # والثاني أن الأدلة العقلية القطعية ليست جنسا متميزا عن غيره ولا شيئا ~~اتفق عليه العقلاء بل كل طائفة من النظار تدعي أن عندها دليلا قطعيا على ما ~~تقوله مع أن الطائفة الأخرى تقول إن ذلك الدليل باطل وإن بطلانه يعلم ~~بالعقل بل قد تقول إنه قام عندها دليل قطعي على نقيض قول تلك الطائفة وإذا ~~كنت العقليات ليست متميزة ولا متفقا عليها وجوز أصحابها فيما لم يعلمه ~~أحدهم بالإضطرار من أخبار الرسول أن يقدمها عليه لزم من ذلك تكذيب كل من ~~هؤلاء بما يعلم غيره بالإضطرار أن الرسول أخبر به # ومعلوم أن العلوم الضرورية أصل للعلوم النظرية فإذا جوز الإنسان أن يكون ~~ما علمه غيره من العلوم الضرورية باطلا جوز أن تكون العلوم الضرورية باطلة ~~وإذا بطلت بطلت النظرية فصار قولهم مستلزما لبطلان العلوم كلها وهذا مع أنه ~~مستلزم لعدم علمهم بما يقولونه فهو متضمن لتناقضهم ولغاية السفسطة # وإن قالوا ما علمنا بالإضطرار أن الرسول أراده أقررنا به ولم ms0103 نجوز أن ~~يكون في العقل ما يناقضه وما علمه غيرنا لم نقر به وجوزنا أن يكون في العقل ~~PageV01P183 ما يناقضه أمكن تلك الطائفة أن تعارضهم بمثل ذلك فيقولون بل ~~نحن نقر علمنا الضروري ونقدح في علمكم ونقدح في علمكم الضروري بنظرياتنا # وأيضا فمن المعلوم أن من شافهه الرسول بالخطاب يعلم من مراده بالإضطرار ~~ما لا يعلمه غيره وأن من كان أعلم بالأدلة الدالة على مراد المتكلم كان ~~أعلم بمراده من غيره وإن لم يكن نبيا فكيف بالأنبياء # فإن النحاة أعلم بمراد الخليل وسيبويه من الأطباء والأطباء أعلم بمراد ~~أبقراط وجالينوس من النحاة والفقهاء أعلم بمراد الأئمة الأربعة وغيرهم من ~~الأطباء PageV01P184 والنحاة وكل من هذه الطوائف يعلم بالإضطرار من مراد ~~أئمة الفن ما لا يعلمه غيرهم فضلا عن أن يعلمه علما ضروريا أو نظريا # وإذا كان كذلك فمن له اختصاص بالرسول ومزيد علم بإقواله وأفعاله ومقاصده ~~يعلم بالإضطرار من مراده ما لا يعلمه غيره فإذا جوز لمن يحصل له هذا العلم ~~الضروري أن يقوم عنده قاطع عقلي ينفي ما علمه هؤلاء بالإضطرار لزم ثبوت ~~المعارضة بين العلوم النظرية والضرورية وأنه يقدم فيها النظرية ومعلوم أن ~~هذا فاسد # فتبين أن قول هؤلاء يستلزم من تناقضهم وفساد مذاهبهم وتكذيب الرسل ما ~~يستلزم من الكفر والجهل وأنه يستلزم تقديم النظريات على الضروريات وذلك ~~يستلزم السفسطة التي ترفع العلوم الضرورية والنظرية # الخامس أن الدليل المشروط بعدم المعارض لا يكون قطعيا لأن القطعي لا ~~يعارضه ما يدل على نقيضه فلا يكون العقل دالا على صحة شيء مما جاء به السمع ~~بل غاية الأمر أن يظن الصدق فيما أخبر به الرسول # وحينئذ فقولك إنه تعارض العقل والنقل قول باطل لأن العقل عندك قطعي ~~والشرع ظني ومعلوم أنه لا تعارض بين القطعي والظني PageV01P185 # فإن قيل نحن جازمون بصدق الرسول فيما أخبر به وأنه لا يخبر إلا بحق لكن ~~إذا احتج محتج على خلاف ما اعتقدناه بعقولنا بشيء مما نقل عن الرسول يقبل ~~هذه المعارضة للقدح إما في الإسناد ms0104 وإما في المتن # إما أن نقول النقل لم يثبت إن كان مما لم تعلم صحته كما تنقل أخبار ~~الآحاد وما ينقل عن الأنبياء المتقدمين وإما في المتن بأن نقول دلالة اللفظ ~~على مراد المتكلم غير معلومة بل مظنونة إما في محل النزاع وإما فيما هو أعم ~~من ذلك فنحن لا نشك في صدق الرسول بل في صدق الناقل أو دلالة المنقول على ~~مراده # قيل هذا العذر باطل في هذا المقام لوجوه # أحدها أن يقال لكم فإذا علمتم أن الرسول أراد هذا المعنى إما أن تعلموا ~~مراده بالإضطرار كما يعلم أنه أتى بالتوحيد والصلوات الخمس والمعاد ~~بالإضطرار وإما بأدلة أخرى نظرية وقد قام عندكم القاطع العقلي على خلاف ما ~~علمتم أنه أراده فكيف تصنعون # فإن قلتم نقدم العقل لزمكم ما ذكر من فساد العقل المصدق للرسول مع الكفر ~~وتكذيب الرسول # وإن قلتم نقدم قول الرسول أفسدتم قولكم المذكور الذي قلتم فيه العقل أصل ~~النقل فلا يمكن تقديم الفرع على أصله # وإن قلتم يمتنع معارضة العقل الصريح بمثل هذا السمع لأنا علمنا مراد ~~الرسول قطعا PageV01P186 # قيل لكم وهكذا يقول كل من علم مراد الرسول قطعا يمتنع أن يقوم دليل عقلي ~~يناقضه وحينئذ فيبقى الكلام هل قام سمعي قطعي على مورد النزاع أم لا ويكون ~~دفعكم للأدلة السمعية بهذا القانون باطلا متناقضا # الوجه الثاني أنه إذا كنتم لا تردون من السمع إلا ما لم تعلموا أن الرسول ~~أراده دون ما علمتم أن الرسول أراده بقي احتجاجكم بكون العقل معارضا للسمع ~~احتجاجا باطلا لا تأثير له # الثالث أنكم تدعون في مواضع كثيرة أن الرسول جاء بهذا وأنا نعلم ذلك ~~إضطرار ومنازعوكم يدعون قيام القاطع العقلي على مناقض ذلك كما في المعاد ~~وغيره فكذلك يقول منازعوكم في العلو والصفات إنا نعلم اضطرارا مجئ الرسول ~~بهذا بل هذا أقوى كما بسط في موضع آخر # السادس أن هذا يعارض بأن يقال دليل العقل مشروط بعدم معارضة الشرع لأن ~~العقل ضعيف عاجز والشبهات تعرض له كثيرا وهذا المتائه ms0105 والمحارات التي اضطرب ~~فيها العقلاء لا أثق فيها بعقل يخالف الشرع # ومعلوم أن هذا أولى بالقبول من الأول بأن يقال ما يقال في # السابع وهو أن العقل لا يكون دليلا مستقلا في تفاصيل الأمور الإلهية ~~واليوم الآخر فلا أقبل منه ما يدل عليه إن لم يصدقه الشرع ويوافقه فإن ~~الشرع PageV01P187 قول المعصوم الذي لا يخطئ ولا يكذب وخبر الصادق الذي لا ~~يقول إلا حقا وأما آراء الرجال فكثيرة التهافت والتناقض فأنا لا أثق برأيي ~~وعقلي في هذه المطالب العالية الإلهية ولا بخبر هؤلاء المختلفين المتناقضين ~~الذين كل منهم يقول بعقله ما يعلم العقلاء أنه باطل فما من هؤلاء أحد إلا ~~وقد علمت أنه يقول بعقله ما يعلم أنه باطل بخلاف الرسل فإنهم معصومون فأنا ~~لا أقبل قول هؤلاء إن لم يزك قولهم ذلك المعصوم خبر الصادق المصدوق # ومعلوم أن هذا الكلام أولى بالصواب واليق بأولى الألباب من معارضة أخبار ~~الرسول الذي علموا صدقه وأنه لا يقول إلا حقا بما يعرض لهم من الآراء ~~والمعقولات التي هي في الغالب جهليات وضلالات # فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم كما نتنزل إلى اليهودي ~~والنصراني في مناظرته وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله اتباعا لقوله تعالى ~~@QB@ وجادلهم بالتي هي أحسن @QE@ سورة النحل 125 وقوله @QB@ ولا تجادلوا ~~أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن @QE@ سورة العنكبوت 46 # وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول ويصدون به أهل الإيمان ~~عن سواء السبيل وإن جعلوه من المعقول بالبرهان أعظم من أن يبسط في هذا ~~المكان # وقد تبين بذلك أنه لا يمكن أن يكون تصديق الرسول فيما أخبر به معلقا بشرط ~~ولا موقوفا على انتفاء مانع بل لا بد من تصديقه في كل ما أخبر به ~~PageV01P188 تصديقا جازما كما في أصل الإيمان به فلو قال الرجل أنا أؤمن به ~~إن أذن لي أبي أو شيخي أو إلا أن ينهاني أبي أو شيخي لم يكن مؤمنا به ~~بالإتفاق # وكذلك من قال أؤمن به إن ظهر لي ms0106 صدقه لم يكن بعد قد آمن به ولو قال أؤمن ~~به إلا أن يظهر لي كذبه لم يكن مؤمنا # وحينئذ فلا بد من الجزم بأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل قطعي لا سمعي ولا ~~عقلي وأن ما يظنه الناس مخالفا له إما أن يكون باطلا وإما أن لا يكون ~~مخالفا وأما تقدير قول مخالف لقوله وتقديمه عليه فهذا فاسد في العقل كما هو ~~كفر في الشرع # ولهذا كان من المعلوم بالإضطرار من دين الإسلام أنه يجب على الخلق ~~الإيمان بالرسول إيمانا مطلقا جازما عاما بتصديقه في كل ما أخبر وطاعته في ~~كل ما أوجب وأمر وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل وأن من قال يجب تصديق ما ~~أدركته بعقلي ورد ما جاء به الرسول لرأيي وعقلي وتقديم عقلي على ما أخبر به ~~الرسول مع تصديقي بأن الرسول صادق فيما أخبر به فهو متناقض فاسد العقل ملحد ~~في الشرع # وأما من قال لا أصدق ما أخبر به حتى أعلمه بعقلي فكفره ظاهر وهو ممن قيل ~~فيه @QB@ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ PageV01P189 سورة الأنعام 124 وقوله تعالى ~~@QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا @QE@ سورة غافر 82 85 # ومن عارض ما جاءت به الرسل برأيه فله نصيب من قوله تعالى @QB@ كذلك يضل ~~الله من هو مسرف مرتاب @QE@ سورة غافر 34 وقوله تعالى @QB@ الذين يجادلون ~~في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك ~~يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ سورة غافر 35 وقوله تعالى @QB@ الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ~~@QE@ سورة غافر 56 والسلطان هو الكتاب المنزل من السماء فكل من عارض كتاب ~~الله المنزل ms0107 بغير كتاب الله الذي قد يكون ناسخا له أو مفسرا له كان قد جادل ~~في آيات الله بغير سلطان أتاه # ومن هذا قوله تعالى @QB@ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف ~~كان عقاب @QE@ سورة غافر 5 وقوله تعالى @QB@ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما ~~أنذروا هزوا @QE@ سورة الكهف 56 وأمثال ذلك مما في كتاب الله تعالى مما يذم ~~به الذين عارضوا رسل الله وكتبه بما عندهم من الرأي والكلام PageV01P190 # والبدع مشتقة من الكفر فمن عارض الكتاب والسنة بآراء الرجال كان قوله ~~مشتقا من أقوال هؤلاء الضلال كما قال مالك أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل ~~تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هذا # فإن قيل هذا الوجه غايته أنه لا تصح معارضة الشرع بالعقل ولكن إذا طعن في ~~العقل لم يبق لنا دليل على صحة الشرع # قيل المقصود في هذا المقام أنه يمتنع تقديم العقل على الشرع وهو المطلوب # وأما ثبوت الشرع في نفسه وعلمنا به فليس هذا مقام إثباته ونحن لم ندع أن ~~أدلة العقل باطلة ولا ان ما به يعلم صحة السمع باطل ولكن ذكرنا أنه يمتنع ~~معارضة الشرع بالعقل وتقديمه عليه وأن من قال ذلك تناقض قوله ولزمه أن لا ~~يكون العقل دليلا صحيحا إذ كان عنده العقل يستلزم صحة ما هو باطل في نفسه ~~فلا بد أن يضطره الأمر إلى أن يقول ما عارضه الدليل العقلي فليس هو عندي ~~دليلا في نفس الأمر بل هو باطل فيقال له وهكذا ما عارضه الدليل السمعي فليس ~~هو دليلا في نفس الأمر بل هو باطل وحينئذ فيرجع الأمر إلى أن ينظر في دلالة ~~الدليل سواء كان سمعيا أو عقليا فإن كان دليلا قطعيا لم يجز أن يعارضه شيء ~~وهذا هو الحق # وأيضا فقد ذكرنا أن مسمى الدليل العقلي عند من يطلق هذا اللفظ جنس تحته ~~أنواع فمنها ما هو حق ومنها ما هو باطل ms0108 باتفاق العقلاء فإن الناس متفقون ~~على أن كثيرا من الناس يدخلون في مسمى هذا الإسم ما هو حق وباطل ~~PageV01P191 # وإذا كان كذلك فالأدلة العقلية الدالة على صدق الرسول إذا عارضها ما يقال ~~إنه دليل عقلي يناقض خبره المعين ويناقض ما دل على صدقه مطلقا لزم أن يكون ~~أحد نوعي ما يسمى دليلا عقليا باطلا وتمام هذا بأن يقال $ الوجه الحادي عشر # أن ما يسميه الناس دليلا من العقليات والسمعيات ليس كثير منه دليلا وإنما ~~يظنه الظان دليلا وهذا متفق عليه بين العقلاء فإنهم متفقون على أن ما يسمى ~~دليلا من العقليات والسمعيات قد لا يكون دليلا في نفس الأمر # فنقول أما المتبعون للكتاب والسنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم فهم ~~متفقون على دلالة ما جاء به الشرع في باب الإيمان بالله تعالى وأسمائه ~~وصفاته واليوم الآخر وما يتبع ذلك لم يتنازعوا في دلالته على ذلك ~~والمتنازعون فى ذلك بعدهم لم يتنازعوا فى أن السمع يدل على ذلك وإنما ~~تنازعوا هل عارضه من العقل ما يدفع موجبه وإلا فكلهم متفقون على أن الكتاب ~~والسنة مثبتان للأسماء والصفات مثبتان لما جاءا به من أحوال الرسالة ~~والمعاد # والمنازعون لأهل الإثبات من نفاة الأفعال والصفات لا ينازعون في أن ~~النصوص السمعية تدل على الإثبات وأنه ليس في السمع دليل ظاهر على النفي ~~PageV01P192 # فقد اتفق الناس على دلالة السمع على الإثبات وإن تنازعوا في الدلالة هل ~~هي قطعية أو ظنية # وأما المعارضون لذلك من أهل الكلام والفلسفة فلم يتفقوا على دليل واحد من ~~العقليات بل كل طائفة تقول في أدلة خصومها إن العقل يدل على فسادها لا على ~~صحتها فالمثبتة للصفات يقولون إنه يعلم بالعقل فساد قول النفاة كما يقول ~~النفاة إنه يعلم بالعقل فساد قول المثبتة # ومثبتة الرؤية يقولون إنه يعلم بالعقل إمكان ذلك كما تقول النفاة إنه ~~يعلم بالعقل امتناع ذلك # والمتنازعون في الأفعال هل تقوم به يقولون إنه علم بالعقل قيام الأفعام ~~به وإن الخلق والإبداع والتأثير أمر وجودي قائم بالخالق المبدع الفاعل ms0109 # ثم كثير من هؤلاء يقولون إن التسلسل إنما هو ممتنع في العلل لا في الآثار ~~والشروط وخصومهم يقولون ليس الخلق إلا المخلوق وليس الفعل إلا المفعول وليس ~~الإبداع والخلق شيئا غير نفس الفعل ونفس المفعول المنفصل عنه وإن ذلك معلوم ~~بالعقل لئلا يلزم التسلسل # وكذلك القول في العقليات المحضة كمسألة الجوهر الفرد وتماثل الأجسام ~~وبقاء الأعراض ودوام الحوادث في الماضي أو المستقبل أو غير ذلك كل هذه ~~مسائل عقلية قد تنازع فيها العقلاء وهذا باب واسع فأهل العقليات من أهل ~~النفي والإثبات كل منهم يدعى أن العقل دل على قوله المناقض لقول الآخر وأما ~~السمع فدلالته متفق عليها بين العقلاء PageV01P193 # وإذا كان كذلك قيل السمع دلالته معلومة متفق عليها وما يقال إنه معارض ~~لها من العقل ليست دلالته معلومة متفقا عليها بل فيها نزاع كثير فلا يجوز ~~أن يعارض ما دلالته معلومة باتفاق العقلاء بما دلالته المعارضة له متنازع ~~فيها بين العقلاء # واعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية ولا فيما علم العقل ~~صحته وإنما يطعنون فيما يدعى المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة وليس في ذلك ~~ولله الحمد دليل صحيح في نفس الأمر ولا دليل مقبول عند عامة العقلاء ولا ~~دليل لم يقدح فيه بالعقل # وحينئذ فنقول في $ الوجه الثاني عشر # إن كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده وإن لم يعارض العقل ~~وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعارض به لا عقل ولا شرع # وهذه الجملة تفصيلها هو الكلام على حجج المخالفين للسنة من أهل البدع بأن ~~نبين بالعقل فساد تلك الحجج وتناقضها وهذا ولله الحمد م ازال الناس يوضحونه ~~ومن تأمل ذلك وجد في المعقول مما يعلم به فساد المعقول المخالف للشرع ما لا ~~يعلمه إلا الله PageV01P194 $ الوجه الثالث عشر # أن يقال الأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها كإثبات الصفات والمعاد ~~ونحو ذلك هي مما علم بالإضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها وما ~~كان معلوما بالإضطرار من دين ms0110 الإسلام امتنع أن يكون باطلا مع كون الرسول ~~رسول الله حقا فمن قدح في ذلك وادعى أن الرسول لم يجئ به كان قوله معلوم ~~الفساد بالضرورة من دين المسلمين $ الوجه الرابع عشر # أن يقال إن أهل العناية بعلم الرسول العالمين بالقرآن وتفسير الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لهم بإحسان والعالمين بأخبار الرسول ~~والصحابة والتابعين لهم بإحسان عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ~~ومراده ما لا يمكنهم دفعه عن قلوبهم ولهذا كانوا كلهم متفقين على ذلك من ~~غير تواطؤ ولا تشاعر كما اتفق أهل الإسلام على نقل حروف القرآن ونقل ~~الصلوات الخمس والقبلة وصيام شهر رمضان وإذا كانوا قد نقلوا مقاصده ومراده ~~عنه بالتواتر كان ذلك كنقلهم حروفه وألفاظه بالتواتر # ومعلوم أن النقل المتواتر يفيد العلم اليقيني سواء كان التواتر لفظيا أو ~~معنويا كتواتر شجاعة خالد وشعر حسان وتحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفقه الأئمة الأربعة وعدل العمرين ومغازي النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع PageV01P195 المشركين وقتاله أهل الكتاب وعدل كسرى وطب جالينوس ~~ونحو سيبويه يبين هذا أن العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسلوله ~~بكلامه أعظم مما يعلمه الأطباء من كلام جالينوس والنحاة من كلام سيبويه ~~فإذا كان من ادعى في كلام سيبويه وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل ~~العلم بالطب والنحو والحساب من كلامهم كان قوله معلوم البطلان فمن ادعى في ~~كلام الله ورسوله خلاف ما عليه أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلانا وفسادا ~~لأن هذ معصوم محفوظ # وجماع هذا أن يعلم أن المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيئان ألفاظه ~~وأفعاله ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله وكلاهما منه ما هو متواتر عند ~~العامة والخاصة ومنه ما هو متواتر عند الخاصة ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس ~~وإن كان عند غيره مجهولا أو مظنونا أو مكذوبا وأهل العلم بأقواله كأهل ~~العلم بالحديث والتفسير المنقول والمغازي والفقه يتواتر عندهم من ذلك ما لا ~~يتواتر عند غيرهم ممن لم يشركهم في علمهم وكذلك أهل ms0111 العلم بمعاني القرآن ~~والحديث والفقه في ذلك يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم من ~~معاني الأقوال والأفعال المأخوذة عن الرسول كما يتواتر عند النحاة من أقوال ~~الخليل PageV01P196 وسيبويه والكسائي والفراء وغيرهم ما لا يعلمه غيرهم ~~ويتواتر عند الأطباء من معاني أقوال أبقراط وجالينوس وغيرهما ما لا يتواتر ~~عند غيرهم ويتواتر عند كل أحد من أصحاب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي ~~وأحمد وأبي داود وأبي ثور وغيرهم من مذاهب هؤلاء الأئمة ما لا يعلمه غيرهم ~~ويتواتر عند أتباع رؤوس أهل الكلام والفلسفة من أقوالهم ما لا يعلمه غيرهم ~~ويتواتر عند أهل العلم بنقلة الحديث من أقوال شعبة ويحيى بن سعيد وعلي بن ~~المديني ويحيى بن معين وأحمد ابن حنبل وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري ~~وأمثالهم في الجرح والتعديل ما لا يعلمه غيرهم بحيث يعلمون بالإضطرار ~~اتفاقهم على تعديل مالك الثوري وشعبة PageV01P197 وحماد بن زيد والليث بن ~~سعد وغير هؤلاء وعلى تكذيب محمد بن سعيد المصلوب وأبي البختري وهب بن وهب ~~القاضي وأحمد بن عبدالله الجويباري وأمثالهم $ الوجه الخامس عشر # أن يقال كون الدليل عقليا أو سمعيا ليس هو صفة تقتضي مدحا ولا ذما ولا ~~صحة ولا فسادا بل ذلك يبين الطريق الذي به علم وهو السمع أو العقل وأن كان ~~السمع لا بد معه من العقل وكذلك كونه عقليا أو نقليا وأما كونه شرعيا فلا ~~يقابل بكونه عقليا وإنما يقابل بكونه بدعيا إذا البدعة تقابل الشرعة وكونه ~~شرعيا صفة مدح وكونه بدعيا صفة ذم وما خالف الشريعة فهو باطل # ثم الشرعي قد يكون سمعيا وقد يكون عقليا فإن كون الدليل شرعيا يراد به ~~كون الشرع أثبته ودل عليه ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه فإذا أريد ~~بالشرعي ما أثبته الشرع فإما أن يكون معلوما بالعقل أيضا ولكن الشرع نبه ~~عليه ودل عليه فيكون شرعيا عقليا PageV01P198 # وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالى عليها في كتابه العزيز من الأمثال ~~المضروبة وغيرها الدالة على توحيده وصدق رسله وإثبات صفاته وعلى المعاد ms0112 ~~فتلك كلها أدلة عقلية يعلم صحتها بالعقل وهي براهين ومقاييس عقلية وهي مع ~~ذلك شرعية # وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق فإنه إذا أخبر ~~بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعيا سمعيا # وكثير من أهل الكلام يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط وأن ~~الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين ~~العقليات والسمعيات ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة # وهذا غلط منهم بل القرآن دل على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها وإن ~~كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه كما قال تعالى @QB@ سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على ~~كل شيء شهيد @QE@ سورة فصلت 53 # وأما إذا أريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه فيدخل في ذلك ما أخبر به ~~الصادق وما دل عليه ونبه عليه القرآن وما دلت عليه وشهدت به الموجودات # والشارع يحرم الدليل لكونه كذبا في نفسه مثل أن تكون إحدى مقدماته باطلة ~~فإنه كذب والله يحرم الكذب لا سيما عليه كقوله تعالى @QB@ ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه @QE@ سورة ~~الأعراف 169 PageV01P199 # ويحرمه لكون المتكلم به يتكلم بلا علم كما قال تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس ~~لك به علم @QE@ سورة الإسراء 36 وقوله تعالى @QB@ وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون @QE@ سورة الأعراف 33 وقوله @QB@ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم ~~به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم @QE@ سورة آل عمران 66 # ويحرمه لكونه جدالا في الحق بعد ما تبين كقوله تعالى @QB@ يجادلونك في ~~الحق بعد ما تبين @QE@ سورة الأنفال 6 وقوله تعالى @QB@ ويجادل الذين كفروا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق @QE@ سورة الكهف 56 # فحينئذ فالدليل الشرعي لا يجوز أن يعارضه دليل غير شرعي ويكون مقدما عليه ~~بل هذا بمنزلة من يقول إن البدعة التي لم يشرعها الله تعالى تكون مقدمة ms0113 على ~~الشرعة التي أمر الله بها أو يقول الكذب مقدم على الصدق أو يقول خبر غير ~~النبي صلى الله عليه وسلم يكون مقدما على خبر النبي أو يقول ما نهى الله ~~عنه يكون خيرا مما أمر الله به ونحو ذلك وهذا كله ممتنع # وأما الدليل الذي يكون عقليا أو سمعيا من غير أن يكون شرعيا فقد يكون ~~راجحا تارة ومرجوحا أخرى كما أنه قد يكون دليلا صحيحا تارة ويكون شبهة ~~فاسدة أخرى فما جاءت به الرسل عن الله تعالى إخبارا أو أمرا لا يجوز أن ~~يعارض بشيء من الأشياء وأما ما يقوله الناس فقد يعارض بنظيره إذ قد يكون ~~حقا تارة وباطلا أخرا وهذا مما لا ريب فيه لكن من الناس من يدخل في الأدلة ~~الشرعية ما ليس منها كما أن منهم من يخرج منها ما هو داخل فيها والكلام هنا ~~على جنس الأدلة لا على أعيانها PageV01P200 $ الوجه السادس عشر # أن يقال غاية ما ينتهي إليه هؤلاء المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم ~~من المشهورين بالإسلام هو التأويل أو التفويض فأما الذين ينتهون إلى أن ~~يقولوا الأنبياء أوهموا وخيلوا ما لا حقيقة له في نفس الأمر فهؤلاء معروفون ~~عند المسلمين بالإلحاد والزندقة # والتأويل المقبول هو مادل على مراد المتكلم والتأويلات التي يذكرونها لا ~~يعلم أن الرسول أرادها بل يعلم بالإضطرار في عامة النصوص أن المراد منها ~~نقيض ما قاله الرسول كما يعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من ~~غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص # وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ ~~بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب هو من باب ~~التحريف والإلحاد لا من باب التفسير وبيان المراد # وأما التفويض فإن من المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن وحضنا ~~على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته ~~وعقله PageV01P201 # وأيضا فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا وإخراجنا من الظلمات إلى ms0114 ~~النور إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر ولم يرد منا أن نعرف ~~لا ظاهره ولا باطنه أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك ~~فعلى التقديرين لم نخاطب بما بين فيه الحق ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب ~~باطل وكفر # وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا أنه لم يبين الحق ولا أوضحه مع أمره لنا ~~أن نعتقده وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا ~~كشفه بل دل ظاهره على الكفر والباطل وأراد منا أن لا نفهم منه شيئا أو أن ~~نفهم منه ما لا دليل عليه فيه وهذا كله مما يعلم بالإضطرار تنزيه الله ~~ورسوله عنه وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد # وبهذا احتج الملاحدة كابن سينا وغيره على مثبتي المعاد وقالوا القول في ~~نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم وزعموا أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لم يبين ما الأمر عليه في نفسه لا في العلم بالله تعالى ولا ~~باليوم الآخر فكان الذي استطالوا به على هؤلاء هو موافقتهم لهم على نفي ~~الصفات وإلا فلو آمنوا بالكتاب كله حق الإيمان لبطلت معارضتهم ودحضت حجتهم ~~PageV01P202 # ولهذا كان ابن النفيس المتطبب الفاضل يقول ليس إلا مذهبان مذهب أهل ~~الحديث أو مذهب الفلاسفة فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض ~~والإختلاف يعني أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسول وأولئك جعلوا ~~الجميع تخييلا وتوهيما ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب ~~هؤلاء الملاحدة فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة # ثم إن ابن سينا وأمثاله من الباطنية المتفلسفة والقرامطة يقولون إنه أراد ~~من المخاطبين أن يفهموا الأمر على خلاف ما هو عليه وأن يعتقدوا ما لا حقيقة ~~له في الخارج لما في هذا التخييل والإعتقاد الفاسد لهم من المصلحة # والجهمية والمعتزلة وأمثالهم يقولون إنه أراد أن يعتقدوا الحق على ما هو ~~عليه مع علمهم بأنه لم يبين ذلك في الكتاب والسنة بل ms0115 النصوص تدل على نقيض ~~ذلك فأولئك يقولون أراد منهم اعتقاد الباطل وأمرهم به وهؤلاء يقولون أراد ~~اعتقاد ما لم يدلهم إلا على نقيضه # والمؤمن يعلم بالإضطرار أن كلا القولين باطل ولا بد للنفاة أهل التأويل ~~من هذا أو هذا وإذا كان كلاهما باطلا كان تأويل النفاة للنصوص باطلا ~~PageV01P203 # فيكون نقيضة حقا وهو إقرار الأدلة الشرعية على مدلولاتها ومن خرج عن ذلك ~~لزمه من الفساد ما لا يقوله إلا أهل الإلحاد # وما ذكرناه من لوازم قول أهل التفويض هو لازم لقولهم الظاهر المعروف ~~بينهم إذ قالوا إن الرسول كان يعلم معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة ~~ولكن لم يبين للناس مراده بها ولا أوضحه إيضاحا يقطع به النزاع # وأما على قول أكابرهم إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه ~~إلا الله وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها فعلى ~~قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من ~~هذه النصوص ولا الملائكة ولا السابقون الأولون وحينئذ فيكون ما وصف الله به ~~نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل ~~يقولون كلاما لا يعقلون معناه وكذلك نصوص المثبتين للقدر عند طائفة والنصوص ~~المثبتة للأمر والنهي والوعد والوعيد عند طائفة والنصوص المثبتة للمعاد عند ~~طائفة # ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر ~~أنه جعله هدى وبيانا للناس وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين ~~للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما ~~أخبر به الرب عن صفاته أو عن كونه خالقا لكل شيء وهو بكل شيء عليم أو عن ~~كونه أمر ونهى ووعد وتوعد أو عما أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه ~~فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ ~~المبين PageV01P204 # وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما ms0116 علمته برأيي ~~وعقلي وليس في النصوص ما يناقض ذلك لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة لا يعلم ~~أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به # فيبقى هذا الكلام سدا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء وفتحا لباب من ~~يعارضهم ويقول إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء لأنا نحن ~~نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلا ~~عن أن يبينوا مرادهم # فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر ~~أقوال أهل البدع والإلحاد # فإن قيل أنتم تعلمون أن كثيرا من السلف رأوا أن الوقف عند قوله @QB@ وما ~~يعلم تأويله إلا الله @QE@ سورة آل عمران 6 بل كثير من الناس يقول هذا هو ~~قول السلف ونقلوا هذا القول عن أبي بن كعب وابن مسعود وعائشة وابن عباس ~~وعروة بن الزبير وغير واحد من السلف والخلف وإن كان القول الآخر وهو أن ~~السلف يعلمون تأويله منقولا عن ابن عباس أيضا وهو قول مجاهد ومحمد بن جعفر ~~وابن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم وما ذكرتموه قدح في أولئك السلف وأتباعهم ~~PageV01P205 # قيل ليس الأمر كذلك فإن أولئك السلف الذين قالوا لا يعلم تأويله إلا الله ~~كانوا يتكلمون بلغتهم المعروفة بينهم ولم يكن لفظ التأويل عندهم يراد به ~~معنى التأويل الإصطلاحي الخاص وهو صرف اللفظ عن المعنى المدلول عليه ~~المفهوم منه إلى معنى يخالف ذلك فإن تسمية هذا المعنى وحده تأويلا إنما هو ~~اصطلاح طائفة من المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم ليس هو عرف السلف ~~من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم لا سيما ومن يقول إن لفظ ~~التأويل هذا معناه يقول إنه يحمل اللفظ على المعنى المرجوح لدليل يقترن به ~~وهؤلاء يقولون هذا المعنى المرجوح لا يعلمه أحد من الخلق والمعنى الراجح لم ~~يرده الله # وإنما كان لفظ التأويل في عرف السلف يراد به ما أراده الله بلفظ التأويل ~~في مثل قوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين ms0117 ~~نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق @QE@ سورة الأعراف 53 وقال تعالى @QB@ ~~ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ سورة النساء 59 وقال يوسف @QB@ يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل @QE@ سورة يوسف وقال يعقوب له @QB@ ويعلمك من تأويل الأحاديث ~~@QE@ سورة يوسف 6 @QB@ وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم ~~بتأويله @QE@ سورة يوسف 45 وقال يوسف @QB@ لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا ~~نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما @QE@ سورة يوسف 37 # فتأويل الكلام الطلبي الأمر والنهى هو نفس فعل المأمور به وترك المنهى ~~عنه كما قال سفيان بن عيينة السنة تأويل الأمر والنهى وقالت PageV01P206 ~~عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ~~ربنا وبحمدك الله اغفر لي يتأول القرآن وقيل لعروة بن الزبير فما بال عائشة ~~كانت تصلي في السفر أربعا قال تأولت كما تأول عثمان ونظائره متعددة # وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة ~~التي أخبر عنها وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره ~~ولهذا قال مالك وربيعة وغيرهما الإستواء معلوم والكيف مجهول وكذلك قال ابن ~~الماجشون وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف يقولون إنا لا نعلم كيفية ما أخبر ~~الله به عن نفسه وإن علمنا تفسيره ومعناه # ولهذا رد أحمد بن حنبل على الجهمية والزنادقة فيما طعنوا فيه من متشابه ~~القرآن وتأولوه على غير تأويله فرد على من حمله على غير ما أريد به وفسر هو ~~جميع الآيات المتشابهة وبين المراد بها # وكذلك الصحابة والتابعون فسروا جميع القرآن وكانوا يقولون إن العلماء ~~يعلمون تفسيره وما أريد به وإن لم يعلموا كيفية ما أخبر الله به عن نفسه ~~وكذلك PageV01P207 لا يعلمون كيفية الغيب فإن ما أعده الله لأوليائه من ~~النعيم لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر فذاك الذي أخبر به ~~لا يعلمه إلا الله فمن قال من السلف إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله ~~بهذا المعنى فهذا ms0118 حق # وأما من قال إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد به لا يعلمه إلا ~~الله فهذا ينازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله ~~وقالوا إنهم يعلمون معناه # كما قال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند ~~كل آية وأسأله عنها وقال ابن مسعود ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيم ~~أنزلت وقال الحسن البصري ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها # ولهذا كانوا يجعلون القرآن يحيط بكل ما يطلب من علم الدين كما قال مسروق ~~ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه # وقال الشعبي ما ابتدع قوم بدعة إلا في كتاب الله بيانها وأمثال ذلك من ~~الآثار الكثيرة المذكورة بالأسانيد الثابتة مما ليس هذا موضع بسطه $ الوجه ~~السابع عشر # أن يقال الذين يعارضون الكتاب والسنة بما يسمونه عقليات من الكلاميات ~~والفلسفيات ونحو ذلك إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة مجملة تحتمل ~~PageV01P208 معاني متعددة ويكون ما فيها من الإشتباه لفظا ومعنى يوجب ~~تناولها لحق وباطل فبما فيها من الحق يقبل ما فيها من الباطل لأجل الإشتباه ~~والإلتباس ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم # وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع فإن البدعة لو كانت ~~باطلا محضا لظهرت وبانت وما قبلت ولو كانت حقا محضا لا شوب فيه لكانت ~~موافقة للسنة فإن السنة لا تناقض حقا محضا لا باطل فيه ولكن البدعة تشتمل ~~على حق وباطل وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع # ولهذا قال تعالى فيما يخاطب به أهل الكتاب على لسان محمد صلى الله عليه ~~وسلم @QB@ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر ~~به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ولا تلبسوا الحق بالباطل ~~وتكتموا الحق ms0119 وأنتم تعلمون @QE@ سورة البقرة 40 42 فنهاهم عن لبس الحق ~~بالباطل وكتمانه ولبسه به خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر كما قال تعالى ~~@QB@ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون @QE@ سورة ~~الأنعام 9 # ومنه التلبيس وهو التدليس وهو الغش لأن المغشوش من النحاس تلبسه فضة ~~تخالطه وتغطيه كذلك إذا لبس الحق بالباطل يكون قد أظهر الباطل PageV01P209 ~~في صورة الحق فالظاهر حق والباطن باطل ثم قال تعالى @QB@ وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون @QE@ سورة البقرة 42 # وهنا قولان قيل إنه نهاهم عن مجموع الفعلين وإن الواو واو الجمع التي ~~يسميها نحاة الكوفة واو الصرف كما في قولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن كما ~~قال تعالى @QB@ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين @QE@ سورة ~~آل عمران 142 على قراءة النصب وكما في قوله تعالى @QB@ أو يوبقهن بما كسبوا ~~ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص @QE@ سورة ~~الشورى 34 35 على قراءة النصب وعلى هذا فيكون الفعل الثاني في قوله @QB@ ~~وتكتموا الحق @QE@ منصوبا والأول مجزوما # وقيل بل الواو هي الواو العاطفة المشركة بين المعطوف والمعطوف عليه فيكون ~~قد نهى عن الفعلين من غير اشتراط اجتماعهما كما إذا قيل لا تكفر وتسرق وتزن # وهذا هو الصواب كما في قوله تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق ~~بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون @QE@ سورة آل عمران 71 ولو ذمهم على ~~الإجتماع لقال وتكتموا الحق بلا نون وتلك الآية نظير هذه # ومثل هذا الكلام إذا أريد به النهي عن كل من الفعلين فإنه قد يعاد فيه ~~حرف النفي كما تقول لا تكفر ولا تسرق ولا تزن ومنه قوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ سورة النساء 29 PageV01P210 # وأما إذا لم يعد حرف النفي فيكون لارتباط أحد الفعلين بالآخر مثل أن يكون ~~أحدهما مستلزما للآخر كما قيل لا تكفر بالله وتكذب أنبياءه ونحو ذلك # وما يكون اقترانهما ممكنا ms0120 لا محذور فيه لكن النهى عن الجميع فهو قليل في ~~الكلام ولذلك قل ما يكون فيه الفعل الثاني منصوبا والغالب على الكلام جزم ~~الفعلين # وهذا مما يبين أن الراجح في قوله وتلبسوا أن تكون الواو واو العطف والفعل ~~مجزوما ولم يعد حرف النفي لأن أحد الفعلين مرتبط بالآخر مستلزم له فالنهى ~~عن الملزوم وإن كان يتضمن النهى عن اللازم فقد يظن أنه ليس مقصودا للناهي ~~وإنما هو واقع بطريق اللزوم العقلي # ولهذا تنازع الناس في الأمر بالشيء هل يكون أمرا بلوازمه وهل يكون نهيا ~~عن ضده مع اتفاقهم على أن فعل المأمور لا يكون إلا مع فعل لوازمه وترك ضده ~~ومنشأالنزاع أن الآمر بالفعل قد لا يكون مقصود اللوازم ولا ترك الضد ولهذا ~~إذا عاقب المكلف لا يعاقبه إلا على ترك المأمور فقط لا يعاقبه على ترك ~~لوازمه وفعل ضده # وهذه المسألة هي الملقبة بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب # وقد غلط فيها بعض الناس فقسموا ذلك إلى ما لا يقدر المكلف عليه كالصحة في ~~الأعضاد والعدد في الجمعة ونحو ذلك مما لا يكون قادرا على تحصيله وإلى ما ~~يقدر عليه كقطع المسافة إلى الحج وغسل جزء من الرأس في الوضوء وإمساك ~~PageV01P211 جزء من الليل في الصيام ونحو ذلك فقالوا ما لا يتم الواجب ~~المطلق إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب # وهذا التقسيم خطأ فإن هذه الأمور التي ذكروها هي شرط في الوجوب فلا يتم ~~الوجوب إلا بها وما لا يتم الوجوب إلا به لا يجب على العبد فعله باتفاق ~~المسلمين سواء كان مقدورا عليه أو لا كالإستطاعة في الحج واكتساب نصاب ~~الزكاة فإن العبد إذا كان مستطيعا للحج وجب عليه الحج وإذا كان مالكا لنصاب ~~الزكاة وجبت عليه الزكاة فالوجوب لا يتم إلا بذلك فلا يجب عليه تحصيل ~~استطاعة الحج ولا ملك النصاب # ولهذا من يقول إن الإستطاعة في الحج ملك المال كما هو مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي وأحمد فلا يوجبون عليه اكتساب المال ولم ms0121 يتنازعوا إلا فيما إذا ~~بذلت له الإستطاعة إما بذل الحج وإما بذل المال له من ولده وفيه نزاع معروف ~~في مذهب الشافعي وأحمد ولكن المشهور من مذهب أحمد عدم الوجوب وإنما أوجبه ~~طائفة من أصحابه لكون الأب له على أصله أن يتملك مال ولده فيكون قبوله ~~كتملك المباحات والمخالفون لهؤلاء من أصحابه لا يوجبون عليه اكتساب ~~المباحات والمشهور من مذهب الشافعي الوجوب ببذل الابن الفعل PageV01P212 # والمقصود هنا الفرق بين ما لا يتم الوجوب إلا به وما لا يتم الواجب إلا ~~به وأن الكلام في القسم الثاني فما لا يتم الواجب إلا به كقطع المسافة في ~~الجمعة والحج ونحو ذلك فعلى المكلف فعله باتفاق المسلمين # لكن من ترك الحج وهو بعيد الدار عن مكة أو ترك الجمعة وهو بعيد الدار عن ~~الجامع فقد ترك أكثر مما ترك قريب الدار ومع هذا فلا يقال إن عقوبة هذا ~~أعظم من عقوبة قريب الدار والواجب ما يكون تركه سببا للذم والعقاب فلو كان ~~هذا الذي لزم فعله بطريق التبع مقصودا بالوجوب لكان الذم والعقاب لتاركه ~~أعظم فيكون من ترك الحج من أهل الهند والأندلس أعظم عقابا ممن تركه من أهل ~~مكة والطائف ومن ترك الجمعة من أقصى المدينة أعظم عقابا ممن تركها من جيران ~~المسجد الجامع # فلما كان من المعلوم أن ثواب البعيد أعظم وعقابه إذا ترك ليس أعظم من ~~عقاب القريب نشأت من ههنا الشبهة هل هو واجب أو ليس بواجب والتحقيق أن ~~وجوبه بطريق اللزوم العقلي لا بطريق قصد الآمر بل الأمر بالفعل قد لا يقصد ~~طلب لوازمه وإن كان عالما بأنه لا بد من وجودها وإن كان ممن يجوز عليه ~~الغفلة فقد لا تخطر بقلبه اللوازم # ومن فهم هذا انحلت عنه شبهة الكعبي هل في الشريعة مباح أو لا فإن الكعبي ~~زعم أنه لا مباح في الشريعة لأنه ما من فعل يفعله العبد من المباحان ~~PageV01P213 إلا وهو مشتغل به عن محرم والنهي عن المحرم أمر بأحد أضداده ~~فيكون ما فعله من ms0122 المباحثان هو من أضداد المحرم المأمور بها # وجوابه أن يقال النهى عن الفعل ليس أمرا بضد معين لا بطريق القصد ولا ~~بطريق اللزوم بل هو نهي عن الفعل المقصود تركه بطريق القصد وذلك يستلزم ~~الأمر بالقدر المشترك بين الأضداد فهو أمر بمعنى مطلق كلي والأمر بالمعنى ~~المطلق الكلي ليس أمرا بمعين بخصوصه ولا نهيا عنه بل لا يمكن فعل المطلق ~~إلا بمعين أي معين كان فهو أمر بالقدر المشترك بين المعينات فما امتاز به ~~معين عن معين فالخيرة فيه إلى المأمور لم يؤمر به ولم ينه عنه وما اشتركت ~~فيه المعينات وهو القدر المشترك فهو الذي أمر به الآمر # وهذا يحل الشبهة في مسألة المأمور المخير والأمر بالماهية الكلية هل يكون ~~أمرا بشي من جزئياتها أم لا فالمخير هو الذي يكون أمر بخصلة من خصال معينة ~~كما في فدية الأذى وكفارة اليمين كقوله تعلى @QB@ ففدية من صيام أو صدقة أو ~~نسك @QE@ سورة البقرة 196 وقوله تعالى @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة @QE@ سورة المائدة 89 فهنا ~~اتفق المسلمون على أنه إذا فعل واحد منها برئت ذمته وأنه إذا ترك الجميع لم ~~يعاقب على ترك الثلاثة كما يعاقب إذا وجب عليه أن يفعل الثلاثة كلها ~~PageV01P214 # وكذلك اتفق العقلاء المعتبرون على أن الواجب ليس معينا في نفس الأمر وأن ~~الله لم يوجب عليه ما علم أنه سيفعله وإنما يقول هذا بعض الغالطين ويحكيه ~~طائفة عن طائفة غلطا عليهم بل أوجب عليه أن يفعل هذا أو هذا وهو كما قال ~~ابن عباس كل شيء في القرآن أو أو فهو على التخيير وكل شيء في القرآن فمن لم ~~يجد فو على الترتيب والله يعلم أن العبد يفعل واحدا بعينه مع علمه أنه لم ~~يوجبه عليه بخصوصه # ثم اضطرب الناس هنا هل الواجب الثلاثة فلا يكون هناك فرق بين المعين وبين ~~المخير أو الواجب واحد لا بعينه فيكون المأمور به مبهما غير معلوم للمأمور ~~ولا بد في ms0123 الأمر من تمكن المأمور من العلم بالمأمور به والعمل به والقول ~~بأيجاب الثلاثة يحكى عن المعتزلة والقول بأيجاب واحد لا بعينه هو قول ~~الفقهاء # وحقيقة الأمر أن الواجب هو القدر المشترك بين الثلاثة وهو مسمى أحدهما ~~فالواجب أحد الثلاثة وهذا معلوم متميز معروف للمأمور وهذا المسمى يوجد في ~~هذا المعين وهذا المعين وهذا المعين فلم يجب واحد بعينه غير معين بل وجب ~~أحد المعينات والإمتثال يحصل بواحد منها وإن لم يعينه الآمر # والمتناقض هو أن يوجب معينا ولا يعينه أما إذا كان الواجب غير معين بل هو ~~القدر المشترك فلا منافاة بين الإيجاب وترك التعيين PageV01P215 # وهذا يظهر بالواجب المطلق وهو الأمر بالماهية الكلية كالأمر بإعتاق رقبة ~~فإن الواجب رقبة مطلقة والمطلق لا يوجد إلا معينا لكن لا يكون معينا في ~~العلم والقصد فالآمر لم يقصد واحدا بعينه مع علمه بأنه لا يوجد إلا معينا ~~وأن المطلق الكلي عند الناس وجوده في الأذهان لا في الأعيان فما هو مطلق ~~كلي في أذهان الناس لا يوجد إلا معينا مشخصا مخصوصا متميزا في الأعيان ~~وإنما سمى كليا لكونه في الذهن كليا وأما في الخارج فلا يكون في الخارج ما ~~هو كلي أصلا # وهذا الأصل ينفع في عامة العلوم فلهذا يتعدد ذكره في كلامنا بحسب الحاجة ~~إليه فيحتاج أن يفهم في كل موضع يحتاج إليه فيه كما تقدم وبسبب الغلط فيه ~~ضل طوائف من الناس حتى في وجود الرب تعالى وجعلوه وجودا مطلقا إما بشرط ~~الإطلاق وإما بغير شرط الإطلاق وكلاهما يمتنع وجوده في الخارج # والمتفلسفة منهم من يقول يوجد المطلق بشرط الإطلاق في الخارج كما يذكر عن ~~شيعة أفلاطون القائلين بالمثل الأفلاطونية ومنهم من يزعم وجود المطلقات في ~~الخارج مقارنة للمعينات وأن الكلى المطلق جزء من المعين الجزئي كما يذكر ~~عمن يذكر عنه من أتباع أرسطو صاحب المنطق # وكلا القولين خطأ صريح فإنا نعلم بالحس وضرورة العقل أن الخارج ليس فيه ~~إلا شيء معين مختص لا شركة فيه أصلا ولكن المعاني الكلية العامة ms0124 المطلقة في ~~الذهن كالألفاظ المطلقة والعامة في اللسان وكالخط الدال على تلك الألفاظ ~~PageV01P216 فالخظ يطابق اللفظ واللفظ يطابق المعنى فكل من الثلاثة يتناول ~~الأعيان الموجودة في الخارج ويشملها ويعمها لا أن في الخارج شيئا هو نفسه ~~يعم هذا وهذا أو يوجد في هذا وهذا أو يشترك فيه هذا وهذا فإن هذا لا يقوله ~~من يتصور ما يقول وإنما يقوله من اشتبهت عليه الأمور الذهنية بالأمور ~~الخارجية أو من قلد بعض من قال ذلك من الغالطين فيه # ومن علم هذا علم كثيرا مما دخل في المنطق من الخطأ في كلامهم في الكليات ~~والجزئيات مثل الكليات الخمس الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض العام # وما ذكروه من الفرق بين الذاتيات واللوازم للماهية وما ادعوه من تركيب ~~الأنواع من الذاتيات المشتركة المميزة التي يسمونها الجنس والفصل وتسمية ~~هذه الصفات أجزاء الماهية ودعواهم أن هذه الصفات التي يسمونها أجزاء تسبق ~~الموصوف في الوجود الذهني والخارجي جميعا وإثباتهم في الأعيان الموجودة في ~~الخارج حقيقة عقلية مغايرة للشيء المعين الموجود وأمثال ذلك من أغاليطهم ~~التي تقود من اتبعها إلى الخطأ في الإلهيات حتى يعتقد في الموجود الواجب ~~أنه وجود مطلق بشرط الإطلاق كما قاله طائفة من الملاحدة أو بشرط سلب الأمور ~~الثبوتية كلها كما قاله ابن سينا وأمثاله مع العلم بصريح العقل أن المطلق ~~بشرط الإطلاق أو بشرط سلب الأمور الثبوتية يمتنع وجوده في الخارج فيكون ~~الواجب الوجود ممتنع الوجود PageV01P217 # وهذا الكفر المتناقض وأمثاله هو سبب ما اشتهر بين المسلمين أن المنطق يجر ~~إلى الزندقة وقد يطعن في هذا من لم يفهم حقيقة المنطق وحقيقة لوازمه ويظن ~~أنه في نفسه لا يستلزم صحة الإسلام ولا فساده ولا ثبوت حق ولا انتفاءه ~~وإنما هو آله تعصم مراعاتها عن الخطأ في النظر وليس الأمر كذلك بل كثير مما ~~ذكروه في المنطق يستلزم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات ويكون من ~~قال بلوازمه ممن قال الله تعالى فيه @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير @QE@ سورة ms0125 الملك 10 # والكلام في هذا مبسوط في غير هذا الموضع وإنما يلتبس ذلك على كثير من ~~الناس بسبب ما في ألفاظه من الإجمال والإشتراك والإبهام فإذا فسر المراد ~~بتلك الألفاظ انكشفت حقيقة المعاني المعقولة كما سننبه على ذلك إن شاء الله ~~تعالى # والغرض هنا أن الأمر بالشيء الذي له لوازم لا توجد إلا بوجوده سواء كانت ~~سابقة على وجوده أو كانت لاحقة لوجوده قد يكون الآمر قاصدا للأمر بتلك ~~اللوازم بحيث يكون آمرا بهذا وبهذا اللازم وأنه إذا تركهما عوقب على كل ~~منهما وقد يكون المقصود أحدهما دون الآخر وكذلك النهى عن الشيء الذي له ~~ملزوم قد يكون قصده أيضا ترك الملزوم لما فيه من المفسدة وقد يكون تركه غير ~~مقصود له وإنما لزم لزوما # ومن هنا ينكشف لك سر مسألة اشتباه الأخت بالأجنبية والمذكى بالميت ونحو ~~ذلك مما ينهي العبد فيه عن فعل الإثنين لأجل الإشتباه فقالت طائفة كلتاهما ~~محرمة وقالت طائفة بل المحرم في نفس الأمر الأخت والميتة والأخرى ~~PageV01P218 إنما نهى عنها لعلة الإشتباه وهذا القول أغلب على فطرة الفقهاء ~~والأول أغلب على طريقه من لا يجعل في الأعيان معاني تقتضي التحليل والتحريم ~~فيقول كلاهما نهى عنه وإنما سبب النهي اختلف # والتحقيق في ذلك أن المقصود للناهي اجتناب الأجنبية والميتة فقط والمفسدة ~~التي من أجلها نهى عن العين موجودة فيها فقط وأما ترك الأخرى فهي من باب ~~اللوازم فهنا لا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه وهنا لا يتم فعل الواجب ~~إلا بفعله # وهذا نظير من ينهاه الطبيب عن تناول شراب مسموم واشتبه ذلك القدح بغيره ~~فعلى المريض اجتناب القدحين والمفسدة في أحدهما ولهذا لو أكل الميتة ~~والمذكى لعوقب على أكل الميتة كما لو أكلها وحدها ولا يزداد عقابه بأكل ~~المذكى بخلاف ما إذا أكل ميتتين فإنه يعاقب على أكلهما أكثر من عقاب من أكل ~~إحداهما # إذا عرف هذا فقوله تعالى @QB@ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق @QE@ ~~سورة البقرة 42 نهى عنهما والثاني لازم للأول مقصود بالنهى فمن لبس ms0126 الحق ~~بالباطل كتم الحق وهو معاقب على لبسه الحق بالباطل وعلى كتمانه الحق فلا ~~يقال النهى عن جمعهما فقط لأنه لو كان هذا صحيحا لم يكن مجرد كتمان الحق ~~موجبا للذم ولا مجرد لبس الحق بالباطل موجبا للذم وليس الأمر كذلك فإن ~~كتمان أهل الكتاب ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بنيه للناس ~~يستحقون به العقاب باتفاق المسلمين وكذلك لبسهم الحق الذي أنزله الله ~~بالباطل يستحقون به العقاب باتفاق المسلمين وكذلك لبسهم الحق الذي أنزله ~~الله بالباطل PageV01P219 الذي ابتدعوه وجمع بينهما بدون إعادة حرف النفي ~~لأن اللبس مستلزم للكتمان ولم يقتصر على الملزوم لأن اللازم مقصود بالنهى # فهذا يبين لك بعض ما في القرآن من الحكم والأسرار وإنما كان اللبس ~~مستلزما للكتمان لأن من لبس الحق بالباطل كما فعله أهل الكتاب حيث ابتدعوا ~~دينا لم يشرعه الله فأمروا بما لم يأمر به ونهوا عما لم ينه عنه وأخبروا ~~بخلاف ما أخبر به فلا بد له أن يكتم من الحق المنزل ما يناقض بدعته إذ الحق ~~المنزل الذي فيه خبر بخلاف ما أخبر به إن لم يكتمه لم يتم مقصوده وكذلك ~~الذي فيه إباحة لما نهي عنه أو إسقاط لما أمر به # والحق المنزل إما أمر ونهى وإباحة وإما خبر فالبدع الخبرية كالبدع ~~المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته والنبيين واليوم الآخر لا بد أن يخبروا ~~فيها بخلاف ما أخبر الله به والبدع الأمرية كمعصية الرسول المبعوث إليهم ~~ونحو ذلك لا بد أن يأمروا فيها بخلاف ما أمر الله به والكتب المتقدمة تخبر ~~عن الرسول النبي الأمي وتأمر باتباعه # والمقصود هنا الإعتبار فإن بني إسرائيل قد ذهبوا أو كفروا وإنما ذكرت ~~قصصهم عبرة لنا وكان بعض السلف يقول إن بني إسرائيل ذهبوا وإنما يعنى أنتم ~~ومن الأمثال السائرة إياك أعني واسمعي يا جارة فكان فيما خاطب الله به بني ~~إسرائيل عبرة لنا أن لا نلبس الحق بالباطل ونكتم الحق PageV01P220 # والبدع التي يعارض بها الكتاب والسنة التي يسميها أهلها كلاميات ms0127 وعقليات ~~وفلسفيات أو ذوقيات ووجديات وحقائق وغير ذلك لا بد أن تشمل على لبس حق ~~بباطل وكتمان حق وهذا أمر موجود يعرفه من تأمله فلا تجد قط مبتدعا إلا وهو ~~يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ~~ويبغض من يفعل ذلك كما قال بعض السلف ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة ~~الحديث من قلبه ثم إن قوله الذي يعارض به النصوص لابد له أن يلبس فيه حقا ~~بباطل بسبب ما يقوله من الألفاظ المجملة المتشابهة # ولهذا قال الإمام أحمد في أول ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية ~~فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله مما كتبه في حبسه ~~وقد ذكره الخلال في كتاب السنة والقاضي أبو يعلى وأبو الفضل التميمي وأبو ~~الوفاء بن عقيل وغير واحد من أصحاب أحمد ولم ينفه أحد منهم عنه قال في أوله ~~الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ~~ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور ~~الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما ~~أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة ~~وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على ~~PageV01P221 مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير ~~علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم ~~فنعوذ بالله من فتن المضلين # والمقصود هنا قوله يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما ~~يشبهون عليهم وهذا الكلام المتشابه الذى يخدعون به جهال الناس هو الذى ~~يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة وتلك ~~الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس لكن بمعان أخر ~~غير المعاني التي قصدوها هم بها فيقصدون هم بها معاني أخر فيحصل الإشتباه ms0128 ~~والإجمال كلفظ العقل والعاقل والمعقول فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما ~~يدل على عرض إما مسمى مصدر عقل يعقل عقلا وإما قوة يكون بها العقل وهي ~~الغريزة وهم يريدون بذلك جوهرا مجردا قائما بنفسه # وكذلك لفظ المادة والصورة بل وكذلك لفظ الجوهر والعرض والجسم والتحيز ~~والجهة والتركيب والجزء والإفتقار والعلة والمعلول والعاشق والعشق والمعشوق ~~بل ولفظ الواحد في التوحيد بل ولفظ الحدوث والقدم بل ولفظ الواجب والممكن ~~بل ولفظ الوجود والموجود والذات وغير ذلك من الألفاظ # وما من أهل فن إلا وهم معترفون بأنهم يصطلحون على ألفاظ يتفاهمون بها ~~مرادهم كما لأهل الصناعات العملية ألفاظ يعبرون بها عن صناعتهم وهذه ~~PageV01P222 الألفاظ هي عرفية عرفا خاصا ومرادهم بها غير المفهوم منها في ~~أصل اللغة سواء كان ذلك المعنى حقا أو باطلا # وإذا كان كذلك فهذا مقام يحتاج إلى بيان # وذلك أن هؤلاء المعارضين إذا لم يخاطبوا بلغتهم واصطلاحهم فقد يقولون إنا ~~لا نفهم ما قيل لنا أو أن المخاطب لنا والراد علينا لم يفهم قولنا ويلبسون ~~على الناس بأن الذي عنيناه بكلامنا حق معلوم بالعقل أو بالذوق ويقولون أيضا ~~إنه موافق للشرع إذا لم يظهروا مخالفة الشرع كما يفعله الملاحدة من ~~القرامطة والفلاسفة ومن ضاهأهم وإذا خوطبوا بلغتهم واصطلاحهم مع كونه ليس ~~هو اللغة المعروفة التي نزل بها القرآن فقد يفضي إلى مخالفة ألفاظ القرآن ~~في الظاهر # فإن هؤلاء عبروا عن المعاني التي أثبتها القرآن بعبارات أخرى ليست في ~~القرآن وربما جاءت في القرآن بمعنى آخر فليست تلك العبارات مما أثبته ~~القرآن بل قد يكون معناها المعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن منتفيا ~~باطلا نفاه الشرع والعقل وهم اصطلحوا بتلك العبارات على معان غير معانيها ~~في لغة العرب فتبقى إذا أطلقوا نفيها لم تدل في لغة العرب على باطل ولكن ~~تدل في اصطلاحهم الخاص على باطل فمن خاطبهم بلغة العرب قالوا إنه لم يفهم ~~مرادنا ومن خاطبهم باصطلاحهم أخذوا يظهرون عنه أنه قال ما يخالف القرآن ~~وكان هذا ms0129 من جهة كون تلك الألفاظ مجملة مشتبهة # وهذا كالألفاظ المتقدمة مثل لفظ القدم والحدوث والجوهر والجسم والعرض ~~والمركب والمؤلف والمتحيز والبعض والتوحيد PageV01P223 والواحد فهم يريدون ~~بلفظ التوحيد والواحد في اصطلاحهم ما لا صفة له ولا يعلم منه شيىء دون شيىء ~~ولا يرى والتوحيد الذي جاء به الرسول لم يتضمن شيئا من هذا النفي وإنما ~~تضمن إثبات الألهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا هو ولا يعبد إلا إياه ~~ولا يتوكل إلا عليه ولا يوالي إلا له ولا يعادي إلا فيه ولا يعمل إلا لأجله ~~وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات # قال جابر بن عبد الله في حديثه الصحيح في سياق حجة الوداع فأهل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن ~~الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وكانوا في الجاهلية يقولون لبيك لا ~~شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فأهل النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتوحيد كما تقدم # قال تعالى @QB@ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم @QE@ سورة ~~البقرة 163 # وقال تعالى @QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي ~~فارهبون @QE@ سورة النحل 51 وقال تعالى @QB@ ومن يدع مع الله إلها آخر لا ~~برهان له به فإنما حسابه عند ربه @QE@ سورة المؤمنون 117 وقال تعالى @QB@ ~~واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون @QE@ ~~PageV01P224 سورة الزخرف 45 وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ~~@QE@ سورة النحل 36 # وأخبرنا عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا ~~شريك له وقال تعالى @QB@ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ سورة الممتحنة ms0130 4 ~~وقال تعالى عن المشركين @QB@ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب @QE@ ~~سورة ص 5 وقال تعالى @QB@ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم ~~نفورا @QE@ سورة الإسراء وقال تعالى @QB@ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون @QE@ سورة ~~الزمر 45 وقال تعالى @QB@ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ~~ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون @QE@ سورة الصافات 35 36 وهذا في ~~القرآن كثير # وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله وحده خلق ~~العالم كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف ويظن هؤلاء أنهم إذا ~~أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد ويظن هؤلاء أنهم إذا شهدوا هذا ~~وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد # وكثير من أهل الكلام يقول التوحيد له ثلاث معان وهو واحد في ذاته لا قسيم ~~له أو لا جزء له وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله PageV01P225 لا ~~شريك له وهذا المعنى الذي تتناوله هذه العبارة فيها ما يوافق ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها ما يخالف ما جاء به الرسول وليس الحق الذي ~~فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول بل التوحيد الذي أمر به أمر يتضمن الحق ~~الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى فهذا من الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل ~~وكتم الحق # وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ~~ينزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شيىء لم يكن موحدا بل ولا مؤمنا حتى يشهد ~~أن لا إله إلا الله فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة ويلتزم ~~بعبادة الله وحده لا شريك له # والإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة ليس هو الإله بمعنى ~~القادر على الخلق فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الإختراع واعتقد ~~لأن هذا أخص وصف الإله وجعل إثبات هذا التوحيد هو ms0131 الغاية في التوحيد كما ~~يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن ~~وأتباعه لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله فإن مشركي العرب ~~كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيىء وكانوا مع هذا مشركين # قال تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ سورة يوسف 106 ~~قال طائفة من السلف تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا ~~يعبدون غيره وقال تعالى @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون ~~لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله ~~قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم ~~تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون @QE@ سورة المؤمنون 84 89 وقال تعالى ~~@QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ~~@QE@ سورة العنكبوت 61 PageV01P226 # فليس كل من أقر أن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه ~~داعيا له دون ما سواه راجيا خائفا منه دون ما سواه يوالي فيه ويعادي فيه ~~ويطيع رسله ويأمر بما أمر به وينهي عما نهى عنه وقد قال تعالى @QB@ ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله @QE@ سورة الأنفال 39 وعامة ~~المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به ~~وجعلوا له أندادا قال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا @QE@ سورة الزمر 43 ~~44 # وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ سورة يونس 18 وقال تعالى @QB@ ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى ~~معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون @QE@ سورة الأنعام ms0132 94 وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ سورة البقرة ~~165 # ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها كما ~~يدعو الله تعالى ويصوم لها وينسك لها ويتقرب إليها ثم يقول إن هذا ليس بشرك ~~وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي فإذا جعلتها سببا وواسطة لم أكن ~~مشركا PageV01P227 # ومن المعلوم بالإضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك فهذا ونحوه من التوحيد ~~الذي بعث الله به رسله وهم لا يدخلونه في مسمى التوحيد الذي اصطلحوا عليه ~~وأدخلوا في ذلك نفي صفاته فإنهم إذا قالوا لا قسيم له ولا جزء له ولا شبيه ~~له فهذا اللفظ وإن كان يراد به معنى صحيح فإن الله ليس كمثله شيء وهو ~~سبحانه لا يجوز عليه أن يتفرق ولا يفسد ولا يستحيل بل هو أحد صمد والصمد ~~الذي لا جوف له وهو السيد الذي كمل سؤدده فإنهم يدرجون في هذا نفي علوه على ~~خلقه ومباينته لمصنوعاته ونفى ما ينفونه من صفاته ويقولون إن إثبات ذلك ~~يقتضي أن يكون مركبا منقسما وأن يكون له شبيه # وأهل العلم يعلمون ان مثل هذا لا يسمى في لغة العرب التي نزل بها القرآن ~~تركيبا وانقساما ولا تمثيلا وهكذا الكلام في مسمى الجسم والعرض والجوهر ~~والمتحيز وحلول الحوادث وأمثال ذلك فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ~~ينفونه أمورا مما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله فيدخلون فيها نفى علمه ~~وقدرته وكلامه ويقولون إن القرآن مخلوق لم يتكلم الله به وينفون بها رؤيته ~~لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم ثم يقولون والله ~~منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسما ~~متحيزا والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلما ويقولون لو كان فوق العرش ~~لكان جسما متحيزا والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلما فوق العرش وأمثال ~~ذلك PageV01P228 # وإذا كانت هذه الألفاظ مجملة ms0133 كما ذكر فالمخاطب لهم إما أن يفصل ويقول ما ~~تريدون بهذه الألفاظ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قبلت وإن فسروها ~~بخلاف ذلك ردت # وإما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا فإن ~~امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى العجز والإنقطاع وإن تكلم بها ~~معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقا وباطلا وأوهموا الجهال ~~باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله ~~عنها فحينئذ تختلف المصلحة فإن كانوا في مقام دعوة الناس إلى قولهم ~~وإلزامهم به أمكن أن يقال لهم لا يجب على أحد أن يجيب داعيا إلا إلى ما دعا ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه ~~لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه ولا له دعوة الناس إلى ذلك ولو قدر أن ~~ذلك المعنى حق # وهذه الطريق تكون أصلح إذا لبس ملبس منهم على ولاة الأمور وأدخلوه في ~~بدعتهم كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم ~~من القول بخلق القرآن وغير ذلك فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال ائتونا بكتاب ~~أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب ~~والسنة # وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء وإذا ردوا ~~إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أداه ~~إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في ~~موارد النزاع إلا الكتاب والسنة PageV01P229 # وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة وصار يطالبهم بدلالة ~~الكتاب والسنة على قولهم فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى @QB@ خالق كل شيء ~~@QE@ سورة الأنعام 102 وقوله @QB@ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث @QE@ سورة ~~الأنبياء 2 وقول النبي صلى الله عليه وسلم تجئ البقرة وآل عمران وأمثال ذلك ~~من الأحاديث مع ما ذكروه من قوله صلى الله عليه ms0134 وسلم إن الله خلق الذكر ~~أجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم # ولما قالوا ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله عارضهم بالعلم فقال ~~ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله # ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث وكان من أحذقهم بالكلام الزمه ~~التجسيم وأنه إذا أثبت لله كلاما غير مخلوق لزم أن يكون جسما # فأجابه الإمام أحمد بأن هذا اللفظ لا يدرى مقصود المتكلم به وليس له أصل ~~في الكتاب والسنة والإجماع فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا ~~بمدلوله وأخبره أني أقول هو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ~~فبين أنى لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في ~~الإسلام فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى ~~موجبها فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من ~~PageV01P230 دعاهم إلى ما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم لا إجابة ~~من دعاهم إلى قول مبتدع ومقصود المتكلم بها مجمل لا يعرف إلا بعد الإستفصال ~~والإستفسار فلا هي معروفة في الشرع ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم ~~بها # فهذه الماظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيا وأما إذا كان ~~المناظر معارضا للشرع بما يذكره أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة مثل من ~~لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدعي أن ~~الشرع خاطب الجمهور وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع ونحو ذلك ~~أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء فهؤلاء لا بد في مخاطبتهم من ~~الكلام على المعاني التي يدعونها إما بألفاظهم وإما بألفاظ يوافقون على ~~أنها تقوم مقام ألفاظهم # وحينئذ فيقال لهم الكلام إما أن يكون في الألفاظ وإما أن يكون في المعاني ~~وإما أن يكون فيهما فإن كان الكلام في المعاني المجردة من ms0135 غير تقييد بلفظ ~~كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل ~~يسميه علة وعاشقا ومعشوقا ونحو ذلك فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة ~~الشرعية كان حسنا وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم فبيان ضلالهم ودفع ~~صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ كما لو ~~جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم فدفعهم بلبس ~~ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفا من التشبه بهم في ~~الثياب PageV01P231 # وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة فإنه يقال له إطلاق هذه ~~الألفاظ نفيا وإثباتا بدعة وفي كل منهما تلبيس وإيهام فلا بد من الإستفسار ~~والإستفصال أو الإمتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات # وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام وأهل الكلام كقول أبي ~~يوسف من طلب العلم بالكلام تزندق وقول الشافعي حكمي في أهل الكلام أن ~~يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ~~ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام وقوله لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ~~ما كنت أظنه ولأن يبتلي العبد بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خير له من أن ~~يبتلى بالكلام وقول الإمام أحمد ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح وقل أحد نظر فى ~~الكلام إلا كان في قلبه غل على أهل الإسلام وأمثال هذا الأقوال المعروفة عن ~~الأئمة ظن بعض الناس أنهم إنما ذموا الكلام لمجرد ما فيه من الإصطلاحات ~~المحدثة كلفظ الجوهر والجسم والعرض وقالوا إن مثل هذا لا يقتضي الذم كما لو ~~أحدث الناس آنية يحتاجون إليها أو سلاحا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو وقد ~~ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره # وليس الأمر كذلك بل ذمهم للكلام لفساد معناه اعظم من ذمهم لحدوث ألفاظه ~~فذموه لإشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة ومخالفته للعقل ~~PageV01P232 الصريح ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة وكل ما خالف ~~الكتاب والسنة فهو باطل قطعا ms0136 ثم من الناس من قد يعلم بطلانه بعقله ومنهم من ~~لا يعلم ذلك # وأيضا فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق ~~والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئا وأكثر ~~اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا ~~يعلمه إلا الله فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني ~~الصحيحة ثابتة فيهما والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة ~~ولو كان الناس محتاجين في أصول دينهم إلى ما لم يبينه الله ورسوله لم يكن ~~الله قد أكمل للأمة دينهم ولا أتم عليهم نعمته فنحن نعلم أن كل حق يحتاج ~~الناس إليه في أصول دينهم لا بد أن يكون مما بينه الرسول إذ كانت فروع ~~الدين لا تقوم إلا بأصوله فكيف يجوز أن يترك الرسول أصول الدين التي لا يتم ~~الإيمان إلا بها لا يبينها للناس # ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقا أو اعتقادا زعم أن الإيمان لا يتم إلا ~~به مع العلم بأن الرسول لم يذكره # وهذا مما احتج به علماء السنة على من دعاهم إلى قول الجهمية القائلين ~~بخلق القرآن وقالوا إن هذا لو كان من الدين الذي يجب الدعاء إليه لعرفه ~~الرسول PageV01P233 ودعا أمته إليه كما ذكره أبو عبدالرحمن الأذرمي الأزدعي ~~في مناظرته للقاضي أحمد بن أبي دؤاد قدام الواثق # وهذا مما رد به علماء السنة على من زعم أن طريقة الإستدلال على إثبات ~~الصانع سبحانه بإثبات الأعراض وحدوثها من الواجبات التي لا يحصل الإيمان ~~إلا بها وأمثال ذلك # وبالجملة فالخطاب له مقامات فإن كان الإنسان في مقام دفع من يلزمه ويأمره ~~ببدعة ويدعوه إليها أمكنه الإعتصام بالكتاب والسنة وأن يقول لا أجيبك إلا ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله بل هذا هو الواجب مطلقا # وكل من دعا إلى شيء من الدين بلا أصل من كتاب الله وسنة رسوله فقد دعا ~~إلى بدعة وضلالة والإنسان في نظره مع نفسه ومناظرته لغيره إذا اعتصم ~~بالكتاب والسنة ms0137 هداه الله إلى صراطه المستقيم فإن الشريعة مثل سفينة نوح ~~عليه السلام من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وقد قال تعالى @QB@ وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ سورة ~~الأنعام 153 وقال تعالى @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من ~~دونه أولياء @QE@ سورة الأعراف 3 وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ~~خطبته إن أصدق الكلام كلام PageV01P234 الله وخير الهدى هدى محمد وشر ~~الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~الذي رواه مسلم في سياق حجة الوداع إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ~~كتاب الله تعالى وفي الصحيح أنه قيل لعبدالله بن أبي أوفى هل وصى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بشيء قال لا قيل فلم وقد كتب الوصية على الناس قال وصى ~~بكتاب الله # وقد قال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ ~~سورة البقرة 213 وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ~~سورة النساء 59 ومثل هذا كثير # وأما إذا كان الإنسان في مقام الدعوة لغيره والبيان له وفي مقام النظير ~~أيضا فعليه أن يعتصم أيضا بالكتاب والسنة ويدعو إلى ذلك وله أن يتكلم مع ~~PageV01P235 ذلك ويبين الحق الذي جاء به الرسول بالأقيسة العقلية والأمثال ~~المضروبة فهذه طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة فإن الله سبحانه وتعالى ضرب ~~الأمثال في كتابه وبين بالبراهين العقلية توحيده وصدق رسله وأمر المعاد ~~وغير ذلك من أصول الدين وأجاب عن معارضة المشركين كما قال تعالى @QB@ ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ سورة الفرقان 33 # وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخاطباته ولما قال ما منكم من ~~أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر قال له أبو رزين ~~العقيلي ms0138 كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن كثير فقال سأنبئك بمثل ذلك في آلاء ~~الله هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخليا به فالله أعظم # ولما سأله أيضا عن إحياء الموتى ضرب له المثل بإحياء النبات PageV01P236 # وكذلك السلف فروى عن ابن عباس أنه لما أخبر بالرؤية عارضه السائل يقوله ~~تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ سورة الأنعام 103 فقال له ألست ترى ~~السماء فقال بلى قال أتراها كلها قال لا فبين له أن نفى الإدراك لا يقتضى ~~نفى الرؤية # وكذلك الأمة كالإمام أحمد في رده على جهمية لما بين دلالة القرآن على ~~علوه تعالى واستوائه على عرشه وأنه مع ذلك عالم بكل شيء كما دل على ذلك ~~قوله تعالى @QB@ هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج ~~فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير @QE@ سورة الحديد 4 فبين ~~أن المراد بذكر المعية أنه عالم بهم كما افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم ~~وبين سبحانه أنه مع علوه على العرش يعلم ما الخلق عاملون كما في حديث ~~العباس بن عبدالمطلب الذي رواه أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال فيه والله فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه فبين الإمام أحمد إمكان ذلك ~~بالإعتبار العقلي وضرب مثلين ولله المثل الأعلى فقال لو أن رجلا في يده ~~قوارير فيمها ماء صاف لكان بصره PageV01P237 # قد أحاط بما فيها مع مباينته فالله وله المثل الأعلى قد أحاط بصره بخلقه ~~وهو مستو على عرشه وكذلك لو أن رجلا بنى دارا لكان مع خروجه عنها يعلم ما ~~فيها فالله الذي خلق العالم يعلمه مع علوه عليه كما قال تعالى @QB@ ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ سورة الملك 14 # وإذا كان المتكلم في مقام الإجابة لمن عارضه بالعقل وادعى أن العقل يعارض ~~النصوص فإنه قد يحتاج إلى حل شبهته وبيان بطلانها فإذا أخذ ms0139 النافي يذكر ~~ألفاظا مجملة مثل أن يقول لو كان فوق العرش لكان جسما أو لكان مركبا وهو ~~منزه عن ذلك ولو كان له علم وقدرة لكان جسما وكان مركبا وهو منزه عن ذلك ~~ولو خلق واستوى وأتى لكان تحله الحوادث وهو منزه عن ذلك ولو قامت به الصفات ~~لحلته الأعراض وهو منزه عن ذلك # فهنا يستفصل السائل ويقول له ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة # فإن أراد بها حقا وباطلا قبل الحق ورد الباطل مثل أن يقول أنا أريد بنفي ~~الجسم نفي قيامه بنفسه وقيام الصفات به ونفي كونه مركبا فنقول هو قائم ~~بنفسه وله صفات قائمة به وأنت إذا سميت هذا تجسيما لم يجز أن أدع الحق الذي ~~دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول لأجل تسميتك أنت له بهذا PageV01P238 # وأما قولك ليس مركبا فإن أردت به أنه سبحانه ركبه مركب أو كان متفرقا ~~فتركب وأنه يمكن تفرقه وانفصاله فالله تعالى منزه عن ذلك وإن أردت أنه ~~موصوف بالصفات مباين للمخلوقات فهذا المعنى حق ولا يجوز رده لأجل تسميتك له ~~مركبا فهذا ونحوه مما يجاب به # وإذا قدر أن المعارض أصر على تسمية المعاني الصحيحة التي ينفيها بألفاظه ~~الإصطلاحية المحدثة مثل أن يدعى أن ثبوت الصفات ومباينة المخلوقات يستحق أن ~~يسمى في اللغة تجسيما وتركيبا ونحو ذلك قيل له هب أنه سمى بهذا الإسم فنفيك ~~له إما أن يكون بالشرع وإما أن يكون بالعقل # أما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله لا بنفي ولا إثبات ولم ~~ينطق أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى بذلك لا نفيا ولا إثباتا ~~بل قول القائل إن الله جسم أو ليس بجسم أو جوهر أو ليس بجوهر أو متحيز أو ~~ليس بمتحيز أو في جهة أو ليس في جهة أو تقوم به الأعراض والحوادث أو لا ~~تقوم به ونحو ذلك كل هذه الأقوال محدثة بين أهل الكلام المحدث لم يتكلم ~~السلف والأئمة فيها لا بإطلاق النفي ولا بإطلاق الإثبات بل ms0140 كانوا ينكرون ~~على أهل الكلام الذين يتكلمون بمثل هذا النوع في حق الله تعالى نفيا ~~وإثباتا # وإن أردت أن نفي ذلك معلوم بالعقل وهو الذي تدعيه النفاة ويدعون أن نفيهم ~~المعلوم بالعقل عارض نصوص الكتاب والسنة PageV01P239 # قيل له فالأمور العقلية المحضة لا عبرة فيها بالألفاظ فالمعنى إذا كان ~~معلوما إثباته بالعقل لم يجز نفيه لتعبير المعبر عنه بأي عبارة عبر بها ~~وكذلك إذا كان معلوما انتفاؤه بالعقل لم يجز إثباته بأي عبارة عمر بها ~~المعبر وبين له بالعقل ثبوت المعنى الذي نفاه وسماه بألفاظه الإصطلاحية # وقد يقع في محاورته إطلاق هذه الألفاظ لأجل اصطلاح ذلك النافي ولغته وإن ~~كان المطلق لها لا يستجيز إطلاقها في غير هذا المقام كما إذا قال الرافضي ~~أنتم ناصبة تنصبون العداوة لآل محمد فقيل له نحن نتولى الصحابة والقرابة ~~فقال لا ولاء إلا ببراء فمن لم يتبرأ من الصحابة لم يتول القرابة فيكون قد ~~نصب لهم العداوة # فيقال له هب أن هذا يسمى نصبا فلم قلت إن هذا محرم فلا دلالة لك على ذم ~~النصب بهذا التفسير كما لا دلالة على ذم الرفض بمعنى موالاة أهل البيت إذا ~~كان الرجل مواليا لأهل البيت كما يحب الله ورسوله ومنه قول القائل % إن كان ~~رفضا حب آل محمد % فليشهد الثقلان أني رافضي % $ # وقول القائل أيضا % إذا كان نصبا ولاء الصحاب % فإني كما زعموا ناصبي % % ~~وإن كان رفضا ولاء الجميع % فلا برح الرفض من جانبي % $ # والأصل في هذا الباب أن الألفاظ نوعان PageV01P240 # نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع فهذا يجب اعتبار ~~معناه وتعليق الحكم به فإن كان المذكور به مدحا استحق صاحبه المدح وإن كان ~~ذما استحق الذم وإن أثبت شيئا وجب إثباته وإن نفى شيئا وجب نفيه لأن كلام ~~الله حق وكلام رسوله حق وكلام أهل الإجماع حق وهذا كقوله تعالى @QB@ قل هو ~~الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ سورة ~~الإخلاص 1 4 وقوله تعالى @QB@ هو ms0141 الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو ~~الملك القدوس السلام المؤمن @QE@ سورة الحشر 22 23 ونحو ذلك من أسماء الله ~~وصفاته # وكذلك قوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ سورة الشورى 11 وقوله تعالى ~~@QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ سورة الأنعام 103 وقوله تعالى ~~@QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ سورة القيامة 22 23 وأمثال ذلك ~~مما ذكره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهذا كله حق # ومن دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذموما كاسم الكافر والمنافق والملحد ~~ونحو ذلك ومن دخل في اسم محمود في الشرع كان محمودا كاسم المؤمن والتقي ~~والصديق ونحو ذلك # وأما الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم ~~والإثبات والنفي على معناها إلا أن يبين أنه يوافق الشرع والألفاظ التي ~~تعارض PageV01P241 بها النصوص هي من هذا الضرب كلفظ الجسم والحيز والجهة ~~والجوهر والعرض فمن كانت معارضته بمثل هذه الألفاظ لم يجز له أن يكفر ~~مخالفه إن لم يكن قوله مما يبين الشرع أنه كفر لأن الكفر حكم شرعي متلقي عن ~~صاحب الشريعة والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه وليس كل ما كان خطأ في ~~العقل يكون كفرا في الشرع كما أنه ليس كل ما كان صوابا في العقل تجب في ~~الشرع معرفته # ومن العجب قول من يقول من أهل الكلام إن أصول الدين التي يكفر مخالفها هي ~~علم الكلام الذي يعرف بمجرد العقل وأما ما لا يعرف بمجرد العقل فهي ~~الشرعيات عندهم وهذه طريقة المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم كأتباع صاحب ~~الإشاد وأمثالهم # فيقال لهم هذا الكلام تضمن شيئين أحدهما أن أصول الدين هي التي تعرف ~~بالعقل المحض دون الشرع والثاني أن المخالف لها كافر وكل من المقدمتين وإن ~~كانت باطلة فالجمع بينهما متناقض وذلك أن ما لا يعرف إلا بالعقل لا يعلم أن ~~مخالفه كافر الكفر الشرعي فإنه ليس في الشرع أن من خالف ما لا يعلم إلا ~~بالعقل يكفر وإنما الكفر يكون ms0142 بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر ~~به أو الإمتناع عن متابعته مع العلم بصدقه مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم # وفي الجملة فالكفر متعلق بما جاء به الرسول وهذا ظاهر على قول من لا يوجب ~~شيئا ولا يحرمه إلا بالشرع فإنه لو قدر عدم الرسالة لم يكن كفر محرم ولا ~~إيمان واجب عندهم ومن أثبت ذلك بالعقل فإن لا ينازع أنه بعد مجيء ~~PageV01P242 الرسول تعلق الكفر والإيمان بما جاء به لا بمجرد ما يعلم ~~بالعقل فكيف يجوز أن يكون الكفر معلقا بأمور لا تعلم إلا بالعقل إلا أن يدل ~~الشرع على أن تلك الأمور التي لا تعلم إلا بالعقل كفر فيكون حكم الشرع ~~مقبولا لكن معلوم أن هذا لا يوجد في الشرع بل الموجود في الشرع تعليق الكفر ~~بما يتعلق به الإيمان وكلاهما متعلق بالكتاب والرسالة فلا إيمان مع تكذيب ~~الرسول ومعاداته ولا كفر مع تصديقه وطاعته # ومن تدبر هذا رأى أهل البدع من النفاة يعتمدون على مثل هذا فيبتدعون بدعا ~~بآرائهم ليس فيها كتاب ولا سنة ثم يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه وهذا حال ~~من كفر الناس بما أثبتوه من الأسماء والصفات التي يسميها هو تركيبا وتجسيما ~~وإثباتا لحلول الصفات والأعراض به ونحو ذلك من الأقوال التي ابتدعتها ~~الجهمية والمعتزلة ثم كفروا من خالفهم فيها # والخوارج الذين تأولوا آيات من القرآن وكفروا من خالفهم فيها أحسن حالا ~~من هؤلاء فإن أولئك علقو الكفر بالكتاب والسنة لكن غلطوا في فهم النصوص ~~وهؤلاء علقوا الكفر بكلام ما أنزل الله به من سلطان # ولهذا كان ذم السلف للجهمية من أعظم الذم حتى قال عبدالله بن المبارك إنا ~~لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية PageV01P243 # بل الحق أنه لو قدر أن بعض الناس غلط في معان دقيقة لا تعلم إلا بنظر ~~العقل وليس فيها بيان في النصوص والإجماع لم يجز لأحد أن يكفر مثل هذا ولا ~~يفسقه بخلاف من نفى ما أثبتته النصوص الظاهرة المتواترة فهذا أحق بالتكفير ~~إن ms0143 كان المخطئ في هذا الباب كافرا # وليس المقصود هنا بيان مسائل التكفير فإن هذا مبسوط في موضع آخر ولكن ~~المقصود أن عمدة المعارضين للنصوص النبوية أقوال فيها اشتباه وإجمال فإذا ~~وقع الإستفسار والإستفصال تبين الهدى من الضلال فإن الأدلة السمعية معلقة ~~بالألفاظ الدالة على المعاني وأما دلالة مجرد العقل فلا اعتبار فيها ~~بالألفاظ # وكل قول لم يرد لفظه ولا معناه في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة فإنه لا ~~يدخل في الأدلة السمعية ولا تعلق للسنة والبدعة بموافقته ومخالفته فضلا عن ~~أن يعلق بذلك كفر وإيمان وإنما السنة موافقة لأدلة الشرعية والبدعة ~~مخالفتها # وقد يقال عما لم يعلم أنه موافق لها أو مخالف إنه بدعة إذ الأصل أنه ما ~~لم يعلم أنه من الشرع فلا يتخذ شريعة ودينا فمن عمل عملا لم يعلم أنه مشروع ~~فقد تذرع إلى البدعة وإن كان ذلك العمل تبين له فيما بعد أنه مشروع وكذلك ~~من قال في الدين قولا بلا دليل شرعي فإنه تذرع إلى البدعة وإن تبين له فيما ~~بعد موافقته للسنة # والمقصود هنا أن الأقوال التي ليس لها أصل في الكتاب والسنة والإجماع ~~كأقوال النفاة التي تقولها الجهمية والمعتزلة وغيرهم وقد يدخل فيها ما هو ~~حق PageV01P244 وباطل هم يصفون بها أهل الإثبات للصفات الثابتة بالنص فإنهم ~~يقولون كل من قال إن القرآن غير مخلوق أو إن الله يرى في الآخرة أو إنه فوق ~~العالم فهو مجسم مشبه حشوي # وهذه الثلاثة مما اتفق عليها سلف الأمة وأئمتها وحكى إجماع أهل السنة ~~عليها غير واحد من الأئمة والعالمين بأقوال السلف مثل أحمد بن حنبل وعلي بن ~~المديني واسحاق بن إبراهيم وداود بن علي وعثمان بن سعيد الدارمي ومحمد بن ~~إسحاق بن خزيمة وأمثال هؤلاء ومثل عبدالله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس ~~PageV01P245 القلانسي وأبي الحسن الأشعري وأبي الحسن علي بن مهدي الطبري ~~ومثل أبي بكر الإسماعيلي وأبي نعيم الأصبهاني وأبي عمر بن عبد البر وأبي ~~عمر PageV01P246 الطلمنكي ويحيى بن عمار السجستاني وأبي إسماعيل الأنصاري ~~وأبي ms0144 القاسم التميمي ومن لا يحصى عدده إلا الله من أنواع اأهل لعلم # فإذا قال النفاة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم لو كان الله يرى في الآخرة ~~لكان في جهة وما كان في جهة فهو جسم وذلك على الله محال أو قالوا لو كان ~~الله تكلم بالقرآن بحيث يكون الكلام قائما به لقامت به الصفات والأفعال ~~وذلك يستلزم أن يكون محلا للأعراض والحوادث وما كان محلا للأعراض والحوادث ~~فهو جسم والله منزه عن ذلك لأن الدليل على إثبات الصانع إنما هو حدوث ~~العالم وحدوث العالم إنما علم بحدوث الأجسام فلو كان جسم ليس بمحدث لبطلت ~~دلالة إثبات الصانع # فهذا الكلام ونحوه هو عمدة النفاة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم ومن ~~وافقهم في بعض بدعتهم وهذا ونحوه في العقليات التي يزعمون أنها عارضت نصوص ~~الكتاب والسنة PageV01P247 # فيقال لهؤلاء أنتم لم تنفوا ما نفيتموه بكتاب ولا سنة ولا إجماع فإن هذه ~~الألفاظ ليس لها وجود في النصوص بل قولكم لو رؤي لكان في جهة وما كان في ~~جهة فهو جسم وما كان جسما فهو محدث كلام تدعون أنكم علمتم صحته بالعقل ~~وحينئذ فتطالبون بالدلالة العقلية على هذا النفي وينظر فيها بنفس العقل # ومن عارضكم من المثبتة أهل الكلام من المرجئة وغيرهم كالكرامية والهشامية ~~وقال لكم فليكن هذا لازما للرؤية وليكن هو جسما أو قال لكم أنا أقول إنه ~~جسم وناظركم على ذلك بالمعقول وأثبته بالمعقول كما نفيتموه بالمعقول لم يكن ~~لكم أن تقولوا له أنت مبتدع في إثبات الجسم فإنه يقول لكم وأنتم مبتدعون في ~~نفيه فالبدعة في نفيه كالبدعة في إثباته إن لم تكن أعظم بل النافي أحق ~~بالبدعة من المثبت لأن المثبت أثبت ما أثبتته النصوص وذكر هذا معاضدة ~~للنصوص وتأييدا لها وموافقة لها وردا على من خالف موجبها # فإن قدر أنه ابتدع في ذلك كانت بدعته أخف من بدعة من نفى ذلك نفيا عارض ~~به النصوص ودفع موجبها ومقتضاها فإن ما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق ~~المسلمين وما لم يعلم أنه خالفها ms0145 فقد لا يسمى بدعة PageV01P248 # قال الشافعي رضي الله تعالى عنه البدعة بدعتان بدعة خالفت كتابا أو سنة ~~أو إجماعا أو أثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه بدعة ~~ضلالة وبدعة لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة ~~هذه هذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل # ومن المعلوم أن قول نفاة الرؤية والصفات والعلو على العرش والقائلين بأن ~~الله لم يتكلم بل خلق كلاما في غيره ونفيهم ذلك لأن إثبات ذلك تجسيم هو إلى ~~مخالفة الكتاب والسنة والإجماع السلفي والآثار أقرب من قول من أثبت ذلك ~~وقال مع ذلك ألفاظا يقول إنها توافق معنى الكتاب والسنة لا سيما والنفاة ~~متفقون على أن ظواهر النصوص تجسيم عندهم وليس عندهم بالنفي نص فهم معترفون ~~بأن قولهم هو البدعة وقول منازعيهم أقرب إلى السنة # ومما يوضح هذا أن السلف والأئمة كثر كلامهم في ذم الجهمية النفاة للصفات ~~وذموا المشبهة أيضا وذلك في كلامهم أقل بكثير من ذم الجهمية لأن مرض ~~التعطيل أعظم من مرض التشبيه وأما ذكر التجسيم وذم المجسمة فهذا لا يعرف في ~~كلام أحد من السلف والأئمة كما لا يعرف في كلامهم أيضا القول بأن الله جسم ~~أو ليس بجسم بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم كما ~~ذكره أحمد في كتاب الرد على الجهمية ولما ناظر برغوث وألزمه برغوث بأنه جسم ~~امتنع أحمد من موافقته على النفي والإثبات وقال هو أحد صمد لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد PageV01P249 # والمقصود هنا أن نفاة الرؤية من الجهمية والمعتزلة وغيرهم إذا قالوا ~~إثباتها يستلزم أن يكون الله جسما وذلك منتف وادعوا أن العقل دل على ~~المقدمتين احتيج حينئذ إلى بيان بطلان المقدمتين أو إحداهما فإما أن يبطل ~~نفس التلازم أو نفي اللازم أو المقدمتان جميعا # وهنا افترقت طرق مثبتة الرؤية فطائفة نازعت في الأولى كالأشعري وأمثاله ~~وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل الحديث وأصحاب السنة ms0146 وقالوا لا نسلم أن كل ~~مرئى يجب أن يكون جسما # فقالت النفاة لأن كل مرئى في جهة وما كان في جهة فهو جسم فافترقت نفاة ~~الجسم على قولين طائفة قالت لا نسلم أن كل مرئى يكون في جهة وطائفة قالت لا ~~نسلم أن كل ما كان في جهة فهو جسم فادعت نفاة الرؤية أن العلم الضروري حاصل ~~بالمقدمتين وأن المنازع فيهما مكابر # وهذا هو البحث المشهور بين المعتزلة والأشعرية فلهذا صار الحذاق من ~~متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة فإذا أطلقوها موافقة لأهل ~~السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة وقالوا النزاع بيننا وبين المعتزلة ~~لفظي # وطائفة نازعت في المقدمة الثانية وهي انتفاء اللازم وهي كالهشامية ~~والكرامية وغيرهم فأخذت المعتزلة وموافقوهم يشنعون على هؤلاء وهؤلاء وإن ~~كان في قولهم بدعة وخطأ ففي قول المعتزلة من البدعة والخطأ أكثر مما في ~~قولهم PageV01P250 # ومن أراد أن يناظر مناظرة شرعية بالعقل الصريح فلا يلتزم لفظا بدعيا ولا ~~يخالف دليلا عقليا ولا شرعيا فإنه يسلك طريق أهل السنة والحديث والأئمة ~~الذين لا يوافقون على إطلاق الإثبات ولا النفى بل يقولون ما تعنون بقولكم ~~إن كل مرئى جسم # فإن فسروا ذلك بإن كل مرئى يجب أن يكون قد ركبه مركب أو أن يكون كان ~~متفرقا فاجتمع أو أنه يمكن تفريقه ونحو ذلك منعوا هم المقدمة الأولى وقالوا ~~هذه السموات مرئية مشهودة ونحن لا نعلم أنها كانت متفرقة مجتمعة وإذا جاز ~~أن يرى ما يقبل التفريق فما لا يقبله أولى بإمكان رؤيته فالله تعالى أحق ~~بأن تمكن رؤيته من السماوات ومن كل قائم بنفسه فإن المقتضى للرؤية لا يجوز ~~أن يكون أمرآ عدميا بل لا يكون إلا وجوديا وكلما كان الوجود أكمل كانت ~~الرؤية أجوز كما قد بسط في غير هذا الموضع # وإن قالوا مرادنا بالجسم المركب أنه مركب من الجواهر المنفردة أو من ~~المادة والصورة نازعوهم في هذا وقالوا دعوى كون السماوات مركبة من جواهر ~~منفردة أو من مادة وصورة دعوى ممنوعة أو باطلة وبينوا ms0147 فساد قول من يدعى هذا ~~وقول من يثبت الجوهر الفرد أو يثبت المادة والصورة وقالوا إن الله خلق هذا ~~الجسم المشهود هكذا وإن ركبه ركبه من أجسام أخرى وهو سبحانه يخلق الجسم من ~~الجسم كما يخلق الإنسان من الماء المهين وقد ركب العظام في مواضعها من بدن ~~ابن آدم وركب الكواكب في السماء فهذا PageV01P251 معروف وأما أن يقال إنه ~~خلق أجزاء لطيفة لا تقبل الإنقسام ثم ركب منها العالم فهذا لا يعلم بعقل ~~ولا سمع بل هو باطل لأن كل جزء لا بد أن يتميز منه جانب عن جانب والأجزاء ~~المتصاغرة كأجزاء الماء تستحيل عند تصغرها كما يستحيل الماء إلى الهواء مع ~~أن المستحيل يتميز بعضه عن بعض # وهذه المسائل قد بسطت في غير هذا الموضع وبين أن الأدلة العقلية بينت ~~جواز الرؤية وإمكانها وليست العمدة على دليل الأشعري ومن وافقه في ~~الإستدلال لأن المصحح للرؤية مطلق الوجود بل ذكرت أدلة عقلية دائرة بين ~~النفي والإثبات لا حيلة لنفاة الرؤية فيها # والمقصود هنا بيان كلام كلي في جنس ما تعارض به نصوص الإثبات من كلام ~~النفاة الذي يسمونه عقليات # وإن قالوا مرادنا أن المرئي لا بد أن يكون معاينا تجاه الرائي وما كان ~~كذلك فهو جسم ونحو هذا الكلام قالوا لهم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ~~قال إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر وقال هل تضامون في رؤية الشمس ~~صحوا ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تضامون في رؤية القمر ليس دونه سحاب ~~قالوا لا قال فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر وهذا تشبيه للرؤية ~~بالرؤية لا للمرئي بالمرئي وفي لفظ في الصحيح إنكم ترون ربكم عيانا فإذن قد ~~أخبرنا أنا نراه عيانا PageV01P252 # وقد أخبرنا أيضا أنه قد استوى على العرش فهذه النصوص يصدق بعضها بعضا ~~والعقل أيضا يوافقها ويدل على أنه سبحانه مباين لمخلوقاته فوق سماواته وأن ~~وجود موجود لا مباين للعالم ولا محايث له محال في بديهة العقل فإذا كانت ~~الرؤية مستلزمة لهذه المعاني ms0148 فهذا حق وإذا سميتم أنتم هذا قولا بالجهة ~~وقولا بالتجسيم لم يكن هذا القول نافيا لما علم بالشرع والعقل إذ كان معنى ~~هذا القول والحال هذه ليس منتفيا لا بشرع ولا عقل # ويقال لهم ما تعنون بأن هذا إثبات للجهة والجهة ممتنعة أتعنون بالجهة ~~أمرا وجوديا أو أمرا عدميا # فإن أردتم أمرا وجوديا وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق ~~والله فوق سماواته بائن من مخلوقاته لم يكن والحالة هذه في جهة موجودة ~~فقولكم إن المرئى لا بد أن يكون في جهة موجودة قول باطل فإن سطح العالم ~~المرئى وليس هو في عالم آخر # وإن فسرتم الجهة بأمر عدمي كما تقولون إن الجسم في حيز والحيز تقدير مكان ~~وتجعلون ما وراء العالم حيزا # فيقال لكم الجهة والحيز إذا كان أمرا عدميا فهو لا شيء وما كان في جهة ~~عدمية أو حيز عدمي فليس هو في شيء ولا فرق بين قول القائل هذا ليس في شيء ~~وبين قوله هو في العدم أو أمر عدمي فإذا كان PageV01P253 الخالق تعالى ~~مباينا للمخلوقات عاليا عليها وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق لم يكن ~~معه غيره من الموجودات فضلا عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو ~~يحيط به # فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع ~~والعقل ويراعون أيضا الألفاظ الشرعية فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ~~ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه ومن تكلم بلفظ ~~مبتدع يحتمل حقا وباطلا نسبوه إلى البدعة أيضا وقالوا إنما قابل بدعة ببدعة ~~وردا باطلا بباطل # ونظير هذا القصص المعروفة التي ذكرها الخلال في كتاب السنة هو وغيره في ~~مسألة اللفظ ومسألة الجبر ونحوهما من المسائل فإنه لما ظهرت القدرية النفاة ~~للقدر وأنكروا أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأن يكون خالقا لكل شيء ~~وأن تكون أفعال العباد من مخلوقاته أنكر الناس هذه البدعة فصار بعضهم يقول ~~في مناظرته هذا يلزم منه أن يكون ms0149 الله مجبرا للعباد على أفعالهم وأن يكون ~~قد كلفهم ما لا يطيقونه فالتزم بعض من ناظرهم من المثبتة إطلاق ذلك وقال ~~نعم يلزم الجبر والجبر حق فأنكر الأئمة كالأوزاعي وأحمد بن حنبل ونحوهما ~~ذلك على الطائفتين ويروى إنكار PageV01P254 إطلاق الجبر عن الزبيدي وسفيان ~~الثوري وعبدالرحمن بن مهدي وغيرهم # وقال الأوزاعي وأحمد ونحوهما من قال إنه جبر فقد أخطأ ومن قال لم يجبر ~~فقد أخطأ بل يقال إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ونحو ذلك # وقالوا ليس للجبر أصل في الكتاب والسنة وإنما الذي في السنة لفظ الجبل لا ~~لفظ الجبر فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأشج عبدالقيس ~~إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين تخلقت بهما أم خلقين ~~جبلت عليهما فقال بل خلقين جبلت عليهما فقال الحمد لله الذي جبلني على ~~خلقين يحبهما الله # وقالوا إن لفظ الجبر لفظ مجمل فإن الجبر إذا أطلق في الكلام فهم منه ~~إجبار الشخص على خلاف مراده كما تقول الفقهاء إن الأب يجبر ابنته على ~~النكاح أو لا يجبرها وإن الثيب البالغ العاقل لا يجبرها أحد على النكاح ~~بالإتفاق وفي البكر البالغ نزاع مشهور ويقولون إن ولى الأمر يجبر المدين ~~على وفاء دينه ونحو ذلك فهذه العبارات معناها إجبار الشخص على خلاف مراده ~~وهو كلفظ الإكراه إما أن يحمله على الفعل الذي يكرهه ويبغضه فيفعل خوفا من ~~وعيده وإما أن يفعل به الشيء بغير فعل منه # ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى إذا جعل في قلب العبد إرادة للفعل ومحبة له ~~حتى يفعله كما قال تعالى @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان @QE@ سورة الحجرات 7 لم يكن هذا جبرا ~~PageV01P255 بهذا التفسير ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى فإنه هو الذي ~~جعل الراضي راضيا والمحب محبا والكاره كارها # وقد يراد بالجبر نفس جعل العبد فاعلا ونفس خلقه متصفا بهذه الصفات كما في ~~قوله تعالى @QB@ إن الإنسان خلق هلوعا ms0150 إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ~~منوعا @QE@ سورة المعارج 19 21 فالجبر بهذا التفسير حق ومنه قول محمد بن ~~كعب القرظي في تفسير اسمه الجبار قال هو الذي جبر العباد على ما أراد ومنه ~~قول علي رضي الله عنه في الأثر المشهور عنه في الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم اللهم داحي المدحوات فاطر المسموكات جبار القلوب على فطراتها ~~شقيها وسعيدها فالأئمة منعت من إطلاق القول بإثبات لفظ الجبر أو نفيه لأنه ~~بدعة يتناول حقا باطلا # وكذلك مسألة اللفظ فإنه لما كان السلف والأئمة متفقين على أن القرآن كلام ~~الله غير مخلوق وقد علم المسلمون أن القرآن بلغه جبريل عن الله إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم وبلغه محمد إلى الخلق وأن الكلام إذا بلغه المبلغ عن ~~قائله لم يخرج عن كونه كلام المبلغ عنه بل هو كلام لمن قاله مبتدئا لا كلام ~~من بلغه عنه مؤديا PageV01P256 # فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا قال إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ~~ما نوى وبلغ هذا الحديث عنه واحد بعد واحد حتى وصل إلينا كان من المعلوم ~~أنا إذا سمعناه من المحدث به إنما سمعنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الذي تكلم به بلفظه ومعناه وإنما سمعناه من المبلغ عنه بفعله وصوته ونفس ~~الصوت الذي تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم لم نسمعه وإنما سمعنا صوت ~~المحدث عنه والكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا كلام المحدث # فمن قال إن هذا الكلام ليس كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مفتريا ~~وكذلك من قال إن هذا لم يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أحدثه ~~في غيره أو إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بلفظه وحروفه بل كان ~~ساكتا أو عاجزا عن التكلم بذلك فعلم غيره ما في نفسه فنظم هذه الألفاظ ~~ليعبر بها عما في نفس النبي صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا الكلام فمن قال ~~هذا كان ms0151 مفتريا ومن قال إن هذا الصوت المسموع صوت النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان مفتريا # فإذا كان هذا معقولا في كلام المخلوق فكلام الخالق أولى بإثبات ما يستحقه ~~من صفات الكمال وتنزيه الله أن تكون صفاته وأفعاله هي صفات العباد وأفعالهم ~~أو مثل صفات العباد وأفعالهم PageV01P257 # فالسلف والأئمة كانوا يعلمون أن هذا القرآن المنزل المسموع من القارئين ~~كلام الله كما قال تعالى @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله @QE@ سورة التوبة 6 ليس هو كلاما لغيره لا لفظه ولا معناه ولكن ~~بلغه عن الله جبريل وبلغه محمد رسول الله عن جبريل ولهذا أضافه الله إلى كل ~~من الرسولين لأنه بلغه وأداه لا لأنه أحدث لا لفظه ولا معناه إذ لو كان ~~أحدهما هو الذي أحدث ذلك لم يصح إضافة الإحداث إلى الآخر فقال تعالى @QB@ ~~إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ~~ما تذكرون تنزيل من رب العالمين @QE@ سورة الحاقة 40 43 فهذا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقال تعالى @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين ~~مطاع ثم أمين @QE@ سورة المطففين 19 21 فهذا جبريل عليه السلام # وقد توعد الله تعالى من قال @QB@ إن هذا إلا قول البشر @QE@ سورة المدثر ~~25 فمن قال إن هذا القرآن قول البشر فقد كفر وقال بقول الوحيد الذي أوعده ~~الله سقر ومن قال إن شيئا منه قول البشر فقد قال ببعض قوله ومن قال إنه ليس ~~بقول رسول كريم وإنما هو قول شاعر أو مجنون أو مفتر أو قال هو قول شيطان ~~نزل به عليه ونحو ذلك فهو أيضا كافر ملعون PageV01P258 # وقد علم المسلمون الفرق بين أن يسمع كلام المتكلم منه أو من المبلغ عنه ~~وأن موسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة وأنا نحن إ ما نسمع كلام الله من ~~المبلغين عنه وإذا كان الفرق ثابتا بين من سمع كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم منه وبين من ms0152 سمعه من الصاحب المبلغ عنه فالفرق هنا أولى لأن أفعال ~~المخلوق وصفاته أشبه بأفعال المخلوق وصفاته من أفعاله وصفاته بأفعال الله ~~وصفاته # ولما كانت الجهمية يقولون إن الله لم يتكلم في الحقيقة بل خلق كلاما في ~~غيره ومن أطلق منهم أن الله تكلم حقيقة فهذا مراده فالنزاع بينهم لفظي كان ~~من المعلوم أن القائل إذا قال هذا القرآن مخلوق كان مفهوم كلامه أن الله لم ~~يتكلم بهذا القرآن وأنه ليس هو كلامه بل خلقه في غيره # وإذا فسر مراده بأني أردت أن حركات العبد وصوته والمداد مخلوق كان هذا ~~المعنى وإن كان صحيحا ليس هو مفهوم كلامه ولا معنى قوله فإن المسلمين إذا ~~قالوا هذا القرآن كلام الله لم يريدوا بذلك أن أصوات القارئين وحركاتهم ~~قائمة بذات الله كما أنهم إذا قالوا هذا الحديث حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يردوا بذلك أن حركات المحدث وصوته قامت بذات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بل وكذلك إذا قالوا في إنشاد لبيد إلا كل شيء ما خلا الله ~~باطل PageV01P259 # هذا شعر لبيد وكلام لبيد لم يريدوا بذلك أن صوت المنشد هو صوت لبيد بل ~~أرادوا أن هذا القول المؤلف لفظه ومعناه هو للبيد وهذا منشد له فمن قال إن ~~هذا القرآن مخلوق أو إن القرآن المنزل مخلوق أو نحو هذه العبارات كان ~~بمنزلة من قال إن هذا الكلام ليس هو كلام الله وبمنزلة من قال عن الحديث ~~المسموع من المحدث إن هذا ليس كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بهذا الحديث وبمنزلة من قال إن هذا الشعر ليس ~~هو شعر لبيد ولم يتكلم به لبيد ومعلوم أن هذا كله باطل # ثم إن هؤلاء صاروا يقولون هذا القرآن المنزل المسموع هو تلاوة القرآن ~~وقراءته وتلاوة القرآن مخلوقة وقراءة القرآن مخلوقة ويقولون تلاوتنا للقرأن ~~مخلوقة وقراءتنا له مخلوقة ويدخلون في ذلك نفس الكلام المسموع ويقولون ~~لفظنا بالقرآن مخلوق ويدخلون في ذلك القرآن ms0153 الملفوظ المتلو المسموع # فأنكر الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة هذا وقالوا اللفظية جهمية وقالوا ~~افترقت الجهمية ثلاث فرق فرقة قالت القرآن مخلوق وفرقة قالت نقف فلا نقول ~~مخلوق ولا غير مخلوق وفرقة قالت تلاوة القرآن واللفظ بالقرآن مخلوق ~~PageV01P260 # فلما انتشر ذلك عن أهل السنة غلطت طائفة فقالت لفظنا بالقرآن غير مخلوق ~~وتلاوتنا له غير مخلوقة فبدع الإمام أحمد هؤلاء وأمر بهجرهم # ولهذا ذكر الأشعري في مقالاته هذا عن أهل السنة وأصحاب الحديث فقال ~~والقول باللفظ والوقف عندهم بدعة من قال اللفظ بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ~~عندهم ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع # وكذلك ذكر محمد بن جرير الطبري في صريح السنة أنه سمع غير واحد من أصحابه ~~يذكر عن الإمام أحمد أنه قال من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال ~~إنه غير مخلوق فهو مبتدع # وصنف أبو محمد بن قتيبة في ذلك كتابا وقد ذكر أبو بكر الخلال هذا في كتاب ~~السنة وبسط القول في ذلك وذكر ما صنفه أبو بكر المروزي في ذلك وذكر قصة أبي ~~طالب المشهورة عن أحمد التي نقلها عنه أكابر أصحابه كعبدالله وصالح ابنيه ~~والمروزي وأبي محمد فوران ومحمد بن إسحاق الصاغاني وغير هؤلاء PageV01P261 # وكان أهل الحديث قد افترقوا في ذلك فصار طائفة منهم يقولون لفظنا بالقرآن ~~غير مخلوق ومرادهم أن القرآن المسموع غير مخلوق وليس مرادهم صوت العبد كما ~~يذكر ذلك عن أبي حاتم الرازي ومحمد بن داود المصيصي وطوائف غير هؤلاء # وفي أتباع هؤلاء من قد يدخل صوت العبد أو فعله في ذلك أو يقف فيه ففهم ~~ذلك بعض الأئمة فصار يقول أفعال العباد أصواتهم مخلوقة ردا لهؤلاء كما فعل ~~البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من أهل العلم والسنة # وصار يحصل بسبب كثرة الخوض في ذلك ألفاظ مشتركة وأهواء للنفوس حصل بسبب ~~ذلك نوع من الفرقة والفتنة وحصل بين البخاري وبين محمد ابن يحيى الذهلي في ~~ذلك ما هو معروف وصار قوم مع البخاري كمسلم بن الحجاج ونحوه وقوم ms0154 عليه كأبي ~~زرعة وأبي حاتم الرازيين وغيرهما PageV01P262 # وكل هؤلاء من أهل العلم والسنة والحديث وهم من أصحاب أحمد بن حنبل ولهذا ~~قال ابن قتيبة إن أهل السنة لم يختلفوا في شيء من أقوالهم إلا في مسألة ~~اللفظ # وصار قوم يطلقون القول بأن التلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء وليس ~~مرادهم بالتلاوة المصدر ولكن الإنسان إذا تكلم بالكلام فلا بد له من حركة ~~ومما يكون عن الحركة من أقواله التي هي حروف منظومة ومعان مفهومة والقول ~~والكلام يراد به تارة المجموع فتدخل الحركة في ذلك ويكون الكلام نوعا من ~~العمل وقسما منه ويراد به تارة ما يقترن بالحركة ويكون عنها لا نفس الحركة ~~فيكون الكلام قسيما لعمل ونوعا آخر ليس هو منه ولهذا تنازع العلماء في لفظ ~~العمل المطلق هل يدخل فيه الكلام على قولين معروفين لأصحاب أحمد وغيرهم ~~وبنوا على ذلك ما إذا حلف لا يعمل اليوم عملا فتكلم هل يحنث أم لا على ~~قولين وذلك لأن لفظ الكلام قد يدخل في العمل وقد لا يدخل # فالأول كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل ~~آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار فقال رجل لو أن لي مثل ما ~~لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان أخرجاه في الصحيحين فقد جعل فعل هذا الذي ~~يتلوه آناء الليل والنهار عملا كما قال لعملت فيه مثل ما يعمل فلان ~~PageV01P263 # والثاني كما في قوله تعالى @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه @QE@ سورة فاطر 10 وقوله تعالى @QB@ وما تكون في شأن وما تتلو منه من ~~قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه @QE@ سورة يونس ~~61 فالذين قالوا التلاوة هي المتلو من أهل العلم والسنة قصدوا أن التلاوة ~~هي القول والكلام المقترن بالحركة وهي الكلام المتلو وآخرون قالوا بل ~~التلاوة غير المتلو والقراءة غير المقروء والذين قالوا ذلك من أهل السنة ~~والحديث أرادوا بذلك أن أفعال العباد ليست هي كلام الله ولا ms0155 أصوات العباد ~~هي صوت الله وهذا الذي قصده البخاري وهو مقصود صحيح # وسبب ذلك أن لفظ التلاوة والقراءة واللفظ مجمل مشترك يراد به المصدر ~~ويراد به المفعول # فمن قال اللفظ ليس هو الملفوظ والقول ليس هو المقول وأراد باللفظ والقول ~~المصدر كان معنى كلامه أن الحركة ليست هي الكلام المسموع وهذا صحيح # ومن قال اللفظ هو الملفوظ والقول هو نفس المقول وأراد باللفظ والقول مسمى ~~المصدر صار حقيقة مرادة أن اللفظ والقول المراد به الكلام المقول الملفوظ ~~هو الكلام المقول الملفوظ وهذا صحيح فمن قال اللفظ بالقرآن أو القراءة أو ~~التلاوة مخلوقة أو لفظي بالقرآن أو تلاوتي دخل في كلامه نفس الكلام المقروء ~~المتلو وذلك هو كلام الله تعالى وإن أراد بذلك مجرد فعله وصوته كان المعنى ~~صحيحا لكن إطلاق اللفظ يتناول هذا وغيره PageV01P264 # ولهذا قال أحمد في بعض كلامه من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن ~~فهو جهمي احترازا عما إذا أراد به فعله وصوته وذكر اللالكائي أن بعض من كان ~~يقول ذلك رأى في منامه كأن عليه فروة ورجل يضربه فقال له لا تضربني فقال ~~إني لا أضربك إنما أضرب الفروة فقال إن الضرب إنما يقع ألمه علي فقال هكذا ~~إذا قلت لفظي بالقرآن مخلوق وقع الخلق على القرآن # ومن قل لفظي بالقرآن غير مخلوق أو تلاوتي دخل في ذلك المصدر الذي هو عمله ~~وأفعال العباد مخلوقة ولو قال أردت به أن القرآن المتلو غير مخلوق لا نفس ~~حركاتي قيل له لفظك هذا بدعة وفيه إجمال وإيهام وإن كان مقصودك صحيحا كما ~~يقال للأول إذا قال أردت أن فعلى مخلوق لفظك أيضا بدعة وفيه إجمال وإيهام ~~وإن كان مقصودك صحيحا # فلهذا منع أئمة السنة الكبار أطلاق هذا وهذا وكان هذا وسطا بين الطرفين ~~وكان أحمد وغيره من الأئمة يقولون القرأن حيث تصرف كلام الله غير مخلوق ~~PageV01P265 فيجعلون القرآن نفسه حيث تصرف غير مخلوق من غير أن يقترن بذلك ~~ما يشعر أن أفعال العباد وصفاتهم غير مخلوقة # وصارت ms0156 كل طائفة من النفاة والمثبتة في مسألة التلاوة تحكي قولها عن أحمد ~~وهم كما ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال إن كل واحدة من هاتين ~~الطائفتين تذكر قولها عن أحمد وهم لا يفقهون قوله لدقة معناه # ثم صار ذلك التفرق موروثا في أتباع الطائفتين فصارت طائفة تقول إن اللفظ ~~بالقرآن غير مخلوق موافقة لأبي حاتم الرازي ومحمد بن داود المصيصي ~~وأمثالهما كأبي عبدالله بن منده وأهل بيته وأبي عبدالله بن حامد وأبي نصر ~~السجزي وأبي إسماعيل الأنصاري وأبي يعقوب الفرات الهروي وغيرهم # وقوم يقولون نقيض هذا القول من غير دخول في مذهب ابن كلاب PageV01P266 # مع إتفاق الطائفتين على أن القرآن كله كلام الله لم يحدث غيره شيئا منه ~~ولا خلق منه شيئا في غيره لا حروفه ولا معانيه مثل حسين الكرابيسي وداود بن ~~علي الأصبهاني وأمثالهما # وحدث مع هذا من يقول بقول ابن كلاب إن كلام الله معنى واحد قائم بنفس ~~المتكلم هو الأمر بكل ما أمر به والنهي عن كل ما نهى عنه والإخبار بكل ما ~~أخبر به وإنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن وإن عبر عنه بالعبرية كان ~~هو التوراة # وجمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك وقالوا إن فساد ~~هذا معلوم بصريح العقل فإن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن ولا معنى ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ هو معنى @QB@ تبت يدا أبي لهب @QE@ وكان يوافقهم ~~على إطلاق القول بأن التلاوة غير المتلو وأنها مخلوقة من لا يوافقهم على ~~هذا المعنى بل قصده أن التلاوة هي أفعال العباد وأصواتهم PageV01P267 # وصار أقوام يطلقون القول بأن التلاوة غير المتلو وأن اللفظ بالقرآن مخلوق ~~فمنهم من يعرف أنه موافق لابن كلاب ومنهم من يعرف مخالفته له ومنهم من لا ~~يعرف منه لا هذا ولا هذا وصار أبو الحسن الأشعري ونحوه ممن يوافق ابن كلاب ~~على قوله موافقا للإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في المنع من أطلاق هذا ~~وهذا فيمنعون أن يقال اللفظ بالقرآن مخلوق أو ms0157 غير مخلوق وهؤلاء منعوه من ~~جهة كونه يقال في القرآن إنه يلفظ أو لا يلفظ وقالوا اللفظ الطرح والرمي ~~ومثل هذا لا يقال في القرآن # ووافق هؤلاء على التعليل بهذا طائفة ممن لا يقول بقول ابن كلاب في الكلام ~~كالقاضي أبي يعلي وأمثاله ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبدالله ابن ~~منده في ذلك ما هو معروف وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظية ~~والحلولية ومال فيه إلى جانب النفاة القائلين بأن التلاوة مخلوقة كما مال ~~ابن منده إلى جانب من يقول إنها غير مخلوقة وحكى كل منهما عن الأئمة ما يدل ~~على كثير من مقصوده لا على جميعه فما قصده كل منهما من الحق وجد فيه من ~~المنقول الثابت عن الأئمة ما يوافقه # وكذلك وقع بين أبي ذر الهروي وأبي نصر السجزي في ذلك حتى صنف أبو نصر ~~السجزي كتابه الكبير في ذلك المعروف بالإبانة وذكر فيه من الفوائد والآثار ~~والإنتصار للسنة وأهلها أمورا عظيمة المنفعة لكنه نصر فيه قول من يقول لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق وأنكر على ابن قتيبة وغيره ما ذكروه من PageV01P268 ~~التفصيل ورجح طريقة من هجر البخاري وزعم أن أحمد بن حنبل كان يقول لفظي ~~بالقرآن غير مخلوق وأنه رجع إلى ذلك وأنكر ما نقله الناس عن أحمد من إنكاره ~~على الطائفتين وهي مسألة أبي طالب المشهورة # وليس الأمر كما ذكره فإن الإنكار على الطائفتين مستفيض عن أحمد عند أخص ~~الناس به من أهل بيته وأصحابه الذين اعتنوا بجمع كلام الإمام أحمد كالمروزي ~~والخلال وأبي بكر عبدالعزيز وأبي عبدالله بن بطة وأمثالهم وقد ذكروا من ذلك ~~ما يعلم كل عارف له أنه من أثبت الأمور عن أحمد # وهؤلاء العراقيون أعلم بأقوال أحمد من المنتسبين إلى السنة والحديث من ~~أهل خراسان الذين كان ابن منده وأبو نصر وأبو إسماعيل الهروي وأمثالهم ~~يسلكون حذوهم ولهذا صنف عبدالله بن عطاء الإبراهيمي كتابا فيمن أخذ عن أحمد ~~PageV01P269 العلم فذكر طائفة ذكر منهم أبو بكر الخلال وظن أنه ms0158 أبو محمد ~~الخلال شيخ القاضي أبي يعلى وأبي بكر الخطيب فاشتبه عليه هذا بهذا # وهذا كما أن العراقيين المنتسبين إلى أهل الإثبات من أتباع ابن كلاب كأبي ~~العباس القلانسي وأبى الحسن الأشعري وأبي الحسن على بن مهدي الطبري أبي بكر ~~بن الباقلاني وأمثالهم أقرب إلى السنة وأتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله من أهل ~~خراسان المائلين إلى طريقة ابن كلاب ولهذا كان القاضي أبو بكر ابن الطيب ~~يكتب في أجوبته أحيانا محمد بن الطيب الحنبلي كما كان يقول الأشعري إذ كان ~~الأشعري وأصحابه منتسبين إلى أحمد بن حنبل وأمثاله من أئمة السنة وكان ~~الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين ~~المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل وصدقة بن ~~الحسين وابن الجوزي وأمثالهم PageV01P270 # وكان أبو ذر الهروي قد أخذ طريقة ابن الباقلاني وأدخلها إلى الحرم ويقال ~~إنه أول من أدخلها إلى الحرم وعنه أخذ ذلك من أخذه من أهل المغرب فإنهم ~~كانوا يسمعون عليه البخاري ويأخذون ذلك عنه كما أخذه أبو الوليد الباجي ثم ~~رحل الباجي إلى العراق فأخذ طريقة الباقلاني عن أبي جعفر السمناني الحنفي ~~قاضي الموصل صاحب ابن الباقلاني ونحن قد بسطنا الكلام في هذه المسائل وبينا ~~ما حصل فيها من النزاع والإضطراب في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة ~~المجملة المشتبهة لما فيها من لبس الحق بالباطل مع ما توقعه من الإشتباه ~~والإختلاف والفتنة بخلاف الألفاظ المأثورة والألفاظ التي بينت معانيها فإن ~~ما كان مأثورا حصلت به الألفة وما كان معروفا حصلت به المعرفة كما يروى عن ~~مالك رحمه الله أنه قال إذا قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار كثرت ~~الأهواء فإذا لم يكن اللفظ منقولا ولا معناه معقولا ظهر الجفاء والأهواء ~~ولهذا تجد قوما كثيرين يحبون قوما ويبغضون قوما لأجل أهواء لا يعرفون ~~معناها ولا دليلها بل يوالون على إطلاقها أو يعادون من غير أن تكون منقولة ~~نقلا ms0159 صحيحا عن النبي صلى PageV01P271 الله عليه وسلم وسلف الأمة ومن غير أن ~~يكونوا هم يعقلون معناها ولا يعرفون لازمها ومقتضاها وسبب هذا إطلاق أقوال ~~ليست منصوصة وجعلها مذاهب يدعى إليها ويوالي ويعادي عليها # وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته إن ~~أصدق الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور ~~محدثاتها وكل بدعة ضلالة فدين المسلمين مبنى على اتباع كتاب الله وسنة ~~رسوله وما اتفقت عليه الأمة فهذه الثلاثة هي أصول معصومة وما تنازعت فيه ~~الأمة ردوه إلى الله والرسول وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ~~ويوالي عليها ويعادي غير النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينصب لهم كلاما ~~يوالي عليه ويعادي غير كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وما ~~اجتمعت عليه الأمة بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما ~~يفرقون به بين الأمة يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون # ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان وإن ~~تنازعوا فيما تنازعوا فيه من الأحكام فالعصمة بينهم ثابتة وهم يردون ما ~~تنازعوا فيه إلى الله والرسول فبعضهم يصيب الحق فيعظم الله أجره ويرفع ~~درجته وبعضهم يخطئ بعد اجتهاده في طلب الحق فيغفر الله له خطأه تحقيقا ~~لقوله تعالى @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ سورة البقرة 286 ~~سواء كان خطؤهم في حكم علمي أو حكم خبري نظري كتنازعهم في الميت هل يعذب ~~ببكاء أهله عليه وهل يسمع الميت قرع نعالهم وهل رأى محمد ربه PageV01P272 # وأبلغ من ذلك أن شريحا أنكر قراءة من قرأ @QB@ بل عجبت ويسخرون @QE@ سورة ~~الصافات 12 وقال إن الله لا يعجب فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال إنما شريح ~~شاعر يعجبه علمه كان عبدالله أعلم منه أو قال أفقه منه وكان يقرأ بل عجبت ~~فأنكر على شريح إنكاره مع أن شريحا من أعظم الناس قدرا عند المسلمين ونظائر ~~هذا ms0160 متعددة # والأقوال إذا حكيت عن قائلها أو نسبت الطوائف إلى متبوعها فإنما ذاك على ~~سبيل التعريف والبيان وأما المدح والذم والموالاة والمعاداة فعلى الأسماء ~~المذكورة في القرآن العزيز كاسم المسلم والكافر والمؤمن والمنافق والبر ~~والفاجر والصادق والكاذب والمصلح والمفسد وأمثال ذلك وكون القول صوابا أو ~~خطأ يعرف بالأدلة الدالة على ذلك المعلومة بالعقل والسمع والأدلة الدالة ~~على العلم لا تتناقض كما تقدم # والتناقض هو أن يكون أحد الدليلن يناقض مدلول الآخر إما بأن ينفى أحدهما ~~عين ما يثبته الآخر وهذا هو التناقض الخاص الذي يذكره أهل الكلام والمنطق ~~وهو اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق PageV01P273 ~~أحداهما كذب الأخرى وأما التناقض المطلق فهو أن يكون موجب أحد الدليلين ~~ينافي موجب الآخر إما بنفسه وإما بلازمه مثل أن ينفي أحدهما لازم الآخر أو ~~يثبت ملزومه فإن انتفاء لازم الشيء يقتضي انتفاءه وثبوت ملزومه يقتضي ثبوته # ومن هذا الباب الحكم على الشيئين المتماثلين من كل وجه مؤثر في الحكم ~~بحكمين مختلفين فإن هذا تناقض أيضا إذ حكم الشيء حكم مثله فإذا حكم على ~~مثله بنقيض حكمه كان كما لو حكم عليه بنقيض حكمه # وهذا التناقض العام هو الإختلاف الذي نفاه الله تعالى عن كتابه بقوله عز ~~وجل @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا @QE@ سورة النساء 82 وهو الإختلاف الذي وصف الله به قول الكفار في ~~قوله تعالى @QB@ إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك @QE@ سورة الذاريات 8 ~~9 # وضد هذا هو التشابه العام الذي وصف الله به القرآن في قوله @QB@ الله نزل ~~أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني @QE@ سورة الزمر 23 وهذا ليس هو التشابه ~~الخاص الذي وصف الله تعالى به بعض القرآن في قوله @QB@ منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ سورة آل عمران 7 فإن ذلك التشابه العام يراد ~~به التناسب والتصادق والإئتلاف # وضده الإختلاف الذي هو التناقض والتعارض فالأدلة الدالة على العلم لا ~~يجوز أن تكون متناقضة متعارضة وهذا ms0161 مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء ~~PageV01P274 ومن صار من أهل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة والحيرة فإنما ~~ذاك لفساد استدلاله إما لتقصيره وإما لفساد دليله ومن أعظم أسباب ذلك ~~الألفاظ المجملة التي تشتبه معانيها # وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على أصل فاسد ~~وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول ~~وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى فجعلوا ~~المتشابه من كلامهم هو المحكم والمحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه كما ~~يجعل الجهمية من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم ما أحدثوه من الأقوال التي ~~نفوا بها صفات الله ونفوا بها رؤيته في الآخرة وعلوه على خلقه وكون القرآن ~~كلامه ونحو ذلك جعلوا تلك الأقولا محكمة وجعلوا قول الله ورسوله مؤولا ~~عليها أو مردودا أو غير ملتفت إليه ولا متلقى للهدى منه فتجد أحدهم يقول ~~ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا له كم ولا كيف ولا تحله الأعراض والحوادث ~~ونحو ذلك وليس بمباين للعالم ولا خارج عنه # فإذا قيل إن الله أخبر أن له علما وقدرة قالوا لو كان له علم وقدرة للزم ~~أن تحله الأعراض وأن يكون جسما وأن يكون له كيفية وكمية وذلك منتف عن الله ~~لما تقدم # ثم قد تقول إن الرسول قصد بما ذكره من أسماء الله وصفاته أمورا لا نعرفها ~~وقد تقول إنه قصد خطاب الجمهور بإفهامهم الأمر على غير حقيقته لأن مصلحتهم ~~في ذلك وقد يفسر صفة بصفة كما يفسر الحب والرضا والغضب PageV01P275 ~~بالإرادة أو السمع والبصر بالعلم والكلام والإرادة والقدرة بالعلم ويكون ~~القول في الثانية كالقول في الأولى يلزمها من اللوازم في النفي والإثبات ما ~~يلزم التي نفاها فيكون مع جمعه في كلامه أنواعا من السفسطة في العقليات ~~والقرمطة في السمعيات قد فرق بين المتماثلين بأن جعل حكم أحدما مخالفا لحكم ~~الآخر ويكون قد عطل النصوص عن مقتضاها ونفى بعض ما يستحقه الله من صفات ~~الكمال ويكون النافي لما أثبته هو ms0162 قد تسلط عليه وأورد عليه فيما أثبته هو ~~نظير ما أورده هو على من أثبت ما نفاه وإن كان النافي لما أثبته أكثر ~~تناقضا منه # ثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة دينا يوالون عليه ويعادون ~~بل يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه ويقول مسائل أصول الدين المخطئ فيها يكفر ~~وتكون تلك المسائل مما ابتدعوه # ومعلوم أن الخوارج هم مبتدعة مارقون كما ثبت بالنصوص المستفيضة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة ذمهم والطعن عليهم وهم إنما تأولوا آيات ~~من القرآن على ما اعتقدوه وجعلوا من خالف ذلك كافرا لاعتقادهم أنه خالف ~~القرآن فمن ابتدع أقوالا ليس لها أصل في القرآن وجعل من خالفها كافرا كان ~~قوله شرا من قول الخوارج ولهذا اتفق السلف والأئمة على أن قول الجهمية شر ~~من قول الخوارج # وأصل قول الجهمية هو نفى الصفات بما يزعمونه من دعوى العقليات التي ~~عارضوا بها النصوص إذ كان العقل الصريح الذي يستحق أن تسمى قضاياه ~~PageV01P276 عقليات موافقا للنصوص لا مخالفا لها ولما كان قد شاع في عرف ~~الناس أن قول الجهمية مبناه على النفي صار الشعراء ينظمون هذا المعنى كقول ~~أبي تمام % جهمية الأوصاف إلا أنهم % قد لقبوها جوهر الأشياء % $ # فهؤلاء ارتكبوا أربع عظائم أحدها ردهم لنصوص الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام والثاني ردهم ما يوافق ذلك من معقول العقلاء والثالث جعل ما خالف ~~ذلك من أقوالهم المجملة أو الباطلة هي أصول الدين والرابع تكفيرهم أو ~~تفسيقهم أو تخطئتهم لمن خالف هذه الأقوال المبتدعة المخالفة لصحيح المنقول ~~وصريح المعقول # وأما أهل العلم والإيمان فهم على نقيض هذه الحال يجعلون كلام الله وكلام ~~رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه وإليه يرد ما تنازع الناس فيه فما وافقه ~~كان حقا وما خالفه كان باطلا ومن كان قصده متابعته من المؤمنين وأخطأ بعد ~~اجتهاده الذي استفرغ به وسعه غفر الله له خطأه سواء كان خطؤه في المسائل ~~العلمية الخبرية أو المسائل العملية فإنه ليس كل ما كان معلوما متيقنا لبعض ~~الناس ms0163 يجب أن يكون معلوما متيقنا لغيره # وليس كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه كل الناس ويفهمونه ~~بل كثير منهم لم يسمع كثيرا منه وكثير منهم قد يشتبه عليه ما أراده وإن كان ~~كلامه في نفسه محكما مقرونا بما يبين مراده لكن أهل العلم يعلمون ~~PageV01P277 ما قاله ويميزون بين النقل الذي يصدق به والنقل الذي يكذب به ~~ويعرفون ما يعلم به معاني كلامه صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى أمر ~~الرسول بالبلاغ المبين وهو أطوع الناس لربه فلا بد أن يكون قد بلغ البلاغ ~~المبين ومع البلاغ المبين لا يكون بيانه ملتبسا مدلسا # والآيات التي ذكر الله فيها أنها متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله إنما ~~نفى عن غيره علم تأويلها لا علم تفسيرها ومعناها كما أنه لما سئل مالك رضي ~~الله تعالى عنه عن قوله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 ~~كيف استوى قال الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه ~~بدعة وكذلك ربيعة قبله فبين مالك أن معنى الإستواء معلوم وأن كيفيته مجهولة ~~فالكيف المجهول هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله وأما ما يعلم من ~~الإستواء وغيره فهو من التفسير الذي بينه الله ورسوله # والله تعالى قد أمرنا أن نتدبر القرآن وأخبر أنه أنزله لنعقله ولا يكون ~~التدبر و العقل إلا لكلام بين المتكلم مراده به فأما من تكلم بلفظ يحتمل ~~معاني PageV01P278 كثيرة ولم يبين مراده منها فهذا لا يمكن أن يتدبر كلامه ~~ولا يعقل ولهذا تجد عامة الذين يزعمون أن كلام الله يحتمل وجوها كثيرة وأنه ~~لم يبين مراده من ذلك قد اشتمل كلامهم من الباطل على ما لا يعلمه إلا الله ~~بل في كلامهم من الكذب في السمعيات نظير ما فيه من الكذب في العقليات وإن ~~كانوا لم يتعمدوا الكذب كالمحدث الذي يغلط في حديثه خطأ بل منتهى أمرهم ~~القرمطة في السمعيات والسفسطة في العقليات وهذان النوعان مجمع الكذب ~~والبهتان # فإذا قال القائل استوى يحتمل خمسة ms0164 عشر وجها أو أكثر أو أقل كان غالطا فإن ~~قول القائل استوى على كذا له معنى وقوله استوى إلى كذا له معنى وقوله استوى ~~وكذا له معنى وقوله استوى بلا حرف يتصل به له معنى فمعانيه تنوعت بتنوع ما ~~يتصل به من الصلات كحرف الإستعلاء والغاية وواو الجمع أو ترك تلك الصلات # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن كلام الله مبين غاية البيان موفى ~~حق التوفية في الكشف والإيضاح وقد بسط الكلام على هذا النص وغيره وبين نحو ~~من عشرين دليلا تدل على أن هذه الآية نص في معنى واحد لا يحتمل معنى آخر ~~وكذلك ذكر هذا في غير هذا النص # فإن الكلام هنا أربعة أنواع أحدها أن نبين أن ما جاء به الكتاب والسنة ~~فيه الهدى والبيان # والثاني أن نبين أن ما يقدر من الإحتمالات فهي باطلة قد دل الدليل الذي ~~به يعرف مراد المتكلم على أنه لم يردها # الثالث أن نبين أن ما يدعى أنه معارض لها من العقل فهو باطل # والرابع أن نبين أن العقل موافق لها معاضد لا مناقض لها معارض ~~PageV01P279 $ الوجه الثامن عشر # أن يقال ما يعارضون به الأدلة الشرعية من العقليات في أمر التوحيد ~~والنبوة والمعاد قد بينا فساده في غير هذا الموضع وتناقضه وأن معتقد صحته ~~من أجهل الناس وأضلهم في العقل كما بينا انتهاءهم في جحد القدر إلى تعارض ~~الأمر والمشيئة وانتهاءهم في مسألة حدوث العالم والمعاد إلى إنكار الأفعال # وبينا أن ما يذكرونه على النفي ألفاظ مجملة مشتبهة تتناول حقا وباطلا ~~كقولهم إن الرب تعالى لو كان موصوفا بالصفات من العلم والقدرة وغيرهما ~~مباينا للمخلوقات لكان مركبا من ذات وصفات ولكان مشاركا لغيره في الوجود ~~وغيره ومفارقا له في الوجوب وغيره فيكون مركبا مما به الإشتراك والإمتياز ~~ولكان له حقيقة غير مطلق الوجود فيكون مركبا من وجود وماهية ولكان جسما ~~مركبا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة والمركب مفتقر إلى جزئه ~~والمفتقر إلى جزئه لا يكون واجبا ms0165 بنفسه # وقد بينا فساد هذا الكلام بوجوه كثيرة يضيق عنها هذا الموضع فإن مدار هذه ~~الحجة على ألفاظ مجملة فإن المركب يراد به ما ركبه غيره وما كان مفترقا ~~فاجتمع كأجزاء الثوب والطعام والأدوية من السكنجبين وغيره وهذا هو المركب ~~في لغة العرب وسائر الأمم # وقد يراد بالمركب ما يمكن تفريق بعضه عن بعض ومعلوم أن الله تعالى منزه ~~عن جميع هذه التركيبات PageV01P280 # ويراد بالمركب في عرفهم الخاص ما تميز منه شيء عن شيء كتميز العلم عن ~~القدرة وتميز ما يرى مما لا يرى ونحو ذلك وتسمية هذا المعنى تركيبا وضع ~~وضعوه ليس موافقا للغة العرب ولا لغة أحد من الأمم وإن كان هذا مركبا فكل ~~ما في الوجود مركب فإنه ما من موجود إلا ولا بد أن يعلم منه شيء دون شيء ~~والمعلوم ليس الذي هو غير معلوم # وقولهم إنه مفتقر إلى جزئه تلبيس فإن الموصوف بالصفات اللازمة له يمتنع ~~أن تفارقه أو يفارقها وليست له حقيقة غير الذات الموصوفة حتى يقال إن تلك ~~الحقيقة مفتقرة إلى غيرها والصفة اللازمة يسميها بعض الناس غير الموصوف ~~وبعض الناس يقول ليست غير الموصوف ومن الناس من لا يطلق عليها لفظ المغايرة ~~بنفي ولا إثبات حتى يفصل ويقول إن أريد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون ~~الآخر فهي غير وإن أريد بهما ما جاز مفارقة أحدهما للآخر بزمان أو مكان أو ~~وجود فليست بغير فإن لم يقل هي غير الموصوف لم يكن هناك غير لازم للذات ~~فضلا عن أن تكون مفتقرة إليه وإن قيل هي غيره فهي والذات متلازمان لا توجد ~~إحداهما إلا مع الأخرى ومثل هذا التلازم بين الشيئين يقتضي كون وجود أحدهما ~~مشروطا بالآخر وهذا ليس بممتنع وإنما الممتنع أن يكون كل من الشيئين موجبا ~~للآخر فالدور في العلل ممتنع والدور في الشروط جائز PageV01P281 # ولفظ الإفتقار هنا إن أريد به افتقار المعلول إلى علته كان باطلا وإن ~~أريد به افتقار المشروط إلى شرطه فهذا هو تلازم من الجانبين وليس ذلك ms0166 ~~ممتنعا والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرا إلى ما هو خارج عن نفسه فأما ما ~~كان صفة لازمة لذاته وهو داخل في مسمى اسمه فقول القائل إنه مفتقر إليها ~~كقوله إنه مفتقر إلى نفسه فإن القائل إذا قال دعوت الله أو عبدت الله كان ~~اسم الله متناولا للذات المتصفة بصفاتها ليس اسم الله اسما للذات مجردة عن ~~صفاتها اللازمة لها # وحقيقة ذلك أنه لا تكون نفسه إلا بنفسه ولا تكون ذاته إلا بصفاته ولا ~~تكون نفسه إلا بما هو داخل في مسمى اسمها وهذا حق ولكن قول القائل إن هذا ~~افتقار إلى غيره تلبيس فإن ذلك يشعر أنه مفتقر إلى ما هو منفصل عنه وهذا ~~باطل لأنه قد تقدم أن لفظ الغير يراد به ما كان مفارقا له بوجود أو زمان أو ~~مكان ويراد به ما أمكن العلم به دونه والصفة لا تسمى غيرا له بالمعنى الأول ~~وبالمعنى الأول يمتنع أن يكون مفتقرا إلى غيره إذ ليست صفته غيرا له بهذا ~~المعنى وأما بالمعنى الثاني فلا يمتنع أن يكون وجوده مشروطا بصفات وأن يكون ~~مستلزما لصفات وإن سميت تلك الصفات غيرا فليس في إطلاق اللفظ ما يمنع صحة ~~المعاني العقلية سواء جاز إطلاق اللفظ أو لم يجز PageV01P282 # وهؤلاء عمدوا إلى المعاني الصحيحة العقلية وأطلقوا عليها ألفاظا مجملة ~~تتناول الباطل الممتنع كالرافضي الذي يسمى أهل السنة ناصبة فيوهم أنهم ~~نصبوا العداوة لأهل البيت رضي الله عنهم # وقد بينا في غير هذا الموضع أن إثبات المعاني القائمة التي توصف بها ~~الذات لا بد منه لكل عاقل وأنه لا خروج عن ذلك إلا بجحد وجود الموجدودات ~~مطلقا وأما من يجعل وجود العلم هو وجود القدرة ووجود القدرة هو وجود ~~الإرادة فقود هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق ~~تعالى وهذا منتهى الإلحاد وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية ~~الفساد ولا مخلص من هذا إلا بإثبات الصفات مع نفى مماثلة المخلوقات وهو دين ~~الذين آمنوا وعملوا ms0167 الصالحات # وذلك أن نفاة الصفات من المتفلسفة ونحوهم يقولون إن العاقل والمعقول ~~والعقل والعاشق والمعشوق والعشق واللذة واللذيذ والملتذة هو شيء واحد وإنه ~~موجود واجب له عناية ويفسرون عنايته بعلمه أو عقله ثم يقولون وعلمه أو عقله ~~هو ذاته وقد يقولون إنه حي عليم قدير مريد متكلم سميع بصير ويقولون إن ذلك ~~كله شيء واحد فإرادته عين قدرته وقدرته عين علمه وعلمه عين ذاته ~~PageV01P283 # وذلك أن من أصلهم أنه ليس له صفة ثبوتية بل صفاته إما سلب كقولهم ليس ~~بجسم ولا متحيز وإما إضافة كقولهم مبدأ وعلة وإما مؤلف منهما كقولهم عاقل ~~ومعقول وعقل ويعبرون عن هذه المعاني بعبارات هائلة كقولهم إنه ليس فيه كثرة ~~كم ولا كثرة كيف أو إنه ليس له أجزاء حد ولا أجزاء كم أو إنه لا بد من ~~إثباته موحدا توحيدا منزها مقدسا عن المقولات العشر عن الكم والكيف والأين ~~والوضع والإضافة ونحو ذلك # ومضمون هذه العبارات وأمثالها نفي صفاته وهم يسمون نفى الصفات توحيدا ~~وكذلك المعتزلة ومن ضاهاهم من الجهمية يسمون ذلك توحيدا # وهم ابتدعوا هذا التعطيل الذي يسمونه توحيدا وجعلوا اسم التوحيد واقعا ~~على غير ما هو واقع عليه في دين المسلمين فإن التوحيد الذي بعث الله به ~~رسله وأنزل به كتبه هو أن يعبد الله لا يشرك به شيئا ولا يجعل له ندا كما ~~قال تعالى @QB@ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين ~~@QE@ سورة الكافرون 1 6 # ومن تمام التوحيد أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ~~ويصان ذلك عن التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل كما قال تعالى @QB@ قل هو ~~الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ سورة ~~الإخلاص 1 4 PageV01P284 ومن هنا ابتدع من ابتدع لمن اتبعه على نفي الصفات ~~اسم الموحدين وهؤلاء منتهاهم أن يقولوا هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق ms0168 كما ~~قاله طائفة منهم أو بشرط نفى الأمور الثبوتية كما قاله ابن سينا وأتباعه أو ~~يقولون هو الوجود المطلق لا بشرط كما يقوله القونوي وأمثاله # ومعلوم بصريح العقل الذي لم يكذب قط أن هذه الأقوال باطلة متناقضة من ~~وجوه أحدها أن جعل عين العلم عين القدرة ونفس القدرة هي نفس الإرادة والعنا ~~ونفس الحياة هي نفس العلم والقدرة ونفس العلم نفس الفعل والإبداع ونحو ذلك ~~معلوم الفساد بالضرورة فإن هذه حقائق متنوعة فإن جعلت هذه الحقيقة هي تلك ~~كان بمنزلة من يقول إن حقيقة السواد هي حقيقة الطعم وحقيقة الطعم هي حقيقة ~~اللون وأمثال ذلك مما يجعل الحقائق المتوعة حقيقة واحدة # الوجه الثاني أنه من المعلوم أن القائم بنفسه ليس هو القائم بغيره والجسم ~~ليس هو العرض والموصوف ليس هو الصفة والذات ليست هي النعوت فمن قال إن ~~العالم هو العلم والعلم هو العالم فضلاله بين وكذلك معلوم أن العلم ليس هو ~~المعلوم فمن قال إن العلم هو المعلوم والمعلوم هو العلم فضلاله بين أيضا # ولفظ العقل إذا أريد به المصدر فليس المصدر هو العاقل الذي هو اسم الفاعل ~~ولا المعقول الذي هو اسم مفعول وإذا أريد بالعقل جوهر PageV01P285 قائم ~~بنفسه فهو العاقل فإذا كان يعقل نفسه أو غيره فليس عين عقله لنفسه أو غيره ~~هو عين ذاته وكذلك إذا سمى عاشقا ومعشوقا بلغتهم أو قيل محبوب ومحب بلغة ~~المسلمين فليس الحب والعشق هو نفس العاشق ولا المحب ولا العشق ولا الحب هو ~~المعشوق ولا المحبوب بل التمييز بين مسمى المصدر ومسمى اسم الفاعل واسم ~~المفعول والتفريق بين الصفة والموصوف مستقر في فطر العقول ولغات الأمم فمن ~~جعل أحدهما هو الآخر كان قد أتى من السفسطة بما لا يخفى على من يتصور ما ~~يقول ولهذا كان منتهى هؤلاء السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات # الوجه الثالث أن يقال الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو بشرط سلب الأمور ~~الثبوتية أولا بشرط مما يعلم بصريح العقل انتفاؤه في الخارج وإنما يوجد في ~~الذهن ms0169 وهذا مما قرروه في منطقهم اليوناني وبينوا أن المطلق بشرط الإطلاق ~~كإنسان مطلق بشرط الإطلاق وحيوان مطلق بشرط الإطلاق وجسم مطلق بشرط الإطلاق ~~ووجود مطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان دون الأعيان # ولما أثبت قدماؤهم الكليات المجردة عن الأعيان التي يسمونها المثل ~~الأفلاطونية أنكر ذلك حذاقهم وقالوا هذه لا تكون إلا في الذهن ثم الذين ~~ادعوا ثبوت هذه الكليات في الخارج مجردة قالوا إنها مجردة عن الأعيان ~~المحسوسة ويمتنع عندهم أن تكون هذه هي المبدعة للأعيان بل يمتنع أن تكون ~~شرطا في وجود الأعيان فإنها إما أن تكون صفة للأعيان أو جزءا منها ~~PageV01P286 # وصفة الشيء لا تكون خالقه للموصوف وجزء الشيء لا يكون خالقا للجملة فلو ~~قدر أن في الخارج وجودا مطلقا بشرط الإطلاق امتنع أن يكون مبدعا لغيره من ~~الموجودات بل امتنع أن يكون شرطا في وجود غيره فإذن تكون المحدثات ~~والممكنات المعلوم حدوثها وافتقارها إلى الخالق المبدع مستغنية عن هذا ~~الوجود المطلق بشرط الإطلاق إن قيل إن له وجودا في الخارج فكيف إذا كان ~~الذي قال هذا القول هو من أشد الناس إنكارا على من جعل وجود هذه الكليات ~~المطلقة المجردة عن الأعيان خارجا عن الذهن # وهم قد قرروا أن العلم الأعلى والفلسفة الأولى هو العلم الناظر في الوجود ~~ولواحقه فجعلوا الوجود المطلق موضوع هذا العلم لكن هذا هو المطلق الذي ~~ينقسم إلى واجب وممكن وعلة ومعلول وقديم ومحدث # ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فلم يمكن هؤلاء أن يجعلوا هذا الوجود ~~المنقسم إلى واجب وممكن هو الوجود الواجب فجعلوا الوجود هو الوجود المطلق ~~بشرط الإطلاق الذي ليس له حقيقة سوى الوجود المطلق أو بشرط سلب الأمور ~~الثبوتية ويعبرون عن هذا بأن وجوده ليس عارضا لشيء من الماهيات والحقائق # وهذا التعبير مبنى على أصلهم الفاسد وهو أن الوجود يعرض للحقائق الثابتة ~~في الخارج بناء على أنه في الخارج وجود الشيء غير حقيقته فيكون في الخارج ~~حقيقة يعرض لها الوجود تارة ويفارقها أخرى PageV01P287 # ومن هنا فرقوا في منطقهم ms0170 بين الماهية والوجود وهم لو فسروا الماهية بما ~~يكون في الأذهان والوجود بما يكون في الأعيان لكان هذا صحيحا لا ينازع فيه ~~عاقل وهذا هو الذي تخيلوه في الأصل لكن توهموا أن تلك الماهية التي في ~~الذهن هي بعينها الموجود الذي في الخارج فظنوا أن في هذا الإنسان المعين ~~جواهر عقلية قائمة بأنفسها مغايرة لهذا المعين مثل كونه حيوانا وناطقا ~~وحساسا ومتحركا بالإرادة ونحو ذلك # والصواب أن هذه كلها أسماء لهذا المعين كل اسم يتضمن صفة ليست هي الصفة ~~التي يتضمنها الإسم الآخر فالعين واحدة والأسماء والصفات متعددة # وأما إثباتهم أعيانا قائمة بنفسها في هذه العين المعينة فمكابرة للحس ~~والعقل والشرع فهذا الموجود المعين في الخارج هو هو ليس هناك جوهران اثنان ~~حتى يكون أحدهما عارضا للآخر أو معروضا بل هناك ذات وصفات وقد بسط الكلام ~~على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أنه لم يمكن ابن سينا وأمثاله أن يجعلوه الوجود المنقسم إلى ~~واجب وممكن فجعلوه الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو بشرط سلب الأمور الثبوتية ~~كما بين ذلك في شفائه وغيره من كتبه # وهذا مما قد بين هو ومما يعلم كل عاقل أنه يمتنع وجوده في الخارج ثم إذا ~~جعل مطلقا بشرط الإطلاق لم يجز أن ينعت بنعت يوجب امتيازه فلا يقال ~~PageV01P288 هو واجب بنفسه ولا ليس بواجب بنفسه فلا يوصف بنفى ولا إثبات ~~لأن هذا نوع من التمييز والتقييد # وهذا حقيقة قول القرامطة الباطنية الذين يمتنعون عن وصفه بالنفى والإثبات ~~ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع # وأما إذا قيد بسلب الأمور الثبوتية دون العدمية فهو أسوأ حالا من المقيد ~~بسلب الأمور الثبوتية والعدمية فإنه يشارك غيره في مسمى الوجود ويمتاز عنه ~~بأمور وجودية وهو يمتاز عنها بأمور عدمية فيكون كل من الموجودات أكمل منه # وأما إذا قيد بسلب الأمور الثبوتية والعدمية معا كان أقرب إلى الوجود من ~~أن يمتاز بسلب الوجود دون العدم وإن كان هذا ممتنعا فذاك ممتنع أيضا وهو ms0171 ~~أقرب إلى العدم فلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو ~~الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج وإنما يقدره الذهن تقديرا كما يقدر ~~كون الشيء موجودا معدوما أو لا موجودا ولا معدوما فلزمهم الجمع بين ~~النقيضين والخلو عن النقيضين # وهذا من أعظم الممتنعات باتفاق العقلاء بل قد يقال إن جميع الممتنعات ~~ترجع إلى الجمع بين النقيضين فلهذا كان ابن سينا وأمثاله من أهل دعوة ~~القرامطة الباطنية من أتباع الحاكم الذي كان بمصر وهؤلاء وأمثالهم من رءوس ~~الملاحدة الباطنية وقد ذكر ذلك عن نفسه وأنه كان هو وأهل بيته من أهل دعوة ~~هؤلاء PageV01P289 المصريين الذين يسميهم المسلمون الملاحدة لإلحادهم في ~~أسماء الله وآياته إلحادا أعظم من إلحاد اليهود والنصارى # وأما ملاحدة المتصوفة كابن عربي الطائي وصاحبه الصدر القونوي وابن سبعين ~~وابن الفارض وأمثالهم فقد يقولون هو الوجود المطلق لا بشرط الإطلاق كما ~~قاله القونوي وجعله هو الوجود من حيث هو هو مع قطع النظر عن كونه واجبا ~~وممكنا وواحدا وكثيرا وهذا معنى قول ابن سبعين وأمثاله القائلين بالإحاطة # ومعلوم أن المطلق لا بشرط كالإنسان المطلق لا بشرط يصدق على هذا الإنسان ~~وهذا الإنسان وعلى الذهني والخارجي فالوجود المطلق لا بشرط يصدق على الواجب ~~والممكن والواحد والكثير والذهني والخارجي وحينئذ فهذا الوجود المطلق ليس ~~موجودا في الخارج مطلقا بلا ريب # ومن قال إن الكلى الطبيعي موجود في الخارج فقد يريد به حقا وباطلا فإن ~~أراد بذلك أن ما هو كلي في الذهن موجود في الخارج معينا أي تلك الصورة ~~الذهنية مطابقة للأعيان الموجودة في الخارج كما يطابق الإسم لمسماه والمعنى ~~الذهني الموجود الخارجي فهذا صحيح وإن أراد بذلك أن نفس الموجود ~~PageV01P290 في الخارج كلي حين وجوده في الخارج فهذا باطل مخالف للحس ~~والعقل فإن الكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه # وكل موجود في الخارج معين متميز بنفسه عن غيره يمنع تصوره من وقوع الشركة ~~فيه أعني هذه الشركة التي يذكرونها في هذا الموضع وهي اشتراك ms0172 الأعيان في ~~النوع واشتراك الأنواع في الجنس وهي اشتراك الكليات في الجزئيات # والقسمة المقابلة لهذه الشركة هي قسمة الكلى إلى جزئياته كقسمة الجنس إلى ~~أنواعه والنوع إلى أعيانه # وأما الشركة التي يذكرها الفقهاء في كتاب الشركة والقسمة المقابلة لها ~~التي يذكرها الفقهاء في باب القسمة وهي المذكورة في قوله تعالى @QB@ ونبئهم ~~أن الماء قسمة بينهم @QE@ سورة القمر 28 وقوله @QB@ لكل باب منهم جزء مقسوم ~~@QE@ سورة الحجر 44 فتلك شركة في الأعيان الموجودة في الخارج وقسمتها قسمة ~~للكل إلى أجزائه كقسمة الكلام إلى الإسم والفعل والحرف والأول كقسمة الكلمة ~~الإصطلاحية إلى اسم وفعل وحرف # وإذا عرف أن المقصود الشركة في الكليات لا في الكل فمعلوم أنه لا شركة في ~~المعينات فهذا الإنسان المعين ليس فيه شيء من هذا المعين ولا في هذا شيء من ~~هذا ومعلوم أن الكلى الذي يصلح لإشتراك الجزئيات فيه لا يكون هو جزءا من ~~الجزئي الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه # فمن قال إن الإنسان الكلي جزء من هذا الإنسان المعين أو إن الإنسان ~~المطلق جزء من هذا المعين بمعنى أن هذا المعين فيه شيء مطلق أو شيء كلي ~~فكلامه ظاهر الفساد PageV01P291 # وبهذا تنحل شبه كثيرة توجد في كلام الرازي وأمثاله من أهل المنطق ونحوهم ~~ممن التبس عليهم هذا المقام # وبسبب التباس هذا عليهم حاروا في وجود الله تعالى هل هو ماهيته أم هو ~~زائد على ماهيته وهل لفظ الوجود مقول بالتواطؤ والتشكيك أو مقول بالإشتراك ~~اللفظي # فقالوا إن قلنا إن لفظ الوجود مشترك اشتراكا لفظيا لزم ألا يكون الوجود ~~منقسما إلى واجب وممكن وهذا خلاف ما اتفق عليه العقلاء وما يعلم بصريح ~~العقل # وإن قلنا إنه متواطئ أو مشكك لزم أن تكون الموجودات مشتركة في مسمى ~~الوجود فيكون الوجود مشتركا بين الواجب والممكن فيحتاج الوجود المشترك إلى ~~ما يميز وجود هذا عن وجود هذا والإمتياز يكون بالحقائق المختصة فيكون وجود ~~هذا زائدا على ماهيته فيكون الوجود الواجب مفتقرا إلى غيره # ويذكرون ما يذكره الرازي وأتباعه ms0173 أن للناس في وجود الرب تعالى ثلاثة ~~أقوال فقط # أحدها أن لفظ الوجود مقول بالإشتراك اللفظي فقط # والثاني أن وجود الواجب زائد على ماهيته # والثالث أنه وجود مطلق ليس له حقيقة غير الوجود المشروط بسلب كل ماهية ~~ثبوتية عنه # فيقال لهم الأقوال الثلاثة باطلة والقول الحق ليس واحدا من الثلاثة وإنما ~~أصل الغلط هو توهمهم أنا إذا قلنا إن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن لزم أن ~~يكون في الخارج وجود هو نفسه في الواجب وهو نفسه PageV01P292 في الممكن ~~وهذا غلط فليس في الخارج بين الموجودين شيء هو نفسه فيهما ولكن لفظ الوجود ~~ومعناه الذي في الذهن والخط الذي يدل على اللفظ يتناول الموجودين ويعمهما ~~وهما يشتركان فيه فشمول معنى الوجود الذي في الذهن لهما كشمول لفظ الوجود ~~والخظ الذي يكتب به هذا اللفظ لهما فهما مشتركان في هذا وأما نفس ما يوجد ~~في الخارج فإنما يشتبهان فيه من بعض الوجوه فأما أن تكون نفس ذات هذا وصفته ~~فيها شيء من ذات هذا وصفته فهذا مما يعلم فساده كل من تصوره ومن توقف فيه ~~فلعدم تصوره له # وحينئذ فالقول في اسم الوجود كالقول في اسم الذات والعين والنفس والماهية ~~والحقيقة وكما أن الحقيقة تنقسم إلى حقيقة واجبة وحقيقة ممكنة وكذلك لفظ ~~الماهية ولفظ الذات ونحو ذلك فكذلك لفظ الوجود فإذا قلنا إن الحقيقة أو ~~الماهية تنقسم إلى واجبة وممكنة لم يلزم أن تكون ماهية الواجب فيها شيء من ~~ماهية الممكن فكذلك إذا قيل الوجود ينقسم إلى واجب وممكن لم يلزم أن يكون ~~الوجود الواجب فيه شيء من وجود غيره بل ليس فيه وجود مطلق ولا ماهية مطلقة ~~بل ماهيته هي حقيقته وهي وجوده # وإذا كان المخلوق المعين وجوده الذي في الخارج هو نفس ذاته وحقيقته ~~وماهيته التي في الخارج ليس في الخارج شيئان فالخالق تعالى أولى أن تكون ~~حقيقته هي وجوده الثابت الذي لا يشركه فيه أحد وهو نفس ماهيته التي هي ~~حقيقته الثابتة في نفس الأمر PageV01P293 # ولو قدر أن الوجود ms0174 المشترك بين الواجب والممكن موجود فيهما في الخارج وأن ~~الحيوانية المشتركة هي بعينها في الناطق والأعجم كان تميز أحدهما عن الآخر ~~بوجود خاص كما يتميز الإنسان بحيوانية تخصه وكما أن السواد والبياض إذا ~~اشتركا في مسمى اللون تميز أحدهما بلونه الخاص عن الآخر # وهؤلاء الضالون يجعلون الواحد اثنين والإثنين واحدا فيجعلون هذه الصفة هي ~~هذه الصفة ويجعلون الصفة هي الموصوف فيجعلون الإثنين واحدا كما قالوا إن ~~العلم هو القدرة وهو الإرادة والعلم هو العالم ويجعلون الواحد اثنين كما ~~يجعلون الشيء المعين الذي هو هذا الإنسان هو عدة جواهر إنسان وحيوان وناطق ~~وحساس ومتحرك بالإرادة ويجعلون كلا من هذه الجواهر غير الآخر ومعلوم أنه ~~جوهر واحد له صفات متعددة وكما يفرقون بين المادة والصورة ويجعلونهما ~~جوهرين عقليين قائمين بأنفسهما وإنما المعقول هو قيام الصفات بالموصوفات ~~والأعراض بالجواهر كالصورة الصناعية مثل صورة الخاتم والدرهم والسرير ~~والثوب فإنه عرض قائم بجوهر هو الفضة والخشب والغزل وكذلك الإتصال ~~والإنفصال قائمان بمحل هو الجسم # وهكذا يجعلون الصورة الذهنية ثابتة في الخارج كقوله في المجردات ~~المفارقات للمادة وليس معهم ما يثبت أنه مفارق إلى النفس الناطقة إذا فارقت ~~البدن بالموت والمجردات هي الكليات التي تجردها النفس من الأعيان المشخصة ~~فيرجع الأمر إلى النفس وما يقوم بها ويجعلون الموجود في الخارج هو الموجود ~~في الذهن كما يجعلون الوجود الواجب هو الوجود المطلق PageV01P294 # فهذه الأمور من أصول ضلالهم حيث جعلوا الواحد متعددا والمتعدد واحدا ~~وجعلوا ما في الذهن في الخارج وجعلوا ما في الخارج في الذهن ولزم من ذلك أن ~~يجعلوا الثابت منتفيا والمنتفي ثابتا فهذه الأمور من أجناس ضلالهم وهذا كله ~~مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أنا ننبه على بعض ما نبين به تناقضهم وضلالهم في عقلياتهم ~~التي نفوا بها صفات الله عز وجل وعارضوا بها نصوص الرسول الثابتة بصحيح ~~المنقول الموافقة لصريح المعقول وكلما أمعن الفاضل الذكي في معرفة أقوال ~~هؤلاء الملاحدة ومن وافقهم في بعض أقوالهم من أهل البدع كنفاة بعض الصفات ~~الذين ms0175 يزعمون أن المعقول عارض كلام الرسول وأنه يجب تقديمه عليه فإنه يتبين ~~له أنه يعلم بالعقل الصريح ما يصدق ما أخبر به الرسول وما به يتبين فساد ما ~~يعارض ذلك # ولكن هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني ~~متعددة وصاروا يدخلون فيها من المعاني ما ليس هو المفهوم منها في لغات ~~الأمم ثم ركبوها وألفوها تأليفا طويلا بنوا بعضه على بعض وعظموا قولهم ~~وهولوه في نفوس من لم يفهمه ولا ريب أن فيه دقة وغموضا لما فيه من الألفاظ ~~المشتركة والمعاني المشتبهة فإذا دخل معهم الطالب وخاطبوه بما تنفر عنه ~~فطرته فأخذ يعترض عليهم قالوا له أنت لا تفهم هذا وهذا لا يصلح لك فيبقى ما ~~في النفوس من الأنفة والحمية يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها ~~عنده وعلى ترك الإعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل ونقلوا ~~الناس PageV01P295 في مخاطبتهم درجات كما ينقل إخوانهم القرامطة المستجيبين ~~لهم درجة بعد درجة حتى يوصلوهم إلى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم الذي ~~مضمونه جحد الصانع وتكذيب رسله وجحد شرائعه وفساد العقل والدين والدخول في ~~غاية الإلحاد المشتمل على غاية الفساد في المبدأ والمعاد # وهذا القدر الذي وقع فيه ضلال المتفلسفة لم يقصده عقلاؤهم في الأصل بل ~~كان غرضهم تحقيق الأمور والمعارف لكن وقعت لهم شبهات ضلوا بها كما ضل من ضل ~~ابتداء من المشركين منهم ومن غيرهم من الكفار ممن ضل ببعض الشبهات ولهذا ~~يجب على من يريد كشف ضلال هؤلاء وأمثالهم أن لا يوافقهم على لفظ مجمل حتى ~~يتبين معناه ويعرف مقصوده ويكون الكلام في المعاني العقلية المبينة لا في ~~معان مشتبهة بألفاظ مجملة # واعلم أن هذا نافع في الشرع والعقل # أما الشرع فإن علينا أن نؤمن بما قاله الله ورسوله فكل ما ثبت أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قاله فعلينا أن نصدق به وإن لم نفهم معناه لأنا قد ~~علمنا أنه الصادق المصدوق الذي لا يقول على الله إلا الحق وما تنازع ms0176 فيه ~~الأمة من الألفاظ المجملة كلفظ المتحيز والجهة والجسم والجوهر والعرض ~~وأمثال ذلك فليس على أحد أن يقبل مسمى اسم من هذه الأسماء لا في النفي ولا ~~في الإثبات حتى يتبين له معناه فإن كان المتكلم بذلك أراد معنى صحيحا ~~موافقا لقول المعصوم كان ما أراده حقا وإن كان أراد به معنى مخالفا لقول ~~المعصوم كان ما أراده باطلا PageV01P296 # ثم يبقى النظر في إطلاق ذلك اللفظ ونفيه وهي مسألة فقهية فقد يكون المعنى ~~صحيحا ويمتنع من إطلاق اللفظ لما فيه من مفسدة وقد يكون اللفظ مشروعا ولكن ~~المعنى الذي أراده المتكلم باطل كما قال علي رضي الله عنه لمن قال من ~~الخوارج المارقين لا حكم إلا لله كلمة حق أريد بها باطل # وقد يفرق بين اللفظ الذي يدعى به الرب فإنه لا يدعى إلا بالأسماء الحسنى ~~وبين ما يخبر به عنه لإثبات حق أو نفي باطل # وإذا كنا في باب العبارة عن النبي صلى الله عليه وسلم علينا أن نفرق بين ~~مخاطبته وبين الإخبار عنه فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله ~~تعالى حيث قال @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا @QE@ ~~سورة النور 63 فلا نقول يا محمد يا أحمد كما يدعو بعضنا بعضا بل نقول يا ~~رسول الله يا نبي الله # والله سبحانه وتعالى خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال ~~@QB@ يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة @QE@ سورة البقرة 35 @QB@ يا نوح اهبط ~~بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك @QE@ سورة هود 48 @QB@ يا موسى إني ~~أنا ربك @QE@ سورة طه 11 12 @QB@ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ سورة ~~آل عمران 55 ولما خاطبه صلى الله عليه وسلم قال @QB@ يا أيها النبي @QE@ ~~سورة التحريم 1 @QB@ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر @QE@ ~~PageV01P297 سورة المائدة 41 @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~@QE@ سورة المائدة 67 @QB@ يا أيها المزمل @QE@ سورة المزمل 1 @QB@ يا أيها ~~المدثر @QE@ سورة المدثر 1 فنحن أحق أن نتأدب ms0177 في دعائه وخطابه # وأما إذا كنا في مقام الإخبار عنه قلنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا رسول الله وقلنا محمد رسول الله وخاتم النبيين فنخبر عنه باسمه كما ~~أخبر الله سبحانه لما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم @QB@ ما كان محمد أبا ~~أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين @QE@ سورة الأحزاب 40 وقال ~~@QB@ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا ~~سجدا @QE@ سورة الفتح 29 وقال @QB@ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~@QE@ سورة آل عمران 144 وقال @QB@ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما ~~نزل على محمد @QE@ سورة محمد 2 # فالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل وبه يظهر ~~الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى وبين ما يخبر به عنه عز وجل ~~مما هو حق ثابت لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال ونفى ما تنزه عنه ~~عز وجل من العيوب والنقائص فإنه الملك القدوس السلام سبحانه وتعالى عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا # وقال تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه @QE@ سورة الأعراف 180 مع قوله @QB@ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ~~شهيد بيني وبينكم @QE@ سورة الأنعام 19 ولا يقال في الدعاء يا شيء ~~PageV01P298 # وأما نفع هذا الإستفسار في العقل فمن تكلم بلفظ يحتمل معاني لم يقبل قوله ~~ولم يرد حتى نستفسره ونستفصله حتى يتبين المعنى المراد ويبقى الكلام في ~~المعاني العقلية لا في المنازعات اللفظية فقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من ~~جهة اشتراك الأسماء ومن كان متكلما بالمعقول الصرف لم يتقيد بلفظ بل يجرد ~~المعنى بأي عبارة دلت عليه # وأرباب المقالات تلقوا عن أسلافهم مقالات بألفاظ لهم منها ما كان أعجميا ~~فعربت كما عربت ألفاظ اليونان والهند والفرس وغيرهم وقد يكون المترجم عنهم ~~صحيح الترجمة وقد لا يكون صحيح الترجمة ومنها ما هو عربي # ونحن إنما نخاطب الأمم بلغتنا العربية فإذا نقلوا عن أسلافهم لفظ الهيولي ~~والصورة ms0178 والمادة والعقل والنفس والصفات الذاتية والعرضية والمجرد والتركيب ~~والتأليف والجسم والجوهر والعرض والماهية والجزء ونحو ذلك بين ما تحتمل هذه ~~الألفاظ من المعاني كما إذا قال قائلهم النوع مركب من الجنس والفصل كتركيب ~~الإنسان من الحيوان والناطق أو من الحيوانية والناطقية وإن هذه أجزاء ~~الإنسان وأجزاء الحد # والواجب سبحانه إذا كان له صفات لزم أن يكون مركبا والمركب مفتقر إلى ~~أجزائه والمفتقر إلى أجزائه لا يكون واجبا استفسروا عن لفظ التركيب والجزء ~~والإفتقار والغير فإن جميع هذه الألفاظ فيها اشتراك والتباس وإجمال # فإذا قال القائل الإنسان مركب من الحيوان والناطق أو من الحيوانية ~~والناطقية PageV01P299 # قيل له أتعنى بذلك الإنسان الموجود في الخارج وهو هذا الشخص وهذا الشخص ~~أو تعني الإنسان المطلق من حيث هو هو # فإن أراد الأول قيل له هذا الإنسان وهذا الإنسان وغيرهما إذا قلت هو مركب ~~من هذين الجزأين # فيقال لك الحيوان والناطق جوهران قائمان بأنفسهما # فإن قلت هما جزءان للإنسان الموجود في الخارج لزم أن يكون الإنسان ~~الموجود في الخارج فيه جوهران أحدهما حيوان والآخر ناطق غير الإنسان المعين ~~وهذا مكابرة للحس والعقل # وإن قال أنا أريد بذلك أن الإنسان يوصف بأنه حيوان وأنه ناطق قيل له هذا ~~معنى صحيح لكن تسمية الصفات أجزاء ودعوى أن الموصوف مركب منها وانها متقدمة ~~عليه ومقومة له في الوجودين الذهني والخارجي كتقدم الجزء على الكل والبسيط ~~على المركب ونحو ذلك مما يقولونه في هذا الباب هو مما يعلم فساده بصريح ~~العقل # وإن قال هو مركب من الحيوانية والناطقية قيل له إن أردت بالحيوانية ~~والناطقية الحيوان والناطق كان الكلام واحدا وإن أردت العرضين القائمين ~~بالحي الناطق وهما صفتاه كان مضمونه أن الموصوف مركب من صفاته وأنها أجزاء ~~له ومقومة له وسابقة عليه ومعلوم أن الجوهر لا يتركب من الأعراض وأن صفات ~~الموصوف لا تكون سابقة له في الوجود الخارجي PageV01P300 # وإن قال أنا أريد بذلك أن الإنسان من حيث هو هو مركب من ذلك # قيل له إن الإنسان من حيث هو ms0179 هو لا وجود له في الخارج بل هذا هو الإنسان ~~المطلق والمطلقات لا تكون مطلقة إلا في الأذهان فقد جعلت المركب هو ما ~~يتصوره الذهن وما يتصوره الذهن هو مركب من الأمور التي يقدرها الذهن فإذا ~~قدرت في النفس جسما حساسا متحركا بالإرادة ناطقا كان هذا المتصور في الذهن ~~مركبا من هذه الأمور وإن قدرت في النفس حيوانا ناطقا كان مركبا من هذا وهذا ~~وإن قدرت حيوانا صاهلا كان مركبا من هذا وهذا # وإن قلت إن الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من هذه الصور الذهنية كان ~~هذا معلوم الفساد بالضرورة # وإن قلت إن هذه مطابقة لها وصادقة عليها فهذا يكون صحيحا إذا كان ما في ~~النفس علما لا جهلا # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن من سوغ جعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة بالعين كان ~~كلامه مس أن يجعل وجود الحقائق المتنوعة وجودا واحدا بالعين بل هذا أولى ~~لأن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود فمن اشتبه عليه أن العلم هو القدرة ~~وأنهما نفس الذات العالمة القادرة كان أن يشتبه عليه أن الوجود واحد أولى ~~وأحرى # وهذه الحجة المبنية على التركيب هي أصل قول الجهمية نفاة الصفات والأفعال ~~وهم الجهمية من المتفلسفة ونحوهم ويسمون ذلك التوحيد # وأما المعتزلة وأتباعهم فقد يحتجون بذلك لكن عمدتهم الكبرى حجتهم التي ~~زعموا أنهم أثبتوا بها حدوث العالم وهي حجة الأعراض فإنهم استدلوا على حدوث ~~PageV01P301 العالم بحدوث الأجسام واستدلوا على حدوث الأجسام بأنها مستلزمة ~~للأعراض كالحركة والسكون والإجتماع والإفتراق ثم قالوا إن الأعراض أو بعض ~~الأعراض حادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فاحتاجوا في هذه الطريق إلى ~~أثبات الأعراض أولا ثم إثبات لزومها للجسم # فادعى قوم أن الجسم يستلزم جميع أنواع الأعراض وأن القابل للشيء لا يخلو ~~منه ومن ضده وادعوا أن كل جسم له طعم ولون وريح وأن العرض لا يبقى زمانين ~~كما زعم ذلك من سلكه من أهل الكلام الصفاتية نفاة الفعل الإختياري القائم ~~بذاته كالقاضي أبي ms0180 بكر وأبي المعالي ونحوهما ومن يوافقهم أحيانا كالقاضي ~~أبي يعلى وغيره ولما ادعوا أن الأعراض جميعها لا تبقى زمانين لزم أن تكون ~~حادثة شيئا بعد شيء والجسم لا يخلو منها فيكون حادثا بناء على امتناع حوادث ~~لا أول لها # وعلى هذه الطريق اعتمد كثير منهم في حدوث العالم ومن متأخريهم أبو الحسن ~~الآمدي وغيره # وأما جمهور العقلاء فأنكروا ذلك وقالوا من المعلوم أن الجسم يكون متحركا ~~تارة وساكنا أخرى # وهل السكون أمر وجودي أو عدمي على قولين # وأما الإجتماع والإفتراق فمبنى على إثبات الجوهر الفرد PageV01P302 # فمن قال بإثباته قال إن الجسم لا يخلو عن الأكوان الأربعة وهي الإجتماع ~~والإفتراق والحركة والسكون ومن لم يقل بإثباته لم يجعل الإجتماع من الأعراض ~~الزائدة على ذات الجسم # ونفاة الجوهر الفرد كثير من طوائف أهل الكلام وأهل الفلسفة كالهشامية ~~والنجارية والضرارية والكلابية وكثير من الكرامية # وأما من قال إن نفيه هو قول أهل الإلحاد وإن القول بعدم تماثل الأجسام ~~ونحو ذلك هو من أقوال أهل الإلحاد فهذا من أقوال المتكلمين كصاحب الإرشاد ~~ونحوه ممن يظن أن هذا الدليل الذي سلكوه في إثبات حدوث العالم هو أصل الدين ~~فما يفضي إلى إبطال هذا الدليل لا يكون إلا من أقوال الملحدين # ومن لم يقل بأن الجسم يستلزم جميع أنواع الأعراض قال إنه يستلزم بعضها ~~كالأكوان أو الحركة والسكون وإن ذلك حادث وهذه الطريقة هي التي يسلكها أكثر ~~المعتزلة وغيرهم ممن قد يوافقهم أحيانا في بعض الأمور كأبي الوفاء ابن عقيل ~~وغيره # ثم هؤلاء بعد أن أثبتوا لزوم الأعراض أو بعضها للجسم وأثبتوا حدوث ما ~~يلزم الجسم أو حدوث بعضه احتاجوا إلى أن يقولوا ما لم يسبق الحوادث فهو ~~حادث فمنهم من اكتفى بذلك ظنا منهم أن ذلك ظاهر ومنهم من تفطن لكون ذلك ~~مفتقرا إلى إبطال حوادث لا أول لها إذ يمكن أن يقال إن الحادث بعد أن لم ~~يكن هو كل شخص شخص من أعيان الحوادث وأما النوع فلم يزل فتكلموا هنا في ~~إبطال وجود ms0181 ما لا نهاية له بطريق التطبيق والموازاة والمسامتة PageV01P303 # وملخص ذلك أن ما لا يتناهى إذا فرض فيه حد كزمن الطوفان وفرض حد بعد ذلك ~~كزمن الهجرة وقدر امتداد هذين إلى ما لا نهاية له فإن تساويا لزم كون ~~الزائد مثل الناقص وإن تفاضلا لزم وقوع التفاضل فيما لا يتناهى # وهذه نكتة الدليل فإن منازعيهم جوزوا مثل هذا التفاضل إذا كان ما لا ~~يتناهى ليس هو موجودا له أول وآخر وألزموهم بالأبد وذلك إذا أخذ ما لا ~~يتناهى في أحد الطرفين قدر متناهيا من الطرف الآخر كما إذا قدرت الحوادث ~~المتناهية إلى زمن الطوفان وقدرت إلى زمن الهجرة فإنها وإن كانت لا تتناهى ~~من الطرف المتقدم فإنها متناهية من الطرف الذي يلينا # فإذا قال القائل إذا طبقنا بين هذه وهذه فإن تساويا لزم أن يكون الزائد ~~كالناقص أو أن يكون وجود الزيادة كعدمها وإن تفاضلا لزم وجود التفاضل فيما ~~لا يتناهى # كان لهم عنه جوابان # أحدهما أنا لا نسلم إمكان التطبيق مع التفاضل وإنما يمكن التطبيق بين ~~المتماثلين لا بين المتفاضلين # والجواب الثاني أن هذا يستلزم التفاضل بين الجانب المتناهي لا بين الجانب ~~الذي لا يتناهى وهذا لا محذور فيه # ولبعض الناس جواب ثالث وهو أن التطبيق إنما يمكن في الموجود لا في ~~المعدوم # وقد وافق هؤلاء على إمكان وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل طوائف ~~كثيرة ممن يقول بحدوث الأفلاك من المعتزلة والأشعرية والفلاسفة وأهل الحديث ~~وغيرهم فإن هؤلاء جوزوا حوادث لا أول لها مع قولهم بأن الله أحدث السماوات ~~PageV01P304 والأرض بعد أن لم يكونا وألزموهم بالأبد ونشأ عن هذا البحث ~~كلامهم في الحوادث المستقبلة فطرد إماما هذا الطريق الجهم بن صفوان إمام ~~الجهمية الجبرية وأبو الهذيل العلاف إمام المعتزلة القدرية فنفيا ثبوت ما ~~لا يتناهى في المستقبل فقال الجهم بفناء الجنة والنار وأبو الهذيل اقتصر ~~على القول بفناء حركات أهل الجنة والنار # وعن ذلك قال أبو المعالي بمسألة الإسترسال وهو أن علم الرب تعالى يتناول ~~الأجسام بأعيانها ويتناول ms0182 أنواع الأعراض بأعيانها وأما آحاد الأعراض ~~فيسترسل العلم عليها لامتناع ثبوت ما لا يتناهى علما وعينا # وأنكر الناس ذلك عليه وقالوا فيه أقوالا غليظة حتى يقال إن أبا القاسم ~~القشيري هجره لأجل ذلك # وصار طوائف المسلمين في جواز حوادث لا تتناهى على ثلاثة أقوال قيل لا ~~يجوز في الماضي ولا في المستقبل وقيل يجوز فيهما وقيل يجوز في المستقبل دون ~~الماضي # ثم إن المعتزلة والجهمية نفت أن يقوم بالله تعالى صفات وأفعال بناء على ~~هذه الحجة # قالوا لأن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم وبذلك استدلوا على حدوث ~~الجسم PageV01P305 # فجاء ابن كلاب ومن اتبعه فوافقوهم على انتفاء قيم الأفعال به وخالفوهم في ~~قيام الصفات فأثبتوا قيام الصفات به وقالوا لا نسميها أعراضا لأنها باقية ~~والأعراض لا تبقى # وأما ابن كرام وأتباعه فلم يمتنعوا من تسمية صفات الله أعراضا كما لم ~~يمتنعوا من تسميته جسما # وعن هذه الحجة ونحوها نشأ القول بأن القرآن مخلوق وأن الله تعالى لا يرى ~~في الآخرة وأنه ليس فوق العرش ونحو ذلك من مقالات الجهمية النفاة لأن ~~القرآن كلام وهو صفة من الصفات والصفات عندهم لا تقوم به وأيضا فالكلام ~~يستلزم فعل المتكلم وعندهم لا يجوز قيام فعل به ولأن الرؤية تقتضي مقابلة ~~ومعاينة والعلو يقتضي مباينة مسامتة وذلك من صفات الأجسام # وبالجملة فقد صاروا ينفون ما ينفونه من صفات الله تعالى لأن إثبات ذلك ~~يقتضي أن يكون الموصوف جسما وذلك ممتنع لأن الدليل على إثبات الصانع إنما ~~هو حدوث الأجسام فلو كان جسما لبطل دليل إثبات الصانع # ومن هنا قال هؤلاء إن القول بما دل عليه السمع من إثبات الصفات والأفعال ~~يقدح في أصل الدليل الذي به علمنا صدق الرسول # وقالوا إنه لا يمكن تصديق الرسول لو قدر أنه يخبر بذلك لأن صدقه لا يعلم ~~إلا بعد أن يثبت العلم بالصانع ولا طريق إلى إثبات العلم بالصانع إلا القول ~~بحدوث الأجسام # قالوا وإثبات الصفات له يقتضي أنه جسم قديم فلا يكون كل جسم حادثا فيبطل ms0183 ~~دليل إثبات العلم به PageV01P306 # وقالت المعتزلة كأبي الحسين وغيره إن صدق الرسول معلوم بالمعجزة والمعجزة ~~معلومة بكون الله تعالى لا يظهرها على يد كاذب وذلك معلوم بكون إظهارها على ~~يد الكذاب قبيحا والله منزه عن فعل القبيح وتنزيهه عن فعل ال بأنه غنى عنه ~~عالم بقبحه والغني عن الشيء العالم بقبحه لا يفعله وغناه معلوم بكونه ليس ~~بجسم وكونه ليس بجسم معلوم بنفى الصفات فلو قامت به الصفات لكان جسما ولو ~~كان جسما لم يكن غنيا وإذا لم يكن غنيا لم يمتنع عليه فعل القبيح فلا يؤمن ~~أن يظهر المعجزة على يد كذاب فلا يبقى لنا طريق إلى العلم بصدق الرسول فهذا ~~الكلام ونحوه أصل دين المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة # وكذلك أبو عبدالله بن الخطيب وأمثاله أثبتوا وجود الصانع بأربع طرق منها ~~ثلاثة مبنية على أصلين وربما قالوا بست طرق منها خمسة مبنية على الأصلين ~~المتقدمين في توحيد الفلاسفة وتوحيد المعتزلة # فإنه قال الإستدلال على الصانع إما أن يكون بالإمكان أو الحدوث وكلاهما ~~إما في الذات وإما في الصفات وربما قالوا وإما فيهما # فالأول إثبات أمكان الجسم بناء على حجة التركيب التي هي أصل الفلاسفة ~~والثاني بيان حدوثه بناء على حجة حدوث الحركات والأعراض التي هي أصل ~~المعتزلة والثالث إمكان الصفات بناء على تماثل الأجسام والرابع إمكانهما ~~جميعا والخامس حدوث الصفات وهذا هو الطريق المذكور في القرآن والسادس حدوث ~~الأجسام وصفاتها وهو مبنى على ما تقدم # وهذه الطرق الست كلها مبنية على الجسم إلا الطريق الذي سماه حدوث الصفات ~~يعني بذلك ما يحدثه الله في العالم من الحيوان والنبات والمعدن والسحاب ~~PageV01P307 والمطر وغير ذلك وهو إنما سمى ذلك حدوث الصفات متابعة لغيره ~~ممن يثبت الجوهر الفرد ويقول بتماثل الأجسام وإن ما يحدثه الله تعالى من ~~الحوادث وإنما هو تحويل الجواهر التي هي أجسام من صفة إلى صفة مع بقاء ~~أعيانها وهؤلاء ينكرون الإستحالة # وجمهور العقلاء وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم متفقون على بطلان قولهم وأن ~~الله تعالى يحدث الأعيان ms0184 ويبدعها وإن كان يحيل الجسم الأول إلى جسم آخر فلا ~~يقولون إن جرم النطفة باق في بدن الإنسان ولا جرم النواة باق في النخلة # والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع فإن هذه الجمل هي من ~~جوامع الكلام المحدث الذي كان السلف والأئمة يذمونه وينكرون على أهله # والمقصود هنا أن هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب ~~الإلهية والنصوص النبوية وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها # فيقال لهم أنتم وكل مسلم عالم تعلمون بالإضطرار أن إيمان السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكن مبنيا على هذه ~~الحجج المبنية على الجسم ولا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدا أن يستدل ~~بذلك على إثبات الصانع ولا ذكر الله تعالى في كتابه وفي آياته الدالة عليه ~~وعلى وحدانيته شيئا من هذه الحجج المبنية على الجسم والعرض وتركيب الجسم ~~وحدوثه وما يتبع ذلك # فمن قال إن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بهذه الطريق كان قول معلوم ~~الفساد بالإضطرار من دين الإسلام ومن قال إن سلوك هذه الطريق واجب ~~PageV01P308 في معرفة الصانع تعالى كان قوله من البدع الباطلة المخالفة لما ~~علم بالإضطرار من دين الإسلام # ولهذا كان عامة أهل العلم يعترفون بهذا وبأن سلوك هذه الطريق ليس بواجب ~~بل قد ذكر أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر أن سلوك هذه الطريق ~~بدعة محرمة في دين الرسل لم يدع إليها أحد من الأنبياء ولا من أتباعهم # ثم القائلون بأن هذه الطريق ليست واجبة قد يقولون إنها في نفسها صحيحة بل ~~ينهى عن سلوكها لما فيها من الأخطار كما يذكر ذلك طائفة منهم الأشعري ~~والخطابي وغيرهما # وأما السلف والأئمة فينكرون صحتها في نفسها ويعيبونها لاشتمالها على كلام ~~باطل ولهذا تكلموا في ذم مثل هذا الكلام لأنه باطل في نفسه لا يوصل إلى حق ~~بل إلى باطل كقول من قال الكلام الباطل لا يدل إلا على باطل وقول من قال لو ~~أوصى بكتب العلم لم يدخل فيها ms0185 كتب علم الكلام وقول من قال من طلب الدين ~~بالكلام تزندق ونحو ذلك # ونحن الآن في هذا المقام نذكر ما لا يمكن مسلما أن ينازع فيه وهو أنا ~~نعلم بالضرورة أن هذه الطريق لم يذكرها الله تعالى في كتابه ولا أمر بها ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ولا جعل إيمان المتبعين له موقوفا عليها فلو كان ~~الإيمان بالله لا يحصل إلا بها لكان بيان ذلك من أهم مهمات الدين بل كان ~~ذلك أصل أصول الدين لا سيما وكان يكون فيها أصلان عظيمان إثبات الصانع ~~وتنزيهه PageV01P309 عن صفات الأجسام كما يجعلون هو ذلك أصل دينهم فلما لم ~~يكن الأمر كذلك علم أن الإيمان يحصل بدونها بل إيمان أفضل هذه الأمة ~~وأعلمهم بالله كان حاصلا بدونها # فمن قال بعد هذا إن العلم بصحة الشرع لا يحصل إلا بهذا الطريق ونحوها من ~~الطرق المحدثة كان قوله معلوم الفساد بالإضطرار من دين الإسلام وعلم أن ~~القدح في مدلول هذه الطرق ومقتضاها وأن تقديم الشرع المعارض لها لا يكون ~~قدحا في العقليات التي هي أصل الشرع بل يكون قدحا في أمور لا يفتقر الشرع ~~إليها ولا يتوقف عليها وهو المطلوب # فتبين أن الشرع المعارض لمثل هذه الطرق التي يقال إنها عقليات إذا قدم ~~عليها لم يكن في ذلك محذور # ومن عجائب الأمور أن كثيرا من الجهمية نفاة الصفات والأفعال ومن اتبعهم ~~على نفى الأفعال يستدلون على ذلك بقصة الخليل صلى الله عليه وسلم كما ذكر ~~ذلك بشرا المريسي وكثير من المعتزلة ومن أخذ ذلك عنهم أو عمن أخذ ذلك عنهم ~~كأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد والرازي وغيرهم وذكروا في كتبهم أن هذه ~~الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل عليه صلوات الله وسلامه وهو قوله @QB@ لا ~~أحب الآفلين @QE@ سورة الأنعام 76 # قالوا فاستدل بالأفول الذي هو الحركة والإنتقال على حدوث ما قام به ذلك ~~كالكوكب والقمر والشمس PageV01P310 # وظن هؤلاء أن قول إبراهيم عليه السلام @QB@ هذا ربي @QE@ سورة الأنعام 77 ~~أراد به هذا خالق السماوات والأرض القديم ms0186 الأزلي وأنه استدل على حدوثه ~~بالحركة # وهذا خطأ من وجوه أحدها أن قول الخليل @QB@ هذا ربي @QE@ سواء قاله على ~~سبيل التقدير لتقريع قومه أو على سبيل الإستدلال والترقي أو غير ذلك ليس ~~المراد به هذا رب العالمين القديم الأزلي الواجب الوجود بنفسه ولا كان قومه ~~يقولون إن الكواكب أو القمر أو الشمس رب العالمين الأزلي الواجب الوجود ~~بنفسه ولا قال هذا أحد من أهل المقالات المعروفة التي ذكرها الناس لا من ~~مقالات أهل التعطيل والشرك الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب ولا من ~~مقالات غيرهم بل قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم كانوا يتخذونها أربابا ~~يدعونها ويتقربون إليها بالبناء عليها والدعوة لها والسجود والقرابين وغير ~~ذلك وهو دين المشركين الذين صنف الرازي كتابه على طريقتهم وسماه السر ~~المكتوم في دعوة الكواكب والنجوم والسحر والطلاسم والعزائم PageV01P311 # وهذا دين المشركين من الصابئين كالكشدانيين والكنعانيين واليونانيين ~~وأرسطو وأمثاله من أهل هذا الدين وكلامه معروف في السحر الطبيعي والسحر ~~الروحاني والكتب المعروفة بذخيرة الإسكندر بن فيلبس الذي يؤرخون به وكان ~~قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة # وكانت اليونان مشركين يعبدون الأوثان كما كان قوم إبراهيم مشركين يعبدون ~~الأوثان ولهذا قال الخليل @QB@ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه ~~سيهدين @QE@ سورة الزخرف 26 27 وقال @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم ~~وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ سورة الشعراء 75 77 ~~وأمثال ذلك مما يبين تبرؤه مما يعبدونه غير الله # وهؤلاء القوم عامتهم من نفاة صفات الله وأفعاله القائمة به كما هو مذهب ~~الفلاسفة المشائين فإنهم يقولون إنه ليس له صفة ثبوتية بل صفاته إما سلبية ~~وإما إضافية وهو مذهب القرامطة الباطنية القائلين بدعوة الكواكب والشمس ~~والقمر والسجود لها كما كان على ذلك من كان عليه من بنى عبيد ملوك القاهرة ~~وأمثالهم # فالشرك الذي نهى عنه الخليل وعادى أهله عليه كان أصحابه هم أئمة هؤلاء ~~النفاة للصفات والأفعال وأول من أظهر هذا النفى في الإسلام الجعد بن درهم ~~معلم مروان بن محمد PageV01P312 # قال الإمام أحمد ms0187 وكان يقال إنه من أهل حران وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب ~~نفاة الصفات وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة بقايا أهل هذا الدين ~~أهل الشرك ونفى الصفات والأفعال ولهم مصنفات في دعوة الكواكب كما صنفه ثابت ~~بن قرة وأمثاله من الصابئة الفلاسفة أهل حران وكما صنفه أبو معشر البلخي ~~وأمثاله وكان لهم بها هيكل العلة الأولى وهيكل العقل الفعال وهيكل النفس ~~الكلية وهيكل زحل وهيكل المشتري وهيكل المريخ وهيكل الشمس وهيكل الزهرة ~~وهيكل عطارد وهيكل القمر وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # الوجه الثاني أنه لو كان المراد بقوله @QB@ هذا ربي @QE@ أنه رب العالمين ~~لكانت قصة الخليل حجة على نقيض مطلوبهم لأن الكوكب والقمر والشمس ما زال ~~متحركا من حين بزوغه إلى عند أفوله وغروبه وهو جسم متحرك متحيز صغير فلو ~~كان مراده هذا للزم أن يقال إن إبراهيم لم يجعل الحركة والإنتقال مانعة من ~~كون المتحرك المنتقل رب العالمين بل ولا كونه صغيرا بقدر الكوكب والشمس ~~والقمر وهذا مع كونه لا يظنه عاقل ممن هو دون إبراهيم صلوات الله وسلامه ~~عليه فإن جوزوه عليه كان حجة عليهم لا لهم # الوجه الثالث أن الأفول هو المغيب والإحتجاب ليس هو مجرد الحركة ~~والإنتقال ولا يقول أحد لا من أهل اللغة ولا من أهل التفسير إن الشمس ~~والقمر في حال مسيرهما في السماء إنهما آفلان ولا يقول للكواكب PageV01P313 ~~المرئية في السماء في حال ظهورها وجريانها إنها آفلة ولا يقول عاقل لكل من ~~مشى وسافر وسار وطار إنه آفل # الوجه الرابع أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف أهل ~~التفسير ولا من أهل اللغة بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام كما ذكر ~~ذلك عثمان بن سعيد الدارمي وغيره من علماء السنة وبينوا أن هذا من التفسير ~~المبتدع # وبسبب هذا الإبتداع أخذا ابن سينا وأمثاله لفظ الأفول بمعنى الإمكان كما ~~قال في إشاراته # قال قوم إن هذا الشي المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكن إذا تذكرت ما ms0188 ~~قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا وتلوت قوله تعالى @QB@ لا ~~أحب الآفلين @QE@ سورة الأنعام 76 فإن الهوى في حظيرة الإمكان أفول ما فهذا ~~قوله PageV01P314 # ومن المعلوم بالضرورة من لغة العرب أنهم لا يسمعون كل مخلوق موجود آفلا ~~ولا كل موجود بغيره آفلا ولا كل موجود يجب وجوده بغيره لا بنفسه آفلا ولا ~~ما كان من هذه المعاني التي يعنيها هؤلاء بلفظ الإمكان بل هذا أعظم افتراء ~~على القرآن واللغة من تسمية كل متحرك آفلا ولو كان الخليل أراد بقوله @QB@ ~~لا أحب الآفلين @QE@ سورة الأنعام 76 هذا المعنى لم ينتظر مغيب الكوكب ~~والشمس والقمر ففساد قول هؤلاء المتفلسفة في الإستدلال بالآية أظهر من فساد ~~قول أولئك # وأعجب من هذا قول من قال في تفسيره إن هذا قول المحققين # واستعارته لفظ الهوى والحظيرة لا يوجب تبديل اللغة المعروفة في معنى ~~الأفول فإن وضع هو لنفسه وضعا آخر فليس له أن يتلو عليه كتاب الله تعالى ~~فيبدله أو يحرفه # وقد ابتدعت القرامطة الباطنية تفسيرا آخر كما ذكره أبو حامد في بعض ~~مصنفاته كمشكاة الأنوار وغيرها أن الكواكب والشمس والقمر هي النفس والعقل ~~الفعال والعقل الأول ونحو ذلك # وشبهتهم في ذلك أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أجل من أن يقول لمثل هذه ~~الكواكب إنه رب العالمين بخلاف ما ادعوه من النفس ومن العقل الفعال الذي ~~يزعمون أنه رب كل ما تحت فلك القمر والعقل الأول الذي يزعمون أنه مبدع ~~العالم كله PageV01P315 # وقول هؤلاء وإن كان معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام فابتداع أولئك ~~طرق مثل هؤلاء على هذا الإلحاد # ومن المعلوم بالإضطرار من لغة العرب أن هذه المعاني ليست هي المفهوم من ~~لفظ الكوكب والقمر والشمس # وأيضا فلو قدر أن ذلك يسمى كوكبا وقمرا وشمسا بنوع من التجوز فهذا غايته ~~أن يسوغ للإنسان أن يستعمل اللفظ في ذلك لكنه لا يمكنه أن يدعى أن أهل ~~اللغة التي نزل بها القرآن كانوا يريدون هذا بهذا والقرآن نزل بلغة الذين ~~خاطبهم ms0189 الرسول صلى الله عليه وسلم فليس لأحد أن يستعمل ألفاظه في معان بنوع ~~من التشبيه والإستعارة ثم يحمل كلام من تقدمه على هذا الوضع الذي أحدثه هو # وأيضا فإنه قال تعالى @QB@ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا @QE@ الأنعام 76 ~~فذكره منكرا لأن الكواكب كثيرة ثم قال @QB@ فلما رأى القمر @QE@ الأنعام 77 ~~@QB@ فلما رأى الشمس @QE@ سورة الأنعام 78 بصيغة التعريف لكي يبين أن ~~المراد القمر المعروف والشمس المعروفة وهذا صريح بأن الكواكب متعددة وأن ~~المراد واحد منها وأن الشمس والقمر هما هذاه المعروفان # وأيضا فإنه قال @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ والأفول هو المغيب والإحتجاب ~~فإن أريد بذلك المغيب عن الأبصارا الظاهرة فما يدعونه من العقل والنفس لا ~~يزال محتجبا عن الأبصار لا يرى بحال بل وكذلك واجب الوجود عندهم لا يرى ~~بالأبصار بحال بل تمتنع رؤيته بالأبصار عندهم PageV01P316 # وإن أراد المغيب عن بصائر القلوب فهذا أمر نسبي إضافي فيمكن أن تكون تارة ~~حاضرة في القلب وتارة غائبة عنه كما يمكن مثل ذلك في واجب الوجود فالأفول ~~أمر يعود إلى حال العارف بها لا يكسبها صفة نقص ولا كمال ولا فرق في ذلك ~~بينها وبين غيرها # وأيضا فالعقول عندهم عشرة والنفوس تسعة بعدد الأفلاك # فلو ذكر القمر والشمس فقط لكانت شبهتهم أقوى حيث يقولون نور القمر مستفاد ~~من نور الشمس كما أن النفس متولدة عن العقل مع ما في ذلك لو ذكروه من ~~الفساد أما مع ذكر كوكب من الكواكب فقولهم هذا من أظهر الأقوال للقرامطة ~~الباطنية فسادا لما في ذلك من عدم الشبه والمناسبة التي تسوغ في اللغة ~~إرادة مثل هذا # والكلام على فساد هذا طويل ليس هذا موضعه ولولا أن هذا وأمثاله هو من ~~أسباب ضلال كثير من الداخلين في العلم والعبادة إذ صاحب كتاب مشكاة الأنوار ~~إنما بنى كلامه على أصول هؤلاء الملاحدة وجعل ما يفيض على النفوس من ~~المعارف من جنس خطاب الله عز وجل لموسى بن عمران النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما تقوله القرامطة الباطنية ونحوهم من ms0190 المتفلسفة وجعل خلع النعلين الذي ~~خوطب به موسى صلوات الله عليه وسلامه إشارة إلى ترك الدنيا PageV01P317 ~~والآخرة وإن كان قد يقرر خلع النعلين حقيقة لكن جعل هذا إشارة إلى أن من ~~خلع الدنيا والآخرة فقد حصل له ذلك الخطاب الإلهي # وهو من جنس قول من يقول إن النبوة مكتسبة ولهذا كان أكابر هؤلاء يطمعون ~~في النبوة فكان السهروردي المقتول يقول لا أموت حتى يقال له قم فأنذر وكان ~~ابن سبعين يقول لقد زرب ابن آمنة حيث قال لا نبي بعدي ولما جعل خلع النعلين ~~إشارة إلى ذلك أخذ ذلك ابن قسى ونحوه ووضع كتابه في خلع النعلين واقتباس ~~النور من موضع القدمين من مثل هذا الكلام # ومن هنا دخل أهل الإلحاد من أهل الحلول والوحدة والإتحاد حتى آل الأمر ~~بهم إلى أن جعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق سبحانه وتعالى كما فعل ~~صاحب الفصوص ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما من الملاحدة المنتسبين إلى ~~التصوف والتحقيق # وهم من جنس الملاحدة المنتسبين إلى التشيع لكن تظاهر هؤلاء من أقوال شيوخ ~~الصوفية وأهل المعرفة بما التبس به حالهم على كثير من أهل العلم المنتسبين ~~إلى العلم والدين بخلاف أولئك الذين تظاهروا بمذهب التشيع فإن نفور الجمهور ~~PageV01P318 عن مذهب الرافضة مما نفر الجمهور عن مثل هؤلاء بخلاف جنس أهل ~~الفقر والزهد ومن يدخل في ذلك من متكلم ومتصوف وفقير وناسك وغير هؤلاء ~~فإنهم لمشاركتهم الجمهور في الإنتساب إلى السنة والجماعة يخفى من إلحاد ~~الملحد الداخل فيهم مالايخفى من إلحاد ملاحدة الشيعة وإن كان إلحادالملحد ~~منهم أحيانا قد يكون أعظم كما حدثني نقيب الأشراف أنه قال للعفيف التلمساني ~~أنت نصيري فقال نصير جزء مني والكلام على بسط هذا له موضع آخر غير هذا # فإن قيل فهب أن تقديم الشرع عليها لا يكون قدحا في أصله لكنه يكون تقديما ~~له على أدلة عقلية فلا بد من بيان الموجب لتقديم الشرع # قيل الجواب من وجوه أحدها أن المقصود هنا بيان أن تقديم الشرع على ما ~~عارضه من ms0191 مثل هذه العقليات المحدثة في الإسلام ليس تقديما له على أصله الذي ~~يتوقف العلم بصحة الشرع عليه وقد حصل فإن أنما ذكرنا في هذا المقام بيان ~~بطلان من يزعم أنه يقدم العقل على الشرع المعارض له وذكرنا أن الواجب تقديم ~~ما قام الدليل على صحته مطلقا # الجواب الثاني أن نقول الشرع قول المعصوم الذي قام الدليل على صحته وهذه ~~الطرق لم يقم دليل على صحتها فلا يعارض ما علمت صحته بما لم تعلم صحته # الجواب الثالث أن نقول بل هذه الطرق المعارضة للشرع كلها باطلة في العقل ~~وصحة الشرع مبنية على إبطالها لا على صحتها فهي باطلة بالعقل وبالشرع ~~PageV01P319 # والقائل بها مخالف للعقل والشرع من جنس أهل النار الذين قالوا @QB@ لو ~~كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ سورة الملك 10 وهكذا شأن ~~جميع البدع المخالفة لنصوص الأنبياء فإنها مخالفة للسمع والعقل فكيف ببدع ~~الجهيمة المعطلة التي هي في الأصل من كلام المكذبين للرسل # والكلام على إبطال هذه الوجوه على التفصيل وأن الشرع لا يتم إلا بإبطالها ~~مبسوط في غير هذا الموضع لكن نحن نشير إلى ذلك في تمام هذا الكلام فنقول $ ~~الوجه التاسع عشر # أن هذه المعارضات مبنية على التركيب وقد تقدمت الإشارة إلى بطلانه وأما ~~الإستدلال بحدوث الحركات والأعراض فنقول قد أورد عليهم الفلاسفة سؤالهم ~~المشهور وجوابهم عنه على أصلهم مما يقول جمهور العقلاء إنه معلوم الفساد ~~بالضرورة # وذلك أنهم قالوا لهم إذا كانت الأفعال جميعها حادثة بعد أن لم تكن ~~فالمحدث لذلك إما أن يكون صدر عنه بسبب حادث يقتضي الحدوث وإما أن لا يكون ~~فإن لم يكن صدر عنه سبب حادث يقتضي الحدوث لزم ترجيح الممكن بلا مرجح وهو ~~ممتنع في البديهة وإن حدث عنه سبب فالقول في حدوث ذلك السبب كالقول في حدوث ~~غيره ويلزم التسلسل الممتنع باتفاق العقلاء بخلاف التسلسل المتنازع فيه ~~PageV01P320 مع أن كلا النوعين باطل عند هؤلاء المتكلمين فهم مضطرون في هذا ~~الدليل إلى الترجيح بلا مرجح تام أو إلى ms0192 القول بالتسلسل والدور وكلاهما ~~ممتنع عندهم # ومما ينبغي ان يعرف أن التسلسل الممتنع في هذا المكان ليس هو التسلسل ~~المتنازع في جوازه بل هو مما اتفق العقلاء على امتناعه فإنه إذا قيل إنه ~~إذا قدر أنه لم يكن يحدث شيئا قط ثم حدث حادث فإما أن يحدث بسبب حادث أو ~~بلا سبب حادث فإن حدث بسبب حادث فالقول فيه كالقول في الأول وإن حدث بغير ~~سبب حادث لزم الترجيح بلا مرجح فالناس كلهم متفقون على أنه إذا قدر أنه صار ~~فاعلا بعد أن لم يكن لم يحدث إلا بسبب حادث وأن القول في كل ما يحدث قول ~~واحد # وإذا قال القائل فلم يحدث الحادث إلا بسبب حادث ثم زعم أن الحادث الأول ~~يحدث بغير سبب حادث فقد تناقض فإن قوله لا يحدث حادث قول عام فإذا جوز أن ~~يحدث حادث بلا سبب فقد تناقض ويسمى تسلسلا # ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في العلل والفاعلين والمؤثرات بأن يكون ~~للفاعل فاعل وللفاعل فاعل إلى ما لا نهاية له وهذا متفق على امتناعه بين ~~العقلاء # والثاني التسلسل في الآثار بأن يكون الحادث الثاني موقوفا على حادث قبله ~~وذلك الحادث موقوف على حادث قبل ذلك وهلم جرا فهذا في جوازه قولان مشهوران ~~للعقلاء وأئمة السنة والحديث مع كثير من النظار أهل الكلام والفلاسفة ~~يجوزون ذلك وكثير من النظار وغيرهم يحيلون ذلك PageV01P321 # وأما إذا قيل لا يحدث حادث قط حتى يحدث حادث فهذا ممتنع باتفاق العقلاء ~~وصريح العقل وقد يسمى هذا دورا فإنه إذا قيل لا يحدث شيء حتى يحدث شيء كان ~~هذا دورا فإن وجود جنس الحادث موقوف على وجود جنس الحادث وكونه سبحانه لم ~~يزل مؤثرا يراد به مؤثرا في كل شيء وهذا لا يقوله عاقل لكنه لازم حجة ~~الفلاسفة ويراد به لم يزل مؤثرا في شيء معين ويراد به لم يزل مؤثرا في شيء ~~بعد شيء وهو موجب الأدلة العقلية التي توافق الأدلة السمعية # ولما أجاب بعضهم بأن المرجح هو القدرة أو ms0193 الإرادة القديمة أو العلم ~~القديم أو إمكان الحدوث ونحو ذلك قالوا لهم في الجواب هذه الأمور إن لم ~~يحدث بسببها سبب حادث لزم الترجيح بلا مرجح وإن حدث سبب حادث فالكلام في ~~حدوثه كالكلام في حدوث ما حدث به # وعدل آخرون إلى الإلزام فقالوا هذا يقتضي أن لا يحدث في العالم حادث ~~والحس يكذبه فقالوا لهم إنما يلزم هذا إذا كان التسلسل باطلا وأنتم تقولون ~~بإبطاله وأما نحن فلا نقول بأبطاله وإذا كان الحدوث موقوفا على حوادث ~~متجددة زال هذا المحذور # والتسلسل نوعان تسلسل في العلل وقد اتفق العلماء على إبطاله وأما التسلسل ~~في الشروط ففيه قولان مشهوران للعقلاء PageV01P322 # وتنازع هؤلاء هل الألزام لهم صحيح أم لا وبتقدير كون الإلزام صحيحا ليس ~~فيه حل للشبهة وإذا لم تنحل كانت حجة على الفريقين وكان القول بموجبها ~~لازما واعتبر ذلك بما ذكره أبو عبدالله الرازي في أشهر كتبه وهو كتاب ~~الأربعين وما اعترض عليه به صاحب لباب الأربعين أبو الثناء محمود الأرموى ~~وجوابه هو عنها فإن الرازى ذكرها وذكر أجوبة الناس عنها وبين فسادها ثم ~~أجاب هو بالإلزام مع أنه في مواضع أخر يجيب عنها بالأجوبة التي بين فسادها ~~في هذا الموضع # قال في حجتهم جميع الممكنات مستندة إلى واجب الوجود فكل ما لا بد منه في ~~مؤثريته إن لم يكن حاصلا في الأزل فحدوثه إن لم يتوقف على مؤثر وجد الممكن ~~لا عن مؤثر وإن توقف عاد الكلام فيه وتسلسل وإن كان حاصلا فإن وجب حصول ~~الأثر معه لزم دوامه لدوامه وإن لم يجب أمكن حصول الأثر معه تارة وعدمه ~~أخرى فيرجح أحدهما على الآخر وإن لم يتوقف على أمر وقع الممكن بلا مرجح وإن ~~توقف لزم خلاف الفرض PageV01P323 # ثم قال أجاب المتكلمون بوجوه الأول أنه إنما أحدث العالم في ذلك الوقت ~~لأن الإرادة لذاتها اقتضت التعلق بإيجاده في ذلك الوقت # قلت هذا جواب جمهور الصفاتية الكلامية كابن كلاب والأشعري وأصحابهما وبه ~~يجيب القاضي أبو بكر وأبو المعالي والتميميون من أصحاب ms0194 أحمد والقاضي أبو ~~يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني وأمثالهم وبه أجاب الغزالي في تهافت الفلاسفة ~~وزيفه عليه ابن رشد الحفيد وبه أجاب الآمدي وبه أجاب الرازي في بعض المواضع # قال الجواب الثاني للمتكلمين أنها اقتضت التعلق به في ذلك الوقت لتعلق ~~العلم به # قلت هذ الجواب ذكره طائفة من الأشعرية ومن الناس من يجعل المرجح مجموع ~~العلم والإرادة والقدرة كما ذكره الشهرستاني ويمكن أن يجعل هذا جوابا آخر # قال الجواب الثالث لعل هناك حكمة خفية لأجلها أحدث في ذلك الوقت ~~PageV01P324 # قلت هذا الجواب يجيب به من قد يعلل الأفعال كما هو مذهب المعتزلة ~~والكرامية وغيرهم وقد يوافق المعتزلة ابن عقيل ونحوه كما قد يوافق الكرامية ~~في تعليلهم القاضي أبو خازم ابن القاضي أبي يعلى وغيره # قال الجواب الرابع أن الأزلية مانعة من الإحداث لما سبق # الجواب الخامس أنه لم يكن ممكنا قبله ثم صار ممكنا فيه # قلت هذان الجوابان أو أحدهما ذكرهما غير واحد من أهل الكلام المعتزلة ~~والأشعرية وغيرهم كالشهرستاني وغيره وهذا جواب الرازي في بعض المواضع # قال الجواب السادس أن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ~~كالهارب من السبع إذا عرض له طريقان متساويان والعطشان إذا وجد قدحين ~~متساويين # قلت هذا جواب أكثر الجهمية المعتزلة وبه أجاب الرازي في نهاية العقول ~~فإنه قال في كتابه المعروف بنهاية العقول وهو عنده أجل ما صنفه في الكلام ~~قال قوله في المعارضة الأولى جميع جهات مؤثرية الباري عز وجل لا بد وأن ~~يكون حاصلا في الأزل ويلزم من ذلك امتناع تخلف العالم عن الباري عز وجل ~~PageV01P325 # قلنا هذا إنما يلزم إذا كان موجبا بالذات أما إذا كان قادرا فلا # قوله القادر لما أمكنه أن يفعل في وقت وأن يفعل قبله وبعده توقفت فاعليته ~~على مرجح # قلنا المعتمد في دفع ذلك ليس إلا أن يقال القادر لا يتوقف في فعله لأحد ~~مقدوريه دون الآخر على مرجح # قوله إذا جاز استغناء الممكن هنا عن المرجح فليجز في سائر المواضع ويلزم ~~منه ms0195 نفي الصانع # قلنا قد ذكرنا أن بديهة العقل فرقت في ذلك بين القادر وبين غيره وما ~~اقتضت البديهة الفرق بينهما لا يمكن دفعه # قلت وهذا الجواب هو جواب معروف عن المعتزلة وهو وأمثاله دائما في كتبهم ~~يضعفون هذا الجواب ويحتجون على المعتزلة في مسألة خلق الأفعال وغيرها بهذه ~~الحجة وهو أنه لا يتصور ترجيح الممكن لا من قادر ولا من غيره إلا بمرجح يجب ~~عنده وجود الأثر # فهؤلاء إذا ناظروا الفلاسفة في مسأله حدوث العالم لم يجيبوهم إلا بجواب ~~المعتزلة وهم دائما إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر يحتجون عليهم بهذه ~~الحجة التي احتجت بها الفلاسفة فإن كانت هذه الحجة صحيحة بطل احتجاجهم على ~~المعتزلة وإن كانت باطلة بطل جوابهم للفلاسفة # وهذا غالب على المتفلسفة والمتكلمين المخالفين للكتاب والسنة تجدهم دائما ~~يتناقضون فيحتجون بالحجة التي يزعمون أنها برهان باهر ثم في موضع آخر ~~يقولون إن بديهة العقل يعلم بها فساد هذه الحجة PageV01P326 # وهو لما احتج في المحصول على إثبات الجبر وأن إثباته يمنع القول بالتحسين ~~والتقبيح العقلي ذكر هذه الحجة وقال فثبت بهذا البرهان الباهر أن هذه ~~الحوادث إما أن تحدث يعنى من العبد القادر على سبيل الإضطرار أو على سبيل ~~الإتفاق # وقال أيضا في تقريرها ههنا العمدة في إثبات الصانع احتياج الممكن إلى ~~المؤثر فلو جوزنا ممكنا يترجح أحد طرفيه على الآخر بلا مرجح لم يمكنا أن ~~نحكم لشيء من الممكنات باحتياجه إلى المؤثر وذلك يسد باب إثبات الصانع # قال وأما الهارب من السبع إذا عن له طريقان فإنا نمنع تساويهما من كل ~~الوجوه وإن ساعدنا عليه ولكن الهارب من السبع يعتقد ترجح أحدهما على الآخر ~~من بعض الوجوه أو يصير غافلا عن أحدهما فأما لو اعتقد الهارب تساويهما من ~~كل الوجوه فإنه يستحيل منه والحال هذه أن يسلك أحدهما والدليل على أن الأمر ~~كذلك أن الإنسان إذا تعارضت دواعيه إلى الحركات المتضادة فإنه يتوقف في كل ~~موضع لا يمكنه أن يترك إلا عند حصول المرجح PageV01P327 # وكما قال من ms0196 جعل المرجح هو الإرادة إن الإرادة اقتضت ترجيح ذلك المقدور ~~على غيره ولا يمكن أن يقال الإرادة لماذا رجحت ذلك الشيء على غيره لأنها لو ~~رجحت غيره عليه كان هذا السؤال عائدا وعلى هذا التقدير يلزم أن كون الإرادة ~~مرجحة معلل بعلة أخرى وذلك محال لأن كون الإرادة مرجحة صفة نفسية لها كما ~~أن كون العلم بحيث يعلم به المعلوم صفة نفسية له وذلك أمر ذاتي له ولما ~~استحال تعليل الصفات الذاتية استحال تعليل كون الإرادة مرجحة قال وهذا ~~الجواب باطل أيضا لأنا لا نعلل أصل كون الإرادة مرجحة وإنما نعلل كونها ~~مرجحة لهذا الشيء على ضده ولا يلزم من تعليل خصوص المرجحية تعليل أصل ~~المرجحية ألا ترى أن الممكن لما دار بين الوجود والعدم فإنا نحكم أنه لا ~~يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح ولا يكون تعليل ذلك تعليلا لأصل كونه ممكنا ~~فكذلك ههنا # قلت نظير هذا قول من يقول من القدرية المعتزلة والشيعة ونحوهم إن الله ~~تعالى جعل العبد مختارا وخلقه مختارا إن شاء اختار هذا الفعل وإن شاء اختار ~~هذا الفعل فهو يختار أحدهما باختياره # فيقال لهم هو جعله أهلا للإختيار وقابلا للإختيار وجائزا منه الإختيار ~~وممكنا منه الإختيار ونحو ذلك أو جعله مختارا لهذا الفعل على هذا ~~PageV01P328 # فإن قالوا بالأول قيل لهم فوجود اختيار هذا الفعل دون هذا لابد له من سبب ~~وإذا كان العبد قابلا لهذا ولهذا فوجود أحد الإختيارين دون الآخر لا بد له ~~من سبب أوجبه # وإن قالوا بالثاني اعترفوا بالحق وأن ما فيه من اختيار الفعل المعين هو ~~من الله تعالى كما قال سبحانه @QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا ~~أن يشاء الله رب العالمين @QE@ سورة التكوير 28 29 # ولهذا إذا حقق القول عليهم وقيل لهم فهذا الإختيار الحادث الذي كان به ~~هذا الفعل وهو إرادة العبد الحادثة من المحدث لها # قالوا الإرادة لا تعلل # فقلت لمن قال لي ذلك منهم تعنى بقولك لا تعلل بالعلة الغائية أي لا تعلم ~~غايتها ms0197 أو لا تعلل بالعلة الفاعلية فلا يكون لها محدث أحدثها # أما الأول فليس الكلام فيه هنا مع أنه هو يقول بتعليلها بذلك وأما الثاني ~~فإنه معلوم الفساد بالضرورة فإنه من جوز في بعض الحوادث أن تحدث بلا فاعل ~~أحدثها لزمه ذلك في غيره من الحوادث وهذا المقام حار فيه هؤلاء المتكلمون # فالمعتزلة القدرية إما أن ينفوا إرادة الرب تعالى وإما أن يقولوا بإرادة ~~أحدثها في غير محل بلا إرادة كما يقوله البصريون منهم وهم أقرب إلى الحق من ~~البغداديين منهم وهم في هذا كما قيل فيهم طافوا على أبواب المذاهب وفازوا ~~بأخس المطالب فإنهم التزموا عرضا يحدث لا في محل وحادثا يحدث بلا إرادة كما ~~PageV01P329 التزموا في إرادة العبد أنها تحدث بلا فاعل فنفوا السبب الفاعل ~~للإرادة مع أنهم يثبتون لها العلة الغائية ويقولون إنما أراد الإحسان إلى ~~الخلق ونحو ذلك # والذين قابلوهم من الأشعرية ونحوهم أثبتوا السبب الفاعل لإرادة العبد ~~وأثبتوا لله إرادة قديمة تتناول جميع الحوادث لكن لم يثبتوا لها الحكمة ~~المطلوبة والعاقبة المحمودة فكان هؤلاء بمنزلة من أثبت العلة الفاعلية دون ~~الغائية وأولئك بمنزلة من أثبت العلة الغائية دون الفاعلية # والمتفلسفة المشاؤون يدعون إثبات العلة الفاعلية والغائية ويعللون ما في ~~العالم من الحوادث بأسباب وحكم وهم عند التحقيق أعظم تناقضا من أولئك ~~المتكلمين لا يثبتون لا علة فاعلية ولا غائية بل حقيقة قولهم أن الحوادث ~~التي تحدث لا محدث لها لأن العلة التامة القديمة مستلزمة لمعلولها لا يمكن ~~أن يحدث عنها شيء # وحقيقة قولهم إن أفعال الرب تعالى ليس فيها حكمة ولا عاقبة محمودة لأنهم ~~ينفون الإرادة ويقولون ليس فاعلا مختارا ومن نفي الإرادة كان نفيه للمراد ~~المطلوب بها الذي هو الحكمة الغائية أولى وأحرى ولهذا كان لهم من الإضطراب ~~والتناقض في هذا الباب أعظم مما لطوائف أهل الملل كما قد بسط في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا التنبيه على مجامع أقوال الطوائف الكبار وما فيها من ~~التناقض وأن من عارض النصوص الإلهية بما يسميه عقليات إنما ms0198 يعارضها ~~PageV01P330 بمثل هذا الكلام الذي هو نهاية إقدامهم وغاية مرامهم وهو نهاية ~~عقولهم في دراية أصولهم # قال الرازي قالت الفلاسفة حاصل الكل اختيار أن كل ما لا بد منه في إيجاد ~~العالم لم يكن حاصلا في الأزل لأنه جعل شرط الإيجاد أولا الوقت الذي تعلقت ~~الإرادة بإيجاده فيه وثانيا الوقت الذي تعلق العلم به فيه وثالثا الوقت ~~المشتمل على الحكمة الخفية ورابعا انقضاء الأزل وخامسا الوقت الذي يمكن فيه ~~وسادسا ترجيح القادر وشيء منها لم يوجد في الأزل وقد أبطلنا هذا القسم # ثم قال عن الفلاسفة والجواب المفصل عن الأول من وجهين أحدهما أن إرادته ~~إن لم تكن صالحة لتعلق إيجاده في سائر الأوقات كان موجبا بالذات ولزم قدم ~~العالم وإن كانت صالحة فترجيح بعض الأوقات بالتعلق إن لم يتوقف على مرجح ~~وقع الممكن لا لمرجح وإن توقف عاد الكلام فيه وتسلسل # والثاني أن تعلق إرادته بإيجاده إن لم يكن مشروطا بوقت ما لزم قدم المراد ~~وإن كان مشروطا به كان ذلك الوقت حاضرا في الأزل وإلا عاد الكلام في كيفية ~~إحداثه وتسلسل # وعن الثاني من وجهين الأول أن العلم تابع للمعلوم التابع للإرادة فامتنع ~~كون الإرادة تابعة للعلم PageV01P331 # الثاني أن تعين المعلوم محال فيمتنع عقلا إحداثه في وقت علم عدم حدوثه ~~فيه وعدم إحداثه في وقت علم حدوثه فيه وذلك يوجب كونه موجبا بالذات # وعن الثالث من وجهين أحدهما أن حدوث وقت تلك المصلحة إن كان لا لمحدث لزم ~~نفي الصانع وإن كان لمحدث عاد الكلام فيه # وأيضا فتلك المصلحة إن كانت حاصلة قبل ذلك الوقت لزم حدوثها قبله وإلا ~~فإن وجب حدوثها في ذلك الوقت جاز في غير ذلك ولزم نفى الصانع وإن لم يجب ~~عاد الكلام في اختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة وتسلسل # الثاني أنه مع العلم بإشتمال ذلك الوقت على تلك المصلحة إن لم يمكنه ~~الترك كان موجبا بالذات وإن أمكنه وتوقف الفعل على مرجح تسلسل وإلا وقع ~~الممكن لا لمرجح # وعن الرابع من وجهين أحدهما ms0199 أن مسمى الأزل إن كان واجبا لذاته امتنع ~~زواله وإلا استند إلى واجب لذاته ولزم المحذور # والثاني أن الأزل نفى محض فامتنع كونه مانعا من الإيجاد # وعن الخامس من وجهين أحدهما أن انقلاب الممتنع لذاته ممكنا لذاته محال ~~PageV01P332 # الثاني أن الماهية لا يختلف قبولها للوجود أو لا قبولها لكونه شاملا ~~للأوقات # وعن السادس من وجهين الأول أنه لما استويا بالنسبة إليه كان وقوع أحدهما ~~من غير مرجح اتفاقيا وحينئذ يجوز في سائر الحوادث ذلك ولزم نفى الصانع # الثاني أنه لما استويا بالنسبة إليه فترجح أحدهما إن لم يتوقف على نوع ~~ترجيح منه كان وقوعه لا بإيقاعه بل من غير سبب ولزم نفى الصانع وإن توقف ~~عاد التقسيم فيه أنه هل كان حاصلا في الأزل أم لا # وأما فصل الهارب والعطشان فإنا نعلم أنه ما لم يحصل لهما ميل إلى أحدهما ~~لم يترجح # قلت هذه الوجوه بعضها حق لا حيلة فيه وبعضها فيه كلام مبسوط في غير هذا ~~الموضع إذ المقصود هنا ذكر جواب الناس عن تلك الشبهة # ثم قال الرازي والجواب أن هذا يقتضي دوام المعلول الأول لوجوب دوام واجب ~~الوجود ودوام الثاني لدوام الأول وهلم جرا وإنه ينفى الحدوث أصلا # قال فإن قلت واجب الوجود عام الفيض يتوقف حدوث الأثر عنه على حدوث ~~استعدادات القوابل بسبب الحركات الفلكية والإتصالات الكوكبية فكل حادث ~~مسبوق بآخر لا إلى أول PageV01P333 # قلت حدوث العرض المعين لا بد له من سبب فذلك السبب إن كان حادثا عاد ~~الكلام في سبب حدوثه ولزم وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة وهو محال ~~وإن كان قديما لم يلزم من قدم المؤثر قدم الأثر فكذلك في كلية العالم # وقد اعترض الأرموي على هذا الجواب فقال ولقائل أن يقول إن عنيت بالسبب ~~السبب التام فحدوثه لا يدل على حدوث المسبب الفاعل بل يدل إما على حدوثه أو ~~حدوث بعض شرائطه وإن عنيت به السبب الفاعل لم يلزم من حدوث العرض المعين ~~حدوثه بل إما حدوثه أو حدوث بعض ms0200 الشرائط وحدوث الشرائط والمعدات الغير ~~متناهية على التعاقب جائز عندكم # قال بل الجواب الباهر عنه أنه لا يلزم من ذلك قدم العالم الجسماني لجواز ~~أن يوجد في الأزل عقل أو نفس يصدر عنهما تصورات متعاقبة كل واحد منها بعد ~~ما يليه حتى ينتهي إلى تصور خاص يكون شرطا لفيضان العالم الجسماني عن ~~المبدأ القديم # قلت الإلزام الذي ألزمهم إياه الرازي صحيح متوجه وهو الجواب الثاني الذي ~~أجابهم به الغزالي في كتاب التهافت # وأما اعتراض الأرموي فجوابه أنه إذا كان التقدير أن العلة التامة مستلزمة ~~لمعلولها ومعلولها لازم لعلته امتنع أن يحدث عنها شيء فما حدث لا بد له من ~~PageV01P334 سبب تام وحدوث السبب التام يستلزم حدوث سبب تام له فيلزم وجود ~~أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة وهو محال # وأما قوله إن عنيت بالسبب السبب التام فحدوثه لا يدل على حدوث السبب ~~الفاعل بل إما على حدوثه أو حدوث بعض شرائطه # فيقال له هذا التقسيم صحيح إذا نظر إلى الحادث من حيث الجملة وأما إذا ~~نظر إلى حادث يمتنع حدوثه عن العلة التامة فلا بد له من حدوث سبب تام # وإذا قال القائل الفاعل القديم أحدثه لما حدث شرط حدوثه # قيل الكلام في حدوث ذلك الشرط كالكلام في حدوث المشروط فلا بد من حدوث ~~أمر لا يكون حادثا عن العلة التامة لأن العلة التامة القديمة يمتنع أن يحدث ~~عنها شيء فإنه يجب مقارنة معلولها لها في الأزل والحادث ليس بمقارن لها في ~~الأزل # وإذا قيل حدث عنها بحدوث الإستعداد والشرائط # قيل الكلام في كل ما يقدر حدوثه عن علة تامة مستلزمة لمعلولها فإن حدوث ~~حادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها محال وهذا الإلزام صحيح لا محيد ~~للفلاسفة عنه # وإذا قالوا حدث عنها أمور متسلسلة واحد بعد واحد # قيل لهم الأمور المتسلسلة يمتنع أن تكون صادرة عن علة تامة لأن العلة ~~التامة القديمة تستلزم معلولها فتكون معها في الأزل والحوادث المتسلسة ليست ~~معها في الأزل PageV01P335 # وقد بسطنا الكلام على هذ في ms0201 غير هذا الموضع وبينا أن قولهم بحدوث الحوادث ~~عن موجب تام أزلي لازم لهم في صريح العقل سواء حدثت عنه بوسائط لازمة له أو ~~بغير وسائط وسواء سميت تلك الوسائط عقولا ونفوسا أو غير ذلك وسواء قيل إن ~~الصادر الأول عنه العنصر كما يقول بعضهم أو قيل بل هو العقل كما هو قول ~~آخرين فإن الوسائط اللازمة له قديمة معه لا يحدث فيها شيء إذ القول في حدوث ~~ما يحدث فيها كالقول في غيره من الحوادث # وقولهم إن حركات الفلك بسبب حدوث تصورات النفس وإراداتها المتعاقبة مع ~~حدوث تلك عن الواجب بنفسه بواسطة العقل اللازم له أو بغير واسطة العقل أو ~~القول بحدوثها عن العقل أو ما قالوا من هذا الجنس الذي يسندون فيه حدوث ~~الحوادث إلى مؤثر قديم تام لم يحدث فيه شيء هو قول يتضمن أن الحوادث حدثت ~~عن علة تامة لا يحدث فيها شيء فإذا كان المؤثر التام الأزلي يجب أن يقارنه ~~أثره امتنع حدوث شيء من الحوادث عن ذلك المؤثر التام الأزلي سواء جعل ذلك ~~شرطا في حدوث غيره أو لم يجعل ومتى امتنع حدوث حادث عنه كان حدوث ما يدعونه ~~من الإستعدادات والشرائط مفتقرا إلى سبب تام فيلزم وجود علل ومعلولات لا ~~تتناهى دفعة كما ذكره الرازي وهذا من جيد كلامه # وأما الجواب الذي أجاب به الأرموي وذكر أنه باهر فهو منقول من كلام ~~الرازي في المطالب العالية وغيرها وهو منقوض بهذه المعارضة مع أنه جواب ~~PageV01P336 بعضه موافق لقول أهل الملل وبعضه موافق لقول الفلاسفة الدهرية ~~فإنه مبنى على إثبات العقول والنفوس وأنها ليست أجساما وكونها قديمة أزلي ~~لازمة لذات الله تعالى وهذه الأقوال ليست من أقوال أهل الملل بل هي أقوال ~~باطلة كما قد بسط في غير هذا الموضع وبين أن ما يدعونه من المجردات إنما ~~ثبوتها في الأذهان لا في الأعيان # وإنما أجاب الأرموي بهذا الجواب لأن هؤلاء المتأخرين كالشهرستاني والرازي ~~والآمدي زعموا أن ما ادعاه هؤلاء المتفلسفة من إثبات عقول ونفوس مجردة ms0202 لا ~~دليل للمتكلمين على نفيه وأن دليلهم على حدوث الأجسام لا يتضمن الدلالة على ~~حدوث هذه المجردات # وهذا قول باطل بل أئمة الكلام صرحوا بأن انتفاء هذه المجردات وبطلان دعوى ~~وجود ممكن ليس جسما ولا قائما بجسم مما يعلم انتفاؤه بضرورة العقل كما ذكر ~~ذلك الأستاذ أبو المعالى وغيره بل قال طوائف من أهل النظر إن الموجود منحصر ~~في هذين النوعين وإن ذلك معلوم بضرورة العقل وقد بسط الكلام على ذلك في غير ~~هذا الموضع # والمقصود هنا أن هذا الجواب الذي ذكره الأرموي مبنى على هذا الأصل # ومضمونه أن الرب تعالى موجب بالذات للعقول والنفوس الأزلية اللازمة لذاته ~~لا فاعل لها بمشيئته وقدرته وهم يفسرون العقول بالملائكة فتكون الملائكة ~~قديمة أزلية متولدة عن الله تعالى لازمة لذاته PageV01P337 # وهذا شر من قول القائلين بأن الملائكة بنات الله وهو موافقة للدهرية على ~~العلة والمعلول لكن النزاع بينهم في حدوث العالم الجسماني لكنه في الجملة ~~يبطل احتجاجهم على أن السماوات قديمة أزلية فهو قطع لنصف شرهم # وهذا الجواب مبنى أيضا على جواز التسلسل في الحوادث التي هي آثار والقول ~~بجواز حوادث لا أول لها وهذا أحد قولي النظار وهو اختيار الأرموي وبه اعترض ~~على الرازي في غير موضع وبه اعترض الأرموي على جواب الرازي عن حجة التأثير ~~التي مبناها على أن التأثير الذي يدخل فيه الخلق والإبداع هل هو أمر وجودي ~~أو أمر عدمي وهل الخلق هو المخلوق أو غير المخلوق # وفيها قولان مشهوران للناس والجمهور على أن الخلق ليس هو المخلوق وهو قول ~~أكثر العلماء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وهو قول أكثر أهل ~~الكلام مثل طوائف من المعتزلة والمرجئة والشيعة وهو قول الكرامية وغيرهم ~~وهو مذهب الصوفية ذكره صاحب التعرف في مذاهب التصوف المعروف بالكلاباذي وهو ~~قول أكثر قدماء الفلاسفة وطائفة من متأخريهم PageV01P338 # وطائفة قالت الخلق هو المخلوق وهو قول كثير من المعتزلة وقول الكلابية ~~كالأشعري وأصحابه ومن وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد ومالك وغيرهم # والمقصود هنا أنهم لما ms0203 احتجوا على قدم العالم بأن كون الواجب مؤثرا في ~~العالم غير ذاتيهما لإمكان تعقلهما مع الذهول عنه ولأن كونه مؤثرا معلوم ~~دون حقيقته ولأن المؤثرية نسبة بينهما فهي متأخرة ومغايرة # قال وليس التأثير أمرا سلبيا لأنه نقيض قولنا ليس بمؤثر فذلك الوجودي إن ~~كان حادثا افتقر إلى مؤثر وكانت مؤثريته زائدة ولزم التسلسل وإن كان قديما ~~وهو صفة إضافية لا يعقل تحققها مع المضافين فيلزم قدمهما # أجاب الرازي بأن المؤثرية ليست صفة ثبوتية زائدة على الذات وإلا كانت ~~مفتقرة إلى المؤثر فتكون مؤثريته زائدة ويتسلسل # قلت وهذا الجواب هو على قول من يقول إن الخلق هو المخلوق وإنه ليس الفعل ~~والإبداع والخلق إلا مجرد وقوع المفعول المنفصل عنه من غير زيادة أمر وجودي ~~أصلا # فقال الأرموي ولقائل أن يقول التسلسل ههنا واقع في الآثار لأن المؤثرية ~~صفة إضافية يتوقف تعقلها على المؤثر والأثر فتكون متأخرة على الأثر فاقتضت ~~مؤثرية أخرى بعد الأثر حتى يكون بعد كل مؤثرية مؤثرية # قال والمنكر هو التسلسل في المؤثرات PageV01P339 # قال بل الجواب عنه أن الصفة الإضافية العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا ~~تتوقف إلا على وجود معروضها فإن التقدم صفة إضافية عارضة للشيء بالنسبة إلى ~~المتأخر عنه ولو بأزمنة كثيرة مع امتناع حصول المتقدم مع المتأخر # قلت وقول الأرموي لقائل أن يقول التسلسل ههنا واقع في الآثار لأن ~~المؤثرية صفة إضافية يتوقف تعقلها على المؤثر والأثر فتكون متأخرة عن الأثر ~~فاقتضت مؤثرية أخرى بعد الأثر حتى يكون بعد كل مؤثرية مؤثرية # يعترض عليه بأن هذا يناقض قوله بعد هذا بل الجواب عنه أن الصفة الإضافية ~~العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها فإنه إن كان ~~هذا القول صحيحا لم يلزم من تحقق المؤثرية وجود المؤثر والأثر جميعا في ~~زمان واحد بل يجوز تأخر الأثر عن المؤثر وإن كانت الصفة العارضة للشيء لا ~~تتوقف بل يكفي فيها تحقق المؤثرية فقط # ولكنه يجيب عن هذا بأن مقصودي أن ألزم غيري إذا قال تتوقف ms0204 المؤثرية على ~~المؤثر والأثر بأن هذا تسلسل في الآثار لا في المؤثرات وهذا إلزام صحيح # لكن يقال له كان من تمام هذا الإلزام أن تقول المؤثرية إذا كانت عندكم ~~صفة إضافية يتوقف تعقلها على المؤثر والأثر كانت مستلزمة لوجود الأثر ~~PageV01P340 فإن كونه مؤثرا بدون الأثر ممتنع وحينئذ فمعلوم أن الأثر يكون ~~عقب التأثير الذي هو المؤثرية فإنه إذا خلق وجد المخلوق وإذا أثر في غيره ~~حصل الأثر فالأثر يكون عقب التأثير وهو جعل المؤثرية متأخرة عن الأثر # وليس الأمر كذلك بل هي متقدمة على الأثر أو مقارنة له عند بعضهم ولم يقل ~~أحد من العقلاء إن المؤثرية متأخرة عن الأثر بل قال بعضهم إن الأثر متأخر ~~منفصل عنها وقال بعضهم هو مقارن لها وقال بعضهم هو متصل بها لا منفصل عنها ~~ولا مقارن لها وهذا أصح الأقوال # ولكن على التقديرين تكون المؤثرية حادثة بحدوث تمامها فيلزم أن يكون لها ~~مؤثرية وتكون المؤثرية الثانية عقب المؤثرية الأولى وهذا مستقيم لا محذور ~~فيه فتكون المؤثرية الأولى أوجبت كونه مؤثرا في الأثر المنفصل عنه وكونه ~~مؤثرا في ذلك الأثر أوجب ذلك الأثر # وهذا على قول الجمهور الذين يقولون الموجب يحصل عقب الموجب التام والأثر ~~يحصل عقب المؤثر التام والمفعول يحصل عقب كمال الفاعلية والمعلول يحصل عقب ~~كمال العلية # وأما من جعل الأثر مقارنا للمؤثر في الزمان كما تقوله طائفة من المتفلسفة ~~ومن وافقهم فهؤلاء يلزم قولهم لوازم تبطله فإنه يلزم عند وجود المؤثرية ~~التامة أن يكون لها مؤثرية تامة ومع المؤثرية التامة أن يكون لها مؤثرية ~~تامة وهلم جرا وهذا تسلسل في تمام المؤثرية وهو من جنس التسلسل في المؤثرات ~~لا في الآثار فإن التسلسل في الآثار هو أن يكون أثر بعد أثر والتسلسل ~~PageV01P341 في المؤثرات أن يكون للمؤثر مؤثر معه لا يكون حال عدم المؤثر ~~فإن الشيء لا يفعل في حال عدمه وإنما يفعل في حال وجوده فعند وجود التأثير ~~لا بد من وجود المؤثر فإن المؤثر التام لا يكون حال عدم ms0205 التأثير بل لا يكون ~~إلا مع وجوده لكن نفس تأثيره يستعقب الأثر فإن جعل تمام المؤثرية مقارنا ~~للأثر كان من جنس التسلسل في المؤثرات لا في الآثار # وقد يقول القائل هذا الذي أراده الرازي بقوله إن المؤثرية ليست صفة ~~ثبوتية زائدة على الذات وإلا كانت مفتقرة إلى المؤثر فتكون مؤثريته زائدة ~~ويتسلسل فإنه قد يريد التسلسل المقارن لا المتعاقب فإنها إذا كانت زائدة ~~افتقرت إلى مؤثر يقارنها كما يقوله من يقوله من المتفلسلفة والمتكلمين # والرازي قد يقول بهذا وحينئذ فهذا التسلسل باطل باتفاق العقلاء # فيقول القائل هذا هو الإلزام الذي ألزم به الرازي الفلاسفة حيث قال ~~والجواب أن هذا يقتضي دوام المعلول الأول لوجوب دوام واجب الوجود ودوام ~~الثاني لدوام الأول وهلم جرا وإنه ينفي الحوادث أصلا # قال فإن قلت واجب الوجود عام الفيض يتوقف حدوث الأثر عنه على استعدادات ~~القوابل فكل حادث مسبوق بآخر لا إلى أول # قلت حدوث العرض المعين لا بد له من سبب فذلك السبب إن كان حادثا عاد ~~الكلام في سبب حدوثة ويلزم وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة وهو محال ~~وإن كان قديما لم يلزم من قدم المؤثر قدم الأثر فكذلك في كلية العالم ~~PageV01P342 # فيقال هذا الكلام الذي ذكره الرازي جيد مستقيم وهو إلزامهم الحوادث ~~المشهودة التي قد يعبر عنها بالحوادث اليومية فإنه لا بد لها من مؤثر تام ~~فإن كان قديما أمكن وجود الحادث عن القديم وبطل قولهم وإن كان حادثا فلا بد ~~على قولهم أن يكون حادثا مع حدوث الأثر لا قبله لأنهم قد قرروا أن المؤثر ~~التام يجب أن يكون أثره معه في الزمان لا يتأخر عنه فعلى قولهم هذا يجب أن ~~يكون المؤثر التام معه أثره والأثر معه مؤثره لا يتقدم زمان أحدهما على ~~زمان الآخر وحينئذ فالحادث المعين يجب أن يكون مؤثره معه حادثا ويكون مؤثر ~~ذلك المؤثر معه حادثا فيلزم وجود أسباب ومسببات هي علل ومعلولات لا نهاية ~~لها في زمن واحد وهذا معلوم الفساد بضرورة العقل ms0206 وقد اتفق العقلاء على ~~أمتناعه # واعتراض الأرموي عليه ساقط حينئذ # فإن ملخص قوله إن اللازم حدوث المؤثر أو حدوث بعض شرائطه وهم يجوزون حدوث ~~الشرائط والمعدات على سبيل التعاقب # فيقال لهم هم يجوزون أن يكون بعد كل حادث حادث فيقولون حدوث الحادث الأول ~~شرط في حدوث الحادث والشرط موجود قبل المشروط # ولكن هذا يناقض قولهم إن العلة التامة تستلزم أن يكون معلولها معها في ~~الزمان وأن المعلول يجب أن يكون موجودا مع تمام العلة لا يتأخر عن ذلك فإن ~~موجب هذا أنه إذا حصل شرط تمام العلة حصل معه المعلول لا يتأخر عنه وكلما ~~PageV01P343 حدث حادث كان الشرط الحادث الذي به تمت علية العلة حادثا معه ~~لا قبله ثم ذلك الحادث أيضا يحدث الشرط الذي هو تمام علته معه لا قبله وهلم ~~جرا فيلزم تسلسل تمام العلل في آن واحد وهو أن تمام علة هذا الحادث حدث في ~~هذا الوقت وتمام علة هذا التمام حدث في هذا الوقت وهلم جرا # والتسلسل ممتنع في العلة وفي تمام العلة فكما لا يجوز أن يكون للعلة علة ~~وللعلة علة إلى غير غاية فلا يجوز أن يكون لتمام العلة تمام ولتمام العلة ~~تمام إلى غير غاية والتسلسل في العلل وفي تمامها متفق على امتناعه بين ~~العقلاء معلوم فساده بضرورة العقل سواء قيل إن المعلول يقارن العلة في ~~الزمان أو قيل إنه يتعقب العلة # ولكن هؤلاء لا يتم قولهم بقدم شيء من العالم إلا إذا كان المعلول مقارنا ~~للعلة التام لا يتأخر عنها وحينئذ فيلزم أن يكون كل حادث من الحوادث تمام ~~علته حادث معه وتمام علة ذلك التمام حادث معه وهلم جرا فيلزم وجود حوادث لا ~~نهاية لها في آن واحد ليست متعاقبة وهذا مما يسلمون أنه ممتنع ويعلم بضرورة ~~العقل أنه ممتنع وهو يشبه قول أهل المعاني أصحاب معمر PageV01P344 # وإذا كان هذا لازما لقولهم لا محيد لهم عنه لزم أحد أمرين إما بطلان ~~حجتهم وإما القول بأنه لا يحدث في العالم شيء والثاني ms0207 باطل بالمشاهدة فتعين ~~بطلان حجتهم # فتبين أن الذي ألزمهم أياه أبو عبدالله الرازي لازم لا محيد عنه وأن ~~الأرموي لم يفهم حقيقة الإلزام فاعترض عليه بما لا يقدح فيه # ولكن مثار الغلط والإشتباه هنا أن لفظ التسلسل إذا لم يرد به التسلسل في ~~نفس الفعل فإنه يراد به التسلسل في الأثر بمعنى أنه يحدث شيء بعد شيء ويراد ~~به التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلا وهذا عند من يقول إن المؤثر التام ~~وأثره مقترنان في الزمان كما يقوله هؤلاء الدهرية فيقتضي أن يكون ما يحدث ~~من تمام المؤثر مقارنا للأثر لا يتقدم عليه فتبين به فساد حجتهم # وأما من قال إن الأثر إنما يحصل عقب تمام المؤثر فيمكنه أن يقول بما ذكره ~~الأرموي وهو أن كونه مؤثرا في الأثر المعين يكون مشروطا بحادث يحدث يكون ~~الأثر عقبه ولا يكون الأثر مقارنا له # ولكن هذا يبطل قولهم بقدم شيء من العالم ويوافق أصل أئمة السنة وأهل ~~الحديث الذين يقولون لم يزل متكلما إذا شاء # فإنه على قول هؤلاء يقال فعله لما يحدث من الحوادث مشروط بحدوث حادث به ~~تتم مؤثرية المؤثر ولكن عقب حدوث ذلك التمام يحدث ذلك الحادث وعلى هذا ~~فيمتنع أن يكون في العالم شيء أزلي إذ الأزلي لا يكون إلا مع تمام مؤثره ~~ومقارنة الأثر للمؤثر زمانا ممتنعة PageV01P345 وحينئذ فإذا قيل هو نفسه ~~كاف في إبداع ما ابتدعه لا يتوقف فعله على شرط # قيل نعم كل ما يفعله لا يتوقف على غيره بل فعله لكل مفعول حادث يتوقف على ~~فعل يقوم بذاته يكون المفعول عقبه وذلك الفعل أيضا مشروط بأثر حادث قبله # فقد تبين أن هذه المعقولات التي اضطرب فيها أكابر النظار وهي عندهم أصول ~~العلم الإلهي إذا حققت غاية التحقيق تبين أنها موافقة لما قاله أئمة السنة ~~والحديث العارفون بما جاءت به الرسل وتبين أن خلاصة المعقول خادمة ومعينة ~~وشاهدة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم # قلت المقصود هنا أن الأرموي ضعف الجواب بأن التسلسل ms0208 المنكر هو تسلسل ~~المؤثرات التي هي العلل وأما تسلسل الآثار فليس بمنكر وإذا كانت المؤثرية ~~مسبوقة بمؤثرية لم يلزم إلا التسلسل في الآثار # وقوله إن هذا يقتضي التسلسل في الآثار لا في المؤثرات كلام صحيح على قول ~~من يقول إن الأثر لا يجب أن يقارن المؤثر في زمان بل يتعقبه لأن المؤثرية ~~المسبوقة بمؤثرية إنما حدث بالأولى كونها مؤثرة لا نفس المؤثر والفرق بين ~~نفس المؤثر ونفس تأثيره هو الفرق بين الفاعل وفعله والمبدع وإبداعه ~~والمقتضي واقتضائه والموجب وإيجابه وهو كالفرق بين الضارب وضربه والعادل ~~وعدله والمحسن وإحسانه وهو فرق ظاهر # لكن احتجاجه بأن المؤثرية إذا كانت صفة إضافية يتوقف تحققها على المؤثر ~~والأثر جاز أن تكون متقدمة على الأثر كما لزم أن تكون متأخرة عن الأثر ~~PageV01P346 ليس بمستقيم فإن كون الشيء مؤثرا في غيره لا يكون متأخرا عن ~~أثره بل إما أن يكون مقارنا له أو سابقا عليه وإلا فوجود الأثر قبل التأثير ~~ممتنع ولا يحتاج إلى هذا التقدير فإن كون التسلسل ها هنا واقعا في الآثار ~~أبين من أن يدل عليه بدليل صحيح من هذا الجنس فضلا عن أن يدل عليه بهذا ~~الدليل # والجواب الذي ذكره من أن الصفة العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف ~~إلا على وجود معروضها هو جواب من يقول بأن التأثير قديم والأثر حادث # وهذا قول من يثبت لله تعالى صفة التخليق والتكوين في الأزل وإن كان ~~المخلوق حادثا # وهو قول طوائف من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الكلام والصوفية ~~وهو مبنى على أن الخلق غير المخلوق وهذا قول أكثر الطوائف لكن منهم من صرح ~~بأن الخلق قديم والمخلوق حادث ومنهم من صرح بتجدد الأفعال ومنهم من لا يعرف ~~مذهبه في ذلك # فالذي ذكره البغوي عن أهل السنة إثبات صفة الخلق لله تعالى وأنه لم يزل ~~خالقا وكذلك ذكر أبو بكر الكلاباذي في كتاب التعرف لمذهب التصوف أنه مذهب ~~الصوفية وكذلك ذكره الطحاوي وسائر أصحاب أبي حنيفة وهو PageV01P347 قول ~~جمهور أصحاب أحمد ms0209 كأبي إسحاق بن شاقلا وأبي عبدالله بن حامد والقاضي أبي ~~يعلى وغيرهم وكذلك ذكره غير واحد من المالكية وذكر أنه قول أهل السنة ~~والجماعة ومن هؤلاء من صرح بمعنى الحركة لا بلفظها # وهؤلاء الذين يقولون بإثبات تأثير قديم هو الخلق والإبداع مع حدوث الأثر ~~يجعلون ذلك بمنزلة وجود الإرادة القديمة مع حدوث المراد كما يقول بذلك ~~الكلام وغيرهم من الصفاتية # فجواب أبي الثناء الأرموي موافق لقول هؤلاء الطوائف وهو قوله الصفة ~~العارضة للشيء لا تتوقف إلا على وجود معروضها كما أن الإرادة القديمة لا ~~تتوقف إلا على وجود المريد دون المراد عند من يقول بذلك وكذلك القدرة ~~المتعلقة بالمستقبلات تتوقف على وجود القادر دون المقدور فكذلك قولهم في ~~الخلق الذي هو الفعل وهو التأثير # ولكن هذا الجواب ضعيف فإن قوله الصفة الإضافية العارضة للشيء بالنسبة إلى ~~غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها فإن التقدم صفة إضافية عارضة للشيء ~~بالنسبة إلى التأخر عنه ولو بأزمنة كثيرة مع امتناع حصول المتقدم مع ~~المتأخر يعترض عليه بأنك ادعيت دعوى كلية وأثبتها بمثال جزئي فادعيت أن كل ~~صفة عارضة للشيء بالنسبة إلى غيره لا تتوقف إلا على وجود معروضها ~~PageV01P348 وهذه دعوى كلية ثم احتججت على ذلك بالتقدم العارض للمتقدم وهذا ~~المثال لا يثبت القضية الكلية # ونظير هذا قولهم ليس لمتعلق القول من القول صفة وجودية فإنه ليس لكون ~~الشيء مذكورا أو مخبرا عنه صفة ثبوتية بذلك فإن المعدوم يقال إنه مذكور ~~ومخبر عنه فإن هذه دعوى والمثال جزئي # والتحقيق أن متعلق القول قد يكون له منه صفة وجودية كمتعلق التكوين ~~والتحريم والإيجاب وقد لا يكون كمتعلق الإخبار # ثم يقال الصفة العارضة للشيء بالنسبة إلى غيره سواء كانت من الصفات ~~الحقيقية المستلزمة للنسبة والإضافة كالإرادة والقدرة والعلم أو كانت من ~~الصفات الإضافية عند من يجوز جواز وجود إضافة محضة لا يستلزم صفة حقيقية قد ~~تكون مستلزمة لوجود إثنين المتضايفين المتباينين كالأبوة والبنوة فإن وجود ~~أحدهما مستلزم لوجود الآخر وكذلك الفوقية والتحتية والتيامن والتياسر وكذلك ms0210 ~~العلة التامة مع معلولها فإنه ليس بينهما برزخ زمان وإن كان المعلول لا ~~يكون إلا متعقبا للعلة في الزمان لا يكون زمنه زمنها عند جمهور العقلاء كما ~~قد بسط في موضع آخر # وأنتم احتججتم في غير موضع بأن القبول نسبة بين القابل والمقبول فلا ~~يتحقق إلا مع تحققهما وجعلتم هذا مما احتججتم به على الكرامية في مسألة ~~حلول الحوادث وقلتم كونه قابلا للحوادث يجب أن يكون من لوازم ذاته وذلك ~~إنما يمكن مع تحقق الحوادث في الأزل مع امتناع تحقق الحادث في الأزل ~~PageV01P349 # فهذا التناقض من جنس قولكم إنه قادر في الأزل مع امتناع المقدور في الأزل ~~وقلتم إذا كان قابلا للحوادث في الأزل لزم إمكان وجود الحوادث في الأزل فأي ~~فرق بين إمكان القبول وإمكان المقدور وإمكان المفعول وما تقدم الشيء على ~~غيره وكونه مثل غيره ففي هذه النسبة الخاصة لم يجب تحققهما معا في الزمان ~~لكن يجب أن يكون زمن هذا قبل زمن هذا ولكن لا يلزم إذا لم يكن المتأخر مع ~~المتقدم ألا يكون المقبول المقدور والأثر ممكنا مع وجود التأثير والقدرة ~~والقبول حتى يقال إنه خالق مع امتناع المخلوق وقادر مع امتناع المقدور ~~وقابل مع امتناع المقبول # وأيضا فإن هذا الجواب بمنزلة جواب من يقول إن الحوادث توجد بإرادة قديمة ~~والمنازعون لهم ألزموهم بأن هذا ترجيح بلا مرجح كما تقدم # فهؤلاء يعترضون على جواب الأرموي وهؤلاء يعترضون عليه بأنه عند وجود ~~الأثر الحادث إما أن يتجدد تمام التأثير وإما أن لا يتجدد فإن تجدد شيء لزم ~~التسلسل كما تقدم وإن لم يتجدد لزم حدوث الحادث بدون سبب حادث وقد تقدم ~~إبطاله بأن المؤثر التام لا يتخلف عنه أثره # وكان الأرموي يمكنه أن يجيب على أصله بأن حدوث الأجسام موقوف على حدوث ~~التصورات المتعاقبة في العقل أو النفس كما أجاب به عن الحجة الأولى # قلت المقصود هنا أن يعرف نهاية ما ذكره هؤلاء في جواب الدهرية عن المعضلة ~~الزباء والداهية والدهياء وما يخفى على العاقل الفاضل ما ms0211 في هذه الأجوبة ~~PageV01P350 # ونحن ولله الحمد قد بينا الجواب عن جميع حجج الفلاسفة في غير هذا الموضع ~~وبسطنا الكلام في ذلك وبينا كيف يمكن فساد استدلالهم من وجوه كثيرة وكيف ~~تتمكن كل طائفة من المسلمين من قطعهم بجواب مركب من قولهم وقول طائفة أخرى ~~من المسلمين حتى إذا احتاجوا إلى موافقة الدهرية على قدم الأفلاك وأن الله ~~لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام ونحو ذلك مما فيه تكذيب للرسول صلى ~~الله عليه وسلم أو إلى موافقة طائفة أخرى من طوائف المسلمين على بعض ~~أقوالهم التي ليس فيها تكذيب للرسول بل ولا مخالفة لصريح العقل كان ~~موافقتهم لطائفة من طوائف المسلمين على ما لا يكذبون به الرسول ولا يخالفون ~~به المعقول أولى بهم من موافقة الدهرية على ما فيه تكذيب للرسول ومخالفة ~~لصريح العقل # وهذا مما يتبين به أنه ليس في العقل الصريح ما يخالف النصوص الثابتة عن ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهو المقصود في هذا المقام # مثال الأجوبة التي يجاب بها هؤلاء الفلاسفة أن يقال حجتكم الأولى على قدم ~~العالم مبنية على مقدمتين أحداهما أن الممكن لا بد له من مرجح تام وامتناع ~~التسلسل ولفظ التسلسل فيه إجمال قد تقدم الكلام عليه فإن التسلسل هنا هو ~~توقف جنس الحادث على الحادث وهذا متفق على امتناعه والتسلسل في غير هذا ~~الموضع يراد به التسلسل في الفاعلين وفي الآثار والتسلسل في تمام الفاعلين ~~هو من التسلسل في الفاعلين PageV01P351 # فيقال لكم التسلسل الممتنع هو التسلسل في العلل وفي تمامها وأما التسلسل ~~في الشروط أوالآثار ففيه قولان للمسلمين وأنتم قائلون بجوازه # فنقول إما أن يكون هذا التسلسل جائزا أو ممتنعا فإن كان ممتنعا امتنع ~~تسلسل الحوادث ولزم أن يكون لها أول وبطل قولكم بحوادث لا أول لها وامتنع ~~كون حركات الأفلاك أزلية وهذا يبطل قولكم # ثم نقول العالم لو كان أزليا فإما أن يكون لا يزال مشتملا على حوادث سواء ~~قيل إنها حادثة في جسم أو عقل أو يقال بل كان في ms0212 الأزل ليس فيه حادث كما ~~يقال إنه كان جسم ساكنا فإن كان الأول لزم تسلسل الحوادث ونحن نتكلم على ~~تقدير امتناع تسلسلها فبطل هذا التقدير وإن كانت الحوادث حدثت فيه بعد أن ~~لم تكن لزم جواز صدور الحوادث عن قديم لم يتغير وهذا يبطل حجتكم ويوجب جواز ~~حدوث الحوادث بلا حدوث سبب # وإن قلتم إن التسلسل في الآثار جائز وهو قولكم بطل استدلالكم بهذه الحجة ~~على قدم شيء من العالم فإنها لا تدل على قدم شيء بعينه من العالم وإنما تدل ~~على وجوب دوام كون الرب فاعلا # فيقال لكم حينئذ لم لا يجوز أن تكون الأفلاك أو كل ما يقدر موجودا في ~~العالم أو كل ما يحدثه الله موقوفا على حادث بعد حادث ويكون مجموع العالم ~~الموجود الآن كالشخص الواحد من الأشخاص الحادثة # فتبين أن احتجاجكم على مطلوبكم باطل سواء كان تسلسل الحوادث جائزا أو لم ~~يكن بل إذا لم يكن جائزا بطلت الحجة وبطل المذهب المعروف عندكم PageV01P352 ~~وهو أن حركات الأفلاك أزلية فإن هذا إنما يصح إذا كان تسلسل الحوادث جائزا ~~فإذا كان تسلسلها ممتنعا لزم أن يكون لحركة الفلك أول وإن كان تسلسل ~~الحوادث جائزا لم يكن في ذلك دلالة على قدم شيء من العالم لجواز أن يكون ~~حدوث الأفلاك موقوفا على حوادث قبله وهلم جرا # فإن قلتم هذا يستلزم قيام الحوادث المتسلسلة بالقديم # كان الجواب من وجوه أحدها أن هذا هو قولكم وليس هذا ممتنعا عندكم فإن ~~الفلك قديم أزلي عندكم مع أنه جسم تقوم به الحوادث # الثاني أنه يجوز أن تكون تلك الحوادث إذا امتنع قيامها بواجب الوجود ~~قائمة بمحدث بعد محدث فإن كان صدور هذه الحوادث المتسلسلة عن الواجب القديم ~~ممكنا بطلت حجتكم وإن كان ممتنعا بطل مذهبكم وحجتكم ايضا فإن قولكم إن ~~الحوادث الفلكية المتسلسلة صادرة عن قديم أزلي # الثالث أنا نتكلم على تقدير إمكان تسلسل الحوادث وعلى هذا التقدير فلا بد ~~من التزام أحد أمرين إما قيام الحوادث بالواجب وإما تسلسل الحوادث عنه ms0213 بدون ~~قيام حادث به # الرابع أن يقال قيام الحوادث بالقديم إما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ~~ممكنا فإن كان ممتنعا لزم حدوث الأفلاك وهو المطلوب وإن كان جائزا بلطت هذه ~~الحجة PageV01P353 # الخامس أن من قال من أهل الكلام بأن القديم لا تحله الحوادث إنما قاله ~~لأن تسلسل الحوادث في المحل يستلزم حدوثه عندهم فإن كان قولهم هذا صحيحا ~~لزم حدوث الأفلاك والنفوس وكل ما يقوم به حوادث متسلسلة وهو يستلزم بطلان ~~حجتكم لأنه حينئذ يمكن صدور العالم المحدث عن القديم بل هذا يبطل مذهبكم ~~لأنه إذا كان ما قام به الحوادث حادثا امتنع قيام الحوادث بالقديم سواء كان ~~واجبا أو ممكنا بل إذا كان تسلل الحوادث ممتنعا لزم حدوث ما يذكرونه من ~~العقول وغيرها # وإن لم يقم به حادث فإنه على هذا التقدير يجب أن يكون للحوادث أول فإذا ~~كان للنفوس أول وجب أن يكون للعقول أول لأن وجود العقول يستلزم وجود النفوس ~~فيمتنع كالعكس وحينئذ فلا يكون في العالم شيء قديم قام به حادث بل لا يكون ~~في العالم قديم وإن لم تقم به الحوادث بل إما أن يقال حدثت فيه الحوادث بعد ~~أن لم تكن أو ما زال يحدث شيء بعد شيء والأول يستلزم حدوث الحادث بلا سبب ~~حادث وهذا باطل كما ذكرتموه في الحجة لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح والثاني ~~يمتنع أن يكون في الممكنات شيء قديم وهو نقيض مذهبكم # فإذا قالوا نحن ما أحلنا قيام الحوادث بالواجب لكون القديم لا تحله ~~الحوادث فإن ذلك جائز عندنا بل لأنه لا تقوم به الصفات # قيل لهم فحينئذ سهلت القضية فإن جماهير أهل الملل من المسلمين وغيرهم بل ~~وجمهور الفلاسفة يخالفونكم في هذا الأصل وقولكم في نفي الصفات أضعف بكثير ~~من قول من قال القديم لا تحله الحوادث PageV01P354 # ولهذا كان كثير من المسلمين كالكلابية ومن وافقهم يقولون بإثبات الصفات ~~للواجب دون قيام الحوادث به فإذا لم يكن لكم حجة على نفي قيام الحوادث به ~~إلا ما هو حجة ms0214 لكم على نفي الصفات كانت الأدلة الدالة على بطلان قولكم ~~كثيرة جدا # وتبين حينئذ فساد قولكم بنفي الصفات وجعل المعاني المتعددة شيئا واحدا ~~وأن قولكم إن العاشق والمعشوق والعشق والعاقل والمعقول والعقل شيء واحد وإن ~~العالم هو العلم والقدرة هي الإرادة من أفسد الأقوال كما قد بين فيما تقدم ~~لما نبهنا على تلبيسكم على المسلمين وتكلمنا على ما تسمونه تركيبا وتنفون ~~به الصفات وبينا أنه ليس تركيبا في الحقيقة وإن كان في اصطلاحكم يسمى ~~تركيبا وأنه بتقدير موافقتكم على اصطلاحكم الفاسد لا حجة لكم على نفيه ~~وهكذا تجابون عن حجة التأثير # وقولهم إن كان التأثير قديما لزم قدم الأثر وإن كان محدثا فإن كان المحدث ~~جنس التأثير وقيل بجواز ذلك كان للحوادث ابتداء وبطل مذهبكم وإن قيل ~~بامتناعه وهو أنه لا يحدث شيء ما حتى يحدث شيء فهذا ممتنع باتفاق العقلاء ~~وقد يسمى تسلسلا ودورا وإن كان المحدث التأثير في شيء معين بعد حدوث معين ~~قبله لزم التسلسل وقيام الحوادث بالقديم # فإنه يقال لهم إما أن يكون التأثير أمرا وجوديا وإماأن لا يكون وجوديا ~~فإن لم يكن وجوديا بطلت الحجة وهو جواب الرازي وهو جواب من يقول الخلق نفس ~~المخلوق وإن كان وجوديا فإما أن يكون قائما بذات المؤثر أو بغيره فإن كان ~~PageV01P355 قائما بذاته لزم جواز قيام الأمور الوجودية بواجب الوجود وهذا ~~قول مثبتة الصفات # وعلى هذا التقدير فالتسلسل في الآثار والشروط إن كان ممكنا بطلت هذه ~~الحجة وأمكن تسلسل التأثيرات القائمة بالقديم وإن كان ممتنعا لزم جواز حدوث ~~الحوادث عن تأثير قديم فتبطل حجتكم # وإن كان التأثير أو تمامه قائما بغيره لزم جواز التسلسل في الشروط وأن ~~يكون ممكنا وإذا كان ممكنا أمكن تسلسل التأثير فبطلت الحجة # وذلك لأن التقدير أن تمام التأثير قائم بغير المؤثر وعلى هذا التقدير فإن ~~لم يكن التسلسل ممكنا كان هناك تأثير قديم قائم بغير ذات الله تعالى وهذا ~~باطل لم يقل به أحد وإن قدر إمكانه أمكن حدوث الأفلاك عنه وهو المطلوب ms0215 # ومما يجابون به عن حجة التأثير أن يقال أيضا التسلسل في الآثار إن كان ~~ممكنا بطلت الحجة لإمكان حدوث الأفلاك عن تأثير مسبوق بتأثير آخر وإن كان ~~ممتنعا لزم إما حدوث الحوادث عن تأثير قديم أو كون التأثير عدميا وعلى ~~التقديرين يبطل قولكم # وذلك لأن الحوادث مشهودة لا بد لها من إحداث محدث وذلك الإحداث هو ~~التأثير فإن كان عدميا بطلت الحجة وإن كان موجودا فإن كان قديما لزم حدوث ~~الحوادث عن تأثير قديم فتبطل الحجة وإن كان التأثير محدثا والتقدير أن ~~التسلسل ممتنع فيلزم أن يكون حدث بتأثير محدث فتبطل الحجة أيضا وهذا جواب ~~لا مخلص لهم عنه به ينقطع شغبهم PageV01P356 # وأما أن يجابوا بقول يخالف فيه أكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم ويجعل ~~خلق الله عز وجل للسماوات والأرض مبنيا على مثل هذا القول الذي هو جواب ~~المعارضة فهذا لا يرضى به ذو عقل ولا ذو دين # بل يجب أن يعلم أن الأمور المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب ~~عما يعارضها جوابا قاطعا لا شبهة فيه بخلاف ما يسلكه من يسلكه أهل الكلام ~~الذين يزعمون أنهم يبينون العلم واليقين بالأدلة والبراهين وإنما يستفيد ~~الناظر في كلامهم كثرة الشكوك والشبهات وهم في أنفسهم عندهم شك وشبهة فيما ~~يقولون إنه برهان قاطع ولهذا يقول أحدهم في هذا الموضع إنه برهان قاطع وفي ~~موضع آخر يفسد ذلك البرهان # والذين يعارضون الثابت في الكتاب والسنة بما يزعمون أنه من العقليات ~~القاطعة إنما يعارضونه بمثل هذه الحجج الداحضة # فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى ~~الإسلام حقة ولا وفي بموجب العلم والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور ~~وطمأنينة النفوس ولا أفاد كلامه العلم واليقين # ولولا أنا قد بسطنا الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع وهذا موضع ~~تنبيه وإشارة لا موضع بسط لكنا نبسط الكلام في ذلك ولكن نبهنا على ذلك ~~PageV01P357 # وملخص ذلك في حجة التأثير الذي يسمى الخلق والإبداع والتكوين والإيجاب ~~والإقتضاء والعلية ms0216 والمؤثرية ونحو ذلك أن يقال التأثير في الحوادث إما أن ~~يكون وجوديا أو عدميا وإذا كان وجوديا فإما أن يكون قديما أو حادثا وعلى كل ~~تقدير فحجة الفلاسفة باطلة # أما إن كان عدميا فظاهر لأنه لا يستلزم حينئذ قدم الأثر إذ العدم لا ~~يستلزم شيئا موجودا ولأنه إذا جاز أن يفعل الفاعل للمحدثات بعد أن لم ~~يفعلها من غير تأثير وجودي أمكن حدوث العالم بلا تأثير وجودي كما هو قول ~~الأشعرية ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وكثير من المعتزلة # وإن كان وجوديا فإما أن يكون قديما أو محدثا فإن كان التأثير قديما فإما ~~أن يقال بوجوب كون الأثر متصلا بالتأثير والمكون متصلا بالتكوين وإما أن لا ~~يقال بوجوب ذلك وإما أن يقال بوجوب المقارنة وإما أن يقال بإمكان إنفصال ~~الأثر عن التأثير # فإن قيل بوجوب ذلك فمعلوم حينئذ بالضرورة أن في العالم حوادث فيمتنع أن ~~يكون التأثير في كل منها قديما بل لا بد من تأثيرات حادثة للأمور الحادثة ~~ويمتنع حينئذ أن يكون في العالم قديم لأن الأثر إنما يكون عقب التأثير ~~والقديم لا يكن مسبوقا بغيره # وإن قيل إن الأثر يقارن المؤثر فيكون زمانهما واحدا لزم أن لا يكون في ~~العالم شيء حادث وهو خلاف المشاهدة PageV01P358 # فإن قيل بأن التأثير لم يزل في شيء بعد شيء كان كل من الآثار حادثا ولزم ~~حدوث كل ما سوى الله وإن كان كل حادث مسبوقا بحادث # وإن قيل بل يتأخر الأثر عن التأثير القديم لزم إمكان حدوث الحوادث عن ~~تأثير قديم كما هو قول كثير من أهل النظر وهو قول من يقول بإثبات الصفات ~~الفعلية لله تعالى وهي صفة التخليق ويقول إنها قديمة وهو قول طوائف من ~~الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد والصوفية وأهل الكلام وغيرهم # وإن كان التأثير محدثا فلا بد له من محدث فإن قيل بجواز حدوث الحوادث ~~بإرادة قديمة أو إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ~~جاز أن يحدث التأثير قائما ms0217 بالمؤثر بقدرته أو بقدرته ومشيئته القديمة كما ~~يجوز من يجوز وجود المخلوقات البائنة عنه بمجرد قدرته أو لمجرد قدرته ~~ومشيئته القديمة # وإن قيل لا يمكن حدوث الحوادث إلا بسبب حادث كان التأثير القائم بالمؤثر ~~محدثا وإذا كان التأثير محدثا فلا بد له من محدث وإحداث هذا التأثير تأثير ~~وحينئذ فيكون تسلسل التأثيرات ممكنا وإذا كان ممكنا بطلت الحجة فظهر ~~بطلانها على كل تقدير # وصاحب الأربعين وأمثاله من أهل الكلام إنما لم يجيبوا عنها بجواب قاطع ~~لأن من جملة مقدماتها أن التسلسل ممتنع وهم يقولون بذلك والمحتج بها لا ~~يقول بامتناع التسلسل فإن الدهرية يقولون بتسلسل الحوادث فإذا أجيبوا ~~PageV01P359 عنها بجواب مستقيم على كل قول كان خيرا من أن يجابوا عنها ~~بجواب لا يقول به إلا بعض طوائف أهل النظر وجمهور العقلاء يقولون إنه معلوم ~~الفساد بالضرورة # وقد ذكر الرازي هذه الحجة في غير هذا الموضع وذكر فيها أن القول بكون ~~التأثير أمرا وجوديا أمر معلوم بالضرورة ثم أخذ يجيب عن ذلك بمنع كونها ~~وجودية لئلا يلزم التسلسل # ومن المعلوم أن المقدمات التي يقول المنازع إنها ضرورية لا يجاب عنها ~~بأمر نظري بل إن كان المدعى لكونها ضرورية أهل مذهب معين يمكن أنهم تواطأوا ~~على ذلك القول وتلقاه بعضهم عن بعض أمكن فساد دعواهم وتبين أنها ليست ~~ضرورية وإن كان مما تقر به الفطر والعقول من غير تواطؤ ولا موافقة من بعضهم ~~لبعض كالموافقة التي تحصل في المقالات الموروثة التي تقولها الطائفة تبعا ~~لكبيرها لم يمكن دفع مثل هذه فإنه لو دفعت الضروريات التي يقر بها أهل ~~الفطر والعقول من غير تواطؤ ولا تشاعر لم يمكن إقامة الحجة على مبطل وهذا ~~هو السفسطة التي لا يناظر أهلها إلا بالفعل فكل من جحد القضايا الضرورية ~~المستقرة في عقول بني آدم التي لم ينقلها بعضهم عن بعض كان سوفسطائيا # فإذا ادعى المدعي أن التأثير أمر وجودي وذلك معلوم بالضرورة لم يقل له بل ~~هو عدمي لئلا يلزم التسلسل فإن التسلسل في الآثار فيه ms0218 قولان مشهوران لنظار ~~المسلمين وغيرهم PageV01P360 # والقول بجوازه هو قول طوائف كطائفة من المتعزلة يسمون أصحاب المعاني من ~~أصحاب معمر بن عباد الذين يقولون للخلق خلق إلى ما لا نهاية له لكن هؤلاء ~~يثبتون تسلسلا في آن واحد وهو تسلسل في تمام التأثير وهو باطل وقول طوائف ~~من أهل السنة والحديث كالذين يقولون إن الحركة من لوازم الحياة وكل حي ~~متحرك والذين يقولون إنه لم يزل متكلما إذا شاء وغير هؤلاء # فإذا كان فيه قولان فإما أن يكون جائزا أو يكون العلم بامتناعه نظريا ~~خفيا # بل الجواب القاطع يكون بوجوه قد بسطناها في غير هذا الموضع # ومنها ما ذكرناه وهو أن يقال التأثير سواء كان وجوديا أو عدميا وسواء كان ~~التسلسل ممكنا أو ممتنعا فاحتجاجهم به على قدم العالم احتجاج باطل # أو يقال إن كان التسلسل في الآثار ممكنا بطلت الحجة لإمكان حدوثه بتأثير ~~حادث وإن لزم التسلسل وإن كان ممتنعا لزم حدوث الحوادث بدون تسلسل التأثير ~~وهو يبطل الحجة فالحجة باطلة على التقديرين وهذا جواب مختصر جامع # فإن الحجة مبناها على أنه لا بد للحوادث من تأثير وجودي فإن كان محدثا ~~لزم التسلسل وهو ممتنع وإن كان قديما لزم قدم الأثر # فيقال له إن كان التسلسل في الآثار ممكنا بطلت الحجة لإمكان حدوثه عن ~~تأثير حادث وذلك عن تأثير حادث وهلم جرا وامتناع التسلسل مقدمة من مقدمات ~~الدليل فإذا بطلت مقدمة من مقدماته بطل وإن كان التسلسل ممتنعا لزم أن تكون ~~الحوادث حدثت عن تأثير وجودي قديم وحينئذ فيمكن حدوث العالم بدون تسلسل ~~الحوادث عن تأثير قديم وهو المطلوب PageV01P361 # وإن شئت أدخلت المقدمة الأولى في التقدير أيضا كما تقدم التنبيه عليه حتى ~~يظهر الجواب على كل تقدير وعلى قول كل طائفة من نظار المسلمين إذ كان منهم ~~من يقول التأثير في المحدثات وجودي قديم ومنهم من يقول هو أمر عدمي ومنهم ~~من يقول بتسلسل الآثار الحادثة # والدهري بنى حجته على أنه لا بد من تأثير وجودي قديم وأنه حينئذ يلزم ms0219 قدم ~~الأثر # فيجاب على كل تقدير فيقال التأثير إن كان عدميا بطلت المقدمة الأولى وجاز ~~حدوث الحوادث بدون تأثير وجودي وإن كان وجوديا وتسلسل الحوادث ممكن أمكن ~~حدوثه بآثار متسلسلة وبطل قولك بامتناع تسلسل الآثار وإن كان تسلسل الآثار ~~ممتنعا لزم إما التأثير القديم وإما التأثير الحادث بالقدرة أو القدرة ~~والمشيئة القديمة وحينئذ فالحوادث مشهودة فتكون صادرة عن تأثير قديم أو ~~حادث وإذا جاز صدور الحوادث عن تأثير قديم أو حادث بطلت الحجة # وأصل هذا الكلام أنا نشهد حدوث الحوادث فلا بد لها من محدث هو المؤثر ~~وإحداثه هو التأثير فالقول في إحداث هذه الحوادث والتأثير فيها كالقول في ~~إحداث العالم والتأثير فيه # وهؤلاء الدهرية بنوا هذه الحجة على أنه لا بد من تأثير حادث فيفتقر إلى ~~تأثير حادث كما بنوا الأولى على أنه لا بد من سبب حادث فمأخذ الحجتين من ~~مشكاة واحدة وكلتاهما مبناها على أن التسلسل في الآثار ممتنع وعامة هؤلاء ~~الفلاسفة يجوزون التسلسل في الآثار القائلون بقدم العالم والقائلون بحدوثه ~~كما يجوزه طوائف من أهل الملل أو أكثر أهل الملل PageV01P362 # فإذا أجيبوا على التقديرين وقيل لهم إن كان التسلسل جائزا بطلت هذه الحجة ~~وتلك وإن لم يكن جائزا بطلت أيضا هذه وتلك كان هذا جوابا قاطعا # ولكن لفظ التسلسل فيه إجمال واشتباه كما في لفظ الدور فإن الدور يراد به ~~الدور القبلي وهو ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء ويراد به الدور المعي ~~الإقتراني وهو جائز بصريح العقل واتفاق العقلاء ومن أطلق امتناع الدور ~~فمراده الأول أو غالط في الإطلاق # ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات وهو أن يكون للحادث فاعل ~~وللفاعل فاعل وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء وهذا هو التسلسل الذي ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يستعاذ بالله منه وأمر بالإنتهاء عنه وأن ~~يقول القائل آمنت بالله ورسله # كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي ~~الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا ms0220 حتى يقول له من خلق ربك فإذا ~~بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته وفي رواية لا يزال الناس يتساؤلون حتى يقولوا ~~هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل PageV01P363 ~~آمنت بالله وفي رواية ورسوله وفي رواية لا يزالون بك يا أبا هريرة حتى ~~يقولوا هذا الله فمن خلق الله قال فأخذ حصى بكفه فرماهم به فبينا أنا فى ~~المسجد إذا جاءني ناس من الأعراب فقالوا يا أبا هريرة هذا الله خلق فمن خلق ~~الله قال ثم قال قوموا قوموا صدق خل # وفي الصحيح أيضا عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال ~~الله إن أمتك لا يزالون يسألون ما كذا وما كذا حتى يقولوا هذا الله خلق ~~الخلق فمن خلق الله # وهذا التسلسل في المؤثرات والفاعلين يقترنوا به تسلسل آخر وهو التسلسل في ~~تمام الفعل والتأثير وهو نوعان تسلسل في جنس الفعل وتسلسل في الفعل المعين # فالأول مثل أن يقال لا يفعل الفاعل شيئا أصلا حتى يفعل شيئا معينا أولا ~~يحدث شيئا حتى يحدث شيئا أو لا يصدر عنه شيء حتى يصدر عنه شيء فهذا أيضا ~~باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء PageV01P364 # وهذا هو الذي يصح أن يجعل مقدمة في دوام الفاعلية بأن يقال كل الأمور ~~المعتبرة في كونه فاعلا إن كانت قديمة لزم قدم الفعل وإن حدث فيها شيء ~~فالقول في حدوث ذلك الحادث كالقول في حدوث غيره فالأمور المعتبرة في حدوث ~~ذلك الحادث إن كانت قديمة لزم قدم الفعل وإن كانت محدثة لزم أن لا يحدث شيء ~~من الأشياء حتى يحدث شيء # وهذا جمع بين النقيضين وقد يسمى هذا دورا ويسمى تسلسلا وهذا هو الذي أجاب ~~عنه من أجاب بالمعارضة بالحوادث المشهودة # وجوابه أن يقال أتعنى بالأمور المعتبرة الأمور المعتبرة في جنس كونه ~~فاعلا أم الأمور المعتبرة في فعل شيء معين أما الأول فلا يلزم من دوامها ~~دوام فعل شيء من العالم وأما الثاني فيجوز أن يكون كل ما يعتبر ms0221 في حدوث ~~المعين كالفلك وغيره حادثا ولا يلزم من حدوث شرط الحادث المعين هذا التسلسل ~~بل يلزم منه التسلسل المتعاقب في الآثار وهو أن يكون قبل ذلك الحادث حادث ~~وقبل ذلك الحادث حادث وهذا جائز عندهم وعند أئمة المسلمين وعلى هذا فيجوز ~~أن يكون كل ما في العالم حادثا مع التزام هذا التسلسل الذي يجوزونه # وقد يراد بالتسلسل في حدوث الحادث المعين أو في جنس الحوادث أن يكون قد ~~حدث مع الحادث تمام مؤثره وحدث مع حدوث تمام المؤثر المؤثر وهلم جرا # وهذا أيضا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء وهو من جنس التسلسل في تمام ~~التأثير PageV01P365 # فقد تبين أن التسلسل إذا أريد به أن يحدث مع كل حادث حادث يقارنه يكون ~~تمام تأثيره مع الآخر حادث وهلم جرا فهذا ممتنع وهو من جنس قول معمر في ~~المعاني المتسلسلة وإن أريد به أن يحدث قبل كل حادث حادث وهلم جرا فهذا فيه ~~قولان وأئمة المسلمين وأئمة الفلاسفة يجوزونه # وكما أن التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات وفي تمام التأثير يراد به ~~التسلسل المتعاقب شيئا بعد شيء ويراد به التسلسل المقارن شيئا مع شيء ~~فقولنا أيضا إن المؤثر يستلزم أثره يراد به شيئان قد يراد به أن يكون معه ~~في الزمان كما تقوله الدهرية في قدم الأفلاك وقد يراد به أن يكون عقبه فهذا ~~هو الإستلزام المعروف عند جمهور العقلاء وعلى هذا فيمتنع أن يكون في العالم ~~شيء قديم # والناس لهم في استلزام المؤثر أثره قولان # فمن قال إن الحادث يحدث في الفاعل بدون سبب حادث فإنه يقول المؤثر التام ~~لا يجب أن يكون أثره معه بل يجوز تراخيه ويقول إن القادر المختار يرجح أحد ~~مقدوريه بمجرد قدرته التي لم تزل أو بمجرد مشيئته التي لم تزل وإن لم يحدث ~~عند وجود الحادث سبب # والقول الثاني أن المؤثر التام يستلزم أثره لكن في معنى هذا الإستلزام ~~قولين PageV01P366 # أحدهما أن يكون معه بحيث يكون زمان الأثر المعين زمان المؤثر فهذا هو ~~الذي تقوله ms0222 المتفلسفة وهو معلوم الفساد بصريح العقل عند جمهور العقلاء # والثاني أن يكون الأثر عقب تمام المؤثر وهذا يقر به جمهور العقلاء وهو ~~يستلزم أن لا يكون في العالم شيء قديم بل كل ما فعله القديم الواجب بنفسه ~~فهو محدث # وإن قيل إنه لم يزل فعالا وإن قيل بدوام فاعليته فذلك لا يناقض حدوث كل ~~ما سواه بل هو مستلزم لحدوث كل ما سواه فإن كل مفعول فهو محدث فكل ما سواه ~~مفعول فهو محدث مسبوق بالعدم فإن المسبوق بغيره سبقا زمانيا لا يكون قديما ~~والأثر المتعقب لمؤثره الذي زمانه عقب زمان تمام مؤثره ليس مقارنا له في ~~الزمان بل زمنه متعقب لزمان تمام التأثير كتقدم بعض أجزاء الزمان على بعض ~~وليس في أجزاء الزمان شيء قديم وإن كان جنسه قديما بل كل جزء من الزمان ~~مسبوق بآخر فليس من التأثيرات المعينة تأثير قديم كما ليس من أجزاء الزمان ~~جزء قديم # فمن تدبر هذه الحقائق وتبين له ما فيها من الإشتباه والإلتباس تبين له ~~محارات أكابر النظار في هذه المهامة التي تحار فيها الأبصار والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم PageV01P367 # وحقيقة الأمر أن هؤلاء الفلاسفة بنوا عمدتهم في قدم العالم على مقدمتين ~~إحداهما أن الترجيح لا بد له من مرجح تام يجب به # والثانية أنه لو حدث الترجيح للزم التسلسل وهو باطل # وهم متناقضون قائلون بنقيض هاتين المقدمتين # أما جواز التسلسل فإن أرادوا به التسلسل المتعاقب في الآثار شيئا بعد شيء ~~فهم يقولون بجواز ذلك وحينئذ فلا يمتنع أن يكون كل ما سوى الله محدثا كائنا ~~بعد أن لم يكن كالفلك وغيره وإن كان حدوثه موقوفا على سبب حادث قبله وحدوث ~~ذلك السبب موقوف على سبب حادث قبله # وإن أرادوا التسلسل المقترن وهو أنه لو حدث حادث للزم أن يحدث معه تأثيره ~~ومع حدوث تمام تأثيره يحدث تمام تأثير المؤثر فهذا باطل بصريح العقل وهم ~~يوافقون على امتناعه # وإن عنوا بالتسلسل أنه لو حدث مرجح ما للزم أن لا يحدث ms0223 شيء حتى يحدث شيء ~~فهذا متناقض وهو ممتنع أيضا # فإذا قال القائل لو حدث سبب يوجب ترجيح جنس الفعل للزم هذا التسلسل فهو ~~صادق ولكن هذا يفيد أنه لا يحدث مرجح يوجب ترجيح الفعل بل لا يزال جنس ~~الفعل بل لا يزال جنس الفعل موجودا فهذا يسلمه لهم أئمة المسلمين ~~PageV01P368 # لكن ليس في هذا ما يقتضي صحة قولهم بقدم شيء من العالم بل هذا يقتضي حدوث ~~كل ما سوى الله فإنه إذا كان جنس الفعل لم يزل لزم أنه لا تزال المفعولات ~~تحدث شيئا بعد شيء وكل مفعول محدث مسبوق بعدم نفسه ولكن هؤلاء ظنوا أن ~~المفعول يجب أن يقارن الفاعل في الزمان ويكون معه من غير أن يتقدم الفاعل ~~على مفعوله بزمان # وهذا غلط بين لمن تصوره وهو معلوم الفساد بالعقل عند عامة العقلاء ولهذا ~~لم يكن في العقلاء من قال إن السماوات والأرض قديمة أزلية إلا طائفة قليلة ~~ولم يكن في العالم من قال إنها مفعولة وهي قديمة إلا شرذمة من هذه الطائفة ~~الذين خالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول # وقولهم بأن المؤثر التام الأزلي يستلزم أثره بهذا الإعتبار الذي زعموه أي ~~يكون معه لا يتقدم المؤثر على أثره بالزمان يوجب أن لا يحدث في العالم شيء ~~وهو خلاف المشاهدة فقد قالوا بما يخالف الحس والعقل وأخبار الأنبياء وهذه ~~هي طرق العلم # وإذن كان الممتنع إنما هو جواز التسلسل في أصل التأثير والتسلسل المقارن ~~مطلقا # وأما التسلسل في الآثار شيئا بعد شيء فهم مصرحون به معترفون بجوازه ~~PageV01P369 # وقدم العالم ليس لازما مستلزما لجواز التسلسل وإنما خصوا به المعتزلة ومن ~~اتبعهم من الكلابية وغيرهم الذين وافقوهم على نفي الأفعال القائمة به أو ~~نفي الصفات والأفعال فقالوا لهم أنتم قدرتم في الأزل ذاتا معطلة عن الفعل ~~فيمتنع أن يحدث عنها شيء لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح # فالطريق الذي به ينقطع هؤلاء الفلاسفة أن يقال إن كان التسلسل في الآثار ~~شيئا بعد شيء ممتنعا بطلت الحجة وإن كان جائزا أمكن أن يكون ms0224 حدوث كل شيء من ~~العالم مبنيا على حوادث قبله إما معان حادثه شيئا بعد شيء في غير ذات الله ~~تعالى وإما أمور قائمة بذات الله تعالى كما يقوله أهل الحديث وأهل الإثبات ~~الذين يقولون لم يزل متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء وإما غير ذلك كما قاله ~~الأرموي وغيره # وبالجملة فالتقديرات في تسلسل الحوادث متعددة ومهما قدر منها كان أسهل من ~~القول بأن السماوات والأرض أزلية وأن الله لم يخلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام وهؤلاء الفلاسفة إنما يبحثون بمجرد عقولهم فليس في ~~العقل ما يوجب ترجيح قدم الأفلاك على سائر التقديرات ومن يقر بالسمع كمن ~~يقر بالشرائع منهم فأي تقدير قدره كان أقرب إلى الشرع من قولهم بقدم ~~الأفلاك PageV01P370 # وأما المقدمة الثانية وهي الترجيح بلا مرجح فإنهم ألزموا بها القائلين ~~بالحدوث بدون سبب حادث وهي لهم ألزم فإن الحوادث المتجددة تقتضي تجدد أسباب ~~حادثة فالحدوث أمر ضروري على كل تقدير والذات القديمة المستلزمة لموجبها إن ~~لم يتوقف حدوث الحوادث عنها على غيرها لزم مقارنة الحوادث لها في الأزل ~~وهذا باطل بالضرورة والحس وإن توقف على غيرها فذلك الغير إن كان قديما ~~أزليا كان معها فيلزم مقارنة الحوادث لها وإن كان حادثا فالقول في سبب ~~حدوثه كالقول في غيره من الحوادث # فهؤلاء الفلاسفة أنكروا على المتكلمين نفاة الأفعال القائمة به أنهم ~~أثبتوا حدوث الحوادث بدون سبب حادث مع كون الفاعل موصوفا بصفات الكمال وهم ~~أثبتوا حدوث الحوادث كلها بدون سبب حادث ولا ذات موصوفة بصفات الكمال بل ~~حقيقة قولهم أن الحوادث تحدث بدون محدث فاعل إذ كانوا مصرحين بأن العلة ~~التامة الأزلية يجب أن يقارنها معلولها فلا يبقى للحوادث فاعل أصلا لا هي ~~ولا غيرها # فعلم أن قولهم أعظم تناقضا من قول المعتزلة ونحوهم وأن ما ذكروه من الحجة ~~في قدم العالم هو على حدوثه أدل منه على قدمه باعتبار كل واحدة من مقدمتي ~~حجتهم PageV01P371 # ومن تدبر هذا وفهمه تبين له أن الذين كذبوا بآيات الله صم وبكم ms0225 في ~~الظلمات وأن هؤلاء وأمثالهم من أهل النار كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله ~~@QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ سورة الملك ~~10 وهذا مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أن نبين أن أجوبة نفاة الأفعال الإختيارية القائمة بذات ~~الله تعالى لهؤلاء الدهرية أجوبة ضعيفة كما بين ذلك وبهذا استطالت الفلاسفة ~~والملاحدة وغيرهم عليهم # فالذين سلكوا هذه المناظرة لا أعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه ولا أعطوا ~~الجهاد لأعداء الله تعالى حقه فلا كملوا الإيمان ولا الجهاد # وقد قال الله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ ~~سورة الحجرات 15 وقال تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين @QE@ ~~سورة آل عمران 81 قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن ~~PageV01P372 بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره ~~أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ~~ليؤمنن به ولينصرنه # فقد أوجب الله تعالى على المؤمنين الإيمان بالرسول والجهاد معه ومن ~~الإيمان به تصديقه في كل ما أخبر به ومن الجهاد معه دفع كل من عارض ما جاء ~~به وألحد في أسماء الله وآياته # وهؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة الذين ذمهم السلف والأئمة لا ~~قاموا بكمال الإيمان ولا بكمال الجهاد بل أخذوا يناظرون أقواما من الكفار ~~وأهل البدع الذين هم أبعد عن السنة منهم بطريق لا يتم إلا برد بعض ما جاء ~~به الرسول وهي لا تقطع أولئك الكفار بالمعقول فلا آمنوا بما جاء به الرسول ~~حق الإيمان ولا جاهدوا الكفار حق الجهاد وأخذوا يقولون أنه لا يمكن الإيمان ~~بالرسول ولا جهاد الكفار والرد على أهل الإلحاد والبدع إلا بما سلكناه من ~~المعقولات ms0226 وإن ما عارض هذه المعقولات من السمعيات يجب رده تكذيبا أو تأويلا ~~أو تفويضا لأنها أصل السمعيات # وإذا حقق الأمر عليهم وجد الأمر بالعكس وأنه لا يتم الإيمان بالرسول ~~والجهاد لأعدائه إلا بالمعقول الصريح المناقض لما ادعوه من العقليات وتبين ~~PageV01P373 أن المعقول الصريح مطابق لما جاء به الرسول لا يناقضه ولا ~~يعارضه وأنه بذلك تبطل حجج الملاحدة وينقطع الكفار فتحصل مطابقة العقل ~~للسمع وانتصار أهل العلم والإيمان على أهل الضلال والإلحاد ويحصل بذلك ~~الإيمان بكل ما جاء به الرسول واتباع صريح المعقول والتمييز بين البينات ~~والشبهات # وقد كنت قديما ذكرت في بعض كلامي أني تدبرت عامة ما يحتج به النفاة من ~~النصوص فوجدتها على نقيض قولهم أدل منها على قولهم كاحتجاجهم على نفي ~~الرؤية بقوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ سورة ~~الأنعام 103 فبينت أن الإدراك هو الإحاطة لا الرؤية وأن هذه الآية تدل على ~~إثبات الرؤية أعظم من دلالتها على نفيها # وكذلك احتجاجهم على أن القرآن أو عبارة القرآن مخلوقة بقوله تعالى @QB@ ~~ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه @QE@ سورة الأنبياء 2 بينت أن ~~دلالة هذه الآية على نقيض قولهم أقوى فإنها تدل على أن بعض الذكر محدث ~~وبعضه ليس بمحدث وهو ضد قولهم # والحدوث في لغة العرب العامة ليس هو الحدوث في اصطلاح أهل الكلام فإن ~~العرب يسمون ما تجدد حادثا وما تقدم على غيره قديما وإن كان بعد أن لم يكن ~~كقوله تعالى @QB@ كالعرجون القديم @QE@ سورة يس 39 وقوله تعالى عن إخوة ~~يوسف @QB@ تالله إنك لفي ضلالك القديم @QE@ سورة يوسف 95 وقوله تعالى @QB@ ~~وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم @QE@ سورة الأحقاف 11 PageV01P374 # وقوله تعالى عن إبراهيم @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون @QE@ سورة الشعراء 75 76 وكذلك استدلالهم بقوله الأحد الصمد على ~~نفي علوه على الخلق وأمثال ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع # ثم تبين لي بعد ذلك مع هذا أن المعقولات في هذا كالسمعيات وأن عامة ما ms0227 ~~يحتج به النفاة من المعقولات هي أيضا على نقيض قولهم أدل منها على قولهم ~~كما يستدلون به على نفي الصفات ونفي الأفعال وكما يستدل به الفلاسفة على ~~قدم العالم ونحو ذلك والمقصود هنا التنبيه وإلا فالبسط له موضع آخر # وعمدة من نفى الأفعال والصفات من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ومن ~~اتبعهم على هذه الحجة التي زعموا أنهم يقررون بها حدوث العالم وإثبات ~~الصانع فجعلوا فجعلوا ما قامت به الصفات أو الأفعال محدثا حتى يستدلوا بذلك ~~على أن العالم محدث ويلزم من ذلك أن لا يقوم بالصانع لا الصفات ولا الأفعال # وإذا تدبر العاقل الفاضل تبين له إثبات الصانع وإحداثه للمحدثات لا يمكن ~~إلا بإثبات صفاته وأفعاله ولا تنقطع الدهرية من الفلاسفة وغيرهم قطعا تاما ~~عقليا لا حيلة لهم فيه إلا على طريقة السلف أهل الإثبات للأسماء والأفعال ~~والصفات وأما من نفى الأفعال أو نفى الصفات فإن الفلاسفة الدهرية تأخذ ~~بخناقه ويبقى حائرا شاكا مرتابا مذبذبا بين أهل الملل المؤمنين بالله ~~ورسوله وبين هؤلاء الملاحدة كما قال تعالى في المنافقين @QB@ مذبذبين بين ~~ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء @QE@ سورة النساء 143 PageV01P375 # وهذا موجود في كلام عامة هؤلاء الذين في كلامهم سنة وبدعة ولا ريب أنهم ~~يردون على الفلاسفة وغيرهم أمورا ولكن الفلاسفة ترد عليهم أمورا وهم ~~ينتصرون في غالب الأمر بالحجة العقلية على الفلاسفة أكثر مما تنتصر ~~الفلاسفة بالحجة العقلية عليهم ولكن قد تقول الفلاسفة أمورا باطلة من جنس ~~العقليات فيوافقونهم عليها فيستطيلون بها عليهم وقد تقول الفلاسفة أمورا ~~صحيحة موافقة للشريعة فيردونها عليهم وهم لا يصيبون الصدق والعدل إلا إذا ~~وافقوا الشريعة فإذا خالفوها كان غايتهم أن يقابلوا الفاسد بالفاسد والباطل ~~بالباطل فتبقى الفلاسفة العقلاء في شك ويبقى العقلاء منهم في شك لا حصل ~~لهؤلاء نور الهدى ولا لهؤلاء # وإنما يحصل النور والهدى بأن يقابل الفاسد بالصالح والباطل بالحق والبدعة ~~بالسنة والضلال بالهدى والكذب بالصدق وبذلك يتبين أن الأدلة الصحيحة لا ~~تعارض بحال وأن المعقول الصريح مطابق للمنقول الصحيح ms0228 # وقد رأيت من هذا عجائب فقل أن رأيت حجة عقلية هائلة لمن عارض الشريعة قد ~~انقدح لي وجه فسادها وطريق حلها إلا رأيت بعد ذلك من أئمة تلك الطائفة من ~~قد تفطن لفسادها وبينه PageV01P376 # وذلك لأن الله خلق عباده على الفطرة والعقول السليمة مفطورة على معرفة ~~الحق لولا المعارضات ولهذا أذكر من كلام رؤوس الطوائف في العقليات ما يبين ~~ذلك لا لأنا محتاجون في معرفتنا إلى ذلك لكن ليعلم أن أئمة الطوائف معترفون ~~بفساد هذه القضايا التي يدعى إخوانهم أنها قطعية مع مخالفتها للشريعة ولأن ~~النفوس إذا علمت أن ذلك القول قاله من هو من أئمة المخالفين استأنست بذلك ~~واطمأنت به ولأن ذلك يبين أن تلك المسألة فيها نزاع بين تلك الطائفة فتنحل ~~عقد الإصرار والتصميم على التقليد # فإن عامة الطوائف وإن ادعوا العقليات فجمهورهم مقلدون لرؤوسهم فإذا رأوا ~~الرؤوس قد تنازعوا واعترفوا بالحق انحلت عقدة الإصرار على التقليد # وقد رأيت الأثير الأبهري وهو ممن يصفه هؤلاء المتأخرون بالحذق في الفلسفة ~~والنظر ويقدمونه على الأرموي ويقولون الأصبهاني صاحب القواعد هو وغيره ~~PageV01P377 تلامذته رأيته قد أبطل حجة هؤلاء المتفلسفة على قدم العالم بما ~~يقرر ما ذكرته من إبطالها وكان ما أجاب به عن حجتهم أولى بدين المسلمين كما ~~ذكره الأرموي مع أنه ينتصر للفلاسفة أكثر من غيره # فقال في فصل ذكر فيه ما يصح من مذاهب الحكماء وما لا يصح # قال ثم قالوا إن الواجب لذاته يجب أن يكون واجبا من جميع جهاته أي يجب أن ~~تكون جميع صفاته لازمة لذاته لأن ذاته إما أن تكون كافية فيما له من الصفات ~~وجودية كانت أو عدمية أو لا تكون والثاني باطل وإلا لتوقف شيء من صفاته على ~~غيره وذاته متوقفة على وجود تلك الصفة أو عدمها فذاته تتوقف على غيره وهو ~~محال # قال وهذا ضعيف لأنا نقول لا نسلم أن ذاته تتوقف على وجود تلك الصفة أو ~~عدمها بل ذاته تستلزم وجود تلك الصفة أو عدمها ولا يلزم من ذلك توقف ذاته ms0229 ~~إما على وجودها أو عدمها # قال ثم قالوا إن الباري تعالى يستلزم جملة ما يتوقف عليه وجود العالم ~~فيلزم من دوامه أزلية العالم وهو ممتنع لإحتمال أن يكون له إرادات حادثة كل ~~واحدة منها تستند إلى الأخرى ثم تنتهي في جانب النزول إلى إرادة تقتضي حدوث ~~العالم فلزم حدوثه PageV01P378 # قلت فهذا الجواب خير من الذي ذكره الأرموي وذكر أنه باهر والأرموي نقله ~~من المطالب العالية للرازي فإنه ذكره وقال إنه هو الجواب الباهر ووافقه ~~عليه القشيري المصري فهذا أصح في الشرع والعقل # وأما الشرع فإن هذا فيه قول بحدوث كل ما سوى الله وذلك القول فيه إثبات ~~عقول ونفوس أزلية مع الله تعالى والفرق بين القولين معلوم عند أهل الملل ~~والشرائع # وأما العقل فإن قول الأرموي فيه إثبات أمور ممكنة يحدث فيها حوادث ~~متعاقبة من غير أمر يتجدد من الواجب وهذا يقتضي حدوث الحوادث بلا محدث فإن ~~الواجب بنفسه إذا كان علة تامة مستلزمة لمعلولها لم يجز تأخر شيء من معلوله ~~عنه بخلاف ما ذكره الأبهري فإنه ليس فيه إلا أن الواجب مستلزم لأثاره شيئا ~~بعد شيء وهذا متفق عليه بينهم فإنه ليس فيه إلا تسلسل الآثار والأبهري ~~PageV01P379 والأرموي وغيرهما يقولون بتسلسل الآثار بل قول أولئك يقتضي أن ~~يكون الفلك هو رب ما دونه وهو المحدث للحوادث بأفعاله القائمة به المتعاقبة ~~وقول الأبهري يقتضي أن يكون الله هو رب العالمين وهو محدث لكل شيء مما يقوم ~~به من الأفعال المتعاقبة # ولا ريب أن قول أولئك فاسد في العقل كما هو فاسد في الشرع فإن الفلك إذا ~~كان ممكنا فجميع صفاته وحركاته ممكنة ولا يترجح شيء من ذلك إلا بوجود ~~المرجح التام فالمرجح التام إن كان موجودا في الأزل لزم وجود مقتضاه في ~~الأزل # ثم ذلك المرجح إن كان في نفسه علة تامة لمعلوله بحيث لا يتجدد به ولا منه ~~شيء امتنع أن يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن صادرا لا في الفلك ولا في غير ~~الفلك لا دائم ولا ms0230 منقطع وامتنع أن تكون حركة الفلك الدائمة صادرة عن هذا ~~لا سيما مع اختلاف الحركات والمتحركات وأنه بسيط عندهم من كل وجه وهو في ~~الأزل علة تامة فيمتنع أن تصدر عنه المختلفات والمتجددات كما أن جميع ~~المتحركات الممكنات لا تدوم حركتها إلا بدوام السبب المحرك المنفصل عنها ~~وهذا لأن حال الفاعل إذا كانت حين أحدث هذا المتأخر كحاله حين أحدث ذلك ~~المتقدم امتنع تخصيص هذا الحال بالفصل دون هذه كما يقولون هم ذلك # وإن قالوا إنما كان هذا لأن حركة الفلك لم يمكن وجودها كلها أو لم يمكن ~~وجود الحوادث كلها في الأزل فتأخر فيضه لتأخر استعداد القوابل PageV01P380 # قيل هذا إنما يمكن أن يقال إذا كان القابل ليس هو صادرا عن الفاعل مثل ~~القوابل لأثر الشمس فإن أثر الشمس فيها مختلف بإختلاف تلك القوابل فتسود ~~وجه القصار وتبيض الثوب وترطب الفاكهة تارة وتجففها أخرى ولهذا إنما قال ~~سلفهم هذا في العقل الفعال فقالوا إنه يتأخر فيضه على القوابل لتأخر ~~استعداد القوابل بسبب الحركات الفلكية فالموجب لاستعداد القوابل ليس هو ~~الموجب للفيض عندهم # وهذا قالوه لإعتقادهم وجود هذا العقل وهذا لا يستقيم في المبدع لكل شيء ~~الذي منه الإعداد ومنه الإمداد لا يتوقف فعله على غيره # فأما إذا كان الفاعل هو الفاعل للقابل والمقبول عاد السؤال جذعا وقيل فلم ~~جعل القوابل تقبل على ذلك الوجه دون غيره ولم جعل الحركة الفلكية على هذا ~~الوجه دون غيره مع أن الممكن ليس له من نفسه شيء أصلا لا طبيعة ولا غيرها ~~بل الموجب هو الفاعل لطبيعته وحقيقته وليس له حقيقة في الخارج مباينة ~~للموجود في الخارج بل البارئ هو المبدع للحقائق كلها # ومن قال إن للمكن ماهية مغايرة في الخارج للأعيان الموجودة في الخارج # أو قال إنه شيء ثابت في القدم فلا يمكنه أن يقول إن تلك المعدومات أوجبت ~~قدرة الفاعل على بعضها دون بعض مع أنها كلها ممكنة إلا لأمر آخر مثل أن ~~يقال ما يمكن غير هذا وهذا هو الأصلح أو ms0231 الأكمل والأفضل PageV01P381 # وبهذا تظهر حجة الله تعالى في قوله @QB@ يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على ~~بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون @QE@ سورة الرعد 4 فإنه دل بهذا ~~على تفضيله بعض المخلوقات على بعض مع استوائها فيما تساوت فيه من الأسباب # كما قال في الآية الأخرى @QB@ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب ~~سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء @QE@ سورة فاطر 27 28 # فإذا قال قائل إنما تفاضلت واختلفت لأختلاف القوابل وأسباب أخرى من ~~الهواء والتراب والحب والنوى # قيل له وتلك القوابل والأسباب هي أيضا من فعله ليست من فعل غيره فهو الذي ~~أعد القوابل وهو الذى أمد كل شيء بحسب ما أعده له وحينئذ فقد تبين أنه خلق ~~الأمور المختلفة ومن كل شيء زوجين فبطل أن يكون واحدا بسيطا لا يصدر عنه ~~إلا واحد لازم له لا يصدر عنه غيره ولا يمكنه فعل شيء سواه فإن فعل ~~المختلفات الحادثات يدل على أنه فاعل بقدرته ومشيئته ولهذا قال @QB@ إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء @QE@ سورة فاطر 28 # قال طائفة من السلف العلماء به فإن من جعله غير قادر على أحداث فعل ولا ~~تغيير شيء من العالم بل لزمه ما لا يمكنه مفارقته لم يخشه إنما يخشى ~~الكواكب والأفلاك التي تفعل الآثار الأرضية عنده أو ما كان نحو ذلك ولهذا ~~عبدها هؤلاء من دون الله ولهذا كان دعاؤهم لها وخشيتهم منها PageV01P382 # ولهذا تبرأ الخليل من مخافتها لما ناظرهم في عبادة الكواكب والأصنام وقال ~~@QB@ لا أحب الآفلين @QE@ سورة الأنعام 76 قال تعالى @QB@ وحاجه قومه قال ~~أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ~~ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم ms0232 تعلمون ~~@QE@ سورة الأنعام 80 81 وقال تعالى @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ سورة الأنعام 82 فإن المشركين يخافون ~~المخلوقات من الكواكب وغيرها وهم قد أشركوا بالله ولا يخافون الله إذ ~~أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وإنما يخشاه من عباده العلماء الذين ~~يعلمون أنه على كل شيء قدير وأنه بكل شيء عليم فهؤلاء الدهرية الفلاسفة ~~وأمثالهم لا يخافون الله تعالى # فإن قال قائل فهم يقرون بالعبادات ويقولون ضجيج الأصوات في هياكل ~~العبادات بفنون اللغات تحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات لا سيما الإسلاميون ~~منهم فإنهم يعظمون الأدعية والعبادات # قيل هم لا يقرون بأن الله نفسه يحدث شيئا بسبب الدعاء أو غيره وإنما ~~الحوادث كلها عندهم بسبب حركة الفلك لا بشيء آخر أصلا وهم إذا قالوا إن ~~النفوس تقوى بالدعاء والعبادة والتجرد والتصفية فتؤثر في هيولي العالم كان ~~هذا عندهم بمنزلة تأثير الأكل والشرب في الري والشبع لا يستلزم ذلك عندهم ~~PageV01P383 أمرا يحدث من عند الله تعالى فإنه لو حدث منه أمر لزم تغيره ~~عندهم وبطل أصل قولهم # وهم قد يخافون ما يحدث من الحوادث بسبب أعمالهم لاقتضاء طبيعة الوجود ذلك ~~كما يقولون إن أكل المضرات يورث المرض أو الموت والسبب لكل الحوادث حركة ~~الفلك وإن كانت الحوادث لا تحدث بمجرد الحركة بل بالحركة وغيرها أما لكون ~~الحركة توجب امتزاجا تستعد به الممتزجات لما يفيض عليها من العقل الفعال أو ~~لغير ذلك فهم مطالبون بالموجب لحركة الفلك وحدوث جميع الحوادث إن كان ~~الموجب لها علة تامة في الأزل لا يتأخر عنها شيء من معلولها امتنع أن تكون ~~حركات الممكنات وما فيها من الحوادث صادرة عن هذه العلة لأن ذلك يقتضي تأخر ~~كثير من معلولاتها مع ما فيها من الإختلاف العظيم المنافي لبساطتها التي ~~يسمونها الوحدة # وقد بين في غير هذا الموضع أن الواحد البسيط الذي يقدرونه لا حقيقة له في ~~الخارج أصلا # وإذا قيل القوابل المفعولة الممكنة المبدعة اختلفت وتأخر استعدادها مع ~~كون الفاعل لها ms0233 لم يزل ولا يزال على حال واحدة كان امتناع هذا ظاهرا # بخلاف ما إذا قيل إن نفس الفاعل موصوف بصفات متنوعة وأفعال متنوعة وله ~~تعالى شئون وأحوال كل يوم هو في شأن فإنه يكون تنوع المفعولات وحدوث ~~الحادثات لتنوع أحوال الفاعل وأنه يحدث من أمره ما شاء PageV01P384 # وإذا طلب الفرق بينهما قيل أحواله من مقتضيات ذاته الواجبة الوجود بنفسه ~~التي لا يتوقف شيء من أحوالها على أمر مستغن عنها ولا يحتاج إليه وإذا كان ~~واجبا بنفسه فما كان من لوازمه كان أيضا واجبا لا يمكن عدمه بخلاف الممكن ~~الذي ليس له من نفسه وجود # فإنه إذا قيل اختلف فعل الفاعل وتأخر لاختلاف القابل وحدوثه # قيل فهو أيضا الفاعل للقابل المختلف الحادث فكيف تصدر المختلفات الحادثات ~~عن فاعل لا اختلاف في فعله ولا حدوث لشيء من أفعاله # والأبهري قد أبطل حجة المعتزلة والأشعرية ونحوهم على حدوث الأجسام وأراد ~~أن يعتذر عن الفلاسفة فقال # فصل في ذكر الطرائق التي سلكها الإمام يعنى أبا عبدالله الرازي في كتبه ~~لتقرير مذاهب المتكلمين وكيفية الإعتراض عليها # أما الطريقة التي سلكها لحدوث العالم فمن وجهين أحدهما أن العالم ممكن ~~لذاته وكل ممكن لذاته فهو حادث لأن تأثير المؤثر فيه إما أن يكون حال ~~الوجود أو حال العدم أو لا حال الوجود ولا حال العدم والأول باطل لأن ~~التأثير حال الوجود يكون إيجادا للموجود وتحصيلا للحاصل وهو محال والثاني ~~محال لأن التأثير حال العدم يكون جمعا بين الوجود والعدم وهو محال فيلزم أن ~~يكون لا حال الوجود ولا حال العدم فيكون حال الحدوث فكل ما له مؤثر فهو ~~حادث # الثاني أن الأجسام لو كانت أزلية فإما أن تكون متحركة في الأزل أو ساكنة ~~والقسمان باطلان # أما الأول فلوجوه PageV01P385 # أحدها أنها لو كانت متحركة في الأزل للزم المسبوقية بالغير وعدم ~~المسبوقية في شيء واحد لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير والأزل يقتضي عدم ~~المسبوقية بالغير فيلزم الجمع ضرورة # الثاني أنها لو كانت متحركة في الأزل لكانت بحال لا تخلو ms0234 عن الحوادث وما ~~لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وإلا لكان الحادث أزليا هذا خلف # الثالث إنها لو كانت متحركة في الأزل لكانت الحركة اليومية موقوفة على ~~انقضاء ما لا نهاية له وهو محال والموقوف على المحال محال # الرابع أنها لو كانت متحركة في الأزل لحصلت جملتان إحداهما من الحركة ~~اليومية إلى غير النهاية والثانية من الحركة التي وقعت من الأمس إلى غير ~~النهاية # فالجملة الثانية إن صدق عليها أنها لو أطبقت على الأولى انطبقت عليها كان ~~الزائد مثل الناقص وإن لم تصدق كانت متناهية فالجملة الأولى أيضا متناهية ~~وقد فرضت غير متناهية هذا خلف # وأما الثاني فلأنها لو كانت ساكنة في الأزل امتنع عليها الحركة لأن ~~المؤثر في السكون إما أن يكون أزليا أو حادثا لا جائز أن يكون حادثا وإلا ~~لكان السكون حادثا وقد فرض أزليا هذا خلف فتعين أن يكون أزليا فيلزم من ~~دوامه دوام السكون فتمتنع الحركة على الأجسام وأنها ممكنة عليها لأن ~~PageV01P386 الأجسام إما أن تكون بسيطة أو مركبة فإن كانت بسيطة فيصح على ~~أحد جوانبها ما يصح على الآخر فيصح أن يصير يمينها يسارا ويسارها يمينا ~~فيصح عليها الحركة وإن كانت مركبة كانت مجتمعة من البسائط فكانت بسائطها ~~قابلة للإجتماع والإفتراق وكانت قابلة للحركة هذا خلف # قال الأبهري الإعتراض قوله بأن التأثير في الممكن إما أن يكون حالة ~~الوجود أو حالة العدم أو لا حالة الوجود ولا حالة العدم # قلنا لم لا يجوز أن يكون حال الوجود وقوله التأثير حال الوجود إيجاد ~~الموجود وتحصيل الحاصل # قلنا لا نسلم وإنما يكون كذلك أن لو أعطى الفاعل وجودا ثانيا وليس كذلك ~~فإن التأثير عبارة عن كون الأثر موجودا بوجود المؤثر وجاز أن يكون الأثر ~~موجودا دائما لوجود المؤثر والذي يدل على حصول التأثير حالة الوجود أنه لو ~~لم يكن كذلك لكان التأثير حالة العدم لاستحالة الواسطة بين الوجود والعدم ~~والثاني كاذب لأن التأثير حالة العدم يقتضي الجمع بين الوجود والعدم وهو ~~محال # قال أما قوله الأجسام ms0235 لو كانت أزلية فإما أن تكون متحركة أو ساكنة في ~~الأزل # قلنا لم لا يجوز أن تكون متحركة # قوله يلزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير في شيء واحد # قلنا لا نسلم وهذا لأن المسبوق بالغير هو الحركة وغير المسبوق بالغير هو ~~الجسم PageV01P387 # فإن قال إذا كانت الحركة أزلية كانت الحركة من حيث هي هي غير مسبوقة ~~بالغير لكن الحركة من حيث هي هي مسبوقة بغير لأنها تغير وانتقال فتقتضي ~~المسبوقية بالغير فيلزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير ~~في الحركة # قلنا إذا ادعيتم ذلك فنقول لا نسلم أن الجسم لو كان أزليا لكانت الحركة ~~من حيث هي هي حركة أزلية ولم لا يجوز أن يكون الجسم أزليا ويصدق عليه أنه ~~متحرك دائما بأن تتعاقب عليه الحركات المعينة ولا يصدق على الحركات ~~الموجودة في الأعيان أنها أزلية ضرورة اتصاف كل واحد منها بكونها مسبوقة ~~بالغير # قلت هذا مضمونه ما نبه عليه في غير هذا الموضع أن حدوث كل من الأعيان لا ~~يستلزم حدوث النوع الذي لم يزل ولا يزال # وأما قوله لو كانت الأجسام متحركة لكانت لا تخلو عن الحوادث قلنا نعم ~~ولكن لم قلتم بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # قوله لو لم يكن كذلك لكان الحادث أزليا # قلنا لا نسلم وإنما يلزم ذلك لو كان شيء من الحركات بعينها لازما للجسم ~~وليس كذلك بل قبل كل حركة حركة لا إلى أول إلى ما لا نهاية # قلت هذا من نمط الذي قبله فإن الأزلي اللازم هو نوع الحادث لا عين الحادث ~~PageV01P388 # قوله لو كانت حادثة في الأزل لكان الحادث اليومي موقوفا على انقضاء ما لا ~~نهاية له # قلنا لا نسلم بل يكون الحادث اليومي مسبوقا بحوادث لا أول لها ولم قلتم ~~إن ذلك غير جائز # قلت مضمونه أنه يكون موقوفا على انقضاء ما لا ابتداء له ولا أول له وهو ~~لا نهاية له من الطرف الأول لكن له نهاية من الطرف الآخر # قوله لو كانت ms0236 متحركة في الأزل لحصلت جملتان إحدهما من الحركة اليومية ~~والثانية من الحركة التي وقعت في الأمس # قلنا لا نسلم وإنما يلزم ذلك لو كانت الحركات مجتمعة في الوجود # قلت هذا مضمونه أن التطبيق لا يكون إلا بين موجودين ولكن يقال التطبيق في ~~الخارج لا يكون إلا بين موجودين ولكن يمكن تقدير التطبيق بين معدومين لا ~~سيما إذا كانا قد دخلا جميعا في الوجود فالمطبق بينهما إما أن يكونا مقدرين ~~في الأذهان لا يوجد في الأعيان بحال كالأعداد المجردة عن المعدودات أو ~~معدومين منتظرين كالمستقبلات أو معدومين ماضيين كالحوادث المتقدمة أو ~~موجودين كالمقادير الموجودة والمعدودات الموجودة # ويجاب عن هذا بجواب ثان وهو أن الجملتين اللتين طبقت إحداهما على الأخرى ~~مع التفاوت في أحد الطرفين وعدم التناهي في الآخر هما متفاضلتان ~~PageV01P389 في الطرف الواحد وتنطبق إحداهما على الأخرى في الطرف الآخر فلا ~~يصدق ثبوت مطابقة إحداهما للأخرى مطلقا ولا نفي المطابقة مطلقا بل يصدق ~~ثبوت الإنطباق من أحد الطرقين وانتفاؤه من الآخر وحينئذ فلا يكون الزائد ~~مثل الناقص ولا يكونان متناهيين # وإذا قال القائل نحن نطبق بينهما من الطرف الذي يلينا فإن استويا لزم أن ~~يكون الزائد مثل الناقص وأن يكون وجود الزيادة كعدمها والشيء مع عدم غيره ~~كهو مع وجوده وإن تفاضلا لزم أن يكون ما لا يتناهى بعضه متفاضلا # قيل التطبيق بينهما من الجهة المتناهية مع تفاضلهما فيها ممتنع وفرض ~~الممتنع قد يلزمه حكم ممتنع فإن الحوادث الماضية من أمس إذا قدرت منطبقة ~~على الحوادث الماضية في اليوم كان هذا التطبيق ممتنعا فإنه يمتنع أن يطابق ~~هذا هذا فإن الجملتين متفاضلتان ومع التفاضل يمتنع التطبيق المستلزمة ~~للمعادلة والإستواء # وإذا قال القائل أنا أقدر المطابقة في الذهن وإن كانت ممتنعة في الخارج # قيل له فقد قدرت في الذهن شيئين مع جعلك أحدهما أزيد من الآخر من الطرف ~~الواحد ومساويا له من الطرف الآخر ومعلوم أنك إذا قدرت هذا لم يكن تفاضلهما ~~ممتنعا بل كان الواجب هو التفاضل ودليلك مبنى على تقدير ms0237 التطبيق فيلزم ~~التفاضل فيما لا يتناهى وكل من المقدمتين باطل فإن قدرت تطبيقها صحيحا ~~عدليا فهو باطل وإن قدرته وإن كان ممتنعا لم يكن التفاضل PageV01P390 في ~~ذاك ممتنعا فدعواك أن التفاضل ممتنع فيما قدرته متفاضلا ممنوع بل مع تقدير ~~التفاضل يجب التفاضل لكن يجب التفاضل من جهة التفاضل ولا يلزم التفاضل من ~~الجهة الأخرى # قال الأبهري وإن سلمنا أنه لا يجوز أن تكون متحركة في الأزل ولكن لم لا ~~يجوز أن تكون ساكنة # قوله بأن المؤثر في السكون إما أن يكون حادثا أو أزليا # قلنا فلم قلتم بأنه لو كان أزليا للزم دوام السكون ولم لا يجوز أن يكون ~~تأثيره فيه موقوفا على شرط عدمي أزلمي والعدمي الأزلي جائز الزوال فإذا زال ~~الشرط زال السكون # # قلت لقائل أن يقول العرض الأزلي إنما يزول بسبب حادث والقول فيه كالقول ~~في غيره بل لا يزول إلا بسبب حادث فيحتاج إلى حدوث سبب يحدث ليزول السكون ~~وهو يقول المقتضى لزوال السكون كالمقتضى لحدوث العالم وهو الإرادة المسبوقة ~~بإرادة لا إلى أول لكن هذا التقدير يصحح القول بحدوث العالم # فيقال إن كان الجسم أزليا وأمكن حدوث الحركة فيه كان المقتضى لحركته ~~مجوزا لحدوث العالم لكن هذا يبطل حجة الفلاسفة ولا يصحح حجية أن الجسم ~~الأزلي يمتنع تحريكه فيما بعد PageV01P391 # وأيضا فإن ههنا بحثا آخر وهو أن السكون هل هو أمر ثبوتي مضاد للحركة أو ~~هو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك وفيه قولان معروفان فإذا كان عدميا لم ~~يفتقر إلى سبب # قال وأما الطريقة التي يسلكها في كون الباري فاعلا بالإختيار فمن وجهين # أحدهما أنه لو كان موجبا بالذات وجب أن لا ينفك عنه العالم فيلزم إما قدم ~~العالم وإما حدوث الباري تعالى # الثاني أنه لو كان موجبا بالذات لما حصل تغير في العالم لأنه يلزم من ~~دوامه دوام معلوله وإلا كان ترجيحا بلا مرجح ويلزم من دوام معلوله دوام ~~معلول معلوله وهكذا إلى أن يلزم دوام جميع المعلولات # قال الأبهري الإعتراض أما ms0238 الوجه الأول فلا نسلم أن القدم منتف وأما الحجة ~~التي ذكرها فقد مر ضعفها وأما الثاني فلا نسلم أنه لو كان موجبا بالذات ~~للزم دوام معلولاته وإنما يلزم ذلك أن لو كان جميع معلولاته قابلة للدوام ~~وهذا لأن من جملة معلولاته الحركة وهي غير قابلة للبقاء # ولقائل أن يقول اعتراض الأبهري هنا ضعيف # أما الأول فيقال هب أن ما ذكره على انتفاء القدم ضعيف لكن لا يلزم من ضعف ~~الدليل المعين انتفاء المدلول وأنت قد بينت ضعف دليل الفلاسفة على القدم ~~وإذا كان القول الموجب بالذات يستلزم قدم العالم ولا دليل لهم عليه كان ~~قولهم أيضا لا دليل عليه PageV01P392 # والأبهري قد ذكر في غير هذا الموضع ما احتج به على حدوث العالم ببيان ~~انتفاء لازم القدم ولكن إن كان قصده بيان فساد ما ذكره الرازي فالرازي ذكر ~~وجهين وهب أن الأول ضعيف لكن الثاني قوي وهو قوله لو كان موجبا بالذات ما ~~حصل تغير في العالم # وتحرير ذلك أن يقال الموجب بالذات يراد به العلة التامة التي تستلزم ~~معلولها ولو كانت شاعرة به ويراد به ما يفعل بغير إرادة ولا شعور وإن كان ~~فعله متراخيا ومن المعلوم أنه لم يقصد إفساد القسم الثاني وإنما قصد القسم ~~الأول # فيقال إذا كان الموجب عله تامة تستلزم معلولها كان معلولها لازما لها ~~ومعلول معلولها لازما فيمتنع تأخر شيء من لوازمها ولوازم لوزامها فلا يكون ~~هناك شيء محدث فلا يحصل في العالم تغير # وأما قول المعترض إنما يلزم أن لو كان جميع معلولاته قابلة للقدم والحركة ~~لا تقبله # فيقال هذا الإعتراض باطل لوجوه أحدها أنه إذا جاز أن تكون العلة التامة ~~التي تستلزم معلولها لها معلول لا يقبل البقاء وهو الحركة والحوادث تحدث ~~بسببه جاز أن يكون ذلك المعلول حوادث يقوم بها وتكون كل الأمور المباينة ~~موقوفة على تعاقب تلك الحوادث كما قد ذكره الأبهري نفسه في الإرادات ~~المتعاقبة وقال يجوز أن يكون للباري إرادات حادثة وكل واحدة منها تستند إلى ~~الأخرى ثم تنتهي ms0239 في جانب النزول إلى إرادة تقتضي حدوث العالم فيلزم حدوثه ~~وإذا كان هذا جائزا امتنع أن يكون موجبا بذاته بمعنى أنه يستلزم أن يكون ~~موجبا بذاته بمعنى أنه يستلزم PageV01P393 موجباته بل يجوز مع هذا أن تتأخر ~~عنه موجباته وعلى هذا فلا يكون العالم قديما وليس هذا هو الموجب بذاته في ~~هذا الإصلاح الذي تكلم به الرازي وأراد به إفساد قول الفلاسفة الدهرية فإن ~~الموجب بذاته في هذا الإصطلاح الذي بينه وبينهم هو العلة التامة التي ~~تستلزم معلولها # الوجه الثاني أن يقال إن أردتم بالموجب بالذات ما يستلزم معلوله ~~فالتعيرات التي في العالم تبطل كونه موجبا بهذا الإعتبار وإن أردتم بالموجب ~~بالذات ما قد تكون مفعولاته أمرا لا يلزمه بل يحدث شيئا بعد شيء فحينئذ إذا ~~وافققكم المنازعون على تسميته موجبا بالذات لم يكن في ذلك ما ينافي أن تكون ~~مفعولاته تحدث شيئا بعد شيء ولا يمتنع أن تكون هذه الأفلاك من جملة الحوادث ~~المتأخرة فبطل قولكم # الوجه الثالث ذلك المعلول الذي لا يقبل الدوام كحركة الفلك هل الباري ~~موجب له بذاته بوسط أو بغير وسط أو إيجابه له موقوف على حادث آخر فإن قيل ~~بالأول لزم قدم الحركات المتعاقبة وأن تكون قابلة للدوام وهو ممتنع # وإن قيل بالثاني قيل فإيجابه لما تأخر من هذه الحركة إما أن يكون موقوفا ~~على شرط أو لا يكون فإن لم يكن موقوفا على شرط لزم تقدمه لتقدم الموجب الذي ~~لا يقف تأثيره على شرط وهو ممتنع PageV01P394 # وإن قيل بل إيجابه للجزء الثاني مشروط بحدوث الجزء الأول وهلم جرا كان ~~معناه أن إيجابه لكل جزء مشروط بوجود جزء آخر قبله وهو ليس علة تامة لشيء ~~من تلك الأجزاء فيجب أن لا يحصل شيء منها لأن تلك الأجزاء متعاقبة أزلا ~~وأبدا وما من وقت يفرض إلا وهو مشابه من الأوقات فليس هو في شيء من الأوقات ~~علة تامة لشيء من الحوادث فيكون إحداثه لكل حادث مشروطا بحادث لم يحدثه ~~والقول في ذلك الحادث الذي هو شرط ms0240 كالقول في الحادث الذي هو مشروط فإذا لم ~~يكن محدثا للأول فلا يكون محدثا للثاني فلا يكون محدثا لشيء من الحوادث على ~~قولهم هو علة تامة وهو المطلوب # فإنه لو قال لو كان موجبا بذاته لما حصل في العالم شيء من التغير وهذا ~~يهدم قولهم فإنهم بين أمرين إما أن يقولوا ليس بعلة تامة لمعلولاته أو ~~يقولوا معلولاته مقارنة له فأما جمعهم بين كونه علة تامة في الأزل وبين كون ~~المعلول يوجد شيئا فشيئا فجمع بين الضدين # فإن العلة التامة هي التي تستلزم معلولها لا يتأخر عنها معلولها ولا يقف ~~اقتضاؤها على غيرها وهم يقولون إنه في كل وقت ليس علة تامة لما يحدثه فيه ~~بل فعله مشروط بأمر متقدم وليس هو علة تامة لذلك الشرط المتقدم فلا يكون ~~علة تامة لا للمتقدم من الحوادث ولا للمتأخر فلا بد للحوادث من مقتض آخر # وهذا لا يرد على من يقول أحدث الحوادث بإرادات متعاقبة أو أفعال متعاقبة ~~فإنه لا يقول هو موجب بنفسه للممكنات ولا يقول هو في الأزل علة تامة لها بل ~~يقول ليس بعلة أصلا لشيء من مخلوقاته بل فعلها بمشيئته PageV01P395 وقدرته ~~إذ الفعل الثاني منه مشروط بالأول لأن الأفعال الحادثة لا تكون إلا متعاقبة ~~وليس هو موجبا بذاته لشيء من تلك الأفعال ولا للمفعولات بها ولا يلزم من ~~ذلك لا قدم شيء من الأفعال بعينه ولا قدم شيء من المفعولات بعينه لا فلك ~~ولا غيره والحوادث جميعها التي في العالم والتغيرات يحدثها شيئا بعد شيء ~~بأفعاله الحادثة شيئا بعد شيء فكل يوم هو في شأن # بخلاف ما إذا قالوا هو علة تامة مستلزمة لمعلولها وجعلوا من المعلولات ما ~~لا يكون إلا شيئا فشيئا فإن هذا جمع بين المتنافيين بمنزلة من قال معلوله ~~مقارن له معلوله ليس مقارنا له # وإذا قالوا هو موجب بنفسه للفلك وأجزاء العالم الأصلية وليس موجبا بنفسه ~~للحوادث المتجددة بل إيجابه لها مشروط بما يكون قبلها من الحوادث # قيل هذا حقيقة قولكم وحينئذ فلا يكون ms0241 نفسه موجبا لشيء من الحوادث لا ~~الأول ولا الثاني لا بوسط ولا بغير وسط وهو المطلوب فالقول بالموجب بالذات ~~وحدوث المحدثات عنه بوسط وبغير وسط جمع بين النقيضين # ثم هذا القول يبطل قولكم بكونه موجبا للعالم بذاته لأنهم يقولون إن ~~العالم لا قيام له بدون الحركة وإنها صورته التي لولا هي لبطل فإذا كان ~~إيجابه للعالم بدون الحركة ممتنعا وإيجابه للحركة في الأزل ممتنعا لم يكن ~~موجبا لا للعالم ولا للحركة فإن المبدع المشروط بشرط يمتنع إبداعه بدون ~~إبداع شرطة وإبداع شرطة ممتنع على أصلهم فإذن إبداعه ممتنع وهذا لأنهم ~~جعلوا الباري ليس له فعل PageV01P396 يقوم بذاته أصلا ولا يتجدد منه شيء ~~ولا فيه شيء أصلا وعندهم أن ما كان كذلك لا يحدث عنه شيء أصلا # ثم قالوا الحوادث كلها صادرة عنه لأن الحركة لم تزل ولا تزال صادرة عنه ~~وكيف تصدر حركات لم تزل ولا تزال في أمور ممكنة عن شيء لا يحدث عنه ولا فيه ~~شيء على أصلهم # ومما يوضح هذا أن قدماء هؤلاء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه كانوا يقولون إن ~~الأول محرك للعالم حركة الشوق كتحريك المحبوب لمحبه والإمام المقتدى به ~~للمؤتم المقتدي به وبهذا أثبتوه وجعلوه علة للعالم حيث قالوا إن الفلك لا ~~يقوم إلا بالحركة الإرادية والحركة الإرادية لا تتم إلا بالمراد المحبوب ~~الذي يحرك المريد حركة اشتياق فالباري عندهم علة بهذا الإعتبار وهو بهذا ~~الإعتبار لم يبدع الأفلاك ولا حركاتها لكن هو شرط في حصول حركتها # وعلى هذا القول فقد يقال العالم قديم واجب بنفسه بل هم يصرحون بذلك ~~والأول الذي هو المحبوب واجب قديم بنفسه كما يقول آخرون منهم بل العالم ~~واجب قديم بنفسه وليس هناك علة محبوبة محركة له بالشوق خارجة عن العالم # وإذا كان كذلك كانت الحركات حادثة في واجب بنفسه وإذا لزمهم كون الواجب ~~بنفسه محلا للحوادث والحركات لم يكن معهم ما يبطلون به كون الأول كذلك ~~وحينئذ فلا يكون لهم حجة على كونه موجبا بالذات وهم يعترفون بذلك ~~PageV01P397 وإنما نفوا ms0242 عن الأول ذلك لكونه ليس جسما عند أرسطو وأتباعه ولا ~~دليل لهم على ذلك إلا كون الجسم لا يمكن أن يكون فيه حركة غير متناهية بناء ~~على أن الجسم متناه فيمتنع أن يتحرك حركة غير متناهية # هذه الحجة عمدتهم وهي مغلطية من أفسد الحجج فإنه فرق بين ما لا يتناهى في ~~الزمان بل يحدث شيئا بعد شيء وبين ما لا يتناهى في المقدار والنزاع إنما هو ~~في حركة الجسم دائما حركة لا تتناهى ليس هو في كونه في نفسه ذا قدر لا ~~تتناهى فأين هذا من هذا وهذا مبسوط في موضع آخر # ويقال لهم حدوث الحوادث عن فاعل لا يحدث فيه شيء إما أن يكون ممكنا وإما ~~أن يكون ممتنعا فإن كان ممكنا أمكن حدوث الحوادث جميعها عن الأول بدون حدوث ~~شيء كما يقوله من يقوله من أهل الكلام وغيرهم من المعتزلة والكلابية وغيرهم ~~وإن كان ممتنعا بطل قولهم بحدوث الحوادث الدائمة عنه مع أنه لم يحدث فيه ~~شيء وهذا أفسد # وإذا قالوا أولئك خصصوا بعض الأوقات بالحدوث بدون سبب حادث من الفاعل # قيل وأنتم جعلتم جميع الحوادث تحصل بدون سبب حادث من الفاعل # وإذا قلتم لهم كيف يحدث بعد أن لم يكن محدثا بدون حدوث قصد ولا علم ولا ~~قدرة # قالوا لكم فكيف تحدث الحوادث دائما بدون حدوث قصد ولا علم ولا قدرة بل ~~بدون وجود ذلك وأنتم تقولون يحدث للفلك تصورات وإرادات PageV01P398 وهي سبب ~~الحركات المتعاقبة فما السبب الموجب لحدوث تلك الحوادث ولم يحدث شيء أصلا ~~يوجب حدوثها # ولو قال قائل الإنسان دائما يتجدد له تصورات وإرادات وحركات بدون سبب ~~حادث ولا يحدثها محدث أصلا ألم يكن ذلك ممتنعا فإن قيل بإحداثه للأول ~~استعان على إحداث الثاني # قيل فما الموجب لإحداثه الأول وهو لم يزل في إحداث إذا قدر أزليا لم يكن ~~هناك أول بل لم يزل في إحداث # فإن قيل تلك الحوادث التي للإنسان صدرت عن العقل الفعال بدون سبب حادث # قيل فالعقل الفعال دائم الفيض عندهم ms0243 فلم خص هذه التصورات والإرادات ~~والحركات بوقت دون وقت # قالوا لعدم استعداد القوابل فإذا استعد الإنسان للفيض أفاض عليه واهب ~~الصور # فإذا قيل لهم فما الموجب لحدوث الإستعداد # قالوا ما يحدث من الحركات الفلكية والإمتزاجات العنصرية فلا يجعلون العقل ~~الفعال هو الموجب لما يحدث من الإستعداد بل يحيلون ذلك على تحريكات خارجة ~~عنه وعن إفاضته # فإن قالوا مثل هذا في الأول لزم أن يكون المحدث لشروط الفيض غيره وشبهوه ~~بالفعال في كونه لا يفيض عنه إلا بعض الأشياء دون بعض لكن الفعال ~~PageV01P399 تحدث عنه الأشياء شيئا بعد شيء عندهم أما الأول فلا يحدث عنه ~~شيء بل معلوله لازم له فهو أنقص رتبة في الإحداث عندهم من الفعال # وإن قالوا بل هو المحدث للشروط شيئا فشيئا # قيل أنتم قلتم في الفعال إنه دائم الفيض لا يخص من تلقاء نفسه وقتا دون ~~وقت بفيض فالأول إذا خص وقتا دون وقت من تلقاء نفسه بشيء لم يكن فياضا بل ~~كان الفياض أجود منه وإن كان التخصيص من غير تلقاء نفسه كان ذلك لمشارك له ~~في الفعل كما في الفياض # فهم بين أمرين إما أن يجعلوه عاجزا عن الإنفراد بالإحداث كالفعال بل أدنى ~~منه وإما أن يجعلوه بخيلا لا فياضا فيكون الفعال أجود منه # وأيضا فإذا قالوا إنه علة تامة وموجب تام لمعلوله وموجبه وفاعل تام فى ~~الأزل لمفعوله فجعلوه ما سواه معلوله ومفعوله وموجبه وإن كان بعض ذلك بوسط ~~كان هذا ممتنعا في صرائح العقول فإن الموجب التام والعلة التامة والتكوين ~~التام إما أن يقول القائل يجوز تراخي المكون عنه كما يقوله من يقوله من أهل ~~الكلام وإما أن يقول هو مستلزم له # فإن قيل بالأول أمكن تراخي المفعولات كلها وبطل قولهم بوجوب قدم شيء من ~~العالم بل يمتنع قدم شيء من العالم لامتناع مقارنة الكون للمكون # وإن قيل بالثاني فلا يخلو إما أن يقال يجب اقتران مفعوله به في الزمان ~~بحيث يكون معه لا يكون عقب تكوينه وإما أن يقال بل كون ms0244 الكائن إنما يكون ~~عقب تكوين المكون PageV01P400 # فإن قالوا بالأول كما يدعونه لزمهم أن لا يحدث في العالم شيء وهو خلاف ~~الحس والمشاهدة # وإن قالوا بالثاني لزم أن يكون كل معلول له مسبوقا بغيره سبقا زمانيا فلا ~~يكون شيء من العالم قديما أزليا معه وهو المطلوب # وإذا كان اقتران المفعول بفاعله في الزمان ممتنعا على تقدير دعوى ~~استلزامه له فاقترانه به على تقدير عدم وجوب الإستلزام أولى # فتبين أنه يمتنع قدم شيء من العالم على كل تقدير وهذا بين لمن تصوره ~~تصورا تاما # ولكن وقع اللبس والضلال في هذا الباب من جهة أن الجهمية والمعتزلة ومن ~~وافقهم من أهل الكلام لما ادعوا ما يمتنع في صريح العقل عند هؤلاء من كون ~~المؤثر التام يتأخر عنه أثره والحوادث تحدث بدون سبب حادث فر هؤلاء إلى أن ~~جعلوا المؤثر يقترن به أثره ولا يحدث حادث إلا بسبب حادث ولم يحققوا واحدا ~~من الأمرين بل كان قولهم أشد فسادا وتناقضا من قول أولئك المتكلمين # فإن كون المؤثر يستلزم أثره يراد به شيئان # أحدهما أن يكون الأثر المكون المفعول المصنوع مقارنا للمؤثر ولتأثيره في ~~الزمن بحيث لا يتأخر عنه تأخرا زمانيا بوجه من الوجوه وهذا مما يعرف جمهور ~~العقلاء بصريح العقل أنه باطل في كل شيء فليس معهم في العالم مؤثر تام يكون ~~زمنه زمن أثره ويكون زمن حصول الأثر المفعول زمن حصول التأثير بل إنما يعقل ~~التأثير أن يكون الأثر عقب المؤثر وإن كان متصلا به كأجزاء الزمان والحركة ~~الحادثة شيئا بعد شيء وإن كان ذلك متصلا PageV01P401 # وأما كون الجزء الثاني من الزمان والحركة مقارنا للجزء الأول في الزمن ~~فهذا مما يعلم فساده بصريح العقل وهذا معلوم في جميع المؤثرات الطبيعية ~~والإرادية وما صار مؤثرا بالشرع وغير الشرع # فإذا قال الرجل لإمرأته أنت طالق ولعبده أنت حر فالطلاق والعتاق لا يقع ~~مع التكلم بالتطليق والإعتاق وإنما يقع عقب ذلك وإذا قال إذا طلقت فلانة ~~ففلانة طالق لم تطلق الثانية إلا عقب طلاق الأولى لا ms0245 مع تطليق الأولى في ~~الزمان وهذا الذي عليه عامة العلماء قديما وحديثا ولكن شرذمة من المتأخرين ~~الذين استزل هؤلاء عقولهم ظنوا أن الطلاق يكون مع التكلم في الزمان وهذا ~~غلط عند عامة العلماء وكذلك إذا قال إذا مت فأنت حر فالمدبر يعتق عقب موت ~~سيده لا مع موت سيده # وهكذا في الأمور الحسية إذا قال كسرت الإناء فانكسر و قطعت الحبل فانقطع ~~فانكسار المنفعل وانقطاعه يحصل عقب كسر الكاسر وقطع القاطع ولهذا إذا لم ~~يكن المحل قابلا قيل قطعته فلم ينقطع وكسرته فلم ينكسر كما يقال علمته فلم ~~يتعلم ولفظ التعليم والقطع والكسر ونحو ذلك يراد به الفعل التام الذي ~~يستلزم أثره فهذا كالعلة التامة التي تستلزم معلولها لا تقبل التخصيص ويراد ~~به المقتضى الموجب المتوقف اقتضاؤه على شروط فهذا قد يتخلف عنه موجبه ~~PageV01P402 # ومن هذا الباب قوله تعالى @QB@ هدى للمتقين @QE@ سورة البقرة 2 وقوله ~~@QB@ إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ سورة النازعات 45 وقوله @QB@ إنما تنذر ~~من اتبع الذكر @QE@ سورة يس 11 فالمراد به الهدى التام المستلزم لحصول ~~الإهتداء وهو المطلوب في قوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ وكذلك ~~الإنذار التام المستلزم خشية المنذر وحذره مما أنذر به من العذاب وهذا ~~بخلاف قوله @QB@ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى @QE@ سورة ~~فصلت 17 فالمراد به البيان والإرشاد المقتضي للإهتداء وإن كان موقوفا على ~~شروط وله موانع # وهكذا إذا قيل هو موجب بذاته أو علة بذاته ونحو ذلك إن أريد بذلك أنه ~~موجب ما يوجبه من مفعولاته بمشيئته وقدرته في الوقت الذي شاء كونه فيه فهذا ~~حق لا منافاة بين كونه موجبا وفاعلا بالإختيار على هذا التفسير # وإن أريد به أنه موجب بذات عرية عن الصفات أو موجب تام لمعلول مقارن له ~~وهذا قول هؤلاء وكل من الأمرين باطل # فقد قامت الدلائل اليقينية على اتصافه بصفات الإثبات وقامت الدلائل ~~اليقينية على امتناع كون الأثر مقارنا للمؤثر وتأثيره في الزمان ولو كان ~~فاعلا بدون مشيئته وقدرته كالمؤثرات الطبيعية فكيف في الفاعل بمشيئته ~~وقدرته فإن ms0246 هذا مما يظهر للعقلاء امتناع أن يكون شيء من مقدوراته قديما ~~أزليا لم يزل ولا يزال # فمن تصور هذه الأمور تصورا تاما علم بالإضطرار أنه يمتنع أن يكون في ~~العالم شيء قديم وهو المطلوب PageV01P403 # فإن قال قائل المنازعون لنا الذين يقولون لم يزل متكلما إذا شاء أو لم ~~يزل فاعلا إذا شاء أو لم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئا بعد شيء ~~ونحو ذلك هم يقولون بحدوث الحوادث في ذاته شيئا بعد شيء فنحن نقول بحدوث ~~الحوادث المنفصلة عنه شيئا بعد شيء إما حدوث تصورات وإرادات في النفس ~~الفلكية وإما حصول حركات الفلك المتعاقبة فلم كان قولنا ممتنعا وقولهم ~~ممكنا # قيل لهم أنتم قلتم إنه مؤثر تام أو علة تامة في الأزل فلزمكم أن لا يتأخر ~~عنه شيء من آثاره سواء كانت صادرة بوسط أو بغير وسط # فإذا قلتم صدر عنه عقل مثلا والعقل أوجب نفسا فلكية وفلكا أو ما قلتم # قيل لكم المعلول الأول إن كان تاما من كل وجه لا يمكن أن يحدث فيه شيء ~~فهو أزلي كان معلوله العقل معه أزليا فإن العقل حينئذ يكون علة تامة في ~~الأزل فيلزم أن يكون معلوله معه أزليا وهكذا معلول المعلول وهلم جرا # وإذا قلتم الحركة لا تقبل البقاء # قيل لكم فيمتنع أن يكون لها موجب تام في الأزل بل يكون الموجب لها غير ~~تام في الأزل بل صار موجبا بعد أن لم يكن موجبا وحدوث كونه موجبا يمتنع أن ~~يتوقف على أثر غيره إذ ليس هناك موجب غيره ويمتنع أن يحدث تمام PageV01P404 ~~إيجابه منه لأنه علة تامة يجب اقتران معلولها بها في الأزل فذلك التمام إن ~~كان قديما لزم كون معلول المعلول قديما وهلم جرا وإن كان حادثا حدث عن ~~العلة التامة الأزلية حادث بدون سبب حادث وهذا ينقض قولهم بامتناع حادث بلا ~~سبب # فأنتم بين أمرين أيهما قلتموه بطل قولكم إن قلتم إنه علة تامة في الأزل ~~لزم أن لا يتأخر عنه معلوله وإن قلتم ليس بعلة تامة ms0247 لزم أن يحدث تمام كونه ~~علة بدون سبب حادث فيلزمكم جواز حدوث الحوادث بلا سبب وإيهما كان بطل قولكم ~~فإنه إذا بطل كونه علة تامة في الأزل امتنع قدم شيء من العالم وإن جاز حدوث ~~الحوادث بلا سبب حادث بطلت حجتكم وجاز حدوث كل ما سواه # وإذا قلتم هو علة تامة للفلك دون حركاته # قيل لكم هو علة للفلك ولحركاته المتعاقبة شيئا بعد شيء فهل كان علة تامة ~~لهذه الحركات في الأزل أم حدث تمام كونه علة لها شيئا بعد شيء # فإن قلتم هو علة تامة في الأزل لزمكم إما مقارنتها كلها له في الأزل وإما ~~تخلف المعلول عن علته التامة وكلاهما يبطل قولكم # وإن قلتم حدث تمام كونه علة لحركة حركة منها # قيل لكم فحدوث التمام قد حدث عندكم بدون سبب حادث وذلك يستلزم حدوث ~~الحوادث بلا سبب وهذا أمر بين لمن تصوره تصورا تاما ليس لهم حيلة في دفعه ~~PageV01P405 # وأما الذين يقولون إنه لم يزل متكلما إذا شاء أو فاعلا بمشيئته وإنه يقوم ~~به إرادت أو كلمات متعاقبة شيئا بعد شيء فهؤلاء لا يجعلونه في الأزل قط علة ~~تامة ولا موجبا تاما ولا يقولون إن فاعلية شيء من المفعولات يتم في الأزل ~~بل عندهم كون الشيء مفعولا ومصنوعا مع كونه أزليا جمع بين النقيضين وإذا ~~امتنع كون المفعول الذي هو أثر المكون أزليا امتنع كون تأثيره وتكوينه ~~المستلزم له قديما أزليا فامتنع أن يكون علة تامة في الأزل لشيء من الأشياء ~~ولكن ذاته تستلزم ما يقوم بها من الأفعال شيئا بعد شيء وكلما تم فاعلية ~~مفعول وجد ذلك المفعول كما قال تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 فكلما كون الشيء كونه فحصل المكون عقب تكوينه ~~وهكذا الأمر دائما فكل ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن وتمام تكوينه ~~وتخليقه لم يكن موجودا في الأزل بل إنما تم تخليقه وتكوينه بعدئذ وعند تمام ~~التكوين والتخليق حصل المكون المخلوق عقب التكوين ms0248 والتخليق لا مع ذلك في ~~الزمان فأين هذا القول من قولكم # تم بحمد الله الجزء الأول من كتاب درء تعارض العقل والنقل # ويليه الجزء الثاني إن شاء الله وأوله فصل ونحن ننبه على دلالة السمع على ~~أفعال الله تعالى # | درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لابن ~~تيمية PageV01P406 # فصل # ونحن ننبه على دلالة السمع على أفعال الله تعالى الذي به تنقطع الفلاسفة ~~الدهرية ويتين به مطابقة العقل للشرع # ولا ريب أن دلالة ظاهر السمع ليس فيها نزاع لكن الذين يخالفون دلالته ~~يدعون أنها دلالة ظاهرة لا قاطعة والدلالة العقلية القاطعة خالفتها فأصل ~~الدلالة متفق عليه فنقول # معلوم بالسمع اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية القائمة به كالاستواء ~~إلى السماء والاستواء على العرش والقبض والطي والإتيان والنزول ونحو ذلك بل ~~والخلق والإحياء والإماتة فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة ~~كالاستواء وبالأفعال المتعدية كالخلق والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم ~~فأن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل ~~لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أو متعديا إلى PageV02P003 غيره ~~والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله إذ كان لا بد له من ~~الفاعل وهذا معلوم سمعا وعقلا # أما السمع فإن أهل اللغة العربية التي نزل بها القرآن بل وغيرها من ~~اللغات متفقون على أن الإنسان إذا قال قام فلان وقعد وقال أكل فلان الطعام ~~وشرب الشراب فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في ~~الفعل اللازم وزيادة إذ كلتا الجملتين فعلية وكلاهما فيه فعل وفاعل ~~والثانية امتازت بزيادة المفعول فكما انه في الفعل اللازم معنا فعل وفاعل ~~ففي الجملة المتعدية معنا أيضا فعل وفاعل وزيادة مفعول به # ولو قال قائل الجملة الثانية ليس فيها فعل قائم بالفاعل كما في الجملة ~~الأولى بل الفعل الذي هو أكل وشرب نصب المفعول من غير تعلق بالفاعل أولا ~~لكان كلامه معلوم الفساد بل يقال هذا الفعل ms0249 تعلق بالفاعل أولا كتعلق قام ~~وقعد ثم تعدى إلى المفعول ففيه ما في الفعل اللازم وزيادة التعدي وهذا واضح ~~لا يتنازع فيه اثنان من أهل اللسان PageV02P004 فقوله تعالى @QB@ هو الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش @QE@ سورة الحديد 4 ~~تضمن فعلين أولهما متعد إلى المفعول به والثاني مقتصر لا يتعدى فإذا كان ~~الثاني وهو قوله تعالى @QB@ ثم استوى @QE@ فعلا متعلقا بالفاعل فقوله @QB@ ~~خلق @QE@ كذلك بلا نزاع بين أهل العربية # ولو قال قائل @QB@ خلق @QE@ لم يتعلق بالفاعل بل نصب المفعول به ابتداء ~~لكان جاهلا بل في @QB@ خلق @QE@ ضمير يعود إلى الفاعل كما في @QB@ استوى ~~@QE@ # وأما من جهة العقل فمن جوز أن يقوم بذات الله تعالى فعل لازم له كالمجيء ~~والاستواء ونحو ذلك لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق ~~والبعث والإماتة والإحياء كما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير ~~كالحياة لم يمكنه أن يمنع قيام الصفات المتعلقة بالغير كالعلم والقدرة ~~والسمع والبصر ولهذا لم يقل أحد من العقلاء بإثبات أحد الضربين دون الآخر ~~بل قد يثبت الأفعال المتعدية القائمة به كالتخليق من ينازع في الأفعال ~~اللازمة كالمجيء والإتيان وأما العكس فما علمت به قائلا # وإذا كان كذلك كان حدوث ما يحدثه الله تعالى من المخلوقات تابعا لما ~~يفعله من أفعاله الاختيارية القائمة بنفسه وهذه سبب الحدوث والله تعالى حي ~~قيوم لم يزل موصوفا بأنه يتكلم بما يشاء فعال لما يشاء وهذا قد قاله ~~العلماء الأكابر من أهل السنة والحديث ونقلوه عن السلف والأئمة وهو قول ~~طوائف كثيرة من أهل الكلام والفلسفة المتقدمين والمتأخرين بل هو قول جمهور ~~المتقدمين من الفلاسفة PageV02P005 وعلى هذا فيزول الإشكال ويكون إثبات خلق ~~السماوات والأرض إنما يتم بما جاء به الشرع ولا يمكن القول بحدوث العالم ~~على اصل نفاة الأفعال الذين يزعمون أن العقل قد دل على نفيها ويقدمون هذا ~~الذي هو عندهم دليل عقلي على ما جاء به الكتاب والسنة والعقل عند التحقيق ~~يبطل هذا القول ms0250 ويوافق الشرع فإنه إذا تبين أن القول بنفيها يمتنع معه ~~القول بحدوث شيء من الحوادث لا العالم ولا غيره والحوادث مشهودة كان العقل ~~قد دل على صحة ما جاء به الشرع في ذلك والله سبحانه موصوف بصفات الكمال ~~منزه عن النقائص وكل كمال وصف به المخلوق من غير استلزامه لنقص فالخالق أحق ~~به وكل نقص نزه عنه المخلوق فالخالق أحق بأن ينزه عنه والفعل صفة كمال لا ~~صفة نقص كالكلام والقدرة وعدم الفعل صفة نقص كعدم الكلام وعدم القدرة فدل ~~العقل على صحة ما دل عليه الشرع وهو المطلوب وكان الناس قبل أبى محمد بن ~~كلاب صنفين فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات ~~والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا ~~وهذا فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به ونفى أن يقوم به ما يتعلق ~~بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسى وأبو ~~الحسن الأشعرى وغيرهما وأما الحارث المحاسبى فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب ~~ولهذا أمر أحمد بهجره وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب واتباعه ثم قيل عن الحارث ~~انه رجع عن قوله PageV02P006 # وقد ذكر الحارث في كتاب فهم القران عن أهل السنة في هذه المسالة قولين ~~ورجح قول ابن كلاب وذكر ذلك في قول الله تعالى @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون @QE@ سورة التوبة 105 وأمثال ذلك وأئمة السنة ~~والحديث على إثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كحرب الكرماني ~~وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة وان ذلك هو مذهب ~~أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين وذكر حرب الكرماني انه قول من ~~لقيه من أئمة السنة كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن الزبير ~~الحميدي وسعيد بين منصور وقال عثمان بن سعيد وغيرة أن الحركة من لوازم ~~الحياة فكل حي متحرك وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات الذين ~~اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم PageV02P007 # وطائفة اخرى ms0251 من السلفيه كنعيم بن حماد الخزاعي والبخاري صاحب الصحيح وابي ~~بكر بن خزيمة وغيرهم كأبي عمر بن عبد البر وأمثاله يثبتون المعنى الذي ~~يثبته هؤلاء ويسمون ذلك فعلا ونحوه ومن هؤلاء من يمتنع عن إطلاق لفظ الحركة ~~لكونه غير مأثور # وأصحاب أحمد منهم من يوافق هؤلاء كأبي بكر عبد العزيز وابي عبد الله بن ~~بطة وامثالهما ومنهم من يوافق الأولين كأبي عبد الله بن حامد وأمثاله ومنهم ~~طائفة ثالثة كالتميميين وابن الزاغواني وغيرهم يوافقون النفاة من أصحاب ابن ~~كلاب وامثالهم # ولما كان الاثبات هو المعروف عند أهل السنة والحديث كالبخاري PageV02P008 ~~وابي زرعة وابي حاتم ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم من العلماء الذين أدركهم ~~الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة كان المستقر عنده ما تلقاه عن أئمته من ان ~~الله تعالى لم يزل متكلما اذا شاء وانه يتكلم بالكلام الواحد مرة بعد مرة ~~وكان له أصحاب كأبي على الثقفي وغيرة تلقوا طريقة ابن كلاب فقام بعض ~~المعتزلة والقى إلى ابن خزيمة سر قول هؤلاء وهو ان الله لا يوصف بأنه يقدر ~~على الكلام اذا شاء ولا يتعلق ذلك بمشيئته فوقع بين ابن خزيمة وغيره وبينهم ~~في ذلك نزاع حتى اظهروا موافقتهم له في ما لا نزاع فيه أمر ولاة الأمر ~~بتأديبهم لمخالفتهم له وصار الناس حزبين فالجمهور من أهل السنة والحديث معه ~~ومن وافق طريقة ابن كلاب معه حتى صار بعده علماء نيسابور وغيرهم حزبين ~~فالحاكم أبو عبد الله وابو عبد الرحمن PageV02P009 السلمي وابو عثمان ~~النيسابوري وغيرهم معه وكذلك يحيى بن عمار السجستاني وابو عبد الله بن منده ~~وابو نصر السجزي وشيخ الاسلام أبو اسماعيل الانصاري وابو القاسم سعد بن على ~~الزنجاني وغيرهم معه واما أبو ذر الهروي وابو بكر البيهقي وطائفة أخرى فهم ~~مع ابن كلاب # وكذلك النزاع كان بين طوائف الفقهاء والصوفية والمفسرين واهل الكلام ~~والفلسفة وهذه المسألة كانت المعتزلة تلقبها بمسألة حلول الحوادث وكانت ~~المعتزلة تقول ان الله منزه عن الاعراض والابعاض والحوادث والحدود ومقصودهم ~~نفي الصفات ونفي ms0252 الافعال ونفي PageV02P010 مباينته للخلق وعلوه على العرش ~~وكانوا يعبرون عن مذاهب اهل الاثبات اهل السنة بالعبارات المجملة التي تشعر ~~الناس بفساد المذهب فإنهم اذا قالوا ان الله منزه عن الاعراض لم يكن في ~~ظاهر هذه العبارة ما ينكر لان الناس يفهمون من ذلك انه منزه عن الاستحالة ~~والفساد كالاعراض التي تعرض لبني ادم من الامراض والاسقام ولا ريب ان الله ~~منزه عن ذلك ولكن مقصودهم انه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام قائم ~~به ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونهم هم اعراضا # وكذلك اذا قالوا ان الله منزه عن الحدود والاحياز والجهات اوهموا الناس ~~ان مقصودهم بذلك انه لا تحصره المخلوقات ولا تحوزه المصنوعات وهذا المعنى ~~صحيح ومقصودهم انه ليس مباينا للخلق ولا منفصلا عنه وانه ليس فوق السماوات ~~رب ولا على العرش اله وان محمدا لم يعرج به اليه ولم ينزل منه شيء ولا يصعد ~~اليه شيء ولا يتقرب اليه شيء ولا يتقرب إلى إلى شيء ولا ترفع اليه الايدي ~~في الدعاء ولا غيره ونحو ذلك من معاني الجهمية # واذا قالوا انه ليس بجسم اوهموا الناس انه ليس من جنس المخلوقات ولا مثل ~~ابدان الخلق وهذا المعنى صحيح ولكن مقصودهم بذلك انه لا يرى ولا يتكلم ~~بنفسه ولا يقوم به صفة ولا هو مباين للخلق وامثال ذلك PageV02P011 # واذا قالوا لا تحله الحوادث اوهموا الناس ان مرادهم انه لا يكون محلا ~~للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الاحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم ~~وتفسدهم وهذا معنى صحيح ولكن مقصودهم بذلك انه ليس له فعل اختياري يقوم ~~بنفسه ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته وانه لا يقدر على ~~استواء أو نزول أو اتيان أو مجىء وان المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند ~~خلقها فعل اصلا بل عين المخلوقات هي الفعل ليس هناك فعل ومفعول وخلق ومخلوق ~~بل المخلوق عين الخلق والمفعول عين الفعل ونحو ذلك # وابن كلاب ومن اتبعه وافقوهم على هذا وخالفوهم في ms0253 اثبات الصفات وكان ابن ~~كلاب والحارث المحاسبي وابو العباس القلانسي وغيرهم يثبتون مباينة الخالق ~~للمخلوق وعلوه بنفسه فوق المخلوقات وكان ابن كلاب واتباعه يقولون ان العلو ~~على المخلوقات صفة عقلية تعلم بالعقل واما استواؤه على العرش فهو من الصفات ~~السمعية الخبرية التي لا تعلم الا بالخبر وكذلك الاشعري يثبت الصفات بالشرع ~~تارة وبالعقل اخرى ولهذا يثبت العلو ونحوه مما تنفيه المعتزلة ويثبت ~~الاستواء على العرش ويرد على من تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش ~~بخلاف اتباع صاحب الارشاد فإنهم سلكوا طريقة المتعتزلة فلم يثبتوا الصفات ~~الا بالعقل وكان الاشعري وائمة اصحابه PageV02P012 يقولون انهم يحتجون ~~بالعقل لما عرف ثبوته بالسمع فالشرع هو الذي يعتمد عليه في اصول الدين ~~والعقل عاضد له معاون # فصار هؤلاء يسلكون ما يسلكه من سلكه من اهل الكلام المعتزلة ونحوهم ~~فيقولون ان الشرع لا يعتمد عليه فيما وصف الله به وما لا يوصف وانما يعتمد ~~في ذلك عندهم على عقلهم ثم ما لم يثبته اما ان ينفوه واما ان يقفوا فيه # ومن هنا طمع فيهم المعتزلة وطمعت الفلاسفة في الطائفتين بإعراض قلوبهم ~~عما جاء به الرسول وعن طلب الهدى من جهته وجعل هؤلاء يعارضون بين العقل ~~والشرع كفعل المعتزلة والفلاسفة ولم يكن الاشعري وائمة اصحابه على هذا بل ~~كانو موافقين لسائر اهل السنة في وجوب تصديق ما جاء به الشرع مطلقا والقدح ~~فيما يعارضه ولم يكونوا يقولون انه لا يرجع إلى السمع في الصفات ولا يقولون ~~الادلة السمعية لا تفيد اليقين بل كل هذا مما احدثه المتأخرون الذين مالوا ~~إلى الاعتزال والفلسفة من اتباعهم وذلك لان الاشعري صرح بان تصديق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ليس موقوفا على دليل الاعراض وان الاستدلال به على حدوث ~~العالم من البدع المحرمة في دين الرسل وكذلك غيره ممن يوافقه على نفي ~~الافعال القائمة به قد يقول ان هذا PageV02P013 الدليل دليل الأعراض صحيح ~~لكن الاستدلال به بدعة ولا حاجة اليه فهؤلاء لا يقولون ان دلالة السمع ~~موقوفة عليه لكن المعتزلة ms0254 القائلون بأن دلالة السمع موقوفة على صحته صرحوا ~~بأن لا يستدل بأقوال الرسول على ما يجب ويمتنع من الصفات بل ولا الافعال ~~وصرحوا بأن لا يجوز الاحتجاج على ذلك بالكتاب والسنة وان وافق العقل فكيف ~~اذا خالفه # وهذه الطريقة هي التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك كصاحب الارشاد ~~واتباعة وهؤلاء يردون دلالة الكتاب والسنة تارة يصرحون بأنا وان علمنا مراد ~~الرسول فليس قوله مما يجوز ان يحتج به في مسائل الصفات لأن قوله ان ما يدل ~~بعد ثبوت صدقه الموقوف على مسائل الصفات وتارة يقولون انما لم يدل لأنا لا ~~نعلم مراده لتطرق الاحتمالات إلى الادلة السمعية وتارة يطعنون في الاخبار # فهذه الطرق الثلاث التي وافقوا فيها الجهمية ونحوهم من المبتدعة اسقطوا ~~بها حرمة الكتاب والرسول عندهم وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان حتى ~~يقولون انهم لم يحققوا اصول الدين كما حققناها وربما اعتذروا عنهم بأنهم ~~كانوا مشتغلين بالجهاد ولهم من جنس هذا PageV02P014 الكلام الذي يوافقون به ~~الرافضة ونحوهم من أهل البدع ويخالفون به الكتاب والسنة والإجماع مما ليس ~~هذا موضع بسطة وانما نبهنا على أصول دينهم وحقائق أقوالهم وغايتهم انهم ~~يدعون في أصول الدين المخالفة للكتاب والسنة المعقول والكلام وكلامهم فيه ~~من التناقض والفساد ما ضارعوا به اهل الإلحاد فهم من جنس الرافضة لا عقل ~~صريح ولا نقل صحيح بل منتهاهم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات ~~وهذا منتهى كل مبتدع خالف شيئا من الكتاب والسنة حتى في المسائل العملية ~~والقضايا الفقهية PageV02P015 # ومع ذلك فهم لا يحتاجون من العقليات في أصول الدين إلى ما يحتاج إليه ~~المعتزلة فإن المعتزلة يزعمون ان النبوة لا تتم الا بقولهم في التوحيد ~~والعدل فيجعلون التكذيب بالقدر من اصولهم العقلية وكذلك نفي الصفات واما ~~هؤلاء فالمشهور عندهم انه اذا رؤيت المعجزة المعتبرة علم بالضرورة انها ~~تصديق للرسول واثبات الصانع ايضا معلوم بالضرورة أو بمقدمات ضرورية ~~فالعقليات التي يعلم بها صحة السمع مقدمات قليلة ضرورية بخلاف المعتزلة ~~فإنهم طولوا المقدمات وجعلوها نظرية فهم خير من ms0255 المعتزلة في اصول الدين من ~~وجوه كثيرة وان كان المعتزلة خيرا منهم من بعض الوجوه # وابو الحسن الاشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب ومال ~~إلى اهل السنة والحديث وانتسب إلى الامام أحمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها ~~كالابانة والموجز والمقالات وغيرها وكان مختلطا بأهل السنة والحديث كاختلاط ~~المتكلم بهم بمنزلة ابن عقيل عند متأخريهم لكن الأشعري وأئمة أصحابه اتبع ~~لاصول الإمام أحمد وامثاله من أئمة السنة من مثل ابن عقيل في كثير من ~~احواله وممن اتبع ابن عقيل كأبي الفرج بن الجوزي في كثير من كتبه وكان ~~القدماء من أصحاب أحمد كأبي بكر عبد العزيز وابي الحسن التميمي وامثالهما ~~يذكرونه في كتبهم على طريق ذكر الموافق للسنة في الجملة ويذكرون ما ذكره من ~~تناقض المعتزلة وكان بين التميمين PageV02P016 وبين القاضي أبي بكر وامثاله ~~من الائتلاف والتواصل ما هو معروف وكان القاضي أبو بكر يكتب احيانا في ~~اجوبته في المسائل محمد بن الطيب الحنبلي ويكتب ايضا الاشعري ولهذا توجد ~~اقوال التميمين مقاربة لأقواله وأقوال امثاله المتبعين لطريقة ابن كلاب ~~وعلى العقيدة التي صنفها أبو الفضل التميمي اعتمد أبو بكر البيهقي في ~~الكتاب الذي صنفه في مناقب الامام أحمد لما اراد ان يذكر عقيدته وهذا بخلاف ~~أبي بكر عبد العزيز وابي عبد الله بن بطة وابي عبد الله بن حامد وأمثالهم ~~فانهم مخالفون لأصل قول الكلابية # والاشعري وائمة اصحابه كأبي الحسن الطبري وابي عبد الله بن مجاهد الباهلي ~~والقاضي أبي بكر متفقون على اثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن ~~كالاستواء والوجه واليد وابطال تأويلها ليس له في ذلك قولان اصلا ولم يذكر ~~أحد عن الاشعري في ذلك قولين اصلا بل جميع من يحكي المقالات من اتباعه ~~وغيرهم يذكر ان ذلك قوله ولكن لاتباعه في ذلك قولان PageV02P017 # واول من اشتهر عنه نفيها أبو المعالي الجويني فانه نفى الصفات الخبرية ~~وله في تأويلها قولان ففي الارشاد اولها ثم انه في الرسالة النظامية رجع عن ~~ذلك وحرم التأويل ms0256 وبين اجماع السلف على تحريم التأويل واستدل باجماعهم على ~~ان التأويل محرم ليس بواجب ولا جائز فصار من سلك طريقته ينفي الصفات ~~الخبرية ولهم في التأويل قولان واما الاشعري وائمة اصحابه فإنهم مثبتون لها ~~يردون على من ينفيها أو يقف فيها فضلا عمن يتاولها # واما مسألة قيام الافعال الاختيارية به فان ابن كلاب والاشعري وغيرهما ~~ينفونها وعلى ذلك بنو قولهم في مسألة القرآن وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس ~~فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب اهل العلم ونسبوهم إلى البدعة ~~وبقايا بعض الاعتزال فيهم وشاع النزاع في ذلك بين عامة المنتسبين إلى السنة ~~من اصحاب أحمد وغيرهم وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافي عن اصحاب ~~أحمد في معنى ان القرآن غير مخلوق قولين مبنيين على هذا الاصل احدهما انه ~~قديم لا يتعلق بمشيئته وقدرته والثاني انه لم يزل متكلما اذا شاء # وكذلك ذكر أبو عبد الله بن حامد قولين وممن كان يوافق على نفي ما يقوم به ~~من الامور المتعلقة بمشيئته وقدرته ككقول ابن كلاب PageV02P018 ابو الحسن ~~التميمي واتباعه والقاضي أبو يعلى واتباعه كابن عقيل وابي الحسن بن ~~الزاغوني وامثالهم وان كان في كلام القاضي ما يوافق هذا تارة وهذا تارة ~~وممن كان يخالفهم في ذلك أبو عبد الله بن حامد وابو بكر بن عبد العزيز وابو ~~عبد الله بن بطة وابو عبد الله بن منده وابو نصر السجزي ويحيى بن عمار ~~السجستاني وابو اسماعيل الانصاري وامثالهم # والنزاع في هذا الاصل بين اصحاب مالك وبين اصحاب الشافعي وبين اصحاب أبي ~~حنيفة وبين اهل الظاهري ايضا فداود بن علي صاحب المذهب وأئمتهم على اثبات ~~ذلك وابو محمد بن حزم على المبالغة في انكار ذلك وكذلك اهل الكلام ~~فالهشامية والكرامية على اثبات ذلك والمعتزلة على نفي ذلك وقد ذكر الاشعري ~~في المقالات عن أبي معاذ التومني وزهير الاثري وغيرهما اثبات PageV02P019 ~~ذلك وكذلك المتفلسفة فحكوا عن اساطينهم الذين كانوا قبل ارسطو انهم كانوا ~~يثبتون ذلك وهو قول أبي ms0257 البركات صاحب المعتبر وغيره من متأخريهم واما ارسطو ~~واتباعه كالفارابي وابن سينا فينفون ذلك وقد ذكر أبو عبد الله الرازي عن ~~بعضهم ان اثبات ذلك يلزم جميع الطوائف وان انكروه وقرر ذلك # وكلام السلف والائمة ومن نقل مذهبهم في هذا الاصل كثير يوجد في كتب ~~التفسير والاصول # قال اسحاق بن راهويه حدثنا بشر بن عمر سمعت غير واحد من المفسرين يقول ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ أي ارتفع وقال البخاري في صحيحه قال أبو ~~العالية استوى إلى السماء ارتفع قال وقال مجاهد استوى علا على العرش ~~PageV02P020 وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره المشهور وقال ابن عباس ~~وأكثر مفسري السلف استوى إلى السماء ارتفع إلى السماء وكذلك قال الخليل بن ~~أحمد # وروى البيهقي في كتاب الصفات قال قال الفراء ثم استوى أي صعد قال ابن ~~عباس وهو كقولك للرجل كان قاعدا فاستوى قائما # وروى الشافعي في مسنده عن انس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال عن يوم الجمعة وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش # والتفاسير المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ~~مثل تفسير محمد بن جرير الطبري وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم ~~وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم وتفسير أبي بكر PageV02P021 بن المنذر ~~وتفسير أبي بكر عبد العزيز وتفسير أبي الشيخ الاصبهاني وتفسير أبي بكر بن ~~مردويه وما قبل هؤلاء من التفاسير مثل تفسير أحمد بن حنبل واسحاق بن ~~إبراهيم وبقي بن مخلد وغيرهم ومن قبلهم مثل تفسير عبد بن حميد وتفسير سنيد ~~وتفسير عبد الرازق ووكيع بن الجراح فيها من هذا الباب الموافق لقول ~~المثبتين مالا يكاد يحصى وكذلك الكتب المصنفة في السنة التي فيها اثار ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين # وقال أبو محمد حرب بن اسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن ~~أحمد واسحاق وغيرهما وذكر معها من الاثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة وغيرهم ما ذكر وهو كتاب كبير صنفه على ms0258 طريقة الموطأ ونحو من ~~المصنفات قال في اخره في الجامع باب القول في المذهب هذا مذهب ائمة العلم ~~واصحاب الاثر واهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها وادركت من ادركت ~~من علماء اهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه ~~المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج ~~السنة وسبيل الحق وهو مذهب أحمد واسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن ~~الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن PageV02P022 جالسنا واخذنا عنهم ~~العلم وذكر الكلام في الايمان والقدر والوعيد والامامه وما اخبر به الرسول ~~من اشراط الساعة وامر البرزخ والقيامة وغير ذلك إلى ان قال وهو سبحانه بائن ~~من خلقه لا يخلو من علمه مكان ولله عرش وللعرش حمله يحملونه وله حد والله ~~اعلم بحده والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا اله غيره والله تعالى ~~سميع لا يشك بصير لا يرتاب عليم لا يجهل جواد لا يبخل حليم لا يعجل حفيظ لا ~~ينسى يقظان لا يسهو رقيب لا يغفل يتكلم ويتحرك ويسمع ويبصر وينظر ويقبض ~~ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويسخط ويغضب ويرحم ويعفو ويغفر ويعطي ~~ويمنع وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير إلى ان قال ولم يزل الله متكلما عالما فتبارك الله احسن ~~الخالقين # وقال الفقيه الحافظ أبو بكر الأثرم في كتاب السنة وقد نقله عنه الخلال في ~~السنة حدثنا إبراهيم بن الحارث يعني العبادي حدثني الليث بن يحيى سمعت ~~إبراهيم بن الأشعث قال أبو بكر هو صاحب الفضيل سمعت الفضيل بن عياض يقول ~~ليس لنا ان نتوهم في الله كيف وكيف لأن الله وصف نفسه فأبلغ فقال @QB@ قل ~~هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ~~PageV02P023 سورة الاخلاص فلا صفة ابلغ مما وصف الله عز وجل به نفسه وكل ~~هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع كما شاء ان ms0259 ينزل وكما شاء أن ~~يباهى وكما شاء أن يطلع وكما شاء أن يضحك فليس لنا ان نتوهم أن كيف وكيف ~~واذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنت أنا أؤمن برب يفعل ~~ما يشاء # وقد ذكر هذا الكلام الاخير عن الفضيل بن عياض البخاري في كتاب خلق ~~الافعال هو وغيره من ائمة السنة وتلقوه بالقبول # قال البخاري وقال الفضيل بن عياض اذا قال لك الجهمي أنا كافر برب يزول عن ~~مكانه فقل انا أؤمن برب يفعل ما يشاء # قال البخاري وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال من زعم ان الرحمن على ~~العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي # وقال الخلال في كتاب السنة اخبرني جعفر بن محمد الفريابي حدثنا أحمد بن ~~محمد المقدمي حدثنا سليمان بن حرب PageV02P024 قال سأل بشر بن السرى حماد ~~بن زيد فقال يا أبا اسماعيل الحديث الذي جاء ينزل الله إلى السماء الدنيا ~~يتحول من مكان إلى مكان فسكت حماد بن زيد ثم قال هو في مكانه يقرب من خلقه ~~كيف يشاء # وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات لما ذكر مقاله أهل السنة وأهل ~~الحديث فقال ويصدقون بالاحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ~~الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من مستغفر كما جاء الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ سورة النساء 59 ويرون اتباع من سلف من ~~أئمة الدين وأن لا يحدثوا في دينهم ما لم يأذن الله ويقرون بأن الله يجىء ~~يوم القيامة كما قال @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ سورة الفجر 22 وأن ~~الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ ~~سورة ق 16 PageV02P025 # قال الأشعري وبكل ما ذكرنا من أقوالهم نقول واليه نذهب # وقال أبو عثمان إسماعيل الصابوني الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة ~~عنه في السنة ms0260 وقد ذكر ذلك أبو القاسم التميمي في كتاب الحجة في بيان المحجة ~~له قال و يثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون له ~~ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر ~~الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى الله تعالى وكذلك يثبتون ما ~~أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة ~~وقوله عز وجل @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ سورة الفجر # وقال سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول سمعت إبراهيم ابن أبي طالب ~~يقول سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد الله الرباطي يقول حضرت مجلس ~~الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم PageV02P026 وحضره إسحاق بن إبراهيم يعني ~~ابن رهاويه فسئل عن حديث النزول صحيح هو قال نعم فقال له بعض قواد عبد الله ~~يا أبا يعقوب اتزعم ان الله ينزل كل ليلة قال نعم قال كيف ينزل فقال إسحاق ~~أثبته فوق حتى أصف لك النزولفقال الرجل اثبته فوق فقال اسحاق قال الله عز ~~وجل @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ سورة الفجر 22 فقال له الامير عبد ~~الله يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة فقال اسحاق أعز الله الأمير ومن يجيء ~~يوم القيامة من يمنعه اليوم # وروى بإسناده عن إسحاق بن إبراهيم قال قال لي الأمير عبد الله بن طاهر يا ~~أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل ~~ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف ينزل قال قلت أعز الله الأمير لا يقال ~~لأمر الرب كيف إنما نزل بلا كيف # وبإسناده عن عبد الله بن المبارك انه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من ~~شعبان فقال عبد الله يا ضعيف ليلة النصف ينزل في كل ليلة فقال الرجل يا أبا ~~عبد الرحمن كيف ينزل أليس يخلو ذلك المكان فقال عبد الله بن المبارك ms0261 ينزل ~~كيف شاء # وقال أبو عثمان الصابوني فلما صح خبر النزول عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أقر به أهل السنة وقبلوا الخبر واثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ~~ليه وسلم ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه وعلموا وعرفوا وتحققوا واعتقدوا ~~أن صفات الرب تبارك وتعالى PageV02P027 لا تشبه صفات الخلق كما أن ذاته لا ~~تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا ولعنهم ~~لعنا كثيرا # وروي الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات حدثنا أبو عبد الله ~~الحافظ سمعت أبا زكريا العنبري سمعت أبا العباس يعني السراج سمعت اسحاق بن ~~إبراهيم يقول دخلت يوما على طاهر بن عبد الله بن طاهر وعنده منصور بن طلحة ~~فقال لي يا أبا يعقوب ان الله ينزل كل ليلة فقلت له نؤمن به فقال له طاهر ~~ألم انهيك عن هذا الشيخ ما دعاك إلى أن تسأله عن مثل هذا قال اسحاق فقلت له ~~اذ انت لم تؤمن ان لك ربا يفعل ما يشاء ليس تحتاج أن تسألني # قال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن ~~هانيء سمعت أحمد بن سلمى يقول سمعت اسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول جمعنا ~~وهذا المتبدع يعني ابراهيم PageV02P028 بن أبي صالح مجلس الامير عبد الله ~~بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها فقال إبراهيم كفرت برب ينزل ~~من سماء إلى سماء فقلت آمنت برب يفعل ما يشاء فرضي عبد الله كلامي وأنكر ~~على إبراهيم قال هذا معنى الحكاية # وروى أبو اسماعيل الأنصاري بإسناده عن حرب الكرماني قال قال اسحاق بن ~~إبراهيم لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين ~~لقوله تعالى @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون @QE@ سورة الانبياء 23 ولا ~~يجوز لأحد أن يتوهم على الله تعالى بصفاته وأفعاله يعني كما نتوهم فيهم ~~وانما يجوز النظر والتفكير في أمر المخلوقين وذلك أنه يمكن أن يكون الله ~~موصوفا بالنزول كل ليلة اذا ms0262 مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء ولا يسأل ~~كيف نزوله لأن الخالق يصنع ما يشاء كما يشاء # وعن حرب قال قال اسحاق بن إبراهيم ليس في النزول وصف # وقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة اخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله ~~يعني أحمد بن حنبل قيل له اهل الجنة ينظرون إلى ربهم عز وجل ويكلمونه ~~ويكلمونه قال نعم ينظر وينظرون إليه ويكلهم ويكلمونه كيف شاء وذا واذا شاء # قال اخبرني عبد الله بن حنبل قال اخبرني أبي حنبل بن PageV02P029 اسحاق ~~قال قال عمي نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة ~~يبلغها واصف أو يحده أحد فصفات الله له ومنه وهو كما وصف نفسه @QB@ لا ~~تدركه الأبصار @QE@ بحد ولا غاية @QB@ وهو يدرك الأبصار @QE@ سورة الانعام ~~103 هو عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب ولا يدركه وصف واصف وهو كما وصف ~~نفسه وليس من الله شيء محدود ولا يبلغ علم قدرته أحد غلب الأشياء كلها ~~بعلمه وقدرته وسلطانه @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ سورة ~~الشورى 11 وكان الله قبل أن يكون شيء والله هو الأول وهو الآخر ولا يبلغ ~~أحد حد صفاته # قال واخبراني على بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال سألت أبا عبد الله عن ~~الأحاديث التي تروى ان الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ~~وان الله يرى وان الله يضع قدميه وما أشبه PageV02P030 هذه الأحاديث فقال ~~أبو عبد الله نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى أي لا نكيفها ولا نحرفها ~~بالتأويل فنقول معناها كذا ولا نرد منها شيئا ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ~~اذا كان بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله ولا يوصف الله بأكثر مما وصف ~~به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شيء # وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد قال ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به ~~نفسه قد اجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ms0263 ليس يشبه شيء فنعبد ~~الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة الا بما وصف به نفسه قال فهو سميع بصير ~~بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته وصفاته منه وله ولا نتعدى القرآن ~~والحديث فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ولا تبلغ صفة ~~الواصفين نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته ~~لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوه بعبده يوم القيامه ووضع ~~كتفه عليه هذا كله يدل على أن الله تبارك وتعالى يرى في الآخرة والتحديد في ~~هذا كله بدعة والتسليم لله بأمره يغير صفه ولا حد إلا ما وصف به نفسه سميع ~~بصير لم يزل متكلما عالما غفورا عالم الغيب والشهادة علام PageV02P031 ~~الغيوب فهذه صفات وصف الله نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما ~~قال تعالى @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ سورة الأعراف 54 كيف شاء المشيئة ~~إليه عز وجل والاستطاعة له ليس كمثله 9 شيء وهو خالق كل شيء وهو كما وصف ~~نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير قول إبراهيم لأبيه @QB@ يا أبت لم تعبد ما ~~لا يسمع ولا يبصر @QE@ سورة مريم 42 فنثبت أن الله سميع بصير صفاته منه لا ~~نتعدى القرآن والحديث والخبر بضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وبتثبيت القرآن لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد تعالى ~~الله عما تقول الجهميه والمشبهة # قلت له والمشبهة ما يقولون قال من قال بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي فقد ~~شبه الله بخلقه وهذا يحده وهذا كلام سوء وهذا محدود والكلام في هذا لا أحبه # وقال محمد بن مخلد قال أحمد نحن نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به ~~رسوله # PageV02P032 وقال يوسف بن موسى إن أبا عبد الله قيل له ولا يشبه ربنا ~~شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه قال نعم ليس كمثله شيء # فقول أحمد أنه ينظر إليهم ويكلمهم كيف شاء ms0264 وإذا شاء وقوله هو على العرش ~~كيف شاء وكما شاء وقوله هو على العرش بلا حد كما قال @QB@ ثم استوى على ~~العرش @QE@ كيف شاء المشيئة إليه والاستطاعة له ليس كمثله شيء # قلت وهو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بصير شيء يبين أن نظره ~~وتكليمه وعلوه على العرش واستواءه على العرش مما يتعلق بمشيئته واستطاعته # وقوله بلا حد ولا صفه يبلغها واصف أو يحده أحد نفى به إحاطة علم الخلق به ~~وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه إلا بما أخبر عن نفسه ليبين أن عقول ~~الخلق لا تحيط بصفاته كما قال الشافعي في خطبة الرسالة الحمد لله الذي هو ~~كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه ولهذا قال أحمد لا تدركه الأبصار بحد ~~ولا غاية فنفى أن يدرك له حد أو غاية وهذا أصح PageV02P033 القولين في ~~تفسير الإدراك وقد بسط الكلام على شرح هذا الكلام في غير هذا الموضع # وما في هذا الكلام من نفي تحديد الخلق وتقديرهم لربهم وبلوغهم صفته لا ~~ينافي ما نص عليه أحمد وغيره من الأئمة كما ذكره الخلال أيضا قال حدثنا أبو ~~بكر المروزي قال سمعت أبا عبد الله لما قيل له روى علي بن الحسن بن شقيق عن ~~ابن المبارك أنه قيل له كيف نعرف الله عز وجل قال على العرش بحد قال قد ~~بلغني ذلك عنه وأعجب ثم قال أبو عبد الله @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام @QE@ سورة البقرة 210 ثم قال @QB@ وجاء ربك والملك ~~صفا صفا @QE@ سورة الفجر 22 # قال الخلال وأنبأنا محمد بن علي الوراق حدثنا أبو بكر الأثرم حدثني محمد ~~بن إبراهيم القيسي قال قلت لأحمد بن حنبل يحكى عن ابن المبارك وقيل له كيف ~~نعرف ربنا قال في السماء السابعة على عرشه بحد فقال أحمد هكذا هو عندنا # وأخبرني حرب بن اسماعيل قال قلت لاسحاق يعني ابن راهويه هو على العرش بحد ~~قال نعم بحد # وذكر عن ابن ms0265 المبارك قال هو على عرشه بائن من خلقه بحد # قال وأخبرنا المرزوي قال اسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال الله تبارك ~~وتعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة PageV02P034 طه 5 إجماع أهل ~~العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء في اسفل الأرض السابعة وفي قعور ~~البحار ورؤوس الآكام وبطون الأوديه وفي كل موضع كما يعلم علم ما في ~~السماوات السبع وما فوق العرش أحاط بكل شيء علما فلا تسقط من ورقه إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات البر والبحر ولا رطب ولا يابس إلا قد عرف ذلك كله ~~وأحصاه فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره # فهذا مثاله مما نقل عن الأئمة كما قد بسط في غير هذا الموضع وبينوا أن ما ~~أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره كما قال مالك وربيعه وغيرهما الإستواء ~~معلوم والكيف مجهول فبين أن كيفية استواءه مجهولة للعباد فلم ينفوا ثبوت ~~ذلك في نفس الأمر ولكن نفوا علم الخلق به وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز ~~بن عبد الله الماجشون وغير واحد من السلف والأئمة ينفون علم الخلق بقدره ~~وكيفيته # وبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمه الماجشون في كلامه ~~المعروف وقد ذكره ابن بطه في الابانه وابو عمر الطلمنكى في كتابه في الاصول ~~ورواه أبو بكر الاثرم قال PageV02P035 حدثنا عبد الله بن صالح عن عبد ~~العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة انه قال اما بعد فقد فهمت ما سألت عنه فيما ~~تتايعت فيه الجهمية ومن خالفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف ~~والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحصرت العقول عن معرفة قدره الا ان ~~قال بأنه لا يعلم كيف هو الا هو وكيف يعلم من يموت ويبلى قدر من لا يموت ~~ولا يبلى وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدره واصف ~~الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة اصغر خلقه إلى ان ~~قال اعرف ms0266 رحمك الله غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن ~~معرفة قدر ما وصف منها اذا لم تعرف منها قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم ~~يصف هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تنزجر به عن شيء من معصيته وذكر ~~كلاما طويلا إلى ان قال فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا ~~فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف ~~PageV02P036 الرب وسمى من نفسه بأن قال لا بد ان كان له كذا من أن يكون له ~~كذا فعمى عن البين بالخفى يجحد ما سمى الرب من نفسه بصمت الرب عما لم يسم ~~فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة @QE@ سورة القيامة 22 23 فقال لا يراه أحد يوم القيامة فجحد ~~والله افضل كرامة الله التي اكرم بها اولياءه يوم القيامة من النظر في وجهه ~~في مقعد صدق عند مليك مقتدر قد قضى انهم لا يموتون فهم بالنظر اليه ينضرون ~~وذكر كلاما طويلا كتب في غير هذا الموضع # وقال الخلال في السنة اخبرني على بن عيسى ان حنبلا حدثه قال سمعت أبا عبد ~~الله يقول من زعم ان الله لم يكلم موسى فقد كفر بالله وكذب القرآن ورد على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم امره يستتاب من هذه المقالة فان تاب والا ~~ضربت عنقه # قال وسمعت أبا عبد الله قال @QB@ وكلم الله موسى @QE@ سورة النساء 164 ~~فأثبت الكلام لموسى كرامة منه لموسى ثم قال تعالى يؤكد كلامه @QB@ تكليما ~~@QE@ سورة النساء 164 # قلت لأبي عبد الله الله عز وجل يكلم عبده يوم القيامة قال نعم فمن يقضي ~~بين الخلائق الا الله عز وجل يكلم عبده ويسأله الله PageV02P037 متكلم لم ~~يزل الله يأمر بما يشاء ويحكم وليس له عدل ولا مثل كيف شاء وانى شاء # قال الخلال اخبرنا محمد بن علي بن بحر ان يعقوب بن بختان حدثهم ms0267 ان أبا ~~عبد الله سئل عمن زعم ان الله لم يتكلم بصوت فقال بلى تكلم بصوت وهذه ~~الاحاديث كما جاءت نرويها لكل حديث وجه يريدون ان يموهوا على الناس من زعم ~~ان الله لم يكلم موسى فهو كافر # حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد ~~الله يعني ابن مسعود قال اذا تكلم الله بالوحي سمع صوته اهل السماء فيخرون ~~سجدا حتى اذا فزع عن قلوبهم قال سكن عن قلوبهم نادى أهل السماء ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق قال كذا وكذا # قال الخلال وأنبأنا أبو بكر المروزى سمعت أبا عبد الله PageV02P038 وقيل ~~له ان عبد الوهاب قد تكلم وقال من زعم ان الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي ~~عدو الله وعدو الاسلام فتبسم أبو عبد الله وقال ما احسن مال قال عافاه الله # وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم ~~يتكلم بصوته فقال أبي بلى تكلم تبارك وتعالى بصوت وهذه الاحاديث نرويها كما ~~جاءت وحديث ابن مسعود اذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على ~~الصفوان قال أبي والجهمية تنكره قال أبي وهؤلاء كفار يريدون ان يموهوا على ~~الناس من زعم ان الله لم يتكلم فهو كافر انما نروى هذه الاحاديث كما جاءت ~~PageV02P039 قلت وهذا الصوت الذي تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من ~~العبد بل ذلك صوته كما هو معلوم لعامة الناس وقد نص على ذلك الائمة أحمد ~~وغيره فالكلام المسموع منه هو كلام الله لا كلام غيره كما قال تعالى @QB@ ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ سورة التوبة 6 ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم الا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن ~~قريشا منعوني أن ابلغ كلام ربي رواه أبو داود وغيره وقال صلى الله عليه ~~وسلم زينوا القرآن بأصواتكم وقال ليس منا من لم يتغن بالقرآن # ذكر الخلال عن اسحاق بن إبراهيم قال ms0268 لي أبو عبد الله يوما وكنت ~~PageV02P040 سألته عنه تدري ما معنى من لم يتغن بالقرآن قلت لا قال هو ~~الرجل يرفع صوته فهذا معناه اذا رفع صوته لقد تغنى به # وعن صالح بن أحمد أنه قال لأبيه زينوا القرآن بأصواتكم فقال التزيين أن ~~يحسنه # وعن الفضل بن زياد قال سألت أبا عبد الله عن القراءة فقال يحسنه بصوته من ~~غير تكلف وقال الأثرم سألت أبا عبد الله عن القراءة بالألحان فقال كل شيء ~~محدث فانه لا يعجبني الا ان يكون صوت الرجل لا يتكلفه # وقال القاضي أبو يعلى هذا يدل من كلامه على ان صوت القارىء ليس هو الصوت ~~الذي تكلم الله به لأنه أضافة إلى القارىء الذي هو طبعه من غير أن يتعلم ~~الألحان # وقال أبو عبد الله البخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق الافعال يذكر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من ~~قرب وليس هذا لغير الله عز وجل PageV02P041 # قال أبو عبد الله البخاري وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه اصوات ~~الخلق لأن صوت الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب وان الملائكة يصعقون من ~~صوته فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا قال @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا @QE@ ~~سورة البقرة 22 فليس لصفة الله ند ولا مثل ولا يوجد شيء من صفاته في ~~المخلوقين # ثم روى بإسناده حديث عبد الله بن انيس الذي استشهد به في غير موضع من ~~الصحيح تارة يجزم به وتارة يقول ويذكر عن عبد الله بن انيس قال سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما ~~يسمعه من قرب انا الملك انا الديان لا ينبغي لأحد من اهل الجنة أن يدخل ~~الجنة وأحد من اهل النار يطلبه بمظلمة وذكر الحديث الذي رواه في صحيحه عن ~~أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P042 يقول الله يوم ~~القيامة يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي ms0269 بصوت ان الله يأمرك أن تخرج من ~~ذريتك بعثا إلى النار قال يا رب ما بعث النار قال من كل ألف اراه قال ~~تسعمائة وتسعة وتسعين فحينئذ تضع الحامل حملها @QB@ وترى الناس سكارى وما ~~هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد @QE@ سورة الحج 2 وذكر حديث ابن مسعود الذي ~~استشهد به أحمد وذكر الحديث الذي رواه في صحيحه عن عكرمة سمعت أبا هريرة ~~يقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اذا قضى الله الأمر في السماء ~~ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فاذا @QB@ فزع ~~عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ سورة سبأ ~~23 وذكر حديث ابن عباس المعروف من حديث الزهرى عن علي بن الحسين عن ابن ~~عباس عن نفر من الأنصار وقد رواه أحمد ومسلم PageV02P043 في صحيحه وغيرهما ~~وساقه البخاري من طريق ابن اسحاق عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لهم ما تقولون في هذا النجم الذي يرمى به قالوا كنا يا رسول الله نقول حتى ~~رأيناها يرمى بها مات ملك ولد مولود مات مولود فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليس ذلك كذلك ولكن الله اذا قضى في خلقه امرا يسمعه اهل العرش ~~فيسبح من تحتهم بتسبيحهم فيسبح من تحت ذلك فلم يزل التسبيح يهبط حتى ينتهي ~~إلى السماء الدنيا حتى يقول بعضهم لبعض لم سبحتهم فيقولون سبح من فوقنا ~~فسبحنا بتسبيحهم فيقولون أفلا تسألون من فوقكم مم سبحوا فيسألونهم فيقولون ~~قضى الله في خلقه كذا وكذا الأمر الذي كان فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء ~~حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثون به فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم ~~منهم واختلاف PageV02P044 ثم يأتون به إلى الكهان من أهل الأرض فيحدثونهم ~~فيخطئون ويصيبون فتحدث به الكهان ثم ان الله حجب الشياطين عن السماء بهذه ~~النجوم فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة # وقال البخاري ايضا ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق وأن ~~العرب لا ms0270 تعرف الحي من الميت الا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن ~~له فعل فهو ميت وأن افعال العباد مخلوقة فضيق عليه حتى مضى لسبيله وتوجع ~~اهل العلم لما نزل به # قال وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس بمارق ولا ~~مبتدع بل البدع والترؤس بالجهل بغيرهم اولى اذ يفتون بالآراء المختلفة بما ~~لم يأذن به الله # وقال الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب فهم القرآن لما تكلم على ما يدخل في ~~النسخ ومالا يدخل في النسخ وما يظن أنه متعارض من الآيات وذكر عن أهل ~~السماء في الارادة والسمع والبصر قولين في مثل قوله @QB@ لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله آمنين @QE@ سورة الفتح وقوله @QB@ وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية @QE@ سورة الاسراء 16 PageV02P045 وقوله @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 وكذلك قوله @QB@ إنا معكم مستمعون ~~@QE@ سورة الشعراء 15 وقوله @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون @QE@ سورة التوبة 105 ونحو ذلك فقال قد ذهب قوم من اهل السنة إلى ~~أن لله استماعا حادثا في ذاته وذكر أن هؤلاء وبعض اهل البدع تأولوا ذلك في ~~الإرادة على الحوادث # قال فأما من ادعى السنة فأراد اثبات القدر فقال ارادة الله تحدث ان حدثت ~~من تقدير سابق الارادة واما بعض البدع فزعموا أن الارادة انما هي خلق حادث ~~ليست مخلوقة ولكن بها كون الله المخلوقين # قال وزعموا أن الخلق غير المخلوق وأن الخلق هو الارادة وأنها ليست بصفة ~~لله من نفسه PageV02P046 # قال ولذلك قال بعضهم إن رؤيته تحدث واختار الحارث المحاسبي القول الآخر ~~وتأول النصوص على أن الحادث هو وقت المراد لا نفس الارادة قال وكذلك قوله ~~@QB@ إنا معكم مستمعون @QE@ وقوله فسيرى الله عملكم تأوله على ان المراد ~~حدوث المسموع والمبصر كما تأول قوله تعالى @QB@ حتى نعلم @QE@ سورة محمد ~~حتى يكون المعلوم بغير حادث علم في الله ولا بصر ولا سمع ولامعنى حدث في ~~ذات الله تعالى عن الحوادث ms0271 في نفسه # وقال محمد بن الهيصم في كتاب جمل الكلام له لما ذكر جمل PageV02P047 ~~الكلام في القرآن وأنه مبنى على خمسة فصول # أحدها أن القرآن كلام الله فقد حكى عن جهم بن صفوان أن القرآن ليس كلام ~~الله على الحقيقة انما هو كلام خلقه الله فنسب اليه كما قيل سماء الله وأرض ~~الله وكما قيل بيت الله وشهر الله وأما المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه ~~كلام الله على الحقيقة ثم وافقوا جهما في المعنى حيث قالوا كلام الله خلقه ~~بائنا منه وقال عامة المسلمين ان القرآن كلام الله على الحقيقة وانه تكلم ~~به # والفصل الثاني في أن القرآن غير قديم فان الكلابية وأصحاب الأشعرى زعموا ~~أن الله لم يزل يتكلم بالقرآن وقال أهل الجماعة بل إنما تكلم بالقرآن حيث ~~خاطب به جبريل وكذلك سائر الكتب # والفصل الثالث أن القرآن غير مخلوق فان الجهمية والنجارية والمعتزلة ~~زعموا أنه مخلوق وقال أهل الجماعة انه غير مخلوق # والفصل الرابع أنه غير بائن من الله فان الجهمية وأشياعهم PageV02P048 من ~~المعتزلة قالوا ان القرآن بائن من الله وكذلك سائر كلامه وزعموا أن الله ~~خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبريل ولا يصح ~~عندهم أن يوجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة وقال اهل الجماعة بل القرآن ~~غير بائن من الله وانما هو موجود منه وقائم به # وذكر محمد بن الهيصم في مسالة الارادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ~~ما ذكره هنا من اثبات الصفات الفعلية القائمة بالله التي ليست قديمة ولا ~~مخلوقة # وقال عثمان بي سعيد الدرامي في كتابه المعروف بنقض عثمان بن سعيد على بشر ~~المريسى الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد قال وادعى المعارض ~~ايضا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ان الله ينزل إلى السماء الدنيا حين ~~يمضى ثلث الليل فيقول هل من مستغفر هل من تائب هل من داع قال فادعى أن الله ~~ينل بنفسه انما ينزل أمره ورحمته وهو على ms0272 العرش PageV02P049 وبكل مكان من ~~غير زوال لإنه الحي القيوم والقيوم بزعمه من لا يزول # قال فيقال لهذا المعارض وهذا ايضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده ~~بيان ولا لمذهبه برهان لأن امر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان فما ~~بال النبي صلى الله عليه وسلم يحد لنزوله الليل دون النهار ويؤقت من الليل ~~شطره أو الاسحار أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار أو يقدر الأمر ~~والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا هل من داع فأجيب هل من مستغفر فأغفر له هل ~~من سائل فأعطي فان قررت مذهبك لزمك أن تدعى أن الرحمة والأمر هما اللذان ~~يدعوان إلى الاجابة والاستغفار بكلامها دون الله وهذا محال عند السفهاء ~~فكيف عند الفقهاء قد علمتم ذلك ولكن تكابرون وما بال رحمته وأمره ينزلان من ~~عنده شطر الليل ثم لا يمكثان الا طلوع الفجر ثم يرفعان لأن رفاعة يرويه ~~يقول في حديثه حتى ينفجر الفجر قد علمتم ان شاء الله أن هذا التأويل ~~PageV02P050 أبطل باطل لا يقبله الا كل جاهل واما دعواك أن تفسير القيوم ~~الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك فلا يقبل منك هذا التفسير الا بأثر صحيح ~~مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن بعض أصحابه أو التابعين لأن ~~الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك اذا شاء ويهبط ويرتفع اذا شاء ويقبض ويبسط ~~ويقوم ويجلس اذا شاء لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك كل حي متحرك لا ~~محالة وكل ميت غير متحرك لا محالة ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع ~~تفسير نبي الرحمة ورسول العزة رب العزة اذ فسر نزوله مشروحا منصوصا ووقت ~~لنزوله وقتا مخصوصا لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا عويصا قال ثم اجمل ~~المعارض جميع ما ينكر الجهمية من صفات الله تعالى وذاته المسماة في كتابه ~~وفي آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم فعد منها بضعا وثلاثين صفة نسقا ~~واحدا يحكم عليها ويفسرها بما حكم المريسى وفسرها وتأولها حرفا ms0273 حرفا خلاف ~~ما عنى الله وخلاف PageV02P051 ما تأولها الفقهاء الصالحون لا يعتمد في ~~اكثرها الا على المريسى فبدأ منها بالوجه ثم بالسمع والبصر والغضب والرضا ~~والحب والبغض والفرح والكره والضحك والعجب والسخط والارادة والمشيئة ~~والاصابع والكف والقدمين وقوله @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ سورة القصص ~~88 @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ سورة البقرة 115 @QB@ وهو السميع ~~البصير @QE@ سورة الشورى 11 و @QB@ خلقت بيدي @QE@ سورة ص 75 @QB@ وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة @QE@ سورة المائدة 64 و @QB@ يد الله فوق أيديهم ~~@QE@ سورة الفتح 10 @QB@ والسماوات مطويات بيمينه @QE@ سورة الزمر 67 وقوله ~~@QB@ فإنك بأعيننا @QE@ سورة الطور 48 و @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ~~في ظلل من الغمام والملائكة @QE@ سورة البقرة 210 @QB@ وجاء ربك والملك صفا ~~صفا @QE@ سورة الفجر 22 @QB@ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ سورة ~~الحاقة 17 و @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 و @QB@ الذين ~~يحملون العرش ومن حوله @QE@ سورة غافر 7 # وقوله @QB@ ويحذركم الله نفسه @QE@ سورة آل عمران 28 30 وولا يكلمهم الله ~~ولا ينظر إليهم سورة آل عمران 77 و @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ ~~سورة الانعام 54 و @QB@ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك @QE@ سورة ~~المائدة 116 و @QB@ الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ سورة البقرة 222 ~~PageV02P052 قال عمد المعارض إلى هذة الصفات والايات فنسقها ونظم بعضها إلى ~~بعض كما نظمها شيئا بعد شىء ثم فرقها ابوابا في كتابة وتلطف بردها بالتأويل ~~كتلطف الجهمية معتمدا فيها على تفسير الزائغ الجهمى بشر بن غياث المريسي ~~دون من سواه مستترا عند الجهال بالتشنيع بها على قوم يؤمنون بها ويصدقون ~~الله ورسوله فيها بغير تكييف ولا تمثال فزعم ان هؤلاء المؤمنين بها ~~يكيفونها ويشبهونها بذوات انفسهم وان العلماء بزعمه قالوا ليس فى شئ منها ~~اجتهاد رأى ليدرك كيفية ذلك أو يشبة شئ منها بشئ مما هو فى الخلق موجود # قال وهذا خطأ لما أن الله ليس كمثله شيء فكذلك ليس ككيفيته شيء # قال أبو سعيد فقلنا لهذا ms0274 المعارض المدلس بالتشنيع أما قولك ان كيفية هذه ~~الصفات وتشبيهها بما هو في الخلق خطأ فأنا لا نقول انه خطأ كما قلت بل هو ~~عندنا كفر ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما PageV02P053 هو في الخلق موجود أشد ~~أنفا منكم غير أنا كما لا نشبهها ولا نكيفها لا نكفر بها ولا نكذبها ولا ~~نبطلها بتأويل الضلال كما أبطلها امامك المريسى في أماكن من كتابك سنبينها ~~لمن غفل عنها ممن حواليك من الأغمار # وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله فإنا لا نجيز اجتهاد ~~الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا وتسمع في آذاننا ~~فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون وقصرت عنها الظنون غير أنا لا نقول ~~فيها كما قال امامك المريسى ان هذه كلها شيء واحد وليس السمع منه غير البصر ~~ولا الوجه منه غير اليد ولا اليد منه غير النفس وأن الرحمن ليس يعرف بزعمكم ~~لنفسه سمعا من بصر ولا بصرا من سمع ولا وجها من يدين ولا يدين من وجه هو ~~كله بزعمكم سمع وبصر ووجه وأعلى وأسفل ويد ونفس وعلم ومشيئة وارادة مثل ~~PageV02P054 خلق الارضين والسماء والجبال والتلال والهواء التي لا يعرف ~~لشيء منها شيء من هذه الصفات والذوات ولا يوقف لها منها على شيء فالله ~~المتعالى عندنا ان يكون كذلك فقد ميز الله في كتابه السمع من البصر فقال ~~@QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ سورة طه 46 و @QB@ إنا معكم مستمعون @QE@ ~~سورة الشعراء 15 وقال @QB@ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم @QE@ سورة آل ~~عمران 77 ففرق بين الكلام والنظر دون السمع فقال عند السماع والصوت @QB@ قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن ~~الله سميع بصير @QE@ سورة المجادله 1 و @QB@ لقد سمع الله قول الذين قالوا ~~إن الله فقير ونحن أغنياء @QE@ سوره آل عمران 181 ولم يقل قد رأى الله قول ~~التي تجادلك في زوجها # وقال موضع الرؤية انه @QB@ الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ms0275 @QE@ ~~سورة الشعراء 218 219 وقال تعالى @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~@QE@ PageV02P055 سورة التوبة 105 ولم يقل يسمع الله تقلبك ويسمع الله ~~عملكم فلم يذكر الرؤية فيما يسمع ولا السماع فيما يرى لما أنهما عنده خلاف ~~ما عندكم # وكذلك قال الله تعالى @QB@ ودسر تجري بأعيننا @QE@ سورة القمر 13 14 @QB@ ~~واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا @QE@ سورة الطور 48 @QB@ ولتصنع على عيني @QE@ ~~سورة طه 39 ولم يقل لشيء من ذلك على سمعي فكما نحن لا نكيف هذه الصفات لا ~~نكذب بها كتكذيبكم ولا نفسرها كباطل تفسيركم # ثم قال باب الحد والعرش قال أبو سعيد وادعى المعارض ايضا انه ليس لله حد ~~ولا غاية ولا نهاية # قال وهذا هو الاصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها جميع ~~اغلوطاته وهي كلمة لم يبلغنا انه سبق جهما اليها أحد من العالمين فقال له ~~قائل ممن يحاوره قد علمت مرادك ايها الاعجمي تعنى ان الله لا شيء لان الخلق ~~كلهم قد PageV02P056 علموا انه ليس له شيء يقع عليه اسم الشيء الا وله حد ~~وغاية وصفة وان لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة فالشيء ابدا موصوف لا ~~محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية وقولك لا حد له يعنى انه لا شيء # قال أبو سعيد والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره ولا يجوز لأحد ان ~~يتوهم لحده غاية في نفسه ولكن نؤمن بالحد ونكل علم ذلك إلى الله ولمكانه ~~ايضا حد وهو على عرشه فوق سمواتة فهذان حدان اثنان # وسئل عبد الله بن المبارك بم نعرف ربنا قال بأنه على عرشه باءن من خلقه ~~قيل بحد قال بحد حدثناه الحسن بن الصباح البزار عن علي بن الحسن بن شقيق عن ~~ابن المبارك # فمن ارعى أنه ليس لله حد فقد رد القرالقرآن وادعى أنه لا شيء لإن الله ~~وصف حد مكانه في مواضع كثيرة من كتابه فقال @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ سورة طه 5 @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ سورة الملك ms0276 16 @QB@ إني ~~متوفيك ورافعك إلي @QE@ سورة آل عمران 55 @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ ~~سورة النحل 50 @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ سورة فاطر PageV02P057 فهذا ~~كله وما أشبه من شواهد ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل ~~الله وجحد آيات الله # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله فوق عرشه فوق سمواته وقال ~~للأمة السوداء أين الله قالت في السماء قال اعتقها فانها مؤمنة قول رسوله ~~الله صلى الله عليه وسلم أنها مؤمنه دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله في ~~السماء كما قال الله ورسوله لم تكن مؤمنة وانه لا يجوز في الرقبة المؤمنة ~~الا من يحد الله أنه في السماء كما قال الله ورسوله PageV02P058 # حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن عن عمران ~~بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبيه يا حصين كم تعبد اليوم الها ~~قال سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك قال ~~الذي في السماء فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الكافر اذ عرف أن ~~اله العالمين في السماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فحصين الخزاعي في ~~كفره يومئذ كان أعلم بالله الجليل الأجل من المريسى وأصحابه مع ما ينتحلون ~~من الاسلام اذ ميز بين الاله الخالق الذي في السماء وبين الآلهة والأصنام ~~المخلوقة التي في الأرض # وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء وحده بذلك الا ~~المريسى الضال واصحابه حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك ~~اذا حزب الصبي شيء يرفع يده إلى ربه يدعوه في السماء دون ماسواها وكل أحد ~~بالله وبمكانه أعلم من الجهمية PageV02P059 # ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها وعددها في كتابه من الوجه ~~والسمع والبصر وغير ذلك يتأولها ويحكم على الله وعلى رسوله فيها حرفا بعد ~~حرف وشيئا بعد شيء بحكم بشر بن غياث المريسى لا يعتمد فيها على امام أقدم ~~منه ms0277 ولا أرشد منه عنده فإغتمنا ذلك كله منه اذ صرح بإسمه وسلم فيها لحكمه ~~لما أن الكلمة قد اجتمعت من عامة الفقهاء في كفره وهتك ستره وافتضاحه في ~~مصره وفي سائر الأمصار الذين سمعوا بذكره # ثم ذكر الكلام على ابطال تأويلات الجهمية للصفات الواردة في الكتاب ~~والسنة # وقال عثمان بن سعيد في كتاب الرد على الجهمية له باب الايمان بكلام الله ~~قال أبو سعيد فالله المتكلم اولا وآخرا لم يزل له الكلام اذ لا متكلم غيره ~~ولا يزال له الكلام اذ لا يبقى غيره فيقول @QB@ لمن الملك اليوم @QE@ سورة ~~غافر 16 أنا PageV02P060 الملك أنا الديان أين ملوك الأرض فلا ينكر كلام ~~الله الا من يريد ابطال ما أنزل الله عز وجل وكيف يعجز عن الكلام من علم ~~العباد الكلام وأنطق الأنام قال الله تعالى في كتابه @QB@ وكلم الله موسى ~~تكليما @QE@ سورة النساء 164 فهذا لا يحتمل تأويلا غير نفس الكلام وقال ~~لموسى @QB@ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي @QE@ سورة الأعراف 144 ~~وقال الله تعالى @QB@ وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من ~~بعد ما عقلوه وهم يعلمون @QE@ سورة البقرة 75 وقال @QB@ يريدون أن يبدلوا ~~كلام الله @QE@ سورة الفتح 15 وقال لا تبديل لكلمات الله سورة يونس 64 وقال ~~@QB@ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته @QE@ سورة الأنعام # وذكر آيات أخر إلى أن قال وقال تعالى لقوم موسى حين اتخذوا العجل فقال ~~@QB@ أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا @QE@ سورة ~~طه 89 وقال عجلا جسدا له خوار الم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ~~اتخذوه وكانوا ظالمين سورة الأعراف 148 PageV02P061 # قال أبو سعيد ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصا بلا تأويل ~~ففيما عاب الله تعالى به العجل في عجزه عن القول والكلام بيان أن الله غير ~~عاجز عنه وأنه متكلم وقائل لأنه لم يكن ليعيب العجل بشيء هو موجود فيه وقال ~~إبراهيم @QB@ بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ms0278 ينطقون @QE@ سورة ~~الانبياء 63 إلى قوله افلا تعقلون سورة الأنبياء 67 فلم يعب إبراهيم ~~أصنامهم وآلهتهم التي يعبدون بالعجز عن الكلام الا وأن الهه متكلم قائل # وبسط الكلام في ذلك إلى أن قال أرأيتم قولكم انه مخلوق فما بدء خلقه أقال ~~الله له كن فكان كلاما قائما بنفسه بلا متكلم به فقد علم الناس الا ما شاء ~~الله منهم أن الله لم يخلق كلاما يرى ويسمع بلا متكلم به فلا بد من أن ~~تقولوا في دعواكم PageV02P062 الله المتكلم بالقرآن فأضعتموه إلى الله فهذا ~~أجور وأكذب الكذب أن تضيفوا كلام المخلوق إلى الخالق ولو لم يكن كفرا كان ~~كذبا بلا شك فيه فكيف وهو كفر لا شك فيه لا يجوز لمخلوق يؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن يدعي الربوبية ويدعو الخلق إلى عبادته فيقول @QB@ إنني أنا الله ~~لا إله إلا أنا فاعبدني @QE@ سورة طه 14 و @QB@ إني أنا ربك @QE@ سورة طه ~~12 @QB@ وأنا اخترتك @QE@ سورة طه 13 @QB@ واصطنعتك لنفسي اذهب أنت وأخوك ~~بآياتي ولا تنيا في ذكري @QE@ سورة طه 41 42 @QB@ إنني معكما أسمع وأرى ~~@QE@ سورة طه 46 @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ سورة الذاريات ~~56 @QB@ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ~~وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم @QE@ سورة يس 60 61 قد علم الخلق الا من اضله ~~الله انه لا يجوز لأحد أن يقول هذا وما أشبهه ويدعيه غير الخالق بل القائل ~~به والداعي إلى عبادة غير الله كافر كفرعون الذي قال @QB@ أنا ربكم الأعلى ~~@QE@ سورة النازعات 24 والمجيب له والمؤمن بدعواه اكفر وأكذب # وان قلتم تكلم به مخلوق فأضفناه إلى الله لأن الخلق كلهم PageV02P063 ~~بصفاتهم وكلامهم لله فهذا المحال الذي ليس ورائه محال فضلا عن أن يكون كفرا ~~لأن الله عز وجل لن ينسب شيئا من الكلام كله إلى نفسه انه كلامه غير القرآن ~~وما أنزل على رسله فان قد تم كلامكم ولزمتموه لزمكم أن تسموا الشعر وجميع ~~الغناء والنوح وكلام السباع ms0279 والبهائم والطير كلام الله فهذا مما لم يختلف ~~المصلون في بطوله واستحالته فما فضل القرآن اذا عندكم على الغناء والنوح ~~والشعر واذا كان كله في دعواكم كلام الله فكيف خص القرآن بأنه كلام الله ~~ونسب كل كلام إلى قائله فكفا بقوم ضلالا ان يدعوا قولا لا يشك الموحدون في ~~بطوله واستحالته # ومما يزيد دعواكم تكذيبا واستحالة ويزيد المؤمنين بكلام الله ايمانا ~~وتصديقا ان الله قد ميز بين من كلم من رسله في الدنيا وبين من لم يكلم ومن ~~يكلم من خلقه في الآخرة ومن لا يكلم فقال @QB@ تلك الرسل فضلنا بعضهم على ~~بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات @QE@ سورة البقرة 253 فميز بين من ~~اختصه الله بكلامه وبين من لم يكلمه ثم سمى ممن كلم الله موسى فقال @QB@ ~~وكلم الله موسى تكليما @QE@ سورة النساء 164 فلو لم يكلمه بنفسه الا على ~~تأويل ما PageV02P064 ادعيتم فما فضل من ذكر الله في تكليمه اياه على غيره ~~من لم يكلمه اذ كل الرسل في تكليم الله اياهم مثل موسى وكل عندكم لم يسمع ~~كلام الله وقد قال تعالى @QB@ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ~~@QE@ سورة آل عمران 77 ففي هذا بيان أنه لا يعاقب قوما يوم القيامة بصرف ~~كلامه عنهم الا وأنه يثبت بتكليمه قوما آخرين # وقال ايضا في بيان كفر الجهمية أخبر الله أن القرآن كلامه وادعت الجهمية ~~أنه خلقه وأخبر الله تبارك وتعالى أنه كلم موسى تكليما وقال هؤلاء لم يكلمه ~~الله بنفسه ولم يسمع موسى نفس كلام الله انما سمع كلاما خرج اليه من مخلوق ~~ففي دعواهم دعى مخلوق موسى PageV02P065 الى ربوبيته فقال @QB@ إني أنا ربك ~~فاخلع نعليك @QE@ سورة طه 12 فقال له موسى في دعواهم صدقت ثم اتى فرعون ~~يدعوه إلى ربوبية مخلوق كما أجاب موسى في دعواهم فما فرق بين موسى وفرعون ~~في الكفر اذا فأي كفر اوضح من هذا وقال الله تبارك وتعالى @QB@ إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ms0280 فيكون @QE@ سورة النحل 40 وقال هؤلاء ما قال ~~لشيء قط قولا وكلاما كن فكان ولا يقوله ابدا ولم يخرج منه كلام قط ولا يخرج ~~ولا هو يقدر على الكلام في دعواهم فالصنم في دعواهم والرحمن بمنزلة واحدة ~~في الكلام # وقال ايضا في كتاب النقض على المريسى وادعيت أيها المريسى في قول الله عز ~~وجل @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة @QE@ ~~سورة البقرة 210 وفي قوله @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~ربك @QE@ سورة الأنعام 158 فادعيت أن هذا ليس منه باتيان لما أنه غير متحرك ~~عندك PageV02P066 ولكن يأتي بالقيامة بزعمك وقوله @QB@ يأتيهم الله في ظلل ~~من الغمام @QE@ يأتي الله بأمره في ظليل من الغمام ولا يأتي هو بنفسه ثم ~~زعمت أن معناه كمعنى قوله @QB@ فأتى الله بنيانهم من القواعد @QE@ سورة ~~النحل 26 @QB@ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا @QE@ سورة الحشر 2 # فيقال لهذا المريسى قاتلك الله ما أجراك على الله وعلى كتابه بلا علم ولا ~~بصر أنبأك الله أنه اتيان وتقول ليس بإتيان انما هو كقوله @QB@ فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد @QE@ سورة النحل 26 لقد ميزت بين ما جمع الله وجمعت بين ~~ما ميز الله ولا يجمع بين هذين التأوليين الا كل جاهل بالكتاب والسنة لأن ~~تاويل كل منهما مقرون به في سياق القراءة لا يجهلهه الا مثلك # وقد اتفقت الكلمة من المسلمين ان الله فوق عرشه فوق سماواته وأنه لا ينزل ~~قبل يوم القيامة لعقوبة أحد من خلقه ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل ~~بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم وتشقق السماوات يومئذ لنزوله وتنزل لملائكة ~~تنزيلا وحمل عرش ربك PageV02P067 فوقهم يومئذ ثمانية كما قال الله ورسوله ~~فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من ~~امور الدنيا علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات انما هو من أمره ~~وعذابه # فقوله @QB@ فأتى الله بنيانهم من القواعد @QE@ يعني مكره من قبل قواعد ~~بنيانهم @QB@ فخر عليهم السقف من ms0281 فوقهم @QE@ سورة النحل 26 فتفسير هذا ~~الاتيان خرور السقف عليهم من فوقهم وقوله @QB@ فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا @QE@ مكر بهم @QB@ وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين @QE@ سورة الحشر 2 وهم بنو النضير فتفسير الاتيانين مقرون ~~بهما فخرور السقف والرعب وتفسير اتيان الله يوم القيامة منصوص في الكتاب ~~مفسر قال الله تعالى @QB@ فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ ~~واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون ~~لا تخفى منكم خافية @QE@ سورة الحاقة 13 18 إلى قوله تعالى @QB@ هلك عني ~~سلطانيه @QE@ سورة الحاقة 29 فقد فسر الله المعنيين تفسيرا لا لبس فيه ~~PageV02P068 ولايشتبه على ذي عقل فقال فيما يصيب به من العقوبات في الدنيا ~~@QB@ أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس @QE@ ~~سورة يونس 24 فحين قال @QB@ أتاها أمرنا @QE@ علم اهل العلم ان امره ينزل ~~من عنده من السماء وهو على عرشه فلما قال @QB@ فإذا نفخ في الصور نفخة ~~واحدة @QE@ سورة الحاقة 13 الايات التي ذكرناها وقال ايضا @QB@ ويوم تشقق ~~السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا @QE@ سورة الفرقان و @QB@ يأتيهم الله ~~في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور @QE@ سورة ~~البقرة 210 و @QB@ دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ سورة ~~الفجر 21 22 علم بما نص الله من الدليل وبما حد لنزول الملائكة يومئذ ان ~~هذا اتيان الله بنفسه يوم القيامة ليلى محاسبة خلقه بنفسه لا يلي ذلك أحد ~~غيره وأن معناه مخالف لمعنى اتيان القواعد لاختلاف القضيتين # إلى أن قال وقد كفانا رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P069 وأصحابه ~~تفسير هذا الاتيان حتى لا نحتاج منك له إلى تفسير وذكر حديث أبي هريرة الذي ~~في الصحيحين في تجليه يوم القيامة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال ~~فيقول المؤمنون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم ~~الله فيقول ms0282 أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه وذكر حديث ابن عباس من ~~وجهين موقوتا ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثم يأتي الرب ~~تعالى في الكروبيين وهم أكثر من أهل السموات والأرض ورواه الحاكم في صحيحه ~~وذكر عن أنس بن مالك أنه قال وتلا هذه الآية @QB@ يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات @QE@ قال يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم تعمل عليها ~~الخطايا ينزل عليها الجبار # ثم قال ومن يلتفت أيها المريسى إلى تفسيرك المحال في اتيان PageV02P070 ~~الله يوم القيامة ودع تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الا كل ~~جاهل مجنون خاسر مغبون لما أنك مفتون في الدين مأفون وعلى تفسير كتاب الله ~~غير مأمون ويلك أيأتي الله بالقيامة ويتغيب هو بنفسه فمن يحاسب الناس يومئذ ~~لقد خشيت على من ذهب مذهبك هذا أنه لا يؤمن بيوم الحساب # وادعيت ايها المريسى قي قول الله @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~@QE@ سورة البقرة 255 وادعيت أن تفسير القيوم عندك الذي لا يزول يعنى الذي ~~لا ينزل ولا يتحرك ولا يقبض ولا يبسط وأسندت ذلك عن بعض أصحابك غير مسمى عن ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس انه قال القيوم الذي لا يزول دمع روايتك ~~هذه عن ابن العباس دلائل وشواهد أنها باطلة # احداها أنك رويتها وأنت المتهم في توحيد الله # والثانية أنك رويته عن بعض أصحابك غير مسمى وأصحابك مثلك في الظنة ~~والتهمة PageV02P071 # والثالثة أنه عن الكلبي وقد أجمع أهل العلم بالأثر على أن لا يحتجوا ~~بالكلبي في أدنى حلال ولا حرام فكيف في تفسير توحيد الله وتفسير كتابه ~~وكذلك أبو صالح # ولو قد صحت روايتك عن ابن عباس أنه قال القيوم الذي لا يزول لم نستنكره ~~وكان معناه مفهوما واضحا عند العلماء وعند أهل البصر بالعربية أن معنى لا ~~يزول لا يفنى ولا يبيد لا أنه لا يتحرك ولا يزول من مكان إلى مكان اذا شاء ~~كما كان يقال للشيء الفاني هو زائل كما ms0283 قال لبيد # الا كل شيء ماخلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل يعني فان لا أنه ~~متحرك فان أمارة ما بين الحي والميت التحرك وما لا يتحرك فهو ميت لا يوصف ~~بحياة كما لا توصف الأصنام الميتة قال الله تعالى @QB@ والذين يدعون من دون ~~الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ~~@QE@ سورة النحل 20 21 فالله الحي القيوم القابض الباسط يتحرك اذا شاء ~~PageV02P072 وينزل اذا شاء ويفعل ما يشاء بخلاف الأصنام الميتة التي لا ~~تزول حتى تزال # واحتججت أيها المريسى في نفي التحرك عن الله والزوال بحجج الصبيان فزعمت ~~أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين رأى كوكبا وشمسا وقمرا قال @QB@ هذا ربي ~~فلما أفل قال لا أحب الآفلين @QE@ سورة الأنعام 76 ثم قلت فنفى إبراهيم ~~المحبة عن كل اله زائل يعني أن الله اذا نزل من سماء إلى سماء أو نزل يوم ~~القيامة لمحاسبة العباد فقد أفل وزال كما أفل الشمس والقمر فتنصل من ~~ربوبيتهما إبراهيم فلو قاس هذا القياس تركى طمطماني أو رومي عجمي ما زاد ~~على ما قست قبحا وسماجة ويلك من قال من خلق الله ان الله اذا نزل أو تحرك ~~أو نزل ليوم الحساب أفل في شيء كما تأفل الشمس في عين حمئة ان الله لا يأفل ~~في شيء سواه اذا نزل أو ارتفع كما تأفل الشمس والقمر والكواكب بل هو العالي ~~على كل شيء المحيط بكل شيء في جميع أحواله من نزوله وارتفاعه وهو الفعال ~~لما يريد لا يأفل في شيء بل الأشياء كلها تخشع له وتتواضع والشمس والقمر ~~والكواكب خلائق مخلوقة اذا افلت افلت في مخلوق في عين حمئة كما قال الله ~~تعالى والله أعلى وأجل لا يحيط به شيء ولا يحتوي عليه شيء PageV02P073 وقال ~~أبو بكر عبد العزيز بن الجعفر صاحب الخلال في أول كتابه الكبير المسمى ~~بالمقنع وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب ايضاح البيان في مسألة ~~القرآن قال أبو بكر ms0284 لما سألوه انكم اذا قلتم لم يزل متكلما كان ذلك عبثا ~~فقال لأصحابنا قولان أحدهما أنه لم يزل متكلما كالعلم لأن ضد الكلام الخرس ~~كما أن ضد العلم الجهل قال ومن أصحابنا من قال قد أثبت سبحانه لنفسه أنه ~~خالق ولم يجز ان يكون خالقا في كل حال بل قلنا انه خالق في وقت ارادته ان ~~يخلق وان لم يكن خالقا في كل حال ولم يبطل ان يكون خالقا كذلك وان لم يكن ~~متكلما في كل حال لم يبطل أن يكون متكلما بل هو متكلم خلق وان لم يكن خالقا ~~في كل حال ولا متكلما في كل حال # وذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسمى با يضاح البيان هذا السؤال فقال ~~نقول انه لم يزل متكلما وليس بمكلم ولا مخاطب ولا امر ولا ناه نص عليه أحمد ~~في روايه حنبل فقال لم يزل الله متكلما عالما غفورا قال وقال في رواية عبد ~~الله لم يزل الله متكلما اذا شاء PageV02P074 # وقال حنبل في موضع اخر سمعت أبا عبد الله يقول لم يزل الله متكلما ~~والقران كلام الله غير مخلوق # قال القاضي أبو يعلى وقال أحمد في الجزء الذي فيه الرد على الجهمية ~~والزنادقة وكذلك الله يتكلم كيف شاء من غير ان نقول جوف ولا فم ولا شفتان # وقال بعد ذلك بل نقول ان الله لم يزل متكلما اذا شاء ولا نقول انه كان ~~ولا يتكلم حتى خلق # وقال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين ومما يجب الايمان به ~~والتصديق أن الله متكلم وأن الله متكلم وان كلامه قديم وأنه لم يزل متكلما ~~في كل اوقاته موصوفا بذلك وكلامه قديم غير محدث كالعلم والقدرة # قال وقد يجيء على المذهب أن يكون الكلام صفة المتكلم لم يزل موصوفا بذلك ~~ومتكلما كما شاء وذا شاء ولا نقول أنه PageV02P075 ساكت في حال أو متكلم في ~~حال من حيث حدوث الكلام # قال ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلما ms0285 قبل أن يخلق الخلق وقبل ~~كل الكائنات وان الله كان في ما لم يزل متكلما كيف وكما شاء واذا شاء انزل ~~كلامه واذا شاء لم ينزله # قلت قول ابن حامد ولا نقول أنه ساكت في حال أو متكلم في حال من حيث حدوث ~~الكلام يريد به أنا لا نقول أن جنس كلامه حادث في ذاته كما تقول الكرامية ~~من أنه كان ولا يتكلم ثم صار يتكلم من بعد أن لم يكن متكلما في الأزل ولا ~~كان تكلمه ممكنا # وقال أبو اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الاسلام في ~~اعتقاد اهل السنة وما وقع عليه اجماع أهل الحق من الأمة اعلم أن الله متكلم ~~قائل مادح نفسه وهو متكلم كلما شاءويتكلم بكلام لا مانع له ولا مكره ~~والقرآن كلامه هو تكلم به # وقال ايضا في كتاب مناقب أحمد بن حنبل في باب الاشارة إلى طريقته في ~~الاصول لما ذكر كلامه في مسائل القرآن وترتيب البدع التي ظهرت فيه وأنهم ~~قالوا أولا هو مخلوق وجرت المحنة المشهورة ثم مسألة اللفظية بسبب حسين ~~الكرابيسي إلى أن قال وجاءت PageV02P076 طائفة فقالت لا يتكلم بعد ما تكلم ~~فيكون كلامه حادثا قال وهذه سحارة أخرى تقذي في الدين غير عين واحدة فانتبه ~~لها أبو بكر بن خزيمة وكانت حينئذ بنيسابور دار الآثار تمد اليها الدانات ~~وتشد اليها الركائب ويجلب منها العلم وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفي ~~والصبغي مع ما جمعا من الحديث والفقه والصدق والورع واللسان والبيت والقدر ~~لا يستر لوث بالكلام واستمام لأهله فابن خزيمة في بيت ومحمد بن اسحاق في ~~بيت وأبو حامد القرشوقي في بيت قال فطار لتلك الفتنة ذلك الامام أبو بكر ~~فلم يزل يصيح بتشويهها ويصنف في ردها كأنه منذر جيش حتى PageV02P077 دون في ~~الدفاتر وتمكن في السرائر ولقن في الكتاتيب ونقش في المحاريب أن الله متكلم ~~ان شاء الله تكلم وان شاء سكت فجزى الله ذلك الامام وأولئك النفر الغر عن ~~نصرة دينه وتوقير نبيه خيرا # قلت ms0286 هذه القصة التي أشار اليها عن ابن خزيمة مشهورة ذكرها غير واحد من ~~المصنفين كالحاكم أبي عبد الله في تاريخ نيسابور وغيره ذكر أنه رفع إلى ~~الامام أنه قد نبغ طائفة من أصحابه يخالفونه وهو لا يدري وأنهم على مذهب ~~الكلابية وأبو بكر الامام شديد على الكلابية # قال فحدثني أبو بكر أحمد بن يحيى المتكلم قال اجتمعتا ليلة عند بعض أهل ~~العلم وجرى ذكر كلام الله أقديم لم يزل أو يثبت عند اختياره تعالى أن يتكلم ~~به فوقع بيننا في ذلك خوض قال جماعة منا ان كلام الباري قديم لم يزل وقال ~~جماعة ان كلامه قديم غير أنه لا يثبت الا باختياره لكلامه فبكرت أنا إلى ~~أبي على الثقفي وأخبرته بما جرى فقال من أنكر أنه لم يزل فقد اعتقد أنه ~~محدث وانتشرت هذه المسألة في البلد وذهب منصور الطوسي في جماعة معه إلى أبي ~~بكر محمد بن اسحاق واخبروه بذلك حتى قال منصور الم أقل للشيخ ان هؤلاء ~~يعتقدون مذهب الكلابية وهذا مذهبهم PageV02P078 فجمع أبو بكر اصحابه وقال ~~الم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام ولم يزدهم على هذا في ذلك اليوم وذكر ~~أنه بعد ذلك خرج على أصحابه وأنه صنف في الرد عليهم وأنهم ناقضوه ونسبوه ~~إلى القول بقول جهم في أن القرآن محدث وجعلهم هو كلابية # قال الحاكم سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول سمعت أبا بكر محمد ~~بن اسحاق يقول الذي اقول به أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزليه غير مخلوق ~~ومن قال أن القران أو شيئا منه وحيه وتنزيله مخلوق أو يقول ان الله لا ~~يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل أو يقول ان أفعال الله مخلوقة أو يقول ~~ان القرآن محدث أو يقول ان شيئا من صفات الله صفات الذات أو اسما من أسماء ~~الله مخلوق فهو عندي جهمي يستتاب فان تاب والا ضربت عنقه هذا مذهبي ومذهب ~~من رأيت من أهل الأثر في الشرق والغرب من أهل العلم ms0287 ومن حكى عني خلاف هذا ~~فهو كاذب باهت ومن نظر في كتبي المصنفة ظهر له وبان أن الكلابية كذبة فيما ~~يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي # وذكرعن ابن خزيمة أنه قال زعم بعض جهلة الذين نبغوا في سنتنا هذه أن الله ~~لا يكرر الكلام فهم لا يفهمون كتاب الله فإن PageV02P079 الله قد أخبر في ~~نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم وأنه أمر الملائكة بالسجود له فكرر هذا ~~الذكر في غير موضع وكرر ذكر كلامه مع موسى مرة بعد أخرى وكرر ذكر عيسى بن ~~مريم في مواضع وحمد نفسه في مواضع فقال @QB@ الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب @QE@ سورة الكهف 1 و @QB@ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض @QE@ ~~سورة الانعام 1 و @QB@ الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض @QE@ ~~سورة سبأ 1 وكرر زيادة على ثلاثين مرة @QB@ فبأي آلاء ربكما تكذبان @QE@ ~~سورة الرحمن ولم أتوهم أن مسلما يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين # قال الحاكم سمعت أبا بكر محمد بن اسحاق يعني الصبغي يقول لما وقع من ~~أمرنا ما وقع ووجد بعض المخالفين يعني المعتزلة الفرصة في تقرير مذهبهم ~~بحضرتنا قال أبو على الثقفي للامام ما الذي أنكرت من مذاهبنا أيها الامام ~~حتى نرجع عنه قال ميلكم إلى مذاهب الكلابية فقد كان PageV02P080 أحمد بن ~~حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد وعلى أصحابه مثل الحارث المحاسبي ~~وغيره حتى طال الخطاب بينه وبين أبي على في هذا الباب فقلت قد جمعت أنا ~~أصول مذاهبنا في طبق فأخرجت اليه الطبق فقلت تأمل ما جمعته بخطى وبينته في ~~هذه المسائل فان كان فيها شيء تكرهه فبين لنا وجهه فذكر أنه تأمله ولم ينكر ~~منه شيئا وذكر لشيخه الخط وفيه ان الله بجميع صفات ذاته واحد ولم يزل ولا ~~يزال وما أضيف إلى الله من صفات فعله مما هو غيربائن عن الله فغير مخلوق ~~وكل شىء أضيف إلى الله بائن عنه دونه خلقه # وذكر أن أبا ms0288 العباس القلانسي وغيره من خالف أبا بكر وأنه كتب إلى جماعة ~~منا العلماء تلك المسائل وأنهم كانو يرفعون من خالف أبا بكر إلى السلطان ~~وأن أمير نيسابور أمر أن يمتثل أمر أبي بكر فيهم من النفي والضرب والحبس ~~وأن عبد الله بن حماد قال طوبى لهم ان كان ما يقال عنهم مكذوبا عليهم وأن ~~عبد الله بن حماد PageV02P081 من غد ذلك اليوم قال رأيت البارحة في المنام ~~كان أحمد بن السري الزاهد المروزى لكمني برجله ثم قال كأنك في شك من امور ~~هؤلاء الكلابية قال ثم نظر إلى محمد بن اسحاق فقال @QB@ هذا بلاغ للناس ~~ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب @QE@ سورة ~~إبراهيم 52 وهذه القصة مبسوطة في موضع آخر وأكثر أهل العلم والدين كانوا مع ~~ابن خزيمة على الكلابية # ذكر أبو اسماعيل الأنصاري المعروف بشيخ الاسلام في كتاب ذم الكلام سمعت ~~أبا نصر بن أبي سعيد الرداد سمعت إبراهيم بن اسماعيل الخلال يقول اني ذهبت ~~بكتاب ابن خزيمة في الصبغي والثقفي إلى أمير المؤمنين فكتب بصلبهما فقال ~~ابن خزيمة لا قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم النفاق من أقوام فلم ~~يصلبهم # قال أبو اسماعيل سمعت اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني يقول استتيب الصبغي ~~والثقفي على قبر ابن خزيمة # وقال سمعت أحمد بن أبي نصر يقول رأينا محمد بن الحسين السلمي يعني أبا ~~عبد الرحمن السلمي صاحب التصانيف المعروفة في طريقة الصوفية يلعن الكلابية ~~PageV02P082 # قال وسمعت محمد بن العباس بن محمد يقول كان أبو على الرفا يقول لعن الله ~~الكلابية # ومن الموافقين لابن خزيمة أبو حامد الشاركي وأبو سعيد الزاهد ويحيى بن ~~عمار وأبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الاسلام # قال وسمعت عبد الواحد بن ياسين يقول رأيت بابين قلعا من مدرسة أبي الطيب ~~يعني الصعلوكي بأمره من بيتي شابين حضرا أبا بكر بن فورك وسمعت الطيب بن ~~محمد سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول وجدت أبا حامد الاسفرايني وأبا الطيب ~~الصعلوكي وأبا بكر القفال ms0289 المروزي وابا منصور الحاكم على الانكار على ~~الكلام واهله # وقال الحافظ أبو نصر السجزي في رسالته المعروفه إلى اهل زبيد في الواجب ~~من القول في القرآن اعلموا ارشدنا الله واياكم انه لم يكن خلاف بين الخلق ~~على اختلاف نحلهم من اول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي ~~والأشعري واقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم بل أخس حالا ~~منهم في PageV02P083 الباطن من أن الكلام لا يكون الا حرفا وصوتا ذا تأليف ~~واتساق وان اختلفت به اللغات وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في ~~العقليات وقالوا الكلام حروف متسقة وأصوات مقطعة وقالت يعني علماء العربية ~~الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى فالاسم مثل زيد وعمرو والفعل مثل جاء وذهب ~~والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد وما شاكل ذلك فالاجماع منعقد بين ~~العقلاء على كون الكلام حرفا وصوتا فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد ~~على المعتزله من طريق مجرد العقل وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان ~~السلف عليه ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعما منهم أنها اخبار آحاد ~~وهي لا توجب علما والزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن ~~الكلام حرف وصوت يدخله التعاقب والتأليف وذلك لا يوجد في الشاهد الا بحركة ~~وسكون ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض وما كان بهذه المثابة لا يجوز ~~أن يكون من صفات ذات الله تعالى لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق ~~والكل والبعض والحركة والسكون وحكم الصفة الذاتية حكم الذات # قالوا فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى خلق له ~~PageV02P084 احدثه وأضافه إلى نفسه كما نقول خلق الله وعبد الله وفعل الله # قال فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الالزام لقلة معرفتهم بالسنن ~~وتركهم قبولها وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل # فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الاجماع المنعقد ~~بين الكافة المسلم والكافر وقالو للمعتزلة الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام ~~وانما سمي ذلك كلاما ms0290 على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه وحقيقة الكلام ~~معنى قائم بذات المتكلم فمنهم من اقتصر على هذا القدر ومنهم من احترز عما ~~علم دخوله على هذا الحد فزاد فيه تنافي السكوت والخرس والآفات المانعة فيه ~~من الكلام ثم خرجوا من هذا إلى ان اثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم ~~واثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم واثبات اللغة فيه تشبيه وتعلقوا ~~بشبه منها قول الآخطل % ان البيان من الفؤاد وانما % جعل اللسان على الفؤاد ~~دليلا % $ PageV02P085 فغيروه وقالوا ان الكلام من الفؤاد وزعموا أن لهم ~~حجة على مقالتهم في قوله تعالى @QB@ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله ~~بما نقول @QE@ سورة المجادلة 8 وقول الله عز وجل @QB@ فأسرها يوسف في نفسه ~~ولم يبدها لهم @QE@ سورة يوسف 77 واحتجوا بقول العرب ارى فى نفسك كلاما وفى ~~وجهك كلاما فألجاهم الضيق مما دخل عليهم فى مقالتهم إلى ان قالوا الاخرس ~~متكلم وكذلك الساكت والنائم ولهم فى حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم ~~متكلمون بة ثم افصحوا بإن الخرس والسكوت والافات المانعة من النطق ليست ~~باضداد الكلام # وهذة مقالة تبين فضيحة قائلها فى ظاهرها من غير رد علية ومن علم منه خرق ~~اجماع الكافة ومخالفة كل عقلى وسمعى قبلة لم يناظر بل يجانب ويقمع # وقال أبو نصر السجزى ايضا فى كتابة المسمى بالابانة فى مسألة القرآن لما ~~قيل لة ان القراءة عمل والعمل لا يكون صفة الله والدليل على انها عمل انك ~~تقول قرا فلان يقرا وما حسن فيه ذكر المستقبل فهو عند العرب عمل ~~PageV02P086 # فقال هذا لا يلزم لأنك تقول قال الله عز وجل و يقول الله عز وجل والله ~~تعالى قال @QB@ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة @QE@ سورة البقرة 35 ~~وقال تعالى @QB@ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد @QE@ سورة ق 30 ~~فقد حسن في القول ذكر المستقبل # فإن ارتكبوا العظمى وقالوا كلام الله شيء واحد على أصلنا لا يتجزأ وليس ~~بلغة والله سبحانه من الأزل إلى الأبد ms0291 متكلم بكلام واحد لا أول له ولا آخر ~~فقال ويقول إنما يرجع إلى العبارة لا إلى المعبر عنه # قيل لهم قد بينا مرارا كثيرة أن قولكم في هذا الباب فاسدو أنه مخالف ~~للعقليين والشرعيين جميعا وأن النص الكتاب والثابت من الأثر قد نطقا بفساده ~~قال الله تالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون @QE@ ~~سورة النحل 40 فبين الله سبحانه أنه يقول للشيء كن إذا أراد كونه فعلم بذلك ~~أنه لم يقل للقيامة بعد كوني # وقال أيضا في موضع آخر النبي صلى الله عليه وسلم قال نبدأ بما بدأ الله ~~به ثم قرأ @QB@ إن الصفا والمروة من شعائر الله @QE@ PageV02P087 سورة ~~البقرة 158 والله تعالى قال @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون @QE@ سورة آل عمران 59 وقال @QB@ إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 فبين جل جلاله أنه قال لآدم ~~بعد أن خلقه من تراب كن وأنه إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون ولم يقتض ذلك ~~حدوثا ولا خلقا بعد حدوث نوع الكلام لما قام من الدليل على انتفاء الخلق عن ~~كلام الله تعالى # وقال أبو نصر السجزي أيضا فأما الله تعالى فإنه متكلم فيما لم يزل ولا ~~يزال متكلما لما شاء من الكلام يسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلامه إذا ~~شاء ذلك ويكلم من شاء تكليمه بما يعرفه ولا يجهله وهو سبحانه حي عليم متكلم ~~لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء لا يوصف الا بما وصف به نفسه وبما وصفه به ~~رسوله ليس بجسم ولا في معنى جسم ولا يوصف بأداة ولا جارحة وآلة وكلامه ~~PageV02P088 أحسن الكلام وفيه سور وأي وكلمات وكل ذلك حروف وهو مسموع منه ~~على الحقيقة سماعا يعقله الخلق ولا كيفية لتكلمه وتكليمه وجائز وجود أعداد ~~من المكلمين يكلمهم سبحانه في حال واحدة بما يريده من كل واحد منهم من غير ~~أن يشغله تكليم هذا ms0292 عن تكليم هذا # قال ومنع كثير من أهل العلم إطلاق السكوت عليه ومن أهل الأثر من جوز ~~اطلاق السكوت عليه لوروده في الحديث وقال معناه تركه التوبيخ والتقرير ~~والمحاسبة اليوم وسيأتي يوم يقرر فيه ويحاسب ويوبخ فذلك الترك بمعنى السكوت # قال والأصل الذي يجب أن يعلم أن اتفاق التسميات لا يوجب اتفاق المسمين ~~بها فنحن إذا قلنا إن الله موجود رؤوف واحد حي عليم سميع بصير متكلم وقلنا ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم كان موجودا حيا عالما سميعا بصيرا متكلما لم ~~يكن ذلك تشبيها ولا خالفنا به أحدا من السلف والأئمة بل الله موجود لم يزل ~~واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل ولا يجوز أن يوصف ~~بأضداد هذه الصفات والموجود منا إنما وجد عن عدم وحيي بمعنى PageV02P089 ~~حله ثم يصير ميتا بزوال ذلك المعنى وعلم بعد أن لم يعلم وقد ينسى ما علم ~~وسمع وأبصر وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه ~~بما أطلق للخالق سبحانه وتعالى وإن اتفقت مسميات هذه الصفات # وقال أبو نصر أيضا خاطبني بعض الأشعرية يوما في هذا الفصل وقال التجزؤ ~~على القديم غير جائز فقلت له أتقر بأن الله أسمع موسى كلامه على الحيقة بلا ~~ترجمان فقال نعم وهم يطلقون ذلك ويموهون على من لم يخبر مذهبهم وحقيقة سماع ~~كلام الله من ذاته على أصل الأشعري محال لأن سماع الخلق على ما جبلوا عليه ~~من البنية وأجروا عليه من العادة لا يكون ألبتة الا لما هو صوت أوفي معنى ~~الصوت واذا لم يكن كذلك كان الواصل إلى معرفته بضرب من العلم والفهم وهما ~~يقومان في وقت مقام السماع لحصول العلم بهما كما يحصل بالسماع وربما سمى ~~ذلك سماعا على التجوز لقربه من معناه فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت ~~فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري # قال فقلت لمخاطبي الأشعري قد علمنا جميعا أن حقيقة السماع لكلام الله منه ~~على أصلكم محال وليس ههنا من تتقيه ms0293 وتخشى PageV02P090 تشنيعه وإنما مذهبك ~~أن الله يفهم من شاء كلامه بلطيفة منه حتى يصير عالما متيقنا بأن الذي فهمه ~~كلام الله والذي أريد أن ألزمك وارد على الفهم وروده على السماع فدع ~~التمويه ودع المصانعة ما تقول في موسى عليه السلام حيث كلمه الله أفهم كلام ~~الله مطلقا أم مقيدا فتلكأ قليلا ثم قال ما تريد بعد فقلت دع إرادتي وأجب ~~بما عندك فأبا وقال ما تريد بهذا فقلت أريد أنك إن قلت إنه عليه السلام فهم ~~كلام الله مطلقا اقتضى أن لا يكون لله كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد ~~فهمه موسى وهذا يؤول إلى الكفر فإن الله تعالى يقول @QB@ ولا يحيطون بشيء ~~من علمه إلا بما شاء @QE@ سورة البقرة 255 ولو جاز ذلك لصار من فهم كلام ~~الله عالما بالغيب وبما في نفس الله تعالى وقد نفى الله تعالى ذلك بما أخبر ~~به عن عيسى عليه السلام أنه يقول @QB@ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ~~إنك أنت علام الغيوب @QE@ سورة المائدة 116 وإذا لم يجز إطلاقه وألجئت إلى ~~أن تقول افهمه الله ما شاء من كلامه دخلت في التبعيض الذي هربت منه وكفرت ~~من قال به ويكون مخالفك أسعد منك لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل ~~الله عز وجل ومن قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أبيت أن تقبل ~~PageV02P091 ذلك وادعيت أن الواجب المصير إلى حكيم العقل في هذا الباب وقد ~~ردك العقل إلى موافقة النص خاسئا # فقال هذا يحتاج إلى تأمل وقطع كلام # وقال أبو نصر لم يزل الله متكلما لأن الكلام من صفات المدح لحي الفاعل ~~وضده من النقائص والله منزه عنها وذكر كلاما كثيرا إلى أن قال وقد ثبت بما ~~ذكرناه كون القرآن مفرقا مفصلا ذا أجزاء وأبعاض وآي وكلمات وحروف وأن ما ~~كان بخلاف ذلك لم يكن القرآن المنزل الذي آمن به المسلمون وجحده الكفار وأن ~~المقروء سور وآي وكلمات وحروف وكذلك المحفوظ والمكتوب والمتلو وأنه ms0294 عربي ~~مبين نازل بلسان العرب ولسان قريش والمراد باللسان في هذا الباب اللغة لا ~~اللسان الذي هو لحم ودم وعروق تعالى الله عن ذلك وجل عن أن يوصف إلا بما ~~وصف به نفسه وتنزه عن الأشباه # قال ونحن نذكر عقب هذا الفصل فصلا في ذكر حروف القرآن وفصلا بعد ذلك في ~~الصوت وما ورد فيه من القرآن والحديث وكل ذي لب صحيح يعرف بالحس والمشاهدة ~~قبل الاستدلال أن القرآن العربي حروف ولا فرق بين منكر ذلك ومنكر الحواس ~~وأنها من مباديء العلم وأسباب المدارك PageV02P092 قال وقد بين الله في ~~كتابه مالا إشكال بعده في هذا الفصل لما قال @QB@ وإذ نادى ربك موسى @QE@ ~~سورة الشعراء 10 والعرب لا تعرف نداء الا صوتا وقد جاء عن موسى تحقيق ذلك ~~فإن أنكرو الظاهر كفروا وإن قالوا إن النداء غير صوت خالفوا لغات العرب وإن ~~قالوا نادى المير إذا أمر غيره بالنداء دفعوا فضيلة موسى عليه السلام ~~المختصة به من تكليم الله إياه بذاته من غير واسطة ولا ترجمان وليس في وجود ~~الصوت من الله تعالى تشبيه بمن يوجد الصوت منه من الخلق كما لم يكن في ~~إتبات الكلام له تشبيه بمن له كلام من خلقه وكيف وكلامه وكلام خلقه معا عند ~~الأشعري معنى قائم بذات المتكلم لا يختلف فهو المشبه لا محاله # قال واما نحن فنقول كلام الله حرف وصوت بحكم النص قال وليس ذلك عن جارحة ~~ولا آلة وكلامنا حروف وأصوات لا يوجد ذلك منا الا بآله والله سبحانه وتعالى ~~يتكلم بما شاء لا يشغله شيء عن شيء والمتكلم منا لا يتأتى منه أداء حرفين ~~إلا بأن يفرغ من أحدهما ويبتديء في الآخر والقرآن لما كن كلاما لله كان ~~معجزا وكلام الخلق غير معجز وفي كلام الله بيان ما كان وما سيكون ~~PageV02P093 وما لا يكون ابدا لو كان كيف كان يكون والخلق لا يصلون إلى هذه ~~الأشياء إلا بتعريف # وقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في ~~كتابه ms0295 المعروف بالحجة على تارك المحجة أجمع المسلمون على أن القرآن كلام ~~الله وإذا صح أنه كلام الله صح أنه صفة الله تعالى وأنه موصوف به وهذه ~~الصفة لازمة لذاته تقول العرب زيد متكلم فالكلام صفه له لا نعرف إلا ان ~~حقيقة هذه الصفة الكلام كان كذلك كان القرآن كلام الله وكانت هذه الصفه ~~لازمه له أزلية والدليل على ان الكلام لا يفارق المتكلم أنه لو كان مفارقه ~~لم يكن للمتكلم الا كلمة واحدة فإذا تكلم بها لم يبق له كلام فلما كان ~~المتكلم قادرا على كلمات كثيرة كلمة بعد كلمة دل على أن تلك الكلمات فروع ~~لكلامه الذي هو صفة له ملازمة # قال والدليل على أن القرآن غير مخلوق أنه كلام الله وكلام الله سبب إلى ~~خلق الأشياء قا الله تعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون @QE@ سورة النحل 40 أي أردنا خلقه وايجاده وإظهاره فقوله كن كلام ~~الله وصفته والصفة التي منها يتفرع PageV02P094 الخلق والفعل وبها يتكون ~~المخلوق لا تكون مخلوقة ولا يكون مثلها للمخلوق والدليل على أنه كلام لا ~~يشبه كلام المخلوقين أنه كلام معجز وكلام المخلوقين غير معجز لو اجتمع ~~الخلق على أن يأتوا بمثل سورة من سوره أو آية من آياته عجزوا عن ذلك ولم ~~يقدروا عليه # وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي ~~سماه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول وذكر اثني عشر إماما الشافعي ومالك ~~والثوري وأحمد وابن عيينة وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وأسحاق بن ~~راهوية والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم # ثم قال فيه سمعت الإمام أبا منصو محمد بن أحمد يقول سمعت الإمام أبا بكر ~~عبد اله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرايني يقول مذهبي ومذهب ~~الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو ~~كافر والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم ~~سمعه من جبريل والصحابة سمعوه من رسول ms0296 الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي ~~نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ~~ومحفوظا ومنقوشا وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام PageV02P095 الله غير ~~مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس اجمعين قال ~~الشيخ أبو الحسن وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني شديد الإنكار على ~~الباقلاني وأصحاب الكلام قال ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ~~ينسبوا إلى الأشعري ويتبرؤن مما بنى الأشعري مذهبه عليه وينهون أصحابهم ~~وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ ~~المؤتمن بن أحمد بن على الساجي يقولون سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا ~~كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة الذي طبق ~~الأرض علما وأصحابا اذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور ~~يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع ويقبل على من حضر ويقول اشهدوا ~~على بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قاله الإمام ابن حنبل لا كما يقوله ~~الباقلاني وتكرر ذلك منه جمعات فقيل له في ذلك PageV02P096 فقال حتى ينتشر ~~في الناس وفي أهل الصلاح ويشيع الخبر في أهل البلاد أني بريء مما هم عليه ~~يعني الأشعرية وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني فإن جماعة من المتفقهة ~~الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية وقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه فإذا رجعوا ~~إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم منى تعلموه قبله وأنا ما ~~قلته وأنا بريء من مذهب البلاقلاني وعقيدته # قال الشيخ أبو الحسن الكرجي وسمعت شيخي الإمام أبا منصور الفقيه ~~الأصبهاني يقول سمعت شيخنا الأمام أبا بكر الزاذقاني يقول كنت في درس الشيخ ~~أبي حامد الإسفرانين وكان ينهي أصحابه عن الكلام وعن الدخول على الباقلاني ~~فبلغه أن نفرا من أصحابه يدخلون عليه خفية لقراءة الكم فظن أني معهم ومنهم ~~وذكر قصة قال في آخرها إن الشيخ أبا حامد قال لي يا بني قد بلغني أنك تدخل ~~على هذا الرجل يعني الباقلاني فإياك وإياه ms0297 فإنه مبتدع يدعو الناس إلى ~~الضلالة وإلا فلا تحضر مجلسي فقلت أنا عائذ بالله مما قيل وتائب اليه ~~واشهدوا على أني لا أدخل إليه PageV02P097 # قال الشيخ أبو الحسن وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي ~~يقول سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي ~~أحدهم قالوا كان أبو بكر الباقلانى يخرج إلى الحمام متبرقعا خوفا من الشيخ ~~أبي حامد الإسفرايني # قال أبو الحسن ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام حتى ميز أصول ~~فقه الشافعي من أصول الأشعري وعلقه عنه أبو بكر الزاذاقاني وهو عندي وبه ~~اقتدي الشيخ أبو اسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع والتبصرة حتى لو وافق قول ~~الأشعري وجها لأصحابنا ميزه وقال هو قول بعض اصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم ~~يعدهم من أصحاب الشافعي استنكفوا منهم ومن مذهبهم في اصول الفقه فضلا عن ~~أصول الدين # قلت هذا المنقول عن الشيخ أبي حامد وأمثاله من أئمة اصحاب الشافعي أصحاب ~~الوجوه معروف في كتبهم المصنفة في أصول الفقه وغيرها # وقد ذكر الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابو اسحاق الشرازي وغير واحد ~~بينوا مخالفة الشافعي وغيره من الأئمة لقول ابن كلاب والأشعري في مسألة ~~الكلام التي امتاز بها ابن كلاب والأشعري عن غيرهما والا فسائر المسائل ليس ~~لابن كلاب والأشعري بها PageV02P098 اختصاص بل ما قالاه قاله غيرهما إما من ~~أهل السنة والحديث وإما من غيرهم بخلاف ما قاله ابن كلاب في مسألة الكلام ~~واتبعه عليه الأشعري فإنه لم يسبق ابن كلاب إلى ذلك أحد ولا وافقه عليه أحد ~~من رؤوس الطوائف واصله في ذلك هي مسألة الصفات الإختيارية ونحوها من الأمور ~~المتعلقة بمشيئته وقدرته تعالى هل تقوم بذاته أم لا فكان السلف والأئمة ~~يثبتون ما يقوم بذاته من الصفات والأفعال مطلقا والجهمية من المعتزلة ~~وغيرهم ينكرون ذلك مطلقا فوافق ابن كلاب والسلف والأئمة في إثبات الصفات ~~ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال به تعالى وما يتعلق بمشيئته وقدرته # ولهذا وغيره تكلم الناس فيمن اتبعه ms0298 كالقلانسي والأشعري ونحوهما بأن في ~~أقوالهم بقايا من الإعتزال وهذه البقايا أصلها هو الإستدلال على حدوث ~~العالم بطريقة الحركات فإن هذا الأصل هو الذي أوقع المعتزلة في نفي الصفات ~~والأفعال # وقد ذكر الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب أنه طريق مبتدع في ~~دين الرسل محرم عندهم وكذلك غير الأشعري كالخطابي وأمثاله يذكرون ذلك لكن ~~مع هذا من وافق ابن كلاب لا يرى بطلان هذه الطريقة عقلا وإن لم يقل إن ~~الدين محتاج اليها فلما رأى من رأى صحتها لزمه إما قول ابن كلاب أو ما ~~يضاهيه # وهذا الذي نقلوه من إنكار أبي حامد وغيره على القاضي أبي بكر PageV02P099 ~~الباقلاني هو بسبب هذا الاصل وجرى له بسبب ذلك امور اخرى وقام عليه الشيخ ~~أبو حامد والشيخ أبو عبدالله بن حامد وغيرهما من العلماء من اهل العراق ~~وخراسان والشام واهل الحجاز ومصر مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة ~~والمحاسن الكثيرة والرد على الزنادقة والملحدين واهل البدع حتى انه لم يكن ~~في المنتسبين إلى ابن كلاب والأشعري اجل منه ولا احسن كتبا وتصنيفا وبسببه ~~انتشر هذا القول وكان منتسبا إلى الامام أحمد واهل السنة واهل الحديث ~~والسلف مع انتسابه إلى مالك والشافعي وغيرهما من الائمة حتى كان يكتب في ~~بعض اجوبته محمد بن الطيب الحنبلى وكان بينه وبين ابى الحسن التميمي واهل ~~بيته وغيرهم من التميميين من الموالاة والمصافاة ما هو معروف كما تقدم ذكر ~~ذلك ولهذا غلب على التميين موافقته في اصوله ولما صنف أبو بكر البيهقى ~~كتابة فى مناقب الامام أحمد وابو بكر البيهقى موافق لابن الباقلانى فى ~~اصوله ذكر أبو بكر اعتقاد أحمد الذى صنفه أبو الفضل عبد الواحد بن ابى ~~الحسن التميمى وهو مشابه لاصول القاضى ابى بكر وقد حكى عنه انه كان اذا درس ~~مسالة الكلام على اصول ابن كلاب و الاشعرى يقول هذا الذى ذكره أبو الحسن ~~اشرحه لكم و انا لم تتبين لى هذه المسالة فكان يحكى عنه الوقف فيها اذ له ~~فى ms0299 عدة من المسائل PageV02P100 قولان وأكثركما تنطق بذلك كتبه ومع هذا تكلم ~~فيه أهل العلم وفي طريقته التي أصلها هذه المسأله مما يطول وصفه كما تكلم ~~من قبل هؤلاء في ابن كلاب ومن وافقه حتى ذكر أبو اسماعيل الانصاري قال سمعت ~~أحمد بن أبي رافع وخلقا يذكرون شدة أبي حامد يعني الإسفرايني على ابن ~~الباقلاني قال وأنا بلغت رسالة أبي سعد إلى ابنه سالم ببغداد ان كنت تريد ~~أن ترجع إلى هراة فلا تقرب الباقلاني قال وسمعت الحسين بن أبي امامة ~~المالكي يقول سمعت أبي يقول لعن الله أبا ذر الهروي فإنه أول من حمل الكلام ~~إلى الحرم وأول من بثه في المغاربه # قلت أبو ذر فيه من العلم والدين والمعرفة في الحديث والسنة وانتصابه ~~لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف ~~به وكان قد قدم إلى بغداد من هراة فأخذ طريقة إبن الباقلاني وحملها إلى ~~الحرم فتكلم فيه وفي طريقته من تكلم كأبي نصر السجزي وأبي القاسم سعد بن ~~علي الزنجاني وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين بما ليس هذا موضعه وهو ~~ممن يرجح طريقة الصبغي والثقفي على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث ~~وأهل المغرب كانوا يحجون فيجتمعون به ويأخذون عنه الحديث وهذه الطريقة ~~ويدلهم على أصلها فيرحل منهم من يرحل إلى المشرق كما رحل أبو الوليد ~~PageV02P101 الباجي فأخذ طريقة أبي جعفر السمناني الحنفي صاحب القاضي أبي ~~بكر ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد # ثم إنه ما من هؤلاء الا من له في الاسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة وله ~~في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والإنتصار لكثير من أهل السنة ~~والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم ويعلم وصدق وعدل وانصاف ~~لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المتعزلة وهم فضلاء عقلاء ~~احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره ~~المسلمون من أهل العلم ms0300 والدين وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم لما لهم ~~من المحاسن والفضائل ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل ~~وخيار الأمور أوساطها # وهذا ليس مخصوصا بهؤلاء بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين والله ~~تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات @QB@ ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم @QE@ PageV02P102 سورة الحشر 10 # ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله ~~لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ ~~سورة البقرة 226 # ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صوابا ~~بعد اجتهاده وهو من البدع المخالفه للسنة فإنه يلزمه نظير ذلك أو أعظم أو ~~أصغر في من يعظمه هو من أصحابه فقل من يسلم من مثل ذلك من المتأخرين لكثرة ~~الإشتباه و الإضطراب وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل ~~الهدى والصواب ويزول به عن القلوب الشك والاتياب ولهذا تجد كثيرا من ~~المتأخرين من علماء الطوائف يتناقضون في مثل هذه الأصول ولوازمها فيقولون ~~القول الموافق للسنة وينفون ما هو من لوازمه غير ظانيين أنه من لوازمه ~~ويقولون ما ينافيه غير ظانيين أنه ينافيه ويقولون بملزومات القول المنافي ~~الذي ينافي ما أثبتوه من السنة وربما كفروا من خالفهم في القول المنافي ~~وملزوماته فيكون مضمون قولهم أن PageV02P103 يقولوا قولا ويكفروا من يقوله ~~وهذا يوجد لكثير منهم في الحال الواحد لعدم تفطنه لتناقض القولين ويوجد في ~~الحالين لإختلاف نظر واجتهاده # وسبب ذلك ما أوقعه أهل الإلحاد والضلال من الألفاظ المجمله التي يظن ~~الظان أن لا يدخل فيها الا الحق وقد دخل فيها الحق والباطل فمن لم ينقب ~~عنها أويستفصل المتكلم بها كما كان السلف والأئمة يفعلون صار متناقضا أو ms0301 ~~مبتدعا ضالا من حيث لا يشعر # وكثير ممن تكلم بالألفاظ المجملة المبتدعة كلفظ الجسم والجوهر والعرض ~~وحلول الحوادث ونحو ذلك كانوا يظنون أنهم ينصرون الاسلام بهذه الطريقة ~~وأنهم بذلك يثبتون معرفة الله وتصديق رسوله فوقع منهم من الخطأ والضلال ما ~~أوجب ذلك وهذه حال أهل البدع كالخوارج وأمثالهم فإن البدعة لا تكون حقا ~~محضا موافقا للسنة اذ لو كانت كذلك لم تكن باطلا ولا تكون باطلا محضا لا حق ~~فيه اذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس ولكن تشتمل على حق وباطل فيكون ~~صاحبها قد لبس الحق بالباطل إما مخطئا غالطا وإما متعمدا لنفاق فيه والحاد ~~PageV02P104 # كما قال تعالى @QB@ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم ~~يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم @QE@ سورة التوبة 47 فأخبر أن المنافقين ~~لو خرجوا في جيش المسلمين ما زادوهم الا خبالا ولكانوا يسعون بينهم مسرعين ~~يطلبون لهم الفتنة وفي المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم اما لظن مخطىء أو ~~لنوع من الهوى أو لمجموعهما فإن المؤمن إنما يدخل عليه الشيطان بنوع من ~~الظن واتباع هواه ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إن الله يحب البصر النافذ عند وجود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول ~~الشهوات # وقد أمر المؤمنين أن يقولوا في صلاتهم @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ سورة الفاتحة 6 7 ~~فالمغضوب عليهم عرفوا الحق ولم يعملوا به والضالون عبدوا الله بلا علم # ولهذا نزه الله نبيه عن الأمرين بقوله @QB@ والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم ~~وما غوى @QE@ سورة النجم 1 2 وقال تعالى @QB@ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب أولي الأيدي والأبصار @QE@ سورة ص 45 # وهذا الذي تقدم ذكره من إنكار ائمة الراقيين من أصحاب الشافعي قول ابن ~~كلاب ومتبعيه في القرآن هو معروف في كتبهم PageV02P105 ومعلوم أنه ليس بعد ~~الشافعي وابن سريج مثل الشيخ أبي حامد الإصفرايني حتى ذكر أبو اسحاق في ~~طبقات الفقهاء عن أبي الحسين القدوري ms0302 أنه كان يقول في الشيخ أبي حامد إنه ~~انظر من الشافعي وهذا الكلام وإن لم يكن مطابقا لمعناه لجلالة قدر الشافعي ~~وعلو مرتبته فلولا براعة أبي حامد ما قال فيه الشيخ أبو الحسين القدوري مثل ~~هذا القول # وقد قال أبو حامد في كتاب التعليق في اصول الفقه مسألة في أن الأمر أمر ~~لصيغته أو لقرينة تقترن به أختلف الناس في الأمر هل له صيغة تدل على كونه ~~أمرا أم ليس له ذلك على ثلاثة مذاهب فذهب ائمة الفقهاء إلى أن الأمر له ~~صيغة تدل بمجردها على كونه أمرا اذا عريت عن القرائن وذلك مثل قول القائل ~~افعل كذا وكذا وذا وجد ذلك عاريا عن القرائن كان أمرا ولا يحتاج في كونه ~~أمرا إلى قرينه # هذا مذهب الشافعي رحمه الله ومالك وأبي حنيفة والأوزاعي وجماعة أهل العلم ~~وهو قول البلخي من المعتزلة # وذهبت المعتزلة بأسرها غير البلخي إلى ان الأمر لا صيغة له ولا يدل اللفظ ~~بمجرده على كونه أمرا وإنما يكون أمرا بقرينة تقترن PageV02P106 به وهي ~~الإرادة ثم اختلفوا في تلك الإرادة فمنهم من قال هي ارادة المأمور به فاذا ~~قال افعل واراد بذلك ايجاد المأمور به صار أمرا واذا عري عن ذلك لم يكن ~~امرا ومنهم من قال يحتاج إلى ارادة شيئين إرادة المأمور به وإرادة كون ~~اللفظ أمرا ومنهم من اعتبر إرادة ثلاثة أشياء ولسنا نتكلم معهم في هذا ~~الفصل فإنه شيء يتفرع على مذاهبهم وانما الخلاف بيننا وبينهم في الأصل وهو ~~أن اللفظ هل يكون امرا بصيغته أو بقرينة تقترن به # وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الآمر لا يفارق ~~الذات ولا يزايلها وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر ~~والاستخبار وغير ذلك كل هذه المعاني قائمة بالذات لا تزايلها كالقدرة ~~والعلم وغير ذلك وسواء فى هذا أمر الله تعالى وأمر الآدميين الا إلا أن ~~امرا الله تعالى يختص بكونه قديما وامر الآدمي محدث وهذه الألفاظ والأصوات ~~ليست عندهم أمرا ولا ms0303 نهيا وانما هي عبارة عنه # قال وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول هي حكاية عن الأمر ~~وخالفه أبو الحسن الأشعري في ذلك فقال لا يجوز أن يقال إنها حكاية لأن ~~الحكاية تحتاج إلى أن تكون مثل المحكي ولكن هو عبارة عن الأمر القائم ~~بالنفس وتقرر مذهبهم على هذا فإذا كان هذا حقيقة مذهبهم فليس يتصور بيننا ~~وبينهم خلاف PageV02P107 في أن الأمر هل له صيغة أم لا فإنه اذا كان الأمر ~~عندهم هو المعنى القائم بالنفس فذلك المعنى لا يقال إن له صيغة أو ليست له ~~صيغة وانما يقال ذلك في الألفاظ ولكن يقع الخلاف في اللفظ الذي هو عندهم ~~عبارة عن الأمر وعندنا أن هذا هو أمر وتدل صيغته على ذلك من غير قرينه ~~وعندهم أنه لا يكون عبارة عن الأمر ولا دالا على ذلك بمجرد صيغته ولكنه ~~يكون موقوفا على ما بينه الدليل فإن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن ~~غيره من التهديد والتعجيز والتحذير وغير ذلك حمل عليه الا أننا نتكلم معهم ~~في الجملة أن هذا اللفظ هل يدل على الأمر من غير قرينه أم لا وبسط كلامه في ~~هذه المسأله إلى آخرها # وهذا ايضا معروف عن أئمة الطريقة الخراسانية ومن متأخريهم أبو محمد ~~الجويني والد أبي المعالي # وقد ذكر القاضي أبو القاسم بن عساكر في مناقبه ما ذكره عبد الغافر ~~الفارسي في ترجمة أبي محمد الجويني قال سمعت خالي أبا PageV02P108 سعيد ~~يعني عبد الواحد بن أبي القاسم القشيري يقول كان أئمتنا في عصره والمحققون ~~من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة أنه لو جاز أن ~~يبعث الله نبيا في عصره لما كان الا هو من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته ~~في كمال فضله # قال أبو محمد في آخر كتاب صنفه سماه عقيدة أصحاب الامام المطلبي الشافعي ~~وكافة أهل السنة والجماعة وقد نقل هذا عنه أبو القاسم ابن عساكر في كتابه ~~الذي سماه تبيين كذب المفتري # قال أبو محمد ونعتقد أن ms0304 المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد ويجب ~~التعيين في الأصول فأما في الفروع فربما يتأتى التعيين وربما لا يتأتى ~~ومذهب الشيخ أبي الحسن تصويب المجتهدين في الفروع وليس ذلك مذهب الشافعي ~~وأبو الحسن أحد اصحاب الشافعي فاذا خالفه في شيء أعرضنا عنه فيه ومن هذا ~~القبيل قوله انه لا صيغة للألفاظ أي كلام وتقل وتعز PageV02P109 مخالفته ~~اصول الشافعي ونصوصه وربما نسب المبتدعون اليه ما هو بريء منه كما نسبوا ~~اليه أنه يقول ليس في المصحف قرآن ولا في القبر نبي وكذلك الاستثناء في ~~الايمان ونفي القدرة على الخلق في الأزل وتكفير العوام وايجاب علم الدليل ~~عليهم قال وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه فوجدته كلها خلاف ما نسب اليه # قلت هذه المسائل فيها كلام ليس هذا موضعه ولكن المقصود هنا أنه جعل من ~~القبيل الذي خالف فيه الشافعي وأعرض عنه فيه أصحابه مسألة صيغ الألفاظ وهذه ~~هي مسألة الكلام وقوله فيها هو قول ابن كلاب ان كلام الله معنى واحد قائم ~~بنفس الله تعالى ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا وان عبر عنه بالعبرية كان ~~توراة وان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا وان القرآن العربي لم يتكلم الله ~~به وليس هو كلام الله وانما خلقه في بعض الأجسام # وجمهور الناس من أهل السنة وأهل البدعة يقولون ان فساد هذا القول معلوم ~~بالاضطرار وان معاني القرآن ليست هي معاني التوراة المعربة هي القرآن ولا ~~القرآن اذا ترجم بالعبرية هو التوراة ولا حقيقة الأمر هي حقيقة الخبر ~~PageV02P110 وإنما اضطر ابن كلاب والأشعري ونحوهما إلى هذا الأصل أنهم لما ~~اعتقدوا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا تكلم ولا ~~غير ذلك وقد تبين لهم فساد قول من يقول القرآن مخلوق ولا يجعل لله تعالى ~~كلاما قائما بنفسه بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره وعرفوا أن الكلام لا يكون ~~مفعولا منفصلا عن المتكلم ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه بل اذا خلق ~~الله شيئا من الصفات ms0305 والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل لا لله فإذا خلق ~~في محل الحركة كان ذلك المحل هو المتحرك بها وكذلك اذا خلق فيه حياة كان ~~ذلك المحل هو الحي بها وكذلك اذا خلق علما أو قدرة كان ذلك المحل هو العالم ~~القادر فإذا خلق كلاما في غيره كان ذلك المحل هو المتكلم به # وهذا التقرير مما اتفق عليه القائلون بأن القرآن غير مخلوق من جميع ~~الطوائف مثل أهل الحديث والسنة ومثل الكرامية والكلابية وغيرهم # ولازم هذا أن من قال ان القرآن العربي مخلوق أن لا يكون القرأن العربي ~~كلام الله بل يكون كلاما للمحل الذي خلق فيه ومن PageV02P111 قال ان لفظ ~~الكلام يقع بالاشتراك على هذا وهذا تبطل حجته على المعتزلة فان أصل الحجة ~~أنه اذا خلق كلاما في محل كان الكلام صفة لذلك المحل فإذا كان القرآن ~~العربي كلاما مخلوقا في محل كان ذلك المحل هو المتكلم به ولم يكن كلام الله ~~ولهذا قال من قال لا يسمى كلاما الا مجازا فرارا من أن يثبتوا كلاما حقيقيا ~~قائما بغير المتكلم به فلما عظم شناعة الناس على هذا القول وكان تسمية هذا ~~كلاما حيقيقة معلوما بالاضطرار من اللغة اراد من ينصرهم أن يجعل لفظ الكلام ~~مشتركا فأفسد الأصل الذي بنوا عليه قولهم # وبإنكار هذا الأصل استطال عليهم من يقول بخلق القرآن من المعتزلة والشيعة ~~والخوارج ونحوهم فإن هؤلاء لما ناظرهم من سلك طربقة ابن كلاب ومضمونها أن ~~الله لا يقدر على الكلام ولا يتكلم بما شاء ولا هو متكلم باختياره ومشيئته ~~طمع فيهم أولئك لأن حمهور الخلق يعلمون أن المتكلم يتكلم بمشيئته واختباره ~~وهو قادر على الكلام هو يتكلم بما يشاء # ولكن منشأ اضطراب الفريقين اشتراكهما في أنه لا يقوم به ما يكون ~~PageV02P112 بإرادته وقدرته فلزم هؤلاء اذا جعلوه يتكلم بإرادته وقدرته ~~واختياره أن يكون كلامه مخلوقا منفصلا عنه ولزم هؤلاء اذا جعلوه غير مخلوق ~~أن لا يكون قادرا على الكلام ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يتكلم بما يشاء ms0306 # والمقصود هنا أن عبد الله بني سعيد بن كلاب وأتباعه وافقوا سلف الأمة ~~وسائر العقلاء على ان كلام المتكلم لا بد أن يقوم به فما لا يكون الابئنا ~~عنه لا يكون كلامه كما قال الأئمة كلام الله من الله ليس ببائن منه وقالو ~~ان القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ واليه يعود فقالوا منه بدأ ردا على ~~الجهمية الذين يقولون بدأ من غيره ومقصودهم أنه هو المتكلم به كما قال ~~تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم @QE@ سورة الزمر 1 وقال ~~تعالى @QB@ ولكن حق القول مني @QE@ سورة السجدة 13 وأمثال ذلك # ثم إنهم مع موافقتهم للسلف والأئمة والجمهور على هذا اعتقدوا هذا لأصل ~~وهو أنه لا يقوم به ما يكون مقدور له متعلقا بمشيئته بناء على هذا الأصل ~~الذي وافقوا فيه المعتزلة فاحتاجوا حينئذ ان يثبتوا ما لا يكون مقدورا ~~مرادا قالوا والحروف المنظومة والأصوات لا تكون الا مقدورة مراده فأثبتوا ~~معنى واحدا لم يمكنهم اثبات معان متعددة خوفا من اثبات ما لا نهاية له ~~فاحتاجوا PageV02P113 أن يقولوا معنى واحدا فقالوا القول الذي لزمته تلك ~~اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور العقلاء عليهم # وأنكر الناس عليهم امورا اثبات معنى واحد هو الأمر والخبر وجعل القرآن ~~العربي ليس من كلام الله الذي تكلم به وأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله ~~وأن التوراة والانجيل والقرآن انما تختلف عباراتها فإذا عبر عن التوراة ~~بالعربية كان هو القرآن وأن الله لا يقدر أن يتكلم ولا يتكلم بمشيئته ~~واختياره وتكليمه لمن كلمه من خلقه كموسى وآدم ليس الا خلق ادراك ذلك ~~المعنى لهم فالتكليم هو خلق الادراك فقط # ثم منهم من يقول السمع يتعلق بذلك المعنى وبكل موجود فكل موجود يمكن أن ~~يرى ويسمع كما يقوله أبو الحسن # ومنهم من يقول بل كلام الله لا يسمع بحال لا منه ولا من غيره اذ هو معنى ~~والمعنى يفهم ولا يسمع كما يقوله أبو بكر ونحوه # ومنهم من يقول إنه يسمع ذلك المعنى من القاريء ms0307 مع صوته المسموع منه كما ~~يقول ذلك طائفة أخرى # وجمهور العقلاء يقولون إن هذه الأقوال معلومة الفساد PageV02P114 ~~بالضرورة وانما ألجأ اليها القائلين بها ما تقدم من الأصول التي استلزمت ~~هذه المحاذير واذا انتفى اللازم انتفى الملزوم # وكذلك من قال لا يتكلم الا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة وهو لا يقدر ~~على التكلم بها ولا له في ذلك مشيئة ولا فعل من أهل الحديث والفقهاء ~~والكلام المنتسبين إلى السنة فجمهور العقلاء يقولون ان قول هؤلاء ايضا ~~معلوم الفساد بالضرورة وانما ألجأهم إلى ذلك اعتقادهم أن الكلام لا يتعلق ~~بمشيئة المتكلم وقدرته مع علمهم بأن الكلام يتضمن حروفا منظومة وصوتا ~~مسموعا من المتكلم # وأما من قال ان الصوت المسوع من القاريء قديم أو يسمع منه صوت قديم ومحدث ~~فهذا أظهر فسادا من أن يحتاج إلى الكلام عليه وكلام السلف والأئمة والعلماء ~~في هذا الأصل كثير منتشر ليس هذا موضع استقصائه # وأما دلالة الكتاب والسنة على هذا الأصل فأكثر من أن تحصر وقد ذكر منها ~~الامام أحمد وغيره من العلماء في الرد على الجهمية ما جمعوه كما ذكر منها ~~الخلال في كتاب السنة قال أخبرنا المروزي قال هذا ما جمعه واحتج به أبو عبد ~~الله على الجهمية من القرآن وكتبه بخطه وكتبته من كتابه فذكر المروزي آيات ~~كثيرة دون ما ذكر الخضر بن أحمد عن عبد الله بن أحمد وقال فيه سمعت ~~PageV02P115 أبا عبد الله يقول في القرآن عليهم من الحجج في غير موضع يعني ~~الجهمية # قال الخلال وأنبأنا الخضر بن أحمد المثنى الكندى سمعت عبد الله بن أحمد ~~بن حنبل قال وجدت هذا الكتاب بخط أبي فيما احتج به على الجهمية وقد ألف ~~الآيات إلى الآيات في السور فذكر آيات كثيرة تدل على هذا الأصل مثل قوله ~~تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون @QE@ سورة البقرة 186 وقوله تعالى ~~بديع @QB@ السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ سورة ms0308 ~~البقرة 117 وقوله @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ~~ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم ~~القيامة @QE@ سورة البقرة 174 وقوله تعالى @QB@ قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها @QE@ سورة المجادلة 1 وقوله تعالى @QB@ لقد سمع الله قول ~~الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء @QE@ سورة آل عمران 181 وقوله تعالى ~~@QB@ إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم @QE@ إلى قوله ~~تعالى @QB@ كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~@QE@ سورة آل عمران 45 47 وقوله تعالى @QB@ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ~~خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون @QE@ PageV02P116 سورة آل عمران 59 وقوله ~~تعالى @QB@ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق ~~لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة @QE@ سورة آل ~~عمران 77 وقوله تعالى @QB@ وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول ~~كن فيكون قوله الحق وله الملك @QE@ سورة الأنعام 73 @QB@ وكلم الله موسى ~~تكليما @QE@ سورة النساء 164 وقوله @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ~~@QE@ سورة الأعراف 143 @QB@ ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي ~~شك منه مريب @QE@ سورة هود 110 @QB@ ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم @QE@ سورة ~~الشورى 21 @QB@ وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين @QE@ ~~سورة هود 119 @QB@ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن ~~كنت من قبله لمن الغافلين @QE@ سورة يوسف 3 وقوله @QB@ قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي @QE@ سورة الكهف 109 ~~وقال تعالى @QB@ فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري @QE@ سورة طه 11 14 الى PageV02P117 قوله ~~@QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ سورة طه 46 @QB@ وألقيت عليك محبة مني ~~ولتصنع ms0309 على عيني @QE@ سورة طه 39 @QB@ ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ~~وأجل مسمى @QE@ سورة طه 129 @QB@ وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت ~~أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم ~~@QE@ سورة الأنبياء 83 84 وقوله @QB@ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن ~~نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ~~فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين @QE@ سورة الأنبياء 87 88 ~~وقوله @QB@ وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ~~فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه @QE@ سورة الأنبياء 88 89 ~~وقوله @QB@ الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش الرحمن فاسأل به خبيرا @QE@ سورة الفرقان 59 وقوله @QB@ فلما جاءها ~~نودي أن بورك من في النار ومن حولها @QE@ سورة النمل 80 وقوله @QB@ فلما ~~أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى ~~إني أنا الله رب العالمين @QE@ سورة القصص 30 وقوله تعالى @QB@ إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 88 وقوله تعالى ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ~~PageV02P118 سورة الصافات 171 173 وقوله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون @QE@ سورة الزمر 67 وقوله تعالى @QB@ هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ سورة غافر 68 @QB@ وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم @QE@ سورة غافر 60 @QB@ ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ~~لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب @QE@ سورة ~~الشورى 14 @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو ~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ سورة الشورى 51 وقوله تعالى @QB@ فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم @QE@ سورة الزخرف 55 وقوله @QB@ قد سمع الله قول ms0310 التي ~~تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما @QE@ سورة المجادلة # قلت وفي القرآن مواضع كثيرة تدل على هذا الأصل كقوله تعالى @QB@ هو الذي ~~خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل ~~شيء عليم @QE@ سورة البقرة 29 وقوله @QB@ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ~~في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين @QE@ إلى قوله @QB@ ثم استوى ~~إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين @QE@ سورة فصلت 9 11 وقوله @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام @QE@ سورة البقرة 210 وقوله @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ PageV02P119 سورة الأنعام ~~158 وقوله @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ سورة الفجر 22 وقوله تعالى ~~@QB@ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون @QE@ سورة التوبة 105 ~~وقوله @QB@ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون @QE@ سورة ~~يونس 14 وقوله تعالى @QB@ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش @QE@ سورة الأعراف 54 في غير موضع في القرآن وقوله ~~تعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون @QE@ سورة ~~النحل 40 وقوله تعالى @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا ~~فيها @QE@ سورة الاسراء 16 وقوله تعالى @QB@ وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا ~~مرد له وما لهم من دونه من وال @QE@ سورة الرعد وقوله تعالى @QB@ كل يوم هو ~~في شأن @QE@ سورة الرحمن 29 وقوله تعالى @QB@ ويوم يناديهم فيقول ماذا ~~أجبتم المرسلين @QE@ سورة القصص 65 وقوله تعالى @QB@ ويوم يناديهم فيقول ~~أين شركائي الذين كنتم تزعمون @QE@ سورة القصص 62 @QB@ وإذ نادى ربك موسى ~~أن ائت القوم الظالمين @QE@ سورة الشعراء 10 @QB@ وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة @QE@ سورة الأعراف 22 ~~وقوله PageV02P120 تعالى @QB@ قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون ~~@QE@ سورة الشعراء 15 وقوله @QB@ سلام قولا من رب رحيم @QE@ سورة ms0311 يس 58 ~~وقوله تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث @QE@ سورة الزمر 23 وقوله @QB@ فبأي ~~حديث بعد الله وآياته يؤمنون @QE@ سورة الجاثية 6 وقوله @QB@ فبأي حديث ~~بعده يؤمنون @QE@ سورة المرسلات 50 وقوله @QB@ ومن أصدق من الله حديثا @QE@ # وأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى بل يدخل في ذلك عامة ما أخبر الله به ~~من أفعاله لا سيما المرتبة كقوله تعالى @QB@ ولسوف يعطيك ربك فترضى @QE@ ~~سورة الضحى 5 وقوله @QB@ فسنيسره لليسرى @QE@ سورة الليل 7 وقوله @QB@ ~~فسنيسره للعسرى @QE@ سورة الليل 10 وقوله @QB@ إن إلينا إيابهم ثم إن علينا ~~حسابهم @QE@ سورة الغاشية 25 26 وقوله @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ سورة القيامة 17 19 وقوله @QB@ ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ سورة الإنشقاق 8 وقوله @QB@ أنا صببنا الماء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا @QE@ سورة عبس 25 26 وقوله تعالى @QB@ وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه @QE@ سورة الروم 27 وقوله @QB@ ألم نهلك ~~الأولين ثم نتبعهم الآخرين @QE@ سورة المرسلات 16 17 ونحو ذلك PageV02P121 ~~لكن الاستدلال بمثل هذا مبني على أن الفعل ليس هو المفعول والخلق ليس هو ~~المخلوق وهو قول جمهور الناس على اختلاف اصنافهم وقد قرر هذا في غير هذا ~~الموضع # ثم هؤلاء على قولين منهم من يقول ان الفعل قديم لازم للذات لا يتعلق ~~بمشيئته وقدرته ومنهم من يقول يتعلق بمشيئته وقدرته وإن قيل ان نوعه قديم ~~فهؤلاء يحتجون بما هو الظاهر المفهوم من النصوص # واذا تأول من ينازعهم أن التجدد انما هو المفعول المخلوق فقط من غير تجدد ~~فعل كان هذا بمنزلة من يتأول نصوص الإرادة والحب والبغض والرضا والسخط على ~~أن التجدد ليس أيضا الا المخلوقات التي تراد وتحب وترضى وتسخط وكذلك نصوص ~~القول والكلام والحديث ونحو ذلك على أن المجدد ليس الا ادراك الخلق لذلك ~~وتأويل الاتيان والمجيء على أن المتجدد ليس الا مخلوقا من المخلوقات # فهذه التأويلات كلها من نمط واحد ولا نزاع بين الناس أنها خلاف المفهوم ~~الظاهر الذي دل عليه القرآن ms0312 والحديث PageV02P122 # ثم ملاحدة الباطنية يقولون ان الرسل ارادوا افهام الناس ما يتخيلونه وان ~~لم يكن مطابقا للخارج ويجعلون ذلك بمنزلة ما يراه النائم فتفسر القرآن ~~عندهم يشبه تعبير الرؤيا التي لا يفهم تعبيرها من ظاهرها كرؤيا يوسف والملك ~~بخلاف الرؤيا التي يكون ظاهرها مطابقا لباطنها # وأما المسلمون من أهل الكلام النفاة فهم وإن كانوا يكفرون من يقول بهذا ~~فإما أن يتأولوا تأويلات يعلم بالضرورة أن الرسول لم يردها وإما أن يقولوا ~~ما ندري ما أراد فهم اما جهل بسيط أو مركب ومدار هؤلاء كلهم على أن العقل ~~عارض ما دلت عليه النصوص # وقد بين أهل الإثبات أن العقل مطابق موافق لما أخبرت به النصوص ودلت عليه ~~لا معارض له لكن المقصود هنا أن نبين أن القرآن والسنة فنهما من الدلالة ~~على هذا الأصل ما لا يكاد يحصر فمن له فهم في كتاب الله يستدل بما ذكر من ~~النصوص على ما ترك ومن عرف حقيقة قول النفاة علم أن القرآن مناقض لذلك ~~مناقضة لا حيلة لهم فيها وأن القرآن يثبت ما يقدر الله عليه ويشاءه من ~~أفعاله التي ليست هي نفس المخلوقات وغير أفعاله ولولا ما وقع في كلام الناس ~~من الالتباس والإجمال لما كان يحتاج أن يقال الافعال التي ليست هي ~~PageV02P123 نفس المخلوقات إن المعقول عند جميع الناس أن الفعل المتعدي إلى ~~مفعول ليس هو نفس المفعول ولكن النفاة عندهم أن المخلوقات هي نفس فعل الله ~~ليس له فعل عندهم الا نفس المخلوقات فلهذا احتيج إلى البيان # ومما يد ل على هذا الأصل ما علق بشرط كقوله تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ سورة الطلاق 302 وقوله @QB@ إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ سورة آل عمران 31 وقوله @QB@ إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا @QE@ سورة الأنفال 29 وقوله @QB@ لعل الله يحدث ~~بعد ذلك أمرا @QE@ سورة الطلاق 1 وقوله تعالى @QB@ ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا إلا أن يشاء الله @QE@ سورة الكهف 23 ms0313 24 وقوله تعالى @QB@ ذلك ~~بأنهم اتبعوا ما أسخط الله @QE@ سورة محمد 28 # وفي الجملة هذا في كتاب الله أكثر من أن يحصر # وكذلك في الأحاديث المتستفيضة الصحيحة المتلقاه بالقبول كقوله صلى الله ~~عليه وسلم في ما يروى عن ربه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه ~~وقوله أتدرون ماذا قال ربكم PageV02P124 الليلة وقوله في حديث الشفاعة ان ~~ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وقوله اذا ~~تكلم الله بالوحي سمع اهل السماوات كجر السلسلة على الصفا وقوله ان الله ~~يحدث من أمره وما شاء وإن مما احدث ان لاتكلموا في الصلاة وقوله في حديث ~~التجلي فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم ~~الله في صورته التي يعرفون # وقوله الله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل اضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها ~~طعامه وشرابه فطلبها فلم يجدها فنام تحت PageV02P125 شجرة ينتظر الموت فلما ~~استيقظ اذا هو بدابته عليها طعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا ~~براحلته وهذا حديث مستفيظ عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم في الصحيحين من ~~غير وجه من حديث ابن مسعود وابي هريرة وانس وغيرهم # وقوله يضحك الله إلى رجلين يقتل احدهما صحاحبه كلاهما يدخل الجنة وفى ~~حديث آخر يدخل الجنة قال فيضحك الله منه وقوله مامنكم من أحد الاسيكلمه ربه ~~ليس بيينه وبينه حاجب ولا ترجمان وفى حديث قسمت الصلاة بينى وبين ~~PageV02P126 عبدى نصفين فأذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله ~~حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم ~~الدين قال مجدني عبدي وقوله صلى الله علي هو وسلم يقول الله تعالى من تقرب ~~الي شبرا بقربت اليه ذراعا ومن تقرب الي ذراعا تقربت اليه باعا وقوله صلى ~~الله عليه وسلم ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا شطر الليل أو ثلث الليل ~~الآخر فيقول من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ms0314 # وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأنصاري الذي أضاف رجلا وآثره على ~~نفسه وأهله فلما أصبح الرجل غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لقد ~~ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما PageV02P127 وأنزل الله تبارك وتعالى ~~@QB@ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة @QE@ سورة الحشر 9 وهذه ~~الأحاديث كلها في الصحيحين # وفي السنن من حديث على عن النبي صلى الله علي هو سلم حديث الركوب على ~~الدابة قال فقلت يا رسول الله من أي شيء تضحك قال ربك يضحك إلى عبده اذا ~~قال رب اغفر لي ذنوبي انه لا يغفر الذنوب الا انت قال علم عبدي أنه لا يغفر ~~الذنوب غيري وفي لفظ ان ربك ليعجب من عبده اذا قال رب اغفرلي ذنوبي يعلم ~~أنه لا يغفر الذنوب غيري وفي حديث أبي رزين عنه صلى الله عليه وسلم قال ضحك ~~ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر اليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن ~~فرجكم قريب فقال له أبو رزين أو يضحك الرب قال نعم فقال لن نعدم من رب يضحك ~~خيرا # وفي الصحيحين وغيرهما في حديث التجلي الطويل المشهور الذي PageV02P128 ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة فهو في الصحيحين من حديث ~~أبي هريرة وأبي سعيد وفي مسلم من حديث جابر ورواه أحمد من حديث ابن مسعود ~~وغيره قال في حديث أبي هريرة قال أو لست قد أعطيت العهود والمواثيق أن لا ~~تسأل غير الذي أعطيت فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله تبارك ~~وتعالى منه ثم يأذن له في دخول الجنة $ وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال فيقول الله يا ابن آدم أترضى أن اعطيك الدنيا ~~ومثلها معها فيقول أي رب أتستهزىء بي وأنت رب العالمين وضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال ألا تسألوني مم ضحكت فقالوا مم ضحكت يا رسول الله فقال ~~من ضحك رب العالمين PageV02P129 حين قال أتستهزىء بي ms0315 وأنت رب العالمين ~~فيقول إني لا أستهزىء بك ولكني على ما أشاء قادر # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يضحك الله إلى رجلين يقتل ~~أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة قالوا كيف يا رسول الله قال يقتل هذا فيلج ~~الجنة ثم يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام ثم يجاهد في سبيل الله ~~فيستشهد # وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم قال عجب الله من قوم يقادون إلى ~~الجنة في السلاسل # وفي حديث معروف لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا ~~يريد الا الصلاه فيه الا تبشبش الله به كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم ايضا أنه قال الدنيا حلوة خضرة وإن ~~الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون وفي لفظ PageV02P130 مستخلفكم فيها ~~لينظر كيف تعملو فاتقوا الدنيا واتقوا النساء # وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله لا ينظر صوركم ~~وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم # وفي الصحيحين عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~قاعدا في أصحابه اذ جاء ثلاثة نفر فأما رجل فوجد فرجة في الحلقة فجلس وأما ~~رجل فجلس يعني خلفهم وأما رجل فانطلق فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا ~~اخبركم عن هؤلاء النفر أما الرجل الذي جلس في الحلقة فرجل أوى إلى الله ~~فآواه الله وأما الرجل الذي جلس خلف الحلقة فاستحيا فاستحيا الله منه وأما ~~الرجل الذي انطلق فأعرض فأعرض الله عنه # وعن سلمان الفرسي موقوفا ومرفوعا قال إن الله يستحي أن PageV02P131 يبسط ~~العبد يديه اليه ويسأله فيهما خيرا فيردهما صفرا خائبتين # وفي الصحيح عنه فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى لا يزال عبدي يتقرب إلى ~~بالنوافل حتى احبه فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ~~يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ms0316 ترددت عن شيئ انا فاعله ~~ترددى عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه # وفي الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت ~~عائشة إنا لنكره الموت قال ليس ذاك ولكن المؤمن اذا حضره الموت يبشر برضوان ~~الله وكرامته واذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وان الكافر اذا ~~حضره PageV02P132 الموت يبشر بعذاب الله وسخطه فكره لقاء الله وكره الله ~~لقاءه # وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأنصار ~~لا يحبهم الا مؤمن ولا يبغضهم الا منافق من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم ~~أبغضه الله # وفي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله تبارك ~~وتعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك وسعديك فيقول هل رضيتم ~~فيقولون وما لمنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول عز وجل ~~أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك قال PageV02P133 ~~أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده ابدا # وفي الصحيحين عن أنس قال أنزل علينا ثم كان من المنسوخ أبلغوا قومنا أنا ~~قد لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا # وفي حديث عمرو بن مالك الرواسي قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ~~يا رسول الله ارض عني قال فأعرض عني ثلاثا قال قلت يا رسول الله ان الرب ~~ليرضى فيرضى فارض عني فرضي عني # وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف ~~على يمين صبر ليقتطع بها مال امريء مسلم وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه ~~غضبان PageV02P134 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اشتد غضب ~~الله على قوم فعلوا هذا برسول الله وهو حينئذ يشير إلى رباعيته # وقال اشتد غضب ms0317 الله على رجل يقتله رسولالله في سبيل الله # وفي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا مر ~~بالنطفة ثنتان واربعون ليلة بعث الله اليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها ~~وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب ذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب ~~الملك ثم يقول يا رب أجله فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك فيقول يا رب رزقه ~~فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك ثم PageV02P135 يخرج الملك الصحيفة في يده ~~فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص # وفي الصحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده أعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك # وفي حديث آخر أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده وفي ~~الصحيحين عن أنس في حديث الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإذا ~~رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء اله أن يدعني ثم يقول لي يامحمد ارفع ~~رأسك سل تعطه واشفع تشفع وذكر مثل هذا ثلاث مرات PageV02P136 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة ~~العصر ثم يعرج اليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي ~~قالوا تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون # وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن لله ~~ملائكة سيارة فضلا عن كتاب الناس سياحين في الأرض فإذا وجدوا قوما يذكرون ~~الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال فيجيئون حتى يحفون بهم إلى السماء الدنيا ~~قال فيقول الله عز وجل أي شيء تركتم عبادي PageV02P137 يصنعون قال فيقولون ~~تركناهم يحمدونك ويسبحونك ويمجدونك قال فيقول هل رأوني قال فيقولون لا قال ~~كيف لو رأوني قال قال فكيف لو رأوك لكانو أشد ذكرا قال فيقول فأي شيء ~~يطلبون قالوا الجنة ms0318 قال فيقول هل رأوها قال فيقولون لا قال فيقول كيف لو ~~رأوها قال فيقولون لو رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا قال فيقول ~~من أي شيء يتعوذون قال فيقولون يتعوذون من النار قال فيقول وهل رأوها قال ~~فيقولون لا لو رأوها كانوا أشد منها تعوذا وأشد منها هربا قال فيقول اني ~~أشهدكم أني قد غفرت لهم قال فيقولون ان فيهم فلانا الخطاء لم يردهم انما ~~جاء في حاجة قال فيقول هم القوم لا يشقى بهم جليسهم # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله PageV02P138 اذا ~~أحب عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في ~~السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في ~~الأرض وقال في البغض مثل ذلك # وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى أنا ~~عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ~~ذكرني في ملاء ذكرته في ملاء خير منهم وان اقترب الي شبرا اقتربت اليه ~~ذراعا وان اقترب الي ذراعا اقتربت اليه باعا وان أتاني يمشي أتيته هرولة # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ما جلس قوم يذكرون الله الا حفت PageV02P139 بهم ~~الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أصاب ~~ذنبا فقال رب إني قد أصبت ذنبا فاغفره لي فقال ربه علم عبدي أن له ربا يغفر ~~الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي ~~رب إني قد أذنبت ذنبا فاغفره لي فقال ربه علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ~~ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليعمل ما يشاء # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ms0319 يقبض الله ~~الأرض يطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض PageV02P140 # وفي الصحيحين عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما منكم أحد الا ~~سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى الا ~~شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى الا شيئا قدمه ونظر أمامه فتستقبله النار ~~فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فان لم يجد فبكلمة طيبة # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤية ~~قال فيه فيلقي العبد القول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل ~~والابل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب قال فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول ~~لا فيقول اني أنساك كما نسيتني ثم يلقي الثاني فيقول أي فل فذكر مثل ما قال ~~الأول ويلقي الثالث فيقول آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ويثني ~~بخير ما استطاع قال فيقول فههنا اذن قال ثم يقال الا نبعث شاهدنا عليك ~~فيفكر في نفسه من الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق ~~فخذه ولحمه وعظامه بعمله ما كان ذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذكر ~~الحديث PageV02P141 # وفي صحيح مسلم عن أنس قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك قال ~~هل تدرون مم أضحك قال قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبه العبد ربه يقول ~~يا رب ألم تجرني من الظلم قال فيقول بلى قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي ~~الا شاهدا مني قال فيقول فكفى بنفسك عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا ~~قال فيختم على فيه ويقال للأركانه انطقي فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه ~~وبين الكلام قال فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل وفي الصحيحين عن أنس ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم ~~القيامة لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقول له ms0320 ~~قد أردت منك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت الا أن ~~تشرك PageV02P142 وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم يا رب ~~فيقرره ثم يقول قد سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم قال ثم يعطى ~~كتاب حسناته وهو قول @QB@ هاؤم اقرؤوا كتابيه @QE@ سورة الحاقة 19 وأما ~~الكفار والمنافقون فينادون هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على ~~الظالمين # وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~يقول الله يوم القيامة يا أبن آدم مرضت فلم تعدني فيقول يا رب كيف أعودك ~~وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك ~~لو عدته لوجدتني عنده ويقول يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني فيقول أي رب ~~وكيف اسقيك وأنت رب العالمين فيقول تبارك وتعالى أما علمت أن عبدي فلان ~~استسقاك فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي قال ويقول يا ابن ~~آدم استطعمتك فم تطعمني فيقول أي رب وكيف أطعمك وأنت PageV02P143 رب ~~العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه أما انك لو ~~أطعمته لوجدت ذلك عندي # وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ان الله يقول لهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا ~~وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون ربنا وما لنا لا نرضى وقد ~~أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أل اعطيكم أفضل من ذلك قال أحل عليكم ~~رضواني فلا أسخط عليكم بعده ابدا وهذا فيه ذكر المخاطبة وذكر الرضوان جميعا # وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال آخر ~~أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا من النار رجل يخرج ms0321 حبوا فيقول ~~له أدخل الجنة فيقول ان الجنة ملأى فيقول له ذلك ثلاث مرات كل ذلك يعيد ~~الجنة ملأى فيقال ان لك مثل الدنيا عشر مرات PageV02P144 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل حلف ~~على يمين على مال امرئ مسلم فاقتطعه ورجل حلف على يمينه بعد العصر أنه أعطي ~~بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب ورجل منع فضل ماء يقول الله اليوم أمنعك عم ~~فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك # وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا ~~يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم قال ~~فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر خابوا وخسروا ~~من هم يا رسول الله قال المسبل إزاره والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ~~PageV02P145 وهذان الحديثان فيهما نفي التكليم والنظر عن بعض الناس عما نفى ~~القرآن مثل ذلك وأما نفي التكليم وحده ففي غير حديث # وهذا الباب في الأحاديث كثير جدا يتعذر استقصاؤه ولكن نبهنا ببعضه على ~~نوعه والأحاديث جاءت في هذا الباب كما جاءت الآيات مع زيادة تفسير في ~~الحديث كما أن أحاديث الأحكام تجيء موافقة لكتاب الله مع تفسيرها لمجمله ~~ومع ما فيها من الزيادات التي لا تعارض القرآن فإن الله سبحانه وتعالى أنزل ~~على نبيه الكتاب والحكمة وأمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من ~~آيات الله والحكمة وامتن على المؤمنين بأن بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وقال النبي صلى اله عليه وسلم ~~إلا واني أوتيت الكتاب ومثله معه وفي رواية ألا انه مثل القرآن أو أكثر # فالحكمة التي أنزلها الله عليه مع القرآن وعلمها لأمته تتناول ما تكلم به ~~في الدين من غير القرآن من أنواع الخبر والأمر فخبره موافق PageV02P146 ~~لخبر الله وأمره موافق ms0322 لأمر الله فكما أنه يأمر بما في الكتاب أو بما هو ~~تفسير ما في الكتاب وبما لم يذكر بعينه في الكتاب فهو أيضا يخبر بما في ~~الكتاب وبما هو تفسير ما في الكتاب وبما لم يذكر بعينه في الكتاب فجاءت ~~أخباره في هذا الباب يذكر فيها أفعال الرب كخلقه ورزقه وعدله وإحسانه ~~وإثابته ومعاقبته ويذكر فيها أنواع كلامه وتكليمه لملائكته وأنبيائه وغيرهم ~~من عباده ويذكر فيها ما يذكره من رضاه وسخطه وحبه وبغضه وفرحه وضحكه وغير ~~ذلك من الأمور التي تدخل في هذا الباب # والناس في هذا الباب ثلاثة أقسام # الجهمية المحضة من المعتزلة ومن وافقهم يجعلون هذا كله مخلوقا منفصلا عن ~~الله تعالى # والكلابية ومن وافقهم يثبتون ما يثبتون من ذلك إما قديما بعينه لازما ~~لذات الله وإما مخلوقا منفصلا عنه # وجمهور أهل الحديث وطوائف من أهل الكلام يقولون بل هنا قسم ثالث قائم ~~بذات الله متعلق بمشيئته وقدرته كما دلت عليه النصوص الكثيرة PageV02P147 ~~ثم بعض هؤلاء قد يجعلون نوع ذلك حادثا كما تقوله الكرامية وأما أكثر أهل ~~الحديث ومن وافقهم فانهم لا يجعلون النوع حادثا بل قديما ويفرقون بين حدوث ~~النوع وحدوث الفرد من أفراده كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام ~~الواحد من أعيانه فإن نعيم أهل الجنة يدوم نوعه ولا يدوم كل واحد واحد من ~~الأعيان الفانية ومن الأعيان الحادثة مالا يفنى بعد حدوثه كأرواح الآدميين ~~فإنها مبدعة كانت بعد أن لم تكن ومع هذا فهي باقية دائمة # والفلاسفة تجوز مثل ذلك في دوام النوع دون اشخاصه ولكن الدهرية منهم ظنوا ~~أن حركات الأفلاك من هذا الباب وأنها قديمة النوع فاعتقدوا قدمها وليس لهم ~~على ذلك دليل أصلا وعامة ما يحتجون به إبطال قول من لا يفرق بين حدوث النوع ~~وحدوث الشخص ويقولون إنه يلزم من حدوث الأعيان حدوث نوعها ويقولون إن ذلك ~~كله حدث من غير تجدد أمر حادث # وهذا القول إذا بطل كان بطلانه أقوى في الحجة على الدهرية في إفساد قولهم ~~وفي ms0323 صحة ما جاء به الكتاب والسنة كما تقدم بيانه وان لم يبطل قولهم ~~PageV02P148 # فالمعقول الصريح موافق للشرع متابع له كيف ما أدير الأمر وليس في صريح ~~المعقول ما يناقض صحيح المنقول وهو المطلوب ومن المعلوم أن أصل الإيمان ~~تصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على ~~أنه لا يجوز أن يكون ثم دليل لا عقلي ولا غير عقلي يناقض ذلك وهذا هو ~~المطلوب هنا # ولكن أقواما ادعوا معارضة طائفة من أخباره للمعقول # وأصل وقوع ذلك في المنتسبين للإسلام والإيمان أن أقواما من أهل النظر ~~والكلام أرادوا نصرة مع اعتقدوا أنه قوله بما اعتقدوه انه قوله بما اعتقدوه ~~انه حجة ورأوا أن تلك الحجة لها لوازم يجب التزامها وتلك الل تناقض كثيرا ~~من أخباره # وهؤلاء غلطوا بالمنقول والمعقول جميعا كما اعتقدت المعتزلة وغيرها من ~~الجهمية نفاة الصفات والأفعال أنه أخبر أن كل ما ساوى الذات القديمة ~~المجردة عن الصفات محدث الشخص والنوع جميعا وظنوا أن هذا من التوحيد الذي ~~جاء به واحتجوا على ذلك بما يستلزم حدوث كل ما قامت به صفة وفعل وجعلوا هذا ~~هو الطريق إلى إثبات وجوده وحدانيته وتصديق رسله فقالوا أن كلامه مخلوق ~~خلقه في غيره لم يقم به كلام وأنه لا يرى في الآخرة ولا يكون مباينا للخلق ~~ولا يقوم به علم ولا قدرة ولا غيرهما ومن الصفات ولا PageV02P149 فعل من ~~الأفعال لا خلق للعالم ولا استواء ولا غير ذلك فإنه لو قام به فعل أو صفة ~~لكان موصوفا محلا للأعراض ولو قام به فعل يتعلق بمشيئته للزم تعاقب الأفعال ~~ودوام الحوادث وإذا جاوزوا دوام النوع الحادث أو قدمه بطل ما به احتجوا على ~~ما ظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به # وهم مخطئون في المنقول والمعقول # أما المنقول فإن الرسول لم يخبر قط بقدم ذات مجردة عن الصفات والأفعال بل ~~النصوص الإلهية متظاهرة باتصاف الرب بالصفات والأفعال وهذا معلوم بالضرورة ~~لمن سمع الكتاب والسنة وهم يسلمون أن هذا ms0324 هو الذي يظهر من النصوص ولكن أخبر ~~عن الله بأسمائه الحسنى وآياته المثبتة لصفاته وأفعاله وأنه @QB@ خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش @QE@ سورة ~~الفرقان 59 # فمن قال أن الأفلاك قديمة أزلية فقوله مناقض لقول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بلا ريب كما أن من قال إن الرب تعالى لا علم له ولا قدرة ولا كلام ولا ~~فعل فقوله مناقض لقول الرسول وليس مع وأحد منهما عقل صريح يدل على قوله بل ~~العقل الصريح مناقض لقوله كما قد بين في موضعه من وجوه كثيرة مثل ما يقال ~~إن العقل الصريح يعلم أن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة ممتنع كإثبات ~~PageV02P150 علم بلا عالم وقدرة بلا قادر وأعظم امتناعا من ذلك أن يكون ~~العلم هو العالم والعلم هو القدرة فهذا قول نفاه الصفات # وأما القائلون بقدم العالم فقولهم يستلزم امتناع حدوث حادث فإن القديم ~~إما واجب بنفسه أو لازم للواجب بنفسه ولوازم الواجب لا تكون محدثة ولا ~~مستلزمة لمحدث فالحوادث ليست من لوازمه وما لا يكون من لوازمه يتوقف وجوده ~~على حدوث سبب حادث فإذا كان القديم الواجب بنفسه أو اللازم للواجب لا يصدر ~~عنه حادث امتنع حدوث الحوادث وهذا حقيقة قولهم فانهم يزعمون أن العالم له ~~علة قديمة موجبة له وهو لازم لعلته وعلته عندهم مستلزمة لمعلولها ومعلول ~~معلولها فيمتنع أن يحدث شيء في الوجود إذ الحادث المعين يكون لازما للقديم ~~بالضرورة واتفاق العقلاء # وإذا قالوا يجوز أن يحدث عن الواجب بنفسه حادث بواسطة قيل الكلام في تلك ~~الواسطة كالكلام في الأول فإنها إن كانت قديمة لازمة له لزم قدم المعلولات ~~كلها وان كانت حادثة فلا بد لها من سبب حادث # وإذا قالوا كل حادث مشروط بحادث قبله لا إلى أول # قيل لهم فليست أعيان الحوادث من لوازم الواجب بنفسه وإذا كان النوع من ~~لوازم الواجب أمتنع وجود الواجب بنفسه بدون النوع ونوع الحوادث ممكن بنفسه ~~ليس فيه واجب بنفسه فيكون نوع الحوادث صادرا ms0325 عن الواجب بنفسه فلا يجب قدم ~~شيء معين من أجزاء العالم لا الفلك ولا غيره وهو نقيض قولهم PageV02P151 ~~وإذا قالوا نوع الحوادث لازم لجرم الفلك والنفس وهذان لازمان للعقل وهو ~~لازم للواجب بنفسه # قيل لهم فذاته مستلزمة لنوع الحوادث سواء كان بوسط أو بغير وسط والذات ~~القديمة المستلزمة لمعلولها لا يحدث عنها شيء لا بوسط ولا بغير وسط سواء ~~كان الحادث نوعا أو شخصا لأن النوع الحادث يمتنع مقارنته لها كما تمتنع ~~مقارنة الشخص الحادث لها ولان النوع الحادث إنما يوجد شيئا فشيئا والمقارن ~~لها قديم معها لا يوجد شيئا فشيئا فبطل أن تكون الحوادث صادرة عن علة تامة ~~مستلزمة لنوعها المقترن بعضه ببعض أو شخص منها فبطل أن يكون العالم صادرا ~~عن علة موجبة له كما بطل وجوبه بنفسه وهو المطلوب # ومما يبين ذلك أن القديم يستلزم قدم موجبه أو وجوبه بنفسه فان القديم إما ~~واجب بنفسه وإما واجب بغيره إذ الممكن الذي لا موجب له لا يكون موجودا فضلا ~~عن أن يكون قديما بالضرورة واتفاق العقلاء وإذا كان واجبا بغيره فلا بد أن ~~يكون الموجب له قديما ولا يكون موجبا له حتى تكون شروط الإيجاب قديمة أيضا ~~فيمتنع أن يكون موجب القديم أو شرط من شروط الإيجاب حادثا لأن الموجب ~~المقتضي للفاعل المؤثر يمتنع أن يتأخر عن موجبه PageV02P152 الذي هو مقتضاه ~~وأثره وهذا معلوم بالضرورة ومتفق عليه بين العقلاء # وإذا كان كذلك فيمتنع أن يكون جميع العالم واجبا بنفسه إذ لو كان كذلك لم ~~يكن في الموجودات مما هو حادث لان الحادث كان معدوما وهو مفتقر إلى محدث ~~يحدثه فضلا عن أن يكون واجبا بنفسه # فثبت أن في العالم ما ليس بواجب والواجب بغيره لا بد له من موجب تام ~~مستلزم لموجبه والموجب التام لا يتأخر عنه شئ من موجبه ومقتضاه فيمتنع صدور ~~الحوادث عن موجب تام كما يمتنع أن تكون هي واجبة بنفسها وإذا لم تكن واجبة ~~ولا صادرة عن علة موجبة فلا بدلها من فاعل ليس ms0326 موجبا بذاته وإذا كان غاية ~~ما يقولون إن العالم صادر عن علة موجبة بنفسها بغير واسطة أو بوسائط لازمة ~~لتلك العلة فعلى هذا التقدير يمتنع حدوث الحوادث عنه فإن لم يكن للحوادث ~~فاعل غيره وإلا لزم حدوثها بلا محدث وهذا معلوم الفساد بالضرورة # فتبين أن للحوادث محدثا ليس هو مستلزما لموجبه ومقتضاه فامتنع أن يكون ~~محدث الحوادث علة مستلزمة لمعلولها أو أن يكون شيئا من PageV02P153 ~~معلولاتها وهم يقولون إن العالم صادر عن علة مستلزمة لمعلولها وكل ما سواها ~~معلول لها وهذا مما تبين بطلانه بالضرورة # ومن قال إن مجموع أجزاء العالم واجبة أو قديمة فقوله معلوم الفساد ~~بالضرورة # ومن قال إن الحوادث صادرة عن جزء منه واجب فقوله أيضا معلوم الفساد سواء ~~جعل ذلك الجزء الأفلاك أو بعضها لوجهين أحدهما أن ذلك الجزء الذي هو واجب ~~بغيره إذا كان علة تامة لغيره لزم أيضا قدم معلوله معه فيلزم أن لا يحدث شئ ~~وإن كان ذلك الجزء الواجب ليس هو علة تامة امتنع صدور شيء عن غير علة تامة ~~ولو قدر إمكان الحدوث عن غير علة تامة أمكن حدوث كل ما سوى الله فعلى كل ~~تقدير قولهم باطل # الوجه الثاني انه من المعلوم انه ليس شيء من أجزاء العالم مستقلا ~~بالإبداع لغيره من أجزائه وإن قيل إن بعض أجزائه سبب لبعض فتأثيره متوقف ~~على سبب آخر وعلى انتفاء موانع فلا يمكن أن يجعل شيء من أجزاء العالم ربا ~~واجبا بنفسه قديما مبدعا لغيره والحوادث لا بد لها من رب واجب بنفسه قديم ~~مبدع لغيره وليس شيء من أجزاء العالم مما يمكن ذلك فيه فعلم أن الرب تعالى ~~خارج عن العالم وأجزائه وصفاته وهذا كله مبسوط في موضع آخر PageV02P154 # المقصود هنا بيان أنه ليس في المعقول ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم # وقد علم أن المدعين لمعقول يناقضه صنفان صنف يجوزون عليه وعلى غيره من ~~الرسل فيما أخبروا به عن الله تعالى وبلغوه إلى الأمم عن الله تعالى الكذب ~~عمدا ms0327 أو خطأ أو أن يظهر نقيض ما يبطن كما يقول ذلك من يقوله من الكفار ~~بالرسل ومن المظهرين لتصديقهم كالمنافقين من المتفلسفة والقرامطة والباطنية ~~ونحوهم ممن يقول بشيء من ذلك # وصنف لا يجوزون عليهم ذلك وهذا هو الذي يقوله المتكلمون المنتسبون إلى ~~الإسلام على اختلاف أصنافهم # والمبتدعة من هؤلاء مخطئون في السمع وفى العقل ففي السمع حيث يقولون على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقل عمدا أو خطأ وفى العقل حيث يقررون ذلك ~~بما يظنونه براهين وإذا كانت الدعوى خطأ لم تكن حجتها إلا باطلة فإن الدليل ~~لازم لمدلوله ولازم الحق لا يكون إلا حقا وأما الباطل فقد يلزمه الحق فلهذا ~~يحتج عليه إلا بباطل فإن حجته لو كانت حقا لكان الباطل لازما للحق وهذا لا ~~يجوز PageV02P155 لأنه يلزم من ثبوت الملزموم ثبوت اللازم فلو كان الباطل ~~مستلزما للحق لكان الباطل حقا فإن الحجة الصحيحة لا تستلزم إلا حقا وأما ~~الدعوى الصحيحة فقد تكون حجتها صحيحة وقد تكون باطلة # ومن أعظم ما بنى عليه المتكلمة النافية للأفعال وبعض الصفات أو جميعها ~~أصولهم التي عارضوا بها الكتاب والسنة هي هذه المسألة وهي نفى قيام ما ~~يشاؤه ويقدر عليه بذاته من أفعاله وغيرها $ # فصل وقد ذكر أبو عبد الله الرازي هو وأبوالحسن الآمدي ومن اتبعهما أدلة ~~نفاة ذلك وأبطلوها كلها ولم يستدلوا على نفى ذلك إلا بأن ما يقوم به إن كان ~~صفة كمال كان عدمه قبل حدوثها نقصا وإن كان نقصا لزم اتصافه بالنقص والله ~~تعالى منزه عن ذلك # وهذه الحجة ضعيفة ولعلها أضعف مما ضعفوه ونحن نذكر ما PageV02P156 ذكره ~~أبو عبد الله بن الخطيب في ذلك في أجل كتبه الكلامية الذي سماه نهاية ~~العقول في دراية الأصول وذكر أنه أورد فيه من الحقائق والدقائق ما لا يكاد ~~يوجد في شئ من كتب الأولين والآخرين والسابقين واللاحقين من الموافقين ~~والمخالفين ووصفه بصفات تطول # قال وهذا كله لا يعلمه إلا من تقدم تحصيله لا كثر كلام العلماء وتحقيق ~~وقوفه على ms0328 مجامع بحث العقلاء من المحقين والمبطلين والموافقين والمخالفين # قال فإنني قلما PageV02P157 تكلمت فيه في المبادئ والمقدمات بل أكثر ~~العناية كان مصروفا إلى تلخيص النهايات والغايات وقال في هذا الكتاب الأصل ~~الثاني عشر وهو ما يستحيل على الله قال المسألة الرابعة في أنه يستحيل عليه ~~أن يكون محلا للحوادث واتفقت الكرامية على تجويز ذلك وأما تجدد الأحوال ~~فالمعتزلة اختلفوا في تجويزه مثل المدركية والسامعية والمبصرية والمريدية ~~والكارهية وأما أبو الحسين البصري فإنه أثبت تجدد العالميات في ذاته # قال وأما الفلاسفة فمع أنهم في المشهور أبعد الناس عن هذا المذهب ولكنهم ~~يقولون بذلك من حيث لا يعرفونه فإنهم يجوزون PageV02P158 تجدد الإضافات على ~~ذاته مع أن الإضافة عندهم عرض وجودى وذلك يقتضي كون ذاته موصوفة بالحوادث ~~وأما أبو البركات البغدادي فقد صرح باتصاف ذاته بالصفات المحدثة # قلت أبو عبد الله الرازي غالب مادته في كلام المعتزلة ما يجده في كتب أبي ~~الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وشيخه عبد الجبار الهمداني ونحوهم ~~وفي كلام الفلاسفة ما يجده في كتب ابن سينا وأبي البركات ونحوهما وفي مذهب ~~الأشعري يعتمد على كتب أبي المعالي كالشامل ونحوه وبعض كتب القاضي أبي بكر ~~وأمثاله وهو ينقل أيضا من كلام الشهرستاني وأمثاله وأما كتب القدماء كأبي ~~الحسن الأشعري وأبي محمد بن كلاب وأمثالهما وكتب قدماء المعتزلة والنجارية ~~والضرارية ونحوهم فكتبه تدل على أنه لم يكن يعرف ما فيها وكذلك مذهب ظوائف ~~الفلاسفة المتقدمين والإ فهذا القول الذي حكاه عن أبي البركات هو قول أكثر ~~قدماء الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو وقول كثير منهم كما نقل ذلك أرباب ~~المقالات عنهم فنقل أرباب المقالات الناقلون لاختلاف الفلاسفة في الباري ما ~~هو قالوا قال سقراط وأفلاطون وأرسطو إن الباري لا يعبر PageV02P159 عنه الا ~~بهو فقط وهو الهوية المحضة غير المتكثرة وهي الحكمة المحضة والحق المحض ~~وليست لله صورة مثل الصورة التي تكثرت في العنصر وهو الأيس الذي لا يحيط به ~~الذهن ولا العقل ولا يجوز عليه التغير ولا الصفة ولا العدد ولاالإضافة ms0329 ولا ~~الوقت ولا المكان ولا الحدود ولا يدرك بالحواس ولا بالعقول من جهة غاية ~~الكنة لكن بأنه واحد أزلى ليس باثنين لأنا إن أوقعنا عليه العدد لزمته ~~التثنية وإن أوقعنا عليه الإضافة لزمه الزمان والمكان والقبل والبعد وإن ~~أوقعنا عليه المكان لزمه الحدود وجعلناه متناهيا إلى غيره وقال تاليس ~~PageV02P160 وبلاطرخس ولوقيوس وكسيفايس وانبذقليس جميعا إن الباري واحد ~~ساكن غير أن انبذقليس قال إنه متحرك بنوع سكون كالعقل المتحرك بنوع سكون ~~فذلك جائز لأن العقل إذا كان مبدعا فهو متحرك بنوع سكون فلا محالة أن ~~المبدع متحرك PageV02P161 بسكون لانه علة قالوا وشايعه على هذا القول ~~فيثاغورس ومن بعده إلى زمن أفلاطون وقال زينون وديمقراط وساغوريون إن ~~الباري PageV02P162 متحرك في الحقيقة وإن حركته فوق الذهن فليس زوالا قالوا ~~وقال تاليس وهو أحد أساطين الحكمة إن صفة الباري لا تدركها العقول إلا من ~~جهة آثاره فأما من جهة هويته فغير مدرك له صفة من نحو ذاته بل من نحو ~~ذواتنا وكان يقول أبدع الله العالم لا لحاجة إليه بل لفضله ولولا ظهور ~~أفاعيل الفضيلة لم يكن هاهنا وجود وكان يقول إن فوق السماء عوالم مبدعة ~~أبدعها من لا تدرك العقول كنهه # وقال فيثاغورس نحو قول تاليس لا يدرك من جهة النفس هو فوق الصفات العلوية ~~الروحانية غير مدرك بجوهريته بل من قبل آثاره في كل عالم فيوصف وينعت بقدر ~~ظهور تلك الآثار في ذلك العالم وهو الواحد الذي إذا رامت العقول إدراك ~~معرفته عرفت أن ذواتها مبدعة مسبوقة مخلوقة PageV02P163 # قالوا وقال انكسيمانس نحو مقالة هذين غير أن يجوز لقائل أن يقول أن ~~الباري يتحرك بحركة فوق هذه الحركات # قلت وكذلك أبو البركات في المعتبر حكى المقالتين عن غيره بل عن القائلين ~~بقدم العالم فقال قال القائلون بالحدوث للقدمين فإذا كان الله لم يزل جوادا ~~خالقا قديما في الأزل فالحوادث في العالم كيف وجدت أعن قديم أم عن غيره ~~فإذا قلتم هو خالقها وعنه صدر وجودها فقد قلتم بأن القديم خلق المحدث وأراد ~~خلقه ms0330 بعد أن لم يرد وإن قلتم إن غيره فعل الحوادث فقد أشركتم بعد ما بالغتم ~~في التوحيد لواجب الوجود بذاته # قال فقال القدميون بل الخالق الأول والواحد القديم هو خالق المخلوقات ~~بأسرها من قديم وحديث وحده لا شريك له في وجودة PageV02P164 وخلقه وملكه ~~وأمره وتشعب رأيهم في ذلك إلى مذهبين # فمنهم من قال إنه خلق الأشياء القديمة دائمة الوجود بدوام وجوده والحوادث ~~شيئا بعد شيء أراد فخلق وخلق فأراد أوجب خلقه إرادته وأوجب إرادته خلقه ~~مثال ذلك أنه أراد خلق آدم الذي هو الأب فخلقه وأوجده وأراد بوجود الأب ~~وجود الابن أراد فجاد وجاد فأراد إرادة بعد إرادة لموجود بعد موجود فإذا ~~قلتم لم أوجد قيل لانه أراد فجاد ولم أراد قيل لأنه أوجد فوجود الحوادث ~~يقتضي بعضها بعضا من جوده السابق واللاحق # فإن قالوا كيف تحدث له الإرادة وكيف يكون له حال منتظرة تكون بعد أن لم ~~تكن وكيف يكون محل الحوادث قيل وكيف يكون محلا لغير الحوادث أعني الإرادة ~~القديمة PageV02P165 # فإن قيل بأنها له منه قيل والإرادات له منه # فإن قيل الإرادة القديمة له في قدمه قيل والحديثة له في قدمه لن السابق ~~من وجوده بالإرادة السابقة أوجد عنده إرادة لاحقه فأحدث خلقا بعد خلق ~~بإرادة بعد إرادة وجبت في حكمته من خلقه بعد خلقه فاللاحق من إرادته وجب عن ~~سابق إرادته بتوسط مراداته وهكذا هلم جرا # قال والتنزيه عن الإرادة الحادثة كالتنزيه عن الإرادة القديمة في كونه ~~محلا لها لكنه لا وجه لهذا التنزيه كما سنتكلم عليه في فصل العلم إذا قلنا ~~في علم لم يعلم وكيف يعلم قال فهذا أحد المذهبين قال وأما المذهب ~~PageV02P166 الآخر فإن أهله يقولون إن كل حادث يتجدد بعد عدمه فله سبب يوجب ~~حدوثه وذلك السبب حادث أيضا حتى ترتقي أسباب الحوادث إلى الحركة الدائمة في ~~المتحركات الدائمة وساق تمام قول هؤلاء وهو قول أرسطو وأتباعه # وقد نقل غير واحد أن أول من قال بقدم العالم من الفلاسفة هو أرسطو وأما ~~أساطين ms0331 الفلاسفة قبله فلم يكونوا يقولون بقدم سورة الفلك وان كان لهم في ~~المادة أقوال أخر وقد بسط الكلام على هذا الأصل في مسألة العلم وغيره لما ~~رد على من زعم أنه لا يعلم الجزيئات حذرا من التغير والتكثر في ذاته وذكر ~~حجة أرسطو وأبن سينا ونقضها # وقال فأما القول بإيجاب الغيرية فيه بإدراك الغيار والكثرة بكثرة ~~المدركات فجوابه المحقق أنه لا يتكثر بذلك تكثرا في ذاته بل في إضافته ~~ومناسباته وتلك مما لا يعيد الكثرة على هويته PageV02P167 وذاته ولا الوحدة ~~التي أوجبت وجوب وجوده بذاته ومبدئيته الأولى التي بها عرفناه وبحسبها ~~أوجبنا له ما أوجبنا وسلبنا عنه ما سلبنا هي وحدة مدركاته ونسبه وإضافاته ~~بل إنما هي وحدة حقيقته وذاته وهويته # قال ولا تعتقدن أن الوحدة المقولة في صفات واجب الوجود بذاتها قيلت على ~~طريق التنزيه بل لزمت بالبرهان عن مبدئيته الأولى ووجوب وجوده بذاته والذي ~~لزم عن ذلك لم يلزم إلا في حقيقته وذاته لا في مدركاته وإضافاته فأما أن ~~يتغير بإدراك المتغيرات فذلك أمر إضافي لا معنى في نفس الذات وذلك مما لم ~~تبطله الحجة ولم يمنعه البرهان ونفيه من طريق التنزيه والإجلال لا وجه له ~~بل التنزيه من هذا التنزيه والإجلال من هذا الإجلال أولى # وتكلم على قول أرسطو إذ قال من المحال أن يكون كماله بعقل غيره إذ كان ~~جوهرا في الغاية من الإلهية والكرامة والعقل PageV02P168 فلا يتغير والتغير ~~فيه انتقال إلى الأنقص وهذا هو حركة ما فيكون هذا العقل ليس عقلا بالفعل ~~ولكن بالقوة فقال أبو البركات ما قيل في منع التغير مطلقا حتى يمنع التغير ~~في المعارف والعلوم فهو غير لازم في التغير مطلقا بل هو غير لازم البتة وإن ~~لزم كان لزومه في بعض تغيرات الأجسام مثل الحرارة والبرودة وفي بعض الأوقات ~~لا في كل حال ووقت ولا يلزم مثل ذلك في النفوس التي تخصها المعرفة والعلم ~~دون الأجسام فإنه يقول إن كل تغير وانفعال فإنه يلزم أن يتحرك قبل ذلك ~~التغير حركة ms0332 مكانية # قال وهذا محال فان النفوس تتجدد لها المعارف والعلوم من غير أن تتحرك على ~~المكان على رأيه فإنه لا يعتقد فيها أنه مما يكون في مكان البتة فكيف أن ~~تتحرك فيه وإنما ذلك للأجسام في بعض التغيرات والأحوال كالتسخن والتبرد ولا ~~يلزم فيهما أبدا PageV02P169 وإنما ذلك في ما يصعد بالبخار من الماء ويتدخن ~~من الأرض من الأجزاء التي هي كالهباء دون غيرها من الأحجار الكبار الصلبة ~~التي تحمي حتى تصير بحيث تحرق وهي في مكانها لا تتحرك والماء يسخن سخونة ~~كثيرة وهو في مكانه لا يتبخر وإنما يتبخر منه بعض الأجزاء ثم تكون الحركة ~~المكانية بعد الاستحالة لا قبلها كما قال أن جميع هذه هي حركات توجد بأخرة ~~بعد الحركة المكانية وفيما عدا ذلك فقد يسود الجسم ويبيض وهو في مكانه لم ~~يتحرك ولا يتحرك قبل الاستحالة ولا بعدها فما لزم هذا في كل جسم بل في بعض ~~الأجسام ولا في كل حال ووقت بل في بعض الأحوال والأوقات ولا كان ذلك على ~~طريق التقدم كما قال بل على طريق التبع ولو لزم في التغيرات الجسمانية لما ~~لزم في التغيرات النفسانية ولو لزم في التغيرات النفسانية أيضا لما لزم ~~انتقال الحكم فيه إلى التغيرات في المعارف والعلوم والعزائم والإرادات ~~اتفالحكم الجزئي لا يلزم كليا ولا يتعدى من البعض إلى البعض وآلا لكانت ~~الأشياء على حالة واحدة # وبسط الكلام في مسألة العلم وقال لما ذكر القولين PageV02P170 المتقدمين ~~والقائلون بالحدوث قالوا أنه لا يحتاج إلى هذا التمحل وسموه على طريق ~~المجادلة باسم التمحل للتشنيع والتسفيه بل نقول بأن المبدأ المعيد خلق ~~العالم وأحدثه بإرادة قديمة أزلية أراد بها في القدم إحداث العالم حتى ~~أحدثه # وقال وقيل في جوابهم أن ذلك المبدأ لا يتغير ويتخصص في القدم إلا بمعقول ~~يجعله مقصودا في العلم القديم عند الإرادة القديمة حيث أرادوه في مدة العدم ~~السابق لحدوث العالم التي هي مدة غير متناهية البداية وما لا يعقل ولا ~~يتصور لا يعلم وما لا يمكن أن ms0333 يعلم لا يعلمه عالم لا لأن الله لا يقدر على ~~علمه لكن لأنه في نفس غير مقدور عليه ثم ما الذي يقولونه في حوادث العالم ~~من مشيئة الله وإرادته التي بها يقبل الدعاء من الداعي ويحسن إلى المحسن ~~ويسيء إلى المسيء ويقبل توبة التائب ويغفر للمستغفر هل يكون ذلك عنه أو لا ~~يكون فإن قالوا بأنه لا يكون أبطلوا بذلك PageV02P171 الشرع الذي قصدهم ~~نصرته وأبطلوا حكم أوامره ونواهيه وكل ما جاء لأجله من الحث على الطاعة ~~والنهي عن المعصية وإن قالوا يكون ذلك بأسره عنه فهل هو بإرادة أم بغير ~~إرادة وكونه بغير إرادة اشنع وإن كان بإرادة فهل هي إرادة قديمة أم محدثة ~~فإن كانت فالارادات القديمة غير واحدة وما أظنهم يقولون إن المرادات ~~الكثيرة صدرت عن إرادة واحدة # قال وإن قالوا إن ذلك يصدر عنه بإرادات حادثة فقد قالوا بما هربوا منه ~~أولا # قلت فأبو البركات لاستبعاد عقله أن تصدر المرادات الكثيرة عن إرادة واحدة ~~ظن أن هؤلاء لا يقولون به وهم يقولون به فإن هذا قول أبن كلاب والأشعري ومن ~~وافقهما من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف يقولون إنه يعلم المعلومات ~~كلها بعلم واحد بالعين ويريد المرادات كلها بإرادة واحدة بالعين وإن كلامه ~~الذي تكلم به من الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر عنه هو أيضا واحد ~~بالعين ثم تنازع القائلون بهذا الأصل هل كلامه معنى فقط والقرآن ~~PageV02P172 العربي ليس هو كلامه أو كلامه الحروف أو الحروف والأصوات التي ~~نزل بها القرآن وغيره وهي قديمة العين على قولين # ومن القائلين بقدم أعيان الحروف والصوات من لا يقول هي واحدة بل يقول هي ~~متعددة وإن كانت لا نهاية لها ويقول بثبوت حروف أو حروف ومعان لا نهاية لها ~~في آن واحد وأنها لم تزل ولا تزال وهذا مما أوجب قول القائلين بأن كلام ~~الله مخلوق وأنه ليس له كلام قائم بذاته لما رأوا أن ما ليس بمخلوق فهو ~~قديم العين والثاني ممتنع عندهم فتعين الأول # واولئك الصنفان ms0334 قالوا والقول ممتنع فتعين الثاني وهؤلاء إنما قالوا هذه ~~الأقوال لظنهم أنه يمتنع أن تقوم به الأمور الاختيارية لا كلام باختيارة ~~ولا غير كلام كما قد بين في موضعه # وهذا الأصل وهو القول بقيام الحوادث به هو قول هشام بن الحكم وهشام ~~الجواليقي وابن مالك الحضرمي وعلى بن ميثم PageV02P173 وأتباعهم وطوائف من ~~متقدمي أهل الكلام والفقه كأبي معاذ التومني وزهير الأثري وداود الأصبهاني ~~وغيرهم كما ذكره الأشعري عنهم في المقالات وقال وكل القائلين بأن القرآن ~~ليس بمخلوق كنحو عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن قال إنه محدث كنحو زهير ~~الأثري يعني وداود الأصبهاني ومن قال إنه حدث كنحو أبي معاذ التومني يقولون ~~عن القرآن ليس بجسم ولا عرض # وأما أقوال أئمة الفقه والحديث والتصوف والتفسير وغيرهم من علماء ~~المسلمين وكذلك كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان فكلام الرازي يدل على ~~أنه لم يكن مطلعا على ذلك # والمقصود هنا أن نبين غاية حجة النفاة فإنه بعد أن ذكر الخلاف قال ~~والمعتمد أن نقول كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو ~~لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون PageV02P174 حادثا والا كانت ذاته ~~قبل اتصافه بتلك الصفة خالية عن صفة الكمال والخالي عن الكمال الذي هو ممكن ~~الإتصاف به ناقص والنقص على الله محال بإجماع الأمة وإن لم يكن صفة كمال ~~استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات الله بأسرها صفات ~~كمال فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وإنه غير جائز # قال وهذا ما نعول عليه وإنه مركب من السمع والعقل # قال والذي عول عليه أصحابنا أنه لو صح اتصافه بالحوادث لوجب اتصافه ~~بالحوادث أو بأضدادها في الأزل وذلك يوجب اتصافه بالحوادث في الأزل وإنه ~~محال # وقال وهذه الدلالة مبينة على أن القابل للضدين يستحيل خلوه عنهما وقد ~~عرفت فساده # قال ومن أصحابنا من أورد هذه الدلالة على وجه لا يحتاج في تقريرها إلى ~~البناء على ذلك الأصل وهو أنه لو ms0335 كان قابلا للحوادث لكان قابلا لها في ~~الأزل وكون الشيء قابلا للشيء فرع عن إمكان وجود المقبول فيلزم صحة حدوث ~~الحوادث في الأزل وهو محال # قال إلا أن ذلك معارض بأن الله قادر في الأزل ولا يلزم من أزلية قادريته ~~صحة أزلية المقدور فكذلك هاهنا PageV02P175 # قال ومنهم من قال لو كانت الحوادث قائمة به لتغير وهو محال # قال وهذا ضعيف لأنه إن فسر التغير بقيام الحوادث به اتحد اللازم والملزوم ~~وإن فسر بغيره امتنع إثبات الشرطية # قال وأما المعتزلة فجعلهم تمسكوا بأن المفهوم من قيام الصفة بالموصوف ~~حصولها في الحيز تبعا لحصول ذلك الموصوف فيه والباري تعالى ليس في الجهة ~~فامتنع قيام الصفة به # قال وقد عرفت ضعف هذه الطريقة # قال ومشايخهم استدلوا بأن الجوهر إنما يصح قيام المعاني الحادثة به لكونه ~~متحيزا بدليل أن العرض لما لم يكن متحيزا لم يصح قيام هذه المعاني به # قال وإنه باطل لإحتمال أن يقال ان الجوهر إنما صح قيام الحوادث به لا ~~لكونه متحيزا بل الأمر آخر مشترك بينه وبين الباري تعالى وغير مشترك بينه ~~وبين العرض سلمنا ذلك الا أنه من المحتمل أن يكون الجوهر يقبل الحوادث ~~لكونه متحيزا والله تعالى يقبلها لوصف آخر لصحة تعليل الأحكام المتساوية ~~بالعلل المختلفة # قال واستدلوا أيضا بأنه لو صح قيام حادث به لصح قيام كل حادث به # قال وهذه دعوى لا يمكن إقامة البرهان عليها PageV02P176 # قال فهذه عيون ما تمسكت به الناس في هذه المسألة # قلت أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس منازعة للكرامية حتى يذكر بينه ~~وبينهم أنواع من ذلك وميله إلى المعتزلة والمتفلسفة أكثر من ميله اليهم ~~واختلف كلامه في تكفيرهم وإن كان هو قد استقر أمره على أنه لا يكفر أحدا من ~~أهل القبلة لا لهم ولا للمعتزلة ولا لأمثالهم وهذه المسألة من أشهر المسائل ~~التي ينازعهم فيها ومع هذا قد ذكر أن قولهم يلزم أكثر الطوائف وذكر أنه ليس ~~لمخالفيهم عليهم حجة صحيحة الا الحجة التي احتج هو بها ms0336 وهي من أضعف الحجج ~~كما سنبينه ان شاء الله تعالى # وأما الحجج التي يحتج بها الكلابية والمعتزلة فقد بين هو فسادها مع أنه ~~قد استوعب حجج النفاة والذي ذكره هو مجموع ما يوجد في كتب الناس مفرقا ونحن ~~نوضح ذلك # فأما الحجة الأولى وهي أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فلو جاز ~~اتصافه بها لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث فهذه الحجة مبينة ~~على مقدمتين وفي كل من المقدمتين نزاع معروف بين طوائف من المسلمين ~~PageV02P177 # أما الأولى وهي أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده فأكثر العقلاء على ~~خلافها والنزاع فيها بين طوائف الفقهاء والنظار ومن الفقهاء من أتباع ~~الأئمة الأربعة كأصحاب أحمد ومالك الشافعي وابي حنيفة وغيرهم ومن قال ذلك ~~التزم أن يكون لكل جسم طعم ولون وريح وغير ذلك من أنواع الأعراض ولا دليل ~~لاصحابها عليها # وأبو المعالي في كتابه المشهور الذي سماه الإرشاد إلى قواطع الأدلة لم ~~يذكر على ذلك حجة بل هذه المقدمة احتاج اليها في مسألة حدوث العالم لما ~~أراد أن يبين أن الجسم لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض عن عرض منه ~~فأحال على كلامه مع الكرامية ولما تكلم مع الكرامية في هذه المسألة أحال ~~على كلامه في مسألة حدوث العالم مع الفلاسفة ولم يذكر دليلا عقليا لا مع ~~هؤلاء ولا مع هؤلاء وإنما احتج الكرامية بتناقضهم # ومضمون ما اعتمد عليه من قال إن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده أن ~~الجسم لا يخلو عن الأكوان الأربعة الإجتماع والإفتراق والحركة والسكون ~~فتقاس بقية الأعراض عليها واحتجوا بأن القابل لها لا يخلو عنها وعن ضدها ~~بعد الإتصاف كما سلمته الكرامية فكذلك قبل الإتصاف PageV02P178 # فأجابهم من خالفهم كالرازي وغيره بأن الأولى قياس محض بغير جامع فإذا قدر ~~أن الجسم يستلزم نوعا من أنواع الآعراض فمن أين يجب أن يستلزم بقية الأنواع ~~وأيضا فإن الذي يسلمونه لهم الحركة والسكون والسكون هل وجود أو عدم فيه ~~قولان معروفان ms0337 وأما الإجتماع والافتراق فهو مبني على مسألة الجوهر الفرد ~~ومن قال إن الاجسام ليست مركبة من الجواهر الفردة وهم أكثر الطوائف لم يقل ~~بأن الجسم لا يخلو من الإجتماع والافتراق بل الجسم البسيط عنده واحد سواء ~~قبل الافتراق أو لم يقبله وكذلك اذا قدر أن فيه حقائق متلازمة لم يلزم من ~~ذلك أن يقبل الإجتماع والافتراق # وأما كونه لا يخلو عنهما بعد الاتصاف فأجابوا عنه بمنع ذلك في الاعراض ~~التي لا تقبل البقاء كالحركات والأصوات وأما ما يقبل البقاء فهو مبني على ~~أن الباقي هل يفتقر زواله إلى ضد أم لا فمن قال ن الباقي لا يفتقر زواله ~~إلى ضد أمكنه أن يقول بجواز الخلو عن الاتصاف بالحادث بعد قيامه بدون ضد ~~يزيله ومن قال لا يزول الا بضد قال إن الحادث لا يزول الا بضد حادث فإن ~~الحادث بعد الحدوث لا يخلو المحل منه ومن ضده بناء على هذا PageV02P179 ~~الأصل فإن كان هذا الأصل صحيحا ثبت الفرق وإن كان باطلا منع الفرق تناقضهم ~~يدل على فساد أحد قوليهم # ثم القائلون بموجب هذا الأصل طوائف كثيرون بل أكثر الناس على هذا فلا ~~يلزم من تناقض الكرامية تناقض غيرهم وأما المقدمة الثانية وهي أن ما لا ~~يخلو من الحوادث فهو حادث فهذه قد نازع فيها طوائف من أهل الكلام والفلسفة ~~والفقه والحديث والتصوف وغيرهم وقالوا التسلسل الممتنع هو التسلسل في العلل ~~فأما التسلسل في الآثار المتعاقبة والشروط المتعاقبة فلا دليل على بطلانه ~~بل لا يمكن حدوث شيء من الحوادث لا العالم ولا شيء من أجزاء العالم الا ~~بناء على هذا الأصل فم لم يجوز ذلك لزمه حدوث الحوادث بلا سبب حادث وذلك ~~يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح كما قد بسط هذا في مسألة حدوث ~~العالم وبين أنه لا بد من تسلسل الحوادث أو الترجيح بلا مرجح وأن القائلين ~~بالحدوث بلا سبب حادث يلزمهم الترجيح بلا مرجح وأن القائلين بقدم العالم ~~يلزمهم الترجيح بلا مرجح ويلزمهم حدوث الحوادث بلا محدث ms0338 أصلا وهذا افسد من ~~حدوثها بلا سبب حادث PageV02P180 # والطوائف أيضا متنازعة في هذا الأصل وجمهور الفلاسفة وجمهور أهل الحديث ~~لا يمنعون ذلك وأما أهل الكلام فللمعتزلة فيه قولان وللأشعرية فيه قولان # وأما الحجة الثانية وهي أنه لو كان قابلا لها لكان قابلا لها في الأزل ~~وذلك فرع إمكان وجودها ووجودها في الأزل محال فقد أجاب عنها بالمعارضة بأنه ~~قادر على الحوادث ولا يلزم من كون القدرة أزلية أن يكون إمكان المقدور ~~أزليا # قلت ويمكن أن يجاب عنها بوجوه أخرى # أحدها أنه لا يسلم أنه اذا كان قابلا لحدوث الحادث أن يكون قابلا له في ~~الأزل الا اذا أمكن وجود ذلك في الأزل فإنه اذا قيل هو قابل لما يمتنع أن ~~يكون أزليا كان بمنزلة أن يقال هوقادر على ما يمتنع أن يكون أزليا فمن ~~اعتقد امتناع حدوث حادث في الأزل وقال مع ذلك بأنه قادر على الحوادث وقابل ~~لها لم يلزمه القول بإمكان وجود المقدور المقبول في الأزل لكن هذا المقام ~~هو مقام الذين يقولون يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث والكلام في هذا ~~مشترك بين كونه قادرا وقابلا فمن جوز حدوث الحوادث بلا سبب حادث كالكلابية ~~وامثالهم من المعتزلة والكرامية كان كلامه في هذا PageV02P181 بمنزلة كلامه ~~في هذا ومن قال إن حدوث الحوادث لا بد له من سبب حادث كما يقوله من يقوله ~~من أهل الكلام والفلسفة وأهل الحديث وغيرهم الذين يقولون إنه تقوم به ~~الأمور المتعلقة بقدرته ومشيئته ولم يزل كذلك أو يقولون بتعاقب ذلك في غيره ~~كما يشترك في هذا الأصل من يقوله من الهشامية والمعتزلة والمرجئة وأهل ~~الحديث والسلفية والفلاسفة ومن وافق هؤلاء من أتباع الأشعري وغيرهم فقولهم ~~في هذا كقولهم في هذا # الوجه الثاني أن يلتزم قائل ذلك إمكان وجود المقدور في الأزل كما يلتزم ~~من يلتزممن يلتزم إمكان وجود المقدور في الأزل وقد عرف أن لطوائف المسلمين ~~في هذا الاصل قولين معروفين فإن مالا يتناهى من الحوادث هل يمكن وجوده في ~~الماضي والمستقبل أو ms0339 في الماضي فقط أو فيهما جميعا على ثلاثة أقوال معروفة ~~قال بكل قول طوائف من نظار المسلمين وغيرهم # الوجه الثالث أن يجاب بجواب مركب فيقال هو قابل لما هو قادر عليه فإن كان ~~ثبوت جنسها في الأزل ممكنا كان قابلا لذلك في الأزل وقادرا عليه في الأزل ~~وإن لم يكن ثبوت هذا الجنس ممكنا في الأزل كان قابلا للممكن من ذلك كما هو ~~قادر على الممكن من ذلك # الوجه الرابع أن يقال كونه قابلا أو ليس بقابل هو نظر في PageV02P182 محل ~~هذه الأمور وليس نظرا في إمكان تسلسلها أو امتناع ذلك كما أن النظر في كونه ~~يقبل الاتصاف بالصفات كالعلم والقدرة هو نظر في إمكان اتصافه بذلك فأما ~~وجوب تناهي ما مضى من الحوادث أو ما بقي وإمكان وجود جنس الحوادث في الأزل ~~فذلك لا اختصاص له بمحل دون محل فإن قدر امتناع قيام ذلك به فلا فرق بين ~~المتسلسل والمتناهي وإن قدر إمكان ذلك كان بمنزلة إمكان حدوث الحوادث ~~المنفصلة والكلام في إمكان تسلسلها وعدم إمكان ذلك مسألة أخرى # الجواب الخامس أن يقال هذه الأمور المقبولة هي من الحوادث المقدورة بخلاف ~~الصفات اللازمة له فإنها ليست مقدورة فالمقبولات تنقسم إلى مقدور وغير ~~مقدور كما أن المقدورات تنقسم إلى مقبول وغير مقبول وما يقوم بالذات من ~~الحوادث هو مقبول مقدور وحينئذ فإذا كان وجود المقدور في الأزل محالا كان ~~وجود هذا المقبول في الأزل محالا لأن هذا المقبول مقدور من المقدورات واذا ~~كان وجود هذه الحوادث المقدورة المقبولة محالا في الأزل لم يلزم من ذلك ~~امتناع وجودهما فيما لا يزال كسائر الحوادث ولم يلزم من كون الذات قابلة ~~لها إمكان وجودها في الأزل # الجواب السادس أن يقال أنتم تقولون إنه قادر في الأزل مع امتناع وجود ~~المقدور في الأزل وتقولون إنه قادر في الأزل على مالا يزال فإن كان هذا ~~الكلام صحيحا أمكن أن يقال في PageV02P183 المقبول كذلك ويقال هو قابل في ~~الأزل مع امتناع وجود المقبول في الأزل وهو ms0340 قابل في الأزل لما لا يزال وإن ~~كان هذا الكلام باطلا لزم إما إمكان وجود المقدور في الأزل واما امتناع ~~كونه قادرا في الأزل وعلى التقديرين يبطل ما ذكرتموه من الفرق بين القادر ~~وبين القابل بقولكم تقدم القدرة على المقدور واجب دون تقدم القابل على ~~المقبول # الجواب السابع أن يقال أنتم اعتمدتم في هذا على أن تلك القابلية يجب أن ~~تكون من لوازم الذات ويلزم من ذلك إمكان وجود المقبول في الأزل لأن قابلية ~~الشيء لغيره نسبة بين القابل والمقبول والنسبة بين الشيئين موقوفة عليهما ~~فيقال لكم ان كانت النسبة بين الشيئين موقوفة عليهما أي على تحققهما معا في ~~زمن واحد كما اقتضاه كلامكم بطل فرقكم وهو قولكم بأن تقدم القدرة على ~~المقدور واجب فإن القدرة نسبة بين القادر والمقدور مع وجوب تقدم القدرة على ~~المقدور وهكذا تقولون الإرادة قديمة مع امتناع وجود المراد في الأزل ~~وتقولون الخطاب قديم مع امتناع وجود المخاطب في الأزل فإذا كنتم تقولون بأن ~~هذه الأمور التي تتضمن النسبة بين شيئين تتحقق في الأزل مع وجود أحد ~~المنتسبين في الأزل دون الآخر امكن PageV02P184 أن يقال إن القابلية متحققة ~~في الأزل مع امتناع تحقق المقبول في الأزل كما قال كثير من الناس إن ~~التكوين ثابت في الأزل مع امتناع وجود المكون في الأزل # وأما الحجة الثالثة وهو أن قيام الحوادث به تغير والله منزه عن التغير ~~فهذه هي التي اعتمد عليها الشهرستاني في نهاية الأقدام ولم يحتج بغيرها # وقد أجاب الرازي وغيره عن ذلك بأن لفظ التغير مجمل فإن الشمس والقمر ~~والكواكب إذا تحركت أو تحركت الرياح أو تحركت الأشجار والدواب من الأناسي ~~وغيرهم فهل يسمى هذا تغيرا أولا يسمى تغيرا فإن سمي تغيرا كان المعنى أنه ~~اذا تحرك المتحرك فقد تحرك وإذا تغير بهذا التفسير فقد تغير وإذا قامت به ~~الحوادث كالحركة ونحوها فقد قامت به الحوادث فهذا معنى قوله إن فسر بذلك ~~فقد اتحد اللازم والملزوم # فيقال وما الدليل على امتناع هذا المعنى وإن ms0341 سماه المسمى تغيرا وان كان ~~هذا لا يسمى تغيرا بل المراد بالتغير غير مجرد قيام الحوادث مثل أن يعني ~~بالتغير الاستحالة في الصفات كما يقال تغير المريض وتغيرت البلاد وتغير ~~الناس ونحو ذلك فلا دليل على أنه يلزم من PageV02P185 الحركة ونحوها من ~~الحوادث مثل هذا التغير ولا ريب أن التغير المعروف في اللغة هو المعنى ~~الثاني فإن الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب اذا كانت جارية في ~~السماء إن هذا تغير وإنها تغيرت ولا يقولون للإنسان إذا كانت عادته أن يقرأ ~~القرآن ويصلى الخمس إنه كلما قرأ وصلى قد تغير وإنما يقولون ذلك لمن لم تكن ~~عادته هذه الأفعال فإذا تغيرت صفته وعادته قيل إنه قد تغير # وحينئذ فمن قال إنه سبحانه لم يزل متكلما اذا شاء فعالا لما يشاء لم يسم ~~أفعاله تغيرا ومن قال إنه تكلم بعد أن لم يكن متكلما وفعل بعد أن لم يكن ~~فاعلا فإنه يلزم من قال إن الكلام والفعل يقوم به ما يلزم من قال أن الكلام ~~والفعل يقوم بغيره والقول في أحد النوعين كالقول في الآخر وذا قدر أن ~~النزاع لفظي فلا بد من دليل سمعي أو عقلي يجوز أحدهما ويمنع الاخر والا فلا ~~يجوز التفريق بين المتماثلين بمجرد الدعوى أو بمجرد اطلاق لفظي من غير أن ~~يكون ذلك اللفظ مما يدل على ذلك المعنى في كلام المعصوم فأما اذا كان اللفظ ~~في كلام المعصوم وهو كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل الإجماع وعلم مراده ~~بذلك اللفظ فإنه يجب مراعاة مدلول ذلك اللفظ ولا يجوز مخالفة قول المعصوم ~~وواطلاق التغير على الأفعال كإطلاق لفظ الغير على الصفات وإطلاق لفظ الجسم ~~PageV02P186 على الذات وكل هذه الألفاظ فيها إجمال واشتباه وإبهام ومذهب ~~السلف والأئمة أنهم لا يطلقون لفظ الغير على الصفات لا نفيا ولا إثباتا فلا ~~يطلقون القول بأنها غيره ولا بأنها ليست غيره اذ اللفظ مجمل فإن اراد ~~المطلق بالغير المباين فليست غيرا وإن أراد بالغير ما قد يعلم أحدهما دون ~~الآخر فهي ms0342 غير وهكذا ما كان من هذا الباب # واذا كان هذا كلامهم في لفظ الغير فلفظ التغير مشتق منه # ومتأمل كلام فحول النظر في هذا المسألة علم أن الرازي قد استوعب ما ذكروه ~~وأن النفاة ليست معهم حجة عقلية تثبت على السبر وإنما غايتهم الزام التناقض ~~لمن يخالفهم من المعتزلة والكرامية والفلاسفة # ومن المعلوم أن تناقض المنازع يستلزم فساد أحد قوليه بعينه الذي هو مورد ~~النزاع ولهذا كان من ذم أهل الكلام المحدث من أهل العلم لأنهم يصفونهم بهذا ~~ويقولون يقابلون فاسدا بفاسد وأكثر كلامهم في إبداء مناقضات الخصوم # وايضا فغير ذلك الخصم لا يلتزم مقالته التي ناقض بها مورد النزاع كما في ~~هذه المسألة فإنه وإن كانت الكرامية قد تناقضوا فيها فلم يتناقض فيها غيرهم ~~من الأئمة والسلف وأهل الحديث وغيرهم من طوائف أهل النظر والكلام ~~PageV02P187 # وقد قال أبو القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني وتلميذ أبي المعالي في شرح ~~الارشاد اجود ما يتمسك به في هذه المسألة تناقض الخصوم # وهو كما قال فإنه لم يجد لمن تقدمه في ذلك مسلكا سديدا لا عقليا ولا ~~سمعيا واعتبر ذلك بما ذكره أبو المعالي في كتابه الذي سماه الإرشاد إلى ~~قواطع الأدلة وقد ضمنه عيون الأدلة الكلامية التي يسلكها موافقوه وقد تكلم ~~على هذا الأصل في موضعين من كتابه # أحدهما في مسألة حدوث العالم فإنه استدل بدليل الأعراض المشهور وهو أن ~~الجسم لا يخلو عن الأعراض وما لا يخلو عنها فهو حادث وهو الدليل الذي ~~اعتمدت عليه المعتزلة قبله وهو الذي ذمه الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر ~~وبين أنه ليس من طرق األنبياء واتباعهم والدليل هو مبني على أثبات أربع ~~مقدمات الأعراض وإثبات حدوثها وأن الجسم لا يخلو منها وإبطال حوادث لا أول ~~لها فلما صار إلى المقدمة الثالثة قال وأما الأصل الثالث PageV02P188 وهو ~~تبيين استحالة تعري الجواهر عن الأعراض فالذي صار اليه أهل الحق أن الجوهر ~~لا يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن جميع اضداده ان كان له اضداد وأن كان ms0343 له ~~ضد واحد لم يخل الجوهر عن أحد الضدين وإن قدر عرض لا ضد له لم يخل الجوهر ~~عن قبول واحد من جنسه # قال وجوزت الملحدة خلو الجوهر عن جميع الأعراض والجواهر في اصطلاحهم تسمى ~~الهيولي والمادة والأعراض تسمى الصورة # قال وجوز الصالحي العرو عن جملة الأعراض ابتداء ومنع البصريون من ~~المعتزلة من العرو عن جميع الأكوان وجوزوا PageV02P189 الخلو عما عداها ~~وقال الكعبي ومتبعوه يجوز الخلو عن الأكوان ويمتنع العرو عن الألوان # قال وكل مخالف لنا يوافقنا على امتناع العرو عن الأعراض بعد قبول الجواهر ~~لها فيفرض الكلام على الملحدة في الأكوان فإن القول فيها يستند إلى الضرورة ~~فإننا ببديهة العقل نعلم أن الجواهر القابلة للإجتماع والإفتراق لا تعقل ~~غير متماسة ولا متبانية # ومما يوضح ذلك أنها اذا اجتمعت فيما لا يزال فلا يتقرر اجتماعها الا عن ~~افتراق سابق اذا قدر لها الوجود قبل الاجتماع وكذلك اذا طرأ الافتراق عليها ~~اضطررنا إلى العلم بأن الافتراق مسبوق باجتماع وغرضنا في روم اثبات حدث ~~العالم يتضح بالأكوان PageV02P190 # قلت إثبات الأكوان بقبول الحركة والسكون هو الذي لا يمكن دفعه فإن الجسم ~~الباقي لا بد له من الحركة أو السكون وأما الاجتماع والافتراق فهو مبني على ~~اثبات الجوهر الفرد والنزاع فيه كثير مشهور فإن من ينفيه لا يقول إن الجسم ~~مركب منه ولا إن الجواهر كانت متفرقة فاجتمعت والذين يثبتونه أيضا لا ~~يمكنهم إثبات أن الجواهر كانت متفرقة فاجتمعت فإنه لا دليل على ان السماوات ~~كانت جواهر متفرقة فجمع بينها ولهذا قال في الدليل فإنا ببديهة العقل نعلم ~~أن الجواهر القابلة للإجتماع والافتراق لا تعقل غير متماسة ولا متباينة ~~وهذا كلام صحيح لكن الشأن في اثبات الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق فما ~~ذكره من الدليل مبني على تقدير أنها كانت متفرقة فاجتمعت وهذا التقدير غير ~~معلوم بل هو تقدير منتف في نفس الأمر عند جمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم # ثم قال أبو المعالي وإن حاولنا ردا على المعتزلة فيما خالفونا فيه تمسكنا ~~بنكتتين إحداهما الاستشهاد ms0344 بالاجماع على امتناع العرو عن الأعراض بعد ~~الاتصاف بها فنقول كل عرض باق فإنه ينتفي عن محله بطريان ضده ثم الضد إنما ~~يطرأ في حال عدم المنتفي به PageV02P191 على زعمهم فإذا انتفى البياض فهلا ~~جاز أن لا يحدث بعد انتفائه لون إن كان يجوز الخلو من الألوان وتطرد هذه ~~الطريقة في أجناس الأعراض # قلت مضمون هذا أنه قاس ما بعد الاتصاف على ما قبله وقد اجابه المنازعون ~~عن هذا بأن الفرق بينهما أن الضد لا يزول الا بطريان ضده فلهذا لم يخل ~~منهما فإن كان هذا الفرق صحيحا بطل القياس والا منع الحكم في الأصل وقيل بل ~~يجوز خلوه بعد الاتصاف اذا أمكن زوال الضد بدون طريان آخر وما ذكره في ~~السواد والبياض قضية جزئية فلا تثبت بها دعوى كلية ومن أين يعلم أن كل طعم ~~في الأجسام اذا زال فلا بد أن يخلفه طعم آخر وكل ريح إذا زالت فلا بد أن ~~يخلفها ريح آخر وكذلك في الإرادة والكراهة ونحو ذلك فمن أين يعلم أن المريد ~~للشيء المحب له إذا زالت إرادته ومحبته فلا بد أن يخلفه كراهية وبغضة ولم ~~لا يجوز خلو الحي عن حب المعين وبغضه وارادته وكراهته # قال ونقول أيضا الدال على استحالة قيام الحوادث بذات PageV02P192 الرب ~~سبحانه وتعالى أنها لو قامت به لم يخل عنها وذلك يقضي بحدثه فإذا جوز الخصم ~~عرو الجوهر عن حوادث مع قبوله لها صحة وجوازا فلا يستقيم مع ذلك دليل على ~~استحالة قبول الباريء للحوادث # قلت فلقائل أن يقول هذا غايته إلزام لهؤلاء المعتزلة إنكم اذا جوزتم ذلك ~~لم يكن لكم حجة على استحالة قبول الباري للحوادث # فيقال إما أن ليكون هذا لازما وأما أن لا يكون لازما فإن كان لازما دل ~~ذلك على أنه لا دليل للمعتزلة على ذلك ولا دليل له أيضا فإن مجرد موافقة ~~المعتزلة له لا يكون دليلا لواحد منهما في شيء من المسائل التي لم نعلم ~~فيها نزاع فكيف مع ظهور النزاع وإن لم يكن ms0345 لازما لهم لم يكن حجة عليهم # فقد تبين أنه لم يذكر حجة على أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده # الموضع الثاني قال في أثناء الكتاب PageV02P193 فصل مما يخالف فيه الجوهر ~~حكم الإله قبول الأعراض وصحة الاتصاف بالحوادث والرب يتقدس عن قبول الحوادث # قال وذهبت الكرامية إلى أن الحوادث تقوم بذات الرب ثم زعموا أنه لا يتصف ~~بما يقوم به من الحوادث وصاروا إلى جهالة لم يسبقوا اليها فقالوا القول ~~الحادث يقوم بذات الرب وهو غير قائل به وإنما يقول بالقائلية والقائلية ~~عندهم القدرة على التكلم وحقيقة أصلهم أن أسماء الرب لا يجوز أن تتجدد ~~ولذلك وصفوه بكونه خالقا في PageV02P194 الأزل ولم يتحاشوا من قيام الحوادث ~~به وتنكبوا إثبات وصف جديد له ذكرا وقولا # قال والدليل على بطلان ما قالوه أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها لما سبق ~~تقريره في الجواهر حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض ولو لم تخل عن ~~الحوادث لم تسبقها وينساق ذلك إلى الحكم بحدث الصانع # قال ولا يستقيم هذا الدليل على أصل المعتزلة مع مصيرهم إلى تجويز خلو ~~الجوهر عن الأعراض على تفصيل لهم أشرنا اليه واثباتهم أحكاما متجددة لذات ~~الرب تعالى من الإرادة المحدثة القائمة لا بمحل على زعمهم ويصدهم أيضا عن ~~طرد دليل في هذه المسألة أنه اذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات من غير أن تدل ~~على الحدث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار نفس الأعراض على الذات PageV02P195 # هذا كلامه ولقائل أن يقول قوله الدليل على بطلان ما قالوه انه لو قبلها ~~لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر هو لم يذكر دليلا هناك الا قياس ما ~~قبل الاتصاف على ما بعده وهو ليس حجة علمية عقلية بل غايته احتجاج بموافقة ~~منازعه في مسألة عظيمة عقلية ترد لأجلها نصوص الكتاب والسنة وينبني عليها ~~من مسائل الصفات والأفعال أمور عظيمة اضطرب فيها الناس فمن الذي يجعل أصول ~~الدين مجرد قول قالته طائفة من أهل الكلام وافق بعضهم بعضا عليه من ms0346 غير حجة ~~عقلية ولا سمعية # وقد أجاب المنازعون بجواب مركب وهو إما الفرق إن صح والا منع حكم الأصل # وأيضا فإنه قد قرر هناك وهنا أن المعتزلة أئمة الكلام الذين أظهروا في ~~الإسلام نفي الصفات والأفعال وسموا ذلك تقديسا له عن الأعراض والحوادث وقد ~~ذكر أبو المعالي أنه لا حجة لهم على استحالة اتصافه بالحوادث وأنه يلزمهم ~~نقيض ذلك أما الأول فإن القابل للشيء عندهم يجوز أن يخلو عنه وعن ضده وأما ~~لزوم هذا القول له فلإثباتهم أحكاما متجددة للرب وأنه اذا لم يمتنع تجدد ~~أحكام للذات PageV02P196 من غير أن يدل على الحدوث لم يبعد مثل ذلك في ~~اعتوار أنفس الأعراض وكان ما ذكره الأستاذ أبو المعالي يقتضي أن القول ~~بحلول الحوادث يلزم المعتزلة وأنه لا دليل لهم على نفي ذلك وهو أيضا لم ~~يذكر دليلا لموافقيه على نفي ذلك # فأفاد ما ذكره أن أئمة النفاة لحلول الحوادث به القائلين بأنه لا يقوم به ~~ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا دليل لهم على ذلك بل قولهم يستلزم قول أهل ~~الإثبات لذلك # قال ونقول للكرامية مصيركم إلى إثبات قول حادث مع نفيكم اتصاف الباري به ~~تناقض اذ لو جاز قيام معنى بمحل من غير أن يتصف المحل بحكمة لجاز شاهدا ~~قيام أقوال وعلوم وارادات بمحال من غير أن تتصف المحال بأحكام موجبة عن ~~المعاني وذلك يخلط الحقائق ويجر إلى جهالات # قال ثم نقول له اذا جوزتم قيام ضروب من الحوادث بذاته فما المانع من ~~تجويز قيام أكوان حادثة بذاته على التعاقب PageV02P197 وكذلك سبيل الإلزام ~~فيما يوافقوننا على استحالة قيامه به من الحوادث ومما يلزمهم تجويز قيام ~~قدرة حادثه وعلم حادث بذاته على حسب أصلهم في القول والارادة الحادثين ولا ~~يجدون بين ما جوزوه وامتنعوا عنه فصلا # قال ونقول لهم قد وصفتم الرب تعالى بكونه متحيزا وكل متحيز جسم وجرم ولا ~~يتقرر في المعقول خلو الأجرام من الأكوان فما المانع من تجويز قيام الأكوان ~~بذات الرب ولا محيص لهم عن شيء مما ألزموه ms0347 # قلت ولقائل أن يقول هذه الوجوه الأربعة التي ذكرها ليس فيها حجة تصلح ~~لاثبات الظن في الفروع فضلا عن اثبات اعتقاد يقيني في أصول الدين يعارض به ~~نصوص الكتاب والسنة فإن غاية هذا الكلام إن صح أن الكرامية تناقضوا وقالوا ~~قولا ولم يلتزموا بلوازمه PageV02P198 # فيقال إن كان ما ذكره لازما لهم لزمهم الخطأ إما في إثبات الملزوم وإما ~~في نفي اللازم ولم يتعين الخطأ في أحدهما فلم لا يجوز أن يكون خطؤهم في نفي ~~اللوازم فإن أقام على ذلك دليلا عقليا كان هو حجة كافية في المسألة والا ~~استفدنا خطأ الكرامية في أحد قوليهم وإن لم يكن ما ذكره لازما لم يفد لا ~~إثبات تناقضهم ولا دليلا في مورد النزاع # ثم يقال أما الوجه الأول فحاصله نزاع لفظي هل يتصف بالحوادث أو لا يتصف ~~كالنزاع في أمثال ذلك وإذا كان من أصلهم الفرق بين اللازم وغير اللازم بحيث ~~يسمون اللازم صفة دون العارض كاصطلاح من يفرق بين الصفات والأفعال فلا يسمى ~~الأفعال صفات وإن قامت بمحل كاصطلاح من يفرق بين الأقوال والأفعال فلا يسمى ~~ما يتكلم به الإنسان عملا وإن كان له فيه حركة ونحو ذلك كانت هذه أمورا ~~اصطلاحية لفظية لغوية لا معاني عقلية والمرجع في إطلاق الألفاظ نفيا ~~وإثباتا إلى ما جاءت به الشريعة فقد يكون في إطلاق اللفظ مفسدة وإن كان ~~المعنى صحيحا # وما ألزمهم إياه في الشاهد فأكثر الناس يلتزمونه في الأفعال فإن الناس ~~تفرق في الإطلاقات بين صفات الإنسان وبين أفعاله كالقيام PageV02P199 ~~والقعود والذهاب والمجيء فلا يسمون ذلك صفات وإن قامت بالمحل # وكذلك العلم الذي يعرض للعالم ويزول والإرادة التي تعرض له وتزول قد لا ~~يسمون ذلك صفة له وإنما يصفونه بما كان ثابتا له كالخلق الثابت # وبالجملة فهذه بحوث لفظية سمعية لا عقيلة وليس هذا موضعها # وأما قيام الأكوان به على التعاقب وقيام ما أحالوا قيامه به فهم يفرقون ~~بين ما جوزوه ومنعوه بما يفرق به مثبته الصفات بين ما وصفوه به وبين ما ms0348 ~~منعوه فكما أنهم يصفونه بصفات الكمال فلا يلزمهم أن يصفوه بغيرها فكذلك ~~هؤلاء يقولون فإن صح الفرق والا كانوا متناقضين # ومن المعلوم أن الله تعالى لما وصف بالسمع والبصر كما دلت عليه النصوص ~~ألزمت النفاة لأهل الإثبات إدراك الشم والذوق واللمس فمن الناس من طرد ~~القياس ومنهم من فرق بين الثلاثة والاثنين ومنهم من فرق بين ادراك اللمس ~~وادراك الشم والذوق لكون النصوص أثبتت الثلاثة دون الاثنين # فإذا قال المعتزلة البصريون والقاضي أبو بكر وأبو المعالى وغيرهما ممن ~~يصفه بالإدراكات الخمسة لمن لم يصفه الا باثنين أو ثلاثة يلزمكم ~~PageV02P200 طرد القياس لزمهم إما الفرق والا كانوا متناقضين ولم يكن هذا ~~دليلا على ابطال اتصافه بالسمع والبصر وكذلك اذا قال من جعل الإدراكات ~~الخمسة تتعلق به كما فعله هؤلاء ومن وافقهم كالقاضي أبي يعلى ونحوه لمن ~~أثبت الرؤية يلزمكم أن تصفوه بتعلق السمع والشم والذوق واللمس به كما قلتم ~~في الرؤية كانوا أيضا على طريقين منهم من يذكر الفرق ومنهم من يفرق بين ~~اللمس وغيره لمجيء النصوص بذلك دون غيره # قال أبو المعالي في إرشاده فإن قيل قد وصفتم الرب تعالى بكونه سميعا ~~بصيرا والسمع والبصر إدراكان ثم ثبت شاهدا إدراكات سواهما إدراك يتعلق ~~بقبيل الطعوم وادراك يتعلق بقبيل الروائح وادراك يتعلق بالحرارة والبرودة ~~واللين والخشونة فهل تصفون الرب تعالى بأحكام هذه الإدراكات أم تقتصرون على ~~وصفه بكونه سمعيا بصيرا # قلنا الصحيح المقطوع به عندنا وجوب وصفه بأحكام الادراك إذ كل إدراك ~~ينفيه ضد فهو آفة فما دل على وجوب PageV02P201 وصفه بحكم السمع والبصر فهو ~~دال على وجوب وصفة بأحكام الادراك ثم يتقدس الرب تعالى عن كونه شاما ذائقا ~~لامسا فإن هذه الصفات منبئة عن ضروب من الاتصالات والرب يتعالى عنها وهي لا ~~تنبىء عن حقائق الادراكات فإن الانسان يقول شممت تفاحة فلم أدرك ريحها ولو ~~كان الشم دالا على الادراك لكان ذلك بمثابة قول القائل أدركت ريحها ولم ~~أدركه وكذلك القول في الذوق واللمس # قلت ولا يلزم من تناقض هؤلاء ms0349 إن كانوا متناقضين نفى الرؤية التي تواترت ~~بها النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم # وقلت وأما تعاقب الحوادث فهم نفوه بناء على امتناع حوادث لا أول لها فإن ~~صح هذا الفرق والا لزمهم طرد الجواز كما طرده غيرهم ممن لا يمنع ذلك ~~PageV02P202 وأما حدوث القدرة والعلم فنفوهما لأن عدم ذلك يستلزم النقص ~~لعموم تعلق العلم والقدرة بخلاف الإرادة والكلام فإنه عموم لها فإنه سبحانه ~~لا يتكلم الا بالصدق لا يتكلم بكل شيء ولا يريد الا مايسبق علمه به لا يريد ~~كل شيء بخلاف العلم والقدرة فإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير # وهذا كما فرقت المعتزلة بين هذا وهذا فقالوا إن له إرادة حادثة وكلاما ~~حادثا ولم يقولوا له عالمية حادثة وقادرية حادثة فالسؤال على الفريقين ~~جميعا فإن صح الفرق والا كانوا متناقضين وقد أثبت غيرهم قيام علم بالموجود ~~بعد وجوده ولم يجعل ذلك عين العلم المتعلق به قبل وجوده كما دل على ذلك ~~ظاهر النصوص وقد أثبت ذلك من أهل الكلام والفلسفة طوائف كأبي الحسين البصري ~~وأبي البركات وغيرهم وغير المتقدمين مثل هشام بن الحكم وأمثاله ومثل جهم ~~والمفرق إن صح فرقه والا لزم تناقضه # وقيام الأكوان به نفوه لأنها هي دليلهم على حدوث العالم كما استدلت بذلك ~~المعتزلة وهم يقولون المتصف بالأكوان لا يخلو منها وهذا معلوم بالبديهة كما ~~بينه الأستاذ أبو المعالي في أول كلامه وقال نفرض الكلام في الأكوان فإن ~~القول فيها يستند PageV02P203 إلى الضرورة فإذا كان من المعلوم بالضرورة أن ~~القابل للأكوان لا يخلو عنها فلو وصفوه بالأكوان للزم أن لا يخلو عنها وهم ~~يقولون بامتناع تسلسل الحوادث ويقولون مالا يخلو من الحوادث فهو حادث كما ~~يوافقهم على ذلك أبو المعالي وأمثاله فإن كان هذا الفرق صحيحا بطل الألزام ~~لهم وصح فرقهم وان لم يكن هذا الفرق صحيحا لم يكن في ذلك حجة للمنازع لهم ~~بل يقول القائل كلاكما مخطيء حيث قلتم بامتناع دوام الحوادث وتسلسلها # ومعلوم أن هذا كلام متين لا جواب ms0350 عنه فإن فرقهم بين الأكوان وغيرها هو ~~العلم الضروري من الجميع بأن القابل للأكوان لا يخلو منها فما قبل الحركة ~~والسكون لم يخل من أحدهما فهذا هو محيصهم عما ألزمهم به فإن كانت الأكوان ~~كغيرها من في أن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده فقد ثبت تناقضهم اذا كان ~~قابلا لها وإن لم تكن مثل غيرها كما تقوله المعتزلة صح فرقهم وهم يدعون أنه ~~ليس قابلا لها كما وقد وافقهم على ذلك المعتزلة والأشعرية # قإذا قال المعترض عليهم يجب على أصلهم أن يكون قابلا لها لأنهم يصفونه ~~بكونه متحيزا وكل متحيز جسم وجرم قيل هذا كما تقوله المعتزلة للأشعرية ~~يلزمكم اذا قلتم إن له حياة وعلما وقدرة أن يكون متحيزا لأنه لا يعقل قيام ~~هذه الصفات الا بمتحيز ويقولون PageV02P204 إنه لا يعقل موصوف بالعلم ~~والقدرة والسمع والبصر والكلام والارادة الا ما هو جسم فإذا وصفتموه بهذه ~~الصفات لزمكم أن يكون جسما # فإذا قال هؤلاء للمعتزلة قد اتفقنا نحن وأنتم على أنه حي عليم قدير وليس ~~بمتحيز ولا جسم فإذا عقلنا موجودا حيا عليما قديرا ليس بجسم عقلنا حياة ~~وعلما وقدرة لا تقوم بجسم قالوا وأنتم وافقتمونا على أنه حي عليم قدير ~~وإثبات حي عليم قدير بلا حياة ولا علم ولا قدرة مكابرة للعقل واللغة والشرع # قالت الكرامبة لهؤلاء قد اتفقنا نحن وأنتم على أنه موصوف بالحياة والعلم ~~والقدرة ونحو ذلك من الصفات مع اتفاقنا نحن وأنتم على أنه لا يتصف بالأكوان ~~فهكذا اذا جوزنا عليه أنه يسمع أصوات عباده حين يدعونه ويراهم بعد أن ~~يخلقهم ويغضب عليهم اذا عصوه ويحب العبد اذا تقرب اليه بالنوافل ويكلم موسى ~~حين أتى الوادي ويحاسب خلقه يوم القيامة ونحو ذلك مما دلت عليه النصوص لم ~~يلزمنا مع ذلك أن نجوز لم يلزمنا مع ذلك أن نجوز عليه حدوث الأكوان # ومن تدبر كلام هؤلاء الطوائف بعضهم مع بعض تبين له أنهم لا يعتصمون فيما ~~يخالفون به الكتاب والسنة الا بحجة جدلية يسلمها بعضهم لبعض ms0351 وآخر منتهاهم ~~حجة يحتجون بها في إثبات حدوث العالم لقيام الأكوان به أو الأعراض ونحو ذلك ~~من الحجج التي هي PageV02P205 أصل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والأئمة ~~وقالوا إنه جهل وإن حكم أهله أن يضربوا بالجريد والنعال وطاف بهم في ~~القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام ~~ولكن من عرف حقائق ما انتهى اليه هؤلاء الفضلاء الأذكياء ازداد بصيرة وعلما ~~ويقينا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبأن ما يعارضون به الكتاب ~~والسنة من كلامهم الذي يسمونه عقليات هي من هذا الجنس الذي لا ينفق الا بما ~~فيه من الألفاظ المجملة المشتبهة مع من قلت معرفته بما جاء به الرسول وبطرق ~~اثبات ذلك ويتوهم أن بمثل هذا الكلام يثبت معرفة الله وصدق رسله وأن الطعن ~~في ذلك طعن فيما به يصير العبد مؤمنا فيتعجل رد كثير مما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لظنه أنه بهذا الرد يصير مصدقا للرسول في الباقي واذا أنعم ~~النظر تبين له أنه كلما ازداد تصديقا لمثل هذا الكلام ازداد نفاقا وردا لما ~~جاء به الرسول وكلما ازداد معرفة ازداد معرفة بحقيقة هذا الكلام وفساده ~~ازداد ايمانا وعلما بحقيقة ما جاء به الرسول ولهذا قال من قال من الأئمة قل ~~أحد نظر في الكلام الا تزندق وكان في قلبه غل على أهل الإسلام بل قالوا ~~علماء الكلام زنادقة # ولهذا قيل إن حقيقة ما صنفه هؤلاء في كتبهم من الكلام PageV02P206 الباطل ~~المحدث المخالف للشرع والعقل هو ترتيب الأصول في تكذيب الرسول ومخالفة صريح ~~المعقول وصحيح المنقول ولولا أن هؤلاء القوم جعلوا هذا علما مقولا ودينا ~~مقبولا يردون به نصوص الكتاب والسنة ويقولون إن هذا هو الحق الذي يجب قبوله ~~دون ما عارضه من النصوص الإلهية والأخبار النبوية ويتبعهم على ذلك من طوائف ~~أهل العلم والدين مالا يحصيه إلا الله لاعتقادهم أن هؤلاء أحذق منهم وأعظم ~~تحقيقا لم يكن بنا حاجة إلى كشف هذه المقالات مع أن الكلام هنا ms0352 لا يحتمل ~~إلا الاختصار # ومقصودنا بحكاية هذا الكلام أن يعلم أن ما ذكره الرازي في هذه المسألة قد ~~استوعب فيه جميع حجج النفاة وبين فسادها # وأما الحجة التي احتج بها فهي أضعف من غيرها كما سيأتي بيانه # وقد ذكر أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف # وذكر في كتاب الأربعين أنها تلزم أصحابه أيضا فقال في الأربعين المشهور ~~أن الكرامية يجوزون ذلك وينكره سائر الطوائف وقيل أكثر العقلاء يقولون به ~~وإن أنكروه باللسان فإن أبا علي وأبا هاشم من المعتزلة وأتباعهما قالوا إنه ~~يريد بإرادة حادثة PageV02P207 لا في محل ويكره بكراهة حادثة لا في محل إلا ~~أن صفة المريدية والكارهية محدثة في ذاته تعالى # وإذا حضر المرئي والمسموع حدث في ذاته تعالى صفة السامعية والمبصرية ~~لكنهم إنما يطلقون لفظ التجدد دون الحدوث # وأبو الحسين البصري يثبت في ذاته علوما متجددة بحسب تجدد المعلومات ~~والأشعرية يثبتون نسخ الحكم مفسرين ذلك برفعه أو انتهائه والارتفاع ~~والانتهاء عدم بعد الوجود ويقولون إنه عالم بعلم واحد يتعلق قبل وقوع ~~المعلوم بأنه سيقع وبعده يزول ذلك التعلق ويتعلق بأنه وقع ويقولون بأن ~~قدرته تتعلق بإيجاد المعين وإذا وجد انقطع ذلك التعلق لامتناع إيجاد ~~الموجود وكذا تعلق الارادة بترجيح المعين وأيضا PageV02P208 المعدوم لا ~~يكون مرئيا ولا مسموعا وعند الوجود يكون مرئيا ومسموعا فهذه التعلقات حادثة # فإن التزم جاهل كون المعدوم مرئيا ومسموعا قلنا الله تعالى يرى المعدوم ~~معدوما لا موجودا وعند وجوده يراه موجودا لا معدوما لأن رؤية الموجود ~~معدوما أو بالعكس غلط وأنه يوجب ما ذكرنا والفلاسفة مع بعدهم عن هذا يقولون ~~بأن الاضافات وهي القبلية والبعدية والمعية موجودة في الأعيان فيكون الله ~~مع كل حادث وذلك الوصف الإضافي حدث في ذاته وأبو البركات من المتأخرين منهم ~~صرح في المعتبر بإرادات محدثة وعلوم محدثة في ذاته تعالى زاعما بأنه لا ~~يمكن الاعتراف بكونه الها لهذا العالم إلا مع هذا القول ثم قال الإجلال من ~~هذا الإجلال والتنزيه من هذا التنزيه واجب PageV02P209 # قال الرازي واعلم أن الصفة ms0353 إما حقيقية عارية عن الإضافة كالسواد والبياض ~~أو حقيقة تلزمها إضافة كالعلم والقدرة فإنه يلزمها تعلق بالمعلوم والمقدور ~~وهو اضافة مخصوصة بينهما وإما اضافة محضة ككون الشيء قبل غيره وبعده ويمينه ~~ويساره فإن تغير هذه الأشياء لا يوجب تغيرا في الذات ولا في صفة حقيقية ~~منها فنقول تغير الإضافات لا محيص عنه وأما تغير الصفات الحقيقية فالكرامية ~~يثبتونه وغيرهم ينكرونه فظهر الفرق بين مذهب الكرامية وغيرهم لا نسمي ذلك ~~صفة ولا نقول إن ذلك تغير في الصفات الحقيقية كما تقدم # ثم استدل الرازي بثلاثة أوجه # أحدها أن صفاته صفات كمال فحدوثها يوجب PageV02P210 نقصانه يعني قبل ~~حدوثها والإضافات لا وجود لها في الأعيان دفعا للتسلسل فلا يرد نقصا # ولقائل أن يقول هذا الدليل قد تقدم الكلام عليه والمنازع لا يسمى ذلك صفة ~~وإن وصف الموصوف بنوع ذلك فليس كل فرد من الأفراد صفة كمال مستحقة القدم ~~بحيث يكون عدمها في الأزل نقصا وما اقتضت الحكمة حدوثه في وقت لم يكن عدمه ~~قبل ذلك نقصا بل الكمال عدمه حيث لا تقتضي الحكمة وجود حدوثه ووجوده حيث ~~اقتضت الحكمة وجوده كالحوادث المنفصلة فليس عدم كل شيء نقصا عما عدم عنه # وأيضا فالحوادث لا يمكن وجودها الا متعاقبة وقدمها ممتنع وما كان ممتنع ~~الوجود لم يكن عدمه نقصا والتسلسل المذكور هو التسلسل في الآثار والشروط ~~ونحوها وهذا فيه قولان مشهوران فالمنازع قد يختار جوازه لا سيما من يقول إن ~~الرب لم يزل فاعلا متكلما إذا شاء # الثاني لو كانت ذاته قابلة للحوادث لكانت تلك القابلية من PageV02P211 ~~لوازمها وأزلية القابلية توجب صحة وجود المقبول أزلا لأن قابلية الشيء ~~للغير نسبة بينهما والنسبة بين الشيئين موقوفة عليهما لكن وجود الحوادث في ~~الأزل محال ولا يلزم علينا القدرة الأزلية لأن تقدم القدرة على المقدور ~~واجب دون تقدم القابل على المقبول # قال الأرموي ولقائل أن يقول ما ذكرتم بتقدير التسليم يقتضي أزلية صحة ~~وجود الحوادث لا صحة أزلية وجود الحوادث وقد عرفت الفرق بينهما في مسألة ~~الحدوث والفرق ms0354 المذكور إن صح الفرق مع أن الدليل المذكور ينفيه لزم بطلان ~~الدليل # قلت فقد ذكر الأرموي في بطلان هذا الدليل ثلاثة أوجه أحدهما الفرق بين ~~صحة أزلية الحدوث وأزلية صحة الحدوث وسيأتي إن شاء الله الكلام فيه وبيان ~~أنه فرق فاسد لكن يقال إن صح فهذا الفرق بطل الدليل وإن لم يصح لزم إمكان ~~الحوادث في الأزل ولزم إمكان وجود المقدور والمقبول في الأزل وكلاهما يبطل ~~PageV02P212 الدليل أو يقال ما كان جوابا لكم عن المقدور كان جوابا لنا عن ~~المقبول أو يقال إن صح هذا الفرق بطل الدليل وإن لم يصح هذا الفرق فاللازم ~~أحد أمرين إما إمكان دوام الحوادث وإما امتناع دوامها فإن كان اللازم هو ~~الأول لزم إمكان وجود جنس الحوادث المقبولة في الأزل وبطل الدليل وأن كان ~~اللازم هو الثاني كان وجودها في الأزل ممتنعا وحينئذ فإذا جاز أن يقال هو ~~قادر عليها مع امتناع وجود المقدور أمكن أن يقال هو قابل لها مع امتناع ~~وجود المقبول # وقول الأرموي والفرق المذكور إن صح أغنى عن الدليل السابق والا بقي النقص ~~قد يقال أراد به الفرق بين أزلية الصحة وصحة الأزلية وقد يقال عني به الفرق ~~بين القادر والقابل فإن أراد الأول كان معنى كلامه إن صح الفرق أمكن أن ~~يكون قابلا لها في الأزل وتكون صحتها أزلية أي لم تزل ممكنة صحيحة مع ~~امتناع صحة أزلية الحوادث كما يقولون إذ لم تزل الحوادث ممكنة صحيحة جائزة ~~مع امتناع كون الحادث أزليا ويقولون صحة الجواز وإمكانها أزلي لامتناع ~~انقلابها من الإمتناع إلى الإمكان من غير سبب حادث مع امتناع وجودها في ~~الأزل وامتناع صحة أزليتها # وهذا الفرق ذكره الغزالي في تهافت الفلاسفة والرازي وغيرهما في جواب من ~~قال بإن إمكان وجود المقدورات لا أصل له فقالوا نحن نقول إمكان الحوادث لا ~~بداية لها ونقول الشيء المعين بشرط كونه PageV02P213 حادث لا بداية لأزليته ~~ولا يلزم من ذلك إمكان وجود شيء من الحوادث في الأزل لأن كونه حادثا مع ~~كونه ms0355 أزليا ممتنع # وهذا الفرق عند التحقيق باطل فإنه مستلزم للجمع بين النقيضين فإن الحادث ~~يجب أن يكون مسبوقا بالعدم # فإذا قيل بأن الحادث لم يزل ممكنا وأن صحته وإمكانه أزليته كان معناه أن ~~ما كان مسبوقا بالعدم يمكن أن يكون أزليا والأزلي لا يكون مسبوقا بالعدم ~~فكان معناه أن ما يجب أن يكون حادث يمكن أن يكون قديما وما يجب كونه مسبوقا ~~بالعدم يجوز أن يكون أزليا غير مسبوق بالعدم وهذا جمع بين النقيضين # فإذا قيل الحادث المعين إمكانه هل هو أزلي أو حادث # قيل بل هو حادث فإن كون الحادث المعين في الأزل ممتتنع لا يكون قط ولكن ~~حدثت أسباب أوجبت إمكان حدوثه فكان إمكان حدوثه ممكنا كوجود الولد المشروط ~~بوجود والده فإن كونه ابن فلان يستلزم وجود فلان ويمتنع أن يكون وجود ابن ~~فلان موجودا قبل وجود فلان والممتنع لذاته لا يكون مقدورا وتجدد القادرية ~~بتجدد إمكان المقدور ليس ممتنعا فإن الجميع حاصل بمشيئة الرب وقدرته وهو ~~سبحانه بما يحدثه بمشيئته وقدرته يجعل المعدوم موجودا فيجعل ما لم يكن ~~ممكنا مقدورا يصير ممكنا مقدورا وهذا مبسوط في موضع آخر # والمقصود شرح مراد الأرموي فإذا أراد بالفرق الفرق بين صحة PageV02P214 ~~الأزلية وأزلية الصحة كان معنى كلامه إن صح هذا الفرق بطل الدليل فإنه يقول ~~في الحوادث المقبولة ما يقال في الحوادث المنفصلة من الفرق بين صحة أزليتها ~~وأزلية صحتها لكن لو أراد بالفرق هذا لم يستقم قوله إن هذا الفرق إن صح ~~أغنى عن الدليل السابق بل هذا الفرق إن صح بطل الدليل المذكور فهذا يرجح ~~أنه أراد بالفرق بين القادر والقابل فيكون قد ذكر ثلاثة أجوبة نقول إن صح ~~الفرق بينهما بأن القابل يستلزم وجود المقبول في الأزل دون القادر فهذا ~~الفرق يغني عن الدليل وإن صح هذا الفرق انتقض الدليل بالقادر # الوجه الثاني أنه إن صح الفرق بين المقدور والمقبول بأن المقدور يجب ~~تأخره عن القدرة والمقبول بأن المقدور يجب تأخره عن القدرة والمقبول لا يجب ~~ذلك ms0356 فيه كان هذا وحده دليلا على وجوب حصول الحادث في الأزل اذا كان قابلا ~~له وحينئذ فلا حاجة إلى أن يستدل على ذلك بما ذكره من النسبة إن كان الفرق ~~صحيحا وإن لم يكن صحيحا صح النقض به # الثالث إن الدليل المذكور يوجب المقدور في الأزل لأن القادرية على ~~الشيئين نسبة بينهما والنسبة بين الشيئين متوقفة عليهما فإن صح الفرق بين ~~المقدور والمقبول مع أن الدليل يتناولهما جميعا وينفي PageV02P215 الفرق ~~لزم بطلان الدليل فيلزم بطلان مقدمة الدليل أو انتفاضة وكلاهما مبطل له ~~وهذا بين # قال الرازي الثالث قول الخليل @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ سورة الأنعام 76 ~~يدل على أن المتغير لا يكون الها ولقائل أن يقول إن كان الخليل صلى الله ~~تعالى عليه وسلم احتج بالأفول على نفي كونه رب العالمين لزم أنه لم يكن ~~ينفي عنه حلول الحوادث لأن الأفول هو المغيب والاحتجاب باتفاق أهل التفسير ~~واللغة وهو مما يعلم من اللغة اضطرارا وهو حين بزغ قال هذا ربي فإذا كان من ~~حين بزوغه إلى حال أفوله لم ينف عنه الربوبية دل على أنه لم يجعل حركته ~~منافية لذلك وإنما جعل المنافي الأفول وإن كان الخليل صلى الله عليه وسلم ~~إنما احتج بالأفول على أنه لا يصلح أن يتخذ ربا يشرك به ويدعي من دون الله ~~فليس فيه تعرض لأفعال الله تعالى فقصة الخليل إما أن تكون حجة عليهم أو لا ~~لهم ولا عليهم # قال الرازي واحتجوا بأن الدليل على أن الكلام والسمع PageV02P216 والبصر ~~صفات حادثة ولا بد لها من محل وهو ذاته تعالى ولأنه يصح قيام الصفات ~~القديمة بذاته تعالى باتفاق منا ومن الأشعرية والقدم لا يعتبر في المقتضى ~~فإنه عبارة عن نفس الأزلية وهو عدمى فالمقتضى هو كونها صفات والحوادث كذلك ~~فليلزم قيامها به # قال والجواب عن الأول بالجواب عن أدلة حدوث تلك الصفات وعن الثاني بأن ~~تلك الصفات قد تكون مخالفة لهذه بالنوع سلمنا أنه لا فارق سوى القدم فلم ~~قلتم إنه عدمي فإنه عبارة عن نفي ms0357 العدم ونفي النفي ثبوت # قلت ليس بالمقصود هنا ذكر أدلة المثبتة فإن النصوص تدل على ذلك في مواضع ~~لا تكاد تحصى الا بكلفة وانما الغرض بيان هل في العقل ما يعارض النصوص ومن ~~أراد تقرير ما احتجوا به من الدليل العقلي على الإثبات قدح فيما يذكره ~~النفاة من امتناع حدوث تلك الأمور PageV02P217 # وعمدة المانعين هو امتناع حلول الحوادث وامتناع تسلسلها فإذا كانوا لا ~~ينفون حدوثها في ذاته الا لامتناع حلول الحوادث لم يجز أن يجيبوا عن أدلة ~~الحدوث بمجرد دليل امتناع حلول الحوادث ان لم يجيبوا عن المعارض لن ذلك دور ~~فإذا قال القائل الدليل على بطلان دليل المثبتة هو دليل النفاة قيل له دليل ~~النفاة لا يتم الا ببطلان دليل المثبتة فإذا لم تمكن المطالبة الا بدليل ~~المثبتة كان صحة دليل النفاة متوقفا على صحته وذلك دور فإنه لا يتم نفي ذلك ~~الا بالجواب عن حجة المثبتين فيكون قولهم بانتفاء حلول الحوادث مبنيا على ~~انتفاء حلول الحوادث فلا يكون لهم حجة على ذلك # فالمثبتون معهم السمعيات الكثيرة المتواترة بخلاف النفاة فإنه ليس معهم ~~شيء من السمع وإنما يدعون قيام الدليل العقلي على امتناع قيام الحوادث به ~~فإذا اراد بعض المثبتين أن يقيم دليلا عقليا على قيامها به أو إمكان قيامها ~~به احتاج إلى أن يجيب عن أدلة النفاة والنفاة لا يتم دليلهم على النفي حتى ~~يجيبوا على أدلة المثبتين والا فلو قدر تعارض الأدلة العقلية من الجانبين ~~فتكافأتا وبقيت الأدلة السمعية خالية عن معارض يجب تقدمه عليها فإذا احتج ~~المثبتون بالآيات والأحاديث لم يمكن للنفاة أن يقولوا هذا يثبت قيام ~~الحوادث به وذلك ممتنع الا اذا أقاموا الدليل العقلي على الامتناع وأجابوا ~~عما يحتج به المثبتة من الدليل العقلي فلا بد للنفاة من هذا وهذا بخلاف ~~المثبتة فإنه يمكنهم PageV02P218 ان يقولوا السمع دل على ذلك ولم يقيموا ~~دليلا عقليا خاليا عن المعارض المقاوم ينفي ذلك فلا يحتاج المثبتون إلى ~~دليل عقلي يوافق السمع بل يكفيهم إبطال ما يعارضه وإذا ms0358 أقاموا دليلا عقليا ~~فعورضوا بأدلة النفاة لم يحتاجوا إلى إبطالها بل تكفيهم المعارضة فإذا ~~أبطلوها كانوا قد سدوا على النفاة الأبواب # فلهذا كان ما يحتاج اليه النفاة من إقامة دليل عقلي وإبطال ما يعارضه مما ~~احتاج اليه المثبتة بل يكفيهم منع مقدمات المعارض فإن أبطلوها فقد زادوا ~~وتكفيهم المقارضة بالعقليات فإن بينوا رجحان عقلياتهم فقد زادوا وإذا بينوا ~~صحة عقلياتهم وبطلان عقليات النفاة ومعهم السمعيات كانوا قد أثبتوا أن معهم ~~السمع والعقل وأن المنازع ليس معه لا سمع ولا عقل # وأما أدلة المثبتين فهو ما يذكرونه من الشرعيات والعقليات وهم قد قدحوا ~~في أدلة النفاة فيتم كلامهم # وأما التسلسل فالكرامية ومن وافقهم لا يجيزونه كما لا يجيزه كثير من ~~المعتزلة ومن وافقهم وأما من يجوز التسلسل في الآثار من أهل الحديث والكلام ~~والفلسفة وغيرهم فهؤلاء قد عرف طعنهم في أدلة النفاة وطعن بعض النفاة في ~~أدلة بعض حتى متكلمة أهل الإثبات PageV02P219 من الأشعرية وغيرهم متنازعون ~~في ذلك كما قد عرف # وايضا فإن المثبتين يقولون كونه قادرا على الفعل بنفسه صفة كمال كما أن ~~قدرته على المفعول المنفصل صفة كمال فإنا اذا عرضنا على صريح العقل من يقدر ~~على الفعل القائم به والمنفصل عنه ومن لا يقدر على أحدهما علم أن الأول ~~أكمل كما إذا عرضنا عليه من يعلم نفسه وغيره ومن لا يعلم الا أحدهما وأمثال ~~ذلك ويقول من يجوز دوام الحوادث وتسلسلها إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر ~~على الأفعال المتعاقبة الدائمة ويفعلها دائمة متعاقبة ومن لا يقدر على ~~الدائمة المتعاقبة كان الأول أكمل # وكذلك اذا عرضنا على العقل من فعل الأفعال المتعاقبة مع حدوثها ومن لا ~~يفعل حادثا أصلا لئلا يكون عدمه قبل وجوده عدم كمال شهد صريح العقل بأن ~~الأول أكمل فإن الثاني ينفي قدرته وفعله للجميع لئلا يعدم البعض في الأزل ~~والأول يثبت قدرته وفعله للجميع مع عدم البعض في الأزل فذاك ينفي الجميع ~~حذرا من فوت البعض والثاني يثبت ما يثبته من الكمال مع ms0359 فوت البعض ففوت ~~البعض لازم على التقديرين وامتاز الأول بإثبات كمال في قدرته وفعله لم ~~يثبته الثاني # وأيضا فهم يقولون كون الكلام لا يقوم بذاته يمنع أن يكون PageV02P220 ~~كلامه فإن ما قام به شىء من الصفات والافعال عاد حكمه إليه لا إلى غيره ~~فإذا خلق فى محل علما أو قدرة أو كلاما كان ذلك صفة للمحل الذي خلق فيه ~~فذلك المحل هو العالم القادر المتكلم به فإذا خلق كلاما في محل كان ذلك ~~الكلام المخلوق كلام ذلك المحل لا كلامه فإذا خلق في الشجرة @QB@ إني أنا ~~الله رب العالمين @QE@ سورة القصص 30 ولم يقم هو به كلام كان ذلك كلاما ~~للشجرة فتكون هي القائلة إنى أنا الله رب العالمين وهذا باطل فيتعين أن ~~يقوم به الكلام وكونه لا يقدر أن يتكلم ولا يتكلم بما شاء بل يلزمه الكلام ~~كما تلزمه الحياة مع كون تكليمه هو خلق مجرد الادراك يقتضي أن يكون القادر ~~على الكلام الذي يتكلم باختياره أكمل منه فإنا إذا عرضنا على العقل من ~~يتكلم باختياره وقدرته ومن كلامه بغير اختياره وقدرته كان الاول أكمل فتعين ~~أن يكون متكلما بقدرته ومشيئته كلاما يقوم بذاته وكذلك في مجيئه وإتيانه ~~واستوائه وامثال ذلك وإن قدرنا هذه أمورا منفصلة عنه لزم أن لا يوصف بها ~~وإن قدرناها لازمة لذاته لا تكون بمشيئته وقدرته لزم عجزه وتفضيل غيره عليه ~~فيجب أن يوصف بالقدرة على هذه الأفعال القائمة به التي يفعلها بمشيئته ~~وقدرته وهذا هو الذي تعنيه النفاة بقولهم لا تحله الحوادث كما يعنون نفي ~~العلم والقدرة ونحوهما بقولهم لا تحله الأعراض # وأيضا فإن ما به تثبت الصفات القائمة به تثبت الأفعال القائمة به ~~PageV02P221 التي تحصل بقدرته واختياره ونحو ذلك وذلك أنه يقال العلم ~~والقدرة والسمع والبصر والكلام ونحو ذلك صفات كمال فلو لم يتصف الرب بها ~~اتصف بنقائضها كالجهل والعجز والصمم والبكم والخرس وهذه صفات نقص والله ~~منزه عن ذلك فيجب اتصافه بصفات الكمال ويقال كل كمال يثبت لمخلوق من غير أن ~~يكون ms0360 فيه نقص بوجه من الوجوه فالخالق تعالى أولى به وكل نقص تنزه عنه مخلوق ~~فالخالق سبحانه أولى بتنزيهه عنه بل كل كمال يكون للموجود لا يستلزم نقصا ~~فالواجب الوجود أولى به من كل موجود وأمثال هذه الأدلة المبسوطة في غير هذا ~~الموضع # فإذا قال النفاة من الجهمية والمتفلسفة والباطنية هذه الصفات متقابلة ~~تقابل العدم والملكة فلا يلزم من رفع أحدهما ثبوت الثاني الا أن يكون المحل ~~قابلا لهما فأما ما لا يقبلهما كالجماد فلا يقال فيه حي ولا ميت ولا أعمى ~~ولا بصير # اجيبوا عن ذلك بعدة أجوبة # مثل أن يقال هذا اصطلاح لكم والا فاللغة العربية لا فرق فيها والمعاني ~~العقلية لا يعتبر فيها مجرد الاصطلاحات # ومثل أن يقال فما لا يقبل هذه الصفات كالجماد أنقص مما يقبلها ~~PageV02P222 ويتصف بالناقص منها فالحي الأعمى أكمل من الجماد الذي لا يوصف ~~ببصر ولا عمى وهذا بعينه يقال فيما يقوم به من الأفعال ونحوها التي يقدر ~~عليها ويشاؤها فإنه لو لم يتصف بالقدرة على هذه الأفعال لزم اتصافه بالعجز ~~عنها وذلك نقص ممتنع كما تقدم والقادر على الفعل والكلام أكمل من العاجز عن ~~ذلك # فإذا قال النافي إنما يلزم اتصافه بنقيض ذلك لو كان الأفعال به ممكنا ~~فأما مالا يقبل ذلك كالجدار فلا يقال هو قادر على الحركة ولا عاجز عنها # فيقال هذا نزاع لفظي كما تقدم ويقال أيضا فمالا يقبل قيام الأفعال ~~الاختيارية به والقدرة عليها كالجماد أنقص مما يقبل ذلك كالحيوان فالحيوان ~~الذي يقبل أن يتحرك بقدرته وارادته اذا قدر عجزه هو أكمل مما لا يقبل ~~الاتصاف بذلك كالجماد فإذا وصفتموه بعدم قبول ذلك كان ذلك أنقص من أن تصفوه ~~بالعجز عن ذلك وإذا كان وصفه بالعجز عن ذلك صفة نقص مع إمكان اتصافه ~~بالقدرة على ذلك فوصفه بعدم قبول الأفعال والقدرة عليها أعظم نقصا # فإن قال النافي لو جاز أن يفعل أفعالا تقوم به بإرادته وقدرته للزم أن ~~يكون محلا للحوادث وما قبل الشيء لا يخلو عنه وعن ضده ms0361 فيلزم تعاقبها وما ~~تعاقبت عليه الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها PageV02P223 # قيل لهم هذا مبني على مقدمتين على أن ما يقبل الشيء لا يخلو عنه وعن ضده ~~وعلى امتناع دوام الحوادث وكل من المقدمتين قد بين فسادها كما تقدم # ثم قبل العلم بفسادها يعلم بصريح العقل أن ما ذكر في إثبات هذه الأفعال ~~من الأدلة العقلية الموافقة للأدلة الشرعية ابين وأظهر وأصرح في العقل من ~~امتناع دوام الحوادث وتعاقبها فإن هذه المقدمة في غاية الخفاء والاشتباه ~~وأكثر العقلاء من جميع الأمم ينازعون فيها ويدفعونها وهي أصل علم الكلام ~~الذي ذمه السلف والأئمة وبهذه المقدمة استطالت الدهرية على من احتج بها من ~~متكلمة أهل الملل وعجزوهم عن إثبات كون الله تعالى يحدث شيئا لا العالم ولا ~~غيره والذين اعتقدوا صحة هذه المقدمة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ظنوا ~~أن حدوث العالم واثبات الصانع لا يتم الا بها وفي حقيقة الأمر هي تنافي ~~حدوث العالم واثبات الصانع بل لا يمكن القول بإحداث الله تعالى لشيء من ~~الحوادث الا بنقضها ولا يمكن اثبات خلق الله لما خلقه وتصديق رسله فيما ~~أخبروا به عنه الا بنقيضها فما جعلوه أصلا ودليلا على صحة المعقول والمنقول ~~هو مناف مناقض للمنقول والمعقول كما قد بسط في غير هذا الموضع PageV02P224 ~~وأيضا فإن هؤلاء يقولون لم يكن الرب تعالى قادرا على الفعل فصار قادرا وكان ~~الفعل ممتنعا فصار ممكنا من غير تجدد شيء أصلا يوجب القدرة والإمكان وهذا ~~معنى قول القائل إنه يلزم أن ينقلب الشيء من الامتناع الذاتي إلى الامكان ~~الذاتي وهذا مما تجزم العقول ببطلانه مع ما فيه من وصف الله بالعجز وتجدد ~~القدرة له من غير سبب # ومن اعتذر منهم عن ذلك مثل كثير منهم قالوا ان الممتنع هو القدرة على ~~الفعل في الأزل فنفس انتفاء الأزل يوجب إمكان الفعل والقدرة عليه # قيل لهم الأزل ليس هو شيئا كان موجودا مقدم ولا معدوما فوجد حتى يقال إنه ~~تجدد أمر أوجب ذلك بل الأزل كالأبد ms0362 فكما أن الأبد هو الدوام في المستقبل ~~فالأزل هو الدوام في الماضي فكما أن الأبد لا يختص بوقت دون وقت فالأزل لا ~~يختص بوقت دون وقت فالأزلي هو الذي لم يزل كائنا والأبدي هو الذي لا يزال ~~كائنا وكونه لم يزل ولا يزال معناه دوامه وبقاؤه الذي ليس له مبتدأ ولا ~~منتهى فقول القائل شرط قدرته انتفاء الأزل كقول نظيره شرط قدرته انتفاء ~~الأبد # فإذا كان سلف الأمة وأئمتها وجماهير الطوائف أنكروا قول الجهم في ~~PageV02P225 كونه تعالى لا يقدر في الأبد على الأفعال فكذلك قول من قال لا ~~يقدر في الأزل على الأفعال وقول أبي الهذيل إنه تعالى لا يقدر على أفعال ~~حادثة في الأبد يشبه قول من قال لا يقدر على أفعال حادثة في الأزل وقد بسط ~~الكلام على هذا وقول من يفرق بين النوعين في غير هذا الموضع $ فصل # وقد استدل بعضهم على النفي بدليل آخر فقال إن كل صفة تفرض لواجب الوجود ~~فإن حقيقيته كافية في حصولها أو لا حصولها والا لزم افتقاره إلى سبب منفصل ~~وهذا يقتضي امكانه فيكون الواجب ممكنا هذا خلف وحينئذ يلزم من دوام حقيقته ~~دوام تلك الصفة # والمثبتون يجيبون عن هذا بوجوه # أحدها أن هذا إنما يقال فيما كان لازما لذاته في النفي أو الإثبات أما ما ~~كان موقوفا على مشيئته وقدرته كأفعاله فإنه يكون اذا شاءه الله تعالى ولا ~~يكون اذا لم يشأه فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإن بين المستدل ~~أنه لا يجوز أن يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته كان هذا وحده كافيا في ~~المسألة وإن لم يبين ذلك لم يكن فيما ذكره حجة # الثاني أن يقال إن هذا منقوض بأفعاله فإن حقيقته PageV02P226 كافية في ~~حصولها والإلزم افتقاره إلى سبب منفصل وذلك يقتضي إمكانه فيكون الواجب ~~ممكنا فما كان جوابا عن الأفعال كان جوابا للمثبتين القائلين إنه يقوم به ~~ما يتعلق بمشيئته وقدرته ومن جوز أنه يفعل بعد أن لم يكن فاعلا بمحض القدرة ms0363 ~~والمشيئة القديمة قال هنا كذلك كما يقوله الكرامية ومن قال إنه لم يزل يفعل ~~ويتكلم اذا شاء قال هنا كذلك كما يقوله من يقوله من أئمة السنة والحديث # الثالث أن يقال أتعني بقولك ذاته كافية أنها مستلزمة لوجود اللازم في ~~الأزل أم هي كافية فيه وإن تأخر وجوده فإن عنيت الأول انتقض عليك ~~بالمفعولات الحادثة فإنه يلزمك إما عدمها وإما افتقاره إلى سبب منفصل إذ ~~كان ما لا تكفي فيه الذات يفتقر إلى سبب منفصل وإن عنيت الثاني كان حجة ~~عليك إذ كان ما تكفي الذات يمكن تأخره # الرابع أن يقال قولك يفتقر إلى سبب منفصل تعني به شيئا يكون من فعل الله ~~تعالى أو شيئا لا يكون من فعله أما الأول فلا يلزم افتقاره إلى غيره فإنه ~~إذا كان هو فاعل الأسباب فهو فاعلها وفاعل ما يحدث بها فلا يكون مفتقرا إلى ~~غيره وأما إن عنيت بالسبب PageV02P227 ما لا يكون من فعله لزمك أن كل ما لا ~~يكفي فيه الذات فلا يستلزم وجوده في الأزل الا يوجد الا بشريك مع الله ليس ~~من مخلوقاته ومعلوم أن هذا خلاف اجماع أهل الايمان بل خلاف اجماع جماهير ~~العقلاء وهو خلاف المعقول الصريح ايضا فإن ذلك الشريك المقدر إن كان واجب ~~الوجود بنفسه الها آخر لزم اثبات خالق قديم مع الله مشارك له في فعله لا ~~يفعل إلا به وهذا مع أنه لم يقل به أحد من بني آدم فهو باطل في نفسه لأنه ~~يستلزم افتقار كل من الفاعلين إلى الآخر فإن التقدير في هذا المشترك هو أن ~~أحدهما لا يستقل به بل يحتاج إلى معاونة الآخر وما احتاج إلى معاونة الآخر ~~كان فقيرا إلى غيره ليس بغنى وكان عاجزا ليس بقادر فإن كان هذا دليلا على ~~انتفاء الوجوب بطل دليلك وإن لم يكن دليلا بطل دليلك ايضا فإنه مبني عليه ~~وإن كان ذلك الشريك المقدر ليس واجب الوجود بنفسه فهو ممكن لا يوجد الا ~~بالواجب بنفسه فلزم أن يكون من مفعولاته ms0364 # الجواب الخامس أن يقال قول المحتج كل ما يفرض له فإما أن تكون ذاته كافية ~~في ثبوت حصوله أو لا تكفي في PageV02P228 حصوله والالزم افتقاره إلى سبب ~~منفصل كلام باطل وذلك أنه يقال لا نسلم أن مالا يكون مجرد الذات كافية في ~~ثبوته أو انتفائه يفتقر فيه إلى سبب منفصل وانما يلزم ذلك أن لو لم تكن ~~الذات قادرة على ما يتصل بها من الأفعال فإذا كانت قادرة على ذلك أمكن أن ~~يكون ما يتجدد لها من الثبوت موقوفا على ما يقوم بها من مقدوراتها فليس ~~مجرد الذات مقتضية لذلك ولا افتقرت إلى سبب منفصل وذلك أن لفظ الذات فيه ~~أحمال واشتباه وبسبب الإجمال في ذلك وقعت شبهة في مسائل الصفات والأفعال ~~فإنه يقال له ما تريد بذاته أتريد به الذات المجردة عما يقوم بها من ~~مقدوراتها ومراداتها أم تعني به الذات القادرة على ما تريده مما يقوم بها ~~ومما لا يقوم بها # فإن أردت به الأول كان التلازم صحيحا فإنه اذا قدر ذات لا يقوم بها شيء ~~من ذلك كان ما يثبت لها وما ينفي عنها إن لم تكن هي كافية فيه والا افتقرت ~~إلى سبب منفصل لأنه لا يقوم بها ما تقدر عليه وتريده لكن يقال ثبوت التلازم ~~ليس بحجة إن لم تكن الذات في نفس الأمر كذلك وكون الذات في نفس الأمر كذلك ~~هو رأس المسألة ومحل النزاع فلا يكون الدليل صحيحا حتى يثبت المطلوب ولو ~~ثبت المطلوب لم يحتج إلى دليل فتكون قد صادرت على PageV02P229 المطلوب حيث ~~جعلته مقدمة في اثبات نفسه وهذا باطل بصريح العقل واتفاق أهله العارفين ~~بذلك # وإن أردت بالذات النوع الثاني لم يصح التلازم فإنه اذا قدر ذات تقدر على ~~أن تفعل الأفعال التي تختارها وتقوم بها لم يلزم أن يكون ما يتجدد من تلك ~~الأفعال موقوفا على سبب منفصل ولا يكون مجرد الذات بدون ما يتجدد من ~~مقدورها ومرادها كافيا في كل فرد من ذلك بل قد يكون الفعل الثاني لا ms0365 يوجد ~~الا بالأول والأول بما قبله وهلم جرا فليس مجرد الذات بدون ما تجدده كافيا ~~في حصول المتأخرات ولا هي مفتقرة في ذلك إلى أمور منفصلة عنها فلفظ الذات ~~قد يراد به الذات عما يقوم بها # فإذا قيل هل الذات كافية إن إريد به الذات المجردة فتلك لا حقيقة لها في ~~الخارج عند أهل الاثبات واذا قدرت تقديرا فهي لا تكفي في اثبات ما يثبت لها ~~وإن أريد به الذات المنعوته فإنه يقوم بها الأفعال الاختيارية فمعلوم أن ~~هذه الذات لا يجب أن يتوقف ما يتجدد لها من فعل ومفعول على سبب منفصل عنها ~~ونظير هذا قول نفاة الصفات إن الصفات هل هي زائدة على الذات أو ليست زائدة ~~PageV02P230 # فإنا قد بينا في غير هذا الموضع أن الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها ~~بل الصفات زائدة على ما يثبته النفاة من الذات وأما الذات الموصوفة بصفاتها ~~القادرة على أفعالها فتلك مستلزمة لما يلزمها من الصفات فادرة على ما تشاؤه ~~من الأفعال فهي لا تكون الا موصوفة لا يمكن أن تتجرد عن الصفات اللازمة لها ~~حتى يقال هل هي زائدة عليها أو ليست زائدة عليها بل هي داخلة في مسمى اسمها ~~والأفعال القائمة بها بقدرتها وارادتها كذلك # فكما أنه مسمى بأسمائه الحسنى منعوت بصفاته العلى قبل خلق السماوات ~~والأرض وبعد إقامة القيامة وفيما بين ذلك لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات ~~الكمال منعوتا بنعوت الاكرام والجلال فكذلك هو مسمى بأسمائه الحسنى منعوت ~~بصفاته العلى قبل هذه الافعال وبعدها # وكما أن ذلك ثابت قبل حدوث المفعولات وبعدها فهو أيضا ثابت قبل حدوث ~~الأفعال وبعدها ومن آياته الشمس والقمر والكواكب وما تستحقه هذه الأعيان من ~~الأسماء والصفات هو ثابت لها قبل الحركات المعينة وبعدها ولا يحتاج أن يقدر ~~لها ذات مجردة عن النور وعن دوام الحركة ثم زيد عليها النور ودوام الحركة ~~فالخالق سبحانه أولى بثبوت الكمال له وانتفاء النقص عنه والمخلوقات ~~PageV02P231 إنما احتاجت فيما يحدث عنها إلى سبب منفصل لأنها هي ms0366 في نفسها ~~محتاجة إلى الفاعل المنفصل فلا يوجد شيء من ذاتها وصفاتها وأفعالها الا ~~بأمر منفصل عنها وأما الخالق سبحانه وتعالى فهو الغني عما سواه فلا يفتقر ~~في شيء من ذاته وصفاته وأفعاله إلى أمر منفصل عنه بل كل ما كان منفصلا عنه ~~فهو مفتقر اليه وهو سبحانه غني عن ذلك المنفصل الذي هو مفتقر اليه فلا ~~يحتاج فيما يجدده من أفعاله القائمة بنفسه التي يريدها ويقدر عليها إلى أمر ~~مستغن عنه كما لا يحتاج في مفعولاته المنفصلة عنه إلى ذلك وأولى واذا كان ~~قد خلق من الأمور المنفصلة عنه ما جعله سببا لأفعال تقوم بنفسه كما يخلق ~~الطاعات التي ترضيه والتوبة التي يفرح بها والدعاء الذي يجيب سائله وأمثال ~~ذلك من الأمور فليس هو في شيء من ذلك مفتقرا إلى ما سواه بل هو سبحانه ~~الخالق للجميع وكل ما سواه مفتقر اليه وهو الغني عن كل ما سواه وهذا كما أن ~~ما يفعله من المخلوقات بعضها ببعض كإنزال المطر بالسحاب وانبات النبات ~~بالماء لا يوجب افتقاره إلى الأسباب المنفصلة اذ هو خالق هذا وهذا وجاعل ~~هذا سببا لهذا وقد بسطت هذه الامور في غير هذا الموضع بما لا يليق بهذا ~~المكان # الجواب السادس أن يقال قولهم إن لم يكن ذاته كافية في PageV02P232 ~~حصلولها لزم افتقاره إلى سبب منفصل وذلك يقضي امكانه فيكون الواجب ممكنا ~~تمنع فيه المقدمة الأولى التلازمية التي هي شرطية متصلة وذلك أن الذات إن ~~لم تكن كافية في حصولها انما يلزم افتقار ذلك الحادث إلى سبب منفصل لا يلزم ~~افتقار نفس الذات إلى سبب منفصل فإن المحتج يقول كل صفة تفرض فذاته كافية ~~في حصولها أو لا حصولها لأنه لو لم يكن كذلك لزم افتقاره إلى سبب منفصل # فيقال له بتقدير أن لا تكون الذات كافية في نفي تلك الصفة أو ثبوتها يلزم ~~أن يكون نفيها أو اثباتها موقوفا على أمر غير الذات وأما كون الذات تكون ~~موقوفة على ذلك الغير فهذا ليس بلازم من هذا ms0367 التقدير الا أن يتبين أنه اذا ~~كان شيء من الأمور التي توصف بها من السلب والايجاب موقوفا على الغير وجب ~~أن يكون هو نفسه موقوقا على الغير وهو لم يبين ذلك # ومن المعلوم أن القائلين بهذا يقولون إن ما يتجدد من الأمور القائمة به ~~فهو موقوف على مشيئته وقدرته وذاته ليست موقوفة على مشيئته وقدرته ويقولون ~~إنه بجوز أن يقف ذلك على ما يحدثه من الحوادث بمشيئته وقدرته وهو في نفسه ~~ليس موقوفا على ما يحدثه من الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته وليس في ~~الوجود موجود سواه وسوى مخلوقاته حتى يقال إن تلك الأمور موقوفة عليه بل ~~غاية ما يمكن أن يقال إنها موقوفة على مشيئته وقدرته أو توابع مشيئته ~~وقدرته واصحاب هذا القول يقولون ذلك وتكون تلك الأمور موقوفة على ذلك لا ~~يقتضي أن يكون هو نفسه موقوفا على ذلك ولكن هذا المحتج إن لم PageV02P233 ~~يقرر مقدمات لم تكن حجته صحيحة وحجته مبنية على أنه لو لم تكف ذاته في حصول ~~ما ينفى ويثبت للزم افتقاره إلي غيره وإنما يلزم افتقار تلك المثبتات إلي ~~ذلك الغير فإن هذا بين فإن لم يبن أن افتقار تلك الامور إلي الغير مستلزم ~~لافتقاره وإلا لم تكن حجة صحيحة لاسيما وتلك الامور على هذا التقدير ليست ~~من لوازم ذاته فإنها لو كانت من لوازم ذاته كانت ذاته كافية فيها ولوازم ~~الذات متى افتقرت إلى الغير لزم افتقار الذات إلى الغير فإن الملزوم لا ~~يوجد الا بلازم أو الازم لا يوجد إلا بذلك الغير ولكن ذلك الغير لا يجب أن ~~يكون فاعلا أو علة فاعلة بل يجوز أن يكون شرطا ملازما # وقد بين في غير هذا الموضع أن نفس ذات الواجب إذا قيل هي ملازمة لصفاته ~~الواجبة له أو صفاته الواجبة له ملازمه لذاته أو كل من الصفات الواجبة ~~ملازم للأخرى كان هذا حقا وهو متضمن أن تحقيق كل من ذلك مشروط بتحقيق الآخر # وأما كون الرب تعالى مفتقر إلى شىء مباين له غني عنه ms0368 فهذا ممتنع فإنه ~~سبحانه الغني عن كل شئ فإذا قدر أن بعض لوازمه توقف على ما هو مباين له لم ~~يكن وجوده ثابتا إلا بوجود ذلك المباين وكان الله مفتقرا إليه والله غني عن ~~كل شىء وأما إذا لم يكن الامر من لوازم ذاته بل كان من الامور العارضة فلا ~~ريب أن أهل الايمان والسنة يقولون إن الله لا يفتقر في شىء من الاشياء إلى ~~غيره PageV02P234 لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله سواء قام بذاته أو لم ~~يقم بذاته ولكن هو بنفسه غني عن كل ما سواه ولا يقال إنه نفسه غني عن نفسه ~~وليس في كونه مستلزما لصفاته وفاعلا لافعاله ما يقتضي افتقاره إلى غير نفسه ~~فإنه إذا كان وحده مستلزما لصفاته فاعلا لجميع أفعاله لم يكن شىء مما وجد ~~بغيره بل جميع ما وجد فلا يخرج من ذاته وصفاته وأفعاله فلا يتصور أن يكون ~~مفتقرا إلى غير نفسه المقدسة سبحانه وتعالى # ولكن المقصود أن هذا المحتج إذا قال له المعترض ما المانع أن تكون هذه ~~الأمور العارضة موقوفة على غير مع كون الحق واجب الوجود بذاته لم يكن فيما ~~ذكر حجة بل ذكر أن تلك الأمور إذا لم تكن من لوازم ذاته بحيث تكون مجرد ~~الذات كافية فيها والإ لزم افتقاره إلى سبب منفصل واللازم إنما هو افتقار ~~تلك الأمور إلى سبب منفصل فإن بين أن ما يقوم بالواجب يمتنع أن يكون موقوفا ~~على سبب منفصل تمت حجته والا فلا ولا يمكن أن يقيم حجه إلا على أنه لا يقف ~~على ما هو مستغن عن الواجب بنفسه وهذا حق # وأما كونه لا يقف على ما هو مفتقر إلى الواجب فهذا لا يمكن إقامة الدلالة ~~عليه # الوجه السابع أن يقال قولك بأن عواض ذاته لا يتوقف على الغير يستلزم أن ~~عواض ذاته يتوقف على الغير وإذا كان تقدير ثبوته مستلزما لانتفائه دل على ~~أن تقدير ثبوته مستلزم لجمع بين النقيضين فلا يكون ثابتا وإن شئت قلت قولك ~~لا ms0369 تقوم به الحوادث مستلزم لقيام PageV02P235 الحوادث به فيلزم الجمع بين ~~النقيضين وإن شئت قلت قولك لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته يستلزم نقيض ~~ذلك فيكون باطلا وهذا يصلح أن يكون دليلا مستقلا في أول المسألة وذلك لأن ~~هذا العالم المشهود إما أن يكون واجبا بذاته أو ممكنا فإن كان واجبا بذاته ~~فمن المعلوم قيام الحوادث به فيلزم قيامها بالواجب بذاته # وأيضا فمن المعلوم أن ما يقوم ببعض الأفلاك من الحوادث ليست ذاته كافية ~~له بل هو موقوف على غيره فيكون ما يقوم بالواجب بنفسه موقوفا على غيره وإن ~~كان هذا العالم ممكنا وهو الحق فلا بد له من واجب فذلك الواجب إما أن يكون ~~علة تامة مستلزمة في الأزل لجميع معلولاته أو لا والأول باطل لأنه لو كان ~~كذلك لم يتأخر شيء من معلولاته والثاني يقتضي أنه فعل بعد أن لم يكن فعل ~~وذلك يقتضي تجدد فاعلية فأما أن يكون تجدد ذلك مستلزما لكون متجدداته توجب ~~افتقار ذاته إلى غيره أولا فإن لم تكن بطلت الحجة وإن استلزم ذلك ثبت ~~افتقار ما يتجدد بذاته إلى غيره فلو قيل إن الواجب لا تقوم بذاته هذه ~~الامور للزم أن تقوم بذاته هذه الامور فيلزم الجمع بين النقيضين وإن قيل ~~تجدد الفاعلية لا يستلزم قيام شيء به بل تجددت من غير حدوث شيء أصلا قيل ~~فكذلك ما يتجدد من الأمور القائمة بذاته ممكن حينئذ تجدده من غير حدوث شيء ~~أصلا بطريق الأولى وإن شئت أن تكون هذه معارضة ودليلا في رأس المسألة ونقول ~~ما يتجددد من مفعولاته هل يقتضي افتقار ذاته PageV02P236 الى غيره أم لا ~~فإن قيل لا يقتضي فكذلك ما يتجدد من أفعاله القائمة به والا فلا وهذا لأن ~~نفاة الامور القائمة به منهم من يقول حدثت الحوادث المباينة له من غير تجدد ~~شيء أصلا كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة والكلابية وغيرهم ومنهم من ~~يقول بل ما زالت الحوادث تحدث مع كونه مستلزما لجميع مفعولاته كما تقول ذلك ~~الدهرية ms0370 الفلاسفة والدهرية منهم من يقول إن العالم واجب الوجود بنفسه ومنهم ~~من يقول إن الأول علة غائية له وكل من هذه الأقوال يلزمه من التناقض ما ~~يبين به أنه لا يمكنه ابطال القول بقيام مراداته ومحبوباته بذاته $ فصل # وقد عارض بعضهم الرازي فيما ذكره من أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف ~~فقال المراد بالحادث بالموجود الذي وجد بعد العدم ذاتا كان أو صفة أما ما ~~لا يوصف بالوجود كالأعدام المتجددة والأحوال عند من يقول بها والإضافات عند ~~من لا يقول إنها وجودية فلا يصدق عليها اسم الحادث وإن صدق عليها اسم ~~المتجدد فلا يلزم من تجدد الإضافات والأحوال في ذات الباري أن تكون محلا ~~للحوادث PageV02P237 # قال وما قاله الامام يعني الرازي في هذا المقام إن أكثر العقلاء قالوا به ~~وإن أنكروه باللسان وبينه بصور فليس كذلك لن أكثر ما ذكر من تلك الأمور ~~فإنما هي متجددة لا محدثة والمتجدد أعم من الحادث فلا يلزم من وجود العام ~~وجود الخاص # قلت ولقائل أن يقول هذا ضعيف من وجوه # أحدها أن الدليل الذي استدلوا به على نفي الحوادث ينفي المتجددات ايضا ~~كقولهم اما ان يكون كمالا أو نقصا وقولهم لو حصل ذلك للزم التغير وقولهم ~~اما ان تكون ذاته كافية فيه أو لا تكون وقولهم كونه قابلا له في الأزل ~~يستلزم امكان ثبوته في الازل فانه لا يمكن ان يحصل في الأزل لا متجدد ولا ~~حادث ولا يوصف الله بصفة نقص سواء كان متجددا أو حادثا وكذلك التغير لا فرق ~~بين ان يكون بحادث أو متجدد فإن قالوا تجدد المتجددات ليس تغيرا قال اولئك ~~وحدوث الحركات الحادثة ليس تغيرا فإن قالوا بل هذا يسمى تغيرا منعوهم الفرق ~~وان سلموه كان النزاع لفظيا واذا كان استدلالهم ينفي القسمين لزم اما فساده ~~واما النقض # الوجه الثاني أن يقال تسمية هذا متجددا وهذا حادثا فرق PageV02P238 لفظي ~~لا معنوي ولا ريب أن أهل السنة والحديث لا يطلقون عليه سبحانه وتعالى أنه ~~محل الحوادث ولا محل الأعراض ms0371 ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة التي يفهم منها ~~معنى باطل فإن الناس يفهمون من هذا أن يحدث في ذاته ما يسمونه هم حادثا ~~كالعيوب والآفات والله منزه عن ذلك سبحانه وتعالى واذا قيل فلان ولي على ~~الاحداث أو تنازع اهل القبلة في أهل الأحداث فالمراد بذلك الأفعال المحرمة ~~كالزنا والسرقة وشرب الخمر وقطع الطريق والله أجل واعظم من ان يخطر بقلوب ~~المؤمنين قيام القبائح به والمقصود أن تفرقة المفرق بين المتجدد والحادث ~~امر لفظي لا معنى عقلي ولا عكسه عاكس فسمي هذا متجددا وهذا حادثا لكان ~~كلامه من جنس كلامه # الوجه الثالث إن دعوى المدعي ان الجمهور انما يلزمهم تجدد الاضافات ~~والاحوال والاعدام لا تجدد الحادث الذي وجد بعد العدم ذاتا كان أو صفة دعوى ~~ممنوعة لم يقم عليها دليلا بل الدليل يدل على ان اؤلئك الطوائف يلزمهم قيام ~~امور وجودية حادثة بذاته مثال ذلك انه سبحانه وتعالى يسمع ويرى ما يخلق من ~~الاصوات والمرئيات # وقد اخبر القرآن بحدوث ذلك في مثل قوله @QB@ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون @QE@ PageV02P239 سورة التوبة 105 وقوله تعالى @QB@ ثم ~~جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون @QE@ سورة يونس 14 وقد ~~اخبر بسمعه ورؤيته في مواضع كثيرة كقوله لموسى وهارون @QB@ إنني معكما أسمع ~~وأرى @QE@ سورة طه 46 وقوله @QB@ الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ~~@QE@ سورة الشعراء 218 219 وقوله @QB@ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنياء @QE@ سورة آل عمران 181 @QB@ قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله @QE@ سورة المجادلة 1 # وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سبحان الذي وسع سمعه ~~الاصوات لقد كانت المجادلة تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب ~~البيت وانه ليخفى علي بعض كلامها فأنزل الله تعالى @QB@ قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله @QE@ ومثل هذا كثير # فيقال لهؤلاء أنتم معترفون وسائر العقلاء بما هو معلوم بصريح العقل ان ~~المعدوم ms0372 لا يرى موجودا قبل وجوده فإذا وجد فرآه موجودا وسمع كلامه فهل حصل ~~امر وجودي لم يكن قبل أو لم يحصل شيء PageV02P240 # فإن قيل لم يحصل امر وجودي وكان قبل ان يخلق لا يراه فيكون بعد خلقه لا ~~يراه ايضا وان قيل حصل امر وجودي فذلك الوجودي اما ان يقوم بذات الرب واما ~~ان يقون بغيره فإن قام بغيره لزم أن يكون غير الله هو الذي رآه وان قام ~~بذاته علم انه قام به رؤية ذلك الموجود الذي وجد كما قال تعالى @QB@ وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون @QE@ سورة التوبة 105 وما سموه ~~اضافات واحوالا وتعلقات وغير ذلك # يقال لهم هذه امور موجودة أو ليست موجودة فإن لم تكن موجودة فلا فرق بين ~~حاله قبل ان يرى ويسمع وبعد ان يرى ويسمع فإن العدم المستمر لا يوجب كونه ~~صار رائيا سامعا وان قلتم بل هي امور وجودية فقد اقررتم بأن رؤية الشيء ~~المعين لم تكن حاصلة ثم صارت حاصلة بذاته وهي امر وجودي # والمتفلسفة لا يقتصر في الزامهم على تجدد الاضافات بل يلزمون بكونه محدثا ~~للحوادث المتجددة شيئا فشيئا والاحداث هو من مقوله أن يفعل وأن يفعل أحد ~~المقولات العشر وهي امور وجودية # فيقال كونه فاعلا لهذه الحوادث المعينة بعد أن لم يكن فاعلا لها إما أن ~~يكون أمرا حادثا واما أن لا يكون حدث كونه فاعلا فإن لم يحدث كونه فاعلا ~~فحاله قبل أن يحدثها وبعد أن يحدثها واحد وقد كان قبل أن يحدثها غير فاعل ~~لها فيلزم أن لا يحدث شيء أو يحدث بلا PageV02P241 محدث وأنتم أنكرتم على ~~المتكلمة الجهمية والمعتزلة أن قالوا الذات تفعل بعد أن لم تكن فاعلة بلا ~~أمر تجدد فكيف تقولون هي دائما تفعل الحوادث شيئا بعد شىء من غيرأن يحدث ~~لها أمر # وايضا فالفاعلية التامة لكل واحد من الحوادث ان كانت موجودة في الأزل قبل ~~حدوثه لزم تأخر الفعل عن الفاعلية التامة وهذا باطل وذلك وذلك يبطل قولهم ~~وان قالوا بل الفاعلية ms0373 التامة لكل حادث تحدث بعد أن لم تكن حادثة فقد صارت ~~الذات فاعلة لذلك الحادث بعد ان لم تكن فاعلة وكونها فاعلة هي من مقولة أن ~~يفعل وهي احدى المقولات العشر التي هي الاجناس العالية المسماة عندهم ~~بقاطيغورياس وهي كلها وجودية فيلزم اتصاف الرب بقيام الامور الوجودية به ~~شيئا بعد شيء كما اختاره كثير من سلفهم وخلفهم # وهكذا يمكن تقرير كل ما ذكر الدازي من الزام الطوائف شيئا بعد شيء لمن ~~تصور ذلك تصورا تاما وكل من قال لم يحدث شيء موجود فإنه يلزمه التناقض ~~البين الذي لا ينازع فيه المنصف الذي يتصور ما يقول تصورا تاما PageV02P242 ~~وقد اعتذر من اعتذر من الفلاسفة عما ألزمهم اياه من الاضافات بأن قالوا ~~الاضافات لا توجد الا كذلك فلا يتصور فيه الكمال قبلها ولانها تابعة لغيرها ~~فلا يثبت فيها الكمال بل في متبوعها # قلت ولقائل أن يقول هذا بعينه يقوله المثبتون فإن الكلام انما هو في ~~الحوادث المتعلقة بمشيئتة وقدرته ومن المعلوم امتناع ثبوت الحوادث جميعها ~~في الأزل فاذا فاذا قال القائل الاضافات لا توجد الا حادثة قيل له والحوادث ~~المتعلقة بمشيئته وقدرته لا توجد الا حادثة # وأما قوله الاضافة تابعة لغيرها فلا يثبت فيها الكمال فعنه جوابان # أحدهما أن الدليل لا يفرق بين التابع والمتبوع فإن صح الفرق ظل الدليل ~~وان لم يصح انتقض الدليل فيبطل على التقديرين # الثاني أن يقال وهكذا ما يتعلق بمشيئته وقدرته هو تابع ايضا فلا يثبت فيه ~~الكمال # يوضح ذلك أنه سبحانه مستحق في أزله لصفات الكمال لا وزر أن يكون شيء من ~~الكمال الأزلي الا وهو متصف به في أزله PageV02P243 كالحياة والعلم والقدرة ~~وغير ذلك وانما الشأن فيما لا يمكن وجوده في الأزل # ومما يبين لك أن الرازي وأمثاله كانوا يعتقدون ضعف هذه المسألة مع فرط ~~رغبتهم في إبطال قول الكرامية اذا امكنهم انه لم يعتمد على ذلك في مسألة ~~كلام الله تعالى في أجل كتبه نهاية العقول ومسألة الكلام هي من أجل ما يبني ~~على ms0374 هذا الأصل # وذلك ان الطريقة المعروفة التي سلكها الأشعري وأصحابه في مسألة القرآن هم ~~ومن وافقهم على هذا الأصل من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي الحسن التميمي والقاضي ~~أبي يعلي وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم من أصحاب أحمد وكأبي ~~المعالي الجويني وأمثاله وأبي القاسم الرواسي وابي سعيد المتولي وغيرهم من ~~أصحاب الشافعي والقاضي أبي الوليد الباجي وابي بكر الطرطوشي والقاضي ~~PageV02P244 وابي بكر بن العربي وغيرهم من أصحاب مالك وكأبي منصور ~~الماتريدي وميمون النسفي وغيرهما من اصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا لو كان ~~القرآن مخلوقا للزم أن يخلقه إما في ذاته أو في محل غيره أو أن يكون قائما ~~بنفسه لا في ذاته ولا في محل آخر والأول يستلزم أن يكون الله محلا للحوادث ~~والثاني يقتضي أن يكون الكلام كلام المحل الذي خلق فيه فلا يكون ذلك الكلام ~~كلام الله كسائر الصفات اذا خلقها في محل كالعلم والحياة والحركة واللون ~~وغير ذلك والثالث يقتضي أن تقوم الصفة بنفسها وهذا ممتنع # فهذه الطريقة هي عمدة هؤلاء في مسالة القرآن وقد سبقهم عبد العزيز المكي ~~صاحب الحيدة المشهورة إلى هذا التقسيم # وقد يظن الظان أن كلامهم هو كلامه بعينه وأنه كان يقول بقولهم وأن الله ~~لا يقوم بذاته ما يتعلق بقدرته ومشيئته وان قوله من جنس قول ابن كلاب وليس ~~الامر كذلك فان عبد العزيز هذا له في الرد على الجهمية وغيرهم من الكلام ~~مالا يعرف فيه خروج عن مذهب السلف وأهل الحديث PageV02P245 وذلك أنه قال ~~بعد أن ذكر جوابه لبشر فيما احتج به بشر من النصوص مثل قوله تعالى @QB@ ~~الله خالق كل شيء @QE@ سورة الزمر 62 وقوله تعالى @QB@ إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا @QE@ سورة الزخرف 3 قال فقال بشر يا امير المؤمنين عندي اشياء كثيرة ~~الا انه يقول بنص التنزيل وانا اقول بالنظر والقياس فليدع مطالبتي بنص ~~التنزيل ويناظرني بغيره فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقول بقولي ويقر بخلق ~~القرآن الساعة والا فدمي حلال # وذكر عبد العزيز أنه طلب من بشر ms0375 أن يناظره على وجه النظر والقياس ويدع ~~مطالبته بنص التنزيل إلى أن قال فقال عبد العزيز يا بشر تسألني أم أسألك ~~فقال بشر PageV02P246 سل أنت وطمع في وجميع أصحابه وتوهموا أني اذا خرجت عن ~~نص التنزيل لم أحسن أن اتكلم بشيء غيره قال عبد العزيز فقلت يا بشر تقول ان ~~كلام الله مخلوق قال أقول عن كلام الله مخلوق قال فقلت له يلزمك واحدة من ~~ثلاث لا بد منها أن تقول ان الله خلق القرآن وهو عندي أنا كلامه في نفسه أو ~~خلقه قائما بذاته ونفسه أو خلقه في غيره فقل ما عندك قال بشر أقول إنه ~~مخلوق وإنه خلقه كما خلق الاشياء كلها قال عبد العزيز فقلت يا أمير ~~المؤمنين تركنا القرآن ونص التنزيل والسنن والأخبار عند هربه منها وذكر أنه ~~يقيم الحجة وأنا اقول معه بخلق القرآن فقد رجع بشر إلى الحيدة عن الجواب ~~وانقطع عن الكلام فإن كان يريد أن يناظرني على أنه يجيبني عما أسأله عنه ~~وإلا فأمير المؤمنين أعلى عينا في صرفي فإنما يريد بشر أن يقع PageV02P247 ~~معه من لا يفهم فيخدعه عن دينه ويحتج عليه بما لا يعقله فتظهر حجته عليه ~~فيبيح دمه # قال فأقبل عليه المأمون فقال أجب عبد العزيز عما سألك عنه فقد ترك قوله ~~ومذهبه وناظرك على مذهبك وما ادعيت أنك تحسنه وتقيم الحجة به عليه فقال بشر ~~قد أجبته ولكنه يتعنت فقال المأمون يأبي عليك عبد العزيز إلا أن تقول واحدة ~~من ثلاث فقال هذا اشد طلبا من مطالبته بنص التنزيل ما عندي غير ما اجبته به # قال فاقبل على المأمون قال يا عبد العزيز تكلم انت في شرح هذه المسألة ~~وبيانها ودع بشرا فقد انقطع عن الجواب من كل جهة # فقلت نعم سألته عن كلام الله تعالى أمخلوق هو قال نعم فقلت له ما يلزمه ~~في هذا القول وهو واحدة من ثلاث لا بد منها أن يقول خلق الله خلق كلامه في ~~نفسه أو خلقه في غيره أو خلقه ms0376 قائما بذاته ونفسه فإن قال ان الله خلق كلامه ~~في نفسه فهذا محال لا يجد سبيلا إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول ~~لأن الله لا يكون مكانا للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا ~~فيزيد فيه شيء اذا خلقه تعالى الله عن ذلك وجل وتعظم PageV02P248 وان قال ~~خلقه الله في غيره فيلزمه في النظر والقياس أن كل كلام خلقه في غيره هو ~~كلام الله عز وجل لا يقدر أن يفرق بينهما فيجعل كلامه كلاما لله ويجعل قول ~~الكفر والفحش وكل قول ذمه الله وذم قائلة كلاما لله عز وجل وهذا محال لا ~~يجد السبيل اليه ولا إلى القول به لظهور الشناعة والفضيحة والكفر على قائله ~~تعالى الله عن ذلك # وان قال خلقه قائما بنفسه وذاته فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد إلى ~~القول به سبيلا في قياس ولا نظر ولا معقول لأنه لا يكون الكلام الا من ~~متكلم كما لا تكون الارادة الا من مريد ولا العلم الا من عالم والقدرة الا ~~من قدير ولا يرى ولا رئى كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته وهذا مما لا يعقل ~~ولا يعرف ولا يثبت في نظر ولا قياس ولا غير ذلك فلما استحال من هذه الجهات ~~أن يكون مخلوقا علم أنه صفة لله وصفات الله كلها غير مخلوقة فبطل قول بشر # فقال المأمون أحسنت يا عبد العزيز فقال بشر سل عن غير هذه المسألة فلعله ~~يخرج من بيننا شيء # فقلت أنا ادع هذه المسالة وأسأل عن غيرها قال سل PageV02P249 قال عبد ~~العزيز فقلت لبشر الست تقول إن الله كان ولا شيء وكان ولما يفعل شيئا ولما ~~يخلق شيئا قال بلى فقلت فباي شيء حدثت الاشياء بعد ان لم تكن شيئا أهي ~~احدثت نفسها أم الله احدثها فقال الله احدثها فقلت له فباي شيء حدثت ~~الاشياء اذ احدثها الله قال احدثها بقدرته التي لم تزل قلت له انه احدثها ~~بقدرته كما ذكرت افليس تقول انه لم يزل ms0377 قادرا قال بلى قلت له فتقول انه لم ~~يزل يفعل قال لا اقول هذا قلت له فلا بد أن يلزمك ان تقول انه خلق بالفعل ~~الذي كان عن القدرة وليس الفعل هو القدرة لأن القدرة صفة الله ولا يقال ~~لصفة الله هي الله ولا هي غير الله فقال بشر ويلزمك أنت ايضا ان تقول ان ~~الله لم يزل يفعل ويخلق واذا قلت ذلك فقد ثبت ان المخلوق لم يزل مع الله ~~قال عبد العزيز فقلت لبشر ليس لك ان تحكم علي وتلزمني ما لا يلزمني وتحكي ~~عني ما لم اقل اني لم اقل PageV02P250 # انه لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل ليلزمني ما قلت وفي نسخة ~~اخرى وانما قلت انه لم يزل الفاعل سيفعل ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل ~~صفة الله والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع قال بشر انا اقول انه احدث ~~الاشياء بقدرته فقل ما شئت فقال عبد العزيز فقلت يا امير المؤمنين قد اقر ~~بشر ان الله كان ولا شيء وانه احدث الاشياء بعد ان لم تكن شيئا بقدرته وقلت ~~انا انه احدثها بامره وقوله عن قدرته فلم يخل يا امير المؤمنين ان يكون اول ~~خلق خلقه الله خلق بقول قاله أو بإرادة ارادها أو بقدرة قدرها فبأي ذلك كان ~~فقد ثبت ان ههنا ارادة ومريدا ومرادا وقولا وقائلا ومقولا له وقدرة قادرا ~~ومقدورا عليه وذلك كله متقدم قبل الخلق وما كان قبل الخلق متقدما فليس هو ~~من الخلق في شيء فقد كسرت قول بشر بالكتاب والسنة واللغة العربية والنظر ~~والمعقول ثم ذكر حجة اخرى # والمقصود هنا أن عبد العزيز احتج بتقسيم حاصر معقول فإن الله PageV02P251 ~~تعالى اذا خلق شيئا فإما ان يخلقه في نفسه أو في غيره أو يخلقه قائما بنفسه ~~وقد ابطل الاقسام الثلاثة # ولا ريب ان المعتزلة يقولون انه خلقه في غيره فأبطل ذلك عبد العزيز ~~بالحجة العقلية التي يتداولها اهل السنة وهو انه قد علم بالاضطرار من دين ~~الاسلام ان ms0378 القرآن كلام الله فإن كان مخلوقا في محل آخره غيره إلى الله ~~ولزم أن يكون ما كل الكلام مخلوق في محل كلام الله لتماثلها بالنسبة إلى ~~الله ويلزم ان يكون ما يخلقه تعالى من كلام الجلود والأيدي والأرجل كلام ~~الله فإذا قالوا @QB@ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم @QE@ سورة ~~فصلت 21 كان الناطق هو المنطق وبشر لم يكن من القدرية بل كان ممن يقر بأن ~~الله تعالى خالق افعال العباد فألزمه عبد العزيز ان يكون كلام كل مخلوق ~~كلام الله حتى قول الكفر والفحش وهذا الالزام صرح به حلولية الجهمية من ~~الاتحادية ونحوهم كصاحب الفصوص والفتوحات المكية ونحوه وقالوا % وكل كلام ~~في الوجود كلامه % % سواء علينا نثره ونظامه % $ PageV02P252 ولهذا قال من ~~قال من السلف من قاله @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا @QE@ سورة طه 14 ~~مخلوق فقد جعل كلام الله بمنزلة قول فرعون الذي قال @QB@ أنا ربكم الأعلى ~~@QE@ سورة النازعات 24 لأن عنده هذا الكلام خلقه الله في الشجرة وذلك خلقه ~~في فرعون فإذا كان هذا كلام الله كان هذا كلام الله # كما قال سليمان بن داود الهاشمي أحد ائمة الاسلام نظير الشافعي واحمد ~~واسحاق وابي عبيد وابي بكر بن أبي شيبة وامثالهم قال من قال القرآن مخلوق ~~فهو كافر وان كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون اولى بأن يخلد في ~~النار اذ قال @QB@ أنا ربكم الأعلى @QE@ من هذا وكلاهما عنده مخلوق فأخبر ~~بذلك أبو عبيد فاستحسنه وأعجبه ذكر ذلك البخاري في كتاب خلق افعال العباد # وكذلك ذكر نظير عبد الله بن المبارك وعبد الله بن ادريس ويحيى بن سعيد ~~القطان وهذا مبني على ان الله خالق افعال العباد فإذا كان قد خلق في محل ~~@QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني @QE@ وخلق في محل @QB@ أنا ربكم ~~الأعلى @QE@ كان ذلك المحل الذي خلق فيه ذلك الكلام اولى بالعقاب من فرعون ~~واذا كان ذلك كلام الله كان كلام فرعون كلام الله PageV02P253 وأما كونه ~~خلقه قائما ms0379 بنفسه فهو ظاهر البطلان أيضا لأن الصفات لا تقوم بنفسها ولكن ~~الجهمية تقول خلق علما لا في محل والبصريون من المعتزلة يقولون خلق إرادة ~~وقدرة لا في محل وطائفة منهم يقولون خلق بخلق بعد خلق لا في محل وهذه ~~المقالات ونحوها مما يعلم فساده بصريح العقل # وأما القسم الأول وهو كونه سبحانه خلقه في نفسه فأبطله عبد العزيز أيضا ~~لكن ما في نفس الله تعالى يحتمل نوعين # أحدهما أن يقال أحدث في نفسه بقدرته كلاما بعد أن لم يكن متكلما وهذا قول ~~الكرامية وغيرهم ممن يقول كلام الله حادث ومحدث في ذات الله تعالى وأن الله ~~تكلم بعد ان لم يكن يتكلم أصلا وأن الله يمتنع أن يقال في حقه ما زال ~~متكلما وهذا مما أنكره الامام أحمد وغيره # والثاني أن يقال لم يزل الله متكلما اذا شاء كما قاله الأئمة وكل من ~~هاتين الطائفتين لا تقول إن ما في نفس الله مخلوق بل المخلوق عندهم لا يكون ~~الا منفصلا عن نفس الله تعالى وما قام به من أفعاله وصفاته فليس بمخلوق # ولا ريب أن بشرا وغيره من القائلين بخلق القرآن كانوا يقولون إنه خلقه ~~منفصلا عنه كما خلق غيره من المخلوقات فأما نفس خلق الرب PageV02P254 عند ~~من يقول الخلق غير المخلوق وهم الأكثرون فلا يقولون إن الخلق مخلوق ومن قال ~~بتجدد ما يقوم به من الأفعال أو الارادات أو الادراكات لم يقل إن ذلك مخلوق ~~فإنه اذا كان ثم خلق وخالق ومخلوق لم يكن الخلق داخلا في المخلوق # ولهذا كان من يقول ان كلام الله قائم بذاته متفقين على أن كلام الله غير ~~مخلوق ثم هم بعد هذا متنازعون على عدة اقوال هل يقال إنه معنى واحد أو خمسة ~~معان لم تزل قديمة كما يقوله ابن كلاب والأشعري # أو أنه حروف وأصوات قديمة أزلية لم تزل قديمة كما يذكر عن ابن سالم ~~وطائفة # أو يقال بل هو حروف وأصوات حادثة في ذاته بعد أن لم يكن متكلما كما يقوله ms0380 ~~ابن كرام وطائفة # أو يقال إنه لم يزل متكلما اذا شاء وإنه اذا شاء تكلم بصوت يسمع وتكلم ~~بالحروف كما يذكر ذلك عن أهل الحديث والأئمة # والمقصود هنا أن ما قام بذاته لا يسميه أحد منهم مخلوقا سواء كان حادثا ~~أو قديما # وبهذا يظهر احتجاج عبد العزيز على بشر فإن بشرا من أئمة الجهمية نفاة ~~الصفات وعنده لم يقم بذات الله تعالى صفة ولا فعل PageV02P255 ولا قدرة ولا ~~كلام ولا ارادة بل ما ثم عنده الا الذات المجردة عن الصفات والمخلوقات ~~المنفصلة عنها كما تقول ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم فاحتج عليه عبد ~~العزيز بحجتين عقليتين # أحداهما أنه اذا كان كلام الله مخلوقا ولم يخلقه في غيره ولا خلقه قائما ~~بنفسه لزم أن يكون مخلوقا في نفس الله وهذا باطل # والثانية أن المخلوقات المنفصلة عن الله خلقها الله بما ليس من المخلوقات ~~إما القدرة كما أقر به بشر وإما فعله وأمره وارادته كما قاله عبد العزيز ~~وعلى التقديرين ثبت أنه كان قبل المخلوقات من الصفات ما ليس بمخلوق فبطل ~~أصل قول بشر والجهمية إنه ليس لله صفة وان كل ما سوى الذات المجردة فهو ~~مخلوق وتبين أن الذات يقوم بها معان ليست مخلوقة وهذا حجة مثبتة الصفات ~~القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق على من نفى الصفات وقال بخلق ~~القرآن فإن كل من نفى الصفات لزمه القول بخلق القرآن # يبقى كلام اهل الاثبات فيما يقوم بذاته هل يجوز أن يتعلق شيء منه بمشيئته ~~وقدرته أم لا وهل عبد العزيز ممن يجوز أن يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته أو ممن يقول لا يكون المراد المقدور الا منفصلا عنه مخلوقا ويجعل ~~المقدور هو المخلوق وهما في الأصل قولان معروفان ذكرهما الحارث المحاسبي ~~وغيره عن أهل السنة حسبما تقدم ايراده # وهذا القول الثاني هو قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما من PageV02P256 ~~أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم # والقول الأول هو قول أئمة أهل الحديث والهشامية والكرامية وطوائف من أهل ~~الكلام ms0381 من المرجئة كأبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهم ومن وافق هؤلاء ~~من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم # فقد يقول القائل إن عبد العزيز موافق لابن كلاب لأنه قال إن الله لا يكون ~~مكانا للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء اذا ~~خلقه لكن اذا تدبر المتدبر سائر كلام عبد العزيز وجده من أهل القول الأول ~~قول أهل الحديث لأنه قال بعد هذا لبشر بأي شيء حدثت الأشياء قال أحدثها ~~الله بقدرته التي لم تزل قال عبد العزيز فقلت له إنه قد أحدثها بقدرته كما ~~ذكرت أفلست تقول إنه لم يزل قادرا قال بلى فقلت له فتقول إنه لم يزل يفعل ~~قال لا أقول هذا قلت فلا بد أن يلزمك أن تقول إنه خلق بالفعل الذي كان ~~بالقدرة لأن القدرة صفة وقال PageV02P257 عبد العزيز بعد هذا لم أقل لم يزل ~~الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل وإنما الفعل صفة والله يقدر عليه ولا ~~يمنعه منه مانع # وقد أثبت عبد العزيز فعلا مقدورا لله هو صفة له ليس من المخلوقات وأنه به ~~خلق المخلوقات وهذا صريح في أنه يجعلا الخلق غير المخلوق والفعل غير ~~المفعول وأن الفعل صفة لله مقدور لله اذا شاء ولا يمنعه منه مانع وهذا خلاف ~~قول الأشعري ومن وافقه # يبقى أن يقال هذا الخلق الذي يسمى التكوين من الناس من يجعله قديما ومنهم ~~من يجعله مقدورا ومرادا وعبد العزيز صرح بأن الفعل الذي به يخلق الخلق ~~مقدور له وهذا تصريح بأنه يقوم بذات الله عنده ما يتعلق بقدرته وما كان ~~موجودا مقدورا لله فهو مراد له بالضرورة واتفاق الناس # وأيضا فإنه قال قد أقر بشر أن الله أحدث الأشياء بقدرته وقلت أنا إنه ~~أحدثها بأمره وقوله عن قدرته فقد صرح بأن القول يكون عن قدرته فجعل قول ~~الله مقدورا له مع أنه صفة له عنده # وهذا قول من يقول إنه يقدر على التكلم وإنه يتكلم بمشيئته وقدرته وليس هو ~~من يقول ms0382 إن القول لازم له لا يتعلق بقدرته ومشيئته PageV02P258 فتبين أن ~~عبد العزيز الكناني يثبت أنه يقوم بذات الله تعالى ما يتعلق بمشيئته وقدرته ~~وأنه لا يجعل كل واحد من ذلك قديما وإن كان النوع قد يكون قديما لأن بشرا ~~لما قال له أحدثها بقدرته التي لم تزل قال له أفليس تقول لم يزل قادرا قال ~~بلى قال فتقول إنه لم يزل يفعل قال لا فلا بد أن يلزمك أن تقول إنه خلق ~~بالفعل الذي كان بالقدرة # وهذا لأنه اذا كان لم يزل قادرا ولا مخلوق ثم وجد مخلوق لم يكن قد وجد ~~قدرة بلا فعل فإنه لو كان مجرد القدرة كافيا في وجوده بلا فعل للزم مقارنة ~~المخلوق للقدرة القديمة # وهذا المقام هو المقام المعروف وهو أنه هل يمكن وجود الحوادث بلا سبب ~~حادث أم لا فإن جمهور العقلاء يقولون ان انتفاء هذا معلوم بالضرورة وان ذلك ~~يقتضي الترجيح بلا مرجح وهذا هو الذي ذكره عبد العزيز بخلاف قول من يقول ان ~~نفس القادر يرجح أحد طرفي مقدوره بلا مرجح كما يقوله أكثر المعتزلة ~~والجهمية أو بمجرد ارادة قديمة كما تقوله الكلابية والكرامية فإن هذا هو ~~الذي ذكره بشر PageV02P259 # يبقى هنا سؤال على عبد العزيز وهو الذي الزمه اياه بشر حيث قال له وأنت ~~أيضا يلزمك أن تقول لم يزل يفعل ويخلق واذا كان كذلك ثبت أن المخلوق لم يزل ~~مع الله لأن الحادث إن لم يفتقر إلى سبب حادث كفت القدرة القديمة وإن افتقر ~~إلى سبب حادث فالقول في حدوث ذلك السبب كالقول في الذي حدث به فيلزم تسلسل ~~الحوادث فيلزمك أنه لم يزل يفعل ويخلق فيكون المخلوق معه فأجابه عبد العزيز ~~بأني لم أقل لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل ليلزمني ما قلت وأنما ~~الفعل صفة والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع وفي النسخة الأخرى وإنما قلت ~~لم يزل الخالق سيخلق والفاعل سيفعل لأن الفعل صفة والله يقدر عليه ولا ~~يمنعه منه مانع # ومضمون كلامه ms0383 أنني لم أقل إن الله لم يزل يخلق الأشياء المنفصلة ويفعلها ~~ولا يلزمني هذا كما لزمك لأنك جعلت المخلوقات تحصل بالقدرة القديمة من غير ~~فعل من القادر يقوم به فإذا لم تتوقف المخلوقات على غير القدرة والقدرة ~~قديمة لزم وجود المخلوقات معها والا لزم الترجيح بلا مرجح والحدوث بلا سبب ~~لأن القدرة دائمة أزلا PageV02P260 وابدا ووجود المخلوقات ممكن والممكن لا ~~يترجح وجوده على عدمه الا بمرجح وعند المرجح التام يجب وجوده لأنه لو لم ~~يجب لكان قابلا للوجود والعدم فيبقى ممكنا كما كان فلا يترجح الا بمرجح تام ~~فتبين أن وجود القدرة التي يمكن معها وجود المخلوقات لا يوجد المخلوق مع ~~مجردها بل لا بد من أمر آخر يفعله الرب # قال عبد العزيز وهذا الفعل صفة لله ليس من المخلوقات المنفصلة عنه والله ~~يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع فأما قول القائل ان ذلك الفعل الذي لم يكن ثم ~~كان بالقدرة وهو صفة فإنه يسأل عن سبب حدوثه كما يسأل عن سبب حدوث المخلوق ~~به # فيجيب عنه العزيز بأجوبة # أحدها الجواب المركب وهو أن يقول تسلسل الآثار الحادثة اما أن يكون ممكنا ~~وإما أن يكون ممتنعا فإن كان ممكنا فلا محذور في التزامه وان كان ممتنعا لم ~~يلزمني ذلك ولا يلزم من بطلان التسلسل بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق ~~الا به فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون الا بفعل والمخلوق لا يكون ~~الا بخلق قبل العلم بجواز التسلسل أو بطلانه ولها كان كثير من الطوائف ~~يقولون الخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول فيثبتون ذلك مع إبطال التسلسل ~~مثل كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ومن الصوفية PageV02P261 ~~وأهل الحديث والكلام من الكرامية والمرجئة والشيعة وغيرهم وهؤلاء منهم من ~~يقول الفعل الذي هو التكوين قديم والمكون المنفصل حادث كما يقولون مثل ذلك ~~في الارادة ومنهم من يقول بل ذلك حادث الجنس بعد أن لم يكن وكلا الفريقين ~~لا يقولون ان ذلك مخلوق بل يقولون ان المخلوق وجد به ms0384 كما وجد بالقدرة # الجواب الثاني أن يقول ما ذكرته من التسلسل لازم لكل من قال ان جنس ~~الحوادث يكون بعد أن لم يكن فهو لازم لك ولي اذا قلت بهذا فلا اختص بجوابه ~~وأما وجود المفعول بدون فعل فهذا لازم لك وحدك وهو الذي احتججت به عليك ~~فحجتي عليك ثابتة تبطل قولك دون قولي والالزام الذي ذكرته انت مشترك بيني ~~وبينك فلا يخصني جوابه # الجواب الثالث أن يقول أنا قلت الفعل صفة والله يقدر عليه ولا يمنعه منه ~~مانع والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه وانما يجب ان يكون ~~المخلوق معه في الأزل اذا ثبت أن الفعل يستلزم فعلا قبله وأن الفعل اللازم ~~يستلزم ثبوت الفعل المتعدي إلى المخلوق فإن ذلك يستلزم ثبوت غير المخلوق # وكل هذه المقدمات فيها ممانعات ومعارضات وتحتاج إلى حجج لم PageV02P262 ~~يذكر المريسي منها شيئا وعبد العزيز لم يلتزم شيئا من ذلك وإنما التزم حجته ~~يحصل بها المقصود # وقوله في النسخة الأخرى ان صح عنه انما قلت لم يزل الفاعل سيفعل والخالق ~~سيخلق قد نفى فيه أن يكون نفس الفعل قديما فضلا عن أن يكون المفعول قديما # وقوله ان الفعل صفة لله والله يقدر عليه لا يمنعه منه مانع يمنع قدم عين ~~الفعل لا يمنع قدم نوعه الا ان يثبت امتناع تسلسل الآثار وليس في كلامه ~~تعرض لنفي ذلك ولا اثباته # وقوله لم يزل سيفعل ان صح عنه يحتمل معنيين أحدهما أنه لم يزل موصوفا ~~بأنه سيفعل ما يفعله من جميع المفعولات أعيانها وأنواعها كما يقوله من يقول ~~بحدوث نوع الفعل القائم به كما يقوله من يقول بحدوث انواع المنفصلات عنه ~~والثاني أنه لم يزل الفاعل سيفعل شيئا بعد شيء فهو متقدم على كل واحد واحد ~~من أعيان المفعولات # فعلى الأول يمتنع أن يكون شيء من أنواعها أو اعيانها قديما وعلى ~~PageV02P263 الثاني لا يمتنع تقدم الأنواع بل قد يمتنع تقدم أعيان ~~المخلوقات فلا يكون شيء من المخلوقات مع الله في الأزل على التقديرين وجماع ms0385 ~~ذلك أن الذي الزمه عبد العزيز للمريسي لأزم له مبطل لقوله بلا ريب وعليه ~~جمهور الناس فإن جمهور الناس فإن جماهير الناس يقولون الخلق غير المخلوق ~~والفعل غير المفعول وهذا قول جماهير الفقهاء من اصحاب أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي واحمد وجماهير الصوفية وجماهير أهل الحديث بل كلهم وكثير من أهل ~~الكلام والفلسفة أو جماهيرهم فهو قول أكثر المرجئة من الكرامية وغيرهم ~~وأكثر الشيعة وكثير من المعتزلة والكلابية وكثير من الفلاسفة ولأصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد في ذلك قولان فالذي عليه أئمتهم أن الخلق غير المخلوق وهو ~~آخر قول القاضي أبي يعلى وقول جمهور اصحاب أحمد وهو الذي حكاه البغوي عن ~~أهل السنة وهو قول كثير من الكلابية # وأما قوله إنه قادر على الفعل لا يمنعه منه مانع فكلامه يقتضي أنه لم يزل ~~قادر على الفعل لا يمنعه منه مانع وهذا الذي قاله هو الذي عليه جماهير ~~الناس ولهذا أنكروا على من قال لم يكن قادرا على الفعل في الأزل وكان من ~~يبغض الأشعري ينسب اليه هذا لتنفر عنه قلوب الناس واراد أبو محمد الجويني ~~وغيره تبرئته من هذا القول كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع PageV02P264 ~~واذا كان لم يزل قادرا على الفعل كان هذا صفة كمال فلهذا قال عبد العزيز ~~لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع وقد خلق المخلوقات بفعله ~~فوجدت بالفعل الذي هو الخلق والفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى والقدرة ~~على خلق المخلوق هي القدرة عليه كما قال تعالى @QB@ أو ليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى @QE@ سورة يس 81 وقوله تعالى ~~@QB@ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى @QE@ سورة القيامة 40 وقوله تعالى ~~@QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم @QE@ سورة الأنعام 65 ~~الآية ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الافعال المتناولة للمفعولات ~~وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق ولا أن نفس خلقه للسموات والأرض هو ~~السموات والأرض والقدرة التي تزل ثم ms0386 وجدت المخلوقات بدون فعل أصلا # فيقول له المريسي فذلك الذي هو صفته وهو يقدر عليه لا يمنعه منه مانع ان ~~كان قديما كان كالقدرة وكان السؤال على كالسؤال عليك وان كان حادثا من غير ~~تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب ~~حدوث المخلوق بالقدرة التي لم تزل وإن كان ذلك الفعل كان بفعل آخر وتسلسل ~~PageV02P265 الأمر لزم تسلسل الأفعال ولزم أن يكون الفاعل لم يزل يفعل ~~والخالق لم يزل يخلق # فيقول له عبد العزيز لم أقل انه قديم بل قلت انه صفة والله قادر عليه لا ~~يمنعه من مانع وما كان مقدورا له لا يمنعه منه مانع لم يجب أن يكون قديما ~~معه بل ان شاء فعله وان شاء لم يفعله # وأما سؤالك عن سبب حدوثه فهنا لأهل الاثبات جوابان أحدهما وهو جواب ~~الكرامية ومن وافقهم ان اثبات الفعل للمفعول والخلق للمخلوق لا بد منه فإنا ~~نعقل أن القادر على الفعل قبل ان يفعله ليس له فعل فاذا فعله كان هناك فعل ~~به فعل المفعول وخلق به خلق المخلوق ونحن مقصودنا اثبات فعل وصفة لله تقوم ~~به مغاير مخلوقاته وكلامه من هذا الباب ونحن لم نورد عليكم التسلسل فإن ذلك ~~باطل على قولنا وقولكم جميعا # الجواب الثاني أن يقول من يجيب به لا يمتنع أن يكون قبل الفعل المعين ما ~~هو أيضا فعل فعله الله بقدرته ولا يضرني التسلسل فإن ذلك جائز ممكن فإن هذا ~~تسلسل في الأفعال والآثار والشروط وهذا ليس بممتنع # فعلى الجواب الأول يظهر قوله انما قلت لم يزل الخالق سيخلق وسيفعل ولم ~~أقل لم يزل يخلق ويفعل PageV02P266 وأما على الجواب الثاني فاذا قال لم أقل ~~لم يزل يخلق ويفعل بل أقول إنه لم يزل سيخلق وسيفعل فنقرره بوجهين # أحدهما أن الفعل لا يستلزم وجود مخلوق بل يكون الفعل قائما بنفسه بعد فعل ~~قائم بنفسه وهلم جرا من غير وجود مخلوق منفصل عنه # الثاني أنه لو قدر تسلسل المفعولات ms0387 كتسلسل الأفعال فما من مفعول ولا فعل ~~الا وهو حادث كائن بعد أن لم يكن فليس مع الله في الأزل شيء من المفعولات ~~ولا الأفعال اذ كان كل منهما حادثا بعد أن لم يكن والحادث بعد أن لم يكن لا ~~يكون مقارنا للقديم الذي لم يزل واذا قيل ان نوع الأفعال أو المفعولات لم ~~يزل فنوع الحوادث لا يوجد مجتمعا لا يوجد الا متعاقبا فاذا قيل لم يزل ~~العاعل يفعل والخالق يخلق والفعل لا يكون الا معينا والخلق والمخلوق لا ~~يكون الا معينا فقد يفهم أن الخالق للسموات والانسان لم يزل يخلق السموات ~~والانسان والفاعل لذلك لم يزل يفعله وليس كذلك بل لم يزل الخالق لذلك ~~سيخلقه ولم يزل الفاعل لذلك سيفعله فما من مخلوق من المخلوقات ولا فعل من ~~الأفعال الا والرب تعالى موصوف بأنه لم يزل سيفعله ليس موصوفا بأنه لم يزل ~~فاعلا له خالقا له بمعنى أنه موجود معه في الأزل وإن قدر أنه كان قبل هذا ~~الفعل فاعلا لفعل آخر وقبل هذا المخلوق خالقا لمخلوق آخر فهو لم يزل ~~بالنسبة إلى كل PageV02P267 فعل ومخلوق سيفعله وسيخلقه لا يقال لم يزل ~~فاعلا له خالقا بمعنى مقارنته له واذا اريد أنه لم يزل فاعلا للنوع كان هذا ~~بمعنى قولنا إنه لم يزل سيفعل ما يفعله لكن هذه العبارة تفهم من الباطل ~~مالا تفهمه تلك العبارة # وهذا الموضع للناس فيه أقوال فإن جمهور أهل السنة يقولون لم يزل الله ~~خالقا فاعلا كما قال الامام أحمد لم يزل الله عالما متكلما غفورا بل يقولون ~~لم يزل يفعل اما بناء على أن الفعل قديم وإن كان المفعول محدثا أو بناء على ~~قيام الأفعال المتعاقبة بالفاعل # ومذهب بشر واخوانه الجهمية أن المخلوقات كلها كائنة بدون فعل ولا خلق ~~وكلام الله من جملتها فألزمه عبد العزيز على أصله فقال له اذا قلت كان الله ~~ولما يفعل ولما يخلق شيئا وهو لم يزل قادرا ثم خلق المخلوقات فأنت تقول لم ~~يزل قادرا ولا تقول ms0388 لم يزل يفعل المخلوقات فلا بد له من أن يكون هناك فعل ~~حصل بالقدرة وليس هو القدرة التي لم تزل ولا هو المخلوق المنفصل اذ لو كان ~~كذلك لكان المخلوق قد وجد من غير خلق والمفعول قد وجد من غير فعل وهذا أعظم ~~امتناعا في العقل من كونه وجد بغير قدرة فإنه PageV02P268 إذا عرض على ~~العقل مفعول مخلوق حدث بعد أن لم يكن بلا فعل ولا خلق كان انكار العقل لذلك ~~اعظم من انكاره لحدوثه من غير قدرة للفاعل وانكاره لحدوث من غير فاعل اعظم ~~امتناعا في العقل من هذا وهذا فإذا قيل فعله الفاعل بلا قدرة أنكره العقل ~~واذا قيل حدث بلا فاعل كان أعظم وأعظم فإن الفاعل بلا فعل كالعالم بلا علم ~~والحي بلا حياة والقادر بلا قدرة ونحو ذلك وذلك نفي لجزء مدلول اللفظ الذي ~~دل عليه بالتضمن وأما نفي القدرة عن الفاعل فهو نفي لما دل عليه باللزوم ~~العقلي # واذا قال القائل بل يجوز ان يكون المفعول المخلوق حدث بلا فعل ولا خلق ~~غيره لأنه لو كان بفعل للزم أن يكون للفعل فعل ولزم التسلسل وأن يكون محلا ~~للحوادث # قيل فعلى هذا يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا قدرة من الفاعل لأن ~~ثبوت القدرة يستلزم ثبوت الصفات وقيام الأعراض به # فإذا قال الفعل بدون القدرة ممتنع وليس في العقل ما يحيل لوازم القدرة بل ~~علمنا بامتناع الفعل بلا قدرة أعظم من علمنا بامتناع قيام الصفات به وان ~~سماها المسمى إعراضا PageV02P269 # قيل له والمخلوق المفعول بلا فعل ولا خلق أعظم امتناعا في العقل وليس في ~~العقل ما يحيل لوازم الفعل الذي كان بالقدرة بل علمنا بامتناع ذلك أعظم من ~~علمنا بامتناع قيام الأفعال به وان سماها المسمى حوادث # يبين ذلك أن افتقار المخلوق إلى خلق والمفعول المنفصل إلى فعل يعلم ~~باللزوم العقلي وبالقول السمعي فإن فاعل وخالق مثل متكلم وقائل ومريد ~~ومتحرك وغير ذلك من الأسماء التي تستلزم قيام معان بالمسميات # فلما ظهرت حجة عبد العزيز ms0389 على المريسي في أنه لا بد من فعل للرب تعالى ~~بقدرته كما قال له يلزمك أن تقول انه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة وليس ~~الفعل هو القدرة لأن القدرة صفة لله ولا يقال لصفة الله هي الله ولا يقال ~~إنها غير الله ولم يقل عبد العزيز إنها ليست هي الله ولا غيره بل قال لا ~~يقال إنها هي الله ولا يقال إنها غيره وقول عبد العزيز هذا هو قول أئمة ~~السنة كالإمام أحمد وغيره وهو قول ابن كلاب وغيره من الأعيان ولكن طائفة من ~~أصحاب PageV02P270 أحمد مع طائفة من متكلمي الصفاتية أصحاب الأشعري يقولون ~~لا هي الله ولا غيره # وتلك العبارة هي الصواب كما قد بسط في غير هذا الموضع فإن لفظ الغير فيه ~~إجمال فلا يصح إطلاقه لا نفيا ولا إثباتا على الصفة ولكن يصح نفي إطلاقه ~~نفيا أو إثباتا كما قال السلف مثل ذلك في لفظ الجبر ونحوه من الألفاظ ~~المجملة إنه لا يطلق لا نفيها ولا إثباتها وإذا قيل لا يطلق لا هذا ولا هذا ~~لم يلزم إثبات قسم ثالث لا هو الموصوف ولا غير الموصوف بل يلزم إثبات مالا ~~يطلق عليه لفظ الغير لا ما ينفي عنه المغايرة # ومقصود عبد العزيز أن القدرة صفة لله ليست هي الفعل الذي كان عن القدرة ~~فإنه يقول لم يزل الله قادرا ولا قول لم يزل فاعلا # فعارضه المريسي بأن هذا يلزمك أيضا فيلزمك أن تقول لم يزل يفعل ويخلق ~~وإذا قلت ذلك فقد ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله # فقال له عبد العزيز ليس لك أن تحكم على وتلزمني ما لا يلزمني وتحكي عني ~~ما لم اقل وذلك لأن عبد العزيز لم يقل في هذا قولا يحكى PageV02P271 عنه ~~ولكن قال له إما أن تلتزم أنت ما ألزمتني وإلا التزمت أن تقول إن المخلوق ~~لم يزل مع الله # وهذا الذي قاله المريسي إنما يلزم عبد العزيز إذا أبطل لك قسم مما يمكن ~~أن يقال في هذا المقام وهو ms0390 لم يفعل ذلك ولا سبيل له إليه بخلاف ما ألزمه ~~إياه عبد العزيز فإنه لازم له لا محالة إذ كان قوله إن المخلوقات كلها ~~وكلام الله عنده من جملتها حدثت بعد أن لم تكن من غير فعل فعله الله بل ~~بقدرته التي لم تزل مع أن عبد العزيز قد بين فيما بعد أن ما أقر به المريسي ~~يكفيه في الاحتجاج في مسألة القرآن فإن المريسي أقر بأن الله خلقها بقدرته ~~فأثبت هنا معنى هو صفة لله تعالى ليس بمخلوق فبطل اصل قوله الذي نفى به ~~الصفات وقال إن القرآن مخلوق لكن عبد العزيز بين له ما يلزمه وما أقر به ~~وأن الحجة تحصل بهذا وبهذا وأما المريسي فعارضه بأن قال يلزمك ما ألزمتني # وذلك مبني على مقدمات لم يذكر منها واحدة أحدها أن يقول إذا كان احدث ~~الأشياء بفعله الكائن عن قدرته حصل المقصود من غير إثبات قديم مع الله ~~تعالى ولهذا قال له عبد العزيز إنما قلت الفعل صفة لله والله يقدر عليه ولا ~~يمنعه منه مانع وفي نسخة أخرى زيادة على ذلك إنما قلت انه لم يزل الفاعل ~~سيفعل ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل صفة لله PageV02P272 وهذه الزيادة لم ~~تتقدم في كلام عبد العزيز فإما أن تكون ملحقة من بعض الناس في بعض النسخ أو ~~يكون معنى الكلام إنما قولي هذا وإنما قلت أنى إنما اعتقدت والتزمت هذا أو ~~يكون المعنى إنما أقول واعتقد هذا والأشبه أن هذه الزيادة ليست من كلام عبد ~~العزيز فإنها لا تناسب ما ذكره من مناظرته المستقيمة ولم يتقدم من عبد ~~العزيز ذكر هذا الكلام ولا ما يدل عليه بخلاف قوله إنما الفعل صفة لله ~~والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع فإن هذا كلام حسن صحيح وهو لم يكن قد ~~قاله ولهذا لم يقل إني قلت ذلك ولكن قال هذا هو الذي يجب أن يقال وهو الذي ~~يلزمني أن أقوله لأني بينت أن المخلوق لا يكون إلا بفعل عن قدرة الله ms0391 ~~والفعل قائم بالله ليس هو مخلوقا منفصلا وهذا مراده بقوله انه صفة لم يرد ~~بذلك إن الفعل المعين لازم لذات الله تعالى لأنه قد قال والله يقدر عليه ~~ولا يمنعه منه مانع # فحصل بذلك مقصود عبد العزيز من أن هناك فعلا احدث الله به المخلوقات عن ~~قدرته فأقام الحجة على أنه يقوم بالله تعالى أمر غير المخلوقات عن القدرة ~~واعترف له المريسي بالقدرة PageV02P273 فقد ثبت على تقدير أن قبل المخلوق ~~شيئا خارجا عن المخلوق سواء كان هو القدرة وحدها أو كان مع ذلك الفعل ~~والقول والإرادة وما كان متقدما قبل المخلوق فليس هو من المخلوق فبطل قول ~~المريسي إن مالا يسمى بالله فهو مخلوق فإن هذه الأمور كلها ليست هي الله ~~وليست مخلوقة لأن هذه صفات له ولا يقال أنها هي الله ولا يقال أنها غير ~~الله وإذا قلنا الله الخالق وما سواه مخلوق فقد دخل في مسمى اسمه صفاته ~~فإنها داخلة في مسمى اسمه ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حلف بغير ~~الله فقد أشرك لم يكن الحلف بعزة الله ونحو ذلك حلفا بغير الله # ولما حدثت الجهمية واعتقدوا ان القرآن خارج عن مسمى اسم الله تعالى قال ~~من قال من السلف الله الخالق وما سواه مخلوق الا القرآن فإنه كلام الله غير ~~مخلوق فاستثنوا القرآن مما سواه لما أدخله من أدخله فيما سواه ولفظ ما سواه ~~هو كلفظ الغير وقد قلنا PageV02P274 ان القرآن وسائر الصفات لا يطلق عليه ~~أنه هو ولا يطلق عليه أنه غيره فكذلك لا يطلق عليه أنه مما سواه ولا أنه ~~ليس مما سواه لكن مع القرينة قد يدخل في هذا تارة وفي هذا تارة # فلما كان بعض الناس قد يفهم ان القرآن هو مما سواه قال من قال من السلف ~~ما سواه مخلوق الا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ واليه يعود ومن ~~لم يفهم دخول الكلام في لفظ سواه لم يحتج إلى هذا الاستثناء بل قال الله ~~الخالق وما ms0392 سواه مخلوق والقرآن كلام الله غير مخلوق لا يقول الا القرآن أي ~~القرآن هو كلامه وكلامه وفعله وعلمه وسائر ما يقوم بذاته لا يكون مخلوقا ~~وانما المخلوق ما كان مباينا له ولهذا قال السلف والأئمة كأحمد وغيره ~~القرآن كلام الله ليس ببائن منه وقالوا كلام الله من الله # وقال أحمد بن حنبل لرجل سأله فقال له ألست مخلوقا فقال بلى فقال أوليس ~~كلامك منك قال بلى قال والله ليس بمخلوق وكلامه منه ومراده أن المخلوق اذا ~~كان كلامه صفة PageV02P275 له هو داخل في مسمى اسمه وهو قائم به فالخالق ~~اولى ان يكون كلامه صفة له داخلة في مسمى اسمه وهو قائم به لأن الكلام صفة ~~كمال وعدمه صفة نقص فالمتكلم أكمل ممن لا يتكلم والخالق أحق بكل كمال من ~~غيره # والسلف كثيرا ما يقولون الصفة من الموصوف والصفة بالموصوف فيقولون علم ~~الله من الله وكلام الله من الله ونحو ذلك لأن ذلك داخل في مسمى اسمه فليس ~~خارجا عن مسماه بل هو داخل في مسماه وهو من مسماه # فعبد العزيز قرر حجته بأن الفعل صفة لله عن قدرته لا يمنعه منه مانع وهذا ~~كاف وما الزمه اياه بشر لا يلزمه الا بمقدمات لم يقرر بشر منها شيئا # وأي تقدير من تلك التقديرات قال به القائل كان خيرا من قول المريسي # التقدير الاول قول من يقول ان الفعل حادث قائم بذات الله بقدرته كما يقول ~~ذلك من يقوله من الكرامية وهذا خير من قول المريسي وأمثاله من الجهمية فإن ~~ما يلزم اصحاب هذا القول من PageV02P276 تسلسل الحوادث يلزمهم مثله والذي ~~يلزمهم من نفي الخلق والفعل لا يلزم اصحاب هذا القول # وأما قولهم انه محل للحوادث فمثل قولهم انه محل للأعراض # التقدير الثاني قول من يقول ان الفعل قديم ازلي كما يقول ذلك من يقوله من ~~الكلابية ومن الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والصوفية # وهذا ايضا على هذا التقدير يكون من جنس قول الصفاتية هؤلاء لا يقولون ~~بقيام الحوادث به ولا تسلسلها ms0393 واذا الزمهم المريسي واخوانه ان يقال فإذا ~~كان الفعل لم يزل والارادة لم تزل لزم ان يكون المفعول المراد لم يزل وقيل ~~لهم فحدوث الحوادث لا بد له من سبب قالوا هذا السؤال مشترك بيننا وبينكم ~~لكن عبد العزيز لم يجب بهذا الجواب فإنه لو أجاب به لانتقضت حجته التي احتج ~~بها على المريسي فإنه احتج بأنه لم يزل قادرا فلو قال الفعل قديم قال ~~المريسي انه لم يزل فاعلا عندك # وايضا فعبد العزيز ذكر انه يقدر على الفعل لا يمنعه منه مانع وذكر غير ~~ذلك # والتقدير الثالث ان الفعل الذي كان عن قدرته كان قبله فعل PageV02P277 ~~آخر كان عن قدرته ايضا وهلم جرا ولم يكن شيء من المفعولات والمخلوقات ~~موجودا معه في الأزل فإن الفعل ينقسم إلى متعد ولازم فإذا قدر دوام الأفعال ~~اللازمة لم يجب دوام الافعال المتعدية وعلى هذا التقدير فإذا قال كان الله ~~ولما يخلق شيئا ولما يفعل شيئا لم يلزم أن لا يكون هناك فعل قائم بنفسه ~~بدون مخلوق مفعول ولا يجب ان يكون المخلوق لم يزل مع الله تعالى # وهذا التقدير ان لم ينفه المريسي بالحجة لم يكن ما الزمه لعبد العزيز ~~لازما واذا قال السلف والأئمة ان الله لم يزل متكلما اذا شاء فقد اثبتوا ~~انه لم يتجدد له كونه متكلما بل نفس تكلمه بمشيئته قديم وان كان يتكلم شيئا ~~بعد شيء فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه الا اذا وجب تناهي المقدورات ~~المرادات وهو المسمى بتناهي الحوادث والذي عليه السلف وجمهور الخلف ان ~~المقدورات المرادات لا تتناهى وهم بهذا نزهوه عن كونه كان عاجزا عن الكلام ~~كالأخرس الذي لا يمكنه الكلام وعن أنه كان ناقصا فصار كاملا وأثبتوا مع ذلك ~~أنه قادر على الكلام باختياره وحجة عبد العزيز على المريسي تتم على هذا ~~التقدير ولا يكون مع الله في الأزل مخلوق # التقدير الرابع أنه لو قيل بأن كل ما سوى الله مخلوق محدث PageV02P278 ~~كائن بعد ان لم يكن فليس مع الله في ms0394 أزله شيء من المخلوقات لكنه لم يزل ~~يفعل لم يوجب ذلك ان يكون معه شيء من المفعولات المخلوقات وانما يوجب ذلك ~~كون نوع المفعول لم يزل مع أن كل واحدة من آحاده حادث لم يكن ثم كان معه ~~فليس من ذلك شيء مع الله في الأزل وعبد العزيز لم يقل هذا ولم يلتزمه بل ~~ولا التزم شيئا من هذه التقديرات ولا يلزمه واحد منها بعينه الا بتقدير ~~امتناع ما سواه ولكن المقصود ان الزام المريسي له بأن يكون المخلوق لم يزل ~~مع الله لا يلزمه التزامه فإنه على التقديرات الثلاث لا يلزم وجود شيء من ~~المفعولات ولا نوعها في الأزل # وأما على التقدير الرابع فإنما يلزم أنه لم يزل نوع المفعول لا شيء من ~~المفعولات بعينه # وهذا التقدير اذا كان باطلا فالمريسي لم يذكر إبطاله ولا ابطال شيء من ~~التقديرات وهو لو اراد ان يبطل هذا لم يبطله الا بإبطال التسلسل في الآثار ~~كما هو طريقة من أبطل ذلك من أهل الكلام ولكن المريسي وموافقوه الذين ~~يقولون بأن اله يخلق المخلوقات بغير فعل قائم به ويقولون الخلق هو المخلوق ~~ويقولون ان المخلوقات كلها وجدت بعد ان لم تكن موجودة من غير ان يتجدد من ~~الله فعل ولا قصد ولا امر من الامور بل ولا من غيره فيقولون إن PageV02P279 ~~الأمر ما زال على وجه واحد ثم حدثت جميع المحدثات وكانت جميع المخلوقات ~~وليس هناك من الفاعل شيء غير وجودها بل حاله قبل وجودها ومع وجودها وبعد ~~وجودها واحد لم يتجدد منه أمر يضاف الحدوث اليه فأصحاب القول الأول يلتزمون ~~التسلسل مع قولهم بأن كل ما سوى الله محدث كائن بعد أن لم يكن مسبوق بعدم ~~نفسه لكن تحدث الحوادث شيئا بعد شيء وهو محدثها بأفعاله سبحانه التي يفعلها ~~ايضا شيئا بعد شيء واصحاب الثاني يقولون بل حدثت من غير سبب حادث كما ترى # ومن المعلوم أنه اذا عرض على العقل القولان كان بطلان هذا القول أظهر من ~~بطلان ذلك القول فإن ms0395 ترجيح أحد طرفي الممكن بغير مرجح وتخصيص الشيء عن ~~أمثاله التي تماثله من كل وجه بلا مخصص وحدوث الحوادث جميعها بدون سبب حادث ~~بل مع كون الأمر قبل حدوثها ومع حدوثها على حال واحد هو أبعد في المعقول ~~وأنكر في القلوب من كون المحدثات لم تزل تحدث شيئا بعد شيء ومن كون الله ~~سبحانه لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء كما أنه لا يزال في الأبد يفعل ~~ما يشاء ويتكلم بما يشاء PageV02P280 فلو قدر أن عبد العزيز والمريسي ~~انتهيا إلى هاتين المقدمتين لم يكن للمريسي أن يلزم عبد العزيز بشيء الا ~~ألزمه عبد العزيز بما هو اشنع منه فكيف وعبد العزيز لم يحتج إلى شيء من ذلك ~~بل بين أنه لا بد أن يكون قبل المخلوق ما به يخلق المخلوق من صفات الله ~~وأفعاله فيبطل ما يدعيه المريسي ونحوه من أن الله لا صفة له ولا كلام ولا ~~فعل بل خلق المخلوقات وخلق الكلام الذي سماه كلامه بلا صفة ولا فعل ولا ~~كلام # وهذان الجوابان اللذان يمكن عبد العزيز أن يجيب بهما عن الزامه التسلسل ~~يمكن معهما جواب ثالث مركب منهما كما تقدم التنبيه على ذلك وهو أن يقول # إن كان التسلسل ممتنعا بطل هذا الإلزام وان كان ممكنا أمكن التزامه كما ~~قد ذكرنا في غير هذا الموضع أن المسلمين وغيرهم من أهل الملل القائلين بأن ~~الله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة ايام يمكنهم أن يجيبوا ~~بمثل هذا الجواب للقائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم المحتجين على ذلك ~~بحجتهم العظمى التي اعتمد عليها ابن سينا وابن الهيثم وغيرهما حيث احتجوا ~~على المعتزلة ونحوهم من PageV02P281 أهل الكلام فقالوا الموجب التام للعالم ~~إن كان ثابتا في الأزل لزم قدمه والا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح ~~وان لم يكن ثابتا في الأزل احتاج في حدوث تمامه إلى مرجح والقول فيه كالقول ~~في الأول ويلزم التسلسل # وعظم شأن هذه الحجة على هؤلاء المتكلمين لأنهم يقولون ببطلان التسلسل ms0396 ~~وبحدوث الحوادث من غير سبب حادث ويقولون بأن المرجح التام لا يستلزم اثره ~~بل القادر أو المريد يرجح أحد مقدوريه أو أحد مراديه على الآخر بلا مرجح ~~فصاروا بين أمرين إما إثبات الترجيح بلا مرجح وإما إلتزام التسلسل وكلامهما ~~مناقض لأصولهم ولهذا عدل من عدل في جوابها إلى الإلزام والمعارضة بالحوادث ~~اليومية # ونحن قد بينا جوابها من وجوه # منها ان يقال التسلسل يراد به امور احدها التسلسل في المؤثرات والفاعلين ~~والعلل وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء ومنها التسلسل في تمام كون ~~المؤثر مؤثرا وهذا كالذي قبله باطل بصريح العقل وقول جمهور العقلاء ~~PageV02P282 ومنها التسلسل الذي في معنى الدور مثل أن يقال لا يحدث حادث ~~اصلا حتى يحدث حادث وهذا ايضا باطل بضرورة العقل واتفاق العقلاء # ومنها التسلسل في الآثار المتعاقبة وتمام التأثير في الشيء المعين مثل أن ~~يقال لا يحدث هذا حتى يحدث قبله ولا يحدث هذا الا ويحدث بعده وهلم جرا وهذا ~~فيه نزاع مشهور بين المسلمين وبين غيرهم من الطوائف فمن المسلمين وغيرهم من ~~جوزه في المستقبل دون الماضي # وإذا عرفت هذه الأنواع فهم قالوا اذا لم يكن المؤثر تاما في الأزل لم ~~يحدث عنه شيء حتى يحدث حادث به يتم كونه مؤثرا إذ القول في ذلك الحادث ~~كالقول في غيره فيكون حقيقة الكلام أنه لا يحدث شيء ما حتى يحدث شيء وهذا ~~باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء # لكن هذا الدليل إن طلبوا به أنه لم يزل مؤثرا في شيء بعد شيء فهذا يناقض ~~قولهم وهو حجة عليهم وان ارادوا أنه كان في الأزل مؤثرا تاما في الأزل لم ~~تتجدد مؤثريته لزم من ذلك انه لا يحدث عنه شيء بعد أن لم يكن حادثا فيلزم ~~أن لا يحدث في العالم PageV02P283 شيء ولهذا عارضهم الناس بالحوادث اليومية ~~وهذا لازم لا محيد لهم عنه وهو يستلزم فساد حجتهم # وإن ارادوا أنه مؤثر في شيء معين فالحجة لا تدل على ذلك وهو أيضا باطل من ~~وجوه كما قد بسط في ms0397 موضع آخر فالمؤثر التام يراد به المؤثر في كل شيء ~~والمؤثر في شيء معين والمؤثر تأثيرا مطلقا في شيء بعد شيء فالأول هو الذي ~~يجعلونه موجب حجتهم وهو يستلزم ان لا يحدث شيء فعلم بطلان دلالة الحجة على ~~ذلك ويراد به التأثير في شيء بعد شيء فهذا هو موجب الحجة وهو يستلزم فساد ~~قولهم وأنه ليس في العالم شيء قديم بل لا قديم الا الرب رب العالمين ويراد ~~به التأثير في شيء معين فالحجة لا تدل على هذا فلم يحصل مطلوبهم بذلك بل ~~هذا باطل من وجوه أخرى # فبهذا التقسيم ينكشف ما في هذا الباب من الإجمال والإشتباه فكل حادث معين ~~فيقال هذا الحادث المعين ان كان مؤثره التام موجودا في الازل لزم جواز ~~تأخير الأثر عن مؤثره التام فبطل قولهم # وإن قيل بل لا بد أن يحدث تمام مؤثره عند حدوثه فالقول في حدوث ذلك ~~التمام كالقول في حدوث تمام الأول وذلك يستلزم التسلسل في حدوث تمام ~~التأثير وهو باطل بصريح العقل فيلزم على قولهم حدوث الحوادث بغير سبب حادث ~~وهذا أعظم مما أنكروه على المتكلمين من التسلسل PageV02P284 # فإن قيل فما الفرق بين هذا التسلسل وبين التسلسل في تمام تأثير معين بعد ~~معين # قيل الفرق بينها من وجوه # أحدها أن هؤلاء قد قالوا إنه مؤثر تام في الأزل والمؤثر التام مستلزم ~~أثره معه فيلزمكم أن لا يحدث عنه شيء بل تكون جميع الممكنات قديمة أزلية ~~وهذا باطل بالحس والمشاهدة # فادعوا امرين باطلين احدها انه كان مؤثر تاما في الأزل وأن المؤثر التام ~~يكون أثره معه في الزمان حتى يكون الأثر مقارنا للمؤثر في الزمان # فإن قيل إنه يتقدم عليه بالعلية وهذا بخلاف قول من قال لم يزل مؤثرا في ~~شيء بعد شيء فهذا لم يقل إنه كان مؤثرا في الأزل في شيء قط ولم يكن مؤثرا ~~تاما في الأزل قط # الثاني أنهم إن قالوا إن الأثر يجب أن يقارنه أثره في الزمان لزم أن لا ~~يحدث شيء وإن قالوا ms0398 بل الأثر يكون عقب المؤثر في الزمان لزم أن لا يكون معه ~~قديم وحينئذ فمن قال بهذا قال إنه لم يزل مؤثرا في شيء بعد شيء وكل ما سواه ~~حادث مسبوق بالعدم # الثالث أن هؤلاء يقولون كل حادث معين لا بد أن يحدث تمام تأثيره فيكون هو ~~حادثا عقب تمام التأثير فأي شيء كونه الله كان عقب PageV02P285 تكوين الرب ~~له كأجزاء الزمان والحركة التي توجد شيئا فشيئا فقوله تعالى @QB@ إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 فيكون الحادث عقب تكوين ~~الرب له كما يكون الإنكسار عقب التكسر والطلاق عقب التطليق فيلزم على هذا ~~حوادث متعاقبة شيئا بعد شيء # وهذا غير ممتنع عند من يقول بهذا من أئمة أهل الملل ومن الفلاسفة بخلاف ~~قول المتفلسفة ومن وافقهم على أن الأثر يكون مع المؤثر في الزمان كما قالوا ~~الفلك قديم بقدم علته وهو معه في الزمان # فهؤلاء إن قالوا بحدوث الحوادث بدون سبب حادث لزمهم المحذور الذي فروا ~~منه وأن قالوا بل عند كل حادث يحدث مع زمن حدوثه وحدوث تمام مؤثره لزم حدوث ~~حوادث لا تتناهى في آن واحد من غير تجدد شيء عن المؤثر الأزلي فلزمهم ~~التسلسل في تمام أصل التأثير لا في تأثير شيء معين وهو ممتنع مع قولهم ~~بحوادث لا تتناهى في آن واحد # وهم وسائر العقلاء يسلمون بطلان هذا وانما نازع فيه معمر صاحب المعاني ~~وقد ظهر بطلان ذلك فإنه تسلسل في أصل التأثير لا في تأثير المعينات فلزمهم ~~المحال الذي لزم أصحاب معمر ويلزمهم المحال والتناقض الذي اختصوا به وهو ~~قولهم بأن المؤثر مع PageV02P286 مؤثرة في الزمان مع كون الرب مؤثرا تاما ~~في الأزل فيلزمهم أن لا يحدث في العالم شيء # ومنها أن يقال التسلسل جائز على أصلكم فلا تكون الحجة برهانية بل تكون ~~جدلية وهي تلزمنا بتقدير صحتها أحد أمرين إما القول بالترجيح بلا مرجح وإما ~~القول بالتسلسل والا كنا قد تناقضنا في نفي هذا وهذا ولكن جواز التناقض ms0399 ~~علينا يقتضي بطلان أحد قولينا فلم قلتم إن قولنا الباطل هو نفي الترجيح بلا ~~مرجح مع اتفاقنا على بطلانه فقد يكون قولنا الباطل هو نفي التسلسل في ~~الآثار الذي نازعنا فيه من نازعنا من اخواننا المسلمين مع منازعتكم لنا في ~~ذلك واذا كان كذلك فالتزامنا لقول نوافق فيه اخواننا المسلمين وتوافقوننا ~~أنتم عليه وتبطل به حجتكم على قدم العالم أولى أن نلتزمه من قول يخالفنا ~~فيه هؤلاء وهؤلاء وتقوم به حجتكم على قدم العالم # الجواب الثالث الجواب المركب وهو أن يقال ان كان التسلسل في تمام التأثير ~~ممكنا بطلت الحجة فإنه يمكن حينئذ أن يحدث PageV02P287 كل ما سوى الله بأن ~~يحدث تمام تأثيره وإن كان ممتنعا لزم إما أن لا يحدث شيء وهو خلاف المشاهد ~~وإما أن تحدث الحوادث بدون سبب حادث وهو يبطل الحجة فبطلت الحجة على كل ~~تقدير # وان شئت قلت ان التسلسل في الآثار ان كان ممكنا بحيث يحدث شيئا بعد شيء ~~ولا يكون علة تامة في الأزل لزم حدوث كل ما سوى الله وبطلت الحجة وإن كان ~~ممتنعا لزم أيضا أن تحدث الحوادث عن المؤثر التام الأزلي فيلزم حدوث جميع ~~الحوادث عنه ولزم حينئذ حدوث العالم فتبطل حجة قدمه فالحجة باطلة على ~~التقديرين وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع $ # وأما قول عبد العزيز فقد ثبت أن ههنا إرادة ومريدا ومرادا وقولا وقائلا ~~ومقولا له وقدرة وقادرا ومقدورا عليه وذلك كله متقدم قبل الخلق فيحتمل ~~أمرين # أحدهما أنه أراد بالمراد المراد المتصور في علم الله وبالمقدور عليه ~~الثابت في علم الله وبالمقول له المخاطب الثابت في علم الله المخاطب خطاب ~~التكوين كما قال تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ~~@QE@ PageV02P288 سورة يس 82 وهذه معان ثابتة لله تعالى قبل وجود المخلوق ~~ولهذا اضطربت نفاة الصفات من المعتزلة وغيرهم في هذه الأمور فتارة يثبتونها ~~في الخارج وتارة ينفونها مطلقا ومن هنا غلط من قال المعدوم شيء فإنهم ظنوا ~~أنه لما كان ms0400 لا بد من تمييز ما يريده الله مما لا يريده ونحو ذلك توهموا أن ~~هذا يقتضي كون المعدوم ثابتا في الخارج وليس الأمر كذلك بل هي معلومة لله ~~تعالى ثابتة في علم الله تعالى # وضل آخرون في مقابلة هؤلاء كهشام الفوطي فإنه ذكر عنه الأشعري في ~~المقالات أنه كان يقول لم يزل الله عالما أنه واحد لا ثاني له ولا يقول إنه ~~لم يزل عالما بالأشياء أثبتها لم تزل مع الله وإذا قيل له أفتقول بأن الله ~~لم يزل عالما بأن ستكون الأشياء قال وضل آخرون في مقابلة هؤلاء كهشام ~~الفوطي فإنه ذكر عنه الأشعري في المقالات أنه كان يقول لم يزل الله عالما ~~أنه واحد لا ثاني له ولا يقول إنه لم يزل عالما بالأشياء وقال إذا قلت لم ~~يزل عالما بالأشياء أثبتها لم تزل مع الله وإذا قيل له أفتقول بأن الله لم ~~يزل عالما بأن ستكون الأشياء قال إذا قلت بأن ستكون فهذه إشارة إليها ولا ~~يجوز أن يشار إلا إلى موجود وكان لا يسمى ما لم يخلقه ولم يكن شيئا ~~PageV02P289 # والثاني أن يريد بذلك نفس الفعل المقدور المراد الذي يكون به المخلوق # وأما القول فهو المصدر كما تقدم والمقول هو الكلام فإن في إحدى النسختين ~~مقولا له وفي الأخرى ومقولا # وعلى هذا فقول عبد العزيز أن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لا يجد ~~سبيلا إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول لأن الله لا يكون مكانا ~~للحوادث ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقضا فيزيد فيه شيء إذا خلقه ~~تعالى الله عن ذلك مراده أنه لا يكون مكانا لما حدث مطلقا وهو ما حدث جنسه ~~كالكلام عند من يقول انه حادث الجنس فإنه يقول إن الله صار متكلما بعد أن ~~لم يكن متكلما فيكون جنس الكلام محدثا وكذلك إذ قيل أراد بعد آن لم يكن ~~مريدا فحدث جنس الإرادة وكذلك إذا قيل علم بعد أن لم يكن عالما فيكون جنس ~~العلم ms0401 حادثا وأمثال هذا فإن الله لا يكون مكانا لأجناس الحوادث # على هذا فيكون عبد العزيز قد ذكر على بطلان قول المريسي عدة حجج أنه لا ~~يكون مكانا للمخلوقات ولا يكون مكانا لما جنسه حادث ولا يكون ناقصا فيزيد ~~فيه شيء فهذه ثلاث حجج PageV02P290 # وهذا لا ينافي ما ذكره من أنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة وأن الفعل صفة ~~والله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع وأنه أحدث الأشياء بأمره وقوله عن ~~قدرته ونحو ذلك فإن هذا الفعل والقول المقدور الذي ليس هو مخلوقا منفصلا ~~عنه ليس جنسه محدثا عنده وإن كان الواحد من آحاده يكون بعد أن لم يكن ~~فالجنس لا يقال له حادث ولا محدث بل لم يزل الله موصوفا بذلك عنده ولهذا ~~قال ولا يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شيء إذا خلقه فإن ما ~~كان جنسه محدثا كان قد زادت به الذات وقد عرف أن المخلوق عنده ما كان ~~مسبوقا بفعله الذي خلق به وقوله وقدرته وأن المخلوق لا يكون إلا منفصلا عنه # فهذا الذي قاله عبد العزيز فيه رد على الكرامية ومن وافقهم في أنهم جوزوا ~~عليه أن يحدث له جنس الكلام ونحوه مما لم يكن موجودا فيه قبل ذلك وجوزوا أن ~~يحدث له جنس صفات الكمال ومتى قيل إنه لم يكن موصوفا بجنس من أجناس صفات ~~الكمال حتى حدث له لزم أن يكون قبل ذلك ناقصا عن صفة من صفات الكمال فلا ~~يكون متكلما بل يكون موصوفا قبل ذلك بعدم الكلام وهذا الذي قاله عبد العزيز ~~هو نظير قول الإمام أحمد وغيره من الأئمة # قال أحمد في رده على الجهمية باب ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم ~~موسى فقلنا لم أنكرتم ذلك قالوا إن الله PageV02P291 لم يتكلم ولا يتكلم ~~وإنما كون شيئا فعبر عن الله وخلق صوتا فأسمع وزعموا أن الكلام لا يكون إلا ~~من جوف ولسان وشفتين فقلنا هل يجوز لمكون أو غير الله أن يقول @QB@ يا موسى ~~إني ms0402 أنا ربك @QE@ سورة طه 12 أو يقول @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني وأقم الصلاة لذكري @QE@ سورة طه 14 فمن قال ذلك زعم أن غير الله ~~ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون شيئا كان يقول ذلك ~~المكون @QB@ يا موسى إني أنا الله رب العالمين @QE@ سورة القصص 30 وقد قال ~~جل ثناؤه @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ سورة النساء وقال تعالى @QB@ ~~ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه @QE@ سورة الأعراف 143 وقال تعالى @QB@ ~~إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي @QE@ سورة الأعراف 144 هذا منصوص ~~القرآن # فأما ما قالوا إن الله لا يتكلم فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن ~~عدي بن حاتم الطائي قال قال رسول الله PageV02P292 صلى الله عليه وسلم ما ~~منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان # وأما قولهم إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان وأدوات فقد ~~قال تعالى @QB@ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن @QE@ سورة الأنبياء 79 أتراها ~~أنها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا ~~@QB@ لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء @QE@ سورة فصلت 21 ~~أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان ولكن الله أنطقها كيف شاء وكذلك الله ~~يتكلم كيف شاء من غير أن نقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان فلما خنقته ~~الحجج قال إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره فقلنا وغيره مخلوق قالوا نعم ~~قلنا هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم PageV02P293 تدفعون عن أنفسكم الشنعة ~~وحديث الزهري قال لما سمع موسى كلام الله قال يا رب هذا الذي سمعته هو ~~كلامك قال نعم يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة ~~الألسن كلها وأنا أقوى من ذلك وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك ولو كلمتك ~~بأكثر من ذلك لمت فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك فقال ~~سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم قالوا فشبهه ms0403 قال هل سمعتم أصوات الصواعق ~~التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله # فقد ذكر أحمد في هذا الكلام أن الله تعالى يتكلم كيف شاء وذكر فيما ~~استشهد به من الأثر أن الله كلم موسى عليه السلام بقوة عشرة آلاف لسان وأن ~~له قوة الألسن كلها وهو أقوى من ذلك وأنه إنما كلم موسى على قدر ما يطيق ~~ولو كلمه بأكثر من ذلك لمات # وهذا بيان منه لكون تكلم الله متعلقا بمشيئته وقدرته كما ذكر عبد العزيز ~~وهو خلاف قول من يجعله كالحياة القديمة اللازمة للذات التي PageV02P294 لا ~~تتعلق بمشيئته ولا قدرة وبين أيضا في كلامه أنه سبحانه تكلم وسيتكلم ردا ~~على الجهمية واستدل على أنه تكلم بالحديث الذي في الصحيحين عن عدى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وجعل قوله ~~سيكلمه ربه دليلا على أنه سيتكلم فبين أن التكليم عنده مستلزم للتكليم ~~متضمن للتكلم ليس هو مجرد خلق إدراك في المستدل # وقال الإمام أحمد وقلنا للجهمية من القائل يوم القيامة @QB@ يا عيسى ابن ~~مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله @QE@ سورة المائدة 116 ~~أليس الله هو القائل قالوا يكون الله شيئا فيعبر عن الله كما كون شيئا فعبر ~~لموسى قلنا فمن القائل @QB@ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ~~فلنقصن عليهم بعلم @QE@ سورة الأعراف 67 أليس الله هو الذي يسأل قالوا هذا ~~كله إنما يكون شيء فيعبر عن الله فقلنا قد أعظمتم على الله الفرية حين ~~زعمتم أنه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله لأن الأصنام ~~لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان فلما PageV02P295 ظهرت عليه ~~الحجة قال إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا وكذلك بنو آدم كلامهم ~~مخلوق فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق ففي مذهبكم قد كان في ~~وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون ~~حتى خلق لهم ms0404 كلاما فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه الصفة بل ~~نقول إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق ~~كلاما ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علما فعلم ولا نقول إنه قد كان ~~ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه ~~نورا ولا نقول إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة # فقد بين أحمد في هذا الكلام الإنكار على النفاة الذين شبهوه بالجمادات ~~التي لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان مثل الأصنام المعبودة ~~من دون الله والإنكار على من زعم أنه كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى ~~خلق الكلام فشبهه بالآدمي الذي كان PageV02P296 لا يتكلم حتى خلق الله له ~~كلاما فأنكر تشبيه بالجماد الذي لا يتكلم وبالإنسان الذي كان غير قادر على ~~الكلام حتى خلق الله له الكلام فكان قادرا على الكلام في وقت دون وقت وبين ~~أن من وصف الله بذلك فقد جمع بين الكفر حيث سلب ربه صفة الكلام وهي من أعظم ~~صفات الكمال وجحد ما أخبرت به النصوص وبين التشبيه # ثم قال أحمد بل نقول إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا ~~يتكلم حتى خلق فبين أن الكلام يتعلق بمشيئته وأنه لم يزل متكلما إذا شاء ~~فرد قول من لا يجعل الكلام متعلقا بالمشيئة كقول الكلابية ومن وافقهم ومن ~~يقول كان ولا يتكلم حتى حدث له الكلام كقول الكرامية ونحوهم وقال لا نقول ~~إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما لا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علما ~~فعلم ولا نقول إنه كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ~~ولا نور له حتى خلق لنفسه PageV02P297 ولا نقول إنه كان ولا عظمة له حتى ~~خلق لنفسه عظمة فنزهه سبحانه عن سلب صفات الكمال في وقت ms0405 من الأوقات وإنا لا ~~نقول تجددت له صفات الكمال بل لم يزل موصوفا بصفات الكمال ومن صفات الكمال ~~أنه لم يزل متكلما إذا شاء لا أن يكون الكلام خارجا عن قدرته ومشيئته ولهذا ~~لم يقل لم يزل عالما إذا شاء ولا قال يعلم كيف شاء وقد قال في موضع آخر ~~فيما رواه عنه حنبل لم يزل اله عالما متكلما غفورا # وكلام أحمد وغيره من الأئمة في هذا الأصل كثير ليس هذا موضع بسطه مثل ما ~~ذكره البخاري في آخر صحيحه في كتاب التوحيد والرد على الجهمية قال باب ما ~~جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرهما من الخلائق وهو فعل الرب وأمره فالرب ~~تعالى بصفاته وفعله وأمره وفي نسخة وكلامه هو الخالق المكون غير ~~PageV02P298 مخلوق وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مكون ~~مخلوق # وقال بعد ذلك باب قول الله تعالى @QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له @QE@ إلى قوله @QB@ ماذا قال ربكم قالوا الحق @QE@ سورة سبأ 23 ولم ~~يقولوا ماذا خلق ربكم قال عز وجل @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ ~~سورة البقرة 255 وقال مسروق عن ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل ~~السماوات شيئا فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا @QB@ ~~ماذا قال ربكم قالوا الحق @QE@ سورة سبأ 23 ويذكر عن جابر بن عبد الله بن ~~أنيس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يحشر الله العباد فيناديهم بصوت ~~يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان وذكر حديث أبي هريرة ~~يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت ~~الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ماذا قال ربكم PageV02P299 قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير ~~وذكر حديث أبي سعيد الخدري قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله يا ~~آدم فيقول لبيك وسعديك فينادى بصوت إن اله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا ms0406 إلى ~~النار والحديث فيه طول استوفاه في موضع آخر # وقال بعد ذلك باب ما جاء في قول الله تعالى @QB@ كل يوم هو في شأن @QE@ ~~سورة الرحمن 29 وقال @QB@ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث @QE@ سورة ~~الأنبياء 2 وقوله تعالى @QB@ لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا @QE@ سورة الطلاق ~~1 وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير @QE@ سورة الشورى 11 وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة وقول ابن ~~PageV02P300 عباس كتابكم أحدث الأخبار بالرحمن عهدا محضا لم يشب # ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق ~~الناس نظرا وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول وأن ~~أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول ولهذا تأتلف ولا تختلف وتتوافق ولا ~~تتناقض والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة فلم يعرفوا ~~حقيقة المنصوص والمعقول فتشعبت بهم الطرق وصاروا مختلفين في الكتاب مخالفين ~~للكتاب وقد قال تعالى @QB@ وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ ~~سورة البقرة 176 ولهذا قال الإمام أحمد في أول خطبته فيما خرجه في الرد على ~~الزنادقة والجهمية الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من ~~أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على PageV02P301 الأذى يحيون ~~بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد ~~أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس ~~عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ~~الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مخالفون للكتاب مختلفون ~~في الكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب ~~الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون ~~عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين # ومن أعظم أصول التفريق بينهم في هذه المسألة مسألة ms0407 أفعال الله تعالى ~~وكلام الله ونحو ذلك مما يقوم بنفسه ويتعلق بمشيئته وقدرته فإن هذا الأصل ~~لما أنكره من أنكره من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ونحوهم وظنوا أنه لا ~~يمكن إثبات حدوث العالم واثبات الصانع إلا بإثبات حدوث الجسم ولا يمكن ~~إثبات حدوثه إلا بإثبات حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة ~~ألجأهم ذلك إلى أن ينفوا عن الله صفاته وأفعاله القائمة به المتعلقة ~~بمشيئته وقدرته أو ينفوا بعض ذلك وظنوا أن الإسلام لا يقوم إلا بهذا النفي ~~وأن الدهرية من PageV02P302 الفلاسفة وغيرهم لا يبطل قولهم إلا بهذا الطريق ~~وأخطأوا في هذا وهذا # أما الفلاسفة الدهرية فإن هذه الطريقة زادتهم إغراء وأوجبت لهم حجة عجز ~~هؤلاء عن دفعها إلا بالمكابرة التي لا تزيد الخصم إلا قوة وإغراء فقالوا ~~لهم كيف يحدث الحادث بلا سبب حادث وكيف تكون الذات حالها وفعلها وجميع ما ~~ينسب إليها واحدا من الأزل إلى الأبد والعالم يصدر عنها في وقت دون وقت من ~~غير فعل يقوم به ولا سبب حدث # فكان ما جعلوه أصلا للدين وشرطا في معرفة الله تعالى منافيا للدين ومانعا ~~من كمال معرفة الله وكان ما احتجوا به من الحجج العقلية هو في الحقيقة على ~~نقيض مطلوبهم أدل فالحوادث لا تحدث إلا بشرط جعلوه مانعا من الحدوث وأما ~~أمور الإسلام فإن هذا الأصل اضطرهم إلى نفي صفات الله تعالى لئلا تنتقض ~~الحجة ومن لم ينف الصفات نفى الأفعال القائمة به وغيرها مما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته فلزمهم من عدم الإيمان ببعض ما جاء به الرسول ومن جحد بعض ما يستحقه ~~الله تعالى من أسمائه وصفاته ما أوجب لهم من التناقض والارتياب ما تبين ~~لأولي الألباب فلم يعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه PageV02P303 ولا الجهاد ~~لعدو الله ورسوله حقه وقد قال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا @QE@ الآية سورة الحجرات 15 # هذا مع دعواهم أنهم أعظم علما وأيمانا وتحقيقا لأصول الدين وجهادا ~~لأعدائه بالحجج من الصحابة وإن هم في ذلك ms0408 إلا كبعض الملوك الذين لم يجاهدوا ~~العدو بل أخذوا منهم بعض البلاد ولا عدلوا في المسلمين العدل الذي شرعه ~~الله للعباد إذا ادعى أنه أمكن وأعدل من عمر بن الخطاب وأصحابه رضوان الله ~~عليهم # ثم إنهم بسبب ذلك تفرقوا في أصول كثيرة من أصول دينهم كتفرقهم في كلام ~~الله من القرآن وغيره فإنهم تفرقوا فيه شيعا شيعة قالت هو مخلوق وحقيقة ~~قولهم لم يتكلم الله به كما كان قدماؤهم يقولون لكن المعتزلة صاروا يطلقون ~~اللفظ بأن الله متكلم حقيقة ولكن مرادهم مراد من قال إن الله لم يتكلم ولا ~~يتكلم كما ذكره أحمد أنهم تارة ينفون الكلام وتارة يقولون يتكلم بكلام ~~مخلوق وهو معنى الأول # وهذا في الحقيقة تكذيب للرسل الذين إنما أخبروا الأمم بكلام الله الذي ~~أنزله إليهم وجاءت الفلاسفة القائلون بقدم العالم فقالوا أيضا متكلم وكلامه ~~ما يفيض من العقل الفعال على نفوس الأنبياء PageV02P304 وهذا قول من وافقهم ~~من القرامطة الباطنية ونحوهم ممن يتظاهر بالإسلام ويبطن مذهب الصابئة ~~والمجوس ونحو ذلك وهو قول طوائف من ملاحدة الصوفية كأصحاب وحدة الوجود ~~ونحوهم الذين أخذوا دين الصابئة والفراعنة والدهرية فأخرجوه في قالب ~~المكاشفات والولاية والتحقيق # والذين قالوا ليس هو مخلوق ظن فريق منهم أنه لا يقابل المخلوق إلا القديم ~~اللازم للذات الذي ثبوته بدون مشيئة الرب وقدرته كثبوت الذات فقالوا ذلك # ثم طائفة رأت أن الحروف والأصوات يمتنع أن تكون كذلك فقالت كلامه هو مجرد ~~معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر وأنه إن عبر عن ذلك المعنى بالعبرية كان ~~توراة وان عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا وان عبر عنه بالعربية كان قرآنا ~~فلزمهم أن تكون معاني القرآن هي معاني التوراة والإنجيل وان يكون الأمر هو ~~النهي وهو الخبر وان تكون هذه صفات له لا أنواعا له ونحو ذلك مما يعلم ~~فساده بصريح العقل # وطائفة قالت بل هو حروف وأصوات قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته وقدرته كما ~~قال الذين من قبلهم # واتفق الفريقان على أن تكليم الله لملائكته وتكليمه موسى وتكليمه ms0409 لعباده ~~يوم القيامة ومناداته لمن ناداه ونحو ذلك إنما هو خلق إدراك في PageV02P305 ~~المستمع أدرك به ما لم يزل موجودا كما أن تجليه عند من ينكر مباينته لعباده ~~وان يكشف لهم حجابا منفصلا عنهم ليس هو إلا خلق إدراك في أعينهم من غير أن ~~يكون هناك حجاب منفصل عنهم يكشفه لهم # وطائفة ثالثة لما رأت شناعة كل من القولين قالت بل يتكلم بعد أن لم يكن ~~يتكلم بصوت وحروف وكلامه حادث قائم بذاته متعلق بمشيئته وقدرته وأنكروا أن ~~يقال لم يزل متكلما إذا شاء إذ ذلك يقتضي تسلسل الحوادث وتعاقبها وهذا هو ~~الدليل الذي استدلوا به على حدوث أجسام العالم # فليتدبر المؤمن العالم كيف فرق هذا الكلام المحدث المبتدع بين الأمة ~~وألقى بينها العداوة والبغضاء مع أن كل طائفة تحتاج أن تضاهي من آمن ببعض ~~الكتاب وكفر ببعض إذ مع كل طائفة من الحق ما تنكره الأخرى فالذين قالوا ~~بخلق القرآن إنما ألقاهم في ذلك أنهم رأوا أنه لا يمكن أن يكون الكلام ~~لازما للذات لزوم العلم بل الكلام يتعلق بمشيئة المتكلم وقدرته فقالوا يكون ~~من صفات الفعل والمتكلم من فعل الكلام ثم لم يثبته فعلا إلا منفصلا ~~PageV02P306 عنه لنفيهم أن يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته وصار من ~~قابلهم يريد أن يثبت كلاما لازما للمتكلم لا يتعلق بمشيئته وقدرته إما معنى ~~وإما حروفا ويثبت أن المتكلم لا يقدر على التكلم ولا يمكنه أن يقول غير ما ~~قال ويسلب المتكلم قدرته على القول والكلام وتكلمه باختياره ومشيئته فإذا ~~قال له الأول المتكلم من فعل الكلام قال هو المتكلم من قام به الكلام ولكن ~~ذاك يقول لا يقوم الكلام بفاعله وهذا يقول لا يختار المتكلم أن يتكلم # فأخذ هذا بعض صفة الكلام وهذا بعضها والمتكلم المعروف من قام به الكلام ~~ومن يتكلم بمشيئته وقدرته ولهذا يوجد كثيرا من المتأخرين المصنفين في ~~المقالات والكلام يذكرون في أصل عظيم من أصول الإسلام الأقوال التي ~~يعرفونها # وأما القول المأثور عن السلف والأئمة الذي يجمع ms0410 الصحيح من كل قول فلا ~~يعرفونه ولا يعرفون قائله فالشهرستاني صنف الملل والنحل وذكر فيها من ~~مقالات الأمم ما شاء الله والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه ولم ~~يذكره والقاضي أبو بكر وأبو المعالي والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني وأبو ~~الحسين البصري ومحمد ابن الهيثم ونحو هؤلاء من أعيان الفضلاء المصنفين تجد ~~أحدهم يذكر في مسألة القرآن أو نحوها عدة أقوال للأمة ويختار واحدا منها ~~والقول الثابت عن السلف والأئمة كالإمام أحمد ونحوه من الأئمة لا يذكره ~~الواحد منهم مع أن PageV02P307 عامة المنتسبين إلى السنة من جميع الطوائف ~~يقولون انهم متبعون للأئمة كمالك والشافعي واحمد وابن المبارك وحماد بن زيد ~~وغيرهم لا سيما الإمام أحمد فإنه بسبب المحنة المشهورة من الجهمية له ~~ولغيره اظهر من السنة ورد من البدعة ما صار به إماما لمن بعده وقوله هو قول ~~سائر الأئمة فعامة المنتسبين إلى السنة يدعون متابعته والإقتداء به سواء ~~كانوا موافقين له في الفروع أو لا فإن أقوال الأئمة في أصول الدين متفقة ~~ولهذا كلما اشتهر الرجل بالانتساب إلى السنة كانت موافقته لأحمد أشد ولما ~~كان الأشعري ونحوه اقرب إلى السنة من طوائف من أهل الكلام كان انتسابه إلى ~~أحمد اكثر من غيره كما هو معروف في كتبه # وقد رأيت من اتباع الأئمة آبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد وغيرهم من يقول ~~أقوالا ويكفر من خالفها وتكون الأقوال المخالفة هي أقوال أئمتهم بعينها كما ~~أنهم كثيرا ما ينكرون أقوالا ويكفرون من يقولها وتكون منصوصة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لكثرة ما وقع من الإشتباه والاضطراب في هذا الباب ولئن شبه ~~الجهمية النفاة أثرت في قلوب كثير من الناس حتى صار الحق الذي جاء به ~~PageV02P308 الرسول وهو المطابق للمعقول لا يخطر ببالهم ولا يتصورونه وصار ~~في لوازم ذلك من العلم الدقيق ما لا يفهمه كثير من الناس والمعنى المفهوم ~~يعبر عنه بعبارات فيها إجمال وإبهام يقع بسببها نزاع وخصام والله تعالى ~~يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات @QB@ ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ms0411 سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم @QE@ سورة ~~الحشر 10 # وكان هذا من تلك البدع الكلامية كبدع الذين جعلوا اصل الدين مبنيا على ~~كلامهم في الأجسام والأعراض ولهذا كثر ذم السلف والأئمة لهؤلاء وإذا رأيت ~~الرجل قد صنف كتابا في أصول الدين ورد فيه من أقوال أهل الباطل ما شاء الله ~~ونصر فيه من أقوال أهل الحق ما شاء الله ومن عادته انه يستوعب الأقوال في ~~المسألة فيبطلها إلا واحدا ورأيته في مسألة كلام الرب تعالى وأفعاله أو نحو ~~ذلك ترك من الأقوال ما هو معروف عن السلف والأئمة تبين أن هذا القول لم يكن ~~يعرفه ليقبله أو يرده إما لأنه لم يخطر بباله أو لم يعرف قائلا به أو لأنه ~~خطر له فدفعه بشبهة من الشبهات وكثيرا ما يكون الحق مقسوما بين المتنازعين ~~في هذا الباب فيكون في قول هذا حق وباطل وفي قول هذا حق وباطل والحق بعضه ~~مع هذا وبعضه مع هذا وهو مع ثالث غيرها والعصمة إنما هي ثابتة لمجموع الأمة ~~ليست ثابتة لطائفة بعينها PageV02P309 فإذا رأيت من صنف في الكلام كصاحب ~~الإرشاد والمعتمد ومن اتبعهما ممن لم يذكروا في ذلك إلا أربعة أقوال وما ~~يتعلق بها علم أنه لم يبلغهم القول الخامس ولا السادس فضلا عن السابع ~~فالذين يسلكون طريقة ابن كلاب كصاحب الإرشاد ونحوه يذكرون قول المعتزلة ~~وقول الكرامية ويبطلونهما ثم لا يذكرون مع ذلك إلا ما يقولون فيه وذهبت ~~الحشوية المنتمون إلى الظاهر إلى أن كلام الله تعالى قديم أزلي ثم زعموا ~~أنه حروف وأصوات وقطعوا بأن المسموع من أصوات القراء ونغماتهم عين كلام ~~الله تعالى وأطلق الرعاع منهم القول بأن المسموع صوت الله تعالى الله عن ~~قولهم وهذا قياس جهالاتهم ثم قالوا إذا كتب كلام الله بجسم من الأجسام ~~رقوما ورسوما وأسطرا وكلما فهي بأعيانها كلام الله القديم فقد كان إذ كان ~~جسما حادثا ثم انقلب قديما ثم قضوا بأن المرئي من الأسطر هو الكلام القديم ms0412 ~~الذي هو PageV02P310 حرف وأصوات وأصلهم أن الأصوات على تقطيعها وتواليها ~~كانت ثابتة في الأزل قائمة بذات الباري تعالى وقواعد مذهبهم مبينة على دفع ~~الضرورات # فلم يذكر أبو المعالي الا هذا القول مع قول المعتزلة والكلابية والكرامية # ومعلوم أن هذا القول لا يقوله عاقل يتصور ما يقول ولا نعرف هذا القول عن ~~معروف بالعلم من المسلمين ولا رأينا هذا في شيء من كتب المسلمين ولا سمعناه ~~من أحد منهم فما سمعنا من أحد ولا رأينا في كتاب أحد أن المداد الحادث ~~انقلب قديما ولا أن المداد الذي يكتب به القرآن قديم بل رأينا عامة ~~المصنفين من أصحاب أحمد وغيرهم ينكرون هذا القول وينسبون ناقلة عن بعضهم ~~إلى الكذب # وأبو المعالي وأمثاله أجل من أن يتعمد الكذب لكن القول المحكي قد يسمع من ~~قائل لم يضبطه وقد يكون القائل نفسه لم يحرر قولهم بل يذكر كلاما مجملا ~~يتناول النقيضين ولا يميز فيه بين لوازم أحدهما ولوازم الآخر فيحكيه الحاكي ~~مفصلا ولا يجمله إجمال القائل ثم اذا فصله يذكر لوازم أحدهما دون ما ~~يعارضها ويناقضها مع اشتمال الكلام على النوعين المتناقضين أو احتماله لهما ~~أيضا وقد يحكيه الحاكي باللوازم التي لم يلتزمها القائل نفسه وما كل من قال ~~قولا التزم لوازمه بل عامة الخلق لا يلتزمون لوازم أقوالهم فالحاكي يجعل ما ~~PageV02P311 يظنه من لوازم قوله هو أيضا من قوله لا سيما اذا لم ينف القائل ~~ما يظنه الحاكي لازما فإنه يجعله قولا له بطريق الأولى # ولا ريب أن من الناس من يقول هذا القرآن كلام الله وما بين اللوحين كلام ~~الله ويقول إن كلام الله محفوظ في القلوب متلو بالألسن مسموع بالآذان مكتوب ~~في المصاحف وهذا الإطلاق حق متفق عليه بين المسلمين ثم من هؤلاء من إذا سئل ~~عن المداد وصوت العبد أقديم هو أنكر ذلك وربما سكت عن ذلك وكره الكلام فيه ~~بنفي أو اثبات خشية أن يجره ذلك إلى بدعة مع أنه لو سمع من يقول إن المداد ~~قديم ألزمه العقوبة ms0413 به والعذاب الأليم # وأما صوت العبد فقد تكلم فيه طائفة من المنتسبين إلى الأئمة كالشافعي ~~وأحمد وغيرهما فمنهم من قال إن الصوت المسموع قديم ومنهم من يقول يسمع ~~شيئين الصوت القديم والمحدث وهذا خطأ في العقل الصريح وهو بدعة وقول قبيح # والإمام أحمد وجماهير أصحابه منكرون لما هو أخف من ذلك فإن أحمد وأئمة ~~أصحابه قد أنكروا على من قال اللفظ بالقرآن غير مخلوق فكيف بمن قال اللفظ ~~به قديم فكيف بمن قال PageV02P312 الصوت غير مخلوق فكيف بمن قال الصوت قديم ~~وقد بدعوا هؤلاء وأمروا بهجرهم وقد صنف المروذي في ذلك مصنفا كبيرا ذكره ~~الخلال في كتاب السنة كما جهموا وبدعوا من قال اللفظ به مخلوق أيضا كما بين ~~في موضعه # إذ المقصود هنا أن من أكابر الفضلاء من لا يعرف أقوال الأئمة في أكابر ~~المسائل لا أقوال أهل الحق ولا أهل الباطل بل لم يعرف الا بعض الأقوال ~~المبتدعة في الإسلام ومن المعلوم أن السلف والأئمة كان لهم قول ليس هو قول ~~المعتزلة ولا الكلابية ولا الكرامية ولا هو قول المسلمين بالحشوية فأين ذلك ~~القول أكان أفضل الأمة وأعلمها وخير قرونها لا يعلمون في هذا حقا ولا باطلا # ومعلوم أن كل قول من هذه الأقوال فاسد من وجوه وقد يكون بعضها أفسد من ~~بعض فقول المعتزلة الذين قالوا إن كلام الله مخلوق وإن كان فاسدا من وجوه ~~فقول الكلابية فاسد من وجوه وقول الكرامية فاسد من وجوه # والإمام أحمد وغيره من الأئمة أنكروا هذه الأقوال كلها أنكروا قول ~~الكلابية والكرامية بالنصوص الثابتة عنهم وإنكارهم لقول المعتزلة متواتر ~~مستفيض عنهم وأنكروا على من جعل ألفاظ العباد بالقرآن غير مخلوقة ~~PageV02P313 فكيف بالقول المنسوب إلى هؤلاء الحشوية ولهذا لما كان أبو حامد ~~مستمدا من كلام أبي المعالي وأمثاله وأراد الرد على الفلاسفة في التهافت ~~ذكر أنه يقابلهم بكلام المعتزلة تارة وبكلام الكرامية تارة وبكلام الواقفة ~~تارة كما يكلمهم بكلام الأشعرية وصار في البحث معهم إلى مواقف غايته فيها ~~بيان تناقضهم وإذا ألزموه ms0414 تناقضه فر إلى الوقف # ومن المعلوم أنه لا بد في كل مسألة دائرة بين النفي والإثبات من حق ثابت ~~في نفس الأمر أو تفصيل ومن المعلوم أن كلام الفلاسفة المخالف لدين الإسلام ~~لا بد أن يناقضه حق معلوم من دين الإسلام موافق لصريح العقل فإن الرسل ~~صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بمحالات العقول وإنما يخبرون بمجازات ~~العقول وما يعلم بصريح العقل انتفاؤه لا يجوز أن يخبر به الرسل بل تخبر بما ~~لا يعلمه العقل وبما يعجز العقل عن معرفته # ومن المعلوم أن السلف والأئمة لهم قول خارج عن قول المعتزلة والكرامية ~~والأشعرية والواقفة ومن علم ذلك القول فلا بد أن يحكيه ويناظرهم به كما ~~يناظرهم بقول المعتزلة وغيرهم لكن من لم يكن عارفا بآثار السلف وحقائق ~~أقوالهم وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة PageV02P314 وحقيقة المعقول الصريح ~~الذي لا يتصور أن يناقض ذلك لم يمكنه أن يقول الا بمبلغ علمه ولا يكلف الله ~~نفسا الا وسعها # ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل ~~العملية ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل ~~وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم ~~فالفاضل المجتهد في طلب العمل بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان ~~مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على ~~اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأه تحقيقا لقوله تعالى @QB@ ربنا لا تؤاخذنا ~~إن نسينا أو أخطأنا @QE@ سورة البقرة 286 # والشهرستاني لما كان أعلم بالمقالات من إخوانه ذكر في مسألة الكلام قولا ~~سادسا وظن أنه قول السلف فقال في نهاية الإقدام بعد أن ذكر قول الفلاسفة ~~والمعتزلة والأشعرية والكرامية وأن المعتزلة لما قالت أجمع المسلمون قبل ~~ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام الله واتفقوا على أنه سور وآيات وحروف ~~منظومة وكلمات مجموعة وهي مقروءة مسموعة على التحقيق لها PageV02P315 مفتتح ~~ومختتم وأنه معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم دالة ms0415 على صدقة وأن الأشعرية ~~تفرق بين اللفظ والمعنى وتثبت معنى هو مدلول اللفظ ثم قال قال السلف ~~والحنابلة قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله وأن ما نقرؤه ~~ونكتبه ونسمعه عين كلام الله فيجب أن تكون تلك الكلمات والحروف هي بعينها ~~كلام الله ولما تقرر الاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق فيجب أن تكون تلك ~~الكلمات أزلية غير مخلوقة # ولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين أحدهما القدم والثاني الحدوث ~~والقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة والآيات المقروءة بالألسن فصار الآن ~~قول ثالث وهو حدوث الحروف والكلمات وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه ~~العبارات وقدحتم قدحا ليس منها وهو خلاف القولين فكانت السلف على اثبات ~~القدم والأزلية لهذه PageV02P316 الكلمات دون التعرض لمعنى وراءها فأبدع ~~الأشعري قولا وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع وحكم بأن ما نقرأه كلام ~~الله مجازا لا حقيقة وهو عين الإبتداع فهلا قال ورد السمع بأن ما نقرأه ~~ونكتبه كلام الله دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته كما ورد السمع بإثبات كثير ~~من الصفات من الوجه واليدين إلى غير ذلك من الصفات الخبرية # قال قال السلف ولا يظن بنا أنا نثبت القدم للحروف والأصوات التي قامت ~~بألسنتنا وصارت صفات لنا فإنا على قطع نعلم افتتاحها واختتامها وتعلقها ~~بأكسابنا وأفعالنا وقد بذل السلف أرواحهم وصبروا على أنواع البلايا والمحن ~~من معتزلة الزمان دون أن يقولوا القرآن مخلوق ولم يكن ذلك على حروف وأصوات ~~هي افعالنا وأكسابنا بل هم عرفوا يقينا أن لله تعالى قولا PageV02P317 ~~وكلاما وأمرا وأن أمره غير خلقه بل هو أزلي قديم بقدمه # كما ورد القرآن بذلك في قوله تعالى @QB@ ألا له الخلق والأمر @QE@ سورة ~~الأعراف 54 وقوله تعالى @QB@ لله الأمر من قبل ومن بعد @QE@ سورة الروم 4 ~~وقوله تعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون @QE@ ~~سورة النحل 40 فالكائنات كلها إنما تتكون بقوله وأمره وقوله تعالى @QB@ ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس ms0416 82 وقوله تعالى ~~@QB@ وإذ قال ربك @QE@ سورة البقرة 30 @QB@ وإذ قلنا للملائكة @QE@ سورة ~~البقرة 34 @QB@ قال الله @QE@ سورة المائدة 115 فالقول قد ورد في السمع ~~مضافا إلى الله اخص من إضافة الخلق فإن المخلوق لا ينسب إلى الله تعالى الا ~~من جهة واحدة وهي الخلق والإبداع والأمر ينسب اليه لا على تلك النسبة والا ~~فيرتفع الفرق بين الخلق والأمر والخلقيات والأمريات # قالوا ومن جهة العقل العاقل يجد فرقا ضروريا بين قال وفعل وبين أمر وخلق ~~ولو كان القول فعلا كسائر الأفعال بطل الفرق الضروري فثبت أن القول غير ~~الفعل وهو قبل PageV02P318 الفعل وقبليته قبلية أزلية إذ لو كان له أول ~~لكان فعلا سبقه قول آخر ويتسلسل # قال وحققوا زيادة تحقيق فقالوا قد ورد في التنزيل اظهر مما ذكرناه من ~~الأمر وهو التعرض لإثبات كلمات الله حيث قال تعالى @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته @QE@ سورة الأنعام 115 وقال @QB@ ولولا كلمة سبقت من ~~ربك @QE@ سورة يونس 19 وقال تعالى @QB@ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي @QE@ سورة الكهف 109 وقال تعالى @QB@ ولو ~~أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله @QE@ سورة لقمان 27 وقال تعالى @QB@ ولكن حق القول مني @QE@ سورة ~~السجدة 13 وقال @QB@ ولكن حقت كلمة العذاب @QE@ سورة الزمر 71 فتارة يجيء ~~الكلام بلفظ الأمر وتثبت له الوحدة الخالقية التي لا كثرة فيها @QB@ وما ~~أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر @QE@ سورة القمر 50 وتارة يجيء بلفظ الكلمات ~~وتثبت لها الكثرة البالغ التي لا وحدة فيها ولا نهاية لها @QB@ ما نفدت ~~كلمات الله @QE@ فله تعالى إذا أمر واحد وكلمات كثيرة وذلك لا يتصور الا ~~بحروف PageV02P319 فعن هذا قلنا أمره قديم وكلماته أزلية والكلمات مظاهر ~~الأمر والروحانيات مظاهر الكلمات والأجسام مظاهر الروحانيات والإبداع ~~والخلق إنما يبتدي من الأرواح والأجسام وأما الكلمات والحروف والأمر فأزلية ~~قديمة وكما أن أمره لا يشبه أمرنا فكلماته وحروف كلماته لا تشبه كلامنا ms0417 وهي ~~حروف قدسية علوية وكما أن الحروف بسائط الكلمات والكلمات اسباب الروحانيات ~~والروحانيات مدبرات الجسمانيات وكل الكون قائم بكلمات الله محفوظ بأمر الله # قال ولا يغفلن عاقل عن مذهب السلف وظهور القول في حدوث الحروف فإن له ~~شأنا وهم يسلمون الفرق بين القراءة والمقروء والكتابة والمكتوب ويحكمون بأن ~~القراءة التي هي PageV02P320 صفتنا وفعلنا غير المقروء الذي ليس هو صفة لنا ~~ولا فعلنا غير أن المقروء بالقراءة قصص وأخبار واحكام وأمر وليس المقروء من ~~قصة آدم وابليس هو بعينه المقروء من قصة موسى وفرعون وليست أحكام الشرائع ~~الماضية هي بعينها أحكام الشرائع الخاتمة فلا بد إذا من كلمات تصدر عن كلمة ~~وترد على كلمة ولا بد من حروف تتركب منها الكلمات وتلك الحروف لا تشبه ~~حروفنا وتلك الكلمات لا تشبه كلامنا # قلت فهذا القول الذي ذكره الشهرستاني وحكاه عن السلف والحنابلة ليس هو من ~~الأقوال التي ذكرها صاحب الإرشاد واتباعه فإن أولئك لم يحكوا الا قول من ~~يجعل القديم عين صوت العبد والمداد وهذا القول لا يعرف به قائل له قول أو ~~مصنف في الإسلام وأما القول الذي ذكره الشهرستاني فقال به طائفة كبيرة وهو ~~أحد القولين لمتأخري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم من الطوائف وهو ~~المذكور عن أبي الحسن بن سالم وأصحابه السالمية وقد قاله طائفة PageV02P321 ~~غير هؤلاء كما ذكر ذلك الأشعري في كتاب المقالات لما ذكر كلام ابن كلاب ~~فقال قال ابن كلاب إن الله لم يزل متكلما وإن كلامه صفة له قائمة به وإنه ~~قديم بكلامه وإن كلامه قائم به كما أن العلم قائم به والقدرة قائمة به وإن ~~الكلام ليس بحروف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض وإنه معنى واحد ~~قائم بالله # قال وقال بعض من أنكر خلق القرآن إن القرآن يسمع ويكتب وإنه متغاير غير ~~مخلوق وكذلك العلم غير القدرة والقدرة غير العلم وان الله لا يجوز أن يكون ~~غير صفاته وصفاته متغايره وهو غير متغاير # قال وزعم هؤلاء أن الكلام غير محدث وأن ms0418 الله لم PageV02P322 يزل متكلما ~~وأنه مع ذلك حروف وأصوات وأن هذه الحروف الكثيرة لم يزل الله متكلما بها # قلت فبعض هذا القول الذي ذكره الشهرستاني عن السلف منقول بعينه عن السلف ~~مثل إنكارهم على من زعم أن الله خلق الحروف وعلى من زعم أن الله لا يتكلم ~~بصوت ومثل تفريقهم بين صوت القارىء وبين الصوت الذي يسمع من الله ونحو ذلك ~~فهذا كله موجود عن السلف والأئمة وبعض ما ذكره من هذا القول ليس هو معروفا ~~عن السلف والأئمة مثل إثبات القدم والأزلية لعين اللفظ المؤلف المعين ولكن ~~القول الذي أطبقوا عليه هو أن كلام الله غير مخلوق ولكن الناس تنازعوا في ~~مرادهم بذلك والنزاع في ذلك موجود في عامة الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم ~~كما هو مبسوط في غير هذا الموضع # والنزاع في ذلك مبني على هذا الأصل وهو كون قوله مع أنه غير مخلوق ومع ~~أنه قائم به ومع أنه لم يزل متكلما هل يتعلق بقدرته ومشيئته أم لا فهذا ~~القول السابع لم يذكره الشهرستاني ونحوه إذ الأقوال المعروفة للناس في ~~مسألة الكلام سبعة أقوال PageV02P323 # والمقصود هنا أن أبا عبد الله الرازي في أكثر كتبه لم يبن مسألة القرآن ~~على الطريقة المعروفة للأشعري وهو أنه يمتنع أن يحدث في نفسه كلام لكونه ~~ليس محلا للحوادث وذلك لأنه قد ضعف ها الأصل فلم يمكنه أن يبني عليه بل ~~أثبت ذلك بإجماع مركب فقرر أن الكلام له معنى غير العلم والإرادة خلافا ~~للمعتزلة ونحوهم وإذا كان كذلك فكل من قال بذلك قال إنه معنى واحد قديم ~~قائم بذات الله تعالى فلو لم يقل بذلك لكان خلاف الإجماع فهذا هو العمدة ~~التي اعتمد عليها في نهاية العقول وهو ضعيف فإن الأقوال في المسألة متعددة ~~غير قول المعتزلة والكلابية # وكان من الممكن أن يقال له إن ثبت أنه لا يقوم بالله ما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته أمكن أن يجعل كلام الله قديما بالطريقة المعروفة فإنه يمتنع أن ~~يحدثه قائما في نفسه أو في ms0419 محل آخر فإذا امتنع حدوثه في نفسه تعين قدمه وإن ~~لم يثبت ذلك بل أمكن أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته أمكن هنا قول ~~الكرامية وقول أهل الحديث الذين يقولون إنه قول السلف والأئمة فلم يتعين ~~قول الكلابية فذكر في نهاية العقول ما جرت عادته وغيره بذكره وهو أن معنى ~~الكلام إما أن يكون هو الإرادة والعلم وإما أن يكون الطلب مغايرا للإرادة ~~والحكم الذهني مغايرا للعلم والأول باطل لأن PageV02P324 الإنسان في الشاهد ~~قد يخبر بما لا يعلمه ولا يعتقده وقد يأمر بأمر لا يريده كالسيد إذا كان ~~قصده امتحان العبد # قال وإذا ثبت ذلك في الشاهد ثبت في الغائب لانعقاد الإجماع على أن ماهية ~~الخبر لا تختلف في الشاهد والغائب # قال فثبت أن أمر الله ونهيه وخبره صفات حقيقية قائمة بذاته مغايرة لذاته ~~وعلمه وأن الألفاظ الواردة في الكتب الإلهية دالة عليها وإذا ثبت ذلك وجب ~~القطع بقدمها لأن الأمة على قولين في هذه المسألة منهم من نفى كون الله ~~موصوفا بالأمر والنهي والخبر بهذا المعنى ومنهم من اثبت ذلك وكل من أثبته ~~موصوفا بهذه الصفات زعم أن هذه الصفات قديمة فلو أثبتنا كونه تعالى موصوفا ~~بهذه الصفات ثم حكمنا بحدوث هذه الصفات كان ذلك قولا ثالثا خارقا للإجماع ~~وهو باطل PageV02P325 وأورد على نفسه أسئلة منها قول القائل لم قلتم إن تلك ~~المعاني قديمة قولكم كل من أثبت تلك المعاني أثبتها قديمة قلنا القول في ~~إثباتها مسألة والقول في قدمها مسألة أخرى فلو لزم من ثبوت إحدى المسألتين ~~ثبوت الأخرى لزم من إثبات كونه تعالى عالما بعلم قديم إثبات كونه تعالى ~~متكلما بكلام قديم وإن سلمنا أن هذا النوع من الإجماع يقتضي قدم كلام الله ~~لكنه معارض بنوع آخر من الإجماع وهو أن أحدا من الأمة لم يثبت قدم كلام ~~الله بالطريق الذي ذكرتموه فيكون التمسك بما ذكرتموه خرقا للإجماع # وذكر في جواب ذلك قوله لو لزم من إثبات هذه الصفة إثبات قدمها لأن كل من ~~قال بالأول ms0420 قال بالثاني لزم من القول بإثبات العلم القديم إثبات الكلام ~~القديم لأن كل من قال بالأول قال بالثاني قلنا الفرق بين الموضعين مذكور في ~~المحصول PageV02P326 فإن المعتزلة يساعدوننا على الفرق بين الموضعين فلا ~~نطول قوله إثبات قدم كلام الله بهذه الطريق على خلاف الإجماع قلنا قد بينا ~~في كتاب المحصول أن أحداث دليل لم يذكره أهل الإجماع لا يكون خرقا للإجماع # قلت المقصود أن يعرف أنه عدل عن الطريقة المشهورة وهو أنه لو أحدثه في ~~نفسه لكان محلا للحوادث مع أنها عمدة ابن كلاب والأشعري ومن اتبعهما لضعف ~~هذا الأصل عنده ولو أعتقد صحته لكان ذلك كافيا مغنيا له عن هذه الطريقة ~~التي أحدثها # وليس المقصود هنا الكلام في مسألة القرآن فإن هذا مبسوط في مواضعه وإنما ~~الغرض التنبيه على اعتراف الفضلاء بأن هذا الأصل ضعيف وأما ضعف ما اعتمده ~~في مسألة القرآن فمبين في موضع آخر فإن إثبات المقدمة الأولى فيها كلام ليس ~~هذا موضعه إذ كانت العمدة فيه على أمر الممتحن وخبر الكاذب والمنازع يقول ~~هذا اظهار للأمر والخبر والا فهو في نفس الأمر لم يدل الخبر هنا على معنى ~~في النفس ولهذا يقول الله تعالى عن الكاذبين إنهم @QB@ يقولون بألسنتهم ما ~~ليس في قلوبهم @QE@ PageV02P327 سورة الفتح 11 فهم ينازعون في أن الكاذب ~~قام بنفسه حكم أو دل لفظه على معنى في نفسه بل أظهر الدلالة على معنى في ~~نفسه كذبا # وأما المقدمة الثانية فضعيفة وذلك أنه يقال هب أن هذا ثبت لكن لم لا يجوز ~~أن يتكلم بحروف ومعان قائمة في ذاته حادثة وهذا القول قول طوائف من ~~المسلمين فليس هو خلاف الإجماع فإن أبطل هذا بقوله ليس هو محلا للحوادث قيل ~~فهذا إن صح فهو دليل كاف كما سلكه من سلكه من الناس وإن لم يصح بطلت ~~الدلالة فتبين أنه لا بد في إثبات قدمه من هذه المقدمة # وأما قوله كل من أثبت اتصاف الله بهذه المعاني فإنه يقول بقدمها فليس ~~الأمر كذلك بل كثير من ms0421 أهل الحديث وأهل الكلام يثبتونها ولا يقولون بقدمها # وأما الفرق الذي ذكره في المحصول فهو أن الأمة إذا اختلفت في مسألتين على ~~قولين فإن كان مأخذهما واحدا كتنازعهم في الرد وذوي الأرحام لم يكن لمن ~~بعدهم إحداث موافقة هؤلاء في مسألة وهؤلاء في مسألة وإن كان المأخذ مختلفا ~~كتنازعهم في الشفعة وميراث ذوي الأرحام جاز موافقة هؤلاء في مسألة وهؤلاء ~~في مسألة فظن أن قدم PageV02P328 الكلام مع إثبات هذه المعاني من هذا الباب ~~وليس الأمر كذلك فإن مأخذ إثبات هذه المعاني ليس هو مأخذ القدم فإن القدم ~~مبني على مسألة الصفات وعلى أنه هل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته وأما ~~إثبات هذه المعاني فمسألة أخرى # والناس لهم في مسمى الكلام أربعة أقوال أحدها أنه اللفظ الدال على المعنى ~~والثاني أنه المعنى المدلول عليه باللفظ والثالث أنه مقول بالإشتراك على كل ~~منهما والرابع أنه اسم لمجموعهما وإن كان مع القرينة يراد به أحدهما وهذا ~~قول الأئمة وجمهور الناس وحينئذ فمن أثبت هذه المعاني وقال إن اسم الكلام ~~يتناولهما بالعموم أو الاشتراك يمكنه اثبات قيام اللفظ والمعنى جميعا ~~بالذات # ثم من جوز تعلق ذلك بمشيئته وقدرته يمكنه أن لا يقول بالقدم أو لا يقول ~~بالقدم في الكلام المعين وإن قال بالقدم في نوع الكلام ومن لم يجوز ذلك ~~فمنهم طائفة يقولون بقدم الحروف وطائفة تقول بقدم المعاني دون الحروف وما ~~به يستدل أولئك على حدوث الحروف كالتعاقب والمحل يعارضونهم بمثله في ~~المعاني فإنها بالنسبة إلينا متعاقبة ولها محل لا يليق بالله تعالى فإن ~~PageV02P329 جاز أن تجعل فينا متعددة مع اتحادها في حق الله تعالى وأن ~~محلها من ليس كمحلها منا أمكن أن يقال في الحروف كذلك إنها وإن تعددت فينا ~~فهي متحدة هناك وليس المحل كالمحل وإذا قيل هي مرتبة فينا قيل فكذلك ~~المعاني مرتبة فينا فترتيب أحدهما كترتيب الآخر وإذا قيل دعوى اتحادهما ~~مخالف لصريح العقل قيل وكذلك دعوى اتحاد المعاني فكلام هؤلاء من جنس كلام ~~هؤلاء # والمقصود هنا الكلام ms0422 على هذا الأصل وهي مسألة الصفات الاختيارية كالأفعال ~~ونحوها مما يقوم به ويتعلق بمشيئته وقدرته # وأما قول القائل الجمهور على خلاف ذلك وإنما الخلاف فيه مع الكرامية فهذا ~~قول من ظن أن طوائف المسلمين منحصرة في المعتزلة والكلابية والكرامية بل ~~أكثر طوائف المسلمين يجوزون ذلك من أهل الكلام وأهل الحديث والفقهاء ~~والصوفية وغيرهم وأما أئمة أهل الحديث والسنة فكالمجمعين على ذلك فكلام من ~~يعرف كلامه في PageV02P330 ذلك صريح فيه والباقون معظمون لمن قال ذلك ~~شاهدون له بأنه إمام في السنة والحديث لا ينسبونه إلى بدعة # وأما متأخرو أهل الحديث فلهم فيها قولان ولأصحاب أحمد قولان ولأصحاب ~~الشافعي قولان ولأصحاب مالك قولان ولأصحاب أبي حنيفة قولان وللصوفية قولان ~~وجمهور أهل التفسير على الإثبات # وأما أهل الكلام فقد ذكر الأشعري هذا في كتاب المقالات عن غير واحد من ~~أئمة الكلام غير الكرامية ولم يذكر للكرامية شيئا انفردوا به الا قولهم في ~~الإيمان بل ذكر عن هشام بن الحكم وغيره من الشيعة أنهم يصفونه بالحركة ~~والسكون ونحو ذلك وأن عامة القدماء من الشيعة كانوا يقولون بالتجسيم أعظم ~~من قول الكرامية وأن المتأخرين منهم هم الذين قالوا في التوحيد بقول ~~المعتزلة بل ذكر عنهم تجدد الصفات من العلم والسمع والبصر والناس قد حكوا ~~عن هشام والجهم أنهما يقولان بحدوث العلم وهذا رأس المعطلة وهذا رأس الشيعة ~~لكن جهم كان يقول بحدوث العلم في غير ذاته وهشام يقول بحدوثه في ذاته وحكى ~~الأشعري تجدد العلم له عن جمهور PageV02P331 الإمامية وحكى عنهم إثبات ~~الحركة له وأن كلهم يقولون بذلك إلا شرذمة منهم وذكر عن هشام بن الحكم ~~وهشام بن الجواليقي وأبي مالك الحضرمي وعلي بن ميثم وغيرهم أنهم يقولون ~~غرادته حركة وهل يقال إنها غيره أم لا على قولين لهم وذكر عن طائفة أنهم ~~يقولون يعلم الأشياء قبل كونها الا أعمال العباد فإنه لا يعلمها إلا في حال ~~كونها وهذا قول غلاة القدرية كمعبد الجهني وأمثاله وهو أحد قولي عمرو بن ~~عبيد وذكر عن زهير الأثري ms0423 أنه كان يقول إن الله ليس بجسم ولا محدود ولا ~~يجوز عليه الحلول والمماسة ويزعم أن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال ~~PageV02P332 تعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ سورة الفجر 22 ويزعم ~~أن القرآن كلام الله محدث غير مخلوق # قال وكان أبو معاذ التومني يوافق زهيرا في أكثر قوله ويخالفه في القرآن ~~ويزعم أن كلام الله حدث غير محدث ولا مخلوق وهو قائم بالله لا في مكان ~~وكذلك قوله في محبته وإرادته أيضا # قال زهير كلام الله حدث وليس بمحدث وفعل وليس بمفعول وامتنع أن يزعم أنه ~~خلق ويقول ليس بخلق ولا مخلوق وإنه قائم بالله ومحال أن يتكلم الله بكلام ~~قائم بغيره كما يستحيل أن يتحرك بحركة قائمة بغيره وكذلك يقول في إرادة ~~الله ومحبته وبغضه إن ذلك أجمع قائم بالله # قال الأشعري وبلغني عن بعض المتفقهة أنه كان يقول إن الله لم يزل متكلما ~~بمعنى أنه يزل قادرا على الكلام ويقول إن كلام الله محدث غير مخلوق قال ~~وهذا قول داود الأصبهاني قال وكل القائلين بأن القرآن غير مخلوق كنحو عبد ~~الله بن كلاب PageV02P333 ومن قال إنه محدث كنحو زهير ومن قال إنه حدث كنحو ~~أبي معاذ التومني يقولون إن القرآن ليس بجسم ولا عرض # وأما الحجة التي احتج بها الرازي للنفاة فهي أيضا ضعيفة من وجوه # احدها أن المقدمة التي اعتمد عليها فيها قوله إن الخالي عن الكمال الذي ~~يمكن الاتصاف به ناقص # فيقال معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل كما لا ~~يمكن وجودها في الأزل فإن ما كان وجوده مشروطا بحادث سابق له امتنع إمكان ~~وجوده قبل وجود شرطه وعلى هذا فالخلو عن هذه في الأزل لا يكون خلوا عما ~~يمكن الاتصاف به والخالي عما لا يمكن اتصافه به ليس بناقص # الوجه الثاني أن يقال هو لم يثبت امتناع ما ذكره من النقص بدليل عقلي ولا ~~بنص كتاب ولا سنة بل إنما أثبته بما ادعاه من الإجماع وهذه طريقته وطريقة ~~أبي ms0424 المعالي قبله ومن وافقهم يقولون إن امتناع النقص على الله تعالى إنما ~~علم بالإجماع لا بالنص ولا بالعقل وإذا كان كذلك فمعلوم أن المنازعين في ~~اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسائل النزاع ~~PageV02P334 # فإن قال هؤلاء وافقونا على امتناع النقص عليه وإنما نازعونا في كون ذلك ~~نقصا # قيل له إما أن يكونوا وافقوا على إطلاق اللفظ وإما أن يكونوا وافقوا على ~~معانيه # فإن وافقوا على إطلاق القول بأنه سبحانه منزه عن النقص وقالوا ليس هذا من ~~النقص لم يكن مورد النزاع داخلا فيما عنوه بلفظ النقص ومعلوم أن الإجماع ~~حينئذ لا يكون حاصلا على المعنى المتنازع فيه ولكن على لفظ لم يدخل فيه هذا ~~المعنى عند بعض أهل الإجماع ومثل هذا لا يكون حجة في المعنى ولكن غايته إذا ~~قام الدليل على أن هذا يسمى في اللغة نقصا أن يكونوا لم يعبروا باللفظ ~~اللغوي وهذا بتقدير أن لا يكون له مساغ في اللغة إنما فيه خطأ لغوي فكيف ~~إذا كانت هذه المقدمات غير مسلمة لهم في اللغة أيضا ومثل هذا ليس بحجة على ~~المعنى المتنازع فيه وإنما يكون حجة لفظية لو صحت مقدماته فلا يحصل بها ~~المقصود # وإن كانوا وافقوا على نفي المعاني التي يعبر عنها بلفظ النقص فمعلوم أن ~~المعنى المتنازع فيه لم يوافقوهم عليه فتبين أن مورد النزاع لا إجماع على ~~نفيه قطعا فلا يجوز الاحتجاج على نفيه بالإجماع PageV02P335 # الوجه الثالث أن يقال إن قول القائل إن الأمة اجتمعت على تنزه الله تعالى ~~عن النقص وقوله اجتمعت على تنزيه الله تعالى عن العيب والآفة ونحو ذلك وهذ ~~القدر ليس بمنقول اللفظ عن كل واحد من الأمة لكن نحن نعلم أن كل مسلم فهو ~~ينزه الله تعالى عن النقص والعيب بل العقلاء كلهم متفقون على ذلك فإنه ما ~~من أحد ممن يعظم الصانع سبحانه وتعالى وصف الله بصفة وهو يعتقد أنها آفة ~~وعيب ونقص في حقه وإن كان بعض الملحدين يصفه بما يعتقده هو نقصا ms0425 وعيبا فهذا ~~من جنس نفاة الصانع تعالى ولهذا كان نفاة الصفات إنما نفوها وهم يعتقدون أن ~~إثباتها يقتضي النقص كالحدوث والإمكان ومشابهة الأحياء ومثبوتها إنما ~~أثبتوها لاعتقادهم أن إثباتها يوجب الكمال وعدمها يستلزم النقص والعدم ~~ومشابهة الجمادات وكذلك مثبتة القدر ونفاته بل بعض نفاة النبوة زعموا أنهم ~~نفوها تعظيما لله أن يكون رسوله من البشر وأهل الشرك أشركوا تعظيما لله أن ~~يعبد بلا واسطة تكون بينه وبين خلقه فإذا كان كذلك فمن المعلوم PageV02P336 ~~أن الإنسان لو احتج بإجماع المسلمين على نفي النقص والعيب عن الله تعالى ~~على من يثبت الصفات مدعيا أن إثباتها نقص وعيب أو بالعكس لقال له المثبتة ~~نحن لم نوافقك على نفي هذا المعنى الذي سميته أنت نقصا وعيبا فلا تحتج ~~علينا بالموافقة على لفظ لم نوافقك على معناه وأمكنهم حينئذ أن يقولوا نحن ~~ننازعك في هذا المعنى وإن سميته أنت نقصا وعيبا فلا يكون حجة ثابتة الا أن ~~يقوم دليل على انتفاء ذلك غير الاجماع المشروط بموافقتهم # الوجه الرابع أن يقال له قولك إحماع الأمة على أن صفاته كلها صفات كمال ~~إن عنيت بذلك صفاته كلها اللازمة له لم يكن في هذا حجة لك وإن عنيت ما يحدث ~~بقدرته ومشيئته لم يكن هذا إجماعا فإنك أنت وغيرك من أهل الكلام تقولون إن ~~صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفا ~~فكونه خالقا ومبدعا وعادلا ومحسنا ونحو ذلك عندك أمور حادثة متجددة وليست ~~صفة مدح ولا كمال وإن قلت المفعولات ليست قائمة به بخلاف ما يقوم به قيل لك ~~هب أن الأمر كذلك لكن ما يحدث بقدرته ومشيئته إما أن يقال هو متصف به أو لا ~~يقال هو متصف به فإن قيل ليس متصفا به لم يكن PageV02P337 متصفا لا بهذا ~~ولا بهذا وإن قيل هو متصف به كان متصفا بهذا وهذا # ومعلوم أن المشهور عند أهل الكلام من عامة الطوائف أنهم يقسمون الصفات ~~إلى صفات فعلية وغير فعلية مع قول ms0426 من يقول منهم إن الأفعال لا تقوم به ~~فيجعلونه موصوفا بالأفعال كما يقولون إنه موصوف بأنه خالق ورازق وعندهم هذه ~~أمور كائنة بعد أن لم تكن ولما قال لهم من يقول بتسلسل الحوادث من الفلاسفة ~~وغيرهم الفعل إن كان صفة كمال لزم اتصافه به في الأزل وإن كان صفة نقص ~~امتنع اتصافه به في الأبد أجابوا عن ذلك بأن الفعل ليس صفة كمال ولا نقص # الوجه الخامس # احتجاجه بقوله إن الأمة مجمعة على أن PageV02P338 صفاته لا تكون إلا صفة ~~كمال أضعف من احتجاجه بإجماعهم على تنزيهه عن صفة النقص فإن كونه منزها عن ~~صفات النقص مشهور في كلام الناس وأما كون صفاته لا تكون الا صفات كمال فليس ~~هذا اللفظ مشهورا معروفا عن الأئمة ومن أطلق ذلك منهم فإنما يطلقه على سبيل ~~الإجمال لما استقر في القلوب من أن الله موصوف بالكمال دون النقص وهذه ~~الإطلاقات لا تدل على دق المسائل ولو قيل لمطلق هذا كونه يفعل أفعالا بنفسه ~~يقدر عليها ويشاؤها هو صفة نقص أو كمال لكان إلى أن يدخل ذلك في صفات ~~الكمال أو يقف عن الجواب أقرب منه إلى أن يجعل ذلك من صفات النقص # الوجه السادس أن هذا الإجماع حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول ~~موجودين أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلاما وفعلا يقوم به والآخر ~~لا يمكنه ذلك بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور له ولا مراد أو يكون بائنا ~~عنه لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل موجودين وكذلك إذا عرضنا على العقول ~~PageV02P339 موجودين من المخلوقين أو موجودين مطلقا أحدهما يقدر على الذهاب ~~والمجيء والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقضي بأن الأول ~~أكمل من الثاني كما أنا إذا عرضنا على العقل موجودين من المخلوقين أو ~~موجودين مطلقا أحدهما حي عليم قدير والآخر لا حياة له ولا علم ولا قدرة ~~لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني فنفس ما به يعلم أن اتصافه ~~بالحياة والعلم والقدرة صفة كمال به ms0427 يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال ~~الاختيارية التي تقوم به التي بها يفعل المفعولات المباينة صفة كمال # والعقلاء متفقون على أن الأعيان المتحركة أو التي تقبل الحركة أكمل من ~~الأعيان التي لا تقبل الحركة كما أنهم متفقون على أن الأعيان الموصوفة ~~بالعلم والقدرة والسمع والبصر أو التي تقبل الاتصاف بذلك أكمل من الأعيان ~~التي لا تتصف بذلك ولا تقبل الاتصاف به # وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات وكان السلف يحتجون بها ~~ويثبتون أن من عبد إلها لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم فقد عبد ربا ناقصا ~~معيبا مؤوفا ويثبتون أن هذه صفات كمال فالخالي عنها ناقص PageV02P340 ومن ~~المعلوم أن كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه يثبت للمخلوق فالخالق أحق به ~~وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق سبحانه أحق بتنزيهه عنه # ولما أورد من أورد من الملاحدة نفاة الصفات بأن عدم هذه الصفات إنما يكون ~~نقصا إذا كان المحل قابلا لها وإنما يكون عدم البصر عمى وعدم الكلام خرسا ~~وعدم السمع صما إذا كان المحل قابلا لذلك كالحيوان فأما ما لايقبل ذلك ~~كالجماد فإنه لا يوصف بهذا ولا بهذا أجيبوا عن هذا بأن مالا يقبل الاتصاف ~~لا بهذا ولا بهذا أعظم نقصا مما يقبلهما ويتصف بأحدهما وإن اتصف بالنقص ~~فالجماد الذي لا يقبل الحياة والسمع والبصر والكلام أعظم نقصا من الحيوان ~~الذي يقبل ذلك وإن كان أعمى أصم أبكم فمن نفى الصفات جعله كالأعمى الأصم ~~الأبكم ومن قال إنه لا يقبل لا هذا ولا هذا ولا هذا جعله كالجماد الذي هو ~~دون الحيوان الأعمى الأصم الأبكم # وهذا بعينه موجود في الأفعال فإن الحركة بالذات مستلزمة للحياة وملزومة ~~لها بخلاف الحركة بالعرض كالحركة القسرية التابعة للقاسر والحركة الطبيعية ~~التي تطلب بها العين العود إلى مركزها لخروجها عن المركز فإن تلك حركة ~~بالعرض والعقلاء متفقون على أن ما كان من PageV02P341 الأعيان قابلا للحركة ~~فهو أشرف مما لا يقبلها وما كان قابلا للحركة بالذات فهو أعلى مما لا ~~يقبلها الا ms0428 بالعرض وما كان متحركا بنفسه كان أكمل من الموات الذي تحركه ~~بغيره وقد بسط هذا في غير هذا الموضع $ # فصل ونحن نتكلم على هذه الحجة حجة الكمال والنقصان كلاما مطلقا لا يختص ~~بنظم الرازي إذ قد يقول القائل أنا أصوغها على غير الوجه الذي صاغها عليه ~~الرازي فنقول # اعلم أن الطوائف المسلمين لهم في هذا الأصل بالذي تنبني عليه مسألة ~~الأفعال الاختيارية القائمة بذات الله تعالى اربعة أقوال تتفرع إلى ستة ~~وذلك أنهم متنازعون هل يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغير ~~الأفعال على قولين مشهورين ومتنازعون في أن الأمور المتجددة الحادثة هل ~~يمكن تسلسلها ودوامها في الماضي والمستقبل أو في المستقبل دون الماضي أو ~~يجب تناهيها وانقطاعها في الماضي والمستقبل على ثلاثة أقوال معروفة فصارت ~~الأقوال أربعة # طائفة تقول يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته ثم هل يقال PageV02P342 ما ~~زال كذلك أو يقال حدث هذا الجنس بعد أن لم يكن على قولين وطائفة تقول لا ~~يقوم به شيء من ذلك ثم هل يمكن دوام ذلك وتسلسله خارجا عنه على قولين # وكل من الطائفتين تنازعوا هل يمكن وجود هذه المعاني بدون محل تقوم به على ~~قولين # فالقائلون من أهل القبلة بجواز تسلسل الحوادث منهم من قال تقوم به ومنهم ~~من قال تحدث لا في محل ومنهم من قال تحدث في محل غيره والمانعون لذلك من ~~أهل القبلة منهم من قال تقوم به ولها ابتداء ومنهم من قال بل تحدث قائمة في ~~غيره ولها ابتداء ومنهم من قال بل تحدث لا في محل ولها ابتداء # وقد ذكرنا حجة المانعين من قيام المقدورات والمرادات به وكلام من ناقضها ~~ونحن نذكر حجة المانعين من التسلسل في الآثار وكلام بعض من عارضهم من أهل ~~القبلة وهذا موجود في عامة الطوائف حتى في الطائفة الواحدة فإن أبا الثناء ~~الأرموى قد ذكر في لباب الأربعين لأبي عبد الله الرازي من الاعتراضات على ~~ذلك ما يناسب PageV02P343 هذا الموضع وتابع في ذلك طوائف من النظار كأبي ms0429 ~~الحسن الآمدي وغيره بل نفس الرازي قد ذكر في مواضع من كتبه نقض ما ذكره في ~~الأربعين ولم يجب عن ذلك كما قد حكينا كلامه في موضع آخر وسيأتي إن شاء ~~الله كلام الرازي في إفساد هذه الحجج التي ذكرها في تناهي الحوادث بأمور لم ~~يذكر عنها جوابا # وذلك أن أبا عبد الله الرازي ذكر في الأربعين في مسألة حدوث العالم من ~~الحجج على حدوث الأجسام أو العالم مالم يذكره في عامة كتبه # فذكر خمس حجج الأولى أنه لو كانت الأجسام قديمة لكانت إما متحركة أو ~~ساكنة والأول يستلزم حوادث لا أول PageV02P344 واحتج على انتفاء ذلك بستة ~~أوجه # الأول أن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير وماهية الأزل تنفيها ~~فامتنعت أزلية الحركة # فعارضه أبو الثناء الأرموي بأنه لقائل أن يقول كون ماهية الحركة مركبة من ~~جزء سابق وجزء لاحق لا ينافي دوامها في ضمن أفرادها المتعاقبة لا إلى أول ~~وهو المعنى بكونها أزلية # قلت ونكتة هذا الاعتراض أي يقال إن المستدل قال ماهية الحركة تقتضي أن ~~تكون مسبوقة بالغير فهل المراد بالغير أن تكون الحركة مسبوقة بما ليس بحركة ~~أو أن يكون بعض أجزائها سابقا لبعض أما الأول فباطل وهو الذي يشعر به قوله ~~ماهية الحركة PageV02P345 تقتضي المسبوقية بالغير فإن ذلك قد يفهم منه أن ~~ماهيتها تقتضي أن تكون مسبوقة بغير الحركة ولو كان الأمر كذلك لامتنع كون ~~المسبوق بغيره أزليا لكن لا يصلح أن يريد الا الثاني وهو أن ماهيتها تقتضي ~~تقديم بعض أجزائها على بعض وحينئذ فقد منعوه المقدمة الثانية وهي قوله إن ~~ماهية الأزل تنفي ذلك وقالوا لا نسلم أن ما كان كذلك لا يكون أزليا بل هذا ~~رأس المسألة ولا سيما وهو وجماهير المسلمين وغيرهم من أهل الملل يسلمون أن ~~ما كان كذلك فإنه يصلح أن يكون أبديا # ومعلوم أن ماهية الحركة تقتضي أن يكون بعضها متأخرا عن بعض ولا يمتنع مع ~~ذلك وجود مالا انقضاء له من الحركات قالوا فكذلك لا يمتنع وجود مالا ابتداء ~~له ms0430 منها كما لم يمتنع وجود ما لا أول لوجوده وهو القديم الواجب الوجود مع ~~إمكان تقدير حركات وأزمنة لا ابتداء لها مقارنة لوجوده والكلام في انتهاء ~~المحقق كالكلام في انتهاء المقدر # قال الرازي الوجه الثاني لو كانت أدوار الفلك متعاقبة لا إلى أول كان قبل ~~كل حركة عدم لا إلى أول وتلك العدمات PageV02P346 مجتمعة في الأزل وليس ~~معها شيء من الوجودات والا لكان السابق مقارنا للمسبوق فلمجموع الوجودات ~~أول # قال الأرموي ولقائل أن يقول إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا ما ~~فهو ممنوع لأنه ما من حين يفرض الا ويتهي واحد منها فيه لوجود الحركة التي ~~هي عدمها ضرورة تعاقب تلك الحركات لا إلى أول وإن عنيت به أنه لا ترتيب في ~~بدايات تلك العدمات كما في بدايات الوجودات فلا يلزم من اجتماع بعض ~~الوجودات معها المحذور # قلت مضمون هذا أن عدم كل حركة ينتهي بوجوده فليست الاعدام متساوية في ~~النهايات فلا تكون مجتمعة في شيء من الأوقات لأنه في كل وقت يثبت بعضها دون ~~بعض لوجود حادث يزول به عدمه ولكن لا بداية لكل عدم منها فإن ما حدث لم يزل ~~معدوما قبل حدوثه بخلاف الحركات فإن لكل حركة بداية وحينئذ فلا يمتنع أن ~~يقارن الوجود بعضها دون بعض كما يقارن الوجود الباقي الأزلي عدم كل ما سواه ~~فالمستدل يقول عدم كل حادث ثابت في الأزل PageV02P347 والمعترض يقول نعم ~~لكن لا نسلم أن عدم الجنس ثابت في الأزل وليس الجنس حادثا حتى يكون مسبوقا ~~بعدم الجنس وإنما الحادث في أفراده كما في دوامه في الأبد فليس لعدم ~~المجموع تحقق في الأزل والعدم السابق لأفراد الحركات بمنزلة العدم اللاحق ~~لها ولا يقال إن تلك الأعدام مجتمعة في الأبد والفرق بين عدم المجموع وعدم ~~كل فرد فرد فرق ظاهر والمستدل يقول عدم كل واحد أزلي فمجموع الأعدام أزلي ~~وهذا بمنزلة أن يقول كل واحد من الأفراد حادث فالمجموع حادث أو كل حادث فله ~~بداية فالمجموع له بداية وبمنزلة أن يقول ms0431 كل حادث فله انقضاء فمجموع ~~الحوادث له انقضاء أو كل واحد مسبوق بغيره فالمجموع مسبوق بغيره # فإذا قال المتكلم عن المستدل قول المعترض إن عنيت باجتماعها تحققها ~~بأسرها معا حينا ما فهو ممنوع لأنه ما من حين يفرض الا وينتهي واحد منها ~~فيه ليس بمستقيم فإنها مجتمعة في الأزل # قال المتكلم عن المعترض ليس الأزل ظرفا معينا يقدر فيه وجود أو عدم كما ~~أن الأبد ليس ظرفا معينا يقدر فيه وجود أو عدم ولكن معنى كون الشيء أزليا ~~أنه مازال موجودا أو ليس لوجوده ابتداء ومعنى PageV02P348 كونه أبديا أنه ~~لا يزال موجودا أو ليس لوجوده انتهاء ومعنى كون عدم الشيء أزليا أنه ما زال ~~معدوما حتى وجد وإن كان عدمه مقارنا لوجود غيره وقائل ذلك يقول لا يتصور ~~اجتماع هذه العدمات في وقت من الأوقات أصلا بل ما من حال يقدر الا فيه عدم ~~بعضها ووجود غيره فقول القائل إن العدمات مجتمعة في الأزل فرع إمكان اجتماع ~~هذه الأعدام واجتماع هذه الأعدام ممتنع وسيأتي تمام الكلام على ذلك بعد هذا # قال الرازي الثالث إنه إن لم يحصل شيء من الحركات في الأزل أو حصل ولم ~~يكن مسبوقا بغيرها فلكلها أول وإن كان مسبوقا بغيرها كان الأزل مسبوقا ~~بالغير # قال الأرموي ولقائل أن يقول ليس شيء من الحركات PageV02P349 الجزئية ~~أزليا بل كل واحدة منها حادثة وإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد ~~الجزئية وهي ليست مسبوقة بغيرها فلم يلزم أن يكون لكل الحركات الجزئية أول # قلت قول المستدل إن حصل شيء من الحركات في الأزل ولم يكن مسبوقا بغيرها ~~فلها أول يريد به ليس مسبوقا بحركة أخرى فإن الحركة المعينة التي لم تسبقها ~~حركة أخرى تكون لها ابتداء فلا تكون أزلية إذ الأزلي لا يكون إلا الجنس أما ~~الحركة المعينة إذا قدرت غير مسبوقة بحركة كانت حادثة كما أنها إذا كانت ~~مسبوقة كانت حادثة ولم يرد بقوله إن حصل شيء من الحركات في الأزل ولم يكن ~~مسبوقا بغيره فلها أول أي لم ms0432 يكن مسبوقا بغير الحركات فإن ما كان في الأزل ~~ولم يكن مسبوقا بغيره لا يكون له أول فلو أراد بالغير غير الحركات لكان ~~الكلام متهافتا فإن ما كان أزليا لا يكون مسبوقا بغيره فالجنس عند المنازع ~~أزلي وليس مسبوقا بغيره والواحد من الجنس ليس بأزلي وهو مسبوق بغيره وما ~~قدر أزليا لم يكن مسبوقا بغيره سواء كان جنسا أو شخصا لكن إذا قدر أزليا ~~وليس مسبوقا بغيره فكيف يكون له أول ولكن إذا قدر مسبوقا بالغير كان له أول ~~فالمسبوق بغيره هو الذي له أول وأما ما ليس مسبوقا بغيره فكيف يكون له أول ~~PageV02P350 ومع هذا فيقال له تقدير كون الحركة المعينة في الأزل ومسبوقة ~~بأخرى جمع بين النقيضين فهو ممتنع لذاته والممتنع لذاته يلزمه حكم ممتنع ~~فلا يضر ما لزم على هذا التقدير وأما على التقدير الآخر وهو حصول شيء منها ~~في الأزل مع كونه مسبوقا فقد أجابه الأرموي بأن وجود الحركة المعينة في ~~الأزل محال أيضا وإذا كان ذلك ممتنعا جاز أن يلزمه حكم ممتنع وهو كون ~~الأزلي مسبوقا بالغير وإنما الأزلي هو الجنس وليس مسبوقا بالغير وقد اعترض ~~بعضهم على هذا الاعتراض بأن قال فحينئذ ليس شيء من الحركات حاصلا في الأزل ~~إذ لو حصل في الأزل لا متنع زواله وما هذا شأنه يمتنع كونا أزليا # وجواب هذا الاعتراض أن يقال ليس شيء من الحركات المعينة في الأزل إذ ليس ~~شيء منها لا أول له بل كل واحد منها له أول لكن جنسها هل له أول وهذا غير ~~ذلك والمنازع يسلم أن ليس شيء من الحركات المعينة أزليا وإنما نزاعه في غير ~~ذلك كما أنه يسلم أنه ليس شيء من الحركات المعينة أبديا مع أنه يقول جنسها ~~أبدي # قال الرازي الوجه الرابع كلما تحرك زحل دورة PageV02P351 تحركت الشمس ~~ثلاثين فعدد دورات زحل اقل من عدد دورات الشمس والأقل من غيره متناه ~~والزائد على المتناهي بالمتناهي متناه فعددهما متناه # قال الأرموي ولقائل أن يقول تضعيف الواحد إلى غير ms0433 النهاية أقل من تضعيف ~~الاثنين كذلك مع كونهما غير متناهيين # قلت هذا الذي ذكره الأرموي معارضة ليس فيه منع شيء من مقدمات الدليل ولا ~~حل له ثم قد يقول المستدل الفرق بين مراتب الأعداد وأعداد الدورات من وجهين # أحدهما أن مراتب الأعداد المجردة لا وجود لها في الخارج وإنما يقدرها ~~الذهن تقديرا كما يقدر الأشكال المجردة يقدر شكلا مستديرا وشكلا أكبر منه ~~وشكلا أكبر من الآخر وهلم جرا وتلك الأشكال التي يقدرها الذهن لا وجود لها ~~في الخارج وكذلك الأعداد المجردة لا وجود لها في الخارج فالكم المتصل أو ~~المنفصل إذا أخذ مجردا عن الموصوف به لم يكن إلا في الذهن وكذلك الجسم ~~التعليمي وهو أن يقدر طول وعرض وعمق مجرد عن الموصوف به وإذا كان كذلك لم ~~يلزم من إمكان تقدير ذلك في الذهن إمكان وجوده في الخارج فإن الذهن تقدر ~~فيه الممتنعات كاجتماع النقيضين والضدين فيقدر فيه كون الشيء موجودا معدوما ~~وكون الشيء متحركا ساكنا ويقدر فيه PageV02P352 أن كون الشيء لا موجودا ولا ~~معدوما ولا واجبا ولا ممكنا ولا ممتنعا إلى غير ذلك من التقديرات الذهنية ~~التي لا تستلزم إمكان ذلك في الخارج ولهذا يمكن تقدير خط لا يتناهى وسطح لا ~~يتناهى وتقدير أشكال بعضها أكبر من بعض بلا نهاية وأبعاد لا نهاية لها ولا ~~يلزم من إمكان تقدير ما لا نهاية له في الذهن إمكان ذلك في الخارج ~~والمنازعون يسلمون امتناع أجسام لا يتناهى قدرها وأبعاد لا تتناهى وعلل ~~ومعلولات لا تتناهى مع إمكان تقدير ذلك في الذهن # فإذا قيل لهم كذلك تقدير أعداد لا تتناهى أو تقدير مراتب أعداد لا تتناهى ~~بعضها افضل من بعض إذا قدر في الذهن لم يدل ذلك على إمكان وجوده في الخارج ~~بطلت معارضتهم وكان من عارض تقدير الأعداد التي لا تتناهى بتقدير الأشكال ~~التي لا تتناهى وتقدير التفاضل في هذا كالتفاضل في هذا أولى ممن عارض تفاضل ~~الدورات بتفاضل مراتب الأعداد فإنه إذا قيل تضعيف الواحد إلى غير نهاية أقل ms0434 ~~من تضعيف الاثنين قيل وإذا فرض خط عرضه بقدر الكف لا يتناهى طولا وخط عرضه ~~بقدر الذراع لا يتناهى فالذي بقدر الكف أقل وإذا فرض أجسام مستديرة كل منها ~~بقدر رأس الإنسان لا تتناهى وأخرى كل منها بقدر الفلك لا PageV02P353 ~~تتناهى كانت مقادير تلك أصغر مع أن الجميع لا يتناهى كان معلوما أن هذه ~~المعارضة أعدل وأولى بالقبول من تلك المعارضة # الوجه الثاني إن كان تضعيف الأعداد ومراتبها وسائر المقادير إلى غير ~~نهاية كان هذا التضعيف إنما هو في الذهن فكل ما يتصوره الذهن من ذلك ويقدره ~~فهو يتناهى والذهن لا يزال يضعف حتى يعجز وهكذا إذا نطق بأسماء الأعداد أو ~~بألفاظ فلا يزال ينطق حتى يعجز وإن قدر أنه لا يعجز بل لا يزال الذهن يقدر ~~واللسان ينطق فإن جميع ذلك داخل في الوجود الذهني واللفظي والجناني ~~واللساني وكل ما يدخل من ذلك في الوجود فهو متناه وله مبدأ محدود فله أول ~~ابتدأ منه وهو من ذهن الإنسان ولفظه وكل ما يوجد منه متعاقبا فإنه متناه ~~لكن هذا يدل على جواز مالا نهاية له في المستقبل وأن الشيء قد يكون له ~~بداية ولا يكون له نهاية فإن ما يخطر بالأذهان وينطق به اللسان له بداية ~~ويمكن وجود مالا يتناهى منه ومن هذا الباب أنفاس أهل الجنة وألفاظهم ~~وحركاتهم فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس ومن هذا الباب تسبيح ~~الملائكة دائما # فهذا المذكور من تضعيف الأعداد ذهنا ولفظا يدل على وجود مالا يتناهى في ~~المستقبل إذا كان له بداية محدودة وأما التفاضل فيه سواء أريد به تضعيف ~~الذهن أو اللسان أو جميعهما فمعلوم أنه إذا قيل ضعف الواحد وضعف ضعفه وضعف ~~ضعف ضعفه وهلم جرا PageV02P354 وقيل ضعف الاثنين وضعف ضعفهما وضعف ضعف ~~الضعف وهلم جرا فإن أريد بكون تضعيف الواحد أقل من تضعيف الاثنين أن ما وجد ~~من نطق اللسان بالتضعيف أو ما يخطر بالقلب من التضعيف أقل فهذا ممنوع إذا ~~قدر التساوي في المبدأ والحركة وإن قدر التفاضل فأكثرهما ms0435 أسبقهما مبدأ ~~وأقواهما حركة وحينئذ فقد يكون تضعيف الواحد هو الأكثر # وإن أريد بذلك أن مسمى أحد اللفظين أكثر مما في كل مرتبة من مراتب ~~التضعيف فإذا ضعف الواحد خمس مرات كان اثنين وثلاثين وإذا ضعف الاثنان خمس ~~مرات كان أربعا وستين مرة فهذه الأربع والستون ليست معدودا موجودا في ~~الخارج ولا في الذهن حتى يقال وجد التفاضل فيما لا يتناهى وإنما نطق بلفظ ~~أعداد متناهية والمعدودات ليست موجودة لا في الذهن ولا في الخارج فلو قدر ~~وجود ألفاظ الأعداد من هذه المرتبة ومن هذه المرتبة في الذهن واللسان لم ~~يلزم إذا قدر أنهما غير متناهيين أن يكونا متفاضلين مع استوائهما في المبدأ ~~والحركة # وإن أراد أن مسمى هذا لو وجد لكان أكبر من مسمى هذا PageV02P355 فيقال ~~نعم ولكن لم قلت إن وجود ذلك المسمى ممكن وهذا كما لو قال القائل مالا ~~يتناهى أقدره في ذهني وأتكلم بلفظه لم يكن في ذلك ما يقتضي أنه يمكن وجوده ~~في الخارج كما يقدر ذهنا ولسانا ما لا يتناهى من الأجسام والأبعاد والأشكال ~~فهذا هذا فهذا مما يجيب به المستدل عن المعارضة بمراتب الأعداد # وهذا الفرق وإن كنا قد أوردناه فقد ذكره غير واحد من النظار المفرقين بين ~~العدد والحركات من متكلمي المسلمين وغيرهم وذكر هؤلاء هذا الفرق المعروف ~~عند من يوافق المستدل على هذا النقض هو أن تضعيف العدد ليس أمرا موجودا بل ~~مقدرا بخلاف ما وجد من الحركات # وهكذا فرق من فرق بين الماضي والمستقبل بأن الماضي قد وجد بخلاف المستقبل ~~والممتنع وجود ما لا يتناهى لا تقدير ما لا يتناهى # ومن يوافق المعترض يقول الماضي أيضا قد عدم فليست أفراده موجودة معا ~~والمحذور وجود مالا يتناهى فيما كان مجتمعا بل مجتمعا منتظما بعضه ببعض ~~بحيث يكون له ترتيب طبيعي أو وضعي # وهذا فرق ابن سينا وأتباعه من المتفلسفة ولكن ابن رشد PageV02P356 يقول ~~إن مذهب الفلاسفة الفرق بين المجتمع وغير المجتمع سواء كان المجتمع له ~~ترتيب أو ليس له ترتيب وإنما ms0436 النزاع بينهم في النفوس البشرية المفارقة هل ~~هي موجودات متميزة غير متناهية أم لا ويقول هؤلاء لا نسلم أن ما كان وعدم ~~أو ما سيكون إذا قدر أن بعضه أقل من بعض يجب أن يكون متناهيا والمؤمنون بأن ~~نعيم الجنة دائم لا ينقضي من المسلمين وأهل الكتاب يسلمون ذلك ولم ينازعوا ~~فيه من أهل الكلام إلا الجهم ومن وافقه على فناء النعيم وأبو الهذيل القائل ~~بفناء الحركات وهما قولان شاذان قد اتفق السلف والأئمة وجماهير المسلمين ~~على تضليل القائلين بهما ومن أعظم ما أنكره السلف والأئمة على الجهمية ~~قولهم بفناء الجنة # وقال الأشعري في كتاب المقالات واختلفوا أيضا في معلومات الله عز وجل ~~ومقدوراته هل لها كل أو لا كل لها على مقالتين فقال أبو الهذيل إن لمعلومات ~~الله كلا وجميعا ولما يقدر الله عليه كل وجميع وإن أهل الجنة تنقطع حركاتهم ~~PageV02P357 يسكنون سكونا دائما وقال أكثر أهل الإسلام ليس لمعلومات الله ~~ولا لما يقدر عليه كل ولا غاية واختلفوا أيضا هل لأفعال الله سبحانه آخر أم ~~لا آخر لها على مقالتين فقال الجهم بن صفوان إن لمعلومات الله ومقدوراته ~~غاية ونهاية ولأفعاله آخر وإن الجنة والنار تفنيان ويفنوا أهلهما حتى يكون ~~الله آخرا لا شيء معه كما كان أولا لا شيء معه وقال أهل الإسلام جميعا ليس ~~للجنة والنار آخر وأنهما لا تزالان باقيتين وكذلك أهل الجنة لا يزالون في ~~الجنة يتنعمون وأهل النار في النار يعذبون ليس لذلك آخر ولا لمعلومات الله ~~ومقدوراته غاية ولا نهاية # وقد ذكر بعض الناس بين الماضي والمستقبل فرقا لمثال ذكره كما ذكره صاحب ~~الإرشاد وغيره وهو أن المستقبل بمنزلة ما إذا قال قائل لا أعطيك درهما إلا ~~أعطيتك بعده درهما وهذا كلام صحيح والماضي بمنزلة أن يقول لا أعطيك درهما ~~إلا أعطيتك قبله درهما وهذا كلام متناقص PageV02P358 # لكن هذا المثال ليس بمطابق لأن قوله لا أعطيك نفي للحاضر والمستقبل ليس ~~نفيا للماضي فإذا قال لا أعطيك هذه الساعة أو بعدها شيئا إلا ms0437 أعطيتك قبله ~~شيئا اقتضي أن لا يحدث فعلا الآن حتى يحدث فعلا في الزمن الماضي وهذا ممتنع ~~أو بمنزلة أن يقول لا أفعل حتى أفعل وهذا جمع بين النقيضين وإنما مثاله أن ~~يقول ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما فكلاهما ماض فإذا قال القائل ~~ما يحدث شيء إلا ويحدث بعده شيء كان مثاله أن يقول ما حدث شيء إلا حدث قبله ~~شيء لا يقول لا يحدث في المستقبل شيء إلا حدث قبله شيء وكل ما له ابتداء ~~وانتهاء كعمر العبد يمتنع أن يكون فيه عطاء لا انتهاء له أو عطاء لا ابتداء ~~له وإنما الكلام فيما لم يزل ولا يزال # والناس لهم في إمكان وجود ما لا يتناهى أقوال # أحدها امتناع ذلك مطلقا في الماضي والمستقبل والحاضر في كل شيء وهذا قول ~~الجهم وابن الهذيل # والثاني جواز ذلك حتى في الأبعاد التي لا تتناهى وهو قول طائفة من فلاسفة ~~الهند وطائفة من نظار أهل الملة وغيرهم ويقولون إن الرب له قدر لا يتناهى ~~ثم من هؤلاء من يقول لا يتناهى من PageV02P359 جميع الجهات ومنهم من يقول ~~يتناهى من جهة العرش فقط وأما من سائر الجهات فإنه لا يتناهى # وقد ذكر الأشعري في المقالات هذه الأقوال وغيرها عن طوائف وممن ذكر ذلك ~~الكرامية وطائفة من أتباع الأئمة كالقاضي أبي يعلى وغيره وهؤلاء منهم من ~~يقول بتناهي الحوادث في الماضي مع قوله بوجود مالا يتناهى من المقدار في ~~الحاضر # وكذلك معمر وأتباعه من أصحاب المعاني يقولون بوجود معان لا تتناهى في آن ~~واحد مع قولهم بامتناع حوادث لا أول لها فصار بعض الناس يقول بجواز التناهي ~~في الحوادث الماضية والأبعاد ومنهم من يقول بجواز ذلك في الأبعاد دون ~~الحوادث فهذه ثلاثة أقوال # الرابع قول من يقول لا يجوز ذلك فيما دخل في الوجود لا في الماضي ولا في ~~الحاضر ويجوز فيما لم يوجد بعد وهو المستقبلات وهذا قول كثير من النظار # الخامس قول من يقول يجوز ذلك في الماضي والمستقبل ولا ms0438 يجوز فيما يوجد في ~~آن واحد لا في الأبعاد ولا الأنفس ولا المعاني وهو قول ابن رشد وحكاه عن ~~الفلاسفة وزعم أن النفوس البشرية واحدة بعد المفارقة كما زعم أنها كانت ~~كذلك قبل المفارقة PageV02P360 # السادس قول من يقول ما كان مجتمعا مترتبا فإنه يجب تناهيه كالعلل ~~والأجسام فتلك لها ترتيب طبيعي وهذه لها ترتيب وضعي وكلها موجودة في آن ~~واحد وأما ما لم يكن له ترتيب كالأنفس أو كان له ترتيب ولكن يوجد متعاقبا ~~كالحركات فلا يمتنع فيه وجود مالا يتناهى وهذا قول ابن سينا وهو للمحكي ~~عندهم عن أرسطو وأتباعه لكن ابن رشد ذكر أن هذا القول لم يقله أحد من ~~الفلاسفة إلا ابن سينا # وأما وجود علل ومعلومات لا تتناهى فهذا مما لم يجوزه أحد من العقلاء # إذا عرف هذا تكلمنا على الاحتجاج بتفاضل الدورات التي لا تتناهى فإن ~~الشمس تقطع الفلك في السنة مرة والقمر اثنتي عشرة مرة وهذا مشهود والمشتري ~~في كل اثنتي عشرة سنة مرة وزحل في كل ثلاثين سنة مرة فتكون دورات القمر ~~بقدر دورات زحل ثلاثمائة وستين مرة ودورات الشمس بقدر دورات زحل ثلاثين مرة ~~فتكون دورات هذا أضعاف دورات هذا وكلاهما لا يتناهى عند القائلين بذلك ~~والأقل من غير المتناهي متناه والزائد على المتناهي متناه وقد عرف أن ~~المعارضة بالعدد باطلة PageV02P361 وقد يقال هذا من جنس تطبيق الحوادث ~~الماضية إلى اليوم بالحوادث الماضية إلى أمس فإن كلاهما لا يتناهى مع ~~التفاضل وهو الوجه الخامس الذي سيأتي لكن بينهما فروق مؤثرة # منها أنه هناك هذه الحوادث هي تلك بعينها لكن زادت حوادث اليوم فغاية تلك ~~أن يكون مالا ابتداء له من الحوادث لا يزال في زيادة شيئا بعد شيء وأما هنا ~~فهذه الدورات ليست تلك ومنها أنه هناك فرض انطباق اليوم على الأمس مع ~~اشتراكهما في عدم البداية وهذا التطبيق ممتنع فإن حقيقته أنا تقدر تماثلهما ~~وتفاضلهما فإنه إذا طبق أحدهما على آخر لزم التماثل مع التفاضل لأنهما ~~استويا في عدم البداية وفي ms0439 حد النهاية وهما متفاضلان وهذا تقدير ممتنع ~~بخلاف الدورتين فإنهما هنا مشتركتان في عدم البداية وفي حد النهاية ~~فالتفاضل هنا حاصل مع الاشتراك في عدم النهاية عند هؤلاء فهذا لا يحتاج إلى ~~فرض وتقدير حتى يقال هو تقدير ممتنع بخلاف ذلك ولكن التقابل يوافق ذلك ~~التقابل في أن كليهما قد عدمت فيه الحوادث الماضية ويوافقه في أن كليهما قد ~~قدر فيه انتهاء الحوادث من أحد الجانبين فهما متفقان من هذين الوجهين ~~مفترقان من ذينك الوجهين PageV02P362 وحينئذ فيقال الدهرية يزعمون أن حركات ~~الفلك لا بداية لها ولا نهاية لا يجعلون لها آخرا تنتهي إليه فلا يصح ~~اعتمادهم على أن هذه الحوادث متناهية من أحد الجانبين بل يلزمهم قطعا أن ~~تكون الحركة الفلكية التي زعموا أنها لم تزل ولا تزال متفاضلة فدورات زحل ~~عندهم لم تزل ولا تزال وكذلك دورات الشمس والقمر مع أن دورات القمر بقدر ~~دورات الشمس اثنتي عشرة مرة ودورات الشمس بقدر دورات زحل ثلاثين مرة فكل من ~~هذين لا يتناهى في الماضي والمستقبل وهذا أقل من هذا بقدر متناه وهذا أزيد ~~من هذا بقدر متناه فإذا كان الأقل من غيره متناهيا لزم أن يكون كل من ~~الدورات متناهيا # وهذا الوجه لا يرد على من قال من أئمة الإسلام وأهل الملل بجواز حوادث لا ~~تتناهى فإن أولئك يقولون بأن حركة الفلك لها ابتداء ولها انتهاء وأنه محدث ~~مخلوق كائن بعد أن لم يكن وأنه ينشق وينفطر فتبطل حركة الشمس والقمر وكل ~~واحد من دورات الفلك وكواكبه وشمسه وقمره له عندهم بداية ونهاية # وهذا الدليل إنما يدل على أن حركته يمتنع أن تكون غير متناهية ولا يلزم ~~إذا وجب تناهي حركة جسم معين أن يجب تناهي جنس الحوادث إلا إذا كان الدليل ~~الذي دل على تناهي حركة المعين يدل PageV02P363 على تناهي الجنس وليس الأمر ~~كذلك فإن هذا الدليل لا يتناول إلا الفلك وهو دليل على حدوثه وامتناع أن ~~تكون حركته بلا بداية ولا نهاية فهو يدل على فساد مذهب أرسطو ms0440 وابن سينا ~~وأمثالهما ممن يقول بأن الفلك قديم أزلي فهذا حق متفق عليه بين أهل الملل ~~وعامة العقلاء وهو قول جمهور الفلاسفة ولم يخالف في ذلك إلا شرذمة قليلة ~~ولهذا كان الدليل على حدوثه قويا والاعتراض الذي اعترض به الأرموي ضعيفا ~~بخلاف الوجوه الدالة على امتناع جنس دوام الحوادث فإن أدلتها ضعيفة ~~واعتراضات غيره عليها قوية # وهذا مما يبين أن ما جاءت به الرسل هو الحق وأن الأدلة العقلية الصريحة ~~توافق ما جاءت به الرسل وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول وإنما يقع ~~التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه وما يدخل في العقل وليس منه كالذين ~~جعلوا من السمع أن الرب لم يزل معطلا عن الكلام والفعل لا يتكلم بمشيئته ~~ولا يفعل بمشيئته بل ولا يمكنه عندهم أنه لا يزال يتكلم بمشيئته ويفعل ~~بمشيئته # فجعل هؤلاء هذا قول الرسل وليس هو قولهم وجعل هؤلاء من المعقول أنه يمتنع ~~دوام كونه قادرا على الكلام والفعل بمشيئته # وعارضهم آخرون فادعوا أن الواحد من مخلوقاته كالفلك أزلي معه وأنه لم يزل ~~ولا تزال حوادثه غير متناهية فهذه الدورات لا تتناهى وهذه لا تتناهى مع أن ~~هذه بقدر هذه مرات متناهية وكون الشيئين لا يتناهيان أزلا وأبدا مع كون ~~أحدهما بقدر الآخر مرات مع PageV02P364 كونه مفعولا معلولا مساويا لفاعله ~~في الزمن هو الذي انفردوا به وأما الفاعلية فيما لا يتناهى ابتداء وانتهاء ~~فهو الذي ذكر في هذا الوجه # وقد يقال يلزم مثل هذا في كلمات الله وإرادته التي كل منها غير متناه ~~أزلا وأبدا وإن كان أحدهما أكثر من الآخر وقد يذكر هنا أن مقدار القمر أصغر ~~من مقدار الشمس فحركته وإن زادت في الدورات فقد نقصت في المقدار لكن هذا لا ~~ينفع إلا إذا عرف تساوي مقدار جميع حركات الكواكب التي كل منها غير متناه ~~وإلا لزم التفاضل فيما لا يتناهى فإذا كان تساويها باطلا كان هذا السؤال ~~باطلا # قال الرازي الوجه الخامس نقدر أن الأدوار الماضية من اليوم لا ms0441 إلى أول ~~جملة ومن الأمس كذلك ثم نطبق الطرف المتناهي من إحدى الجملتين في الوهم على ~~الطرف المتناهي من PageV02P365 الأخرى ونقابل كل فرد من أفراد إحداهما ~~بنظيره من الأخرى فإن لم تقصر إحداهما عن الأخرى في الطرف الآخر كان الشيء ~~مع غيره كهولا مع غيره وإن قصرت كانت متناهية والأخرى زائدة بقدر متناه فهي ~~متناهية أيضا # قال الأرموي ولقائل أن يقول الجملة الناقصة لا تنقطع من طرف المبدأ وإنما ~~يكون الشيء مع غيره كهولا مع غيره إذا كان أفراد الزائد مثل أفراد الناقص ~~كما في مراتب الأعداد من الواحد إلى مالا يتناهى ومن العشرة إلى مالا ~~يتناهى إذا طبقنا إحدى الجملتين على الأخرى # قلت المعترض لم يبين فساد الحجة بل عارضها معارضة وغيره قد يمنع كلتا ~~المقدمتين أو إحداهما فالمعترض يقول وإن قصرت كانت متناهية فنقول إنما تكون ~~متناهية لو كانت منقطعة PageV02P366 من طرف المبدأ فأما مع عدم انقطاعها ~~فلا نسلم تناهيها كما أن المستقبل وتضعيف العدد لما لم يكن منقطعا من جهة ~~المنتهي لم يكن متناهيا وإن أمكن فيه مثل هذه المقابلة # وأما غيره فيجب بثلاثة أجوبة # أحدها قوله فإن لم تقصر إحداهما عن الأخرى في الطرف الآخر كان الشيء مع ~~غيره كهولا مع غيره فنقول هذا إنما يلزم إذا طبقنا إحدى الجملتين على ~~الأخرى والتطبيق في المعدوم ممتنع كما في تطبيق مراتب الأعداد من الواحد ~~إلى ما لا يتناهى ومن العشرة إلى ما لا يتناهى ومن المائة إلى ما لا يتناهى ~~فإنا نعلم أن عدد تضعيف الواحد أقل من عدد تضعيف العشرة وعدد تضعيف الغشرة ~~أقل من عدد تضعيف المائة وعدد تضعيف المائة أقل من عدد تضعيف الألف والجميع ~~لا يتناهى وهذه الحجة من جنس حجة مقابلة دورات أحد الكوكبين بدورات الآخر ~~لكن هناك الدورات وجدت وعدمت وهنا قدرت الأزمنة والحركات الماضية ناقصة ~~وزائدة # ومما يجاب به عن هذه الحجة وهي أشهر حججهم أن يقال لا نسلم إمكان التطبيق ~~فأنه إذا كان كلاهما لا بداية له وأحدهما PageV02P367 انتهى ms0442 أمس والآخر ~~انتهى اليوم كان تطبيق الحوادث إلى اليوم على الحوادث إلى الأمس ممتنعا ~~لذاته فإن الحوادث إلى اليوم أكثرفكيف تكون إحداهما مطابقة للأخرى فلما كان ~~التطبيق ممتنعا جاز أن يلزمه حكم ممتنع # وأيضا فيقال نحن نسلم أنها متناهية من الجانب المتناهي لكن لم قلت إذا ~~كانا متناهيين من أحد الجانبين كانا متناهيين من الجانب PageV02P368 الآخر ~~وهذا أول المسألة والتفاضل وقع من الجانب المتناهي لا من الجانب الذي ليس ~~بمتناه فلم يقع فيما لا يتناهى تفاضل # قال الرازي السادس لو كانت الأدوار الماضية غير متناهية كان وجود اليوم ~~موقوفا على انقضاء مالا نهاية له والموقوف على المحال محال # قال الأرموي ولقائل أن يقول انقضاء مالا نهاية له محال وأما انقضاء مالا ~~بداية له ففيه نزاع # قلت هنا نزاع لفظي ونزاع معنوي أما اللفظي فهو أنه إذا قدر تسلسل الحوادث ~~في الماضي وعدم انقطاعها وأنها لا أول لها فهل يعبر عن هذا بأن يقال لا ~~نهاية لها أو يقال لا بداية لها ولا يقال لا نهاية لها فالمستدل عبر بأنه ~~لا نهاية لها والمعترض أنكر ذلك وهذا نزاع لفظي وذلك أنه يقال هذا غير ~~متناه بمعنى أنه ليس له حد محدود وقد يقال غير متناه بمعنى أنه لا آخر له ~~ويقال هذا له نهاية أي له آخر وهذا لا نهاية له أي لا آخر له والحوادث ~~الماضية إذا قدر أنها لم تزل فإنه يقال لا نهاية لها بالمعنى الأول وأما ~~بالمعنى الثاني فقد انقضت وانصرمت ولها آخر PageV02P369 وهذه الحجة اعتمد ~~عليها أكثر المتكلمين كأبي المعالي ومن قبله وبعده من المعتزلة والأشعرية ~~وذكروا أنه اعتمد عليها يحيى النحوي وغيره من المتقدمين وظنوا أن ما لمم ~~يتناهى يمتنع أن يكون منقضيا منصرما فإنما انقضى وانصرم فقد تناهى فكيف ~~يقال إنه لا نهاية له واشتبه عليهم لفظ النهاية لما فيه من الإجمال ~~والاشتباه فإن الماضي له آخر انتهى إليه فهو متناه بهذا الاعتبار بلا نزاع ~~وبهذا المعنى يقال انه انصرم وانقضى وفرغ ونفذ واما ms0443 بالمعنى المتنازع فيه ~~فهو أنه لا بداية له أي لم تزل آحاده متعاقبة # وأما النزاع المعنوي فهو أنه هل يعقل انقضاء ما يقدر أنه لا بداية له ولا ~~ينتهي من جهة مبدئه أولا ولا ريب أن المستدل لم يذكر دليلا على امتناع ~~انقضاء ذلك لكن أخذ لفظ ما لا يتناهى ولفظ مالا يتناهى فيه إجمال فقد يعنى ~~به مالا يتناهى في المستقبل من جهة آخره فإذا قيل إن هذا ينقضي كان ~~PageV02P370 ذلك جمعا بين النقيضين وقد يعنى به ما لا بداية له وهو ينازع ~~في إمكان ذلك لأنه حينئذ يكون له نهاية بلا بداية وكأنه يقول ماله نهاية ~~فلا بد له من بداية ومنازعوه يقولون هذا مسلم في الأشخاص فكل شخص ينتهي فلا ~~بد له من مبدأ إذا لو لم يكن له مبدأ لكان قديما وما وجب قدمه امتنع عدمه ~~كما سيأتي وينازعونه في النوع ويقولون يمكن أن يقال إن الله لم يزل يفعل ~~شيئا بعد شيء # وسيأتي إن شاء الله كلام الرازي على إفساد هذه الحجة التي ذكرها هاهنا ~~على تناهي الحوادث بكلام لم يذكر عنه جوابا # قال الرازي وان كان الجسم في الأزل ساكنا كان ذلك ممتنعا لأن السكون ~~وجودي وكل وجودي أزلي فإنه يمتنع زواله # والمنازع نازعه في كون السكون وجوديا ولم ينازعه في أن الوجود الأزلي ~~يمتنع زواله وقد قرر ذلك الرازي بأن القديم إما واجب بذاته أو ممكن يكون ~~مؤثرة موجبا بذاته سواء كان تأثيره بنفسه أو بشرط لازم PageV02P371 له ولا ~~يحتاج إلى هذا بل يقال القديم إن كان واجبا بنفسه امتنع عدمه وان لم يكن ~~كذلك فالمقتضى له سواء سمي موجبا أو مختارا إما أن يتوقف اقتضاؤه له على ~~شرط محدث أو لا والثاني ممتنع فإن القديم لا يتوقف على شرط محدث إذ لو توقف ~~عليه لكان القديم مع المحدث أو بعده وإذا لم يتوقف على شرط محدث لزم أن ~~يكون قد وجد المقتضي التام المستلزم له في الأزل وحينئذ فيجب دوامه بدوام ~~المقتضي ms0444 التام ثم كون القديم لا يكون مقتضي له اختيار فيه كلام ونزاع وليس ~~هذا موضعه والمقصود هنا أن منازعه نازعه في كون السكون وجوديا # وقد احتج عليه الرازي بأن تبدل حركة الجسم الواحد بالسكون وبالعكس يقتضي ~~كون أحدهما وجوديا لأن رفع العدم ثبوت فيكون الآخر وجوديا لأن الحركة هي ~~الحصول في حيز مسبوقا بالحصول في الآخر والسكون هو الحصول في حيز مسبوقا ~~بالحصول فيه فاختلافهما إنما هو بالمسبوقية بالغير وإنها وصف عرضي لا يمنع ~~اتحاد الماهية فيلزم كونهما وجوديين PageV02P372 قال الأرموي ولقائل أن ~~يقول الحركة والسكون متقابلان تقابل الضدين أو تقابل العدم والملكة ~~والبديهة حاكمة باختلاف الضدين في تمام الماهية وكذا العدم والملكة وأيضا ~~المسبوقية وصف عرضي لما به الاشتراك والوصف العرضي لما به الاشتراك يكون ~~ذاتيا للماهية المركبة منهما # قلت مضمون ذلك أن الرازي احتج بأن السكون من جنس الحركة وإنما يختلفان في ~~كون أحدهما مسبوقا بالغير وهذا اختلاف في وصف عرضي لا يمنع التماثل في ~~الحقيقة فمنعه الأرموي بمقدمتين بل أبطل الأولى بأن المتقابلين تقابل ~~الضدين كالسواد والبياض والحلاوة والمرارة ونحو ذلك هما مختلفان في الحقيقة ~~وكذا المتقابلان تقابل العدم والملكة كالعمى والبصر والحياة والموت والعلم ~~والجهل ونحو ذلك والحركة مع السكون إما من هذا وإما من هذا فكيف تجعل حقيقة ~~أحدهما مماثلة لحقيقة الآخر وأنهما لا يختلفان إلا بوصف عرضي PageV02P373 ~~وإيضاح هذا أن الحركة ليست من جنس الحصول المشترك بينها وبين السكون فإن ~~كون الشيء في هذا الحيز وفي هذا الحيز معقول مع قطع النظر عن كونه متحركا ~~فإنه إذا قدر أنه سكن في الحيز الثاني كان هذا الحصول من جنس ذلك الحصول ~~وأما نفس حركته فأمر زائد على مطلق الحصول المشترك ومنع الثانية وجعل سند ~~منعه أن قول القائل المسبوقية وصف عرضي إن عني أنها ليست ذاتية فلا دليل ~~على ذلك وإن عني أنها عرضية لما اشتركا فيه فالعرض لما به الاشتراك قد يكون ~~ذاتيا للحقيقة المركبة من المشترك والمميز كالناطقية فإنها تعرض للحيوانية ~~ليست ذاتية ms0445 لها ثم إنها ذاتية للإنسانية المركبة من الحيوانية والناطقية # والرازي قد يمكنه أن يجيب عن هذا بأن كون هذا مسبوقا بهذا إنما هو أمر ~~إضافي أي هو متأخر عنه ومثل هذا لا يكون من الصفات الذاتية كالحركتين ~~المتماثلتين الثانية مع الأولى فإنهما إذا كانتا متماثلتين لم يجز أن يجعل ~~كون إحداهما مسبوقة بالغير دون الأخرى من الصفات الذاتية المفرقة بينهما # ولقائل أن يقول الحجة والاعتراض مبني على أن الصفات اللازمة للحقيقة ~~تنقسم إلى ذاتي وعرضي كما يقوله من يقوله من أهل المنطق فإن تقسيم الصفات ~~اللازمة للحقيقة إلى ما هو ذاتي داخل في الحقيقة وما هو عرضي خارج عنها قول ~~لا يقوم عليه دليل بل PageV02P374 الدليل يقوم على نقيضه ولهذا لما لم يكن ~~في نفس الأمر بينهما فرق لم يحدد المفرقون بينهما حدا يفصل بينهما بل ما ~~ذكروه من الضوابط منتقض كما هو مبسوط في موضعه وإذا كانت الصفتان متلازمتين ~~في الوجود والعدم الثبوت والانتفاء لا توجد هذه إلا مع هذه وإذا انتفت هذه ~~كان التفريق بجعل إحداهما مقومة والأخرى عرضية تحكما # ثم إذا قيل الذات هي المركبة من الصفات الذاتية والصفات الذاتية مالا ~~تتصور الذات إلا بها لم تعرف الذات إلا بالصفات الذاتية ولا الصفات الذاتية ~~إلا بالذات # وأيضا فإن هذا مبني على أن وجود الشيء في الخارج زائد على حقيقته ~~الموجودة في الخارج وهو أيضا قول باطل ضعيف # وأيضا فالذات الموجودة في الخارج القائمة بنفسها كهذا الإنسان إن قيل إنه ~~مركب من عرضين لزم كون الجوهر مركبا من عرضين وأن يكونا سابقين له وهذا ~~ممتنع في البديهة وإن قيل إنه مركب من جوهرين كل منهما يحمل عليه كما يقال ~~هو حيوان ناطق لزم أن يكون فيه جوهران أحدهما حيوان والآخر ناطق وهذا ~~مكابرة للحس والعقل إذ هو حيوان واحد موصوف بأنه ناطق PageV02P375 # وإذا كان كذلك فكون الحصول الذي هو مسبوق بحصول آخر إذا كان ذلك لازما له ~~كان من الصفات اللازمة وإذا افترق الشيئان في الصفات اللازمة لم ms0446 يجب أن ~~تكون حقيقة أحدهما مثل حقيقة الآخر فإن المتماثلين هما المشتركان فيما يجب ~~ويجوز ويمتنع فإذا وجب لأحدهما مالا يجب للآخر لم يكن مثله # وللأرموي أن يقول قد تبين بطلان المقدمتين سواء كان بطريقة المنطقيين أو ~~بطريقة سائر أهل النظر الذين أنكروا على المنطقيين ما ذكروه كما أنكر سائر ~~طوائف أهل النظر من المسلمين وغيرهم عليهم كثيرا مما ذكروه في الحدود ~~وغيرها كما هو معروف في كتب أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكرامية ~~وطوائف الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وليس المقصود هنا ~~بسط ما يتعلق بهذا # قال الرازي وإنما قلنا السكون لا يمتنع زواله لأن الخصم يسلم جواز حركة ~~كل جسم ولأن المتحيز يجوز خروجه من حيزه لأنه إن كان بسيطا كانت طبائع ~~جوانبه متساوية فيجوز على كل منها ما يجوز على الآخر وإن كان مركبا كان هذا ~~لازما لبسائطه وخروجه PageV02P376 عن حيزه هو الحركة # ولقائل أن يقول هذا يقتضي إمكان كون نوع الجسم يقبل الحركة فإذا قدر أن ~~السكون وجودي وله موجب مستلزم له كان امتناع الحركة لمعنى آخر يختص به ~~الجسم المعين لم يوجد لغيره من الأجسام فلا يلزم إذا قدر أنه موجود أزلي ~~أنه يمكن زواله بل هذا جمع بين المتناقضين فما قدر موجودا أزليا لا يمكن ~~زواله بحال ولا يمكن أن يجمع بين تقديرين متناقضين وقبول كل جسم للحركة لا ~~يحتاج إلى هذا فإذا قيل إن السكون عدم الحركة أمكن مع كون السكون أزليا من ~~إثبات الحركة مالا يمكن مع تقدير كونه وجوديا وذلك أنه حينئذ لا تتوقف ~~الحركة إلا على وجود مقتضيها وانتفاء مانعها وليس هناك معنى وجودي أزلي ~~يحتاج إلى زواله # وقد أورد بعضهم على استدلاله على أن السكون أمر وجودي اعتراضا بالغا فقال ~~هذا فيه نظر من جهة أن مقدمة الدليل مناقضة للمطلوب لأن المطلوب كونهما ~~وجوديين ومقدمة الدليل أن أحدهما وجودي ولا يمكن تقريره إلا بما سبق وهو ~~يتقضي أن يكون أحدهما عدميا فادعاء كونهما وجوديين بعد ذلك مناقض له ms0447 ~~PageV02P377 # قلت وهذا كلام جيد فإن الأمرين اللذين تبدل أحدهما بالآخر ورفعه إن لزم ~~أن يكون أحدهما وجوديا والآخر عدميا لزم أن تكون الحركة والسكون أحدهما ~~وجوديا والآخر عدميا وهو نقيض المطلوب وإن جاز أن يكونا جميعا وجوديين أو ~~عدميين بطل الدليل وهو قوله لأن تبدل أحدهما بالآخر يقتضى أن يكون أحدهما ~~وجوديا لأن المرفوع إن كان وجوديا وإلا فالرافع وجودي لأن رفع العدم ثبوت ~~فإنه على هذا التقدير يمكن رفع العدم بالعدم والوجود بالوجود # وإن قيل بل يجب ان يكونا وجوديين أو يكون أحدهما وجوديا ولا يجوز ان ~~يكونا عدميين لأن العدم لا يرتفع بالعدم كما يرتفع الوجود بالوجود والعدم ~~بالوجود أو بالعكس # قيل بل العدمان قد يتضادان كما قد يتلازمان فكما أن عدم الشرط مستلزم ~~لعدم المشروط فعدم الأمور الواجب واحد منها ينافي عدمها كلها فإذا كان ~~الجنس لا يوجد الا بوجود نوع له فصل امتنع مع وجود الجنس عدم جميع الانواع ~~والفصول فكان عدم بعضها ينافي عدمها كلها وهذا كما يقال في التقسيم وهو ~~الشرطي المنفصل قد يكون مانعا من الجمع والخلو كقول القائل العدد إما شفع ~~وإما وتر وقد يكون مانعا من الجمع فقط كقول القائل الجسم إما أسود وإما ~~ابيض وقد يكون من الخلو فقط فما كان مانعا من الخلو فقط PageV02P378 أو من ~~الجمع امتنع اجتماع العدمين فيه فكما ان الشفعية تنافي الوترية في العدد ~~فعدم الشفعية ينافي عدم الوترية لا ثبوتها فلا يحصل العدمان معا بل إذا ثبت ~~أحد العدمين لم يثبت العدم الآخر فيكون العدم رافعا للعدم # وأيضا فمطلوب المستدل ان تكون الحركة والسكون وجوديين فإذا قال تبدل ~~الحركة بالسكون يقتضي كون أحدهما وجوديا لأن رفع العدم ثبوت كان إثبات ~~كونهما وجوديين موقوفا على تقدير كون أحدهما عدميا لأنه قال لأن رفع العدم ~~ثبوت فإن لم يكن أحدهما عدميا لم يصح هذا وإذا كان المرفوع عدميا امتنع أن ~~يكونا وجوديين والمطلوب كونهما وجوديين فصار المطلوب مناقضا لمقدمة الدليل ~~كما ذكره المعترض # لكنه قال فالأولى ms0448 أن يقال في تقريره ان الحركة وجودية إجماعا ولأنه مبصر ~~فوجب أن يكون السكون أيضا وجوديا بالتقرير الذي سبق # ثم ذكر اعتراض الأرموي فقال وأورد بينهما إما تقابل التضاد أو العدم ~~والملكة والبديهة حاكمة باختلاف ماهية المتضادين والمتقابلين # قال وأجيب بأن التضاد بين الشيئين إذا كان عارضا لهما كما بين الأسود ~~والأبيض لم يلزم ذلك وما نحن فيه كذلك فإن تضاد عارض لهما بسبب المسبوقية ~~بالغير وهي عدمية فلم يجز أن تكون PageV02P379 جزءا ولأنه ليس جعل السكون ~~عبارة عن عدم الحركة أولى من العكس فإما أن يكونا عدميين وهو باطل وفاقا ~~وفتعين أن يكونا وجوديين # ولقائل أن يقول التضاد بين الحركة والسكون من جنس التضاد بين الحياة ~~والموت والعلم والجهل والقدرة والعجز والسواد والبياض والعمى والبصر ~~والحلاوة والحموضة ونحو ذلك من الصفات الثبوتية أو التي بعضها ثبوتي وبعضها ~~عدمي ليس هو من جنس تضاد القائمين بأنفسهما كالأسود والأبيض فإن التضاد ~~إنما يكون في المعتقبين اللذين يعتقبان على محل واحد كما قال متكلمة أهل ~~الإثبات الضدان كل معنيين يستحيل اجتماعهما في محل واحد لذاتيهما من جهة ~~واحدة فما لم يكن المعنيان قائمين بمحل واحد فلا تضاد والحركة والسكون ~~يتعقبان على المحل الواحد اما تعاقب اللونين والطعميين واما تعاقب العلم ~~والبصر والسمع وعدم ذلك فكيف يكون إحداهما مثل الآخر لا يفارقه إلا بصفة ~~عرضية # وفي الجملة فالحركة والسكون هما ان كانا وجوديين فهما عرضان وان كان ~~احداهما وجوديا فإحداهما عرض والآخر عدم العرض وعلى التقديريين فلسا قائمين ~~بأنفسهما فلا يجوز تشبيههما بالأجسام كالأسود والأبيض والطويل والقصير ~~والعالم والجاهل بل يجب تشبيههما بالإعراض وعدم الإعراض كالسواد والبياض ~~والعلم وعدم العلم ونحو ذلك PageV02P380 فقول الأرموي إن الحركة والسكون ~~متقابلان تقابل الضدين أو تقابل العدم والملكة وعلى التقديرين يجب اختلاف ~~ماهيتهما لا تماثلهما كلام صحيح وقول المعارض له إن الاختلاف إذا كان لعارض ~~كما بين الأسود والأبيض لم يجب اختلاف الماهيتين فإن ماهية الأسود من جنس ~~ماهية الأبيض كلام باطل لأن الأسود والأبيض من باب ms0449 الأجسام القائمة بأنفسها ~~لا من باب الصفات والاعراض # وأيضا فالأسود والأبيض لا يتقابلان تقابل الضدين ولا تقابل العدم والملكة ~~فليسا من هذا الباب اللهم إلا إذا أراد مريد بذلك أن الحيز الذي فيه الأسود ~~لا يكون فيه الأبيض وحينئذ فيكون تضاد الأبيض والأسود كتضاد الأسودين ~~والأبيضين # وأيضا فيقال اختلاف الأسود والأبيض يراد به اختلاف عينهما مع قطع النظر ~~عن السواد والبياض أو بشرط السواد والبياض فإن اريد الأول فلا اختلاف بين ~~ذاتيهما مع قطع النظر عن اللونين فإن الجسم الذي هو الأسود قد يكون نفس ~~الجسم الذي هو الأبيض وإن أريد بالإختلاف اختلافهما بشرط اللون المختلف ~~فحينئذ يكون اختلافهما كاختلاف السواد والبياض فإن الشيء المشروط السواد ~~مخالف للشيء المشروط بالبياض ولا يجوز أن يقال إن الذاتين متماثلتان إلا مع ~~التجريد PageV02P381 عن الاختلاف والا فإذا أخذت الذاتين مشروطتين ~~بالإختلاف لم يكونا متماثلتين التماثل الذي لا يشترط فيه الاختلاف كيف ~~والمتماثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر والشيء في حال سواده لا ~~يجوز أن يكون ابيض وهو في حاله بياضه لا يكون اسود فلا يكون الأسود حال ~~كونه مشروطا بالسواد يجوز عليه ما يجوز على الأبيض حال كونه مشروطا بالبياض # وقول القائل إن الاختلاف بين الحركة والسكون عارض بسبب المسبوقية بالغير ~~ليس بمسلم له فإنه يعقل التضاد بينهما مع عدم خطور المسبوقية بالبال كما ~~يعقل التضاد بني العلم والجهل والقدرة والعجز والسواد والبياض # وقول القائل ليس جعل السكون عبارة عن عدم الحركة بأولى من العكس دعوى ~~مجردة فلا نسلم انتفاء هذه الأولية بل هذه الدعوى بمنزلة قول القائل ليس ~~جعل العمى عدم البصر بأولى من العكس وليس جعل الصمم عدم السمع بأولى من ~~العكس وليس جعل الجهل البسيط عدم العلم بأولى من العكس وليس جعل أحد ~~المتقابلين عدما والآخر وجودا بأولى من العكس # ومعلوم أن كل هذه دعاوي مجردة بل باطلة فإنا نعلم بالحس أن الحركة أمر ~~وجودي كما نعلم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر أمر وجودي وأما كون ~~ما ms0450 يقابل ذلك هو ضد ما ينافيها أو PageV02P382 عدمها عن محلها فهذا فيه نظر ~~ولهذا تنازع العقلاء في هذا دون الأول وكثير من النزاع في ذلك يكون لفظيا ~~فإنه قد يكون عدم الشيء مستلزما لأمر وجودي مثل الحياة مثلا فإن عدم حياة ~~البدن مثلا مستلزم لأعراض وجودية # والناس تنازعوا في الموت هل هو عدمي أو وجودي ومن قال إنه وجودي احتج ~~بقوله تعالى @QB@ خلق الموت والحياة @QE@ سورة الملك 2 فأخبر أنه خلق الموت ~~كما خلق الحياة ومنازعه يقول العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود أو يقول ~~الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة وحينئذ فالنزاع لفظي ~~وكذلك تنازعوا في الظلمة هل هي وجودية أو عدمية وهي عدم النور عما من شأنه ~~قبوله ومن قال إنها وجودية يحتج بقوله تعالى @QB@ وجعل الظلمات والنور @QE@ ~~سورة الأنعام 1 والآخر يقول كل ما يتجدد ويحدث من الأمور الوجودية والعدمية ~~فالله سبحانه جاعله أو يقول عدم النور مستلزم لأمور وجودية هي الظلمة ~~المجعولة وكون السكون وجوديا ابعد من كون الموت والظلمة ونحو ذلك وجوديا ~~والسكون قد يراد به قوة في الجسم تمنع حركته كالطبيعة التي في الحجر التي ~~توجب استقراره في الأرض وهذا أمر وجودي لكن من قال إن السكون عدمي لم يجعل ~~تلك الطبيعة هي السكون بل قد يسمون ذلك اعتمادا ويفرقون بين السكون ~~الاعتماد لكن قد PageV02P383 يقال له فالجسم إذا كان ساكنا فإما أن يكون ~~السكون وجوديا أو مستلزما لأمر وجودي وحينئذ فالمقتضي لذلك الأمر الوجودي ~~إما موجب بنفسه ويساق الدليل إلى آخره لكن من قال إن الجسم الأول كان ساكنا ~~في الأزل ثم تحرك يقول في هذا ما يقوله القائلون بحدوث الأجسام فإنهم إذا ~~قالوا حدثت هي وحركتها من غير سبب يقتضي حدوثها قال لهم هذا المنازع بل كان ~~ما قدر قديما من الأجسام ساكنا ثم حدثت حركته من غير سبب يقتضي تحركها وهذا ~~يقوله من يقول إن الأول جسم وإنه يتجدد له الفعل بعد أن لم يكن له فاعلا ~~ويقول الكلام ms0451 في حدوث الفعل القائم به كالكلام في حدوث المفعول المنفصل عنه # وذلك أن أهل الكلام والنظر من أهل القبلة وغيرهم تنازعوا في ثبوت جسم ~~قديم فطائفة قالت بامتناع جسم قديم وحدوث كل جسم وتنازعوا في المحدث للجسم ~~هل أحدث بعد أن لم يكن محدثا بدون سبب حادث أصلا أم لا بد من سبب حادث وهل ~~تقوم به أمور حادثة كإرادة حادثة وتصور حادث بل وفعل حادث على قولين لهم ~~PageV02P384 وطائفة قالت بثبوت جسم قديم ثم هؤلاء منهم من قال لم يزل فاعلا ~~متحركا ومنهم من قال بل تجدد له الفعل والحركة فإذا احتج الاولون على هؤلاء ~~بأن الجسم لو كان أزليا لم يخل من الحركة والسكون والحركة لا تكون أزلية ~~لامتناع دوام الحوادث وتسلسلها والسكون لا يكون أزليا لأنه وجودي فلو كان ~~أزليا لامتنع زواله لأن الوجودي الأزلي يمتنع زواله لأن المقتضى له إما ~~موجب بنفسه أو لازم للموجب بنفسه ثم نقول والسكون يجوز زواله فلا يكون ~~أزليا # أجابوهم عن جواز دوام الحوادث بأجوبتهم المعروفة كما تقدم التنبيه على ~~ذلك وأجابوهم عن السكون الزلي بأن قالوا ما ذكرتموه يناقض ما ذكرتموه في ~~حدوث الأجسام وذلك أنكم إذا قلتم بحدوثها فلا يخلو إما ان تقولوا بجواز ~~تسلسل الحوادث واما أن لا تقولوا بجواز ذلك # فإن قلتم بجواز تسلسل الحوادث وان الأجسام حدثت بشرط حوادث متعاقبة كما ~~قال ذلك من قاله من القائلين بحدوث الأجسام كالأرموي والأبهري وغيرهما ~~قالوا لهم فإذا جوزتم تسلسل الحوادث بطل دليلكم على امتناع التسلسل في ~~الآثار أمكن حينئذ أن يكون الجسم القديم لم يزل متحركا فبطل دليلكم على ~~حدوث الجسم # وان قلتم لا يجوز تسلسل الحوادث والآثار وقلتم بحدوث PageV02P385 الأجسام ~~من غير سبب حادث لزم أن لا يكون حدوث الحادثات متوقفا على سبب حادث بل كان ~~الفاعل المختار يحدث ما يحدث من غير سبب حادث أصلا كما يقول ذلك من يقوله ~~من المعتزلة ومن وافقهم # وحينئذ فيقول لهم منازعوهم من الهشامية والكرامية وغيرهم فيجوز حينئذ ان ~~يكون ms0452 الجسم القديم الازلي تحرك بعد أن كان ساكنا من غير سبب أوجب ذلك بل ~~بمحض المشيئة والقدرة لأن القادر المختار يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا ~~مرجح يرجح السكون تارة والحركة أخرى # فإن قالوا هم فنحن نقول يفعل بعد ان لم يكن فاعلا فإذا قلتم السكون أمر ~~وجودي جعلتموه فاعلا في الأزل الامر وجودي والفعل في الأزل محال # قالوا لهم نحن ليس لنا غرض في أن نجعل السكون امرا وجوديا ولا ان جعله ~~فاعلا في الأزل لأمر وجودي بل اتفقنا نحن وأنتم على انه يفعل ما لم يكن ~~فاعلا له من غير سبب حادث لكن نزاعنا في الفعل هل يقوم به وفي الفاعل هو ~~جسم فإذا طالبتمونا بسبب فعله للحركة بعد السكون قلنا لكم هذا بمنزلة فعله ~~لكل محدث بعد ان لم يكن فاعلا والفرق إنما يعود إلى محل الفعل لا إلى سببه ~~PageV02P386 ومقتضيه وتلك مسألة اخرى قد تكلم عليها في غير هذا الوضع والا ~~فمن جهة المطالبة بسبب الفعل الحادث لا فرق بيننا وبينكم بل قولنا اقرب إلى ~~المعقول من قولكم فان أحداث الأمور المنفصلة بدون حدوث فعل يقوم بالفاعل ~~أمر غير معقول بخلاف العكس # فإذا قالوا لهم السكون أمر وجودي فإذا كان أزليا كان له موجب قديم ويمتنع ~~زواله # قالوا لهم حدوث ما يحدث اما ان يقف على سبب حادث واما ان لا يقف فإن وقف ~~على امر حادث بطل قولكم بحدوث الأجسام وان لم يقف فقد يقال فرق بين حدوث ~~حادث يزيل أمرا عدميا فإن لم يقف بطل قولكم بحدوث الأجسام وان وقف فلا فرق ~~بين حدوث حادث يزيل أمرا وجوديا أو حدوث حادث يزيل أمرا وجوديا وذلك أنه ان ~~جوز على الفاعل أن يحدث ما يحدث من غير تجدد أمر فقد تغير الأمر الذي لم ~~يزل بلا سبب اقتضى التغير إلا محض مشيئة الفاعل وقدرته وحينئذ فيجوز أن ~~يتغير السكون الذي لم يزل بدون سبب يقتضي التغير إلا محض مشيئة الفاعل ~~وقدرته وإذا كان الفاعل القادر ms0453 المختار قادرا على أن يحدث ما يحدث ويجعل ~~المعدوم موجودا بدون سبب حادث أصلا لأنه يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا ~~مرجح كان قادرا على أن يجعل PageV02P387 الساكن متحركا بدون سبب حادث أصلا ~~لأنه يمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا احداث الأجسام التي تكون ساكنة ~~ومتحركة أعظم من احداث نفس حركاتها فإذا امكنه احداثها بدون سبب حادث ~~فإحداث حركاتها أمكن وأمكن # وقال له ملو خلق الباري تعالى جسما ساكنا ثم أراد تحركيه بدون سبب حادث ~~أكان ذلك ممكنا أو ممتنعا # فإن قلتم يمتنع ذلك بطل مذهبكم ودليلكم وان قلتم يمكن ذلك قيل لكم فالقول ~~في زوال ذلك السكون كالقول في زوال غيره فإنه يقال السكون امر وجودي وذلك ~~السكون الوجودي لا بد له من سبب وحينئذ فتجيء مسألة زوال الضد هل هو بإحداث ~~ضد آخر أو باحداث عدمه أو بخلق فناء أو نفس الاعراض لا تبقى فيقال في هذا ~~ما يقال في ذلك ومن قال السكون الوجودي لا يبقى زمانين بل ينقضي شيئا فشيئا ~~قيل له فكذلك إذا قدر السكون قديما فإنه لا يبقى زمانين بل يحدث شيئا فشيئا ~~وحينئذ فكل جزء من أجزاء السكون ليس هو قديما بنفسه كما قلتم في كل جزء من ~~أجزاء الحركة ليس هو قديما بنفسه # فإذا كان القائلون بأن السكون أمر وجودي يقولون إنه يتجدد شيئا فشيئا كما ~~يقولون مثل ذلك في الحركة PageV02P388 قيل لهم فيكون دليلكم على امتناع كون ~~الأزلي ساكنا من جنس دليلكم على امتناع كونه متحركا وهو تناهي الحوادث وقد ~~تقدم الكلام فيه # فإذا قالوا السكون امر وجودي فإذا كان قديما امتنع زواله لن ما وجب قدمه ~~امتنع عدمه لأن القديم إما أن يكون واجبا بنفسه أو من لوازم الواجب بنفسه # قيل لهم هذا مثل أن يقال عدم الفعل هو تركه وترك الفعل أمر وجودي فإذا ~~كان قديما امتنع عدمه لان ما وجب قدمه امتنع عدمه # فإذا قالوا عدم الفعل ليس هو تركا وجوديا امكن ان يقال عدم الحركة ليس هو ms0454 ~~سكونا وجوديا # وقد ضعف الآمدي وغيره هذه الحجة حجة الحركة والسكون وهي فاسدة على اصول ~~من يقول بأن الاعراض لا تبقى زمانين من هذه الجهة وهي في الاصل من حجج ~~المعتزلة الذين يقولون بجواز بقاء الاعراض لكن من ينازعهم من الهشامية ~~والكرامية وغيرهم ممن يقول بإثبات جسم قديم وأنه قام من الفعل ما لم يكن ~~قائما سواء سموا ذلك حركة كما يقر بعضهم بذلك أو لم يسموه حركة كما يمتنع ~~بعضهم من ذلك فإن المقصود المعاني العقلية لا الإطلاقات اللفظية ~~PageV02P389 فاذا قال من قال من معتزلة البصرة ان إفناء الأجسام بإحداث ~~فناء لا في محل كما ان احداثها بحدوث إرادة لا في محل والتزموا حدوث عرض لا ~~محل له وحدوث الحوادث بلا سبب حادث وأن من الحوادث ما يحدث بدون إرادة ~~وقالوا لا يزول الضد إلا بحدوث ضده # قال لهم هؤلاء فكذلك إذا قدرنا جسما قديما تحرك بعد أن كان ساكنا كان ~~زوال ذلك السكون بحدوث ضده من الحركة وحدوث ذلك بما به يحدث المنفصل ومن ~~قال العرض يعدم بإحداث اعدام كما هو أحد القولين لمتكلمه أهل لأثبات من ~~الأشعرية والكرامية وغيرهم قالوا ذلك السكون يعدم بإحداث اعدام والقول في ~~سبب حدوث الاعدام كالقول في حدوث سبب الاحداث # وان قالوا ان السكون ينقضي شيئا فشيئا كما تنقضي الحركة شيئا فشيئا كما ~~قالوا مثل ذلك في سائر الاعراض كما هو أحد قولي أهل الاثبات من الأشعرية ~~وغيرهم قالوا لهم فالسكون اذن كالحركة فكما ان الحركة متعاقبة الاجزاء ~~فكذلك السكون # ولا ريب ان هذه الأمور تلزم المستدلين بدليل الحركة والسكون لزوما لا ~~محيد عنه وإنما التبس مثل هذا لأن الواحد من هؤلاء يبني على المقدمة ~~الصحيحة في موضع ويلتزم ما يناقضها في موضع آخر فيظهر PageV02P390 من تناقض ~~أقوالهم ما يبين فسادها لكن قد يكونوا ما أثبتوه في أحد الموضعين صحيحا ~~متفقا عليه فلا ينازعهم الناس فيه ولا في مقدماته وقد تكون المقدمات فيها ~~ضعف لكن لكون النتيجة صحيحة يتساهل الناس في تسليم ms0455 مقدماتها وانما يقع ~~تحرير المقدمات والنزاع فيها إذا كانت النتيجة مورد نزاع # والمسلمون متفقون على ان الله سبحانه وتعالى وصفاته اللازمة لذاته لا ~~يجوز عليها العدم وقد اشتهر في اصطلاح المتكلمين تسميته بالقديم بل غالب ~~المعتزلة ومن سلك سبيلهم غالب ما يسمونه بالقديم وان كان من المعتزلة ~~وغيرهم من لا يسميه بالقديم وان سماه بالأزلي واكثرهم يجعلون القدم أخص ~~وصفه كما أن الفلاسفة المتأخرين الإلهين غالب ما يسمونه به واجب الوجود ~~والمتقدمون منهم غالبا ما يسمونه به العلة الاولى والمبدأ الاول # فإذا قرر المقرر ان ما وجب قدمه امتنع عدمه كان من العلوم أن الرب القديم ~~الواجب الوجود يمتنع عدمه تعالى وليس عند المسلمين قديم قائم بنفسه غيره ~~حتى يقال انه يمتنع عدمه تعالى وليس عند المسلمين قديم قائم بنفسه غيره حتى ~~يقال انه يمتنع عدمه والمتفلسفة القائلون بقدم الافلاك يقولون انه يمتنع ~~عدمها فهذه المقدمة وان كانت صحيحة في نفسها فلا يصلح أن يستدل بها من قال ~~بما يناقضها أو بما يستلزم ما يناقضها فإن نفس ما يستدل به عليها إذا ناقض ~~قوله أمكن PageV02P391 معارضه أن يبطل حجته بالإعتراض المركب لا سيما إذا ~~اقتضى فساد قوله على التقديرين # فمن كان من اصل قوله ان الفاعل المختار له أن يرجح أحد المقدورين على ~~الآخر بلا مرجح اصلا بمجرد كونه قادرا أو بمجرد ارادته القديمة وقدر مع ذلك ~~جسم قديم قادر مختار يقبل الحركة والسكون كان تحركه بعد سكونه الدائم ~~بمنزلة تحريكه لغيره فإن أمكن تحريكه لغيره بمجرد كونه قادرا أو بمجرد ~~ارادته امكن ذلك في هذا الموضع ولا يمتنع من ذلك إلا ان يقول دليل على ان ~~الجسم يمتنع قدمه أو ان القديم يمتنع كونه يتحرك لكن هؤلاء إذا لم يثبتوا ~~حدوث الجسم أو امتناع تحرك القديم إلا بهذا الدليل لم يمكنهم ان يجعلوا من ~~مقدمات الدليل حدوث الجسم أو امتناع حركة القديم بل إذا كان حدوث الجسم أو ~~أمتناع حركة القديم موقوفا على هذا الدليل كانوا قد صادروا على ms0456 المطلوب ~~وجعلوا المطلوب حجة في اثبات نفسه لكن غيروا العبارات وداروا الدورات وهم ~~من موضعهم لم يتغيروا فلهذا كان من وافقهم وفهم كلامهم حائرا لم يفده علما ~~ومن لم يفهمه ووافقهم كان جاهلا مقلدا لاقوام جهال ضلال يظهرون انهم من ~~أعلم الناس واصول الدين والكلام والعقليات # ثم ان الرازي ذكر من جهة المنازعين بأن هذه الوجوه الستة في امتناع كون ~~الجسم ازليا متحركا التي تقدمت وتقدم اعتراض PageV02P392 الأرموي عليها ~~معارضة بأن امتناع الحركة في الأزل ان كان لذاتها وجب ان لا توجد اصلا وان ~~كان بغيرها فذلك المانع ان كان واجبا لذاته فكذلك وان كان واجبا لغيره عاد ~~الكلام فيه وتسلسل أو ينتهي إلى واجب الوجود لذاته ولزم امتناع زوال المانع # فإن قلت المانع هو مسمى الأزل لأنه ينافي المسبوقية بالغير إلى تقتضيها ~~الحركة وانه زائل فيما لا يزال # قلت الترديد المذكور عائد في مسمى الأزل انه هو واجب لذاته أو لغيره # وأجاب الرازي عن هذه المعارضة فقال قوله صحة الحركة ازلية قلنا انه لا ~~يلزم من ازلية الصحة صحة الازلية قلت ولقائل ان يقول ما تعني بقولك صحة ~~الحركة ازلية اتعني به انه يصح وجود الحركة في الأزل أم تعني به انه في ~~الأزل يصح الحكم عليها بالصحة فيما لا يزال PageV02P393 أما الأول فهو ~~تسليم للمطلوب واما الثاني فهو حكم علمي لا كلام فيه كالأحكام العقلية ~~الذهنية فينا فإنه يصح في الازل الحكم بالامتناع على الممتنعات كما يصح ~~الحكم بالجواز على الجائزات ثم يقال الحركة في الأزل اما ممتنعة الامكان ~~العام الذي يدخل فيه الواجب واما ممكنة فان كانت ممتنعة فهو باطل كما تقدم ~~وان كانت ممكنة كان الدليل على امتناعها باطلا فبطلت الوجوه الدالة على ~~امتناع الحركة في الازل # ولم يرضى أبو الحسن الآمدي هذا الجواب الذي ذكره الرازي بل ذكر جوابا آخر ~~فقال وجوابه أن يقال لا يلزم من امتناع الوجود الازلي على الحركة لذاتها ~~امتناع الوجود الذي ليس بأزلي فإذا ما هو الممتنع غير زائل وهو ms0457 الوجود ~~الأزلي وما هو الجائز لم يكن ممتنعا # قلت ولقائل ان يقول هذا يستلزم انقلاب الشيء من الامتناع الذاتي إلى ~~الامكان الذاتي من غير تجدد سبب يوجب هذا الإنقلاب بما لا ينضبط لا في ~~الوجود ولا في العقل فإن الامكان الذاتي ثابت بالضرورة والاتفاق وما من وقت ~~يقدر فيه الامكان إلا والامكان ثابت قبله لا إلى غاية فليس للإمكان ابتداء ~~محدود # يبين ذلك انه قد يقال صحة الحركة أو امكان الحركة أو جواز PageV02P394 ~~الحركة وصحة الفعل أو جواز الفعل أو امكان الفعل اما ان يكون له ابتداء ~~واما ان لا يكون فإن لم يكن له ابتداء لزم انها لم تزل جائزة ممكنة فلا ~~تكون ممتنعة فتكون جائزة في الأزل وان كان لجوازها ابتداء فمعلوم انه ما من ~~وقت يقدره الذهن إلا والجواز ثابت قبله فكل ما يقدر فيه الجواز فالجواز ~~ثابت قبله لا إلى غاية فعلم انه ليس للجواز بداية فيكون جواز ثبوت الحركات ~~دائما لا ابتداء له ويلزم من ثبوت الجواز عدم الامتناع # وإذا قال القائل ان مسمى الحركة ممتنع في الأزل قيل معنى هذا الكلام أن ~~مسمى الحركة يمتنع أن يكون قبله حركة اخرى لا إلى اول وزوال الأزل ليس ~~موقوفا على تجدد أمر من الامور فإن المتجدد هو من الحوادث فتكون الحركة ~~ممتنعة ثم صارت ممكنة من غير تجدد أمر من الامور # فإن قيل المتجدد هو عدم الأزل أو انقضاء الأزل أو نحو ذلك # قيل عدم الأزل ليس شيئا كان موجودا فعدم ولا معدوما فوجد إذ معنى الأزل ~~في الماضي كمعنى الأبد في المستقبل فما ليس بأزلي فهو متجدد حادث فإذا قيل ~~يشترط في جواز المتجدد الحادث تجدد المتجدد الحادث كان المعنى أنه يشترط في ~~امكان الشيء ثبوته ومن المعلوم ان ثبوته كاف في إمكانه PageV02P395 يوضح ~~هذا أن القائل إذا قال كل ما يسمى متجددا حادثا أما أن يكون ممكنا في الأزل ~~واما أن لا يكون فإن كان ممكنا بطل القول بامتناعه في الأزل وان كان ممتنعا ms0458 ~~ثم صار ممكنا لزم انقلاب الشيء من كونه ممكنا إلى كونه ممتنعا من غير تجدد ~~شيء أصلا وإذا كان القول بحدوث الحوادث بلا سبب ممتنعا لاستلزامه ترجيح أحد ~~طرفي الممكن بلا مرجح فالقول بتجدد الامكان والجواز أو حدوث الامكان ~~والجواز بلا سبب حادث اولى بالامتناع اذ كانت الحقيقة المحكوم عليها ~~بالجواز والامتناع هي هي بالنسبة إلى كل ما يقدر في كل وقت وقت وإذا كانت ~~نسبة الحقيقة إلى كل ما يقدر من الاوقات كنسبتها إلى الوقت الآخر امتنع ~~اختصاص أحد الوقتين بجواز الحقيقة فيه دون الوقت الآخر وإذا امتتنع ~~الاختصاص إلا بمخصص ولا مخصص لزم اما الامتناع في جميع الاوقات وهو باطل ~~بالحس والاجماع فلزم الامكان والجواز في جميع الاوقات وهو المطلوب # وعلى هذا التقدير فيمكن أن ينظم ما ذكروه من المعارضة بعبارة لا يرد ~~عليها ما ذكر بأن يقال إن قيل ان الحركة لم تزل ممكنة PageV02P396 ثبت ~~المطلوب وان قيل انها كانت ممتنعة ثم صارت ممكنة فالإمتناع اما لذاتها واما ~~لموجب واجب بذاته وعلى التقديرين فيلزم دوام الامتناع وان كان لا لذاتها ~~ولا لموجب بذاته فلا بد أن يكون الامتناع لأمر واجب بغيره وحينئذ فالكلام ~~في ذلك المانع كالكلام في غيره ويلزم التسلسل ثم يقال تسلسل الموانع ان كان ~~ممكنا ثبت جواز التسلسل وامكن القول بتسلسل الحوادث وان كان تسلسل الموانع ~~ممتنعا بطل كون الامتناع متسلسلا وقد بطل كونه واجبا بنفسه أو بغيره فلا ~~يكون الامتناع ثابتا في الأزل فيثبت نقيضه وهو الإمكان # وإيضاح ذلك بعبارة أخرى ان يقال مسمى الحركة اما ان يكون ممتنعا في الأزل ~~واما ان لا يكون فإن لم يكن ممتنعا في الأزل ثبت امكانه فيكون مسمى الحركة ~~ممكنا في الأزل وان كان ممتنعا في الأزل فامتناعه اما لنفسه واما لموجب ~~واجب بنفسه أو لازم للواجب وحينئذ فلا يزول الامتناع وان كان لمعنى متسلسل ~~لزم جواز التسلسل وهو يستلزم بطلان الاصل الذي بني عليه امتناع تسلسل ~~الحوادث # وسر هذا الدليل ان الازل ليس هو شيئا ms0459 معينا محدودا ولكن ما من وقت يقدر ~~إلا وقبله شيء آخر وهلم جرا وهذا هو التسلسل فيلزم من تحقق الأزل التسلسل ~~PageV02P397 لكن قد يقال تسلسل العدميات ليس كتسلسل الوجوديات بل تسلسل ~~العدميات ممكن بخلاف تسلسل الوجوديات ويكون حدوث الحوادث موقوفا على تسلسل ~~العدميات فيقال ان لم يكن تسلسل العدميات أمرا محققا فلا حقيقة له فيكون ~~امكان حدوث الحوادث موقوفا على ما لا حقيقة له وهذا باطل وان كان تسلسلها ~~امرا محققا فقد ثبت ان تسلسل الامور المحققة جائز وانه ازلي مع أن كل واحد ~~من تلك التسلسلات ليس بأزلي وهذا ينقض ما ذكروه في امتناع تسلسل الحوادث ~~فهم بين امرين اما ان يقولوا بالترجيح بلا مرجح واما ان يقولوا بجواز ~~التسلسل وهذا بعينه هو الذي يلزمهم في قولهم انه لا بد للحوادث من ابتداء ~~فكما انهم في هذا يلزمهم اما الترجيح بلا مرجح واما التسلسل فكذلك في قولهم ~~انه لا بد لامكانها من ابتداء يلزمهم اما هذا واما هذا والقول بالترجيح بلا ~~مرجح تام ممتنع وهم متفقون على ان الترجيح بلا فاعل مرجح ممتنع لكن لا ~~يشترطون تمام ما به يكون مرجحا بل يقولون يحصل الترجيح التام من غير حصول ~~الرجحان ويحصل الرجحان بدون المرجح التام بناءا على ان القادر يرجح أحد ~~مقدورية بلا مرجح إذ ان الارادة القديمة ترجح أحد المثلين بلا مرجح والقول ~~بجواز التسلسل PageV02P398 يبطل القول بامتناع التسلسل فثبت بطلان قولهم ~~على التقديرين # | درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية أو موافقة صحيح المنقول لصريح # المعقول PageV02P399 # قال الرازي البرهان الثاني كل جسم متناهى القدر وكل متناهى القدر محدث ~~وقرر الثانية بان متناهى القدر يجوز كونه أزيد وأنقص فاختصاصه به دونهما ~~لمرجح مختار وإلا فقد ترجح الممكن لا عن المرجح وفعل المختار محدث # قال الأرموي ولقائل أن يمنع لزوم الترجيح لا لمرجح # قلت مضمونه أنه يقول لا نسلم أنه إذا لم يكن المرجح للقدر مختارا لزم ~~الترجيح بلا مرجح بل قد يكون أمرا مستلزما للقدر PageV03P003 # فإن المرجح أعم من ms0460 أن يكون مختارا أو غير مختار فإذا قدر المرجح أمرا ~~مستلزما لذلك القدر إما أمر قائم به أو أمر منفصل عنه حصل المرجح للقدر ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكمال على هذا إذا ذكرنا اعتراضات الآمدي ~~على هذا # قال الرازي البرهان الثالث لو كان الجسم أزليا لكان في الأزل مختصا بحيز ~~معين لأن كل موجود مشار إليه حسا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك والأزلي ~~يمتنع زواله لما تقدم فامتنعت الحركة عليه وقد ثبت جوازها # قال الأرموي ولقائل أن يقول معنى الأزلي الدائم لا إلى أول فيكون معنى ~~قولنا لو كان الجسم أزليا لكان في الأزل مختصا بحيز معين أنه لو كان الجسم ~~دائما لا إلى أول لكان حصوله في حيز واحد معين دائما وهو معنى السكون وهذا ~~ممنوع بل دائما يكون حصوله في موضع معين إما عينا وإما على البدل أي يكون ~~في كل وقت في حيز معين غير الذي كان حاصلا فيه قبله انتهى # قلت مضمون هذا الاعتراض أن المشار إليه بأنه هنا أو هناك لا يستلزم حيزا ~~معينا يمتنع انتقاله عنه غاية ما يقال إنه لا بد له من حيز أما كونه واحدا ~~بعينه في جميع الأوقات فلا وإذا استلزم نوع الحيز لا عينه أمكن كونه تارة ~~في هذا وتارة في هذا PageV03P004 # يوضح هذا أن هذا الحكم لازم للجسم سواء قدر أزليا أو محدثا فإن الجسم ~~المحدث لا بد له من حيز أيضا مع إمكان انتقاله عنه # فإن قال لا بد للجسم من حيز معين يكون فيه إذ المطلق لا وجود له في ~~الخارج فإذا كان أزليا امتنع زواله بخلاف المحدث # قيل ليس الحيز أمرا وجوديا بل هو تقدير المكان ولو قدر أنه وجودي فكونه ~~فيه نسبة وإضافة ليس أمرا وجوديا أزليا # وأيضا فيقال مضمون هذا الكلام لو كان أزليا للزم أن يكون ساكنا لا يتحرك ~~عن حيزه لأن الموجود الأزلي لا يزول # فيقال إن لم يكن السكون وجوديا بطل الدليل وإن كان وجوديا فأنت ms0461 لم تقم ~~دليلا على إمكان زوال السكون الوجودي الأزلي وإنما أقمت الحجة على أن جنس ~~الجسم يقبل الحركة ومعلوم أنه إذا كان كل جسم يقبل الحركة وغيرها من الصفات ~~كالطعم واللون والقدرة والعلم وغير ذلك ثم قدر أن في هذه الصفات الوجودية ~~ما هو أزلي قديم لوجوب قدم ما يوجبه لم يلزم إمكان زوال هذه الصفة التي وجب ~~قدم ما يوجبها فإن ما وجب قدم موجبه وجب قدمه وامتنع حدوثه ضرورة # فإن قيل نحن نشاهد حركة الفلك فامتنع أن يقال لم يزل ساكنا PageV03P005 # قيل أولا ليس الكلام في حدوث الفلك بعينه بل في حدوث كل جسم فإذا قدر جسم ~~أزلي ساكن غير الفلك لم يكن فيما ذكره ولا في حركة الفلك دليل على حدوثه لا ~~سيما عند من يقول القديم الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا كما يقوله كثير من ~~النظار من الهشامية والكرامية وغيرهم # وقيل ثانيا الفلك وإن كان متحركا فحيزه واحد لم يخرج عن ذلك الحيز وحركته ~~وضعية ليست حركة مكانية تتضمن نقله من حيز إلى حيز وحينئذ فقوله وقد ثبت ~~جواز الحركة إن أراد به الحركة المكانية كان ممنوعا وإن أراد غيرها كالحركة ~~الوضعية لم يلزم من ذلك جواز انتقاله من هذا الحيز إلى غيره # وقد سبق الآمدي إلى هذا الاعتراض فإنه قال في الاعتراض على المقدمة ~~الأولى الأزل ليس هو عبارة عن زمان مخصوص ووقت مقدر حتى يقال بحصول الجسم ~~في الحيز فيه بل الأزل لا معنى له غير كون الشيء لا أول له والأزل على هذا ~~يكون صادقا على ذلك الشيء في كل وقت يفرض كون ذلك الشيء فيه فقول القائل ~~الجسم في الأزل موصوف بكذا أي في حالة كونه متصفا بالأزلية وما من وقت يفرض ~~ذلك الجسم فيه إلا وهو موصوف بالأزلية وأي وقت قدر حصول ذلك الجسم فيه وهو ~~في حيز معين لم PageV03P006 # يلزم أن يكون حصوله في ذلك الحيز المعين أزليا لأن نسبة حصوله في ذلك ~~الحيز المعين كنسبة حصوله في ذلك ms0462 الوقت المعين وما لزم من كون الجسم الأزلي ~~لا يخلو عن وقت معين أن يكون كونه في الوقت المعين أزليا فكذلك الحصول في ~~الحيز المعين قال وفيه دقة مع ظهوره # قلت ويوضح فساد هذه الحجة أن قوله كل جسم يجب اختصاصه بحيز معين لأن كل ~~موجود يشار إليه حسا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك يجاب عنه بأن يقال ~~أتريد به أنه يجب اختصاصه بحيز معين مطلقا أو يجب اختصاصه بحيز معين حين ~~الإشارة إليه أما الأول فباطل فليس كل مشار إليه إشارة حسية يجب اختصاصه ~~دائما بحيز معين فإنه ما من جسم إلا وهو ويقبل الإشارة الحسية مع العلم ~~بأنا نشاهد كثيرا من الأجسام تتحول عن أحيازها وأمكنتها # فإن قال بل يجب أن يكون حين الإشارة إليه له حيز معين فهذا حق لكن ~~الإشارة إليه ممكنة في كل وقت أما كونه في كل الأوقات لا يكون إلا في ذلك ~~المعين لا في غيره فلا والأزلي هو الذي لم يزل فليس بعض الأوقات أخص به من ~~بعض حتى يقال يكون في ذلك الوقت PageV03P007 # المعين في حيز معين بل يجوز أن يكون في وقت في هذا الحيز وفي وقت آخر في ~~حيز آخر وتمام ذلك ما تقدم ذكره من أن الأزل ليس شيئا معينا حتى يطلب له ~~حيز معين بل هو عبارة عن عدم الأول # ثم ذكر الرازي البرهان الرابع والخامس وليسا متعلقين بهذا المكان ومضمون ~~الرابع أن كل ما سوى الواحد ممكن بذاته وكل ممكن بذاته فهو مفتقر إلى ~~المؤثر والمؤثر لا يؤثر إلا في الحادث لا في الباقي سواء كان تأثيره فيه في ~~حال حدوثه أو حال عدمه لأن التأثير في الباقي من باب تحصيل الحاصل ~~PageV03P008 # والمقدمة الأولى من هذه الحجة مبنية على توحيد الفلاسفة وهو نفي التركيب ~~وأن كل مركب فهو مفتقر إلى أجزائه وأجزاؤه غيره وهو في غاية الضعف كما بسط ~~في غير موضع # والثانية مبنية على أن علة الافتقار هي الحدوث لا الإمكان # قلت إنه ms0463 إن أريد بذلك الحدوث مثلا دليل على أن المحدث يحتاج إلى محدث أو ~~أن الحدوث شرط في افتقار المفعول إلى الفاعل PageV03P009 # فهذا صحيح وإن أريد بذلك أن الحدوث هو الذي جعل المحدث مفتقرا إلى الفاعل ~~فهذا باطل و كذلك الإمكان إذا أريد به أنه دليل على الافتقار إلى المؤثر أو ~~أنه شرط في الافتقار إلى المؤثر فهذا صحيح وإن أريد به أنه جعل نفس الممكن ~~مفتقرا فهذا باطل وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون كل من الإمكان والحدوث ~~دليلا على الافتقار إلى المؤثر وشرطا في الافتقار إلى المؤثر # وإنما النزاع في مسألتين أحدهما أن الواجب بغيره هل يصح كونه مفعولا لمن ~~يقول الفلك قديم معلول ممكن فهذا مما ينكره جماهير العقلاء ويقولون لا يمكن ~~مقارنته لفاعله أزلا وأبدا ويقولون الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون ~~إلا معدوما تارة وموجودا أخرى فنفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق بذاتها ~~واحتياجها إلى المؤثر أمر ذاتي لا يحتاج إلى علة فليس كل حكم ثبت للذوات ~~يحتاج إلى علة إذ ذلك يفضي إلى تسلسل العلل وهو باطل باتفاق العلماء بل من ~~الأحكام ما هو لازم للذوات لا يمكن أن يكون مفارقا للذوات ولا يفتقر إلى ~~علة وكون كل ما سوى الله فقيرا إليه محتاجا إليه دائما هو من هذا الباب ~~فالفقر والاحتياج أمر لازم ذاتي لكل ما سوى الله كما أن الغنى والصمدية أمر ~~لازم لذات الله # وهنا ينشأ النزاع في المسألة الثانية وهو أن المحدث المخلوق هل افتقاره ~~إلى الخالق المحدث وقت الإحداث فقط أو هو دائم مفتقر إليه على قولين للنظار # وكثير من أهل الكلام المتلقي عن جهم وأبي الهذيل يقولون إنه PageV03P010 # لا يفتقر إليه إلا في حال الإحداث لا في البقاء وهذا في مقابلة قول ~~الفلاسفة الدهرية القائلين بأن افتقار الممكن إلى الواجب لا يستلزم حدوثه ~~بل افتقاره إليه في حال بقائه أزلا وأبدا وكلا القولين باطل # وهو في أكثر كتبه ينصر خلاف ذلك ولكن نحن نقرر أن كل ما سوى ms0464 الواجب فهو ~~محدث وأن التأثير لا يكون إلا في حادث وأن الحدوث والإمكان متلازمان وهو ~~قول جمهور العقلاء من أهل الملل والفلاسفة وإنما أثبت ممكنا ليس بحادث ~~طائفة من متأخري الفلاسفة كابن سينا والرازي فلزمهم إشكالات لا محيص عنها ~~مع أنهم في كتبهم المنطقية يوافقون آرسطو وسلفهم وهو الممكن الذي يقبل ~~الوجود والعدم لا يكون إلا حادثا وقد أنكر ابن رشد قولهم بأن الشيء الممكن ~~الذي يقبل الوجود والعدم يكون قديما أزليا وقال لم يقل بهذا أحد من ~~الفلاسفة قبل ابن سينا # قلت وابن سينا ذكر في الشفاء في مواضع أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم ~~لا يكون إلا حادثا فتناقض في ذلك تناقضا مبسوطا في غير هذا الموضع ~~PageV03P011 # وقد أورد هو على هذه الحجة معارضة مركبة تستلزم فساد إحدى المقدمتين وهي ~~المعارضة بكونه تعالى عالما بالعلم قادرا بالقدرة فإن علمه إن كان واجبا ~~لذاته وذاته واجبة أيضا فقد وجد واجبان وبطلت المقدمة الأولى وإن كان ممكنا ~~كان واجبا بغيره لوجوب ذاته ولزم كون الأثر والمؤثر دائمين وبطلت المقدمة ~~الثانية ولم يجب عن هذه المعارضة بل قال وأما الجواب عن كونه عالما بالعلم ~~قادرا بالقدرة فصعب # وقد اعترض الأرموي على ما ذكره في المقدمتين أما الأولى فإن الرازي قال ~~لو وجد واجبان وجوبا ذاتيا لتشاركا في الوجوب الذاتي وتباينا بالتعيين ~~فيلزم تركبهما مما به المشاركة والمباينة وكل مركب مفتقر إلى غيره لافتقاره ~~إلى جزئه وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته # قال الأرموي ولقائل أن يقول قد يكون الوجوب والتعيين وصفين عرضيين ~~للماهية البسيطة PageV03P012 # قلت تقدم الكلام على هذا في التركيب وذكر ما استدلوا به على امتناع كونه ~~عرضيا فإن الوصف الغرضي يحتاج إلى سبب منفصل عن الذات فيكون وجوب الواجب ~~مفتقرا إلى شيء غير الواجب وأيضا فيكون وجوب الواجب وصفا عرضيا وهو ظاهر ~~الفساد وأيضا التفريق في الصفات اللازمة للحقيقة بين الذاتي والعرضي تحكم ~~محض # ولكن لقائل أن يقول قول القائل تشاركا في الوجوب الذاتي أتعني به ~~تشاركهما في مطلق ms0465 الوجوب أو أن أحدهما شارك الآخر في الوجوب الذي يخصه # فإن أراد الأول قيل له وكذلك قد اشتركا في مطلق التعين فإن هذا واجب وهذا ~~واجب وهذا معين وهذا معين والمعينات مشتركة في مسمى التعين كما أن الواجبات ~~مشتركة في مسمى الوجوب والموجودات مشتركة في مسمى الوجود والماهيات مشتركة ~~في مسمى الماهية والحقائق مشتركة في مسمى الحقيقة وكذلك سائر الأسماء ~~العامة المطلقة الكلية وحينئذ فلم يتباينا في مطلق التعيين كما لم يتباينا ~~في مطلق الوجوب # وإن قال اشتركا في عين الوجوب PageV03P013 # قيل هذا ممتنع كما أن اشتراكهما في عين التعين ممتنع # وإن جاز لقائل أن يقول هذا شارك هذا في نفس وجوبه الذي يخصه لجاز لآخر أن ~~يقول إن هذا شارك هذا في نفس تعينه الذي يخصه وإنما المستدل أخذ الوجوب ~~مطلقا وأخذ التعين مقيدا وكان الواجب أن يسوى بينهما في الإطلاق والتعيين ~~إذ هما متلازمان فإن وجوب هذا ملازم لعينه ووجوب هذا ملازم لعينه فيمتنع ~~انفكاك أحدهما عن الآخر # ولو عكس عاكس قوله لكان قوله مثل قوله بأن يقول اشتركا في التعين الذاتي ~~فإن لكل منهما تعينا ذاتيا وتباينا في الوجوب فإن لكل منهما وجوبا يخصه ~~ومعلوم أن هذا فاسد فكذلك نظيره # وفي الجملة فالصفات المتلازمة لا يكون بعضها أخص من بعض فإذا قدر إنسانان ~~فكل منهما له إنسانية تخصه وحيوانية تخصه وناطقية تخصه وهي متلازمة لا توجد ~~إنسانيته دون ناطقيته ولا ناطقيته دون إنسانيته ولا توجد واحدة منهما دون ~~عينه المعينة وإن وجد PageV03P014 # إنسانية أخرى وناطقية أخرى فتلك نظير إنسانيته وناطقيته ليست هي هي ~~بعينها كما أن هذا الإنسان نظير هذا الإنسان ليس هو إياه بعينه إلا أن يراد ~~بلفظ العين النوع كما يقال لمن عمل مثل ما يعمل غيره هذا عمل فلان بعينه ~~فالمقصود أنه ذلك النوع بعينه ليس المقصود أنه ذلك العمل المشخص الذي قام ~~بذات ذلك الفاعل فإنه مخالف للحس فقد تبين أن الموجودين والواجبين ونحو ذلك ~~لم يتركب أحدهما من مشارك ومميز بل ليس ms0466 فيه إلا وصف مختص به يتميز به عن ~~غيره وإن كانت صفاته بعضها يشابه فيها غيره وبعضها يخالف فيها غيره # فإذا قيل لو قدر واجبان أو موجودان أو إنسانان لكان أحدهما يشابه الآخر ~~في الوجوب أو الوجود أو الإنسانية لكان صحيحا ولكان يمكن مع ذلك أنه يشابهه ~~في الحقيقة كما يمكن أن يخالفه # ثم هب أن كلا منهما فيه ما يشارك به غيره وما يتميز به عنه فقوله إنه ~~مركب مما به الاشتراك والامتياز إن عنى بذلك أنه موصوف بالأمرين فصحيح وإن ~~عنى أن هناك أجزاء تركبت ذاته منها فهذا باطل كقول من يقول إن الإنسان مركب ~~من الحيوانية والناطقية فإنه لا ريب أنه موصوف بهما وأما كون الإنسان ~~المعين له أجزاء تركب منها فهذا باطل كما تقدم PageV03P015 # ولو سلم أن مثل هذا يسمى تركيبا فقوله كل مركب مفتقر إلى غيره يدخل فيه ~~ما ركبه المركب كالأجسام المركبة من مفرداتها من الأغذية والأدوية والأشربة ~~ونحو ذلك ويدخل فيه ما يتميز بعض جوانبه عن بعض ويدخل فيه الموصوف بصفات ~~لازمة له وهذا هو الذي أراده هنا # فيقال له حينئذ يكون المراد أن كل ما كان له صفة لازمة له فلا بد في ~~ثبوته من الصفة اللازمة له وهذا حق وهب أنك سميت هذا تركيبا فليس ذلك ~~ممتنعا في واجب الوجود بل هو الحق الذي لا يمكن نقيضه # قولك المركب مفتقر إلى غيره معناه أن الموصوف بصفة لازمة له لا يكون ~~موجودا بدون صفته اللازمة له لكن سميته مركبا PageV03P016 # وسميت صفته اللازمة له جزءا وغيرا وسميت استلزامه إياها افتقارا فقولك ~~بعد هذا كل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته معناه أن كل مستلزم لصفة لازمة لا ~~يكون موجودا بنفسه بل بشيء مباين له ومعلوم أن هذا باطل وذلك لأن المعلوم ~~أن ما كانت ذاته تقبل الوجود والعدم فلا يكون موجودا بنفسه بل لا بد له من ~~واجب بنفسه يبدعه وهذا حق فهو مفتقر إلى شيء مباين له يبدعه وهذا هو الغير ~~الذي يفتقر ms0467 إليه الممكن وكل ما افتقر إلى شيء مباين له لم يكن موجودا بنفسه ~~قطعا أما إذا أريد بالغير الصفة اللازمة وأريد بالافتقار التلازم فمن أين ~~يقال إن كل ما استلزم صفة لازمة له لا يكون موجودا بنفسه بل يفتقر إلى مبدع ~~مباين له # وقد ذكرنا مثل هذا في غير موضع وبينا أن لفظ الجزء والغير والافتقار ~~والتركيب ألفاظ مجملة موهوا بها على الناس فإذا فسر مرادهم بها ظهر فساده ~~وليس هذا المقام مقام بسط هذا # ونحن هذا البرهان عندنا صحيح وهو أن كل ما سوى الله ممكن وكل ممكن فهو ~~مفتقر إلى المؤثر لأن المؤثر لا يؤثر إلا في حال حدوثه لكن يقرر ذلك ~~بمقدمات لم يذكرها الرازي هنا كما بسط في موضع آخر # وأما الجواب عن المعارضة بكون الرب عالما قادرا فجوابه أن PageV03P017 # الواجب بذاته يراد به الذات الواجبة بنفسها المبدعة لكل ما سواها وهذا ~~واحد ويراد به الموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم # وعلى هذا فالذات واجبة والصفات واجبة ولا محذور في تعدد الواجب بهذا ~~التفسير كما لا محذور في تعدد القديم اذا اريد به ما لا اول لوجوده وسواء ~~كان ذاتا أو صفة لذات القديم بخلاف ما اذا اريد بالقديم الذات القديمة ~~الخالقة لكل شيء فهذا واحد لا اله إلا هو وقد يراد بالواجب الموجود بنفسه ~~القائم بنفسه وعلى هذا فالذات واجبة دون الصفات # وعلى هذا فإذا قال القائل الذات مؤثرة في الصفات والمؤثر والاثر ذاتان ~~قيل له لفظ التأثير مجمل اتعني بالتأثير هنا كونه ابدع الصفات وفعلها أم ~~تعني به كون ذاته مستلزما لها فالأول ممنوع في الصفات والثاني مسلم ~~والتأثير في المبدعات هو بالمعنى الاول لا بالمعنى الثاني بل قد بينا في ~~غير هذا الموضع انه يمنع ان يكون مع الله شيء من المبدعات قديم بقدمه # قال الرازي في البرهان الخامس لو كان الجسم قديما لكان قدمه أما ان يكون ~~عين كونه جسما واما مغايرا لكونه جسما والقسمان باطلان فبطل القول بكون ~~الجسم قديما PageV03P018 # انما ms0468 قلنا انه لا يجوز ان يكون قدم الجسم عين كونه جسما لانه لو كان كذلك ~~لكان العلم بكونه جسما علما بكونه قديما فكما ان العلم بكونه جسما ضروري ~~لزم ان يكون العلم بكونه قديما ضروريا ولما بطل ذلك فسد هذا القسم # وانما قلنا انه لا يجوز ان يكون قدم الجسم زائدا على كونه جسما لان ذلك ~~الزائد ان كان قديما لزم ان يكون قدمه زائدا عليه ولزم التسلسل وان كان ~~حادثا فكل حادث فله أول وكل قديم فلا أول له فلو كان قدم القديم عبارة عن ~~ذلك الحادث للزم ان يكون ذلك الشيء له أول وان لا يكون له أول وهو محال # ثم قال فان عارضوا بكونه حادثا قلنا الحادث عبارة عن مجموع الوجود الحاصل ~~في الحال والعدم السابق ولا يبعد حصول العلم بالوجود الحاصل مع الجهل ~~بالعدم السابق بخلاف القديم فانه لا معنى له إلا نفس وجوده فظهر الفرق # ثم قال وهذا وجه جدلى فيه مباحثات دقيقة PageV03P019 # قال وليكن هذا اخر كلامنا في شرح دلائل حدوث الاجسام # قلت قال الارموى لقائل ان يقول ضعف الاصل والجواب لا يخفي اه # قلت قد بين في غير هذا الموضع فساد مثل هذه الحجة من وجوه وهي مبينة على ~~ان القديم هل هو قديم بقدم أم لا فمذهب ابن كلاب والاشعري في أحد قوليه ~~وطائفة من الصفاتية انه قديم بقدم ومذهب الاشعري في القول الاخر والقاضي ~~أبي بكر والقاضي أبي يعلي وابي علي بن أبي موسى وابي المعالى الجويني ~~وغيرهم ليس كذلك وهم متنازعون في البقاء فقول الاشعري وطائفة معه انه باق ~~ببقاء وهو قول الشريف وابي علي بن أبي موسى وطائفة وقول القاضي أبي بكر ~~وطائفة كالقاضي أبي يعلي ونحوه نفى ذلك # وحقيقة الأمر ان النزاع في هذه المسالة اعتباري لفظى كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع وهو متعلق بمسائل الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا وحقيقة ~~الأمر ان الذات ان اريد بها الذات الموجودة في الخارج فتلك مستلزمة ms0469 لصفاتها ~~يمتنع وجودها بدون تلك الصفات واذا قدر عدم اللازم لزم عدم الملزوم فلا ~~يمكن فرض PageV03P020 # الذات الموجودة في الخارج منفكة عن لوازمها حتى يقال هي زائدة أو ليس ~~زائدة لكن يقدر ذلك تقديرا في الذهن وهو القسم الثاني فإذا اريد بالذات ما ~~يقدر في النفس مجردا عن الصفات فلا ريب ان الصفات زائدة على هذه الذات ~~المقدرة في النفس ومن قال من متكملة اهل السنة ان الصفات زائدة على الذات ~~فتحقيق قوله انها زائدة على ما اثبته المنازعون من الذات فإنهم اثبتوا ذات ~~مجردة عن الصفات ونحن نثبت صفاتها زائدة على ما اثبتوه هم لا انا نجعل في ~~الخارج ذاتا قائمة بنفسها ونجعل الصفات زائدة عليها فإن الحي الذي يمتنع ان ~~لا يكون إلا حيا كيف تكون له ذات مجردة عن الحياة وكذلك ما لا يكون إلا ~~عليما قديرا كيف تكون ذاته مجردة عن العلم والقدرة # والذين فوقوا بين الصفات النفسية والمعنوية قالوا القيام بالنفس والقدم ~~ونحو ذلك من الصفات النفسية بخلاف العلم والقدرة فإنهم نظروا إلى ما لا ~~يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديره فجعلوه من النفسية وما يمكن تقديرها ~~بدونه فجعلوه معنويا ولا ريب انه لا يعقل موجود قائم بنفسه ليس قائما بنفسه ~~بخلاف كما يقدر انه عالم فإنه يمكن تقدير ذاته بدون العلم # وهذا التقدير عاد إلى ما قدروه في انفسهم وألا ففي نفس الأمر جميع صفات ~~الرب اللازمة له هي صفات نفسية ذاتية فهو عالم بنفسه وذاته وهو عالم بالعلم ~~وهو قادر بنفسه وذاته وهو قادر بالمقدرة PageV03P021 # فله علم لازم لنفسه وقدرة لازمة لنفسه وليس ذلك خارجا عن مسمى اسم نفسه # وعلى كل تقدير فالاستدلال على حدوث الاجسام بهذه الحجة في غاية الضعف كما ~~اعترفوا هم به فإن ما ذكروه يوجب ان لا يكون في الوجود شيء قديم سواء قدر ~~انه جسم أو غير جسم فانه يقال لو كان الرب رب العالمين قديما لكان قدمه أما ~~ان يكون عين كونه ربا وإما زائدا عن ms0470 ذلك والأمران باطلان فبطل كونه قديما # أما الأول فلأن لو كان كذلك لكان العلم بكونه ربا أو واجب الوجود أو نحو ~~ذلك علما بكونه قديما وهذا باطل # وأما الثاني فلأن ذلك الزائد إن كان قديما يلزم أن يكون قدمه زائدا عليه ~~ولزم التسلسل وإن كان حادثا كان للقديم أول فما كان جوابا عن مواضع الإجماع ~~كان جوابا في موارد النزاع وإن كان العلم بكونه رب العالمين يستلزم العلم ~~بقدمه لكن ليس العلم بنفس الربوبية هو العلم بنفس القدم بل قد يقوم العلم ~~الأول بالنفس مع ذهولها عن الثاني وقد يشك في قدمه مع العلم بأنه ربه ويخطر ~~له أن للرب ربا حتى يتبين له فساد ذلك وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك في الحديث الصحيح في قوله # إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلق كذا فيقول الله فيقول فمن خلق الله ~~فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته وقد بسطت هذا في موضع آخر كما ~~سيأتي إن شاء الله PageV03P022 # والمقصود هنا أن هذه البراهين الخمسة التي احتج بها على حدوث الأجسام قد ~~بين أصحابه المعظمون له ضعفها بل هو نفسه أيضا بين ضعفها في كتب أخرى مثل = ~~المطالب العالية وهي آخر ما صنفه وجمع فيها غاية علومه و = المباحث ~~المشرقية وجعل منتهى نظره وبحثه تضعيفها # وقد بسط الكلام على هذا في مواضع وبين كلام السلف والأئمة في هذا الموضع ~~كالإمام أحمد وغيره وكلام النظار الصفاتية كأبي محمد بن كلاب وغيره وأن ~~القائل إذا قال عبدت الله ودعوت الله وقال الله خالق كل شيء ونحو ذلك فاسمه ~~تعالى يتناول الذات والصفات ليست الصفات خارجة عن مسمى اسمه ولا زائدة على ~~ذلك بل هي داخلة في مسمى اسمه ولهذا قال أحمد فيما صنفه في الرد على ~~الجهمية نفاة الصفات قالوا إذا قلتم الله وعلمه والله وقدرته والله ونوره ~~قلتم بقول النصارى فقال لا نقول الله وعلمه والله وقدرته والله ونوره ولكن ~~الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد فبين أحمد ms0471 أنا لا نعطف صفاته على مسمى ~~اسمه العطف المشعر بالمغايرة بل ننطق بما يبين أن صفاته داخلة في مسمى اسمه ~~PageV03P023 # ولما ناظره الجهمية في محنته المشهورة فقال له عبد الرحمن بن إسحاق ~~القاضي ما تقول في القرآن أهو الله أم غير الله يعني إن قلت هو الله فهذا ~~باطل وإن قلت غير الله فما كان غير الله فهو مخلوق # فأجابه أحمد بالمعارضة بالعلم فقال ما تقول في علم الله أهو الله أم غير ~~الله فقال أقول في كلامه ما أقوله في علمه وسائر صفاته وبين ذلك في رده على ~~الجهمية بأنا لا نطلق لفظ الغير نفيا ولا إثباتا إذ كان لفظا مجملا يراد ~~بغير الشيء ما باينه وصارت مفارقته له ويراد بغيره ما أمكن تصوره بدون ~~تصوره ويراد به غير ذلك # وعلم الله وكلامه ليس غير الذات بالمعنى الأول وهو غيرها بالمعنى الثاني ~~ولكن كونه ليس غير الله بالمعنى الأول فعلى إطلاقه وأما كونه غير الله ~~بالمعنى الثاني ففيه تفصيل فإن أريد بتصوره معرفته المعرفة الواجبة الممكنة ~~في حق العبد فلا يعرفه هذه PageV03P024 # المعرفة من لم يعرف أنه حي عليم قادر متكلم فلا يمكن تصوره ومعرفته بدون ~~صفاته فلا تكون مغايرة لمسمى اسمه وإن أريد أصل التصور وهو الشعور به من ~~بعض الوجوه فقد يشعر به من لا يخطر له حينئذ أنه حي ولا عليم ولا متكلم ~~فتكون صفاته مغايرة له بالاعتبار الثاني # وأجاب أحمد أيضا بأن الله لم يسم كلامه غيرا ولا قال إنه ليس بغير يعني ~~والقائل إذا قال ما كان غير الله أو سوى الله فهو مخلوق فإن احتج على ذلك ~~بالسمع فلا بد أن يكون مندرجا هذا اللفظ في كلام الشارع وليس كذلك وإن احتج ~~بالعقل فالعقل إنما يدل على خلق الأمور المباينة له وأما صفاته القائمة ~~بذاته فليست مخلوقة والذين يجعلون كلامه مخلوقا يقولون هو بائن عنه والعقل ~~يعلم أن كلام المتكلم ليس ببائن عنه # وبهذا التفصيل يظهر أيضا الخلل فيما ذكروه من الفرق بين ms0472 الصفات الذاتية ~~والمعنوية بأن الذاتية لا يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديرها بخلاف ~~المعنوية فإنه يقال لهم ما تعنون بتقدير الذات في الذهن أو تصور الذات أو ~~نحو ذلك من الألفاظ أتعنون به أصل الشعور والتصور والمعرفة ولو من بعض ~~الوجوه أم تريدون به التصور والمعرفة والشعور والواجب أو الممكن أو التام ~~فإن عنيتم الأول فما من PageV03P025 # صفة تذكر إلا ويمكن أن يشعر الإنسان بالذات مع عدم شعوره بها # وقد يذكر العبد ربه ولا يخطر له حينئذ كونه قديما أزليا ولا باقيا أبديا ~~ولا واجب الوجود بنفسه ولا قائما بنفسه ولا غير ذلك وكذلك قد يخطر له ما ~~يشاهده من الأجسام ولا يخطر له كونه متحيزا أو غير متحيز # وإن عنيتم الثاني فمعلوم أن الإنسان لا يكون عارفا بالله المعرفة الواجبة ~~في الشرع ولا المعرفة التي تمكن بني آدم ولا المعرفة التامة حتى يعلم أنه ~~حي عليم قدير وممتنع لمن يكون عارفا بأن الله متصف بذلك إذا خطر بباله ذاته ~~وهذه الصفات أن يمكن تقدير ذاته موجودة في الخارج بدون هذه الصفات كما ~~يمتنع أن يقدر ذاته موجودة في الخارج بدون أن تكون قديمة واجبة الوجود ~~قائمة بنفسها فجميع صفاته تعالى اللازمة لذاته يمتنع مع تصور الصفة ~~والموصوف والمعرفة بلزوم الصفة للموصوف يمتنع أن يقدر إمكان وجود الذات ~~بدون الصفات اللازمة لها مع العلم باللزوم وإن قدر عدم العلم باللزوم أو ~~عدم خطور الصفات اللازمة بالبال فيمكن خطور الذات بالبال بدون شيء من هذه ~~الصفات وإذا علم لزوم بعض الصفات دون بعض فما علم لزومه لا يمكن تقدير وجود ~~الذات دونه وما لم يعلم لزومه أمكن الذهن أن يقدر وجوده دون وجود تلك الصفة ~~التي لم يعلم لزومها لكن هذا الإمكان معناه عدم العلم بالامتناع لا العلم ~~بالإمكان في الخارج إذ كل ما لم يعلم الإنسان عدمه فهو ممكن عنده ~~PageV03P026 # إمكانا ذهنيا بمعنى عدم علمه بامتناعه لا إمكانا خارجيا بمعنى أنه يعلم ~~إمكانه في الخارج # وفرق بين العلم بالإمكان ms0473 وعدم العلم بالامتناع وكثير من الناس يشتبه عليه ~~هذا بهذا فإذا تصور ما لا يعلم امتناعه أو سئل عنه قال هذا ممكن وهذا غير ~~ممتنع وهذا لو فرض وجوده لم يكن من فرضه محال # وإذا قيل له قولك إنه لو فرض وجوده لم يلزم منه محال قضية كلية وسلب عام ~~فمن أين علمت أنه لا يلزم من فرض وجوده محال والنافي عليه الدليل كما أن ~~المثبت عليه الدليل وهل علمت ذلك بالضرورة المشتركة بين العقلاء أم بنظر ~~مشترك أم بضرورة اختصصت بها أم بنظر اختصصت به فإن كان بالضرورة المشتركة ~~وجب أن يشركك نظراؤك من العقلاء في ذلك وليس الأمر كذلك عندهم وإن كان بنظر ~~مشترك فأين الدليل الذي تشترك فيه أنت وهم وإن كان بضرورة مختصة أو نظر ~~مختص فهذا أيضا باطل لوجهين أحدهما أنك تدعي أن هذا مما يشترك فيه العقلاء ~~ويلزمهم موافقتك فيه وتدعي أنهم إذا ناظروك كانوا منقطعين معك بهذه الحجة ~~وذلك يمنع دعواك الاختصاص بعلم ذلك والثاني أن اختصاصك بعلم ذلك ضرورة أو ~~نظرا إنما يكون لاختصاصك بما يوجب تخصيصك بذلك كمن خص بنبوة أو تجربة أو ~~نحو ذلك مما ينفرد به وأنت لست كذلك فيما تدعي إمكانه ولا تدعي اختصاصك ~~بالعلم بإمكانه وإن ادعيت ذلك لم يلزم غيرك موافقتك في ذلك إن لم تقم ~~PageV03P027 عليه دليلا يوجب موافقتك سواء كان سمعيا أو عقليا وأنت تدعي أن ~~هذا من العلوم المشتركة العقلية وهذه الأمور لبسطها موضع آخر # والمقصود هنا التنبيه على هذا الأصل الذي نشأ منه التنازع أو الاشتباه في ~~مسائل الصفات من هذا الوجه وتفريق هؤلاء المتكلمين في الصفات اللازمة ~~للموصوف بين ما سموها نفسية وذاتية وما سموها معنوية يشبه تفريق المنطقيين ~~في الصفات اللازمة بين ما سموه ذاتيا مقوما داخلا في الحقيقة وما سموه ~~عرضيا خارجا عن الذات مع كونه لازما لها وتفريقهم في ذلك بين لازم الماهية ~~ولازم وجود الماهية كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع # وبين أن ms0474 هذه الفروق إنما تعود عند الحقيقة إلى الفرق بين ما يتصور في ~~الأذهان وهو الذي قد يسمى ماهية وبين ما يوجد في الأعيان وهو الذي قد يسمى ~~وجودها وأن ما يتصور في النفس من المعاني ويعبر عنه بالألفاظ له لفظ دل ~~عليه بالمطابقة هو الدال على تلك الماهية وله جزء من المعنى هو جزء تلك ~~الماهية واللفظ المذكور دال عليه بالتضمن وله معنى يلزمه خارج عنه فهو ~~اللازم لتلك الماهية الخارج عنها واللفظ يدل عليه بالالتزام وتلك الماهية ~~التي في الذهن هي بحسب ما يتصوره الذهن من صفات الموصوف تكثر تارة وتقل ~~تارة وتكون تارة مجملة وتارة مفصلة وأما الصفات اللازمة للموصوف في الخارج ~~فكلها لازمة له لا تقوم ذاته مع عدم شيء منها وليس منها شيء يسبق الموصوف ~~في الوجود العيني كما قد PageV03P028 يزعمونه من أن الذاتي يسبق الموصوف في ~~الذهن والخارج وتلك الصفات هي أجزاء الماهية المتصورة في الذهن كما أن لفظ ~~كل صفة جزء من تلك الألفاظ إذا قلت جسم حساس نام مغتذ متحرك بالإرادة ناطق ~~وأما الموصوف الموجود في الخارج كالإنسان فصفاته قائمة به حالة فيه ليست ~~أجزاء الحقيقة الموجودة في الخارج سابقة عليها سبق الجزء على الكل كما ~~يتوهمه من يتوهمه من هؤلاء الغالطين كما قد بسط في موضعه # وقول هؤلاء المتكلمين في الصفات اللازمة إنها زائدة على حقيقة الموصوف ~~يشبه قول أولئك إن الصفات اللازمة العرضية خارجة عن حقيقة الموصوف وكلا ~~الأمرين منه تلبيس واشتباه حاد بسببه كثير من النظار الأذكياء وكثر بينهم ~~النزاع والجدال والقيل والقال وبسط هذا له موضع آخر # وإنما المقصود هنا التنبيه على ذلك والله أعلم وأحكم وإن كان PageV03P029 ~~قد بسط الكلام على ضعفها في غير هذا الموضع مع أن هذا الذي ذكره مستوعب لما ~~ذكره غيره من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم من ~~الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم في ذلك # وكان المقصود ما ذكروه في تناهي الحوادث ولهذا لم يعتمد الآمدي في مسألة ~~حدوث العالم ms0475 على شيء من هذه الطرق بل بين ضعفها واحتج بما هو مثلها أو ~~دونها في الضعف وهو أن الأجسام لا تنفك عن الأعراض والأعراض لا تبقى زمانين ~~فتكون حادثة وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث وهذا الدليل مبني على مقدمتين ~~على أن كل عرض في زمان فهو لا يبقى زمانين وجمهور العقلاء يقولون إن هذا ~~مخالف للحسن والضرورة وعلى امتناع حوادث لا أول لها وقد عرف الكلام في ذلك ~~والوجوه التي ضعف بها الامدى ما احتج به من قبله على حدوث الأجسام يوافق ~~كثير منها ما ذكره الارموى وهو متقدم على الارموى # فأما ان يكون الارموى راى كلامه وانه صحيح فوافقه و اما ان يكون وافق ~~الخاطر الخاطر كما يوافق الحافر الحافر أو ان يكون الارموى و الامدى اخذا ~~ذلك أو بعضه من كلام الرازي أو غيره # وهذا الإحتمال ارجح فان هذين و امثالها وقفوا على كتبه التي فيها هذه ~~PageV03P030 الحجج مع ان تضعيفها مما سبق هؤلاء اليه كثير من النظار ومن ~~تكلم النظار ينظر ما تكلم به من قبله فإما ان يكون أخذه عنه أو تشابهت ~~قلوبهم # وبكل حال فهما مع الرازي ونحوه من افضل بني جنسهم من المتأخرين فاتفاقهما ~~دليل على قوة هذه المعارضات لا سيما إذا كان الناظر فيها ممن له بصيرة من ~~نفسه يعرف بها الحق من الباطل في ذلك بل يكون تعظيمه لهذه البراهين لان ~~كثيرا من المتكلمين من هؤلاء وغيرهم اعتمد عليها في حدوث الأجسام فإذا راى ~~هؤلاء وغيرهم من النظار قدح فيها وبين فسادها علم ان نفس النظار مختلفون في ~~هذه المسالك وان هؤلاء الذين يحتجون بها هم بعينهم يقدحون فيها وعلى القدح ~~فيها استقر أمرهم وكذلك غيرهم قدح فيها كأبي حامد الغزالي وغيره # وليس هذا موضع استقصاء ذكر من قدح قي ذلك و انما المقصود القدح في هذه ~~المسالك التي يسمونها براهين عقلية ويعارضون بها نصوص الكتاب والسنة واجماع ~~السلف ثم ان نفس حذاقهم قدحوا فيها # فأما المسلك الأول الذي ذكره ms0476 الرازي فقال الامدى المسلك السادس لبعض ~~المتأخرين من اصحابنا في الدلالة على اثبات حدوث الأجسام وهو انه لو كانت ~~الأجسام أزلية لكانت في الأزل أما ان PageV03P031 تكون متحركة أو ساكنة ~~وساق المسلك إلى اخره ثم قال وفيه وفي تقريره نظر وذلك ان القاتل يقول أما ~~ان تكون الحركة عبارة عن الحصول في الحيز بعد الحصول في حيز اخر والسكون ~~عبارة عن الحصول في الحيز بعد ان كان في ذلك الحيز أو لا تكون كذلك فان كان ~~الاول فقد بطل الحصر بالجسم في أول زمان حدوثه فانه ليس متحركا لعدم حصوله ~~في الحيز بعد ان كان في حيز اخر وليس ساكنا لعدم حصوله في الحيز بعد ان كان ~~فيه وان كان الثاني فقد بطل ما ذكره في تقرير كون السكون امرا وجوديا ولا ~~محيص عنه # فان قيل الكلام انما هو في الجسم في الزمن الثاني والجسم في الزمن الثاني ~~ليس يخلو عن الحركة والسكون بالتفسير المذكور فهو ظاهر الاحالة فانه إذا ~~كان الكلام في الجسم انما هو في الزمن PageV03P032 الثاني من وجود الجسم ~~فالزمن الثاني ليس هو حالة الأزلية وعند ذلك لا يلزم ان يكون الجسم ازلا لا ~~يخلو عن الحركة والسكون # قال وان سلمنا الحصر فلم قلتم بامتناع كون الحركة أزلية وما ذكروه من ~~الوجه الاول في الدلالة فانما يلزم ان لو قيل بان الحركة الواحدة بالشخص ~~أزلية وليس كذلك بل المعنى بكون الحركة أزلية ان اعداد اشخاصها المتعاقبة ~~لا أول لها وعند ذلك فلا منافاة بين كون كل واحدة من احاد الحركات المشخصة ~~حادثة ومسبوقة بالغير وبين كون جملة احادها أزلية بمعنى متعاقبة إلى غير ~~النهاية # قال وما ذكروه في الوجه الثاني باطل أيضا فان كل واحدة من الحركات ~~الدورية وان كانت مسبوقة بعدم لا بداية له فمعنى اجتماع الاعدام السابقة ~~على كل واحدة من الحركات في الازل انه لا أول لتلك الاعدام ولا بداية ومع ~~ذلك فالعدم السابق على كل PageV03P033 حركة وان كان لا بداية له فيقارنه ~~وجود ms0477 حركات قبل الحركة المفروضة لا نهاية لها على جهة التعاقب أي يعاقبه ~~وجود حركات لا نهاية لها من قبل الحركة المفروضة وليس فيه مقارنة السابق ~~للمسبوق # وعلى هذا فيكون الكلام في العدم السابق على حركة حركة وعلى هذا فحصول شيء ~~من الموجدات الأزلية مع هذه الإعدام ازلا على هذا النوع لا يكون ممتنعا إذ ~~ليس فيه مقارنة السابق للمسبوق على ما عرف # قال وفيه دقة فليتأمل # قلت هذا هو الاعتراض الذي ذكره الارموى وقد ذكره غيرهما والظاهر ان ~~الارموى تلقى هذا عن الامدى وهم يقولون اجتماع الإعدام لا معنى له سوى انها ~~مشتركة في عدم البداية والأولية وحينئذ فعدم كل حركة يمكن ان يقارنه وجود ~~اخرى وليس فيه مقارنة السابق للمسبوق وهذا الذي قالوه صحيح لكن قد يقال هذا ~~الاعتراض انما يصح لو كان احتج بأن في ذلك مقارنة السابق للمسبوق فقط وهو ~~لم يحتج إلا بان العدمات تجتمع في الازل وليس معها PageV03P034 شيء من ~~الموجدات إذ لو كان معها موجود لكان هذا الموجود مقارنا لتلك العدمات ~~المجتمعة ومنها عدمه فاقترن السابق والمسبوق فعدمته اجتماعها في الأزل # وقد قالوا له ان عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معا حينا فهو ممنوع لانه ~~ما من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها وهو يقول انا لم اعن باجتماعها في حين ~~حادث ليلزمني انتهاء واحد منها وانما قلت هي مجتمعة في الأزل # وفصل الخطاب ان يقال العدم ليس بشيء وليس لعدم هذه الحركة حقيقة ثابتة ~~مغايرة لعدم الاخرى حتى يقال ان اعدامها اجتمعت في الأزل أو لم تجتمع بل ~~معنى حدوث كل منها انها كانت بعد ان لم تكن وكون الحوادث كلها مشتركة في ~~انها لم تكن لا يوجب ان يكون عدم كونها حقائق متغايرة ثابتة في الأزل # يوضح ذلك ان يقال أتعنى بكونها مسبوقة بالعدم ان جنسها مسبوق بالعدم أو ~~لك واحد منها مسبوق بالعدم أما الاول فهو محل النزاع و اما الثاني فإذا قدر ~~ان كل واحد كان بعد ان لم يكن والجنس ms0478 لم يزل كائنا لم يجز ان يقال الجنس ~~كائن بعد ان لم يكن ولا يلزم من كون كل من افراده مسبوقا بعدم ان يكون ~~الجنس مسبوقا بالعدم إلا إذا ثبت حدوث الجنس وهو محل النزاع وعدم الحوادث ~~هو نوع واحد ينقضي بحسب الحدوث فكلما حدث حادث انقضى من ذلك العدم عدم ذلك ~~الحادث ولم ينقض عدم غيره فالأزلى حينئذ عدم اعيان الحوادث كما ان الأزلي ~~عند من يقول بأنه لا PageV03P035 أول لها هو جنس الحوادث فجنس وجودها أزلي ~~وعدم كل من أعيانها أزلي ولا منافاة بين هذا وهذا إلا أن يثبت وجوب البداية ~~وهو محل النزاع # وبهذا يظهر الجواب عما ذكره بعضهم في تقرير هذا الوجه فإن بعضهم لما رأى ~~ما أوردوه على ما ذكره الرازي حرر الدليل على وجه آخر فقال القول بكون كل ~~من الحركات الجزئية مسبوقا بأخرى لا إلى أول يسلتزم المحال فيكون محالا # بيان الأول أن كل واحد منها من حيث إنه حادث يقتضي أن يكون مسبوقا بعدم ~~أزلي لأن كل حادث مسبوق بعدم أزلي فهذا يقتضي أن تكون تلك العدمات مجتمعة ~~في الأزل ومن حيث أنه ما من جنس يفرض إلا ويجب أن يكون فرد منها موجودا ~~يقتضي ألا تكون تلك العدمات مجتمعة في الأزل وإلا لزم أن يكون السابق ~~مقارنا للمسبوق ولا شك أن اجتماعها في الأزل وعدم اجتماعها فيه متناقضان ~~فالمستلزم له محال # فيقال لمن احتج بهذا الوجه العدم الأزلي السابق على كل من الحوادث إن ~~جعلته شيئا ثابتا في الأزل متميزا عن عدم الحادث الآخر فهذا ممنوع فإن ~~العدم الأزلي لا امتياز فيه أصلا ولا يعقل حتى يقال إن هناك أعداما ولكن ~~إذا حدث حادث علم أنه انقضى عدمه الداخل في ذلك النوع الشامل لها وليس شمول ~~جنس الموجودات لها PageV03P036 كشمول جنس العدم للمعدومات فإن الموجودات ~~لها امتياز في الخارج فشخص هذا الموجود متميز في الخارج عن شخص الآخر وأما ~~العدم فليس بشيء أصلا في الخارج ولا امتياز فيه بوجه من الوجوه ms0479 # ولكن هذا الدليل قد بني على قول من يقول المعدوم شيء ولا يبعد أن يكون ~~الرازي أخذ هذا الوجه من المعتزلة القائلين بهذا فإنهم يثبتون المعدوم شيئا ~~فيكون هذا الحادث في حال عدمه شيئا وهذا الحادث في حال عدمه شيئا وحينئذ ~~فللحوادث أعدام متميزة ثابتة في الأزل # وهؤلاء القائلون بهذا يقولون ذلك في كل معدوم ممكن سواء حدث أو لم يحدث ~~فإذا قال القائل للحوادث أعدام أزلية ثابتة في الأزل متميزة لم يتوجه إلا ~~على قول هؤلاء وهذا القول قد عرف فساده وبتقدير تسليمه فيجاب عنه بما ذكره ~~هؤلاء وهو أن اجتماعه في الأزل بمعنى غير انتفاء البداية ممتنع وعدم ~~البداية ليس أمرا موجودا حتى يعقل فيه اجتماع # وعلى هذا فيقال لا نسلم أن الأزل شيء مستقر أو شيء موجود وليس للأزل حد ~~محدود حتى يعقل فيه اجتماع بل الأزل عبارة عن عدم الابتداء ومالا ابتداء له ~~فهو أزلي ومالا انتهاء له فهو أبدى PageV03P037 وما من حين يقدر موجودا إلا ~~وليس هو الأزل ففي كل حين بعضها موجود وبعضها معدوم فوجود البعض مقارن لعدم ~~البعض دائما وحينئذ فاجتماعها في الأزل معناه اشتراكها في ان كل واحد ليس ~~له أول وعدم اجتماعها فيه معناه أنه لم يزل في كل حين واحد منها موجودا ~~وعدمه زائلا ولا تناقض بين اشتراكها في عدم الابتداء ووجود أشخاصها دائما ~~إلا اذا قيل يمتنع جنس الحوادث الدائمة # وقد اعترض المستدل بهذا على ما ذكره الآمدي و الارموى في الوجه الاول # قال فإن قلت الازلي الحركة الكلية بمعنى ان كل فرد منها مسبوق بالاخر لا ~~إلى أول افرادها الموجودة التي تقتضي المسبوقية بالغير # ثم قال قلت فحينئذ ما هو المحكوم عليه بالازلي غير موجود في الخارج ~~لامتناع وجود الحركة الكلية في الخارج وما هو موجود منها في الخارج فهو ليس ~~بأزلي # ولقائل أن يقول هذا غلط نشأ من الاجمال الذي في لفظ الكلي # وذلك أنه انما يمتنع وجود الكلى في الخارج مطلقا اذا كان مجردا عن أفراده ms0480 ~~كوجود انسان مطلق وحيوان مطلق وحركة مطلقة لا تختص بمتحرك ولا بجهة ولون ~~مطلق لا يكون أبيض ولا أسود ولا غير ذلك من الالوان المعينة فإذا قدر حركة ~~مطلقة لا تختص بمتحرك معين كان كان وجودها في الخارج ممتنعا و اما الحركات ~~المتعاقبة فوجود الكلى فيها هو وجود تلك الافراد كما اذا وجد عدة أناسي ~~فوجود PageV03P038 # الانسان الكلى هو وجود أشخاصه ولا يحتاج ان يثبت للكلى في الخارج وجودا ~~غير وجود أشخاصه بل نفس وجود أشخاصه هو وجوده # ومعلوم أنه اذا أريد بوجود الكلى في الخارج وجود اشخاصه لا ينازع فيه أحد ~~من العقلاء وان كانوا قد يتنازعون في أن الكلى المطلق لا بشرط وهو الطبيعي ~~هل هو موجود في الخارج أم لا وحينئذ فمرادهم بوجود الحركة الكلية في الخارج ~~هو وجود أفرادها المتعاقبة شيئا بعد شيء فكل فرد مسبوق بالغير وليس هذا ~~الجنس المتعاقب الذي يوجد بعضه شيئا فشيئا بمسبوق بالغير # وان شئت قلت لا نسلم ان الكلى لا يوجد في الخارج ولكن نسلم أنه لا يوجد ~~في الخارج كليا وهذا هو الكلى الطبيعي هو المطلق بشرط كمسمى الانسان لا ~~بشرط فإنه يوجد في الخارج لكن معينا مشخصا وتوجد أفراده أما مجتمعة و اما ~~متعاقبة كتعاقب الحوادث المستقبلة فوجود الحركات المعينة كوجود سائر ~~الاشياء المعينة ووجود مسمى الحركة كوجود سائر المسميات الكلية والمحكوم ~~عليه بالازلية هو النوع الذي لا يوجد إلا شيئا فشيئا لا يوجد مجتمعا # فإن قال القائل مسمى الحركة ليس بموجود في الخارج على وجه الاجتماع كما ~~يوجد من أفراد الانسان فقد صدق وان قال انه لا يوجد شيئا فشيئا فهذا ممنوع ~~ومن قال ذلك لزمه ان لا يوجد في الخارج حركة أصلا لا متناهية ولا غير ~~متناهية وهذا مخالف للحس والعقل وقد تفطن ابن سينا لهذا الموضع وتكلم في ~~وجود الحركة PageV03P039 بكلام له وقد نقله عنه الرازي وغيره وقد تكلمنا ~~عليه وبينا فساده فيما سيأتي ان شاء الله # قال الآمدي وباقي الوجوه في الدلالة ما ذكرناه ms0481 في امتناع حوادث غير ~~متناهية في اثبات واجب الوجود وقد ذكرت فلا حاجة إلى اعادتها # وهو قد ذكر قبل ذلك في امتناع مالا يتناهي اربعة طرق فزيفها واختار طريقا ~~خامسا الاول التطبيق وهو أن يقدر جملة فلو كان ما قبلها لا نهاية له فلو ~~فرضنا زيادة متناهية على الجملة المفروضة ولتكن الزيادة عشرة مثلا فالجملة ~~الاولى أما ان تكون مساوية لنفسها مع فرض الزيادة عليها أو أزيد أو أنقص # والقول المساواة والزيادة محال فإن الشيء لا يكون مع غيره كهو لا مع غيره ~~ولا أزيد وان كانت الجملة الاولى ناقصة بالنظر إلى الجملة الثانية فمن ~~المعلوم ان التفاوت بينهما انما هو بأمر متناه وعند ذلك PageV03P040 ~~فالزيادة لا بد أن يكون لها نسبة إلى الباقي بجهة من جهات النسب على نحو ~~زيادة المتناهي على المتناهي # ومحال ان يحصل بين ما ليسا بمتناهين النسبة الواقعة بين المتناهين # وأيضا فإنه اذا كانت احدى الجملتين أزيد من الاخرى بأمر متناه فليطبق بين ~~الطرفين الآخرين بأن تأخذ من الطرف الاخير من احدى الجملتين عددا مفروضا ~~ومن الاخرى مثله وهلم جرا فإما ان يتسلسل الأمر إلى غير النهاية فيلزم منه ~~مساواة الانقص للازيد في كلا طرفيه وهو محال وان قصرت الجملة الناقصة في ~~الطرف الذي لا نهاية له فقد تناهت والزائدة انما زادت على الناقصة بأمر ~~متناه وكل ما زاد على المتناهى بأمر متناه فهو متناه # قال وهذا لا يستقيم لا على قواعد الفلاسفة ولا على قواعد المتكلمين ~~PageV03P041 # أما الفلاسفة فإن قضوا بأن كل ماله ترتيب وضعي كالابعاد والامتدادات أو ~~الترتيب الطبيعي و آحاده موجودة معا كالعلل والمعلولات فالقول بعدم النهاية ~~فيه مستحيل وما سوى ذلك فالقول بعدم النهاية فيه غير مستحيل وسواء كانت ~~آحاده موجوده معا كالنفوس بعد مفارقة الابدان أو هي على التعاقب والتجدد ~~كالازمنة والحركات الدورية فإن ما ذكروه وان استمر لهم فيما قضوا فيه ~~بالنهاية فهو لازم لهم فيما قضوا فيه بعدم النهاية وعند ذلك فلا بد من ~~بطلان أحد الامرين أما ms0482 الدليل ان كان اعتقادهم عدم النهاية حقا و اما ~~اعتقاد عدم النهاية ان كان الدليل حقا لاستحالة الجمع # قال وليس لما يذكره الفيلسوف من جهة الفرق بين العلل والمعلومات والازمنة ~~والحركات قدح في الجمع وهو قوله ان مالا ترتيب له وضعا ولا آحاده موجودة ~~معا وان كان ترتيبه PageV03P042 طبيعيا فلا يمكن فرض جواز قبوله الانطباق ~~وفرض الزيادة والنقصان فيه بخلاف مقابله لان المحصل يعلم ان الاعتماد على ~~هذا الخيال في تناهي ذوات الاضلاع وفيما له الترتيب الطبيعي و آحاده موجودة ~~معا ليس إلا من جهة افضائه إلى وقوع الزيادة والنقصان بين ما ليسا بمتناهين ~~وذلك انما يمكن بفرض زيادة على ما فرض الوقوف عنده من نقطة ما من البعد ~~المفروض أو وحدة ما من العدد المفروض وعند ذلك فلا يخفي امكان فرض الوقوف ~~على جملة من أعداد الحركات والنفوس الانسانية المفارقة لابدانها وجواز فرض ~~الزيادة عليها بالتوهم مما هو من نوعها وإذ ذاك فالحدود المستعملة في ~~القياس المذكور في محل الاستدلال بعينها مستعملة في صورة الالزام مع اتحاد ~~الصورة القياسية من غير فرق # و ايضا فليس كل جملتين تفاوتتا بأمر متناه تكونان متناهيتين فإن عقود ~~الحساب مثلا لا نهاية لاعدادها وان كانت الاوائل اكثر من الثواني بأمر ~~متناه وهذه الامور وان كانت تقديرية ذهنية فلا خفاء ان وضع القياس المذكور ~~فيها على نحو وضعه في PageV03P043 الامور الموجودة بالفعل فلا تتوهمن الفرق ~~واقعا من مجرد هذا الاختلاف # والقول بأن ما زادت به إحدى الجملتين على الاخرى لا بد وان تكون له نسبة ~~إلى الثاني غير مسلم ولا يلزم من قبول المتناهي لنسبة المتناهي اليه قبول ~~غير المتناهي لنسبة المتناهي اليه # قال و اما المتكلم فله في ابطال القول بعدم النهاية طرق الاول ما أسلفناه ~~من الطريقة المذكورة ويلزم عليه ما ذكرناه ما عدا التناقض اللازم للفيلسوف ~~من ضرورة اعتقاد عدم النهاية فيما ذكرناه من الصور وعدم اعتقاد المتكلم ~~لذلك غير ان المناقضة لازمة للمتكلم من جهة اعتقاده عدم النهاية في معلومات ms0483 ~~الله تعالى ومقدوراته مع وجود ما ذكرناه من الدليل الدال على وجوب النهاية ~~فيها # قال وما يقال من أن المعنى بكون المعلومات PageV03P044 و المقدورات غير ~~متناهية صلاحية العلم لتعلقه بما يصح ان يعلم وصلاحية القدرة لتعلقها بكل ~~ما يصح ان يوجد وما يصح ان يعلم ويوجود غير متناه لكنه من قبيل التقديرات ~~الوهمية والتجويزات الامكانية وذلك مما لا يمتنع كونه غير متناه بخلاف ~~الامور الوجودية والحقائق العينية فلا أثر له في القدح أيضا فإن هذه الامور ~~وان لم تكن من موجودات الاعيان غير أنها متحققة في الاذهان ولا يخفى ان ~~نسبة ما فرض استعماله فيما له وجود ذهني على نحو استعماله فيما له وجود ~~عيني # قلت التفريق بين الشيئين يحتاج إلى ثبوت الوصف الفارق وثبوت تأثيره و ~~الآمدي سلم لهم الوصف ونازعهم في كونه مؤثرا PageV03P045 # والتحقيق أن ما ذكروه من الوصف متوجه في القدرة فإن تعلقها بالمعدوم من ~~باب التجويز بخلاف العلم فإن فساد تعلقه بالمعدوم ليس من باب التجويز فإن ~~المعدوم هنا معلوم للعالم ليس المراد بذلك أن ثم صفة تصلح ان يعلم بها ~~المعدوم اذا وجد بل هو معلوم قبل وجوده بخلاف القدرة فإن تعلقها بالمعدوم ~~معناه انها صفة صالحة لتعلق المعدوم اذا وجد # قلت وأيضا فإن قول القائل المعنى بكون المعلومات و المقدورات غير متناهية ~~هو صلاحية العلم والقدرة للتعلق وهو وان سلم في القدرة فلا يسلم في العلم ~~فإن الكلام ليس هو في امكان العلم بها بل في العلم الذي يقال انه علم موجود ~~أزلي متعلق بما لا نهاية له وهذا أمر موجود # وعن هذه الشبهة صار طائفة من النظار إلى استرسال العلم على آحاد نوع ~~العرض كما قاله أبو المعالي وحكي ذلك عن أبي الحسين البصري وداود الجواربي # PageV03P046 # قال أبو المعالي الأجسام جنس واحد والأعراض اجناسها محصورة وأفراد الجنس ~~غير محصورة قال فلا يجوز وجود أجناس لا تتناهى لأنه يجب حينئذ وجود مالا ~~يتناهى في العلم و لا الدليل دال على نفي النهاية في هذا ms0484 وهذا قال وأما ~~آحاد الاعراض فإن العلم يسترسل عليها استرسالا وأما الجواب بصلاحية التعلق ~~فهو جواب الشهرستاني ونحوه # قال الطريق الثاني يعني في بيان امتناع مالا نهاية له قوله لو وجد اعداد ~~لا نهاية لها لم تخل أما ان تكون شفعا أو وترا معا أو شفعا ووترا معا أو لا ~~شفعا ولا وترا فإن كانت شفعا فهي تصير وترا بزيادة واحدة وان كانت ولا شفعا ~~ولا وترا فهي تصير شفعا بزيادة واحد و اعواز الواحد لما لا يتناهى مح وإن ~~PageV03P047 كانت شفعا ووترا فهو محال لأن الشفع ما يقبل الانقسام ~~بمتساويين والوتر غير قابل لذلك والعدد الواحد لا يكون قابلا لذلك وغير ~~قابل له معا وان لم يكن شفعا ولا وترا فيلزم منه وجود واسطة بين النفي و ~~الاثبات وهو محال وهذه المحالات انما لزمت من القول بعدد لا نهاية له ~~فالقول به محال # قال وهو من النمط الاول في الفساد لوجهين الاول قد لا نسلم استحالة ~~الشفعية أو الوترية فيما لا نهاية له والقول بأن مالا يتناهى لا يعوزه ~~الواحد الذي به يصير شفعا ان كان وترا أو وترا ان كان شفعا فدعوى مجردة ~~ومحض استبعاد لا دليل عليه # الوجه الثاني انه يلزم عليه عقود الحساب ومعلومات الله تعالى ومقدوراته ~~فإنها غير متناهية امكانا مع امكان اجراء الدليل المذكور فيها # قلت ولقائل ان يقول أما الوجه الاول فضعيف فإن كون مالا PageV03P048 ~~يتناهى معوزا للواحد كالمعلوم فساده بالضرورة بل يمكن ان يقال مالا يتناهى ~~لا يمكن ان يكون لا شفعا ولا وترا لأن الشفع والوتر نوعا جنس العدد المحصور ~~الذي له طرفان مبدأ ومنتهى فأما اذا قدر مالا مبدأ له ولا منتهى له فليس ~~عددا محصورا فلا يكون شفعا ولا وترا كما يقوله المسلمون وغيرهم من اهل ~~الملل فيما يحدثه الله تعالى في المستقبل من نعيم الجنة انه لا شفع ولا وتر # وهذا أيضا قول الفلاسفة الطبيعية والالهية ان مالا نهاية له لا يكون شفعا ~~ولا وترا وذلك ان مالا ms0485 نهاية له ليس له طرفان والشفع ما يقبل الانقسام ~~بقسمين متساويين وهذا انما يعقل فيما له طرفان منتهيان و اذا لم يمكن ان ~~يكون شفعا لم يمكن ان يكون وترا # وأما عقود الحساب فالمقدر منها في الذهن محصور متناه ومالا يتناهى لا ~~تقدره الاذهان بل كل ما يضعفه الذهن من عقود الحساب فهو متناه والمراتب في ~~نفسها متناهية ولكن احدى المرتبتين لو وجدت افرادها في الخارج لكانت اكثر ~~من الاولى وليس ذلك تفاوتا في امور موجودة لا في الاذهان ولا في الاعيان # قال أبو الحسن الامدي الطريق الثالث انه لو وجد اعداد لا نهاية لها فكل ~~واحد منها محصور بالوجود فالجملة محصورة بالوجود وما لا يتناهى لا ينحصر ~~بحاصر PageV03P049 # قال وهو أيضا فاسد لثلاثة اوجه # الاول لا نسلم ان الوجود زائد على الموجود حتى يقال يكون الوجود حاصرا له ~~بل الوجود هو ذات الموجود وعينه على ما يأتي # الثاني وان كان زائدا على كل واحد من آحاد الجملة فلا نسلم كونه حاصرا بل ~~عارض مقارن لكل واحد من الآحاد والمعارض المقارن للشيء لا يكون حاصرا له # الثالث سلمنا ان الوجود حاصر لكل واحد من آحاد الجملة ولكن لا نسلم ان ~~الحكم على الآحاد يكون حكما على الجملة ولهذا يصدق ان يقال لكل من آحاد ~~الجملة انه جزء الجملة ولا يصدق على الجملة انها جزء الجملة # ولقائل ان يقول في إفساد هذا الوجه أيضا قول القائل انه محصور في الوجود ~~ايريد به ان هناك سورا موجودا حصر ما يتناهى أو مالا يتناهى بين طرفيه أم ~~يريد به انه موصوف بكونه موجودا فإن PageV03P050 اراد الاول فهو باطل فإنه ~~ليس للموجودان شيء خارج عن الموجودات يحصرها سواء قيل انها متناهية أو غير ~~متناهية وان قيل ان كل واحد مما لا يتناهى من الموجودات هو موجود فهذا حق # فإذا سمى المسمى هذا حصرا كان هذا اطلاقا لفظيا وكان قوله حينئذ مالا ~~يتناهى لا يكون محصورا بمنزلة قوله لا يكون موجودا وهذا محل النزاع فقد ms0486 غير ~~العبارة وصادر على المطلوب ثم مالا يتناهى في المستقبل موجود باتفاق اهل ~~الملل وعامة الفلاسفة ولم ينازع في ذلك إلا من شذ كالجهم وأبي الهذيل ~~ونحوهما ممن هو مسبوق باجماع المسلمين محجوج بالكتاب والسنة مخصوم بالادلة ~~العقلية مع مخالفة جماهير العقلاء من الاولين و الاخرين وهو مع هذا محصور ~~بالوجود كما ان ما لا يتناهى في الماضي محصور بالوجود لكنهم يفرقون بأن ~~الماضي دخل في الوجود بخلاف المستقبل ومنازعوهم يقولون الماضي دخل ثم خرج ~~فصارا جميعا معدومين والمستقبل لم يدخل في الوجود وهو تفريق صورى حقيقته ان ~~الماضي كان وحصل والمستقبل لم يحصل بعد # فيقال لهم ولم قلتم ان كل ما حصل وكان يمتنع ان يكون دائما لم يزل وهو ~~وان كان متناهيا من الجانب الذي يلينا فالمستقبل ايضا متناه في هذا الجانب ~~وانما الكلام في الطرفين الآخرين # و ايضا فالحوادث الماضية عدمت بعد وجودها فهي الان معدومة كما ان الحوادث ~~المستقبلة الان معدومة فلا هذا موجود PageV03P051 ولا هذا موجود الان ~~وكلاهما له وجود في غير هذا الوقت ذاك في الماضي وهذا في المستقبل وكون ~~الشيء ماضيا ومستقبلا امر اضافي بالنسبة إلى ما يقدر متأخرا عن الماضي ~~ومتقدما على المستقبل وألا فكل ماض قد كان مستقبلا وكل مستقبل سيكون ماضيا ~~كما ان كل حاضر قد كان مستقبلا وسيصير ماضيا # قال الامدي الطريق الرابع انه لو وجد مالا يتناهى فما من وقت يقدر إلا ~~وهو متناه في ذلك الوقت وانتهاء مالا يتناهى محال # قال وهو أيضا غير سديد فإن الانتهاء من أحد الطرفين وهو الاخير وان سلمه ~~الخصم فلا يوجب النهاية في الطرف الاخر ثم يلزم عليه عقود الحساب ونعيم أهل ~~الجنة وعذاب أهل النار فإنه وان كان متناهيا من طرف الابتداء فغير متناه ~~امكانا في طرف الاستقبال # قلت هذا الوجه من جنس الوجه السادس الذي ذكره الرازي وهو أنه لو كانت ~~الحوادث الماضية غير متناهية كان PageV03P052 # وجود اليوم موقوفا على انقضاء مالا نهاية له وانقضاء مالا نهاية له محال ms0487 ~~والموقوف على المحال محال # وقد اعترض عليه الارموي بما اعترض به هو وغيره بأن انقضاء مالا نهاية له ~~محال # و اما انقضاء مالا بداية له ففيه النزاع وهو من جنس جواب الامدي فإن ~~الانتهاء الذي يسلمه الخصم هو من أحد الطرفين دون الاخر و الاخر هو ~~الابتداء وقد تقدم ذلك # ثم قال الامدي و الاقرب في ذلك أن يقال لو كانت العلل والمعلولات غير ~~متناهية وكل واحد منها ممكنا على ما وقع به الفرض فهي أما متعاقبة واما معا ~~فإن كانت متعاقبة فقد قيل ان ذلك محال لوجوه ثلاثة # الاول ان كل واحد منها يكون مسبوقا بالعدم والجملة مجموع الآحاد فالجملة ~~مسبوقة بالعدم وكل جملة مسبوقة PageV03P053 # بالعدم فلوجودها أول تنتهي اليه وكل ما لوجوده أول ينتهي اليه فالقول ~~بكون غير متناه محال # الثاني ان كل واحد منها يكون مشروطا في وجوده بوجود علته قبله ولا يوجد ~~حتى توجد علته وكذلك الكلام في علته بالنسبة إلى علتها وهلم جرا # فإذا قيل بعدم النهاية فقد تعذر الوقوف على شرط الوجود فلا وجود لواحد ~~منها وهذا كما اذا قيل لا أعطيك درهما إلا وقبله درهم فإنه لما كان اعطاء ~~الدرهم مشروطا باعطاء درهم قبله وكذلك في إعطاء كل درهم يفرض إلى غير ~~النهاية كان الاعطاء محالا # الثالث هو ان القول بتعاقب العلل والمعلولات يجر إلى تأثير العلة بعد ~~عدمها في معلولها وتأثير المعدوم في الموجود محال # قال وهذه الحجج مما لا مثبت لها # أما الاولى فلأنه لا يلزم من سبق العدم على كل واحد من الآحاد ~~PageV03P054 # سبقه على الجملة فإن الحكم على الآحاد لا يلزم ان يكون حكما على الجملة ~~كما سبق تحقيقه # واما الثاني فإنما يلزم ان لو كان ما توقف عليه الموجود وهو شرط في ~~الوجود غير موجود كما في المثال المذكور وأما ان كان موجودا فلا يلزم ~~امتناع وجوب المشروط والقول بأن الشرط غير موجود محل النزاع فلا تقبل ~~الدعوى به من غير دليل # واما الثالثة فإنما تلزم أيضا ان ms0488 لو كان معنى التعاقب وجود المعلول بعد ~~عدم علته وليس كذلك بل معناه وجود المعلول متراخيا عن وجود علته مع بقاء ~~علته موجودة إلى حال وجوده وبقاؤه موجودا بعد عدم علته وكذلك في كل علة مع ~~معلولها وذلك لا يلزم منه تأثير المعدوم في الموجود ولا ان تكون العلل ~~والمعلولات موجودة معا وذلك متصور في العلل الفاعلة بالاختيار # قال و الاقرب في ذلك ان يقال لو كانت العلل والمعلولات PageV03P055 # متعاقبة فكل واحد منها حادث لا محالة وعند ذلك فلا يخلو أما ان يقال ~~بوجود شيء منها في الأزل أو لا وجود لشيء منها في الأزل فإن كان الاول فهو ~~ممتنع لأن الازلي لا يكون مسبوقا بالعدم والحادث مسبوق بالعدم فلو كان شيء ~~منها في الأزل لكان مسبوقا بالعدم ضرورة كونه حادثا وغير حادث ضرورة كونه ~~ازليا وان كان الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ضرورة أن لا ~~شيء منها في الأزل ويلزم من ذلك ان يكون لها ابتداء ونهاية غير متوقف على ~~سبق غيره عليه وهو المطلوب # قلت هذا الوجه هو الوجه الثالث الذي ذكره الرازي حيث قال أما ان يقال حصل ~~في الأزل شيء من هذه الحركات أو لم يحصل فإن لم يحصل في الأزل شيء من هذه ~~الحركات وجب ان يكون لمجموع هذه الحركات والحوادث بداية وأول وهو المطلوب ~~وإن حصل في الأزل شيء من هذه الحركات فتلك الحركة الحاصلة في الأزل ان لم ~~تكن مسبوقة بغيرها كانت تلك الحركة أول الحركات وهو المطلوب وان كانت ~~مسبوقة بغيرها لزم ان يكون الاول مسبوقا بغيره وهو محال PageV03P056 # وقد اعترض أبو الثناء الارموي على هذا بأنه ليس شيء من الحركات الجزئية ~~ازليا بل كل واحدة منها حادثة وإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد ~~الجزئية وهي ليست مسبوقة بغيرها فلا يلزم ان يكون لكل الحركات الجزئية أول # وبيان هذا الاعتراض فيما ذكره الامدي ان يقال قوله أما ان يقال بوجود شيء ~~منها في الأزل اولا وجود لشيء منها في الأزل حوابه ms0489 انه ليس شيء بعينه ~~موجودا في الأزل ولكن الجنس لم يزل متعاقبا وحينئذ يندفع ما ذكره على ~~التقديرين أما الاول فإنه قال لو كان شيء منها موجودا في الأزل لكان مسبوقا ~~بالعدم غير مسبوق بالعدم وهذا انما يلزم اذا قيل في واحد من الحوادث ~~المتعاقبة انه قديم أزلي وهذا لا يقوله عاقل # و اما التقدير الثاني فقوله وان كان الثاني فقول القائل العلل والمعلومات ~~المتعاقبة أو غيرها من الحوادث المتعاقبة تكون مسبوقة بالعدم انما يلزم اذا ~~قيل ان جنسها ليس بقديم ولا أزلي وهذا محل النزاع # وحقيقة الأمر ان قول القائل أما ان يقال بوجود شيء منها في PageV03P057 ~~الأزل أولا وجود لشيء منها في الأزل معناه إما أن شيئا منها قديم أزلي أو ~~ليس شيء منها قديما أزليا وهذا اللفظ محتمل فإن أراد به أن واحدا من ~~الحوادث المتعاقبة يكون قديما أزليا فهذا لا يقولونه وإن أراد أن جنسها لم ~~يزل يحدث شيئا بعد شيء وأنه لا أول للجنس بل الجنس قديم أزلي فهذا هو الذي ~~يقولونه وحينئذ فلا يلزم من نفي الأزلية عن واحد نفيها عن الجنس # وذلك أن معنى الأزل ليس هو شيئا له ابتداء محدود حتى يقال هل حصل شيء ~~منها في ذلك المبدأ المحدود بل معنى الأزل هو معنى القدم ومعناه ما لا ~~ابتداء لوجوده ولا يقدر الذهن غاية إلا كان قبل تلك الغاية فإذا قال القائل ~~هل وجد شيء من هذه الحوادث في الأزل كان معناه هل منها قديم لا أول لوجوده ~~لم يزل موجودا # والمثبت لذلك إنما يقول لم يزل الجنس موجودا شيئا بعد شيء كما يقوله ~~المسلمون وجمهور الناس غيرهم في الأبد فيقولون إنه لا يزال جنس الحوادث ~~يحدث شيئا بعد شيء فلو قال القائل الحوادث المنقضية لا تكون أبدية ولا تكون ~~فيما لا يزال لأنه إما أن يوجد شيء منها في الأبد أو لا وجود لشيء منها في ~~الأبد فإن كان الأول ممتنع لأن الأبدي لا يكون منقضيا بل لا يزال موجودا ms0490 ~~وإن كان الثاني فجملة المنقضيات ملحوقة بالعدم وما كان ملحوقا بالعدم لم ~~يكن أبديا لأن الأبدي هو ما لا يلحقه العدم كما أن الأزلي ما لا يسبقه ~~العدم كان الجواب عن قول هذا القائل بأن يقال الأبدي PageV03P058 # هو جنس الحوادث المنقضية لا واحد واحد منها والجنس لا يلحقه العدم وإن ~~لحق آحاده كما قال تعالى @QB@ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد @QE@ سورة ص 54 ~~وقال تعالى @QB@ أكلها دائم @QE@ سورة الرعد 35 فالدائم هو الجنس وكذلك ~~الذي لا نفاد له هو الجنس لا كل واحد من أعيان الرزق والمأكولات # وقد أورد الآمدي على نفسه سؤالا وأجاب عنه فقال قولكم إن لم يوجد شيء ~~منها في الأزل فلها أول وبداية فنقول لا يلزم من كون كل واحد من العلل ~~والمعلولات غير موجود في الأزل أن تكون الجملة غير أزلية فإنه لا يلزم من ~~الحكم على الآحاد أن يكون حكما على الجملة بل جاز أن يكون كل واحد من آحاد ~~الجملة غير أزلي والجملة أزلية بمعنى تعاقب آحادها إلى غير النهاية # وقال في الجواب عن هذا قلنا إذا كان كل واحد من الآحاد لا وجود له في ~~الأزل وهو بعض الجملة فليس بعض من أبعاض الجملة يكون موجودا في الأزل وإذا ~~لم يكن شيء من الأبعاض موجودا في الأزل فالجملة غير موجودة في الأزل فإنه ~~لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها PageV03P059 # قلت ولقائل أن يقول قوله لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها أيعني به وجود ~~أبعاضها معها أو وجود أبعاضها ولو كانت متعاقبة # أما الأول فلا يصح لأن ما فرض متعاقبا لا يمكن أن تكون أبعاضه موجودة معه ~~وليس له وجود مجتمع في زمن واحد حتى يمكن اجتماع أبعاضه معه بل وجود أبعاضه ~~وهو متعاقب مع جملته جمع بين النقيضين # وإن عنى به وجود أبعاضها كيفما كان فيقال له هذا صحيح والمنتفي إنما هو ~~وجود شيء من أبعاضها في الأزل ولا يلزم من انتفاء كون الواحد من أبعاضها ~~قديما أزليا أن لا ms0491 يكون موجودا فإذا كان وجود الجملة موقوفا على وجود ~~أبعاضها فوجود أبعاض المتعاقب ممكن وإن قال إن وجود الجنس المتعاقب الذي هو ~~قديم أزلي أبدي موقوف على كون الواحد من آحاده قديما أزليا أو أبديا فهذا ~~محل النزاع # فتبين أن الجواب فيه مغلطة وحقيقة الجواب أنه يجب الحكم على الجملة بما ~~يحكم به على أفرادها وقد بين هو وغيره فساد هذا PageV03P060 # الجواب فإنه إذا لم يكن بعض الجملة أزليا كان ذلك سلبا للأزلية عن أفراد ~~الجنس ونفى الأزلية هو لحدوث فيصير معنى الكلام إذا كان كل واحد من الأفراد ~~أو الأبعاض المتعاقبة حادثا وجب أن يكون الجنس المتعاقب حادثا وقد عرف فساد ~~هذا الكلام # وأبو الحسن الآمدي وغيره أدخلوا هذه المقدمة أعني منع العلل المتعاقبة في ~~إثبات واجب الوجود ولا حاجة بهم إليها وهي مبنية على مقدمتين إحداهما أن ~~العلة قد تتقدم المعلول وقد ذكر هو في كتابه المسمى ب دقائق الحقائق نقيض ~~ما ذكره هنا في كتابه المسمى أبكار الأفكار وذكر في إثبات واجب الوجود هذه ~~الطريقة التي تقدمت حكايتها عنه وقال فيها إن كانت العلل والمعلولات غير ~~متناهية فإما أن تكون متعاقبة أو معا لا جائز أن يقال بالأول إذ قد بينا ~~امتناع الافتراق بين العلة والمعلول فيما تقدم # والذي قاله فيما تقدم هو أن العلة أو الفاعل لا يفتقر في كونه علة ~~لمعلوله ولا كون المعلول معلولا إلى سبق العدم فإن ما كان من PageV03P061 ~~المعلولات الوجودية مسبوقا بالعدم إما أن يكون وجوده بإيجاد العلة له في ~~حال وجوده أو في حال عدمه لا جائز أن يكون ذلك له في حال عدمه لامتناع ~~اجتماع الوجود والعدم فلم يبق إلا أن يكون موجدا له في حال وجوده لا بمعنى ~~أنه أوجده بعد وجوده بل بمعنى أن ما قدر له من الوجود غير مستغن عن العلة ~~بل يستند إليها ولولاها لما كان وإذ ذاك فلا فرق بين أن يكون المعلول وجوده ~~مسبوقا بالعدم أو غير مسبوق بالعدم # قلت هذه الحجة ms0492 هي حجة ابن سينا وأمثاله على أن المعلول يكون مع العلة في ~~الزمان وهي حجة فاسدة وبتقدير صحتها لا تنفع الآمدي في هذا المقام فإن ~~الناس لهم في مقارنة المعلول لعلته التامة والمفعول لفاعله ثلاثة أقوال # قيل يجب أن يقارن الأثر للمؤثر ولتأثيره بحيث لا يتأخر الأثر عن التأثير ~~في الزمان فلا يتعقبه ولا يتراخى عنه وهذا قول هؤلاء الدهرية القائلين بأن ~~العالم قديم عن موجب قديم وقولهم أفسد الأقوال الثلاثة وأعظمها تناقضا فإنه ~~إذا كان الأثر كذلك لزم أن لا يحدث في العالم شيء فإن العلة التامة إذا ~~كانت تستلزم مقارنة معلولها لها في الزمان وكان الرب علة تامة في الأزل لزم ~~أن يقارنه PageV03P062 كل معلول وكل ما سواه معلول له إما بواسطة وإما بغير ~~واسطة فيلزم أن لا يحدث في العالم شيء # وأيضا فما يحدث من الحوادث بعد ذلك يفتقر إلى علة تامة مقارنة له فيلزم ~~تسلسل علل أو تمام علل ومعلولات في آن واحد وهذا باطل بصريح العقل واتفاق ~~العقلاء وإن قدر أن الرب لم يكن علة تامة في الأزل بطل قولهم # وقيل بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر التام كما يقوله أكثر أهل الكلام ~~ويلزم من ذلك أن يصير المؤثر مؤثرا تاما بعد أن لم يكن مؤثرا تاما بدون سبب ~~حادث أو أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه ~~بدون المرجح التام # وهذا قول كثير من أهل الكلام منهم من يقول القادر يرجح أحد المقدورين بلا ~~مرجح # ومنهم من يقول بل يرجح بالارادة القديمة الأزلية # ومن هؤلاء وهؤلاء من يقول بل يرجح مع كون الرجحان أولى لامع وجوبه وهو ~~قول محمود الخوارزمي من الأولين وهو قول محمد بن الهيصم الكرامي وغيره من ~~الآخرين فإن الكرامية مع الاشعرية و الكلابية يقولون المرجح هو الارادة ~~القديمة الأزلية ويقولون ان الارادة لا توجب المراد لكن منهم من يقول من ~~شأن الارادة ان ترجح بلا مزية للترجيح بل مع تساوي الامرين كما PageV03P063 ~~تقوله الاشعرية ومنهم ms0493 من يقول ترجح اولوية الترجيح وهذا قول الكرامية # والقول الثالث ان المؤتمر التام يستلزم وجود اثره عقبه لا معه في الزمان ~~ولا متراخيا عنه كما قال تعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون @QE@ سورة النحل 40 وعلى هذا فليلزم حدوث كل ما سوى الرب لانه ~~مسبوق بوجود التأثير ليس زمنه زمن التأثير والقادر المريد يستلزم مع وجود ~~القدرة والإرادة وجود المقدور المراد والقدرة والارادة حاصلان قبل المقدور ~~المراد ومع وجود المقدور المراد مستلزمان له وهذا قول اكثر اهل الاثبات # وعلى هذا فيجب الفرق بين وجود العلة والفاعل والمؤثر عند وجود الاثر في ~~الزمان فإن هذا لا بد منه وبين وجود العلة التي هي الفعل والتأثير في ~~الزمان فإن هذا هو الذي يتعقبه المفعول المعلول الذي هو الاثر # ومن الناس من فرق بين تأثير القادر المختار و تأثير العلة الموجبة فزعم ~~ان الاول لا يكون إلا مع تراخي الاثر والثاني لا يكون إلا مع مقارنة الاثر ~~للمؤثر PageV03P064 # وهذا أيضا غلط فان الادلة الدالة توجب التسوية لو قدر انه يمكن ان يكون ~~المؤثر غير قادر مختار فكيف اذا كان ذلك ممتنعا # وكون المعلول والمفعول لا يكون مفعولا معلولا إلا بعد عدمه هو من القضايا ~~الضرورية التي اتفق عليها عامة العقلاء من الأولين والآخرين وكل هؤلاء ~~يقولون ما كان معلولا يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثا مسبوقا ~~بالعدم # وممن قال ذلك أرسطوا واتباعه حتى ابن سينا وامثاله صرحوا بذلك لكن ابن ~~سينا تناقض مع ذلك فزعم ان الفلك هو قديم ازلى مع كونه ممكنا يقبل الوجود ~~والعدم وهذا مخالف لما صرح به هو وصرح به أئمته وسائر العقلاء وهو مما ~~انكره عليه ابن رشد الحفيد وبين ان هذا مخالف لما صرح به أرسطوا وسائر ~~الفلاسفة وان هذا لم يقبله أحد قبله # و ارسطو لم يكن يقسم الوجود إلى واجب و ممكن ولا يقول ان الاول موجب ~~بذاته للعالم بل هذا قول ابن سينا وامثاله وهو وإن كان ms0494 اقرب إلى الحق مع ~~فساده وتناقضه فليس هو قول سلفه بل قول ارسطو واتباعه ان الأول إنما افتقر ~~إليه الفلك لكونه يتحرك للتشبه به لا لكون الاول علة فاعلة له # وحقيقة قول ارسطو واتباعه ان ما كان واجب الوجود فإنه # PageV03P065 يكون مفتقرا إلى غيره فيكون جسما مركبا حاملا للأعراض فإن ~~الفلك عندهم واجب بذاته وهو كذلك كما قد بسط كلامهم والرد عليهم في غير هذا ~~الموضع وبين ما وقع من الغلط في نقل مذاهبهم وان اتباعهم صاروا يحسنون ~~مذاهبهم فمنهم من يجعل الأول محدثا للحركة بالأمر وليس هذا قولهم فإن الأول ~~عندهم لا شعور له بحركة ولا إرادة وانما الفلك يتحرك عندهم للتشبه به فهو ~~يحركه كتحريك الإمام للمؤتم به أو المعشوق لعاشقه لا تحريك الأمر لماموره ~~كما يزعمه ابن رشد و غيره # ومنهم من يقول بل هو علة مبدعة فاعلة للأفلاك كما يقوله ابن سينا واتباعه ~~وليس هذا أيضا قولهم # ولكن كثير من هؤلاء المتأخرين لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة آلا ما ذكره ~~ابن سينا كابي حامد الغزالي و الرازي و الامدى و غيرهم ويذكرون ما ذكره ابن ~~سينا من حججه كما ذكر الامدى في هذا الموضع حيث قال ان العلة أو الفاعل لا ~~يفتقر في كونه علة إلى سبق العدم لان تأثير العلة في المعلول انما هو في ~~حال وجود المعول # PageV03P066 # فيقال لهم ليس في هذا ما يدل على ان المعلول يجوز ان يكون قديما أزليا ~~غير مسبوق بالعدم بل قولكم و إذ ذاك فلا فرق بين ان يكون المعلول وجوده ~~مسبوقا بالعدم أو غير مسبوق دعوى مجردة # فتبين ان ما ذكره الامدى وغيره من امتناع الافتراق بين العلة و المعلول ~~في الزمن ووجوب مقارنتهما في الزمن من اضعف الحجج بل ما ذكره لا يدل على ~~جواز الاقتران فضلا عن ان يدل على وجوب الاقتران بل غاية ما ذكره ان سبق ~~العدم ليس بشرط في إيجاد العلة ولا يلزم من كونه ليس بشرط وجوب الاقتران بل ~~قد يقال ms0495 بجواز الاقتران وجواز التأخير # وحينئذ فلقائل ان يقول هذا الذي ذكرته وان كان باطلا كما قد بسط في غير ~~هذا الموضع وبين فيه ان للناس في هذا المقام ثلاثة أقوال # قيل يجوز ان يقارن المعلول العلة في الزمان فيقترن الاثر PageV03P067 ~~بالمؤثر في الزمان كما يقوله ابن سينا و متابعوه # وقيل يل يجب تراخي الاثر عن المؤثر وتأثيره كما يقوله اكثر المتكلمين # وقيل بل الاثر يتعقب التأثير ولا يكون معه في الزمان ولا يكون متراخيا ~~عنه وهذا هو الصواب كما قال تعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون @QE@ سورة النحل 40 ولهذا يقال طلقت المرأة فطلقت وأعتقت العبد ~~فعتق فالعتق والطلاق عقب التطليق والإعتاق لا يقترن به ولا يتأخر عنه # وبين ان ما قال باقتران الاثر بالمؤثر كما يقوله هؤلاء المتفلسفة فإن ذلك ~~يستلزم أن لا يكون لشيء من الحوادث فاعل وستلزم ان لا يحدث شيء في العالم ~~ومن قال بالتراخي فقوله يستلزم ان المؤثر التام لا يستلزم الاثر بل يحدث ~~الحادث بلا سبب حادث وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا ان هذا الجواب الذي ذكره هو مأخوذ من كلام ابن سينا وهو مع ~~فساده غايته ان المعلول يجوز ان يقارن وجوده وجود PageV03P068 # العلة لا يجب ان يكون مسبوقا بالعدم مع وجود العلة وليس في هذا بيان انه ~~يمتنع تأخر وجوده عن وجود العلة # والاقسام الممكنة ثلاثة أما ان يقال بوجوب المقارنة أو بوجوب التأخر أو ~~بجواز الامرين وما ذكرته لا يدل على شيء من ذلك ولو دل فانما يدل على جواز ~~الاقتران لا على وجوبه وانت فبما ذكرته هناك جوزت تأخر المعلول فلا منافاة ~~بين الامرين # وذلك ان غاية ما ذكرته ان المؤثر أي المعلول الذي هو المصنوع المفعول أما ~~ان ان تكون تأثيريه قديمة كواجب الوجود وذلك لا ينفي ان يكون التأثير يه هو ~~الأحداث فان فاعل هذه الحادثات تأثيره فيها في حال الوجود مع كونها محدثة ~~فليس كون التأثير فيها في حال ms0496 وجودها مما ينفي انه لا بد ان تكون محدثة # وقولك اذا كان التأثير فيها في حال وجودها فلا فرق بين ان يكون وجودها ~~مسبوقا بالعدم أو غير مسبوق دعوى مجردة لاستواء الحالين والعقلاء يعلمون ~~بضرورة عقلهم ان المبدع الفاعل لا يعقل ان يبدع القديم الازلى الذي لم يزل ~~موجودا وانما يعقل ابداع ما لم PageV03P069 يكن ثم كان بل العقلاء متفقون ~~على ان الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثا بعد عدمه ولا ~~يكون قديما ازليا # وهذا مما اتفق عليه الفلاسفة مع سائر العقلاء وقد صرح به أرسطوا وجميع ~~اتباعه حتى ابن سينا واتباعه ولكن ابن سينا واتباعه تناقصوا فادعوا في موضع ~~اخر ان الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه قد يكون قديما ازليا ومن قبله من ~~الفلاسفة حتى الفارابي لم يدعو ذلك ولا تناقضوا وقد حكينا اقوالهم في غير ~~هذا الموضع # واما المقدمة الثانية التي بنوا عليها امتناع العلل المتعاقبة فهي مبنية ~~على امتناع حوادث لا أول لها و المتفلسف لا يقول بذلك فلم يمكنهم ان ~~يجعلوها مقدمة في اثبات واجب الوجود # و التحقيق انه لا يحتاج اليها بل ولا يحتاج في اثبات واجب الوجود إلى هذه ~~الطريقة كما قد بينا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع # وهؤلاء تجدهم مع كثرة كلامهم في النظريات و العقليات و تعظيمهم للعلم ~~الإلهي الذي هو سيد العلوم وأعلاها أشرفها واسناها لا يحققون ما هو المقصود ~~منه بل لا يحققون ما هو المعلوم لجماهير الخلائق وان اثبتوه طولوا فيه ~~الطريق مع إمكان تقصيرها بل قد يورثون الناس شكا فيما هو معلوم لهم بالفطرة ~~الضرورية PageV03P070 # والرسل صلوات الله عليهم وسلامه بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا ~~بإفسادها وتغييرها قال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ سورة ms0497 الروم 30 32 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ~~قال # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم قال أبو هريرة اقرأوا ان ~~شئتم @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ قالوا يا رسول الله أرأيت ~~من يموت من أطفال المشركين وهو صغير فقال الله أعلم بما كانوا عاملين ~~PageV03P071 # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال # يقول الله تعالى اني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم وأمرتهم ان يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # فالاقرار بالخالق سبحانه وتعالى والاعتراف بوجود موجود واجب الوجود قديم ~~أزلي كما أنه مركوز في الفطرة مستقر في القلوب فبراهينه وأدلته متعددة جدا ~~ليس هذا موضعها وهؤلاء عامة ما يذكرونه من الطرق أما ان يكون فيه خلل واما ~~ان يكون طويلا كثير التعب والغالب عليهم الاول # فالرازي أثبت الصانع بخمسة مسالك وهي كلها مبينة على مقدمة واحدة # الاول الاستدلال بحدوث الذوات كالاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث ~~الاعراض كالحركة والسكون وامتناع مالا PageV03P072 نهاية له وهذا طريق ~~المعتزلة ومن وافقهم من الاشعرية كأبي المعالي بناء على أن أجسام العالم ~~محدثة وكل محدث فله محدث # أما المقدمة الاولى فقد تبين كلامهم فيها ومناقضة بعضهم بعضا وانهم ~~التزموا لأجلها أما جحد صفات الله وأفعاله القائمة به وإما جحد بعض ذلك ~~وأنهم اشترطوا في خلق الله تعالى للعالم ما ينافي خلق العالم فسلطوا عليهم ~~أهل الملل والفلاسفة جميعا # وأما الثانية فهي أظهر وأعرف وأبده في العقول من أن تحتاج إلى بيان ~~فبنوها على أن كل محدث فهو ممكن الوجود وأن الممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثر ~~موجود وكل من هاتين المقدمتين صحيحة في نفسها مع أن القول بافتقار المحدث ~~إلى المحدث أبين وأظهر في العقل من القول بافتقار الممكن إلى المؤثر ~~الموجود فبتقدير بيانهم للمقدمتين ms0498 يكونون قد طولوا وداروا بالعقول دورة ~~تبعد على العقول معرفة الله تعالى والاقرار بثبوته وقد يحصل لها في تلك ~~الدورة من الآفات ما يقطعها عن المقصود فكانوا كما قيل لبعض الناس أين أذنك ~~فرفع يده وأدارها على رأسه ومدها وتمطى وقال هذه أذني وكان يمكنه أن يشير ~~اليها بالطريق المستقيم القريب ويقول هذه أذني وهو كما قيل % أقام يعمل ~~أياما رويته % وشبه الماء بعد الجهد بالماء % $ PageV03P073 # وهو نظير ما يذكر عن يعقوب بن اسحاق الكندي فيما حكاه عنه السيرافي من ~~قوله هذا من باب فقد عدم الوجود وفقد عدم الوجود هو الوجود فكيف وقد ذكر وا ~~في افتقار الممكن إلى الواجب بنفسه مع ظهوره وبيانه كما قد بيناه في غير ~~هذا الموضع ما هو نقيض المقصود من التعليم والبيان وتحرير الادلة والبراهين ~~وقد تكلمنا على تقرير ما يتعلق بهذا المقام في غير هذا الموضع # قال الرازي المسلك الثاني الاستدلال بامكان الأجسام على وجود الصانع ~~سبحانه وتعالى وهو عمدة الفلاسفة قالوا الأجسام ممكنة وكل ممكن فلا بد له ~~من مؤثر أما بيان كونها ممكنة فالبطريق المذكورة في مسألة الحدوث وأما بيان ~~أن الممكن لا بد له من مؤثر فالبطريق المذكورة هنا # قلت وهذه الطريقة هي طريقة ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة PageV03P074 ~~وليست طريقة أرسطوا والقدماء من الفلاسفة وابن سينا كان يعجب بهذه الطريقة ~~ويقول انه أثبت واجب الوجود من نفس الوجود من غير احتياج إلى الاستدلال ~~بالحركة كما فعل أسلافه الفلاسفة ولا ريب ان طريقته تثبت وجودا واجبا لكن ~~لم تثبت انه مغاير للافلاك إلا ببيان امكان الأجسام كما ذكره الرازي عنهم ~~وامكان الأجسام هو مبنى على توحيدهم المبنى على نفي صفات الله تعالى كما ~~تقدم التنبيه عليه وهو من أفسد الكلام كما قد بين ذلك في غير موضع # ومن طريقهم دخل القائلون بوحدة الوجود وغيرهم من أهل الالحاد القائلين ~~بالحلول والاتحاد كصاحب الفصوص وأمثاله الذين حققة قولهم تعطيل الصانع ~~بالكلية والقول بقول الدهرية الطبيعية دون الالهية # قال المسلك الثالث الاستدلال ms0499 بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت ~~الأجسام واجبة وقديمة أو ممكنة وحادثة # قال وتقريره ان يقال اختصاص كل جسم بما له من PageV03P075 الصفات أما ان ~~يكون لجسميته أو لما يكون حالا في الجسمية أو لما يكون محلا لها أو لما ~~يكون حالا فيها ولا محلا لها وهذا القسم الاخير أما ان يكون جسما جسمانيا ~~اولا جسما ولا جسمانيا وتبطل كل هذه الاقسام سوى القسم الاخير بما مر ~~تقريره في اثبات المسلك الاول في مسألة حدوث العالم # قلت وهذا هو القول بتماثل الأجسام وان تخصيص بعضها بالصفات دون بعض يفتقر ~~إلى مخصص والقول بتماثل الأجسام في غاية الفساد والرازي نفسه قد بين بطلان ~~ذلك في غير موضع وهذا الذي احال عليه ليس فيه إلا ان الجسم لا يكون اختصاصه ~~بالحيز واجبا بل جائزا وبتقدير ثبوت هذا في التحيز لا يلزم مثله في سائر ~~الصفات # وما ذكره من الدليل لا يصح وذلك انه قال اختصاصه بذلك ان كان واجبا فإما ~~ان يكون الوجوب لنفس PageV03P076 الجسمية أو لأمر عرض للجسمية أو لأمر ~~الجسمية عرضت له أو لأمر غير عارض لها ولا معروض لها والاول يوجب اشتراك ~~الأجسام في تلك الصفة وان كان لعارض فإما ان يكون ممتنع الزوال وهو اللازم ~~أو ممكن الزوال وهو العارض فإن العرضى في اصطلاحهم اعم من العارض فإن كان ~~ممتنع الزوال فإن كان الامتناع لنفس الجسمية عاد الاشكال الاول وان كان ~~لغيرها افضى إلى التسلسل وان كان لمعروض الجسمية لم يصح لأن المعقول من ~~الجسمية الذهاب في الجهات فلو كان في محل لكن ذلك المحل يجب ان يكون ذاهبا ~~في الجهات فيكون محل الجسمية جسما لأنه ان لم يكن ذاهبا في الجهات لم ~~PageV03P077 يكن له اختصاص بالحيز فلا يعقل حصول الجسم المختص بالحيز في ~~محل غير مختص بالحيز واذا كان محله ذاهبا في الجهات كان جسما وحينئذ فالقول ~~في اختصاصه بذلك الحال فيه كالقول في الحيز لا يجوز ان يكون للجسمية أو ~~لوازمها بل لأمر عارض ممكن ms0500 الزوال فيكون ذلك الحيز ممكن الزوال وهو المقصود # قلت ولقائل ان يقول هذا الدليل مبنى على تماثل الأجسام وأكثر العقلاء على ~~خلافه وقد قرر الرازي في موضع آخر انها مختلفة لا متماثلة وهو مبنى ايضا ~~على الكلام في الصورة والمادة ونحو ذلك مما ليس هذا موضع بسط الكلام فيه ~~لكن يبين فساده ببيان موضع المنع في مقدماته # قوله ان كان الامتناع لغير الجسمية افضى إلى التسلسل ممنوع فإن الأجسام ~~اذا كانت مشتركة في مسمى الجسمية وقد اختص بعضها عن بعض بصفات أخرى لم يجب ~~في ذلك التسلسل كما في سائر الامور التي تشترك في شيء وتفترق في شيء ~~فالمقادير والحيوانات اذا اشتركت في مسمى القدر والحيوانية واختص بعضها عن ~~بعض بشيء آخر لازم له لم يلزم التسلسل سواء قيل بتماثل الأجسام أو اختلافها ~~فإنه ان قيل باختلافها كانت ذات كل واحد موصوفة بصفات لازمة لها لا توجد في ~~الاخر كسائر الحقائق المختلفة وان قيل بتماثلها كتماثل افراد النوع فالموجب ~~لوجود كل فرد من تلك PageV03P078 الافراد هو الموجب لصفاته اللازمة له لا ~~تفتقر صفاته اللازمة له إلى موجب غير الموجب لذات وقد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع وبين فيه فساد ما يقوله المنطقيون من اختلاف افراد النوع انما هو ~~بسبب المادة القابلة ونحو ذلك فإنهم بنوه على ان للحقيقة الموجودة في ~~الخارج سببا غير سبب وجودها وهذا غلط لا يستريب فيه من فهمه مع أنه لا حاجة ~~بنا هنا إلى هذا بل نقول مجرد اشتراك الاثنين في كون كل منهما جسما أو ~~متحيزا أو موصوفا أو مقدار أو غير ذلك لا يمنع اختصاص أحدهما بصفات لازمة ~~له وليس اذا احتاج اختصاصه بالحيز إلى سبب غير الجسمية المشتركة يلزم ان ~~يكون ذلك المخصص له مخصص آخر بل المشاهد خلاف ذلك فإن اختصاص الأجسام ~~المشهودة بأحيازها ليس للجسمية المشتركة بل لأمر يخصها هو من لوازمها يمعنى ~~أن المقتضى لذاتها هو المقتضى لذلك اللازم # وأيضا فقوله إن كان الامتناع لمعروض الجسمية فهو محال ms0501 ممنوع # وقوله لأن المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات فمحله لا بد أن يكون له ~~ذهاب في الجهات # يقال له محل الامتداد في الجهات هو الممتد في الجهات كما أن محل التحيز ~~هو المتحيز ومحل الطول والعرض والعمق هو الطويل PageV03P079 العريض العميق ~~ومحل المقدار هو المقدر وكذلك محل الحياة والعلم والقدرة هو الحي العليم ~~القدير وكذلك محل السواد والبياض هو الأسود والأبيض وهذا في كل ما يوصف ~~بصفة فمحل الصفة هو الموصوف وهكذا جميع مسميات المصادر وغيرها من الأعراض ~~محلها الأعيان القائمة بنفسها فإذا كانت الجسمية هي الامتداد في الجهات ~~التي هي الطول والعرض والعمق مثلا كان محلها هو الشيء الممتد في الجهات ~~الذي هو الطويل العريض العميق وحينئذ فمحلها له اختصاص بالحيز ويكون ذلك ~~المعروض للجسمية الذي هو محل لها الممتد في الجهات هو المقتضى لاختصاصه بما ~~اختص به من الصفات اللازمة وهو مستلزم لذلك كما هو مستلزم للامتداد في ~~الجهات فجنس الجسم مستلزم لجنس الامتداد وجنس الأعراض والصفات فالجسم ~~المعين هو مستلزم للامتداد المعين في الجهات المعينة ومستلزم للصفات ~~المعينة التي يقال إنها لازمة له حتى إنه متى قدر عدم تلك اللوازم فقد تبطل ~~حقيقته فالموجب لها هو الموجب لحقيقته وهذا مطرد في كل ما يقدر من ~~الموصوفات المستلزمة لصفاتها كالحيوانية والناطقية للإنسان وكذلك الاغتذاء ~~والنمو للحيوان والنبات مثلا فإن كون النبات ناميا متغذيا هو صفة لازمة له ~~لا لعموم كونه جسما ولا لسبب غير حقيقته التي يختص بها بل حقيقته مستلزمة ~~PageV03P080 لنموه واغتذائه وهذه الصفات أقرب إلى أن تكون داخلة في حقيقته ~~من كونه ممتدا في الجهات وإن كان ذلك أيضا لازما له فإنا نعلم أن النار ~~والثلج والتراب والخبز والإنسان والشمس والفلك وغير ذلك كلها مشتركة في ~~أنها متحيزة ممتدة في الجهات كما أنها مشتركة في أنها موصوفة بصفات قائمة ~~بها وفي أنها حاملة لتلك الصفات وما به افترقت وامتاز بعضها عن بعض أعظم ~~مما فيه اشتركت فالصفات الفارقة بينها الموجبة لاختلافها ومباينة بعضها ~~لبعض أعظم ms0502 مما يوجب تشابهها ومناسبة بعضها لبعض فمن يقول بتماثل الجواهر ~~والأجسام يقول إن الحقيقة هي ما اشتركت فيه من التحيزية والمقدارية ~~وتوابعها وسائر الصفات عارضة لها تفتقر إلى سبب غير الذات # ومن يقول باختلافها يقول بل المقدارية للجسم والتحيزية للمتحيز ~~كالموصوفية للموصوف واللونية للملون والعرضية للعرض والقيام بالنفس ~~للقائمات بأنفسها ونحو ذلك ومعلوم أن الموجودين إذا اشتركا في أن هذا قائم ~~بنفسه وهذا قائم بنفسه لم يكن أحدهما مثلا للآخر وإذا اشتركا في أن هذا لون ~~وهذا لون وهذا طعم وهذا طعم وهذا عرض وهذا عرض لم يكن أحدهما مثلا للآخر ~~وإذا اشتركا في أن هذا موصوف وهذا موصوف لم يكن أحدهما مثلا للآخر وإذا ~~اشتركا في أن لهذا مقدارا ولهذا مقدارا PageV03P081 ولهذا حيزا ومكانا ~~ولهذا حيزا ومكانا كان أولى أن لا يوجب هذا تماثلهما لأن الصفة للموصوف ~~أدخل في حقيقته من القدر للمقدر والمكان للمتمكن والحيز للمتحيز فإذا كان ~~اشتراكهما فيما هو أدخل في الحقيقة لا يوجب التماثل فاشتراكهما فيما هو ~~دونه في ذلك أولى بعدم التماثل والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا التنبيه على مجامع ما أثبتوا به الصانع # قال الرازي المسلك الرابع الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود ~~الصانع تعالى مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء إنسانا فإذا كانت تلك ~~التركيبات أعراضا حادثة والعبد غير قادر عليها فلا بد من فاعل آخر ثم من ~~ادعى العلم بأن حاجة المحدث إلى الفاعل ضروري ادعى الضرورة هنا ومن استدل ~~على ذلك بالإمكان أو بالقياس على حدوث الذوات فكذلك يقول أيضا في حدوث ~~الصفات # قال والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين PageV03P082 الاستدلال ~~بحدوثها أن الأول يقتضي أن لا يكون الفاعل جسما والثاني لا يقتضي ذلك # قلت هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة في القرآن وهي التي جاءت بها ~~الرسل وكان عليها سلف الأمة وائمتها وجماهير العقلاء من الادميين فإن الله ~~سبحانه يذكر في آياته ما يحدثه في العالم من السحاب والمطر والنبات ~~والحيوان وغير ذلك من ms0503 الحوادث ويذكر في آياته خلق السموات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار ونحو ذلك لكن القائلون باثبات الجوهر الفرد من المعتزلة ومن ~~وافقهم من الاشعرية وغيرهم يسمون هذا استدلالا بحدوث الصفات بناء على أن ~~هذه الحوادث المشهود حدوثها لم تحدث ذواتها بل الجواهر والاجسام التي كانت ~~موجودة قبل ذلك لم تزل من حين حدوثها بتقدير حدوثها ولا تزال موجودة وانما ~~تغيرت صفاتها بتقدير حدوثها كما تتغير صفات الجسم اذا تحرك بعد السكون وكما ~~تتغير ألوانه وكما تتغير أشكاله وهذا مما ينكره عليهم جماهير العقلاء من ~~المسلمين وغيرهم PageV03P083 # وحقيقة قول هؤلاء الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الاشعرية وغيرهم ان ~~الرب لم يزل معطلا فلا يفعل شيئا ولا يتكلم بمشيته وقدرته ثم إنه أبدع ~~جواهر من غير فعل يقوم به وبعد ذلك ما بقي يخلق شيئا بل انما تحدث صفات ~~تقوم بها ويدعون أن هذا قول أهل الملل الانبياء وأتباعهم وبينهم وبين ~~الفلاسفة في مثل هذا نزاع أخطأ فيه كل من الفريقين فإن الفلاسفة يقولون ~~بإثبات المادة والصورة ويجعلون المادة والصورة جوهرين وهؤلاء يقولون ليست ~~الصورة إلا عرضا قائما بجسم # والتحقيق ان المادة والصورة لفظ يقع على معان كالمادة والصورة الصناعية ~~والطبيعية والكلية والأولية # فالأول مثل الفضة اذا جعلت درهما وخاتما وسبيكة والخشب اذا جعل كرسيا ~~واللبن والحجر اذا جعل بيتا والغزل اذا نسج ثوبا ونحو ذلك فلا ريب ان لمادة ~~هنا التي يسمونها الهيولي هي أجسام قائمة بنفسها وأن الصورة اعراض قائمة ~~بها فتحول الفضة من صورة إلى صورة هو تحولها من شكل إلى شكل مع أن حقيقتها ~~لم تتغير أصلا # وبهذا يظهر لك خطأ قول القائل ان من أثبت افتقار المحدث إلى الفاعل ~~بالقياس على حدوث الذوات قال هنا كذلك وهذه الطريقة PageV03P084 طريقة أبي ~~علي وأبي هاشم ومن وافقهما # فيقال هؤلاء انما قاسوا على افتقار الكتابة إلى كاتب والبناء إلى بان ~~ونحو ذلك ومعلوم ان البناء والكاتب لم يبدع جسما وانما أحدث في الأجسام ~~تأليفا خاصا وهو عرض من الاعراض فكيف يجعل ms0504 مثل هذا محدثا للذوات ويجعل الذي ~~خلق الانسان من نطفة والشجرة من نواة انما أحدث الصفات لكن المعتزلة لا ~~يقولون ان الجسم يحدث جسما وانما يحدث عرضا # والثاني من معاني المادة والصورة هي الطبيعية وهي صورة الحيوانات ~~والنباتات والمعادن ونحو ذلك فهذه ان أريد بالصورة فيها نفس الشكل الذي لها ~~فهو عرض قائم بجسم وليس هذا مراد الفلاسفة وان أريد بالصورة نفس هذا الجسم ~~المتصور فلا ريب أنه جوهر محسوس قائم بنفسه # ومن قال ان هذا عرض قائم بجوهر من أهل الكلام فقد غلط وحينئذ فيقول ~~المتفلسف ان هذه الصورة قائمة بالمادة والهيولى ان اراد بذلك ما خلق منه ~~الانسان كالمنى وهو لم يرد ذلك فلا ريب ان ذاك جسم آخر فسد واستحال وليس هو ~~الان PageV03P085 موجودا بل ذاك صورة وهذا صورة والله تعالى خلق إحداهما من ~~الأخرى وان أراد أن هنا جوهرا قائما بنفسه غير هذا الجسم المشهود الذي هو ~~صورة قائم بذلك الجوهر العقلي فهذا من خيالاتهم الفاسدة # ومن هنا تعرف قولهم في الهيولى الكلية حيث ادعوا أن بين أجسام العالم ~~جوهرا قائما بنفسه تشترك فيه الأجسام ومن تصور الأمور وعرف ما يقول علم أنه ~~ليس بين هذا الجسم المعين وهذا الجسم المعين قدر مشترك موجود في الخارج ~~أصلا بل كل منهما متميز عن الآخر بنفسه المتناولة لذاته وصفاته ولكن ~~يشتركان في المقدارية وغيرها من الأحكام اللازمة للأجسام وعلم أن اتصال ~~الجسم بعد انفصاله هو نوع من التفرق والتفرق والاجتماع هما من الأعراض التي ~~يوصف بها الجسم فالاتصال والانفصال عرضان والقابل لهما نفس الجسم الذي يكون ~~متصلا تارة ومنفصلا أخرى كما يكون مجتمعا تارة ومفترقا أخرى ومتحركا تارة ~~وساكنا أخرى وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # قال الرازي والطريقة الخامسة وهي عند التحقيق PageV03P086 عائدة إلى ~~الطرق الأربع وهي الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان على علم ~~الفاعل والذي يدل على علم الفاعل هو بالدلالة على ذاته أولى # قلت والمقصود هنا التنبيه على أن ما جاء به الرسول ms0505 صلى الله عليه وسلم هو ~~الحق الموافق لصريح المعقول وأن ما بينه من الآيات والدلائل والبراهين ~~العقلية في إثبات الصانع سبحانه ومعرفة صفاته وأفعاله هو فوق نهاية العقول ~~وأن خيار ما عند حذاق الأولين والآخرين من الفلاسفة والمتكلمين هو بعض ما ~~فيه لكنهم يلبسون الحق بالباطل فلا يأتون به على وجهه كما أن طريقة ~~الاستدلال بحدوث المحدثات على إثبات الصانع الخالق هي طريقة فطرية ضرورية ~~وهي خيار ما عندهم بل ليس عندهم طريقة صحيحة غيرها لكنهم أدخلوا فيها من ~~الاختلال والفساد ما يعرفه أهل التحقيق والانتقاد الذين آتاهم الله الهدى ~~والسداد وقد بسط الكلام على هذه المطالب في غير هذا الموضع PageV03P087 $ ~~فصل # وأما ما تكلموا به في وجود واجب الوجود وتحيرهم فيه هل وجوده حقيقته أو ~~زائد على حقيقته وفي صفاته وأفعاله فهذا بحر واسع قد بسطناه في غير هذا ~~الموضع # وقد اعترف الرازي بحيرته في مسائل الذات والصفات والأفعال وهو تارة يقول ~~بقول هؤلاء وتارة يقول بقول هؤلاء والآمدي متوقف في مسائل الوجود والذات ~~ونحو ذلك مع أنه لم يذكر دليلا على إثبات واجب الوجود البتة فإنه ظن أن ~~الطرق المذكورة ترجع إلى الاستدلال بالإمكان على المرجح الموجب فلم يسلك في ~~إثبات واجب الوجود إلا هذه الطريقة التي هي طريقة ابن سينا لكن ابن سينا ~~وأتباعه قرروها أحسن من تقرير الآمدي فإن أولئك أثبتوا واجب الوجود ~~بالبرهان العقلي الذي لا ريب فيه لكن احتجوا على مغايرته للموجودات ~~المحسوسة بطريقتهم المبنية على نفي الصفات وهي باطلة وأما الآمدي فلم يقرر ~~إثبات واجب الوجود بحال بل قال في كتاب بكار الأفكار في أعظم مسائل الكتاب ~~وهي مسألة إثبات واجب الوجود مذهب أهل الحق من المتشرعين وطوائف الإلهيين ~~القول بوجوب PageV03P088 وجود موجود وجوده لذاته لا لغيره وكل ما سواه ~~فمتوقف في وجوده عليه خلافا لطائفة شاذة من الباطنية ومنشأ الاحتجاج على ~~ذلك ما نشاهده من الموجودات العينية ونتحققه من الأمور الحسية فإنه إما أن ~~يكون واجبا لذاته أو لا يكون واجبا لذاته ms0506 فإن كان الأول فهو المطلوب وإن ~~كان الثاني فكل موجود لا يكون واجبا لذاته فهو ممكن لذاته لأنه لو كان ~~ممتنعا لذاته لما كان موجودا وإذا كان ممكنا فالوجود والعدم عليه جائزان ~~وعند ذلك فإما أن يكون في وجوده مفتقرا إلى مرجح أو غير مفتقر إليه فإن لم ~~يكن مفتقرا إلى المرجح فقد ترجح أحد الجائزين من غير مرجح وهو ممتنع وإن ~~افتقر إلى المرجح فذلك المرجح إما واجب لذاته أو لغيره فإن كان الأول فهو ~~المطلوب وإن كان الثاني فذلك الغير إما أن يكون معلولا لمعلوله أو لغيره ~~فإن كان الأول فيلزم أن يكون كل واحد منهما مقوما للآخر ويلزم من ذلك أن ~~يكون كل واحد منهما مقوما لمقوم نفسه فيكون كل واحد منهما مقوما لنفسه لأن ~~مقوم المقوم مقوم وذلك يوجب جعل كل واحد من الممكنين متقوما بنفسه والمقوم ~~بنفسه لا يكون ممكنا وهو خلاف الفرض ولأن التقويم إضافة بين المقوم ~~PageV03P089 والمقوم فيستدعي المغايرة بينهما ولا مغايرة بين الشيء ونفسه ~~وإن كان الثاني وهو أن يكون ذلك الغير معلولا للغير فالكلام في ذلك الغير ~~كالكلام في الأول وعند ذلك فإما أن يقف الأمر على موجود هو مبدأ الموجودات ~~غير مفتقر في وجوده إلى غيره أو يتسلسل الأمر إلى غير النهاية فإن كان ~~الأول فهو المطلوب وإن كان الثاني فهو ممتنع # ثم ذكر الأدلة المتقدمة على إبطال التسلسل وبين فسادها كلها كما تقدم ~~حكاية قوله واختار الحجة المذكورة عنه التي حكيناها فقال وإن كانت العلل ~~والمعلولات المفروضة موجودة معا فلا يخفى أن النظر إلى الجملة غير النظر ~~إلى كل واحد واحد من آحادها فإن حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من الآحاد ~~وعند ذلك فالجملة موجودة وهي إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة لا جائز أن ~~تكون واجبة وإلا لما كانت آحادها ممكنة وقد قيل إنها ممكنة PageV03P090 كما ~~سبق وإن كانت واجبة فهو مع الاستحالة عين المطلوب وإن كانت ممكنة فلا بد ~~لها من مرجح والمرجح أما ان ms0507 يكون داخلا فيها أو خارجا عنها لا جائز ان يقال ~~بالأول فان المرجح للجملة مرجح لاحادها ويلزم ان يكون مرجحا لنفسه ضرورة ~~كونه من الآحاد ويخرج بذلك عن ان يكون ممكنا وهو خلاف الفرض وان يكون مرجحا ~~لعلته لكونه من الآحاد وفيه جعل العلة معلولا والمعلول علة وهو دور ممتنع ~~وان كان المرجح خارجا عنها فهو أما ممكن أو اوجب فان كان ممكنا فهو من ~~الجملة وهو خلاف الفرض فلم يبق إلا ان يكون واجبا لذاته وهو المطلوب # قلت فهذه الطريقة التي ذكرها لم يذكر غيرها في إثبات الصانع ثم أورد على ~~نفسه اسئلة كثيرة منها قول المعترض لا نستسلم وجود ما يسمى جملة في غير ~~المتناهى ليصح ما ذكرتموه ولا يلزم من صحة ذلك في المتناهي مع أشعاره ~~بالحصر صحته في غير المتناهى سلمنا ان مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى ~~وانه ممكن PageV03P091 ولكن لا نسلم انه زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير ~~النهاية وعند ذلك فلا يلزم ان يكون معللا بغير علة الآحاد سلمنا أنه زائد ~~على الآحاد ولكن ما المانع أن يكون مترجحا بآحاد الداخلة فيه لا بمعنى انه ~~مترجح بواحد منها ليلزم ما ذكرتموه بل طريق ترجحه بالآحاد الداخلة فيه ترجح ~~كل واحد من آحاده بالآخر إلى غير النهاية وعلى هذا فلا يلزم افتقاره إلى ~~مرجح خارج عن الجملة ولا ان يكون المرجح للجملة مرجحا لنفسه ولا لعلته # ثم قال في الجواب قولهم لا نسلم ان مفهوم الجملة زائد على الآحاد ~~المتعاقبة إلى غير النهاية قلنا ان اردتم ان مفهوم الجملة هو نفس المفهوم ~~من كل واحد من الآحاد فهو ظاهر الإحالة وإن أردتم به الهيئة الإجتماعية من ~~آحاد الاعداد فلا خفاء بكونه زائدا على كل واحد من الآحاد وهو المطلوب ~~قولهم ما المانع من ان تكون الجملة مترجحة بآحادها الداخلة فيها كما قرروه ~~قلنا أما ان يقال تترجح الجملة بمجموع الآحاد الداخلة فيها PageV03P092 أو ~~بواحد منها فإن كان بواحد منها فالمحال الذي ألزمناه حاصل وإن ms0508 كان بمجموع ~~الآحاد فهو نفس الجملة المفروضة وفيه ترجح الشيء بنفسه وهو محال # فهذا ما ذكره في كتابه المشهور المعروف ب أبكار الأفكار المصنف في الكلام ~~وليس في هذا تعرض لإبطال علل ومعلولات ممكنة مجتمعة لا نهاية لها ولكن فيه ~~إثبات واجب الوجود خارجا عنها وقد ذهب طائفة من أهل الكلام كأصحاب معمر إلى ~~إثبات معان لا نهاية لها مجتمعة وهي الخلق وهي شرط في الحدوث # ثم إنه في كتابه المسمى ب دقائق الحقائق في الفلسفة ذكر هذه الحجة وزاد ~~فيها إبطال إثبات علل ومعلولات لا نهاية لها ولكنه اعترض عليها باعتراض ~~وذكر أنه لا جواب له عنه فبقيت حجته على إثبات واجب الوجود موقوفة على هذا ~~الجواب # فقال بعد أن ذكر ما ذكره هنا الجملة إما أن تكون باعتبار ذاتها واجبة أو ~~ممكنة لا جائز أن تكون واجبة وإلا لما كانت آحادها ممكنة وما يتوهمه بعض ~~الناس من قوله إنه إذا كانت الآحاد ممكنة ومعناه افتقار كل واحد إلى علته ~~وكانت الجملة هي مجموع الآحاد فلا مانع من إطلاق الوجود وعدم الإمكان عليها ~~بمعنى أنها غير PageV03P093 مفتقرة إلى أمر خارج عن ذاتها وإن كانت أبعاضها ~~مما يفتقر بعضها إلى بعض فتوهم ساقط فإنه إذا قيل إن الجملة غير ممكنة فقد ~~بينا في المنطقيات أن كل ما ليس بممكن بالمعنى الخاص فإما واجب لذاته وإما ~~ممتنع لا جائز أن يقال بالامتناع وإلا لما كانت موجودة بقي أن تكون واجبة ~~بذاتها وإذا كانت الجملة هي مجموع آحادها وكل واحد من الآحاد ممكن فالجملة ~~أيضا ممكنة بذاتها والواجب باعتبار ذاته يستحيل أن يكون ممكنا باعتبار ذاته ~~وإن كانت ممكنة فلا بد لها من مرجح لضرورة كونها موجودة والمرجح فإما أن ~~يكون ممكنا أو واجبا لا جائز أن يكون ممكنا إذ هو من الجملة ثم يلزم أن ~~يكون مرجحا لنفسه لكونه مرجحا للجملة والمرجح للجملة مرجح لآحادها وهو من ~~آحادها وذلك محال ثم يلزم أن يكون علة علته وهو دور ممتنع وإن كان ms0509 واجبا ~~لذاته غير مفتقر إلى علة في وجوده فإما أن يكون علة للجملة أو لبعضها فإن ~~كان علة للجملة لزم أن يكون علة لكل واحد من آحادها إذ الجملة هي مجموع ~~الآحاد وهو محال من جهة إفضائه إلى كون كل واحد من آحاد الجملة المفروضة ~~معللا بعلتين وهي العلة الواجبة الوجود وما قيل إنه علة له من آحاد الجملة ~~وإن كان علة لبعض منها لا يكون معلولا لغيره فهو خلاف الفرض # وهذه المحالات إنما لزمت من القول بعدم النهاية فهو محال كيف وكل علل ~~ومعلولات قيل باستنادها إلى علة لا علة لها فالقول PageV03P094 بكونها غير ~~متناهية أعدادها محال وجمع بين متناقضين وهو القول بأن ما من علة إلا ولها ~~علة والقول بانتهاء العلل والمعلولات إلى علة لا علة لها # فإذا قد اتضح بما مهدنا امتناع كون العلل والمعلولات غير متناهية وأن ~~القول بأن لا نهاية لها محال # ثم قال ولقائل أن يقول إثبات الجملة لما لا يتناهى وإن كان غير مسلم لكن ~~ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود ويكون ترجحها بترجح آحادها وترجح ~~آحادها كل واحد بالآخر إلى غير النهاية على ما قيل # قال وهذا إشكال مشكل وربما يكون عند غيري حله # قلت فهذا استدلاله على واجب الوجود لم يذكر في كتبه غيره وأما حدوث ~~العالم فأبطل طرق الناس وبناه على أن الجسم لا يخلو من الأعراض الحادثة إذ ~~العرض لا يبقى زمانين واستدل على امتناع حوادث لا أول لها بعد أن أبطل وجوه ~~غيره بالوجه الذي تقدم وتقدم ما فيه من الضعف الذي بينه الأرموي وغيره ثم ~~إذا ثبت حدوث العالم فإنه لم يستدل بالحدوث على المحدث إلا بطريقة الذين ~~PageV03P095 بنوا ذلك على الإمكان وهو أن ذلك يتضمن التخصيص المفتقر إلى ~~مخصص لأنه ترجيح لأحد طرفي الممكن فهو لا يستدل بالحدوث على المحدث إلا ~~بناء على أن ذلك ممكن يفتقر إلى واجب ولا يجعل الممكن دالا على الواجب إلا ~~بناء على نفي التسلسل والتسلسل قد أورد عليه السؤال ms0510 الذي قال إنه لا جواب ~~له عنه # وكل هذه المقدمات التي ذكرها لا يفتقر إثبات الصانع إليها وبتقدير ~~افتقاره إليها فإبطال التسلسل ممكن فتتم تلك المقدمات وذلك أن إثبات الصانع ~~لا يفتقر إلى حدوث الأجسام كما تقدم بل نفس ما يشهد حدوثه من الحوادث يغني ~~عن ذلك والعلم بأن الحادث يفتقر إلى المحدث هو من أبين العلوم الضرورية وهو ~~أبين من افتقار الممكن إلى المرجح فلا يحتاج أن يقرر ذلك بأن الحدوث ممكن ~~أو أنه كان يمكن حدوثه على غير ذلك الوجه فتخصيصه بوجه دون وجه ممكن جائز ~~الطرفين فيحتاج إلى مرجح مخصص بأحدهما # وهذه الطريقة يسلكها من يسلكها من متأخري أهل الكلام من المعتزلة ~~والأشعرية ومن وافقهم على ذلك من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة ~~وغيرهم # وقد نبهنا على أنها وإن كانت صحيحة فإنها تطويل بلا فائدة فيه واستدلال ~~على الأظهر بالأخفى وعلى الأقوى PageV03P096 بالأضعف كما لا يحد الشيء بما ~~هو أخفى منه وإن كان الحد مطابقا للمحدود مطردا منعكسا يحصل به التمييز مع ~~ان الحد والاستدلال بالأخفى قد يكون فيه منفعة من وجوه اخرى مثل ما حصلت له ~~شبهة أو معاندة في الأمر الجلى فتبين له بغيره لكون ذلك اظهر عنده فان ~~الظهور والخفاء امر نسبي اضافي مثل من يكون من شأنه الاستخفاف بالأمور ~~الواضحة البينة فإذا كان الكلام طويلا مستغلقا هابه وعظمه كما يوجد في جنس ~~هؤلاء إلى غير ذلك من الفوائد لكن ليس هذا مما يتوقف العلم والبيان عليه ~~مطلقا وهذا هو المقصود هنا وهؤلاء كثيرا ما يغلطون فيظنون ان المطلوب لا ~~يمكن معرفته إلا بما ذكروه من الحد والدليل وبسبب هذا الغلط يضل من يضل حتى ~~يتوهم ان ذلك الطريق المعين اذا بطل انسد باب المعرفة # ولهذا لما بنى الامدى وغيره على هذه الطريقة التي تعود إلى طريقة الامكان ~~على نفي التسلسل حصل ما حصل فكان مثل هؤلاء من عمد إلى امراء المسلمين ~~وجندهم الشجعان الذين يدفعون العدو ويقاتلونهم فقطعهم ومنعهم الرزق الذي به ms0511 ~~PageV03P097 يجاهدون وتركوا واحدا ظنا انه يكفي في قتال العدو وهو اضعف ~~الجماعة أعجزهم ثم انهم مع هذا قطعوا رزقه الذي به يستعين فلم يبق بازاء ~~العدو أحد # ومثل نهر كبير كدجلة والفرات كان عليه عدة جسور يعبر الناس عليها ومنها ~~ما هو قوى مكين في مكان قريب فعمد المتولى إلى تلك الجسور فقطعها كلها ولم ~~يترك إلا واحد طويلا بعيدا ضعيفا ثم انه خرقه في أثنائه حتى انقطع الطريق ~~ولم يبق الأحد طريق إلى العبور وهو مع هذا يستعمل الناس في الآلات التي ~~يصنع بها الجسور ويشعر الناس انه لا يمكن أحدا ان يعبر بما يصنعه # أو مثل رجل كان لمدينته أسوار متداخلة سور خلف سور كل سور منها يحفظ ~~المدينة فعمد المتولى فهدم تلك الأسوار كلها وترك سورا هو أضعفها وأطولها ~~وأصبعها حفظا ثم انه مع ذلك خرق منه ناحية يدخل منها العدو فلم يبق للمدينة ~~سور يحفظها # فيقال ان إثبات الصانع ممكن بطرق كثيرة منها الاستدال بالحدوث على المحدث ~~وهذا يكفي فيه حودث الانسان نفسه أو حدوث ما يشاهد من المحدثات كالنبات ~~والحيوان وغير ذلك ثم انه يعلم بالضرورة ان المحدث لا بد له من محدث واذا ~~قدر انه اثبت الصانع بحدوث PageV03P098 العالم لزم ان المحدث لا بد له من ~~محدث ثم اذا قدر انه استدل بطريقة الامكان أما ابتداء واما طريقة الحدوث ~~فالعلم بان الممكن يفتقر إلى الواجب علم ضروري لا يفتقر إلى نفي التسلسل # وايضا فإبطال التسلسل له طرق كثيرة وذلك انه يمكن ان يقال فيه وجوه # أحدهما ان الموجودات بأسرها أما ان تكون واجبة الوجود أو ممكنة الوجود أو ~~ممتنة الوجود والاقسام الثلاثة باطلة فلزم ان يكون بعضها واجبا وبعضها ~~ممكنا # أما الثالث فهو باطل لان ما وجد لا يكون ممتنع الوجود # والثاني باطل أيضا لان ممكن الوجود هو الذي يمكن وجوده وعدمه وما كان ~~كذلك لم يوجد إلا بغيره فلو كان مجموع الموجودات ممكنة لا فتقرت الموجودات ~~كلها إلى غيرها وما ليس بموجود فهو ms0512 معدوم والمعدوم لا يفعل الموجود ~~بالضرورة # والاول باطل أيضا لانا نشاهد فيها ما يحدث بعد ان لم يكن كالحيوان ~~والنبات والمعدن والسحاب والامطار PageV03P099 # والحادث عدم مرة ووجد أخرى فلا يكون ممتنعا لأن الممتنع لا يوجد ولا ~~واجبا بنفسه لأن الواجب بنفسه لا يعدم فثبت أنه ممكن وثبت أن في الموجودات ~~ما هو ممكن بنفسه وأنه ليس كلها ممكنا فثبت أن فيها موجودا ليس بممكن ~~والموجود الذي ليس بممكن هو الواجب بنفسه فإن الموجود إما أن يكون وجوده ~~بنفسه وهو الواجب أو يغيره وهو الممكن ولا يجوز أن يكون فيهما ممتنع لأن ~~الممتنع هو الذي لا يجوز أن يوجد فيمتنع أن يكون في الوجود ممتنع # فتبين أن في الموجودات واجبا وممكنا وليس فيها ممتنع وإن شئت قلت إما أن ~~يقبل من جهة نفسه العدم وهو الممكن أو لا يقبل العدم وهو الواجب بنفسه وإن ~~شئت قلت إما أن يفتقر إلى غيره وهو الممكن أو لا يفتقر وهو الواجب # وإذا كانت الموجودات إما واجبة وإما ممكنة وليس كلها ممكنا ولا كلها ~~واجبا وتعين أن فيها واجبا وفيها ممكنا # الوجه الثاني أن يقال كل ممكن بنفسه لا يوجد إلا بموجب يجب به وجوده لأنه ~~إذا لم يحصل ما به يجب وجوده كان وجوده ممكنا قابلا للوجود والعدم فلا يوجد ~~وما به يجب وجوده لا يكون ممكنا لأن الممكن لا يجب به شيء لافتقاره إلى ~~غيره فالمفتقر إلى الممكن مفتقر إليه وإلى ما به وجب الممكن وإذا كان ~~الممكن وحده لا يجب به شيء علم افتقار الممكن إلى واجب بنفسه PageV03P100 # الوجه الثالث أن يقال طبيعة الإمكان سواء فرضت الممكنات متناهية أو غير ~~متناهية لا توجب الوجود بنفسها فإن ما كان كذلك لم يكن ممكنا فلا بد للممكن ~~من حيث هو ممكن من موجود ليس بممكن والمراد بالممكن في هذه المواضع الممكن ~~الإمكان الخاص وهو الذي يقبل الوجود والعدم فيكون الواجب والممتنع قسيميه ~~فأما إذا أريد به الممكن الإمكان العام وهو قسيم الممتنع فكل موجود ms0513 فهو ~~ممكن بالإمكان العام # ثم الموجود إما موجود بنفسه وإما بغيره وليس كل موجود وجد بنفسه لأن منها ~~المحدثات التي يعلم بضرورة العقل أن وجودها ليس بأنفسها # فثبت أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وما هو موجود بغيره # الوجه الرابع أن يقال الموجودات ليست كلها موجودة بغيرها لأن الغير إن ~~كان معدوما امتنع أن يكون الموجود موجودا بما ليس بموجود وإن كان الغير ~~موجودا كان الموجود خارجا عن جملة الموجودات # وإذا لم تكن الموجودات كلها موجودة بغيرها فإما أن تكون كلها أو كل منها ~~موجودا بنفسه وإما أن لا يكون والأول ممتنع لأن المحدثات التي يشهد حدوثها ~~يعلم بالضرورة أنها ليست موجودة بنفسها وإذا لم تكن كلها موجودة بغيرها ولا ~~كلها موجودة بنفسها تعين أن منها PageV03P101 ما هو موجود بنفسه ومنها ما ~~هو موجود بغيره وهذا لك أن تعتبره في كل فرد فرد من الموجودات وفي المجموع ~~فتقول يمتنع في كل فرد من الموجودات أن يكون موجودا بغير موجود لأنه إذا ~~كان كل واحد من الموجودات موجودا بغير موجود لزم أن يكون كل من الموجودات ~~موجودا بمعدوم وهذا ممتنع وإذا امتنع فإما أن يكون كل موجود موجودا بنفسه ~~وإما أن يكون موجودا بوجود غيره وإما أن يكون منها ما هو موجود بنفسه ومنها ~~ما هو موجود بوجود غيره # والأول ممتنع لوجود الحوادث التي لا توجد بأنفسها # والثاني ممتنع لأن كل واحد واحد من الموجودات إذا كان موجودا بوجود غيره ~~والغير من الموجودات التي لا توجد إلا بموجود غيرها لم يكن فيها إلا ما هو ~~مفتقر محتاج إلى الغير وما كان بنفسه مفتقرا محتاجا إلى الغير ولم يوجد إلا ~~بوجود ذلك الغير وما كان بنفسه مفتقرا محتاجا إلى الغير ولم يوجد إلا بوجود ~~ذلك الغير وما كان في نفسه لا يوجد إلا بغيره فأولى أن لا يكون بنفسه مبدعا ~~لغيره فيلزم أن لا يكون في الموجودات ما هو موجود بنفسه ولا ما هو فاعل ~~لغيره فيلزم حينئذ أن لا يوجد ms0514 شيء من الموجودات لأن الموجود إما موجود ~~بنفسه وإما بوجود غيره وهذا إنما لزم لما قدر أن كل موجود موجود بغيره ~~PageV03P102 # فتعين أن من الموجودات ما هو موجود بنفسه وهو المطلوب # وأما إذا اعتبرت ذلك في المجموع فمجموع الموجود لا يكون واجبا بنفسه لأن ~~من أجزائه ما هو ممكن محدث كائن بعد أن لم يكن والمجموع يتوقف عليه ~~والمتوقف على الممكن لا يكون واجبا بنفسه ولا يكون المجموع مفتقرا إلى غيره ~~المباين له فإن ذلك لا يكون إلا معدوما الموجود لا يكون مفتقرا إلى فاعل ~~معدوم ليس بموجود فضلا عن مجموع الموجود فتعين أن يكون المجموع مفتقرا إلى ~~ما هو داخل في المجموع وذلك البعض لا يكون إلا واجبا بنفسه إذ لو لم يكن ~~واجبا بنفسه لكان ممكنا مفتقرا إلى غيره فيكون مجموع كل واحد من الموجودات ~~مفتقرا إلى غيره وذلك الغير ممكن بنفسه وهو جزء من المجموع الممكن المفتقر ~~إلى غيره ويمتنع أن يكون مجموع الممكنات ليس مفتقرا إلى ما هو بعض الممكنات ~~فإن مجموعها أعظم من بعضها وذلك البعض يشرك المجموع في الفقر والاحتياج إلى ~~الغير ففيه ما فيها من الاحتياج والفقر إلى الغير مع أن المجموع أعظم منه ~~فإذا كانت الأجزاء كلها فقيرة محتاجة والمجموع محتاجا فقيرا امتنع أن يكون ~~شيء من الأجزاء بالمجموع وحده فضلا عن أن يكون بجزء آخر فضلا عن أن يكون ~~المجموع الذي كل أجزائه فقراء بواحد من تلك PageV03P103 الأجزاء الفقراء ~~وهذا كله بين ضروري لا يستريب فيه من تصوره ويمكن تصوير هذه المواد على ~~وجوه أخرى $ فصل # وكذلك يمكن تصوير هذه الأدلة في مادة الحدوث بأن يقال الموجودات إما أن ~~تكون كلها حادثة وهو ممتنع لأن الحوادث لا بد لها من فاعل وذلك معلوم ~~بالضرورة ومحدث الموجودات كلها لا يكون معدوما وذلك أيضا معلوم بالضرورة ~~وما خرج عن الموجودات لا يكون إلا معدوما فلو كانت الموجودات كلها محدثة ~~للزم إما حدوثها بلا محدث وإما حدوثها بمحدث معدوم وكلاهما معلوم الفساد ~~بالضرورة فثبت ms0515 أنه لا بد في الوجود من موجود قديم وليس كل موجود قديما ~~بالضرورة الحسية فثبت أن الموجودات تنقسم إلى قديم ومحدث # وهاتان المقدمتان وهو أن كل حادث فلا بد له من محدث وأن المحدث للموجود ~~لا يكون إلا موجودا مع أنهما معلومتان بالضرورة فإن كثيرا من أهل الكلام ~~أخذوا يقررون ذلك بأدلة نظرية ويحتجون على ذلك بأدلة وهي وإن كانت صحيحة ~~لكن PageV03P104 النتيجة أبين عند العقل من المقدمات فيصير كمن يحد الأجلى ~~بالأخفى وهذا وإن كان قد يذمه كثير من الناس مطلقا فقد ينتفع به في مواضع ~~مثل عناد المناظر ومنازعته في المقدمة الجلية دون ما هو أخفى منها ومثل ~~حصول العلم بذلك من الطرق الدقيقة الخفية الطويلة لمن يرى أن حصول العلم له ~~بمثل هذه الطرق أعظم عنده واحب اليه وانه اذا خوطب بالأدلة الواضحة ~~المعروفة للعامة لم تكن مزية على العامة ولمن يقصد بمخاطبته بمثل ذلك ان ~~مثل هذه الطرق معروف معلوم عندنا لم ندعه عجزا وجهلا وانما اعرضنا عنه ~~استغناء عنه بما هو خير منه واشتغالا بما هو انفع من تطويل لا يحتاج اليه ~~إلى امثال ذلك من المقاصد # فأما كون الحادث لا بد له من محدث فهي ضرورية عند جماهير العلماء وكثير ~~من متكلمة المعتزلة ومن اتبعهم جعلوه نظريا كما سيأتي ذكره بعد هذا # واما كون المعدوم لا يكون فاعلا للموجودات فهو اظهر من ذلك ولذلك اعترف ~~بكونه ضرويا من استدل على ان المحدث لا بد له من محدث موجود والممكن لا بد ~~له من مؤثر موجود كالرازي وغيره PageV03P105 # قال الرازي أما كون المؤثر موجودا فإنه لا فرق بين نفي المؤثر وبين مؤثر ~~منفي والحكم بالاكتفاء بالمؤثر المنفي حكم بعدم الاحتياج إلى المؤثر # قال والعلم بذلك ضروري ولا يتصور في هذا المقام الاستدلال بالكلام ~~المشهور من ان المعدوم لا تميز فيه فلا يمكن استناد الاثر اليه لانه يتوجه ~~عليه شكوك معروفة # قال والجواب عنها وان كان ممكنا إلا ان العلم بفساد استناد الاثر الموجود ~~إلى المؤثر ms0516 المعدوم اظهر كثيرا من العلم بذلك والدليل PageV03P106 والاجوبة ~~عن الاسولة التي تورد عليه وايضاح لا يزيده إلا خفاء # قال وقول القائل هب ان المؤثر ليس بمعدوم فلم يجب ان يكون موجودا قلنا لا ~~واسطة بين الوجود والعدم وقول القائل الماهية تقتضي الامكان لا بشرط الوجود ~~ولا العدم فهو متوسط بين الوجود والعدم قلنا نحن لا ندعى ان كل حقيقة فهي ~~إما الوجود وإما العدم حتى يلزم من كون الماهية مغايرة لهما فساد ذلك الحصر ~~بل ندعى ان العقل يحكم على كل حقيقة من الحقائق التي لا نهاية لها انها لا ~~تخلوا عن وصفي الوجود والعدم واذا كان كذلك فكون الماهية مغايرة للوجود ~~والعدم لا يقدح في قولنا انه لا واسطة بين الوجود والعدم PageV03P107 # قلت هذا السؤال والجواب عنه لا يحتاج اليه مع علمنا الضروري بان المؤثر ~~في الموجود لا يكون إلا موجودا وهذا قد سبقه اليه غير واحد من النظار كأبي ~~المعالى الجويني فانه فال في الارشاد فان قال قائل قد دللتم فيما قدمتم على ~~العلم بالصانع فبم تنكرون على من يقدر الصانع عدما قلنا العدم عندنا نفي ~~محض وليس المعدوم على صفة من صفات الاثبات ولا فرق بين نفي الصانع وبين ~~تقدير الصانع منفيا من كل وجه بل نفي الصانع وان كان باطلا بالدليل القاطع ~~فالقول به غير متناقض في نفسه والمصير إلى إثبات صانع منفي متناقض وإنما ~~يلزم القول بالصانع المعدوم المعتزلة حيث اثبتوا للمعدوم صفات الاثبات ~~وقضوا بان المعدوم على خصائص الاجناس # قال والوجه ان لا نعد الوجود من الصفات فان الوجود نفس الذات وليس بمثابة ~~التحيز للجوهر فان التحيز صفة زائدة على ذات الجوهر ووجود عندنا نفسه من ~~غير تقدير مزيد # قال والائمة يتوسعون في عد الوجود من الصفات والعلم به علم بالذات # قال الكيا الهراسى الطبري اذا قلنا الباري موجود فوجوده ذاته هذا ~~بالإتفاق من اصحابنا القائلين بالأحوال والنافين لها إلا على راى المعتزلة ~~الذين قالوا المعدوم شيء PageV03P108 # وقال أبو القاسم الانصارى شارح الارشاد والقاضي ms0517 أبو بكر وان اثبت الاحوال ~~فلم يجعل الوجود حالا فان العلم به علم بالذات وعند أبي هاشم ومتبعيه ~~الوجود من الاحوال وهو من اثر كون الفاعل قادرا # قال وما قاله امام الحرمين من ان الائمة يتوسعون في عد الوجود من الصفات ~~فانما قالوا ذلك لما بيناه من ان صفة النفس عندهم تفيد ما تفيده النفس فلا ~~فرق بين وجود الجوهر وتحيزه وهكذا قال الكيا الوجود يمنزلة التحيز للجوهر ~~فإن التحيز للجوهر نفس الجوهر خالف أبا المعالى # قال ومن الدليل على وجود الصانع انه موصوف بالصفات القائمة به كالحياة ~~والقدرة والعلم ونحوها وهذه الصفات مشروطة بوجود محلها وقد يكون الشيء ~~موجودا ولا يكون مختصا بهذه الصفات ويستحيل الاختصاص بهذه الصفات من غير ~~تحقق وجود # قال ومما يحقق ما قلناه قيام الدليل القاطع على انه فاعل ومن شرط الفاعل ~~ان يكون موجودا # قلت هذا الثاني هو ما ذكره أبو المعالي فان إثبات الصانع إثبات لوجوده ~~وإلا فصانع منتف كنفي الصانع و اما الاول فهو وان كان صحيحا لكن النتيجة ~~ابين من المقدمات فإن العلم بان الصانع لا يكون إلا موجودا ابين من العلم ~~بثبوت من صفاته وبأن الموصوف لا يكون إلا PageV03P109 # موجودا ولهذا اقر بوجوده طوائف إنكروا قيام الصفات به و اذا قرروا قيام ~~الصفات به فكون الفاعل لا يكون إلا موجودا ابين من كون ما تقوم به الصفة لا ~~يكون إلا موجودا وكلاهما معلوم بالضرورة لكن الفاعل الذي يبدع غيره احق ~~بالوجود وكما ان الوجود من محل الصفة فان محل الصفة قد يكون جمادا وقد يكون ~~حيوانا وقد يكون قادرا وقد يكون عاجزا والصفة أيضا قد تقوم بها الصفة عند ~~كثير من الناس بشرط قيامها جمعيها بمحل اخر فالصفة وان كانت مفتقرة إلى محل ~~وجودي فهو من باب الافتقار إلى المحل القابل واما المفعول المفتقر إلى ~~الفاعل فهو من باب الافتقار إلى الفاعل # ومعلوم ان الحاجة إلى الفاعل فيما له فاعل اقوى من الحاجة إلى القابل ~~فيما له قابل وايضا فان ms0518 القابل شرط في المقبول لا يجب تقدمه عليه بل يجوز ~~اقترانهما بخلاف الفاعل فإنه لا يجوز ان يقارن المفعول بل لا بد من تقدمه ~~عليه ولهذا اتفق العقلاء على انه لا يجوز ان يكون كل من الشيئين فاعلا ~~للاخر لا بمعنى كونه علة فاعلة ولا بغير ذلك من المعاني واما كون كل من ~~الشيئين فاعلا للاخر فانه يجوز وهذا هو الدور المعى وذاك هو الدور القبلى ~~وقد بسط هذا في غير هذا PageV03P110 الموضع وبين ما دخل على الفلاسفة من ~~الغلط في مسائل الصفات من هذا الوجه حيث لم يميزوا بين الشرط والعلة ~~الفاعلة بل قد يجعلون ذلك كله علة إذ العلة عندهم يدخل فيها الفاعل والغاية ~~وهما العلتان المفصلتان اللتان بهما يكون وجود المعلول والقابل الذي قد ~~يسمى مادة وهيولى مع الصورة وهما علتا حقيقة الشيء في نفسه سواء قيل ان ~~حقيقته غير العين الموجودة في الخارج كما يدعون ذلك أو قيل هى هي كما هو ~~المعروف عن متكلمي اهل السنة # والمقصود هنا ان الدليل لما دل على انه لا بد من موجود واجب بنفسه أي لا ~~يكون له فاعل يوجده لا علة فاعلة ولا ما يسمي فاعلا غير ذلك صاروا يطلقون ~~عليه الواجب بنفسه ثم اخذوا ما يحتمله هذا اللفظ من المعاني فأرادوا ~~اثباتها كلها فصاروا ينفون الصفات وينفون ان يكون له حقيقة موصوفة بالوجود ~~لئلا تكون الذات متعلقة بصفة فلا تكون واجبة بنفسها ومعلوم ان كون الذات ~~مستلزمة لصفة كمال يمتنع PageV03P111 تحققها بدونها لا يوجب افتقارها إلى ~~فاعل أو علة فاعلة ولكن غاية ما فيه أن تكون الذات مشروطة بالصفة والصفة ~~مشروطة بالذات وأن تكون الصفة إذا قيل بأنها واجبة لا تقوم إلا بموصوف فإذا ~~قيل هذا فيه افتقار الواجب إلى غيره لم يلزم أن يكون ذلك الغير فاعلا ولا ~~علة فاعلة بل إذا قدر أنه يطلق عليه غير فإنما هو شرط من الشروط وكون الذات ~~مشروطة بالصفة اللازمة لها والصفة مشروطة بالذات لا يمنع أن يكون الجميع ms0519 ~~واجبا بنفسه لا يفتقر إلى فاعل ولا إلى علة فاعلة وقد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع # والمقصود أنه إذا كان قد علم أن الصفة المشروطة بمحلها تقتضي أن يكون ~~محلها موجودا فالمفعول المفتقر إلى فاعل موجب يقتضي أن يكون فاعله موجودا ~~بطريق الأولى # وأيضا فيقال الحوادث المشهودة لا بد لها من محدث إذ المحدث من حيث هو ~~محدث وكل ما يقدر محدثا سواء قدر متناهيا أو غير متناه لا يوجد بنفسه بل لا ~~بد له من فاعل ليس بمحدث والعلم بذلك ضروري إذ طبيعة الحدوث تقتضي الافتقار ~~إلى فاعل فلا بد لكل ما يقدر محدثا من فاعل فيمتنع أن يكون فاعل كل ~~المحدثات محدثا فوجب أن يكون قديما PageV03P112 # وأيضا فالمحدث مفتقر إلى محدث كامل مستقل بالفعل إذ ما ليس مستقلا بالفعل ~~مفتقر إلى غيره فلا يكون هو وحده الفاعل بل الفاعل هو وذلك الغير فلا يكون ~~وحده فاعلا للمحدث ثم ذلك الغير إن كان محدثا فلا بد له من فاعل أيضا فلا ~~بد للمحدثات من فاعل مستقل بالفعل مستغن عن جميع محدثاته والعقل يعلم ضرورة ~~افتقار المحدث إلى المحدث الفاعل ويقطع به ويعلمه ضرورة أبلغ من علمه ~~بافتقار الممكن إلى الواجب الموجب له فلا يحتاج أن يقال في ذلك أن المحدث ~~يتخصص بزمان دون زمان أو بقدر دون قدر ولا بد للتخصيص من مخصص فإن العلم ~~بافتقار المحدث إلى المحدث أبين في العقل وأبده له # ولهذا قال تعالى @QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون @QE@ سورة ~~الطور 35 # قال جبير بن مطعم لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها أحسست ~~بفؤادي قد انصدع # وقال @QB@ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون @QE@ سورة ~~الواقعة 59 58 إذ كان كل من القسمين وهو كونهم خلقوا من غير خالق وكونهم ~~خلقوا أنفسهم معلوم الانتفاء بالضرورة فإن الإنسان يعلم بالضرورة أنه لم ~~يحدث من غير محدث وأنه لم يحدث نفسه فلما كان العلم بأنه لا بد له من محدث ms0520 ~~وأن محدثه ليس هو إياه علما ضروريا ثبت بالضرورة أن له محدثا خالقا غيره ~~وكل ما يقدر فيه أنه مخلوق فهو كذلك PageV03P113 # والخلق يتضمن الحدوث والتقدير ففيه معنى الإبداع والتقدير وإذا علمت أن ~~الممكن لا بد له من مرجح يجب به وإلا لم يكن موجودا بل يبقى معدوما على أصح ~~القولين أو مترددا بين الوجود والعدم على الآخر فالمحدث لا بد له من فاعل ~~يستغني به المفعول فيكون به وإلا بقي مفتقرا إلى غيره وإذا قدر محدثه أيضا ~~فهو أيضا محدث لم يستغن به لأن ذلك المحدث مفتقر إلى غيره فالمفتقر إليه ~~مفتقر إلى ذلك الغير الذي هو الأول مفتقر إليه بطريق الأولى فلا توجد ~~الحوادث إلا بفاعل غني عن غيره وكل محدث مفتقر إلى غيره فلا توجد الحوادث ~~إلا بفاعل قديم غير محدث فهذه طرق متعددة يثبت بها الموجود الواجب بنفسه ~~القديم $ فصل # ويمكن تصوير هذه المادة في الغنى والفقر وفي الخلق وعدم الخلق والقدرة ~~وعدم القدرة والكمال والنقصان والحياة والموت والعلم والجهل وغير ذلك بأن ~~يقال كل موجود فإما أن يكون غنيا بنفسه عما سواه وإما ان يكون مفتقرا إلى ~~ما سواه والمفتقر إلى ما سواه لا يوجد إلا بغنى عما سواه فيلزم وجود الغنى ~~عما سواه على التقديرين PageV03P114 والحوادث مفتقرة إلى غيرها فثبت أن من ~~الموجودات ما هو غني بنفسه ومنها ما هو مفتقر إلى ما سواه ومثل أن يقال كل ~~موجود فإما أن يكون مخلوقا وإما ألا يكون مخلوقا والمخلوق لا يكون مخلوقا ~~إلا بخالق ليس بمخلوق # وقد علم أن الحوادث لا تكون إلا مخلوقة فثبت أن في الموجودات ما هو حادث ~~مخلوق ومنها ما هو خالق لتلك الحوادث ليس بمخلوق وهو المطلوب # ومثل أن يقال الموجود إما أن يكون قادرا بنفسه وإما ألا يكون قادرا بنفسه ~~وما ليس بقادر بنفسه لا يكون قادرا إلا بإقدار القادر بنفسه والحوادث ~~المشهودة كانت معدومة والمعدوم لا يكون موجودا بنفسه فضلا عن أن يكون قادرا ~~بنفسه فثبت أن الموجودات ms0521 ما هو محدث ومنها ما هو موجود قادر بنفسه والقادر ~~بنفسه لا يكون إلا قديما أزليا واجبا بنفسه فثبت انقسام الموجودات إلى هذا ~~وهذا وهو المطلوب # ومثل أن يقال الموجود إما أن يكون كاملا ليس فيه نقص يحتاج إلى غيره وإما ~~أن يكون ناقصا يحتاج في كماله إلى غيره ومعلوم أن الحوادث المشهودة ليس لها ~~من نفسها وجود فضلا عن أن تكون كاملة بنفسها وأنها بعد وجودها مفتقرة إلى ~~من يكمل نقصها فثبت أن الموجودات فيها كامل ليس فيه نقص يحتاج فيه إلى غيره ~~وما ليس فيه PageV03P115 نقص لا يكون إلا كاملا قديما أزليا واجبا بنفسه ~~فثبت انقسام الموجودات إلى هذا وهذا وهو المطلوب # ومثل أن يقال الموجود إما عالم بنفسه وإما محتاج في العلم إلى من يعلمه ~~وإما أن لا يقبل العلم ومعلوم أن الإنسان مفتقر في حصول علمه إلى من يعلمه ~~ليس علمه من لوازم ذاته فإنه خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا ثم حدث له العلم ~~بعد ذلك فثبت أن في الموجود ما ليس عالما بنفسه بل هو مفتقر في حصول العلم ~~له إلى من يعلمه ومعلوم أن كل ما ليس بعالم بنفسه فلا بد له من عالم يعلمه ~~وذاك العالم إن كان عالما بنفسه وإلا افتقر إلى عالم بنفسه فلا بد أن ينتهي ~~الأمر إلى عالم بنفسه قطعا للتسلسل الممتنع فثبت أن في الوجود ما هو عالم ~~بنفسه وما ليس عالما بنفسه بل بمن يعلمه كما قال @QB@ اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق @QE@ إلى قوله @QB@ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما ~~لم يعلم @QE@ سورة العلق 1 5 وقال @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما ~~شاء @QE@ سورة البقرة 255 # وما كان عالما بنفسه فأن يكون موجودا بنفسه أولى وأحرى فإن العلم صفة له ~~وإذا كانت تلك الصفة قديمة واجبة لا تفتقر إلى فاعل يفعلها في العالم بنفسه ~~فلا يكون الموصوف بها قديما واجبا بطريق الأولى والأحرى PageV03P116 # ومثل أن يقال الموجود إما حي بنفسه ms0522 وإما حي بغيره وإما ليس بحي ومعلوم أن ~~الحي بغيره موجود فإن الإنسان يكون في بطن أمه قبل نفخ الروح فيه ليس بحي ~~ثم يصير حيا بعد ذلك فثبت وجود الحي بغيره الذي جعله حيا وذلك الذي جعله ~~حيا إما أن يكون حيا بنفسه وإما بغيره والحي بغيره يحتاج إلى حي فلا بد أن ~~ينتهي الأمر إلى حي بنفسه قطعا للتسلسل الممتنع فثبت أن في الوجود ما هو حي ~~بنفسه والحي بنفسه لا يكون إلا واجبا قديما بنفسه فإن ذاته إذا كانت ~~مستلزمة لحياته بحيث لا تكون حياته حاصلة له من غيره فأن تكون ذاته واجبة ~~بنفسها لا تكون حاصلة بغيرها أولى وأحرى فإن الحياة قائمة في الموصوف الحي ~~بها فإذا كانت الحياة قديمة أزلية واجبة بنفسها يمتنع عدمها فالحي الموصوف ~~بها أن يكون حيا قديما أزليا واجبا بنفسه أولى وأحرى # والتسلسل الذي يسمى التسلسل في العلل والمعلولات والمؤثر والأثر والفاعل ~~والمفعول والخالق والمخلوق هو ممتنع باتفاق العقلاء وبصريح المعقول بل هو ~~ممتنع في بديهة العقل بعد التصور وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالاستعاذة منه في قوله صلى الله عليه وسلم يأتي الشيطان أحدكم فيقول من ~~خلق كذا من خلق كذا فيقول الله فيقول من خلق الله فإذا وجد ذلك أحدكم ~~فليستعذ بالله ولينته فأمره بالاستعاذة منه ليقطع عنه الله الوساوس الفاسدة ~~التي PageV03P117 # يلقيها الشيطان بغير اختياره ويؤذيه بها حتى قد يتمنى الموت أو حتى يختار ~~أن يحترق ولا يجدها وهي الوسوسة التي سأله عنها الصحابة فقالوا يا رسول ~~الله ان أحدنا ليجد في نفسه ما لان يحترق حتى يصير حمة أو يخر من السماء ~~إلى الأرض خيرا له من ان يتكلم به فقال ذلك صريح الإيمان وفي رواية ما ~~يتعاظم أحدنا ان يتكلم به فقال الحمد الله الذي ردكيده إلى الوسوسة واراد ~~بذلك ان كراهته هذه الوسوسة ونفيها هو محض الإيمان وصريحه $ فصل # واعلم ان علم الانسان بان كل محدث لا بد له من محدث أو ms0523 كل ممكن لا بد له ~~من واجب أو كل فقير فلا بد له من غني أو كل مخلوق فلا بد له من خالق أو كل ~~معلوم فلا بد له من يعلم أو كل اثر فلا بد له من مؤثر ونحو ذلك من القضايا ~~الكلية والاخبار العامة هو علم كلى بقضية كلية وهو حق في نفسه لكن علمه بأن ~~هذا المحدث المعين لا بد له من محدث وهذا الممكن المعين لا بد له من واجب ~~هو ايضا معلوم له مع كون القضية معينة مخصوصة جزئية وليس علمه بهذه القضايا ~~المعينة المخصوصة PageV03P118 موقوفا على العلم يتلك القضية العامة الكلية ~~بل هذه القضايا المعينة قد تسبق إلى فطرته قبل ان يستشعر تلك القضايا ~~الكلية وهذا كعلمه بان الكتابة لا بد لها من كاتب والبناء لا بد له من بان ~~فإنه اذا راى كتابه معينة علم انه لا بد لها من كاتب واذا راى بنيانا علم ~~انه لا بد من بان وان لم يستشعر في ذلك الحال كل كتابة كانت أو تكون أو ~~يمكن ان تكون ولهذا تجد الصبي ونحوه يعلم هذه القضايا المعنية الجزئية وان ~~كان عقله لا يستحضر القضية الكلية العامة وهذا كما ان الإنسان يعلم أن هذا ~~المعين لا يكون اسود ابيض ولا يكون في مكانين وان لم يستحضر ان كل اسود وكل ~~بياض فإنهما لا يجتمعان وان كل جسمين فإنهما لا يكونان في مكان واحد وهكذا ~~إذا رأى درهما ونصف درهم علم ان هذا الكل اعظم من هذا الجزء وان لم يستحضر ~~أن كل كل فانه يجب أن يكون اعظم من جزئه # وكذلك إذا قيل هذا العدد الأول مساو لهذا العدد الثاني وهذا العدد الثاني ~~مساو لهذا العدد الثالث فانه يعلم أن الأول مساو لمساوى الثاني وهو مساو ~~والثالث وان لم يستحضر ان كل مساو لمساو فهو مساو PageV03P119 # وكذلك إذا علم أن الشخص موجود علم أنه ليس بمعدوم وإذا علم أنه ليس ~~بمعدوم علم أنه موجود ويعلم أنه لا يجتمع ms0524 وجوده وعدمه بل يتناقضان وإن لم ~~يستحضر قضية كلية عامة أنه لا يجتمع نفي كل شيء وإثباته ووجوده وعدمه وهكذا ~~عامة القضايا الكلية # فإنه قد يكون علم الانسان بالحكم في أعيانها المشخصة الجزئية أبده للعقل ~~من الحكم الكلي ولا تكون معرفته بحكم المعينات موقوفة على تلك القضايا ~~الكليات ولهذا كان علم الإنسان أنه هو لم يحدث نفسه لا يتوقف على علمه بأن ~~كل إنسان لم يحدث نفسه ولا على أن كل حادث لم يحدث نفسه بل هذه القضايا ~~العامة الكلية صادقة وتلك القضية المعينة صادقة والعلم بها فطري ضروري لا ~~يحتاج أن يستدل عليه وإن كان قد يمكن الاستدلال على بعض المعينات بالقضية ~~الكلية ويستفاد العلم بالقضية الكلية بواسطة العلم بالمعينات لكن المقصود ~~أن هذا الاستدلال ليس شرطا في العلم بل العلم بالمعينات قد يعلم كما تعلم ~~الكليات وأعظم بل قد يجزم بالمعينات من لا يجزم بالكليات ولهذا لا تجد أحدا ~~يشك في أن هذه الكتابة لا بد لها من كاتب وهذا البناء لا بد له من بان بل ~~يعلم هذا ضرورة # وإن كان العلم بأن كل حادث لا بد له من محدث فاعل PageV03P120 قد اعتقده ~~طوائف من النظار نظريا حتى أقاموا عليه دليلا إما بقياس الشمول وإما بقياس ~~التمثيل فالأول قول من يقول كل محدث لا بد له من محدث والثاني قول من يقول ~~هذا محدث فيفتقر إلى محدث قياسا على البناء والكتابة # ثم القائلون بأن كل محدث لا بد له من محدث منهم من يثبت هذا بالاستدلال ~~على ان الحادث مختص والتخصص لا بد له من مخصص ثم من الناس من يثبت هذا بأن ~~المخصوص ممكن والممكن لا بد له من مرجح لوجوده ثم من الناس من يثبت هذا بأن ~~نسبة الممكن إلى الوجود والعدم سواء فلا بد من ترجيح أحد الجانبين # وكثير من الناس يجعل المقدمة الأولى في هذه القضايا ضرورية بل يجعلها ~~أبين من الثانية التي استدل بها عليها وهذا الاضطراب إنما يقع في القضايا ~~الكلية ms0525 العامة # وأما كون هذا البناء لا بد له من بان وهذه الكتابة لا بد لها من كاتب ~~وهذا الثوب المخيط لا بد له من خياط وهذه الآثار التي في الأرض من آثار ~~الأقدام لا بد لها من مؤثر وهذه الضربة لا بد لها من ضارب وهذه الصياغة لا ~~بد لها من صائغ وهذا PageV03P121 الكلام المنظوم المسموع لا بد له من متكلم ~~وهذا الضرب والرمي والطعن لا بد له من ضارب ورام وطاعن # فهذه القضايا المعينة الجزئية لا يشك فيها أحد من العقلاء ولا يفتقر في ~~العالم بها إلى دليل وإن كان ذكر نظائرها حجة لها وذكر القضية التي ~~تتناولها وغيرها حجة ثانية فيستدل عليها بقياس التمثيل وبقياس الشمول لكن ~~هي في نفسها معلومة للعقلاء بالضرورة مع قطع نظرهم عن قضية كلية كما يعلم ~~الإنسان أحوال نفسه المعينة فإنه يعلم انه لم يحدث نفسه وان لم يستحضر ان ~~كل حادث لا يحدث بنفسه # ولهذا كانت فطرة الخلق مجبولة على انهم متى شاهدوا شيئا من الحوادث ~~المتجددة كالرعد والبرق والزلازل ذكروا الله وسبحوه لأنهم يعلمون أن ذلك ~~المتجدد لم يتجدد بنفسه بل له محدث أحدثه وأن كانوا يعلمون هذا في سائر ~~المحدثات لكن ما اعتادوا حدوثه صار مألوفا لهم بخلاف المتجدد الغريب وألا ~~فعامة ما يذكرون الله ويسبحونه عنده من الغرائب المتجددة قد شهدوا من آيات ~~الله المعتادة ما هو اعظم منه ولو لم يكن ألا خلق الإنسان فانه من اعظم ~~الآيات فكل أحد يعلم انه هو لم PageV03P122 يحدث نفسه ولا أبواه أحدثاه ولا ~~أحد من البشر أحدثه ويعلم انه لا بد له من محدث فكل أحد يعلم أن له خالقا ~~خلقه ويعلم انه موجود حي عليم قدير سميع بصير ومن جعل غيره حيا كان أولى ان ~~يكون حيا ومن جعل غيره عليما كان أولى أن يكون عليما ومن جعل غيره قادرا ~~كان أولى ان يكون قادرا ويعلم أيضا أن فيه من الأحكام ما دل على علم الفاعل ~~ومن الاختصاص ما دل ms0526 على إرادة الفاعل وأن نفس الأحداث لا يكون إلا بقدرة ~~المحدث فعلمه بنفسه المعينة المشخصة الجزئية يفيده العلم بهذه المطالب ~~الالهية وغيرها كما قال تعالى @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ سورة ~~الذاريات 21 $ فصل # اذا تبين ذلك فالآية والعلامة والدلالة على الشيء يجب ان يكون ثبوتها ~~مستلزما لثبوت المدلول الذي هي آية له وعلامة عليه ولا تفتقر في كونها آية ~~وعلامة ودلالة إلى ان تندرج تحت قضية كلية سواء كان المدلول عليه قد عرفت ~~عينه أو لم تعرف عينه بل عرف على وجه مطلق مجمل PageV03P123 # فالأول مثل أن يقال علامة دار فلان أن على بابها كذا أو على عتبها كذا أو ~~علامة فلان أنه كذا وكذا فإذا رؤيت تلك العلامة عرف ذلك المعين # والثاني ان يقال علامة من يكون أميرا أو قاضيا ان تكون هيئته كذا وكذا ~~فإذا رؤيت تلك الهيئة علم ان هناك اميرا أو قاضيا وان لم تعلم عينه # واذا كان كذلك فجميع المخلوقات مستلزمة للخالق سبحانه وتعالى بعينه وكل ~~منها يدل بنفسه على أن له محدثا بنفسه ولا يحتاج ان يقرن بذلك ان كل محدث ~~فله محدث كما قدمناه ان العلم بأفراد هذه القضية لا يجب ان يتوقف على ~~كلياتها بل قد تكون دلالته على المحدث المعين أظهر وأسبق # ولهذا كان ما يشهده الناس من الحوادث آيات دالة على الفاعل المحدث بنفسها ~~من غير ان يجب ان يقترن بها قضية كلية ان كل محدث فله محدث وهي أيضا دالة ~~على الخالق سبحانه من حيث يعلم انه لا يحدثها إلا هو فإنه كما يستدل على ان ~~المحدثات لا بد لها من محدث قادر عليم مريد حكيم فالفعل يستلزم القدرة و ~~الاحكام PageV03P124 يستلزم العلم والتخصيص يستلزم الارادة وحسن العاقبة ~~يستلزم الحكمة # وكل حادث يدل على ذلك كما يدل عليه الآخر وكل حادث كما دل على عين الخالق ~~فكذلك الآخر يدل عليه فلهذا كانت المخلوقات آيات عليه و سماها الله آيات و ~~الايات لا تفتقر في كونها آيات إلى قياس كلي ms0527 لا قياس تمثيلي ولا قياس شمولي ~~وان كان القياس شاهدا لها ومؤيدا لمقتضاها لكن علم القلوب بمقتضى الآيات ~~والعلامات لا يجب ان يقف على هذا القياس بل يعلم موجبها ومقتضاها وان لم ~~يخطر لها ان كل ممكن فإنه لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح أو لا ~~يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح # ومن هنا يتبين لك ان ما تنازع فيه طائفة من النظار وهو ان علة الافتقار ~~إلى الصانع هل هو الحدوث أو الامكان أو مجموعيهما لا يحتاج اليه وذلك ان كل ~~مخلوق فنفسه وذاته مفتقرة إلى الخالق وهذا الافتقار وصف له لازم ومعنى هذا ~~ان حقيقته لا تكون موجودة إلا بخالق يخلقه فإنه شهدت حقيقته موجودة في ~~الخارج علم انه لا بد لها من فاعل وان تصورت في العقل علم انها لا توجد في ~~الخارج إلا بفاعل ولو قدر انها تتصور تصورا مطلقا علم انها لا توجد إلا ~~بفاعل فهي في نفسها لا توجد إلا بفاعل وهذا يعلم بنفس تصورها وان لم يشعر ~~القلب PageV03P125 بكونها حادثة أو ممكنة وان كان كل من الامكان والحدوث ~~دليلا ايضا على هذا الافتقار لكن الحدوث يستلزم وجودها بعد العدم وقد علم ~~انها لا توجد إلا بفاعل و الامكان يستلزم انها لا تكون إلا بموجد وذلك ~~يستلزم اذا وجت ان تكون بموجد وهي من حيث هي هي وان لم تدرج تحت وصف كلي ~~يستلزم الافتقار إلى الفاعل أي لا تكون موجودة إلا بالفاعل ولا تدوم وتبقى ~~إلا بالفاعل المبقى المديم لها فهي مفتقرة اليه في حدوثها وبقائها سواء قيل ~~ان بقاءها وصف زائد عليها أو لم يقل # ولهذا يعلم العقل بالضرورة ان هذا الحادث لا يبقى إلا بسبب يبقيه كما ~~يعلم انه لم يحدث إلا بسبب يحدثه ولو بنى الانسان سقفا ولم يدع شيئا يمسكه ~~لقال له الناس هذا لا يدوم ولا يبقى وكذلك اذا خاط الثوب بخيوط ضعيفة وخاطه ~~خياطة فاسدة قالوا له هذا لا يبقى البقاء الطلوب فهم يعلمون بفطرتهم ms0528 افتقار ~~الامور المفتقرة إلى ما يبقيها كما يعلمون افتقارها إلى ما يحدثها وينشئها # وما يذكر من الامثال المضروبة والشواهد المبينة لكون الصنعة تفتقر إلى ~~الصانع في حدوثها وبقائها انما هو للتنبيه على ما في الفطرة كما يمثل ~~بالسفينة في الحكاية المشهورة عن بعض أهل العم انه قال له طائفة ~~PageV03P126 من الملاحدة ما الدلالة على وجود الصانع فقال لهم دعوني فخاطري ~~مشغول بأمر غريب قالوا ما هو قال بلغني ان في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من ~~أصناف الأمتعة العجيبة وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها ولا يقوم عليها ~~فقالوا له امجنون أنت قال و ما ذاك قالوا اهذا يصدقه عاقل فقال فكيف صدقت ~~عقولكم ان هذا العالم بما فيه من الانواع و الاصناف والحوادث العجيبة وهذا ~~الفلك الدوار السيار يجرى وتحدث هذه الحوادث بغير محدث وتتحرك هذه ~~المتحركات بغير محرك فرجعوا على أنفسهم بالملام وهكذا اذا قيل فهذه السفينة ~~اثبتت نفسها في الساحل بغير موثق أوثقها ولا رابط ربطها كذبت العقول بذلك # فهكذا اذا قيل ان الحوادث تبقى وتدوم بغير مبق يبقيها ولا ممسك يمسكها ~~ولهذا نبه سبحانه على هذا وهذا فالأول كثير وأما الثاني ففي مثل قوله @QB@ ~~إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من ~~بعده إنه كان حليما غفورا @QE@ سورة فاطر 41 وقوله @QB@ ومن آياته أن تقوم ~~السماء والأرض بأمره @QE@ سورة الروم 25 وقوله @QB@ رفع السماوات بغير عمد ~~ترونها @QE@ سورة الرعد 2 # و هذا الابقاء يكون بالرزق الذي يمد الله به المخلوقات كما قال الله ~~PageV03P127 تعالى @QB@ الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من ~~شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ سورة الروم ~~40 وهذا الذي ذكرناه من أن نفس الاعيان المحدثة كالانسان تستلزم وجود ~~الصانع الخالق وأن علم الانسان بأنه مصنوع يستلزم العلم بصانعه بذاته من ~~غير احتياج إلى قضية كلية تقترن بهذا وهو معنى ما يذكره كثير من الناس مثل ~~قول الشهرستاني أما تعطيل ms0529 العالم عن الصانع العليم القادر الحكيم فلست أرها ~~مقالة ولا عرفت عليها صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية ~~انهم قالوا كان العالم في الأزل اجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة فاصطكت ~~اتفاقا فحصل العالم بشكله الذي تراه عليه PageV03P128 # قال ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع بل هو يعترف بالصانع لكنه ~~يحيل سبب وجود العالم علة البخت والاتفاق احترازا عن التعليل فما عدت هذه ~~المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان فإن الفطرة السليمة الإنسانية ~~شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها بصانع عليم قادر حكيم @QB@ أفي الله شك ~~@QE@ سورة إبراهيم 10 @QB@ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله @QE@ سورة ~~الزخرف 87 @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم @QE@ سورة الزخرف 9 وإن غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك ~~أنهم يلوذون إليها في حال الضراء @QB@ دعوا الله مخلصين له الدين @QE@ سورة ~~يونس 22 @QB@ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ سورة ~~الإسراء 67 # قال ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ~~ونفي الشرك أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله PageV03P129 إلا الله ~~فاعلم أنه لا إله إلا الله ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في ~~التوحيد @QB@ ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا @QE@ ~~سورة غافر 12 @QB@ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~@QE@ سورة الزمر 45 @QB@ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم ~~نفورا @QE@ سورة الإسراء 46 # قال وقد سلك المتكلمون طريقا في إثبات الصانع وهو الاستدلال بالحوادث على ~~محدث صانع وسلك الأوائل طريقا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح ~~لأحد طرفي الإمكان # قلت وهذا الطريق الثاني لم يسلكه الأوائل وإنما سلكه ابن سينا ومن وافقه ~~ولكن الشهرستاني وأمثاله لا يعرفون مذهب أرسطو والأوائل إذ كان عمدتهم فيما ~~ينقلونه من الفلسفة على كتب ابن سينا PageV03P130 # قال ويدعي كل واحد في جهة الاستدلال ms0530 ضرورة وبديهة # قال وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات ~~دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياجه في ذاته إلى مدبر هو منتهى ~~مطلب الحاجات يرغب إليه ولا يرغب عنه ويستغنى به ولا يستغنى عنه ويتوجه ~~إليه ولا يعرض عنه ويفزع إليه في الشدائد والمهمات فإن احتياج نفسه أوضح من ~~احتياج الممكن الخارج إلى الواجب والحادث إلى المحدث # وعن هذا المعنى كانت تعريفات الحق سبحانه في التنزيل على هذا المنهاج ~~@QB@ أم من يجيب المضطر إذا دعاه @QE@ سورة النمل 62 @QB@ قل من ينجيكم من ~~ظلمات البر والبحر @QE@ سورة الأنعام 63 @QB@ قل من يرزقكم من السماء ~~والأرض @QE@ PageV03P131 سورة يونس 31 @QB@ أم من يبدأ الخلق ثم يعيده @QE@ ~~سورة النمل 64 # وعن هذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم خلق الله العباد على معرفته ~~فاجتالتهم الشياطين عنها # قلت لفظ الحديث في الصحيح يقول الله خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ~~وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # قال فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج وذلك الاجتيال من الشيطان هو تسويله ~~الاستغناء ونفي الحاجة والرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة وتطهيرها عن ~~تسويلات الشياطين فإنهم الباقون على أصل الفطرة وما كان له عليهم من سلطان ~~@QB@ فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى @QE@ سورة الأعلى 10 11 ~~PageV03P132 # @QB@ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى @QE@ سورة طه 44 # قلت الذي في الحديث إن الشياطين أمرتهم أن يشركوا به ما لم ينزل به ~~سلطانا وهذا المرض العام في أكثر بني آدم وهو الشرك كما قال تعالى @QB@ وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ سورة يوسف 106 وأما التعطيل فهو مرض ~~خاص لا يكاد يقع إلا عن عناد كما وقع لفرعون # وليس في الحديث أن الشياطين سولت لهم الاستغناء عن الصانع فإن هذا لا يقع ~~إلا خاصا لبعض الناس أو لكثير منهم في بعض الأحوال وهو جنس السفسطة بل هو ~~شر السفسطة والسفسطة لا تكون عامة ms0531 لعدد كثير دائما بل تعرض لبعض الناس أو ~~لكثير منهم في بعض الأشياء # قال ومن رحل إلى الله قربت مسافته حيث رجع إلى نفسه أدنى رجوع فعرف ~~احتياجه إليه في تكوينه وبقائه وتقلبه في أحواله وأنحائه ثم استبصر من آيات ~~الآفاق إلى آيات الأنفس ثم استشهد به على الملكوت لا بالملكوت عليه الخ ~~PageV03P133 # قلت هو وطائفة معه يظنون أن الضمير في قوله @QB@ حتى يتبين لهم أنه الحق ~~@QE@ سورة فصلت 53 عائد إلى الله تعالى ويقولون هذه جمعت طريق من استدل ~~بالخلق على الخالق ومن استدل بالخالق على المخلوق # والصواب الذي عليه المفسرون وعليه تدل الآية أن الضمير عائد إلى القرآن ~~وأن الله يري عباده من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن القرآن حق ~~وذلك يتضمن ثبوت الرسالة وأن يسلم ما أخبر به الرسول كما قال تعالى @QB@ قل ~~أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ سورة فصلت 52 53 # والمقصود هنا التنبيه على أن حاجة المعين إلى العلم لا تتوقف على العلم ~~بحاجة كل من هو مثله والاستدلال على ذلك بالقياس الشمولي والتمثيلي # وأيضا فالحاجة التي يقترن مع العلم بها ذوق الحاجة هي أعظم وقعا في النفس ~~من العلم الذي لا يقترن به ذوق ولهذا كانت معرفة النفوس بما تحبه وتكرهه ~~وينفعها ويضرها هو أرسخ فيها من معرفتها بما لا تحتاج إليه ولا تكرهه ولا ~~تحبه ولهذا كان ما يعرف من أحوال الرسل مع أممهم PageV03P134 بالأخبار ~~المتواترة ورؤية الآثار من حسن عاقبة اتباع الرسل وسوء عاقبة المكذبين أنفع ~~من معرفة صدق الرسول واتباعه مما يفيد العلم فقط فإن هذا يفيد العلم مع ~~الترغيب والترهيب فيفيد كمال القوتين العلمية والعملية بنفسه بخلاف ما يفيد ~~العلم ثم العلم يفيد العمل # ولهذا كان أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري وذلك أن اضطرار ~~النفوس إلى ذلك أعظم من اضطرارها إلى ما لا ms0532 تتعلق به حاجتها # ألا ترى أن الناس يعرفون من أحوال من تتعلق به منافعهم و مضارهم كولاة ~~أمورهم و ممالكيهم وأصدقائهم وأعدائهم ما لا يعلمونه من أحوال من لا يرجونه ~~ولا يخافونه ولا شيء أحوج إلى شيء من المخلوق إلى خالقه فهم يحتاجون إليه ~~من جهة ربوبيته إذ كان هو الذي خلقهم وهو الذي يأتيهم بالمنافع ويدفع عنهم ~~المضار @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون @QE@ ~~سورة النحل 53 # وكل ما يحصل من أحد فإنما هو بخلقه وتقديره و تسبيبه و تيسيره وهذه ~~الحاجة التي توجب رجوعهم إليه حال اضطرارهم كما يخاطبهم بذلك PageV03P135 ~~في كتابه وهم محتاجون إليه من جهة ألوهيته فإنه لا صلاح لهم إلا بأن يكون ~~هو معبودهم الذي يحبونه ويعظمونه ولا يجعلون له أندادا يحبونهم كحب الله بل ~~يكون ما يحبونه سواه كأنبيائه وصالحي عباده إنما يحبونهم لأجله كما في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه ~~إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن ~~يلقى في النار # ومعلوم أن السؤال والحب والذل والخوف والرجاء والتعظيم والاعتراف بالحاجة ~~والافتقار ونحو ذلك مشروط بالشعور بالمسئول المحبوب المرجو المخوف المعبود ~~المعظم الذي تعترف النفوس بالحاجة إليه والافتقار الذي تواضع كل شيء لعظمته ~~واستسلم كل شيء لقدرته وذل كل شيء لعزته # فإذا كانت هذه الأمور مما تحتاج النفوس إليها ولا بد لها منها بل هي ~~ضرورية فيها كان شرطها ولازمها وهو الاعتراف بالصانع والإقرار به أولى أن ~~يكون ضروريا في النفوس # وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كل مولود يولد على ~~الفطرة وقوله فيما يروي عن ربه خلقت عبادي حنفاء PageV03P136 ونحو ذلك لا ~~يتضمن مجرد الإقرار بالصانع فقط بل إقرارا يتبعه عبودية لله بالحب والتعظيم ~~وإخلاص الدين له وهذا هو ms0533 الحنيفية # وأصل الإيمان قول القلب وعمله بالخالق وعبوديته للخالق والقلب مفطور على ~~هذا وهذا وإذا كان بعض الناس قد خرج عن الفطرة بما عرض له من المرض إما ~~بجهله وإما بظلمه فجحد بآيات الله و استيقنتها نفسه ظلما وعلوا لم يمتنع أن ~~يكون الخلق ولدوا على الفطرة # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع طائفة من قول من ذكر أن المعرفة ضرورية ~~والعلم الذي يقترن به حب المعلوم قد يسمى معرفة كما في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فالمعروف ما تحبه القلوب مع العلم والمنكر ما تكرهه وتنفر ~~عنه عند العلم به فلهذا قد يسمى من كان فيه مع علمه بالله حب لله وإنابة ~~إليه عارفا بخلاف العالم الخالي عن حب القلب وتألهه فإنهم لا يسمونه عارفا # ومن المعلوم أن وجود حب الله وخشيته والرغبة إليه وتألهه في القلب فرع ~~وجود الإقرار به وهذا الثاني مستلزم للأول فإذا كان هذا يكون ضروريا في ~~القلب فوجود الإقرار السابق عليه اللازم له أولى أن يكون ضروريا فإن ثبوت ~~الملزوم لا يكون إلا مع ثبوت اللازم PageV03P137 # وقد يراد بلفظه المعرفة العلم الذي يكون معلومه معينا خاصا وبالعلم الذي ~~هو قسيم المعرفة ما يكون المعلوم به كليا عاما وقد يراد بلفظ المعرفة ما ~~يكون معلومه الشيء بعينه وإن كان لفظ العلم يتناول النوعين في الأصل كما ~~بسط في موضع آخر وسيأتي كلام الناس في الإقرار بالصانع هل يحصل بالضرورة أو ~~بالنظر أو يحصل بهذا وبهذا # وقد بينا في غير هذا الموضع الكلام على قولهم علة الحاجة إلى المؤثر هل ~~هي الحدوث أو الامكان أو مجموعهما وبينا أنه إن أريد بذلك أن الحدوث مثلا ~~دليل على أن المحدث يحتاج إلى محدث أو أن الحدوث شرط في افتقار المفعول إلى ~~فاعل فهذا صحيح وإن أريد بذلك أن الحدوث هو الذي جعل المحدث مفتقرا إلى ~~الفاعل فهذا باطل وكذلك الإمكان إذا أريد به أنه دليل على الافتقار إلى ~~المؤثر أو أنه شرط في الافتقار إلى المؤثر فهذا صحيح ms0534 وإن أريد به أنه جعل ~~نفس الممكن مفتقرا فهذا باطل # وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون كل من الإمكان والحدوث دليلا على ~~الافتقار إلى المؤثر وشرطا في الافتقار إلى المؤثر وإنما النزاع في مسألتين # إحداهما أن الواجب بغيره أزلا وأبدا هل يصح أن يكون مفعولا PageV03P138 ~~لغيره كما يقوله من يقول من المتفلسفة إن الفلك قديم معلول ممكن لواجب ~~الوجود أزلا وأبدا فهذا هو القول الذي ينكره جماهير العقلاء من بني آدم ~~ويقولون إن كون الشيء مفعولا مصنوعا مع كونه مقارنا لفاعله أزلا وأبدا ~~ممتنع ويقولون أيضا إن المكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا موجودا ~~تارة ومعدوما أخرى فأما ما كان دائم الوجود فهذا عند عامة العقلاء ضروري ~~الوجود وليس من الممكن الذي يقبل الوجود والعدم وهذا مما وافق عليه ~~الفلاسفة قاطبة حتى ابن سينا وأتباعه # ولكن ابن سينا تناقض فادعى في باب إثبات واجب الوجود أن الممكن قد يكون ~~قديما أزليا مع كونه ممكنا ووافقه على ذلك طائفة من المتأخرين كالرازي ~~وغيره ولزمهم على ذلك من الاشكالات ما لم يقدروا على جوابه كما قد بسط في ~~موضعه وعلى هذا فالإمكان والحدوث متلازمان فكل ممكن محدث وكل محدث ممكن # وأما تقدير ممكن مفعول واجب لغيره مع أنه غير PageV03P139 محدث فهذا ~~ممتنع عند جماهير العقلاء وأكثر الفلاسفة من أتباع أرسطو وغيره مع الجمهور ~~يقولون إن الإمكان لا يعقل إلا في المحدثات وأما الذي ادعى ثبوت ممكن قديم ~~فهو ابن سينا ومن وافقه ولهذا ورد عليهم في إثبات هذا الإمكان سؤالات لا ~~جواب لهم عنها # والرازي لما كان مثبتا لهذا الإمكان موافقة لابن سينا كان في كلامه من ~~الاضطراب ما هو معروف في كتبه الكبار والصغار مع ان هؤلاء كلهم يثبتون في ~~كتبهم المنطقية ما يوافقون فيه سلفهم أرسطو وغيره أن الممكن الذي يقبل ~~الوجود والعدم لا يكون إلا حادثا كائنا بعد أن لم يكن وقد ذكر أبو الوليد ~~بن رشد الحفيد هذا وقال ما ذكره ابن سينا ونحوه من ms0535 أن الشيء يكون ممكنا ~~يقبل الوجود والعدم مع كونه قديما أزليا قول لم يقله أحد من الفلاسفة قبل ~~ابن سينا # قلت وابن سينا قد ذكر أيضا في غير موضع أن الممكن الذي يقبل الوجود ~~والعدم لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم كما قاله سلفه وسائر العقلاء وقد ~~ذكرت ألفاظه من كتاب الشفاء وغيره في غير هذا PageV03P140 الموضع وهو مما ~~يتبين به اتفاق العقلاء على أن كل ممكن يقبل الوجود والعدم فلا يكون إلا ~~حادثا كائنا بعد أن لم يكن وهذا مما يبين أن كل ما سوى الواجب بنفسه فهو ~~محدث كائن بعد أن لم يكن وهذا لا يناقض دوام فاعليته # والمقصود هنا أن نفس الحدوث والإمكان دليل على الافتقار إلى المؤثر وأما ~~كون أحدهما جعل نفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق فهذا خطأ بل نفس المخلوقات ~~مفتقرة إلى الخالق بذاتها واحتياجها إلى المؤثر أمر ذاتي لها لا يحتاج إلى ~~علة فإنه ليس كل حكم ثبت للذوات يحتاج إلى علة إذ ذلك يفضي إلى تسلسل العلل ~~وهو باطل باتفاق العلماء بل من الأحكام ما هو لازم للذوات لا يمكن أن يكون ~~مفارقا للذوات ولا يفتقر إلى علة وكون كل ما سوى الله فقيرا إليه محتاجا ~~إليه دائما هو من هذا الباب # فالفقر والاحتياج أمر لازم ذاتي لكل ما سوى الله كما أن الغنى والصمدية ~~أمر لازم لذات الله فيمتنع ان يكون سبحانه فقيرا ويمتنع أن يكون إلا غنيا ~~عن كل ما سواه ويمتنع فيما سواه أن يكون غنيا عنه PageV03P141 بوجه من ~~الوجوه ويجب في كل ما سواه أن يكون فقيرا محتاجا إليه دائما في كل وقت # وهنا ينشأ النزاع في المسألة الثانية وهو أن المحدث المخلوق هل افتقاره ~~إلى الخالق المحدث وقت الإحداث فقط أو هو دائما مفتقر إليه على قولين ~~للنظار وكثير من أهل الكلام المحدث المتلقي عن جهم وأبي الهذيل ومن أتبعهما ~~من المعتزلة وغيرهم يقولون إنه لا يفتقر إليه إلا في حال الإحداث لا في حال ~~البقاء وهذا القول ms0536 في مقابلة قول الفلاسفة الدهرية الذين يقولون افتقار ~~الممكن إلى الواجب لا يستلزم حدوثه بل افتقاره إليه في حال بقائه دائما ~~أزلا أبدا # فهؤلاء زعموا وجود الفعل بلا حدوث شيء وألئك زعموا أن المخلوق لا يفتقر ~~إلى الخالق دائما وكلا القولين باطل كما قد بسط في موضعه # والمقصود هنا أن كثيرا مما يجعلونه مقدمات في أدلة إثبات الصانع وإن كان ~~حقا فإنه لا يحتاج إليه عامة الفطر السليمة وإن كان من عرضت له شبهة قد ~~ينتفع به PageV03P142 # والكلام على إبطال الدور والتسلسل هو من هذا الباب وما سلكوه من الطرق ~~بقطع التسلسل والدور فهو طريق صحيح أيضا # وجماع ذلك أن الدور نوعان والتسلسل نوعان # أما الدور فقد يراد به أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا ولا هذا إلا مع هذا ~~ويسمى هذا الدور المعي الاقتراني ويراد به أنه لا يوجد هذا إلا بعد هذا ولا ~~هذا إلا بعد هذا ونحو ذلك وهو الدور البعدي فالأول ممكن كالأمور المتضايقة ~~مثل البنوة والأبوة وكالمعلولين لعلة واحدة وسائر الأمور المتلازمة التي لا ~~يوجد الواحد منها إلا مع الآخر كصفات الخالق سبحانه المتلازمة وكصفاته مع ~~ذاته وكسائر الشروط وكغير ذلك مما هو من باب الشرط والمشروط # وأما الثاني فممتنع فإنه إذا كان هذا لا يوجد إلا بعد ذاك وذاك لا يوجد ~~إلا بعد هذا لزم أن يكون ذاك موجودا قبل هذا وهذا قبل ذاك فيكون كل من هذا ~~وذاك موجودا قبل أن يكون موجودا فيلزم PageV03P143 # اجتماع الوجود والعدم غير مرة وذلك كله ممتنع # ومن هذا الباب أن يكون هذا فاعلا لهذا أو علة فاعلة أو علة غائية ونحو ~~ذلك لأن الفاعل والعلة ونحو ذلك يمتنع أن يكون فاعلا لنفسه فكيف يكون فاعلا ~~لفاعل نفسه وكذلك العلة الفاعلة لا تكون علة فاعلة لنفسها فكيف لعلة نفسها ~~وكذلك العلة الغائية التي يوجدها الفاعل هي مفعولة للفاعل ومعلولة في ~~وجودها له لا لنفسها فإذا لم تكن معلولة لنفسها فكيف تكون معلولة لمعلول ~~نفسها # فهذا ونحوه من ms0537 الدور المستلزم تقدم الشيء على نفسه أو على المتقدم على ~~نفسه وكونه فاعلا لنفسه المفعولة أو لمفعول مفعول نفسه أو علة لنفسه ~~المعلولة أو لمعلول معلول نفسه أو معلولا مفعولا لنفسه أو لمعلول نفسه ~~ومفعول نفسه كل ذلك ممتنع ظاهر الامتناع ولهذا اتفق العقلاء على امتناع ذلك # وأما التسلسل في الآثار والشروط ونحو ذلك ففيه قولان معروفان لأصناف ~~الناس وأما التسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة ونحو ذلك فهذا ممتنع بلا ~~ريب PageV03P144 # فإذا تبين هذا فنقول لو كان جميع الموجودات ممكنا مفتقرا إلى فاعل غيره ~~فذلك الغير إن كان هو الغير الفاعل له لزم كون كل منها فاعلا للآخر وهذا من ~~الدور القبلي الممتنع باتفاق العقلاء وإن كان ذلك الغير غيرا آخر لزم وجود ~~فاعلين ومفعولين إلى غير غاية وإن شئت قلت لزم مؤثرون كل منهم مؤثر في ~~الآخر إلى غير غاية وإن شئت قلت لزم علل كل منها معلول للآخر إلى غير غاية ~~وكل من هؤلاء ممكن الوجود مفتقر إلى غيره لا يوجد بنفسه # فهنا سؤالان # أحدهما قول القائل لم لا يجوز أن يكون المجموع واجبا بنفسه وإن كان كل ~~فرد من أفراده ممكنا بنفسه وقد أجيب عن هذا بأنه يستلزم ثبوت واجب الوجود ~~بنفسه مع أنه باطل أيضا لأن المجموع هو الأجزاء المجتمعة مع الهيئة ~~الاجتماعية وكل من الأجزاء ممكن بنفسه والهيئة الاجتماعية عرض من الأعراض ~~الذي لا يقوم بنفسه فهو PageV03P145 أيضا ممكن لنفسه بطريق الأولى فكل من ~~الأجزاء ومن الهيئة الاجتماعية ممكن لنفسه فامتنع أن يكون هناك ما يقدر ~~واجبا بنفسه # وأيضا فإن ما توصف به الأفراد قد يوصف به المجموع وقد لا يوصف فإن كان ~~اتصاف الأفراد به لطبيعة مشتركة بينها وبين المجموع وجب اتصاف المجموع به ~~بخلاف ما إذا حدث للمجموع بالتركيب وصف منتف في الأفراد # ومعلوم أن كل واحد واحد إذا لم يكن موجودا إلا بغيره وهو فقير محتاج ~~فكثرة المفتقرات المحتاجات واجتماعها لا يوجب استغناءها إلا أن يكون في ~~بعضها معاونة للآخر كالضعيفين إذا ms0538 اجتمعا حصل باجتماعهما قوة لأن كلا منهما ~~مستغن عن غيره من وجه محتاج إليه من وجه وأما إذا قدر أن كلا منهما مفتقر ~~إلى غيره من كل وجه امتنع أن يحصل لهما بالاجتماع قوة أو معونة من أحدهما ~~للآخر إذ التقدير أن كل منهما ليس له شيء إلا من الآخر وهذا هو الدور ~~القبلي دور الفاعلين والعلل الفاعلية والغائية فلا يحصل لأحدهما من الآخر ~~شيء PageV03P146 والتقدير أنه ليس له من نفسه شيء فلا يحصل بالاجتماع وجود ~~أصلا # يبين هذا أن كل جزء فهو مفتقر من كل وجه إلى غيره والمجموع أيضا مفتقر من ~~كل وجه إلى الأفراد فإنه أي فرد من الأفراد قدر عدمه لزم عدم المجموع فليس ~~في المجموع وجود يعطيه للأفراد ولا لشيء من الأفراد وجود يعطيه للمجموع أو ~~لغيره من الأفراد وهذا بخلاف ما إذا اجتمعت آحاد العشرة فإن كونها عشرة لا ~~يحصل لأفرادها كما أن كل فرد ليس وجوده مستفادا من اجتماع العشرة فلما لم ~~يكن كل من الافراد وجوده من العشرة ولا من غيره من الأفراد امكن وجوده ~~بنفسه وامكن ان يكون شرطا في وجود الفرد الاخر وان يكون الحكم الحاصل ~~باجتماع العشرة لا يحصل لفرد فرد فتبين ان مجموع الممكنات لا يكون إلا ~~ممكنا وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # والسؤال الثاني سؤال الامدى وهو قوله ما المانع من كون الجملة ممكنة ال 4 ~~وجود ويكن بترجح آحادها وترجح كل واحد بالآخر إلى غير نهاية PageV03P147 # فيقال عن هذا اجوبة # الاول انه اذا كان كل من الجملة ممكنا بنفسه لا يوجد إلا بغيره فكل من ~~الآحاد ليس وجوده بنفسه والجملة ليس وجودها بنفسها فليس هناك شيء وجوده ~~بنفسه وكل ما ليس وجوده بنفسه فلا يكون وجوده إلا بغيره فتعين ان يكون هناك ~~غير ليس هو جملة مجموع الممكنات ولا شيئا من الممكنات وما ليس كذلك فهو ~~موجود بنفسه وهو الواجب بنفسه ضرورة # واما قوله يكون ترجح كل واحد بالآخر أي يكون كل من الممكنات ms0539 موجودا بممكن ~~آخر على سبيل التسلسل # فيقال له نفس طبيعة الامكان شاملة لجميع الآحاد وهي مشتركة فيها فلا ~~يتصور ان يكون شيء من أفراد الممكنات خارجا عن هذه الطبيعة العامة الشاملة ~~ونفس طبيعة الامكان توجب الافتقار إلى الغير فلو قدر وجود ممكنات بدون واجب ~~بنفسه للزم استغناء طبيعة الامكان عن الغير فيكون ما هو ممكن مفتقرا إلى ~~غيره ليس ممكنا مفتقرا إلى غيره وذلك جمع بين النقيضين # بين ذلك انه مهما قدر من الممكنات التي ليست متناهية فإنه PageV03P148 ~~ليس واحد منها موجودا بنفسه بل هو مفتقر إلى ما يبدعه ويفعله # فالثاني منها مشارك للأول في هذه الصفة من كل وجه فليس لشيء منها وجود من ~~نفسه ولا للجملة فلا يكون هناك موجود أصلا # بل إذا قال القائل هذا موجود بآخر والآخر بآخر إلى غير نهاية أو هذا ~~أبدعه آخر والآخر أبدعه اخر إلى غير نهاية كان حقيقة الكلام انه يقدر ~~معدومات لا نهاية لها فإن قدر فاعلا إذا لم يكن موجودا بنفسه لم يكن له من ~~نفسه إلا العدم وقد قدر فاعله ليس له من نفسه إلا العدم # فكل من هذه الامور المتسلسلة ليس لشيء منها من نفسه إلا العدم ولا ~~للمجموع من نفسه إلا العدم وليس هناك إلا الأفراد والمجموع وكل من ذلك ليس ~~منه إلا العدم فيكون قد قدر مجموع ليس منه إلا العدم وافراد متسلسلة ليس ~~لشيء منها إلا العدم وما كان كذلك امتنع ان يكون منه وجود فان مالا يكون ~~منه إلا العدم ولا من مجموعه ولا من أفراده يمتنع ان يكون منه وجود # فإذا قدر ممكنات متسلسلة منها لا وجود له من نفسه لم يكن هناك إلا العدم ~~والوجود من غيره وهو المطلوب PageV03P149 # الجواب الثاني ان يقال الموجود الذي ليس وجوده من نفسه يمتنع ان يكون ~~وجود غيره منه فان وجود نفسه بنفسه واستغناء نفسه بنفسه وقيام نفسه بنفسه ~~اولى من وجود غيره بوجوده واستغناء غيره به وقيام غيره به فإذا قدر ممكنات ~~ليس فيها ms0540 ما وجوده بنفسه امتنع ان يكون فيها ما وجود غيره به بطريقة الاولى ~~فلا يجوز ان يكون كل ممكن لا يوجد بنفسه وهو مع هذا فاعل لغيره إلى غير ~~نهاية # وهذا مما لا يقبل النزاع بين العقلاء الذين يفهمونه وسواء قيل ان المؤثر ~~في مجموع الممكنات هو قدرة الله تعالى بدون اسباب أو قيل انها مؤثرة فيها ~~بالأسباب التي خلقها أو قيل ان بعضها مؤثر في بعض بالإيجاب أو الابداع أو ~~التوليد أو الفعل أو غير ذلك مما قيل فان كل من قال قولا من هذه الأقوال لا ~~بد ان يجعل للمؤثر وجودا من موجود بنفسه لا يمكن أحد ان يقول كل منها مؤثر ~~وليس له من نفسه إلا العدم وليس هناك مؤثر له من نفسه وجود فانه يعلم بصريح ~~العقل انه إذا قدر ان كل تلك الامور ليس لشيء منها وجود من نفسه ولا بنفسه ~~لم يكن له تأثير من نفسه ولا بنفسه فإن ما لا يكون موجودا بنفسه ومن نفسه ~~فأولى به إن لا يكون مؤثرا في وجود غيره بنفسه ومن نفسه فإذا لم يكن هناك ~~ما هو موجود بنفسه ولا مؤثر بنفسه بل كل PageV03P150 # منها غير موجود بنفسه ولا مؤثر بنفسه كان كل منها معدوما بنفسه معدوم ~~التأثير بنفسه فنكون قد قدرنا أمورا متسلسلة كل منها لا وجود له بنفسه ولا ~~تأثير له بنفسه وليس هناك مغاير لها يكون موجودا مؤثرا فيها فليس هناك لا ~~وجود ولا تأثير قطعا # وإذا قال القائل كل من هذه الأمور التي لا توجد بنفسها يبدع الآخر الذي ~~لا يوجد بنفسه كان صريح العقل يقول له فما لا يكون موجودا بنفسه لا يكون ~~مؤثرا بنفسه فكيف تجعله مؤثرا في غيره ولا حقيقة له # فإن قال بل حقيقته توجد بذلك الغير # قيل له ليس هناك غير يتحقق به فإن الغير الذي قدرته هو أيضا لا وجود له ~~ولا تأثير أصلا إلا بما تقدره من غير آخر ليس له وجود ولا تأثير # ونكتة هذا ms0541 الجواب أن تقدير العقل لما لا يوجد بنفسه بعد ولا يحقق له وجود ~~بغيره كونه مؤثرا مبدعا لغيره من أعظم الأمور بطلانا وفسادا فإن إبداعه ~~للغير لا يكون إلا بعد وجوده وهو مع PageV03P151 # كونه ممكنا يقبل الوجود والعدم ليس موجودا فكل ما قدر إنما هي معدومات # يوضح هذا الجواب الثالث وهو أن نقول قول القائل الممكن الذي لم يوجد هو ~~معدوم ليس بموجود أصلا والمعدوم الذي لم يحصل له ما يقتضي وجوده هو باق ~~مستمر على العدم وإذا قال القائل الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا ~~بمرجح فهذا بين ظاهر في جانب الإثبات فإنه لا يكون موجودا إلا بمقتضى ~~لوجوده إذا كان ليس له من نفسه وجود # وأما في النفي فمن الناس من يقول علة عدمه عدم علة وجوده ويجعل لعدمه علة ~~كما لوجوده علة وهذا قول ابن سينا وأتباعه والتحقيق الذي عليه جمهور النظار ~~من المتكلمين والمتفلسفين PageV03P152 # وهو الآخر من قولي الرازي أن عدمه لا يفتقر إلى علة تجعله معدوما فالعدم ~~المحض لا يعلل ولا يعلل به إذ العدم المحض المستمر لا يفتقر إلى فاعل ولا ~~علة ولكن عدم علته مستلزم لعدمه ودليل على عدمه فإذا أريد بعلة عدمه ما ~~يستلزم عدمه ويدل على عدمه فهو صحيح وإن أريد بعلة عدمه تحقق العدم الذي ~~يفتقر في تحقق إلى علة موجبة له فليس كذلك فإن العدم المستمر لا يفتقر إلى ~~علة موجبة # فقول القائل الممكن لا يوجد إلا بمرجح بمنزلة قوله لا يوجد بنفسه لا يوجد ~~إلا بغيره ولا يحتاج أن يقول ما لا يوجد بنفسه لا يعدم إلا بغيره فإن ما لا ~~يوجد بنفسه فليس له من نفسه وجود # وإذا قلت له من نفسه فهذا له معنيان إن أردت أن حقيقة مستلزمة للعدم لا ~~تقبل الوجود فليس كذلك بل هي قابلة للوجود والعدم وإن أردت أن حقيقته لا ~~تقتضي الوجود بل ليس لها من نفسها غير العدم وأن وجودها لا يكون إلا من ~~غيرها لا من نفسها ms0542 فهذا صحيح فالفرق بين كونه ليس له من نفسه إلا العدم ~~وبين كون نفسه مستلزمة للعدم فرق بين مع أن قولنا له PageV03P153 # من نفسه وليس له من نفسه لا نريد به أنه في الخارج نفس ثابتة ليس لها إلا ~~العدم أو هي مستلزمة للعدم فإن هذا يتخيله من يقول المعدوم شيء ثابت في ~~الخارج أو يقول الماهيات في الخارج أمور مغايرة للوجود المحقق في الخارج ~~وهذا كله خيال باطل كما قد بسط في موضعه # ولكن الماهية والشيء قد يقدر في الذهن قبل وجوده في الخارج وبعد ذلك فما ~~في الأذهان مغاير لما في الأعيان # وإذا قلنا هذا الممكن يقبل الوجود والعدم أو نفسه أو حقيقته لا تقتضي ~~الوجود ولا تستلزم العدم فنعني به أن ما تصوره العقل من هذه الحقائق لا ~~يكون موجودا في الخارج بنفسه وليس له في الخارج وجود من نفسه ولا يجب عدمه ~~في الخارج بل يقبل أن تتحقق حقيقته في الخارج فيصير موجودا ويمكن أن لا ~~تتحقق حقيقته في الخارج فلا يكون موجودا وليس في الخارج حقيقة ثابتة أو ~~موجودة تقبل الإثبات والنفي بل المراد أن ما تصورناه في الأذهان هل يتحقق ~~في الأعيان أو لا يتحقق وما تحقق في الأعيان هل تحققه بنفسه أو بغيره فإذا ~~قدر أن المتصورات في الأذهان ليس فيها ما يتحقق بنفسه في الخارج فليس فيها ~~ما هو مبدع بنفسه لغيره في الخارج بطريق الأولى PageV03P154 وليس فيها ما ~~هو معدوم في الخارج بل ليس فيها إلا ما هو ممتنع في الخارج فإن الممكن إذا ~~قدر عدم موجود بنفسه يبدعه كان ممتنعا لغيره فإذا قدر أنه ليس في الخارج ~~إلا ما ليس له وجود بنفسه لم يكن في الخارج إلا ما هو ممتنع الوجود إما ~~لنفسه وإما لغيره ولا يكون عدم شيء من ذلك مفتقرا إلى علة توجب عدمه بل هو ~~معدوم بنفسه سواء أمكن وجوده أو امتنع وحينئذ فلا يكون في الخارج إلا العدم ~~المستمر # وإذا قيل بعد هذا هذا الذي ms0543 لا وجود له من نفسه موجود بهذا الذي لا وجود ~~له من نفسه وهلم جرا كان بمنزلة أن يقال هذا المعدوم موجود بهذا المعدوم ~~وهلم جرا بل بمنزلة أن يقال هذا الممتنع موجود بهذا الممتنع فيكون هذا ~~تناقضا حيث جعلت المعدوم موجودا بمعدوم وسلسلت ذلك فجمعت بين تسلسل ~~المعدومات وبين جعل كل واحد منها هو الذي أوجد المعدوم الآخر # الوجه الرابع أن يقال الممكن لا يتحقق وجوده بمجرد ممكن آخر فإن ذلك ~~الممكن الآخر لا يترجح وجوده على عدمه إلا بغيره وإذا كان الممكن الذي قدر ~~أنه الفاعل المؤثر المرجح لم يترجح وجوده على عدمه بل يقبل الوجود والعدم ~~فالممكن الذي قدر أنه الأثر المفعول المصنوع المرجح أولى أن لا يترجح وجوده ~~على عدمه بل هو قابل للوجود PageV03P155 # والعدم بل الممكن لا يكون موجودا إلا عند ما يجب به وجوده فإنه ما دام ~~مترددا بين إمكان الوجود والعدم لا يوجد فإذا حصل ما به يجب وجوده وجد وإذا ~~كان كذلك فنفس الممكن لا يجب به ممكن بل لا يجب الممكن إلا بواجب والواجب ~~إما بنفسه وإما بغيره والواجب بغيره هو الممكن من نفسه الذي لا يوجد إلا ~~بما يجب وجوده وحينئذ فيمتنع تسلسل الممكنات بحيث يكون هذا الممكن هو الذي ~~وجب به الآخر بل إنما يجب الآخر بما هو واجب وما كان ممكنا باقيا على ~~الإمكان لم يكن واجبا لا بنفسه ولا بغيره فإذا قدر تسلسل الممكنات القابلة ~~للوجود و العدم من غير ان يكون فيها موجود بنفسه كانت باقية على طبيعة ~~الإمكان ليس فيها واجب فلا يكون فيها ما يجب به شيء من الممكنات بطريق ~~الأولى فلا يوجد شيء من الممكنات وقد وجدت الممكنات هذا خلف و إنما لزم هذا ~~لما قدرنا ممكنات توجد بممكنات ليس لها من نفسها وجود من غير ان يكون هناك ~~واجب بنفسه # واعلم ان الناس قد تنازعوا في الممكنات هل يفتقر وجودها إلى ما به يجب ~~وجودها بحيث تكون إما واجبة الوجود معه و ms0544 إما ممتنعة العدم أو قد يحصل ما ~~تكون معه بالوجود اولى مع امكان العدم وتكون موجودة لمرجح الوجود مع إمكان ~~العدم فالأول قول الجمهور والثاني قول من يقول ذلك من المعتزلة ونحوهم ~~PageV03P156 # وكثير من الناس يتناقض في هذا الأصل فإذا بنينا على القول الصحيح فلا ~~كلام وان أردنا ان نذكر ما يعم القولين قلنا # الوجه الخامس أن الممكن لا يتحقق وجوده بمجرد ممكن آخر لم يتحقق وجوده بل ~~لا يتحقق وجوده إلا بما يحقق وجوده وحينئذ فإذا قدرنا الجميع ممكنات ليس ~~فيها ما تحقق وجوده لم يحصل شرط وجود شيء من الممكنات فلا يوجد شيء منها ~~لأن كل ممكن إذا أخذته مفتقرا إلى فاعل يوجده فهو في هذه الحال لم يتحقق ~~وجوده بعده فإنه ما دام مفتقرا إلى أن يصير موجودا فليس بموجود فإن كونه ~~موجودا ينافي كونه مفتقرا إلى أن يصير موجودا فلا يكون فيها موجود فلا يكون ~~فيها ما يحصل به شرط وجود الممكن فضلا عن أن يكون فيها ما يكون مبدعا لممكن ~~أو فاعلا له فلا يوجد ممكن وقد وجدت الممكنات فتسلسل الممكنات بكون كل منها ~~مؤثرا في الآخر ممتنع وهو المطلوب # واعلم أن تسلسل المؤثرات لما كان ممتنعا ظاهر الامتناع في فطر جميع ~~العقلاء لم يكن متقدمو النظار يطيلون في تقريره لكن المتأخرون أخذوا ~~يقررونه وكان من أسباب ذلك اشتباه التسلسل في الآثار التي هي الأفعال ~~بالتسلسل في المؤثرين الذين هم الفاعلون فإن جهم بن صفوان وأبا الهذيل ~~العلاف ومن اتبعهما من اهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والائمة وسلكه من ~~سلكه من المعتزلة والكلابية والكرامية وغيرهم اعتقدوا بطلان هذا كله وعن ~~هذا امتنعوا ان يقولوا ان الرب لم يزل متكلما إذا شاء ثم اختلفوا هل كلامه ~~مخلوق أو حادث النوع PageV03P157 # أو قديم العين وهو معنى أو قديم العين وهو حروف أو حروف و اصوات مقترن ~~بعضها ببعض ازلا و ابدا على الأقوال المعروفة في هذا الموضوع # ثم ان جهما وأبا الهذيل العلاف منعا ذلك في ms0545 الماضي والمستقبل ثم ان جهما ~~كان اشد تعطيلا فقال بفناء الجنة والنار و اما أبو الهذيل فقال بفناء حركات ~~الجنة وجعلوا الرب تعالى فيما لا يزال لا يمكن ان يتكلم ولا يفعل كما قالوا ~~لم يزل وهو لا يمكن ان يتكلم وان يفعل ثم صار الكلام والفعل ممكنا بغير ~~حدوث شيء يقتضي امكانه و اما اكثر اتباعهما ففرقوا بين الماضي والمستقبل ~~كما ذكر في غير هذا الموضع # والمقصود هنا انه لما جعل من جعل التسلسل نوعا واحدا كما جعل من جعل ~~الدور نوعا واحدا حصلت شبهة فصار بعض المتأخرين كالآمدى والابهري يوردون ~~اسولة على تسلسل المؤثرات ويقولون انه لا جواب عنها فلذلك احتيج إلى بسط ~~الكلام في ذلك $ فصل # وما سلكه هؤلاء المتأخرون في ابطال الدور والتسلسل في العلل والمعلولات ~~دون الاثار فهو طريق صحيح أيضا وان كان منهم من PageV03P158 يورد على ذلك ~~شكوكا يعجز بعضهم عن حلها كما قد بسط في غير هذا الموضع # لكنه طريق مشق لا حاجة اليه ولهذا لم يسلكه أحد من النظار المتقدمين من ~~اهل الكلام المحدث فضلا عن السلف والائمة فشيوخ المعتزلة والاشعرية ~~والكرامية وغيرهم من اصناف اهل الكلام اثبتوا الصانع بطريق الحدوث والامكان ~~وما يتعلق بذلك من غير احتياج إلى بناء ذلك على ابطال الدور والتسلسل كما ~~هو الموجود في كتبهم فلا يوجد بناء إثبات الصانع على قطع الدور والتسلسل في ~~العلل والمعلولات دون الاثار في كلام مثل أبي على الجباني وابي هاشم وعبد ~~الجبار بن أحمد و أبي الحسين البصري وغيرهم ولا في كلام مثل أبي الحسن ~~الاشعري والقاضي أبي بكر و أبي بكر بن فورك و أبي إسحاق الاسفرايينى وأبي ~~المعالي الجويني و امثالهم ولا في كلام محمد بن كرام ومحمد بن الهيصم ~~وامثالهما ولا في كتب من يوافق المتكلمين في كثير من طرقهم مثل كلام أبي ~~الحسن التميمي والقاضي أبي يعلي وأبي الوفاء بن عقيل وأبي الحسن بن ~~الزاغوني وامثالهم وكذلك غير هؤلاء من أصحاب مالك والشافعي واحمد ~~PageV03P159 ولا في ms0546 كلام متكلمي الشيعة كالموسوي والطوسى وامثالهما لا اعلم ~~أحدا من متكلمي طوائف المسلمين جعل إثبات الصانع موقوفا على ابطال الدور ~~والتسلسل في العلل والمعلولات دون الآثار وان كان هؤلاء يبطلون ما يبطلونه ~~من الدور والتسلسل # فالمقصود انهم لم يجعلوا إثبات الصانع متوقفا عليه بل من يذكر منهم ابطال ~~التسلسل يذكره في مسائل الصفات و الافعال فإن هذا فيه نزاع مشهور فيذكرون ~~ابطال التسلسل مطلقا في العلل و الاثار لابطال حوادث لا أول لها بدليل ~~التطبيق ونحوه و اما التسلسل في الفاعلين والعلل الفاعلة والعلل الغائية ~~دون الاثار فإنهم مع اتفاقهم على بطلانه لا يحتاجون اليه في إثبات الصانع و ~~اما التسلسل في الاثار والشروط فهذا احتاج اليه من احتاج من نفاة ما يقوم ~~به من المقدورات و المرادات كالكلابية واكثر المعتزلة والكرامية ومن وافق ~~هؤلاء PageV03P160 # ومن اقدم من رايته ذكر نفي التسلسل في إثبات واجب الوجود في المؤثرات ~~خاصة دون الاثار ابن سينا وهو بناه على نفي التسلسل في العلل فقط ثم اتبعه ~~من سلك طريقه كالسهر وردى المقتول وامثاله وكذلك الرازي و الامدى و الطوسى ~~وغيرهم # لكن هؤلاء زادوا عليه احتياج الطريقة إلى نفي الدور أيضا والدور القبلى ~~مما اتفق العقلاء على نفيه ولوضوح انتفائه لم يحتج المتقدمون والجمهور إلى ~~ذكر ذلك لان المستدل بدليل ليس عليه ان يذكر كل ما قد يخطر بقلوب الجهال من ~~الاحتمالات ما ينقدح ولا ريب ان انقداح الاحتمالات يختلف باختلاف الاحوال # ولعل هذا هو السبب في ان بعض الناس يذكر في الادلة من PageV03P161 ~~الاحتمالات التي ينفيها مالا يحتاج غيره إلى ذلك ولكن هذا لا ضابط له كما ~~ان الاسولة والمعارضات الفاسدة التي يمكن ان يوردها بعض الناس على الادلة ~~لا نهاية لها فان من باب الخواطر الفاسدة وهذا لا يحصيه أحد إلا الله تعالى ~~لكن إذا وقع مثل ذلك لناظر أو مناظر فإن الله ييسر من الهدى ما يبين له ~~فساد ذلك فإن هدايته لخلقه و ارشاده لهم هو بحسب حاجتهم إلى ذلك ms0547 ويحسب ~~قبولهم الهدى وطلبهم له قصدا وعملا # ولهذا لما شرح الرازي طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود وقال انه لم ~~يذكر فيها ابطال الدور وذكر ما ذكره في ابطال الدور ثم قال و الانصاف ان ~~الدور معلوم البطلان بالضرورة ولعل ابن سينا إنما تركه لذلك والطريقة التي ~~سلكها ابن سينا في إثبات واجب الوجود ليس هي طريقة ائمة الفلاسفة القدماء ~~كأرسطو وامثاله وهي عند التحقيق لا تفيد إلا إثبات مجرد وجود واجب و اما ~~كونه مغايرا للأفلاك فهو مبنى على نفي الصفات وهو توحيدهم الفاسد الذي ~~PageV03P162 قد بينا فساده في غير هذا الموضع ولهذا كان من سلك هذه الطريقة ~~قد يفضي به الأمر إلى انكار وجود واجب مغاير لوجود الممكنات كما يقوله اهل ~~الوحدة القائلون بوحدة الوجود من متأخري متصوفة هؤلاء الفلاسفة كابن عربي ~~وابن سبعين و امثالهما والقول بوحدة الوجود قول حكاة أرسطوا واتباعه عن ~~طائفة من الفلاسفة و ابطلوه # والقائلون بوحدة الوجود حقيقة قولهم هو قول ملاحدة الدهرية الطبيعية ~~الذين يقولون ما ثم موجود إلا هذا العالم المشهود وهو واجب بنفسه وهو القول ~~الذي اظهره فرعون لكن هؤلاء ينازعون اولئك في الاسم فأولئك يسمون هذا ~~الموجود بأسماء الله وهؤلاء لا يسمونه بأسماء الله وأولئك يحسبون ان الإله ~~الذي اخبرت عنه الرسل هو هذا الموجود وأولئك لا يقولون هذا وأولئك لهم توجه ~~إلى الوجود المطلق وأولئك ليس لهم توجه اليه # وفساد قول هؤلاء يعرف بوجوه منها العلم بما يشاهد حدوثه كالمطر ~~PageV03P163 والسحاب والحيوان والنبات والمعدن وغير ذلك من الصور والأعراض ~~فإن هذه يمتنع أن يكون وجودها واجبا لكونها كانت معدومة ويمتنع ان تكون ~~ممتنعة لكونها وجدت فهذه مما يعلم بالضرورة أنها ممكنة ليست واجبة ولا ~~ممتنعة # ثم ان الرازي جعل هذه الطريقة التي سلكها ابن سينا هي العمدة الكبرى في ~~إثبات الصانع كما ذكر ذلك في رسالة إثبات واجب الوجود ونهاية العقول ~~والمطالب العالية وغير ذلك من كتبه # وهذا مما لم يسلكه أحد من ائمة النظار المعروفين من ms0548 اهل الإسلام بل لم ~~يكن في هؤلاء من سلك هذه الطريقة في إثبات الصانع فضلا عن ان يجعلها هي ~~العمدة ويجعل مبناها على ما سنذكره من المقدمات # وقد رأيت من اهل عصرنا من يصنف في اصول الدين ويجعلون عمدة جميع الدين ~~على هذا الأصل تبعا لهؤلاء لكن منهم من لا يذكر دليلا أصلا بل يجعل عمدته ~~في نفي النهاية امتناع وجود مالا PageV03P164 يتناهى من غير حجة أصلا ولا ~~يفرق بين النوعين ويرتب على ذلك جميع اصول الدين ثم من هؤلاء المصنفين من ~~يدخل مع اهل وحدة الوجود المدعين للتحقيق والعرفان ويعتقد صحة قصيدة ابن ~~الفارض لكونه قرأها على القونوى واعان على شرحها لمن شرحها من اخوانه وهم ~~مع هذا يدعون انهم اعظم العالم توحيدا وتحقيقا ومعرفة # فلينتظر العاقل ما هو الرب الذي اثبته هؤلاء وما هو الطريق لهم إلى ~~اثباته وتناقصهم فيه فان القائلين بوحدة الوجود يقولون بقدم العالم تصريحا ~~أو لزوما وذلك مستلزم للتسلسل ودليله الذي اثبت به واجب الوجود وعمدته فيه ~~نفي كل ما يسمى تسلسلا # وايضا ففيما صنفه من اصول الدين يذكر حدوث العالم موافقة للمتكلمين ~~المبطلين للتسلسل مطلقا في المؤثرات والاثار ومع هؤلاء يقول بوحدة الوجود ~~المستلزمة لقدمه وللتسلسل موافقة لمتصوفة الفلاسفة الملاحدة كابن العربي ~~وابن سبعين وابن الفارض وامثالهم PageV03P165 # واذا كان ما ذكره ابن سينا واتباعه في إثبات واجب الوجود صحيحا في نفسه ~~وان كان لا حاجة اليه ولا يحصل المقصود من إثبات الصانع به وكان الرازي ~~ونحوه يزعمون ان هذه الطريقة التي سلكها الامدى مع انه اعترض عليها باعتراض ~~ذكر انه لا جواب له عنه فنحن نذكرها على وجهها # قال ابن سينا إشارة كل موجود إذا التفت اليه من حيث ذاته من غير التفات ~~إلى غيره فإما ان يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه اولا يكون فإن وجب فهو ~~الحق بذاته الواجب وجوده من ذاته وهو القيوم وان لم يجب لم يجز ان يقال هو ~~ممتنع بذاته بعدما فرض موجودا بل ان قرن ms0549 باعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم علته ~~صار ممتنعا أو مثل شرط وجود PageV03P166 علته صار واجبا وان لم يقرن بها ~~شرط لا حصول علة ولا عدمها بقي له من ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان فيكون ~~باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع فكل موجود إما واجب بذاته واما ~~ممكن الوجود بحسب ذاته # إشارة ما حقه في نفسه الإمكان فليس يصير موجودا من ذاته فإنه ليس وجوده ~~من ذاته اولى من عدمه ومن حيث هو ممكن فان صار أحدهما اولى فلحضور شيء أو ~~غيبته فوجود كل ممكن الوجود هو من غيره # ثم قال تنبيه إما ان يتسلسل ذلك إلى غير النهاية فيكون كل واحد من آحاد ~~السلسلة ممكنا في ذاته والجملة معلقة بها فتكون غير واجبة ايضا وتجب بغيرها ~~ولنزد هذا بيانا PageV03P167 # شرح كل جملة كل واحد منها معلول فإنها تقتضي علة خارجة عن آحادها وذلك ~~لأنها إما أن تقتضي علة أصلا فتكون واجبة غير معلولة وكيف يتأتى هذا وإنما ~~تجب بآحادها و إما أن تقتضي علة هي الآحاد بأسرها فتكون معلولة لذاتها فإن ~~تلك الجملة والكل شيء واحد وأما الكل بمعنى كل واحد فليس تجب به الجملة ~~وإما أن تقتضي علة هي بعض الآحاد وليس بعض الآحاد أولى بذلك من بعض إن كان ~~كل واحد منها معلولا ولأن علته أولى بذلك وإما أن تقتضي علة خارجة عن ~~الآحاد كلها وهو الثاني # إشارة كل علة جملة هي غير شيء من آحادها فهي علة أولا للآحاد ثم للجملة ~~وإلا فلتكن الآحاد غير محتاجة إليها فالجملة إذا تمت بآحادها لم تحتج إليها ~~بل ربما كان شيء علة لبعض PageV03P168 الآحاد دون بعض ولم يكن علة للجملة ~~على الإطلاق # إشارة كل جملة مترتبة من علل ومعلولات على الولاء وفيها علة غير معلولة ~~فهي طرف لأنها إن كانت وسطا فهي معلولة # إشارة كل سلسلة مترتبة من علل ومعلولات كانت متناهية أو غير متناهية فقد ~~ظهر أنها إذا لم يكن فيها إلا معلول احتاجت إلى علة ms0550 خارجة عنها لكنها يتصل ~~بها لا محالة طرف فظهر أنه إن كان فيها ما ليس بمعلول فهو طرف ونهاية فكل ~~سلسلة تنتهي إلى واجب الوجود بذاته # قلت مضمون هذا الكلام أن الموجود إما واجب بنفسه وإما ممكن لا يوجد إلا ~~بغيره كما قرر ذلك في الإشارتين لكن قد قيل إن في الكلام تكريرا لا يحتاج ~~إليه و إذا كان الممكن لا يوجد إلا بغيره فهو مفعول معلول ويمتنع تسلسل ~~المعلولات لأن كل واحد من تلك الآحاد ممكن والجملة متعلقة بتلك الممكنات ~~فتكون ممكنة غير PageV03P169 واجبة أيضا فتجب بغيرها وما كان غير جملة ~~الممكنات و آحادها فهو واجب فهذا معنى قوله إما أن يتسلسل ذلك إلى غير ~~النهاية فيكون كل واحد من آحاد السلسلة ممكنا في ذاته والجملة معلقة بها ~~فتكون غير واجبة أيضا وتجب بغيرها لكن قوله إما ان يتسلسل يحتاج ان يقال و ~~إما أن لا يتسلسل فقيل إنه حذف ذلك اختصارا إذ كان هو مقصوده والمعنى وإن ~~لم تتسلسل الممكنات انتهت إلى واجب الوجود وهو المطلوب # ولو قيل بدل هذا اللفظ ان تسلسل ذلك كان هو العبارة المناسبة لمطلوبه # ثم ذكر شرح هذا الدليل على وجه تفصيلي بعد ان ذكره محملا فقال إذا تسلسلت ~~الممكنات وكل منها معلول فإنها تقتضي علة خارجة عن آحادها لأنه إما يكون ~~لها علة و إما أن لا PageV03P170 يكون و اذا كان لها علة فالعلة إما ~~المجموع و إما بعضه و إما خارج عنه و الأقسام ممتنعة إلا الأخير # أما الأول وهو ان لا تقتضي علة اصلا فتكون الجملة واجبة غير معلولة فهذا ~~لا يتأتى لأنها إنما تجب باحادها و ما وجب باحاده كان معلولا واجبا بغيره # وهذا يقرره بعضهم كالرازي بوجهين # أحدهما ان الجملة مركبة من الآحاد و احادها غيرها وما افتقر إلى غيره لم ~~يكن واجبا بنفسه وهو تقرير ضعيف لانه لو قدر ان كل واحد من الاجزاء واجب ~~بنفسه لم يمتنع ان تكون الجملة واجبة بنفسها فإن مجموع الامور الواجبة ms0551 ~~بنفسها لا يمتنع ان تكون غير محتاجه إلى امور خارجة عنها وهذا هو المرد ~~بكونه واجبا بنفسه ولكن هذا من جنس حجتهم على نفي الصفات بنفي التركيب وهي ~~حجة داحضة # الوجه الثاني ان كل واحد من الآحاد ممكن غير واجب والجملة لا تحصل إلا ~~بها فما لا يحصل إلا بالممكن اولى ان يكون ممكنا وهذا PageV03P171 التقرير ~~خير من ذاك وهذا التقرير الثاني هو الذي ذكره السهر وردى في تلويحاته وهو ~~أحد الوجهين اللذين ذكرهما الرازي وهو أحد وجهي الآمدى أيضا # قال السهروردى لما كان واحد من الممكنات يحتاج إلى العلة فجميعها محتاج ~~لأنه معلول الآحاد الممكنة فيفتقر إلى علة خارجة عنه وهي ممكنة لأنها لو ~~كانت ممكنة لكانت من الجملة فتكون اذا واجبة الوجود # وقد قررها الآمدى بوجه ثالث وهو انها ان كانت الجملة واجبة بذاتها فهو ~~عين المطلوب فقال الجملة إما ان تكون واجبه لذاتها واما ان تكون ممكنة لا ~~جائز ان تكون واجبة وألا لما تكون واجبة وألا لما PageV03P172 كانت آحادها ~~ممكنة وقد قيل انها ممكنة قال ثم وان كانت واجبة فهو مع الاستحالة عين ~~المطلوب # وهذا الوجه الثاني الذي ذكره هو وجه ثالث وليس هذا بمحصل للمقصود لانه ~~حينئذ لا يلزم ثبوت واجب بنفسه خارج عن جملة الممكنات # وقد أورد بعضهم على هذا سؤالا فقال إذا كانت الآحاد ممكنة ومعناه افتقار ~~كل واحد إلى علته وكانت الجملة هي مجموع الآحاد فلا مانع من اطلاق الوجوب ~~وعدم الإمكان عليها بمعنى انها غير مفتقرة إلى امر خارج عنها وان كانت ~~ابعاضها مما يفتقر بعضها إلى بعض # قال الامدى وهذا ساقط إذا كانت الجملة غير PageV03P173 ممكنة كانت واجبة ~~بذاتها وهي مجموع الآحاد وكل واحد من الآحاد ممكن فالجملة أيضا ممكنة ~~بذاتها لا يكون ممكنا بذاته # قلت وهذا السؤال يحتمل ثلاثة اوجه # أحدها ان يقال انها واجبة بالآحاد والاجتماع جميعا ومعلوم ان الجملة هي ~~الآحاد واجتماعها فإذا كان ذلك ممكنا كانت الذات ممكنة فيكون السؤال ساقطا ~~كما قال الامدى # الثاني ان ms0552 يقال المجموع واجب بآحاده الممكنة ولا يجعل المجموع نفسه ممكنا ~~بل يقال المجموع واجب بالآحاد الممكنة وهذا هو السؤال الذي يقصده من يفهم ~~ما يقول وحينئذ فسيأتي جوابه بان الاجتماع الذي للمكنات اولى ان يكون ممكنا ~~لكونه عرضا لها والعرض محتاج إلى موارده فإذا كانت ممكنة كان هو اولى ~~بالإمكان وغير ذلك # الاحتمال الثالث ان يقال كل واحد من الآحاد يترجح بالاخر والمجموع ممكن ~~أيضا لكنه يترجح الآحاد المتعاقبة # وهذا السؤال ذكره الامدى موردا له على هذه الحجة في كتابه المسمى بدقائق ~~الحقائق PageV03P174 # قال ما المانع من كون الجملة ممكنة الوجود وبكون ترجحها بترجيح آحادها ~~وترجح آحادها كل واحد بالاخر إلى غير النهاية # قال وهذا شكال مشكل وربما يكون عنده غيري حله # ولقائل ان يقول ان اريد بكون الجملة ممكنة انها ممكنة غير واجبة بل ~~مفتقرة إلى امر خارج عنها فلذلك يوجب افتقارها إلى غيرها وهو المطلوب وإن ~~أريد أنها ممكنة بنفسها واجبة بالآحاد المتسلسلة فهذا السؤال هو في معنى ~~السؤال الذي قبله وإنما الاختلاف بينهما في أن الأول قال لم لا تكون واجبة ~~بنفسها بمعنى أنها غير مفتقرة إلى أمر خارج عن آحادها بل المجموع واجب ~~بآحاده الممكنة # والثاني قال لم لا تكون ممكنة بنفسها واجبة بآحادها على وجه التسلسل # لكن قد يقال انه في أحد التقديرين ادعى وجوب الهيئة الاجتماعية بنفسها مع ~~إمكان الآحاد وفي الثاني ادعى ان الهيئة الاجتماعية ممكنة PageV03P175 ~~بنفسها لكنها واجبة بالآحاد المتسلسلة ومعلوم ان كليهما باطل والاول أظهر ~~بطلانا من الثاني فانه إذا كانت الآحاد كلها ممكنة والاجتماع نسبة واضافة ~~بينها غايته ان يكون عرضا قائما بها امتنع ان يكون واجبا بنفسه فإن الموصوف ~~الممكن يمتنع ان تكون صفته واجبة الوجود بنفسها # واما الثاني فلأن الهيئة الاجتماعية إذا كانت معلول الآحاد الممكنة كانت ~~اولى بالإمكان فان معلول الممكن أولى أن يكون ممكنا وان شئت قلت المفتقر ~~إلى الممكن اولى أن يكون ممكنا و الاحاد ليس فيها إلا ما هو ممكن فلا يكون ~~في الاجتماع ms0553 و احاده إلا ما هو ممكن لا يوجد بنفسه ومالا يوجد بنفسه يمتنع ~~ان يوجد به غيره إذا لم يحصل له ما يوجد به فإن وجوده في نفسه قبل وجود ~~غيره به فإذا لم يكن وجوده إلا بموجد يوجده فلأن لا يكون وجود غيره به بدون ~~الموجد الذي يوجده اولى واحرى وكل من الممكنات واجتماعها ليس موجودا بنفسه ~~فيمتنع ان يكون شيء منها موجدا لغيره فامتنع ترجح بعضها ببعض وترجح المجموع ~~بالآحاد # وفي الجملة فكلا السؤالين يتضمن افتقار الاجتماع إلى PageV03P176 الآحاد ~~فكلاهما لم يدع فيه إلا وجوبها بالآحاد لم يدع وجوبا بالذات غير الوجوب ~~بالآحاد لكن الامدى وهي هذا السؤال لما اضافه إلى غيره بعبارة اخرى واعتبار ~~ثم انه اعترف بعدم قدرته على حله لما اورده من جهة نفسه بعبارة اخرى ~~واعتبار اخر # ومن اجاب عن الامدى في الفرق بينهما يقول السؤال الاول قيل فيه ان ~~المجموع واجب بنفسه وذلك ممتنع وهذا قيل فيه إنه ممكن وجب بالآحاد # وهذا الجواب بالفرق ضعيف وذلك لأنه إذا قيل هو ممكن واجب بالآحاد فقد قيل ~~انه واجب بتلك الآحاد وتلك الآحاد كلها ممكنة ومعلول الممكن اولى ان يكون ~~ممكنا فيمتنع ان يكون معلول الممكن واجبا بالممكن قبل وجوب الممكن والممكن ~~لا يجب إلا بالواجب بنفسه بل ما كان واحد من الممكنات جزء علة لوجوده فهو ~~ممكن فكيف إذا كان كل من الممكنات التي لا نهاية لها جزء علة PageV03P177 ~~وجوده فان الاجتماع الذي يحصل للممكنات المتسلسلة التي هي علل ومعلولات ~~يتوقف على كل واحد من تلك الامور التي كل منها علة معلول فالاجتماع اولى ~~بالإمكان وابعد عن الوجوب ان قدر ان له حقيقة غير الآحاد # فثبت انه إذا قدر سلسلة العلل والمعلولات كل منها ممكن فلا بد لها من أمر ~~خارج عنها وهذا امر متفق عليه بين العقلاء وهو من اقوى العلوم اليقينة ~~والمعارف القطيعة # ولولا ان طوائف من متأخري النظار طولوا في ذلك وشكك فيه بعضهم كالامدى ~~والابهري لما بسطنا فيه الكلام # واصل ms0554 هذا السؤال مبناه على ان المجموع ليس هو كل واحد واحد من الآحاد إذا ~~المجموع مغاير لكل واحد من الآحاد فقد يقال هو واجب بكل واحد واحد من ~~الآحاد وحينئذ فالمجموع ممكن من جهة كونه مجموعا واجبا بالآحاد الممكنة لا ~~سيما وهؤلاء الفلاسفة الذين احتجوا بهذا هم واكثر الناس يقولون لا يجب في ~~كل جملة ان توصف بما يوصف به آحادها # قال ابن سينا ليس إذا صح على كل واحد حكمه صح PageV03P178 على كل محصل ~~وإلا لكان يصح ان يقال الكل من غير المتناهي يمكن ان يدخل في الوجود لان كل ~~واحد يمكن ان يدخل في الوجود فيحمل الإمكان على الكل كما حمل على كل واحد # وكذلك قال السهروردي الحكم على الكل بما على كل واحد لا يجوز فإن كل ممكن ~~غير الحركة جائز وقوعه دفعة واحدة وليس كذلك الجميع وكل واحد من الضدين ~~ممكن في محل والكل معا غير ممكن # وهذا السؤال يجاب عنه بأوجه # أحدهما ان يقال نفس الاجتماع يمتنع ان يكون واجبا بنفسه بدون الاجزاء فإن ~~فساد هذا معلوم بالضرورة ولم يقله أحد كيف والاجتماع عرض يفتقر إلى محله ~~فإذا كان محل العرض غير واجب بنفسه كان العرض المفتقر إلى الممكن بنفسه ~~اولى ان يكون ممكنا غير واجب بنفسه وانما يتوهم وجوبه بالأجزاء الممكنة ~~وحينئذ فيكون ذلك الإجتماع ممكنا بنفسه واجبا بالأجزاء واذا كان ممكنا ~~بنفسه فنفس PageV03P179 اجتماع الآحاد من جملة اجزاء المجموع فيقال المجموع ~~هو الآحاد مع الهيئة الاجتماعية وكل واحد من ذلك ممكن ليس واجبا بنفسه ~~وحينئذ فلا يكون هنا مجموع منفصل عن جميع الاجزاء فلو قيل وجب المجموع ~~بالآحاد لكان قولا بوجوب أحد الجزأين الممكنين بالاخر وهو وجوب الجزء ~~الممكن بنفسه الذي هو الصورة الاجتماعية بسائر الاجزاء التي كل منها ممكن ~~بنفسه # و اذا كان كذلك كان هذا مضمونه حصول أحد الممكنين بالاخر من غير شيء واجب ~~بنفسه # ومن المعلوم ان المعلق بالممكن بنفسه اولى ان يكون ممكنا بنفسه والممكن ~~بنفسه لا يوجد إلا ms0555 بغيره فيلزم ان لا يوجد واحد منهما على هذا التقدير ~~والتقدير ان الممكنات قد وجدت فهمناك شيء خارج عن الممكنات وجدت به # الوجه الثاني بان يقال المجموع الذي هو هيئة اجتماعية نسبه و اضافة بين ~~احاد الممكنات ليس هو جوهرا قائما بنفسه فيمتنع ان تكون واجبة بنفسها فإن ~~العرض مفتقر إلى غيره والنسبة من اضعف PageV03P180 الأعراض وما كان مفتقرا ~~إلى ممكن من الممكنات امتنع وجوبه بنفسه فالمفتقر إلى كل واحد واحد من ~~الممكنات أولى أن لا يكون واجبا بنفسه فإذا كان الاجتماع ممكنا بنفسه وكل ~~واحد من الممكنات ممكن بنفسه ولا يوجد شيء مما هو ممكن بنفسه إلا بغيره لم ~~يوجد شيء من ذلك إلا بغيره ويمتنع وجود الممكن بمجرد ممكن فإن الممكن لا ~~يوجد بنفسه فلا يوجد به غيره بطريق الأولى وهو معنى قولهم المعلق بالممكن ~~أولى أن يكون ممكنا # الوجه الثالث أن يقال المجموع إما أن يكون مغايرا لكل واحد واحد وإما أن ~~لا يكون فإن لم يكن مغايرا بطل هذا السؤال ولم يكن هناك مجموع غير الآحاد ~~الممكنة وإن كان مغايرا لها فهو معلول لها ومعلول الممكن أولى أن يكون ~~ممكنا # وهذا معنى قول ابن سينا إن الجملة إذا لم تقتض علة أصلا أي لم تستلزم علة ~~تكون موجبة للجملة كانت واجبة غير معلولة وكيف يتأتى هذا وإنما تجب بآحادها ~~يقول هي لم تجب بنفسها وإنما وجبت بآحادها وما وجب بغيره لم يكن واجبا ~~بنفسه # وإيضاح هذا بالكلام على عبارة الآمدي حيث قال هذا إشكال مشكل وربما يكون ~~عند غيري حله مع أنه يعظم ما يتكلم فيه PageV03P181 من الكلام والفلسفة ~~ويقول في خطبة كتابه أبكار الأفكار ما تقوله الفلاسفة من أنه لما كان كمال ~~كل شيء وتمامه بحصول كمالاته له كان كمال النفس الإنسانية بحصول ما لها من ~~الكمالات وهي الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات ولما كانت العلوم ~~متكثرة والمعارف متعددة وكان الزمان لا يتسع لتحصيل جملتها مع تقاصر الهمم ~~وكثرة القواطع كان الواجب السعي في تحصيل أكملها ms0556 والإحاطة بأفضلها تقديما ~~لما هو الأهم فالأهم وما الفائدة في معرفته أتم ولا يخفى أن أولى ما تترامى ~~إليه بالبصر أبصار البصائر PageV03P182 وتمتد نحوه اعناق الهمم والخواطر ما ~~كان موضوعه احل الموضوعات وغايته اشرف الغايات واليه مرجع العلوم الدينية ~~ومستند النواميس الشرعية وبه صلاح العالم ونظامه وحله وابرامه والطرق ~~الموصلة اليه يقينيات والمسالك المرشدة نحوه قطعيات # وذلك هو العلم الملقب بعلم الكلام الباحث في ذات واجب الوجود وصفاته و ~~افعاله و متعلقاته ولما كنا مع ذلك قد حققنا اصوله ونقحنا فصوله و احطنا ~~بمعانيه و اوضحنا مبانيه و اظهرنا اغواره وكشفنا اسراره وفزنا فيه بقصب سبق ~~الأولين وحزنا غايات افكار المتقدمين والمتأخرين و استنزعنا منه خلاصة ~~الالباب وفصلنا القشر عن اللباب سألني بعض الاصحاب PageV03P183 والفضلاء من ~~الطلاب جمع كتاب لمسائل الاصول جامع لابكار افكار العقول # وذكر تمام الكلام فهو مع هذا الكلام ومع ما في كلامه من ذكر مباحث اهل ~~الفلسفة والكلام يذكر مثل هذا السؤال المشكل الوارد على طريقة معرفة واجب ~~الوجود الذي لم يذكر طريقا سواه ويذكر انه مشكل وليس عنده حله ولكن من عدل ~~عن الطرق الصحيحة الجلية القطيعة القريبة البينة إلى طرق طويلة بعيدة لم ~~يؤمن عليه مثل هذا الانقطاع كما فد نبه العلماء على ذلك غير مرة وذكروا ان ~~الطرق المبتدعة إما ان تكون مخطرة لطولها ودقتها و اما ان تكون فاسدة ولكن ~~من سلك الطريق المخوقة وكانت طريقا صحيحة فإنه يرجى له الوصول إلى المطلوب # ولكن لما فعل هؤلاء ما فعلوا وصاروا يعارضون بمضمون طرقهم PageV03P184 ~~صحيح المنقول وصريح المعقول ويدعون ان لا معرفة إلا من طريقهم أو لا يكون ~~عالما كاملا إلا من عرف طريقهم احتيج إلى تبين ما فيها دفعا لمن يحارب الله ~~ورسوله ويسعى في الأرض فسادا وبيانا للطرق النافعة غير طريقهم وبيانا لان ~~اهل العلم و الايمان عالمون بحقائق ما عندهم ليسوا عاجزين عن ذلك ولكن من ~~كان قادرا على قطع الطريق فترك ذلك ايمانا واحتسابا وطلبا للعدل والحق وجعل ~~قوته ms0557 في الجهاد في اعداء الله ورسوله كان خيرا ممن جعل ما اوتيه من القوة ~~فيما يشبه قطع الطريق @QB@ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن ~~مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن ~~الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ~~صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون ~~أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين @QE@ ~~PageV03P185 # فإن الهدى الذي بعث الله به رسوله لما كان فيه معنى الماء الذي يحصل به ~~الحياة ومعنى النور الذي يحصل به الاشراق ذكر هذين المثلين كما قال تعالى ~~@QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها @QE@ سورة الانعام 122 وكما ضرب المثل بهذا وهذا في ~~قوله تعالى @QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال @QE@ سورة الرعد 17 وقال تعالى @QB@ ألم تر ~~إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون ~~بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم ms0558 الله ما في قلوبهم ~~فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا @QE@ سورة النساء 60 63 # ومن اعظم المصائب ان يصاب الانسان فيما لا سعادة له ولا نجاة له ~~PageV03P186 إلا به ويصاب في الطريق الذي يقول انه به يعرف ربه ويرد عليه ~~فيه اشكال لا ينحل له مع انه من كبر رؤوس طوائف اهل الكلام والفلسفة بل قد ~~يقال انه لم يكن في وقته مثله # والمقصود هنا ذكر عبارته في الاشكال الذي اورده وهو قوله ما المانع من ~~كون الجملة ممكنة الوجود ويكون ترجحها بترجح آحادها وترجح آحادها كل واحد ~~بالاخر إلى غير نهاية # فيقال له و الامور التي شملها وجوب أو إمكان أو امتناع أو غير ذلك ان لم ~~يكن هناك إلا مجرد شمول ذلك الوصف له من غير امر وجودى زائد على الآحاد ~~فليس اجتماعها زائدا على افرادها وان كان هناك اجتماع خاص كالتأليف الخاص ~~فهذا التأليف والاجتماع الخاص زائد على الأفراد وإذا كان كذلك فليس في مجرد ~~تقدير ممكنات شملها الإمكان ما يقتضي أن يكون اشتراكها في ذلك قدرا زائدا ~~على الآحاد كما أن العشرة المطلقة ليست قدرا زائدا على آحاد العشرة # لكن نحن نذكر التقسيمات الممكنة التي تخطر بالبال ليكون الدليل جامعا ~~فنقول إذا قال القائل في مثل المعلولات الممكنة PageV03P187 الجملة معلولة ~~بالآحاد فيقال له إما أن لا يكون هنا جملة غير الآحاد كما ليس للعشرة جملة ~~غير آحاد العشرة وإما أن تكون الجملة غير الآحاد كالشكل المثلث فإن اجتماع ~~الأضلاع الثلاثة غير وجودها مفترقة وكالعشرة المصفوفة فإن اصطفافها غير ~~العشرة المطلقة فإن كان الأول فالجملة هي الآحاد المتعاقبة وكلها ممكن ~~فالجملة كلها ممكنة # وإن كان الثاني فالجملة إما أن يراد بها الهيئة الاجتماعية دون أفرادها ~~وإما أن يراد بها الأفراد دون الاجتماع وإما أن يراد بها الأمران والأول هو ~~الذي أراده بالسؤال # لكن ذكرنا كل ما يمكن أن يقال فإذا قال الاجتماع ممكن وترجحه بالآحاد ~~المتعاقبة # قيل له فيكون الاجتماع معلول الآحاد وموجبها ومقتضاها ms0559 والآحاد ممكنة ~~ومعلول الممكن أولى أن يكون ممكنا فيكون حينئذ كل من الآحاد ممكنا ونفس ~~الجملة ممكنة لكن هذا الممكن معلول تلك الممكنات وقد علم أن الممكن لا يوجد ~~بنفسه فلا يكون شيء من تلك الآحاد موجودا بنفسه ولا الجملة موجودة بنفسها ~~فلا يكون PageV03P188 في جميع ما ذكر ما يوجد بنفسه وما لا يوجد بنفسه إذا ~~وجد فلا بد له من موجد # ومما يبين ذلك أن الجملة إذا قيل هي ممكنة معلولة الآحاد المتعاقبة كان ~~هناك ممكن زيد على تلك الممكنات فكأن الممكنات التي هي معلولات متعاقبة ~~زيدت معلولا آخر ومعلوم أنها بزيادة معلول آخر تكون أحوج إلى الواجب منها ~~لو لم تزد ذلك المعلول # ولو قيل إنها زيدت علة ممكنة لم يغن عنها شيئا فكيف إذا زيدت معلولا ~~ممكنا # ومما يبين هذا أن الجملة قد تكون مقترنة وقد تكون متعاقبة فالمقترنة مثل ~~اجتماع أعضاء الإنسان واجتماع أبعاض الجسم المركب سواء كان لها ترتيب وضعي ~~كالجسم أو لم يكن كاجتماع الملائكة والناس والجن والبهائم وغير ذلك # وأما المتعاقبة فمثل تعاقب الحوادث كاليوم والأمس والولد مع الوالد ونحو ~~ذلك # والجملة المقترنة أحق بالاجتماع مما تعاقبت أفرادها فإن ما PageV03P189 ~~تعاقبت أفراده قد يقال إنه ليس بموجود لأن الماضي معدوم والمستقبل معدوم ~~ولهذا جوز من جوز عدم التناهي في هذا دون ذاك وفرق من فرق بين الماضي ~~والمستقبل لأن الماضي دخل في الوجود بخلاف المستقبل وفرق قائل ثالث بين ~~ماله اجتماع وترتيب كالجسم وبين ما فقد أحدهما كالنفوس والحركات # وإذا كان كذلك فإذا قال القائل الجملة ممكنة وهي معلولة الآحاد فلو كانت ~~الجملة هنا مقترنة مجتمعة في زمان واحد لكان الأمر فيها أظهر من المتعاقبة ~~التي لا اقتران لآحادها ولا اجتماع لها في زمن واحد والعلل والمعلولات لا ~~تكون إلا مجتمعة لا تكون متعاقبة # لكن المقصود أن ما يذكره يشمل القسمين فلو قدر أنها متعاقبة لكان ذلك ~~يشملها # و الآمدي جعل العمدة في نفي تناهي العلل والمعلولات على أنه قال والأقرب ~~في ذلك ms0560 أن يقال لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية وكل واحد منها ممكن ~~على ما وقع به الغرض فهي إما متعاقبة PageV03P190 وإما معا فإن قيل بالأول ~~فقد أبطل بثلاثة أوجه ثم زيفها وقال والأقرب في ذلك أن يقال لو كانت العلل ~~والمعلولات متعاقبة فكل واحد منها حادث لا محالة وعند ذلك فلا يخلو ما أن ~~يقال بوجود شيء منها في الأزل أو لا وجود لشيء منها في الأزل فإن كان الأول ~~فهو ممتنع لأن الأزلي لا يكون مسبوقا بالعدم والحادث مسبوق بالعدم وإن كان ~~الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ويلزم من ذلك أن يكون لها ~~ابتداء ونهاية وما له ابتداء ونهاية فهو متوقف على سبق غيره عليه وأما إن ~~كانت العلل والمعلولات المفروضة موجودة معا # ثم ساق الدليل كما حكيناه عنه وهذه التقاسيم والتطويل لا يحتاج إليها وهي ~~باطلة في نفسها فزاد في الدليل ما يستغني عنه ويكون توقف الدليل عليه مبطلا ~~له إذا لم يبطل إلا بما ذكره # وهذا كثيرا ما يقع في كلام أهل الكلام المذموم يطولون في الحدود ~~PageV03P191 والأدلة بما لا يحتاج التعريف والبيان إليه ثم يكون ما طولوا ~~به به مانعا من التعريف والبيان فيكونون مثل من يريد الحج من الشام فيذهب ~~إلى الهند ليحج من هناك فينقطع عليه الطريق فلم يصل إلى مكة # وبيان ذلك بوجوه # أحدها أن يقال ما ذكره من الدليل على امتناع علل ومعلولات مجتمعة يتناول ~~العلل والمعلولات مطلقا سواء كانت متعاقبة أو لم تكن وإذا كان دليل ~~الامتناع يعم القسمين فلا حاجة إلى التقسيم ولكن زيادة هذا القسم كزيادة ~~القسم فيما ذكره بعد ذلك حيث قال وان كانت العلل والمعلولات معا فالنظر إلى ~~الجملة غير النظر إلى كل من الآحاد وحينئذ فالجملة إما ان تكون واجبة و اما ~~ان تكون ممكنة وهذا لا يحتاج اليه ايضا فإنه قد ذكر ان الآحاد ممكنة مفتقرة ~~إلى الواجب فبتقدير ان لا تكون الجملة زائدة على الآحاد يكون الأمر أقرب ~~PageV03P192 # وهو بعد هذا قد أورد ms0561 انه لا يلزم من كون الأفراد ممكنة كون الجملة ممكنة ~~وأجاب عن ذلك بأن هذا ساقط وهذا السؤال والجواب كاف عن ذلك التطويل بزيادة ~~قسم لا يحتاج اليه لكن هذا القسم وان لم يحتج اليه فإنه لم يضره بخلاف ما ~~ذكره من زيادة تعاقب العلل فإنه زيادة أفسد بها دليله مع استغناء الدليل ~~عنها # وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو أنه قال لو كانت العلل والمعلولات متعاقبة ~~فكل واحد منها حادث لا محالة فيلزم ان تكون الأولى حادثة أو تكون كلها ~~حادثة مسبوقة بالعدم وهذا قد استدل به طائفة من أهل الكلام على امتناع ~~حوادث لا تتناهى # وقد تقدم الاعتراض عليه وبين الفرق بين ما هو حادث بالنوع وحادث بالشخص ~~وان ما كان لم تزل آحاده متعاقبة كان كل منها بمنزلة الآخر وكل منها مسبوق ~~بالعدم وليس النوع مسبوقا بالعدم # وقول القائل الازلي لا يكون مسبوقا بالعدم لفظ مجمل # فإن أراد به ان الواحد الذي هو بعينه أزلي لا يكون مسبوقا PageV03P193 ~~بالعدم فهذا صحيح وليس الكلام فيه وان اراد ان النوع الازلي الابدي الذي لم ~~يزل ولا يزال لا يكون مسبوقا بالعدم فهذا محل النزاع # فقد صادر على المطلوب بتغيير العبارة وكأنه قال لا يمكن دوام الحوادث كما ~~لو قال الابدي لا يكون منقطعا وكل من أفراد المستقبلات منقطع فلا تكون ~~المستقبلات ابدية # فيقال النوع هو الابدي ليس كل واحد أبديا كذلك يقال في الماضي وهذا ~~الكلام قد بسط في غير هذا الموضع # الوجه الثالث ان يقال هذه المقدمة فيها نزاع مشهور بين العقلاء ولعل أكثر ~~الأمم من أهل الملل والفلاسفة ينازع فيها وأما وجود علل ومعلولات لا نهاية ~~لها فلم يتنازع فيها أحد من العقلاء المعروفين # فلو قدر ان تلك المقدمة المتنازع فيها صحيحة لكان تقدير المقدمة المجمع ~~عليها بمقدمة متنازع فيها خلاف ما ينبغي في التعليم والبيان والاستدلال لا ~~سيما وليست اوضح منها ولا لها دليل يخصها فإنه ربما ذكرت المقدمة المتنازع ~~فيها لاختصاصها بدليل أو وضوح ونحو ذلك ms0562 وأما بدون ذلك فهو خلاف الصواب في ~~الاستدلال PageV03P194 # الوجه الرابع ان الغزالي سلك مسلكا في تعجيز الفلاسفة عن إثبات الصانع ~~بأن قال دليلكم مبني على نفي التناهي عن العلل والمعلولات قال وأنتم لا ~~يمكنكم ذلك مع اثباتكم حوادث لا تتناهى فإن ما تذكرونه من دليل نفي النهاية ~~في العلل يلزم مثله في الحوادث وما تذكرونه مما يسوغ وجود حوادث لا تتناهى ~~يلزمكم نظيره في العلل # وهذا الذي قاله وان كان قد استدركه من استدركه عليه لكن هو أجود مما فعله ~~الامدي فإن مقصوده الزامهم أحد أمرين إما عدم إثبات الواجب واما الإقرار ~~بحدوث العالم وبين ان إثبات الصانع معلول بإثبات الحوادث وان افتقار المحدث ~~إلى المحدث امر ضروري فهذا خير من ان يجعل إثبات الصانع موقوفا على تقسيمها ~~إلى التعاقب والاقتران وان العلل المتعاقبة لا يمكن ابطالها إلا بالتسوية ~~بين امتناع كون الحادث المعين دائما لم يزل وكون نوع الحوادث دائما لم يزل ~~فإن هذا فيه من التطويل ووقف العلم بالصانع على مثل هذه المقدمة ما لا يخفى # الوجه الخامس ان الدليل الذي ذكره غايته ان يثبت ان الحوادث PageV03P195 ~~لها ابتداء إذ لو كانت العلل متعاقبة محدثة وللحوادث أول لزم ان يكون ~~للحادث أول وهذا غايته ان يكون بمنزلة إثبات حدوث العالم # وهو وأمثاله مع كونهم يحتجون على حدوث العالم فلم يقولوا ان المحدث لا بد ~~له من محدث كما هو قول الجمهور ولا أثبتوا ذلك بأن الحدوث مخصص بوقت دون ~~وقت فيفتقر إلى مخصص كما فعله كثير من أهل الكلام بل ولا بأن الممكن يفتقر ~~إلى المرجح لوجوده بل قالوا المحدث ممكن والممكن لا يترجح أحد طرفيه على ~~الآخر إلا بمرجح ثم اوردوا جواز التسلسل في العلل واجابوا عن ذلك # فإذا كان الجواب عن ذلك لا يتم إلا بإثبات حدوث العلل كان غايتهم ان ~~يثبتوا افتقار الممكن إلى علة حادثة فهم بعد ذلك ان قالوا والمحدث لا بد له ~~من محدث كانوا قد قالوا حقا لكن طولوا بذكر تقسيمات ms0563 لا فائدة فيها بل تضعف ~~الدليل وكانوا مستغنين عنها في الاول وان لم يقولوا والمحدث لا بد له من ~~محدث لم يكن ما ذكروه نافعا فإن مجرد حدوث العلة ان لم يستلزم وجود المحدث ~~لم يثبت واجب الوجود PageV03P196 # فتبين ان ما سلكوه إما ان لا يفيد أو يكون فيه من التطويل والتعقيد ما ~~يضر ولا ينفع ومع هذا فمثل هذا التطويل والتعقيد قد يكون فيه منفعة لمن ~~يسفسط ويعاند ولمن لا تنقاد نفسه إلا بمثل ذلك كما قد نبهنا عليه في غير ~~هذا الموضع # ومضمون ما ذكروه دور في الاستدلال فلا يكون استدلالا صحيحا فإنه إذا قدر ~~علل ومعلولات متعاقبة وأثبت امتناع ذلك لأن الحادث لا يكون أزليا لزم ان ~~هذه العلل محدثة # فيقال له فلم لا يجوز ان يكون استناد الممكنات إلى علل محدثة فلا بد ان ~~يقول على طريقته ان المحدث ممكن والممكن يفتقر إلى علة وعلته لا تكون محدثة ~~فيكون حقيقة كلامه المحدث يفتقر إلى محدث لان المحدث يفتقر إلى محدث إذ كان ~~حقيقة ما يقوله ان المحدث لا بد له من علة لأنه ممكن فيفتقر إلى مرجح ~~ومرجحه لا يكون محدثا لأن المحدث ممكن لا بد له من علة # وإن غير العبارة فقال هذا الممكن لا بد له من علة والعلة لا تكون ممكنة ~~لأن الممكن لا بد له من علة كان قد قال الممكن له علة لأن الممكن له علة ~~وكل ذلك إثبات الشيء بنفسه PageV03P197 # والمقصود هنا أن ما ذكر من امتناع التسلسل في العلل يشمل ما إذا قدرت ~~متعاقبة كما إذا قدرت مقترنة وأنه حينئذ يكون الاجتماع معلولا للأفراد و ~~اذا كان كل من الأفراد ممكنا لا يوجد بنفسه والاجتماع معلولا لها كان أولى ~~ان يكون ممكنا لا يوجد بنفسه ولا يوجد ممكن بممكن لا موجد له فإن ما لم ~~يوجد نفسه أولى ان لا يوجد غيره فإذا لم يكن في الآحاد ما يوجد نفسه كان ~~أولى ان لا يوجد غيره لا الجملة ولا ms0564 غيرها من الآحاد # يبين هذا ان الممكن لا يوجد بنفسه بل لا يوجد إلا بغيره فإذا قدر ان ثم ~~ممكنات موجودة سواء كانت عللا أو لم تكن وسواء كانت متناهية أو غير متناهية ~~لم يكن فيها شيء وجد بنفسه فإذا كان المجموع لا يوجد إلا بها وليس فيها شيء ~~موجود بنفسه لم يكن في جميع ما ذكر ما يوجد بنفسه لا جملة ولا تفصيلا واذا ~~وجد ما لا يوجد بنفسه لم يوجد إلا بغيره # إلا ترى انه لو قال الحوادث لا توجد بنفسها لم يكن فرق بين الحوادث التي ~~لها نهاية والتي لا نهاية لها بل كل من الحوادث التي لا تتناهى لا يوجد ~~بنفسه بل لا بد له من محدث # والذهن إذا قدر ممكنات محصورة ومحدثات محصورة ليس لها PageV03P198 محدث ~~ولا مبدع علم امتناع ذلك فإذا قدرها لا تتناهى لم تكن هذه الحال توجب ~~استغناءها عن المحدث المبدع وتجعلها غنية عن مبدع خارج عنها بل كلما كثر ~~ذلك كان أولى بالحاجة إلى المبدع فما لا يوجد بنفسه إذا ضم اليه ما لا يوجد ~~بنفسه مرات متناهية أو غير متناهية كان ذلك مثل ضم المعدومات بعضها إلى بعض ~~وذلك لا يغني عنها شيئا بل المعدومات لا تفتقر حال عدمها إلى فاعل وأما هذه ~~التي لا بد لها من فاعل إذا كثرت كان احتياجها إلى الفاعل أوكد وأقوى ~~وتسلسل الممكنات لا يخرجها عن طبيعة الإمكان الموجب لفقرها إلى المبدع كما ~~ان طبيعة الحدوث لا تخرج المحدثات عن طبيعة الحدوث الموجبة لفقرها إلى ~~الفاعل # ومن جوز تسلسل الحوادث وقال كل منها حادث والنوع ليس بحادث لا يمكنه ان ~~يقول كل من الممكنات ممكن والجملة ليست ممكنة كما لا يمكنه ان يقول كل من ~~الموجودات موجود والجملة ليست موجودة ولا يقول كل من الممتنعات ممتنع ~~والجملة ليست ممتنعة بل الامتناع لجملة الممتنعات اولى منه لآحادها وكذلك ~~الإمكان لجملة الممكنات اولى منه لآحادها والفقر إلى الصانع الذي يستلزمه ~~الإمكان لجملة الممكنات أولى منه لآحادها ms0565 وأما الوجود لجملة الموجودات فليس ~~هو أولى منه لآحادها PageV03P199 # وان قيل هو واجب للجملة وذلك ان جملة الموجودات موقوفة على وجود كل منها ~~بخلاف وجود الواحد منها فإنها لا تتوقف على وجود الجملة وأما الممتنعات ~~فامتناع جملتها ليس موقوفا على امتناع كل منها بل كل منها ممتنع لذاته ~~فامتناع الجملة لذاتها أولى وأحرى اللهم إلا ان يكون الامتناع مشروطا ~~بأفرادها كالمتلازمين اللذين يمتنع وجود أحدهما دون الآخر ولا يمتنع ~~اجتماعهما # وكذلك الممكنات إذا كان كل منها ممكنا لذاته بحيث يفتقر إلى الفاعل ولا ~~يوجد بنفسه فليس إمكان كل منها مشروطا بالاخر ولا معلقا به ولا لامكان هذا ~~تأثير في إمكان هذا كما في الامتناع بخلاف الموجودات فإنه قد يكون وجود أحد ~~الامرين إما مشروطا واما علة للاخر بخلاف ما إذا قدر موجودات واجبة بأنفسها ~~فإنه حينئذ لا يكون وجود بعضها موقوفا على وجود البعض وأما ما هو ممكن ~~بنفسه أو ممتنع بنفسه فليس امكانه وامتناعه مشروطا بغيره بل نفس تصور ~~حقيقته يوجب العلم بامتناعه وامكانه # وحينئذ فكلما كثر افراد هذه الحقيقة كان العلم بامتناعها أو امكانها ~~PageV03P200 أكثر والعلم بامتناع الجملة أو امكانها أولى وأحرى ولو قدرنا ~~واجبات بأنفسها غنية عن الغير بحيث لا يكون بعضها شرطا في البعض لكانت ~~الجملة واجبة ولم يكن وجوبها بدون وجوب الآحاد وامتنع ان يقال الجملة ~~ممتنعة أو ممكنة مع وجوب كل من الآحاد بنفسه وجوبا لا يقف فيه على غيره # فتبين انه إذا كان من الامور ما هو ممكن في نفسه لا يقف امكانه على غيره ~~ومعنى امكانه أنه لا يستحق بنفسه وجودا ويمتنع وجوده بنفسه وهو بالنظر إلى ~~نفسه فقير محض أي الفقر الذاتي الذي يمتنع معه غناه بنفسه وسواء قلنا ان ~~عدمه لا يفتقر إلى مرجح أو قلنا ان عدمه لعدم المرجح وقدرنا عدم المرجح فهو ~~في الموضعين لا يستحق إلا العدم لا يستحق وجودا أصلا # فكثرة مثل هذا وتقدير ما لا يتناهى من هذا الضرب لا يقتضي حصول وجود له ~~أو ms0566 غنى في وجوده عن غيره ولا وجود بعض هذه الامور ببعض فإن كثرة هذه الامور ~~التي لا تستحق إلا العدم توجب كثرة استحقاقها للعدم وكثرة افتقارها إلى ~~موجد يكون موجودا بنفسه # فإذا قدر امور لا نهاية لها ليس فيها شيء يستحق الوجود كان قول القائل ان ~~بعضها يوجد بعضا في غاية الجهل فإن ما لا يستحق في نفسه ان يكون موجودا كيف ~~يستحق ان يكون موجدا PageV03P201 لغيره وكيف يكون وجوده بوجود ما هو مساو ~~له في أنه لا يستحق الوجود # يبين هذا أنه إذا كان هذا لا يستحق الوجود وهذا لا يستحق الوجود لم يكن ~~جعل هذا علة والآخر معلولا بأولى من العكس فإن شرط الفاعل أن يكون موجودا ~~فإذا لم يكن موجودا امتنع أن يكون فاعلا وكل منهما لا يستحق أن يكون موجودا ~~فلا يكون فاعلا # وإذا قال إن أحد هذين وجد بالآخر فهذا إنما يعقل إذا كان الآخر موجودا ~~وذاك الآخر لا يكون موجودا بنفسه لا يكون موجودا إلا بغيره وذلك الغير الذي ~~يفتقر إليه الممكن ليس هو أي غير كان بل لا بد من غير يحصل به وجوده ووجوده ~~بحيث يستغنى به عما سواه فذلك الغير الذي يفتقر إليه الممكن من شرطه أن ~~يكون مستقلا بإبداع الممكن لا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه فمتى قدر أنه ~~محتاج إلى غيره كان الممكن محتاجا إلى هذا الغير وإلى هذا الغير فلا يحصل ~~وجوده بأحد الغيرين بل لا بد منهما وكذلك لو قدر من الأغيار ما يقدر فلا بد ~~أن يكون ما يفتقر إليه الممكن غير محتاج إلى غيره بوجه من الوجوه وليس في ~~الممكنات ما هو بهذا الشرط بل كل منها يحتاج إلى غيره فلو قدر أن الممكن ~~يوجد بممكن إلى نهاية أو غير نهاية والجملة PageV03P202 الممكنة توجد ~~بالأفراد لكان الغير الذي يفتقر إليه الممكن محتاجا إلى غيره مع أن كلا من ~~المحتاجين لا يغني عن نفسه شيئا أصلا البتة # يزيد هذا إيضاحا أن الممكن مع عدم المقتضى ms0567 التام يكون ممتنعا لا ممكنا ~~وأعني بالمقتضى التام الذي يلزم من وجوده وجود المقتضى لكن يكون ممتنعا ~~لغيره فإذا كان كل من الممكنات له علة ممكنة والعلة الممكنة ليست مقتضيا ~~تاما فإنها لا توجد إلا بغيرها إذ الممكن مفتقر إلى غيره فوجوده مجردا عن ~~مقتضيه ممتنع فضلا عن أن يكون مقتضيا لغيره فإذا لم يكن مع شيء من الممكنات ~~مقتض تام كان كل منها ممتنعا وتقدير ممتنعات لا نهاية لها يوجب قوة ~~امتناعها ويمتنع مع ذلك أن تكون جملتها ممكنة فضلا عن أن تكون واجبة فتبين ~~بذلك أن جملة العلل الممكنات التي لا تتناهى جملة ممتنعة فامتنع أن يقال هي ~~موجودة معلولة للأفراد لأن الممتنع لا يكون موجودا لا معلولا ولا غير معلول # يبين ذلك أن تقدير معلول لا علة له ممتنع والممكن الموجود معلول لغيره ~~فإذا قدر علل ممكنة لا تتناهى كان كل منها معلولا فقد قدر معلولات لا ~~تتناهى ومن المعلوم بالضرورة أن وجود معلولات لا تتناهى لا يقتضي استغناءها ~~عن العلة وإذا قيل إن الجملة معلولة للآحاد فقد ضم معلول إلى معلولات لا ~~تتناهى وذلك لا يقتضى استغناءها عن العلة PageV03P203 # فتبين أن من توهم كون العلل الممكنة التي لا تتناهى التي هي معلولات لا ~~تتناهى يمكن أن يكون لها معلول لا يتناهى فإنما قدر ثبوت معلولات لا تتناهى ~~ليس فيها علة وإذا كانت المعلولات المتناهية لا بد لها من علة فالمعلولات ~~التي لا تتناهى أولى بذلك فإن طبيعة المعلول تستلزم الافتقار إلى العلة ~~وهذا يظهر باعتبار المعاني التي يوصف بها الممكن فإنه معلول مفتقر مبدع ~~مصنوع مدبر مفعول لا يوجد بنفسه لا يستحق الوجود فإذا قدر واحد من هذا ~~النوع كان ذلك مستلزما لعلته وموجبه وصانعه وفاعله ومبدعه وإذا قدر اثنان ~~كان الاستلزام أعظم وإذا قدر ما لا يتناهى كان الاستلزام أعظم فإنه إذا كان ~~الواحد منها بدون الواجب ممتنعا فالاثنان ممتنع وممتنع وتقدير ما لا يتناهى ~~من هذا تقدير ممتنعات لا تتناهى # وإن قيل إن وجود ms0568 الواحد منها يستلزم وجود الواجب فتقدير PageV03P204 ~~اثنين أولى أن يستلزم وجود الصانع ولو أمكن وجود ما لا يتناهى من العلل ~~الممكنة كان ذلك أعظم في امتناعها فكيف بما يتناهى كما يقدر من يقدر أن ~~العقل الأول أبدع الثاني والثاني أبدع الثالث وفلكه إلى العاشر المبدع لما ~~تحت الفلك وإذا قدر ما لا يتناهى كان الاستلزام أعظم # فتبين أنه كلما كثرت الممكنات وتسلسلت كان ذلك أعظم في دلالتها على ثبوت ~~الواجب و استلزامها له والإنسان قد يتوهم إذا فرض علل هي معلولات لا تتناهى ~~وتوهم أن العلة تكون وحدها مؤثرة في المعلول أو مقتضية له أو موجبة فهذا ~~ممتنع فإن العلة إذا كانت معلولة لزم أنها لا تقوم بنفسها بل تفتقر إلى ~~غيرها فالمعلول المفتقر إليها مفتقر إلى علة علتها التي هي مفتقرة إليه ~~فيكون معلولها كما أنه مفتقر إليها فهو مفتقر إلى كل ما هي مفتقرة إليه ~~فإذا قدر من ذلك ما لا يتناهى قدر أنه محتاج إلى أمور لا تتناهى وليس فيها ~~ما هو موجود بنفسه ولا غنى عن غيره PageV03P205 # ومن المعلوم أنه كلما كثرت الأمور المشروطة في وجود الموجود كان وجوده ~~موقوفا عليها كلها وكان أبعد عن الوجود من الموجود الذي لا يتوقف وجوده إلا ~~على بعض تلك الأمور فإذا كان الممكن لا يوجد بعلة واحدة ممكنة بل يمتنع ~~وجوده بها فإذا كثرت العلل الممكنة التي يتوقف وجوده عليها كان وجوده أعظم ~~في الامتناع وأبعد عن الجواز وإذا كانت الممكنات قد وجدت فقد وجد قطعا مقتض ~~لها مستغن عن غيره وكلما تدبر المتدبر هذه المعاني ازداد لها تبينا وعلم أن ~~كل ما يقدر وجوده من الممكنات فإنه دال على الواجب الغني بنفسه عن كل ممكن ~~مباين له # ومن العجب أن هؤلاء يذكرون في إثبات واجب الوجود من الشبهات ما يذكرون ~~وإن كانوا يجيبون عنها ثم إذا أخذوا وجوده إما مبرهنا وإما مسلما وصفوه من ~~الصفات السلبية بأمور لم يدل عليها ما دل على وجوده بل يصفونه بما يمتنع ms0569 ~~معه وجوده حتى يعلم أن ما وصفوا به واجب الوجود لا يكون إلا ممتنع الوجود ~~كما قد بسط في غير هذا الموضع ولا يذكرون من القوادح المعارضة لتلك السلوب ~~بعض ما يذكرونه في إثبات وجوده وإن توهموا بطلانها مع أن تلك المعارضات ~~PageV03P206 هي صحيحة قادحة فيما ينفي صفاته بل الشيطان يلقى إليهم من ~~الشبهات القادحة في الحق ما لو حصل لهم نظير من الأمور القادحة في الباطل ~~لما اعتقدوه # فهذا كله إذا أريد بالجملة الاجتماع المغاير لكل واحد واحد وإن أريد بها ~~كل واحد واحد كان الأمر أظهر وأبين فإن كل واحد واحد ممكن مفتقر إلى الفاعل ~~فإذا لم يكن هناك جملة غير الآحاد امتنع أن يكون هناك غير الآحاد الممكنة ~~مما يوصف بوجوب أو إمكان # وإن أريد بالجملة مجموع الأمرين الآحاد والاجتماع كان الاجتماع جزءا من ~~أجزاء المجموع فيكون هناك أجزاء متعاقبة وجزء هو الاجتماع وهذا الجزء يمتنع ~~أن يكون واجبا بنفسه لأنه مفتقر إلى الممكنات ولأنه عرض قائم بغيره وأحسن ~~أحواله أن يكون كالتأليف مع المؤلف فإذا كان المؤلف ممكنا بنفسه فتأليفه ~~أولى بل قد يقال ليس للجملة هنا أمر وجودي مغاير للأفراد المتعاقبة وإنما ~~لها أمر نسبي اعتباري كالنسبة التي بين أفراد العشرة وهذا وغيره مما يبين ~~امتناع وجوبها بنفسها فيبقى هذا الجزء ممكنا بنفسه فقيرا إلى غيره كسائر ~~الأجزاء فيكون حينئذ هناك ممكنات كل منها محتاج إلى الموجد فيحتاج كل منها ~~إلى الموجد والجملة هنا داخل في قولنا كل منها فإنه جزء من هذا الكل ~~PageV03P207 # فتبين أنه كيفما أدير الأمر ليس في الممكنات المتعاقبة لا واجب بنفسه ولا ~~بغيره إلا أن يكون هناك واجب بنفسه خارج عن الممكنات إذا كان كل فرد فرد ~~ممكنا والاجتماع أيضا ممكن بطريق الأولى والأمران ممكنان بطريق الأولى ~~والأحرى وكل من الأفراد مستغن عن الهيئة الاجتماعية فإنه موجود بدونها وما ~~احتاج إلى الممكن المستغن عنه كان أحق بالإمكان # وإيضاح ذلك أنه إذا قدر كل موجود معلول مفعول مفتقر وليس في الوجود ms0570 إلا ~~ما هو كذلك كما إذا قدر أن الممكنات ليس لها مقتض واجب بنفسه فإنه يكون ~~الأمر كذلك وإن لم يجعل بعضها معلولا لبعض فهذا التقدير يقتضي أن لا يوجد ~~شيء منها لأنها لا توجد بأنفسها إذ التقدير كذلك وما لم يكن موجودا بنفسه ~~فهو أولى أن لا يوجد غيره فلا يكون شيء منها موجودا بنفسه ولا موجودا بغيره ~~ومعلوم أن الموجود إما موجود بنفسه وإما موجود بغيره فإذا قدر أنها موجودة ~~وقدر مع ذلك أنها لا موجودة بأنفسها ولا بموجود أوجدها لزم الجمع بين ~~النقيضين ولو قدر تسلسلها فتسلسلها لا يوجب أن يكون شيء منها موجودا بنفسه ~~فلا يقتضي أن يكون موجدا لغيره والمعدوم لا يوجد غيره فإذا لم يكن فيها ما ~~هو موجود بنفسه لم يكن فيها ما هو PageV03P208 موجد لغيره وهذا أعظم ~~امتناعا من تقدير أفعال لا فاعل لها وحوادث لا محدث لها فإن تلك يكون ~~التقدير فيها أنها وجدت بأنفسها والتقدير هنا أنها لم توجد بأنفسها ولا ~~هناك ما هو موجود بنفسه يوجدها ولا هناك غير موجود يوجدها وإنما التقدير ~~معلولات مفتقرات والمعلول من حيث هو معلول والمفتقر من حيث هو مفتقر ليس ~~فيه ما يقتضي وجوده واذا لم يكن لها وجود ولا لمقتضيها وجود لزم انتفاء ~~الوجود عنها كلها وهذا مع كونها موجودة جمع بين النقيضين # وهذا كلام محقق وتنبيه للإنسان بأن يعلم ان مجرد تقدير معلولات ممكنة لا ~~هي موجودة بنفسها ولا فيها علة موجودة بنفسها لا يقتضي وجود ذلك في الخارج ~~فليس كل ما قدرته الاذهان امكن وجوده في الاعيان لا سيما مع سلب الوجود ~~عنها من نفسها ومن موجد يوجدها و اذا قدر ان المعلول الممكن له علة ممكنة ~~فهي أيضا معدومة من تلقاء نفسها فليس فيما قدر قط شيء موجود فمن اين يحصل ~~لها الوجود PageV03P209 $ فصل # وقد أورد الابهري ومن اتبعه على هذه الحجة المذكورة لقطع التسلسل في ~~العلل اعتراضا زعم انه يبين ضعفها فقال في كلامه على ملخص الرازي وغيره ms0571 قول ~~القائل مجموع تلك العلل الممكنة يحتاج إلى كل واحد منها الخ قلنا لم لا ~~يجوز ان يكون المؤثر في ذلك المجموع واحدا منها إما قوله بان ذلك لا يكون ~~علة لنفسه ولا لما قبله فلا يكون علة للمجموع قلنا لا نسلم وانما يلزم أن ~~لو كان علة المجموع علة لكل واحدة من أجزائه فلم قلتم إنه كذلك وهذا لان ~~الشيء جاز ان يكون علة للمجموع من هو حيث مجموع فلا يكون علة لكل واحد من ~~اجزائه فان الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات وليس علة لكل واحد من اجزائه ~~لاستحالة كونه علة لنفسه لا يقال بأن مجموع تلك العلل المتسلسلة ممكن وكل ~~ممكن فهو مفتقر إلى علة خارجية فذلك المجموع افتقر إلى علة خارجية عنه لانا ~~نقول لا نسلم ان كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجية عنه فإن المجموع المركب ~~من الواجب والممكن ممكن لافتقاره إلى الممكن وليس مفتقرا إلى علة خارجية ~~عنه لا يقال بأن المجموع المركب من آحاد كل واحد منها ممكن محتاج إلى علة ~~خارجية لانا PageV03P210 نقول لا نسلم وانما يكون كذلك ان لو لم يكن كل ~~واحد منها معلولا لاخر إلى غير النهاية لا يقال ان جملة ما يفتقر اليه ~~المجموع إما ان يكون نفس المجموع أو داخلا فيه أو خارجا عنه و الاول محال ~~وألا لكان الشيء علة نفسه والثاني محال وألا لكان بعض الاجزاء كافيا في ~~المجموع والثالث حق قلنا ان اردتم بجملة ما يفتقر اليه المجموع جملة الامور ~~التي يصدق على كل واحد منها انه مفتقر اليه فلم قلتم بأنه لا يجوز ان يكون ~~هو نفس المجموع والذي يدل عليه ان جملة الامور التي يفتقر اليها الواجب ~~والممكن ليس داخلا في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا خارجا عنه فهو نفس ~~المجموع وان اردتم العلة الفاعلية فلم قلتم انه يلزم ان يكون بعض الاجزاء ~~كافيا في المجموع و اذا كان المجموع ممكنا في نفسه فهو مفتقر إلى غيره فما ~~يفتقر اليه ms0572 المجموع إما ان يكون هو المجموع أو داخلا فيه أو خارجا منه و ~~الاول محال وألا لكان الشيء علة لنفسه والثاني محال وألا لكان بعض الاجزاء ~~كافيا في المجموع لان المجموع إذا كان ممكنا وانما يفتقر إلى البعض لزم ان ~~يكون البعض هو المقتضي للمجموع فليلزم ان يكون مقتضيا لنفسه ولعلته وان كان ~~ما PageV03P211 يفتقر اليه المجموع خارجا عن المجموع فهو المطلوب وهذا ~~التحرير يوجب ان يكون البعض علة فاعلة للمجموع والعلة الفاعلة كافية ~~للمجموع # وقوله ان اردتم بجملة ما يفتقر اليه المجموع جملة الامور التي يصدق على ~~كل واحد منها انه مفتقر اليه فلم قلتم بأنه لا يجوز ان يكون هو نفس المجموع # فيقال له لأن المجموع إن لم يكن زائدا على تلك الأمور التي كل منها معلول ~~فليس هنا مجموع غير المعلولات والمعلولات التي لا يوجد شيء منها بنفسه بل ~~لا بد له من موجد موجود إذا لم يكن فيها موجد موجود وامتنع أن يكون مجموعها ~~حاصلا بمجموعها وإن كان المجموع معلولا لها فهو أولى بالافتقار وهذا أمر ~~معلوم بالضرورة وما قدح فيه كان قدحا في الضروريات فلا يسمع # الوجه الثالث الجواب عن معارضته وهو قوله إن جملة الأمور التي يتوقف ~~عليها الواجب والممكن ليس داخلا في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا ~~خارجا عنه فهو نفس المجموع # وملخص هذا الكلام أن مجموع الموجودات ليس متوقفا على بعض الأجزاء لتوقفه ~~على الجميع ولا متوقفا على ما خرج عن المجموع فالمجموع متوقف على المجموع ~~PageV03P212 # فيقال له هذا يناقض ما ذكرتم أولا من أن المؤثر في مجموع الموجودات واحد ~~منها وزعمت أن هذا معارضة لقولهم مجموع الممكنات لا يجوز أن يكون المؤثر ~~فيها واحدا وإذا كان هذا يناقض ذاك فإما أن تقول المؤثر في المجموع جزؤه أو ~~المؤثر فيه هو المجموع فإن قلت إنه جزؤه بطل هذا الاعتراض وسلم هذا الدليل ~~الدال على امتناع معلولات ممكنة ليس لها علة واجبة وبذلك يحصل المقصود من ~~إثبات واجب الوجود وإن قلت ms0573 إن المؤثر هو المجموع بطل اعتراضك على ذلك ~~الدليل وسلم ذلك الدليل عن المعارضة فحصل به المقصود # الوجه الرابع أن يقال قولك جملة الأمور أو مجموع الأمور الذي يفتقر إليه ~~الواجب والممكن ليس داخلا في المجموع يتضمن أن مجموع الموجودات يفتقر إلى ~~أمر من الأمور وانت لم تذكر على ذلك دليلا فلم قلت إن مجموع الموجودات ~~يفتقر إلى أمر وأولئك إنما ادعوا أن مجموع الممكنات يفتقر إلى أمر من ~~الأمور وهذا معلوم بأدلة متعددة بل بالضرورة وما ذكرته ليس بمعلوم # الوجه الخامس أن يقال مجموع الموجود المتضمن للواجب PageV03P213 لا يقبل ~~العدم وما لا يقبل العدم فليس بممكن وما ليس بممكن فهو واجب فالمجموع حينئذ ~~واجب وما كان واجبا لم يفتقر إلى أمر من الأمور وقولك إن المجموع مفتقر إلى ~~المجموع هو معنى قول القائل إنه واجب بنفسه فإن الواجب بنفسه لا يستغني عن ~~نفسه بل لا بد له من نفسه وإذا كنت قد أقررت أنه واجب بنفسه بطل قولك إنه ~~يفتقر إلى أمر وهذا بخلاف مجموع العلل الممكنة فإنه لا يمكن أن يكون واجبا ~~بنفسه لأنه ليس فيها ما هو موجود بنفسه وإذا لم يكن في المجموع ما هو موجود ~~بنفسه كان امتناع المجموع أن يكون واجبا بنفسه أولى وأحرى # وهذا السؤال الذي أورده هذا من جنس السؤال الذي أورده الآمدي بل هو هو ~~ولعل أحدهما أخذه من الآخر وهو أن تكون الجملة مترجحة بالآحاد وكل منها ~~مترجح بالآخر إلى غير نهاية وأجاب عنه الآمدي في أحد كتابيه وقال في الآخر ~~إنه لا يعرف عنه جوابا وذكر عن قوم أنهم قالوا المجموع واجب بنفسه بهذا ~~الاعتبار واستفسط هذا الاعتراض # ومقصود الجميع أن مجموع المعلولات التي لا تتناهى لا تفتقر إلى شيء غير ~~آحادها المتعاقبة وفساد هذا معلوم بالاضطرار بعد جودة التصور وإنما أشكل ~~على من أشكل لعدم التصور التام فإنه إذا قال القائل علل PageV03P214 لا ~~تتناهى أو ممكنات لا تتناهى كل منها مترجح أو معلول بالآخر توهم الذهن أن ~~هذا ms0574 يتضمن تقدير موجودات في الخارج كل منها معلول الموجود الآخر وأن الأمر ~~هكذا إلى غير نهاية # ولهذا أراد طائفة أن يبطلوا هذا التسلسل بجنس ما يبطلون به الآثار التي ~~لا تتناهى كالحركات التي لا تتناهى وهذا غلط فإن المقدر هو أمور ليس فيها ~~ما يوجد بنفسه بل لا يوجد إلا بعلة مباينة له موجودة وكلها بهذه المثابة ~~إلى غير نهاية # وهذا في الحقيقة تقدير معدومات بعضها علة لبعض في وجوده إلى غير نهاية من ~~غير أن يوجد شيء منها وكما أن المعدوم إذا قدر أنه معلل يعلل معدومة إلى ~~غير نهاية مع أنه لم يوجد ولم يوجد شيء منها كان باطلا وإن قدر وجوده مع ~~ذلك كان جمعا بين النقيضين وإذا كان تقدير معلول معدوم بعلة معدومة تقتضي ~~وجوده ولم يوجد ممتنع في بديهة العقل من جهة أنه لم يوجد ومن جهة أن علته ~~ليست موجودة فكثرة هذه العلل أولى بالامتناع وتسلسلها إلى غير نهاية أعظم ~~وأعظم في الامتناع فكذلك إذا قدر ما هو معلول ممكن لا يوجد إلا بموجد يوجده ~~وقدر أنه ليس هناك موجود يوجده فإن وجوده يكون ممتنعا فإن قدر موجودا كان ~~PageV03P215 جمعا بين النقيضين وتسلسل هذه المعلولات من غير أن تنتهي إلى ~~موجود بنفسه أعظم في الامتناع لكن من توهم أنها موجودات متسلسلة التبس عليه ~~الأمر وتقدير كونها موجودات متسلسة ممتنع في نفسه بل هو جمع بين النقيضين ~~لأن التقدير أنه ليس فيها ما يوجد بنفسه ولا يوجد إلا بموجد موجود وإذا لم ~~يكن فيها موجود بنفسه ولا موجد امتنع أن يكون فيها إلا معدوم فتقدير وجودها ~~جمع بين النقيضين # وبيان ذلك أن كلا منها هو مفتقر إلى موجد يوجده فلا يوجد بنفسه وعلته لم ~~توجد بنفسها فليس فيها موجود بنفسه وليس هنا علة موجودة بنفسها فإذا قدر في ~~كل منها أنه موجود بغيره فذلك الغير هو بمنزلته أيضا لا وجود له من نفسه ~~فليس هناك موجود يوجدها إلا ما يقدر منها وكل منها إذا لم ms0575 يكن له من نفسه ~~وجود فأن لا يكون موجدا لغيره بطريق الأولى والأحرى فلا له من نفسه وجود ~~ولا إيجاد وغيره من جنسه ليس له من نفسه وجود ولا إيجاد فمن أين يكون لشيء ~~منها وجود بلا وجود لنفسه ولا إيجاد إذ الإيجاد فرع الوجود # قلت وهذا الاعتراض فاسد جدا وبيان فساده من وجوه PageV03P216 # أحدها أن يقال هو اعتراض على قولهم مجموع العلل الممكنة ممكن لافتقار ~~المجموع إلى الآحاد الممكنة ولا يجوز أن يكون المؤثر في المجموع واحدا من ~~العلل الممكنة لأن ذلك لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله من العلل فامتنع أن ~~يكون مؤثرا في المجموع فقال المعترض إنما يلزم هذا أن لو كان علة المجموع ~~علة لكل واحد من أجزائه فلم قلتم إنه كذلك # فيقال له أولا نحن لا نعني بالمجموع مجرد الهيئة الاجتماعية بل نعني به ~~كل واحد من الأفراد والهيئة الاجتماعية وحينئذ فتكون علة المجموع علة كل ~~واحد من أجزائه وهذا معلوم بالضرورة فإن المؤثر إذا كان مؤثرا في مجموع ~~الآحاد مع الهيئة الاجتماعية فقد أثر في كل جزء من أجزائه فإنه لو لم يؤثر ~~في كل جزء من الأجزاء لجاز انتفاء ذلك الجزء وإذا انتفى انتفى المجموع ~~والتقدير أنه أثر في المجموع بحيث جعل المجموع موجودا والمجموع هو الأفراد ~~والهيئة الاجتماعية فلو قدر أنه غير موجود لزم الجمع بين النقيضين وهو ~~الممتنع وهذا الممتنع لزم من تقدير كونه مؤثرا في المجموع بحيث جعل المجموع ~~موجودا مع تقدير عدم بعض أجزاء المجموع فعلم أنه يستلزم من كونه أثر في ~~المجموع وجود PageV03P217 المجموع ويلزم من وجود المجموع أنه لا ينتفي شيء ~~من أجزائه فعلم أن ما استلزم ثبوت المجموع استلزم ثبوت كل من أجزائه وإن لم ~~يكن المستلزم علة فاعلة فكيف إذا كان المستلزم علة فاعلة فكيف إذا كان ~~المجموع علة فاعلة فتبين أن ثبوت العلة الفاعلة للمجموع يتضمن أن يكون علة ~~لكل من أجزائه ولو تخيل متخيل أن الواحد من الجملة علة لسائر الأجزاء ~~والأجزاء ms0576 علة للمجموع أو أنه علة للمجموع والمجموع علة للآحاد فيكون ذلك ~~الواحد علة العلة # قلنا هذا لا يضر لأن علة العلة علة وكما يمتنع في الواحد أن يكون علة ~~نفسه فيمتنع أن يكون علة علة نفسه بطريق الأولى فلو كان بعض الأجزاء علة ~~للمجموع والمجموع علة لكل من الأجزاء أو بالعكس لزم أن يكون ذلك الجزء علة ~~علة نفسه وعلة علة علل نفسه وهو ما قبل ذلك الجزء من العلل التي قدر أنه لا ~~نهاية لها وهذا بين لا يتصوره أحد إلا يعلم امتناعه بالبديهة ومن نازع فيه ~~كان إما لعدم تصوره له وإما لعنادة وحينئذ فيكفي أن يقال هذا معلوم ~~بالبديهة فالشبهة الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية فلا يستحق جوابا ~~PageV03P218 # الوجه الثاني أن يحل ما ذكره من المعارضة وهي قوله وهذا لأن الشيء جاز أن ~~يكون علة للمجموع من حيث هو علة للمجموع من حيث هو مجموع ولا يكون علة لكل ~~واحد من أجزائه فإن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات وليس علة لكل واحد ~~من أجزائه لاستحالة كونه علة لنفسه # قلنا لا نسلم أن الواجب لذاته علة لمجموع الموجودات وإنما هو علة لبعض ~~الموجودات وهي الممكنات وأما الموجود الواجب بنفسه فلا علة له وهو من ~~الموجودات وإذا كانت الموجودات منقسمة إلى واجب وممكن والواجب علة للمكن لم ~~يكن الواجب علة لمجموع الموجودات بل علة لبعضها وبعضها لا علة له # فإن قيل إنما قلنا الواجب علة للمجموع من حيث هو مجموع لا لكل واحد فهو ~~علة للهيئة الاجتماعية # قيل أولا لا نسلم أن المجموع له وجود يزيد على الآحاد # ويقال ثانيا إذا قدر أن المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية أمر مغاير ~~للأفراد فالواحد من تلك الأفراد إذا كان علة للهيئة الاجتماعية فالعلة ~~مغايرة للمعلول ليست العلة بعض المعلول PageV03P219 # وهذا بين إذا تصوره المتصور معلوم بالبديهة ولكن لفظ المجموع فيه إجمال ~~قد يعنى به الأفراد المجتمعة وقد يعنى به اجتماعها وقد يعنى به الأمران ~~ومعلوم أنه يمتنع أن يكون بعض ms0577 الأفراد المجتمعة علة لكل من الأفراد ~~المجتمعة وهذا هو المطلوب # وأما الاجتماع إذا قدر أنه مغاير للأفراد فالواحد منها يكون علة لذلك ~~الاجتماع المغاير لذلك المفرد وغيره وإن أريد الإفراد والاجتماع كان ~~الاجتماع جزءا من أجزاء المجموع فيكون الواحد من ذلك المجموع علة لسائر ~~الأجزاء وهذا ممكن فالواجب سبحانه وتعالى هو المبدع لسائر الموجودات ومبدع ~~للاجتماع الحاصل منها ومنه إذا قدر ذلك الاجتماع مغايرا للأفراد لكن ذلك ~~الاجتماع هو من جملة سائر الموجودات # فإذا قيل إنه مبدع لسائر الموجودات دخل في ذلك كل ما سواه من الموجودات ~~أعيانها وأعراضها ودخل في ذلك الاجتماع الحاصل منه ومنها وهو الهيئة ~~الاجتماعية إذا قدر أنها موجودة فإن ذلك الاجتماع أمر مغاير للواجب بنفسه ~~فهو داخل في سائر الموجودات سواه فهو من جملة مصنوعاته # ومما يوضح ذلك أن الاجتماع إذا قدر أمرا مغايرا للأفراد أمرا يحدث بحدوث ~~ما يحدث من الممكنات فكلما حدث ممكن كان له مع سائر الممكنات اجتماع وذلك ~~الاجتماع حادث بحدوثه فإذا قدر أن ما سوى الله حادث فاجتماع وجود الحوادث ~~مع وجود الله وهو أيضا حادث وهو كمعية المخلوقات مع خالقها وهذه المعية ~~ونحوها هو مما يجوز حدوثه باتفاق العقلاء بل هم متفقون على جواز حدوث النسب ~~PageV03P220 # والإضافات بين الخالق والمخلوق سواء قيل إنها وجودية أو عدمية ولو قدر أن ~~من الممكنات ما هو قديم أزلي كما يقوله من يقول بقدم شيء من العالم فاجتماع ~~ذلك الممكن مع ذلك الواجب معلول للواجب كما أن الممكن نفسه معلول للواجب ~~والواجب ليس هو بعض ذلك الاجتماع بل هو بعض الأمور المجتمعة إذا كان علة ~~لسائر الأبعاض كان هذا ممكنا وذلك الاجتماع هو بعض آخر الواجب الذي هو بعض ~~الأمور المجتمعة التي منها الاجتماع علة لسائر الأبعاض والاجتماع واحد منها ~~فليس في ذلك امتناع كون بعض الجملة علة لجميع أبعاض الجملة وهذا هو المطلوب ~~انتفاؤه فتبين أن امتناع كون بعض الممكنات علة لجميع الممكنات أعظم مما ~~يتبين امتناع كونه علة لغيره من الممكنات ms0578 فإن الأول يقتضي كونه علة لنفسه ~~وكون الممكن المفعول المصنوع مبدع نفسه ويخلقها أظهر امتناعا من كونه يخلق ~~غيره بعد وجوده ولهذا قال تعالى @QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ~~@QE@ سورة الطور 35 فإنه من المعلوم في بدائه الفطر امتناع كونهم حدثوا من ~~غير محدث وامتناع كونهم أحدثوا أنفسهم فعلم أن لهم محدثا أحدثهم # ويقال ثالثا لا نسلم أن المجموع المركب من الواجب والممكن يكون الواجب ~~وحده علة له بل علته الأجزاء جميعها وذلك لأن PageV03P221 المجموع متوقف ~~على كل من الأجزاء الواجب والممكنات فالمجموع من حيث هو مجموع توقفه على كل ~~جزء كتوقفه على الجزء الآخر إذ كان لا يوجد إلا بوجود كل من الأجزاء ثم إذا ~~كان بعض الأجزاء علة لبعض كان المجموع مفتقرا إلى الجزء الواجب وإلى الجزء ~~المفتقر إلى الجزء الواجب ولا يلزم من ذلك أن يكون مجرد الواجب مقتضيا ~~للمجموع بلا واسطة بل لولا الجزء الآخر الممكن لما حصل المجموع فتبين ان ~~الواجب لا يكون وحده علة للمجموع من حيث هو مجموع وإنما يكون علة لسائر ~~الأجزاء وهو وسائر الأجزاء علة للمجموع # نعم يلزم أن يكون علة بنفسه للمكنات وهو بتوسط الممكنات أو مع الممكنات ~~علة للمجموع من حيث هو مجموع ومثل هذا منتف في الأجزاء الممكنة فإنه لا ~~يمكن أن يكون علة للمجموع ى بنفسه ولا بتوسط غيره # أما الأول فلأن الجزء الواجب إذا لم يكن وحده علة للمجموع فالجزء الممكن ~~أولى ولأن المجموع متوقف على جميع الأجزاء قلا يستقل به واحد منها # وأما الثاني فلأن الممكن لا يكون علة لنفسه ولا لما قبله من العلل ولأن ~~المجموع متوقف على جميع الأجزاء بالضرورة فإن المعلول لا يكون علة علته ~~وإذا امتنع كونه علة لنفسه ولسائر الأجزاء المتقدمة PageV03P222 عليه لم ~~يحصل به وحده هذه الأجزاء والمجموع متوقف على هذه الأجزاء فلا يكون شيء من ~~الأجزاء الممكنة علة للمجموع لا بنفسه ولا بتوسط معلولاته بخلاف الجزء ~~الواجب فإنه إذا قيل عنه إنه علة للمجموع بنفسه ms0579 وبتوسط معلولاته كان هذا ~~المعنى ممتنعا في الممكن فالمعنى الذي يمكن أن يجعل فيه الواجب علة للمجموع ~~الذي هو واحد منه يمتنع مثله في الممكنات فلا يتصور أن يكون علة للمجموع ~~الذي هو واحد منه وهذا يكشف ما في الاعتراض من التلبيس والغلط # الوجه الرابع أن يقال لا نسلم أن الواجب علة للمجموع من حيث هو مجموع بل ~~الواجب علة للممكنات من الأجزاء والآحاد علة للمجموع ومثل هذا لا يمكن أن ~~يقال في مجموع العلل الممكنة ولا في مجموع الممكنات فإنه لا يمكن أن يكون ~~شيء منها علة لسائر الأجزاء إذ كل منها معلول لا يكون علة لنفسه ولا لعلله ~~وإذا كان كل من الأجزاء معلولا والمجموع معلول الآحاد كان المجموع أولى بأن ~~يكون معلولا # الوجه الخامس أن يقال في إبطال هذا الاعتراض نحن إنما ذكرنا هذه الحجة ~~لإثبات أن يكون في الوجود واجب بنفسه فإما أن يكون في الموجودات واجب بنفسه ~~وإما أن لا يكون فإن كان فيها واجب بنفسه حصل المقصود وإن لم يكن فيها واجب ~~بنفسه بطل الاعتراض PageV03P223 # الوجه السادس أن يقال الاعتراض مبناه على أن مجموع الموجودات له علة هو ~~بعضه وهو الواجب فإن لم يكن في المجموع بعض واجب بطل الاعتراض وهذا ~~الاعتراض مذكور على سبيل المعارضة لأنا قد ذكرنا أنا نعلم بالضرورة أن ~~مجموع العلل الممكنة إذا كان له علة كان علة لكل منها وأن العلم بذلك ضروري ~~وبيناه بيانا لا ريب فيه وإذا تبين أن صحة الاعتراض مستلزمة لثبوت واجب ~~الوجود كان واجب الوجود ثابتا على تقدير صحة الاعتراض وعلى تقدير فساده ~~وإذا كان ثابتا على التقديرين تقدير النفي وتقدير الإثبات ثبت أنه ثابت في ~~نفس الأمر وهو المطلوب وهذا بين لمن تأمله ولله الحمد # وهذا الجواب يمكن إيراده على وجوه # أحدها أن يقال إما أن يقدر ثبوت الواجب في نفسه وإما أن يقدر انتفاؤه فإن ~~قدر ثبوته في نفس الأمر حصل المقصود وامتنع أن يكون في نفس الأمر ما ينفي ~~وجوده وإن ms0580 قدر انتفاؤه لزم بطلان الاعتراض المذكور على دليل ثبوته وإذا بطل ~~الاعتراض كان الدليل المذكور على ثبوته سليما عما يعارضه فيجب ثبوت مدلوله ~~وهو الواجب الوجود فلزم ثبوت وجود سواء قدر المعترض ثبوته أو قدر اتنفاءه ~~وما PageV03P224 لزم ثبوته على تقدير ثبوته وتقدير انتفائه كان ثابتا في ~~نفس الأمر قطعا وهو المطلوب # فان قيل كيف يمكن تقدير ثبوته مع تقدير انتفائه وفي ذلك جمع بين النقيضين # قيل نعم هذا لان تقدير انتفائه لما كان ممتنعا في نفس الأمر جاز ان يلزمه ~~ما هو ممتنع في نفس الأمر وهذا مما يقرر ثبوته # و ايضا فإذا كان تقدبر انتفائه يستلزم الجمع بين النقيضين كان تقديرا ~~ممتنعا في نفس الأمر ويكون تقدير انتفائه ممتنعا في نفس الأمر و إذا كان ~~انتفاءه ممتنعا كان ثبوته واجبا وهو المطلوب # فإن قيل إذا كان انتفاءه في نفس الأمر ممتنعا قطعا وكان بطلان الاعتراض ~~معلقا بانتفائه لم يلزمه بطلان الاعتراض و اذا صح الاعتراض بطل الدليل ~~المذكور # قلنا تقدير انتقائه هو جزء الدليل على بطلان الاعتراض ليس هو بطلان ~~الاعتراض ومن المعلوم ان انتفاء الدليل لا يوجب انتفاء ول عليه في نفس ~~الأمر فإن الدليل لا يجب عكسه فلو كان انتفاءه بس الأمر وحده دليلا على ~~بطلان الاعتراض لم يلزم صحة الاعتراض بتقدير نقيض هذا الدليل فكيف إذا كان ~~جزء دليل PageV03P225 # فإن قيل بطلان جزء الدليل يوجب بطلان الدليل فيبطل ما ذكر من الدليل على ~~فساد الاعتراض # قيل لفظ جزء الدليل مجمل فان أريد بالجزء قسم من الأقسام المقدرة كان هذا ~~باطلا فإنه لا يلزم من بطلان قسم في الأقسام المقدرة بطلان الدليل إذا كان ~~غيره من الأقسام صحيحا وان أريد بجزء الدليل مقدمة من مقدماته فهذا صحيح ~~فإنه إذا بطلت مقدمة الدليل بطل لكن مقدمة الدليل هنا صحيحة فإنها تقسيم ~~دائر بين النفي و الاثبات ومن المعلوم ان التقسيم الدائر بين النقيضين ~~يستلزم بطلان أحد القسمين في نفس الأمر ومقدمة الدليل ليست اجتماع النقيضين ~~فإن هذا ms0581 ممتنع وانما هي صحة التقسيم إلى النفي و الاثبات # والمقدمة الثانية بيان حصول المطلوب على كل من التقديرين فإذا كان ~~التقسيم دائرا بين النفي و الاثبات والمطلوب حاصل على كل منهما ثبت حصوله ~~في نفس الأمر وان كان أحد القسمين منتفيا في نفس الأمر فإن المطلوب حاصل ~~على التقدير الآخر فلا يضر انتفاء هذا التقدير وانما ذكرت هذه التقديرات ~~ليتبين ان ما ذكره المعترض لا يقدح في صحة الدليل المذكور على واجب الوجود ~~بل الدليل صحيح على تقدير النقيضين وهذا من احسن الدورات في النظر ~~والمناظرة لابطال الاعتراضات الفاسدة بمنزلة عدو قدم يريد محاربه ~~PageV03P226 الحجيج وهناك عدة طرق يمكن ان ياتي من كل منها فإذا وكل بكل ~~طريق طائفة يأخذونه كان من المعلوم ان الذي يصادفه طائفة ولكن ارسال تلك ~~الطوائف ليعلم انه منع المحذور على كل تقدير إذ كان من الناس من هو خائف ان ~~يأتي من طريقة فيرسل اليه من يزيل خوفه ويوجب امنه # ويمكن ايراد الجواب على وجه اخر هو ان يقال إما ان يقدر فساد هذا ~~الاعتراض في نفس الأمر و اما ان يقدر صحته فإنه لا يخلو من أحدهما وذلك انه ~~إما ان يكون مفسدا للدليل المذكور على بطلان تسلسل المؤثرات و اما ان بكون ~~مبطلا مفسدا فإن لم بكن مفسدا للدليل لفساده في نفسه ثبت صحة الدليل وهو ~~المطلوب # و ان كان مفسدا للدليل فلا يفسده إلا إذا كان متوجها صحيحا وألا ~~فالاعتراض الفاسد لا يفسد الدليل و اذا كان متوجها صحيحا لزم ثبوت واجب ~~الوجود فانه لا يصح ان لم يكن مجموع الموجودات فيها واجب و اذا صح ان فيها ~~واجبا حصل المقصود فيلزم ثبوت الموجود الواجب على تقدير صحته وفساده # ويمكن ايراد الجواب على صورة ثالثة وهو ان يقال إما ان يقدر ان في ~~الموجودات ما هو واجب بنفسه و اما ان لا يكون فان كان فيها PageV03P227 ~~واجب بنفسه حصل المقصود وان لم يقدر ان فيها ما هو واجب بنفسه لم يكن ms0582 لها ~~مجموع يكون جزء علة له فبطل الاعتراض # واذا بطل الاعتراض كان الدليل المذكور على واجب الوجود مستلزما لمدلوله ~~وهو الموجود الواجب فيلزم ثبوت واجب الوجود # واصل الغلط في هذا الاعتراض الذي يظهر به الفرق ان التقدير المستدل به ~~قدر فيه امور ليس فيها موجود بنفسه بل كل منها مفتقر إلى غيره واجتماعها ~~أيضا مفتقر فليس هناك إلا فقير محتاج والتقدير المعترض به قدر ان موجودا ~~واجبا بنفسه معه ممكنات موجودة به ولكن المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية ~~يفتقر إلى بعض الجملة وذلك البعض هو واجب بنفسه فهنا في الجملة واحد واجب ~~بنفسه هو علة لسائر الاجزاء وللمجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية وتلك ليس ~~فيها واجب بنفسه بل كان من الأجزاء والمجموع ممكن بنفسه فكيف يجعل افتقار ~~هذا إلى خارج عنه كافتقار ذاك إلى خرج عنه والهندي لم يجب عليه PageV03P228 # فان قيل فقد قدرتم عدم وجوب واجب الوجود فكيف الوجود فكيف يكون موجودا ~~بتقدير عدمه لما ذكرتم من الدليل # قلنا لان التقدير الممتنع قد يستلزم امرا موجودا واجبا وجائزا كما قد ~~يستلزم امرا ممتنعا لان التقدير هو شرط مستلزم للجزاء والملزوم يلزم من ~~تحققه اللازم ولا يلزم من انتفائه انتفاء اللازم # وهذا كما لو قيل لو جاز ان يحدث اجتماع الضدين لافتقر إلى محدث بل قد ~~يكون اللازم ثابتا على تقدير النقيضين كوجود الخالق مع كل واحد من مخلوقاته ~~فإنه موجود سواء كان موجودا أو لم يكن # وحينئذ فيجوز ان يكون التقدير الممتنع وهو تقدير عدم الواجب يستلزم وجوده ~~كما يكون التقدير الممكن فإذا قدر عدمه لزم بطلان الاعتراض المذكور وذلك ~~يستلزم سلامة الدليل عن المعارض والدليل يستلزم وجوده # وايضا فان تقدير عدمه ممتنع في نفس الأمر والتقدير الممتنع قد يستلزم ~~امرا ممتنعا فاستلزم تقدير عدمه الجمع بين النقيضين وهو ثبوت وجوده مع ثبوت ~~عدمه وهذا ممتنع فعلم ان تقدير عدمه ممتنع وهو المطلوب وعلم انه لا بد من ~~وجوده وان قدر في الاذهان عدم وجوده فتقدير عدمه في الاذهان ms0583 لا يناقض وجوده ~~في الخارج وقد ثبت وجوده فلا بد من وجوده على كل تقدير وبهذا وغيره يظهر ~~PageV03P229 الجواب عن اعتراضه على سائر ما ذكروه من التقديرات في احتياج ~~مجموع الممكنات إلى واجب خارج عنها # ونحن نبين ذلك # قوله لا يقال بان مجموع تلك السلسة ممكن وكل ممكن فهو مفتقر إلى علة ~~خارجة عنه وذلك المجموع مفتقر إلى علة خارجة عنه لانا نقول لا نسلم ان كل ~~ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة عنه فإن المجموع المركب من الواجب والممكن ~~ممكن لافتقار إلى الممكن وليس إلى علة خارجة عنه # والجواب عن هذا ان يقال قول القائل كل ممكن فهو مفتقر إلى علة خارجة عنه ~~قضية بديهة ضرورية بعد تصورها فان المعنى بالممكن مالا يوجد بنفسه بل لا بد ~~له من موجد مقتض سواء سمى فاعلا أو علة فاعلة أو مؤثرا و اذا كان كذلك فإذا ~~كان المجموع ممكنا لا يوجد بنفسه لم يكن له بد من موجد يوجده وقد علم ان ~~المجموع لا يوجد بنفسه إذ لو كان كذلك لكان واجبا بنفسه # ومن المعلوم بالضرورة ان المجموع الذي هو الأفراد واجتماعها إذا لم يكن ~~موجدا مقتضيا فبعض المجموع اولى ان لا يكون مقتضيا موجدا PageV03P230 فإنه ~~من المعلوم ببدائه العقول ان المجموع إذا لم يجز ان يكون موجدا ولا مقتضيا ~~ولا فاعلا ولا علة فاعلة فبعضه اولى ان لا يكون كذلك فإن المجموع يدخل فيه ~~بعضه فإذا كان بجميع ابعاضه لا يكفي في الاقتضاء والفعل و الايجاد فكيف ~~يكفي بعضه في ذلك # وهذا دليل مستقل في هذا المقام وهو ان المجموع إذا لم يكن علة فاعلة بل ~~هو معلول مفتقر فبعضه اولى ان لا يكون علة فاعلة بل معلول مفتقر فعلم ان ~~مجموع الممكنات إذا كان مفتقرا إلى المؤثر فكل من ابعاض المجموع اولى ~~بالافتقار إلى المؤثر فتبين ان كل ممكن ومجموع الممكنات مفتقر إلى المؤثر ~~وهو المطلوب ولله الحمد والمنة # واما قول المعترض لا نسلم ان كل ممكن فهو محتاج ms0584 إلى علة خارجة عنه فإن ~~المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن لافتقاره إلى الممكن وليس محتاجا ~~إلى علة خارجة عنه # فيقال له اولا منشأ هذه الشبهة ان لفظ المجموع فيه اجمال يراد به نفسه ~~الهيئة الاجتماعية ويراد به جميع الأفراد ويراد به المجموع والمجموع المركب ~~الذي هو كل واحد واحد من الأفراد لا يفتقر PageV03P231 إلى الممكن فإن منها ~~الواجب وهو لا يفتقر إلى الممكن ولكن الهيئة الاجتماعية إذا قدر ان لها ~~تحققا في الخارج فهي التي يقال انها متوقفة على الممكن وحينئذ فيظهر الفرق ~~بين مجموع الممكنات ومجموع الموجودات فإن مجموع الممكنات هو نفس الهيئة ~~الممكنة وكل من الأفراد ممكن والمجموع المتوقف على الممكن اولى بالإمكان و ~~اما مجموع الموجودات فليس كل منها ممكنا بل منها الواجب فليس المجموع ممكنا ~~بمعنى ان كل واحد منها ممكن فظهر الفرق # وحينئذ فيقال له هذا باطل من وجوه # أحدهما ان يقال انت قد قلت في الاعتراض على الدليل الأول ان الواجب لذاته ~~علة لمجموع الموجودات وقلت هنا ان المجموع مفتقر إلى الممكن فإن كان معلول ~~الواجب يجب استغناؤه عن الممكنات بطل اعتراضك الأول وصح الدليل الأول لانه ~~حينئذ لا يكون المجموع مستغنيا بالواجب بل هو محتاج إلى الممكنات فلا يكون ~~الواجب علة للمجموع إلا مع اقتضائه لجميع الممكنات ثم هو مع الممكنات إما ~~المجموع و اما علة المجموع ومثل هذا منتف في مجموع الممكنات فإن الواحد ~~منها لا يجوز ان يكون علة لسائرها إذ ليس علة لنفسه ولا لعلته وعلة علته و ~~اذا لم يكن في الممكنات إلا ما هو PageV03P232 معلول لم يكن فيها ما يوجب ~~سائرها فلم يكن فيها ما يصلح ان يكون علة للمجموع بوجه من الوجوه # وان قلت ان معلول الواجب يجب استغناؤه عن الممكنات سواء اقتضاه بوسط أو ~~بغير وسط وانه لما كان الواجب مقتضيا للوسط كانت الحاجة في الحقيقة إلى ~~الواجب والغنى به إذ كان هو مبدع الممكنات التي هي لغيرها شروط أو وسائط أو ~~علل أو ما ms0585 قيل من الامور # فيقال لك على هذا التقدير فمجموع الموجودات التي فيها الواجب بنفسه ليس ~~مفتقرا إلى شيء من الممكنات بل افتقاره إلى الواجب وحده فبطل اعتراضك على ~~هذا الدليل الثاني واي الدليلين صح حصل المقصود # وتلخيص هذا الجواب ان مجموع الموجودات من حيث هو مجموع ان قال هو معلول ~~الواجب وحده أو بوسط بحيث لا يقال مفتقر إلى غيره بطل هذا الاعتراض وهو ~~كونه مفتقرا إلى الممكن # وان قال هو معلول الواجب لكون الممكن معلول الواجب وهو معلول الممكن ~~والواجب كان هذا مفسدا لاعتراضه على الدليل الأول لكون مجموع الممكنات لا ~~يكون معلولا لواحد منها بوجه من الوجوه PageV03P233 # الوجه الثاني ان يقال قولك لا نسلم ان كل ممكن فهو محتاج إلى علة خارجة ~~لان المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن وليس محتاجا إلى علة خارجة غلط # وذلك ان لفط الممكن فيه اجمال # قد يراد بالممكن ما ليس بممتنع فيكون الواجب بنفسه ممكنا ويراد بالممكن ~~ما ليس بموجود مع إمكان وجوده فيكون ما وجد ليس بممكن بل واجب بغيره ثم ما ~~يقبل الوجود والعدم هو المحدث عند جمهور العقلاء بل جميعهم وبعضهم تناقض ~~فجعله يعم المحدث والقديم الذي زعم انه واجب بغيره # ويراد بالممكن ما ليس له من نفسه وجود بل يكون قابلا للعدم هو وكل جزء من ~~اجزائه # وانت قد سميت مجموع الموجود ممكنا ومرادك ان المجموع يقبل العدم ولا ~~يقبله كل جزء من اجزائه # وهؤلاء الذين قالوا ان مجموع الممكنات أو مجموع العلل الممكنة ممكن ~~مرادهم ان كل كا ما كان لا يقبل الوجود بنفسه بل يكون قابلا للعدم بنفسه ~~وكل جزء من اجزائه قابل للعدم يفتقر PageV03P234 إلى علة خارجة عنه وهذا هو ~~المفهوم عند اطلاقهم من الممكن بنفسه المفتقر إلى علة خارجة فان الممكن ~~بنفسه مالا يوجد بنفسه أي نفسه قابلة للعدم # وهذا لا يكون عند وجوب بعضها فإن القابل للعدم حينئذ إنما هو بعض نفسه لا ~~جملة نفسه فغلطك أو تغليطك حصل مما في لفظ الممكن ms0586 بنفسه من الاجمال # و الادلة العقلية إنما يعترض على معانيها فإن كنت أوردت هذا سؤالا لفظيا ~~كان قليل الفائدة وان كان سؤالا معنويا كان باطلا في نفسه والقوم لما قالوا ~~الموجود إما ان يكون واجبا بنفسه و اما ان يكون ممكنا بنفسه جعلوا الوجود ~~منحصرا في هذين القسمين أي جعلوا كل واحد واحد من الموجودات منحصرا في هذين ~~القسمين # و اما الجملة الجامعة لهذا وهذا فهي جامعة للقسمين ومرادهم بالممكن في ~~أحد القسمين ما يكون كل شيء منه لا يوجد إلا بشيء منفصل عنه ومرادهم ~~بالواجب بنفسه ما لا يفتقر إلى مباين له بوجه من الوجوه # ومن المعلوم أن الأول مفتقر إلى مقتض خارج عنه وأن مجموع تلك الممكنات ~~ممكن مفتقر إلى ما هو مفتقر إلى مقتض مباين له # والمفتقر إلى المفتقر المباين له أولى أن يكون مفتقرا إلى المباين وأما ~~PageV03P235 الثاني فلا يجوز أن يكون مفتقرا إلى مباين له وأما افتقاره إلى ~~نفسه أو جزئه فهذا لا ينافي كونه غنيا عما يباينه # وحينئذ فمجموع الموجودات التي بعضها واجب وبعضها ممكن ليس هو من الممكن ~~بهذا التفسير بل هو من الواجب لعدم افتقاره إلى مباين له # وإذا قيل إن المجموع واجب بنفسه لكونه واجبا بما هو واجب بنفسه أو قيل هو ~~واجب بنفسه وأريد بذلك أن فيه ما هو واجب بنفسه و سائره مستغن بذلك الواجب ~~بنفسه فالمجموع واجب ببعضه والواجب ببعضه يدخل بهذا الاعتبار في الواجب ~~بنفسه تبين مغلطة المعترض # وقيل له قولك المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن أتعنى به أنه مفتقر ~~إلى أمر مباين أم تعنى به أنه مفتقر إلى بعضه # أما الأول فباطل وأما الثاني فحق ولكن إذا قيل إن مجموع الممكنات التي كل ~~منها مفتقر إلى مباين للمجموع هو أيضا ممكن PageV03P236 مفتقر إلى مباين ~~لهذا المجموع لم يعارض هذا بمجموع الموجودات فإن مجموع الموجودات لا يصح أن ~~يكون ممكنا بمعنى أنه مفتقر إلى مباين له إذ ليس في أجزائه ما هو مفتقر إلى ~~مباين للمجموع ms0587 فإذا كان هو متوقفا على آحاده وليس في آحاده ما هو متوقف على ~~أمر مباين له لم يجب أن يكون هو متوقفا على أمر مباين له # وأيضا فمن المعلوم بالضرورة أن مجموع الموجودات لا يتوقف على أمر مباين ~~له إذ المباين لمجموع الموجودات ليس بموجود ومجموع الموجودات لا يكون ~~معلولا لأمر غير موجود بخلاف مجموع الممكنات فإنه يكون معلولا لأمر غير ~~ممكن فكيف بقاس أحدهما بالآخر أم كيف يعارض هذا بهذا ويقال إذا كان مجموع ~~الموجودات لا يفتقر إلى أمر خارج عنها ليس بموجود فكذلك يجوز أن يكون مجموع ~~الممكنات لا يفتقر إلى أمر خارج عنها ليس بممكن # وهل هذا إلا بمنزلة من قال إذا كان مجموع الموجودات لا تفتقر في وجودها ~~إلى ما ليس بموجود فمجموع المعدومات لا تفتقر في وجودها إلى ما ليس بمعدزم ~~وهل هذا إلا مجرد مقايسة لفظية مع فرط التباين في المعنى # وهل يقول عاقل إن الموجود الواجب بنفسه والموجود الذي PageV03P237 وجب ~~بغيره إذا لم يحتج إلى معدوم فالمعدوم الذي لم يجب بنفسه ولا بغيره يكون ~~موجودا بأمر معدوم والممكن ليس له من نفسه وجود بل لا وجود له إلا من غيره ~~سواء قيل إن عدمه لا يفتقر إلى علة أو قيل إن عدمه لعدم مقتضيه فمجموع ~~الممكنات التي ليس فيها ما وجوده بنفسه لا تكون إلا معدومة وكل منها لا ~~يكون موجودا إلا إذا كان وجوده بغيره سواء سمى هو معلولا لغيره أو مفعولا ~~لغيره كيف تكون موجودة بغيرها # ونكتة هذا الجواب أن لفظ الممكن يراد به الممكن بالإمكان الذي توصف به ~~الممكنات المفتقرة إلى مقتض مباين فيلزم أن لا يكون لها ولا لشيء منها وجود ~~بوجه من الوجوه إلا من المباين وأما الإمكان الذي وصف به مجموع الموجودات ~~فمعناه أن ذلك المجموع لم يجب إلا بوجوب ما هو داخل فيه فبعض ذلك المجموع ~~واجب بنفسه فلا يكون ذلك المجموع مفتقرا إلى مباين له # ويتضح هذا بالوجه الثالث وهو أنا نقول ابتداء كل موجود ms0588 فإما أن يكون ~~وجوده بأمر مباين له وإما أن لا يكون وجوده بأمر مباين له وكل ما كان وجوده ~~بأمر مباين له لا يكون موجودا إلا بوجود ما PageV03P238 يباينه ومجموع ~~الممكنات لا توجد إلا بمباين لها فلا يوجد شيء منها إلا بمباين لها وبعضها ~~ليس بمباين لها فلا يوجد ببعضها بخلاف مجموع الموجودات فإنها لا تفتقر إلى ~~مباين لها وإنما تفتقر إلى بعضها # وحينئذ فإذا صيغت الحجة هذه على هذا الوجه تبين أنه لا بد من موجود مباين ~~للممكنات خارج عنها وهو المطلوب وأن مجموع الموجودات لا بد لها من موجود هو ~~بعضها فوجد به مجموعها وحينئذ فيلزم ثبوت واجب الوجود على التقديرين فكان ~~ما ذكروه من الاعتراض دليلا على إثبات واجب الوجود لا على نفيه $ فصل # واعلم أن هؤلاء غلطوا في مسمى واجب الوجود وفيما يقتضيه الدليل من ذلك ~~حتى صاروا في طرفي نقيض فتارة يثبتونه ويجردونه عن الصفات حتى يجعلوه وجودا ~~مطلقا ثم يقولون هو الوجود الذي في الموجودات فيجعلون وجود كل ممكن وحادث ~~هو الوجود الواجب PageV03P239 بنفسه كما يفعل ذلك محققة صوفيتهم كابن عربي ~~وابن سبعين و القونوي و التلمساني وأمثالهم # وتارة يشككون في نفس الوجود الواجب ويقدرون أن يكون كل موجود ممكنا بنفسه ~~لا فاعل له وأن مجموع الوجود ليس فيه واجب بنفسه بل هذا معلول مفعول وهذا ~~معلول مفعول وليس في الوجود إلا ما هو معلول مفعول فلا يكون في الوجود ما ~~هو فاعل مستغن عن غيره فتارة يجعلون كل موجود واجبا بنفسه وتارة يجعلون كل ~~موجود ممكنا بنفسه # ومعلوم بضرورة العقل بطلان كل من القسمين وأن من الموجودات ما هو حادث ~~كان تارة موجودا وتارة معدوما وهذا لا يكون واجبا بنفسه وهذا لا بد له من ~~موجود واجب بنفسه # ومن غلطهم في مسمى واجب الوجود أنهم لم يعرفوا ما هو الذي قام عليه ~~الدليل والذي قام عليه الدليل أنه لا بد من واجب بنفسه لا يحتاج إلى شيء ~~مباين له فلا يكون وجوده مستفادا ms0589 من أمر مباين له بل وجوده بنفسه وكون ~~وجوده بنفسه لا ينفي أن يكون موجودا بنفسه وأن يكون ما دخل في مسمى نفسه من ~~صفاته لازما له فالدليل دل على أنه لا بد للممكنات من أمر خارج عنها يكون ~~PageV03P240 موجودا بنفسه فلا يكون وجوده بأمر خارج عنه وحينئذ فاتصافه ~~بصفاته سواء سمى ذلك تركيبا أو لم يسم لا يمنعه أن يكون واجبا بنفسه لا ~~يفتقر إلى أمر خارج عنه ولهذا كانت صفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار وإن ~~لزم من ذلك تعدد مسمى واجب الوجود بهذا المعنى بخلاف ما إذا عني به أنه ~~الموجود الفاعل للممكنات فإن هذا واحد سبحانه لا شريك له # وأما إذا عني به الموجود بنفسه القائم بنفسه فالصفات اللازمة تكون ممكنة ~~لكن هذا يقتضي أن يكون في الممكنات ما هو قديم أزلي وهذا باطل كما قد ~~بسطناه في موضع آخر # الوجه الثالث أن يقال قولك المجموع المركب من الواجب والممكن ممكن ممنوع ~~بأن يقال ليس المجموع إلا الأفراد الموجودة في الخارج والمجموع هو جميع تلك ~~الأفراد وتلك الأفراد بعضها واجب وبعضها ممكن والجميع ليس هو صفة ثبوتية ~~قائمة بالأفراد وإنما هو أمر نسبي إضافي كالعدد الموجود في الخارج فليست ~~جملته غير آحاده المعنية ومعلوم أن الجملة ليست هي كل واحد من الآحاد بعينه ~~لكن هي الآحاد جميعها فالآحاد PageV03P241 جميعها هي الجملة والمجموع وهذا ~~لا حقيقة له غير الآحاد والآحاد بعضها واجب وبعضها ممكن # يبين ذلك أنه قد قال بعد هذا إن جملة الأمور التي يتوقف عليها الواجب ~~والممكن ليس داخلا في المجموع لتوقفه على كل جزء منها ولا خارجا عنه فهي ~~نفس المجموع # فإن قال بل المجموع هو الهيئة الاجتماعية الحاصلة باجتماع الواجب والممكن ~~وتلك ممكنة لتوقفها على غيرها # قيل تلك النسبة ليست أعيانا قائمة بأنفسها ولا صفات ثبوتية قائمة ~~بالأعيان بل أمر نسبي إضافي سواء كانت نسبة عدمية أو ثبوتية إذا قيل هي ~~ممكنة لم يضر فإن الواجب الذي هو واحد من المجموع موجب لسائر الممكنات ms0590 وتلك ~~النسبة من الممكنات ولا يكون جزء المجموع موجبا للمجموع بمعنى أنه موجب لكل ~~واحد من الأفراد فإن هذا يقتضي أن يكون موجبا لنفسه وهو ممتنع بل بمعنى أنه ~~موجب لما سواه وللهيئة الاجتماعية وهذا صحيح PageV03P242 أو يقال هو موجب ~~لما سواه و الهيئة الاجتماعية إن كانت ثبوتية فهي ممكنة من جملة الممكنات ~~التي هي سواه وان كانت عدمية فالأمر ظاهر # الوجه الرابع أن يقال مجموع الموجودات إما أن يكون فيها واجب بنفسه واما ~~أن لا يكون أي إما أن يقدر ذلك وإما أن لا يقدر فان قدر فيها واجب بن ثبت ~~ووجوب الواجب بنفسه وهو المطلوب وان لم يقدر ذلك بطلت هذه الحجة وقد تقدم ~~تقرير هذا الكلام # وأما الدليل الثالث على إبطال التسلسل وهو قولهم ان جملة ما يفتقر اليه ~~المجموع إما أن يكون نفس المجموع أو داخلا فيه أو خارجا عنه # و الأول محال وألا لكان الشيء علة نفسه # والثاني محال وألا لكان بعض أجزائه كافيا في المجموع # والثالث حق # فقد اعترض عليه بقوله قلنا إن أردتم بجملة ما يفتقر إليه المجموع جملة ~~الامور التي يصدق على كل واحد منها أنه مفتقر اليه فلم قلتم بأنه لا يجوز ~~أن يكون هو نفس المجموع والذي يدل عليه أن جملة الأمور التي يفتقر إليه ~~الواجب والممكن ليس داخلا في المجموع لتوقفه على كل جزء منه ولا خارجا عنه ~~فهو نفس المجموع PageV03P243 # وإن أردتم العلة الفاعلية فلم قلتم أنه يلزم أن يكون بعض الأجزاء كافيا ~~في المجموع # والجواب عنه من وجوه # أحدها أن نقول العلم بكون مجموع المعلولات الممكنة معلولا ممكنا أمر ~~معلول بالاضطرار فإن المجموع مفتقر إلى المعلولات الممكنة والمفتقر إلى ~~المعلول أولى أن يكون معلولا وحينئذ فما أورده من القدح في تلك الحجة لا ~~يضر إذ كان قدحا في الضروريات فهو من جنس شبه السوفسطائية # الوجه الثاني أن مجموع المعلولات الممكنة إما أن يكون واجبا بنفسه وإما ~~أن يكون ممكنا وإذا كان ممكنا فالمقتضي له إما نفسه أو ms0591 جزؤه أو أمر خارج ~~عنه # أما كون مجموع المعلولات الممكنات واجبا بنفسه فهو معلوم الفساد بالضرورة ~~لأن المجموع إما كل واحد واحد من الأفراد وإما الهيئة الاجتماعية وإما ~~مجموعهما وكل من ذلك ممكن # فإذا ليس الأفراد ممكنة وكل منها معلول ولو قدر ما لا غاية له ~~PageV03P244 والمعلول من حيث هو معلول لا بد له من علة فكل منها لا بد له ~~من علة وتعاقب معلولات لا تتناهى لا يمنع أن يكون كل منها محتاجا إلى العلة ~~فإذا لم يكن ثم مجموع إلا هذه الآحاد التي كل منها معلول محتاج لزم أن لا ~~يكون في الوجود إلا ما هو معلول محتاج ومن المعلوم بالضرورة أن المعلول ~~المحتاج لا يوجد بنفسه # فعلى هذا التقدير لا يكون في الوجود ما يوجد بنفسه وما لا يوجد بنفسه لا ~~يوجد إلا بموجد والموجد إذا لم يكن موجودا بنفسه كان مما لا يوجد بنفسه فلا ~~يوجد فيلزم أن لا يوجد شيء وقد وجدت الموجودات فيلزم الجمع بين النقيضين ~~وهو أن لا يكون شيء من الموجودات موجودا إذا قدر أنه ليس فيها شيء موجود ~~بنفسه وهي كلها موجودة فلا بد من غير موجود بنفسه فيكون الموجود موجودا ~~بنفسه غير موجود بنفسه وهو جمع بين النقيضين # الوجه الثالث أن يقال أردنا بجملة ما يفتقر إليه المجموع العلة الفاعلة ~~فإن الكلام إنما هو في إثبات الفاعل لمجموع الممكنات ليس هو فيما هو أعم من ~~ذلك قوله إن أردتم العلة الفاعلة التامة فلم قلتم إنه يستلزم أن يكون بعض ~~الأجزاء كافيا في المجموع # فيقال قلنا ذلك لأنه إذا وجدت العلة الفاعلة التامة لزم وجود المعلول ~~فإنا إنما نعني بالعلة مجموع ما يلزم من وجوده وجود المعلول فإن الممكن لا ~~يوجد حتى يحصل المرجح التام المستلزم لوجوده فإذا PageV03P245 كان الفاعل ~~فاعلا باختياره فلا بد من القدرة التامة والإرادة الجازمة فلا يحصل الممكن ~~بدون ذلك ومتى وجد ذلك وجب حصول المفعول الممكن فما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن فما ms0592 شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ الله امتنع وجوده فإن حصل ~~للممكن المؤثر التام وجب وجوده بغيره وإن لم يحصل امتنع وجوده لانتفاء ~~المؤثر التام فوجوده لا يحصل إلا بغيره وأما عدمه فقد قيل إنه أيضا لا بد ~~له من علة وهو قول ابن سينا وأتباعه المتأخرين الذين يقولون إن الممكن لا ~~يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح وقيل لا يحتاج عدمه إلى علة وهو قول ~~نظار السنة المشهورين كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي والقاضي أبي يعلي وابن ~~عقيل وهو آخر قولي الرازي فإنه يقول بقول هؤلاء تارة وهؤلاء تارة لكن هذا ~~آخر قوليه فإن العدم عندهم لا يفتقر إلى علة وإذا قيل عدم لعدم علته فمعناه ~~أن عدم علته مستلزم لعدمه لا أنه هو الذي أوجب عدمه بل إذا عدمت علته علمنا ~~أنه معدوم فكان ذلك دليلا على عدمه لا أن أحد العدمين PageV03P246 أوجب ~~الآخر فإن العدم لا تأثير له في شيء أصلا بل عدمه يستلزم عدم علته وعدم ~~علته يستلزم عدمه من غير أن يكون أحد العدمين مؤثرا في الآخر # وأما وجوده فلا بد له من المؤثر التام وإذا حصل المؤثر التام وجب وجوده ~~وإلا امتنع وجوده # ولهذا تنازع الناس في الممكن هل من شرطه أن يكون معدوما فالذي عليه قدماء ~~الفلاسفة كأرسطو وأتباعه من المتقدمين والمتأخرين كابن رشد وغيره حتى ~~الفارابي معلمهم الثاني فإن أرسطو معلمهم الأول وحتى ابن سينا وأتباعه ~~وافقوا هؤلاء أيضا لكن تناقضوا وعليه جمهور نظار أهل الملل من المسلمين ~~وغيرهم أن من شرطه أن يكون معدوما وأنه لا يعقل الإمكان فيما لم يكن معدوما # وذهب ابن سينا وأتباعه إلى أن القديم الموجود بغيره يوصف بالإمكان وإن ~~كان قديما أزليا لم يزل واجبا بغيره لكنه قد صرح هو وأصحابه في غير موضع ~~بنقيض ذلك كما قاله الجمهور وقد ذكرت بعض ألفاظه في كتابه المسمى بالشفاء ~~في غير هذا الموضع وأصحابه الفلاسفة المتبعين لأرسطو وأصحابه مع الجمهور ~~أنكروا ذلك عليه وقالوا إنه خالف ms0593 به سلفهم كما خالف به جمهور النظار وخالف ~~به ما ذكره هو مصرحا به في غير موضع PageV03P247 # وذلك لأن الممكن بنفسه هو الذي يمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد وذلك إنما ~~يعقل فيما يكون معدوما ويمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد بل يستمر عدمه فأما ~~ما لم يزل موجودا بغيره فكيف يقال فيه إنه يمكن وجوده وعدمه أو يقال فيه ~~إنه يقبل الوجود والعدم # ومما يوضح ذلك أن القابل للموجود والعدم إما أن يكون هو الموجود في ~~الخارج أو الماهية الموجودة في الخارج عند من يقول الوجود زائد على الماهية ~~أو ما ليس موجودا في الخارج # فإن قيل بالأول فهو ممتنع لأن ما كان موجودا في الخارج أزلا وأبدا واجبا ~~بغيره فإنه لا يقبل العدم أصلا فكيف يقال إنه يقبل الوجود والعدم # وإن قيل أمر آخر فذلك لا حقيقة له حتى يقبل وجودا أو عدما لأن وجود كل ~~شيء عين ماهيته في الخارج ولكن الذهن قد يتصور ماهية غير الوجود الخارجي ~~فإذا اعتبرت الماهية في الذهن والوجود في الخارج أو PageV03P248 بالعكس ~~فأحدهما غير الآخر وأما إذا اعتبر ما في الخارج فقط أو ما في الذهن فقط ~~فليس هناك وجود وماهية زائدة ومن تصور هذا تصورا تاما لم ينازع فيه وإنما ~~ينازع من لم يميز بين الذهني والخارجي واشتبه عليه أحدهما بالآخر وأيضا فلو ~~قدر أن في الخارج ماهية ووجودا لواجب قديم أزلي فهذه كما يقوله كثير من ~~المتكلمين إن لواجب الوجود ماهية غير زائدة على وجوده وحينئذ فمثل وجود هذه ~~الماهية لا يقبل العدم كما أن وجود الماهية الواجبة بنفسها لا تقبل العدم # وإن قيل نحن نريد بذلك أن ماهية الممكن الزائدة على وجوده القديم الأزلي ~~كماهية الفلك هي من حيث هي هي مع قطع النظر عن وجودها وعدمها تقبل الوجود ~~والعدم # قيل إثبات هذه الماهية زائدة على الوجود باطل كما قد بين في موضع آخر ~~PageV03P249 # وبتقدير التسليم فهذا كما يقدر أن وجود واجب الوجود زائد على ماهيته ms0594 ~~ومعلوم أنه لا يستلزم ذلك كون ماهيته قابلة للعدم # ثم يقال قول القائل الماهية من حيث هي هي تقدير للماهية مجردة عن الوجود ~~والعدم وهذا تقدير ممتنع في نفسه فإن الماهية لو قدر تحققها فإما أن تكون ~~موجودة أو معدومة فلا يمكن تقديرها مجردة في الخارج حتى يقال إن تلك ~~الماهية تقبل الوجود والعدم # وأيضا فلو قيل إنه يمكن تقديرها مجردة فهذا إنما يمكن في الماهية إذا ~~كانت يمكن أن تكون موجودة ويمكن أن تكون معدومة وأما ما كان الوجود لازما ~~لها قديما أزليا يمتنع عدمه فكيف يتصور أن يقال إن هذه الماهية تقبل العدم ~~وهي لم تزل واجبة الوجود فليس لها وقت من الأوقات تقبل فيه العدم وإذا قدرت ~~مجردة في الذهن فليست هذه المقدرة في الذهن هي الموجودة في الخارج ~~المستلزمة للوجود القديم الأزلي # فإن قيل هذا كما نقول في ماهية المحدث إنه يقبل الوجود والعدم # قيل إن سلم لكم أن ماهية المحدث زائدة على وجوده مع موافقتكم لسائر ~~العقلاء على أنه يمتنع تحققها في الخارج إلا إذا كانت موجودة PageV03P250 ~~وحين وجودها لا تكون معدومة بمعنى كونها تقبل الوجود والعدم قيل أحد أمرين ~~إما ان يقال الماهية المقدرة في الذهن يمكن ان تكون موجودة في الخارج ويمكن ~~ان تكون معدومة واما ان يقال هذه الحقيقة يمكن ان تكون في الخارج معدومة ~~تارة وموجودة أخرى فإذا اخترنا من ذلك حال عدمها قيل يمكن وجودها بعد العدم ~~وان كان حين وجودها قيل يمكن عدمها بعد الوجود ومثل هذا ممتنع في الماهية ~~القديمة الأزلية التي يجب وجودها ويمتنع عدمها سواء قدر ان وجوبها بنفسها ~~أو بغيرها كما أن صفات الرب عند من قال ممكنة مع كونها قديمة أزلية واجبة ~~بالذات فإنها عندهم لا يمكن عدمها ولا تقبله فإن ما وجب قدمه من الامور ~~الوجودية امتنع عدمه باتفاق العقلاء فإن ما يجب قدمه لا يكون إلا واجبا ~~بنفسه وان قدر أنه ليس واجبا بنفسه فلا بد ان يكون واجبا بغيره وما ليس ms0595 ~~واجبا بنفسه ولا بغيره ليس قديما باتفاق العقلاء PageV03P251 # فإنه إذا قدر أنه ليس واجبا بنفسه فلا بد أن يكون من لوازم الواجب بنفسه ~~فإنه إذا لم يكن من لوازمه بل جاز وجوده تارة وعدمه أخرى لم يكن هناك موجب ~~لذاته ولا ذاته واجبة بنفسها فامتنع قدمه و اذا كان من لوازم الواجب بنفسه ~~امتنع عدمه إلا إذا عدم الملزوم فإن اللازم لا ينتفي إلا إذا انتفى الملزوم ~~والملزوم الواجب بنفسه يمتنع عدمه فيمتنع عدم لازمه وما امتنع عدمه لا يكون ~~ممكن العدم # فإن قيل فالممكنات التي هي محدثة هي واجبة بغيرها إذا وجدت تجب بوجوب ~~سببها فما شاء الله كان ووجب وجوده وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده وهي ~~ممتنعة حال عدمها ومع هذا فهي تقبل الوجود والعدم ولا يلزم من عدمها عدم ~~الواجب # قيل الفرق بينهما من وجهين أحدهما ان تلك كانت معدومة تارة وموجودة أخرى ~~فثبت قبولها للوجود والعدم فلا يمكن ان يقال انها لا تقبل PageV03P252 ~~العدم بخلاف ما هو لم يعدم قط ولم يمكن عدمه في وقت من الاوقات # الثاني ان هذه لا يوجبها نفس الواجب إذ لو كان كذلك لكانت لازمة لذاته ~~قديمة أزلية بل إنما توجبها الذات مع ما يحدث من الشروط التي بها تم حصول ~~المقتضى التام فحينئذ ليست من لوازم الواجب بنفسه بل من لوازم مؤثرها التام ~~ومن جملة ذلك الامور الحادثة التي هي شرط في حدوثها واذا عدمت فإنها تعدم ~~لانتفاء بعض هذه الشروط الحادثة أو لحدوث مانع ضاد وجودها ومنع تمام علتها ~~التامة فعدم لعدم بعض الحوادث أو وجود بعض الحوادث كما وجدت لحدوث بعض ~~الحوادث PageV03P253 # وقدم بعضها ايضا فلهذا لم تكن من لوازم ذاته المجردة في الأزل بخلاف ما ~~كان من لوازم ذاته في الأزل فإن هذا لازم ذاته يمتنع تحقق ذاته في الأزل ~~بدونها فمتى قدر عدمه لزم عدم الذات الأزلية الواجبة الوجود وعدمها ممتنع ~~فعدم لازمها الازلي ممتنع فلا يكون لازمه الازلي ممكنا البتة بل لا يكون ms0596 ~~إلا واجبا قديما ازليا لا تقبل ذاته العدم وهذا هو المطلوب فقد تبين ان ما ~~كان ازليا فإنه واجب الوجود يمتنع عدمه لا يكون ممكنا البتة وهذا مما اتفق ~~عليه العقلاء أولوهم وآخروهم حتى ارسطو وجميع أتباعه الفلاسفة إلى الفارابي ~~وغيره وكذلك ابن سينا واتباعه # لكن هؤلاء تناقضوا فوافقوا سلفهم والجمهور في موضع وخالفوا العقلاء قاطبة ~~مع مخالفتهم لأنفسهم في هذا الموضع حيث قضوا بوجود موجود ممكن يقبل الوجود ~~والعدم مع كونه قديما ازليا واجبا وان قيل هو واجب بغيره PageV03P254 # ولهذا لا يوجد هذا القول عن أحد من العقلاء قبل هؤلاء ولا نقله اهل ~~المقالات عن أحد من الطوائف وانما يوجد في كلام هؤلاء واتباعهم واذا عرف ~~هذا فإن قال هؤلاء نحن نريد به العدم الاستقبالي أي يقبل ان يعدم في ~~المستقبل قيل فهذا يبطل قولكم لأن ما كان واجبا بغيره أزليا لم يقبل العدم ~~لا في الماضي ولا في المستقبل وكذلك هو عندكم ما كان أزليا كان أبديا يمتنع ~~عندكم عدمه # وان قيل نريد به أن ما تصور في الذهن يمكن وجوده في الخارج ويمكن أن لا ~~يوجد # قيل إذا كان أزليا واجبا بغيره لم يمكن أن يقبل العدم بحال فلا يكون ~~ممكنا أن لم يكن معدوما في الماضي أو المستقبل # واذا قيل ان الممكن يقبل الوجود والعدم لم نرد به أنه يقبلهما على سبيل ~~الجمع فإن هذا جمع بين النقيضين بل المراد به أنه يقبل الوجود بدلا عن ~~العدم و العدم بدلا عن الوجود فإذا كان معدوما كان قابلا لدوام العدم ~~وقابلا لحدوث الوجود و اذا كان موجودا قبل دوام الوجود وقبل حدوث العدم هذا ~~إذا اعتبر حاله وان اعتبر حاله في الذهن فالمراد PageV03P255 أن ما يتصوره ~~في الذهن يمكن أن يوجد في الخارج ويمكن أن لا يوجد فبكل حال إذا اعتبر ~~الممكن ذهنيا أو خارجيا لا يتحقق فيه الإمكان إلا مع إمكان العدم تارة و ~~وجوده أخرى فما كان ضروري العدم كالجمع بين النقيضين لا يكون ممكنا ms0597 وما كان ~~ضروري الوجود وهو القديم الأزلي لا يكون ممكنا وقد وافق على هذا جميع ~~الفلاسفة أرسطو وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين والعقلاء أما مع وجوب ~~وجوده بنفسه أو بغيره دائما فليس هناك ممكن يحكم عليه بقبول الوجود والعدم # ولما سلك الرازي ونحوه مسلك ابن سينا في إثبات إمكان مثل هذا اضطربوا في ~~الممكن و ورد عليهم فيه اشكالات كثيرة كما هو موجود في كتبهم كما أورده ~~الرازي في محصله من الحجج الدالة على نفي هذا الممكن ولم يكن له عنها جواب ~~إلا دعواه أن ما كان متغيرا فإنه يعلم امكانه بالضرورة # وهذه الدعوى يخالفه فيها جمهور العقلاء حتى ارسطو وأصحابه وهذا الذي ~~نبهنا عليه هو أحد ما يستدل به على أن كل ممكن فهو مسبوق بالعدم وكل ما سوى ~~الله ممكن فكل ما سوى الله حدث عن عدم كما قد بسط في موضعه PageV03P256 # و المقصود هنا أن الذين استدلوا بهذه الأدلة على افتقار الممكنات إلى ~~واجب خارج عنها فان مرادهم بقولهم جملة ما يفتقر اليه مجموع الممكنات هو ~~المؤثر التام وهو المرجح التام الذي يلزم من وجوده بتأثيره التام وجودها ~~كما ذكرناه من أن الفاعل باختياره إذا وجدت قدرته التامة و إرادته التامة ~~وجب وجود المقدور وهي الممكنات # وأما قوله فلم قلتم انه يلزم أن يكون بعض الأجزاء كافيا في المجموع فلما ~~ذكرناه من أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره فإذا قدر أن المؤثر التام في ~~المجموع هو بعض المجموع لزم أن يكون بعض أجزاء المجموع هو المؤثر في ~~المجموع فيكون مؤثرا في نفسه و في غيره # وهذا ظاهر فإنه إذا قدر مجموع الممكنات وقدرنا ان واحدا منها مؤثر في ~~المجموع أي في كل واحد واحد وفي الهيئة الاجتماعية لزم أن يكون مؤثرا في ~~نفسه وفي غيره فيكون بعض اجزاء المجموع موجبا لحصول المجموع المذكور ومن ~~المجموع نفسه وهذا ممتنع وأما المجموع المركب من الواجب والممكن فهناك ليس ~~بعضه مؤثرا في كل واحد واحد وفي الهيئة الاجتماعية فإن من المجموع ms0598 الواجب ~~بنفسه لم يؤثر فيه شيء فظهر الفرق # وأيضا فالواجب مؤثر في الممكن وفي الهيئة الاجتماعية ليس مؤثرا في نفسه ~~بخلاف مجموع الممكنات فإن كل واحد منها لا بد له من مؤثر والاجتماع لا بد ~~له من مؤثر في نفسه بخلاف مجموع الممكنات فإن كل واحد منها لا بد له من ~~مؤثر والاجتماع لا بد له من مؤثر فالمجموع مفتقر إلى المؤثر بأي تفسير ~~PageV03P257 فسر فإن فسر بالهيئة الاجتماعية فهي متوقفة على الأفراد ~~الممكنة والمتوقف على الممكن أول أن يكون ممكنا مع أن الهيئة الاجتماعية ~~نسبة وإضافة متوقفة على غيرها فهي أدخل في الإمكان والافتقار من غيرها وهي ~~من أضعف الاعراض المفتقرة إلى الاعيان ان قدر لها ثبوتا وجوديا وألا فلا ~~وجود لها وان فسر المجموع بكل واحد واحد أو فسر بالأمرين بكل واحد واحد ~~وبالاجتماع أو بغير ذلك بأي شيء فسر لم يكن إلا ممكنا مفتقرا إلى غيره ~~وكلما كثرت الامكانات كثر الافتقار والحاجة # فإذا قيل المؤثر في ذلك واحد منها وهو ممكن لزم ان يكون الممكن الذي لم ~~يوجد بعد فاعلا لجميع الممكنات ونفسه من الممكنات فإن نفسه لا بد له من ~~فاعل أيضا # وهذا المعترض اخذ المجموع المركب من الواجب والممكن فعارض به المجموع من ~~الممكنات ولفظ المجموع فيه اجمال يراد به الاجتماع ويراد به جميع الأفراد ~~ويراد به الامران فكانت معارضته في غاية الفساد فإن ذلك المجموع فيه واجب ~~بنفسه لا يحتاج إلى غيره وما سواه من الأفراد والهيئة الاجتماعية مفعول له ~~فهذا معقول PageV03P258 فالله تعالى هو الموجود الواجب بنفسه خالق لكل ما ~~سواه وأما الهيئة الاجتماعية ان قدر لها وجود في الخارج فهي حاصلة به أيضا ~~سبحانه وتعالى وأما المجموع الذي كل منه مفتقر إلى من يبدعه وليس فيه موجود ~~بنفسه فيمتنع ان يكون فاعلهم واحدا منهم لأنه لا بد له من فاعل فلو كان ~~فاعلهم ما كان فاعل نفسه وغيره من الممكنات ولزم ان يكون بعض اجزاء ~~الممكنات كافيا في مجموع الممكنات و اذا ms0599 كان مجموع الممكنات يمتنع ان يكون ~~فاعلها فلأن يمتنع ان يكون بعضها فاعلا لها بطريق الأولى فإن ما يتعذر على ~~المجموع يتعذر على بعضه بطريق الأولى وما يفتقر اليه المجموع يفتقر اليه ~~بعضه بطريق الأولى وهذا المعترض اخذ ما يفتقر اليه المجموع لفظا مجملا ~~فالافتقار قد يكون افتقار المشروط إلى شرطه وقد يكون افتقار المفعول إلى ~~فاعله ثم أخذ يورد على هذا وعلى هذا ونحن نجيب على كل تقدير # الوجه الرابع ان يقال أتعني بجملة ما يفتقر اليه المجموع ما إذا وجد وجد ~~المجموع وما لا يوجد المجموع إلا بوجوده كله مع قطع النظر عن كونه شرطا أو ~~فاعلا فإن جملة ما يفتقر اليه الشيء هو الجملة التي تشتمل على كل ما يفتقر ~~اليه الشيء مفتقرا اليه فهو PageV03P259 داخل في هذه الجملة و اذا حصل كل ~~ما يحتاج اليه الشيء لم يبق الشيء محتاجا إلى شيء أصلا فيلزم وجوده حينئذ ~~فإنه ما دام مفتقرا إلى شيء لم يوجد و اذا حصل كل ما يتوقف وجوده عليه ولم ~~يبق وجوده موقوفا على شيء أصلا لزم وجوده فيعني بجملة ما يتوقف وجود الشيء ~~عليه الامور التي إذا وجدت وجد المجموع وان لم توجد جميعها لم يوجد المجموع # ومعلوم أنه إذا عنى به ذلك لم يمكن ان يكون ذلك بعضها لأنه يلزم حينئذ ان ~~يكون بعض الاجزاء كافيا في المجموع فإنه قد فسر الجملة بما إذا حصل وجب ~~حصول المجموع وان لم يحصل لم يجز حصوله فلو كان بعض الاجزاء هو تلك الجملة ~~لوجب ان يكون ذلك البعض كافيا في حصول المجموع سواء قدر فاعلا لنفسه ولباقي ~~الجملة أو قدر أن حصوله هو حصول المجموع أو قدر غير ذلك من التقديرات ~~الممتنعة فأي تقدير قدر كان ممتنعا فإن جملة ما يفتقر اليه المجموع لا يكون ~~بعض المجموع بأي تفسير فسر وهو المطلوب # ولكن لفظ المجموع فيه اجمال فإنه قد يعني به مجرد الهيئة الاجتماعية وقد ~~يعني به كل من الأفراد أو كل من ms0600 الأفراد مع الهيئة الاجتماعية فإن عني به ~~الأول فلا ريب ان هذا قد يكون بعض الأفراد موجبا له كما في المجموع المركب ~~من الواجب والممكن فإن PageV03P260 الواجب هو الموجب للممكنات وهو الموجب ~~أيضا للهيئة الاجتماعية والهيئة الاجتماعية امر ممكن خارج عن الواجب ليس هو ~~بعض الهيئة الاجتماعية لكنه بعض الأفراد والهيئة نسبة و اضافة وليس هو بعض ~~النسبة و الاضافة ولكن هو بعض الأفراد المنسوب بعضها إلى بعض والنسبة وسائر ~~الأفراد غير له وهو الموجب لكل ما هو غير له # و اما المجموع الذي هو الأفراد فلا يكون بعضه هو الموجب لكل من الأفراد ~~فان هذا يقتضي ان يكون ذلك البعض موجبا لنفسه فاعلا لذاته وهذا ممتنع ~~بالضرورة واتفاق العقلاء بل هو من ابلغ الامور امتناعا والعلم بذلك من اوضح ~~المعارف و اجلاها ولهذا لم يقل هذا أحد من العقلاء # و اذا المجموع كلا من الأفراد مع الهيئة فهو ابعد عن ان يكون واحد من ~~الأفراد موجبا لنفسه ولسائر الأفراد ومع الهيئة الاجتماعية وهذا بين ولله ~~الحمد والمنة # واعلم ان مثل هذه الاعتراضات مع صحة الفطرة وحسن النظر يعلم فسادها ومثل ~~هذه االخواطر الفاسدة التي تقدح في المعلومات PageV03P261 لا نهاية لها ولا ~~يمكن استقصاء ما يرد على النفوس من وساوس الشيطان ولولا ان هذين الرجلين ~~اللذين كان يقال انهما من افضل اهل زمانهما في المباحث العقلية كلاميها ~~وفلسفيها أورد كل منها ما ذكرت وصار ذلك عنده مانعا من صحة الطريق المذكور ~~في إثبات واجب الوجود لما ذكرت ذلك لظهور فساده عند من له تصور صحيح لما ~~ذكروه فضلا عمن نور الله قلبه # ثم ان هؤلاء الفلاسفة يقولون كما زعم الامدى ان كمال النفس الانسانية هو ~~الاحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات وهم مع هذا لم يعرفوا الموجود الواجب ~~فأي شيء عرفوه # وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الخونجي صاحب كشف الاسرار في ~~المنطق وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن انه قال عند الموت اموت وما ~~علمت شيئا إلا ms0601 ان الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف عدمى اموت ~~وما علمت شيئا # وذكر الثقة عن هذا الامدى انه قال أمنعت النظر في الكلام وما استفدت منه ~~شيئا إلا ما عليه العوام أو كلاما هذا معناه PageV03P262 # وذلك ان هذا الامدى لم يقرر في كتبه لا التوحيد ولا حدوث العالم ولا ~~إثبات واجب الوجود بل ذكر في التوحيد طرقا زيفها وذكر طريقة زعم انه ~~ابتكرها وهي اضعف من غيرها # وكان ابن عربي صاحب الفصوص والفتوحات وغيرهما يعظم طريقته ويقول ان ~~الطريقة التي ابتكرها في التوحيد طريقة عظيمة أو ما هو نحو هذا حتى افضى ~~الأمر ببعض اعيان القضاة الذين نظروا في كلامه إلى ان قال التوحيد لا يقوم ~~عليه دليل عقلي وانما يعلم بالسمع فقام عليه اهل بلده وسعوا في عقوبته وجرت ~~له قصة # وكذلك الاصبهاني اجتمع بالشيخ إبراهيم الجعبري يوما فقال له بت البارحة ~~أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته # وكذلك حدثني من قرا على ابن واصل الحموي انه قال ابيت بالليل واستلقى على ~~ظهري واضع الملحفه على وجهي وابيت PageV03P263 أقابل أدلة هؤلاء بأدلة ~~هؤلاء وبالعكس واصبح وما ترجح عندي شيء كأنه يعني أدلة المتكلمين والفلاسفة # وقد بسطنا الكلام في التوحيد وأدلته في غير هذا الموضع وذكرنا ان الناس ~~قبلنا قد ذكروا له من الأدلة العقلية اليقينية ما شاء الله ولكن الانسان ~~يريد ان يعرف ما قاله الناس وما سبقوا اليه وبينا أيضا ان القران ذكر من ~~ذلك ما هو خلاصة ما ذكره الناس وفيه من بيان توحيد الإلهية ما لم يهتد اليه ~~كثير من النظار ولا العباد بل هو الذي بعث الله به رسله وانزل به كتبه # وهؤلاء كما ذكرت انقسموا إلى أصحاب نظر وفكر وبحث واستدلال واصحاب ارادة ~~وعبادة وتأله وزهد فكان منتهى اولئك الشك ومنتهى هؤلاء الشطح فأولئك يشكون ~~في ثبوت واجب الوجود أو يعجزون عن اقامة الدلالة عليه # و اذا لم يكن في الوجود واجب لم يوجد شيء فتكون ms0602 الموجودات كلها معدومات ~~فيفضى بهم سوء النظر إلى جعل الموجودات معدومات أو تجويز كونها معدومات ~~وجعل الموجود الواجب ممكنا وجعل الواجب ممكنا غاية التعطيل # والآخرون يجعلون كل موجود واجب الوجود ويجعلون وجود كل موجود هو نفس وجود ~~واجب الوجود فلا يكون في الوجود وجود هو PageV03P264 عندهم مخلوق ولا مصنوع ~~ولا مفتقر إلى غيره ولا محتاج إلى سواه فلا يكون في الوجود ما وجد بعد عدمه ~~ولا ما عدم بعد وجوده وهذا فيه من جعل المعدوم موجودا ومن جعل الممكن واجبا ~~وجعل العبد ربا وجعل المحدث قديما ما هو غاية الكفر والشرك والضلال # هذا مع ان إثبات الموجود الواجب الغني الخالق واثبات الموجود الممكن ~~المحدث الفقير المخلوق هو من اظهر المعارف وابين العلوم # واما ثبوت الموجود المفتقر المحدث الفقير فيما نشاهده من كون بعض ~~الموجودات يوجد بعد عدمه ويعدم بعد وجوده من الحيوانات والنباتات والمعدن ~~وما بين السماء والأرض من السحاب والمطر والرعد والبرق وغير ذلك وما نشاهده ~~من حركات الكواكب وحودث الليل بعد النهار والنهار بعد الليل فهذا كله فيه ~~من حدوث موجود بعد عدمه ومعدوم بعد وجوده ما هو مشهود لبني ادم يرونه ~~بأبصارهم # ثم إذا شهدوا ذلك فنقول معلوم ان المحدثات لا بد لها من محدث والعلم بذلك ~~ضروري كما قد بين ولا بد من محدث لا يكون PageV03P265 محدثا وكل محدث ممكن ~~والممكنات لا لها من واجب وكل محدث وممكن فقير مربوب مصنوع والمفتقرات لا ~~بد لها من غني و المربوبات لا بد لها من رب والمخلوقات لا بد له من خالق # وأيضا فإنه يقال هذا الموجود إما ان يكون واجبا بنفسه و اما ان لا يكون ~~واجبا بنفسه بل ممكنا بنفسه واجبا بغيره والممكن بنفسه الواجب بغيره لا بد ~~له من واجب بنفسه فلزم ثبوت الواجب بنفسه على التقديرين # وأيضا فالموجود إما ان يكون محدثا و اما ان يكون قديما والمحدث لا بد له ~~من قديم فلزم وجود القديم على التقديرين # وأيضا فالموجود إما ان يكون مخلوقا ms0603 و اما ان لا يكون والمخلوق لا بد له ~~من خالق فيلزم ثبوت الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين # وأيضا فإما ان يكون خالقا و اما ان لا يكون وقد علم فيما ليس بخالق ~~كالموجودات التي علم حدوثها انها مخلوقة والمخلوق لا بد له من خالق فعلم ~~ثبوت الخالق على التقديرين # أيضا فالموجود إما غني عن كل ما سواه و اما مفتقر إلى غيره والفقير إلى ~~غيره لا بد له من غني بنفسه فعلم ثبوت الغني بنفسه على التقديرين ~~PageV03P266 # فهذه البراهين و امثالها كل منها يوجب العلم بوجود الرب سبحانه و تعالى ~~الغني القديم الواجب بنفسه # وابن سينا واتباعه كالرازي و الامدى و السهورودي المتقول واتباعهم سلكوا ~~في إثبات واجب الوجود طريقة الاستدلال بالوجود وعظموها وظن من ظن منهم انها ~~اشرف الطرق وانه لا طريق إلا وهو يفتقر اليها حتى ظنوا ان طريقة الحدوث ~~مفتقرة اليها # وكل ذلك غلط بل هي طريقة توجب إثبات واجب الوجود بلا ريب لو كانوا يفسرون ~~الممكن بالممكن الذي هو ممكن عند العقلاء سلفهم وغير سلفهم وهو الذي يكون ~~موجودا تارة ومعدوما اخرى # فأما إذا فسر الممكن بالممكن الذي ينقسم إلى قديم واجب بغيره والى محدث ~~مسبوق بالعدم كما هو قول ابن سينا واتباعه فلا يصح لهم على هذا الأصل ~~الفاسد لا إثبات واجب بنفسه ولا إثبات ممكن يدل على الواجب بنفسه # وهذه الطريقة هي في الحقيقة مأخوذة من طريقة الحدوث PageV03P267 # وطريقة الحدوث اكمل وابين فإن الممكن الذي يعلم انه ممكن هو ما علم انه ~~وجد بعد عدمه أو عدم بعد وجوده # هذا الذي اتفق العقلاء على انه ممكن وهو الذي يتحق ان يسمى ممكنا بلا ريب ~~وهذا محدث فإذا كل ممكن محدث # واما تقدير ممكن لم يزل واجبا بغيره فأكثر العقلاء دفعوا ذلك حتى ~~القائلون بقدم العالم كأرسطوا واتباعه المتقدمين وحتى هؤلاء الذين قالوا ~~ابن سينا واتباعه لا يجعلون هذا من الممكن بل الممكن عندهم ما امكن وجوده ~~وعدمه فكان موجودا تارة ومعدوما اخرى ms0604 # وانما جعل هذا من الممكن ابن سينا واتباعه مع تناقضه وتصريحه بخلاف ذلك ~~لما سلكوا في إثبات واجب الوجود الاستدلال بالموجود على الواجب فقالوا كل ~~ما سواه يكون ممكنا بنفسه واجبا بغيره وجعلوا العالم قديما أزليا مع كونه ~~ممكنا بنفسه # وهذا خلاف قول سلفهم وقول ائمة الطوائف سواهم وخلاف ما صرحوا أيضا به ~~وهذا مما انكره ابن رشد وغيره على ابن سينا وبسط الكلام فيه له موضع اخر ~~PageV03P268 # والمقصود هنا ان هؤلاء الذين يدعون ان كمال النفس هو الاحاطة بالمعقولات ~~والعلم بالمجهولات هذا اضطرابهم في اشرف المعلومات الموجودات بل فيما لا ~~تنجو النفوس إلا بمعرفته وعبادته ولكن لما سلموا للفلاسفة اصولهم الفاسدة ~~تورطوا معهم في محاراتهم وصاروا يجرونهم كما يجر الملاحدة الباطنية الناس ~~صنفا صنفا # والفلسفة هي باطن الباطنية ولهذا صار في هؤلاء نوع من الالحاد فقل ان ~~يسلم من دخل مع هؤلاء في نوع من الالحاد في اسماء الله واياته وتحريف الكلم ~~عن مواضعه # ونفس المقدمة الهائلة التي جعلوها غاية مطلوبهم وهو ان كمال النفس في ~~مجرد العلم بالمعقولات مقدمة باطلة قد بسطنا الكلام عليها في الكلام على ~~معجزات الانبياء لما تكلمانا على قولهم انها قوي نفسانية وذكرنا قطعة من ~~كلامهم على ذلك وبينا ان قولهم ان كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات خطأ ~~وضلال ومن هنا جعلوا الشرائع مقصودها إما اصلاح الدنيا واما تهذيب النفس ~~لتستعد للعلم أو لتكون الشريعة امثالا لتفهيم المعاد في PageV03P269 # العقليات كما قوله الملاحدة الباطنية مثل أبي يعقوب السبحستاني وامثاله ~~ولهذا لا يوجبون العمل بالشرائع على من وصل إلى حقيقة العلم ويقولون انه لم ~~يجب على الانبياء ذلك وانما كانوا يفعلونه لانه من تمام تبليغهم الامم ~~ليقتدوا بهم في ذلك لا لانه واجب على الانبياء وكذلك لا يجب عندهم على ~~الواصلين البالغين من الأمة والعلماء # ودخل في ذلك طائفة من ظلال المتصوفة ظنوا ان غاية العبادات هو حصول ~~المعرفة فإذا حصلت سقطت العبادات وقد يحتج بعضهم بقوله @QB@ واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين @QE@ سورة الحجر ms0605 99 ويزعمون ان اليقين هو المعرفة وهذا خطأ ~~باجماع المسلمين اهل التفسير وغيرهم فان المسلمين متفقون على ان وجوب ~~العبادات كالصلوات الخمس ونحوها وتحريم المحرمات كالفواحش والمظالم لا يزال ~~واجبا على كل أحدها دام عقله حاضرا ولو بلغ ما بلغ وان الصلوات لا تسقط عن ~~أحد قط إلا عن الحائض والنفساء أو من زال عقله مع ان من زال عقله بالنوم ~~فإنه يقضيها بالسنة المستفيضة المتلقاه بالقبول واتفاق العلماء واما من زال ~~عقله بالاغماء ونحوه مما يعذر فيه ففيه نزاع مشهور منهم من يوجب قضاءها ~~مطلقا كأحمد ومنهم من لا يوجبه كالشافعي ومنهم من يوجب قضاء ما PageV03P270 ~~قل وهو مادون اليوم والليلة أو صلوات اليوم والليلة كما هو مذهب أبي حنيفة ~~ومالك والمجنون لا يقضي عند عامتهم وفيه نزاع شاذ # فالمقصود من هذا ان الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد له عقل سواء كان كبيرا ~~أو صالحا أو عالما وما يظنه طوائف من جهال العباد واتباعهم وجهال النظار ~~واتباعهم وجهال الإسماعيلية والنصيرية أو اهل الحضرة أو عمن خرقت لهم ~~العادات أو عن الائمة الإسماعيلية أو بعض اتباعهم أو عمن عرف العلوم ~~العقلية أو عن المتكلم الماهر في النظر أو الفيلسوف الكامل الفلسفة فكل ذلك ~~باتفاق المسلمين وبما علم بالاضطرار من دين الإسلام # واتفق علماء المسلمين على ان الواحد من هؤلاء يستتاب فإن تاب واقر ~~بوجوبها وألا قتل فإنه لا نزاع بينهم في قتل الجاحد لوجوبها وانما تنازعوا ~~في قتل من اقر بوجوبها وامتنع من فعلها مع ان اكثرهم يوجب قتله # ثم الواحد من هؤلاء إذا عاد واعترف بالوجوب فهل عليه قضاء ما تركه فهذا ~~على ثلاثة انواع أحدهما ان يكون قد صار مرتدا ممتنعا PageV03P271 عن ~~الإقرار بما فرضه الرسول فهذا حكمه حكم المرتدين وفيه للعلماء ثلاثة اقوال ~~أحدهما انه لا يقضي ما كركه في الردة ولا قبلها لا من صلاة ولا صيام ولا ~~زكاة بناء على ان الردة احبطت عمله وانه إذا عاد بإسلام جديد فيستأنف العمل ~~كما هو معروف ms0606 في مذهب أبي حنيفية ومالك وقول في مذهب أحمد والثاني انه يقضي ~~ما تركه في الردة وقبلها وهذا قول الشافعي واحدى الرويات عن أحمد والثالث ~~انه لا يقضي ما تركه في الردة ويقضي ما تركه قبلها كالرواية المشهورة عن ~~أحمد # وان كان الواحد من هؤلاء جاهلا وهو مصدق للرسول لكن ظن ان من دينه سقوط ~~هذه الواجبات عن بعض البالغين كما يظن ذلك طوائف ممن صحب الشيوخ الجهال ~~وكما يظنه طائفة من الشيوخ الجهال ولهم مع ذلك احوال نفسانية وشيطانية # فهؤلاء مبنى امرهم على ان ما ترك الصلاة قبل العلم بوجوبها فهل يقضي ~~وفيهة ثلاثة اقوال منها وجهان في مذهب أحمد أحدهما انه لا قضاء عليه بحال ~~بناء على ان حكم الخطاب لا يثبت PageV03P272 في حق العبد إلا بعد الخطاب ~~اليه والثاني عليه القضاء بكل حال كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي ~~وغيره والثالث يفرق بين من أسلم في دار الحرب ومن أسلم في غيرها كما يقول ~~ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة والأول أظهر الأقوال # وأيضا فقد تنازع الناس فيمن فوت الصلاة عمدا بغير عذر والصوم هل يصح منه ~~القضاء أم قد استقر عليه الذنب فلا يقبل منه القضاء على قولين معروفين وليس ~~هذا موضع هذا # وإنما المقصود هنا أنه ليس في علماء المسلمين من يقول بسقوط الصلاة عمن ~~هو عاقل على أي حال كان # فمن تأول قوله تعالى @QB@ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ سورة الحجر 99 ~~على سقوط العبادة بحصول المعرفة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل والمراد ~~بالآية اعبد ربك حتى تموت كما قال الحسن البصري لم يجعل الله لعبادة المؤمن ~~أجلا دون الموت وقرأ الآية # واليقين هو ما يعاينه الميت فيوقن به كما قال تعالى عن أهل النار @QB@ ~~وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين @QE@ سورة المدثر 46 47 وفي الصحيح ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات عثمان بن مظعون قال # أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه # والمقصود هنا أن هؤلاء ms0607 الملاحدة ومن شركهم في نوع من إلحادهم لما ظنوا أن ~~كمال النفس في مجرد العلم وظنوا أن ذلك إذا حصل فلا PageV03P273 حاجة إلى ~~العمل وظنوا أن ذلك حصل لهم ظنوا سقوط الواجبات العامة عنهم وحل المحرمات ~~العامة لهم # وضلالهم من وجوه # منها ظنهم أن الكمال في مجرد العلم # والثاني ظنهم أن ما حصل لهم علم # والثالث ظنهم أن ذلك العلم هو الذي يكمل النفس # وكل من هذه المقدمات كاذبة فليس كمال النفس في مجرد العلم ولا في أن تصير ~~عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بل لا بد لها من العمل وهو حب الله ~~وعبادته فإن النفس لها قوتان علمية وعملية فلا تصلح إلا بصلاح الأمرين وهو ~~أن تعرف الله وتعبده # والجهمية هم خير من هؤلاء بكثير ومع هذا فلما قال جهم ومن وافقه إن ~~الإيمان مجرد المعرفة أنكر ذلك أئمة الإسلام حتى كفر من قال بهذا القول ~~وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما PageV03P274 # وهذا القول وإن كان قد تابعه عليه الصالحي والأشعري في كثير من كتبه ~~وأكثر أصحابه فهو من أفسد الأقوال وأبعدها عن الصحة كما قد بيناه في غير ~~هذا الموضع لما بينا الكلام في مسمى الإيمان وقبوله للزيادة والنقصان وما ~~للناس في ذلك من النزاع # وأما المقدمة الثانية فلو كان كمال النفس في مجرد العلم فليس هو أي علم ~~كان بأي معلوم كان بل هو العلم الذي لا بد منه العلم بالله وهؤلاء ظنوا أنه ~~العلم بالوجود بما هو موجود وظنوا أن العالم أبدي أزلي فإذا حصل له العلم ~~بالوجود الازلي الابدي كملت نفسه # وعلى هذا بنى أبو يعقوب السجستاني وغيره من شيوخ الفلسفة والباطنية ~~أقوالهم وكذلك امثالهم من الفلاسفة كالفارابي وغيره وابن سينا وان كان أقرب ~~إلى الإسلام منهم ففيه من الالحاد بحسبه وابو حامد وان سلك احيانا مسلكهم ~~لكنه لا يجعل العلم بمجرد الوجود موجبا للسعادة بل يجعل ذلك في العلم بالله ~~وقد يقول في بعض كتبه انه العلم بالأمور الباقية وهذا كلامهم # فمن قال ms0608 ان العالم أزلي أبدي قال بقولهم ومن قال ان كل ما سوى الله كان ~~معدوما ثم وجد لم يلزمه ذلك وابن عربي وابن PageV03P275 # سبعين ونحوهما جمعوا بين المسلكين فصاروا يجعلون كمال النفس هو العلم ~~بالوجود المطلق ويقولون ان الله هو الوجود المطلق فأخذوا من طريقة الصوفية ~~أنه العلم بالله وأخذوا من كلام هؤلاء أنه العلم بالوجود المطلق وجمعوا ~~بينهما فقالوا ان الله هو الوجود المطلق # وأما المقدمة الثالثة فزعمهم أنهم حصل لهم العلم بالوجود وهذا باطل فإن ~~كلامهم في الالهيات مع قلته فالضلال أغلب عليه من الهدى والجهل أكثر فيه من ~~العلم وهي العلوم التي تبقى معلوماتها تكمل النفوس بها عندهم # وأما الطبيعيات فهي مبدأ الحركة والتغير والاستحالة ولكن منها كليات لا ~~تنتقض بزعمهم وهي منتقضة # وهذه الامور مبسوطة في غير هذا الموضع ولكن نبهنا عليه هنا لأن مثل هذا ~~الامدي وأمثاله الذين عظموا طريقهم وصدروا كتبهم التي صنفوها في أصول دين ~~الإسلام بزعمهم بما هو أصل هؤلاء الجهال من أن كمال النفس الانسانية بحصول ~~مالها من الكمالات وهي الاحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات وسلكوا طرقهم ~~وقعوا في الجهل والحيرة والشك بما لا تحصل النجاة إلا به ولا تنال السعادة ~~إلا بمعرفته فضلا عن نيل الكمال الذي هو فوق ذلك فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال # كمل من الرجال كثير فالكاملون من الرجال PageV03P276 كثير ولكن الذين ~~سلكوا طريق هؤلاء من أبعد الناس عن الكمال # والمقصود هنا الكلام على ما سلكه هؤلاء المتأخرون في تقرير واجب الوجود ~~والآمدي قد قررها في أبكار الافكار وأورد سؤالا على بعض مقدماتها في رموز ~~الكنوز قد ذكرنا سؤاله وجوابه # وأما تقريره لها فقال في تقرير هذه الحجة النظر إلى الجملة غير النظر إلى ~~كل واحد واحد من آحادها فإن حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من الآحاد وعند ~~ذلك فالجملة موجودة فإما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة لا جائز أن تكون ~~واجبة كما تقدم وإن كانت ممكنه فلا بد لها من مرجح والمرجح إما ms0609 داخل فيها ~~وإما خارج عنها فإن كان داخلا فيها فالمرجح للجملة مرجح لآحادها ~~PageV03P277 # فيلزم ان يكون مرجحا لنفسه لكونه من الآحاد فيلزم ان يكون علة لنفسه ~~معلولا لها وان كان خارجا عنها لم يكن ممكنا لأنه من الجملة فيكون واجبا # ثم أورد على ذلك قول السائل لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهى ~~ليصح ما ذكرتموه ولا يلزم من صحة ذلك في المتناهى مع اشعاره بالحصر صحته في ~~المتناهى سلمنا ان مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى وانه ممكن لكن لا نسلم ~~انه زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية وحينئذ فلا يلزم ان يكون ~~معللا بغير علة الآحاد سلمنا انه زائد على الآحاد ولكن ما المانع ان يكون ~~مترجحا بآحاده الداخلة فيه لا بمعنى أنه مترجح بواحد منها ليلزم ما ذكرتموه ~~بل طريق ترجيحه بالآحاد الداخلة فيه ترجح كل واحد من آحاده بالاخر إلى غير ~~النهاية وعلى هذا فلا يلزم افتقاره إلى مرجح خارج عن الجملة ولا ان يكون ~~المرجح للجملة مرجحا لنفسه ولا لعلته PageV03P278 # ثم قال في الجواب قولهم لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهى قلنا ~~مسمى الجملة هو ما وصفتموه بكونه غير متناه ولا شك انه غير كل واحد من ~~الآحاد إذ كل واحد من الآحاد متناه والموصوف بما لا يتناهى هو الاعداد ~~المفروضة بحيث لا يخرج عنها واحد قولهم لا نسلم ان مفهوم الجملة زائد على ~~الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية # قلنا ان أردتم ان مفهوم الجملة هو نفس المفهوم من كل واحد من الآحاد فهو ~~ظاهر الاحالة وان اردتم به الهيئة الاجتماعية من آحاد الاعداد فلا خفاء ~~بكونه زائدا على كل واحد من الآحاد وهو المطلوب # ولقائل ان يقول يريدون بالجملة كل الآحاد لا كل واحد منها ولا يسلمون ان ~~كل الآحاد أمر مغاير للاحاد المتعاقبة # قولهم ما المانع من أن تكون الجملة مترجحة بآحادها الداخلة فيها كما ~~قرروه PageV03P279 # قلنا إما ان يقال تترجح الجملة بمجموع الآحاد الداخلة فيها أو ms0610 بواحد منها ~~فإن كان يوجد منها فالمحال الذي ألزمناه حاصل وان كان بمجموع الآحاد فهو ~~نفس الجملة المفروضة وفيه ترجح الشيء بنفسه وهو محال # قلت ولقائل ان يقول الحجة المذكورة لا تحتاج إلى إثبات كون الجملة غير ~~الآحاد وان كان ذلك حقا فإنه يقال لمن قال لا نسلم وجود ما يسمى جملة في ~~غير المتناهى لا يخلو إما ان يكون هنا جملة غير الآحاد واما ان لا يكون فإن ~~كان بطل سؤاله وان لم يكن كان ذلك أبلغ في الحجة فإن كل واحد من الآحاد ~~ممكن وليس هنا جملة يمكن ان تكون واجبة فكل من الممكنات يمتنع ان يوجد ~~بنفسه أو بممكن آخر كامتناع وجود الجملة الممكنة بكل من الممكنات # وقد أورد هو هذا السؤال فكان فيه كفاية من ان يقرر امورا إذا حذفها كان ~~ابلغ في الحجة واقوى لها # وكذلك السؤال الثاني وهو قوله سلمنا ان مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى ~~وانه ممكن لكن لا نسلم انه زائد اعلى الآحاد المتعاقبة فلا يكون معللا بغير ~~علة الآحاد فان هذا السؤال هو PageV03P280 نظير الأول بل هو مع تغير ~~العبارة فإن من نفي وجود ما يسمى جملة في غير المتناهي لم ينازع في وجود كل ~~واحد واحد من الآحاد المتعاقبة فإذا سلم مفهوم الجملة فيما لا يتناهى وفسر ~~ذلك بالآحاد المتعاقبة كان باقيا على منعه الأول لكن من الناس من يقول ~~الجملة لا تعقل إلا في المتناهى ومنهم مند قد ينازع في الجملة هل لها ~~الجملة هل لها حقيقة غير كل واحد من الآحاد فلهذا جعلهما سؤالين # وبكل حال فالسؤال ان كان متوجها كان ذلك اقوى في الحجة وان لم يكن متوجها ~~لم يرد بحال وذلك انه إذا لم يكن للجملة حقيقة غير كل واحد واحد لم يكن هنا ~~مجموع نحتاج ان نصفه بوجوب أو إمكان غير كل واحد واحد وتلك كلها ممكنة ~~فتكون الحجة على هذا التقدير اقل مقدمات فانه إذا كانت الجملة غير الآحاد ~~احتيج إلى نفي وجوبها ms0611 بنفسها أو بالآحاد إما إذا قدر انتفاء ذلك لم يحتج ~~إلى ذلك فلا يحتاج إلى نفي الوجوب عنها لا بنفسها ولا بالآحاد # ولهذا قال في الاعتراض إذا لم تكن الجملة غير الآحاد لم يلزم ان تكون ~~معللة بغير علة الآحاد # وهذا مما يقوى الحجة فإنها إذ لم تكن معللة بغير علة الآحاد ومعلوم انه ~~لا بد من إثبات علة الآحاد فذلك وحده كاف بخلاف ما إذا كانت غيلا الآحاد ~~فإنه يحتاج إلى نفي وجوبها أو بالآحاد PageV03P281 # وهذا هو السؤال الثالث وهو قوله ما المانع ان يكون المجموع وهو الجملة ~~مترجحا باحاده الداخلة فيه لا بواحد منها بل طريق ترجحه بالآحاد الداخلة ~~فيه بترجح كل واحد من احاده بالاخر إلى غير نهاية # وقد اجاب عن هذا بقوله مجموع الآحاد نفس الجملة المفورضة وفيه ترجح الشيء ~~بنفسه وهو محال # وهذا السؤال هوالذي ذكره في كتابه الآخر وذكر انه لايعرف له جوابا حيث ~~قال ما المانع من ترجحها بترجح آحادها وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير ~~النهاية # قال وهذا اشكال مشكل وربما يكون عند غيري حله والجواب الذي ذكر عنه إنما ~~يستقيم إذا ارادوا بالجملة كل واحد واحد من الاجزاء ولم يجعلوا للاجتماع ~~قدرا زائدا وجعلوا الاجتماع جزءا فانه حينئذ يقال الجملة هي الآحاد فأما ~~إذا أريد بالجملة الاجتماع وهو الهيئة الاجتماعية وان ترجحها بالآحاد ~~المتعاقبة لم يكن الجواب صحيحا PageV03P282 # وهذا هو الذي استشكله في كتابه الآخر وحينئذ يكون السؤال لم لا يجوز ترجح ~~الاجتماع بالآحاد المجتمعة وترجح كل واحد بالاخر وليس الجملة هو الآحاد ~~المتعاقبة كما تقدم بل هو الهيئة الاجتماعية ولكن يمكن تقرير هذا الجواب ~~إذا جعلت الهيئة الاجتماعية جزءا من اجزاء الجملة وهذا امر اصطلاحي فان ~~المجموع المركب من اجزاء قد يجعل نفس الاجتماع ليس جزءا من المجموع وقد ~~يجعل جزءا من المجموع فإذا جعل الاجتماع جزءا من المجموع كان تقرير السؤال ~~ان هذا الجزء معلل بسائر الاجزاء وترجح كل جزء بالاخر وترجح جزء ممكن بجزء ~~ممكن كترجح جزء ms0612 ممكن باجزاء ممكنة وحينئذ فاجابته بقوله مجموع الآحاد نفس ~~الجملة المفروضة وفيه ترجح الشيء بنفسه ليس بجواب مطابق فإنهم لم يدعوا ~~ترجح المجموع بالمجموع بل ترجح الاجتماع بكل واحد من الاجزاء المتعاقبة ~~والاجتماع وان كان جزءا فليس هو من الاجزاء المتعاقبة لكن هذا فيه ترجيح ~~بعض الاجزاء ببعض فهو كتعليل بعض الممكنات ببعض فيعود الأمر ويقال فالمجموع ~~هو واجب بنفسه أو ممكن معلول لنفسه أو معلول ببعضه أو بخارج عنه كما تقدم ~~تقرير ابن سينا لحجته # وقد تقدم ان المجموع إما ان لا يكون له علة بل هو واجب PageV03P283 بنفسه ~~وهذا باطل كما تقدم واما ان يكون له علة وهو المجموع أو بعضه أو ما هو خارج ~~عنه كما يقال نظير ذلك في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام # فلهذا قال في القسم الثاني واما ان يقتضي المجموع علة هي الآحاد بأسرها ~~فتكون معلولة لذاتها فان تلك الجملة والكل شيء واحد واما الكل بمعنى كل ~~واحد فليس تجب به الجلمة # يقول ان كان المقتضي للمجموع هي الآحاد بأسرها بحيث تدخل فيها الهيئة ~~الاجتماعية لزم ان تكون الجملة الممكنة معلولة لذاتها فان الجملة والكل ~~والمجموع شيء واحد بخلاف ما إذا أريد بالكل كل واحد واحد فان الجملة لا تجب ~~بكل واحد واحد إنما تجب بمجموع الآحاد كالعشرة لا تحصل بكل فرد فرد من ~~افرادها وكذلك سائر المركبات وانما يحصل المركب بمجموع اجزائه التي من ~~جملتها الهيئة الاجتماعية ان جعلت الهيئة الاجتماعية امرا وجوديا وان لم ~~تجعل كذلك لم يحتج إلى هذا بل يقال المجموع هو الآحاد بأسرها وليس هنا غير ~~الآحاد # ولعل ابن سينا اراد هذا ولهذا اوردا عليه تلك الاسولة PageV03P284 وهو ان ~~المجموع مغاير للاحاد وانه يجوز ان يجب المجموع بالآحاد المتعاقبة ونحو ذلك ~~مما تقدم # وأما القسم الثالث وهو ان يكون للمجموع علة هي بعضه فهذا قد ابطله بقوله ~~ليس بعض الآحاد اولى بذلك من بعض ان كان واحد منها معلولا ولان علته اولى ~~بذلك # وهذان ان وجهان في تقرير ذلك ms0613 أحدهما ان كل جزء من الاجزاء إذا كان ممكنا ~~ومن ذلك الهيئة الاجتماعية فليس وجوب المجموع بهذا الجزء بأولى من هذا لانه ~~متوقف على كل جزء جزء منها # والثاني ان كل واحد من تلك الاجزاء معلول لغيره فعلته اولى ان تكون هي ~~الموجبة للجميع منه سواء قيل ان علة المجموع واحد معين أو واحد منها غير ~~معين واما إذا قيل كل واحد واحد فذلك ابعد لانه يقتضي اجتماع مؤثرين ~~مستقلين على اثر واحد وهو ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء # فإن قيل إذا كان المجموع هو الاجزاء ونفس الاجتماع فهذا لا يفتقر إلى شيء ~~منفصل # قيل هذا هو القول بوجوب ذلك بنفسه وقد تقدم ابطاله فانه يكون كل جزء ~~ممكنا بنفسه والاجتماع ممكن بنفسه ولم يكن هنا PageV03P285 ما يغاير ذلك ~~حتى يقال هو واجب بنفسه فلا يمكن ان يكون هنا ما هو واجب بنفسه # وقد ابطل غيره هذا القسم بوجهين أحدهما ذكره الرازي والامدى ان ما كان ~~سبب المجموع كان سبب كل واحد من اجزاء ذلك المجموع فلو قدر جزء من اجزاء ~~المجموع سببا لزم كون ذلك الجزء سببا لنفسه فيلزم كون الممكن علة معلولا ~~وأيضا فذلك الجزء معلول فإذا كان مرجحا للمجموع كان مرجحا لعلته فيكون علة ~~لعلته $ فصل # ولم يذكر ابن سينا ولا غيره في إثبات واجب الوجود قطع الدور كما يذكر ~~الجمهور قطع التسلسل لظهور فساده وقد ذكرنا غير مرة ان المقدمة إذا كانت ~~معلومة مثل علمنا بأن المحدث لا بد له من محدث بل مثل علمنا ان هذا المحدث ~~له محدث كان العلم بها كافيا في المطلوب وان ما يرد على الامور المعلومة هو ~~من جنس شبه السوفسطائية التي لا نهاية لها فيجب الفرق بين ما يكون من ~~المقدمات خفيا على أكثر الناس يحتاج إلى بيان وما يكون معلوما لاكثر الناس ~~والشبه الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية # ولما كان اهل الكلام كثيرا ما يوردون ويورد عليهم ما هو من جنس شبه ~~السوفسطائية كما يورده الكفار الذين ms0614 يجادلون بالباطل ليد حضوا به ~~PageV03P286 الحق لم يكن لهذا حد محدود ولا عد معدود بل هو بحسب ما يخطر ~~للقلوب فلهذا صار كلما طال الزمان أورد المتاخرون اسولة سوفسطائية لم ~~يذكرها المتقدمون # وزاد المتأخرون مقدمة في الدليل لدفع ذلك السؤال فزادوا اولا ان المحدث ~~لا يختص بوقت دون وقت إلا بمخصص والاوقات متماثلة والامور المتماثلة يمتنع ~~اختصاص بعضها دون بعض إلا بمخصص منفصل # ثم زادوا بعد هذا ان التخصيص ممكن والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إذ لا ~~يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح وزادوا ان المرجحات يمتنع تسلسلها كما ~~تقدم ثم زادوا بعد هذا قطع الدور # وكذلك ابن سينا لم يذكر في برهانه ان الممكن لا يوجد من نفسه فلا بد ان ~~يوجد بغيره فقال الرازي لا يلزم من صحة قولنا ليس الممكن موجودا من ذاته ~~صحة قولنا إنه موجود بغيره لأن بين القسمين واسطة وهي ان لا يكون وجوده من ~~شيء أصلا لا من ذاته ولا من غيره واذا كان كذلك لم يتم البرهان إلا بذكر ~~هذا القسم وابطاله إما بادعاء الضرورة في فساده أو بذكر البرهان على فساده # قال وهو لم يفعل شيئا من ذلك PageV03P287 # فيقال له كون وجود الشيء لا من نفسه ولا من غيره هو مما يعلم فساده ~~بالضرورة والامور المعلومة الفساد بالضرورة لا يجب على كل مستدل تقديرها ~~ونفيها فان هذا لا غاية له وانما يذكر الانسان من ذلك ما قد قيل أو خطر ~~بالبال فأما الذهن الصحيح الذي يعلم بالضرورة فساد مثل هذا التقدير فهو لا ~~يورده على نفسه ولا يورده عليه غيره وانما يقع الايراد عند الشك والاشتباه ~~فإن قدر من الناس من يشك في هذا احتاج مثل هذا إلى البيان وقد قلنا ان ~~الاسولة السوفسطائية ليس لها حد محدود ولا عد معدود وهذا نظير قول القائل ~~ان المحدث الذي كان بعد ان لم يكن يحدث نفسه وهذا كله من العلوم البديهية ~~الضوروية الفطرية التي هي من ابين الامور عند العقلاء ms0615 # لو احتاج المستدل ان يذكر من الأقسام ما يخطر ببال كل أحد وان كان فساده ~~معلوما بالضرورة لقال الممكن إذا لم يوجد بنفسه فإما ان يوجد بموجد أو بغير ~~موجد واذا وجد بموجد فذلك الموجد إما ان يوجده وهو معدوم أو يوجده وهو ~~موجود # ثم يريد ان يبطل الثاني بأن الموجد لا يوجد وهو معدوم كما فعل ذلك طائفة ~~من اهل الكلام واذا اراد ان يبطل ذلك قال والمعدوم لا يكون موجدا لان العدم ~~لا يتميز فيه شيء عن شيء والموجد PageV03P288 # لا بد ان يتميز عن غيره واذا قيل المعدوم يتميز فيه شيء عن شيء على قول ~~من يقول المعدوم شيء تبين ان المعدوم ليس بشيء فيكون إثبات وجود الصانع ~~موقوفا على ابطال قول هؤلاء كما فعل ذلك طائفة من اهل الكلام # ومن المعلوم ان ابطال هذا ادق من ابطال كون الشيء الذي لا يكون وجوده من ~~نفسه يكون موجودا لا بنفسه ولا بغيره إذ كان من المعلوم البين لكل أحد ان ~~مالم يوجد بنفسه فلا بد ان يكون وجوده بغيره واما تقدير موجود لم يوجد ~~بنفسه ولا بغيره فهو ممتنع فإنه لا يعني بكونه موجودا بنفسه ان نفسه اوجدته ~~إذ كان هاذ معلوم الامتناع بل يعني انه لا يحتاج في وجوده إلى غيره بل ~~وجوده واجب بنفسه فهو موجود ازلا وابدا فظهور صحة هذا الكلام وبطلان نقيضه ~~ابين مما يستدل به عليه بل يمكن هنا ايراد اسولة اخرى يطول بها الكلام # وقال الرازي أيضا قد كان الواجب على ابن سينا ان يتكلم قبل هذا الفصل في ~~بيان ان سبب الممكن لا يكون مقدما عليه تقدما زمانيا فإنه لو جاز ذلك لما ~~امتنع اسناد كل ممكن إلى اخر قبله لا إلى أول وذلك عنده غير ممتنع فكيف ~~يمكن ابطاله لاثبات واجب الوجود واما إذا قامت الدلالة على ان السبب لابد ~~من وجوده مع المسبب فحينئذ لو حصل التسلسل لكانت تلك الاسباب والمسببات ~~بأسرها حاضرة معا وذلك عنده محال PageV03P289 # والبرهان الذي ms0616 ذكره في ابطال التسلسل أيضا مختص بهذه الصورة فكان الأولى ~~اللاكم في هذه المسالة لكن لما كان في عزمه ان يذكره في موضع اخر وهو النمط ~~الخامس من هذا الكتاب لا جرم تساهل فيه ههنا # قلت مثل هذا الكلام هو الذي اوجب ان يدخل هذا القسم من ادخله في هذا ~~الدليل كالامدى وغيره ولا حاجة اليه بل ما ذكره ابن سينا كاف # والدليل الذي ذكره على إبطال التسلسل في العلل يوجب ابطال علل متسلسلة ~~سواء قدرت مجتمعة أو لا كما قد تبين من كلامه وهو لا يجوز عللا متسلسلة لا ~~متعاقبة ولا غير متعاقبة وإنما يجوز حوادث متسلسلة وتلك عنده شروط لحدوث ~~الحوادث لا علل ولا أسباب بمعنى العلل ولا يجوز عنده إسناد كل ممكن إلى ~~ممكن قبله أصلا ولكن يجوز أن يكون وجوده مشروطا بوجود ممكن قبله وبين العلة ~~والشرط فرق معروف # ومن هنا دخل الغلط على الرازي في هذا الاعتراض ولهذا كان سائر من تكلم في ~~إبطال العلل المتسلسلة لم يحتج إلى ذكر هذا القسم أصلا ولا يقولون إن ~~الممكن أو الحادث الذي يوجد قبل الممكن أو الحادث هو علة أيضا ولا هو مستند ~~وجوده وإنما يقولون هو شرط فيه PageV03P290 # وأيضا فإسناد كل ممكن إلى آخر قبله إما أن يراد به أنه يستند إلى آخر ~~موجود قبله فيستمر الوجود إلى حين وجود الممكن المفعول وإما أن يراد به إلى ~~آخر يكون موجودا قبله ويعدم قبله # فإن أريد الأول فمعلوم أنه إذا بطل إسناده إلى ممكن موجود مع وجوده كان ~~هذا متناولا لما يوجد مع ذلك قبل وجوده ولما لم يوجد إلا عند وجوده فلا ~~حاجة إلى تخصيص ما وجد قبل وجوده بالذكر كما لا يحتاج إلى تخصيص ما يبقى ~~بعد وجوده بالذكر إذ الدليل يتناول كل ما كان موجودا عند وجوده سواء وجد ~~قبل ذلك أيضا أو بعد ذلك أيضا أو لم يكن موجودا إلا حين وجوده # وأما أن أريد استناده إلى آخر يكون موجودا قبله ويعدم أيضا ms0617 قبله وهذا هو ~~الذي أراده الرازي لم يحتج أيضا إلى هذا لوجوه # أحدها أنه إذا بطل إسناده إلى ممكن موجود حال وجوده فبطلان إسناده إلى ~~ممكن يعدم حين وجوده أولى وأحرى فإذا قام الدليل على بطلان تسلسل العلل ~~الممكنة مع كونها معا في الوجود فبطلان التسلسل مع تعاقبها أظهر وأجلى # الثاني أن الدليل الدال على بطلان التسلسل في العلل هو دليل مطلق عام ~~سواء قدرت متقارنة أو متعاقبة فإن جميع ما ذكر من PageV03P291 الأدلة ~~الدالة على أن مجموع الممكنات مفتقرة إلى أمر خارج عنها يتناول جميع ~~الأنواع التي يقدرها سواء قدر أنها متسلسلة على سبيل الاقتران أو على سبيل ~~التعاقب وسواء قدرت مع التعاقب بعدم الأول عند وجود الثاني أو يبقى بعد ~~وجوده أو لا يكون وجوده إلا مع وجوده لا سابقا ولا لاحقا وكذلك إذا قدرت مع ~~الاقتران لا يكون بعضها قبل بعض ولا بعده أو يوجد بعضها قبل بعض أو بعده ~~فمهما قدر من التقديرات التي تخطر بالبال في تسلسل المؤثرات فما ذكر من ~~الأدلة يبطل ذلك كله ويبين امتناعه فتبين أن ما ذكره ابن سينا كاف في ذلك ~~لا يحتاج إلى الزيادة التي زادها الرازي والآمدي # الثالث أنه إذا كانت الممكنات محتاجة إلى خارج عنها ليس بممكن بل هو واجب ~~الوجود بنفسه فذلك يمتنع عدمه ويجب وجوده فكان نفس إثبات واجب الوجود كافيا ~~في أنه يستمر الوجود حال وجود الممكن لا يحتاج إلى ذلك الواجب # الرابع أن ما ذكروه من الممكن يفتقر إلى الواجب وإنما لا يكون افتقاره ~~إليه مختصا ببعض الأزمنة أن الواجب # وقال الرازي أيضا لما شرح طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود ~~PageV03P292 وأبطل التسلسل قد بقي هنا كلام آخر وهو إبطال الدور وهو أن ~~يكون هذا يترجح بذاك وذاك يترجح بهذا # قال واعلم أن الدور باطل والمعتمد في إبطاله أن يقال العلة متقدمة على ~~المعلول ولو كان كل منهما علة للآخر لكان كل منهما متقدما على الآخر فيكون ~~كل منهما متقدما على المتقدم ms0618 على نفسه فيلزم تقدم كل منهما على نفسه وهو ~~محال # وأورد على هذا ما مضمونه أن التقدم إن كان غير كون أحدهما علة للآخر فلا ~~نسلم الأولى وإن كان هو كون أحدهما علة للآخر كان اللازم هو الملزوم فيكون ~~المعنى لو كان أحدهما علة للآخر لكان علة للآخر # ثم قال والإنصاف أن الدور معلوم البطلان بالضرورة ولعل الشيخ إنما تركه ~~لذلك # قلت هذا هو الصواب فإن بطلان الدور معلوم بالضرورة ولأجل هذا لا يخطر ~~لأكثر العقلاء حتى يحتاجوا إلى نفيه عن قلوبهم كما لا يخطر لهم أن الفاعل ~~للموجودات يكون معدوما ولا يخطر لهم أن الشيء يحدث أو يكون لا بنفسه ولا ~~بغيره بل ولا يخطر لهم أنه يمكن أن تكون مفعولات متعاقبة لا فاعل لها وهو ~~تسلسل العلل فيكون معلول مفعول لمعلول مفعول والمعلول المفعول معلول لمفعول ~~آخر لا إلى نهاية فأكثر الأذهان الصحيحة لا يخطر لها إمكان هذا PageV03P293 ~~حتى تحتاج إلى نفيه وكذلك لا يخطر لها أنه يمكن وجود شيئين كل منهما فعل ~~الآخر بل هم يعلمون أن الشيء لا يفعل نفسه فكيف يفعل فاعل نفسه # وقول القائل إنه لو كان كل منهما فاعلا للآخر أو مؤثرا في الآخر أو علة ~~في الآخر لكان كل منهما قبل الآخر كلام صحيح # وأما قول المعترض إن أريد بالتقدم تقدم العلة على المعلول فاللازم هو ~~الملزوم وإن أريد غيره فإنه ممنوع # فهذا عنه جوابان أحدهما أن يراد به التقدم المعقول في فطر الناس من تقدم ~~الفاعل على المفعول وهو كونه قبله بالزمان أو تقدير الزمان وعلى هذا جمهور ~~العقلاء # بل قد يقولون إن هذا معلول بالضرورة وهو كون الفاعل سابقا متقدما على ~~مفعوله وإنه يمتنع أن يكونا متساويين في زمان الوجود # وهذ مما يستدل به على أن كل ما سوى الله حادث ليس في الموجودات ما يقارن ~~الخالق ويكون معه بالزمان ولا يعرف في الوجود مفعول معين قارن فاعله في ~~زمانه أصلا وإنما يعرف هذا في الشرط والمشروط فإن الشرط قد ms0619 يقارن المشروط ~~فلا يوجد قبله وقد يوجد قبله لكن لا بد من وجوده معه كما أن الحياة إذا ~~كانت شرطا في العلم والإرادة أمكن أن تكون متقارنة في صفات الله تعالى فإن ~~حياته PageV03P294 وعلمه معا لم يسبق الآخر والعلم مشروط بالحياة وكذلك ~~الذات مع الصفات اللازمة لا يوجد أحدهما قبل الآخر بل هما متلازمان ولا ~~يوجد أحدهما إلا مع الآخر # وقد يكون الشرط سابقا كالاعراض التي لا توجد إلا بمحل وقد يكون المحل ~~موجودا قبل وجود الاعراض وكما في افعال الله الحادثة فإنها مشروطة بوجود ~~ذاته وذاته متقدمة عليها # وما ذكره من ذكره من اهل الفلسفة والكلام في مسالة حدوث العالم وغيرها من ~~ان التقدم ينقسم إلى تقدم بالذات والعلية وقد يسمى الأول تقدما بالعلية ~~والثاني تقدما بالذات كتفدم العلة على المعلول وتقدم بالطبع كتقدم الواحد ~~على الاثنين # وفرقوا بينهما بأنه في الأول يكون المتقدم فاعلا للمتاخر وفي الثاني يكون ~~شرطا فيه ومثلوا الأول بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم والكم فإنك تقول ~~تحركت يدي فتحرك الخاتم فيها فزمانهما واحد مع العلم بأن الأول متقدم على ~~الثاني وينقسم إلى التقدم بالزمان وبالرتبنة الحسية أو العقلية # وزاد طائفة منهم الشهرستاني والرازي ومن اتبعهما تقدما اخر بمطلق الوجود ~~وجعلوا التقدم بعض اجزاء الزمان على بعض PageV03P295 منه فيجيب عنه من ~~يوافق جمهور العقلاء بأن التقدم المعقول إنما هو التقدم بالزمان أو تقدير ~~الزمان على النزاع المعروف في هذا الموضع # واما التقدم بالمكان والمرتبة فهو تابع لهذا لما كان المتقدم في المكان ~~يتحرك قبل حركة المتأخر كتحرك الامام قبل الماموم والامير قبل المأمور # واما التقدم بالعلية فان عني به هذا وألا فلا حقيقة له فلا تعقل علة تامة ~~تكون هي بسائر اجزائها مقارنة لمعلولها أصلا # وقول القائل تحركت يدي فتحرك الخاتم ليس هو من تقدم الفاعل على المفعول ~~فإن حركة اليد ليست هي الفاعل لحركة الخاتم لكن هي شرط فيها فلا توجد حركة ~~الخاتم التابعة لحركة اليد إلا بشرط وجود حركة اليد التي هي ms0620 متبوعة كما ان ~~حركة الاصابع لا توجد إلا بحركة الكف # فإن قيل الحركتان معا في الزمان فالفاعل لهذه هو الفاعل للاخرى وهو متقدم ~~عليهما جميعا PageV03P296 # وان قيل بل أحداهما عقب الاخرى في الزمان كاجزاء الزمان المتلاحقة بطل ~~قول القائل انهما معا في الزمان # وكثيرا ما يشتبه على الناس الوجود مع الشيء بالوجود عقبه بل يطلقون لفظ ~~لمع على المعاقب له ويقولون جاءا معا وان كان مجيء أحدهما معاقبا للاخر إذا ~~لم يكن بينهما فصل بل يطلقون ذلك مع قرب الآخر فالحادثان إذا كان زمانهما ~~واحدا أو حدث أحدهما عقب حدوث الآخر بلا فصل كاجزاء الحركة والزمان لم يميز ~~اكثر الناس بين هذا وهذا بالحس # وحينئذ فقول القائل تحركت يدي فتحرك كمي # يقال له لم لا يجوز ان يكون هذا مع هذا كاجزاء الحركة والزمان بعضها مع ~~بعض والحركة تحدث شيئا فشيئا من الفاعل والقابل فمن حرك سلسلة أو حبلا معلق ~~الطرفين فإنه إذا حرك أحد الطرفين تحرك شيئا فشيئا حتى تنتهي الحركة إلى ~~الطرف الآخر وهي متعاقبة كتعاقب زمان تلك الحركة وليست اجزاء الحركة ~~وزمانها متقارنة في الزمان وانما يتحرك معا في الزمان ما لاتكون الحركة في ~~أحدهما اسبق من الآخر مثل البدن إذا تحرك منتقلا فان اجزاء البدن تتحرك في ~~ان واحد لا يسبق بعضها بعضا إلا ما تقدم من الحركة كما تقدم احدى الرجلين ~~على الاخرى بخلاف خرزات الظهر المتصلة تتصل PageV03P297 حركتها فإذا حركت ~~يده تحركت جميع اجزائها وما فيها كالخاتم وما يتصل بها كالكم فيكون حكمها ~~حكم الجسم المتصل إذا تحرك والحركة المنفصلة عن اخرى كحركة الرجل قبل الرجل ~~يشهد فيها التقدم بالزمان لوجود المنفصل واما مع الاتصال فقد يشتبه المتصل ~~بالمقارن وحينئذ فأي حركة كانت من قبل المتصل فهي متصلة بما قبلها كاتصال ~~اجزاء زمان الحركة فليس هناك اقتران في الزمان # واذا قيل في حركة الكم ان زمانها زمان حركة اليد كما يقال مثل ذلك في ~~سائر المتحركات معا بالزمان فهنا لا نسلم ان احدى الحركتين ms0621 فاعلة للاخرى بل ~~غايتها ان تكون شرطا فيها والشرط يجوز ان يقارن المشروط بخلاف الفاعل فإنه ~~لا بد ان يتقدم على الفعل المعين والمفعول المعين وان قدر ان نوع الفعل ~~لازم له كما إذا قدر قديم ازلى متحرك لم يزل متحركا فإنه سيتقدم على كل جزء ~~من اجزاء الحركة لازما له فمن جوز وجود جسم قديم لم يزل متحركا لا يقول ان ~~شيئا معينا من الحركة قديم ازلى بل يقول نوع من الحركة ازلى وان كان كل ~~منها حادثا كائنا بعد ان لم يكن مسبوقا بالعدم # و المتفلسفة القائلون بقدم شيء من العالم لا دليل لهم على ذلك اصلا بل ~~غايه ما عندهم إثبات قدم نوع الفعل وقدم نوع الفعل لا يستلزم قدم فعل معين ~~ولا مفعول معين بل ذلك ممتنع PageV03P298 # وقول القائل العلة متقدمة على المعلول وان قارنته بالزمان وجعله الباري ~~مع العالم بهذه المنزلة # يقال له ان اردت بالعلة ماهو شرط في وجود المعلول لا مبدعا له كان حقيقة ~~قولك ان واجب الوجود ليس هو مبدعا للممكنات ولا ربا لها بل وجوده شرط في ~~وجودها وهذا حقيقة قول هؤلاء فالرب على اصلهم والعالم متلازمان كل منهما ~~شرط في الآخر والرب محتاج إلى العالم كما ان العالم محتاج إلى الرب وهم ~~يبالغون في إثبات غناه عن غيره وعلى اصلهم فقره إلى غيره كفقر بعض ~~المخلوقات # وغاية المتحذلق منهم كأرسطو ان يجعل الفلك واجب الوجود لا يقبل العدم مع ~~كونه مفتقرا إلى المبدا الأول لأجل التشبه به ويجعل المبدأ الأول غنيا عما ~~سواه لكن من التناقص ان يقول ان واجب الوجود مفتقرالى غيره وأيضا فالأزلي ~~الذي يثبته لا حقيقه له كما قد بسط في موضع اخر # وان اراد بالعلة ما هو مبدع للمعلول له فهذا لا يعقل مع كون زمانه ~~المعلول لم يتقدم على المعلول تقدما حقيقيا وهو التقدم المعقول PageV03P299 # واذا شبهوا وجود الفلك مع الرب بالصوت مع الحركه والضوء مع الشمس كان هذا ~~ونحوه تشبيها باطلا لا يفيد إمكان ms0622 صحة قولهم فضلا عن إثبات صحته فان هذه ~~الامور وامثالها إما ان يقال فيها ان الثاني موجود متصل بالأول كأجزاء ~~الزمان والحركة لا أنه معه في الزمان وإما أن يقال الثاني مشروط بالأول لا ~~ان الأول مبدع للثاني فاعل له فلا يمكنهم ان يذكروا وجود فاعل لغيره مع ان ~~زمانهما معا أصلا # ونحن ذكرنا هذا التقسيم لئلا يكون الجواب مبنيا على امور دقيقة يختص ~~بفهمها بعض الناس فإن الجواب كلما كان اظهر واتفاق العقلاء عليه اكثر كان ~~اولى بالذكر من غيره إذ المقصود بيان الحق وابطال الباطل وألا فيمكن بسط ~~الكلام في هذا وان يقال السبب لابد ان يتقدم على مسببه بالزمان وان الفاء ~~المستعمله في هذا هي فاء التعقيب # فقول القائل تحركت يدي فتحرك كمي يدل على ان الثاني عقب الأول ويقال إن ~~فاء التسبب تتضمن التعقيب من غير عكس فكل مسبب فإنه يكون بعد سببه فليس كل ~~ما كان عقب PageV03P300 غيره يكون مسببا عنه بل قد يكونان مسببين لسبب اخر ~~وان كان شرطا فيه # ثم الكلام في هذا ينجر إلى الفرق بين السبب وجزئه والشرط وليس هذا موضع ~~استقصائه فإن المقصود حاصل بدون ذلك وإنما المقصود هنا أن تقدم العلة ~~الفاعلة على المعلول المفعول أمر معقول عند جماهير العقلاء من الأولين ~~والآخرين وإنما يجوز كون المفعول المعلول مقارنا لفاعله طائفة قليلة من ~~الناس كابن سينا والرازي ونحوهما # وقد زعم الرازي في محصله وغيره أن المتكلمين والفلاسفة يجوزون وجود ~~الممكن القديم عن موجب بالذات وهي العلة القديمة # لكن المتكلمون يقولون إنه فاعل بالاختيار فلهذا يمنعون قدم شيء من ~~الممكنات والمتفلسفة يقولون إنه غير فاعل بالاختيار فلهذا قالوا بقدم ~~معلوله وهذا الذي قاله غلط على الطائفتين جميعا كما قد بسطناه في موضع آخر # فالمتكلمون الذين يقولون بامتناع مفعول قديم يقولون إن ذلك ممتنع على أي ~~وجه قدر فاعله ويقولون كون الرب فاعلا بغير الاختيار ممتنع أيضا وليس ~~امتناع أحدهما مشروطا بالعلم بامتناع الآخر # والفلاسفة القائلون بقدم الأفلاك لهم قولان في ms0623 العلة الأولى هل هي فاعلة ~~بالاختيار أو موجبة بلا اختيار PageV03P301 # وقد ذكر القولين عنهم أبو البركات صاحب المعتبر وغيره وهو يختار أنه فاعل ~~بالاختيار مع قوله بقدم الفعل وليست مسألة القدم ملازمة لمسألة الفاعل ~~بالاختيار لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء كما ادعاه الرازي على الطائفتين ~~وكذلك القول بإمكان معلول مفعول مقارن لفاعله هو قول بعض القائلين بقدم ~~العالم لا قولهم كلهم ولا قول واحد من أتباع الرسل ولا ممن يقول بأن الله ~~خالق لما برأه محدث له وحينئذ فالقول بتقدم الفاعل على مفعوله تقدما معقولا ~~زمانيا وإما مقدرا تقدير الزمان قول جمهور العقلاء فهذا أحد الجوابين # الوجه الثاني أن يقال هب أنهم أرادوا بالتقدم تقدم العلة على المعلول من ~~غير تقدم بالزمان ولا تقدير الزمان وكان اللازم هو الملزوم لكن الشيء ~~الواحد إذا عبر عنه بعبارتين تدل كل منهما على وصف غير الوصف الآخر كان ~~تعدد المعاني نافعا وإن كانت الذات واحدة ولهذا قد تعلم الذات بوصف ولا ~~تعلم بوصف آخر فإذا كان ذات التقدم ذات العلة فليس المفهوم من نفس العلة هو ~~المفهوم من نفس التقدم وإن كانا متلازمين بل معنى العلة أنه اقتضاه وأوجبه ~~ومعنى التقدم أنه قبله # وقد يفهم السبق والقبلية من لا يعلم أنه علة بعد فإذ قيل لو كان علة لكان ~~قبله كان هذا صحيحا ثم العقل يجزم بأن الشيء لا يكون قبل نفسه فضلا عن أن ~~يكون قبل ما هو قبل نفسه بأي وجه فسر معنى السبق والقبلية PageV03P302 # وحينئذ فيستدل بهذا على ذاك من لم بفهم الامتناع من لفظ العلة وأما من ~~فهم الامتناع من لفظ العلة كما عليه جمهور الفطر السليمة فلا يحتاج إلى هذا # ولكن كون الشيء دليلا على الشيء معناه أنه يلزم من ثبوته ثبوته # والشيئان المتلازمان كل منهم يصلح أن يكون دليلا على الآخر ثم من شأن ~~الإنسان أن يستدل بالظاهر على الخفى لكن الظهور والخفاء من الأمور النسبية ~~فقد يظهر لهذا ما لا يظهر لهذا وقد يظهر للإنسان ms0624 في وقت ما يخفى عليه في ~~وقت آخر فلهذا أمكن أن يستدل بهذا على ذاك وبذاك على هذا إذا قدر إن هذا ~~أظهر من ذاك تارة وذاك أظهر من هذا أخرى وإما بحسب شخصين وإما بحسب حالين # وهذه المعاني من تفطن لها انجلت عنه شبه كثيرة فيما يورده الناس على ~~الحدود والأدلة التي قد يقال إنه لا فائدة فيها ولا حاجة إليها وذاك صحيح ~~وقد يقال بل ينتفع بها وهذا أيضا صحيح # لكن من حصر العلم بطريق عينه هو مثل حد معين ودليل معين أخطأ كثيرا كما ~~أن من قال إن حد غيره ودليله لا يفيد بحال أخطأ كثيرا وهذا كما أن الذين ~~أوجبوا النظر وقالوا لا يحصل العلم إلا به مطلقا أخطأوا والذين قالوا لا ~~حاجة إليه بحال بل المعرفة دائما ضرورية لكل أحد في كل حال أخطأوا بل ~~المعرفة PageV03P303 # وإن كانت ضرورية في حق أهل الفطر السليمة فكثير من الناس يحتاج فيها إلى ~~النظر والإنسان قد يستغني عنه في حال ويحتاج إليه في حال وكذلك الحدود قد ~~يحتاج إليها تارة ويستغنى عنها أخرى كالحدود اللفظية والترجمة قد يحتاج ~~إليها تارة وقد يستغنى عنها أخرى وهذا له نظائر # وكذلك كون العلم ضروريا ونظريا والاعتقاد قطعيا وظنيا أمور نسبية فقد ~~يكون الشيء قطعيا عند شخص وفي حال وهو عند آخر وفي حال أخرى مجهول فضلا عن ~~أن يكون مظنونا وقد يكون الشيء ضروريا لشخص وفي حال ونظريا لشخص آخر وفي ~~حال أخرى # وأما ما أخبر به الرسول فإنه حق في نفسه لا يختلف باختلاف عقائد الناس ~~وأحوالهم فهو الحق الذي لا يقبل النقيض ولهذا كل ما عارضه فهو باطل مطلقا # ومن هنا يتبين لك أن الذين بنوا أمورهم على مقدمات إما ضرورية أو نظرية ~~أو قطعية أو ظنية بنوها على أمور تقبل التغير والاستحالة فإن القلوب بيد ~~الله يقلبها كيف يشاء وأما ما جاء به الرسول فهو حق لا يقبل النقيض بحال ~~فهو صلى الله عليه وسلم يخبر بالحق كما ms0625 قال أهل الجنة لما دخلوها @QB@ ~~الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ~~ربنا بالحق @QE@ سورة الأعراف 43 وقد قال تعالى @QB@ إنا أرسلناك بالحق ~~بشيرا ونذيرا @QE@ سورة البقرة 119 @QB@ وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا @QE@ سورة الأحزاب 46 وقال تعالى @QB@ أم لم يعرفوا رسولهم فهم له ~~منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق ~~أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم ~~معرضون @QE@ PageV03P304 سورة المؤمنون 69 71 # وقال تعالى @QB@ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم ~~سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا ~~اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم @QE@ سورة محمد 1 3 ومثل ~~هذا كثير # فالرسول صلى الله عليه وسلم يخبر بالحق ويقيم عليه الأدلة العقلية ~~البرهانية الموصلة إلى معرفته كالأقيسة العقلية وهي الأمثال المضروبة # قال تعالى @QB@ ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا @QE@ سورة الإسراء 89 وقال تعالى @QB@ ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا @QE@ سورة الكهف 54 إلى ~~قوله تعالى @QB@ ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي ~~وما أنذروا هزوا ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ~~إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى ~~فلن يهتدوا إذا أبدا @QE@ سورة الكهف 56 57 PageV03P305 # وقال تعالى @QB@ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ~~@QE@ سورة الزمر 27 # وهو سبحانه يجيب عن المعارضات كما قال تعالى @QB@ ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ سورة الفرقان 23 وهذا مبسوط في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هان ان الطريقة الشرعية تتضمن الخبر بالحق والتعريف بالطرق ~~الموصلة اليه النافعة للخلق واما ms0626 الكلام على كل ما يخطر ببال كل أحد من ~~الناس من الشبهات السوفسطائية فهذا لا يمكن ان يبينه خطاب على وجه التفصيل # والعلوم الفطرية حاصلة مع صحة الفطرة وسلامتها وقد يعرض للفطرة ما يفسدها ~~ويمرضها فترى الحق باطلا كما في البدن إذا فسد أو مرض فإنه يجد الحلو مرا ~~ويرى الواحد اثنين فهذا يعالج بما يزيل مرضه # والقرآن فيه شفاء لما في الصدور من الامراض والنبي صلى الله عليه وسلم ~~علم ان وسواس التسلسل في الفاعل يقع في النفوس وانه معلوم الفساد بالضرورة ~~فأمر عند ورود بالاستعاذة بالله منه والانتهاء عنه كما في الصحيحن واللفظ ~~لمسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الناس ~~يتسائلون حتى يقال PageV03P306 # هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك فليقل آمنت بالله # وفي لفظ اخر ياتي الشيطان احدكم فيقول من خلق السماء من خلق الأرض فيقول ~~الله وزاد فليقل امنت بالله ورسله وفي لفظ اخر يقول من خلق كذا من خلق كذا ~~حتى يقول من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته هذا لفظ البخاري ~~نحوه # وفي مسلم عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل ان ~~امتك لا يزالون يقولون ما كذا ما كذا حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن ~~خلق الله سبحانه # وفي البخاري عن انس قال قال رسول اله صلى الله عليه وسلم لن يبرح الناس ~~يتساءلون هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله PageV03P307 # وقد سئل بعض السالكين طريقة هؤلاء كالرازي ونحوه فقيل له لم لم يامر ~~النبي صلى اله عليه وسلم عند هذا الوسواس بالبرهان المبين لفساد التسلسل ~~والدور بل امر بالاستعاذة فأجاب بان مثل هذا مثل من عرض له كلب يمبح عليه ~~ليؤذيه ويقطع طريقه فتارة يضربه بعضا وتارة يطلب من صاحب الكلب ان يزجره ~~قال فالبرهان هو الطريق الأول وفيه صعوبة والاستعاذة بالله هو الثاني وهو ~~اسهل # واعترض بعضهم على هذا ms0627 الجواب بان هذا يقتضي ان طريقة البرهان اقوى واكمل ~~ولبس الأمر كذلك بل طريقة الاستعاذة اكمل واقوى فإن الله للوسواس عن القلب ~~اكمل من دفع الانسان ذلك عن نفسه # فيقال السؤال باطل وكل من جوابيه مبنى على الباطل فهو باطل وذلك ان هذا ~~الكلام مبناه على ان هذه الاسئلة الواردة على النفس تندفع بطريقين أحدهما ~~البرهان والآخر الاستعاذة وان النبي صلى الله عليه وسلم امر بالاستعاذة وان ~~المبين لفساد الدور والتسلسل قطعة بطريق البرهان وان طريقة البرهان تقطع ~~الاسولة الواردة على النفس بدون ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وان ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بطريقة البرهان # وهذا خطأ من وجوه بل النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطريقة البرهان حيث ~~يؤمر بها ودل على مجاميع البراهين التي يرجع اليها غاية PageV03P308 # نظر النظار ودل من البراهين على ما هو فوق استنباط النظار والذي امر به ~~في دفع هذا الوسواس ليس هو الاستعاذة فقط بل امر بالايمان وامر بالاستعاذة ~~وامر بالانتهاء ولا طريق إلى نيل المطلوب من النجاة والسعادة إلا بما امر ~~به لا طريق غير ذلك # وبيان ذلك من وجوه # أحدهما ان يقال البرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم لا بد ان ينتهي إلى ~~مقدمات ضروية فطرية فإن كل علم ليس بضروري لا بد ان ينتهي إلى علم ضروري إذ ~~المقدمات التظرية لو اثبتت بمقدمات نظرية دائما لزم الدور القبلى أو ~~التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء وكلاهما باطل بالضرورة واتفاق ~~العقلاء من وجه فان العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات ~~معلومة بدون النظر إذ لو كانت تلك المقدمات أيضا نظرية لتوقف على غيرها ~~فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الانسان والانسان حادث كائن بعد ان لم يكن ~~والعلم الحاصل في قلبه حادث فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله للزم ~~ان لا يحصل في قلبه علم ابتداء فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدؤها الله ~~في قلبه وغاية البرهان ان ms0628 ينتهي اليها PageV03P309 # ثم تلك العلوم الضرورية قد يعرض فيها شبهات ووساوس كالشبهات السوفسطائية ~~مثل الشبهات التي يوردها على العلوم الحسية والبديهية كالشبهات التي اوردها ~~الرازي في أول محصلة وقد تكلمنا عليها في غير هذا الموضع # والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها البرهان لأن غاية ~~البرهان ان ينتهي اليها فإذا وقع الشك فيها انقطع طريق النظر والبحث ولهذا ~~كان من انكر العلوم الحسية والضرورية لم يناظر بل إذا كان جاحدا معاندا ~~عوقب حتى يعترف بالحق وان كان غالطا إما لفساد عرض لحسه أو عقله لعجزه عن ~~فهم تلك العلوم واما لنحو ذلك فانه يعالج بما يوجب حصول شروط العلم له ~~وانتفاء موانعه فإن عجز عن ذلك لفساد في طبيعته عولج بالادوية الطبيعية أو ~~بالدعاء والرقى والتوجه ونحو ذلك وألا ترك # ولهذا اتفق العقلاء على ان كل شبهة تعرض لا يمكن ازالتها بالبرهان والنظر ~~والاستدلال وانما يخاطب بالبرهان والنظر والاستدلال من كانت عنده مقدمات ~~علمية وكان ممن يمكنه ان ينظر فيها نظرا يفيده العلم بغيرها فمن لم يكن ~~عنده مقدمات علمية أو لم يكن قادرا على النظر لم تتمكن مخاطبته بالنظر ~~والاستدلال PageV03P310 # واذا تبين هذا فالوسوسة والشبهة القادحة في العلوم الضرورية لا تزال ~~بالبرهان بل متى فكر العبد ونظر ازداد ورودها على قلبه وقد يغلبه الوسواس ~~حتى يعجز عن دفعه عن نفسه كما يعجز عن حل الشبهة السوفسطائية # وهذا يزول بالاستعاذة بالله فان الله هو الذي يعيذ العبد ويجيره من ~~الشبهات والشهوات المغوية ولهذا امر العبد أن يستهدي ربه في كل صلاة فيقول ~~@QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين @QE@ سورة الفاتحة 6 7 # وفي الحديث الالهي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه ~~تبارك وتعالى # يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم # وقال تعلى @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ ~~سورة النحل 97 # وقال تعالى @QB@ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ms0629 ~~@QE@ سورة الاعراف 200 PageV03P311 # وقال تعالى # @QB@ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم @QE@ ~~سورة ( فصلت 36 ) # وفي الصحيحين عن سليمان بن صرد قال استب رجلان عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم اني لأعلم ~~كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فأمر الله تعالى ~~العبد ان يستعيذ من الشيطان عند القراءة وعند الغضب ليصرف عنه شره عند وجود ~~سبب الخير وهو القراءة ليصرف عنه ما يمنع الخير وعند وجود سبب الشر ليمنع ~~ذلك السبب الذي يحدثه عند ذلك # وقدة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من قلب من قلوب العباد ~~إلا وهو بين اصبعين من أصابع الرحمن ان شاء أن يقيمه اقامه وان شاء ان ~~يزيغه ازاغه PageV03P312 # وكانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب # وكان كثيرا ما يقول والذي نفس محمد بيده # وفي الحديث للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمع غليانا # وشواهد هذا الأصل كثيرة مع ما يعرفه كل أحد من حال نفسه من كثرة تقلب ~~قلبه من الخواطر التي هي من جنس الاعتقادات ومن جنس الارادات وفيها المحمود ~~والمذموم والله هو القادر على صرف ذلك عنه فالاستعاذة بالله طريق مفضية إلى ~~المقصود الذي لا يحصل بالنظر والاستدلال # والوجه الثاني أن يقال النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالاستعاذة ~~وحدها بل أمر العبد ان ينتهي عن ذلك مع الاستعاذة اعلاما منه بأن هذا ~~السؤال هو نهاية الوسواس فيجب الانتهاء عنه PageV03P313 # ليس هو من البدايات التي يزيلها ما بعده فإن النفس تطلب سبب كل حادث وأول ~~كل شيء حتى تنتهي إلى الغاية والمنتهى # وقد قال الله تعالى @QB@ وأن إلى ربك المنتهى @QE@ سورة النجم 42 وفي ~~الدعاء المأثور الذي ذكره مالك في الموطأ حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ~~ليس وراء الله مرمى # وفي رواية ليس وراء الله منتهى # فإذا وصل العبد إلى غاية الغايات ms0630 ونهاية النهايات وجب وقوفه فإذا طلب بعد ~~ذلك شيئا آخر وجب أن ينتهي فأمر النبي صلى الله عليه وسلم العبد أن ينتهي ~~مع استجارته بالله من وسواس التسلسل كما يؤمر كل من حصل نهاية المطلوب ~~وغاية المراد أن ينتهي إذ كل طالب ومريد فلا بد له من مطلوب ومراد ينتهي ~~إليه وإنما وجب انتهاؤه لأنه من المعلوم بالعلم الضروري الفطري لكل من سلمت ~~فطرته من بني آدم أنه سؤال فاسد وأنه يمتنع أن يكون لخالق كل مخلوق خالق ~~فإنه لو كان له خالق لكان مخلوقا ولم يكن خالقا لكل مخلوق بل كان يكون من ~~جملة المخلوقات والمخلوقات كلها لا بد لها من خالق وهذا معلوم بالضرورة ~~والفطرة وإن لم يخطر ببال العبد قطع الدور والتسلسل فإن وجود المخلوقات ~~كلها بدون خالق معلوم الامتناع بالضرورة PageV03P314 وإذا قلنا يمتنع وجود ~~المحدثات كلها بدون محدث كان هذا متضمنا لذاك فإن كل مخلوق محدث فإذا كان ~~كل محدث لا بد له من محدث فكل مخلوق لا بد له من خالق أولى وكذلك إذا قلنا ~~كل ممكن لا بد له من واجب # فلما كان بطلان هذا السؤال معلوما بالفطرة والضرورة أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ينتهى عنه كما يؤمر أن ينتهى عن كل ما يعلم فساده من الأسولة ~~الفاسدة التي يعلم فسادها كما لو قيل متى حدث الله أو متى يموت ونحو ذلك # وهذا مما يبين أن سؤال السائل أين كان ربنا في حديث أبي رزين لم يكن هذا ~~السؤال فاسدا عنده صلى الله عليه وسلم كسؤال السائل من خلق الله فإنه لم ~~ينه السائل عن ذلك ولا أمره بالاستعاذة بل النبي صلى الله عليه وسلم سأل ~~بذلك لغير واحد فقال له أين الله وهو منزه أن يسأل سؤالا فاسدا وسمع الجواب ~~عن ذلك وهو منزه أن يقر على جواب فاسد ولما سئل عن ذلك أجاب فكان سائلا به ~~تارة ومجيبا عنه أخرى # ولو كان المقصود مجرد التمييز بين الرب والصنم مع علم ms0631 الرسول أن ~~PageV03P315 السؤال والجواب فاسدان لكان في الأسولة الصحيحة ما يغني غير ~~الرسول عن الأسولة الفاسدة فكيف يكون الرسول صلى الله عليه وسلم فانه كان ~~يمكن أن يقول من ربك من تعبدين كما قال لحصين الخزاعي يا حصين كم تعبد ~~اليوم قال أعبد سبعة آلهة ستة في الأرض وواحدا في السماء قال فمن الذي تعد ~~لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء فقال أسلم حتى اعلمك كلمة ينفعك الله بها ~~فلما أسلم سأله عن الدعوة فقال قل اللهم الهمني رشدي وقني شر نفسي رواه ~~أحمد في المسند وغير أحمد # والثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العبد ان يقول آمنت بالله وفي ~~رواية ورسوله فهذا من باب دفع الضد الضار بالضد النافع فإن قوله آمنت بالله ~~يدفع عن قلبه الوسواس الفاسد # ولهذا كان الشيطان يخنس عند ذكر الله ويوسوس عند الغفلة عن ذكر الله ~~ولهذا سمى الوسواس الخناس فإنه جاثم على فوائد ابن آدم فإن ذكر الله خنس ~~والخنوس الاختفاء بانخفاض ولهذا سميت الكواكب الخنس # وقال أبو هريرة لقيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة وأنا ~~جنب فانخنست منه PageV03P316 # ويقال انخنست من فلان وهو اختفاء بنوع من الانخفاض والذل له فالمختفي من ~~عدو يقاتله لا يقال انخنس منه وانما ينخنس الانسان ممن يهابه ويعظمه فيذل ~~له وينخفض منه في اختفائه فهكذا الشيطان في حال ذكر الله يذل ويخضع ويختفي ~~واذا غفل العبد عن ذكر الله وسوس # فأمر النبي صلى الله عليه وسلم العبد ان يقول آمنت بالله أو آمنت بالله ~~ورسوله فإن هذا القول ايمان وذكر الله يدفع به ما يضاده من الوسوسة القادحة ~~في العلوم الضرورية الفطرية ويشبه هذا الوسواس الذي يعرض لكثير من الناس في ~~العبادات حتى يشككه هل كبر أو لم يكبر وهل قرأ الفاتحة أم لا وهل نوى ~~العبادة أم لم ينوها وهل غسل عضوه في الطهارة أو لم يغسله فيشككه في علومه ~~الحسية الضرورية # وكونه غسل عضوا أمر يشهده ببصره وكونه تكلم ms0632 بالتكبير أو الفاتحة أمر ~~يعلمه بقلبه ويسمعه بأذنه وكذلك كونه يقصد الصلاة مثل كونه يقصد الاكل ~~والشرب والركوب والمشي وعلمه بذلك كله علم ضروري يقيني أولي لا يتوقف على ~~النظر والاستدلال ولا يتوقف على البرهان بل هو مقدمات البرهان وأصوله التي ~~يبنى عليها البرهان أعنى البرهان النظري المؤلف من المقدمات PageV03P317 # وهذا الوسواس يزول بالاستعاذة وانتهاء العبد وأن يقول إذا قال لم تغسل ~~وجهك بلى قد غسلت وجهي واذا خطر له أنه لم ينو ولم يكبر يقول بقلبه بلى قد ~~نويت وكبرت فيثبت على الحق ويدفع ما يعارضه من الوسواس فيرى الشيطان قوته ~~وثباته على الحق فيندفع عنه وألا فمتى رآه قابلا للشكوك والشبهات مستجيبا ~~إلى الوساوس والخطرات أورد عليه من ذلك ما يعجز عن دفعه وصار قلبه موردا ~~لما توحيه شياطين الانس والجن من زحرف القول وانتقل من ذلك إلى غيره إلى ان ~~يسوقه الشيطان إلى الهلكة # فالله @QB@ ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات @QE@ سورة البقرة 257 @QB@ ~~إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم ~~يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون @QE@ سورة الاعراف 201 202 $ فصل # ومما ينبغي ان يعرف في هذا المقام وان كنا قد نبهنا عليه في PageV03P318 ~~مواضع أن كثيرا من العلوم تكون ضرورة فطرية فإذا طلب المستدل ان يستدل ~~عليها خفيت ووقع فيها شك إما لما في ذلك من تطويل المقدمات واما لما في ذلك ~~من خفائها واما لما في ذلك من كلا الامرين # والمستدل قد يعجز عن نظم دليل على ذلك إما لعجزه عن تصوره واما لعجزه عن ~~التعبير عنه فإنه ليس كل ما تصوره الانسان أمكن كل أحد أن يعبر عنه باللسان ~~وقد يعجز المستمع عن فهمه ذلك الدليل وان أمكن نظم الدليل وفهمه فقد يحصل ~~العجز عن إزالة الشبهات المعارضة إما من هذا وإما من هذا وإما منهما # وهذا يقع في التصورات أكثر مما يقع في التصديقات فكثير ms0633 من الامور ~~المعروفة إذا حدث بحدود تميز بينها وبين المحدودات زادت خفاء بعد الوضوح ~~لكونها أظهر عند العقل بدون ذلك الحد منها بذلك الحد # ولكن قد يكون في الأدلة والحدود من المنفعة ما قد نبه عليه غير مرة ولهذا ~~تنوعت طرق الناس في الحدود والادلة وتجد كثيرا من الناس يقدح في حدود غيره ~~وأدلته ثم يذكر هو حدودا وأدلة يرد عليها ايرادات من جنس ما يرد على تلك أو ~~من جنس آخر وذلك لأن المقصود بالحدود ان كان التمييز بين المحدود وبين غيره ~~كانت الحدود الجامعة المانعة على أي صورة كانت مشتركة في حصول التمييز بها ~~وان لم تكن جامعة مانعة كانت مشتركة في عدم حصول التمييز بها وإن لم تكن ~~جامعة مانعة كانت مشتركة في عدم حصول التمييز وان كان المطلوب بها تعريف ~~المحدود فهذا لا يحصل بها مطلقا ولا يمتنع بها PageV03P319 مطلقا بل يحصل ~~لبعض الناس وفي بعض الاوقات دون بعض كما يحصل بالاسماء فإن الحد تفصيل ما ~~دل عليه الاسم بالاجمال فلا يمكن ان يقال الاسم لا يعرف المسمى بحال ولا ~~يمكن ان يقال يعرف به كل أحد كذلك الحد # وان قيل ان المطلوب بالحد ان مجرد الحد يوجب ان المستمع له يتصور حقيقة ~~المحدود التي لم يتصورها إلا بلفظ الحاد وانه يتصورها بمجرد قول الحاد كما ~~يظنه من يظنه من الناس بعض أهل المنطق وغيرهم فهذا خطأ كخطأ من يظن ان ~~الاسماء توجب معرفة المسمى لمن سمع تلك الاسماء بمجرد ذلك اللفظ # وقد بسط الكلام على هذا في موضعه وبينا ما عليه جمهور النظار من المسلمين ~~واليهود والنصارى والمجوس والصابئين والمشركين من ان الحدود مقصودها ~~التمييز بين المحدود وغيره وان ذلك يحصل بالوصف الملازم للمحدود طردا وعكسا ~~الذي يلزم من ثبوته ثبوت المحدود ومن انتفائه انتفاؤه كما هو طريقة نظار ~~المسلمين من جميع الطوائف مثل أبي علي وأبي هاشم وأمثالهما ومثل أبي الحسن ~~الاشعري والقاضي أبي بكر وأبي المعالي الجويني والقاضي أبي يعلي وأبي ~~الوفاء ابن ms0634 عقيل وأمثالهم PageV03P320 # وأما طريقة أهل المنطق ودعواهم ان الحد التام مقصوده التعريف بالحقيقة ~~وان الحقيقة مؤلفة من الصفات الذاتية الداخلة في المحدود وهي الجنس والفصل ~~وتقسيمهم الصفات اللازمة للموصوف إلى داخل في الحقيقة وخارج عنها عرضي وجعل ~~العرضى الخارج عنها اللازم على نوعين لازم للماهية ولازم لوجود الماهية ~~وبناءهم ذلك على ان ماهيات الاشياء التي هي حقائقها ثابتة في الخارج وهي ~~مغايرة للموجودات المعينة الثابتة في الخارج وان الصفات الذاتية تكون ~~متقدمة على الموصوف في الذهن والخارج وتكون أجزاء سابقة لحقيقة الموصوف في ~~الوجودين الذهني والخارجي # فهذا ونحوه خطأ عند جماهير العقلاء من نظار الإسلام وغيرهم بل الذي عليه ~~نظار الإسلام ان الصفات تنقسم إلى لازمة للموصوف لا تفارقه إلا بعدم ذاته ~~والى عارضة له يمكن مفارقتها له مع بقاء ذاته وهذه اللازمة منها ما هو لازم ~~للشخص دون نوعه PageV03P321 وجنسه ومنها ما هو لازم لنوعه أو جنسه # واما تقسيم اللازمة إلى ذاتي وعرضي وتقسيم العرضي إلى لازم للماهية ولازم ~~للوجود وغير لازم بل عارض فهذا خطأ عند نظار الإسلام وغيرهم # بل طائفة من نظار الإسلام قسموا اللازم إلى ذاتي ومعنوي وعنوا بالصفات ~~الذاتية ما لا يمكن تصور الذات مع عدمه وعنوا بالمعنوى ما يمكن تصور الذات ~~بدون تصوره وان كان لازما للذات فلا يلزمها إلا إذا تصور معينا يقوم بالذات # فالأول عندهم مثل كونالرب قائما بنفسه وموجودا بل وكذلك كونه قديما عند ~~أكثرهم فإن ابن كلاب يقول القديم بقدم والاشعري له قولان اشهرهما عند ~~اصحابه انه قديم بغير قدم لكنه باق ببقاء وقد وافقه على ذلك ابن أبي موسى ~~وغيره واما القاضي PageV03P322 # أبو بكر فإنه يقول باق بغير بقاء ووافقه على ذلك أبو يعلي وابو المعالي ~~وغيرهما # والثاني عندهم مثل كونه حيا وعليما وقديرا ونحو ذلك # وتقسيم هؤلاء اللازمة إلى ذاتي ومعنوى كلام ليس هذا موضع بسطه فإنهم لم ~~يعنوا بالذاتي ما يلزم الذات إذ الجميع لازم للذات ولا عنوا بالذاتي المقوم ~~للذات كاصطلاح المنطقيين فإن هؤلاء ليس عندهم ms0635 في الذوات ما هو مركب من ~~الصفات كالجنس والفصل ولا يقسمون الصفات إلى مقوم داخل في الماهية هو جزء ~~منها والى عرضي خارج عنها ليس مقوما بل هذا التقسيم عندهم وعند جمهور ~~العقلاء خطأ كما هو خطأ في نفس الأمر إذ التفريق بين الذاتي المقوم واللازم ~~الخارج تفريق باطل لا يعود إلا إلى مجرد تحكم يتضمن التفريق بين المتماثلين ~~كما قد بسط في موضعه # ولهذا يعترف حذاق أئمة أهل المنطق كابن سينا وأبي البركات صاحب المعتبر ~~وغيرهما بأنه لا يمكن ذكر فرق مطرد بين هذا وهذا وذكر ابن سينا ثلاثة فروق ~~مع اعترافه بأنه ليس واحد منها PageV03P323 صحيحا اعترض أبو البركات على ما ~~ذكره ابن سينا بما يبين فساد الفرق بين الذاتي المقوم والعرضي الازم # و أبو البركات لما كان معتبرا لما ذكره أئمة المشائين لا يقلدهم ولا ~~يتعصب لهم كما يفعله غيره مثل ابن سينا وأمثاله نبه على أن ما ذكره ارسطو ~~وأصحابه في هذا الموضع مما لم تعرف صحته ولا منفعته # وغير أبي البركات بين فساده وتناقضه وصنف الناس مصنفات في الرد على اهل ~~المنطق كما صنف أبو هاشم و ابن النوبختي والقاضي أبو بكر بن الطيب وغيرهم # وهؤلاء الكلابية الذين يفرقون بين الصفات الذاتية والمعنوية هم أصح نظرا ~~من هؤلاء المنطقيين وهم ينكرون ما ذكر المنطقيون من الفرق فلا يعود تفريقهم ~~إلى تفريق المنطقيين بل تفريقهم يعود إلى ما ذكروه هم من أن الصفات الذاتية ~~عندهم ما لا يمكن تصور الذات مع تصور عدمها والصفات المعنوية ما يمكن الذات ~~مع تصور عدمها كالحياة والعلم والقدرة فإنه يمكن تصور الذات مع نفي كونها ~~قائمة بالنفس وموجودة وكذلك لا يمكن ذلك مع نفي كونها قديمة عند أكثرهم # وأبن كلاب الاشعري في أحد قوليه جعل القدم كالعم والقدرة والبقاء فيه ~~نزاع بين الاشعري ومن اتبعه كأبي علي بن PageV03P324 أبي موسى وأمثاله وبين ~~القاضي أبي بكر ومن اتبعه كالقاضي أبي يعلى وأمثاله # وهؤلاء أيضا تفريقهم باطل فإن قولهم لا يمكن تصور ms0636 الذات مع نفي تلك الصفة # يقال لهم لفظ التصور مجمل يراد به تصور ما وهو الشعور بالمتصور من طريق ~~الوجود ويراد به التصور التام وما من تصور إلا وفوقه تصور أتم منه # ومن هذا دخل الداخل على هؤلاء المنطقيين الغالطين وعلى هؤلاء فإن عنوا به ~~التصور التام للذات الثابتة في الخارج التي لها صفات لازمة لها فهذه لا ~~يمكن تصورها كما هي عليه مع نفي هذه الصفات فإذا عنى بالماهية ما يتصوره ~~المتصور في ذهنه فهذا يزيد وينقص بحسب تصور الأذهان # وإن عنوا به ما في الخارج فلا يوجد شيء بدون جميع لوازمه وإن عني بذلك ~~أنه لا يمكن تصورها بوجه من الوجوه مع نفي هذه الصفات فهذا يرد عليهم فيما ~~جعلوه ذاتيا مثل كونه قائما بنفسه وكونه قديما ونحو ذلك # فإنه قد يتصور الذات تصورا ما من لا يخطر بقلبه هذه المعاني بل ~~PageV03P325 من ينفي هذه المعاني أيضا وإن كان ضالا في نفيها كما أن من نفى ~~الحياة والعلم والقدرة كان ضالا في نفيها # وإذا قيل لا يمكن وجود الفعل إلا من ذات قائمة بنفسها قديمة # قيل ولا يمكن إلا من ذات حية عالمة قادرة # فإذا قيل هذه يمكن بعض العقلاء أن يتصور كونها فاعلا مع انتفاء هذه ~~الصفات # قيل هذا تصور باطل والتصورات الباطلة لا ضابط لها فقد يمكن ضال آخر أن ~~يتصور كونها فاعلة مع عدم القيام بالنفس فإن الفرق إذا عاد إلى اعتقاد ~~المعتقدين لا إلى حقائق موجودة في الخارج كان فرقا ذهنيا اعتباريا لا فرقا ~~حقيقيا من جنس فرق أهل المنطق بين الذاتي المقوم والعرضي اللازم فإنه يعود ~~إلى ذلك حيث جعلوا الذاتي ما لا تتصور الماهية بدون تصوره والعرضى ما يمكن ~~تصورها بدون تصوره وليس هذا بفرق في نفس الأمر وإنما يعود إلى ما تقدره ~~الأذهان فإنه ما من تصور إلا وفوقه تصور أتم منه فإن أريد بالتصور مطلق ~~الشعور بالشيء فيمكن الشعور به بدون الصفات التي جعلوها ذاتية فإنه قد يشعر ~~بالإنسان من ms0637 لا يخطر بباله أنه حيوان ناطق أو جسم نام حساس متحرك بالإرادة ~~ناطق # وإن أرادوا التصور التام فقول القائل حيوان ناطق لا يوجب PageV03P326 ~~التصور التام للموصوف بل ما من تصور إلا وفوقه تصور أكمل منه # فإن صفات الموصوف ليست منحصرة فيما ذكروه # وإن قالوا نريد به التصور التام للصفات الذاتية عادت المطالبة بالفرق ~~فيبقى الكلام دورا # وهذا كما أنهم يقولون ماهية الشيء هي المركبة من الصفات الذاتية ثم ~~يقولون الصفات الذاتية هي التي يتوقف تحقق الماهية عليها أو يقف تصور ~~الماهية عليها فلا تعقل الصفة الذاتية حتى تعقل الماهية ولا تعقل الماهية ~~حتى تعقل الصفة الذاتية لها فيبقى الكلام دورا # كما يجعلون الصفات الذاتية أجزاء للماهية مقومة لها سابقة لها في الحقيقة ~~في الوجودين الذهني والخارجي مع العلم بأن الذات أحق بأن تكون سابقة من ~~الصفات إن قدر أن هناك سبقا وإلا فهما متلازمان # وإذا قيل هي أجزاء # قيل إن كانت جواهر كان الجوهر الواحد جواهر كثيرة وإن كانت أعراضا فهي ~~صفات # فإذا قيل الإنسان حيوان ناطق PageV03P327 # قيل إن كانت الحيوانية والناطقية أعراضا فهي صفات الإنسان وإن كانت جواهر ~~فهنا جوهر هو إنسان وجوهر هو حيوان وجوهر هو ناطق وجوهر هو جسم وجوهر هو ~~حساس وجوهر هو نام ومعلوم فساد هذا # وحقيقة الأمر أنها صفات لما يتصور في الأذهان وصفات لما هو موجود في ~~الأعيان وأن الذات هي أحق بتقويم الصفات من الصفات بتقويم الذات # وأيضا فإن أرادوا تصور الصفات مفصلة فمعلوم أن قولهم حيوان ناطق لا يوجب ~~تصور سائر الذاتيات مفصلا فإن كونه جسما ناميا وحساسا ومتحركا بالإرادة لا ~~يدل عليه اسم الحيوان دلالة مفصلة بل مجملة وإن أرادوا بالتصور التصور سواء ~~كان مجملا أو مفصلا فمعلوم أن لفظ الإنسان يدل على الحيوان والناطق كما يدل ~~لفظ الحيوان على الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة فيكون اسم الإنسان ~~كافيا في تعريف صفات الإنسان مثل ما أن لفظ الحيوان كاف في تعريف صفات ~~الحيوان # فإذا كانوا في تعريف الإنسان لا يأتون ms0638 إلا بلفظ يدل على صفاته الذاتية ~~دلالة مجملة وهذا القدر حاصل بلفظ الإنسان كان تعريفهم من جنس التعريف ~~بالأسماء وكان ما جعلوه حدا من جنس ما جعلوه اسما PageV03P328 # فإن كان أحدهما دالا على الذات فكذلك الآخر وإلا فلا فلا يجوز جعل أحدهما ~~مصورا للحقيقة دون الآخر غاية ما يقال إن في هذا الكلام من تفصيل بعض ما ~~ليس في الآخر # فإن قول القائل حيوان ناطق فيه من الدلالة على معنى النطق باللفظ الخاص ~~ما ليس في لفظ الإنسان # فيقال وكذلك في لفظ النامي من الدلالة على النمو باللفظ الخاص ما ليس في ~~لفظ الحيوان وأنتم لا توجبون ذلك # وكذلك لفظ الحساس والمتحرك بالإرادة فعلم ان كلامهم لا يرجع إلى حقيقة ~~موجودة معقولة وإنما يرجع إلى مجرد وضع واصطلاح وتحكم واعتبارات ذهنية وهذا ~~مبسوط في موضعه # وكذلك الذين فرقوا بين الصفات الذاتية وبين المعنوية اللازمة للذات من ~~الكلابية وأتباعهم يعود تفريقهم إلى وضع واصطلاح وتحكم واعتبارات ذهنية لا ~~إلى حقيقة ثابتة في الخارج ولهذا يضطربون في الفرق بين الصفات الذاتية ~~والمعنوية # فهذا يقول إنه قديم بقدم باق ببقاء وهذا ينازع في هذا أو في هذا # والنافي يقول هو عالم بذاته قادر بذاته كما يقول هؤلاء إنه باق بذاته ~~قديم بذاته # وإذا أراد بذلك أن علمه من لوازم ذاته لا يفتقر إلى شيء آخر فقد ~~PageV03P329 أصاب وإن أراد أنه يمكن كونه حيا عالما قادرا بدون حياة وعلم ~~وقدرة فقد اخطأ وذاته حقيقتها هي الذات المستلزمة لهذه المعاني فتقدير ~~وجودها بدون هذه المعاني تقدير باطل لا حقيقة له ووجود ذات منفكة عن جميع ~~الصفات إنما يمكن تقديره في الأذهان لا في الأعيان وهذه الأمور مبسوطة في ~~موضعها # والمقصود هنا أن التعريف بالحدود والتعريف بالأدلة قد يتضمن إيضاح الشيء ~~بما هو أخفى منه وقد يكون الخفاء والظهور من الأمور النسبية الإضافية فقد ~~يتضح لبعض الناس أو للإنسان في بعض الأحوال ما لا يتضح لغيره أو له في وقت ~~آخر فينتفع حينئذ بشيء من الحدود ms0639 والأدلة لا ينتفع بها في وقت آخر # وكلما كانت حاجة الناس إلى معرفة الشيء وذكره أشد وأكثر كانت معرفتهم به ~~وذكرهم له أعظم وأكثر وكانت طرق معرفته أكثر وأظهر وكانت الأسماء المعرفة ~~له أكثر وكانت على معانيه أدل # فالمخلوق الذي يتصوره الناس ويعبرون عنه أكثر من غيره تجد له من الأسماء ~~والصفات عندهم ما ليس لغيره كالأسد والداهية والخمر والسيف ونحو ذلك فلكل ~~من هذه المسميات في اللغة من الأسماء أسماء كثيرة وهذا الاسم يدل على معنى ~~لا يدل عليه PageV03P330 الاسم الآخر كما يقولون في السيف صارم ومهند وأبيض ~~وبتار ومن ذلك أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ~~وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب وقال # أنا الضحوك القتال أنا نبي الرحمة أنا نبي الملحمة # ومن أسمائه المزمل والمدثر والرسول والنبي # ومن أسماء القرآن الفرقان والتنزيل والكتاب والهدى والنور والشفاء ~~والبيان وغير ذلك # ولما كانت حاجة النفوس إلى معرفة ربها أعظم الحاجات كانت طرق معرفتهم له ~~أعظم من طرق معرفة سواه وكان ذكرهم لأسمائه أعظم من ذكرهم لأسماء ما سواه ~~وله سبحانه في كل لغة أسماء وله في اللغة العربية أسماء كثيرة PageV03P331 # والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي صلى الله عليه وسلم # إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة معناه أن من أحصى التسعة ~~والتسعين من أسمائه دخل الجنة ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسما ~~فإنه في الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأبو حاتم في صحيحه # أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من ~~خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ~~ونور صدري وجلاء حزني وذهاب غمي وهمي # وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده # اللهم إني أعوذ ms0640 برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء ~~عليك أنت كما أثنيت على نفسك فأخبر أنه صلى الله عليه وسلم لا يحصى ثناء ~~عليه ولو PageV03P332 أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها فكان يحصى الثناء ~~عليه لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه $ فصل # ولما كانت طرق معرفة الله والإقرار به كثيرة متنوعة صار كل طائفة من ~~النظار تسلك طريقا إلى إثبات معرفته ويظن أنه لا طريق إلا تلك وهذا غلط محض ~~وهو قول بلا علم # فإنه من أين للإنسان أنه لا يمكن المعرفة إلا بهذا الطريق فإن هذا نفي ~~عام لا يعلم بالضرورة فلا بد من دليل يدل عليه وليس مع النافى دليل يدل على ~~هذا النفي بل الموجود يدل على أن للمعرفة طرقا أخرى وأن غالب العارفين ~~بالله من الأنبياء وغير الأنبياء بل من عموم الخلق عرفوه بدون تلك الطريق ~~المعينة # وقد نبهنا في هذا الكتاب على ما نبهنا عليه من طرق أهل النظر وتنوعها على ~~ما يأتي وأن الطرق تتنوع تارة بتنوع أصل الدليل وتارة بزيادة مقدمات فيه ~~يستغني عنها آخرون فهذا يستدل بالإمكان وهذا بالحدوث وهذا بالآيات وهذا ~~يستدل بحدوث الذوات وهذا بحدوث الصفات وهذا بحدوث المعين كالإنسان وهذا ~~PageV03P333 بحدوثه وحدوث غيره وآخرون غلطوا فظنوا أنه لا بد من العلم ~~بحدوث كل موصوف تقوم به الصفات وقد يعبرون عنه بلفظ الجسم والجوهر والمحدود ~~والمركب وغير ذلك من العبارات وآخرون يستدلون بحدوث ما قام به الحوادث ~~ويقولون كل ما قامت به الحوادث فهو محدث وليس كل ما قامت به الصفات محدثا # والفلاسفة لم يسلكوا هذه الطريق لاعتقادهم أن من الأجسام ما هو قديم تحله ~~الحوادث والصفات فكونه جسما ومتميزا وقديما وتحله الصفات والحوادث ليس هو ~~عندهم مستلزما لكونه محدثا بل وليس ذلك مستلزما عند أرسطو كونه مممكنا يقبل ~~الوجود والعدم # وكذلك لم يسلكها كثير من أهل الكلام كالهشامية والكرامية وغيرهم بل ولا ~~سلكها سلف الأمة وأئمتها كما قد بسط في موضعه # ولم يسلكها متأخرو أهل الكلام ms0641 الذين ركبوا طريقا من قول الفلاسفة وقول ~~أسلافهم المتكلمين كالرازي والآمدي والطوسي ونحوهم بل سلكوا طريقة ابن سينا ~~التي ذكرها في إثبات واجب الوجود # وطريقة ابن سينا لم يسلكها سلفه الفلاسفة كأرسطو وأصحابه PageV03P334 # بل ولا سلكها جماهير الفلاسفة بل كثير من الفلاسفة ينازعونه في نفيه ~~لقيام الحوادث والصفات بذات واجب الوجود ويقولون إنه تقوم به الصفات ~~والإرادات وأن كونه واجبا بنفسه لا ينافي ذلك كما لا ينافي عندهم جميعا ~~كونه قديما # ولكن ابن سينا وأتباعه لما شاركوا الجهمية في نفي الصفات وشاركوا سلفهم ~~الدهرية في القول بقدم العالم سلكوا في إثبات رب العالمين طريقا غير طريقة ~~سلفه المشائين كأرسطو وأتباعه الذين أثبتوا العلة الأولى بحركة الفلك ~~الإرادية وأن لها محركا يحركها كحركة المعشوق لعاشقه وهو يحرك الفلك للتشبه ~~بالعلة الأولى فعدل ابن سينا عن تلك الطريقة إلى هذه الطريقة التي سلخها من ~~طريقة أهل الكلام الذين يحتجون بالمحدث على المحدث وهو لا يقول بحدوث ~~العالم فجعل طريقته الاستدلال بالممكن على الواجب ورأى أولئك المتكلمين ~~قسموا الوجود إلى قديم ومحدث فقسمه هو إلى واجب وممكن وأثبت الواجب بهذا ~~الطريق ولكن هذا بناء على أن القديم ممكن وله ماهية تقبل الوجود والعدم # وهذا مما خالفه فيه جمهور العقلاء من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم حتى أنه ~~هو تناقض في ذلك فوافق سلفه وجميع العقلاء PageV03P335 وصرح بأن الممكن لا ~~يكون إلا ما يقبل الوجود والعدم ثم تناقض هنا كما قد بسط في غير هذا الموضع # ونحن ننبه عليه هنا فقوله كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير ~~التفات إلى غيره فإما أن يكون بحيث يجب له الوجود نفسه أو لا يكون فإن وجب ~~فهو الحق بذاته الواجب وجوده من ذاته وهو القيوم وإن لم يجب لم يجز أن يقال ~~هو ممتنع بذاته بعد ما فرض موجودا بل إن قرن باعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم ~~علته صار ممتنعا أو قرن شرط وجود علته صار واجبا وأما إن لم يقرن بها شرط ~~لا ms0642 حصول علة ولا عدمها بقي له من ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان فيكون ~~باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع فكل موجود إما واجب الوجود بذاته ~~وإما ممكن الوجود بحسب ذاته # فيقال أما كون الموجود ينقسم إلى واجب وهو الواجب بنفسه وإلى ممكن وموجود ~~بغيره وأن الموجود بغيره لا بد له من موجود بنفسه فهذا كله حق وهي قضايا ~~صادقة PageV03P336 # وأما كون الممكن بنفسه له ذات يعتقب عليها الوجود والعدم وأنها مع ذلك قد ~~تكون قديمة أزلية واجبة بغيرها كما يقوله ابن سينا وموافقوه فهذا باطل عند ~~العقلاء قاطبة من الأولين والآخرين حتى عند ابن سينا مع تناقضه # والاعتراض على هذا من وجوه # أحدها قوله إن قرن باعتبار ذاته شرط صار ممتنعا أو واجبا وإن لم يقرن بها ~~شرط بقي له من ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان يقتضي إثبات ذات لهذا الممكن ~~تكون تارة واجبة وتارة ممتنعة وهذا يقتضي أن لكل ممكن ذاتا مغايرة لوجوده ~~وأن تلك الذات يمكن اتصافها بالوجود تارة وبالعدم أخرى وهذا باطل سواء أريد ~~به قول من يجعل المعدوم شيئا من المعتزلة ونحوهم أو قول من يجعل الماهيات ~~النوعية في الخارج مغايرة للوجود في الخارج كما يقوله من يقوله من ~~المتفلسفة والكلام على فساد هذين مبسوط في غير هذا الموضع # وهو لم يذكر هنا دليلا على صحة ذلك ومجرد ما ذكره من التقسيم لا يدل على ~~وجود الأقسام الثلاثة في الخارج فيبقى دليله غير مقدر المقدمات PageV03P337 # وهذا مما يسلكه أمثال هؤلاء يذكرون أقساما مقدرة تقديرا ذهنيا ولا يقيمون ~~الدليل على إمكان كل من الأقسام ولا وجوده وإنما يذكرون مجرد تقدير ذلك ~~ويبنون على ذلك التقدير بناء من قد أثبته في الخارج وهم لم يثبتوه في ~~الخارج كما ذكرنا نظائر ذلك في مواضع # والمقصود هنا أن قول القائل كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير ~~التفات إلى غيره فإما واجب وإما ممكن إنما يصح إذا علم أن الموجود في ~~الخارج له ذات يمكن ms0643 أن لا يلتفت معها إلى غيرها ليقال إن تلك الذات إما ~~واجبة وإما أن يجب لها الوجود وإما أن لا يجب # وأما إذا كان لا شيء في الخارج إلا الموجود إما بنفسه وإما بغيره ~~فالموجود بغيره إذا التفت إليه من غير التفات إلى غيره فلا ذات له يمكن ~~الالتفات إليها حتى يقال إنها ممكنة قابلة للوجود والعدم بل هذا الذي قدر ~~أنه موجود بغيره إذا لم يلتفت إلى غيره فلا حقيقة له أصلا لا وجود ولا غيره ~~ولا هناك ما يكون ممكن الوجود أصلا # فهذا التفسير لا يصح الاستدلال به إلا بعد إثبات ذات محققة في الخارج ~~مغايرة لما هو في الخارج من الوجود ولما لم يثبت هذا القسم كان الاستدلال ~~باطلا PageV03P338 # وإذا قيل قد قرر هذا في غير هذا الموضع # قيل الجواب من وجهين # أحدهما أنه قد بين أيضا في غير هذا الموضع فساد ما ذكره # الثاني أنه بتقدير أن يقرره فلا ريب أن هذه المقدمة مما ينازع فيه كثير ~~من العقلاء بل أكثرهم وهي مقدمة خفية تحتاج إلى بيان # ومتفلسفة الأشعرية كالرازي والآمدي حائرون فيها فالرازي له فيها قولان ~~والآمدي متوقف فيها وأهل الإثبات قاطبة كالأشعري وغيره متفقون على بطلانها ~~فكيف تكون مثل هذه المقدمة في إثبات واجب الوجود الذي وجوده أظهر وأعرف من ~~هذه المقدمة وهل الاستدلال على القوي بالضعيف إلا كتحديد الجلي بالخفي وهذا ~~إذا كان في الحدود مردودا فهو في الأدلة أولى بالرد # الوجه الثاني أن هذا باطل على كل قول أما على قول نظار السنة الذين ~~يقولون وجود كل شيء في الخارج عين حقيقته فظاهر وأما على قول القائلين بأن ~~المعدوم شيء المفرقين بين الوجود والثبوت فإنهم لا يقولون ذلك إلا في ~~المعدوم لا يقولون إن الموجود القديم ثبوته يقبل الوجود والعدم بل قد ~~يقولون إن ماهية القديم مغايرة لوجوده لكن لا يقولون إنها تقبل الوجود ~~والعدم ففي الجملة PageV03P339 لا يتصور عندهم ماهية مستلزمة للوجود تقبل ~~الوجود والعدم # وأما على قول متأخري الفلاسفة الذين ms0644 يجعلون وجود الممكنات زائدا على ~~ماهيتها فتلك الماهيات إنما تتحقق في حال الوجود لا يمكن تجردها عن الوجود ~~فلا يتصور أن يكون عندهم ماهية هي نفسها تقبل الوجود والعدم فإثبات ماهية ~~تقبل الوجود والعدم وهي مع ذلك مستلزمة للوجود ليس قول أحد من الطوائف # الوجه الثالث أن هذا باطل فإنها إذا كانت مستلزمة للوجود امتنع أن تقبل ~~العدم وإن كان عدمها ممكنا امتنع أن تستلزم الوجود فدعوى المدعي أنها يمكن ~~وجودها وعدمها وأنها مع ذلك تستلزم الوجود لا يمكن عدمها جمع بين ~~المتناقضين # وإذا قيل هي باعتبار ذاتها يمكن وجودها وعدمها وأما باعتبار سببها فإنه ~~يجب وجودها # قيل قول القائل هي باعتبار ذاتها يمكن وجودها وعدمها ليس معناه أنه يجب ~~وجودها أو عدمها بل معناه أنها باعتبار ذاتها لا تستحق وجودا ولا عدما بل ~~لا بد لها من أحدهما باعتبار غيرها # والتقدير أنها موجودة فيكون الوجود لها من غيرها واجبا والوجود الواجب ~~ولو بغيره لا يمكن عدمه فهذه الذات الواجبة بغيرها لا يمكن عدمها بوجه من ~~الوجوه PageV03P340 # وهب أنه لولا السبب الموجب لها لعدمت لكن هذا تقدير ممتنع فإن السبب واجب ~~بذاته وهي من لوازمه ولازم الواجب بذاته يمتنع عدمه لان عدم اللازم يوجب ~~عدم الملزوم فلو عدم لازم الواجب لعدم الواجب وعدمه ممتنع فعدم لازمه ممتنع ~~فكان عدم هذه الذات ممتنعا فلا يكون عدمها ممكنا فإن الممكن نقيض الممتنع ~~واذا كان عدمها لم يكن ممكنا # الوجه الرابع ان يقال معلوم انه لولا وجود الفاعل لكانت معدومة بنفسها ~~ولم يكن عدمها معلول علة منفصلة عنها # وقوق القائل علة العدم عدم العلة ان اراد به ان عدم العلة يستلزم عدمها ~~ويدل عليه فهذا صحيح وان اراد ان نفس عدم العلة هو الذي جعل المعلول معدوما ~~فهذا معلوم البطلان بصريح العقل فإن العدم المحض لا يكون له تأثير في شيء ~~أصلا ولان ما لا يوجد إلا بغيره إذا لم يوجد الغير فهو باق على العدم مستمر ~~على ما كان عليه والعدم المستمر ms0645 الباقي لا يكون له علة أصلا ولو قدر أن لكل ~~معدوم علة لعدمه للزم تقدير علل لا تتناهى لان ما يقدر عدمه لا يتناهى وكل ~~هذا باطل فإن العدم نفي محض ليس بشيء أصلا حتى يقدر فيه علل ومعلولات # واذا كان كذلك فالممكن لا يفتقر إلى المؤثر إلا إذا قدر وجوده وألا فمع ~~تقدير عدمه لا يفتقر إلى شيء أصلا فإذا قدر وجوده واجبا بغيره وجوبا قديما ~~أزليا لم يكن هناك ما يقبل العدم ولا يمكن ان يقرن بذاته شرط عدم علته ~~PageV03P341 # وهذا الاعتراض يمكن ايراده على قوله كل موجود إذا التفت اليه من حيث ذاته ~~من غير التفاف إلى غيره فهو إما واجب واما ممكن # فيقال ان قيل بان الذات هي نفس الوجود المحقق في الخارج فذاك إذا قيل ليس ~~له حقيقة بدون الوجود بنفسه فإذا نظر اليه مجردا عن غيره بطلت حقيقيته وكان ~~نفيا محضا لم يكن له حقيقة يلتفت القلب اليها البته # وان قيل ان له ذاتا مغايرة للوجود فتلك الذات سوء قدر إمكان تحقيقها دون ~~الوجود كما يقوله من يقول المعدوم شيء أو فرض انه لا يمكن تحققها بدون ~~الوجود فعلى التقديرين إذا التفت اليها من غير التفاف إلى غيرها لم تكن ~~موجودة بل معدومة وانت قد فرضتها موجودة فهذا جمع النقيضين # وأيضا فهي عدم الالتفاف إلى غيرها ممتنعة الوجود لا جائزة الوجود فما ~~يمكن وجوده إذا التفت اليه من غير التفاف إلى ما يقتضي وجوده كان ممتنع ~~الوجود سواء فرض عدم ما يوجده أو لم يفرض لا وجوده ولا عدمه فهو لا يكون ~~موجودا إلا مع ما يوجده فإذا التفت اليه مجردا عما يوجده امتنع وجوده # وان قال القائل فرق بين التفات اليه بشرط لا أو لا PageV03P342 بشرط أو ~~قال بشرط عدم الموجد أو لا بشرط وجوده فانه ممتنع في الأول وممكن في الثاني # قيل له بل هو ممتنع في القسمين فإذا اخذ لا بشرط كان ممتنع الوجود وكذلك ~~إذا اخذ لامع وجود الفاعل وذلك ms0646 انه لا يمكن وجوده إلا بالفاعل ووجوده بدون ~~الفاعل ممتنع فإذا التفت إليه لا مع لازم وجوده كان وجوده ممتنعا والممتنع ~~أعم من أن يكون ممتنعا بنفسه أو بغيره كما ان الموجود اعم من ان يكون ~~موجودا بنفسه أو بغيره والامتناع لا يفتقر إلى ان يقترن به شرط وهو عدم ~~علته بل إذا لم يقترن به سبب وجوده كان ممتنعا والعقل يعقل امتناعه بدون ما ~~يوجده وان لم يخطر له انه قرن به عدم علته فهو في تجرده عن الاقتران بما ~~يوجده ممتنع كما هو في الاقتران فعدم العلة ممتنع # يبين ذلك ان عدم العلة لا شيء فاقترانه بعدم العلة اقتران بعدم محض فلم ~~تختلف حاله بين تقدير عدم هذا الاقتران وانتفائه إلا إذا قرن به ما يقتضي ~~وجوده وألا فهو بدون القرين المقتضي لوجوده ممتنع معدوم وسبب هذا ان هذا ~~الاقتران ليس هو الموجب لعدمه في نفس الأمر بل هو دليل على العدم والادلة ~~تتعدد والدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدمه عدم المدلول إلا إذا كان ملازما ~~فالشيء إذا اخذ مع ضده كان ممتنعا ومع عدم فاعله كان ممتنعا وكل من الأمرين ~~يدل على امتناعه وكذلك إذا اخذ بدون شرطه كان ممتنعا وبدون لازمه ~~PageV03P343 كان ممتنعا والمقتضي الممكن الزم اللوازم له واعظم الشروط ولا ~~فرق بين ان يقدر مع انتفاء اللازم أو يقدر لا مع ثبوت اللازم فالامران سواء ~~هو في كليهما ممتنع إلا مع اللازم فان وجود الملزوم بدون اللازم ممتنع ~~ولهذا كل ما يقدر في الخارج فأما واجب بنفسه أو بغيره واما ممتنع بنفسه أو ~~بغيره # فإذا قيل هو باعتبار نفسه لا واجب ولا ممتنع # قيل ليس في الخارج شيء لا واجب ولا ممتنع وانما ذاك شيء يقدر في الذهن ~~فيقدر في الذهن ذات يمكن وجودها وعدمها وانت لم تتكلم فيما يقدر في الاذهان ~~بل قلت كل موجود فجعلت التقسيم واردا على الامور الموجودة في الخارج وتلك ~~إما موجودة بنفسها واما بغيرها وليس فيها ما يمكن ms0647 الالتفات اليه مع كونه ~~غير موجود إلا إذا كان في الذهن مع انه في الذهن موجود وجودا ذهنيا # الوجه الخامس قوله ان قرن باعتبار ذاته شرط صار واجبا أو ممتنعا وان لم ~~يقترن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها بقي له من PageV03P344 ذاته الأمر ~~الثالث وهو الإمكان فيكون باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع # فيقال هذا التقسيم يتضمن رفع النقيضين فانه لا بد ان يقترن بها حصول ~~العلة أو عدمها لا يمكن رفع النقيضين جميعا وهو حصول العلة وعدمها معا ~~فالتقدير المقابل لهذين وهو أن لا يقترن بها حصول العلة ولا عدمها فهو ~~تقدير سلب النقيضين وهو رفع وجود العلة وعدمها معا وهذا ممتنع # وحينئذ فلا يثبت الإمكان إلا على تقدير ممتنع وما لا يثبت إلا على تقدير ~~ممتنع فهو ممتنع فيكنو الإمكان الذي اثبتوه وهو أنه لا يجب ولا يمتنع لا ~~يحصل إلا تقدير ممتنع وهو رفع النقيضين فيكون ممتنعا وهذا يوضح أن هذا ~~الإمكان امر لا حقيقة له في الخارج ولا يعقل الإمكان إلا في شيء يكون ~~موجودا تارة ومعدوما أخرى وأما ما يكون موجودا لا يقبل العدم البتة فليس ~~بممكن كما أن المعدوم الذي لا يقبل الوجود البتة ليس بممكن مثل نقيض صفات ~~كمال الباري فإن العجز والجهل ونحوذلك أمور معدومة له لا تقبل الوجود البتة ~~كما ان حياته وقدرته وعلمه من لوازم ذاته لا تقبل العدم البتة بل يجب ~~وجودها ويمتنع عدمها وليست من الممكن الذي يقبل الوجود والعدم يبين هذا ~~PageV03P345 # الوجه السادس وهو قوله وإن لم يقرن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها بقي له ~~من ذاته الأمر الثالث # يقتضي أن هذا الأمر الثالث إنما يكون له من ذاته إذا لم يقرن بها أحد ~~الأمرين ومعلوم أنه لا بد أن يقرن بها أحد الأمرين فإذا لم يكن لها الإمكان ~~إلا في حال تجردها عن الاقتران وهي لا تتجرد عن الاقتران لم يكن لها من ~~ذاتها إمكان أصلا فإنه جعل ما لا ms0648 يمكن عدمه واجبا سواء كان واجبا بنفسه أو ~~بغيره وما كان واجبا لم يكن ممكنا وإنما يكون ممكنا إذا لم يقرن به لا سبب ~~وجوده ولا سبب عدمه يقرر هذا # الوجه السابع وهو أن هذا الكلام يقتضي أنها في حال اقترانها بشرط حصول ~~العلة واجبة ليس لها من ذاتها الإمكان والتقدير أنها موجودة وأن الموجود ~~إما واجب وإما ممكن وفي حال وجودها قد PageV03P346 # اقترن بها حصول العلة فلا يكون في حال وجودها لها من ذاتها الإمكان # وحينئذ فوصفها بالإمكان في حال الوجود الواجب ممتنع فبطل تقسيم الوجود ~~الواجب إلى واجب وممكن بهذا الاعتبار بخلاف تقسيم من قسمه إلى واجب وممكن ~~وفسر الممكن بما يوصف بالوجود تارة والعدم أخرى فيكون تارة موجودا وتارة ~~معدوما فإن تقسيم الوجود إلى واجب وممكن بهذا الاعتبار لا منافاة فيه فإنها ~~توصف بالإمكان حال عدمها لأنه يمكن وجودها وتوصف به في حال وجودها لأنه ~~أمكن وجودها كما أمكن عدمها # الوجه الثامن أن قول القائل له من ذاته الإمكان أو أن ذاته تقبل الوجود ~~والعدم ونحو ذلك # يقال له هذه الذات هي من حيث هي ذات مع قطع النظر عن وجودها كما فرضتم ~~ذلك هي واجبة أو ممكنة أو ممتنعة فإن كانت واجبة أو ممتنعة بطل كونها ممكنة ~~وإن كانت ممكنة فلا تكون ذاتا إلا بأمر آخر يجعلها ذاتا كما أنها لا تكون ~~موجودة إلا بأمر آخر يجعلها موجودة بل قياس ما ذكروه أنه لا يثبت كونها ~~ذاتا إلا بسبب PageV03P347 ولا ينتفي كونها ذاتا إلا بسبب وهذا يفضي إلى ~~التسلسل لأن القول فيما يوصف بكونه ذاتا كالقول فيما يوصف بكونه موجودا # الوجه التاسع أنه إذا كانت تلك الحقيقة والذات مفتقرة في كونها حقيقة ~~وذاتا إلى سبب فلا سبب إلا واجب الوجود وواجب الوجود يمتنع أن يجعلها حقيقة ~~مع كونها معدومة فلا يجعلها ذاتا وحقيقة إلا مع كونها موجودة وحينئذ فإذا ~~كان وجودها واجبا به فحقيقتها واجبة به فلا تكون قابلة للعدم كما أن نفس ~~الوجود لا يكون ms0649 قابلا للعدم لما فيه من الجمع بين النقيضين # الوجه العاشر أنه إذا قدر أن واجب الوجود لم يجعل حقيقتها وهي لا تكون ~~لها حقيقة إلا بسبب لم يكن هناك حقيقة تقبل الوجود والعدم # الوجه الحادي عشر قوله كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير ~~التفات إلى غيره الخ # يقال نحن إذا التفتنا إلى السماء أو غيرها من الموجودات من غير التفات ~~إلى غيرها لم نعقل إلا تلك العين الموجودة فإذا قدرنا أنه لا يجب لها ~~الوجود من نفسها لم تكن موجودة إلا بموجد يوجدها فنحن نعقل أن الشيء إما ~~موجود بنفسه وإما موجود بغيره وإذا قسم الوجود إلى موجود بنفسه وموجود ~~بغيره وسمى هذا ممكنا كان هذا تقسيما صحيحا وهو كتقسيمه إلى مفعول وغير ~~مفعول ومخلوق وغير PageV03P348 مخلوق أما كون هذا الممكن له ذات وليس له من ~~تلك الذات وجود ولا عدم فهذا غير معقول في شيء من الموجودات بل المعقول أنه ~~ليس في الممكن من نفسه وجود أصلا ولا تحقق ولا ذات ولا شيء من الأشياء # وإذا قلنا ليس له من ذاته وجود فليس معناه أنه في الخارج له ذات ليس له ~~منها وجود بل معناه أنا نتصور ذاتا في أنفسنا ونتصور أن تلك الذات لا توجد ~~في الخارج إلا بمبدع يبدعها فالحقائق المتصورة في الأذهان لا توجد في ~~الأعيان إلا بمبدع يبدعها في الخارج لا أنه في الخارج لها ذات ثابتة في ~~الخارج تقبل الوجود في الخارج والعدم في الخارج فإن هذا باطل # وإذا كان كذلك وعلمنا أن كل موجود فإما موجود بنفسه وهو الخالق أو موجود ~~بغيره وهو المصنوع المفعول والمصنوع المفعول لا يكون إلا محدثا مسبوقا ~~بالعدم بل الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثا مسبوقا بالعدم ~~عند عامة العقلاء ولو قدر أنا لم نعرف هذا فتسمية ما وجوده بنفسه ووجود ~~غيره منه خالقا PageV03P349 وتسمية ما أبدعه مخلوقا أحسن وأبين من تسمية ~~هذا ممكنا إذا الممكن لا يوصف به في العادة ms0650 إلا المعدوم الذي يمكن أن يوجد ~~وأن لا يوجد وأما ما وجد فقد خرج عن الإمكان إلى الوجوب بالغير فالمعروف في ~~فطر الناس أن ما مضى من وجود وعدم لا يسمونه ممكنا وإنما يسمون بالممكن ~~شيئا يمكن وجوده في المستقبل وعدمه في المستقبل # ثم إذا عرف أن كل ما سوى الموجود بنفسه فهو مفعول مصنوع له علم أن ~~المصنوع المفعول لا يكون إلا محدثا كما قد بسط في موضعه وهذه الاعتراضات ~~ليست اعتراضات على إثبات واجب الوجود فإنه حق لكن على هذا الطريق الذي سلكه ~~حيث أثبت ذاتا ممكنة مع كونها عنده قديمة أزلية ولا يحتاج إثبات واجب ~~الوجود إلى هذا في هذه الطريق # بل إذا قيل كل موجود فإما موجود بنفسه وإما موجود بغيره والموجود بغيره ~~لا يوجد إلا بالموجود بنفسه ثبت وجود الموجود بنفسه وإذا سمي هذا واجبا ~~وهذا ممكنا كان ذلك أمرا لفظيا لكن المقصود أنه لا يثبت واجب الوجود بما ~~يدعي أنه ذات تقبل الوجود والعدم وهي مع ذلك قديمة أزلية واجبة فالواجب لا ~~يقبل العدم بحال والله أعلم PageV03P350 # وهذه الأمور التي ذكرناها في هذا الموضع عامة النفع يحتاج إليها في هذا ~~الموضع وغيره لما في القلوب من الأمراض ولكن خرجنا إليها من الكلام على ~~المسالك التي سلكها أبو عبد الله الرازي في حدوث العالم والأجسام وذكرنا ~~كلام الآمدي على تلك المسالك فحصل هذا في الكلام على المسلك الأول $ فصل # وأما المسلك الثاني فمسلك افتقار الاختصاص إلى مخصص فقرره الآمدي من ~~وجهين # أحدهما ما ذكره الرازي ثم زيفه # قال الآمدي المسلك الثاني هو أن أجزاء العالم مفتقرة إلى ما يخصصها ~~بمالها من الصفات الجائزة لها وكل ما كان كذلك فهو محدث فالعالم محدث # أما المقدمة الأولى فقد انتهج الأصحاب فيها طريقين الأول أنهم قالوا كل ~~جسم من أجسام العالم فهو متناه وكل متناه فله شكل معين ومقدار معين وحيز ~~معين # أما المقدمة الأولى فلما سبق تقريره وأما المقدمة الثانية فلأن كل ~~PageV03P351 # جسم متناه فلا بد له ms0651 من مقدار معين وأن يحيط به حد واحد كالكري أو حدود ~~كالمضلع وهو المعني بالشكل وأن يكون في حيز بحيث يمكن أن يشار إليه بأنه ~~ههنا أو هناك # وهذا كله معلوم بالضرورة وكل ماله شكل ومقدار وحيز معين فلا بد له من ~~مخصص يخصصه به # وبرهانه أنه ما من جسم إلا ويعلم بالضرورة أنه يجوز أن يكون على مقدار ~~أكبر أو أصغر مما هو عليه أو شكل غير شكله وحيز غير حيزه إما متيامنا عنه ~~أو متياسرا وإذا كان كذلك فلا بد له من مخصص يخصصه بما يخصص به وإلا كان ~~أحد الجائزين واقعا من غير مخصص وهو محال # الطريق الثاني أن جواهر العالم إما أن تكون مجتمعة أو متفرقة أو مجتمعة ~~ومتفرقة معا أو لا مجتمعة ولا متفرقة أو البعض PageV03P352 مجتمعا والبعض ~~متفرقا لاجائز أن يقال بالاجتماع والافتراق معا ولا أنها غير مجتمعة ولا ~~متفرقة معا إذ هو ظاهر الإحالة فلم يبق إلا أحد الأقسام الأخر وأي قسم منها ~~قدر أمكن في العقل فرض الأجسام على خلافه فيكون ذلك جائزا لها ولا بد لها ~~من مخصص يخصصها به لما تقدم في الطريق الأول # وأما بيان المقدمة الثانية وهو أن كل مفتقر إلى المخصص محدث فهو أن ~~المخصص لا بد أن يكون فاعلا مختارا وأن يكون ما يخصصه حادثا لما تقدم في ~~المسلك الأول يعني مسلك الإمكان فإنه قدمه وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ~~ذكره فيه وإذا ثبت أن أجزاء العالم من الجواهر والأجسام لا تخلو عن الحادث ~~فتكون حادثة فإذا كانت أجزاء العالم من الجواهر PageV03P353 والأجسام حادثة ~~فالأعراض كلها حادثة ضرورة عدم قيامها بغير الجواهر والأجسام والعالم لا ~~يخرج عن الجواهر والأعراض فيكون حادثا # قال الآمدي وهذا المسلك ضعيف أيضا إذ لقائل أن يقول المقدمة الأولى وإن ~~كانت مسلمة غير أن المقدمة الثانية وهي أن كل مفتقر إلى المخصص محدث ممنوعة ~~وما ذكر في تقريرها باطل بما سبق من المسلك الأول وبتقدير تسليم حدوث ما ~~أشير إليه من ms0652 الصفات فلا يلزم أن تكون الجواهر والأجسام حادثة لجواز أن ~~تكون هذه الصفات متعاقبة عليها إلى غير النهاية إلا بالالتفات إلى ما سبق ~~في بيان امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها تنتهي إليه # قلت هذا المسلك أضعف من مسألة الحركة والسكون فإن هذا يفتقر إلى ما يفتقر ~~إليه ذاك من غير عكس إذ كلاهما مفتقر إلى بيان PageV03P354 امتناع حوادث ~~متعاقبة دائمة وقد عرف ما فيه وهذا يزيد باحتياجه إلى بيان أن الجسم لا ~~يخلو عن صفات حادثة غير الحركة والسكون وهذا يخالف فيه جمهور العقلاء وهذا ~~مبني على مقدمات على أنه لا بد من قدر أو اجتماع أو افتراق وأن ذلك لا يكون ~~إلا بمخصص وأن كل ما لا بد له من مخصص فهو محدث # أما المقدمة الأولى فجمهور العقلاء سلموا أنه لا بد له من قدر وأما كونه ~~لا بد له من اجتماع وافتراق فهو مبني على مسألة الجوهر الفرد # وأكثر العقلاء من طوائف المسلمين وغيرهم ينكرون الجوهر الفرد حتى الطوائف ~~الكبار من أهل الكلام كالنجارية والضرارية والهشامية والكلابية وكثير من ~~الكرامية مع أكثر الفلاسفة وإن كان القول بتركيب الجسم من المادة والصورة ~~كما يقوله من يقوله من المتفلسفة أيضا أفسد من دعوى تركبه من الجواهر ~~الفردة فكلا القولين ضعيف # ونحن في هذا المقام مقصودنا التنبيه على جوامع الطرق ومقاصدها وأما كون ~~ما له قدر يفتقر إلى مخصص فهذا فيه نزاع مشهور وذلك أن القدر صفة من صفات ~~ذى القدر كألوانه وأكوانه وسائر ما يمكن أن يتصف به الجسم من الحياة والعلم ~~والقدرة والكلام والسمع والبصر PageV03P355 وغير ذلك فإن صفاته نوعان منها ~~ما يختص بالأحياء مثل هذه الصفات ومنها ما يشترك فيه الحي وغيره كالأكوان ~~والقدر والطعم والريح # فإذا قال القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون قدره على خلاف ما هو عليه كان ~~بمنزلة أن يقول كل موصوف يمكن أن يكون موصوفا بخلاف صفته فإذا عرضنا على ~~عقولنا ما نعلمه من الموجودات التي لها أقدار وصفات كان تجويزنا ms0653 لكونها على ~~خلاف أقدارها كتجويزنا لها أن تكون على خلاف صفاتها بل القدر من الصفات # ولهذا لما تكلم الفقهاء في مفهوم الصفة كقوله صلى الله عليه وسلم في ~~الإبل السائمة الزكاة تكلم بعضهم في مفهوم القدر كقوله إذا بلغ الماء قلتين ~~لم يحمل الخبث فقال آخرون القدر من جملة الصفات # ولهذا كان مما احتج به من احتج به من أهل الكلام على الفلاسفة في مسألة ~~حدوث العالم أن العالم له صفات وأقدار يمكن أن يكون على خلافها فهو مفتقر ~~إلى مخصص لأن العالم ممكن بالاتفاق والمخصص لا يكون موجبا بالذات # وقد سلك هذا الطريق أبو المعالي في النظامية فسالكو هذه الطريقة ~~ومنازعوهم لم يفرقوا بين القدر وسائر الصفات في إمكان القبول وعدمه والقدر ~~المعين أقرب إلى الذات المعينة من الصفات PageV03P356 المطلقة كما أن صفاته ~~المخصوصة ألزم له من جنس القدر فإن نفس الجسم التعليمي الذي يقدر في الذهن ~~لا يمكن فرضه إلا وله قدر يمكن فرضه خاليا عن جميع الصفات لأنه فرض جسم ~~شامل لجميع الأجسام فلهذا قدر مجردا عن جميع الصفات كما يفرض عدد مجرد عن ~~جميع المعدودات # وكذلك مايتخيله الانسان من الأجسام بعد رؤيته له كتخيله الانسان والفرس ~~والشجر والدار والمدينة والجبل ونحو ذلك يمكنه تخيله مع عدم تخيل شيء من ~~صفاته كألوانه وغيرها ولا يمكنه تخيله مع نفي قدره فاختصاص جنس الجسم بجنس ~~القدر كاختصاص جنس الموصوفات بجنس الصفات واختصاص الجسم المعين بقدره ~~كاختصاصه بصفته المعينه وحقيقته المخصوصة # وكل شيء له حقيقه تخصه وقدر وصفات تقوم به فهنا ثلاثة أشياء المقدار ~~والحقيقة وصفات الحقيقة # فقول القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون بخلاف ذلك القدر كقوله كل موصوف يمكن ~~وجوده على خلاف تلك الصفات وهو أقرب من قوله كل ماله حقيقه فيمكن وجوده على ~~خلاف تلك الحقيقة # ولكن في هذا المقام يكفي أن يجعل حكم المقدار حكم سائر PageV03P357 ~~الصفات فلا ريب أن كيفية الموصوف وصفاته ألزم له من قدره فكيفيته أحق به من ~~كميته فاختصاصه بقدر دون ms0654 اختصاصه بصفة فالنار والماء والهواء يلزمها ~~كيفياتها المخصوصة أعظم مما يلزمها المقدار المعين # فيقال إن أمكن أن يقرر أن كل جسم يقبل من الصفات خلاف ما هو عليه وما كان ~~كذلك فهو ممكن أو محدث كان هذا دليلا عاما لا يختص بالمقدر وإن لم يمكن ذلك ~~فلا فرق بين القدر وغيره # وأحد الطرق التي ذكرها الرازي وغيره في إثبات الصانع تعالى الاستدلال ~~بإمكان صفات الجسم أو حدوثها لم يفرق السالكون فيه بين القدر وغيره # ثم لقائل أن يقول قول القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون أكبر أو أصغر أو كل ~~ذي وصف يمكن أن يكون بخلاف ذلك الوصف ونحو ذلك أتريد به الإمكان الذهني أو ~~الخارجي والفرق بينهما أن الإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع فليس ~~في ذهنه ما يمنع ذلك والإمكان الخارجي معناه العلم بالإمكان في الخارج ~~PageV03P358 # والإنسان يقدر في نفسه أشياء كثيرة يجوزها ولا يعلم أنها ممتنعة ومع هذا ~~فهي ممتنعة في الخارج لأمور أخر # فإن قال أريد به الإمكان الذهني لم ينفعه ذلك لأن غايته عدم العلم ~~بامتناع كون تلك الصفة واجبة له # وإن قال أريد الإمكان الخارجي وهو أني أعلم أن كل موصوف بصفة أو كل ذي ~~قدر يمكن أن يكون بخلاف ذلك كان مجازفا في هذا الكلام لأن هذه قضية كلية ~~تتناول من الأفراد ما لا يحصيه إلا الله تعالى وليس معه دليل يدل على إمكان ~~ذلك في الخارج يتناول جميع هذه الأفراد غايته أنه رأى بعض الموصوفات ~~والمقدرات يقبل خلاف ما هو عليه فإذا قاس الغائب على الشاهد كان هذا من ~~أفسد القياس لاختلاف الحقائق ولأن هذا ينعكس عليه # فيقال له لم نر إلا ما له صفة وقدر فيقاس الغائب على الشاهد # ويقال كل قائم بنفسه فله صفة وقدر وهذا إلى المعقول أقرب من قياسهم فإن ~~هذا لا يعلم انتقاضه # وأما قول القائل كل ما له صفة وقدر فيقبل خلاف ذلك فلا يعلم اطراده فأين ~~القياس الذي لا يعلم انتقاضه من القياس الذي ms0655 لا يعلم اطراده # والناس متفقون على أنهم لم يروا موجودا إلا له صفة وقدر وليسوا متفقين ~~على ان كل ما رأوه يمكن وجوده على خلاف صفاته PageV03P359 وقدره مع بقاء ~~حقيقته التي هو بها هو ولكن مع استحالة حقيقته فاستحالة قدره وصفاته أولى # ثم ان ما نشاهده من السموات إنما نعلم جواز كونها على خلاف هذه الصفات ~~بأدلة منفصلة لا نعلم ذلك ضرورة ولا حسا ولهذا نازع في ذلك كثير من العقلاء ~~الذين لا يجمعهم مذهب معين تلقاه بعضهم عن بعض ولو كان هذا الجواز معلوما ~~بالضرورة لم ينازع فيه طوائف العقلاء الذين لم يتواطأوا على قول فإن هؤلاء ~~لا يتفقون على جحد الضروريات # ثم يقال هذا بعينه معارض بالحقائق في نفسها وصفاتها اللازمة لها فإنه ~~يمكن ان يقال كل موجود له حقيقة تخصه يمتاز بها عن غيره فاختصاص ذلك ~~الموجود بتلك الحقيقة دون غيرها من الحقائق يفتقر إلى مخصص # ويقال أيضا كل موجود له صفات لازمة تخصه فاختصاصه بتلك الصفات دون غيرها ~~يفتقر إلى مخصص # ومن المعلوم أنه قد علم بضرورة العقل واتفاق العقلاء انه لا بد من وجود ~~واجب بنفسه قديم وموجود ممكن محدث فإنا نشاهد حدوث الحوادث والحادث ممكن ~~وألا لما وجد وليس بواجب بنفسه وإلا لم PageV03P360 يعدم ويعلم بالضرورة ان ~~طبيعة المحدث لا تكون إلا بقديم وطبيعة الممكن لا تكون إلا بواجب كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع # فإذا كانت الموجودات منقسمة إلى قديم ومحدث وواجب وممكن فمن المعلوم ~~انهما يشتركان في مسمى الوجود والماهية والذات والحقيقة وغير ذلك ويختص ~~الواجب بما لا يشركه فيه غيره # بل من المعلوم بالضرورة ان الواجب له حقيقة تخصه لا يشركه فيها غيره فإن ~~كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين له افتقرت حقيقة الواجب بنفسه إلى مخصص ~~مابين له فلا يكون في الموجودات قديم ولا واجب فيلزم حدوث الحوادث بلا محدث ~~ووجود الممكنات بلا واجب # وهذا كما أنه معلوم الفساد بالضرورة فلم يذهب اليه أحد من العقلاء بل ~~غاية ms0656 الدهري المعطل الكافر ان يقول العالم قديم وجب الوجود بنفسه لا يقول ~~انه ممكن محدث ليس له مبدع واذا قال الدهري ان العالم واجب الوجود بنفسه ~~لزمه ان الواجب بنفسه مختص عن غيره بصفات لا يشركه فيها غيره كالحادث من ~~الحيوان والنبات والمعدن # ففي الجملة كل عاقل مضطر إلى إثبات موجود واجب بنفسه له PageV03P361 ~~حقيقة يختص بها عما سواه من غير مخصص مباين له خصصه بتلك الحقيقة # ومن قال ان واجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط الاطلاق أو لا بشرط # فيقال له هذا القول وان كان فساده معلوما بالاضطرار كما بين في موضعه قول ~~متناقض وهو مستلزم انه مختص عن غيره بما يخصه # وذلك ان المطلق لا يوجد في الخارج مطلقا ولا يوجد إلا مقيدا بقيد من ~~القيود # فإذا قيل موجود واجب قيده بالوجوب فلم يبق مطلقا # وان قال ليس بواجب قيده بسلب الوجوب فلم يكن مطلقا # وان ادعى وجود موجود لا واجب ولا غير واجب لزمه رفع النقيضين جميعا وهو ~~أظهر الامور الممتنعة في بديهة العقل # ثم انه يقيده بكونه مبدأ لغيره وبكونه عاقلا ومعقولا وعقلا وعاشقا ~~ومعشوقا وعشقا وغير ذلك من الامور المقيدة المخصصة التي يمتاز بها عن غيهر ~~ولا يكون وجودا مطلقا PageV03P362 # ثم ان قال هو مطلق لا بشرط لزمه ان يصدق حمله على كل موجود كما ان ~~الحيوان المطلق لا بشرط يصدق عليه حمله على الانسان والفرس وغيرهما من ~~الحيوانات وهذا متفق عليه بين العقلاء فيلزم حينئذ ان يكون كل موجود واجب ~~الوجود ان كان واجب الوجود هو الوجود المطلق لا بشرط كما يقوله الصدر ~~القونوي وأمثاله من الملاحدة الباطنية باطنية الرافضة وباطنية الصوفية # ومعلوم ان هذا مكابرة للحس والعقل وهو منتهى الالحاد في الدين وان قال هو ~~مطلق بشرط الاطلاق كما يقوله طائفة من ملاحدة الطائفتين ممن يرفع عنه ا ~~النقيضين فهم قد قرورا في منطقهم أن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في ~~الاذهان لا في الاعيان ثم يلزمهم ان لا يصفوه بالوجوب ولا ms0657 بكونه علة ولا ~~عاقلا ولا معقولا ولا عاشقا ولا معشوقا لأن هذا كلها تخرج الوجود عن أن ~~يكون مطلقا بشرط الاطلاق وتميزه عما ليس كذلك والمطلق لا بشرط ليس فيه ~~اختصاص ولا امتياز # وان قالوا مطلق بشرط سلب سائر الامور الثبوتية عنه وهو الموصوف بالسلوب ~~والاضافات دون الاثبات كما يقوله ابن سينا PageV03P363 وطائفة فهذا مع انه ~~باطل من وجوه كثيرة ليس هو مطلقا بل موجود مقيد بقيود سلبية واضافية وذلك ~~تخصيص امتاز به عن سائر الموجودات فلا يمكن تقدير وجود واجب ولا ممكن إلا ~~وهو مختص بما يميزه عن سائر الموجودات على أي وجه قدر # ثم يقال كل ما أشار اليه العقل من الامور فلا بد له من حقيقة تختص به ~~تميزه عما سواه كيفما كان وكل ما هو موجود في الخارج فلا بد له من وجود ~~يختص به يمتاز به عما سواه فإنن كان كل ما اختص بأمر يخصه يجب ان يكون له ~~مخصص من خارج امتنع ان يكون في الوجود موجود بنفسه وان تكون حقيقة من ~~الحقائق موجودة بنفسها وان يكون ثم وجود واجب # ثم يلزم التناقض والدور الممتنع والتسلسل الممتنع فإنه إذا افتقر كل مختص ~~إلى مباين يخصه فذاك الثاني إما ان يفتقر إلى مخصص واما ان لا يفتقر فإن لم ~~يفتقر انتقضت القضية الكلية وهو المطلوب # وان افتقر إلى الأول لزم الدور القبلي وان افتقر إلى غيره لزم التسلسل في ~~العلل وكلاهما ممتنع باتفاق العقلاء # ولو قدر مقدر انه يلزم الدور المعي وهو ان يكون كل من المختصين موجودا مع ~~الآخر PageV03P364 # فيقال فكل منهما مختص بأمر فهو متوقف على ما اختصت به نفسه وعلى ما اختص ~~به الآخر فيلزم ان يكون هناك اختصاصان فالقول في ذلك الاختصاص كالقول في ~~الأول # وبالجملة اختصاص الشيء بما هو عليه من خصائصه كاختصاصه بنفسه ووجوده ~~وصفاته كلها لازمها وعارضها فقول القائل كل مختص لا بد له من مخصص مباين له ~~كقوله كل موجود فلا بد له من موجد مباين له ms0658 وكل حقيقة فلا بد لها من محقق ~~مباين لها وكل قائم بنفسه فلا بد له من مقوم مباين له وأمثال ذلك # فإنه ما من أمر من هذه الامور إلا ويمكن الذهن ان يقدره على خلاف ما هو ~~عليه ومجرد تقدير إمكان ذلك في الذهن لا يوجب إمكان ذلك في الخارج ولكن ~~طائفة من أهل الجدل والباطل والحكمة السوفسطائية يستدلون على إمكان الشيء ~~في الخارج بإمكانه في الذهن كما يوجد مثل ذلك في كلام كثير من أهل الكلام ~~والفلسفة # والرازي والامدي ونحوهما يستعملون ذلك كثيرا كاستدلال الرازي وغيره على ~~إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانب بأن يقولوا القسمة العقلية ~~تقتضي ان كل موجود فإما مباين لغيره وإما مجانب له وإما لا مباين ولا مجانب ~~أو كل موجود فإما داخل في غيره وإما خارج عنه وإما لا داخل ولا خارج ~~PageV03P365 # ويجعلون مثل هذه التقسيم دليلا على إمكان كل من الأقسام في الخارج وقد ~~يسمون ذلك برهانا عقليا وهو من أفسد الكلام فإن هذا بمنزلة قول القائل كل ~~موجود فإما ان يكون قائما بنفسه أو قائما بغيره واما ان لا يكون قائما ~~بنفسه ولا بغيره فإن هذا لا يقتضي إمكان وجود موجود لا قائم بنفسه ولا ~~بغيره بل هذا مما يعلم امتناعه بالضرورة واتفق العقلاء على امتناعه # ومثله ان يقال كل موجود إما قديم أو محدث أو لا قديم ولا محدث ومثله كل ~~موجود إما واجب أو ممكن أو لا هذا ولا هذا وكل موجود إما خالق أو مخلوق أو ~~لا خالق ولا مخلوق ومثله إما عالم أو جاهل أو لا عالم ولا جاهل ومثله إما ~~حي وميت أو لا حي ولا ميت # فهذه التقسيمات وامثالها لا تدل على إمكان كل قسم منها ولا على وجوده في ~~الخارج باتفاق العقلاء بل العقلاء متفقون على ان الموجود إما واجب واما ~~ممكن واما قديم واما محدث واما قائم بنفسه واما قائم بغيره # فأما تقسيم كل قائم بنفسه إلى الحي والميت والعالم والجاهل والقادر ms0659 ~~والعاجز فهو أيضا صحيح عند جماهير العقلاء وهو قول المثبة لاسماء الله ~~الحسنى وهو أنه حي عالم قادر PageV03P366 # وانما ينازع فيه النفاة من الجهمية والباطنية فلا يسمونه بشيء من الاسماء ~~الحسنى التي سمى بها نفسه وسمته بها رسله حتى لا يقولون هو شيء ولا موجود ~~لأن ذلك بزعمهم يستلزم التشبيه بغيره من الاشياء والموجودات # وللملاحدة الفلاسفة سؤال مشهور على قول القائل إما ان يكون حيا أو ميتا ~~أو عالما أو جاهلا وقادرا أو عاجزا وسميعا بصيرا أو اعمى وأصم فإن هذين ~~متقابلان تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والايجاب # والفرق بينهما ان الأول سلب الشيء عما من شأنه ان يكون متصفا به كسلب ~~الحياة والسمع والبصر والعلم عن الحيوان فإنه قابل لذلك فإذا سلب عنه لزم ~~ان يكون ميتا أعمى أصم جاهلا وأما الجماد فإنه لا يقبل الاتصاف بذلك فلا ~~يقال فيه حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا سميع بصير ولا أعمى أصم # قلت وقد بسطنا الكلام على هذه الشبهة وان كان الامدي وأمثاله عجزوا عن ~~حلها بل اعترفوا بورودها وبينا الجواب عن ذلك من وجوه # احدها ان مالا يقبل الاتصاف بصفات الكمال انقص مما يقبل الاتصاف بصفات ~~الكمال والحي الجاهل الاعمى الاصم لقبوله للعلم PageV03P367 والسمع والبصر ~~أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك فإذا كان يمتنع كون الواجب يقبل صفات ~~الكمال ولا يتصف بها فلأن يمتنع كونه لا يقبلها بطريق الأولى # والثاني ان كل صفة من صفات الكمال إذا لم تستلزم نقصا فالواجب اولى بها ~~من الممكن واتصافه بها اولى من الممكن لأنه أكمل ولأن كل كمال حصل للممكن ~~فهو من الواجب وهم يسلمون ان كل كمال حصل للمعلوم فهو من علته فالمعلول ~~اولى بذلك # الثالث ان كل ما أمكن اتصاف الرب سبحانه به فهو واجب له لامتناع توقف شيء ~~من صفاته على غيره # الرابع ان نفي هذه الصفات نقص وان لم يسم جهلا وصما بكما # الخامس ان ما ذكروه من التفريق بين السلب والايجاب والعدم والملكة ms0660 بتسمية ~~هذا ميتا دون هذا اصطلاح لهم لا يجب اتباعه والله قد سمى الجماد مواتا في ~~مثل قوله تعالى @QB@ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~أموات غير أحياء @QE@ سورة النحل 20 21 وفي قوله تعالى @QB@ وآية لهم الأرض ~~الميتة @QE@ سورة يس 33 وأمثال ذلك PageV03P368 # فإذا كان قد علم انه لا بد من موجود بنفسه مختص بخصائص لا يشركه فيها ~~غيره ولا يحتاج فيها إلى مباين له كان توهم المتوهم ان كل مختص فلا بد له ~~من مخصص مباين له توهما باطلا شيطانيا وهو من جنس ما ذكره النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح لما قال # يأتي الشيطان احدكم فيقول من خلق كذا فيقول الله فيقول من خلق الله فإذا ~~وجد احدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته # وفي حديث آخر # لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله # وهذا لكون الوسواس الشيطاني الباطل لا يقف عند حد الموجود الواجب القديم ~~الخالق وهذا المقام ضل فيه طوائف من الناس صاروا ينفون ما يجب اثباته لله ~~تعالى من الصفات لعدم علمهم بما يوجب اختصاصه بذلك # ثم إنهم يتناقضون فالمعتزلة فرقوا بين كونه عالما وقادرا وكونه متكلما ~~مريدا بأن العلم عام التعلق فإنه سبحانه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ~~والكلام خاص فإنه يتكلم بشيء دون شيء فإنه لا يتكلم إلا بالصدق والارادة ~~خاصة فإنه يريد شيئا دون شيء لا يريد إلا ما علم ان سيكون # فقال لهم الناس هب ان الأمر كذلك لكن ما الموجب للتكلم ببعض الكلام دون ~~بعض ولارادة بعض الامور دون بعض فلا بد PageV03P369 من سبب يوجب التخصيص ~~فلا بد حينئذ ان يكون هو المخصص فقالوا القادر المختار يرجح أحد مقدوريه ~~على الآخر بلا مخصص # فيقال لهم هذا مع بطلانه يوجب تناقضكم فإنكم قلتم لا بد للتخصيص من مخصص ~~ثم قلتم كل الممكنات مخصصة ووجدت بدون مخصص بل رجح المرجح أحد المتماثلين ~~على الآخر من غير مخصص واذا ms0661 جوزتم في الممكنات وجود المخصصات بدون مخصص مع ~~أن نسبة القادر اليها نسبة واحدة فالموجود بنفسه اولى ان يستغني عن مخصص ~~مما اختص به من ذاته وصفاته وذلك انه من المعلوم ان وجود ذاته وصفاته اولى ~~من وجود مفعولاته واذا جوزتم ان يكون مخصصا لمفعولاته المختصة بحقيقة وقدر ~~وصفة بلا مخصص اصلا فتجويزكم ان تكون ذاته المختصة الواجبة بنفسها لا تفتقر ~~إلى مخصص بطريق الأولى # وهذا لا ينعكس فإنه إذا قيل ان افعاله تفتقر إلى مخصص لم يلزم ان تكون ~~ذاته مفتقرة إلى مخصص فإن ذاته واجبة الوجود بنفسها فهي لا تفتقر إلى سبب ~~اصلا بخلاف مفعولاته فإنها مفتقرة إلى سبب وما افتقر إلى فاعل جاز ان يقال ~~هو مفتقر إلى مخصص بخلاف مالا يفتقر إلى فاعل فإنه لا يجب ان يفتقر إلى ~~مخصص # فإذا قيل ما افتقر إلى سبب أو ما افتقر إلى فاعل أو ما افتقر إلى ~~PageV03P370 علم افتقر إلى مخصص وما لم يفتقر إلى شيء من ذلك لم يفتقر كان ~~هذا كلاما معقولا # بخلاف ما إذا قيل المفتقر إلى الفاعل لا يفتقر إلى مخصص والغنى عن الفاعل ~~يفتقر إلى مخصص فإن هذا قلب للحقيقة كما قالته المعتزلة الجهمية القدرية من ~~نفي افتقار الأفعال إلى مخصص واثبات افتقار الذات إلى مخصص قلب للحقائق # وأفسد منه قول الفلاسفة الذين يثبون مفعولات مختلفة مع حدوث كثير منها ~~ويقولون ان مخصصها مجرد وجود بسيط ثم يصفونه بصفات تفيد اختصاصه بما يتميز ~~به عن سائر الموجودات ويقولون مع ذلك الاختصاص لا بد له من مخصص مباين له ~~ثم العلم فيه من العموم ما ليس في القدرة وفي القدرة من العموم ما ليس في ~~الارادة # والمتفلسفة نفوا الاختصاص حتى اثبتوا وجودا مطلقا مجردا ثم اثبتوا له من ~~اللوازم ما يوجب الاختصاص مثل كونه وجودا واجبا وذلك يميزه عن الوجود ~~الممكن وجعلوه عاقلا ومعقولا وعقلا وعاشقا ومعشوقا وعشقا وملتذا ومتلذا به ~~وأنواع ذلك مما يوجب اختصاصه بهذه الامور عمن ليس هو موصوفا بها من ms0662 ~~الجمادات # وقالوا صدر عنه العالم المختص بما له من الصفات والاقدار من غير موجب ~~للتخصيص فهل في الوجود أعظم من هذا التناقض PageV03P371 وهو ان يكون وجود ~~مطلق لا اختصاص فيه يوجب كل اختصاص في الوجود من غير سبب يوجب التخصيص # وهؤلاء ينكرون على من أثبت من أهل الكلام الحوادث بلا سبب حادث ثم يثبتون ~~الحوادث بلا محدث ويثبتون التخصيصات في الموجودات بلا مخصص اصلا وهو شبيه ~~بقول من يجعل الممكن الذي ليس له من نفسه وجود يوجد بلا واجب بنفسه # ومن وافق هؤلاء من الكلابيه في بعض الامور يثبت صفات معدودة يختص بها ~~ويجعل لها خصائص ثم يطلب المخصص لغير تلك الصفات ولهذا كان منتهى من سلك ~~هذه السبيل إلى ان يثبت وجودا مطلقا ثم يتناقض اعظم من تناقض غيره وذلك لأن ~~كل موجود فمختص بما هو من خصائصه سواء كان واجبا أو ممكنا فطلب الذهن شيئا ~~مطلقا لا اختصاص له بشيء يميزه عن غيره طلب ما هو ممتنع لذاته فمن وصف ~~الواجب بذلك فقد وصفه بصفة الممتنع لذاته وهذا نهاية هؤلاء وهو الجمع بين ~~النقيضين # ثم يقول من يقول من متصوفتهم أنه يجوز الجمع بين النقيضين وأنه يثبت في ~~الكشف ما يناقض صريح العقل # والشهرستاني لما اعتمد في مناظرته للقائلين بالعلو والمباينة والصفات ~~الفعلية ونحو هؤلاء على هذه الطريقة أورد على نفسه من اللوازم ما ~~PageV03P372 اعترف معه بالحيرة فلما احتج بأن الاختصاص بالقدر يقتضي مخصصا ~~والاختصاص بالجهة يقتضي مخصصا قال فإن قيل بم تنكرون على من يقول القدر ~~الذي اختص به نهاية وحدا واجب له لذاته فلا يحتاج إلى مخصص بخلاف مقادير ~~الخلق فإنها احتاجت إلى ذلك لأنها جائزة وذلك لأن الجواز في الجائزات إنما ~~يعرف بتقدير القدرة عليها فلما كانت المقادير المخلوقة مقدورة عرف جوازها ~~واحتاج الجواز إلى مرجح فإذا لم يكن فوق الباري تعالى قادر يقدر عليه لم ~~يمكن اضافة الجواز اليه واثبات الاحتياج له السنا اتفقنا على ان الصفات ~~ثمان أفهي واجبة له على هذا العدد ms0663 أم جائز ان توجد صفة أخرى فإن قلتم يجب ~~الانحصار في هذا العدد كذلك نقول الاختصاص بالحد المذكور واجب له إذ لا فرق ~~بين مقدار في الصفات عدا ومقدار في PageV03P373 الذات حدا وان قلتم جائز ان ~~توجد صفة أخرى فما الموجب للانحصار في هذا العدد والحد فيحتاج إلى مخصص ~~حاصر ثم قال قلنا المقادير من حيث انها مقادير طولا وعرضا وعمقا لا تختلف ~~شاهدا ولا غائبا في تطرق الجواز العقلى اليها واستدعاء مخصص # فيقال له هذا الذي قلته هو أول المسألة فإن المقادير من حيث هي لا وجود ~~لها في الخارج كما ان الصفات والذوات من حيث هي هي لا وجود لها في الخارج ~~وانما يوجد في الخارج ذات مخصوصة بصفاتها المخصوصة فالقول فيما اختصت به من ~~المقدار كالقول فيما اختصت به من سائر الصفات وما اختصت به من الحقيقة ~~الموصوفة بتلك الصفات # ثم قال وأما الصفات وانحصارها في ثمان فقد اختلف جواب الاصحاب عنه بوجوه ~~منها انهم منعوا اطلاق لفظ PageV03P374 العدد عليها فضلا عن الثمانية ~~وقالوا قد دل الفعل بوقوعه على كون الفاعل قادرا وباختصاصه ببعض الجائزات ~~على كونه مريدا وبإحكامه على كونه عالما وعلم بالضرورة ان القضايا مختلفة ~~وورد في الشرع اطلاق العلم والقدرة والارادة ولا مدلول سوى ما دل الفعل ~~عليه أو ورد في الشرع اطلاقه ولهذا اقتصرنا على ذلك فلو سئل هل يجوز ان ~~يكون له صفة اخرى اختلف الجواب عنه فقيل لا يتطرق اليه الجواز فإنا لم نثبت ~~الصفات إلا بدليل الفعل والفعل ما دل إلا على تلك وقيل يجوز عقلا إلا ان ~~الشرع لم يرد به فنتوقف في ذلك ولا يضر الإعتقاد إذا لم يرد به تكليف # قال ومنها أنهم فرقوا في الشاهد بين الصفات الذاتية التي تلتئم منها ~~حقيقة الشيء وبين المقادير العرضية التي لا مدخل لها في تحقيق حقيقة الشيء ~~فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى PageV03P375 الفاعل بل هي له ~~من غير سبب والمقادير العرضية تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل ms0664 فإن جعلها له ~~بسبب # ومنها أنه لو قدر صفة زائدة على الثمان لم يخل إما ان تكون صفة مدح وكمال ~~أو صفة ذم ونقصان فإن كان صفة كمال فعدمها في الحال نقص وان كان صفة نقص ~~فعدمها عنه واجب واذا بطل القسمان تعين انه لا يتصف بزيادة على الثمانية # قال ويترتب على ما ذكرناه هل يجوز ان يكون للباري تعالى اخص وصف لا ندركه ~~وفرق بين هذا السؤال والسؤال الأول فإن السائل الأول سأل هل يجوز ان تزيد ~~صفاته على الصفات الثمانية والسائل الثاني سأل هل له أخص وصف تميز ~~PageV03P376 به عن المخلوقات واختلف جواب الاصحاب عنه ايضا فقال بعضهم ليس ~~له اخص وصف ولا يجوز ان يكون لأنه بذاته وصفاته تميز عن ذوات المخلوقات ~~وصفاتها من حيث ان ذاته لا حد لها زمانا ومكانا ولا تقبل الانقسام فعلا ~~ووهما بخلاف ذوات المخلوقات وصفاته غير متناهية في التعلق بالمتعلقات ولو ~~كان الغرض ان يتحقق اخص وصف به يقع التميز فقد وقع التميز بما ذكرناه فلا ~~أخص سوى ما عرفناه وقال بعضهم لا بل له اخص وصف في الالهة لا ندركه وذلك ان ~~كل شيئين لهما حقيقتان معقولتان فإنهما يتمايزان بأخص وصفيهما وجميع ما ~~ذكرنا من أن لا حد ولا نهاية لا انقسام للذات ولا تناهي للتعلق في الصفات ~~كل ذلك سلوب وصفات نفي وبالنفي لا يتميز الشي ءعن الشيء بل لا بد من صفة ~~إثبات بها يقع التميز وإلا فترتفع الحقيقة رأسا ثم إذا ثبت PageV03P377 أخص ~~الوصف هل يجوز ان يدرك قال امام الحرمين لا يجوز ان يدرك اصلا وقال بعضهم ~~يجوز ان يدرك وقال ضرار بن عمرو يدرك ذلك عند الرؤية بحاسة سادسة ونفس ~~المسألة من محارات العقول وتصور الاخص من محارات العقول # فيقال هذا وما أشبهه هو الذي يقال في هذا المقام من جهة من يفرق بين بعض ~~الصفات وبعض كما يفرق بين الصفة والقدر من تدبره علم انه لا يمكن الفرق # وذلك من وجوه # احدها ان ما ms0665 ذكره ليس فيه جواب عن الالزام والمعارضة فإنهم عارضوه بإثبات ~~صفات متعددة سواء كانت ثمانيا أو أكثر أو اقل فإن اختصاص الصفات بعدد من ~~الاعداد كاحتصاص الذات بقدر من الاقدار واذا كان المسمى لا يسمى ذلك عددا ~~فمنازعه لا يسمى الآخر قدرا وليس الكلام في الاطلاقات اللفظية بل في ~~المعاني العقلية وما زاد على ذلك سواء نفي ثبوته أو نفي PageV03P378 العلم ~~به لا يضر فإن السؤال قائم إلا أن يثبت المثبت صفات لا نهاية لعددها وهذا ~~ينقض قاعدة من يقول إنه لا يوجد ما لا نهاية له وإلا فإذا أثبت الصفات ~~متناهية كانت المعارضة متوجهة سواء عرف عددها أو لم يعرف وتفريق من فرق بين ~~الصفات الذاتية والعرضية بأن هذه تفتقر إلى فاعل دون الأخرى لا يصح لأن هذا ~~إنما يجيء على قول من يقول الماهيات غير مفعولة ولا مجعولة كما يقول ذلك من ~~يقوله من المتفلسفة ونحوهم وإلا فأهل السنة ومتكلموهم متفقون على أن حقائق ~~جميع المخلوقات مخلوقة مصنوعة بل ليس لها حقيقة في الخارج إلا ما هو موجود ~~في الخارج وما سوى ذلك فإنما هو الصورة العلمية وما في الأذهان من ذلك ~~فالله تعالى هو الذي جعله فيها والله سبحانه هو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر ~~فهدى وهو الذي خلق الإنسان من علق وهو الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم ~~يعلم وهو الذي خلق الإنسان علمه البيان # فقوله الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل قول باطل بل صفة كل ~~موصوف مخلوق مضافة إلى الله تعالى فإنه خلق كل موصوف بصفاته وليس في ~~المخلوق شيء لا من ذاته ولا من صفاته إلا والله تعالى خلقه وأبدعه # وأيضا فكل صفة لازمة لموصوفها لا يكون الموصوف إلا بها فإن كان مفتقرا ~~إلى الفاعل فالفاعل فعله بصفاته وإن كان غنيا عن PageV03P379 الفاعل استغنى ~~بصفاته عن الفاعل وتسمية أهل المنطق لبعضها ذاتيا ولبعضها عرضيا لا يمنع ~~اشتراكها في هذا الحكم # وقول القائل لو قدر صفة زائدة على الثمان لكان ms0666 صفة كمال أو نقص إنما ~~يفيده نفي ما زاد على الثمان وهذا لا يضر المعارض بل يقوي معارضته فإن ~~تخصيص الصفات بإثبات ثمان دون ما زاد ونقص تخصيص بقدر وعدد فإن كان كل مختص ~~يفتقر إلى مخصص مباين للموصوف فالسؤال قائم فإن قال القائل هذه الصفات على ~~هذا الوجه من لوازم الذات لا تفتقر إلى موجب غير الذات قيل له فهكذا مورد ~~النزاع وبطل ما ذكرته من اختصاص كل موصوف بصفات ومقدار يفتقر إلى مخصص ~~منفصل عنه # الوجه الثاني ان ما ذكره من الكلام في أخص وصف هو أيضا لازم لهم كما أن ~~ما ذكره في الصفات هو أيضا لازم لهم فإن هذا معارضة باختصاص الحقيقة في ~~نفسها وذلك معارضة باختصاصها ببعض الصفات دون بعض وبعدد من الصفات دون ما ~~زاد وسواء قيل بإثبات اخص وصف أو لم يقل فإنه لا بد من ذات متميزة بنفسها ~~عما سواها # الوجه الثالث ان يقال اهل الاثبات للصفات لهم فيما زاد على الثمانية ~~ثلاثة أقوال معروفة احدها إثبات صفات أخرى كالرضى والغضب والوجه واليدين ~~والاستواء وهذا قول ابن كلاب والحارث PageV03P380 المحاسبي وأبي العباس ~~القلانسي والاشعري وقدماء اصحابه كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن بن ~~مهدي الطبري والقاضي أبي بكر بن الطيب وامثالهم وهو قول أبي بكر بن فورك ~~وقد حكى إجماع اصحابه على إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليد وهو قول أبي ~~القاسم القشيري وأبي بكر البيهقي كما هو قول القاضي أبي يعلي وابن عقيل ~~والشريف أبي علي وابن الزاغوني وأبي الحسن التميمي واهل بيته كابنه أبي ~~الفضل ورزق الله وغيرهم كما هو قول سائر المنتسبين إلى اهل السنة والحديث ~~وليس للاشعري نفسه في إثبات صفة الوجه واليد والاستواء وتأويل نصوصها قولان ~~بل لم يختلف قوله انه يثبتها ولا يقف فيها بل يبطل تأويلات من ينفيها ولكن ~~أبو المعالي وأتباعه ينفونها ثم لهم في التأويل والتفويض قولان فأول قولي ~~أبي المعالي التأويل كما ذكره في = الارشاد وآخرهما التفويض كما ذكره في ~~الرسالة النظامية ms0667 وذكر إجماع السلف على المنع من التأويل وأنه محرم ~~PageV03P381 # وأما أبو الحسن وقدماء اصحابه فهم من المثبتين لها وقد عد القاضي أبو بكر ~~في التمهيد والابانة له الصفات القديمة خمس عشرة صفة ويسمون هذه الصفات ~~الزائدة على الثمانية الصفات الخبرية وكذلك غيرهم من أهل العلم والسنة مثل ~~محمد بن جرير الطبري وأمثاله وهو قول أئمة أهل السنة والحديث من السلف ~~وأتباعهم وهو قول الكرامية والسالمية وغيرهم # وهذا القول هو القول المعروف عند متكلمة الصفاتية لم يكن يظهر بينهم غيره ~~حتى جاء من وافق المتعتزلة على نفيها وفارق طريقة هؤلاء وأصل هؤلاء أنهم ~~يثبتون الصفات بالسمع وبالعقل بخلاف من اقتصر على الثمانية فإنه لم يثبت ~~صفة إلا بالعقل وقد أثبت طائفة منهم بعضها بالعقل كما أثبت أبو إسحاق ~~الاسفراييني صفة اليد بالعقل وكما يثبت كثير من المحققين صفة الحب والبغض ~~والرضى والغضب بالعقل PageV03P382 # القول الثاني قول من ينفي هذه الصفات كما ذكره الشهرستاني وغيره وهو أضعف ~~الأقوال فإن عمدته انه لو كان لله صفة غير ذلك لوجب ان ينصب عليها دليلا ~~نعلمه ولم ينصب فلا صفة له وكلتا المقدمتين باطلة فإن دعوى المدعي انه لابد ~~ان ينصب الله تعالى على كل صفة من صفاته دليلا باطل ودعواه انه لم ينصب ~~دليلا إلا نعلمه هو أيضا باطل كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع ~~فإن هذه القاعدة إنما هي معدة لجمل المقاصد # والثالث قول الواقفة الذين يجوزون إثبات صفات زائدة لكن يقولون لم يقم ~~عندنا دليل على نفي ذلك ولا اثباته وهذه طريقة محققي من لم يثبت الصفات ~~الخبرية وهذا اختيار الرازي والامدي وغيرهما # وأئمة أهل السنة والحديث من أصحاب الائمة الاربعة وغيرهم يثبتون الصفات ~~الخبرية لكن منهم من يقول لا نثبت إلا ما في القرآن والسنة المتواترة وما ~~لم يقم دليل قاطع على اثباته نفيناه كما يقوله ابن عقيل وغيره احيانا ومنهم ~~من يقول بل نثبتها بأخبار الآحاد المتلقاة بالقبول ومنهم من يقول نثبتها ~~بالاخبار الصحيحة مطلقا ومنهم ms0668 من يقول يعطي كل دليل حقه فما كان قاطعا في ~~الاثبات قطعنا بموجبه وما كان راجحا لا قاطعا قلنا بموجبه فلا PageV03P383 ~~نقطع في النفي والاثبات إلا بدليل يوجب القطع واذا قام دليل يرجح أحد ~~الجانبين بينا رجحان أحد الجانبين وهذا أصح الطرق # وكثير من الناس قد يظن صحة أحاديث فإما ان يتأولها أو يقول هي مثل غيرها ~~من الأخبار وتكون باطلة عند أئمة الحديث # ومن الأخبار ما يكون ظاهره يبين المراد به لا يحتاج إلى دليل يصرفه عن ~~ظاهره ولكن يظن قوم انه مما يفتقر إلى تأويل كقوله # الحجر الاسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل ~~يمينه # فهذا الخبر لو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ظاهره ان الحجر صفة ~~لله بل هو صريح في أنه ليس صفة لله لقوله يمين الله في الأرض فقيده في ~~الأرض ولقوله فمن صافحه فكأنما صافح الله والمشبه ليس هو المشبه به واذا ~~كان صريحا في انه ليس صفة الله لم يحتج إلى تأويل يخالف ظاهره ونظائر هذا ~~كثيرة مما يكون في الاية PageV03P384 والحديث ما يبين انه لم يرد به المعنى ~~الباطل فلا يحتاج نفي ذلك إلى دليل منفصل ولا تأويل يخرج اللفظ عن موجبه ~~ومقتضاه # واذا كان كذلك فالمعارضة بالصفات ثابتة على كل قول من الأقوال الثلاثة إذ ~~لا بد فيها من اختصاص فإن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين لزم افتقار ~~صفات الله تعالى إلى مباين له # ثم رأيت أبا الحسن الامدي قد ذكر هذا الدليل الذي ذكره الشهرستاني وبين ~~ضعفه في كتابه المسمى بغاية المرام في علم الكلام فقال في مسألة نفي العلو ~~وتوابع ذلك وقد سلك بعض الاصحاب في الرد على هؤلاء طريقا شاملا فقال لو كان ~~الباري مقدرا بقدر متصورا بصورة متناهيا بحد ونهاية مختصا بجهة متغيرا بصفة ~~حادثة في ذاته لكان محدثا إذ العقل الصريح يقضي بأن المقادير في تجويز ~~العقل متساوية فما من مقدار وشكل يقدر في العقل ms0669 إلا ويجوز ان يكون مخصوصا ~~بغيره فاختصاصه بما اختص به من مقدار أو شكل أو غيره يستدعي مخصصا ولو ~~استدعى مخصصا لكان الباري محدثا # قال الامدي لكن هذا المسلك مما لا يقوى وذلك PageV03P385 انه وان سلم ان ~~ما يفرض من المقادير والجهات وغيرها ممكنة في انفسها وان ما وقع منها لا بد ~~له من مخصص لكن إنما يلزم ان يكون الباري حادثا أن لو كان المخصص خارجا عن ~~ذاته ونفسه # ولعل صاحب هذا القول لا يقول به وعند ذلك فلا يلزم أن يكون الباري تعالى ~~حادثا ولا محوجا إلى غيره اصلا فإن قيل ان ما اقتضاه بذاته ليس هو أولى من ~~غيره لتساوي الجميع بالنسبة اليه في جهة الاقتضاء فهو نحو الخلاف ولعل ~~الخصم قد لا يسلم تساوي النسبة في جهة الاقتضاء إلا ان يقدر انه لا اختلاف ~~بين هذه الممكنات ولا محالة ان بيان ذلك متعذر جدا كيف وأنه يحتمل ان ينتهج ~~الخصم في تخصيص هذه الصفات الثابتة للذات منهج أهل الحق في تخصيص سائر ~~الممكنات وبه درء الالزام # ثم استدل على هذه المسألة بما هو أضعف من هذا وهو ان البناء على ذلك ~~مستلزم لكونه جوهرا والجواهر متماثلة وقد عرف ما في هذين الاصلين من ~~المنازعات اللفظية والمعنوية في غير هذا الموضع PageV03P386 والامدى نفسه ~~قد بين بطلان قول من جعل الجواهر متماثلة # وما ينبغي ان يعرف في مثل هذه المسائل المنازعات اللفظية فإن القائل إذا ~~قال التخصيص يفتقر إلى محخصص والتقدير إلى مقدر كان بمنزلة من يقول التحريك ~~يفتقر إلى محرك وامثال ذلك وهذا لا ريب فيه فإن التخصيص مصدر خصص يخصص ~~تخصيصا وكذلك التقدير والتكليم ونحو ذلك ومصدر الفعل المتعدى لا بد له من ~~فاعل يتعدى فعله فإذا قدر مصدر متعد بلا فاعل يتعدى فعله كان متناقضا بخلاف ~~ما إذا قيل الاختصاص يفتقر إلى مخصص والمقدار إلى مقدر ونحو ذلك فان هذا ~~ليس في الكلام ما يدل عليه لان المذكور إما مصدر فعل لازم كالاختصاص ونحوه ~~أو ms0670 اسم ليس بمصدر كالمقدار وكل من هذين ليس في الكلام ما يوجب افتقاره إلى ~~فاعل يتعداه فعله فإذا قيل الموصوف الذي له صفة وقدر قد اختص بصفة وقدر فلا ~~بد له من مخصص لم يكن في هذا الكلام ما يدل على افتقاره إلى مخصص مباين له ~~يخصصه بذلك بخلاف ما إذا قيل إذا خص بصفة أو قدر فلا بد له من مخصص فإن هذا ~~كلام صحيح # والناطقون من اهل النظر وغيرهم إذا قصدوا المعاني فقد لا يراعون مثل هذا ~~بل يطلقون اسم المفعول على ما لم يعلم ان له فاعلا فيقول احدهم هذا مخصوص ~~بهذه الصفة والقدر والمخصوص لا بد له من مخصص فإذا اخذ المخصوص على انه اسم ~~مفعول فمعلوم انه PageV03P387 لا بد له من فاعل يتعدى فعله واذا اخذ على ان ~~المقصود اختصاصه بذلك الوصف كان هذا مما يفتقر إلى دليل وهذا مثل الموجود ~~فإنه لا يقصد به ان غيره اوجده بل يقصد به المحقق الذي هو بحيث يوجد فكثير ~~من الأفعال التي بنيت للمفعول واسم المفعول التابع لها قد كثر في الاستعمال ~~حتى بقي لا يقصد به قصد فعل حادث له فاعل أصلا بل يقصد إثبات ذلك الوصف من ~~حيث الجملة # وكثير من الفاظ النظار من هذا الباب كلفظ الموجود والمخصوص والمؤلف ~~والمركب والمحقق فإذا قالوا ان الرب تعالى مخصوص بخصائص لا يشركه فيها غيره ~~أو هو موجود لم يريدوا ان أحدا غيره خصه بتلك الخصائص ولا ان غيره جعله ~~موجودا # وبسب ذلك تجد جماعات غلطوا في هذا الموضع في مثل هذه المسالة إذا قيل ~~البارى تعالى مخصوص بكذا وكذا أو مختص بكذا وكذا قالوا فالمخصوص لا بد له ~~ممن خصه بذلك والمخصص لا بد له من مخصص خصصه بذلك # والناس قد يبحثون عن اختصاص الشيء بأمور قبل بحثهم هل هي من نفسه أو من ~~غيره ويعلمون ويقولون انه مخصوص بذلك وقد خص بهذا واختص به ونحو ذلك ~~PageV03P388 # ونظير ذلك ماذكره أبو حامد في تهافت الفلاسفة لما ms0671 رد عليهم مذهبهم في نفي ~~الصفات وبين انه لا دليل لهم على نفيها وتكلم في ذلك بكلام حسن بين فيه ما ~~احتجوا به من الالفاظ المجملة المبهمة كلفظ التركيب فانهم جعلوا إثبات ~~الصفات تركيبا وقالوا متى اثبتنا معنى يزيد على مطلق الوجود كان تركيبا ~~وادخلوا في مسمى التركيب خمسة انواع # أحدها انه ليس له حقيقة إلا الوجود المطلق لئلا يكون مركبا من وجود ~~وماهية # والثاني ليس له صفة لئلا يكون مركبا من ذات وصفات # والثالث ليس له وصف مختص ومشترك لئلا يكون مركبا مما به الاشتراك وما به ~~الامتياز لتركب النوع من الجنس والفصل أو من الخاصة والعرض العام # الرابع انه ليس فوق العالم لئلا يكون مركبا من الجواهر المفردة وكذلك لا ~~يكون مركبا من المادة والصورة فلا يكون مركبا تركيبا حسيا كتركب الجسم من ~~الجواهر المنفردة ولا عقليا كتركبه من المادة والصورة # وهذان نوعان بهما يصير خمسة وهذه الطريقة هي طريقة PageV03P389 ابن سينا ~~فإنه زعم ان نفس الوجود إذا كان يستلزم وجودا واجبا فالوجود الواجب له هذه ~~الخصائص النافية لهذه الصفات ويقول ليس له اجزاء حد ولا اجزاء كم وهذا ~~مراده # واما قدماء الفلاسفة فلم يكونوا يثبتون واجب الوجود بهذه الطريقة بل ~~بطريقة الحركة فلما جاء ابن رشد الحفيد يعترض على أبي حامد فيما ذكره لم ~~يمكنه الانتصار لابن سينا بل بين ان هذه الطريقة التي سلكها ضعيفة كما ذكر ~~أبو حامد واحتج هو بطريقة اخرى ظن انها قوية وهي اضعف من طريقة ابن سينا ~~فان أبا حامد لما ذكر القول المضاف إلى الفلاسفة كابن سينا وامثاله وذكر ~~انهم ينفون تلك الانواع الخمسة قال ومع هذا فانهم يقولون للبارى تعالى انه ~~مبدأ واول وموجود وجوهر واحد وقديم وباق وعالم وعاقل وعقل ومعقول وفاعل ~~وخالق ومريد وقادر وحي وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ وجواد وخير محض وزعموا ان ~~كل ذلك عبارة عن معنى واحد لاكثرة فيه PageV03P390 # قال وهذا من العجائب وهم يقولون ذات المبدأ الأول واحد وانما تكثر ~~الاسماء باضافته إلى ms0672 شيء أو اضافة شيء اليه أو سلب شيء عنه والسلب والاضافة ~~لا يوجب كثرة في ذات المسلوب عنه ولكن الشأن في رد هذه كلها إلى السلوب ~~والاضافات وذكر تمام قولهم # قال أبو حامد فيقال لهم بم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه وأنتم ~~مخالفون من جميع المسلمين سوى المعتزلة فما البرهان عليه فان قول القائل ~~الكثرة محال في واجب الوجود مع كون الصفات الموصوفة واحدة يرجع إلى انه ~~يستحيل كثرة الصفات فيه وفيه النزاع وليس PageV03P391 استحالته معلوما ~~بالضرورة ولهم مسلكان أحدهما ان كل واحد من الصفة والموصوف ان كان مستغنيا ~~عن الآخر فهما واجبا الوجود وان كان مفتقرا اليه فلا يكون واحد منهما واجب ~~الوجود وان احتاج أحدهما إلى الآخر فهو معلول والآخر هو الواجب وايهما كان ~~معلولا افتقر إلى سبب فيؤدي إلى ان ترتبط ذات واجب الوجود بسبب # قال أبو حامد المختار من هذه الأقسام هو الاخير ولكن ابطالكم القسم الأول ~~لا دليل لكم عليه فان برهانكم عليه إنما يتم بنفي الكثرة من هذه المسالة ~~فكيف تنبنى هذه المسالة على تلك # قلت الجواب عن هذه الحجة يمكن بوجوه # أحدها ان يقال قولكم إما ان يكون أحدهما محتاجا إلى الآخر واما ان يكون ~~مستغنيا عنه تريدون بالاحتياج حاجة المفعول إلى فاعله أو مطلق التلازم وهو ~~كون أحدهما لا يوجد إلا بالاخر أم قسم ثالث PageV03P392 # فإن أردتم الأول لم يكن أحدهما محتاجا إلى الآخر بل غنيا عن كونه فاعلا ~~له ولا يلزم أن يكونا واجبي الوجود بمعنى أن كلا منهما هو الواجب بنفسه ~~المبدع للمكنات # وإن قيل إن كلا منهما واجب الوجود بمعنى أنه لا مبدع له # قيل نعم ولا نسلم امتناع تعدد مسمى واجب الوجود بهذا التفسير وإنما يمتنع ~~تعدده بالتفسير الأول فإن الأدلة قامت على أن خالق الممكنات رب واحد لم تقم ~~على نفي صفاته بل كل من صفاته اللازمة له قديم أزلي ممتنع عدمه ليس له فاعل ~~فإذا عبر عن هذا المعنى بأنه واجب الوجود فهو حق وإن ms0673 عني بواجب الوجود ما ~~ليس ملازما لغيره فليست الذات وحدها واجبة الوجود ولا الصفات بل الواجب ~~الوجود هو الذات المتصفة بصفاتها اللازمة لها لا سيما وهم يقولون إنها ~~مستلزمة للمعلول فامتناع ذلك على أصلهم أبلغ وقد عرف أن كلا من الصفات ~~الذاتية ملازمة للأخرى والصفات ملازمة للذات وليس كل منهما مبدعا للآخر # وإن قلتم كل منهما محتاج إلى الآخر بمعنى أنه ملازم له لم يلزم من كونه ~~ملازما أن يكون معلولا # وهذا الجواب الثاني وهو أن يقال ما تعني بواجب الوجود PageV03P393 أتعني ~~به ما لا فاعل له أو تعني به القائم بنفسه الذي لا فاعل له # فإن عنيت الأول لم يمتنع أن يكون كل من الصفات والذات واجب الوجود بهذا ~~التفسير ولم يدل على امتناع تعدد الواجب بهذا التفسير دليل كما لم يدل على ~~امتناع تعدد القديم بهذا التفسير دليل وإنما دل الدليل على أنه لا إله إلا ~~الله وأن الله رب العالمين واحد لا شريك له وهو التوحيد الذي دل عليه الشرع ~~والعقل # فأما نفي الصفات وتسمية ذلك توحيدا فهو مخالف للشرع والعقل # وإن أراد بواجب الوجود القائم بنفسه الذي لا فاعل له كانت الذات واجبة ~~الوجود وهي بالصفة واجبة الوجود ولم تكن الصفة وحدها واجبة الوجود # وإن أريد بحاجة كل من الصفة والموصوف إلى الآخر التلازم اختير إثبات ذلك ~~ولم يلزم من ذلك كون أحدهما معلول الآخر فإن المتضايفين متلازمان وليس ~~أحدهما معلول الآخر وإن أريد بذلك كون أحدهما فاعلا اختير نفي الحاجة بهذا ~~التفسير وهو القسم الأول وهو أنه ليس أحدهما محتاجا إلى الآخر PageV03P394 # وإن أريد أن أحدهما محل للآخر اختير جواب الغزالي وهو أن الصفة محتاجة ~~إلى الذات من غير عكس # وعلى هذا فقول القائل إن أحدهما معلول للآخر إن أراد به أن أحدهما فاعل ~~للآخر فهو باطل فإنه لا يجب من قيام الصفة بالموصوف أن يكون الموصوف فاعلا ~~للصفة بل الأمر بالعكس فإن المفعول يمتنع أن يكون من باب الصفات اللازمة ~~للموصوف # وإن أريد يذلك ms0674 أن يكون أحدهما قابلا للآخر فلا امتناع في ذلك وإن قيل بل ~~إن المحل علة للحال # واعلم أن هذه الحجة وأمثالها إنما نشأت الشبهة فيها من جهة أن ألفاظها ~~مجملة فلفظ العلة يراد به العلة الفاعلة والعلة القابلة ولفظ الحاجة إلى ~~الغير يراد به الملازم للغير ويراد به حاجة المشروط إلى شرطه ويراد به حاجة ~~المفعول إلى فاعله # وإذا عرف هذا فالصفات اللازمة مع الذات متلازمة وليس أحدهما فاعلا للآخر ~~بل الذات محل للصفات وليس الواحد منهما علة فاعلة بل الموصوف قابل للصفات ~~وهذا لا امتناع فيه بل هو الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول # لكن الغزالي لم يجب إلا بجواب واحد ومضمون كلامهم أنهم في جميع كلامهم في ~~نفي الصفات ينتهي أمرهم إلى أن هذا PageV03P395 تركيب والمركب مفتقر إلى ~~جزئه والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه لأنه محتاج # فقال لهم أبو حامد نحن نختار أن يقال الذات في قوامها غير محتاجة إلى ~~الصفات والصفات محتاجة إلى الموصوف كما في حقنا فبقي قولكم إن المحتاج إلى ~~غيره لا يكون واجب الوجود فيقال إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له علة ~~فاعلية فلم قلتم ذلك ولم استحال أن يقال كما أن ذات واجب الوجود قديم لا ~~فاعل له فكذلك صفته قديمة معه ولا فاعل لها وإن أردتم بواجب الوجود أن لا ~~يكون له علة قابلية فهو ليس بواجب الوجود على هذا التأويل ولكنه قديم مع ~~هذا ولا فاعل له فما المحيل لذلك فإن قيل واجب الوجود المطلق هو الذي ليس ~~له علة فاعلية ولا قابلية فإذا سلم أن له علة قابلية فقد سلم كونه معلولا ~~قلنا تسمية الذات القابلة علة قابلية من PageV03P396 اصطلاحكم والدليل لم ~~يدل على ثبوت واجب الوجود بحكم اصطلاحكم إنما دل على إثبات طرف ينقطع به ~~تسلسل العلل والمعلولات ولم يدل على هذا القدر وقطع التسلسل يمكن بواحد له ~~صفات قديمة لا فاعل لها كما أنه لا فاعل لذاته ولكنها تكون متقررة في ذاته # قال ابن ms0675 رشد يريد أنه إذا وضع لهم هذا القسم من الأقسام التي استعملوا في ~~إبطال الكثرة آل الأمر معهم إلى أن يثبتوا أن واجب الوجود ليس يمكن أن يكون ~~مركبا من صفة وموصوف ولا أن تكون ذاته ذات صفات كثيرة وهذا شيء ليس يقدرون ~~عليه بحسب أصولهم ثم أخذ يبين أن المحال الذي راموا أن يلزموه على تقدير ~~هذا القسم ليس بلازم قال فيقال لهم إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له علة ~~فاعلية فلم قلتم ذلك أي فلم قلتم بامتناع كونه موصوفا بالصفات ولم استحال ~~PageV03P397 أن يقال كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفاته ~~قديمة لا فاعل لها # قال ابن رشد وهذا كله معاندة لمن سلك في نفي الصفات طريقة ابن سينا في ~~إثبات واجب الوجود بذاته وذلك أنهم يفهمون في الممكن الوجود الممكن الحقيقي ~~ويرون أن كل ما دون المبدأ الأول هو بهذه الصفة وخصومهم من الأشعرية يسلمون ~~هذا ويرون أن كل ممكن فله فاعل وأن التسلسل ينقطع بالانتهاء إلى ما ليس ~~ممكنا في نفسه فإذا سلم لهم هذه ظن بها أنه يلزم عنها أن يكون الأول الذي ~~انقطع عنده الإمكان ليس ممكنا فوجب أن يكون بسيطا غير مركب لكن للأشعرية أن ~~يقولوا إن الذي ينتفي عنه الإمكان الحقيقي ليس يلزم أن يكون بسيطا وإنما ~~يلزم أن يكون قديما فقط لا علة فاعلية له فلذلك ليس عند هؤلاء برهان على ان ~~الأول بسيط من طريقة واجب الوجود PageV03P398 # قال أبو حامد فإن قيل فإذا أثبتم ذاتا وصفة وحلولا للصفة بالذات فهو مركب ~~وكل تركيب يحتاج إلى مركب ولذلك لم يجز أن يكون الأول جسما لأنه مركب قلنا ~~قول القائل كل مركب يحتاج إلى مركب كقوله كل موجود يحتاج إلى موجد فيقال له ~~الأول قديم موجود لا علة له ولا موجد # فكذلك يقال موصوف قديم ولا علة لذاته ولا لصفته ولا لقيام صفاته بذاته بل ~~الكل قديم بلا علة وأما الجسم فإنما لم يجز أن يكون هو ms0676 الأول لأنه حادث من ~~حيث أنه لا يخلو عن الحوادث ومن لم يثبت له حدوث الجسم يلزمه أن تكون العلة ~~الأولى جسما كما سنلزمه عليكم فيما بعد # قال ابن رشد معترضا على أبي حامد التركيب ليس هو PageV03P399 مثل الوجود ~~لأن التركيب هو مثل التحريك أعني صفة انفعالية زائدة على ذات الأشياء التي ~~قبلت التركيب والوجود هو صفة هذه الذات بعينها وأيضا المركب ليس ينقسم إلى ~~مركب من ذاته ومركب من غيره فيلزم أن ينتهي الأمر إلى مركب قديم كما ينتهي ~~الأمر في الموجودات إلى موجود قديم وأيضا فإذا كان الأمر كما قلنا من أن ~~التركيب أمر زائد على الوجود فلقائل أن يقول إن كان يوجد مركب من ذاته ~~فسيوجد متحرك من ذاته وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم من ذاته لأن ~~وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك # قال والفصل في هذه المسألة أن المركب لا يخلو من أن يكون كل واحد من ~~جزأيه أو أجزائه التي تركب منها شرطا في وجود صاحبه بجهتين مختلفتين أو لا ~~يكون شرطا أو يكون أحدهما PageV03P400 شرطا في وجود الثاني والثاني ليس ~~شرطا في وجود الأول فأما الأول فلا يمكن أن يكون قديما لأن التركيب نفسه ~~شرط في وجود الأجزاء فلا يمكن أن تكون الأجزاء علة التركيب ولا التركيب علة ~~نفسه إلا لو كان الشيء علة نفسه وأما الثاني إذا لم يكن واحد منهما شرطا في ~~وجود صاحبه فإن أمثال هذه إذا لم يكن في طباع أحدهما أن يلازم الآخر فإنها ~~ليست تتركب إلا بمركب خارج عنها وإن كان أحدهما شرطا في وجود الآخر من غير ~~عكس كالحال في الصفة والموصوف الغير جوهرية فإن كان الموصوف قديما ومن شأنه ~~أن لا تفارقه الصفة فالمركب قديم وإذا كان هذا هكذا فليس يصح إن جوز مجوز ~~وجود مركب قديم أن يبين على طريق الأشعرية أن كل جسم محدث لأنه إن وجد مركب ~~PageV03P401 قديم وجدت أعراض قديمة أحدها التركيب لأن ms0677 أصل ما يبنون عليه ~~وجوب حدوث الأعراض أنه لا تكون الأجزاء التي تركب منها الجسم إلا بعد ~~الافتراق فإذا جوزوا مركبا قديما أمكن أن يوجد اجتماع لم يتقدمه افتراق ~~وحركة لم يتقدمها سكون وإذا جاز هذا أمكن أن يوجد جسم ذو أعراض قديمة ولم ~~يصح لهم أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث # قلت ما ذكره أبو حامد مستقيم مبطل لقول الفلاسفة وما ذكره ابن رشد إنما ~~نشأ من جهة ما في اللفظ من الإجمال والاشتراك وكلامه في ذلك أكثر مغلطة من ~~كلام ابن سينا الذي أقر بفساده وضعفه # وذلك أن هؤلاء قالوا لأبي حامد والمثبتين إذا أثبتم ذاتا وصفة وحلولا ~~للصفة بالذات فهو مركب وكل مركب يحتاج إلى مركب # قال لهم قول القائل كل مركب يحتاج إلى مركب كقول القائل كل موجود يحتاج ~~إلى موجد # ومقصوده بذلك أن هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا ليس معنى كونه مركبا إلا ~~كون الذات موصوفة بصفات قائمة بها ليس معناه أنه كان هناك شيء متفرق فركبه ~~مركب بل ولا هناك شيء يقبل التفريق فإن الكلام إنما هو في إثبات صفات واجب ~~الوجود اللازمة له كالحياة والعلم PageV03P402 والقدرة وإذا كانت هذه ~~الصفات لازمة للموصوف القديم الواجب الوجود بنفسه لم يمكن أن تفارقه ولا أن ~~توجد دونه ولا يوجد إلا بها فليس هناك شيئان كانا مفترقين فركبهما فركب # ولفظ المركب في الأصل اسم مفعول لقول القائل ركبته فهو مركب كما تقول ~~فرقته فهو مفرق وجمعته فهو مجمع وألفته فهو مؤلف وحركته فهو محرك # قال الله تعالى @QB@ في أي صورة ما شاء ركبك @QE@ سورة الانفطار 8 يقال ~~ركبت الباب في موضعه # هذا هو المركب في اللغة لكن صار في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة يقع على ~~عدة معان غير ما كان مفترقا فاجتمع كما يقول أحدهم الجسم إما بسيط وإما ~~مركب يعنون بالبسيط الذي تشتبه أجزاؤه كالماء والهواء وبالمركب ما اختلفت ~~كالإنسان وقد يقولون كل جسم مركب من أجزائه لأن هذا الجزء غير هذا الجزء ~~وإن كانوا يعتقدون ms0678 أنه لم يتفرق قط وأنه لم يزل كذلك ويتنازعون هل الجسم ~~مركب من الجواهر المنفردة أو من الهيولى والصورة أم ليس مركبا من واحد ~~منهما مع اتفاقهم على أنه من الأجسام ما لم PageV03P403 تكن أجزاؤه مفترقة ~~فتركبت وقد يعنون بالمركب المركب من الصفات كما يقولون الإنسان مركب من ~~الجنس والفصل وهو الحيوان الناطق وهاتان الصفتان لم تفارق إحداهما الأخرى ~~ولا يمكن وجود الناطق إلا مع الحيوان ولا يمكن وجود حيوان إلا مع ناطق أو ~~ما يقوم مقامه كالصاهل ونحوه # فأبو حامد وأمثاله خاطبوا هؤلاء بلغتهم في أن الموصوف بصفة لازمة له يسمى ~~مركبا وقالوا لهم قلتم إن مثل هذا المعنى الذي سميتموه تركيبا يمتنع في ~~الواجب الوجود فقولهم إن كل مركب مفتقر إلى مركب مغلطة نشأت من الإجمال في ~~لفظ مركب فإنهم لم يسلموا لهم أن هناك تركيبا هو فعل مركب حتى يقال إن ~~المركب يفتقر إلى مركب بل هناك ذات موصوفة بصفات لازمة له فإذا قال القائل ~~كل موصوف بصفات لازمة له يفتقر إلى مركب ومؤلف يجمع بين الذات والصفات كان ~~قوله باطلا فقولهم في هذا الموضع كل مركب يفتقر إلى مركب من هذا الباب # وكذلك إذا قيل كل مؤلف يفتقر إلى مؤلف كما يستعمل مثل هذا الكلام غير ~~واحد من الناس في نفي معان سماها مسم تأليفا وتركيبا فجعل المستدل يستدل ~~بمجرد إطلاق اللفظ من غير نظر إلى PageV03P404 المعنى العقلي فيقال لمن سمى ~~مثل هذا تركيبا وتأليفا أتعني بذلك أن هنا شيئا فعله مركب ومؤلف أو أن هنا ~~ذاتا موصوفة بصفات # أما الأول فممنوع فإنه ليس في خلق الله من يقول إن صفات الله اللازمة له ~~متوقفة على فاعل يؤلف ويركب بين الذات والصفات # وإن عنيت الثاني فمسلم ولا دليل لك على ان الذات القديمة الواجبة ~~المستلزمة للصفات تفتقر إلى من يركب صفاتها فيها فلهذا قال أبو حامد هذا ~~كقول القائل كل موجود يفتقر إلى موجد ولو قال إلى واجد لكان أقرب إلى ~~مطابقة اللفظ # وهذا صحيح فإن ms0679 الموجود اسم مفعول من وجد يجد فهو واجد فإذا قال القائل كل ~~موجود يفتقر إلى واجد أو موجد نظرا إلى اللفظ كان كقوله كل مركب يفتقر إلى ~~مركب نظرا إلى اللفظ ولكن لفظ الموجود إنما يراد به ما كان متحققا في نفسه ~~لا يعنى به ما وجده أو أوجده غيره كما أنهم يعنون بالمركب هنا ما كان متصفا ~~بصفة قائمة به أو كان فيه معان متعددة وكثرة لا يعنون به ما ركبه غيره ~~فالذي جرى لهؤلاء المغالطين في لفظ التأليف والتركيب كما جرى لأشباههم في ~~لفظ التخصيص والتقدير فإن الباب واحد فليتفطن اللبيب لهذا فإنه يحل عنه ~~شبهات كثيرة PageV03P405 # وأما اعتراض ابن رشد على أبي حامد بقوله ليس المركب مثل الموجود بل مثل ~~التحريك # فجوابه من وجوه # أحدها أن يقال ليس الكلام في الموازنات اللفظية بل في المعاني العقلية ~~والمقصود هنا أن الذات القديمة الواجبة الموصوفة بصفات لا يجب أن يكون لها ~~جامع منفصل جمع بين الذات والصفات كما أن الموجود المحقق لا يفتقر إلى ~~موجود غير نفسه بل قد يكون موجودا بنفسه لا يفتقر إلى فاعل كذلك اتصافها ~~بالصفات لا يفتقر إلى فاعل # الثاني أن يقال وهب أن هذا مثل التحريك في اللفظ فقولك هي صفة انفعالية ~~زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب إن عنيت أنها زائدة على الذات ~~والصفة وقيام الصفة بالذات فهذا باطل وإن عنيت أنها هي قيام الصفة بالذات ~~أو هي الصفة القائمة بالذات فليس في ذلك ما يوجب كونها انفعالية لها فاعل ~~مباين للموصوف # الثالث أن التحريك إن عني به تحريك الشيء لغيره فليس هذا نظير مورد ~~النزاع فإن أحدا لم يسلم أن في الذات القديمة الموصوفة بصفاتها اللازمة ~~شيئا ركبه أحد وإن عني به مطلق الحركة صار معنى PageV03P406 الكلام أن ~~اتصاف الذات بالصفات كاتصافها بالحركات وليس في واحد منهما ما يقتضي احتياج ~~الموصوف إلى مباين له # وأما قوله ليس ينقسم الأمر إلى مركب من ذاته ومركب من غيره حتى ينتهي ~~الأمر إلى مركب ms0680 قديم كما ينتهي الأمر في الموجودات إلى موجود قديم # فيقال له بل هؤلاء المسلمون كأبي حامد وأمثاله لما خاطبوكم باصطلاحهم ~~وأنتم جعلتم قيام الصفة بالموصوف تركيبا فإنهم يقولون بحسب اصطلاحكم إنه ~~ينقسم إلى مركب من ذاته ومركب من غيره # وحقيقة الأمر أن ثبوت الصفات إن سميتموه تركيبا لم نسلم لكم عدم انقسام ~~المركب إلى قديم واجب ومحدث ممكن وإن لم تسموه تركيبا بطل أصل كلامكم ولكن ~~أنتم سميتم هذا تركيبا ونفيتموه فلهذا قلتم لا ينقسم المركب فكان كلامكم ~~ممنوعا بل باطلا # وأما قوله إن لقائل أن يقول إن كان يوجد مركب من ذاته فسيوجد متحرك من ~~ذاته وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد معدوم من ذاته PageV03P407 # فجوابه من وجوه # أحدها منع المقدمة الأولى فما الدليل على أنه إذا وجدت ذات موصوفة بصفات ~~لازمة له يلزم أن توجد ذات متحركة بحركة منها ليس معه في ذلك إلا مجرد ~~الموازنة اللفظية # الثاني أن حقيقة قوله إن افتقار التركيب إلى مركب كافتقار التحريك إلى ~~المحرك فإن أخذ ذلك على أن له فاعلا فلكل منهما فاعل وإن أخذ مجرد التركيب ~~أخذ مجرد التحرك قيل فعلى هذا يكون المعنى إذا وجد متصف بصفة بنفسه يوجد ~~فاعل متحرك بنفسه وإذا كان حقيقة كلامه أنه إذا كان متصفا بالصفات من ذاته ~~فسيوجد متصفا بالأفعال من ذاته فيقال له إما أن تكون هذه الملازمة صحيحة ~~وإما أن لا تكون فإن لم تكن صحيحة فليست بحجة وإن كانت صحيحة كانت دليلا ~~على ثبوت إفعال الله تعالى وكان حقيقتها أنه يلزم من ثبوت الصفات القائمة ~~به ثبوت الأفعال القائمة به فأي محذور في هذا إذا كانت الملازمة صحيحة # الثالث قوله وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم من ذاته لأن وجود ~~المعدوم هو خروج ما هو بالقوة إلى الفعل PageV03P408 وكذلك الأمر في الحركة ~~والمتحرك وليس كذلك الوجود لأنه ليس صفة زائدة على الذات فكل موجود لم يكن ~~وقتا موجودا بالقوة ووقتا موجودا بالفعل فهو موجود بذاته والمتحرك وجوده ~~إنما هو ms0681 مع القوة المحركة فلذلك احتاج كل متحرك إلى محرك # فيقال القني بقولك فسيوجد المعدوم من ذاته أي نفس ما كان معدوما يوجد من ~~الذات المعدومة أم تعني به ان الحركة توجد من الذات المتحركة # إما الأول فغير معقول فان المعدوم ليس له وجود أصلا حتى يعقل ان يوجد منه ~~ذاته أو غير ذاته ووجوده موجود من غير موجود ممتنع بضرورة العقل وكون ~~المعدوم يوجد بنفسه معلوم البطلان بالبديهة وإن عنيت الثاني فاللازم ~~والملزوم واحد فإن المتحرك من ذاته توجد حركته المعدومة من ذاته # وقول القائل انه إذا جاز هذا جاز وجود المعدوم من الذات المعدومة ممنوع ~~بل باطل معلوم البطلان # وقوله لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل وكذلك الأمر في ~~الحركة والمتحرك فيقال له غاية هذا انهما يشتركان في امر من الامور فمن أين ~~يلزم إذا اشتركا في امر ما ان يشتركا في غيره مع ظهور الفرق فان قوله ~~PageV03P409 وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل لا يجوز ان يراد به ~~ان نفس المعدوم كان فيه قوة هي مبدأ وجوده فإن المعدوم ليس في شيء ولا فيه ~~شيء # وانما يقال ان ما منه وجد المعدوم كان فيه قوة وجوده كما في النطفة قوة ~~ان تصير علقة وفي الحبة قوة أن تصير سنبلة وفي النواة قوة أن تصير نخلة ~~فالذي فيه القوة ليس هو المعدوم واما الحركة والمتحرك فنفس المتحرك فيه قوة ~~هي مبدأ الحركة فنظير المتحرك المحل الذي وجد فيه ما كان معدوما من الاعراض ~~كما يوجد اللون في المتلونات والطعم في المطعومات والحياة في الاحياء فكذلك ~~الحركة في المتحركات فمحل هذه الصفات والحركات كان قابلا لها وفيه قوة ~~القبول والاستعداد لها واما نفس هذه الامور التي كانت معدومة فوجدت فليس ~~فيها من القوة ولا غيرها شيء # فقياس القائس وجود المعدوم من ذاته بوجود الحركة من المتحرك في غاية ~~الفساد والعلة تكون فاعلة وتكون قابلة فلو قال القائل الموجود أو الجسم أو ~~القائم بنفسه أو نحو ms0682 ذلك يقبل الصفات والأعراض كالحركات ونحوها وفيه قوة ~~لذلك فيجب ان يكون المعدوم فيه قبول لقيام الصفات والحركات به لكان قوله في ~~غاية PageV03P410 الفساد فكيف إذا قال إذا كان المتحرك فاعلا بنفسه لحركته ~~وجب ان يكون المعدوم فاعلا لذاته بل يقال الفاعل يمكن ان يفعل غيره واما ~~فعله لنفسه فممتنع فلو قال إذ كان المتحرك يفعل حركة وجب ان يفعل المعدوم ~~حركة لكان باطلا فكيف إذا قال وجب ان يفعل نفسه # وقوله فكل موجود لم يكن وقتا موجودا بالقوة ووقتا بالفعل فهو موجود بذاته ~~والمتحرك وجوده إنما هو مع القوة المحركة فلهذا احتاج كل كتحرك إلى محرك # فيقال له وهب انه سلم لك ان المتحرك وجوده مع القوة المحركة فلم قلت ان ~~الحركة تحتاج إلى محرك منفصل عنه # ثم يقال لك هل يجوز ان يتحرك المتحرك بنفسه بعد ان لم يكن متحركا أم لا # فان اجزت هذا بطل قولك وجاز وجود المتحرك بنفسه قبل الحركة وقبل القوة ~~المحركة # وان قلت لا يجوز قيل فحركته حينئذ إما ان تكون من نفسه واما من غيره فان ~~كانت من نفسه كانت الحركة من نفس المتحرك وبطل قولك وان كانت من غيره وكان ~~ذلك الغير متحركا فالقول PageV03P411 فيه كالقول في الأول وان كان غير ~~متحرك لزم وجود حركات غير متوالية عن غير متحرك وهذا قولهم وهو باطل # وذلك ان اجزاء الحركات متعاقبة شيئا بعد شئ فالمقتضى لكل من تلك آلاجزاء ~~يمتنع ان يكون موجبا تاما في الأزل لانه لو كان كذلك للزم ان يقارنه موجبا ~~فان العلة التامة لا يتأخر عنها معلوها وحينئذ يلزم كون المحدث قديما وهو ~~ممتنع أو يقال ان كانت العلة التامة تستلزم مقارنة معلوها لزم ذلك وان لم ~~تسلزم ذلك جاز حدوث الحركات المتأخرة عن موجب قديم فيجوز أن يتحرك الشيء ~~بعد أن لم يكن متحركا بدون سبب حادث وهذا يبطل قولكم وإذا لم يكن الموجب ~~التام لها ثابتا في الأزل لزم أن يكون حادثا والقول في حدوثه كالقول في ms0683 ~~حدوث غيره فيمتنع أن يحدث هو أو غيره عن علة تامة قديمة فإذا لم يكن في ~~الفاعل فعل حادث امتنع أن يصدر عنه شيء حادث فامتنع صدور الحركات عن غير ~~متحرك # ومما اعترف به ابن رشد وغيره من الفلاسفة والمتكلمين وقال عن إخوانه ~~الفلاسفة إن الذي يتمسكون به سببان # أحدهما أن فعل الفاعل يلزمه التغير وإن كل متغير فله مغير # والثاني أن القديم لا يتغير بضروب من ضروب التغير # قال وهذا كله عسير البيان # قلت وهذا المقام وهو حدوث الحوادث عن ذات لا PageV03P412 يقوم بها حادث ~~مما اعترف حذاقهم بصعوبته وبعده عن المعقول كما ذكر ذلك ابن رشد والرازي ~~وغيرهما وهؤلاء المتفلسفة يقولون إن النفس المحركة للأفلاك يحدث لها تصورات ~~وإرادات هي مبدأ الحركة وأن محركها العقل الذي يريد التشبه به أو واجب ~~الوجود الذي يطلب الفلك التشبه به بإخراج ما فيه من الأيون والأوضاع وتحريك ~~الواجب أو العقل للفلك أو لنفس الفلك كتحريك المحبوب للمحب والمشتهى ~~للمشتهي والمعشوق للعاشق ليس من جهة المحرك فعل أصلا بل ذلك يحبه فيتحرك ~~تشبها به # وبهذا أثبت أرسطو وأتباعه العلة الأولى وأن فوق الأفلاك ما يوجب تحريك ~~الأفلاك # والكلام على هذا من وجوه ليس هذا موضع بسطها لكن يقال كون الفلك يتحرك ~~للتشبه بالواجب أو إخراج ما فيه الأيون والأوضاع كلام لا دليل عليه بل ~~الأدلة الدالة على فساده كثيرة ليس هذا موضعها PageV03P413 # فنقول هب أن الأمر كذلك فهذا إنما فيه أنه أثبت العلة الغائية للحركة # فيقال أين السبب الفاعل لحركة الفلك فإن الحركة وإن افتقرت إلى غاية ~~مقصودة فتفتقر إلى مبدأ فاعل بالضرورة # فإذا قالوا نفسه تحركه # قيل لهم فما الفاعل لما يحدث في النفس من أسباب الحركة كالتصورات ~~والإرادات فإن هذه كانت معدومة ثم وجدت بعد العدم فما السبب الفاعل لهذه ~~الحركة # فإن قالوا النفس هي الفاعلة لهذه الحركة فقد جعلوها متحركة من نفسها وهذا ~~خلاف ما قالوه # وإن قالوا شيئا غيرها قيل لهم الكلام فيه كالكلام في النفس فإنه إن ms0684 حدث ~~فيه ما لم يحدث سئل عن سبب ذلك # وإن قيل بل المحدث لحركة النفس على حال واحدة أزلا وأبدا # قيل لهم فقد لزمكم حدوث حادث بلا سبب وقيل لكم ذلك المحرك للنفس إن كان ~~علة تامة في الأزل وجب وجود معلوله في الأزل فيجب وجود ما حدث للنفس من ~~التصورات والإرادات في الأزل وهذا جمع بين النقيضين PageV03P414 # وإن قيل بل حدث له أمر به صار فاعلا لما يحدث في النفس سئل عن سبب حدوث ~~ذلك # وإذا قيل الحادث استعداد النفس لأن يفيض عليها من الفعل ما تتصور به ~~وتريد # قيل فذلك الاستعداد حادث والقول في سبب حدوثه كالقول في سبب حدوث غيره ~~فلا بد من أحد امرين إما حدوث الحوادث بلاسبب حادث واما حدوث الحوادث عن ~~متحرك وايهما كان بطل قولهم والاول يقولون انه معلوم البطلان بالضرورة ~~فيلزمهم الثاني فقد الزم مناظريه ما يلزمه هو اشد منه وتبين به ان قول ~~اوخوانه اشد فسادا فانه قال والذي لا ملخص للاشعرية منه هو انزال فاعل أول ~~وانزال فعل له أول لانهم لا يمكنهم ان يضعوا ان حالة الفاعل من المفعول ~~المحدث تكون في وقت الفعل هي بعينها حالته في وقت عدم الفعل فهنالك ولا بد ~~حالة متجددة ونسبة PageV03P415 # لم تكن وذلك ضرورة إما في الفاعل أو في المفعول أو في كليهما واذا كان ~~كذلك فتلك الحال المتجددة إذا اوجبنا ان لكل حال متجددة فاعلا لا بد ان ~~الفاعل لها إما فاعلا اخر فلا يكون ذلك الفاعل هو الأول ولا يكون بنفسه بل ~~بغيره واما ان يكون الفاعل لتلك الحال التي هي شرط في فعله هو نفسه فلا ~~يكون ذلك الفعل الذي فرض صادرا عنه اولا أولا بل يكون فعله لتلك الحال التي ~~هي شرط في المفعول قبل فعله المفعول # قال وهذا لازم كما ترى ضرورة إلا ان يجوز مجوز ان من الاحوال الحادثة في ~~الفاعلين ما لا يحتاج إلى محدث وهذا بعيد إلا على قول من يجوز ان ههنا ~~اشياء ms0685 تحدث من تلقائها وهو قول الاوائل من القدماء الذين انكروا الفاعل وهو ~~قول بين سقوط بنفسه # فيقال له انت الزمت مناظريك من اهل الكلام حدوث حادث بلا سبب حادث وذكرت ~~ان هذا ممتنع بالضرورة وهذا هو المقام المعروف الذي استطالت به المتفلسفة ~~الدهرية على مناظريهم من اهل PageV03P416 الكلام الماخوذ في الأصل عن ~~الجهيمة والقدرية فيقال له انت يلزمك ما هو اشد من هذا وهو حدوث الحوادث ~~بلا فاعل وهو الذي ذكرت انه ساقط بين سقوط وذلك ان الحوادث المشهودة إن قلت ~~لا فاعل لها فقد لزمك هذا القول وان قلت لها فاعل قيل لك افعلها بعد ان لم ~~تكن من غير حدوث شيء في ذاته أم لم يفعلها حتى حدث شيء في ذاته # فان قلت بالأول قيل لك فهي دائمة اولها ابتداء فان قلت لها ابتداء فهذا ~~قول منازعيك وان قلت لا ابتداء لها فقد صارت الحوادث كلها تحدث عن فاعل من ~~غير حدوث شيء فيه وقد قلت انه لا يمكن ان يكون حال الفاعل في المفعول ~~المحدث وقت الفعل هي بعينها حاله وقت عدم الفعل فيلزمك ان لا يكون حاله عند ~~وجود حوادث الطوفان هي حالة عند وجود الحوادث التي قبله فإن الحوادث مختلفة ~~فإن أمكن أن يكون حاله واحدا مع حدوث الحوادث المختلفة أمكن ان يكون حاله ~~واحدا مع تجدد الحوادث لان الحادث الثاني كالطوفان فيه من الامور ما لم يكن ~~له قبل ذلك نظير فتلك حوادث لا نظير لها ولا فرق بين احداث هذا و احداث ~~غيره و اذا جعل المقتضي لذلك تغيرات تحدث في الفلك كان الكلام في حدوث تلك ~~التغيرات العلوية كالكلام في حدوث التغيرات السفلية PageV03P417 # وان قلت بل حدث اوجب هذه الحوادث # قيل لك الفاعل له ان كان هو الأول الالزام جذعا وان كان غيره لزمك حدوث ~~الحوادث بلا فاعل وان التزمت انه ما فعلها حتى حدث فيه شيء فقد تركت قولك # وأيضا فالفاعل المستكمل لشروط الفعل إما ان يجوز حدوث المفعول عنه بعد ms0686 ان ~~لم يكن بلا سبب حادث واما ان لا يجوز فإن جاز فهو قول منازعك الذي ادعيت ~~انه فاسد بالضرورة وان لم يجز لزم ان يكون مفعوله مقارنا له لا يتأخر عنه ~~منه شيء فلا يجوز ان يحدث عن الفاعل شيء كما تقوله انت واخوانك انه علة ~~تامة وموجب تام والعلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ولا شيء من معلولها ~~فإذا كل ما تأخر عن الأول ليس معلولا للعلة التامة ولا مفعولا للفاعل الأول ~~ولا يجوز ان يكون فعلا لغيره إذ القول في ذلك الغير كالقول فيه فيلزم ان ~~تكون الحوادث كلها حادثة بلا محدث # وهذا لازم لهؤلاء الفلاسفة الالهيين كما يلزم اخوانهم الطبيعيين وهو ~~القول الذي هو من اظهر المعارف الضرورية فسادا وقد بسط الكلام على هذه ~~المواضع في غير هذا الموضع وانما كان المقصود هنا التنبيه على جنس ما يغالط ~~به هؤلاء وامثالهم من الالفاظ المجملة كلفظ المركب ونحوه كما يغالطون بلفظ ~~التخصيص والمخصص وان كلام أبي حامد وامثاله في مناظريهم خير من كلامهم ~~واقوم PageV03P418 # واما قول ابن رشد لا يخلو إما ان يكون كل من جزأيه شرطا في وجود الآخر أو ~~لا يكون أو يكون الواحد شرطا في الآخر من غير عكس # وقوله القسم الأول لا يكون قديما وذلك ان التركيب نفسه هو شرط في وجود ~~الآخر فليس يمكن ان تكون الاجزاء هي علة التركيب ولا التركيب علة النفس إلا ~~لو كان الشيء علة نفسه # فيقال له اولا تسمية هذا تركيبا واجزاء ليس هو من لغات بني ادم المعروفة ~~التي يتخاطبون بها فإنه ليس في لغة من لغات الادميين أن الموصوف بصفات يقال ~~انه مركب منها وانها اجزاء له واذا خاطبناكم باصطلاحكم فقد علمتم انه ليس ~~المراد بالمركب إلا اتصاف الذات بصفات لازمة لها أو وجود معان فيها أو ~~اجتماع معان وامور ونحو ذلك ليس المراد ان هناك مركبا ركبه غيره حتى يقال ~~ان المركب مفتقر إلى مركب فإن من وافقكم على اصطلاحكم في تسمية الذات ~~الواجبة ms0687 الموصوفة بصفاتها اللازمة تركيبا لم يرد بذلك ان هناك مركبا ركبها ~~فان هذا المعنى يقتضي ان يكون له فاعل ولكن تدعون PageV03P419 # ثبوت ذلك إما بطريقة ابن سينا ونحوه الذي قد تقدم إبطالها وإما بطريقة ~~المعتزلة التي اختارها ابن رشد واعترف بفساد طريقة ابن سينا # وإذا كان المراد بلفظ التركيب ما قد عرف فمن المعلوم أن الذات الموصوفة ~~بصفات لازمة لها أو التي فيها معان لازمة لها لا يقال فيها إن اتصاف الذات ~~بالصفات أمر معلول مفتقر إلى فاعل حتى يقال إن الأجزاء هي علة التركيب أو ~~يقال التركيب علة نفسه بل هذا المعنى الذي سميته تركيبا هو من لوازم الواجب ~~بنفسه لا يمكن أن يكون الواجب إلا موصوفا بالصفات اللازمة له ثابتة له ~~المعاني اللازمة له وليس لذلك علة فاعلة كما تقدم # وأما قوله إن التركيب شرط في وجود الأجزاء # فيقال له لا ريب أنه لا يمكن وجود الذات إلا موصوفة بلوازمها ولا يمكن أن ~~توجد صفاتها إلا بوجودها فاجتماع الذات بالصفات واجتماع الأمور المتلازمة ~~شرط في وجود كل منها وهي أيضا شرط في وجود ذلك الاجتماع وليس شيء من ذلك ~~معلولا لفاعل ولا مفتقرا إلى مباين وتوقف أحدهما على الآخر هو من باب الدور ~~الاقتراني المعي لا من باب الدور السبقي القبلي والأول جائز والثاني ممتنع ~~فإن الأمور المتلازمة لا يوجد بعضها إلا مع بعض وليس بعضها فاعلا لبعض بل ~~إن كانت واجبة الوجود بنفسها وإلا افتقرت كلها إلى فاعل PageV03P420 # والذات التي لا تقبل العدم بما هي عليه من الصفات اللازمة هي الحق الواجب ~~الوجود بنفسه وأما مجرد وجود مطلق في الخارج وذات لا صفة لها فذلك ممتنع ~~لنفسه فضلا عن أن يكون واجب الوجود # واتصاف الذات الواجبة بصفاتها اللازمة سواء سمي تركيبا أو لم يسم لا يوجب ~~افتقاره ولا افتقار الذات ولا شيء من صفاته إلى فاعل ولا علة فاعلة ولا ما ~~يشبه ذلك وأما كون بعضها مستلزما لبعض ومشروطا به ولا يوجد إلا معه وثبوته ~~متوقف عليه ms0688 ونحو ذلك فليس في هذا ما يقتضي افتقار ذلك إلى فاعل مبدع لكن ~~يعلم أن الذات لا تكون إلا بصفاتها اللازمة وصفاتها لا تكون إلا بها # وإذا سمى المسمى هذا افتقارا وسمى هذه أجزاء وسمى هذا الاجتماع تركيبا لم ~~يكن في هذه التسمية ما يوجب أن يكون هذا الموصوف مفتقرا إلى فاعل وما جعله ~~افتقارا ليس هو افتقار المفعول إلى الفاعل والمعلول إلى العلة الفاعلة ~~وإنما هو تلازم ومن سماه افتقارا لا يمكنه أن يفسره إلا بافتقار المشروط ~~إلى الشرط والشرط إلى المشروط # ومثل هذا المعنى لازم للوجود الواجب لا ممتنع عليه وإنما الممتنع أن ~~يفتقر إلى مباين له فيكون وجود الواجب متوقفا على وجود PageV03P421 # مباين فإن كان المباين علة له لم يكن موجودا بنفسه بل ممكنا له فاعل وعلة ~~وإن قدر أنه شرط فيه وهو غني عنه وما كان وجوده مشروطا بما هو غني عنه لم ~~يكن موجودا بنفسه فلا يجوز أن يكون الرب الخالق تعالى الذي له الذات ~~الموصوفة بصفات الكمال متوقفا على شيء مباين له بل ولا على شيء غني عنه ~~بوجه من الوجوه لا على فاعل ولا شرط # وهذا هو الذي يقوم عليه الدليل فإن الممكنات التي لا وجود لها من نفسها ~~لا توجد إلا بغيرها وما كان خارجا عنها لم يكن وجوده إلا بنفسه ونفسه هي ~~الذات الموصوفة بصفاتها اللازمة ليست نفسه مجرد وجود مطلق ولا ذات مجردة # ومن ادعى أن ما كان وجوده بنفسه لا يكون إلا وجودا مجردا وذاتا مجردة لأن ~~الذات الموصوفة مفتقرة إلى الصفة فلا تكون موجودة بنفسها # قيل له الممكنات والمحدثات لم تفتقر إلى ذات مجردة حتى يقال إذا قيل إنها ~~موصوفة لزم الافتقار بل افتقرت إلى ما هو خارج عنها كلها # والتعبير عن هذا المعنى يكون بعبارات فإذا قيل ما لا يقبل العدم أو قيل ~~موجود بنفسه أو واجب بنفسه ونحو ذلك كان المقصود واحدا ومن المعلوم أن ما ~~لا يقبل العدم إذا كان ذاتا PageV03P422 موصوفة بصفات الكمال لم ms0689 يجز ان ~~يقال اتصافها بصفات الكمال يوجب افتقارها إلى الصفات فتقبل العدم فان فساد ~~هذا الكلام ظاهر وهو بمنزلة ان يقال قولكم موجود بنفسه أو واجب الوجود ~~بنفسه يقتضي افتقاره إلى نفسه والمفتقر لا يكون واجب الوجود بنفسه بل يكون ~~قابلا للعدم واذا كان هذا فاسدا فالأول افسد فان صفات كماله داخلة في مسمى ~~نفسه فإذا كان قول القائل هو مفتقر إلى نفسه لا يمنع وجوب وجوده فقوله انه ~~مفتقر إلى صفاته اولى ان لا يمنع وجوب وجوده # وكذلك إذا سمى ذلك اجزاء وقال هو مفتقر إلى اجزائه فان جزء الشيء وبعضه ~~وصفته ونحو ذلك داخل في مسمى نفسه فإذا لم يكن قول القائل هو مفتقر إلى ~~نفسه مانعا من وجوب وجوده فقوله هو مفتقر إلى جزئه وصفته ونحو ذلك اولى ~~وتسميه مثل هذا افتقارا لفظ فيه تلبيس وتدليس يشعر الجاهل بفقره وهذا كما ~~لو قيل هو غنى بنفسه فانه قد يقول القائل فهو فقير إلى نفسه فصفاته داخلة ~~في ] مسمى [ نفسه وهو غنى سبحانه بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير ~~اليه # وهذه المعاني مبسوطة في غير هذا الموضع وقد قال ابن رشد هذا الذي يعير ~~على من قال بنفى تعدد الصفات هو ان تكون PageV03P423 الصفات المختلفة ترجع ~~إلى ذات واحدة حتى يكون مفهوم العلم مثلا و الارادة والقدرة مفهوما واحدا و ~~انها ذات واحدة وان يكون ايضا العلم والعالم والقدرة والقادر والارادة ~~والمريد معنى واحدا والذي يعير على من قال ان ههنا ذاتا وصفات زائدة على ~~الذات أن تكون الذات شرطا في وجود الصفات والصفات شرطا في كمال الذات ويكون ~~المجموع من ذلك شيءا واجب الوجود أي موجودا واحدا ليس فيه علة ولا معلول # قال ( لكن هذا لا جواب عنه في الحقيقة إذا وضع ان ههنا شيئا واجب الوجود ~~بذاته فإنه يجب ان يكون واحدا من جميع الوجوه وغير مركب اصلا لا من شرط ~~ومشروط ولا من علة ومعلول لان كل موجود بهذه الصفة فإما ان ms0690 يكون تركيبه ~~واجبا واما ان يكون ممكنا فان كان واجبا كان واجبا بغيره لا بذاته لانه ~~يعسر انزال مركب قديم من ذاته اعنى من غير ان يكون له مركب وبخاصة على قول ~~من انزل ان كل عرض حادث لان التركيب فيه يكون عرضا قديما وان كان ممكنا فهو ~~محتاج إلى ما يوجب اقتران العلة بالمعلول ) PageV03P424 # قال ( و اما هل يوجد شيء مركب من ذاته على اصول الفلاسفة وان جوزوا ~~اعراضا قديمة فغير ممكن وذلك ان التركيب شرط في ] وجوده وليس يمكن ان تكون ~~الاجزاء هي فاعلة للتركيب لان التركيب شرط في [ وجودها وكذلك اجزاء كل مركب ~~من الامور الطبيعية إذا انحلت لم يكن الاسم المقول عليها إلا بالاشتراك مثل ~~اسم ( اليد ) المقولة على التي هي جزء من الانسان الحي واليد المقطوعة بل ~~كل تركيب عند ارسطو طاليس فهو كائن فاسد فضلا عن ان يكون لا علة له و اما ~~هل تفضى الطريقة التي سلكها ابن سينا في واجب الوجود إلى نفي مركب قديم ~~فليس تفضى إلى ذلك لانه إذا فرضنا ان الممكن ينتهي إلى علة ضرورية ~~والضرورية لا يخلو إما ان يكون لها علة أو لا علة لها وانها ان كانت لها ~~علة فإنها تنتهي إلى ضرورة لا علة لها ] فان هذا القول إنما يؤدي من جهة ~~امتناع التسلسل إلى وجود ضروري لا علة له [ فاعلة لا إلى موجود PageV03P425 ~~ليس له علة اصلا لانه يمكن ان يكون له علة صورية ومادية إلا ان يوضع ان كل ~~ما له صورة ومادة وبالجملة كل مركب فواجب ان يكون له فاعل خارج عنه وهذا ~~يحتاج إلى بيان ولم يتضمنه القول المسلوك في شان واجب الوجود مع ما ذكرنا ~~ان فيه من الاختلال ولهذا بعينه لا يفضى دليل الاشعرية وهو ان كل حادث له ~~محدث إلى أول قديم ليس بمركب وانما يفضى إلى أول ليس بحادث ) # قال ( واما ان يكون العالم والعلم شيئا واحدا فليس ممتنعا بل واجب ان ~~ينتهي الأمر في امثال هذه ms0691 الاشياء إلى ان يتحد المفهوم فيها وذلك ان العالم ~~ان كان عالما بعلم فالذي به العالم عالم احرى ان يكون عالما وذلك ان كل ما ~~استفاده صفة من غيره فتلك الصفة اولى بذلك المعنى المستفاد مثال ذلك ان هذه ~~الأجسام الحية التي لدينا ليست حية من ذاتها بل من قبل حياة تحلها فواجب ان ~~تكون تلك الحياة التي استفاد منها ما ليس بحي الحياة حية بذاتها أو يفضى ~~الأمر فيها إلى غير نهاية وكذلك يعرض في العلم وسائر الصفات ) PageV03P426 # قلت ليتامل اللبيب كلام هؤلاء الذين يدعون من الحذق والتحقيق ما يدفعون ~~به ما جاءت به الرسل كيف يتكلمون في غاية حكمتهم ونهاية فلسفتهم بما يشبه ~~كلام المجانين ويجعلون الحق المعلوم بالضرورة مردودا والباطل الذي يعلم ~~بطلانه بالضرورة مقبولا بكلام فيه تلبيس وتدليس فإنه ذكر ما يلزم مثبة ~~الصفات وما يلزم نفاتها فقال يلزم النفاة أن تكون الصفات المختلفة ترجع إلى ~~ذات واحدة فيكون مفهوم العلم والقدرة والإرادة مفهوما واحدا وأنها ذات ~~واحدة وأن يكون العلم والعالم والقدرة والقادر والإرادة والمريد واحدا وقد ~~قال إن هذا عسير # قلت بل الواجب أن يقال إن هذا مما يعلم فساده بضرورة العقل فمن جعل العلم ~~هو القدرة والقدرة هي الإرادة وجعل الإرادة هي المريد والعلم هو العالم ~~والقدرة هي القادر كان مخالفته للعلوم الضرورية وسفسطته أعظم من سفسطة كثير ~~من السوفسطائية وقود هذه المقالة أنه يمكن أن يكون المتكلم هو الكلام ~~والمتحرك هو الحركة والمصلي هو الصلاة والصائم هو الصوم وأمثال ذلك وإن فرق ~~بين الصفات اللازمة وغيرها فلا فرق في الحقيقة بل هذا تحكم ويلزمه أن يكون ~~الإنسان الناطق نفس النطق والفرس الصاهل نفس الصهيل والحمار الناهق نفس ~~النهيق والجسم الحساس المتحرك بالإرادة نفس الإحساس والحركة الإرادية ~~ويلزمه أيضا أن PageV03P427 يجعل نفس الحس نفس الحركة ونفس الحيوانية نفس ~~الناطقية ونفس الصاهلية نفس الناهقية # وما أحق هؤلاء بدخولهم في قول الله تعالى @QB@ والذين كذبوا بآياتنا صم ~~وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن ms0692 يشأ يجعله على صراط مستقيم @QE@ ~~سورة الأنعام 39 # وبقوله تعالى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون @QE@ سورة الأعراف 179 # وبقوله تعالى @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ~~@QE@ سورة الملك 10 # وقول ابن رشد كون العالم والعلم شيئا واحدا ليس ممتنعا بل واجب أن ينتهي ~~الأمر في أمثال هذه الأشياء إلى أن يتحد المفهوم فيها # فيقال له هذا من أعظم المكابرة والسفسطة والبهتان وقوله إن العالم إذا ~~كان عالما بعلم فالذي به العالم عالم أحرى أن يكون عالما إلى آخر كلامه ~~كلام في غاية الفساد كما أنه إذا قيل إذا كان الضارب ضاربا بضرب فالضرب ~~أولى أن يكون ضاربا والقائم إذا PageV03P428 كان قائما بقيام فالقيام اولى ~~ان يكون قائما والناطق إذا كان ناطقا بنطق فالنطق اولى ان يكون ناطقا ~~والقاتل إذا كان قاتلا بقتل فالقتل اولى ان يكون قاتلا والماشي إذا كان ~~ماشيا بمشي فالمشي اولى ان يكون ماشيا والخالق إذا كان خالقا بخلق فالخلق ~~اولى ان يكون خالقا والرازق إذا كان رازقا برزق فالرزق اولى ان يكون رازقا ~~والمحيي المميت إذا كان محييا مميتا باحياء واماتة فالاحياء والاماتة اولى ~~ان يكون محييا مميتا # وبالجملة فهذا يلزم نظيره في عامة اسماء الله الحسنى وفي اسماء نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وأسماء سائر الموجودات المشتقة يلزم ان يكون المصدر الذي ~~اشتق منه الاسم احق بالاسم من الفاعل ويكون مسمى المصدر الذي هو الحدث احق ~~بأسماء الفاعلين والصفات المشبهة بها من نفس الفاعل الموصوف # وتصور هذا الكلام كاف في معرفة فساده وانما دخلت الشبهة على من قاله لأن ~~قوله إذا كان العالم عالما بعلم فالذي به العالم عالم احرى ان يكون عالما ~~كلام اشتبهبت فيه باء الاستعانة بباء المصاحبة فظن انه إذا قيل هذا عالم ~~بعلم ان العلم هو الذي أفاده العالم والعلم هو ms0693 الذي اعطاه العالم كأنه ~~معلمه فكأنه قال إذا كان المتعلم عالما فمعلمه اولى ان يكون عالما وليس ~~الأمر كذلك بل قولنا هذا عالم بعلم أي انه موصوف بالعلم أي ليس مجردا عن ~~العلم ولا معرى منه بل هو متصف به والعلم نفسه لا يعطيه العلم بل نفس العلم ~~هو PageV03P429 العلم وان كان العلم قديما من لوازم ذاته فلم يستفده من أحد ~~وان كان محدثا فقد استفاده من غيره ولم يستفد العلم من العلم لكن هل له حال ~~وهو كونه عالما معللة بالعلم أم كونه عالما نفس سالعلم هذا فيه نزاع بين ~~مثبتة الحال ونفاتها ومن اثبتها لم يقل انها صفة موجودة # وقوله ما استفاد صفة من غيره فتلك الصفة يعني المستفاد منها اولى بذلك ~~المعنى المستفاد كما مثل به من الحياة كلام فاسد فإن العالم لم يستفد الصفة ~~التي هي العلم من الصفة التي هي العلم بل نفس علمه هو نفس الصفة ليس هنا ~~صفة مفيدة وصفة مستفادة إلا ان يقال العلم اثبت العالمية على رأي مثبتة ~~الحال وعلى هذا التقدير فالعالمية ليست صفة وجودية وهو إنما كان عالما ~~بالعلم الموجب للحال لا بالحال الموجبة للعلم واذا كان عالما بالعلم لم يكن ~~العلم حصل من علم آخر وانما العلم عند هؤلاء اوجب كونه عالما والذي عليه ~~الجمهور ان نفس العلم هو نفس كونه عالما فليس هنا شيئان وعلى القولين فإذا ~~استحق الموصوف بالعلم أن يسمى عالما لم يكن العلم احق بأن يكون عالما فإن ~~هذا لا يقوله عاقل # وقوله ان الجسم إذا كانت حياته من قبل حياة تحله فواجب PageV03P430 ان ~~تكون تلك الحياة التي استفاد منها ما ليس بحي الحياة حية بذاتها # فيقال هذا باطل من وجهين # أحدهما ان الحياة التي حلتة هي الحياة التي صار بها حيا ليس هنا حياة ~~اخرى صار بها حيا حتى يقال هنا حياة حلته وحياة جعلته حيا # الثاني ان حياته إذا قدر انها مستفادة من حياة اخرى فتلك الحياة الاخرى ~~قائمة بحي هو حي ms0694 بها لا ان تلك الحياة هي الحية بل الحي الموصوف بالحياة لا ~~نفس الحياة فلينظر العاقل نهايات مباحث هؤلاء الفلاسفة في العلم الالهي ~~العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته ولينظر هذا المعقول الذي يعارضون به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مع ان هذا مبسوط من غير هذا الموضع وليس هذا ~~موضع بسطه # والناس شنعوا على أبي الهذيل العلاف لما قال ان الله عالم بعلم وعلمه ~~نفسه ونسبوه إلى الخروج من العقل مع ان كلامه اقل تناقضا من كلام هؤلاء # واما زعمه ان ما يلزم مثبتة الصفات لا جواب عنه لأن واجب PageV03P431 ~~الوجود يجب ان يكون غير مركب من شرط ومشروط # فيقال له قد تقدم انكم أنتم سميتم هذا تركيبا وهو لا يسمى تركيبا في لغه ~~من اللغات المعروفة لبني آدم بل إنما سماه تركيبا متأخروكم كابن سينا ~~وأمثاله واما قدماؤكم فقد ذكرتم عن ارسطو طاليس ان كل تركيب فهو كائن عنده ~~فاسد والسماء عنده ليست كائنة فاسدة فهو لا يسمى السموات وما فيها من ~~الكواكب مركبة مع انها اجسام متحيزة متحركة تقوم بها الاعراض فكيف يسمى ما ~~كان حيا عالما قادرا مركبا واذا خاطبناكم باصطلاحكم المبتدع لنقطع شغبكم ~~بحثنا معكم بحثا عقليا فإنكم تدعون ان هذه الامور معلومة بالعقل لا بالسمع ~~واطلاق الالفاظ ونفيها لا تقفون أنتم فيه عند الشرع فالواجب على اصولكم ان ~~ما علم بالعقل ثبوته أو انتفاؤه اتبع من غير مراعاة للفظ # ونحن نبين فساد ما ذكرتموه من المعنى بالعقل الصريح مع مخاطبتكم بلغتكم ~~فيقال له لم قلت ان ما كان مركبا من شرط لا يكون واجب الوجود # و اما قوله لأن تركيبه إذا كان واجبا كان واجبا بغيره لا بذاته لأنه يعد ~~تقدير مركب قديم من غير ان يكون له مركب # فيقال له هذا هو البحث اللفظي الذي ذكرناه هذا لأجله PageV03P432 والمركب ~~الذي يفتقر إلى مركب هو ما ركبه غيره كما ان المحرك الذي يفتقر إلى محرك ما ~~حركه غيره ولم يقل أحد من العقلاء ان واجب ms0695 الوجود مركب ركبه غيره وأنتم إذا ~~سميتم اجتماع الذات والصفات تركيبا لم تريدوا بذلك إلا الاجتماع والتعدد ~~والتألف وكثرة المعاني ونحو ذلك لم تقصدوا بذلك ان هناك فاعلا لذلك وان ~~اردتم ذلك كان باطلا وبطل اللفظ والمعنى جميعا فإن أصل الكلام ان الواجب ~~إذا كان ذاتا موصوفة بصفات كان مركبا فإن أراد المريد كان له من ركبه من ~~الذات والصفات كان التلازم ممنوعا بل هو باطل ضرورة فإنا إذا قدرنا واجب ~~الوجود بنفسه الغنى عن الفاعل موصوفا بصفات لازمة له امتنع ان يكون للواجب ~~بنفسه المستلزم لصفاته من ركب بينه وبين صفاته فإن كونه واجبا بنفسه يمنع ~~ان يكون له فاعل وكون صفاته لازمة له يمنع جواز مفارقتها له ويمنع افتقارها ~~إلى من يجعلها فيه فكيف يقال ان له مركبا ركبه حتى يقال ان هذا تركيب يفتقر ~~إلى مركب ويقال يمتنع ثبوت مركب قديم أي من ذاته ومن سمى هذا تركيبا وقال ~~انه قديم فإنه يقول هو تركب وتألف واجتماع ومثل هذا لا يفتقر إلى مركب مؤلف ~~جامع ولو قيل PageV03P433 على سبيل الفرض ان الذات المستلزمة للصفات هي ~~الموصوفة بذلك فليس هنا ما يقتضى افتقارها إلى غيرها # و اما قوله خاصة على قول من يقول كل عرض حادث لأن التركيب يكون فيه عرضا ~~قديما فهذا باطل من وجوه # احدها ان القائلين بأن كل عرض حادث من الاشعرية ومن وافقهم لا يسمون صفات ~~الله اعراضا فإذا قالوا هو عالم وله علم وهو متصف بالعلم لم يقولوا ان علمه ~~واتصافه بالعلم عرض ومن سمى صفاته اعراضا كالكرامية ونحوهم لم يلزمهم ان ~~يقولوا كل عرض حادث وما أعلم احدا من نظار المسلمين يقول كل عرض حادث وصفات ~~الله القديمة عرض فإن هذا تناقض بين فما ذكره لا يلزم احدا من المسلمين فلم ~~يقل أحد من المسلمين فلم يقل أحد ان كل عرض حادث مع قوله ان صفات الله ~~اللازمة له أعراض # الوجه الثاني ان يقال على سبيل التقدير من قال كل عرض حادث ms0696 فإنه يقول في ~~الاعراض الباقية انها تحدث شيئا بعد شيء فإذا قدر موصوف قديم بصفات وقيل ~~انها اعراض والعرض لا يبقى زمانين لزم ان يقال انها تحدث شيئا بعد شيء ~~وحينئذ فإذا قدر اجتماع أو تألف أو تعدد في الصفات ونحو ذلك مما سميته ~~تركيبا PageV03P434 وقيل انه قديم وانه عرض وان كل عرض فهو حادث لا يبقى ~~زمانين كان أولى بتجدد امثاله من سائر الاعراض فثبوت المعنى الذي سماه ~~تركيبا وجعله عرضا قديما كسائر الصفات القديمة # الثالث ان يقال هذا الذي سميته عرضا قديما حكمه عندهم حكم سائر الصفات ~~فإن أقمت دليلا على انتفاء الصفات أمكن نفي هذا وإلا فالقول فيه كالقول في ~~أمثاله وأنت لا دليل لك على انتفاء الصفات إلا انتفاء الاجتماع والتعدد ~~الذي سميته تركيبا فإذا لم يمكنك نفي هذا إلا بنفي غيره نم الصفات ولا ~~يمكنك نفي الصفات إلا نفي هذا كان هذا دورا قبليا باطلا وقد تبين انه لا ~~يمكنك لا نفي هذا ولا نفي هذا وان ما ذكرته من لفظ التركيب كلام فيه تلبيس ~~توهم به من لا يفهم حقيقة المقصود أن مثبته الصفات أثبتوا لله تعالى ما ~~يفتقر فيه إلى مركب يركبه معه وكل عاقل يعلم ان مذهب المسلمين المثبتين ~~للصفات ان صفاته القديمة لازمة لذاته لا يفتقر فيها إلى أحد سواه ومن جعل ~~اتصافه بها مفتقرا إلى مركب غيره فهو كافر عندهم فضلا عن أن يقولوا انه ~~مفتقر إلى مركب جمع بينه وبينها # الرابع ان يقال على سبيل الفرض لو نازعك بعض اخوانك الفلاسفة في امتناع ~~مركب قديم من ذاته لم يكن لك عليه حجة فلو قدر ان ذلك يستلزم مركبا قديما ~~من ذاته لم يكن لك عل اصول PageV03P435 اخوانك الفلاسفة حجة على ابطال هذا ~~فإن الفلك عندكم جسم قديم وهو مركب بهذا الاصطلاح # واما قولك الفلاسفة وان جوزوا اعراضا قديمة فغير ممكن وجود مركب قديم من ~~ذاته عندهم لأن التركيب شرط في وجوده ولا يمكن ان تكون الاجزاء هي فاعلة ~~للتركيب ms0697 لأن التركيب شرط في وجودها # فيقال لك إذا كان التركيب شرطا في وجودها وهي شرط في وجود التركيب لم يكن ~~أحدهما فاعلا للاخر بل ان كانا مفتقرين إلى الفاعل ففاعل الاجزاء هو فاعل ~~التركيب وان كانا غنيين عن الفاعل لم يفتقر أحدهما إلى الفاعل والكلام على ~~تقدير ان يكون المركب قديما تركيبه بنفسه وقولك مركب من نفسه لا تعني به ان ~~اجزاءه فعلت التركيب وانما تعني به ان نفس الاجزاء والتركيب متلازمان وهما ~~مستغنيان عن غيرهما # الخامس ان يقال انت قد اعترفت بفساد طريقة ابن سينا وانها لا تتضمن ان كل ~~مركب فلا بد له من فاعل خارج عنه # وهذا الذي قلته في طريقة ابن سينا يلزمك بطريق الأولى فإنه ليس فيما ~~ذكرته ان كل مركب فلا بد له من فاعل خارج عنه إلا ما أخذته من لفظ مركب ~~وهذا تدليس قد عرف حاله PageV03P436 # واما قولك ان دليل الاشعرية ايضا لا يفضي إلى إثبات أول قديم ليس بمركب ~~وانما يفضى إلى إثبات أول ليس بحادث # فهذا ايضا توكيد لاثبات الصفات فإن مرادك بالمركب ما كان موصوفا بالصفات ~~ولا ريب ان الأدلة الدالة على إثبات الصانع ليس فيها والحمد لله ما ينفي ~~إثبات الصفات # فإن قلت فهم ينفون التجسيم بناء على انتفاء التركيب ولا دليل لهم على ذلك # قيل لك هذه حجة جدلية وغايته ان تلزمهم التناقض وذلك لا يقتضي صحة قولك ~~الذي نازعوك فيه وهم نازعوك في إثبات الصفات فقلت ان إثبات الصفات يستلزم ~~التركيب وانت لم تقم دليلا على نفي هذا التركيب فلم تقدم دليلا على نفي ~~الصفات وقالوا لك ايضا لا دليل لك على نفي التجسيم فإن عمدتك هو نفي الصفات ~~العائد إلى نفي التركيب وقد ظهر ذلك # فإذا قلت لهم وأنتم أيضا لا دليل لكم على ذلك فإن دليل الحدوث لا يقتضى ~~ذلك # قالوا لك نحن اثبتنا الحدوث بحدوث الجسم وهو المراد بقولنا مركب فإن صح ~~دليلهم ثبت نفي ما سموه تركيبا وان لم يصح دليلهم لم ms0698 يكن في هذا منفعة لك ~~PageV03P437 # وهذه الطريق هي التي سلكها أبو حامد في مناظرته اخوانك وهي طريق صحيحة ~~وقد تبين ان ما ذكره أبو حامد عن احتجاجهم بلفظ المركب جواب صحيح وان ~~احتجاجهم بهذا نظير احتجاج اولئك بلفظ التخصيص حيث قالوا ان المختص بشيء لا ~~بد له من مخصص وهذا هو الذي سلكه نفاة الصفات ويسمون نفي الصفات توحيدا ~~وهذا هو الذي سلكه نفاة الصفات ويسمون نفي الصفات توحيدا وهذا هو الذي سلكه ~~أبو عبد الله محمد بن تومرت الملقب عند اصحابه بالمهدى وامثاله من نفاة ~~الصفات المسمين ذلك توحيدا # ولقب ابن التومرت اصحابه بذلك إذ كان قوله في التوحيد قول نفاة الصفاة ~~جهم وابن سينا ويقال انه تلقى ذلك عمن يوجد في كلامه موافقة الفلاسفة تارة ~~ومخالفتهم اخرى # قلت ولهذا رأيت لابن التومرت كتابا في التوحيد صرح فيه بنفي الصفات ولهذا ~~لم يذكر في مرشدته سيئا من إثبات الصفات ولا إثبات الرؤية ولا قال ان كلام ~~الله غير مخلوق ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات بذكرها ~~ولهذا كان حقيقة قوله موافقا لحقيقة قول ابن سبعين والقائلين بالوجود ~~المطلق موافقة لابن سينا وقد ذكر ابن التومرت في فوائده المشرقية ان الوجود ~~مشترك بين PageV03P438 الخالق والمخلوق فوجود الخالق يكون مجردا ووجود ~~المخلوق يكون مقيدا # وقال ابن التومرت في كتاب الدليل والعلم فقال المعلومات على ضربين معدوم ~~وموجود والموجود على ضربين مطلق ومقيد فالمقيد هو المخصص والاختصاص على ~~ثلاثة اضرب الاختصاص بزمان دون زمان سواه والثاني الاختصاص بجهة دون جهة ~~غيرها والثالث الاختصاص بخاصة دون خاصة غيرها والموجود المطلق هو الذي ليس ~~بمقيد ولا بمخصص فلا يختص بزمان دون غيره ولا بجهة دون غيرها ولا بخاصة دون ~~غيرها فلو اختص بشيء لكان من جنسه فلما انتفت عنه الخواص على الاطلاق وجب ~~له الوجود المطلق # قال والموجود المطلق هو القديم الازلي الذي استحالت عليه القيود والخواص ~~المختص بمطلق الوجود من غير تقييد ولا تخصيص وذكر كلاما كثيرا في نفي ~~الاختصاص ms0699 إلى ان قال و اذا تساوت المتناهيات في الاختصاص بجهة مقدرة امتنع ~~عليها التخصيص من جهتها ومن مخصص من جنسها و اذا بطل التخصيص من جنسها ~~PageV03P439 بطل التخصيص من جميع المخصصات إلى الاطلاق ثم قال بعد هذا ~~انفرد بالعلم والكمال والحكم والاختيار وانفرد بالقهر والاقتدار وانفرد ~~بالخلق والاختراع وقال مع هذه المخصصات بأسرها يستحيل الكمال عليها وان ~~تكاملت صفاتها # قلت ومعلوم ان هذا تناقض فإن نفي الاختصاص بخاصة من الخواص ودعوى انه ~~وجود مطلق لا يختص بوجه من الوجوه يمنع ان يختص بعلم أو قدرة أو مشيئة ونحو ~~ذلك من الصفات فإن العالم مختص بعلمه متميز به عن الجاهل والقادر مختص ~~بقدرته متميز بها عن العاجز والمختار مختص بالاختيار متميز به عن المستكره ~~فإن أثبت شيئا من صفات الكمال فقد أثبت اختصاصه بذلك وان نفي جميع الصفات ~~ولم يثبت إلا وجودا مطلقا تناقض كلامه # وقيل له المطلق لا يوجد إلا في الذهن لا في الخارج فلا يتصور ان يكون في ~~الخارج شيء مطلق لا حيوان مطلق ولا انسان مطلق ولا جسم مطلق ولا موجود مطلق ~~بل كل موجود فله حقيقة يختص بها لا يشركه فيها غيره # وقيل له هذا الوجود المطلق اهو وجود المخلوقات أم غيره فإن قال هو هو بطل ~~إثبات الخالق وان قال هو غيره قيل له PageV03P440 فوجوده مثل وجود ~~المخلوقات أو ليس مثله فإن كان الأول لزم ان يكون الخالق مثل المخلوق ~~والمثلان يجوز ويجب ويمتنع على أحدهما ما يجوز ويجب ويمتنع على الآخر فيلزم ~~ان يكون الشيء الواحد واجبا غير واجب محدثا غير محدث وهو جمع بين النقيضين # وان قال وجوده مخالف لوجود المخلوقات فقد اثبت له وجودا يختص به لا يشركه ~~فيه غيره فلا يماثله غيره وهذا وجود مخصوص مقيد لا وجود مطلق وقد بسط ~~الكلام على هذه الامور في غير هذا الموضع # والمقصود هنا الكلام في ان كل مختص بأمر هل يفتقر إلى مخصص منفصل عنه لان ~~الكلام كان في المسلك الثاني في حدوث ms0700 الأجسام الذي بين فساده الامدي ~~والارموي وغيرهما فإنه مبنى على مقدمتين احداهما انها مفتقرة إلى ما يخصصها ~~بصفاتها والثانية ان ما كان كذلك فهو محدث وقد بينوا فساد المقدمة الثانية ~~كما تقدم PageV03P441 # وأما الأولى فقررت بوجهين # أحدهما أن المختص بمقدار لا بد له من مخصص وقد تبين فساده أيضا # الثاني أن جواهر العالم إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة أو مجتمعة ومفترقة ~~معا أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو البعض مجتمعا والبعض مفترقا وخلوها عنهما ~~وأيضا الجمع بينهما ممتنع وأما بقية الأقسام فهي ممكنة ومهما قدر أمكن ~~تقدير خلافه فيكون جائزا والجائز يفتقر إلى مخصص # وهذا أضعف لوجهين # أحدهما أنه مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة وأن كل جسم ~~يقبل الاجتماع والافتراق وأكثر عقلاء الناس على خلاف ذلك فإن للناس في هذا ~~المقام أقوالا أحدها قول من يقول إنها مركبة من الجواهر المنفردة التي لا ~~تقبل القسمة كما هو قول أكثر المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وموافقيهم # والثاني قول من يقول إنها مركبة من جواهر لا نهاية لها كما هو قول النظام ~~ومتبعيه # والثالث قول من يقول إنها مركبة من المادة والصورة وإنها تقبل الانقسام ~~إلى غير نهاية كما هو قول ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة PageV03P442 # والرابع قول من يقول إنها ليست مركبة من هذا ولا هذا لكن تقبل الانقسام ~~إلى جوهر لا يتجزأ كما هو قول الشهرستاني وغيره # والخامس قول من يقول إنها ليست مركبة لا من هذا ولا هذا ولا تقبل ~~الانقسام إلى جزء لا يتجزأ ولا إلى غير غاية لكن كل جزء موجود فإنه يقبل ~~الانقسام العقلي ولا يقبل الانقسام الفعلي ولكنه يستحيل إذا تصغر كما تفسد ~~وتستحيل أجزاء المادة إذا صغرت فتصير هواء فلا يكون في الأجزاء ما لا يتميز ~~يمينه عن شماله ولا يكون فيها ما يقبل الانقسام إلى غير غاية # وهؤلاء تخلصوا من هذا المحذور وهذا المحذور فإن مثبتة الجزء الذي لا ~~ينقسم الزمهم الناس بأنه لا بد ان يتميز أحد جانبيه ms0701 عن الآخر وما كان كذلك ~~فهو يقبل الانقسام المتنازع فيه # والزموهم انه إذا وضع بين جوهرين فإن لاقى هذا بعين مالا قى به هذا امتنع ~~كونه بينهما وان لاقى هذا بغير ما لاقى به هذا لزم انقسامه # والزموهم من هذا الجنس الزامات لا محيد لهم عنها # ومن نفاه وقال بأنه يمكن انقسام الأجسام إلى غير نهاية الزمهم الناس ان ~~يكون الجسم الصغير كالكبير وان يكون مالا يتناهى محصورا بين حاصرين ~~PageV03P443 # ثم إما ان يقول هي غير متناهية مع وجودها كما يقوله النظام والتزم على ~~ذلك ان الظافر لا يحاذى ما تحته من الاجزاء لئلا يقع مالا يتناهى تحت ما ~~يتناهى وصار الناس يقولون عجائب الكلام طفرة النظام و احوال أبي هاشم وكسب ~~الاشعري ولهم في ذلك من الكلام ما يطول وصفه # أو يقول ان الانقسام إلى غير غاية ممكن فيها كما يقوله المتفلسفة كابن ~~سينا وامثاله # ولما كان كل من القولين معلوم الفساد بالضرورة قول من أثبت مالا يتميز ~~بعضه عن بعض ومن أثبت ما ينقسم إلى غير نهاية توقف من توقف من أفاضل النظار ~~فيه فتوقف فيه أبو الحسين البصري و أبو المعالي الجويني في بعض كتبه و أبو ~~عبد الله الرازي في نهايته # فهؤلاء الذين لم يثبتوا إمكان الانقسام إلى غير غاية ولا اثبتوا مالا ~~يقبل امتياز بعضه عن بعض خلصوا من هذا وهذا وقالوا انه إذا صغر استحال إلى ~~غيره مع امتياز بعضه عن بعض لو بقي موجودا # وبالجملة نفي هذا وهذا قول طوائف كثيرة من أهل النظر من الكلابية ~~والكرامية بل والهاشمية والنجارية والضرارية وغيرهم # ومازال السلف و الائمة وغيره من عقلاء الناس ينكرون على هؤلاء ما تكلموا ~~به في الجوهر والجسم ويعدون هذا من الكلام الباطل PageV03P444 # والمقصود هنا ان هؤلاء الذين يقولون ان جواهر العالم إما ان تكون مجتمعة ~~أو مفترقة إلى آخرها قولهم مبني على هذا الأصل والتزموا على ذلك ان جميع ما ~~يحدث من الحيوان والنبات والمعدن وما يفسد من ذلك إنما هو ms0702 لاجتماع الجواهر ~~وافتراقها فالحادث صفات الجواهر لا ان عينا من الاعيان يحدث وانكروا ~~استحالة الأجسام بعضها إلى بعض وقالوا ان اجزاء المني باقية في الانسان ~~وكذلك اجزاء النواة في الشجرة ولكن زادت اجزاء بما انضم اليها من اجزاء ~~الغذاء كأجزاء الماء والهواء وان تلك الاجزاء ايضا باقية لم تستحل ولم تعدم ~~بل تجتمع تارة وتفترق اخرى # وجماهير العقلاء على مخالفة هؤلاء وقائلون باستحالة الأجسام بعضها إلى ~~بعض كما اطبق على ذلك علماء الشريعة وعلماء الطبيعة وغيرهم من اصناف الناس # ولهذا يقولون النجاسة هل تطهر بالاستحالة أم لا تطهر فإذا صارت الميتة ~~والدم ولحم الخنزير رمادا أو ترابا أو ملحا ونحو ذلك ففي طهارة ذلك قولان ~~مشهوران للعلماء والقول بطهارته قول اكثر الفقهاء فإنه قول أصحاب أبي حنيفة ~~وأهل الظاهر وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد بن حنبل واتفقوا على ان الخمر ~~إذا استحالت وانقلبت بغير قصد الانسان انها تطهر # و الاطباء مع سائر الناس يعلمون ان الماء يستحيل هواء والهواء يستحيل ماء ~~والنار تستحيل هواء والهواء يستحيل ماء كما PageV03P445 هو مبسوط في غير ~~هذا الموضع إذ المقصود هنا التنبيه على اصول هذه الحجة # وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين ما يقوله هؤلاء وهؤلاء من ~~التركيب وان هؤلاء يدعون التركيب من جواهر محسوسة لا تنقسم وهي الجواهر ~~المنفردة وهؤلاء يدعون التركيب من جواهر معقولة لا تنقسم كما يقولون في ~~تركب الانواع من الاجناس والفصول وفي تركب الأجسام من المادة والصورة ~~والمركب لا بد له من واحد لا تركيب فيه ولا تقسيم # وقد بين ان ما يدعيه هؤلاء وهؤلاء من هذا الواحد لا حقيقة له في الخارج ~~وانما تقديره في الذهن وكذلك ما يدعيه هؤلاء من الجواهر العقلية المجردة ~~التي لا تنقسم كالعقول العشرة فقد بين في غير هذا الموضع انها لا تتحقق إلا ~~في الاذهان لا في الاعيان # وتوحيد القديم الازلي واجب الوجود الذي مضمونه نفي الصفات عند الفريقين ~~ينزه عن مثل هذه الآحاد والوحدات التي يثبتونها ms0703 في الخارج ولا حقيقة لها ~~إلا في الذهن ولهذا كان منتهى تحقيقهم القول بوحدة الوجود وأن الوجود واحد ~~لا يميزون بين الواحد بالنوع والواحد بالشخص فإن الواحد بالنوع كما يقال ~~الموجودات تشترك في مسمى الوجود و الاناسي تشترك في مسمى الانسان ~~والحيوانات تشترك في مسمى الحيوان و الاجسام تشترك في مسمى الجسم ونحو ذلك ~~PageV03P446 # وهذا المشترك هو الكلي الذي لا يوجد في الخارج كليا ولا يكون كليا إلا في ~~الاذهان لا في الاعيان # وبين ما دخل على المنطقيين من الغلط في دعواهم تركب الحقائق من هذه ~~الكليات وما دخل عليهم من الفساد في العلم الالهي والطبيعي وانهم يجعلون ~~الواحد اثنين كالجسم والاثنين واحدا كالعلم والعالم و الارادة والقدرة ~~ويجعلون الموجود معدوما كالحقيقة الإلهية وصفاتها وأفعالها والمعدوم موجودا ~~كالوجود المطلق ويجعلون ما في الذهن في الخارج كالمجردات والكليات وأمثال ~~ذلك مما ليس هذا موضع بسطه # الوجه الثاني انه لو سلم أن الجسم مؤلف من الجواهر المجتمعة فالقول في ~~الاجتماع كالقول في المقدار وقوله ان اختصاصه بذلك الاجتماع يفتقر إلى مخصص ~~قد بين فساده ( كقوله ان اختصاصه بالمقدار يفتقر إلى مخصص وهو مبني على ان ~~كل مختص يفتقر إلى مخصص ) # و اما المقدمة الثانية فانها قررت بأن المخصص لا بد ان يكون فاعلا مختارا ~~وأن يكون ما خصصه به حادثا وقد أبطل الآمدي وغيره كلا المقدمتين ~~PageV03P447 # وغاية هذا المسلك أن الأجسام لا تخلو عن الحوادث # قال الآمدي وبتقدير تسليم حدوث ما أشير اليه من الصفات فلا يلزم ان تكون ~~الجواهر والاجسام حادثة لجواز ان تكون هذه الصفات متعاقبة عليها إلى غير ~~النهاية إلا بالالتفات إلى ما سبق من امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها ~~ينتهي اليه # قلت وهذا الذي اعتمده الآمدي في هذه المسألة فانه ذكر في حدوث الأجسام ~~سبعة مالك وزيف ستة منها # الأول مسلك الإمكان وأنه ممكن وكل ممكن محدث # والثاني مسلك الاختصاص # الثالث مسلك الحيز المعين # الرابع مسلك القدم أنه قديم # والخامس مسلك الإمكان [ ايضا ] لكن فيه تقدير الحدوث ms0704 بطريقة أخرى # والسادس مسلك الحركة والسكون الذي قدمه الرازي PageV03P448 # وقد تقدم ما اعترض به هو والأرموي وغيرهما على هذه المسالك وبينوا به ~~فسادها # قال الآمدي والمسلك السابع المسلك المشهور للأصحاب PageV03P449 وعليه ~~الاعتماد وذكر ان المسلك المشهور للأشعرية والرازي ونحوه لم يعتمد على هذا ~~المسلك لأنه مبني على أن الأعراض ممتنعة البقاء وقدح الآمدي في الطرق التي ~~اعتمد عليها الرازي # قال الآمدي وهو أنا نقول العالم مؤلف من أجزاء حادثه والمؤلف من الأجزاء ~~الحادثة حادث فالعالم حادث بيان الأول ان اجزاء العالم منحصرة في الجواهر ~~والأعراض والجواهر والأعراض حادثة فأجزاء العالم حادثة وبيان الأول ما سبق ~~في الوجود والممكن بيان الثانية إما بيان ان الاعراض حادثة فلأنا بينا ان ~~الاعراض ممتنعة البقاء وكل ممتنع البقاء فهو حادث مسبوق بعدم نفسه فكل واحد ~~من الاعراض حادث مسبوق بعدم نفسه وعند ذلك فإما ان تكون متعاقبة في وجودها ~~إلى غير النهاية أو هي منتهية إلى عرض ليس وراءه عرض آخر الأول محال لما ~~بيناه من بيان امتناع حوادث لا أول لها ينتهي اليه في إثبات واجب الوجود ~~فلم يبق إلا الثاني وهو ان تكون جملتها متناهية PageV03P450 ومسبوقة بالعدم ~~فتكون حادثة وأما الجواهر فلأنا بينا فيما تقدم امتناع عرو الجواهر عن ~~الاعراض واذا كانت الاعراض التي لا عرو للجواهر عنها حادثة ومسبوقة بالعدم ~~فالجواهر كذلك لأن مالا يعرى عما له أول فله أول وهو حادث وإلا فلو كان ~~قديما للزم منه إما عروه عن العرض في حال قدمه واما ان تكون الاعراض لا أول ~~لها وكل واحد من الامرين محال لما تقدم # إما بيان المقدمة الثانية من أصل الدليل فهو أن ما كانت اجزاؤه حادثة ~~ولها أول تنتهي اليه فالهيئة الاجتماعية الكائنة عنها تكون حادثة مسبوقة ~~بالعدم وهو معلوم بالضرورة # فهذا تمام تقريره لهذا المسلك الذي ارتضاه # ولقائل ان يقول هذا الدليل اضعف بكثير مما ذكره الرازي ولهذا لم يعرف ~~الرازي على هذا لضعفه واستدل بدليل الحركة والسكون كما استدل به من استدل ~~من ms0705 المعتزلة فإن هذا الدليل مبنى على مقدمتين احداهما ان الاعراض جميعها ~~ممتنعة البقاء وجمهور PageV03P451 العقلاء من أهل الكلام وغيرهم من أصناف ~~الناس ينكرون ذلك بل يقولون ان هذا خلاف الحس والضرورة ويجعلونه جنس قول ~~النظام ان الأجسام ايضا لا تبقى # وعمدة من قال بامتناع بقائها ان العرض لو جاز بقاؤه لامتنع عدمه لان ~~العدم لا يجوز ان يكون بحدوث ضد فإن الحادث إنما يحدث في حالة عدم الثاني ~~لامتناع اجتماع الضدين لأنه ليس عدم الثاني لطريان الحادث بأولى من العكس ~~ولا يجوز ان يكون بفعل القادر المختار لأن العدم نفي محض وفعل الفاعل لا ~~يكون نفيا محضا # ومعلوم ان هذا كلام ضعيف فإنه يمكن عدمه بالاعدام وفعل الإعدام ليس فعلا ~~لعدم مستمر بل هو احداث لعدم ما كان موجودا كما أن احداث الوجود احداث ~~لوجود ما كان معدوما وهذا امر متجدد يعقل كونه مفعولا للفاعل # و ايضا فالضد الحادث إذا قدر انه أقوى من الباقي كان ازالته له لفضل قوته ~~فإن كون العرضين متضادين لا يستلزم تساويهما وتماثلهما في القوة والضعف # وأيضا فإن الفاعل المحدث للعرض الحادث يجعله مزيلا لذلك الباقي دون العكس # ولولا ان هذا ليس موضع بسط الكلام في مثل هذه الامور وألا لكان ينبغي ان ~~نبين ان مثل هذا الكلام من أسخف الكلام الذي ذمه PageV03P452 السلف و ~~الائمة وغيرهم من العقلاء فإن هؤلاء يقولون ان الله لا يمكن ان يفنى شيئا ~~من الأجسام والأعراض بل طريق فنائها انه لا يخلق الاعراض التي تحتاج إلى ~~تجديد و احداث دائما فإذا لم يحدثها عدمت الأجسام وفنيت بأنفسها لأنه لا ~~وجود لها إلا بالاعراض ومثل هذا الكلام لو قاله الصبيان لضحك منهم # وأما المقدمة الثانية فهو وجوب تناهي الحوادث وقد تقدم كلامهم في افساد ~~جميع ما استدل به على ذلك والطريقة التي قررها الامدي قد تقدم اعتراض ~~الارموي وغيره عليها وبيان فسادها # فهذا جملة ما احتج به هؤلاء الذين هم فحول النظر وأئمة الكلام والفلسفة ~~في هذه المسائل وقد تبين ms0706 بكلام بعضهم في بعض افساد هذه الدلائل وهذا جملة ~~ما يعارضون به الكتاب والسنة ويسمونه قواطع عقلية ويقولون انه يجب تقديم ~~مثل هذا الكلام على نصوص التنزيل والثابت من أخبار الرسول وما اتفق عليه ~~سلف الأمة وأئمتها # فلو لم يكن في المعقول ما يوافق قول الرسول لم تجز معارضته PageV03P453 ~~بمثل هذا الكلام فضلا عن تقديمه عليه فكيف والمعقول الصريح موافق لما جاء ~~به الرسول كما بين في موضعه بل لا يجوز ان تعارض بمثل هذا الكلام الاحكام ~~الثابتة بالعمومات والاقيسة والظواهر واخبار الآحاد فكيف تعارض بذلك النصوص ~~الثابتة عن المعصوم # بل مثل هذا الكلام لا يصلح لافادة ظن ولا يقين وانما هو كلام طويل ~~بعبارات طويلة وتقسيمات متنوعة يهابه من لم يفهمه وعامة من وافق عليه وافق ~~عليه تقليدا لمن قاله قبله لا عن تحقيق عقلي قام في نفسه # وكلام السلف و الائمة في ذم مثل هذا الكلام الذي احتجوا فيه بطريقة ~~الاعراض والجواهر على حدوث الأجسام واثبات الصانع كثير منتشر قد كتب في غير ~~هذا الموضع وكل من أمعن نظره وفهم حقيقة الأمر علم ان السلف كانوا أعمق من ~~هؤلاء علما وأبر قلوبا وأقل تكلفا وأنهم فهموا من حقائق الامور ما لم يفهمه ~~هؤلاء الذين خالفوهم وقبلوا الحق وردوا الباطل والله أعلم PageV03P454 $ ~~فصل # وإذ قد عرف ما قاله الناس من جميع الطوائف فى مسألة الأفعال الاختيارية ~~القائمة بذات الله تعالى وضعف أدلة النفاة واعتراف أبى عبد الله الرازى ~~وغيره بذلك وأنه اعتمد على حجة الكمال والنقصان وهى ضعيفة أيضا كما تقدم ~~وذكر هو وأبو الحسن الآمدى ومن اتبعهما أدلة نفاة ذلك وأبطلوها كلها ولم ~~يستدلوا على نفى ذلك إلا بأن ما يقوم به إن كان صفة كمال كان عدمه قبل ~~حدوثه نقصا وإن كان نقصا لزم اتصافه بالنقص والله منزه عن ذلك # وهذه الحجة ضعيفة ولعلها أضعف مما ضعفوه فإن لقائل أن يبطلها من وجوه ~~كثيرة # أحدها أن يقال القول فى أفعاله القائمة به الحادثة بمشيئته وقدرته كالقول ~~فى ms0707 أفعاله التى هى المفعولات المنفصلة التى يحدثها بمشيئته وقدرته فإن ~~القائلين بقدم العالم أوردوا عليهم هذا السؤال فقالوا الفعل إن كان صفة ~~كمال لزم عدم الكمال له فى الأزل وإن كان صفة نقص لزم اتصافه بالنقائص ~~فأجابوهم بأنه ليس صفة نقص ولا كمال # وهذا كما أن من حجج النفاة أنه لو كان قابلا لقيام الحادث به لكان القبول ~~من لوازم ذاته ووجود المقبول في الأزل محال PageV04P003 فأجيبوا بأنه لا ~~فرق بين حدوث ما يقوم به أو بغيره # فإذا قيل لو كان قادرا على فعل الحوادث لكان ذلك من لوازم ذاته وذلك فى ~~الأزل محال فما كان جوابا عن هذا كان جوابا عن هذا # وقد أورد الرازى على ذلك فى بعض كتبه أن القادر يتقدم المقدور والقابل لا ~~يجب أن يتقدم المقبول وهذا فرق فى غاية الضعف لوجوه # أحدها أن الكلام إنما هو مقبول مقدور لا فى مقبول غير مقدور فإن ما كان ~~حادثا فالرب قادر عليه وهو قادر على أفعاله القائمة به كما هو قادر على ~~مفعولاته المنفصلة # قال تعالى @QB@ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى @QE@ [ سورة القيامة ~~40 ] وقال تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم @QE@ ~~الآية ] سورة الانعام 65 ] وقال تعالى @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم @QE@ [ سورة يس 81 ] وقال تعالى @QB@ وهو ~~على جمعهم إذا يشاء قدير @QE@ [ سورة الشورى 29 ] فبين أنه قادر على ~~الإحياء والبعث والخلق والجمع وهذه أفعال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأبى مسعود البدرى لما PageV04P004 رآه يضرب عبدا له لله أقدر عليك منك ~~عليه فتعين أنه قادر عليه نفسه # والمقصود هنا أن الكلام إنما هو فى الحوادث التى هى مقدورة ليس فى كل ~~مقبول فإذا كان المقدور لا يوجد فى الأزل امتنع وجود الحوادث كذلك فلا يصح ~~أن يفرق بين مقبول مقدور ومقبول غير مقدور إذ كلاهما مقدور # الوجه الثانى أن يقال إما أن يكون وجود الحادث فى الأزل ممكنا وإما ms0708 أن ~~يكون ممتنعا فإن كان ممكنا أمكن وجود المقدور في الأزل وإن كان ممتنعا ~~امتنع وجوده مقبولا ومقدورا # الثالث أن يقال إثبات المقدور حال امتناع المقدور جمع بين المتناقضين فلا ~~يعقل إثبات القدرة فى حال امتناع المقدور بل فى حال إمكانه ولهذا أنكر ~~المسلمون وغيرهم على من قال من أهل الكلام إنه قادر فى الأزل مع امتناع ~~المقدور فى الأزل وقالوا هذا جمع بين المتناقضين وقالوا إنه يستلزم انتقال ~~المقدور من الإمكان إلى الامتناع بدون سبب يوجب هذا الانتقال ويوجب أن يصير ~~الرب قادرا بعد أن لم يكن قادرا بدون سبب يوجب ذلك وقد بسط الكلام على ذلك ~~فى غير هذا الموضع PageV04P005 # الوجه الثاني أن يقال كونه بحيث يتكلم ويفعل ما يشاء صفة كمال وهو لم يزل ~~متصفا بذلك وأما الشىء المعين فحدوثه لا نقص ولا كمال # الوجه الثالث أن يقال ما تعنى بقولك عدم ذلك نقص أتعنى به أن ذاته ناقصة ~~وانها ليست متصفة بصفات الكمال الواجبة لها أم تعنى به عدم ما سيوجد لها ~~أما الأول فباطل وأما الثانى فلم قلت إن هذا ممتنع # الرابع أن يقال أنتم قلتم ما ذكره أبو المعالى والرازى وغيرهما من أن ~~تنزيهه عن النقائص إنما علم بالسمع لا بالعقل فإذا قلتم إنه ليس فى العقل ~~ما ينفى ذلك لم يبق نفى ذلك إلا بالسمع الذى هو الإجماع عند كم ومعلوم أن ~~السمع الذى هو الإجماع والإجماع وغيره لم ينف هذه الأمور وإنما نفى ما ~~يناقض صفات الكمال كالموت المنافى للحياة والسنة والنوم المنافى للقيومية ~~اللغوب المنافى لكمال القدرة # ولهذا كان الصواب أن الله منزه عن النقائص شرعا وعقلا فإن PageV04P006 ~~العقل كما دل على اتصافه بصفات الكمال من العلم والقدرة والحياة والسمع ~~والبصر والكلام دل أيضا على نفى أضداد هذه فإن إثبات الشىء يستلزم نفى ضده ~~ولا معنى للنقائص إلا ما ينافى صفات الكمال # وأيضا فكل كمال اتصف به المخلوق إذا لم يكن فيه نقص بوجه ما فالخالق أحق ~~به لأنه هو الذى ms0709 خلقه وكل كمال اتصف به موجود ممكن وحادث فالموجود الواجب ~~القديم أولى به وكل نقص تنزه عنه مخلوق موجود حادث إذا لم يكن فيه نقص بوجه ~~ما فالخالق أولى بتنزيهه عنه # الخامس أن يقال إذا عرضنا على العقل الصريح ذاتا لا علم لها ولا قدرة ولا ~~حياة ولا تتكلم ولا تسمع ولا تبصر أولا تقبل الاتصاف بهذه الصفات وذاتا ~~موصوفة بالحياة والعلم والقدرة والكلام والمشيئة كان صريح العقل قاضيا بأن ~~المتصفة بهذه الصفات التى هى صفات الكمال بل القابلة للاتصاف بها أكمل من ~~ذات لا تتصف بهذه أو لا تقبل الاتصاف بها PageV04P007 # ومعلوم بصريح العقل أن الخالق المبدع لجميع الذوات وكمالاتها أحق بكل ~~كمال وأحق بالكمال الذى باين به جميع الموجودات وهذا الطريق ونحوه مما سلكه ~~أهل الإثبات للصفات # فيقال وإذا عرضنا على العقل الصريح ذاتا لا فعل لها ولا حركة ولا تقدر أن ~~تصعد ولا تنزل ولا تأتى ولا تجىء ولا تقرب ولا تقبض ولا تطوى ولا تحدث شيئا ~~بفعل يقوم بها وذاتا تقدر على هذه الأفعال وتحدث الأشياء بفعل لها كانت هذه ~~الذات أكمل فإن تلك كالجماد أو الحى الزمن المجدع والحى أكمل من الجماد ~~والحى القادر على العمل أكمل من العاجز عنه كما أن ما لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يتكلم كالجماد أو كالأعمى الأصم الأخرس والحى أكمل من الجماد والحى الذى ~~يسمع ويبصر ويتكلم أكمل من الأصم الأعمى الأخرس # وإذا كان كذلك فإذا أراد نافى الفعل أن ينفيه لئلا يصفه فى الأزل بالنقص ~~فقال لو كان فعالا بنفسه لكان الفعل المتأخر PageV04P008 معدوما فى الأزل ~~وعدمه صفة نقص فكان متصفا بالنقص كان بمنزلة من يقول إنه لا يقدر ان يحدث ~~الحوادث ولا بفعل ذلك لأنه لو قدر على ذلك وفعله لكان إحداثه للحادث الثانى ~~معدوما قبل إحداثه وذلك نقص فيكون متصفا بالنقص # فيقال أنت وصفته بالكمال عن النقص حذرا من أن تصفه بما هو عندك نوع نقص ~~فإن من لا يفعل قط ولا يقدر أن يفعل هو ms0710 أعظم نقصا ممن يقدر على الفعل ~~ويفعله والفعل لا يكون إلا حادثا شيئا بعد شىء # وهذه عادة النفاة لا ينفون شيئا من الصفات فرارا من محذور إلا لزمهم فى ~~النفى أعظم من ذلك المحذور كنفاة الصفات من الباطنية من المتفلسفة وغيرهم ~~لما قيل لهم إذا لم يوصف بالعلم والقدرة والحياة لزم أن يتصف بما يقابل ذلك ~~كالعجز والجهل والموت # فقالوا إنما يلزم ذلك لو كان قابلا للاتصاف بذلك فإن المتقابلين تقابل ~~السلب والايجاب كالوجود والعدم إذا عدم أحدهما ثبت الآخر وأما المتقابلان ~~تقابل العدم والملكة كالحياة والموت والعمى والبصر فقد يخلو المحل عنهما ~~كالجماد فإنه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا PageV04P009 # فيقال لهم فررتم عن تشبيه بالحيوان الناقص الذي لا يسمع ولا يبصر مع ~~إمكان ذلك منه فشبهتموه بالجماد الذي لا يقبل الإتصاف لا بهذا ولا بهذا ~~فكان ما فررتم إليه شرا مما فررتم منه ولهذا نظائر مبسوطة في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا أن من نفى الأفعال الإختيارية القائمة به لئلا يكون قبل ~~وجود الحادث منها ناقصا كان قد وصفه بالنقص التام فرارا بزعمه مما يظنه ~~نقصا # الوجه السادس أن يقال الأفعال التي حدثت بعد أن لم تكن لم يكن وجودها قبل ~~وجودها كمالا ولا عدمها نقصا فإن النقص إنما يكون إذا عدم ما يصلح وجوده ~~وما به يحصل الكمال وما ينبغى وجوده ونحو ذلك والرب تعالى حكيم في أفعاله ~~وهو المقدم والمؤخر فما قدمه كان الكمال في تقديمه وما أخره كان الكمال في ~~تأخيره كما أن ما خصصه بما خصصه به من الصفات فقد فعله على وجه الحكمة وإن ~~لم نعلم نحن تفاصيل ذلك واعتبر ذلك بما يحدثه من المحدثات # الوجه السابع أن يقال الحوادث يمتنع قدمها ويمتنع أن توجد معا ولو وجدت ~~معا لم تكن حوادث ومعلوم أنه إذا دار الأمر بين PageV04P010 إحداث الحوادث ~~وعدم إحداثها كان إحداثها أكمل ولا يكون إحداثها إلا مع عدم الحادث منها في ~~الأزل # وإذا كان كذلك صار هذا بمنزلة جعل الشيء ms0711 موجودا معدوما فلا يقال عدم فعل ~~هذا أو عدم تعلق القدرة به صفة نقص بل النقص عدم القدرة على جعله موجودا ~~فإذا كان قادرا على ذلك كان موصوفا بصفة الكمال التي لا يمكن غيرها فكذلك ~~المحدث للأمور المتعاقبة هو موصوف بالكمال الذي لا يمكن في الحدوث غيره # الوجه الثامن أن يقال لا ريب أن الحوادث مشهودة وأن لها محدثا أحداثها ~~فالمحدث لها إما أن يحدثها بفعل اختياري يقوم به وإما أن تحدث عنه شيئا بعد ~~شيء من غير فعل يقوم به ولا حدوث شيء منه ومعلوم أن اتصافه بالاول أولى لو ~~كان الثاني ممكنا فإن الاول فيه وصفه بصفة الكمال بخلاف الثاني فكيف ~~والثاني ممتنع لأن حدوث الحوادث من غير سبب حادث ممتنع # وإذا كان حال الفاعل قبل حدوثها كحاله مع حدوثها وبعد حدوثها وهي في ~~الحالين حادثة لم يكن الفاعل قد فعل شيئا ولا أحدث شيئا بل حدثت بذاتها # وهذا الدليل قد بسط في غير هذا الموضع وبين فساد قول PageV04P011 ~~الفلاسفة الدهرية القائلين بأن حركات الأفلاك تصدر عن قديم أزلي لا يحدث ~~منه شيء وأن قولهم أفسد من قول المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام فإن هؤلاء ~~الفلاسفة استدلوا على قدم العالم بحجتهم العظمى وهو أنه لو حدث بعد أن لم ~~يكن لاحتاج إلى سبب حادث والقول في ذلك السبب كالقول فيه فيلزم التسلسل أو ~~الترجيح بلا مرجح # فيقال لهم أنتم تقولون بحدوث الحوادث شيئا بعد شيء عن فاعل قائم بنفسه لا ~~تقوم به صفة ولا فعل ولا يحدث له فعل ولا غير فعل فقولكم بصدور الحوادث ~~المختلفة الدائمة عمن لا فعل له ولا صفة ولا يحدث منه شيء أعظم فسادا من ~~قول من يقول إنه تارة تصدر عنه الحوادث وتارة لا تصدر فإنه إن كان صدور ~~الحوادث عنه من غير حدوث شيء فيه محالا فصدورها دائما عنه من غير حدوث شيء ~~فيه أشد إحالة # الوجه التاسع أن يقال أفعال الله تعالى إما أن يكون لها حكمة هي غايتها ~~المطلوبة ms0712 وإما أن لا يكون والناس لهم في هذا المقام قولان مشهوران أحدهما ~~قول من لا يثبت إلا المشيئة والثاني قول من يثبت حكمة قائمة بالمخلوق أو ~~حكمة قائمة بالخالق والأقوال الثلاثة معروفة في الطوائف من أصحاب أحمد ~~وغيرهم PageV04P012 # فإن نفيتم الحكمة جوزتم أن يفعل أفعالا لا يحصل له بها كمال فيقال لهم ~~قولوا في أفعاله القائمة بنفسه الإختيارية ما تقولونه في حدوث المفعولات ~~عنه وهو الفاعل عندكم # وإن أثبتم الحكمة قيل لكم الحكمة الحاصلة بالفعل الحادث حادثة بعده فحدوث ~~هذه الحكمة بعد أن لم تكن سواء كانت قائمة بنفسه أو بغيره أهي صفة كمال أم ~~لا # فإن قلتم صفة كمال فقولوا في نفس الفعل الحادث ما قلتموه في الحكمة ~~المطلوبة به # وإن قلتم ليست صفة كمال فقولوا أيضا في نفس الفعل الحادث ما قلتموه في ~~الحكمة المطلوبة # فقد لزمكم في الحكمة إن أثبتموها أو نفيتموها ما يلزمكم في نفس الفعل ~~سواء بسواء وهذا بين واضح # الوجه العاشر أ ن يقول من يثبت الفعل القائم به والحكمة القائمة به معلوم ~~بصريح العقل أن هذا صفة كمال وأن من يكون كذلك أكمل ممن لا يفعل أو يفعل لا ~~لحكمة فلم قلتم إن هذا ممتنع # فإذا قيل لئلا يلزم الكمال بعد النقص # قيل لهم لم قلتم وجود مثل هذا الكمال ممتنع PageV04P013 # ولفظ النقص [ لفظ ] مجمل كما تقدم فإن غايته أن يفسر بعدم ما وجد قبل أن ~~يوجد فيعود الأمر إلى أن هذا الموجود إذا وجد بعد أن لم يكن لزم أن يكون ~~معدوما قبل وجوده # فيقال ومن أين علمتم أن وجود هذا بعد عدمه محال وليس في ذلك افتقار الرب ~~إلى غيره ولا إستكماله بفعل غيره بل هو الحي الفعال لما يشاء العليم القدير ~~الحكيم الخبير الرحيم الودود لا إله إلا هو وكل ما سواه فقير إليه وهو غنى ~~عما سواه لا يكمل بغيره ولا يحتاج إلى سواه ولا يستعين بغيره في فعل ولا ~~يبلغ العباد نفعه فينفعوه ولا ضره فيضروه بل هو ms0713 خالق الأسباب والمسببات وهو ~~الذي يلهم عبده الدعاء ثم يجيبه وييسر عليه العمل ثم يشبه ويلهمه التوبة ~~ويحبه ويفرح بتوبته وهو الذي استعمل المؤمنين فيما يرضيه ورضى عنهم فلم ~~يحتج في فعله لما يحبه ويرضاه إلى سواه بل هو الذي خلق حركات العباد التي ~~يحبها ويرضاها وهوالذي خلق ما لا يحبه ولا يرضاه من أعمالهم لما له في ذلك ~~من الحكمة التي يحبها ويرضاها @QB@ وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في ~~الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون @QE@ [ سورة القصص 70 ] فلا إله إلا ~~هو @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ [ سورة الأنبياء 22 ] إذ ~~كان هو الذى يستحق أن تكون العبادة له وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل لا ~~منفعة فيه PageV04P014 فما لا يكون به لا يكون فإن لا حول ولا قوة إلا به ~~وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم كما قال تعالى @QB@ وقدمنا إلى ما عملوا ~~من عمل فجعلناه هباء منثورا @QE@ [ سورة الفرقان 23 ] وقال @QB@ مثل الذين ~~كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا ~~على شيء @QE@ [ سورة إبراهيم 18 ] وهو سبحانه يحب عباده الذي يحبونه ~~والمحبوب لغيره أولى أن يكون محبوبا # فإذا كنا إذا أحببنا شيئا لله كان الله هو المحبوب في الحقيقة وحبنا لذلك ~~بطريق التبع وكنا نحب من يحب الله لأنه يحب الله فالله تعالى يحب الذي ~~يحبونه فهو المستحق أن يكون هو المحبوب المألوه المعبود وأن يكون غاية كل ~~حب كيف وهو سبحانه الذى يحمد المعبود ويثنى على نفسه ويحب الحمد من خلقه # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لا أحد أحب إليه ~~المدح من الله وقال له الأسود بن سريع يا رسول PageV04P015 الله إنى حمدت ~~ربى بمحامد فقال إن ربك يحب الحمد # وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده اللهم ~~إنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا ms0714 أحصى ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك وقد روى أنه كان يقول ذلك في آخر الوتر # فهو المثنى على نفسه وهو كما أثنى على نفسه إذ أفضل خلقه لا يحصى ثناء ~~عليه # والثناء تكرير المحامد وتثنيتها كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني ~~عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين ~~قال مجدني عبدي # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع قال ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما ~~شئت من شىء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع ~~لما أعطيت ولا PageV04P016 معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد فذكر ~~الحمد والثناء والمجد هنا كما ذكره فى أول الفاتحة فالحمد يتناول جنس ~~المحامد والثناء يقتضى تكريرها وتعديدها والزيادة فى عددها والمجد يقتضى ~~تعظيمها وتوسيعها والزيادة فى قدرها وصفتها # فهو سبحانه مستحق للحمد والثناء والمجد ولا أحد يحسن أن يحمده كما يحمد ~~نفسه ولا يثنى عليه كما يثنى على نفسه ولا يمجده كما يمجد نفسه # كما فى حديث ابن عمر الذى فى الصحيح لما قرأ النبى صلى الله عليه وسلم ~~على المنبر @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه @QE@ [ سورة الزمر 67 ] قال يقبض الله سمواته بيده ~~والأرضون بيده الأخرى ثم يمجد نفسه فيقول أنا الملك أنا القدوس أنا السلام ~~أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا الجبار أنا المتكبر أنا الذى بدأت ~~الدنيا ولم تك شيئا أنا الذى أعدتها أين الملوك أين الجبارون أين المتكبرون ~~أو كما قال PageV04P017 # وفى الحديث الآخر يقول الله تعالى إنى جواد ماجد واجد إنما أمرى إذا أردت ~~شيئا أن أقول له كن فيكون & فصل # ونحن نذكر ما ذكره أبو الحسن الآمدى فى هذا الأصل ونتكلم ms0715 عليه قال فى ~~كتابة الكبير المسمى أبكار الأفكار المسألة الرابعة من النوع الرابع الذى ~~سماه إبطال التشبيه فى بيان امتناع حلول الحوادث بذاته تبارك وتعالى # قال وقبل الخوض فى الحجاج لابد من تلخيص محل PageV04P018 النزاع فنقول ~~المراد بالحادث المتنازع فيه الموجود بعد العدم كان ذاتا قائمة بنفسها أو ~~صفة لغيره كالأعراض وأما ما لا وجود له كالعدم أو الأحوال عند القائلين بها ~~فإنها غير موصوفة بالوجود ولا بالعدم كالعالمية والقادرية والمريدية ونحو ~~ذلك أو النسب والإضافات فإنها عند المتكلم أمور وهمية لا وجود لها فما تحقق ~~من ذلك بعد أن لم يكن فيقال له متجدد ولا يقال له حادث # قال وعند هذا فنقول العقلاء من أرباب الملل وغيرهم متفقون على استحالة ~~قيام الحوادث بذات الرب تبارك وتعالى [ غير المجوس والكرامية فإنهم اتفقوا ~~على جواز ذلك ] # غير أن الكرامية لم يجوزوا قيام كل حادث بذات الرب تعالى بل قال أكثرهم ~~هو ما يفتقر إليه فى الإيجاد والخلق ثم اختلفوا فى هذا الحادث فمنهم من قال ~~هو قوله كن ومنهم من قال هو PageV04P019 الإرادة فخلق الإرادة أو القول في ~~ذاته يستند إلى القدرة القديمة لا أنه حادث بإحداث وأما خلق باقى المخلوقات ~~فمستند إلى الإرادة أو القول على إختلاف مذهبهم فالمخلوق القائم بذاته ~~يعبرون عنه بالحادث والخارج عن ذاته يعبرون عنه بالمحدث ومنهم من زاد على ~~ذلك حادثين آخرين وهما السمع والبصر # قال وأجمعت الكرامية على أن ما قام بذاته من الصفات الحادثة لا يتجدد له ~~منها اسم ولا يعود إليه منها حكم حتى لا يقال إنه قائل بقول ولا مريد ~~بإرادة بل قائل بالقائلية ومريد بالمريدية ولم يجوزوا عليه إطلاق اسم متجدد ~~لم يكن فيما لا يزال بل قالوا أسماؤه كلها أزلية حتى في الخلق والرازق وإن ~~لم يكن في الأزل خلق ولا رزق PageV04P020 # قال وأما ما كان من الصفات المتجددة التي لا وجود لها في الاعيان فما كان ~~منها حالا فقد اتفق المتكلمون على امتناع اتصاف الرب به غير أبى ms0716 الحسين ~~البصرى فإنه قال تتجدد عالميات لله تعالى بتجدد المعلومات وما كان من النسب ~~والإضافات والتعلقات فمتفق بين أرباب العقول على جواز اتصاف الرب تعالى بها ~~حتى يقال إنه موجود مع العالم بعد أن لم يكن وإنه خالق العالم بعد أن لم ~~يكن وما كان من الأعدام والسلوب فإن كان سلب أمر يستحيل تقدير وجوده لله ~~تعالى فلا يكون متجددا بالإجماع مثل كونه غير مجسم ولا جوهر ولا عرض إلى ~~غير ذلك وإن كان سلب أمر لا يستحيل تقدير اتصاف الرب به كالنسب والإضافات ~~فغير ممتنع أن يتصف به الرب تعالى بعد أن PageV04P021 لم يكن بالاتفاق فإنه ~~إذا كان الحادث موجودا صح أن يقال الرب تعالى موجود مع وجوده وتنعدم هذه ~~المعية عند فرض عدم ذلك الحادث فيتجدد له صفة سلب بعد أن لم تكن # قلت قد ذكر أن لفظ الحادث مرادهم به الموجود بعد العدم سواء كان قائما ~~بنفسه كالجوهر أو صفة لغيره كالأعراض وسمى ما ليس بموجود كالاحوال والسلوب ~~والإضافات متجددات وهذا الفرق أمر اصطلاحي وإلا فلا فرق بين معنى المتجدد ~~ومعنى الحادث # وأيضا فإن الاحوال عند القائلين بها منهم من يقول بوجودها وقالوا يصح أن ~~تكون معلومة تبعا لغيرها وأن يكون وجودها تبعا لغيرها # وخالفوا أبا هاشم في قوله ليست معلومة ولا مجهولة ولا موجودة ولا معدومة # وأيضا فالنسب والإضافات عند الفلاسفة قد تكون وجودية وأما المذاهب فيقال ~~لفظ الحوادث والمتجددات في لغة العرب يتناول أشياء كثيرة وربما أفهم أو ~~أوهم في العرف PageV04P022 استحالات كالأمراض والغموم والأحزان ونحوها إذا ~~قيل فلان حدث به حادث وكثير منهم يعبر بالاحداث عن المعاصى والذنوب ونحو ~~ذلك كما قد عرف هذا # وأما مورد النزاع أنه هل يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته إما من باب ~~الأفعال كالاستواء إلى غيره والإستواء عليه والإتيان والمجىء والنزول ونحو ~~ذلك وإما من باب الأقوال والكلمات وإما من باب الأحوال كالفرح والغضب ~~والإرادات والرضا والضحك ونحو ذلك وإما من باب العلوم والإدراكات كالسمع ~~والبصر والعلم بالموجود ms0717 بعد العلم بأنه سيوجد وإذا كان كذلك فقوله إن ~~العقلاء من أرباب الملل وغيرهم متفقون على استحالة ذلك غير أن الكرامية إلى ~~آخره ليس بنقل مطابق # وأما أهل الملل فلا يضاف إليهم من حيث هم أرباب ملة إلا ما ثبت عن صاحب ~~الملة صلوات الله عليه وسلامه أو ما أجمع عليه أهل العلم وأما ما قاله بعض ~~أهل الملة برأيه أو استنباطه مع منازعة غيره له فلا يجوز إضافته إلى الملة # ومن المعلوم أنه لا يمكن أحد أن ينقل عن محمد صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~إخوانه المرسلين كموسى وعيسى صلوات الله عليهما ما يدل على قول النفاة لا ~~نصا ولا ظاهرا بل الكتب الإلهية PageV04P023 المتواترة عنهم والأحاديث ~~المتواترة عنهم تدل على نقيض قول النفاة وتوافق قول أهل الإثبات # وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان وأئمة ~~المسلمين أرباب المذاهب المشهورة وشيوخ المسلمين المتقدمين لا يمكن أحد أن ~~ينقل نقلا صحيحا عن أحد منهم بما يوافق قول النفاة بل المنقول المستفيض ~~عنهم يوافق قول أهل الإثبات فنقل مثل هذا عن أهل الملة خطأ ظاهر # ولكن اهل الكلام والنظر من أهل الملة تنازعوا في هذا الأصل لما حدث في ~~أهل الملة مذهب الجهمية نفاة الصفات وذلك بعد المائة الاولى في آواخر عصر ~~التابعين ولم يكن قبل هذا يعرف في أهل الملة من يقول بنفى الصفات ولا بنفى ~~الامور الإختيارية القائمة بذاته # فلما حدث هذا القول وقالت به المعتزلة وقالوا لا تحل به الأعراض والحوادث ~~وأرادوا بذلك أنه لا تقوم به صفة كالعلم والقدرة ولا فعل كالخلق والإستواء ~~أنكر ائمة السلف ذلك عليهم كما هو متواتر معروف # وعن هذا قالت العتزلة إن القرآن مخلوق لأنه لو قام بذاته للزم أن تقوم به ~~الأفعال والصفات وأطبق السلف والأئمة على إنكار هذا عليهم PageV04P024 # وكل من خالفهم قبل ابن كلاب كان يقول بقيام الصفات والأقوال والأفعال ~~المتعلقة بمشيئته وقدرته به لكن ابن كلاب ومتبعوه فرقوا بين ما يلزم الذات ~~من ms0718 أعيان الصفات كالحياة والعلم وبين ما يتعلق بالمشيئة والقدرة فقالوا هذا ~~لا يقوم بذاته لأن ذلك يستلزم تعاقب الحوادث عليه كما سيأتي # وابن كرام كان متأخرا بعد محنة الإمام أحمد بن حنبل وتوفى ابن كرام في ~~حدود ستين ومائتين فكان بعد ابن كلاب بمدة وكان أكثر أهل القبلة قبله على ~~مخالفة المعتزلة والكلابية حتى طوائف اهل الكلام من الشيعة والمرجئة ~~كالهشامية وأصحاب ابى معاذ التومنى وزهير الاثرى وغيرهما كما ذكر ذلك عنهم ~~الأشعري في المقالات # وأمثال هؤلاء كانوا يقولون بقيام الحوادث به حتى صرح طوائف منهم بالحركة ~~كما صرح بذلك طوائف من أئمة الحديث والسنة وصرحوا بأنه لم يزل متكلما إذا ~~شاء وأن الحركة من لوازم الحياة وأمثال ذلك بل هم يقولون إنه إنما ابتدع من ~~ابتدع من أهل الكلام البدع المخالفة للنصوص وللمعقول لقولهم بهذا الأصل ~~كقول من قال إن الكلام معنى واحد قديم وقول من قال إن المعدوم يرى ويسمع ~~وقول من قال بقدم صوت معين # وأما غير أهل الملل فالفلاسفة متنازعون في هذا الاصل والمحكى عن كثير من ~~اساطينهم القدماء أنه كان يقول بذلك كما تقدم نقل المقالات عنهم حتى صرح ~~بالحركة من صرح منهم بل الذين PageV04P025 كانوا قبل أرسطوا من الأساطين ~~كانوا يقولون بحدوث العالم عن أسباب حادثة وهم يقولون بهذا الأصل إما ~~تصريحا وإما لزوما وكذلك غير واحد من متأخريهم كأبى البركات البغدادي صاحب ~~المعتبر وهذا اختيار طائفة من النظار كالأثير الأبهرى وغيره # وما حكاه عن أبى الحسين البصرى فهو قول غير واحد قبل أبى الحسين وبعده ~~كهشام [ ونحوه ] وغيره وابن عقيل يختار قول أبى الحسين وهو معنى قول السلف ~~والرازى يميل إلى قول إبى الحسين بل وإلى زيادة على قوله كما ذكره في ~~المطالب العالية بل ينصره وقوله عن الكرامية إنهم قالوا أسماؤه كلها أزلية ~~أى معانى اسمائه أى ما لأجله استحق تلك الأسماء كالخالقية والرازقية # وأما نفس الإسم فهومن كلامه وكلامه عندهم حادث قائم بذاته ويمتنع عندهم ~~أن يكون في الأزل كلام أو ms0719 أسماء لأن ذلك يقتضى حوادث لا أول لها أو يقتضى ~~قدم القول المعين وكلاهما باطل عندهم # وحكايته عن الكرامية أنهم يقولون خلق الإرادة والقول في ذاته مستند إلى ~~القدرة القديمة وخلق ما في المخلوقات يستند إلى PageV04P026 الإرادة والقول ~~تعبير عن مذهبهم بعبارته وإلا فهم لا يسمون شيئا مما يقدم بذات الرب لا ~~مخلوقا ولا محدثا وإنما يقولون حادث ولا يقولون إن إرادته وكلامه لا مخلوق ~~ولا محدث # قال وقد إحتج أهل الحق على امتناع قيام الحوادث به بحجج ضعيفة # الأولى قالوا لو كان البارى تعلى قابلا لحلول الحوادث بذاته لما خلا عنها ~~أو عن أضدادها وضد الحادث حادث وما لا يخلو عن الحوادث فيجب ان يكون حادثا ~~والرب تعالى ليس بحادث # قال وهذه الحجة مبنية على خمس مقدمات الأولى أن كل صفة حادثة لا بد لها ~~من ضد والثانية أن ضد الصفة الحادثة لا بد وأن يكون حادثا # والثالثة وأن ما قبل حادثا فلا يخلو عنه وعن ضده والرابعة أن مالا يخلو ~~عن الحوادث فهو حادث والخامسة أن الحدوث PageV04P027 على الله تعالى محال ~~أما أن الرب تعالى ليس بحادث فقد سبق تقريره # قلت هذا معلوم باتفاق أهل الملل وسائر العقلاء ممن اثبت الصانع ومعلوم ~~بالأدلة اليقينية بل معلوم بالضرورة وقد ذكر أنه قرر ذلك وهو لم يقرره فإنه ~~إنما قرره بناء على إثبات واجب الوجود وبنى ذلك على نفى التسلسل في العلل ~~وإبطال حوادث لا أول لها وحجته على ذلك ضعيفة # وقد أورد في كتابه المسمى بدقائق الحقائق على إبطال تسلسل العلل سؤالا ~~زعم أنه لا يعرف عنه جوابا فبطل بقوله ما ذكره من تقريره لكن هذا بحمد الله ~~أجل من أن يحتاج إلى مثل هذا التقرير # وقال وأما أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فسيأتي تقريره في حدوث ~~الجواهر # قلت لم يقرر ذلك إلا بدليل حدوث الأعراض وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول ~~لها وإنما قرر ذلك بإبطال التسلسل في الآثار وقرر ذلك بأن الحادث يمتنع أن ms0720 ~~يكون أزليا # وقد تقدم فساد ذلك بان لفظ الحادث يراد به النوع الدائم ويراد به الحادث ~~المعين والمعلوم امتناعه إنما هو النوع الثاني والنزاع إنما هو في الأول ~~PageV04P028 # وأيضا فإن الذى قرر به إمتناع تسلسل العلل في دقائق الحقائق أورد عليه ~~سؤالا واعترف بأنه لا جواب له عنه وإذا كان تقريره لنفى تسلسل العلل قد بين ~~أنه ورد عليه سؤال لا يعرف جوابه فكيف بتقرير نفى تسلسل الحوادث # ومن المعلوم ان العقلاء اتفقوا على نفى تسلسل العلل وتنازعوا فى نفى ~~تسلسل الحوادث فإن كان لم يقم على نفى ذاك عنده دليل عقلى فهذا أولى # والسؤال الذى أورده يرد على النوعين وقد [ ذكرناه ] وذكرنا الجواب عنه ~~فيما تقدم ومضمونه أنه لم لا يجوز أن يكون مجموع المعلولات التي لا تتناهى ~~وإن كان ممكنا في نفسه لكنه واجب بوجوب آحاده المتعاقبة وكل واحد واجب بما ~~قبله وهذا وإن كان باطلا لكن المقصود التنبيه على أن من خالف الكتاب والسنة ~~وقال إنه ينصر بالمعقول اصول الدين يخل بمثل هذا الواجب في اعظم أصول الدين ~~مع أنه يقرر ما لا يحتاج إليه فى الدين أو ما يعارض مايثبت انه من الدين # وكذلك من قال مثل هذا وأمثاله أنه يتكلم بالعقليات يظهر منه في أعظم ~~المعقولات التقصير والتوقف والخيرة فيها ويحقق من المعقولات ما تقل الحاجة ~~إليه أو ما يكون وسيلة إلى غيره مع أن المقصود بالوسيلة لم يحققه ~~PageV04P029 # وقد احتج على إبطال حوادث لا أول لها بعد أن أبطل حجج موافقيه بان ذلك ~~يستلزم كون الحادث أزليا وهذا الوجه ضعيف # فإن المنازع يقول أشخاص الحوادث ليست أزلية وإنما الازلى النوع فالموصوف ~~بأنه أزلى ليس هو الموصوف بأنه حادث ثم يقال إذا لم تقدر أن تقيم حجة على ~~امتناع تسلسل المعلولات وإثبات الصانع عندك موقوف على هذا فأى شيء ينفعك ~~نفى حلول الحوادث عما لم تقم حجة على إثباته فضلا عن قدمه # قال وإنما الإشكال في المقدمات الثلاثة الأول # قال وذلك أن لقائل أن يقول ms0721 قولكم إن كل صفة حادثة لا بد لها من ضد فإما ~~أن يراد بالضد معنى وجودى يستحيل اجتماعه مع تلك الصفة لذاتيهما وأما أن ~~يراد به ما هو أعم من ذلك وهو ما لا يتصور اجتماعه مع وجود الصفة لذاتيهما ~~وإن كان عدما حتى يقال فإن عدم الصفة يكون ضدا لوجودها فإن كان الأول فلا ~~نسلم انه لا بد وأن يكون للصفة ضد بذلك الإعتبار والاستدلال على موقع المنع ~~عسير جدا وإن كان الثانى فلا نسلم أنه PageV04P030 يلزم ان يكون ضد الحادث ~~حادثا وإلا كان عدم العالم السابق على وجوده حادثا ولو كان عدمه حادثا كان ~~وجوده سابقا على عدمه وهو محال # قال وإن سلمنا أنه لابد ان يكون ضد الحادث معنى وجوديا ولكن لا نسلم ~~امتناع خلو المحل عن الصفة وضدها بهذا الإعتبار وحيث قررنا في مسألة الكلام ~~والإدراكات أن القابل لصفة لا يخلو عنها وعن ضدها إنما كان بالمعنى الأعم ~~لا بالمعنى الأخص فلا مناقضة # قلت هذا كلام حسن جيد لو كان قد وفى بموجبه فإن هذه الطريقة مما كان يحتج ~~بها السلف والأئمة في إثبات صفات الكمال كالكلام والسمع والبصر وقد اتبعهم ~~في ذلك متكلمة الصفاتية من أصحاب ابن كلاب وابن كرام والأشعرى وغيرهم بل ~~أثبتوا بها عامة صفات الكمال # وقد أورد عليها ما يورده نفاة الصفات وزعم أن ذلك قادح فيها PageV04P031 ~~فقال أما أهل الإثبات يعنى للصفات فقد سلك بعضهم في الإثبات مسلكا ضعيفا ~~وهو أنهم تعرضوا لإثبات أحكام الصفات ثم توصلوا منها إلى إثبات العلم ~~بالصفات ثانيا فقالوا إن العالم لا محالة على غاية من الحكمة والإتقان وهو ~~مع ذلك جائز وجوده وجائز عدمه كما سيأتي وهو مستند في التخصيص والإيجاد إلى ~~واجب الوجود كما سيأتي أيضا فيجب ان يكون قادرا عليه مريدا له عالما به كما ~~وقع [ به ] الاستقراء في الشاهد فإن من لم يكن قادرا لا يصح صدور شيء عنه ~~ومن لم يكن مريدا لم يكن تخصيص بعض الجائزات عنه دون بعض بأولى ms0722 من العكس إذ ~~نسبتها إليه واحدة ومن لم يكن عالما بالشيء لا يتصور منه القصد إلى إيجاده # PageV04P032 # قالوا وإذا ثبت كونه قادرا مريدا عالما وجب أن يكون حيا إذ الحياة شرط في ~~هذه الصفات على ما عرف في الشاهد وما كان له في وجوده أو عدمه شرط لا يختلف ~~شاهدا ولا غائبا ويلزم من كونه حيا ان يكون سميعا بصيرا متكلما فإن من لم ~~تثبت له هذه الصفات من الأحياء فهو متصف بأضدادها كالعمى والطرش والخرس على ~~ما عرف في الشاهد أيضا والإله تعالى يتقدس عن الإتصاف بهذه الصفات # قالوا وإذا ثبت له هذه الأحكام فهي في الشاهد معللة بالصفات فالعلم في ~~الشاهد علة كون العالم عالما والقدرة علة كون القادر قادرا وعلى هذا النحو ~~باقي الصفات و العلة لا تختلف لا شاهدا ولا غائبا # وأيضا فإن حد العالم في الشاهد من قام به العلم والقادر من قامت به ~~القدرة وعلى هذا النحو والحد لا يختلف شاهدا ولا غائبا PageV04P033 # وأيضا فإن شرط العالم فى الشاهد قيام العلم به وكذلك فى القدرة وغيرها ~~والشرط لا يختلف شاهدا ولا غائبا # قلت وهذه الطريقة مع إمكان تقريرها على هذا الوجه فإنه يمكن تقريرها على ~~وجه أكمل منه ومع هذا فقد قال هذه الحجة مما يضعف التمسك بها جدا وأورد ~~عليها أنها مبنية على الجمع بين الشاهد والغائب # وقد تكلمنا على ما ذكره هو وغيره فى هذا الموضوع وبينا أن الحجة لا يحتاج ~~فيها إلى هذا الجمع [ ولو احتيج فيها إلى هذا الجمع ] فهو صحيح فإنه من باب ~~قياس الأولى وهو أن ما كان من لوازم الكمال فثبوته للخالق أولى منه للمخلوق ~~كما ذكر فى غير هذا الموضع # لكن المقصود هنا أنه اعترض على قولهم لو لم يتصف بهذا لا تصف بضده العام ~~الذى يتضمن النفى وهو ذكر هنا أنه قرره # قال وأما قولهم إنه لو لم يتصف بهذه الصفات مع كونه PageV04P034 حيا لكان ~~متصفا بما يقابلها فالتحقيق فيه موقوف على بيان حقيقة المتقابلين ms0723 يعنى ~~المتنافيين # وذكر التقسيم المشهور فيه للفلاسفة وأنه أربعة أقسام تقابل السلب ~~والإيجاب والعدم والملكة والتضايف والتضاد وأن تقابل العلم والجهل والعمى ~~والبصر هو عندهم من باب تقابل العدم والملكة # والملكة على اصطلاحهم كل معنى وجودى أمكن أن يكون ثابتا للشىء إما بحق ~~جنسه كالبصر للإنسان فإن البصر يمكن ثبوته لجنسه وهو الحيوان أو بحق نوعه ~~ككتابة زيد فإن هذا ممكن لنوع الإنسان أو بحق شخصه كاللحية للرجل فإنها ~~ممكنة فى حق الرجل # قال والعدم المقابل لها ارتفاع هذه الملكة PageV04P035 # قال فإن أريد بتقابل الإدراك ونفيه تقابل التناقض بالسلب والإيجاب وهو ~~أنه لا يخلو من كونه سميعا وبصيرا ومتكلما أو ليس فهو ما يقوله الخصم ولا ~~يقبل نفيه من غير دليل # وإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة فلا يلزم من نفى الملكة تحقق ~~العدم ولا بالعكس إلا فى محل يكون قابلا لها ولهذا يصح لأن يقال الحجر لا ~~أعمى ولا بصير والقول بكون البارى تعالى قابلا للبصر والعمى دعوى محل ~~النزاع والمصادرة على المطلوب وعلى هذا فقد امتنع نفى لزوم العمى والخرس ~~والطرش فى حق الله تعالى من ضرورة نفى البصر والسمع والكلام عنه # [ قلت وقد أشكل هذا على كثير من النظار حتى ضل به لاعتقادهم صحته حتى على ~~الآمدى ] فهذا كلامه فى الخلو عن الضدين بالمعنى العام [ قد ] أورد عليه ما ~~ذكر فكيف يدعى أنه PageV04P036 قرره وهذا الإيراد إيراد معروف للمعطلة نفاة ~~الصفات وهو ايراد فاسد من وجوه # أحدهما أن يقال نحن نريد بالتقابل السلب والإيجاب ونفى هذه الصفات يتضمن ~~النقص لكل من نفيت عنه سواء قيل إنه قابل لها أو لم يقل فإنه من المعلوم ~~بصريح العقل أن المتصف بالحياة والعلم والكلام والسمع والبصر أكمل ممن لم ~~يتصف بذلك وما قدر انتفاء ذلك عنه كالجماد فهو أنقص بالنسبة إلى من اتصف ~~بذلك # وهو قد سلك فى إثبات الصفات طريقة الكمال وهى فى الحقيقة من جنس هذه فقال ~~واعلم أن ههنا طريقة رشيقة سهلة المعرك قريبة المدرك يعسر على ms0724 المنصف ~~المتبحر الخروج عنها والقدح فى دلالتها يمكن طردها فى إثبات جميع الصفات ~~النفسانية وهى مما ألهمنى الله إياها ولم أجدها على صورتها وتحريرها لأحد ~~غيرى وهو أن يقال المفهوم من كل واحد من هذه الصفات المذكورة مع قطع النظر ~~عما يتصف به صفة كمال أو صفة كمال لا جائز أن تكون لا صفة كمال وغل كان حال ~~من اتصف بها فى الشاهد أنقص من حال من اتصف بها إن كان عدمها فى نفس الأمر ~~كمالا أو مساويا لحال من لم يتصف بها إن لم يكن عدمها فى نفس الأمر كمالا ~~وهو خلاف ما نعلمه بالضرورة فى الشاهد فلم يبق إلا القسم الأول وهو أنه فى ~~PageV04P037 نفسها وذواتها كمال وعند ذلك فلو قدر عدم اتصاف البارى تعالى ~~بها لكان ناقصا بالنسبة إلى من اتصف بها من مخلوقاته ومحال الخالق أنقص من ~~المخلوق # قلت هذه الحجة مادتها صحيحة وقد استدل بها ما شاء الله من السلف والخلف ~~وإن كان تصويرها والتعبير عنها يتنوع وهذه المادة بعينها يمكن نقلها إلى ~~الحجة الأولى التى زيفها بأن يقال لو لم يتصف بصفات الكمال لاتصف بنقائضها ~~وهى صفات نقص فيكون أنقص من بعض مخلوقاته # الوجه الثانى أن يقال هب أنهما متقابلان تقابل العدم والملكة فقولكم لا ~~يلزم من نفى أحدهما ثبوت الآخر إلا إذا كان المحل قابلا # جوابه أن يقال الموجودات نوعان نوع يقبل الاتصاف بأحد هذين كالحيوان وصنف ~~لا يقبل ذلك كالجماد ومن المعلوم أن ما قبل أحدهما أكمل ممن لا يقبل واحدا ~~منهما وإن كان موصوفا بالعمى والصمم والخرس فإن الحيوان الذى هو كذلك أقرب ~~إلى الكمال ممن لا يقبل لا هذا ولا هذا أذ الحيوان الأبكم الأعمى الأصم ~~يمكن أن يتصف بصفات الكمال وما يقبل الاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا يقبل ~~الاتصاف بصفات الكمال # فإذا كان قد علم أن الرب تعالى مقدس عن أن يتصف بهذه النقائص مع قبوله ~~للاتصاف بصفات الكمال فلأن يقدس عن كونه لا يقبل PageV04P038 الاتصاف بصفات ~~الكمال ms0725 أولى وأحرى وهذا معلوم ببداهة العقول # الوجه الثالث أن نقول لا نسلم أن فى الأعيان ما لا يقبل الاتصاف بهذه ~~الصفات فإن الله قادر على أن يخلق الحياة فى كل جسم وأن ينطقه كما أنطق ما ~~شاء من الجمادات [ وقد ] قال تعالى @QB@ والذين يدعون من دون الله لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء @QE@ [ سورة النحل 20 21 ] # وإذا كان كذلك فدعواهم أن من الأعيان ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات ~~رجوع منهم إلى مجرد ما شهدوه من العادة والإ فمن كان مصدقا بأن الله قلب ~~عصا موسى وهى جماد ثعبانا عظيما ابتلعت الحبال والعصى لم يمكنه أن يطرد هذه ~~الدعوى # وإذا كان سبحانه قادرا على أن يثبت هذه الصفات صفات الكمال لما كان جمادا ~~من مخلوقاته وكان كل مخلوق يقبل ذلك بقدرة الله تعالى فهو أحق بقبول ذلك بل ~~بوجوبه له إذ ما كان ممكنا فى حقه من صفات الكمال كان واجبا له فإنه لا ~~يستفيد صفات الكمال من غيره بل هو مستحق لها بذاته فهى من لوازم ذاته # وهذا فصل معترض ذكرناه تنبيها على تقصير من يقصر فى الاستدلال على الحق ~~الذى قامت عليه الدلائل اليقينية العقلية مع PageV04P039 السمعية مع ~~مدافعتهم لما دلت عليه دلائل السمع والعقل وإن كنا لا نظن بمسلم بل بعاقل ~~أن يتكلم فى جهة الربوبية بما يراه تقصيرا ولكن لا يخلو صاحب هذه الطريق من ~~عجز أو تفريط وكلاهما يظهر به نقصه عن حال السلف والأئمة الموافقين للشرع ~~والعقل وأنهم كانوا فوق المخالفين لهم فى هذه المطالب الإلهية والمعارف ~~الربانية # وهذه الحجة التى صدر بها الآمدى وزيفها هى الحجة التى اعتمد عليها ~~الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من السالمية والفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم ~~كالقاضى أبى يعلى وابن عقيل وابن الزاغونى وغيرهم وهى مبنية على مقدمتين أن ~~القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده وأكثر الناس ينازعونهم فى ذلك بل جميع ~~الطوائف من أهل النظر والأثر ينازعونهم كالمعتزلة والكرامية والشيعة ~~والمرجئة وأهل الحديث والفقهاء ms0726 والصوفية والفلاسفة # والثانية على امتناع تسلسل الحوادث والنزاع فيها مشهور بين جميع الطوائف ~~قال الآمدى الحجة الثانية أنه لو قامت الحوادث بذات الرب تعالى لكان لها ~~سبب والسبب إما الذات وإما خارج عنها فإن كان هو الذات وجب دوامها بدوام ~~PageV04P040 الذات وخرجت عن أن تكون حادثة وإن كان خارجا عن الذات فإما أن ~~يكون معلولا للإله تعالى أو لا يكون معلولا له فإن كان الأول لزم الدور وإن ~~كان الثاني فذلك الخارج يكون واجب الوجود بذاته مفيدا للإله تعالى صفاته ~~فكان أولى أن يكون هو الإله # وهذه المحالات إنما لزمت من قيام الحوادث بذات الرب تبارك وتعالى فتكون ~~محالا # قال الآمدى ولقائل أن يقول وإن افتقرت الصفات الحادثة إلى سبب فالسبب ~~إنما هو القدرة القديمة والمشيئة الأزلية القائمة بذات الرب كما هو مذهب ~~الكرامية على ما أوضحناه فليس السبب هو المسبب ولا خارجا ولا يلزم من دوام ~~القدرة دوام المقدور وإلا كان العلم قديما وهو محال # قال فإن قيل إذا كان المرجح للصفة الحادثة هو القدرة القديمة والاختيار ~~فلا بد وأن يكون الرب تعالى قاصدا لمحل PageV04P041 حدوثها ومحل حدوثها ليس ~~إلا ذاته فيجب أن يكون قاصدا لذاته والقصد إلى الشىء يستدعى كونه فى الجهة ~~وهو محال ثم ولجاز قيام كل حادث به وهو محال # وأيضا فإن الصفة الحادثة عند الكرامية إنما هو قوله كن والإرادة هى مستند ~~المحدثات وعند ذلك فلا حاجة إلى الحادث الذى هو القول والإرادة لأمكان ~~إسناد جميع المحدثات إلى القدرة القديمة # قلنا أما الأول فمندفع فإن القصد إلى إيجاد الصفة وإن استدعى القصد إلى ~~محل حدوثها أن لو كان القصد بمعنى الإشارة إلى الجهة وليس كذلك بل بمعنى ~~إرادة أحداث الصفة فيه وذلك غير موجب للجهة # ثم وإن كان القصد إلى إيجاد الصفة فى المحل يوجب كون المحل فى الجهة ~~فيلزم من ذلك امتناع القصد من الله تعالى إلى إيجاد الأعراض لأن القصد ألى ~~إيجادها يكون قصدا لمحالها ويلزم من ذلك أن تكون محالها فى الجهات ms0727 والقصد ~~إلى ما هو فى جهة ممن ليس PageV04P042 فى الجهة محال وذلك يفضى إلى أن يكون ~~الرب فى الجهة عند قصد خلق الأعراض وهو محال # والقول بأنه إذا جاز بعض الحوادث فى ذاته جاز خلق كل حادث فدعوى مجردة ~~وقياس من غير جامع وهو باطل على ما أسلفناه فى تحقيق الدليل # وأما الثانى فحاصله يرجع إلى لزوم رعاية الغرض والحكمة فى أفعال الله ~~تعالى وهو غير موافق لأصولنا وإن كان ذلك بطريق الإلزام للخصم فلعله لا ~~يقول به وإن كان قائلا به فليس القول بتخطئته فى القول بحلول الحوادث بذات ~~الرب تعالى ضرورة تصويبه فى رعاية الحكمة أولى من العكس # قلت هذه الحجة مادتها من الفلاسفة الدهرية كابن سينا وأمثاله الذين ~~يقولون إن الرب لا يحدث عنه شىء بعد أن لم يكن حادثا ولهذا يستدل بهذه ~~الحجة على نفى الحوادث المنفصلة كما يستدل بها على نفى الحوادث المتصلة وهو ~~أن الموجب لحدوث PageV04P043 الحادث مطلقا من الذات إن كان الذات لزم دوامه ~~وإن كان خارجا عنها فإن كان معلولا للذات لزم الدور لأن ذلك الحادث موقوف ~~على ذلك المعلول الخارج وذلك المعلول الخارج لابد أن يكون حادثا وإلا لو ~~كان قديما لكان كمال المقتضى لذلك الحادث قديما وهو الذات ومعلولها القديم ~~وإذا كان المعلول الخارج حادثا فلا يحدث إلا بسبب حادث فى الذات وإلا لزم ~~حدوث الحادث بلا سبب فيلزم أن يكون ما حدث فى الذات من الذات موقوفا على ~~الحادث الخارج وما حدث فى الخارج موقوفا على الحادث فيهافيلزم الدور وإن ~~كان الخارج ليس من مقتضيات الذات لزم أن يكون واجبا بنفسه فيكون ما يقوم ~~بالرب من الحوادث موقوفا على ذلك الواجب بنفسه ثم قال فيكون أولى بالإلهية ~~فهذه عمدة هؤلاء الدهرية فى نفى فعله للحوادث سواء كانت قائمة به أو بغيره # ولهذا بين الآمدى ضعفها بين المتكلمين المنازعين للكرامية فإنه قال ~~الكرامية يقولون فى الحوادث بذاته كما تقولون أنتم فى الحوادث المنفصلة عنه ~~فكما أن تلك الحوادث تحدث عندكم ms0728 بكونه قادرا أو بالقدرة أو المشيئة القديمة ~~فهكذا نقول فيما يقوم بذاته # ولا ريب أن ما ذكره جواب تنقطع به عنهم مطالبة إخوانهم المتكلمين من ~~المعتزلة والأشعرية ولكن لا تنقطع عنهم مطالبة PageV04P044 الفلاسفة إلا ~~بما يقوله الجميع من أن القادر المختار يرجح أحد المتساويين لا لمرجح أو أن ~~الإرادة الأزلية ترجح أحد المتساويين لمرجح # والمنازعون فى هذا من أهل الحديث والكلام والفلسفة يقولون إن هذا جحد ~~للضرورة وإن هذا يقدح فيما به أثبتوا وجود الصانع فإنهم أثبتوا الصانع بأن ~~ترجيح أحد المتساويين لا بد له من مرجح وقد عرف كلام الناس فى هذا المقام # ونحن نذكر ما تجاب به الفلاسفة عن أهل الملل جميعا وذلك من وجوه # الأول أن يقال الحوادث إما أن يجب تناهيها أو لا يجب بل يجوز أن لا يكون ~~لها نهاية فإن وجب تناهيها لزم أن يكون للحوادث أول ولزم جواز حدوث الحوادث ~~بدون سبب حادث وبطلت حجتكم وقولكم بدوام حركات الفلك وأنها أزلية وإن جاز ~~دوام الحوادث فحينئذ ما من حادث إلا وهو مسبوق بحادث وحينئذ فالأفلاك إذا ~~كانت حادثة لزم أن يكون قبلها حادث آخر وحينئذ فيمكن أن تكون تلك الإردات ~~المتعاقبة القائمة بذات الواجب أو غيرها من الحوادث هى الشرط فى حدوث ~~الأفلاك كما تقولون أنتم كل حادث فهو مشروط بحادث قبله # فإن قالوا ذاته لا تحلها الحوادث PageV04P045 # قيل لهم دليلكم على نفى قيام الحوادث به إما أن يكون نافيا لقيام الصفات ~~به مطلقا وإما أن يخص الحوادث فإن كان الأول فقد عرف فساد قولكم فيه ببيان ~~فساد حجتكم على نفى الصفات وإبطال ما تذكرونه فى التوحيد الذى مضمونه نفى ~~الصفات كما بسط فى موضعه # وإن كان مختصا فدليكم على النفى هو هذا الدليل على امتناع حدوث الحوادث ~~عنه فليس لكم أن تثبتوا هذا بهذا وهذا بهذا فإنه يكون دورا وهذا من ~~المصادرة على المطلوب فإن نفيكم لحدوث الحوادث بذاته وبغيره سواء فإذا لم ~~يمكنكم نفى ذلك إلا بنفى حلولها بذاته كنتم قد ms0729 صادرتم على المطلوب # الوجه الثانى أن يقال لهم قول القائل سبب الحوادث إما الذات أو خارج عنها ~~أتريدون به سبب كل حادث أو سبب نوع الحوادث فإن أردتم الأول منعوكم الحصر ~~وقالوا لكم بل سبب كل حادث الذات بما قام بها من الحوادث المتعاقبة # فإن قلتم هذا يستدعى تعاقب الحوادث بذاته وما لا ينفك عن الحوادث فهو ~~حادث # قالوا لكم فهذا يبطل قولكم بقدم الأفلاك ويوجب حدوثها PageV04P046 # وأيضا فيقال لكم مالا يخلو من جنس الحوادث إن لم يجب حدوثه بطلت هذه ~~الحجة وإن وجب حدوثه لزم حدوث الأفلاك وحينئذ فالموجب لحدوث الأفلاك إن كان ~~قديما لم يحدث به حادث جاز حدوث الحادث بدون سبب الحادث ولا فرق حينئذ بين ~~أن يكون الحادث بذاته أو منفصلا عنه فيلزم قول الكرامية وإن كانت الحوادث ~~لا تحدث إلا بحوادث متعاقبة لزم تسلسل الحوادث وبطل قول القائل فما لا ينفك ~~عن جنس الحوادث فهو حادث وحينئذ فتبطل هذه الحجة # فتبين أنه يلزمكم إما بطلان هذه الحجة وإما تصحيح قول الكرامية وذلك ~~يستلزم بطلان الحجة فثبت بطلانها على كل تقدير # وإن أردتم سبب نوع الحوادث فيقال لكم سبب نوع الحادث المتصل كسبب نوع ~~الحادث المنفصل عندكم واذا جاز عندكم أن تكون الذات سبب الحوادث التى لا ~~أول لها مع انفصاله عنها فمع قيامها به بطريق الأولى فإن اقتضاء المقتضى ~~لما قام به أولى من اقتضائه لما باينه ولا محيص لهم عن هذا إلا بما ينفون ~~به الصفات مطلقا # وقد عرف فساد قولهم فى ذلك وأن حجتهم عليه من أسقط الحجج وحينئذ فيكون ~~جماهير الناس خصومهم فى ذلك الأصل # الوجه الثالث أن يقال هب أن سبب الحادث خارج عن الذات وهو معلوم الذات ~~قولهم يلزم الدور فيقال له إنما PageV04P047 يلزم الدور اذا كان ذلك الخارج ~~موقوفا على الحادث المتصل والمتصل موقوفا على الخارج و اما اذا كان الخارج ~~موقوفا على متصل وذلك المتصل موقوف على خارج و الخارج الاخر موقوف على متصل ~~اخر فانما يلزم التسلسل ms0730 في الاثار وفي تمام التأثيرات المعينة لا يلزم ~~الدور على هذا التقدير # واذا كان اللازم هو التسلسل في الاثار والتاثيرات المعينة فذلك لا يلزم ~~منة الدور و التسلسل جائز عند هولاء الفلاسفة و كثير من اهل الكلام والحديث ~~وغيرهم وليس هذا تسلسلا ولا دورا في اصل التأثير فان هذا باطل باتفاق ~~العقلاء كالدور والتسلسل في نفس المؤثر فان الدور والتسلسل في تمام اصل ~~التاثير كالتسلسل فى أصل الآثار # ثم يقال أن كان هذا التسلسل جائزا بطلت هذه الحجة وإن كان ممتنعا لزم أن ~~يكون للحوادث أول وأن تصدر الحوادث كلها عن قديم بلا سبب حادث من غير أن ~~يجب دوام الحوادث وحينئذ فيلزم صحة قول الكرامية كما يلزم صحة قول غيرهم من ~~أهل الكلام الجهمية والقدرية وأتباعهم الذين يقولون بحدوث جميع الحوادث ~~بدون سبب حادث وإنما النزاع بينهم فى المتصل والمنفصل # الوجه الرابع فى الجواب أن يقال هب أن ذلك الخارج إذا PageV04P048 كان ~~ليس معلوم الذات يلزم أن يكون مفيدا للأله صفاته فيكون أولى بالإلهية # يقال لهم هذا وإن كان باطلا عند المسلمين وغيرهم من أهل الملل ولكن على ~~أصولكم لا يمتنع بطلانه وذلك أن هذا لا ينافى وجوب وجوده بذاته بمعنى أنه ~~لا فاعل له فإن ما كان لا فاعل له لم يمتنع من هذه الجهة أن يقوم به أمر ~~بسبب منه ومن أمر مباين له وإنما ينتفى ذلك بنفى واجب بذاته مباين له وذلك ~~مبنى على نفى واجبين بالذات # وأنتم ادعيتم ذلك وأدرجتم فى ذلك نفى الصفات كما ادعت الجهمية أن القديم ~~واحد وأدرجوا فى ذلك نفى الصفات فقلتم أنتم لو كان له صفات لتعدد الواجب ~~بذاته كما قال أولئك لو كان له صفات لتعدد القديم وحجتكم على ذلك ضعيفة جدا ~~حتى إن منكم من قال بقدم الأفلاك ووجودها بذاتها لضعف ذلك # وهذا حقيقة قول أرسطو وأصحابه فى الأفلاك وهو قول أهل وحدة الوجود فى كل ~~موجود الذين أظهروا التصوف والتحقيق وحقيقة قولهم قول هؤلاء الدهرية ~~المعطلة # وحينئذ ms0731 فنخاطب الجميع خطابا يتناول الطوائف كلها ونقول إما أن تكون ~~الأفلاك واجبة الوجود بذاتها وإما أن لا تكون PageV04P049 # فإن قيل إنها واجبة بذاتها مع أن الحوادث تقوم بها بطل قولكم إن الواجب ~~أو القديم لا تقوم به الحوادث # وإن قلتم إنها معلولة مفعولة لغيرها فالموجب لها إن كان علة تامة لم ~~يتأخر عنه شيء من معلوله فلا تصدر عنه الحركات والحوادث فتفتقر الحوادث ~~المشاهدة إلى واجب آخر والقول فيه كالقول فيه وإن لم يكن علة تامة فلا بد ~~لما يتأخر حدوثه أن يكون موقوفا على شرط حادث والقول فيه كالقول في الذى ~~قبله فيلزم التسلسل وإذا لزم لزم دوام الحوادث المتسلسلة ويمتنع صدورها عن ~~علة تامة أزلية لا يقوم بها حادث فإن ذلك يقتضى مقارنة جميع معلولها لها ~~لوجوب مقارنة جميع معلول العلة التامة لها وامتناع أن يصير علة لشيء ما بعد ~~أن لم يكن علة بدون سبب منها وإذا جاز أن تقوم به الحوادث المتعاقبة فيلزم ~~قيام الحوادث المتعلقة بالقديم على كل تقدير فبطلت هذه الحجة # وأيضا فقدماؤهم يقولون إن الأول يحرك الأفلاك حركة شوقية مثل حركة ~~المحبوب لمحبه ولم يذكروا ان الأفلاك مبدعة [ له ] ولا معلولة لعلة فاعلة # وحينئذ فلا بد أن يقال هى واجبة بنفسها وهى مفتقرة فى حركتها إلى المحرك ~~المنفصل عنها فلا يمكن من قال هذا أن يقول إن الواجب PageV04P050 بنفسه لا ~~يقوم به حادث بسبب مباين له كما لا يمكنه أن ينفى شيئين واجبين بأنفسهما كل ~~منهما متوقف على الآخر # إذ حقيقة قول هؤلاء أن الفلك والعلة الأولى كل منهما محتاج إلى الآخر ~~حاجة المشروط إلى شرطه لا حاجة المصنوع إلى مبدعه # الوجه الخامس أن يقال غاية ما ذكرتموه فى الحوادث منقوص بالمتجددات ~~كالأضافات والعدميات فإنهم سلموا حدوثها وهذه الحجة تتناول هذا كما تتناول ~~هذا فما كان جوابكم عن هذا كان جواب منازعيكم عن هذا # فإنه يقال تلك الأمور الإضافية والعدمية إذا تجددت فلا بد لها من سبب ~~متجدد والسبب إما الذات وإما خارج ms0732 عنها فإن كان الأول لزم دوام الإضافات ~~والعدميات وإن كان الثانى لزم الدور أو التسلسل وإن كان الثالث فالأمر ~~الخارجى الذى أوجب تجدد تلك الإضافات والأعدام يجب أن يكون واجب الوجود # وأما الأسولة التى ذكر أبو الحسن الآمدى أنهم أوردوها على هذه الحجة فهى ~~ضعيفة كما ذكر ضعفها ويمكن الجواب عنها بغير ما ذكر أيضا # أما قول القائل القاصد إلى الحدوث فى محل يستدعى كون المحل فى جهة فإن ~~أراد به ما يقصد حدوثه فى محل مباين له فالكرامية PageV04P051 تقول بموجب ~~ذلك وليس هذا النزاع هنا ثم القائل لهذا إما أن يجوز كون الأمور المباينة ~~للرب فى جهة منه أو لا يجوز ذلك # فإن جوزه قال بموجبه مع بقاء محل النزاع وإن لم يجوزه كان ذلك دليلا على ~~فساد قوله فى مسألة الجهة وحينئذ فيكون ذلك أقوى لقول الكرامية ومن وافقهم # وإن أراد أن ما يقصد حدوثه في محل هو ذاته يوجب أن تكون ذاته في جهة من ~~ذاته # فيقال له هل يعقل كون الشيء في جهة من نفسه أم لا فإن عقل ذلك قالوا ~~بموجب التلازم وإن لم يعقل ذلك منعوا التلازم # يبين ذلك أن الانسان يحدث حوادث في نفسه بقصده وإراداته وهذا السؤال يرد ~~عليها فإن عقل كون نفسه في جهة من نفسه أمكن للمنازعين أن يقولوا بموجب ذلك ~~في كل شيء وإلا فلا # وأيضا فيقال قصد الشيء إما أن يستلزم كونه بجهة من المقاصد وإما أن لا ~~يستلزم ذلك فإن استلزم ذلك لزم كون جميع الأجسام بجهة من الرب فإنه إذا ~~أحدث فيها الأعراض الحادثة كان قاصدا لها على ما ذكروه فيلزم ان يكون بجهة ~~منه على هذا التقدير وحينئذ فيكون هو أيضا بجهة منها لامتناع كون أحد ~~الشيئين بجهة من الآخر من غير عكس كما ذكروه وإذا كان كذلك لزم أن يكون ~~البارى في جهة PageV04P052 # وإذا كان كذلك بطلت حجتهم لأن غايتها أن قصده للحوادث في ذاته يستلزم كون ~~ذاته في جهة وهذا محال فإذا كان ms0733 على هذا التقدير لزم أن تكون ذاته في جهة ~~بطل نفى هذا اللازم # وإما أن يقال قصد الشيء لا يستلزم كونه بجهة من المقاصد وحينئذ فبطلت هذه ~~الحجة فثبت بطلانها على التقديرين # وإيضاح فسادها أنها مبنية على مقدمتين وصحة إحداهما تستلزم بطلان الأخرى ~~وبطلانها يتضمن إحدى المقدمتين فثبت بطلان إحداهما على كل تقدير وإذا بطلت ~~إحدى المقدمتين بطلت الحجة فإن إحدى المقدمتين أن القاصد لا يقصد إلا ما هو ~~في جهة والثانية أن كون البارى في الجهة محال فإن كانت المقدمة الأولى ~~صحيحة لزم أن يكون في الجهة لأنه يقصد حدوث حوادث قطعا فبطلت الثانية وإن ~~كانت الأولى باطلة بطلت الحجة أيضا لبطلان إحدى مقدمتيها # وكما أن فساد هذه الحجة ظاهر على أصول أهل الملل وغيرهم ممن يقول بحدوث ~~العالم فبطلانها على رأى الفلاسفة الدهرية أظهر فإن هؤلاء لا ينكرون حدوث ~~الحوادث فإن قالوا إنها حادثة عن علة أزلية موجبة بنفسها كما يقوله ابن ~~سينا وأمثاله فهؤلاء يقولون بأن الحوادث تحدث عنه بوسائط PageV04P053 # وحينئذ فيقال إما أن ذلك يستلزم كونها منه في جهة أو لا يستلزم وتبطل ~~الحجة على التقديرين كما تقدم # وإن قالوا بل العالم واجب الوجود بنفسه فقد قالوا بحدوث الحوادث عن ~~القديم الواجب بنفسه وقيامها به فإن الحوادث قائمة بذات الأفلاك وحينئذ فكل ~~ما يحتج به على نقيض ذلك فهو باطل فإن صحة أحد النقيضين تستلزم بطلان الآخر ~~وبطلان اللازم يقتضي بطلان الملزوم والدليل مستلزم للمدلول والمدلول لازم ~~للدليل فإذا بطل اللازم الذى هو المدلول كانت أدلته المستلزمة له كلها ~~باطلة # وهذا الجواب خير من جواب الآمدى بقوله القصد إلى ما هو في جهة ممن ليس في ~~الجهة محال فإن جميع نفاة الجهة من أهل الكلام يقولون إن الرب تعالى يقصد ~~إلى ما هو في جهة من المخلوقات والقصد منه وليس هو في جهة عندهم # بل يقال جوابا قاطعا القصد في الجهة ممن ليس في الجهة إن كان ممكنا بطلت ~~المقدمة الأولى من الاعتراض وإن كان ممتنعا ms0734 بطلت المقدمة الثانية ~~PageV04P054 # وأما الاعتراض الثاني وهو قولهم لجاز قيام كل حادث به فظاهر الفساد فإنا ~~إذا جوزنا قيام صفة به لم يلزم قيام كل صفة به فإذا جوزنا أن تقوم به صفات ~~الكمال كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام لم يلزم أن تقوم صفات ~~النقص به كالجهل المركب والمرض والسنة والنوم وغير ذلك من النقائص الوجودية ~~وإذا جوزنا أ ن يقوم به كلام لم نجوز قيام كل كلام به وإذا جاز قيام إرادة ~~به لم يجز قيام إرادة كل شيء به وإنما يقوم به ما يليق بجلاله وما يناسب ~~كبرياءه إذ هو موصوف بصفات الكمال ولا يوصف بنقائضها بحال # وذلك لأن كونه سبحانه قابلا لأن تقوم به الصفات أوالحوادث لم يكن لمجرد ~~كون ذلك صفة أوحادثا فيلزم طرد ذلك في كل صفة وحادث كما أنه إذا قيل تقوم ~~به أمور وجودية لم يلزم ان يقوم به كل موجود لأن قيام الصفات الوجوديه به ~~لم يكن لمجرد كونها موجودة حتى يقوم به كل موجود وهذا كما إذا قلنا إن رب ~~العالمين قائم بنفسه وهو موجود وهو ذات متصفة بالصفات ان يكون رب العالمين # والناس متنازعون في صفاته هل تسمى أعراضا أولا تسمى مع تنازعهم في ثبوتها ~~ونفيها ففي مثبتة الصفات ونفاتها من يسميها أعراضا PageV04P055 # فإذا قيل لو جاز أن يقوم به عرض للزم أن يقوم به كل عرض لكان هذا أيضا ~~باطلا فإن ذلك لم يكن لكونه عرضا فيلزم قيام كل عرض به # والمسلمون متفقون على أن الله خالق كل موجود سواه فلو قيل لو جاز أن يخلق ~~موجودا للزم أن يخلق كل موجود فيلزم أن يكون خالقا لنفسه وهو محال أو لو ~~قيل لو جاز أن يخلق عالما قادرا حيا للزم أن يخلق كل حى عالم قادر وهو حى ~~عالم قادر فيلزم أن يكون خالقا لنفسه وهو محال لكان هذا كلاما باطلا # وأصل هذا أن السالب النافى لما نفى نفيا عاما أن يقوم بالله صفة أو أن ~~يقوم به ms0735 ما يريده ويقدر عليه لكونه حادثا فنفى نفيا عاما أن يقوم به حادث ~~ونحو ذلك قابله المثبت فناقض هذا الخبر العام وهذه القضية السالبة الكلية ~~وكذبها يحصل بإثبات خاص وهو القضية الجزئية الموجبة فيجوز قيام صفة ما من ~~الصفات وحادث ما من الحوادث وذلك الجائز لم يجز قيامه للمعنى المشترك بينه ~~وبين سائر الصفات والحوادث وإنما قام لمعنى يختص به وبأمثاله لا يشاركه فيه ~~جميع الصفات والحوادث # لكن المشترك كما أنه ليس هو المقتضى له للقيام بالذات فليس هو مانعا فكون ~~القائم به صفة أو حادثا ليس أمرا موجبا للقيام به حتى يقوم كل صفة وحادث ~~ولا مانعا من القيام به حتى يمنع كل صفة وحادث PageV04P056 # فمن نفى نفيا عاما لأجل ذلك فهو معارض بمن أثبت إثباتا عاما لأجل ذلك ~~وكلاهما باطل بل هو المستحق لصفات الكمال العارية عن النقص وهو على كل شىء ~~قدير ولم يزل قادرا على أن يتكلم ويفعل بمشيئه واختياره سبحانه وتعالى # وإذا قال القائل هذا يقتضى قيام الصفات أو الحوادث به # قيل هذا المعنى عديم التأثير لا موجب للامتناع ولا للجواز # والمثبتون يقولون كونه قادرا على الفعل والكلام بنفسه صفة كمال وكونه لا ~~يقدر على ذلك صفة نقص فإن القدرة على الفعل والكلام مما يعلم بصريح العقل ~~أنه صفة كمال وأن من يقدر أن يخلق ويتكلم أكمل ممن لا يقدر أن يخلق ويتكلم ~~فإنه يكون بمنزلة الزمن ويقولون بالطريق التى تثبت له صفات الكمال يثبت هذا ~~فإن الفاعل بنفسه الذى يقدر بنفسه على الفعل من حيث هو كذلك أكمل ممن لا ~~يمكنه ذلك كما قد بسط كلامهم فى غير هذا الموضع # وأيضا فإن أراد المريد بقوله تقوم به الحوادث كلها أنه قادر على أن يمسك ~~العالم كله فى قبضته كما جاءت به الأخبار الإلهية فهم يجوزون ذلك بل هذا ~~عندهم من أعظم أنواع الكمال كما قال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ [ سورة الزمر ~~67 ] PageV04P057 # وقد ثبت ms0736 فى الصحاح عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث أبى هريرة وابن ~~عمر وابن مسعود وابن عباس ما يوافق مضمون هذه الآية وأن الله تعالى يقبض ~~العالم العلوى والسفلى ويمسكه ويهزه ويقول أنا الملك أين ملوك الأرض # وفى بعض الآثار ويدحوها كما يدحو أحدكم الكرة # وقال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن فى يد ~~الرحمن إلا كخردلة فى يد أحدكم # فإن اراد مريد بقوله إن الحوادث كلها تقوم بذاته المعنى الذى دلت عليه ~~النصوص فهو حق وهو من أعظم الأدلة على عظمة الله وعظم قدره وقدرته وعلى ~~فعله القائم بنفسه وفى مخلوقاته # وإن أراد بذلك أنه يتصف بكل حادث فهذا يستلزم أن يتصف بالنقائص الوجودية ~~مثل أن يتصف بالجهل المركب الحادث ونحو PageV04P058 ذلك وهذا ممتنع لكونه ~~نقصا لا لكونه حادثا فالموت والسنة والنوم والعجز واللغوب والجهل وغير ذلك ~~من النقائص هو منزه عنها ومقدس أزلا وأبدا فلا يجوز ان تقوم به لا قديمة ~~ولا حادثة لكونها نقائص تناقض ما وجب له من الكمال اللازم لذاته # وإذا كان أحد النقيضين لازما للذات لزم انتفاء النقيض الآخر فكل ما تنزه ~~الرب عنه من الحوادث والصفات فهو منزه عنه لما أوجب ذلك لا للقدر المشترك ~~بينه وبين ما قام به من الكمالات # وأما السؤال الثالث وهو قوله أنه لا حاجة إلى ذلك فيقال ليس كل ما لا ~~تعلم الحاجة إليه يجزم بنفيه فإن الله أخبر أنه كتب مقادير الخلائق قبل ~~خلقهم ولا يعلم إلى ذلك حاجة وكذلك قد خلق آدم بيده عند أهل الإثبات مع ~~قدرته على أن يخلقه كما خلق غيره # وأيضا فإن عدم الحاجة إلى الشىء أوجبت نفيه فينبغى أن تنفى جميع ~~المخلوقات فإن الله لا يحتاج إلى شىء # وأما ما يقوم بذاته فما كان الخلق محتاجا إليه وجب إثباته وما لم يكن ~~الخلق محتاجا إليه كان قد انتفى هذا الدليل المعين الدال على إثباته وعدم ~~الدليل مطلقا لا يستلزم عدم المدلول عليه فى نفس ms0737 الأمر وإن استلزم عدم علم ~~المستدل به فضلا عن عدم الدليل المعين # وأيضا فإن الرب تعالى يمكن أن يكون له من صفات الكمال ما لا يعلمه العباد ~~ولا يمكنهم نفيه لانتفاء الحاجة إليه PageV04P059 # ولكن هذا السؤال يمكن تحريره على وجه آخر وهو أن يقال الكرامية إنما ~~أثبتوا ما أثبتوه لاحتياج الخلق إليه والقدرة والمشيئة الأزلية كافية فى ~~حدوث المخلوقات المنفصلة كما هى كافية فى حدوث ما قام بالذات فيكون دليلهم ~~على ذلك باطلا # وهذا الكلام إنما يفيد إن أفاد إبطال هذا الدليل المعين ولا يبطل دليلا ~~آخر ولا يبطل ثبوت المدلول فلا يجوز أن ينفى قيام الحوادث بذاته لعدم ما ~~يثبت ذلك بل الواجب فيما لا يعرف دليل ثبوته وانتفائه الوقف فيه # ثم هم قد يقولون صدور المفعولات المنفصلة من غير سبب حادث يقوم بالفاعل ~~أمر ممتنع كصدور المفعولات بدون قدرة وإرادة للفاعل # ويقولون أيضا قد علم أن الله خالق للعالم والخلق ليس هو المخلوق إذ هذا ~~مصدر وهذا مفعول به والمصدر ليس هو المفعول به فلا بد من إثبات خلق قائم به ~~ومن إثبات مخلوق منفصل عنه # وهذا قول جمهور الناس وهو أشهر القولين عند أصحاب الأئمة الأربعة [ أصحاب ~~] أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وهو قول جمهور الناس أهل الحديث والصوفية ~~وكثير من أهل الكلام أو أكثرهم وكثير من أساطين الفلاسفة أو أكثرهم ~~PageV04P060 # لكن النزاع بينهم فى الخلق المغاير للمخلوق هل هو قديم قائم بذاته أو هو ~~منفصل عنه أو هو حادث قائم بذاته وإذا كان حادثا فهل الحادث نوعه أو أن ~~الحوادث هى الأعيان الحادثة ونوع الحوادث قديم لتكون صفات الكمال قديمة لله ~~لم يزل ولا يزال متصفا بصفات الكمال # هذه الأقوال الأربعة قد قال كل قول طائفة ويقولون أيضا إن قيام هذه ~~الأمور بذاته من صفات الكمال وذلك أنا قد علمنا أن الله متكلم لا يكون ~~متكلما إلا بكلام قائم بذاته وأنه مريد ولا يكون مريدا إلا بإرادة قائمة ~~بذاته إذ ما قام بغيره من الكلام والإرادة ms0738 لا يكون كلاما له ولا إرادة إذ ~~الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره ويقولون قد أخبر ~~الله أنه ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) و أن تدل على أن ~~الفعل مستقبل فوجب أن يكون القول والإرادة حادثين بالسمع # وبالجملة عامة ما يذكر فى هذا الباب يعود إلى نوع تناقض من الكرامية وهو ~~عمدة منازعيهم ليس معهم ما يعتمدون عليه إلا تناقضهم وتناقض أحد المتنازعين ~~لا يستلزم صحة قول الآخر لجواز أن يكون الحق فى قول ثالث لا قول هذا ولا ~~قول هذا لا سيما إذا عرف أن هناك قولا ثالثا وذلك القول يتضمن زوال الشبه ~~القادحة فى كل من القولين الضعيفين PageV04P061 # قال الآمدى الحجة الثالثة انه لو كان قابلا لحلول الحوادث بذاته لكان ~~قابلا لها فى الأزل والإ كانت القابلية عارضة لذاته واستدعت قابلية أخرى ~~وهو تسلسل ممتنع وكون الشىء قابلا للشىء فرع إمكان وجود المقبول فيستدعى ~~تحقق كل واحد منهما ويلزم من ذلك إمكان حدوث الحوادث فى الأزل وحدوث الحادث ~~فى الأزل ممتنع للتناقض بين كون الشىء أزليا وبين كونه حادثا # قال الآمدى ولقائل أن يقول لا نسلم أنه لو كان قابلا لحلول الحوادث بذاته ~~لكان قابلا لها فى الأزل فإنه لا يلزم من القبول للحادث فيما لا يزال مع ~~إمكانية القبول له أزلا مع كونه غير ممكن أزلا والقول بأنه يلزم منه ~~التسلسل يلزم عليه الإيجاد PageV04P062 بالقدرة للمقدور وكون الرب خالقا ~~للحوادث فإنه نسبة متجددة بعد أن لم يكن فما هو الجواب ههنا به يكون الجواب ~~ثم [ وإن ] سلمنا أنه يلزم من القبول فيما لا يزال القبول أزلا فلا نسلم أن ~~ذلك يوجب إمكان وجود المقبول أزلا ولهذا على أصلنا البارى موصوف في الأزل ~~بكونه قادرا على خلق العالم ولا يلزم [ منه ] إمكان وجود العالم أزلا # قلت قد ذكر في إفساد هذه الحجة وجهين هما منع لكلتا مقدمتيها فإن مبناها ~~على مقدمتين إحداهما أنه لو كان قابلا لكان ms0739 القبول أزليا # والثانية أنه يمكن وجود المقبول مع القبول # فيقال في الأولى لا نسلم أنه إذا كان قابلا للحوادث في الأبد يلزم قبولها ~~في الأزل لأن وجودها فيما لا يزال ممكن ووجودها فى الأزل ممتنع فلا يلزم من ~~قبول الممكن قبول الممتنع وهذا كما يقال إذا أمكن حدوث الحوادث فيما لا ~~يزال أمكن حدوثها فى الأزل # وقد احتجوا على ذلك بأنه يجب أن يكون القبول من لوازم الذات إذ لو كان من ~~عوارضها لكان للقبول قبول آخر ولزم التسلسل PageV04P063 # فأجاب عن هذه الحجة بالمعارضة بالإيجاد والإحداث فإنه عند من يمنع تسلسل ~~الآثار من عوارض الذات لا من لوازمها فالقول فى قبولها كالقول فى فعلة لها ~~إذ التسلسل فى القابل كالتسلسل فى الفاعل # وهذا الجواب من جنس جوابه عن الحجة الأولى وهو جواب صحيح على أصل من وافق ~~الكرامية من المعتزلة والأشعرية والسالمية وغيرهم وهؤلاء أخذوا هذا الأصل ~~عن الجهمية والقدرية من المعتزلة ونحوهم # وأما المقدمة الثانية فيقال لا نسلم أنه يلزم من ثبوت القبول فى الأزل ~~إمكان وجود المقبول فى الأزل بدليل أن القدرة ثابتة فى الأزل ولا يمكن وجود ~~المقدور فى الأزل عند هذه الطوائف # وهذا الجواب أيضا جواب لمن وافقه على ذلك والنكته فى الجوابين أن ما ~~ذكروه فى المقبول ينتقض عليهم بالمقدور فإن المقبول من الحوادث هو نوع من ~~المقدورات لكن فارق غيره فى المحل فهذا مقدور فى الذات وهذا مقدور منفصل عن ~~الذات فإن قدرته قائمة بذاته ومقدور القدرة هو فعله القائم بذاته وإن كانت ~~المخلوقات أيضا مقدورة عندهم فهذا المنفصل عندهم PageV04P064 مقدور وفعله ~~القائم بذاته مقدور وقدرته قائمة بمحل هذا المقدور المتصل دون المنفصل # والناس لهم فى وجود المقدور بمحل القدرة وخارجا عنها أقوال منهم من يقول ~~القدرة القديمة والمحدثة توجد فى محل المقدور كأئمة [ أهل ] الحديث ~~والكرامية وغيرهم # ومنهم من يقول القدرتان توجدان فى غير محل المقدور كالجهمية والمعتزلة ~~وغيرهم # ومنهم من يقول المحدثة لا تكون إلا فى محل المقدور والقديمة لا تكون تكون ms0740 ~~فى محل المقدور وهم الكلابية ومن وافقهم # ومتنازعون أيضا هل يمكن أن تكون القدرتان أو إحداهما متعلقة بالمقدور فى ~~محلها وخارجة عن محلها جميعا # والمقصود هنا أن ما عارضهم به معارضة صحيحة ولكن كثير من الناس من أهل ~~الحديث والكلام والفلسفة وغيرهم يقولون فى المقدور ما يقولون فى المقبول ~~ويقولون بجواز حوادث لا تتناهى ومنهم من يخص ذلك بالمقدورات PageV04P065 # فيقال لهؤلاء حينئذ فيجوز حوادث لا تتناهى فى المقبولات والمقدورات كما ~~فى المقدورات المنفصلة لا فرق بينهما # والجواب القاطع المركب أن يقال إما أن يكون وجود حوادث لا تتناهى ممكنا ~~وإما أن يكون ممتنعا فإن كان الأول كان وجود نوع الحوداث فى الأزل ممكنا ~~وحينئذ فلا يكون اللازم منتفيا فتبطل المقدمة الثانية # وإن كان ممتنعا لم يجز أن يقال إنه قابل لها فى الأزل قبولا يستلزم إمكان ~~وجود المقبول وحينئذ فلا يلزم وجودها فى الأزل فتبطل المقدمة الأولى # فتبين أنه لا بد من بطلان إحدى المقدمتين وأيهما بطلت بطلت الحجة فهذا ~~جواب ليس بإلزامي بل هو علمى يبطل الحجة قطعا # وهنا طريقة ثالثة فى الجواب على قول من قال إنه لم يزل متكلما إذا شاء ~~وإن الحركة من لوازم الحياة من أهل السنة والحديث وغيرهم فإن هؤلاء يقولون ~~إنه قابل لها فى الأزل وإنها موجودة فى الأزل # وما ذكره من الحجة يستلزم صحة قول هؤلاء فى المقدور والمقبول فإنهم ~~يقولون هو قادر عليها فيما لا يزال وهى ممكنة فيما لا يزال فوجب أنه لم يزل ~~قادرا وأنها ممكنة فإن هذه القدرة والإمكان PageV04P066 إما أن تكون قديمة ~~وإما أن تكون حادثة فإن كانت قديمة حصل المطلوب وإن كانت حادثة فلا بد لها ~~من سبب حادث وذلك يستلزم التسلسل والتسلسل يتضمن دوام القدرة وإمكان الفعل ~~فثبت أنه لم يزل قادرا على الفعل والفعل ممكن له وهو المطلوب # وإيضاح ذلك أنه إذا كان قادرا على الفعل وجب أن يكون قادرا عليه فى الأزل ~~وإلا كانت القادرية عارضة لذاته واستدعت القادرية قادرية أخرى وذلك يقتضى ms0741 ~~التسلسل فإن كان التسلسل باطلا لزم دوام نوع القادرية لأنه يمتنع أن تكون ~~عارضة إذ كانت العارضة تستلزم التسلسل الباطل على هذا التقدير وما استلزم ~~الباطل فهو باطل وإذا امتنع كونها عارضة ثبت كونها لازمة لأنه متصف بها ~~قطعا وإن كان ممكنا لزم إمكان دوام قادريات لا تتناهى لأنه يتصف بها ويمتنع ~~تجددها له إذ كانت قدرته من لوازم ذاته لامتناع أن يكون غير القادر يجعل ~~نفسه قادرا بعد أن لم يكن وذلك يقتضى دوام نوع القادرية فلا بد فى الأزل من ~~ثبوت القادرية على التقديرين وهو المطلوب # وإذا كان كذلك فالقدرة على الشىء فرع إمكان المقدور إذ القادرية نسبة بين ~~القادر والمقدور فتستدعى تحقق كل منهما وإلا فما لا يكون ممكنا لا يكون ~~مقدورا فلا تكون القادرية عليه ثابتة فى PageV04P067 الأزل فدل على أنه ~~يلزم من ثبوت القدرة في الأزل إمكان وجود المقدور في الأزل # وحينئذ فذلك يدل على إمكان الفعل في الأزل فلا يكون هنا ما يمنع وجود ~~المقدور المقبول في الأزل فصار ما ذكروه حجة على النفى هو حجة على الإثبات ~~لكن هذا حجة لإمكان وجود المقبول في الأزل ويمكن أن يحتجوا على وجود ~~المقبول في الأزل بأن يقولوا لو لم يقم بذاته ما هو مقدور مراد له دائما ~~للزم أن لا يحدث شيئا لكنه قد أحدث الحوادث فثبت دوام فاعليته وقابليته لما ~~يقوم بذاته من مقدورات ومرادات # وبيان التلازم أن الحادث بعد أن لم يكن إن حدث بغير سبب لزم ترجيح الممكن ~~بلا مرجح وتخصيص أحد المثلين من الوقتين وغيرهما بلا مخصص وهذا ممتنع # وإن حدث بالسبب فالقول في ذلك السبب كالقول في غيره فيلزم تسلسل الحوادث # ثم تلك الحوادث الدائمة إما أن تحدث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها وهو ~~ممتنع لأن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ولا شىء منه وإما أن تحدث عن ~~غير علة تامة وما ليس بعلة تامة ففعله للحادث موقوف على الشرط الذى به يتم ~~فاعليته لذلك الحادث PageV04P068 # وذلك الشرط إما ms0742 منه وإما من غيره فإن كان من غيره لزم أن يكون رب ~~العالمين محتاجا في أفعاله إلى غيره وإن كان منه لزم أن يكون دائما فاعلا ~~للحوادث # وتلك الحوادث إما أن تحدث بغي أحوال تقوم به وإما أنه لا بد من أحوال ~~تقوم به والثاني يستلزم أنه لم يزل قادرا قابلا فاعلا تقوم به الأفعال ~~والأول باطل لأنه إذا كان في نفسه أزلا وأبدا على حال واحدة لم يقم به حال ~~من الأحوال أصلا كانت نسبة الأزمان والكائنات إليه واحدة فلم يكن تخصيص أحد ~~الزمانين بحوادث تخالف الحوادث في الزمان الآخر أولى من العكس # وتخصيص الأزمنة بالحوادث المختلفة أمر مشهود ولأن الفاعل الذى يحدث ما ~~يحدثه من غير فعل يقوم بنفسه غير معقول بل ذلك يقتضى أن الفعل هو المفعول ~~والخلق هو المخلوق وأن مسمى المصدر هو مسمى المفعول به وأن التأثير هو ~~الأثر # ونحن نعلم بالاضطرار أن التأثير أمر وجودي وإذا كان دائما لزم قيامه ~~بذاته دائما وأن تكون ذاته دائما موصوفة بالتأثير والتأثير صفة كمال فهو لم ~~يزل متصفا بالكمال قابلا للكمال مستوجبا للكمال وهذا اعظم في إجلاله ~~وإكرامه سبحانه وتعالى # وبهذه الطريق وأمثالها يتبين أن الحجة العقلية التي يحتج بها PageV04P069 ~~أهل الضلال فإنه يحتج بها على نقيض مطلوبهم كما أن الحجج السمعية التي ~~يحتجون بها حالها كذلك # وذلك مثل احتجاجهم على قدر الأفلاك بأنه إذا كان مؤثرا في العالم فإما أن ~~يكون التأثير وجوديا أو عدميا والثاني معلوم الفساد بالضرورة # لكن هذا قول كثير من المعتزلة والأشعرية وهو قول من يقول الخلق هو ~~المخلوق وإن كان وجوديا فإن كان حادثا لزم التسلسل ولزم كونه محلا للحوادث ~~فيجب أن لا يكون قديما وإن كان قديما لزم قدم مقتضاة فيلزم قدم الأثر # فيقال أولا هذا يقتضى أن لا يكون شىء من آثاره محدثا وهذا خلاف المشاهدة # وموجب هذه الحجة أن الأثر يقترن بالمؤثر التام التأثير وإذا كان كذلك ~~فكلما حدث من الحوادث شىء كان التأثير التام له منتفيا في ms0743 الأزل وكذلك أيضا ~~كلما تجدد شىءمن المتجددات وحينئذ فيلزم أنه لم يكن في الأزل تأثير يستلزم ~~آثاره وهذا نقيض قولهم # وحينئذ فيلزم حدوث التأثير وتسلسله وإذا كان التأثير وجوديا PageV04P070 ~~وجب أن يكون قائما بالمؤثر وهذا يقتضى دوام ما يقوم بذاته من أحواله وشئونه ~~التي هى [ من ] آثار قدرته ومشيئه # وهذه الحجج الثلاث المذكورة مبناها على جواز التسلسل في الآثار والكرامية ~~لا تقول بذلك لكن يقول به غيرهم من المسلمين وأهل الملل وغير أهل الملل # والكرامية تجيب من يوافقها على التسلسل بما تقدم من المعارضات أو ~~الممانعات # قال الآمدي الحجة الرابعة أنه لو قامت الحوادث بذاته لكان متغيرا ~~والتغيرعلى الله محال ولهذا قال الخليل عليه السلام @QB@ لا أحب الآفلين ~~@QE@ [ سورة الأنعام 76 ] أى المتغيرين # قال ولقائل أن يقول إن أردتم بالتغير حلول الحوادث بذاته فقد اتحد اللازم ~~والملزوم وصار حاصل المقدمة الشرطية لو قامت الحوادث بذاته لقامت الحوادث ~~بذاته وهو غير مفيد ويكون القول بأن التغير على الله بهذا الاعتبار محال ~~دعوى محل PageV04P071 النزاع فلا يقبل وإن أردتم بالتغير معنى آخر وراء ~~قيام الحوادث بذات الله تعالى فهو غير مسلم ولا سبيل إلى إقامة الدلالة ~~عليه # قلت لفظ التغير في كلام الناس المعروف هو يتضمن استحالة الشىء كالإنسان ~~إذا مرض يقال غيره المرض ويقال في الشمس إذا اصفرت تغيرت والأطعمة إذا ~~استحالت يقال لها تغيرت قال تعالى @QB@ فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار ~~من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين @QE@ [ سورة محمد 15 ] ~~فتغير الطعم استحالته من الحلاوة إلى الحموضة ونحو ذلك # ومنه قول الفقهاء إذا وقعت النجاسة في الماء الكثير لم ينجس إلا أن يتغير ~~طعمه أو لونه أو ريحه وقولهم إذا نجس الماء بالتغير زال بزوال التغير ولا ~~يقولون إن الماء إذا جرى مع بقاء صفائه أنه تغير ولا يقال عند الإطلاق ~~للفاكهة والطعام إذا حول من مكان إلى مكان أنه تغير ولا يقال للإنسان إذا ~~مشى أو قام أو قعد قد تغير اللهم إلا ms0744 مع قرينه ولا يقولون للشمس والكواكب ~~إذا كانت PageV04P072 ذاهبة من المشرق إلى المغرب إنها متغيرة بل يقولون ~~إذا إصفر لون الشمس إنها تغيرت ويقال وقت العصر ما لم يتغير لون الشمس [ ~~ويقولون تغير الهواء إذا برد بعد السخونة ولا يكادون يسمون مجرد هبوبة ~~تغيرا وإن سمى بذلك فهم يفرقون بين هذا وهذا ] ويقال قد أمر أهل الذمة ~~بلباس الغيار أي اللباس الذى يخالف [ لونه ] لون لباس المسلمين وتقول العرب ~~تغايرت الأشياء إذا اختلفت والغيار البدال # قال الشاعر % فلا تحسبنى لكم كافرا % ولا تحسبنى أريد الغيارا # ويقولون % $ نزل القوم يغيرون أى يصلحون الرحال # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بأبى قحافة ورأسه ولحيته ~~كالثغامة فقال غيروا الشيب وجنبوه السواد أى غيروا لونه ألى لون آخر أحمر ~~أو أصفر وتقول العرب غيرت الشىء فتغير غيرا PageV04P073 # ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره أى ~~قرب تغيره من الجدب إلى الخصب # وغار الرجل على أهله يغار إذا حصل له غضب أحال صفته من حال إلى حال # وقال النبى صلى الله عليه وسلم من رأى منكرا فلغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان # وقال إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ~~PageV04P074 # وتغيير المنكر تبديل صفته حتى يزول المنكر بحسب الإمكان وإن لم يكن إلا ~~بتغير الإنسان في نفسه غضبا لله # ولهذا لم يطلق على الصفة الملازمة للموصوف أنها مغايرة له لأنه لا يمكن ~~أن يستحيل عنها ولا يزايل # والغير والتغير من مادة واحدة فإذا تغير الشيء صار الثاني غير ما كان فما ~~لم يزل على صفة واحدة لم يتغير ولا تكون صفاته مغايرة له # والناس إذا قيل لهم التغير على الله ممتنع فهموا من ذلك الإستحالة ~~والفساد مثل إنقلاب صفات الكمال إلى صفات نقص أو تفرق الذات ونحو ذلك مما ~~يجب تنزيه الله عنه # وأما كونه سبحانه يتصرف بقدرته فيخلق ويستوى ويفعل ما ms0745 يشاء بنفسه ويتكلم ~~إذا شاء ونحو هذا فهذا لا يسمونه تغيرا # ولكن حجج النفاة مبناها على ألفاظ مجملة موهمة كما قال الإمام أحمد ~~يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم حتى ~~يتوهم الجاهل انهم يعظمون الله وهم إنما يقودون قولهم إلى فرية على الله # ومن أعجب الأشياء احتجاجهم بقصة إبراهيم الخليل وهم مع افترائهم فيها على ~~التفسير واللغة إنما هي حجة عليهم لا لهم كما قال PageV04P075 بعضهم في ~~قوله @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ [ سورة الأنعام 76 ] أى المتغيرين وربما قال ~~غيره المتحركين أو المنتقلين وقال بعض المتفلسفة المتأخرين الممكنين وأراد ~~بالممكن ما يتناول القديم الأزلى الذى يمتنع عدمه # وزعم بعضهم كالرازى في تفسيره أن هذا قول المحققين وهؤلاء من أعظم الناس ~~تحريفا للفظ الافول ولفظ الإمكان فإنهم وسائر العقلاء يسلمون ان الممكن ~~الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا ما كان معدوما فأما القديم الأزلى ~~الذي لم يزل فيمتنع عندهم وعند سائر العقلاء أن يكون ممكنا يقبل الوجود ~~والعدم # ولكن ينتاقضون تناقضا بينا فقالوا الفلك ممكن يقبل الوجود والعدم وهو مع ~~ذلك قدم أزلى # ثم استعمال لفظ الأفول في الممكن الذى يقبل الوجود والعدم من أعظم الكذب ~~على اللغة والتفسير فإن المخلوقات الموجودة كالشمس والقمر والكواكب ~~والآدميين وغيرهم لا يسمون في حال حضورهم آفلين # وهؤلاء اجتراوا على ذلك لما جعلت الجهمية وأهل الكلام المحدث المتحرك ~~آفلا فجعلوا كل متحرك آفلا وزعموا أن إبراهيم عليه السلام احتج بالحركة على ~~امتناع كون المتحرك رب العالمين فلما قال هؤلاء هذا قال أولئك نحن نجعل كل ~~ما سوى الرب آفلا فجعلوا السموات والأرض وكل ما سواه آفلا وفسروا بذلك ~~القرآن PageV04P076 # وهذا لا يعرف في لغة العرب أن الافول بمعنى التحرك والانتقال ولا بمعنى ~~التغير الذى هو استحالة من صفة إلى صفة دع ما هو من باب التصرف الذى لا ~~تستحيل فيه الصفات # وإبراهيم إنما قال @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ [ سورة الأنعام 76 ] ردا لمن ~~كان يتخذ كوكبا يعبده من دون الله كما ms0746 يفعله أهل دعوة الكواكب كما كان قومه ~~يفعلون ذلك لا ردا على من قال إن الكوكب هو رب العالمين فإن هذا لم يقله ~~أحد لكن قومه كانوا مشركين ولو كان إبراهيم مقصوده نفى كون الكوكب رب ~~العالمين واحتج على ذلك بالأفول لكانت حجة عليهم لأنه لما رأى الكوكب ~~والقمر والشمس بازغة كانت متحركة من حين بزوغها إلى حين غروبها وهو في تلك ~~الحال لا ينفى عنها المحبة كما نفاها حين غابت # فعلم بذلك أن ما ذكر من التغير والحركة والانتقال لم يناف مقصود إبراهيم ~~عليه السلام وإنما نافاه التغيب والاحتجاب فإن كان مقصوده نفى كونه رب ~~العالمين كان ذلك حجة عليهم لا لهم وكانوا قد حكوا عن إبراهيم أنه لم يجعل ~~التغير والحركة والانتقال مانعة من كون الموصوف بذلك رب العالمين فما ذكروه ~~لوصح كان حجة عليهم لا لهم PageV04P077 # وبكل حال فإبراهيم لم يجعل الحركة والانتقال مانعة من حب المتصف بذلك كما ~~جعل الأفول مانعا فعلم أن ذلك ليس من صفات النقص التى تنافى كون المتصف بها ~~معبودا عند إبراهيم ذ # قال الآمدى وأما المعتزلة فمنهم من قال المفهوم من قيام الصفة بالموصوف ~~حصولها فى الحيز تبعا لحصول محلها فيه والبارى ليس بمتحيز فلا تقوم بذاته ~~الصفة ومنهم من قال الجوهر إنما صح قيام الصفات به لكونه متحيزا ولهذا فإن ~~الأعراض لما لم تكن متحيزة لم يصح قيام المعانى بها والبارى ليس بمتحيز فلا ~~يكون محلا للصفات # قال وهذه الشبهة تدل على انتفاء الصفة عن الله تعالى مطلقا قديمة كانت أو ~~حادثة وهى ضعيفة جدا أما الشبهة الأولى فلقائل أن يقول لا نسلم أنه لا معنى ~~لقيام الصفة بالموصوف إلا ما ذكروه بل معنى قيام الصفة بالموصوف تقوم الصفة ~~بالموصوف فى الوجود وعلى هذا فلا يلزم أن يكون المعلول قائما PageV04P078 ~~بالعلة لكونه متقوما بها فى الوجوه إذ ليس المعلوم صفة ولا العلة موصوفة به # وأما الشبهة الثانية فلقائل أن يقول لا نسلم أن قيام الصفات بالجوهر ~~لكونه متحيزا بل أمكن ms0747 أن يكون ذلك لمعنى مشترك بينه وبين البارى تعالى وإن ~~كان ذلك لكونه متحيزا فلا يلزم من انتقاء الدليل فى حق الله تعالى انتفاء ~~المدلول كما تقدم تحقيقه وقد أمكن أن يكون ذلك لمعنى اختص به البارى تعالى ~~ولا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين فى صورتين # قلت أما الحجة الأولى فيقال قيام الصفة بالموصوف معروف يتصور بالبديهة ~~وهو أوضح مما حدوه به حيث قالوا إن ذلك هو حصول الصفة فى الحيز تبعا لحصول ~~محلها فيه فإن الناس يفهمون قيام اللون والطعم والريح بالموصوف بذلك وإن لم ~~يخطر بقلوبهم هذا الحصول # فإن ادعى مدع أن كل موصوف متحيز وأن قيام الصفة بدون المتحيز ممتنع ~~PageV04P079 # فيقال من الناس من ينازعك فى هذا ومنهم من يوافقك عليه والموافقون لك ~~منهم من يقول كل قائم بنفسه متحيز ولا أعلم قائما بنفسه إلا المتحيز ومنهم ~~من يقول بل أعلم قائما بنفسه غير المتحيز فقولك لا يصح إلا إذا ثبت لك أن ~~كل موصوف متحيز وثبت لك وجود موجود ليس بمتحيز حتى يستلزم ثبوت موجود ليس ~~بموصوف # وجمهور الخلق ينكرون هذه الدعوى بل يقولون إثبات موجود لا يوصف بشىء من ~~الصفات بل هو ذات مجردة كإثبات وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص وهذا كله ~~ممتنع لمن تصوره بضرورة العقل ويقولون هذا إنما يعقل تصوره فى الأذهان لا ~~فى الأعيان والذهن يقدر فيه الممتنعات كالجمع بين الضدين والنقيضين # والجواب المركب أن يقال ما تعنى بقولك متحيزا أتعنى به ما كان له حيز ~~موجود يحيط به أم تعنى به ما يقدر المقدر له حيزا عدمياأو ما كان منحازا عن ~~غيره # فإن عنيت الأول كان باطلا متناقضا فإن الأجسام إن كانت متناهية لم تكن فى ~~حيز وجودى فإنها إذا كانت متناهية لو كانت فى حيز وجودى لزم أن يكون الجسم ~~فى جسم آخر إلى ما لا يتناهى ولزم وجود أبعاد لا تتناهى وإن كانت غير ~~متناهية امتنع كون ما لا يتناهى فى حيز وجودي لأن ذلك الحيز هو أيضا ms0748 داخل ~~فيما لا يتناهى PageV04P080 # فهذا جواب برهانى والجواب الإلزامى أن قولك كل موصوف يحيط به حيز وجودى ~~يستلزم وجود أجسام لاتتناهى وهذا باطل عندك فإن العالم متحيز موصوف وليس فى ~~حيز وجودى # وإن قلت أعنى به أمرا عدميا # قيل لك العدم لاشىء وما جعل فى لاشىء لم يجعل فى شىء # فكأنك قلت المتحيز ليس فى غيره وحينئذ فلا نسلم لك امتناع كون الرب ~~متحيزا بهذا الاعتبار # وكذلك إن فسرته بالمنحاز المباين لغيره كان نفى اللازم ممتنعا # فإن قلت قد قام الدليل على حدوث ما كان كذلك لأن ما كان كذلك لم يخل من ~~الحوادث والأعراض أو كان مختصا بقدر أو صفة أو تميز منه شىء عن شىء وهذا ~~تركيب عاد الكلام إلى هذه المواد الثلاثة وقد علم أنها مادة الكلام الباطل # وقد بين فساد ذلك بوجوه وحينئذ فلا يمكنك نفى شىء من موارد النزاع إلا ~~بنفى ذلك فيعود الكلام إلى نفى ذلك # وأما الحجة الثانية فقول القائل إن الجوهر إنما صح قيام الصفة له لكونه ~~متحيزا PageV04P081 # فيقال أولا لا نسلم أن قيام الصفة بمحلها يحتاج إلى علة أعم من المحل بل ~~كل صفة لازمة لمحلها وهى محتاجة إلى ذلك المحل المعين لمعنى يخص ذلك المعين ~~لا يعلل كونها فيه بأعم منه لأنه العلة إذا كانت أعم من المعلول كانت ~~منتقضة # وإن قيل نحن نعلل جنس قيام الصفات بجنس التحيز # قيل وجنس قيام الصفات لا يحتاج إلى غير محل يقوم به وإن لم يخطر بالقلب ~~كونه متحيزا # وإن قيل إن التحيز لازم للمحل الذى تقوم به الصفات # قيل وقيام الموصوف بنفسه لازم أيضا وغير ذلك # ثم الكلام فى التحيز على ما تقدم وبالجملة فهذا كلام فى جنس الصفات لا فى ~~خصوص الحوادث ولا ريب أن نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة ~~كلامهم فى الموضعين [ واحد ] وفساد أصولهم مبين فى غير هذا الموضع # قال الآمدى والمعتمد فى المسألة حجتان تقريرية وإلزامية PageV04P082 أما ~~التقريرية فهو أن يقال لو جاز قيام الصفات الحادثة بذات ms0749 الرب تعالى فإما أن ~~يوجب نقصا فى ذاته أو صفة من صفاته أو لا يوجب شيئا من ذلك فإن كان الأول ~~فهو محال باتفاق العقلاء وأهل الملل وإن كان الثانى فإما أن تكون فى نفسها ~~صفة كمال أولاصفة كمال لا جائز أن يقال بالأول وإلا كان الرب تعالى ناقصا ~~قبل اتصافه بها وهو محال أيضا بالاتفاق ولا جائز أن يقال بالثانى لوجهين ~~اتفاق الأمة وأهل الملل قبل الكرامية على امتناع اتصاف الرب بغير صفات ~~الكمال ونعوت الجلال والثانى أن وجود كل شىء أشرف من عدمه فوجود الصفة فى ~~نفسها أشرف من عدمها فإذا كان اتصاف الرب بها لا يوجب نقصا في ذاته ولا فى ~~صفة PageV04P083 من صفاته على ما وقع به الفرض فاتصافه إذا بما هو فى نفسه ~~كمال لا عدم كمال ولو كان كذلك لكان ناقصا قبل اتصافه بها وهو محال كما سبق # قلت فهذا عمدته وهو من أفضل هؤلاء المتأخرين وهى من أضعف الحجج كما قد ~~بسط فى غيرهذا الموضع # وبيان ذلك من وجوه أحدها أن عمدته فى ذلك على مقدمة زعم أنها إجماعية فلا ~~تكون المسألة عقلية ولا ثابتة بنص بل بالإجماع المدعى ومثل هذا الإجماع ~~عنده من الأدلة الظنية فكيف يصلح أن يثبت بها مثل هذا الأصل # وإذا كانت هذه المسألة مبينة على مقدمة إجماعية لم يمكن العلم بها قبل ~~العلم بالسمع لأن الأجماع دليل سمعى وهم بنوا عليها كون القرآن غير مخلوق # قالوا لأنه لو خلقه فى ذاته لكان محلا للحوادث وحينئذ فقبل العلم بهذا ~~الإجماع يمكن تقدير قيام كلام حادث بذاته وإرادات حادثة بذاته وغير ذلك فلا ~~يكون شىء من هذه المسائل من المسائل العقلية وإذا لم تكن من العقلية لم تكن ~~من العقليات التى يتوقف PageV04P084 صحة السمع عليها بطريق الأولى وحينئذ ~~فلا يجوز معارضة نصوص الكتاب والسنة بها ويقال قد عارض الظواهر النقلية ~~قواطع عقيلة فليس هنا عقلى لا قاطع ولا غير قاطع بل غاية ما هنا دعوى ~~المرعى للإجماع # وهؤلاء إذا احتج ms0750 عليهم المحتج فى إثبات الاستواء والنزول والمجىء ~~والإتيان وغير ذلك بنصوص الكتاب والسنة ادعوا أن هذه المسائل لا يحتج فيها ~~بالسمع وأن الأدلة السمعية قد عارضها العقل # فإذا اعترفوا بأنه لم يعارضها إلا ما ادعوه من الدليل المبنى على مقدمة ~~زعموا أنها معلومة بالإجماع كان عليهم أن يسمعوا من الأدلة السمعية ما هو ~~أقوى من هذا ويذكروا من الإجماعات ماهو أبين من هذا الإجماع لاسيما والأدلة ~~السمعية المثبتة للصفات الخبرية ولقيام الحوادث به أضعاف أضعاف ما يدل على ~~كون الإجماع حجة من السمع وهى أقوى دلالة # فإذا كانت الأدلة السمعية المثبتة لهذه الصفات أقوى مما يدل على كون ~~الإجماع حجة امتنع أن تعارض هذه النصوص بنصوص الإجماع فضلا عن نفس الإجماع ~~فضلا عما هو مبنى على مقدمه PageV04P085 مبنية على الإجماع لو كان البناء ~~حقا فكيف إذا كان باطلا # الوجه الثاني أن يقال هذا الإجماع لم ينقل بهذا اللفظ عن السلف والأئمة ~~لكن لعلمنا بعظمة الله فى قلوبهم نعلم أنهم كانوا ينزهونه عن النقائص ~~والعيوب # وهذا كلام مجمل فكل من رأى شيئا عيبا أو نقصا نزه الله عنه بلا ريب وإن ~~كان من هؤلاء الجهمية الاتحادية من يقول إنه موصوف بكل النقائص والعيوب كما ~~هو موصوف عنده بكل المدائح إذ لا موجود عنده إلا هو فله جميع النعوت ~~محمودها ومذمومها # وهذا القائل يدعى أن هذا غاية الكمال المطلق كما قال ابن عربى وغيره ~~العلى لذاته هو الذى يكون له الكمال المطلق الذى يتضمن جميع الأمور ~~الوجودية والنسب العدمية سواء كانت محمودة عقلا وشرعا وعرفا أو مذمومة عقلا ~~وشرعا وعرفا وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة PageV04P086 # وجمهور العقلاء الذين يتصورون هذا القول يقولون هذا معلوم الفساد بالحس ~~والعقل كما هو كفر باتفاق أهل الملل # ومن المعلوم أن كل متنازعين فى هذا الباب فإن أحدهما يزعم أنه وصف الحق ~~تعالى بصفة نقص لكن منازعة لا يسلم له ذلك # فإذا قال أنت وافقتنى على تنزيهه عن النقص والعيب # قال له هذا الذى نازعتك فيه ms0751 ليس هو عندى نقصا ولا عيبا فإى شىء تنفعك ~~موافقتى لك على لفظ أنازعك فى معناه # وإن قال بل اتفقنا على أن كل ما هو نقص فى نفس الأمر فالله منزه عنه وهذا ~~نقص فى نفس الأمر فيجب تنزيه الله عنه # قال له أنا وافقتك على أن كل ما هو نقص فى نفس الأمر فالله منزه عنه ولم ~~أوافقك على أن كل ما أثبت أنت أنه نقص بدليل تدعى صحته فإنه منزه عنه # وحاصلة أن الإجماع لم يقع بلفظ يعلم به دخول مورد النزاع فيه ولكن يعلم ~~أن كل ما اعتقده الرجل نقصا فإنه ينزه الله عنه وما تنازعا فى ثبوته يقول ~~المثبت أنا لم أوافقك على انتفاء هذا ولكن أنت تقول هذا نقص فعليك أن تنفيه ~~كما نفيت ذلك النقص الآخر وأنا أقول ليس هذا بنقص وذلك الأمر الآخر الذى ~~نفيته نفيته PageV04P087 لمعنى منتف فيما أثبته وأنا ما نفيت ذاك إلا لمعنى ~~يختص به فإن كان ذلك المأخذ صحيحا لم تجب التسوية وإن كان باطلا لزم خطىء ~~فى نفى ذاك وحينئذ فإن كانا مستويين لزم خطىء فى الفرق بينهما وليس خطىء فى ~~إثبات ما أثبته بأولى من خطىء فى نفى ما نفيته فإنما يفيدك هذا تناقضى إن ~~صح التسوية لا يفيدك صحة مذهبك وإن ثبت الفرق بطل قولك # فتبين أن هذا الإجماع هو من الإجماعات المركبة التى ترجع إلى حجة جدلية ~~ولو كانت صحيحة لم تفد إلا تناقض الخصم # الوجه الثالث أن يقال ما ذكرته من الحجة معارض بتجويزك على الله إحداث ~~الحوادث بعد أن لم تكن وهو كونه فاعلا فالفاعلية إما أن تكون صفة كمال وإما ~~أن لا تكون صفة كمال فإن كانت كمالا كان قد فاته الكمال قبل الفعل وإن لم ~~تكن كمالا لزم اتصافه بغير صفات الكمال وهذا محال لهذين الوجهين # وإذا قلت إن الفعل نسبة وإضافة # قيل لك وإضافة هذا الحادث إليه نسبة وإضافة ولا فرق بينهما إلا كون ~~أحدهما متصلا والآخر منفصلا PageV04P088 # ومعلوم أن ms0752 الإجماع على تنزيه الله تعالى عن صفات النقص متناول لتنزيهه عن ~~كل نقص من صفاته الفعلية وغير الفعلية وأنت وجميع الطوائف تقسمون الصفات ~~إلى صفات ذاتية وصفات فعلية ومتفقون على تنزيهه عن النقص فى هذا وفى هذا # وأيضا فهذا منقوض بسائر ما جوزوه من تجدد الإضافات والسلوب فإن الرب منزه ~~عن الاتصاف بالنقائص فى الثبوت والسلب والإضافة فما كان جوابهم فى ~~المتجددات كان جوابا لمنازعيهم فى المحدثات # وهم يجيبون فى المتجددات بأنه لا يمكن ثبوتها فى الأزل # فيقال لهم وكذلك الحوادث المتعاقبة لا يمكن ثبوتها فى الأزل وهو وأمثاله ~~يجيبون الدهرية بمثل ذلك فى مسألة حدوث العالم # فإن من حججهم شبهة برقلس قالوا إن الجود صفة كمال وعدمه صفة نقص فلو كان ~~العالم قديما لكان الرب تعالى فى الأزل جوادا ولو كان حادثا لما كان الرب ~~تعالى فى الأزل جوادا لعدم صدور العالم عنه وهو محال # ثم قال فى الجواب وأما الشبهة الرابعة فحاصل لفظ PageV04P089 الجود فيها ~~يرجع إلى صفة فعلية وهو كون الرب تعالى موجدا وفاعلا لا لغرض يعود إليه من ~~جلب نفع أو دفع ضر وعلى هذا فلا نسلم أن صفات الأفعال من كمالاته تعالى ~~وليس ذلك من الضروريات فلا بد له من دليل كيف وأنه لو كان ذلك من الكمالات ~~لقد كان كمال واجب الوجود متوقفا على وجود معلوله عنه ومحال أن يستفيد ~~الأشرف كماله من معلوله كما قرروه فى كونه موجودا بالإرادة وإن سلمنا أنه ~~كمال لكن إنما يكون عدمه فى الأزل نقصا بالإرادة وإن سلمنا أنه كمال لكن ~~إنما عدمه فى الأزل نقصا أن لو كان وجود العالم فى الأزل ممكنا وهو غير ~~مسلم وهو على نحو قولهم فى نفى النقص عنه بعدم إيجاده للكائنات الفاسدات ~~كالصور الجوهرية العنصرية والأنفس الإنسانية لتعذر وجودها أزلا من غير توسط ~~ولا يلزم من كون العالم غير ممكن الوجود أزلا أن لا يكون ممكن الحدوث لما ~~حققناه # فهذا الجواب الذى أجاب به فى هذا الموضع إذا أجابته به الكرامية ms0753 كان ~~جوابهم له أحسن من جوابه لأولئك وأدنى أحواله PageV04P090 أن يكون مثله ~~فإنه قال صفة الإحداث والفعل مطلقا ليست بصفة كمال مع كونه اتصف بها بعد أن ~~لم يكن # فيقال له لا فرق بينهما إلا من جهة أن أحدهما بنفسه [ والآخر ] مباين عنه ~~ومن المعلوم أن ما يتصرف بنفسه أكمل ممن لا يتصرف بنفسه # الوجه الرابع أن يقال قول القائل إما أن تكون فى نفسها صفة كمال أو لا ~~صفة كمال # قلنا ليست فى نفسها صفة كمال [ قوله ] فيلزم اتصاف الرب بما ليس من صفات ~~الكمال وذلك ممتنع # قلنا متى يكون الممتنع إذا كان ذلك مع غيره صفة كمال أو إذا لم يكن مع ~~غيره صفة كمال وذلك أن الشىء وحده قد لا يكون صفة كمال لكن هو مع غيره صفة ~~كمال وما كان كهذا لم يجز اتصاف الرب به وحده لكن يجوز اتصافه به مع غيره ~~ولا يلزم من كونه ليس صفة كمال منع قيامه بالرب مطلقا PageV04P091 # وهذا كالإرادة للفعل الخالية عن القدرة على المراد ليست صفة كمال فإن من ~~أراد شيئا وهو عاجز عنه كان ناقصا ولكن إذا كان قادرا على ما أراد كانت ~~الإرادة مع القدرة صفة كمال # فلو قال قائل مجرد الإرادة هل هو كمال أم لا # فإن قيل هو كمال انتقص بإرادة العاجز المتمنى المتحسر # وإن قيل ليس بكمال لزم اتصافه بما ليس بكمال # قيل له الإرادة مع القدرة كمال # وكذلك قوله كن إما أن يكون صفة كمال أو لا فإن كان صفة كمال فينبغى أن ~~يكون كمالا للعبد ومعلوم أن العبد لو قال للمعدوم كن كان هاذيا لا كاملا ~~وإن لم يكن كمالا فلا يوصف به الرب # فيقال له كن من القادر على التكوين الذى إذا قال للشىء كن فيكون كمال ومن ~~غيره نقص وكذلك الغضب إما أن يكون صفة كمال أو لا فإن كان كمالا فيحمد كل ~~غضبان وإن كان نقصا فكيف اتصف الرب به # فيقال الغضب على من يستحق الغضب عليه من ms0754 القادر على عقوبته صفة كمال وأما ~~غضب العاجز أو غضب الظالم فلا يقال إنه كمال ونظائر هذا كثيرة # وإذا كان كذلك فكونه قادرا على الأفعال المتعاقبة وفعله لها شيئا بعد شيء ~~صفة كمال وكل منها بشرط غيره كمال وأما الواحد منها PageV04P092 مع عدم ~~غيره فليس بكمال فإنه من المعلوم أنا إذا عرضنا على العقل الصريح ذاتا لا ~~تقدر أن تتصرف بنفسها وذاتا تتصرف دائما شيئا بعد شىء كانت هذه الذات أكمل ~~من تلك وكان الكمال قدم هذا النوع # وكذلك إذا قدرنا شيئا يتكلم إذا شاء بما شاء وهو لم يزل كذلك وآخر لا ~~يمكنه الكلام إلا بعض الأحيان أو حدث له الكلام بعد أن لم يكن كان الأول ~~أكمل # ونكتة الجواب أن الواحد منها إذا لم يكن وحده كمالا لا يلزم أن [ لا ] ~~يكون مع سائر النوع كمالا # لكن هذا الجواب إنما يناسب قول من يقول لم يزل متصفا بهذا النوع # والكرامية لا تقول بذلك بل تقول حدث له النوع بعد أن لم يكن لكن الكرامية ~~تقول قولنا فى هذا النوع كقول غيرنا فى الحوادث المنفصلة وهو أن دوام هذا ~~لما كان ممتنعا لامتناع الحوادث فى الأزل لم يلزم أن لا يكون متصفا بصفات ~~الكمال لأن عدم الممتنع ليس بنقص # وتحقيق هذا الجواب الخامس أن يقال قول القائل إذا كان هذا كمالا كان الرب ~~ناقصا قبل اتصافه به PageV04P093 # يقال له متى يكون ناقصا إذا كان وجوده قبل ذلك ممكنا أو لم يكن ممكنا ~~والأول ممتنع فإن عدم الممتنعات لا يكون نقصا والحوادث عندهم يستحيل وجودها ~~فى الأزل فلا يكون عدمها نقصا # الجواب السادس أن يقال متى يكون عدم الشىء نقصا إذا عدم فى الحال التى ~~يصلح ثبوته فيها أو إذا عدم فى حال لا يصلح ثبوته فيها الأول مسلم والثانى ~~ممنوع # وهم يقولون كل حادث فإنما حدث فى الوقت الذى كانت الحكمة مقتضية له ~~وحينئذ فوجوده ذلك الوقت صفة كمال وقبل ذلك صفة نقص مثال ذلك تكليم الله ~~لموسى صفة ms0755 كمال لما أتى وقبل أن يتمكن من سماع كلام الله فصفة نقص # السابع أن يقال الأمور التى لا يمكن وجودها إلا حادثة أو متعاقبة أيما ~~أكمل عدمها بالكلية أو وجودها على الوجه الممكن # ومعلوم أن وجودها على الوجه الممكن أكمل من عدمها وهكذا يقولون فى ~~الحوادث PageV04P094 # الوجه الثامن أن يقال قول القائل اتفاق الملل قبل الكرامية على امتناع ~~اتصاف الرب بغير صفات الكمال كلام مجمل # فإن أريد بذلك أن الناس ما زالوا يقولون إن الله موصوف بصفات الكمال منزه ~~عن النقائص فالكرامية تقول بذلك وإن أرادت أن الناس قبل الكرامية كانوا ~~يقولون إن الله لا يقوم به شىء من مقدوراته ومراداته فهذا غلط # فإن جمهور الخلائق على جواز ذلك قبل الإسلام وبعد الإسلام فالتوراة ~~مملوءة من وصف الله بمثل ذلك وكذلك الإنجيل وسائر نبوات الأنبياء مثل ~~الزبور ونبوة أشعيا وأرميا وأساطين الفلاسفة كانوا يقولون بذلك والسلف من ~~الصحابة والتابعين وأهل الحديث متواتر عنهم ذلك # ثم هذا الرجل لما أوردت عليه الدهرية هذا فى صفة الخالقية قال صفة ~~الخالقية لا صفة نقص ولا صفة كمال # الوجه التاسع قوله إن وجود الشىء أشرف من عدمه # يقال له وجوده أشرف مطلقا أم فى الوقت الذى يمكن وجوده فيه ويصلح وجوده ~~فيه # أما الأول فممنوع فإن وجود الجهل المركب ليس أشرف من PageV04P095 عدمه ~~ولا وجود تكذيب الرسول أشرف من عدمه ولا وجود الممتنع أشرف من عدمه # وإن أريد وجود الممكن الصالح # قيل فلا نسلم أن ما حدث كان يمكن حدوثه ويصلح حدوثه قبل وقت حدوثه وحينئذ ~~فلا يلزم من كونه وقت وجوده كمالا أن يكون قبل وجوده نقصا # ومدار الدليل على مقدمتين مغلطتين إحداهما أن ما وجد من الكمال كان عدمه ~~قبل ذلك نقصا وهذا فيه تفصيل كما تبين والثانى أن ما لا يكون وحده كمالا ~~يجب نفيه عن الرب مطلقا وهذا فيه تفصيل كما سبق فإنه يقال إن كان الحادث ~~كمالا فعدمه قبل ذلك نقص وإن لم يكن كمالا لم يتصف الرب بما ms0756 ليس بكمال وكلا ~~المقدمتين فيها من التمويه والإجمال ما قد بين ويحتمل من البسط أكثر من هذا # قال الآمدى الحجة الثانية من جهة المناقضة للخصم والإلزام وذلك من ثمانية ~~أوجه الأول أن [ من ] مذهب الكرامية أنهم لا يجوزون إطلاق اسم متجدد على ~~الله تعالى فيما لا يزال كما بيناه من قبل فلو قامت بذاته صفات حادثة لاتصف ~~بها وتعدى إليه حكمها كالعلم فإنه إذا قام بمحل وجب اتصافه بكونه عالما ~~PageV04P096 وكذا فى سائر الصفات القائمة بمحالها وسواء كان المحل قديما أو ~~حادثا وسواء كانت الصفة قديمة أو حادثة إذ لا فرق بين القديم والحادث من ~~حيث انه محل قامت به صفة إلا فيما يرجع إلى أمر خارج فلا أثر له وإذا ثبت ~~ذلك فيلزم [ أن يقال إنه قائل بقول ومريد بإرادة ويلزم من ذلك تجدد اسم لم ~~يكن له قبل قيام الصفة الحادثة به وهو مناقض لمذهبهم # قلت ولقائل أن يقول هذا أمر اصطلاحى لفظى ليس بحثا عقليا فإن كونهم لا ~~يسمونه إلا بما هو لازم لذاته دون ما يعرض لها أمر اصطلحوا عليه ولا يرد ~~عليهم العلم والقدرة ونحوهما فإنه من لوازم ذاته ولعلهم يدعون فى ذلك ~~توقيفا كما يدعى غيرهم فى كثير مما لا يطلقه من الأسماء # وأيضا فيقال هذا إما أن يكون لازما لهم وإما ان لا يكون لازما فإن لم يكن ~~لازما بطل النقص به وإن كان لازما أمكن التزامه وليس فيه إلا تجدد أسماء له ~~مما تجدد من أفعاله # والمنازع يقول بمثل ذلك فى جميع الأفعال فإنه تجدد استحقاقه لأسمائها عند ~~تجدد الأفعال كالخالق والرازق ونحو ذلك # وحينئذ فيمكن إذا كان صوابا أن يجمع بين الصوابين فيقال بتجدد الحادث ~~وتجدد الاسم أيضا PageV04P097 # وأيضا فيقال الكرامية قالوا هذا لكونه عندهم متصفا فى الأزل بصفات الكمال ~~وكون أسمائه كلها الأسماء الحسنى التى تتضمن مدحا له وثناء عليه وكون ذلك ~~الحادث لا يمكن أن يكون أزليا فلا يكون مما يوجب اسما # وحينئذ فيقال إما أن يمكن دوام نوع ms0757 ذلك الحادث وإما أن لا يمكن فإن أمكن ~~كانوا قد أخطأوا فى نفى دوامه وإن لم يمكن فإما أن يكون تجدد اسم له ممكنا ~~أو لا يكون فإن كان ممكنا أخطأوا فى نفى ذلك الاسم وإن لم يكن ممكنا كانوا ~~مصيبين فبتقدير خطئهم على بعض التقديرات لا يلزم صواب قول منازعيهم # قال الآمدى الوجه الثانى أن الكرامية موافقون على أن القول والإرادة لا ~~يقومان إلا بحى كالسمع والبصر وقد وافقوا على أن الحى إذا خلا عن السمع ~~والبصر لايخلو عن ضده وعند ذلك فإما أن يقولوا بأن الله يخلو عن القول ~~الحادث والإرادة الحادثة وعن ضده فلا يجدون إلى الفرق بينه وبين السمع ~~والبصر سبيلا PageV04P098 وإن قالوا بأنه لا يخلو الرب عن القول والإرادة ~~وعن ضده فلا يخلو ذلك الضد إما أن يكون قديما أو حادثا فإن كان الأول فيلزم ~~من ذلك عدم الموجود القديم ضرورة حدوث ضده وهو محال بالاتفاق وبالدليل على ~~ما سيأتى وإن كان الثانى فالكلام فى ذلك الضد كالكلام فى الأول ويلزم من ~~ذلك تعاقب الحوادث على الرب تعالى على وجه لا يتصور خلوه عن واحد منها ~~والحوادث المتعاقبة لابد وأن تكون متناهية على ما سبق فى إثبات واجب الوجود ~~وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ضرورة # فيقال ولقائل أن يقول نظير الحادث والإرادة الحادثة عندهم التسمع الحادث ~~والتبصر الحادث فإنهم يقولون إنه عند وجود المسموعات والمرئيات تجدد ما ~~يسمونه التسمع والتبصر فهذا الحادث نظير ذلك الحادث وعندهم أنه يخلو من ~~وجود مثل هذا وضده العام بخلاف نفس السمع والبصر فإن ذاك عندهم بمنزلة ~~القائلية والمريدية وعندهم أنه لا يخلو عن القائلية PageV04P099 والمريدية ~~وضدها العام كما لا يخلو عن نفس السمع والبصر وضده العام # فإن قيل منهم من يفرق بين القول والإرادة وبين التسمع والتبصر # فيقال قد قيل إن هذا ليس هو المشهور عنهم وسواء كان هو المشهور أو لم يكن ~~فإنه يقال إن كانت صورة الإلزام كصورة الوفاق لزم خطأ من فرق بين الصورتين ms0758 ~~منهم وإن كان بينهما فرق مؤثر فى الحكم لزم خطأ المسوى منهم وعلى التقديرين ~~لا يلزم صواب المنازع لهما # وأيضا فإنه يقول إما أن يكون تعاقب الحوادث ممكنا وإما أن يكون ممتنعا ~~فإن كان ممكنا كانوا أخطأوا فى قولهم يخلو عن القول والإرادة وعن ضدهما إذ ~~يمكن تعاقب ذلك عليه دائما وإن كان ممتنعا كان هذا الامتناع هو الفرق بين ~~ذلك وبين السمع والبصر فإنه يمكن اتصافه فى الأزل بالسمع والبصر دون اتصافه ~~بالحادث من القول والإرادة # لكن على هذا لا يلزم تناقضهم فى أن القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده ~~فإنهم يقولون ليس هو قابلا فى الأزل للاتصاف بالحوادث # لكن يقال لهم هذا فرع إمكان اتصافه بالحوادث فلم قلتم إن ذلك ممكن ~~PageV04P100 # فيقولون وهذا الإلزام والمعارضة فرع امتناع اتصافه بالحوادث فلم قلتم إن ~~ذلك ممتنع # فعلم أن مثل هذا الإلزام لا ينقطع به لا هم ولاخصومهم المسلمون لهم ~~امتناع تسلسل الحوادث # وأما من يقول أنه يمكن تسلسل الحوادث فإنه يبين خطأهم فى هذا التفريق ~~ويقول إذا كان الحى لا يخلو عما يقبله وعن ضده والرب تعالى قابل للاتصاف ~~بالقول والإرادة لزم أن لا يخلو عن ذلك وعن ضده لكن ضده صفة نقص كضد السمع ~~والبصر فيلزم أنه ما زال متصفا بالقول والإرادة والاتصاف بنوع ذلك ممكن # ولهم جواب ثالث عما ذكره من الإلزام وهو أن يقال نحن قلنا الحى القابل ~~لهذا لا يخلو عنه وعن ضده العام الذى يدخل فيه عدم هذه الصفات لم نقل إنه ~~لا يخلو عنه وعن ضد وجودى فإن هذا ليس قولنا فإن القابل للشىء ولضده ~~الوجودى قد يخلو عنهما عندنا # ولكن الأشعرية يقولون إن القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده الوجودى وإذا ~~كان كذلك فضد القول والإرادة عدم ذلك فلا يقال القول فى ضد ذلك كالقول فيه ~~ويلزم تسلسل الحوادث لأن ضد ذلك عدم والعدم لا يفتقر إلى فاعل عندنا ~~PageV04P101 ولا يضر عدم الشىء فى الأزل ووجوده فيما لا يزال كالأفعال ~~المحدثة ms0759 # وهذا جواب محقق لهم لكنه لا يتم إلا بأن يكون عدم القول والإرادة فى ~~الأزل ليس صفة نقص # وقولهم فى ذلك كقول المعتزلة وهم خير من المعتزلة من وجهين # من جهة أنهم يجعلون القول والإرادة قائمة بذاته وهذا بحث آخر لا يختص ~~بهذه المسألة # ومن جهة أنهم يثبتون مشيئة أزلية وقابلية أزلية # وأيضا فما ادعاه من أنه أثبت أن الحوادث لا بد وأن تكون متناهية ليس كما ~~ذكر وقد عرف الكلام فيما ذكر هو وغيره وضعف ذلك # قال أبو الحسن الآمدى الوجه الثالث يعنى فى بيان تناقضهم أن [ من ] ~~مذهبهم أن القول الحادث والإرادة الحادثة عرض كاللون والطعم والرائحة وأنه ~~يجوز فى الشاهد تعرى PageV04P102 الجواهر عن الأقوال والإرادات والطعوم ~~والروائح والإلوان مع جواز اتصافها بها وقد أحالوا قيام الألوان والطعوم ~~والروائح بذات الله تعالى وجوزوا ذلك في القول والإرادة ولو قيل لهم لم ~~قضيتم بجواز قيام الطعوم والألوان والروائح بذات الله تعالى من غير أن يلزم ~~استحالة التعرى عنها كما فى القول الحادث والإرادة الحادثة لم يجدوا إلى ~~الفرق سبيلا # فيقال ولقائل أن يقول جوابهم فى هذا كجواب الأشعرية والسالمية إذا قيل ~~لهم لم وصفتم الرب بالقول والإرادة ولم تصفوه بالطعم واللون والريح # فإذا قالوا لأن القول والإرادة من الصفات المشروطة بالحياة وهى صفة كمال ~~بخلاف الطعم واللون والريح أو غير هذا من الفرق قالت الكرامية نظير ذلك ~~فالفرق بين هذا وهذا ليس من خصائص مسألة حلول الحوادث فإن نفى ذلك عند من ~~ينفيه واجب سواء قال بحلول الحوادث أو لم يقل وإنما يفترقان فى أن هذا يجوز ~~حدوث ذلك بخلاف الآخر فحاصله أنهم لم ينفوا الطعم واللون والريح لكونه لو ~~قبلها لم يخل منها فإن هذا الأصل عندهم PageV04P103 فاسد بل نفوها لما ~~فارقت به صفات الحى # وأيضا فيقال الفرق الذى فرقوا به بين اللون والريح وبين القول والإرادة ~~إما أن يكون مؤثرا وإما أن لا يكون فإن كان مؤثرا بطل الإلزام وإن لم يكن ~~مؤثرا لزم خطؤهم فى إحدى ms0760 الصورتين لا بعينها فلم لا يجوز أن يكون الخطأ ~~فيما نفوه لا فيما أثبتوه فلا يدل على صحة قول المنازع لهم فيما أثبتوه فإن ~~أقام المنازع لهم دليلا عقليا أو سمعيا على نفى اللون والريح دون القول ~~والإرادة كان ذلك فرقا مؤثرا وإن أقام دليلا على نفى حلول الجميع كان ذلك ~~حجة كافية دون الإلزام # قال الآمدى الوجه الرابع هو أن من مذهبهم أن الرب متحيز وأنه مقابل للعرش ~~وأكبر منه وليس مقابلا لجوهر فرد من العرش وقد قالوا بأن العرض الواحد لا ~~يقوم بجوهرين والصفة الحادثة فى ذات الله تعالى وهى القول أو PageV04P104 ~~الإرادة كما هو مذهبهم يوجب قيامها مع اتحادها بجزئين فصاعدا وهو مناقض ~~لمذهبهم # قلت ولقائل أن يقول قولهم إن العرض لا يقوم بجوهرين مع قولهم بقيام القول ~~والإرادة بالله تعالى أمر لا يختص بمسألة حلول الحوادث فإن العلم والقدرة ~~والمشيئة القديمة قائمة عندهم بذات الله تعالى فالقيام بذاته لا يفترق ~~الحال فيه بين أن يكون قديما أو حادثا من جهة كونه صفة واحدة قامت بجزأين ~~بل هذا بحث يتعلق بمسألة الصفات مطلقا ولها موضع آخر # وأيضافيقال إذا كان من مذهبهم أن الرب متحيز كما حكاه عنهم مع أن ابن ~~الهيصم وغيره منهم ينكر أن يكون متحيزا فما ذكر من حجة المعتزلة عليهم ~~غايتها إلزامهم إذا قامت به الصفات والحوادث أن يكون متحيزا فإذا كانوا ~~ملتزمين لذلك كان هذا طرد قولهم ويبقى البحث ليس هو فى هذه المسألة بل يبقى ~~الكلام مع المعتزلة يعود إلى مسألة التحيز # والكلام إذا عاد إلى أصل واحد كان الكلام فيه أخف مع PageV04P105 أنهم ~~يمكنهم أن يلزموا المعتزلة بقيام الحوادث به وإن لم يكن متحيزا إذ كان لكل ~~من المسألتين مأخذ يخصه وبينهما اتفاق وافتراق # وأيضا فإن ذكر قولهم فى العرش ههنا لا يظهر له وجه إلا أن يقال هم يقولون ~~بالتحيز والمتحيز مركب من الجواهر المنفردة والعرض الواحد لا يقوم بجوهرين ~~فلا تقوم به إرادة ولا قول # وهذا القول إن توجه ms0761 كان سؤالا عليهم فى أصل إثبات الصفات لله سواء كانت ~~قديمة أو حادثة لا يختص هذا بمسألة حلول الحوادث # والكرامية لهم فى إثبات الجوهر الفرد قولان فمن نفى ذلك لم يلزمه هذا ~~الإلزام ومن أثبته كان جوابه عن هذا كجواب غيره من الصفاتية فى الصفات ~~القائمة بالملائكة والآدميين وغيرهم وكان لهم أيضا أجوبة أخرى كما قد بسط ~~الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع # قال الآمدى الخامس هو أن من مذهبهم أن مستند المحدثات إنما هو القول ~~الحادث أو الإرادة الحادثة ومستند القول PageV04P106 والإرادة القدرة ~~القديمة والمشيئة الأزلية ولا فرق بين الحادث والمحدث من جهة تجدده وهو ~~إنما كان مفتقرا إلى المرجح من جهة تجدده وقد استويا فى التجدد فلو قيل لهم ~~لم لا أكتفى بالقدرة القديمة والمشيئة الأزلية فى حدوث المحدثات من غير ~~توسط القول والإرادة كما اكتفى بها فى القول والإرادة لم يجدوا إلى الفرق ~~سبيلا # فيقال ولقائل أن يقول من الصفات ما يثبت بالسمع وقد يكونون أثبتوا ذلك ~~بالسمع كما أثبت أئمة الصفاتية من السلف والخلف كابن كلاب والأشعرى والقاضى ~~أبى بكر والقشيرى والبيهقى تكوين آدم باليدين بالسمع مع أن غيره لم يحتج ~~إلى ذلك كما أثبت أيضا الأشعرى وغيره التكوين بكن سمعا مع أن العقل يكتفى ~~بالقدرة # ونقل ذلك عن أهل السنة والحديث وقال عنهم إن الله لم يخلق شيئا إلا قال ~~له كن وذكر أنه بقولهم يقول # والقرآن قد أخبر أنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون و أن تخلص الفعل ~~المضارع للاستقبال وكذلك إذا ظرف لما يستقبل من الزمان يتضمن معنى الشرط ~~غالبا PageV04P107 # فلما رأوا السمع دل على أن المحدث يتعلق بقول وإرادة يكون المحدث عقبه مع ~~علمهم بأن قول الرب وإرادته لا يقوم إلا بذاته قالوا كذلك # وأيضا فجميع الطوائف فرقوا بين حادث وحادث وشرطوا فى هذا ما لم يشرطوه فى ~~الآخر # فالفلاسفة يقولون كل حادث مشروط بما قبله من الحوادث ولا يسوون بين ~~الحوادث # والمعتزلة البصريون يقولون كل المحدثات لا ms0762 تحدث إلا بإرادة ولا تقوم ~~الصفات إلا بمحل # وقالوا إن الإرادة حدثت بلا إرادة وقامت فى غير محل وكذلك الفناء عندهم # والأشعرية فرقوا بين خلق آدم وغيره # وأيضافلا يخلو إما أن يكون بين هذين الحادثين فرق مؤثر وإما أن لا يكون ~~فإن كان بينهما فرق مؤثر بطل الإلزام وإن لم يكن فرق مؤثر لزم خطؤهم فى أحد ~~القولين إما فى الاكتفاء فى الحدوث بالقدرة القديمة وإما فى إثبات شىء حادث ~~للمحدثات المنفصلة PageV04P108 # وحينئذ فقد يكونون إنما أخطأوا فى الاكتفاء بمجرد القدرة والإرادة ~~القديمة كما يقوله من يقول إن الحوادث لا بد لها من سبب حادث وحينئذ ~~فيلزمهم القول بدوام الحوادث كما هو قول من قاله من السلف وأهل الحديث ~~والكلام والفلسفة # وفى الجملة هذا الإلزام إذا صح يلزم الخطأ فى أحد الموضعين لا يلزم صحة ~~قول المنازع # قال الآمدى الوجه السادس يخص القائلين بحدوث القول وذلك أنهم وافقوا على ~~أن القول مركب من حروف منتظمة والحروف متضادة فإنا كما نعلم استحالة الجمع ~~بين السواد والبياض نعلم استحالة الجمع بين الحروف وأنه يتعذر الجمع بين ~~الكاف والنون من قوله ( كن ) وقد وافقوا على استحالة تعرى البارى عن ~~الأقوال الحادثة فى ذاته بعد قيامها به وعند ذلك فإما أن يقال باجتماع حروف ~~القول فى ذات البارى تعالى أولا PageV04P109 يقال باجتماعها فيه فإن قيل ~~باجتماعها فإما أن يقال بتجزى ذات البارى تعالى وقيام كل حرف بجزء منه وإما ~~أن يقال بقيامها بذاته مع اتحاد الذات فإن كان الأول فهو محال لوجهين الأول ~~أنه يلزم منه التركيب فى ذات الله تعالى وقد أبطلناه فى إبطال القول ~~بالتجسيم الثانى أنه ليس اختصاص بعض الأجزاء ببعض الحروف دون البعض أولى من ~~العكس وإن كان الثانى فيلزم منه اجتماع المتضادات فى شىء واحد وهو محال وإن ~~لم نقل باجتماع حروف القول فى ذاته فيلزم منه مناقضة أصلهم فى أن ما اتصف ~~به الرب تعالى يستحيل عروه عنه بعد اتصافه به والحرف السابق الذى عدم عند ~~وجود اللاحق ms0763 قد كان صفة للرب وقد زال بعد وجوده له # قلت ولقائل أن يقول هذا غايته أن يستلزم خطأهم فى قولهم إن ما يقوم به من ~~الحوادث لا يخلو منه PageV04P110 ولا ريب أن أكثر الناس يخالفون فى هذا ولا ~~يقولون بدوام الحادث المعين # فمن قال بإثبات الاستواء والنزول وغيرهما من الأفعال القائمة بذاته ~~المتعلقة بمشيئته وقدرته لا يقول إن ذلك يدوم # وكذلك أكثر القائلين بأن الله كلم موسى بنداء بصوت سمعه موسى والنداء ~~بالصوت قائم بذات الله تعالى لايقولون إن ذلك النداء بالصوت قائم بذات الله ~~تعالى لا يقولون إن ذلك النداء بعينه دائم أبدا ونظائره كثيرة # وإذا كان كذلك فيقال إما أن يكون بقاء الحادث الذى هو الحروف والأصوات ~~ممكنا أو ممتنعا # فإن كان ممكنا صح قول الكرامية وإن كان ممتنعا صح قول من ينازعهم فى دوام ~~الحادث ويقول إنه لا يبقى مع اتفاق الجميع على قيام الحوادث به # وحينئذ فعلى التقديرين لا يلزم صحة قول المنازع النافى لقيام الحوادث به # وأيضا فيقال قول القائل إنه يستحيل الجمع بين الحروف هو من موارد النزاع ~~فذهب طوائف إلى إمكان اجتماعها من القائلين بقدم الحروف والقائلين بحدوثها # وهذا قول السالمية وغيرهم من القائلين باجتماعها مع قدمها وقول من قال ~~باجتماعها مع حدوثها كالكرامية PageV04P111 # وقدقال بالأول طوائف من أهل الحديث والفقه والكلام من أصحاب مالك ~~والشافعى وأحمد وغيرهم # وإذا كان هذا من موارد النزاع فإذا قال مثل هذا القائل نحن نعلم استحالة ~~اجتماع الحروف كما نعلم استحالة اجتماع الضدين كالسواد والبياض # قيل له فالذى تنصرهم أنت من الكلابية والأشعرية قالوا بأن المعانى التى ~~هى معانى الحروف المنظمة هى معنى واحد فى نفسه والأمر والنهى والخبر صفات ~~لموصوف واحد فالذى هو الأمر هو الخبر والذى هو الخبر هو النهى وقالوا إن ~~ذلك الواحد إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة ~~وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا # ولا ريب أن جمهور العقلاء من الأولين والآخرين القائلين بأن القرآن غير ~~مخلوق ms0764 والقائلين بأنه مخلوق يقولون إن فساد هذا القول معلوم بالضرورة من ~~عدة أوجه # منها كون الأمر هو عين الخبر # ومنها كون الخبر عن الخالق بمثل آية الكرسى هو الخبر عن المخلوق بمثل تبت ~~يدا أبى لهب PageV04P112 # ومنها كون معانى التوراة إذا عربت تكون معانى القرآن إلى أمثال ذلك # ولهذا لم يقل هذا القول من طوائف المسلمين ولا غير المسلمين إلا ابن كلاب ~~ومن اتبعه # وهذا القول يتضمن أن تكون المعانى المتنوعة معنى واحدا ولو قال إن ~~المعانى التى للحروف يمكن اجتماعها فى زمن واحد كان أقرب إلى المعقول من ~~كونها معنى واحدا # ولو قال قائل إن الحروف المجتمعة هى حرف واحد فى الحقيقة وإنما الحروف ~~المتفرقة صفات للحرف لا أقسام له كان هذا شبيها بقول من يقول إن تلك ~~المعانى المتنوعة معنى واحد # وذلك أنه من المعلوم بالاضطرار أن الحروف المنتظمة مطابقة لمعانيها ~~المدلول عليها بها تحدث بحدوثها فى نفس المتكلم # وإذا قال القائل إن الحروف متضادة يمتنع اجتماع اثنين [ منها ] فى محل ~~واحد أمكن أن يقال إن المعانى متضادة يمتنع اجتماع اثنين فى محل واحد # فإن غاية ما يقال إن محل المعانى واحد بخلاف محل الحروف PageV04P113 فإنه ~~متعدد لكن المحل واتحاده لا ينفى التضاد فإن المثلين متضادان وإن كانا ~~متماثلين فى الحقيقة والمحل فالباء والتاء تتضادان أعظم من تضاد الباء ~~والحاء إذ الحرفان اللذان يتعدد محلهما يمكن اجتماعهما بخلاف ما يتحد ~~محلهما والضدان إنما يمتنع اجتماعهما فى محل واحد لا فى محلين # فإذا قدر أن الحروف لا تكون إلا فى محل واحد كانت بمنزلة معانيها التى ~~تكون لا إلا فى محل واحد وإذا قدر أن لها محلين أمكن اجتماعها كما تجتمع ~~أصوات المتكلمين جميعا # لكن الواحد منا لا يقدر على ذلك لكونه حركة بعض آلاته مستلزما لحركة ~~الآخر وإلا فلو قدر أنا يمكننا تحريك الجميع كالذى ينفخ بيديه فى هذه نفاخة ~~وفى هذه نفاخة أمكن اجتماع الحروف واجتماع الأصوات فى زمن واحد مع تعدد ~~المحل وإنما الذى يظهر امتناعه ms0765 اجتماع حرفين فى محل واحد فى زمن واحد # ولكن هذا قد يقال فيه إنه بمنزلة معانى الكلام فإن الواحد منا يجد من ~~نفسه أنه لا يمكنه جمع معانى الكلام فى زمن واحد فى قلبه # وإذا كان كذلك فمن قال باجتماع المعانى لزمه ما يلزم من قال PageV04P114 ~~باجتماع الحروف فكيف من قال إن المعانى تكون معنى واحدا والفضلاء من أصحاب ~~الأشعرى يعترفون بضعف لوازم هذا القول مع نصرهم لكثير من أقواله الضعيفة # حتى الآمدى لما تكلم فى مسألة الكلام قال فإن قيل وإذا ثبت أنه متصف بصفة ~~الكلام وأن كلامه قديم وأنه ليس بحرف ولا صوت فهو متحد لا كثرة فيه فى نفسه ~~بل التكثر إنما هو فى تعلقاته ومتعلقاته فإن قيل عاقل ما لا يمارى نفسه فى ~~انقسام الكلام إلى أمر ونهى وغيره من أقسام الكلام وأن ما انقسم إليه حقائق ~~مختلفة وأمور متمايزة وأنها من أخص أوصاف الكلام لا أن الاختلاف عائد إلى ~~نفس العبارات والتعلقات والمتعلقات ولهذا فإنا لو قطعنا النظر عن العبارات ~~والتعلقات والمتعلقات ورفعناها وهما لم يخرج الكلام عن كونه منقسما وأيضا ~~فإن ما أخبر به عن القصص الماضية والأمور السالفة PageV04P115 مختلفة ~~متمايزة وكذلك المأمورات والمنهيات مختلفة أيضا فلا يتصور أن يكون الخبر ~~عما جرى لموسى هو نفس الخبر عما جرى لعيسى ولا الأمر بالصلاة هو نفس الأمر ~~بالزكاة وغيرها ولا أن ما تعلق بزيد هو نفس ما تعلق بعمرو ولا ما سمى خبرا ~~هو عين ما سمى أمرا إذا الأمر طلب والخبر لا طلب فيه بل هو حكم بنسبة مفرد ~~إيجابا أو سلبا فثبت أن الكلام أنواع مختلفة والكلام عام للكل فيكون كالجنس ~~لها # قلنا قد بينا فيما تقدم أن الكلام قضية واحدة ومعلوم واحد قائم بالنفس ~~وأن اختلاف العبارات عنه بسبب اختلاف التعلقات والمتعلقات وهذا النوع من ~~الاختلافات ليس راجعا إلى أخص صفة الكلام بل إلى أمر خارج عنه وعلى هذا ~~نقول إنه لو قطع النظر عن التعلقات والمتعلقات الخارجة فلا سبيل إلى توهم ms0766 ~~اختلاف فى الكلام النفسانى أصلا ولا يلزم منه رفع الكلام فى نفسه وزوال ~~حقيقته PageV04P116 # قال وعلى هذا فلا يخفى اندفاع ما استبعدوه من اتحاد الخبر واختلاف المخبر ~~واتحاد الأمر واختلاف المأمور وكذلك اختلاف الأمر والخبر مع اتحاد صفة ~~الكلام # قال فإن قيل إذا قلتم بأن الكلام قضية واحدة وأن اختلاف العبارات عنها ~~بسبب المتعلقات الخارجة فلم لا جوزتم أن تكون الإرادة والقدرة والعلم وباقى ~~الصفات راجعة إلى معنى واحد ويكون اختلاف التعبيرات عنه بسبب المتعلقات لا ~~بسبب اختلافه فى ذاته وذلك بأن تسمى إرادة عند تعلقه بالتخصيص وقدرة عند ~~تعلقه بالإيجاد وهكذا سائر الصفات وإن جاز ذلك فلم لا يجوز أن يعود ذلك كله ~~إلى نفس الذات من غير احتياج إلى الصفات # وقال أجاب الأصحاب عن ذلك بانه يمتنع أن يكون الاختلاف بين القدرة ~~والإرادة بسبب التعلقات والمتعلقات إذ PageV04P117 القدرة معنى من شأنه ~~تأتى الإيجاد به والإرادة معنى من شأنه تأتى تخصيص الحادث بحال دون حال ~~وعند اختلاف التأثيرات لابد من الاختلاف فى نفس المؤثر وهذا بخلاف الكلام ~~فإن تعلقاته بمتعلقاته لا توجب أثرا فضلا عن كونه مختلفا # قال وفيه نظر وذلك أنه وإن سلم امتناع صدور الآثار المختلفة عن المؤثر ~~الواحد مع إمكان النزاع فيه فهو موجب للاختلاف فى نفس القدرة وذلك لأن ~~القدرة مؤثرة فى الوجود والوجود عند أصحابنا نفس الذات لا أنه زائد عليها ~~وإلا كانت الذوات ثابتة فى العدم وذلك مما لا نقول به وإذا كان الوجود هو ~~نفس الذات فالذوات مختلفة فتأثير القدرة فى آثار مختلفة فيلزم أن تكون ~~مختلفة كما قرروه وليس كذلك وأيضا فإن ما ذكره من الفرق وإن استمر فى ~~القدرة والإرادة فغير PageV04P118 مستمر فى باقى الصفات كالعلم والحياة ~~والسمع والبصر لعدم كونها مؤثرة فى أثر ما # قال والحق أن ما أوردوه من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود ~~الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات مشكل وعسى أن يكون عند غيرى حله ولعسر ~~جوابه فر بعض أصحابنا إلى القول بان كلام الله القائم بذاته ms0767 خمس صفات ~~مختلفة وهى الأمر والنهى والخبر والاستخبار والنداء # هذا كلامه فيقال قول القائل إن الكلام خمس صفات أو سبع أو تسع أو غير ذلك ~~من العدد لا يزيل ما تقدم من الأمور الموجبة تعدد الكلام # وقد رأيت أنه يلزم من قال باتحاد معنى الكلام اتحاد الصفات كلها ثم رفعها ~~بالكلية وجعلها نفس الذات وهذا يعود إلى قول القائلين بأن الوجود واحد ولا ~~يميزون بين الواحد بالعين والواحد بالنوع وذلك لأنه من جوز على الحقائق ~~المتنوعة أن تكون شيئا واحدا فلا فرق بين هذا وهذا وذلك من جنس من يقول إن ~~العالم هو العلم والعلم هو القدرة PageV04P119 ولهذا كان منتهى هؤلاء ~~النفاة إلى أن يجعلوا الوجود الذى هو نوع واحد واحدا بالعين فيجعلون وجود ~~الخالق هو عين وجود المخلوقات ووجود زيد هو عين وجود عمرو ووجود الجنة هو ~~عين وجود النار ووجود الماء هو عين وجود النار # ومنشأ ضلال هؤلاء كلهم انهم يأخذون القدر المشترك بين الأعيان وهو الجنس ~~اللغوى فيجدونه واحدا فى الذهن فيظنون أن ذلك هو وحدة عينية ولا يميزون بين ~~الواحد بالجنس والواحد بالعين وأن الجنس العام المشترك لا وجود له فى ~~الخارج وإنما يوجد فى الأعيان المتميزة # ولهذا شبه بعض أهل زماننا الكلام فى أنه جنس واحد مع تعدد أنواعه بالنوع ~~الواحد وعلى قوله لا يبقى فى الخارج كلام أصلا ولو اهتدى لعلم أن هذا ~~الكلام ليس هذا الكلام كما أن هذه الحركة ليست هذه الحركة وأن اشتراك أنواع ~~الكلام فى الكلام كاشتراك أنواع الحركة فى الحركة بل اختلاف معانى الكلام ~~أعظم من اختلاف انواع الحركات من بعض الوجوه والكلام على هذا مبسوط فى غير ~~هذا الموضع # والمقصود هنا أن يقال من جوز أن تكون القدرة والإرادة PageV04P120 والعلم ~~حقيقة واحدة كما أن الطلب والخبر حقيقة واحدة فلماذا لا يجوز أن تكون حقيقة ~~الحروف المختلفة حقيقة واحدة وكذلك حقيقة الأصوات لست أعنى واحدة بالنوع بل ~~واحدة بالعين كما جعل الكلام واحدا بالعين وكما سوغ أن تكون الصفات ms0768 ~~المتنوعة واحدة بالعين # والذين قالوا إن الكلام حروف وأصوات متقارنة قديمة لا يسبق بعضها بعضا ~~وهو مع ذلك واحد إنما قالوه تبعا لأولئك وجريا على قياس قولهم وهو لازم لهم ~~مع ظهور فساده وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم # ويلزم من قال ذلك أن يجعل الطعم واللون والريح شيئا واحدا # وإذا قيل هذا كالسواد والبياض # قيل له ويلزمك أن تجعل السواد والبياض شيئا واحدا كما جعلت العلم والقدرة ~~والحياة شيئا واحدا # فإذا قال نحن تكلمنا فيما يمكن اجتماعه من المعانى والسواد والبياض ~~متضادان # قيل الجواب من وجهين PageV04P121 # أحدهما أنه يلزمك هذا فى المعانى المختلفة التى يمكن اجتماعها كالطعم ~~واللون والريح فقل إنها شىء واحد كما أن العلم والإرادة والقدرة والطلب ~~والخبر والأمر والنهي شيء واحد الثانى أن يقال تضاد الحروف كتضاد معانى ~~الكلام أو تضاد الحركات لا كتضاد السواد والبياض فإن المحل الواحد لا يتسع ~~لحركتين ولا لمعنيين فلا يتسع لحرفين وصوتين وفرق بين ما يتضادان لأنفسهما ~~وما يتضادان لضيق المحل # وإذا كان كذلك كان تضاد الحروف والحركات كتضاد معانى الكلام # فإن قلب الإنسان يعجز فى الساعة الواحدة عن جمع جميع معانى الكلام 2 ~~فإلحاق حروف الكلام بأسبابها وهى الحركات ومضموناتها ومدلولاتها وهى ~~المعانى أولى من إلحاقها بالمتضادات لنفسها كالسواد والبياض # وحينئذ فإذا جعلت معانى الكلام شيئا واحدا فاجعل حروف الكلام شيئا واحدا ~~وإلا فما الفرق # وقد يقال فى الفرق إن الحروف مقاطع الأصوات والأصوات تابعة لأسبابها وهى ~~الحركات والحركات إما متماثلة وإما مختلفة وكل من الحركات المختلفة ~~والمتماثلة متضادة لا يمكن اجتماع PageV04P122 حركتين فى محل واحد فى زمن ~~واحد فلا يجتمع صوتان فلا يجتمع حرفان # والحركات هى من الأكوان والأكوان كالألوان فكما لا يجتمع لونان مختلفان ~~فى محل واحد فى وقت واحد فلا يجتمع كونان [ مختلفان ] فى محل واحد فى وقت ~~واحد # بخلاف معانى الكلام كالطلب الذى يتضمن الحب للمأمور به والبغض للمنهى عنه ~~والخبر الذى يتضمن العلم والاعتقاد للمخبر عنه فإنها وإن كانت حقائق متنوعة ~~لكن لا يمتنع ms0769 اجتماعها فإن الأمر بالشىء لا يضاد النهى عن غيره ولا العلم ~~بثالث فلم تتضاد لأنفسها ولكن لعجز العبد عن جمعها # فالأمور ثلاثة أنواع ما امتنع اجتماعها لنفسها كالألوان المختلفة وما ~~أمكن اجتماعها وقد تجتمع كالعلم والإرادة والقدرة والطعم واللون والريح وما ~~يعجز بعض الأحياء عن جمعها كجمع الإرادات الكثيرة والاعتقادات الكثيرة فى ~~زمن واحد فهذه ليس بين حقائقها منافاة تمنع اجتماعها ولكن العبد يعجز عن ~~جمعها كما أنه لا يمتنع أن يعمل بلسانه عملا وبيده PageV04P123 عملا وبرجله ~~عملا وأن يسمع كلام هذا القارىء وهذا القارىء وهذا القارىء فالجمع بين هذه ~~الأمور قد يتعذر لعجز العبد لا لامتناع اجتماعها فى نفسه فإن سمع هذا لا ~~ينافى سمع هذا لذاته ولا هذه الحركة تنافى هذه الحركة لذاتها ولهذا يعقل ~~اجتماع هذه بخلاف اجتماع الضدين # وكذلك رؤية المرئيات المختلفة لا تتضاد ولكن يتضاد تحريك الأجفان إلى ~~جهتين مختلفتين فنفس الحركات متضادة وأما ما يحصل عنها من إدراك فليس هو ~~نفسه متضادا # فإذا قدر إدراك لا يفتقر إلى حركة أو يحصل بحركة واحدة كمن ينظر إلى ~~السماء بتحديق واحد لم يكن إدراكه لهذه المدركات فى آن واحد متضادا فهل ~~يمكن أن يقال فى الصوت مثل ذلك وأنه يمكن حصول أصوات بلا حركات وحينئذ فلا ~~تتضاد تلك الأصوات المجتمعة فى محل واحد فى زمن واحد # فيه نزاع وجمهور العقلاء على امتناعه فإن كان هذا مما يمكن اجتماعه صار ~~كمعانى الكلام والصفات وإن لم يمكن اجتماعه صار كالمتضادات # وعلى هذا التقدير فمن قال بإمكان اجتماع هذه الأمور لم يكن فى قوله من ~~الاستبعاد أعظم من قول من يقول تكون تلك الحقائق المختلفة شيئا واحدا ~~PageV04P124 وليس اجتماع ما يظهر تضاده بأعظم من اتحاد ما يعلم اختلافه # وإذا قال القائل الأمور الإلهية لا تشبه بأحوال العباد بل العبد يختلف ~~علمه باختلاف المعلومات وإرادته باختلاف المرادات ويتعدد ذلك فيه والبارى ~~ليس كذلك # قيل فإذا جوزتم أن يكون ما يعلم تعدده واختلافه فى المخلوقين واحدا لا ~~تعدد فيه ولا تنوع ms0770 فى حق الخالق أمكن منازعكم أن يقول كذلك فيقول ما يمتنع ~~اجتماعه فى حقنا لا يمتنع اجتماعه فى حقه لأنه واسع لا يقاس بالمخلوقين بل ~~اجتماع الأمور التى يظهر تضادها فينا أقرب من اتحاد الأمور التى نعلم ~~اختلافها فإن كون الشىء هو نفس ما يخالفه أمر في قلب الحقائق # وأما اجتماع الشىء وغيره فى حق الخالق مع امتناع اجتماعهما فى حق المخلوق ~~فيدل على أنه يمكن فى حقه ما لا يمكن فى حق الخلق وذلك يدل على عظمته ~~وقدرته # وأيضا فقد يقول الكرامية وأمثالهم إن محل هذه الحروف والأصوات ليس هو ~~بعينه محل الأخرى والله واسع عظيم لا يحيط العباد به علما ولا تدركه ~~أبصارهم # وبالجملة فالناس متنازعون فى إمكان اجتماع الحروف وإمكان PageV04P125 ~~قدمها والنزاع فى ذلك قديم ذكره الأشعرى فى المقالات وأصحاب أحمد متنازعون ~~فى ذلك وكذلك أصحاب مالك وأبى حنيفة والشافعى وغيرهم من الطوائف وكذلك أهل ~~الحديث والصوفية # وحينئذ فيقال إما أن يكون ذلك ممتنعا وإما أن يكون ممكنا # فإن كان ممتنعا لم يكن ظهور امتناعه أعظم من ظهور امتناع قول الكلابية ~~الذى يوجب قدم المعانى المتنوعة التى هى مدلول العبارات المنتظمة ويجعلها ~~مع ذلك معنى واحدا فإن الألفاظ قوالب المعانى ونحن كما لا نعقل الحروف إلا ~~متوالية متعاقبة فلا تعقل معانيها إلا كذلك وبتقدير أن نعقل اجتماع معانيها ~~فهى معان متنوعة ليست شيئا واحدا # ولهذا لما قالت الكلابية لهؤلاء الحروف متعاقبة والسين بعد الباء وذلك ~~يمنع قدمها # أجابوهم بثلاثة أجوبة كما ذكر ابن الزاغونى وقالوا هذا معارض بمعانى ~~الحروف فإنها متعاقبة عندنا وأنتم تقولون بقدمها # الثانى أن التعاقب والترتيب نوعان أحدهما ترتيب فى نفس الحقيقة والثانى ~~ترتيب فى وجودها فإذا كانت موجودة شيئا بعد شىء كان الثانى حادثا وأما ~~الترتيب الذاتى العقلى فهو بمنزلة كون PageV04P126 الصفات تابعة للذات وكون ~~الإرادة مشروطة بالعلم والعلم مشروطا بالحياة # وادعوا أن تقدم الحروف من هذا الباب وهذا الذى يقال له تقدم بالطبع وهو ~~تقدم الشرط على المشروط كتقدم الواحد على الإثنين ms0771 وجزء المركب على جملته ~~ومثل هذا الترتيب لا يستلزم عدم الثاني عند وجود الأول # فقول هؤلاء إن كان باطلا فكون العلم هو الحياة والحياة هى الإرادة ومعنى ~~القرآن هو معنى التوراة ومعنى آية الكرسى وقل هو الله أحد هو معنى آية ~~الدين وتبت يدا أبى لهب هو باطل أيضا سواء كان مثله فى البطلان أو أخفى ~~بطلانا منه أو أظهر بطلانا منه # وحينئذ فيقال هب أن قول السالمية والكرامية باجتماع الحروف محال فقول ~~الكلابية أيضا محال فلا يلزم من بطلان ذاك صحة هذا وقول المعتزلة والفلاسفة ~~أبطل من الكل # وحينئذ فيكون الحق هو القول الآخر وهو أنه لم يزل متكلما بحروف متعاقبة ~~لا مجتمعة وهذا يستلزم قيام الحوادث به فمن قال بهذا لم يكن تناقض الكرامية ~~حجة عليه ولم يلزم من بطلان قولهم بطلان هذا الأصل وإن كان اجتماع الحروف ~~ممكنا بطل أصل الاعتراض PageV04P127 # ومعلوم أن القسمة العقلية أربعة لأن الحروف إما أن يمكن قدم أعيانها ~~حينئذ يلزم إمكان اجتماعها إما أن لا يمكن قدم أعيانها بل قدم أنواعها وإما ~~أن لا يمكن قدم أعيانها ولا أنواعها # وأما القسم الرابع وهو قدم أعيانها لا أنواعها فهذا لا يقوله عاقل وعلى ~~التقديرين فإما أن يمكن اجتماعها وإما أن لا يمكن فهذه خمسة أقسام # وأيضا فإذا أمكن الاجتماع فإما أن يكون بقاؤها ممكنا وإما أن لا يكون ~~فالقول المذكور عن الكرامية يتضمن حدوث أعيانها وأنواعها لكن مع إمكان ~~اجتماعها وبقائها بعد الحدوث وهذا قول من أقوال متعددة # وبإزاء ذلك من يقول يجب حدوثها ويمتنع بقاؤها إما مع إمكان الإجتماع وإما ~~مع عدم إمكان الاجتماع # ومن يقول يجب قدم نوعها لا قدم أعيانها قد يقول بإمكان الاجتماع وقد لا ~~يقول # والناس متنازعون في تكليم الله لعباده هل هو مجرد خلق إدراك لهم من غير ~~تجدد تكليم من جهته أم لا بد من تجدد تكليم من جهته على قولين للمنتسبين ~~إلى السنة وغيرهم من أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~PageV04P128 # فالأول قول الكلابية ms0772 والسالمية ومن وافقهم من أصحاب هؤلاء الأئمة ~~القائلين بأن الكلام لا يتعلق بمشيئته وقدرته بل هو بمنزلة الحياة # والثاني قول الأكثرين من أهل الحديث والسنة من أصحاب هؤلاء الأئمة وغيرهم ~~وهو قول أكثر أهل الكلام من المرجئة والشيعة والكرامية والمعتزلة وغيرهم # قالوا ونصوص الكتاب والسنة تدل على هذا القول ولهذا فرق الله بين إيحائه ~~وتكليمه كما ذكر في سورة النساء وسورة الشورى # والأحاديث التي جاءت بأنه يكلم عباده يوم القيامة ويحاسبهم وأنه إذا قضى ~~أمرا في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ~~إلى غير ذلك مما يطول ذكره # وإذا كان كذلك امتنع أن لا يقوم كلام الله به فإنه يلزم أن لا يكون كلامه ~~بل كلام من قام به كما قد قرر في موضعه # والله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة لا يشغله حساب هذا عن حساب هذا ~~وكذلك إذا ناجوه ودعوه أجابهم كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها ~~لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال [ العبد ] الحمد لله رب العالمين قال الله ~~حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي فإذا قال مالك ~~يوم الدين قال مجدني عبدي فإذا PageV04P129 قال إياك نعبد وإياك نستعين قال ~~هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هؤلاء ~~لعبدي ولعبدي ما سأل # فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يقول هذا لكل مصل والناس ~~يصلون في ساعة واحدة والله تعالى يقول لكل منهم هذا وقد روي أن ابن عباس ~~قيل له كيف يحاسب الله الخلق في ساعة واحدة فقال كما يرزقهم في ساعة واحدة ~~وأمثال ذلك كثير # وحينئذ فمن قال إن هذه أقوال قائمة بنفسه تتعلق بمشيئته وقدرته يلزمه أحد ~~أمرين إما أن يقول باجتماعها في محل واحد وإما أن يقول إن ms0773 ذاته واسعة تسع ~~هذه الأقوال كلها # ونحن نعقل أن نقوم بالذات الواحدة حروف كثيرة في آن واحد وأصوات مجتمعة ~~في آن واحد لكن لا يكون هذا حيث هذا إذ لا يعقل في الشاهد أنهما يجتمعان في ~~محل واحد # وقد يقال إن مثل هذا يجيء على قول من يقول إنه يقوم بذاته علوم لا نهاية ~~لها وإرادات لا نهاية لها وقدر لا نهاية لها فإن ذلك كقيام أفعال وأقوال لا ~~نهاية لها وهذا على وجهين فمن قال PageV04P130 إنذلك يقوم به على سبيل ~~التعاقب فهو كمن يقول إنه تقوم به الكلمات والأفعال على سبيل التعاقب # ومن قال إنها كلها أزلية كما تقوله طائفة يقولون إنه تقوم به علوم لا ~~نهاية لها في آن واحد كما يقوله أبو سهل الصعلوكي وغيره فإن هذا يشبه قول ~~من يقول تقوم به حروف لا نهاية لها في آن واحد # لكن قد يقال اجتماع العلوم بمعلومات والإرادات بمرادات قد يقال إنه لا ~~يتضاد كاجتماع معاني الكلام بخلاف اجتماع حروف فإنه كاجتماع أصوات واجتماع ~~أصوات كاجتماع حركات # وجماع ذلك أن الحقائق إما أن تكون متماثلة وإما أن لا تكون وإذا لم تكن ~~متماثلة فإما أن يمكن اجتماعها في محل واحد في زمن واحد وإما أن يمكن ~~فالأولى المختلفة التي ليست بمتضادة كالعلم والقدرة وكالطعم واللون والثاني ~~المتضادة كالسواد والبياض وكالعجز مع القدرة كالعلم بمعلومات والقدرة على ~~مقدورات والإرادة لمرادات ليست هي متضادة بل يمكن اجتماع PageV04P131 ذلك ~~لكن قد يضيق عنه المحل كما يضيق قلب العبد عن اجتماع أمور كثيرة من ذلك [ ~~وإن كان قد يجتمع في قلبه من ذلك ] # والقلوب تختلف أيضا بذاتها ولهذا يمكن بعض الناس أن يقرأ ويفعل بيده ~~ورجله وآخر لا يمكنه ذلك كما يمكن هذا الحركة القوية الشديدة والآخر لا ~~يمكنه ذلك ويمكن أن يرى ويسمع من المختلفات ما لا يمكن الآخر رؤيته أوسماعه # وإذا كان كذلك فالكلام في الصوت في شيئين أحدهما [ في بقائه وقدمه كما ] ~~في بقاء الحركة وقدمها ولا ريب في ms0774 إمكان بقاء نوع الصوت والحركة بمعنى حدوث ~~الحركة شيئا فشيئا كحركة الفلك والكواكب # وأما إمكان قدم نوع الصوت والحركة ففيه قولان مشهوران للنظار فالجمهية ~~والمعتزلة ومن اتبعهم تنكر إمكان قدم ذلك وكثير من أئمة أهل الحديث والفقه ~~والتصوف والفلاسفة يجوزون قدم ذلك ومنهم من يجوز قدم نوع الصوت لا نوع ~~الحركة # وأما بقاء الصوت المعين والحركة فجمهور العقلاء يحيلون بقاء ذلك وقدمه بل ~~امتناع قدم ما يمتنع بقاؤه أولى فإن ما وجب قدمه PageV04P132 وجب بقاؤه ~~وامتنع عدمه ومن الناس من جوز بقاء الصوت المعين والحركة المعينة وبعض ~~هؤلاء جوز قدم الصوت المعين # ولا فرق بين الحركة والصوت وأما الحروف المنطوق بها فالناس متنازعون هل ~~هي طرف للصوت أم يمكن وجود حروف منظومة بلا صوت على قولين # وإذا قيل لا يمكن وجود حرف منطوق به إلا بصوت فالحرف قد يعبر به عن نهاية ~~الصوت وتقطيعه وقد يعبر به عن نفس الصوت المقطع كما يعبر بلفظ الحرف عن ~~الحرف المكتوب ويراد به [ مجرد ] الشكل تارة مجردا عن المادة ويراد به ~~مجموع المادة والشكل وهو المداد المصور # والمسألة الثانية أن الأصوات المتنوعة سواء قيل بوجوب تعاقبها شيئا بعد ~~شيء أو قيل بإمكان بقاء الصوت المعين هل تقوم بالصائت الواحد إذا كان محل ~~هذا الصوت ليس هو بعينه محل هذا الصوت وإن كان الصائت واحدا # ولا ريب أن هذا أولى من قيام الحركات المتنوعة بالمتحرك الواحد # وأما اجتماع الصوتين والحركتين في محل واحد فهو متعذر للتضاد عند أكثر ~~العقلاء أو لضيق المحل عند بعضهم كاجتماع العلمين PageV04P133 والقدرتين ~~والإرداتين المختلفتين والإدراكين ثم إذا قدر أن محل هذه الصفات لا يكون ~~إلا جسما فيبقى الكلام في الجسم هل هو مركب من الجواهر المنفردة أو من ~~المادة والصورة أولا من هذا ولا من هذا # وفي ذلك للنظار ثلاثة أقوال فمن قال بالمركب من الجواهر المنفردة اضطربوا ~~في محل العلم ونحوه من العبد هل هو جزء مفرد في القلب كما يذكر عن ابن ~~الرواندي أو أن الأعراض المشروطة ms0775 بالحياة إذا قامت بجزء من الجملة اتصف بها ~~سائر الجملة كما يقوله المعتزلة أو حكم العرض لا يتعدى محله بل يقوم بكل ~~جوهر فرد عرض يخصه من العلم والقدرة ونحو ذلك كما يقول الأشعري على ثلاثة ~~أقوال # ومن لم يقل بالجوهر الفردلم يلزمه ذلك بل يقول إن العرض القائم بالجسم ~~ليس بمنقسم في نفسه كما أن الجسم ليس بمنقسم وأما قبوله للقسمة فهو كقبول ~~الجسم للقسمة وهؤلاء يقولون إن الإنسان تقوم به الحياة والقدرة والحس بجميع ~~بدنه و ويقولون إن بدن الإنسان ليس مركبا من الجواهر المنفردة فلا يرد ~~عليهم ما ورد على أولئك PageV04P134 # وأما الأعراض القائمة بروحه من العلم والإرادة ونحو ذلك فهي أبعد عن ~~الانقسام من الأعراض القائمة ببدنه وروحه أبعد عن كونها مركبة من الجواهر ~~المنفردة من بدنه وإن قيل إنها جسم # وعلى هذا فإذا قيل يقوم بها علم واحد بمعلوم واحد كان هذا بمنزلة أن يقال ~~يقوم بالعين إدراك واحد لمدرك واحد وبمنزلة أن يقوم بداخل الأذن سمع واحد ~~لمسموع واحد # وهذا وغيره مما يجيبون به المتفلسفة الذين قالوا إن النفس الناطقة لا ~~تتحرك ولا تسكن ولا تصعد ولا تنزل وليست بجسم فإن عمدتهم على ذلك كونها ~~يقوم بها ما لا ينقسم كالعلم بما لا ينقسم [ فيجب أن لا ينقسم ] وإذا لم ~~تنقسم امتنع كونها جسما وكلا المقدمتين ممنوعة كما قد بسط الجواب عن هذه ~~الحجة التي هي عمدتهم في غير هذا الموضع # ولما عسر الجواب هذه على الرازي ونحوه من اهل الكلام اعتقدوا ان القول ~~بالمعاد مبني على إثبات الجوهر الفرد لظنهم أنه لا يمكن الجواب عن هذه إلا ~~بإثبات الجوهر الفرد وأن القول بالمعاد يفتقر إلى القول بان أجزاء البدن ~~تفرقت ثم اجتمعت # وليس الأمر كذلك فإن إثبات الجوهر الفرد مما أنكره أئمة السلف والفقهاء ~~وأهل الحديث والصوفية وجمهور العقلاء وكثير من PageV04P135 طوائف أهل ~~الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من الكرامية # والقول بمعاد الأبدان مما اتفق عليه أهل الملل فكيف يكون القول بمعاد ms0776 ~~الأبدان مستلزما للقول بالجوهر الفرد وبسط هذه الأمور له موضع آخر # والمقصود هنا التنبيه على ما ذكره من البحث مع الكرامية وحينئذ فيقال قول ~~الكرامية الذي حكاه عنهم من انه يستحيل تعري الباري عن الأقوال الحادثة في ~~ذاته بعد قيامها قول لا يوافقهم عليه كل من وافقهم على أصل هذه المسألة فإن ~~الموافقين لهم على أصل المسألة هم أكثر الناس وأئمتهم من الطوائف كلها حتى ~~من ائمة أهل السنة والحديث وأئمة الفلاسفة أهل الشرع وأهل الرأي واماهذا ~~القول فمواقفهم عليه قليل # قال وعند ذلك فإما أن يقال باجتماع حروف القول في ذاته تعالى أو لا يقال ~~باجتماعها فيه فإن قيل باجتماعها فإما أن يقال بتجزى ذات الباري وقيام كل ~~حرف بجزء منه وإما أن يقال بقيامها بذاته مع اتحاد الذات فإن كان الأول فهو ~~محال لوجهين PageV04P136 أحدهما أنه يلزم منه التركيب في ذات الله وقد ~~أبطلناه في إبطال لقول بالتجسيم # قلت ولقائل أن يقول قول القائل إما أن يتجزأ ويلزم منه التركيب لفظ مجمل ~~كما قد عرف غير مرة فإن هذا يفهم منه إما جواز الافتراق عليه أو أنه كان ~~مفترقا فاجتمع أو ركبه مركب ونحو هذه المعاني التي لا يقولونها # فإن أراد المريد بقوله إما أن يقال بتجزى ذات الباري تعالى هذا المعنى ~~فهم لا يقولون بتجزئة ولكن لا يلزم من رفع هذا امتناع كون الذات واسعة تسع ~~هذا وهذا وهذا وأن كل واحد يقوم حيث لا يقوم الآخر وهذا هو الذي عناه بلفظ ~~التجزي والتركيب # وقوله إنه أبطل هذا في إبطال القول التجسيم فهو يقولون ليس فيما ذكرته في ~~نفي التجسيم حجة على نفي قولهم وذلك أنه قال و المعتمد في نفي التجسيم أن ~~يقال لو كان PageV04P137 الباري جسما فإما أن يكون كالأجسام وإما أن لا ~~يكون كالأجسام فإن قيل إنه لا كالأجسام كان االنزاع في اللفظ دون المعنى ~~والطريق في الرد ما أسلفناه في كونه جوهرا وإن قيل إنه كالأجسام فهو ممتنع ~~لثمانية اوجه منها أربعة وهي ms0777 ما ذكرناها في استحالة كونه جوهرا وهي الأول ~~والثالث والرابع والخامس ويختص الجسم بأربعة أخرى # قلت والذي ذكره في إبطال كونه جوهرا هو أن المعتمد [ هو ] أنا نقول لو ~~كان الباري جوهرا لم يخل إما أن يكون جوهرا كالجواهر أو لا كالجواهر والأول ~~باطل لم يخل إما أن يكون جوهرا لا كالجواهر فهو تسليم للمطلوب فإنا إنما ~~ننكر كونه جوهرا كالجواهر وإذا عاد الأمر إلى الإطلاق اللفظي فالنزاع لفظي ~~ولا مشاحة فيه إلا من جهة ورود التعبد من الشارع به ولا يخفى أن ذلك مما لا ~~سبيل إلى إثباته PageV04P138 # قال وعلى هذا فمن قال إنه جوهر بمعنى أنه موجود لا في موضوع والموضوع هو ~~المحل المقوم ذاته المقوم لما يحل فيه كما قاله الفلاسفة أو أنه الجوهر ~~بمعنى أنه قائم بنفسه غير مفتقر في وجوده إلى أحكام الجواهر فقد وافق في ~~المعنى وأخطأ في الإطلاق من حيث أنه لم ينقل عن العرب إطلاق الجوهر بإزاء ~~القائم بنفسه ولا ورد فيه إذن من الشرع # فيقال إذا كان قول القائل إنه جوهر لا كالجواهر وجسم لا كالأجسام موافقا ~~لقولك في المعنى وإنما النزاع بينك وبينهم في اللفظ قامت حجته عليك لفظا ~~ومعنى أما اللفظ فمن وجهين احدهما أنه كما أن الشارع لم يأذن في إثبات هذه ~~الألفاظ له فلم يأذن في نفيها عنه وأنت إذا لم تسمه سخيا لعدم إذن الشرع ~~فليس لك أن تقول ليس بسخي لعدم إذن الشرع ف هذا النفي بل إذا لم يطلق إلا ~~ما أذن فيه الشرع لا يطلق لا هذا ولا هذا PageV04P139 ثم أنت تسميه قديما ~~وواجب الوجود وذاتا ونحو ذلك مما لم يرد به الشرع والشارع يفرق بين ما يدعى ~~به من الأسماء لإثبات معنى يستحقه نفاه عنه ناف لما يستحقه من الصفات كما ~~أنه من نازعك في قدمه أو وجوب وجود وجوده قلت مخبرا عنه بما يستحقه إنه ~~قديم وواجب الوجود فإن كان النزاع مع من يقول هو جوهر و جسم في اللفظ ~~فعذرهم ms0778 في الإطلاق أن النافي نفى ما يستحقه الرب من الصفات في ضمن نفي هذا ~~الاسم فأثبتنا له ما يستحقه من الصفات بإثبات مسمى هذا الاسم كما فعلت أنت ~~وغيرك ف اسم قديم و ذات و وواجب الوجود ونحو ذلك # الثاني أنك احتججت على نفي ذاك بأن العرب لم ينقل عنها إطلاق الجوهر ~~بإزاء القائم بنفسه # فيقال لك ولم ينقل عنها إطلاقة بإزاء كل متحيز حامل للأعراض ولا نقل عنها ~~إطلاق لفظ ذات بإزاء نفسه وإنما لفظ الذات عندهم تأنيث ذو فلا تستعمل إلا ~~مضافة كقوله تعالى @QB@ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم @QE@ [ سورة الأنفال ~~1 ] وقوله @QB@ إنه عليم بذات الصدور @QE@ [ سورة الأنفال 43 ] وقول النبي ~~PageV04P140 صلى الله عليه وسلم لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ~~ذات الله وقول خبيب % وذلك في ذات الإله وإن يشأ % % يبارك على أوصال شلو ~~ممزع % $ # وأمثال ذلك أي في جهة الله أي الله تعالى ولهذا أنكر ابن برهان وغيره على ~~المتكلمين إطلاق لفظ ذات الله # وإذا كان كذلك فأنت أطلقت لفظ الذات على ما لم تطلقه العرب بغير إذن من ~~الشرع ولو قال لك قائل إن الله ليس بذات نازعته فهكذا يقول منازعك في اسم ~~الجوهر والجسم إذا كان موافقا لك على معناهما # وأيضا فإن لفظ الجوهر والجسم قد صار في اصطلاحكم جميعا اعم مما استعملت ~~فيه العرب فإن العرب لا تسمي كل متحيز PageV04P141 جوهرا ولا تسمي كل مشار ~~إليه جسما فلا تسمي الهواء جسما # وفي اصطلاحكم سميتم هذا جسما كما سميتم في اصطلاحكم باسم الذات كل موصوف ~~أو كل قائم بنفسه أو كل شيء فلستم متوقفين في الاستعمال لا على حد اللغة ~~العربية ولا على إذن الشارع لا في النفي ولا في الإثبات # فإن لم يكن لك حجة على منازعك إلا هذا كان خاصما لك وكان حكمه فيما ~~تنازعتما فيه كحكمكما فيم ااتفقتما عليه أو انفردت به دونه من هذا الباب # وأيضا فحكايتك عن الفلاسفة أنهم يسمونه جوهرا والجوهر عندهم الموجود لا ~~في ms0779 موضوع إنما قاله ابن سينا ومن تبعه # وأما آرسطو وأتباعه وغيرهم من الفلاسفة فسيمونه جوهرا فالوجود كله ينقسم ~~عندهم إلى جوهر وعرض والمبدأ الأول داخل عندهم في مقولة الجوهر # والأظهر أن النصارى إنما اخذوا تسميته جوهرا عن الفلاسفة فإنهم ركبوا ~~قولا من دين المسيح ودين المشركين الصابئين # وأما النزاع المعنوي فيقال قول القائل إنه جوهر كالجواهر أو جسم كالأجسام ~~لفظ مجمل فإنه قد يراد به أنه مماثل لكل جوهر وكل PageV04P142 جسم فيما يجب ~~ويجوز ويمتنع عليه وقد يريد به أنه مماثل لها في القدر المشترك بينها كلها ~~بحيث يجب ويجوز ويمتنع عليه ما يجب ويجوز ويمتنع على ما حصل فيه القدر ~~المشترك منها ولو أنه واحد # فأما الأول فإنه إما أن يقول مع ذلك بتماثل الأجسام والجواهر وإما أن ~~يقول باختلافها فإن قال بتماثلها كان قوله هو القول الثاني إذ كان يجوز على ~~كل منها ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ~~باعتبار ذاته # وإن قال باختلافها امتنع مع ذلك أن يقول إنه كالأجسام فإنه من المعلوم ~~على هذا التقدير أن كل جسم ليس هو مثل الآخر ولا يجوز على أحدهما ما يجوز ~~على الآخر فكيف يقال في الخالق سبحانه إنه يجوز عليه ما يجوز على كل مخلوق ~~قائم بنفسه حتى في الجماد والنبات والحيوان # هذا لا يقوله عاقل حتى القائلون بوحدة الوجود فهؤلاء عندهم هو نفس وجود ~~الأجسام المخلوقة ولكن هم مع هذا لا يقولون إنه يجوز على وجود جميع ~~الموجودات ما يجوز على وجود هذا # وهذا وإن قال إنه كالأجسام المخلوقة في القدر المشترك بينها بحيث يجوز ~~عليه ما يجوز على المجموع لا على كل واحد واحد فهذا PageV04P143 أيضا قول ~~معلوم الفساد ولا نعرف قائلا معروفا يقول به فإن هذا هو التشبيه والتمثيل ~~الذي يعلم تنزه الله عنه إذ كان كل ما سواه مخلوقا والمخلوقات تشترك في هذا ~~المسمى فيجوز على المجموع من العدم والحدوث والافتقار ما يجب تنزيه الله ~~عنه ms0780 بل لو جاز ووجب وامتنع عليه ما يجوز ويجب ويمتنع على الممكنات ~~والمحدثات لزم الجمع بين النقيضين فإنه يجب له الوجود والقدم فلو وجب ذلك ~~للمحدث مع أنه لا يجب له ذلك لزم أن يكون ذلك واجبا للمحدث غير واجب له ولو ~~جاز عليه الإمكان والعدم مع أن الواجب بنفسه القديم الذي لا يقبل العدم لا ~~يجوز عليه الإمكان والعدم للزم ان يمتنع عليه العدم لا يمتنع عليه وأن يجب ~~له الوجود لا يجب له وذلك جمع بين النقيضين # فتنزيه الله عما يستحق التنزيه عنه من مماثلة المخلوقين يمنع أن يشاركها ~~في شيء من خصائصها سواء كانت تلك الخاصة شاملة لجميع المخلوقات أو مختصة ~~ببعضها # فعلم أن القول بأنه جوهر كالجواهر أو جسم كالأجسام سواء جعل التشبيه لكل ~~منها أو بالقدر المشترك بينها لم تقل به طائفة معروفة أصلا فإن كان النزاع ~~ليس إلا مع هؤلاء فلا نزاع في المسألة فتبقى بحوثه المعنوية في ذلك ضائعة ~~وبحوثه اللفظية غير نافعة مع أني إلى ساعتي هذه لم أقف على قول لطائفة ولا ~~نقل عن طائفة أنهم قالوا PageV04P144 جسم كالأجسام مع ان مقالة المشبهة ~~الذين يقولون يد كيدي وقدم كقدمي وبصر كبصري مقالة معروفة وقد ذكرها الأئمة ~~كيزيد ابن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم وأنكروها وذموها ~~ونسبوها إلى مثل داود الجواربي البصري وأمثاله # ولكن مع هذا صاحب هذه المقالة لا يمثله بكل شيء من الأجسام بل ببعضها ولا ~~بد مع ذلك أن يثبتوا التماثل من وجه والاختلاف من وجه لكن إذا أثبتوا من ~~التماثل ما يختص بالمخلوقات كانوا مبطلين على كل حال # وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه وفيه عن الله مقام والكلام في ~~التجسيم وفيه مقام آخر فإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف ~~والإئمة واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون يد كيدي وبصر كبصري ~~وقدم كقدمي # وقد قال الله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ [ سورة الشورى 11 ] ~~PageV04P145 وقال تعالى @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ [ سورة ms0781 الإخلاص ] ~~وقال @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ سورة مريم 65 وقال تعالى @QB@ فلا تجعلوا ~~لله أندادا @QE@ سورة البقرة 22 وأيضا فنفى ذلك معروف بالدلائل العقلية ~~التي لا تقبل النقيض كما قد بسط الكلام على ذلك في غير موضع وأفردنا الكلام ~~على قوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ [ سورة الشورى آية 11 ] في مصنف ~~مفرد # وأما الكلام في الجسم والجوهر ونفيهما أو إثباتهما فبدعة ليس لها أصل في ~~كتاب الله ولا سنة رسوله ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك لا نفيا ولا ~~إثباتا # والنزاع بين المتنازعين في ذلك بعضه لفظي وبعضه معنوي أخطأ هؤلاء من وجه ~~وهؤلاء من وجه فإن كان النزاع مع من يقول هو جسم أو جوهر إذ قال لا ~~كالأجسام ولا كالجواهر إنما هو في اللفظ فمن قال هو كالأجسام والجواهر يكون ~~الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى # فإن فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى كان قوله مردودا وذلك بأن ~~يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله فكل قول تضمن هذا فهو باطل ~~PageV04P146 وإن فسر قوله جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر مع تنزيه الرب ~~عن خصائص المخلوقين كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه # فلا بد أن يلحظ في هذا المقام إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا ~~وذلك مثل أن يقول أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر كما أصفه ~~بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات وبين كل حي عليم سميع بصير وإن ~~كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات وإلا فلو قال الرجل هو حي لا كالأحياء ~~وقادر لا كالقادرين وعليم لا كالعلماء وسميع لا كالسمعاء وبصير لا كالبصراء ~~ونحو ذلك وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين فقد أصاب # وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك مثل أن يثبت ~~الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه وهو من صفات كماله فقد أخطأ # إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته يقع من جهة المعنى ~~في شيئين أحدهما انهم متنازعون ms0782 في تماثل الأجسام والجواهر على قولين ~~معروفين # فمن قال بتماثلها قال كل من قال إنه جسم لزمه التمثيل ومن قال إنها لا ~~تتماثل قال إنه لا يلزمه التمثيل PageV04P147 ولهذا كان أولئك يسمون ~~المثبتين للجسم مشبهة بحسب ما ظنوه لازما لهم كما يسمى نفاة الصفات ~~لمثبتيها ومجسمة حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة ومجسمة وحشوية وغثاء ~~وغثراء ونحو ذلك بحسب ما ظنوه لازما لهم # لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم لم يجز نسبتها إليه على ~~أنها قول له سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة بل إن كانت لازمة ~~مع فسادها دل على فساد قوله # وعلى هذا فالنزاع بين هؤلاء وهؤلاء في تماثل الأجسام وقد بسط الكلام على ~~ذلك في غير هذا الموضع وبين الكلام على جميع حججهم # والثاني أن مسمى الجسم في اصطلاحهم قد تنازعوا فيه هل هو مركب من أجزاء ~~منفردة أو من الهيولي والصورة أو لا مركب لا من هذا ولا من هذا # وإذا كان مركبا فهل هو جزآن أو ستة أجزاء أو ثمانية اجزاء أو ستة عشر ~~جزءا أو اثنان وثلاثون # هذا كله مما تنازع فيه هؤلاء فمثبتو التركيب المتنازع فيه في الجسم ~~يقولون لأولئك إنه لازم لكم إذا قالوا هو جسم وأولئك ينفون هذا اللزوم ~~PageV04P148 # وقد يكون في المجسمة من يقول إنه جسم مركب من الجواهر المنفردة وينازعهم ~~في امتناع مثل هذا التركيب عليه ويقول لا حجة لكم على نفي ذلك إلا ما ~~أقمتموه من الأدلة على كون الأجسام محدثة أو ممكنة وكلها ادلة باطلة كما ~~بسط في موضعه # وبينهم نزاع في أمور أخرى ينازعهم فيها من لا يقول هو جسم مثل كونه فوق ~~العالم أو كونه ذا قدر أو كونه متصفا بصفات قائمة به فالنفاة يقولون هذا لا ~~تقوم إلا بجسم وأولئك قد ينازعونهم في هذا أو بعضه وينازعونهم في إنتفاء ~~هذا المعنى الذي سموه جسما فهم ينازعون إما في التلازم وإما في انتفاء ~~اللازم إذا تبين أن هذه ms0783 الأمور كلها ترجع إلى هذه الأمور الثلاثة فإن الحجج ~~الثمانية التي ذكرها الآمدي أربعة على نفي الجوهر وأربعة مختصة بالجسم # الأولى قوله لو كان جوهرا كالجواهرفإما أن يكون واجبا لذاته وإما أن لا ~~يكون فإن كان واجبا لذاته لزم اشتراك جميع الجواهر في وجوب الوجود لذاتها ~~ضرورة اشتراكها في معنى PageV04P149 الجوهرية وإن كان ممكنا لزم أن لا يكون ~~واجبا لذاته وإن كان لا كالجواهر فهو تسليم للمطلوب # فيقال لا نسلم أنه إذا كان واجبا لذاته لزم اشتراك جميع الجواهر في وجوب ~~الوجود ولا يلزم أن الاشتراك في الجوهرية يقتضي الاشتراك في جميع الصفات ~~التي تجب لكل منها وتمتنع عليه وتجوز له # وكذلك يقال لا نسلم أنه إذا لم يكن كالجواهر كان تسليما للمطلوب وذلك أنه ~~إذا قيل حي لا كالأحياء وعالم لا كالعلماء وقادر لا كالقادرين لا يلزم من ~~ذلك نفي هذه الصفات ولا إثبات خصائص المخلوقات # فمن قال هو جوهر وفسره إما بالمتحيز وإما بالقائم بذاته وأما بما هو ~~موجود في موضوع لم يسلم أن الجواهر متماثلة بل يقول تنقسم إلى واجب وممكن ~~كما ينقسم الحي والعليم إلى هذا وهذا PageV04P150 # فإن قال إذا كان متحيزا فالمتحيزات مماثلة له كان هذا مصادرة على المطلوب ~~لأنه نفى كونه جسما بناء على نفي الجوهرونفي الجوهر بناء على نفي المتحيز ~~والمتحيز هو الجسم أو الجوهر والجسم فيكون قد جعل الشيء مقدمة في إثبات ~~نفسه وهذه هي المصادرة # قال الآمدي الوجه الثاني أنه إما أن يكون قابلا للتحيزية أو لا يكون فإن ~~كان الأول لزم أن يكون جسما مركبا وهو محال كما يأتي وإن كان الثاني لزم أن ~~يكون بمنزلة الجوهر الفرد # ولقائل أن يقول إن عنيت بالتحيزية تفرقته بعد الاجتماع أو اجتماعه بعد ~~الإفتراق فلا نسلم أن ما لا يكون كذلك يلزم أن يكون حقيرا # وإن عنيت به ما يشار إليه أو يتميز منه شيء عن شيء لم نسلم أن مثل هذا ~~ممتنع بل نقول إن كل موجود قائم بنفسه فإنه كذلك PageV04P151 وأما ms0784 ما لا ~~يكون كذلك فلا يكون إلا عرضا قائما بغيره وأنه لا يعقل موجود إلا ما يشار ~~إليه أو ما يقوم بما يشار إليه كما قد بسط في موضعه وسيأتي الكلام على نفي ~~حجته # قال والثالثة لا يخلو إما أن يكون لذاته قابلا لحلول الأعراض المتعاقية ~~أولا فإن كان الأول فيلزم أن يكون محلا للحوادث وهو محال كما يأتي فإن كان ~~الأول فيلزم امتناع ذلك على كل الجواهر ضرورة الاشتراك بينها في المعنى وهو ~~محال خلاف المحسوس # ولقائل أن يقول الجواب من وجوه أحدها أنا لا نسلم امتناع حلول الأعراض ~~المتعاقبة وأنت قد اعتمدت في هذا الوجه الذي ذكرته من تناقض أهل هذا القول ~~على نفي الجسم والجوهر فلو جعلت جحة في ذلك لزم المصادرة على المطلوب إذ ~~كنت في كل من المسألتين تعتمد على الأخرى وإن اعتمدت على نفيه بالوجوه ~~الأخرفقد عرف فساد كلامك وكلام غيرك PageV04P152 # الثاني ان يقال ولم قلت إنه إذا امتنع حلول الحوادث على بعض الجواهر ~~يمتنع على سائرها ألست تقول إن ذلك يمتنع على بعض الذوات دون بعض وبعض ~~القائمين بأنفسهم دون بعض وبعض الموصوفات دون بعض فلو قال لك قائل الاشتراك ~~في كون كل من الشيئين ذاتا قائمة بنفسها موصوفة بالصفات يوجب اشتراكها في ~~حلول الحوادث لكان هذا القول إما أن يلزمك وإما ان لا يلزمك فإن لزمك كان ~~هذا لازما لك ولمنازعك فليس لك أن تنفيه وإن لم يلزمك فما كان جوابك عن ~~إلزام من يلزمك به فهو جواب منازعك # فإن قلت الاشتراك في الجوهرية اشتراك في المعنى الذي لأجله جاز قيام ~~الحوادث به # قال لك كل من الخصمين والاشتراك في الذاتية والموصوفية والقيام بالنفس ~~اشتراك في المعنى الذي لأجله جاز قيام الحوادث به وأنت إذا أنصفت علمت أن ~~البابين واحد الثالث ان يقال ما تعني بقولك الأعراض المتعاقية اتعني به ~~أحواله التي دلت النصوص علي قيامها به أم غير ذلك # الأول مسلم لكن لا نسلم مساواة المخلوقات له في خصائصه والثاني ممنوع ms0785 ~~PageV04P153 قال الرابع أنه لا يخلو إما أن تكون ذاته قابلة لأن يشار إليها ~~أنها هنا أو هناك أو لا تكون قابلة لذلك فإن كان الأول فيكون متحيزا إذ لا ~~معنى للتحيز إلا هذا على الله محال لوجهين # الأول أنه إما أن يكون منتقلا عن حيزه أو لا يكون منتقلا عنه فإن كان ~~منتقلا عنه فيكون متحركا وإن لم يكن منتقلا عنه فيكون ساكنا والحركة ~~والسكون حادثان على ما يأتي وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # الوجه الثاني ان اختصاصه بحيزه إما ان يكون لذاته أو لمخصص من خارج فإن ~~كان الأول فليس هو اولى من تخصيص غيره من الجواهر به ضرورة المساواة في ~~المعنى وإن كان لغيره وجب أن يكون الرب مفتقرا إلى غيره في وجوده فلا يكون ~~واجب PageV04P154 الوجودوإن كان غير متحيز لزم في كل جوهر أن يكون غير ~~متحيز ضرورة المساواة في المعنى وهو محال وكيف وأنه لا معنى للجوهر غير ~~المتحيز بذاته فما لا يكون كذلك لا يكون جوهرا # قلت ولقائل أن يقول لا نسلم أنه إذا كان قابلا للإشارة كان متحيزا وقوله ~~لا معنى لمتحيز إلا هذا إن أراد به أن المفهوم من كونه مشارا إليه هو ~~المفهوم من كونه متحيزا كان قوله فاسدا بالضرورة وإن أراد أن ما صدق عليه ~~هذا صدق عليه هذا # قيل له من الناس من ينازعك في هذا ويقول إنه سبحانه فوق العالم ويشار ~~إليه وليس بمتحيز فإن قال هذا فساده معلوم بالضرورة قيل له ليس هذا بأبعد ~~من قولك إنه موجود قائم بنفسه متصف بالصفات مرئي بالأبصار وهو مع هذا لا ~~يشار إليه وليس بداخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا مداخل له # فإن قلت إحالة هذا من حكم الوهم # قيل لك وإحالة موجود قائم بنفسه يشار إليه ولا يكون متحيزا من حكم الوهم ~~بل تصديق العقول بموجود يشار إليه ولا يكون متحيزا PageV04P155 أعظم من ~~تصديقها بموجود قائم بنفسه متصف بالصفات لا يشار إليه وليس بداخل العالم ~~ولا ms0786 خارجه # ثم يقال ثانيا لم قلتم إنه يمتنع أن يكون متحيزا قولك إما أن يكون متحركا ~~أو ساكنا يقال لك فلم لا يجوز أن لا يكون قابلا للحركة والسكون وثبوت ~~أحدهما فرع قبوله له # فإن قلت كل متحيز فهو قابل لهما # قيل لك علمنا بهذا كعلمنا بأن كل موجود قائم بنفسه موصوف بالصفات إما ~~مباين لغيره وإما محايث له فإن جوزت موجودا قائما بنفسه لا مباين ولا محايث ~~فجوز وجود موجود متحيز ليس بمتحرك ولا ساكن # فإن قلت المتحيز إما ان يكون منتقلا عن حيزه أو لا يكون منتقلا عنه ~~والأول هو الحركة والثاني هو السكون # قيل لك ليس كل متحيز أمر وجوديا فإن العالم متحيز وليس له حيز وجودي ومن ~~قال إن الباري وحده فوق العالم أو سلم لك إنه متحيز لم يقل إنه في حيز ~~وجودي وحينئذ فالحيز أمر عدمي فقولك إما أن يكون منتقلا عنه أولا كقولك إما ~~أن يكون منتقلا بنفسه أولا وهو معنى قولك إما أن يكون متحركا أو ساكنا وهذا ~~إ ثبات الشيءبنفسه PageV04P156 # فإن قلت هذا بين مستقر في الفطرة والعلم به بديهي # قيل لك ليس هذا بأبين من قول القائل إما أن يكون صانع العالم حيث العالم ~~وإما أن لا يكون حيث العالم والأول هو المحايثة والدخول فيه والثاني هو ~~المباينة والخروج عنه # فإن قلت يمكن ان لا يكون داخلا فيه ولا خارجا عنه # قيل لك ويمكن ان لا يكون المتحيز منتقلا ولا يكون ساكنا كما تقوله انت ~~فيما تقول إنه قائم بنفسه لا منتقل ولا ساكن فإن قلت أنا أعقل هذا فيما ليس ~~بمتحيز ولا أعقله في المتحيز # قيل وكيف عقلت أولا ثبوت ما ليس بمتحيز بهذا التفسير والمنازع يقول أنا ~~لا أعقل إلا ما هو داخل أو خارج # فإذا قلت أنت هذا فرع ثبوت قبول ذلك وقابل ذلك هو المتحيز فما لا يكون ~~كذلك لا يكون قابلا للمباينة والمحايثة والدخول والخروج # قال لك نحن لا نعقل موجودا إلا هذا # فإن قلت ms0787 بل هذا ممكن في العقل وثابت أيضا قال # قال لك وكذلك متحيز لا يقبل الحركة والسكون هو أيضا ممكن في العقل وثابت ~~PageV04P157 # فإن قلت الفطرة تدفع هذا # قيل لك وهي لدفع ذاك اعظم # فإن قلت ذاك حكم الوهم # قيل وهذا حكم الوهم # فإن قلت العقل أثبت موجودا ليس بمتحيز # قيل لك إنما أثبت ذاك بمثل هذه الأدلة التي تتكلم على مقدماتها فإن أثبت ~~مقدمات النتيجة بالنتيجة كنت مصادرا على المطلوب فأنت لا يمكنك إثبات موجود ~~ليس بمتحيز إلا بمثل هذا الدليل وهذا الدليل لا يثبت إلا ببيان إمكان وجود ~~موجود ليس بمتحيز فلا يجوز أن تجعله مقدمة حجة في إثبات نفسه # ويقول له الخصم ثالثا هب أنك تقول لا بد إذا كان متحيزا من الحركة ~~والسكون فنحن نقول إن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون فإنه إما أن ~~يكون منتقلا أو لا يكون منتقلا فإن كان منتقلا فهو متحرك وإلا فهو ساكن # فإن قلت ثبوت الانتقال وسلبه فرع قبوله PageV04P158 # قيل لك هذا التقسيم معلوم بالضرورة في كل قائم بنفسه كما ذكرت أنه معلوم ~~بالضرورة في كل ما سميته متحيزا وحيزه عدم محض فإنه إذا لم يكن إلا ~~الانتقال وعدم الانتقال فالانتقال هو الحركة وعدمه هو السكون # وإذا قلت هذا متقابلان تقابل العدم والملكة فلا بد من ثبوت القبول # كان الجواب من وجوه # أحدها أن يقال لك مثل هذا فيما سميته متحيزا # الثاني ان يقال هذا اصطلاح اصطلحته وإلا فكل ما ليس بمتحرك وهو قائم ~~بنفسه فهو ساكن كما أن كل ما ليس بحي فهو ميت # الثالث ان يقال هب أن الأمر كذلك ولكن إذا اعتبرنا الموجودات فما يقبل ~~الحركة أكمل مما لا يقبلها فإذا كان عدم الحركة عما من شأنه ان يقبلها صفة ~~نقص فكونه لا يقبل الحركة اعظم نقصا كما ذكرنا مثل ذلك في الصفات ~~PageV04P159 # ونقول رابعا الحركة الاختيارية للشيء كمال له كالحياة ونحوها فإذا قدرنا ~~ذاتين إحداهما تتحرك باختيارها والأخرى تتحرك أصلا كانت الأولى أكمل # ويقول ms0788 الخصم رابعا قوله لم لا يجوز أن يكون متحركا قولك الحركة حادثة # قلت حادثة النوع أو الشخص الأول ممنوع والثاني مسلم # وقولك ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث إن أريد به ما لا يخلو عن نوعها ~~فممنوع والثاني لا يضر وأنت لم تذكر حجة على حدوث نوع الحركة إلا حجة واحدة ~~وهو قولك الحادث لا يكون أزليا وهي ضعيفة كما عرف # إذا لفظ الحادث يراد به النوع ويراد به الشخص فاللفظ مجمل كما أن قول ~~القائل الفاني لا يكون باقيا لفظ مجمل فإن أراد به أن القائم بنفسه لا يكون ~~باقيا فهو حق وإن أراد به ما كان فاني الأعيان لا يكون نوعه باقيا فهو باطل ~~فإن نعيم الجنة دائم باق مع أن كل أكل وشرب ونكاح وغير ذلك من الحركات تفنى ~~شيئا بعد شيء وإن كان نوعه لا يفنى # وأما قوله في الوجه الثاني إن اختصاصه بحيزه إما أن يكون لذاته أو لمخصص ~~من خارج PageV04P160 فيقال أتعني بالحيز شيئا معينا موجودا أو شيئا معينا ~~سواء كان موجودا أو معدوما أو شيئا مطلقا فإن عنيت الأول فالرب سبحانه لا ~~يجب أن يكون متحيزا بهذا الاعتبار عند المنازع بل ولا عند طائفة معروفة وإن ~~عنيت الثاني لم يسلم المنازع كونه متحيزا بهذا الاعتبار وإن عنيت الثالث ~~فيقال لك حينئذ فليس اختصاصه بحيز معين من لوازم ذاته بل هو باختياره وإذا ~~كان يخصص بعض الأحياز بما شاء من مخلوقاته فتصرفه بنفسه أعظم من تصرفه ~~بمخلوقاته # وأما قولك ليس هو أولى من تخصيص غيره من الجواهر به ضرورة المساواة في ~~المعنى # فكلام ساقط لوجوه # أحدها أن الله يخص ما شاء من الأحياز بما شاء من الجواهر ولا يقال ليس ~~هذا أولى من هذا فكيف يقال إنه ليس أولى من بعض مخلوقاته بما هو قادر عليه ~~مختار له # والثاني أن يقال فما من جوهرإلا وله حيز يختص به دون غيره من الجواهر ~~سواء قيل إنه حيزه الطبيعي أو لا فعلم أن مجرد الاشتراك ms0789 في الجوهرية لا ~~يستلزم الاشتراك في كل حيز PageV04P161 # الثالث أن كل جوهر مختص عن غيره بصفة تقوم به ومقدار يخصه مع اشتراكها في ~~الجوهرية فكيف لا يختص بحيزه # الرابع أن الحيز ليس أمرا وجوديا وإنما هو امر عدمي والجواهر الموجودة لا ~~بد أن يكون لبعضها نسبة إلى بعض بالعلو والسفول والتيامن والتياسر ~~والملاقاة والمباينة ونحو ذلك وكل منها مختص من ذلك بما هو مختص به لا ~~تشاركه فيه سائر الجواهر فكيف يجب أن يشارك المخلوق لخالقه # الخامس أن هذا مبني على تماثل الجواهر وهو ممنوع بل هو مخالف للحس وسيأتي ~~كلامه في إبطاله # السادس أنا لو فرضنا الجواهر متماثلة فالمخصص لكل منها بما يختص به هو ~~مشيئة الرب وقدرته وإذا كان بقدرته ومشيئته يصرف مخلوقاته فكيف لا يتصرف هو ~~بقدرته ومشيئته كماأخبرت عنه رسله وكما أنزل بذلك كتبه حيث أخبر أنه خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأمثال ذلك من النصوص # وأما قوله إن كان غير متحيز أن يكون كل جوهر غير متحيز # فعنه جوابان # أحدهما أن يقال له ولأمثاله كالرازي والشهرستاني ونحوهما من PageV04P162 ~~المتأخرين الذين أثبتوا جواهر معقولة غير متحيزة موافقة للفلاسفة الدهرية ~~أو قالوا إنه دليل على نفي ذلك أنتم إذا ناظرتم الملاحدة المكذبين للرسل ~~فادعوا إثبات جواهر غير متحيزة عجزتم عن دفعهم أو فرطتم فقلتم لا نعلم ~~دليلا على نفيها أو قلتم بإثباتها وإذا ناظرتم إخوانكم المسلمين الذين ~~قالوا بمقتضى النصوص الإلهية والطريقة السلفية وفطرة الله التي فطر عباده ~~عليها والدلائل العقلية السليمة عن المعارض وقالوا إن الخالق تعالى فوق ~~خلقه سعيتم في نفي لوازم هذا القول وموجباته وقلتم لا معنى للجوهر إلا ~~المتحيز بذاته فإن كان هذا القول حقا فادفعوا به الفلاسفة الملاحدة وإن كان ~~باطلا فلا تعارضوا به المسلمين أما كونه يكون حقا إذا دفعتم ما يقوله ~~إخوانكم المسلمون ويكون باطلا إذا عجزتم عن دفع الملاحدة في الدين فهذا ~~طريق من بخس حظه من العقل والدين وحسن النظر والمناظرة عقلاوشرعا # والجواب ms0790 الثاني انك قلت في أول هذا الوجه إما أن تكون ذاته قابلة لأن ~~يشار إليها أنها ههنا أو هناك أو لاتكون قابلة ثم قلت فإن كان الأول فيكون ~~متحيزا فكان حقك ان تقول وإن لم تكن ذاته قابلة PageV04P163 للإشارة إليه ~~إذا لزم في كل جوهر أن لا يكون مشارا إليه وأن لا يكون متحيزا # وإذا قلت ذلك قيل لك إثبات هؤلاء جوهرا لا يشار إليه هو قول المتفلسفة ~~الذين يثبتون جواهر لا يشار إليها وقول النصارى الذين ينفون العلو وحينئذ ~~فيقولون لا نسلم أن كل جوهر فإنه يجب ان [ يكون ] مشارا إليه وأنت قد ~~اعترفت في بحثك مع الفلاسفة بهذا وهذا القول وإن كان باطلا لكن المقصود ~~تبيين ضعف حجج هؤلاء النفاة نفيا يستلزم نفي الصفات # ويقال لك إثبات جوهر لا يشار إليه كإثبات قائم بنفسه لا يشار إليه # وإن قال انا ذكرت هذا لنفي كونه جوهرا كالجواهر # فيقال من قال هذا يقول هو جوهر كالجواهر التي يدعي إثباتها من يقول ~~بإثبات الجواهر العقلية المجردة فإنه هو جوهر كالجواهر العقلية المجردة فمن ~~نفى هذه الجواهر أبطل قولهم وإلا فلا PageV04P164 # قال الآمدي الخامس أنه لو كان جوهرا كالجواهر لما كان مفيدا لوجود غيره ~~من الجواهرفإنه لا أولوية لبعض الجواهر بالعلية دون بعض ويلزم من ذلك أن لا ~~يكون شيء من الجواهر معلولا أو [ أن يكون ] كل جوهر معلولا للآخر والكل ~~محال فإن قيل الجواهر وإن تماثلت في الجوهرية إلا أنها متمايزة ومتغايرة ~~بأمور موجبة لتعين كل واحد منها عن الآخر وعند ذلك فلا مانع من اختصاص ~~بعضها بأمور واحكام لا وجود لها في البعض الاخر ويكون ذلك باعتبار ما به ~~التعين لا باعتبار ما به الاشتراك فنقول والكلام في اختصاص كل واحد بما به ~~التعين كالكلام في الأول فهو تسلسل ممتنع فلم يبق إلا أن يكون اختصاص كل ~~واحد من المتماثلات بما اختص به لمخصص من خارج وذلك على الله محال ~~PageV04P165 # قلت ولقائل أن يقول قوله لو كان جوهرا كالجواهر إن ms0791 عني به أنه لو كان ~~جوهرا مماثلا للجواهر فيما يجب ويجوز ويمتنع لم ينفعه هذا لوجوه # أحدها أن هذا لا يقوله عاقل يتصور ما يقول لما فيه من الجمع بين النقيضين ~~كما تقدم # الثاني أنه إذا كان يقتضي هذا أنه يماثل كل جوهر فيما يجب ويجوز ويمتنع ~~لم يلزم انتفاء مشابهته له من بعض الوجوه فإن نفى التماثل في مجموع هذه ~~الأمور يكون بانتفاء التماثل في واحد من أفرادها فإذا قدر أنه خالف غيره في ~~فرد من أفراد هذه الأمور لم يكن مثله في مجموعها ولكن ذلك لا ينفى مماثلته ~~في فرد آخر وحينئذ فلا يكون قول القائل هو جوهر لا كالجواهر صحيحا ولا يكون ~~النزاع معه في اللفظ بل لا بد أن ينفى عنه مماثلة المخلوقات في كل ما هو من ~~خصائصها # الثالث أنه على هذا التقدير يكون مشابها لها من وجه مخالفا من وجه وليس ~~في كلامه ما يبطل ذلك بل قد صرح في غير هذا الموضع بأن هذا هو الحق # فقال في مسألة حدوث الأجسام لما ذكر حجة القائلين PageV04P166 بالقدم قال ~~الوجه العاشر أنه لو كان العالم محدثا فمحدثه إما أن يكون مساويا له من كل ~~وجه أو مخالفا له من كل وجه فإن كان الأول فهو حادث والكلام فيه كالكلام في ~~الأول ويلزم التسلسل الممتنع وإن كان الثاني فالمحدث ليس بموجود وإلا لما ~~كان مخالفا له من كل وجه وهو خلاف الفرض وإذا لم يكن موجودا امتنع أن يكون ~~موجبا للموجودكما سبق وإن كان الثالث فمن جهة ما هو مماثل للحادث يجب أن ~~يكون حادثا والكلام فيه كالأول وهو تسلسل محال وهذه المحالات إنما لزمت من ~~القول بحدوث العالم فلا حدوث # ثم قال في الجواب وأما الشبهة العاشرة فالمختار من أقسامها PageV04P167 ~~إنما هو القسم الأخير ولا يلزم من كون القديم مماثلا للحوادث من وجه أن ~~يكون مماثلا للحادث من جهة كونه حادثا بل لا مانع من الاختلاف بينهما في ~~صفة القدم والحدوث وإن تماثلا بأمر آخر ms0792 وهذا كما أن السواد والبياض مختلفان ~~من وجه دون وجه لاستحالة اختلافهما من كل وجه وإلا لما اشتركا في العرضية ~~واللونية والحدوث واستحالة تماثلهما من كل وجه وإلا كان السواد بياضا ومع ~~ذلك فما لزم من مماثلة السواد للبياض من وجه أن يكون مماثلا له في صفة ~~البياضية # وإن عني به أنه لو كان جوهرا مماثلا في مسمى الجوهرية فهذا مثل أن يقال ~~لو كان حيا مماثلا للأحياء في مسمى الحيية أو عالما مماثلا للعلماء في مسمى ~~العالمية أو قادرا مماثلا للقادرين في مسمى القادرية أو موجودا مماثلا ~~للموجودات في مسمى الموجودية وحينئذ فموافقته في ذلك لا تستلزم أن يكون ~~مماثلا لها فيما يجب ويجوز ويمتنع إلا أن تكون الجواهر كلها كذلك # ومعلوم أن من يقول هو جوهرلا يقول إن الجواهر متماثلة بل يقول إنه مخالف ~~لغيره بل جمهور العقلاء يقولون إن PageV04P168 الجواهر مختلفة في الحقائق ~~وحينئذ فتبقى هذه الوجوه موقوفة على القول بتماثل الجواهر والمنازع يمنع ~~ذلك بل ربما قال العلم باختلافها ضروري # ودعوى تماثلها مخالف للحس والعلم الضروري فإنا نعلم أن حقيقة الماء ~~مخالفة لحقيقة النار وأن حقيقة الذهب مخالفة لحقيقة الخبز وأن حقيقة الدم ~~مخالفة لحقيقة التراب وأمثال ذلك وأن اشتراكهما في كونها جوهرين هو ~~اشتراكهما في كونهما قائمين بأنفسهما أو متحيزين أو قابلين للصفات وهذا ~~اشتراك في بعض صفاتهما لا في الحقيقة الموصوفة بتلك الصفات # الثالث إنه إن أراد بقوله إنه جوهر كالجواهر أنه مماثل لكل جوهر في ~~حقيقته ويجوز عليه ما يجوز على كل جوهر فهذا لا يقوله عاقل وإنما أراد ~~المنازع انه إما قائم بنفسه وإما متحيز وإما نحو ذلك من المعاني التي يقول ~~إن الاشتراك فيه كالاشتراك في كون كل منها حيا عالما قائما بنفسه ونحو ذلك ~~فيبقى النزاع في أن مسمى الجوهر عند هؤلاء يقتضي تماثل أفراده # وهؤلاء يقولون لا بل هو اسم لما تختلف أفراده وفي أن هؤلاء يقولون ~~الاشتراك في التحيز الاصطلاحي يقتضي التماثل في الحقيقة وهؤلاء ينفون ذلك ~~PageV04P169 # ومعلوم ms0793 عند التحقيق أن قول النفاة للتماثل هو الحق كما قد بسط في موضعه # وهؤلاء يقولون قولنا جوهر كقولكم ذات قائمة بنفسها ونحو ذلك # فتبين أن ما ذكره من الدليل على نفي الجوهر هو دليل على نفي ما اتفقت ~~الطوائف على نفيه فإن أحدا من العقلاء لا يقول إنه جوهر بمعنى مماثلته لكل ~~قائم بنفسه فيما يجب ويجوز ويمتنع وما قاله المثبتة منه ما سلم لهم معناه ~~ومنه ما لا حجة له على نفيه إلا حجته على نفي الجسم وحينئذ فيكون الكلام في ~~نفي الجوهر مفرعا على الكلام في نفي الجسم # وقوله إن الوجوه الأربعة التي نفي بها الجوهر ينفي [ بها ] الجسم لا ~~يستقيم فإنه إنما نفى بها الجوهر بمعنى أنه مماثل لغيره فيما يجب ويجوز ~~ويمتنع وهذا مما يسلمه له من يقول إنه جوهر وجسم فإقامة الدليل عليه نصب ~~للدليل في غير محل النزاع لم ينف بها الجوهر بالمعنى الذي يثبته من قاله # وحرف المسألة أن كلامه مبني على تماثل الجواهر ومن يقول ذلك لا يقول إنه ~~جوهر ولا جسم فالكلام في هذا الباب فرع PageV04P170 على تلك المسألة ولو ~~كان هذا صحيحا لكان العلم بحدوث الأجسام وإمكانها من أسهل الأمور فإن بعضها ~~محدث بالمشاهدة والمحدث ممكن فإذا كانت متماثلة جاز على كل واحد منها ما ~~جاز على الآخر فيلزم إما حدوثها وإما إمكان حدوثها وعلى التقديرين يحصل ~~المقصود # والنافي لتماثلها لا يقول السؤال الذي أورده إنها متماثلة في الجوهرية ~~لكنها متمايزة ومتغايرة بأمور موجبة للتعين هو الموجب للاختصاص بل يقول ~~إنها مختلفة بحقائقها وأنفسها لكنها تشابهت في كونها قائمة بأنفسها أو ~~كونها متحيزة قابلة للصفات وهذا معنى اتفاقها في الجوهرية كما ذكره هو في ~~الاعتراض على دليل القائلين بتماثلها # ويقول أيضا إن الأمور المتماثلة من كل وجه لا يجوز تخصيص أحدها بما يتميز ~~به عن الآخر إلا لمخصص وإلا لزم ترجيح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح ~~ومشيئة الله تعالى ترجح أحد الأمرين لحكمة تقتضي ذلك وتلك الحكمة مقصودة ~~لنفسها ms0794 وإلا فنسبة الإرادة إلى المتماثلين سواء وتلك الحكمة المرادة تنتهي ~~إلى حكمة تراد لنفسها كما بسط في موضعه PageV04P171 # وأيضا فإن قول القائل إن هذه الجواهر المشهودة متماثلة في الحقيقة ولكن ~~الفاعل المختار خص كلا منها بصفات تخالف بها الآخر يقتضي أن لها حقيقة ~~مجردة عن جميع الصفات التي اختلفت فيها فيكون الماء المشهود له حقيقة غير ~~هذا الماء المشهود والنار المشهودة لها حقيقة غير هذه النار المشهودة ويكون ~~مخالفا ما خالف به هذا لهذا في الماء والنار أمرا عارضا لتلك الحقيقة لا ~~صفة ذاتية لها ولا لازمة # وهذا مكابرة للحس [ وأيضا ] فعلى هذا القول لا يكون لشيء من الموجودات ~~صفة ذاتية ولا صفة لازمة لذاته أصلا بل كل صفة يوصف بها عارضة له يمكن ~~زوالها مع بقاء حقيقته لأن كل ما اختلفت به الأعيان أمر عارض لها ليس بداخل ~~في حقيقتها عند من يقول بتماثل الجواهر والأجسام وحينئذ فيكون الإنسان الذي ~~هو حيوان ناطق يمكن زوال كونه حيوانا وكونه ناطقا مع بقاء حقيقته وذاته ~~وكذلك الفرس يمكن زوال حيوانيته وصاهليته مع بقاء حيقته وذاته وهكذا كل ~~الأعيان # ثم يقال إذا قدرنا عدم هذه الصفات التي هي لازمة للأنواع وذاتية لها لم ~~يبق ما يعقل كونه جوهرا لا مماثلا ولا مخالفا فإنا إذا نظرنا إلى هذا ~~الإنسان وقدرنا انه ليس بحي ولا ناطق ولا ضاحك PageV04P172 ولا حساس ولا ~~متحرك بالإرادة لم يعقل هنالك جوهر قائم بنفسه غيره تعرض له هذه الصفات بل ~~إثبات ذلك النوع من الخيال الذي لا حقيقة له وهذا الخيال في الجواهر ~~المحسوسة نظير خيال من أثبت الجواهر المعقولة لكن تلك محلها العقل وهذه ~~محلها الخيال فإنا يمكننا تقدير هذا الشكل مع عدم كونه حيوانا ناطقا لكن ~~حينئذ يكون المقدر شكلا مجردا هو عرض من الأعراض وهو الذي يسمى الجسم ~~التعليمي كما نقدر أعدادا مجردة عن المعدودات وهذه المقادير المجردة ~~والأعداد المجردة لا وجود لها إلا في الأذهان واللسان وكل جسم موجود له قدر ~~يخصه وهذه هي الجسمية ms0795 والجوهرية التي يثبتها من يقول بعدم تماثل الجواهر ~~وهي نظير الصورة الجسمية التي هي عرض من أعراض الجسم التي يثبتها من يقول ~~بالمادة والصورة فدعوى أولئك أن الصورة الجسمية جوهر وأن المادة جوهر آخر ~~هو نظير دعوى هؤلاء أن الصور الجسمية جواهر متماثلة وليس هنا إلا هذه ~~الأعيان القائمة بأنفسها وما قام بها من الصفات والمقادير التي هي أشكالها ~~وصورها ثم من العجيب أن هؤلاء المتكلمين المتأخرين كأبي حامد PageV04P173 ~~والشهرستاني والرازي والآمدي وأمثالهم ممن يوافق أهل المنطق على صحة المنطق ~~يوافقون أهل المنطق فيما يدعونه من انقسام صفات الجواهر والأجسام إلى ذاتي ~~وعرضي وانقسام العرضي إلى لازم للماهية وعارض لها وانقسام العارض إلى لازم ~~ومفارق مع ما في هذا الكلام من الخطأ فإن الصفات في الحقيقة إنما تنقسم إلى ~~لازم للماهية وعارض لها # وأما تقسيم اللازم إلى ذاتي وعرضي وإثبات شيئين في هذه الأعيان أحدهما ~~الذات والثاني هذا الموجود المشاهد فكلام باطل كما قد بسط في موضعه # ثم إنهم في قولهم بتماثل الجواهر والأجسام يدعون أن جميع صفات الأجسام ~~التي تختلف بها إنما هي عارضة لها قابلة لزوالها ليس منها شيء لازم للحقيقة ~~ولا هو من موجبات الذات ومقتضياتها فيا سبحان الله أين ذلك التلازم الذي ~~غلوتم فيه حتى تجعلون الحقيقة مؤلفة من صفاتها الذاتية وتقولون إن الذات هي ~~المقتضية للوازم ولوازم اللوازم # وهنا يقولون ليس لهذه الأعيان حقيقة قائمة بنفسها إلا ما تشترك فيه وليس ~~لشيء منها لازم يخصه ولا لازم يفارق PageV04P174 به غيره بل ليست اللوازم ~~إلا ما لزم جميع ما يسمى جوهرا وجسما # وهذا المعنى قد رأيت منه عجائب لهؤلاء النظار يتكلم كل منهم مع كل قوم ~~على طريقتهم بكلام يناقض ما تكلم به على طريقة أولئك مع تناقض كل من ~~القولين في نفس الأمر وهذا إما أن يكون لكونه لم يفهم أن هذا المعنى الذي ~~أثبته بهذه العبارة هو الذي نفاه بتلك فلا يكون قد تصور حقيقة ما يقول بل ~~تصور ما يتقيد باللفظ بحيث إذا ms0796 خرج المعنى عن ذلك اللفظ لم يعرف أنه هو ~~وهذا قبيح بمن يدعي النظر في العقليات المحضة التي لا تتقيد بلغة ولا لفظ ~~وإما أن يكون مع نسيانه وذهوله في كل مقام لما قاله في المقام الآخر وهذا ~~أشبه أن يظن بمن له عقل وتصور صحيح لكنه يدل على أن له في المسألة قولين ~~وأنه يقول في كل مقام ما ترجح عنده في ذلك المقام لا يمشي مع الدليل مطلقا ~~بل يتناقض وإما ان يكون مع فهمه التناقض وحينئذ فإما لا يبالي بتناقض كلامه ~~وإما أن يرجح هذا في هذا الموطن وهذا في هذا الموطن PageV04P175 $ فصل # ومن العجب ان كلامه وكلام أمثاله يدور في هذا الباب على تماثل الأجسام ~~وقد ذكر النزاع فيتماثل الأجسام وأن القائلين بتماثلها من المتكلمين بنوا ~~ذلك على أنه مركبة من الجواهر لمنفردة وأن الجواهر متماثلة ثم إنه في مسألة ~~تماثل الجواهر ذكر أنه لا دليل على تماثلها فصار أصل كلامهم الذي ترجع إليه ~~هذه الأمور كلاما بلا علم بل بخلاف الحق مع أنه كلام في الله تعالى # وقد قال الله تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون @QE@ [ سورة الأعراف 33 ] وقال تعالى عن الشيطان ~~@QB@ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ [ ~~سورة البقرة 169 ] قال في كتابه هذا الكبير الفصل الرابع في أن الجواهر ~~متجانسة غير متحدة اتفقت الأشاعرة وأكثر المعتزلة على أن الجواهر متماثلة ~~متجانسة وذهب النظام والنجار من المعتزلة بناء على قولهما PageV04P176 ~~بتركب الجواهر من الأعراض إلى ان الجواهر إن تركبت من الأعراض المختلفة فهي ~~مختلفة ولهذا فإنا ندرك الاختلاف بين بعض الجواهر كالاختلاف الواقع بين ~~النار والهواء والماء والتراب ضرورة كما يدرك الاختلاف بين السواد والبياض ~~والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وسائر الأعراض المختلفة # قال وهو باطل اما كون الجواهر مركبة من الأعراض فيما سبق وأما ms0797 ما ندركه ~~من الاختلاف بين الجواهر كالأمثلة المضروبة فلا نسلم أنه عائد إلى اختلاف ~~الجواهر في أنفسها بل هو عائد إلى الأعراض القائمة واختلاف الأعراض لا يدل ~~على اختلاف المعروض له في نفسه # قلت النجار ليس هو من المعتزلة بل هو رأس مقالة وهو يخالف المعتزلة في ~~القدر فيثبته وفي غير ذلك من أصول المعتزلة لكنه PageV04P177 يوافقهم على ~~نفي الصفات ويخالفهم أيضا في تماثل الأسماء والأحكام والوعيد # وجمهور الناس على أن الأجسام مختلفة من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم وقد ~~ذكر الأشعري في مقالاته النزاع في ذلك # والمقصود هنا اعترافه بأنه لا حجة للقائلين بالتماثل فإنه قال فإن قيل ما ~~ذكرتموه وإن دل على إبطال ماخذ القائلين بالاختلاف فما دليلكم في التماثل ~~والتجانس فلئن قلتم دليل التماثل اشتراك جميع الجواهر في صفات نفس الجوهر ~~وهي التحيز وقبول الأعراض والقيام بنفسه فنقول وما المانع من كون الجواهر ~~مختلفة بذواتها وإن اشتركت فيما ذكرتموه من الصفات فإنه لا مانع من اشتراك ~~المختلفات في عوارض عامة لها وإنما يثبت كون ما ذكرتموه صفات نفس الجوهر أن ~~لو لم يكن الجواهر مختلفة وهذه أعراض عامة لها وإنما يمتنع كون الجواهر ~~مختلفة وأن هذه اعراض PageV04P178 عامة لها أن لو كانت هذه الصفات صفات نفس ~~الجوهر وهو دور ممتنع قال واعلم أن طرق أهل الحق في إثبات المجانسة وإن ~~اختلفت عباراتها فكلها آيلة إلى ما ذكر وما قيل عليه من الإشكال فلازم لا ~~مخلص منه إلا بأن يقال نحن لا نعني بتجانس الجواهر غير كونها مشتركة فيما ~~ذكرناه من الصفات وعند ذلك فحاصل النزاع يرجع إلى التسمية لا إلى نفس ~~المعنى # قلت فهذا قوله مع اطلاعه على طرق القائلين بالتجانس ورغبته في نصرهم لو ~~امكنه فذكر ان جميع ما ذكروه من الطرق يرجع إلى ما ذكره وهو مما يعلم ~~بالاضطرار أن لا يدل على تماثلها بل يدل على اشتراكها في معنى من المعاني ~~وليس جعل ما به من الاشتراك هو الذات وما به الاختلاف من الصفات بأولى من ms0798 ~~العكس وهذا على سبيل التنزل وإلا فنحن نعلم بالضرورة والحس واختلاف الأجسام ~~المختلفة كما نعلم اختلاف الأعراض المختلفة وما ذكره من أن الاختلاف عائد ~~إلى الأعراض لا إلى المعروض فمخالفة للحس فإن نفس النار مخالفة للماء ليس ~~مجرد حرارة النار هي المخالفة لبرودة الماء بل PageV04P179 نحن نعلم أن ~~النار تخالف الماء أعظم مما نعلم أن الحرارة تخالف البرودة وذلك أن الحرارة ~~والبرودة بينهما من الاشتراك في الكيفيات مثل كون كل منهما عرضا قائما ~~بغيره وهو صفة محسوسة باللمس وكذلك بين السواد والبياض من الاشتراك في ~~العرضية واللونية والقيام بالغير والرؤية بالبصر وغير ذلك من الصفات اعظم ~~من الاشتراك بين الماء والنار فإن الاشتراك بينهما هو في القدر ونحو ذلك من ~~الكميات والاشتراك في الكيفية أعظم من الاشتراك في الكمية فإذا كان ذلك لا ~~يوجب التماثل فذاك بطريق الأولى # وأيضا فالحرارة قد تنكسر بالبرودة فيمثل الفاتر فإنه لا يبقى حارا كحرارة ~~النار ولا باردا برودة الماء المحض وأما نفس الماء والنار فلا يجتمعان ~~وأيضا فالآعراض المختلفة تشترك في محل واحد واما نفس الأقسام فلا تشترك في ~~محل واحد وهذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا بيان اعتراف هؤلاء بفساد الأصول التي بنوا عليها ما خالفوه ~~من النصوص وبيان تناقضهم في ذلك وأنهم يقولون إذا تكلموا في المنطق وغيره ~~بما يناقض كلامهم هنا ويبعد أو يمتنع في العادة أن يكون هذا لمجرد اختلاف ~~الاجتهاد مع الفهم التام في الموضعين بل يكون لنقص كمال الفهم والتصور ~~وخوفا أن لا يكون القولان متنافيين فلا يهجم بإثبات التناقض أو لنوع من ~~الهوى PageV04P180 والغرض ولو لم يكن إلا مراعاة الطائفة التي يتكلم ~~باصطلاحها أن لا يخالفها فيما هو من مشهورات أقوالها ولعل كلا الأمرين ~~موجود في مثل هذه المعاني التي تعبر عنها العبارات الهائلة ولها عند ~~أصحابها هيبة ووهم عظيم والكلام على هذه الأمور مبسوط فيغير هذا الموضع # والمقصود هنا نوع تنبيه على ان ما يدعونه من العقليات المخالفة للنصوص لا ~~حقيقة لها عند الاعتبار ms0799 الصحيح وإنما هي من باب القعقعة بالشنان لمن يفزعه ~~ذلك من الصبيان ومن هو شبيه بالصبيان وإذا أعطى النظر في المعقولات حقه من ~~التمام وجدها براهين ناطقة بصدق ما أخبر به الرسول وأن لوازم ما اخبر به ~~لازم صحيح وأن ما نفاه نفاه لجهله بحقيقة الأمر وفزعا باطنا وظاهرا كالذي ~~يفزع من الآلهة المعبودة من دون الله أن تضره ويفزع من عدو الإسلام لما ~~عنده من ضعف الإيمان # قال تعالى عن الخليل صلوات الله عليه @QB@ وحاجه قومه قال أتحاجوني في ~~الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء ~~علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون @QE@ [ سورة ~~الأنعام 80 ) PageV04P181 81 ] قال الله تعالى @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ [ سورة الأنعام 82 ] # ومن خالف الرسل لا يسلم من الشرك والإفك @QB@ سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين @QE@ [ سورة الصافات 180 ~~182 ] @QB@ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ [ سورة الأعراف 152 ] قال أبو قلابة هي ~~لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة # وما أشبه هؤلاء في رعبهم من الألفاظ الهائلة التي لم يعلموا حقيقتها بمن ~~رأى العدو المخذول فلما رأى لباسهم رعب منهم قبل تحقق حالهم ومن كشف حالهم ~~وجدهم في غاية الضعف والعجز ولكن قال تعالى @QB@ سنلقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا @QE@ [ سور ة آل عمران 151 ] # وبسط هذا يطول والمقصود التنبيه فهذا ما ذكره في الجوهر وأما الجسم فإنه ~~اعتمد في نفيه على هذه الوجوه الأربعة في الجوهر وقد عرف حالها # وقال ويختص الجسم بأربعة أوجه الأول أنه إذا ثبت أن PageV04P182 الرب غير ~~متصف بكونه جوهر امتنع أن يكون متصفا بكونه جسما لأن الجسم ms0800 مركب من الجواهر ~~ومفتقر إليها ويلزم من انتفاء ما لابد منه في كونه جسما أن لا يكون جسما # قلت هذا الوجه بين الضعف وذلك أنه لو قدر انتفاء كون الشيء جوهرا منفردا ~~لم يلزم أن لا يكون جسما مؤلفا من الجواهر فإن الأجسام جميعها كل ما عنده ~~ليس جوهرا منفردا مع كونها مؤلفة من الجواهر وهو لم يقم دليلا على نفي كونه ~~جوهرا ولا نفى ما يستلزم الجوهر # وهذا كما لو أقام دليلا على أنه ليس بعلم أو قدرة أو كلام أو مشيئة لم ~~يستلزم ذلك أن لا تكون هذه من لوازمه فنفى كون الشيء أمرا من الأمور غير ~~نفى كونه ملزوما لذلك الأمر # وأيضا فيقال أنت لم تقم دليلا على كون الجواهر متماثلة بل صرحت بأنه لا ~~دليل على ذلك فبطل ما ذكرته في نفى الجوهر وأيضا فيقال لفظ الجوهر فيه ~~إجمال وله عدة معان PageV04P183 أحدها الجوهر الفرد وعلى هذا فالجسم ليس ~~بجوهر وفي كونه مركبا منه نزاع والثاني المتحيز وعلى هذا فالجسم جوهر ومن ~~نفى الجوهر الفرد قال كل جسم جوهر وكل جوهر جسم ومن أثبته قال الجوهر أعم ~~من الجسم # والثالث الجواهر العقلية عند من يثبت جوهرا ليس بمتحيز كالعقول والنفوس ~~والمادة والصورة فإن هؤلاء المتفلسفة المشائين يدعون أن الجواهر خمسة أقسام ~~وجمهور العقلاء يدفعون هذا ويقولون هذه الأمور التي سميتموها جواهر عقلية ~~إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان # وقد يراد بالجوهرما هو قائم بنفسه فمن كان الجوهر أعم عنده من الجسم فإذا ~~انتفى الأعم انتفى الأخص وكذلك من كان الجوهر عنده مرادفا للجسم وأما من ~~كان الجوهر عنده لا يتناول معنى الجسم مثل أن يقدر أنه لايستعمل لفظ الجوهر ~~إلا في الفرد فهذا لا يلزم من نفى كونه جوهرا نفى كونه جسما إلا بالحجة ~~التي ذكرها وهو أن يقال الجسم مركب من الجواهر فالحجة لا تستقيم إلا على ~~تقدير ثبوت هذا الاصطلاح مع أني لا أعرفه اصطلاحا لأحد مطلقا PageV04P184 # ولكن بعض الناس قد يخص به ms0801 الفرد مع أنه هو وغيره دائما يسمون الجسم جوهر # ولهذا قال الآمدي وغيره في نفي كونه جوهرا إما أن يكون قابلا للتحيزية ~~فيكون جسما مركبا وإما أن لا يكون قابلا للتحيزية فيكون في غاية الصغر ~~والحقارة وكثيرا ما يقع في كلامهم لفظ الجوهر متناولا للجسم وكثيرا ما يقع ~~مختصا بالفرد فما ذكره أولا في نفي الجوهر بالمعنى العام فالجسم يدخل فيه ~~فإن صح ما ذكره صح نفي الجسم لكن قد عرف ضعفه # وأما إذا كان المنفى هو الجوهر الفرد فقط فيحتاج أن يقول إن الجسم مركب ~~منه لينفى الجسم لكن هذا فيه نزاع معروف وأكثر الناس على أنه ليس بمركب من ~~الجواهر المنفردة وهو الصواب كما قد بسط في موضعه # فمن الناس من يقول إنه مركب من جواهر متناهية لا تقبل القسمة بوجه من ~~الوجوه حتى ولا بالوهم ومنهم من يقول هو مركب من جواهر غير متناهية كذلك ~~ومنهم من يقول هو مركب من الهيولي والصورة لكنه يقبل القسمة إلى غير نهاية ~~ومنهم من يقول ليس بمركب لكنه يقبل التقسيم إلى الجواهر المنفردة التي لا ~~تتجزأ PageV04P185 ومنهم من يقول بل كل موجود فلا بد أن يتميز منه شيء عن ~~شيء فلا يتصور وجود جوهر لا يتميز منه شيء عن شيء لكن إذا تصغرت الأجزاء ~~استحالت وقد لا تقبل القسمة الفعلية بل إذا قسمت استحالت كما في أجزاء ~~الماء إذا تصغرت فإنها تصير هواء فهي وإن كان يتميز منها شيء عن شيء لكن ~~ليس لها من القوة ما يحتمل الانقسام الفعلي بل تستحيل إذا أريد بها ذلك ~~وعلى هذا القول فلا نثبت شيئا لا يتميز منه جانب عن جانب ولا يثبت ما لا ~~نهاية له في ضمن ما لا يتناهى ولا انقسام إلى غير نهاية بل كل موجود فإنه ~~يتميز منه شيء عن شيء وهو قد يستحيل قبل وجود الانقسامات التى لا تتناهى ~~فتزول بهذا القول الإشكالات الواردة على غيره مع أنه مطابق للواقع فتبين ~~ضعف هذا الوجه # قال الآمدى الثاني ms0802 أنه قد ثبت أن الرب متصف بالعلم والقدرة وغيرهما من ~~الصفات فلو كان جسما كالأجسام لزم من اتصافه بهذه الصفات المحال وذلك من ~~وجهين الأول أنه لو PageV04P186 اتصف بهذه الصفات فإما أن يكون كل جزء من ~~أجزائه متصفا بجميع الصفات وإما أن يكون المتصف بجملتها بعض الأجزاء وإما ~~أن يكون كل جزء مختصا بصفة وإما أن تقوم كل صفة من هذه الصفات مع اتحادها ~~بجملة الأجزاء فإن كان الأول يلزم منه تعدد الآلهة وأما الثاني فهو ممتنع ~~لأنه لا أولويه لبعض تلك الأجزاء بأن يكون هو المتصف دون الباقي ولأنه يلزم ~~أن يكون الإله هو ذلك الجزء دون غيره لأن حكم العلة لا يتعدى محلها وإن كان ~~الثالث فلا أولوية أيضا وإن كان الرابع فهو محال لما فيه من قيام المتحد ~~بالمتعدد # ولقائل أن يقول الاعتراض على هذا من وجوه الأول قولك لو اتصف بكل واحدة ~~من هذه الصفات فإما أن يكون كل جزء من أجزائه متصفا بجميع هذه الصفات إلى ~~آخره فرع على ثبوت الأجزاء وذلك ممنوع فلم قلت إن كل ما هو جسم فهو مركب من ~~الأجزاء فإن هذا مبنى على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة وهذا ممنوع ~~PageV04P187 وجمهور العقلاء على خلافه وهولم يثبته هنا بالدليل فيكفي مجرد ~~المنع وبسط ذلك في موضعه وكل من أمعن في معرفة هذا المقام علم أن ما ذكروه ~~من أن الجسم مركب من جواهر مننفردة متشابهة عرض لها التركيب أو من مادة ~~وصورة وهما جوهران من أفسد الكلام وإذا كان كذلك أمكن أن يكون كل من الصفات ~~القائمة بجميع المحل شائعة في جميع الموصوف ولا يلزم أن يكون الواحد قام ~~بأجزاء بل القول في الصفة الحالة كالقول في المحل الذى هو الموصوف # الوجة الثاني أن يقال القول في وحدة الصفة وتعددها وانقسامها وعدم ~~انقسامها كالقول في الموصوف وسواء في ذلك الصفات المشروطة بالحياة كالقدرة ~~والحس بل والحياة نفسها أو التي لا تشترط بالحياة كالطعم واللون والريح فإن ~~طعم التفاحة مثلا شائع ms0803 فيها كلها فإذا بعضت تبعض ولا يقال إنها قام طعم ~~واحد بجملة التفاحة بل إن قيل إن التفاحة أجزاء كثيرة قيل قام بها طعوم ~~كثيرة وإن قيل هي شيء واحد قيل قام بها طعم واحد فإن PageV04P188 قيل فهذا ~~هو التقدير الأول وهو اتصاف كل جزء من هذه الأجزاء بجميع هذه الصفات قيل ~~ليس كذلك أما أولا فلمنع التجزى وأما ثانيا فلأنه لم يقم بكل جزء إلا جزء ~~من الصفة القائمة بالجميع لم تقم جميع الصفة بكل جزء وحينئذ فيبطل التلازم ~~المذكور وهو كون كل جزء إلها فإن الإله سبحانه هو المتصف بأنه بكل شيء عليم ~~وهو على كل شيء قدير أما إذا قدر موصوف قام به جزء من هذه القدرة لا تنقسم ~~هي ولا محلها لم يلزم أن يكون ذلك الجزء قادرا فضلا عن أن يكون ربا إذ ~~القادر لا يجب أن يكون من قام به جزء من القدرة ولا الحى من قام به جزء من ~~الحياة ولا العالم من قام به جزء من العلم فإن قيل كيف يعقل انقسام القدرة ~~والحياة والعلم قيل كما يقعل انقسام محل هذه الصفات فإن الإنسان تقوم حياته ~~بجميع بدنه وكذلك الحس والقدرة تقوم ببدنه وغيرهما من صفاته فكما أن بدنه ~~ينقسم فالقائم ببدنه ينقسم # فإن قيل إذا انقسم لم يبق قدرة ولا علما ولا حياة PageV04P189 # قيل وكذلك المحل لا يبقى يدا ولا عضوا لا قادرا ولا حيا ولا عالما ولا ~~حساسا فإن الجزء المنفرد بتقدير وجوده هو أحقر من أن يقال إنه يد أو عضو أو ~~بدن حى عالم قادر فكيف يقال فيه إنه إله # الوجه الثالث أن ما ذكروه معارض بقيام هذه الصفات في الأنسان فإن الإنسان ~~تقوم به الحياة والقدرة والحس ولم نذكر العلم ولا نحتاج أن نقول كما قالت ~~المعتزلة إن الأعراض المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء في الجملة عاد حكمها ~~إلى جميع الجملة بل نذكر من الأعراض ما يعلم قيامه بالبدن الظاهر كالحياة ~~والحس والحركة والقدرة فإن هذا التقسم ms0804 الذى ذكروه يرد عليه فإنه إن قيل إن ~~كل جزء من أجزائه متصف بهذه الصفات لزم تعدد الإنسان وإن كان المتصف ~~بجملتها بعض الأجزاء فلا أولوية ولزم أن لا يتعدى حكم الصفة محلها # والتقدير أن ظاهر البدن كله حى حساس وإن قيل إن كل واحد يختص بصفة فهو ~~معلوم الفساد بالضرورة مع أنه لا أولوية PageV04P190 وإن قيل تقوم الصفة ~~الواحدة بالجملة لزم قيام الواحد بالمتعدد فإذا كان هذا التقسيم واردا على ~~ما يعلم قيام الصفات به ولم ينف قيامها به علم أنها حجة باطلة # الوجة الرابع قوله والرابع محال لأنه يلزم ( منه ) قيام المتحد بالمتعدد # فيقال لا نسلم التلازم فإن هذا القيام مبناه على أنه حينئذ يقوم الواحد ~~بالمتعدد فإنه فرض قيام علم واحد وقدرة واحدة وحياة واحدة بجملة أجزاء وهذا ~~الأصل فاسد فإن المعلوم من وحدة الصفة الحالية وتعددها هو المعلوم من وحدة ~~المحل وتعدده فالحياة القائمة بجسم حى إذا قيل هي حياة واحدة قيل هو حى ~~واحد وإذا قيل الحى أجزاء متعددة قيل الحياة أجزاء متعددة فالحال ومحله ~~سواء في الاتحاد والتعدد وحينئذ فقولهم إنه قام المتحد بالمتعدد كلام باطل ~~بل ما PageV04P191 فسروا به الاتحاد في أحدهما كان موجودا في الآخر وما ~~فسروا به تعدد أحدهما كان موجودا في الآخر # الوجة الخامس أنا لا نسلم الحصر فيما ذكروه من الأقسام بتقدير انقسام ~~الجسم بل من الممكن أن يقال قام كل جزء من أجزاء هذه الصفات بجزء من أجزاء ~~الموصوف وكل جزء منه متصف بجزء من الصفة # وهذا التقسيم غير ما ذكره من الأقسام ليس فيه اتصاف كل جزء بجميع الصفة ~~ولا المتصف بجميعها بعض الجملة ولا كل جزء مختصا بجميع صفته ولا قيام واحد ~~بمتعدد # فإن قال الصفة لا تنقسم ومحلها ينقسم # قيل هذه مكابرة للحس والعقل بل انقسامها بانقسام محلها يبين هذا أن من ~~أعظم عمد مثبتى الجوهر الفرد قولهم إن الحركة قائمة بالجسم والزمان مقدار ~~الحركة والزمان فيه الآن الذى لا ينقسم فلا ينقسم قدره من ms0805 الحركة فلا ينقسم ~~الجزء الذى يحلها فإنما استدلوا على وجود الجزء الذى لا ينقسم ( إلا ) ~~بوجود جزء من الحركة لا ينقسم فعلم أن انقسام الحال عندهم كانقسام محله مع ~~هذا معلوم بالحس والعقل PageV04P192 # وكذلك المتفلسفة القائلون بأن النفس الناطقة ليست جسما عمدتهم أنه يقوم ~~بها ما لا ينقسم وما لا ينقسم لا يقوم إلا بما لا ينقسم فقداتفقت الطوائف ~~على أن الصفة إذا لم تنقسم كان محلها لا ينقسم # الوجه السادس أن قوله إما أن يكون كل جزء من الأجزاء متصفا بهذه الصفات # يقال له إن أردت أنه يتصف به كما تتصف به الجملة فهذا لا يقوله عاقل فإنه ~~ليس في الأجسام ما يكون صفة جميعه صفة للجوهر الفرد منه على الوجه الذى هي ~~به صفة لجمعيه وإن أردت أنه متصف به كما يليق بذلك الجزء فلم قلت إن ما ~~اتصف به بالصفة على هذا الوجه يمكن انفراده عن غيره فضلا عن كونه إلها # وهذا لأنه ليس في جميع ما يعلم من الموصوفين المنفردين بأنفسهم ما هو ~~جوهر فرد ولا في شيء مما يشاهد من الموصوفين ما هو جوهر فرد بل والجوهر ~~الفرد بتقدير وجوده لا يحس به ولا يوجد منفردا فما كان لا يوجد وحده حتى ~~ينضم إليه أمثاله كيف يكون حيا فضلا عن أن يكون فرسا أو بعيرا فضلا عن أن ~~يكون إنسانا أو ملكا أو جنيا فضلا عن أن يكون إلها PageV04P193 وهل ذكر مثل ~~هذا في حق الله إلا من أعظم الدليل على جهل قائله فإنهم لا يعلمون شيئا من ~~الجواهر المنفردة يسمى باسم جملته لقيام الصفة بالجملة فيكف يجب في حق الله ~~إذا قامت به صفات الكمال أن يكون بتقدير ما ذكروه يجب فيه مثل ذلك # ( الوجه ) السابع أن يقال كما أنه لا يجب في كل جزء من الإنسان أن يكون ~~إنسانا لأنه قام به من الصفات ما يقوم بالإنسان ولا في كل جزء من أجزاء ~~الفرس وسائر الحيوان أن يكون فرسا لكونه من الجملة التي ms0806 قامت بها الصفة ~~فلماذا يجب في كل ما كان من الإله أن يكون إلها لقيام صفة الإله بالإله ~~الموصوف كله مع أن كل واحد من الموجودات لا يكون حكم جزئه حكم كله لقيام ~~الصفة بالجميع وهل هذا إلا من أفسد الحجج وإن كان هو من أعظم عمد النفاة # قال الوجة الثاني في بيان لزوم المحال من اتصافه بهذه الصفات هو أنه لا ~~يخلو إما أن يكون اتصافه بها واجبا لذاته أو PageV04P194 لغيره لا جائز أن ~~يقال بالأول وإلا لزم اتصاف كل جسم بها وجوبا لذاته للتساوى في الحقيقة على ~~ما وقع به الفرض وإن كان الثاني فيلزم أن يكون الرب مفتقرا إلى ما يخصصه ~~بصفاته والمحتاج إلى غيره في إفادة صفاته له لا يكون إليها # قلت ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون اتصافه بها واجبا لذاته # قوله يلزم اتصاف كل جسم بها للتساوي في الحقيقة علي ما وقع به الفرض # قيل الذي وقع به الفرض أنه جسم كالأجسام وذلك يقتضى الإشتراك في مسمى ~~الجسمية فلم قلت إن ذلك يستلزم التساوي في الحقيقة فإن هذا مبنى على تماثل ~~الأجسام وهو ممنوع وهو باطل # وإن قيل إنه يقتضي مماثلة كل جسم في حقيقته بحيث يجوز عليه ما يجوز على ~~كل جسم ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجب له ما يجب له فهذا لا يقوله عاقل ~~يفهم ما يقول ولا يعرف هذا قولا لطائفة معروفة وفساده ظاهر لا يحتاج إلى ~~إطناب ولكن لا يلزم من فساده أن PageV04P195 لا يكون النزاع إلا لفظا فإن ~~المنازع يقول ليس هو مثل كل جسم من الأجسام فيما يجب ويجوز ويمتنع ولكن ~~شاركها في مسمى الجسمية كما إذا قيل هو حي وغيره حي شاركه في مسمى الحي ~~وكذلك شارك غيره في مسمى العالم والقادر والموجود والذات والحقيقة فما كان ~~من لوازم القدر المشترك ثبت لهما وما اختص بأحدهما لم يثبت للآخر # ومعلوم أن مسمى الجسمية إن قيل إنه يستلزم أن يجوز على كل جسم ما جاز ms0807 على ~~الآخر فلا يقول عاقل إن الله جسم بهذا التفسير ومن قال إنه جسم لم يقل إن ~~القدر المشترك إلا كالقدر المشترك في الذات والقائم بالنفس ومسمى التحيز ~~ويقول مع ذلك إن هذا المسمى وقع على أمور مختلفة الحقائق كالموصوف والقائم ~~بالنفس ونحو ذلك # وبالجملة إن ثبت تماثل الأجسام في كل ما يجب ويجوز ويمتنع أغناه عن هذا ~~الكلام وإن لم يثبت لم ينفعه هذا الكلام فهذا الكلام لا يحتاج إليه على ~~التقديرين فالمنازع يقول مسمى الجسم كمسمى الموصوف والقائم بنفسه والذات ~~والماهية والوجود ينقسم إلى واجب بنفسه وواجب بغيره وإذا كان أحد النوعين ~~واجبا بنفسه لم يجب أن يكون كل موصوف قائما بنفسه ولا كل موجود وكذلك لا ~~يكون PageV04P196 كل جسم فتبين أن كل ما ذكره مغلطة لأنه قال إما أن يقال ~~إنه جسم كالأجسام وإما أن يقال جسم لا كالأجسام فإن قيل بالثاني كان النزاع ~~في اللفظ لا في المعنى فدل ذلك على أن قوله في المعنى موافق لقول من يقول ~~جسم لا كالأجسام ثم جعل القسم الأول هو القول بتماثل الأجسام فكان حقيقة ~~قوله إنه إما أن يقال إنه مماثل للأجسام في حقيقتها بحيث يتصف بما تتصف به ~~من الوجوب والجواز والامتناع وإما إن لا يقال بذلك فمن لم يقل بذلك لم ~~ينازعه في المعنى ومن قال بالأول فقوله باطل # ومعلوم أن أحدا من الطوائف المعروفة وأهل الأقوال المنقولة لم يقل إنه ~~جسم مماثل للأجسام كما ذكر ومعلوم أيضا أن فساد هذا أبين من أن يحتاج إلى ~~ما ذكره من الأدلة فإن فساد هذا معلوم بالأدلة اليقينية لما في ذلك من ~~الجمع بين النقيضين إذ كان كل منهما يلزم أن يكون واجبا بنفسه لا واجبا ~~بنفسه محدثا لا محدثا ممكنا لا ممكنا قديما لا قديما إذ المتماثلان يجب ~~اشتراكهما في هذه الصفات # وإذا كان القول الذي نفاه لم يقله أحد ولم ينازعه فيه أحد والقول الذي ~~ادعى انه موافق لقائله في المعنى لا يخالف فيه قائلة بقي ms0808 مورد النزاع لم ~~يذكره ولم يقم دليلا على نفيه وهو قول من يقول هو PageV04P197 جسم كالأجسام ~~بمعنى أنه مشارك لغيره في مسمى الجسمية كما يشاركه في مسمى الموصوفية ~~والقيام بالنفس وأنه لم يثبت له لوازم القدر المشترك ولا يثبت له شيء من ~~خصائص المخلوقين ولا يكون مماثلا لشيء من الأجسام فيما يجب ويجوز ويمتنع ~~عليه لأن الأجسام المخلوقة لها خصائص تختص باعتبارها ثبت لها ما يجب ويجوز ~~ويمتنع عليه # والقدر المشترك عند هؤلاء لا يستلزم شيئا من خصائص المخلوقين وهذا القدر ~~لم يتعرض له هنا بنفي ولا إثبات لكنه يقول إن القدر المشترك يستلزم التماثل ~~في الحقيقة وإن ما لزم كلا من الأجسام لزم الآخر وإنما يفترقان فيما يعرض ~~لهما بمشيئة الخالق # لكن هذا القول لم يقرر هنا فبقي كلامه هنا بلا حجة مع أن هذا القول فاسد ~~في نفسه كما قد عرف وهو لما قرره في موضع آخر بناه على أصلين على إثباب ~~الجوهر الفرد وتماثل الجواهر وكلاهما ممنوع باطل قد قرر هو أنه لا حجة عليه ~~مع أن القول بأنه جسم كالأجسام ما علمت أنه قال أحد ولا نقله أحد عن أحد ~~وهو مع هذا لم PageV04P198 يذكر دليلا على نفيه فكيف يكون قد أقام دليلا ~~على نفي قول من يقول هو جسم لا كالأجسام # قال الثالث هو أنه لو كان جسما لكان له بعد وامتداد وذلك إما أن يكون غير ~~متناه أو متناهيا فإن كان غير متناه فإما أن يكون غير متناه من جميع الجهات ~~أو من بعض الجهات دون بعض فإن كان الأول فهو محال لوجهين الأول ما سنبينه ~~من إحالة بعد لا يتناهى والثاني يلزم منه أن لا يوجد جسم غيره أو أن تتداخل ~~الأجسام وهو يخالط القاذورات وهو محال وإن كان الثاني فهو ممتنع أيضا ~~لوجهين الأول ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهي والثاني أنه إما أن يكون ~~اختصاص أحد الطرفين بالنهاية دون الآخر لذاته أو لمخصص من خارج فإن كان ~~الأول فهو محال ms0809 لعدم الأولوية وإن كان الثاني فيلزم أن يكون الرب مفتقرا في ~~إفادة مقداره إلى موجب ومخصص ولا معنى للبعد غير نفس الأجزاء على ~~PageV04P199 ما تقدم فيكون الرب معلول الوجود وهو محال وإن كان متناهيا من ~~جميع الجهات فله شكل ومقدار وهو أما أن يكون مختصا بذلك الشكل والقدر لذاته ~~أو لأمر خارج فأن كان الأول لزم منه اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد ~~في الطبيعة وإن كان الثاني فالرب محتاج في وجوده إلى غيره وهو محال # قلت ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون مختصا بالشكل والمقدار لذاته قوله ~~إن ذلك يستلزم اشتراك جميع الأجسام كلها متحدة وهذا ممنوع بل باطل بل معلوم ~~الفساد بالضرورة والحس فإن طبيعة النار ليست طبيعة الماء ولا طبيعة الحيوان ~~طبيعة النبات وهذا مبنى على القول بأن الأجسام متماثلة في الحقيقة وهذا لو ~~صح لأغنى عن هذه الوجوه كلها وهو في كتابه لما ذكر قول من يقول بتجانس ~~PageV04P200 الأجسام من أهل الكلام المعتزلة والأشعرية قال إنهم بنوا ذلك ~~على أصلهم أن الجسم هو الجوهر المؤلف أو الجواهر المؤتلفة وأن الجواهر ~~متجانسة وأن التأليف من حيث هو تأليف غير مختلف فالأجسام الحاصلة منها غير ~~مختلفة # ومعلوم أن هذين الأصلين اللذين بنوا عليهما تماثل الأجسام قد أبطلهما هو ~~وغيره وهي مما يخالفهم فيها جمهور العقلاء فأكثر العقلاء لا يقولون إن ~~الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة لا جمهور أهل الملل ولا جمهور الفلاسفة ~~بل جمهور أهل الكلام من الهشامية والنجارية والضرارية والكلابية والكرامية ~~لا يقولون بذلك فكيف بمن عدا أهل الكلام من سائر أنواع أهل العلم فإنهم من ~~أعظم الناس إنكارا لذلك # وكذلك القول بتماثل الجواهر قول لا دليل عليه إذ المتازعون في الجواهر ~~المنفردة منهم من يقول باختلافها ومنهم من يقول بتماثلها # وأيضا فقول القائل إما أن يكون مختصا بذلك المقدار لذاته أو لأمر خارج # يقال له أتريد بذاته مجرد الجسمية المشتركة أم ذاته الذي يختص بها ويمتاز ~~بها عن غيره # أما الأول فلا يقوله عاقل ms0810 فإن عاقلا لا يعلل الحكم المختص بالأمر ~~PageV04P201 المشترك فلا يقول عاقل إن ما اختص به أحد الشيئين عن الآخر كان ~~للقدر المشترك بينهما فإن القدر المشترك بين الشيئين لا يستلزم المختص فضلا ~~عن أن يكون علة للمختص والعلة مستلزمة للمعلول والملزوم أعم من العلة فإذا ~~لم يكن المشترك ملزوما للمختص كان أن لا يكون علة أولى وأحرى فإن الملزوم ~~حيث وجد وجد اللازم # ومعلوم انه ليس حيث وجد المشترك يوجد المختص إذ المشترك يوجد في هذا ~~والمختص بالآخر منتف # وفي الجملة فهذا مما لا يتنازع فيه العقلاء فلا يكون اختصاص أحد الجسمين ~~( عن الأخر ) بخصائصه لمجرد الجسمية المشتركة بل تلك الخصائص مما يمتنع ~~ثبوتها لسائر الأجسام # وحينئذ فيقال معلوم أن كل جسم مختص بخصائص وخصائصه لا تكون لأجل الجسمية ~~المشتركة وذلك يمنع تماثل الأجسام لأنها لو كانت متماثلة للزم أن يكون ~~اختصاص بعضها بخصائصه لمخصص والمخصص إما الرب وإما غيره وتخصيص غيره ممتنع ~~لأنه جسم من الأجسام فالكلام فيه كالكلام في غيره ولأن التقدير أنها ~~متماثلة فليس هذا بالتخصيص أولى من هذا وتخصيصة أيضا ممتنع PageV04P202 ~~لانه يستلزم ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بغير مرجح وذلك ممتنع # وإذا قيل المرحج هو القدرة والمشيئة # قيل نسبة القدرة والمشيئة إلى جميع المتماثلات سواء فيمتنع الترجيح بمجرد ~~ذلك فلا بد أن يكون المرجح ما لله تعالى في ذلك من الحكمة والحكمة تستلزم ~~علم الحكيم بأن أحد الأمرين أولى من الآخر وأن يكون ذلك الراجح أحب إليه من ~~الآخر وحينئذ فذلك يستلزم تفاضل المعلومات المرادات وذلك يمنع تساويها وهو ~~المطلوب # وهذا الكلام يتعلق بمسألة حكمة الله في خلقة وأمره وهو مبسوط في غير هذا ~~الموضع ونفاة ذلك غاية ما عندهم أنهم يزعمون أن ذلك يقتضي افتقاره إلى ~~الغير لأن من فعل شيئا لمراد كان مفتقرا إلى ذلك المراد مستكملا به ~~والمستكمل بغيره ناقص بنفسه # وهذه الحجة باطلة كبطلان حجتهم في نفي الصفات وذلك أن لفظ الغير مجمل فإن ~~أريد بذلك أنه يفتقر إلى شيء مباين ms0811 منفصل عنه فهذا ممنوع فإن مفعولاته ~~ومراداته هو الفاعل لها كلها لا يحتاج في شئ منها إلى غيره وإن إريد بذلك ~~أنه يفتقر إلى ما هو مقدور له مفعول له كان حقيقة ذلك أنه مفتقر إلى نفسه ~~أو لوازم نفسه # ومعلوم أنه سبحانه موجود بنفسه لا يفتقر إلى ما هو غير له مباين ~~PageV04P203 له وأنه مستوجب لصفات الكمال التي هي من لوازم ذاته فإذا قال ~~القائل إنه مفتقر إلى نفسه كان حقيقته أنه لا يكون موجودا إلا بنفسه وهذا ~~المعنى حق # وإذا قيل هو مفتقر إلى صفاته اللازمة أو جزئه أو لوازم ذاته أو نحو ذلك ~~كان حقيقة ذلك أنه لا يكون موجودا إلا بصفات الكمال وأنه يمتنع وجوده دون ~~صفات الكمال التي هي من لوازم ذاته وهذا حق ومعلوم أن الأمور التي لا يمكن ~~وجودها إلا حادثة متعاقبة ليس الكمال في أن يكون كل منها أزليا فإن ذلك ~~ممتنع ولا في أن ذلك لا يكون فإن ذلك نقص وعدم بل في أن تكون بحسب إمكانها ~~على ما تقتضية الحكمة فيكون وجود تلك المرادات الحادثة من الكمالات التي ~~يستحقها ولا يحتاج فيها إلى غيره فيكون فعله ما يفعله للحكمة من أعظم نعوت ~~الكمال التي يجب أن يوصف بها ونفيها عنه يقتضى وصفه بالنقائص وإن كل كمال ~~يوصف به فليس مفتقرا فيه إلى غيره أصلا بل هو من لوازم ذاته سبحانه وتعالى ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا الذين يصفونه بالنقائص ويسلبونه الحكمة التي ~~هي من أعظم نعوت الكمال توهما أن إثباتها يقتضي الحاجة PageV04P204 إلى ~~غيره وذلك غلط محض بل لا يقتضي إثباتها إلا استلزام ذاته لنعوت كماله وكمال ~~نعوته لا افتقار إلى شيء مباين لنفسه المقدسة # وأيضا فيقال القول في استلزام الذات لقدرها الذي لم يقدره المشركون كما ~~قال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ سورة الزمر 67 ~~كاستلزام الذات لسائر صفاتها من العلم والقدرة والحياة فإنه لو كان ms0812 كل مختص ~~يحتاج إلى مخصص لزم الدور أو التسلسل الباطلان فلا بد من مختص بما يختص به ~~يختص بذلك لنفسه وذاته لا لأمر مباين له # وهذا هو حقيقة الواجب لنفسه المستلزم لجميع نعوته من غير افتقار إلى غير ~~نفسه مع أن ماذكره في وجوب تناهي الأبعاد قد أبطل فيه مسالك الناس كلها ~~وأنشأ مسلكا ذكر أنه لم يسبقه إليه أحد وإذا حرر الأمر عليه وعليهم في تلك ~~المسالك كان القدح فيها أقوى من مسالكهم ( في النفي ) فلو قدر أن اثنين ~~أثبت أحدهما موجودا قائما بنفسه لا يتناهي وأثبت الآخر موجودا لا يكون ~~متناهيا ولا غير PageV04P205 متناه كان قول الثاني أفسد والأول أقرب إلى ~~الصواب وما من مقدمة يدعون بها إفساد قول الأول وفي أقوالهم ما هو أفسد ~~منها # والمناظرة تارة تكون بين الحق والباطل وتارة بين القولين الباطلين لتبيين ~~بطلانهما أو بطلان أحدهما أو كون أحدهما أشد بطلانا من الآخر فإن هذا ينتفع ~~به كثيرا في أقوال أهل الكلام والفلسفة وأمثالهم ممن يقول أحدهم القول ~~الفاسد وينكر على منازعه ما هو أقرب منه إلى الصواب فيبين أن قول منازعه ~~أحق بالصحة إن كان قوله صحيحا وأن قوله أحق بالفساد إن كان قول منازعة ~~فاسدا لتنقطع بذلك حجة الباطل فإن هذا أمر مهم إذ كان المبطلون يعارضون ~~نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم فإن بيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين ~~فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت ولكن صالوا عليها صول ~~المحاربين لله ولرسوله فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد ~~في سبيل الله # وقد حكى الأشعرى وغيره عن طوائف أنهم يقولون إنه لا يتناهي وهؤلاء نوعان ~~نوع يقول هو جسم ونوع يقول ليس بجسم فإذا أراد النفاة أن يبطلوا قول هؤلاء ~~لم يمكنهم ذلك فإنهم إذا قالوا يلزم أن يخالط القاذورات والأجسام قالوا كما ~~أثبتم موجودا لا يشار إليه ولا هو داخل ولا خارج فنحن نثبت موجودا هو داخل ~~PageV04P206 ولا يخالط غيره فإذا قالوا هذا لا يعقل ms0813 قالوا وذلك لا يعقل # ومذهب النفاة أبعد في العقل من مذهب الحلولية ولهذا إذا ذكر القولان لأهل ~~الفطر السليمة نفروا عن قول النفاة أعظم من نفورهم عن قول الحلولية وكذلك ~~ما ذكره من امتناع النهاية من بعض الجوانب دون بعض فإن هذا قاله طائفة ممن ~~يقول إنه على العرش # وقول هؤلاء وإن قيل إنه باطل فقول النفاة أبطل منه أما احتجاجه على هؤلاء ~~بأن اختصاص أحد الطرفين بالنهاية دون الآخر محال لعدم الأولوية أو لافتقاره ~~إلى مخصص من خارج فيقولون له أنت دائما تثبت تخصيصا من هذا الجنس كما تقول ~~إن الإرداة تخصص أحد المثلين لا لموجب فإذا قيل لك هذا يستلزم ترجيح أحد ~~المتامثلين بلا مرجح قلت هذا شأن الإرداة والإرادة صفة من صفاته فإذا كانت ~~ذاته مستلزمة لما من شأنه ترجيح أحد المثلين لذاته بلا مرجح فلأن تكون ذاته ~~تقتضي ترجيح أحد المثلين بلا مرجح أولى # وهذا للمعتزله والفلاسفة ألزم فإن المعتزلة يقولون إن القادر المختار ~~يرجح بلا مرجح والفلاسفة يقولون مجرد الذات اقتضت ترجيح الممكنات بلا مرحج ~~آخر فقد اتفقوا كلهم على أن الذات توجب الترجيح لأحد المتماثلين بلا مرجح ~~فكيف يمكنهم مع هذا أن يمنعوا كونها تستلزم تخصيص أحد الجانبين بلا مخصص ~~PageV04P207 # ولو قال لهم منازعهم الموجودان القائمان بأنفسهما لابد أن يكون بينهما حد ~~وانفصال فعلمنا التناهي من جانب هذا الموجود وأما الجانب الآخر فلا نعلم ~~امتناعه إلا إذا علمنا امتناع وجود ابعاد لا تتناهي وهذا غير معلوم لنا أو ~~هو باطل لكان قولهم أقوى من قولهم # والمقصود هنا أن غايتهم في إبطال قول هؤلاء أن ينتهوا إلى إبطال بعد لا ~~يتناهي أو إلى عدم الأولوية أو وجوب المخالطة # وهذه المقدمات يمكن منازعوهم أن ينازعوهم فيها أعظم مما يمكنهم هم منازعة ~~أولئك في مقدمات حجتهم ويرد عليهم من المناقضات والمعارضات أعظم مما يرد ~~على أولئك وهذا مبسوط في موضعه # فهذه الحجة وأمثالها من حجج النفاة يمكن إبطالها من وجوه كثيرة بعضها من ~~جهة المعارضة بأقوال أهل ms0814 باطل آخر وبيان أنه ليس قول أولئك بأبطل من قول ~~هؤلاء فإذا لم يمكن الاستدلال على نفي أحد القولين إلا بالمقدمة التي بها ~~نفي القول الآخر لم يكن نفي أحدهما أولى من نفي الآخر بل إن كانت المقدمة ~~صحيحة لزم نفيها جميعا وإن كانت باطلة لم تدل على نفي واحد منهما فكيف إذا ~~كانت PageV04P208 المقدمة التي استدل بها المستدل على نفي قول منازعه قد ~~قال بها وبما هو أبلغ منها وبعض ما تبطل به هذه الحجة يكون من جهة أهل الحق ~~الذين لم يقولوا باطلا # ونحن نذكر ما يحضر من إبطالها بالكلام على مقدماتها والمواضع التي ينازعه ~~فيها الناس # الأول قوله لو كان جسما لكان له بعد وامتداد فإن هذا مما نازعه فيه طائفة ~~ممن يقول هو جسم وهو مع ذلك واحد لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه فلا يشار ~~إلى شيء منه دون شيء فإن هذا معروف عن طائفة من أهل الكلام من الكرامية ~~وغيرهم والرازي قد ذكر عن بعضهم لكنه ادعى أن هذا القول لا يعقل وأن فساده ~~معلوم بالضرورة # وكذلك قول من قال إنه فوق العرش وإنه مع ذلك ليس بجسم كما يذكر ذلك عن ~~الأشعري وكثير من أهل الكلام والحديث والفقة من أصحاب الأئمة الأربعة ~~وغيرهم وهو قول القاضي أبي يعلى وأبي الحسن الزاغوني وقول أبي الوفاء بن ~~عقيل في كثير من كلامه وهو قول أبي العباس القلانسي وقبله أبو محمد بن كلاب ~~وطوائف غير هؤلاء # فإذا قال القائل كونه جسما مع كون غير منقسم أو كونه فوق العرش مع كونه ~~غير جسم مما يعلم فساده بضرورة العقل PageV04P209 # فيقال ليس العلم بفساد هذا بأظهر من العلم بفساد قول من قال إنه موجود ~~قائم بنفسه فاعل لجميع العالم وأنه مع ذلك لا داخل في العالم ولا خارج عنه ~~ولا حال فيه ولا مباين له لا سيما إذا قيل مع ذلك إنه حي عالم قادر وقيل مع ~~ذلك ليس له حياة ولا علم ولا قدرة أو قيل هو ms0815 عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق ~~وعشق وأن العلم والحب نفس العالم المحب ونفس الحب هو نفس العلم أو قيل مع ~~ذلك إنه حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام ~~وقيل مع ذلك إنه لا داخل في مخلوقاته ولا خارج عنها ولا حال فيها ولا مباين ~~لها وأن إرادته لهذا المراد هو إرادته لهذا المراد ونفس رؤيته لهذا هو نفس ~~رؤيته لهذا ونفس علمه بهذا هونفس علمه بهذا وأن الكلام معنى واحد بالعين ~~فمعنى أية الكرسى وآية الدين وسائرالقرآن والتوارة والإنجيل وسائر ما تلكم ~~به هو شيء واحد فإن كانت هذه الأقوال مما يمكن صحتها في العقل فصحة قول من ~~قال هو فوق العرش وليس بجسم أو هو جسم وليس بمنقسم أقرب إلى العقل # وإن قيل بل هذا القول باطل في العقل فيقال تلك أبطل في العقل ومتى بطلت ~~تلك صح هذا # وإذا قيل النافي لإمكان تلك الأمور هو الوهم ( لا العقل ) PageV04P210 ~~وإلا فالعقل يجوز وجود ما ذكر قيل والنافي لإمكان هذا هو الوهم وإلا فالعقل ~~يجوز وجود ما ذكر وإذا قيل البرهان العقلي دل على وجود ما أنكره الوهم هنا # ومن تأمل هذا وجده من أصح المعارضة وأبين التناقض في كلام هؤلاء النفاة ~~وقد بسط هذا في غير هذا الموضع # الوجة الثاني قوله وإذا كان له بعد وامتداد فإما أن يكون غير متناه وإما ~~أن يكون متناهيا # فيقال من الناس من يقول إنه غير متناه وهؤلاء منهم من يقول جسم ومنهم من ~~يقول غير جسم وقد حكى القولين أبو الحسن الاشعري في المقالات وحكاهما غيره ~~أيضا ومن الناس من قال هو متناه من بعض الجهات وهذا مذكور عن طائفة من أهل ~~الكلام من الكرامية وغيرهم وقد قاله بعض المنتسبين إلى الطوائف الأربعة من ~~الفقهاء كما ذكره القاضي أبو يعلى في عيون المسائل فإن هذه الأقوال يوجد ~~عامتها في بعض أتباع الأئمة منها ما يوجد في بعض أصحاب أبي حنيفة ومنها ما ~~يوجد في بعض أصحاب ms0816 مالك ومنها ما يوجد في بعض أصحاب الشافعي ومنها ما يوجد ~~في بعض أصحاب أحمد ومنها ما يوجد في بعض أصحاب اثنين أو ثلاثة أو الأربعة ~~PageV04P211 # قوله إن كان غير متناه من جميع الجهات فهو محال لوجوه الأول ما سنبينه من ~~إحالة بعد لا يتناهي # فيقال له أنت قد أبطلت أدلة نفاة ذلك ولم تذكر إلا دليلا هو أضعف من أدلة ~~غيرك فبقيت الدعوى بلا دليل # قوله الثاني أنه يلزم منه نفي الأجسام أو تداخلها ومداخلة القاذورات # فيقال هؤلاء يقولون لا يلزم منه شيء من ذلك بل هو غير متناه مع كونه جسما ~~أو مع كونه غير جسم ويقولون لا يلزم نفي سائر الأجسام ولا مداخلتها فإذا ~~قيل لهم هذا ينفيه العقل قالوا نفى العقل لهذا كنفيه وجوده قائما بنفسه ~~فاعلا للعالم وهو مع ذلك لا حال في العالم ولا بائن من العالم بل نفي العقل ~~لهذا أعظم من نفيه لهذا وما قيل من الاعتذار عن ذلك بالفرق بين الوهم ~~والعقل يمكن في هذا بطريق الأولى كما قد بسط في موضعه # فإن هؤلاء ادعوا أن ( قول ) القائل كل موجودين إما أن يكونا متحايثين أو ~~متباينين أو كل موجودين قائمين بأنفسهما فإما أن يكونا متباينين أو ~~متلاصقين أو كل موجود قائم بنفسه فلا بد أن يكون PageV04P212 مشارا إليه ~~وأن قول القائل بإثبات موجود لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا حال فيه ولا ~~مباين له ولا يشار إليه ولا يقرب من شيء ولا يبعد من شيء ولا يصعد إليه شيء ~~ولا ينزل منه شيء وأمثال ذلك من الصفات السالبة النافية هو محال في العقل # قالوا إن هذا الموجب لذلك التقسيم والمحيل لوجود هذا إنما هو الوهم دون ~~العقل وأن الوهم يحكم غير المحسوس بحكم المحسوس وهذا باطل # فقيل لهم فأنتم لم تثبتوا بعد وجود ما لا يمكن الإحساس به وحكم الفطرة ~~أولى بديهي والوهم عندكم إنما يدرك الأشياء المعينة كإدراك العداوة ~~والصداقة كإدراك الشاة عداوة الذئب وصداقة الكبش وهذه أحكام كلية ms0817 والكليات ~~من حكم العقل لا من حكم الوهم # فهذا وأمثاله مما أبطل به ما ذكروه من الاعتذار بأن هذا حكم الوهم لكن ~~المقصود هنا أن ذلك العذر إن كان صحيحا فلمنازعيهم أن يعتذروا به ههنا ~~فيقولون ما ذكرتموه من كونه لو كان فوق العرش أو لو كان جسما لكان ممتدا ~~متناهيا أو غير متناه هو من حكم الوهم وهو فرع كونه قابلا لثبوت الامتداد ~~ونفيه أو لثبوت النهاية ونفيها ونحن نقول هو فوق العرش أو هو ( فوق العرش ) ~~وهو مع ذلك لا يقبل أن يكون ممتدا ولا غير PageV04P213 ممتد ولا أن يكون ~~متناهيا ولا غير متناه كما قلتم أنتم إنه موجود قائم بنفسه مبدع للعالم ~~مسمى بالأسماء الحسنى وأنه مع ذلك لا يقبل أن يقال هو متناه ولا غير متناه ~~بل ذاته لا تقبل إثبات ذلك ولا نفيه ولا تقبل أن يقال هو حال في العالم ولا ~~خارج عنه فلا توصف ذاته بالدخول ولا بالخروج فإن ذاته لا تقبل الإتصاف لا ~~بإثبات ذلك ولا بنفيه # فهذا ونحوه قولكم فإن كان هذا القول صحيحا أمكن من أثبت العلو دون ~~التجسيم أو العلو والتجسيم ونفي ما يذكر من لوازمه أن يقول فيه ما تقولونه ~~أنتم حيث أثبتم موجودا قائما بنفسه مبدعا للعالم ونفيتم ما يذكر من لوازمه ~~أن يقول فيه ما تقولونه أنتم حيث أثبتم موجودا قائما بنفسه مبدعا للعالم ~~ونفيتم ما يذكر من لوازمه فإن لزوم تلك اللوازم لما أثبتوه أظهر في صريح ~~العقل من لزوم هذه اللوازم لما أثبته هؤلاء فإن أمكنكم نفي اللزوم وادعيتم ~~أن القول باللزوم وإحالة ما أثبتموه من حكم الوهم دون العقل أمكن خصومكم أن ~~يقولوا مثل ذلك بمثل ما قلتموه بطريق الأولى # وهذا يفهمه من تصور حقيقة قول الطائفتين وأدلتهم العقلية فإنه إذا قابل ~~بين قول هؤلاء وقول هؤلاء تبين له صحة الموازنة وأن الإثبات PageV04P214 ~~أقرب إلى صريح المعقول وأبعد عن التناقض كما أنه أقرب إلى صحيح المنقول # وكذلك يقال في الوجه الثالث فإن إثبات ms0818 النهاية من أحد الطرفين دون الآخر ~~أبعد عن الإحالة من إثبات موجود قائم بنفسه لا يمكن أن يقال فيه هو متناه ~~ولا أن يقال غير متناه # وكذلك إثبات موجود لا نهاية له من الطرفين أقرب إلى المعقول من كونه لا ~~يقبل إثبات النهاية ولا نفيها # قوله فيلزم أن يكون الرب مفتقرا في إفادة مقداره إلى موجب ومخصص ولا معنى ~~للبعد غير نفس الأجزاء فيكون الرب معلولا لغيره # يقال ما من أحد من النفاة إلا وقد قال نظير هذا فالكلابية والأشعرية ~~يقولون الذات اقتضت صفات معدودة دون غيرها من الصفات فإنهم وإن تنازعوا في ~~كون صفاته كلها معلومة للبشر فإنهم لم يتنازعوا في إثبات صفات لا تتناهى بل ~~لابد أن تكون صفاته متناهية فجعلوا الذات مقتضية لعدد معين دون غيره من ~~الأعداد ولصفات معينة دون غيرها من الصفات بل واقتضت الأمر بشيء دون غيره ~~من المأمورات وبإرادة شيء دون غيره من المرادات مع أن نسبتها إلى جميع ~~المرادات والمأمورات نسبة واحدة PageV04P215 # وأصلهم أنه يجوز تخصيص أحد المثلين دون الآخر بغير مخصص بل بمحض الإرادة ~~وأن الذات اقتضت تلك الإرادة على ذلك الوجه دون غيرها لا لأمر آخر # فإذا قيل الذات اقتضت تناهيا من جانب دون جانب أو قدرا مخصوصا لم يكن هذا ~~في صريح العقل بأبعد من الامتناع من ذلك لا سيما وهم مع ذلك يقولون إن هذه ~~الإرادة اقتضت أن تكون الحوادث متناهية من أحد الطرفين دون الآخر فالحوادث ~~عندهم لا تتناهى من جانب المستقبل مع تناهيها من جانب الماضي ومع إمكان ~~تقدم الحوادث على مبدأ حدوثها وتأخرها عن ذلك المبدأ ولكن الإرادة هي ~~المخصصة لأحد المثلين والذات هي المخصصة لتلك الإرادة المعينة دون غيرها من ~~الإرادات وهي المخصصة للكلام المعين الذي هو أمر بشيء معين دون غيره من ~~الكلام والأوامر # والمعتزلة يقولون إن تلك الذات هي المخصصة لأحد المقدورين دون أمثاله من ~~المقدورات وكذلك هي المخصصة لكونها آمرة ومتكلمة وفاعلة بالأمر المعين ~~والكلام المعين والفعل المعين دون غيره من ms0819 الأنوامر والكلام والفعل وهي ~~المخصصة للإرادة أو لكونه مريدا دو غير تلك الإرادة أو غير تلك المريدية # والفلاسفة يقولون إن الذات أو الوجود الذي لا اختصاص له PageV04P216 ~~بحقيقة من الحقائق ولا صفة من الصفات هو المخصص للعالم كله بما هو عليه من ~~الحقائق والصفات والمقادير وأنه علة تامة موجبة للمعلول مع أن الحوادث من ~~المعلولات ليست أعيانها أزلية ولم يكن فيه ما يوجب تأخر شيء من المعلولات ~~ولا قام به صفة ولا معنى ولا فعل يوجب التخصيص لا بحقيقة دون حقيقة ولا ~~بصفة دون صفة ولا لحادث دو حادث ولا لتأخير ما يتأخر # والعالم يشهد فيه من الحقائق المختلفة والحوادث الحادثة ما يعلم معه ~~بالضرورة أنه لا بد له من مخصص وهم لا يثبتون إلا وجودا مطلقا ليس فيه ~~اختصاص وجودي بوجه من الوجوه فضلا عن أن يكون مقتضيا لتخصيص حقيقة دون ~~حقيقة وصفة دون صفة والحدوث من غير سبب يقتضي الحدوث وهذه الأمور لبسطها ~~موضع آخر # والمقصود أن هؤلاء القائلين بعدم التناهي أو بالتناهي من جانب دون جانب ~~مع كون قولهم فاسدا فنفاة كون الرب على العرش الذين يحتجون على نفي ذلك ~~بنفي الجسم وعلى نفي الجسم بهذه الحجج يلزمهم من التناقض أعظم مما يلزم ~~المثبتين والمقدمات التي PageV04P217 يحتجون بها هي أنفسها وما هو أقوى ~~منها من جنسها تدل على فساد أقوالهم بطريق الأولى فإن كانت صحيحة دلت على ~~فساد قولهم ومتى فسد قولهم صح قول المثبتة لامتناع رفع النقيضين وإن كانت ~~باطلة لم تدل على فساد قول المثبته فدل ذلك على أن هذه المقدمات مستلزمة ~~فساد قول النفاة دون قول أهل الإثبات # وهذه الطريق هي ثابته في الأدلة الشرعية والعقلية فإنا قد بينا في الرد ~~على أصول الجهمية النفاة للصفات في الكلام على تأسيس التقديس وغيره أن عامة ~~ما يحتج به النفاة للرؤية والنفاة لكونه فرق العرش ونحوهم من الأدلة ~~الشرعية الكتاب والسنة هي أنفسها تدل على نقيض قولهم ولا تدل على قولهم ~~فضلا عما يعترفون هم دلالته ms0820 على نقيض قولهم وهكذا أيضا عامة ما يحتجون به ~~من الأدلة العقلية إذا وصلت معهم فيها إلى آخر كلامهم وما يجيبون به ~~معارضهم وجدت كلامهم في ذلك يدل على نقيض قولهم وأن ما يذكرونه من ~~المناظرات العقلية هو على قول أهل الإثبات أدل منه على قولهم PageV04P218 # الجواب الرابع قوله إذا كان متناهيا من جميع الجهات فاختصاصه بالشكل ~~والمقدار إن كان لذاته لزم منه اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في ~~الطبيعة # فيقال له لا نسلم اشتراك جميع الأجسام في ذلك ولا نسلم أن الأجسام متحدة ~~في الطبيعة وقد عرف أن النزاع في هذه المسألة من النظار من أشهر الأمور ~~وهذا المصنف نفسه قد بين فساد حجج أصحابه المدعين تماثلها وتماثل الجواهر ~~فإذا كان هو نفسه قد بين فساد حجج القائلين بالاتحاد في الطبيعة كان قد ~~أفسد حجته بما ذكره هو من الأدلة العقلية على فسادها فضلا عما يذكره غيره ~~من العقلاء وقد بسط هذا في موضعه وإنما المقصود هنا التنبية على أن كل ~~مقدمة في هذه الحجة يمكن منعها ويكون قول المانع فيها أقوى من قول المحتج # قال الرابع أنه لو كان جسما لكان مركبا من الأجزاء وهو محال لوجهين الأول ~~أنه يكون مفتقرا إلى كل واحد من تلك الأجزاء ضرورة استحالة وجود المركب دون ~~أجزائه وكل منها غير PageV04P219 مفتقر إليه وما افتقر إلى غيره كا ممكنا ~~لا واجبا لذاته وقد قيل إ نه واجب لذاته # قلت ولقائل أن يقول هذا باطل من وجوه أحدها أن الذين قالوا إنه جسم لا ~~يقول أكثرهم إنه مركب من الأجزاء بل ولا يقولون إن كل جسم مركب من الأجزء ~~فالدليل على امتناع ما هو مركب من الأجزاء فقط لا يكون حجة على من قال إنه ~~ليس بمركب وإن كان بناء على أن كل جسم مركب فهذا ممنوع # وإن قيل لا نعنى بالأجزاء أجزاء كانت موجودة بدونه وإنما نعني بها أنه لا ~~بد أن يتميز منه شيء عن شيء # قيل فحينئذ لا يلزم أن ms0821 يكون ذلك الذي يمكن أن يصير جزءا غير مفتقر إليه ~~إذ هو لابد منه في وجود الجملة وليس موجودا دونها فالجملة لا تستغنى عنه ~~وهو أيضا لا يستغنى عنها فتكون الحجة باطلة # الثاني أن يقال ما تعنى بقولك إنه يكون مفتقرا إلى كل واحد من تلك ~~الأجزاء أتعنى أنه يكون مفعولا للجزء أو معلولا لعلة فاعلة أو تعنى أنه ~~يكون وجوده مشروطا بوجود الجزء PageV04P220 بحيث لا يوجد أحدهما إلا مع ~~الآخر فإن ادعيت الأول كان التلازم باطلا فإن من المعلوم أن الأجسام التي ~~خلقها الله تعالى ليس شيء من أجزائها فاعلا لها ولا علة فاعلة لها فإذا لم ~~يكن شيء من المركبات المخلوقة جزؤه فاعلا له ولا علة فاعلة له كان دعوى أن ~~ذلك قضية كلية من أفسد الكلام فإنه لا يعلم ثبوتها في شيء من الجزئيات ~~المشهودة فضلا عن أن تكون كلية # وإن قيل نعنى بالإفتقار أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا # قيل ولم قلتم إن مثل هذا ممتنع على الواجب بنفسه فإن الممتنع عليه أن ~~يكون فاعلا أو علة فاعلة إذا قيل بإمكان علة فاعلة لا تفعل بالاختيار فأما ~~كونه لا يكون وجوده مستلزما للوازم لا يكون موجودا إلا بها فالواجب بنفسه ~~لا ينافي ذلك سواء سميت صفات أو أجزاء أو ما سميت # ويظهر هذا بالوجه الثالث وهو أن النافي لمثل هذا التلازم إن كان متفلسفا ~~فهو يقول إن ذاته مستلزمة للممكنات المنفصلة عنه فكيف يمتنع أن تكون ~~مستلزمة لصفاته اللازمة له أو لما هو داخل في مسمى اسمه وهو أيضا يسلم أن ~~ذاته تستلزم كونه واجبا وموجودا PageV04P221 وعاقلا ( ومعقولا ) وعقلا ~~ولذيذا وملتذا به ومحبا لذاته ومحبوبا لها وأمثال ذلك من المعاني المتعدده # فإذا قيل هذه كلها شيء واحد # قيل هذا مع كونه معلوم الفساد بالضرورة لكونه تضمن أن العلم هو الحب وأن ~~العالم المحب هو العلم والحب فإن قدر إمكانه فقول القائل إن الجسم ليس ~~بمركب من الهيولي والصورة ولا من الجواهر المنفردة بل هو واحد ms0822 بسيط أقرب ~~إلى العقل من دعوى اتحاد هذه الحقائق # وإن كان من المعتزلة وامثالهم فهم يسلمون أن ذاته تستلزم أنه حي عالم ~~قادر وإن كان من الصفاتية فهم يسلمون استلزام ذاته للعلم والقدرة والحياة ~~وغير ذلك من الصفات فما من طائفة من الطوائف إلا وهي تضطر إلى أن تجعل ذاته ~~مستلزمة للوازم وحينئذ فنفي هذا التلازم لا سبيل لأحد إليه سواء سمى ~~افتقارا أو لم يسم وسواء قيل إن هذا يقتضي التركيب أو لم يقل # الوجه الرابع أن يقال قول القائل إن المركب مفتقر إلى كل PageV04P222 ~~واحد من تلك الأجزاء أتعنى بالمركب تلك الأجزاء أو تعنى به اجتماعها أو ~~الأمرين أو شيئا رابعا فإن عنيت الأول كان المعنى أن تلك الأجزاء مفتقرة ~~إلى تلك الأجزاء وكان حاصله أن الشيء المركب مفتقر إلى المركب وأن الشيء ~~مفتقر إلى نفسه وأن الواجب بنفسه مفتقر إلى الواجب بنفسه # ومعلوم أن الواجب بنفسه لا يكون مستغنيا عن نفسه بل وجوبه بنفسه يستلزم ~~أن نفسه لا تستغنى عن نفسه فما ذكرتموه من الافتقار هو تحقيق لكونه واجبا ~~بنفسه لا مانع لكونه واجبا بنفسه # وإن قيل إن المركب هو الإجتماع الذي هو اجتماع الأجزاء وتركيبها # قيل فهذا الاجتماع هو صفة وعرض للأجزاء لا يقول عاقل إنه واجب بنفسه دون ~~الأجزاء بل إنما يقال هو لازم للأجزاء والواجب لنفسه هو الذات القائمة ~~بنفسها وهي الأجزاء لا مجرد الصفة التي هي نسبة بين الأجزاء وإذا لم يكن ~~هذا هو نفس الذات الواجبة بنفسها وإنما هو صفة لها فالقول فيه كالقول في ~~غيره مما سميتموه أنتم أجزاء وغايته أن تكون بعض الأجزاء PageV04P223 ~~مفتقرة إلى سائرها وليس هذا هو افتقار الواجب بنفسه إلى جزئه # وإن قيل إن المركب هو المجموع أي الأجزاء واجتماعها فهذا من جنس أن يقال ~~المركب هو الأجزاء لكن على هذا التقدير صار الإجتماع جزءا من الأجزاء # وحينئذ فإذا قيل هو مفتقر إلى الأجزاء كان حقيقته أنه مفتقرا إلى نفسه أي ~~لا يستغى عن نفسه وهذا حقيقة ms0823 وجوبه بنفسه لا مناف لوجوبه بنفسه وإن عنيت به ~~شيئا رابعا فلا يعقل هنا شيء رابع فلا بد من تصويره # ثم هذا الكلام عليه وإن قال بل المجموع يقتضى افتقاره إلى كل جزء من ~~الأجزاء # قيل افتقار المجموع إلى ذلك الجزء كافتقاره إلى سائر الأجزاء ذلك ( الجزء ~~) وسائر الأجزاء هي المجموع فعاد ( الأمر ) إلى أنه مفتقر إلى نفسه # فإن قيل فاحد الجزأين مفتقر إلى الآخر أو قيل الجملة مفتقرة إلى كل جزء ~~إلى آخره # قيل أولا ليس هذا هو حجتكم فإنما ادعيتم افتقار الواجب بنفسه إلى جزئه ~~PageV04P224 # وقيل ثانيا إن عنيت بكون الجزأين مفتقرا إلى الآخر أن أحدهما فاعل للآخر ~~أو علة فاعلة له فهذا باطل بالضرورة فإن المركبات الممكنة ليس أحد أجزائها ~~علة فاعلة للآخر ولا فاعلا له باختياره فلو قدر أن في المركبات ما يكون ~~جزؤه فاعلا لجزئه لم يكن كل مركب كذلك فلا تكون القضية كلية فلا يجب أن ~~يكون مورد النزاع داخلا فيما جزؤه مفتقر إلى جزئه فكيف إذا لم يكن في ~~الممكنات شئ من ذلك فكيف يدعى في الواجب بنفسه إذا قدر مركبا أن يكون بعض ~~أجزاءه علة فاعلة للجزء الآخر # وإن عنيت أن أحد الجزأين لا يوجد إلا مع الجزء الأخر فهذا إنما فيه ~~تلازمهما وكون أحدهما مشروطا بالأخر وذلك دور معي اقتراني وهو ممكن صحيح ~~لابد منه في كل متلازمين وهذا لا ينافي كون المجموع واجبا بالمجموع # وإذا قيل في كل من الأجزاء هل هو واجب بنفسه أم لا # قيل إن أردت هل هو مفعول معلول لعلة فاعلة أم لا فليس في الأجزاء ما هو ~~كذلك بل كل منها واجب بنفسه بهذا الاعتبار وإن عنيت أنه هل فيها ما يوجد ~~بدون وجود الآخر PageV04P225 فليس فيها ما هو مستقل دون الآخر ولا هو واجب ~~بنفسه بهذا الاعتبار والدليل دل على إثبات واجب بنفسه غنى عن الفاعل والعلة ~~الفاعلة لا على أنه لا يكون شئ غنى عن الفاعل مستلزما للوازم # فلفظ الواجب بنفسه فيه إجمال ms0824 واشتباه دخل بسببه غلط كثير فما قام عليه ~~البرهان من إثبات الواجب بنفسه ليس هو ما فرضه هؤلاء النفاة فإن الممكن هو ~~الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده والواجب هو الذي يكون وجوده بنفسه لا بموجد ~~يوجده فكونه موجودا بنفسه مستلزما للوازم لا ينافي أن يكون ذاتا متصفة ~~بصفات الكمال وكل من الذات والصفات ملازم للآخر وكل من الصفات ملازمة ~~للأخرى وكل ما يسمى جزءا فهو ملازم للآخر # وإذا قيل هذا فيه تعدد الواجب # قيل إن أردتم تعدد الإله الموجود بنفسه الخالق للممكنات فليس كذلك وإن ~~أردتم تعدد معان وصفات له أو تعدد ما سميتموه أجزاء له فلم قلتم إنه إذا ~~كان كل من هذه واجبا بنفسه أي هو موجود بنفسه لا بموجد يوجده مع أن وجوده ~~ملزوم لوجود PageV04P226 الآخر يكون ممتنعا ولم قلتم إن ثبوت معنيين أو ~~شيئين واجبين متلازمين يكون ممتنعا # وهذا كما تقوله المعتزله إنكم إذا أثبتم الصفات قلتم بتعدد القديم # فيقال لهم إن قلتم أن ذلك يتضمن تعدد آلهة قديمة خالقة للمخلوقات فهذا ~~التلازم باطل # وإن قلتم يستلزم تعدد صفات قديمة للإله القديم # فلم قلتم إن هذا محال # فعامة ما يلبس به هؤلاء النفاة ألفاظ مجملة متشابهة إذا فسرت معانيها ~~وفصل بين ما هو حق منها وبين ما هو باطل زالت الشبهة وتبين أن الحق الذي لا ~~محيد عنه هو قول أهل الإثبات للمعاني والصفات # الوجه الخامس أن يقال قولك إن المركب مفتقر إلى كل واحد من تلك الأجزاء ~~ضرورة استحالة وجود المركب دون أجزائه ليس في ما يدل على افتقار المركب إلى ~~أجزائه فإن كونه يستحيل PageV04P227 وجوده دون الأجزاء يقتضي أنه لا يوجد ~~بدونها بل لا يوجد إلا وهي موجودة # وكون الشيء لا يوجد إلا مع الشيء لا يقتضى افتقاره إليه بل إنما يكون ~~مفتقرا إليه إذا كان لا يوجد إلا به ألا ترى أن المتضايفين لا يوجد أحدهما ~~دون الآخر ولا يقال إن أحدهما مفتقر إلى الآخر كالبنوة والأبوة بل كلاهما ~~معلول علة منفصلة ms0825 فمعلولا العلة لا يوجد أحدهما دون الآخر وهما جميعا ~~مفتقران إلى العلة ليس أحدهما مفتقرا إلى الأخر فإذا قدر أنه لا علة لهما ~~لم يكن أحدهما مفتقرا إلى الآخر ولا إلى علة # الوجه السادس أن يقال قولك وكل منهما غير مفتقر إليه خطأ ظاهر فإنه ليس ~~من ضرورة كون المركب متوقفا على كل من أجزائه أن لا يكون شئ من تلك الأجزاء ~~متوقفا عليه وذلك أن المركب إن أريد به نفس الأجزاء المجتمعة كان المعنى أن ~~المجتمع متوقف على المجتمع أو أن كل جزء متوقف على سائر الأجزاء أو على جزء ~~آخر أو على نفسه وأي شيء فرض من ذلك لم يلزم أن يكون أحد الجزأين هو ~~المفتقر دون الآخر وإن قدر أن المركب هو الإجتماع أو الاجتماع مع الأجزاء ~~فغنه إذا قدر أنها متلازمة لم يكن PageV04P228 أحد الأجزاء واجبا بنفسه ~~بمعنى أمكان وجوده دون سائر الأجزاء لا الإجتماع ولا غيره بل لا يوجد شيء ~~منها إلا بالآخر فلا يكون شيء من الأجزاء غير مفتقر إلا المركب بل كل منها ~~مفتقر إليه # وهذا لا يقاس بالواحد مع العشرة الذي يمكن وجوده دون وجود العشرة فإن ~~أجزاء العشرة ليست متلازمة وإنما الكلام في أمور متلازمة لا يمكن وجود ~~بعضها دون بعض كالصفات اللازمة للرب تعالى # وما سماه النفاة أجزاء فإنه لا يمكن وجود صفة من تلك الصفات دون الذات بل ~~ولا دون الصفة الأخرى وكذلك ما سموه جزءا لا يمكن وجوده دون الجميع ولا دون ~~جزء آخر فامتنع أن يقال إن كل جزء من الأجزاء غير مفتقر إلى المجموع المركب ~~مع أن المجموع المركب مفتقر إليه بل إذا سمى هذا التلازم افتقارا فافتقار ~~الصفة وما سموه جزءا إلى المجموع أعظم من افتقار الذات الواجبة بنفسها أو ~~ما سموه المجموع المركب الواجب بنفسه إلى الصفة أوالجزء فإن المجموع هو ~~الواجب بنفسه الذي لا يقبل العدم أصلا وكل جزء من أجزائه فلا يتصور وجوده ~~بدون وجود الآخر وهذا كما يقولون إن الحيوانية والناطقية ms0826 جزء من الإنسانية ~~ومع هذا يمتنع وجود الجزء دون هذه الماهية المركبة وكذلك يقولون إن الجسم ~~مركب من المادة والصورة PageV04P229 ويمتنع وجود أحدهما بدون الجسم بل ~~والجوهر عند عامة القائلين به يمتنع وجوده بدون وجود الجسم # الوجه السابع أن يقال قولك إن المركب الواجب بنفسه مفتقر إلى كل واحد من ~~أجزائه ضروره استحالة وجود المركب دون أجزائه وكل منها غير مفتقر إليه كلام ~~باطل وهو بالعكس أولى # وذلك أن ما قدر أنه جزء إذا كان غير مفتقر إليه لزم أن يكون واجبا بنفسه ~~وإذا كان واجبا بنفسه فإما أن يكون مستقلا لا يتوقف على وجود الجزء الآخر ~~ولا الجملة أو لا بد له من ذلك فإن كان مستقلا بنفسه لا يتوقف على جزء آخر ~~ولا على المجموع لزم تعدد الأمور الواجبة بنفسها المستقلة التي يستغنى ~~بعضها عن بعض ولا يتوقف واحد منها على الآخر ( ولا على الجملة ) # ومعلوم أنه إذا كان هذا جائزا لزم أن يكون هناك مجموع كل منه واجب بنفسه ~~والمجموع واجب بتلك الواجبات فإذا قدر تعدد الواجب بنفسه كان هذا مبطلا ~~لأصل هذا الكلام فضلا عن فروعه PageV04P230 ومع تقدير تعدده يمتنع عدم ~~تعدده فيكون الدليل الذي استدل به على نفي التركيب مستلزما لثبوت التركيب ~~فيكون دليله يدل على نقيض مطلوبه وهذا أبلغ ما يكون في بطلان قوله # وإن قدر أن للمجموع حقيقة غير تلك الأفراد فإن ما لزم الواجب كان واجبا ~~ويبيقى حينئذ الكلام في أن المجموع إن كان زائدا على العدد إنما وجوبه ~~بالعدد نزاع لا فائدة فيه فإنه إذا قدر عشرة كل منهم واجب بنفسه لزم أن ~~تكون العشرة واجبة قطعا وإذا كان كل من العشرة لا يقبل العدم لنفسه فالعشرة ~~لا تقبل العدم بطريق الأولى والأحرى # وانضمام الواجب بنفسه إلى الواجب بنفسه إذا قدر ذلك لا يوجب ضعفا لأحدهما ~~بل نفس ذلك الاجتماع هو من لوازم وجودهما بطريق الأولى والأحرى وإذا قدر أن ~~اتصال بعضها ببعض من لوازم وجودها الواجب بنفسه لم يكن ممتنعا ms0827 فإن الواجب ~~بنفسه على هذا التقدير لا يمتنع أن يكون له لوازم وملزومات واجبة ~~PageV04P231 ومن العجب أن هؤلاء القوم كهذا وأمثاله من الخائضين في واجب ~~الوجود على طريقة ابن سينا وأمثاله الذين جعلوا التركيب عمدتهم في نفي ما ~~ينفونه يوردون في طريق إثبات واجب أسولة تفسد ما ذكروه في انتقاء التركيب ~~بالضرورة وهي لا تفسد امتناع التسلسل وهم مع ذلك يوردونها في طريق إثباته ~~إشكالا على إبطال القول بالتسلسل الذي جعلوه مقدمة من مقدمات إثباته حتى ~~يبقوا دائما في نصرة التعطيل بالباطل وهم إذا نصروا الإثبات ببعض ما نصروا ~~به التعطيل كان فيه كفاية وبيان لفساد التعطيل # وبيان ذلك أنهم لم أثبتوا واجب الوجود جعلوا إثباته موقوفا على إبطال ~~التسلسل لما قالوا إن الممكن لا بد له من مرجح مؤثر ثم إما أن يتسلسل ثم ~~إما أن يتسلسل الأمر حتى يكون لكل ممكن مرجح ممكن فتتسلسل العلل والمعلولات ~~الممكنة أو ينتهي الأمر إلى واجب لنفسه ثم قالوا لم لا يجوز أن يكون ~~التسلسل جائزا كما قد تكلم على هذا في غير هذا الموضع # ومن أعظم أسولتهم قولهم لم لا يكون المجموع واجبا بأجزائه المتسلسلة وكل ~~منها واجب بالآخر وهذا السؤال ذكره الآمدى PageV04P232 وذكر أنه لا يستطيع ~~أن يجيب عنه ومضمونه وجوب وجود أمور ممكنه بنفسها ليس فيها ما هو موجود ~~واجب بنفسه لكن كل منها معلول للآخر والمجموع معلول بالأجزاء # ومن المعلوم أنا إذا فرضنا مجموعا واجبا بأجزائه الواجبة التي لا تقبل ~~العدم كان أولى في العقل من مجموع يجب باجزاء كل منها ممكن لا يوجد بنفسه ~~فإن المحتاج إلى الممكنات أولى بالإمكان أما الذي يكون وجوده لازما ~~للواجبات فلا يمكن عدمه # والعقل الصريح الذي لم يكذب قط يعلم أن المركب المجموع من أجزاء كل منها ~~ممكن لا وجود له بنفسه هو أيضا ممكن لا وجود له وأما المركب من أجزاء كل ~~منها واجب بنفسه فإنه لا يمتنع كونه واجبا بنفسه أي بتلك الأجزاء التي كل ~~منها واجب # وإذا قيل ms0828 الإجتماع نفسه مفتقر إلى تلك الأجزاء التي كل منها واجب بنفسه ~~كان ذلك نزاعا لفظيا # والمقصود أن العقل يصدق بإمكان هذا ولا يصدق بإمكان أجزاء كل منها ممكن ~~والمجموع واجب بها وهؤلاء قلبوا الحقائق العقلية PageV04P233 فقالوا إذا ~~اجتمعت واجبات بأنفسها صارت ممكنه وإذا اجتمعت ممكنات بأنفسها صارت واجبة ~~فإذا تكلموا في نفي الصفات الواجبة لله جعلوا كون المركب يستلزم أجزاءه ~~موجبا لامتناع المركب الذي جعلوه مانعا من العلو والتجسيم ومن ثبوت الصفات ~~ولا يوردون على أنفسهم ما أوردوه في إثبات واجب والوجود وإيراده هنا أولى ~~لأن فيه مطابقة لسائر أدله العقل مع تصديق ما جاءت به الرسل وما في ذلك من ~~إثبات صفات الكمال لله تعالى بل وإثبات حقيقته التي لا يكون موجودا إلا بها ~~فكان يمكنهم ا يقولوا لم لا يجوز أن يكون المجموع الواجب أو المركب الواجب ~~أو الجملة الواجبة واجبة بوجوب كل جزء من أجزائها التي هي واجبة بنفسها لا ~~تقبل العدم # وكان هذا خيرا من أن يقولوا لم لا يجوز أن يكون المجموع الذي كل من ~~أجزائه ممكن بنفسه هو واجبا بنفسه أو واجبا بأجزائه وهذا الأمدي مع أنه من ~~أفضل من تكلم من أبناء جنسه في هذه الأمور وأعرفهم بالكلام والفلسفة اضطرب ~~وعجز عن الجواب عن PageV04P234 الشبهة الداحضة القادحة في إثبات واجب ~~الوجود وهو دائما يحتج بنظيرها الذي هو أضعف منها على نفي العلو وغيره من ~~الأمور الثابته بالشرع والعقل ويقول إن ذلك يستلزم التجسيم وأن المخالفين ~~في الجسم جهال # ولو أعطى النظر حقه لعلم أن الجهل المركب فضلا عن البسيط أجدر بمن سلك ~~مثل تلك الطريق فإن من شك في اوضح الأمرين وأبينهما في العقل وفي أمر لم ~~يشك أحد من الأولين والآخرين فيه كان أولى بالجهل ممن قال بما قالت به ~~الأنبياء والرسل وأتباعهم وسائر عقلاء بني آدم من الأولين والآخرين وعلم ~~ثبوته بالبراهين اليقينية # وذلك أنه لم يجوز أحد من بنى آدم وجود فاعل للعالم ولذلك الفاعل فاعل إلى ~~ما لا نهاية ms0829 له من غير أن يكون هناك فاعل موجود PageV04P235 بنفسه فمن شك ~~في جواز هذا أو عجز عن جواب شبهة مجوزة كان جهله بينا وكان أجهل من أفحش ~~الناس قولا بالباطل المحض من التشبية والتجسيم حتى لو فرض القول الذي يحكى ~~عن غالية المنتقصة لله من اليهود وغيرهم مثل الذين يصفونه بالبكاء والحزن ~~وعض اليد حتى جرى الدم ورمد العين وباللغوب والفقر والبخل وغير ذلك من ~~النقائص التي يجب تنزه الله تعالى عنها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا # فإذا قدر واجب بنفسه موصوف بهذه النقائص لم يكن هذا ابعد في العقل من ~~وجود فاعل موجودا بنفسه له فاعل ليس موجودا بنفسه إلى ما لا يتناهي فإن هذا ~~وصف لجميع الفاعلين بالعدم الذي هو غاية النقص فإن غاية النقص أنه يرجع إلى ~~أمور عدمية فكيف عدم كل ما يقدر فاعلا للعالم # فتبين أن هؤلاء الذين يدعون العقليات التي تعارض السمعيات هم من أبعد ~~الناس عن موجب العقل ومقتضاه كما هم من أبعد الناس عن متابعة الكتاب المنزل ~~والنبي المرسل وأن نفس ما به يقدحون في أدلة الحق التي توافق ما جاء به ~~الرسول لو قدحوا به فيما يعارض ما جاء به الرسول لسلموا عن التناقض وصح ~~نظرهم وعقلهم واستدلالهم ومعارضتهم صحيح المنقول وصريح المعقول بالشبهات ~~الفاسدة PageV04P236 ومن أعجب الأشياء أن هذا الآمدى لما تكلم على مسألة هل ~~وجوده زائد على ذاته أم لا ذكر حجة من قال لا يزد وجوده على ذاته فقال ~~احتجوا بأنه لو كان زائدا على ذاته لم يخل إما أن يكون واجبا أو ممكنا لا ~~جائز أن يكون واجبا لأنه مفتقر إلى الذات ضرورة كونه صفة لها ولا شيء من ~~المفتقر إلى غيره يكون واجبا فإذا وجوده لو كان زائدا على ذاته لما كان ~~واجبا فلم يبق إلا أن يكون ممكنا وإذا كان ممكنا فلابد له من مؤثر والمؤثر ~~فيه إما الذات أو خارج عنها والأول ممتنع لأنه يستلزم كون الذات قابلة ~~وفاعلة ولأن المؤثر في ms0830 الوجود لا بد أن يكون موجودا فتأثيرها في وجودها ~~يفتقر إلى وجودها فالوجوه مفتقر إلى PageV04P237 نفسه وهو محال وإن كان ~~المؤثر غيرها كان الوجود الواجب مستفادا له من غيره فلا يكون الوجود واجبا ~~بنفسه # ثم قال وهذه الحجة ضعيفة إذ لقائل أن يقول ما المانع من كون الوجود ~~الزائد على الماهية واجبا لنفسه قولكم لأنه مفتقر إلى الماهية والمفتقر إلى ~~غيره لا يكون واجبا لنفسه قلنا لا نسلم أن الواجب لنفسه لا يكون مفتقر إلى ~~مؤثر فاعل ولا يمتنع أن يكون موجبا بنفسه وإن كان مفتقرا إلى القابل فإن ~~الفاعل الموجب بالذات لا يمتنع توقف تأثيره على القابل وسواء كان اقتضاؤه ~~بالذات لنفسه أو لما هو خارج عنه وهذا كما يقوله الفيلسوف في PageV04P238 ~~العقل الفعال بأنه موجب بذاته للصور الجوهرية والأنفس الأنسانية وإن كان ما ~~اقتضاه لذاته متوقفا على وجود الهيولى القابلة # قال وإن سلمنا أنه لا بد وأن يكون ممكنا ولكن لا نسلم أن حقيقة الممكن هو ~~المفتقر إلى المؤثر بل الممكن هو المفتقر إلى الغير الافتقار إلى الغير أعم ~~من الافتقار إلى المؤثر وقد تحقق ذلك بالافتقار إلى الذات القابلة # فيقال ففي هذا الكلام جوز أن يكون الوجود الواجب مفتقرا إلى الماهية وذكر ~~أن الواجب بنفسه هو الذي لا يفتقر إلى المؤثر ليس هو الذي لا يفتقر إلى ~~الغير وأن كونه ممكنا بمعنى افتقاره إلى الغير لا إلى المؤثر هو الإمكان ~~الذي يوصف به الوجود الواجب المفتقر إلى الماهية # وهذا الذى قاله هو بعينه يقال له فيما ذكره هنا حيث قال إن المجموع مفتقر ~~إلى كل من أجزائه والمفتقر إلى الغير لا يكون واجبا بنفسه لأنه ممكن ~~PageV04P239 # فيقال له لا نسلم أن المفتقر إلى الغير على الإطلاق لا يكون واجبا بنفسه ~~بل المفتقر إلى المؤثر لا يكون واجبا لنفسه وافتقار المجموع إلى كل من ~~أجزائه ليس افتقارا إلى مؤثر بل إلى الغير كافتقار الوجود إلى الماهية اذا ~~فرض تعددها # ويقال قولك إن المجموع يكون ممكنا أتعنى بالممكن ما ms0831 يفتقر إلى مؤثر أم ما ~~يفتقر إلى الغير # فإن قلت الأول كان باطلا وإن قلت الثاني فلم قلت إن الواجب بنفسه الذى لا ~~يفتقر إلى فاعل لا يكون ممكنا بمعنى أنه يفتقر إلى غير لا إلى فاعل # فهذا الكلام الذى ذكره هو بعينه يجيب به نفسه عما ذكره هنا بطريق الأولى ~~والأحرى فإن توقف المجموع الواجب لأجزائه على كل من أجزائه لا ينفى وجوبه ~~بنفسه التي هي المجموع مع الأجزاء أما توقف الوجود على الماهية المغايرة له ~~فإنه يقتضى توقف الوجود الواجب على ما ليس داخلا فيه PageV04P240 ومعلوم أن ~~افتقار الشيء إلى جزئه ليس هو كافتقاره إلى ما ليس جزأه بل الأول لا ينفى ~~كمال وجوبه إذ كان افتقاره إلى جزئه ليس أعظم من افتقاره إلى نفسه والواجب ~~بنفسه لا يستغنى عن نفسه فلا يستغنى عما وهو داخل في مسمى نفسه أما إذا قدر ~~وجود واجب وماهية مغايرة له كان الواجب مفتقرا إلى ما ليس داخلا في مسمى ~~اسمه فمن جوز ذاك كيف يمنع هذا # ولهذا كان قول مثبتة الصفات خيرا من قول أبي هاشم وأمثاله من المعتزلة ~~وأتباعهم الذين قالوا إن وجود كل موجود في الخارج مغاير لذاته الموجودة في ~~الخارج وأن وجود واجب الوجود زائد على ماهيته وإن كان قد وافقه على ذلك ~~طائفة من أهل الإثبات في أثناء كلامهم حتى من أصحاب الأئمة الأربعة ( أحمد ~~) وغيره كابن الزغواني وهو أحد قولي الرازي بل هو الذى رجحه في أكثر كتبه ~~وكذلك أبو حامد فإبطال مثل هذا التركيب أولى من إبطال ذاك وأدنى الأحوال أن ~~يكون مثله فإن من قال إن الوجود زائد على الماهية PageV04P241 لزمه أن يجعل ~~الماهية قابلة للوجود والوجود صفة لها فيجعل الوجود الواجب صفة لغيره ~~والصفة مفتقرة إلى محلها وهذا الافتقار أقرب إلى أن تكون الصفة ممكنة من ~~افتقار الجميع إلى جزئه فإن افتقار الجميع إلى نفسه لا ينافى وجوبه بنفسه ~~فكيف افتقاره إلى صفته اللازمة له وإلى ما يقدر أنه جزؤه الذى لا يوجد ms0832 إلا ~~في ضمن نفسه وأما افتقار الصفة إلى الموصوف فأدل على إمكان الصفة بنفسها ~~فإذا كان الوجود الواجب لا يمتنع أن يكون صفة لماهية فكيف يمتنع أن يكون ~~مجموعا # وغاية ما يقال إن الاجتماع صفة للأجزاء المجتمعة الموجودة الواجبة ومعلوم ~~أن صفة الأجزاء بنفسها أولى أن تكون موجودة واجبة من صفة الماهية التي هي ~~في نفسها ليست وجودا # فهذا الذى ذكره هناك حجة عليه هنا مع أنه يمكن تقريره بخير مما قرره به ~~فإنه قد يقال إن هذا تقرير ضعيف وذلك أنه قال لا نسلم ان الواجب لنفسه لا ~~يكون مفتقرا إلى غيره فإن الواجب لنفسه هو الذي لا يكون مفتقرا إلى مؤثر ~~فاعل ولا يمتنع أن يكون موجبا بنفسه وإن كان مفتقرا إلى القابل فإن ~~PageV04P242 الفاعل الموجب بالذات لا يمتنع توقف تأثيره على القابل وسواء ~~كان اقتضاؤه بالذات لنفسه أو لما هو خارج عنه وهذا كما يقول الفيلسوف في ~~العقل الفعال بأنه موجب بذاته للصور الجوهرية والأنفس الإنسانية وإن كان ما ~~اقتضاه لذاته متوقفا على وجود الهيولى القابلة # فقد يقال إن هذا التقرير ضعيف لوجوه # أحدها أن الكلام فيما هو واجب بنفسه لا فيما هو موجب لغيره أو فاعل له ~~وإذا قدر أن الموجب الفاعل يقف على غيره لم يلزم أن يكون الواجب بنفسه يقف ~~على غيره # الثاني أن الموجب الفاعل لا تقف نفسه على غيره وإنما يقف تأثيره ولا يلزم ~~من توقف تأثيره على غيره توقفه وهذا كما ذكره من التمثيل بالعقل الفعال فإن ~~أحدا لا يقول إن نفسه تتوقف على غيره الذى يقف عليه تأثيره فإذا كان هذا في ~~الموجب فكيف بالواجب # بل هم يقولون إن نفس إيجابه يتوقف على غيره بل وصول الأثر إلى المحل ~~يتوقف على استعداد المحل PageV04P243 # الثالث أن هذا التمثيل يمكن في غير الواجب بنفسه أما هو سبحانه وتعالى ~~فلا يتصور أن تقف ذاته على غيره ولا فعله على غيره فإن القوابل هي أيضا من ~~فعله فالكلام في فعله للمقبول لها كالكلام في ms0833 فعله للقابل فكل ما سواه فقير ~~إليه مفعول له وهو مستغن عن كل ما سواه من كل وجه بخلاف الفاعل المخلوق ~~الذى يتوقف فعله على قابل فإنه فعل مفتقر إلى شئ منفصل عنه لكن يمكن أن ~~يجاب عنه بأن يقال إذا كان الموجب لغيره المتوقف إيجابه على غيره لا يمنع ~~أن يكون موجبا بنفسه كما قالوا في العقل الفعال فأن يكون توقف إيجابه على ~~غيره لا يمنع أن يكون واجبا بنفسه أولى وأحرى فإن الموجب لغيره واجب وزيادة ~~إذ لا يوجد إلا ما هو موجود ولا يوجب إلا ما هو واجب # والعقل الفعال يقولون هو واجب بغيره وهو موجب بغيره لا واجب بنفسه ~~ومقصوده أن الوجوب والإيجاب بالذات لا يمنع توقف ذلك على غيره وإنما يمنع ~~كونه مفعولا للغير # وتلخيص الكلام أنه إذا قيل إن الوجود زائد على الماهية كانت الماهية محلا ~~للوجود الواجب فيكون الواجب لنفسه مفتقرا إلى قابل لا إلى فاعل فنقول ~~الواجب هو الذي لا يكون مفتقرا إلى فاعل ليس هو الذى لا يكون مفتقرا إلى ~~قابل فإن الذى قام عليه قطع التسلسل أن الواجب لا فاعل له ولا علة ~~PageV04P244 # أما كون الوجود الواجب له محل هو موصوف به أم لا فذاك كلام آخر لكنه عضد ~~ذلك بأن الإيجاب بالذات لا ينافي كون الموجب له محل يقبله فكذلك الوجوب ~~بالذات لاينفي أن يكون له محل يقبله واستشهد بالعقل الفعال لكنهم يقولون ~~العقل الفعال ليس بموجب بالذات وأما الرب الموجب بالذات فليس له محل يقبله ~~فتبين أن الاستشهاد بهذا لا يصح وليس التمثيل به مطابقا # والمقصود هنا أن الذى يعتمد عليه هو وأمثاله في نفي ما يسمونه التركيب هم ~~أنفسهم قد أبطلوه في مواضع أخر واحتجوا به في موضع آخر وهو حيث احتجوا به ~~أضعف منه حيث أبطلوه # وكذلك ما ذكره من الوجه الثاني على إبطال التركيب فإنه قال الوجه الثاني ~~في امتناع كونه مركبا من الأجزاء أن تلك الأجزاء إما أن تكون واجبة الوجود ~~لذاتها أو ممكنة ms0834 أو البعض واجبا والبعض ممكنا لا جائز أن يقال بالأول على ~~ما سيأتي تحقيقة في إثبات الوحدانية وإن كان الثاني أو الثالث فلا يخفى أن ~~المفتقر إلى الممكن المحتاج إلى الغير أولى بالإمكان والاحتياج والممكن ~~المحتاج لا يكون واجبا لذاته وما لا يكون واجبا لذاته لا يكون إلها ~~PageV04P245 # قلت ولقائل أن يقول هذا الوجه أيضا فاسد من وجوه # أحدها أن يقال لم لا يجوز أن تكون تلك الأجزاء كلها واجبة # قوله على ما سيأتي تحقيقة في مسألة التوحيد # يقال له الذى ذكرتة فيما بعد في مسألة التوحيد هي الطريقة المعروفة لابن ~~سينا وأتباعه أن الفلاسفة وهي وجهان أحدهما مبناه على أن المركب يفتقر إلى ~~أجزائه وها هو الوجه ( الأول ) الذى ذكرته هنا فصار مدار هذا الوجه الثانى ~~على الأول فلم يذكر إلا الأول وقد تبين فساده # الوجه الثاي الذى ذكرته في التوحيد مبناه على كون الوجوب يصير معلولا ~~وهذا هو الذى ذكرته في كون الوجود الواجب لا يزيد على الماهية لئلا يكون ~~معلولا للماهية وأنت قد أفسدت هذا الوجه وبا أفسدته به يفسد الآخر أيضا # فتبين أن ما ذكرته في مسألة التوحيد يعود إلى وجه واحد وأنت قد قدمت ~~فساده فالحوالة على ما سيأتى وما سيأتي منه ما هو مكرر فكلاهما فاسد # وهو دائما في كلامه يذكر فساد هذه الطريقة حتى أنه لما استدلت الفلاسفة ~~أتباع ابن سينا وغيرهم على أن الأجسام ممكنة بهذه PageV04P246 الطريقة ~~واستدل بها طائفة على حدوث العالم وهذا أول طريقة ذكرها في حدوث العالم ~~فقال قد احتج الأصحاب بمسالك الأول قولهم العالم ممكن بذاته وكل ممكن بذاته ~~فهو محدث وقرر الإمكان بأن قال أجسام العالم مؤلفة ومركبة لما سبق بيانه في ~~الأجسام وكل ما كان مؤلفا مركبا فهو مفتقر إلى أجزائه وكل مفتقر إلى غيره ~~لا يكون واجبا بذاته فالأجسام ممكنة لذواتها والأعراض قائمة بالأجسام ~~ومفتقرة إليها والمفتقر إلى الممكن أولى أن يكون ممكنا # ثم ضعف هذا المسلك قال وقولهم إن العالم مركب مسلم ولكن ما ms0835 المانع أن ~~تكون أجزاؤه واجبة وما ذكروه من PageV04P247 الدلالة فقد بينا ضعفها في ~~مسألة الوحدانية فهنا لما احتجوا بهذه الدلالة على حدوث العالم ذكر ضعفها ~~وأحال على ما ذكره في الوحدانية فكيف يحتج بها بعينها في مثل هذا المطلوب ~~بعينه وهو كون الأجسام ممكنة لأنها مركبة ويحيل على ما ذكره في التوحيد # ومعلوم أنه لو أبطلها حيث تعارض نصوص الكتاب والسنة واعتمد عليها حيث لا ~~تناقض ذلك لكان مع مافيه من التاقض أقرب إلى العقل والدين من أن يحتج بها ~~في نفى لوازم نصوص الكتاب والسنة ويبطلها حيث لا تخالف نصوص الأنبياء # الوجة الثاني أن يقال أنت أيضا قد بينت في الكلام على إثبات وحدانية الله ~~تعالى فساد هذه الطريقة التى سلكها ابن سينا وغيره من الفلاسفة التى أحلت ~~عليها هنا وذلك أنه قال الفصل الثاني في امتناع وجود إلهين لكل واحد منهما ~~من صفات الإلهية ما للآخر وقد احتج النافون للشركة بمسالك ضعيفة المسلك ~~الأول وهو ما ذكره الفلاسفة وذلك أنهم قالوا لو قدر وجود واجبين كل ~~PageV04P248 واحد منهما واجب لذاته فلا يخلو إما أن يقال باتفاقهما من كل ~~وجه أو باختلافهما من كل وجه أو باتفاقهما من وجه دون وجه فإن كان الأول ~~فلا تعدد في مسمى واجب الوجود إذ التعدد والتغاير دون مميز محال وإن كان ~~الثاني فما اشتركا في وجوب الوجود وإن كان الثالث فما به الاشتراك غير ما ~~به الافتراق وما به الاشتراك إن لم يكن هو وجوب الوجود فليسا بواجبين بل ~~أحدهما دون الآخر وإن كان الاشتراك بوجوب الوجود فهو ممتنع لوجهين الأول هو ~~أن ما به الاشتراك من وجوب الوجود إما أن يتم تحققه في كل واحد من الواجبين ~~بدون ما به الافتراق أو لا يتم دونه فإن كان الأول فهو محال وإلا كان ~~المعنى المشترك المطلق متحققا في الأعيان من غير مخصص وهو محال وإن كان ~~الثاني كان وجوب الوجود ممكنا لافتقاره في تحققه إلى غيره فالموصوف به وهو ~~ما قيل بوجوب ms0836 وجوده به أولى أن يكون ممكنا الوجه الثاني أن مسمى واجب ~~الوجود إذا كان مركبا من أمرين وهو وجوب الوجود المشترك وما به الافتراق ~~فيكون مفتقرا في وجوده إلى كل واحد من مفرديه وكل PageV04P249 واحد من ~~المفردين مغاير للجملة المركبة منهما ولهذا يتصور تعقل كل أحد من الأفراد ~~مع الجهل بالمركب منها والمعلوم غير المجهول وكل ما كان مفتقرا إلى غيره في ~~وجوده كان ممكنا لا واجبا لذاته إذ لا معنى لواجب الوجود لذاته إلا مالا ~~يفتقر في وجوده إلى غيره وهذه المحالات إنما لزمت من القول بتعدد واجب ~~الوجود لذاته فيكون محالا # قال وربما استروح بعض الأصحاب في إثبات الوحدانية إلى هذا المسلك أيضا ~~وهو ضعيف إذ لقائل أن يقول وإن سلمنا الاتفاق بينهما من وجه والافتراق من ~~وجه وأن ما به الاتفاق هو وجوب الوجود ولكن لم قلتم بالامتناع وما ذكرتموه ~~في الوجه الأول إنما يلزم أن لو كان مسمى وجوب الوجود معنى وجوديا وأما ~~بتقدير أن يكون أمرا سلبيا ومعنى عدميا وهو عدم افتقار الوجود إلى علة ~~خارجة فلا فلم قلتم بكونه أمرا وجوديا # ثم بسط الكلام في كونه عدميا بما ليس هذا موضع الكلام فيه PageV04P250 # قال وعلى هذا فقد بطل القول بالوجه الثاني فإنه إذا كان حاصل الوجوب يرجع ~~إلى صفة سلب فلا يوجب ذلك التركيب من ذات واجب الوجود وإلا لما وجد بسيط ~~أصلا فإنه ما من بسيط إلا ويتصف بسلب غيره عنه وإن سلمنا أن وجوب الوجود ~~أمر وجودى ولكن ما ذكرتموه من لزوم التركيب فهو لازم وإن كان واجب الوجود ~~واحدا من حيث أن مسمى واجب الوجود مركب من الذات المتصفة بالوجوب ومن ~~الوجوب الذاتي فما هو العذر عنه مع اتحاد واجب الوجود فهو العذر مع تعدده # قلت الوجه الأول ذكره الرازي قبله في إبطال هذا والوجه الثاني ذكره ~~الرازي كما ذكره الشهرستاني قبله وهو أن هذا منقوض بمشاركة واجب الوجود ~~لسائر الموجودات في مسمى الوجود وامتيازه عنها بوجوب الوجود فقد صار فيه ms0837 ~~على أصلكم ما به الاشتراك وما به الامتياز PageV04P251 # والأمدى يقول إن وجوب الوجود بالاشتراك اللفظي وقاله قبله الشهرستاني ~~والرازي مع تناقضهما في ذلك وقولهما في موضع آخر خلاف ذلك # والمقصود هنا أن ما ذكروه في إبطال تعدد واجب الوجود وإفساد طرق ابن سينا ~~وأتباعه في ذلك يبين بطلان ما أحال عليه في قوله لا يجوز أن تكون الأجزاء ~~كلها واجبة على ما سيأتي تحقيقة في مسألة التوحيد # ومن أعجب خذلان المخالفين للسنة وتضعيفهم للحجة إذا نصر بها حق وتقويتها ~~إذا نصر بها باطل أن حجة الفلاسفة على التوحيد قد أبطلها لاما استدلوا بها ~~على أن الإله واحد والمدلول حق لا ريب فيه وإن قدر ضعف الحجة ثم إنه يحتج ~~بها بعينا على نفي لوازم علو الله على خلقه بل ما يستلزم تعطيل ذاته ~~فيجعلها حجة فيما يستلزم التعطيل ويبطلها إذا احتج بها على التوحيد # وأيضا فما ذكره في إبطال هذه الحجة يبطل الوجه الأول أيضا فإنه إذا لم ~~يمتنع واجبان بأنفسهما فأن لا يمتنع جزءان كل منهما واجب بنفسه بطريق ~~الأولى والأحرى # واعلم أن الوجهين اللذين أبطلا بهما الحجة أحدهما منع كون الوجوب أمرا ~~ثبوتيا والثاني المعارضة أما المعارضة فواردة على هؤلاء الفلاسفة لا مندوحة ~~لهم عنها ومعارضة الشهرستاني والرازي وأظن PageV04P252 الغزالى أجود من ~~معارضة الآمدى ومن اعتذر عن ذلك بأن الواجب لفظ مشترك لزم بطلان توحيد ~~الفلاسفة بطريق الأولى فإنه لا محذور حينئذ في إثبات أمور متعددة كل منها ~~يقال له واجب الوجود بمعنى غير ما يقال للآخر # فبكل حال يلزم إما لزوم التركيب وإما بطلان توحديهم وأيهما كان لازما لزم ~~الآخر فإنه إذا لزم التركيب بطل توحيدهم وإذا بطل توحيدهم أمكن تعدد الواجب ~~وهذا يبطل امتناع التركيب # ولا ريب أن أصل كلامهم بل وكلام نفاة العلو الصفات مبنى على إبطال ~~التركيب وإثبات بسيط كلى مطلق مثل الكليات وهذا الذى يثبتونه لا يوجد إلا ~~في الأذهان والذى أبطلوه هو لازم لكل الأعيان فأثبتوا ممتنع الوجود في ~~الخارج وأبطلوا واجب ms0838 الوجود في الخارج # ونحن نبين بطلان ذلك بغير ما ذكره هؤلاء فنقول قول القائل إما أن يقال ~~باتفاقهما من كل وجه أو اختلافهما من كل وجه أو اتفاقها من وجه دون وجه إن ~~أريد به أنهما يتفقان في شيء بعينه موجود في الخارج فليس في الموجودات ~~شيئان ما يتفقان في شيء بعينه موجود في الخارج ولكن يشتبهان من بعض الوجوه ~~مع أن كلا منهما مختص بما قام به نفسه كالبياضين أو الأبيضين المشتبهين مع ~~أنه PageV04P253 ليس في أحدهما شئ مما في الآخر وإن أراد بقوله أو ~~اختلافهما من كل وجه أنهما لا يشتبهان في شئ ما ولا يشتركان في شئ ما فليس ~~في الوجود شيئان إلا بينهما اشتراك في شئ وتشابه في شئ ما ولو أنه مسمى ~~الوجود وإن أراد امتياز أحدهما عن الآخر فكل منهما ممتاز عن الآخر من ( كل ~~) وجه وإن كانا مشتركين في أشياء بمعنى اشتباههما لا بمعنى أن في الخارج ~~شيئا بعينه اشتركا فيه كما يشترك الشركاء في العقار # وإذا عرف أن هذه الألفاظ مجملة فنقول هما مشتبهان مشتركان في وجوب الوجود ~~كما أن كل متفقين في اسم متواطئ بالمعنى العام سواء كان متماثلا وهو ~~التواطؤ الخاص أو مشككا وهو المقابل للتواطؤ الخاص كالموجودين والحيوانين ~~والإنسانين والسوادين اشتركا في مسمى اللفظ الشامل لهما مع أن كلا منهما ~~متميز في الخارج عن الآخر من كل وجه فهما لم يشتركا في أمر يختص بأحدهما بل ~~وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه وإنما اشتركا في مطلق الوجود PageV04P254 ~~والوجود المطلق المشترك الكلى لا يكون كليا لا في هذا ولا في هذا بل هو كلى ~~في الأذهان مختص في الأعيان وإذا قيل الكلى الطبيعي موجود فمعناه أن ما كان ~~كليا في الذهن يوجد في الخارج لكن لا يتصور إذا وجد ان يكون كليا كما يقال ~~العام موجود في الخارج وهو لا يوجد عاما # وقوله إما أن يختلفا من كل وجه أو يتفقا من كل وجه # قلنا إذا أريد بالاختلاف ضد الاشتباه ms0839 فقد يقال ليسا مختلفين من كل وجه ~~وإن أريد الإمتياز فهما مختلفان من كل وجه # وقوله إذا كانا متفقين من كل وجه زال الامتياز يصح إذا أريد بالاختلاف ضد ~~الامتياز فإنهما إذا لم يتميز أحدهما عن الآخر بوجه بطل الامتياز وأما إذا ~~أريد بالاتفاق التشابه والتماثل فقد يكونان متماثلان من كل وجه كتماثل ~~أجزاء الماء الواحد # والتماثل لا يوجب أن يكون أحد المثلين هو الأخر بل لا بد ان يكون غيره ~~PageV04P255 وحينئذ فقوله ما به الاشتراك غير ما به الامتياز # قلنا لم يشتركا في شيء خارجي حتى يحوجهما اشتراكهما فيه إلى الامتياز بل ~~هما ممتازان بانفسهما وإنما تشابها أنو تماثلا في شئ والمتماثلان لا ~~يحوجهما التماثل إلى مميز بين عينيهما بل كل منهما ممتاز عن الآخر بنفسه # وقوله ما به الاشتراك إما وجوب الوجود أو غيره # قلنا كل منهما مختص بوجوب وجوده الذى يخصه كما هو مختص بسائر صفاته التى ~~تخص نفسه وهو أيضا مشابه الآخر في وجوب الوجود فما اشتركا فيه من الكلى لا ~~يقبل الاختصاص وما اختص به كل منهما عن الآخر لا يقبل الاشتراك فضلا عن أن ~~يكون ما اشتركا فيه محتاجا إلى مخصص وما اختص به كل منهما يقارنه فيه مشترك ~~وحينئذ فالاشتراك في وجوب الوجود المشترك والامتياز بوجوب الوجود المختص ~~والاشتراك أيضا في كل مشترك والامتياز بكل مختص # وقوله وإن كان الاشتراك بوجوب الوجود فهو ممتنع لوجهين أحدهما أن المشترك ~~إما أن يتم بدون ما به الافتراق وذلك محال وإلا كان المطلق متحققا في ~~الأعيان من غير مخصص وإن لم يتم إلا بما به الافتراق كان وجوب الوجود ممكنا ~~لافتقاره في تحققه إلى غيره # قلنا إن أريد بالمشترك بينهما المعنى المطلق الكلى فذاك لا يفتقر إلى ما ~~به الامتياز وليس له ثبوت في الأعيان حتى يقال إنه يلزم أن يكون ~~PageV04P256 المطلق في الأعيان من غير مخصص وإن أريد به ما يقوم بكل منهما ~~من المشترك وهو ما يوجد في الأعيان من الكلى فذاك لا اشتراك ms0840 فيه في الأعيان ~~فإن كل ما لأحدهما فهو مختص به لا اشتراك فيه وحينئذ فالموجود من الوجوب هو ~~مختص بأحدهما بنفسه لا يفتقر إلى مخصص فلا يكون الوجوب الذى لكل منهما في ~~الخارج مفتقرا إلى مخصص واذا لم يكن ذلك بطل ما احتجوا به على كونه ممكنا ~~وأما المشترك الكلى المطلق من الوجوب فذاك ليس موجودا لهذا ولا لهذا ولا ~~متحققا في الأعيان وحينئذ فلا يلزم أن الكلى يتحقق في الأعيان بلا مخصص # وأيضا فيقال هب أن المشترك لا يتحقق في الأعيان إلا بالمختص فهذا لا يمنع ~~وجوب وجوده إذ الواجب هو مالا فاعل له ليس هو ما لا لازم ولا ملزوم له # وهذا الآمدى ذكر هذا فيما تقدم وبين أن الوجود الواجب لا يمتنع توقفه على ~~القابل وإنما يمتنع توقفه على الفاعل # وبهذا يبطل الوجه الثاني وهو كون الوجود الواجب مركبا مما به PageV04P257 ~~الاشتراك وما به الامتياز ( فإن ما به الاشتراك لم يوجد في الخارج وما به ~~الامتياز لم يقع فيه اشتراك فليس في أحدهما ما به الاشتراك وما به الامتياز ~~) ولكن كل منهما موصوف بصفة يشابه بها الآخر وهو الوجوب واتصاف الموصوف ~~بصفة يشابه بها غيره من وجه وامر يختص به إنما يوجب ثبوت معان تقوم به وأن ~~ذاته مستلزمة لتلك المعاني وهذا لا ينافي وجوب الوجود بل لا يتم وجوب ~~الوجود إلا به ولو سلم أن مثل هذا تركيب فلا نسلم أن مثل هذا التركيب ممتنع ~~كما تقدم بيانه # فقد تبين بطلان الوجه الأول من وجهين وبطلان الوجه الثاني من وجهين غير ~~ما ذكروه والله أعلم # والوجه الأول من الوجهين هو الذي اعتمده ابن سينا في إشاراته وقد بسطنا ~~الكلام عليه في جزء مفرد شرحنا فيه أصول هذه الحجة التي دخل منها عليهم ~~التلبيس في منطقهم وإلهياتهم وعلى من اتبعهم كالرازي والسهروردى والطوسى ~~وغيرهم # وقد ذكرنا عنه هناك جوابين # أحدهما أن هؤلاء عمدوا إلى الصفات المتلازمة في العموم والخصوص ففرضوا ~~بعضها مختصا وبعضها عاما بمجرد التحكم كالوجود ms0841 والثبوت والحقيقة والماهية ~~ونحو ذلك PageV04P258 فإذا قيل الواجب والممكن كل منهما يشارك الأخر في ~~الوجود ويفارقه بحقيقه أو ما هيته # قيل لهم معنى الوجود يعمهما ومعنى الحقيقة يعمهما وكل منهما يمتاز عن ~~الآخربوجوده المختص به كما يمتاز عنه بحقيقته التى تختص به فليس جعل هذا ~~مشتركا وهذا مختصا بأولى من العكس # وهكذا إذا قدر واجبان لكل منهما حقيقة فهما مشتركان في مطلق الوجوب ومطلق ~~الحقيقة وكل منهما يمتاز عن الآخر بما يخصه من الوجوب والحقيقة فما قلتم به ~~الامتياز متلازم وما قلتم به الاشتراك متلازم ولا يفتقر ما جعلتم به ~~الاشتراك إلى ما جعلتم به الامتياز ولا ما جعلتم به الامتياز إلى ما جعلتم ~~به الاشتراك بل كل منها موصوف بما به الامتياز وهو ما يخصه وتلك الخصائص ~~تشابه خصائص الآخر من بعض الوجوه فذلك القدر المشترك الذى لا يختص بأحدهما ~~هو ما به الاشتراك # فإذا قيل هذا لون وهذا لون كانت لونية كل منهما مختصة به واللونية العامة ~~مشتركة بينهما # وكذلك إذا قيل هذا حيوان وهذا حيوان وهذا إنسان وهذا إنسان وهذا أسود ~~وهذا أسود وامثال ذلك فليس شيء من PageV04P259 الموجودات في الخارج مركبا ~~من نفس ما به الاشتراك وما به الامتياز بل هو مختص بوصف وذلك الوصف يشابه ~~غيره لكن هو مشتمل على صفات بعضها أعم من بعض أى بعضها يوجد نظيره في غيره ~~اكثر مما يوجد نظير الآخر وأما هو نفسه فلا يوجد في غيره # وأما الجواب الثاني فلا ريب أن كلا منهما فيه وجوب وفيه معنى آخر غير ~~الوجوب بل نفس الواجب الواحد فيه الوجوب وفيه ذاته وهذا هو النقض الذى ~~عارضهم به الآمدى # لكن قول القائل وجوب الوجود حينئذ يكون ممكنا لافتقاره في تحققه إلى غيره ~~فالموصوف به أولى أن يكون ممكنا كلام مجمل # فإنه يقال ما تعنى بكون الوجوب مفتقرا إلى غيره أتعنى به أنه مفتقر إلى ~~مؤثر أم مستلزم لغيره # فإن عنيت الأول فهو باطل فإنه لا يحتاج الوجوب سواء فرض مختصا أو ms0842 مشتركا ~~إلى فاعل ولكن لا بد له من محل يتصف به فإن الوجوب لا يكون إلا لواجب ~~وافتقار الوجوب إلى محله الموصوف به لا يمنع المحل أن يكون واجبا بل ذلك ~~يستلزم كونه واجبا # وقول القائل إن الوجوب يكون ممكنا إن أراد به افتقاره إلى PageV04P260 ~~محل فهذا حق لكن هذا لا يستلزم كونه مفتقرا إلى فاعل ولا كون المحل مفتقرا ~~إلى فاعل # فقوله وإن كان الثاني كان الوجوب ممكنا فالموصوف به أولى مغلطة فإن ~~الإمكان الذى يوصف به الوجوب إنما هو افتقاره إلى محل لا إلى فاعل ومعلوم ~~أنه إذا كانت صفة الموصوف تفتقر إليه لكونه محلا لها لا فاعلا لم يلزم ان ~~يكون الموصوف أولى بأن يكون محلا ولو قدر أن الوجوب يفتقر إلى مميز غير ~~المحل فهو من افتقار الشرط إلى المشروط واللازم إلى الملازم ليس هو من باب ~~افتقار المعلول إلى العلة الفاعلة # ومثل هذا لا يمتنع على وجوب الوجود بل لابد لوجوب الوجود من ذلك إذ وجوب ~~الوجود ليس هو الواجب الوجود بل هو صفة له مع أن الواجب الوجود له لوازم ~~وملزومات وذلك لا يوجب افتقاره إلى المؤثر فالوجوب أولى أن لا يفتقر إلى ~~مؤثر لأجل ما له من اللوازم والملزومات فهذان وجهان غير ما ذكره هو وأمثاله ~~هنا PageV04P261 # الوجه الرابع أن يقال لم لا يجوز ان يكون بعض تلك الأجزاء واجبا وبعضها ~~ممكنا # قوله الموقوف على الممكن أولى بالأمكان # قيل متى إذا كان الجزء الممكن من مقتضيات الجزء الواجب أو بالعكس وهذا ~~كما أن مجموع الوجود بعضه واجب لنفسه وبعضه ممكن والممكن منه من مفعولات ~~الواجب لنفسه ولا يلزم من ذلك أن يكون مجموع الموجودات أولى بالإمكان من ~~الموجودات الممكنة # وهذا الجواب يقوله من يقوله في مواضع أحدها في الذات مع الصفات # فإذا قيل له الذات والصفات مجموع مركب من أجزاء فإما أن تكون واجبة كلها ~~أو بعضها واجب وبعضها ممكن أمكنه أن يقول الذات واجبة والصفات ممكنة بنفسها ~~وهي واجبة بالذات كمايجيب بمثل ms0843 ذلك طائفة من الناس PageV04P262 # فإذا قيل المجموع متوقف على ة الممكن # قال إن ذلك الممكن من مقتضيات الواجب بنفسه # وهذا يقوله هؤلاء إذا فسر إمكان الصفات بأنها تفتقر إلى محل فالذات لا ~~تفتقر إلى محل فالذات لا تفتقر إلى فاعل ولا محل والصفات لابد لها من محل ~~وإن فسر الواجب بما لا يفتقر إلى موجب فالصفات أيضا لا تفتقر إلى موجب لكنه ~~قد يسلم له هؤلاء أن الصفات لها موجب وهو الذات # وقولهم إن الشيء الواحد لا يكون فاعلا وقابلا من أفسد الكلام كما قد بسط ~~في موضعه فيقول هؤلاء الذات موجبة للصفات ومحل لها والذات واجبة بنفسها ~~والصفات واجبة بها والمجموع واجب وإن توقف على الممكن بنفسه الواجب بغيره ~~لأن الواجب بنفسه مستلزم للصفات ولاجتماع المجموع # وأيضا فيقوله من يقول إنه يقوم بذاته أمور متعلقة بمشيئته وقدرته فإن تلك ~~( أيضا ) ممكنة بنفسها وقد تدخل في مسمى أسمائه ففي الجملة ليس معهم حجة ~~تمنع كون المجموع فيه ما هو واجب موجب لغيره وإذا قيل المحتاج إلى الغير ~~أولى بالاحتياج PageV04P263 # قيل هب أن الأمر كذلك لكن إذا كان الغير من لوازم الجزء الواجب بنفسه كان ~~المجموع من لوازم الجزء الواجب بنفسه وحاصله أن في الأمور المجتمعة ما هو ~~مستلزم لسائرها # وإذا قيل فحينئذ لا يكون الواجب بنفسه إلا ذلك الملزوم # قيل هذا نزاع لفظي فإن الممكنات لا بد لها من فاعل غنى عن الفاعل والدليل ~~دل على هذا وليس فيما ذكرتموه ما ينفى أن تكون ذاته مستلزمة لأمور لازمة له ~~واسمه يتناول الملزوم واللازم جميعا وإن سمى الملزوم واجبا بنفسه والالزم ~~واجبا بغيره كما قاله من قاله في الذات والصفات # فيقول المنازع له فهذه مجموع الأدلة التي ذكرها هو وغيره على نفي كون ~~الواجب بنفسه جسما أو جوهرا قد تبين أنه لا دلالة في شيء منها بل هي على ~~نقيض مطلوبهم أدل منها على المطلوب # وهذا ذكرناه لما أحال عليه قوله إن الحروف إذا قام كل منها بمحل غير ( ~~محل ) الآخر ms0844 يلزم التركيب وقد أبطلناه في إبطال التجسيم # ثم قال الوجه الثاني أنه قال ليس اختصاص بعض الأجزاء ببعض الحروف دون ~~البعض أولى من العكس PageV04P264 # ولقائل أن يقول هذا الوجه في غاية الضعف وذلك أنه إذا كانت الحروف مقدورة ~~له حادثة بمشيئته كما ذكرته عن منازعيك فتخصيص كل منها بمحلة كتخصيص جميع ~~الحوادث بما اختصت به من الصفات والمقادير والأمكنة والأزمنة # وهذا إما أن يرد إلى محض المشيئة وإما إلى حكمة جلية أو خفية وقد تنازع ~~الناس في الحروف التي في كلام الآدميين هل بينها وبين المعاني مناسبة تقتضي ~~الاختصاص على قولين مشهورين وأما اختصاصها بمحالها في حق الآدميين بسبب ~~يقتضى الاختصاص فهذا لا نزاع فيه فعلم أن الاختصاص منه بالمحل أولى منه ~~بالمعنى # وأما قوله إن قالوا باجتماع الحروف بذاته مع اتحاد الذات فيلزم منه ~~اجتماع المتضادات في شيء واحد فهذا قد تقدم أن للناس فيه قولين وأن ~~القائلين باجتماع ذلك إن كان قولهم فاسدا فقول من يقول باجتماع المعانى ~~المتعاقبة وأنها شيء واحد وأن الصفات المتنوعة شيء واحد أعظم فسادا # وأما قوله وإن لم يقولوا باجتماع حروف القول في ذاته فيلزم منه مناقضة ~~اصلهم في أن ما اتصف به الرب يستحيل عروه عنه فكلام صحيح ولكن تناقضهم لا ~~يستلزم صحة قول منازعيهم إذا كان ثم قول ثالث وهذا اللازم فيه نزاع معروف ~~وقد حكى النزاع عنهم أنفسهم PageV04P265 # فمن قال إن ما اتصف به من الأصوات والأفعال ونحو ذلك يجوز عروه عنه لم ~~يكن مناقضا # والذين قالوا منهم إنه لا يجوز عروه عما اتصف به عمدتهم أنه لو جاز عروه ~~عنه لم يمكن ذلك إلا بحدوث ضد ثم ذلك الضد الحادث لا يزول إلا بضد حادث ~~فيلزم تسلسل الحوادث بذاته وهذا يجيب عنه بعضهم بأنه يجوز عدمه بدون حدوث ~~ضد ويجيب عنه بعضهم بالتزام التسلسل في مثل ذلك في المستقبل # قال الآمدي السابع في تناقض الكرامية أنهم جوزوا اجتماع الإرادة الحادثة ~~مع الإرادة القديمة ومنعوا ذلك في العلم والقدرة ولو ms0845 سئلوا عن الفرق لكان ~~متعذرا # قلت ولقائل أن يقول إن كانوا هم فرقوا فغيرهم لم يفرق بل جوز تجدد علوم ~~وقدر وحينئذ فهم اعتمدوا في الفراق على ما اعتمدت عليه المعتزلة في الفرق ~~بين كونه عالما قادرا وبين كونه متكلما مريدا PageV04P266 حيث قالوا العلم ~~والقدرة عام في كل معلوم ومقدور فإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ~~والإرادة والكلام ليسا عامين في كل مراد ومقول بل لا يقول إلا الصدق ولا ~~يأمر إلا بالخير ولا يريد إلا ما وجد ولا يريد إرادة محبة إلا لما أمر # فهذا مما احتجوا به على حدوث كونه مريدا متكلما دونه كونه عالما قادرا ~~قالوا لأن الاختصاص يتعلق بالمحدثات بخلاف العموم فإنه يكون للقديم $ ( فصل ~~) # ومما يبين الأمر في ذلك وأن الأدلة التي يحتج بها هؤلاء على نفي لوازم ~~علو الله على خلقه هم يقدحون فيها ويبينون فسادها في موضع آخر أن عامة هذه ~~الحجج التي احتج بها الآمدي وغيره على نفي كونه جسما هم أنفسهم أبطلوها في ~~موضع آخر # والمقصود هنا ذكر ما قاله الآمدي وذلك أنه لما ذكر مسالك الناس في إثبات ~~حدوث الأجسام أبطل عامتها واختار الطريقة المبنية على أن الجسم لا يخلو من ~~الأعراض وأن العرض لا يبقى زمانين فتكون الأعراض حادثة ويمتنع حدوث ما لا ~~نهاية له وما لا يخلو عن الحوادث التى لها أول فله أول وذكر أن هذه الطريقة ~~هي المسلك PageV04P267 المشهور للأشعرية وعليه اعتماده # والرازي وأمثاله لم يعتمدوا على هذا المسلك لأنه مبنى على أن الأعراض ~~ممتنعة البقاء وهذه مقدمة خالف فيها جمهور العقلاء وقالوا إن قائليها ~~مخالفون للحس ولضرورة العقل فرأى أن الاعتماد عليها في حدوث الأجسام في ~~غاية الضعف # والآمدى قدح في الطرق التى اعتمد عليها الرازي كلها والمقصود هنا ذكر طعن ~~الآمدي في حجج نفسه التى احتج بها على نفي كونه جسما ونفي قيام الحوادث به ~~وقد تقدم أن حججه المبنية على تماثل الجواهر والأجسام قد قدح فيها وبين أنه ~~لا دليل لمن ms0846 أثبت ذلك وحجته المبنية على التركيب قد قدح هو فيها في غير ~~موضع كما ذكر بعضه PageV04P268 # وأما حجته المبنية على نفي المقدار اوالشكل وأنه لا بد له من مخصص وكل ما ~~له مخصص فهو محدث فإنه قال المقدمة الأولى وإن كانت مسلمة غير أن الثانية ~~وهي أن كل مفتقر إلى المخصص محدث وما ذكر في تقريرها باطل بما سبق في ~~المسلك الأول # قال وبتقدير تسليم حدوث ما أشير إليه من الصفات فلا يلزم أن تكون الأجسام ~~حادثه لجواز أن تكون هذه الصفات المتعاقبة عليها إلى غير النهاية إلا ~~بالالتفات إلى ما سبق من بيان امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها تنتهى إليه ~~فقد ذكر هنا أنه وإن كان لابد للمختص من مخصص فلا يلزم أن يكون حادثا بل ~~جاز أن يكون قديما في ذاته وصفاته أو قديما في الذات مع تعاقب الصفات ~~المحدثه من المقادير وغيرها عليه إلا إذا قيل ببطلان حوادث لا تتناهى # وحينئذ فيقال القديم إما واجب بنفسه وإما واجب بغيره فإن كان واجبا بنفسه ~~بطلت حجته وإن كان واجبا بغيره لزم من كون المعلول مختصا أن تكون علته ~~مختصة أيضا وإلا فبتقدير أن تكون العلة الموجبة وجودا مطلقا لا تختص بشيء ~~من الأشياء كما يقوله من يقول هو وجود مطلق تكون نسبته إلى جميع أجناس ~~الموجودات ومقاديرها وصفاتها نسبة واحدة وحينئذ فلا يخص مقدارا دون مقدار ~~بالاقتضاء والإيجاب إلا أن يقال لا يمكن غير ذلك المقدار PageV04P269 وإذا ~~قيل ذلك لزم أن يكون من المقادير ما هو واجب لا يمكن غيره فإذا قيل هذا في ~~الممكن ففي الواجب بنفسه أولى فإن تطرق الجواز إلى الممكن بنفسه أولى من ~~تطرقه إلى الواجب بنفسه فإذا قدر في الممكن مقدار لا يمكن وجود ما هو أكبر ~~منه فتقدير ذلك في الواجب بنفسه أولى # ونكته الجواب أن الموجب الذى يسمونه علة إن كان له مقدار بطل أصل قولهم ~~وإن لم يكن له مقدار فإما أن تكون جميع المقادير ممكنة بالنسبة إليه وإما ms0847 ~~أن لا يكون كذلك فإن كان الأول لم يخص بعضها دون بعض بلا مخصص لما في ذلك ~~من ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وإن لم يمكن إلا بعضها كما ~~يقوله من يقوله من المتفلسفة فحينئذ لزم أن يكون من المقادير ما هو ممتنع ~~لنفسه بل منها ما هو متعين لا يمكن وجود غيره # وإذا جاز أن يمتنع بعضها لنفسه فوجوب بعضها لنفسه أولى وأحرى وإذا جاز أن ~~يتعين ممكن من المقادير دون غيره لنفسه فتعين مقدار واجب لنفسه أولى وأحرى # وهذا كلام لا محيص لهم عنه فإن العالم إن كان واجبا بنفسه فقد ثبت أن ~~الواجب بنفسه يختص بمقدار وإن كان ممكنا فوجد ما هو أكبر منه أو أصغر إما ~~أن يكون في نفسه ممكنا وإما أن لا يكون فإن PageV04P270 لم يكن ممكنا ثبت ~~امتناع بعض المقادير لنفسه دون بعض في الممكنات ففي الواجب أولى # وحينئذ فبطل قول القائل ( إنه ) ما من مقدار إلا ويمكن ما هو أكبر منه ~~وأصغر وإن كان غير هذا المقدار ممكنا فتخصيص أحد الممكنين بالوجود يفتقر ~~إلى مخصص والوجود المطلق لا اختصاص له بممكن دون ممكن فلا بد أن يكون ~~المخصص أمرا فيه اختصاص وذلك الاختصاص واجب بنفسه وإذا كان الواجب لنفسه ~~فيه اختصاص واجب لم يمكن أن يقال كل اختصاص فلا بد له من مخصص إذ الاختصاص ~~ينقسم إلى واجب لنفسه وممكن # يوضح هذا إن المتفلسف إذا قال إن الموجب لتخصيص الفلك بمقدار دون مقدار ~~كون الهيولى لا تقبل إلا ذلك المقدار مثلا أو امتناع بعد وراء العالم أو ما ~~قيل من الأسباب # قيل له ما ذكرته من الهيولى وامتناع وجود موجود وراء العالم وإن كان ~~باطلا فيقال ما الموجب لكون الهيولى لا تكون على غير تلك الصفة ولم لا كانت ~~الهيولى غير هذه بحيث تقبل شكلا أكبر من هذا ثم إذا زعمت ان الممكن له ~~مقدار لا يمكن أن يكون اكبر منه لعدم القابل مع أنه لا يعلم وجود مخصص ~~لمقدار ms0848 دون مقدار ولا PageV04P271 لكون حيز هذا المقدار يقبل الوجود دون ~~الحيز الذي يجاوره فإن الأحياز المجردة المحضة متشابهة أبلغ من تشابه ~~المقادير # فإذا ادعيت التخصيص في هذا ففي الواجب بنفسه أولى وأحرى ثم بتقدير أن ~~تكون المقادير والصفات حادثه فالحجة المبنية على نفي حوادث لا تتناهى قد ~~عرف ضعفها # وقد أبطل هو جميع أدلة الناس التى ذكرها إلا حجة واحدة اختارها وهي أضعف ~~من غيرها كما قد ذكر غيره مرة # وإذا كانت هذه الحجة لا تمنع جواز تعاقب الحوادث على القديم لم يمنتع كون ~~القديم محلا للحوادث فبطل استدلالهم على نفي ذلك بمثل هذه الحجة # فهذه الحجج الثلاث قد قدح هو فيها وأما الرابعة وهي تعدد الصفات فالقدح ~~فيها تبع للقدح في هذه الثلاث فإنها مبنية عليها إذ عمدة النفاة هي هذه ~~الثلاث وكلامهم كله يدور عليها حجة التركيب وحجة الأعراض بأن ما لا يخلو عن ~~الحادث فهو حادث وحجة الاختصاص # وحججه الأولى على نفى الجوهر مبنية على نفي تماثل الجواهر وهو قد بين أن ~~جميع ما ذكروه فإنه يرجع إلى ما قاله وقال إنه لا دليل فيه على نفى تماثلها ~~PageV04P272 # وأما الثانية وهي قوله إما أن يكون مركبا فيكون جسما أو لا يكون فيكون ~~جوهرا فردا فمبنية على نفي التركيب وهو قد أفسد أدلة ذلك أو على نفي الجسم ~~وقد عرف كلامه وقدحه في حجج نفى ذلك # وأما حجته الثالثة فإنها مبنية على تماثل الجواهر أيضا وهو قد أبطل أدلة ~~ذلك ومبنية على امتناع حلول الحوادث به أيضا وقد أبطل هو أيضا جميع حجج ذلك ~~واستدل بحجة الكمال والنقصان كما احتج بها الرازي وهو أيضا قد أبطل هذه ~~الحجة لما استدل بها الفلاسفة على قدم العالم كما ذكر عنه # وأما حجته الرابعة على نفى الجوهر فبناها على نفى التحيز وبنى نفى التحيز ~~على حجتين على حجة الحركة والسكون وعلى تماثل الجواهر # وهو قد بين أنه لا دليل على تماثل الجواهر وأبطل أيضا حجة الحركة والسكون ~~لما احتج بها من ms0849 احتج على حدوث الأجسام فإنه قال المسلك السادس لبعض ~~المتأخرين من أصحابنا يعنى به الرازي وهذا المسلك أخذه الرازي عن المعتزلة ~~ذكره أبو الحسين وغيره أنه لو كانت الأجسام أزلية لكانت ( في الأزل ) إما ~~أن PageV04P273 تكون متحركة أو ساكنة والقسمان باطلان فالقول بأزليتها باطل # ثم اعترض عليه بوجوه متعددة # قال ولقائل أن يقول إما أن تكون الحركة عبارة عن الحصول في الحيز بعد ~~الحصول في حيز آخر والسكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد أن كان في ذلك ~~الحيز أو لا يكون كذلك فإن كان الأول فقد بطل الحصر بالجسم في أول زمان ~~حدوثه فإنه ليس متحركا لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان فيه وإن كان الثاني ~~فقد بطل ما ذكره في تقرير كون السكون أمرا وجوديا ولا مخلص عنه قلت هذه ~~مسألة نزاع بين أهل النظر أن الجسم في أول أوقات حدوثه هل يوصف بأحدهم أو ~~يخلو عنهما والذى قاله الرازى هو قول PageV04P274 أبى هاشم وغيره من ~~المعتزله ومضمونه أنه في أول أوقات حدوثه ليس متحركا ولا ساكنا # واعترض عليه بتقسيم حاصر فقال إن كانت الحركة عبارة عن الانتقال من حيز ~~إلى حيز والسكون البقاء في حيز بعد حيز فالجسم في أول أوقات حدوثه لا متحرك ~~ولا ساكن وإن لم يكن الأمر كذلك فقد بطل ما ذكره من كون السكون أمرا وجوديا ~~فإنه اعتمد في ذلك على أن السكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد أن كان في ~~ذلك الحيز # قال الآمدي فإن قيل الكلام إنما هو في الجسم في الزمان الثاني والجسم في ~~الزمان الثاني لا يخلو عن الحركة والسكون بالتفسير المذكور فهذا قول ظاهر ~~الإحالة فإنه إذا كان الكلام في الجسم إنما هو في الزمان الثاني فوجود ~~الجسم بالزمان الثاني ليس هو حالة الأولية وعند ذلك فلا يلزم أن ~~PageV04P275 يكون الجسم أزلا لا يخلو عن الحركة والسكون قلت بل بتقدير قدمه ~~لا يخلو عن الحركة والسكون لأنه حينئذ إما أن يبقى في حيز أو ينتقل عنه ms0850 ~~والأول السكون والثاني الحركة # وما ذكره الآمدى من جواز خلوه عنهما على أحد التقديرين فإنما هو بتقدير ~~حدوثه ومعلوم أنه إذا كان بتقدير قدمه لا يخلو عنهما وكلاهما ممتنع كان ~~بتقدير قدمه # مستلزما لأمر ممتنع وهو الجمع بين النقيضين فإنه إذا صحت المقدمتان لزم ~~أن يكون حادثا بتقدير قدمه وهو أنه لو كان قديما لم يخل من حادث وما لا ~~يخلو من الحوادث فهو حادث # وما ذكره الآمدى إنما يتوجه إذا قيل الجسم مطلقا لا يخلو عن الحركة ~~والسكون وحينئذ فإما أن يخلو عنهما أو لا يخلو فإن خلا عنهما لم يكن ذلك ~~إلا حال حدوثه فكيون حادثا وإن لم يخل عنهما لزم أن يكون حادثا فيلزم حدوثه ~~على كل تقدير # ونحن نذكر ما يقدح به الآمدي وامثاله في حججهم التى احتجوا بها في موضع ~~آخر وإن كان بعض ذلك القدح ليس بحق ولكن يعطى كل ذى حق حقه قولا بالحق ~~واتباعا للعدل PageV04P276 وقد ذكرنا كلام الأمدى على سائر ما ذكره في ~~امتناع كون الحركة أزلية مثل قوله لم قلتم بامتناع كون الحركة أزلية وما ~~ذكروه من الوجه الأول فإنما يلزم أن لو قيل بأن الحركة الواحدة بالشخص ~~أزلية وليس كذلك بل المعنى بكون الحركة أزلية أن أعداد أشخاصها المتعاقبة ~~لا أول لها وعند ذلك فلا منافاة بين كون كل واحد من آحاد الحركات الشخصية ~~حادثة ومسبوقة بالغير وبين كون جملة آحادها أزلية بمعنى أنها متعاقبة إلى ~~غير نهاية إلى آخر كلامه # والمقصود هنا التنبيه على أنه نقض في موضع آخر عامة ما احتج به هنا $ ( ~~فصل ) # ومما ينبغي معرفته في هذا الباب أن القائلين بنفى علو الله على خلقه ~~الذين يستدلون على ذلك أو عليه وعلى غيره بنفى التجسيم ( فإنهم ) ينقضون ~~الحجج التى يحتجون بها فتارة ينقض أحدهم الحجج التى يحتج ( كما ذكرناه ) عن ~~الرازى والأمدى PageV04P277 ( وأمثالهما ) من حذاق النظار الذين جمعوا ~~خلاصة ما ذكره النفاة من أهل الفلسفة والكلام بل يعارضون ( ما يجب تصديقه ) ~~بما يعلم بصريح العقل ms0851 أنه خطأ بل يعارضون السمعيات التى يعلم أن العقل ~~الصريح ( موافق لها بما يعلم العقل الصريح أنه باطل ) ( وتارة ) كل طائفة ~~تبطل الطريقة العقلية التى اعتمدت عليها الأخرى بما يظهر به بطلانها بالعقل ~~الصريح وليسوا متفقين على طريقة واحدة # وهذا يبين خطأهم كلهم من وجهين من جهة العقل الصريح الذى بين به كل قوم ~~فساد ما قاله الآخرون ومن جهة أنه ليس معهم معقول اشتركوا فيه فضلا عن أن ~~يكون من صريح المعقول # بل المقدمة التي تدعى طائفة من النظار صحتها تقول الأخرى هي باطلة وهذا ~~بخلاف مقدمات أهل الإثبات الموافقة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فإنها من العقليات التى اتفقت عليها فطر العقلاء السليمى الفطرة التى لا ~~ينازع فيها إلا من تلقى النزاع تعليما من غيره لا من موجب فطرته فإنما يقدح ~~فيها بمقدمة تقليدية أو نظرية PageV04P278 لا ترجع إلى ( العقل الصريح ) ~~وهو يدعى أنها عقلية فطرية # ومن كان له خبرة بحقيقة هذا الباب تبين له أن جميع المقدمات العقلية التي ~~ترجع إليها براهين المعارضين للنصوص النبوية إنما ترجع إلى تقليد منهم ~~لأسلافهم لا إلى ما يعلم بضرورة العقل ولا إلى فطرة فهم يعارضون ما قامت ~~الأدلة العقلية على وجوب تصديقه وسلامته من الخطأ بما قامت الأدلة العقلية ~~على أنه لا يجب تصديقه بل قد علم جواز الخطأ عليه وعلم وقوع الخطأ منه فيما ~~هو دون الإلهيات فضلا عن الإلهيات التى يتيقن خطأ من خالف الرسل فيها ~~بالأدلة المجملة والمفصلة # والمقصود هنا التنبيه على جوامع قدح كل طائفة في طريق الطائفة الأخرى من ~~نفاة العلو أو العلووغيره من الصفات بناء على نفى التجسيم ففحول أهل الكلام ~~كأبي على وأبى هاشم والقاضي PageV04P279 عبد الجبار وأبي الحسن الأشعري ~~والقاضي أبي بكر وأبي الحسين البصرى ومحمد بن الهيصم وأبي المعالى الجوينى ~~وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزال وغيرهم يبطلون طرق الفلاسفة التى ~~بنوا عليها النفى منهم من يبطل أصلوهم المنطقية وتقسيمهم الصفات إلى ذاتي ~~وعرضى وتقسيم العرضى إلى ms0852 لازم للماهية وعارض لها ودعواهم أن الصفات اللازمة ~~للموصوف منها ما هو ذاتي داخل في الماهية ومنها ما هو عرضى خارج عن الماهية ~~وبناءهم توحيد واجب الوجود الذى مضمونه نفى الصفات على هذه الأصول وهم في ~~هذا التقسيم جعلوا الماهيات النوعية زائدا في الخارج على الموجودات العينية ~~وليس هذا قول من قال المعدوم شيء فإن أولئك يثبتون ذواتا معينة ثابتة في ~~العدم تقبل الوجود المعين وهؤلاء يثبتون ماهيات كلية لا معينة وأرسطو ~~وأتباعه إنما يثبتونها مقارنة للموجودات المعينة لا مفارفة لها واما شيعة ~~أفلاطن فيثبتونها مفارقة ويدعون أنها أزلية أبدية وشيعة فيثاغورس تثبت ~~أعدادا مجردة # وما يثبته هؤلاء إنما هو في الأذهان ظنوا ثبوته في الخارج وتقسيمهم الحد ~~إلى حقيقى ذاتي ورسمى أو لفظي أو تقسيم المعرف إلى حد ورسم هو بناء على هذا ~~التقسيم # وعامة نظار أهل الإسلام وغيرهم ردوا ذلك عليهم وبينوا فساد PageV04P280 ~~كلامهم وأن الحد إنما يراد به التمييز بين المحدود وغيره وأنه يحصل بالخواص ~~التى هي لازمة ملزومة لا يحتاج إلى ذكر الصفات العامة بل منعوا أن يذكر في ~~الحد الصفات المشتركة بينه وبين غيره بل وأكثرهم منعوا تركيب الحد كما هو ~~مبسوط في موضعه وقد صنف في ذلك متكلموا الطوائف كأبي هاشم وغيره من ~~المعتزلة وابن النوبخت وغيره من الشيعة والقاضى أبى بكر وغيره من مثبتة ~~الصفات # وأما أبو حامد الغزالى فإنه وإن وافقهم على صحة الأصول المنطقية وخالف ~~بذلك فحول النظار الذين هم أقعد بتحقيق النظر في الإلهيات ونحوها من أهل ~~المنطق واتبعه على ذلك من سلك سبيله كالرازي وذويه وأبي محمد بن البغدادي ~~صاحب ابن المثنى وذويه فقد بين في كتابه تهافت الفلاسفة وغيره من كتبه ~~فسادقولهم في الإلهيات مع وزنه لهم بموازينهم المنطقية حتى ( أنه ) بين أنه ~~لا حجة لهم على نفى التجسيم بمقتضى أصولهم المنطقية فضلا عن أن يكون لهم ~~حجة على نفيى الصفات مطلقا وإن كان أبو حامد قد يوجد في كلامه ما يوافقهم ~~عليه تارة أخرى وبهذا PageV04P281 تسلط عليه ms0853 طوائف من علماء الإسلام ومن ~~الفلاسفة أيضا كابن رشد وغيره حتى أنشد فيه % يوما يمان إذا ما جئت ذا يمن ~~% وإن لقيت معديا فعدناني % $ # فالاعتبار من كلامه وكلام غيره بما يقوم عليه الدليل وليس ذلك إلا فيما ~~وافق فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يقوم دليل صحيح على مخالفة الرسول ~~ألبته # وهذا كما أن ابن عقيل يوجد في كلامه ما يوافق المعتزلة والجهمية تارة وما ~~يوافق به المثبتة للصفات بل للصفات الخبرية أخرى فالاعتبار من كلامه وكلام ~~غيره بما يوافق الدليل وهو الموافق لما جاء به الرسول # والمقصود هنا أن نبين أن فحول النظار بينوا فساد طرق من نفى الصفات أو ~~العلو بناء على نفيى التجسيم وكذلك فحول الفلاسفة كابن سينا و أبى البركات ~~وابن رشد وغيرهم بينوا فساد طرق أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشعرية ~~التى نفوا بها التجسيم حتى ( أن ) ابن رشد في تهافت التهافت بين فساد ما ~~اعتمد عليه هؤلاء كما بين أبو حامد في التهافت فساد ما اعتمد عليه الفلاسفة ~~PageV04P282 # ولهذا كان في عامة طوائف النظار من يوافق أهل الإثبات على إثبات الصفات ~~بل وعلى قيام الأمور الاختيارية في ذاته وعلى العلو كما يوجد فيهم من ~~يوافقهم على أن الله خالق أفعال العباد فأحذق متأخرى المعتزلة هو أبو ~~الحسين البصرى ومن عرف حقيقة كلامه علم أنه يوافق على إثبات كونه حيا عالما ~~قادرا وعلى أن كونه حيا ليس هو كونه عالما وكونه عالما ليس كونه قادرا لكنه ~~ينازع مثبتة الأحوال الذين يقولون ليست موجودة ولا معدومة # وهذا الذى اختاره هو قول أكثر مثبتة الصفات فنزاعه معهم نزاع لفظى كما ~~أنه يوافق على أن الله يخلق الداعى في العبد وعند وجود الداعى والقدرة يجب ~~وجود المقدور # وهذا قول أئمة أهل الإثبات وحذاقهم الذين يقولون إن الله خالق أفعال ~~العباد وهو أيضا يقول إنه سبحانه مع علمه بما سيكون فإنه إذا كان يعلمه ~~كائنا فعالميته متجدده # وابن عقيل يوافق على ذلك وكذلك الرازي وغيره وهذا موافق لقول ms0854 من يقول ~~بقيام الحوادث به # وبعض حذاق المعتزلة نصر القول بعلو الله ومباينته لخلقه بالأدلة العقلية ~~وأظنه من أصحاب أبى الحسين PageV04P283 # وقد حكى ابن رشد ذلك عن أئمة الفلاسفة وأبو البركات وغيره من الفلاسفة ~~يختارون قيام الحوادث به كإرادات وعلوم متعاقبة وقد ذكروا ذلك وما هو أبلغ ~~منه عن متقدمى الفلاسفة كما ذكرت أقوالهم في غير هذا الموضع ( وتقدم بعضها ~~) والمقصود هنا أن جميع ما احتج به النفاة قدح فيه بعض النفاة قدحا يبين ~~بطلانه كما بين غير واحد فساد طرق الفلاسفة # قال أبو حامد مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم ~~فنقول هذا إنما يستقيم لمن يرى أن الجسم حادث من حيث إنه لا يخلو عن ~~الحوادث وكل حادث فيفتقر إلى محدث فأما أنتم إذا عقلتم جسما قديما لا أول ~~لوجوده مع أنه لا يخلو عن الحوادث فلم يمتنع أن يكون الأول جسما إما الشمس ~~وإما الفلك الأقصى وإما غيره فإن قيل لأن الجسم لا يكون إلا مركبا منقسما ~~إلى جزأين بالكمية وإلى الهيولى والصورة بالقسمة المعنوية وإلى أوصاف يختص ~~بها لا محالة حتى يباين سائر PageV04P284 الأجسام وإلا فالأجسام متاسوية في ~~أنها أجسام وواجب الوجود واحد لا يقبل القسمة بهذه الوجوه # قلنا وقد أبطلنا هذا عليكم وبينا أنه لا دليل لكم عليه سوى أن المجتمع ~~إذا افتقر بعض أجزائه إلى البعض كان معولا وقد تكلمنا عليه وبينا أنه إذا ~~لم يبعد تقدير موجود لا موجود له لم يبعد تقدير مركب لا مركب له وتقدير ~~موجودات لا موجود لها إذ نفى العدد والتثنية بنيتموه على نفى التركيب ونفى ~~التركيب على نفى الماهية سوى الوجود وما هو الأساس الأخير فقد استأصلناه ~~وبينا تحكمكم فيه # فإن قيل الجسم إن لم يكن له نفس لا يكون فاعلا وإن كان له نفس فنفسه علة ~~له فلا يكون الجسم أولا # قلنا أنفسنا ليست علة لوجود أجسامنا ولا نفس الفلك بمجردها علة لوجود ~~جسمة عندكم بل هما يوجدان بعلة سواهما فإذا جاز ms0855 وجودهما قديما جاز أن لا ~~يكون لهما علة PageV04P285 فإن قيل كيف اتفق اجتماع النفس والجسم # قلنا هو كقول القائل كيف اتفق وجود الأول فيقال هذا سؤال عن حادث فأما ما ~~لم يزل موجودا فلا يقال كيف اتفق فكذلك الجسم ونفسه إذا لم يزل كل واحد ~~منهما موجودا لم يبعد أن يكون صانعا # فإن قيل لأن الجسم من حيث إنه جسم لا يخلق غيره والنفس المتعلقة بالجسم ~~لا تفعل إلا بواسطة الجسم ولا يكون الجسم واسطة للنفس في خلق الأجسام ولا ~~في إبداع النفوس والأشيائ لا تناسب الأجسام # قلنا ولم لا يجوز أن يكون في النفوس نفس تختص بخاصية تتهيأ بها لأن توجد ~~الأجسام وغير الأجسام منها فاستحالة ذلك لا تعرف ضرورة ولا برهان يدل عليه ~~إلا أنه لم يشاهد من هذه الأجسام المشاهدة وعدم المشاهدة لا يدل على ~~الاستحالة فقد PageV04P286 أضافوا إلى الموجود الأول ما لا يضاف إلى موجود ~~أصلا ولم يشاهد من غيره وعدم المشاهدة من غيره لا يدل على استحالته منه ~~فكذا في نفس الجسم والجسم # فإن قيل الفلك الأقصى أو الشمس أو ما قدر من الأجسام فهو متقدر بمقدار ~~يجوز أن يزيد عليه وينقص منه فيفتقر اختصاصه بذلك المقدار الجائز إلى مخصص ~~فلا يكون أولا # قلنا بما تنكرون على من يقول إن ذلك الجسم يكون على مقدار يجب أن يكون ~~عليه لنظام الكل ولو كان أصغر منه أو أكبر لم يجز كما أنكم قلتم إن المعلول ~~الأول يفيض الجرم الأقصى منه متقدرا بمقدار وسائر المقادير بالنسبة إلى ذات ~~المعلول الأول متساوية ولكن يعين بعض المقادير ليكون النظام متعلقا به ~~فيوجب المقدار الذى وقع ولم يجز خلافه فكذلك إذا قدر غير معلول بل لو ~~أثبتوا في المعلول الأول الذى هو علة الجرم الأقصى عندهم PageV04P287 مبدأ ~~للتخصيص مثل إرادة مثلا لم ينقطع السؤال إذ يقال ولم أراد هذا المقدار دون ~~غيره كما ألزموه على المسلمين في إضافته الأشياء إلى الإرادة القديمة وقد ~~قلبنا عليهم ذلك في تعين جهة حركة ms0856 السماء وفي تعيين نقطتي القطبين فإذا ظهر ~~أنهم مضطرون إلى تجويز تمييز الشيء عن مثله في الوقوع بعلة فتجويزه بغير ~~علة كتجويزه بعلة إذ لا فرق بين أن يتوجه السؤال في نفس الشيء فيقال لم ~~اختص بهذا القدر وبين أن يتوجه في العلة فيقال ولم خصص هذا القدر عن مثله ~~فإن أمكن دفع السؤال عن العلة بأن هذا المقدار ليس مثل غيره إذ النظام ~~مرتبط به دون غيره أمكن دفع السؤال عن نفس الشئ ولم يفتقر إلى علة وهذا لا ~~مخرج عنه فإن هذا المقدار المعين الواقع إن كان مثل الذى لم يقع فالسؤال ~~متوجه أنه كيف ميز الشيء عن مثله خصوصا على أصلهم وهم ينكرون الإرادة ~~المميزة وإن لم تكن مثلا له فلا PageV04P288 يثبت الجواز بل يقال وقع كذلك ~~قديما كما وقعت العلة القديمة بزعمهم # قال وليستمد الناظر في هذا الكتاب مما أوردناه لهم من توجيه السؤال في ~~الإرادة القديمة وقلبنا ذلك عليهم في نقطة القطب وجهة حركة الفلك وتبين ~~بهذا أن من لا يصدق بحدوث الأجسام فلا يقدر على إقامة الدليل على أن الأول ~~ليس بجسم ( أصلا ) # فهذا أبو حامد هو وغيره يبينون فساد ما ذكروه من نفى كون الأول جسما ~~ويقولون لا طريق إلى ذلك إلا الاستدلال على حدوث الجسم ثم أبو حامد وغيره ~~من النظار يبينون أيضافساد ما احتج به على حدوث الجسم وقد سبقهم الأشعري ~~إلى بيان فساد ما احتجت به المعتزلة على حدوث الجسم PageV04P289 # والرازي وأتباعه يبينون حدوث الجسم في كتبه الكلامية كالأربعين و نهاية ~~العقول و المحصل وغير ذلك ثم يبينون فساد كل ما يحتج به على حدوث الأجسام ~~في مواضع أخر مثل المباحث المشرقية وكذلك في المطالب العالية التى هي آخر ~~كتبه بين فساد حجج من يقول بحدوثها وأنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا ويذكر ~~حججا كثيرة على دوام الفاعلية ويورد عليها مع ذلك ما يدل على فسادها ويعترف ~~بالحيرة في هذه المواضع العظيمة مسائل الصفات وحدوث العالم ونحو ذلك # وسبب ms0857 ذلك أنهم يقولون أقوالا تستلزم الجمع بين النقيضين تارة ورفع ~~النقيضين تارة بل تستلزم كليهما والأصل العظيم الذى هو من أعظم أصول العلم ~~والدين لا يذكرون فيه إلا أقوالا ضعيفة # والقول الصواب الموافق للميزان والكتاب لا يعرفونه كما في مسألة حدوث ~~العالم فإنهم لا يذكرون إلا ( قولين ) قول من يقول PageV04P290 بقدم ~~الأفلاك وإن كانت صادرة عن علة توجبها فالمعلول مقارن لعلته أزلا وأبداوقول ~~من يقول بل تراخي المفعول عن المؤثر التام وأنه يمتنع أنه لم يزل متكلما ~~إذا شاء ويفعل ما يشاء # والقول الصواب الذى هو قول السلف والأئمة لا يعرفونه وهو القول بأن الأثر ~~يتعقب التأثير التام فهو سبحانه إذا كون شيئا كان عقب تكوينه له كما قال ~~تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 ~~وهذا هو المعقول كما يكون الطلاق والعتاق عقب الطليق والاعتاق والانكسار ~~والانقطاع عقب الكسر والقطع فهو سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~ويذكرون في كونه موجبا بذاته وفاعلا بشميئته وقدرته قولين فاسدين أحدهما ~~قول من يقول من المتفلسفة هو موجب بذاته في الأزل وأنه علة تامة في الأزل ~~فيجب أن يستلزم معلولة وأن معلوله يجب أن يكون مقارنا له في الزمان أزلا ~~وأبدا PageV04P291 # وهذا القول من أفسد أقوال بنى آدم فإنه يستلزم أن لا يحدث في العالم حادث ~~فإنه إذا كانت علة تامة أزلية ومعلولها معها والعالم كله معلوله إما بواسطة ~~وإما بغير وسط لزم أن لا يكون في العالم شيء إلاأزليا فلا يكون في العالم ~~شيء من الحوادث وهو خلاف المشاهدة # ثم إنهم لما أثبتوا الواجب بالممكن إنما استدلوا على الممكن بالحادث الذى ~~يفتقر إلى محدث فإن لم يكن في العالم حادث بطل الإمكان الذى به أثبتوا ~~الواجب ولزم إما أن لا يكون في العالم واجب الوجود ولا ممكن الوجود وهو ~~إخلاء للوجود عن النقيضين وإما أن يكون جميعه واجب الوجود فيكون الحادث ~~الذى كان بعد أن لم يكن واجب الوجود # وأيضا فإذا ms0858 كان المعلول لا يكون إلا مع علته التامة لزم أن لا يحدث شيء ~~من الحوادث إلا مع تمام علته ولم يحدث حين حدوثه ما يوجب حدوث علة تامة له ~~وإن قدر حدوث ذلك لزم حدوث تمام علل ومعلولات في آن واحد وهو تسلسل في ~~العلل وذلك معلوم الفساد بصريح العقل واتفاق العقلاء بخلاف تسلسل الحوادث ~~المتعاقبة وهو أنه لا يكون حادث إلا بعد حادث فهذا فيه نزاع مشهور ~~PageV04P292 # والناس فيه على أربعة أقوال قيل يمتنع في الماضي والمستقبل كقول جهم وأبي ~~الهذيل ولهذا قال الجهم بفناء الجنة والنار وقال أبو الهذيل بفناء حركاتهما # وقيل يمتنع في الماضي دون المستقبل وهو قول كثير من طوائف أهل الكلام ~~كأكثر المعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم # وقيل يجوز فيهما فيما هو مفتقر إلى غيره كالفلك سواء قيل إنه محتاج إلى ~~مبدع كقول ابن سينا وأتباعه أو قيل إنه محتاج إلى ما يتشبه به كقول أرسطو ~~وأتباعه # وقيل يجوز فيهما لكن لا يجوز ذلك فيما سوى الرب فإنه مخلوق مفعول وحوادثه ~~القائمة به لا تحصل إلا من غيره فهو محتاج في نفسه وحوادثه إلى غيره ~~والمحتاج لا يكون إلا مربوبا والمربوب لا يكون إلا مخلوقا محدثا والمحدث لا ~~يقوم به حوادث لا أول لها فإن ما لم يسبق الحادث المعين والحوادث المحدودة ~~فهو محدث مثلها باتفاق العقلاء إذ لو كان لم يسبقها فإما أن يكون معها أو ~~بعدها وعلى التقديرين فهو حادث بخلاف الرب القديم الأزلى الواجب بنفسه فإنه ~~إذا كان لم يزل متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء كان ذلك من كماله وكان هذا ~~كما قاله أئمة السنة والحديث PageV04P293 # والثاني قول من يقول إنه فاعل مختار لكنه يفعل بوصف الجواز فيرجح أحد ~~المتماثلين على الأخر بلام مرجح إما بمجرد كونه قادرا أو لمجرد كونه قادرا ~~عالما أو لمجرد إرادته القديمة التى ترجح مثلا على مثل بلا مرجح ويقولون إن ~~الحوادث تحدث بعد أن تكن حادثة من غير سبب يوجب الحدوث فيقولون بتراخي ~~الأثر عن المؤثر ms0859 التام # وهذا وإن كان خيرا من الذى قبله ولهذا ذهب إليه طوائف من أهل الكلام ~~ففساده أيضا بين فإنه إذا قيل إن المؤثر التام حصل مع تراخي الأثر عنه وعند ~~حصول الأثر لم يحصل ما يوجب الحصول كان حاله بعد حصول الأثر وقبله ( حالا ) ~~واحدة متشابهة ثم اختص أحدالحالين بالأثر من غير ترجيح ( مرجح وحدوث ) ~~الحادث بلا سبب حادث وهذا معلوم الفساد بصريح العقل # والقول الثالث قول أئمة ( السنة إنه ما شاء الله ) كان وما لم يشأ لم يكن ~~فما شاء الله وجب بمشيئته وقدرته وما لم يشأه امتنع PageV04P294 لعدم ( ~~مشيئته له فهو ) موجب بمشيئته وقدرته لا بذات خالية عن الصفات وهو موجب له ~~إذا شاءه لا موجب ( له في الأزل كما ) قال @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 وهذا الإيجاب مستلزم لمشيئته وقدرته لا ~~مناف لذلك بل هو سبحانه يخلق ما يشاء ويختار فهو فاعل لما يشاؤه إذا شاء ~~وهو موجب له بمشيئته وقدرته والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم PageV04P295 # الوجه العشرون # أن نقول ما سلكه هؤلاء نفاة الصفات من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم هو ~~بعينه الذي احتج به الملاحدة الدهرية عليهم في إنكار ما أخبر الله به عباده ~~من أمور اليوم الآخر حتى جعلوا ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر ~~لا يستفاد منه علم ثم نقلوا ذلك إلى ما أمروا به من الأعمال كالصلوات الخمس ~~والزكاة والصيام والحج فجعلوها للعامة دون الخاصة فآل الأمر بهم إلى أن ~~ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفقت عليها الملل كما قال تعالى @QB@ إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ ~~PageV05P003 # فأفضى الأمر بمن سلك سبيل هؤلاء إلى الإلحاد في الإيمان بالله واليوم ~~الآخر والعمل الصالح وسرى ذلك في كثير من الخائضين في الحقائق من أهل النظر ~~والتأله من أهل الكلام ms0860 والتصوف حتى آل الأمر بملاحدة المتصوفة كابن عربي ~~صاحب فصوص الحكم وأمثاله إلى أن جعلوا الوجود واحدا وجعلوا وجود الخالق هو ~~وجود المخلوق وهذا تعطيل للخالق # وحقيقة قولهم فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب ~~أبدع الممكن وهو قول فرعون ولهذا كانوا معظمين لفرعون ثم إنهم جعلوا أهل ~~النار يتنعمون فيها كما يتنعم أهل الجنة في الجنة فكفروا بحقيقة اليوم ~~الآخر ثم ادعوا أن الولاية أفضل من النبوة وأن خاتم الأولياء وهو شئ لا ~~حقيقة له زعموا أنه أفضل من خاتم الأنبياء بل ومن جميع الأنبياء وأنهم كلهم ~~يستفيدون من مشكاته العلم بالله الذي حقيقته عندهم أن وجود المخلوق هو وجود ~~الخالق # وكان قولهم كما يقال لمن قال فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن ~~فإن المتأخر يستفيد من المتقدم دون العكس والأنبياء أفضل من غيرهم فخالفوا ~~الحس والعقل مع كفرهم بالشرع # وآخر تحقيقهم استحلال المحرمات وترك الواجبات كما كان يفعل أبرع محققيهم ~~التلمساني وأمثاله # هذا وشيوخ التصوف المشهورون من أبرأ الناس من هذا المذهب وأبعدهم عنه ~~وأعظمهم نكيرا عليه وعلى أهله وللشيوخ المشهورين بالخير كالفضيل بن عياض ~~وأبي سليمان الداراني والجنيد بن محمد PageV05P004 وسهل بن عبد اله التستري ~~وعمرو بن عثمان المكي وأبي عثمان النيسابوري وأبي عبد الله بن خفيف ~~الشيرازي ويحيى بن معاذ الرازي وأمثالهم من الكلام في إثبات الصفات والذم ~~للجهمية والحلولية ما لا يتسع هذا الموضع لعشرة # بل قد قيل للشيخ عبد القادر الجيلي قدس الله روحه هل كان لله ولي على غير ~~اعتقاد أحمد بن حنبل فقال لا كان ولا يكون # والاعتقاد إنما أضيف إلى أحمد لأنه أظهره وبينه عند ظهور البدع وإلا فهو ~~كتاب الله وسنة رسوله حظ أحمد منه كحظ غيره من السلف معرفته والإيمان به ~~وتبليغه والذب عنه كما قال بعض أكابر الشيوخ الإعتقاد لمالك والشافعي ~~ونحوهما من الأئمة والظهور لأحمد ابن حنبل # وذلك لأنه كان بعد القرون الثلاثة لما ظهرت بدعة الجهمية ومحنتهم ~~المشهورة وأرادوا إظهار مذهب ms0861 النفاة وتعطيل حقائق الأسماء والصفات ولبسوا ~~على من لبسوا عليه من الخلفاء ثبت الله الإسلام والسنة بأحمد بن حنبل وغيره ~~من أئمة الدين فظهرت بهم السنة وطفئت بهم نار المحنة فصاروا علما لأهل ~~الإسلام وأئمة لمن بعده من علماء المسلمين أهل السنة والجماعة وصار كل ~~منتسب إلى السنة لابد أن يواليه وإياهم ويوافقهم في جمل الإعتقاد إذ كان ~~ذلك اعتقاد أهل الهدى والرشاد المعتصمين بالكتاب والسنة وإجماع السابقين ~~الأولين والتابعين لهم بإحسان # وأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة فإن أئمة السنة تضاف السنة ~~PageV05P005 إليهم لأنهم مظاهر بهم ظهرت وأئمة البدعة تضاف إليهم لأنهم ~~مصادر عنهم صدرت ولهذا كان جمل الإعتقاد الذي يذكره أهل المقالات عن أهل ~~السنة والجماعة هو قول أحمد وأمثاله من أئمة السنة # ولهذا قال أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة فإن [ قال ] قائل قد ~~أنكرتم قول الجهمية والقدرية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم ~~الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي نقول به ~~وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا وبما روي عن الصحابة ~~والتابعين وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل قائلون ولما خالف ~~قوله مجانبون فإنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان PageV05P006 ~~الله به الحق وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك ~~الشاكين فرحمة الله عليه من إمام معظم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين # والمقصود هنا أن صفوة أولياء الله تعالى الذين لهم في الأمة لسان صدق من ~~سلف الأمة وخلفها هم على مذهب أهل السنة والجماعة أهل الإثبات للأسماء ~~والصفات وهم من أبعد الناس عن مذاهب أهل الإلحاد من أهل الحلول والوحدة ~~والاتحاد وإن كان كثير من متأخري الصوفية دخلوا في مذاهب الإباحة والحلولية ~~وخلطوا التصوف بالفلسفة اليونانية كما خلطه بعضهم بشيء من أقوال أهل الكلام ~~الجهمية ومبدأ هذا من أقوال الذين يعارضون النصوص بآرائهم كما ذكر ~~الشهرستاني في أول كتابه في الملل والنحل أن مبدأ أنواع كل الضلالات هو من ~~تقديم ms0862 الرأي على النص واختيار الهوى على الشرع فسرى في المنتسبين إلى العلم ~~والدين من أهل الفقه والكلام والتصوف من أقوال الملاحدة بسبب هذا الأصل ما ~~لا PageV05P007 يعلمه إلا الله وأما ملاحدة الشيعة من القرامطة الباطنية ~~والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم فأولئك أمرهم أظهر من أن يخفى على من عرف ~~حالهم ممن فيه نوع إيمان بالله ورسوله ولهذا كثر الكاشفون لأسرارهم ~~الهاتكون لأستارهم من جميع أصناف أهل القبلة حتى الشيعة والمعتزلة ونحوهم ~~فإنهم متفقون على تكفيرهم كما اتفق على تكفيرهم أئمة السنة ومن انتسب إليهم ~~من متكلمة الإثبات وغيرهم # وصنف القاضي أبو بكر كتابه المشهور فيهم ووصف فضائحهم القاضي عبد الجبار ~~والقاضي أبو يعلى وأبو الوفا بن عقيل وأبو حامد الغزالي والشهرستاني ~~والخبوشاني وغير واحد من العلماء وتكلموا في العبيديين الذين كانوا بالمغرب ~~ومصر الذين ادعوا النسب العلوي وأضمروا مذهبهم تكلموا فيهم بما بينوا فيه ~~PageV05P008 بطلان نسبهم كما عرفوا بطلان مذهبهم وأن باطن مذهبهم أعظم كفرا ~~من أقوال كفار أهل الكتاب ومن أقوال الغالية الذين يدعون نبوة علي أو ~~إلهيته ونحوهم إذ كان مضمون مذهبهم تعطيل الخالق وتكذيب رسله والتكذيب ~~باليوم الآخر وإبطال دينه # وقد ذكروا منتهى دعوتهم في البلاغ الأكبر والناموس الأعظم الذي لهم وأن ~~أقرب الطوائف إليهم الفلاسفة [ مع أنهم ] خالفوا الفلاسفة في إثبات واجب ~~الوجود فإن الفلاسفة الإلهيين [ يثبتونه ] وهؤلاء أصحاب البلاغ الأكبر ~~والناموس الأعظم أنكروه كما فعلت الدهرية الطبيعية # وقول الاتحادية كصاحب الفصوص وأمثاله يؤول إلى قول هؤلاء وهو القول الذي ~~أظهره فرعون وأما المشاؤون أرسطو وأتباعه ومن اتبعهم من المتأخرين ~~كالفارابي وابن سينا وأمثالهم فهم يقرون بالعلة الأولى المغايرة لوجود ~~الأفلاك لكن دليلهم الذي احتجوا به على الطبيعيين منهم هو دليل الحركة الذي ~~احتج به أرسطو وقدماؤهم أو دليل الوجود الذي احتج به ابن سينا ومتأخروهم ~~وهو منهم دليل ضعيف إذ مبناه على حجة التركيب وهي حجة ضعيفة كما قد بين في ~~غير هذا الموضع PageV05P009 # وكان أهل بيت ابن سينا من أتباع هؤلاء القرامطة من المستجيبين للحاكم ~~الذي ms0863 كان بمصر قال ابن سينا وبسبب ذلك دخلت في الفلسفة # كما كان أصحاب رسائل إخوان الصفا من الموافقين لهم وصنفت الرسائل على ~~طريقتهم في الزمان الذي بنيت فيه القاهرة في أثناء المائة الرابعة وكان أمر ~~المسلمين قد اضطرب في تلك المدة اضطرابا عظيما # والمقصود هنا أن هؤلاء الملاحدة يحتجون على النفاة بما وافقوهم عليه من ~~نفي الصفات والإعراض عن دلالة الآيات كما ذكر ذلك ابن سينا في الرسالة ~~الأضحوية التي صنفها في المعاد لبعض الرؤساء الذين طلب تقربه إليهم ليعطوه ~~مطلوبه منهم من الجاه والمال وصرح بذلك في أول هذه الرسالة قال فيها لما ~~ذكر حجة من أثبت معاد البدن وأن الداعى لهم إلى ذلك ما ورد به الشرع من بعث ~~الأموات فقال وأما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد وهو أن ~~PageV05P010 الشرع والملة الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب ~~الجمهور كافة ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في ~~صحة التوحيد من الإقرار بالصانع موحدا مقدسا عن الكم والكيف والأين ومتى ~~والوضع والتغير حتى يصير الإعتقاد به أنه ذات واحدة لا يمكن أن يكون لها ~~شريك في النوع أو يكون لها جزء وجودي كمى أو معنوي ولا يمكن أن تكون خارجة ~~عن العالم ولا داخلة فيه ولا حيث تصح الإشارة إليه أنه هنا أو هناك ممتنع ~~إلقاؤه إلى الجمهور ولو ألقى هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة أو ~~العبرانيين الأجلاف لتسارعوا إلى العناد واتفقوا على أن الإيمان المدعو ~~إليه إيمان بمعدوم أصلا ولهذا ورد ما في التوراة تشبيها كله ثم إنه لم يرد ~~في الفرقان من الإشارة إلى PageV05P011 هذا الأمر الأهم شيء ولا إلى صريح ~~ما يحتاج إليه في التوحيد بيان مفصل بل إلى بعضه على سبيل التشبيه في ~~الظاهر وبعضه جاء تنزيها مطلقا عاما جدا لا تخصيص ولا تفسير له وأما ~~الأخبار التشبيهية فأكثر من أن تحصى ولكن لقوم أن لا يقبلوه فإذا كان الأمر ~~في التوحيد هذا ms0864 فكيف فيما هو بعده من الأمور الاعتقادية ولبعض الناس أن ~~يقولوا إن للعرب توسعا في الكلام ومجازا وأن الألفاظ التشبيهية مثل اليد ~~والوجه والإتيان في ظلل من الغمام والمجيء والذهاب والضحك والحياء والغضب ~~صحيحة ولكن نحو الاستعمال وجهة العبارة يدل على استعمالها مستعارة مجازا # قال ويدل على استعمالها غير مجازية ولا مستعارة بل PageV05P012 محققة أن ~~المواضع التي يوردونها حجة في أن العرب تستعمل هذه المعاني بالاستعارة ~~والمجاز على غير معانيها الظاهرة مواضع في مثلها يصلح أن تستعمل على غير ~~هذا الوجه ولا يقع فيها تلبيس ولا تدليس وأما قوله @QB@ في ظلل من الغمام ~~@QE@ وقوله @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك @QE@ على القسمة المذكورة وما جرى مجراه فليس تذهب الأوهام فيه ~~ألبتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازية فإن كان أريد فيها ذلك إضمارا فقد ~~رضي بوقوع الغلط والشبهة والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحا وأما ~~قوله @QB@ يد الله فوق أيديهم @QE@ وقوله @QB@ ما فرطت في جنب الله @QE@ ~~PageV05P013 فهو موضع الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام ولا يشك في ذلك ~~اثنان من فصحاء العرب ولا يلتبس على ذي معرفة في لغتهم كما يلتبس في تلك ~~الأمثلة فإن هذه الأمثلة لا يقع شبهة في أنها مستعارة مجازية كذلك في تلك ~~لا يقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مرادا فيها شيء غير الظاهر ثم هب أن ~~هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد والعبارة المشيرة بالتصريح إلى ~~التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين [ القيم ] المعترف بجلالته ~~على لسان حكماء العالم قاطبة # وقد قال في ضمن كلامه إن الشريعة الجائية على لسان نبينا PageV05P014 ~~محمد صلى الله عليه وسلم جاءت أفضل ما يمكن أن تجئ عليه الشرائع وأكمله ~~ولهذا صلح أن تكون خاتمة الشرائع وآخر الملل # قال وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد مثل أنه ~~عالم بالذات أو عالم بعلم قادر بالذات أو قادر بقدرة واحد الذات على كثرة ~~الأوصاف أو قابل لكثرة ms0865 تعالى عنها بوجه من الوجوه متحيز الذات أو منزهها عن ~~الجهات فإنه لا يخلو إما ان تكون هذه المعاني واجبا تحققها وإتقان المذهب ~~الحق فيها أو يسع الصدوف عنها وإغفال البحث والروية فيها فإن كان البحث ~~عنها معفوا عنه وغلط الإعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذ به فجعل مذهب هؤلاء ~~القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلف وعنه غنية وإن كان فرضا محكما فواجب أن ~~يكون مما صرح به في الشريعة وليس التصريح المعمى أو الملبس أو المقتصر ~~PageV05P015 فيه بالإشارة والإيماء بل التصريح المستقصى فيه والمنبه عليه ~~والموفى حق البيان والإيضاح والتفهيم والتعريف على معانيه فإن المبرزين ~~المنفقين أيامهم ولياليهم وساعات عمرهم على تمرين أذهانهم وتذكية أفهامهم ~~وترشيح نفوسهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة يحتاجون في تفهم هذه ~~المعاني إلى فضل إيضاح وشرح عبارة فكيف غتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب ~~ولعمري لو كلف الله رسولا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور ~~من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم ثم سامه أن ~~يتنجز منهم الإيمان والإجابة غير ممهل فيه ثم سامه أن يتولى رياضة نفوس ~~الناس قاطبة حتى تستعد للوقوف عليها لكلفه شططا وأن يفعل ما ليس في قوة ~~البشر اللهم إلا أن تدركهم خاصة إلهية وقوة علوية وإلهام سماوي فتكون ~~PageV05P016 حينئذ وساطة الرسول مستغنى عنها وتبليغه غير محتاج إليه ثم هبك ~~الكتاب العزيز جائيا على لغة العرب وعادة لسانهم في الاستعارة والمجاز فما ~~قولهم في الكتاب العبراني وكله من أوله إلى آخره تشبيه صرف وليس لقائل أن ~~يقول إن ذلك الكتاب محرف كله وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في أمم لا يطاق ~~تعديدهم وبلادهم متنائية وأوهامهم متباينة منهم يهود ونصارى وهم أمتان ~~متعاديتان فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون ~~مقربا ما لا يفهمون إلى أوهامهم بالتمثيل والتشبيه ولو كان غير ذلك لما ~~أغنت الشرائع ألبتة # قال فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب يعني أمر المعاد ولو فرضنا ~~الأمور الأخروية روحانية غير ms0866 مجسمة PageV05P017 بعيدة عن إدراك بدائه ~~الأذهان لحقيقتها لم يكن سبيل الشرائع في الدعوة إليها والتحذير عنها منبها ~~بالدلالة عليها بل بالتعبير عنها بوجوه من التمثيلات المقربة إلى الإفهام ~~فكيف يكون وجود شيء حجة على وجود شيء آخر لو لم يكن الشيء الآخر على الحالة ~~المفروضة لكان الشيء الأول على حالته فهذا كله هو الكلام على تعريف من طلب ~~أن يكون خاصا من الناس لا عاما أن ظاهر الشرائع غير محتج به في مثل هذه ~~الأبواب # قلت فهذا كلام ابن سينا وهو نحوه كلام أمثاله من القرامطة الباطنية مثل ~~صاحب الأقاليد الملكوتية وأمثاله من الملاحدة # والكلام على هذا من فنين # أحدهما بيان لزوم ما ألزمه لنفاة الصفات الذين سموا نفيها توحيدا من ~~الجهمية المعزلة وغيرهم PageV05P018 # والثاني بيان بطلان كلامه وكلامهم الذي وافقوهم عليه # أما الأول فإن هؤلاء وافقوه على نفي الصفات وأن التوحيد الحق هو توحيد ~~الجهمية المتضمن أن الله لا علم له ولا قدرة ولا كلام ولا رحمة ولا يرى في ~~الآخرة ولا هو فوق العالم فليس فوق العرش إله ولا على السموات رب ومحمد لم ~~يعرج به إلى ربه والقرآن أحسن أحواله عندهم أن يكون مخلوقا خلقه في غيره إن ~~لم يكن فيضا فاض على نفس الرسول وأنه سبحانه لا ترفع الأيدي إليه بالدعاء ~~ولم يعرج شيء إليه ولم ينزل شيء منه لا ملك ولا غيره ولا يقرب أحد إليه ولا ~~يدنو منه شيء ولا يتقرب هو من أحد ولا يتجلى لشيء وليس بينه وبين خلقه حجاب ~~وأنه لا يحب ولا يبغض ولا يرضى ولا يغضب وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ~~ولا مباينا للعالم ولا حالا فيه وأنه لا يختص شيء من المخلوقات بكونه عنده ~~بل كل الخلق عنده بخلاف قوله تعالى @QB@ وله من في السماوات والأرض ومن ~~عنده @QE@ وأنه إذا سمي حيا عالما قادرا سميعا بصيرا فهو حي بلا حياة عالم ~~بلا علم قادر بلا قدرة سميع بلا سمع بصير بلا بصر إلى أمثال هذه الأمور ~~التي ms0867 يسمى نفيها الجهمية توحيدا ويلقبون أنفسهم بأهل التوحيد كما يلقب ~~الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنفسهم بذلك وكما لقب ابن PageV05P019 التومرت ~~أصحابه بذلك إذ كان قوله في التوحيد قول نفاة الصفات جهم وابن سينا ~~وأمثالهما # ويقال إنه تلقى ذلك عن من يوجد في كلامه موافقة الفلاسفة تارة ومخالفتهم ~~أخرى ولهذا رأيت لابن التومرت كتابا في التوحيد صرح فيه بنفي الصفات ولهذا ~~لم يذكر في مرشدته شيئا من إثبات الصفات ولا أثبت الرؤية ولا قال إن القرآن ~~كلام الله غير مخلوق ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات ~~بذكرها في عقائدهم المختصرة ولهذا كان حقيقة قوله موافقا لحقيقة قول ابن ~~سبعين وأمثاله من القائلين بالوجود المطلق موافقة لابن سينا وأمثاله من أهل ~~الإلحاد كما يقال إن ابن التومرت ذكره في فوائده المشرقية إن الوجود مشترك ~~بين الخالق والمخلوق فوجود الخالق يكون مجردا ووجود المخلوق يكون مقيدا ~~PageV05P020 # والمقصود أن هؤلاء لما سموا هذا النفي توحيدا وهي تسمية ابتدعها الجهمية ~~النفاة لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولا أحد من السلف والأئمة بل أهل الإثبات ~~قد بينوا أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات وعبادة الله وحده لا شريك له ~~كما ذكر الله ذلك في سورتي الإخلاص وعامة آيات القرآن فلما وافقه هؤلاء ~~الجهمية من المعتزلة وغيرهم على نفي الصفات وأن هذا هو التوحيد الحق احتج ~~عليهم بهذه المقدمة الجدلية على أن الرسل لم يبينوا ما هو الحق في نفسه من ~~معرفة توحيد الله تعالى ومعرفة اليوم الآخر ولم يذكروا ما هو الذي يصلح أو ~~يجب على خاصة بني آدم وأولو الألباب منهم أن يفهموه ويعقلوه ويعلموه من هذا ~~الباب وأن الكتاب والسنة والإجماع لا يحتج بها في باب الإيمان بالله واليوم ~~الآخر لا في الخلق ولا البعث لا المبدأ ولا المعاد وأن الكتب الإلهية إنما ~~أفادت تخييلا تنتفع به العامة لا تحقيقا يفيد العلم والمعرفة وأن أعظم ~~العلوم وأجلها وأشرفها وهو العلم بالله لم تبينه الرسل أصلا ولم تنطق به ~~ولم ms0868 تهد إليه الخلق بل ما بينت لا معرفة الله ولا معرفة المعاد لا ما هو ~~الحق في الإيمان بالله ولا ما هو الحق في الإيمان باليوم الآخر بل ليس ~~عندهم في كلام الله ورسوله من هذا الباب علم ينتفع به أولو الألباب وإنما ~~فيه تخييل وإيهام ينتفع به جهال العوام # ولماكان هذا حقيقة قول الملاحدة القرامطة الباطنية صاروا يجعلون أحد ~~رؤوسهم مثل الرسول أو أعظم من الرسول ويسوغون له نسخ PageV05P021 شريعة ~~محمد صلى الله عليه وسلم كما زعموا أن محمد بن إسماعيل بن جعفر نسخ شريعته # وصار كل من هؤلاء يدعي النبوة والرسالة أو يريد أن يفصح بذلك لولا السيف ~~كما فعل السهروردي المقتول فإنه كان يقول لا أموت حتى يقال لي قم فأنذر ~~وكان ابن سبعين يقول لقد زرب ابن آمنة حيث قال لا نبي بعدي ويقال إنه كان ~~يتحرى غار حراء لينزل عليه فيه الوحي # وابن عربي ادعى ما هو أعظم من النبوة عنده وهو ختم الولاية PageV05P022 ~~وخاتم الأولياء عنده أفضل من خاتم الأنبياء في العلم بالله وهو يقول إن ~~جميع الأنبياء والرسل يستفيدون من مشكاة هذا الخاتم المدعي معرفة الله التي ~~حقيقتها وحدة الوجود وهي تعطيل الصانع سبحانه التي هي سر قول فرعون # وأما أئمة القرامطة والإسماعيلية كابن الصباح الذين تلقوا أركان الدعوة ~~عن المستنصر أطول خلفائهم مدة وفي زمنه كانت فتنة البساسيري وأمثاله وأما ~~سنان وأمثاله من الملاحدة فتظاهروا بإظهار الكفر بين أصحابهم وقالوا قد ~~أبحنا لكم كل ما تشتهونه من فرج ولحم وشراب ونسخنا عنكم العبادات فلا صوم ~~ولا صلاة ولا حج ولا زكاة PageV05P023 # وهذه الحجة التي احتج بها هؤلاء الملاحدة على نفاة الصفاة لإثبات إلحادهم ~~هي من حجج أهل الإثبات عليهم لإثبات إيمانهم فإن الله سبحانه أخبر أنه @QB@ ~~أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع ms0869 رضوانه ~~سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ الم @QE@ ذلك الكتاب لا ريب فيه @QB@ هدى للمتقين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ ولكن ~~تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ قد جاءكم برهان من ~~ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا @QE@ وقال تعالى @QB@ فالذين آمنوا به ~~وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون @QE@ ~~PageV05P024 وقال تعالى @QB@ وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وما كان الله ليضل قوما ~~بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون @QE@ # وأمثال هذه النصوص التي تبين أن الرسول هدى الخلق وبين لهم وأنه أخرجهم ~~من الظلمات إلى النور لا أنه لبس عليهم وخيل وكتم الحق فلم يبينه ولم يهد ~~إليه لا للخاصة ولا للعامة فإنه من المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لم يتكلم مع أحد بما يناقض ما أظهره للناس ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه ~~نقيض ما أظهره للناس بل كل من كان به أخص وبحاله أعرف كان أعظم موافقة له ~~وتصديقا له على ما أظهره وبينه فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره للزم ~~إما أن يكون جاهلا به أو كاتما له عن الخاصة والعامة ومظهرا خلافه للخاصة ~~والعامة # وكل من كان عارفا بسنته وسيرته علم أن ما يروى خلاف هذا فهو مختلق كذب ~~مثل ما يذكره بعض الرافضة عن علي أنه كان عنده علم خاص باطن يخالف هذا ~~الظاهر PageV05P025 # وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة التي لا يتنازع أهل المعرفة في صحتها عن علي ~~رضي الله عنه أنه لما قيل له ms0870 هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كتاب فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسر إلينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شيئا كتمه عن غيرنا إلا فهما يؤتيه الله لعبد في كتابه وما في ~~هذه الصحيفة وفيها عقول الديات وفكاك الأسير أن لا يقتل مسلم بكافر وفي لفظ ~~في الصحيح هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى ~~الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة الحديث # وقد أجمع أهل المعرفة بالمنقول على أن ما يروى عن علي وعن جعفر الصادق من ~~هذه الأمور التي يدعيها الباطنية كذب مختلق ولهذا كانت ملاحدة الشيعة ~~والصوفية ينسبون إلحادهم إلى علي وهو برئ من ذلك فأهل البطاقة من أهل ~~الإلحاد ينسبون ذلك إلى علي وكذلك باطنية الشيعة من الإسماعيلية والنصيرية ~~وكذلك جعفر الصادق نسبوا إليه من الكلام في النجوم واختلاج الأعضاء ~~والتفاسير المحرفة وأنواع الباطل ما برأه الله منه حتى رسائل إخوان الصفا ~~زعم بعض رؤوسهم أنها كلامه وهذه إنما صنفت بعد المائة الثالثة لما بنيت ~~PageV05P026 القاهرة وصنفها جماعة من الفلاسفة وقد ذكروا فيها من حوادث ~~الإسلام التي حدثت بعد المائة الثالثة مثل دخول النصارى بلاد الإسلام ونحو ~~ذلك ما يبين أنها صنفت بعد جعفر بنحو مائتي سنة # ومن هذا الباب ما ينقله آخرون عن عمر رضي الله عنه أنه قال كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما فهذا وأمثاله من ~~الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة # وملاحدة الزهاد والعباد وجهالهم يرون من هذه الأمور فنونا مثل روايتهم أن ~~أهل الصفة قاتلوا مع الكفار النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يكن النصر معه ~~ليحتجوا بذلك على أن العارف يكون مع من غلب وإن كان كافرا ويروون أن أهل ~~الصفة عرفهم الله تعالى بالسر الذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~صبيحة المعراج بدون إخبار الرسول وأن لله صفوة يصلون إليه من غير طريق ~~الرسول والذين كذبوا هذه ms0871 الأباطيل لم يكونوا خبيرين بالكذب فإن الصفة إنما ~~كانت بالمدينة والمعراج كان بمكة بالنص والإجماع وقد علم كل عالم يعلم سيرة ~~النبي PageV05P027 صلى الله عليه وسلم بالاضطرار أن أهل الصفة كانوا كسائر ~~المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن لأحد من الصحابة إلى ~~الله طريق إلا متابعة رسوله وان أفضل الصحابة كان أقومهم بالمتابعة كأبي ~~بكر وعمر وأبو بكر أفضل من عمر رضي الله عنهما وهو أفضل الصديقين # وقد ثبت في الصحيحين أنه قال إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن ~~في أمتي أحد فعمر # فعمر وإن كان محدثا فالصديق الذي يأخذ من مشكاة النبوة أفضل منه وأكمل ~~منه لأن ما استقر مجيء الرسول به فهو معصوم لا يتطرق إليه الخطأ وما يلقى ~~إلى المحدث يقع فيه خطأ يحتاج إلى تقويمه بنور النبوة ولهذا كان أبو بكر ~~يقوم عمر كما قومه يوم الحديبية ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~قتال أهل الردة وغير ذلك وكان عمر يرى أشياء ثم يتبين له الحق بخلافها كما ~~جرى له هذا في عدة مواطن PageV05P028 # وهذا وأمثاله مما يبين حاجة أفضل الخلق بعد الرسول وأكملهم إلى الاهتداء ~~بالرسول والتعلم منه ومعرفة الحق مما جاء به فكيف بمن يقول ليس في كلامه في ~~معرفة الله واليوم الآخر علم ولا هدى ولا معرفة ينتفع بها أولو الألباب ~~الذين هم دون عمر وأمثال عمر # وقد قال الله تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ # وكيف يحكم بين الناس في مواطن الخلاف والنزاع كلام وخطاب ليس فيه علم ولا ~~هدى ينتفع به أولو الألباب # كما زعم هؤلاء الملاحدة من الفلاسفة المشائين المتأخرين وأتباعهم أن ~~الشرائع لا يحتج بها في مثل هذه الأبواب فما لا يحتج به كيف يحتج به الناس ~~فيما اختلفوا فيه # وأي اختلاف أعظم من اختلافهم في ms0872 أعظم الأمور وهي معرفة الله تعالى واليوم ~~الآخر لا سيما ومن المعلوم أن الخلاف الحقيقي إنما يكون في الأمور العلمية ~~والقضايا الخبرية التي لا تقبل النسخ والتغيير فأما العمليات التي تقبل ~~النسخ فتلك تتنوع في الشريعة الواحدة فكيف بالشرائع المتنوعة PageV05P029 # وما جاز تنوعه لم يكن الخلاف فيه له حقيقة فإنه إن كانا مشروعين في وقتين ~~أو رسولين فكلاهما حق وإن كان الخلاف في المشروع منهما أيهما هو فهذا يعلم ~~بالخبر المنقول عن الكتاب المنزل والكتاب المنزل هو نفس الأمر والنهي ~~والخبر وفيه الشرع الذي لا يكون خلافه شرعا # وحينئذ فما ذكره ابن سينا وأمثاله من أنه لم يرد في القرآن من الإشارة ~~إلى توحيدهم شيء فكلام صحيح وهذا دليل على أنه باطل لا حقيقة له وأن من ~~وافقهم عليه فهو جاهل ضال # وكذلك ما ذكره من أن من المواضع ما لا يحتمل اللفظ فيها إلا معنى واحدا ~~لا يحتمل ما يدعونه من الاستعارة والمجاز كما ذكر في قوله تعالى @QB@ هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام @QE@ وقال تعالى @QB@ هل ~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ على ~~القسمة المذكورة وأنه ليس تذهب الأوهام فيه ألبتة إلى أن العبارة مستعارة ~~أو مجازية فإن كان أريد بها ذلك إضمارا فقد رضي بوقوع الغلط والشبهة فهذا ~~حجة على من [ نفى مضمون ] ذلك من نفاة الصفات وهو حجة عليه وعليهم جميعا ~~وموافقتهم له لا PageV05P030 تنفعه فإن ذلك حجة جدلية لا علمية إذ تسليمهم ~~له ذلك لا يوجب على غيرهم أن يسلم ذلك له فإذا بين بالعقل الصريح ما يوافق ~~النقل الصحيح دل ذلك على فساد قوله وقولهم جميعا # وكذلك قوله ثم هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد ~~والدلالة بالتصريح على التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين القيم ~~المعترف بجلالته على لسان الحكماء قاطبة كلام صحيح لو كان ما قاله النفاة ~~حقا فإنه حينئذ على قولهم لا يكون التوحيد الحق قد ms0873 بين أصلا وهذا ممتنع وهو ~~أصل منهم حيث زعم أن الرسل أيضا لم تبين التوحيد بل ذكروا ما يناقض التوحيد ~~لينقاد لهم الجمهور في صلاح دنياهم # وقد بينا في غير موضع توحيد ابن سينا وأمثاله وبينا أنه من أفسد الأقوال ~~التي يعلم بصريح العقل فساده ولنا في ذلك كلام مفرد مكتوب في غير هذا ~~الموضع PageV05P031 # واما قوله وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد ~~مثل أنه عالم بالذات أو عالم بعلم أو قادر بالذات أو قادر بقدرة إلى آخره # فهو خطاب لمن وافقه على ضلاله وإلحاده حيث ظن أن التعطيل هو التوحيد وأن ~~الباري تعالى لا علم له ولا قدرة ولا صفات # فأما من لم يوافقه على خطئه فإنه يعلم أن الكتاب بين دقائق التوحيد الحق ~~الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب على أحسن وجه # فإن الله تعالى أخبر عن صفاته وأسمائه بما لا يكاد يعد من آياته وذكر ~~علمه في غير موضع # كقوله تعالى @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ # وقوله تعالى @QB@ أنزله بعلمه @QE@ # وقوله تعالى @QB@ وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع ~~إلا بعلمه @QE@ وغير ذلك PageV05P032 # وقد قال تعالى @QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ # وقال تعالى @QB@ والسماء بنيناها بأيد @QE@ أي بقوة وقال تعالى @QB@ أولم ~~يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة @QE@ # وفي الحديث الصحيح حديث الاستخارة اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك ~~بقدرتك فأي بيان لعلم الله وقدرته أبين من هذا # واما قول القائل هنا هو عالم بالذات أو عالم بعلم فإن كان يظن أن الذات ~~التي لا تكون إلا عالمة قادرة يمكن وجودها مجردة عن العلم والقدرة كما ~~يقوله النفاة فهو كلام ضال متناقض فإن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة ~~وحي بلا حياة وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر مما يعلم فساده بالضرورة عقلا ~~وسمعا PageV05P033 # وهذا بمنزلة متكلم بلا كلام ومريد بلا إرادة ومتحرك بلا حركة ومحب بلا ~~محبة ومصل بلا ms0874 صلاة وصائم بلا صيام وحاج بلا حج وأبيض بلا بياض وأسود بلا ~~سواد وحلو بلا حلاوة ومر بلا مرارة وطويل بلا طول وقصير بلا قصر ونحو ذلك ~~من الألفاظ المشتقة كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المعدولة عنهما # فإن لم يكن هذا باطلا في بدائه العقول عقلا وسمعا لم يكن لنا طريق إلى ~~معرفة الحق من الباطل ولهذا كان هؤلاء النفاة يعودون في آخر الأمر إلى ~~السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات # وإن كان معنى قوله هل هو عالم بالذات أو بعلم أن هنا ذاتا مجردة موجودة ~~بدون العلم وأن العلم زائد عليها فهذا تصور فاسد فإن الذات المجردة عن ~~العلم اللازم لها إنما تقدر في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان # ولفظ الذات يراد به الذات الموصوفة بالعلم وحينئذ فقولنا هل هو عالم ~~بالذات أو بالعلم كلام واحد لأن لفظ الذات متضمن للعلم على هذا التفسير فلا ~~يكون قولنا أو بالعلم قسما آخر # ويراد بالذات المجردة عن العلم فهذه لا حقيقة لها إذا كانت الذات لا تكون ~~إلا عالمة كما أن ما لا يكون إلا حيا لا يمكن وجوده PageV05P034 منفكا عن ~~كونه حيا وما لا يكون إلا متحيزا لا يمكن وجوده منفكا عن التحيز فما لا ~~يمكن وجوده إلا عالما وقادرا ويمتنع وجوده غير عالم قادر كيف يكون تقديره ~~غير عالم ولا قادر ممكنا في الخارج # ونفس العلم والقدرة هو نفس كونه عالما قادرا على قول الجمهور الذين ينفون ~~أن تكون الأحوال [ زائدة في الخارج على الصفات ومن أثبت الأحوال زائدة على ~~الصفات كالقاضي أبي بكر وأبي يعلى وأبي المعالي في أول قوليه فهؤلاء يقولون ~~ثبوت الصفات يستلزم ثبوت الأحوال وإثبات الملزوم يقتضي ثبوت اللازم مع أن ~~الصواب أن الأحوال كالكليات لها وجود في الأذهان لا في الأعيان # ومما يبين ذلك أن النزاع في كون الرب تعالى عالما لذاته أو بالعلم أو ~~قادرا لذاته أو بالقدرة كثير منه نزاع لفظي بل عامة المتنازعين فيه إذا حرر ~~عليهم الكلام لم يتلخص ms0875 بينهم نزاع وإنما يحصل النزاع بين مثبتة الأحوال ~~ونفاتها فإن أهل الإثبات متفقون على أن علمه وقدرته من لوازم ذاته وأنه لا ~~يمكن وجوده غير عالم ولا قادر وينكرون وجود PageV05P035 ذات مجردة عن العلم ~~والقدرة وإذا قالوا هي زائدة على الذات فلا يعنون أنها زائدة على الذات ~~العالمة القادرة بل هي زائدة على ذات مجردة عن العلم والقدرة إلا من يقول ~~منهم إن له صفة هي العلم أو جبت كونه عالما فهؤلاء مثبتو الحال وأكثر ~~الصفاتية هم من نفاة الأحوال # وأما النفاة فيسلمون ثبوت الأحكام وهي أنه عالم قادر وينازعون في ثبوت ~~الصفات ويتنازعون بينهم في ثبوت الأحوال ثم الأحكام التي يثبتونها لا يجوز ~~أن يراد بها مجرد حكمنا بأنه عالم قادر واعتقادنا لذلك وخبرنا عنه وهو ~~الوصف بالقول فإن هذا الوصف والحكم إن لم يكن مطابقا لمضمونه كان باطلا ~~فكونه حيا عالما قادرا ليس هو مجرد الحكم بذلك والخبر عنه ووصفه بالقول ولا ~~هو نفس الذات التي هي العالمة القادرة فإن كون الذات حية عالمة قادرة ليس ~~هو نفس الذات فتعين أن يكون هو الصفة # وأئمة المعتزلة يعترفون بذلك لكن يشنعون على الصفاتية بكلام لم يحققوا ~~قولهم فيه بل ذكروا عنهم ما يفهم منه معنى فاسد إما لكونهم لم يفهموا قول ~~أولئك أو لكونهم ألزموهم ما ظنوه لازما لهم أو لنوع من الهوى الموجب ~~للافتراق الذي ذمه الله ورسوله # واعتبر ذلك بما ذكره أبو الحسين البصري أفضل متأخري المعتزلة فإنه قال في ~~كتاب عيون الأدلة قال باب القول في أن الله قديم وحده عندنا أنه لا قديم ~~إلا الله وذهب قوم إلى إثبات قديم أكثر من PageV05P036 قديم واحد فالكلابية ~~والأشعرية أثبتوا ذواتا قديمة قائمة بذات الباري تعالى منها ذات توجب أن ~~يكون عالما ولولاها لم يكن عالما وذات توجب كونه قادرا ولولاها لم يكن ~~قادرا وذات توجب كونه حيا ولولاها لم يكن حيا وكذلك القول في السمع والبصر ~~والإرادة # وأثبتت كلامه قديما وقالوا هذه المعاني لا هي الله ولا ms0876 غيره ولا بعضه وكل ~~منها ليس هو الآخر ولا غيره ولا بعضه وقالوا لو لم يكن في الوجود إلا ذات ~~الباري تعالى وحده لكان غير قادر ولا عالم ولا حي وعندنا أن الله تعالى ~~قادر عالم حي لذاته ونعني بذلك أن ذاته متميزة عن سائر الذوات تمييزا يجب ~~معه أن يعلم الأشياء ويقدر على ما لا نهاية له ويحيا ولا يحتاج إلى معنى به ~~يقدر وإلى معنى به يعلم وإلى معنى به يحيا ولو لم يكن في الوجود إلا ذات ~~الله تعالى فقط لكان عندنا عالما حيا قادرا سميعا بصيرا # قال فإن قالوا لله علم وقدرة وحياة قيل لهم إن أردتم بذلك أنه قادر عالم ~~حي فنعم لله علم بكل شيء وقدرة على كل شيء مما لا نهاية له وحياة بمعنى أنه ~~عالم قادر حي وإن أردتم بالعلم ذاتا كان بها عالما ولولاها ما كان عالما ~~تسمونها علما وأردتم بالقدرة ذاتا بها كان قادرا تسمونها قدرة وأردتم ~~بالحياة ذاتا بها كان حيا تسمونها حياة فالله تعالى مستغن عن ذلك # قال وذهبت الثنوية إلى إثبات قديمين لا يقوم أحدهما بذات الآخر نور وظلمة ~~ونسبوا الخير كله إلى النور ونسبوا الشر كله إلى PageV05P037 الظلمة وقالوا ~~إنهما لم يزالا متباينين ثم امتزجا فحدث من امتزاجهما العالم فكل خير في ~~العالم فمن النور وكل شر فيه فمن الظلمة ولم يقل أحد بإثبات قديمين مثلين ~~حكيمين ونحن نفسد ذلك وإن لم يذهب إليه ذاهب ومن المجوس من يقول بحدوث ~~الشيطان وقدم الله تعالى وأما النصارى فإنها تقول إن الله جوهر واحد ثلاثة ~~أقانيم [ وذهبوا ] بذلك إلى قريب من مذهب الكلابية ونسخة أمانتهم يعني ~~النصارى تدل على أنهم أثبتوا ذواتا فاعلة # قال ونحن نفسد هذه المذاهب كلها ليصح ما ذهب إليه ] شيوخنا من أنه لا ~~قديم إلا الله # فيقال هذا الكلام يقتضي أنه ليس بينه وبين أئمة الكلابية والأشعرية وسائر ~~الصفاتية خلاف معنوي فأما نقله عنهم أنهم أثبتوا أكثر من قديم واحد وأنهم ~~أثبتوا ذاتا قديمة ms0877 قائمة بذات الله تعالى فيقال له أما الكلابية ومن سلك ~~سبيلهم من أهل الحديث والفقه كأبي الحسن التميمي وأبي سليمان الخطابي ~~وغيرهما من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم فإنهم لا يقولون عن الصفات وحدها ~~إنها قديمة فلا يقولون العلم قديم ولكن يقولون الرب بعلمه قديم ومن أطلق ~~منهم على الصفات أنها قديمة فلا يقول إن الذات PageV05P038 والصفات قديمان ~~ومن أطلق القدم على الصفات فإنهم لا يطلقون عليها لفظ الذوات فإن الذات إذا ~~أطلقت يفهم منها أنها الذات القائمة بنفسها الموصوفة بالصفات ولهذا يفرق ~~بين الذات والصفات # وأصل الذات تأنيث ذو ومعناه الصاحبة أي صاحبة الصفة فهم لا يسمون الصفات ~~ذوات بهذا الاعتبار وإنما يسمونها معاني # وإذا قال بعضهم كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما إن العلة ذات ~~من الذوات موجودة لا يصح أن يوجب الحكم إلا لذات موجودة فمرادهم بذلك أنها ~~شيء موجود كما بينوه بقولهم إن العلة لا يجوز أن تكون معدومة ولا حكمها ~~معدوما مع أن هذا ينازعهم فيه نفاة الحال # لكن المقصود أن مرادهم بهذا اللفظ ليس هو أنها ذات قائمة بنفسها بل معنى ~~من المعاني وأما نقلك عنهم أنهم يثبتون ذاتا توجب أن يكون عالما ولولاها ~~لما كان عالما فهذا أولا ليس هو قول أئمتهم ولا جمهورهم بل هذا قول من يثبت ~~الحال منهم وأما جمهورهم فعندهم العلم هو نفس كونه عالما لا يثبتون هناك ~~ذاتا أوجبت كونه عالما # وأنت قد اعترفت بأن له علما وقدرة وحياة بمعنى أنه عالم قادر PageV05P039 ~~حي لا بمعنى أن له ذاتا بها كان عالما فقولك موافق لقول جمهورهم ثم مثبتة ~~الحالة تقول قام به معنى هو العلم أوجب كونه عالما وأما نقلك عنهم أنهم ~~يقولون لو لم يكن في الوجود إلا ذات الباري وحده لكان غير قادر ولا عالم ~~ولا حي فليس الأمر على ما يفهم من هذه الشناعة فإنهم متفقون على أنه لو لم ~~يكن موجود إلا الله وحده لكان حيا قادرا عالما وإنما نقلت قولهم بلفظ الذات ~~ولفظ ms0878 الذات مجمل فإن أردت أنهم يقولون لو لم يكن إلا الذات الموصوفة بهذه ~~الصفات فإنه من المعلوم أنه لو لم يكن إلا الذات الموصوفة بالعلم والقدرة ~~لكانت عالمة قادرة وإن أردت أنهم يقولون لو لم يكن إلا الذات المجردة عن ~~الصفات فعندهم أن وجود ذات الرب مجردة عن هذه الصفات ممتنع فهو كما تقول ~~أنت لو قدر أنه ليس في الوجود إلا هو مع كونه غير عالم ولا قادر ومعلوم أنه ~~إذا قدر هذا التقدير الممتنع لذاته لزمه حكم ممتنع # ويقال له أنت قد قلت إن الله عندكم قادر حي لذاته # قلت ويعني بذلك أن ذاته متميزة من سائر الذوات تميزا يجب معه أن يعلم ~~الأشياء كلها ويقدر على ما لا نهاية له فيقال له قولكم إن ذاته متميزة ~~تميزا يجب معه أن يعلم ويقدر هل نفس أن يعلم ويقدر هو الذات المتميزة أو ~~نفس أن يعلم الذات ويقدر ليس هو نفس الذات PageV05P040 فإن قلت إن نفس ~~الذات هو نفس أن يعلم ويقدر فهذه مكابرة للضرورة فإن العلم ليس هو نفس ~~العالم ولا القدرة نفس القادر وهذا أيضا متفق عليه بين المعتزلة وأهل ~~الإثبات # وأيضا فيكون حقيقة قولك إن الذات متميزة تميزا تجب معه الذات وأنت لو قلت ~~الذات أوجبت الذات لم يصح فكيف إذا كان تميزها هو الموجب لها وإن قلت ليس ~~هذا هو هذا فهذا قول الصفاتية والعلم الذي يثبتونه هو قولك أن تعلم فإن أن ~~والفعل هو بتأويل المصدر فقول القائل علم علما وله علم كقوله هو موصوف بأن ~~يعلم وإذا قالوا عالم بالعلم لا بذاته لم يرد جمهورهم بذلك أن العلم هو ~~أوجب صفة غيرالعلم وهو كونه عالما بل نفس علمه هو كونه عالما فيقولون عالم ~~بصفة له هي العلم لا بذات مجردة عن العلم ومعلوم أن ذاته هي الموجبة لكونه ~~عالما فلا ينازعون في أنه عالم بالذات بمعنى أن ذاته أوجبت كونه عالما وأنه ~~[ نفسه مستغن عما يجعله عالما وليس هناك شيء غيره جعله عالما ms0879 # وأما قولك ولا يحتاج إلى معنى به يقدر وإلى معنى به يعلم فهذا لفظ مجمل ~~فإن هذا إنما يصلح أن يكون حجة على مثبتة الأحوال الذين يقولون هناك معنى ~~هو العلم أوجب كونه عالما فقولك هذا كقول القائل لا يحتاج إلى كونه عالما ~~قادرا ولا يحتاج إلى أن يعلم ويقدر وأنتم تسلمون لهم أنه لابد أن يعلم ~~ويقدر وهذا هو عندهم العلم والقدرة فقول القائل بعد هذا يحتاج إلى هذا أو ~~لا يحتاج PageV05P041 سؤال لا يرد عليهم ولا على أحد وذلك أن معنى الحاجة ~~إن أريد به أن اتصافه بصفات الكمال لا يستلزم كونه عالما قادرا فهذا باطل ~~وإذا قيل إن ذلك يتضمن الحاجة إلى صفة فهو كقول القائل إن ذلك يتضمن الحاجة ~~إلى ذاته وهو غني بنفسه عن كل ما سواه ولا يقال هو غنى عن نفسه فإن نفسه ~~المقدسة الموصوفة بصفة الكمال المستلزمة لذلك هي الغنية فإذا قيل هو غني عن ~~ذلك كان مثل قول القائل هو غني عن نفسه أو غني عن غناه أو غني عما لا يكون ~~غنيا إلا به وكقوله الحي الذي تجب الحياة له غني عن حياته أو واجب الوجود ~~غنى عن وجوده والقديم غنى عن قدمه ونحو ذلك # فإن قال هم يقولون عالم بعلم ولا يقولون موجود بوجود ولا باق ببقاء ولا ~~قديم بقدم # قيل منهم من يقول ذلك ومنهم من لا يقول به ويفرق بأن نفس الذات القديمة ~~الباقية إذا قدرت غير قديمة ولا باقية لم يرجع الخلاف في ذلك إلى معنى ~~ثبوتي قام بها فإن البقاء هو الدوام والشيء الباقي إذا قدر أنه لم يتغير ~~فحاله مع البقاء ودونه سواء بخلاف العلم والقدرة فإن الذات العالمة القادرة ~~إذا قدر أنها غير عالمة ولا قادرة علم بذلك اختلاف حالها في نفسها فدل ذلك ~~على أن العلم والقدرة معنى يقوم بها تتصف به يختلف حالها في نفسها بتقدير ~~عدمه ليس هو مجرد نسبة وإضافة كالبقاء ونحوه # وأيضا فجمعك بين هؤلاء الصفاتية وبين المجوس ms0880 والنصارى فيه من التحامل ما ~~لا يخفى على منصف PageV05P042 # وقولك عن النصارى إنهم ربما أومأوا إلى مذهب الكلابية فيقال له لو كان ~~قول النصارى ليس فيه إلا إثبات أن الله حي بحياة عالم بعلم لكان قولهم ~~وقولك وقول الكلابية سواء والنصارى لم يكفرهم الله بهذا وإنما كفرهم الله ~~بما ذكره عنهم في كتابه مما لا يقول به أحد من الصفاتية المسلمين وقول ~~النصارى فيه من التناقض والاضطراب ما يتبين لكل عاقل فساده حيث يثبتون ~~الابن صفة أقنوما ويجعلونه مع ذلك إلها فاعلا ويجعلون مع ذلك الإله واحدا ~~ويقولون إن المتحد بالمسيح هو الابن وهو الكلمة دون الأب فهو مذهب متناقض ~~كتناقض الفلاسفة بل والمعتزلة متناقضون أيضا في نفي الصفات وإثباتها كما ~~تراه وهذا كلام أفضل متأخريهم # ثم إنه لم يحتج على الصفاتية إلى بحجتين إحداهما أنه لو كان له علم لكان ~~علمه مثل علمنا والمثلان لا يكون أحدهما محدثا والآخر قديما # والثانية أن كونه عالما قادرا واجب والصفة إذا كانت واجبة استغنت بوجوبها ~~عن معنى يوجبها فقد سمى ذلك صفة وهذه الحجة إنما تلزم مثبتة الحال وهم ~~يقولون يعلل الواجب بالواجب وأما الأولى ففسادها ظاهر جدا لا سيما وأبو ~~الحسين لا يسلم لهم أن الواحد منا عالم لمعنى ولهذا عدل عن طريقتي شيوخه ~~المذكورتين في نفى الصفات إلى طريقة ثالثة أضعف منهما فقال إنه لا طريق إلى ~~إثبات هذه المعاني PageV05P043 وما لا طريق إليه لا يجوز إثباته فكان مضمون ~~كلامه نفي الشيء لانتفاء دليله وهذا في غاية الفساد فإن الدليل لا ينعكس ~~ولا يلزم متى انتفى الدليل على الشيء انتفاؤه في نفس الأمر بل النافي عليه ~~الدليل على نفي ما نفاه ] كما على المثبت الدليل على ثبوت ما أثبته ومن ليس ~~عنده دليل على النفي والإثبات فعليه أن لا ينفى ولا يثبت فغاية ما عنده ~~التوقف في نفي ذلك وإثباته يبين ذلك أنه ذكر في حجة أهل الإثبات أن الواحد ~~منا عالم لمعنى لا يكون عالما إلا به فوجب مثل ms0881 ذلك للباري سبحانه وتعالى # قال والجواب يقال لهم ولم وجب أن يكون حكم الباري حكمنا في ذلك أو ليس ~~الواحد منا عالما بقلب وبعلم محدث وليس كذلك الباري سبحانه وتعالى فما ~~أنكرتم أن يكون الواحد منا عالما لمعنى ويكون الباري عالما لذاته على أن ~~الواحد منا عالم لا لمعنى وإن لم يكن ذلك مذهب أصحاب أبي هاشم وقد فرق ~~أصحاب أبي هاشم بين الواحد منا وبين الباري تعالى في ذلك فقالوا الواحد منا ~~علم مع جواز أن لا يعلم فلم يجز أن يكون عالما إلا لمعنى PageV05P044 يرجح ~~به كونه عالما على كونه غير عالم والباري تعالى علم الأشياء ويستحيل أن لا ~~يعلمها فلم يحتج إلى معنى يترجح به كونه عالما على كونه غير عالم # فيقال لأبي الحسين إذا كان مذهبك ومذهب نفاة الأحوال أن الواحد منا عالم ~~لا لمعنى والباري عالم لا لمعنى فقد صحت حجة الصفاتية وتبين أن إثبات الصفة ~~لأحد العالمين دون الآخر باطل وأما ما ذكرته من قول أبي هاشم فهو قول مثبتة ~~الحال وحينئذ فيخاطبه مثبتة الحال من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي ~~يعلى ومن تبعهما فيقولون كونه علم مع وجوب أن يعلم لا يمنع استلزام ذلك ~~علما به صار عالما بل الحال الواجبة تستلزم علة واجبة والحال الجائزة ~~تستلزم علة جائزة وإنما الفرق بينهما أن الواحد منا علم مع جواز أن لا يكون ~~له علم وأن لا يكون عالما والباري علم مع وجوب أن يكون له علم وأن يكون ~~عالما فالفرق بينهما من جهة وجوب الصفة والحال وجواز الصفة والحال أما ثبوت ~~الصفة والحال في أحدهما وثبوت الحال دون الصفة في الآخر ففرق فاسد كفرق ~~النفاة بين إثبات الصفة لأحدهما دون الآخر وهذا كله مما تبين لمن علم وأنصف ~~أنه لا يمكن أبا الحسين وأمثاله من المعتزلة أن يذكروا فرقا معقولا بين ~~قولهم وقول أئمة الصفاتية وإذا قدر أنهم يذكرون فرقا فحجتهم على ~~PageV05P045 النفي في غاية الفساد والتناقض فهم يتناقضون لا محالة في نفس ms0882 ~~المذهب أو في حجته ونقلهم عن منازعيهم فيه من التحريف والمجازفة والشناعة ~~بغير حق ما يتبين لمن تأمله مثل تشنيعهم على أهل الإثبات بأنكم تقولون ~~بتعدد القديم والقديم لفظ مجمل يوهمون به بعض الناس أنهم يقولون بتعدد ~~الآلهة لا سيما مع قول أكثر شيوخهم كالجبائي ومن قبله إن أخص وصف الرب هو ~~القدم وإن الاشتراك فيه يوجب التماثل فلو شاركت الصفة الموصوف في القدم ~~لكانت مثله وهذا وإن كان في غاية الفساد فإن خصائص الرب التي لا يوصف بها ~~غيره كثيرة مثل كونه رب العالمين وأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه ~~الحي القيوم القائم بنفسه القديم الواجب الوجود المقيم لكل ما سواه ونحو ~~ذلك من الخصائص التي لا تشركه فيها صفة ولا غيرها # فيقال القدم الذي هو من خصائصه هو قدم القائم بنفسه وكذلك وجوبه الذي هو ~~وجوب وجود القائم بنفسه ونحو ذلك # وأما الصفات التي لا تقوم إلا به فإن قيل بقدمها أو وجوبها فلا ريب أنها ~~ليست قائمة بنفسها بل لا تقوم إلا بالموصوف وحقيقة الأمر أن القديم الواجب ~~بنفسه هو الذات المستلزمة لصفات الكمال وأما ذات مجردة عن هذه الصفات أو ~~صفات مجردة عنها فلا وجود لها فضلا عن أن تكون واجبة بنفسها أو قديمة ~~فقولهم مع فساده PageV05P046 أوجب أن صار كثير من الناس يحترزون عن إطلاق ~~لفظ القديم على الصفة وكذلك لفظ الواجب بنفسه أو يحترزون من إطلاق لفظ ~~القديم على الموصوف والصفة جميعا وإن كانوا يطلقون ذلك على أحدهما عند ~~الانفراد وهذه طريقة ابن كلاب وأكثر أئمة متكلمي الصفاتية وعلى هذا جرى ~~كلام أبي الحسن التميمي والخطابي وغيرهما ممن سلك هذا المسلك # كما قال أبو الحسن في كتاب الإشارة له في جامع الأصول قال مسألة إن سأل ~~سائل فقال هل يقال إن الصفات قديمة قيل له هذا سؤال ضعيف لا يسأل عنه من ~~عرف حقائق الكلام لأن القديم الأزلي لم يكن قديما بغير صفة وإنما كان قديما ~~بصفاته التي هي مضافة إليه ms0883 في نفسه فإثبات القديم قديما بصفاته يسقط ~~المسألة عن قدم الصفات لإضافة الصفة إلى الموصوف فكل صفة للقديم في نفسه لم ~~يزل بها ألا ترى أن المحدث جميعه محدث فإذا سألت عنه مفرقا مبعضا كانت كل ~~طائفة منه محدثه وكل شيء منه محدث لأنه كله محدث بكماله أو لا ترى أن ~~الإنسان محدث بجميع جوارحه وآلته فيقال هو محدث عند المسألة عنه في الجملة ~~ويقال يده محدثة عند المسألة عنها في التفسير ولا يقال إن الإنسان ويده ~~محدثان ولا أن الإنسان ورأسه محدثان فكذلك أيضا يقال القديم بجميع صفاته ~~قديم وكل شيء من القديم فهو قديم غير محدث PageV05P047 # فإن قال قائل يقولون إن الموصوف قديم وصفته القديمة قديمان قيل له هذا ~~خطأ لا يجوز أن يقال كما انه لما لم يجز حين كان المحدث محدثا بجميع صفاته ~~أن أجبت من سألني عنه منفردا وعن صفاته مفردة أن أقول إنه وصفته محدثان ~~لأنه واحد هو وصفاته فهو كله محدث وهي على حالها محدثة ولا يجوز أن أقول ~~هما جميعا محدثان لأن في قولنا إنهما جميعا محدثان فسادا لإثبات الواحد ~~المحدث وإيهام أنه اثنان وليس بواحد فكذلك في قولي في الأول الواحد القديم ~~الذي له صفات إنه قديم وصفاته قديمة فإذا قلت هو وصفاته قديمان ففيه إثبات ~~تعطيل لتوحيده وقدمه وإيجاب أنه اثنان دون واحد ففسد من ذلك أن يقال هو ~~وصفته قديمان كما فسد أن يقال للمحدث هو وصفته محدثان وكان الواجب أن يقال ~~إن القديم الأزلي لم يزل موصوفا فمن سأل عن صفة صفة مفردة جاز أن يقال له ~~هي قديمة صفة لقديم لم يزل بها ولم تزل به كما لا تكون صفة المحدث إلا ~~محدثة فما جرى على القديم في شرط القدم فهو واقع عليه بصفاته وليس بواقع ~~عليه دون صفاته # فإذا قال القائل الموصوف قديم فقد قال إن صفاته قديمة كما إذا قال ~~الموصوف محدث فقد أوجب أن صفاته محدثة PageV05P048 # قلت فهذه الطريقة التي سلكها هؤلاء في أنهم ms0884 يقولون عن الذات إنها قديمة ~~وعن الصفات إنها قديمة ولا يقولون عن الذات والصفات إنهما قديمان لما في ~~العطف من الإشعار بالتغاير وهم لا يطلقون على الصفات إنها غير الذات # ولهم في لفظ المغايرة ثلاث طرق أحدها وهي طريق الأئمة كالإمام أحمد وغيره ~~وأظنها قول ابن كلاب وغيره وقد ذكرها أبو إسحاق الإسفرايينى أنهم لا يقولون ~~عن الصفة إنها الموصوف ولا يقولون إنها غيره ولا يقولون ليست هي الموصوف ~~ولا غيره لأن لفظ الغير مجمل فلا ينفونه عند الإطلاق ولا يثبتونه # والطريقة الثانية وهي المحكية عن الأشعري نفسه أنه قال أقول مفرقا إن ~~الصفة ليست هي الموصوف وأقول إنها ليست غير الموصوف لكن لا أجمع بين ~~السلبين فأقول ليست الموصوف ولا غيره وهكذا أبو الحسن التميمي ومن سلك هذه ~~الطريقة يقولون في العلم ونحوه من الصفات إنه ليس غير الله وأن الصفات ليست ~~متغايرة كما يقولون إنها ليست هي الله كما يقولون إن الموصوف قديم والصفة ~~قديمة ولا يقولون عند الجمع قديمان كما لا يقال عند الجمع لا هو الموصوف ~~ولا غيره # والثالثة قول من يجمع بين السلبين كما هي طريقة ابن الباقلاني والقاضي ~~أبي يعلى وغيرهما وهؤلاء قد يطلقون القول بإثبات قديمين أحدهما الصفة ~~والآخر الموصوف كما ذكروا ذلك في كتبهم وإذا احتج عليم المعتزلة بأنه إذا ~~كانت صفاته قديمة وجب إثبات قديمين PageV05P049 ولو كان علمه قديما لكان ~~إلها أجابوهم بأن كونهما قديمين لا يوجب تماثلهما كالسواد والبياض اشتركا ~~في كونهما مخالفين للجوهر ومع هذا لا يجب تماثلهما وأنه ليس معنى القديم ~~معنى الإله لأنه القديم هو ما بولغ له في الوصف بالتقدم ومنه بناء قديم ~~ودار قديمة إذا بولغ له في الوصف بالتقدم وليس معنى الإله مأخوذا من هذا ~~ولأن النبي محدث وصفاته محدثة وليس إذا كان الموصوف نبيا وجب أن يكون صفاته ~~أنبياء لكونها محدثة كذلك لا يجب إذا كانت الصفات قديمة والموصوف بها قديما ~~أن تكون إلهة لكونها قديمة وبسط الكلام على ذلك له موضع آخر ms0885 # وأما قول ابن سينا وهل هو واحد الذات على كثرة الأوصاف أو قابل لكثرة ~~تعالى عنها بوجه من الوجوه # فيقال له الكتاب الإلهي مملوء بإثبات الصفات لله تعالى كالعلم والقدرة ~~والرحمة ونحو ذلك ولم يتنازع اثنان من العقلاء أن النصوص ليست دالة على نفي ~~الصفات بل إنما هي دالة على قول أهل الإثبات لكن غاية ما تدعيه النفاة أن ~~ظاهرها دال على ذلك وأنه يمكن تأويله للدليل المعارض # ولا ريب أن ما ذكره لازم لنفاة الصفات إذ لو كان قولهم هو الحق لكان ~~الواجب بيان ذلك وإن لم يبين فلا أقل من السكوت عن PageV05P050 الحق ونقيضه ~~فأما ذكر ما يدل ظاهره على نقيض الحق من غير ذكر للحق فهذا ممتنع في حق من ~~قصده هدى الخلق وإن كان هذا جائزا فهو حجة لهؤلاء الملاحدة عليهم في المعاد ~~بل وفي الشرائع أيضا فإن أجابوا الملاحدة في المعاد بأنا نعلم بالاضطرار ~~معاد الأبدان من أخبار الرسول فلا يحتاج أن نتلقاه من ألفاظ السمع لئلا ~~يقدح في دلالة السمع بالتأويل كان هذا جوابا بعينه لأهل الإثبات فإنهم ~~يقولون إنا نعلم بالاضطرار أن إثبات الصفات مما أخبر به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأنه أخبر الأمة أن ربهم الذي يعبدونه فوق العالم وأنه عليم قدير ~~رحيم له العلم والقدرة والرحمة إلى أمثال ذلك من الصفات # والعلم بإثبات الصفات من قول الله ورسوله بعد تدبر النصوص الإلهية علم ~~ضروري لا يرتاب فيه وهو أبلغ من العلم بثبوت الشفعة وميراث الجدة وتحريم ~~المرأة على عمتها وخالتها وسجود السهو في الصلاة ونحو ذلك من الأحكام ~~المعلومة عند الخاصة دون العامة فإن ما في الكتب الإلهية من إثبات علو الله ~~تعالى وإثبات صفاته وأسمائه هو من العلم العام الذي علمته الخاصة والعامة ~~كعلمهم بعدد الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وغير ذلك من الشرائع الظاهرة ~~المتواترة ولا تجد أحدا من نفاة الصفات يعتمد في ذلك على الشرع ولا يدعي أن ~~أصل اعتقاده لذلك من جهة الكتاب والسنة ولا ينقل ms0886 قوله عن أحد من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان ولا عن أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والدين وإنما ~~ينقل قوله في النفي PageV05P051 عمن هو معروف بتقليد أو بدعة أو إلحاد وعلى ~~قدر بدعته وإلحاده يكون إيغاله في النفي وبعده عن الإثبات # وقوله أو قابل لكثرة تعالى عنها لفظ مموه فإنه إن عني كثرة الآلهة وهو لم ~~يعن ذلك فقد علم أن الله سبحانه قد بين أن الإله إله واحد في غير موضع ~~والقرآن ملآن من نفى تعدد الآلهة ونفى الشرك بكل طريق وإن عني كثرة صفاته ~~التي دلت عليها أسماؤه وآياته فتعليته الرب عنها كتعلية المشركين له أن ~~يدعى ويعبد بلا واسطة وتعليتهم له عن أن يرسل رسولا من البشر فتنزيهه له عن ~~صفاته كتنزيه المشركين له عن أن يكون إلها واحدا وأن يكون له رسول من البشر # وقد أنكر الله تعالى على المشركين نفيهم اسم الرحمن كما قال تعالى @QB@ ~~وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم ~~نفورا @QE@ وقوله تعالى @QB@ كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم ~~لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن @QE@ # ومعلوم أن الاسم العلم لا ينكره أحد ولو كانت أسماؤه أعلاما لم يكن فرق ~~بين الرحمن والجبار كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم في PageV05P052 الحديث ~~المعروف في السنن يقول الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى فمن ~~وصلها وصلته ومن قطعها بتته # فإذا كانت الرحم مشتقة من اسم الرحمن امتنع أن يكون علما لا معنى فيه # وفي الصحيح عنه الرحم شجنة من الرحمن # فإذا كان هذا قوله سبحانه فيمن ينكر الرحمن فما الظن بمن ينكر جميع معاني ~~أسمائه وصفاته وحمية هذا الملحد وأمثاله أن يكون له صفات حمية جاهلية شر من ~~حمية الذين قال الله فيهم @QB@ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية ~~الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين @QE@ فإنه قد ثبت في ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اصطلح هو والمشركون ms0887 عام الحديبية ~~أمر عليا أن يكتب في أول كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن ~~عمرو وكان إذ ذاك مشركا لا نعرف الرحمن ولكن اكتب كما كنت تكتب باسمك اللهم ~~فأمر عليا فكتب باسمك اللهم ثم قال اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ~~فقالوا لو علمنا PageV05P053 أنك رسول الله ما قاتلناك ولكن اكتب محمد بن ~~عبد الله # فهؤلاء أخذتهم حمية جاهلية في إثبات أسماء الله ونبوة رسوله والملاحدة ~~شاركوهم في ذلك من وجوه كثيرة فإنهم ينفون حقائق أسماء الله وحقيقة رسالة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وغايتهم أن يؤمنوا بها من وجه ويكفروا من وجه ~~كالذين قالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض # ويقال له ذات لا صفة لها لا وجود لها إلا في الذهن بل لفظ ذات تأنيث ذو ~~ولا تستعمل إلا مضافا و ذات معناه صاحبة كقوله تعالى @QB@ عليم بذات الصدور ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم @QE@ وقول خبيب # وذلك في ذات الإله # أي في سبيل الإله وجهته # ثم استعملها أهل الكلام بالتعريف فقالوا الذات أي الصاحبة والمعنى صاحبة ~~الصفات # فتقدير المستلزم للإضافة بدون الإضافة ممتنع وهذا كما أثبته ابن سينا ~~وأمثاله من هؤلاء الملحدة حيث جعلوه وجودا مطلقا إما بشرط PageV05P054 ~~النفي وإما بشرط الإطلاق وهم قد قرروا في منطقهم ما لم ينازعهم فيه أحد من ~~أهل الملل أن المطلق بشرط الإطلاق إنما وجوده في الأذهان لا في الأعيان ~~فكيف بالمطلق المشروط بالنفي فإنه أبعد عن الوجود من المشروط بالإطلاق وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع # وقوله أهو متحيز الذات أم منزهها عن الجهات # هو أيضا من حججهم على نفاة الصفات فإن الكتب الإلهية وصفته بالعلو ~~والفوقية ولم تنف أن يكون فوق العالم كما تقوله النفاة # وإذا كانت النصوص الإلهية قد بينت أنه العلي الأعلى الذي يصعد إليه الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه الذي تعرج الملائكة والروح إليه الذي نزل منه ~~القرآن والملائكة تنزل من عنده الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى ms0888 على العرش ونحو ذلك من النصوص المبينة لمباينته لخلقه وعلوه عليهم ~~فأي بيان للمقصود أعظم من هذا # وأما لفظ التحيز و الجهة فلفظان مجملان ومراد النفاة منهما غير المراد في ~~اللغة المعروفة فإن المتحيز اسم فاعل من تحيز يتحيز فهو متحيز مثل تعوذ ~~وتكبر وتجبر ونحو ذلك والحيز ما يحوز PageV05P055 الشيء ويحوطه والمفهوم من ~~ذلك في اللغة الظاهرة أن يكون هناك شيء موجود يحوز غيره # ولا ريب أن الخالق مباين للمخلوقات عال عليها كما دلت عليه النصوص ~~الإلهية واتفق عليه السلف والأئمة وفطر الله تعالى على ذلك خلقه ودلت عليه ~~الدلائل العقلية # وإذا كان كذلك وليس ثم موجود إلا خالق ومخلوق فليس وراء المخلوقات شيء ~~موجود يكون حيزا لله تعالى فلا يجوز أن يقال هو متحيز بهذا الاعتبار # وهم قد يريدون بالحيز أمرا عدميا حتى يسموا العالم متحيزا وإن لم يكن في ~~شيء آخر موجود غير العالم وإذا كان كذلك فكونه متحيزا بهذا الاعتبار معناه ~~أنه في حيز عدمي والعدم ليس بشيء وما ليس بشيء فليس في كونه فيه أكثر من ~~كونه وحده لا موجود معه وأنه منحاز عن الخلق متميز عنهم بائن عنهم ليست ~~ذاته مختلطة بذات المخلوق فإذا أريد بالمتحيز المباين لغيره وقد دلت النصوص ~~على أن الله تعالى عال على الخلق بائن عنهم ليس مختلطا بهم فقد دلت على هذا ~~المعنى فالقرآن قد دل على جميع المعاني التي تنازع PageV05P056 الناس فيها ~~دقيقها وجليلها كما قال الشعبي ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها ~~وقال مسروق ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر ~~عنه # ولما كان لفظ المتحيز فيه إجمال وإبهام امتنع طوائف من أهل الإثبات عن ~~إطلاق القول بنفيه أو إثباته ولا ريب أنه لا يوجد عن أحد من السلف والأئمة ~~لا إثباته ولا نفيه كما لا يوجد مثل ذلك في لفظ الجسم و الجوهر ونحوهما # وذلك لأنها ألفاظ مجملة يراد بها حق وباطل وعامة من أطلقها في النفي ms0889 أو ~~الإثبات أراد بها ما هو باطل لا سيما النفاة فإن نفاة الصفات كلهم ينفون ~~الجسم والجوهر والمتحيز ونحو ذلك ويدخلون في نفي ذلك نفي صفات الله وحقائق ~~أسمائه ومباينته لمخلوقاته بل إذا حقق الأمر عليهم وجد نفيهم متضمنا لحقيقة ~~نفي ذاته إذ يعود الأمر إلى وجود مطلق لا حقيقة له إلا في الذهن والخيال أو ~~ذات مجردة لا توجد إلا في الذهن والخيال أو إلى الجمع بين المتناقضين ~~بإثبات صفات ونفي لوازمها PageV05P057 # فعامة من يطلق ذلك إما متناقض في نفيه وإثباته يثبت الشيء بعبارة وينفيه ~~بأخرى أو يثبته وينفي نظيره أو ينفيه مفصلا ويثبته مجملا أو بالعكس أو ~~يتكلم في النفي والإثبات بعبارات لا يحصل مضمونها ولا يحقق معناها # وهذا كثير في الكبار فضلا عن الصغار وكثير منهم لا يفهم مراد أكابرهم ~~بهذه العبارات وهم يعلمون أن عامتهم لا يفهمون مرادهم وإنما يظنونه تعطيما ~~وتسبيحا من حيث الجملة والواجب على المسلمين أن يتلقوا الأقوال الثابتة عن ~~الرسول بالتصديق والقبول مطلقا في النفي والإثبات # وأما الألفاظ التي تنازع فيها أهل الكلام فلا تتلقى بتصديق ولا تكذيب حتى ~~يعرف مراد المتكلم بها فإن وافق ما قاله الرسول كان من القول المقبول وإلا ~~كان من المردود ولا يكون ما وافق قول الرسول مخالفا للعقل الصريح أبدا كما ~~لا يكون ما خالف قوله مؤيدا ببرهان العقل أبدا كما قد بين ذلك في غير هذا ~~الموضع # وكذلك لفظ الجهة لفظ مجمل فإن الناطقين به من أهل الكلام والفلسفة قد ~~يريدون بلفظ الجهة أمرا وجوديا إما جسما وإما عرضا في جسم # وقد يريدون بلفظ الجهة ما يكون معدوما كما وراء الموجودات PageV05P058 # فقول القائل إن الحق في جهة # إن أراد به ما هو موجود مباين له فلا موجود مباين له إلا مخلوقاته فإذا ~~كان مباينا لمخلوقاته فكيف تكون محتوية عليه # وإن أراد بالجهة ما فوق العالم فلا ريب أن الله فوق العالم وليس هناك إلا ~~هو وحده وليس فوق المخلوقات إلا خالقها هو العلي الأعلى # فصل ms0890 # وقول ابن سينا فإنه لا يخلو إما أن تكون هذه المعاني واجبا تحققها وإتقان ~~المذهب الحق فيها أو يسع الصدوف عنها وإغفال البحث والروية فيها فإن كان ~~البحث عنها معفوا عنه وغلط الإعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذ به فجل مذهب ~~هؤلاء القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلف وعنه غنية وإن كان فرضا محكما ~~فواجب أن يكون مما صرح به في الشريعة # فهذا كله حجة على إخوانه نفاة الصفات وهم المخاطبون بهذه الجملة وأما أهل ~~الإثبات فهم يقولون إن ذلك كله مما صرح به في الشريعة # وكذلك قوله وليس التصريح المعمى أو الملبس أو المقتصر PageV05P059 فيه ~~بالإشارة والإيماء بل بالتصريح المستقصى فيه والموفى حق البيان والإيضاح ~~والتفهيم والتعريف # فهذا كله حجة على إخوانه نفاة الصفات الجهمية وأما أهل الإثبات فيقولون ~~إنه قد صرح بالتوحيد الحق التصريح المستقصى فيه الموفى حق البيان والإيضاح ~~والتفهيم والتعريف وهذه نصوص القرآن والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف فيها من البيان ~~للإثبات ما لا يحصيه إلا رب السموات # وقوله فإن المبرزين المنفقين أيامهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة ~~يحتاجون في تفهم هذه المعاني إلى فضل إيضاح وشرح وعبارة فكيف غتم ~~العبرانيين وأهل الوبر من العرب # فهذا الكلام حجة له على إخوانه الجهمية من المعتزلة وأتباعهم نفاة الصفات ~~الذين يقولون إن التوحيد الحق هو قول أهل السلب نفاة الصفات الذين يقولون ~~إن التوحيد الحق هو قول أهل السلب نفاة الصفات الذين يقولون إن التوحيد ~~الحق هو قول السلب نفاة الصفات ولا ريب أن فهم قولهم فيه غموض ودقة لأنه ~~قول متناقض فاسد أعظم تناقضا من قول النصارى كما قد بين في PageV05P060 ~~موضعه فما يفهمه إلا الذكي الذي مرن ذهنه على تسليم المقدمات التي بها ~~يفسدون ذهنه أو على تصور أقوالهم المتناقضة فإن كان من متابعيهم نقلوه من ~~درجة إلى درجة كما تفعل القرامطة بنقل المستجيبين لهم من درجة إلى درجة ~~وكذلك هؤلاء الجهمية النفاة لا يمكنهم أن يخاطبوا ذكيا ولا ms0891 بليدا بحقيقة ~~قولهم إن لم يتقدم قبل ذلك منه تسليم لمقدمات وضعوها تتضمن ألفاظا مجملة ~~يلبسون بها عليه الحق بالباطل فيبقى ما سلمه لهم من المقدمات مع ما فيه من ~~التلبيس والإبهام حجة لهم عليه فيما ينازعهم فيه إلى أن يخرجوه إن تمكنوا ~~من العقل والدين كما تخرج الشعرة من العجين فإن من درجات دعوتهم الخلع و ~~السلخ وأمثال هذه العبارات # وقد رايت كتبهم فرأيتهم يحتجون على طوائف المسلمين الذين فيهم بدعة بما ~~وافقوهم عليه من البدعة كما احتج ابن سينا على المعتزلة ونحوهم من نفاة ~~الصفات بما وافقوه عليه من هذه الأقوال المبتدعات وإلا فالفطر السليمة تنكر ~~أقوال النفاة إذ قد توافق على إنكارها الفطر والمعقول والسمع المنقول وإنما ~~يخالف بنوع من الشبه الدقيقة التي هي من أبطل الباطل في الحقيقة # ولقد حدثني بعض أصحابنا أن بعض الفضلاء الذين فيهم نوع PageV05P061 من ~~التجهم عاتبه بعض أصحابه على إمساكه عن الانتصار لأقوال النفاة لما ظهر قول ~~الإثبات في بلدهم بعد أن كان خفيا واستجاب له الناس بعد أن كان المتكلم به ~~عندهم قد جاء شيئا فريا فقال هذا إذا سمعه الناس قبلوه وتلقوه بالقبول وظهر ~~لهم أنه الحق الذي جاء به الرسول ونحن إذا أخذنا الشخص فربيناه وغذيناه ~~ودهناه ثلاثين سنة ثم أردنا أن ننزل قولنا في حلقه لم ينزل في حلقه إلا ~~بكلفة # وهو كما قال فإن الله تعالى نصب على الحق الأدلة والأعلام الفارقة بين ~~الحق والنور وبين الباطل والظلام وجعل فطر عباده مستعدة لإدراك الحقائق ~~ومعرفتها ولولا ما في القلوب من الإستعداد لمعرفة الحقائق لم يكن النظر ~~والاستدلال ولا الخطاب والكلام كما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء ~~بالطعام والشراب ولولا ذلك لما أمكن تغذيتها وتربيتها وكما أن في الأبدان ~~قوة تفرق بين الغذاء الملائم والمنافى ففي القلوب قوة تفرق بين الحق ~~والباطل أعظم من ذلك # وهذا كما أن لأرباب السحر والنيرنجيات وعمل الكيمياء وأمثالهم ممن يدخل ~~في الباطل الخفي الدقيق يحتاج إلى أعمال PageV05P062 عظيمة وأفكار عميقة ms0892 ~~وأنواع من العبادات والزهادات والرياضيات ومفارقة الشهوات والعادات ثم آخر ~~أمرهم الشك بالرحمن وعبادة الطاغوت والشيطان وعمل الذهب المغشوش والفساد في ~~الأرض والقليل منهم من ينال بعض غرضه الذي لا يزيده من الله إلا بعدا ~~وغالبهم محروم مأثوم يتمنى الكفر والفسوق والعصيان وهو لا يحصل إلا على نقل ~~الأكاذيب وتمنى الطغيان سماعون للكذب أكالون للسحت عليهم ذلة المفترين # كما قال تعالى @QB@ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ # ولهذا تجد أهل هذه الأباطيل الصعبة الشديدة في الغالب إما ملحدا من أهل ~~النفي والتكذيب وإما جاهلا قد أضلوه ببعض شبهاتهم # وأما قوله فكيف غتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب فيقال له نحن لا ننكر ~~أن في العبرانيين والعرب من يكون ذهنه مقصرا عن بعض دقيق العلم لكن إذا ~~وازنت من كان مع محمد صلى الله عليه وسلم من العرب الخاصة والعامة ومن كان ~~مع موسى عليه الصلاة والسلام أيضا بمن فرضته من الأمم وجدتهم أكمل منهم في ~~كل PageV05P063 سبب ينال به دقيق العلم وجليله فإذا قدرت بعض الناقصين من ~~ذلك القرن فقابله بإخوانك القرامطة الباطنية وعوام الفلاسفة الدهرية ~~وأمثالهم من عوام النصيرية والإسماعيلية وأمثالهم فإنك نجد بين أدنى أولئك ~~وخيار هؤلاء في الذهن والعلم من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق أليس ~~أصحابك هم المستجيبين لدعوة بني عبيد الذين راج عليهم مكرهم وكيدهم في ~~الدنيا والدين حتى اعتقدوا فيمن هو من أكفر الناس وأكذبهم أنه إمام معصوم ~~يعلم علم الأولين والآخرين بل عوام النصارى مع فرط جهلهم وضلالهم أحذق ~~وأذكى من عوام أصحابك المستجيبين لمثل هؤلاء المنقادين لهم # وهل وجد في العالم أمة أجهل وأضل وأبعد عن العقل والعلم من أمة يكون ~~رؤوسها فلاسفة أو لم تكن أئمتكم اليونان كأرسطو PageV05P064 وأمثاله مشركين ~~يعبدون الأوثان ويشركون بالرحمن ويقربون أنواع القرابين لذرية الشيطان # أو ليس من أعظم علومهم السحر الذي غايته أن يعبد الإنسان شيطانا من ~~الشياطين ويصوم له ويصلي ويقرب له القرابين حتى ينال ms0893 بذلك عرضا من الدنيا ~~فساده أعظم من صلاحه وإثمه أكبر من نفعه # أو ليس أضل الشرك في العالم هو من بعض هؤلاء المتفلسفة أو ليس كل من كان ~~أقرب إلى الشرائع ولو بدقيقة كان أقرب إلى العقل ومعرفة الحقيقة وهل رأيت ~~فيلسوفا أقام مصلحة قرية من القرى فضلا عن مدينة من المدائن وهل يصلح دينه ~~ودنياه إلا بأن يكون من غمار أهل الشرائع # ثم يقال له أنت وأمثالك أئمة أتباعكم وهذا قولك وقول أرسطو وأمثالكم من ~~أئمة الفلاسفة في واجب الوجود وصفاته وأفعاله مع دعواكم نهاية التوحيد ~~والتحقيق والعرفان قول لا يقوله إلا من هو من أجهل الناس وأضلهم وأشبههم ~~بالبهائم من الحيوان # وكون الواحد منكم حاذقا في طب أو نجوم أو غرس أو بناء هو لقلة معرفتكم ~~بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وعبادته وقلة نصيبكم وحظكم من هذا المطلب ~~الذي هو أجل المطالب وأرفع المواهب PageV05P065 فاعتضم بالأدنى عن الأعلى ~~إما عجزا وإما تفريطا # ولا ريب أن أئمة اليهود والنصارى بعد أن بدلوا الكتاب ودخلوا فيما نهوا ~~عنه أحذق وأعرف بالله من أئمتكم وعوام اليهود والنصارى الذين هم ضالون ~~ومغضوب عليهم أصح عقلا وإدراكا وأصوب كلاما في هذا الباب من عوام أصحابكم ~~وهذا مما لا يشك فيه من له عقل وإنصاف # واعتبر ذلك بعوام النصيرية والإسماعيلية والدرزية والطرقية PageV05P066 ~~والعرباء وعوام التتر المشركين الذين كان علماؤهم المشركون السحرة من ~~البخشية والطوينية وأمثالهم وكان خيار علمائهم رؤوس الملاحدة مثل النصير ~~الطوسي وأمثاله وكذلك عوام أتباع سنان رأس الملاحدة وأمثاله فاعتبر عوام ~~هؤلاء مع عوام اليهود والنصارى تجد عوام اليهود والنصارى أقل فسادا في ~~الدنيا والدين من أولئك وتجد أولئك أفسد عقلا ودينا # وأما متوسطوكم كالمنجمين والمعزمين وأمثالهم ففيهم من الجهل [ والضلال ] ~~والكذب والمحال مالا يحصيه إلا ذو الجلال وهل كان PageV05P067 الطوسي ~~وأمثاله ينفقون عند المشركين من التتر إلا بأكاذيب المنجمين ومكايد ~~المحتالين المنافية للعقل والدين # وأما أئمتكم البارعون كأرسطو وذويه فغايته أن يكون مشركا سحارا وزيرا ~~لملك مشرك سحار كالإسكندر بن فيلبس وأمثاله ms0894 من ملوك اليونان الذين كانوا ~~أهل شرك يعبدون الأوثان وإنما [ صار ] فيهم ما صار من الهدى والفلاح لما ~~دخلت فيهم النصرانية بعد أرسطو [ بنحو ] ثلاثمائة سنة وتسع عشرة سنة أو ~~أكثر منها وقد قيل إن ذلك كان على عهد آخر [ ملوكهم ] بطليموس صاحب المجسطي ~~فناهيك ممن تكون النصارى أعقل منهم وأعلم وأهدى إلى الدين الأقوم # ومن الضلال أن من يظن ذا القرنين المذكور في القرآن العزيز هو الإسكندر ~~بن فيلبس الذي يقال إن أرسطو كان وزيره وهذا PageV05P068 جهل فإن ذا ~~القرنين قديم متقدم على هذا بكثير وكان مسلما موحدا حنيفا وقد قيل إن اسمه ~~الإسكندر بن دارا وأما اليوناني فهو ابن فيلبس الذي يؤرخ الروم به وكان قبل ~~المسيح بنحو ثلاثمائة سنة أو ما يقارب ذلك # وهذا الكلام وأمثاله إنما قيل للمقابلة لما في كلام هؤلاء من الاستخفاف ~~بأتباع الأنبياء وأما أئمة العرب وغيرهم من أتباع الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام كفضلاء الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل وأبي بن ~~كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبي الدرداء ~~وعبد الله بن عباس ومن لا يحصى عدده إلا الله تعالى فهل سمع في الأولين ~~والآخرين بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوم كانوا أتم عقولا وأكمل ~~أذهانا وأصح معرفة وأحسن علما من هؤلاء # فهم كما قال فيهم عبد الله بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات ~~فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا ~~وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ~~فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم # وما طمع أهل الإلحاد في هؤلاء إلا بجهل أهل البدع كالرافضة والمتكلمين [ ~~من ] المعتزلة ونحوهم PageV05P069 # وابن سينا وأمثاله من ملاحدة الفلاسفة لما كانوا إنما يخاطبون من ~~المسلمين من هو ناقص في العلم والدين إما رافضي وإما معتزلي وإما غيرهما ~~صاروا يتكلمون في خيار القرون بمثل هذا الكلام # وقد تواتر عن النبي ms0895 صلى الله عليه وسلم أنه قال خير القرون القرن الذي ~~بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم # ثم يقال لهذا الأحمق لا ريب أن كل أمة فيها ذكي وبليد PageV05P070 ~~بالنسبة إليها لكن هل رأى في أجناس الأمم أمة أذكى من العرب # واعتبر ذلك باللسان العام وما فيه من تفصيل المعاني والتمييز بين دقيقها ~~وجليلها بالألفاظ الخاصة الناصة [ على ] الحقيقة ويليه في الكمال اللسان ~~العبراني فأين هذا من لسان أصحابك الطماطم الذين يسردون ألفاظا طويلة ~~والمعنى خفيف ولولا أن مثلك وأمثالك ممن شملته بعض سعادة المسلمين والعرب ~~فصار فيكم بعض كمال الإنسان في العقل واللسان فعربتم تلك الكتب وهذبتموها ~~وقربتموها إلى العقول وإلا لكان فيها من التطويل والهذيان ما يشح بمثله على ~~الزمان وهي كما قال فيها أبو حامد الغزالي هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ~~ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها وإن بعض الظن إثم ~~فإن ما يقوم عليه الدليل من الرياضي ونحوه كثير التعب قليل الفائدة لحم جمل ~~غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى وما لم يقم عليه الدليل ~~فظنون وأباطيل # ثم يقال له هب أن ما ذكرته من غتم العبرانيين والعرب أهل الوبر لا يمكنهم ~~معرفة الدقيق فهل يمكنك أن تقول ذلك في أذكياء PageV05P071 العرب ~~والعبرانيين وكل أحد يعلم أن عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم أكمل عقول ~~الناس # واعتبر ذلك بأتباعهم فإن كنت تشك في ذكاء مثل مالك والأوزاعي والليث بن ~~سعد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل والشافعي وأحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد وإبراهيم الحربي وعبد الملك بن حبيب ~~الأندلسي والبخاري ومسلم وأبي دواد وعثمان بن سعيد الدارمي بل ومثل أبي ~~العباس بن سريج وأبي جعفر الطحاوي وأبي القاسم الخرقي وإسماعيل بن إسحاق ~~القاضي وغيرهم من أمثالهم فإن شككت في ذلك فأنت مفرط في الجهل أو مكابر ~~فانظر خضوع هؤلاء للصحابة وتعظيمهم لعقلهم وعملهم حتى أنه لا يجترئ ms0896 الواحد ~~منهم أن يخالف لواحد من الصحابة [ إلا ] أن يكون قد خالفه صاحب آخر ~~PageV05P072 # وقد قال الشافعي رحمة الله عليه في الرسالة إنهم فوقنا في كل عقل وعلم ~~وفضل وسبب ينال به علم أو يدرك به صواب ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا أو ~~كما قال رحمة الله عليه # وأما قوله لو كلف الله رسولا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى ~~الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أذهانهم إلى ~~آخر كلامه # فيقال لا ريب أن فيما غاب عن المشاهدة أمورا من الغيب بعضها يمكن التعريف ~~به مطلقا وبعضها لا يمكن التعريف به إلا بعد شروط واستعداد وبعضها لا يمكن ~~التعريف به في الدنيا إلا على وجه مجمل وبعضها لا يمكن التعريف به في ~~الدنيا بحال وبعضها لا يمكن مخلوقا أني علمه ولهذا قال تعالى @QB@ فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى ~~أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فما ~~لا يخطر بالقلوب إذا عرفت به لم تعرفه إلا إذا كان له نظير وإلا لم يمكن ~~التعريف على وجهه PageV05P073 # وفي الدعاء المشهور اللهم إني أسألك بكل اسم [ هو لك سميت به نفسك أو ~~أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت [ به ] في علم الغيب ~~عندك فإذا كان من أسمائه ما استأثر بعلمه لم يعلمه غيره ذلك وما خص به بعض ~~عباده لم يعلمه غيره # وفي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك # وفي حديث الشفاعة ينفتح علي محامد أحمده بها لا أحسنها الآن PageV05P074 # فإذا كان أعلم الخلق بالله لا يحصى ثناء عليه فكيف غيره وإذا كان يفتح ~~عليه في الآخرة بمحامد لم يعرفها في الدنيا فكيف حال غيره # ونذكر في هذا قصة موسى والخضر عليهما السلام ونقر العصفور ms0897 من البحر # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيما ذكره البخاري حدثوا الناس بما ~~يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه ~~عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم PageV05P075 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأله رجل عن تفسير آية فقال ما يؤمنك ~~أني لو أخبرتك بها لكفرت بها وكفرك بها تكذيبك بها فتبين أنه ليس كل أحد ~~يليق بمعرفة جميع العلوم # ولهذا قال تعالى @QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها @QE@ إلى ~~قوله @QB@ يضرب الله الأمثال @QE@ فإن هذا مثل ضربه الله فشبه فيه ما ينزله ~~من السماء من العلم والإيمان بالمطر وشبه القلوب بالأودية والأودية منها ~~صغار وكبار فكل واد يسيل بقدره # فهذا ونحوه حق ولكن حقائق الأمور التي يدعيها هؤلاء الملاحدة هي في ~~الحقيقة نفي وتعطيل تنكرها القلوب العارفة الذكية أعظم مما تنكرها قلوب ~~العامة وكلما قوى عقل الرجل وعلمه زاد معرفة بفسادها ولهذا لا يستجيب لهم ~~الرجل إلا بقدر نقص عقله ودينه # وقوله هبك الكتاب العزيز جاء على لغة العرب في الاستعارة والمجاز فما ~~قولهم في الكتاب العبراني وهو من أوله إلى آخره تشبيه صرف إلى آخر كلامه # فيقال هذا من أعظم حجج أهل الإثبات على نفاة الصفات PageV05P076 ومن أعظم ~~الحجج على صدق الرسولين العظيمين وصدق الكتابين الكريمين اللذين لم يأت من ~~عند الله كتاب أهدى منهما # قال تعالى @QB@ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ~~@QE@ إلى قوله @QB@ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما ~~أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا @QE@ إلى قوله @QB@ قل فأتوا بكتاب من ~~عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين @QE@ # وقال تعالى حكاية عن الجن @QB@ قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من ~~بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما ms0898 أنزل الله على بشر ~~من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس ~~تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم ~~في خوضهم يلعبون @QE@ @QB@ وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ~~ولتنذر أم القرى ومن حولها @QE@ # وقال تعالى @QB@ ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل ~~شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون @QE@ وهذا PageV05P077 @QB@ كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون @QE@ فقد قرن الله تعالى بين ~~الكتابين العربي والعبري في غير موضع # ومن المعلوم أن موسى كان قبل محمد صلوات الله عليهما وسلامه ولم يأخذ عنه ~~شيئا وكل من عرف حال محمد صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لم يأخذ عن أهل ~~الكتاب شيئا فإذا أخبر هذا بمثل ما أخبر به هذا عن مرسل واحد من غير تواطؤ ~~ولا تشاعر فيما يمتنع في العادة التوافق فيه من غير تواطؤ كان هذا مما يدل ~~على صدق كل من الرسولين في أصل الرسالة وعلى صدق خبر كل من الرسولين فيما ~~أخبر به من صفات ربه إذ كان كل منهما أخبر بمثل ما أخبر به الآخر وهب أن ~~بعض ألفاظ أحد الكتابين قد يحرفها المحرف فالكتاب الآخر المصدق له يبطل ذلك ~~التحريف ويبين أن المقصود واحد # وما ذكره من امتناع التحريف على كلية الكتاب العبري حق كما قال ويبين ذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بين من تحريف أهل الكتاب ما شاء الله وذمهم ~~على ما وصفوا الله تعالى به من النقائص كقولهم إن الله فقير وإن الله بخيل ~~وإنه تعب لما خلق PageV05P078 السموات والأرض فاستراح فقال تعالى @QB@ وما ~~مسنا من لغوب @QE@ # فلو كان ما في التوراة من إثبات الصفات مما بدلوه وافتروه لكان إنكار هذا ~~من أعظم الواجبات ولكان الرسول يعيبهم بما ينكره النفاة من التشبيه ~~والتجسيم وأمثال هذه العبارات فلما كان الرسول العربي مقررا لما في التوراة ~~من الصفات ومخبرا بمثل ما في التوراة كان ms0899 ذلك من أعظم دليل على أن ما في ~~التوراة من الصفات التي أخبر بها الرسول العربي أيضا ليس مما كذبه أهل ~~الكتاب # وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن حبرا من اليهود لما أخبر النبي صلى ~~اله عليه وسلم أن الله يوم القيامة يمسك السماوات على أصبع والأرضين على ~~أصبع والجبال على أصبع والشجر والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم ~~يهزهن ثم يقول أنا الملك أنا الملك ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا ~~وتصديقا لقول الحبر ثم قرأ فوله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ # وهذا الحديث رواه من هو من أعلم الصحابة وأعظمهم اختصاصا PageV05P079 ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود ورواه عنه وعن أصحابه من هو ~~من أجل التابعين وأتباع التابعين قدرا ورواه أيضا عبد الله بن عباس الذي هو ~~أعلم الصحابة في زمانه وأصحاب ابن مسعود وابن عباس من أعظم التابعين علما ~~وقدرا عند الأمة # وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيهما أيضا ~~من حديث ابن عمر في تفسير هذه الآية @QB@ وما قدروا الله حق قدره @QE@ ما ~~يناسب هذا الحديث PageV05P080 ويوافق قول أهل الإثبات ويبين أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن ينكر على أهل الكتاب ما يحبرون به من الصفات التي ~~تسميها النفاة تجسيما وتشبيها وإنما أنكر عليهم ما وصفوا الله تعالى به من ~~النقائص والعيوب # ولهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين ~~أنهم ذموا أهل الكتاب بما يذمهم به نفاة الصفات ولا يذكرون لفظ التجسيم ~~ونحوه من الألفاظ التي أحدثها المحدثون لا بمدح ولا ذم ولا يقولون ما تقوله ~~النفاة إن التوراة فيها تشبيه كما قال ابن سينا الكتاب العبراني كله من ~~أوله إلى آخره تشبيه صرف # فإنه يقال له ما تعني بقولك إنه تشبيه أتعني أنه متضمن الإخبار بأن صفات ~~الرب مثل صفات العباد أو متضمن لإثبات ms0900 الصفات التي يوصف الحلق بما هو ~~بالنسبة إليهم كتلك الصفات بالنسبة إلى الله # فإن أردت الأول فهذا كذب على التوراة فليس فيها الإخبار بأن صفات الله ~~كصفات عباده بل فيها نفي التمثيل بالله # وإن أردت الثاني فهذا أمر لابد منه لك ولكل أحد فإنك وأمثالك تقولون إن ~~الله موجود مع قولكم إن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وتقولون إنه عقل ~~وعاقل ومعقول مع قولكم إن اسم العقل يقع على العقول العشرة وتقولون إنه علة ~~للعالم مع PageV05P081 قولكم إن العلة تنقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث ~~وتقولون إن له عناية مع أن لفظ العناية يقال على صفات العباد وتقولون إنه ~~مبدأ ومبدع ونحو ذلك من العبارات التي تسمون بها غيره فإنكم تطلقون اسم ~~المبادئ على العقول وتطلقون الإبداع على العقول وتقولون إن كل عقل أبدع ما ~~دونه والعقل العاشر أبدع ما تحت فلك القمر وتقولون إنه موجب بالذات مع أن ~~لفظ الإيجاب يطلق على غيره # ويقولون إنه عاشق ومعشوق وعشق مع أن لفظ العشق فيه من التشبيه واحتمال ~~النقص ما لا يخفي على عاقل وليس في الكتب الإلهية تسميته بعقل ولا عاشق ولا ~~معقول ولا معشوق # ويقولون أيضا إنه يلتذ ويبتهج ولفظ اللذة فيها من التشبيه واحتمال النقص ~~ما لا يخفى على عاقل ويقولون إنه مدرك وأن اللذة أفضل إدراك لأفضل مدرك ~~فيسمونه مدركا ومدركا # ثم أعجب من هذا كله أنكم تقولون الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة ~~ومن هنا دخل من وافقكم في إثبات تشبه العبد بالرب في الذات والصفات ~~والأفعال كصاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها ومن مشى خلفه من القائلين ~~بالوحدة المطلقة PageV05P082 والاتحاد وقالوا إن الإنسان مثل الله وأن قوله ~~@QB@ ليس كمثله شيء @QE@ المراد أنه ليس كالإنسان الذي هو مثل الله شئ ~~ويقولون إن الفلك إنما يتحرك تشبها بما فوقه فيجعلون العبد قادرا على أن ~~يتشبه بالله وأن الفلك يتشبه بالله أو يتشبه بالعقل المشبه لله # فإذا كان في التوراة إنا سنخلق بشرا على صورتنا يشبهنا ms0901 أو نحو هذا فغايته ~~أن يكون الله خالقا لمن يشبهه بوجه وأنتم فد جعلتم العبد قادرا على أن ~~يتشبه بالله بوجه فإن كان التشبه بالله باطلا من كل وجه ولا يمكن الموجود ~~أن يشبهه بوجه من الوجوه فتشبيهكم أنكر من تشبيه أهل الكتاب لأنكم جعلتم ~~العبد قادرا على أن يتشبه بالرب وأولئك أخبروا عن الرب أنه قادر على أن ~~يخلق ما يشبهه # فكان في قولكم إثبات التشبيه وجعله مقدورا للعبد وأولئك مع إثبات التشبيه ~~إنما جعلوه مقدورا للرب فأي الفريقين أحق بالذم والملام أنتم أم أهل الكتاب ~~إن كان مثل هذا التشبيه منكرا من القول وزورا وإن لم يكن منكرا من القول ~~وزورا فأهل الكتاب أقوم منكم لأنهم تبعوا ألفاظ النصوص الإلهية التي أثبتت ~~ما أثبتت مقدورا لرب البرية وأنتم ابتدعتم ما ابتدعتم بغير سلطان من الله # وأيضا فيقال إنه ما من موجودين إلا بينهما فدر مشترك وقدر مميز فإنهما لا ~~بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان وأن PageV05P083 كلا منهما له ~~حقيقة هي ذاته ونفسه وماهيته حتى لو كان الموجودان مختلفين اختلافا ظاهرا ~~كالسواد والبياض فلا بد أن يشتركا في مسمى الوجود والحقيقة ونحو ذلك بل ~~وفيما هو أخص من ذلك مثل كون كل منهما لونا وعرضا وقائما بغيره ونحو ذلك ~~وهما مع هذا مختلفان # وإذا كان بين كل موجودين جامع وفارق فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شئ ~~لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله فلا يجوز أن يثبت له شئ من خصائص ~~المخلوقين ولا يمثل بها ولا أن يثبت لشئ من الموجودات مثل شئ من صفاته ولا ~~مشابهة في شئ من خصائصه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا # وإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع فهو سبحانه لا ~~يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له وإذا أخذ القدر المطلق الذي ~~يتفق فيه الخالق والمخلوق مثل مسمى الوجود والحقيقة والعالم والقادر ونحو ~~ذلك فهذا لا يكون إلا في الأذهان لا في ms0902 الأعيان والمخلوق لا يشارك مخلوقا ~~في شئ من صفاته فكيف يكون للخالق شريك في ذلك لكن المخلوق قد يكون له من ~~يماثله في صفاته والله تعالى لا مثل له أصلا والقدر المشترك المطلق كالوجود ~~والعلم والحقيقة ونحو ذلك لا يلزمه شئ من صفات النقص الممتنعة على الله ~~تعالى فما وجب للقدر المطلق المشترك لا نقص فيه ولا عيب وما نفى عنه فلا ~~كمال فيه وما جاز له فلا محذور في جوازه PageV05P084 # وأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والآفات فهي ليست من ~~لوازم ما نختص به ولا من لوازم القدر المشترك الكلى المطلق أصلا بل هي من ~~خصائص المخلوقات الناقصة والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب وهذه معاني شريفة ~~بسطت في غير هذا الموضع # وما يذكره هؤلاء من تعظيم علوم الأسرار والأمر بكتمانها عن الجمهور وقصور ~~الجمهور عن إدراك حقائقها هو كلام مجمل يقوله الصديق والزنديق # والمخالفون من نفاه الصفات الخبرية أو نفي الأوامر الشرعية من المتفلسفة ~~ومن دخل معهم من متصوفة النفاه ونحوهم يشيرون إلى ذلك ويحملون ما يروى من ~~الآثار الصحيحة والسقيمة على ذلك فالأثر المروى إن من العلم كهيئة المكنون ~~لا يعرفه إلا أهل العلم بالله فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله ~~تعالى وهذا الحديث وإن لم يكن له إسناد صحيح فقد ذكره شيخ الإسلام أبو ~~إسماعيل الهروى وأبو حامد الغزالي وغيرهما PageV05P085 # لكن ذكر شيخ الإسلام عن شيخه يحيى بن عمار أن من هذا أحاديث الصفات ~~الموافقة لقول أهل الإثبات # وأبو حامد قد يحمل هذا إذا تفلسف على ما يوافق أقول الفلاسفة النفاة # وكذلك ما في البخاري عن علي حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون ~~أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقد حمله ابن رشد الحفيد على أقوال الفلاسفة ~~الباطنية النفاة ومن المعلوم أن أقوال النفاة لا توجد في كلام الله ورسوله ~~وإنما الموجود في كلام الله ورسوله أقوال أهل الإثبات فإذا حدث المحدث بها ~~من لا يحملها عقله أفضى إلى تكذيب ms0903 الله ورسوله # والأمور الباطنة فيها إجمال فالملاحدة يدعون الباطن المخالف للظاهر وأما ~~أهل الإيمان فالباطن الحق عندهم موافق للظاهر الحق فما في بواطنهم من ~~المعارف والأحوال وتحقيق التوحيد ومقامات أهل العرفان موافق لما جاء به ~~الكتاب والرسول يزداد صاحبها بأخبار الأنبياء إيمانا بخلاف الملاحدة كلما ~~أمعن الواحد منهم فيه بعد عن الله ورسوله PageV05P086 # وقول ابن سينا هو الإقرار بالصانع مقدسا عن الكم والكيف والأين ومتى ~~والوضع والتغير حتى يصير الإعتقاد أنه ذات واحدة لا يمكن أن يكون له شريك ~~في النوع أو يكون له جزء وجودي كمي أو معنوي إلى آخره # فكلامه هذا يتوهم الجاهل أنه تعظيم لله تعالى ومراده أنه ليس لله علم ولا ~~قدرة ولا إرادة ولا كلام ولا محبة وأنه لايرى ولا يباين المخلوقات # قلت وقد تكلمنا على هذا وعلى ثبوت الكليات في الخارج التي ذكرها في ~~إشاراته وشرحها شارحو إشاراته كالرازي والطوسي وابن كمونه اليهودي وأمثالهم ~~فإنه ذكر دليل توحيدهم وقدم قبله مقدمات # قال في الإشارات كل أشياء تختلف بأعيانها وتتفق في أمر مقوم لها فإما أن ~~يكون ما تتفق فيه لازما من لوازم ما تختلف فيه PageV05P087 فيكون للمختلفات ~~لازم واحد وهذا غير منكر وإما أن يكون ما تختلف فيه لازما لما تتفق فيه ~~فيكون الذي يلزم الواحد مختلفا متقابلا وهذا منكر وإما أن يكون ما تتفق فيه ~~عارضا عرض لما تختلف فيه وهذا غير منكر وإما أن يكون ما تختلف فيه عارضا ~~عرض لما تتفق فيه وهذا أيضا غير منكر # قال الشارحون لكلامه كل شيئين فلا بد أن يكونا متخالفين في هويتهما ~~وتشخصهما لأن تشخص هذا لو كان حاصلا لذاك لكان هذا ذاك لاغيره والأشياء قد ~~تكون متوافقة في شئ من المقومات كالأشخاص الداخلة تحت نوع واحد والأنواع ~~الداخلة تحت جنس وقد لا تكون متوافقة في شئ من المقومات كالأجناس العالية ~~فإنها لا تكون متوافقة في شيء من المقومات وإن كانت ربما توافقت في شيء من ~~الصفات العرضية # وإذا كان كذلك فإذا اتفقت في أمر ms0904 مقوم لها كان ما به الاختلاف مغايرا لما ~~به الاشتراك لا محالة فتكون هوية كل واحد منهما مركبة مما به شارك الآخر ~~ومما به امتاز عن الآخر وعند ذلك فإما أن يكون ما به الاشتراك لازما لما به ~~الاختلاف أو بالعكس أو يكون ما به الاشتراك غارضا لما به الاختلاف أو ~~بالعكس # فأما الأول فهو غير منكر كفصول الأنواع الداخلة تحت جنس فإن طبيعة ذلك ~~الجنس لازمة لطبائع تلك الفصول وكالوجود PageV05P088 والوحدة اللازمين ~~للمقولات والتماثل والاختلاف والتضاد والتغاير اللوازم للحقائق الكثيرة ~~المختلفة فإن السواد والبياض وإن كانا مختلفين لكنهما مشتركان في كون كل ~~منهما ضد الآخر # وأما الثاني وهو كون ما به الاختلاف لازما لما به الاشتراك فهو محال ~~كالناطق مع الحيوان لو كان لازما له لكان كل حيوان ناطقا # وأما الثالث والرابع فهما جائزان # قلت وهذا الكلام مبني على أصول سلمها لهم من لم يفهمها مثل كلامهم في ~~الفرق بين الذاتيات المقومة والعرضية اللازمة وكلامهم في تركب الأنواع من ~~الأجناس والفصول ونحو ذلك # ونحن نبين ما يعرف الحق به فنقول معلوم أن هذا الإنسان يشابه غيره في ~~الإنسانية ويشابه سائر الحيوانات في الحيواينة وهذا معنى قولهم متفقان في ~~مسمى الإنسانية أو الحيوانية أو يشتركان في ذلك لكن نفس إنسانيته التي تخصه ~~وحيوانيتة التي تخصه لم يشركه فيها غيره أصلا وإن كان قد ماثله فيها وشابهه ~~فمشابهة الشيء الشيء ومماثلته لا تقتضي أن يكون عين أحدهما يشاركه الآخر ~~فيها أو في شئ من صفاتها القائمة بها فزيد المعين ليس فيه شيء من غيره أصلا ~~ولا في شئ من صفاته القائمة به # فقول القائل اشتركا في الإنسانية أو اتفقا فيها ونحو ذلك فيه إجمال فإن ~~الاشتراك يراد به الاشتراك في الأمور الموجودة في الخارج PageV05P089 ~~كاشتراك الشركاء في العقار بحيث يكون لهذا بعضه ولهذا بعضه مشاعا أو مقسوما ~~وإذا اقتسما ذلك كان لهذا بعضه ولهذا بعضه والمقسوم لا يصدق على كل من ~~القسمين ولا يعمهما فهذا اشتراك في الكل وقسمة للكل إلى ms0905 أجزائه كالقسمة ~~التي ذكرها الفقهاء في كتبهم وقسمة النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم ~~والمواريث ومنه انقسام الكلام إلى اسم وفعل وحرف # ومعلوم أن اشتراك الأعيان في النوع أو الجنس وانقسام الأجناس إلى الأنواع ~~والأشخاص ليس من هذا فإن هذا قسمة الكلى إلى جزيئاته واشتراك الجزئيات في ~~كلى يتناولها فالكليات لا توجد في الخارج كليات فلا توجد إلا مشخصة معينة # وإذا قال القائل الكلى الطبيعي موجود في الخارج وهو المطلق لا بشرط ~~كالإنسان من حيث هو هو والحيوان من حيث هو هو فإن أراد بذلك أنه يوجد ما ~~يصدق عليه المعنى الذي يقال له إذا كان في الذهن كليا مثل أن يوجد الشخص ~~الذي يقال له إنسان وحيوان وجسم ونحو ذلك فقد صدق وإن أراد أنه يوجد الكلى ~~كليا فقد أخطأ فإن الكلى لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه والمعين يمنع ~~تصوره من وقوع الشركة فيه فكيف يكون ذاك جزءا من هذا منحصرا في هذا وهو ~~يصلح لأن يدخل فيه من الأعيان أضعاف هذا وكيف يكون الكبير جزءا من القليل ~~والعظيم جزءا من الصغير # ولا ريب أن الذهن يتصور إنسانا مطلقا لا يمنع تصوره من وقوع PageV05P090 ~~الشركة فيه فيكون كليا في التصور والذهن فإذا وجد فلا يوجد إلا معينا يمنع ~~تصوره من وقوع الشركة فيه # فمن أراد بقوله الكلى يوجد في الأعيان ما يراد بوجود الصور الذهنية في ~~الخارج مثل قول القائل ما كان في نفسي فقد حصل ولله الحمد وما كان في نفسي ~~فقد فعله زيد ونحو ذلك فإن أول الفكرة آخر العمل والإنسان يتصور في نفسه ~~أشياء ثم يفعل ما تصوره ولا يريد بذلك أن نفس الصورة الذهنية التي تصورها ~~وقصدها وجدت في الخارج بعينها ولكن وجد في الخارج ما هو مطابق لها موافق ~~لها # وقد يقال إن هذا هو هذا كما يقال للمكتوب إنه الملفوظ وللملفوظ إنه ~~المعلوم وللمعلوم إنه الموجود فإن الأشياء لها وجود في الأعيان ووجود في ~~الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البيان ms0906 وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي فإذا ~~كتب اسم زيد وقيل إن هذا هو زيد لم يرد بذلك أن الخط هو الصوت ولا أن الصوت ~~هو العلم ولا أن العلم هو الشخص المعين بل الناس يعلمون أن القائل إذا قال ~~هذا هو زيد فالمراد هذا المكتوب اسمه زيد ونظائر هذا كثيرة # فإذا قيل إن الكلى وجد في الخارج بهذا الاعتبار فهو صحيح لأن الكلى ~~يتصوره الذهن مطلقا غير مشروط بشرط فيوجد في الخارج ما يطابقه بمعنى أنه ~~يصدق عليه المطلق الذي لا يشترط فيه شرط إذا قيل هذا حيوان هذا إنسان لكن ~~إذا صدق عليه المطلق لا بشرط لم يلزم أن يكون قد وجد المطلق مطلقا لا بشرط ~~فإن صدقه عليه PageV05P091 يقتضي أن يكون صفة له ومحمولا عليه وهذا عين ~~التقييد والتخصيص # وهذا كما إذا قلنا هذا حيوان هذا جسم لم يلزم من ذلك أن يكون قد وجد ~~حيوان مطلق فضلا عن أن يكون إنسانا أو فرسا أو نحو ذلك من الأنواع أو جسم ~~معين مجرد عن أن يكون معينا من الأجسام المعينة # وقول القائل المطلق لا بشرط ينفي اشتراط الإطلاق فإن ذلك هو المطلق بشرط ~~الإطلاق وذاك ليس بموجود في الخارج بلا نزاع من هؤلاء المنطقيين أتباع ~~أرسطو فإن المنطق اليوناني يضاف إليه ولهذا لا يذكرون فيه نزاعا وإنما ~~يثبته في الخارج أصحاب أفلاطون وإذا لم يكن الإطلاق شرطا فيه لم يمتنع ~~اقتران القيد به فيكون وجوده مقيدا وإذا كان وجوده مقيدا امتنع أن يكون ~~مطلقا فإن الإطلاق ينافي التقييد # وإن قلت المقيد يدخل في المطلق بلا شرط # قلت وإذا دخل فيه كان هو إياه في الذات مغايرا له في الصفات # كما إذا قلت الناطق حيوان لم يكن هناك جوهران أحدهما مطلق والآخر مقيد # وهذا أمر يشهد به الحس ولا ينازع فيه من تصوره فليس في الموجودات المعينة ~~إلا صفاتها المعينة القائمة بها وكل ذلك مشخص PageV05P092 معين وما ثم إلا ~~عين قائمة بنفسها سواء سميت جوهرا أو جسما أو غير ms0907 ذلك أو صفة لها سواء سميت ~~عرضا أو لم تسم بذلك # والمقصود أن الشيئين إذا اتفقا واشتركا في شئ كالإنسانية والحيوانية ~~واختلفا وامتاز كل منهما عن الآخر بشيء كتعينه وتخصصه فكل ما اتفقا فيه ~~واختلفا فيه يمكن أخذه مطلقا ومعينا فإذا أخذ معينا لم يكن واحد منهما شارك ~~الآخر ووافقه في ما تعين فيه وإذا أخذ مطلقا أو كليا كان كل منهما قد شارك ~~الآخر ووافقه في الكلى المطلق الذي يصدق عليهما ولكن الكليات في الأذهان ~~وليس في الأعيان إلا ما هو معين مختص # لكن بين المعينات تشابه واختلاف وتضاد فإذا قيل هذا الإنسان يشارك هذا في ~~الإنسانية ويمتاز عنه بالتعين # قيل له يشاركه في إنسانيته التي تخصه أو في مطلق الإنسانية فالأول باطل ~~ومخالف لقوله ويمتاز عنه بالتعيين وإن أراد الثاني قيل له وكذلك التعين ~~فإنه يشاركه في مطلق التعين فلكل منهما تعين بخصة ويشتركان في مطلق التعين ~~كما قلنا في الإنسانية # فقول هؤلاء كل أشياء تختلف بأعيانها وتتفق في أمر مقوم لها فإما أن يكون ~~ما تتفق فيه لازما لما تختلف فيه أو ملزوما له أو عارضا له أو معروضا له ~~فالأول والثالث والرابع جائز والثاني يمتنع PageV05P093 # يقال لهم الأشياء المعينة كالإنسانين والموجودين سواء قدرا واجبين أو ~~ممكنين أو قدر أحدهما كذلك لم تتفق في أمر هو بعينه في هذا وفي هذا سواء ~~سمي مقوما أو لم يسم فهذا الإنسان لم يوافق هذا في نفس إنسانيته وإنما ~~وافقه [ في ] إنسانية مطلقة وتلك المطلقة يمتنع أن تقوم بالمعين فالتي ~~وافقه فيها يمتنع أن تكون بعينها موجودة في الخارج فضلا عن أن تكون مقومة ~~لشيء من الأشياء والأشياء المعينة لا تقوم بها ولا يقومها إلا ما هو مختص ~~بها لا يشركها [ فيه ] غيره # فهذا الإنسان المعين لا يقومه ولا يقوم به ولا يلزمه ولا يعرض له قط إلا ~~ما هو مختص به سواء كان جوهرا [ أو ] عرضا كما أن يده ورجله وروحه ورأسه ~~مختصة به فما يقوم ببدنه ونفسه من ms0908 الحياة والنطق والحس والحركة والجسمية ~~وغير ذلك كل ذلك مختص به ليس بقائم بغيره # فليتدبر العاقل اللبيب هذا المكان الذي حصل بسبب الضلال فيه من فساد ~~العقول والأديان ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى # وباشتباه هذا اشتبه الأمر على هؤلاء المنطقيين وعلى من قلدهم واتبعهم ~~فضلوا في العقليات المنطقيات والإلهيات ضلالا بعيدا PageV05P094 وجعلوا ~~الصور الذهنية الخيالية حقائق موجودة في الخارج حتى [ آل بهم ] الأمر إلى ~~أن جعلوا لواجب الوجود الخالق للسموات والأرض رب [ العالمين ] وجودا في ~~أذهانهم وعرضا [ ثابتا ] في نفوسهم [ ليس له حقيقة ] في الخارج ولا وجود ~~ولا ثبوت ويقولون وجوده [ معقول لا محسوس ] وإنما هو معقول في عقولهم كما ~~يعقلون الكليات الثابتة في العقول فالوجود المطلق كالحيوان المطلق والإنسان ~~المطلق والجسم المطلق والشمس المطلقة والقمر المطلق والفلك المطلق ونحو ذلك ~~مما لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان # وهذا هو نهاية التوحيد الذي زعموا أن [ الرسل جاءت به ] ولا ريب أن أقل ~~أتباع الرسل أصح وأكمل عقلا من أن يجعل هذا ثابتا في الوجود الخارج فضلا عن ~~أن يجعله رب العالمين مالك يوم الدين سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا # وقوله إما أن يكون المتفق لازما أو ملزوما أو عارضا أو معروضا # فيقال ما سميته متفقا ومشتركا هو وما جعلته مختلفا مميزا لازما له ~~PageV05P095 وملزوما يشتركان في العموم والخصوص والإطلاق والتعيين ~~فالاشتراك والامتياز والاتفاق والاختلاف إذا أخذته باعتبار الذهن والخارج ~~فكل شيئين اشتركا في أمر فذلك المشترك هو في الذهن وكل منهما هو في الخارج ~~متميز فالحيوانان المشتركان في الحيوانية هما مشتركان في الحيوانية المطلقة ~~[ ويمتاز ] أحدهما عن الآخر بالحيوانية الموجودة التي تخصه كما يشترك ~~الناطقان [ في ] الناطقية المطلقة ويمتاز أحدهما عن الآخر بالناطقية التي ~~تخصه # وأما الأمور الموجودة في الخارج فبينها تشابه وتماثل واختلاف وتضاد ليس ~~فيها شيء يشارك شيئا لا في ذاته ولا [ في ] صفة من صفاته # فقولهم في [ القسم ] الأول هو مثل فصول الأنواع الداخلة تحت جنس واحد فإن ~~طبيعة ذلك الجنس ms0909 لازمة لطبائع الفصول كالوجود والوحدة والتماثل والاختلاف ~~والتضاد والتغاير اللوازم للحقائق الكثيرة # يقال لهم فصول الأنواع كالناطقية والصاهلية ونحوهما التي هي فصول أنواع ~~الحيوان كالفرس والإنسان وغيرهما مما يدخل تحت جنس الحيوان إذا قيل طبيعة ~~الجنس وهو الحيوان لازمة PageV05P096 لطبائع هذه الفصول كما هو لازم لهذه ~~الأنواع فإذا أخذت عين اللازم والملزوم في الخارج كان التلازم من الطرفين ~~يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه فلا يقال [ إن أحدهما ~~أعم من الآخر ولا أخص # وإذا قيل ] إنهما يشتركان في الحيوانية وكل منهما متميز عن الآخر ~~بالناطقية والصاهلية فكل من هذه الموجودات متميز عن غيره بحيوانيته كما هو ~~متميز بناطقيته وصاهليته ونوع الناطقية لا يميز [ معينا عن معين ] وإنما ~~يميز نوعا عن نوع والأنواع إنما هي في الأذهان لا في الأعيان فإن الحيوان ~~إذا لزم الناطق والصاهل فنفس الحيوان الذي يقال إنه في الصاهل ليس هو نفس ~~الحيوان الذي في الناطق ولكن يشابهه بل الحيوان هو نفس الصاهل ونفس الناطق ~~ليس الحيوان فيه # وهم قد يقولون إن في الناطق والصاهل حيوانا وهذا غلط فإن الحيوان هو ~~الموصوف بأنه صاهل وأنه ناطق وليس في [ الجوهر ] المعين جوهر آخر لا مطلقا ~~ولا معينا بل هو جوهر واحد موصوف بهذا وبهذا بل وهذا الصاهل المعين هو ~~حيوان وليس هو هذا الصاهل المعين الذي هو حيوان فضلا عن أن يكون هذا الناطق ~~المعين PageV05P097 # ولو قيل إن هذا الصاهل المعين فيه حيوان فليس الحيوان الذي فيه هو ~~الحيوان الذي فيه الصاهل المعين فكيف بما في الناطق وأمثاله # وإذا أراد أن الطبيعة العامة أو المطلقة أو الكلية [ لازمة ] لهذه ~~الطبائع الخاصة فالمعنى الصحيح أن هذا المعنى الذي يوجد في الذهن [ عاما ] ~~مطلقا كليا والذي يوجد أعيانه في الخارج أكثر من أعيان الطبيعة [ الخاصة ] ~~هو لازم للطبيعة الخاصة فحيث كان ناطق أو صاهل كان هناك [ ما ] هو حيوان ~~وليس إذا كان حيوان يلزم أن يكون هناك ناطق أو صاهل # وهنا كلام ليس هذا موضعه وهو أن ms0910 الحيوانية التي للإنسان مثلا هي مماثلة ~~للتي للفرس مخالفة لها فهؤلاء يقولون هي مماثلة والمختلفات يلزمها أمور ~~متماثلة وغيرهم يقولون بل لوازم المختلفات مختلفة وليست الحيوانية التي في ~~هذا النوع مثل الحيوانية التي في النوع الآخر # وهذا نظير اختلافهم في الحكم الواحد بالنوع هل يجوز تعليله بعلتين ~~مختلفتين # فمن قال بالأول جوز ذلك # ومن قال بالثاني منع ذلك وقال اختلاف العلل يقتضي PageV05P098 اختلاف ~~الأحكام ويجيبون عن قول من يقول إن الملك نوع واحد وهو يستفاد بالبيع ~~والإرث والاتهاب ونحو ذلك بأن الملك أنواع مختلفة وليس هذا مثل هذا وإن ~~اشتركا [ في ] كثير من الأحكام وكذلك حل الدم الثابت بالردة والقتل والزنا # وقد عورضوا بنقض الوضوء الثابت بأسباب مختلفة فأجابوا بأنه قد يختلف ~~الحكم بالقوة والضعف # وهذا الآن كلام في تماثل الأحكام والعلل المختلفة وتماثل لوازم الأنواع ~~المختلفة وأما كون هذا المعين ليس هو هذا المعين فهذا مما لا نزاع فيه # والمقصود هنا أن المتفقات في أمر من الأمور إذا قيل إن ما به الاشتراك ~~لازم لما به الامتياز فما اشتركا فيه لا يفارق ما به الامتياز [ من جهة ] ~~كونه مشتركا ولا يوجد معه فضلا عن أن يلزمه إذ الاشتراك إنما هو فيه إذا ~~كان في الذهن وهو من هذه الجهة لا يوجد في الخارج ولكن الوصف الذي يقال ~~إنهما تشاركا فيه معناه أنه يوجد لهذا معينا ويوجد لهذا من نوعه آخر معين ~~والمعين لا اشتراك فيه فلا يظن أنه وجد في الخارج ما اشتركا فيه في الخارج ~~وإن كان مشتركا فيه في الذهن PageV05P099 # واعتبر عموم المعاني والاشتراك فيهما بعموم الألفاظ والاشتراك فيهما فإذا ~~قلت لفظ إنسان يشترك فيه هذا وهذا وهذا ويعمها ولفظ حيوان يشترك فيه أكثر ~~مما يشترك في لفظ إنسان لم يكن بين المسميات في الخارج شيء اشتركت فيه فليس ~~بين هذا الإنسان وهذا الإنسان ولا بينهما وبين الفرس في الخارج شيء مشترك ~~بينهما لأجل الاشتراك والاتفاق في لفظ إنسان ولفظ حيوان فكذلك اتفاقهما ~~واشتراكهما في المعنى المدلول ms0911 عليه بهذا اللفظ # وكذلك اتفاقهم واشتراكهم في الخط المرقوم المطابق لهذا اللفظ فالخط يطابق ~~اللفظ واللفظ يطابق المعنى والثلاثة تتناول الأفراد الموجودة في الخارج ~~وتعمها والأعيان متفقة فيها مشتركة من غير أن يكون بين الأعيان في الخارج ~~شيء اشتركت فيه لكن بينها تشابه بحسب ذلك المعنى الشامل لها واللفظ المطابق ~~له والخط المطابق للفظ # وبذلك يتبين الكلام في القسم الثاني وهو أن ما به الاختلاف لازم لما به ~~الاشتراك أنه قسم ممتنع فإنه ليس في الخارج إلا ما به الاختلاف الذي هو ضد ~~الاشتراك إذ ليس في الخارج مشترك بل كل شيء فهو نفسه ليس مشاركا لغيره في ~~شيء فيكون مخالفا له إذا جعل الاختلاف قسيم الاشتراك وأما الاختلاف الذي هو ~~قسيم التشابه فهذا قد يكون في الخارج وقد لا يكون فالبياضان المتماثلان هما ~~غير مختلفين بهذا الاصطلاح وهما مختلفان بالاصطلاح PageV05P100 الأول الذي ~~هو بمعنى الامتياز فإذا كان كل من البياضين ممتازا عن الآخر ببياضه الذي ~~يخصه فهو ممتاز عنه أيضا بلونيته [ وعرضيته ] التي تخصه وكذلك الإنسانان ~~فما امتاز به كل منهما عن الآخر لازم للمشترك الموجود معه فإن وجود المشترك ~~المعين بدون المعين ممتنع وأما المشترك الكلي الذي في الذهن فذاك ليس بلازم ~~ولا ملزوم إذ يمكن تقدير حيوان ولون مجردا في الذهن ليس له لازم ولا ملزوم ~~وأما الحيوان الموجود في الخارج فهو حيوان معين يلزمه معين إما إنسان معين ~~وإما فرس معين وإما نحو ذلك وهذا المعين حاصل مع هذا المعين [ أبدا ] ولكن ~~ليس لازما لحيوان آخر فإذا عدم هذا الإنسان المعين عدم هذا الحيوان المعين ~~فإذا وجد حيوان آخر لم يكن هو المستلزم لهذا المعين فالحاصل أن كل موجود في ~~الخارج بعينه فجميع صفاته اللازمة متلازمة يلزم من وجود إنسانيته وجود ~~حيوانيته ويلزم من وجود حيوانيته وجود إنسانيته # وأما المقدمة الثانية فإنه قال قد يجوز أن تكون ماهية الشيء سببا لصفة من ~~صفاته وأن تكون صفة له سببا لصفة أخرى مثل الفصل للخاصة ولكن لا يجوز ms0912 أن ~~تكون الصفة التي هي الوجود للشيء إنما هي بسبب ماهيته التي ليست هي الوجود ~~أو بسبب PageV05P101 صفة أخرى لأن السبب متقدم في الوجود ولا متقدم بالوجود ~~قبل الوجود # فيقال له هذه مبنية على أن ماهية الشيء مباينة لوجوده فنقول إما أن تعني ~~بالماهية والوجود الماهية العلمية الذهنية والوجود العلمي الذهني وإما أن ~~تعني بهما الماهية الموجودة في الخارج والوجود الثابت في الخارج وإما أن ~~تعني بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج وإما بالعكس # فإن عني الثاني فلا ريب أن الذي في الخارج هو الموجود المعين وهو الحقيقة ~~المعينة والماهية المعينة ليس هناك شيئان ثابتان أحدهما هو الموجود والآخر ~~ماهيته # ومن قال إن المعدوم شيء في الخارج أو أن الماهية مباينة للموجود الخارج ~~كما قال هذا طائفة من المعتزلة وقال هذا طائفة من الفلاسفة فقوله في غاية ~~الفساد كما هو مبسوط في موضعه # وإن عنى بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج فلا ريب أن أحدهما ~~مغاير للآخر وكذلك بالعكس وليس هذا مما يتنازع فيه العقلاء لكن لما غلب على ~~مسمى الماهية الوجود الذهني وعلى مسمى الوجود الثبوت في الخارج وأحدهما غير ~~الآخر توهم من توهم أن للموجود في الخارج ماهية مغايرة للموجود المعين وهو ~~غلط محض PageV05P102 # وإذا كان كذلك فقول القائل يجوز أن تكون ماهية الشيء أو بعض صفاته سببا ~~لصفة أخرى ولا يجوز أن تكون الماهية سببا للصفة التي هي الوجود لأن السبب ~~متقدم على الوجود ولا يتقدم بالوجود على الوجود # كلام مبني على أصول فاسدة # أحدها كون الموجود الثابت في الخارج صفة لماهية ثابتة في الخارج وهذا غلط ~~بل نفس ما في الخارج هو الموجود الذي هو ماهيته والوجود إن عنى به المصدر ~~فذاك قائم بالواحد وإن عني به الموجود فهو الموجود فليس في الموجود وجود ~~يزيد على حقيقته الموجودة # والثاني قوله إن الماهية أو صفتها تكون سببا لصفة أخرى مثل الفصل للخاصة # فإن عنى بالماهية ما في النفس فليس هناك مسبب ولا سبب ms0913 بل الذهن هو الذي ~~يصور الجميع وإن عني بها ما في الخارج فالفاعل المعين مبدع لصفاتها اللازمة ~~وصفاتها العارضة قد تكون موقوفة على شرط آخر وليست إحدى الصفتين اللازمتين ~~سببا لها وإن كان قد يكون شرطا # الثالث أن لفظ السبب إن عنى به الفاعل فالصفة لا تفعل الصفة ولا الماهية ~~تفعل صفاتها اللازمة لا سيما عندهم حيث يقولون الواحد لا يكون فاعلا وقابلا ~~وإن عنى به ما يقف المسبب PageV05P103 عليه ولو كان شرطا فالمحل حينئذ سبب ~~وهم يزعمون أن الماهية قابلة لوجودها فتكون سببا لوجودها فتناقض قولهم # وأما عند التحقيق فيجوز أن تكون الماهية أو شيء من صفاتها شرطا في صفة ~~أخرى ولو كنا ممن يقول إن في الخارج [ ماهية مغايرة لوجوده لجوزنا أن تكون ~~الماهية شرطا لوجودها لأن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط بخلاف العلة فإنها ~~تتقدم المعلول ولكن لما لم يكن في الخارج إلا الوجود الذي هو ماهية نفسه ~~امتنع أن تكون هناك ماهية تكون شرطا لوجود نفسها أو لا تكون شرطا لوجود ~~نفسها # ثم قال ابن سينا في تقرير توحيدهم واجب الوجود المتعين إن كان تعينه ذلك ~~لأنه واجب الوجود فلا واجب وجود غيره وإن لم يكن تعينه لذلك بل لأمر [ آخر ~~] فهو معلول لأنه إن كان وجوب الوجود لازما لتعينه كان الوجوب لازما لماهية ~~غيره أو صفة وذلك محال وإن كان عارضا فهو أولى أن يكون لعلة وإن كان ما ~~تعين به عارضا لذلك فهو لعلة فإن كان ذلك ما PageV05P104 تعين به ماهيته ~~واحدا فتلك العلة علة لخصوصية ما لذاته يجب وجوده هذا محال وإن كان عروضه ~~بعد تعين أول سابق فكلامنا في ذلك وباقي أقسامه محال # قلت وإيضاح هذا الكلام أنه إذا قدر واجبان كان قد اشتركا في مسمى الوجوب ~~وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه فإما أن يكون ما به الاشتراك لازما لما به ~~الامتياز أو ملزوما أو عارضا أو معروضا فإن كان المشترك لازما كلزوم ~~الحيوانية للإنسانية مثلا فهذا لا يجوز في ms0914 هذا الموضع كما قال لأنه إن كان ~~واجب الوجود لازما لتعينه كان الوجود الواجب لازما لماهية غيره وصفة وذلك ~~محال # وإن كان المشترك وهو الوجوب عارضا للمختص وهو التعين الذي هو الماهية فهو ~~أولى أن يكون لعلة والوجود الواجب لا يكون لعلة # وإن كان التعين عارضا للوجوب المشترك فهو لعلة كتعين آحاد النوع # ولهذا قال بعد هذا اعلم أن الأشياء التي لها حد نوعي واحد فإنما تختلف ~~بعلل أخرى وأنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة PageV05P105 القابلة ~~لتأثير العلل وهي المادة لم يتعين إلا أن يكون [ في طبيعة ] من حق نوعها أن ~~توجد شخصا واحدا وأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل على كثيرين ~~فتعين كل واحد بعلة فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إلا إذا كان ~~الاختلاف بينهما في الموضوع وما يجري مجراه # قال فإذا كان ما تعين به عارضا للوجوب المشترك بالعروض لعلة فإن كانت تلك ~~العلة وما به تعين الماهية واحدا بحيث تكون علة العروض هي علة التعين كانت ~~تلك العلة علة لخصوص ما لذاته يجب وجوده فيكون لذات واجب الوجود علة وهو ~~ممتنع وإن كان عروضه للوجوب المشترك بعد تعين أول سابق فالكلام في ذلك ~~التعين السابق # وبقي من الأقسام الأربعة قسم رابع وهو أن يكون ما به التعين الذي امتاز ~~به كل منهما عن الآخر لازما للمشترك بينهما وهذا ممتنع في جميع المواد كما ~~تقدم بتعين امتناع واجبي وجود ووجب أن يكون وجوب الوجود مستلزما للتعين ~~فيكون تعينه لأنه واجب الوجود PageV05P106 والمعلول لازم لعلته فلا يكون ~~وجوب الوجود لغير المعين فهذا مراده بهذه الحجة # وقد ظن أبو عبد الله الرازي أن مراده بقوله إن كان تعينه ذلك لأنه واجب ~~الوجود فلا واجب وجود غيره هو القسم الأول من الأقسام الأربعة التي جعل ~~فيها الوجوب بلزوم التعين على تقدير ثبوت واجبين # قال وأما قوله إن لم يكن تعينه لذلك بل لأمر آخر فهو معلول هو القسم الذي ~~جعل الوجوب فيه معروض ms0915 ذلك التعين قال وقوله وإن كان ما تعين به عارضا لذلك ~~فهو لعلة هو هذا القسم وأنه لم يذكر في إبطاله إلا قوله لو كان تعينه لا ~~لكونه واجبا بل لأمر آخر فهو معلول وأنه أعاد هذا الكلام مرة أخرى وزاد في ~~بيان بطلانه ما ذكره آخرا وأنه لو ذكر هذا الكلام حينما تعرض لإبطال القسم ~~الثاني كان أقرب إلى الضبط # قلت وليس الأمر على ما ظنه بل الرجل ذكر أولا التقدير المستلزم لوحدة ~~الواجب ثم ذكر أربعة أقسام على تقدير تعدده وأبطلها بقوله واجب الوجود ~~المتعين إن كان تعينه أي ذلك PageV05P107 التعين الخاص لأنه واجب الوجود ~~فلا واجب وجود غيره لأنه يكون وجوب الوجود يستلزم التعين الخاص فلا يوجد ~~الملزوم بدون لازمه فلا يتحقق الوجوب إلا في ذلك المعين وهو المطلوب وإن لم ~~يكن ذلك التعين لأجل وجوب الوجود فهو معلول وكون واجب الوجود معلولا ممتنع ~~وهذا يعم الأقسام الأربعة لأنه حينئذ يكون المتعين علة غير وجوب الوجود كما ~~ذكر بعد هذا أن الأشياء التي لها حد نوعي إنما تتعدد لعلل وتتعين بعلل أخرى ~~إلا أن يكون من حق نوعها أن توجد شخصا واحدا وإذا كان للتعين علة غير وجوب ~~الوجود فهو معلول كما أن تعين الإنسان معلول لغير الإنسانية ثم بين أنه ~~يكون معلولا على التقديرات الأربعة فقال إن كان وجوب الوجود المشترك لازما ~~للتعين أي لهذا التعين وهذا التعين الذي في الواجبين كما تلزم الإنسانية ~~لهذا الإنسان وهذا الإنسان كان الوجود الواجب لازما أو صفة لماهية غيره وقد ~~قال إن هذا محال في المقدمة الثانية وإن كان عارضا فهو أولى وإن كان معروضا ~~فقد بين بطلانه وباقي أقسامه وهو كون التعين المتعدد لازما للمشترك فهو ~~ممتنع في جميع المواد كما يمتنع أن يكون تعين الإنسان لازما للإنسانية لا ~~يلزم أنه حيث وجد المشترك وجد المعين وهذا محال # وإذا عرف أن هذا مقصوده فاعلم أن هذه الحجة يصوغها بعبارات متنوعة ~~والمعنى واحد كما صاغها الآمدي في دقائق الحقائق ms0916 في PageV05P108 الفلسفة ~~فقال الفصل الثاني في وحدانية واجب الوجود وأنه لا ضد له ولا ند وأنه قديم ~~أزلي أما أن واجب الوجود واحد لا تعدد فيه ولا اشتراك فذلك لأن مسمى واجب ~~الوجود لو كان مشتركا بين شيئين فالشيئان إما متفقان من كل وجه أو مختلفان ~~من كل وجه أو متفقان من وجه دون وجه فإن اتفقا من كل وجه فلا تعدد إذ ~~التعدد دون مميز محال وإن اختلفا من كل وجه فمسمى PageV05P109 واجب الوجود ~~لا اشتراك فيه وهو خلاف الفرض وإن اتفقا من وجه دون وجه فما به وقع ~~الافتراق إن كان هو مسمى واجب الوجود فلا اشتراك فيه أيضا وإن كان غيره ~~فمسمى واجب الوجود يكون مشتركا بينهما وعند ذلك فإما أن يتم تحقق مسمى واجب ~~الوجود في كل واحد من الشيئين بدون ما به التخصص والتمايز أو لا يتم دونه ~~الأول محال وإلا كان الأمر المطلق المشترك متخصصا في الأعيان بدون ما به ~~التخصص وهو محال والثاني يتوجب أن يكون مسمى واجب الوجود مفتقرا إلى أمر ~~خارج عن المفهوم من اسمه فلا يكون واجبا لذاته وقد قيل إنه واجب لذاته وهذه ~~المحالات إنما لزمت من القول بالاشتراك في مسمى واجب الوجود فلا اشتراك فيه ~~فإذا واجب الوجود لا تعدد فيه بل نوعه منحصر في شخصه # قال والناظر المتبحر يزداد بإمعان النظر في هذه الحجة المحررة والبحث ~~فيها مع نفسه وضوحا وجلاء فإن ما طول به من التشكيكات وأنواع التخيلات على ~~غيرها من الحجج المذكورة في هذا الباب فلا اتجاه له ههنا # هذا قوله هنا وهذه الحجة هي [ التي ] ذكرها الآمدي عنهم وعن بعض أصحابه ~~في كتاب أبكار الأفكار واعترض عليها باعتراضين سبقه إلى أحدهما الرازي في ~~شرح الإشارات وهو أن PageV05P110 الوجوب أمر سلبي لا ثبوتي فلا يتم الدليل ~~حينئذ والثاني أن هذه الحجة منتقضة بوجود الله سبحانه مع وجود الممكنات ~~فإنهما اتفقا في مسمى الوجود وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه فإما أن يكون ~~المطلق مع المعين ms0917 لازما أو ملزوما أو عارضا أو معروضا واعترض الرازي ~~باعتراض ثالث وهو أنه منع كون التعين وصفا ثبوتيا كما منع كون الوجوب وصفا ~~ثبوتيا # قلت أما إلزامهم لهم الوجود الممكن مع الواجب فهذا إلزام لازم لا محيد ~~للفلاسفة عنه ولكن ليس فيه حل الشبهة وأما منع كون الوجوب أمرا ثبوتيا فهو ~~من نوع السفسطة فإن الوجود إذا كان ثبوتيا فوجوبه الذي هو توكده المانع من ~~إمكان نقيضه كيف يكون عدميا ومعلوم أن اسم الوجود هو بالواجب أحق منه ~~بالممكن # وأيضا فإن ما ذكره من التقسيم وارد سواء قيل إن المفهوم ثبوتي أو سلبي ~~فإنه إذا كان سلبيا مشتركا امتنع أن يكون ملزوما للمختص فإن المشترك سواء ~~كان وجوديا أو عدميا لا يستلزم المختص فإنه يقتضى أنه حيث وجد المشترك ~~المطلق العام وجد كل واحد من أفراده الخاصة وامتنع أيضا أن يكون لازما ~~للمختص إلا إذا كان الوجوب معلولا ولازما لغيره وهو قد ذكر إبطال هذا # وقد اعترض الرازي باعتراض آخر على أحد قوليه في أن الوجود زائد على ~~الماهية بأن الماهية تكون علة للوجود وذكر أنه لا محذور في أن PageV05P111 ~~تكون الماهية إذا أخذت مطلقة لا بشرط وجود ولا عدم علة لوجود نفسها ~~والماهية من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة # قلت الحجة مدارها على أن المطلق المشترك الكلي موجود في الخارج وهذا هو ~~الموضع الذي ضلت فيه عقول هؤلاء حيث اعتقدوا أن الأمور الموجودة المعينة ~~اشتركت في الخارج في شيء وامتاز كل منها عن الآخر بشيء وهذا عين الغلط # قلت والشخص المعين ليس له تعين غير هذا الشخص المعين لا ثبوتي ولا عدمي ~~فإنه لم يكن مشاركا لغيره في أمر خارجي حتى يحتاج تعينه وتميزه عنه إلى وصف ~~آخر ثبوتي أو سلبي وقولهم في القاعدة الكلية إن الأشياء التي لها حد نوعي ~~إنما تختلف بعلل أخرى وأنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير ~~العلل وهي المادة لم يتعين إلا أن يكون من حق نوعها أن ms0918 توجد شخصا واحدا ~~فأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل على كثيرين فيعين كل واحد بعلة ~~فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إلا إذا كان الاختلاف بينهما في ~~الموضوع وما يجري مجراه هو قول باطل وذلك أن الأشياء التي لها حد واحد نوعي ~~لا وجود لها في الخارج مطلقة ولا عامة أصلا وإنما وجودها كذلك في الذهن ~~فالسبب الفاعل للواحد منها هو الفاعل لذاته ولصفاته وهو الفاعل لذلك الواحد ~~المعين وليس هنا شيئان أحدهما لنوعها والآخر لتشخصها بل ولا وجودان أحدهما ~~لنوعها PageV05P112 والآخر لتشخصها بل ولا قابلان بل الموجود هو الأعيان ~~المشهودة والفاعل إنما فعل تلك الأعيان لم يفعل أنواعا مطلقة كلية وإن كانت ~~تلك تتصور في العلم فالكلام في الوجود الخارجي # وهذا مما يبين لك أن من قال من المتفلسفة إنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء ~~على وجه كلي لا جزئي فحقيقة قوله إنه لم يعلم شيئا من الموجودات فإنه ليس ~~في الموجودات إلا ما هو معين جزئي والكليات إنما تكون في العلم لا سيما وهم ~~يقولون إنما علم الأشياء لأنه مبدؤها وسببها والعلم بالسبب يوجب العلم ~~بالمسبب ومن المعلوم أنه مبدع للأمور المعينة المشخصة الجزئية كالأفلاك ~~المعينة والعقول المعينة وأول الصادرات عنه على أصلهم العقل الأول وهو معين ~~فهل يكون من التناقض وفساد العقل في الإلهيات أعظم من هذا # وقولهم إنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير العلل وهي ~~المادة لم يتعين كقول القائل إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة وهي ~~المادة لم توجد فإن وجودها هو بعينها لم يكن لها تحقق في الخارج غير وجودها ~~المعين # وقولهم فأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل على كثيرين فتعين كل ~~واحد بعلة كقول القائل فموجود كل واحد بعلة ومعلوم أن الممكن وجوده بعلة ~~سواء كان قد انحصر نوعه في شخصه كالشمس أو كان مما لم ينحصر نوعه في شخصه ~~كالإنسان PageV05P113 فليس للمعين علتان إحداهما لنوعه والأخرى لشخصه بل ~~العلة ms0919 الموجبة لشخصه كافية في وجوده كوجود ما انحصر نوعه في شخصه # وقوله فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إلا إذا كان الاختلاف ~~بينهما في الموضوع وما يجري مجراه كقول القائل لا يكون سوادان إلا إذا كان ~~كل منهما قائما في محل وكذلك السواد الواحد لا يوجد إلا في محل يقوم به ~~وإذا قيل السوادان يفتقران إلى محلين بخلاف السواد الواحد فذلك لأجل كون ~~السواد لابد له ] من محل ولا يعقل تعدد السوادين بدون تعدد المحل كما لا ~~يعقل وجوده بدون وجود المحل وما لا يفتقر إلى محل فتعدده لا يفتقر إلى محل ~~كما أن واحدة لا يفتقر إلى محل والتعين كالوحدة والتكثر كالتعدد وليس للعدد ~~والوحدة في الخارج وجود غير المعدودات والمتوحدات وإنما وجود العدد المطلق ~~والوحدة المطلقة والتعين المطلق في الأذهان لا في الأعيان كسائر المطلقات # وعلى هذا التقدير فواجب الوجود المتعين ليس لتعينه علة ولا سبب كما أنه ~~ليس لوجوده علة ولا سبب وليس هناك في الخارج تعين زائد على نفسه المعينة لا ~~ثبوتي ولا سلبي حتى يقال إن ذلك PageV05P114 له علة وإن علته إما وجوب ~~الوجود فلا يتعدد وإما أمر [ آخر ] فيكون وجوب الوجود معلولا # وإذا قدر واجبا وجود وقال القائل [ إنهما ] اشتركا في وجوب الوجود وامتاز ~~كل منهما عن الآخر بتعينه # قيل له اشتركا في وجوب الوجود المطلق أو شارك كل منهما الآخر فيما يخصه ~~من وجوب وجوده فأي شيء قال في ذلك قيل له وكذلك التعين فإنهما اشتركا في ~~التعين المطلق وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه الذي يخصه فإذا قدرت وجوبا ~~مطلقا فخذ معه تعينا مطلقا وإذا قدرت وجوبا معينا فخذ معه تعينا معينا وإذا ~~قلت التعين المطلق لا يكون إلا في الذهن لا في الخارج قيل لك والوجوب ~~المطلق لا يكون إلا في الذهن لا في الخارج # وحينئذ فقولك ما به الاشتراك يكون لازما لما به الامتياز أو ملزوما أو ~~عارضا أو معروضا # جوابه أن ليس في الخارج ما به الاشتراك ms0920 وإنما في الخارج ما به الامتياز ~~فقط وما جعلته مشتركا هو نظير ما جعلته مميزا يمكن فرض كل منهما مطلقا ~~ومعينا # فإذا قلت اشتركا في الوجوب وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه # قيل لك اشتركا في وجوب مطلق كلي لا وجود له في الخارج كما PageV05P115 ~~اشتركا في تعين مطلق كلي وماهية مطلقة كلية وحقيقة مطلقة كلية وكل منهما ~~ممتاز عن الآخر بما هو به موجود فهو ممتاز عنه بوجوده الذي يخصه وهو حقيقته ~~التي تخصه وهو نفسه وذاته وماهيته التي تخصه فما اشتركا فيه من الأمر الكلي ~~الذهني لا يكون في الخارج فضلا عن أن يحتاج إلى مميز [ وما وجد ] في الخارج ~~هو [ مميز ] عن غيره بنفسه المتناولة لذاته وصفاته المختصة به لا يحتاج إلى ~~مميز آخر [ ولا هو ] يشركه فيه بوجه من الوجوه ولا ما وجد بأحدهما هو بعينه ~~الموجود في الآخر وإن شابهه أو ماثله # وإذا قيل هو هو فهو هو باعتبار النوع لا باعتبار الشخص ومعنى ذلك أن ~~الموجود في الخارج من هذا هو مثل الموجود في الخارج من هذا # فإذا قلت هذان إنسانان اشتركا في الإنسانية وامتاز أحدهما عن الآخر بعينه ~~أو بشخصه أو ما قلت من العبارات التي تؤدي هذا المعنى أمكن أن يقال هذان ~~الإنسانان اشتركا في أن كلا منهما له عين تخصه وله شخص ونحو ذلك فاشتركا في ~~التعين والتشخص وامتاز كل منهما عن الآخر بما يخصه من الإنسانية ~~PageV05P116 # وحقيقة الأمر أن كلا منهما ماثل الآخر ووافقه في أنه إنسان معين مشخص وكل ~~منهما ممتاز عن الآخر بنفس عينه المشخصة المتناولة لإنسانيته المعينة ~~المشخصة وكذلك إذا قدرنا موجودين واجبا وممكنا أو موجودين واجبين أو ممكنين ~~فهذا الموجود وافق هذا الموجود في الوجود المطلق المشترك بمعنى أنه شابهه ~~في ذلك فهذا موجود أي ثابت متحقق في الخارج وهذا موجود أي ثابت متحقق في ~~الخارج وكل منهما يفارق الآخر في نفس وجوده الذي يختص به وهو ذاته الموجودة ~~في الخارج وليس بينهما اشتراك [ إلا ] في ms0921 الخارج سواء كانا متماثلين ~~كالسوادين وحبتي الحنطة أو كانا مختلفين كالسواد مع البياض والفرس مع ~~الإنسان # فإذا قيل إن السواد والبياض أو السوادين اشتركا في الوجود فهو كقولنا ~~اشتركا في التحقق والثبوت وأن لكل واحد ماهية ولا يقتضي هذا تماثلهما في ~~شيء من الأشياء فإن ما وجد في الخارج لكل منهما أمر يخصه فإذا لم يكن ~~الموجود في الخارج منهما متماثلا كالسواد مع البياض لم يكونا متماثلين # وكذلك إذا قدر واجبان وقيل اشتركا في الوجوب وامتاز أحدهما عن الآخر ~~بالتعين # قيل ما في الخارج ليس فيه اشتراك وإنما اشتركا في وجوب PageV05P117 مطلق ~~كلي كما اشتركا في تعين مطلق كلي وهذا الواجب المعين لم يشركه غيره في ~~وجوبه المعين كما لم يشركه في تعينه المعين بل كل منهما حقيقته الموجودة في ~~الخارج هي الشيء الموجود في الخارج كما أن حقيقة الممكن المحدث الموجودة في ~~الخارج هي نفس الموجود في الخارج وليس في الخارج حقيقة سوى الشيء المعين ~~الموجود حتى يقال إن الوجود عارض لها أو لازم بل إن كان الشيء الموجود في ~~الخارج من المحدثات كان موجودا تارة ومعدوما أخرى والموجود هي حقيقته ~~الثابتة في الخارج والمعدوم تلك الحقيقة وهي مجعولة مفعولة مصنوعة وأما ~~الحقيقة المتصورة في الذهن فتلك هي وجوده الذهني العلمي وتلك تحصل بالأسباب ~~المحصلة للعلم كما تحصل الخارجة بالأسباب المحصلة للوجود وما ثم إلا هذا أو ~~هذا فتقدير حقيقة لا في العلم ولا في الوجود تقدير ما لا حقيقة له بل هو ~~فرض ممتنع يتصوره الذهن كما يتصور ما لا يمكن وجوده لا في العلم ولا في ~~الخارج فإن تصور ما لا يمكن وجوده أعظم من تصور ما لا يوجد وهو متصور من ~~هذه الجهة العامة حتى يحكم عليه بنفي التصور الخاص ولولا تميزه في الذهن ~~مجملا لما أمكن الحكم على أفراده بالامتناع # ويبين هذا بالكلام على النظم الذي ذكره لهم الآمدي وجعله الغاية التي لا ~~يرد عليها شيء وهو قوله لو كان وجوب الوجود PageV05P118 مشتركا بين شيئين ms0922 ~~فالشيئان إما متفقان من كل وجه أو مختلفان من كل وجه أو متفقان من وجه دون ~~وجه إلى قوله وإن اتفقا من وجه دون وجه ومسمى واجب الوجود هو ما اشتركا فيه ~~فمسمى واجب الوجود يكون مشتركا فإما أن يتم تحقق مسمى ] واجب الوجود في كل ~~واحد من الشيئين بدون ما به التخصيص والتمايز أو لا يتم بدونه والأول محال ~~وإلا كان الأمر المطلق المشترك مشخصا في الأعيان بدون ما به التخصيص وهو ~~محال والثاني يوجب افتقار مسمى واجب الوجود إلى أمر خارج عن المفهوم من ~~اسمه فلا يكون واجبا بذاته # قلت فيقال لهم قولكم إما أن يتم تحقيق مسمى واجب الوجود في كل واحد من ~~الشيئين بدون ما به التخصص أتعنون بذلك المسمى المطلق الكلي الذي لا يوجد ~~إلا في الذهن أم تعنون به المسمى الثابت في الخارج # أما الأول فلا يوجد في الخارج لا فيهما ولا في أحدهما كما لا يوجد ~~الحيوان المطلق الكلي ثابتا في الخارج لا في هذا الحيوان ولا هذا الحيوان ~~بل لا يوجد في الخارج إلا ما هو حيوان معين جزئي وإنسان معين جزئي وكذلك ~~الإنسان المطلق الكلي وكذلك سائر المطلقات PageV05P119 الكلية كالحيوان ~~المطلق وهم يسلمون أنها لا توجد في الخارج كلية مطلقة وإنما يظنون أنها ~~توجد جزءا من المعين وهذا أيضا غلط بل لا توجد إلا معينة مشخصة وليس في ~~المعين المشخص ما هو مطلق ولا في الجزئي ما هو كلي فإن كون الكلي ينحصر في ~~الجزئي والمطلق في المعين ممتنع # والآمدي قد بين فساد هذا في غير موضع من كتبه مثل كلامه على الفرق بين ~~المطلق والمقيد والكلي والجزئي وغير ذلك وزيف ظن من يظن أن الكلي يكون جزءا ~~من المعين وبين خطأ من يقول ذلك كالرازي وغيره فلو رجع إلى اصله الصحيح ~~الذي ذكره في الكلي والجزئي والمطلق والمعين لعلم فساد هذه الحجة ولكن لفرط ~~التباس أقوالهم وما دخلها من الباطل الذي اشتبه عليهم وعلى غيرهم تزلق ~~أذهان كثير من الأذكياء ms0923 في حججهم ويدخلون في ضلالهم من غير تفطن لبيان ~~فسادها كالرازي والآمدي ونحوهما تارة يمنعون وجود الصور الذهنية حتى يمنعوا ~~ثبوت الكلي في الذهن وتارة يجعلون ذلك ثابتا في الخارج # ففي هذا الموضع أثبت الآمدي المسمى المشترك الكلي في الخارج وفي موضع آخر ~~ينفيه مطلقا كما قال في إحكامه لما أراد الرد على الرازي في الأمر بالماهية ~~الكلية هل يكون أمرا بشيء من جزئياتها أم PageV05P120 لا فإن الرازي ذكر أن ~~الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرا بشيء من جزئياتها وهذا صحيح لكن لا ~~يلزم إذا لم يكن أمرا بشيء من المعينات أن لا يكون فاعل المعين ممتثلا بل ~~الأمر بجميع الأفعال كالأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج والعتق وإعطاء ~~الفقراء فإنه أمر بشيء مطلق ومع هذا فإذا أعتق رقبة مما أمر به أجزأه ولو ~~صام شهرين متتابعين في أول العام أو أوسطه أجزأه بخلاف آخره فإن فيه نزاعا ~~لتخلل الفطر الواجب ومثل هذا كثير # وزعم الآمدي أن الأمر لا يكون بالماهية الكلية بل لا يكون إلا أمرا ~~بالجزئيات وهذا صحيح باعتبار دون اعتبار فإذا أريد به أنه لا يمكنه فعل ~~المطلق إلا معينا فيكون مأمورا بأحد الجزئيات لا بعينه بطريق اللزوم كان ~~صحيحا وأما إن أريد أنه لم يؤمر إلا بمعين لا بمطلق فليس بصحيح # قال الآمدي إذا أمر بفعل من الأفعال مطلقا غير مقيد في اللفظ بقيد خاص ~~قال بعض أصحابنا الأمر إنما تعلق بالماهية الكلية المشتركة ولا تعلق له ~~بشيء من جزئياتها وذلك كالأمر بالبيع فإنه لا يكون أمرا بالبيع بالغبن ~~الفاحش ولا ثمن المثل إذ هما متفقان في مسمى البيع ومختلفان بصفتهما والأمر ~~إنما تعلق بالقدر المشترك وهو غير مستلزم لما يخصص به كل واحد من الأمرين ~~فلا يكون PageV05P121 الأمر المتعلق بالأعم متعلقا بالأخص إلا أن تدل ~~القرينة على إرادة أحد الأمرين # قال ولذلك قلنا إن الوكيل في البيع المطلق لا يمكن البيع بالغبن الفاحش # قال الآمدي وهذا غير صحيح وذلك لأن ما به الاشتراك في الجزئيات معنى ms0924 كلي ~~لا تصور لوجوده في الأعيان وإلا كان موجودا في جزئياته فيلزم من ذلك انحصار ~~ما يصلح لاشتراك كثيرين فيه مما لا يصلح لذلك وهو محال # قال وعلى هذا فليس معنى اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي سوى أن الحد ~~المطابق للطبيعة الموصوفة بالكلية مطابق للطبيعة الجزئية بل إن تصور وجوده ~~فليس في غير الأذهان وإذا كان كذلك فالأمر طلب إيقاع الفعل على ما تقدم ~~وطلب الشيء يستدعي كونه متصورا في نفس الطالب وإيقاع المعني الكلي في ~~الأعيان غير متصور في نفسه فلا يكون متصورا في نفس الطالب فإذا الأمر لا ~~PageV05P122 يكون بغير الجزئيات الواقعة في الأعيان لا بالأمر الكلي # قال وإن سلم أن الأمر يتعلق بالمعنى الكلي المشترك وهو المسمى بالبيع ~~فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات فقد أتى بما هو مسمى البيع المأمور به # قلت هذا الثاني صحيح فإن الآتي ببعض المعينات قد أتى بما أمر به لكن ~~الجمهور الذين يقولون لا يصح بيعه بالغبن الفاحش يقولون لم يدخل هذا البيع ~~المعين في المسمى المطلق في عرف الناس كما لم يدخل البيع بثمن مؤجل وثمن ~~محرم ونحو ذلك # وأما قوله إنه لم يؤمر بكلي وإنه لا معنى لاشتراك الجزئيات في المعنى ~~الكلي إلا مطابقة حد الكلي لحد جزئياته فهذا إسراف في النفي فإن الجزئيات ~~تطابق حد بعضها بعضا وليس بعضها عاما مشتركا لسائرها # وقوله إيقاع المعنى الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه PageV05P123 صحيح ~~إذا أريد به أن يجعل ذلك المعنى الذي في نفسه كليا هو نفسه موجودا في ~~الخارج وهذا غير مراد فإن ما في النفس صفة قائمة بها لا يكون في الخارج ~~وإنما المراد أن يوجد في الخارج ما يطابقه بحيث يكون ذلك المعنى الكلي ~~الذهني متناولا له كما يقال فعلت ما في نفسي كما قال تعالى @QB@ إلا حاجة ~~في نفس يعقوب قضاها @QE@ فالحاجة التي في نفسه إنما في نفسه تصورها وقصدها ~~وقضاؤها له فعل ذلك المراد المتصور وهو أمره لهم بما أمرهم به من الدخول من ~~أبواب ms0925 متفرقة ومثل هذا كثير في كلام سائر الناس # ومنه قول عمر بن الخطاب زورت في نفسي مقالة أردت أن قولها # ويقال كان في نفسي أن أحج وقد فعلت ما كان في نفسي والمقصود هنا أن ~~الآمدي هنا معترف بأن المعنى الكلي لا تصور لوجوده في الأعيان وإلا كان ~~موجودا في جزئياته # قال ويلزم من ذلك انحصار ما يصلح لاشتراك كثيرين فيه مما لا يصلح له وهو ~~محال وهو كما قال فإنه إذا قال إن المطلق جزء من المعين والكلي موجود في ~~الجزئي فقد جعل الكلي بعض الجزئي وبعض الشيء ينحصر فيه ثم إنهم يقولون هو ~~جزء من هذا PageV05P124 المعين وهذا المعين وسائر الجزئيات فيلزم انحصاره ~~في كل جزئي من جزئياته وانحصاره في واحد يمنع وجوده في غيره كما يمتنع وجود ~~الجزئي في جزئي آخر فكيف يكون منحصرا في جزئي مع انحصاره في جزئي آخر فإن ~~هذا جمع بين النقيضين مرات متعددة بل لا ينحصر كثرة # فلو كان الآمدي ذكر هذا في هذا الموضع لعلم بطلان هذه الحجة التي حررها ~~لأتباع ابن سينا في كتابيه الكبيرين ولم يبن علتها ولعرف حلها ولم يقتصر ~~على معارضتها # وكذلك الرازي يحتج بمثل هذه كثيرا مع أنه ينقضها كثيرا كما قال في ملخصه ~~حكاية عن المتفلسفة أما الكلي العقلي فالمشهور أن الصورة الذهنية أي وجوده ~~بما هو هو في الذهن فقط لا في الخارج قالوا في بيان ذلك إن الأمر الموصوف ~~بالكلية موجود إما في الذهن وإما في الخارج وإلا لكان عدما صرفا ولو كان ~~كذلك لاستحال أن يكون مشتركا فيه بين كثيرين ومحال أن يكون موجودا في ~~الخارج لأن كل موجود في الخارج فهو مشخص معين ولا شيء من المشخص المعين ~~بمشترك فيه بين كثيرين ينتج لا شيء من الموجود في الخارج بمشترك فيه بين ~~كثيرين وكل كلي مشترك [ فيه ] بين PageV05P125 كثيرين فلا شيء من الموجود ~~في الخارج بكلي ولما بطل كون الكلي موجودا في الخارج تعين كونه موجودا في ~~الذهن فهذا الكلام الذي ms0926 ذكره الرازي وحكاه عن الحكماء هنا كلام صحيح ولو ~~التزموا موجبه لم يقولوا إن في الخارج شيئا مشتركا كليا ولا أن الإنسانية ~~الكلية موجودة في الخارج ولا أن الواجبين أو الموجودين إذا اشتركا في مسمى ~~الوجود والوجوب كان ذلك المشترك [ الكلي ] متحققا في الخارج واحتاج حينئذ ~~إلى ما به الامتياز # وتناقض القوم أكثر من أن يمكن ذكره هنا ومن تصور هذا المعنى علم بالاضرار ~~أن هذا الإنسان المعين هو حيوان معين وجسم معين وناطق معين وأنه ليس فيه ~~شيء كلي مطلق مشترك بينه وبين غيره ولا الكلي المطلق المشترك بين الأعيان ~~جزء منه ثابت فيه في الخارج ومن جعل المطلقات الكلية ثابتة في الخارج وجزءا ~~من المعينات وأثبت في المعينات أمورا مطلقة فلا ريب أنه لم يتصور ما قال أو ~~هو فاسد العقل بأي عبارة عبر عن ذلك مثل أن يقول الماهية الكلية يعرض لها ~~التعين أو هي معروضة التعين أو هي غير مانعة من التعين أو جعلوا الكلية ~~عارضة للتعين كقولهم معروض الكلي في الخارج فإنهم لما ظنوا أن في الخارج ~~كليا ومعينا صاروا تارة PageV05P126 يجعلون هذا عارضا لذاك وتارة يجعلون ~~ذاك عارضا لهذا ويقولون الماهية يعرض لها أن تكون كلية وجزئية # وحقيقة الأمر أن الماهية الكلية إنما تكون كذلك في الذهن وما في الذهن لا ~~يوجد في الخارج إلا معينا ومعنى وجوده وجود ما يطابقه مطابقة العلم للمعلوم ~~والاسم للمسمى والإرادة للمراد وإلا فعاقل يتصور ما يقول لا يقول إن ~~الكليات توجد في الخارج إلا إذا أراد به أن ما هو كلي في الأذهان يكون ~~ثابتا في الأعيان لكن معينا وهؤلاء ينكرون على من يقول المعدوم شيء ثابت في ~~الخارج # وقوله وإن كان باطلا فقولهم أفسد منه وإن كانا يشربان من عين واحدة وهو ~~اشتباه ما في الأذهان بما في الأعيان وكذلك الذين أثبتوا الأحوال في الخارج ~~وقالوا هي لا موجودة ولا معدومة شربوا أيضا من هذه العين وكذلك من ظن اتحاد ~~العالم بالمعلوم والمحب بالمحبوب والعابد بالمعبود ms0927 كما وقع لأهل الاتحاد ~~المعين قد شرب من هذه العين المرة المالحة أيضا وكذلك من قال بالاتحاد ~~المطلق تصور وجودا مطلقا في نفسه فظن أنه في الخارج فهؤلاء كلهم شربوا من ~~عين الوهم والخيال فظنوا أن ما يكون في وهمهم وخيالهم هو ثابت في الخارج # هذا وهم ينكرون على أهل العقول السليمة والفطر المستقيمة إذا PageV05P127 ~~أنكروا وجود قائم بنفسه موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه ~~ويزعمون أن نفي هذا من حكم الوهم والخيال التابع للحس فإذا طولبوا بدليل ~~يدل على إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه كان ملجؤهم وغياثهم هي ~~هذه الكليات كما فزع إليها ابن سينا ومن أخذ ذلك عنه كالرازي وأتباعه مثل ~~الأصبهاني وغيره # قال ابن سينا في أول النمط الرابع الذي هو في الوجود وعلله اعلم أنه قد ~~يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس وأن ما لا يناله الحس بجوهره ~~ففرض وجوده محال وأن ما لا يتخصص بمكان أو بوضع بذاته كالجسم أو بسبب ما هو ~~فيه كأحوال الجسم فلا حظ له في الوجود وأنت يتأتى لك أن تتأمل نفس المحسوس ~~فتعلم منه بطلان قول هؤلاء إنك ومن يستحق أن يخاطب تعلمان أن هذه المحسوسات ~~قد يقع عليها PageV05P128 اسم واحد لا على [ سبيل ] الاشتراك الصرف بل بحسب ~~معنى واحد مثل اسم الإنسان فإنكما لا تشكان في أن وقوعه على زيد وعمرو ~~بمعنى واحد موجود فذلك المعنى الموجود لا يخلو إما أن يكون بحيث يناله الحس ~~أو لا يكون فإن كان بعيدا من أن يناله الحس فقد أخرج التفتيش من المحسوسات ~~ما ليس بمحسوس وهذا أعجب وإن كان محسوسا فله لا محالة وضع وأين ومقدار معين ~~وكيف معين لا يتأتى أن يحس بل ولا أن يتخيل إلا كذلك فإن كل محسوس وكل ~~متخيل فإنه يتخصص لا محالة بشيء من هذه الأحوال وإذا كان كذلك لم يكن ~~ملائما لما ليس بتلك الحال فلم يكن مقولا على كثيرين يختلفون في تلك الحال ~~فإذا ms0928 الإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة بل هو من حيث حقيقته الأصلية التي لا ~~تختلف فيها الكثرة غير محسوس بل معقول صرف وكذلك الحال في كل كلي # قال ولعل قائلا منهم يقول إن الإنسان مثلا إنما هو إنسان من حيث له أعضاء ~~من يد ورجل وعين وحاجب ومن حيث هو كذلك فهو محسوس فننبهه ونقول إن الحال في ~~كل PageV05P129 عضو مما ذكرته أو تركته كالحال في الإنسان نفسه # قلت يقال له قولك قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس إما أن ~~تريد أن الموجود هو ما أحسه الشخص المعين أو ما يمكن إحساسه في الدنيا أو ~~ما يمكن الإحساس به ولو بعد الموت فأما الأول فلا يقوله عاقل فإنه ما من ~~عاقل إلا ويعلم إما بخبر غيره وإما بنظره وقياسه ما لم يعلمه بحسه ومن حكى ~~عن البراهمة أو غيرهم من الأمم أنهم حصروا الموجودات في المحسوسات بمعنى ~~أنه ما لم يحسه الشخص المعين لا يصدق به وأنه لا يصدق بالأخبار المتواترة ~~وغيرها فلم يفهم مرادهم فإن أمة من الأمم لها بلاد يعيشون فيها لابد أن ~~يميز الرجل بين أمه وأبيه وأن يعرف من حوادث بلده وسير ملوكهم وعاداتهم ما ~~لا يعرفه إلا بالخبر وهذا نظير حكاية من حكى أن أمة من الأمم يقال لهم ~~السوفسطائية ينسبون إلى رجل يقال له سوفسطا يجحدون الحقائق أو علمهم بجميع ~~الحقائق أو يقفون أو يجعلون الحقائق مطلقا تابعة للعقائد فإن هذا لا يتصور ~~أن تكون عليه أمة من الأمم لهم بقاء في الدنيا وإنما السفسطة كلمة معربة ~~أصلها سوفسقيا وهي كلمة يونانية أي حكمة مموهة بالسفسطة [ أي ] الكلام ~~الباطل المشبه للحق وهذا يعرض لكثير من الناس أو لأكثرهم في كثير من الأمور ~~لا في جميعها فإنه كما تعرض الأمراض PageV05P130 للأبدان كذلك تعرض الأمراض ~~للنفوس مرض الشبهات والشهوات # وفي الحديث المأثور إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب ~~العقل الكامل عند حلول الشهوات رواه البيهقي مرسلا وزاد فيه بعضهم ويحب ms0929 ~~السماحة ولو بكف من تمرات ويجب الشجاعة ولو على قتل الحيات # ولكن البراهمة أنكرت ما سوى هذا الموجود المحسوس كما هو قول الطبيعية من ~~الفلاسفة وقول الفرعونية ونحوهم وهذا هو المردود عليهم وسيأتي بيان ذلك في ~~حكاية الإمام أحمد مناظرتهم لجهم ويمكن أن البراهمة أو بعضهم قال ما لا ~~يمكن معرفته بالحس ألبتة فهو ممتنع وهذا قول أكثر أهل الأرض من أهل الملل ~~وغيرهم وهو القول الذي أنكره ابن سينا وأراد إبطاله # لكن هؤلاء نوعان منهم من أنكر ما لا يحسه عموم الناس في الدنيا حتى أنكر ~~الملائكة والجن بل وجحد رب العالمين سبحانه فهؤلاء هم الكفار الدهرية ~~المعطلة المحضة # وابن سينا وأمثاله يردون على هؤلاء لكن يردون عليهم أحيانا بحجج فاسدة # وهذا هو القسم الثاني وهو إنكار الإنسان ما لا يحس في الدنيا # وأما القسم الثالث وهو أن الموجود هو ما يمكن الإحساس به ولو في الآخرة ~~وأن ما أخبرت به الرسل من الغيب كما أخبرت به عن الجنة والنار وعن الملائكة ~~بل وإخبارهم عن الله تعالى هو مما يمكن معرفته بالحس كالرؤية PageV05P131 # فهذا قول جماهير أهل الإيمان بالرسل وسلف الأمة وأئمتها فإنهم متفقون على ~~أن الله يرى في الآخرة عيانا كما يرى الشمس والقمر وأنه لا يلزم من تعذر ~~رؤية الشيء في حال تعذر رؤيته في حال أخرى بل قد يرى الشيء في حال دون حال ~~كما أن الأنبياء يرون ما [ لا ] يراه غيرهم من الملائكة وغيرها بل والجن ~~يراهم كثير من الناس # وإن ادعى أن من الموجودات القائمة بأنفسها ما لا يمكن أن يعرف بالإحساس ~~في حال من الأحوال فهذا قول باطل ولا دليل له عليه وهذا قول الجهمية الذين ~~ينكرون رؤية الله تعالى # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على بطلان قولهم وفساد قولهم يعلم بالعقل ~~الصريح كما يعلم بالنقل الصحيح وهؤلاء في نفس الأمر من أجهل الناس وأضلهم ~~وإن كانوا عند أنفسهم من أعقل الناس وأعرفهم فهم كما قال تعالى @QB@ الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير ms0930 سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ~~@QE@ # وكما قال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما ~~آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون @QE@ # وقوله @QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزؤون @QE@ PageV05P132 # وأما حجته على إثبات وجود ما ليس بمحسوس فقد احتج بالكليات # فيقال له قولك إن هذه المحسوسات يقع عليها اسم واحد بحسب معنى واحد مثل ~~اسم الإنسان فإن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود # فيقال له أتعني أن هذا المعنى الواحد الذي يشترك فيه زيد وعمرو هو معنى ~~واحد قائم بالعالم كالإنسان كما أن لفظ إنسان قائم بالناطق وكما أن خط زيد ~~قائم باللوح الذي فيه الخط # أم تعني أن ذلك المعنى الواحد هو موجود في الخارج في زيد وعمرو أو في ~~غيرهما # أما الأول فصحيح ولا حجة لك فيه # وأما الثاني فقولك في المعنى كقول من يطرد قولك ويجعل لفظ الإنسان الواقع ~~على زيد وعمرو موجودا في الخارج قائما بزيد وعمرو ويجعل الخط المطابق للفظ ~~ثابتا في الخارج عن اللوح قائما بزيد وعمرو إذ كل عاقل يعلم أن الخط مطابق ~~للفظ وأن اللفظ مطابق للمعنى وأن عموم المعنى الواحد كعموم اللفظ الواحد ~~المطابق له # فإذا قال القائل إنسان كان للفظه وجود في لسانه وللمعنى وجود في ذهنه ~~ووقوع هذا على زيد وعمرو كوقوع هذا على زيد وعمرو وهذا هو المعنى الذي ~~سميته معقولا وجعلته معقولا صرفا PageV05P133 وهل يكون المعقول الصرف إلا ~~في الحي العاقل فإن المعقول الصرف الذي لا يتصور وجوده في الحس هو ما لا ~~يوجد إلا في العقل وما لا يوجد إلا في العقل لم يكن موجودا في الخارج عن ~~العقل فالتفتيش الذي أخرج من المحسوس ما ليس بمحسوس أخرج منه المعقولات ~~المحضة التي يختص بها العقلاء وهي الكليات الثابتة في عقول العقلاء فإن ~~الإنسان إذا تصور زيدا أو عمرا ورأى ما بينهما من التشابه انتزع عقله من ms0931 ~~ذلك معنى عاما كليا معقولا لا يتصور أن يكون موجودا في الخارج عن العقل # فهذا هو وجود الكليات وهذه الكليات المعقولة أعراض قائمة بالذات العاقلة ~~لا توجد إلا بوجودها وتعدم بعدمها وليس بينها وبين الموجودات الخارجية ~~تلازم بل يمكن وجود أعيان في الخارج من غير أن يعقل الإنسان كلياتها ويمكن ~~وجود كليات معقولة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج كما يعقل الأنواع ~~الممتنعة لذاتها وغير ذلك فمن استدل على إمكان الشيء ووجوده في الأعيان ~~بإمكان تصوره في الأذهان كان في هذا المقام أضل من بهيم الحيوان # قال تعالى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في ~~الظلمات @QE@ PageV05P134 # وقال تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ # وقال تعالى @QB@ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام ~~بل هم أضل سبيلا @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا ~~يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون @QE@ # وقولهم فالإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة بل من حيث الحقيقة الأصلية التي ~~لا يختلف فيها الكثرة غير محسوس بل معقول صرف وكذلك الحال في كل كلى هو من ~~الأقوال الملبسة فإن هذه الحقيقة إما أن تعني بها ما يتصوره المعقول من ~~الإنسان أو ما يوجد منه أو شيء ثالث # فأما شيء [ ثالث فلا حقيقة له فإن كان له حقيقة فبينوها فإنا نعلم ~~بالاضطرار أنه ما في الوجود إلا ما هو موجود في نفسه أو ما هو متصور في ~~الذهن إذ العقل أو العلم ونحو هذه الأمور مما ليس PageV05P135 بحاصل في ~~العلوم والأذهان ليس بموجود في الأعيان فلا حقيقة ms0932 له البتة ولكن الناطق ~~بهذه العبارة يتصور في نفسه ما لا حقيقة له كتصور إنسان ليس بموجود في ~~الخارج # فإذا قلت الإنسان من حيث هو هو مع قطع النظر عن ثبوته في العلم أو العين # قلت لك تقديره مطلقا لا بشرط من حيث هو هو هو أيضا من تقديرات الأذهان ~~فإذا كان ما لا يوجد إلا مقدرا في الأذهان وفرضته غير مقدر في الأذهان جمعت ~~بين النقيضين # فإن قلت أنا يمكنني أن أتصور إنسانا مطلقا مع قطع النظر عن وجوده في ~~الذهن والخارج # قلت تصوره مطلقا غير مقيد بالذهن ولا بالخارج شيء وتصوره مقيدا بسلب ~~الذهن والخارج شيء آخر فأما الأول فأنت لم تتصور معه سائر لوازمه وتصور ~~الملزوم دون لوازمه ممكن كما تتصور إنسانا مع قطع النظر عن وجوده وعدمه وإن ~~كان لا يخلو عن واحد منهما فهذا تصور للشيء دون لوازمه # وأما تصوره مقيدا بسلب الوجود الذهني والخارجي فهو من باب تصور الجمع بين ~~النقيضين أو رفع النقيضين وهو كتصور إنسان مقيد بكونه لا موجودا ولا معدوما ~~ومجرد فرض هذا في الذهن يوجب العلم بامتناعه # وأما الأول فلا يوجب تصور الملزوم بدون لازمة إمكان وجوده في PageV05P136 ~~الخارج بدون لازمة فكونه إما في الذهن وإما في الخارج هو من لوازمه ويمكن ~~تصور الملزوم بدون لازمة ولا يمكن وجوده دون لوازمه وعدم شعور النفس بلازم ~~لا يوجب عدم اللازم فإن عدم العلم بالشيء ليس علما بعدمه وهذا كما يمكنك ~~تصور إنسان مع قطع النظر عن وجوده وعدمه وإن كان لابد له إما أن يكون ~~موجودا أو معدوما لامتناع الخلو عن النقيضين # وهؤلاء يجعلون تقدير الذهن للمتنعات حجة على ثبوتها ويشبهون الوجود ~~الواجب بالوجود الممتنع وهذا كما أن الإنسان يتصور علما مطلقا وقدرة مطلقة ~~مع علمه بأن ذلك لا يكون إلا بذات حية عالمة قادرة # وكذلك يتصور الإنسان حيوانا مطلقا ولا يتصور مع ذلك أنه ناطق أو بهيم ولا ~~يخلد ولا يموت ولا يعلم ولا يجهل ولا يعجز ولا يقدر ولا ms0933 يسكن ولا يتحرك فهل ~~يستدل بتصوره ذلك في عقله على أنه يوجد أو يمكن أن يوجد في الخارج حيوان ~~مطلق يخلو عن هذه المتقابلات كلها فلا يموت ولا يخلد ولا يقدر ولا يعجز # ومن المعلوم أن مقدرات الأذهان ومتصورات العقول يحصل فيها ما لا وجود له ~~في الخارج تارة بأن لا يوجد ما يطابقه وهو الوهم وتارة مع وجود ما يطابقه ~~كمطابقة الاسم للمسمى والعلم للمعلوم PageV05P137 وهو مطابقة ما في الذهن ~~لما في الخارج ومطابقة الصورة العلمية لمعلوماتها الخارجية # وإذا قيل في هذه الصورة إنها كلية فهو كقولنا في الاسم إنه عام والمراد ~~بذلك أنها مطابقة لأفرادها مطابقة اللفظ العام والمعنى العام لأفراده وهي ~~مطابقة معلومة متصورة لكل عاقل لا تحتاج إلى نظير وإذا شبهت بمطابقة الصورة ~~التي في المرآة للمرآة أو مطابقة نقش الخاتم للشمع ونحو ذلك كان ذلك تقريبا ~~وتمثيلا وإلا فالحقيقة معلومة وكل عاقل يعلم مثل هذا من نفسه # واعلم أنه بالكلام على هذه الحجة التي لهؤلاء المتفلسفة في التوحيد بتبين ~~الكلام على حجتهم الثانية وهي قولهم لو كان واجبان لا يشتركان في مسمى ~~الوجوب وامتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه فكان كل منهما مركبا مما به ~~الاشتراك ومما به الامتياز والمركب مفتقر إلى جزئه فلا يكون واجبا # فإنه يقال لهم إنما اشتركا في المطلق الذهني لم يشارك أحدهما الآخر في ~~شيء موجود في الخارج حتى يكون في ذلك الموجود تركيب وكل منهما يمتاز عن ~~الآخر بالوجوب الذي يخصه كما امتاز عنه بحقيقته التي تخصه والوجود الذي ~~يخصه PageV05P138 # ويقال لهم هذا كاشتراك الموجود الواجب والموجود الممكن في مسمى الوجود مع ~~امتياز هذا بما يخصه وهذا بما يخصه فإن الوجود المشترك الكلي ليس هو ثابتا ~~في الخارج بل للواجب وجود يخصه وللممكن وجود يخصه كما أن لهذا حقيقة تخصه ~~ولهذا حقيقة تخصه # وكذلك إذا قيل لهذا ماهية تخصه ولهذا ماهية تخصه فإنهما يشتركان في مسمى ~~الماهية ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يختص به وإنما اشتركا في المسمى المطلق ms0934 ~~الكلي وامتاز كل منهما عن الآخر بالوجود الذي في الخارج وذلك الموجود في ~~الخارج لا اشتراك فيه وذلك المطلق الكلي لا امتياز فيه فما اشتركا فيه لا ~~يكون إلا في الذهن وما امتازا به هو موجود في الخارج وقد يتصور في الذهن ~~فإن ما في الخارج يتصور في الذهن وليس كل ما يتصور في الذهن يكون في الخارج ~~فلم يكن ما به الاشتراك مفتقرا إلى ما به الامتياز ولا ما به الامتياز ~~مفتقرا إلى ما به الاشتراك بل لا شركة في الأعيان الموجودة الجزئيات ولا ~~امتياز في الكليات المطلقة المعقولات أعني من حيث تناولها وشمولها لأفرادها ~~بل تناولها لأفرادها تناول واحد وشمولها شمول واحد # وهذا المعنى الواحد الشامل هو كاللفظ الواحد الشامل العام واشتراك ~~الموجودين في الوجود أو الواجبين في الوجوب مع ما بينهما في الخارج من ~~الامتياز والاختصاص كاشتراك اللونين في اللونية مع أن هذا في الخارج سواد ~~وهذا بياض PageV05P139 # فإذا قلت السواد مركب من اللونية والسوادية كما تقول الموجود مركب من ~~الحيوانية والناطقية # قيل لك أتعني أنه مركب من لونية مطلقة لا تخصه ومن السوادية التي تخصه ~~ومن الوجود المطلق الذي لا يخصه والوجوب الذي يخصه ومن الحيوانية المطلقة ~~التي لا تخصه والناطقية التي تخصه أم مركب من نفس لونيته الخاصة وسواديته ~~ومن نفس وجوده الخاص ووجوبه ومن الحيوانية التي تخصه وناطقيته # فأما الأول فباطل فإنه ليس فيه شيء مطلق لا لونية مطلقة ولا حيوانية ~~مطلقة ولا وجودية مطلقة # وإن عنيت الثاني فلونيته الخاصة وسواديته متلازمان وكذلك حيوانيته الخاصة ~~وناطقيته وكذلك وجوده الخاص ووجوبه فكما لا يمكن تقدير هذا اللون المعين ~~الذي هو سواد بدون السواد فلا يمكن تقدير هذا الحيوان المعين الذي هو ناطق ~~بدون النطق ] [ ولا يمكن تقدير هذا الموجود المعين الذي هو واجب بدون ~~الوجود فإن هذا الحيوان ] هو الحيوان المعين والواجب هو الموجود المعين ولا ~~يتميز في الخارج سواد من لون كما لا يتميز ناطق عن حيوان ولا PageV05P140 ~~وجود عن وجوب بل الذهن يعقل ms0935 ما بين هذا السواد وسائر الألوان من المشابهة ~~في اللونية ويميز بين ذلك وبين ما يعقله بينه وبين سائر السوادات من ~~المشابهة في السوادية ويضم هذا إلى هذا وهو تركيب عقلي اعتباري وكذلك يعقل ~~ما بين هذا الإنسان وغيره من الحيوان من المشابهة في الحيوانية وما بينه ~~وما بين سائر الأناسي من المشابهة في الإنسانية ويضم هذا إلى هذا وهو تركيب ~~عقلي اعتباري # ومن قال إن الإنسان مركب من الحيوان والناطق وهو يعقل ما يقول فإنما يعني ~~هذا التركيب ونحوه وليس ذلك تركيبا في الوجود الخارجي ولا في الوجود ~~الخارجي جزء لهذا المركب متميز عن كله ولا جزء سابق لكل بل هذه الأمور إنما ~~توجد في الأذهان لا في الأعيان فهذه التركيبات مركبة من تلك الكليات ~~والكليات الخمسة الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام إنما توجد كليات ~~في الأذهان لا في الأعيان # كذلك التركيب الذي يوجد في بعض هذه مع بعض فإن أجزاء المركب التي هي ~~الكليات لا تكون إلا في الذهن فالمركب من الكليات الذهنية أولى أن لا يكون ~~إلا ذهنيا # وهؤلاء المتفلسفة المنطقيون نفوا حقيقة واجب الوجود وصفاته معتقدين أنهم ~~موحدون لذاته وقالوا هو منزه عن التركيب لافتقار المركب إلى جزئيه ~~PageV05P141 # والتركيب يقع عندهم كما ذكره ابن سينا وغيره وذكره الغزالي عنهم في تهافت ~~الفلاسفة وغيره على خمسة أنواع أحدها تركب الموجود من الوجود والماهية # والثاني تركب الحقيقة من الأمور العامة والخاصة كالوجود العام والوجود ~~الخاص # والثالث تركب الذات الموصوفة من الذات والصفات # والرابع تركب الذات القائمة بنفسها المباينة لغيرها المشار إليها من ~~الجواهر المنفردة التي يقال إنها مركبة منها # والخامس تركبها من المادة والصورة التي يقال إنها مركبة منها # وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا أنه يمتنع وجود موجود ~~قائم بنفسه سواء كان واجبا أو ممكنا بدون ثبوت هذه المعاني التي سموها ~~تركيبا وأن تسميتهم لذلك تركيبا غلط منهم # وإن قالوا هو اصطلاح اصطلحنا عليه فلا ترتفع بسبب غلط الغالطين وأوضاعهم ~~اللفظية الحقائق ms0936 الموجودة والمعاني العقلية وأنه ليس في العقل ما يمنع ذلك ~~بل العقل يصدق السمع الدال على إثبات صفات الله تعالى ومباينته لمخلوقاته ~~وأن العقل أثبت موجودا واجبا بنفسه غنيا عما سواه # وأما كون ذلك الموجود لا يكون إلا حيا عالما قادرا أو لا يكون إلا ~~PageV05P142 موصوفا بصفات لازمة لذاته ولا يكون إلا مباينا لمخلوقاته ~~فالعقل يوجب ذلك لواجب الوجود لا نحيله عليه وأن ما ذكروه من إثبات وجود ~~مطلق بشرط الإطلاق أو بسلب الأمور الثبوتية عنه ليس له حقيقة ولا ماهية ~~سواء مطلق الوجود أو الوجود المسلوب عنه الأمور الثبوتية وهو أمر يمتنع ~~تحققه في الخارج وإنما يكون في الأذهان لا في الأعيان # وهذا هو الواحد الذي قالوا لا يصدر عنه إلا واحد فإنه يمتنع تحققه في ~~الخارج وكذلك الواحد البسيط الذي يتركب منه الأنواع هو أيضا مما لا يتحقق ~~إلا في الأذهان # ومتكلموا أهل الإثبات إذا قالوا وجوده عين حقيقته أو ماهيته أو ليس وجوده ~~زائدا على ماهيته فليس مرادهم بذلك مراد المتفلسف الجهمي الذي يقول إنه ~~وجود مطلق فإن الوجود المطلق لا حقيقة له في الخارج ولكن مرادهم بذلك ما ~~يريدونه بقولهم إن حقيقة الإنسان هي وجوده الموجود في الخارج وحقيقة السواد ~~هو السواد الموجود في الخارج ونحو ذلك # ومرادهم بذلك أن الشيء الموجود في الخارج الذي له حقيقة تخصه وجوده ~~الثابت في الخارج هو تلك الحقيقة الخاصة فوجوده المختص به هو حقيقته ~~المختصة كما أن الوجود المطلق كلي عام والحقيقة المطلقة كلية عامة ونفس ~~حقيقة الإنسان والجسم وغيرهما ليست PageV05P143 هي وجودا مطلقا وإن كانت ~~حقيقته نفس وجوده فكيف يكون رب العالمين حقيقته وجود مطلق لا يتصور إلا في ~~الذهن # بل هو سبحانه وتعالى مختص بحقيقته التي لا يشركه فيها غيره ولا يعلم ~~كنهها إلا هو وتلك هي وجوده الذي لا يشركه فيه غيره ولا يعلم كنهه إلا هو # والناس إذا علموا وجودا مطلقا أو حقيقة مطلقة فذاك هو الكلي العام الشامل ~~ليس هو نفس الحقيقة الموجودة في ms0937 الخارج # وكذلك تركب الحقيقة من الصفات العامة والخاصة إنما هو تركيب في الذهن ~~تركيب ذهني عقلي اعتباري # وكذلك تركب الموصوف من الذات والصفات إنما يكون تركيبا لو كان هناك ذات ~~مجردة عن تلك الصفات أو لو أمكن وجود ذلك فأما الذات التي لا تكون إلا حية ~~عالمة فلا يتصور انفكاكها عن الحياة والعلم حتى نقول إن الذات تركيب مع ~~الصفات # وكذلك أيضا الماهية المشار إليها القائمة بنفسها المباينة لغيرها إنما ~~يقال هي مركبة من الأجزاء المنفردة أو من المادة والصورة ولو كان لهذا ~~التركيب حقيقة فأما إذا كان الجوهر الفرد باطلا وتركب الجسم من الجوهرين ~~المادة والصورة باطلا والأمور المشار إليها المباينة لغيرها من المخلوقات ~~كالشمس والقمر ليس هو مركبا من أجزاء منفردة ولا من جوهرين مادة وصورة فكيف ~~يظن برب العالمين أنه مركب من ذلك PageV05P144 # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن الأعيان القائمة بأنفسها خلقها ~~الله تعالى كذلك ليس فيها أجزاء تركبت منها لكن يمكن أن يفرقها الله ~~ويجزئها إلى أن يتصاغر جدا ثم يستحيل إلى نوع آخر مع أن ذلك الجزء الصغير ~~يتميز منه شيء عن شيء وليس في الوجود عين قائمة لا يتميز منها شيء عن شيء # والصورة إما صورة عرضية كشكل الجسم فالمادة هنا هو الجسم نفسه وإما ~~الصورة التي هي المصور كالإنسان نفسه والمادة فيها ليس لها جوهر يحملها بل ~~مادتها ما منه خلقت وتلك المادة استحالت إلى صورة أخرى وفني الأول وعدم كما ~~يفنى المني إذا صار إنسانا وليس بين ما استحال منه واستحال إليه شيء باق ~~بعينه وإنما يشتركان في أمور نوعية كالمقدار ونحوه # والمركب المعقول هو ما كان مفترقا فركبه غيره كما تركب المصنوعات من ~~الأطعمة والثياب والأبنية ونحو ذلك من أجزائها المفترقة # والله تعالى أجل وأعظم من أن يوصف بذلك بل من مخلوقاته ما لا يوصف بذلك ~~ومن قال ذلك فكفره وبطلان قوله واضح # وقد يقال المركب على ما له أبعاض مختلفة كأعضاء الإنسان PageV05P145 ~~وأخلاطه وإن كان خلق ms0938 كذلك مجتمعا لكنه يقبل التفريق والانفصال والانقسام ~~والله مقدس عن ذلك # وقد يقال المركب على ما يقبل التفريق والانفصال وإن كان شيئا بسيطا ~~كالماء والله مقدس عن ذلك # فهذا هو التركيب المعقول في اللغة والاصطلاح فأما المركب في اللغة فهو ~~الأول خاصة ولكن هذا المعنى لم يريدوه بلفظ المركب # والثاني والثالث قد يسميه طائفة من أهل العلم مركبا فأما الذات [ المتصفة ~~] بصفات لازمة لها التي لها حقيقة تمتاز بها عن سائر الحقائق وتباين غيرها ~~من الموجودات من غير أن يجوز عليها تفريق وتبعيض وتجزئة وتقسيم فهذه لو قدر ~~أنها مخلوقة لم تكن مما يسمى مركبا في اللغة المعروفة والاصطلاح # وإذا سمى مسم هذه مركبا كان إما غالطا في عقله لاعتقاده اشتمالها على ~~حقيقتين وجودها وحقيقتها المغايرة لوجودها أو على حقيقتين ذات قائمة بنفسها ~~معقولة مستغنية عن صفاتها وصفات زائدة عليها قائمة بها أو على جواهر منفردة ~~أو معقولة أو نحو ذلك من الأمور التي يثبتها طائفة من الناس ويسمونها ~~تركيبا PageV05P146 # وجمهور العقلاء يخالفونهم في إثبات ذلك فضلا عن تسميته تركيبا ولو سلم ~~لهم ثبوت ما يدعونه لم تكن تسميته مركبا من اللغة المعروفة بل هو وضع ~~اصطلحوا عليه فإن الجسم الذي له صفات كالتفاحة التي لها لون وطعم وريح لا ~~يعرف في اللغة المعروفة إطلاق كونها مركبة من لونها وطعمها وريحها ولا ~~تسمية ذلك أجزاء لها ولا يعرف في اللغة أن يقال إن الإنسان مركب من الطول ~~والعرض والعمق بل ولا أنه مركب من حياته ونطقه إلى أمثال ذلك من الأمور ~~التي يسميها من يسميها من أهل الفلسفة والكلام تركيتا إما غلطا في ~~المعقولات وإما اصطلاحا انفردوا به عن أهل اللغات # فليس لهؤلاء أن ينفوا ما علم ثبوته بالشرع والدعاء ومضاهاة للمشركين ~~والنصارى والصابئين الذين @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون @QE@ # وهذه الشفاعة التي أثبتها المشركون وأبطلها القرآن رأيت من هؤلاء ~~المتفلسفة نفاة ms0939 الصفات كابن سينا ومن ضاهاهم في بعض الأمور PageV05P147 ~~التي يجعلونها علوما مضنونا بها على غير أهلها قد أثبتوا هذه الشفاعة ~~الشركية وهذه الوسائط الإفكية مع أن القرآن العزيز مملوء من ذم أهلها # قال تعالى @QB@ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون @QE@ @QB@ قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم ~~إليه ترجعون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد ~~تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ # وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ~~ولا تحويلا @QE@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم PageV05P148 @QB@ ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ # وقال تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير @QE@ ~~@QB@ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له @QE@ # فنفي أن يكون لغيره معه ملك أو شريك في الملك أو مظاهرة له ولم يثبت من ~~الشفاعة النافعة إلا ما كان بإذنه وهذه الشفاعة التي يؤمن بها المؤمنون ~~كشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فإنه باتفاق أهل السنة ~~والجماعة له شفاعات في القيامة حتى يشفع في أهل الكبائر من أمته كما ~~استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة كما كان يدعو لهم ويشفع لهم في حياته وكذالك ~~يشفع غيره ممن يأذن الله له في الشفاعة لكن ليست هي الشفاعة التي يثبتها ~~أصناف المشركين من غير أهل الكتاب والصابئين ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ~~كالنصارى ومن ms0940 ضاهاهم من هذه الأمة كالمتفلسفة الملاحدة والإسماعيلية وكأهل ~~المضنون به وغيرهم فإنهم جعلوا الشفاعة تنفع بدون دعاء الشافع لله وبدون ~~إذن الرب له في الشفاعة كما تقدم # PageV05P149 # والله تعالى يقول @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ وأمثال ذلك في كتاب الله ~~عز وجل # وهنا جواب آخر عن أصل الحجة وهو أن يقال هب أن الشيئين يشتركان في شيء ~~موجود في الخارج ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه وأن الكلى المشترك بينهما ~~ثابت في الخارج وأن أحدهما إما أن يكون لازما للآخر أو ملزوما أو عارضا أو ~~معروضا فلم لا يجوز أن يكون المشترك لازما للمعين بل وملزوما أو عارضا يأو ~~معروضا فلم لا يجوز أن يكون المشترك لازما للمعين بل وملزوما له بحيث يكون ~~كل من المشترك والمختص مشروطا بالآخر والشرط لا يجب تقدمه على المشروط # وهذا كما أن الحيوانية مع الناطقية والصاهلية كل منهما مشروط بالآخر فلا ~~يوجد المختص الذي هو الناطقية والصاهلية إلا مع الحيوانية ولا توجد حيوانية ~~إلا مع بعض ذلك # وليس المراد بكون المشترك مشروطا بالمختص أنه مشروط بهذا المعين بل مشروط ~~إما بهذا وإما بهذا فالمشترك من حيث هو مشترك مشروط بأحدهما لا بعينه ومن ~~حيث تشخصه وتعينه مشروط بما اقترن به من التعين PageV05P150 # وهذا ثابت في كل شيئين اتفقا في شيء وافترقا في شيء ولا حيلة لهم فيه ~~وذلك أن كون الشيء لازما للآخر أعم من كونه علة أو معلولا أولا علة ولا ~~معلولا فليس كل لازم معلولا فإذا كان كل من الوجوبين لازما لمعينه لم يجب ~~أن يكون الواجب معلولا ولا يكون الملزوم علة # وبهذا يتبين فساد مقدمته الثانية التي قال فيها يجوز أن تكون ماهية الشيء ~~سببا لصفة من صفاته وأن تكون الصفة سببا لصفة أخرى ولكن لا يجوز أن يكون ~~الوجود بسبب ماهيته التي ليست من الوجود أو بسبب صفة أخرى لأن السبب يتقدم ~~في الوجود ولا يتقدم بالوجود قبل الوجود # فإنه يقال ms0941 له لفظ السبب قد تعني به العلة الموجبة وقد تعنى به الشرط فإن ~~عنيت به الأول لم يجعل الوجود مسببا عن غيره لئلا يلزم تقدم غير الوجود ~~الواجب عليه # وإن عنيت بالسبب الشرط فالشرط لا يجب تقدمه على مشروط بل يجوز مقارنته ~~للمشروط فالأمور المتلازمة كالمتضايفات كل منها لا يوجد إلا مع الآخر ~~فوجوده مشروط به من غير تقدم أحدهما على الآخر # وكذلك أنتم تقولون إن المادة مع الصورة كل منهما شرط في PageV05P151 ~~الآخر من غير تقدمه عليه والمسلمون يقولون إن العلم والقدرة مشروط بالحياة ~~وكلاهما صفة لازمة لله تعالى لا يجوز تقدمها على الأخرى بالوجود # وإذا كان كذلك وقدر أن للواجب حقيقة مغايرة للوجوب فلم لا يجوز أن يكون ~~وجوده الواجب مشروطا بتلك الحقيقة التي هي أيضا مشروطة به من غير أن يكون ~~الوجود الواجب مسبوقا بوجود غيره كما يقولون في وجود الممكن إذا قلتم إنه ~~زائد على ماهيته إن ماهيته لا تنفك عن وجوده كما لا ينفك وجوده عن ماهيته # وهذا جواب لا حيلة لهم فيه وهو جواب عن تلازم الذات مع الصفات إذا قدر ~~أحدهما مغايرا للآخر # وأبو عبد الله الرازي أجاب بجواب لم يفصل فيه العلة من الشرط فقال قولكم ~~لو كانت الماهية علة لوجود نفسها لكانت متقدمة بالوجود على نفسها فإن العلة ~~متقدمة بالوجود على المعلول ممنوع فإما لا نسلم وجوب تقدم العلة على ~~المعلول بالوجود وقول القائل هي متقدمة عليه بالذات إن أريد به كونها مؤثرة ~~فمسلم وإن أريد به أنها لا تؤثر فيه إلا بعد وجودها فهذا ممنوع ونحن ندعي ~~أن المؤثر في وجود الله تعالى هو نفس ماهيته لا باعتبار وجود سابق وإن أريد ~~بالتقدم أمر وراء التأثير فذلك غير منصور PageV05P152 # ثم منع عموم الدعوى فقال نزلنا عن هذا المقام فلم قلتم إن كل علة فهي ~~متقدمة بالوجود على المعلول ألا ترى أن ماهيات الممكنات قابلة لوجود ذاتها ~~فماهياتها علل قابلية لوجود ذاتها ففي هذا الموضع العلل القابلية لا يجب ~~تقدمها على ms0942 المعلول بالوجود وإذا كان كذلك فلم لا يجوز مثله في العلة ~~الفاعلية # وقال لا نقول المؤثر هو الماهية المعدومة بل الماهية من حيث هي هي مغايرة ~~لوجودها وعدمها ونحن إنما نجعل المؤثر في الوجود تلك الماهية فقط # قال فإن قيل كما جوزتم أن تؤثر ماهيته قبل الوجود في وجود نفسها فلم لا ~~يجوز أن تؤثر تلك الماهية قبل وجودها في وجود العالم وحينئذ لا يمكن ~~الاستدلال بوجود الأفعال على وجود الفاعل قلنا البديهة فرقت بين الموضعين ~~فإنا بالبديهة نعلم أن الشيء ما لم يوجد لا يكون سيئا لوجود غيره ونعلم أن ~~لا استبعاد في أن يكون الشيء موجودا PageV05P153 من ذاته والمعلوم من قولنا ~~إنه موجود لذاته أن ذاته تقتضي وجود نفسه وإذا جزمت بالبديهة بالفرق صح ~~كلامنا في هذه المسألة # وقد مانعه بعض أصحابه في هذا الموضع وقال العلم بأن العلة لو كانت موجبة ~~للوجود لكانت موجودة علم ضروري لأن المفيد للوجود لابد أن يكون له وجود ~~بحلاف القابل فإنه مستفيد للوجود والمستفيد للوجود يمتنع أن يكون موجودا # قلت هذا الاضطراب إنما نشأ من قولهم كون ذات الواجب فاعلة لوجوده أو علة ~~مقتضية لوجوده إذا قدر أن وجوده مغاير لذاته وهذا لا يحتاج إليه بل إذا قيل ~~ذاته مشروطة بوجوده كما أن وجوده مشروط بذاته وقيل إنهما متلازمان من غير ~~أن يكون أحدهما هو الموجب للآخر كما قالوا مثل ذلك في ذات الممكن ووجوده ~~زالت هذه الشبهة # وهؤلاء كثيرا ما تشتبه عليهم العلل بالشروط في مسائل الدور والتسلسل وغير ~~ذلك ويجعلون الملزوم علة كما يقولون إن ماهية الثلاثة والأربعة علة للفردية ~~والزوجية فيجعلون ذات الشيء علة لصفته اللازمة له وأن فاعل الذات فاعل ~~صفتها فإن الدور في الشروط بمعنى توقف كل من الأمرين على وجود الآخر معه ~~ممكن واقع وهو الدور المعى الاقتراني وأما الدور في العلل وهو أن يكون كل ~~من الأمرين علة للآخر ومبدعا له فهذا ممتنع باتفاق العقلاء PageV05P154 # وكذلك التقدم فإن تقدم الشرط على المشروط غير واجب ms0943 وأما تقدم الموجب على ~~الموجب والفاعل على المفعول والعلة على المعلول فلا ريب فيه عند جماهير ~~العقلاء # ومعارضة الرازي لهم بالماهية الممكنة القابلة لوجودها إذا قيل بتعددهما ~~معارضة صحيحة وأما فرق المعارض له بأن الماهية في الواجب فاعلة للوجود فغلط ~~فإن ماهية الواجب إذا قيل بمغايرتها لوجوده ليست فاعلة لوجوده بل هي أيضا ~~قابلة لوجوده كالممكن لكن وجوده واجب مع هذا القبول # والقابل والمقبول كلاهما واجب بنفسه يمتنع عدمه بخلاف الممكن كما تقوله ~~الصفاتية في الذات والصفات وكما تقوله الفلاسفة فيما يدعون قدم ذاته ووجوده ~~من الممكنات كالفلك فإن ابن سينا وأتباعه يقولون إن ماهيته محل لوجوده ~~وكلاهما قديم يمتنع عدمه لكن وجوده بغيره فإذا عقل هذا في الواجب بغيره ففي ~~الواجب بنفسه أولى إذا قيل إن نفسه محل لوجوده وكلاهما واجب بماهيته ووجوده ~~يمتنع نفي واحد منهما # وبهذا يظهر الجواب عن النظم الذي حرره لهم الآمدي فإن قوله إذا لم يتم ~~تحقق مسمى واجب الوجود في كل من الشيئين إلا بما به التخصيص والامتياز وجب ~~افتقار مسمى واجب الوجود إلى أمر خارج عن المفهوم من اسمه فلا يكون واجبا ~~بذاته PageV05P155 # جوابه على تقدير كون الوجود مغايرا للذات أن يقال لفظ الافتقار يراد به ~~افتقار المعلول إلى العلة ويراد به افتقار المشروط إلى الشرط وإن قيل يراد ~~به معنى ثالث له فإن قلت يجب افتقار مسماه إلى علة فاعلة لم يسلم لك ذلك ~~فإن تحقق المشترك في المميز لا يستلزم كون المميز هو الفاعل المبدع لمشترك ~~وإن أردت بأنه لا يوجد إلا بما هو شرط في وجوده فلم قلت إن هذا محال # وقوله لا يكون واجبا بذاته باطل حينئذ لأنه إذا قدر أن الذات غير الوجود ~~فلا بد في قوله واجب بذاته من تحقق الوجود والذات معا فلا يتقدم أحدهما على ~~الآخر ولا يستغني أحدهما عن الآخر فصار معنى وجوب الوجود بالذات إذا قدر أن ~~الذات عين الوجود أمرا متضمنا لتلازم الوجود الواجب والذات الموصوفة بذلك ~~فلا يكون موجود بذاته ms0944 إلا كذلك وهذا كله بتقدير ثبوت شيئين # ثم على هذا التقدير فيها قولان إما أن يقال الوجود الملازم للماهية هو ~~أيضا مختص كما أن الماهية مختصة به وهذا هو القول المأثور عن أبي هاشم ~~ونحوه وقد تقوله طائفة من أهل الإثبات كما يوجد في كلام أبي حامد وابن ~~الزاغوني # وإما إن يقال الوجود مشترك في الخارج ولكن الماهية هي المختصة التي تميز ~~وجودا عن غيره وهذا هو الذي يحكيه الرازي عن أبي هاشم وغيره وهو غلط عليهم ~~كما غلط على الأشعري وأبي الحسين PageV05P156 حيث حكى عنهم أن لفظ الوجود ~~مقول بالاشتراك اللفظي وهذا لغلط منه حيث ظن أن الكلى الذي هو مورد التقسيم ~~يكون ثابتا مشتركا في الخارج وهذا أصل للمنطقيين يخالفهم فيه أئمة الكلام ~~بحسب ما فهمه من كلام أهل المنطق فغلط # والمقصود هنا أن قول أبي هاشم وأتباعه خير من قول ابن سينا وأما إذا كان ~~الوجود هو الماهية ولا مشترك في الخارج كما هو قول الأشعري وعامة المثبتة ~~للصفات وهو الصواب فلا يحتاج إلى هذا الجواب # وليس المراد أن ماهيته وجود مطلق مجرد كما يقوله ابن سينا وابن التومرت ~~وغيرهما من الجهمية ولكن المراد أن حقيقته المختصة به هي وجوده المختص به ~~وليس ذلك وجودا مطلقا ولا مجردا وكذلك يقول في كل موجود إن حقيقته المختصة ~~به هي وجوده المختص به وقد ذكرنا هذا الجواب على تقدير مغايرة وجوده ~~لماهيته لأنه نافع في عامة ما يوردونه لنفي الصفات # قال الإمام أحمد باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى ~~فقلنا لم أنكرتم ذلك قالوا إن الله لم PageV05P157 يتكلم ولا يتكلم إنما ~~كون شيئا يعبر عن الله وخلق صوتا فأسمع وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من ~~جوف وشفتين ولسان # فقلنا هل يجوز لمكون أو غير الله أن يقول @QB@ يا موسى إني أنا ربك @QE@ ~~أو يقول @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني @QE@ فمن قال ذلك زعم ~~أن غير الله ادعى الربوبية ولو كان ms0945 كما زعم الجهمي أن الله كون شيئا كان ~~يقول ذلك المكون يا موسى إن الله رب العالمين # إلى أن قال فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه الحديث وأما PageV05P158 قوله إن الكلام ~~لا يكون إلا من جوف وشفتين ولسان # أليس الله قد قال للسموات والأرض @QB@ ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين @QE@ أتراها قالت بجوف وفم وشفتين وأدوات # وقال تعالى @QB@ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن @QE@ أتراها أنها تسبحن ~~بجوف وفم وشفتين ولسان والجوارح إذا شهدت على الكفار فقالوا @QB@ لم شهدتم ~~علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء @QE@ أتراها نطقت بجوف وفم ~~وشفتين ولكن الله انطقها كيف شاء # إلى أن قال فلما خنقته الحجج قال إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره ~~فقلنا وغيره مخلوق قالوا نعم قفلنا هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم تدفعون عن ~~أنفسكم الشنعة وحديث PageV05P159 الزهري قال لما سمع موسى كلام ربه قال ~~يارب هذا الذي سمعته هو كلامك قال نعم يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة ~~عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأنا أقوى من ذلك وإنما كلمتك على قدر ~~ما يطيق بدنك ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت قال فلما رجع موسى إلى قومه قالوا ~~له صف لنا كلام ربك فقال سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم قالوا فشبهه ~~قال هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله # وقلنا للجهمية من القائل للناس يوم القيامة @QB@ يا عيسى ابن مريم أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين @QE@ أليس الله هو القائل قالوا يكون الله ~~شيئا فيعبر عن الله كما كون شيئا فعبر لموسى قلنا فمن القائل @QB@ فلنسألن ~~الذين أرسل إليهم @QE@ أليس هو الله تعالى قالوا هذا كله إنما يكون شيء ~~فيعبر عن الله فقلنا قد أعظمتم PageV05P160 على الله الفرية حين زعمتم أنه ~~لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام لأن الأصنام لا تتكلم ولا ms0946 تتحرك ولا تزول من ~~مكان إلى مكان # فلما ظهرت عليه الحجة قال إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا وكذلك ~~بنو آدم كلامهم مخلوق فقد شبهتم الله تعالى بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق ~~ففي مذهبكم كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام وكذلك بنو آدم ~~كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله ~~عن هذه الصفة بل نقول إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا ~~يتكلم حتى خلق [ الكلام ] ولا نقول إنه كان لا يعلم حتى خلق علما فعلم ~~PageV05P161 # قال الإمام أحمد قالت الجهمية إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله ~~وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل ~~وقدرته قلنا لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره بل نقول لم يزل ~~بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر فقالوا لا تكونون موحدين أبدا حتى ~~تقولوا قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس ~~إنما نصف إلاها واحدا بجميع صفاته وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا أخبرونا عن ~~هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها اسم شيء واحد ~~وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد # إلى أن قال وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد فقال @QB@ ذرني ومن خلقت ~~وحيدا @QE@ وكان له PageV05P162 عينان وأذنان ولسان وجوارح فسماه وحيدا ~~بجميع صفاته # قلت فلا يوجد في كلام الله ورسوله واللغة اسم الواحد على ما لا صفة له ~~فإن ما لا صفة له لا وجود له في الوجود # وما ذكره أحمد عن الجهمية أنهم يتأولون كلام الله لموسى بأنه خلق من عبر ~~عنه تأوله جماعة من أتباعه في هذا أو في قوله تعالى كل ليلة من يدعوني ~~فأستجيب له ولو كان كذلك لكان الملك يقول إن الله رب العالمين ms0947 كما في ~~الصحيحين إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ~~ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء الحديث # وقد مثلوا ذلك بأن السلطان يأمر مناديا فيقول نادى السلطان وهذا حجة ~~عليهم فإن المنادى يقول أمر السلطان أو إن المرسوم ونحو ذلك من الألفاظ ~~التي تبين أن القائل غيره لا هو ولو قال المنادى قد أمرتكم فإن لم تقبلوا ~~وإلا عاقبتكم ونحو ذلك لم يكن مناديا عن السلطان ولو قال ذلك عاقبه السلطان ~~$ فصل # أخبر الله تعالى في كتابه بإثبات مفصل ونفى مجمل والمعطلة الجهمية ~~متكلمهم ومتفلسفهم أخبروا بإثبات مجمل ونفي مفصل PageV05P163 فأخبر في ~~كتابه بأنه حي قيوم عليم قدير سميع بصير عزيز حكيم ونحو ذلك يرضى ويغضب ~~ويحب ويسخط وخلق واستوى على العرش ونحو ذلك وقال في النفي @QB@ ليس كمثله ~~شيء @QE@ @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ فلهذا ~~مذهب السلف والأئمة إثبات صفاته بلا تمثيل لا ينفون عنه الصفات ولا ~~يمثلونها بصفات المخلوقات ] # قال الإمام أحمد الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من ~~أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله ~~الموتى ويبصرون ] بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ~~ضال تائة قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن ~~كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل PageV05P164 الجاهلين ~~الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب ~~مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي ~~كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما ~~يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين # فالمتشابه من الكلام يتكلمون به ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم هو ~~كقولهم مقدس عن الكم والكيف والأين والوضع ومن مقصودهم بذلك أنه لا علم له ~~ولا قدرة ولا رحمة ولا غير ذلك من الصفات ms0948 وأنه ليس فوق السموات رب ولا على ~~العرش إله ولا هو مباين لمخلوقاته ولا منفصل عنهم # وكذلك قولهم ليس بداخل العالم ولا خارجه وأمثال هذه العبارات السالبة # وكذلك وصف الإمام أحمد وأمثاله قول الجهمية النفاة قال أحمد وكذلك الجهم ~~وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث وأضلوا بكلامهم بشرا ~~كثيرا فكان مما بلغنا PageV05P165 من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل ~~خراسان من أهل الترمذ وكان صاحب خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله فلقى ~~أناسا من المشركين يقال لهم السمنية فعرفوا الجهم فقالوا نكلمك فإن ظهرت ~~حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما ~~كلموا به الجهم أن قالوا ألست تزعم أن لك إلها قال الجهم نعم فقالوا له فهل ~~رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت له رائحة قال لا ~~قالوا فوجدت له حسا قال لا قالوا فوجدت له مجسا قال لا قالوا فما يدريك أنه ~~إلاه قال فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة مثل ~~حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى ~~هو روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على ~~لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهى عما شاء وهو روح غائبة عن الأبصار ~~PageV05P166 فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني ألست تزعم أن فيك ~~روحا قال نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال فسمعت كلامه قال لا قال فشممت ~~له رياحا قال لا قال فوجدت له حسا أو مجسا قال لا قال فكذلك الله لا يرى له ~~وجه ولا يسمع له صوت ولا تشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في ~~مكان دون مكان # ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ~~وهو الله في السماوات وفي الأرض @QE@ @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار @QE@ فبنى أصل كلامه ms0949 على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله ~~وكذب بأحايث رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أن من وصف من الله شيئا مما ~~يصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرا وكان من المشبهة ~~PageV05P167 فأضل بكلامه بشرا كثيرا واتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي ~~حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية # قلت فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من مناظرة جهم لأولئك السمنية هم الذين ~~يحكى أهل المقالات عنهم أنهم أنكروا من العلم ما سوى الحسيات ولهذا سألوا ~~جهما هل عرفه بشيء من الحواس الخمس فقال لا قالوا فما يدريك أنه إلاه فإنهم ~~لا يعرفون إلا المحسوس وليس مرادهم أن الرجل لا يعلم إلا ما أحسه بل لا ~~يثبتون إلا ما هو محسوس للناس في الدنيا # وهؤلاء كالمعطلة الدهرية الطبائعية من فلاسفة اليونان ونحوهم الذين ~~ينكرون ما سوى هذا الوجود الذي يشاهده الناس ويحسونه وهو وجود الأفلاك وما ~~فيها # وهؤلاء الذين ذكر ابن سينا قولهم في إشاراته حيث قال قال قوم إن هذا ~~الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب ~~الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا وهذا هو القول الذي أظهره فرعون وإليه ~~يعود عند التحقيق قول أهل الوحدة لكن هؤلاء يعتقدون أنهم يثبتون الخالق وأن ~~وجوده PageV05P168 وجود المخلوق فهم متناقضون ثم إن جهم بن صفوان رد عليهم ~~كرد أرسطو وابن سينا وأمثالهم من المشائين على الطبيعيين منهم وهؤلاء ~~يثبتون وجودا عقليا غير الوجود المحسوس ويعتقدون أنهم بهذا الرد أبطلوا قول ~~أولئك كما تقدم حكاية قول ابن سينا لما تكلم على الوجود وعلله وقال قد يغلب ~~على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس وأبطل هذا القول بإثبات الكليات وقد ~~تقدم التنبيه على فساد هذه الحجة وأن الكليات تكون في الأذهان لا في ~~الأعيان # ومن لم يقر إلا بالمحسوس إنما نازع في الموجودات الخارجية لم ينازع في ~~المعقولات الذهنية وإن نازع في ذلك حصلت الحجة عليه بإثبات المعقولات ms0950 ~~الذهنية فتبقى الموجودات الخارجية وهي الأصل # والحجة التي ذكرها أحمد عن الجهم أنه احتج بها على السمنية هي من أعظم ~~حجج هؤلاء النفاة الحلولية منهم ونفاة الحلول والمباينة جميعا فإن النفاة ~~تارة يقولون بالحلول والاتحاد أو نحو ذلك وتارة يقولون لا مباين للعالم ولا ~~داخل فيه # والشخص الواحد منهم يقول هذا تارة وهذا تارة فإنهم في حيرة والغالب على ~~متكلميهم نفي الأمرين والغالب على عبادهم وفقهائهم وصوفيتهم وعامتهم الحلول ~~فمتكلموهم لا يعبدون شيئا ومتصوفتهم يعبدون كل شيء PageV05P169 # والحلول نوعان حلول مقيد وحلول مطلق فالحلول المقيد هو قول النصارى ~~ونحوهم من غلاة الرافضة وغلاة العباد وغيرهم يقولون إنه حل في المسيح أو ~~اتحد به وحل بعلي أو اتحد به وأنه يتحد بالعارفين حتى يصير الموحد هو ~~الموحد ويقولون % ما وحد الواحد من واحد % إذ كل من وحده جاحد % % توحيد من ~~يخبر عن نعته % عارية أبطلها الواحد % % توحيده إياه توحيد % ونعت من ينعته ~~لأحد % $ # وهؤلاء الذين حكى أحمد قولهم أنهم يقولون إذا أراد الله أن يحدث أمر دخل ~~فيه بعض خلقه فتكلم على لسانه وقد رأيت من هؤلاء غير واحد ممن خاطبني وتكلم ~~معي في هذا المذهب وبينت له فساده # وأما أهل الحلول المطلق الذين يقولون إنه حال في كل شيء أو متحد بكل شيء ~~أو الوجود واحد كأصحاب فصوص الحكم وأمثالهم فؤهلاء يقولون أخطأ النصارى من ~~جهة أنهم خصصوا وكذلك يقولون في عباد الأصنام خطاؤهم من جهة أنهم خصصوا بعض ~~الأشياء فعبدوها # وقد رأيت من هؤلاء أيضا غير واحد وجرت بيننا وبينهم محنة معروفة ~~PageV05P170 # وجعل الإمام أحمد حجة جهم من جنس حجة أولئك الذين يقولون بالحلول المقيد ~~لأن هؤلاء يقولون إنه حل في بعض خلقه # وهؤلاء الجهمية فيهم من يقول إن اللاهوت في الناسوت من غير حلول فيه ~~وهكذا الجهم وأتباعه جعلوا وجود الخالق في المخلوقات من جنس اللاهوت في ~~الناسوت ويجمعون بين القولين المتناقضين كما جمعت النصارى # واحتجاج الجهم بهذا على السمنية كاحتجاج نفاة الصفات بذلك على أهل ~~الإثبات فإن ms0951 الرازي وأمثاله احتجوا على إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ~~ولا داخل فيه بالنفس الناطقة على قول هؤلاء المتفلسفة الذين يقولون إنها لا ~~داخلة في هذا العالم ولا خارجة من هذا العالم إنها تشبه الإله وإن الفلسفة ~~التشبه بالإله على قدر الطاقة # ومقصود الجهم بهذه الحجة بيان إمكان وجود موجود لا سبيل إلى إحساسه فاحتج ~~عليهم بالنفس الناطقة إذ لا سبيل إلى إحساسها وهذه حجة المشائين من ~~المتفلسفة على الطبيعيين منهم وهؤلاء يجعلون ما يثبتونه من الأمور المعقولة ~~حجة على إثبات موجود ليس بمحسوس ثم يزعمون أن ما أخبرت به الرسل من الغيب ~~هو الوجود العقلي الذي يثبتونه # وهذا الموضع حارت فيه أحلام وضلت فيه أفهام وهم PageV05P171 مخطئون شرعا ~~وعقلا أما الشرع فإن الرسل أخبرت عما لم نشهده ولم نحسه في الدنيا وسمت ذلك ~~غيبا لمغيبه عن الشهادة كقوله تعالى @QB@ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة @QE@ ومنه قوله تعالى @QB@ عالم الغيب والشهادة @QE@ فالغيب ما غاب ~~عن شهود العباد والشهادة ما شهدوها # وهذا الفرق لا يوجب أن الغيب ليس مما يمكن إحساسه بل من المعلوم ~~بالاضطرار أن ما أخبرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الثواب والعقاب ~~كله مما يمكن إحساسه بل وكذلك ما أخبرت به عن الملائكة والعرش والكرسي ~~والجنة والنار وغير ذلك لكنا لم نشهده الآن # ولهذا عظم ما أخبرت به من الغيب هو الله سبحانه وتعالى مع إخبار الرسول ~~لنا أنا نراه كما نرى الشمس والقمر فأي الإحساس أعظم من إحساسنا بالشمس ~~والقمر # وما أخبرت به من الغيب كالجنة والنار والملائكة والعرش والكرسي وغير ذلك ~~مما يمكن إحساسه فليس الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس ~~والمعقول # فهذا أصل ينبغي معرفته فإنه بسبب هذا وقع من الخلل في كلام طوائف ما لا ~~يحصيه إلا الله تعالى كصاحب الكتب المضنون بها وصاحب الملل والنحل وطوائف ~~غيرهم PageV05P172 # ولهذا وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وصاحب نهاية ~~الإقدام ونحوهما من كلام هؤلاء الذين يجعلون الفرق بين الغيب ms0952 والشهادة هو ~~الفرق بين المحسوس وبين المعقول أنواع من جنس كلام الملاحدة الباطنية إما ~~ملاحدة الشيعة كما يوجد في كلام صاحب الملل والنحل و نهاية الإقدام وقد قيل ~~إنه صنف تفسيره سورة يوسف على مذهب الإسماعيلية ملاحدة الشيعة وإما ملاحدة ~~الباطنية المنسوبين إلى الصوفية # ومن هنا دخل أهل وحدة الوجود وأمثالهم من ملاحدة النساك المنتسبين إلى ~~التصوف وكل من هؤلاء وهؤلاء يؤول به الأمر إلى مخالفة صريح العقل والنقل # لكن هذا يحيل على علم الإمام المعصوم وهذا يحيل على معرفة الشيخ المحفوظ ~~حتى يدعي كل منهما فيمن يحيل عليه ما هو أعظم من مقام الأنبياء مع أن الذي ~~يحيل عليه لابد أن يكون فيه من الكذب والجهل والظلم ما لا يعلمه إلا الله ~~وأحسن أحواله أن يكون كثير من كذبه جهلا منه وضلالا لم يعتمد فيه خلاف ما ~~يعلمه من الحق كضلال كثير من النصارى أهل الأهواء # والمقصود أنه بهذا يتبين أن خطأهم في العقل وما يسمونه معقولات ودعواهم ~~وجود أمور معقولات خارجة عن العاقل لا PageV05P173 يمكن الإشارة إليها ولا ~~الإحساس بها بوجه من الوجوه وليست داخل شيء من العالم ولا خارجه ولا مباينة ~~له ولا حالة فيه فإنه من المعلوم أن المعقولات ما عقلها الإنسان فهي معقولة ~~العقل وأظهر ذلك الكليات المجردة كالإنسانية المطلقة والحيوانية المطلقة ~~والجسم المطلق والوجود المطلق ونحو ذلك فإن هذه من وجوده في العقل وليس في ~~الخارج شيء مطلق غير معين بل لا يوجد إلا وهو معين مشخص وهو المحسوس وإنما ~~يثبت العقليات المجردة في الخارج الغالطون من المتفلسفة كالفيثاغورية الذين ~~يثبتون العدد المجرد والأفلاطونية الذين يثبتون المثل الأفلاطونية وهي ~~الماهيات المجردة والهيولي المجردة والمدة المجردة والخلاء المجرد # وأما أرسطو وأصحابه كالفارابي وابن سينا فأبطلوا قول سلفهم في إثباتها ~~مجردة عن الأعيان ولكن أثبتوها مقارنة للأعيان فجعلوا مع الأجسام المحسوسة ~~جواهر معقولة كالمادة والصورة وإذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا ~~الجسم وأعراضه وأثبتوا في الخارج أيضا الكليات مقارنة للأعيان وإذا حقق ~~الأمر ms0953 عليهم لم يوجد في الخارج إلا الأعيان بصفاتها القائمة بها # وكذلك ما أثبتوه من العقول العشرة المفارقات إذا حقق الأمر عليهم لم يوجد ~~لها وجود إلا في العقل لا في الخارج كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا ~~الموضع # فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من احتجاج جهم على السمنية الطبيعية بإثبات ~~موجود عقلي هو كحجة المشائين على الطبيعية وما في PageV05P174 قوله من ~~الحلول الذي ضاهى به النصارى من جنس كلام الحلولية # والمقصود هنا أن نشير إلى جنس كلام السلف والأئمة مع جنس هؤلاء النفاة ~~وأن الجميع يشربون من عين واحدة وأن كلام هؤلاء النفاة للصفات مع معطلة ~~الصانع كلام قاصر من جنس كلام جهم مع السمنية المشركين وكلام المشائين ~~الإلهيين من المتفلسفة مع الطبيعيين منهم # وذكر أحمد أن الجهم اعتمد من القرآن على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من ~~لا يفهمها آية نفي الإدراك لينفى بها الرؤية والمباينة وآية نفي المثل ~~لينفى بها الصفات ويجعل من أثبتها مشبها وقوله @QB@ وهو الله في السماوات ~~وفي الأرض @QE@ لينفي بها علوه على العرش أو ليثبت بها مع ذلك الحلول ~~والاتحاد وعدم مباينته للمخلوقات # وهذه أصول الجهمية من المعتزلة أصحاب عمرو بن عبيد ومن دخل في التجهم أو ~~الاعتزال أو بعض فروع ذلك من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد مع أن ~~هؤلاء الأئمة من أبعد الناس عن أصول الجهمية والمعتزلة # قال الإمام أحمد عن الجهمية فإذا سألهم الناس عن قوله PageV05P175 تعالى ~~@QB@ ليس كمثله شيء @QE@ يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرضين ~~السابعة كما هو فوق العرش لا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان ولم ~~يتكلم ولا يتكلم ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة ولا يوصف ولا ~~يعرف بصفة ولا بعقل ولا غاية ولا له غاية ولا منتهى ولا يدرك بعقل هو وجه ~~كله وهو علم كله وهو سمع كله وهو بصر كله وهو نور كله وهو قدرة كله ولا ~~يكون شيئين مختلفين وفي نسخة ms0954 ولا يوصف بوصفين مختلفين وليس له أعلى ولا ~~أسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا شمال ولا هو ثقيل ولا خفيف ولا له ~~لون ولا له جسم وليس هو معقولا وكل ما خطر على قلبك أنه PageV05P176 شيء ~~تعرفه فهو خلافه فقلنا هو شيء فقالوا هو شيء لا كالأشياء فقلنا إن الشيء ~~الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعند ذلك تبين للناس أنهم لا ~~يأتون بشيء وفي نسخة لا يثبتون شيئا ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة فإذا ~~قيل لهم من تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر ~~أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون أنكم ~~لا تأتمون بشيء وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فقلنا لهم هذا ~~الذي يدبر هو الذي كلم موسى فقالوا لم يتكلم ولا يتكلم لأن الكلام لا يكون ~~إلا بجارحة والجوارح على الله منتفية فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من ~~أشد الناس تعظيما لله ولا يشعر أنهم إنما يقودون قولهم إلى فرية في الله ~~PageV05P177 # فهذا الذي وصفه الإمام أحمد وغيره من علماء السلف من كلام الجهمية هو ~~كلام من وافقهم من القرامطة الباطنية والمتفلسفة المتبعين لأرسطو كابن سينا ~~وأمثاله ممن يقول إنه الوجود المطلق أو المقيد بالقيود السلبية ونحو ذلك ~~وهو حقيقة كلام القائلين بوحدة الوجود # ولهذا ذكر عنهم أنهم سلبوه كل ما يتميز به موجود عن موجود فسلبوه الصفات ~~والأفعال وسائر ما يختص بموجود # ولما قالوا هو شيء لا كالأشياء علم الأئمة مقصودهم فإن الموجودين لابد أن ~~يتفقا في مسمى الوجود والشيئين لابد أن يتفقا في مسمى الشيء فإذا لم يكن ~~هناك قدر اتفقا فيه أصلا لزم أن لا يكونا جميعا موجودين وهذا مما يعرف ~~بالعقل # ولهذا قال الإمام أحمد فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل ~~إنه لا شيء فبين أن هذا مما يعرف بالعقل وهذا مما يعلم بصريح المعقولات # ولهذا كان قول ms0955 جهم المشهور عنه الذي نقله عنه عامة الناس أنه لا يسمى ~~الله شيئا لأن ذلك بزعمه يقتضي التشبيه لأن اسم الشيء إذا قيل على الخالق ~~والمخلوق لزم اشتراكهما في مسمى الشيء وهذا تشبيه بزعمه PageV05P178 # وقوله باطل فإنه سبحانه وإن كان لا يماثله شيء من الأشياء في شيء من ~~الأشياء فمن المعلوم بالعقل أن كل شيئين فهما متفقان في مسمى الشيء وكل ~~موجودين فيها متفقان في مسمى الوجود وكل ذاتين فهما متفقان في مسمى الذات ~~فإنك تقول الشيء والموجود والذات ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب وممكن وخالق ~~ومخلوق ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام # وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع وبينا غلط من جعل ~~اللفظ مشتركا اشتراكا لفظيا # وهذا الذي نبه عليه الإمام أحمد من أن مسمى الشيء والوجود ونحو ذلك معنى ~~عام كلي تشترك فيه الأشياء كلها والموجودات كلها هو المعلوم بصريح العقل ~~الذي عليه عامة العقلاء # ومن نازع فيه فلابد أن يقول به أيضا فيتناقض كلامه في ذلك كما تناقض فيه ~~كلام الشهرستاني والرازي والآمدي وغيرهم إذ يجعلونه تارة عاما مقسوما ~~مشتركا اشتراكا لفظيا ومعنويا بين الأشياء الموجودات ويجعلونه تارة مشتركا ~~اشتراكا لفظيا فقط كلفظ المشتري المشترك بين المبتاع والكوكب ولفظ سهيل ~~المشترك بين الكوكب وبين الرجل المسمى بسهيل ولفظ الثريا المشترك بين ~~الكوكب وبين المرأة المسماة ثريا # كما قيل % أيها المنكح الثريا سهيلا % عمرك الله كيف يلتقيان % % هي ~~شامية إذا ما استقلت % وسهيل إذا استقل يمان % PageV05P179 # ولما كان هذا مما يعرف بالعقل قال أحمد فعند ذلك تبين للناس أنهم لا ~~يأتمون بشيء أي لا يقصدون شيئا فإن المؤتم بالشيء يؤمه ويقصده والإمام ~~الطريق لأن السالك يأتم به وهو أيضا الكتاب الذي يأتم به القارئ وهو الإمام ~~الذي يأتم به المصلى والأمة القدوة الذي يؤتم به أي يقتدا والأمة أيضا ~~الدين يقال فلان [ لا ] أمة له أي لا دين له ولا نحلة له # قال الشاعر % وهل يستوي ذو أمة وكفور % $ # وقول النابغة % حلفت فلم أترك لنفسك ms0956 ريبة % وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع % ~~$ # فقول أحمد لا يأتمون بشيء أي لا يدينون بدين ومن روى أنه قال إنكم لا ~~تثبتون شيئا فقوله ظاهر فإن قول الجهمية يتضمن أنهم لا يثبتون في الخارج ~~ربا خالقا للعالم # ثم قال فإذا قيل للجهمية من تعبدون قالوا نعبد من يدبر PageV05P180 أمر ~~هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا ~~نعم فقلنا قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء # فقال أحمد في هذا الموضع قد عرف المسلمون وقال هناك قد عرف الناس لأنه ~~هنا تكلم في كونه معبودا وأنهم يعبدون وهناك تكلم في كونه موجودا فلما ~~وصفوه بالسلب المحض أخبر أن أهل العقل يعلمون أن الموصوف بالسلب المحض هو ~~العدم فعرف الناس أنهم لا يثبتون شيئا # وهنا لما سألهم من يعبدون فأخبروا أنهم يعبدون مدبر الخلق وقالوا إنه ~~مجهول لا يعرف بصفة عرف المسلمون أنهم لا يعبدون شيئا لأن العبادة أصلها ~~قصد المعبود وإرادته والقصد والإرادة مستلزمة للعلم بالمراد المقصود # فما يكون مجهولا لا يعرف بصفة يمتنع أن يكون مقصودا فيمتنع أن يكون ~~معبودا والعبادة هي أمر ديني أمر الله بها ورسوله وهي أصل دين المسلمين # فلهذا قال هنا قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء وإنما تدفعون عن ~~أنفسكم الشنعة بما تظهرون فبين أن الناس يعلمون PageV05P181 بعقلهم أنهم لا ~~يثبتون شيئا وأن المسلمين يعرفون أنهم لا يعبدون شيئا وبين أن الجاهل إذا ~~سمع قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيما لله ولا يشعر أنهم إنما يقودون ~~قولهم إلى فرية في الله # وهذا الذي ذكره الإمام أحمد أصل قول هؤلاء النفاة الجهمية وسر مذهبهم ~~وكلما كان الرجل أعقل وأعرف وأعلم وأفضل وأخبر بحقيقة الأمر في نفسه وبقول ~~هؤلاء النفاة ازداد في ذلك بصيرة وإيمانا ويقينا وعرفانا # وقد ذكر ابن جرير في تاريخه نسخة الكتاب الذي أرسل في المحنة المشهورة ~~لما كان المأمون قد ذهب إلى ناحية طرسوس وأرسل كتابا إلى الناس ببغداد وأمر ~~نائبه إسحاق ms0957 بن إبراهيم أن يقرأه على الناس ويدعوهم إلى موافقته فامتنع ~~العلماء عن الإجابة حتى أرسل كتابا يهدد به الناس وأمر بقتل القاضيين إذا ~~لم يجيبا قاضي الشرقية والغربية وهما بشر بن الوليد وعبد الرحمن بن إسحاق ~~فأجاب الناس كرها واعترفوا بذلك وامتنع عن الإجابة سبعة فقيدوهم فأجاب منهم ~~خمسة وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح النيسابوري فأرسلوهما مقيدين فمات ~~محمد بن نوح في الطريق فبقي أحمد بن حنبل ومات المأمون قبل أن يصير إليه ~~أحمد PageV05P182 # والمقصود أنه ذكر في كتابه لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه فوافقه من لم ~~يعرف حقيقة هذه الكلمة وذكر عن أحمد أنه قال لا يشبه الأشياء وليس كمثله ~~شيء ونحو ذلك أو كما قال # وأما قوله بوجه من الوجوه فامتنع منها وذلك لأنه عرف أن مضمون ذلك ~~التعطيل المحض فإنه يقتضي أنه ليس بموجود ولا شيء ولا حي ولا عليم ولا قدير ~~ويقتضي إبطال جميع أسمائه الحسنى # وهذا النفي حقيقة قول القرامطة والله تعالى ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه ~~بل هو سبحانه في كل ما هو موصوف به مختص بما لا يماثله فيه غيره وله المثل ~~الأعلى # ولكن لفظ الشبه فيه إجمال وإبهام فما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من ~~الأمور ولو أنه في كونهما موجودين وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا ~~بنفي كل منهما فإذا قيل هذا لا يوافق هذا بوجه من الوجوه ولا يواطئه بوجه ~~من الوجوه كان هذا ممتنعا # وكذلك إذا أريد بقول القائل لا يشبهه بوجه من الوجوه هذا المعني بخلاف ما ~~إذا أراد بذلك المماثلة والمساواة والمكافأة أو أراد ذلك بلفظ المشاركة ~~والموافقة والمواطأة فإنه سبحانه لا يماثله شيء بوجه من الوجوه ولا شريك له ~~بوجه من الوجوه لا سيما والكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في ~~الأذهان لا في الأعيان فليس في PageV05P183 الموجودات الخارجية اثنان ~~اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من ~~الأشياء سبحانه وتعالى ms0958 # والقرامطة الباطنية كالجهمية الذين ينفون أن يسمى الله بشيء من الأسماء ~~التي يسمى بها مخلوق لبسوا على الناس بلفظ التشبيه و التركيب ولهذا أنكر ~~جماهير الطوائف عليهم من المعتزلة والنجارية والضرارية ومتكملة الصفاتية ~~وغيرهم بل أنكر عليهم من أنكر من الفلاسفة مع تناقض كثير من الناس معهم # ولهذا زعم أبو العباس الناشئ أن الأسماء التي يسمى بها الله ويسمى بعض ~~عباده بها هي حقيقة في الله مجاز في عباده نقيض قول القرامطة الباطنية ~~والجهمية PageV05P184 # ولهذا كان السلف يجعلون الجهمية زنادقة ولم يكن إذ ذاك ظهرت ملاحدة ~~الشيعة بل في عصر محنة الجهمية في خلافة المأمون والمعتصم ونحوهما شرعت ~~طوائف الملاحدة الباطنية تظهر مع ظهور الجهمية كما ظهرت الخرمية أصحاب بابك ~~الخرمي وهذا أحد ألقاب الباطنية # ويقال إنه سنة عشرين وهي السنة التي ضرب فيها أحمد ظهرت أوائل القرامطة ~~الذين ظهروا بالعراق ثم صارت لهم شوكة بهجر مع الجنابي وأتباعه ثم ظهرت ~~دعوتهم الكبرى بأرض المغرب ثم مصر إلى أن فتحها أهل السنة بعد ذلك وبقاياهم ~~في الأرض متفرقون # وهؤلاء لهم أنواع من الإلحاد في غير الأسماء والصفات وإنما PageV05P185 ~~المقصود هنا بيان إلحاد الجهمية نفاة الأسماء والصفات فهؤلاء الذين ينفون ~~حقائق أسماء الله الحسنى ويقولون إنما يسمى بها مجازا أو المقصود بها غيره ~~أو لا يعرف معناها أصل تلبيسهم هو ما في إطلاق هذه الأسماء مما يظنونه من ~~التشبيه الذي يجب نفيه ولهذا عظم كلام المسلمين في هذا الباب وقد بسط في ~~غير هذا الموضع # وتحقيق هذا الموضع من أعظم أصول الدين كما قال أبو المعالي الجويني في ~~الإرشاد من صفات القديم مخالفته للحوادث فالرب لا يشبه شيئا من الحوادث ولا ~~يشبهه شيء منها # قال والكلام في هذا الباب من أعظم أركان الدين فقد غلت طائفة في النفي ~~فعطلت وغلت طائفة في الإثبات فشبهت فأما الغلاة في النفي فقالوا الاشتراك ~~في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه وقالوا على هذا القديم سبحانه لا ~~يوصف بالوجود بل PageV05P186 يقال ليس بمعدوم وكذلك لا ms0959 يوصف بأنه قادر عالم ~~حي بل يقال ليس بعاجز ولا جاهل ولا ميت # قال وهذا مذهب الفلاسفة والباطنية وأما الغلاة في الإثبات فاعتقدوا ما ~~يلزمهم القول بمماثلة القديم الحوادث # قلت وهذا الذي قاله أبو المعالي من الاعتناء بهذا الأصل متفق عليه بين ~~الطوائف والذي ذكره عن النفاة هو قول الجهمية الذي ذكره الإمام أحمد ولهذا ~~نقلوا عن جهم أنه لا يسمى الله بشيء ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من ~~الأسماء التي يسمى بها الخلق كالحي والعالم والسميع والبصير بل يسميه قادرا ~~خالقا لأن العبد عنده ليس بقادر إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية # ولما كان كل موجودين لابد أن يكون بينهما اتفاق من بعض PageV05P187 ~~الوجوه واختلاف من بعض الوجوه وقد أنكر طائفة من الناس ذلك وقالوا ~~المتماثلان لا يختلفان بحال والمختلفان لا يشتبهان في شيء البتة # واضطرب من خالف شيئا من السنة في الأصل الذي يضبطه في نفي التشبيه إذ جعل ~~مسمى التشبيه والتمثيل واحدا فقالت الباطنية وبعض الفلاسفة إن الاشتراك في ~~صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه والتماثل # وقال النجار والقلانسي المثلان هما المجتمعان في صفة من صفات الإثبات إذا ~~لم يكن أحدهما بالثاني ليحترز بهذا القيد عن القديم والحادث # قال أبو المعالي فأما الرد على الفلاسفة فمن أوجه أحدها الاتفاق على أن ~~السواد يشارك البياض في بعض صفات الإثبات من الوجود والعرضية واللونية ثم ~~هما مختفان وكذلك الجوهر والعرض والقديم والحادث لا يمتنع اشتراكهما في صفة ~~واحدة مع اختلافهما في سائر الصفات ويقال لهم أتثبتون الصانع المدبر أم لا ~~PageV05P188 تثبتونه فإن أثبتوه لزمهم من الحكم بإثباته ما حاذروه فإن ~~الحادث ثابت فاستويا في الثبوت ولا واسطة بين الإثبات والنفي فإن قالوا ليس ~~بمنفى قيل لهم نفي النفي إثبات كما أن نفي الإثبات نفي وإذا لزم الثبوت من ~~نفي النفي حصلت المماثلة فإن قالوا نحن لا نطلق الإثبات على صفاته ولا ننطق ~~به قلنا قد نطقتم في صفات الرب بالإثبات أو بصيغة تتضمنه والمقصود من ~~العبارات معناها ثم ms0960 نقول أتعتقدون ثبوت الإله سبحانه فإن قالوا لا نعتقده ~~قطع الكلام عنهم فيما هو فرع له على أنهم راغموا البديهة لعلمنا بأن نفي ~~النفي إثبات وإن قالوا نعتقد الثبوت ولا ننطق به قلنا كلامنا في الحقائق لا ~~في الإطلاقات فإن قالوا فصفوا الإله بالثبوت والوجود ولا تنطقوا به ~~واعتقدوا وجود الحادث ولا تنطقوا به لتنتفي المماثلة لفظا فإن المماثلة ~~لفظا مما يتوقى في العقائد قلنا يتوقى اللفظ لأدائه إلى الحدوث أو إلى ~~النقص فكل ما لا يؤدي إلى الحدوث وإلى النقص لا نكترث به ثم محاذرة التعطيل ~~أولى من محاذرة التشبيه PageV05P189 # قال ومما يتمسك به أن نقول هلا قلتم الاشتراك في صفة النفي يوجب الاشتباه ~~وما الفرق بين صفة الإثبات والنفي في هذا الباب ثم نقول الرب سبحانه معقول ~~ومذكور كالحادث وهو سبحانه مخالف للحادث ولا مخالفة إلا بين اثنين # قال فأما ما قيد النجار به كلامه فليس بعاصم فإن التماثل يتلقى من ~~الاجتماع في الصفة فأما كون أحدهما بالثاني أو المصير إلى أنه ليس به فلا ~~أثر له في التشابه والتماثل PageV05P190 # واختار أبو المعالي ما اختاره القاضي أبو بكر وأمثاله ويشاركهم في ذلك ~~طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وقالوا إن ~~المثلين كل موجودين ثبت لكل واحد منهما من صفات النفس ما ثبت للآخر ولا ~~يجوز أن ينفرد أحد المثلين عن الآخر بصفة نفس ويجوز أن ينفرد بصفة معنى ~~وقوعا يجوز مثلها على مماثلة وبيان ذلك أن الجواهر متماثلة لتساويها في ~~صفات الأنفس إذ لا يستبد جوهر عن جوهر بالتحيز وقبول العرض والقيام بالنفس ~~وقد يختص بعض الجواهر بضروب من الأعراض يجوز أمثالها في سائر الجواهر ويجوز ~~أن يشارك الشيء ما يخالفه في الوجود مثل كونهما عرضين لونين خلافا للباطنية ~~قالوا ولا يجوز أن يتماثل الشيئان من وجه ويختلفا من وجه لأنه إذا قلنا ~~المثلان PageV05P191 هما المتساويان في جميع صفات النفس فإذا اختلف الشيئان ~~من وجه فليسا متماثلين من كل وجه إذ يستحيل التماثل في ms0961 جميع الوجوه مع ~~الاختلاف في وجه من الوجوه # قلت هذا بناء على اصل تلقوه من المعتزلة وهو أن الجواهر والأجسام متماثلة ~~بخلاف الأعراض فإنها قد تختلف وقد تتماثل # وحقيقة هذا القول أن الأجسام متماثلة من كل وجه لا تختلف من وجه دون وجه ~~بل الثلج مماثل للنار من كل وجه والتراب مماثل للذهب من كل وجه والخبز ~~مماثل للحديد من كل وجه إذ كانا متماثلين في صفات النفس عندهم # وهذا القول فيه [ من ] مخالفة الحس والعقل ما يستغنى به عن بسط الرد على ~~صاحبه بل أصل دعوى تماثل الأجسام من أفسد الأقوال بل القول في تماثلها ~~واختلافها كالقول في تماثل الأعراض واختلافها فإنها تتماثل تارة وتختلف ~~أخرى وتفريقهم بين الصفات النفسية والمعنوية اللازمة للمعين يشبه تفريق أهل ~~المنطق بين الصفات الذاتية واللازمة للماهية وكلاهما قول فاسد لا حقيقة له ~~بل قول هؤلاء أفسد من قول أهل المنطق # وإذا وقع الكلام في جسم مطلق وجوهر مطلق فهذا لا وجود له في الخارج وإن ~~وقع في الوجود من الأجسام كالنار والماء PageV05P192 والتراب والإنسان ~~والفرس والذهب والبر والتمر فكل جسم من هذه الأجسام له صفات نفسية لازمة له ~~لا تزول إلا باستحالة نفسه فدعوى المدعى أنه ليس له من الصفات النفسية إلا ~~التحيز وقبول العرض والقيام بالنفس أفسد من قول أهل المنطق فإن أولئك جعلوا ~~مثلا كون الحيوان حساسا متحركا بالإرادة من الصفات الذاتية وهؤلاء لم ~~يجعلوا له صفة نفسية إلا كونه جسما # والتحيز وقبول العرض والقيام بالنفس أمر تشترك فيه الأجسام كلها والأمور ~~المختلفة تشترك في لوازم كثيرة كاشتراك الألوان المختلفة في اللونية ~~والعرضية ليس حقيقة النار مجرد كونها متحيزة قابلة للعرض قائمة بالنفس بل ~~هذا من لوازمها # وايضا فقد يسلم هؤلاء القائلون بامتناع التشابه من وجه دون وجه كأبي ~~المعالي وغيره أن الأعراض المختلفة تشترك في أمور وقد صرحوا بأن القديم ~~والحادث يستويان في الثبوت وأنه يشارك المحدث في أمور # والاشتراك في بعض صفات الإثبات لا يكون تماثلا وهذا تصريح بأن ms0962 المختلفين ~~يستويان ويشتركان في بعض الصفات فكيف يمكن أن يقال مع هذا إن المختلفين لا ~~يشتبهان من بعض الوجوه وقد صرح بتساويهما في بعض الأشياء وغاية هذا أن يقال ~~إنهما لا يختلفان بوجه من الوجوه في الصفات النفسية وإن اشتبها في الصفات ~~المعنوية # وهذا مع أن اللفظ لا يدل فيعود إلى ما ذكر وقد أخبر الله PageV05P193 ~~تعالى في كتابه بنفي تساوي بعض الأجسام وتماثلها كما أخبر بنفي ذلك عن بعض ~~الأعراض فقال الله تعالى @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا ~~النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات @QE@ # وقال تعالى @QB@ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ليسوا سواء @QE@ # وقال تعالى @QB@ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم @QE@ فنفى أن يكون بعض ~~الأجسام مثلا أو مساويا لغيره # وإذا قيل إن الأجسام اختلفت بما عرض لها من الأعراض # قيل من الأعراض ما يكون لازما لنوع الجسم أو للجسم المعين كما يلزم ~~الحيوان أنه حساس متحرك بالإرادة ويلزم الإنسان أنه ناطق وكما يلزم الإنسان ~~المعين ما يخصه من إحساسه وقوة تحركه بالإرادة ونطقه وغير ذلك من الأمور ~~المعينة التي لا يشركه في عينها غيره فهذا لا يجوز أن يكون عارضا له إذ هو ~~لازم له # وما يعقل جسم مجرد عن جميع هذه الصفات عرضت له بعد PageV05P194 ذلك فإذا ~~كانت الأجسام تختلف بالأعراض وهي لازمة لها كان من لوازمها أن تكون مختلفة # وتمام هذا أن الأشياء تتماثل وتختلف بذواتها لا نحتاج أن نقول تتماثل في ~~ذواتها والذات تختلف بصفاتها # ولهذا كان الصواب أن الرب سبحانه غير مماثل لخلقه بل هو مخالف لهم بذاته ~~لا نقول إنه مساو لهم بذاته وإنما خالفهم بصفاته # ودعوى من ادعى أن الأجسام مركبة من جواهر لا تنقسم قائمة بأنفسها ليس لها ~~شيء من هذه الأعراض ولكن لما تركبت صارت متصفة بهذه الصفات كاتصاف النار ~~بالحرارة والماء بالرطوبة دعوى باطلة بالعقل والحس فإن الجسم ms0963 المعين كهذه ~~النار لم تكن أجزاؤه قط عارية عن كونها نارا بل النار لازمة لها # وإذا قيل قد كان هواء فصار نارا # قيل نعم وتلك الأجزاء الهوائية لم تكن قط إلا هواء واستحالة الجسم إلى ~~جسم آخر مشهود معروف عند العامة والخاصة كما يقول الفقهاء إذا استحال الخمر ~~خلا أو العذرة رمادا والخنزير ملحا ونحو ذلك وكما يكون الإنسان منيا ثم ~~يصير علقة ثم مضغة # فإما أن يقال إن أجزاء العذرة تفرقت وهي بعينها باقية حين صارت رمادا ~~وإنما تغيرت صفاتها كما يتغير اللون والشكل بمنزلة PageV05P195 الثوب ~~المصبوغ وبمنزلة الخاتم إذا عمل درهما فهذا مكابرة للحس لأن الفضة التي ~~كانت خاتما هي بعينها التي جعلت درهما أو سوارا وإنما تغير شكلها كالشمعة ~~إذا غير شكلها # وكذلك إذا صبغ الجسم أو تحرك فهنا اختلفت صفاته التي هي أعراضه وأما ~~المني إذا صار آدميا والهواء إذا صار نارا والنار إذا طفئت صارت هواء فهنا ~~نفس حقيقة الشيء استحالت فخلق من الأولى ما هو مخالف لها وفنيت الأولى ولم ~~يبق من نفس حقيقتها شيء ولكن بقي ما خلق منها كما يبقى الإنسان الذي خلق من ~~أبيه بعد موت أبيه ولا يقول عاقل إنه عبارة عن أجزاء كانت في أبيه فتفرقت ~~فيه # وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع وبينا فساد قول من يقول الأجسام مركبة ~~من الجواهر التي لا تنقسم أو مركبة من جوهرين قائمين بأنفسهما مادة وصورة # ومن عرف هذا زاحت عنه شبهات كثيرة في الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر ~~في الخلق وفي البعث وفي إحياء الأموات وإعادة الأبدان وغير ذلك مما هو ~~مذكور في غير هذا الموضع # فهذا الموضع يحتاج إلى تحقيقه كل من نظر في هذه الأمور فإنه بمعرفته تزول ~~كثير من الشبهات المتعلقة بالله واليوم الآخر ويعرف من PageV05P196 الكلام ~~الذي ذمه السلف والمعقول الذي يقال إنه معارض للرسول ما يتبين به أن هؤلاء ~~خالفوا الحس والعقل # وذلك أنا نشهد هذه الأعيان المرئية تتحول من حال إلى حال كما نشهد ms0964 أن ~~الشمس والقمر والكواكب تتحرك وتبزغ تارة وتأفل أخرى ونشهد أيضا أن السحاب ~~والرياح تتحرك لكن السحاب نشهد اجتماعه وتفرقه وخروج الودق من خلاله ونشهد ~~الماء يتحرك ويجتمع ويفترق ونشهد النبات والحيوان ينمى ويغتذى ومثل هذا ~~منتف في الماء والهواء والأفلاك وحركته بالنمو والاغتذاء ليست من جنس حركة ~~الماء والهواء والنجوم فإن هذه توجب من تغير النامي المغتذي واستحالته ما ~~لا توجبه تلك فإن الكواكب هي في نفسها لم تستحل وتتغير بالحركة بخلاف الطفل ~~إذا كبر بعد صفره والزرع إذا استغلظ واستوى على سوقه # ونشهد مع ذلك أن الحطب يصير رمادا ودخانا وكذلك الدهن يصير دخانا والماء ~~يصير بخارا وليس هذا مثل كبر الصغير بل هذا فيه من الإستحالة والإنقلاب من ~~حقيقة إلى حقيقة ما ليس في نبات الزرع والحيوان # ونشهد إخراج الله من الأرض والشجر الزرع والثمر وإخراج الحيوان من ~~الحيوان PageV05P197 # كما قال تعالى @QB@ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات ~~مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن ~~الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي @QE@ # وقال تعالى @QB@ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ~~فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا @QE@ # وقال @QB@ وجعلنا من الماء كل شيء حي @QE@ وقال @QB@ الله الذي خلق ~~السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر ~~لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار @QE@ @QB@ وسخر لكم الشمس ~~والقمر @QE@ # فنحن نشهد الثمر يخرج من الخشب وليست حقيقة الخشب حقيقة الرطب والعنب ~~والرمان ثم إذا أخرج الثمرة تكون خضراء ثم تصير صفراء ثم تصير حمراء فتختلف ~~ألوانها وتكبر بعد صغرها # ونرى الألوان المختلفة التي يخلقها الله للحيوان والنبات وغير ذلك من ~~أسود وأحمر وأصفر وأبيض ونفرق بين اختلاف ألوانها وحركاتها وطعومها ~~بالحلاوة والحموضة وغير ذلك وبين اختلافها بالنمو والاغتذاء وكبرها بعد ~~الصغر وبين ms0965 خروج السنبلة من الحبة PageV05P198 والشجرة من النواة وخروج ~~الثمرة من الشجرة فاختلافها بالحركة والسكون والاجتماع والافتراق كتفريق ~~الماء وجمعه وتفريق التراب وجمعه ليس يوجب اختلاف شيء من حقيقة الجسم وبعد ~~ذلك اختلاف ألوانه وطعومه فإن كونه أحمر وأخضر وأصفر وحلوا وحامضا هو ~~اختلاف يزيد على مجرد الحركة كحركة الكواكب والرياح # ثم اختلافه بالنمو والإغتذاء مثل كبر الصغير من الحيوان والنبات اختلاف ~~آخر فيه من التغير والزيادة وغير ذلك ما ليس في مجرد تغير اللون والحركة # ثم يصير الماء بخارا والحطب دخانا أو رمادا نوع آخر فيه انقلاب الحقيقة ~~واستحالتها ما ليس في ذلك # ثم إخراج الثمرات من الشجر والإنسان من المنى والزرع من النبات أمر آخر ~~غير هذا كله فإن الشجرة لم تنقص بخروج الثمرة منها ولا استحالت حقيقتها ~~وكذلك الأرض لم تنقص بخروج الزرع منها ولا استحالت حقيقتها # وكذلك خروج الإنسان من أمه وخروج البيضة من الدجاجة ولكن خلق الفروج من ~~البيضة من جنس خلق الإنسان من المنى PageV05P199 والذي يعقل من اجتماع ~~الأجزاء وافتراقها أن تفترق مع بقاء حقيقتها مثل الماء تفرق حتى تصير ~~أجزاؤه في غاية الصغر وهو ماء وكذلك الزئبق ونحوه فإذا استحالت بعد هواء لم ~~يبق ماء ولا زئبق ومن قال إنه بعد انقلابه بقيت الأجزاء كما تبقى إذا تصغرت ~~أجزاؤه فقد خالف الحس والعقل ولا يعقل الماء ونحوه جزءا إلا وهو ماء فإذا ~~صار هواء لم يكن في الهواء جزء هو ماء بل جزء الهواء هواء # وكذلك الحطب تكسر أجزاؤه إلى أن تتصاغر فإذا صار رمادا فأجزاء الرماد ~~مخالفة لأجزاء الحطب ليست هذه الأجزاء تلك فبقاء الشيء مع تغير أعراضه شيء ~~وانقلاب حقيقته شيء آخر # ولهذا تفرق اللغة والشرع بين هذا وهذا وتجعل هذا جنسا مخالفا لهذا في ~~جميع الأحكام بخلاف ما إذا كانت حقيقته باقية وقد تبدلت أعراضها فالحكم ~~المعلق بالذهب والفضة إذا تعلق بعينه كالربا مثلا هو ثابت فيه وإن تغيرت ~~صوره وأشكاله فسواء كان مجتمعا PageV05P200 مضروبا أو مصوغا على أي صورة ~~كان ms0966 أو مفترقا بالانكسار بخلاف حكمه لما كان ترابا في المعدن قبل أن يصير ~~ذهبا وفضة # وكذلك النوى حكمه وحقيقته غير حكم النخلة وحقيقتها وأما الشجر والثمر ~~فأبعد من هذا كله لأنه لا نشهد هناك من انقلاب أجزاء الشجرة واستحالتها ما ~~نشهد من هذه المنقلبات وإنما نشهد خروج ثمرة لها طعم ولون وريح من خشبة ~~مخالفة لها غاية المخالفة مع أن تلك الخشبة قد تزيد وتنمي مع خروج الثمرة ~~منها وإن كان في ذلك استحالة لطينتها من الماء والهواء والتراب لكن خلق ~~الحيوان والنبات والمعدن من العناصر ليس هو من جنس استحالة هذه المولدات ~~بعضها إلى بعض لا سيما إذا كان بأفعالنا بل كلما بعد التسبب بأفعالنا يكون ~~خلقه أعجب والإبداع للأعيان فيه أعظم # وما كان أقرب إلى مفعولاتنا يكون أبعد عن إبداع الأعيان بل وعن انقلاب ~~الحقائق إلى تغير الصفات إلى أن تنتهي إلى مطلق الحركة التي ليس فيها من ~~تغيير الذات شيء كحركة أحدنا بالمشي والقيام والقعود وحركة الكواكب فإن جنس ~~الحركة هو المقدور للآدميين ابتداء وهو أبعد الأعراض والأحوال عن تغير ~~الأعيان والحقائق ولهذا لا يسمى هذا في اللغة المعروفة تغيرا أصلا ولا يقول ~~أحد عند الإطلاق للكواكب إذا كانت سائرة وللإنسان إذا كان ماشيا متغيرا ~~اللهم إلا مع قرينة تبين المراد بخلاف ما إذا تغير لونه بحمرة أو ~~PageV05P201 صفرة فإنهم قد يقولون قد تغير ويقولون تغير الهواء إذا برد بعد ~~السخونة ولا يكادون يسمون مجرد هبوبه تغيرا وإن سمي بذلك فهم يفرقون بين ~~هذا وهذا # والمقصود أن قول من يقول إن هذه المخلوقات التي يخلقها الله بعضها من بعض ~~ليس خلقه لها إلا تغيير صفتها وأن حقيقة كل شيء جواهر أصلية متماثلة باقية ~~لا تتغير حقيقتها أصلا ولكن تكثر تلك الأجزاء وتقل كلام لا حقيقة له وهو ~~متضمن أمورا باطلة إثبات جواهر قائمة بانفسها مخلوقة وراء هذه الأعيان ~~المشهودة وذاك باطل لا حقيقة له # وإثبات هؤلاء لهذه الجواهر الحسية من جنس إثبات آخرين لجواهر عقلية قائمة ~~بأنفسها ms0967 وراء هذه الأعيان المشهودة يسمونها المادة والصورة وإثبات أن هذه ~~الجواهر متماثلة والأعيان المشهودة متماثلة وهو أمر لا حقيقة له # فدعوى أن خلق الله لمخلوقاته من الحيوان والنبات والمعدن ليس إلا إحداث ~~أعراض وصفات ليس فيه خلق لعيان قائمة بنفسها ولا إحداث لأجسام وجواهر قائمة ~~بنفسها كما تحرك الرياح والمياه وتفرق الماء في مجاريه وهو أيضا من أبطل ~~الباطل # وهذا من أعظم ضلال هؤلاء حيث عمدوا إلى ما هو من أعظم آيات الرب الدالة ~~الشاهدة بوجوده وقدرته ومشيئته وعلمه PageV05P202 وحكمته ورحمته أنكروا ~~وجودها بالكلية وادعوا أنه ليس في ذلك إبداع عين ولا خلق شيء قائم بنفسه ~~وإنما هو إحداث أعراض والواحد منا يقدر على إحداث بعض الأعراض ثم اقتصروا ~~في ذلك على مجرد إحداث أعراض وصفات # ثم أرادوا أن يثبتوا إبداعه لجميع الأعيان بأن ادعوا وجود جواهر منفردة ~~لا حقيقة لها وادعوا في الأعيان المختلفات تماثلا لا حقيقة له # ثم أرادوا أن يثبتوا حدوث هذه الجواهر بمجرد قيام الأعراض أو الحركات بها ~~وذلك من أبعد الأشياء عن الدلالة على المطلوب فاحتاجوا إلى تلك المقدمات ~~الباطلة التي ناقضوا بها عقول العقلاء وكذبوا بها ما جاءت به الرسل من ~~الأنبياء واحتاجوا أن ينفوا حقيقة الرب بعد أن نفوا حقيقة مخلوقاته وآل ~~الأمر بهم إما إلى نفى صفاته أيضا وإما إلى إثبات صفات لا موصوف لها كما لم ~~يثبتوا من آياته إلا ما يحدث من صفات الأشياء # ومن تدبر هذا كله وتأمله تبين له أن ما جاء به القرآن من بيان آيات الرب ~~ودلائل توحيده وصفاته هو الحق المعلوم بصريح المعقول وأن هؤلاء خالفوا ~~القرآن في أصول الدين في دلائل المسائل وفي نفس المسائل خلافا خالفوا به ~~القرآن والإيمان وخالفوا به صريح عقل الإنسان وكانوا في قضاياهم التي ~~يذكرونها في خلاف ذلك أهل كذب وبهتان وإن لم يكونوا متعمدين الكذب بل التبس ~~عليهم ما ابتدعوه من الهذيان PageV05P203 $ الوجه الحادي والعشرون # أن يقال معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال وتقديم ذلك عليها هو من فعل ms0968 ~~المكذبين للرسل بل هو جماع كل كفر كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف ~~بالملل والنحل ما معناه أصل كل شر هو من معارضة النص بالرأي وتقديم الهوى ~~على الشرع # وهو كما قال فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه وبين أن المتبعين لما انزله ~~هم أهل الهدى والفلاح والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال # كما قال تعالى @QB@ قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ # وقال تعالى @QB@ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن ~~اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ والذين PageV05P204 @QB@ ~~كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ # وقد أخبر عن أهل النار أنهم إنما دخلوها لمخالفة الرسل قال تعالى @QB@ ~~ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس @QE@ إلى قوله @QB@ ~~يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كافرين @QE@ # وقال تعالى @QB@ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ~~@QE@ # وقال تعالى @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا ~~بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال ~~كبير @QE@ # ومعلوم أن الكلام الذي جاءت به الرسل عن الله نوعان إما إنشاء وإما إخبار ~~والإنشاء يتضمن الأمر والنهي والإباحة فأصل السعادة تصديق خبره وطاعة أمره ~~وأصل الشقاوة معارضة خبره وأمره بالرأي والهوى وهذا هو معارضة النص بالرأي ~~وتقديم الهوى على الشرع PageV05P205 # ولهذا كان ضلال من ضل من ms0969 أهل الكلام والنظر في النوع الخبري بمعارضة خبر ~~الله عن نفسه وعن خلقه بعقلهم ورأيهم وضلال من ضل من أهل العبادة والفقه في ~~النوع الطلبي بمعارضة أمر الله الذي هو شرعه بأهوائهم وآرائهم # والمقصود هنا أن معارضة أقوال الرسل بأقوال غيرهم من فعل الكفار كما قال ~~تعالى @QB@ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في ~~البلاد @QE@ إلى قوله @QB@ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف ~~كان عقاب @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين ~~كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق @QE@ # وقوله تعالى @QB@ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا @QE@ مصدق لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم مراء في القرآن كفر # ومن المعلوم أن كل من عارض القرآن وجادل في ذلك بعقله ورأيه فهو داخل في ~~ذلك وإن لم يزعم تقديم كلامه على كلام الله ورسوله بل إذا قال ما يوجب ~~المرية والشك في كلام الله فقد دخل في ذلك فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ~~ورأيه مقدم على نصوص الكتاب والسنة PageV05P206 # وقال تعالى @QB@ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ # وقال @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند ~~الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ # والسلطان هو الكتاب المنزل من السماء كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين # وشواهده كثيرة كقوله تعالى @QB@ أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون @QE@ # وقوله @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان @QE@ في سورة الأعراف ويوسف PageV05P207 والنجم فمن عارض آيات الله ~~المنزلة برأيه وعقله من غير سلطان أتاه دخل في معنى هذه الآية # وهذا مما يبين أنه لا يجوز معارضة كتاب الله إلا بكتاب الله لا يجوز ~~معارضته بغير ذلك # وكتاب الله نوعان خبر وأمر كما تقدم أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض ولكن ~~قد يفسر أحد الخبرين الآخر ms0970 ويبين معناه وأما الأمر فيدخله النسخ ولا ينسخ ~~ما أنزل الله إلا بما أنزله الله فمن أراد أن ينسخ شرع الله الذي أنزله ~~برأيه وهواه كان ملحدا وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدا # والقرامطة جمعوا هذا وهذا وزعموا أن محمد بن إسماعيل هو السابع الذي نسخ ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك تعرض لدعوى النبوة غير واحد من الملاحدة # وآخرون يدعون ما هو عندهم أعلى من النبوة إما ختم الولاية عند من يزعم أن ~~الولاية أفضل من النبوة كمذهب صاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله وإما دعوى ~~الفلسفة والحكمة والتي هي في زعم كثير منهم أعلى من النبوة # وهؤلاء الملاحدة نوعان نوع يزعم أنه نزل عليه كما يدعي ذلك من يدعيه من ~~ملاحدة أهل النسك والتصوف # ثم من هؤلاء من يقول إن الله أنزل عليه ذلك ومنهم من يقول ألقي إلي أوحي ~~إلي ولا يسمي الموحي PageV05P208 # وقوم يزعمون أنهم يقولون ذلك بعقلهم ورأيهم # وقد جمع الله هؤلاء في قوله @QB@ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله @QE@ فذكر ~~سبحانه من يفتري الكذب على الله ومن يقول أنه يوحى إليه ومن يزعم أنه يقول ~~كلاما مثل الكلام الذي أنزله الله # وهذا الأصل هو مما يعلم بالضرورة من دين الرسل من حيث الجملة يعلم أن ~~الله إذا أرسل رسولا فإنما يقول ما يناقض كلامه ويعارضه من هو كافر فكيف ~~بمن يقدم كلامه على كلام الرسول # وأما المؤمنون بما جاء به فلا يتصور أن يقدموا أقوالهم على قوله بل قد ~~أدبهم الله بقوله @QB@ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله @QE@ # ولكن البدع مشتقة من الكفر فلهذا كانت معارضة النصوص الثابتة عن الأنبياء ~~بآراء الرجال هي من شعب الكفر وإن كان المعارض لهذا بهذا يكون مؤمنا بما ~~جاء به الرسول في غير محل التعارض # وإذا كان أصل معارضة الكتب الإلهية بقول فلان وفلان من أصول الكفر علم أن ms0971 ~~ذلك كله باطل وهذا مما ينبغي للمؤمن تدبره فإنه إذا حاسب نفسه على ذلك علم ~~تصديق ذلك ومما بين هذا PageV05P209 $ الوجه الثاني والعشرون # وهو أن يقال إن الله سبحانه ذم من ذمه من أهل الكفر على أنهم يصدون عن ~~سبيل الله ويبغونها عوجا # كما قال تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد ~~على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ~~وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن ~~به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم @QE@ # وقال @QB@ ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا @QE@ # وقال @QB@ وويل للكافرين من عذاب شديد @QE@ الذين يستحبون الحياة الدنيا ~~على الآخرة ويصدون عن سبيل الله # ومعلوم أن سبيل الله هو ما بعث به رسله مما أمر به وأخبر عنه فمن نهى ~~الناس نهيا مجردا عن تصديق رسل الله وطاعتهم فقد صدهم عن سبيل الله فكيف ~~إذا نهاهم عن التصديق بما أخبرت به الرسل وبين أن العقل يناقض ذلك وأنه يجب ~~تقديمه على ما أخبرت به الرسل PageV05P210 # ومعلوم أن من زعم أن العقل الصريح الذي يجب اتباعه يناقض ما جاء به الرسل ~~وذلك هو سبيل الله فقد بغى سبيل الله عوجا أي طلب لها العوج فإنه طلب أن ~~يبين اعوجاج ذلك وميله عن الحق وأن تلك السبيل الشرعية السمعية المروية عن ~~الأنبياء عوجا لا مستقيمة وأن المستقيم هو السبيل التي ابتدعها من خالف ~~سبيل الأنبياء ويوضح هذا $ الوجه الثالث والعشرون # وهو أن يقال من المعلوم أن الله أخبر أنه أرسل رسله بالهدى والبيان لترج ~~الناس من الظلمات إلى النور فقال تعالى @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق @QE@ # وقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم ms0972 صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض @QE@ # وقال تعالى @QB@ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض @QE@ إلى قوله @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~@QE@ PageV05P211 وقد قال تعالى @QB@ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين @QE@ # وقال @QB@ وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ # وقال @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~أولئك هم المفلحون @QE@ # وقال تعالى @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم @QE@ # وقال تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ # وقال تعالى @QB@ ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل ~~شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ # وقال تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين @QE@ # وقال تعالى @QB@ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون @QE@ ~~PageV05P212 # ونظائر هذا في القرآن كثيرة # وإذا كان كذلك فيقال أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إما أن يكون الرسول ~~تكلم فيه بما يدل على الحق أو بما يدل على الباطل أو لم يتكلم لا بما يدل ~~على حق ولا بما يدل على باطل # ومعلوم أنه إذا قدر في شخص من الأشخاص أنه لم يتكلم في أمر الإيمان بالله ~~واليوم الآخر لا بحق ولا بباطل ولا هدى ولا ضلال بل سكت عن ذلك لم يكن قد ~~هدى الناس ولا أخرجهم من الظلمات إلى النور ولا بين لهم ولا كان معه [ ما ] ~~يستضيء به السالك المستدل # فإن قدر أن هذا الشخص تكلم بما يفهم منه نقيض الحق وبما يدل على ضد ~~الصواب وكان مدلول كلامه في ذلك معلوم الفساد بصريح العقل لكان ms0973 هذا الشخص ~~قد أضل بكلامه وما هدى وكان مخرجا لمن اتبعه بكلامه من النور إلى الظلمات ~~كحال الطاغوت الذين قال الله فيهم @QB@ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات @QE@ # ومن زعم أن ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة قد عارضه صريح المعقول ~~الذي يجب تقدمه عليه فقد جعل الرسول شبيها بالشخص الثاني الذي أضل بكلامه ~~من وجه ويجعله بمنزلة من جعله كالساكت الذي لم يضل ولم يهد من وجه آخر ~~PageV05P213 # فإنه إذا زعم أن الحق والهدى هو قول نفاة الصفات الذي يعلم بالعقل عنده ~~فمعلوم أن كلام الله ورسوله لم يدل على قول النفاة دلالة يحصل بها الهدى ~~والبيان للمخاطبين بالقرآن إن كان قول النفاة هو الحق # ومعلوم أن كلام الله ورسوله دل على إثبات الصفات المناقض لقول النفاة ~~دلالة بينة بقول جمهور الناس إنها دلالة قطعية على ذلك # والمعتزلة ونحوهم من النفاة معترفون بأنها دلالة ظاهرة فإذا كان الرسول ~~لم يظهر للناس إلا إثبات الصفات دون نفيها وكان الحق في نفس الأمر نفيها ~~لكان بمنزلة الشخص الذي كتم الحق وذكر نقيضه # وهذا خلاف ما نعته الله في كتابه فدل على أن هذه الطريق التي يسوغ فيها ~~تقديم عقول الرجال في أصول التوحيد والإيمان على كلام الله ورسوله تناقض ~~دين الرسول مناقضة بينة بل مناقضة معلومة بالاضطرار من دين الإسلام لمن ~~تدبر حقيقة هذا القول وعرف غائلته ووباله # وحينئذ فنقول $ الوجه الرابع والعشرون # إنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول هذا القرآن أو ~~الحكمة الذي بلغته إلينا قد تضمن أشياء كثيرة تناقض ما علمنا بعقولنا ونحن ~~إنما علمنا صدقك بعقولنا فلو قبلنا جميع ما تقوله PageV05P214 مع أن عقولنا ~~تناقض ذلك لكان ذلك قدحا فيما علمنا به صدقك فنحن نعتقد موجب الأقوال ~~المناقضة لما ظهر من كلامك وكلامك نعرض عنه لا نتلقى منه هدى ولا علم لم ~~يكن مثل هذا الرجل مؤمنا بما جاء به الرسول ولم يرض الرسول منه بهذا بل ~~يعلم أن ms0974 هذا لو ساغ لأمكن كل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جاء به الرسول إذ ~~العقول متفاوتة والشبهات كثيرة والشيطان لا يزال يلقي الوساوس في النفوس ~~فيمكن حينئذ أن يلقى في قلب غير واحد من الأشخاص ما يناقض عامة ما أخبر به ~~الرسول وما أمر به # وقد ظهر ذلك في القرامطة الباطنية الذين ردوا عامة الظاهر الذي جاء به من ~~الأمر والخبر وزعموا أن العقل ينافي هذا الظاهر الذي بينه الرسول # ثم قد يقولون الظاهر خطاب الجمهور والعامة حتى يصل الشخص إلى معرفة ~~الحقيقة التي يزعمون أنها تناقض ما بينه الرسول وحينئذ فتسقط عنه طاعة أمره ~~ويسوغ له تكذيب خبره # ومن المعلوم لعامة المسلمين أن قول الباطنية الذي يتضمن مخالفة الرسول ~~معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام # وكذلك ما أخبر به في المعاد قد قال متكلمة المسلمين إن قول الفلاسفة ~~المناقض لذلك معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام # وهكذا ما أخبر به الرسول من أسماء الله وصفاته يعلم أهل الإثبات أن قول ~~النفاة فيه معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام PageV05P215 # وأصل هذا الإلحاد جواز معارضة ما جاءت به الأنبياء بالعقول والآراء # يبين ذلك $ الوجه الخامس والعشرون # وهو أن الله سبحانه وتعالى قد بين في كتابه أن معارضة مثل هذا فعل ~~الشياطين المعادين للأنبياء # قال تعالى @QB@ اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن ~~المشركين @QE@ ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت ~~عليهم بوكيل @QB@ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ~~@QE@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات ~~عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ أي وما يشعركم أن ~~الآيات إذا جاءت لا يؤمنون وأنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة فقوله ms0975 @QB@ ونقلب أفئدتهم @QE@ معطوف على قوله @QB@ لا يؤمنون @QE@ ~~وكلاهما داخل في معنى قوله @QB@ وما يشعركم @QE@ PageV05P216 وبهذا تزول ~~شبهة من لم يفهم الآية فظن أن أن بمعنى لعل لتوهمه أن قوله @QB@ ونقلب @QE@ ~~فعل مبتدأ إلى قوله @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ~~ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم @QE@ # ومن تدبر هؤلاء الآيات علم أنها منطبقة على من يعارض كلام الأنبياء بكلام ~~غيرهم بحسب حاله فإن هؤلاء هم أعداء ما جاءت به الأنبياء # وأصل العداوة البغض كما ان أصل الولاية [ الحب ] ومن المعلوم أنك لا تجد ~~أحدا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله ويود أن ~~تلك الآية لم تكن نزلت وأن ذلك الحديث لم يرد ولو أمكنه كشط ذلك من المصحف ~~لفعله # قال بعض السلف ما ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه # وقيل عن بعض رؤوس الجهمية إما بشر المريسي أو غيره PageV05P217 أنه قال ~~ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن فأقروا به في الظاهر ثم صرفوه بالتأويل ~~ويقال إنه قال إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب وإذا احتجوا ~~بالآيات فغالطوهم بالتأويل # ولهذا تجد الواحد من هؤلاء لا يحب تبليغ النصوص النبوية بل قد يختار ~~كتمان ذلك والنهي عن إشاعته وتبليغه خلافا لما أمر الله به ورسوله من ~~التبليغ عنه # كما قال ليبلغ الشاهد الغائب # وقال بلغوا عني ولو آية # وقال نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه PageV05P218 فرب ~~حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه # وقد ذم الله في كتابه الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى ms0976 ~~وهؤلاء يختارون كتمان ما أنزله الله لأنه معارض لما يقولونه وفيهم جاء ~~الأثر المعروف عن عمر قال إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم ~~السنن أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها وسئلوا فقالوا في الدين برأيهم فذكر ~~أنهم أعداء السنن # وبالجملة فكل من أبغض شيئا من الكتاب والسنة ففيه من عداوة النبي بحسب ~~ذلك وكذلك من أحب ذلك ففيه من الولاية بحسب ذلك PageV05P219 # قال عبد الله بن مسعود لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب ~~القرآن فهو يحب الله وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله # وعدو الأنبياء هم شياطين الإنس والجن # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس ~~والجن فقال أو للإنس شياطين فقال نعم شر من شياطين الجن وهؤلاء يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا # والزخرف هو الكلام المزين كما يزين الشيء بالزخرف وهو المذهب وذلك غرور ~~لأنه يغر المستمع والشبهات المعارضة لما جاءت به الرسل هي كلام مرخرف يغر ~~المستمع # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة فهؤلاء المعارضون لما جاءت به ~~الرسل تصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة كما رأيناه وجربناه # ثم قال @QB@ أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ~~@QE@ وهذا يبين أن الحكم بين الناس هو الله تعالى بما أنزله من الكتاب ~~المفصل PageV05P220 # كما قال تعالى في الآية الأخرى @QB@ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله @QE@ # وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ # وقوله تعالى @QB@ وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا @QE@ جملة في موضع ~~الحال # وقوله @QB@ أفغير الله أبتغي حكما @QE@ استفهام إنكار يقول كيف أطلب حكما ~~غير الله وقد أنزل كتابا مفصلا يحكم بيننا # وقوله مفصلا يبين أن الكتاب الحاكم مفصل مبين بخلاف ما يزعمه من يعارضه ~~بآراء الرجال ويقول إنه لا يفهم معناه ولا يدل على مورد النزاع فيجعله إما ~~مجملا لا ظاهر له ms0977 أو مؤولا لا يعلم عين معناه ولا دليل يدل على عين المعنى ~~المراد به # ولهذا كان المعرضون عن النصوص المعارضون لها كالمتفقين على أنه لا يعلم ~~عين المراد [ به ] وإنما غايتهم أن يذكروا احتمالات كثيرة ويقولون يجوز أن ~~يكون المراد واحدا منها ولهذا أمسك من أمسك منهم عن التأويل لعدم العلم ~~بعين المراد PageV05P221 # فعلى التقديرين لا يكون عندهم الكتاب الحاكم مفصلا بل مجملا ملتبسا أو ~~مؤولا بتأويل لا دليل على إرادته # ثم قال @QB@ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق @QE@ ~~وذلك أن الكتاب الأول مصدق للقرآن فمن نظر فيما بأيدي أهل الكتاب من ~~التوراة والإنجيل علم علما يقينا لا يحتمل النقيض أن هذا وهذا جاءا من ~~مشكاة واحدة لا سيما في باب التوحيد والأسماء والصفات فإن التوراة مطابقة ~~للقرآن موافقة له موافقة لا ريب فيها # وهذا مما يبين أن ما في التوراة من ذلك ليس هو من المبدل الذي أنكره ~~عليهم القرآن بل هو من الحق الذي صدقهم عليه ولهذا لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه ينكرون ما في التوراة من الصفات ولا يجعلون ذلك مما بدله ~~اليهود ولا يعيبونهم بذلك ويقولون هذا تشبيه وتجسيم كما يعيبهم بذلك كثير ~~من النفاة ويقولون إن هذا مما حرفوه بل كان الرسول إذا ذكروا له شيئا من ~~ذلك صدقهم عليه كما صدقهم في خبر الحبر كما هو في الصحيحين عن عبد الله بن ~~مسعود وفي غير ذلك # ثم قال @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا @QE@ فقرر أن ما أخبر الله به فهو ~~صدق وما أمر به فهو عدل وهذا يقرر أن ما في النصوص من الخبر فهو صدق علينا ~~أن نصدق PageV05P222 به لا نعرض عنه ولا نعارضه ومن دفعه فإنه لم يصدق به ~~وإن قال أنا أصدق الرسول تصديقا مجملا فإن نفس الخبر الذي أخبر به الرسول ~~وعارضه هو بعقله ودفعه لم يصدق به تصديقا مفصلا ولو صدق الرجل الرسول ~~تصديقا مجملا ولم يصدقه تصديقا مفصلا فيما علم أنه أخبر ms0978 به لم يكن مؤمنا له ~~ولو أقر بلفظه مع إعراضه عن معناه الذي بينه الرسول أو صرفه إلى معان لا ~~يدل عليها مجرى الخطاب بفنون التحريف بل لم يردها الرسول فهذا ليس بتصديق ~~في الحقيقة بل هو إلى التكذيب أقرب # يحقق هذا $ الوجه السادس والعشرون # وهو أن يقال إن الله ذم أهل الكتاب على كتمان ما أنزل الله وعلى الكذب ~~فيه وعلى تحريفه وعلى عدم فهمه # قال تعالى @QB@ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام ~~الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون @QE@ وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ~~ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون @QB@ أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون @QE@ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا PageV05P223 أماني وإن ~~هم إلا يظنون @QB@ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ~~الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ~~@QE@ # فذم المحرفين له والأميين الذين لا يعلمونه إلا أماني والذين يكذبون ~~فيقولون لما يكتبونه هو من عند الله وما هو من عند الله كما ذم الذين يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب وقد ذم الذين يكتمون ~~ما أنزل الله من الكتاب في غير هذا الموضع # وهذه الأنواع الأربعة موجودة في الذين يعرضون عن كتاب الله ويعارضونه ~~بآرائهم وأهوائهم فإنهم تارة يكتمون الأحاديث المخالفة لأقوالهم ومنهم ~~طوائف يضعون أحاديث نبوية توافق بدعهم كالحديث الذي تحتج به الفلاسفة أول ~~ما خلق الله العقل # والحديث الذي يحتج به الجهمية كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه ~~كان PageV05P224 # والحديث الذي يحتجون به في نفي الرؤية لا ينبغي لأحد أن يرى الله في ~~الدنيا ولا في الآخرة # والحديث الذي يحتجون به في نفي العلو كالحديث الذي رواه ابن عساكر فيما ~~أملاه في نفي الجهة عن شيخه ابن عبد الله العوسجي عن النبي صلى ms0979 الله عليه ~~وسلم أنه قال الذي أين الأين فلا يقال له أين وعارض به حديث ابن إسحاق الذي ~~رواه أبو داود وغيره الذي قال فيه يستشفع بك على الله ويستشفع بالله عليك ~~وأكثر فيه في القدح في ابن إسحاق مع احتجاجه بحديث أجمع العلماء على أنه من ~~أكذب الحديث وغاية ما قالوا فيه إنه غريب # والأحاديث التي تحتج بها الإتحادية من هؤلاء وغيرهم مثل قولهم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال رب زدني فيك تحيرا # ومثل الأحاديث التي يحتج بها الواصفون بالنقائص كحديث الجمل الأورق ~~ونزوله عشية عرفة إلى الأرض يصافح الركبان ويعانق PageV05P225 المشاة ~~ونزوله إلى بطحاء مكة وقعوده على كرسي بين السماء والأرض ونزوله على صخرة ~~بيت المقدس وأمثال ذلك # وكذلك ما يضعونه من الكتب بآرائهم وأذواقهم ويدعون أن هذا هو دين الله ~~الذي يجب اتباعه وأما تحريفهم للنصوص بأنواع التأويلات الفاسدة التي يحرفون ~~بها الكلم عن مواضعه فأكثر من أن يذكر كتأويلات القرامطة الباطنية والجهمية ~~والقدرية وغيرهم # وأما عدم الفهم فإن النصوص التي يخالفونها تارة يحرفونها بالتأويل وتارة ~~يعرضون عن تدبرها وفهم معانيها فيصيرون كالأميين PageV05P226 الذين لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني ولهذا تجد هؤلاء معرضين عن القرآن والحديث فمنهم ~~طوائف لا يقرون القرآن مثل كثير من الرافضة والجهمية لا تحفظ أئمتهم القرآن ~~وسواء حفظوه أو لم يحفظوه لا يطلبون الهدى منه بل إما أن يعرضوا عن فهمه ~~وتدبره كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإما أن يحرفوه ~~بالتأويلات الفاسدة # وأما الحديث فمنهم من لا يعرفه ولم يسمعه وكثير منهم لا يصدق به ثم إذا ~~صدقوا به كان تحريفهم له وإعراضهم عنه أعظم من تحريف القرآن والإعراض عنه ~~حتى أن منهم طوائف يقرون بما أخبر به القرآن من الصفات وأما الحديث إذا ~~صدقوا به فهم لا يقرون بما أخبر به # وإذا تبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بالمعقولات لابد له من كتمان أو ~~كذب أو تحريف أو أمية مع عدم علم وهذه الأمور كلها مذمومة ms0980 دل ذلك على أن ~~هؤلاء مذمومون في كتاب الله كما ذم الله أشباههم من أهل الكتاب وأن هؤلاء ~~وأمثالهم دخلوا في قوله صلى الله عليه وسلم الذي ثبت عنه في الصحيح الذي ~~قال فيه لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن PageV05P227 # فإن قيل فما ذكرتموه قد يشعر بأنه ليس لأحد أن يعارض حديثا ولا يستشكل ~~معناه وقد كان الصحابة يفعلون ذلك # حتى قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال من نوقش ~~الحساب عذب قالت عائشة يا رسول الله أليس الله يقول @QB@ فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ فقال ذلك العرض ومن نوقش الحساب ~~عذب # ولما قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة قالت له حفصة أليس الله يقول ~~@QB@ وإن منكم إلا واردها @QE@ فقال ألم تسمعي قوله @QB@ ثم ننجي الذين ~~اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا @QE@ # وقال له عمر عام الحديبية ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف ~~PageV05P228 به فقال هل قلت لك إنك تدخله هذا العام قال لا قال فإنك آتيه ~~ومطوف به # قيل لم يكن في الصحابة من يقول إن عقله مقدم على نص الرسول وإنما كان ~~يشكل على أحدهم قوله فيسأل عما يزيل شبهته فيتبين له أن النص لا شبهة فيه # فلما نفى النبي صلى الله عليه وسلم مناقشة الحساب عن الناجين لم ينف كل ~~ما يسمى حسابا والحساب يراد به الموازنة بين الحسنات والسيئات وهذا يتضمن ~~المناقشة ويراد به عرض الأعمال على العامل وتعريفه بها # ولهذا لما تنازع أهل السنة في الكفار هل يحاسبون أم لا كان فصل الخطاب ~~إثبات الحساب بمعنى عد الأعمال وإحصائها وعرضها عليهم لا بمعنى إثبات حسنات ~~نافعة لهم في ثواب يوم القيامة تقابل سيئاتهم # وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل النار أحد بايع تحت ~~الشجرة لم يرد به المرور على الصراط فإن ذاك لا يسمى ms0981 دخولا ولكن سماه الله ~~ورودا بقوله @QB@ وإن منكم إلا واردها @QE@ PageV05P229 # ولفظ الورود يحتمل العبور والدخول وأيضا فالورود والدخول قد يراد ورود ~~أعلاها # وقد ثبت في الصحيح أنهم إذا عبروا على الصراط منهم من يمر كالطرف ومنه من ~~يمر كالريح ومنهم من يمر كأجاويد الخيل # وفسر النبي صلى الله عليه وسلم الورود بهذا وهذا عام لجميع الخلق فلما ~~قالت حفصة أليس الله يقول @QB@ وإن منكم إلا واردها @QE@ لم تكن هذه معارضة ~~صحيحة لما أخبر به فبين لها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن زبرها أن الله ~~قال @QB@ ثم ننجي الذين اتقوا @QE@ فتلك النجاة هي المعنى الذي أراده بقوله ~~لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة # فإن قيل فعائشة قد عارضت ما رواه عمر وغيره عن النبي صلى الله ~~PageV05P230 عليه وسلم من قوله إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه بقول الله ~~تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ وعارضت ما رووه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من مخاطبة أهل القليب يوم بدر بقوله @QB@ إنك لا تسمع الموتى ~~@QE@ # قيل الجواب من وجهين # أحدهما أنا لم ننكر أنهم كانوا يعارضون نصا بنص آخر وإنما أنكرنا معارضة ~~النصوص بمجرد عقلهم والنصوص لا تتعارض في نفس الأمر إلا في الأمر والنهي ~~إذا كان أحدهما ناسخا والآخر منسوخا وأما الأخبار فلا يجوز تعارضها # وأما إذا قدر أن الإنسان تعارض عنده خبران أو أمران عام وخاص وقدم الخاص ~~على العام فإنه يعلم أن ذلك ليس بتعارض في PageV05P231 نفس الأمر وأن ~~المعنى الخاص لم يدخل في إرادة المتكلم باللفظ العام فالدليل الخاص يبين ما ~~لم يرد باللفظ العام كما في قوله @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ فالسنة ~~بينت أن الكافر والعبد والقاتل لم يدخل في ذلك # هذا عند من يجعل اللفظ عاما لهؤلاء وأما من قال العام في الأشخاص مطلق في ~~الأحوال فإنه يقول إن الآية تعم كل ولد ولكن لم يبين فيها الحال الذي يرث ~~فيها الولد والحال التي لم يرث فيها ولكن هذا مبين في نصوص أخرى ms0982 # وهؤلاء يقولون لفظ القرآن باق على عمومه ولكن ما سكت عنه لفظ القرآن من ~~الشروط والموانع بين في نصوص أخرى # وهكذا يقولون في قوله @QB@ والسارق والسارقة @QE@ وأمثال ذلك من عمومات ~~القرآن وظواهره لا يقولون إن ظاهر اللفظ متروك ولكن يقولون ما سكت عنه ~~اللفظ يبين في نصوص أخرى ويقولون فرق بين ما يعمه اللفظ وبين ما سكت عنه من ~~أحوال ما عمه فإن اللفظ مطلق في ذاك لا عام له # وإذا كان في كلام الله ورسوله كلام مجمل أو ظاهر قد فسر معناه وبينه كلام ~~آخر متصل به أو منفصل عنه لم يكن في هذا خروج عن كلام الله ورسوله ولا عيب ~~في ذلك ولا نقص كما في الحديث PageV05P232 الصحيح يقول الله عبدي جعت فلم ~~تطعمني فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا ~~جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي عبدي عطشت فلم تسقني فيقول كيف أسقيك وأنت ~~رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا عطش فلو أسقيته لوجدت ذلك عندي ~~عبدي مرضت فلم تعدني فيقول كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن ~~عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده # فهذا الحديث قد قرن به الرسول بيانه وفسر معناه فلم يبق في ظاهره ما يدل ~~على باطل ولا يحتاج إلى معارضة بعقل ولا تأويل يصرف فيه ظاهره إلى باطنه ~~بغير دليل شرعي # فأما أن يقال إن في كلام الله ورسوله ما ظاهره كفر وإلحاد من غير بيان من ~~الله ورسوله لما يزيل الفساد ويبين المراد فهذا هو الذي تقول أعداء الرسل ~~الذين كفروا من المشركين وأهل الكتاب وهو الذي لا يوجد في كلام الله أبدا # وإيضاح ذلك في PageV05P233 $ الوجه السابع والعشرون # وهو أن نقول الذين يعارضون كلام الله وكلام رسوله بعقولهم إن كانوا من ~~ملاحدة الفلاسفة والقرامطة قالوا إن الرسل أبطنت خلاف ما أظهرت لأجل مصلحة ~~الجمهور حتى يؤول الأمر بهم إلى إسقاط الواجبات واستحلال المحرمات إما ~~للعامة وإما للخاصة دون العامة ms0983 ونحو ذلك مما يعلم كل مؤمن أنه فاسد مخالف ~~لما علم بالاضطرار من دين الإسلام وإن كانوا من أهل الفقه والكلام والتصوف ~~الذين لا يقولون ذلك فلابد لهم من التأويل الذي هو صرف اللفظ عن الاحتمال ~~الراجح إلى الاحتمال المرجوح # ولفظ التأويل يراد به التفسير كما يوجد في كلام المفسرين ابن جرير وغيره ~~ويراد به حقيقة ما يؤول إليه الكلام وهو المراد بلفظ التأويل في القرآن # وهذان الوجهان لا ريب فيهما والتأويل بمعنى التفسير والبيان كان السلف ~~يعلمونه ويتكلمون فيه # وأما بالمعنى الثاني فمنه ما لا يعلمه إلا الله ولهذا كانوا يثبتون العلم ~~بمعاني القرآن وينفون العلم بالكيفية كقول مالك وغيره الاستواء معلوم ~~والكيف مجهول PageV05P234 # فالعلم بالاستواء من باب التفسير وهو التأويل الذي نعلمه وأما الكيف فهو ~~التأويل الذي لا يعلمه إلا الله وهو المجهول لنا # ويراد بالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين صرف اللفظ عن الاحتمال ~~الراجح إلى الاحتمال المرجوح وهذا هو الذي تدعيه نفاة الصفات والقدر ونحو ~~ذلك من نصوص الكتاب والسنة # وهؤلاء قولهم متناقض فإنهم بنوه على أصلين فاسدين فإنهم يقولون لابد من ~~تأويل بعض الظواهر كما في قوله جعت فلم تطعمني وقوله الحجر الأسود يمين ~~الله في الأرض ونحو ذلك ثم أي نص خالف رأيهم جعلوه من هذا الباب فيجعلون ~~تارة المعنى الفاسد هو الظاهر ليجعلوا في موضع آخر المعنى الظاهر فاسدا وهم ~~مخطئون في هذا وهذا # ومضمون كلامهم أن كلام الله ورسوله في ظاهره كفر وإلحاد من غير بيان من ~~الله ورسوله للمراد # وهذا قول ظاهر الفساد وهو أصل قول أهل الكفر والإلحاد # أما النصوص التي يزعمون أن ظاهرها كفر فإذا تدبرت النصوص وجدتها قد بينت ~~المراد وأزالت الشبهة فإن الحديث الصحيح لفظه عبدي مرضت فلم تعدني فيقول ~~كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته ~~لوجدتني عنده # فنفس ألفاظ الحديث نصوص في أن الله نفسه لا يمرض وإنما الذي مرض عبده ~~المؤمن PageV05P235 # ومثل هذا لا يقال ظاهره أن ms0984 الله يمرض فيحتاج إلى تأويل لأن اللفظ إذا قرن ~~به ما يبين معناه كان ذلك هو ظاهره كاللفظ العام إذا قرن به استثناء أو ~~غاية أو صفة كقوله @QB@ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما @QE@ وقوله @QB@ ~~فصيام شهرين متتابعين @QE@ ونحو ذلك فإن الناس متفقون على أنه حينئذ ليس ~~ظاهره ألفا كاملة ولا شهرين سواء كانا متفرقين أو متتابعين # وأما قوله الحجر الأسود يمين الله في الأرض فهو أولا ليس من الحديث ~~الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحتاج أن ندخل في هذا الباب ~~ولكن هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة ويقولون بتأول ~~الجميع كما فعل بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي وأبو بكر بن فورك في كتاب ~~مشكل الحديث حتى أنهم يتأولون حديث عرق الخيل وأمثاله من الموضوعات ~~PageV05P236 # هذا مع أن عامة ما فيه من تأويل الأحاديث الصحيحة هي تأويلات المريسي ~~وأمثاله من الجهمية وقد يكون الحديث مناما كحديث رؤية ربه في أحسن صورة ~~فيجعلونه يقظة ويجعلونه ليلة المعراج ثم يتأولونه # وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابه في إبطال التأويل ردا لكتاب ابن فورك وهو ~~وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها ففيها عدة أحاديث موضوعة ~~كحديث الرؤية عيانا ليلة المعراج ونحوه وفيها اشياء عن بعض السلف رواها بعض ~~الناس مرفوعة كحديث قعود الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش رواه بعض ~~الناس من طرق كثيرة مرفوعة وهي كلها موضوعة وإنما الثابت أنه عن مجاهد ~~وغيره من السلف وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه ويتلقونه بالقبول ~~PageV05P237 # وقد يقال إن مثل هذا لا يقال إلا توقيفا لكن لا بد من الفرق بين ما ثبت ~~من ألفاظ الرسول وما ثبت من كلام غيره سواء كان من المقبول أو المردود # ولهذا وغيره تكلم رزق الله التميمي وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي ~~أبي يعلى لهذا الكتاب بكلام غليظ وشنع عليه أعداؤه بأشياء هو منها بريء كما ~~ذكر هو ذلك في آخر الكتاب # وما نقله عنه أبو ms0985 بكر بن العربي في العواصم كذب عليه عن مجهول لم يذكره ~~أبو بكر وهو من الكذب عليه مع أن هؤلاء وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذب عليه ~~ففي كلامه ما هو مردود نقلا وتوجيها وفي كلامه من التناقض من جنس ما يوجد ~~في كلام الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي المعالي وأمثالهم ممن ~~يوافق النفاة على نفيهم ويشارك أهل الإثبات على وجه يقول الجمهور إنه جمع ~~بين النقيضين # ويقال إن أبا جعفر السمناني شيخ أبي الوليد الباجي قاضي PageV05P238 ~~الموصل كان يقول عليه ما لم يقله ويقال عن السمناني إنه كان مسمحا في حكمه ~~وقوله # والمقصود هنا أن ما لم يكن ثابتا عن الرسول لا نحتاج أن ندخله في هذا ~~الباب سواء احتيج إلى تأويل أو لم يحتج # وحديث الحجر الأسود يمين الله في الأرض هو معروف من كلام ابن عباس وروي ~~مرفوعا وفي رفعه نظر ولفظ الحديث الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن ~~صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ففي لفظ هذا الحديث أنه يمين ~~الله في الأرض وأن المصافح له كأنما صافح الله وقبل يمينه ومعلوم أن المشبه ~~ليس هو المشبه به فهذا صريح في أنه ليس هو نفس صفة الله فلا يمكن أحد أن ~~يأتي بنص صحيح صريح يدل على معنى فاسد من غير بيان للنص أصلا فالحمد لله ~~الذي سلم كلامه وكلام رسوله من كل نقص وعيب وسبحان ربك رب العزة عما يصفون ~~وسلام على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب والحمد لله رب ~~العالمين # وأما الخطأ الثاني فيأتون إلى نصوص صحيحة دالة على معان دلالة بينة بل ~~صريحة قطعية كأحاديث الرؤية ونحوها مما فيه إثبات الصفات فيقولون هذه تحتاج ~~إلى التأويل كتلك وقد تبين استغناء كل من الصنفين عن التحريف وأن التفسير ~~الذي به يعرف الصواب PageV05P239 قد ذكر ما يدل عليه في نفس الخطاب إما ~~مقرونا به وإما في نص آخر # ولهذا لما لم يكن لهم قانون قويم وصراط مستقيم في ms0986 النصوص لم يوجد أحد ~~منهم يمكنه التفريق بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والتي لا تحتاج إليه ~~إلا بما يرجع إلى نفس المتأول المستمع للخطاب لا بما يرجع إلى نفس المتكلم ~~بالخطاب فنجد من ظهر له تناقض أقوال أهل الكلام والفلاسفة كأبي حامد ~~وأمثاله ممن يظنون أن في طريقة التصفية نيل مطلوبهم يعولون في هذا الباب ~~على ذوقهم وكشفهم فيقولون إن ما عرفته بنور بصيرتك فقرره وما لم تعرفه ~~فأوله # ومن ظن أن في كلام المتكلمين ما يهدي إلى الحق يقول ما ناقض دلالة العقل ~~وجب تأويله وإلا فلا # ثم المعتزلي والمتفلسف الذي يوافقه يقول إن العقل يمنع إثبات الصفات ~~وإمكان الرؤية # ويقول المتفلسف الدهري إنه يمنع إثبات معاد الأبدان وإثبات أكل وشرب في ~~الآخرة ونحو ذلك # فهؤلاء مع تناقضهم لا يجعلون الرسول نفسه نصيب في خطابه PageV05P240 ~~دليلا يفرق به بين الحق والباطل والهدى والضلال بل يجعلون الفارق هو ما ~~يختلف باختلاف الناس من أذواقهم وعقولهم # ومعلوم أن هذا نسبة للرسول إلى التلبيس وعدم البيان بل إلى كتمان الحق ~~وإضلال الخلق بل إلى التكلم بكلام لا يعرف حقه من باطله ولهذا كان حقيقة ~~أمرهم الإعراض عن الكتاب والرسول فلا يستفيدون من كتاب الله وسنة رسوله ~~شيئا من معرفة صفات الله تعالى بل الرسول معزول عندهم عن الإخبرا بصفات ~~الله تعالى نفيا وإثباتا وإنما ولايته عندهم في العمليات أو بعضها مع أنهم ~~متفقون على أن مقصوده العدل بين الناس وإصلاح دنياهم # ثم يقولون مع ذلك إنه أخبرهم بكلام عن الله وعن اليوم الآخر صار ذلك ~~الكلام سببا للشر بينهم والفتن والعداوة والبغضاء مع ما فيه عندهم من فساد ~~العقل والدين فحقيقة أمرهم أنه أفسد دينهم ودنياهم وهذا مناقض لقولهم إنه ~~أعقل الخلق وأكملهم أو من أعقلهم وأكملهم وأنه قصد العدل ومصلحة دنياهم # فهم مع قولهم المتضمن للكفر والإلحاد يقولون قولا مختلفا يؤفك عنه من أفك ~~متناقض غاية التناقض فاسد غاية الفساد # وهذا ينكشف PageV05P241 $ الوجه الثامن والعشرين # وهو أن يقال حقيقة قول ms0987 هؤلاء الذين يجوزون أن تعارض النصوص الإلهية ~~النبوية بما يناقضها من آراء الرجال أن لا يحتج بالقرآن والحديث على شيء من ~~المسائل العلمية بل ولا يستفاد التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله فإنه إذا ~~جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح ~~العقل ويجب تقديمه عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول ~~العقل ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل فالإنسان لا يخلو من ~~حالين وذلك لأن الإنسان إذا سمع خطاب الله ورسوله الذي يخبر فيه عن الغيب ~~فإما أن يقدر أن له رأيا مخالفا للنص أو ليس له رأي يخالفه فإن كان عنده ~~مما يسميه معقولا ما يناقض خبر الله ورسوله وكان معقوله هو المقدم قدم ~~معقوله وألغى خبر الله ورسوله وكان حينئذ كل من اقتضى عقله مناقضة خبر من ~~أخبار الله ورسوله قدم عقله على خبر الله ورسوله ولم يكن مستدلا بما أخبر ~~الله به ورسوله على ثبوت مخبره بل ولم يستفد من خبر الله ورسوله فائدة ~~علمية بل غايته أن يستفيد إتعاب قلبه فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني ~~التي لا يدل عليها الخطاب إلا دلالة بعيدة ليصرف إليها اللفظ PageV05P242 # ومعلوم أن المقصود بالخطاب الإفهام وهذا لم يستفد من الخطاب الإفهام فإن ~~الحق لم يستفده من الخطاب بل من عقله والمعنى الذي دل عليه الخطاب الدلالة ~~المعروفة لم يكن المقصود الخطاب إفهامه وذلك المعنى البعيد الذي صرف الخطاب ~~إليه قد كان عالما بثبوته بدون الخطاب ولم يدله عليه الخطاب الدلالة ~~المعروفة بل تعب تعبا عظيما حتى أمكنه احتمال الخطاب له مع أنه لا يعلم أن ~~المخاطب أفاده بالخطاب فلم يكن في خطاب الله ورسوله على قول هؤلاء لا إفهام ~~ولا بيان بل قولهم يقتضي أن خطاب الله ورسوله إنما أفاد تضليل الإنسان ~~وإتعاب الأذهان والتفريق بين أهل الإيمان وحصول العداوة بينهم والشنآن ~~وتمكين أهل الإلحاد والطغيان من الطعن في القرآن والإيمان # وأما إن لم يكن عنده ما ms0988 يعارض النص مما يسمى رأيا ومعقولا وبرهانا ونحو ~~ذلك فإنه لا يجزم بأنه ليس في عقول جميع الناس ما يناقض ذلك الخبر الذي ~~أخبر الله به ورسوله # ومن المعلوم أن الدلالات التي تسمى عقليات ليس لها ضابط ولا هي منحصرة في ~~نوع معين بل ما من أمة إلا ولهم ما يسمونه معقولات # واعتبر ذلك بأمتنا فإنه ما من مدة إلا وقد يبتدع بعض الناس بدعا يزعم ~~أنها معقولات PageV05P243 # ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص ~~بالعقليات فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي والمرجئة والقدرية ~~حدثوا في أواخر عصر الصحابة وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على ~~قولهم لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص # ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم المعارضين للنصوص ~~برأيهم ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة # وأولهم الجعد بن درهم ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بواسط ~~وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم ~~أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول ~~الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه # وإنما صار لهم ظهور وشوكة في أوائل المائة الثالثة لما قواهم من ~~PageV05P244 قواهم من الخلفاء فامتحن الناس ودعاهم إلى قولهم ونصر الله ~~الإيمان والسنة بمن أقامه من أئمة الهدى الذين جعلهم الله أئمة في الدين ~~بما آتاهم الله من الصبر واليقين كما قال الله تعالى @QB@ وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ # والمقصود هنا أن ما تذكره الجهمية نفاة الصفات من العقليات المناقضة ~~للنصوص لم يكن معروفا عند الأمة إذ ذاك ولما ابتدعوه لم يسمعه أكثر الأمة # ثم قد وضعت الجهمية من المعتزلة وغيرهم من ذلك في الكتب ما شاء الله ~~وأكثر المؤمنين لا يعلمون ذلك وما من أحد من النفاة إلا وقد يذكر على النفي ~~من حججه العقلية ما لا يذكره الآخر ولا تجد طائفتين يتفقان على ms0989 طريقة واحدة ~~عقلية بل المعتزلة عمدتهم في النفي أن الصفات أعراض والأعراض لا تقوم إلا ~~بجسم وعمدتهم في نفي الجسم كونه لا ينفك من الحوادث أو كونه مركبا من ~~الأجزاء المفردة فهم يستدلون بالأكوان الأربعة التي للجسم وهي الإجتماع ~~والإفتراق والحركة والسكون على حدوثه # وأما ابن كلاب وأتباعه فينازعونهم في أن الصفات لا تقوم إلا بمحدث ~~ويسلمون لهم أن الأفعال ونحوها من الأمور الاختيارية لا PageV05P245 تقوم ~~إلا بمحدث وكذلك الأشعري وأتباعه ينازعونهم في أن الصفات لا تقوم إلا بجسم ~~وتوافقهم على أن الأفعال لا تقوم إلا بجسم # ومن أتباعهم المتفلسفة من نازعهم في أن الأفعال لا تقوم إلا بجسم # وطوائف غير هؤلاء من الهشامية والكرامية وغيرهم يسلمون لهم أن الصفات ~~والأفعال لا تقوم إلا بجسم وينازعونهم في كون الجسم لا يخلو من الحوادث ~~ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك وقد ~~ينازعونهم في كون كل جسم مركبا من الأجزاء المنفردة # وهذه الطوائف وأمثالها من طوائف أهل الكلام من المسلمين واليهود والنصارى ~~وغيرهم كلهم متفقون على أن الممكن لا يكون إلا جسما أو قائما بجسم ~~ومتنازعون في الواجب # والمتفلسفة المشاءون الذين يثبتون ممكنا ليس بجسم ولا قائم بجسم يقولون ~~إن الجسم الممكن قد يكون قديما أزليا أبديا تحله الحوادث والأعراض وأن ~~الجسم الممكن لا ينفك من الحوادث وليس هو عندهم بمحدث وهو مركب كتركيب ~~الأجسام وهو عندهم قديم أزلي فهذا عندهم لا ينافي القدم والأزلية وإنما ~~ينفون ذلك عن واجب الوجود بناء على أن إثبات الصفات تركيب وواجب الوجود ليس ~~بمركب PageV05P246 # والتركيب الذي يعنيه هؤلاء أعم من التركيب الذي يعنيه أولئك فإن هؤلاء ~~يزعمون أن هنا خمسة أنواع من التركيب يجب نفيها عن الواجب فيقولون ليس له ~~حقيقة سوى الوجود المطلق إذ لو كان له حقيقة سوى ذلك لكان مركبا من تلك ~~الحقيقة # والوجود يثبتونه وجودا مطلقا بشرط الإطلاق أو بشرط النفي أو لا بشرط مع ~~علم كل عاقل أن هذا لا يكون إلا ms0990 في الأذهان لا في الأعيان ويقولون ليس له ~~صفة ثبوتية لا علم ولا قدرة إذ لو كان كذلك لكان مركبا من ذات وصفات # ثم يقولون هو عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق وهو ملتذ ومبتهج وملتذ ~~به مبتهج به وذلك كله شيء واحد فيجعلون الصفة هي الموصوف وهذه الصفة هي ~~الأخرى # ومعلوم أن هذا أكثر تناقضا من قول النصارى ويقولون لا يدخل هو وغيره تحت ~~عموم لئلا يكون مركبا من صفة عامة وخاصة كتركيب النوع من الجنس والفصل أو ~~من الخاصة والعرض العام مع أنهم يقولون الموجود ينقسم إلى واجب وممكن ~~والواجب يتميز عن الممكن بما يختص به ويقولون ليس فوق العالم لأنه لو كان ~~كذلك لكان له جانبان فيكون جسما مركبا من الأجزاء المفردة أو المادة ~~والصورة # ثم أتباع هذه الطوائف يحدثون من الحجج العقلية على قول متبوعهم ~~PageV05P247 ما لم تكن عند متبوعهم فيكونون بزعمهم قد تبين لهم من العقليات ~~النافية ما لم يتبين لمتبوعهم # واعتبر ذلك بما تجده من الحجج لأبي الحسين البصري وأمثاله مما لم يسبقه ~~إليها شيوخه وما تجده لأبي هاشم ولأبي علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد مما ~~لم يسبقهم إليها شيوخهم # بل أبو المعالي الجويني ونحوه ممن انتسب إلى الأشعري ذكروا في كتبهم من ~~الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري ~~وأئمة أصحابهما كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله فإن هؤلاء متفقون على ~~إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليد والاستواء # وليس للأشعري في ذلك قولان بل لم يتنازع الناقلون لمذهبه نفسه في أنه ~~يثبت الصفات الخبرية التي في القرآن وليس في كتبه المعروفة إلا إثبات هذه ~~الصفات وإبطال قول من نفاها وتأول النصوص وقد رد في كتبه على المعتزلة ~~الذين ينفون صفة اليد والوجه والاستواء ويتأولون ذلك بالاستيلاء ما هو ~~معروف في كتبه لمن يتبعه ولم ينقل عنه أحد نقيض ذلك ولا نقل أحد عنه في ~~تأويل هذه الصفات قولين # ولكن لأتباعه فيها قولان فأما هو وأئمة أصحابه فمذهبهم إثبات هذه ms0991 الصفات ~~الخبرية وإبطال ما ينفيها من الحجج العقلية وإبطال تأويل نصوصها ~~PageV05P248 # وابو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات موافقة للمعتزلة والجهمية ثم لهم ~~قولان أحدهما تأويل نصوصها وهو أول قولي أبي المعالي كما ذكره في الإرشاد ~~والثاني تفويض معانيها إلى الرب وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في ~~الرسالة النظامية وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ~~ليس بسائغ ولا واجب # ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول إن العقل الصريح نفى هذه الصفات ومنهم من ~~يقف ويقول ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي لا على إثباتها ولا على نفيها وهي ~~طريقة الرازي والآمدي # وابو حامد تارة يثبت الصفات العقلية متابعة للأشعري وأصحابه وتارة ينفيها ~~أو يردها إلى العلم موافقة للمتفلسفة وتارة يقف وهو آخر أحواله ثم يعتصم ~~بالسنة ويشتغل بالحديث وعلى ذلك مات # وكذلك أبو محمد بن حزم مع معرفته بالحديث وانتصاره PageV05P249 لطريقة ~~داود وأمثاله من نفاة القياس أصحاب الظاهر قد بالغ في نفي الصفات وردها إلى ~~العلم مع أنه لا يثبت علما هو صفة ويزعم أن أسماء الله كالعليم والقدير ~~ونحوهما لا تدل على العلم والقدرة وينتسب إلى الإمام أحمد وأمثاله من أئمة ~~السنة ويدعي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث ويذم الأشعري وأصحابه ذما ~~عظيما ويدعي أنهم خرجوا عن مذهب السنة والحديث في الصفات # ومن المعلوم الذي لا يمكن مدافعته أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل ~~الصفات أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله في ذلك # ثم المتفلسفة الدهرية كالفارابي وابن سينا يزعمون أن العقل يحيل معاد ~~الأبدان فيجب تقديم العقليات على دلالة السمع ويخاطبون من أقر بالمعاد من ~~المعتزلة وموافقيهم في نفي ذلك بما تخاطب به المعتزلة المثبتة الصفات ~~ويقولون لهم قولنا في نصوص المعاد كقولكم في نصوص الصفات PageV05P250 # وهكذا خاطبت القدرية من المعتزلة والشيعة وغيرها لمتكلمة الإثبات في ~~مسألة القدر وقالت القول في النصوص المثبتة للقدر وأن الله خالق أفعال ~~العباد كالقول في نصوص الصفات # وبهذا أجاب ms0992 من أجاب من المعتزلة والشيعة لهؤلاء فقالوا في الجواب عما ~~يحتج به هؤلاء من الحجج السمعية على أن الله خالق أفعال العباد من جهة ~~الجملة ومن جهة التفصيل # أما من جهة الجملة فمن وجوه # أحدها أنه إذا ثبت كونه تعالى عادلا لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب في ~~حكمته وجب أن يكون للآيات التي يتعلقون بها وجوه لا تنافي ما ثبت من ~~الدلالة وإن لم تعلم الوجوه على سبيل التفصيل # وقالوا هذا كما نقول نحن وهم في الآيات التي تتعلق بها المشبهة في كون ~~الله تعالى جسما نحو قوله تعالى @QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ وما يجري مجري ~~ذلك من الآيات التي يفيد ظاهرها التشبيه من أنه إذا ثبت أنه تعالى لا يشبه ~~الأشياء وجب أن يكون لهذه الآيات وجوه تطابق أدلة العقول وإن لم نعلمها على ~~سبيل التفصيل # فهذه الطريق التي سلكها هؤلاء القدرية هي الطريق التي سلكها من وافقهم ~~على نفي الصفات أو بعضها من الجهمية كجهم بن PageV05P251 صفوان وحسين ~~النجار وضرار بن عمرو وغيرهم فإن هؤلاء يثبتون القدر ويوافقون المعتزلة على ~~نفي الصفات # ومن المعلوم أن الحجج العقلية التي يحتج بها المعتزلة والشيعة ليس لها ~~ضابط بل قد سلك أبو الحسين البصري مسلكا خالف فيه شيوخه وادعى أن العلم ~~بإحداثها ضروري # فهذا وأضعافه مما يبين أنه ليس لما يدعى من العقليات التي يقال إنها ~~تناقض النصوص ضابط بل ذلك من باب الوساوس والخطرات التي لا تزال تحدث في ~~النفوس # فإذا جوز المجوز أن يكون لبعض ما أخبر الله به ورسوله معقول صريح يناقضه ~~ويقدم عليه لم يأمن أن يكون كل ما يسمعه من أخبار الله ورسوله من هذا الباب ~~غيته أن يقول ليس عندي من العقليات ما يناقض ذلك أو لم أسمع أو لم أجد ونحو ~~ذلك # وهذا القدر لا ينفي أن يكون في نفس الأمر قضايا عقلية لم تصل إليه بعد ~~وإذا قال العقل لا ينفي ما أقر به # قيل له أتريد بذلك أنك لم تعلم معقولا ينافي ms0993 ذلك أو تعلم أنه ليس يمكن أن ~~يكون في المعقول ما ينافي ذلك إذا جوزت أن يكون في المعقول ما يناقض أخبار ~~الرسول # فإن قلت بالأول لم ينفعك ذلك # وإن قلت بالثاني لم يكن كلامك صحيحا لأنك جوزت أن يكون في المعقول ما ~~يناقض أخبار الرسول PageV05P252 # ومع هذا فالجزم ينفي كل معقول جزم بلا علم بخلاف المؤمن بجميع ما أخبر ~~الله به الذي يجزم بأنه ليس في المعقول ما يناقض منصوص الرسول فإن هذا قد ~~علم ذلك علما يقينا عاما مطلقا # وإذا قال الذي يقر ببعض النصوص دون بعض المضاهي لمن آمن ببعض الكتاب دون ~~بعض الذي نفيته يحيله العقل والذي أقررته لا يحيله العقل بل هو ممكن في ~~العقل # قيل له أتعني بقولك لا يحيله العقل وهو ممكن في العقل الإمكان الذهني أو ~~الخارجي # فإن عنيت الإمكان الذهني بمعنى أنه لم يقم دليل عقلي يحيله فهذا لا ينفي ~~أن يكون في نفس الأمر ما يحيله ولم تعلمه # وإن عنيت به الإمكان الخارجي وهو أنك علمت بعقلك أنه يمكن ذلك في الخارج ~~فهذا لا يتأتى لك في كثير من الأخبار # وهؤلاء الذين يدعون أنهم يقررون إمكان ذلك بالعقل يقول أحدهم هذا لو ~~فرضناه لم يلزم منه محال كما يقول ذلك الآمدي ونحوه أو يقول هذا لا يفضي ~~إلى قلب الأجناس ولا تجوير الرب ولا كذا ولا كذا فيعددون أنواعا محصورة من ~~الممتناعات # ومعلوم أن نفي محالات معدودة لا يستلزم نفي كل محال # وقول القائل لو فرضناه لم يلزم منه محال إن أراد به لآ أعلم أنه يلزم منه ~~محال لم ينفعه PageV05P253 # وإن قال أعلم أنه لا يلزم منه محال فهو لم يذكر دليلا على هذا العلم فما ~~الدليل على أنه علم أنه لا يلزم منه محال # فتبين أن من جوز على خبر الله أو خبر رسوله أن يناقضه شيء من المعقول ~~الصريح لم يمكنه أن يصدق بعامة ما أخبر الله به ورسوله من الغيب لا سيما ~~والأمور الغائبة ليس للمخبرين ms0994 بها خبرة يمكنهم أن يعلموا بعقولهم ثبوت ما ~~أخبر به أو انتقاء جميع ما تتخيله النفوس من المعارضات له # بل إذا كانت الأمور المشاهدة الحسية وما يبني عليها من العلوم العقلية قد ~~وقع فيها شبهات كثيرة عقلية تعارض ما علم بالحس أو العقل وكثير من هذه ~~الشبه السوفسطائية يعسر على كثير من الناس أو أكثرهم حلها وبيان وجه فسادها ~~وإنما يعتصمون في ردها بأن هذا قدح فيما علم بالحس أو الضرورة فلا يستحق ~~الجواب فيكون جوابهم عنها أنها معارضة للأمر المعلوم الذي لا ريب فيه فيعلم ~~أنها باطلة من حيث الجملة وإن لم يذكر بطلانها على وجه التفصيل # ولو قال قائل هذه الأمور المعلومة لا تثبت إلا بالجواب عما يعارضها من ~~الحجج السوفسطائية لم يثبت لأحد علم بشيء من الأشياء إذ لا نهاية لما يقوم ~~بنفوس بعض الناس من الحجج السوفسطائية # فهكذا تصديق خبر الله ورسوله قد علم علما يقينيا أنه صدق PageV05P254 ~~مطابق لمخبره وعلمنا بثبوت جميع ما أخبر به أعظم من علمنا بكل فرد فرد من ~~علومنا الحسية والعقلية وإن كنا جازمين بجنس ذلك فإن حسنا وعقلنا قد يعرض ~~له من الغلط ما يقدح في بعض إدراكاته كالشبه السوفسطائية # وأما خبر الله ورسوله فهو صدق موافق لما الأمر عليه في نفسه لا يجوز أن ~~يكون شيء من أخباره باطلا ولا مخالفا لما هو الأمر عليه في نفسه ويعلم من ~~حيث الجملة أن كل ما عارض شيئا من أخباره وناقضه فإنه باطل من جنس حجج ~~السوفسطائية وإن كان العالم بذلك قد لا يعلم وجه بطلان تلك الحجج المعارضة ~~لأخباره # وهذه حال المؤمنين للرسول الذين علموا أنه رسول الله الصادق فيما يخبر به ~~يعلمون من حيث الجملة أن ما ناقض خبره فهو باطل وأنه لا يجوز أن يعارض خبره ~~دليل صحيح لا عقلي ولا سمعي وأن ما عارض أخباره من الأمور التي يحتج بها ~~المعارضون ويسمونها عقليات أو برهانيات أو وجديات أو ذوقيات أو مخاطبات أو ~~مكاشفات أو مشاهدات أو نحو ms0995 ذلك من الأمور الدهاشات أو يسمون ذلك تحقيقا أو ~~توحيدا أو عرفانا أو حكمة حقيقية أو فلسفة أو معارف يقينية ونحو ذلك من ~~الأسماء التي يسميها بها أصحابها فنحن نعلم علما يقينيا لا يحتمل النقيض أن ~~تلك جهليات PageV05P255 # وضلالات وخيالات وشبهات مكذوبات وحجج سوفسطائية وأوهام فاسدة وأن تلك ~~الأسماء ليست مطابقة لمسماها بل هي من جنس تسمية الأوثان آلهة وأربابا ~~وتسمية مسيلمة الكذاب وأمثاله أنبياء @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ # والمقصود أنه من جوز أن يكون فيما علمه بحسه وعقله حجج صحيحة تعارض ذلك ~~لم يثق بشيء من علمه ولم يبق له طريق إلى التصديق بشيء من ذلك # فهكذا من جوز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله حجج صحيحة تعارض ذلك لم ~~يثق بشيء من خبر الله ورسوله ولم يبق له طريق إلى التصديق بشيء من أخبار ~~الله ورسوله # ولهذا كان هؤلاء المعرضين عن الكتاب المعارضين له سوفسطائية منتهاهم ~~السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات يتأولون كلام الله وكلام رسوله ~~بتأويلات يعلم بالاضطرار أن الله ورسوله لم يردها بكلامه وينتهون في أدلتهم ~~العقلية إلى ما يعلم فساده بالحس والضرورة العقلية # ثم إن فضلاءهم يتفطنون لما بهم من ذلك فيصيرون في الشك والحيرة والارتياب ~~وهذا منتهى كل من عارض نصوص الكتاب PageV05P256 # وإذا كان قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن التصديق الجازم بما أخبر به ~~الرسول حق واجب وطريق هؤلاء تناقضه علم بالضرورة من دين الإسلام أن طريق ~~هؤلاء فاسدة في دين الإسلام وهذه هي طريقة أهل الإلحاد في أسماء الله ~~وآياته # وإذا كان ما أوجب الشك والريب ليس بدليل صحيح وإنما الدليل ما أفاد العلم ~~واليقين وطريق هؤلاء لا يفيد العلم واليقين بل يفيد الشك والحيرة علم أنها ~~فاسدة في العقل كما أنها إلحاد ونفاق في الشرع # وهذا كله بين لمن تدبره والأمر فوق ما أصفه وأبينه وهذا الموضع ms0996 لا يحتمل ~~البسط والإطناب ولا ريب أن موجب الشرع أن من سلك هذه السبيل فإنه بعد قيام ~~الحجة عليه كافر بما جاء به الرسول # ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون ~~به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع وذلك لأن الإيمان إيمان بالله ~~وإيمان للرسول فإن الرسول أخبر عن الله بما أخبر به من أسماء الله وصفاته ~~ففي الإيمان خبر ومخبر به فالإيمان للرسول تصديق خبره والإيمان بما أخبر به ~~والإقرار بذلك والتصديق به # ولهذا كان من الناس من يجعل الكفر بإزاء المخبر به كجحد الخالق وصفاته ~~ومنهم من يجعله بإزاء الخبر وهو تكذيب الرسول # وكلا الأمرين حق فإن الإيمان والكفر يتعلق بهذا وبهذا وكلام PageV05P257 ~~الجهمية نفاة الصفات مناقض لحبر الرسول الصادق ونفي لما هو ثابت لله من ~~صفات كماله # ومما يوضح الأمر في ذلك أنك لا تجد من سلك هذه السبيل وجوز على الأدلة ~~السمعية أن يعارضها معقول صريح ينافيها إلا وعنده ريب في جنس خبر الله ~~ورسوله وليس لكلام الله ورسوله في قلبه من الحرمة ما يوجب تحقيق مضمون ذلك ~~فعلم أن هذا طريق إلحاد ونفاق لا طريق علم وإيمان # ونحن نبين فساد طريق هؤلاء بالطرق الإيمانية والقرآنية تارة وبالأدلة ~~التي يمكن أن يعقلها من لا يستدل بالقرآن والإيمان # وذلك لأنا في مقام المخاطبة لمن يقر بأن ما أخبر به الرسول حق ولكن قد ~~يعارض ما جاء عنه عقليات يجب بقديمها عليه وإذا كنا في مقام بيان فساد ما ~~يعارضون به من العقليات على وجه التفصيل فذلك ولله الحمد هو عينا من أيسر ~~الأمور # ونحن ولله الحمد قد تبين لنا بيانا لا يحتمل النقيض فساد الحجج المعروفة ~~للفلاسفة والجهمية والقدرية ونحوهم التي يعارضون بها كتاب الله وعلمنا ~~بالعقل الصريح فساد أعظم ما يعتمدون عليه من ذلك وهذا ولله الحمد مما زادنا ~~الله به هدى وإيمانا فإن فساد المعارض مما يؤيد معرفة الحق ويقويه وكل من ~~كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف بصحة ms0997 الحق PageV05P258 # ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال إنما تنقض عرى الإسلام عروة ~~عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف يالجاهلية # وهذا حال كثير ممن نشأ في عافية الإسلام وما عرف ما يعارضه ليتبين له ~~فساده فإنه لا يكون في قلبه من تعظيم الإسلام مثل ما في قلب من عرف الضدين # ومن الكلام السائر الضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتبين الأشياء # والاعتبار والقياس نوعان قياس الطرد وقياس العكس فقياس الطرد اعتبار ~~الشيء بنظيره حتى يجعل حكمه مثل حكمه وقياس العكس اعتبار الشيء بنقيضه حتى ~~يعلم أن حكمه نقيض حكمه # وقوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ يتناول الأمرين فيعتبر ~~العاقل بتعذيب الله لمن كذب رسله كما فعل ببني النضير حتى يرغب في نقيض ذلك ~~ويرهب من نظير ذلك فيستعمل قياس الطرد في الرهبة وقياس العكس في الرغبة # ومن أمثلة قياس العكس قياس من يحتج على أن الوتر ليس بواجب فإنه يفعل على ~~الراحلة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم PageV05P259 والواجبات لا تفعل على ~~الراحلة والنوافل تفعل على الراحلة فلما كان مفعولا على الراحلة كان حكمه ~~عكس حكم الفرائض ونقيض حكم الفرائض ومثل حكم النوافل فيقاس بالواجبات قياس ~~العكس وبالنوافل قياس الطرد # وكذلك إذا قيل دم السمك طاهر لأنه لو كان نجسا لوجب سفحه بالتذكية لأن ~~الدماء النجسة يجب سفحها بالتذكية فلما لم يجب سفحه كان حكمه نقيض حكمها ~~وكان ملحقا بالرطوبات الطاهرة التي لا تسفح # وفي الحقيقة فكل قياس يجتمع فيه قياس الطرد والعكس فقياس الطرد هو الجمع ~~والتسوية بينه وبين نظيره وقياس العكس هو الفرق والمخالفة بينه وبين مخالفة ~~فالقايس المعتبر ينظر في الشيء فيلحقه بما يماثله لا بما يخالفه ويبين له ~~حكمه في اعتباره بهذا وهذا # والمقصود هنا أن معرفة ما يعارض الكتاب والمرسلين كنبوة مسيلمة ونحوه من ~~الكذابين وأقاويل أهل الإلحاد الذين يعارضون بعقولهم وذوقهم ما جاء به ~~الرسول كلما ازداد العارف معرفة بها وبما جاء به الرسول تبين له صدق ما جاء ~~به ms0998 الرسول وبيانه وبرهانه وبطلان هذه وفسادها وكذبها كما إذا قدر مفتيان أو ~~قاضيان أو محدثان أحدهما يتكلم بعلم وعدل والآخر بجهل وظلم فإنه كلما ~~اعتبرت أحدهما بالآخر ظهرت PageV05P260 الحقيقة الفارقة بينهما وكذلك ~~الصانعان اللذان أحدهما قادر ناصح والآخر عاجز غاش وكذلك التاجران اللذان ~~أحدهما صادق أمين والآخر كاذب خؤون وكذلك المتوليان اللذان أحدهما قوى أمين ~~والآخر عاجز خائن وأمثال ذلك # فنحن ولله الحمد قد تبين لنا من فساد الأقاويل المعارضة لقول الرسول ما ~~ليس هذا المقام مقام تفصيله فإنه يحتاج أن نتكلم في كل مسألة من مسائل ~~الدين ونستوفي حجج المبطلين فيها ونتبين فسادها وليس هذا موضع استيفاء ذلك # وإنما المقصود بيان فساد القانون الزائغ الذي يقدمون به مذاهبهم المبتدعة ~~على المنصوص من كلام الله ورسوله وهم قد وضعوا عبارات مجملة مشتبهة لبسوا ~~بها على كثير ممن عنده إيمان بالله ورسوله من كبار أهل العلم والدين وأولئك ~~لم يعرفوا حقيقة ما في تلك الأقوال من الإلحاد فقبلوها ممن ابتدعها من أهل ~~النفاق # كما قال الله تعالى عن المنافقين @QB@ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم @QE@ بين سبحانه أن ~~المنافقين لو خرجوا في غزوة ما زادوا المؤمنين إلا خبالا ولأوضعوا أي ~~أسرعوا خلالهم أي بينهم يطلبون لهم الفتنة وفي المؤمنين من يقبل منهم وهم ~~السماعون لهم أي يستجيبون لهم ليس المراد من ينقل الأخبار إليهم كما يظنه ~~بعض الناس # بل هذا نظير قوله @QB@ سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك @QE@ ~~PageV05P261 أي يسمعون الكذب فيقبلونه ويصدقونه ويسمعون لقوم آخرين لم ~~يأتوك فيستجيبون لهم فبين أنهم يصدقون الكذب ويستجيبون لمن يخالف الرسول # وأما من ظن أن المراد بقوله @QB@ سماعون لهم @QE@ أنهم جواسيس لمن غاب ~~وأخذ حكم الجاسوس من هذه الآية فقد غلط فإن ما كان يظهره النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى يسمعه المنافقون واليهود لم يكن مما يكتمه حتى يكون نقله جسا ~~عليه وإنما المراد أنهم سماعون الكذب أي يصدقون به سماعون أي مستجيبون لقوم ms0999 ~~آخرين مخالفين للرسول وهذه حالة كل من خرج عن الكتاب والسنة فإنه لابد أن ~~يصدق الكذب فيكون من السماعين للكذب ولابد أن يستجيب لغير الله والرسول ~~فيكون سماعا لقوم آخرين لم يتبعوا الرسول # وهؤلاء لهم نصيب من قوله تعالى @QB@ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ~~ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا @QE@ يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا @QB@ ~~لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا @QE@ وقوله ~~@QB@ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ~~@QE@ وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا @QB@ ربنا ~~آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ فتبين أن أصل طريق من يعارض ~~[ النصوص ] النبوية برأيه PageV05P262 وعقله هي طريق أهل النفاق والإلحاد ~~وطريق أهل الجهل والارتياب لا طريق ذي عقل ولا ذي دين # كما قال تعالى @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا ~~كتاب منير @QE@ # وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان ~~مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير @QE@ # فإنه قد يقال هذه حال كل من عارض آيات الله بمعقوله فإنه لا علم عنده إذ ~~ذلك المعارض وإن سماه معقولا فإنه جهل وضلال فليس بعلم ولا عقل ولا هدى إذ ~~لا إيمان عنده ليكون مهتديا فإن المهتدين الذين على هدى من ربهم هم مؤمنون ~~بما جاء به الرسول ولا كتاب منير فإن الكتاب المنير لا يناقض كتاب الله # وهؤلاء المعارضون ليس عندهم لا علم ولا إيمان ولا قرآن فهم يجادلون في ~~آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير # واسم العلم يتناول هذا وهذا لكن هو من باب عطف الخاص على العام ولهذا ذكر ~~تارة وحذف أخرى # وذلك أنه قد يقال إنه سبحانه ذكر ثلاثة أصناف صنف يجادل PageV05P263 في ~~الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد مكتوب عليه إضلال من تولاه وهذه حال ~~المتبع لمن يضله # وصنف يجادل في الله بغير علم ولا ms1000 هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن ~~سبيل الله وهذه حال المتبوع المستكبر الضال عن سبيل الله # ثم ذكر حال من يعبد الله على حرف وهذه حال المتبع لهواه الذي إن حصل له ~~ما يهواه من الدنيا عبد الله وإن أصابه ما يمتحن به في دنياه ارتد عن دينه ~~فهذه حال من كان مريضا في إرادته وقصده وهي حال أهل الشهوات والأهواء # ولهذا ذكر الله ذلك في العبادة التي أصلها القصد والإرادة وأما الأولان ~~فحال الضال والمضل وذلك مرض في العلم والمعرفة وهي حال أهل الشبهات والنظر ~~الفاسد والجدال بالباطل فإنه تعالى يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب ~~العقل الكامل عند حلول الشهوات ولا بد للعبد من معرفة الحق وقصده # كما قال @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين @QE@ فمن لم يعرفه كان ضالا ومن علم ولم يتبعه كان ~~مغضوبا عليه # كما أن أول الخير الهدى ومنتهاه الرحمة والرضوان فذكر سبحانه ما ~~PageV05P264 يعرض في العلم من الضلال والإضلال وما يعرض في الإرادة من ~~اتباع الأهواء كما جمع بينهما في قوله @QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ # فقال أولا @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم @QE@ وكل من جادل في ~~الله بغير هدى ولا كتاب منير فقد جادل بغير علم أيضا فنفي العلم يقتضي نفي ~~كل ما يكون علما بأي طريق حصل وذلك ينفي أن يكون مجادلا بهدي أو كتاب منير ~~لكن هذه حال الضال المتبع لمن يضله فلم يحتج إلى تفصيل فبين أنه يجادل بغير ~~علم ويتبع كل شيطان مريد كتب على ذلك الشيطان أنه من تولاه فإنه يضله ~~ويهديه إلى عذاب السعير # وهذه حال مقلد أئمة الضلال بين [ أهل ] الكتاب وأهل البدع فإنهم يجادلون ~~في الله بغير علم ويتبعون من شياطين الجن والإنس من يضلهم # ثم ذكر حال المتبوع الذي يثنى عطفيه تكبرا كما قال @QB@ وإذا تتلى عليه ~~آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها @QE@ وقال ms1001 @QB@ فلا صدق ولا صلى @QE@ ~~ولكن كذب وتولى @QB@ ثم ذهب إلى أهله يتمطى @QE@ # وهذا النوع يجادل ليضل عن سبيل الله وجداله بغير علم أيضا ولكن فصل حاله ~~فبين أنه لا يجادل بهدى كإيمان المؤمن ولا بكتاب PageV05P265 منير كالجدال ~~بكتاب منزل من السماء فليس معه علم من هذا الطريق ولا من غيرها # كما قال تعالى @QB@ فلا صدق ولا صلى @QE@ وكل من لم يصدق لم يصل # وقال تعالى @QB@ لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع ~~الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين @QE@ # وقال تعالى @QB@ إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين ~~@QE@ # ومثل هذا كثير قد ينفى الشيء الذي نفيه يستلزم نفي غيره لكن تذكر تلك ~~اللوازم على سبيل التصريح للفرق بين دلالة اللوازم ودلالة المطابقة كما قد ~~ذكرنا نحو ذلك في قوله @QB@ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق @QE@ وأن ~~كل من لبس بالباطل فلا بد أن يكتم بعض الحق وبينا أن هذا ليس من باب النهي ~~عن المجموع المقتضى لجواز أحدهما ولا من باب النهي عن فعلين متباينين حتى ~~لا يعاد فيه حرف النفي بل هو من باب النهي عن المتلازمات كما يقال لا تكفر ~~وتكذب بالرسول ولا تجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير # والمقصود أن كل من عارض كتاب الله بمعقوله أو وجده أو ذوقه PageV05P266 ~~وناظر على ذلك فقد جادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ليضل عن ~~سبيل الله فإن كتاب الله هو سبيل الله # ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الصراط المستقيم بكتاب الله وفسره ~~بالإسلام كلاهما مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ففي حديث النواس بن ~~سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى ~~جنبتي الصراط سوران وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع ~~من فوق الصراط وداع على رأس الصراط فالصراط المستقيم هو الإسلام والسوران ~~حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله والداعي على رأس الصراط ms1002 كتاب الله ~~والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم فإذا أراد العبد أن يفتح بابا ~~من تلك الأبواب دعاه الداعي يا عبد الله لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه رواه ~~الإمام أحمد والترمذي وصححه # ومن المعلوم أن من أعظم المحارم معارضة كتاب الله بما يناقضه ويقدم ذلك ~~عليه # وفي حديث علي رضي الله عنه الذي رواه الترمذي وأبو نعيم من عدة ~~PageV05P267 طرق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ستكون فتن قلت فما ~~المخرج منها يا رسول [ الله ] فقال كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما ~~بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ~~ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو ~~الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيع به الأهواء ولا تختلف به الآراء ولا ~~تلتبس به الألسن ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ولا تشبع منه ~~العلماء من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى ~~صراط مستقيم # وبسط الكلام على مثل هذا يطول جدا وإنما نبهنا هنا على أصله $ الوجه ~~التاسع والعشرون # أن يقال العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له ومعلوم أنه إذا كان اللزوم ~~من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم ومن نفي اللازم نفى ~~الملزوم فكيف إذا كان التلازم من الجانبين PageV05P268 # فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج فيلزم من ثبوت هذا اللازم ثبوت هذا ~~ومن نفيه نفيه ومن ثبوت الملازم الآخر ثبوت ذلك ومن نفيه نفيه # وهذا هو الذي يسميه المنطقيون الشرطي المتصل ويقولون استثناء عين المقدم ~~ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم فإذا كان التلازم ~~من الجانبين كان استثناء عين كل من المتلازمين ينتج عين الآخر واستثناء ~~نقيض كل منهما ينتج نقيض الآخر # وبيان ذلك هاهنا أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عرف صحة الشرع كما ~~قد ذكروا هم ذلك وقد ms1003 تقدم أنه ليس المراد بكونه أصلا له أنه أصل في ثبوته ~~في نفسه وصدقه في ذاته بل هو أصل في علمنا به أي دليل لنا على صحته # فإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده وهو ملزوم للمدلول عليه ~~فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه ولا يجب عكسه فلا يلزم من عدم ~~الدليل عدم المدلول عليه # وهذا كالمخلوقات فإنها آية للخالق فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق ولا يلزم ~~من وجود الخالق وجودها PageV05P269 # وكذلك الآيات الدالات على نبوة النبي وكذلك كثير من الأخبار والأقيسة ~~الدالة على بعض الأحكام يلزم من ثبوتها ثبوت الحكم ولا يلزم من عدمها عدمه ~~إذ قد يكون الحكم معلوما بدليل آخر اللهم إلا أن يكون الدليل لازما للمدلول ~~عليه فيلزم من عدم اللازم عدم الملزوم وإذا كان لازما له أمكن أن يكون ~~مدلولا له إذ المتلازمان يمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر مثل الحكم ~~الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي فإنه يلزم من عدم دليله عدمه # وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله إذا لم ينقل لزم من عدم نقله ~~عدمه ونقله دليل عليه وإذا كان من المعقول ما هو دليل على صحة الشرع لزم من ~~ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في نفس الأمر # لكن نحن إذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بصحة الشرع إلا ذلك العقل لزم من ~~علمنا بالشرع علمنا بدليله العقلي الدال عليه ولزم من علمنا بذلك الدليل ~~العقلي علمنا به فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه # وهذا هو معنى كون النظر يفيد العلم وهذا التلازم فيه قولان قيل إنه بطريق ~~العادة التي يمكن خرقها وقيل بطريق اللزوم الذاتي الذي لا يمكن انفصاله ~~كاستلزام العلم للحياة والصفة لموصوف ما وكاستلزام جنس العرض لجنس الجوهر ~~لامتناع ثبوت صفة وعرض بدون موصوف وجوهر # والمقصود هنا أنه إذا كان صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي فإنه ~~PageV05P270 يلزم من علمنا بصحة الشرع علمنا بالدليل العقلي ms1004 الدال عليه ~~ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة الشرع # وهكذا الأمر في كل ما لا يعلم إلا بالدليل ويلزم أيضا من ثبوت ذلك الدليل ~~المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل # وإذا كان العلم بصحة الشرع لازما للعلم بالمعقول الدال عليه وملزوما له ~~ولازما لثبوت ذلك المعقول في نفس الأمر كما أن ثبوت ذلك المعقول في نفس ~~الأمر مستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم ~~فضلا عن تعارض المتلازمين فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ~~ثبوت أحدهما انتفاء الآخر كالضدين والنقيضين # والمتلازمان يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه فكيف ~~يمكن أن يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين أو متضادين # ولفظ التنافي والتضاد والتناقض والتعارض ألفاظ متقاربة في أصل اللغة وإن ~~كانت تختلف فيها الاصطلاحات فكل مضاد فهو مستلزم للتناقض اللغوي # ولهذا يسمى أهل اللغة أحد الضدين نقيض الآخر وكل تعارض فهو PageV05P271 ~~مستلزم للتناقض اللغوي لأن أحد الضدين ينقض الآخر أي يلزم من ثبوته عدم ~~الآخر كما يلزم من ثبوت السواد انتفاء البياض # والنقيضان في اصطلاح كثير من أهل النظر هما اللذان لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان والضدان لا يجتمعان لكن قد يرتفعان # وفي اصطلاح آخرين منهم هما النفي والإثبات فقط كقولك إما أن يكون وإما أن ~~لا يكون # ولهذا يقولون التناقض اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق ~~إحداهما كذب الأخرى فالتناقض في عرف أولئك أعم منه في عرف هؤلاء فان ما لا ~~يجتمعان ولا يرتفعان قد يكونان ثبوتيين وقد يكونان عدميين وقد يكونان ثبوتا ~~وانتفاء ولو كان أحدهما وجودا والآخر عدما فقد يعبر عنهما بصيغة الإثبات ~~التي لا تدل بنفسها على التناقض الخاص كما إذا قيل للموجود إما أن يكون ~~قائما بنفسه وإما أن يكون قائما بغيره وإما أن يكون واجبا بنفسه وإما أن ~~يكون ممكنا بنفسه وإما أن يكون قديما وإما أن يكون محدثا ونحو ذلك فمن ~~المعلوم أن تقسيم ms1005 الموجود إلى قائم بنفسه وغيره وواجب وممكن وقديم ومحدث ~~تقسيم حاصر كتقسيم المعلوم إلى الثابت والمنفي PageV05P272 وهذان القسمان ~~لا يجتمعان ولا يرتفعان كما أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان وأما ~~أهل اللغة فالنقيضان عندهم أعم من هذا كله كالمتنافيين فكل ما نفى أحدهما ~~الآخر فقد نقضه وأزاله وأبطله فيسمونه نقيضه # وللمتفلسفة المشائين اصطلاح أخر في المتقابلين في السلب و الايجاب يسمونه ~~تقابل العدم والملكة وهو نفي الشيء عما من شأنه أن يكون قابلا له كنفي ~~السمع والبصر والكلام عن الحيوان فإنه يسمى عمى وصمما وبكما لأن الحيوان ~~يقبل هذا وهذا بخلاف 0 نفى ذلك عن الجماد كالجدار فانه لا يسمى في اصطلاحهم ~~عمى ولا صمما ولا بكما لأن الجدار لا يقبل ذلك # ثم إنهم تذرعوا بذلك إلى سلب النقيضين عن الخالق تعالى فاحتج السلف ~~والأئمة وأهل الإثبات بأن الخالق سبحانه لو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام ~~ونحو ذلك من صفات الكمال لوجب أن يوصف بما يقابل ذلك من الصمم والعمى ~~والبكم ونحو ذلك من صفات النقص # فقال لهم هؤلاء العمى والبصر والبكم ( والكلام ) متقابلان تقابل العدم ~~والملكه مهم وهو سلب الشيء عما من شأنه أن ( يكون ) قابلا له كالحيوان فأما ~~مالا يقبل ذلك كالجماد فلا يوصف بعمى ولا ( بصر ولا كلام ) ولا بكم ولا سمع ~~ولا صمم ولا حياة ولا موت والجواب عن هذا من وجوه PageV05P273 أحدها أن ~~يقال هذا اصطلاح لكم وإلا فما ليس بحي يسمى ميتا كما قال تعالى @QB@ والذين ~~يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها @QE@ وقال @QB@ اعلموا أن الله ~~يحيي الأرض بعد موتها @QE@ والثاني أن مالا يقبل صفات الكمال أنقص مما ~~يقبلها ولم يتصف بها فان الجماد أنقص من الحيوان الأعمى الأصم الأبكم فإذا ~~كان اتصافه بصفات النقص مع إمكان اتصافه بصفات الكمال نقصا وعيبا يجب ~~تنزيهه عنه فعدم قبوله لصفات الكمال أعظم نقصا وعيبا ولهذا كان منتهى أمر ~~هؤلاء تشبيهه بالجمادات ثم ms1006 بالمعدومات ثم بالممتنعات # الثالث أن النفس عدم الحياة والعلم والقدرة نقص لكل ما عدم عنه ذلك سواء ~~فرض قابلا أو غير قابل بل ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله كما أن نفس الحياة ~~والعلم والقدرة صفات كمال فنفس وجود هذه الصفات كمال ونفس عدمها نقص سواء ~~سمى موتا وجهلا وعجزا أو لم يسم وكذلك السمع والبصر والكلام كمال وعدم ذلك ~~نقص وقد بسط الكلام على ذلك في مواضع بسطا لا يليق بهذا الموضع PageV05P274 # وإذا تبين أن الدليل العقلي الذي به يعلم صحة الشرع مستلزم للعلم بصحة ~~الشرع ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر وعلمنا الشرع يستلزم العلم بالدليل ~~العقلي الذي قيل إنه أصل للشرع وإن العلم بصحة الشرع موقوف عليه وليس ثبوت ~~الشرع في نفسه مستلزما لثبوت ذلك الدليل العقلي في نفس الأمر علم أن ثبوت ~~الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر وأن ثبوت الشرع ~~في علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي إن قيل إنه ممكن أن تعلم صحته بغير ذلك ~~الدليل وإلا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين # وإذا كان كذلك كان القدح في الشرع قدحا في دليله العقلي الدال على صحته ~~بخلاف العكس فكان القدح في الشرع قدحا في هذا العقل وليس القدح في هذا ~~العقل مستلزما للقدح في الشرع مطلقا وأما ما سوى المعقول الدال على صحة ~~الشرع فذلك لا يلزم من بطلانه بطلان الشرع كما لا يلزم من صحته صحة الشرع # فتبين أنه ليس في المعقولات ما يجب تقديمه على الشرع لكونه أصلا للشرع ~~لأن المقدم عليه ان لم يكن هو المعقول الدال عليه فليس هو أصلا له فلا يجب ~~تقديمه عليه بهذا الاعتبار وان كان هو المعقول الدال عليه امتنع أن يكون ~~صحيحا مع بطلان الشرع لأن صحته مستلزمة لصحة الشرع وإلا لم يكن دليلا عليه # وثبوت الملزوم بدون اللازم محال فمن قدم العقل على الشرع فقد PageV05P275 ~~قدح في العقل والشرع جميعا وهو حال الذين قالوا ( لو كنا ms1007 نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير ) # وإذا قال القائل ونحن إنما قدحنا في القدر الذي خالف العقل من الشرع لم ~~نقدح في كل الشرع # قيل ومن قدم الشرع إنما قدح في ذلك القدر مما يقال إنه عقل لم يقدح في كل ~~عقل ولا في العقل الذي هو أصل يعلم به صحة الشرع وإنما قلنا مما يقال إنه ~~عقل لأنه ليس بمعقول صحيح وإن سماه أصحابه معقولا # فإن من خالف الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس معه لا عقل صريح ولا نقل ~~صحيح وإنما غايته أن يتمسك بشبهات عقلية أو نقلية كما يتمسك المشركون ~~والصابئون من الفلاسفة وغيرهم بشبهات عقلية فاسدة وكما يتمسك أهل الكتاب ~~المبدل المنسوخ بشبهات نقلية فاسدة # قال الله تعالى @QB@ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات @QE@ # وقال تعالى @QB@ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام ~~بل هم أضل سبيلا @QE@ # ولهذا كان من قدم العقل على الشرع لزمه بطلان العقل والشرع ومن قدم الشرع ~~لم يلزمه بطلان الشرع بل سلم له الشرع PageV05P276 # ومعلوم أن سلامة الشرع للإنسان خير له من أن يبطل عليه العقل والشرع ~~جميعا وذلك لأن القائل الذي قال العقل أصل الشرع به علمت صحته فلو قدمنا ~~عليه الشرع للزم القدح في أصل الشرع يقال له ليس المراد بكونه أصلا له أنه ~~أصل في ثبوته في نفس الأمر بل هو أصل في علمنا به لكونه دليلا لنا على صحة ~~الشرع # ومعلوم أن الدليل مستلزم لصحة المدلول عليه فإذا قدر بطلان المدلول عليه ~~لزم بطلان الدليل فإذا قدر عند التعارض أن يكون العقل راجحا والشرع مرجوحا ~~بحيث لا يكون خبره مطابقا لمخبره لزم أن يكون الشرع باطلا فيكون العقل الذي ~~دل عليه باطلا لأن الدليل مستلزم للمدلول عليه فإذا انتفى المدلول اللازم ~~وجب انتفاء الدليل الملزوم قطعا ولهذا يمتنع أن يقوم دليل صحيح على باطل بل ~~حيث كان المدلول باطلا لم يكن الدليل عليه إلا باطلا # أما إذا قدم الشرع كان المقدم ms1008 له قد ظفر بالشرع ولو قدر مع ذلك بطلان ~~الدليل العقلي لكان غايته أن يكون الإنسان قد صدق بالشرع بلا دليل عقلي ~~وهذا مما ينتفع به الإنسان بخلاف من لم يبق عنده لا عقل ولا شرع فإن هذا قد ~~خسر الدنيا والآخرة فكيف والشرع يمتنع أن يتناقض العقل المستلزم لصحته ~~وإنما يتناقض شيئا آخر ليس هو دليل صحته بل ولا يكون صحيحا في نفس الأمر ~~PageV05P277 # وأيضا فلو قدر أنه ناقض دليلا خاصا عقليا يدل على صحته فالأدلة العقلية ~~الدالة على صحة الشرع متنوعة متعددة فلا يلزم من بطلان واحد منها بطلان ~~غيره بخلاف الشرع المدلول عليه فانه إذا قدر بطلانه لزم بطلان جميع ما يدل ~~عليه من المعقولات # وأيضا فإن هؤلاء المعارضين للشرع بالعقل هم يدعون في معقولات معينة أنهم ~~عرفوا بها الشرع كدعوى الجهمية و المعتزلة ومن وافقهم أن الشرع إنما تعلم ~~صحته بالدليل الدال على حدوث الأجسام المبني على أن الأجسام مستلزمة ~~للأعراض والأعراض حادثة لامتناع حوادث لا أول لها # وهذا الدليل يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العلم بصدق الرسول ليس ~~موقوفا عليه لأن الذين آمنوا بالله ورسوله وشهد لهم القرآن بالايمان من ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم باحسان لم يستدلوا ~~على صدق الرسول بهذا الدليل # وحينئذ فلو قدر أن هذا الدليل صحيح لم يلزم من عدم الاستدلال به بطلان ~~الإيمان بالرسول بل يمكن الاستدلال على صدق الرسول بالأدلة الأخرى كالأدلة ~~التي استدل بها السلف وجماهير الأمة # وحينئذ فإذا قدر أن هذا المعقول المعين مناقض لخبر الرسول لم يلزم من ~~تقديم خبر الرسول عليه القدح في أصل السمع الذي لا يعلم إلا به فكيف إذا ~~كان هذا الدليل باطلا PageV05P278 # فإنه حينئذ لا يجوز أن يعتمد عليه في إثبات شيء ولا نفيه فثبت أنه على كل ~~تقدير لا يجب تقديمه على الشرع # ومن زعم من أهل الكلام أنه لا طريق إلى معرفة الصانع وصدق رسوله إلا هذا ~~فإنه من أجهل الناس شرعا وعقلا # وأما الشرع فقد ms1009 علم أن السابقين الأولين لم يستدلوا به وأما العقل فإن ~~قول القائل إنه لا دليل إلا هذا قضية كلية سالبة وشهادة على النفي العام ~~وأنه ليس لأحد من بني آدم علم يعلم به صدق الرسول إلا هذا وهذا مما لم ~~يقيموا عليه دليلا بل لا يمكن أحد العلم بهذا النفي لو كان حقا فكيف إذا ~~كان باطلا # وكذلك جميع ما يعارضون به الشرع من العقليات فإنها لا تخلو من أمرين إن ~~كانت صحيحة فلم ( تصح ) الدلالة في ذلك المسلك العقلي ولا يلزم من بطلانه ~~بطلان دليل الشرع إذا كان للشرع أدلة عقلية تدل عليه غير ذلك المعين العقلي ~~وان كانت باطلة فهي من العقليات الباطلة وليست أصلا للشرع فيجب أن يعرف ~~معنى كون العقل أصلا للشرع أن المراد به أنه دليل # ونحن قد بينا أن كل ما عارض الشرع من العقليات فليس هو دليلا صحيحا فضلا ~~عن أن يكون هو الدليل على صحة الشرع ولكن قبل أن نبين ذلك نقول معلوم أنه ~~لا ينحصر الدال على صحة الشرع PageV05P279 # في دليل عقلي خاص بل غيره من الأدلة العقلية يدل على الشرع وحينئذ فلا ~~يلزم من بطلان ذلك الدليل العقلي بطلان أصل الشرع فكيف إذا كان ذلك الدليل ~~باطلا فإن قيل نحن إذا قدمنا العقل لم يبطل الشرع بل نفوضه أو نتأوله # قيل إن لم يكن الشرع دالا على نقيض ما سميتموه معقولا فليس هو محل النزاع ~~وإن كان الشرع دالا فتفويضه تعطيل لدلالة الشرع وذلك إبطال له وإذا دل ~~الشرع على شيء فالإعراض عن دلالته كالإعراض عن دلالة العقل # فلو قال القائل أنا قد علمت مراد الشارع وأما المعقول فأفوضه لأني لم ~~أفهم صحته ولا بطلانه فما أنا جازم بمخالفته لما دل عليه الشرع وقد رأيت ~~المدعين للمعقولات مختلفين فما أنا واثق بهذا المعقول المناقض للشرع كان ~~هذا أقرب من قول من يقول إن الله ورسوله لم يبين الحق بل تكلم بباطل يدل ~~على الكفر ولم يبين مراده فان المقدم للمعقول ms1010 عند التعارض لا بد أن يقول إن ~~الشرع يدل على خلاف العقل إما نصا وإما ظاهرا # وإلا فإذا لم يكن له دلالة بحال تخالف العقل امتنعت المعارضة وحينئذ ~~فحقيقة قوله إن الله ورسوله أظهر ما هو باطل وضلال PageV05P280 وكفر ومحال ~~ولم يبين الحق ولا هدى الخلق وإنما الخلق عرفوا الحق بعقولهم # والمقدم للشرع يقول إن الله ورسوله بين المراد وهدي العباد وأظهر سبيل ~~الرشاد ولكن هؤلاء المخالفون له ضلوا وأضلوا وهم الذين قال الله فيهم @QB@ ~~وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ فأنا أطعن فيما خالفوا به ~~الرسول ونبذوا به كتاب الله وراء ظهورهم وخالفوا به الكتاب والسنة والإجماع ~~لا أطعن في العقليات الصحيحة الصريحة الدالة على أن الرسول صادق بلغ البلاغ ~~المبين فإن هذه المعقولات يمتنع معها أن يكون الرسول هو الرسول الذي وصفوه # فهذا القائل قد صدق بالمعقول الصريح والمنقول الصحيح وصدق بموجب الأدلة ~~العقلية والنقلية # وأما ذاك القائل فإنه لم يتقبل بموجب الدليل العقلي الدال على صدق الرسول ~~وتبليغه وبيانه وهداه للخلق ولا قام بموجب الدليل الشرعي الذي دل عليه ما ~~دل عليه نصا أو ظاهرا بل طعن في دلالة الشرع وفي دلالة العقل الذي يدل على ~~صحة الشرع # فتبين أن ذلك المقدم للشرع هو المتبع للشرع وللعقل الصحيح دون هذا الذي ~~ليس معه لا سمع ولا عقل # ومما يوضح هذا أن ما به عرف صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ~~الله تعالى وأنه لا يكون فيه كذب ولا خطأ يدل على PageV05P281 ثبوت ذلك كله ~~لا يميز بين خبر وخبر بل الدليل الدال على صدقه يقتضي ثبوت جميع ما أخبر به ~~وإذا كان ذلك الدليل عقليا فهذا الدليل العقلي يمنع ثبوت بعض أخباره دون ~~بعض فمن أقر ببعض ما أخبر به الرسول دون بعض فقد أبطل الدليل العقلي الدال ~~على صدق [ الرسول وقد ] أبطل الشرع فلم يبق معه لا عقل ولا شرع # وهذا حال من آمن ببعض الكتاب دون بعض قال تعالى @QB@ إن ms1011 الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا @QE@ # ولا ريب أن [ من ] قدم على كلام الله ورسوله ما يعارضه من معقول أو غيره ~~وترك ما يلزمه من الإيمان به كما آمن بما يناقضه فقد آمن ببعض وكفر ببعض # وهذا حقيقة حال أهل البدع كما في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية لأحمد ~~بن حنبل وغيره من وصفهم بأنهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على ~~مخالفة الكتاب # وقوله مختلفون في الكتاب يتضمن الاختلاف المذموم PageV05P282 المذكور في ~~قوله تعالى @QB@ وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ # وأما الاختلاف المذكور في قوله تعالى @QB@ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه ~~بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ~~ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله ~~يفعل ما يريد @QE@ فهذا الاختلاف يحمد فيه المؤمنون ويذم فيه الكافرون # وأما الاختلاف في الكتاب الذي يذم فيه المختلفون كلهم فمثل أن يؤمن هؤلاء ~~ببعض دون [ بعض ] وهؤلاء ببعض دون بعض كاختلاف اليهود والنصارى وكاختلاف ~~الثنتين وسبعين فرقة # وهذا هو الاختلاف المذكور في قوله تعالى @QB@ ولا يزالون مختلفين إلا من ~~رحم ربك @QE@ وفي قوله تعالى @QB@ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ~~فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء @QE@ فأغرى بينهم ~~العداوة والبغض بسبب ما تركوه من الإيمان بما أنزل عليهم PageV05P283 # وهذا هو الوصف الثاني فيما تقدم من قول أحمد مخالفون للكتاب فإن كلا منهم ~~يخالف الكتاب # وأما قوله بأنهم متفقون على مخالفة الكتاب فهذا إشارة إلى تقديم غير ~~الكتاب على الكتاب كتقديم معقولهم وأذواقهم وآرائهم ونحو ذلك على الكتاب ~~فإن هذا اتفاق منهم على مخالفة الكتاب # ومتى تركوا الاعتصام بالكتاب والسنة فلابد أن يختلفوا فإن الناس ms1012 لا يفصل ~~بينهم إلا كتاب منزل من السماء كما قال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ~~بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ # وكما قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة ~~من النار فأنقذكم منها @QE@ PageV05P284 # ومن العجائب أنك تجد أكثر الغلاة في عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم أبعد ~~الطوائف عن تصديق خبره وطاعة مره وذلك مثل الرافضة والجهمية ونحوهم ممن ~~يغلون في عصمتهم وهم مع ذلك يردون أخباره وقد اجتمع كل من آمن بالرسول على ~~أنه معصوم فيما يبلغه عن الله فلا يستقر في خبره خطأ كما لا يكون فيه كذب ~~فإن وجود هذا وهذا في خبره يناقض مقصود الرسالة ويناقض الدليل الدال على ~~أنه رسول الله # وأما ما لا يتعلق بالتبليغ عن الله من أفعاله فللناس في العصمة منه نزاع ~~وتفصيل ليس هذا موضعه ومتنازعون في أن العصمة من ذلك هل تعلم بالعقل أو ~~بالسمع بخلاف العصمة في التبليغ فإنه متفق عليه معلوم بالسمع والعقل ومقصود ~~التبليغ تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر فمن كان من أصله أن الدلالة ~~السمعية لا تفيد اليقين أو أنه يقدم رأيه وذوقه على خبر الرسول لم ينتفع ~~بإثبات عصمته المتفق عليها فضلا عن موارد النزاع من العصمة بل هم معظمون ~~للرسول في غير مقصود الرسالة وأما مقصود الرسالة فلم يأخذوه عنه وصاروا في ms1013 ~~ذلك كالنصارى مع المسيح عليه السلام الذي أرسل إليهم فلم يتلقوا عنه الدين ~~الذي بعث به بل غلوا فيه غلوا صاروا مشركين به لا مؤمنين به # وكذلك الغالية في الأنبياء وأهل البيت والمشايخ تجدهم مشركين بهم لا ~~متبعين لهم في خبرهم وأمرهم فخرجوا عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله PageV05P285 # وهؤلاء يعزلون الأنبياء والرسل في أنفسهم عن الولاية التي ولاهم الله ~~إياها باتفاق المسلمين ويعتقدون أنه ولاهم ولاية لو كانت حقا لم ينفعهم ذلك ~~فكيف إذا كانوا كاذبين مشركين # ولهذا تجد فيهم من تحريف نصوص الأنبياء التي أخبروا بها عن الله وملائكته ~~وكتبه ورسله ما يناقض مقصود أخبارهم $ الوجه الثلاثون # أن هذا الذي ذكرناه يفيد أن الشرع لا يمكن أن يخالفه العقل الدال على ~~صحته بل هما متلازمان في الصحة وهذا القدر لا يمكن مؤمن بالله ورسوله أن ~~ينازع فيه بل لا ينازع مؤمن بالله ورسوله أن العقل لا يناقض في نفس الأمر ~~لكن الذي تقوله الجهمية والقدرية وغيرهم من أهل البدع أن تصديق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مبني على الأدلة النافية للصفات والقدر كما يقولونه من أن ~~صدق الرسول موقوف على قيام المعجزة الدالة على صدقه وقيام المعجزة موقوف ~~على أن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة وذلك موقوف على أن فعل الله قبيح ~~والله لا يفعل القبيح وتنزيهه عن فعل القبيح موقوف على أنه غني عنه عالم ~~بقبحه والغني عن القبيح العالم بقبحه لا يفعله PageV05P286 وغناه عنه موقوف ~~على أنه ليس بجسم وكونه ليس بجسم موقوف على نفي صفاته وأفعاله لأن الموصوف ~~بالصفات والأفعال جسم ونفى ذلك موقوف على ما دل على حدوث الجسم فلو بطل ~~الدال على حدوث الجسم بطل ما دل على صدق الرسول # وأيضا فالدال على حدوث الجسم هو الدال على حدوث العالم وإثبات الصانع ~~تعالى فإذا بطل ذلك بطل الدليل الدال على إثبات الصانع فصار العلم بإثبات ~~الصانع وتصديق الرسول موقوفا على نفي الصفات والأفعال فإذا جاء في الشرع ms1014 ما ~~يدل على إثبات الصفات والأفعال لم يمكن القول بموجبه لأن ذلك ينافي دليل ~~الصدق بل يعلم من حيث الجملة أن الرسول لم يرد به إثبات الصفات والأفعال ~~إما لكذب الناقل عنه أو لعدم دلالة اللفظ على الإثبات أو لعدم قصده الإثبات # ثم إما أن نقدر احتمالات يمكن حمل اللفظ عليها وإن لم يعين المراد وإما ~~أن نعرض عن هذا ونقول لا نعلم المراد # فهذا أصل قولهم ومن وافقهم في نفي بعض الصفات أو الأفعال قال بما يناسب ~~مطلوبة من هذا الكلام فحقيقة قولهم إنه لا يمكن التصديق بكل ما في الشرع بل ~~لا يمكن تصديق البعض إلا بعدم تصديق البعض الآخر # وحينئذ فدليلهم العقلي ليس دالا على صدق الرسول إلا على هذا الوجه فلا ~~يمكنهم قبول ما يناقضه من نصوص الكتاب والسنة # PageV05P287 وحينئذ فيقال لهم لا نسلم أن مثل هذا هو الأصل الذي به علم ~~صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بل هذا معارضة لقول الرسول بما لا يدل على ~~صدقه فبطل قول من يقول إنا إذا قدمنا الشرع كان ذلك طعنا في أصله # وهذه المقدمات التي ذكروها عامتها ممنوعة ويتبين فسادها بما هو مبسوط في ~~مواضع آخر # وإذا قال أحدهم نحن لا نعلم صدق الرسول إلا بهذا أو لا نعلم دليلا يدل ~~على صدق الرسول إلا هذا # قيل لا نسلم صحة هذا النفي وعدم العلم ليس علما بالمعدوم وأنتم مكذبون ~~لبعض ما جاء به الشرع وتدعون أنه لا دليل على صدق الرسول سوى طريقكم فقد ~~جمعتم بين تكذيب ببعض الشرع وبين نفي لا دليل عليه فخالفتم الشرع بغير حجة ~~عقلية أصلا # وإذا قال أحدهم فما الدليل على صدق الرسول غير هذا # قيل في هذا المقام لا يجب بيانه وإن كنا نبينه في موضع آخر بل يكفينا رد ~~المنع ونحن نعلم بالاضطرار أن سلف الأمة وأئمتها كانوا مصدقين للرسول بدون ~~هذا الطريق # يوضح هذا أن المعارضين الذين يقولون بتقديم العقل على الشرع قد اعترف ~~حذاقهم بما يبين أن الشرع ms1015 ليس مبنيا على معقول يعارض شيئا منه وبيان ذلك في ~~PageV05P288 $ الوجه الواحد والثلاثون # وهو أن نقول قد ذكر أبو عبد الله الرازي في أجل كتبه نهاية العقول ما ~~ذكره غيره من أهل الكلام فقال الرازي المطالب على ثلاثة أقسام منها ما ~~يستحيل العلم بها بواسطة السمع ومنها ما يستحيل العلم بها إلا من السمع ~~ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى أما القسم الأول ~~فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع مثل ~~العلم بوجود الصانع وكونه مختارا وعالما بكل المعلومات وصدق الرسول ~~PageV05P289 # أما العلم بحدوث العالم فذلك ما لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم ~~بصحته لأنه يمكننا أن نثبت الصانع المختار بواسطة حدوث الأعراض أو بواسطة ~~إمكان الأعراض على ما سيأتي تفصيل القول فيه ثم نثبت كونه عالما بكل ~~المعلومات ومرسلا للرسل ثم نثبت بأخبار الرسول حدوث العالم # قال وبهذا يتبين خطأ قول من زعم أن أول الواجبات القصد إلى النظر الصحيح ~~المفضي إلى العلم بحدوث العالم # قلت هذا القول الذي خطأه الرازي هو الذي ذكره أبو المعالي في أول الإرشاد ~~كما ذكره طوائف من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم وهو قول من وافقه على هذا من ~~المنتسبين إلى الأشعري وقالوا إن العلم بحدوث العالم لا يمكن إلا بالعلم ~~بحدوث الأجسام ولا يمكن ذلك إلا بحدوث الأعراض وليس هذا قول الأشعري وأئمة ~~أصحابه فإن PageV05P290 إثبات الصانع عندهم لا يتوقف على هذه الطريق بل قد ~~صرح الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر هو وغيره بأن هذا الطريق ليس هو طريق ~~الأنبياء وأتباع الأنبياء بل هي محرمة في دينهم ولكن الأشعري لا يبطل هذه ~~الطريق بل يقول هي مذمومة في الشرع وإن كانت صحيحه في العقل وسلك هو طريقه ~~مختصر من هذا وهو إثبات حدوث الإنسان بأنه مستلزم للحواذث وما لا يخلو من ~~الحوادث فهو حادث ووافقهم على أن المعلوم حدوثه هو الأعراض كالاجتماع ~~والافتراق وأن ما يخلق من الحيوان والنبات والمعادن ms1016 إنما تحدث أعراضه لا ~~جواهره # وكذلك الخطابي وطائفة معه ممن يذم هذه الطريقة الكلامية التي ذمها ~~الأشعري يوافقون على صحتها مع ذمهم لها # وأما جمهور الأئمة والعقلاء فهي عندهم باطلة وهذا مما يعلم معناه كل من ~~له نظر واستدلال إذا تأمل حال سلف الأمة وأئمتها وجمهورها فإنهم كلهم ~~مؤمنون بالله ورسوله ولم يكونوا يبنون الإيمان على إثبات حدوث الأجسام بل ~~كل من له أدنى علم بأحوال الرسول والصحابة يعلم أنهم لم يجعلوا العلم ~~بتصديقه مبنيا على القول بحدوث الأجسام بل ليس في الكتاب ولا السنة ولا قول ~~أحد من السلف والأئمة ذكر القول بحدوث الأجسام ولا إمكانها فضلا عن أن يكون ~~فيها أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بذلك وقد بسط الكلام على هذا في ~~مواضع # والمقصود هنا أن القول بأن أول الواجبات هو سلوك النظر في PageV05P291 ~~هذه الطريقة هو في الأصل قول الجهمية والمعتزلة وإن وافقهم عليه طائفة ~~غيرهم وهذه طريقة المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وأمثالهم # وهم متنازعون في أن أول الواجبات النظر المفضي إلى العلم بحدوث العالم أو ~~القصد إلى النظر أو الشك السابق على القصد على ثلاثة أقوال لهم معروفة # وقد اعترف الجمهور الذين خالفوا هؤلاء بأن إثبات الصانع لا يتوقف على هذه ~~الطريق بل ولا حدوث العالم # وقد ذكر الرازي أن الطرق التي بها يثبت العلم بالصانع خمس طرق الأول ~~الاستدلال بحدوث الذوات كالاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض ~~كالحركة والسكون وامتناع ما لا نهاية له وهذا طريق أكثر المعتزلة ومن ~~وافقهم من الأشعرية كابي المعالي وأمثاله # الثاني الاستدلال بإمكان الأجسام وهذه عمدة الفلاسفة وهو مبني على أن ~~الأجسام ممكنة لكونها مركب PageV05P292 # قلت وهذا مبني على توحيد ابن سينا ومن وافقه من الفلاسفة المتضمن نفي ~~الصفات # وجماهير العقلاء من المسلمين واليهود والنصارى والفلاسفة القدماء ~~والمتأخرين يقدحون في موجب هذا الدليل وليس هو طريقة أرسطو وقدماء الفلاسفة ~~ولا طريقة ابن رشد وأمثاله من المتأخرين بل هذا المسلك عند جمهور العالم من ms1017 ~~أعظم الأقوال فسادا في الشرع والعقل وأما المسلك الأول فهو أيضا عند جمهور ~~أهل الملل وجمهور الفلاسفة باطل مخالف للشرع والعقل # والمسلك الثالث الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت ~~الأجسام واجبة أو قديمة أو ممكنة وحادثه وهو مبني على تماثل الأجسام وهو ~~باطل عند أكثر العقلاء وهو مبني على مقدمتين إحداهما أن اختصاص كل جسم بما ~~له من الصفات لا يكون إلا لسبب منفصل # والثانية أن ذلك السبب لا يكون إلا مخصصا ليس بجسم قلت وهاتان المقدمتان ~~قد عرف نزاع العقلاء فيهما وما يرد عليهما من النقض والفساد ومخالفة أكثر ~~الناس لموجبهما PageV05P293 # قال المسلك الرابع الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود الصانع ~~كصيرورة النطفة إنسانا فهذا حادث والعبد غير قادر عليه فلا بد له من فاعل ~~آخر لافتقار المحدث إلى المحدث إما لأن ذلك معلوم بالضرورة كما يقوله جمهور ~~العقلاء وإما لإثبات ذلك بالإمكان وإما لإثباته بالقياس على ما يحدثه ~~العباد # قال والفرق بين الإستدلال بإمكان الصفات وبين الإستدلال بحدوثها أن الأول ~~يقتضي أن لا يكون الفاعل جسما والثاني لا يقتضي ذلك # قال والطريق الخامسة وهي عائدة إلى الأربعة الاستدلال بما في العالم من ~~الإحكام والإتقان على علم الفاعل والذي يدل على علمه هو بالدلالة على ذاته ~~أولى # قلت طريقة الاستدلال بما يشاهد حدوثه جاء بها القرآن واتفق عليها السلف ~~والأئمة وقد اعترفوا بأن هذه الطريق تفضى إلى العلم PageV05P294 بإثبات ~~الفاعل ولا تقتضي كون الفاعل ليس بجسم وكذلك طريقة العلم لا تقتضي ذلك ~~بخلاف الطرق الثلاثة المتقدمة # وإذا تبين ذلك فيقول القائل إذا علمنا إثبات الصانع بهذه الطريق التي ~~اعترفتم بأنه يمكن العلم بإثبات الصانع وصدق رسله بها وليس فيها ما يقتضي ~~أن الفاعل ليس بجسم لم يكن في الأدلة الشرعية المثبتة لصفات الله تعالى ~~وأفعاله ما يناقض هذه الطريق لأن غاية ما يقوله النفاة أن إثبات الأفعال ~~والصفات أو بعض ذلك يقتضي كون الموصوف الفاعل جسما وإثبات الصانع مبني على ~~الدليل النافي لكونه جسما فلو قلنا بموجب ms1018 النصوص تقديما لها على الدليل ~~العقلي النافي للجسم لكنا قد قدمنا الشرع على أصله العقلي # فإذا كان قد تبين أن إثبات الشرع المبني على إثبات الصانع وصدق الرسول لا ~~يتوقف على نفي الجسم علم بالضرورة أن الشرع المثبت للصفات والأفعال لا ~~ينافي الدليل العقلي الذي به عرف إثبات ذلك فبطل قول من يدعي أنه قد يتعارض ~~الدليل الشرعي المثبت لذلك وأصله العقلي النافي لذلك وهذا بين واضح ولله ~~الحمد # فإن قالوا هب أن هذا الدليل العقلي الذي به يعرف صحة الشرع لا يعارضه ~~الدليل الشرعي المثبت للصفات والأفعال لكن غيره من الأدلة العقلية ينافي ~~ذلك كان الجواب عنه من وجوه PageV05P295 # أحدها أن المقصود بيان أن الشرع يمكن معرفة صدقه بدليل عقلي لا يعارض ~~موجب الشرع وأما ما سوى ذلك من الأدلة فليس على الرجل أن يستدل بها والشيء ~~إذا علمت صحته بدليل عقلي لم يجب أن تعلم صحته بكل دليل فقد تبين أنه يمكن ~~الرجل أن يصدق بما أخبر به الشارع من أسماء الله وصفاته وأفعاله كإثبات ~~العلو لله والصفات الخبرية من غير أن يعارض ذلك ما يكون أصلا للعلم بصحة ~~السمع من الأدلة العقلية فتكون المعارضة بتلك الطريق التي يقال إنها عقلية ~~معارضة بطرق لا يتوقف العلم بصحة السمع عليها فلا يلزم من تقديم الشرع ~~عليها القدح في الأصل الذي به عرفت صحة الشرع وهذا هو المطلوب # الوجه الثاني أن يقال تلك الطرق لم تدل على صحة الشرع مطلقا وإنما دلت ~~على صدق الشارع فيما يخبر عنه من غير الصفات والأفعال التي تنفيها تلك ~~الطرق وحينئذ فلا تكون دالة على صدق الرسول مطلقا # ومعلوم أن دليل الإيمان لابد أن يدل على أن الرسول صادق في كل ما يخبر به ~~مطلقا من غير تقييد بقيد فمتى كان الدليل إنما دل على صدقه بشرط أن لا ~~يعارضه موجب ذلك الدليل صار مضمونه أن الرسول مصدق فيما لا يخالفني فيه ~~وليس مصدقا فيما يخالفني فيه # ومعلوم أن هذا ليس إقرارا بصحة الرسالة ms1019 فإن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف ~~شيئا من الحق ولا يخبر بما تحيله العقول وتنفيه PageV05P296 لكن يخبر بما ~~تعجز العقول عن معرفته فيخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول # ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة التي رواها عبدوس ابن مالك ~~العطار قال ليس في السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول # هذا قوله وقول سائر أئمة المسلمين فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لا تدركه كل الناس بعقولهم ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا ~~عن الرسول ولا يجوز أن يعارض بالأمثال المضروبة له فلا يجوز أن يعارضه ~~الناس بعقولهم ولا يدركونه بعقولهم فمن قال للرسول أنا أصدقك إذا لم تخالف ~~عقلي أو أنت صادق فيما لم تخالف فيه الدليل العقلي فإن كان يجوز على الرسول ~~أن يخالف دليلا عقليا صحيحا لم يكن مؤمنا به وإن قدم على كلامه دليلا عقليا ~~ليس PageV05P297 بصحيح لم يكن مؤمنا به فامتنع أن يصح الإيمان بالرسول صلى ~~الله عليه وسلم مع هذا الشرط # الوجه الثالث أن تلك الطرق إذا أمكن العلم بصدق الرسول بدونها لم يكن ~~العلم بالشرع محتاجا إليها وحينئذ فإذا عارضت الشرع كان المعارض له دليلا ~~أجنبيا كما لو عارضه من كذبه واحتج على أنه كاذب # ولا ريب أن هذا من باب المعارضة للرسول والقدح فيما جاء به كمعارضة ~~المكذبين للرسل وحينئذ فيكون جوابه بما يجاب به أمثاله من الكفار الملحدين ~~الطاعنين فيما جاء به الرسول أو في بعضه لا يكون جوابه ما يجاب به المؤمنون ~~بالرسول الذي يقرون أنه لا يقول على الله إلا الحق # الوجه الرابع أنا لا نسلم صحة شيء من تلك الطرق حتى تكون دليلا يصلح أن ~~يعارض به شيء من الأدلة لا العلمية ولا الظنية ولا العقلية ولا غيرها فضلا ~~عن أن يعارض بها كلام المعصوم الذي لا يقول إلا حقا وبيان فساد تلك الوجوه ~~العقلية النافية للصفات والأفعال أو بعض ذلك مذكور بتفصيله في غير هذا ~~الموضع # الوجه الخامس ms1020 أن يقال لا ريب أن النصوص دلت على إثبات الصفات والأفعال ~~لله تعالى ولم تتعرض للجسم بنفي ولا إثبات والنفاة إنما ينفون ما ينفونه ~~بناء على أن الإثبات يستلزم كون الموصوف جسما والعقل ينفي أن يكون جسما ~~وأدلتهم على نفي الجسم إما دليل الإمكان وإما دليل الحدوث فليس لهم ما يخرج ~~عن هذا PageV05P298 # وحينئذ فيقال إما أن يقال وهذا إثبات ما أثبته الدليل الشرعي من الصفات ~~والأفعال موجب لكون الموصوف بذلك ممكنا وحادثا وأن استلزام ذلك للحدوث أو ~~الإمكان معلوم بالأدلة العقلية كما يقوله النفاة وإما أن لا يقال ذلك # فإن لم يقل ذاك أو قيل ليس في الأدلة العقلية ما يدل على ذلك لم يكن ~~معارضا # وإن قيل بل ذلك يدل في العقل على أن الموصوف ممكن أو حادث فحينئذ إما أن ~~نفسد ذلك الدليل المعارض على وجه التفصيل وإما أن يقال قد علم بالعقل صدق ~~الرسول وعلم أنه أثبت هذه الصفات والأفعال فالنافي لها لا يجوز أن يكون ~~دليلا صحيحا لأن تعارض الأدلة الصحيحة ممتنع وحينئذ فكل من كان أعلم بدلالة ~~الشرع على الإثبات وبضعف أدلة النفاة كان أعلم بهذا الكلام فيكون العلم ~~بفساد هذه المعارضات تارة بطريق إجمالي وتارة بطريق تفصيلي كما يعلم فساد ~~الحجج السوفسطائية فإن من علم الشيء علما يقينيا علم قطعا فساد ما يناقضه ~~وإن لم يعلم تفصيل فساد تلك الحجج فمن علم صدق الرسول وأنه أخبر بأمر علم ~~قطعا أنه لا يقوم دليل قطعي على نفيه # الوجه السادس أن هؤلاء الذين يرون تقديم عقولهم على كلام الله ورسوله ~~عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو والصفات الخبرية ونحو ذلك مما جاء به ~~الكتاب والسنة PageV05P299 # وهؤلاء يقولون علمنا بأن الرسول أخبر بالعلو وبهذه الصفات علم ضروري من ~~دينه أبلغ من علمنا بثبوت اللعان والشفعة وحد القذف وسجود التلاوة والسهو ~~ونحو ذلك # وإذا كان ذلك معلوما بالاضطرار من دين الإسلام لم يمكن أن يقال إن الرسول ~~لم يخبر به بل لا يمكن إلا أحد أمرين إما ms1021 تكذيب الرسول وإما رد هذه ~~المعارضات المبتدعة # قالوا وعلمنا بصدق الرسول علم يقيني لا ريب يتخلله فالشبه القادحة في ذلك ~~كالشبه القادحة في العلوم العقلية اليقينية وهذه من جنس شبه السوفسطائية ~~فنحن نعلم فسادها من حيث الجملة من غير خوض في التفصيل # ولا ريب أن هذا الأصل مستقر في قلب كل مؤمن بالله ورسوله فإن أهل الإلحاد ~~قد يذكرون له شبهات يقدحون بها فيما جاء به الرسول في مواضع كثيرة وقد لا ~~يكون للمؤمن خبرة بالمناظرة في ذلك لعدم العلم بعباراتهم ومقاصدهم في ~~كلامهم كمن يتكلم بلفظ الجسم و الجوهر و الحيز والهيولي و المادة و الصورة ~~و الكلي و الجزئي و الماهية ونحو ذلك عند من ليس له خبرة بهذه الأوضاع ~~والاصطلاحات ويؤلفها تأليفا يتضمن القدح فيما أخبر الله به ورسوله فإن ~~المؤمن يعلم فساد ذلك مجملا وإن لم يعرف وجه فسادها لا سيما إذا لم يكن ~~خبيرا بطرق PageV05P300 المناظرة وترتيب الأدلة وكيف يفسد المتعارض ~~بالممانعة في موضعها والمعارضة في موضعها ونحو ذلك مما يبين به فساد ~~الأقوال الباطلة المعارضة للحق # وقول هؤلاء لنفاة الصفات نظير قول كل من آمن باليوم الآخر للملاحدة ~~النفاة إذا قالوا قد قام الدليل العقلي على نفي المعاد مطلقا أو نفي الأكل ~~والشرب والنكاح ونحو ذلك في الجنة أو على نفي معاد البدن والنصوص المعارضة ~~لذلك إما أن تأول وإما أن تفوض فإن المؤمنين بالآخرة من أهل الكلام وغيرهم ~~قالوا لهم نحن نعلم ثبوت المعاد بالاضطرار من دين الإسلام فلا يمكن دفع ~~العلوم الضرورية فلو لم يكن المعاد حقا لزم إما جحد كون الرسول أخبر به ~~وإما جحد صدقه فيما أخبر وكلاهما ممتنع وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به ~~وعلم أنه لا يخبر إلا بحق علم بالضرورة أن المعاد حق # وهذا بعينه يقوله مثبتو الصفات والأفعال للنفاة حذو القذة بالقذة فإن ~~هؤلاء النفاة للصفات المثبتين للمعاد هم بين المؤمنين بالجميع كالسلف ~~والأئمة وبين الملاحدة المنكرين للصفات والمعاد فالملاحدة تقول لهم قولنا ~~في نفي ms1022 المعاد كقولكم في نفي الصفات فلا يستدل بالشرع على هذا ولا على هذا ~~لمعارضة العقل له والمؤمنون بالله ورسوله يقولون لهم قولنا لكم في الصفات ~~كقولكم للملاحدة في المعاد PageV05P301 # فإذا قلتم للملاحدة إثبات المعاد معلوم بالاضطرار من دين الرسول # قلنا لكم وإثبات الصفات والعلو والأفعال معلوم بالاضطرار من دين الرسول # وقد تقدم من كلام الملاحدة كابن سينا ونحوه ما يبين ذلك وكل من تدبر كلام ~~السلف والأئمة في هذا الباب علم أن الجهمية النفاة للصفات كانوا عند السلف ~~والأئمة من جملة الملاحدة الزنادقة # ولهذا لما صنف الإمام أحمد ما صنفه في ذلك سماه الرد على الزنادقة ~~والجهمية وكذلك ترجم البخاري آخر كتاب الصحيح بكتاب التوحيد والرد على ~~الزنادقة والجهمية # وقال عبد الله بن المبارك إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن ~~نحكي كلام الجهمية وقال يوسف بن أسباط وابن المبارك أصول البدع أربعة ~~الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية قيل والجهمية فقالا ليست الجهمية من أمة ~~محمد ونقل مثل ذلك عن الزهري أنه قال ليس الجعدي من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم # وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية PageV05P302 ما ~~الجهمية عندنا من أهل القبلة بل هؤلاء الجهمية أفحش زندقة وأظهر كفرا وأقبح ~~تأويلا لكتاب الله ورد صفاته من الزنادقة الذين قتلهم علي وحرقهم بالنار # قال والزنادقة والجهمية أمرهما واحد ويرجعان إلى معنى واحد ومراد واحد ~~وليس قوم أشبه بقوم منهم بعضهم ببعض # قال ولو كان جهم وأصحابه في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكبار التابعين لقتلوهم كما قتل علي الزنادقة التي ظهرت في عصره ولقتلوا ~~كما قتل أهل الردة ألا ترى أن الجعد بن درهم أظهر بعض رأيه في زمن خالد بن ~~عبد الله القسري فزعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا ~~فذبحه خالد بواسط PageV05P303 يوم عيد الأضحى على رؤوس من حضره من المسلمين ~~لم يعبه به عائب ولم يطعن عليه طاعن بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه # وكذلك ms1023 لو ظهر هؤلاء في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ~~سبيلهم عند القوم إلا القتل كسبيل أهل الردة وكما قتل علي من ظهر منهم في ~~عصره وأحرقه وظهر بعضهم بالمدينة في عهد سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ~~عوف فأشار على والى المدينة يومئذ بقتله # قال ويكفي العاقل من الحجج في إكفارهم ما تأولنا فيه من كتاب الله وروينا ~~فيه عن علي وابن عباس وما فسرنا من واضح كفرهم وفاحش مذهبهم وسنروي عن بعض ~~من ظهر ذلك بين أظهرهم من العلماء # ثنا محمد بن المعتمر السجستاني وكان من أوثق أهل PageV05P304 سجستان ~~وأصدقهم عن زهير بن نعيم البابي أنه سمع سلام بن أبي مطيع يقول الجهمية ~~كفار # وسمعت محمد بن المعتمر يقول سمعت زهير بن نعيم يقول سئل حماد بن زيد وأنا ~~معه في سوق البصرة عن بشر المريسي فقال ذلك كافر # قال عثمان بن سعيد وبلغني عن يزيد بن هارون أنه قال الجهمية كفار وقال ~~حرضت أهل بغداد غير مرة على قتل المريسي ثنا يحيى الحماني ثنا الحسن بن ~~الربيع سمعت ابن المبارك يقول من زعم أن قوله @QB@ إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا @QE@ مخلوق فهو كافر سمعت محبوب بن موسى الأنطاكي يذكر أنه سمع ~~وكيعا يكفر الجهمية قال وحدثت عن سفيان الثوري عن حماد بن أبي سليمان أنه ~~أكفر من زعم أن القرآن مخلوق وسمعت الربيع بن نافع أبا توبة يكفر الجهمية ~~PageV05P305 # وحدثنا الزهراني أبو الربيع قال كان من هؤلاء الجهمية رجل وكان الذي يظهر ~~من حاله الترفض وانتحال حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال رجل ممن ~~خالطه ويعرف مذهبه قد علمت أنكم لا ترجعون إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه ~~فما الذي حملكم على الترفض وانتحال حب علي قال إذا أصدقك إنا إن أظهرنا ~~رأينا الذي نعتقده رمينا بالكفر والزندقة وقد وجدنا أقواما ينتحلون حب علي ~~ويظهرونه ثم يقعون بمن شاءوا ويعتقدون ما شاءوا فيقولون ما شاءوا فنسبوا ~~بذاك إلى ms1024 الترفض والتشيع فلم نر لمذهبنا أمرا ألطف من انتحال حب هذا الرجل ~~ثم نقول ما شئنا ونعتقد ما شئنا ونقع بمن شئنا فلأن يقال إنا رافضه وشيعة ~~أحب إلينا من أن يقال زنادقة وكفار وما علي عندنا بأحسن حالا من غيره ممن ~~نقع بهم # قال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي وصدق هذا الرجل فيما PageV05P306 عبر ~~عن نفسه ولم يراوغ وقد استبان لي ذلك من بعض كبرائهم ونظرائهم أنهم يستترون ~~بالتشيع يجعلونه تسبيبا لكلامهم وخطائهم وسلما وذريعة لاصطياد الضعفاء وأهل ~~الغفلة ثم يبذرون بين ظهراني خطئهم بذر كفرهم وزندقتهم ليكون أنجع في قلوب ~~الجهال وأبلغ فيهم ولئن كان أهل الجهل في شك من أمرهم إن أهل العلم منهم ~~على يقين # قلت قد قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره من أئمة السنة هما صنفان فاحذورهما ~~الجهمية والرافضة # وهذا الذي حكاه عثمان بن سعيد عن هذا الرجل هو لسان حال أئمة الجهمية ~~المتشيعة كالقرامطة الباطنية من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم وهم رؤوس ~~الملاحدة وأئمتهم وقد دخل كثير من إلحادهم على كثير من الشيعة والمتكلمين ~~من المعتزلة والنجارية والضرارية والأشعرية والكرامية ومن أهل التصوف ~~والفقه والحديث والتفسير والعامة # لكن عامة هؤلاء لا يعتقدون الزندقة بل يقرون بنبوة النبي صلى الله ~~PageV05P307 عليه وسلم لكن دخل فيهم نوع من الإلحاد وشعبة من شعب النفاق ~~والزندقة أضعف إيمانهم وحصل في قلوبهم نوع شك وشبهة في كثير مما جاء به ~~الرسول مع تصديقهم للرسول # وتجدهم في هذا الباب في حيرة واضطراب وشك وارتياب لم يحققوا ما ذكره الله ~~تعالى في قوله @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ ولكن ليس كل ~~من دخل عليه شعبة من شعب النفاق والزندقة فقبلها جهلا أو ظلما يكون كافرا ~~منافقا في الباطن بل قد يكون معه من الإيمان بالله ورسوله ما يجزيه الله ~~عليه ولا يظلم ربك أحدا # قال أبو سعيد عثمان بن سعيد والزندقة أكبر في نفوس أهل العلم من ms1025 الإرتداد ~~ومن كفر اليهود والنصارى ولذلك قال ابن المبارك لأن أحكي كلام اليهود ~~والنصارى أحب إلي من أن أحكي كلام الجهمية حدثناه الحسن بن الصباح البغدادي ~~عن علي بن شقيق عن ابن المبارك قال أبو سعيد وصدق ابن المبارك إن في كلامهم ~~ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى PageV05P308 # قال أبو سعيد وذهبت يوما أحكي ليحيى بن يحيى كلام الجهمية لأستخرج منه ~~نقضا عليهم وفي مجلسه يومئذ الحسين بن عيسى البسطامي وأحمد بن حريش القاضي ~~ومحمد بن رافع وأبو قدامة السرخسي فيما أحسب وغيرهم من المشايخ فزبرني بغصب ~~وقال اسكت وأنكر علي المشايخ الذين في مجلسه استعظاما أن أحكي كلام الجهمية ~~وتشنيعا عليهم فكيف بمن يحكي كلامهم ديانة ثم قال يحيى القرآن كلام الله ~~فمن شك فيه أو زعم أنه مخلوق فهو كافر # قلت وكلام السلف والأئمة في تكفير الجهمية وبيان أن قولهم يتضمن التعطيل ~~والإلحاد كثير ليس هذا موضع بسطه # وقد سئل عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط عنهم فأجابا بما تقدم # وقد تبين أن الجهمية عندهم من نوع الملاحدة الذين يعلم بالاضطرار أن ~~قولهم مخالف لما جاءت به الرسل بل إنكار صفات الله أعظم إلحادا في دين ~~الرسل من إنكار معاد الأبدان فإن إثبات الصفات لله أخبرت به الرسل أعظم مما ~~أخبرت بمعاد الأبدان PageV05P309 # ولهذا كانت التوراة مملوءة من إثبات صفات الله وأما ذكر المعاد فليس هو ~~فيها كذلك حتى قد قيل إنه ليس فيها ذكر المعاد # والقرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذكر الأكل ~~والشرب والنكاح في الجنة والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظم ~~قدرا من آيات المعاد فأعظم آية في القرآن آية الكرسي المتضمنة لذلك # كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لأبي بن كعب أتدري أي آية في كتاب الله أعظم قال @QB@ الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم @QE@ فضرب بيده في صدره وقال ليهنك العلم أبا ms1026 ~~المنذر # وأفضل سورة سورة أم القرآن كما ثبت ذلك في حديث أبي سعيد بن المعلي في ~~الصحيح قال له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم ينزل في التوراة ولا في ~~الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها PageV05P310 وهي السبع المثانى ~~والقرآن العظيم الذي أوتيته وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظم مما فيها ~~من ذكر المعاد # وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه أن @QB@ قل هو الله ~~أحد @QE@ تعدل ثلث القرآن PageV05P311 # وثبت في الصحيح أنه بشر الذي كان يقرأها ويقول إني لأحبها لأنها صفة ~~الرحمن بأن الله يحبه فبين أن الله يحب من يحب ذكر صفاته سبحانه وتعالى ~~وهذا باب واسع # الوجه السابع أن يبين أن الفطرة التي فطر الله عليها عباده والعلوم ~~الضرورية التي جعلها في قلوبهم توافق ما أخبر به الرسول من علو الله على ~~خلقه ونحو ذلك فالمعقول الضروري الذي هو أصل العلوم النظرية موافق للأدلة ~~الشرعية مصدق لها لا مناقض معارض لها # الوجه الثامن أن يقال الإرادات والقصود الضرورية التي تضطر العباد عندما ~~يضطرون إلى أن يطلبوا من الله قضاء الحاجات وتفريج الكربات موافقة لما أخبر ~~به الرسول لا معارضة لذلك # الوجه التاسع أن يقال الأدلة العقلية البرهانية المؤلفة من المقدمات ~~اليقينية هي موافقة لخبر الرسول لا معارضة له ومن كان له خبرة بالأدلة ~~العقلية وتأليفها وتأمل أدلة المثبتة والنفاة رأى بينهما من الفرق أعظم مما ~~بين القدم والفرق فإن أدلة الإثبات أدلة صحيحة مبنية على مقدمات يقينية ~~خالصة من الشبهة وأما حجج PageV05P312 النفاة فجميعها مبناها على ألفاظ ~~مجملة متشابهة ومعان مشتابهة ولهذا متى وقع الاستفسار والتفصيل لمجمل ~~كلامهم ووقع البيان والتفصيل لمشتبه معانيهم تبين لكل عاقل فاهم أن النفاة ~~جمعوا بين المختلفات وفرقوا بين المتماثلات وسووا بين الشيئين اللذين هما ~~في غاية التباين لاشتراكهما في بعض الصفات # ولهذا كان مآل أمرهم إلى أن جلعوا الوجود واحدا فجعلوا وجود الخالق رب ~~العالمين الذي لا يماثله شيء من الموجودات بوجه ms1027 من الوجوه ومباينته لكل ~~موجود أعظم من مباينة كل موجود لكل موجود 0 هو وجود أحقر المخلوقات وأصغر ~~المخلوقات أو مماثلا له لاتفاقهما في مسمى الوجود أو مسمى الذات أو الحقيقة ~~وصار أئمتهم النظار في هذه المسألة التي هي أول ما ينبغي لذى النظر أن ~~يعرفه في حيرة عظيمة فهذا يقول الوجود واحد لاشتراك الموجودات في مسمى ~~الوجود ولا يميز بين الواحد بالعين والواحد بالنوع أو الجنس اللغوي # وهذا يقول وجوده وجود مطلق إما بشرط الإطلاق وإما مطلقا لا بشرط وإما ~~بشرط سلب جميع الأمور الثبوتية عنه وهذا يمتنع ثبوته في الموجودات وإنما ~~يكون مثل هذا فيما تقدره الأذهان لا فيما يوجد في الأعيان # وغاية من يجعل ذلك ثابتا في الخارج أن يجعل وجود الخالق هو وجود ~~المخلوقات أو جزءا منها فيجعل افتقاره إلى المخلوقات كافتقار المخلوقات ~~إليه كما يقوله من يفرق بين الوجود والثبوت PageV05P313 # وهذا يقول لفظ الوجود و الذات وغيرهما مقول عليه وعلى الموجودات ~~بالإشتراك اللفظي المجرد كاشتراك المشتري و سهيل فتخرج الأسماء العامة ~~الكلية كاسم الوجود و الذات و النفس و الحقيقة و الحي و العالم و القادر ~~ونحو ذلك عن مسمياتها وتسلبه العقول ما جعله الله فيها من المعاني والقضايا ~~العامة الكلية وهذه خاصة العقل التي تميز بها عن الحس إلى أمثال هذه ~~المقالات التي هي عند من فهمها وعرف حقيقة قول أصحابها ضحكة للعاقل من وجه ~~وأعجوبة له من وجه ومسخطة له من وجه # ومثل هذه المعقولات لو تصرف بها في تجارة أو صناعة من الصناعات لأفسدت ~~التجارة والصناعة فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي صفات رب البرية ثم ~~يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه # فمن تبحر في المعقولات وميز بين البينات والشبهات تبين له أن العقل ~~الصريح أعظم الأشياء موافقة لما جاء به الرسول وكلما عظمت معرفة الرجل بذلك ~~عظمت موافقته للرسول # ولكن دخلت الشبهة في ذلك بأن قوما كان لهم ذكاء تميزوا به في أنواع من ~~العلوم ms1028 إما طبيعية كالحساب والطب وإما شرعية كالفقه مثلا وأما الأمور ~~الإلهية فلم يكن لهم بها خبرة كخبرتهم بذلك وهي أعظم المطالب وأجل المقاصد ~~فخاضوا فيها بحسب أحوالهم وقالوا PageV05P314 فيها مقالات بعبارات طويلة ~~مشتبهة لعل كثيرا من أئمة المتكلمين بها لا يحصلون حقائق تلك الكلمات ولو ~~طالبتهم بتحقيقها لم يكن عندهم إلا الرجوع إلى تقليد أسلافهم فيها # وهذا موجود في منطق اليونان وإلهياتهم وكلام أهل الكلام من هذه الأمة ~~وغيرهم يتكلم رأس الطائفة كأرسطو مثلا بكلام وأمثاله من اليونان بكلام وابي ~~الهذيل والنظام وأمثالهما من متكلمة أهل الإسلام بكلام ويبقى ذلك الكلام ~~دائرا في الأتباع يدرسونه كما يدرس المؤمنون كلام الله وأكثر من يتكلم به ~~لا يفهمه # وكلما كانت العبارة أبعد عن الفهم كانوا لها أشد تعظيما وهذا حال الأمم ~~الضالة كلما كان الشيء مجهولا كانوا أشد له تعظيما كما يعظم الرافضة ~~المنتظر الذي ليس لهم منه حس ولا خبر ولا وقعوا له على عين ولا أثر # وكذلك تعظيم الجهال من المتصوفة ونحوهم للغوث وخاتم الأولياء ونحو ذلك ~~مما لا يعرفون له حقيقة PageV05P315 # وكذلك النصارى تعظم ما هو من هذا الباب وهكذا الفلاسفة تجد أحدهم إذا سمع ~~أئمته يقولون الصفات الذاتية والعرضية والمقوم والمقسم والمادة والهيولي ~~والتركيب من الكم ومن الكيف وأنواع ذلك من العبارات عظمها قبل أن يتصور ~~معانيها ثم إذا طلب معرفتها لم يكن عنه في كثير منها إلا التقليد لهم # ولهذا كان فيها من الكلام الباطل المقرون بالحق ما شاء الله ويسمونها ~~عقليات وإنما هي عندهم تقليديات قلدوا فيها ناسا يعلمون أنهم ليسوا معصومين ~~وإذا بين لأحدهم فسادها لم يكن عنده ما يدفع ذلك بل ينفي تعظيمه المطلق ~~لرؤوس تلك المقالة [ ثم ] يعارض ما تبين لعقله فيقول كيف يظن بأرسطو وابن ~~سينا وأبي الهذيل أو أبي علي الجبائي ونحو هؤلاء أن يخفى عليه مثل هذا أو ~~أن يقول مثل هذا # وهو مع هذا يرى أن الذين قلدوا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى @QB@ إن هو ~~إلا وحي يوحى ms1029 @QE@ قد بخسوا أنفسهم حظها من العقل والمعرفة والتمييز ورضوا ~~بقبول قول لا يعلمون PageV05P316 حقيقته وهو مع هذا يقبل أقوالا لا يعلم ~~حقيقتها وقائلين يعلم أنهم يخطئون ويصيبون # وهذا القدر قد تبينته من الطوائف المخالفين للكتاب والسنة ولو في أدنى ~~شيء ممن رأيت كتبهم وممن خاطبتهم وممن بلغني أخبارهم إذا أقيمت على أحدهم ~~الحجة العقلية التي يجب على طريقته قبولها ولم يجد له ما يدفعها به فر إلى ~~التقليد ولجأ إلى قول شيوخه وقد كان في أول الأمر يدعو إلى النظر والمناظرة ~~والاعتصام بالعقليات والإعراض عن الشرعيات # ثم إنه في آخر الأمر لا حصل له علم من الشرعيات ولا من العقليات بل هو ~~كما قال الله @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان ~~مريد @QE@ # وكما قال تعالى @QB@ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا ~~كتاب منير @QE@ # وكما قال تعالى @QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون @QE@ # وكما قال @QB@ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا @QE@ # وكما قال تعالى @QB@ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع ~~الرسول سبيلا @QE@ PageV05P317 يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا @QB@ ~~لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا @QE@ # وكما قال @QB@ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا @QE@ وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا @QB@ ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ # وهذه النصوص فيها نصيب لكل من اتبع أحدا من الرؤوس فيما يخالف الكتاب ~~والسنة سواء كانوا من رؤوس أهل النظر والكلام والمعقول والفلسفة أو رؤوس ~~أهل الفقه والكلام في الأحكام الشرعية أو من رؤوس أهل العبادة والزهادة ~~والتأله والتصوف أو من رؤوس أهل الملك والإمارة والحكم والولاية والقضاء # ولست تجد أحدا من هؤلاء إلا متناقضا وهونفسه يخالف قول ذلك المتبوع الذي ~~عظمه في موضع آخر إذ لا يصلح أمر دنياه ودينه ms1030 بموافقة ذلك المتبوع لتناقض ~~أوامره # بخلاف ما جاء من عند الله فإنه متفق مؤتلف فيه صلاح أحوال العباد في ~~المعاش والمعاد # قال تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ ~~وهذه الجمل مبسوطة في مواضع غير هذا PageV05P318 # والمقصود هنا أن ننبه المسلم على أن العقل الصريح كلما أمعن في تحقيقه لا ~~يكون إلا موافقا للشرع الذي جاءت به الرسل حتى تتبين لك صحة ما جاء به ~~بالأدلة العقلية التي لا يحتاج فيها إلى خبر مخبر ولو كان معصوما لكن ~~تتعاضد الأدلة السمعية والعقلية الخبرية والنظرية # كما قال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ # ولكن الناس متفاوتون في هذا بحسب ما يؤتيهم الله من العقل والمعرفة ~~والنظر والإستدلال والتمييز فكل من كان أكمل في معرفة الصواب من هذا كان ~~أكمل في معرفة الموافقة والمطابقة # وهذا أمر يخبر به من خبره فقد يكون الرجل قبل أن يستيقن ما جاءت به السنة ~~عنده شبهة ووهم لظنه أنه قد عارضها ما يعارضها به المعارض إما من عقلياته ~~وإما من ذوقياته وإما من سياساته فإذا هداه الله وأرشده تبين له في آخر ~~الأمر أن ما وافق الشرع هو المعقول الصريح وهو الذوق الصحيح وهو السياسة ~~الكاملة العادلة وأن ما خالف ذلك هو من أمور أهل الجهل والظلم # والله يقول الحق وهو يهدي السبيل @QB@ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~@QE@ # الوجه العاشر أنه ما من قول موافق للسنة إلا وتجد العقلاء الذين يقرون به ~~أكثر وأعظم من العقلاء الذين ينكرونه بل تجد الموافقين له PageV05P319 من ~~العقلاء قد اتفقوا على ذلك بغير مواطأة من بعضهم لبعض وذلك يبين أنه موجب ~~العقل الصريح بخلاف الأقوال المخالفة فإنك لا تجد من يقولها من طوائف ~~العقلاء إلا من تواطأ على تلك المقالة التي تلقاها بعضهم عن بعض وما تواطأ ~~عليه الناس يجوز فيه من الغلط والكذب ما لا يجوز فيما اتفق عليه العقلاء ms1031 من ~~غير مواطأة ولا تشاعر والله أعلم $ الدليل الثاني والثلاثون # أن يقال القول بتقديم غير النصوص النبوية عليها من عقل أو كشف أو غير ذلك ~~يوجب أن لا يستدل بكلام الله ورسوله على شيء من المسائل العلمية ولا يصدق ~~بشيء من أخبار الرسول لكون الرسول أخبر به ولا يستفاد من أخبار الله ورسوله ~~هدى ولا معرفة بشيء من الحقائق بل ذلك مستلزم لعدم الإيمان بالله ورسوله ~~وذلك متضمن للكفر والنفاق والزندقة والإلحاد وهو معلوم الفساد بالضرورة من ~~دين الإسلام كما أنه في نفسه قول فاسد متناقض في صريح العقل # وهذا لازم لكل من سلك هذه الطريق كما يجد ذلك من اعتبره وذلك لأنه إذا ~~جوز أن يكون ما أخبر الله به ورسوله وبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~أمته من القرآن والحديث وما فيه من ذكر صفات الله تعالى وصفات ملائكته ~~وعرشه والجنة والنار والأنبياء وأممهم وغير ذلك مما قصه الله في كتابه أو ~~أمر به من التوحيد PageV05P320 والعبادات والأخلاق ونهى عنه من الشرك ~~والظلم والفواحش وغير ذلك إذا جوز المجوز أن يكون في الأدلة العقلية ~~القطعية التي يجب اتباعها وتقديمها عليه عند التعارض ما يناقض مدلول ذلك ~~ومفهومه ومقتضاه لم يمكنه أن يعرف ثبوت شيء مما أخبر به الرسول إن لم يعلم ~~انتفاء المعارض المذكور وهو لا يمكنه العلم بانتفاء هذا المعارض إن لم يعلم ~~بدليل آخر عقلي ثبوت ما أخبر به الرسول وإلا فإذا لم يعلم بدليل عقلي ثبوته ~~وليس معه ما يدله على ثبوته إلا إخبار الله ورسوله وهذا عنده مما يجوز أن ~~يعارضه عقلي تقدم عليه فلا طريق له إلى العلم بانتفاء المعارضات العقلية ~~إلا أن يحيط علما بكل ما يخطر ببال بني آدم مما يظن أنه دليل عقلي # وهذا أمر لا ينضبط وليس له حد فإنه لا يزال يخطر لبني آدم من الخواطر ~~ويقع لهم من الآراء والإعتقادات ما يظنونه دلائل عقلية وهذه تتولد مع بني ~~آدم كما يتولد الوسواس وحديث النفس فإذا جوز ms1032 أن يكون فيها ما هو قاطع عقلي ~~معارض للنصوص مستحق للتقديم عليها لم يمكنه الجزم بانتفاء هذا المعارض أبدا ~~فلا يمكنه الجزم بشيء مما أخبر به الرسول بمجرد إخباره أبدا فلا يؤمن بشيء ~~مما أخبر به الرسول لكون الرسول أخبر به أبدا ولا يستفيد من خبر الله ~~ورسوله علما ولا هدى بل ولا يؤمن بشيء من الغيب الذي أخبر به الرسول إذا لم ~~يعلم ثبوته بعقله أبدا # وحقيقة هذا سلب الإيمان برسالة الرسول وعدم تصديقه ثم إن لم يقم عنده ~~المعارض المقدم بقي لا مصدقا بما جاء به الرسول ولا مكذبا به PageV05P321 ~~وهذا كفر باتفاق أهل الملل وبالاضطرار من دين الإسلام وإن قام عنده المعارض ~~المقدم كان مكذبا للرسول فهذا في الكفر الذي هو جهل مركب وذلك في الكفر ~~الذي هو جهل بسيط # ويتناول كلا منهما قوله تعالى @QB@ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ~~ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا @QE@ يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا @QB@ ~~لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا @QE@ وقال ~~الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا @QE@ # وقال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون @QB@ ~~ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون @QE@ وأمثال ذلك # ولهذا كان هذا الأصل الفاسد مستلزما للزندقة والإلحاد في آيات الله ~~وأسمائه فمن طرده أداه إلى الكفر والنفاق والإلحاد ومن لم يطرده تناقض ~~وفارق المعقول الصريح وظهر ما في قوله من التناقض والفساد # ومن هذا الباب دخلت الملاحدة والقرامطة الباطنية على كل فرقة من ~~PageV05P322 الطوائف الذين وافقوهم على بعض هذا الأصل حتى صار من استجاب ~~لهم إلى بعضه دعوة إلى الباقي إن أمكنت الدعوة وإلا رضوا منه بما أدخلوه ~~فيه من الإلحاد فإن هذا الأصل مناقض معارض لدين جميع الرسل صلوات الله ms1033 ~~عليهم وسلامه # وقد رأيت كتابا لبعض أئمة الباطنية سماه الأقاليد الملكوتية سلك فيه هذا ~~السبيل وصار يناظر كل فريق بنحو من هذا الدليل فإنهم وافقوه على تأويل ~~السمعيات ووافقوه على نفي ما يسمى تشبيها بوجه من الوجوه فصار من أثبت شيئا ~~من الأسماء والصفات كاسم الموجود و الحي و العليم و القدير ونحو ذلك يقول ~~له هذا فيه تشبيه لأن الحي ينقسم إلى قديم ومحدث والموجود ينقسم إلى قديم ~~ومحدث ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فيلزم التركيب وهو التجسيم ويلزم ~~التشبيه فإنه إذا كان هذا موجودا [ وهذا موجودا ] اشتبها واشتركا في مسمى ~~الوجود وهذا تشبيه وإذا كان أحد الموجودين واجبا بنفسه صار مشاركا لغيره في ~~مسمى الوجود ومتميزا عنه بالوجوب وما به الامتياز غير ما به الاشتراك فيكون ~~الواجب بنفسه مركبا مما به الإشتراك وما به الإمتياز والمركب محدث أو ممكن ~~لأنه مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه ~~فساق من سلم له الأصول الفاسدة إلى نفي الوجود الواجب الذي يعلم ثبوته ~~بضرورة عقل كل عاقل فأورد على نفسه أنك إذا قلت ليس بموجود ولا حي ولا ميت ~~كان هذا تشبيها بالمعدوم أيضا فقال لا أقول لا هذا ولا هذا فأورد على ~~PageV05P323 نفسه أنك قد قررت في المنطق أنه إذا اختلفت قضيتان بالسلب ~~والإيجاب لزم من صدق إحداهما كذب الأخرى فإن صدق أنه موجود كذب أنه ليس ~~بموجود وإن صدق أنه ليس بموجود كذب أنه موجود ولابد لك بذلك من إحداهما ~~فأجاب بأني لا أقول لا هذا ولا هذا فلا أقول موجود ولا ليس بموجود ولا ~~معدوم ولا ليس بمعدوم # فهذا منتهى كلام الملاحدة وقد حكوا مثل هذا عن الحلاج وأشباهه من أهل ~~الحلول والإتحاد وأنهم لا يثبتونه ولا ينفونه ولا يحبونه ولا يبغضونه # فيقال لهذا الضال كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع فرفع النقيضين أيضا ~~ممتنع فإذا امتنع أن يكون موجودا ليس بموجود امتنع أن لا يكون موجودا ولا ~~غير موجود فقد وقعت في ms1034 شر مما فررت منه # وأما التشبيه فإنك فررت من تشبيه بموجود أو معدوم فشبهته بالممتنع الذي ~~لا حقيقة له فإن ما ليس بموجود ولا معدوم لا حقيقة له أصلا وهذا شر مما ~~يقال فيه إنه موجود أو معدوم # وقد رام طائفة من المتأخرين كالشهر ستاني والآمدي والرازي في بعض كلامه ~~ونحوهم أن يجيبوا هؤلاء عن هذا بأن لفظ الموجود و الحي و العليم و القدير ~~ونحوها من الأسماء تقال على الواجب والممكن بطريق الإشتراك اللفظي كما يقال ~~لفظ PageV05P324 المشتري على الكوكب والمبتاع وكما يقال لفظ سهيل على ~~الكوكب والرجل المسمى بسهيل وكذلك لفظ الثريا على النجم والمرأة المسماه ~~بالثريا ومن هنا قال الشاعر % أيها المنكح الثريا سهيلا % % عمرك الله كيف ~~يلتقيان % % هي شامية إذا ما استقلت % % وسهيل إذا استقل يمان % # وهؤلاء متناقضون في هذا الجواب فإنهم وسائر العقلاء يقسمون الوجود إلى ~~واجب وممكن وقديم ومحدث وأمثال ذلك مع علمهم بأن التقسيم لا يكون في ~~الألفاظ المشتركة إن لم يكن المعنى مشتركا سواء كان متماثلا أو متفاضلا ~~ومنهم من يخص المتفاضل بتسميته مشككا فالتقسيم لا يكون إلا في الألفاظ ~~المتواطئة التواطؤ العام الذي يدخل فيه المشككة أو في المتواطئة التواطؤ ~~الخاص وفي المشككة أيضا # فأما مثل سهيل فلا يقال سهيل ينقسم إلى الكوكب والرجل إلا أن يراد أن لفظ ~~سهيل يطلق على هذا وهذا # ومعلوم أن مثل [ هذا ] التقسيم لا يراد به الإخبار عن الإطلاق في اللغة ~~وإنما يراد به تقسيم المعنى المدلول عليه باللفظ ولهذا كان تقسيم المعاني ~~العامة صحيحا ولو عبر عن تلك المعاني بعبارات متنوعة في اللغات فإن المقسوم ~~هو المعنى الذي لا يختلف باختلاف اللغات PageV05P325 # وأيضا فلو لم تكن هذه الأسماك متواطئة لكان لا يفهم منها عند الإطلاق ~~الثاني معنى حتى يعرف معناها في ذلك الإطلاق الثاني كما في الألفاظ ~~المشتركة فإنه إذا أطلقه في موضع ما يدل على معناه ثم أطلقه مرة ثانية ~~وأراد به المعنى الآخر فإنه لا يفهم ذلك المعنى إلا بدليل يدل عليه ms1035 # ثم هم مع هذا التناقض موافقون في المعنى للملاحدة فإنهم إذا جعلوا أسماء ~~الله تعالى كالحي والعليم والقدير والموجود ونحو ذلك مشتركة اشتراكا لفظيا ~~لم يفهم منها شيء إذا سمي بها الله إلا أن يعرف ما هو ذلك المعنى الذي يدل ~~عليه إذا سمي بها الله لا سيما إذا كان المعنى المفهوم منها عند الإطلاق ~~ليس هو المراد إذا سمي بها الله # ومعلوم أن اللفظ المفرد إذا سمي به مسمى لم يعرف معناه حتى يتصور المعنى ~~أولا ثم يعلم أن اللفظ دال عليه فإذا كان اللفظ مشتركا فالمعنى الذي وضع له ~~في حق الله لم نعرفه بوجه من الوجوه فلا يفهم من أسماء الله الحسنى معنى ~~أصلا ولا يكون فرق بين قولنا حي وبين قولنا ميت ولا بين قولنا موجود وبين ~~قولنا معدوم ولا بين قولنا عليم وبين قولنا جهول أو ديز أو كجز بل يكون ~~بمنزلة ألفاظ أعجمية سمعناها ولا نعلم مسماها أو ألفاظ مهملة لا تدل على ~~معنى كديز وكجز ونحو ذلك # ومعلوم أن الملاحدة يكفيهم هذا فإنهم لا يمنعون إطلاق اللفظ إذا تظاهروا ~~بالشرع وإنما يمنعون منه أن نفهم معنى PageV05P326 # وسبب هذا الضلال أن لفظ التشبيه و التركيب لفظ فيه إجمال وهؤلاء أنفسهم ~~هم وجماهير العقلاء يعلمون أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك ونفي ذلك ~~القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي ~~على نفيه وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من ~~خصائص المخلوقين لله سبحانه وتعالى إذ هو سبحانه @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ~~لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله # ولهذا اتفق جميع طوائف المسلمين وغيرهم على الرد على هؤلاء الملاحدة ~~وبيان أنه ليس كل ما اتفق شيئان في شيء من الأشياء يجب أن يكون أحدهما مثلا ~~للآخر ولا يجوز أن ينفى عن الخالق سبحانه كل ما يكون فيه موافقة لغيره في ~~معنى ما فإنه يلزمه عدمه بالكلية كما فعله هؤلاء الملاحدة بل يلزم ms1036 نفى ~~وجوده ونفي عدمه وهو غاية التناقض والإلحاد والكفر والجهل # وكذلك لفظ التركيب فإن ثبوت معاني لله تعالى ليس هو مما ينفيه الدليل ~~وكون تلك المعاني من لوازم ذاته وأنه لا يكون إلا متصفا بها ليس هو تركيبا ~~ينفيه عقل ولا شرع بل مثل هذا لابد منه كما قد بسط ذلك في مواضع كثيرة فهذا ~~وأمثاله هي العقليات الفاسدة التي تطرق بها أهل الإلحاد وكذلك ردهم للدلالة ~~السمعية إذا عارضها عندهم ما هو عندهم PageV05P327 عقلي يوجب أن لا يستدل ~~بشيء من كلام الله ورسوله كما تقدم فلا يبقى عندهم لا عقل ولا سمع # وهذا الذي ذكرناه من أن هذا الأصل يوجب عدم الاستدلال بكلام الله ورسوله ~~على المسائل العلمية قد اعترف حذاقهم به بل التزمه من التزمه من متأخري أهل ~~الكلام كالرازي كما التزمته الملاحدة الفلاسفة # وأما المعتزلة فلا يقولون الأدلة السمعية لا تفيد اليقين بل يقولون لا ~~يحتج بالسمع على مسائل التوحيد والعدل لأن ذلك بزعمهم يتوقف العلم بصدق ~~الرسول عليه # وكذلك متأخرو الأشعرية يجعلون القول في الصفات من الأصول العقلية وأما ~~الأشعري وأئمة أصحابه فيحتج عليها عندهم بالسمع كما يحتج بالعقل # ولهذا لما ذكر أبو عبد الله الرازي أصول الأدلة التي يحتج بها في أصول ~~الدين أصحابه وغيرهم ذكر هذا الأصل واعترض عليه فقال في نهاية العقول الفصل ~~السابع في تزييف الطرق الضعيفة وهي أربع فذكر نفي الشيء لانتفاء دليله وذكر ~~القياس وذكر الإلزامات ثم قال والرابع هو التمسك بالسمعيات فنقول المطالب ~~على أقسام ثلاثة منها ما يستحيل حصول العلم بها بواسطة PageV05P328 السمع ~~ومنها ما يستحيل العلم بها إلا من السمع ومنها ما يصح حصول العلم بها من ~~السمع تارة ومن العقل أخرى # قال أما القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته ~~استحال تصحيحه بالسمع مثل العلم بوجود الصانع وكونه مختارا وعالما بكل ~~المعلومات وصدق الرسل # قال وأما القسم الثاني وهو ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر إذا لم يجده ~~الإنسان من نفسه ولا ms1037 يدركه بشيء من حواسه فإن حصول غراب على قلة جبل قاف ~~إذا كان جائز الوجود والعدم مطلقا وليس هناك ما يقتضي وجوب أحد طرفيه أصلا ~~وهو غائب عن النفس والحس استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق وأما القسم ~~الثالث وهو معرفة وجوب الواجبات وإمكان الممكنات واستحالة المستحيلات التي ~~لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها واستحالتها مثل ~~مسألة الرؤية والصفات والوحدانية وغيرها PageV05P329 # قلت ليس المقصود هنا استيفاء الكلام فيما ذكره من الأمثال فإن فيما ذكر ~~أنه لا يعلم إلا بالسمع ما يمكن علمه بدون السمع إذ علم الإنسان بوجود بعض ~~الممكنات له طرق متعددة غير إخبار الرسول وكذلك ما ذكر أنه لا يعلم بالسمع ~~فيه كلام ليس هذا موضعه # ولكن المقصود ذكر قوله بعد ذلك [ فإنه ] قال إذا عرفت ذلك فنقول أما أن ~~الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في الأصول في القسم الأول فهو ظاهر وإلا ~~لو وقع الدور وأما أنه يجب استعمالها في القسم الثاني فهو ظاهر كما سلف ~~وأما القسم الثالث ففي جواز [ استعمال ] الأدلة السمعية فيه إشكال # وذلك لأنا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر ~~الدليل السمعي فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي لأنه ~~إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر كما سلف وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال ~~الأدلة السمعية فيه إشكال # وذلك لأنا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر ~~الدليل السمعي فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي لأنه ~~إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر PageV05P330 النقل وبين مقتضى الدليل العقلي ~~فإما أن نكذب بالعقل وإما نأول النقل فإن كذبنا العقل مع أن النقل لا يمكن ~~إثباته إلا بالعقل فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا ~~العقل فحينئذ تكون صحة النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه فإذن لا ~~يكون النقل مقطوع الصحة فإذن تصحيح النقل برد العقل يتضمن القدح في النقل ~~وما ms1038 أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلا فتعين تأويل النقل # فإذن الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوجود مدلوله إلا بشرط أن لا يوجد ~~دليل عقلي على خلاف ظاهره فحينئذ لا يكون الدليل النقلي مفيدا للمطلوب إلا ~~إذا بينا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره ولا طريق لنا إلى إثبات ذلك ~~الأمر إلا من وجهين إما PageV05P331 أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر ~~به ظاهر الدليل النقلي وحينئذ يصير الإستدلال بالنقل فضلا غير محتاج إليه ~~وإما بأن نزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل وذلك ضعيف لما بينا من ~~أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه أن لا يكون هناك معارض أصلا اللهم إلا أن ~~نقول إنه لا دليل على هذه المعارضات فوجب نفيه ولكنا زيفنا هذه الطريقة أو ~~نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص ولا ~~المقدمة الفلانية الأخرى وحينئذ يحتاج إلى إقامة الدلالة على أن كل واحدة ~~من هذه المقدمات التي لانهاية لها غير معارضة لهذا الظاهر فثبت أنه لا يمكن ~~حصول اليقين بعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي وثبت أن الدليل النقلي يتوقف ~~إفادته اليقين على ذلك فإذا الدليل النقلي تتوقف إفادته على مقدمة غير ~~يقينيه وهي عدم دليل PageV05P332 عقلى فوجب تأويل ذلك النقل وكل ما تبنى ~~صحته على ما لا يكون يقينيا لا يكون هو أيضا يقينيا فثبت أن ذلك الدليل ~~النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدا لليقين # قال وهذا بخلاف الأدلة العقلية فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفي منها بأن ~~لا يعلم فسادها بل لابد وأن يعلم بالبديهية صحتها ويعلم بالبديهية لزومها ~~مما علم صحته بالبديهية ومتى كان كذلك استحال أن يوجد ما يعارضه لإستحالة ~~التعارض في العلوم البديهية # قال فإن قيل إن الله لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء فلو ~~كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه تعالى أن يخطر ببال ~~المكلف ذلك الدليل وإلا كان ذلك PageV05P333 تلبيسا من الله تعالى ms1039 وأنه غير ~~جائز قلنا هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح وأنه يجب على الله شيء ونحن لا ~~نقول بذلك سلمنا ذلك فلم قلتم إنه يجب على الله أن يخطر ببال المكلف ذلك ~~الدليل العقلي وبيانه أن الله تعالى إنما يكون ملبسا على المكلف لو أسمعه ~~كلاما يمتنع عقلا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره وليس الأمر كذلك لأن ~~المكلف إذا سمع ذلك الظاهر ثم إنه يجوز أن يكون هناك دليل على خلاف ذلك ~~الظاهر فبتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر ~~به الظاهر فعلى هذا إذا أسمع الله المكلف ذلك الكلام فلو قطع المكلف بحمله ~~على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان ذلك التقصير واقعا من المكلف لا ~~من قبل الله تعالى حيث قطع لا في موضع القطع فثبت أنه لا يلزم من عدم إخطار ~~الله تعالى ببال المكلف PageV05P334 ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل ~~السمعي أن يكون ملبسا # قال فخرج مما ذكرناه أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في المسائل ~~العلمية ولعله يمكن أن يجاب عن هذا السؤال بما به يجاب عن تجويز ظهور ~~المعجزات على الكاذبين نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية تارة لإفادة ~~اليقين كما في مسألة الإجماع وخير الواحد وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام ~~الشرعية # قلت فليتدبر المؤمن العاقل هذا الكلام مع أنه قد ينزل فيه درجة ولم يجعل ~~عدم إفادته اليقين إلا لتجويز المعارض العقلي وإلا فهو وغيره في موضع آخر ~~ينفون أن يكون الدليل السمعي مفيدا لليقين لكونه موقوفا على مقدمات ظنية ~~كنقل اللغة والنحو والتصريف وعدم المجاز و الإشتراك والنقل والإضمار ~~والتخصيص وعدم المعارض السمعي أيضا مع العقلي # وبهذا دفع الآمدي وغيره الإستدلال بالأدلة السمعية في هذا الباب ونحن قد ~~بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا إمكان دلالة الأدلة السمعية ~~على اليقين وبينا فساد ما ذكره هؤلاء الذين أسسوا قواعد الإلحاد ~~PageV05P335 # والمقصود هنا أن نبين اعترافهم بما ألزمناهم ms1040 به وإذا كان كذلك فيقال نحن ~~نعلم بالإضطرار من دين الرسول أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخبر أمته ~~بما أخبرهم به من الغيب من أسماء الله وصفاته وغير ذلك فإنه لم يرد منهم ~~ألا يقروا بثبوت شيء مما أخبر به إلا بدليل منفصل غير خبره فإذا كان القول ~~مستلزما لكون الرسول أراد أن لا يثبت شيء بمجرد خبره وهذا مما يعلم ~~بالإضطرار أنه كذب على الرسول علم أن هذا القول معلوم الفساد بالإضطرار من ~~دين الإسلام # وهؤلاء الذين سماهم أهل التحقيق هم أهل التحقيق عنده سماهم كذلك بناء على ~~ظنه كما يسمى الإتحادية والحلولية أنفسهم أهل التحقيق ويسمي كل شخص طائفته ~~أهل الحق بناء على ظنه واعتقاده # ومثل هذا لا يكون مدحهم زينا ولا ذمهم شيئا إلا إذا كان قولا بحق # والذي مدحه زين وذمه شين هو الله ورسوله والذين جعلهم أهل الحق هم ~~المذكورون في قوله تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون @QE@ الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون @QB@ أولئك هم المؤمنون حقا @QE@ فوصف ~~المؤمنين حقا بأنهم إذا تليت عليم آياته زادتهم إيمانا وهؤلاء المعارضون ~~لآياته إذا تليت عليهم آياته لم تزدهم إيمانا بل ريبا ونفاقا PageV05P336 # وقال تعالى @QB@ ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا ~~اتبعوا الحق من ربهم @QE@ فوصف المؤمنين بأنهم اتبعوا الحق من ربهم ومن ~~اتبع الحق كان محقا # والمؤمنون اتبعوا الحق من ربهم فهم أحق الناس بالتحقيق وإذا كان المؤمنون ~~هم المحققين ومن نعتهم أنهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا كان ~~الموصوفون بنقيض ذلك ليسوا من المحققين عند الله وعند رسوله بل من المحققين ~~عند إخوانهم كما أن اليهود والنصارى والمشركين وكل طائفة من المحققين عند ~~من وافقهم على أن ما يقولونه حق # وقد وصف المؤمنين بما ذكره في قوله تعالى @QB@ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم ~~من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون وأما ms1041 الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون @QE@ # ومن المعلوم أن من ناقض الآيات المنزلة باعتقاده وهواه لم تزده إيمانا ~~ولم يستبشر بنزولها بل تزيده رجسا إلى رجسه # وقال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ فالصادق في ~~قوله @QB@ آمنوا @QE@ هو الذي لم PageV05P337 يحصل له ريب فيما جاء به ~~الرسول ومن جوز أن يكون فيما أخبر به ما يعارضه صريح المعقول لم يزل في ريب ~~من ثبوت ما أخبر به ولكن غايته أن يعلم أن الرسول صادق فيما أخبر به على ~~طريق الجملة فإذا نظر فيما أخبر به لم يعلم ثبوت شيء مما أخبر به # ومن المعلوم أن العلم بأنه صادق مقصوده تصديق أخباره والمقصود بتصديق ~~الأخبار التصديق بمضمونها فإذا كان لم يصدق بمضمون أخبار الرسول صلى الله ~~عليه وسلم كان بمنزلة من آمن بالوسيلة ولم يحصل له المقصود # ولو قال الحاكم إن هؤلاء الشهود صادقون في كل ما يشهدون به وهو لا يثبت ~~بشهادة أحد منهم حقا لم يكن في تعديلهم فائدة ومن تدبر هذا الباب علم ~~حقيقته والله أعلم $ الوجه الثالث والثلاثون # أن يقال نحن نعلم بالإضطرار من دين الرسول أنه أوجب على الخلق تصديقه ~~فيما أخبر به وقطعهم بثبوت ما أخبرهم به وأنه من لم يكن كذلك لم يكن مؤمنا ~~به بل إذا أقر أنه رسول الله وأنه صادق فيما أخبر ولم يقر بما أخبر به من ~~أنباء الغيب لجواز أن يكون ذلك متيقنا في نفس الأمر بدليل لم يعلمه المستمع ~~ولا يمكن إثبات ما أثبته الرسول بخبره إلا بعد العلم بذلك فإن هذا ليس ~~مؤمنا بالرسول PageV05P338 # وإذا كان هذا معلوما بالإضطرار كان قول هؤلاء المعارضين لخبرة بآرائهم ~~معلوم الفساد بالضرورة من دينه وحينئذ فإما أن يكون الرجل مؤمنا بالله ~~ورسوله فيصدقه في كل ما أخبر به ويعلم أنه يمتنع أن يكون ذلك منتفيا في نفس ~~الأمر وأنه لا دليل يدل على ms1042 انتفائه وإما أن يكون الرجل غير مصدق للرسول في ~~شيء مما أخبر به إلا أن يعلم ذلك بدليل منفصل غير خبر الرسول ومن لم يقر ~~بما أخبر به الرسول إلا بدليل منفصل لم يكن مؤمنا به بل كان مع الرسول ~~كالفقهاء بعضهم مع بعض إن قام دليل على قوله وافقه وإلا لم يوافقه # ومعلوم أن هذا حال الكفار بالرسل لا المؤمنين بهم ورؤوس هؤلاء الذين قال ~~الله فيهم @QB@ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل ~~الله الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ # وهذا الذي ذكره هذا في العقل ذكره طائفة أخرى في الكشف كما ذكره أبو حامد ~~في كتابه الإحياء في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول وذكر أنه لا يستدل ~~بالسمع على شيء من العلم الخبري وإنما الإنسان يعرف الحق بنور إلهي يقذف في ~~قلبه ثم يعرض الوارد في PageV05P339 السمع عليه فما وافق [ ما ] شاهدوه [ ~~بنور اليقين ] قرروه وما خالف أولوه # ومن هنا زادت طائفة أخرى على ذلك فادعوا أنهم يعلمون إما بالكشف وإما ~~بالعقل الحقائق التي أخبر بها الرسول أكمل من علمه بها بل ادعى بعضهم أن ~~الأنبياء والرسل يستفيدون معرفة تلك الحقائق من مشكاة أحدهم كما ادعاه صاحب ~~الفصوص أن الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة المسمى عنده ~~بخاتم الأولياء وادعى أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الموحي به ~~إلى الرسول # ومعلوم أن هذه الأقوال من شر أقوال الكافرين بالرسول لا المؤمنين به $ ~~الوجه الرابع والثلاثون # إن الذين يعارضون الشرع بالعقل ويقدمون رأيهم على ما أخبر به الرسول ~~ويقولون إن العقل أصل للشرع فلو قدمناه عليه للزم PageV05P340 القدح في أصل ~~الشرع إنما يصح منهم هذا الكلام إذا أقروا بصحة الشرع بدون المعارض وذلك ~~بأن يقروا بنبوة الرسول وبأنه قال هذا الكلام وبأنه أراد به كذا وإلا فمع ~~الشك في واحدة من هذه المقدمات لا يكون معهم عن الرسول من الخبر ما يعلمون ~~به تلك القضية المتنازع فيها بدون معارضة ms1043 العقل فكيف مع معارضة العقل # أما النبوة فمن لم يعلم أن الرسول عالم بهذه القضية التي أخبر بها وانه ~~معصوم أن يقول فيها غير الحق لم يمكن أن يعلم حكمها بخبره فمتى جوز أن يكون ~~غير عالم مع خبره بها يجوز عليه أن يخطئ فيما يخبر به عن الله واليوم الآخر ~~أو أن يكذب لم يستفد بخبره علما ومن كانت النبوة عنده مكتسبة من جنس نبي ~~الفلاسفة وأن خاصة النبي قوة ينال بها العلم وقوة يتصرف بها في العالم وقوة ~~تجعل المعقولات في نفسه خيالات ترى وتسمع فتكون تلك الخيالات ملائكة الله ~~وكلامه كما يقوله ابن سينا وأتباعه من المتفلسفة لم يمكنه أن يجزم بأن ~~الرسول عالم بما يقوله معصوم أن يقول غير الحق فكيف إذا كان يقول إن الرسول ~~قد يقول ما يعلم خلافه # فهؤلاء يمتنع أن يستفيدوا بخبر الرسول علما فكيف يتكلمون في المعارضة # وكذلك من لم يعلم ثبوت الأخبار لم يتكلم في حصول العلم بموجبها ~~PageV05P341 وكذلك من قال إن الدليل السمعي لا يعلم به مراد المتكلم كما ~~يقوله الرازي ومتبعوه الذين يزعمون أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين بمراد ~~المتكلم فهؤلاء ليس عندهم دليل شرعي يفيد العلم بما أخبر به الرسول فكيف ~~يعارضون ذلك المعقول # وكذلك أيضا من عرف أن معقولاتهم التي يعارضون بها الشرع باطلة امتنع أن ~~يعارض بها دليلا ظنيا عنده فضلا عن أن يعارض بها دليلا يقينيا عنده ولهذا ~~كان الذين صرحوا بتقديم الأدلة العقلية على الشرعية مطلقا كأبي حامد ~~والرازي ومن تبعهم ليس فيهم من يستفيد من الأنبياء علما بما أخبروا به إذا ~~لم يكونوا مقرين بأن الرسول بلغ البلاغ المبين المعصوم بل إيمانهم بالنبوة ~~فيه ريب إما لتجويز أن يقول خلاف ما يعلم كما يقوله ابن سينا وأمثاله وإما ~~لتجويز أن لا يكون عالما بذلك كما تقوله طائفة أخرى وإما لأنه جائز في ~~النبوة لم يجزم بعد بأن النبي معصوم فيما يقوله وأنه بلغ البلاغ المبين فلا ~~تجد أحدا ممن يقدم المعقول ms1044 مطلقا على خبر الرسول إلا وفي قلبه مرض في ~~إيمانه بالرسول فهذا محتاج أولا إلى أن يعلم أن محمدا رسول الله الصادق ~~المصدوق الذي لا يقول على الله إلا الحق وأنه بلغ البلاغ المبين وأنه معصوم ~~عن أن يقره الله على خطأ فيما بلغه وأخبر PageV05P342 به عنه ومن ثبت هذا ~~الإيمان في قلبه امتنع مع هذا أن يجعل ما يناقض خبر الرسول مقدما عليه $ ~~الوجه الخامس والثلاثون # أن يقال قول هؤلاء متناقض والقول المتناقض فاسد وذلك أن هؤلاء يوجبون ~~التأويل في بعض السمعيات دون بعض وليس في المنتسبين إلى القبلة بل ولا في ~~غيرهم من يمكنه تأويل جميع السمعيات # وإذا كان كذلك قيل لهم ما الفرق بين ما جوزتم تأويله فصرفتموه عن مفهومه ~~الظاهر ومعناه البين وبين ما أقررتموه # فهم بين أمرين إما أن يقولوا ما يقوله جمهورهم إن ما عارضه عقلي قاطع ~~تأولناه وما لم يعارضه عقلي قاطع أقررناه # فيقال لهم فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء فإنه لا يمكنكم نفى جميع ~~المعارضات العقلية كما تقدم بيانه # وأيضا فعدم المعارض العقلي القاطع لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي ~~فإنه على قولكم إذا جوزتم على الشارع أن يقول قولا له معنى مفهوم وهو لا ~~يريد ذلك لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس أو لا تخطر ~~للخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك جاز أن يريد بكلامه ما يخالف مقتضاه بدون ~~ذلك لجواز أن يظهر في الآخرة ما يخالف ذلك أو لكون ذلك ليس معلوما بدليل ~~PageV05P343 عقلي ونحو ذلك فإنه إذا جاز أن يكون تصديق الناس له فيما أخبر ~~به موقوفا على مثل ذلك الشرط جاز أن يكون موقوفا على أمثاله من الشروط إذ ~~الجميع يشترك في أن الوقف على مثل هذا الشرط يوجب أن لا يستدل بشيء من ~~أخباره على العلم بما أخبر به # وإن قالوا بتأول كل شيء إلا ما علم بالإضطرار أنه أراده كان ذلك أبلغ ~~فإنه ما من نص وارد إلا ويمكن ms1045 الدافع له أن يقول ما يعلم بالإضطرار أنه ~~أراد هذا # فإن كان للمثبت أن يقول أنا أعلم بالإضطرار أنه أراده # كان لمن أثبت ما ينازعه فيه هذا المثبت أن يقول أيضا مثل ذلك # ولا ريب أن المثبتين للعلو والصفات عندهم أن هذا معلوم بالإضطرار من دين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فهم لا يتناقضون ومن نازعهم يتناقض فإنه لا ~~يمكنه أن يقول لغيره من النفاة شيئا إلا أمكن أهل الإثبات للعلو أن يقولوا ~~له فإما أن تقبل مثل هذا وإلا كان متناقضا لا يستقيم له قول عند واحد من ~~الطوائف وهذا يبين فساد قوله وهو المطلوب # وهذا الذي ذكرناه بين في كلام كل طائفة حتى في كلام المثبتين لبعض الصفات ~~دون بعض فإنك إذا تأملت كلامهم لم تجد لهم قانونا فيما يتأول وما لا يتأول ~~بل لازم قولهم إمكان تأويل الجميع فلا يقرون إلا بما يعلم ثبوته بدليل ~~منفصل عن السمع وهم لا يجوزون مثل ذلك ولا يمكنهم أن يقولوا مثل ذلك ~~PageV05P344 فعلم أن قولهم باطل وأن قولهم لا نتأول إلا ما عارضه القطعي ~~قول باطل ومع بطلان قولهم قد يصرحون بلازمه وأنه لا يستفاد من السمعيات علم ~~كما ذكره الرازي وغيره مع أنهم يستفيدون منها علما فيتناقضون ومن لم يتناقض ~~منهم فعليه أن يقول أخبار الرسول ثلاثة أقسام ما علم ثبوته بدليل منفصل صدق ~~به وما علم أنه عارضه العقل القاطع كان مأولا وما لا يعلم بدليل منفصل [ لا ~~يمكن ] لا ثبوته ولا انتفاؤه وكان مشكوكا فيه موقوفا # وهذا حقيقة قولهم الذي ذكرناه أولا وهو ما يعلم بالإضطرار من دين الإسلام ~~أنه مناقض لما أوجبه الرسول من الإيمان بأخباره وأنه في الحقيقة عزل للرسول ~~عن موجب رسالته وجعل له كأبي حنيفة مع الشافعي وأحمد بن حنبل مع مالك ونحو ~~ذلك $ الوجه السادس والثلاثون # أن يقال هم إذا أعرضوا عن الأدلة الشرعية لم يبق معهم إلا طريقان إما ~~طريق النظار وهي الأدلة القياسية العقلية وإما طريق الصوفية وهي الطريقة ~~العبادية ms1046 الكشفية وكل من جرب هاتين PageV05P345 الطريقين علم أن ما لا ~~يوافق الكتاب والسنة منهما فيه من التناقض والفساد ما لا يحصيه إلا رب ~~العباد ولهذا كان من سلك إحداهما إنما يؤول به الأمر إلى الحيرة والشك إن ~~كان له نوع عقل وتمييز وإن كان جاهلا دخل في الشطح والطامات التي لا يصدق ~~بها إلا أجهل الخلق # فغاية هؤلاء الشك وهو عدم التصديق بالحق وغاية هؤلاء الشطح وهو التصديق ~~بالباطل والأول يشبه حال اليهود والثاني يشبه حال النصارى فحذاق أهل الكلام ~~والنظر يعترفون بالحيرة والشك كما هو معروف عن غير واحد منهم كالذي كان ~~يتكلم على المنبر فأخذ ينكر العلو على العرش ويقول كان الله ولا عرش وهو لم ~~يتحول عما كان عليه فقام إليه الشيخ أبو الفضل جعفر الهمذاني وقال دعنا يا ~~أستاذ من ذكر العرش واستواء الله عليه يعني أن هذا يعلم بالسمع وأخبرنا عن ~~هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ما قال عارف قط يا الله إلا ويجد قبل أن ~~يتحرك لسانه في نفسه معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فهل عندك [ من ~~جواب على هذا ] PageV05P346 $ فصل # ذكر أبو حامد في كتاب ( الإحياء كلاما طويلا في علم الظاهر والباطن قال ~~وذهبت طائفة إلى التأويل فيما يتعلق بصفات الله تعالى وتركوا ما يتعلق ~~بالآخرة على ظواهره ومنعوا التأويل وهم الأشعرية أي متأخروهم الموافقون ~~لصاحب الإرشاد قال وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا كونه سميعا بصيرا والرؤية ~~والمعراج وإن لم يكن بالجسد وأولوا عذاب القبر والميزان والسراط وجملة من ~~أحكام الآخرة ولكن أقروا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها على المأكولات ~~PageV05P347 # قلت تأويل الميزان والصراط وعذاب القبر والسمع والبصر إنما هو قول ~~البغداديين من المعتزلة دون البصرية # قال أبو حامد وبترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في ~~الآخرة إلى أمور عقلية روحانية ولذات عقلية إلى أن قال وهؤلاء هم المسرفون ~~في التأويل وحد الاقتصاد بين هذا وهذا دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون ~~الذين يدركون الأمور ms1047 بنور إلهي لا بالسماع ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور ~~على ما هم عليه ونظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فيه فما وافق ما شاهدوه ~~بنور اليقين قرروه وما خالف أولوه فأما من يأخذ هذه الأمور كلها من السمع ~~فلا يستقر له قدم # قلت هذا الكلام مضمونه أنه لا يستفاد من خبر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~شيء من الأمور العلمية بل إنما يدرك ذلك كل إنسان بما حصل له من المشاهدة ~~والنور والمكاشفة # وهذان أصلان للإلحاد فإن كل ذي مكاشفة إن لم يزنها بالكتاب والسنة وإلا ~~دخل في الضلالات PageV05P348 # وأفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأفضل من ~~كان محدثا من هذه الأمة عمر للحديث وللحديث الآخر إن الله ضرب الحق على ~~لسان عمر وقلبه ومع هذا فالصديق أفضل منه لأن الصديق إنما يأخذ من مشكاة ~~الرسالة لا من مكاشفته ومخاطبته وما جاء به الرسول معصوم لا يستقر فيه ~~الخطأ وأما ما يقع لأهل القلوب من جنس المخاطبة والمشاهدة ففيه صواب وخطأ ~~وإنما يفرق بين صوابه وخطائه بنور النبوة كما كان عمر يزن ما يرد عليه ~~بالرسالة فما وافق ذلك قبله وما خالفه رده # قال بعض الشيوخ ما معناه قد ضمنت لنا العصمة فيما جاء به الكتاب والسنة ~~ولم تضمن لنا العصمة في الكشوف وقال أبو سليمان الداراني إنه لتمر بقلبي ~~النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين الكتاب والسنة وقال أبو ~~عمرو إسماعيل بن نجيد كل ذوق أو كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل ~~وقال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ~~ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا وقال سهل أيضا يا معشر المريدين ~~لا تفارقوا السواد على البياض فما فارق أحد السواد على البياض إلا تزندق ~~PageV05P349 # وهذا وأمثاله كثير في كلام الشيوخ العارفين يعلمون أنه لا تحصل لهم ] ~~حقيقة التوحيد والمعرفة واليقين إلا بمتابعة المرسلين وقد يحصل لهم من ~~الدلائل ms1048 العقلية القياسية البرهانية ومن المخاطبات والمكاشفات العيانية ما ~~يصدق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم # كما قال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ وقال تعالى @QB@ ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط @QE@ # وقال تعالى @QB@ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى @QE@ # وتجد كثيرا من السالكين طريق العلم والنظر والاستدلال الذين اشتبهت عليهم ~~الأمور وتعارضت عندهم الأدلة والأقيسة يحسنون الظن بطريق أهل الإرادة ~~والعبادة والمجاهدة طانين أنه ينكشف بها الحقائق # وكثير من السالكين طريق العبادة والإرادة والزهد والرياضة PageV05P350 ~~الذين اشتبهت عليهم الأمور وتعارضت عندهم الأذواق والمواجيد يحسنون الظن ~~بطريق أهل العلم والنظر والاستدلال ظانين أنه ينكشف به لهم الحقائق # وحقيقة الأمر أنه لابد من الأمرين فلابد من العلم والقصد ولابد من العلم ~~والعمل به ومن علم بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم # والعبد عليه واجبات في هذا وهذا فلابد من أداء الواجبات ولابد أن يكون كل ~~منهما موافقا لما جاء به الرسول فمن أقبل على طريقة النظر والعلم من غير ~~متابعة للسنة ولا عمل بالعلم كان ضالا في علمه غاويا في عمله ومن سلك طريق ~~الإرادة والعبادة والزهد والرياضة من غير متابعة للسنة ولا علم ينبني العمل ~~عليه كان ضالا غاويا ومن كان معه علم صحيح مطابق لما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بلا عمل به كان غاويا ومن كان معه عمل موافق للسنة بدون ~~العلم المأمور به كان ضالا فمن خرج عن موجب الكتاب والسنة من هؤلاء وهؤلاء ~~كان ضالا وإذا لم يعمل بعلمه أو عمل بغير علم كان ذاك فسادا ثانيا والذين ~~لم يعتصموا بالكتاب والسنة من أهل الأحوال والعبادات والرياضات والمجاهدات ~~ضلالهم أعظم من ضلال من لم يعتصم بالكتاب والسنة من أهل الأقوال والعلم وإن ~~كان قد يكون في هؤلاء من الغي ما ليس فيهم فإنهم يدخلون ms1049 في أنواع من ~~الخيالات الفاسدة والأحوال الشيطانية المناسبة لطريقهم # كما قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك ~~أثيم @QE@ PageV05P351 # والإنسان همام حارث فمن لم يكن همه وعمله ما يحبه الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم كان همه وعمله مما لا يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم # والأحوال نتائج الأعمال فيكون ما يحصل لهم بحسب ذلك العمل وكثيرا ما ~~تتخيل له أمور يظنها موجودة في الخارج ولا تكون إلا في نفسه فيسمع خطابا ~~يكون من الشيطان أو من نفسه يظنه من الله تعالى حتى أن أحدهم يظن أنه يرى ~~الله بعينه وأنه يسمع كلامه بأذنه من خارج كما سمعه موسى بن عمران ومنهم من ~~يكون ما يراه شياطين و [ ما ] يسمعه كلامهم [ وهو ] يظنه من كرامات ~~الأولياء وهذا باب واسع بسطه موضع آخر # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الرؤيا ثلاثة رؤيا ~~من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة ~~فيراه في المنام PageV05P352 # وكثيرا ما يرى الإنسان صورة اعتقاده فيكون ما يحصل له بمكاشفته ومشاهدته ~~هو ما اعتقده من الضلال حتى أن النصراني يرى في كشفه التثليث الذي اعتقده ~~وليس أحد من الخلق معصوما أن يقر على خطأ إلا الأنبياء فمن أين يحصل لغير ~~الأنبياء نور إلهي تدرك به حقائق الغيب وينكشف له أسرار هذه الأمور على ما ~~هي عليه بحيث يصير بنفسه مدركا لصفات الرب وملائكته وما أعده الله في الجنة ~~والنار لأوليائه وأعدائه # وهذا الكلام أصله من مادة المتفلسفة والقرامطة الباطنية الذين يجعلون ~~النبوة فيضا يفيض من العقل الفعال على نفس النبي ويجعلون ما يقع في نفسه من ~~الصور هي ملائكة الله وما يسمعه في نفسه من الأصوات هو كلام الله ولهذا ~~يجعلون النبوة مكتسبة فإذا استعد الإنسان بالرياضة والتصفية فاض عليه ما ~~فاض على نفوس الأنبياء وعندهم هذا الكلام باطل باتفاق المسلمين واليهود ~~والنصارى # ومع هذا فإن هؤلاء لا يقولون إن كل أحد ms1050 يمكنه أن يدرك بالرياضة ما أدركه ~~من هو أكمل منه فلا يتصور على هذا الأصل أن يدرك عامة الخلق ما أدركه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولو فعلوا ما فعلوا فإن كان العلم بما أخبر به لا يعلم ~~إلا بهذا الطريق لم يمكن معرفته بحال # ثم من المعلوم أن هذا لو كان ممكنا لكان السابقون الأولون أحق ~~PageV05P353 الناس بهذا ومع هذا فما منهم من ادعى أنه أدرك بنفسه ما أخبر ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم # ومن المعلوم أن الله فضل بعض الرسل على بعض وفضل بعض النبيين على بعض # كما قال تعالى @QB@ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض @QE@ # وقال @QB@ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض @QE@ # كما خص موسى بالتكليم فلا يمكن عامة الأنبياء والرسل أن يسمع كلام الله ~~كما سمعه موسى ولا يمكن غير محمد أن يدرك بنفسه ما أراه الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ليلة المعراج وغير ليلة المعراج # فإذا كان إدراك مثل ذلك لا يحصل للرسل والأنبياء فكيف يحصل لغيرهم # ولكن الذي قال هذا يظن أن تكليم الله لموسى من جنس الإلهامات التي تقع ~~لآحاد الناس ولهذا ادعوا أن الواحد من هؤلاء قد يسمع كلام الله كما سمعه ~~موسى بن عمران وله في كتاب مشكاة الأنوار من الكلام المبني على أصول هؤلاء ~~المتفلسفة ما لا يرضاه لا اليهود ولا النصارى ومن هناك مرق صاحب خلع ~~النعلين وأمثاله من PageV05P354 أهل الإلحاد كصاحب الفصوص ابن عربي الذي ~~ادعى أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء وأن الأنبياء جميعهم إنما ~~يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء # وتلك المعرفة عندهم هي كون الوجود واحدا لا يتميز فيه وجود الخالق عن ~~وجود المخلوق وادعى أن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحى به إلى الرسول وخاتم الأولياء وإن كان قد تكلم به أبو عبد الله ~~الترمذي وغيره وتكلموا فيه بكلام باطل أنكره عليهم أهل العلم والإيمان فلم ~~يصلوا به إلى هذا الحد # ولكن هذا بناه ابن ms1051 عربي وأمثاله من الملاحدة على أصول الفلاسفة الصابئة ~~وهؤلاء أخذوا كلام الفلاسفة أخرجوه في قالب المكاشفة والمشاهدة # والملك عند هؤلاء ما يتخيل في نفس النبي من الصورة الخيالية وهم يقولون ~~إن للنبي ثلاث خصائص إحداها أن يكون له قوة PageV05P355 قدسية ينال بها ~~العلم بلا تعلم الثانية أن تكون له قوة نفسانية يؤثر بها في هيولي العالم ~~الثالثة أن يرى ويسمع في نفسه بطريق التخيل ما يتمثل له من الحقائق فيجعلون ~~ما يراه الأنبياء من الملائكة ويسمعونه منهم إنما وجوده في أنفسهم لا في ~~الخارج # وخاتم الأولياء عندهم يأخذ المعقولات الصريحة التي لا تفتقر إلى تخيل ومن ~~كان هذا قوله قال إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي إلى ~~خاتم الأنبياء فإن الملك عنده هو الخيال الذي في نفس النبي وهو يأخذ من ~~المعدن الذي يأخذ منه الخيال # فهذا وأمثاله هو المكاشفة التي يرجع إليها من استغنى عن تلقي الأمور من ~~جهة السمع وهؤلاء هم الذين سلكوا ما أشار إليه صاحب الإحياء وأمثاله ممن ~~جرى في بعض الأمور على قانون الفلاسفة # وطريق هؤلاء المتفلسفة شر من طريق اليهود والنصارى وقد بسط الكلام على ~~طريقهم في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن هؤلاء مع إلحادهم وإعراضهم عن الرسول وتلقى الهدى من ~~طريقه وعزله في المعنى هم متناقضون في قول مختلف يؤفك عنه من أفك فكل من ~~أعرض عن الطريقة السلفية النبوية الشرعية الإلهية فإنه لابد أن يضل ويتناقض ~~ويبقى في الجهل المركب أو البسيط PageV05P356 # وكان المقصود أولا بيان تناقض من أعرض عن الأدلة السمعية الشرعية في ~~الأصول الخبرية كالصفات والنبوات والمعاد وأنه من سلك طريقا يتناول به علم ~~هذه الأمور غير الطريقة الشرعية النبوية فإن قوله متناقض فاسد وليس له ~~قانون مستقيم يعتمد عليه فكيف بمن عارضها بطريق تناقضها يعتمد فيها على ~~آراء متناقضة يحسبها براهين عقلية ومشاهدات ومخاطبات ربانية وهي خيالات ~~فاسدة وأوهام باطلة كما قال السهيلي أعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي # وأما بيان فساد ذلك ms1052 من جهة الرسل والإيمان بهم فنقول $ الوجه السابع ~~والثلاثون # أنا نعلم بالاضطرار من دين النبي صلى الله عليه وسلم ودين أمته المؤمنين ~~به بطلان لوازم هذا القول وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم بل نعلم ~~بالاضطرار من دينه أن لوازم هذا القول من أعظم الكفر والإلحاد وذلك لأن ~~لازم هذه المقالة وحقيقتها ومضمونها أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكون ~~فيما أخبر به عن الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لا علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير فلا يستفاد منه علم بذلك ولا هدى يعرف به الحق من الباطل ~~ولا يكون الرسول قد هدى الناس ولا بلغهم بلاغا بينا ولا أخرجهم من الظلمات ~~إلى النور ولا هداهم إلى صراط العزيز الحميد PageV05P357 # ومعلوم أن كثيرا من خطاب القرآن بل أكثره متعلق بهذا الباب فإن الخطاب ~~العلمي في القرآن أشرف من الخطاب العملي قدرا وصفة # فإذا كان هذا الخطاب لا يستفيدون منه معرفة ولم يبين لهم الرسول مراده ~~ومقصوده بهذا الخطاب بل إنما يرجع أحدهم في معرفة الأمور التي ذكرها ووصفها ~~وأخبرهم عنها إلى مجرد رأيه وذوقه فإن وافق خبر الرسول ما عنده صدق بمفهوم ~~ذلك ومقتضاه وإلا أعرض عنه كما يعرض المسلم عن الإسرائيليات المنقولة عن ~~أهل الكتاب كان هذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول # وهذا يعلمه كل من علم ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان ~~مؤمنا أو كافرا فإن كل من بلغته دعوة الرسول وعرف ما كان يدعو إليه علم أنه ~~لم يكن يدعو الناس إلى أن يعتقدوا فيه هذه العقيدة # فالمقصود أنه يعلم بالاضطرار أن هؤلاء مناقضون لدعوة الرسول وأن هذا ~~يعرفه كل من عرف حال الرسول من مؤمن وكافر ولوازم هذا القول أنواع كثيرة من ~~الكفر والإلحاد كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى PageV05P358 $ الوجه ~~الثامن والثلاثون # أن يقال إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ما بين للناس أصول إيمانهم ~~ولا عرفهم علما يهتدون به في أعظم أمور الدين ms1053 وأجل مقاصد الدعوة النبوية ~~وأجل ما خلق الخلق له وأفضل ما أدركه الخلق وحصلوه وانتهوا إليه بل إنما ~~بين لهم الأمور العملية فإذا كان كذلك فمن الملعوم أن من علمهم وبين لهم ~~أشرف القسمين وأعظم النوعين كان ما أتاهم به أفضل مما أتاهم به من لم يبين ~~إلا القسم المفضول والنوع المرجوح # وحينئذ فمذهب النفاة للصفات ليس من أئمته أحد من خيار هذه الأمة وسابقيها ~~وإنما أئمتهم الكبار القرامطة الباطنية من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم ~~ومن يوافق هؤلاء من ملاحدة الفلاسفة وملاحدة المتصوفة القائلين بالوحدة ~~والحلول والاتحاد كابن سينا والفارابي وابن عربي وابن سبعين وأمثال هؤلاء # ثم من هو أمثل هؤلاء كأئمة الجهمية مثل الجهم بن صفوان والجعد بن درهم ~~وأبي الهذيل العلاف وأبي إسحاق النظام PageV05P359 وبشر المريسي وثمامة بن ~~أشرس وأمثال هؤلاء فيكون ما أتى به هؤلاء من العلم والهدى والمعرفة أفضل ~~وأشرف مما أتى به موسى بن عمران ومحمد بن عبد الله سيد ولد آدم وأمثالهما ~~من الرسل صلوات الله عليهم وسلامه لأن هؤلاء عند النفاة الجهمية لم يبينوا ~~افضل العلم وأشرف المعرفة وإنما بينها أولئك على قول النفاة # ولازم هذا القول أن يكون عند النفاة الجهمية أولئك أفضل من الأنبياء ~~والرسل في العلم بالله وبيان العلم بالله وقد صرح أئمة هؤلاء بهذا فابن ~~عربي وأمثاله يقولون إن الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة ~~خاتم الأولياء وأن هذا الخاتم يأخذ العلم من المعدن الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحى به إلى الرسول # وابن سبعين يقول إنه بين العلم الذي رمز إليه هرامس الدهور الاولية ورامت ~~إفادته الهداية النبوية فعلى قوله إن الأنبياء راموا إفادته وما أفادوه ~~PageV05P360 # وطائفة من المتفلسفة يقولون إن الفيلسوف أفضل من النبي وأكمل منه وهكذا ~~ملاحدة الشيعة من الإسماعيلية ونحوهم يقولون إن أئمتهم كمحمد بن إسماعيل بن ~~جعفر ونحوه أفضل من موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين # ثم إن هذا كثر في طوائف من جهال البربر والأكراد والفرس والعرب يعتقدون ~~في شيخهم أنه أفضل ms1054 من النبي صلى الله عليه وسلم ومن شيوخ هؤلاء من يكون ~~منافقا زنديقا # ومن قال في أئمة الإسماعيلية وأمثالهم من الشيوخ المنافقين والفاسقين إنه ~~أفضل من الرسل فإن هؤلاء شر من النصارى فإن النصارى يزعمون أن الحواريين ~~وأمثالهم أفضل من إبراهيم الخليل وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء ~~والحواريون كانوا مؤمنين فإذا كان من قال هذا من النصارى من أجهل الناس ~~وأكفرهم فمن فضل ملحدا من الملاحدة على أنبياء الله ورسله كان كفره أعظم من ~~كفر النصارى من هذا الوجه PageV05P361 # بل هؤلاء قد يكونون شرا ممن يفضل من النصارى على إبراهيم وموسى وداود ~~وسليمان وغيرهم كبولص وأمثاله الذين يقال إنهم ابتدعوا للنصارى ما ابتدعوه ~~من الضلالات وأضلوهم وأدخلوا في دين المسيح من دين المشركين والصابئين من ~~الروم وأمثالهم ما أفسدوا به دين المسيح صلى الله عليه وسلم وجعلوا النصارى ~~على الضلالات التي فارقوا بها دين المسيح حتى قال من قال من العلماء إن ~~النصارى صاروا على مذهب الروم المشركين لا أن الروم صاروا على دين النصارى ~~فإن أولئك غيروا شريعة دين المسيح مستبدلين بها ما استبدلوه من شرائع ~~المشركين وغايتهم أنه ركبوا دينا من دين الفلاسفة والصابئين والمشركين ودين ~~النصارى كما صنع ماني لما ركب دينا من دين المجوس ودين النصارى PageV05P362 # فإذا كان هؤلاء من أجهل الناس وأكفرهم فمن جعل أئمة الملاحدة الباطنية ~~أفضل من محمد وإبراهيم وموسى وعيسى كان أكفر من هؤلاء # وهؤلاء الملاحدة ركبوا مذهبا من دين المجوس ودين الصابئين ودين رافضة هذه ~~الأمة فطافوا على أبواب المذاهب وفازوا بأخس المطالب فإنهم يبطنون من ~~مناقضة الرسل وإبطال ما جاؤوا به ما لم يبطنه أتباع بولص وأمثاله من ~~النصارى # ومن لم يصل إلى هذا الحد من ملاحدة المتكلمين والمتعبدين ونحوهم فقد ~~شاركهم في الأصل وهو تفضيل أئمته وشيوخه على الأنبياء ومن لم يقر منهم ~~بتفضيل أئمته وشيوخه على الأنبياء لزمه ذلك لزوما لا محيد عنه كما تقدم إذا ~~جعل العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله والمعاد لا يستفاد من خطاب الأنبياء ms1055 ~~وكلامهم وبيانهم وطريقهم التي بينوها وإنما يستفاد من كلام شيوخه وأئمته $ ~~الوجه التاسع والثلاثون # أن يقال إن الرسل لم يسكتوا عن الكلام في هذا الباب ولو سكتوا عنه للزم ~~تفضيل شيوخ النفاة وأئمتهم على الأنبياء كما تقدم فكيف إذا تكلموا فيه بما ~~يفهم منه الخلق نقيض الحق على قول النفاة PageV05P363 فإذا كان الحق هو قول ~~النفاة ولم يتكلموا إلا بما يدل على نقيضه كانوا مع أنهم لم يهدوا الخلق ~~ويعلموهم الحق عند النفاة قد لبسوا عليهم ودلسوا بل أضلوهم وجهلوهم ~~وأخرجوهم إلى الجهل المركب وظلمات بعضها فوق بعض إما من علم كانوا عليه ~~وإما من جهل بسيط أو حيروهم وشككوهم وجعلوهم مذبذبين لا يعرفون الحق من ~~الباطل ولا الهدى من الضلال إذ كان ما تكلموا به عارضوا به طرق العلم ~~العقلية والكشفية # فعند هؤلاء كلام الأنبياء وخطابهم في أشرف المعارف وأعظم العلوم يمرض ولا ~~يشفى ويضل ولا يهدى ويضر ولا ينفع ويفسد ولا يصلح ولا يزكي النفوس ويعلمها ~~الكتاب والحكمة بل يدسي النفوس ويوقعها في الضلال والشبهة بل يكون كلام من ~~يسفسط تارة ويبين أخرى كما يوجد في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة كابن ~~الخطيب وابن سينا وابن عربي وأمثالهم خيرا من كلام الله وكلام رسله فلا ~~يكون خير الكلام كلام الله ولا أصدق الحديث حديثه بل يكون بعض قرآن مسيلمة ~~الكذاب الذي ليس فيه كذب في نفسه وإن كانت نسبته إلى الله كذب ولكنه مما لا ~~يفيد كقوله الفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل إن ذلك من خلق ربنا ~~PageV05P364 لجليل عند هؤلاء الملاحدة خيرا من كلام الله الذي وصف به نفسه ~~ووصف به ملائكته واليوم الآخر وخيرا من كلام رسوله لأن قرآن مسيلمة وإن لم ~~تكن فيه فائدة ولا منفعة فلا مضرة فيه ولا فساد بل يضحك المستمع كما يضحك ~~الناس من أمثاله # وكلام الله ورسوله عند هؤلاء أضل الخلق وأفسد عقولهم وأديانهم وأوجب أن ~~يعتقدوا نقيض الحق في الإيمان باله ورسوله أو يشكوا ويرتابوا في ms1056 الحق أو ~~يكونوا إذا عرفوا بعقلهم تعبوا تعبا عظيما في صرف الكلام عن مدلوله ومقتضاه ~~وصرف الخلق عن اعتقاد مضمونه وفحواه ومعاداة من يقر بذلك وهم السواد الأعظم ~~من أتباع الرسل # وإنما ذكرنا هذا لأن كثيرا من الجهمية النفاة يقولون فائدة إنزال هذه ~~النصوص المثبتة للصفات وأمثالها من الأمور الخبرية التي يسمونها هم المشكل ~~والمتشابه فائدتها عندهم اجتهاد أهل العلم في صرفها عن مقتضاها بالأدلة ~~المعارضة لها حتى تنال النفوس كد الاجتهاد وحتى تنهض إلى التفكر والاستدلال ~~بالأدلة العقلية المعارضة لها الموصلة إلى الحق فحقيقة الأمر عندهم أن ~~الرسل خاطبوا الخلق بما لا يبين الحق ولا يدل على العلم ولا يفهم منه الهدى ~~بل يدل على الباطل ويفهم منه الضلال ليكون انتفاع الخلق بخطاب الرسول ~~اجتهادهم في رد ما أظهرته الرسل وأفهمته الخلق وأنهم بسبب ذلك ينظرون نظرا ~~PageV05P365 يؤديهم إلى معرفة الحق من غير أن ينصب الرسول لهم على الحق ~~دلالة ولا بينة لهم بخطابه أصلا فمثال ذلك عندهم مثل من أرسل مع الحجاج ~~أدلة يدلونهم على طريق مكة وأوصى الأدلاء بأن يخاطبوهم بخطاب يدلهم على غير ~~طريق مكة ليكون ذلك الخطاب سببا لنظرهم واستدلالهم حتى يعرفوا طريق مكة ~~بنظرهم لا بأولئك الأدلاء وحينئذ يردون ما فهم من كلام الأدلاء ويجتهدون في ~~نفي دلالته وإبطال مفهومه ومقتضاه # وإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أن خلقا كثيرا لا يتبعون إلا الأدلاء ~~الذين يدعون أنهم أعلم بالطريق منهم وأن ولاة الأمور قد قلدوهم دلالة الحاج ~~أو تعريفهم الطريق وأن درك ذلك عليهم فيتبعون الأدلاء # والطائفة التي ظنت أن الأدلاء لم يقصدوا بكلامهم الدلالة والإفهام ~~والإرشاد إلى سبيل الرشاد صار كل منهم يستدل بنظره واجتهاده فاختلفوا في ~~الطرق وتشتتوا فمنهم من سلك طرقا أخرى غير طريق مكة فأفضت بهم إلى أودية ~~مهلكة ومفاوز متلفة وارض متشعبة فأهلكتهم # وطائفة أخرى شكوا وحاروا فلا مع الأدلاء سلكوا فأدركوا المقصود ولا لطرق ~~المخالفين للأدلاء ركبوا وسلكوا بل وقفوا مواقف التائهين الحائرين حتى ~~هلكوا أيضا في أمكنتهم ms1057 جوعا وعطشا كما هلك PageV05P366 أرباب الطرق ~~المتشعبة فلم يظفروا بالمطلوب ولا نالوا المحبوب بل هلكوا هلاك الخاسر ~~الحائر # وآخرون اختصموا فيما بينهم فصار هؤلاء يقولون الصواب فيما ذكره الأدلاء ~~ونطق به هؤلاء الخبراء وآخرون يقولون بل الصواب مع هؤلاء الذين يقولون إنهم ~~أخبر وأحذق وكلامهم في الدلالة أبين وأصدق وآخرون حاروا مع من الصواب ~~ووقفوا موقف الارتياب فاقتتل هؤلاء وهؤلاء وخذل الواقفون الحائرون لهؤلاء ~~ولهؤلاء ولكن فاتت باختلاف أولئك مصالح دينهم ودنياهم فهلك الحجيج وكثر ~~الضجيج وعظم النشيج واضطربت السيوف وعظمت الحتوف وتزاحف الصفوف وحصل من ~~الفتنة والشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد # فهل من فعل هذا بالحجيج يكون قد هداهم السبيل وأرشدهم إلى اتباع الدليل ~~أم يكون مفسدا عليهم دينهم ودنياهم فاعلا بهم ما لا يفعله إلا أشد عداهم ~~وإذا قال إنما قصدت بذلك أن يجتهد الحجاج في أن يعرفوا الطريق بعقولهم ~~وكشوفهم ولا يستدلوا بكلام الأدلاء الذين أرسلتهم لتعريفهم لينالوا بذلك ~~أجر المجالدين وتنبعث هممهم إلى طريق المجادلين هل يصدقه في ذلك عاقل أو ~~يقبل عذره من عنده حاصل # فهذا مثال ما يقوله النفاة في رسل الله الذين أرسلهم الله تعالى إلى ~~الخلق ليعلموهم ويهدوهم سبيل الله ويدعوهم إليه كما قال تعالى PageV05P367 ~~@QB@ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد @QE@ # وقال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا @QE@ # وقال تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ وأمثال ذلك # فجعل هؤلاء الجهاد في إفساد سبيل الله جهادا في سبيل الله والاجتهاد في ~~تكذيب رسل الله اجتهادا في تصديق رسل الله والسعي في إطفاء نور الله سعيا ~~في إظهار نور الله والحرص على أن لا تصدق كلمته ولا تقبل شهادته أو لا تفيد ~~دلالته سعيا في أن تكون كلمة الله هي العليا والمبالغة في طريق أهل الإشراك ~~بالله والتعطيل مبالغة في طريق ms1058 أهل التوحيد السالكين سواء السبيل فقلبوا ~~الحقائق وأفسدوا الطرائق وأضلوا الخلائق # وهذه المعاني وأمثالها وأعظم منها يعرفها كل من فهم لوازم أقوال هؤلاء ~~المبدلين المعطلين وإن كان قد التبس كثير من كلامهم على من لا يعرف لا الحق ~~ولا نقيضه بل صار حائرا حتى أنك تجد كثيرا ممن عنده علم وفقه وعبادة وزهد ~~وحسن قصد وقد ضرب في العلم والدين بسهم وافر وهو لا يختار أن ينحاز عن ~~المؤمنين بالله واليوم الآخر فيسمع كلام الله وكلام رسوله وأهل العلم ~~والإيمان PageV05P368 وكلام أهل الزندقة والإلحاد الذين سعوا في الأرض ~~بالفساد فيؤمن بهذا وهذا إيمانا مجملا ويصدق الطائفتين أو يعرض عنهما فلا ~~يدخل في تحقيق طريق هؤلاء ولا هؤلاء بمنزلة من سمع كلام محمد بن عبد الله ~~الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم وكلام مسيلمة الكاذب الكافر ولم يفهم ما ~~بينهما من التناقض والاختلاف فصار يصدق هذا وهذا ويقر كلا منهما على ما ~~قاله ويسلم إليه حاله ويقول هذا رسول الله وهذا رسوله # لكن هؤلاء لا يمكنهم التظاهر بين المسلمين بإظهار رسالة غير محمد صلى ~~الله عليه وسلم ولكن يقولون ما هو بمعنى الرسالة أو أبلغ منها فيقولون هذا ~~كلام رسول الله وهذا كلام أولياء الله بل كلام خاتم الأولياء وهذا كلام ~~العارفين المحققين وكلام العقلاء أهل البراهين وكلام النظار المحققين ونحن ~~نسلم هذا وهذا ففضلاؤهم الذين يفهمون التناقض هم في الباطن مع أعداء الرسول ~~وإليهم أميل وهم عندهم أهل التحقيق والتبيين بحقيقة الطريق # وأما من لم يفهم التناقض فقد يكون الطائفتان عنده على السواء وقد يكون ~~إلى أهل مسيلمة أميل لمعنى من المعاني وإلى أبي بكر الصديق وأمثاله أميل من ~~وجه ثان وربما رجح هؤلاء من وجه وهؤلاء من وجه آخر # فهذا وأمثاله من الأمور الواقعة بسبب هذه الواقعة التي أصلها PageV05P369 ~~ترك الاستدلال بكلام الله ورسوله على الأمور العلمية والمطالب الخيرية ~~والمعارف الإلهية $ الوجه الأربعون # أن يقال كل عاقل يعلم بالضرورة أن من خاطب الناس في الطب أو الحساب أو ~~النحو ms1059 أو السياسة والأخلاق أو الهيئة أو غير ذلك من الأمور بكلام عظم قدره ~~وكبر أمره وذكر أنه بين لهم به وعلم وهدى به وأفهم ولم يكن في ذلك الكلام ~~بيان تلك المعلومات ولا معرفة لتلك المطلوبات بل كانت دلالة الكلام على ~~نقيض الحق أكمل وهي على غير العلم أدل كان هذا إما مفرطا في الجهل والضلالة ~~أو الكذب والشيطنة والنذالة فكيف إذا كان قد تكلم في الأمور الإلهية ~~والحقائق الربانية التي هي أجل المطالب العالية وأعظم المقاصد السامية ~~بكلام فضله على كل كلام ونسبه إلى خالق الأنام وجعل من خالفه شبيها ~~بالأنعام وجعلهم من شر الجهلة الضلال الكفار الطغام وذلك الكلام لم يدل على ~~الحق في الأمور الإلهية ولا أفاد علما في مثل هذه القضية بل دلالته ظاهرة ~~في نقيض الحق والعلم والعرفان مفهمة لضد التوحيد والتحقيق الذي يرجح إليه ~~ذوو الإيقان فهل يكون مثل هذا المتكلم إلا في غاية الجهل والضلال أو في ~~غاية الإفك والبهتان والإضلال PageV05P370 # فهذا حقيقة قول هؤلاء الملاحدة في رسل الله الذين هم أفضل الخلق وأعلمهم ~~بالله وأعظمهم هدى لخلق الله لا سيما خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم الذي هو ~~أعلم الخلق بالله وأنصح الخلق لعباد الله وأفصح الخلق في بيان هدى الله ~~صلوات الله وسلامه عليه وعيهم أجمعين # ومن المعلوم أن من وصف الأمر على خلاف ما هو عليه فإما أن يكون قد أتي من ~~علمه أو قصده أو عجزه فإنه قد يكون جاهلا بالحق وقد لا يكون جاهلا به بل ~~ليس مراده تعليم المخاطبين وهداهم وبيان الأمر لهم كما يقصده أهل الكيد ~~والخداع والنفاق وأمثالهم وإما أن يكون علمه تاما وقصده البيان لكنه عجز عن ~~البيان والإفصاح لقصور عبارته وعجزه عن كمال البيان والإيضاح # فإن الفعل يتعذر لعدم العلم أو لعدم القدرة أو لعدم الإرادة فأما إذا كان ~~الفاعل له مريدا له وهو قادر عليه وعالم بما يريده لزم حصول مطلوبه # ومن المعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالله وتوحيده ms1060 ~~وأسمائه وصفاته وملائكته ومعاده وأمثال ذلك من الغيب وهو أحرص الخلق على ~~تعليم الناس وهدايتهم # كما قال تعالى @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم @QE@ # ولهذا كان من شدة حرصه على هداهم يحصل له ألم عظيم إذا لم PageV05P371 ~~يهتدوا حتى يسليه ربه ويعزيه كقوله تعالى @QB@ إن تحرص على هداهم فإن الله ~~لا يهدي من يضل @QE@ # وقال تعالى @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ # وقال تعالى @QB@ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين @QE@ ز وقال تعالى ~~@QB@ وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما ~~في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ~~الجاهلين @QE@ # ثم إنه سبحانه وتعالى أمره بالبلاغ المبين فقال تعالى @QB@ قل أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن ~~تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ # وقال تعالى @QB@ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا ~~أنما على رسولنا البلاغ المبين @QE@ # وقال تعالى @QB@ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ~~نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين @QE@ PageV05P372 # ومعلوم أنه كان من أفصح الناس وأحسنهم بيانا واللغة التي خاطب بها أتم ~~اللغات وأكملها بيانا وقد امتن الله عليهم بذلك كما في قوله تعالى @QB@ الر ~~تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ # وقال تعالى @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم @QE@ # وقال تعالى @QB@ نزل به الروح الأمين @QE@ على قلبك لتكون من المنذرين ~~@QB@ بلسان عربي مبين @QE@ # وقال تعالى @QB@ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين @QE@ ~~وأمثال ذلك # فإذا كان المخاطب أعلم الخلق بما يخبر به عنه ويصفه ويخبر به وأحرص الخلق ~~على تفهيم المخاطبين وتعريفهم وتعليمهم وهداهم وأقدر الخلق على البيان ms1061 ~~والتعريف لما يقصده ويريده كان من الممتنع بالضرورة أن لا يكون كلامه مبينا ~~للعلم والهدى والحق فيما خاطب به وأخبر عنه وبينه ووصفه بل وجب أن يكون ~~كلامه أحق الكلام بأن يكون دالا على العلم والحق والهدى وأن يكون ما ناقض ~~كلامه من الكلام أحق الكلام بأن يكون جهلا وكذبا وباطلا PageV05P373 # وهذا قول جميع من آمن بالله ورسوله فتبين أن قول الذين يعرضون عن طلب ~~الهدى والعلم في كلام الله ورسوله ويطلبونه في كلام غيره من أصناف أهل ~~الكلام والفلسفة والتصوف وغيرهم هم من أجهل الناس وأضلهم بطريق العلم فكيف ~~بمن يعارض كلامه بكلام هؤلاء الذين عارضوه وناقضوه ويقول إن الحق الصريح ~~والعلم والهدى إنما هو في كلام هؤلاء المناقضين المعارضين لكلام رسول رب ~~العالمين دون ما أنزله الله من الكتاب والحكمة وبعث به رسوله من العلم ~~والرحمة $ الوجه الحادي والأربعون # أن يقال كل من سمع القرآن من مسلم وكافر علم بالضرورة أنه قد ضمن الهدى ~~والفلاح لمن اتبعه دون من خالفه كما قال تعالى @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين @QE@ # وقال تعالى @QB@ المص @QE@ كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر ~~به وذكرى للمؤمنين @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء @QE@ # وقال @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى @QE@ ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QB@ قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا @QE@ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ~~تنسى @QB@ وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ~~@QE@ PageV05P374 وقال تعالى @QB@ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون @QE@ # وقال تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ # وقال تعالى @QB@ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض @QE@ # وكذلك نعلم أنه ذم من عارضه وخالفه وجادل بما يناقضه كقوله تعالى @QB@ ما ~~يجادل في ms1062 آيات الله إلا الذين كفروا @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين يجادلون ~~في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ ~~وأمثال ذلك # وإذا كان كذلك فقد علم بالاضطرار أن من جاء بالقرآن أخبر أن من صدق ~~بمضمون أخباره فقد علم الحق واهتدى ومن أعرض عن ذلك كان جاهلا ضالا فكيف ~~بمن عارض ذلك وناقضه PageV05P375 # وحينئذ فكل من لم يقل بما أخبر به القرآن عن صفات الله واليوم الآخر كان ~~عند من جاء بالقرآن جاهلا ضالا فكيف بمن قال بنقيض ذلك # فالأول عند من جاء بالقرآن في الجهل البسيط وهؤلاء في الجهل المركب # ولهذا ضرب الله تعالى مثلا لهؤلاء ومثلا لهؤلاء فقال @QB@ والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب @QE@ فهذا مثل أهل الجهل المركب # وقال تعالى @QB@ أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه ~~سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور @QE@ فهذا مثل أهل الجهل البسيط # ومن تمام ذلك أن يعرف أن للضلال تشابها في شيئين أحدهما الإعراض عما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم والثاني معارضته بما يناقضه فمن الثاني ~~الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة # فكل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيء من أمر الإيمان بالله ~~PageV05P376 واليوم الآخر أو غير ذلك فقد ناقضه وعارضه سواء اعتقد ذلك ~~بقلبه أو قاله بلسانه # وهذا حال كل بدعة تخالف الكتاب والسنة وهؤلاء من أهل الجهل المركب الذين ~~أعمالهم كسراب بقيعة # ومن لم يفهم خبر الرسول ويعرفه بقلبه فهو من أهل الجهل البسيط وهؤلاء من ~~أهل الظلمات # وأصل الجهل المركب هو الجهل البسيط فإن القلب إذا كان خاليا من معرفة ~~الحق واعتقاده والتصديق به كان معرضا لأن يعتقد نقيضه ويصدق به لا سيما في ~~الأمور الإلهية التي هي غاية مطالب البرية وهي أفضل العلوم ms1063 وأعلاها وأشرفها ~~وأسماها والناس الأكابر لهم إليه غاية التشوف والاشتياق وإلى جهته تمتد ~~الأعناق فالمهتدون فيه أئمة الهدى كإبراهيم الخليل وأهل بيته وأهل الكذب ~~فيه أئمة الضلال كفرعون وقومه # قال الله تعالى في أولئك @QB@ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم ~~فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين @QE@ # وقال تعالى في الآخرين @QB@ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة ~~لا ينصرون @QE@ PageV05P377 # فمن لم يكن فيه على طريق أئمة الهدى كان ثغر قلبه مفتوحا لأئمة الضلال ~~ومصداق هذا أن ما وقع في هذه الأمة من البدع والضلال كان من أسبابه تقصير ~~من قصر في إظهار السنة والهدى مثل ما وقع في هذا الباب فإن الجهل المركب ~~الذي وقع فيه أهل التكذيب والجحود في توحيد الله تعالى وصفاته كان من ~~أسبابه التقصير في إثبات ما جاء به الرسول عن الله وفي معرفة معاني أسمائه ~~وآياته حتى أن كثيرا من المنتسبين إلى الكتاب والسنة يرون أن طريقة السلف ~~والأئمة إنما هو الإيمان بألفاظ النصوص والإعراض عن تدبر معانيها وفقهها ~~وعقلها # ومن هنا قال من قال من النفاة إن طريقة الخلف أعلم وأحكم وطريقة السلف ~~أسلم لأنه ظن أن طريقة الخلف فيها معرفة النفي الذي هو عنده الحق وفيها طلب ~~[ التأويل ] لمعاني نصوص الإثبات فكان في هذه عندهم علم بمعقول وتأويل ~~لمنقول ليس في الطريقة التي ظنها طريقة السلف وكان فيه أيضا رد على من ~~يتمسك بمدلول النصوص وهذا عنده من إحكام تلك الطريق # ومذهب السلف عنده عدم النظر في فهم النصوص لتعارض الإحتمالات وهذا عنده ~~أسلم لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معان فتفسيره ببعضها دون بعض فيه مخاطرة ~~وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة # فلو كان قد بين وتبين لهذا وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ~~PageV05P378 ما دلت عليه النصوص من الصفات وفهم ما دلت عليه وتدبره وعقله ~~وإبطال طريقة النفاة وبيان مخالفتها لصريح المعقول وصحيح المنقول علم أن ~~طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم وأهدى إلى الطريق الأقوم ms1064 وأنها تتضمن تصديق ~~الرسول فيما أخبر به وفهم ذلك ومعرفته وأن ذلك هو الذي يدل عليه صريح ~~المعقول ولا يناقض ذلك إلا ما هو باطل وكذب وأن طريقة النفاة المنافية لما ~~أخبر به الرسول طريقة باطلة شرعا وعقلا وأن من جعل طريقة السلف عدم العلم ~~بمعاني الآيات وعدم إثبات ما تضمنته من الصفات فقد قال غير الحق إما عمدا ~~وإما خطأ كما أن من قال على الرسول إنه لم يبعث بإثبات الصفات بل بعث بقول ~~النفاة كان مفتريا عليه # وهؤلاء النفاة هم كذابون إما عمدا وإما خطأ على الله وعلى رسوله وعلى سلف ~~الأمة وأئمتها كما أنهم كذابون إما عمدا وإما خطأ على عقول الناس وعلى ما ~~نصبه الله تعالى من الأدلة العقلية والبراهين اليقينية # والكذب قرين الشرك كما قرن بينهما في غير موضع كقوله تعالى @QB@ فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ~~وكذلك نجزي المفترين @QE@ PageV05P379 # وقال تعالى @QB@ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا ~~من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون @QE@ # وتجد هؤلاء حائرين في مثل قوله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب @QE@ حيث ظنوا أن المراد بالتأويل صرف النصوص عن مقتضاها # وطائفة تقول إن الراسخين في العلم يعلمون هذا التأويل وهؤلاء يجوزون مثل ~~هذه التأويلات التي هي تأويلات الجهمية النفاة # ومنهم من يوجبها تارة ويجوزها تارة وقد يحرمونها على بعض الناس أو في بعض ~~الأحوال لعارض حتى أن الملاحدة من المتفلسفة والمتصوفة وأمثالهم قد يحرمون ~~التأويلات لا لأجل الإيمان والتصديق بمضمونها بل لعلمهم بأنه ليس لها قانون ~~مستقيم وفي إظهارها إفساد الخلق فيرون الإمساك عن ذلك مصلحة وإن كان حقا في ~~نفسه # وهؤلاء قد يقولون الرسل خاطبوا الخلق بما لا يدل على الحق لأن ms1065 مصلحة ~~الخلق لا تتم إلا بذلك بل لا تتم إلا بأن تخيلوا لهم في أنفسهم ما ليس ~~موجودا في الخارج لنوع من المصلحة كما يخيل للنائم والصبي والقليل العقل ما ~~لا وجود له لنوع من المناسبة لما له في ذلك من المصلحة PageV05P380 # وطائفة يقولون هذا التأويل لا يعلمه إلا الله # ثم من هؤلاء من يقول تجرى على ظواهرها ويتكلم في إبطال التأويلات بكل ~~طريق # ومن المعلوم أنه إذا كان لها تأويل يخالف ظاهرها لم يحمل على ظاهره وما ~~حمل على ظاهره لم يكن له تأويل يخالف ذلك فضلا عن أن يقال يعلمه الله أو ~~غيره # بل مثل هذا التأويل يقال فيه كما قال تعالى @QB@ قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض @QE@ فإن ما كان منتفيا لا وجود له لا يعلمه ~~الله إلا منتفيا لا وجود له لا يعلمه ثابتا موجودا # وسبب هذا الإضطراب أن لفظ التأويل في عرف هؤلاء المتنازعين ليس معناه ~~التأويل في التنزيل بل ولا في عرف المتقدمين من مفسري القرآن فإن أولئك كان ~~لفظ التأويل عندهم بمعنى التفسير ومثل هذا التأويل يعلمه من يعلم تفسير ~~القرآن # ولهذا لما كان مجاهد إمام أهل التفسير وكان قد سأل ابن عباس رضي الله ~~عنهما عن تفسير القرآن كله وفسره له كان يقول إن الراسخين في العلم يعلمون ~~التأويل أي التفسير المذكور # وهذا هو الذي قصده ابن قتيبة وأمثاله ممن يقول إن PageV05P381 الراسخين ~~في العلم يعلمون التأويل ومرادهم به التفسير وهم يثبتون الصفات لا يقولون ~~بتأويل الجهمية النفاة التي هي صرف النصوص عن مقتضاها ومدلولها ومعناها # وأما لفظ التأويل في التنزيل فمعناه الحقيقة التي يؤول إليها الخطاب وهي ~~نفس الحقائق التي أخبر الله عنها فتأويل ما أخبر به عن اليوم الآخر هو نفس ~~ما يكون في اليوم الآخر وتأويل ما أخبر به عن نفسه هو نفسه المقدسة ~~الموصوفة بصفاته العلية # وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله ولهذا كان السلف يقولون الإستواء ~~معلوم والكيف مجهول فيثبتون ms1066 العلم بالإستواء وهو التأويل الذي بمعنى ~~التفسير وهو معرفة المراد بالكلام حتى يتدبر ويعقل ويفقه ويقولون الكيف ~~مجهول وهو التأويل الذي انفرد الله بعلمه وهو الحقيقة التي لا يعلمها إلا ~~هو # وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح ~~كتأويل من تأول استوى بمعنى استولى ونحوه فهذا عند السلف والأئمة باطل لا ~~حقيقة له بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله ~~وآياته PageV05P382 # فلا يقال في مثل هذا التأويل لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم بل ~~يقال فيه @QB@ قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض @QE@ ~~كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية كتأويل من تأول الصلوات الخمس بمعرفة ~~أسرارهم والصيام بكتمان أسرارهم والحج بزيارة شيوخهم والإمام المبين بعلي ~~بن أبي طالب وأئمة الكفر بطلحة والزبير والشجرة الملعونة في القرآن ببني ~~أمية واللؤلؤ والمرجان بالحسن والحسين والتين والزيتون وطور سينين وهذا ~~البلد الأمين بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والبقرة بعائشة وفرعون بالقلب ~~والنجم والقمر والشمس بالنفس والعقل ونحو ذلك # فهذه التأويلات من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في آيات الله وهي ~~من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه ومثل هذه لا تجعل حقا حتى يقال إن ~~الله استأثر بعلمها بل هي باطل مثل شهادة الزور وكفر الكفار يعلم الله أنها ~~باطل والله يعلم عباده بطلانها بالأسباب التي بها يعرف عباده من نصب الأدلة ~~وغيرها # وأصل وقوع أهل الضلال في مثل هذا التحريف الإعراض عن فهم كتاب الله تعالى ~~كما فهمه الصحابة والتابعون ومعارضة ما دل عليه بما يناقضه وهذا هو من أعظم ~~المحادة لله ولرسوله لكن على وجه النفاق والخداع PageV05P383 # وهو حال الباطنية وأشباههم ممن يتظاهر بالإسلام واتباع القرآن والرسالة ~~بل بموالاة أولياء الله تعالى من أهل بيت النبوة وغيرهم من الصالحين وهو في ~~الباطن من أعظم الناس مناقضة للرسول فيما أخبر به وما أمر به لكنه يتكلم ~~بألفاظ القرآن والحديث ويضم إلى ذلك من المكذوبات ما لا يحصيه إلا ms1067 الله ثم ~~يتأول ذلك من التأويلات بما يناسب ما أبطنه من الأمور المناقضة لخبر الله ~~ورسوله وأمر الله ورسوله ويظهر تلك التأويلات لمستجيبيه بحسب ما يراه من ~~قبولهم وموافقتهم له # مثل أن يروا أن العالم كله مفعول ومصنوع لشيء يسميه العقل الأول فجعله هو ~~رب الكائنات ومبدع الأرض والسموات ولكنه لازم للواجب بنفسه ومعلول له وأنه ~~يلزمه عقل ونفس وفلك ثم يلزم ذلك العقل عقل ونفس وفلك حتى ينتهي الأمر إلى ~~العقل العاشر الذي أبدع بزعمه جميع ما تحت السماء من العناصر والحيوان ~~والمعادن وغير ذلك وهو الذي يفيض عنه العلم والنبوة والرسالة وغير ذلك في ~~أنفس العباد وعنه صدر القرآن والتوراة وغير ذلك # ثم يريد أن يوفق بين هذا وبين ما أخبرت به الرسل فيقول هذه العقول هي ~~الملائكة التي أخبرت بها الأنبياء وقد يقول عن هذا العقل الفعال إنه جبريل ~~الذي ما هو على الغيب بضنين أي ببخيل لأنه دائم الفيض بزعمه ولكن يحصل ~~الفيض بحسب استعداد القوابل PageV05P384 # ومن المعلوم بالإضطراب لكل من تدبر ما أخبرت به الرسل من صفات الملائكة ~~أن هذه العقول التي وصفها هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركون ليست هي ~~الملائكة [ فإنا نعلم بالإضطرار أنهم لم يجعلوا ملكا واحدا أبدع جميع ما ~~سوى الله تعالى ولا ملكا أبدع جميع ما تحت السماء ولا جعلوا الملائكة ~~أربابا ولا آلهة # بل قد قال تعالى @QB@ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون @QE@ # وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون @QE@ # إلى @QB@ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم @QE@ ونحو ذلك من ~~الآيات # فغاية الملك أن يكون شافعا عند الله ولا يشفع إلا من بعد إذنه # ومن المعلوم أن كفر هؤلاء أعظم من كفر النصارى فإن النصارى يقرون بإله ~~خلق جميع المخلوقات لا يجعلون له معلولا خلق المخلوقات لكن يقولون إنه اتحد ~~بالمسيح # وأما هؤلاء فيثبتون عقولا لا حقيقة لها ثم يقولون إن كلا منها أبدع الآخر ~~وسائر العالم ms1068 PageV05P385 # وتسميتهم للعقول بالملائكة باطل ثم يستدل من يجمع بين كلامهم وكلام ~~الأنبياء بحديث موضوع نبه على وضعه أبو حاتم البستي والعقيلي والدارقطني ~~والخطيب وابن الجوزي # وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول ما خلق الله العقل ~~فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا ~~أكرم علي منك فبك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وعليك العقاب # ومع هذا فهو لفظه لما خلق الله العقل فهذا اللفظ يقتضي أنه خاطبه في أول ~~أوقات خلقه لا يقتضي أنه أول المخلوقات بل هذا اللفظ يقتضي أنه خلق قبله ~~غيره فإنه قال له ما خلقت خلقا أكرم علي منك # وأيضا فإنه وصف بالإقبال والإدبار والعقل عندهم لا يقبل ولا يدبر # وأيضا فإنه قال بك آخذ وبك أعطي وبك الثواب وعليك العقاب وهؤلاء عندهم ~~جميع الموجودات صادرة عنه من العقول والأفلاك والأرض والحيوان والنبات ونحو ~~ذلك # والأعراض من العلوم والإرادات فقول القائل بك آخذ وبك أعطي إلى آخره ~~يقتضي أن به هذه الأعراض الأربعة وعندهم PageV05P386 جميع الكائنات هو ~~مبدعها وهو ربهم الأعلى فمرتبته عندهم أجل مما وصف في هذا الحديث # فهؤلاء يتمسكون من السمعيات بمثل هذا الحديث المكذوب وهو لا يدل إلا على ~~نقيض المطلوب لا إسناد ولا متن ثم يفسرون هذه الأحاديث مقلوبا ويعبرون بتلك ~~الألفاظ عن معان غير ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعبرون بلفظ ~~الملك و الملكوت و الجبروت عن الجسم والنفس والعقل # ولفظ الملك والملكوت والجبروت في كلام الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم لا يراد به ذلك # وكذلك يعبرون بلفظ الملائكة والشياطين عن قوى النفس المحمودة والمذمومة ~~وبالضرورة من الدين أن الرسل أرادوا بالملائكة والشياطين أعيانا قائمة ~~بأنفسها متميزين لا مجرد أعراض قائمة بنفس الإنسان كالقوة الجاذبة والماسكة ~~والدافعة والهاضمة وقوة الشهوة والغضب وإن كان قد يسمى بعض الأعراض باسم ~~صاحبه $ الوجه الثاني والأربعون # [ أن يقال إن ] هؤلاء متناقضون تناقضا بينا فإنهم جعلوا PageV05P387 ~~المعلومات ms1069 ثلاثة أقسام ما لا يعلم إلا بالعقل وما لا يعلم إلا بالسمع وما ~~يعلم بكل منهما وجعلوا من المعلومات التي لا تعلم إلا بالسمع الإخبار عما ~~يمكن وجوده وعدمه # ومعلوم أن ما ذكروه ينفي أن يكون الدليل السمعي حجة في هذا القسم أيضا ~~وذلك لأن الشيء الذي يمكن وجوده وعدمه إذا دل الدليل السمعي على أحد طرفيه ~~وجوزنا أن لا يكون مدلول الدليل السمعي ثابتا أمكن هنا أيضا أن لا يكون ذلك ~~المدلول المخبر به ثابتا في نفس الأمر وأن يكون الشارع لم يرد مادل عليه ~~قوله ولا يحتاج ذلك إلى تجويز قيام دليل عقلي يعارض ذلك فإن المعارض الدال ~~على أن مدلول الدليل السمعي غير ثابت أو أن الشارع لم يرد بكلامه ما دل ~~عليه إذا قدر عدمه لم يلزم انتفاء مدلوله فإن الدليل لا ينعكس فلا يلزم من ~~عدم الدليل العقلي النافي لموجب الدليل السمعي عدم مدلوله إذا جوزنا أن ~~يكون مدلوله ثابتا في نفس الأمر فإنه كما لا يلزم من عدم علمنا عدم الدليل ~~لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه # وحينئذ فلا يستدل بالسمع على ما لا مجال للعقل فيه من الأمور الأخروية ~~وهذا نهاية الإلحاد # فإن اعتذروا عن ذلك بأن الشارع لا يجوز أن يريد بكلامه ما يخالف ظاهره ~~إلا أن يكون في العقل ما يدل على ذلك # قيل جوابك عن هذا كجوابكم للمعتزلة لما قالوا لا يجوز أن PageV05P388 ~~يسمعه الخطاب الذي أراد به خلاف ظاهره إلا إذا أخطر بباله العقلي المعارض # فلما قلتم له هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح وأيضا فالتفريط من المكلف ~~كما تقدم إيراده # فيقال لكم هنا كذلك هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح وأيضا فالتفريط من ~~المكلف لأنه لما اعتقد في الأدلة السمعية أنها تفيد اليقين وهي لا تفيد ~~اليقين كان مفرطا فكان جزمه بمدلول خبر الشارع مطلقا تفريط منه مع تجويزه ~~أن يريد بخطابه خلاف ظاهره # فإن سلكوا طريقة أخرى وهو أنه لا يحتج بالسمع على شيء من ms1070 المسائل العلمية ~~وقالوا المعاد ونحوه معلوم بالضرورة من دين الرسول صلى الله عليه وسلم كما ~~علم وجوب الصلاة وأجابوا به ابن سينا كان هذا أيضا جوابا لأهل الإثبات فإن ~~إثبات الأسماء والصفات والأفعال معلوم بالضرورة بل وإثبات العلو أيضا # ومنشأ الضلال قوله لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما دل ~~عليه الدليل السمعي وإثبات هذا التقدير هو الذي أوقعكم في هذه المحاذير ~~فكان ينبغي لكم أن تعلموا أن هذا التقدير يجب نفيه قطعا وأنه يمتنع أن يقوم ~~دليل قاطع عقلي مخالف للدليل السمعي # PageV05P389 ثم هؤلاء يحكون إجماعات يجعلونها من أصول علمهم ولا يمكنهم ~~نقلها عن واحد من أئمة الإسلام وإنما ذلك بحسب ما يقوم في أنفسهم من الظن ~~فيحكون ذلك عن الأئمة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المحافل # فإذا قيل لأحدهم في الخلوة أنت حكيت أن هذا قول هؤلاء الأئمة فمن نقل ذلك ~~عنهم قال هذا العقلاء والأئمة لا يخالفون ] العقلاء فيحكون أقوال السلف ~~والأئمة لاعتقادهم أن العقل دل على ذلك # ومن المعلوم أنه لو كان العقل يدل على ذلك باتفاق العقلاء لم يجز أن يحكى ~~عن الإنسان قول لم ينقله عنه أحد ولهذا كان أهل الحديث يتحرون الصدق حتى أن ~~كثيرا من الكلام الذي هو في نفسه صدق وحق موافق للكتاب والسنة يروى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيضعفونه أو يقولون هو كذب عليه لكونه لم يقله أو ~~لم يثبت عنه وإن كان معناه حقا # ولكن أهل البدع أصل كلامهم الكذب إما عمدا وإما بطريق الابتداع ولهذا ~~يقرن الله بين الكذب والشرك في غير موضع من كتابه كقوله تعالى @QB@ إن ~~الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي ~~المفترين @QE@ وقوله تعالى @QB@ واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين ~~به @QE@ PageV05P390 # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عدلت شهادة الزور الإشراك مرتين أو ~~ثلاثا # وقال تعالى @QB@ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا ~~من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا ms1071 برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون @QE@ # وهذا كحكاية الرازي وإجماع المعتبرين على إمكان وجود موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا يمكن أحد أن ينقل عن نبي من أنبياء الله تعالى ولا من ~~الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة ولا أعيان أئمتها وشيوخها إلا ما يناقض ~~هذا القول ولا يمكنه أن يحكي هذا عمن له في الأمة لسان صدق أصلا # وكما تقول طائفة كأبي المعالي وغيره اتفق المسلمون على أن الأجسام تتناهى ~~في تجزئها وانقسامها حتى تصير أفرادا فكل جزء لا يتجزأ وليس له طرف واحد ~~PageV05P391 # ومعلوم أن هذا القول لم يقله إلا طائفة من أهل الكلام لم يقله أحد من ~~السلف والأئمة وأكثر طوائف أهل الكلام من الهاشمية والضرارية والنجارية ~~والكلابية وكثير من الكرامية على خلاف ذلك PageV05P392 # | الوجه الثالث والأربعين # أن يقال المعارضون للكتاب والسنة بآرائهم لا يمكنهم أن يقولوا إن كل واحد ~~من الدليلين المتعارضين هو يقينى وقد تناقضا على وجه لا يمكن الجمع بينهما ~~فإن هذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقول ولكن نهاية ما يقولونه إن الأدلة ~~الشرعية لا تفيد اليقين وإن ما ناقضها من الأدلة البدعية التي يسمونها ~~العقليات تفيد اليقين فينفون اليقين عن الأدلة السمعية الشرعية ويثبتونه ~~لما ناقضها من أدلتهم المبتدعة التي يدعون أنها براهين قطعية # ولهذا كان لازم قولهم الإلحاد والنفاق والإعراض عما جاء به الرسول ~~والإقبال على ما يناقض ذلك كالذين ذكرهم الله تعالى في كتابه من مجادلى ~~الرسل كما قال @QB@ وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا ~~به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب @QE@ سورة غافر 5 PageV06P003 # وقوله تعالى @QB@ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك ~~تقلبهم في البلاد @QE@ سورة غافر 4 # وقوله تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ~~ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون @QE@ سورة الأنعام 112 113 ms1072 وأمثال ذلك وهذا باب واسع في كتاب الله # ومقصودنا تنبيه المؤمنين على حال مثل هؤلاء في كتاب الله وإلا فالمقصود ~~هنا دفعهم عن الرسل ومن جاهد الكفار والمنافقين لم يحتج عليهم بأقوال من ~~كذبوه من المرسلين ولكن المؤمن بالرسل يستفيد بهذا أن جنس هؤلاء هم ~~المكذبون للرسل # وأما طريق الرد عليهم فلنا فيه مسالك # الأول # | أن نبين فساد ما ادعوه معارضا للرسول صلى الله عليه وسلم من عقلياتهم # الثاني أن نبين أن ما جاء به الرسول معلوم بالضرورة من دينه أو معلوم ~~بالأدلة اليقينية وحينئذ فلا يمكن مع تصديق الرسول أن نخالف ذلك وهذا ينتفع ~~به كل من آمن بالرسول PageV06P004 # الثالث $ أن نبين أن المعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل لا يناقضه ~~إما بأن ذلك معلوم بضرورة العقل وإما بأنه معلوم بنظره وهذا أقطع لحجة ~~المنازع مطلقا سواء كان في ريب من الإيمان بالرسول وبأنه أخبر بذلك أو لم ~~يكن كذلك فإن هؤلاء المعارضين منهم خلق كثير في قلوبهم ريب في نفس الإيمان ~~بالرسالة وفيهم من في قلبه ريب في كون الرسول أخبر بهذا # وهؤلاء الذين تكلمنا على قانونهم الذين قدموا فيه عقلياتهم على كلام الله ~~ورسوله عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو لله ونحوها فإن النصوص التي في ~~الكتاب والسنة بإثبات علو الله على خلقه كثيرة منتشرة قد بهرتهم بكثرتها ~~وقوتها وليس معهم في نفي ذلك لا آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا قول أحد من سلف الأمة إلا أن يرووا في ذلك ما يعلم ~~أنه كذب كحديث عوسجة وأمثاله وإما أن يحتجوا بما يعلم أنه لا دلالة له على ~~مطلوبهم كاستدلالهم بأنه أحد والأحد لا يكون فوق العرش PageV06P005 لأنه لو ~~كان فوق العرش لم يكن أحدا بناء على أن ما فوق العرش يكون جسما والجسم ~~منقسم فلا يكون أحدا والأجسام متماثلة فيكون له كفو ونظير # وقد بين فساد مثل هذة الأدلة السمعية بوجوه كثيرة في غير هذا الموضع ~~وبينا ms1073 أن اسم الواحد والأحد لا يقع في لغة العرب إلا على نقيض مطلوبهم ~~كقوله تعالى @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~@QE@ سورة التوبة 6 وقوله @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا @QE@ سورة المدثر 11 ~~وقوله @QB@ وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ سورة النساء 11 وقوله @QB@ أيود ~~أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب @QE@ سورة البقرة 266 وقوله @QB@ ~~فابعثوا أحدكم بورقكم @QE@ سورة الكهف 19 إلى قوله @QB@ ولا يشعرن بكم أحدا ~~@QE@ سورة الكهف 19 وقوله @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت @QE@ سورة ~~البقرة 185 وقوله @QB@ شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت @QE@ سورة المائدة ~~106 وقوله @QB@ يود أحدهم لو يعمر ألف سنة @QE@ سورة البقرة 96 وقوله @QB@ ~~ولم يكن له كفوا أحد @QE@ سورة الإخلاص 4 وقوله PageV06P006 @QB@ قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد @QE@ سورة الجن 22 وقوله @QB@ ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ~~@QE@ سورة الكهف 110 وأمثال ذلك كثير وأن لفظ المثل والمساوى منتفيان في ~~لغة العرب عما ادعوا هم تماثلهما وتساويهما # كقوله تعالى @QB@ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ~~@QE@ سورة محمد 38 فقد نفى التماثل عن صنفين من بني آدم فنفى التماثل عن ~~الحيوان والإنسان والفلك والتراب أولى # فعلم أنه ليس في لغة العرب أن يكون كل ما كان متحيزا مماثلا لكل ما هو ~~متحيز متحيز وإن ادعى بعض المتكلمين تماثل ذلك عقلا فالمقصود أن هذا ليس ~~مثلا في اللغة # والقرآن نزل بلغة العرب فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم لو ~~كان معناه صحيحا فكيف إذا كان باطلا في العقل # وقوله تعالى @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير @QE@ سورة فاطر 19 @QB@ وما ~~يستوي الأحياء ولا الأموات @QE@ سورة فاطر 22 وقوله @QB@ لا يستوي أصحاب ~~النار وأصحاب الجنة @QE@ سورة الحشر 20 PageV06P007 وعقلاؤهم يعلمون فساد ~~ما يستدلون به من الأدلة الشرعية وكلهم يعترف بأن مثل هذه الأدلة لا تعارض ~~ما في القرآن من إثبات العلو والفوقية ونحو ذلك # ولهذا لم يكن معهم على نفى ذلك أصل يعتصمون به من جهة الرسول ms1074 صلى الله ~~عليه وسلم وإنما يتمسكون بما يظنونه من العقليات فيحتاجون إلى بيان تقديم ~~ذلك على الأدلة الشرعية # وإذا كان كذلك فنحن نبين أن الأدلة العقلية موافقة للأدلة النقلية لا ~~معارضة لها ونذكر ما ذكروه هم في ذلك ليكون أبلغ في الحجة # قالوا وهذا لباب ما ذكروه الرازي في الأربعين قال أنه تعالى ليس في جهة ~~ولا مكان قال وادعى كثير من المخالفين العلم البديهي بأن كل موجودين لا بد ~~من كون أحدهما ساريا في الآخر كالعرض والجوهر أو مباينا عنه في الجهة ~~كالجوهرين PageV06P008 # قال $ وهذا باطل لوجوه # أحدهما $ لو كان بديهيا لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره وهم ما سوى ~~الحنابلة والكرامية # الثاني $ أن مسمى الإنسان مشترك بين الأشخاص ذوات الأحياز المختلفة ~~والمقادير المختلفة فهو من حيث هو ممتنع أن يكون له قدر معين وحيز معين ~~وإلا لم يكن مشتركا فيه بين كل الأشخاص فإن قلت فالإنسان من حيث هو إنسان ~~لا وجود له إلا في العقل والكلام في الموجودات الخارجية قلت الغرض منه أنه ~~لا يمتنع تعقل أمر لا يثبت العقل له جهة ولا قدرا وهذا يمنع كون تلك ~~المقدمة بديهية # الثالث $ أن الخيال والوهم لا يمكننا أن نستحضر لنفسيهما PageV06P009 ~~صورة ولا شكلا ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى # الرابع $ أن العقل يتصور النفي والإثبات ثم يحكم بتناقضهما مع أنه لا ~~يحكم بكون أحدهما ساريا في الآخر أو مباينا عنه في الجهة أو لا ساريا ولا ~~مباينا ثم إنا نجد العقل يتوقف عن القسم الثالث إلا لبرهان يثبته أو ينفيه ~~وأن العقل يدرك ماهيات مراتب الأعداد مع أنه لا يمكنه أن يحكم على أحد منها ~~بأن موضوعها كذا ومقدارها كذا # إذا عرفت ذلك فنقول المعنى من اختصاص الشيء بالجهة والمكان أنه يمكن ~~الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك والعالم مختص بالجهة والمكان بهذا ~~المعنى فإن كان الباري كذلك كان مماسا للعالم أو محاذيا له قطعا # ثم قالت الكرامية إنه تعالى مختص بجهة فوق مماسا للعرش أو مباينا ms1075 عنه ~~ببعد متناه وهو قول أكثر طوائفهم وإما مباينا عنه ببعد غير متناه وهو قول ~~الهيصمية وهذا لا يعقل مع إثبات الجهة PageV06P010 لأنه إذا كان في جانب ~~والعالم في جانب كان البعد بينهما محصورا فهذا ما ذكروه # فيقال $ قد ذكرتم عمن ذكرتموه من منازعيكم أنهم ادعوا العلم البديهي ~~ببطلان قولكم وصحة نقيضه حيث جوزتم وجود موجود لا يشار إليه بأنه هنا وهناك ~~وأنه يجوز وجود موجودين ليس أحدهما ساريا في الآخر ولا مباينا عنه بالجهة # فقال هؤلاء المنازعون نحن نعلم بالبديهة بطلان هذا فاحتجتم إلى مقامين # أحدهما $ أن تبينوا أن بطلان هذا ليس معلوما بالبديهية وإلا فإذا كان ~~بطلان القول معلوما بالبديهة لم يمكن إقامة الدليل على صحته لأن النظريات ~~لا تعارض الضروريات بل ما عارضها كان من باب السفسطة # والمقام الثاني $ بيان ثبوت ذلك فإنه لا يلزم من عدم العلم بامتناعه أو ~~العلم بإمكانه ثبوت ذلك في الخارج # وإذا ثبت هذان المقامان لكم فإما أن يمكن مع ذلك القول بمقتضى النصوص من ~~أن الله فوق العرش أو لا يمكن فإن أمكن ذلك لم يكن بين ما ذكرتموه من ~~المعقولات وبين النصوص الإلهية تعارض وإن لم يمكن ذلك ثبت التعارض بينهما ~~فقد تبين أن ثبوت التعارض PageV06P011 مبنى على هذه المقدمات الثلاث فإن لم ~~تثبت الثلاث بطل كلامكم فكيف إذا تبين بطلان واحدة منها فكيف إذا تبين ~~بطلانها كلها # | وبيان ذلك في كل مقام # أما المقام الأول $ فإن المثبتين قالوا إنهم يعلمون بالبديهة امتناع وجود ~~موجودين لا يكون أحدهما ساريا في الآخر ولا مباينا له بالجهة وأنه لا يمكن ~~وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن الإشارة إليه بل قد يقولون إن علمهم بأن ~~الله فوق العالم علم ضروري فطري وأن الخلق كلهم إذا حزبهم شدة أو حاجة في ~~أمر وجهوا قلوبهم إلى الله يدعونه ويسألونه وأن هذا أمر متفق عليه بين ~~الأمم التي لم تغير فطرتها لم يحصل بينهم بتواطئ واتفاق ولهذا يوجد هذا في ~~فطرة الأعراب والعجائز والصبيان من المسلمين ms1076 واليهود والنصارى والمشركين ~~ومن لم يقرأ كتابا ولم يتلق مثل هذا عن معلم ولا أستاذ وهذا القدر ما زال ~~يذكره المصنفون في هذا الباب من أهل الكلام والحديث وغيرهم # قالوا وإذا كان هذا مما يجيز هؤلاء الذين لم يتواطئوا بثبوته عندهم كانوا ~~صادقين فإنه يمتنع على الجمع الكثير الكذب من غير تواطئ وبمثل هذا علم ثبوت ~~ما يخبر به أهل التواتر مما يعلم بالحس والضرورة فإن المخبر إذا لم يكن ~~خبره مطابقا فإما أن يكون متعمدا للكذب وإما أن يكون مخطئا وتعمد الكذب ~~يمتنع في العادة على الجمع الكثير من غير تواطئ والخطأ على الجمع الكثير ~~ممتنع في PageV06P012 الأمور الحسية والضرورية قالوا وهذا بخلاف إثبات ~~موجودين ليس أحدهما داخلا في الآخر ولا خارجا عنه فإن هذا لا تقوله إلا ~~طائفة يذكرون أنهم علموا ذلك بالنظر لا بالضرورة وقد تلقاه بعضهم عن بعض ~~فهو قول تواطئوا عليه ولهذا لا يقول ذلك من لم ينظر في كلام النفاة # وأما الإقرار بعلو الله تعالى ورفع الأيدي إليه فهو مما اتفقت عليه الأمم ~~الذين يقولون ذلك ويفعلونه من غير اتفاق ولا مواطأة # وحينئذ فالجمع الكثير إما أن يجوز عليهم الاتفاق على مخالفة البديهيات ~~وإما أن لا يجوز فإن لم يجز ذلك عليهم ثبت أن هذه المقدمة بديهية لأنه اتفق ~~عليها أمم كثيرة بدون التواطؤ وإن جاز ذلك عليهم بطل احتجاجهم على أن هذه ~~المقدمة ليست بديهية فإن الجمع الكثير أنكروها وإذا بطلت حجتهم على أنها ~~ليست بديهية بقى أحد المتناظرين يقول إن مقدمته معلومة له بالبديهة والآخر ~~لا يمكنه إبطال قوله فلا تكون له حجة عقلية على بطلان قوله وهو المطلوب # فكيف والنفاة لا يدعون بديهيات فطرية ولا سمعيات شرعية PageV06P013 وإنما ~~يدعون نظريات عقلية والمثبتون يقولون معنا نظريات عقلية مع البديهيات ~~الفطرية ومع السمعيات اليقينية الشرعية النبوية # وأيضا فيقال إذا قال المنارعون المثبتون إن قولنا معلوم بالبديهة لم يكن ~~أن يناظر بقضية نظرية لأنه لا يمكن القدح بالنظريات في الضروريات كما لا ~~يقبل قدح ms1077 السوفسطائي بنظره فيما يقول الناس إنه معلوم بالبديهة ولا يقبل ~~مجرد قوله على منازعه بل المرجع في القضايا الفطرية الضرورية إلى أهل الفطر ~~السليمة التي لم تتغير فطرتها بالاعتقادات الموروثة والأهواء # ومن المعلوم أن هذه المقدمة مستقرة في فطر جميع الناس الذين لم يحصل لهم ~~ما يغير فطرتهم من ظن أو هوى # والنفاة لا ينازعون في أن هذا ثابت في الفطرة لكن يزعمون أن هذا من حكم ~~الوهم والخيال وأن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات لا في العقليات # قالوا ويتبين خطأ الوهم والخيال في ذلك بأن يسلم للعقل مقدمات تستلزم ~~نقيض حكمه مثل أن يسلم للعق مقدمات تستلزم ثبوت موجود ليس بجسم ولا في جهة ~~فيعلم حينئذ أن حكمه الأول باطل # والمثبتون يقولون هذا كلام باطل لوجوه PageV06P014 # أحدهما $ أنه إذا جاز أن يكون في الفطرة حكمان بديهيان أحدهما مقبول ~~والآخر مردود كان هذا قدحا في مبادئ العلوم كلها وحينئذ لا يوثق بحكم ~~البديهة # الثاني $ أنه جوز ذلك فالتمييز بين النوعين إما أن يكون بقضايا بديهية أو ~~نطرية مبنية على البديهية وكلاهما باطل فإنا إذا جوزنا أن يكون في ~~البديهيات ما هو باطل لم يمكن العلم بأن تلك البديهية المميزة بين ما هو ~~صحيح من البديهيات الأولى وما هو كاذب مقبول التمييز حتى يعلم أنها من ~~القسم الصحيح وذلك لا يعلم إلا ببديهية أخرى مبينة مميزة وتلك لا يعلم أنها ~~من البديهيات الصحيحة إلا بأخرى فيفضى إلى التسلسل الباطل أو ينتهى الأمر ~~إلى بديهية مشتبهة لا يحصل بها التمييز والنظريات موقوفة على البديهيات ~~فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة فيها حق وباطل كانت النظريات المبنية ~~عليها أولى بذلك وحينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل وهذا جامع كل سفسطة # وبتقدير ثبوت السفسطة لا تكون لنا عقليات يثبت بها شيء فضلا عن أن تعارض ~~الشرعيات PageV06P015 # الثالث $ أن قول القائل إن الوهم يسلم للعقل قضايا بديهية تستلزم إثبات ~~وجود موجود تمتنع الإشارة الحسية إليه ممنوع # الرابع $ أنه بتقدير التسليم بكون ms1078 المقدمة جدلية فإن الوهم إذا سلم للعقل ~~مقدمة لم ينتفع العقل بتلك القضية إلا أن تكون معلومة له بالبديهة الصحيحة ~~فإذا لم يكن له سبيل إلى هذا انسدت المعارف على العقل وكان تسليم الوهم ~~إنما يجعل القضية جدلية لا برهانية وهذا وحده لا ينفع في العلوم البرهانية ~~العقلية # الخامس أن قول القائل إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون ~~العقليات إنما يصح إذا ثبت أن في الخارج موجودات لا يمكن أن تعرف بالحس ~~بوجه من الوجوه وهذا إنما يثبت إذا ثبت أن في الوجود الخارجي ما لا يمكن ~~الإشارة الحسية إليه وهذا أول المسألة فإن المثبتين يقولون ليس في الوجود ~~الخارجي إلا ما يمكن الإشارة الحسية إليه أولا يعقل موجود في الخارج إلا ~~كذلك # فإذا قيل لهم حكم الوهم والخيال مقبول في الحسيات دون العقليات والمراد ~~بالعقليات موجودات خارجة قائمة بأنفسها لا يمكن الإشارة الحسية إليها # قالوا إيطالكم لحكم الفطرة الذي سميتموه الوهم والخيال موقوف على ثبوت ~~هذه العقليات وثبوتها موقوف على إبطال هذا PageV06P016 الحكم وإذا لم يثبت ~~هذا إلإ بعد هذا ولا هذا إلا بعد هذا كان هذا من الدور الممتنع # السادس $ أن يقال إن أردتم بالعقليات ما يقوم بالقلب من العلوم العقلية ~~الكلية ونحوها فليس الكلام هنا في هذه ونحن لا نقبل مجرد حكم الحس ولا ~~الخيال في مثل هذه العلوم الكلية العقلية وإن أردتم بالعقليات موجودات ~~خارجة لا يمكن الإشارة الحسية إليها فلم قلتم إن هذا موجود فالنزاع في هذا ~~ونحن نقول إن بطلان هذا معلوم بالبديهة # السابع $ أن يقال الوهم والخيال يراد به ما كان مطابقا وما كان مخالفا ~~فأما المطابق مثل توهم الإنسان لمن هو عدوه أنه عدوه وتوهم الشاة أن الذئب ~~يريد أكلها وتخيل الإنسان لصورة ما رآه في نفسه بعد مغيبه ونحو ذلك فهذا ~~الوهم والخيال حق وقضاياه صادقة وأما غير المطابق فمثل أن يتخيل الإنسان أن ~~في الخارج ما لا وجود له في الخارج وتوهمه ذلك مثل من يتوهم فيمن ms1079 يحبه أنه ~~يبغضه ومثل ما يتوهم الإنسان أن الناس يحبونه ويعظمونه والأمر بالعكس والله ~~لا يحب كل مختال فخور فالمختال الذي يتخيل في نفسه أنه عظيم فيعتقد في نفسه ~~أكثر مما يستحقه وأمثال ذلك # قالوا وإذا كان الأمر كذلك فلم قلتم إن حكم الفطرة بأن الموجودين إما ~~متباينان وإما متحايثان من حكم الوهم والخيال الباطل ونحن نقول إنه من حكم ~~الوهم والخيال المطابق PageV06P017 فإذا قلتم إن العقل دل على أنه باطل كان ~~الشأن في المقدمات التي ينبني عليها ذلك وتلك المقدمات أضعف في الفطرة من ~~هذه المقدمات فكيف يدفع الأقوى بالأضعف # الثامن $ أن المثبتين قالوا بل المقدمات المعارضة لهذا الحكم هي من الوهم ~~والخيال الباطل مثل إثبات الكليات في الخارج وتصور النفى والإثبات المطلقين ~~ثابتين في الخارج وتصور الأعداد المجردة ثابتة في الخارج فإن هذه المتصورات ~~كلها لا تكون إلا في الذهن ومن اعتقد أنها ثابتة في الخارج فقد توهم وتخيل ~~ما لا حقيقة له وجعل هذا التوهم والخيال الباطل مقدمة في دفع القضايا ~~البديهية # التاسع $ أن يقال لا نسلم أن في الفطرة قضايا تستلزم نتائج تناقض ما حكمت ~~به أولا كما يدعونه فإن هذا مبني على أن المقدمات المستلزمة ما يناقض الحكم ~~الأول مقدمات صحيحة وليس الأمر كذلك كما سنبينه إن شاء الله تعالى فإن هذه ~~المقدمات هي النافية لعلو الله على خلقه ومباينته لعباده والمقدمات ~~المستلزمة لهذا ليست مسلمة فضلا عن أن تكون بديهية # الوجه العاشر $ أن الذين جعلوا هذه القضايا من حكم الوهم الباطل هم طائفة ~~من نفاة الصفات الجهمية من المتكلمين والمتفلسفة ومن تلقى ذلك عنهم وهذا ~~معروف في كتب ابن سينا ومن اتبعه من أهل المنطق PageV06P018 # وكثير من أهل المنطق كابن رشد الحفيد وغيره يخالف ابن سينا فيما ذكره في ~~هذا الباب في الإلهيات والمنطقيات ويذكر أن مذهب الفلاسفة المتقدمين بخلاف ~~ما ذكره وأما الأساطين قبله فالنقل عنهم مشهور بخلافهم في هذا الباب # والمقصود أن هذا الكلام عامة من تكلم به من المتأخرين أخذوه من ms1080 ابن سينا ~~ومن تدبر كلامه وكلام أتباعه فيه وجده في غاية التناقض والفساد فإنه قال في ~~إشاراته التي هي كالمصحف لهؤلاء المتفلسفة الملحدة لما ذكر مواد القياس ~~وتكلم عن القضايا من جهة ما يصدق بها وذكر أن أصناف القضايا المستعملة فيما ~~بين القائسين ومن يجرى مجراهم أربعة مسلمات ومظنونات وما معها ومشتبهات ~~بغيرها ومتخيلات # قلت $ المتخيلات هي مواد القياس الشعري والمشتبهات هي مواد السوفسطائي ~~وما قبل ذلك هو مواد البرهاني والخطابي والجدلي # قال $ والمسلمات إما معتقدات وإما مأخوذات والمعتقدات أصنافها ثلاثة ~~الواجب قبولها والمشهورات PageV06P019 والوهميات والواجب قبولها أوليات ~~ومشاهدات ومجربات وما معها من الحدسيات والمتواترات وقضايا أقيستها معها # وتكلم عن القضايا الواجب قبولها بما ليس هذا موضعه وقد بسط الكلام فيما ~~في منطقهم اليوناني من الفساد مثل كلامهم في الفرق بين الذاتيات واللازمة ~~للماهية ودعواهم أن الحد الحقيقي يفيد تعريف الماهية وأن الحقائق مركبة من ~~الأجناس والفصول وكلامهم في الكليات الخمسة وما ذكروه في مواد البرهان ~~ودعواهم أن التصورات المكتسبة لا تنال إلا بحدهم والتصديقات المكتسبة لا ~~تحصل إلا بمثل قياسهم وغير ذلك مما ليس هذا موضعه # والمقصود هنا أنه قال وأما القضايا الوهمية الصرفة فهي قضايا كاذبة إلا ~~أن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة لأنه ليس يقبل ضدها ومقابلها ~~بسبب أن الوهم تابع للحس فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم ومن المعلوم ~~أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ وأصول كانت تلك قبل المحسوسات ولم تكن ~~محسوسة ولم يكن وجودها على نحو وجود المحسوسات فلم يكن أن يتمثل ذلك ~~PageV06P020 الوجود في الوهم ولهذا كان الوهم مساعدا للعقل في الأصول التي ~~تنتج وجود تلك المبادئ فإذا تعديا معا إلى النتيجة نكص الوهم وامتنع عن ~~قبول ما سلم موجبه وهذا الصنف من القضايا أقوى في النفس من المشهورات التي ~~ليست بأولية وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها وهي أحكام للنفس ~~في أمور متقدمة على المحسوسات أو أعم منها على نحو ما يجب أن لا يكون لها ~~وعلى نحو ms1081 ما يجب أن يكون أو يظن في المحسوسات مثل اعتقاد المعتقد أنه لا بد ~~من خلاء ينتهي إليه الملاء إذا تناهى وأنه لا بد في كل موجود أن يكون مشارا ~~إلى جهة وجوده # وهذه الوهميات لولا مخالفة السنن الشرعية لها لكانت تكون مشهورة وإنما ~~يثلم في شهرتها الديانات الحقيقية والعلوم الحكمية ولا يكاد المدفوع عن ذلك ~~يقاوم نفسه في دفع ذلك لشدة استيلاء الوهم على أن ما يدفعه الوهم ولا يقبله ~~إذا كان في المحسوسات PageV06P021 فهو مدفوع منكر بل إنه باطل شنع بل تكاد ~~أن تكون الأوليات والوهميات التي لا تزاحم من غيرها مشهورة ولا تنعكس # قلت $ وقد ذكر في غير هذا الموضع شرح القوى الدراكة وذكر القوة التي ~~تتخيل بها المحسوسات والتي تحفظ بها وسمى الأولى على اصطلاحهم الحسن ~~المشترك والثانية الخيال # قال $ وأيضا فالحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات الجزئية ~~معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس مثل إدراك الشاة معنى في ~~الذئب غير محسوس وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس إدراكا جزئيا يحكم ~~به كما يحكم الحس بما يشاهده فعندك قوة هذا شأنها وأيضا فعندك وعند كثير من ~~الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه المعاني بعد حكم الحاكم بها غير الحافظ للصور ~~وهذه هي الذاكرة PageV06P022 # قال $ وتجد قوة أخرى لها أن تركب وتفصل ما يليها من الصور المأخوذة عن ~~الحس والمعاني المدركة بالوهم وتركب أيضا الصور بالمعاني وتفصلها عنها ~~وتسمى عند استعمال العقل مفكرة وعند استعمال الوهم متخيلة وكأنها قوة ما ~~للوهم وبتوسط الوهم للعقل # قلت $ والمقصود أن يعرف اصطلاحهم ومرادهم بلفظ الخيال والوهم ونحو ذلك ~~وأن الخيال هو تصور الأعيان المحسوسة في الباطن والوهم تصور المعاني التي ~~ليست محسوسة في تلك الأعيان وكلاهما تصور معين جزئي والعقل هو الحكم العام ~~الكلي الذي لا يختص بعين معينة ولا معنى معين # وإذا عرف ذلك فيقال هذه القوة في الباطن بمنزلة القوى الحسية في الظاهر ~~والقدح فيها كالقدح في الحسيات وهذه القوة لا يجوز أن يناقض ms1082 تصورها للمعقول ~~كما لا يناقض سائر القوى الحسية PageV06P023 للمعقول لأن المعقولات أمور ~~كلية تتناول هذا المعين وهذا المعين سواء كان جوهرا قائما بنفسه أو معنى في ~~الجوهر والحس الباطن والظاهر لا يتصور إلا أمورا معينة فلا منافاة بينهما ~~فالحس الظاهر يدرك الأعيان المشاهدة وما قام بها من المعاني الظاهرة ~~كالألوان والحركات والذي سموه الوهم جعلوه يدرك ما في المحسوسات من المعاني ~~التي لا تدرك بالحس الظاهر كالصداقة والعداوة ونحو ذلك والتخيل هو بمثل تلك ~~المحسوسات في الباطن ولهذا جعلوا الإدراكات ثلاثة الحس والتخيل والعقل # قال ابن سينا $ الشيء يكون محسوسا عندما يشاهد ثم يكون متخيلا عند غيبته ~~بتمثل صورته في الباطن كزيد الذي أبصرته مثلا إذا غاب عنك فتخيلته وقد يكون ~~معقولا عندما يتصور من زيد مثلا معنى الإنسان الموجود أيضا لغيره وهو عندما ~~يكون محسوسا تكون غشيته غواش غريبة عن ما هيته لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ~~ما هيته مثل أين ووضع وكيف ومقدار بعينه لو PageV06P024 توهمت بدله غيره لم ~~يؤثر في حقيقة ما هية إنسانيته والحس يناله من حيث هو مغمور في هذه العوارض ~~التي تلحقه بسبب المادة التي خلق منها لا يجردها عنه ولا يناله إلا بعلاقة ~~وضعية بين حسه ومادته ولذلك لا يتمثل في الحس إلا ظاهر صورته إذا زال وأما ~~الخيال الباطن فيتخيله مع تلك العوارض لا يقتدر على تجريده المطلق عنها ~~لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي يتعلق بها الحس فهو يتمثل صورته ~~مع غيبوبة حاملها وأما العقل فيقتدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق ~~الغريبة المشخصة مستثبتا إياها حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله مغفلا وأما ~~ما هو في ذاته برئ عن الشوائب المادية ومن اللواحق PageV06P025 الغريبة ~~التي لا تلزم ما هيته عن ماهيته فهو معقول لذاته ليس يحتاج إلى عمل يعمل به ~~يعده لأن يعقل ما من شأنه أن يعقله بل لعله في جانب ما من شأنه أن يعقله # قلت $ هذا الكلام هو من أصول أقواهم ومنه وقعوا في الاشتباه ms1083 والالتباس ~~حتى صاروا في ضلال عظيم # فإنه يقال قوله وقد يكون معقولا عندما يتصور من زيد مثلا معنى الإنسان ~~الموجود أيضا لغيره # أتعنى به أن ذلك الإنسان المعقول الذي يكون لهذا ولهذا هو شيء ثابت في ~~الخارج هو بعينه لهذا المعين ولهذا المعين مغاير للإنسان المعين ولصفاته ~~القائمة به # أم تعنى به الإنسان المعقول الكلى الثابت في العقل الذي يتناول المعينات ~~تناول اللفظ العام لمفرداته # فإن أردت الاول فهذا باطل لا حقيقة له ونحن نعلم بالضرورة أن هذا الإنسان ~~المعين ليس فيه شيء من الإنسان المعين الآخر بل كل PageV06P026 منهما مختص ~~بذاته وصفاته ولم يشتركا في شيء ثابت في الخارج أصلا ولهذا يكون أحدهما ~~موجودا مع عدم الآخر وبالعكس ويموت أحدهما مع حياة الاخر وبالعكس ويتألم ~~أحدهما مع لذة الآخر وبالعكس # ولهذا قال الشارحون لكلامه كالرازي إن الشخص المعين إما أن يدرك بحيث ~~يمنع نفس إدراكه من الشركة وإما أن لا يكون كذلك # والأول لا يخلو إما أن يتوقف حصول ذلك الإدراك على وجود ذلك المدرك في ~~الخارج أو لا يتوقف # فهذه أقسام ثلاثة أولها الإدراك الذي يجتمع فيه الأمران وهو أن يكون ~~مانعا من الشركة ويكون متوقفا على وجود المدرك في الخارج وهذا هو إدراك ~~الحس فإني إذا أبصرت زيدا فالمبصر يمنع لذاته من أن يكون مشركا فيه بين ~~كثيرين وهذا الإبصار لا يحصل إلا عند حصول المدرك في الخارج PageV06P027 # وثانيها أن يحصل فيه أحد الموضعين دون الآخر فيكون مانعا من الشركة ولكنه ~~لا يتوقف على الوجود الخارجي وهو التخيل فإني إذا شاهدت زيدا ثم غاب فإني ~~أتخيله على ما هو عليه من الشخصية فنفس ما تخيلته يمنع من الشركة وأما هذا ~~الإدراك فإنه لا يتوقف على وجود المدرك في الخارج فإني يمكنني أن أتخيله ~~بعد عدمه # وثالثها أن يخلو عن الموضعين جميعا فلا يكون مانعا من الشركة ولا موقوفا ~~على وجود المدرك في الخارج وهو المسمى بالإدراك العقلي # قلت فقد بينوا أن الإدراك العقلي هو ما لا يمنع ms1084 الشركة ولا يشترط فيه ~~وجود المدرك من خارج ومعلوم أن هذا هو إدراك الكليات الثابتة في العقل وإذا ~~كان كذلك فقوله وهو عندما يكون محسوسا تكون غشيته غواش غريبة عن ماهيته لو ~~أزيلت عنه لم توثر في كنه ما هيته كلام يستلزم أن يكون في الخارج شيئان ~~أحدهما ما هية مجردة عن المحسوسات والثاني محسوسات غشيت تلك الماهية ~~المجردة المعقولة الثابتة في الخارج وهذا باطل يعلم بطلانه بالضرورة من ~~تصور ما يقول PageV06P028 # فإنه إن كان المعقول المجرد لا يكون إلا في النفس فكيف يكون في الخارج ~~معقول مجرد تقارنه المعينات المحسوسة واحدا بعد واحد أو تقارنه تارة ~~وتفارقه أخرى وقوله مثل أين ووضع وكيف ومقدار بعينه لو توهمت بدله غيره لم ~~يؤثر في حقيقة ما هية إنسانيته # يقال له نعم إذا تصورنا بدل المعنى غيره لم يؤثر فيما في النفس من ~~الإنسان المعقول الكلى المجرد فإن مطابقته لهذا المعين كمطابقته لهذا ~~المعين كما لا يؤثر ذلك في لفظ الإنسان المطلق فإن مطابقته لهذا المعين ~~كمطابقته لهذا المعين فشمول اللفظ ومعناه الذي هو في الذهن سواء لكن ذلك ~~المعين إذا توهمنا بدله غيره لم يكن في ذلك البدل من هذا المعين شيء أصلا ~~بل كان البدل نظيره وشبيهه ومثله فإما أن يكون هو إياه أو يكون في الخارج ~~حقيقة معينة في هذا المعين هي نفسها حقيقة ثابتة في هذا المعين فهذا هو محل ~~الغلط # ويقال لمن ظن هذا لما خلق الله هذا المعين كانت تلك الحقيقة موجودة قبله ~~أو حدثت معه # فإن حدثت معه معينة لا مطلقة كلية لأن الكلي لا يتوقف على وجود هذا ~~المعين وإن كانت موجودة قبله فإن كانت PageV06P029 مجردة عن الاعيان لم ~~يحتج فيها إلى شيء من المعينات وإلا فالقول في مقارنتها لذلك المعين كالقول ~~في هذا # وأيضا فإنه يقال هل اتنقلت من غيره وقارنته أو قامت به وبغيره فإن انتقلت ~~من غيره فارفت ذلك المعين فثبت أن المعين لا يحتاج إلى مطلق يقارنه وإن ~~قامت به ms1085 وبغيره فإما أن يكون جوهرا أو عرضا فإن كانت عرضا فالعرض الواحد لا ~~يكون في محلين وإن كانت جوهرا فالجوهر الواحد لا يكون في محلين # فإن قال هذا في الجواهر المحسوسة وأما الجواهر المعقولة فقد تقوم بمحلين # قيل إن أردت بالجواهر المعقولة ما في القلوب فتلك أعراض لا جواهر وإن ~~أردت هذه الكليات التي تدعي وجودها في الخارج فتلك لا محل لها عندك فضلا عن ~~أن تقوم بمحلين # وهذا أيضا مما يناقض قولهم إن المطلق جزء من المعين فكيف يكون ما لا ~~يتخصص بحيز ولا مكان جزءا مما يتخصص بحيز ومكان # وإذا قال القائل المعقول الذي لا حيز له ولا مكان ولا جهة ولا يشار إليه ~~جزء وبعض وداخل في هذا الجسم المتحيز الذي له مكان وجهة وحيز لعلم كل عاقل ~~فساد ما يقول وهذا حقيقة قول هؤلاء # وأيضا فتلك الحقيقة المجردة المطلقة إذا كانت كلية والكلي لا يمنع تصوره ~~من وقوع الشركة فيه وكانت جزءا من المعين كان في PageV06P030 كل معين كليات ~~كثيرة لا يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها فيكون في كل إنسان معين حيوان ~~كلي وناطق كلي وإنسان كلي وجسم كلي وحساس كلي وقائم بنفسه كلي وجوهر كلي ~~وموجود كلي ومخلوق كلي وآكل كلي وشارب كلي ومتنفس كلي وأمثال ذلك مما يمكن ~~أن يوصف به الإنسان # ومن المعلوم بصريح العقل أن الكلي الذي قد يعم جزئيات كثيرة لا يكون بعض ~~جزئي واحد فإن الكثير لا يكون بعض القليل وجزءه ولا يكون ما يتناول أمورا ~~كثيرة ويشملها ويعمها أو يصلح لذلك بعض واحد لا يقبل العموم والشركة # وقوله $ والحس يناله من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب ~~المادة التي خلق منها لا يجردها عنه ولا يناله إلا بعلاقة وضعية # فيقال $ هذا مبني على أن في الخارج شيئا موجودا في هذا الإنسان المعين ~~عرض له هذا الإنسان المعين وهذا مكابرة للحس والعقل والمادة التي خلق منها ~~بدنه ليست موجودة الآن بل استحالت وعدمت وليس فيه الساعة ms1086 منى أصلا # وقوله $ لا يجردها عنه إنما يصح لو كان هنا مادة موجودة مغايرة لهذا ~~البدن المشهود حتى يمكن تجريد أحدهما عن الآخر نعم إن أريد بالمادة البدن ~~وأن الروح مقارنة للبدن فهذا كلام صحيح PageV06P031 # لكن الروح معينة والبدن معين ومقارنة أحدهما الآخر ممكن وهؤلاء يشتبه ~~عليهم مقارنة الروح للبدن وتجريدها عنه بمقارنة الكليات المعقولة لجزئياتها ~~وتجريدها عنها والفرق بين هذا وهذا أبين من أن يحتاج إلى بسط # وهم يلتبس عليهم أحدهما بالآخر فيأخذون لفظ التجريد والمقارنة بالاشتراك ~~ويقولون العقول المفارقة للمادة ولا يميزون بين كون الروح قد تكون مقارنة ~~للبدن وبين المعقولات الكلية التي لا تتوقف على وجود معين فإن الروح التي ~~هي النفس الناطقة موجودة في الخارج قائم بنفسه إذا فارقت البدن # وأما العقليات الكلية المنتزعة من المعينات فإنما هي في الأذهان لا في ~~الأعيان فيجب الفرق بين تجريد الروح عن البدن وتجريد الكليات عن المعينات # وأما قوله $ وكذلك لا يتمثل في الحس إلا ظاهر صورته # فسبب هذا أن الحس لا يدركه كله وإن كان كله محسوسا بمعنى أنه يمكن إحساسه ~~ورؤيته في الجملة ولكن باطنه ليس بمحسوس لنا PageV06P032 عند رؤية ظاهره لا ~~لعدم إمكان إحساسه لكن لا حتجاب باطنه أو لمعنى آخر # وهذا أيضا من مثارات غلطهم فإنهم قد لا يفرقون في المحسوس بين ما هو ~~محسوس بالفعل لنا وبين ما يمكن إحساسه وإن كنا الآن لا نستطيع أن نحسه فإن ~~عني بالمحسوس الأول فلا ريب أن الأعيان منها ما هو محسوس ومنها ليس بمحسوس ~~وما أخبرتنا به الأنبياء من الغيب ليس محسوسا لنا فلا نشهده الآن بل هو غيب ~~عنا ولكن هو مما يمكن إحساسه ومما يحسه الناس بعد الموت # ولهذا كانت عبارة الأنبياء عليهم السلام تقسم الأمور إلى غيب وشهادة قال ~~تعالى @QB@ الذين يؤمنون بالغيب @QE@ سورة البقرة 3 وقال تلك من أنباء ~~الغيب نوحيها إليك سورة هود 49 # وقال @QB@ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم @QE@ سورة الحشر 22 ms1087 # وأما هؤلاء فيقسمونها إلى محسوس ومعقول والمعقول في الحقيقة ما كان في ~~العقل وأما الموجودات الخارجية فيمكن أن ينالها الحس وأن يوقف الإحساس بها ~~على شروط متيقنه الآن PageV06P033 # وأما قوله $ وأما الخيال الباطن فيتخيله مع تلك العوارض لا يقتدر على ~~تجريده المطلق عنها لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي تعلق بها الحس ~~فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها # فيقال له $ هذه حجة عليكم فإن ما يتخيله الإنسان في نفسه إنما هو موجود ~~في نفسه فالصورة الخيالية ليست موجودة في الخارج ولا يشترط في التخيل ثبوت ~~المتخيل في الخارج # وقولكم يتخيله مع تلك العوارض إثبات لشيئين ولا حقيقة لذلك بل لم يتخيل ~~إلا الصورة التي هي عرض قائم بنفسه # وقولكم فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها كلام ملتبس فإن الصورة التي ~~تخيلها في نفسه ليس لها حامل في الخارج وحامل الصورة التي في الخارج هو ~~موجود معها فالصورة المحمولة في الخارج ليست عين ما في نفسه وما في نفسه ~~ليست الصورة المحمولة # والتحقيق أنه يتخيل الصورة مع غيبوبتها بالكلية عن حسه الظاهر ليس مع ~~غيبوبة حاملها قط سواء عني بالصورة نفس الشخص المتصور أو نفس الشكل القائم ~~به # وقوله $ إن الخيال يتخيله مع تلك العوارض لا يقدر على PageV06P034 تجريده ~~المطلق عنها لكنه يجردها عن تلك العلاقة المذكورة التي تعلق بها الحس وأما ~~العقل فيقدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة المشخصة مستثبتا ~~إياها حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا # فقد يعترض على ذلك بأن يقال إنه يقتضي أن تجريد الخيال الكلي من جنس ~~تجريد العقل فإن ما يتخيله المختال هو مثال المحسوس المعين فلم يجرد منه ~~معنى كلي أصلا لكن إن ارتسم فيه صورة تشاكله كما ترتسم في الحائط صورة ~~تشاكل الصورة المعينة ثم قد يتخيل المعين بجميع صفاته وقد يتخيل بعضها دون ~~بعض وقد يتصور عينه مع مغيب صورة بدنه كان المتصور حقيقته المعينة كالروح ~~دون الإنسانية المطلقة # وأما العقل فقد يراد به عقل الصورة المعينة فهو من ms1088 جهة كونه تصورا معينا ~~من جنس التخيل ومن جهة كونه لا يختص بشكل معين من جنس تصور العقل # وقد يراد بالعقل تصور الكلي المطلق كتصور الإنسان المطلق وجوابه أن ~~الإنسان المطلق قد يتخيل مطلقا والبهائم لها تخيل كلي ولهذا إذا رأت الشعير ~~حنت إليه ولولا أن في خيالها صورة مطلقة مطابقة لهذا الشعير وهذا الشعير لم ~~تطلب هذا المعين حتى تذوقه PageV06P035 فطلبها له إذا رأته يقتضي أنها ~~أدركت أن هذا مثل الأول وإنما تدرك التماثل إذا كان في النفس صورة تطابق ~~المتماثلين يعتبر بها تماثلهما # لكن يقال فحينئذ لا فرق بين التخيل والتعقل من جهة كون كل منهما يكون ~~معينا ويكون مطلقا وكل منهما ليس عين ما فيه هو عين الموجود في العقل بل ~~مثاله # فقوله $ حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا # تحقيقة أن المحسوس لم يعمل به شي أصلا ولا فيه معقول أصلا بل العقل تمثل ~~معقولا يطابق المحسوس وأمثاله # وقوله $ وأما ما هو في ذاته برىء عن الشوئب المادية وعن اللواحق الغريبة ~~التي لا تلزم ماهيته عن ماهيته فهو معقول لذاته # ففيه كلامان $ # أحدهما أن يقال ثبوت مثل هذا المعقول تبع لثبوت المعقول المنتزع من ~~المحسوس وذلك ليس إلا في العقل لا وجود له في الخارج فيكون المعقول المجرد ~~كذلك وحينئذ فليس في ذلك ما يقتضي أن يكون في الخارج معقول مجرد # الثاني أن يقال ثبوت هذه المعقولات المجردة في الخارج فرع إمكان وجودها ~~وإمكان وجودها مبني على إمكان وجود ما لا يمكن PageV06P036 الإحساس به فلا ~~يجوز إثبات إمكان وجود ذلك بناء على وجود هذه المجردات لأن ذلك دور قبلى ~~وهو ممتنع # والمقصود أن في كلامهم ما يقتضي أنه ليس في المعقولات إلا ما يعقله ~~العاقل في نفسه مثل العلم الكلي وقد يدعون ثبوت هذه المعقولات في الخارج ~~فيتناقضون وهذا موجود في كلام أكثرهم يقولون كلهم الكليات وجودها في ~~الأذهان لا في الأعيان ثم يقول بعضهم إن الكليات تكون موجودة في الخارج ~~ولهذا كثيرا ما يرد بعضهم ms1089 على بعض في هذا الموضع وهو من أصول ضلالاتهم ~~ومجازاتهم وكلامهم في المعقولات المجردة من هذا النمط وليس لهم دليل على ~~إثباتها وإذا حرر ما يجعلونه دليلا لم تثبت إلا أمور معقولة في الذهن # واسم الجوهر عندهم يقال على خمسة أنواع على العقل والنفس والمادة والصورة ~~والجسم وهم متنازعون في واجب الوجود هل هو داخل في مسمى الجوهر على قولين ~~فأرسطو وأتباعه يجعلونه من مقولة الجوهر وابن سينا وأتباعه لا يجعلونه من ~~مقولة الجوهر وإذا حرر ما يثبتونه من العقل والنفس والمادة والصورة لم يوجد ~~عندهم إلا ما هو معقول في النفس أو ما هو جسم أو عرض قائم بجسم كما قد بسط ~~في موضعه PageV06P037 # والمراد هنا أن يعرف أن المعقولات التي هي العلوم الكلية الثابتة في ~~النفس لا ينازع فيها عاقل وكذلك تصور المعينات الموجودة في الخارج سواء كان ~~المتصور عينا قائمة بنفسها أو معنى قائما بالعين وسواء سمي ذلك التصور ~~تعقلا أو تخيلا أو توهما فليس المقصود النزاع في الألفاظ بل المقصود ~~المعاني # وإذا عرف أن الإنسان يقوم به تصور لأمور معينة موجودة في الخارج وتصور ~~كلي مطابق للمعينات تبين ما وقع من الاشتباه في هذا الباب # فقول القائل إن حكم الوهم أو الخيال قد يناقض حكم العقل إذا أراد به أن ~~التصور المعين الذي في النفس لما هو محسوس أو لما يحسه كالعدواة والصداقة ~~قد يناقض العقل الذي حكمه كلي عام كان هذا باطلا # وإن أراد به أن العقل يثبت أمورا قائمة بنفسها تقوم بها معاني وتصوره ~~للمحسوسات ولما قام بها يناقض ذلك كان هذا أيضا باطلا فإنه لا منافاة بين ~~هذا وهذا وذلك لأن الكلام ليس في مناقضة تصور الجزئيات للكليات بل في تناقض ~~القضايا الكلية بالسلب والإيجاب PageV06P038 # وإذا أراد به أن ما سماه الوهم والخيال يحكم حكما كليا يناقض حكما كليا ~~للعقل وهذا هو مرادهم كان هذا تناقضا منهم وذلك أنهم قد فسروا حكم الوهم ~~المناقض للعقل عندهم بأنه يقضي قضاء كليا يناقض القضاء الكلي ms1090 المعلوم ~~بالعقل مثل أنه يقضي أنه ما من موجود إلا ويمكن الإشارة إليه وما من ~~موجودين إلا وأحدهما محايث للآخر أو مباين له ويمنع وجود موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه وأمثال ذلك # فيقال لهم هذه قضايا كلية وأحكام عامة وأنتم قلتم إن الوهم هو الذي يدرك ~~في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحس ~~كإدراك الصداقة والعداوة إدراكا جزئيا يحكم به كما يحكم الحس بما نشاهده # وكذلك الخيال عندكم يحفظ ما يتصوره من المحسوسات الجزئية فإذا كان الوهم ~~والخيال إنما يدرك أمورا جزئية بمنزلة الحس وهذه القضايا التي تزعمون أنها ~~تعارض حكم العقل قضايا كلية علم بذلك أن هذه ليست من إدراك الوهم والخيال ~~كما أنها ليست من إدراك الحس وإنما هي قضايا كلية عقلية بمنزلة أمثالها من ~~القضايا الكلية العقلية وهذا لا محيد لهم عنه وهذا بمنزلة الحكم بإن كل وهم ~~وخيال فإنما يدرك أمورا جزئية PageV06P039 # فهذه القضية الكلية عقلية وإن كانت حكما على الأمور الوهمية الخيالية ~~وكذلك إذا قلت كل صداقة فإنها ضد للعداوة فهذا حكم بما في عقل كل الأفراد ~~التي هي وهمية # وكذلك إذا قلنا كل محسوس فإنه جزئي فهذه قضية كلية عقلية تتناول كل حسي # ومعلوم أنه كلما كان الحكم أعم كان أقرب إلى العقل فقولنا كل موجود قائم ~~بنفسه فإنه يشار إليه وكل موجودين فإما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا ~~متحايثين من أعم القضايا وأشملها فكيف تكون من الوهميات التي لا تكون إلا ~~جزئية # وحينئذ فقولهم إن حكم الوهم والخيال قد يناقض حكم العقل بمنزلة قولهم إن ~~حكم الحس قد يناقض حكم العقل وبمنزلة قولهم إن حكم العقل يناقض حكم العقل ~~وليس الكلام في الحس والوهم والخيال والعقل إذا كان فاسدا عرضت له آفة فإن ~~هذا لا ريب في إمكان تناقض أحكامه وإنما الكلام في الحس المطلق وتوابعه مما ~~سموه هم توهما وتخيلا # وأيضا فقد قال ابن سينا في مقامات العارفين أول درجات حركات العارفين ما ~~يسمونه هم ms1091 الإرادة وهو ما يعترى المستبصر PageV06P040 باليقين البرهاني أو ~~الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك ~~سره إلى القدس لينال من روح الاتصال فما دامت درجته هذه فهو مريد ثم إنه ~~يحتاج إلى الرياضة والرياضة موجهة إلى ثلاثة أغراض الأولى تنحية ما سوى ~~الحق عن مستن الآثار والثاني تطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة لتنجذب ~~قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي منصرفة عن التوهمات ~~المناسبة للأمر السفلي والثالث تلطيف السر للتنبيه # والأول يعين عليه الزهد والثاني يعين عليه العبادة المشفوعة بالفكر ثم ~~الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما يلحن بها من الكلام موقع القبول ~~في الأوهام والثالث يعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف PageV06P041 # قلت $ وقد تكلمنا على ما في هذا الكلام من حق وباطل في غير هذا الموضوع ~~والمقصود هنا أنه جعل من الأمور التي يحتاج إليها العارف ما يجذب قوى ~~التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمرالقدسي من العبادة وسماع الألحان ~~وسماع الوعظ فإن كان الأمر القدسي أمرا معقولا مجردا لا داخل العالم ولا ~~خارجه وقوى الوهم والتخيل لا تناسب إلا الأمور الحسية دون العقلية المجردة ~~كان هذا من الكلام الذي يناقض بعضه بعضا # بل كان الواجب على العارف أن يعرض عما يحكم به الوهم والخيال لينال معرفة ~~الأمر القدسي المعقول المجرد الذي يناقض حكم الوهم والخيال لا يناسبة # ولكن ما ذكره في مقدمات العارفين هو الأمر الفطري فإن القلوب الطالبة لله ~~إذا تحركت بما يصرف إرادتها إلى العلو ويصرف إرادتها عن السفل كان هذا ~~مناسبا لمطلوبها ومرادها ومحبوبها ومعبودها فإن الله الذي هو العلي الأعلى ~~هو المعبود المحبوب المراد المطلوب فإذا حركت النفس بما يصرف قواها إلى ~~إرادته انصرفت قواها إلى العلو وأعرضت عن السفل # والذي يبين هذا أن هذه القوة الوهمية وفعلها الذي هو الوهم لا يريدون به ~~أن يتوهم في الشيء ما ليس فيه وهو الوهم الكاذب PageV06P042 وكذلك لفظ ~~التخيل لا يريدون تخيل ما لا وجود له في الخارج بل هذا وهذا ms1092 يتناول عندهم ~~توهم ما له وجود في الخارج وتخيل ما له وجود في الخارج وهو إدراك صحيح صادق ~~مطابق # وذلك لأن لفظ الوهم والخيال كثيرا ما يطلق على تصور ما لا حقيقة له في ~~الخارج بل هذا المعنى هو المعروف من لغة العرب # قال الجوهري $ وهمت في الحساب أوهم وهما إذا غلطت فيه وسهوت ووهمت في ~~الشيء بالفتح أوهم وهما إذا ذهب همك إليه وأنت تريد غيره وتوهمت أي ظننت ~~وأوهمت غيري إيهاما والتوهم مثله واتهمت فلانا بكذا والاسم التهمة بالتحريك ~~ويقال أوهم في الحساب مائة أي أسقط وأوهم في صلاته ركعة ويقال قد أيهم إذا ~~صار به الريبة # قلت $ فهذا أبو نصر الجوهري قد نقل في صحاحه المشهور في لغة العرب أن ~~مادة هذا اللفظ تستعمل في جهة الغلط بمعنى الخطأ PageV06P043 تارة وتستعمل ~~بمعنى الطن تارة ولم ينقل أنها تستعمل بمعنى اليقين وهم يستعملونها في تصور ~~يقيني وهو تصور المعاني التي ليست بمحسوسة ولا ريب في ثبوتها كعداوة الذئب ~~للنعجة وصداقة الكبش لها وهو في لغة العرب يقال في هذه المعاني تصورتها ~~وعملتها وتحققتها وتيقنتها وتبينتها ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على العلم ~~ولا يقال توهمتها إلا إذا لم تكن معلمه فاصطلاحهم مضاد للمعروف في لغة ~~العرب بل وفي سائر اللغات # وإذا كان كذلك فالإدراك الصحيح الذي يسمونه هم توهما وتخيلا هو نوع من ~~التصور والشعور والمعرفة # يوضح ذلك أنهم قالوا في إثبات القوة الوهمية كما قال ابن سينا الحيوانات ~~ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا ~~متأدية من طريق الحواس مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس وإدراك ~~الكبش معنى في النعجة غير محسوس إدراكا جزئيا يحكم به كما يحكم الحس بما ~~يشاهده فعندك قوة هذا شأنها وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه ~~المعاني بعد حكم الحاكم بها غير الحافظ للصورة PageV06P044 # فقد تبين أن هذه القوة تدرك معاني غير محسوسة وغير متأدية من الحس ففرق ~~بينها وبين الحسية والخيالية بأن ms1093 الخيالية إدراك ما تأدى من الحس # وقد فسر الشارحون ما دل عليه كلامه فقالوا هذ بيان إثبات الوهم والحافظة ~~أما الوهم فقوة يدرك الحيوان بها معاني جزئية لم تتأد من الحواس إليها ~~كإدراك العداوة والصداقة والموافقة والمخالفة في أشخاص جزئية فإدراك تلك ~~المعاني دليل على وجود قوة تدركها وكونها مما لا يتأدى من الحواس دليل على ~~مغايرتها للحس المشترك ووجودها في الحيوانات العجم دليل على مغايرتها للنفس ~~الناطقة # قالوا وقد يستدل على ذلك أيضا بأن الإنسان ربما يخاف شيئا يقتضي عقله ~~الأمن منه كالموتى وما يخالف عقله فهو غير عقله # وقال ابن سينا $ أيضا في إشاراته كل ملتذ به فهو سبب كمال يحصل للمدرك هو ~~بالقياس إليه خير ثم لا يشك أن الكمالات وإدراكاتها متفاوته فكمال الشهوة ~~مثلا أن يتكيف العضو PageV06P045 الذاتي بكيفية الحلاوة مأخوذة عن مادتها ~~ولو وقع مثل ذلك لا عن سبب خارج كانت اللذة قائمة وكذلك الملموس والمشموم ~~ونحوهما وكمال القوة الغضبية أن تتكيف النفس بكيفية غضب أو بكيفية شعور ~~بأذى يحصل من المغضوب عليه والوهم التكيف بهيئة ما يرجوه أو يذكره وعلى هذا ~~الحال سائر القوى # والمقصود أنه جعل كمال الوهم اتصافه بصفة ما يرجوه أو يذكره والمرجو في ~~المستقبل والمذكور في الماضي كلاهما لا بد أن يكون هنا مما يوافقه ويحبه ~~فإن الكمال كما قد ذكروه إنما يكون بإدراك الملائم لا المنافي # والقوة الوهمية هي التي تدرك بها الصداقة والعداوة والموافقة والمخالفة ~~والصداقة هي الولاية التي أصلها المحبة والعداوة أصلها البغض # فالقوة الوهمية عندهم هي التي يدرك بها الحيوان ما يحبه وما يبغضه ~~PageV06P046 من المعاني التي لا تدرك بالحس والخيال ثم يكون حبه وبغضه لمحل ~~ذلك المعنى تبعا لحبه وبغضه ذلك المعنى فالشاة إذا توهمت أن في الذئب قوة ~~تنافرها أبغضته والتيس إذا توهم أن في الشاة قوة تلائمه أحبها فهذه القوة ~~هي التي تدرك المحبوبات والمكروهات من المعاني القائمة بالمحسوسات وهي التي ~~يحصل بها الرجاء والخوف فيرجو حصول المحبوب ويخاف حصول المكروه ولهذا علقوا ms1094 ~~الرجاء والخوف بها كما تقدم من كلامهم وجعلوا كمالها في التكييف بهيئة ما ~~ترجوه أو تذكره وقالوا إن خوف الإنسان من الموتى ونحوهم هو بهذه القوة # وعلى هذا فكل حب وبغض ورجاء وخوف لما لم يحسه الحيوان بحسه الظاهر فهو ~~بهذه القوة # ولهذا عظموا شأنها فقال ابن سينا في شفائه في القوة المسماة بالوهم هي ~~الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكما ليس فصلا كالحكم العقلي ولكن حكما تخييليا ~~مقرونا بالجزئية وبالصورة الحسية وعنه تصدر أكثر الأفعال الحيوانية ~~PageV06P047 # وقال أيضا $ في شفائه ويشبه أن تكون القوة الوهمية هي بعينها المفكرة ~~المتخيلة والمتذكره وهي بعينها الحاكمة فتكون بعينها حاكمة وبأفعالها ~~وحركاتها متخيلة بما تعمل من الصور والمعاني والمتذكرة بما ينتهي إليه ~~عملها وأما الحافظة فهي قوة خزانتها # فهذه ألفاظه ومن الناس من قال هذا يدل على اضطرابه في أمر هذه القوى وليس ~~المقصود هنا الكلام فيما يتنازعون فيه وهو أن هذه الإدراكات الجزئية ~~والأفعال الجزئية هل هي للنفس وإن كان بواسطة الجسم أو هي للجسم وهل محل ~~هذه شيء واحد أو أشياء متعددة وهل هو بقوة واحدة أو بقوى متعددة # فإن الكلام في هذا مما لم يتعلق بالمقصود في هذا المكان فإنه لا خلاف بين ~~العقلاء أن الإنسان بل وغيره من الحيون يتصور في غيره ما يحبه ويواليه عليه ~~ويرجو وجوده ويتصور ما يبغضه ويعاديه عليه ويخاف وجوده PageV06P048 # فهذا التصور أمر معلوم في الإنسان وفي الحيوان وهم سموا التصور وهما ~~وقالوا إنه يحصل بقوة تسمى الوهمية # والناس متنازعون في إدراك الحيوان وأفعاله كالسمع والبصر والتفكر والعقل ~~وغيرذلك من أنواع التصورت والأفعال سواء كان تصور ولاية أو عداوة أو غير ~~ذلك هل هو بقوى في الحيوان أم لا # فالأول قول الجمهور والثاني قول من يقول إنه ليس للعبد قدره مؤثرة في ~~مقدوره # والأولون على قولين منهم من يخص القوى بالأفعال الاختيارية ومنهم من ~~يجعله في جميع الحوادث # وهؤلاء نوعان منهم من يقول بقول المتفلسفة الذين يقولون إن الله موجب ~~بذاته بدون مشيئته وعلمه بالجزئيات ms1095 وهذا باطل شرعا وعقلا ومنهم من يقول إن ~~الله خالق ذلك كله بمشيئته وعلمه وقدرته # وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها وجمهور علمائها يثبتون ما في الأعيان من ~~القوى والطبائع ويثبتون للعبد قدرة حقيقية وإرادة ويقولون إن هذه الأمور ~~جعلها الله أسبابا لأحكامها وهو يفعل بها كما قال تعالى @QB@ حتى إذا أقلت ~~سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~@QE@ سورة الأعراف 57 PageV06P049 # وقال تعالى @QB@ وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها @QE@ سورة البقرة 164 إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة # وكلام السلف والأئمة المذكور في غير هذا الموضع ولهذا نص أحمد بن حنبل ~~والحارث المحاسبي وغيرهما أن العقل غريزة في الإنسان # ولكن من قال بالقول الأول من نفاة الأسباب والقوى الذين سلكوا مسلك ~~الأشعري في نفي ذلك قالوا إن العقل إنما هو نوع من العلوم الضرورية كما قال ~~ذلك القاضي أبو بكر بن الطيب والقاضي أبو يعلى والقاضي أبو بكر بن العربي ~~وغيرهم # والمقصود أن هذا التصور لمعان في الأعيان المشهودة كتصور أن هذا يوافقني ~~ويواليني وينفعني وفيه ما أحبه وهذا يخالفني ويعاديني ويضرني وفيه ما أبغضه ~~أمر متفق عليه بين العقلاء سواء قبل بتعدد القوى أو اتحادها أو عدمها وسواء ~~قيل المدرك هو النفس أو البدن PageV06P050 # إذا كان كذلك فيقال إذاكان الوهم مفسرا عندهم بما ذكوره من تصور معنى غير ~~محسوس في الأعيان المحسوسة وألا يتأدى من الحس فمعلوم أن هذا تدخل فيه كل ~~صفة تقوم بالحي من الصفات الباطنة كالقدرة والإرادة والحب والبغض والشهوة ~~والغضب وأمثال ذلك # فإن القدرة في القادر كالعداوة في العدو والصداقة في الصديق بل قد يكون ~~ظهور الولاية والعداوة والحب والبغض إلى الحس الظاهر أقرب من ظهور القدرة # وعلى هذا فيكون تصور الملك والملك هو أيضا من الوهم فإن كون الشخص المعين ~~ملكا لغيره أو مالكا لغيره هو تصور معنى في الشخص المحسوس وذلك المعنى غير ~~محسوس ولا يتخيل تخيل المحسوسات # وكذلك تصور ms1096 الشهوة والنفرة يكون أيضا من باب التصور الوهمي في اصطلاحهم ~~وكذلك تصور الألم في الغير واللذة فيه هو من الباب فإن ما يجده الحيوان في ~~نفسه من اللذة والألم غير محسوس # فإن قيل $ هذه الأمور تدرك بآثار تظهر يدرك الحس تلك الظواهر فلا يقال هي ~~موهومة # قيل $ إن كان هذا كافيا فمعلوم أن تصور الشاة صورة الذئب المحسوسة إدراك ~~لتلك الصورة فتلك الصورة مستلزمة للعداوة PageV06P051 وكذلك إدراك التيس ~~صورة الشاة وكذلك إدراك الإنسان شعار صديقه وعدوه مثل إدراك كل من ~~الطائفتين المقتتلتين شعار الأخرى المسموعة بالأذن كالشعائر المتداعى بها ~~والمرئية كالرايات المرئية هي أيضا مما يدرك بالحس ويستدل بها على الولاية ~~والعداوة التي ليست بمحسوسة بل هي في الأشخاص المحسوسة # ففي الجملة ليس من شرط الصورة الوهمية عندهم أن يدركها الوهم بلا توسط ~~شيء محسوس بل لا تدرك تلك المعاني إلا في الأشياء المحسوسة ولا بد أن تدرك ~~تلك الأشياء المحسوسة فيكون الوهم مقارنا للحس لا بد من ذلك وإلا فلو أدرك ~~الوهم ما يدركه مجردا عن الحس لكان يدرك ما يدركه لا في أعيان محسوسة فلا ~~بد أن يدرك بباطنه وهو القوة المسماة بالوهم عندهم وبظاهره وهو الحس ما في ~~المدرك من الأمر الباطن وهو المعنى كالصداقة والعداوة والظاهر وهو الشخص ~~الذي هو محل ذلك # وعلى هذا فميل كل جنس إلى ما يناسبه في الباطن هو بسبب إدراك هذه القوة ~~كما يتفق في المتحابين والمتباغضين والمتحابون قد يكون تحابهم لاشتراكهم في ~~التعاون على ما ينفعهم ودفع ما يضرهم كما يوجد في أجناد العساكر وأهل ~~المدينة الواحدة وأهل الدين الواحد والنسب الواحد ونحو ذلك PageV06P052 # وفي الجملة فميل الحيوان إلى ما يظن أنه ينفعه ونفوره عما يظن أنه يضره ~~بسبب هذه القوة فإن إدراكه كون هذا نافعا له موافقا له ملائما له وكون هذا ~~ضارا له مخالفا له منافرا له هو بهذه القوة # وعلى هذا فينبغي أن يكون إدراك ما في الأغذية والأدوية من الملاءمة هو ~~بهذه القوة فإن الإنسان يتوهم ms1097 في الخبز أنه يلائمه إذا أكله كما يتوهم ~~الفرس ذلك في الشعير ويتوهم في السيف أنه يضره إذا ضرب به كما يتوهم الحمار ~~ذلك في العصا # وفي الجملة فتصور الإنسان بل والحيوان لما ينفعه ويضره هو بهذه القوة على ~~موجب اصطلاحهم فإن الإنسان إذا رأى بئرا محفورة يتصور أنه إن وقع فيها عطب ~~كان هذا بهذه القوة لأن الحس إنما شهد مكانا عميقا أما كونه يضر الإنسان ~~إذا سقط فيه فهذا لا يعلم بالحس ولهذا كان من لا تمييز له يسقط في مثل هذا ~~المكان كالصبي والمجنون والبهيمة وإن كان له حس فالذي يسميه الناس عقلا ~~سماه هؤلاء ووهما وتصور الإنسان أن هذا ماله وهذا مال غيره وهذه الدار داره ~~وهذه دار غيره هو بهذه القوة لأن الحس الظاهر لا يميز بين هذا وهذا وإنما ~~يعرف هذا من هذا بقوة باطنة تتصورفي المحسوس ما ليس بمحسوس وهو أن هذه ~~الدار أو المال له أو لأقاربه أو لأصدقائه وتلك الدار أو المال للأجانب أو ~~الأعداء فإن هذه المعاني هي في المحسوس وليست محسوسة وإدراك كون هذا ~~الإنسان PageV06P053 عادلا جوادا رحيما شجاعا وهذا ظالما بخيلا قاسيا جبانا ~~هو على موجب اصطلاحهم وهم فإن هذا إدراك أمور غير محسوسة في المحسوسات # وكذلك سائر الأخلاق التي بها مدح وقدح مثل البر والفجور والعفة والصدق ~~والكذب والكرم واللؤم وأمثال ذلك فإن هذه معان تقوم بالشخص المحسوس ونفس ~~الأخلاق القائمة فيه ليست بمحسوسة وإنما يحس بالأفعال الظاهرة الصادرة عنها ~~كما يحس بالأفعال الظاهرة الصادرة عن الصداقة والعداوة # ومعلوم أن إدراك هذه الأمور هي مما يدخل في مسمى العقل والعلم والمعرفة ~~عند عامة العقلاء بل إدراك كون المعروف معروفا وكون المنكر منكرا هو أيضا ~~مما يدخل في الوهم على اصطلاحهم فإن المعروف هو المحبوب الموافق الملائم ~~والمنكر هو المكروه المخالف المنافي وما يدرك به هذه المعاني من الامور ~~الحسية وهم بل على قولهم كل معنى يدرك في الأعيان المحسوسة فإدراكه بالوهم ~~ولا يبقى فرق بين الوهميات والعقليات ms1098 في مثل هذا إلا كون الوهميات جزئية ~~والعقليات كلية # ومعلوم أن إدراك كثير من هذه المعاني من خواص العقل ومما يبين هذا أن ~~الرجل إذا رأى امرأته مع من يظن به السوء كان هذا إدراكا لأمر PageV06P054 ~~غيرمحسوس في المحسوس وهو إدراك ما ينافيه وهو ميل الأجنبي إلى امرأته وميل ~~امرأته إليه وكذلك المرأة إذا وجدت مع زوجها امرأة أخرى فظنت أن بينهما ~~اتصالا وحصلت لها الغيرة فالغيرة إنما تحصل بهذه القوة فإن الغيرة من باب ~~كراهة المؤذى وبغضه وهو من جنس إدراك العداوة فيما يغار منه كما أن الرجل ~~يميل إلى أبيه وأمه وزوجته لما يستشعره من محبتهم ومودتهم وإدراك ما منهم ~~من المحبة والمودة هو أيضا عندهم وهم لأنه إدراك في المحسوس بما ليس بمحسوس ~~وهو الولاية التي بينهما كما قالوا في إدراك التيس معنى في الشاة وإذا رأى ~~الإنسان امرأة أجنبية فقد يدرك منها أنها تميل إليه فيكون كإدراك التيس ~~معنى في الشاة وقد يدرك منها أنها تنفر عنه فيكون كإدراك الشاة معنى في ~~الذئب وهذا باب واسع # والمقصود أن يجمع بين هذا وبين ما قاله ابن سينا في مقامات العارفين وهو ~~خاتمة مصحفهم وقد قال الرازي هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب فإنه رتب علم ~~الصوفية ترتيبا ما سبقه إليه من قبله ولا يلحقه من بعده # وأقره الطوسي على هذا الكلام وقال قد ذكر الفاضل PageV06P055 الشارح أن ~~هذا الباب أجل ما في هذا الكتاب فإنه رتب فيه علوم الصوفية ترتيبا ما سبقه ~~إليه من قبله ولا لحقه من بعده # وهذا الذي هو غاية ما عند هؤلاء من معارف الصوفية إذا تدبره من يعرف ما ~~بعث الله به رسوله وما عليه شيوخ القوم المؤمنون بالله ورسوله المتبعون ~~للكتاب والسنة تبين له أن ما ذكره في الكتاب بعد كمال تحقيقه لا يصير به ~~الرجل مسلما فضلا عن أن يكون وليا لله وأولياء الله هم المؤمنون المتقون ~~فإن غايته هو الفناء في التوحيد الذي وصفه وهو توحيد غلاة الجهمية ms1099 المتضمن ~~نفي الصفات مع القول بقدم الأفلاك وأن الرب موجب بالذات لا فاعل بمشيئته ~~ولا يعلم الجزئيات ولو قدر أنه فناء في توحيد الربوبية المتضمن للإقرار بما ~~بعث الله به رسوله من الأسماء والصفات لم يكن هذا التوحيد وحده موجبا لكون ~~الرجل مسلما فضلا عن أن يكون عارفا وليا لله إذ كان هذا التوحيد يقر به ~~المشركون عباد الأصنام فيقرون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وإنما يجعل ~~الفناء في هذا التوحيد هو غاية العارفين صوفية هؤلاء الملاحدة كابن الطفيل ~~صاحب رسالة حي بن يقظان وأمثاله ولهذا يستأنسون بما يجدونه من كلام أبي ~~حامد PageV06P056 موافقا لقولهم إذ كان في كثير من كلامه ما يوافق الباطل ~~من قول هؤلاء كما في كثير من كلامه رد لكثير من باطلهم # ولهذا صار كالبرزخ بينهم وبين المسلمين فالمسلمون ينكرون ما وافقهم فيه ~~من الباطل عند المسلمين وهم ينكرون عليه ما خالفهم فيه من الباطل عند ~~المسلمين # ومن أسباب ذلك أن هؤلاء جعلوا غاية الإنسان وكماله في مجرد أن يعلم ~~الوجود أو يعلم الحق فيكون عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود وهو التشبه ~~بالإله على قدر الطاقة وجعلوا ما يأتي به من العبادات والأخلاق إنما هي ~~شروط وأعوان على مثل ذلك فلم يثبتوا كون الرب تعالى مألوها يحب لذاته ويكون ~~كمال النفس أنها تحبه فيكون كمالها في معرفته ومحبته بل جعلوا الكمال مجرد ~~معرفة الوجود عند أئمتهم أو في مجرد معرفته عند من يقرب إلى الإسلام منهم # فهذا أحد نوعي ضلالهم والنوع الآخر أنه لو قدر كمالها في مجرد العلم فما ~~عندهم ليس بعلم بل كثير منه جهل PageV06P057 # والقدر الذي حصل لهم من العلم لا تحصل به النجاة فضلا عن حصول السعادة ~~الكبرى فهم أبعد عن الكمال البشرى عن النجاة في الآخرة والسعادة من اليهود ~~والنصارى من حيث هم كذلك وإن كان من اليهود والنصارى من هو أبعد عن ذلك ممن ~~كان أقرب إلى الإسلام من اليهود والنصارى إذ النجاة والسعادة باتباع الرسل ~~علما وعملا ms1100 # وكتبهم ليس فيها إيمان بنبي معين ولا بكتاب معين لا توراة ولا إنجيل ولا ~~قرآن ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى بل ولا فيها إثبات رب معين وإنما فيها ~~إثبات موجود كلي وأمور كليه ولا فيها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ~~والنهي عن عبادة ما سواه ومعلوم أن النجاة والسعادة لا تحصل إلا بذلك بل ~~ليس عندهم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ولا ~~الإيمان بأن الله قدر مقادير العباد فإنه عندهم لا يعلم الجزئيات فكيف ~~يقدرها ومعلوم أن السعادة لا تحصل إلا بذلك # وهؤلاء لما كان قولهم مخالفا للفطرة التي فطر الله عليها عباده من ~~الإقرار به ومن محبته كان ما ذكروه من كمال النفس منافيا لهذا ولهذا # ولهذا اضطرب كلامهم في هذا الباب فتارة يحتاجون أن يقروا بما يوجب محبته ~~وموالاته مع الإقرار به سبحانه بعلوه على خلقه وتارة يدعون ما يوجب انتفاء ~~هذا وهذا PageV06P058 # وقد تقدم أقوالهم في الوهم ومعناه عندهم والقضايا الوهمية والمقصود أن ~~يجمع بين النظر في ذلك وبين ما ذكروه في مقامات العارفين الذي هو أجل ما ~~عندهم وكثير منه أو أكثره كلام جيد ولكن الاقتصار عليه وحده مع ما عندهم لا ~~يوجب نجاة النفوس من العذاب فضلا عن حصول السعادة لها ولكن كل ما قالوه هم ~~وغيرهمم من حق فمقبول ويتبين من ذلك الحق وغيره بطلان ما يناقضه من الباطل ~~الذي قالوه أيضا # قال ابن سينا $ العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره ولا يؤثر شيئا على ~~عرفانه وتعبده له فقط ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة ~~ولا لرهبة وإن كانتا فيكون المرغوب فيه أو المهروب عنه هو الداعي وفيه ~~المطلوب ويكون الحق ليس الغاية بل الواسطة إلى شيء غيره وهو الغاية وهو ~~المطلوب دونه # فيقال $ هذا الذي قاله من كون الحق تعالى عند العارف هو المراد المعبود ~~لنفسه لا يراد لغيره فيكون هو الواسطة إلى ذلك الغير ويكون ذلك الغير هو ~~الغاية كلام صحيح وهو ms1101 من مبادئ ما يتكلم PageV06P059 فيه أهل الإيمان ~~والإرادة بل هو من شعائرهم ومن أشهر الأمورعندهم # وقد قال تعالى @QB@ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه @QE@ سورة الأنعام 52 # وقال تعالى @QB@ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ~~ولسوف يرضى @QE@ سورة الليل 19 21 # وقال تعالى @QB@ وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما @QE@ سورة الأحزاب 29 # وقال تعالى @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ سورة المائدة 54 # وقال @QB@ والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ سورة البقرة 165 # وقال تعالى @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا @QE@ سورة التوبة 24 # وقد قال تعالى @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ سورة النساء 125 PageV06P060 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال إن الله ~~اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا # وفي الصحيحين أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان ~~يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي في النار # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن ~~أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين # وفي الصحيح أن عمر رضي الله عنه قال والله يا رسول الله PageV06P061 لأنت ~~أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ~~فقال والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي فقال الآن يا عمر # فإذا كان هذا في حب الرسول التابع لحب الله فكيف في حب الله الذي إنما ~~وجب حب الرسول لحبه والذي لا يجوز أن نحب شيئا ms1102 من المخلوقات مثل حبه بل ذلك ~~من الشرك # قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ سورة البقرة 165 وهذا هو دين الإسلام الذي ~~بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له # والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل فلا يكون أحد مؤمنا حتى يكون الله ~~أحب إليه من كل ما سواه وأن يعبد الله مخلصا له الدين # فهذا الذي ذكره في مقامات العارفين هو أول قدم يضعه المؤمن في الإيمان ~~ولا يكون مؤمنا من لم يتصف بهذا وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وعلماؤها على ~~أن الله يحب لذاته لم ينازع في ذلك إلا طائفة من أهل الكلام والرأي الذين ~~سلكوا مسلك الجهمية في بعض أمورهم فقالوا إنه لا يحب ولا يحب PageV06P062 # وابن سينا والفلاسفة وإن كانوا يردون على هؤلاء كما يرد عليهم أئمة الدين ~~فهم أقرب إلى الحق من ابن سينا وأتباعه كما سنبينه إن شاء الله تعالى # وقد قال طائفة من النظار إن الإرادة لا تتعلق إلا بمعدوم محدث وهو ما ~~يراد أن يفعل فأما القديم الواجب بنفسه فلا تتعلق به الإرادة # وقالوا قول القائل أريد الله أي أريد عبادته ونحو ذلك # وقال آخرون بل الإرادة تتعلق بنفس القديم الواجب بنفسه كما نطقت به ~~النصوص # والتحقيق أنه لا منافاة بين القولين فإن كون الشيء محبوبا لذاته مرادا ~~لذاته هو أن المحب المريد لم يطلب إرادته لما سواه بل كان هو أقصى مراده ~~وإنما يكون الشيء مرادا محبوبا لما للمحب المريد في الإتصال بذلك من السرور ~~واللذة إذ المحبة لا تكون إلا لما يلائم المحب فما يحصل عند ذكره ومعرفته ~~والنظر إليه من اللذة هو مطلوب المحب المريد المحب لذاته PageV06P063 # كما ثبت في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله ms1103 ~~موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ~~ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهو الزيادة # وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك لذة النظر إلى ~~وجهك والشوق إلى لقائك # فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله لم يعط أهل الجنة PageV06P064 ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه وهذا غاية مراد العارفين وهذا موجب حبهم إياه ~~لذاته لا لشيء آخر # فمن قال إنه لا يحب لذاته ولا يتلذذ بالنظر إليه كما تزعمه طائفة من أهل ~~الكلام والرأي فقد أخطأ ومن قال إن محبة ذاته وإرادة ذاته لا تتضمن حصول ~~لذة العبد بحبه ولا يطلبه العبد ولا يريده بل يكون العبد محبا مريدا لما لا ~~يحصل له لذة به فقد أبطل # ومن قال إن العبد يفني عن حظوظه وإراداته وأراد بذلك أنه يفني عن حظوظه ~~وإرادته المتعلقة بالمخلوقات فقد أصاب وأما إن أراد انه يفني عن كل إرادة ~~وحب وتبقى جميع الأمور عنده سواء فهذا مكابر لحسه ونفسه # وكل مراد محبوب لذاته فلا معنى لكونه مرادا محبوبا لذاته إلا أن ذاته هو ~~غاية مطلب الطالبين بمعنى أن ما يحصل لهم من النعم واللذة هو غاية مطلوبهم ~~لا يطلبونها لأجل غيرها فأما بتقدير أن تنتفي كل لذة فلا يتصور حب فإن حب ~~ما لا لذة في الشعور به ممتنع PageV06P065 # وعلى هذا فقول القائل العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره ولا يؤثر شيئا ~~على عرفانه لا منافاة بينهما # وكذلك قوله وتعبده له فقط لا ينافي قوله ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة ~~شريفة إليه بل كونه تعبده له فقط إنما كان محمودا لأنه مستحق للعبادة وإنما ~~انبغى للعبد أن يفعلها لأنها نسبة شريفة وإلا فلو فعل العبد ما لا خير فيه ~~كان مذموما لكن يفرق بين من يكون قد عرف الله معرفة أحبه لأجلها وبين من ~~سمع مدح أهل المعرفة فاشتاق إلى ms1104 كونه منهم لما في ذلك من الشرف فإن هذا في ~~الحقيقة إنما مراده تعظيم نفسه وجعل المعرفة طريقا إليها # وكذلك كل من أراد الله لأمر من الأمور كما حكى أن أبا حامد بلغه أن من ~~أخلص لله أربعين يوما تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه قال فأخلصت ~~أربعين يوما فلم يتفجر شيء فذكرت ذلك لبعض العارفين فقال لي إنك أنما أخلصت ~~للحكمة لم تخلص لله # وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة أو نيل المكاشفات ~~والتأثيرات أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه أو غير ذلك من المطالب ~~PageV06P066 # وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه فإذا قصد أن يطلب ذلك ~~بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضا لأن من أراد شيئا لغيره فالثاني هو ~~المراد المقصود بذاته والأول يراد لكونه وسيلة إليه فإذا قصد أن يخلص لله ~~ليصير عالما أو عارفا أو ذا حكمة أو متشرفا بالنسبة إليه أو صاحب مكاشفات ~~وتصرفات ونحو ذلك فهو هنا لم يرد الله بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك ~~المطلوب الأدنى وإنما يريد الله ابتداء من ذاق حلاوة محبته وذكره # وفطر العباد مجبولة على محبته لكن منهم من فسدت فطرته قال تعالى @QB@ ~~فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~@QE@ سورة الروم 30 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مولود يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل ~~تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة اقرأوا إن شئتم @QB@ فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ سورة الروم 30 # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ~~ربه تعالى قال إني خلقت عبادي حنفاء PageV06P067 فاجتالتهم الشياطين وحرمت ~~عليهم ما احللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطانا # وأما قول القائل لا للرغبة والرهبة # فهذا له ثلاث معان # أحدها أن يراد ms1105 به لا لرغبة في حصول مطلوب المحب من المحبوب لذاته ولا ~~لرهبة من ذلك وهذا ممتنع فإنه ما من عبد مريد محب إلا وهو يطلب حصول شيء ~~ويخاف فواته # والثاني أنه لا يرغب في التمتع بمخلوق ولا يخاف من التضرر بمخلوق فيمكن ~~أن يعبد الله من يعبده بدون هذه الرغبة والرهبة # كما قال عمر رضي الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه # وفي الأثر لو لم أخلق جنة ولا نارا أما كنت أهلا أن أعبد وقد ثبت في ~~الصحيح أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس PageV06P068 # وكذلك الملائكة فلولا تمتع أهل الجنة بذلك التسبيح الذي هو لهم كالنفس لم ~~يكن الأمر كذلك # وقد ثت في الحديث الصحيح المتقدم قوله فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من ~~النظر إليه # والثالث أن يراد أن العبد لا يرهب مما يضره كألم العذاب ولا يرغب فيما ~~يحتاج إليه كالطعام والشراب فهذا ممتنع فإن ما جعل الله العبد محتاجا إليه ~~متألما إذا لم يحصل له لا بد أن يرغب في حصوله ويرهب من فواته وما كان ~~ملتذا به غير متألم بفواته كأكل أهل الجنة وشربهم فهذا يرغب فيه ولا يرهب ~~من فواته فوجود تلك اللذة العليا الحاصلة بمعرفة الله ورؤيته لا ينافي وجود ~~لذات أخر حاصلة بإدراك بعض المخلوقات ومن نفى الأولى من الجهمية والمعتزلة ~~ومن وافقهم فقد أخطأ ومن نفى الثانية من المتفلسفة والمتصوفة على طريقهم ~~فقد أخطأ مع أن هؤلاء المتفلسفة لا يثبتون حقيقة الأولى فإنهم لا يثبتون أن ~~الرب تحبه الملائكة والمؤمنون وإنما يجعلون الغاية تشبههم به لا حبهم إياه ~~وفرق بين أن تكون الغاية كون هذا مثل هذا PageV06P069 وبين أن تكون الغاية ~~كون هذا يحب هذا محبة عبودية وذلك # ولهذا قالوا الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة ولهذا كان مطلوب ~~هؤلاء إنما هو نوع من العلم والقدرة الذي يحصل لهم به شرف فمطلوبهم من جنس ~~مطلوب فرعون بخلاف الحنفاء الذين يعبدون الله محبة له وذلا له ms1106 # وهم ايضا لا يثبتون معرفة تحصل بها النجاة والسعادة بعد الموت بل المعروف ~~عندهم وجود مطلق أو مقيد بالسلوب ولا يثبتون بعد الموت تجدد نظر إليه إذ ~~المفارقات عندهم ليس فيها حركة أصلا لا من الناظر ولا من المنظور إليه وهو ~~خلاف ما دلت عليه الدلالة الشرعية والعقلية # | فصل # ثم قال $ إشارة المستحل بوسيط الحق مرحوم من وجه فإنه لم يطعم لذة البهجة ~~به فيستطعمها إنما معارفته مع اللذات PageV06P070 المخدجة فهو حنون إليها ~~غافل عما وراءها وما مثله بالقياس إلى العارفين إلا مثل الصبيان بالقياس ~~إلى المحتنكين فإنهم لما غفلوا عن طيبات يحرص عليها البالغون واقتصرت بهم ~~المباشرة على طيبات اللعب وصاروا يتعجبون من أهل الجد إذا أزوروا عنها ~~عائفين لها عاكفين على غيرها كذلك من غض النقص بصره عن مطالعة بهجة الحق ~~أعلى كفيه بما يليه من اللذات لذات الزور فتركها في دنياه عن كره وما تركها ~~إلا ليستأجل أضعافها وإنما يعبد الله ويطيعه ليخوله في الآخرة ويشبعه منها ~~فيبعث إلى مطعم شهى ومشرب هنى ومنكح بهى إذا بعثر عنه فلا مطمح لبصره في ~~أولاه وآخرته إلا إلى لذات فبقبه وذبذبه والمستبصر بهداية PageV06P071 ~~القدس في شجون واجب الإيثار قد عرف اللذة الحق وولى وجهه سمتها مترحما على ~~هذا المأخوذ عن رشده إلى ضده وإن كان ما يتوخاه بكده مبذولا له حسب وعده # فيقال $ ينبغي أن يفرق بين كون الإنسان محبا مريدا وبين كونه يعرف أنه ~~محب مريد وكذلك يفرق بين كونه سامعا رائيا عالما وبين كونه عالما بكونه ~~كذلك ذاكرا له # ومثال ذلك أن الإنسان لا يفعل اختياريا وهو يعلم أنه يفعله إلا بإرادة ~~فكل من شهد المسجد ليصلي فيه الصلاة الحاضرة وهو يعلم أنها الجمعة أو الفجر ~~امتنع أن يصلي إلا وهو ناو لهذه الصلاة ومع هذا فقد يظن كثير من الناس أنه ~~لا ينوي أو لا تحصل له نية حتى يتكلم بذلك وربما كرر ذلك ورفع صوته به وآذى ~~من حوله وأصابه من جنس ما يصيب المجنون ms1107 # وكذلك المعرفة بالله فطرية ضرورية كما قد بسط في موضعه وكذلك حب الله ~~ورسوله حاصل لكل مؤمن ويظهر ذلك بما إذا خير المؤمن بين أهله وماله وبين ~~الله ورسوله فإنه يختار الله ورسوله PageV06P072 والمؤمنون متفاضلون في هذه ~~المحبة ولكن المنافقون الذين أظهروا الإسلام ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ~~ليسوا من هؤلاء وما من مؤمن إلا وهو إذا ذكر له رؤية الله اشتاق إلى ذلك ~~شوقا لا يكاد يشتاقه إلى شيء # وقد قال الحسن البصري لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت ~~أنفسهم في الدنيا # والحب لله يقوى بسبب قوة المعرفة وسلامة الفطرة ونقصها من نقص المعرفة ~~ومن خبث الفطرة بالأهواء الفاسدة # ولا ريب أن النفوس تحب اللذة بالأكل والشرب والنكاح وقد تشتغل النفوس ~~بأدنى المحبوبين عن أعلاهما لقوة حاجته العاجلة إليه كالجائع الشديد الجوع ~~فإن ألمه بالجوع قد يشغله عن لذة مناجاته لله في الصلاة # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لا يصلين أحدكم بحضرة ~~طعام ولا وهو يدافع الأخبثين # وإن كانت الصلاة قرة عين العارفين والإنسان إنما يشتاق إلى ما يشعر به من ~~المحبوبات فأما ما لم يشعر به فهو لا يشتاق إليه وإن كان لو شعر به لكان ~~شوقه إليه أشد من شوقه إلى غيره PageV06P073 # ولما كانت الجنة فيها كل نعيم يتنعم به العباد من غير تنغيص مما يعرفونه ~~وما لا يعرفونه # كما قال تعالى @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ سورة ~~السجدة 17 # وقال @QB@ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين @QE@ سورة الزخرف 71 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى إني أعددت ~~لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما ~~اطلعتم عليه ثم قرأ @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ سورة ~~السجدة 17 الآية # وكان النعيم الذي فيها منه ما له نظير عند المخاطبين إذا ذكر اشتاقوا ~~إليه ومنه ما لا نظير ms1108 له عندهم أخبرهم الله تعالى منه بما له نظير فإنه ~~بذلك يحصل شوقهم ورغبتهم فيما أمروا به ثم إذا فعلوا ما أمروا به نالوا ~~بذلك مالم يخطر بقلوبهم كما أخبر بذلك الكتاب والسنة # ولذة النظر وإن كانت أفضل اللذات وسببها وهو حب الله ورسوله موجود في قلب ~~كل مؤمن لكن الظاهر من الحب هو الشهوات ومعرفة الناس لكون ذلك مشتهاة ~~ومرغوبا فيها وأن محبتها PageV06P074 غالبة وذكرهم لذلك أظهر من معرفتهم ~~بما في حب الله ورسوله # والنظر إليه من ذلك ومن ذكرهم لذلك وإن كان ذلك موجودا فيهم فوجود الشيء ~~غير معرفته وذكره وظهوره فذكر الله في كتابه من اللذات الظاهرة كالأكل ~~والشرب والنكاح ما يعرف كل أحد أنه لذة وما تشتاق إليه كل نفس ويعرفون أنه ~~مما يرغب فيه وذلك لا ينال إلا بعبادة الله وطاعته # وهم إذا عبدوا الله فقد يحصل لهم من حلاوة المعرفة والعبادة ما هو أعظم ~~من ذلك وإذا كشف الحجاب في الآخرة فنظروا إليه كان ذلك أحب إليهم من جميع ~~ما أعطاهم فكان ترغيبهم في العبادة بذلك شائقا لهم إلى هذا وكان كمن أسلم ~~رغبة في الدنيا فلم تغرب الشمس إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس ~~وكمن دخل في العلم والدين لرغبة في مال أو جاه أو رهبة من عزل أو عقوبة أو ~~أخذ مال فلما ذاق حلاوة العلم والإيمان كان ذلك أحب إليه مما طلعت عليه ~~الشمس # وإذا كان هذا في الدنيا فما الظن بما في الآخرة وإذا عرفت هذا عرفت شيئين ~~أحدهما أن كل مؤمن تحقق إيمانه فإنما يعبد الله والله أحب إليه من كل ما ~~سواه وإن كان لا يستشعر هذا في PageV06P075 نفسه بل يكون ما يرجوه من الأكل ~~والشرب والنكاح وما يخافه من العقاب باعثا له على العبادة لكن إذا ذاق ~~حلاوة الإيمان وطعم العبادة كان الله أحب إليه من كل شيء وإن كان يغيب عن ~~علمه بحاله حتى لا يرغب ولا يرهب إلا من غير ذلك فما كل ms1109 محبوب واجب يستحضر ~~في كل وقت ولا تحصل به الرغبة ولا من فواته الرهبة بل تحصل الرغبة الرهبة ~~بالمحبوب الأدنى والمرهوب الأدنى ويقوده ذلك إلى المحبوب الأعلى وهذا موجود ~~فيمن ذاق طعم المحبوب الأعلى فإنه قد يعرض له هوى في محبوب أدنى فيكون ~~حضوره ودواعي الشهوة إليه يوجب تقديمه مع علمه بأنه يفوته بذلك ما هو أحب ~~إليه منه وكمن يشتهي شيئا فيتناوله وهو يعلم أنه يضره وأنه يفوته به ما هو ~~أحب إليه بل يعلم أنه يوجب له ما يضره وأنه يفوته به ما هو أحب إليه بل ~~يعلم أنه يوجب له ما يضره فإذا حصل له ترهيب يصده عن ذلك أو رغبة فيما ترغب ~~فيه نفسه حتى يترك ذاك كان هذا دواء نافعا له يشتاق به إلى المحبوب الأعلى # والله قد أنزل كتابه شفاء لما في الصدور وهدى للخلق ورحمة لهم وبعث رسوله ~~بالحكمة # وأما ما ذكره هذا الرجل من الكلام المزخرف الذي قال الله فيه @QB@ وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون @QE@ سورة الأنعام 112 113 ~~PageV06P076 # وذلك أنه عظم من يعبد الحق لذاته وعبادة الحق تعالى لذاته أصل عظيم وهو ~~أصل الملة الحنيفية وأساس دعوة الأنبياء لكن هذا حاصل فيما جاءت به الرسل ~~لا في طريق أصحابه فإن أصحابه لا يعبدون الله بل ولا يحبونه أصلا بل ولا ~~يطيعونه وإنما العبادات عندهم رياضة للنفوس لتصل إلى علمهم الذي يدعون أنه ~~كمال النفس والكمال عندهم في التشبيه به لا في أن يكون محبوبا مرادا # ولهذا لم يتكلم أحد منهم في مقامات العارفين بمثل هذا الكلام الذي تكلم ~~به ابن سينا وهو أراد أن يجمع بين طريقهم وطريق العارفين أهل التصوف فأخذ ~~ألفاظا مجملة إذ فسر مراد كل واحد منها تبين أن القوم من أبعد الناس عن ~~محبة الله وعبادته وأنهم ms1110 أبعد عن ذلك من اليهود والنصارى بكثير كثير # ولهذا يظهر فيهم من إهمال العبادات والأوراد والأذكار والدعوات ما لا ~~يظهر في اليهود والنصارى ومن سلك منهم مسلك العبادات فإن لم يهده الله إلى ~~حقيقة دين الإسلام وإلا صار آخر أمره ملحدا من الملاحدة من جنس ابن عربي ~~وابن سبعين وأمثالهما # وأيضا فإنه استحقر ما وعد الناس به في الآخرة من أنواع النعيم وطلب تزهيد ~~الناس فيما رغبهم الله فيه وهو مضادة للأنبياء وهو في الحقيقة منكر لوجود ~~ذلك كما هو في الحقيقة منكر لوجود محبة الله ومعرفته والنظر إليه وإنما ~~الذي أثبته من ذلك خيال كما أن الذي أثبته من لذة المعرفة إنما هو مجرد ~~كونه عالما معقولا موازيا للعالم PageV06P077 الموجود وظن أنه بهذا تحصل ~~اللذة التي يسعد بها في الآخرة وينجو بها من العذاب وهذا ضلال عظيم # وقد أعرض الرازي عن الكلام على هذا فلم يمدحه ولم يذمه وأما الطوسي فمدحه ~~عليه لأنه ملحد من جنسه والكلام على هؤلاء مبسوط في موضعه # | فصل # ثم قال $ إشارة أول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الإرادة وهو ما ~~يعترى المستبصر باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من ~~الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سرة إلى القدس لينال من روح الاتصال ~~فما دامت درجته هذه فهو مريد # إشارة ثم إنه يحتاج إلى الرياضة والرياضة متوجهة إلى ثلاثة أغراض الأول ~~تنحية ما دون الحق عن مستن الإيثار والثاني تطويع النفس الأمارة للنفس ~~المطمئنة لتنجذب قوى التوهم والتخيل PageV06P078 إلى التوهمات المناسبة ~~للأمر القدسي منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي والثالث تلطيف السر ~~للتنبه والأول يعين عليه الزهد الحقيقي والثاني تعين عليه أشياء العبادة ~~المشفوعة بالفكرة ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما يلحن بها من ~~الكلام موقع القبول من الأوهام والثالث نفس الكلام الواعظ من قائل زكى ~~بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد وأما الغرض الثالث فيعين عليه الفكر ~~اللطيف والعشق العفيف الذي تأمر فيه شمائل المعشوق ليس سلطان الشهوة # فيقال $ قد ms1111 ذكر أن المريد يحتاج في الرياضة التي تسمى السلوك إلى ثلاثة ~~أشياء متعلقة بالقصد والعمل والعلم # أما القصد فأن لا يقصد إلا الحق فينحى ما سواه عن طريق القصد فلا يقصد ~~إلا إياه وهذا حق لكن لا يكون إلا على دين المرسلين وأما إرادة الله ومحبته ~~دون ما سواه فليس هو طريق هؤلاء المتفلسفة بل هو ممتنع على أصولهم الفاسدة ~~وليس زهدهم زهد الأنبياء ولكن زهدهم للتوفر على مطلوبهم الذي يرونه كمالا ~~لا على عبادة الله PageV06P079 # وأما العمل فهو تطويع قوة النفس الأمارة بالسوء لقوتها المطمئنة وهذا ~~متفق عليه لكن عند أهل الملل أن هذا تكميل لعبادة الله وطاعته وعند ~~الملاحدة إنما هو تهديب للنفس لتستعد لما جعلوه هم كمالا # وليس المقصود هنا ذكر ما في هذا الكلام من حق وباطل فإن هذا له موضع آخر ~~وإنما المقصود ذكر ما يتعلق بكلامهم في قوى التوهم والتخيل فإنه قال لتنجذب ~~قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي منصرفة عن التوهمات ~~المناسبة للأمر السفلي # فذكر أن المقصود انجذاب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر ~~القدسي ولم يقل إلى التوهمات والتخيلات كما قال انجذاب قوى التخيل والوهم ~~لأنه يريد أن يجذب قوى التخيل والوهم # فالتخيل لصور المحسوسات والوهم لما فيها من المعاني والجذب يكون إلى ~~التوهمات المناسبة للأمر القدسي لا إلى التخيل فإنه ليس المقصود جذبها إلى ~~صورة متخيلة بل إلى أمر متوهم وهو المعاني التي تحبها النفس لأن الوهم كما ~~تقدم تصور المعاني المحبوبة في الأعيان وهي التي تكون لأجلها الولاية ~~والعداوة PageV06P080 # والمقصود حصول التوهمات المناسبة للأمر القدسي والانصراف عن التوهمات ~~المناسبة للأمر السفلي والتوهمات هي تصور ما يحب ويبغض ويوالي ويعادي ~~ويوافق ويخالف ويرجي ويخاف من المعاني التي في الأعيان فيريد أن يتصور ما ~~يحب ويرجي لينجذب إليه وما يكره ويخاف لينجذب عنه ويكون ما يحب ويرجي في ~~الأمر القدسي والمكروه والمخوف في الأمر السفلي # وقد ذكر أن المراد المعبود لذاته هو الله تعالى فلا بد أن يتصور ما ms1112 يوجب ~~حبه الله وبغضه لما يصرفه عن ذلك وأن يتصور من رجائه وخوفه ما يصرفه إليه ~~كما يتصور في الدنيا ما يجذبه عنها # وإذا كان قد قال هذا مع قوله إن الوهم أن يتصور في المحسوسات أمرا غير ~~محسوس لم يمكن هذا حتى يتصور في حق الله تعالى ما يوجب انجذاب القلب إليه ~~وقد سمى ذلك توهما # وقوله $ ولتنجذب قوة التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي # إن أريد التوهمات المناسبة لقدس الرب تعالى مثل كونه هو الذي يستحق أن ~~يعبد ويحمد وأمثال ذلك من المعاني المناسبة لعبادته فقد جعل الشعور بهذه من ~~باب التوهم PageV06P081 وإن أريد به توهم معان في غير الرب فتلك لا يحتاج ~~إليها في عبادته تعالى فلا يحتاج العابد لله إلى أن يتصور ما يناسب محبته ~~لله وعبادته بشعوره بما يوجب محبة الله وعبادته إياه دون ما سواه فإن عبادة ~~الله وحدة تحصل إذا عرف من الله ما تحصل به محبته لله فلا يحتاج أن يعرف من ~~غيره ما يوجب محبته لله ولو قدر أن تصوره لغيره يوجب محبته فقد جعل طلب ما ~~يوجب انجذاب قوة التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي # فهذه الأمور سواء كانت صفات لله أو أمورا تقتضي محبة الله فإنه جعلها من ~~باب التوهم # وهذا يوجب كون الله عاليا على خلقه من وجوه # أحدها $ أنه قد ذكر أن الحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات ~~الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس وهذه قوة الوهم ~~كما تقدم فإذا كان قد قال مع ذلك إنه لا بد من تطويع القوة الأمارة للقوة ~~المطمئنة لتنجذب قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي ~~منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي والتوهمات المناسبة لإرادة الله ~~وحده إنما تكون بتصور معنى فيه يوجب انجذاب القلب إليه # وهو سبحانه يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فإنه واحد لا شريك له وهم ~~يقولون انحصر نوعه في شخصه فلا يجوز أن يكون PageV06P082 التصور الجاذب ~~للقلب إليه ms1113 وحده إلا تصور معين في معين وهذا هو التوهم عندهم # فهذا تصريح منهم بأن التوهم تصور صفاته فقولهم مع ذلك بنفي إدراك هذه ~~القوة له تناقض # الثاني $ أن القوة المتوهمة إذا كانت لا تتصور إلا في معين والمعين لا ~~يكون كليا امتنع أن يكون هذا معقولا إذا كانت المعقولات هي الكليات كما قد ~~يقولونه ولأنه لا حجة لهم على إثبات معقول غير الكليات # الثالث $ أن هذا يوجب أن يكون محسوسا أي يمكن الإحساس به وهو رؤيته كما ~~ثبت أنه يرى في الآخرة لأن التوهم عندهم أن يتصور في المحسوس ما ليس بمحسوس # فإذا كان هو سبحانه يجب أن يوالي ويحب دون ما سواه وكان ذلك بتوهم الأمور ~~المناسبة لذلك التوهم وهو تصور أمر غير محسوس في معين محسوس لزم أن يكون ~~هومعينا محسوسا # الوجه الرابع $ أنه جعل الذي يعين على تطويع النفس ثلاثة أشياء العبادة ~~المشفوعة بالفكرة ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن بها من ~~الكلام موقع القبول من الأوهام والثالث نفس الكلام الواعظ # ومعلوم أن العبادة لا تكون إلا بقصد وإرادة والقصد والإرادة PageV06P083 ~~الذي تتجذب معه قوى التخيل والتوهم إلى التوهمات المناسبة لعبادة الله ~~منصرفة عن المناسبة للأمر السفلي لا يكون إلا إذا تصور في المراد الذي ~~انجذبت إليه قوة التوهم ما يوجب إرادته ومحبته فتكون إرادته توجب موالاته ~~ومحبته بل وخوفه ورجاءه # وهذا كله عندهم من عمل القوة المتوهمة فدل على أنه لا بد عندهم أن يكون ~~الحق تعالى مما يتعلق الوهم بمعان فيه وهذا لازم لكلامهم لا محيد عنه # الوجه الخامس $ أنه قال الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من ~~الأوهام # فبين أنه يطلب كون الوهم يقبل الكلام الملحن والقوة الوهمية هي التي تدرك ~~المعنى المحبوب والمكروه في المعين المحسوس الجزئي كما تقدم # فدل بهذا على أن الكلام الملحن يكون فيه ما يوجب قبول الوهم للكلام الذي ~~يدعو إلى عبادة الله ومحبته وذلك بما تقدم من كون الوهم هو الذي يشعر ~~بالمعاني التي ms1114 تحب وتبغض وتوالي وتعادي فكان حب العبد لربه وعبادته إياه ~~مشروطا بتوهمه في ربه ما يحبه العبد فوجب كون الرب عندهم محسوسا وكون الوهم ~~يتصور فيه ما يحب لأجله # السادس $ أنه قال لينجذب التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر ~~القدسي منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي PageV06P084 والسفلي ضد ~~العلوي فدل ذلك على أن القدسي علوي # فإن قيل $ يراد بذلك علو القدر أو الصفات # قيل $ هذا لا يصح هنا لأن قوى الوهم إنما تنجذب إلى معان غير محسوسة في ~~أمر محسوس وما كان محسوسا أمكن أن يكون فوق العالم # السابع $ أن يقال ما أشار إليه من هذه المعاني وإن كان التعبير عنه ~~بعباراته غير معروف فهذا هو الذي فطر الله عليه عباده فإنهم إذا حزبهم أمر ~~احتاجوا فيه إلى توجيه قلوبهم إلى الله توجهوا إلى العلو وتصوروا أن الله ~~جواد كريم يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويرزقهم وينصرهم فعرفوا منه ما يوافق ~~مطلوبهم ومرادهم ومحبوبهم # وهذا هو الذي يسميه هؤلاء التوهم # وأيضا فمن كان محبا له محبا لذكره متلذذا بمناجاته فإنه يجد في فطرته ~~معنى يطلب العلو ويتصور أن ربه متصف بما يستحق لأجله أن يعبد ويحب ويطاع ~~وهذا هو الذي يسمونه التوهم ويجد قلبه منصرفا إلى العلو منصرفا عن السفل ~~إلا إذا كان قد غيرت فطرته # فإن قيل له ربك ليس فوق أو غير ذلك بأن يقال ليس في PageV06P085 جهة أو ~~لا يختص أو لا تحصره أو نحو ذلك من العبارات المجملة التي يراد بها أنه ليس ~~فوق فيحتاج حينئذ أن يصرف فطرته علما وإرادة عما فطر عليه # فما ذكره في مقامات العارفين موافق لما فطر الله عليه عباده أجمعين بخلاف ~~ما ذكره هناك فإنه مخالف للفطرة كما تقدم # الثامن $ أن الشرائع الإلهية جاءت بما يوافق الفطرة # التاسع $ أنه قد اتفق على ذلك سلف الأمة # العاشر أنه دلت على ذلك الدلائل العقلية اليقينية # الحادي عشر $ أن موجب ما ذكروه أن لا يكون الرب معبودا إلا يتعلق المعنى ~~الذي سموه الوهم ms1115 به وأن من نفى تعلق الوهم بمعنى في الرب فقد أبطل كون الرب ~~محبوبا معبودا فمن قال بعد ذلك إنه لا يقبل في الإلهيات هذه القضايا ~~الوهمية فقد نفى كون الرب مستحقا لأن يعبد وأن يحب وهذا حقيقة قولهم ولهذا ~~كان حقيقة قولهم تعطيل الرب عن أن يكون موجودا وأن يكون مقصودا وأن يكون ~~معبودا # وعلى هذا كانت أئمتهم كالقرامطة الباطنية الذين قادوا حقيقة قولهم وكذلك ~~باطنية الصوفية الذين وافقوهم كأصحاب ابن عربي وابن سبعين فإن الذين عرفوا ~~حقيقة قولهم كالتلمساني كانوا من أبعد PageV06P086 الناس عن عبادة الله ~~وطاعته وطاعة رسله وأشدهم فجورا وتعديا لحدود الله وانتهاكا لمحارمه ~~ومخالفة لكتابه ولرسوله وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # وحينئذ فنقول قوله إن القضايا الوهمية كاذبة # إن أراد به القضايا الكلية التي تناقض معقولا فتلك عندهم ليست من قضايا ~~الوهم وإن أراد به ما يدركه الوهم من الأمور المعينة في المحسوسات فتلك ~~صادقة عنده لا كاذبة وهي لا تعارض الكليات # وقوله إن الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة لأنه ليس يقبل ضدها ~~ويقابلها # فيقال له $ هذا يقتضي تمكنها من الفطرة وثبوتها في النفس وأن الفطرة لا ~~تقبل نقيضها وهذا يقتضى صحتها وثبوتها لا ضعفها وفسادها # وأما قوله $ لأن الوهم تابع للحس فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم # فيقال له $ إن أردت بالوهم التابع للحس ما سميته وهما وهو توهم معاني ~~جزئية غير محسوسة في المحسوسات الجزئية فلا ريب أن PageV06P087 الوهم تابع ~~للحس وهذا الوهم قد ذكرت أنه صحيح مطابق كالحس فإن قدحت في هذا قدحت في ~~الحس وإن جعلت هذا معارضا للعقل كان بمنزلة جعل الحس معارضا للعقل # وإن أردت بالوهم ما يقضي قضاء كليا أن إثبات موجود لا داخل العالم ولا ~~خارجه محال ونحو ذلك من القضايا الكلية التي تزعم أنها معارضة للعقل كان ~~هذا الكلام باطلا من وجهين # أحدهما $ أن هذه قضايا كلية مطلقة والوهم قد ذكرت أن تصوراته جزئية فلا ~~يكون هذا من الوهميات ms1116 # الثاني $ أن يقال هذه القضايا الكلية كسائر القضايا الكلية التي مبادئها ~~من الحس كالقضاء بأن السواد والبياض يتضادان والحركة والسكون يتناقضان ~~والجسم الواحد لا يكون في مكانين وأمثال ذلك # بل هذه بمنزلة الحكم بأن الموجود إما أن يكون قائما بنفسه وإما أن يكون ~~قائما بغيره وإما أن يكون قديما وإما أن يكون محدثا وإما أن يكون واجبا ~~بنفسه وإما أن يكون ممكنا بنفسه وأمثال ذلك # فالقدح في هذه القضايا الكلية كالقدح في تلك فإن جاز القدح في هذه لأن ~~مبادئها الحس جاز القدح في تلك وإلا فلا إذ الحس وما يتبعه مما يسمونه ~~توهما وتخيلا لا يدرك إلا أمورا معينة جزئية ثم يقضي الذهن قضاء كليا فإن ~~جاز أن تكون تلك القضايا الكلية باطلة بسبب كون مبدئها من هذا الوهم الذي ~~هو في الأصل صحيح PageV06P088 عندهم جاز أن تكون القضايا الكلية باطلة إذا ~~كان مبدئها من الحس عندهم # ولو قال قائل يمكن في الموجود غير المحسوس أن يكون لا واجبا ولا ممكنا ~~ولا قديما ولا محدثا ولا قائما بنفسه ولا قائما بغيره كان بمنزلة قول ~~القائل يمكن فيه أن يكون لا مباينا لغيره ولا محايثا له ولا مداخلا له ولا ~~خارجا عنه # وإن جاز أن يقال لهذا هذه قضايا وهمية والوهم تابع للحس جاز أن يقال ~~للأول وهذه قضايا وهمية أو يقال قضايا حسية وحكم الحس والوهم لا يقبل إلا ~~في الحسيات فلا يحكم في الوجود المطلق وتوابعه لأن ذلك معقول غير محسوس فما ~~به ترد تلك القضايا الكلية يمكن أن يقال في أمثالها من القضايا الكلية ~~المتناولة لجميع الموجودات والمعلومات # وأما قوله في بيان أنها كاذبة من المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مبادئ ~~وأصول كانت تلك قبل المحسوسات ولم تكن محسوسة ولم يكن وجودها على نحو وجود ~~المحسوسات فلم يمكن أن يتمثل ذلك الوجود في الوهم PageV06P089 # فيقال له $ هذا كلام على تقدير أن يكون للمحسوسات مباد لا يمكن تعلق الحس ~~بها وهذا هو رأس المسألة وأول النزاع فإذا ms1117 جعلت هذا حجة في إثبات مطلوبك ~~فقد صادرت على المطلوب # ثم يقال لك الوهم إنما يتصور عندك في الأمور الجزئية وهذه القضايا كلية ~~لا جزئية # ويقال لك أيضا هذا بعينه يرد عليك في تقسيم الوجود إلى قائم بنفسه وبغيره ~~وقديم ومحدث وجوهر وعرض وعلة ومعلول ونحو ذلك فإن ما ذكرته من هذه القضايا ~~يتناول هذه # ويقال لك ما تعني بقولك إن المحسوسات إذا كان لها مباد وأصول كانت قبل ~~المحسوسات # أتعني به أن ما أحسسناه له مباد وأصول لم نحسها أم تعني به أن ما يمكن أن ~~يحس به يجب أن يكون له مبدأ لا يمكن الاحساس به # فإن عنيت الأول فهو مسلم لكن لا يلزم من عدم إحساسنا بها أن لا يكون ~~الإحساس بها ممكنا ولا يقول عاقل إن كل ما لم نشهده الآن لا يمكن أن نشهده ~~بعد الموت أو في وقت آخر فإنه ما من عاقل إلا يجوز أن يكون فوق الأفلاك ما ~~لا نشهده الآن بل يجوز أن تكون هناك أفلاك ونجوم لا ندركها فضلا عن غيرها # وإن قال إنه لا بد أن يكون لكل ما يمكن أن يحس به مبدأ لا PageV06P090 ~~يمكن أن نحس به فهذا ممنوع وهو رأس المسألة ولم يذكر عليه دليلا # وهو في إشاراته لم يذكر على ذلك من الأدلة إلا ما ذكره الرازي وأمثاله ~~فإن قال في الوجود وعلله إنه قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو ~~المحسوس وأن ما لا يناله الحس بجوهره ففرض وجوده محال وأن ما لا يتخصص ~~بمكان أو يوضع بذاته كالجسم أو بسبب ما هو فيه كأحوال الجسم فلا حظ له من ~~الوجود # قال $ وأنت يتأتى لك أن تتأمل نفس المحسوس فتعلم منه بطلان قول هؤلاء ~~فإنك ومن يستحق أن يخاطب تعلمان أن هذه المحسوسات قد يقع عليها اسم واحد لا ~~على الإشتراك الصرف بل بحسب معنى واحد مثل اسم الإنسان فإنكما لا تشكان في ~~أن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود فذلك المعنى ms1118 الموجود لا يخلو إما ~~أن يكون بحيث يناله الحس أو لا يكون فإن كان بعيدا من أن يناله الحس فقد ~~أخرج التفتش من المحسوسات ما ليس بمحسوس وهذا PageV06P091 أعجب وإن كان ~~محسوسا فله لا محالة وضع وأين ومقدار معين وكيف معين لا يتأتى أن يحس بل ~~ولا أن يتخيل إلا كذلك فإن كل محسوس وكل متخيل فإنه يتخصص لا محالة بشيء من ~~هذه الأحوال وإذا كان كذلك لم يكن ملائما لما ليس بتلك الحال فلم يكن مقولا ~~على كثيرين يختلفون في تلك الحال فإذن الإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة بل ~~من حيث الحقيقة الأصلية التي لا تختلف فيها الكثرة غير محسوس بل معقول صرف ~~وكذلك الحال في كل كلي # فهذا لفظه وأتباعه مشوا خلفه فأثبتوا ما ليس بمحسوس بإثبات الكليات ~~المعقولة وقد عرف بالاضطرار أن الكليات لا تكون كلية إلا في العقل لا في ~~الخارج بل ليس في الخارج كلي ألبتة والذي يقال أنه كلي طبيعي لا يوجد إلا ~~معينا جزئيا فما كان كليا في العقل يوجد في الخارج معينا لا كليا كما قد ~~بسط في موضعه # فهذا الكلام وأمثاله هو الذي يثبت به أن الموجود مبادئ لا يمكن أن يحس ~~بها # وأما قوله إذا كانت للمحسوسات مبادئ كانت غير محسوسة فتلبيس لأن لفظ ~~المحسوس يراد به ما هو محسوس لنا PageV06P092 بالفعل وما يمكن إحساسه ولا ~~ريب أن المحسوسات بالفعل لها مبادئ غير محسوسة # لكن لم قلت إن كل ما يمكن إحساسه له مبدأ لا يمكن إحساسه هذا حكاية ~~المذهب # وأما قوله $ ولهذا كان الوهم مساعدا للعقل في الأصول التي تنتج وجود تلك ~~المبادئ فإذا تعديا معا إلى النتيجة نكص الوهم وامتنع عن قبول ما سلم موجبه ~~فهذا ممنوع وقد عرف أن أدلته على إثبات ذلك من جنس هذه الأدلة التي أثبت ~~بها الموجودات العقلية الثابتة في الخارج بإثبات كليات وهو مثل إثباته لما ~~كان خارج الذهن # ثم يقال له الوهم المساعد للعقل إن أردت به ما سميته وهما ms1119 وهو ما يتصور ~~في المحسوسات الجزئية معاني غير محسوسة كالصداقة والعداوة فليس في هذه ~~التصورات مقدمة تساعد على إثبات موجود لا يمكن الإحساس به بل تلك المقدمات ~~مثل إثبات الكليات وأمثالها ليس فيها مقدمة يتصورها هذا الوهم # وإن أردت بالوهم المساعد ما يقضي قضايا كلية مثل قضاء الذهن بأن بين هذا ~~الإنسان وهذا الإنسان إنسانية مشتركة ونحو ذلك فهذه قضايا عقلية لا وهمية # وأيضا فالقاضي بإثبات إنسانية مطلقة هو القاضي بأن كل PageV06P093 ~~موجودين لا بد أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو محايثا له كما أنه هو القاضي ~~بأن كل موجودين لا بد أن يقارن وجود أحدهما الآخر أو يتقدم عليه وأن كل ~~موجود فلابد أن يكون قائما بنفسه أو بغيره # فهذه القضايا الكلية إن سميتها وهمية كانت العقليات هي الوهميات وإن ~~سميتها عقليات وقدرت تناقضها لزم تناقض العقليات # واعلم أن هؤلاء قد يجيبون بجواب يمكن أن يجاب به كل من قدح في العقليات ~~الكلية # وقولك $ فإذا تعديا معا إلى النتيجة نكص الوهم # يقال لك $ ما الوهم الناكص أهو الذي سميته وهما فذاك إنما يتصور معاني ~~جزئية فليس له في الكليات حكم لا بقبول ولا رد فلا يقال فيه لا يقبل ولا ~~ينكص كما لا يقال في القضايا الكلية إن الحس يقبلها ولا يردها كما لا يقال ~~إن البصر يميز بين الأصوات والسمع يميز بين الألوان # وإن قلت إن العقل يثبت موجودا معينا لا يمكن الإشارة إليه والوهم لا ~~يتصور معينا لا يشار إليه PageV06P094 # فيقال لك العقل إنما يثبت أمورا كلية مطلقة لا يثبت شيئا معينا إلا ~~بواسطة غيره كالحس وتوابع الحس ولهذا كان القياس العقلي المنطقي لا ينتج إن ~~لم يكن فيه قضية كلية وإذا أردنا أن ندخل شيئا من المعينات تحت القضايا ~~الكلية فلا بد من تصور للمعينات غير التصور للقضايا الكلية # فإذا علمنا أن كل شيء فإما قائم بنفسه وإما بغيره وأن كل موجود فإما واجب ~~بنفسه وإما ممكن بنفسه وأن كل موجود فإما قديم وإما محدث وأن ms1120 كل موجود أو ~~كل ممكن فهو إما جوهر وإما عرض وأردنا أن نحكم على معين بأنه قديم أو محدث ~~أو جوهر أو عرض أو واجب أو ممكن أو نحو ذلك فلا بد من أن نعينه بغير ما به ~~علمنا تلك القضية الكلية فتصور المعين الداخل في القضية الكلية شيء وتصور ~~القضية الكلية شيء آخر # فليتدبر الفاضل هذا ليتبين له أن من لم يثبت موجودا يمكن الإحساس به لم ~~يثبت إلا قضايا كلية في الأذهان كما يثبتون العدد المطلق والمقدار المطلق ~~والحقائق المطلقة والوجود المطلق وكل هذه أمور ثابتة في الأذهان لا موجودة ~~في الأعيان # ولهذا من أثبت أن في الوجود موجودا واجبا قديما وقال إنه يمتنع الإشارة ~~إليه امتنع أن يكون عنده معينا مختصا ولزم أن يكون مطلقا مجردا في الذهن ~~فلا حقيقة له في الخارج PageV06P095 # وهذا مذهب أئمة الجهمية فإنهم يثبتون موجودا مطلقا يمتنع وجوده في الخارج ~~فابن سينا وأتباعه يقولون هو وجود مطلق بشرط نفي جميع الأمور الثبوتية وهو ~~أبلغ الأقوال في كونه معدوما وآخرون يقولون هو مطلق بشرط نفي الأمور ~~الثبوتية والسلبية لا بشرط شيء من الأمور الثبوتية والسلبية كما يقول هذا ~~وهذا طائفة من ملحدة الباطنة ومن وافقهم من الصوفية # ومن المعلوم أو الوجود المشروط فيه نفي هذا وهذا ممتنع فكيف بالمشروط فيه ~~النفي فإن ما اشترط فيه العدم كان أولى بالعدم مما لم يشترط فيه وجود ولا ~~عدم ومما اشترط فيه نفي الوجود والعدم جميعا وهذا هو المطلق بشرط الإطلاق # وهم يقررون في منطقهم ما هو متفق عليه بين العقلاء من أن المطلق بشرط ~~الإطلاق لا وجود له في الخارج ويقررون أن الفصول المميزة بين موجودين لا بد ~~أن تكون أمورا وجودية لا تكون عدمية وهم لا يميزون الوجود الواجب عن الوجود ~~الممكن إلا بأمور عدمية ومن ظن أن مذهب ابن سينا إثبات وجود خاص بمنزلة ~~الوجود المشروط PageV06P096 بسلب جميع الحقائق فجعل فيه وجودا مشتركا ~~ووجودا مختصا فلم يفهم مذهبه كما فعل ذلك الطوسى منتصرا ms1121 له فلم يفهم مذهبه # والقونوى وأمثاله يقولون هو المطلق لا بشرط وهذا إما أن يكون ممتنعا في ~~الخارج وإما أن يكون جزءا من الممكنات فيكون الواجب جزءا من الممكنات # وقد بسط بيان تناقض أقوالهم في غير هذا الموضع واعتبر ما ذكرناه من أن كل ~~ما يثبتونه بالبرهان القياسي فإنه قضايا كلية مطلقة بأنهم إذا أرادوا أن ~~يعينوا شيئا موجودا في الخارج داخلا في تلك القضية الكلية عينوه إما بالحس ~~الباطن أو الظاهر إذ العقل يدرك الكليات والحس هو الذي يدرك الجزئيات فإذا ~~أثبتوا أن الحركة الإدارية مسبوقة بالتصور وأرادوا تعيين ذلك عينوا إما نفس ~~الإنسان فيشيرون إليها وإما النفس الفلكية فيشرون إلى الفلك # وإن أثبتوا وجود موجود معين في الخارج يدخل تحت هذه القضية من غير إشارة ~~إليه تعذر ذلك عليهم # وكذلك إذا ثبت بالعقل أن الكل أعظم من الجزء وأن الأمور المساوية لشي ~~واحد متساوية وأن الشيء الواحد لا يكون موجودا معدوما ونحو ذلك فمتى أراد ~~الإنسان إدخال معين في هذه القضية PageV06P097 الكلية أشار إليه والقضايا ~~الكلية تارة يكون لجزئياتها وجود في الخارج وتارة تكون مقدورة في الأذهان ~~لا وجود لها في الأعيان وهذه كثيرا ما يقع فيها الغلط والالتباس # وليس المقصود الأول بالعلم إلا علم ما هو ثابت في الخارج وأما المقدرات ~~الذهنية فتلك بحسب ما يخطر للنفوس من التصورات سواء كانت حقا أو باطلا وما ~~يثبته هؤلاء النفاة من إثبات موجود لا يمكن الإشارة إليه ولا هو داخل ~~العالم ولا خارجه عند التأمل والتدبير تبين أنه من المقدرات الذهنية لا من ~~الموجودات العينية # وغير ابن سينا وأتباعه من المنطقيين مثل أبي البركات صاحب المعتبر وغيره ~~لم يخرجوا هذه القضايا التي سماها ابن سينا وهميات من الأوليات البديهيات ~~كما أخرجها ابن سينا وما أظن صاحب المنطق أرسطو أخرجها أيضا # وأما قوله $ وهذا الضرب من القضايا أقوى في النفس من PageV06P098 ~~المشهورات التي ليست بأوليه وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها ~~إلى آخره # يقال له هذا أيضا مما يبين ms1122 قوتها وصدقها فإنهم اعترفوا بأنها أقوى من ~~المشهورات التي ليست بأولية وهذه المشهورات عند أكثر العقلاء من العقليات ~~الضروريات فإذا كانت هذه أقوى منها لزم أن تكون أقوى من بعض العقليات ~~الضروريات وذلك يوجب صدقها # وذلك أنه قال فأما المشهورات فمنها هذه الأوليات ونحوها مما يجب قبوله لا ~~من حيث هي واجب قبولها بل من حيث عموم الاعتراف بها ومنها الآراء المسماة ~~بالمحمودة وربما خصصناها باسم المشهورة إذ لا عمدة لها إلا الشهرة وهي أن ~~لو خلى الإنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه ولم يؤدب بقبوله قضايا ما ~~والاعتراف بها ولم يمكنه الاستقرار بظنه القوي إلى حكم لكثرة الجزئيات ولم ~~يستدع إليها ما في طبعه الإنساني من الرحمة والخجل والأنفة والحمية وغير ~~ذلك لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه PageV06P099 وحسه مثل حكمنا أن ~~سلب مال الإنسان للإنسان قبيح وأن الكذب قبيح ومن هذا الجنس ما يسبق إلى ~~وهم كثير من الناس وليس شيء من هذا يوجبه العقل الساذج ولو توهم الإنسان ~~نفسه وأنه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع أدبا ولم يطع انفعالا نفسانيا أو ~~خلقا لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء بل أمكنه أن يجهله ويتوقف فيه وليس ~~كذلك حال قضائه لأن الكل أعظم من الجزء وهذه المشهورات قد تكون صادقة وقد ~~تكون كاذبة وإن كانت صادقة فليست تنسب إلى الأوليات ونحوها إذا لم تكن بينة ~~الصدق عند العقل الأول إلا بنظر وإن كانت محمودة عنده والصادق غير المحمود ~~وكذلك الكاذب غير الشنيع ورب شنيع حق ورب محمود كاذب PageV06P100 ~~والمشهورات إما من الواجبات وإما من التأديبات الصلاحية وما تتطابق عليها ~~الشرائع الإلهية وإما خلقيات وانفعاليات وإما استقرائيات وهي إما بحسب ~~الإطلاق وإما بحسب صناعة # قلت $ ليس هذا موضع بسط القول # قال ابن سينا $ وأما القضايا الوهمية الصرفة فهي قضايا كاذبة إلا أن ~~الوهم الإنساني يقضي بها قضاء شديد القوة لأنه ليس يقبل ضدها ومقابلها بسبب ~~أن الوهم تابع للحس فما لا يوافق الحس لا يقبله الوهم ومن ms1123 المعلوم أن ~~المحسوسات إذا كان لها مبادىء وأصول كانت تلك قبل المحسوسات ولم تكن محسوسة ~~ولم يكن PageV06P101 وجودها على نحو وجود المحسوسات فلم يمكن أن يتمثل ذلك ~~الوجود في الوهم ولهذا كان الوهم مساعدا للعقل في الأصول التي تنتج وجود ~~تلك المبادىء فإذا تعديا معا إلى النتيجة نكص الوهم وامتنع عن قبول ما سلم ~~موجبه وهذا الضرب من القضايا أقوى في النفس من المشهورات التي ليست بأولية ~~وتكاد تشاكل الأوليات وتدخل في المشبهات بها وهي أحكام للنفس في أمور ~~متقدمة على المحسوسات أو أعم منها على نحو ما يجب أن لا يكون لها وعلى نحو ~~ما يجب أن يكون أو يظن في المحسوسات مثل اعتقاد المعتقد أنه لا بد من خلاء ~~ينتهي إليه الملاء إذا تناهى وأنه لا بد في كل موجود من أن يكون مشارا إلى ~~جهة وجوده # فيقال له $ هذا الكلام إنما يصح أن لو ثبت وجود أمور لا يمكن الإحساس بها ~~حتى يكون حكم هذه في ما هو مقدم على تلك أو ما هو أعم منها وثبوت وجود هذه ~~الأمور إنما يصح إذا ثبت إمكان ذلك وإمكان ذلك إنما يصح إذا ثبت بطلان هذه ~~القضايا التي يسميها الوهميات فلو أبطلت هذه الوهميات بإثبات ذلك لزم الدور ~~فإن هذه القضايا تحكم بامتناع وجود ما لا يمكن الإشارة إليه والمقدمات ~~PageV06P102 التي تثبت ذلك ليست مسلمة عندها بل لا يمكن عندها تسليم ما ~~يستلزم نقيض ذلك فإنه قدح في الضروريات بالنظريات # وأيضا فالوهم عندهم إنما يتصور معاني جزئية وهذه قضايا كليه فامتنع أن ~~تكون وهمية # وأيضا فما يثبت به وجود هذه الموجودات قضايا سوفسطائية كما يبين في موضعه # وأما قوله $ وهذه الوهميات لولا مخالفة السنن الشرعية لها لكانت تكون ~~مشهورة وإنما تثلم في شهرتها الديانات الحقيقية والعلوم الحكمية # فيقال له $ هذا من أصدق الدليل على صحتها وذلك أن هذه مشهورة عند جميع ~~الأمم الذين لم تغير فطرتهم وعند جميع الأمم المتبعين لسنن الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام من المسلمين واليهود والنصارى ms1124 وإنما يقدح فيها المبتدعة من ~~أهل الديانات كالمعتزلة ونحوهم # وابن سينا لما كان من أتباع القرامطة الباطنية وهو يعاشر أهل الديانات ~~المبتدعين من الرافضة والمعتزلة أو من فيه شعبة من ذلك PageV06P103 # وهؤلاء يقولون إن الله ليس فوق العرش لم تكن هذه مشهورة عند هؤلاء # ومن المعلوم باتفاق هؤلاء وغيرهم أن الأنبياء لم يقدحوا في هذه القضايا ~~ولا أخبروا بما يناقضها بل أخبار الأنبياء كلها توافق هذه القضايا # والقرآن والتوراه والإنجيل فيها من الموافق لهذه القضايا ما لا يحصيه إلا ~~الله وكذلك في الأخبار النبوية والآثار السلفية بل لا يعرف عن أحد من ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم قول يناقض إثبات هذه القضايا # وابن سينا وأمثاله مقرون بأن الكتب الإلهية إنما جاءت بما يوافق مذهب ~~المثبتة للصفات والعلو لا بما يناقض ذلك وهم يسمون ذلك تشبيها ويقولون ~~الكتب الإلهية إنما جاءت بالتشبيه ويجعلون هذا مما احتجوا به كما قد حكينا ~~كلامه في ذلك وأنه احتج بذلك على هؤلاء الذين وافقوه على نفي الصفات والعلو # وقال إذا كان هذا التوحيد الحق والأنبياء لم تخبر به بل بنقيضه فكذلك في ~~أمر المعاد فكيف يزعم مع هذا أن السنن الشرعية والديانات الحقيقية منعت هذه ~~أن تكون مشهورة # فعلم أن المانع لشهرتها هو قول لم يوجد عن الأنبياء وأتباع الأنبياء وأن ~~شهرتها إنما امتنعت بين هؤلاء الذين ابتدعوا قولا ليس مشروعا PageV06P104 ~~وحينئذ فيكون المانع من شهرتها عند من لم تشتهر عنده سنة بدعية لا شرعية ~~وديانة وضعها بعض الناس ليست منقولة عن نبي من الأنبياء # ولا ريب أن المشركين والمبدلين من أهل الكتاب لهم شرائع وديانات ابتدعوها ~~ووضعوها وتلك لا يجب قبولها عند العقلاء وإنما يجب أن يتبع ما يثبت نقله عن ~~الأنبياء المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم # وكذلك قوله إنه يثلم في شهرتها العلوم الحكمية # فيقال له قد نقل غيرك عن الفلاسفة القدماء أنهم كانوا يقولون بموجب هذه ~~القضايا كما بين ذلك ابن رشد الحفيد وغيره بل المنقول عن متقدمي الفلاسفة ~~وأساطينهم قبل أرسطو وعن كثير ms1125 من متأخريهم القول بما هو أبلغ من هذه ~~القضايا من قيام الحوادث بالواجب وما يتبع ذلك كما تقدم نقل بعض ذلك عنهم # وقوله $ ولا يكاد المدفوع عن ذلك يقاوم نفسه في دفع ذلك لشدة استيلاء ~~الوهم # فيقال له $ هذا يدل على تمكنها في الفطرة وثبوتها في الجبلة وأنها مغروزة ~~في النفوس فمن دفع ذلك عن نفسه لم يقاوم نفسه ولم يمكنه دفعها عن نفسه ~~PageV06P105 # وهذا حد العلم الضروري وهو الذي يلزم نفس العبد لزوما لا يمكنه معه دفعه ~~عن نفسه فإذا لم يمكن الإنسان أن يدفع هذه القضايا عن نفسه ولا يقاوم نفسه ~~في دفعها تبين أنها ضرورية وأن هؤلاء الدافعين لها يريدون تغيير فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها وتغيير خلقه كأمثالهم من الجاحدين المكذبين بالحق ~~الذين يكذبون بالحق المعلوم بالبهتان والسفسطة وأن قدحهم في هذه كقدح ~~أمثالهم من السوفسطائية في أمثال هذه # وأما قوله $ لشدة استيلاء الوهم # فقد قلنا غير مرة قد فسروه بالقوة التي تتصور معاني جزئية في محسوسات ~~جزئية وهذا الوهم إنما تصرفه في الجزئيات من المعاني وأما هذه القضايا فهي ~~قضايا كلية فهي من حكم العقل الصريح فالمخالف لها مخالف لصريح العقل وهو ~~المتبع لقضايا الوهم الفاسد فإنه يثبت موجودا مطلقا بشرط الإطلاق أو موجودا ~~لا داخل العالم ولا خارجه وهذا الموجود لا يثبته في الخارج إلا الوهم ~~والخيال الفاسد لا يثبته لا عقل صريح ولا نقل صحيح بل ولا وهم مطابق ولا ~~خيال مستقيم كما لا يثبته حس سليم فنفاة ذلك ينفون موجب العقل والشرع والحس ~~السليم والوهم المستقيم والخيال القويم ويثبون ما لا يدرك إلا بوهم فاسد ~~وخيال فاسد PageV06P106 # وقوله $ على أن ما يدفعه الوهم ولا يقبله إذا كان في المحسوسات فهو مدفوع ~~منكر # فيقال له $ هذا أيضا حجة عليكم فإن المنازع يقول إنه لم يقم دليل شرعي ~~ولا عقلي على إثباث موجود لا يمكن أن يعرف بالحس بوجه من الوجوه وإن كان لا ~~يمكن أن يعرفه كثير من الناس بحسه ولا يمكن ms1126 أن يعرف بالحس في كثير من ~~الأحوال # وقد عرف من مذهب السلف وأهل السنة والجماعة أن الله يمكن أن يرى في ~~الآخرة وكذلك الملائكة والجن يمكن أن ترى وما يقوم بالمرئيات من الصفات ~~يمكن أن يعرف بطريقها كما تعرف المسموعات بالسمع والملموسات باللمس ويقول ~~إن الرسل صلوات الله عليهم قسموا الموجودات إلى غيب وشهادة وأمروا الإنسان ~~بالإيمان بما أخبروا به من الغيب # وكون الشيء شاهدا وغائبا أمر يعود إلى كونه الآن مشهودا أو ليس الآن ~~بمشهود فما لم يكن الآن مشهودا يمكن أن يشهد بعد ذلك بخلاف هؤلاء النفاة ~~فإنهم قسموا الموجودات في الخارج إلى محسوس وإلى معقول لا يمكن الإحساس به ~~بحال # وهذا مما ينفيه صريح العقل لا مما يثبته وإنما المعقول الصرف ما كان ~~ثابتا في العقل كالعلوم الكلية وليس للكليات وجود في الخارج مع أنه قد يقال ~~إنه يمكن الإحساس بها أيضا إذا أمكن الإحساس PageV06P107 بمحلها كما يمكن ~~الإحساس بأمثالها من الأعراض كالعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك # لكن نحن لا نحس الآن بهذه الأمور بالحس الظاهر وعدم إحساسنا الآن بذلك لا ~~يمنع أن الملائكة يمكنها الإحساس بذلك وأنه يمكننا الإحساس بذلك في حال ~~أخرى وأنه يمكن كل واحد أن يحس بما في باطن غيره كما يمكنه الإحساس الآن ~~بوجهه وعينه وإن كان الإنسان لا يرى وجهه وعينه فقد يشهد الإنسان من غيره ~~ما لا يشهده من نفسه وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع # وأيضا فالحس نوعان حس ظاهر يحسه الإنسان بمشاعره الظاهرة فيراه ويسمعه ~~ويباشره بجلده وحس باطن كما أن الإنسان يحس بما في بطنه من اللذة والألم ~~والحب والبغض والفرح والحزن والقوة والضعف وغير ذلك # والروح تحس بأشياء لا يحس بها البدن كما يحس من يحصل له نوع تجريد بالنوم ~~وغيره بأمور لا يحس بها غيره # ثم الروح بعد الموت تكون أقوى تجردا فترى بعد الموت وتحس بأمور لا تراها ~~الآن ولا تحس بها # وفي الأنفس من يحصل له ما يوجب أن ms1127 يرى بعينه ويسمع بأذنه ما لا يراه ~~الحاضرون ولا يسمعونه كما يرى الأنبياء الملائكة ويسمعون PageV06P108 ~~كلامهم وكما يرى كثير من الناس الجن ويسمعون كلامهم # وأما ما يقوله بعض الفلاسفة إن هذه المرئيات والمسموعات إنما هي في نفس ~~الرائي لا في الخارج فهذا مما قد علم بطلانه بأدلة كثيرة وقد بسط الكلام ~~على ذلك في غير هذا الموضع # ومن كان له نوع خبرة بالجن إما بمباشرته لهم في نفسه وفي الناس أو ~~بالأخبار المتواترة له عن الناس علم من ذلك ما يوجب له اليقين التام ~~بوجودهم في الخارج دع ما تواتر من ذلك عن الأنبياء # وكذلك ما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو ما يوجب العلم اليقيني ~~بوجودهم في الخارج كقصة إبراهيم المكرمين ومجيئهم إلى إبراهيم وإتيانه لهم ~~بالعجل السمين ليأكلوه وبشارتهم لسارة بإسحاق ويعقوب ثم ذهابهم إلى لوط ~~ومخاطبتهم له وإهلاك قرى قوم لوط وقد قص الله هذه القصة في غير موضع # وكذلك قصة مريم وإرسال الله إليها جبريل في صورة بشر حتى نفخ فيها الروح ~~وكذلك قصة إتيان جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تارة في صورة أعرابي ~~PageV06P109 وتارات في صورة دحية الكلبي # فمن علم أن الروح قد تحس بما لا يحس به البدن وأن من الناس من يحس بروحه ~~وبدنه ما لا يحسه غيره من الناس توسع له طرق الحس ولم ير الحس مقصورا على ~~ما يحبه جمهور الناس في الدنيا بهذا البدن فإن هذا الحس إنما يدرك بعض ~~الموجودات # وحينئذ فإذا قيل إن كل قائم بنفسه أو كل موجود يمكن الإحساس به فإنه يراد ~~بذلك ما هو أعم من هذا الحس بحيث يدخل في ذلك هذا وهذا وليس للنفاة دليل ~~على إثبات ما ليس بمحسوس بهذا الحس والعقليات التي يثبتونها إنما هي ~~الكليات الثابتة في الذهن وتلك في الحقيقة وجودها في الأذهان لا في الأعيان ~~PageV06P110 # وهذا منتهى ما عند ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة ولهذا كان كمال الإنسان ~~عندهم أن يصير عالما معقولا موازيا للعالم ms1128 الموجود ويجعلون النعيم والعذاب ~~أمرين قائمين بالنفس من جملة أعراضها لا ينفصل شيء من ذلك عنها وقد بينا ~~بعض ما في هذا القول من الضلال في غير هذا الموضع # ولهذا جعل في منطقه العلوم اليقينية العقلية في هذه العقليات ونفى أن ~~تكون المشهورات العملية من اليقينيات ونفى أن يكون ما يثبت الموجودات ~~الحسية الغائبة من اليقينيات وسمى هذه وهميات فبإنكاره هذا أنكر الموجودات ~~الغائبة عن إحساس أكثر الناس في هذه الدنيا فلم يصدق بالموجودات الغائبة ~~ولا بكثير مما يشاهد في هذا العالم من الملائكة والجن وغير ذلك وبإنكاره ~~المشهورات أن تكون يقينية أنكر موجب القوة العملية في النفس التي بها ~~تستحسن ما ينفعها من الأعمال وتستقبح ما يضرها فأخرج الأعمال التي لا تكمل ~~النفس إلا بها من أن تكون يقينية كما أخرجها من أن تكون من الكمال ولم يجعل ~~كمال النفس إلا مجرد علم مجرد لا حب معه لله تعالى في الحقيقة وإنما ~~الأعمال عندهم لأجل إعداد النفس لنيل ما يظنونه كمالا من العلم # وهذا العلم الذي يدعونه غالبه جهل وما فيه من العلم فليس علما ~~PageV06P111 بموجودات معينة وإنما هو علم أمور مطلقة في الذهن لا وجود لها ~~في الخارج فلم يحصل له من الكمالات العلمية والعملية ما يوجب سعادتهم في ~~الآخرة ولا نجاتهم من النار وكان كثير من اليهود والنصارى أقرب إلى السعادة ~~والنجاة منهم كما قد بسط في موضعه # والمقصود هنا أن الناس متفقون على أن حكم الذهن بأنه ما من موجود قائم ~~بنفسه إلا ويمكن الإشارة إليه وأنه يمتنع وجود موجودين ليس أحدهما مباينا ~~للآخر ولا محايثا له بل أن صانع العالم فوق العالم ليس مما تواطأ عليه ~~الناس وقبله بعضهم عن بعض كقول النفاة إنه يمكن وجود موجود لا داخل العالم ~~ولا خارجه بل ذلك مما أقربه بفطرهم وعرفوه ببدائه عقولهم وضرورات قلوبهم # والقادحون فيها يسلمون ذلك ويدعون أن فطر الناس أخطأت في هذا الحكم وأنه ~~من حكم الوهم والخيال الباطل # فإذا كانوا معترفين بأن هذا ms1129 مما أقروا به بلا مواطأة لم يمكن أن يقال ~~إنهم كذبوا على فطرهم لأن هؤلاء القائلين بذلك أضعاف أضعاف أضعاف أهل ~~التواتر بل هم جماهير بني آدم فإذا قالوا إن هذا أمر نجده في قلوبنا ~~وفطرتنا وجب تصديقهم في ذلك # وحينئذ فلا يجوز إبطال هذه القضايا البديهية بقضايا نظرية PageV06P112 ~~لأن البديهيات أصل للنظريات فلو جاز القدح بالنظريات في البديهيات ~~والنظريات لا تصح إلا بصحة البديهيات كان ذلك قدحا في أصل النظريات فلزم من ~~القدح في البديهيات بالنظريات فساد النظريات وإذا فسدت لم يصح القدح بها ~~وهو المطلوب # فهذا ونحوه يبين أنه لا تسمع من النفاة حجة على إبطال مثل هذه القضية ~~البديهية ثم يبين فساد ما استدل به على بطلان ذلك # فأما قول الرازي لو كان بديهيا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره وهم ~~ما سوى الحنابلة والكرامية # | فعنه # أجوبة # أحدها أن يقال من المعلوم أن هذا لا ينكره إلا من يقول بأن الله ليس داخل ~~العالم ولا خارجه وينكرون أن يكون الله نفسه فوق العالم فإنهم يقولون لو ~~كان فوق العرش لكان مباينا له بالجهة مشارا إليه وذلك ممتنع عندهم فيجوزون ~~وجود موجودين ليس أحدهما مباينا للآخر ولا مداخلا له ووجود موجود قائم ~~بنفسه لا يشار إليه ويقولون البارى ليس مباينا للعالم ولا مداخلا له # وطائفة من الفلاسفة تقول مثل ذلك فيما تثبته من العقول والنفس الناطقة ~~ولهم في النفس الفلكية قولان PageV06P113 # وإذا كان كذلك فجماهير الخلائق يخالفون هؤلاء ويقولون بأن الله نفسه فوق ~~العالم وإذا كان الله نفسه فوق العالم فإن كان ذلك مستلزما لجواز الإشارة ~~إليه وأن يكون مباينا للعالم بالجهة فلازم الحق حق وامتنع حينئذ وجود موجود ~~لا مباين للعالم ولا محايث له ولا يشار إليه وإن أمكن أن يكون هو نفسه فوق ~~العالم ويكون مع ذلك غير مشار إليه ولا مباين للعالم بالجهة بطل قول هؤلاء ~~النفاة فإنهم إنما نفوا أن تكون نفسه فوق العالم لأن ذلك عندهم مستلزم ~~لكونه مشارا إليه ومباينا للعالم بالجهة ms1130 وإذا بطل قولهم حصل المقصود ولم ~~يكن إلى هذه المقدمات الضرورية حاجة # فالمقصود أنه لا يوافقهم على أنه ليس فوق العالم إلا أقل الناس ومن لم ~~يوافقهم على ذلك فإما أن ينكر وجود موجودين ليس أحدهما مباينا للآخر ولا ~~محايثا له وإما أن لا ينكر ذلك فإن لم ينكر ذلك مع إنكار قولهم بأنه ليس ~~فوق العالم كان إنكاره لقولهم أعظم من ترك إنكاره لما يبطل قولهم # فإن المقصود ما يبطل قولهم فإذا كان الناس إما منكر له وإما منكر لما ~~يستلزم إبطاله ثبت اتفاق جمهور الناس على إنكاره وهو المطلوب # ثم يقال هذه القضية قد صرح أئمة الطوائف الذين كانوا قبل أن يخلق الله ~~الكرامية والحنبلية بأنها قضية بديهية ضرورية فمن ذلك ما PageV06P114 ذكره ~~عبد العزيز بن يحيى المكي المشهور صاحب الحيدة وهو من القدماء الذين لقوا ~~الشافعي ومن هو أقدم من الشافعي وهو من مشاهير متكلمي أهل السنة الذين ~~اتفقت الأشعرية مع سائر الطوائف المثبتة على تعظيمه واتباعه # قال في $ الرد على الزنادقة والجهمية زعمت الجهمية في قوله تعالى @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 إنما المعنى استولى كقول العرب ~~استوى فلان على مصر استوى فلان عل الشام يريد استولى عليها # قال $ فيقال له هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله بمستول ~~عليه فإذا قال لا قيل له فمن زعم ذلك فمن قوله من زعم ذلك فهو كافر يقال له ~~يلزمك أن تقول إن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه وذلك أن الله ~~تبارك وتعالى أخبر أنه خلق العرش قبل خلق السموات والأرض ثم استوى عليه بعد ~~خلق السموات والأرض PageV06P115 # قال الله عز وجل @QB@ وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان ~~عرشه على الماء @QE@ سورة هود 7 فأخبر أن العرش كان على الماء قبل السموات ~~والأرض # ثم قال @QB@ خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش الرحمن فاسأل به خبيرا @QE@ سورة الفرقان 59 # وقوله ms1131 @QB@ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم @QE@ سورة غافر ~~7 # وقوله @QB@ استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات @QE@ سورة البقرة 29 # وقوله @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين @QE@ سورة فصلت 11 # فأخبر أنه استوى على العرش فيلزمك أن تقول المدة التي كان على العرش فيها ~~قبل خلق السموات والأرض ليس الله بمستول عليه إذ كان استوى على العرش معناه ~~عندك استولى فإنما استولى بزعمك في ذلك الوقت لا قبله # وقد روى عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اقبلوا ~~البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا قال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن ~~قالوا قد قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان PageV06P116 قال كان الله ~~قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح ذكر كل شيء # وروى عن أبي رزين وكان يعجب النبي صلى الله عليه وسلم مسألته أنه قال يا ~~رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض قال كان في عماء ما ~~قوله هواء وما تحته هواء ثم خلق العرش على الماء # قال $ فقال الجهمي أخبرني كيف استوى على العرش أهو كما يقال استوى فلان ~~على السرير فيكون السرير قد حوى فلانا وحده إذا كان عليه فيلزمك أن تقول إن ~~العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا ~~هكذا قال فيقال له أما قولك كيف استوى فإن الله لا يجرى عليه كيف وقد ~~أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى فوجب PageV06P117 على ~~المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى ~~لأنه لم يخبرهم كيف ذلك ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت وحرم عليهم ~~أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون فآمنوا بخبره عن الاستواء ثم ردوا علم كيف ~~استوى إلى الله ولكن يلزمك أيها الجهمي أن تقول إن الله محدود وقد حوته ~~الأماكن ms1132 إذ زعمت في دعواك أنه في الأماكن لأنه لا يعقل شيء في مكان إلا ~~والمكان قد حواه كما تقول العرب فلان في البيت والماء في الجب فالبيت قد ~~حوى فلانا والجب قد حوى الماء ويلزمك أشنع من ذلك لأنك قلت أفظع مما قالت ~~به النصارى وذلك أنهم قالوا إن الله عز وجل في عيسى وعيسى بدن إنسان واحد ~~فكفروا بذلك وقيل لهم ما أعظم الله إذ جعلتموه في بطن مريم وأنتم تقولون ~~إنه في كل مكان وفي بطون النساء كلهن وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم ويلزمك ~~أيضا أن تقول إنه في أجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن وعندك أن الله في ~~كل مكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فلما شنعت مقالته قال أقول إن الله ~~في كل مكان لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء على الشيء ولا كالشيء خارجا عن ~~الشيء ولا مباينا للشيء قال فيقال له أصل قولك القياس والمعقول فقد دللت ~~بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئا لأنه لو كان شيئا داخلا فمن القياس ~~والمعقول أن يكون داخلا في الشيء أو PageV06P118 خارجا منه فلما لم يكن في ~~قولك شيئا استحال أن يكون كالشيء في الشيء أو خارجا من الشيء فوصفت لعمرى ~~ملتبسا لا وجود له وهو دينك وأصل مقالتك التعطيل # هذا كلام عبد العزيز يبين أن القياس المعقول يوجب أن مالا يكون في الشيء ~~ولا خارجا منه فإنه لا يكون شيئا وأن ذلك صفة توجب أن ما لا يكون في الشيء ~~ولا خارجا منه فإنه لا يكون شيئا وأن ذلك صفة المعدوم الذي لا وجود له # والقياس هو الأقيسة العقلية والمعقول هو العلوم الضرورية وعبد العزيز هذا ~~وجود الحنبلية والكرامية كما تقدم # وقال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الحارث المحاسبي وأبو ~~العباس القلانسي والأشعري وأمثالهم وممن ذكر ذلك عنه أبو بكر بن فورك فيما ~~جمعه من كلامه فإنه جمع من كلامه وجمع كلام الأشعري أيضا وبين اتفاقهما في ~~عامة أصولهما # قال ابن كلاب ms1133 $ وأخرج من النظر والخبر قول من قال لا في العالم ولا خارج ~~منه فنفاه نفيا مستويا لأنه لو قيل له صفة بالعدم ما قدر أن يقول فيه أكثر ~~منه ورد أخبار الله نصا وقال في ذلك ما لا يجوز في خبر ولا معقول وزعم أن ~~هذا هو التوحيد الخالص والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص وهم عند ~~أنفسهم قياسون # قال فإن قالوا هذا إفصاح منكم بخلو الأماكن منه وانفراد PageV06P119 ~~العرش به قيل إن كنتم تعنون خلو الأماكن من تدبيره وأنه عالم بها فلا وإن ~~كنتم تذهبون إلى خلوها من استوائه عليها كما استوى على العرش فنحن لا نحتشم ~~أن تقول استوى الله على العرش ونحتشم أن نقول استوى على الأرض واستوى على ~~الجدار وفي صدر البيت # وقال أيضا $ أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ويقال لهم أهو فوق ما خلق ~~فإن قالوا نعم قيل ما تعنون بقولكم إنه فوق ما خلق فإن قالوا بالقدرة ~~والعزة قيل لهم ليس عن هذا سألناكم وإن قالوا المسألة خطأ قيل فليس هو فوق ~~فإن قالوا نعم ليس هو فوق قيل لهم وليس هو تحت فإن قالوا ولا تحت أعدموه ~~لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم وإن قالوا هو فوق وهو تحت قيل لهم فوق تحت ~~وتحت فوق # وقال أيضا يقال لهم إذا قلنا الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان فهذا محال ~~فلا بد من نعم قيل لهم فهو لا مماس ولا مباين فإذا قالوا نعم قيل لهم فهو ~~بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم فإذا قالوا نعم ~~قيل فينبغي أن يكون بصفة المحال من هذه الجهة وقيل لهم أليس لا يقال لما ~~ليس بثابت في الإنسان مماس ولا مباين فإذا قالوا نعم قيل فأخبرونا عن ~~معبودكم مماس هو أو مباين فإذا قالوا لا يوصف بهما قيل لهم PageV06P120 ~~فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق فلم لا تقولون عدم كما تقولون للإنسان ~~عدم إذا وصفتموه بصفة العدم ms1134 وقيل لهم إذا كان عدم المخلوق وجودا له فإذا ~~كان العدم وجودا كان الجهل علما والعجز قوة # وقد ذكر هذا الكلام وأشباهه ذكره عنه أبو بكر بن فورك في الكتاب الذي ~~أفرده لمقالاته وقال فيه إنه أحب من سماه من أعيان أهل عصره أن أجمع له ~~متفرق مقالات أبي محمد بن كلاب وشيخ أهل الدين وإمام المحققين المنتصر للحق ~~وأهله المبين بحجج الله الذاب عن دين الله لما من به الله تعالى من معالم ~~طرق دينه الحق وصراطه المستقيم السيف المسلول على أهل الأهواء والبدع ~~الموفق لاتباع الحق والمؤيد بنصرة الهدى والرشيد وأثنى عليه ثناء عظيما # قال وكان ذلك على أثر ما جمعت من متفرق مقالات شيخنا الأشعري # قال ولما كان الشيخ الأول والإمام السابق أبو محمد عبد الله ابن سعيد ~~الممهد لهذه القواعد المؤسس لهذه الأصول والفاصل بحسن ثنائه بين حجج الحق ~~وشبه الباطل بالتنبيه على طرق الكلام فيه والدال على موضع الوصل والفصل ~~والجمع والفرق الفاتق لرتق الأباطيل والكاشف عن لبس ما زخرفوا وموهوا وذكر ~~كلاما طويلا في الثناء عليه PageV06P121 # والمقصود أن ابن كلاب إمام الأشعري وأصحابه ومن قبلهم كالحارث المحاسبي ~~وأمثاله يبين أن من قال لا هو في العالم ولا خارج منه فقوله فاسد خارج عن ~~طريق النظر والخبر وأنه قد رد خبر الله نصا ولو قيل له صفة بالعدم ما قدر ~~أن يقول أكثر منه وأنه قال ما لا يجوز في خبر ولا معقول وأنهم قالوا هذا هو ~~التوحيد الخالص وهو النفي الخالص فجعلوا النفي الخالص هو التوحيد الخالص # وهذا الذي قاله هو الذي يقوله جميع العقلاء الذين يتكلمون بصريح العقل ~~بخلاف من تكلم في المعقول بما هو وهم وخيال فاسد # ولذلك قال إذا قالوا ليس هو فوق وليس هو تحت فقد أعدموه لأن ما كان لا ~~تحت ولا فوق فعدم # وهذا كله يناقض قول هؤلاء الموافقين للمعتزلة والفلاسفة من متأخري ~~الأشعرية ومن وافقهم من الحنبلية والمالكية والحنفية والشافعية وغيرهم من ~~طوائف الفقهاء الذين يقولون ليس ms1135 هو تحت وليس هو فوق # وذكر حجة ثالثة فقال أنتم تصفونه بالصفات الممتنعة التي مضمونها الجمع ~~بين المتقابلين في الموجودات فيلزمكم أن تصفوه بسائر المتقابلات # قال فيقال لهم إذا قلنا الإنسان يعني وغيره من الأعيان القائمة بأنفسها ~~لا مماس ولا مباين للمكان فهذا محال باعترافهم # وهم يقولون إنه لا مماس ولا مباين للمكان فيصفونه بالصفة PageV06P122 ~~المستحيلة الممتنعة في المخلوق التي لا تثبت في التوهم ويقولون يجوز أن ~~نصفه بما يمتنع تصوره وتوهمه في غيره من هذه السلوب فإذا جوزوا أن يوصف بما ~~يمتنع تصوره في سائر الموجودات فليصفوه بسائر الممتنعات من الموجودات ~~فيقولوا لا هو قديم ولا محدث ولا قائم بنفسه ولا بغيره ولا متقدم على غيره ~~ولا مقارن له ونحو ذلك ويقولوا هذه إنما يمتنع في غيره من الموجودات لا فيه ~~وحينئذ فيقولون لا هو حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا ~~موجود ولا معدوم وهذا منتهى قول القرامطة وهو جمع النقيضين أو رفع النقيضين # ومن المعلوم أن العقل إذا جزم بامتناع اجتماع الأمرين أو امتناع ~~ارتفاعهما سواء كان أحدهما وجودا والآخر عدما وهو التناقض الخاص أو كانا ~~وجودين فإنا نعلم ذلك ابتداء بما نشهده في الموجودات التي نشهدها كما أن ما ~~يثبت من الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام وأمثال ذلك إنما نعلمه ~~ابتداء بما نعلمه في الموجودات التي نعرفها ثم إذا أخبرنا الصادق المصدوق ~~عن الغيب الذي لا نشهده فإنما نفهم مراده الذي أراد أن يفهمنا إياه لما بين ~~ما أخبر به من الغيب وبين ما علمناه في الشاهد من القدر الجامع الذي فيه ~~نوع تناسب وتشابه فإذا أخبرنا عما في الجنة من الماء واللبن والعسل والخمر ~~والحرير والذهب لم نفهم ما أراد إفهامنا إن لم نعلم هذه الموجودات في ~~الدنيا ونعلم أن بينها وبين ما في الجنة قدرا مشتركا وتناسبا PageV06P123 ~~وتشابها يقتضي أن نعلم ما أراد بخطابه وإن كانت تلك الموجودات مخالفة لهذه ~~من وجع آخر # كما قال ابن عباس ليس في ms1136 الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء رواه الأعمش عن ~~أبي ظبيان عن ابن عباس وقد رواه غير واحد منهم محمد ابن جرير الطبري في ~~التفسير في قوله @QB@ وأتوا به متشابها @QE@ سورة البقرة 25 # وإذا كان بين المخلوق والمخلوق قدر فارق مع نوع من إثبات القدر المشترك ~~الذي يقتضي التناسب والتشابه من بعض الوجوه فمعلوم أن ما بين الخالق ~~والمخلوق من المفارقة والمباينة أعظم مما بين المخلوق والمخلوق فهذا مما ~~يوجب نفي مماثلة صفاته لصفات خلقه ويوجب أن ما بينهما من المباينة ~~والمفارقة أعظم مما بين مخلوق ومخلوق مع أنه لولا أن بين مسمى الموجود ~~والموجود والحي والحي والعليم والعليم والقدير والقدير وأمثال ذلك من ~~المعنى المتفق المتواطىء المناسب والمتشابه ما PageV06P124 يوجب فهم المعنى ~~لم يفهمه ولا أمكن أن يفهم أحد ما أخبر به عن الأمور الغائبة # وإذا كان هذا في الخطاب السمعي الخبري فكذلك في النظر القياسي العقلي ~~فإنما نعرف ما غاب عنا باعتباره بما شهدناه فيعتبر الغائب بالشاهد ويحصل في ~~قلوبنا بسبب ما نشهده من الأعيان والجزئيات الموجودة قضايا كلية عقلية ~~فيكون إدراج المعينات فيها هو قياس الشمول كالذي يسميه المنطقيون المقدمتان ~~والنتيجة ويكون اعتبار المعين بالمعنى هو قياس التمثيل الجامع المشترك سواء ~~كان هو دليل الحكم أو علة دليل الحكم # والناس في هذا المقام منهم من يزعم أن القياس البرهاني هو قياس الشمول ~~وأن قياس التمثيل لا يفيد اليقين بل لا يسمى قياسا إلا بطريق المجاز كما ~~يقول ذلك من يقوله من أهل المنطق ومن وافقهم من نفاة قياس التمثيل في ~~العقليات والشرعيات كابن حزم وأمثاله # ومنهم من ينفي قياس التمثيل في العقليات دون الشرعيات كأبي المعالي ~~ومتبعيه مثل الغزالي والرازي والآمدي وأبي محمد المقدسي وأمثالهم # ومنهم من يعكس ذلك قيثبت قياس التمثيل في العقليات دون الشرعيات كما هو ~~قول أئمة أهل الظاهر مثل داود بن علي وأمثاله PageV06P125 وقول كثير من ~~المعتزلة البغداديين كالنظام وأمثاله ومن الشيعة الإمامية كالمفيد والمرتضى ~~والطوسي وأمثالهم # وكثير من هؤلاء يقول إن قياس ms1137 التمثيل هو الذي يستحق أن يسمى قياسا على ~~سبيل الحقيقة وأما تسمية قياس الشمول قياسا فهو مجاز كما ذكر ذلك الغزالي ~~وأبو محمد المقدسي وغيرهما # والذي عليه جمهور الناس وهو الصواب أن كليهما قياس حقيقة وأن كليهما يفيد ~~اليقين تارة والظن أخرى بل هما متلازمان فإن قياس التمثيل مضمونه تعلق ~~الحكم بالوصف المشترك الذي هو علة الحكم أو دليل العلة أو هو ملزوم للحكم ~~وهذا المشترك هو الحد الأوسط في قياس الشمول فإذا قال القايس نبيذ الحنطة ~~المسكر حرام قياسا على نبيذ العنب لأنه شراب مسكر فكان حراما قياسا عليه ~~وبين أن السكر هو مناط التحريم فيجب تعلق التحريم بكل مسكر كان هذا قياس ~~تمثيل وهو بمنزلة أن يقول هذا شراب مسكر وكل مسكر حرام فالمسكر الذي جعله ~~في هذا القياس حدا أوسط هو الذي جعله في ذلك القياس الجامع المشترك الذي هو ~~مناط الحكم فلا فرق بينهما عند التحقيق في المعنى بل هما متلازمان وإنما ~~يتفاوتان في ترتيب المعاني والتعبير عنها ففي الأول يؤخر الكلام في المشترك ~~الذي هو الحد الأوسط وبيان أنه مستلزم للحكم متضمن له يذكر الأصل الذي هو ~~نظير الفرع ابتداء وفي الثاني يقدم الكلام في الحد الأوسط يبين شموله ~~وعمومه وأنه مستلزم للحكم ابتداء PageV06P126 # والمقصود هنا أنا إذا حكمنا بعقولنا حكما كليا يعم الموجودات أو يعم ~~المعلومات مثل قولنا إن الموجود إما واجب وإما ممكن وإما قديم وإما محدث ~~وإما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وإما مشار إليه وإما قائم بالمشار إليه ~~وكل موجودين فأحدهما إما متقدم على الآخر وإما مقارن له وإما مباين له وإما ~~محايث له وقلنا إن الصانع إما أن يكون متقدما على العالم أو مقارنا له وإما ~~أن يكون خارجا عنه أو داخلا فيه كان علمنا بهذه القضايا الكلية العامة ~~بتوسط ما علمناه من الموجودات # فإذا كنا نعلم أن المعلوم إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما فادعى ~~مدع أن الواجب لا يقال إنه موجود ولا معدوم أو ليس بموجود ms1138 ولا معدوم كما ~~يقول ذلك من يقوله من القرامطة الباطنية كنا وإن لم نشهد الغائب نعلم أن ~~هذا الخبر العام والقضية الكلية تتناوله وغيره وإذا قلنا لهذا هل يمكنك ~~إثبات شيء في الشاهد ليس بموجود ولا معدوم قال لا قلنا له فكيف تثبت في ~~الغائب ما ليس بموجود ولا معدوم كنا قد أبطلنا قوله # فإذا قال أنا لا أصفه لا بهذا ولا بهذا بل أنفى عنه هذين الوصفين ~~المتقابلين لأن اتصافه بأحدهما إنما يكون لو كان قابلا لأحدهما وهو لا يقبل ~~واحدا منهما لأنه لو قبل ذلك لكان جسما إذ هذه من صفات الأجسام فإذا قدرنا ~~موجودا ليس بجسم لم يقبل لا هذا ولا هذا قيل له فهكذا سائر الملاحدة إذا ~~قالوا لا نصفه لا بالحياة ولا بالموت ولا بالعلم ولا الجهل ولا القدرة ولا ~~العجز PageV06P127 ولا الكلام ولا الخرس ولا البصر ولا العمى ولا السمع ولا ~~الصمم لأن اتصافه بأحدهما فرع لقبوله لأحدهما وهو لا يقبل واحدا منهما لأن ~~القابل للاتصاف بذلك لا يكون إلا جسما فإن هذه من صفات الأجسام فإذا قدرنا ~~موجودا ليس بجسم لم يقبل هذا ولا هذا فما كان جوابا لهؤلاء الملاحدة فهو ~~جواب لك فما تخاطب به أنت النفاة الذين ينفون ما تثبته أنت يخاطبك به ~~المثبتون لما تنفيه أنت حذو القذة بالقذة # ونحن نجيبك بما يصلح أن تجيب أنت ونحن به لسائر الملاحدة فإن حجتك عليهم ~~قاصرة وبحوثك معهم ضعيفة كما بينا ضعف مناظرة هؤلاء الملاحدة في غير موضع # | وذلك من وجوه # أحدها $ أن يقال إن ما يقدر عدم قبوله لهذا وهذا أشد نقصا واستحالة ~~وامتناعا من وصفه بأحد النقيضين مع قبوله لأحدهما وإذا قدرنا جسما حيا ~~عالما قادرا سميعا بصيرا متكلما كالإنسان والملك وغيرهما كان ذلك خيرا من ~~الجسم الأعمى الأصم الأبكم وإن أمكن أن يتصف بضد الكمال # وهذا الجسم الأعمى الأصم الذي يمكن اتصافه بتلك الكمالات PageV06P128 ~~أكمل من الجماد الذي لا يمكن اتصافه لا بهذا ولا بهذا والجسم الجماد خير من ms1139 ~~العدم الذي يكون لا مباينا لغيره ولا مداخلا له ولا قديما ولا محدثا ولا ~~واجبا ولا ممكنا فأنت وصفته بما لا يوصف به إلا ما هو أنقص من كل ناقص # الوجه الثاني $ أن يقال قولك فهذه م صفات الأجسام لفظ مجمل فإن عنيت أن ~~هذه الصفات لا يوصف بها إلا من هو من جنس المخوقات وإذا وصفنا الرب بها لزم ~~أن يكون من جنس الموجودات مماثلا لها كان هذا باطلا فإنك لا تعلم أن هذه لا ~~يوصف بها إلا مخلوق فإن هذا أول المسألة فلو قدرت أن تبين أن هذه لا يوصف ~~بها إلا مخلوق لم تحتج إلى هذا الكلام ويقال لك لا سبيل لك إلى هذا النفي ~~ولا دليل عليه # وإن قلت إن هذه الصفات توصف بها المخلوقات وتوصف بها الأجسام # قيل لك نعم وليس في كون الأجسام المخلوقة توصف بها ما يمنع اتصاف الرب ~~بما هو اللائق به من هذا النوع كاسم الموجود والثابت والحق والقائم بنفسه ~~ونحو ذلك فإن هذه الأمور كلها توصف بها الأجسام المخلوقة فإن طرد قياسه لزم ~~الإلحاد المحض والقرمطة وأن يرفع النقيضين جميعا فيقول لا موجود ولا معدوم ~~ولا ثابت ولا منتف ولا حق ولا باطل ولا قائم بنفسه ولا بغيره وهذا لازم قول ~~من نفى هذه الصفات وحينئذ فيلزمه الجمع بين النقيضين أو رفع PageV06P129 ~~النقيضين ويلزمه أن يمثله بالممتنعات والمعدومات فلا يفر من محذور إلا وقع ~~فيما هو شر منه # الجواب الثالث $ أن يقال لهذا النافي للمباينة والمداخلة أنت تصفه بأنه ~~موجود قائم بنفسه قديم حي عليم قدير وأنت لا تعرف موجودا هو كذلك إلا جسما ~~فلا بد من أحد الأمرين إما أن تقول هو موجود حي عليم قديم وليس بجسم فيقال ~~لك وهو أيضا له حياة وعلم وقدرة وليس بجسم ويقال لك هو مباين للعالم عال ~~عليه وليس بجسم # وإن قلت يلزم من كونه مباينا للعالم عاليا عليه أن يكون جسما لأني لا ~~أعقل المباينة والمحايثة إلا من صفات الأجسام # قيل ms1140 لك ويلزم من كونه حيا عليما قديرا أن يكون جسما لأنك لا تعقل موجودا ~~حيا عليما قديرا إلا جسما فهذا نظير هذا فما تقوله في أحدهما يلزمك نظيره ~~في الآخر وإلا كنت متناقضا مفرقا بين المتامثلين # وإما أن تقول أنا أقول إنه موجود قائم بنفسه حي عليم قدير لأن ذلك قد علم ~~بالشرع والعقل وإن لزم أن يكون جسما التزمته لأن لازم الحق حق # قيل لك وهكذا يقول من يقول إنه فوق العالم مباين له أنا أصفه بذلك لأنه ~~قد ثبت ذلك بالشرع والعقل وإذا لزم من ذلك أن يكون جسما التزمته لأن لازم ~~الحق حق PageV06P130 # وإما أن تقول أنا لا أعرف لفظ الجسم أو تقول لفظ الجسم فيه إجمال وإبهام ~~فإن عنيت به الجسم المعروف في اللغة وهو بدن الإنسان لم أسلم أني لا أعلم ~~موجودا حيا عالما قادرا إلا ما كان مثل بدن الإنسان فإن الروح هي أيضا حية ~~عالمة قادرة وليست من جنس البدن وكذلك الملك وغيره # وإن عنيت بالجسم أنه يقبل التفريق والتجزئة والتبعيض بحيث ينفصل بعضه عن ~~بعض بالفعل # قيل أنا أتصور موجودا عالما قادرا قبل أن أعلم أنه يمكن تفريقه وتبعيضه ~~فلا يلزم من تصوري للموجود الحي العالم القادر أن يكون قابلا لهذا التفريق ~~والتبعيض # وإن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية لم يكن هذا ممتنعا ~~عندي بل هذا هو الواجب فإن كل ما لا يمكن أن يشار إليه لا يكون موجودا # وإن عنيت بالجسم أنه مركب من الجواهر المنفردة الحسية أو من المادة ~~والصورة اللذين يجعلان جوهران عقليان فأنا ليس عندي شيء من الأجسام كذلك ~~فضلا عن أن يقدر مثل ذلك فإذا كنت نافيا لذلك في المخلوقات البسيطة فتنزيه ~~رب العالمين عن ذلك أولى # وإن عنيت بالتبعيض أنه يمكن أن يرى منه شيء دون شيء كما قال ابن عباس ~~وعكرمه وغيرهما من السلف ما يوافق ذلك لم أسلم لك أن هذا ممتنع PageV06P131 # وإن عنيت بالجسم أنه يماثل شيئا من المخلوقات ms1141 لم نسلم الملازمة # فأي شيء أجبت به الملحدة من هذه الأجوبة قال لك المثبت لمباينته للعالم ~~وعلوه عليه مثل ما قلت أنت لهؤلاء الملاحدة # قال ما تعنى بقولك لو كان عاليا على العالم مباينا له كان جسما إن عنيت ~~أنه بدن لم نسلم لك الملازمة # وإن عنيت أنه يقبل التفريق والتبعيض فكذلك # وإن عنيت أنه مركب من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة لم نسلم ~~الملازمة أيضا # وإن عنيت أنه يكون مماثلا لشيء من المخلوقات لم نسلم الملازمة # وإن عنيت أنه يشار إليه أو أنه يرى منه شيء دون شيء منع انتفاء اللازم # والجواب الرابع $ أن يقال الحكم بأن المعلوم إما موجود وإما معدوم وأن ~~الموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وإما واجب وإما ممكن وإما قديم ~~وإما محدث وإما متقدم على غيره وإما مقارن له وإما مباين لغيره وإما محايث ~~له وأن القائم بنفسه أو القائم القابل لصفات الكمال إما حي وإما ميت وإما ~~عالم وإما جاهل وإما قادر أو عاجز وأن ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله وأن ~~المتصف بصفات الكمال أكمل من المتصف بصفات النقص وممن لا يقبل الاتصاف لا ~~بهذا ولا بهذا # وهذه العلوم وأمثالها مستقرة في العقول وهي إما علوم ضرورية PageV06P132 ~~أو قريبة من الضرورية والقطع بها أعظم من القطع بوجود موجود لا يمكن ~~الإشارة الحسية إليه وأن الواجب الوجود لا يشار إليه فإن ما يشار إليه فهو ~~جسم فلو أشير إليه لكان جسما وليس بجسم فإن هذه الأمور إما أن تكون معلومة ~~الفساد بالضرورة أو بالنظر وإما أن تكون إذا علمت لا تعلم إلا بطرق نظرية ~~فلا يمكن القدح بها في تلك المقدمات الضرورية فالاعتبار والقياس تارة يكون ~~بلفظ الشمول والعموم وتارة بلفظ التشبيه والتمثيل # وكذلك إذا قلنا إما أن يكون قائما بنفسه أو بغيره أو قديما أو محدثا أو ~~واجبا أو ممكنا فكذلك إذا قلنا إما أن يكون مباينا أو محايثا أو داخلا أو ~~خارجا # فبين ابن كلاب وغيره من أئمة ms1142 النظار لهؤلاء النفاة أنكم إذا جوزتم خلو ~~الرب عن الوصفين المتقابلين الذين يعلمون أنه يمتنع خلو الوجود عنهما لزمكم ~~مثل ذلك وأن تصفوه بسائر الممتنعات فقال إذا وصفتموه بأنه لا مماس ولا ~~مباين وأنتم تعلمون أن الموجود الذي تعرفونه لا يكون إلا مماسا أو متباينا ~~فوصفتموه بما هو عندكم محال فيما تعرفونه من الموجودات لزمكم أن تصفوه ~~بأمثال ذلك من المحالات فتقولون لا قديم ولا محدث ولا قائم بنفسه ولا غيره ~~ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل وأمثال ذلك # وذكر أيضا حجة أخرى رابعة فقال أليس يقال لما ليس بثابت PageV06P133 في ~~الإنسان لا مماس ولا مباين فإذا قالوا نعم قيل فأخبرونا عن معبودكم مماس أو ~~مباين فإذا قالوا لا يوصف بهما قيل لهم فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق ~~فلم لا تقولون عدم كما تقولون للإنسان عدم إذا وصفتموه بصفة العدم # يقول أنتم تعرفون أن سلب هذين المتقابلين جميعا هو من صفات المعدومات ~~فالموجود الذي تعرفونه القائم بنفسه لا يقال إنه ليس مباينا لغيره من ~~الأمور القائمة بأنفسها ولا مماسا لها بخلاف المعدوم فإنه يقال لا هو مماس ~~لغيره ولا مباين له فإذا وصفتموه بصفة المعدوم فجعلتم ما هو صفة لما هو عدم ~~في الموجودات صفة للخالق الموجود الثابت وحيئنذ فيمكن أن يوصف بأمثال ذلك ~~فيقال هو عدم كما يوصف ما عدم من الأناسي بأنه عدم فقال لهم إذا كان عدم ~~الموجود وجودا له فإذا كان العدم وجودا كان الجهل عالما والعجز قوة أي إذا ~~جعلتم المعدوم الذي لا يعقل إلا معدوما جعلتموه موجودا أمكن حينئذ أن يجعل ~~الجهل علما والعجز قوة والموت حياة والحرس كلاما والصمم سمعا والعمى بصرا ~~وأمثال ذلك # وهذا حقيقة قول النفاة فإنهم يصفون الرب بما لا يوصف به إلا المعدوم بل ~~يصفون الموجود الواجب بنفسه الذي لا يقبل العدم بصفات الممتنع الذي لا يقبل ~~الوجود فإن كان هذا ممكنا أمكن أن يجعل أحد المتناقضين صفه لنقيضه كما ذكر ~~PageV06P134 # ولا ريب أن النفاة لا ms1143 تقر بوصفه بالامتناع والعدم والنقائص ولكن تقول ~~لانصفه لا بهذا ولا بهذا لا نصفه بالعلم ولا بالجهل ولا الحياة ولا الموت ~~ولا القدرة ولا العجز ولا الكلام ولا الخرس # فإذا قيل لهم إن لم يوصف بصفة الكمال لزم اتصافه بهذه النقائص # قالوا هذا إنما يكون فيما يقبل الاتصاف بهذا وهذا # ويقول المنطقيون هذان متقابلان تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب ~~والإيجاب والمتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا يرتفعان جميعا بخلاف ~~المتقابلين تقابل العدم والملكة كالحياة والموت والعمى والبصر فإنهما قد ~~يرتفعان جميعا إذا كان المحل لا يقبلهما كالجمادات فإنها لم تقبل الحياة ~~والبصر والعلم لم يقل فيها أنها حية ولا ميتة ولا عالمة ولا جاهلة وقد أشكل ~~كلامهم هذا على كثير من النظار وأضلوا به خلقا كثيرا حتى الآمدي وأمثاله من ~~أذكياء النظار اعتقدوا أن هذا كلام صحيح وأنه يقدح في الدليل الذي استدل به ~~السلف والأئمة ومتكلموا أهل الإثبات في إثبات السمع والبصر وغير ذلك من ~~الصفات # وهذا من جملة تلبيسات أهل المنطق والفلسفة التي راجت على هؤلاء فأضلتهم ~~عن كثير من الحق الصحيح المعلوم بالعقل الصريح # وجواب هذا من وجوه بسطناها في غير هذا الموضع # منها أن يقال فما يقبل الاتصاف بهذه الصفات مع إمكان PageV06P135 ~~انتفائها عنه أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها بحال فالحيوان الذي يقبل أن ~~يتعاقب عليه العدم والملكة فيكون إما سميعا وإما أصم وإما بصيرا وإما أعمى ~~وإما حيا وإما ميتا أكمل من الجماد الذي لا يقبل لا هذا ولاهذا بل الحيوان ~~الموصوف بهذه النقائض مع إمكان اتصافه بهذا الكمال أكمل من الجماد الذي لا ~~يقبل ذلك # فإذا قلتم إن الموجود الواجب لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال مع أن المتصف ~~بالنقائص يمكنه الاتصاف بها جعلتموه أنقص من الحيوانات وجعلتموه بمنزلة ~~الجمادات وكان من وصفه بهذه النقائص مع إمكان اتصافه بالكمالات خيرا منكم ~~فمن وصفه بالعمى والصمم والعور مع إمكان زوال هذه النقائص عنه كان خيرا ~~منكم # وهم يشنعون بما يحكى عن بعض ضلال اليهود والنصارى ms1144 من أن الله ندم على ~~الطوفان حتى عض على إصبعيه وجرى الدم وبكى على الطوفان حتى رمد وعادته ~~الملائكة وآلى على نفسه أنه لا يغرق بنيه وأن بعض بني إسرائيل وجده ينوح ~~على خراب بيت المقدس وفي بعض كتب النصارى أنه ينام # ومن قال إن بشرا كمسيح الهدى ومسيح الضلالة أنه الله مع كونه يأكل ويشرب ~~وأنه أعور # وأمثال هؤلاء الذين يصفونه بهذه النقائص مع إمكان اتصافه PageV06P136 ~~بالكمال هم خير ممن يقول لا يمكن اتصافه بصفات الكمال بحال # بل من جعله يأكل ويشرب فهو خير ممن يقول لا يمكن أن يكون حيا ولا عالما ~~ولا قادرا فإن الحي الذي يأكل ويشرب خير من الجماد الذي لا يعلم ولا يتكلم ~~ولا يسمع ولا يبصر علم أن من نفى عنه صفات الكمال كان شرا من جميع هذه ~~الطوائف فإنهم جعلوه كالعدوم أو الجماد وهؤلاء شبهوه بالحيوان الذي فيه صفة ~~كمال مع نوع من النقص فكان تعطيل الأول له عن صفات الكمال وتمثيله له ~~بالمعدومات والجمادات شرا من تعطيل هذا له عن بعض صفات الكمال مع إثباته ~~لكثير من صفات الكمال وكان تشبيهه له بالحيوان أمثل من تشبيه ذاك له ~~بالجماد والمعدوم # وهكذا من قيل له هو واجب فإنه إن لم يكن واجبا كان ممكنا وهو قديم فإنه ~~إن لم يكن قديما كان محدثا وهو خالق فإن القائم بنفسه إن لم يكن خالقا كان ~~مخلوقا وهو مباين للعالم خارج عنه فإنه إن لم يكن مباينا له خارجا عنه كان ~~داخلا فيه محصور محوزا # وممن ذكر ذلك الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الزندقة والجهمية قال ~~بيان ما أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله PageV06P137 على العرش قلنا لم ~~أنكرتم أن الله على العرش وقد قال الله عز وجل @QB@ الرحمن على العرش استوى ~~@QE@ سورة طه 5 فقالوا هو تحت الأرضين السابعة كما هو على العرش فهو على ~~العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان لا يخلو منه مكان ولا يكون في ~~مكان دون ms1145 مكان وتلوا آيات من القرآن @QB@ وهو الله في السماوات وفي الأرض ~~@QE@ سورة الأنعام 3 فقلنا قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم ~~الرب شيء فقالوا أي شيء قلنا أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش ~~والأماكن القذرة ليس فيها من عظم الرب شيء وقد أخبرنا أنه في السماء فقال ~~@QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض @QE@ PageV06P138 سورة الملك ~~16 @QB@ أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا @QE@ سورة الملك 17 ~~وقال تعالى @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ سورة فاطر 10 وقال @QB@ إني ~~متوفيك ورافعك إلي @QE@ سورة آل عمران 55 وقال @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ ~~سورة النساء 158 وقال @QB@ وله من في السماوات والأرض ومن عنده @QE@ سورة ~~الأنبياء 19 وقال @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ سورة النحل 50 وقال @QB@ ~~ذي المعارج @QE@ سورة المعارج 3 وقال @QB@ وهو القاهر فوق عباده @QE@ سورة ~~الأنعام 18 وقال @QB@ وهو العلي العظيم @QE@ سورة البقرة 255 # فهذا خبر الله أنه في السماء ووجدنا كل شيء أسفل مذموما بقول الله عز وجل ~~@QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار @QE@ سورة النساء 145 @QB@ ~~وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت ~~أقدامنا ليكونا من الأسفلين @QE@ سورة فصلت 29 PageV06P139 # وقلنا لهم أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان فلم يكن الله ليجتمع هو و ~~إبليس في مكان واحد # ولكن معنى قول الله عز وجل @QB@ وهو الله في السماوات وفي الأرض @QE@ ~~سورة آل عمران 129 يقول هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو الله ~~على العرش وقد أحاط الله بعلمه ما دون العرش لا يخلو من علم الله مكان ولا ~~يكون علم الله في مكان دون مكان # وذلك قوله تعالى @QB@ لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط ~~بكل شيء علما @QE@ سورة الطلاق 12 # ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلا كان في يديه قدح من قوارير صاف وفيه شيء ~~صاف لكان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح PageV06P140 من غير أن يكون ابن ms1146 آدم ~~في القدح والله وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء ~~من خلقه # وخصلة أخرى لو أن رجلا بنآ دارا بجميع مرافقها ثم أغلق بابها وخرج منها ~~كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره وكم سعة كل بيت من غير أن يكون ~~صاحب الدار في جوف الدار # فالله عز وجل وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع ما خلق وعلم كيف هو وما هو ~~من غير أن يكون في شيء مما خلق # وما تأول الجهمية من قول الله عز وجل @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم @QE@ سورة المجادلة 7 فقالوا إن الله عز وجل 4 مقنا وفينا قال قلنا ~~فلم قطعتم الخبر من أوله بأذن الله PageV06P141 يقول @QB@ ألم تر أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~@QE@ يعني إلا الله بعلمه رابعهم @QB@ ولا خمسة إلا هو @QE@ بعلمه @QB@ ~~سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم @QE@ يعني بعلمه فيهم @QB@ ~~أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم @QE@ ~~سورة المجادلة 7 يفتح الخبر بعلمه فيهم ويختمه بعلمه # ويقال للجهمي إذا قال إن الله معنا بعظمة نفسه قيل له هل يغفر الله لكم ~~فيما بينه وبين خلقه فإن قال نعم فقد زعم أن الله يباين خلقه وأن خلقه دونه ~~وإن قال لا PageV06P142 كفر وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين ~~زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس الله كان ولا ~~شيء فيقول نعم فقل له حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه فإنه ~~يصير إلى ثلاثة أقاويل واحد منها إن زعم أن الله خلق في نفسه فقد كفر حين ~~زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل ~~فيهم كان هذا أيضا كفرا حين زعم أنه دخل ms1147 في كل مكان وحش قذر ردىء وإن قال ~~خلقهم خارجا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل ~~السنة # فقد بين الإمام أحمد ما هو معلوم بصريح العقل وبديهته من أنه لا بد إذا ~~خلق الخلق من أن يخلقه مباينا له أو محايثا له ومع المحايثة إما ~~PageV06P143 أن يكون هو في العالم وإما أن يكون العالم فيه لأنه سبحانه ~~قائم بنفسه والقائم بنفسه إذا كان محايثا لغيره فلا بد أن يكون أحدهما حالا ~~في الآخر بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات فإنها قد تكون جميعا قائمة بغيرها # فهذا القسم لم يحتج أن يذكره لظهور فساده وان أحدا لا يقول به إذ من ~~المعلوم لكل أحد أن الله تعالى قائم بنفسه لا يجوز أن يكون من جنس الأعراض ~~التي تفتقر إلى محل يقوم به # وكذلك من هذا الجنس قول من يقول لا هو مباين ولا محايث لما كان معلوما ~~بصريح العقل بطلانه لم يدخله في التقسيم إذ من المستقر في صريح العقل أن ~~الموجود إما مباين لغيره وإما مداخل له فانتفاء هذين القسمين يبطل قول من ~~يجعله لا مباينا ولا مداخلا كالمعدوم وقول من يجعله حالا في العالم مفتقرا ~~إلى المحل كالأعراض إذ المفتقر إلى المحل لا يقوم بنفسه ولا يكون غنيا عما ~~سواه فيمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه # وهذا 4 لم يقل مثل هذا أحد من العقلاء وإن قال بعضهم ما يستلزم ذاك فما ~~كل من قال مذهبا التزم لوازمه # وقد نفى أيضا قول من يقول هو في كل مكان بتقسيم آخر من هذا الجنس إذ ~~القائل بأنه لا داخل العالم ولا خارجه لا يمكنه أن PageV06P144 ينفي قول من ~~يقول إنه في كل مكان لأنه إن جوز وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا ~~يقبل الإشارة إليه لم يمكنه مع هذا السلب أن ينفي قول من يقول هو في كل ~~مكان لا كالجسم مع الجسم ولا كالعرض مع العرض أو الجسم فإنه ms1148 إذا احتج على ~~نفي ذلك بأنه لو كان في كل مكان للزم احتياجه إلى محل أو نحو ذلك قال له ~~المنازع هو في كل مكان وهو مع ذلك لا يحتاج إلى محل فإن المحتاج إلى المحل ~~إنما هو العرض أو الجسم وهو ليس بجسم ولا عرض بل هو لا مماس للأشياء ولا ~~مباين لها إذ المماسة والمباينة من صفات الجسم وهو ليس بجسم # كما قد يقول إنه في كل مكان وليس بحال ولا مماس ولا مباين فإذا قال ~~النافي هذا لا يعقل قال له نظيره الذي يقول لا داخل العالم ولا خارجه وقولك ~~أيضا لا يعقل فكلا القولين مخالف للمعروف في العقول فليس إبطال أحدهما دون ~~الآخر بأولى من العكس # وإنما يمكن أن يرد على الطائفتين أهل الفطر السليمة الذين لم يقولوا ما ~~يناقض صريح العقل # ومن المعلوم أن من قال إنه في العالم مثل كون القائم بنفسه في ~~PageV06P145 القائم بنفسه كان قوله أقل فسادا من قول من قال إنه في العالم ~~كالقائم بغيره مع القائم بنفسه فإن هذا لا يقوله عاقل فإذا بطل الأول بطل ~~الثاني # فأبطل الإمام أحمد هذا القول أيضا فقال بيان ما ذكره الله في القرآن من ~~قوله تعالى @QB@ وهو معكم @QE@ سورة الحديد 4 # وهذا على وجوه قول الله لموسى @QB@ إنني معكما @QE@ سورة طه 46 يقول في ~~الدفع عنكما # وقال @QB@ ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله ~~معنا @QE@ سورة التوبه 40 يقول في الدفع عنا # وقال @QB@ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ~~@QE@ سورة البقرة 249 يقول في النصر لهم على عدوهم # وقال @QB@ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم @QE@ ~~سورة محمد 35 في النصر لكم على عدوكم PageV06P146 # وقال @QB@ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم @QE@ سورة ~~النساء 108 يقول بعلمه فيهم # وقال @QB@ فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ~~ربي سيهدين @QE@ سورة الشعراء 61 62 ms1149 يقول في العون على فرعون # قال فلما ظهرت الحجة على الجهمي لما ادعى على الله أنه مع خلقه في كل شيء ~~غير مماس للشيء ولا مباين منه فقلنا إذا كان غير مباين أليس هو مماسا قال ~~لا قلنا فكيف يكون في كل شيء غير مماس له ولا مباين له فلم يحسن الجواب ~~فقال بلا كيف فخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم فقلنا له إذا كان يوم ~~القيامة أليس أنما هو الجنة PageV06P147 والنار والعرش والهواء قال بلى ~~قلنا فأين يكون ربنا قال يكون في الآخرة في كل شيء كما كان حيث كانت الدنيا ~~في كل شيء قلنا فإن مذهبكم أن ما كان من الله على العرش فهو على العرش وما ~~كان من الله في الجنة فهو في الجنة وما كان من الله في النار فهو في النار ~~وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء فعند ذلك تبين للناس كذبهم على ~~الله تعالى # فكان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يبينون فساد قول الجهمية سواء قالوا ~~إنه في كل مكان أو قالوا لا داخل العالم ولا خارجه أوتن قالوا إنه في ~~العالم من العالم أو خارج العالم إذ جماع قولهم أنه ليس مباينا للعالم ~~مختصا بما فوق العالم # ثم هم مع هذا مضطربون يقولون هذا تارة وهذا تارة ولا يمكن بعض طوائفهم أن ~~يفسد مقالة الأخرى لاشتراكهم في الأصل الفاسد # ولهذا كان الحولية والاتحادية منهم الذين يقولون إنه في كل PageV06P148 ~~مكان يحتجون على النفاة منهم الذين يقولون ليس مباينا للعالم ولا مداخلا له ~~بانا قد اتفقنا على أنه ليس فوق العالم وإذا ثبت ذلك تعين مداخلته للعالم ~~إما أن يكون وجوده وجود العالم أو يحل في العالم أو يتحد به كما قد عرف من ~~مقالاتهم # والذين أنكروا الحلول والاتحاد من الجهمية ليست لهم على هؤلاء حجة إلا من ~~جنس حجة المثبتة عليهم وهو قول المثبتة إن ما لا يكون لا داخلا ولا مباينا ~~غير موجود فإن أقروا بصحة هذه الحجة بطل ms1150 قولهم وإن لم يقروا بصحتها أمكن ~~إخوانهم الجهمية الحلولية أن لا يقروا بصحة حجتهم إذ هما من جنس واحد # واعتبر ذلك بما ذكره الرازي في الرد على الحلولية فإنه لما ذكر الكلام في ~~أنه يمتنع حلول ذاته أو صفة من صفاته في شيء ذكر أن النصارى تقول بالحلول ~~تارة والاتحاد أخرى قال والحلول باطل لأن الحلول إنما يعقل إذا كان الحال ~~مفتقرا إلى المحل فحلوله بصفة الجواز ينفي افتقار الحال إلى المحل وبصفه ~~الوجوب يقتضي افتقار الواجب إلى غيره وحدوثه أو قدم المحل PageV06P149 # قال فإن قلت إنه قد يقتضي الحلول بشرط وجود المحل أو المحل يقتضي حلوله ~~فيه فلم يلزم قدم المحل ولا حلول الواجب # قلت كلاهما يمنع وجوب الحلول والاتحاد باطل لأن المتحدين إن بقيا عند ~~الاتحاد أو عدما وحصل ثالث فلا اتحاد فإن بقي أحدهما دون الآخر فلا اتحاد ~~لامتناع كون المعدوم عين الموجود # قال الرازي ناظرت بعض النصارى فقلت تسلم أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم ~~المدلول قال نعم فقلت فما الدليل على أنه تعالى لم يحل في بدن زيد ولا عمرو ~~والذبابة والنملة فقال لأنه ثبت في حق عيسى أنه أحيي الأموات وأبرأ ~~PageV06P150 الأكمة والأبرص ولم يوجد في حق غيره فقلت له فقد سلمت أنه لا ~~يلزم من عدم الدليل عدم المدلول ولأنه ظهر على يد موسى قلب العصا ثعبانا ~~وانقلاب الخشبة ثعبانا أعجب من انقلاب الميت حيا فهو أولى بالدلالة على ~~الحلول في الجملة # قال وبالجملة مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه # قلت ما ذكره من إبطال الحلول بإلزام النصارى كلام صحيح ولكن هذا إنما ~~يستقيم على قول أهل الإثبات المثبتين لمباينته للعالم فأما على قول الجهمية ~~النفاة فلا تستقيم هذه الحجة # وذلك أن الحلولية على وجهين # أحدهما أهل الحلول الخاص كالنصارى والغالية من هذه الأمة الذين يقولون ~~بالحلول إما في على وإما في غيره # والثاني القائلون بالحلول العام الذين يقولون في جميع المخلوقات نحوا مما ~~قالته النصارى في المسيح عليه السلام ms1151 أو ما هو شر PageV06P151 منه ويقولون ~~النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا كما يقول ذلك الاتحادية أصحاب صاحب الفصوص ~~وأمثاله وهم كثيرون في الجهمية # بل عامة عباد الجهمية وفقهائهم وعامة الذين ينتسبون إلى التحقيق من ~~الجهمية هم من هؤلاء كابن الفارض وابن سبعين والقونوي والتلمساني وأمثالهم # فإذا قال الجهمي الذي يقول إنه في كل مكان ويقول مع ذلك بأن وجوده غير ~~وجود المخلوقات أو يقول بالاتحاد من وجه والمباينة من وجه كما هو قول ابن ~~عربي وأمثاله كما حكى الإمام أحمد عنهم يقول إنه في كل مكان لا مماس ~~للأمكنة ولا مباين لها وأنه حال في العالم أو متحد به لا كحلول الأعراض ~~والأجسام في الأجسام وأشباه ذلك # فاحتج موافقوهم على نفي المباينة كالرازي وأمثاله بما ذكروه من قولهم ~~الحلول إنما يعقل إذا كان الحال مفتقرا إلى المحل فإما أن يكون الحلول ~~جائزا أو واجبا فإن كان جائزا انتفى افتقاره إلى المحل فلزم الجمع بين ~~النقيضين أن يكون مفتقرا إلى المحل غير مفتقر إليه لكون حلوله جائزا لا ~~واجبا وإن كان الحلول واجبا لم يكن الحال واجبا بنفسه بل بغيره PageV06P152 # قال لهم الحلولية قولكم الحلول المعقول يقتضي افتقار الحال إلى المحل ~~إنما يكون إذا كان الحال عرضا فضلا عن أن يكون جسما فضلا عن أن يكون لا ~~جسما ولا عرضا فإما إذا قدر حال ليس بجسم ولا عرض فلم قلتم إن حلوله يقتضي ~~افتقاره إلى المحل وقالوا لهم إذا جوزتم وجود موجود لا مباين لغيره ولا حال ~~فيه فلم لا يجوز وجود موجود حال في غيره ليس مفتقرا إليه # فإذا قلتم لا نعقل حالا في شيء إلا مفتقرا إليه # قيل لكم هذا كما قلتموه للمثبتة هذا من حكم الوهم والخيال لما قال ~~المثبتة لا نعقل موجودا إلا مباينا لغيره أو محايثا له # وهذا هو السؤال الذي أورده أحمد من جهة الجهمية حيث قالوا هو في كل مكان ~~لا مماس ولا مباين فضلا عن أن يقولوا مفتقرا فإن الافتقار إنما يعقل في ms1152 ~~حلول الأعراض فأما حلول الأعيان القائمة بأنفسها في الأعيان القائمة ~~بأنفسها فلا يجب فيه الافتقار # والقائلون بالحلول إنما يقولون هو حلول عين في عين لا حلول صفة في محل ~~فلهذا قال لهم الإمام أحمد وأمثاله أهو مماس أو مباين فإذا سلبوا هذين ~~المتقابلين تبين مخالفتهم لصريح العقل وكانت هذه الحجة عليهم خيرا من حجة ~~الرازي حيث إنه نفى حلول العرض في محله فإن هذا لم يقله أحد PageV06P153 # وكذلك ما نفاه من الاتحاد ليس فيه حجة على ما ادعوه من الاتحاد فإنهم لا ~~يقولون ببقائهما بحالهما ولا ببقاء أحدهما وإنما يشبهون الاتحاد باتحاد ~~الماء واللبن والماء والخمر واتحاد النار والحديد # فقوله هذا ليس باتحاد نزاع لفظي فهم يسمون هذا اتحادا فلا بد من بيان ~~بطلان ما أثبتوه من الجلول والاتحاد وإلا كان الدليل منصوبا في غير محل ~~النزاع # وأما الأئمة الذين ردوا على الحلولية فأبطلوا نفس ما ادعوه وإن كان هؤلاء ~~لا يقرون بأنا نقول بالحلول كما لا يقر القائلون بأنه لا داخل العالم ولا ~~خارجه بالتعطيل فلزوم الحلول لهؤلاء كلزوم التعطيل لهؤلاء والتعطيل شر من ~~الحلول # ولهذا كان العامة من الجهمية إنما يعتقدون أنه في كل مكان وخاصتهم لا ~~تظهر لعامتهم إلا هذا لأن العقول تنفر عن التعطيل أعظم من نفرتها عن الحلول ~~وتنكر قول من يقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه أعظم مما تنكر أنه في كل ~~مكان فكان السلف يردون خير قوليهم وأقربهما إلى المعقول وذلك مستلزم فساد ~~القول الآخر بطريق الأولى PageV06P154 # ومن العجب أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينسبون المثبتين للصفات إلى قول ~~النصارى كما قد ذكر ذلك عنهم أحمد وغيره من العلماء # وبهذا السبب وضعوا على ابن كلاب حكاية راجت على بعض السبين إلى السنة ~~فذكروها في مثالبه وهو أنه كان له أخت نصرانية وأنها هجرته لما أسلم وأنه ~~قال لها أنا أظهرت الإسلام لأفسد على المسلمين دينهم فرضيت عنه لأجل ذلك # وهذه الحكاية إنما افتراها بعض الجهمية من المعتزلة ونحوهم لأن ابن كلاب ~~خالف ms1153 هؤلاء في إثبات الصفات وهم ينسبون مثبتة الصفات إلى مشابهة النصارى ~~وهم أشبه بالنصارى لأنه يلزمهم أن يقولوا إنه في كل مكان وهذا أعظم من قول ~~النصارى أو أن يقولوا ما ما هو شر من هذا وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه # ولهذا كان غير واحد من العلماء كعبد العزيز المكي وغيره يردون عليهم بمثل ~~هذا ويقولون إذا كان المسلمون كفروا من يقول إنه PageV06P155 حل في المسيح ~~وحده فمن قال بالحلول في جميع الموجودات أعظم كفرا من النصارى بكثير # وهم لا يمكنهم أن يردوا على من قال بالحلول إن لم يقولوا بقول أهل ~~الإثبات القائلين بمباينته للعالم فيلزمهم أحد الأمرين إما الحلول وإما ~~التعطيل والتعطيل شر من الحلول ولا يمكنهم إبطال قول أهل الحلول مع قولهم ~~بالنفي الذي هو شر منه وإنما يمكن ذلك لأهل الإثبات # وهم وإن قالوا إن مذهب النصارى والحلولية أخس من أن يلتفت إليه فلا ~~يقدرون على إبطاله مع قولهم بالتجهم ولهذا لم يكن فيما ذكروه حجة على ~~إبطاله فيلزمهم إما إمكان تصحيح قول النصارى والحلولية وإما أبطال قولهم ~~وهذا لا حيلة فيه لمن تدبر ذلك # وهب أنهم يمكنهم إبطال قول النصارى في تخصيصهم المسيح بالحلول والاتحاد ~~حيث يقال إذا جوز الحلول والاتحاد بالمسيح جاز بغيره فإن القائلين بعموم ~~الحلول والاتحاد يلتزمون هذا ويقولون النصارى كفرهم لأجل التخصيص وكذلك ~~عباد الأصنام إنما أخطأوا من حيث عبدوا بعض المظاهر دون بعض والعارف المحقق ~~عندهم من لا يقتصر على بعض المظاهر والمجالي بل يعيد كل شيء كما قد صرح ~~بذلك ابن عربي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم وأمثاله من أئمة هؤلاء ~~الجهمية القائلين بوحدة الوجود PageV06P156 الذين هم محققو أهل الحلول ~~والاتحاد ولهذا كان هؤلاء لهم الظهور والاستطالة على نفاة الحلول والمباينة ~~جميعا بل هؤلاء يخضعون لأولئك ويعتقدون فيهم ولاية الله وينصرونهم على أهل ~~الإيمان القائلين بمباينة الخالق للمخلوق كما قد رأيناه وجربناه # وسبب ذلك أن قول هؤلاء الحلولية والاتحادية مسقف بالتأله والتعبد والتصوف ~~والأخلاق ودعوى المكاشفات والمخاطبات ms1154 ونحو ذلك مما لا يكاد يفهمه أكثر ~~النفاة فإذا كانوا لا يفهمون حقيقة قولهم سلموا إليهم ما يقولونه وظنوا أن ~~هذا من جنس كلام أكابر أولياء الله الذين أطلعهم الله من الحقائق على ما ~~يقصر عنه عقول أكثر الخلائق وسلموا لهم ما لا يفهمونه من أقوالهم كما ~~يسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يفهمونه من أقواله فيعظمون هؤلاء ~~كما يعظمون الرسول بمثابة من صدق محمدا رسول الله ومسيلمة الكذاب صدق كلا ~~منهما في أنه رسول الله كحال أهل الردة الذين آمنوا بمسيلمة المتنبي مع ~~دعواهم أنهم مؤمنون بمحمد رسول الله ولا يعرفون ما بين قول هذا وقول هذا من ~~المناقضة والمنافاة لعدم تحققهم في الإيمان بمحمد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # فهكذا نفاة العلو والصفات من الجهمية أو نفاة العلو وحده إذا سمعوا ~~النصوص الإلهية المثبتة للعلو والصفات أعرضوا عن فهم PageV06P157 معناها ~~وإثبات موجبها ومقتضاها وآمنوا بألفاظ لا يعرفون مغزاها وآمنوا للرسول ~~إيمانا مجملا بأنه لا يقول إلا حقا ولم يكن في قلوبهم من العلم بمباينة ~~الله لخلقه وعلوه عليهم ما ينفون به بدعة الحلولية والاتحادية وأمثالهم لأن ~~أحد المتقابلين إنما يرتفع عن القلب بإثبات مقابله وأحد النقيضين لا يزول ~~عن القلب زوالا مستقرا إلا بإثبات نقيضه # فإذا كان حقيقة الأمر أن الرب تعالى إما مباين للعالم وإما مداخل له كان ~~من لم يثبت المباينة لم يكن عنده ما ينافي المداخلة بل إما أن يقر ~~بالمداخلة وإما أن يبقى خاليا عن اعتقاد المتقابلين المتناقضين ولا يمكنه ~~مع عدم اعتقاد نقيض قول أن يعتقد فساده ولا ينكره ولا يرده بل يبقى بمنزلة ~~من سمع أن محمدا قال إنه رسول الله وأن مسليمة قال إنه رسول الله وهو لم ~~يصدق واحدا منهما ولم يكذب واحد منهما فمثل هذا يمتنع أن يرد على مسيلمة أو ~~يكذبه # فهكذا من كان لم يقر بأن الخالق تعالى مباين للمخلوق لم يمكنه أن يناقض ~~قول من يقول بالحلول والاتحاد بل غايته أن لا يوافقه ms1155 كما لم يوافق قول أهل ~~الإثبات فهو لم يؤمن بما قاله محمد رسول الله والمؤمنون به ولا بما قاله ~~مخالفوه الدجالون الكذابون من أهل الحلول والاتحاد وغيرهم من نفاة العلو ~~PageV06P158 وقول النفاة للمباينة المداخلة جميعا لما كان في حقيقة الأمر ~~نفيا للمتقابلين المتناقضين بمنزلة قول القرامطة الذين يقولون لا حي ولا ~~ميت ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز كان قولهم في العقل أفسد من قول ~~من لا يؤمن بمحمد ولا بمسيلمة فإن كلاهما مبطل لكن بطلان سلب النقيضين وما ~~هو في معنى النقيضين أبين في العقل من الإقرار بنبوة رسول من رسل الله صلى ~~الله عليهم أجمعين فلهذا لا تكاد تجد أحدا من نفاة المباينة والمداخلة ~~جميعا أو من الواقفة في المباينة يمكنه مناقضة الحلولية والاتحادية مناقضة ~~يبطل بها قولهم بل أي حجة احتج بها عليهم عارضوه بمثلها وكانت حجتهم أقوى ~~من حجته # فإذا قال لهم لا يعقل الحلول إلا حلول العرض فيكون الحال مفتقرا إلى ~~المحل أو قال ما هو أبلغ من هذا مما احتج به الأئمة عليهم لو كان حالا لم ~~يخل من المباينة والمماسة فإن القائم بنفسه إذا حل في القائم بنفسه لم يخل ~~من هذا وهذا قالوا للنفاة هذا أنما يكون إذا كان الحال متحيزا أو قائما ~~بمتحيز أو قالوا هذا هو المعقول من حلول الأجسام وأعراضها فأما إذا قدرنا ~~موجودا قائما بنفسه ليس بجسم ولا متحيز لم يمتنع أن يكون حالا بلا افتقار ~~إلى المحل ولا مماسة ولا مباينة PageV06P159 فإن قال إخوانهم من النفاة ~~للعلو والمباينة هذا لا يعقل # قالوا لهم إذا عرضنا على العقل وجود موجود قائم بنفسه لا مباين للعالم ~~ولا محايث له ولا داخل فيه ولا خارج عنه وعرضنا على العقل وجود موجود في ~~العالم قائم بنفسه لا مماس له ولا مباين له وليس بجسم ولا متحيز أو وجود ~~موجود مباين له وليس بجسم ولا متحيز كان هذا أقرب إلى العقل # وذلك أن وجود موجود لا يشار إليه ولا يكون ms1156 متحيزا لا جسما ولا جوهرا إما ~~أن يكون ممكنا وإما أن لا يكون فإن لم يكن ممكنا بطل قول من يثبت موجودا لا ~~داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه وكان حينئذ قول من أثبت موجودا خارج ~~العالم أو داخله وقال إنه لا يشار إليه أقل فسادا في العقل من هذا وإن كان ~~وجود موجود لا يشار إليه ولا يكون جسما ولا متحيزا ممكنا في العقل فمن ~~المعلوم إذا قيل مع ذلك إنه خارج العالم لم يجب أن يشار إليه ولا يكون جسما ~~منقسما ولا مطابقا موازيا محاذيا للعرش لا أكبر منه ولا أصغر ولا مساويا # وإن قيل مع ذلك إنه حال في العالم لم يجز أن يقال إنه مماس أو مباين لأن ~~المماسة والمباينة عندهم من عوارض الجسم المشار إليه فما PageV06P160 لا ~~يكون جسما لا يشار إليه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا وإذا كان قائما بنفسه لا ~~يشار إليه امتنع أن يقال هو عرض أو كالعرض المفتقر إلى المحل بل إثبات ما ~~لا يشار إليه وهو داخل العالم أو خارجه أقرب إلى ما تثبته العقول من إثبات ~~ما لا يشار إليه ولا هو داخل العالم ولا خارجه # ومما يقرر هذه الحجج أن هؤلاء النفاة لما أرادوا بيان إمكان وجود موجود ~~لا داخل العالم ولا خارجه وأن نفي ذلك ليس معلوما بضرورة العقل احتجوا على ~~ذلك بإثبات الكليات واحتجوا بأن الفلاسفة وطائفة من متكلمي المسلمين من ~~المعتزلة والشيعة والأشعرية أثبتوا النفس وقالوا إنها لا داخل البدن ولا ~~خارجه ولا توصف بحركة ولا سكون ولا مباينة لغيرها ولا حلول فيه # قالوا وقول هؤلاء ليس معلوم الفساد بالضرورة والمثبتون لما طلبوا بيان ~~فساد قولهم بينوا أن الكليات وجودها في الأذهان لا في الأعيان وأن قول ~~هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة حتى عند جماهير المتكلمين من المعتزلة ~~والأشعرية والكرامية وغيرهم # والمقصود هنا أن يقال لهؤلاء إذا جوزتم إثبات كليات لا PageV06P161 داخل ~~العالم ولا خارجه مع أنها متعلقة بمعينات بل جعلتموها جزءا من المعينات ms1157 حيث ~~قلتم المطلق جزء من المعين وجوزتم وجود نفوس مجردات عقلية لا داخل العالم ~~ولا خارجه مع أنها متعلقة بأبدان بني آدم تعلق التدبير والتصريف وجوزتم ~~أيضا وجود نفس فلكية كذلك على أحد قوليكم فما المانع أن يكون واجب الوجود ~~مع تدبيره وتصريفه للعالم متعلقا به تعلق النفوس بالأبدان وتعلق الكليات ~~بالأعيان # والنصارى لا يصلون إلى أن يقولوا إن اللاهوت في الناسوت كالنفس في البدن ~~بل مباينة اللاهوت للناسوت عندهم أعظم من مباينة النفس للبدن فإذا جوزتم ما ~~يكون لا داخل العالم ولا خارجه مع تعلقه بالأبدان أعظم من تعلق اللاهوت ~~بالناسوت عند النصارى أمكن أن يكون واجب الوجود متعلقا بالأبدان بل ~~بالموجودات كلها كذلك وكان قول الجهمية الذين يقولون إن اللآهوت في كل مكان ~~أقرب إلى المعقول من قول من يقول إن المجردات في الأبدان والأعيان # ومما يزيد الأمر وضوحا أن هؤلاء الفلاسفة المشائين ومن وافقهم من ~~المتكلمة والمتصوفة يثبتون خمسة أنواع من الجواهر واحد منها هو الجوهر الذي ~~يمكن إحساسه وهو الجسم في اصطلاحهم وأربعة هي جواهر عقلية لا يمكن الإحساس ~~بها وهي العقل PageV06P162 والنفس والمادة والصورة مع اتفاقهم على أن ~~الأجسام المحسوسة مركبة من المادة والصورة وهما جوهران عقليان كما يقولون ~~إن الأعيان المعينة المحسوسة فيها كليات طبيعية عقلية هي أجزاء منها # فإذا كان هؤلاء يثبتون في الجواهر المحسوسة ومعها جواهر عقلية لا ينالها ~~الحسن بحال ويجعلون هذا حالا وهذا محلا لم يمكنهم مع ذلك أن ينكروا كون ~~الوجود الواجب هو حالا أو محلا لهذه المحسوسات # وهذا هو الذي انتهى إليه محققوهم كابن سبعين وأمثاله فإنهم جعلوا الوجود ~~الواجب مع الممكن كالمادة مع الصورة وكالصورة مع المادة أو ما يشبه ذلك ~~يجعلون الوجود الواجب جزءا من الممكن كما أن المطلق جزء من المعين حتى أن ~~ابن رشد الحفيد وأمثاله يجعلون الوجود الواجب كالشرط في وجود الممكنات الذي ~~لا يتم وجود الممكنات إلا به مع أن الشرط قد يكون وجوده مشروطا بوجود ~~المشروط فيكون كل منهما شرطا في ms1158 وجود الآخر # وهذا حقيقة قولهم يجعلون الواجب مع الممكن كل منهما مفتقر إلى الآخر ~~ومشروط به كالمادة والصورة فابن عربي يجعل أعيان الممكنات ثابتة في العدم ~~والوجود الواجب فاض عليها فلا يتحقق وجوده إلا بها ولا تتحقق ماهيتها إلا ~~به وبنى قوله على أصلين فاسدين PageV06P163 # أحدهما أن الوجود واحد ليس هنا وجودان أحدهما واجب بنفسه والآخر بغيره # والثاني أن وجود كل شيء زائد على حقيقته وماهيته وأن المعدوم شيء موافقة ~~لمن قال هذا وهذا من المعتزلة والفلاسفة ومن وافقهم من متأخري الأشعرية ~~فالحقائق والذوات عنده ثابتة في العدم ووجود الحق فاض عليها فكان كل منهما ~~مفتقرا إلى الآخر ولهذا يقول إن الحق يتصف بجميع صفات المخلوقات من النقائض ~~والعيوب وأن المخلوق يتصف بجميع صفات الله تعالى من صفات الكمال كما قال ~~ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبرا بذلك عن نفسه وبصفات النقص وصفات ~~الذم ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق فهي من أولها إلى آخرها صفات له كما ~~أن صفات المحدثات حق للحق # ولهذا قال فالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين ~~واحدة لا بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة # @QB@ فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر @QE@ سورة الصافات ~~PageV06P164 102 فالولد عين أبيه فما رأى يذبح غير نفسه @QB@ وفديناه بذبح ~~عظيم @QE@ سورة الصافات 107 فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان بل بحكم ولد ~~من هو عين الوالد @QB@ وخلق منها زوجها @QE@ سورة النساء 1 فما نكح سوى ~~نفسه # وقال فيعبدني وأعبده ويحمدني وأحمده # وقال ولما كان فرعون في مرتبة الحكم قال @QB@ أنا ربكم الأعلى @QE@ سورة ~~النازعات 24 أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته ~~من الحكم فيكم ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله لم ينكروه وأقروا ~~PageV06P165 بذلك وقالوا @QB@ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا @QE@ @QB@ فاقض ~~ما أنت قاض @QE@ سورة طه 72 فالدولة لك فصح قوله @QB@ أنا ربكم الأعلى @QE@ ~~سورة النازعات 24 وإن كان عين الحق # وقال فكان موسى ms1159 أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه ~~بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه وما حكم الله بشيء إلا وقع فكان عتب ~~موسى على أخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من ~~يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء # وقال في قصة قوم نوح @QB@ ومكروا مكرا كبارا @QE@ سورة نوح 22 لأن الدعوة ~~إلى الله مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية PageV06P166 # وقوله ادعوا إلى الله عين المكر فأجابوه مكرا كما دعاهم مكرا فقالوا في ~~مكرهم @QB@ لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ~~@QE@ سورة نوح 23 فإنهم إذا تركوا هؤلاء جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من ~~هؤلاء فإن اللحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله كما قال في ~~المحمدين @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ سورة الإسراء 23 أي حكم # وفسر قوله قضى بمعنى قدر لا بمعنى أمر # قال وما حكم الله بشيء إلا وقع # والعارف يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأن التفريق والكثرة ~~كالأعضاء في الصورة المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية فما عبد ~~غير الله في كل معبود PageV06P167 وأمثال هذا الكلام كثير في كلام هذا ~~وأمثاله كابن سبعين الذي حقق قول هؤلاء الفلاسفة تحقيقا لم يسبق إليه وكان ~~آخر قوله وأن الله في النار نار وفي الماء ماء وفي الحلو حلو وفي المر مر ~~وأنه في كل شيء تصوره ذلك الشيء كما قد بسط الكلام عليه غير هذا الموضع # وكذلك ابن حموية الذي يتكلم بنحو هذا في مواضع من كلامه # وكذلك ابن الفارض في قصيدته المشهورة التي يقول فيها % لها صلواتي ~~بالمقام أقيمها % وأشهد فيها أنها لي صلت % % كلانا مصل واحد ساجد إلى % ~~حقيقته بالجمع في كل سجدة % # | PageV06P168 % وما كان لي صلى سواى ولم تكن % صلاتي لغيرى في أدا كل ~~ركعة % # إلى أن قال % ومازلت أياها وإياى لم ms1160 تزل % ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت % ~~% إلى رسولا كنت منى مرسلا % وذاتي بآياتي على استدلت % % فإن دعيت كنت ~~المجيب وإن أكن % منادى أجابت من دعاني ولبت % % وقد رفعت تاء المخاطب ~~بيننا % وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي % % وفارق ضلال الفرق فالجمع منتج % ~~هدى فرقة بالاتحاد تحدت % $ PageV06P169 # فإن العارف المحقق من هؤلاء يقول أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا بنفسه فهو ~~المرسل والمرسل إليه والرسول ويقول من هو من أكبر من أضلوه من أهل الزهادة ~~والعبادة مع الصدق في تسبيحاته وأذكاره الوجود واحد وهو الله ولا أرى ~~الواحد ولا أرى الله # ويقول أيضا نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود والوجود واحد لا ثنوية فيه # ويكرر ذلك كما يكرر المسلمون سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر # وعنده أن هذا غاية التحقيق والعرفان # ويجىء من هو أفضل المتكلمين من النفاة للعلو يعتقد في مثل هذا أنه كان من ~~أفضل أهل الأرض أو أفضلهم ويأخذ ورقة فيها سر مذهبه يرقى بها المرضى كما ~~يرقى المسلمون بفاتحة الكتاب كما أخبرنا بذلك الثقاة وهم يقدمون تلك الرقية ~~على فاتحة الكتاب PageV06P170 # ويقول من هو من شعرائهم العارفين % وما أنت غير الكون بل أنت عينه % ~~ويشهد هذا السر من هو ذائق % $ # ويقول % وتلتذ إن مرت على جسدي يدى % لأني في التحقيق لست سواكم % $ # وأمثال هذا كثير # والمتكلمة النفاة منهم من يوافق هؤلاء ومنهم من لا يوافقهم ومن وافقهم ~~يقال له أين ذاك النفي لا داخل ولا خارج من هذا الإثبات وهو أنه وجود كل ~~موجود # فيقول هذا حكم عقلي وهذا حكم ذوقي أو يرجع عن ذلك النفي ويقول المطلق جزء ~~من المعينات والوجود الواجب للموجودات مثل الكلي الطبيعي للأعيان كالجنس ~~لأنواعه والنوع لأشخاصه كالحيوانية في الحيوانات والإنسانية في الأناسي ~~وهذا غايته أن يجعله شرطا في وجود الممكنات لا مبدعا فاعلا لها فإن الكليات ~~لا تبدع أعيانها بل غايتها إذا كانت موجودة في الخارج أن تكون شرطا في ~~وجودها بل جزءا منها # ومن لا يوافقهم ms1161 أكثرهم يسلمون لهم أقوالهم أو يقولون نحن لا نفهم هذا أو ~~يقولون هذا ظاهره كفر لكن قد تكون له أسرار وحقائق يعرفها أصحابها ~~PageV06P171 # ومن هؤلاء من يعاونهم وينصرهم على أهل الإيمان المنكرين للحلول والاتحاد ~~وهو شر ممن ينصر النصارى على المسلمين فإن قول هؤلاء شر من قول النصارى بل ~~هو شر ممن ينصره المشركين على المسلمين # فإن قول المشركين الذين يقولون إنما نعبدهم @QB@ ليقربونا إلى الله زلفى ~~@QE@ سورة الزمر 3 خير من قول هؤلاء فإن هؤلاء أثبتوا خالقا ومخلوقا غيره ~~يتقربون به إليه وهؤلاء يجعلون وجود الخالق وجود المخلوق # وغاية من تجده يتحرى الحق منهم أن يقول العالم لا هو الله ولا غير الله # ولما وقعت محنة هؤلاء الملاحدة المشهورة وجرى فيها ما جرى من الأحوال ~~ونصر الله الإسلام عليهم طلبنا شيوخنا لنتوبهم فجاء من كان من شيوخهم وقد ~~استعد لأن يظهر عندنا غاية ما يمكنه أن يقوله لنا ليسلم من العقاب فقلنا له ~~العالم هو الله أو غيره فقال لا هو الله ولا غيره # وهذا ما كان عنده هو القول الذي لا يمكن أحد أن يخالف فيه ولو علم أنا ~~ننكره لما قاله لنا وكان من أعيان شيوخهم ومحققيهم PageV06P172 وممن له ~~أتباع ومريدون وله ولأصحابه سلطان ودولة ومعرفة ولسان وبيان حتى أدخلوا ~~معهم من ذوي السلطان والقضاة والشيوخ والعامة ما كان دخولهم في ذلك سببا ~~لانتقاص الإسلام ومصيره أسوا من دين النصارى والمشركين لولا ما من الله به ~~من نصر الإسلام عليهم وبيان فساد أقاويلهم وإقامة الحجة عليهم وكشف حقائق ~~ما في أقوالهم من التلبيس الذي باطنه كفر وإلحاد لا يفهمه إلا خواص العباد # والمقصود هنا أن الحلولية إذا أراد النفاة للمباينة والحلول جميعا من ~~متكلمة الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية كابن سينا والرازي وأبي حامد وأمثالهم ~~أن يردوا عليهم حجة عقلية تبطل قولهم لم يمكنهم ذلك كما تقدم بل يلزم من ~~تجويزهم إثبات وجود لا داخل العالم ولا خارجه تجويز قول الحلولية ولهذا لا ~~تجد في النفاة من يرد على ms1162 الحلولية ردا مستقيما بل إن لم يكن موافقا لهم ~~كان معهم بمنزلة المخنث كالرافضي مع الناصبي فإن الرافضي لا يمكنه أن يقيم ~~حجة على الناصبي الذي يكفره علنا أو يفسقه فإنه إذا قال للرافضي بماذا عملت ~~أن عليا مؤمن ولي لله من أهل الجنة قبل ثبوت إمامته وهذا إنما يعلم بالنقل ~~والنقل إما متواتر وإما آحاد # فإن قال له الرافضي بما تواتر من إسلامه ودينه وجهاده وصلاته وغير ذلك من ~~عباداته PageV06P173 # قال له وهذا أيضا متواتر عن أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعمرو ابن العاص ~~وغيرهم من الصحابة وأنت تعتقد كفرهم أو فسقهم # وقال له أيضا أنت تقول إن عليا كان يستجيز التقية وأن يظهر خلاف ما يبطن ~~ومن كان هذا قوله أمكن أن يظهر الإسلام مع نفاقه في الباطن # فإن قال الرافضي للناصبي علمت ذلك بثناء النبي صلى الله عليه وسلم ~~وشهادته له بالإيمان والجنة كقوله لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ~~ويحبه الله ورسوله وقوله أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ونحو ~~ذلك # قال له الناصبي قد نقل أضعاف ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وأنت تطعن في ~~تلك المنقولات أو تقول إنهم ارتدوا بعد موته فما يؤمنك إن كان قولك في ~~هؤلاء صحيحا أن يكون على كذلك PageV06P174 # وأيضا فهذه الأحاديث إنما نقلها الصحابة الذين تذكر أنت كفرهم وفسقهم ~~والكافر والفاسق لا تقبل روايته # فإن قال هذه نقلها الشيعة # قال له الناصبي الشيعة لم يكونوا موجودين على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهم يقولون إن الصحابة ارتدوا إلا نفرا قليلا إما عشرة أو أقل أو أكثر ~~ومثل هؤلاء يجوز عليهم المواطأة على الكذب # فإن قال أنا أثبت إيمانه بالقرآن كقوله تعالى @QB@ والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه @QE@ ~~سورة التوبة 100 وقال @QB@ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم @QE@ سورة الفتح 29 # وقال @QB@ وكلا وعد الله الحسنى @QE@ سورة النساء 95 # وقوله @QB@ لقد رضي الله عن ms1163 المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة @QE@ سورة ~~الفتح 18 # قال له الناصبي هذه الآيات تتناول أبا بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين ~~والأنصار كما تتناول عليا ليس في ظاهرها ما يخص عليا # فإن جاز أن يدعى خروج هؤلاء منها أو أنهم دخلوا فيها ثم خرجوا بالردة ~~أمكن الخوارج الذين يكفرون عليا أن يقولوا مثل ذلك # والمقصود هنا أن الرافضة لا يمكنهم إقامة حجة صحيحة على PageV06P175 ~~الخوارج وإنما يتمكن من ذلك أهل السنة والجماعة الذين يقرون بعموم هذه ~~الآيات وتناولها لأهل بيعة الرضوان كلهم ويقرون بالأحاديث الصحيحة المروية ~~في فضائل الصحابة وأنهم كانوا صادقين في روايتهم فهم الذين يمكنهم الرد على ~~الخوارج والروافض بالطرق الصحيحة السليمة عن التناقص # وهكذا الرد على الحولية وبيان إبطال قولهم بالحق إنما يتمكن منه أهل ~~السنه المثبتة لعلو الله على خلقه ومباينته لهم فإن قول هؤلاء نقيض قول ~~الحلولية ومن علم ثبوت أحد النقيضين أمكنه إبطال ما يقابله بخلاف قول ~~النفاة فإنه متضمن رفع النقيضين أو ما هما في معنى النقيضين ورفع النقيضين ~~أشد بطلانا من إثبات أحدهما بل أشد بطلانا من المناقض الباطل فإن رفعهما ~~يعلم امتناعه بصريح العقل وأما انتفاء أحدهما فهو أخفى في العقل من رفعهما ~~فمن رفع النقيضين أو ما في معناهما لم يمكنه إبطال قول من أثبت أحدهما وما ~~من حجة يحتج بها من رفع المتقابلين إلا ويمكن من أثبت أحدهما أن يحتج عليه ~~بما هو أقوى منها من جنسها # ولهذا كان إطباق العقول السليمة على إنكار قول النفاة المتقابلين أعظم من ~~إطباقها على إنكار قول الحلولية لأن الموجود الواجب الوجود كلما وصف بصفات ~~المعدومات الممتنعات كان أعظم بطلانا وفسادا من وصفه بما هو أقرب إلى ~~الوجود # ومما يبين هذا أن الصفات السلبية ليس فيها بنفسها مدح ولا توجب ~~PageV06P176 كمالا للموصوف إلا أن تتضمن أمر وجوديا كوصفه سبحانه بأنه لا ~~تأخذه سنة ولا نوم فإنه يتضمن كمال حياته وقيوميته # وكذلك قوله تعالى @QB@ وما مسنا من لغوب @QE@ سورة ق 38 متضمن كمال قدرته # وقوله ms1164 @QB@ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض @QE@ سورة ~~سبأ 3 يقتضي كمال علمه # وكذلك قوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ سورة الأنعام 103 يقتضي عطمته ~~بحيث لا تحيط به الأبصار # وكذلك نفي المثل والكفو عنه يقتضي أن كل ما سواه فإنه عبد مملوك له وذلك ~~يقتضي من كماله ما لا يحصل إذا كان له نظير مستغن عنه مشارك له في الصنع ~~فإن ذلك نقص في الصانع فأما العدم المحض والنفي الصرف مثل كونه لا يمكن ~~رؤيته بحال وكونه لا مباينا للعالم ولا مداخلا له فإن هذا أمر يوصف به ~~المعدوم فإن المعدوم لا يمكن رؤيته بحال وليس هو مباينا للعالم ولا مداخلا ~~له والمعدوم المحض لا يتصف بصفة كمال ولا مدح ولهذا كان تنزيه الله تعالى ~~بقوله سبحان الله يتضمن مع نفي صفات النقص عنه إثبات ما يلزم ذلك من عظمته ~~فكان في التسبيح تعظيم له مع تبرئته من السوء # ولهذا جاء التسبيح عند العجائب الدالة على عظمته كقوله تعالى @QB@ سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ سورة الإسراء 1 وامثال ذلك # ولما قال @QB@ سبحان ربك رب العزة عما يصفون @QE@ سورة PageV06P177 ~~الصافات 180 كان تنزيهه عما وصفوه به متضمنا لعظمته اللازمة لذلك النفي # وإذا كان كذلك فنفاة النقيضين وما هو في معنى النقيضين لم يتضمن وصفهم له ~~بذلك شيئا من الإثبات ولا التعظيم بخلاف القائلين بالحلول في جميع الأمكنة ~~فإنهم يصفونه بما فيه تعظيم له # ولهذا يقول من يذر الطائفتين إن هؤلاء قصدوا تنزيهه وهؤلاء قصدوا تعظيمه ~~فإذا كان التنزيه إن لم يتضمن تعظيما لم يكن مدحا كان من وصفه بما فيه ~~تعظيم أقرب إلى المعقول ممن وصفه بما يشركه فيه المعدوم من غير أن يكون فيه ~~تعظيم فلم يمكن أولئك النفاة أن يبطلوا حجج هؤلاء المعظمين وإذا ردوا عليهم ~~ببيان ما في قولهم من إثبات ما لا يعقل أو التناقص قالوا لهم إن في قولهم ~~من إثبات ما لا يعقل ومن التناقص ما هو أعظم من ذلك # فإن قال النفاة ms1165 هؤلاء الحلولية قد أثبتوا حلولا يقتضي افتقاره إلى المحل ~~كالصورة مع المادة وكالوجود مع الثبوت ونحو ذلك مما يقتضي أن أحدهما محتاج ~~إلى الآخر ونحن قد بينا إنما يعقل الحلول إذا كان الحال محتاجا إلى المحل ~~وذلك باطل لأن ذلك يناقض وجوبه كما تقدم فقد أبطلنا قول هؤلاء # قيل عن هذا جوابان # أحدهما أنه ليس كل من قال بالحلول يقول بافتقاره إلى المحل بل كثير من ~~القائلين بالحلول يقولون إنه في كل مكان مع استغنائه عن PageV06P178 المحل ~~وهو قول النجارية وكثير من الجهمية وقول من يقول بالحلول الخاص كالنصارى ~~وغيرهم # الثاني أنه بتقدير أن يكون الحلول مستلزما للافتقار فأنتم لن تثبتوا غناه ~~عما سواه فإن طريقة الرازي والآمدى وأمثالهما في إثبات الصانع هي طريقة ابن ~~سينا في إثبات واجب الوجود وهذه الطريقة لا تدل على إثبات موجود قائم بنفسه ~~واجب الوجود # وإن قيل إنها تدل على ذلك فلم تدل على أنه مغاير للعالم بل يجوز أن يكون ~~هو العالم # ومن طريقهم قال هؤلاء بوحدة الوجود فإن طريقتهم المشهورة أن الوجود ينقسم ~~إلى واجب وممكن والممكن لا بد له من واجب فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين ~~وهذا القدر يدل على أنه لا بد من وجود واجب ومن قال كل موجود واجب فقد وفى ~~بموجب هذه الحجة ومن قال إن الوجود الواجب مع الممكن كالصورة مع المادة أو ~~كالوجود مع الثبوت فقد وفي بموجب هذه الحجة بل لا يمكنهم إثبات لوجود واجب ~~مغاير للممكن إن لم يثبتوا أن في الوجود ما هو ممكن يقبل الوجود والعدم # وهم يدعون أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم قد يكون قديما أزليا ولا ~~يمكنهم إقامة دليل على ثبوت الإمكان بهذا الاعتبار # ولهذا لما احتاجوا إلى إثبات الإمكان استدلوا بأن الحادث لا بد له من ~~محدث وأن الحوادث مشهودة PageV06P179 # وهذا حق لكنه يدل على أن المحدث لا بد له من قديم فيلزم ثبوت قديم لكن لا ~~يلزم من ذلك عندهم أن يكون واجب الوجود ثابتا إلا بذلك ms1166 التقسيم إذ كانوا ~~يجوزون على القديم أن يكون ممكن الوجود فإذا قالوا القديم إن كان ممكنا فلا ~~بد له من واجب لم يمكنهم إثبات واجب إلا بإثبات هذا الممكن وهذا ممتنع وهو ~~أيضا مستلزم للدور فإنه لا يمكنهم إثبات واجب الوجود إلا بإثبات ممكن ~~الوجود ولا يمكن إثبات ممكن الوجود إلا بإثبات أن المحدث ممكن وله فاعل ~~وذلك لا يستلزم إلا إثبات قديم والقديم عندهم لا يجب أن يكون واجب الوجود ~~فلا يمكنهم أن يثبتوا واجب الوجود حتى يثبتوا ممكن الوجود الذي قد يكون ~~قديما وهذا لا يمكن إثباته إلا بإثبات الممكن الذي هو حادث وهذا لا يدل إلا ~~على إثبات قديم والقديم عندهم لا يستلزم أن يكون واجب الوجود # وأيضا فإذا أثبتوا واجب الوجود فإنهم لم يثبتوا أنه مغاير لهذه المشهودات ~~إلا بطريقة التركيب وهي باطلة # وحينئذ فيمكن أن يقول لهم أهل الحلول الواجب هو حال وإيضاح ذلك أنهم ~~قسموا الوجود إلى واجب وممكن لكن جعلوا الممكن منه ما هو قديم ومنه ما هو ~~محدث وحينئذ فلا يمكن إثبات الواجب إلا بإثبات هذا الممكن وهذا الممكن لا ~~يمكن إثباته # وأيضا فهم لا يثبتون الممكن إلا بإثبات الحادث والحادث لا بد له من ~~القديم والقديم لا يستلزم أن يكون واجبا PageV06P180 # وإذا قالوا القديم إن كان واجبا ثبت الواجب وإن كان ممكنا ثبت الواجب ~~فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين # قيل هذا إذا صح لزم أنه لا بد من واجب كما أن الموجود مستلزم أنه لا بد ~~من واجب وهذا مما لا نزاع فيه لكنه لا يدل على أثبات صانع ولا على أنه ~~مغاير للأفلاك ولا على أنه ليس بحال بل يستلزم أنه لا بد من موجود يمتنع ~~عدمه وهذا مما يوافق عليه منكرو الصانع والقائلون بقدم العالم وأهل الحلول ~~وغيرهم فتبين أنه ليس في كلامهم إبطال مذهب الحلول # والمقصود هنا أن السلف والأئمة كانوا يردون من أقوال النفاة ما هو أقرب ~~إلى الإثبات فيكون ردهم لما هو أقرب إلى النفي بطريق ms1167 الأولى وقول النفاة ~~لبماينته للعالم ومداخلته له أبعد عن العقل من قول المثبتين لأنه قائم ~~بنفسه في كل مكان مع نفي مماسته ومباينته # والسلف ردوا هذا وهذا وكان ذلك تنبيها على إبطال الحلول بمعنى حلول العرض ~~في المحل لكن هذا لم يقل به أحد وإن كان النفاة لم يمكنهم إلا إبطاله خاصة ~~دون أقوال أهل الحلول المعروفة عنهم # ومما يبين هذا أن الطوائف كلها اتفقت على إثبات موجود واجب بنفسه قديم ~~أزلى لا يجوز عليه العدم ثم تنازعوا فيما يجب له ويمتنع عليه # فالنفاة تصفه بهذه الصفات السلبية أنه لا مباين للعالم ولا مداخل ولا فوق ~~ولا تحت ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء PageV06P181 ولا يقرب إليه شيء ~~ولا يقرب هو من شيء وأمثال ذلك بل ويقولون أيضا إنه لا تمكن رؤيته ولا غير ~~ذلك من الإحساس به ولا يمكن الإشارة إليه # وآخرون منهم يقولون ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا غير ذلك من الصفات # وآخرون يقولون لا يسمى موجودا حيا عالما قادرا إلا مجازا أو بالاشتراك ~~اللفظي وأن هذه الأسماء لا تدل على معنى معقول ويقولون إذا أثبتنا هذه ~~الصفات لزم أن يكون متحيزا والمتحيز مركب أو كالجوهر الفرد في الصغر ونحو ~~ذلك فيفرون من هذه الصفات لا عتقادهم أن ذلك يقتضى التجسيم والأجسام عندهم ~~موجودة لكنها عند بعضهم محدثة وعند بعضهم ممكنة فإذا وصفوا الواجب القديم ~~بذلك لزم أن يكون عندهم ممكنا أو محدثا وذلك ينافي وجوبه وقدمه ويقولون إن ~~هذه المقدمات معلومة بالنظر # وأما المثبتون فيقولون الموصوف بهذه الصفات السلبية لا يكون إلا ممتنعا ~~والامتناع ينافي الوجود فضلا عن وجوب الوجود فيقولون إن الواصفين له بهذه ~~الصفات وصفوه بما لا يتصف به إلا ما يمتنع وجوده ومن وصف ما يجب وجوده بما ~~يمتنع وجوده فقد جعله دون المعدوم الممكن الوجود # ويقولون إن هذه المقدمات معلومة بالضرورة فهم يقولون لأولئك أنتم قررتم ~~من وصفه بالإمكان فوصفتموه بالامتناع ومن وصفه بالحدوث فوصفتموه بالعدم ~~PageV06P182 # ويقولون إن ms1168 الأجسام الجامدة خير من الموصوف بهذه الصفات فضلا عن الأجسام ~~الحية الناقصة فضلا عن الأجسام الحية الكاملة ومن المعلوم أنه إذا دار ~~الأمر بين جسم حي كامل وبين معدوم أو ممتنع كان ذلك خيرا من هذا وإذا كانت ~~هذه التنيجة لازمة لمقدمات يقول أهلها إنها معلومة بالاضطرار كانت أثبت من ~~مقدمات يقول أهلها أنتم لا تعلمونها إلا بالنظر مع اختلافهم في كل مقدمة ~~منها # فعلم بذلك أن المثبتة هم أقطع بما يقولونه وأشد تعظيما لما يثبتونه وأن ~~النفاة أقرب إلى الظن وأبعد عن التعظيم والإثبات # يبين ذلك أن عمدة النفاة على أنه لو ثبتت هذه الصفات من العلو والمباينة ~~ونحو ذلك للزم أن يكون جسما وكون الواجب القديم جسما ممتنع وهذه المقدمة هي ~~نظرية باتفاقهم وكل طائفة منهم تطعن في طريق الآخرين والعمدة فيها طريقان ~~طريق الجهمية والمعتزلة وطريق الفلاسفة # ومن وافق على هذه المقدمة من الفقهاء وأهل الكلام من الأشعرية وغيرهم فهو ~~تبع فيها إما للمعتزلة والجهمية وإما للفلاسفة # فاما المعتزلة والجهمية فطريقهم هي طريق الأعراض والحركات PageV06P183 ~~وأنه لو ثبت للقديم الصفات والأفعال لكان محلا للأعراض والحركات وذلك يقتضي ~~تعاقبها عليه وذلك يوجب حدوثه # وقد عرف أن الفلاسفة مع طوائف من أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام ~~يطعنون في هذه الطريقة وقد صنف الأشعرى نفسه كتابا بين فيه عجز المعتزلة عن ~~إثبات هذه الطريق كما سيأتي بيان ذلك # وأما طريقة الفلاسفة فهي مبنية على أن واجب الوجود لا يكون متصفا بالصفات ~~لأن ذلك يستلزم التركيب # وقد علم ما بينه نظار المسلمين من فساد هذه الطريق # فإذا ليس بين النفاة مقدمة اتفقوا عليها يبنون عليها النفي بل هم يشتركون ~~فيه كاشتراك المشركين وأهل الكتاب في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~واشتراك أهل البدع في مخالفة الحديث والسنة ومآخذ كل فريق غير مآخذ الآخر # وإذا كانت مقدماتهم ليست مما اتفقوا عليه بل ولا اتفق عليه أكثرهم بل ~~أكثرهم ينكر صدق جميعها علم أنها ليست مقدمات فطرية ضرورية لأن الضرويات لا ~~ينكرها ms1169 جمهور العقلاء الذين لم يتواطأوا عليها ولا يكفي أن تكون بعض ~~المقدمات معلومة بل لابد أن تكون الجميع معلومة وما لم تكن معلومة بالضرورة ~~فلا بد أن تستلزمها مقدمات ضرورية وليس معهم شيء من ذلك بل غاية ~~PageV06P184 هؤلاء لفظ التركيب وأنه لا يكون واجبا وقد علم ما في ذلك من ~~الإجمال والاشتراك # وغاية هؤلاء أن الأعراض لا تبقى وجمهور العقلاء يخالفون في ذلك وأن ~~الأفعال يجب تناهيها وقد علم نزاع العقلاء فيها وجمهورهم يمنعون امتناع ~~تناهيها من الطرفين # وقد ذكرنا اعتراض الأرموي وغيره على شيوخه في هذه المقدمات وقد سبقه إلى ~~ذلك الرازي وغيره وقدحوا فيها قدحا بينوا به فسادها على وجه لم يعترضوا ~~عليه وإن كان الرازي يعتمدها في مواضع أخر فنظره استقر على القدح فيها # وكذلك الأثير الأبهري في كتابه المعروف بتحرير الدلائل في تقرير المسائل ~~هو وغيره قدحوا في تلك الطرق وبينوا فساد عمدة الدليل وهو بطلان حوداث لا ~~أول لها وذكر الأبهري الدليل المتقدم دليل الحركة والسكون وقولهم لو كان ~~الجسم أزليا لكان إما متحركا وإما ساكنا والقسمان باطلان # أما الأول فلأنها لو كانت متحركة للزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم ~~المسبوقية بالغير لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير والأزل يقتضي عدم ~~المسبوقية فيلزم الجمع بينهما ولأنها لو كانت متحركة لكانت بحال لا يخلو عن ~~الحوادث وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وإلا لكان الحادث أزليا وهو ~~محال ولأنها لو كانت متحركة PageV06P185 لكانت الحركة اليومية موقوفة على ~~انقضاء ما لا نهاية له وانقضاء ما لا نهاية له محال والموقوف على المحال ~~محال ولأنها لو كانت متحركة لكان قبل كل حركة حركة أخرى لا إلى أول وهو ~~محال ولأن الحاصل من الحركة اليومية إلى الأزل جملة ومن الحركة التي قبل ~~الحركة اليومية إلى الأزل جملة أخرى فتطبق إحداهما على الأخرى بأن يقابل ~~الجزء الأول من الجملة الثانية بالجزء الأول من الجملة الأولى والثاني ~~بالثاني فإما أن يتطابقا إلى غير النهاية أو لم يتطابقا فإن تطابقا كان ms1170 ~~الزائد مثل الناقص وإن لم يتطابقا لزم انقطاع الجملة الثانية وإذا لزم ~~انقطاع الجملة الثانية لزم انقطاع الجملة الأولى أيضا لأن الأولى لا تزيد ~~على الثانية إلا بمرتبة واحدة # ثم تكلم على تقدير السكون وهذا هو الذي تقدم ذكر الرازي له # ومن تدبر كتب أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم في حدوث الأجسام علم أن هذا ~~عمدة القوم # قال الأبهري والإعراض على قوله يلزم المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية ~~بالغير قلنا لا نسلم وإنما يلزم الجمع بينهما أن لو كان الواحد مسبوقا ~~بالغير وغير مسبوق بالغير وليس كذلك فإن المسبوق بالغير لا يكون إلا الحركة ~~وغيرالمسبوق بالغير هو الجسم فلا يلزم الجمع بين المسبوقية وعدم المسبوقية ~~في شيء واحد # قلت وهذا الأعتراض فيه نظر ولكن الأعتراض المتقدم وهو PageV06P186 أن ~~المسبوق لغير آحاد الحركة لا جنسها فكل من أجزائها مسبوق بالغير وأما الجنس ~~ففيه النزاع اعتراض جيد وإلا فإذا كانت الحركة من لوازم الجسم لم يكن سابقا ~~لها فكيف يقال إن الحركة مسبوقة بالجسم # وكأن الأبهري لم يفهم مقصود القائل إن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير فظن ~~أنه أراد أنها مسبوقة بالجسم وإنما أراد أن الحركة تقتضي أن يكون بعض ~~أجزائها سابقا على بعض # قال الأبهري وأما قوله لو كانت متحركة لكانت بحالة لا تخلو عن الحوادث ~~وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث قلنا لا نسلم قوله لو لم يكن كذلك لكان ~~الحادث أزليا قلنا لا نسلم وإنما يلزم ذلك لو كانت الحادث الواح 4 د يصير ~~بعينه أزليا وليس كذلك بل يكون قبل كل حادث آخر لا إلى أول فلا يلزم قدم ~~الحادث أما قوله فإنها لو كانت متحركة لكان الحادث اليومي موقوفا على ~~انقضاء ما لا نهاية له قلنا لا نسلم بل يكون الحادث اليومي مسبوقا بحوادث ~~لا أول لها ولم قلتم بأن ذلك غير جائز والنزاع ما وقع إلا فيه واما قوله ~~بأن الحاصل من الحركة اليومية إلى الأزل جملة قلنا لا نسلم وإنما يلزم ذلك ~~أن لو كانت الحركات ms1171 مجتمعه في الوجود ليحصل منها جملة ومجموع واستدل هو على ~~حدوث العالم بأن صانع العالم إن كان موجبا بالذات لزم دوام آثاره فلا يكون ~~في الوجود حادث وإن كان PageV06P187 فاعلا بالاختيار امتنع أن يكون مفعوله ~~أزليا لأنه يكون قاصدا إلى إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل محال وقد اعترض ~~بعضهم على دليله بأنه يجوز ان يكون بعضه حادثا له فاعل بالاختيار وبعضه ~~قديم له موجب بالذات وجوزه بعضهم بأنه يجوز أن يكون موجبا بالذات ومعلوله ~~فاعل بالاختيار أحدث غيره # قلت وهذا الأعتراض ساقط لأن ما كان فاعلا بالاختيار فحدوث فعله بعد أن لم ~~يكن حادث من الحوادث فإذا كان مفعولا لعلة تامة موجبة امتنع أن يتخلف عنها ~~معلولها ولا يجوز أن يحدث عنها شيء ولا عن لازمها ولا لازم لازمها وهلم جرا ~~وإن قدر أن البعض الحادث له فاعل واجب بنفسه غير فاعل للآخر فهذا مع انه لم ~~يقله أحد وأدلة التوحيد للصانع تبطله فهو يبطل حجة القائلين بالقدم لأن ~~عمدتهم أن الواجب بنفسه لا يتأخر عنه فعله فإذا جوزوا تأخر فعله عنه بطل ~~أصل حجتهم # وهذا الدليل الذي احتج به قد ذكرنا في غير موضع أنه يبطل قول الفلاسفة ~~بانه صدر عن علة موجبة وان قولهم هذا يتضمن حدوث الحوادث بلا سبب # وأما الفاعل باختياره يمتنع أن يقارنه فعله فقد تكلمنا على هذا في غير ~~هذا الموضع ولكن نبين فساد قول الفلاسفة بأن يقال الفاعل بالاختيار إما أن ~~يجوز أن يقارنه فعله وإما أن يجب تأخره فإن وجب تأخره بطل قولهم بقدم ~~العالم فإن الفعل إذا لزم تأخره كان تأخر المفعول أولى إن جعل المفعول غير ~~الفعل وإن جعل المعفول هو PageV06P188 الفعل فقد لزم تأخره فتأخره لازم على ~~التقديرين وإن جاز مقارنة فعله له فإما أن يكون التسلسل ممكنا وإما أن يكون ~~ممتنعا فإن كان ممتنعا لزم أن يكون للحوادث أول وحينئذ فإذا كان الفعل ~~المقارن قديما لم يقدح هذا في وجوب حدوث المفعولات # وهذا يقوله من يقول إنه أحدث الحوادث ms1172 يتخليق قديم أزلى قائم بذاته كما ~~تقول ذلك طوائف من المسلمين وإن كان التسلسل ممكنا أمكن أن يكون بعد ذلك ~~الفعل فعل آخر وبعده فعل آخر وهلم جرا وأن تكون هذه الأفلاك حادثة بعد ذلك ~~كما أخبرت به النصوص وهو المطلوب # والأبهري وغيره اعترضوا على هذه المقدمة لما ذكروها في حجة من احتج على ~~حدوث العالم بانه ممكن وكل ممكن فهو محدث لأن المؤثر فيه إما أن تؤثر فيه ~~حالة وجوده وهو باطل لأن التأثير حالة الوجود يكون إيجاد الموجود وتحصيل ~~الحاصل وهو محال وإما حال العدم وهو محال لأنه يستلزم الجمع بين الوجود ~~والعدم فتعين أن يكون لا حال الوجود ولا حال العدم وهو حال الحدوث # فاعترض الأبهري وغيره على ذلك بأنه لم لا يجوز أن يكون التأثير حال ~~الوجود قوله يكون تحصيلا للحاصل قلنا لا نسلم لأن التأثير عبارة عن كون ~~المرجح مترجح الوجود على العدم بالمؤثر وجاز أن يكون الممكن مترجح الوجود ~~على العدم حال الوجود فيقول له من يعارضه في دليله مثل ذلك فإذا قال لو كان ~~الفعل الذي فعله الفاعل المختار أزليا لكان الفاعل قاصدا إلى إيجاد الموجود ~~وتحصيل الحاصل PageV06P189 قالوا بل وجود الموجود وحصول الحاصل مقصده ~~واختياره فقولك لو كان قاصدا إلى إيجاد الموجود إن أردت إلى إيجاد ما هو ~~موجود بدون قصده فهذا ممنوع وإنما يستقيم هذا إذا ثبت أن الأزلي لا يمكن أن ~~يكون مرادا مقصودا وهو أول المسألة وإن أردت إلى إيجاد ما هو موجود بقصده ~~فهذا هو المدعى فكأنك قلت لو كان مقصودا لأزلى موجودا بقصده لكان موجودا ~~بقصده وإذا كان هذا هو المدعي فلم قلت إنه محال ولكن يلزم هؤلاء على هذا ~~التقدير أن لا يكون فرق بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار وهم يقولون إن ~~أريد بالموجب بالذات أنه لم يزل فاعلا فهذا لا يمنع كونه مختارا على هذا ~~التقدير وإن أريد به ما يلزمه موجبه ومعلوله فهذا أيضا لا يمنع كونه مختارا ~~أيضا على هذا التقدير # وهذا القسم ms1173 باطل بلا شك سواء سمى موجبا أو مختارا لأن ذلك يستلزم ان لا ~~يحدث شيء من الحوادث فإن موجبه إذا كان لازما له ولازم اللازم لازم كانت ~~جميع الموجبات لوازم قديمة فلا يكون شيء من المحدثات صادرا عنه ولا عن غيره ~~إذ القول في كل ما يقدر واجبا كالقول فيه فيلزم أن لا يكون للحوادث فاعل # ولا ريب أن هذا لازم للفلاسفة الدهرية الإلهيين وغيرهم كأرسطوا والفارابي ~~وابن سينا لزوما لا محيد عنه وأن قولهم يستلزم أن PageV06P190 لا يكون ~~للحوادث فاعل وأن هذه الحوادث الممكنة حصلت بعد عدمها من غير واجب ولا فاعل # وإما القسم الأول وهو كونه لم يزل فاعلا سواء سمى موجبا أو مختارا فهذا ~~لا يوجب قدم هذا العالم لإمكان توقفه على أفعال قبل ذلك كما تحدث سائر ~~الحوادث الجزئية # | فصل # والمقصود في هذا المقام أن هؤلاء النفاة للعلو المباينة لم يتفقوا على ~~مقدمة واحدة يبنون عليها مطلوبهم بل كل منهم يقدح في مقدمة الآخر وإذا كان ~~اتفاقهم على النفي مبنيا على المقدمات التي بها اعتقدوا النفي وتلك ~~المقدمات متنازع فيها بينهم ليس فيها مقدمات متفق عليها تبني عليها النتيجة ~~المذكورة علم أن ما اشتركوا فيه من التنيجة كان من لوازم ما اعتقدوه من ~~القضايا المختلف فيها لا القضايا الضرورية # وحينئذ فاتفاقهم على النفي لا يمنع أن يكون اتفاقا على خلاف المعلوم ~~بالضرورة كما لو كان لرجل مال كثير وله غرماء كثيرون فأقام كل منهم شاهدين ~~بقدر من المال واستوفاه حتى استوفى المال كله وكل من الغرماء يقدح في شهود ~~الآخر كان اللازم من الحكم بشهادة الشهود كلهم أخذ مال ذلك الرجل كله ولا ~~يقال إن هؤلاء عدد كثير لا يتفقون على الكذب فإنهم لم يتفقوا على خبر واحد ~~بل كل طائفة PageV06P191 أخبرت بخبر تكذبها فيه الأخرى ولزم من مجموع ~~الأخبار أخذ المال فهم لم يخبروا بقضية واحدة توجب أخذ المال بل الكذب ممكن ~~عليهم كلهم # كذلك المتفقون على رد بعض ما أخبر به الرسول صلى الله ms1174 عليه وسلم وعلم ~~بضرورات العقول يمكن أن يقع منهم على هذا الوجه وهذا كاشتراك الكفار في ~~تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وقول هؤلاء هو ساحر وهؤلاء هو كاهن وهؤلاء ~~هو مجنون فهم في الحقيقة مختلفون لا متفقون # وأيضا فاتفاق العدد الكثير على تعمد الكذب الذين يعلمون أنه كذب يجوز إذا ~~كان ذلك عن تواطئ منهم وأما اتفاق الخلق الكثير على الكذب خطأ فهو ممكن ~~بالنظر والأمور الضرورية فقد يعبر عنها بعبارات فيها إجمال واشتباه يظن ~~كثير من الناس أن مفهومها لا يخاف الضرورة وإنما يعلم أنها مخالفة للضرورة ~~من ميز بين معانيها وفصل المعنى المخالف للضرورة من غيره فإذا كان قد سبق ~~قليل من الناس إلى اعتقاد خطأ يتضمن مخالفة الضرورة كان هذا جائزا باتفاق ~~العقلاء فإن السفسطة تجوز على الطائفة القليلة تعمدا فكيف خطأ # فإذا تلقى تلك الأقوال عن أولئك السابقين إليها عدد آخرون واشتهرت بين من ~~اتبعهم فيها صاروا متواطئين على قبولها لما فيها من الاشتباه والإجمال مع ~~تضمنها مخالفة الضرورة وإن كان كثير من القائلين بها أو أكثرهم لا يعلمون ~~ذلك وهذا هو السبب في اتفاق PageV06P192 طوائف كثيرة على مقالات يعلم أنها ~~باطلة بضرورة العقل كمقالات النصارى والرافضة والجهمية # ثم إن المتقدمين من النظار يحكمون إجماع الخلائق على نقيض قول النفاة كما ~~ذكروه أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الأشعرى وأصحابه ذكره في ~~كتاب الصفات مما نقله عنه أبو بكر بن فورك فقال فى كتاب الصفات فى باب ~~القول فى الاستواء فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صفوة الله من خلقه ~~وخيرته من بريته وأعلمهم جميعا به يجيز السؤال بأين ويقوله يستصوب قول ~~القائل إنه في السماء ويشهد له بالإيمان عند ذلك وجهم بن صفوان وأصحابه لا ~~يجيزون الأين زعموا ويحيلون القول به ولو كان خطأ كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أحق بالإنكار له وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولى ذلك فتوهمين أن ~~الله عز وجل محدود وأنه في ms1175 مكان دون مكان ولكن قولى إنه في كل مكان دون ~~مكان لأنه الصواب دون ما قلت PageV06P193 كلا لقد أجازه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع علمه بما فيه وأنه أصوب الأقاويل والأمر الذي يجب الإيمان ~~لقائله ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته فكيف يكون الحق في خلاف ذلك ~~والكتاب ناطق به وشاهد له # قال ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه ~~الأمور لكان فيه ما يكفي كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ~~ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدا من الناس عنه عربيا ولا ~~عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول أين ربك إلا قال في السماء إن أفصح أو ~~أوما بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا ~~سهل ولا جبل ولا رأينا أحدا داعيا له إلا رافعا يديه إلى السماء ولا وجدنا ~~أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون وهم يدعون أنهم ~~أفضل الناس كلهم فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده وخمسون رجلا ~~معه نعوذ بالله من مضلات الفتن # فقد ذكر ابن كلاب في هذا الكلام أن العلم بأن الله فوق فطرى مفروز في فطر ~~العباد اتفق عليه عامتهم وخاصتهم وأنه لم يخالف الجماعة في ذلك إلا نفر ~~قليل يدعون أنهم أفضل الناس جهم ونفر قليل معه وبين أيضا ابن كلاب أن قول ~~الجهمية هو نظير قول الدهرية وهو كما قال فإن منتهى كلام الجهمية إلى أنه ~~لا موجود إلا العالم # قال يقال للجمهية أليست الدهرية كفارا ملحدين في قولهم PageV06P194 إن ~~الدهر هو واحد إلا أنه لا ينفك عن العالم ولا ينفك العالم منه ولا يباين ~~العالم ولا يباينه ولا يماس العالم ولا يماسه ولا يداخل شيئا من العالم ولا ~~يداخله لأنه واحد والعالم غير مفارق له فإذا قالوا نعم قيل لهم صدقتم فلم ~~أثبتم المعبود بمعنى ms1176 الدهر وأكفرتم من قال بمثل مقالتكم وهل تجدون بينكم ~~وبينهم فرقا أكثر من أن سميتموه بغير ما سموه به وقد قلتم إنه غير مفارق ~~للعالم ولا العالم مفارق له ولا هو داخل في العالم ولا العالم داخل فيه ولا ~~مماس للعالم ولا العالم مماس له فأين تذهبون يا أولى الألباب إن كنتم ~~تعقلون من أولى أن يكون قد شبه الله بخلقه نحن أو أنتم ولم رجعتم على من ~~خالفكم بالتكفير وزعمتم أنهم قد كفروا لأنهم قالوا واحد منفرد بائن فلم لا ~~كنتم أولى بالكفر والتشبيه منهم إذ زعمتم مثل زعم الملحدين وقلتم مثل مقالة ~~المخالفين الضالين وخرجتم من توحيد رب العالمين # قال وكذلك مشاركتكم الثنوية في إلحادهم لما قالوا إن الأشياء من شيئين لا ~~تنفك منهما ولا ينفكان منها وإن الأشياء تولدت عنهما ومنهما وأن النور ~~والظلمة لا نهاية لهما في أنفسهما وأن أحدهما مازج الآخر فتولدت الأشياء ~~منهما وقلتم لهم كيف يكون ما لا نهاية له يفعل شيئا لا في نفسه وكيف يجىء ~~ما لا نهاية له فيكون في غيره فقيل لكم مثل ذلك كيف يكون مالا نهاية له ~~يفعل شيئا لا في نفسه ولا بائنا من نفسه ويلزمكم إذا زعمتم أنه لا تفاق ~~النور والظلمة أن PageV06P195 الخلق تولدوا منه كما ألزمكم المنانية حيث ~~زعموا أن النور والظلمة أصل الاشياء وأن الأشياء تحدث منهما وأنهما لا ~~ينفكان مما كان بعدهما ولا ينفك عنهما كذلك زعمتم أن الواحد الذي @QB@ ليس ~~كمثله شيء @QE@ سورة الشورى 11 تعالى عما قلتم كان لا نهاية له ثم خلق ~~الأشياء غير منفكة منه ولا هو منفك منها ولا يفارقها ولا تفارقه فأعظمتم ~~معناهم ومنعتم القول والعبارة # فيقال هذا الذي ذكره ابن كلاب من موافقة الجهمية في الحقيقة للدهرية ~~والثنوية يحققه ما فعلته غالية الجهمية من القرامطة الباطنية فأنهم ركبوا ~~لهم قولا من قول الفلاسفة الدهرية وقول المجوس الثنوية وقولهم هو منتهى قول ~~الجهمية # وكان ذلك مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ms1177 لتأخذن ~~أمتي مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا فارس والروم قال ومن ~~الناس إلا هؤلاء PageV06P196 # وفي الحديث الآخر الصحيح لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى ~~لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا اليهود والنصارى قال فمن # ومشابهة اليهود والنصارى أيسر من مشابهة فارس والروم فإن الفرس كانوا ~~مجوسا والروم إن لم يكونوا نصارى كانوا مشركين صابئة وغير صابئة فلاسفة ~~وغير فلاسفة والباطنية ركبوا مذهبهم من قول المجوس ومن دخل فيهم ومن قول ~~المشركين من الروم ومن دخل فيهم كاليونان ونحوهم # وأما الأشعري وأئمة أصحابه فهم مصرحون بأن الله نفسه فوق العرش كما ذكر ~~ذلك في كتبه كلها الموجز والإبانة والمقالات وغير ذلك # قال إن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل نقول إن الله عز وجل مستو على ~~عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 وقد قال @QB@ ~~إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ PageV06P197 سورة فاطر 10 ~~وقال @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ سورة النساء 158 وقال @QB@ يدبر الأمر من ~~السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ سورة السجدة 5 # وقال تعالى حكاية عن فرعون @QB@ يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا @QE@ سورة غافر 36 37 ~~كذب موسى في قوله إن الله عز وجل فوق السموات # وقال عز وجل @QB@ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض @QE@ سورة الملك ~~16 فالسموات فوقها العرش # فلما كان العرش فوق السموات وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات ~~وليس إذا قال @QB@ أأمنتم من في السماء @QE@ يعني جميع السماء وإنما أراد ~~العرش الذي هو أعلى PageV06P198 السموات ألا ترى أن الله عز وجل ذكر ~~السموات فقال @QB@ وجعل القمر فيهن نورا @QE@ سورة نوح 16 ولم يرد أن القمر ~~يملؤهن جميعا وأنه فيهن جميعا ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا ~~دعوا نحو السماء لأن الله عز وجل مستو على العرش الذي هو فوق السموات فلولا ~~أن الله عز وجل على العرش ms1178 لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا ~~دعوا نحو الأرض # قال وقال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قول الله تعالى ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 أنه استولى وملك وقهر وأن الله ~~عز وجل في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا ~~في الاستواء إلى القدرة ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض ~~السابعة لأن الله قادر على كل شيء والأرض فالله قادر عليها PageV06P199 ~~وعلى كل ما في العالم فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو ~~سبحانه مستول على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى ~~السماء وعلى الحشوش والأقذار لأنه قادر على الأشياء مستول عليها وإذا كان ~~قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله مستو ~~على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو ~~عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء ~~كلها # قال وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في كل مكان فلزمهم أنه في ~~بطن مريم والحشوش والأخلية وهذا خلاف الدين تعالى الله عن قولهم # وقال دليل آخر وقال الله عز وجل @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ PageV06P200 ~~سورة الشورى 51 فقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر ولو ~~كانت الآية عامة للبشر وغيرهم كان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع ~~الآية أن يقول ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو أرسل رسولا ويترك أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ~~ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم # قلت ومقصود الأشعري من هذا أنه على قول ms1179 النفاة لا فرق بين البشر وغيرهم ~~فإنه عندهم لا يحجب الله تعالى أحدا بحجاب منفصل عنه بل هو محتجب عن جميع ~~الخلق بمعنى أنه لا يمكن أحد أن يراه فاحتجابه عن بعضهم دون بعض دل على ~~نقيض قولهم وذلك أن نفاة المباينة يفسرون الاحتجاب بمعنى عدم الرؤية لمانع ~~من الرؤية في العين ونحو ذلك من الأمور التي لا تنفصل عن المحجوب بل نسبتها ~~إلى جميع الأشياء واحدة # قال الأشعري دليل آخر قال تعالى @QB@ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق @QE@ ~~سورة الأنعام 62 وقال تعالى @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم @QE@ ~~PageV06P201 سورة الأنعام 30 وقال @QB@ ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم ~~عند ربهم @QE@ سورة السجدة 12 وقال تعالى @QB@ وعرضوا على ربك صفا @QE@ ~~سورة الكهف 48 وكل ذلك يدل على أنه ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه مستو على ~~عرشه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علو كبيرا الذين لم يثبتوا له في ~~وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كل كلامهم يؤول إلى ~~التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي يريدون بذلك زعموا التنزيه ونفي ~~التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل # قلت فقد احتج على عدم مداخلته يقول تعالى @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ~~@QE@ سورة الأنعام 30 وقوله @QB@ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق @QE@ سورة ~~الأنعام 62 وقوله تعالى @QB@ ناكسو رؤوسهم عند ربهم @QE@ سورة السجدة 12 ~~وقوله @QB@ وعرضوا على ربك صفا @QE@ سورة الكهف 48 فإنه لو كانت نسبته إلى ~~جميع الأمكنة واحدة ولا يختص بالعلو لكان في المردود كما هو في المردود ~~إليه وفي PageV06P202 الواقف كما هو في الموقوف عليه وفي الناكس كما هو ~~فيمن نكس رأسه عنده وفي المعروض كما هو في المعروض عليه # فهذه النصوص تنفى مداخلته للخلق وتوجب مباينته لهم فلو أمكن وجود موجود ~~لا مباين ولا محايث لكان نسبة ذاته إلى جميع المخلوقات نسبة واحدة وهو ~~مناقض لما ذكر وقوله مع نفى المداخلة أنه على العرش يبين أنه يثبت المباينة ~~لا ينفيها كما ms1180 ينفى المداخلة # وقال الأشعري # أيضا وروت العلماء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال تفكروا في خلق ~~الله ولا تفكروا في ذات الله فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز ~~وجل فوق ذلك # قلت وهذه الحديث رواه الحاكم أبو محمد العسال في كتاب المعرفة له من حديث ~~عبد الوهاب الوراق الرجل الصالح ثنا على بن عاصم عن عطاء بن السايب عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله فإن ما ~~بين كرسيه إلى السماء سبعة الآف نور وهو فوق ذلك قال عبد PageV06P203 ~~الوهاب الوراق من زعم أن الله ههنا فهو جهمي خبيث إن الله فوق العرش وعلمه ~~محيط بالدنيا والآخرة # قال الأشعري ومما يؤكد أن الله مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله ~~أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث النزول كقوله ينزل ~~الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر ~~فأغفر له هل من داع فأستجيب له حتى يطلع الفجر # قال الأشعري دليل آخر قال الله تعالى @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ ~~سورة النحل 50 وقال تعالى @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ سورة ~~المعارج 4 وقال @QB@ ثم استوى إلى السماء وهي دخان @QE@ سورة فصلت 11 وقال ~~@QB@ ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا @QE@ سورة الفرقان 59 وقال ~~@QB@ ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع @QE@ سورة السجدة ~~4 فكان ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه والسماء PageV06P204 ~~بإجماع الناس ليست الأرض فدل على أن الله منفرد بوحدانيته مستو على عرشه # وقال الأشعري دليل آخر قال عز وجل @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ ~~سورة الفجر 22 وقال تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة @QE@ سورة البقرة 210 وقال تعالى @QB@ ثم دنا فتدلى فكان ~~قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما ms1181 رأى أفتمارونه ~~على ما يرى @QE@ إلى قوله @QB@ لقد رأى من آيات ربه الكبرى @QE@ سورة النجم ~~7 18 # وقال عز وجل لعيسى بن مريم @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ سورة آل ~~عمران 55 # وقال @QB@ وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه @QE@ سورة النساء 157 158 ~~وأجمعت الأمة على أن الله رفع عيسى إلى السماء # قال الأشعري ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذ هم PageV06P205 رغبوا إلى ~~الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا يا ساكن العرش ومن حلفهم ~~جميعا لا والذي احتجب بسبع سماوات # فقد حكى الأشعري إجماع المسلمين إلى أن الله فوق العرش وأن خلقه محجوبون ~~عنه بالسموات وهذا مناقض لقول من يقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه فإن ~~هؤلاء يقولون ليس للعرش به اختصاص وليس شيء من المخلوقات يحجب عنه شيئا # ومن أثبت الرؤية منهم إنما يفسر رفع الحجاب بخلق إدراك في العين لا أن ~~يكون هناك حجاب منفصل يحجب العبد عن الرؤية # وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابي الإبانة والتمهيد وغيرهما فإن ~~قال قائل أتقولون إنه في كل مكان قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما ~~أخبر في كتابه فقال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 وقال @QB@ ~~إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ سورة فاطر 10 وقال @QB@ ~~أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور @QE@ سورة الملك 16 ~~PageV06P206 # ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي نرغب ~~عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص ~~بنقصانها إذا بطل منها ما كان ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا ~~وإلى يميننا وشمائلنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله # فقد وافق القاضي أبو بكر لأبي الحسن الأشعري وأنكر أن يكون في كل مكان ~~وجعل مقابل ذلك أنه على العرش لم يجعل مقابل ذلك أنه لا داخل العالم ولا ~~خارجه فإن الأقسام أربعة ليس لها خامس إما ms1182 أن يكون نفسه مباينا للعالم وإما ~~أن يكون مداخلا له وإما أن يكون مباينا ومداخلا وإما أن يكون لا مباينا ولا ~~مداخلا # فهؤلاء جعلوا مقابلة المداخلة المباينة ولم يقولوا لا داخل العالم ولا ~~خارجه وهؤلاء أئمة طوائفهم # وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل فإذا ثبت أنه على العرش ~~فالعرش في جهة وهو على عرشه PageV06P207 # قال وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه # قال والصواب جواز القول بذلك لأن أحمد أثبت هذه الصفة التي هي الاستواء ~~على العرش وأثبت أنه في السماء وكل من أثبت هذا أثبت الجهة # قال والدليل عليه أن العرش في جهة بلا خلاف وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو ~~عليه فاقتضى أنه في جهة ولأن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا فإنما يرفع ~~يديه ووجهه إلى نحو السماء وفي هذا كفاية # قال ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقول ليس في جهة ولا خارجا ~~منها وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره ولا يكون وجود ~~أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل ~~طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله طلبته فإذا هو معدوم # قلت وهذا الذي اختلف فيه قول القاضي اختلف فيه أصحاب أحمد وغيرهم فكان ~~طائفة يقولون العلو من الصفات السمعية الخبرية كالوجه واليد ونحوذلك وهذا ~~قول طوائف من الصفاتية ولهذا نفاة من متأخري الصفاتية من نفى الصفات ~~السمعية الخبرية كأتباع صاحب الإرشاد PageV06P208 # وأما الأشعري وأئمة أصحابه فإنهم متفقون على إثبات الصفات السمعية مع ~~تنازعهم في العلو هل هو من الصفات العقلية أو السمعية # وأما أئمة الصفاتية كابن كلاب وسائر السلف فعندهم أن العلو من الصفات ~~المعلومة بالعقل وهذا قول الجمهور من أصحاب أحمد وغيرهم وإليه رجع القاضي ~~أبو يعلى آخرا وهو قول جمهور أهل الحديث والفقه والتصوف وهو قول الكرامية ~~وغيرهم # وأما الاستواء فهو من صفات السمعية عند من يجعله من الصفات الفعلية بلا ~~نزاع فإن ذلك ms1183 لم يعلم إلا بالسمع وهذا الذي ذكره ابن كلاب وغيره من أن ~~المنازع من المسلمين في أن الله فوق العرش كانوا قليلين جدا يبين خطأ من ~~قال إن النزاع إنما هو مع الكرامية والحنبلية بل جماهير الخلق من جميع ~~الطوائف على الإثبات جمهور أئمة الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية ~~والحنبلية والداوودية وجمهور أهل التصوف والزهد والعبادة وجمهور أهل ~~التفسير وجمهور أهل الحديث وجمهور أهل الكلام من الكرامية والكلابية ~~والأشعرية والهشامية وجمهور المرجئة وجمهور قدماء الشيعة # وإنما الخلاف في ذلك معروف عن جهم وأتباعه والمعتزلة ومن PageV06P209 ~~وافقهم من الخوارج ومتأخري الشيعة ومتأخري الأشعرية وللمعتزلة والفلاسفة ~~فيها قولان # بل وهذا هو المنقول عن أكثر الفلاسفة أيضا كما ذكر أبو الوليد ابن رشد ~~الحفيد وهو من أتبع الناس لمقالات المشائين أرسطو وأتباعه ومن أكثر الناس ~~عناية بها وموافقة لها وبيانا لما خالف فيه ابن سينا وأمثاله لها حتى صنف ~~كتاب تهافت التهافت وانتصر فيه لإخوانه الفلاسفة ورد فيه على أبي حامد في ~~كتابه الذي صنفه في تهافت الفلاسفة مع أن في كلام أبي حامد من الموافقة ~~للفلاسفة في مواضع كثيرة ما هو معروف وإن كان يقال إنه رجع عن ذلك واستقر ~~أمره على التلقى من طريقة أهل الحديث بعد أن أيس من نيل مطلوبه من طريقة ~~المتكلمين والمتفلسفة والمتصوفة أيضا # فالمقصود أن ابن رشد ينتصر للفلاسفة المشائين أرسطو وأتباعه بحسب الإمكان ~~وقد تكلمنا على كلامه وكلام أبي حامد في غير هذا المواضع وبينا صواب ما رده ~~أبو حامد من ضلال المتفلسفة وبينا ما تقوى به المواضع التي استضعفوها من ~~رده بطرق أخرى لأن الرد على أهل الباطل لا يكون مستوعبا إلا إذا اتبعت ~~السنة من كل الوجوه وإلا فمن وافق السنة من وجه وخالفها من وجه طمع فيه ~~خصومه من الوجه الذي خالف فيه السنة واحتجوا عليه بما وافقهم عليه من تلك ~~المقدمات المخالفة للسنة # وقد تدبرت عامة ما يحتج به أهل الباطل عل من هو أقرب إلى الحق منهم ~~فوجدته إنما تكون ms1184 حجة الباطل قوية لما تركوه من الحق الذي PageV06P210 أرسل ~~الله به رسوله وأزل به كتابه فيكون من تركوه م ذلك الحق من أعظم حجة المبطل ~~عليهم ووجدت كثيرا من أهل الكلام الذي هم أقرب إلى الحق ممن يردون عليه ~~يوافقون خصومهم تارة على الباطل ويخالفونهم في الحق أخرى ويستطيلون عليهم ~~بما وافقوهم عليه من الباطل وبما خالفوهم فيه من الحق كما يوافق المتكلمة ~~النفاة للصفات أو لبعضها كالعلو وغيره لمن نفى ذلك من المتفلسفة وينازعونهم ~~في مثل بقاء الأعراض أو مثل تركيب الأجسام من الجواهر المنفردة أو وجوب ~~تناهي جنس الحوادث ونحو ذلك # والمقصود هنا أن ابن رشد نقل عن الفلاسفة إثبات الجهة وقرر ذلك بطرقهم ~~العقلية التي يسمونها البراهين مع أنه يزعم أنه لا يرتضي طرق أهل الكلام بل ~~يسميها هو وأمثاله من الفلاسفة الطرق الجدلية ويسمون المتكلمين أهل الجدل ~~كما يسميهم بذلك ابن سينا وأمثاله فإنهم لما قسموا أنواع القياس العقلي ~~الشمولي الذي ذكروه في المنطق إلى برهاني وخطابي وجدلي وشعري وسوفسطائي ~~زعموا أن مقاييسهم في العلم الإلهي من النوع البرهاني وأن غالب مقاييس ~~المتكلمين إما من الجدلي وإما من الخطابي كما يوجد هذا في كلام هؤلاء ~~المتفلسفة كالفارابي وابن سينا ومحمد بن يوسف العامري PageV06P211 ومبشر بن ~~فاتك وأبي علي بن الهيثم والسهروردي المقتول وابن رشد وأمثالهم وإن كانوا ~~في هذه الدعاوى ليسوا صادقين على الإطلاق بل الأقيسة البرهانية في العلم ~~الإلهي في كلام المتكلمين أكثر منها في كلامهم وأشرف وإن كان قد يوجد في ~~كلام المتكلمين أقيسة جدلية وخطابية بل سوفسطائيه فهذه الأنواع في العلم ~~الإلهي هي في كلام الفلاسفة أكثر منها في كلام المتكلمين وأضعف إذ ا قوبل ~~ما تكلموا فيه من العلم الإلهي بما تكلم فيه المتكلمون بل ويستعملون من هذا ~~الضرب في الطبيعيات بل وفي الرياضيات قطعة كبيرة # والمقصود هنا ذكر ما ذكره ابن رشد عنهم وهذا لفظه في كتاب مناهج الأدلة ~~في الرد على الأصوليين قال القول في الجهة وأما هذه الصفة فلم ms1185 يزل أهل ~~الشريعة في أول الأمر PageV06P212 يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ~~ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله وظواهر ~~الشرع تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~سورة طه 5 ومثل قوله تعالى @QB@ وسع كرسيه السماوات والأرض @QE@ سورة ~~البقرة 255 ومثل قوله @QB@ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ سورة ~~الحاقة 17 ومثل قوله @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون @QE@ سورة السجدة 5 ومثل قوله @QB@ تعرج ~~الملائكة والروح إليه @QE@ سورة المعارج 4 ومثل قوله @QB@ أأمنتم من في ~~السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور @QE@ سورة الملك 16 إلى غير ذلك من ~~الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا وإن قيل فيها إنها ~~من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله ~~في السماء وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين وأن من السماء نزلت ~~الكتب وإليها PageV06P213 كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب ~~من سدرة المنتهى # قال وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت ~~جميع الشرائع على ذلك والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هو أنهم ~~اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات ~~الجسمية # قال ونحن نقول إن هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان وذلك أن الجهة ~~هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة وبهذا نقول إن للحيوان فوقا ~~وسفلا ويمينا وشمالا وأماما وخلفا وإما سطوح جسم آخر تحيط بالجسم من الجهات ~~الست فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلا ~~وأما سطوح الجسم المحيطة به فهي له مكان مثل سطوح الهواء المحيطة بالإنسان ~~وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضا مكان للهواء وهذه الأفلاك بعضها ~~محيط ببعض ومكان له وأما سطح الفلك الخارج فقد تبرهن انه ليس خارجه جسم ~~PageV06P214 لأنه لو كان كذلك ms1186 لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم أيضا جسم آخر ~~ويمر الأمر إلى غير نهاية فإذا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا إذ ليس ~~يمكن أن يوجد فيه جسم فإذا إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة ~~فواجب أن يكون غير جسم فالذي يمتنع وجوده هنالك هو عكس ما ظنه القوم وهو ~~موجود هو جسم لا موجود ليس بجسم وليس لهم أن يقولوا إن خارج العالم خلاء ~~وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه لأن ما يدل عليه اسم ~~الخلاء ليس هو شيئا أكثر من أبعاد ليس فيها جسم أعنى طولا وعرضا وعمقا لأنه ~~إن وقعت الأبعاد عنه عاد عدما وإن أنزل الخلاء موجودا لزم أن تكون اعراض ~~موجودة في غير جسم وذلك لأن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد ولكنه ~~قد قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة إن ذلك الموضع هو مسكن ~~الروحانيين يريدون الله والملائكة وذلك أن ذلك الموضع ليس بمكان ولا يحويه ~~زمان وكذلك إن كان كل ما يحويه الزمان والمكان فاسدا فقد يلزم أن يكون ما ~~هنالك غير فاسد ولا كائن PageV06P215 وقد تبين هذا المعنى فيما أقوله وذلك ~~أنه لما لم يكن ههنا شيء يدرك إلا هذا الموجود المحسوس أو العدم وكان من ~~المعروف بنفسه أن الموجود إنما ينسب إلى الوجود أعني أنه يقال إنه موجود في ~~الوجود إذ لا يمكن أن يقال إنه موجود في العدم فإن كان ههنا موجود هو أشرف ~~الموجودات فواجب أن ينسب من الوجود المحسوس إلى الجزء الأشرف وهي السموات ~~ولشرف هذا الجزء قال الله تعالى @QB@ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس @QE@ سورة غافر 57 # قال فهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم فقد ظهر لك من ~~هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه ~~فإن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع وأن وجه العسر في تفهيم هذا المعنى مع ~~نفي الجسمية هو PageV06P216 أنه ليس في ms1187 الشاهد مثال له وهو بعينه السبب في ~~أنه لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه لأن الجمهور إنما يقع لهم ~~التصديق بحكم الغائب متى كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد مثل العلم في ~~الفاعل فإنه لما كان في الشاهد شرطا في وجوده كان شرطا في وجود الصانع ~~الغائب وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عن ~~الأكثر ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته إن لم ~~تكن بالجمهور حاجة إلى معرفته مثل العلم بالنفس أو يضرب له مثال في الشاهد ~~فإن بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم وإن لم يكن ذلك المثال هو الأمر ~~المقصود فتفهيمه مثل كثير مما جاء من أحوال المعاد والشبهة الواقعة في نفي ~~الجهة عند الذين نفوها ليس يتفطن الجمهور لها لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ~~ليس بجسم فيجب أن يمتثل في هذا كله فعل الشرع ولا يتأول ما لم يصرح الشرع ~~بتأويله # والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث رتب صنف لا PageV06P217 يشعرون ~~بالشكوك العارضة في هذا المعنى وخاصة متى تركت هذه الأشياء على ظاهرها في ~~الشرع وهؤلاء هم الأكثرون وهم الجمهور وصنف عرفوا حقيقة هذه الأشياء وهم ~~العلماء الراسخون في العلم وهؤلاء هم الأقل من الناس وصنف عرضت لهم في هذه ~~الأشياء شكوك ولم يقدروا على حلها وهؤلاء هم فوق العامة ودون العلماء وهذ ~~الصنف هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع وهم الذين ذمهم الله تعالى ~~وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه فعلى هذا المعنى ينبغي أن ~~يفهم المتشابه ومثال ما عرض لهذا الصنف من الشرع مثال ما يعرض لخبز البر ~~مثلا الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان أن يكون لأقل الأبدان ضارا وهو ~~نافع للأكثر وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر وربما ضر الأقل ولهذا ~~الإشارة بقوله تعالى @QB@ وما يضل به إلا الفاسقين @QE@ سورة البقرة 26 لكن ~~هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز على الأقل ms1188 منها والأقل من الناس وأكثر ~~ذلك هي الآيات التي تتضمن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال في ~~الشاهد فيعبر عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها وأكثرها شبها بها ~~فيعرض لبعض الناس أن PageV06P218 يرى الممثل به هو الممثل نفسه فتلزمه ~~الحيرة والشك وهو الذي يسمى متشابها في الشرع وهذا ليس يعرض للعلماء ~~والجمهور وهم صنفا الناس بالحقيقة لأن هؤلاء هم الأصحاء والغذاء الملائم ~~إنما يوافق أبدان الأصحاء وأما أولئك فمرضى والمرضى هم الأقل ولذلك قال ~~تعالى @QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله @QE@ سورة آل عمران 7 وهؤلاء هم أهل الجدل والكلام # وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس ~~على ظاهره وقالوا إن هذا التأويل هو المقصود به وإنما أتى به في صورة ~~المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم ونعوذ بالله من هذا الظن بالله بل ~~نقول إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان فإذا ما ~~أبعد عن مقصد الشرع من قال فيما ليس بمتشابه إنه متشابه ثم أوله بزعمه وقال ~~لجميع الناس إن فرضكم هو اعتقاد هذا التاويل مثل ما قالوه في آية الاستواء ~~على العرش وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه وبالجملة فأكثر التأويلات ~~التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تؤملت PageV06P219 وجدت ~~ليس يقوم عليها برهان ولا تفعل فعل الظاهر في قبول الجمهور لها وعلمهم عنها ~~فإن المقصود الأول في العلم في حق الجمهور إنما هو العمل فما كان أنفع في ~~العمل فهو أجدر فأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعا أعنى ~~العلم والعمل # قال ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو الذي قصد الشرع وصرح ~~لذلك التأويل للجمهور مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر الحفظ صحة ~~جميع الناس أو الأكثر فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم لرداءة ~~مزاج كان به ليس يعرض إلا لأقل ms1189 الناس فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح ~~باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المركب لم يرد به ذلك الدواء الذي ~~جرت به العادة في ذلك أن يدل بذلك الاسم عليه وإنما أراد به دواء آخر مما ~~يمكن أن تدل عليه بذلك استعارة بعيدة فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب ~~الأعظم PageV06P220 وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب وقال ~~للناس هذا هو الذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على ~~الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأول ففسدت به أمزجة كثير من الناس فجاء ~~آخرون شعروا بفساد أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بأن ~~أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول فعرض من ذلك للناس نوع من ~~المرض غير المرض الأول فجاء ثالث فتأول أدوية ذلك المركب على غير التأويل ~~الثاني فعرض للناس نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين فجاء متأول ~~رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة فعرض للناس نوع رابع من المرض ~~غير الأمراض المتقدمة فلما طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم وسلط ~~الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها عرض منه للناس أمراض شتى حتى ~~فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس وهذه حال الفرق ~~الحادثة في هذه الشريعة وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تاويلا غير ~~PageV06P221 التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه الذي قصد صاحب ~~الشرع حتى تمزق الشرع كل ممزق وبعد جدا عن موضوعه الأول ولما علم صلى الله ~~عليه وسلم مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ~~فرقة كلها في النار إلا واحدة يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم ~~تؤوله تأويلا صرحت به للناس # قال وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض ~~فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح فأول من غير هذا الدواء ~~الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ms1190 ثم جاء أبو ~~حامد فطم الوادي على القرى وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور وبآراء ~~PageV06P222 الحكماء على ما أداه إليه فهمه وذلك في كتابه الذي سماه ~~بالمقاصد وزعم أنه إنما ألف هذا الكتاب للرد عليهم ثم وضع كتابه المعروف ~~بتهافت الفلاسفة فكفرهم فيه في مسائل ثلاثة من جهة خرقهم فيها الإجماع فيها ~~زعم وبدعهم في مسائل وأتى فيه بحجج مشككه وشبه محيرة أضلت كثيرا من الناس ~~عن الحكمة والشريعة جميعا ثم قال في كتابه المعروف بجواهر القرآن إن الذي ~~أثبته في كتاب التهافت هي أقاويل جدلية وأن الحق إنما أثبته في المضنون به ~~على غير أهله ثم جاء في كتابه المعروف بمشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب ~~العارفين بالله وقال إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه ~~غير محرك السماء الأولى وهو الذي صدر عنه هذا المحرك وهذا تصريح منه ~~باعتقاد مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية وهو قد قال في غير ما موضع إن ~~علومهم الإلهية تخمينات بخلاف الأمر في سائر علومهم وأما في كتابه الذي ~~سماه بالمنقذ من الضلال فتحامل فيه على PageV06P223 الحكماء وأشار إلى أن ~~العلم إنما يحصل بالخلوة والفكرة وأن هذه المرتبة من جنس مراتب الأنبياء في ~~العلم وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذي سماه بكيمياء السعادة فصار الناس ~~بسبب هذا التخليط والتشويش فرقتين فرقة انتدبت لذم الحكماء والحكمة وفرقة ~~انتدبت لتأويل الشرع وروم صرفه إلى الحكمة وهذا كله خطأ بل ينبغي أن يقر ~~الشرع على ظاهره ولا يصرح للجمهور بالجمع بينه وبين الحكمة لأن التصريح ~~بذلك هو تصريح بنتائج الحكمة لهم دون أن يكون عندهم برهان عليها وهذا لا ~~يحل ولا يجوز أعنى التصريح بشيء من نتائج الحكمة لم يكن عنده البرهان عليها ~~لأنه لا يكون مع العلماء الجامعين بين الشرع والعقل ولا مع الجمهور ~~المتبعين لظاهر الشرع فلحق من فعله هذا إخلال بالأمرين جميعا أعنى بالحكمة ~~وبالشرع عند أناس وحفظ الأمرين أيضا جميعا عند آخرين أما إخلاله بالشريعة ~~فمن جهة إفصاحة فيها بالتأويل ms1191 الذي لا يجب الإفصاح به وأما إخلاله بالحكمة ~~فلإفصاحه أيضا بمعان فيها لا PageV06P224 يجب أن يصرح بها إلا في كتاب ~~البرهان وأما حفظه للأمرين جميعا فإن كثيرا من الناس لا يرى بينهما تعارضا ~~من جهة الجمع الذي استعمل منهما وأكد هذا المعنى بأن عرف وجه الجمع بينهما ~~وذلك في كتابه الذي سماه التفرقة بين الإسلام والزندقة وذلك أنه عدد فيه ~~أصناف التأويلات وقطع فيه على أن المتأول ليس بكافر وإن خرق الإجماع في ~~التأويل فإذا ما فعل من هذه الأشياء هو ضار للشرع بوجه وللحكمة بوجه ونافع ~~لهما بوجه وهذا الذي فعله هذا الرجل إذا فحص عنه ظهر أنه ضار بالذات ~~للأمرين جميعا أعنى الحكمة والشريعة وأنه نافع لهما بالعرض وذلك أن الإفصاح ~~بالحكمة لمن ليس من أهلها يلزم عن ذلك بالذات إما إبطال الحكمة وإما إبطال ~~الشريعة وقد يلزم عنها بالعرض الجمع بينهما والصواب كان ألا يصرح بالحكمة ~~للجمهور فأما وقد وقع التصريح فالصواب أن تعلم الفرقة من الجمهور التي ترى ~~أن الشريعة مخالفة للحكمة أنها ليست مخالفة لها وكذلك يعرف الذين يرون أن ~~الحكمة PageV06P225 مخالفة لها من الذين ينتسبون للحكمة أنها غير مخالفة ~~لها وذلك بأن يعرف كل أحد من الفريقين أنه لم يقف على كنهها بالحقيقة أعنى ~~على كنه الشريعة ولا على كنه الحكمة وأن الرأي في الشريعة الذي اعتقد أنه ~~مخالف للحكمة هو رأي إما مبتدع في الشريعة لامن أصلها وإما رأي خطأ في ~~الحكمة أعنى تأويل خطأ عليها كما عرض في مسألة علم الجزئيات وفي غيرها من ~~المسائل # قال ولهذا المعنى اضطررنا نحن في هذا الكتاب أن نعرف أصول الشريعة فإن ~~أصولها إذا تؤملت وجدت أشد مطابقة للحكمة مما أول عليها وكذلك الرأي في ~~الذي ظن في الحكمة أنه مخالف للشريعة يعرف أن السبب في ذلك أنه لم يحط علما ~~بالحكمة ولا بالشريعة ولذلك اضطرنا نحن إلى وضع قول في موافقه الحكمة ~~للشريعة # قال فإذا تبين هذا فلنرجع إلى حيث كنا فنقول إن PageV06P226 الذي بقى ms1192 ~~علينا من هذا الجزء من المسائل المشهورة هي مسألة الرؤية فإنه قد يظن أن ~~هذه المسألة هي بوجه ما داخلة في هذا الجزء أعني في الجزء المعدوم يعني جزء ~~التنزيه فإنه تكلم في التنزيه بعد تكلمه في الصفات الثبوتية فقال فإنه قد ~~يظن أن هذه المسألة هي بوجه ما داخله في هذا الجزء أعني في الجزء المعدوم ~~لقوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار @QE@ سورة الأنعام 103 ~~ولذلك أنكرتها المعتزلة وردت الآثار الواردة في الشرع بذلك مع كثرتها ~~وشهرتها فشنع الأمر عليهم والسبب في وقوع هذه الشبهة في الشرع أن المعتزلة ~~لما اعتقدوا انتفاء الجسمية عنه سبحانه واعتقدوا وجوب التصريح بها لجميع ~~المكلفين وجب عندهم إذا انتفت الجسمية أن تنتفى الجهة وإذا انتفت الجهة ~~انتفت الرؤية إذ كل مرئي في جهة من الرائي فاضطروا لهذا المعنى إلى رد ~~الشرع المنقول وأعلوا الأحاديث بأنها أخبار آحاد وأخبار الآحاد لا توجب ~~العلم مع أن ظاهر القرآن معارض لها أعني قوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ ~~سورة الأنعام 103 PageV06P227 # قال وأما الأشعرية فراموا الجمع بين الاعتقادين أعنى بين انتفاء الجسمية ~~وبي جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس فعسر ذلك عليهم ولجاؤا في ذلك إلى حجج ~~سوفسطائية مموهة أعني الحجج الي توهم أنها حجج وهي كاذبة وذلك أنه يشبه أن ~~يكون يوجد في الحجج ما يوجد في الناس أعني كما يوجد في الناس الفاضل التام ~~الفضيلة يوجد فيهم من هو دون ذلك في الفضل ويوجد فيهم من يوهم أنه فاضل ~~وليس بفاضل وهو المرائي وكذلك الأمر في الحجج أعني أن منها ما هو في غاية ~~اليقين ومنها ما هو دون اليقين ومنها حجج مرائية وهي التي توهم أنها يقين ~~وهي كاذبة والأقاويل التي سلكها الأشعرية في هذه المسألة منها أقاويل في ~~دفع دليل المعتزلة ومنها أقاويل لهم في جواز إثبات الرؤية لما ليس بجسم ~~وأنه ليس بعرض من فرضها محال فأما ما عاندوا به قول المعتزلة أن كل مرئي ~~فهو في جهة من الرائي فمنهم ms1193 من قال إن هذا إنما هو حكم الشاهد لا حكم ~~الغائب وإن هذا الموضع ليس هو من المواضع التي يجب فيها نقل حكم الشاهد إلى ~~الغائب وإنه جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة إذ كان جائزا أن يرى ~~الإنسان بالقوة المبصرة نفسها PageV06P228 دون عين وهؤلاء اختلط عليهم ~~إدراك العقل مع إدراك البصر فإن العقل هو الذي يدرك ما ليس في جهة أعني في ~~مكان وأما إدراك البصر فظاهر من أمره أن من شرطه أن يكون المرئي منه في جهة ~~أعني في مكان ولا في كل جهة بل في جهة ما مخصوصة ولذلك ليس تتأتي الرؤية ~~بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي بل بأوضاع محدودة وشروط محدودة أيضا ~~وهي ثلاثة أشياء حضور الضوء والجسم الشفاف المتوسط بين البصر والمبصر وكون ~~المبصر ذا لون والرد لهذه الأمور المعروفة بنفسها في الإبصار هو رد للأوائل ~~المعلومة بالطبع للجميع وإبطال لجميع علوم النظر والهندسة وقد قال القوم ~~أعني الأشعرية إن أحد المواضع التي يجب فيها أن ينقل حكم الشاهد إلى الغائب ~~هو الشرط مثل حكمنا بأن كل عالم حي لكون الحياة تظهر في الشاهد شرطا في ~~وجود العلم قلنا لهم وكذلك يظهر في الشاهد أن هذه الأشياء هي شرط في الرؤية ~~فألحقوا الغائب فيها بالشاهد على أصلكم PageV06P229 # قال وقد رام أبو حامد في كتابه المعروف بالمقاصد أن يعاند هذه المقدمة ~~أعني أن كل مرئي في جهة من الرائي بأن الإنسان ينظر ذاته في المرآة وليست ~~ذاته منه في جهة ولا في غير جهة تقابله وذلك أنه لما كان يبصر ذاته وكانت ~~ذاته لا تحل في المرآة التي في الجهة المقابلة فهو يبصر ذاته في غير جهة # قال وهذه مغالطة فإن الذي يبصر هو خيال ذاته فقط والخيال هو في جهة إذ ~~كان الخيال في المرآة والمرآة في جهة وأما حجتهم التي أتوا بها في إمكان ~~رؤية ما ليس بجسم فإن المشهور عندهم من ذلك حجتان إحداهما وهي الأشهر عندهم ~~ما ms1194 يقولونه من أن الشيء لا يخلو من أن يرى من جهة أنه متلون أو من جهة أنه ~~جسم أو من جهة أنه لون أو من جهة أنه موجود وربما عددوا جهات أخر غير هذه ~~الوجوه ثم يقولون وباطل أن يرى من قبل أنه جسم إذ لو كان كذلك لما رئي ما ~~PageV06P230 هو غير جسم وباطل أن يرى من قبل أنه ملون إذ لو كان كذلك لما ~~رئي اللون وباطل أن يرى لمكان أنه لون إذ لو كان كذلك لما رئي الجسم قالوا ~~وإذا بطلت جميع هذه الأقسام التي تتوهم في هذا الباب لم يبق أن يرى الشيء ~~إلا من قبل أنه موجود # قال والمغالطة في هذا القول بينة فإن المرئي منه ما هو مرئي بذاته ومنه ~~ما هو مرئي من قبل المرئي بذاته وهذه هي حال اللون والجسم فإن اللون مرئي ~~بذاته والجسم مرئي من قبل اللون وكذلك ما لم يكن له لون لم يبصر ولو كان ~~الشيء إنما يرى من حيث هو موجود فقط لوجب أن تبصر الأصوات وسائر المحسوسات ~~الخمس فكان يكون البصر والسمع وسائر الحواس الخمس حاسة واحدة وهذا كله خلاف ~~ما يعقل وقد اضطر المتكلمون لمكان PageV06P231 هذه المسألة وما أشبهها إلى ~~أن يسلموا أن الألوان ممكنة أن تسمع والأصوات ممكنة أن لا تسمع وهذا كله ~~خروج عن الطبع وعما يمكن أن يعقله الإنسان فإن من الظاهر أن حاسة البصر غير ~~حاسة السمع وأن محسوس هذه غير محسوس تلك وأن آلة هذه غير آلة تلك وأنه ليس ~~يمكن أن ينقلب البصر سمعا كما لا يمكن أن يعود اللون صوتا والذين يقولون إن ~~الصوت يمكن أن يبصر في وقت فقد يجب أن يسألوا فيقال لهم ما هو البصر فلا بد ~~أن يقولوا هو قوة تدرك بها المرئيات الألوان وغيرها ثم يقال لهم ما هو ~~السمع فلا بد أن يقولوا هو قوة تدرك بها الأصوات فإذا وضعوا هذا قيل لهم ~~فهل البصر عند إدراكه الأصوات هو بصر فقط أو ms1195 سمع فقط فإذا قالوا سمع فقط ~~فقد سلموا أنه لا يدرك الألوان وإن قالوا بصر فقط فليس يدرك الأصوات وإذا ~~لم يكن بصرا فقط لأنه يدرك الأصوات ولا سمعا فقط لأنه يدرك الألوان فهو بصر ~~وسمع معا وعلى هذا فتكون الأشياء كلها شيئا واحدا حتى المتضادات وهذا شيء ~~فيما أحسب يسلمه المتكلمون من أهل ملتنا أو يلزمهم تسليمه يعني هؤلاء ~~الأشعرية PageV06P232 # قال وهو رأى سوفسطائي لأقوام مشهورين بالسفسطة # وأما الطريقة الثانية التي سلكها المتكلمون في جواز الرؤية فهي الطريقة ~~التي اختارها أبو المعالى في كتابه المعروف بالإرشاد وتلخيصها أن الحواس ~~إنما تدرك ذوات الأشياء وما تنفضل به الموجودات بعضها من بعض فهي أحوال ~~ليست بذوات فالحواس لا تدركها وإنما تدرك الذات والذات هي نفس الوجود ~~المشترك لجميع الموجودات فإذا الحواس إنما تدرك الشيء من حيث هو هو موجود # قلت هذه الحجة من جنس الأولى لكن هذه على قول مثبتة الأحوال وتلك على رأى ~~نفاة الأحوال لكن ذكرها على هذا الوجه فيه تناقض حيث جعل الأحوال لا ترى بل ~~إنما يرى الوجود والوجود حال عند مثبتة الأحوال لكن مضمون ذلك أنها تدرك ~~للحال المشتركة وهي الوجود لا لما اختصت به # ثم قال ابن رشد وهذا كله في غاية الفساد ومن أبين ما يظهر به فساد هذا ~~القول أنه لو كان البصر إنما يدرك الأشياء لوجودها لما أمكنه أن يفرق بين ~~الأبيض والأسود لأن الأشياء لا تفترق بالشيء PageV06P233 الذي تشترك فيه ~~ولكان في الجملة لا يمكن في الحواس لا في البصر أن يدرك فصول الألوان ولا ~~في السمع أن يدرك فصول الأصوات ولا في الطعم أن يدرك فصول المطعومات وللزم ~~أن يكون مدارك المحسوسات بالحس واحدا فلا يكون فرق بين مدرك السمع ومدرك ~~البصر وهذا كله في غاية الخروج عما يعقله الإنسان وإنما تدرك الحواس ذوات ~~الأشياء المشار إليها يتوسط إدراكها لمحسوساتها الخاصة بها فوجه المفالطة ~~في هذا هو أنه ما يدرك ثانيا أخذ أنه يدرك بذاته # قال ولولا النشأ على هذه ms1196 الأقاويل وعلى التعظيم للقائلين بها لما أمكن أن ~~يكون فيها شيء من الإقناع ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة # قال والسبب في مثل هذه الحيرة الواقعة في الشريعة حتى ألجأت القائلين ~~بنصرتها في زعمهم إلى مثل هذه الأقاويل الهجينة التي هي ضحكة عند من عنى ~~بتمييز أصناف الأقاويل أدنى عناية هو التصريح في الشرع بما لم يأذن به الله ~~ورسوله وهو التصريح ينفي PageV06P234 الجسمية للجمهور وذلك أنه من العسير ~~أن يجتمع في اعتقاده واحد أن ههنا موجودا ليس بجسم وأنه مرئي بالأبصار لأن ~~مدرك الأبصار هي في الأجسام أو أجسام وكذلك رأى قوم أن هذه الرؤية هي مزيد ~~علم في ذلك الوقت وهذا لا يليق أيضا الإفصاح به للجمهور فإنه لما كان العقل ~~من الجمهور لا ينفك عن التخيل بل ما لا يتخيلون هو عندهم عدم وكان تخيل ما ~~ليس بجسم لا يمكن والتصديق بوجود ما ليس بمتخيل غير ممكن عندهم عدل الشرع ~~عن التصريح لهم بهذا المعنى ووصف لهم نفسه سبحانه بأوصاف تقرب من قوة ~~التخيل مثل ما وصفه به من السمع والبصر والوجه وغير ذلك مع تعريفهم أنه لا ~~يجانسه شيء من الموجودات المتخيلة ولا يشبهه ولو كان القصد تعريف الجمهور ~~أنه ليس بجسم لما صرح لهم بشيء من ذلك بل لما كان أرفع الموجودات المتخيلة ~~هو النور ضرب المثال به إذ كان النور هو أشهر الموجودات عند الحس والتخيل ~~وبهذا النحو من التصور أمكن أن يفهموا المعاني PageV06P235 الموجودات في ~~المعاد أعني تلك المعاني مثلت لهم بأمور متخيلة محسوسة فإذا متى أخذ الشرع ~~في أوصاف الله على ظاهره لم تعرض فيه هذه الشبهة ولا غيرها لأنه إذا قيل ~~إنه نور وإن له حجابا من نور كما جاء في القرآن والسنن الثابتة ثم قيل إن ~~المؤمنين يرونه في الدار الآخرة كما ترى الشمس لم يعرض في هذا كله شك ولا ~~شبهة في حق الجمهور ولا حق العلماء وذلك أنه قد تبرهن عند العلماء أن تلك ~~الحال مزيد علم ms1197 لكن متى صرح به للجمهور بطلت عندهم الشريعة كلها أو كفروا ~~المصرح لهم بها فمن خرج عن منهاج الشريعة في هذه الأشياء فقد ضل عن سواء ~~السبيل وأنت إذا تأملت الشرع وجدته مع أنه قد ضرب للجمهور في هذا المعنى ~~المثالات التي لم يمكن تصورهم إياها دونها فقد نبه العلماء على تلك المعاني ~~أنفسها التي ضرب مثالاتها للجمهور فيجب أن يوقف عند حد الشرع في نحو ~~التعليم الذي خص به صنفا صنفا من الناس لئلا يختلط التعليمان كلاهما فتفسد ~~الحكمة الشرعية النبوية ولذلك قال عليه PageV06P236 السلام إنا معاشر ~~الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم وأن نخاطبهم على قدر عقولهم ومن جعل ~~الناس شرعا واحدا في التعليم فهو كمن جعلهم شرعا واحدا في عمل من الأعمال ~~وهذا كله خلاف المحسوس والمعقول # قال وقد تبين لك من هذا أن الرؤية معنى ظاهر وأنه ليس يعرض فيه شبهة إذا ~~أخذ الشرع على ظاهره في حق الله تبارك وتعالى أعنى إذا لم يصرح فيه بنفي ~~الجسمية ولا إثباتها # قلت هذا الرجل قد ذكر في كتابه أن أصناف الناس أربعة الحشوية والأشعرية ~~والمعتزلة والباطنية باطنية الصوفية وهو يميل إلى باطنية الفلاسفة الذين ~~يوجبون إقرار الجمهور على الظاهر كما يفعل ذلك من يقول بقولهم من أهل ~~الكلام والفقه والحديث ليس هو من باطنية الشيعة كالإسماعيلية ونحوهم الذين ~~يظهرون الإلحاد PageV06P237 ويتظاهرون بخلاف شرائع الإسلام وهو في نفي ~~الصفات أسوأ حالا من المعتزلة وأمثالهم بمنزلة إخوانه الفلاسفة الباطنية ~~حتى أنه يجعل العلم هو العالم والعلم هو القدرة وهو مع موافقته لابن سينا ~~على نفي الصفات يبين فساد طريقته التي احتج بها وخالف بها قدماء الفلاسفة ~~وهو أن ما شهد به الوجود من الموجود الواجب يمتنع كونه موصوفا لأن ذلك ~~تركيب ووافق أبا حامد مع تشنيعه عليه على أن استدلال ابن سينا على نفي ~~الصفات بأن وجوب الوجود مستلزم لنفي التركيب المستلزم لنفي الصفات طريقة ~~فاسدة واختار طريقة المعتزلة وهي أن ذلك التركيب والمركب يفتقر إلى مركب ~~وهي أيضا ms1198 من نمط تلك في الفساد # وكذلك أيضا زيف طريقهم التي استدلوا بها على نفي التجسيم زيف طريقة ابن ~~سينا وطرق المعتزلة والأشعرية بكلام طويل واعتمد هو في نفي التجسيم على ~~إثبات النفس الناطقة وأنها ليست بجسم فيلزم أن يكون الله ليس بجسم # ولا ريب أن هذه الحجة أفسد من غيرها فإن الاستدلال على نفي كون النفس ~~جسما أضعف بكثير من نفي ذلك في الواجب والمنازعون له في النفي أكثر من ~~المنازعين له في ذلك لكن مما يطعمه ويطمعه أمثاله في ذلك ضعف مناظرة أبي ~~حامد لهم في مسألة النفس فإن أبا حامد بين فساد أدلتهم التي استدلوا بها ~~على نفي كون الواجب ليس بجسم وبين أنه لا حجة لهم على ذلك وإنما الحجة على ~~ذلك طريق PageV06P238 المعتزلة طريقة الأعراض والحوادث وأما في مسألة النفس ~~فهو موافق لهم على قولهم لاعتقاده صحة طريقهم # وابن رشد يذم أبا حامد من الوجه الذي يمدحه به علماء المسلمين ويعظمونه ~~عليه ويمدحه من الوجه الذي يذمه به علماء المسلمين وإن كانوا قد يقولون إنه ~~رجع عن ذلك لأن أبا حامد يخالف الفلاسفة تارة ويوافقهم أخرى فعلماء ~~المسلمين يذمونه بما وافقهم فيه من الأقوال المخالفة للحق الذي بعث الله به ~~محمدا صلى الله عليه وسلم الموافقة لصحيح المنقول وصريح المعقول كما وقع من ~~الإنكار عليه أشياء في كلام رفيقه أبي الحسن المرغيناني وأبي نصر القشيري ~~وأبي بكر الطرشوشي وأبي بكر بن العربي وأبي PageV06P239 عبد الله المازري ~~وأبي عبد الله الذكي ومحمود الخوارزمي وابن عقيل وأبي البيان الدمشقي ويوسف ~~الدمشقي وابن حمدون القرطبي القاضي وأبي الفرج بن الجوزي وأبي محمد المقدسي ~~وأبي عمرو بن الصلاح وغير واحد من علماء المسلمين وشيوخهم PageV06P240 # والمتفلسفة الذين يوافقون ما ذكره من أقوالهم يذمونه لما اعتصم به من دين ~~الإسلام ووافقه من الكتاب والسنة كما يفعل ذلك ابن رشد الحفيد هذا وابن ~~الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وابن سبعين وابن هود وأمثالهم # وهؤلاء وأمثالهم يعظمون ما وافق فيه الفلاسفة كما يفعل ms1199 ذلك صاحب خلع ~~النعلين وابن عربي صاحب الفصوص وأمثالهم ممن يأخذ المعاني الفلسفية يخرجها ~~في قوالب المكاشفات والمخاطبات الصوفية ويقتدي في ذلك بما وجده من ذلك في ~~كلام أبي حامد ونحوه # وأما عوام هؤلاء فيعظمون الألفاظ الهائلة مثل لفظ الملك والملكوت ~~والجبروت وأمثال ذلك مما يجدونه في كلام هؤلاء وهم لا يدرون هل أراد ~~المتكلم بذلك ما أراده الله ورسوله أم أراد بذلك ما أراده الملاحدة كابن ~~سينا وأمثاله PageV06P241 # والمقصود هنا أن ابن رشد هذا مع اعتقاده أقوال الفلاسفة الباطنية لا سيما ~~الفلاسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم الذين لهم التصانيف المعروفة ~~في الفلسفة ومع أن قول ابن رشد هذا في الشرائع من جنس قول ابن سينا وأمثاله ~~من الملاحدة من أنها أمثال مضروبة لتفهيم العامة ما يتخيلونه في أمر ~~الإيمان بالله واليوم الآخر وأن الحق الصريح الذي يصلح لأهل العلم فإنما هو ~~أقوال هؤلاء الفلاسفة وهذه عند التحقيق منتهاها التعطيل المحض وإثبات وجود ~~مطلق لا حقيقة له في الخارج غير وجود الممكنات وهو الذي انتهى إليه أهل ~~الوحدة القائلون بالحلول والاتحاد كابن سبعين وأمثاله ممن حقق هذه الفلسفة ~~ومشوا على طريقة هؤلاء المتفلسفة الباطنية من متكلم ومتصوف وممن أخذ بما ~~يوافق ذلك من كلام أبي حامد وأمثاله وزعموا أنهم يجمعون بين الشريعة ~~الإلهية والفسلفة اليونانية كما زعم ذلك أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم ~~من هؤلاء الملاحدة # وابن رشد هذا مع خبرته بكلام هؤلاء وموافقته لهم يقول إن جميع الحكماء قد ~~اتفقوا على أن الله الملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك ~~وقرر ذلك بطريق عقلية من جنس تقرير ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس ~~القلانسي والأشعري PageV06P242 والقاضي أبي بكر وأبي الحسن التميمي وابن ~~الزاغوني وأمثالهم ممن يقول إن الله فوق العرش وليس بجسم # وقال هؤلاء المتفلسفة كما يقوله هؤلاء المتكلمون الصفاتية إن إثبات العلو ~~لله لا يوجب إثبات الجسمية بل ولا إثبات الكان وبناء ذلك على أن المكان هو ~~السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر ms1200 من الجسم المحوى وهذا ~~قول أرسطو وأتباعه فهؤلاء يقولون مكان الإنسان هو باطن الهواء المحيط به ~~وكل سطح باطن من الأفلاك فهو مكان للسطوح الظاهرة بما يلاقيه # ومعلوم أنه ليس وراء الأجسام سطح جسم باطن يحوي شيئا فلا مكان هناك على ~~اصطلاحهم إذ لو كان هناك محوى لسطح الجسم لكان الحاوي جسما وإذا كان كذلك ~~فالموجود هناك لا يكون في مكان ولا يكون جسما ولهذا قال فإذا إن قام ~~البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم فالذي يمتنع ~~وجود هناك هو موجود جسم لا وجود ما ليس بجسم PageV06P243 # فقرر إمكان ذلك كما قرر إثباته كما ذكره من أنه لا بد من نسبة بينه وبين ~~العالم المحسوس # والذي يمكن منازعوه من الفلاسفة أن يقولوا له لا يمكن أن يوجد هناك شيء ~~لا جسم ولا غيره أما الجسم فلما ذكره وأما غيره فلانه يكون مشارا إليه بأنه ~~هناك وما أشير إليه فهو جسم # وهذا كما يقوله المعتزلة للكلابية وقدماء الأشعرية ومن وافقهم من أهل ~~الحديث كالتميميين وأمثالهم وأتباعهم فيقول ابن رشد لهم ما تقوله الكلابية ~~للمعتزلة وهو أن وجود موجود ليس هو وراء أجسام العالم ولا داخل فيها إما أن ~~يكون ممكنا وإما أن لا يكون فإن لم يكن ممكنا بطل قولكم وإن كان ممكنا ~~فوجود موجود هو وراء أجسام العالم وليس بجسم أولى بالجواز لأنا إذا عرضنا ~~على العقل وجود موجود قائم بنفسه لا في العالم ولا خارجا عنه ولا يشار إليه ~~وعرضنا عليه وجود موجود يشار إليه فوق العالم ليس بجسم كان إنكار العقل ~~للأول PageV06P244 أعظم من إنكاره للثاني فإن كان الأول مقبولا وجب قبول ~~الثاني وإن كان الثاني مردودا وجب رد الأول فلا يمكن منازعو هؤلاء أن ~~يبطلوا قولهم مع إثباتهم لموجود قائم بنفسه لا داخل العالم ولا خارجه ولا ~~يشار إليه # وما ذكره ابن رشد من أن هذه الصفة صفة العلو لم يزل أهل الشريعة في أول ~~الأمر يثبتونها لله تعالى حتى نفتها ms1201 المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخروا ~~الأشعرية كلام صحيح وهو يبين خطأ من يقول إن النزاع في ذلك ليس إلا مع ~~الكرامية والحنبلية وكلامه هذا أصح مما زعمه ابن سينا حيث ادعى أن السنن ~~الإلهية منعت الناس عن شهرة القضايا التي سماها الوهميات مثل أن كل موجود ~~فلابدان يشار إليه فإن تلك السنن ليست إلا سنن المعتزلة والرافضة ~~والإسماعيلية ومن وافقهم من أهل البدع ليست سنن الأنبياء والمرسلين صلوات ~~الله عليهم أجمعين # وما نقله ابن رشد عن هذه الأمه فصحيح وهذا مم يرجح أن نقله لأقوال ~~الفلاسفة أصح من نقل ابن سينا لكن التحقيق أن الفلاسفة في هذه المسألة على ~~قولين وكذلك في مسألة ما يقوم بذاته من الأفعال وغيرها من الأمور للفلاسفة ~~في ذلك قولان PageV06P245 # والرازي إذ قال اتفق الفلاسفة فإنما عنده ما في كتب ابن سينا وذويه وكذلك ~~الفلاسفة الذين يرد عليهم أبو حامد إنما هم هؤلاء # ولا ريب أن مسائل الإلهيات والنبوات ليس لأرسطو وأتباعه فيها كلام طائل ~~أما النبوات فلا يعرف له فيها كلام وأما الإلهيات فكلامه فيها قليل جدا ~~وأما عامة كلام الرجل فهو في الطبيعيات والرياضيات ولهم كلام في الروحانيات ~~من جنس كلام السحرة والمشركين وأما كلامهم في واجب الوجود بنفسه فكلام قليل ~~جدا مع ما فيه من الخطأ وهم لا يسمونه واجب الوجود ولا يقسمون الوجود إلى ~~واجب وممكن وإنما فعل هذا بن سينا وأتباعه ولكن يسمونه المحرك الأول والعلة ~~الأولى كما قد بسطت أقوالهم في موضع آخر # وعلم ما بعد الطبيعة عندهم هو العلم الناظر في الوجود ولواحقه وتلك أمور ~~كلية عامة مطلقة تتناول الواجب وغيره وبعض كلامهم في ذلك خطأ وبعضه صواب ~~وغالبه تقسم لأجناس الجواهر والأعراض ولهذا كانوا نوعين نوعا نظارين مقسمين ~~للكليات ونوعا متألهين بالعبادة والزهد على أصولهم أو جامعين بين الأمرين ~~كالسهروردي المقتول وأتباع ابن سبعين وغيرهم PageV06P246 # وأما كلامهم في نفس العلة الأولى فقليل جدا ولهذا كانوا على قولين منهم ~~من يثبت موجودا واجبا مباينا للأفلاك ومنهم من ms1202 ينكر ذلك وحجج مثبتي ذلك على ~~نفاته منهم حجج ضعيفة وقدماؤهم كأرسطو كانوا يستدلون بأنه لا بد للحركة من ~~محرك لا يتحرك وهذا لا دليل عليه بل الدليل يبطله # وابن سينا سلك طريقته المعروفة وهو الاستيدلال بالوجود على الواجب ثم ~~دعواه أن الواجب لا يجوز أن يتعدد ولا تكون له صفة وهذه أيضا طريقة ضعيفة ~~ولعلها أضعف من طريقة أولئك أو نحوها أو قريب منها # وإذا كان كلام قدمائهم في العلم بالله تعالى قليلا كثير الخطأ فإنما كثر ~~كلام متأخريهم لما صاروا من أهل الملل ودخلوا في دين المسلمين واليهود ~~والنصارى وسمعوا ما أخبرت به الأنبياء من أسماء الله وصفاته وملائكته وغير ~~ذلك فأحبوا أن يستخرجوا من أصول سلفهم ومن كلامهم ما يكون فيه موافقة لما ~~جاءت به الأنبياء لما رأوا في ذلك من الحق العظيم الذي لا يمكن جحده والذي ~~هو أشرف المعارف وأعلاها فصار كل منهم يتكلم بحسب اجتهاده فالفارابي لون ~~وابن سينا لون وأبو البركات صاحب المعتبر لون وابن رشد الحفيد لون ~~والسهروردي المقتول لون وغير هؤلاء ألوان أخر # وهم في هواهم بحسب ما يتيسر لهم من النظر في كلام أهل PageV06P247 الملل ~~فمن نظر في كلام المعتزلة والشيعة كابن سينا وأمثاله فكلامه لون ومن خالط ~~أهل السنة وعلماء الحديث كأبي البركات وابن رشد فكلامه لون آخر أقرب إلى ~~صريح المعقول وصحيح المنقول من كلام ابن سينا # لكن قد يخفي ذلك على من يمعن النظر ويظن أن قول ابن سينا أقرب إلى ~~المعقول كما يظن أن كلام المعتزلة والشيعة أقرب إلى المعقول من كلام ~~الأشعرية والكرامية وغيرهم من أهل الكلام ومن نظار أهل السنه والجماعة ومن ~~المعلوم بعد كمال النظر واستيفائه أن كل من كان إلى السنة وإلى طريقة ~~الأنبياء أقرب كان كلامه في الإلهيات بالطرق العقلية أصح كما أن كلامه ~~بالطرق النقلية أصح لأن دلائل الحق وبراهينه تتعاون وتتعاضد لا تتناقص ~~وتتعارض # وما ذكره ابن رشد في اسم المكان يتوجه عند من يسلم له مذهب أرسطو وأن ms1203 ~~المكان هو السطح الداخل الحاوي المماس للسطح الخارج المحوى ومعلوم أن من ~~الناس من يقول إن للناس في المكان أقوالا أخر منهم من يقول إن المكان هو ~~الجسم الذي يتمكن غيره عليه ومنهم من يقول إن المكان هو ما كان تحت غيره ~~وإن لم يكن ذلك متمكنا عليه ومنهم من يزعم أن المكان هو الخلاء وهو أبعاد # والنزاع في هذا الباب نوعان أحدهما معنوي كمن يدعى وجود مكان هو جوهر ~~قائم بنفسه ليس هو الجسم وأكثر العقلاء ينكرون ذلك PageV06P248 # والثاني نزاع لفظي وهو من يقول المكان ما يحيط بغيره ويقول آخر ما يكون ~~غيره عليه أو ما يتمكن عليه # ولا ريب أن لفظ المكان يقال على هذا وهذا ومن هنا نشأ تنازع أهل الإثبات ~~هل يقال إن الله تعالى في مكان أم لا وهذا كتنازعهم في الجهة والحيز لكن قد ~~يقر بلفظ الجهة من لا يقر بلفظ الحيز أو المكان وربما أقر بلفظ الحيز أو ~~المكان من لا يقر بالآخر وسبب ذلك إما اتباع ما ورد أو اعتقاد أن في أحد ~~اللفظين من المعنى المردود ما ليس في الآخر # وحقيقة الأمر في المعن أن ينظر إلى المقصود فمن اعتقد أن المكان لا يكون ~~إلا ما يفتقر إليه المتمكن سواء كان محيطا به أو كان تحته فمعلوم أن الله ~~سبحانه ليس في مكان بهذا الاعتبار ومن اعتقد أن العرش هو المكان وأن الله ~~فوقه مع غناه عنه فلا ريب أنه في مكان بهذا الاعتبار # فما يجب نفيه بلا ريب افتقار الله تعالى إلى ما سواه فإنه سبحانه غني عن ~~ما سواه وكل شيء فقير إليه فلا يجوز أن يوصف بصفة تتضمن افتقاره إلى ما ~~سواه وأما إثبات النسب والإضافات بينه وبين خلقه فهذا متفق عليه بين أهل ~~الأرض وأما علوه على العالم ومباينته للمخلوقات فمتفق عليه بين الأنبياء ~~والمرسلين وسلف الأمة وأئمتها وبين هؤلاء الفلاسفة كما ذكر ذلك عنهم ولكن ~~آخرون من الفلاسفة ينازعون في ذلك PageV06P249 $ فصل # فهذا ونحوه بعض كلام ms1204 رؤوس أهل الكلام والفلسفة في هذا الباب يبين خطأ من ~~جعل النزاع في ذلك مع الكرامية والحنبلية ويبين أن أكثر طوائف العقلاء ~~يقولون بالعلو وبامتناع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه وأما كلام من ~~نقل مذهب السلف والأئمة فأكثر من أن يمكن سطره # قال الشيخ أبو نصر السجزي $ في كتاب الإبانة له فأئمتنا كسفيان الثوري ~~ومالك وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن ويد وعبد الله بن المبارك ~~وفضيل بن عياض وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقون على أن ~~الله سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة ~~بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما ~~شاء فمن خاف شيئا من ذلك فهو منهم برئ وهم منه براء # وأبو نصر هذا كان مقيما بمكة في أثناء المائة الخامسة # وقال قبله الشيخ أبو عمر الطلمنكي المالكي أحد أئمة وقته بالأندلس في ~~كتاب الوصول إلى معرفة الأصول قال وأجمع PageV06P250 المسلمون من أهل السنة ~~على أن معنى قوله @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ سورة الحديد 4 ونحو ذلك ~~من القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء # وقال أيضا قال أهل السنة في قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة ~~طه 5 أن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز # وقال الشيخ نصر المقدسي الشافعي الشيخ المشهور في كتاب الحجة له إن قال ~~قائل قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من أتباع كتاب الله وسنة ورسوله وما ~~أجمع عليه الأئمة والعلماء والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة فاذكر ~~مذاهبهم وما أجمعوا من اعتقادهم وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم ~~فالجواب أن الذي أدركت عليه أهل العلم ومن لقيتهم وأخذت عنهم ومن بلغني ~~قوله من غيرهم فذكر جمل اعتقاد أهل السنة وفيه أن الله مستو على عرشه بائن ~~من خلقه كما قال في كتابه @QB@ أحاط بكل شيء علما @QE@ سورة الطلاق ms1205 12 @QB@ ~~وأحصى كل شيء عددا @QE@ سورة الجن 28 PageV06P251 # وقال قبله الحافظ أبو نعيم الأصبهاني المشهور صاحب التصانيف المشهورة ~~كحلية الأولياء وغيرها في عقيدته المشهورة عنه طريقتنا طريقة المتبعين ~~للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة فما اعتقدوه اعتقدناه فما اعتقدوه أن ~~الأحاديث التي تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله ~~عليه يقولون بها ويثبتونها ومن غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله ~~بائن عن خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على ~~عرشه في سماواته من دون أرضه # وقال الشيخ أبو أحمد الكرخي الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة في ~~العقيدة التي ذكر أنها اعتقاد أهل السنة والجماعة وهي العقيدة التي كتبها ~~للخليفة القادر بالله وقرأها على الناس وجمع الناس عليها وأقرتها طوائف أهل ~~السنة وكان قد استتاب من خرج عن السنة من المعتزلة والرافضة ونحوهم سنة ~~ثلاث عشرة وأربعمائة وكان حينئذ قد تحرك ولاة الأمور لإظهار السنة لما كان ~~الحاكم المصري وأمثاله من أئمة الملاحدة قد انتشر أمرهم وكان أهل ابن سينا ~~وأمثالهم PageV06P252 من أهل دعوتهم وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة ~~أهل البدع على المنابر وأظهر السنة وتناظر عنده ابن الهيصم وابن فورك في ~~مسألة العلو فرأى قوة كلام ابن الهيصم فرجح ذلك ويقال إنه قال لابن فورك ~~فلو أردت تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا أو قال فرق لي بين هذا ~~الرب الذي تصفه وبين المعدوم وأن ابن فورك كتب إلى أبي إسحاق الإسفراييني ~~يطلب الجواب عن ذلك فلم يكن الجواب إلا أنه لو كان فوق العرش للزم أن يكون ~~جسما ومن الناس من يقول إن السلطان لما ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السم ~~حتى قتله وتناظر عنده فقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وغيرهم وفقهاء الرأي ~~فرأى قوة مذهب أهل الحديث فرجحه وغزا المشركين بالهند وهذه العقيدة مشهورة ~~وفيها كان ربنا وحده ولا شيء معه ولا مكان يحويه فخلق كل شيء بقدرته وخلق ~~العرش لا ms1206 لحاجته إليه فاستوى عليه استواءاستقرار كيف شاء واراد لا استقرار ~~راحة كما يستريح الخلق وهو يدبر السموات والأرض ويدبر ما فيهما ومن في البر ~~والبحر لا مدبر غيره ولا PageV06P253 حافظ سواه يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ~~ويميتهم والخلق كلهم عاجزون الملائكة والنبيون والمرسلون وسائر الخلق ~~أجمعين وهو القادر بقدرة والعالم بعلم أزلي غير مستفاد وهو السميع بسمع ~~والبصير ببصر تعرف صفتهما من نفسه لا يبلغ كنههما أحد من خلقه متكلم بكلام ~~يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو ~~وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه ~~فهي صفة حقيقة لا صفة مجاز # وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد في شرح الموطأ لما تكلم على ~~حديث النزول قال هذا حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل ~~الحديث في صحته وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفيه دليل على أن الله في السماء على PageV06P254 العرش فوق ~~سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن الله ~~بكل مكان # قال والدليل على صحة قول أهل الحق قوله تعالى وذكر عدة آيات إلى أن قال ~~وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته لأنه ~~اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم # وقال أبو عمر أيضا أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل ~~قالوا في تأويل قوله تعالى @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم @QE@ ~~سورة المجادلة 7 هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم في ذلك أحد يحتج ~~بقوله PageV06P255 # وقال أيضا أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن ~~والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون ~~شيئا من ذلك ولا يجدون فيه صفة محصورة وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة ~~كلها والخوارج فكلهم ms1207 ينكرها ولا يحمل منها شيئا على الحقيقة ويزعم أن من ~~أقر بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود بلاشون والحق فيما قاله ~~القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة ورسوله وهم أئمة الجماعة # قال الشيخ العارف معمر بن أحمد الأصبهاني أحد شيوخ الصوفية في أواخر ~~المائة الرابعة أحببت أن أوصى أصحابي بوصية من السنة وموعظة من الحكمة ~~وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين ~~والمتأخرين قال PageV06P256 فيها وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا ~~تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف فيه مجهول وأنه عز وجل مستو على ~~عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة لا اختلاط ولا ~~ملاصقة لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق وأن الله سميع ~~بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ~~ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول هل من داع فأستجيب له ~~هل من مستغفر فأغفر له هل من تائب فأتوب عليه حتى يطلع الفجر # قال ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن أنكر النزول ~~وتأول فهو مبتدع ضال # وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة يعني ~~في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار فقالوا أدركنا ~~العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا فكان من مذاهبهم ~~أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته # إلى أن قال وأن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى ~~لسان رسوله بلا كيف أحاط بكل شيء علما PageV06P257 # وقال الشيخ أبو محمد المقدسي إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء ووصفه ~~بذلك رسوله خاتم الأنبياء وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة والأتقياء ~~والأئمة من الفقهاء فتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين وجمع الله ~~عليه قلوب المسلمين وجعله مغروزا في ms1208 طباع الخلق أجمعين فتراهم عند نزول ~~الكرب يلحظون السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم وينتظرون مجيء ~~الفرج من ربهم وينطقون بذلك بألسنتهم ولا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته ~~أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته # قال وأنا ذاكر في هذا الجزء بعض ما بلغني في ذلك عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وصحابته والأئمة المقتدين بسنته على وجه يحصل القطع واليقين بصحة ~~ذلك عنهم ونعلم تواتر الرواية بوجوه منهم ليزداد من وقف عليه من المؤمنين ~~إيمانا وننبه من خفى ذلك عليه حتى يصير كالمشاهد له عيانا # وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي لما ذكر اختلاف الناس في تفسير ~~الاستواء قال وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخبار ~~أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من جميع ~~خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات PageV06P258 # وقال أيضا في كتابه الكبير في التفسير لما تكلم على آية الاستواء قال هذه ~~مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وأجزاء وقد بينا أقوال العلماء فيها في ~~شرح الأسماء الحسنى وذكرنا فيها أربعة عشر قولا وذكر قول النفاة من ~~المتكلمين فقال وأنهم يقولون إذا وجب تنزيه الرب عن الحيز فمن ضرورة ذلك ~~ولواحقه له تنزيه الرب عن الجهة فليس بجهة فوق عندهم لأنه يلزم من ذلك ~~عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز ويلزم على المكان والحيز الحركة ~~والسكون ويلزم من ذلك التغير والحدوث # وذكر قول هؤلاء المتكلمين وقال قد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ~~ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه ~~وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف PageV06P259 الصالح أنه استوى على عرشه ~~حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء # وأما كلام السلف أنفسهم فأكثر من أن يمكن حصره فال أبو بكر النقاش صاحب ~~التفسير والرسالة حدثنا أبو العباس السراج قال سمعت قتيبة بن سعيد يقول هذا ~~قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة نعرف ربنا في ms1209 السماء السابعة على ~~عرشه كما قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 # وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة أنبأ أبو بكر المروذي ثنا محمد بن ~~الصباح النيسابوري ثنا سليمان بن داود أبو داود الخفاف قال قال إسحاق بن ~~إبراهيم بن راهويه قال الله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة ~~طه 5 إجماع أهل العلم أنه فوق العرش ويعلم كل شيء في أسفل الأرضين السابعة ~~وفي قعور البحار وفي رواية وفي رؤوس الآجام وبطون الأودية وفي كل موضع كما ~~يعلم علم ما في السموات السبع وما دون العرش أحاط بكل شيء علما فلا تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا قد عرف ذلك ~~كله وأحصاه ولا يعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره PageV06P260 # وروى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة وعبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب ~~الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علما ودينا من ~~طبقة شيوخ الشافعي وأحمد وإسحق أنه ذكر عنده الجهمية فقال هم شر قولا من ~~اليهود والنصارى قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن ~~الله فوق العرش وقالوا هو ليس عليه شيء # ورويا أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور وهو من هذه الطبقة قال ~~أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى ويريدون أن يقولوا ليس في ~~السماء شيء وأن الله ليس على العرش أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا # وروى عبد الله بن أحمد عن عباد بن العوام الواسطي من تلك الطبقة قال كلمت ~~بشر المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا ليس في السماء ~~شيء # ورويا عن علي بن عاصم شيخ البخاري وغيره قال ناظرت جهميا فتبين من كلامه ~~أنه لا يرى أن في السماء ربا # وروى عبد الله بن أحمد عن سليمان بن حرب قال سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء ~~الجهمية فقال إنما يحاولون أن يقولوا ليس ms1210 في السماء شيء # وروى عبد الله وغيره عن أبيه أحمد بن حنبل ثنا شريح بن PageV06P261 ~~النعمان سمعت عبد الله بن نافع الصائغ سمعت مالك بن أنس يقول الله في ~~السماء وعلمه في كل مكان وروى هذا الكلام مالك مكي خطيب قرطبة فيما جمعه من ~~تفسير مالك نفسه وكل هذه الأسانيد صحيحة # وروى أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال كنا نحن والتابعون ~~متوافرون نقول إن الله تعالى فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته # فقد ذكر الأوزاعي وهو أحد الأئمة في عصر تابعي التابعين الذي كان فيه ~~مالك وابن الماجشون وابن أبي ذئب ونحوهم أئمة أهل الحجاز والليث بن سعد ~~ونحوه أئمة أهل مصر والثوري وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ونحوهم أئمة أهل ~~الكوفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمه ونحوهما أئمة أهل البصره وهؤلاء ونحوهم ~~أئمة الإسلام شرقا وغربا في ذلك الزمن وقد حكى الأوزاعي عن شهرة القول بذلك ~~في زمن التابعين وهم أيضا متطابقون على ما كان عليه التابعون كما ذكرنا قول ~~مالك وحماد بن زيد وغيرهما PageV06P262 # وقال أبو حنيفة في كتاب الفقه الأكبر المعروف المشهور عند أصحابه الذي ~~رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال قال أبو حنيفة عمن ~~قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقال قد كفر لأن الله يقول @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 وعرشه فوق سبع سماوات قال أبو مطيع ~~قلت فإن قال إنه على العرش ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض ~~قال هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه ~~يدعى من أعلى لا من أسفل # وفي لفظ قال سألت أبا حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض ~~قال قد كفر لأن الله يقول @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 ~~وعرشه فوق سبع سموات PageV06P263 # قال فإنه يقول على العرش استوى ولكنه لا يدري العرش في الأرض ms1211 أم في ~~السماء قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر # وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحيحة عن عبد الله بن المبارك أنه ~~قيل له بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ولا ~~نقول كما يقول الجهمية بأنه ههنا في الأرض # وممن ذكر هذا عن ابن المبارك البخاري في كتاب خلق أفعال العباد # وهكذا قال الإمام أحمد وغيره # وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة من لم يقل بأن الله فوق ~~سماواته وأنه على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب والإ ضربت عنقه ~~ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة وهذا ~~معروف عنه رواه الحاكم في تاريخ نيسابور وأبو عثمان النيسابوري في رسالته ~~المشهورة # وروى الخلال بإسناد كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة قال سئل ربيعة بن أبي ~~عبد الرحمن عن قوله @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 قال ~~الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ ~~وعلينا التصديق وهذا PageV06P264 الكلام مروى عن مالك بن أنس صاحب ربيعة من ~~وجوه متعددة يقول في بعضها الاستواء معلوم وفي بعضها غير مجهول وفي بعضها ~~استواؤه غير مجهول فيثبت العلم بالاستواء وينفي العلم بالكيفية # وروى ابن أبي حاتم عن هشام بن عبيد الله الرازي أنه حبس رجلا في التجهم ~~فتاب فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال له أتشهد أن الله على عرشه بائن من ~~خلقه قال لا أدري ما بائن من خلقه قال ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب بعد # وروى أيضا عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه جعل يضرب قرابة له بالنعل ~~على رأسه يرى رأي جهم ويقول لا حتى يقول الرحمن على العرش استوى بائن من ~~خلقه # وعن جرير بن عبد الحميد الرازي أنه قال كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم ~~وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله # وجميع الطوائف تنكر هذا إلا من تلقى ms1212 ذلك عن الجهمية كالمعتزلة ونحوهم من ~~القلاسفة فأما العامة من جميع الأمم فلا يستريب اثنان في أن فطرهم مقرة بأن ~~الله فوق العالم وأنهم إذا قيل لهم لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا يصعد ~~إليه شيء ولا ينزل منه شيء ولا يقرب إليه شيء ولا يقرب هو من شيء ولا يحجب ~~العباد عنه شيء ولا ترفع إليه الأيدي ولا تتوجه القلوب إليه طالبة له في ~~العلو فإن فطرهم تنكر ذلك وإذا أنكروا هذا في هذه القضية PageV06P265 ~~المعينة التي هي المطلوب فإنكارهم لذلك في القضايا المطلقة العامة التي ~~تتناول هذا وغيره أبلغ وأبلغ وأما خواص الأمم فمن المعلوم أن قول النفاة لم ~~ينقل عن نبي من الأنبياء بل جميع المنقول عن الأنبياء موافق لقول أهل ~~الإثبات وكذلك خيار هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم ينقل ~~عنهم إلا ما يوافق قول أهل الإثبات # وأول من ظهر عنه قول النفاة هو الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وكانا في ~~أوائل المائة الثانية فقتلهما المسلمون وأما سائر أئمة المسلمين مثل مالك ~~والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم فالكتب مملوءة ~~بالنقل عنهم لما يوافق قول أهل الإثبات # وكذلك شيوخ أهل الدين مثل الفضيل بن عياض وبشر الحافي وأحمد بن أبي ~~الحواري وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المكي والحارث المحاسبي ~~ومحمد بن خفيف الشيرازي وغير هؤلاء # وكتب أهل الآثار مملوءة بالنقل عن السلف والأئمة لما يوافق قول أهل ~~الإثبات ولم ينقل عن أحد منهم حرف واحد صحيح يوافق قول النفاة فإذا كان سلف ~~الأئمة وأئمتها وأفضل قرونها متفقين على قول أهل الإثبات فكيف يقال ليس هذا ~~إلا قول الكرامية والحنبلية # ومن المعلوم أن ظهور قول أهل الإثبات قبل زمن أحمد بن حنبل كان أعظم من ~~ظهوره في هذا الزمان فكيف يضاف ذلك إلى أتباعه PageV06P266 # وأيضا فعبد الله بن سعيد بن كلاب والحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي ~~وأبو الحسن بن مهدي الطبري وعامة قدماء الأشعرية يقولون إن الله ms1213 بذاته فوق ~~العرش ويردون على النفاة غاية الرد وكلامهم في ذلك كثير مذكور في غير هذا ~~الموضع # والمقصود هنا التنبيه على بطلان ما يعارض به النفاة من الحجج العقلية ~~وأما النفي فلم يكن يعرف إلا عن الجهمية كالمعتزلة ونحوهم ومن وافقهم من ~~الفلاسفة وإلا فالمنقول عن أكثر الفلاسفة هو قول أهل الإثبات كما نقله ابن ~~رشد الحفيد عنهم وهو من أعظم الناس انتصارا لهم وسلوكا لطريقتهم لا سيما ~~لأرسطو وأتباعه مع أنه يميل إلى القول يقدم العالم أيضا # الوجه الثاني من أجوبة قوله لو كان بديهيا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على ~~إنكاره وهم ما سوى الحنابلة والكرامية # هو أن يقال لم يطبق على ذلك إلا من أخذه بعضهم عن بعض كما أخذ النصارى ~~دينهم بعضهم عن بعض وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم # فأما أهل الفطر التي لم تغير فلا ينكرون هذا العلم وإذا كان كذلك فأهل ~~المذاهب الموروثة لا يمتنع إطباقهم على حجد العلوم البديهية فإنه ~~PageV06P267 ما من طائفة من طوائف الضلال وإن كثرت إلا وهي مجتمعة على جحد ~~بعض العلوم الضرورية # الوجه الثالث أن يقال ما من طائفة من طوائف الكلام والفلسفة إلا وجمهور ~~الناس يقولون إنهم حجدوا العلوم الضرورية # فالقائلون بأن الممكن قد يترجح أحد طرفيه بلا مرجح من القادر أو غيره ~~يقول جمهور العقلاء إنهم حجدوا العلوم الضرورية # والقائلون بأن الأجسام لا تبقى والأعراض لا تبقى يقول جمهور الناس إنهم ~~جحدوا العلوم الضرورية # والقائلون بأن الأصوات المتعاقبة تكون قديمة أزلية الأعيان باقية وأن ~~الأصوات المسموعة من الآدميين هي قديمة يقول جمهور العقلاء إنهم خالفوا ~~العلم الضروري # والقائلون بأن الكلام هو معنى واحد هو الأمر بكل ما أمر به والخبر عن كل ~~ما أخبر به وأنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن وإن عبر عنه بالعبرية ~~كان هو التوراة يقول جمهور العقلاء إنهم حجدوا العلم الضروري # والقائلون بأن العالم هو العلم والمعلوم والعاقل هو العقل والمعقول ~~والعاشق هو العشق والمعشوق واللذة هي الملتذ والعلم هو القدرة والقدرة هي ms1214 ~~الإرادة يقول جمهور العقلاء إنهم خالفوا العلوم الضرورية PageV06P268 # والقائلون بأن الوجود الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق أو لا بشرط يقول ~~جمهور العقلاء إنهم خالفوا العلوم الضرورية # والقائلون بأن النفس لا تدرك إلا الكليات دون الجزئيات يقول جمهور ~~العقلاء إنهم خالفوا العلم الضروري # والقائلون بأن كل موجود يجوز أن تتعلق به الإدراكات الخمسة وأن الصوت يرى ~~والطعم يسمع واللون يشم يقول جمهور العقلاء إنهم خالفوا العلم الضروري # والقائلون بأنه يحدث إرادة لا في محل أو يحدث فناء لا في محل يقول جمهور ~~العقلاء إن فساد قولهم معلوم بالضرورة والقائلون بأن افرادة تحدث في ~~الإنسانت من غير سبب يوجب حدوثها مما يقول جمهور العقلاء إن فساد قولهم ~~معلوم بالضرورة # والقائلون بأنه حي عليم قدير من غير حياة ولا علم ولا قدرة مما يقول ~~جمهور العقلاء إن فساد قولهم معلوم بالضرورة # والقائلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على على بالخلافة نصا جليا ~~اشاعه بين المسلمين فكتموه ولم يظهروه يقول جمهور العقلاء إن قولهم معلوم ~~الفساد بالضرورة # والقائلون بأن للأمة إماما معصوما عمره سنتان أو ثلاث أو أربع دخل ~~السرداب من أكثر من أربعمائة سنة أو أن عليا لم يمت PageV06P269 وأمثال ذلك ~~يقول جمهور الناس إن قولهم معلوم الفساد بالضرورة # وكذلك قول القائلين بأن الأعراض لا تبقى زمانين مما يقول جمهور العقلاء ~~إن فساده معلوم بالضرورة # وكذلك من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمى المنافقين مؤمنين ~~ويجعل إيمانهم كإيمان المؤمنين غير المنافقين وهم مع ذلك مخلدون في النار ~~مما يعلم جمهور المسلمين فساده بالاضطرار من دين الإسلام # وكذلك القائلون بأن القرآن العزيز زيد فيه زيادات ونقص منه أشياء مما ~~يعلم بالضرورة امتناعه في العادة # وقول النصارى إن الكلمة اتحدث بالمسيح وإنها ليست هي الآب الجامع ~~للأقانيم وهي مع ذلك الرب الذي يخلق ويرزق وهي جوهر والجوهر عندهم واحد ليس ~~إلا الآب مما يقول الناس إنه معلوم الفساد بالضرورة # ومثل هذا إذا تتبعناه كثير # فوجود الأقوال التي يقول جمهور الناس ms1215 إنها معلومة الفساد بالضرورة في قول ~~طوائف كثيرة من الناس أكثر من أن تستوعب فكيف يقال لا يجوز إطباق الجمع ~~الكثير على إنكار ما علم بالبديهة PageV06P270 # ولكن إذا قيل ما الفرق بين هذا وبين ما لا يمكن التواطؤ عليه من إثبات ~~منف أو نفي ثابت كما في خبر أهل التواتر # كان الجواب أن الفطر التي لم تتواطأ يمتنع اتفاقها على حجد ما يعلم ~~باليديهة فأما مع المواطأة فلا يمتنع اتفاق خلق كثير على الكذب الذي يعلمون ~~كلهم أنه كذب وإن تضمن من حجد الحسيات والضروريات وإثبات نقيضها ما شاء ~~الله وأما في المذاهب فقد يجتمع على حجد الضروريات جمع كثير إذا كان هناك ~~شبهة أو هوى فيكون عامتهم لم يفهموا ما قاله خاصتهم مثل التعبير عن هذا ~~المسألة بنفى الجهة والحيز والمكان فيظن عامتهم أن مرادهم تنزيه الله تعالى ~~عن أن يكون محصورا في خلقه أو مفتقرا إلى مخلوق فيوافقون على هذا المعنى ~~الصحيح ظانين أنه مفهوم تلك العبارة فأما إذا فهموا هم حقيقة قولهم وهو أنه ~~ما فوق السموات رب ولا وراء العالم شيء موجود فهذا لا يوافقهم عليه بعد ~~فهمه أحد بفطرته وإنما يوافقهم عليه من قامت عنده شبهة من شبه النفاة لا ~~سيما إن كان له هوى وغرض # وإذا كان المتفقون على هذا النفي بعد فهمه إنما قالوه لما قامت عندهم من ~~حجج النفاة أمكن غلطهم في ذلك وخطؤهم واتفاقهم على حجد ما يخالف ذلك وإن ~~كان معلوما بالضرورة كما PageV06P271 وقع مثل ذلك في عامة فرق أهل الضلال ~~ومع هذا فلا يكاد يوجد منهم من يرجع إلى فطرته بلا هوى إلا وفطرته تنكر ~~إثبات موجود لا مباين ولا محايث لكن يقهر فطرته بالشبهة أو العادة أو ~~التقليد كما يقهر النصراني فطرته إذا أنكرت أن يكون الله هو المسيح بن مريم # وعامة هؤلاء إذا أصابت أحدا منهم ضرورة تلجئه إلى دعاء الله وجد في قلبه ~~معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة ففطرته وضرورته تقر بالعلو وينكر ms1216 ~~وجود موجود لا محايث ولا مباين وعقيدته التي اعتقدها تقليدا أو عادة أو ~~شبهة تناقض فطرته وضرورته # الوجه الرابع أن يقال هذا معارض بما هو أبلغ منه فإن الجموع الكثيرة ~~يقولون إنهم يجدون في أنفسهم عند الضرورة معنى يطلب العلو في توجه قلوبهم ~~إلى الله ودعائه وأنه يمتنع في عقولهم وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ~~وأن هذا معلوم لهم بالضرورة فإن امتنع القاف الجمع العظيم على مخالفة ~~البديهة فتجب الحجة المثبتة فيبطل نقيضها وإن لم تمتنع بطلت حجة النفاة ~~فيثبت بطلانها على التقديرين $ فصل # وأما الوجه الثاني فقوله إن مسمى الإنسان المشترك بين الأشخاص ممتنع أن ~~يكون له قدر معنى وحيز معنى وما أوردوه من أن PageV06P272 هذا لا وجود له ~~إلا في العقل وأن النزاع في الموجودات الخارجية وجوابه بأن الغرض تعقل أمر ~~لا يثبت العقل له جهة ولا قدرا وهذا يمنع كون تلك المقدمة بديهية # فجوابه من وجوه # أحدها أن المثبتين إنما ادعوا أنه لا يوجد في الخارج موجودان إلا ولا بد ~~أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا له وأما ما في النفس من العلوم ~~الكلية فلم ينفوه ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون العلوم الكلية ثابتة في ~~النفس إمكان ثبوتها في الخارج وإذا لو يلزم ذلك إمكان وجود موجود في الخارج ~~لا محايث للآخر ولا مباين له # وأما قوله المقصود أنه ممكن تعقل أمر لا يثبت له العقل جهة ولا قدرا # فيقال بتقدير صحة ذلك هذا يفيد إمكان تعقل ثبوته في النفس لا يفيد إمكان ~~تعلقه في الخارج فمورد النزاع لا دليل عليه وما أثبته ليس مورد النزاع # الوجه الثاني أن يقال هذه المعاني الكلية هي كلية باعتبار مطابقتها ~~لمفرداتها كما يطابق اللفظ العام لأفراده وأما هي في نفسها PageV06P273 ~~فأعراض معينة كل منها عرض معين قائم فى نفس معينة كما يقوم اللفظ المعين ~~بالفم المعين والخط المعين بالورق المعين فالخط يطابق اللفظ واللفظ يطابق ~~المعنى الذهني والمعنى يطابق الموجود الخارجي وكل من تلك الثلاثة ms1217 قد يقال ~~له عام وكلي ومطلق باعتبار شموله للأعيان الموجودة في الخارج وأما هو في ~~نفسه فشيء معين مشخص # وإذا كان كذلك فالإنسان المطلق من حيث هو الذي تصوره الذهن هو علم وعرض ~~معين في محل معين فإذا قدر أن محل العلم وغيره من صفات الإنسان كالحب ~~والرضا والبغض وغير ذلك مما يشار إليه إشارة حسية كما يقوله جمهور الخلق ~~كانت الإشارة إلى ما فيه من الأعراض كالإشارة إلى كل عرض قائم بمحله وحينئذ ~~فإذا كان المشار إليه حسيا له قدر معين وحيز معين فلمحل الصور الذهينة قدر ~~معين وحيز معين وله أيضا جهة # والكليات الثابتة في النفس كالجزئيات الثابتة فيها فالنفس تعلم الإنسان ~~المطلق والإنسان المعين والإشارة إلى أحدهما كالإشارة إلى الآخر فلا فرق ~~حينئذ بين تصور الإنسان المشترك الكلي والإنسان المعين الجزئي من هذه الجهة ~~لكن أحدهما لا يوجد إلا في النفس والآخر يوجد في الخارج ويوجد تصورة في ~~النفس # والوجه الثالث أن يقال هذه الماهية المطلقة من حيث هي هي PageV06P274 إما ~~أن يقال هي ثابتة في الخارج وإما أن لا يقال هي ثابتة في الخارج فإن من ~~الناس من يقول بثبوت الماهيات المجردة منفردة عن الأعيان كالقائلين بالمثل ~~الأفلاطونية # ومن الناس من يقول بثبوتها مقارنة للمعينات والمطلق بجزء من المعين ~~ويقولون المطلق لا بشرط موجود في الخارج وأما المطلق بشرط الإطلاق فليس ~~موجودا في الخارج ويسمون المطلق لا بشرط الكلي الطبيعي والمطلق بشرط ~~الإطلاق هو العقلي وكونه كليا ومطلقا هو الكلي المنطقي إذ العقل عندهم مركب ~~من الطبيعي والمنطقي فيقول الإنسان من حيث هو مع قطع النظر عن جميع قيوده ~~هو الطبيعي وكونه عاما وكليا ومطلقا هو المنطقي والمؤلف منهما هو العقلي # وآخرون يقولون ليس في الخارج ما هو كلي في الخارج أصلا بل ليس في الخارج ~~إلا ما هو معين مخصوص ولكن ما كان في النفس كليا يوجد في الخارج ولا يوجد ~~في الخارج إلا معينا # فإذا قيل الكلي الطبيعي موجود في الخارج وأريد به أن ms1218 الطبيعة التي يجردها ~~العقل كلية توجد في الخارج ولا توجد فيه إلا معينة فهذا صحيح وإذا قيل إن ~~الطبيعة الكلية مع كونها كلية توجد في الخارج أو أن الكلي الذي لا يمنع ~~تصوره من وقوع الشركة فيه جزء من المعين الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة ~~فيه أو أن هذا الإنسان المعين مركب من جوهرين أحدهما حيوان والآخر ناطق أو ~~من عرضين حيوانية وناطقية أو نحو هذه المقالات هذا كله PageV06P275 باطل ~~وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن يقال هذه الكليات إما أن يقال إنها ثابتة في الخارج وأما ~~أن لا يقال فإن لم يقل بذلك لم يكن فيها حجة على إمكان وجود موجود في ~~الخارج لا يشار إليه وإذا قيل بثبوتها في الخارج فمن المعلوم أن هذا ليس من ~~العلوم البديهية الأولية بل لم يقل هذا إلا طائفة من أهل المنطق اليوناني ~~وهم متناقضون في ذلك ويقولون القول ويقولون ما يناقضه وبعضهم ينكر على بعض ~~إثبات ذلك # وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجعل مثل هذه القضية مقدمة في إبطال قضية اعترف ~~بها جماهير الأمم واعترفوا بأنها مركوزة في فطرهم مغروزة في أنفسهم وأنهم ~~مضطرون إليها لا يمكنهم دفعها عن أنفسهم # لكن طائفة منهم تقول إنها مع هذا خطأ لاعتقادهم أنها وإن كانت ضرورية في ~~فطرتهم ففطرتهم تسلم مقدمات تنتج نقيضها وهؤلاء لا ينازعون أنها فطرية ~~مبتدأة في النفوس ولكن يقدحون فيها بطرق نظرية # فإذا قال لهم المثبتون نحن لا نقبل القدح في القضايا المبتداة في النفس ~~بالقضايا النظرية أو قالوا نحن لا نسلم لكم المقدمات التي تستدلون بها على ~~نقيض هذه القضايا كما لا نسلم لكم ثبوت الكليات في الخارج ونحو ذلك ظهر ~~انقطاع المعارض لهم وأنهم يريدون دفع القضايا الضرورية بمجرد الدعاوي ~~الوهمية الخيالية PageV06P276 # | فصل # وأما الوجه الثالث فقوله إن الخيال والوهم لا يمكنهما أن يستحضرا ~~لأنفسهما صورة وشكلا ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى # فهذه الحجة من جنس حجة ابن سينا ms1219 على ذلك فإنه قال في إشاراته في الحجة ~~الثانية لو كان كل موجود بحيث يدخل في الوهم والحس لكان الحس والوهم يدخل ~~في الحس والوهم ولكان العقل الذي هو الحكم الحق يدخل في الوهم ومن بعد هذه ~~الأصول فليس شيء من العشق والخجل والوجل والغضب والشجاعة والجبن مما يدخل ~~في الحس والوهم وهي من علائق الأمور المحسوسة فما ظنك بموجودات إن كانت ~~خارجة الذوات عن درجة المحسوسات وعلائقها # وجواب ذلك من وجوه # أحدهما أن يقال الوهم والخيال والقوة الباصرة وغير ذلك من PageV06P277 ~~القوى هي من باب الأعراض الباطنة في الإنسان وكذلك العشق والخجل والوجل ~~ونحوها # ومن المعلوم أن أحدا لم يقل إن كل عرض له شكل وصورة وأنما غاية من يقول ~~ذلك أن يقوله في الجسم القائم بنفسه لا في العرض بل الأعراض الظاهرة ~~المشهودة كالألوان والحركات والطعوم والروائح ليس لها في أنفسها شكل وصورة ~~قائمة بنفسها فكيف بالأعراض الباطنة # فإن قال بل هذه لها صورة وشكل إما باعتبار محلها وصورتها وشكلها بحسب ~~الجسم الذي قامت به أو بجعل نفس العرض القائم بالجسم له صورة وشكل # يقال وهذا يمكن أن يقال في الأعراض الباطنة القائمة بباطن الإنسان كحسه ~~الباطن وتوهمه وتخيله القائم بدماغه ونفسه ونحو ذلك فإن هذه أعراض قائمة ~~ببعض بدن الإنسان وبروحه التي هي النفس الناطقة أو بهما وذلك جسم له شكل ~~وصورة فلها من الشكل والصورة من جنس ما للطعم واللون والحركات # الوجه الثاني أن هذه الأمور إما أن تكون قائمة بنفسها وإما أن تكون قائمة ~~بغيرها فإن قال هي قائمة بنفسها مثل أن يريد PageV06P278 بالوهم والخيال ~~الروح الباطن في الدماغ الذي تقوم به هذه القوى أو جسما آخر فمعلوم أن ذلك ~~له ما لغيره من الأجسام من الشكل والصورة وإن كانت قائمة بهذه الأجسام فلها ~~حكم أمثالها من الأعراض القائمة بالأجسام # فعلى التقديرين لم يثبت بذلك إمكان وجود موجود لا جسم ولا قائم بجسم فضلا ~~عن أن يثبت وجود ما ليس في جهة وما لا يمكن ms1220 الإشارة إليه # وهكذا القول في الخجل والوجل وسائر الأعراض النفسانية # فإن قال هذه الأعراض عندي قائمة بالنفس الناطقة وتلك ليست جسما ولا قوة ~~في جسم ولا يمكن الإشارة إليها وليست داخل السموات والأرض ولا خارج السموات ~~والأرض ولا تصعد ولا تنزل ولا تتحرك ولا تسكن # فيقال له هذا منتف في التخيل والتوهم ونحو ذلك مما يعرف بأن محله قائم ~~بنفسه وهو جسم # ثم يقال إن ثبت ما تقوله في النفس الناطقة كان ذلك حجة في إثبات موجود لا ~~يمكن الإشارة إليه وإن لم يثبت ذلك لم يكن في مجرد الدعوى حجة لك في إثبات ~~موجود قائم بنفسه لا يمكن الإشارة إليه وقال لك المنازع جميع هذه الأعراض ~~عندي يمكن الإشارة إليها بالإشارة إلى محلها كما يشار إلى غيرها من الأعراض ~~ويمكن الإحساس بها وإن كنت الآن لا أحس بها كما لا أحس ببعض أعضاء بدني ~~الباطنة والظاهرة PageV06P279 # وأهل الملل يعلمون أن الملائكة والجن موجودون في الخارج وجمهور العباد لا ~~يحسون بهم والعقلاء لا يرتابون في إمكان أن يكون فوق الأفلاك ما لا نشاهده ~~نحن الآن وهذا معلوم بالضرورة # الوجه الثالث أن يقال المثبتون قالوا إنه لا يمكن وجود موجودين إلا أن ~~يكون أحدهما مباينا للآخر أو محايثا له أو قالوا لا يمكن وجود موجود لا ~~يمكن الإشارة إليه أو لا يمكن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ~~ذلك فهذه قضية كلية لا تبطل إن قبلت البطلان إلا بثبوت نقيضها # وقول القائل إن الخيال والوهم لا يمكنهما أن يستحضرا لأنفسهما صورة ولا ~~شكلا ولا للقوة الباصرة وغيرها من القوى كلام أجنبي لا يقدح في مقصودهم ~~سواء كان حقا أو باطلا إلا أن يثبت أن ما لا يمكن الوهم والخيال أن يثبت له ~~صورة وشكلا لا يمكن الإشارة إليه بل يكون لا محايثا لغيره ولا مباينا له ~~ونحو ذلك # ومعلوم أن هذا باطل فإن القوة الباصرة وغيرها من القوى قائمة بالجسم يشار ~~إليها كما يشار إلى كل عرض قائم بجسم ms1221 وهي محايثة لمحلها كما تحايث الأعراض ~~للجواهر وتحايث سائر الأرض القائمة لمحلها كما يحايث العرض العرض فليست ~~خارجه عن المباينة والمحايثة فلم يكن في إثبات ذلك ما يناقص دعواهم الكلية ~~التي قالوا إنها معلومة بالضرورة 281 # الوجه PageV06P280 الرابع أن يقال قول القائل إن الوهم والخيال والقوة ~~الباصرة وغيرها من القوى والعشق والخجل والوجل والغضب والشجاعة لا تدخل في ~~الحس والوهم والخيال إما أن يعنى به لا يمكن الإنسان أن يحس هذه الأمور أو ~~لا يمكن الإحساس بها بحال # فإن أراد الأول لم يكن فيه حجة # وإن أراد الثاني منعه المنازع وقال بل هذا مما يمكن الإحساس به وطالبه ~~بالدليل على أنه لا يمكن الإحساس به # الوجه الخامس أن يقال حكم الإنسان بأن هذه الأعراض والقوى أو النفس ~~الحاملة لها لا يتصور أن تحس بها أضعف من حكمه بأن كل موجودين فلا بد أن ~~يكون أحدهما مباينا للآخر أو محايثا له وبأن كل موجود قائم بنفسه مشار إليه ~~ونحو ذلك # بل يقال بأن العاقل إذا رجع إلى فطرته وقيل له هل يمكن أن يخلق الله في ~~الإنسان قوة يحس بها إما بالمشاهدة وإما باللمس وإما بغير ذلك ما في باطن ~~غيره من القوى والأعراض ومحل ذلك وعرض على فطرته وجود موجود لا داخل العالم ~~ولا خارجه كان جزمه بامتناع هذا أقوى من جزمه بامتناع الأول # فإذا كان كذلك لم يمكن أن يجزم بامتناع الأول ويجعل امتناعه دليلا على ~~إمكان الثاني PageV06P281 # وأما الوجه الرابع فقوله العقل يتصور النفي والإثبات ثم يحكم بتناقضهما ~~مع أنه لا يحكم بكون إحداهما ساريا في الآخر أو مباينا عنه في الجهة # فجوابه من وجوه # أحدها أن ما يتصوره العقل من النفي والإثبات إما أن يكون معينا أو مطلقا ~~فإن كان إثبات معين ونفيه كان تصوره تبعا لذلك المعين فإذا كان ذلك المعين ~~محايثا لغيره أو مباينا كان تصوره كذلك فإذا كان العقل يجزم بانتفاء وجود ~~موجودين لا متباينين لا متحايثين نفى الثالث وإن تصور النفي المطلق ~~والإثبات ms1222 المطلق كان هذا من القضايا العامة الكلية والكليات وجودها في ~~الأذهان لا في الأعيان وقد تقدم أن الكلام إنما هو في الوجود الخارجي لا ~~الذهني # الثاني أن يقال لا نسلم أنه لا يحكم بكون أحدهما محايثا للآخر بل تصوره ~~للنفي والإثبات محله الذهن وتصور أحدهما هو حيث هو تصور الآخر ولا نعني ~~بالمحايثة إلا هذا # الوجه الثالث أن يقال هو عبر عن قول هؤلاء بعباة لا يقولونها فإنهم لا ~~يقولون إن كل موجودين لا بد أن يكون أحدهما ساريا في الآخر أو مباينا عنه ~~فإن الأعراض المجتمعة في محل واحد ليس كل منها مباينا للآخر ولا يقال إن ~~العرض سار في العرض بل يقال إن الأعراض سارية في المحل اللهم إلا أن يعبر ~~معبر بلفظ PageV06P282 السريان عن كون أحد العرضين بحيث هو الآخر فإن هذا ~~قد يسمى محايثة ومداخلة ومجامعة ونحو ذلك وإذا كان كذلك فتصور النفي وتصور ~~الإثبات يجتمعان كما تجتمع سائر التصورات والتصورات محلها كلها محل العلم ~~من الإنسان وهذه كلها متحايثة متجامعة قائمة بمحل واحد # وأما الوجه الخامس فقوله إن البديهية حاكمة بأن كل موجودين فإما أن يكون ~~أحدهما ساريا عنه أو مباينا عنه في الجهة أو لا ساريا ولا مباينا ثم إنا ~~نجد العقل متوقفا عن القسم الثالث إلا لبرهان يثبته أو ينفيه # فجوابه من وجوه # أحدها أن يقال مجرد تقدير الذهن للأقسام لا يدل على إمكانها في الخارج ~~فإنه يقدر أن الشيء إما موجود وإما معدوم وإما لا موجود ولا معدوم وأن ~~الموجود إما أن يكون واجبا وإما أن يكون ممكنا وإما أن يكون لا واجبا ولا ~~ممكنا وأنه إما قديم وإما محدث وإما قائم بنفسه أو بغيره أو لا قائم بنفسه ~~ولا بغيره وأمثال ذلك من التقديرات ثم لم يكن هذا دليلا على إمكان كل هذه ~~الأقسام في الخارج PageV06P283 # فكذلك تقديره لأن الشيء إما محايث وإما مباين وإما غير محايث ولا مباين ~~لا يدل على إمكان كل من الأقسام في الخارج # الثاني أن يقال ms1223 القوم لا يقولون إما سارى وإما مباين ولكن يقولون إما أن ~~يكون مباينا له وإما أن يكون محايثا له أي بحيث هو سواء كان ساريا فيه ~~سريان الصفة في الموصوف وإما أن يكونا جميعا ساريين في موصوف واحد كالحياة ~~والقدرة القائمة لموصوف واحد # وحينئذ فلا يسلم توقف العقل عن نفي القسم الثالث فإن من يقول أنا أعلم ~~بالضرورة أن الموجودين إما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين يجزم ~~بانتفاء موجود لا يكون مباينا للموجود الآخر ولا محايثا له # الوجه الثالث أن يقال القسم الثالث إما أن يقول إنه ممكن إمكانا ذهنيا أو ~~خارجيا والإمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع والثاني معناه العلم ~~بالإمكان في الخارج # وهو قد فسر مراده بالأول وهو عدم العلم حتى يقوم دليل وحينئذ فيقال مجرد ~~الإمكان الذهني وهو عدم العلم بالامتناع لا يدل على الإمكان الخارجي ولا ~~العلم به وإنما غايته أن يقول إني لا أعرف إمكانه ولا امتناعه والمدعي يقول ~~أنا اعلم امتناعه بالضرورة وقد ذكرنا أنهم طوائف متفرقون اتفقوا على ذلك من ~~غير مواطأة وذلك يقتضي أنهم صادقون فيما يخبرون به عن فطرهم PageV06P284 # ومعلوم أن العلوم الضرورية لا يقدح فيها نفي النافي لها فكيف يقدح فيها ~~شك الشاك فيها # والجواب الرابع أن يقال لا نسلم توقف العقل بعد التصور التام بل لا يتوقف ~~إلا لعدم التصور أو لوجود ما يمنع من الحكم لظن أو هوى كسائر المنازعين في ~~القضايا الضرورية من أهل الجحود والتكذيب # ومعلوم أن هؤلاء كثيرون في بني آدم فإن الله قد أخبر عن قوم فرعون أنهم ~~حجدوا بآياته واستيقنتها أنفسهم # وقال تعالى عن اليهود @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون @QE@ سورة البقرة 146 وقال ~~تعالى @QB@ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون @QE@ سورة البقرة 75 # وقال عن المشركين @QB@ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ~~@QE@ سورة الأنعام 33 وقال ms1224 موسى لفرعون @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر @QE@ سورة الإسراء 102 # وقد أخبر عن كذب طوائف وإذا كان كثير من الطوائف يتعمدون الكذب والتكذيب ~~بما يعلمون أنه حق وهذا جحد لما علموه وتيقنوه علم أن في الطوائف من قد ~~يتفقون على حجد ما يعلمونه وكل طائفة PageV06P285 جاز عليها المواطأة على ~~الكذب جاز عليها ذلك ويجوز أيضا أن يشبته عليها الحق بالباطل حتى تجحد ما ~~هو حق في نفسه لاشتباهه عليها وإن كان معلوما بالضرورة عند غيرها فإنه إذ ~~جاز تعمد الكذب عليهم فجواز الخطأ عليهم أولى # ومعلوم أن الحس قد يغلط والعقل قد يغلط فيجوز على الطائفة المعينة غلط ~~حسهم أوعقلهم وإذا كانت المعاني دقيقة وفيها ألفاظ مجملة وقد ألقى بعضهم ~~إلى بعض أن هذه القول باطل وكفر أمكن أن لا يتصوروه على وجهه وإن كان غيرهم ~~يتصوره لسلامته من الهوى ومن الإعتقاد المانع من ذلك # وأما قوله في الوجه السادس إن العقل يدرك ماهيات كمراتب الأعداد مع أنه ~~لا يمكنه أن يحكم على كل واحدة منها بأن موضعها كذا أو مقدارها كذا # فجوابه من وجوه # أحدها ما أجاب به بعض أصحابهم حيث قال هذا لا يرد عليهم لأن الأعداد أمور ~~ذهنية والكلام في أمور خارجية # الوجه الثاني أن يقال العدد مع المعدود والتقدير مع المقدر PageV06P286 ~~كالحد مع المحدود والاسم مع المسمى والعلم مع المعلوم ونحو ذلك فالعلم ~~والقول والعدد والحد الذي هو القول الدال والتقدير ونحو ذلك هي قائمة ~~بالعالم القائل العاد الحاد المقدر وإذا كان العدد هو معنى يقوم بالعاد كان ~~حكمه حكم سائر ما يقوم بالإنسان من هذه الأمور وموضع ذلك نفس الإنسان وأما ~~مقدارها فهو تابع محلها كأمثالها من الأعراض # الوجه الثالث أن يقال هذه الأعداد هي من جملة الكليات والقول فيها كالقول ~~في كليات الأنواع ومن المعلوم أن أصحاب فيثاغورس لما أثبتوا عددا مجردا ~~قائما بنفسه أنكر ذلك عليهم جماهير العقلاء من إخوانهم وغيرهم وكانوا أضعف ~~قولا من أصحاب أفلاطن الذين ms1225 أثبتوا الحقائق المجردة الكلية قائمة بأنفسها ~~التي يسمونها المثل الأفلاطونية # فإذا كان قد تقدم بطلان حجة من احتج بكليات الحقائق فبطلان حجة من احتج ~~بكليات العدد أولى وأحرى # | فصل # قال الرازي وإذا عرفت ذلك فنقول المعنى من اختصاص الشيء بالجهة والمكان ~~أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك والعالم مختص بالجهة ~~والمكان بهذا المعنى فإن كان الباري PageV06P287 كذلك كان مماسا للعالم أو ~~محاذيا له قطعا ثم قول أكثر الكرامية إنه مختص بجهة فوق مماس للعرش أو ~~مباين عنه ببعد متناه وقالت الهيصمية هو مباين عن ببعد غير متناه # فيقال الناس لهم في هذا المقام أقوال منهم من يقول هو نفسه فوق العرش غير ~~مماس ولا بينه وبين العرش فرجة وهذا قول ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبي ~~العباس القلانسي والأشعري وابن الباقلاني وغير واحد من هؤلاء وقد وافقهم ~~على ذلك طوائف كثيرون من أصناف العلماء من أتباع الأئمة الأربعة وأهل ~~الحديث والصوفية وغيرهم # وهؤلاء يقولون إنه بذاته فوق العرش وليس بجسم ولا هو محدود ولا متناه # ومنهم من يقول هو نفسه فوق العرش وإن كان موصوفا بقدر له لا يعلمه غيره ~~ثم من هؤلاء من لا يجوز عليه مماسة العرش ومنهم من يجوز ذلك وهذا قول أئمة ~~أهل الحديث والسنة وكثير من أهل الفقه والصوفية والكلام غير الكرامية فأما ~~أئمة أهل السنة والحديث PageV06P288 وأتباعهم فلا يطلقون لفظ الجسم نفيا ~~ولا إثباتا وأما كثير من أهل الكلام فيطلقون لفظ الجسم كهشام بن الحكم ~~وهشام الجواليقي وأتباعهما # قال الرازي لنا وجوه الأول لو كان مشارا إليه فإن لم ينقسم كان في ~~الحقارة كالجوهر الفرد وتعالى عنه وفاقا وإن انقسم كان مركبا وقد سبق ~~بطلانه # قال وعبر أصحابنا عن هذا بأنه لو كان العرش فإن كان أكبر منه أو مثله كان ~~منقسما لكون العرش منقسما وإن كان أصغر فإن بلغ إلى صغر الجوهر الفرد جاءت ~~الحقارة المنزه عنها وفاقا وإلا لزم التركيب ثم قال بأن كل متحيز قابل ~~للقسمة كفاه أن يقول ms1226 كل متحيز فإنه يمينه غير يساره وقدامه غير خلفه ولزم ~~التركيب # فيقال الاعتراض على هذا من وجوه # أحدها قول من يقول هو فوق العرش وليس بمنقسم ولا متحيز ولا له يمين ولا ~~يسار يتميز منه بعضه عن بعض كما يقول ذلك من يقوله من الكلابيه والكرامية ~~والأشعرية ومن وافقهم من أهل الحديث والصوفية الذين يقولون هو فوق العرش ~~وليس بجسم PageV06P289 كالتميميين والقاضي أبي يعلى وأتباعه كابن الزاغوني ~~وغير ذلك وكما يقول ذلك من يقوله من الفلاسفة كما حكاه ابن رشد عن الحكماء ~~كما تقدم بعض ذلك # وهؤلاء خلق كثيرون فإن هؤلاء يقولون لا نسلم أنه إذا لم ينقسم كان ~~كالجوهر الفرد ويقولون لا نسلم أنه يلزم أنه يكون أكبر من العرش أو أصغر أو ~~مساويا فإن هذه الأقسام الثلاثة إنما تلزم إذا كان جسما متحيزا محدودا فإذا ~~كان فوق العرش وليس بجسم مقدر محدود لم يلزم لا هذا ولا هذا مع أنه مشار ~~إليه # فإن قال النفاة فساد هذا معلوم بالضرورة فإنا نعلم بالضرورة أن ما كان ~~فوق غيره فإما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه أو بقدره ونعلم أنه يتميز منه ~~جانب عن جانب وهذا هو الانقسام # قال لهم المثبتة تجويز هذا أقرب إلى العقل من تجويز وجود موجود لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا يشار إليه وتجويز وجود موجودين ليس أحدهما محايثا ~~للآخر ولا مباينا له وأنتم تقولون إن الحكم بكون الشيء أكبر من غيره وأصغر ~~ومساويا وأنه مباين له ومحايث له ومشار إليه ونحو ذلك هو من حكم الوهم ~~التابع للحس وتقولون إن حكم الوهم لا يقبل في غير الأمور الحسية وتزعمون أن ~~الكلام في صفات الرب تعالى من هذا الباب # فيقال لكم إن كان مثل هذا الحكم غير مقبول لم يقبل حكمكم PageV06P290 ~~بأنه إما أكبر وإما أصغر وإما مساو فإن هذا حكم على ذوات المقدار فإذا قدر ~~ما لا مقدار له وهو فوق غيره لم يلزمه شيء من الأقسام الثلاثة وإن كان مثل ~~هذا الحكم ms1227 مقبولا لزم الحكم بأن كل موجودين فلا بد أن يكون أحدهما محايثا ~~للآخر أو مباينا له # ومن المعلوم بضرورة العقل أنا إذا عرضنا على العقل أو الوهم أو الخيال أو ~~الحس أو ما شئت فقل قولين أحدهما يتضمن إثبات موجود لا داخل العالم ولا ~~خارجه ولا يشار إليه والآخر يتضمن إثبات موجود خارج العالم ليس بجسم ولا ~~منقسم ولا يكون أكبر من العالم ولا أصغر كان إنكار العقل إن أنكر القولين ~~للأول أعظم وتجويزه إن جوز القولين للثاني أعظم # فإن ادعى المدعى أن فساد قول من يثبت موجودا خارج العالم لا أكبر ولا ~~أصغر ولا مساويا معلوم بالضرورة # قيل له وفساد قول من يثبت موجودا لا داخل العالم ولا خارجه وهو معلوم ~~بالضرورة بطريق الأولى وقد تقدم بيان قول من يقول إن فساد هذا القول معلوم ~~بالضرورة وإن المنازعين له يقولون هذا حكم الوهم لا حكم العقل فهكذا يقول ~~هؤلاء إن قولكم هذا فاسد من حكم الوهم لا من حكم العقل # ولك هؤلاء النفاة فيهم جهل وظلم فإنهم يحتجون على منازعيهم بحجة هي لهم ~~ألزم ويثبتون قولهم بحجة هي على قول منازعيهم أدل وهذا القول مع أنه أقرب ~~إلى العقل فهو أقرب إلى السمع فإن صاحبه لا يحتاج أن يتأول النصوص المثبتة ~~للعلو والفوقية والاستواء PageV06P291 فيكون قوله أقرب إلى اتفاق الشرع ~~والعقل وأقرب إلى الشرع منفردا وأقرب إلى العقل منفردا فيكون أرجح من قولهم ~~على كل تقدير # وهكذا هو عند أهل الإسلام فإن الكلابية والكرامية والأشعرية أقرب إلى ~~السنة والحق من جهمية الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم باتفاق جماهير المسلمين ~~وعوامهم # الجواب الثاني أنه يقال له ما تعنى بقولك إن كل مشار إليه فإما أن ينقسم ~~أو لا ينقسم أتعني بالانقسام إمكان تفريقه وتجزئته وتبعضه أم تعني به أن كل ~~مشار إليه إذا لم يكن بقدر الجوهر الفرد فإنه يكون مركبا من الجواهر ~~المنفردة أو تعني به أنه يشار إلى شيء منه دون شيء ويرى منه شيء دون شيء ~~ويتميز منه شيء ms1228 عن شيء # فإن أردت الأول بطل لازم التقدير الأول فإنه لا يلزم من كونه لا يمكن ~~تفريقه وتبعيضه وتقسيمه أن يكون صغيرا بقدر الجوهر الفرد فإنا نعلم ~~بالاضطرار إمكان كون الشيء كبيرا عظيما مع أنه لا يمكن تفريقه وتبعيضه ~~وتقسيمه بل قد تنازع الناس في كثير من المخلوقات هل تقبل التفريق أو لا ~~تقبله ومن قال إنها تقبله أثبته بالدليل لم يقل إنه معلوم بالضرورة # وإن أردت أن كل مشار إليه فإنه يكون مركبا من الجواهر المفردة إذا لم يكن ~~حقيرا منعت هذا وقيل لك هذا مبني على أن الأعيان المشهودة مركبة من الجواهر ~~المنفردة وأكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم ينكرون ذلك بل أكثرهم طوائف أهل ~~الكلام تنكر ذلك كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من ~~الكرامية وغير هؤلاء PageV06P292 # وكذلك إن عني به أنه مركب من المادة والصورة كما يقول بعض الفلاسفة فأكثر ~~العقلاء ينكرون ذلك والصواب قول من ينكر ذلك كما هو مذكور في غير هذا ~~الموضع وبتقدير تسليمه ينازع من سلمه في صحة المقدمة الثانية ويمنع صحة ~~انتفاء اللازم # وإن أردت به المعنى الثالث وهو أنه يتميز منه شيء عن شيء # فيقال لك هذا القول لازم لجميع الخلائق أما الصفاتية فإنهم يثبتون العلم ~~والقدرة والإرادة والكلام ومن المعلوم أن هذه معاني متميزة في أنفسها ليس ~~كل واحد منها هو الآخر وأما غيرهم فيعلمون الفرق بين كونه عالما وكونه ~~قادرا وكونه حيا ونحو ذلك والمتفلسفة يعلمون الفرق بين كونه موجودا وكونه ~~واجبا وكونه عاقلا وعقلا وعاشقا وعشقا ولذيدا وملتذا ونحو ذلك ففي الجملة ~~لزوم مثل هذه المعاني المتعددة المتكثرة لازم لجميع الخلائق وهذه مسألة ~~الصفات # فإذا قال النفاة عندنا العلم هو الإرادة والإرادة هي القدرة والوجوب هو ~~الوجود ونحو ذلك # كان لهم جوابان أحدهما أن يقال هذا معلوم الفساد بالضرورة كما تقدم ولا ~~يرتاب عاقل في فساد مثل هذا بعد تصوره # والثاني أن يقال إذا جاز لكم أن تثبتوا معاني متعددة ومتغايرة في الأحكام ~~واللوازم والأسماء ليس التغاير بينها تغاير ms1229 العموم والخصوص كاللون والسواد ~~وتقولون إنه لا تعدد فيها ولا كثرة ولا انقسام جاز PageV06P293 لمنازعكم أن ~~يثبت ذاتا فوق العالم لا انقسام فيها ولا تركيب وكان هذا أقرب إلى العقل # فإن جاز أن تقولوا لا يتميز العلم عن القدرة ولا الإرادة عن الحياة جاز ~~أن يقول لا يتميز ما يحاذي يمين العرش عما يحاذي يسار العرش # ومن المعلوم أن التعدد في الصفات أظهر من التعدد في المقدر فإن كان ذلك ~~مقبولا كان هذا أولى بالقبول وإن كان هذا مردودا كان ذلك أولى بالرد ولا ~~يمكن أحد من العقلاء أن يرد ما يثبت أنه من المعاني المتعددة المعلومة ~~بصريح العقل مع نطق الشرع بذلك في غير موضع فإن الله تعالى أثبت لنفسه من ~~الأسماء الحسنى التي تتعدد معانيها كالعليم والقدير والرحيم والعزيز وغير ~~ذلك وأثبت له من الكلمات التي لا تعادلها ما شهد به الكتاب العزيز فقد أثبت ~~أسمائه وكلماته وفي ضمن ذلك تعدد صفاته وهو الواحد المسمى بأسمائه الحسنى ~~المنعوت بصفاته العلى الصادق العدل في كلماته التامات صدقا وعدلا وإذا كانت ~~هذه الحجة مبنية على نفي الصفات فقد علم فساد أصلها # الوجه الثالث أن يقال قولك وإن انقسم كان مركبا وقد سبق بطلانه قد سبق ~~قولك إنه ليس بمتحيز لأن كل متحيز منقسم لذاته بناء على نفي الجزء وكل ~~منقسم لذاته ممكن لافتقاره إلى PageV06P294 جزئه الذي هو غيره وكون المفتقر ~~إلى الغير ممكنا بالذات # ومعلوم أن هذه الحجة قد تبين فسادها بطريق البسط في مواضع متعددة وبين أن ~~مبناها على ألفاظ مجملة مشتبهة وهي أصل توحيد الفلاسفة وقد بين نظار ~~المسلمين فسادها كما بين ذلك أبو حامد الغزالي وغيره # والرازي أجاب الفلاسفة عن حجة التركيب في مسألة الصفات فقال في نهاية ~~العقول قوله يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون ~~تلك الحقيقة ممكنة قلنا إن عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا ~~يلزم لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها وإن عنيتم به ~~توقف ms1230 الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك مما يلتزمه فأين المحال ~~وأيضا فعندكم الإضافات صفات وجودية في الخارج فيلزمكم ما ألزمتمونا في ~~الصفات في الصور المرتسمة في ذاته من المعقولات # وقال أيضا مما يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا إن الله PageV06P295 ~~عالم بالكليات وقالوا إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم ~~في العالم وقالوا إن صورة المعلومات موجودة في ذات الله تعالى حتى ابن سينا ~~قال إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في الذات بل كانت من لوازم الذات ومن ~~كان هذا مذهبا له كيف يمكنه أن ينكر الصفات وفي الجملة فلا فرق بين ~~الصفاتية وبين الفلاسفة إلا أن الصفاتية يقولون إن الصفات قائمة بالذات ~~والفلاسفة يقولون إن هذه الصورة العقلية عوارض متقومة بالذات والذي تسميه ~~الصفاتية صفة يسميه الفلسفي عارضا والذي يسميه الصفاتي قياما يسميه الفلسفي ~~قواما وتقوما فلا فرق إلا بالعبارات وإلا فلا فرق في المعنى # الوجه الرابع أن يقال إذا كان لفظ التحيز والانقسام PageV06P296 والجزء ~~والافتقار والغير ألفاظا مجملة فلفظ المتحيز يراد به ما حازه غيره من ~~الموجودات وليس مرادهم بهذا ويراد به ما كان منحازا عن غيره أو ما كان بحيث ~~يشار إليه وإن لم يكن معه موجود سواه وهذا مرادهم بلفظ المتحيز ولهذا ~~يقولون العالم متحيز # ولفظ الاتقسام يراد به الانقسام المعروف الذي يتضمن تفريق الأجزاء وليس ~~هذا مرادهم ويراد به ما يتميز منه شيء عن شيء أو جانب عن جانب وهذا مرادهم # ولفظ الجزء يراد به ما كان منفردا فانضم إليه غيره أو ما أمكن التفريق ~~بينه وبين غيره وليس هذا مرادهم ويراد به ما حصل الامتياز بينه وبين غيره ~~وهذا مرادهم ولفظ الافتقار يراد به أن يكون الشيء مفتقرا إلى فاعل يفعله ~~وليس هذا مرادهم هنا ويراد به أن يكون ملازما لغيره فلا يوجد أحدهما إلا مع ~~الآخر وهذا مرادهم وقد يقال إنه يراد به كون الشيء مفتقرا إلى أمر منفصل ~~عنه وليس هذا مرادهم هنا ويراد أن يكون ms1231 الشيء لا يتم إلا بما يدخل فيه مما ~~يقال إنه جزء كالصفة وهذا مرادهم هنا # وإذا عرف ذلك كان مضمون كلامهم أنه لوكان مشارا إليه للزم أن لا يوجد إلا ~~بلوازمه التي لا يوجد إلا بها الداخلة في مسمى اسمه ومعلوم أن ما كان كذلك ~~لم يمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه المستلزمه لهذه اللازمات المتصفة بهذه ~~الصفات بل إذا كانت حقيقته متصفة بصفات الكمال الوجودية كانت أحق بالوجود ~~من أن لا يوصف إلا بأمور سلبية يستلزم أن تكون ممتنعة الوجود مشبهة ~~PageV06P297 بالمعدومات والجمادات فما لا يتصف بشيء من صفات الكمال فلا ~~تكون له حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام ولا فعل ولا عظمه ولا رحمة بل يكون ~~موجودا مطلقا أو مجردا كان ممتنع الوجود ولا واجب الوجود وما لا يكون إلا ~~كاملا لا يكون إلا بكماله وما يجب أن يكون حيا عليما قديرا لا يكون إلا ~~بحياته وقدرته وعلمه وليس لزوم صفات الكمال له واستلزامه إياها موجبا لكونه ~~لا يكون موجودا بنفسه # وتسمية المسمى هذا جزءا وبعضا ونحو ذلك غايته أن يقال لا يمكن وجود الكل ~~إلا بوجود بعضه ومن المعلوم أن وجود الكل لا يوجد إلا بوجود الكل فيكون ~~الكل موجودا بالكل ولا يتضمن ذلك افتقارا له إلى غيره فإذا كان قول القائل ~~إنه مفتقر إلى نفسه أو كله لا يقدح في وجوب وجوده فقوله هو مفتقر إلى صفته ~~أو بعضه أولى أن لا يقدح في وجوب وجوده # ومما يبين ذلك أن هؤلاء المتفلسفة يقولون إن وجوده مستلزم لوجود ~~المعلولات الممكنات فلا يتصور وجوده بدون وجودات ممكنة معلومة منفصلة عنه ~~وذلك لا يقدح عندهم في وجوب وجوده بنفسه فكيف يقدح في وجوب وجوده كونه ~~مستلزما لصفات كمال لازمه له قائمة بنفسه فإن كان استلزامه لغيره افتقارا ~~إليه فاقتقاره إلى معلولة PageV06P298 المنفصل أعطم امتناعا وإن لم يكن ~~افتقارا إلى اللازم لم يكن استلزامه الصفات افتقارا إليها # ومثل هذا التناقض كثير في كلام المخالفين للسنة تحقيقا لقوله تعالى @QB@ ~~ولو ms1232 كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ سورة النساء 82 # قال الرازي والوجه الثاني لوكان مشارا إليه لكان متناهيا من جميع الجوانب ~~لما سبق من تناهي الأبعاد ولأن عدم تناهيه إن كان من جميع الجوانب فإنه ~~مخالط للعالم وما فيه من القاذورات تعالى عنه وإن كان من بعضها فالجانب ~~المتناهي إن وافق غير المتناهي في الماهية صح على المتناهي أن ينقلب غير ~~متناه وبالعكس فصح عليه الفصل والوصل وإن خالفه فيها وكل مركب من أجزاء ~~مختلفة الطبائع ففيه أجزاء بسيطة فأمكن على كل منها أن يماس ما على يمينه ~~ويساره وبالعكس فصح عليه الوصل والفصل وكل ما كان كذلك كان تأليفه بمؤلف ~~تعالى عنه وكل متناه من جميع الجوانب أمكن وجوده أزيد وأنقص مما وجد ~~PageV06P299 فاختصاصه بذلك القدر المخصص ولأنه لو كان متناهيا من جميع ~~الجوانب لم يكن فوق كل الموجودات لأنه يكون فوقه أمكنة خالية عنه والخصم ~~ينفيه # فيقال الاعتراض على هذا من وجوه # أحدها قول من يقول هو فوق العرش ولا يوصف بالتناهي ولا بعدمه إذ لا يقبل ~~واحدا منها وهو قول من تقدم ممن يقول هو فوق العرش ولا يوصف بأن له قدرا ~~كما يقول ذلك من يقوله من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف من الكلابية ~~والكرامية والأشعرية ومن وافقهم من أتباع الأئمة من أصحاب أحمد ومالك ~~والشافعي وغيرهم # وإذا قال لهم النفاة هذا ممتنع في بديهة العقل # قالوا لهم القول بوجود موجود لا يشار إليه ولا يقبل الوصف بالنهاية ~~وعدمها ولا بدخول العالم ولا خروج منه أظهر فسادا في بديهة العقل فإنا إذا ~~عرضنا على العقل وجود موجود خارج العالم بائن منه لا يوصف بثبوت النهاية ~~ولا انتفائها ووجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا بائن ولا محايث ولا ~~متناه ولا غير متناه كان الثاني أظهر فسادا في العقل كما ت تقدم نظيره # القول الثاني قول من يقول هو غير متناه إما من جانب PageV06P300 وإما من ~~جميع الجوانب كما قال ذلك طوائف أيضا ms1233 من أهل الكلام والفقهاء وغيرهم وحكاه ~~الأشعري في المقالات عن طوائف # فإذا قيل لهم هذا ممتنع # قالوا قول منازعينا أظهر امتناعا # وإذا قيل لهم يلزمكم أن يكون مخالطا للعالم # قالوا منازعونا منهم من يقول هو بذاته في كل مكان ومنهم من ينفي ذلك ونحن ~~يمكننا أن نقول كما قال هؤلاء وهؤلاء وإذا ادعى هؤلاء إمكان ذلك من غير ~~مخالطة ادعينا مثل ذلك # والقول الثالث قول السلف والأئمة وأهل الحديث والكلام والفقه والتصوف ~~الذين يقولون له حد لا يعلمه غيره # فإذا قيل لهؤلاء كان متناه من جميع الجوانب أمكن وجوده أزيد وأنقص مما ~~وجد واختصاصه بذلك القدر المخصص منفصل منعوا هذا كما تقدم ذكره وقالوا لا ~~نسلم أن كل ما اختص بقدر افتقر إلى مخصص منفصل عنه ولا نسلم أن كل ما ثبت ~~لواجب الوجود من خصائصه يمكن أن يوجد بخلاف ذلك PageV06P301 # وقد تقدم الكلام على هاتين المقدمتين اعتراف هؤلاء المحتجين بهما ~~بفسادهما # وأما قوله لو كان متناهيا من جميع الجوانب لم يكن فوق كل الموجودات لأنه ~~يكون فوقه أمكنه خالية منه # فكلام ساقط لأنه ليس هناك شيء موجود لا مكان ولا غير مكان وإنما هناك إما ~~خلاء هو عدم محض ونفي صرف ليس شيئا موجودا على قول طائفة وإما أنه لا يقال ~~هناك لا خلاء ولا ملاء # وعلى كل تقدير فليس هناك شيء موجود بل يقال لمن احتج بهذا أنت تقول ليس ~~فوق العالم شيء موجود ولا وراء العالم شيء موجود مع أنه متناه عندك فكيف ~~يجب أن يكون فوق رب العالمين شيء موجود # ثم قال أنتم تزعمون أنكم تحتجون بالمعقولات اليقينية لا بالمقدمات ~~الجدلية فهب أنه لا يكون فوق جيمع الموجودات فأين دليلكم العقلي على امتناع ~~هذا # الوجه الرابع قول بعض هؤلاء النفاة لبعض لم قلتم إن عدم تناهيه إن كان من ~~جميع الجوانب فإنه مخالط للعالم وما فيه من القاذورات تعالى عنه ولم لا ~~يجوز أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو غير مخالط فإن قالوا لأن ms1234 فرض ~~مشار إليه غير متناه لا يخالط العالم ممتنع في صريح العقل # قيل وفرض موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يكون مباينا لغيره ممتنع في ~~صريح العقل PageV06P302 # فإن قلتم هذا في حكم الوهم # قالوا وإثبات المخالطة لما لا نهاية له من حكم الوهم # وهؤلاء النفاة لمباينته للعالم منهم من يقول إنه جسم وهو في كل مكان ~~وفاضل عن جميع الأماكن وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكبر من مساحة ~~العالم لأنه أكبر من كل شيء # وقال بعضهم مساحته على قدر مساحة العالم # وقال بعضهم هو جسم له مقدار في المساحة ولا ندري كم ذلك القدر # ومنهم من يقول إنه جسم تحل الأشياء فيه وهو الفضاء وليس بذى غاية ولا ~~نهاية وقال بعضهم هو الفضاء وليس بجسم والأشياء قائمه به وقال بعضهم ليس ~~لمساحة البارئ PageV06P303 نهاية ولا غاية وإنه ذاهب في الجهات الست اليمين ~~والشمال والأمام والخلف والفوق والتحت قالوا وما كان كذلك لا يقع عليه اسم ~~جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق وليس بذى حدود ولا هيئة ولا قطب # حكى هذه الأقوال الأشعري في المقالات وحكى عن زهير الأثري أنه كان يقول ~~إن الله بكل مكان وإنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف ~~وأنه موجود الذات بكل مكان وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ~~والمماسة ويزعم أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى @QB@ وجاء ربك والملك ~~صفا صفا @QE@ سورة الفجر 22 بلا كيف وكذلك أبو معاذ التومني # وهذا القول الذي حكاه الأشعري عن هؤلاء يشبه قول كثير من الصوفية ~~والسالمية كأبي طالب المكي وغيره # فهؤلاء القائلون بأنه بذاته في كل مكان على أقوال منهم من يقول له قدر ~~ومنهم من يقول ليس له غاية ولا نهاية ومنهم من يقول هو جسم ومنهم من يقول ~~ليس بجسم ثم من هؤلاء من PageV06P304 يقول إنه غير متناه من جميع الجوانب ~~وهو مع ذلك لا يخالط الأشياء وأيضا فإنهم إذا قالوا إنه يخالط الأشياء ms1235 ~~قالوا هذا لا يقدح في كماله كما أن الشعاع لا يقدح فيه أنه فوق الأقذار # وقول هؤلاء وإن كان باطلا كما قد بين في غير هذا الموضع فالمقصود أن ~~النفاة الذين يقولون لي بداخل العالم ولا خارجه لا يمكنهم إبطال قول هؤلاء ~~بل قد يقول القائل إن قول هؤلاء الحلولية خير من قول أولئك المعطلة الذين ~~يقولون لا داخل العالم ولا خارجه # ولهذا قال من قال متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ومتعبدة الجهمية يعبدون ~~كل شيء # ومنهم من يقول هذا تارة وهذا تارة ومنهم من يقول هذا اعتقادي وهذا ذوقي ~~ووجدى وإنما يتمكن من إبطال قول هؤلاء كلهم أهل السنة المثبتة الذين يقولون ~~إنه مباين للعالم فأما بعض هذه الطوائف مع بعضهم فإنهم متناقضون # فإذا قالوا لا نسلم أنه يجب أن يخالط العالم أو لا نسلم أن في ذلك محذورا ~~بل يمكن عدم المخالطة أو المخالطة بلا نقص ولا عيب كان قول هؤلاء من جنس ~~أقوال أولئك فإنهم أثبتوا ما يحيله العقل # فإذا قالوا لأولئك هذا من حكم الوهم لا من حكم العقل كان PageV06P305 هذا ~~بمنزلة قول أولئك إن إحالة موجود لا داخل العالم ولا خارجه من حكم الوهم ~~فإنهم قد قالوا إنه حكم في غير المحسوس بحكم المحسوس فإن لم يكن في الوجود ~~ما لا يمكن الإحساس به بطل قولهم وإن كان فيه ما لا يمكن الإحساس به وادعى ~~هؤلاء أنه غير متناه من جميع الجوانب هوغير جسم عند بعضهم وجسم عند آخرين ~~منهم كان الحكم حينئذ بكونه يكون مخالطا للعالم وأن ذلك ممتنع عليه حكما ~~على غير المحسوس بحكم المحسوس وهم لا يقبلون هذا الحكم # ثم إن الكلام هنا من جهة من يقول إنه مشار إليه ويقول إنه متناه وهو مع ~~ذلك جسم أو ليس بجسم وإذا قال هؤلاء كل مشار إليه فهو جسم كان كقولهم لو ~~كان فوق العرش لكان مشارا إليه ولكان جسما وقد نازعهم في ذلك طوائف # وتبين أن قول من قال هو فوق العرش ms1236 وليس بجسم ليس هو أبعد عن العقل من قول ~~من قال إنه لا داخل العالم ولا خارجه أصلا فإن هذا أقرب إلى المعدوم من ذلك ~~وكل ما كان أقرب إلى العدم كان أبعد عن الوجود الواجب # فهكذا من قال يشار إليه وهو غير متناه ولا يخالط أو يخالط ولا نقص في ذلك ~~فقوله ليس أبعد عن العقل من قول أولئك بل نظير قولهم أن يقال إنه في كل ~~مكان بذاته ولا يشار إليه ولا نهاية له كما قال بعضهم PageV06P306 # فهذه الأقوال حكم ببطلانها حاكم واحد فإن رد حكمه في بعضها رد في سائرها ~~فهذا جواب هؤلاء # الوجه الخامس قول من يقول لا نسلم أنه إذا كان متناهيا من بعض الجهات ~~يلزم ما ذكره من المحذور وقوله الجانب المتناهي إن وافق غير المتناهي في ~~الماهية صح عليه أن ينقلب غير متناه وإلا لزم التركيب فيصح الفصل والوصل ~~وما كان كذلك احتاج إلى مؤلف يؤلفه # قالوا لا نسلم أنه يجوز عليه الفصل والوصل والحال هذه لإمكان أن يكون ذلك ~~الاتصال من لوازم الذات كقيام الصفات اللازمة لموصوفها وأيضا الموافقة في ~~الماهية إنما تقتضي جواز انقلابه غير متناه إن لم يكن المقدار المعين من ~~لوازم وجوده # فإن قال إن كل مختص بقدر فهو ممكن فهي المقدمة الثانية وقد تقدم إبطالها ~~فلا يمكنه حينئذ تقرير المقدمة الأولى إلا بالثانية فلا يكون قد أقام دليلا ~~على أنه إذا كان متناهيا لزم التناهي من جيمع الجوانب إلا لافتقار الاختصاص ~~إلى مخصص وهذا إن كان دليلا صحيحا فهو كاف سواء قدر التناهي من جميع ~~الجوانب أو بعضها وإن لم يكن صحيحا بطل كلامه على بطلان تناهيه من جيمع ~~الجوانب ومن بعضها PageV06P307 # قال الرازي الوجه الثالث أنه لو كان مشارا إليه فإن صح عليه الحركة ~~والسكون كان محدثا لما سبق في مسألة الحدوث وإلا كان كالزمن المقعد وهو نقص ~~تعالى عنه # فيقال الاعتراض عليه من وجوه أحدها أن يقال قد تقدم إبطال هؤلاء لدليل ~~الحركة والسكون كما أبطله ms1237 الرازي نفسه في كتبه العقلية المحضة وأبطل كل ما ~~احتج به النفاة من غير اعتراض على إبطال ذلك وكذلك أبطله الآمدي والأرموي ~~وغيرها # الثاني قول من يقول هو مع كونه مشارا إليه لا يقبل الوصف بالحركة والسكون ~~ولا بضد ذلك كما يقولون هم إنه لا يقبل الوصف بالدخول والخروج والمباينة ~~والمحايثة ونحو ذلك من المتقابلات # فإذا قيل لهؤلاء إثبات مشار إليه لا يقبل ذلك غير معقول # قالوا هذا أقرب إلى العقل من إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه # وهؤلاء إذا قيل لهم إما أن يكون مباينا وإما أن يكون محايثا # قالوا هذا من عوارض الجسم فإذا قدر موجود لا يقبل ذلك لم يوصف بمباينة ~~ولا محايثة فيقول لهم هؤلاء كونه موصوفا بالحركة PageV06P308 والسكون فرع ~~على قبوله لذلك فإذا قدر موجود مشار إليه لا يقبل ذلك لم يوصف بأحدهما # ومن الناس من يقول الحركة من خصائص الجسم ومنهم من يقول الحركة يوصف بها ~~ما ليس بجسم كمن يقول بإثبات نوع من الحركة للنفس ويقول إنها غير جسم وكذلك ~~قول من قال مثل ذلك في الواجب # الثالث أن يقال اتصاف المتصف بالحركة والسكون إما أن يكون صفة كمال أو لا ~~فإن لم يكن صفة كمال لم يكن سلب ذلك نقصا فلا محذور فيه وإن كان صفة كمال ~~أمكن اتصافه بذلك فلا محذور فيه # فإن قيل هو صفة كمال للجسم دون غيره # قيل إما أن نعلم ثبوت موجود غير الجسم أولا نعلمه فإن لم نعلمه لم يمكن ~~إثبات موجود قائم بنفسه لا تكون الحركة كمالا وإن علمنا وجود موجود ليس ~~بجسم فالعلم بذلك ليس بضروري بل هو نظري فلا بد له من دليل # وحينئذ فإما أن يمكن وجود مشار إليه ليس بجسم أو لا يمكن فإن أمكن جاز أن ~~يشار إلى الباري تعالى ويكون فوق العرش وليس بجسم وإن لم يمكن وجود مشار ~~إليه إلا أن يكون جسما فلا بد من دليل يدل على إثبات وجود موجود لا يمكن ~~الإشارة إليه ولا ms1238 يكون جسما PageV06P309 وهذه الوجوه هي أدلة ثبوت ذلك # فإذا قيل لو لم يصح عليه الحركة والسكون لكان كالزمن لم يمكن إثبات ذلك ~~إلا إذا ثبت أن كل مشار إليه يقبل الحركة والسكون وأن كل مشار إليه جسم # وهذا لا يثبت إلا إذا بطل قول من يقول يمكن أن يشار إليه ولا يكون جسما ~~أو يمكن أن يكون فوق العرش ولا يكون جسما # وهؤلاء لا يمكن إبطال قولهم إلا إذا بطل قول من يقول بوجود موجود قائم ~~بنفسه لا يشار إليه لأنه بتقدير صحة قول هؤلاء يمكن صحة قول أولئك فإنه إذا ~~جاز في العقل إمكان وجود موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يباين غيره ولا ~~يحايثه أمكن وجود موجود قائم بنفسه فوق عرشه لا يشار إليه وكان هذا أقرب ~~إلى العقل من ذلك # فإذا كان إبطال قول هؤلاء مستلزما لبطلان قول المدعي لم يبطل قولهم إلا ~~ببطلان قوله وإذا بطل قوله كانت الحجة على صحته باطلة # فتبين أن هذه الحجة يلزم من صحة مقدمتيها بطلان قول المدعي المحتج بها ~~فلا يمكن الاستدلال بها عليه وهو المطلوب فإنها إن صحت استلزمت بطلان دعواه ~~وإن لم تصح لم يمكن الاستدلال بها على دعواه فبطلت الدلالة على التقديرين ~~وهو المطلوب # الرابع أن يقال كثير من النظار يقولون صحة الحركة ليست PageV06P310 من ~~خصائص كونه مشارا إليه فإن كثيرا من هؤلاء يجوز أن يقوم به ما هو متجدد أو ~~حادث وإن قال إنه غير مشار إليه وقد تقدم قول الرازي إن عامة الطوائف ~~يلزمهم القول بحلول الحوادث وإن أنكروا ذلك مع أن نفاة العلو من هؤلاء ~~يمنعون جواز الإشارة إليه كما يقول ذلك من يقوله من الفلاسفة والمعتزلة ~~والأشعرية وغيرهم بل المتفلسفة يجوزون حلول الحوادث بما ليس بجسم غير ~~الواجب كما يقولون مثل ذلك في النفس الفلكية والإنسانية ثم أكثر أهل الكلام ~~من هؤلاء يقولون إن ذلك الحادث القائم بالواجب تجدد بعد أن لم يكن فهؤلاء ~~يصفونه بقيام الحوادث به في وقت دون وقت ms1239 ومع هذا فلا يجعلونه في حال انتفاء ~~ذلك كالزمن المقعد فيقول هؤلاء يمكن أن تقوم به الحوادث وهو نوع من الحركة ~~ولا يكون مشارا إليه ولا يكون عند انتفاء ذلك كالزمن فإن سلم أولئك لهم ~~إمكان ذلك بطلت الحجة وإن لم يسلموا ذلك لهم قالوا هذا أقرب إلى العقل من ~~إثبات موجود قائم بنفسه لايشار إليه وإن كان هذا من حكم الوهم فكذلك الأول ~~وإلا لزم امتناع موجود قائم بنفسه لايشار إليه وهو المطلوب # ومما يوضح هذا أن لفظ الحركة قد يعني به الانتقال من حيز إلى حيز وقد ~~يعنى به ما هو أعم من ذلك كالحركة في الكيف والكم والوضع مثل مصير النفس ~~عالمة وقادرة ومريدة ومصير الجسم أسود وأحمر وحلوا وحامضا ومثل الاغتذاء ~~والنمو الحاصل في الحيوان والنبات ومثل حركة الفلك في حيز واحد فهذه قد ~~تسمى حركات وإن لم يكن قد خرج الجسم فيها من حيز إلى حيز آخر PageV06P311 # وإذا كان لفظ الحركة من جنس لفظ الحدوث كان البحث عن قيام أحدهما به ~~كالبحث عن قيام الآخر به ومعلوم أن كثيرا من النظار يصفونه بذلك ولا يقولون ~~هو جسم # قال الرازي الوجه الرابع المكان الذي يزعم الخصم حصوله فيه إن كان موجودا ~~وهو منقسم كان جسما ولزم قدم الأجسام لذواته وأيضا المكان مستغن في وجوده ~~عن المتمكن لجوازه الخلاء وفاقا والباري تعالى عند الخصم يمتنع كونه لا في ~~حيز فكان مفتقرا إلى الحيز وكان المكان بالوجوب والإلهية أولى وإن كان ~~معدوما استحال حصول الوجود فيه ولا يلزم علينا كون الجسم في المكان لأن ~~المعنى منه كونه يمكن الإشارة إلى أحد جوانبه بأنه غير الآخر ومتصل به وهذا ~~المعنى في الباري يوجب التركيب وتعالى عنه # والجواب عن هذا من وجوه # أحدها أن يقال لا نسلم الحصر بل قد يكون الحيز تارة PageV06P312 موجودا ~~وتارة معدوما فإنه إذا كان في الأزل وحده لم يكن معه شيء موجود فضلا عن أن ~~يكون في شيء موجود ثم لما خلق العالم فإما أن ms1240 يكون مداخلا للعالم وإما أن ~~يكون مباينا له وإذا امتنع أن يكون هو نفسه دخل في العالم أو دخل العالم ~~فيه وجب أن يكون مباينا له وإذا كان مباينا للعالم أمكن أن يكون فوق العالم ~~ويكون ما يسمى حينئذ مكانا أمرا وجوديا ولا يلزم أن يكون ملازما له فلا ~~يلزم قدم المخلوقات ولا افتقاره إلى شيء منها بل كان مستغنيا عنها وما زال ~~مستغنيا عنها وإن كان عاليا عليها فعلوه على العرش وعلى غيره من المخلوقات ~~لا يوجب افتقاره إليه فإن السماء عالية على الأرض وليست مفتقرة إليها ~~والهواء عال على الأرض وليس مفتقرا إليها وكذلك الملائكة عالون على الأرض ~~وليسوا مفتقرين إليها فإذا كان المخلوق العالى لا يجب أن يكون مفتقرا إلى ~~السافل فالعلى الأعلى الخالق لكل شيء الغني عن كل شيء أولى أن لا يكون ~~مفتقرا إلى المخلوقات مع علوه عليها # الوجه الثاني أن قول القائل إنه في مكان لفظ فيه إجمال وتلبيس والمثبتون ~~لعلو الله على خلقه لا يحتاجون أن يطلقوا القول بأنه في مكان بل منهم كثير ~~لا يطلقون ذلك بل يمنعون منه لما فيه من الإجمال # فإذا قال القائل إنه لو كان في مكان لم يخل إما أن يكون المكان موجودا أو ~~معدوما # قيل له إذا قيل إن الشيء في مكان وفسر المكان بأنه معدوم PageV06P313 كان ~~حقيقته أنه وحده ليس معه غيره إذ لا يقول عاقل إنه في مكان معدوم وإنه مع ~~هذا في شيء موجود قد أحاط به أو كان هو فوقه أو غير ذلك إذ هذا كله من صفات ~~الموجودات # وإذا كان كذلك فقول القائل وإن كان المكان معدوما استحال حصول الموجود ~~فيه إنما يلزم لو قدر أن هناك أمرا يكون الواجب فيه فأما إذا فسر ذلك بأنه ~~وحده ليس معه غيره امتنع أن يقال إنه في غيره # الثالث أن يقال إذا كنت أنت وعامة العقلاء تقولون إن الجسم في مكان ولا ~~يلزم من هذا أن يكون في شيء موجود لأنه يستلزم أبعادا ms1241 لا تتناهى ولا في ~~معدوم لأن العدم لا يكون فيه شيء فقولهم أولى بالقبول والجواز # وأما قوله إن المعنى من كون الجسم في المكان كونه بحيث يمكن الإشارة إلى ~~أحد جوانبه بأنه غير الآخر ومتصل به # فيقال له وبهذا المعنى فسرت قولهم بأنك قلت المعنى من اختصاص الشيء ~~بالجهة والمكان أنه يمكن الإشارة الحسية إليه بأنه هنا أو هناك # وأما قولهم هذا المعنى يوجب التركيب في الباري فهذا هو الحجة الأولى وقد ~~تقدم جوابها فإذن هذه الحجة لا تتم إلا بالأولى فلا تجعل حجة أخرى وحجة ~~التركيب قد تقدم بيان فسادها # الرابع أن يقال لفظ الحيز والمكان قد يعني به أمر PageV06P314 وجودي وأمر ~~عدمي وقد يعني بالمكان أمر وجودي وبالجيز أمر عدمي ومعلوم أن هؤلاء ~~المثبتين للعلو يقولون إنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وإذا قالوا ~~أنه بائن من جميع المخلوقات فكل ما يقدر موجودا من الأمكنة والأحياز فهو من ~~جملة الموجودات فإذا كان بائنا عنها لم يكن داخلا فيها فلا يكون داخلا في ~~شيء من الأمكنة والأحياز الوجودية على هذا التقدير ولا يلزم قدم شيء من ذلك ~~على هذا التقدير # وإذا قالوا إنه فوق العرش لم يقولوا إن العرش كان موجودا معه في الأزل بل ~~العرش خلق بعد أن لم يكن وليس هوداخلا في العرش ولا هو مفتقر إلى العرش بل ~~هو الحامل بقوته للعرش ولحملة العرش فكيف يلزم على هذا أن يكون معه في ~~الأزل بل كيف يلزم على هذا أن يكون داخلا في العرش أو مفتقرا إليه وإنما ~~يلزم ما ذكره من لا بد له من شيء مخلوق يحتوي عليه وهذا ليس قول من يقول ~~إنه بائن عن جميع المخلوقات # الوجه الخامس أن يقال قوله الباري عند الخصم يمتنع كونه لا في حيز لفظ ~~مجمل فإن قال إنه مفتقر عنده إلى حيز وجودي فهذا لم يقله الخصم وولا يعرف ~~أحدا قاله وإن قاله من لا يعرف لم يلتفت إليه ولا ريب عند المسلمين أن الله ms1242 ~~تعالى غني عن كل ما سواه فكيف يقال إنه مفتقر إلى حيز عدمي فالعدم ليس بشيء ~~حتى يقال إن الرب مفتقرا إليه أو ليس بمفتقر إليه PageV06P315 # وإذا فسر الحيز بأمر عدمي لم يجز أن يقال إن العدم الذي ليس بشيء أحق ~~بالإلهية من الموجود القائم بنفسه فعلم أن هذه الحجة مغلطة محضة وأن لفظ ~~الحيز لفظ مجمل # وهؤلاء يريدون بالحيز تارة ما هو موجود ويريدون به تارة ما هو معدوم ~~وكذلك لفظ المكان لكن الغالب عليهم أنهم يريدون بالحيز ما هو معدوم ~~وبالمكان ما هو موجود ولهذا يقولون العالم في حيز وليس في مكان # وإذا كان كذلك فمن أثبت متحيزا في حيز عدمي لم يجعل هناك موجودا غيره ~~سواء كان ذلك واجبا أو ممكنا وإذا كان كذلك لم يجب أن يكون هناك ما يجب أن ~~يكون موجودا معه فضلا عن أن يكون هو مفتقرا إليه # الوجه السادس أن يقال هذه الجحة مبنية على أن كل مشار إليه مركب وأن ذلك ~~ممتنع في الواجب فإن أردت بالتركيب أن غيره ركبه أو أنه يقبل التفريق ونحو ~~ذلك لم تسلم الأولى # وإن عينت بالتركيب إمكان الإشارة إلى بعضه دون بعض فللناس هنا جوابان # أحدهما قول من يقول هو فوق العالم وليس بمشار إليه أو هو مشار إليه وهو ~~لا يتبعض فيشار إلى بعضه دون بعض لأن الإشارة إلى البعض دون البعض إنما ~~تعقل فيما له أبعاض فإذا قدر مشار إليه لا يتبعض لم يمكن أن يقال هذا فيه ~~PageV06P316 # والثاني قول من يقول يمكن الإشارة إلى بعضه دون بعض ويقول التبعيض المنفي ~~عنه هو مفارقة بعضه لبعض وأما كونه يرى بعضه دون بعض فليس هذا منفيا عنه بل ~~هو من لوازم وجوده وإذا قال الثاني هذا تركيب وهو ممتنع فقد عرف بطلان هذه ~~الحجة # الوجه السابع أن يقال إذا كان فوق العرش فلا يخلو إما أن يلزم أن يكون ~~جسما أو لا يلزم فإن لم يلزم بطل مذهب النفي فإن مدار قولهم على أن ms1243 العلو ~~يستلزم أن يكون جسما فإذا لم يلزم ذلك لم يكن في كونه على العرش محذور وإن ~~لزم أن يكون جسما فإن لازم هذا القول قدم ما يكون جسما وحينئذ فقول القائل ~~إن كان المكان موجودا كان جسما ولزم قدم الأجسام لدوامه لا يكون محذورا على ~~هذا التقدير ولا يصح الاستدلال على انتفاء المكان بهذا الاعتبار # وأما الوجه الثامن فقوله المكان مستغن في وجوده عن المتمكن لجواز الخلاء ~~وفاقا والباري عند الخصم يمتنع كونه لا في الحيز فكان مفتقرا إلى الحيز ~~يعترض عليه الخصم بأنا لا نسلم أنه على هذا التقدير يكون كل مكان مستغنيا ~~عن المتمكن فإنه لا يقول عاقل إن شيئا من الممكنات مستغنية عن الواجب ~~الوجود فإذا جعل ما سمى مكانا عن الممكنات المبدعات لله تعالى لم يجز أن ~~يقال هو مستغن عنه # وأيضا يقال إن عنيت بكون المكان مستغنيا عن المتمكن أنه لا يفتقر إلى كون ~~المتمكن عليه فهذا مسلم لكنه لا يفيدك إلا إذا PageV06P317 قيل إن المتمكن ~~مفتقرا إلى وجود المكان المستغنى عنه وهذا لم يذكره في التقسيم # وإن عنيت أنه يستلزم استغناءه عن فاعل مبدع فهذا ليس بلازم على هذا ~~التقدير فإن الأمكنة كلها مفتقرة إلى فاعل مبدع وإن استغنت عن متمكن وإذا ~~كان وجوده مستلزما للحيز على هذا التقدير لم يكن مفتقرا إلى ما هو مستغن ~~عنه بل كان وجوده مستلزما لأمور لازمة له مفتقرة إليه وذلك لا يوجب أن يكون ~~غيره مستغنيا عنه ولا أن يكون مفتقرا إلى ما هو مستغن عنه كما أن الذات إذا ~~كانت مستلزمة للصفات لم يجب أن تكون الصفات أحق بالإلهية # هذا عند من يقول بالصفات وكذلك من يقول بالأحوال من المسلمين ومن نفى ~~الجميع كالفلاسفة الدهرية فعندهم أن وجود الواجب مستلزم لوجود الممكنات مع ~~أنها هي المفتقرة إليه وهو مستغن عنها # ونكتة الاعتراض أنه إذا فرض افتقاره إلى مكان مستغن عنه فلا ريب ان هذا ~~باطل بالاتفاق لأنه يلزم أن يكون الخالق فقيرا إلى ما هو ms1244 مستغن عنه وهذا ~~ينافي وجوب وجوده وأما إذا كان ما سمى مكانا مفتقرا إليه وهو المبدع الخالق ~~له لم يكن فيما ذكره ما يبطل ذلك PageV06P318 # أما إذا قدر أن وجوده لا يستلزم وجود ذلك ولا يشترط فيه ذلك لكن حصل بحكم ~~الجواز لا بحكم الوجوب فهذا ظاهر # وأما إذا قدر أن ذلك لازم له فغايته أن وجوده مستلزم لما يكون الرب ~~ملزوما له وهو مفتقر إلى الرب تعالى وقد عرف كلام الناس في مثل هذا # قال الرازي الوجه الخامس في نفي علوه على الخلق أن الأحياز إن تساوت في ~~تمام الماهية كان حصوله في بعضها بدلا عن الآخر جائزا فافتقر فيه إلى مرجح ~~وإن تخالفت فيها كانت متباينة بالعدد والماهية تختص بخواص معينة وصفات ~~معينة وهي غير متناهية فقد وجد في الأزل مع الله أشياء قائمة بأنفسها غير ~~متناهية ولا يرتضيه مسلم # والاعتراض على هذا من وجوه # أحدها أن يقال الأحياز أمور عدمية كما قد عرف فإنهم يقولون العالم في حيز ~~والحيز عندهم عدمى ولو قال قائل إن الحيز قد يكون وجوديا فالمثبتون يقولون ~~نحن نقول إنه فوق العالم وحده كما كان قبل المخلوقات وليس هو في حيز وجودي ~~فإذا PageV06P319 سميت ما هناك حيزا كان تسميته للعدم حيزا وهو اصطلاحهم # وحينئذ فالعدم المحض ليس هو أشياء موجودة حتى يقال إنها متماثلة أو ~~مختلفة # فإن قيل من الناس من يقول الحيز جوهر قائم بنفسه لا نهاية له # قيل هذا القول إن كان صحيحا ثبت قدم الحيز الوجودي وحينئذ فتبطل الحجة ~~التي مبناها على نفي ذلك وإن كان باطلا بطلت الحجة أيضا كما تقدم فهي باطلة ~~على تقدير النقيضين فثبت بطلانها في نفس الأمر # الوجه الثاني أن يقال لم لا يجوز أن تكون الأحياز متساوية في الماهية # قوله حصوله في بعضها بدلا عن الآخر جائز فيفتقر إلى مرجح # يقال له نعم وإذا افتقر إلى مرجح فإنه يرجح بعضها بقدرته ومشيئته كما ~~ترجح سائر الأمور الجائزة بعضها على بعض وكما يرجح خلق العالم ms1245 في بعض ~~الأحياز على بعض مع إمكان أن يخلقه في حيز آخر وكما رجح ما خلقه بمقدار على ~~مقدار وصفة على صفة مع إمكان أن يخلقه على قدر وصفة أخرى # الوجه الثالث أن يقال ترجح بعض الأحياز على بعض متفق PageV06P320 عليه ~~بين العقلاء سواء قالوا بالفاعل بالاختيار أو بالعلة الموجبة فإن القائلين ~~بالعلة الموجبة يقولون إنها اقتضت وجود العالم في هذا الحيز دون غيره وأما ~~على القول بالفاعل المختار فالأمر ظاهر وإذا كان ترجيح بعض الأحياز على بعض ~~متفقا عليه بين العقلاء لم يكن في ذلك محذور # وإذا قيل هذا ترجيح لبعضها على بعض في الممكن # قيل فإذا جاز ذلك في الممكن فهو في الواجب أولى بالجواز فإن المرجح إن ~~كان موجبا بالذات فترجيحه لما يتعلق به أولى من ترجيحه لما يتعلق بغيره وإن ~~كان فاعلا بالاختيارفاختياره لما يتعلق به أولى من اختياره لما يتعلق بغيره # وإذا قيل هذا يلزم منه قيام الأمور الاختيارية بذاته # قيل قد عرف أنهم يعترفون بذلك وهو لازم لعامة العقلاء # الوجه الرابع أن يقال أهل الإثبات القائلون بأن الله سبحانه فوق العالم ~~لهم في جواز الأفعال القائمة بذاته المتعلقه بمشيئته وقدرته قولان مشهوران # أحدهما قول من يقول لا يجوز ذلك كما يقوله ابن كلاب والأشعري ومن اتبعهما ~~من أصحاب أبي حنيفة وأحمد ومالك والشافعي وغيرهم فهؤلاء يقولون استواؤه ~~مفعول له فعله في العرش ويقولون إنه خلق العالم تحته من غير أن يحصل منه ~~انتقال وتحول من حيز إلى حيز ويقولون إنه خصص العالم بذلك الحيز بمشيئته ~~وقدرته PageV06P321 # والقول الثاني قول من يقول إنه يفعل أفعالا قائمة بنفسه باختياره ومشيئته ~~كما وصف نفسه في القرآن بالاستواء إلى السماء وعلى العرش وبالإتيان والمجيء ~~وطي السموات بيمينه وغير ذلك مما هو قول أئمة أهل الحديث وكثير من أهل ~~الكلام ومن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فهؤلاء يقولون ~~إن ما يحصل من الترجيح لبعض الأحياز على بعض بأفعاله القائمة بنفسه هو ~~بمشيئته وقدرته فحصل الجواب عن ms1246 هذا على قول الطائفتين جميعا # الوجه الخامس أن يقال الحيز إما أن يقال إنه موجود وإما أن يقال إنه ~~معدوم # فإن قيل هو معدوم لم يلزم أن يكون مع الله في الأزل شيء موجود # وإن قيل هو موجود فإما إن يكون وجوده في الأزل ممتنعا وإما أن الأحياز ~~متماثله في تمام الماهية فإن العدم المحض لا يتميز فيه شيء عن شيء وحينئذ ~~فالتخصيص المفتقر إلى المرجح يحصل إما بقدرته ومشيئته على قول المسلمين ~~وجمهور الخلق وإما بالذات عند من يجوز نظير ذلك وإن كان وجوده في الأزل ~~ممكنا فلا محذور فيه فبطل انتفاء اللازم # الوجه السادس أن يقال التقسيم المذكور غير حاصر وذلك لأن الأحياز إما أن ~~تكون متماثلة وإما أن تكون مختلفة وعلى التقديرين فإما أن تكون متناهية ~~وإما أن تكون غير متناهية فإن كان PageV06P322 وجود أحياز وجودية غير ~~متناهية ممتنعا بطل هذا التقسيم ولم يلزم بطلان غيره وكذلك أي قسم بطل لم ~~يلزم بطلان غيره وذلك لأن هؤلاء النفاة منهم من يقول بثبوت أحياز قديمة إما ~~بنفسها وإما بغيرها كما تقول طائفة منهم بأن القدماء خمسة الواجب بنفسه ~~والحيز الذي هو الخلاء والدهر والمادة والنفس ويقول آخرون منهم بثبوت أبعاد ~~لا نهاية لها وإن لم يقولوا بغير ذلك # وما يذكر من هذه الأقوال ونحوها وإن قيل إنه باطل فالقائلون بغير ذلك ~~بهذه الأقوال هم المعارضون لنصوص الكتاب والسنة وهم الذين يدعون أن معهم ~~عقليات برهانية تنافي ذلك فإذا خوطبوا على موجب أصولهم وبين أنه ليس في ~~العقليات ما ينافي النصوص الإلهية على كل مذهب كان هذا من تمام نصر الله ~~لرسوله وإظهار لنوره # الوجه السابع أن يقال مقدمات هذه الحجة ليست برهانية فإنه على تقدير ~~تماثل الأحياز إنما يلزم الافتقار إلى المرجح وهذا غير ممتنع وأما على ~~التقدير الثاني فيلزم ثبوت أحياز مختلفة أما كونها غير متناهية فذلك غير ~~لازم # وحينئذ فيقال إذا قدر أن هذه الأحياز مفتقرة إليه ممكنة بنفسها واجبة به ~~أمكن أن يقال فيا ما ms1247 يقوله من يجوز أن يكون معه ما هو من لوازم ذاته كما ~~عرف من مذاهب الطوائف ويقال على وجه التقسيم إن امتنع أن يكون معه ما هو من ~~لوازم ذاته تعين القسم الأول وإلا جاز الثاني PageV06P323 # والمقصود بيان فساد أمثال هذا الكلام بالحجج العقلية المحضة فإن هؤلاء ~~النفاة يستعينون على معارضة النصوص الإلهية بأقوال الفلاسفة وغيرها ~~المخالفة لدين المرسلين فإذا احتج لنصر النصوص الإلهية بما هو من هذا الجنس ~~كان ذلك خيرا من فعلهم # الوجه الثامن أن يقال الأحياز إن كانت عدمية لم يكن في ذلك محذور سواء ~~كانت متماثلة أو مختلفة فإن ثبوت أعدام غير متناهية في الأزل غير محذور ~~والمثبت لا يقول إنه يفتقر إلى حيز وجودي منفصل عنه فإن هذا ليس هو معروفا ~~من أقوال المثبتين وإن قدر قائل يقوله أمكنه أن يقول هذا من لوازم ذاته ~~وحينئذ فإن جاز أن يلزمه أمر وجودي كان هذا ممكنا وإلا تعين قول من يجعل ~~الحيز عدميا فعلم أنه لا حجة فيما ذكره # الوجه التاسع أن من المسلمين من يقول قد قامت به في الأ زل معاني لا ~~نهاية لها كعلوم لا نهاية لها وكلمات لا نهاية لها وإرادات لا نهاية لها ~~ونحو ذلك ومن الناس من يقول بثبوت أبعاد لا نهاية لها وحينئذ فإن كان علوه ~~على العالم ممكنا بدون ثبوت أحياز قديمة مختلفة غير متناهية لم يضرهم بطلان ~~هذا اللازم وإن قيل # إن ذلك يستلزم هذا القول كان نفيه محتاجا إلى دليل وهو لم يذكر على نفيه ~~وإنما قنع بحجة مسلمة وهى أن المسلمين ليس فيهم من يرتضي أن يوجد معه في ~~الأزل أشياء موجودة PageV06P324 قائمة بأنفسها غير متناهية ومعلوم أن هذا ~~لا يرتضيه المسلمون من أهل الإثبات وغيرهم لاعتقادهم أن ذلك ليس من لوازم ~~قولهم فإذا قدر أنه من لوازم قولهم احتاج نفيه إلى دليل ولا يجوز أن يحتج ~~على ذلك بالسمع لأن السمع الدال على علو الله على خلقه أظهر وأكثر وأبين ~~مما يدل على مثل ms1248 هذا فإن المحتج إذا احتج بمثل قوله تعالى @QB@ الله خالق ~~كل شيء @QE@ سورة الزمر 62 و @QB@ رب العالمين @QE@ سورة الفاتحة 2 ونحو ~~ذلك لم يدل إلا على أن الأحياز الموجودة مخلوقه لله وهو ربها وهذا لا ينازع ~~فيه مسلم لكن الاستدلال بالسمع على قدم شيء من ذلك أضعف من الاستدلال على ~~أن الله تعالى ليس فوق العالمين فلا يمكن دفع أقوى الدلالتين بأضعفهما # الوجه العاشر أن يقال هذا الرازي وأمثاله يدعون أنه ليس في السمع ما يصرح ~~بأن الله كان وحده ثم ابتدأ إحداث الأشياء من العدم بل يقولون بما هو أبلغ ~~من ذلك كما يذكر مثل ذلك في كتاب المطالب العالية وغير ذلك من كتبه # وأما النصوص الكثيرة الدالة على علو الله على خلقه فلا ينازعون في كثرتها ~~وظهور دلالتها ولا يدعون أنه عارضها نصوص سمعية تدفع موجبها وإنما يدعون ~~أنه عارضها العقل # وإذا كان الأمر كذلك لم يجز أن يدفع موجب النصوص الكثيرة الدالة على أن ~~الله فوق بأدلة سمعية ليست في الظهور والكثرة بمنزلتها PageV06P325 بل إذا ~~قدر تعارض الأدلة السمعية كان الترجيح مع الأكثر الأقوى دلالة بلا ريب فعلم ~~أنه لا يجوز دفع موجب نصوص العلو بالمقدمة التي أثبتها بالسمع # والمقدمة السمعية إما نص أو إجماع ولا نص في المسألة وأما الإجماع فهو ~~يقول إنه لا يمكن العلم بإجماع من بعد الصحابة ومعلوم أنه ليس عن الصحابة ~~بل ولا التابعين ولا الأئمة المشهورين ما يقرر مطلوبه بل النقول المتواترة ~~عنهم توافق إثبات العلو لا نفيه # وأيضا فالإجماع عنده دليل ظني # ومعلوم أن النصوص الدالة على العلو أكثر وأقوى دلالة من النصوص الدالة ~~على كون الإجماع حجة فكيف يجوز أن تدفع النصوص الكثيرة البينة الدلالة ~~بنصوص دونها في الظهور والكثرة # وبالجملة من بنى كونه تعالى ليس على العرش على مقدمة سمعية فقوله في غاية ~~الضعف كيفما احتج سواء ادعاها نصية أو إجماعية مع أن قوله أيضا في غاية ~~الفساد في العقل عند من خبر حقائق الأدلة العقلية فقوله ms1249 فاسد في صحيح ~~المنقول وصريح المعقول والله يقول الحق وهو يهدي السبيل # قال الرازي الوجه السادس العالم كرة فإن الكسوف القمري يرى في البلاد ~~الشرقية في أول الليل وفي البلاد الغربية في PageV06P326 آخره فلو كان الله ~~في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة إلى سكان الوجه الآخر وأنه باطل # والاعتراض على هذا من وجوه # أحدها أن يقال القائلون بأن العالم كرة يقولون إن المحيط هو الأعلى وإن ~~المركز الذي هو جوف الأرض هو الأسفل ويقولون إن السماء عالية على الأرض من ~~جميع الجهات والأرض تحتها من جميع الجهات ويقولون قسمان حقيقية وإضافية ~~فالحقيقية جهتان وهما العلو والسفل فالأفلاك وما فوقها هو العالى مطلقا وما ~~في جوفها هو السافل مطلقا # وأما الإضافية فهي بالنسبة إلى الحيوان فما حاذى رأسه كان فوقه وما حاذى ~~رجليه كان تحته وما حاذى جهته اليمنى كان عن يمينه وما حاذى اليسرى كان عن ~~يساره وما كان قدامه كان أمامه وما كان خلفه كان وراءه # وقالوا هذه الجهات تتبدل فإن ما كان علوا له قد يصير سفلا له كالسقف مثلا ~~يكون تارة فوقه وتاره تحته وعلى هذا التقدير فإذا علق رجل جعلت رجلاء إلى ~~السماء ورأسه إلى الأرض أو مشت نملة تحت سقف رجلاها إلى السقف وظهرها إلى ~~الأرض كان هذا PageV06P327 الحيوان باعتبار الجهة الحقيقية السماء فوقه ~~والأرض تحته لم يتغير الحكم وأما باعتبار الإضافة إلى رأسه ورجليه فيقال إن ~~السماء والأرض فوقه # وإذا كان كذلك فالملائكة الذين في الأفلاك من جميع الجوانب هم باعتبار ~~الحقيقة كلهم فوق الأرض وليس بعضهم تحت بعض ولا هم تحت شيء من الأرض أي ~~الذين في ناحية الشمال ليسوا تحت الذين في ناحية الجنوب وكذلك من كان في ~~ناحية برج السرطان ليس تحت من كان في ناحية برج العقرب وإن كان بعض جوانب ~~السماء تلى رؤوسنا تارة وأرجلنا أخرى وإن كان فلك الشمس فوق القمر وكذلك ~~السحاب وطير الهواء هو من جميع الجوانب فوق الأرض وتحت السماء ليس شيء منه ~~تحت الأرض ms1250 ولا من في هذا الجانب تحت من في هذا الجانب وكذلك ما على ظهر ~~الأرض من الجبال والنبات والحيوان والأناسي وغيرهم هم من جميع جوانب الأرض ~~فوقها وهم تحت السماء وليس أهل هذه الناحية تحت أهل هذه الناحية ولا أحد ~~منهم تحت الأرض ولا فوق السماء ألبتة فكيف تكون السماء تحت الأرض أو يكون ~~من هو فوق السماء تحت الأرض ولو كان شيء منهم تحت الأرض للزم أن يكون كل ~~منهم تحت الأرض وفوقها ولزم أن تكون كل من الملائكة وطير الهواء وحيتان ~~الماء ودواب الأرض فوق الأرض وتحت الأرض ويلزم أن يكون كل شيء فوق ما ~~يقابله وتحته ولزم أن يكون كل من جانبي PageV06P328 السماء فوق الآخر وتحت ~~الأرض وأن يكون العرش إذا كان محيطا بالعالم تحت السماء وتحت الأرض مع أنه ~~فوق السماء وفوق الأرض ولزم أن تكون الجنة تحت الأرض وتحت جهنم مع أنها فوق ~~السموات وفوق الأرض وفوق جهنم ولزم أن يكون أهل عليين تحت أهل سجين مع أنهم ~~فوقهم # فإذا كانت هذه اللوازم وأمثالها باطلة باتفاق أهل العقل والإيمان علم أنه ~~لا يلزم من كون الخالق فوق السموات أن يكون تحت شيء من المخلوقات وكان من ~~احتج بمثل هذه الحجة إنما احتج بالخيال الباطل الذي لا حقيقة له مع دعواه ~~أنه من البراهين العقلية فإن كان يتصور حقيقة الأمر فهو معاند جاحد محتج ~~بما يعلم أنه باطل وإن كان لم يتصور حقيقة الأمر فهو من أجهل الناس بهذه ~~الأمور العقلية التي هي موافقه لما أخبرت به الرسل وهو يزعم أنها تناقض ~~الأدلة السمعية فهو كما قيل % فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة % وإن كنت تدري ~~فالمصيبة أعظم % $ # الوجه الثاني أن يقال هب أنا لا نأخذ بما يقوله هؤلاء أليس من المعلوم ~~عند جميع الناس أن السموات فوق الأرض والهواء فوق الأرض والسحاب والطير فوق ~~الأرض والحيتان والدواب والشجر فوق الأرض الأرض والملائكة الذين في السموات ~~فوق الأرض وأهل عليين فوق أهل سجين والعرش أعلى المخلوقات ms1251 PageV06P329 # كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سألتم الله ~~الجنة فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفه عرش الرحمن # وهذه الأمور بعضها متفق عليه عند جميع العقلاء وما لم يعرفه جميع العقلاء ~~فهو معلوم عند من يقول به ولم يقل أحد من العقلاء إن هذه الأمور تحت الأرض ~~وسكانها وعلم العقلاء بذلك أظهر من علمهم بكرية الأفلاك لو قدر أن ذلك ~~معارض لهذا فكيف إذا لم يعارضه # وإذا كانت المخلوقات التي في الأفلاك والهواء والأرض لا يلزم من علوها ~~على ما تحتها أن تكون تحت ما في الجانب الآخر من العالم فالعلى الأعلى ~~سبحانه أولى أن لا يلزم من علوه على العالم أن يكون تحت شيء منه # الوجه الثالث أن يقال هذه الحجة إما أن تكون سمعية وإما أن تكون عقلية ~~ومن المعلوم أنها ليست سمعية ولو كانت سمعية لكانت السمعيات التي تدل على ~~علو الله تعالى أنص وأكثر وأظهر على مالا يخفى على مسلم وإن كانت عقلية فلا ~~بد من بيان مقدماتها بالعقل وهو لم يذكر إلا قوله فإن كان الله في جهة فوق ~~لكان أسفل بالنسبة إلى PageV06P330 سكان الوجه الآخر من الأرض وأنه باطل ~~فذكر مقدمتين لم يدل عليهما لزوم كونه أسفل بالنسبه إلى بعض المخلوقات ~~وبطلان هذا اللازم والمنازع ينازع في كل من المقدمتين فلا يسلم لزوم السفول ~~وإن سلم لزومه فلا بد من دليل عقلي ينفي به ذلك وهو لم يذكر على ذلك دليلا # ولا يجوز أن يقال هذا يوجب النقص وهو منزه عنه لوجهين # أحدهما أن المثبت لا يسلم أن هذا نقص ألا ترى أن الأفلاك موصوفة بالعلو ~~على الأرض مع لزوم ما ذكر من السفول تحت سكان الوجه الآخر وليس ذلك نقصا ~~فيها وكذلك كل ما يوصف بالعلو على ما تحته مثل الهواء والسحاب والطير ~~والحيوان والنبات والجبال والمعدن ومثل الملائكة والجنة والعرش وغير ذلك ~~فإذا كانت المخلوقات العالية أشرف في النفوس من المخلوقات السافلة ولم يكن ~~ما ms1252 ذكره من هذا السفول الإضافي مانعا من هذا الشرف والرتبة ولا يوجب ذلك ~~نقصا علم أن هذا ليس بنقص # فإن قيل الناحية الأخرى ليس فيها حيوان ونبات ومعادن وجبال وإنما فيها ~~ماء وكذلك السحاب والمطر قد يمنع كونه فيها # قيل هذا لا يضرنا فإنا نعلم أن الكواكب والشمس والقمر فوق الأرض مطلقا ~~وعلوها على الأرض ليس بنقص فيها وإن قدر ما تخيلوه في السفول وكذلك إذا قدر ~~هناك مثل ما في هذا الوجه ولو PageV06P331 كان ما هناك سافلا للزم أن تكون ~~الشمس والقمر والسموات إذا ظهرت علينا تحت ذلك الجانب من الأرض وتحت ما ~~هناك ولزم انه لا تزال الأفلاك تحت الكواكب والشمس والقمر تحت الأرض وهذا ~~في غاية الفساد # ومن العجب أن هؤلاء النفاة يعتمدون في إبطال كتاب الله وسنة أنبيائه ~~ورسله وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وما فطر الله عليه عباده وجعلهم ~~مضطرين إليه عند قصده ودعائه ونصب عليه البراهين العقلية الضرورية على مثل ~~هذه الحجة التي لا يعتمدون فيها إلا على مجرد خيال ووهم باطل مع دعواهم ~~أنهم هم الذين يقولون بموجب العقل ويدفعون موجب الوهم والخيال # وكل من له معرفة يعلم أن قول القائل إن الشمس والقمر والكواكب الدائرة في ~~الفلك هي بالليل تحت الأرض وهو من حكم الوهم الفاسد والخيال الباطل ليس له ~~حقيقه في الخارج فيريدون بهذا الوهم والخيال الفاسد أن يبطلوا صريح المعقول ~~وصحيح المنقول في أعظم الأصول ويحولوا بين القلوب وقصد خالقها وعبادته بمثل ~~هذا الوهم والخيال الفاسد الملتبس على من لا يفهم حقيقة قولهم # الوجه الثاني أن يقال أنتم تقولون لم يقم دليل عقلى على نفي النقص عن ~~الله تعالى كما ذكر ذلك الرازي متلقيا له عن أبي المعالى وأمثاله وإنما ~~ينفون النقص بالأدلة السمعية وعمدتهم فيه على PageV06P332 الإجماع وهو ظني ~~عنده والنصوص الدالة عليه دون النصوص الدالة على العلو في الكثرة والقوة # وإذا كان كذلك وكان علو الله تعالى على خلقه ثابتا بالسمع كان السمع ~~مثبتا لما نفيتموه لا ms1253 نافيا له ولم يكن في السمع ما ينفي هذا المعنى وإن ~~سميتموه نقصا فإنه إذا كان عمدتهم الإجماع فلا إجماع في موارد النزاع ولا ~~يجوز الاحتجاج بإجماع في معارضة النصوص الخبرية بلا ريب فإن ذلك يستلزم ~~انعقاد الإجماع على مخالفة النصوص وذلك ممتنع في الخبريات وإنما يدعيه من ~~يدعيه في الشرعيات ويقولون نحن نستدل بالإجماع على أن النص منسوخ # الوجه الرابع أن يقال إذا قدرنا موجودين أحدهما عظيم كبير أعظم من ~~السموات والأرض بحيث يمكنه ان يحيط بذلك كله ويحتوي عليه وآخر ولا يشار ~~إليه وليس هو داخل العالم ولا خارجه كان من المعلوم بالضرورة أن الأول أكمل ~~وأعظم # فإذا قال القائل هذه العظمة تقتضي إذا كان محيطا بالعالم أن يكون تحت شيء ~~منه كان من المعلوم أن وصف ذاك له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار ~~إليه ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء ولا يحيط بشيء ولا يوصف بأنه عظيم ~~كبير في نفسه ولا أنه PageV06P333 ليس بعظيم كبير في نفسه أعظم نقصا من ~~وصفه بإحاطة ما يستلزم إحاطته بجميع الموجودات # الوجه الخامس أن يقال هب أن العالم كرى فلم قلت إنه إذا كان فوق العالم ~~يلزم أن يكون تحت بعضه فإن هذا إنما يلزم إذا قدر أنه محيط بالعالم كله من ~~جميع الجهات فأما إذا قدر أنه فوق العالم من هذه الجهة التي عليها الحيوان ~~والنبات والمعدن لم يلزم أن يكون تحت العالم من تلك الجهة فلو فرضنا ~~مخلوقين أحدهما مدور والآخر فوق المدور ليس محيطا به كما يجعل الإنسان تحت ~~قدمه حمصة أو بندقة لم يلزم أن يكون الذي فوق المدور تحت المدور يوجه من ~~الوجوه # وإذا قيل المحيط بالمدور كالفلك التاسع المحيط بالأرض هو العالي من كل ~~جانب # قيل هو العالي بالنسبة إلى ما في جوف المدور وأما بالنسبة إلى ما فوق ~~المدور فلا بل المحيط وما في جوفه تحت ذلك الفوقاني مطلقا كما أن الحمصة ~~والبندقة تحت الرجل الموضوعة عليها # ومما يوضح ms1254 ذلك أن مركز الفلك هو السفل المطلق للفلك والفلك من كل جانب ~~عال عليه فإذا قدر فوق الفلك من الجانب الذي يلي الجانب الذي عليه الأنام ~~ما هو أعلى من الفلك من هذا الجانب وليس محيطا به ولا مركز العال مركزا له ~~امتنع أن يكون هذا تحت شيء من العالم بل هو قطعا فوق الأفلاك من هذا الجانب ~~وليس تحتها من ذلك الجانب فيلزم أن يكون هو فوقها لا تحتها PageV06P334 # وإذا قال القائل هذا كما لا يوصف بالسفول فهو لا يوصف أيضا بالعلو فإن ~~العالي المطلق هو المحيط إذا ليس إلا المحيط والمركز وهذا إذا لم يكن محيطا ~~لم يكن عاليا # قيل عن هذا جوابان أحدهما أنه على هذا التقدير إذا كان محيطا لم يكن ~~سافلا ألبتة بل يكون عاليا وعلى هذا فإن كان هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء ~~وهو الباطن الذي ليس دونه شيء ولو أدلى المدلى بجبل لهبط عليه كان محيطا ~~بالعالم عاليا عليه مطلقا ولم يلزم من ذلك أن يكون فلكا ولا مشابها للفلك ~~فإن الواحد من المخلوقات تحيط قبضته بما في يده من جميع جوانبها وليس شكلها ~~شكل يده بل ولا شكل يده شكلها # وذكر أن بعض الشيوخ سئل عن كون الرب عاليا محيطا بالعالم ممسكا له فقال ~~بعض مخلوقاته كالباشق مثلا يقبض بيده حمصة فيكون فوقها محيطا بها ممسكا لها ~~فإذا كان هذا لا يمتنع في بعض مخلوقاته فكيف يكون ممتنعا في حقه # الثاني أنه إذا قدر أنه عال وليس بمحيط لم يلزم أن يكون له مركز ولا أن ~~يكون مركز العالم مركزا له وأن يكون المركز هو السفل بالنسبة إليه وأن يكون ~~العالي هو المحيط بالنسبة إليه بل ذلك بل ذلك إنما يلزم في المحيط كالنقطة ~~من الدائرة فإذا قدر ما ليس بدائرة ولا هو كرة لم يكن له مركز كنقطة ~~الدائرة ولهذا لو PageV06P335 قدر أن السموات ليست محيطة بالأرض لم يكن لها ~~مركز مع تقدير الكرة المستديرة فلا بد لها من نقطة ms1255 في وسطها هو المركز وأما ~~ما ليس بمستدير ولا هو كرة فليس مركز الكرة وهو النقطة التي وسطها مركزا له ~~سواء جعل فوق المستدير أو تحته فلا يمتنع أن يكون شيء فوق المستدير وتحته ~~إذا لم يكن مستديرا ولا يكون مع هذا مشاركا للمستدير في أن النقطة لتي هي ~~المحيطة مركزا له بل المركز نسبته إلى جميع جهات المحيط واحدة وليست نسبته ~~إلى ما فوق المحيط أو تحته إذا قدر أن فوقه شيء أو تحته شيء ليس بمستدير ~~نسبة واحدة بل يكون المركز مع المحيط تحت هذا الشيء المعين الذي ليس ~~بمستدير كما قد يمكن أن يكون قوق شيء آخر فالمركز بالنسبة إلى المحيط تحته ~~والمحيط فوقه وأما ما يقدر فوق المحيط فهو عال على الجميع قطعا ويمتنع أن ~~يقال إنه ليس فوق المحيط فإنه معلوم بصريح العقل أن الهواء فوق الأرض ~~والسماء فوق الأرض وهذا معلوم قبل أن يعلم كون السماء محيطة بالأرض بل ~~الإحاطة قد يظن أنها مناقضة للعلو لا يقول أحد إن العلم بالعلو موقوف على ~~العلم بها ولا إن العلو مشروط بها فإن الطير فوق الأرض وليس محيطا به ~~والسحاب فوق الأرض وليس محيطا بها وكل جزء من أجزاء الفلك هو فوق الأرض ~~وليس محيطا بها فتبين أن العلو معنى معقول مع أنه لا يشترط فيه الإحاطة وإن ~~كانت الإحاطة لا تناقضه PageV06P336 # وهؤلاء النفاة حائرون تارة ويجعلون الإحاطة مناقضة للعلو وتارة يجعلونها ~~شرطا في العلو لازمة له ونحن قد بينا خطأهم في هذا وهذا فلا هي مناقضة له ~~ولا هي منافية له # ولهذا كان الناس يعلمون أن السماء فوق الأرض والسحاب فوق الأرض قبل أن ~~يخطر بقلوبهم أنها محيطة بالأرض # وكذلك يعلمون أن الله فوق العالم وإن لم يعلموا أنه محيط به وإذا علموا ~~أنه محيط لم يمنع ذلك علمهم بأنه فوقه # فتبين أنه ليس من شرط العلم بكون الشيء عاليا أن يعلم أنه محيط ولو كانت ~~الإحاطة شرطا في العلم امتنع العلم بالمشروط دون شرطه ms1256 ولكن لما كان في نفس ~~الأمر الأفلاك عالية محيطة كانت الإحاطة والعلو متلازمين في هذا محال فإن ~~قدر أن كل عال فهو محيط كان العلو والإحاطة متلازمين وإن قدر وجود موجود ~~عال ليس بمحيط لم تكن الإحاطة لازمة للعلو # فقد تبين أنه بتقدير أن يكون الرب عاليا ليس بمحيط فهو عال وبتقدير أن ~~يكون عاليا محيط فهو عال فثبت علوه على التقديرين وهو المطلوب وإذا كان هذا ~~معقولا في مخلوقين ففي الخالق بطريق الأولى # وقد قررت هذا على وجه آخر بأن يقال فإن قيل المحيط لا يتميز منه جانب دون ~~جانب بكونه فوقا وسفلا فلا يمكن إذا قدر شيء PageV06P337 خارجا عنه أن يقال ~~هو فوقه إلا كما يقال هو سفله وحينئذ ففرض شيء خارجا عن المدور المحيط مع ~~كونه فوقه جمع بين الضدين # قيل الجواب عن هذا من وجوه # أحدها أن هذا الكلام إن كان صحيحا لزم بطلان حجتكم وإن لم يكن صحيحا لازم ~~بطلانها فثبت بطلانها على تقدير النقيضين فيلزم بطلانها في نفس الأمر لأن ~~الحق في نفس الأمر لا يخلو عن النقيضين # بيان ذلك أن المحيط إما أن يصح أن يقال إن بعضه عال وبعضه سافل وإما أن ~~لا يصح فإن لم يصح بطل أن يكون الخارج عنه تحت شيء من العالم بل إذا قدر ~~أنه يحيط به ولو بقبضته له لزم أن يكون عاليا عليه مطلقا ولم يكن سافلا تحت ~~شيء من العالم وإن صح أن يكون بعضه عاليا وبعضه سافلا أمكن أن يكون مباينا ~~للعالم من الجهة العالية فيكون عاليا عليه # وإن قيل بل المحيط إذا حاذى رؤوسنا كان عاليا وإذا حاذى أرجلنا كان سافلا ~~فلا يزال بعضه عاليا وبعضه سافلا # قيل فعلى هذا التقدير يكون العالي ما كان فوق رؤوسنا وحينئذ فإذا كان ~~مباينا للعالم من جهة رؤوسنا دون أرجلنا لم يزل عاليا علينا دائما وهو ~~المطلوب # الوجه الثاني أن يقال هب أنه محيط بالعالم وفوقه من PageV06P338 جميع ~~الجهات فإنما يلزم ما ذكرت أن لو ms1257 كان من جنس فلك من الأفلاك فإن المتخيل قد ~~يتوهم أن ما استدار وأحاط بالأفلاك كان تحت بعض العالم من بعض الجهات # ومن المعلوم أن الله تعالى ليس مثل فلك من الأفلاك ولا يلزم إذا كان فوق ~~العالم ومحيطا به أن يكون مثل فلك فإنه العظيم الذي لا أعظم منه # وقد قال الله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه @QE@ سورة الزمر 67 # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ما يوافق ذلك ~~مثل حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقبض الله الأرض ~~ويطوي السموات بيمينه ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض وفي رواية ~~إنها تكون بيده مثل الكرة في يد الصبيان وروى ما هو أقل من ذلك # والمقصود أنه إذا كان الله أعظم وأكبر وأجل من أن يقدر العباد قدره أو ~~تدركه أبصارهم أو يحيطون به علما وأمكن أن تكون السموات والأرض في قبضته لم ~~يجب والحال هذه أن يكون تحت العالم أو تحت شيء منه فإن الواحد من الآدميين ~~إذا قبض قبضة أو بندقة أو حمصة أو حبة خردل وأحاط بها بغير ذلك لم يجز أن ~~يقال إن أحد جانبيها فوقه لكون يده لما أحاطت بها كان منها PageV06P339 ~~الجانب الأسفل يلي يده من جهة سفلها ولو قدر من جعلها فوق بعضه بهذا ~~الاعتبار لم يكن هذا صفة نقص بل صغة كمال # وكذلك أمثال ذلك من إحاطة المخلوق ببعض المخلوقات كاحاطة الإنسان بما في ~~جوفه وإحاطة البيت بما فيه وإحاطة السماء بما فيها من الشمس والقمر ~~والكواكب فإذا كانت هذه المحيطات لا يجوز أن يقال إنها تحت المحاط وأن ذلك ~~نقص مع كون المحيط يحيط به غيره فالعلى الأعلى المحيط بكل شيء الذي تكون ~~الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه كيف يجب أن يكون تحت ~~شيء مما هو عال عليه أو محيط به ويكون ذلك نقصا ms1258 ممتنعا # وقد ذكر أن بعض المشايخ سئل عن تقريب ذلك إلى العقل فقال للسائل إذا كان ~~باشق كبير وقد أمسك برجله حمصة أليس يكون ممسكا لها في حال طيرانه وهو ~~فوقها ومحيط بها فإذا كان مثل هذا ممكنا في المخلوق فكيف يتعذر في الخالق # قال الرازي واحتج الخصم بالعلم الضروري بأن كل موجودين فإن أحدهما سار في ~~الآخر أو مباين عنه في الجهة PageV06P340 # قال والجواب أن دعوى الضرورة قد سبق بطلانها وبقي القسم الثالث فهذه ~~المقدمة توجب الدور لتوقف ثبوتها على نفيها # والاعتراض على هذا أن دعوى الضرورة لا يمكن إبطالها إلا بتكذيب المدعي أو ~~بيان حطئه والمدعون لذلك أمم كثيرة منتشرة يعلم أنهم لم يتواطأوا على الكذب ~~فالقدح في ذلك كالقدح في سائر الأخبار المتواترة فلا يجوز أن يقال إنهم ~~كذبوا فيما أخبروا به عن أنفسهم من العلم الضروري # وأيضا فالمنازع يسلم أن مثل هذا مستقر في فطر جميع الناس وبدائههم وأنهم ~~مضطرون إليه لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم إلا كما يمكن دفع أمثاله مما هم ~~مضطرون إليه وإنما يقولون إن هذه الضرورة خطأ وهي من حكم الوهم # وقد تقدم بيان فساد ذلك وأن هذه القضية كلية عقلية لا خبرية معينة ولو ~~كانت خبرية معينة فالجزم بها كالجزم بسائر الحسيات الباطنة والظاهرة فهي لا ~~تخرج عن العقليات الكلية والحسيات المعينة وكما يمتنع اتفاق الطوائف ~~الكثيرة التي لم تتواطأ على دعوى الكذب في مثل PageV06P341 ذلك يمتنع ~~اتفاقهم على الخطأ في مثل ذلك ولو جاز الخطأ في مثل ذلك لم يكن الجزم بما ~~يخبر به الناس عما عرفوه بالحس أو الضرورة لإمكان غلطهم في ذلك فإن غلط ~~الحس الظاهر أو الباطن أو العقل يقع لآحاد الناس ولطائفة حصل بينها مواطأة ~~وتلقى بعضها عن بعض كالمذاهب الموروثة وكقول التابعين لكون هذا معلوما ~~بالضرورة فإنهم أهل مذهب تلقاه بعضهم عن بعض # وأما الجازمون بالضرورة في أن الله فوق العالم أو أنه لا يعقل موجود قائم ~~بنفسه لا يشار إليه ولا يعقل موجودان ليس ms1259 أحدهما محايثا للآخر ولا مباينا ~~له وأن مثل هذا ممتنع بالضرورة التي يجدونها في أنفسهم كسائر علومهم ~~الضرورية فهؤلاء أمم كثيرة لم يتواطأوا ولم يتفقوا على مذهب معين # وأما قوله وبقي القسم الثالث فهذه المقدمة توجب الدور لتوقف ثبوتها على ~~نفيها # فليس الأمر كذلك لأن هذه المقدمة الضرورية لا يتوقف ثبوتها على نفي ما ~~يعارضها كسائر المعارف الضرورية بل نعلم بالضرورة أن ماعارضها من النظريات ~~فهو باطل على سبيل الجملة وإن لم نذكر حل الشبه على وجه التفصيل كما نعلم ~~فساد سائر النظريات السوفسطائية المعارضة للعلوم الضرورية # وإذا قال القائل لا تثبت هذه المقدمة حتى ينفى المعارض المبطل لها ونفي ~~ذلك لا يكون إلا بثبوتها PageV06P342 # كان قوله ممنوعا غير مقبول باتفاق العقلاء على نظائر ذلك فإن كل مقدمة ~~ضرورية لا يتوقف ثبوتها على نفي ما يقدح فيها والاستدلال بها لا يتوقف على ~~ذلك بل هم يقولون إن القضايا اليقينية سواء كانت ضرورية أو نظرية لا يتوقف ~~العلم بموجبها على نفي المعارض ولو توقف على ذلك لم يعلم أحد شيئا لأن ما ~~يخطر بالقلوب من الشبهات المعارضة لا نهاية له فكيف يحتاج فى العلوم ~~الضرورية إلى نفي المعارض # ولهذا كان جميع العقلاء السالمي الفطرة يحكمون بموجب هده القضية الضرورية ~~قبل أن يعلموا أن فى الوجود من ينكرها ويخالفها وأكثر الفطر السليمة إذا ~~ذكر لهم قول النفاة بادروا إلى تجهيلهم وتكفيرهم ومنهم من لا يصدق أن عاقلا ~~يقول ذلك لظهور هذه القضية عندهم واستقرارها في أنفسهم فينسبون من خالفها ~~إلى الجنون حتى يروا ذلك في كتبهم أو يسمعوه من أحدهم # ولهذا تجد المنكر لهذه القضية يقر بها عند الضرورة ولا يلتفت إلى ما ~~اعتقده من المعارض لها فالنفاة لعلو الله إذا حزب أحدهم شدة وجه قلبه إلى ~~العلو يدعو الله # ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم وهو يطلب مني حاجة ~~وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني غير منكر له وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره ~~فرفع طرفه ms1260 ورأسه إلى السماء وقال يا الله فقلت له أنت محقق لمن ترفع طرفك ~~PageV06P343 ورأسك وهل فوق عندك أحد فقال استغفر الله ورجع عن ذلك لما تبين ~~له أن اعتقاده يخالف فطرته ثم بينت له فساد هذا القول فتاب من ذلك ورجع إلى ~~قول المسلمين المستقر في فطرهم # قال الرازي واحتج الخصم أيضا بأن اختصاص الجسم بالحيز والجهه إنما كان ~~لكونه قائما بالنفس يعني وهذا ثابت لكل قائم بنفسه وإذا كان في جهة كان في ~~جهة فوق لأن اختصاص الأشرف بالأشرف هو المناسب ولأن الخلق بطباعهم وقلوبهم ~~السليمة يرفعون أيديهم إليها عند التضرع والدعاء قال والجواب أن اختصاص ~~الجسم بالحيز والجهة قد يكون لذاته المخصوصة فإنه لا يجب أن يكون اختصاص كل ~~شيء بصفة لصفة أخرى # والاعتراض على ذلك أن يقال إن عنيت بذاته المخصوصة هو ما PageV06P344 ~~يمتاز به جسم عن جسم كما يقال اختصاص الفلك بالحيز لكونه فلكا واختصاص ~~الماء بالحيز لكونه ماء واختصاص الهواء بالحيز لكونه هواء فهذا باطل لا ~~يقوله عاقل فإن جميع الأجسام مشتركة في الاختصاص بالحيز والجهة والحكم ~~العام المشترك بينها لا يكون إلا لما امتاز به بعضها عن بعض فإنه لو كان ~~لما امتاز به بعضها عن بعض وجب أن يختص ببعضها كسائر ما كان من ملزومات ~~المخصصات المميزات # وإذا قيل إن المختلفات يجوز أن تشترك في لازم عام كاشتراك أنواع ~~الحيوانات المختلفة في الحيوانية فهذا صحيح لكن لا يجوز أن يكون الحكم ~~العام المشترك فيه لأجل ما يختص به كل حيوان # وإذا قيل إن الحكم الواحد بالنوع يجوز أن يعلل بعلتين مختلفتين كما يعلل ~~حل الدم بالردة والقتل والزنا وكما يعلل الملك بالإرث والبيع والاصطياد ~~وكما يعلل وجوب الغسل بالإنزال والإيلاج والحيض فالوجوب الثابت بهذا السبب ~~ليس هو بعينه الوجوب الثابت بهذا السبب لكنه نظيره مع أنهما يختلفان بحسب ~~اختلاف الأسباب فليس الملك الثابت بالإرث مساويا للملك الثابت بالبيع من كل ~~وجه بل له خصائص يمتاز بها عنه وكذلك حل الدم الثابت بالردة ليس ms1261 مساويا لحل ~~الدم الثابت بالقتل بل بينهما فروق معروفة # وكذلك الغسل المشروع بالحيض مخالف للغسل المشروع بالإيلاج من بعض الوجوه ~~وأما الإنزال والإيلاج فهما نوع واحد # وأما ما جزم العقل بثبوته للقدر المشترك فيجب أن يضاف إلى قدر ~~PageV06P345 مشترك والعقل يحزم بثبوت الحيز والجهة لكل جسم من غير أن يعلم ~~كل جسم بل لا يعقل حقيقة الجسم عنده إلا مع كونه متحيزا ذا جهة فصار هذا من ~~لوازم القدر المشترك فلا يجوز أن يضاف إلى المخصصات # وقوله لا يجب أن يكون اختصاص كل شيء بصفه لصفة أخرى # إنما تكون حجة لو قيل العلة في ثبوت هذه الصفة لصفة أخرى وليس هذا هو ~~المدعى بل المدعى أن هذا من لوازم القدر المشترك سواء قيل إنه معلول له أو ~~لازم غير معلول له وحينئذ فلا يحتاج أن نقول ثبت لصفة أخرى بل يمكن أن يكون ~~لازما لنفس الذات لكن هو لازم لسائر ما يشابهها في الحيز والجهة فلم يكن ~~لزومه لها من جهة ما يمتاز به عن غيرها بل من جهة القدر المشترك بينها وبين ~~غيرها من الأجسام # فعلم أن اتصاف الجسم بكونه متحيزا وذا جهة لازم له لعموم كونه جسما لا ~~لخصوص المعينات بمعنى أن المشترك مستلزم لهذا الحكم # وإن عنيت بذاته المخصوصة القدر المشترك بين الأجسام فلفظ الجسم مجمل إن ~~عنيت به كل ما يشار إليه فتسمية مثل هذا جسما مما ينازعك فيه من ينازعك من ~~أهل الإثبات والكلام في المعاني العقلية لا في المنازعات اللفظية # وصاحب هذا القول قد يمنع أن كل ما يشار إليه مركب من الجواهر PageV06P346 ~~المفردة أو من المادة والصورة وحينئذ فالناس هنا طوائف منهم من يقول لك هو ~~فوق العالم وليس بجسم ومنهم من يقول لك هو فوق العالم وهو جسم بمعنى أنه ~~يشار إليه لا بمعنى أنه مركب ومنهم من يسلم لك أنه يلزم أن يكون مركبا ~~ومنهم من لا يطلق الألفاظ البدعية في النفي ولا الإثبات بل يراعي المعاني ~~العقلية والألفاظ الشرعية فيقولون ms1262 لك القدر المشترك بينهما هو القيام ~~بالنفس فإنها كلها مشتركة في القيام بالنفس وفي التحيز وفي الجهة فهذه أمور ~~متلازمة # ويقول لك كثير منهم أو أكثرهم لا يعقل قائم بنفسه غير متحيز كما لا يعقل ~~قائم بغيره إلا وهو صفة سواء سمى عرضا أو لم يسم فإثبات المثبت قائما بنفسه ~~لا يشار إليه أمر لا يعقل عند عامة العقلاء كإثباته قائما بغيره ليس صفة له # ويوضح ذلك أن الأجسام مختلفة على أصح قولى الناس وإنما اشتركت في مسمى ~~القيام بالنفس والمقدار مع القيام بالنفس فكما أن التحيز والجهة هما من ~~لوازم المقدار العام لا من لوازم ما يختص ببعضها فكذلك هما من لوازم القيام ~~بالنفسى العام لا من لوازم ما يختص ببعضها وإن عنيت بلفظ الجسم ما هو مركب ~~من المادة والصورة أو من الجواهر المفردة كما هو قول طوائف من أهل الكلام ~~والفلسفة فهنا المنازعون لك صنفان منهم من يقول هو جسم مركب من الجواهر ~~المفردة أو من المادة والصورة وهؤلاء وإن كان قولهم باطلا فليس لك حجة تبطل ~~بها قولهم بل هم على إبطال قولك أقدر منك على إبطال قولهم فإن كل قول يكون ~~أبعد عن الحق PageV06P347 تكون حجج صاحبه أضعف من حجج من هو أقل خطأ منه # وقول المعطلة لما كان أبعد عن الحق من قول المجسمة كانت حجج أهل التعطيل ~~أضعف من حجج أهل التجسيم ولما كان مرض التعطيل أعظم كان عناية الكتب ~~الإلهية بالرد على أهل التعطيل أعظم وكانت الكتب الإلهية قد جاءت بإثبات ~~صفات الكمال على وجه التفضيل مع تنزيهه عن أن يكون له فيها مثيل بل يثبتون ~~له الأسماء والصفات وينفون عنه مماثلة المخلوقات ويأتون بإثبات مفصل ونفي ~~مجمل فيثبتون أن الله حي عليم قدير سميع بصير غفور رحيم ودود إلى غير ذلك ~~من الصفات ويثبتون مع ذلك أنه لا ند له ولا مثل له ولا كفو له ولا سمى له # ويقول تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ سورة الشورى 11 ~~ففي ms1263 قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ رد على أهل التمثيل وفي قوله @QB@ وهو ~~السميع البصير @QE@ رد على أهل التعطيل # ولهذا قيل الممثل يعبد صنما والمعطل يعبد عدما # والمقصود هنا أن هؤلاء النفاة لا يمكنهم إقامة حجة على غلاة المجسمة الذي ~~يصفونه بالنقائص حتى الذين يقولون ما يحكى عن بعض اليهود أنه بكى على ~~الطوفان حتى رمد وأنه عض يده حتى جرى منه الدم ندما ونحو ذلك من المقالات ~~التي هي من أفسد المقالات وأعظمها كفرا ليس مع هؤلاء النفاة القائلين بأنه ~~بداخل العالم ولا خارجه حجة عقليه يبطلون بها مثل هؤلاء الأقوال الباطلة ~~فكيف بما هو دونها من الباطل فكيف بالأقوال الصحيحة PageV06P348 وذلك أن ~~عمدتهم على أن هذه الصفات تستلزم التجسيم وهو باطل وعمدتهم في نفي التجسيم ~~على امتناع اتصافه بالصفات ويسمونه التركيب أو على حدوث الجسم الذى مبناه ~~على أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وعلى أن ما اختص بشيء فلا بد له من ~~مخصص من غير فرق بين الواجب بذاته القديم الأزلي وبين غيره مع العلم بأنه ~~لا بد للموجود الواجب من حقيقة يختص بها يتميز بها عما سواه وأن ما اختصت ~~به حقيقته يمتنع أن يكون لها مخصص كما يمتنع أن يكون لوجوده الواجب موجب أو ~~لعلمه معلم أو لقدرته مقدور ونحو ذلك # وإذا كان كذلك فهؤلاء يقولون لك الاختصاص بالحيز والجهة إنما كان لكون ~~المختص بها قائما بالنفس فيكون كل قائم بنفسه مختصا بالحيز والجهة ويقولون ~~إن عنيت أن كل مختص بجهة إنما اختص بجنس الحيز والجهة لذاته المخصوصة فقد ~~ظهر بطلان ذلك # وإن قلت إنما اختص بالجهة المخصوصة والحيز المخصوص لذاته المخصوصة لم ~~ينازعك في ذاك بل يقولون الاختصاص بجنس الجهة والحيز كان لجنس القيام ~~بالنفس فجنس الاختصاص لازم لجنس القيام بالنفس فكل قائم بنفسه مختص بحيز ~~وجهة فقد تبين أن كونه متحيزا ذا جهة لازم لعموم كونه جسما لا لخصوص جسم ~~معين # وحينئذ فإذا قلت كما أن الاختصاص بالجهة والحيز من لوازم القيام بالنفس ms1264 ~~فهو مستلزم لكونه جسما # قالوا لك ونحن نقول بذلك PageV06P349 # وكذلك إذا قلت لهم كما لا تعقلون قائما بنفسه إلا مختصا بجهة وحيز فلا ~~تعقلون قائما بنفسه إلا جسما # قالوا لك ونحن نقول بذلك # فإذا شرعت معهم في نفي الجسم كان لهم طريقان أحدهما أن يقولوا هذا قدح في ~~الضروريات بالنظريات فلا نقبله كما تقدم # والثاني أن يبينوا بطلان أدلة النافيه للتجسيم وأنت تعترف ببطلانها # فأنت في غير موضع من كتبك ومن تقدمك كالغزالي وغيره تبينون فساد حجج ~~المتكلمين على أن كل جسم محدث وتقدحون فيها بما لا يمكن إبطاله كما فعلت في ~~المباحث المشرقية والمطالب العالية بل كما فعل من بعدك كالآمدي والآرموي ~~وغيرهما وأنتم في مواضع أخر تقدحون في حجج من احتج على أن الجسم مركب وكل ~~مركب فهو مفتقر بذاته وتقدحون في أدلة الفلاسفة التي احتجوا بها على إمكان ~~كل مركب كما فعل الغزالي في تهافت الفلاسفة وكما فعله الرازي والآمدي ~~وغيرهما # وهذه الحجة وهي الاحتجاج بكون الرب قائما بنفسه على كونه مشار إليه وأنه ~~فوق العالم لما كانت حجة عقلية لا يمكن مدافعتها وكانت مما ناظر به ~~الكرامية لأبي إسحاق الإسفراييني فر أبو إسحاق وغيره إلى إنكار كون الرب ~~قائما بنفسه بالمعنى المعقول PageV06P350 وقال لا أسلم أنه قائم بنفسه إلا ~~بمعنى أنه غني عن المحل فجعل قيامه بنفسه وصفا عدميا لا ثبوتيا وهذا لازم ~~لسائرهم # ومعلوم أن كون الشيء قائما بنفسه أبلغ من كونه قائما بغيره فإذا كان ~~العرض القائم بغيره يمتنع أن يكون عدميا فقيام الجسم بنفسه أبلغ في ~~الامتناع وإذا كان المخلوق قائما بنفسه فمعلوم أن هذه صفة كمال تميز بها ~~الجسم عن العرض فخالق الجميع كيف لا يتصف إلا بهذه الصفة الكمالية # بل لا يكون قائما بنفسه ولا بغيره إلا بمعنى عدمي فيكون المخلوق مختصا ~~بصفة موجودة كمالية والخالق لا يتصف إلا بالأمر العدمي فيكون المخلوق متصفا ~~بصفة كمال وجودية والخالق مختصا بالأمر العدمى والعدم لا يكون قط صفة كمال ~~إلا إذا تضمن أمرا ms1265 وجوديا فما ليس بوجود ولا كمال في الوجود فليس بكمال ~~فإذن لم يكن القيام بالنفس متضمنا لأمر وجودي بل لا معنى له إلا العدم ~~المحض لم يكن صفة كمال وعدم افتقاره إلى الغير أمر عدمي والعدمي إن لم ~~يتضمن صفة ثبوتية لم يكن صفة كمال والعدم المحض لا يفتقر إلى محل وكل صفة ~~لا يشاركه فيها المعدوم لم تكن صفة كمال # وأما الصنف الثاني فهم يوافقونك على أن صانع العالم ليس بمركب من الجواهر ~~المفردة ولا من المادة والصورة فليس هو بجسم # وحينئذ فقولك إن اختصاص الجسم بالحيز والجهة قد يكون PageV06P351 لذاته ~~المخصوصة إن عنيت بذاته المخصوصة هذا التركيب فهذا المعنى ممنوع عنده فضلا ~~عن أن يكون علة لهذا الحكم # وإن عنيت بذاته المخصوصة ما هو مشترك بين الأجسام من كونها مشارا إليها ~~فلا يسلم لك أن في الوجود قائما بنفسه غير مشار إليه # قال الرازي في حجة خصمه وإذا كان في جهة كان في جهة فوق لأن اختصاص ~~الأشرف بالأشرف هو المناسب # قال والجواب قوله جهة فوق أشرف الجهات خطابي لا يثبت به العقليات # قال ولأن العالم كرة فلا فوق إلا وهو تحت بالنسبة ولأنه إن لم يكن ~~لامتداده في جهة العلو نهاية فكل نقطة فوقها نقطة أخرى فلا شيء يفرض فيه ~~إلا وهو سفل وإن كان له نهاية كان فوق طرفه الأعلى خلاء أعلى منه فلم يكن ~~علوا مطلقا ولأن الشرف الحاصل بسبب الجهة للجهة بالذات وللحاصل فيها بالعرض ~~فكان المكان في هذا الباب أشرف منه تعالى الله عن ذلك PageV06P352 # قلت ولقائل أن يقول تقرير العلو بالأدلة العقلية ثبت من طرق # أحدها أن يقال إذا ثبت بالعقل أنه مباين للمخلوقات وثبت أن العالم كرى ~~وأن العلو المطلق فوق الكرة لزم أن يكون في العلو بالضرورة # وهذه مقدمات عقلية ليس فيها خطابي وذلك لأن العالم إذا كان مستديرا فله ~~جهتان حقيقيتان العلو والسفل فقط وإذا كان مباينا للعالم امتنع أن يكون في ~~السفل داخلا فيه فوجب أن يكون في ms1266 العلو مباينا له وقد تقدم أن النافي قال ~~إن العالم كرة واستدل على ذلك بالكسوف القمري إذا كان يتقدم في الناحية ~~الشرقية على الغربية # والقول بأن الفلك مستدير هو قول جماهير علماء المسلمين والنقل بذلك ثابت ~~عن الصحابة والتابعين بل قد ذكر أبو الحسين بن المنادى وأبو محمد بن حزم ~~وابن الجوزي وغيرهم أنه ليس في ذلك خلاف بين الصحابة والتابعين وغيرهم من ~~علماء المسلمين وقد نازع في ذلك طوائف من أهل الكلام والرأي من الجهمية ~~والمعتزلة وغيرهم # وقد قال الله تعالى @QB@ وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في ~~فلك يسبحون @QE@ سورة الأنبياء 33 وقال @QB@ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك ~~القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون @QE@ سورة يس 40 ~~PageV07P003 # قال ابن عباس وغيره في فلكه مثل فلكة المغزل # وفي حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود ~~والترمذي وغيرهما أن أعرابيا قال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال ~~وهلك المال فادع الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فسبح ~~رسول الله حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك أتدري ما الله شأن الله ~~أعظم من ذلك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه إن عرشه على سماواته ~~هكذا وقال بأصابعه مثل القبة وإنه ليأط به أطيط الرحل الجديد براكبه وهذا ~~مبسوط في غير هذا الموضع # وإذا كان الخصم قد استدل بذلك كان ذلك حجة عليه فإذا كان العالم كريا وقد ~~ثبت بالضرورة أنه إما مداخل له وإما مباين له وليس بمداخل له وجب أن يكون ~~مباينا له وإذا كان مباينا له وجب أن يكون فوقه إذ لا فوق إلا المحيط وما ~~كان وراءه PageV07P004 # الطريق الثاني أن يقال علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم أمر مستقر ~~في فطر العباد معلوم لهم بالضرورة كما اتفق عليه جميع الأمم إقرارا بذلك ~~وتصديقا من غير أن يتواطأوا على ذلك ويتشاعروا وهم يخبرون على ms1267 أنفسهم أنهم ~~يجدون التصديق بذلك في فطرهم # الطريق الثالث أن يقال هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته مثل قصده ~~عند الدعاء والمسألة يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو فكما انهم مضطرون ~~إلى دعائه وسؤاله هم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه لا يجدون ~~في قلوبهم توجها إلى جهة أخرى ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلوب عن ~~قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها ~~من الجهات # وهذا الوجه يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو وتوجههم عند دعائه إلى ~~العلو والأول يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك فهذا ~~فطرة واضطرار إلى العلم والتصديق والإقرار وذاك اضطرار إلى القصد والإرادة ~~والعمل المتضمن للعلم والتصديق والإقرار # الطريق الرابع أن يقال قوله جهة فوق أشرف الجهات خطابي ليس كذلك وذلك ~~لأنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال ~~والآخر صفة نقص فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص فلما تقابل الموت ~~والحياة وصف PageV07P005 بالحياة دون الموت ولما تقابل العلم والجهل وصف ~~بالعلم دون الجهل ولما تقابل القدرة والعجز وصف بالقدرة دون العجز ولما ~~تقابل الكلام والبكم وصف بالكلام دون البكم ولما تقابل السمع والبصر والصمم ~~والعمى وصف بالسمع والبصر دون الصمم والعمى ولما تقابل الغنى والفقر وصف ~~بالغنى دون الفقر ولما تقابل الوجود والعدم وصف بالوجود دون العدم ولما ~~تقابل المباينة للعالم والمداخلة له وصف بالمباينة دون المداخلة وإذا كان ~~مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليا على العالم أو مسامتا له وجب أن ~~يوصف بالعلو دون المسامتة فضلا عن السفول # والمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر وعلو المكانة معناه أنه ~~أكمل من العالم وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم فإذا كان مباينا ~~للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم لا محاذيا له ولا سافلا عنه ~~ولما كان العلو صفة كمال كان ذلك من لوازم ذاته فلا يكون ms1268 مع وجود غيره إلا ~~عاليا عليه لا يكون قط غير عال عليه # كما ثبت في الصحيح الذي في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر ~~فليس بعدك شيء وأنت الظاهر PageV07P006 فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس ~~دونك شيء # ولهذا كان مذهب السلف والأئمة أنه مع نزوله إلى سماء الدنيا لا يزال فوق ~~العرش لا يكون تحت المخلوقات ولا تكون المخلوقات محيطة به قط بل هو العلي ~~الأعلى العلي في دنوه القريب في علوه # ولهذا ذكر غير واحد إجماع السلف على أن الله ليس في جوف السماوات ولكن ~~طائفة من الناس قد يقولون إنه ينزل ويكون العرش فوقه ويقولون إنه في جوف ~~السماء وإنه قد تحيط به المخلوقات وتكون أكبر منه # وهؤلاء ضلال جهال مخالفون لصريح المعقول وصحيح المنقول كما أن النفاة ~~الذين يقولون ليس داخل العالم ولا خارجه جهال ضلال مخالفون لصريح المعقول ~~وصحيح المنقول فالحلولية والمعطلة متقابلان PageV07P007 # الطريق الخامس أن يقال إذا كان مباينا للعالم فإما أن يقدر محيطا به أو ~~لا يقدر محيطا به سواء قدر أنه محيط به دائما أو محيط به بعض الأوقات كما ~~يقبض يوم القيامة الأرض ويطوي السماوات فإن قدر محيطا به كان عاليا عليه ~~علو المحيط على المحاط به # وقد تقدم قولهم ان الفلك كرى فيلزم أن تكون الأفلاك محيطة بالأرض وهي ~~فوقها باتفاق العلماء فما كان محيطا بالجميع أولى بالعلو والارتفاع سبحانه ~~وتعالى وإن لم يكن مماثلا لشيء من المخلوقات ولا مجانسا للأفلاك ولا غيرها # وإن لم يقدر محيطا به فإن كان العالم كريا وليس لبعض جهاته اختصاص بالعلو ~~فإذا كان مباينا له لزم أن يكون عاليا كيفما كان الأمر # وإن قدر أن العالم ليس بكرى أو هو كرى ولكن بعض جهاته لها اختصاص بالعلو ~~مثل أن نقول إن الله وضع الأرض وبسطها للأنام فالجهة التي تلي رؤوس الناس ~~هي جهة العلو من العالم دون ms1269 الأخرى فحينئذ إذا كان مباينا وقدر أنه غير ~~محيط فلا بد من اختصاصه بجهة العلو أو غيرها # ومن المعلوم أن جهة العلو أحق بالاختصاص لأن الجهة العالية أشرف بالذات ~~من السافلة ولهذا اتفق العلماء على أن جهة السماوات أشرف من جهة الأرض وجهة ~~الرأس أشرف من جهة الرجل فوجب اختصاصه بخير النوعين وأفضلهما إذ اختصاصه ~~بالناقص المرجوح ممتنع PageV07P008 # وأما قول النافي ولأن العالم كرة فلا فوق إلا وهو تحت بالنسبة # فيقال له هذا خطأ لما تقدم من أن المحيط باتفاق العقلاء عال على المركز ~~وأن العقلاء متفقون على أن الشمس والقمر والكواكب إذا كانت في السماء فلا ~~تكون إلا فوق الأرض وكذلك السحاب والطير في الهواء # وأيضا فإن هذا التحت أمر خيالي وهمي لا حقيقة له وليس فيه نقص كالمعلق ~~برجليه لا تكون السماء تحته إلا في الوهم الفاسد والخيال الباطل وكذلك ~~النملة الماشية تحت السقف فالشمس والقمر والنجوم السابحة في أفلاكها لا ~~تكون بالليل تحتنا إلا في الوهم والخيال الفاسد # وأيضا فإنه مع كونه كريا لا يمتنع أن نختص إحدى جهتيه بوصف اختصاص ألا ~~ترى أن الأرض مع قولهم إنها كرية فإن هذه الجهة التي عليها الحيوان والنبات ~~والمعدن أشرف من الجهة التي غمرها الماء وإذا كانت هذه الجهة أشرف جهتي ~~الأرض لم يمتنع أن يكون ما يحاذيها أشرف مما يحاذي الجهة الأخرى فما كان ~~فوق الأفلاك من هذه الجهة أشرف مما يكون من تلك الجهة الأخرى # ومما يوضح ذلك أن مقتضى طبيعة الماء والتراب عند من يعتبر ذلك أن يكون ~~الماء قد غمر الأرض كلها من هذه الناحية كما غمرها PageV07P009 من تلك ~~الناحية لأن الماء بالطبع يعلو على التراب ومع هذا فقد اختص هذا الوجه بأن ~~الماء ممنوع عنه # وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من ليلة إلا والبحر ~~يستأذن ربه في أن يغرق بني آدم فيمنعه ربه # وأهل الطبع والحساب قد حاروا في سبب جفاف هذا الوجه حتى قالوا هذا سببه ~~عناية ms1270 الرب مع أن هذا عندهم إذا قالوه ينقض مذاهبهم # وإذا كان هذا فيما شوهد فما المانع أن يكون فوق الأفلاك من هذا الجانب ما ~~هو مختص بأمر يقتضي اختصاص الرب بالعلو عليه من هذا الوجه # وأما قوله إن لم يكن لامتداده في جهة العلو نهاية فكل نقطة فوقها أخرى ~~فلا شيء يفرض فيه إلا وهو سفل وإن كان له نهاية كان فوق طرف العلو خلاء ~~أعلى منه فلم يكن علوا مطلقا # فجوابه من وجوه # أحدها أن يقال العلى الأعلى هو الذي ليس فوقه شيء أصلا # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنت PageV07P010 ~~الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء # وحينئذ فهذا الخلق المذكور إما أن يكون شيئا موجودا وإما أن لا يكون شيئا ~~موجودا فإن كان الأول فهو من العالم والله فوقه إذ هو العلى الأعلى الظاهر ~~الذي ليس فوقه شيء وإن لم يكن شيئا موجودا فهذا لا يوصف بأنه فوق غيره ولا ~~تحته ولا يقال إن تحته شيء ولا فوقه شيء إذ هو عدم محض ونفي صرف فلا يجوز ~~أن يقال إن فوق الله شيء والعدم ليس بشيء لا سيما العدم الممتنع فإنه ليس ~~بشيء باتفاق العقلاء ويمتنع أن يكون فوق الله شيء فهو عدم ممتنع # الثاني أن يقال غاية الكمال في العلو أن لا يكون فوق العالي شيء موجود ~~والله موصوف بذلك وما ذكرته من الخلاء إذا قدر أنه لا بد منه لم يقدح ذلك ~~في علوه الذي يستحقه كما أنه سبحانه موصوف بأنه على كل شيء قدير والممتنع ~~لنفسه الذي ليس بشيء ولا يدخل في العموم لا يكون عدم دخوله نقصا في قدرته ~~الشاملة # وكذلك هو سبحانه بكل شيء عليم فيعلم الأشياء على ما هي عليه فما لم يكن ~~موجودا لا يعلمه موجودا كما قال تعالى @QB@ قل أتنبئون الله بما لا يعلم في ~~السماوات ولا في الأرض @QE@ سورة يونس PageV07P011 ( 18 ) ولا يكون نفي هذا ~~العلم نقصا ms1271 بل هو من تمام كماله لأنه يقتضي أن يعلم الأشياء على ما هي عليه ~~ونظائر هذا كثيرة # الثالث أن يقول له إخوانه الذين يقولون إنه لا نهاية له في ذاته قولك إن ~~ما لا يتناهى فكل نقطة منها فوقها نقطة فكل شيء منه سفل لا يقدح في مطلوبنا ~~فإن مقصودنا أن لا يكون غيره أعلى منه بل هو عال على كل موجود ثم بعد ذلك ~~إذا قدرت أنه ما منه شيء إلا وغيره منه أعلى منه لم يقدح هذا في مقصوده ولا ~~في كماله فإنه لم يعل على شيء منه إلا ما هو منه لا من غيره # وأيضا فإن مثل هذا لا بد منه والواجب إثبات صفات الكمال بحسب الإمكان # وأيضا فإن مثل هذا كمال في العلو ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى ~~من بعض إذا لم يكن غيره عاليا عليه # وأيضا فإن الناس متنازعون في صفاته هل بعضها أفضل من بعض مع أنها كاملة ~~لا نقص فيها بوجه من الوجوه وهل بعض كلامه أفضل من بعض مع كمال الجميع # والسلف والجمهور على أن بعض كلامه أفضل من بعض وبعض صفاته أفضل من بعض مع ~~كونها كلها كاملة لا نقص فيها كما دلت PageV07P012 على ذلك نصوص الكتاب ~~والسنة كقوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ سورة البقرة 106 # وكقوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه إن رحمتي تغلب غضبي وفي لفظ سبقت ~~غضبي # وقوله @QB@ قل هو الله أحد @QE@ سورة الإخلاص 1 تعدل ثلث القرآن # وقوله في فاتحة الكتاب لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ~~ولا في القرآن مثلها # فنفى أن يكون لها مثل # وقوله عن آية الكرسي إنها أعظم آية في القرآن PageV07P013 # وقوله صلى الله عليه وسلم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك ~~منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك # وقوله يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما ms1272 أنفق ~~منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يخفض ~~ويرفع فأخبر أن الفضل بيده اليمنى والقسط بيده الأخرى مع أن كلا يديه يمين # كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم المقسطون على منابر من نور عن ~~يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا # فإذا كانت صفاته كلها كاملة لا نقص فيها وبعضها أفضل من بعض لم يمتنع أن ~~يكون هو العالي علوا مطلقا وإن كان منه ما هو أعلى من غيره PageV07P014 # وأما قوله إن الشرف الحاصل بسبب الجهة لها بالذات وللحاصل فيها بالعرض # فجوابه من وجوه # أحدها أن هذا إنما يمكن أن يقال إذا كانت الجهة أمرا وجوديا فأما إذا ~~كانت أمرا عدميا والمراد بذلك أنه فوق العالم مباين له ليس معه هناك موجود ~~غيره لم يكن هناك شيء موجود غيره يستحق العلو لا جهة ولا غيرها فضلا عن أن ~~يستحق غيره العلو والشرف والذات # وهؤلاء يتكلمون بلفظ الجهة والحيز والمكان ويعنون بها تارة أمرا معدوما ~~وتارة أمرا موجودا ولهذا كان أهل الإثبات من أهل الحديث والسلفية من جميع ~~الطوائف منهم من يطلق لفظ الجهة ومنهم من لا يطلقه وهما قولان لأصحاب أحمد ~~والشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم من أهل الحديث والرأي # وكذلك لفظ ( المكان ) منهم من يطلقه ومنهم من يمنع منه وأما لفظ المتحيز ~~فمنهم من ينفيه وأكثرهم لا يطلقه ولا ينفيه لأن هذه ألفاظ مجملة تحتمل حقا ~~وباطلا # وإذا كان كذلك فيقال قول القائل إن الله في جهة أو حيز أو مكان إن أراد ~~به شيئا موجودا غير الله فذلك من جملة مخلوقاته ومصنوعاته فإذا قالوا إن ~~الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه امتنع أن يكون محصورا أو محاطا ~~بشيء موجود غيره سواء سمى مكانا أو جهة أو حيزا أو غير ذلك ويمتنع أيضا أن ~~يكون محتاجا إلى PageV07P015 شيء من مخلوقاته لا عرش ولا غيره بل هو بقدرته ~~الحامل للعرش ولحملته فإن البائن ms1273 عن المخلوقات العالي عليها يمتنع أن يكون ~~في جوف شيء منها # وإذا قيل إنه في السماء كان المعنى إنه في العلو وهو مع ذلك فوق كل شيء ~~ليس في جوف السماوات فإن السماء هو العلو وكل ما علا فهو سماء # يقال سما يسمو سموا أي علا يعلو علوا وهذا اللفظ يعم كل ما يعلو لم يخص ~~بعض أنواعه بسبب القرينة # فإذا قيل فليمدد بسبب إلى السماء فقد يراد به السقف وإذا قيل نزل المطر ~~من السماء كان نزوله من السحاب وإذا قيل العرش في السماء فالمراد به ما فوق ~~الأفلاك وإذا قيل الله في السماء فالمراد بالسماء ما فوق المخلوقات كلها أو ~~يراد أنه فوق السماء وعليها فأما أن يكون في جوف السماوات فليس هذا قول أهل ~~الإثبات أهل العلم والسنة ومن قال بذلك فهو جاهل كمن يقول إن الله ينزل ~~ويبقى العرش فوقه أو يقول إنه يحصره شيء من مخلوقاته فهؤلاء ضلال كما أن ~~أهل النفي ضلال # وإن أراد بمسمى الجهة والحيز والمكان أمرا معدوما فالمعدوم ليس شيئا فإذا ~~سمى المسمى ما فوق المخلوقات كلها حيزا وجهة ومكانا كان المعنى أن الله ~~وحده هناك ليس هناك غيره من الموجودات لا PageV07P016 جهة ولا حيز ولا مكان ~~بل هو فوق كل موجود من الأحياز والجهات والأمكنة وغيرها سبحانه وتعالى # الوجه الثاني أن يقال لو عارضكم معارض وقال الجهة وإن كانت موجودة فهي ~~مخلوقة له مصنوعة وهي مفتقرة إليه وهو مستغن عنها فإن العرش مثلا إذا سمي ~~جهة ومكانا وحيزا فالله تعالى هو ربه وخالقه والعرش مفتقر إلى الله افتقار ~~المخلوق إلى خالقه والله غني عنه من كل وجه فليس في كونه فوق العرش وفوق ما ~~يقال له جهة ومكان وحيز وإن كان موجودا إثبات شرف لذلك المخلوق أعظم من شرف ~~الله تعالى # وهذا قد يجيب به من يثبت الخلاء ويجعله مبدعا لله تعالى # الوجه الثالث أنه إذا كان عاليا على ما يسمى جهة ومكانا كان هو أعلى منه ~~فأي شرف وعلو ms1274 كان لذلك الموجود بالذات أو بالعرض فعلو الله أكمل منه # الوجه الرابع أن يقال لا نسلم أن العلو الحاصل بسبب الجهة هو لها بالذات ~~ولغيرها بالعرض إذ الجهة تابعة لغيرها سواء كانت موجودة أو معدومة وعلوها ~~تبع لعلو العالي بها فكيف يكون العلو للتابع بالذات وللمتبوع بالعرض # وقولنا عال بالجهة مثل قولنا عال بالعلو وعالم بالعلم وقادر بالقدرة أو ~~عال علو المكانة أو عال بالقهر فليس في ذلك ما PageV07P017 يوجب أن تكون ~~المكانة والقهر والعلو والعلم أكمل من القاهر العالم العالي ذي المكانة ~~العالية ومهما قدر أنه يسمى جهة فإما أن يكون عدما فلا شرف له أصلا وإما أن ~~يقدر موجودا إما صفة لله وإما مخلوقا لله وعلى التقديرين فالموصوف أكمل من ~~الصفة والخالق أكمل من المخلوق فكيف تكون الصفات والمخلوقات أكمل من ~~الموصوف الخالق سبحانه وتعالى # الوجه الخامس أن الجهة قد نعني بها نسبة وإضافة كاليمين واليسار والأمام ~~والوراء فالعلو إذا سمي جهة بهذا الاعتبار كان العالي بالجهة معناه أن بينه ~~وبين ما هو عال عليه نسبة وإضافة أوجبت أن يكون هذا فوق هذا فهل يقال إن ~~هذه النسبة والإضافة التي بها وصف العالي بأنه عال أكمل من ذاته العالية ~~الموصوفة بهذا العلو والنسبة # الوجه السادس أن يقال هذا الذي قاله إنما يتوجه في المخلوق إذا علا على ~~سقف أو منبر أو عرش أو كرسي أو نحو ذلك فإن ذلك المكان كان عاليا بنفسه ~~وهذا صار عاليا لما صار فوقه بسبب علو ذلك فالعلو لذلك السقف والسرير ~~والمنبر بالذات ولهذا الذي صعد عليه بالعرض # فكلامهم يتوجه في مثل هذا وهذا في حق الله وهم وخيال فاسد وتمثيل لله ~~بخلقه وتشبيه له بهم في صفات النقص التي يتعالى عنها PageV07P018 # وهؤلاء النفاة كثيرا ما يتكلمون بالأوهام والخيالات الفاسدة ويصفون الله ~~بالنقائص ولآفات ويمثلونه بالمخلوقات بل بالناقصات بل بالمعدومات بل ~~بالممتنعات فكل ما يضيفونه إلى أهل الإثبات الذين يصفونه بصفات الكمال ~~وينزهونه عن النقائص والعيوب وأن يكون له في شيء من صفاته ms1275 كفو أو سمي فما ~~يضيفونه إلى هؤلاء من زعمهم أنهم يحكمون بموجب الوهم والخيال الفاسد أو ~~أنهم يصفون الله بالنقائص والعيوب أو أنهم يشبهونه بالمخلوقات هو بهم أخلق ~~وهو بهم أعلق وهم به أحق فإنك لا تجد أحدا سلب الله ما وصف به نفسه من صفات ~~الكمال إلا وقوله يتضمن لوصفه بما يستلزم ذلك من النقائص والعيوب ولمثيله ~~بالمخلوقات وتجده قد توهم وتخيل أوهاما وخيالات فاسدة غير مطابقة بنى عليها ~~قوله من جنس هذا الوهم والخيال وأنهم يتوهمون ويتخيلون أنه إذا كان فوق ~~العرش محتاجا إلى العرش كما أن الملك إذا كان فوق كرسيه كان محتاجا إلى ~~كرسيه # وهذا عين التشبيه الباطل والقياس الفاسد ووصف الله بالعجز والفقر إلى ~~الخلق وتوهم أن استواءه مثل استواء المخلوق أولا يعلمون أن الله يحب أن ~~نثبت له صفات الكمال وننفي عنه مماثلة المخلوقات وأنه @QB@ ليس كمثله شيء ~~@QE@ سورة الشورى 11 لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله فلا بد من تنزيهه ~~عن النقائص والآفات ومماثلة شيء من المخلوقات وذلك يستلزم إثبات صفات ~~الكمال والتمام التي ليس فيها كفو لذي الجلال والإكرام # وبيان ذلك هنا أن الله مستغن عن كل ما سواه وهو خالق كل PageV07P019 ~~مخلوق ولم يصر عاليا على الخلق بشيء من المخلوقات بل هو سبحانه خلق ~~المخلوقات وهو بنفسه عال عليها لا يفتقر في علوه عليها إلى شيء منها كما ~~يفتقر المخلوق إلى ما يعلو عليه من المخلوقات وهو سبحانه حامل بقدرته للعرش ~~ولحملة العرش # وفي الأثر أن الله لما خلق العرش أمر الملائكة بحمله قالوا ربنا كيف نحمل ~~عرشك وعليه عظمتك فقال قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله # فإنما أطاقوا حمل العرش بقوته تعالى والله إذا جعل في مخلوق قوة أطاق ~~المخلوق حمل ما شاء أن يحمله من عظمته وغيرها فهو بقوته وقدرته الحامل ~~للحامل والمحمول فكيف يكون مفتقرا إلى شيء وأيضا فالمحمول من العباد بشيء ~~عال لو سقط ذلك العالي سقط هو والله أغنى وأجل وأعظم من أن ms1276 يوصف بشيء من ~~ذلك # وأيضا فهو سبحانه خلق ذلك المكان العالي والجهة العالية والحيز العالي ~~إذا قدر شيئا موجودا كما لو جعل ذلك اسما للعرش وجعل العرش هو المكان ~~العالي كما في شعر حسان # % تعالى علوا فوق عرش إلهنا % وكان مكان الله أعلى وأعظما % $ ~~PageV07P020 # فالمقصود أنه خلق المكان وعلاه وبقوته صار عاليا والشرف الذي حصل لذلك ~~المكان العالي منه ومن فعله وقدرته ومشيئته فإذا كان هو عاليا علا ذلك وهو ~~الخالق له وذلك مفتقر إليه من كل وجه وهو مستغن عنه من كل وجه فكيف يكون قد ~~استفاد العلو منه ويكون ذلك المكان أشرف منه # وإنما صار له الشرف به والله مستحق للعلو والشرف بنفسه لا بسبب سواه فهل ~~هذا وأمثاله إلا من الخيالات والأوهام الباطلة التي تعارض بها فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها والعلوم الضرورية والقصود الضرورية والعلوم البرهانية ~~القياسية والكتب الإلهية والسنن النبوية وإجماع أهل العلم والإيمان من سائر ~~البرية # قال الرازي في حجة خصمه ولأن الخلق بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون ~~أيديهم إليها عند التضرع والدعاء # وأجاب عن ذلك بأن رفع الأيدي إلى السماء معارض لوضع الجبهة على الأرض # والاعتراض على هذا من وجوه # أحدها أن يقال وضع الجبهة على الأرض لم يتضمن قصدهم لأحد في السفل بل ~~السجود بها يعقل أنه تواضع وخضوع للمسجود له لا طلب وقصد ممن هو في السفل ~~بخلاف رفع الأيدي إلى العلو عند الدعاء فإنهم يقصدون به الطلب ممن هو في ~~العلو PageV07P021 # والاستدلال هو بقصدهم القائم بقلوبهم وما يتبعه من حركات أبدانهم والداعي ~~يجد من قلبه معنى يطلب العلو والساجد لا يجد من قلبه معنى يطلب السفل بل ~~الساجد أيضا يقصد في دعائه العلو فقصد العلو عند الدعاء يتناول القائم ~~والقاعد والراكع والساجد # الوجه الثاني أن وضع الجبهة على الأرض يفعله الناس لكل من تواضعوا له من ~~أهل الأرض والسماء ولهذا يسجد المشركون للأصنام والشمس والقمر سجود عباده ~~وقد سجد ليوسف أبواه وإخوته من سجود تحية لا عبادة لكون ذلك كان ms1277 جائزا في ~~شرعهم وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم والسجود لا يختص بمن هو في الأرض بل ~~لا يكاد يفعل لمن هو في بطنها بل لمن هو على ظهرها عال عليها وأما توجيه ~~القلوب والأبصار والأيدي عند الدعاء إلى السماء فيفعلونه إذا كان المدعو في ~~العلو فإذا دعوا الله فعلوا ذلك وإن قدر منهم من يدعو الكواكب ويسألها أو ~~يدعو الملائكة فإنه يفعل ذلك # فعلم أن قصدهم بذلك التوجه إلى جهة المدعو المسئول الذي يسألونه ويدعونه ~~حتى لو قدر أن أحدهم يدعو صنما أو غيره مما يكون على الأرض لكان توجه قلبه ~~ووجهه وبدنه إلى جهة معبوده الذي يسأله ويدعوه كما يفعله النصارى في ~~كنائسهم فإنهم يوجهون قلوبهم وأبصارهم وأيديهم إلى الصور المصورة في ~~الحيطان وإن كان قصدهم صاحب الصورة وكذلك من قصد الموتى في قبورهم فإنه ~~يوجه PageV07P022 قصده وعينه إلى من في القبر فإذا قدر أن القبر أسفل منه ~~توجه إلى أسفل وكذلك عابد الصنم إذا كان فوق المكان الذي فيه الصنم فإنه ~~يوجه قلبه وطرفه إلى أسفل لكون معبوده هناك # فعلم بذلك أن الخلق متفقون على أن توجيه القلب والعين واليد عند الدعاء ~~إلى جهة المدعو فلما كانوا يوجهون ذلك إلى جهة السماء عند الله علم إطباقهم ~~على أن الله في جهة السماء # الوجه الثالث أن الواحد منهم إذا اجتهد في الدعاء حال سجوده يجد قلبه ~~يقصد العلو مع أن وجهه يلي الأرض بل كلما ازداد وجهه ذلا وتواضعا ازداد ~~قلبه قصدا للعلو كما قال تعالى @QB@ واسجد واقترب @QE@ سورة العلق 19 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد # فعلم أنهم يفرقون بين توجه وجوههم في حال السجود إلى الأرض وتوجيه القلوب ~~في حال الدعاء إلى من في السماء والقلوب حال الدعاء لا تقصد إلا العلو وأما ~~الوجوه والأيدي فيتنوع حالها تارة تكون في حال السجود إلى جهة الأرض لكون ~~ذلك غاية الخضوع وتارة تكون حال القيام مطرقة لكون ذلك أقرب إلى الخشوع ms1278 ~~وتارة تتوجه إلى السماء لتوجه القلب PageV07P023 # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن رفع البصر في الصلاة إلى ~~السماء وقال لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع ~~إليهم أبصارهم # وأما رفع البصر حال الدعاء خارج الصلاة ففيه نزاع بين العلماء وإنما نهي ~~عن رفع البصر في الصلاة لأنه ينافي الخشوع المأمور به في الصلاة # قال تعالى @QB@ فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم @QE@ ~~سورة القمر ( 76 ) # وقال @QB@ يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة ~~أبصارهم @QE@ سورة المعارج ( 4443 ) # قال @QB@ وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي @QE@ ~~سورة الشورى 45 # ورأى عمر رضي الله عنه رجلا يصلي وهو يلتفت فقال لو خشع قلب هذا لخشعت ~~جوارحه # فخشوع القلب يستلزم خشوع البصر وذله وذلك ينافي رفعه وفي اعتبار هذا في ~~الدعاء نزاع ولهذا يوجد من يخاطب المعظم عنده لا يرفع PageV07P024 بصره ~~إليه ومعلوم أنه لو كانت الجهات بالنسبة إلى الله سواء لم نؤمر بهذا # الوجه الرابع أن السجود من باب العبادة والخضوع للمسجود له كالركوع ~~والطواف بالبيت وأما السؤال والدعاء ففيه قصد المسئول المدعو وتوجيه القلب ~~نحوه لا سيما عند الضرورة فإن السائل الداعي يقصد بقلبه جهة المدعو المسئول ~~بحسب ضرورته واحتياجه إليه # وإذا كان كذلك كان رفع رأسه وطرفه ويديه إلى جهة متضمن لقصده إياه في تلك ~~الجهة بخلاف الساجد فإنه عابد ذليل خاشع وذلك يقتضي الذل والخضوع ليس فيه ~~ما يقتضي توجيه الوجه واليد نحوه لكن إن كان داعيا وجه قلبه إليه وهذا حجة ~~من فرق بين رفع البصر في حال الصلاة وحال الدعاء # الوجه الخامس أن يقال قصد القلوب للمدعو في العلو أمر فطري عقلي اتفقت ~~عليه الأمم من غير مواطأة وأما السجود فأمر شرعي يفعل طاعة للآمر كما ~~تستقبل الكعبة حال العبادة طاعة للآمر # وحينئذ فالاحتجاج بما في فطر العباد من قصد من في العلو وهذا لا معارض له # قال ms1279 واحتج الخصم أيضا بالآيات الواردة الموهمة للجهة كقوله تعالى @QB@ ~~الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 وقوله @QB@ يخافون ربهم من فوقهم ~~@QE@ سورة النحل 50 وقوله @QB@ وهو القاهر فوق عباده @QE@ سورة الأنعام 62 ~~PageV07P025 # قال والجواب أن الظواهر النقلية إذا عارضت الدلائل العقلية لم يمكن ~~تصديقهما ولا تكذيبهما لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ولا تصديق النقل ~~وتكذيب العقل لأن العقل أصل النقل فتكذيبه لتصديقه يوجب تكذيبهما فتعين ~~تصديق العقل وتفويض علم النقل إلى الله أو الاشتغال بتأويل الظواهر # وجواب هذا أن يقال القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من ~~الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة بعد تدبر ذلك كالعلم بالأكل والشرب في ~~الجنة والعلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب والعلم بأن الله بكل شيء عليم وعلى ~~كل شيء قدير والعلم بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما بل نصوص العلو قد ~~قيل إنها تبلغ مئين من المواضع # والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين متواترة ~~موافقة لذلك فلم يكن بنا حاجة إلى نفي ذلك من لفظ معين قد يقال إنه يحتمل ~~التأويل ولهذا لم يكن بين الصحابة والتابعين نزاع في ذلك كما تنطق بذلك كتب ~~الآثار المستفيضة المتواترة في ذلك وهذا يعلمه من له عناية بهذا الشأن أعظم ~~مما يعلمون أحاديث الرجم والشفاعة PageV07P026 والحوض والميزان وأعظم مما ~~يعلمون النصوص الدالة على خبر الواحد والإجماع والقياس وأكثر مما يعلمون ~~النصوص الدالة على الشفعة وسجود السهو ومنع نكاح المرأة على عمتها وخالتها ~~ومنع ميراث القاتل ونحو ذلك مما تلقاه عامة الأمة بالقبول # ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك لأنه عندهم معلوم ~~بالاضطرار من الدين والأمور المعلومة بالضرورة عند السلف والأئمة وعلماء ~~الدين قد لا تكون معلومة لبعض الناس إما لإعراضه عن سماع ما في ذلك من ~~المنقول فيكون حين انصرافه عن الاستماع والتدبر غير محصل لشرط العلم بل ~~يكون ذلك الامتناع مانعا له من حصول العلم بذلك كما يعرض عن رؤية الهلال ~~فلا يراه مع أن رؤيته ممكنة لكل من نظر ms1280 إليه وكما يحصل لمن لا يصغي إلى ~~استماع كلام غيره وتدبره لا سيما إذا قام عنده اعتقاد أن الرسول لا يقول ~~مثل ذلك فيبقى قلبه غير متدبر ولا متأمل لما به يحصل له هذا العلم الضروري # ولهذا كان كثير من علماء اليهود والنصارى يؤمنون بأن محمدا رسول الله ~~وأنه صادق ويقولون إنه لم يرسل إليهم بل إلى الأميين لأنهم أعرضوا عن سماع ~~الأخبار المتواترة والنصوص المتواترة التي تبين أنه كان يقول إن الله أرسله ~~إلى أهل الكتاب بل أكثرهم لا يقرون بأن الخليل بنى الكعبة هو وإسماعيل ولا ~~أن إبراهيم ذهب إلى تلك الناحية مع أن هذا من أعظم الأمور تواترا لإعراضهم # وكثير من الرافضة تنكر أن يكون أبو بكر وعمر مدفونين عند النبي ~~PageV07P027 صلى الله عليه وسلم وفي الغالية من يقول إن الحسن والحسين لم ~~يكونا ولدين لعلي وإنما ولدهما سلمان الفارسي وكثير من الرافضة لا تعلم أن ~~عليا زوج بنته لعمر ولا أنه كان له ابن كان يسمى عمر # وأما دعوى التقية والإكراه فهذا شعار المذهب عندهم # وبعض المعتزلة أنكر وقعة الجمل وصفين وكثير من الناس لا يعلمون وقعة ~~الحرة ولا فتنة ابن الأشعث وفتنة يزيد بن المهلب ونحوها من الوقائع ~~المتواترة المشهورة # بل كثير من الناس بل من المنسوبين إلى العلم لا يعلمون مغازي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المتواترة المشهورة وترتيبها وما كان فيه قتال أو لم ~~يكن فلا يعلمون أيما قبل بدر أو أحد وأيما قبل الخندق أو خيبر وأيما قبل ~~فتح مكة أو حصار الطائف ولا يعلمون هل كان في تبوك قتال أو لم يكن ولا ~~يعلمون عدد أولاد النبي صلى الله عليه وسلم الذكور والإناث ولا يعلمون كم ~~صام رمضان وكم حج واعتمر ولا كم صلى إلى بيت المقدس بعد هجرته ولا أي سنة ~~فرض رمضان ولا يعلمون هل أمر بصوم يوم عاشوراء في عام واحد أو أكثر ولا ~~يعلمون هل كان يداوم على قصرا لصلاة في السفر أم لا ولا يعلمون ms1281 هل كان يجمع ~~بين الصلاتين وهل كان يفعل ذلك كثيرا أم قليلا # إلى أمثال هذه الأمورا لتي كلها معلومة بالتواتر عند أهل العلم ~~PageV07P028 # بأحواله وغيرهم ليس عنده فيها ظن فضلا عن علم بل ربما أنكر ما تواتر عنه # ومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم من أبعد الناس عن ~~العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن ~~الاستدلال بالكتاب والسنة وإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعا ~~مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعا وليس بإجماع وعمدتهم في أصول الدين على ~~ما يظنونه عقليات وهي جهليات لا سيما مثل الرازي وأمثاله الذين يمنعون أن ~~يستدل في هذه المسائل بالكتاب والسنة # واعتبر ذلك بما تجده في كتب أئمة النفاة مثل أبي الحسين البصري وأمثاله ~~ومثل أبي حامد والرازي وأمثالهما # فأبو الحسين البصري وأمثاله من المعتزلة يعتمدون في أصول دينهم على ~~أحاديث قد جمعها عبد الوهاب بن أبي حية البغدادي فيها الكذب والضعف وأضعاف ~~أضعافها من الأخبار المتواترة لا يعرفونها البتة حتى يعتقدون أنه ليس في ~~الرؤية إلا حديث جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر فإن استطعتم أن لا تغلبوا على ~~صلاة قبل طلوع PageV07P029 الشمس وقبل غروبها فافعلوا ويقولون هذا لم يروه ~~إلا قيس بن أبي حازم وكان يبغض عليا فيظنون أنه ليس في الرؤية إلا هذا ~~الحديث # وأهل العلم بالحديث يعلمون أحاديث الرؤية متواترة أعظم من تواتر كثير مما ~~يظنونه متواترا وقد احتج أصحاب الصحيح منها أكثر مما خرجوه في الشفعة ~~والطلاق والفرائض وسجود السهو ومناقب عثمان وعلي وتحريم المرأة على عمتها ~~وخالتها والمسح على الخفين والإجماع وخبر الواحد والقياس وغير ذلك من ~~الأبواب الذين يقولون إن أحاديثها متواترة # فأحاديث الرؤية أعظم من حديث كل نوع من هذه الأنواع وفي الصحاح منها أكثر ~~مما فيها من هذه الأنواع # مثل حديث أبي هريرة الطويل في تجليه يوم القيامة ومرورهم على الصراط وهو ~~في الصحيح ms1282 أيضا من حديث أبي سعيد ومن حديث جابر PageV07P030 # وفي الصحيحين حديث أبي موسى في رؤيته في الجنة # وفي الصحيحين في حديث الشفاعة رؤيته لربه # وفي الصحيح حديث صهيب في رؤية أهل الجنة # وأما أحاديث العلو وما يتضمن هذا المعنى فأضعاف أضعاف أحاديث الرؤية # فأبو الحسين وأمثاله من المعتزلة وكذلك الغزالي والرازي وأمثالهما من ~~فروع الجهمية هم من أقل الناس علما بالأحاديث النبوية وأقوال السلف في أصول ~~الدين وفي معاني القرآن وفيما بلغوه من الحديث حتى أن كثيرا منهم لا يظن أن ~~السلف تكلموا في هذه الأبواب PageV07P031 # ومن كان له علم بهذا الباب علم أن كلام السلف في هذه المسائل الأصولية ~~كمسألة العلو وإثبات الصفات الخبرية وغير ذلك أضعاف أضعاف كلامهم في مسائل ~~الجد والإخوة والطلاق والظهار والإيلاء وتيمم الجنب ومس المحدث للمصحف ~~وسجود السهو ومسائل الأيمان والنذور والفرائض وغير ذلك مما تواتر به النقل ~~عنهم # وهذا الأصل قد بسطناه في مواضع مثل كلامنا في تواتر معجزات الرسول وغير ~~ذلك مما يحتاج إلى معرفة هذا الأصل وأنه قد يتواتر عند أهل العلم بالشيء ما ~~لا يتواتر عند غيرهم # وأهل العلم بالحديث أخص الناس بمعرفة ما جاء به الرسول ومعرفة أقوال ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان فإليهم المرجع في هذا الباب لا إلى من هو ~~أجنبي عن معرفته ليس له معرفة بذلك ولولا أنه قلد في الفقه لبعض الأئمة ~~لكان في الشرع مثل آحاد الجهال من العامة # فإن قيل قلت إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي ~~المعرفة بما جاء عن الرسول واقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين وما ~~بلغوه عن الرسول ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك # قيل هؤلاء أنواع نوع ليس لهم خبرة بالعقليات بل هم يأخذون ما قاله النفاة ~~عن الحكم والدليل ويعتقدونها براهين قطعية وليس لهم قوة على الاستقلال بها ~~بل هم في الحقيقة مقلدون فيها وقد اعتقد أقوال أولئك فجميع ما يسمعونه من ~~القرآن والحديث PageV07P032 وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك بل ms1283 ~~إما أن يظنوه موافقا لهم وإما أن يعرضوا عنه مفوضين لمعناه # وهذه حال مثل أبي حاتم البستي وأبي سعد السمان المعتزلي ومثل أبي ذر ~~الهروي وأبي بكر البيهقي والقاضي عياض وأبي الفرج ابن الجوزي وأبي الحسن ~~علي بن المفضل المقدسي وأمثالهم # والثاني من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها كما غلط غيره ~~فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة مع أنه لا PageV07P033 يكون له من ~~الخبرة بكلام السلف والأئمة في هذا الباب ما كان لأئمة السنة وإن كان يعرف ~~متون الصحيحين وغيرهما # وهذه حال أبي محمد بن حزم وأبي الوليد الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي ~~وأمثالهم # ومن هذا النوع بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي وأمثالهما # ونوع ثالث سمعوا الأحاديث والآثار وعظموا مذهب السلف وشاركوا المتكلمين ~~الجهمية في بعض أصولهم الباقية ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث ~~والآثار ما لأئمة السنة والحديث لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها ~~وضعيفها ولا من جهة الفهم لمعانيها وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة ~~الجهمية ورأوا ما بينهما من التعارض # وهذا حال أبي بكر بن فورك والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأمثالهم # PageV07P034 ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل كما فعله ~~ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار # وتارة يفوضون معانيها ويقولون تجري على ظواهرها كما فعله القاضي أبو يعلى ~~وأمثاله في ذلك # وتارة يختلف اجتهادهم فيرجحون هذا تارة وهذا تارة كحال ابن عقيل وأمثاله # وهؤلاء قد يدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع ولا يعرفون أنه ~~موضوع وما له لفظ يدفع الإشكال مثل أن يكون رؤيا منام فيظنونه كان في ~~اليقظة ليلة المعراج # ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم وقد شاركهم ~~في بعض أصولها ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة ~~كمسألة القرآن والرؤية فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف ~~وأهل السنة والحديث أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله يرى في الآخرة ~~فأراد ms1284 هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند اهل السنة والحديث وبين موافقة ~~الجهمية في تلك الأصول العقلية التي ظنها صحيحة ولم يكن لهم من الخبرة ~~المفصلة بالقرآن ومعانيه والحديث وأقوال الصحابة ما لأئمة السنة والحديث ~~فذهب مذهبا مركبا من هذا وهذا وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض ~~PageV07P035 # وهذه طريقة الأشعري وأئمة أتباعه كالقاضي أبي بكر وأبي إسحاق الإسفراييني ~~وأمثالهما ولهذا تجد أفضل هؤلاء كالأشعري يذكر مذهب أهل السنة والحديث على ~~وجه الإجمال ويحكيه بحسب ما يظنه لازما ويقول إنه يقول بكل ما قالوه وإذا ~~ذكر مقالات أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم حكاها حكاية خبير بها عالم ~~بتفصيلها # وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم ومعرفة فساد أقوالهم ~~وأما في معرفة ما جاء به الرسول وما كان عليه الصحابة والتابعون فمعرفتهم ~~بذلك قاصرة وإلا فمن كان عالما بالآثار وما جاء عن الرسول وعن الصحابة ~~والتابعين من غير حسن ظن بما يناقض ذلك لم يدخل مع هؤلاء إما لأنه علم من ~~حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعا وقد علم أنه ~~من خالف الرسول فهو ضال كأكثر أهل الحديث أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك ~~وتناقضها كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم كمالك وعبد العزيز ~~الماجشون وحماد بن زيد وحماد بن سلنة وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع ~~بن الجراح وعبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن معاذ ويزيد بن ~~هارون الواسطي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد بن عامر والشافعي وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبد الرحمن القاسم بن PageV07P036 سلام ومحمد بن ~~إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري والدارميين أبي محمد عبد الله ~~بن عبد الرحمن وعثمان بن سعيد وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين وأبي داود ~~السجستاني وأبي بكر الأثرم وحرب الكرماني ومن لايحصى عدده إلا الله من أئمة ~~الإسلام وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل # فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة كما تواترت الآثار عنهم وعن ~~غيرهم من ms1285 أئمة السلف بذلك من غير خلاف بينهم في ذلك # الوجه الثاني أن يقال نصوص ذلك صريحة لا تحتمل التأويل بل التأويلات ~~المذكورة في ذلك من جنس تأويلات القرامطة الباطنية وهي باطلة كما قد بين في ~~موضعه بل معلومة الفساد بالضرورة كما بين بطلان تأويل كل من تأول استوى على ~~غير ما يتضمن علوه على العرش مثل تأويله بالقدرة والمكانة أو غير ذلك # الوجه الثالث أن يقال لا نسلم أنه عارض ذلك دليل عقلي أصلا بل العقليات ~~التي عارضتها هذه السمعيات هي من جنس شبه السوفسطائية التي هي أوهام ~~وخيالات غير مطابقة وكل من قالها لم يخل من أن يكون مقلدا لغيره أو ظانا في ~~نفسه وإلا فمن رجع في مقدماتها إلى الفطر السليمة واعتبر تأليفها لم يجد ~~فيما يعارض السمعيات برهانا مؤلفا من مقدمات يقينية تأليفا صحيحا وجمهور من ~~تجده PageV07P037 يعارض بها أو يعتمد عليها إذا بينت له فسادها وما فيها من ~~الاشتباه والالتباس قال هذه قالها فلان وفلان وكانوا فضلاء فكيف خفي عليهم ~~مثل هذا فينتهون بعد إعراضهم عن كلام المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى وإجماع ~~السلف الذين لا يجتمعون على ضلالة ومخالفة عقول بني آدم التي فطرهم الله ~~عليها إلى تقليد رجال يقولون إن هذه القضايا عقلية برهانية وقد خالفهم في ~~ذلك رجال آخرون من جنسهم مثلهم وأكثر منهم وعامة من تجده من طلبة العلم ~~المنتسبين إلى فلسفة أو كلام أو تصوف أو فقه أو غير ذلك إذا عارض نصوص ~~الكتاب والسنة بما يزعم أنه برهان قطعي ودليل عقلي وقياس مستقيم وذوق صحيح ~~ونحو ذلك إذا حاققته وجدته ينتهي إلى تقليد لمن عظمه إذا كان من الأتباع أو ~~إلى ما افتراه هو أو توهمه إن كان من المتبوعين وللطائفتين نصيب مما ذكره ~~الله في أشباههم # قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا وأن الله شديد ms1286 العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا ~~العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ~~كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من ~~النار @QE@ سورة البقرة 165167 # وقال تعالى @QB@ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ~~وكان الشيطان للإنسان خذولا @QE@ PageV07P038 سورة الفرقان 2927 # وقال تعالى @QB@ يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا @QE@ سورة الأحزاب 6866 # وقال تعالى @QB@ وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا ~~كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل ~~فيها إن الله قد حكم بين العباد @QE@ سورة غافر 47 48 # الوجه الرابع أن يقال لا نسلم أنه بتقدير ما يذكر من التعارض لا يمكن ~~تصديقهما بل يمكن ذلك فإن ما ينفيه صريح العقل من صفات النقص وإثبات ~~المماثلة بين الخالق وصفاته والمخلوق وصفاته لم يثبته السمع الصحيح وما ~~أثبته السمع الصحيح الصريح لم ينفه عقل صريح # وحينئذ فلا يجوز أن يتعارض العقل الصريح والسمع الصحيح وإنما يظن ~~تعارضهما من غلط في مدلولهما أو مدلول أحدهما كمن يعارض الدلالات العقلية ~~الصريحة من السوفسطائية وأمثالهم وكمن يظن تعارض الأدلة السمعية من ~~الملاحدة PageV07P039 # وكثيرا ما يشتبه ذلك وتتعارض الدلالتان عند من يكن السفسطة والإلحاد لشبه ~~قامت به فتكون الآفة من إدراكه لا من المدرك كالأحول الذي يرى الواحد اثنين ~~والممرور الذي يجد الحلو مرا وإلا فالسمع الصحيح هو القول الصادق من ~~المعصوم الذي لا يجوز أن يكون في خبره كذب لا عمدا ولا خطأ والمعقول الصحيح ~~هو ما كان ثابتا أو منتفيا في نفس الأمر لا بحسب إدراك شخص معين وما كان ~~ثابتا أو منتفيا في نفس الأمر لا ms1287 يجوز أن يخبر عنه الصادق بنقيض ذلك بل من ~~شهد الكائنات على ما هي عليه وجدها مطابقة لخبر الصادق # كما قال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ سورة فصلت 53 فأخبر أنه ~~سيريهم من الآيات العيانية المشهودة لهم ما يبين لهم أن القرآن حق # وقال تعالى @QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ~~ويهدي إلى صراط العزيز الحميد @QE@ سورة سبأ 6 فمن أوتي العلم رأى أن ما ~~أنزل إليه به من ربه هو الحق وأما ما كان عنده ما يظنه علما وهو جهل فذاك ~~يرى الأمر على خلاف ما هو عليه مثل من زاغ فأزاغ الله قلبه وكان في قلبه ~~مرض فزاده الله مرضا وممن يقلب الله أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة ومن الصم والبكم PageV07P040 العمي الذين لا يرجعون إلى ما كانوا عليه ~~من الهدى أو لم يكونوا يعقلون بحال # وأمثال هؤلاء قال تعالى فيهم @QB@ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في ~~الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم @QE@ سورة ~~الأنعام 39 # وقد ضرب الله مثل هؤلاء وهؤلاء في غير موضع من القرآن كسورة النور وغيرها # الوجه الخامس أن يقال لا نسلم أن تصديق النقل المثبت لعلو الله على خلقه ~~وتكذيب ما يناقض ذلك مما يسمى معقولا يوجب القدح في أصل النقل كما في قوله ~~لأن العقل أصل للنقل فتكذيبه لتصديقه موجب لتكذيبهما # قلنا لا نسلم أن المعقول النافي لعلو الله على خلقه أصل للنقل فإنه ليس ~~كل ما يسمى معقولا ولا كل ما يعلم بالعقل يتوقف العلم بصحة السمع عليه فتلك ~~الأمور التي لا يتوقف العلم بصحة السمع عليها ليست أصلا للسمع ولا يجوز أن ~~يقال جنس المعقول به يعلم بالسمع فلا يجوز أن يرد شيء منه فإن العقلاء ~~متفقون على أن جنس المعقولات لا يلزم من تكذيب بعضها تكذيب السمع وإن قدر ~~أنها عقليات ms1288 صحيحة مثل مسائل الحساب الدقيقة وغيرها فإنها مع كونها ~~PageV07P041 عقليات صحيحة لا يلزم من القدح فيها القدح في السمع فكيف ~~بالمعقولات التي فيها خطأ كثير وتنازع عظيم # بل كل من كان عن الشرائع أبعد كان اضطرابهم في عقلياتهم أكثر كالفلاسفة ~~فإن بينهم من الاختلاف في عقلياتهم حتى في المنطق والهيئة والطبيعيات ما لا ~~يكاد يحصى وكلامهم في الإلهيات قليل وعلمهم بها ضعيف ومسائلها عندهم يسيرة ~~وهي مع هذا عندهم لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين ~~فينتقل # وأساطينهم معترفون بأنه لا سبيل لهم إلى اليقين فيها وإنما يتكلمون فيها ~~بالأولى والأخلق وهم مع هذا متنازعون فيها أعظم من تنازع كل فرقة من مبتدعة ~~أهل الملل في الأمور الإلهية # وإذا كان جنس ما يسميه هؤلاء عقليات فيه خطأ كثير باتفاق الناس وبالضرورة ~~لم يمكن أن يقبل جنس ما يقال له عقليات فضلا عن أن يعارض به ولو قبل جنس ما ~~يقال له عقليات كله للزم من الجمع بين النقيضين ما شاء الله # فنفاة الجزء الذي هو الجوهر الفرد ومثبتوه كل منهم يقول إن ذلك معلوم ~~بالعقل والقائلون ببقاء بعض الأعراض مع القائلين بفنائها والقائلون بتماثل ~~الأجسام مع القائلين باختلافها والقائلون PageV07P042 بوجوب تناهي الحوادث ~~مع القائلين بعدم جواز تناهيها وأضعاف ذلك # بل العقليات الصحيحة ما كان معقولا للفطر السليمة الصحيحة الإدراك التي ~~لم يفسد إدراكها وهذا القدر لا يزال موجودا في بني آدم وإن فسد رأى قوم لم ~~يلزم فساد رأي آخرين # لكن إذا تنازع الناس وادعى كل فريق أن قولنا هو الذي تشهد به الفطر ~~السليمة لم يفصل بينهم إلا ما يتفقون على صدق شهادته إما كتاب منزل من ~~السماء يحكم بينهم وإما شهادة فطر تقر الطائفتان أنها صحيحة الإدراك صادقة ~~الخبر فلا يحكم بين المتنازعين إلا حاكم يسلمان لحكمه # والمقصود هنا أنه لا يقول عاقل إن كل ما يسمى معقولا يجوز قبوله فضلا عن ~~أن يجب فضلا عن أن يعارض به معقول آخر فضلا عن ms1289 أن يعارض به كتاب منزل من ~~عند الله # وإذا كان كذلك لم يكن في رد كثير مما يسمى معقولا رد لسائرها فإذا رد مما ~~يسمى معقولا ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه لم يكن في هذا رد للأصل ~~المعقول الذي به يعلم السمع وهو المطلوب # وإذا كان كذلك فالمعقول المذكور هنا الذي عارضوا به الآيات الإلهية ~~والأحاديث النبوية هو ما ذكروه في نفي علو الله على خلقه وليس شيء من ذلك ~~مما يحتاج في العلم بصحة السمع إليه فإن إثبات موجود لا يمكن أن يشار إليه ~~ولا يكون داخل العالم ولا خارجه PageV07P043 ومقدمات ذلك المستلزمة له لا ~~يتوقف العلم بصحة السمع على شيء من ذلك فإنا نعلم بالاضطرار بعد تأمل أحوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أن الذين آمنوا ~~بالرسول وجزموا بصدقه وهم باتفاق المسلمين أعلم الأمة بصدقه وصدق ما أخبر ~~به وصحة ذلك لم يكونوا في إيمانهم وعلمهم بصدقه يستدلون بشيء من هذه ~~المقدمات على صحة ذلك ولا مناظرين بها أحدا ولا يقيمون بها حجة على غيرهم ~~فضلا عن أن يكونوا هم لم يعلموا صدقه إلا بعد العلم بهذه المقدمات ~~المستلزمة لوجود موجود لا يشار إليه وأن صانع العالم ليس بداخل العالم ولا ~~خارجه ولا فوق العالم رب ولا على العرش إله # ومما يوضح ذلك أنا نعلم بالعادة المطردة أن القضايا التي بها علموا أنه ~~رسول الله الصادق فيما يخبر به عن الله لو كانت مستلزمة لقول نفاة العلو ~~وأن الله ليس مباينا للعالم ولا هو فوق السماوات ولا يمكن الإشارة إليه ولا ~~عرج أحد من الملائكة ولا محمد إليه نفسه ولا نزل من عنده نفسه شيء لا ملك ~~ولا غيره لكانت هذه اللوازم تحصل في نفوسهم كما حصلت في أنفس غيرهم لاسيما ~~مع كثرة الخلق وانتشار الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا ولو كانت ~~هذه القضايا مستقرة في أنفسهم لامتنع في العادة أن لا يتكلموا بها فضلا عن ~~أن يتكلموا بنقيضها ولو ms1290 وجب في العادة أن يعارضوا بها ما دل عليه ظاهر ~~السمع لكانوا يسألونه ويقولون ما دلت PageV07P044 عليه هذه الآيات ~~والأحاديث التي أخبرتنا بها يناقض هذه القضايا التي علمنا بها أنك رسول ~~الله الصادق عليه فما يمكننا أن نجمع بين تصديقك في دعوى الرسالة وبين ~~الإخبار بهذه الأمور بل تصديقك في دعوى الرسالة يقتضي تكذيب مقتضى هذه ~~الأخبار فكيف نصنع هل لها تأويل يوافق ما به علمنا أنك صادق أم نحن مأمورون ~~بأن نقرأ ما ظاهره كفر وكذب يقدح في أصول إيماننا ونعرض بقلوبنا وعقولنا عن ~~فهم ذلك وتدبره والنظر فيه # وهذا فيه عذاب عظيم للعقول وفساد عظيم في القلوب إذا كان الرجل مأمورا أن ~~يقرأ في الليل والنهار كلاما يقرأ به في صلاته وغير صلاته ويجزم بأنه صدق ~~لا كذب وأن من كفر بحرف منه فهو كافر وذلك الكلام مشتمل على أخبار ظاهرها ~~ومفهومها يناقض ما به علم صدق ذلك الكلام بل هو باطل وضلال وكفر فيورثه ذلك ~~الحيرة والاضطراب ويمرض قلبه أعظم مرض ويكون تألمه بذلك ووجع قلبه أعظم ~~بكثير من مرض بدنه ووجع يده ورجله # فإنه حينئذ إن قبل ما به صدق هذا الرسول قدح في الكلام الذي أخبره أنه حق ~~وصدق فيكون ذلك الدليل الذي دله على صدقه دله على كذب المفهوم من أخباره ~~وإن صدق المفهوم من أخباره أبطل شاهد صدقه # ومن المعلوم أن أخباره لو عارضت معقولا لهم غير ما به علموا صدقه لأوجب ~~ذلك من الحيرة والألم والفساد ما لا يعلمه إلا الله فكيف إذا كان المعارض ~~له ما به علموا صدقه PageV07P045 # وقد كان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأل بعضهم بعضا ~~عن أدنى شبهة تعرض في خطابه وخبره مثل ما كان يوم الحديبية لما صالح النبي ~~صلى الله عليه وسلم مشركي مكة على أن يرجع ذلك العام بأصحابه الذين قدموا ~~معه معتمرين وبايعهم بيعة الرضوان تحت الشجرة وهم السابقون الأولون وكانوا ~~أكثر من ألف وأربعمائة فصالح المشركين على أن يرجع ms1291 بهم ذلك العام ويرد إلى ~~المشركين من جاءه مؤمنا مهاجرا ولا يرد المشركون من ذهب إليهم مرتدا ~~وامتنعوا من أن يكتبوا في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم وأن يكتبوا ~~هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله وأمثال ذلك # والمقصود أن كثيرا من الصحابة اشتد عليهم ذلك وأجلهم عمر فجاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ~~قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا قال إني رسول الله وهو ناصري ولست ~~أعصيه فقال ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به فقال بلى أقلت لك أنك ~~تأتيه هذا العام قال لا قال فإنك آتيه ومطوف به ثم ذهب عمر إلى أبي بكر ~~فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم وأجابه أبو بكر بمثل ما أجابه ~~النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يكون سمع جواب النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV07P046 # والقصة مستفيضة رواها أهل الصحيح والمسند والمغازي والسير والتفسير ~~والفقه وسائر العلماء # فهذا عمر وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد كان في الأمم ~~قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر أخرجه في الصحيحين # وقال إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه # وقال لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر رواه الترمذي # إلى غير ذلك من فضائله وقد اشتبه عليه معنى نص وليس في ظاهره ما ينافي ~~الواقع بل هو ظن أن ظاهره ينافي الواقع فإن الله تعالى قال @QB@ لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين @QE@ سورة الفتح 27 ~~PageV07P047 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك قبل نزول الآية خبرا مطلقا ~~ومن المعلوم باتفاق الفقهاء أن الرجل إذا قال والله لأفعلن كذا وكذا ولم ~~يكن هناك سبب ولا نية توجب التعجيل كان له أن يؤخره إلى وقت آخر فلم يكن في ~~ظاهر خطاب الله ورسوله ما يقتضي تعجيل إتيان البيت والطواف به # ومع هذا لما ظن ms1292 هذا الذي هو أفضل الأمة بعد أبي بكر أن ظاهره يقتضي ~~التعجيل أورده على النبي صلى الله عليه وسلم ثم على صديقه وأجابه كل منهما ~~في مغيب الآخر بأنه ليس في الخطاب ما يقتضي التعجيل وإنما الذي فهم ذلك من ~~الخطاب غلط في فهمه فالغلط منه لا لنقص في دلالة الخطاب # وأيضا ففي الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم من نوقش الحساب عذب قالت ~~عائشة فقلت يا رسول الله أليس الله يقول في كتابه @QB@ فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا @QE@ سورة الانشقاق 8 فقال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب # ومعلوم أن قوله @QB@ فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ لا يدل ظاهره على أن ~~المحاسب يناقش بل الظاهر من لفظ الحساب اليسير أنه لا تكون فيه مناقشة ومع ~~هذا فلما قال من نوقش الحساب عذب فظنت امرأة تحبه ويحبها وهي أحب النساء ~~إليه وأبوها أحب الرجال إليه أن ظاهر خطابه يعارض تلك الآية سألته عن ذلك ~~ولم تسكت PageV07P048 # وكذلك في الحديث الصحيح أنه قال والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع ~~تحت الشجرة قالت حفصة فقلت يا رسول الله أليس الله يقول @QB@ وإن منكم إلا ~~واردها @QE@ سورة مريم 71 فقال ألم تسمعيه قال @QB@ ثم ننجي الذين اتقوا ~~ونذر الظالمين فيها جثيا @QE@ سورة مريم 72 # وقد بين في الحديث الصحيح الذي رواه جابر وغيره أن الورود هو المرور على ~~الصراط ومعلوم أنه إذا كان قد أخبرهم أن جميع الخلق يعبرون الصراط ويردون ~~النار بهذا الاعتبار لم يكن قوله لهم فلان لا يدخل النار منافيا لهذا ~~العبور ولهذا قال لها ألم تسمعيه قال @QB@ ثم ننجي الذين اتقوا @QE@ ~~فأخبرها أن هذا الورود لا ينافي عدم الدخول الذي أخبرت به فالذين نجاهم ~~الله بعد الورود الذي هو العبور لم يدخلوا النار # ولفظ الورود والدخول قد يكون فيه إجمال فقد يقال لمن دخل سطح الدار إنه ~~دخلها ووردها وقد يقال لمن مر على السطح ولم يثبت فيها إنه لم يدخلها فإذا ~~قيل فلان ورد هذا المكان الرديء ms1293 ثم نجاه الله منه وقيل فلان لم يدخله الله ~~إياه كان كلا الخبرين صدقا لا منافاة بينهما # وقوله تعالى @QB@ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي ~~الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا @QE@ PageV07P049 سورة مريم 71 72 فيه ~~بيان نعمة الله على المتقين أنهم مع الورود والعبور عليها وسقوط غيرهم فيها ~~نجوا منها والنجاة من الشر لا تستلزم حصوله بل تستلزم انعقاد سببه فمن طلبه ~~أعداؤه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه يقال نجاه الله منهم # ولهذا قال تعالى @QB@ ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم @QE@ سورة الأنبياء 76 ومعلوم أن نوحا لم يفرق ثم خلص بل نجى ~~من الغرق الذي أهلك الله به غيره # كما قال @QB@ فأنجيناه وأصحاب السفينة @QE@ سورة العنكبوت 15 # وكذلك قوله عن لوط @QB@ ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث @QE@ ~~سورة الأنبياء 74 # ومعلوم أن لوطا لم يصبه العذاب الذي أصابهم من الحجارة والقلب وطمس ~~الأبصار # وكذلك قوله @QB@ ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~ونجيناهم من عذاب غليظ @QE@ سورة هود 58 وقوله @QB@ فلما جاء أمرنا نجينا ~~صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ @QE@ سورة هود 66 ~~PageV07P050 # وأمثال ذلك يبين سبحانه أنه نجى عباده المؤمنين من العذاب الذي أصاب ~~غيرهم وكانوا معرضين له لولا ما خصهم الله من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب ~~أولئك # فلفظ النجاة من الشر يقتضي انعقاد سبب الشر لا نفس حصوله في المنجى # فقوله تعالى @QB@ ثم ننجي الذين اتقوا @QE@ سورة مريم 72 لا يقتضي أنهم ~~كانوا معذبين ثم نجوا لكن يقتضي أنهم كانوا معرضين للعذاب الذي انعقد سببه ~~وهذا هو الورود # فقوله صلى الله عليه وسلم لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة لا ينافي ~~هذا الورود فإن مجرد الورود ليس بعذاب بل هو تعريض للعذاب وهو إنما نفى ~~دخول الذي هو العذاب لم ينف التقريب من العذاب ولا انعقاد سببه ولا الدخول ~~على سطح مكان العذاب # ومع هذا لما اشتبه ms1294 ذلك على امرأته سألته عن ذلك وذكرت ما يعارض خبره في ~~فهمها ولم تسكت وقد كان يفعل الأمر فيسألونه هل هو بوحي فيجب طاعته أو هو ~~رأي يمكن معارضته برأي أصلح منه ويشيرون عليه في الرأي برأي آخر فيقبل منهم ~~ويوافقهم كما سأله الحباب بن المنذر لما نزل ببدر فقال يا رسول الله أرأيت ~~هذا المنزل الذي نزلته أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتعداه أم هو ~~الرأي PageV07P051 والحرب والمكيدة فقال بل هو الرأي والحرب والمكيدة فقال ~~ليس هذا بمنزل قتال # ولما صالح غطفان عام الخندق على نصف ثمر المدينة لما تألبت عليهم الأحزاب ~~من قريش وحلفائها وأهل نجد وجموعهم وبني قريظة اليهود جيران المدينة وكانت ~~تلك القضية من أعظم البلاء والمحنة وفيها أنزل الله سورة الأحزاب فلما ~~صالحهم على نصف ثمرها قال له سعد ما مضمونه إن كان الله أمرك بهذا سمعنا ~~وأطعنا وإن كان رأيا منك أردت به مصلحتنا فقد كنا في الجاهلية وما أحد منهم ~~ينال منها ثمرة إلا بشرى أو قرى فحين أعزنا الله بالإسلام نعطيهم ثمرنا أو ~~كما قال فبين له النبي صلى الله عليه وسلم إني لما رأيت الأعداء قد تحزبوا ~~عليكم خشيت أن تضعفوا عنهم فرأيت أن أدفع هؤلاء ببعض الثمر فإذا كنتم ~~ثابتين صابرين فلا حاجة إلى هذا # وفي الصحيح أنهم كانوا في بعض الأسفار فنفد زادهم فاستأذنوه في نحر ظهرهم ~~وهي الإبل التي يركبونها فأذن لهم فأتاه عمر وأخبره أنهم إن نحروا ظهرهم ~~تضرورا بذلك وطلب أن تجمع أزوادهم ويدعو فيها PageV07P052 بالبركة ليغنيهم ~~الله بذلك عن نحر ظهرهم ففعل ذلك # وكذلك في الصحيح أنه أعطى أبا هريرة نعلة ليبشر الناس بأن الموحدين في ~~الجنة فلقيه عمر فرده وقال للنبي صلى الله عليه وسلم إنهم إذا سمعوا بذلك ~~اتكلوا فترك ذلك # بل كان يأمرهم بالأمر الذي يجب عليهم طاعته فيعارضه بعضهم بما لا يصلح ~~للمعارضة فيجيبهم فإن في الصحيح أنه نهاهم عن الوصال فقالوا إنك تواصل فقال ~~إني لست كهيئتكم إني ms1295 أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني # ومعلوم أن هذه معارضة فاسدة لو أوردها بعض طلبة الفقهاء أجابه آخر بأن ~~امره ونهيه يجب طاعته فيه وحكمه لازم للأمة باتفاق المسلمين بل ذلك معلوم ~~بالاضطرار من دينه وإن كان بعض الناس PageV07P053 ينازع في الأمر المطلق هل ~~يفيد الإيجاب أم لا فلم ينازع في أنه إذا بين في الأمر أنه للإيجاب يجب ~~طاعته ولا أنه إذا صرح ابتداء بالإيجاب تجب طاعته # ولكن نزاعهم في مراده بالأمر المطلق هل يعلم به أنه أراد به الإيجاب فهذا ~~نزاع في العلم بمراده لا نزاع في وجوب طاعته فيما أراد به الإيجاب فإن ذلك ~~لا ينازع فيه إلا مكذب به # والمقصود أن حكم النهي لازم للأمة وأما فعله فقد يكون مختصا به باتفاق ~~الأمة بل قد تنازعوا في تعدي حكم فعله إلى غيره على ما هو معروف فإذا أمر ~~المسلمين أو نهاهم أمرا ونهيا علموا به مراده لم يكن لأحد منهم أن يعارض ~~ذلك بفعله باتفاق العلماء وإنما يتكلمون في تعارض دلالة القول والفعل إذا ~~لم يعلموا مراده بالقول كما تكلموا في نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها ~~بغائط أو بول مع أنه قد رآه ابن عمر مستقبل الشام مستدبر الكعبة وهو يتخلى # فهنا قد يظن بعضهم أن نهيه ليس عاما بل خاص إذا لم يكن حائل ويوفق بين ~~القول والفعل ويظن بعضهم الفرق بين الاستقبال والاستدبار ويظن بعضهم أن ~~أحدهما منسوخ لاعتقاده التعارض PageV07P054 ويظن بعضهم أن الفعل خاص له ~~فهذا كله لعدم علمهم بأن النهي عام محكم وأما إذا علموا أن نهيه عام محكم ~~غير منسوخ كانوا متفقين على أنه لا يعارض بفعله فتبين أن من عارض نهيه عن ~~الوصال بقوله إنك تواصل كا + ت معارضته خطأ باتفاق العلماء ومع هذا فقد ~~أجابه ببيان الفرق وقال إني لست كأحدكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني # بل لما غير عادته يوم الفتح فصلى الصلوات بوضوء واحد سأله عمر فقال إنك ~~فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال عمدا فعلته # وهذا ms1296 وأمثاله كثير هذا من المؤمنين به المحبين له فاما معارضة الكفار له ~~بما لا يصلح للمعارضة عند أهل النظر والخبرة بالمناظرة على سبيل الجدل ~~بالباطل فكثيرة # مثل معارضتهم له لما نزل قوله تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون @QE@ سورة الأنبياء 98 فقام ابن الزبعرى وغيره ~~فقالوا قد عبد المسيح فآلهتنا خير أم هو # فأنزل الله تعالى @QB@ ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون @QE@ ~~سورة الزخرف 57 أي يضجون # @QB@ وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن ~~هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل @QE@ PageV07P055 سورة ~~الزخرف 58 59 # وأنزل الله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ~~لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون @QE@ سورة الأنبياء 101 ~~102 # وقد ظن طائفة من الناس أن قوله @QB@ وما تعبدون @QE@ سورة الأنبياء 98 ~~لفظ يعم كل معبود من دون الله لكل أمة فيتناول المسيح وغيره وجعلوا هذا مما ~~استدلوا به على عموم الأسماء الموصولة مثل من وما والذي واستدل بذلك بعضهم ~~على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب # قالوا لأن اللفظ عام وأخر بيان المخصص إلى أن نزل قوله @QB@ إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى @QE@ سورة الأنبياء 101 # وهذا خطأ ولو كان قول هؤلاء صحيحا لكانت معارضته المشركين صحيحة فإن من ~~سمع اللفظ العام ولم يسمع المخصص فأورد على المتكلم كان إيراده مستقيما # وهذا سوء ظن ممن قاله بكلام الله ورسوله وحسن ظن بالمشركين ولكن هؤلاء ~~وأمثالهم الذين يجعلون المفهوم المعقول الظاهر من القرآن مردودا بآرائهم ~~كما رده المشركون بالمسيح فإن قول المشركين إن المسيح لا يدخل النار ~~والملائكة لا تدخل النار كلام صحيح أصح مما يعارض به المعارضون لكلام الله ~~ورسوله PageV07P056 # فإذا كانت معارضة ابن الزبعري باطلة فمعارضة هؤلاء أبطل وهي باطلة قبل ~~نزول القرآن وقبل رد الله عليهم وما نزل من القرآن كان مبينا لبطلانها الذي ~~هو ثابت في نفسه ms1297 يمكن علمه بالعقل فإن الله إنما خاطب بقوله @QB@ إنكم وما ~~تعبدون من دون الله @QE@ سورة الأنبياء 98 المشركين الذين يعبدون الأوثان ~~لم يخاطب بذلك أهل الكتاب # بل الآيات المكية عامتها خطاب لمن كذب الرسل مطلقا وأما ما يخاطب به من ~~صدق جنس الرسول من أهل الكتاب والمؤمنين ففي السور المدنية # والقرآن قد فصل بين المشركين وأهل الكتاب في غير موضع كقوله @QB@ لم يكن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين @QE@ سورة البينة 1 # وقوله @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا @QE@ سورة الحج 17 # وقوله لهم @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله @QE@ سورة الأنبياء 98 # بمنزلة قوله @QB@ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن ~~كنا عن دراستهم لغافلين @QE@ سورة الأنعام 156 PageV07P057 # وبمنزلة قوله @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى ~~من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا @QE@ سورة فاطر 42 # وأمثال ذلك مما فيه ضمير المخاطب والغائب وهو متناول لأولئك المشركين لكن ~~يتناول غيرهم من جهة المعنى والاعتبار وتماثل الحالين # فلما قال تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون @QE@ سورة الأنبياء 98 ~~99 أخبر أن آلهتهم التي يعبدونها حصب جهنم ولم يدخل في هذا المسيح وأمثاله ~~فإنهم لم يكونوا يعبدونهم # وقوله @QB@ لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها @QE@ سورة الأنبياء 99 دليل على ~~انتفاء الإلهية فإن الإله لا يدخل النار والدليل لا ينعكس فلا يلزم أن يكون ~~من لم يدخل النار إلها فمن ورد النار لم يكن إلها وليس كل من لا يردها إله # لكن كانت معارضة ابن الزبعرى وأشباهه من جهة المعنى والقياس والاعتبار أي ~~إذا كانت آلهتنا دخلوا النار لكونهم معبودين وجب أن يكون كل معبود يدخل ~~النار والمسيح معبود فيجب أن يدخلها فعارضوه بالقياس والقياس مع وجود ~~الفارق المؤثر قياس فاسد فبين الله الفرق بأن المسيح عبد حي مطيع لله لا ~~يصلح PageV07P058 أن يعبد ms1298 لأجل الانتقام من غيره بخلاف الأوثان فإنها حجارة ~~فإذا عذبت لتحقيق عدم كونها آلهة وانتقاما ممن عبدها كان ذلك مصلحة ليس ~~فيها عقوبة لمن لا يصلح أن يعاقب # ولهذا قال تعالى @QB@ ولما ضرب ابن مريم مثلا @QE@ سورة الزخرف 157 أي ~~جعلوه مثلا لآلهتهم فقاسوها به فهذا حال من عارض النص الخبري بالقياس ~~الفاسد وهو حال الذين يعارضون النصوص الإلهية بأقيستهم الفاسدة فيقولون لو ~~كان له علم وقدرة ورحمة وكلام وكان مستويا على عرشه للزم أن يكون مثل ~~المخلوق الذي له علم وقدرة ورحمة وكلام ويكون مستويا على العرش ولو كان مثل ~~المخلوق للزم أن يجوز عليه الحدوث وإذا جاز عليه الحدوث امتنع وجوب وجوده ~~وقدمه # فهذا من جنس معارضة ابن الزبعرى حيث قاس ما أخبر الله عنه بشيء آخر ليس ~~مثله بل بينهما فرق والفرق بين الله وبين مخلوقاته أعظم من الفرق بين ~~المسيح وبين الأوثان فإن كلاهما مخلوق لله تعالى # وأما قياس الخالق بالمخلوق وقول القائل لو كان متصفا بالصفات والأفعال ~~القائمة به لكان مماثلا للمخلوق المتصف بالصفات والأفعال القائمة به ففي ~~غاية الفساد فإن تشابه الشيئين من بعض الوجوه لايقتضي تماثلهما في جميع ~~الأشياء فإذا كان المسيح المشابه لآلهتهم في وجوه كثيرة لا تكاد تحصى مثل ~~كون هذا كان معدوما وهذا كان معدوما وهذا محدث ممكن وهذا محدث ممكن ~~PageV07P059 غيره وهذا مفتقر إلى غيره وهذا يقدر عليه غيره وهذا يقدر عليه ~~غيره وهذا تعترض عليه الآفات والعلل كالتفريق والتجزئة والتبعيض وهذا تعترض ~~عليه الآفات والعلل كالتفريق والتجزئة والتبعيض وهذا يمكن إفساده واستحالته ~~وهذا يمكن إفساده واستحالته وأمثال ذلك من الأمور التي يجب تنزيه الرب عنها ~~فمع اشتراكهما في هذه الأمور التي يجب تنزه الرب عنها لم يصح قياس أحدهما ~~بالآخر ولا أن يثبت له من الحكم ما ثبت له وإن كانا قد اشتركا في هذه ~~الأمور # فالخالق سبحانه الذي يفارق غيره بأعظم مما فارق به المسيح آلهتهم هو أولى ~~وأحق بأن لايمثل بخلقه لأجل موافقته في بعض الأسماء ms1299 والصفات إذ أصل هذا ~~القياس الفاسد أن الشيئين إذا اشتركا وتشابها في بعض الأشياء لزم اشتراكهما ~~وتماثلهما في غير ذلك مما ليس من لوازم المشترك وهذا كله خطأ فاحش وبعضه ~~أفحش من بعض فالشيئان إذا اشتركا في شيء لزم أن يشتركا في لوازمه فإن ثبوت ~~الملزوم يقتضي ثبوت اللازم فاما ما ليس من لوازمه فلا يجب اشتراكهما فيه # فكون المعبود من حصب جهنم ليس من لوازم كونه معبودا بل من لوازم كونه ~~معبودا يصلح دخوله النار والمسيح ونحوه لا يصلح دخولهم النار # وكذلك ثبوت الوجود والحياة والعلم والقدرة والاستواء والنزول ونحو ذلك من ~~الأمور التي يوصف بها الخالق والمخلوق ليس من لوازمها PageV07P060 الإمكان ~~والحدوث والآفات والنقائص فإن الإمكان من لوازم ما ليس واجبا بنفسه والحدوث ~~من لوازم المعدوم وإمكان الآفات والنقائص من لوازم ما يقبل ذلك # وهذه الصفات صفات كمال لا تستلزم الآفات بل قد تكون منافية للآفات ~~والنقائص والمنافي للشيء لا يكون من لوازمه بل هو مناقض للوازمه فكيف يجعل ~~المنافي كالملازم # والمقصود أن المشركين كانوا يعارضون الرسول بما يتخيلونه مناقضا لقوله ~~وإن لم يكن في ظاهر قوله ما يناقض لا معقولا ولا منقولا فكيف إذا كان ظاهر ~~قوله يناقض صريح المعقول الذي عليه أئمة أرباب العقول لا سيما إذا كان ذلك ~~المعقول هو الذي لا يمكن تصديقه إلا به فإذا كان قد أظهر ما يطعن في دليل ~~صدقه وشاهده كان معارضته بذلك أولى الأشياء # وكذلك أيضا لما أخبرهم بالإسراء وشجرة الزقوم أنكر ذلك طائفة منهم وزعموا ~~أن العقل ينفي ذلك وأنزل الله تعالى @QB@ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن @QE@ سورة الإسراء 60 # وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة أسري به PageV07P061 # قال تعالى @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير @QE@ سورة ~~الإسراء 1 # وقال @QB@ أفتمارونه على ما ms1300 يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ~~عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى @QE@ سورة النجم 12 16 # وقال تعالى @QB@ وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على ~~الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم @QE@ سورة التكوير 22 25 # فإذا كان ما أخبرهم به من رؤية الآيات التي أراه الله إياها ليلة الإسراء ~~قد أنكروها وكذبوه لأجلها واستبعدوا ذلك بعقولهم مع أن ذلك ليس ممتنعا في ~~العقل فكيف بما هو ممتنع في صريح العقل # وكذلك أيضا أنكروا أن يبعث الله بشرا رسولا وجعلوا ذلك منكرا ممتنعا في ~~عقولهم # كما قال تعالى @QB@ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ~~أبعث الله بشرا رسولا @QE@ سورة الإسراء 24 # وقال @QB@ أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس @QE@ ~~سورة يونس 2 PageV07P062 وقال تعالى @QB@ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ~~أهذا الذي بعث الله رسولا @QE@ سورة الفرقان 41 # وقال تعالى @QB@ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ~~ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون @QE@ ~~سورة الأنعام 9 # وقال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر ~~من شيء @QE@ سورة الأنعام 91 # وقد حكى نحو ذلك عمن تقدم من الكفار كقول قوم فرعون @QB@ أنؤمن لبشرين ~~مثلنا وقومهما لنا عابدون فكذبوهما فكانوا من المهلكين @QE@ سورة المؤمنين ~~47 48 # وقول قوم نوح @QB@ ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا @QE@ سورة هود 27 # وقالت أصناف الأمم لرسلهم @QB@ إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا ~~عما كان يعبد آباؤنا @QE@ سورة إبراهيم 10 # حتى قالت الرسل @QB@ إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من ~~عباده @QE@ سورة إبراهيم 11 وأمثال هذا # فقد ذكر عن المشركين أنهم أنكروا إرسال رسول من البشر ودفعوا ذلك بعقولهم ~~PageV07P063 # وهذا قول من يجحد النبوات من البراهمة مشركي الهند وغيرهم ولهم شبه ~~معروفة يزعمون ms1301 أنها براهين عقلية تقدح في جواز إرسال الرسل # ولهذا قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل ~~القرى @QE@ سورة يوسف 109 # وقال @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون @QE@ سورة النحل 43 # وقال @QB@ قل ما كنت بدعا من الرسل @QE@ سورة الأحقاف 9 وأمثال ذلك # وكذلك لما أخبرهم بالمعاد عارضوه بعقولهم وقد ذكر الله تعالى من حججهم ~~التي احتجوا بها في إنكار المعاد ما هو مذكور في القرآن # كقوله تعالى @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ~~قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر ~~على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم @QE@ سورة يس 78 81 # وقد ذكر طعنهم في الرسالة والمعاد جميعا في قوله تعالى @QB@ ق والقرآن ~~المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أئذا متنا ~~وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ ~~@QE@ PageV07P064 سورة ق 1 4 # ثم ذكر الأدلة عليهم إلى قوله @QB@ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من ~~خلق جديد @QE@ سورة ق 15 # وهذه السورة قد تضمنت من أصول الإيمان ما أوجبت أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقرأ بها في المجامع العظام فيقرأ بها في خطبة الجمعة وفي صلاة ~~العيد وكان من كثرة قراءته لها يقرأ بها في صلاة الصبح وكل ذلك ثابت في ~~الصحيح # قال تعالى @QB@ وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ~~قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل ~~الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون ~~قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا @QE@ سورة ~~الإسراء 49 52 # وقد ذكر نحو ذلك عمن مضى من ms1302 المكذبين للرسل كقولهم عن رسولهم @QB@ أيعدكم ~~أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على ~~الله كذبا وما نحن له بمؤمنين @QE@ PageV07P065 سورة المؤمنون 35 38 # وقال تعالى @QB@ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا ~~إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون @QE@ سورة الجاثية 24 # وأمثال هذا في القرآن كثير # وذكر عنهم أنهم طعنوا في الرسول بعقولهم بأمور ظنوها لازمة له كقولهم ~~@QB@ وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ~~ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا @QE@ سورة الفرقان 7 8 # قال تعالى @QB@ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا @QE@ ~~سورة الفرقان 9 # وكذلك قالوا عمن قبله من الرسل كما قال فرعون @QB@ أم أنا خير من هذا ~~الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه ~~الملائكة مقترنين @QE@ سورة الزخرف 52 53 # وقالوا لشعيب @QB@ وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت ~~علينا بعزيز @QE@ سورة هود 91 # والمقصود هنا أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم كان يعارضه من ~~PageV07P066 المؤمنين به والكفار من لا يكاد يحصى معارضة لا ترد عليه ولم ~~تكن إلا من جهل المعارض ولم يكن في ظاهر الكلام الذي يقوله لهم ومفهومه ~~ومعناه ما يخالفه صريح المعقول بل كان المعارضون يعارضون بعقولهم ما لا ~~يستحق المعارضة فلو كان فيما بلغهم إياه عن الله من أسمائه وصفاته ونحو ذلك ~~ما يخالف ظاهره صريح المعقول لكان هذا أحق بالمعارضة وكان يمتنع في مستمر ~~العادة أن مثل هذا لا يعارضه أحد لا معارضة دافع طاعن ولا معارضة مستشكل ~~مسترشد فكيف إذا كان يعارض القضايا العقلية التي بها علموا نبوته وأنه رسول ~~الله إليهم فكيف تكون المعارضة بذلك أولى ms1303 أن تقع من الكفار والمسلمين # أما الكفار فيقولون له نحن لا نعلم صدقك إلا بأن نعلم بعقولنا أمورا ~~تناقض ما يفهم ويظهر مما تخبرنا به فالمصدق لك يكون متناقضا متلاعبا لا ~~يمكنه أن يقبل بعض أخبارك إلا برد بعضها وهذا ليس فعل العالمين الصادقين ~~دائما بل فعل من يكذب تارة ويصدق أخرى أو يصيب تارة ويخطىء أخرى # وأما المسلمون المظهرون للإسلام فقد كان فيهم منافقون وفي المؤمنين ~~سماعون لهم يتعلقون بأدنى شبهة يوقعون بها الشك والريب في قلوب المؤمنين ~~وكان فيهم من له معرفة وذكاء وفضيلة وقراءة للكتب ومدارسة لأهل الكتاب مثل ~~أبي عامر الفاسق الذي كان يقال له عامر الراهب الذي اتخذ له المنافقون مسجد ~~الضرار PageV07P067 # وأيضا فقد كان اليهود والنصارى يعارضونه بما لا يصلح للمعارضة ويقدحون في ~~القرآن بأدنى شبهة ويخاطبون بذلك من أسلم كما قالوا للمغيرة بن شعبة أنتم ~~تقرأون في كتابكم @QB@ يا أخت هارون @QE@ سورة مريم 28 وموسى بن عمران كان ~~قبل عيسى بسنين كثيرة فظنوا أن هارون المذكور هو هارون أخو موسى وهذا من ~~فرط جهلهم فإن عاقلا لا يخفى عليه أن موسى كان قبل عيسى بسنين كثيرة وأن ~~مريم أم عيسى ليست أخت موسى وهارون ولا هو المسيح ابن أخت موسى وليس في من ~~له تمييز وإن كان من أكذب الناس من يرى أن يتكلم بمثل هذا الذي يضحك عليه ~~به كل من سمعه فكيف بمن هو أعظم الناس عقلا وعلما ومعرفة غلبت عقول بني آدم ~~ومعارفهم وعلومهم حتى استجاب له كل ذي عقل مصدقا لخبره مطيعا لأمره وذل له ~~أو خاف منه كل من لم يستجب له وظهر به من العلم والبيان والهدى والإيمان ما ~~قد ملأ الآفاق وأشرق به الوجود غاية الإشراق # فكان النصارى الذين سمعوا هذا لو كان لهم تمييز لعلموا أن مثل هذا الرجل ~~العظيم الذي جاء بالقرآن لا يخفى عليه أن المسيح ليس هو ابن أخت موسى بن ~~عمران ولا يتكلم بمثل ذلك ولو كانت أختهما لكان إضافتها إلى ms1304 موسى أولى من ~~إضافتها إلى هارون فكان يقال لها يا أخت موسى لكن لما اتفق أن مريم هذه بنت ~~عمران وذانك PageV07P068 موسى وهارون ابنا عمران فكان لفظ عمران فيه اشتراك ~~والاشتراك غالب على أسماء الأعلام نشأت الشبهة حتى سأل المغيرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك فقال ألا قلت لهم إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم ~~والصالحين قبلهم إن هارون هذا كان رجلا في بني إسرائيل سموه باسم هارون ~~النبي # فمن كانوا يعارضونه بمثل هذه المعارضة كيف يسكتون عن معارضته إذا كان ~~الخطاب الذي أخبر به والمفهوم الظاهر منه بل الصريح منه الذي لا يحتمل ~~التأويل مخالفا لصريح العقل بل مخالفا لما به يعلم صدقه وصدق الأنبياء قبله ~~وهلا كان أهل الكتاب يقولون له ما جئت به يقدح في نبوات الأنبياء قبلك فإنا ~~لا يمكننا أن نصدقك إلا بقضايا عقلية بها يعلم صدق الرسل وما أظهرته للناس ~~وبينته لهم وأخبرتهم به يناقض الأصول العقلية التي بها نعلم تصديق الأنبياء # واعلم أن من أمعن النظر في هذا المقام وتوابعه حصل له أمور جليلة # بطلان قول من يقول العلم بصحة السمع لا يكون إلا بقضايا عقلية مناقضة ~~للمفهوم الظاهر من أخبار الله ورسوله # بل بطلان قول من يجعل صريح العقل مناقضا لأخباره PageV07P069 # بل بطلان قول من يدعي أن أقوال الجهمية النفاة لعلو الله على خلقه مما هي ~~معروفة بصريح العقل سواء كانت موافقة لخبر الرسول أو مخالفة له # وذلك من وجوه # أحدها أن إيمان المؤمنين به العالمين بصدقه حصل بدون هذه القضايا # الثاني أن أحدا منهم لم يورد هذه المعارضة ولم يستشكل هذا الذي هو تناقض ~~في زعم هؤلاء # الثالث أن المنافقين لم يورد أحد منهم هذا # الرابع أن المشركين لم يورد أحد منهم هذا # الخامس أن أهل الكتاب لم يورد أحد منهم هذا # السادس أنه لم يعهد إليهم أن لا يصدقوا بمضمون هذه الظواهر ولا يعتقدوا ~~موجبها ولا أمرهم بترك تدبرها وفهمها وعقلها ولا بتأويلها تأويلا يصرفها عن ~~المعنى الظاهر المفهوم ms1305 منها ولا بتفويضها وقولهم لا نعلم معناها # السابع أن الصحابة لم يوصوا التابعين بذلك # الثامن أن التابعين لم يوردوا على الصحابة ولا أورد بعضهم على بعض ظهور ~~هذا التناقض والتعارض ولا سأل بعضهم بعضا كيف نصنع هل نتبع موجب النصوص أو ~~موجب العقول المعارضة PageV07P070 ونتأول النصوص أو نصرف قلوبنا عن فهمها ~~وتدبرها وعقلها ونقول لا ندري ما معناها # فإن قيل فهذا الذي ذكرته ظاهر لا يخفى على من تأمل أمور الإسلام كيف كانت ~~وكيف ظهر الإسلام ومع هذا فهذه الشبه العقلية التي احتج بها النفاة قد ضل ~~بها خلق كثير من هذه الأمة ومن أهل الكتاب فهل كانت عقول الكفار أصح من ~~عقول هؤلاء ثم إذا كان الأمر هكذا فكيف وقع في هذا من وقع # قيل المقصود هنا فساد قول من يقول إن تصديق الرسول لا يمكن إلا بقضايا ~~عقلية تناقض مفهوم ما أخبر به وهذا يلزم من قال ذلك من الجهمية والمعتزلة ~~وأتباعهم من الأشعرية ومن دخل معهم من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة ~~والصوفية أن تصديق الرسول لا يمكن إلا بأن يستدل على حدوث العالم بحدوث ~~الأجسام وانه يستدل على ذلك بحدوث ما قام بها من الأعراض مطلقا أو الحركات ~~وأن ذلك مبني على امتناع حوادث لا أول لها وذلك يستلزم نفي الأفعال القائمة ~~بذات الله تعالى المتعلقة بمشيئته واختياره بل نفي صفاته وأن يكون القرآن ~~مخلوقا وأن الله لا يرى في الآخرة ولا يكون فوق العالم # فمن قال إن تصديقه فيما أخبر به لا يمكن إلا بهذه الطريق كان قوله معلوم ~~الفساد بالاضطرار من دين الإسلام ولهذا قال الأشعري وغيره إن هذه الطريق ~~مبتدعة في دين الأنبياء بل محرمة غير PageV07P071 مشروعة ولا ريب أن عقل من ~~آمن بالله والرسول كان خيرا من عقل من سلك هذه الطريق من أهل الكلام # وأما عقول الكفار فلا ريب وإن كانت عقول جنس المؤمنين خيرا من عقولهم لكن ~~قد يكون عند الكافر من العقل والتمييز ما يمنعه أن يقول ما يقوله ms1306 كثير من ~~أهل البدع ألا ترى أن أكاذيب الرافضة لا يرضاها أكثر العقلاء من الكفار ~~فكذلك عقول المشركين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن ~~تقبل أن ترد رسالته بمثل هذا الكلام الذي فيه من الدقة والغموض ما لا يفهمه ~~أكثر الناس ومن فهمه من العقلاء علم أنه من باب الهذيان والبهتان # يبين لك كل ذلك أن العرب مع شركها كانت مقرة بأن الله رب كل شيء وخالقه ~~ومليكه مقرة بالقدر وكانت عقولهم من هذا الوجه خيرا من عقل من جعل كثيرا من ~~المحدثات لم يخلقه الله ولا قدره ولا أراده وكانت العرب أيضا تقر بأن الله ~~فاعل مختار ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فكانت عقولهم خيرا من عقول ~~الدهرية الفلاسفة الذين يقولون بأن العالم صدر عن علة تامة موجبة له كما ~~يقوله الدهرية الإلهيون # ولا ريب أن من أنكر الصانع وقال بأن العالم واجب بذاته فعقله أفسد من عقل ~~هؤلاء والعرب لم تكن تقول بهذا اللهم إلا أن يكون في تضاعيفهم آحاد تقوله ~~ولكن لم يكن هذا القول ظاهرا فيهم بل الظاهر فيهم الإقرار بالخالق وعلمه ~~وقدرته ومشيئته # وهذه الشبه شبه الجهمية هي في الأصل نشأت من ملاحدة PageV07P072 الأمم ~~المنكرين للصانع وهؤلاء أجهل الطوائف وأقلهم عقلا فلهذا لم تكن العرب تعارض ~~بمثل هذه الشبه وإنما ذكر الله تعالى نظير قول الجهمية عن مثل فرعون ~~وأمثاله من المعطلة كالذي حاج إبراهيم في ربه # ولا ريب أن المعطلة شر من المشركين والعرب وإن كانوا مشركين لم يكن ~~الظاهر فيهم التعطيل للصانع وإن كان قد يكون في أضعافهم من هو في المرتابين ~~في الصانع أو الجاحدين له كما في تضاعيف كل أمة حتى في المصلين من هو من ~~هؤلاء إذ المنافقون لم يزالوا في الأمة ولن يزالوا على اختلاف أصنافهم # وإذا عرف أن المقصود بيان فساد قول من يزعم أنه لا يمكن تصديق الرسول إلا ~~بالطريق الجهمية المناقضة لإثبات ما أخبر به من صفات الله ms1307 وكلامه وأفعاله ~~حصل المقصود # وأما من قال إن هذه المعقولات تعارض المفهوم الظاهر من الآيات والأحاديث ~~من غير أن يقول إن العلم بصدق الرسول موقوف عليها كما يقوله من يعتقد صحة ~~هذه الطريق طريقة الاستدلال على الصانع بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام وإن ~~قال إنه يمكن تصديق الرسول بدونها كما يقوله الأشعري نفسه وكثير من أصحابه ~~والرازي وأمثاله وكثير من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية ويوجد شيء من هذا ~~في كلام المحاسبي وأبي حاتم البستي والخطابي وأبي الحسن التميمي والقاضي ~~أبي يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني وغير هؤلاء فإن هؤلاء وجمهور المسلمين ~~يقولون إنه PageV07P073 يمكن تصديق الرسول بدون طريقة حدوث الأعراض وتركيب ~~الأجسام # لكن هؤلاء وغيرهم يعتقدون صحة تلك الطرق وإن قالوا إن تصديق الرسول ~~لايتوقف عليها # ثم منهم من يقول إنها لا تعارض النصوص بل يمكن الجمع بينهما # وهذه طريقة الأشعري وأئمة أصحابه يثبتون الصفات الخبرية التي جاء بها ~~القرآن مع اعتقادهم صحة طريقة الاستدلال بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام # وهذه طريقة أبي حاتم بن حبان البستي وأبي سليمان الخطابي والتميميين كأبي ~~الحسن التميمي وغيره من أهل بيته وأبي علي بن أبي موسى والقاضي أبي يعلى ~~وأبي بكر البيهقي وابن الزاغوني وخلق كثير من طوائف المسلمين من الحنفية ~~والمالكية والشافعية والحنبلية # ومن هؤلاء من يدعي التعارض بينهما كالرازي وأمثاله كما يقول ذلك من يوجب ~~الاستدلال بطريقة حدوث الأعراض كالمعتزلة وأبي المعالي وأتباعه # فهؤلاء مشتركون في أن هذه الطريقة المعقولة لهم مناقضة لما يفهم من ~~الآيات والأحاديث سواء قالوا إن تصديق الرسول موقوف عليها كما يقوله من ~~يقوله من المعتزلة وأتباع صاحب الإرشاد أو لم يقولوا ذلك كما يقوله من ~~يوافق الأشعري والرازي وجمهور المسلمين على PageV07P074 أن تصديق الرسول ~~ليس موقوفا عليها # وليس المقصود في هذا المقام إلا إبطال قول من يدعي أن تقديم النقل على ~~العقل المعارض له يقدح في العقل الذي به علم صحة السمع وقد تبين أن فساد ~~هذا القول معلوم بالاضطرار من الدين معلوم بالاضطرار من العادة وأن الذين ms1308 ~~آمنوا بالرسول وعلموا صدقه لم يكن علمهم موقوفا على هذه القضايا # ومما يشترك فيه الفريقان أن يقال أهل العقول الذين سمعوا القرآن والكفار ~~من المشركين وأهل الكتاب في العصور المتقدمة لم يكن منهم من طعن فيه أو ~~أورد عليه مخالفة هذه الأخبار عن صفات الله لصريح المعقول فلو كان العلم ~~بنقيض ذلك ثابتا في عقول بني آدم لم يمكن في العادة أن يكون هذا الكلام ~~الذي طبق مشارق الأرض ومغاربها وظهر وليه على عدوه بالحجة الباهرة والسيف ~~القاهر وفي صريح المعقول ما يناقض أخباره ولا أحد من العقلاء يتفطن لذلك لا ~~على وجه الطعن ولا على وجه الاستشكال مع أن هذه العقليات مما تتوفر الهمم ~~والدواعي على استخراجها واستنباطها لو كانت صحيحة لأنها متعلقة بأشرف ~~المطالب والعلم به الذي تتوفر الهمم على طلب معرفة صفاته نفيا وإثباتا # فلو كانت هذه الطرق الدالة على السلب طرقا صحيحة تعلم بالعقل لكان مع ~~الداعي التام يجب تحصيلها فإنه مع كمال القدرة PageV07P075 والداعي يجب ~~وجود المقدور فكان يجب أن تظهر هذه من أفضل الناس عقلا ودينا # فلما لم يكن الأمر كذلك علم أن ذلك كان لفسادها وأنهم لصحة عقولهم لم ~~يعتقدوها كما لم يعتقدوا مذهب القرامطة الباطنية والرافضة الغالية وأمثالهم ~~من الطوائف التي يعلم فساد قولهم بصريح المعقول # ومعلوم أن الباطل ليس له حد محدود فلا يجب أن يخطر ببال أهل العقل والدين ~~كل باطل وأن يردوه فإن هذا لا نهاية له بخلاف ما هو حق معلوم بصريح العقل ~~في حق الله تعالى لا سيما إذا كان مما يجب اعتقاده بل يتوقف تصديق الرسول ~~على معرفته فإن هذا يمتنع أن تكون العصور الفاضلة مع كثرة أهلها وفضلهم ~~عقلا ودينا لم يعلموها ولم يقولوها # فعلم بذلك أن هذه المعارضات ليست من العقليات الصحيحة التي هي مستقرة في ~~صريح العقل بل هي من الخيالات الفاسدة المشابهة للعقليات التي تنفق على ~~طائفة من الناس دون طائفة كما نفقت على الجهمية ومن وافقهم دون جمهور عقلاء ~~بني آدم ms1309 ولهذا كان أعظم نفاقها على أجهل الناس وأعظمهم تكذيبا بالحق ~~وتصديقا بالباطل من القرامطة الباطنية والحلولية والاتحادية وأمثالهم # ومن المعلوم أن أهل التواتر لا يجوز عليهم في مستقر العادة أن يكذبوا ولا ~~أن يكتموا ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكما أن الفطر فيها مانع من ~~الكذب ففيها داع إلى الإظهار والبيان فكذلك ها هنا كما أن العقول المتباينة ~~والفطر المختلفة إذا أخبرت عما تعلمه بضرورة أو PageV07P076 حس لم تتفق على ~~الكذب ولا الخطأ فكذلك أيضا العقول المتباينة والفطر المختلفة إذا سمعت ما ~~يعلم بصريح العقل بطلانه وفساده لم تتفق على الإعراض عن النظر والاستدلال ~~حتى يعرف فساده وبطلانه # ولهذا لم تظهر في امة من الأمم أقوال باطلة إلا كان فيهم من يعرف بطلان ~~ذلك فيتكلم بذلك مع من يثق به وإن وافق في الظاهر لغرض من الأغراض # ولهذا تجد خلقا من الرافضة والإسماعيلية والنصيرية يعلمون في الباطن فساد ~~قولهم ويتكلمون بذلك مع من يثقون به # وكذلك بين النصارى خلق عظيم يعلمون فساد قول النصارى وكذلك بين اليهود # وهذه الأمة قد كان فيها في القرون الثلاثة منافقون لا يعلم عددهم لا الله ~~وقد جاورهم من المشركين وأهل الكتاب أمم أخر وهم طوائف متباينة فما يمكن ~~احدا أن ينقل أنه كان قبل الجعد بن درهم وجهم بن صفوان من ظهر عنه القول ~~بأن العقول تنافي ما في القرآن من إثبات العلو والصفات أو بعض الصفات لا من ~~المؤمنين ولا من أهل الكتاب ولا من سائر الكافرين # ومن المعلوم أن هذا إذا كان مستقرا في صريح المعقول فلا بد مع توفر الهمم ~~والدواعي أن يستخرج ويستنبط وإذا استخرج واستنبط فلا بد مع توفر الهمم ~~والدواعي أن يتكلم به وإذا تكلم به فلا بد مع PageV07P077 توفر الهمم ~~والدواعي أن ينقل ألا ترى أنه لما تكلم به واحد وهو الجعد بن درهم نقل ~~الناس ذلك ثم الجهم بعده كذلك ولم نقل إن هذا لم يكن في نفس أحد فإن هذا لا ~~يمكن نفيه ولم ms1310 ينقل أن أحدا من هؤلاء لم يناج به بعض الناس فإن هذا لا يمكن ~~نفيه بل قلنا إنه لم يظهر وعدم ظهوره مع الكثرة والقوة الموجبة لتوفر الهمم ~~والدواعي على استخراجه واستنباطه إن كان حقا يوجب أنه ليس حقا فإن معرفة ~~الله وما يستحقه من الصفات نفيا وإثباتا أعظم المطالب # ونحن نعلم بالاضطرار أن سلف الأمة كانوا أعظم الناس رغبة في هذا ومحبة له ~~فإذا كان الحق هو قول النفاة وعلى ذلك أدلة عقلية يستخرجها الناظر بعقله ~~وهم من أعقل الناس وأرغبهم في هذا المطلب امتنع مع ذلك أن لا يكون منهم من ~~يفطن لهذا الحق وإذا تفطنوا له مع قوة دينهم ورغبتهم في الخير كانوا ~~يظهرونه ويبينونه وذلك يوجب ظهوره وانتشاره لو كان حقا # وكذلك الكفار لهم رغبة في معرفة ذلك وإظهاره لو كان حقا لما فيه من ~~معارضة الرسول ومناقضته ولما فيه من معرفة الحق # واعلم أن هذا كما يقال في أمتنا فإنه يقال في بني إسرائيل فإن التوراة ~~مملوءة بإثبات الصفات التي يسميها النفاة تشبيها وتجسيما ومن المعلوم أن ~~التوراة قد تداولها من الأمم ما لا يحصيهم إلا الله وقد انتشرت بين النصارى ~~كما انتشرت بين اليهود فلو كان ما فيها من الصفات وإثبات العلو لله مما ~~يناقض صريح العقل لكان ذلك من أعظم ما كان PageV07P078 ينبغي أن يتعنت به ~~بنو إسرائيل وغيرهم لموسى فقد ذكر عنهم من تعنت بموسى أشياء لا تعلم بصريح ~~العقل فقد اذوا موسى وقالوا إنه آدر وإنه قتل هارون ودس عليه قارون بغيا ~~لرميه بالزنا ليؤذي موسى بذلك # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه ~~الله مما قالوا @QE@ سورة الأحزاب 69 ومع هذا فأذى موسى بذلك أذى لا يشهد ~~به صريح العقل فلو كان ما أخبرهم به مما يناقض صريح العقل لكان أذاه بالقدح ~~في ذلك أبين وأظهر وأولى أن يستعمله من يريد الأذى له # وقد قال تعالى @QB@ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ms1311 ~~فضلتكم على العالمين @QE@ سورة البقرة 47 # وقال @QB@ وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم ~~أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين @QE@ سورة المائدة ~~20 # وقال @QB@ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على العالمين @QE@ سورة الجاثية 16 # وقد كان القوم مجاورين للروم والقبط والنبط والفرس وهم أئمة الفلاسفة ~~والصابئين والمشركين من جميع الأصناف وقد ذكروا أن PageV07P079 أساطين ~~الفلاسفة كفيثاغورس وسقراط وأفلاطن قدموا الشام وتعلموا الحكمة من لقمان ~~وأصحاب داود وسليمان فكيف يكون ما تدل عليه التوراة ويفهم منها مناقضا ~~لصريح المعقول الذي لا ينبغي أن يشك عاقل فيه ولا يظهر ذلك لا في أوليائها ~~ولا أعدائها # بل الطوائف كلها مجتمعة على تعظيم الذي جاء بالتوراة خاضعين له فهل يكون ~~كتاب مملوءا مما ظاهره كذب وفرية على الله ووصف له بما يمتنع عليه ولا يجوز ~~في حقه ولا يظهر بين العقلاء مناقضته ومعارضته # ومن اعتبر الأمور وجد الرجل يصنف كتابا في طب وحساب أو نحو أو فقه أو ~~ينشىء خطبة أو رسالة أو ينظم قصيدة أو أرجوزة فيلحن فيها لحنة أو يغلط في ~~المعنى غلطة فلا يسكت الناس حتى يتكلموا فيه ويبينوا ذلك ويخرجون من الحق ~~إلى زيادة من الباطل وإن كان صاحب ذلك الكلام لا يدعوهم إلى طاعته ~~واستتباعه ويذم من يخالفه فضلا عن أن يكفره ويبيح قتاله وشتمه فإذا كان ~~الذي جاء بالقرآن ودعا الناس إلى طاعته واستتباعه وأن يكون هو المطاع الذي ~~لا ينبغي مخالفته في شيء دق ولا جل ويقول إن السعادة لمن أطاعه والشقاء لمن ~~خالفه ويعظم مطيعيه ويعدهم بكل خير ويلعن مخالفيه ويبيح دماءهم وأموالهم ~~وحريمهم فمن المعلوم ان مثل هذه الدعوى لا يدعيها إلا أكمل الناس وأحقهم ~~بها وهم الرسل الصادقون أو أكذب الناس وأبعدهم عنها كالمتنبئين الكاذبين ~~PageV07P080 # ومعلوم أن صاحب هذه الدعوة تعاديه النفوس وتحسده كما قال ورقة بن نوفل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره بما جاءه فقال ms1312 إن قومك سيخرجوك قال أو ~~مخرجي هم قال نعم إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك ~~أنصرك نصرا مؤزرا # ومن المعلوم أن أعداء من يقول مثل هذا إذا كان المفهوم من كلامه والظاهر ~~من خطابه هو كذب على الله ووصفه بما يجب تنزيهه عنه وبما يعلم بصريح العقل ~~أن الله منزه عنه وأنه من وصفه بذلك كان قائلا من التشبيه والتجسيم بما ~~يخالف صريح العقل بل يكون صاحبه كافرا كاذبا مفتريا على الله كان هذا من ~~أعظم ما تتوفر الهمم والدواعي على معارضته به والطعن في ذلك والقدح في ~~نبوته به # وهكذا موسى بن عمران وبنو إسرائيل كان بمقتضى العادة المطردة أنه لا بد ~~في كل عصر من أن يظهر إنكار مثل ذلك والقدح فيما جاء به موسى وأن يكون ~~المؤذون له يؤذونه بذلك وأعظم منه # فإذا قيل إنه قد وجد طعن في موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم بمثل هذا ~~PageV07P081 # قلنا نعم وجد بعد أن ظهرت مقالة الجهمية في المسلمين وحديث الملاحدة من ~~القرامطة الباطنية الذين أخذوا شر قول الجهمية وشر قول الرافضة وركبوا ~~منهما قولا ثالثا شرا منهما ونحن لم نقل إنه لم يقدح أحد في الأنبياء ~~والمرسلين ولا كذبهم ولا عارضهم في نفس ما دعوا إليه من التوحيد والنبوة ~~والمعاد وعارضوهم بعقولهم ولم يعارضوهم معارضة صحيحة بل كان ما عارضوا به ~~فاسدا في العقل # فهؤلاء الذين حدثوا من المعارضين هم أسوأ حالا من أولئك المعارضين فإن ~~القرامطة الباطنية شر من عباد الأصنام من العرب وشر من اليهود والنصارى ~~فمجادلة هؤلاء وأمثالهم بالباطل ليس بعجيب فما زال في الأرض من يجادل ~~بالباطل ليدحض به الحق ولكن قلنا إذا كان الظاهر المفهوم مما خبروا به ~~مخالفا لصريح العقل امتنع في العادة أن لا يعارض أولئك الأعداء به ولا ~~يستشكله الأصدقاء مع طول الزمان وتفرق الأمة فإذا كان العدو يعارض بالمعقول ~~الفاسد فكيف لا يعارض بالمعقول الصريح وإذا كان الولي يستشكل ما لا إشكال ms1313 ~~فيه لخطأه هو نفسه فكيف لا يستشكل ما هو مشكل يخالف ظاهره بل نصه للحق ~~المعلوم بصريح العقل # فقلنا عدم وجود هذه المعارضات مع توفر الهمم والدواعي على وجودها لو كانت ~~حقا دليل على أنها باطل كما أن عدم نقل ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ~~لو كان موجودا دليل على أنه كذب بخلاف وجود الطعن والمعارضة فإنه ليس دليلا ~~على صحة ما PageV07P082 عارض به وطعن كما أن مجرد نقل الناقل ليس دليلا على ~~صحة ما نقل # فليتدبر الفاضل هذا النوع من النظر والكلام فإنه ينفتح له أبواب من الهدى ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله فإن الجهمية النفاة هم من أفسد الناس عقلا ~~وأعظمهم جهلا وإن كان قد يحصل لأحدهم ملك وسلطان بيد أو لسان كما حصل ~~لفرعون ونمرود بن كنعان ونحوهما # ولهذا وصف الله لهؤلاء وأشباههم بأنهم لا يسمعون ولا يعقلون ومن تدبر ~~الحقائق وجد كل من كان أقرب إلى التصديق بما جاءت به الرسل والعمل به كان ~~أكمل عقلا وسمعا وكل من كان أبعد عن التصديق بما جاءت به الرسل والعمل به ~~كان أنقص عقلا وسمعا # ولا ريب أن قول أهل التعطيل والإلحاد ومن دخل منهم من أهل الحلول ~~والاتحاد ومن شاركهم في بعض أصولهم المستلزمة لتعطيلهم وإلحادهم من سائر ~~العباد هي من أفسد الأقوال وأكذبها وأعظمها تناقضا وأكثر الأمور أدلة على ~~نقيضها من الأدلة العقلية والسمعية لكن اشتبه بعض أصولهم على كثير من أهل ~~الإيمان فظنوا أن ذلك برهان عقلي معارض للقرآن الإلهي ولم يعلموا أن ~~البرهان موافق للقرآن معاضد لا مناقض معارض وأن دلائل الآيات والآفاق ~~العيانية موافقة للدلائل القرآنية إذ كانت أدلة الحق شهودا صادقين وحكاما ~~لا يثبت عندهم إلا الحق المبين # ومن المعلوم أن أخبار الصادقين وشهاداتهم وإثباتاتهم تتعاون وتتعاضد ~~وتتناصر وتتساعد لا تتناقض ولا تتعارض وإن قدر أن PageV07P083 أحدهم يغلط ~~خطأ أو يكذب أحيانا فلا بد أن يظهر خطؤه وكذبه وهذا مما استقراه الناس في ~~أحاديث المحدثين للأحاديث النبوية لا يعرف أن ms1314 أحدا منهم غلط أو كذب إلا ~~وظهر لأهل صناعته كذبه أو خطؤه # وكذلك الناظرون أهل النظر والاستدلال في الأدلة السمعية أو العقلية ما ~~يكاد يغلط غالط منهم إلا ويعرف الناس غلطه من أبناء جنسه وغيرهم # والجهمية النفاة المعطلة قلبوا حقائق الأدلة والبراهين العقلية والسمعية ~~ثم ادعوا أن معهم دلالات عقلية تعارض الآيات السمعية فحرفوا الآيات وبدلوها ~~بالتأويل بعد أن أفسدوا العقول بزخرف الأباطيل # قال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون أفغير ~~الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم @QE@ سورة الأنعام 112 115 # فإذا رأيت الدلائل اليقينية تدل على أن ما أخبر به الرسول لا يناقض ~~العقول بل يوافقها وأن ما ادعاه النفاة من مناقضة البرهان PageV07P084 ~~لمدلول القرآن قول باطل فلا تعجب من كثرة أدلة الحق وخفاء ذلك على كثيرين ~~فإن دلائل الحق كثيرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وقل لهذه العقول ~~التي خالفت الرسول في مثل هذه الأصول عقول كادها باريها واتل قوله تعالى ~~@QB@ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون ~~@QE@ سورة الأحقاف 26 # ومما يوضح الأمر في ذلك أن يقال من المعلوم أن موسى ومحمدا صلى الله ~~عليهما وسلم وأمثالهما كانوا من أكمل الناس معرفة وخبرة وعقلا باتفاق من ~~آمن بهم ومن كفر فإن الكافر بهم يقول كانوا من أدهى الناس وأخبرهم بالأمور ~~وأعرفهم بالطرق التي تنال بها المقاصد والأسباب التي تطلب بها المرادات ~~فسعوا فيما يصدقهم به الناس ويطيعونهم بما كان عندهم من المعرفة والحذق ~~والذكاء # وأما المؤمن بهم فيقول إن ms1315 الله خصهم من العلم والعقل والمعرفة واليقين ~~بما لم يشركهم فيه أحد من العالمين # قال وهب بن منبه لو وزن عقل محمد صلى الله عليه وسلم بعقل أهل الأرض لرجح # وإذا كان كذلك امتنع في صريح العقل أن من يريد أن الناس يصدقونه ويطيعونه ~~يذكر لهم ما يوجب في صريح العقل تكذيبه PageV07P085 ومعصيته والقدح فيما ~~جاء به ومعارضته فإن كان المفهوم المعروف مما أخبروا به الناس مناقضا لصريح ~~العقل وهم لم يعرفوا أنه مناقض لصريح العقل فقد وصفهم من قال ذلك من نقص ~~العقل وفساده بما أجمع الناس على فساده وإن علموا أنه مناقض لصريح العقل ~~وأظهروه ولم يبينوه ولم يذكروا ما يجمع بينه وبين صريح المعقول فقد سعوا ~~فيما به يكذبهم المكذب ويرتاب المصدق ويستطيل به أعداؤهم على أوليائهم ~~فيكون أولياؤهم في الريب والاضطراب وأعداؤهم قد فوقوا إليهم النشاب وحزبوا ~~عليهم الأحزاب وهم لا يستطيعون نصر ما جاء به الرسول بل يطلبون الإعراض عن ~~سماعه ومنع الناس من استماعه ولا يفعله إلا من هو أقل الناس عقلا # وإذا كان هؤلاء بإجماع أهل الأرض كاملي العقول والمعرفة بل أكمل الناس ~~عقلا ومعرفة تبين أن الدين الذي أظهروه وبينوه وأخبروا به ووصفوه لم يكن ~~عندهم مناقضا لصريح المعقول ولا منافيا لحق مقبول بل كان عندهم لا يخالف ~~ذلك إلا كل كاذب جهول # ومما يوضح الأمر في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ظهر وانتشر ما ~~أخبر به من تبديل أهل الكتاب وتحريفهم وما أظهر من عيوبهم وذنوبهم وتنزيهه ~~لله عما وصفوه به من النقائص والعيوب PageV07P086 كقوله تعالى @QB@ لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق @QE@ سورة آل عمران 181 # وقوله تعالى @QB@ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما ~~قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ~~ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما ms1316 ~~أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب ~~المفسدين @QE@ سورة المائدة 64 65 # وقوله تعالى @QB@ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما ~~مسنا من لغوب @QE@ سورة ق 38 # ونزه نفسه عما وصفوه به من الفقر والبخل والإعياء فالإعياء من جنس العجز ~~المنافي لكمال القدرة والفقر من جنس الحاجة إلى الغير المنافي لكمال الغنى ~~والبخل من جنس منع الخير وكراهة العطاء المنافي لكمال الرحمة والإحسان ~~وكمال القدرة والرحمة # والغني عن الغير مستلزم سائر صفات الكمال فإن الفاعل إذا كان عاجزا لم ~~يفعل وإذا كان قادرا ولم يرد فعل الخير لم يفعله فإذا كان قادرا مريدا له ~~فعل الخير ثم إن كان محتاجا إلى غيره كان معاوضا لا محسنا متفضلا وكان فيه ~~نقص من وجه آخر فإذا كان مع PageV07P087 هذا غنيا عن الغير لم يفعل إلا ~~لمجرد الإحسان والرحمة وهذا غاية الكمال # وقد نزه الله سبحانه نفسه في القرآن عما زعمته النصارى من الولد والشريك ~~فقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه @QE@ سورة النساء 171 # وقال @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ~~@QE@ سورة المائدة 17 # وقال تعالى @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا ~~إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا ~~يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم @QE@ سورة المائدة 73 74 # ثم إنه جمع اليهود والنصارى في قوله @QB@ وقالت اليهود عزير ابن الله ~~وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا ~~من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون @QE@ سورة التوبة 30 # ومن ms1317 المعلوم لمن له عناية بالقرآن أن جمهور اليهود لا تقول إن عزير ابن ~~الله وإنما قاله طائفة منهم كما قد نقل أنه قال فنحاص بن PageV07P088 ~~عازورا أو هو وغيره # وبالجملة إن قائلي ذلك من اليهود قليل ولكن الخبر عن الجنس # كما قال @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم @QE@ سورة آل ~~عمران 173 فالله سبحانه بين هذا الكفر الذي قاله بعضهم وعابه به فلو كان ما ~~في التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم فإن فيها من ذلك ~~ما تنكره النفاة وتسميه تشبيها وتجسيما بل فيها إثبات الجهة وتكلم الله ~~بالصوت وخلق آدم على صورته وأمثال هذه الأمور # فإن كان هذا مما كذبته اليهود وبدلته كان إنكار النبي صلى الله عليه وسلم ~~لذلك وبيان ذلك أولى من ذكر ما هو دون ذلك فكيف والمنصوص عنه موافق للمنصوص ~~في التوراة فإنك تجد عامة ما جاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقا ~~مطابقا لما ذكر في التوراة وقد قلنا قبل ذلك إن هذا كله مما يمتنع في ~~العادة توافق المخبرين به من غير مواطأة # وموسى لم يواطىء محمدا ومحمد لم يتعلم من أهل الكتاب فدل PageV07P089 ذلك ~~على صدق الرسولين العظيمين وصدق الكتابين الكريمين وقلنا إن هذا لو كان ~~مخالفا لصريح المعقول لم يتفق عليه مثل هذين الرجلين اللذين هما وأمثالهما ~~أكمل العالمين عقلا من غير أن يستشكل ذلك وليهما المصدق ولا يعارض بما ~~يناقضه عدوهما المكذب ويقولان إن إقرار محمد صلى الله عليه وسلم لأهل ~~الكتاب على ذلك من غير أن يبين كذبهم فيه دليل على أنه ليس مما كذبوه ~~وافتروه على موسى مع أن هذا معلوم بالعادة فإن هذا في التوراة كثير جدا ~~وليس لأمة كثيرة عظيمة منتشرة في مشارق الأرض ومغاربها غرض في أن تكذب من ~~تعظمه غاية التعظيم بما يقدح فيه وتبين فساد أقواله ولكن لهم غرض في أن ~~يكذبوا كذبا يقيمون به رياستهم وبقاء شرعهم والقدح فيما جاء به من ينسخ ~~شيئا منهم كما ms1318 لهم غرض في الطعن على عيسى ابن مريم وعلى محمد صلى الله ~~عليهما وسلم فإذا قالوا ما هو جنس القدح في عيسى ومحمد كان تواطؤهم على ~~الكذب فيه ممكنا فأما إذا قالوا ما هو من جنس القدح في موسى فيمتنع تواطؤهم ~~على ذلك في العادة مع علمهم بأنه يقدح في موسى كما يمتنع تواطؤ النصارى على ~~ما يعلمون أنه قدح في المسيح PageV07P090 # وأما المسلمون فقد عصمهم الله من أن يتفقوا على خطأ لكن يعلم بمطرد ~~العادات أنه يمتنع تواطؤهم على ما يعلمون أنه قدح في نبوته فإن هذا لا ~~يفعله إلا من هو مبغض له مكذب ونحن نعلم أن اليهود لم يتفقوا على بغض موسى ~~وتكذيبه ولا اتفقت النصارى على بغض المسيح وتكذيبه فضلا عن أن تتفق طائفة ~~من المسلمين على بغض محمد وتكذيبه وإذا اتفقت طائفة على بغضه وتكذيبه مثل ~~غالية الإسماعيلية والخرمية الباطنية وأمثالهم لم تكن هذه الطائفة من أهل ~~الإيمان به وقد انكشف ولله الحمد أمرهم وانهتك سترهم # وقد تتفق الطائفة على قول يكون متضمنا للقدح فيمن تعظمه ولا يعلم ذلك كما ~~يتفق مثل ذلك للنصارى والرافضة وأمثالهم من جهال الطوائف الذين اعتقدوا ~~عقائد فاسدة فظنوها حقا وكذب بعضهم فنقلها لهم عن المسيح أو علي فصدقوا ذلك ~~الناقل لا لثبوت صدقه عندهم لكن لموافقته لهم فيما يعتقدونه # وهذا سبب كثرة الكذب والضلال بين النصارى والرافضة والغلاة من العامة ~~وغيرهم وإذا كان كذلك فهذه الأقوال التي في التوراة إن كانت مخالفة لصريح ~~العقل لم يكن في إضافتها إلى موسى إلا بطريق القدح فيه فيمتنع اتفاق اليهود ~~على نقلها عنه وإن لم تكن مخالفة لصريح العقل لم يكن حينئذ في نقلها عن ~~موسى محذور # فثبت أنه لايجوز تكذيب نقل هذه عن موسى لاعتقاده مخالفتها بالعقل الصريح ~~PageV07P091 # فإن قيل إن الذي كذبها لهم كان يعتقد صدقها أو كان غرضه إضلالهم كما أن ~~كثيرا من هذه الأمة يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أكاذيب لاعتقاده ~~أنها حق صحيح يجب على ms1319 الناس قبوله فيكذب أحاديث في ذلك ليقبل الناس ما ~~يعتقده كما وقع مثل هذا لطوائف من أهل البدع والكلام وبعض المتفقهة ~~والمتزهدة مثل الجويباري الذي كان يكذب للمرجئة والكرامية وغيرهم أحاديث ~~توافق قولهم ومثل بعض المتفقهة الذين كذبوا أحاديث توافق رأيهم لاعتقادهم ~~أنه صدق ومثل طائفة من أهل الزهد والعبادة كذبوا أحاديث في الترغيب ~~والترهيب وقالوا نحن كذبنا له ما كذبنا عليه ومثل الذين كذبوا أحاديث في ~~فضائل الأشخاص والبقاع والأزمنة وغير ذلك لظنهم أن موجب ذلك حق أو لغرض آخر # واخرون من الزنادقة والملاحدة كذبوا أحاديث مخالفة لصريح العقل ليهجنوا ~~بها الإسلام ويجعلوها قادحة فيه مثل حديث عرق الخيل الذي فيه أنه خلق خيلا ~~فأجراها فعرقت فخلقت نفسه من ذلك العرق فخلق نفسه من ذلك العرق فإن هذا ~~الحديث وأمثاله لا يكذبه من يعتقد صدقه لظهور PageV07P092 كذبه وإنما كذبه ~~من مقصوده إظهار الكذب بين الناس كما يقولون إنه وضعه بعض أهل الأهواء ~~ليقول إن أهل الحديث يروون مثل هذا ومع هذا فكل أهل الحديث متفقون على لعنه ~~من وضعه # ومما يشبه ذلك حديث الجمل الأورق وأنه ينزل عشية عرفة على جمل أورق ~~فيصافح المشاة ويعانق الركبان وحديث رؤيته لربه في الطواف أو رؤيته ليلة ~~المعراج بعين رأسه وعليه تاج يلمع بل وكل حديث فيه رؤيته لربه ليلة المعراج ~~عيانا فإنها كلها أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل المعرفة بالحديث لكن ~~الذين وضعوها يمكن أنهم كانوا زنادقة فوضعوها ليهجنوا بها من يرويها ~~ويعتقدها من الجهال ويمكن أن الذين وضعوها كانوا من الجهال الذين يظنون مثل ~~هذا حقا وأنهم إذا وضعوه قووا الحق كما وضع كثير من هؤلاء أحاديث في فضائل ~~الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان لا سيما ما وضعوه في فضائل علي من الأكاذيب ~~فإنه لا يكاد يحصى مع أن في فضائلهم الصحيحة ما يغني عن الباطل ومثل ما ~~وضعوه في مثالبهم لا سيما ما وضعته الرافضة في مثالب الخلفاء وغيرهم فإن ~~فيه من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله # والمقصود ms1320 أن المعترض يقول يمكن أن يكون الذين كذبوا ما في PageV07P093 ~~التوراة من الصفات على موسى كانوا يعتقدونها فكذبوها أو كان مقصودهم إضلال ~~اليهود وبث الكذب فيهم لإفساد دينهم # قيل هذا القدر يمكن أن يفعله الواحد والاثنان والطائفة القليلة ولكن ~~هؤلاء إذا حدثوا به عامة اليهود مع معرفتهم واختلافهم فلا بد إذا كان ~~معلوما فساده بصريح العقل أن يرده بعضهم أو يستشكله ويقول إن مثل هذا يقدح ~~في موسى فحيث قبلوه كلهم علم أنهم لم يكونوا يعتقدون أنه فاسد في صريح ~~العقل # ومن المعلوم عند أهل الكتاب أن قدماءهم لم يكونوا ينكرون ما في التوراة ~~من الصفات وإنما حدث فيهم بعد ذلك لما صار فيهم جهمية إما متفلسفة مثل موسى ~~بن ميمون وأمثاله وإما معتزلة مثل أبي يعقوب البصير وأمثاله فإن اليهود لهم ~~بالمعتزلة اتصال وبينهما اشتباه ولهذا كانت اليهود تقرأ الأصول الخمسة التي ~~للمعتزلة ويتكلمون في أصول اليهود بما يشابه كلام المعتزلة كما أن كثيرا من ~~زهاد الصوفية يشبه النصارى ويسلك في زهده وعبادته من الشرك والرهبانية ما ~~يشبه سلوك النصارى # ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول في صلاتنا @QB@ اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ PageV07P094 ~~سورة الفاتحة 6 7 # والنصارى يشبهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال واليهود تشبه الخالق ~~بالمخلوق في صفات النقص ولهذا أنكر القرآن على كل من الطائفتين ما وقعت فيه ~~من ذلك فلو كان ما في التوراة من هذا الباب لكان إنكار ذلك للهدى من أعظم ~~الأسباب وكان فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لذلك من ~~أعظم الصواب ولكان النبي صلى الله عليه وسلم ينكر ذلك من جنس إنكار النفاة # فنقول إثبات هذه الصفات يقتضي التجسيم والتجسيد والتشبيه والتكييف والله ~~منزه عن ذلك فإن عامة النفاة إنما يردون هذه الصفات بأنها تستلزم التجسيم # ومن المسلمين وأهل الكتاب من يقول بالتجسيد فلو كان هذا تجسيما وتجسيدا ~~يجب إنكاره لكان الرسول إلى إنكار ذلك أسبق وهو به أحق وإن كان الطريق ms1321 إلى ~~نفي العيوب والنقائص ومماثلة الخالق لخلقه هو ما في ذلك من التجسيد ~~والتجسيم كان إنكار ذلك بهذا الطريق المستقيم كما فعله من أنكر ذلك بهذا ~~الطريق هو الصراط المستقيم من القائلين بموجب ذلك من أهل الكلام فلما لم ~~ينطق النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه والتابعون بحرف من ذلك بل كان ما ~~نطق به PageV07P095 موافقا مصدقا لذلك وكان اليهود إذا ذكروا بين يديه ~~أحاديث في ذلك يقرأ من القرآن ما يصدقها # كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن يهوديا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إن الله يوم القيامة يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع ~~والجبال على إصبع والشجر والثرى على إصبع وسائر الخلائق على إصبع ثم يهزهن ~~ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا ~~وتصديقا لقول الحبر ثم قرأ قوله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ~~@QE@ سورة الزمر 67 # وأخبر هو صلى الله عليه وسلم بما يوافق ذلك غير مرة كما في حديث ابن عمر ~~الذي في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر هذه الآية ثم ~~قال يقول الله أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا المتعال يمجد نفسه قال ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرددها حتى رجف به المنبر حتى ظننا أنه ~~سيخر به # فهذا كله ذكرناه لما بينا أن ما يخالف هذه النصوص من القضايا التي يقال ~~إنها عقلية ليست مما يحتاج إليه في العلم بصدق الرسول فعلم PageV07P096 ~~بطلان قول القائل إن تقديم النقل على العقل يوجب القدح فيه بالقدح في أصله ~~حيث تبين أن ذلك ليس قدحا في أصله # وهذا الكلام في الأصل هو من قول الجهمية المعتزلة وأمثالهم وليس من قول ~~الأشعري وأئمة أصحابه وإنما تلقاه عن المعتزلة متأخرو الأشعرية لما مالوا ~~إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه الذين لم ms1322 ~~يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق ~~السمع # ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع وأثبت بالعقل الصفات العقلية ~~التي تعلم بالعقل والسمع فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضا للسمع بل ما جعله ~~معاضدا له وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل # وهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا فلم يستدلوا بالسمع في ~~إثبات الصفات وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات # والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم ~~والاعتزال مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام وإنكار اتصاف الله ~~بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها وأمثال ذلك من المسائل التي أشكلت ~~على من كان أعلم من الأشعري بالسنة والحديث وأقوال السلف والأئمة كالحارث ~~المحاسبي وأبي علي الثقفي وأبي بكر بن إسحاق الصبغي مع أنه قد قيل إن ~~PageV07P097 الحارث رجع عن ذلك وذكر عنه غير واحد ما يقتضي الرجوع عن ذلك ~~وكذلك الصبغي والثقفي قد روى أنهما استتيبا فتابا # وقد وافق الأشعري على هذه الأصول طوائف من أصحاب أحمد ومالك والشافعي ~~وأبي حنيفة وغيرهم منهم من تبين له بعد ذلك الخطأ فرجع عنه ومنهم من اشتبه ~~عليه ذلك كما اشتبه غير ذلك على كثير من المسلمين والله يغفر لمن اجتهد في ~~معرفة الصواب من جهة الكتاب والسنة بحسب عقله وإمكانه وإن أخطأ في بعض ذلك # والمقصود أنه لم يكن في المنسوبين إلى السنة ولو كان فيه نوع من البدعة ~~من يزعم أن صريح المعقول يخالف مدلول الكتاب والسنة بل كل من تكلم بذلك كان ~~عند الأمة من أهل البدع المضلة فضلا عن أن يقال إن ما به يعلم صدق الرسول ~~من المعقول مناقض لمدلول الكتاب والسنة إذ هذا الكلام يفتح على صاحبه من ~~الزندقة والإلحاد ما يخرجه عن طرد قوله إلى غاية الجهل والضلال والكفر ~~والإلحاد وإن لم يطرد قوله ظهر منه التناقض والفساد ما لا يوافقه عليه لا ~~أهل التوحيد والحق والإيمان ولا طائفة من طوائف العباد # وبهذا كان يصف الأشعري كل من ms1323 يواليه ويحبه من المنسوبين إلى السنة ~~والجماعة كما في رسالة أبي بكر البيهقي التي كتبها إلى بعض ولاة الأمور لما ~~كان وقع بخراسان من لعنة أهل البدع ما وقع وقصد بعض PageV07P098 الناس ~~إدخال الأشعرية فيهم وقد ذكر الرسالة أبو القاسم ابن عساكر في تبيين كذب ~~المفترى # قال البيهقي في أثناء الرسالة فليعلم الشيخ العميد أن أبا الحسن من أولاد ~~أبي موسى الأشعري رضي الله عنه # ثم ذكر من فضائل أبي موسى والأشعريين وذرية أبي موسى أمورا معروفة إلى أن ~~قال إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري فلم يحدث في دين الله ~~حدثا ولم يأت فيه ببدعة بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ~~الأئمة في أصول الدينا فبصرنا بزيادة شرح وتبيين وأن ما قالوه وجاء به ~~الشرع في الأصول صحيح في المعقول خلاف ما زعمه أهل الأهواء من أن بعضه لا ~~يستقيم في الآراء فكان في بيانه PageV07P099 تقوية ما لم يزل عليه أهل ~~السنة والجماعة ونصرة أقاويل من مضى من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري من ~~أهل الكوفة والأوزاعي وغيره من أهل الشام ومالك والشافعي من أهل الحرمين ~~ومن نحا نحوهما من أهل الحجاز وغيرها من سائر البلاد كأحمد بن حنبل وغيره ~~من أهل الحديث والليث بن سعد وغيره ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن ~~الحجاج النيسابوري إمامي أهل الآثار وذلك دأب من تصدر من الأئمة في هذه ~~الأمة وصار رأسا في العلم من أهل السنة في قديم الدهر وحديثه # إلى أن قال وحين كثرت المبتدعة في هذه الأمة وتركوا ظاهر الكتاب والسنة ~~وأنكروا ما ورد أنه من صفات الله تعالى نحو الحياة والقدرة والعلم والمشيئة ~~والسمع والبصر والكلام وجحدوا ما دلا عليه من المعراج وعذاب القبر والميزان ~~وأن الجنة والنار مخلوقاتان وأن أهل الإيمان يخرجون من النيران وما لنبينا ~~صلى الله عليه وسلم من الحوض والشفاعة وأن الخلفاء الأربعة PageV07P100 ~~كانوا محقين فيما قاموا به من الولاية وزعموا أن شيئا من ذلك لا يستقيم على ~~العقل ms1324 ولا يصح في الرأي أخرج الله من نسل أبي موسى الأشعري إماما قام بنصرة ~~دين الله وجاهد بلسانه وبنانه من صد عن سبيل الله وزاد في التبيين لأهل ~~اليقين أن ما جاء به الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة مستقيم على ~~العقول الصحيحة والآراء # ومضمون الرسالة إزالة ما وقع من الفتنة وإطابة قلوب أهل السنة # قال أبو القاسم بن عساكر وإنما كان انتشار ما ذكره أبو بكر البيهقي من ~~المحنة واستعار ما أشار بإطفائه في رسالته من الفتنة ما تقدم به من سب حزب ~~الشيخ أبي الحسن الأشعري في دولة السلطان طغرلبك ووزارة أبي نصر الكندري ~~وكان السلطان حنفيا سنيا وكان وزيره معتزليا رافضيا فلما أمر السلطان بلعن ~~المبتدعة على المنابر في الجمع قرن الكندري للتسلي والتشفي اسم الأشعرية ~~PageV07P101 بأسماء أرباب البدع وامتحن الأئمة الأفاضل وعزل أبا عثمان ~~النيسابوري عن خطابة نيسابور وفوضها إلى بعض الحنفية فأم الجمهور وخرج ~~الأستاذ أبو القاسم وأبو المعالي عن البلد # ثم ذكر زوال تلك المحنة في دولة ابن ذلك السلطان ووزارة النظام # وهذا الذي ذكره عنه البيهقي هو المعروف في كتبه وعند أئمة أصحابه وذكر ~~ابن عساكر عن جماعة ما يوافق كلام البيهقي فذكر أن أبا الحسن القابسي وهو ~~من كبار أئمة المالكية بالمغرب سئل عنه فكان في جوابه واعلموا أن أبا الحسن ~~الأشعري لم يأت من هذا الأمر يعني الكلام إلا ما أراد به إيضاح السنن ~~والتثبيت عليها ودفع الشبه عنها # وقال أبو بكر بن فورك انتقل الشيخ أبو الحسن الأشعري PageV07P102 من ~~مذاهب المعتزلة إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة بالحجج العقلية وصنف في ~~ذلك الكتب # وذكر ابن عساكر كلامه في مصنفاته # وقوله فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية ~~والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون ~~قيل له قولنا الذي به نقول وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وسنة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن ~~بذلك ms1325 معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل ~~مثوبته قائلون ولمن خالف PageV07P103 قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل ~~والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج ~~وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام ~~مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين وجملة قولنا أنا نقر بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا وأن الله إله واحد فرد صمد لم يتخذ ~~صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة والنار حق وأن الساعة آتية ~~لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله مستو على عرشه كما قال ~~@QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ سورة طه 5 وأن له وجها كما قال @QB@ ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ سورة طه 27 وأن له يدين كما قال ~~@QB@ بل يداه مبسوطتان @QE@ سورة المائدة 64 وكما قال @QB@ لما خلقت بيدي ~~@QE@ PageV07P104 سورة ص 75 وأن له عينين بلا كيف كما قال @QB@ تجري ~~بأعيننا @QE@ سورة القمر 15 إلى أن قال # ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله ~~بها ولا نقول على الله ما لا نعلم ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال ~~@QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا @QE@ سورة الفجر 22 وأن الله يقرب من عباده ~~كيف يشاء كما قال @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ سورة ق 16 وكما ~~قال @QB@ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى @QE@ سورة النجم 8 9 # فهذا الكلام وأمثاله في كتبه وكتب أئمة أصحابة يبينون أنهم يعتصمون في ~~مسائل الأصول التي تنازع فيها الناس بالكتاب والسنة والإجماع وأن دينهم ~~التمسك بالكتاب والسنة وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ثم خصوا ~~الإمام أحمد بالاتباع والموافقة لما ms1326 أظهره من السنة بسبب ما وقع له من ~~المحنة # فأين هذا من قول من لا يجعل الكتاب والسنة والإجماع طريقا إلى معرفة صفات ~~الله وأمثال ذلك من مسائل الأصول فضلا عمن يدعى تقديم عقله ورأيه على مدلول ~~الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة ويقول إذا تعارض القرآن وعقولنا ~~قدمنا عقولنا على القرآن PageV07P105 # ولهذا كان الأشعري وأئمة أصحابه من المثبتين لعلو الله بذاته على العالم ~~كما كان ذلك مذهب ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي بكر ~~الصبغي وأبي علي الثقفي وأمثالهم # لكن للبقايا التي بقيت على ابن كلاب وأتباعه من بقايا التجهم والاعتزال ~~كطريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام احتاج من سلك طريقهم إلى طرد تلك ~~الأقوال فاحتاج أن يلتزم قول الجهمية والمعتزلة في نفي الصفات الخبرية ~~ويقدم عقله على النصوص الإلهية ويخالف سلفه وأئمته الأشعرية وصار ما مدح به ~~الأشعري وأئمة أصحابه من السنة والمتابعة النبوية عنده من أقوال المجسمة ~~الحشوية كما أن المعتزلة لما نصروا الإسلام في مواطن كثيرة وردوا على ~~الكفار بحجج عقلية لم يكن أصل دينهم تكذيب الرسول ورد أخباره ونصوصه لكن ~~احتجوا بحجج عقلية إما ابتدعوها من تلقاء أنفسهم وإما تلقوها عمن احتج بها ~~من غير أهل الإسلام فاحتاجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها لتسلم ~~عن النقص والفساد فوقعوا في أنواع من رد معاني الأخبار الإلهية وتكذيب ~~الأحاديث النبوية # وأصل ما أوقعهم في نفي الصفات والكلام والأفعال والقول بخلق القرآن ~~وإنكار الرؤية والعلو لله على خلقه هي طريقة حدوث الأعراض وتركيب الأجسام ~~وعنها لزمهم ما خالفوا به الكتاب والسنة والإجماع في هذا المقام مع ~~مخالفتهم للمعقولات الصريحة التي لا تحتمل PageV07P106 النقيض فناقضوا ~~العقل والسمع من هذا الوجه وصاروا يعادون من قال بموجب العقل الصريح أو ~~بموجب النقل الصحيح وهم وإن كان لهم من نصر بعض الإسلام أقوال صحيحة فهم ~~فيما خالفوا به السنة سلطوا عليهم وعلى المسلمين أعداء الإسلام فلا للإسلام ~~نصروا ولا للفلاسفة كسروا # فإن قيل إنما لم يعارض سلف المؤمنين ms1327 والكفار المتقدمون لهذه النصوص لأنهم ~~كانوا قوما عربا فصحاء يفهمون ما أريد بها ولم يكونوا يفهمون منها إثبات أن ~~ذاته نفسه فوق العرش ولا ما يشبه ذلك من الأمور المستلزمة للتجسيم فلما لم ~~يفهموا منها ما فهمه المتأخرون من هذا الإثبات لم يكن المفهوم منها عندهم ~~معارضا لشيء من الأدلة العقلية وأما المتأخرون فلما صاروا يستدلون بها على ~~الإثبات المستلزم للتجسيم صار من يريد أن يرد عليهم يعارضهم بالأدلة ~~العقلية النافية # فهذا خلاصة ما يمكن أن يقوله من يعظم الرسول والسلف من النفاة # فيقال هذا باطل من وجوه متعددة # أحدها أن يقال فعلى هذا التقدير لا يكون المفهوم الظاهر من هذه النصوص ~~إثبات العلو على العالم والصفات ولا يجوز أن يقال ظواهر هذه النصوص غير ~~مراد ولا أنه قد تعارضت الدلائل النقلية والعقلية فإنه إذا قدر أنها لا تدل ~~على الإثبات لا دلالة قطعية ولا ظاهرة بطل أن يكون في ظاهرها ما يفهم منه ~~الإثبات PageV07P107 ومن المعلوم أن هذا خلاف قول الطوائف كلها من المثبتة ~~والنفاة حتى من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وإنكار معاد الأبدان فإنهم ~~معترفون بما اعترف به سائر الخلق من أن الظاهر المفهوم منها هو إثبات ~~الصفات # لكن هؤلاء المتفلسفة يقولون إن الرسول لم يرد بيان العلم والإخبار بالأمر ~~على وجهه وإنما أراد التخييل وإن تضمن ذلك التدليس وإظهار خلاف ما يبطن ~~والكذب للمصلحة وهذا قول الملاحدة الباطنية # وفساد هذا معلوم من وجوه أكثر مما يعلم به فساد قول الجهمية والمعتزلة ~~ولهذا كان هؤلاء عند المسلمين ملاحدة زنادقة # الوجه الثاني أن يقال التفاسير الثابتة المتواترة عن الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان تبين أنهم إنما كانوا يفهمون منها الإثبات بل والنقول المتواترة ~~المستفيضة عن الصحابة والتابعين في غير التفسير موافقة للإثبات ولم ينقل عن ~~أحد من الصحابة والتابعين حرف واحد يوافق قول النفاة ومن تدبر الكتب ~~المصنفة في آثار الصحابة والتابعين بل المصنفة في السنة من كتاب السنة ~~والرد على الجهمية للأثرم ولعبد الله بن أحمد وعثمان بن سعيد ms1328 الدارمي ومحمد ~~بن إسماعيل البخاري وأبي داود السجستاني وعبد الله بن محمد الجعفي والحكم ~~بن معبد الخزاعي وحشيش بن أصرم النسائي وحرب بن إسماعيل الكرماني وأبي بكر ~~الخلال ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبي القاسم الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني ~~وأبي أحمد العسال وأبي PageV07P108 نعيم الأصبهاني وأبي الحسن الدارقطني ~~وأبي حفص بن شاهين ومحمد بن إسحاق بن منده وأبي عبد الله بن بطة وأبي عمر ~~الطلمنكي وأبي ذر الهروي وأبي محمد الخلال والبيهقي وأبي عثمان الصابوني ~~وأبي نصر السجزي وأبي عمر بن عبد البر وأبي القائم اللالكائي وأبي إسماعيل ~~الأنصاري وأبي القاسم التيمي وأضعاف هؤلاء رأى في ذلك من الآثار الثابتة ~~المتواترة عن الصحابة والتابعين ما يعلم معه بالاضطرار أن الصحابة ~~والتابعين كانوا يقولون بما يوافق مقتضى هذه النصوص ومدلولها وأنهم كانوا ~~على قول أهل الإثبات المثبتين لعلو الله نفسه على خلقه المثبتين لرؤيته ~~القائلين بأن القرآن كلامه ليس بمخلوق بائن عنه # وهذا يصير دليلا من وجهين أحدهما من جهة إجماع السلف فإنهم يمتنع أن ~~يجمعوا في الفروع على خطأ فكيف في الأصول # الثاني من جهة أنهم كانوا يقولون بما يوافق مدلول النصوص ومفهومها لا ~~يفهمون منها ما يناقض ذلك # ولهذا كان الذين أدركوا التابعين من أعظم الناس قولا بالإثبات وإنكارا ~~لقول النفاة كما قال يزيد بن هارون الواسطي من قال إن الله على العرش استوى ~~خلاف ما يقر في نفوس العامة فهو جهمي وقال الأوزاعي كنا والتابعون متوافرون ~~نقر بأن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته # الثالث أن من له عناية بآثار السلف يعلم علما يقينيا أن قول النفاة إنما ~~حدث فيهم في أثناء المائة الثانية وأن أول من ظهر ذلك عنه الجعد ~~PageV07P109 ابن درهم والجهم بن صفوان وقد قتلهما المسلمون وكلام السلف ~~والأئمة في ذم الجهمية أعظم وأكثر من أن يذكر هنا حتى كان غير واحد من ~~الأئمة يخرجهم عن عداد الأمة # وقال يوسف بن أسباط وعبد الله بن المبارك أصول الثنتين وسبعين فرقة أربع ms1329 ~~الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية فقيل لابن المبارك فالجهمية فأجاب بأن ~~أولئك ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم # ولأصحاب أحمد في الجهمية هل هم من الثنتين وسبعين فرقة أم هم خارجون عنها ~~كالملاحدة الزنادقة قولان والجهمية باتفاقهم هم نفاة الصفات الذين يقولون ~~إن الله ليس فوق العالم ولا يرى ولا تقوم به صفة ولا فعل وابن كلاب ومتبعوه ~~خالفوهم في العلو والصفات ووافقوهم على نفي الأفعال القائمة به وغيرها مما ~~يتعلق بمشيئته وقدرته فكيف يمكن مع هذا أن يقال إن السلف كانوا من القائلين ~~بنفي العلو والصفات # وإذا كانوا من المثتبة امتنع أن يقال إنهم عرفوا أن القرآن إنما يدل على ~~قول الإثبات وخالفوه # الوجه الرابع أن يقال القرآن إما أن يقال إنه بنفسه دال على العلو وإثبات ~~ما يفهم منه من الصفات وإما أن يقال إنه ينفي ذلك وإما أن يقال إنه لا يدل ~~على ذلك لا بنفي ولا إثبات # فإن قيل بالأول ثبت المقصود وعلم أن مدلول القرآن ومفهومه هو PageV07P110 ~~الإثبات وتبين ما ذكر من أنه يمتنع أن يكون العقل الصريح معارضا لذلك وإن ~~قيل بالثاني كان هذا معلوم الفساد بالاضطرار فإنه ليس في القرآن آية واحدة ~~ظاهرة في نفي الصفات وغاية ما يريد من يستدل بذلك أن يستدل بقوله @QB@ ليس ~~كمثله شيء @QE@ سورة الشورى 11 وقوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ سورة ~~الإخلاص 4 ونحو ذلك وهذه الآيات إنما تنفي مماثلة صفاته لصفات المخلوقات لا ~~تنفي ثبوت الصفات ولا ريب أن القرآن تضمن إثبات الصفات ونفي مماثلة ~~المخلوقات فأما أن يكون فيه ما ينفي الصفات فهذا من أعظم البهتان الذي يظهر ~~أنه كذب لكل عاقل # ولهذا لما كان النفاة يعتمدون على ما ينفي التمثيل كقوله تعالى @QB@ ليس ~~كمثله شيء @QE@ وقوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ وهذا لا يدل على ~~مقصودهم في اللغة التي نزل بها القرآن بل هو على نقيض مقصودهم أدل فإن هذا ~~يدل على ثبوت شيء موصوف بصفات الكمال لا مماثل له في ذلك ms1330 وهم لم يثبتوا ذلك ~~احتاجوا إلى أن يفتروا على اللغة بعد أن افتروا على العقل فصاروا مفترين ~~على الشرع والعقل واللغة فيقول أحدهم لو كان موصوفا بالعلو لكان جسما ولو ~~كان جسما لكان مماثلا لسائر الأجسام والله قد نفى عنه المثل فهذا أعظم ما ~~يعتمدون عليه من جهة السمع # وقد بين في غير هذا الموضع فساد هذا من وجوه كثيرة منها أن يقال هنا ثلاث ~~مقدمات حصل فيها التلبيس أحدها كون كل PageV07P111 عال جسما والثاني كون ~~الأجسام متماثلة والثالث كون هذا التماثل هو المراد بالمثل في لغة العرب ~~التي نزل بها القرآن # ومنشأ الغلط من الاشتباه والاشتراك والإجمال في لفظ الجسم ولفظ المثل # فيقال الجسم في لغة العرب هو البدن وهو عندكم مما يمكن الإشارة إليه ~~فالهواء والماء والنار ونحو ذلك ليس هو جسما في لغة العرب وهو في اصطلاحكم ~~جسم # وإذا كان الجسم في لغة العرب أخص منه في عرفكم وقد علم بصريح العقل أن ~~الذهب ليس مثل الفضة ولا الخبز مثل التراب ولا الدم كالذهب فما يسمى في لغة ~~العرب جسدا وجسما ونحو ذلك هو مما يعلم أنه ليس متماثلا بصريح العقل والحس ~~فكيف بما هو أعم من ذلك مثل كونه يشار إليه أو كونه يقبل الأبعاد الثلاثة ~~الطول والعرض والعمق مع أن هذه الألفاظ ليس مرادهم بها ما هو معناها في ~~اللغة المعروفة فإن هؤلاء عندهم الحبة الواحدة كالعدسة والسمسمة بل الذرة ~~التي قال الله فيها @QB@ إن الله لا يظلم مثقال ذرة @QE@ سورة النساء 40 هي ~~في اصطلاحهم طويلة عريضة عميقة # ومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب أنهم يقولون عن نوع الإنسان هذا طويل ~~وهذا قصير وكذلك أعضاء الإنسان كيده PageV07P112 ورجله وعنقه يقولون هذا ~~طويل وهذا قصير ويقولون هذا عريض وهذا دقيق ورقيق لعنقه ويده # وأما العميق عندهم فيقال في مثل الآبار ونحوها لا يقولون لفم الإنسان إنه ~~عميق ولا لأذنه وعينه ونحو ذلك فكيف بالعدسة والسمسمة والذرة # فإذا قالوا عن الشيء إنه طويل عريض عميق لم ms1331 يقصدوا بذلك المعروف في اللغة ~~وما يعقله الناس من معنى الطول والعرض والعمق بل يقصدون هذا المعنى العام ~~الذي وضعوا له لفظ الطول والعرض والعمق ثم يقولون مع هذا إن كل ما وصف بهذه ~~المعاني العامة فإنه يجب أن يكون متماثلا مستويا في الحد والحقيقة لا يختلف ~~إلا باختلاف أعراضه # فهذا القول من أبعد الأقوال عن المعقول الذي يعرفه الناس بحسهم وعقلهم ثم ~~بتقدير أن يكون كذلك فلا يتمارى عاقلان أن لفظ المثل في لغة العرب وسائر ~~الأمم ليس المراد به هذا وأنه إذا قيل إن كذا مثل كذا أو ليس مثله وهذا ليس ~~له مثل فإنه ليس المفهوم من المثل كون هذا بحيث يشار إليه وكون هذا بحيث ~~يشار إليه أو كون كل منهما له قدر أو له طول وعرض وعمق لا بالمعنى اللغوي ~~ولا بما هو أقرب إليه فضلا عن اصطلاحهم # ونحن نعلم بالضرورة من لغة العرب أنهم لا يقولون الجبل مثل النار ولا ~~الهواء مثل الماء ولا الجمل مثل البقر ولا الشمس والقمر مثل الذهب والفضة ~~مع اشتراكهما في كثير من الصفات الزائدة على PageV07P113 مطلق المقدار بل ~~قد نفى في القرآن كون الشيء مثل غيره مع كون كل منهما جسما بل حيوانا بل ~~إنسانا # كما في قوله @QB@ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ~~@QE@ سورة محمد 38 # وقال تعالى @QB@ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن ~~قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا ~~تعلمون @QE@ سورة الواقعة 58 61 # وهذا في لغة العرب لقول شاعرهم # % ليس كمثل الفتى زهير % خلق يوازيه في الفضائل % $ # وقال الآخر # % ما إن كمثلهم في الناس واحد % $ # فكيف يجوز مع هذا أن يستدل بقوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ أو قوله @QB@ ~~ولم يكن له كفوا أحد @QE@ على أنه لا صفة له أو لا يرى في الآخرة أو ليس ~~فوق العرش بناء على تلك المقدمات وهو أنه لو كان كذلك لكان جسما والأجسام ~~متماثلة والله قد ms1332 نفى المثل # ومن عجيب ما يحتجون به أنهم يقولون لو كان متصفا بذلك لكان جسما ولو كان ~~جسما لكان منقسما والمنقسم ليس بواحد والله قد أخبر أنه واحد مع أنه لا ~~يوجد في لغة العرب بل ولا غيرهم PageV07P114 من الأمم استعمال الواحد الأحد ~~والوحيد إلا فيما يسمونه هم جسما ومنقسما كقوله تعالى @QB@ ذرني ومن خلقت ~~وحيدا @QE@ سورة المدثر 11 # وقوله تعالى @QB@ وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ سورة النساء 11 # وقوله @QB@ واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب @QE@ إلى ~~قوله @QB@ قال له صاحبه وهو يحاوره @QE@ سورة الكهف 32 37 # وقوله @QB@ أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب @QE@ سورة البقرة ~~266 # وقوله تعالى @QB@ ولا يظلم ربك أحدا @QE@ سورة الكهف 49 # وقوله @QB@ ولا يشرك في حكمه أحدا @QE@ سورة الكهف 26 # وقوله @QB@ ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ سورة الكهف 110 # وقوله @QB@ ولا تستفت فيهم منهم أحدا @QE@ سورة الكهف 23 # وقوله @QB@ قل إني لن يجيرني من الله أحد @QE@ سورة الجن 22 # وقوله @QB@ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ سورة الجن 18 # وقوله @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ ~~سورة التوبة 6 PageV07P115 # وقوله @QB@ ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا @QE@ ~~سورة يوسف 36 # إلى قوله @QB@ أما أحدكما فيسقي ربه خمرا @QE@ سورة يوسف 41 # وقوله @QB@ قالت إحداهما يا أبت استأجره @QE@ سورة القصص 26 إلى قوله ~~@QB@ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين @QE@ سورة القصص 27 # وقوله @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ سورة الإخلاص 4 # والعرب وغيرهم من الأمم يقولون رجل ورجلان اثنان وثلاثة رجال وفرس واحد ~~وجمل واحد ودرهم واحد وثوب واحد ورأس واحد وذكر واحد وأمير واحد وملك واحد ~~ومسكن واحد وسيد واحد وأمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى # فلفظ الواحد وما يتصرف منه في لغة العرب وغيرهم من الأمم لا يطلق إلا على ~~ما يسمونه هم جسما منقسما لأن ما لا يسمونه هم جسما منقسما ليس هو شيئا ~~يعقله الناس ms1333 ولا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه بل عقول الناس وفطرهم مجبولة ~~على إنكاره ونفيه فلو قدر وجود هذا في الخارج أو إمكان وجوده لاحتيج بعد ~~ذلك إلى أن يثبت لفظ الواحد في لغة العرب يعبرون بها عنه إذ ليس كل ما وجد ~~أو أمكن وجوده يجب أن يتصوره أهل اللغة ويكون داخلا فيما عبروا عنه من ~~لغتهم PageV07P116 # وإذا قدر أن أهل اللغة عبروا بلفظ الواحد والأحد في لغتهم عن هذا لم يجز ~~أن يقال إن لفظ الواحد في لغتهم لا يقع إلا عليه لما ذكرناه من أن لفظ ~~الواحد وما اشتق منه إنما عرف واشتهر استعماله في اللغة فيما يجعلونه هم ~~جسما منقسما وذلك ليس بواحد عندهم فمسمى الواحد عندهم منتف في اللغة وإن ~~قدر وجوده لكان نادرا في اللغة # والغالب المشهور في اللغة أن اسم الواحد يتناول ما ليس هو الواحد في ~~اصطلاحهم وإذا كان كذلك لم يجز أن يحتج بقوله تعالى @QB@ وإلهكم إله واحد ~~@QE@ سورة البقرة 163 وقوله @QB@ قل هو الله أحد @QE@ ونحو ذلك مما أنزله ~~الله بلغة العرب وأخبرنا فيه أنه أحد وأنه إله واحد على أن المراد ما سموه ~~هم في اصطلاحهم واحدا مما ليس معروفا في لغة العرب بل إذا قال القائل دلالة ~~القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر كان قد قال الحق فإن القرآن نزل بلغة العرب ~~وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان قديما بنفسه متصفا بالصفات ~~مباينا لغيره مشارا إليه # وما لم يكن مشارا إليه أصلا ولا مباينا لغيره ولا مداخلا له فالعرب لا ~~تسميه واحدا ولا أحدا بل ولا تعرفه فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض ~~مطلوبهم منه لا على مطلوبهم PageV07P117 # يؤيد هذا أنهم يقولون اللفظ المشهور في اللغة الذي يتداوله الخاص والعام ~~لا يجوز أن يكون موضوعا بإزاء المعنى الدقيق الذي لا يفهمه إلا خواص الناس ~~وهذا مما استدل به نفاة الأحوال على مثبتيها وقالوا المعروف في اللغة أن ~~الحركة هي كون الجسم متحركا وأما ما يدعونه من ms1334 أن الحركة أمر يوجب كون ~~الجسم متحركا فهذا المعنى لا يفهمه إلا الخاصة فضلا عن أن يعلموا أن لفظ ~~الحركة موضوع له # ولفظ الحركة لفظ مشهور يتداوله الخاصة والعامة فلا يجوز أن يكون مفهومه ~~ما لا يتصوره المتخاطبون به وهذا بعينه يقال لهؤلاء النفاة الذين يسمون ~~نفيهم توحيدا فيقال هذا الواحد الذي تثبتونه وهو أنه لا يشار إليه ولا ~~يتميز منه شيء عن شيء ونحو ذلك أمر لا يتصوره إلا بعض الناس بل قليل منهم ~~والذين تصوروه تنازعوا في إمكان وجوده في الخارج فمنهم من قال وجود هذا في ~~الخارج ممتنع وإذا كان كذلك ولفظ الواحد مشهور في اللغات كلها أشهر من لفظ ~~الحركة فلا يجوز أن يكون مسمى هذا الاسم في اللغة المعروفة معنى لا يتصوره ~~إلا قليل من الناس وهم متنازعون في إمكان ثبوته في الخارج وإذا لم يكن هذا ~~المعنى هو المراد بلفظ الواحد والأحد لم يجز الاستدلال بالسمع الوارد بلغة ~~العرب على هذا PageV07P118 # ولو قيل إنه يجوز استعمال لفظ الواحد في لغتهم في هذا المعنى إما بطريق ~~المجاز والاشتراك أو التواطؤ # قيل هب أنه يجوز لمن بعدهم أن يستعمل ذلك لكن نحن نعلم أنهم لم يستعملوه ~~في ذلك لأنهم لم يكونوا يثبتون هذا المعنى وبتقدير أن يكون مستعملا في هذا ~~وهذا فإنه يكون دالا على ما به الاشتراك فلا يدل على ما يمتاز به أحدهما عن ~~الآخر فلا يدل على محل النزاع ولو قدر أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ~~لكان حقيقة في المعنى الذي يسبق إلى أفهام الناس عند الإطلاق وهو المعروف ~~ولو قدر أنه مشترك اشتراكا لفظيا لم يجز تعيين محل النزاع إلا بقرينة تدل ~~على تعيينه والقرائن اللفظية إنما تدل على نقيض قولهم لا على عين قولهم ~~فإنه ليس في الكتاب إثبات واحد بالمعنى الذي ادعوه فضلا عن أن يكون الله ~~موصوفا به # وهذا الواحد الذي يثبته هؤلاء من جنس الأحوال التي يثبتها أولئك ومن جنس ~~الشيء المعدوم الذي يثبته من يقول ms1335 المعدوم شيء ومن جنس الكليات والمجردات ~~كالعقول والمادة والصورة العقلية التي يثبتها الفلاسفة فهؤلاء يثبتون في ~~الخارج ما لا وجود له في الخارج لكن مثبتة الأحوال أعقل وهذا كان فيهم من ~~هو أهل الإثبات فإنهم عرفوا أنها ليست موجودة في الخارج لكن تناقضوا حيث ~~قالوا لا موجودة ولا معدومة فصاروا مشابهين للقرامطة الباطنية المتفلسفة ~~الذين يقولون لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ومن قال المعدوم شيء وهو ~~ثابت وليس بموجود يشبه المتفلسفة الذين جعلوا PageV07P119 الكليات المجردات ~~أمورا موجودة في الخارج لكن تناقضوا حيث فرقوا بين الوجود والثبوت # والمقصود أن كل هؤلاء يجمعهم إثبات أمور يدعون أنها موجودة في الخارج وهي ~~لايتصورها إلا طائفة قليلة من الناس فضلا عن أن تكون الألفاظ المعروفة ~~المشهورة في اللغة دالة عليها ولا ريب أنهم أخطأوا في المعاني المعقولة ثم ~~في مدلول الألفاظ المسموعة # فتبين لك أن قولهم يتضمن من الفرية على اللغة والعقل من جنس ما تضمن من ~~الفرية على الشرع وأنهم لا يمكنهم أن يقولوا إن الشرع دل على قولهم بوجه من ~~الوجوه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز # فإذا أريد بيان انتفاء دلالة النص على ما ادعوه من مسمى الواحد كان هنا ~~طرق # أحدها أن هذا اللفظ لم يستعمل إلا فيما نفوه دون ما أثبتوه # الثاني أن نبين انتفاء ما أثبتوه في الخارج وحينئذ فلا يكون كلام الله ~~دالا على وجود ما ليس بموجود # الثالث أن ما يذكرونه لا يتصوره عامة الناس لا العرب ولا غيرهم فلا يكون ~~اللفظ موضوعا له ودالا عليه وإن كان له وجود ولا يقال هو بتقدير وجوده ~~يشمله لفظ الواحد لما تقدم من أن اللفظ المشهور بين الخاص والعام لا يكون ~~مسماه مما لا يتصوره إلا الخاصة # الرابع أنه بتقدير شموله لما أثبتوه وما نفوه فلا ريب أن شموله لما ~~PageV07P120 نفوه أظهر إذ لم يعرف استعماله في ذلك فلا يمكنهم دعوى اختصاص ~~معنى الواحد بما ادعوه # الخامس أنه بتقدير عمومه وكونه متواطئا إنما يدل على ms1336 القدر المشترك لا ~~على خصوص ما أثبتوه # السادس أنه بتقدير كون أحدهم مجازا فالحقيقة هي ما نفوه دون ما أثبتوه ~~لأنه المعنى الذي يسبق إلى أفهام المخاطبين # السابع أنه بتقدير الاشتراك اللفظي لا يجوز إرادة ما ادعوه إلا بقرينة ~~ويكفينا في هذا المقام ألا نستدل به على أحدهما # الثامن أن من يستدل به على ما نفوه لأن القرائن اللفظية المذكورة في ~~القرآن تدل عليه لأنه أثبت لهذا الواحد صفات متعددة وأفعالا متعددة وتلك ~~تستلزم ما نفوه لا ما أثبتوه # التاسع أن يقال اسم الأحد لا يستعمل في حق غير الله إلا مع الإضافة أو في ~~غير الموجب كقوله @QB@ قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا @QE@ سورة يوسف 36 ~~وقال @QB@ ولا يظلم ربك أحدا @QE@ سورة الكهف 489 وقال @QB@ وإن أحد من ~~المشركين استجارك @QE@ سورة التوبة 6 فهو أبلغ في أثبات الوحدانية من اسم ~~الواحد ومع هذا فلم يستعمل إلا فيما نفوه في مثل قوله @QB@ ولم يكن له كفوا ~~أحد @QE@ وأمثاله لا يعرف استعمال الأحد فيما ادعوه لا في النفي والإثبات ~~فكيف اسم الواحد PageV07P121 # العاشر أن القرآن أثبت الوحدانية في الإلهية بقوله @QB@ وإلهكم إله واحد ~~@QE@ سورة البقرة 62 وقوله @QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو ~~إله واحد فإياي فارهبون @QE@ سورة النحل 51 وقوله حكاية عن المشركين @QB@ ~~أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب @QE@ سورة ص 5 وأمثال ذلك # وأما كون القديم واحدا أو الواجب واحدا فهذا إنما يعرف عن الجهمية من ~~المتكلمين والفلاسفة فإنهم قالوا القديم واحد وهو لفظ مجمل يراد به أن ~~الإله القديم واحد وهذا حق ويراد به أن مسمى القديم واحد ثم قالوا لو ~~أثبتنا له الصفات لكان القديم أكثر من واحد # وقالت جهمية الفلاسفة الواجب واحد وهو مجمل يراد به الإله الواجب بذاته ~~وهذا حق ويراد به مسمى الواجب ثم قالوا لو أثبتنا له الصفات لتعدد الواجب # ومعلوم أن التوحيد الذي في القرآن هو الأول لا هذا وكذلك التوحيد الذي ~~جاءت به السنة واتفق عليه الأئمة ms1337 فتبين أن لفظ التوحيد والواحد والأحد في ~~وضعهم واصطلاحهم غير التوحيد والواحد والأحد في القرآن والسنة والإجماع وفي ~~اللغة التي جاء بها القرآن وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بما جاء في كلام ~~الله ورسله وفي PageV07P122 لفظ التوحيد على ما يدعونه هم لأن دلالة الخطاب ~~إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه لا بلغة وعادة واصطلاح ~~أحدثه قوم آخرون بعد انقراض عصره وعصر الذين خاطبهم بلغته وعادته كما قال ~~تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم @QE@ سورة إبراهيم ~~4 بل لفظ التوحيد والأحد والواحد الموجود في كلام الله ورسوله يدل على نقيض ~~قولهم وأنه موصوف بالصفات الثبوتية كما تقدم التنبيه عليه من أنه لا يعرف ~~مسمى الواحد في لغة العرب إلا ما كان كذلك ومن أن الله وصف هذا الواحد ~~بالصفات الثبوتية وسماه بالأسماء المتضمنة للمعاني الثبوتية في غير موضع ~~فلو قدر أن لفظ الواحد فيه اشتراك وإجمال لكان ما بينه القرآن من اتصافه ~~بالصفات الثبوتية رافعا للإجمال والاشتراك موافقا لقول أهل الإثبات دون ~~النفاة # وهذه الأدلة كلما تدبرها العاقل تبين له قطعا أن هؤلاء النفاة مناقضون ~~للرسول هم في جانب والرسل في جانب كمناقضة القرامطة الباطنية وأمثالهم وأن ~~استدلال هؤلاء بنصوص الأنبياء على نفيهم من جنس استدلال القرامطة على ~~شريعتهم الإلحادية بنصوص الأنبياء # ومما يبين ذلك أن كلام الله ورسوله صدق بل أصدق الكلام كلام الله والكلام ~~الصدق يتضمن الإخبار عن الأمور على ما هي عليه لا على خلاف ما هي عليه ~~بخلاف الكلام الذي هو كذب سواء كان PageV07P123 صاحبه يعلم أنه كذب أو كان ~~مخطئا يظن أنه صدق مطابق للحقائق وليس كذلك كما هو كلام هؤلاء النفاة ~~للصفات فإن الواحد الذي يثبتونه لا حقيقة له في الخارج فيمتنع أن يكون كلام ~~الله مخبرا عن وجوده في الخارج وذلك أنهم يجعلون الحقائق المتنوعة كل واحدة ~~هي الأخرى بلا امتياز أصلا فيجعلون الذات القائمة بنفسها هي الصفة القائمة ~~بها كما يجعلون العالم عين العلم والقادر عين القدرة # ومنهم ms1338 من يجعل العلم عين المعلوم ويجعلون كل صفة هي الأخرى كما يجعلون ~~العلم هو القدرة والقدرة هي الإرادة أو يجعلون النوع الكلي العام المقسوم ~~إلى أعيان هو واحدا بالعين بحيث تكون هذه العين هي تلك العين كما يقولون ~~الوجود واحد والموجود الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق الذي لا يختص ~~بوجه من الوجوه أو بشرط عدم كل أمر وجودي عنه فلا يختص بكونه واجبا أو ~~عالما أو قادرا أو حيا أو نحو ذلك من الأمور التي توجب اختصاصه بموجود دون ~~موجود # وإذا حققوا الأمر لم يفرقوا بين الوجود الواجب الخالق القديم الفاطر ~~الغني عن كل ما سواه والوجود الممكن المحدث المخلوق المفطور الفقير الذي لا ~~يستغنى عنه بوجه من الوجه عن خالقه بل لا يزال فقيرا إليه # ويجعلون الكلام المنقسم إلى الأمر والنهي والخبر هو نفس الأمر والنهي ~~والخبر وإن عين الكلام الذي هو أمر عين الكلام الذي هو PageV07P124 خبر ~~وعين الكلام الذي هو أمر بالصلاة هو عين الكلام الذي هو أمر بالصيام وعين ~~الكلام الذي هو خبر عن الله هو عين الكلام الذي هو خبر عن أبي لهب فيجمعون ~~في ذلك بين كون الواحد العام الكلي المشترك الذي لا يكون إلا في الذهن هو ~~الآحاد المعينة الموجودة في الخارج ولا يفرقون بين الواحد بالنوع والواحد ~~بالعين # كما لم يفرق بين هذا وهذا أهل وحدة الوجود الذين قالوا الوجود واحد ~~وجعلوا وجود الخالق عين وجود المخلوقات والذين قالوا الحقائق المتنوعة ~~كالأمر والخبر حقيقة واحدة # فالواحد الذي يثبته النفاة أو من أخذ ببعض أقوالهم لا بد أن يتضمن بعضهم ~~هذا مثل جعل الذات هي الصفات أو جعل كل صفة هي الأخرى أو جعل الكلي المقسوم ~~إلى أنواع هو نفس الأعيان المختلفة الموجودة في الخارج وجعل ما يمتنع وجوده ~~في الخارج ولا يكون إلا في الذهن أمرا موجودا في الخارج يجب وجوده في ~~الخارج وجعل ما يجب وجوده في الخارج مما يمتنع وجوده في الخارج فلا يكون ~~إلا في الذهن # ومنتهاهم في ms1339 توحيدهم في إثبات واحدين أحدهما الجوهر الفرد الذي يثبته من ~~يثبته من المعتزلة ومن وافقهم من أهل الكلام مع أن PageV07P125 جمهور ~~العقلاء ينكرونه مع دعوى النظام أن في كل جسم من ذلك ما لا يتناهى # والثاني الجواهر العقلية التي يثبتها من يثبتها من المتفلسفة مع أن جمهور ~~العقلاء يعلمون بالضرورة أنها إنما هي في الأذهان لا في الأعيان مثل ~~الكليات المطلقة التي توصف بها الأعيان # وهم يقولون إن الحقائق الموجودة في الخارج التي يسمونها الأنواع كالإنسان ~~والفرس وغيرهما من أنواع الحيوان مركبة من هذه ومثل المادة الكلية والصورة ~~الجوهرية اللتين يدعون أنهما جوهران عقليان يتركب منهما كل جسم ومثل العقول ~~العشرة التي يدعون أنها مجردات فإن هؤلاء يصورون ما يعقله الإنسان من ~~المعقولات المجردات المفارقات للأعيان المحسوسة فتوهموا أن تلك المعقولات ~~المجردات هي موجودة في الخارج مفارقات للأعيان المحسوسة وإنما هي أمور ~~متصورة في الأذهان لا أنها موجودة مع كونها كلية أو مع كونها مجردة في ~~الأعيان ثم يدعون تركب الأنواع منها كما يدعي أولئك تركب الأعيان من ~~الأجزاء التي يسمونها الجواهر المنفردة # وقد بسط الكلام على هذه الأمور في موضع آخر وبين أن هذا الواحد الذي ~~يثبتونه في العلم الإلهي والطبيعي والمنطقي لا حقيقة له إلا في الذهن ومن ~~تصور هذا حق التصور تبين له من غلط هؤلاء PageV07P126 وضلالهم ما يطول وصفه ~~وتبين له أن ضلال هؤلاء في العقليات من جنس ضلالهم في السمعيات وأنهم كما ~~أخبر تعالى عن أصحاب النار @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير @QE@ سورة الملك 10 # وكان من أصول هذا الإلحاد والتعطيل الذي سموه توحيدا هو فرارهم من تعدد ~~صفات الواحد الحق وتعدد أسمائه وكلامه مع أن ذلك لا محذور فيه بل هو الحق ~~الذي لا يمكن جحده # ومن فهم هذا انحل له ما يقوله من يقوله من المتفلسفة إن الواحد لا يصدر ~~عنه إلا واحد وما يقوله من تركيب الأنواع من الأجناس والفصول وأن ذلك الفرد ~~الذي تتركب منه ms1340 هذه الحقائق هو أيضا أمر يقدر في الذهن لا حقيقة له في ~~الخارج وما يقولونه من أن الواحد لا يكون فاعلا وقابلا وأمثال ذلك مما ~~يعبرون عنه بلفظ الواحد وهو واحد يقدر في الأذهان لا حقيقة له في الخارج # وإن قيل إن القرآن لم يدل على العلو والصفات لا بنفي ولا إثبات كان هذا ~~أيضا باطلا ومعلوم البطلان من وجوه # أحدها أن العلم بدلالة النصوص على العلو والصفات أمر ضروري فالقدح فيه من ~~جنس القدح فيما دل عليه القرآن من خلق السماوات والأرض ومن نعيم الجنة ~~والنار ولا ريب أن دلالة القرآن والحديث على ذلك أعظم من دلالته على ~~الميزان والشفاعة والحوض PageV07P127 وفتنة القبر ومساءلة منكر ونكير وأعظم ~~من دلالته على أن محمدا خاتم النبيين وأنه أفضل الخلق وأن الأنبياء أفضل من ~~غيرهم وأن السابقين الأولين من أهل الجنة وأعظم من دلالته على تنزيه الله ~~عن البخل والكذب والظلم ونحو ذلك من النقائص # وبالجملة فما من صنف من الأصناف المعلومة بالضرورة من الدين إلا وتطريق ~~التأويل إلى نصوصه من جنس تطريقه إلى نصوص العلو والصفات أو أبلغ من ذلك أو ~~قريب من ذلك # الوجه الثاني أن يقال جميع الطوائف متفقة على أن ظواهر النصوص مثبتة ~~للعلو والصفات ولهذا كان المخالفون لذلك يقولون إما بالتأويل المتضمن لصرف ~~ذلك عن ظاهره وإما بالتفويض مع قولهم ظاهر ذلك غير مراد فلو لم يكن ظاهرها ~~دالا على الإثبات لما احتاجوا إلى هذا ولدفعوا أصل ظهور هذه الدلالة كما ~~يدفع ظهور الدلالة في غير ذلك مما تقدم التمثيل به وغير ذلك # الثالث أن يقال نحن نعلم بالضرورة أن ظهور دلالة هذه النصوص على العلو ~~والصفات أعظم من ظهور ما كان المؤمنون والكافرون يوردونه على السؤالات عما ~~يظنونه مشكلا من القرآن كما تقدم تمثيلا وإذا كان كذلك ولم يسألوا عن ذلك ~~علم قطعا أنه لم يكن منافيا لما يعلمونه بعقولهم PageV07P128 # الوجه الرابع أن يقال فعلى هذا التقدير يمتنع تعارض العقل والسمع إذا لم ~~يكن للسمع ظاهر ms1341 يخالف العقل وهذا هو كان المقصود بالكلام وإنما ذكرنا مسألة ~~العلو على طريق التمثيل لأنهم يذكرون ذلك فيها فيقال ليس في ظاهر القرآن ما ~~يخالف الأدلة العقلية وهو المطلوب # الوجه الخامس أن الهمم والدواعي متوفرة على طلب العلم بهذه المسائل وهي ~~من أجل علوم الدين ومعرفتها إما واجبة أو مؤكدة الاستحباب وما كان كذلك ~~يمتنع في الشرع والعادة أن الرسول لا يبين أمرها بنفي ولا إثبات # الوجه السادس أن العلم بهذه المسائل إما أن يكون من الدين وإما أن لا ~~يكون فإن قيل ليس ذلك من الدين بحيث لا يكون العلم بها أفضل من الجهل بها ~~وهذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وكل دين فإن العلم بالله وما ~~يستحقه من الأسماء والصفات لا ريب أنه مما يفضل الله به بعض الناس على بعض ~~أعظم مما يفضلهم بغير ذلك من أنواع العلم ولا ريب أن ذلك يتضمن من الحمد ~~لله والثناء عليه وتعظيمه وتقديسه وتسبيحه وتكبيره ما يعلم به أن ذلك مما ~~يحبه الله ورسوله وسواء قيل إن ذلك واجب أو مستحب فالمقصود أنه من المحمود ~~الحسن المفضل عند الله ورسوله فيكون ذلك من الدين # وقد قال تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا @QE@ سورة المائدة 3 PageV07P129 # وقال تعالى @QB@ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام @QE@ سورة ~~المائدة 16 وقال تعالى @QB@ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم @QE@ سورة ~~الإسراء 9 # وقال @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ سورة آل عمران 110 وأمثال ذلك ~~من النصوص التي يدل كل منها على أن بيان هذا ومعرفته مما جاء به الرسول ~~ونزل به هذا الكتاب وعلمته هذه الأمة وتضمنه هذا الدين فلا يمكن أن يقال إن ~~الرسول والمؤمنين أعرضوا عنه فلم يكن لهم به علم ولا لهم فيه كلام لا بنفي ~~ولا إثبات # والجواب السادس عن أصل الحجة أن يقال لا نسلم أن العقل ينافي موجب هذه ~~النصوص بل هذه المعقولات النافية لذلك فاسدة كما تقدم التنبيه ms1342 على فسادها ~~فضلا عن أن يكون المعقول المنافي لها هو الأصل في العلم بالسمع فإن غاية ~~هذه المعقولات أن يقال لو كان فوق العالم لكان جسما وذلك منتف وقد علم جواب ~~أهل الإثبات عن هذه الحجة فإن منهم من منع المقدمة الأولى مثل كثير من أهل ~~الكلام والفلسفة وغيرهما من أصحاب ابن كلاب والأشعري وأهل الفقه والحديث ~~والتصوف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم والفلاسفة كما ~~ذكره ابن رشد ونحوه ومنهم من منع الثانية كالهشامية والكرامية وغيرهما ~~ومنهم من فصل عن معنى الجسم PageV07P130 # فإن قيل إن معناه ما ليس بلازم للعلو مثل كونه مماثلا للمخلوقات منع ~~الأولى # فإن قيل إن معناه لازم للعلو مثل كونه مشارا إليه منع الثانية # فهو يقول إنه فوق العالم قطعا كما علم ذلك بالعقل والسمع # فإذا قيل لو كان فوقه لكان جسما فالمراد بمعنى الجسم إما أن يكون لازما ~~للعلو وإما أن لا يكون لازما فإن كان لازما لا محالة منعت المقدمة الثانية ~~وهي انتفاء اللازم وإن لم يكن لازما منعت المقدمة الأولى وهي التلازم # وكل ما يقال في هذا المقام من الألفاظ المجملة مثل لفظ المتحيز والمركب ~~ونحو ذلك يستفصل عن معناه كما يستفصل عن معنى لفظ الجسم فإذا تلخص محل ~~النزاع في معنى معقول مثل كون المراد بذلك ما تقوم به الصفات أو ما يتميز ~~منه شيء عن شيء ونحو ذلك من المعاني لم يسلم انتفاء ذلك بل نقول هذا لا بد ~~من ثبوته بالعقل الصريح كما دل عليه النقل الصحيح # الجواب السابع أن يقال بل العقل الصريح موافق للسمع لا منازع له والعقل ~~قد دل على أن الله تعالى فوق العالم وهذه طريقة حذاق أهل النظر من أهل ~~الإثبات كما هو طريق السلف والأئمة يجعلون العلو من الصفات المعلومة بالعقل ~~وهذه طريقة أبي محمد بن كلاب وأتباعه كأبي العباس القلانسي والحارث ~~المحاسبي وأشباههما PageV07P131 من أئمة الأشعرية وهي طريقة محمد بن كرام ~~وأتباعه وطريقة أكثر أهل الحديث والفقه والتصوف وإليها رجع ms1343 القاضي أبو يعلى ~~وأمثاله # ولكن طائفة من الصفاتية من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحاب أحمد ~~وغيرهم يظنون أن العلو من الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك وأنهم ~~إذا أثبتوا ذلك أثبتوه لمجيء السمع به فقط ولهذا كان من هؤلاء من ينفي ذلك ~~ويتأول نصوصه أو يعرض عنها كما يفعل مثل ذلك في نصوص الوجه واليد # ومن سلك هذه الطريقة فإنه يبطل الأدلة التي يقال إنها نافية لهذه الصفة ~~كما يبطل به ما به ينفون صفة الاستواء والوجه واليد ويبين أنه لا محذور في ~~إثباتها كما يقول مثل ذلك في الاستواء والوجه واليد ونحو ذلك من الصفات ~~الخبرية # وهؤلاء كلامهم أمتن من كلام نفاة الصفات الخبرية نقلا وعقلا وإذا قيل إن ~~في كلامهم تناقضا أو أنهم يقولون ما لا يعقل ففي كلام النفاة من التناقض ~~وما لا يعقل أكثر مما في كلامهم فهم بالنسبة إلى النفاة أكمل علما بالمعقول ~~والمنقول وأما بالنسبة إلى السلف والأئمة أهل الإثبات فيظهر من تناقضهم ~~وقولهم ما لا يعقل ما يظهر به رجحان طريقة السلف والأئمة عليهم وتنسد به ~~معارضة النفاة لهم ويتبين به الحق الذي لا يعدل عنه من فهمه ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله # ثم المثبتون للعلو بالعقل لهم طرق منها أنهم يقولون العلم بذلك ضروري ~~مستقر في فطر بني آدم PageV07P132 # ومنها أنهم يقولون قصدهم لربهم عند الحاجات التي لايقضيها إلا هو هو أيضا ~~ضروري وقصدهم له بتوجه قلوبهم إلى العلو أيضا ضروري فهم مفطورون على ~~الإقرار به وأنه في العلو وعلى أنهم محتاجون إليه يسألونه عند الضرورات ~~وعلى أنهم يقصدونه في العلو لا في السفل وأن قلوبهم بفطرتها تتوجه إلى ~~العلو اللهم إلا من أفسد فطرته وقصد أن يصدها عن مقتضاها مع أن هذا عند ~~الحقيقة بغلب مع فطرته ويضل عنه ما كان يفتريه # ومنها أنهم يقولون إن ذلك أمر متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة وكل ~~منهم يخبر بذلك عن فطرته من غير مواطأة من بعضهم لبعض ويمتنع في مثل ms1344 هؤلاء ~~أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة ويمتنع أيضا غلطهم في الأمور الفطرية ~~الضرورية فإن ذلك يسد باب العلم والمعرفة وأن يثق الإنسان بشيء من علومه ~~ومتى قدح في مثل هذا كان القدح في مقدمات ما يدعى أنه معارض لذلك أسهل ~~بكثير فإن المعارضين لابد فيما يعارضون به من العقليات من قضايا تلقاها ~~بعضهم عن بعض فيجوز عليهم فيها من الاتفاق على الغلط وعلى تعمد الكذب ما لا ~~يجوز على المتفقين على قضايا لم يتلقها بعضهم عن بعض مع كثرة هؤلاء وتنوع ~~أصنافهم # ومنها أنهم يثبتون العلو بطرق نظرية كقولهم كل موجودين فإما أن أن يكون ~~أحدهما مباينا للآخر وإما أن يكون مداخلا له ونحو ذلك من الطرق المعلومة ~~لهم فمعهم من العلم الضروري والقصد الضروري واتفاق العقلاء الذين لم ~~يتواطأوا على قضاياهم والعقليات PageV07P133 النظرية ما ليس للنفاة ما ~~يشابهه وليس مع النفاة إلا أقيسة نظرية قد بين فسادها ومن لم يعلم فسادها ~~على التفصيل كفاه أن يعلم فسادها مجملا فإنها مخالفة للمعارف الضرورية ولما ~~أجمعت عليه فطر البرية مع مخالفتها لما جاء في الكتب الإلهية كالتوراة ~~والإنجيل وغيرهما من الكتب فالعلم الموروث عن الأنبياء من بني إسرائيل ~~وغيرهم مع علم عامة المسلمين بمخالفتها للقرآن ولسنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولما أجمع عليه سلف الأمة وخيار قرونها ولما أجمع عليه عامة المؤمنين ~~وأعيان الأمة من كل صنف # والجواب الثامن أن يقال لمن أجاب بهذا عن النصوص إذا احتججت على من ينفي ~~ما تثبته بالنصوص كإثبات القدر إن كنت من المثبتين له أو إثبات الجنة ~~والنار وما فيهما من الأكل والشرب واللباس ونحو ذلك إن كنت من المثبتين له ~~وإثبات وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الربا والخمر وغير ذلك من ~~الشرائع إن كنت من المثبتين له إذا قال لك منازعك هذه الظواهر التي احتججت ~~بها قد عارضها دلائل عقلية وجب تقديمها عليها فما كان جوابك لهؤلاء كان ~~جواب أهل الإثبات لك # فإن قلت ما أثبته معلوم بالاضطرار من الدين ms1345 قال لك أهل الإثبات للعلو ~~وهذا معلوم لنا بالاضطرار من الدين # فإن قلت أنا لا أسلم هذا لكم قالوا لك ومن نازعك من القرامطة أو الفلاسفة ~~أو المعتزلة لا يسلم لك ما ادعيته من الضرورة PageV07P134 # فإن قلت لا يقدح في علمي الضروري منازعة غيري قالوا لك لا يقدح في علمنا ~~الضروري منازعتك لنا # فإن قلت أنا إذا نازعني منازع في الضروريات التي عندي سكت عنه ولم أنازعه # قيل لك وهذا مما يمكن المثبت أن يقوله لك كما تقوله لمنازعك أيضا لكن أنت ~~لا توفي بهذا بل تتناقض وتخاصم أهل الإثبات وتنكر عليهم بل قد تعاديهم أو ~~تكفرهم فإن كان ما فعلته سائغا لك ساغ لأولئك النفاة أن يخاصموك ويعادوك ~~ويكفروك كما فعلت هذا بأهل الإثبات وإن كنت تنكر على من يعاديك ويكفرك من ~~النفاة لما أثبته فأنكر على نفسك معاداتك وتكفيرك لأهل الإثبات لما نفيته # وإن قلت أنا لا أثق بصدقهم أنهم يعلمون ذلك اضطرارا أو لا أثق بخبرتهم ~~بالعلم الضروري # قيل لك ومنازعك النافي لا يثق بصدقك وعلمك أيضا # فإن قلت هو يعلم من ديني وعقلي ما يوجب معرفته بصدقي وعلمي # قيل لك وأنت تعرف من دين أهل الإثبات وعقلهم ما يوجب معرفتك بصدقهم ~~وعلمهم # وإن قلت أنا أبين فساد العقليات التي يعارض بها النفاة لما أثبته # قيل لك والمثبتون لما تنفيه يثبتون فساد العقليات التي تعارضهم أنت بها ~~PageV07P135 # وإن قلت أنا وأولئك النفاة متفقون على النفي لما أثبته هؤلاء # قيل لك والطائفة الفلانية والفلانية متفقتان على النفي لما أثبته # واعلم أنه ليس من أهل الأرض إلا من يمكن مخاطبته بهذه الطريق حتى غلاة ~~النفاة من الجهمية والقرامطة والفلاسفة فإنهم لا بد أن يثبتوا شيئا من ~~السمعيات بوجه من الوجوه إذ لا يمكن أحدا من الطوائف أن ينفي جميع ما أثبته ~~السمع من القضايا الخبرية والطلبية # وإذا قال أنا أثبت ما جاء به السمع لكوني علمته بالعقل لا لمجيء السمع به ~~أمكن أن يجاب بمثل ذلك في إثبات العلو ms1346 والصفات أيضا وأمكن أن يجاب بجواب ~~آخر وهو أن كل من أقر بالنبوات بوجه من الوجوه فلا بد له أن يثبت بأقوال ~~الأنبياء ما تكون الحجة فيه مجرد قولهم ولو أنه من الأمور العلمية السياسية ~~فإن هؤلاء كلهم لا بد له من العمل بالشرائع إما في الظاهر وإما للجمهور ~~وإما في أوائل سلوكهم # وإن كان ممن لا يثبت النبوات بوجه فلا بد له من العمل بقول غير الأنبياء ~~كالملوك والفلاسفة ونحوهم # بل لا بد للإنسان أن يفهم كلام بني جنسه إذ الإنسان مدني بالطبع لا يستقل ~~بتحصيل مصالحه فلا بد لهم من الاجتماع للتعاون على المصالح ولا يتم ذلك إلا ~~بطريق يعلم به بعضهم ما يقصده غيره PageV07P136 # وأي طريق فرض من الإشارة والعبارة والكتابة وغير ذلك كان ذلك من جنس ~~السمعيات والنقليات فإن جماع ذلك ما به يعلم مراد الغير فإن نفى ناف ذلك ~~بطريق جعله معارضا له من عقلياته فلا بد لمن أثبت ما يثبته من السمعيات أن ~~يجيبه بجواب فما كان جوابا له كان نظيره جوابا لأهل الإثبات فيما علموا أنه ~~مراد للرسول صلى الله عليه وسلم وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # الجواب التاسع أن يقال نحن لا نرضى أن نجيبكم بما أجبتم به النفاة وذلك ~~أنكم مقصرون في مناظرة النفاة لما أثبتموه عقلا وسمعا فإنكم في كثير من ~~مناظراتكم لهم تصيرون إلى المكابرة ودعوى ما يعلمون هم نقيضها كما تفعلونه ~~في مسألة الرؤية والكلام وإثبات الصفات بدون إثبات لوازم ذلك إذ أنتم كثيرا ~~ما تثبتون الشيء بدون لوازمه أو مع وجود منافيه # ومن هنا تسلط عليكم القرامطة والفلاسفة والمعتزلة ونحوهم من النفاة وكلام ~~أئمتكم معهم كلام قاصر يظهر قصوره لمن كان خبيرا بالعقليات وسبب ذلك ~~تقصيرهم في مناظرتهم حيث سلموا لهم مقدمات عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة ~~فاحتاجوا إلى إثبات لوازمها فاضطروا إما إلى موافقتهم على الباطل وإما إلى ~~التناقض الذي يظهر به فساد قولهم وإما إلى العجز الذي يظهر به قصورهم ~~وانقطاعهم ms1347 PageV07P137 # ثم أخذوا يناظرون أهل الإثبات للعلو ونحوه بما به ناظرهم أولئك ويتسلطون ~~على العاجز عن مناظرتهم من المثبتين كما تسلط عليهم أولئك فصاروا بمنزلة من ~~قصروا في جهاد من يليهم من الكفار حتى غلبوهم وهزموههم فقاموا يقاتلون من ~~يليهم من المسلمين كما قاتلهم أولئك الكفار حتى ظهر الباطل والكفر والضلال ~~بتفريطهم أولا في جهاد من يليهم من الكفار وعداوتهم ثانيا على من يليهم من ~~المسلمين # وصاروا على ضد ما وصف الله به المؤمنين حيث قال @QB@ أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم @QE@ سورة الفتح 29 @QB@ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~@QE@ سورة المائدة 54 فصاروا أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين كما نعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج حيث قال يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل ~~الأوثان # وحال الجهمية والرافضة شر من حال الخوارج فإن الخوارج كانوا PageV07P138 ~~يقاتلون المسلمين ويدعون قتال الكفار وهؤلاء أعانوا الكفار على قتال ~~المسلمين وذلوا للكفار فصاروا معاونين للكفار أذلاء لهم معادين للمؤمنين ~~أعزاء عليهم كما قد وجد مثل ذلك في طوائف القرامطة والرافضة والجهمية ~~النفاة والحلولية ومن استقرأ أحوال العالم رأى من ذلك عبرا وصار في هؤلاء ~~شبه من الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ~~آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا @QE@ ~~سورة النساء 51 52 # ولهذا تجد كثيرا من هؤلاء النفاة يصنف في الشرك والسحر وعبادة الكواكب ~~والأوثان وفي النفاق والزندقة التي توجد في كلام كثير من الفلاسفة وغيرهم ~~بل يخضع لهؤلاء الكفار والمنافقين ويذل لهم ويريد أن يعلو على المؤمنين ~~ويقهرهم وإن كان هذا بسبب ضعف من قاتله من المؤمنين وتفريطهم وعداوتهم كما ~~أن قهر أولئك الكفار له كان بسبب ضعفه الحاصل من تفريطه وعدوانه فالذم لاحق ~~له بقدر ما فرط فيه من حقوق الله وتعداه من حرماته كما أن هؤلاء يلحقهم ~~أيضا الذم بقدر ما فرطوا فيه من حقوق الله وتعدوه ms1348 من حرماته # وقد قال تعالى @QB@ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ~~@QE@ سورة الزخرف 39 # والمقصود هنا أن يقال لهؤلاء الذين ينفون العلو ويثبتون بعض الصفات نحن ~~لا نرضى أن نجيبكم بما تجيبون به أنتم نفاة الصفات PageV07P139 وغيرها مما ~~أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم بل نجيبكم وأولئك جميعا ببيان أنه ليس ~~معكم فيما تخالفون به النصوص لا عقل صريح ولا نقل صحيح بل ليس معكم في ذلك ~~إلا الأكاذيب المموهة المزخرفة بالألفاظ المجملة الموهمة التي تلقاها بعضكم ~~عن بعض تقليدا لأسلافكم فإذا فسر معناها وكشف عن مغزاها ظهر فسادها بصريح ~~المعقول كما علم فسادها بصحيح المنقول وتبين أيضا أن حجة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قائمة على من بلغه ما جاء به ليس لأحد أن يعارض شيئا من كلامه ~~برأيه وهواه بل على كل أحد أن يكون معه كما قال تعالى @QB@ فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ سورة النساء 65 # ونحن لا نسلم ما سلمتموه أنتم من المقدمات الفاسدة كما سلمتموه لمن عارض ~~الكتاب من القرامطة والفلاسفة والمعتزلة وغيرهم بل نسد عليهم الطريق التي ~~منها دخلوا على الإسلام ونمنعهم المقدمات التي جعلوها أصل علم الكلام الذي ~~خالفوا به الكتاب والسنة وإجماع الأنام PageV07P140 $ الوجه الرابع ~~والأربعون # أن يقال العقليات التي يقال إنها أصل للسمع وأنها معارضة له ليست مما ~~يتوقف العلم بصحة السمع عليها فامتنع أن تكون أصلا له بل هي أيضا باطلة وقد ~~اعترف بذلك أئمة أهل النظر من أهل الكلام والفلسفة فإن جماع هذه الطرق هي ~~طريقان أو ثلاثة # طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الموصوف بها أو ببعضها كالحركة ~~والسكون # وطريقة التركيب والاستدلال بها على أن الموصوف بها ممكن أو محدث فهاتان ~~الطريقتان هي جماع ما يذكر في هذا الباب # والثالثة الاستدلال بالاختصاص على إمكان المختص أو حدوثه قد يقال إنها ~~طريقة أخرى وقد تدخل في الأولى # والاستدلال باجتماع الجواهر وافتراقها على ms1349 رأي من يقول إن الجسم مركب من ~~الجواهر المنفردة يدخل في الأولى وفي الثانية # أما دخولها في الأولى فبناء على أن الجواهر لا تخلو من الاجتماع ~~والافتراق كما لا يخلو الجسم بل الجوهر من الحركة والسكون PageV07P141 # وأما دخولها في الثانية فبناء على أن الجسم مركب من الجواهر المنفردة أو ~~من المادة والصورة وحينئذ فيكون إما ممكنا عند من يستدل بذلك على الإمكان ~~وإما محدثا عند من يستدل بذلك على الحدوث # ولكن الاستدلال بهذه الطريق مبني على أن الجسم مركب من الجواهر المحسوسة ~~التي لا تنقسم وهي الجواهر المنفردة أو من الجواهر العقلية وهي المادة ~~والصورة وهذا مما ينازعهم فيه جمهور العقلاء بخلاف كون الجسم لا يخلو عن ~~نوع من الأعراض فلا يخالف فيه إلا شذوذ # ثم الطريقة الأولى مبنية على امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث ~~والثانية مبنية على أن ما اجتمعت فيه معان لزم أن يكون ممكنا أو حادثا ~~والثالثة مبنية على أن المختص لا بد له من مخصص منفصل عنه # وهذه المقدمات الثلاث قد نازع فيها جمهور العقلاء وكل من هذه الطرق تسلكه ~~الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات والأفعال ويسلكه أيضا نفاة الأفعال القائمة ~~به دون الصفات # وأما المتفلسفة القائلون بقدم العالم نفاة الصفات فأصل كلامهم مبني على ~~طريقة التركيب بناء على أن الموصوف مركب وإذا استدلوا PageV07P142 بطريقة ~~الأعراض فإنما يستدلون بها على أن الموصوف بها ممكن ويسندون ذلك إلى ~~التركيب فإنما استدلالهم بالأعراض على حدوث الموصوف فلا يمكنهم بل هذا نقيض ~~قولهم # وكل من الطائفتين تطعن في طريقة الأخرى وتبين فسادها ومعلوم أن المتكلمين ~~القائلين بإثبات الصفات لله تعالى أقرب إلى الإسلام والسنة من نفاة الصفات ~~وأن نفاة الصفات القائلين بحدوث السماوات والأرض أقرب إلى الإسلام والسنة ~~من القائلين بقدم ذلك ومن كان إلى الإسلام والسنة أقرب كانت عقلياته التي ~~يعارض بها النصوص الإلهية أقل بعدا عن دين المسلمين # فإذا كان أئمة العلم قد أنكروا هذه التي هي أقرب من غيرها إلى العقل ~~والنقل وبينوا أنها فاسدة ms1350 في العقل محرمة في الشرع كان ما هو أبعد منها ~~وأضعف أعظم فسادا في العقل وتحريما في الشرع # وما زال أئمة العلم على ذلك حتى أئمة النظر من أهل الكلام والفلسفة ~~فالاستدلال بالحركة والسكون على حدوث المتحرك الساكن بل الاستدلال بالأعراض ~~مطلقا على حدوث ما قامت به من الجواهر والأجسام والاستدلال بحدوث الصفات ~~على حدوث ما قامت به من الموصوفات والاستدلال بتركب الأجسام من الجواهر ~~ونحو ذلك وجعل ذلك طريقا إلى العلم بحدوث العالم وإلى العلم PageV07P143 ~~بإثبات الصانع تعالى هو طريق الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام ~~المذموم عند السلف المحدث في الإسلام وهم الذين ابتدعوا هذه الطريق ~~والاستدلال بها والتزام لوازمها والتفريع عليها وإن كان قد شركهم في ذلك ~~قوم من غير المسلمين أو سبقوهم إلى ذلك سواء كانوا من الصابئين أو اليهود ~~أو غيرهم # والمقصود أن ظهور هذه في الإسلام كان ابتداؤه من جهة هؤلاء المتكلمين ~~المبتدعين وهذه هي من اعظم أصول هؤلاء المتكلمين وهذه وأمثالها هي من ~~الكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه والنهي عنه وتجهيل أصحابه ~~وتضليلهم حيث سلكوا في الاستدلال طرقا ليست مستقيمة واستدلوا بقضايا متضمنة ~~للكذب فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصرائح المعقول ~~فكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثير من مسائلهم ووسائلهم وأحكامهم ~~ودلائلهم # وكلام السلف والأئمة في ذم ذلك كثير مشهور في عامة كتب الإسلام وما من ~~أحد قد شدا طرفا من العلم إلا وقد بلغه من PageV07P144 ذلك بعضه لكن كثير ~~من الناس لم يحيطوا علما بكثير من أقوال السلف والأئمة في ذلك وبمعانيها ~~وقد جمع الناس من كلام السلف والأئمة في ذلك مصنفات مفردة مثل ما جمعه ~~الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ومثل المصنف الكبير الذي جمعه الشيخ أبو ~~إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام الذي سماه ذم ~~الكلام وأهله ومن ذلك في كتب الآثار والسنة ما شاء الله # وممن ذكر اتفاق السلف على ذلك الغزالي في أجل كتبه الذي سماه إحياء علوم ~~الدين ms1351 قال فإن قلت فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو ~~مندوب إليه فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف فمن قائل إنه بدعة ~~وحرام وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه ~~بالكلام ومن قائل إنه واجب فرض إما على الكفاية أو على الأعيان وإنه أجل ~~الأعمال وأعلى القربات PageV07P145 وإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين ~~الله # قال وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل سفيان وجميع أهل ~~الحديث من السلف قال ابن عبد الأعلى سمعت الشافعي يوم ناظر حفصا الفرد وكان ~~من متكلمي المعتزلة يقول لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له ~~من أن يلقاه بشيء من الكلام وإني سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه وقال ~~أيضا قد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت ظننته قط ولأن يبتلى العبد بكل ~~ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام # وقال أيضا لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من ~~الأسد PageV07P146 # وقال حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر ~~والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام # قال وقال أحمد بن حنبل لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر ~~في الكلام إلا وفي قلبه دغل # قال وبالغ فيه حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتابا ~~في الرد على المبتدعة وقال ويحك ألست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم ألست ~~تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك ~~إلى الرأي والبحث # قلت هجران أحمد للحارث لم يكن لهذا السبب الذي ذكره أبو حامد وإنما هجره ~~لأنه كان على قول ابن كلاب الذي وافق المعتزلة PageV07P147 على صحة طريق ~~الحركات وصحة طريق التركيب ولم يوافقهم على نفي الصفات مطلقا بل كان هو ~~وأصحابه يثبتون أن الله فوق ms1352 الخلق عال على العالم موصوف بالصفات ويقررون ~~ذلك بالعقل وإن كان مضمون مذهبه نفي ما يقوم بذات الله تعالى من الأفعال ~~وغيرها مما يتعلق بمشيئته واختياره وعلى ذلك بنى كلامه في مسألة القرآن # وهذا هو المعروف عند من له خبرة بكلام أحمد من أصحابه وغيرهم من علماء ~~أهل الحديث والسنة ولأبي عبد الله الحسين والد أبي القاسم الخرقي صاحب ~~المختصر المشهور كتاب في قصص من هجرة أحمد سأل فيه لأبي بكر المروذي عن ذلك ~~فأجابه عن قصصهم واحدا واحدا # وقد ذكر ذلك أيضا أبو بكر الخلال في كتاب السنة وقد ذكر ذلك ابن خزيمة ~~وغيره ممن يعرف حقيقة هذه الأمور وكذلك السري السقطي كان يحذر الجنيد بن ~~محمد من شقاشق الحارث ثم ذكر غير واحد أن الحارث رجع عن ذلك كما ذكره معمر ~~بن زياد في أخبار PageV07P148 شيوخ أهل المعرفة والتصوف وذكر أبو بكر ~~الكلاباذي في كتاب التعرف لمذاهب التصوف عن الحارث المحاسبي أنه كان يقول ~~إن الله يتكلم بصوت وهذا يناقض قول ابن كلاب # وأبو حامد ليس له من الخبرة بالآثار النبوية والسلفية ما لأهل المعرفة ~~بذلك الذين يميزون بين صحيحه وسقيمه ولهذا يذكر في كتبه من الأحاديث ~~والأثار الموضوعة والمكذوبة ما لو علم أنها موضوعة لم يذكرها # وأحمد رضي الله عنه قد رد على الجهمية وغيرهم بالأدلة السمعية والعقلية ~~وذكر من كلامهم وحججهم ما لم يذكره غيره بل استوفى حكاية مذهبهم وحججهم أتم ~~استيفاء ثم أبطل ذلك بالشرع والعقل # وقد نقل أبو حامد في كتابه ما ذكر أنه سمعه من بعض الحنابلة وهو ~~PageV07P149 أن أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أحاديث وهذا غلط على أحمد وقد بسط ~~الكلام على هذا في غير هذا الموضع وتبين ما في هذا الكلام وتوابعه من ~~الصواب والخطأ نقلا وتوجيها ولو اقتصر أبو حامد على ما نقله من كتاب ابن ~~عبد البر عن الأئمة لم يكن فيه شيء من هذا الخطأ فإن ابن عبد البر وأمثاله ~~أعلم بالآثار من هؤلاء ولكن لعله نقل ذلك ms1353 من كلام أبي طالب أو غيره # ونظير هذا ما ذكره أبو المعالي في كتابه أصول الفقه المسمى بالبرهان لما ~~ذكر مذاهب الناس في القياس العقلي والشرعي PageV07P150 فقال القياس فيما ~~ذكره أصحاب المذاهب ينقسم إلى شرعي وعقلي ثم الناظرون في الأصول والمنكرون ~~تفرقوا على مذاهب فذهب بعضهم إلى رد القياسين وقال القائلون هذا مذهب منكري ~~النظر وقال قائلون بالقياس العقلي والسمعي وهذا مذهب الأصوليين والقياسيين ~~من الفقهاء وذهب ذاهبون إلى القول بالقياس العقلي وجحد القياس الشرعي وهذا ~~مذهب النظام وطوائف من الرافضة والإباضية والأزارقة ومعظم فرق الخوارج إلا ~~النجدات وصار صائرون إلى النهي عن القياس النظري والأمر بالقياس الشرعي ~~PageV07P151 # قال وهذا مذهب أحمد بن حنبل والمقتصدين من أتباعه وليس ينكرون إفضاء ~~النظر العقلي إلى العلم ولكن ينهون عن ملابسته والاشتغال به # قال وذهب الغلاة من الحشوية وأهل الظاهر إلى رد القياس العقلي والشرعي ~~قال أبو المعالي أطلق النقلة القياس العقلي وإن عنوا به النظر العقلي فهو ~~من نوعه إذا استجمع شرائط الصحة مفض إلى العلم مأمور به شرعا والقياس ~~الشرعي متقبل معمول به إذا صح على السبر اللائق به وإن عنى الناقلون ~~بالقياس العقلي اعتبار شيء بشيء ووقوف نظر في غائب على استثارة معنى في ~~شاهد فهذا باطل عندي لا أصل له فليس في المعقولات قياس وقد فهم عنا ذلك ~~طلبه المعقولات PageV07P152 قلت هذا الذي ذكره أبو المعالي من إنكار القياس ~~في المعقولات وافقه عليه طائفة من المتاخرين كأبي حامد والرازي وأبي محمد ~~المقدسي وقالوا قياس التمثيل إنما يكون في الشرعيات والمنطقيون قد يدعون أن ~~قياس التمثيل في العقليات إنما يفيد الظن واما جمهور العقلاء فعلى أنه لا ~~فرق بين قياس الشمول وقياس التمثيل في إفادة العلم والظن فإن ما يجعل في ~~قياس الشمول حدا أوسط يجعل في قياس التمثيل مناط الحكم ويسمى العلة والوصف ~~والمشترك # فإذا قيل النبيذ المسكر حرام لأنه مسكر وكل مسكر حرام فهذا قياس شمول ولا ~~بد له من دليل يدل على صحة المقدمة الكبرى القائلة كل ms1354 مسكر حرام فإذا استدل ~~بقياس التمثيل قال لأنه مسكر فكان حراما قياسا على عصير العنب المسكر ثم ~~يبين أن العلة في الأصل هو السكر فالدليل الدال على علية الوصف في الأصل هو ~~الدال على صحة المقدمة الكبرى والسكر هو الوصف الذي علق به الحكم وهو مناطه ~~وهو المشترك بين الأصل والفرع الذي علق به الحكم والمسكر المتصف بالسكر هو ~~الحد الأوسط المكرر في قياس الشمول الذي هو محمول في المقدمة الصغرى موضوع ~~في الكبرى # وأول ما ذكره عن أحمد فقد أنكره أصحاب أحمد حتى قال أبو البقاء العكبري ~~لمن قرأ عليه كتاب البرهان هذا النقل ليس بصحيح عن مذهب الإمام أحمد وهو ~~كما قال فإن أحمد لم ينه عن نظر في دليل عقلي صحيح يفضي إلى المطلوب بل في ~~كلامه في أصول الدين في الرد على الجهمية وغيرهم من الاحتجاج بالأدلة ~~العقلية PageV07P153 على فساد قول المخالفين للسنة ما هو معروف في كتبه ~~وعند أصحابه # ولكن أحمد ذم من الكلام البدعي ما ذمه سائر الأئمة وهو الكلام المخالف ~~للكتاب والسنة والكلام في الله ودينه بغير علم # واستدل أحمد بقوله تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ سورة الأعراف 33 # وأحمد أشهر وأكثر كلاما في أصول الدين بالأدلة القطعية نقلها وعقلها من ~~سائر الأئمة لأنه ابتلي بمخالفي السنة فاحتاج إلى ذلك والموجود في كلامه من ~~الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة لم يوجد مثله في كلام سائر ~~الأئمة ولكن قياس التمثيل في حق الله تعالى لم يسلكه أحمد لم يسلك فيه إلا ~~قياس الأولى وهو الذي جاء به الكتاب والسنة فإن الله لا يماثل غيره في شيء ~~من الأشياء حتى يتساويا في حكم القياس بل هو سبحانه أحق بكل حمد وأبعد عن ~~كل ذم فما كان من صفات الكمال المحضة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه فهو ms1355 ~~أحق به من كل ما سواه وما كان من صفات النقص فهو أحق بتنزيهه عنه من كل ما ~~سواه # والقرآن لما بين قدرته على إعادة الخلق بفعله لما هو أبلغ من ذلك كان هذا ~~من باب قياس الأولى وكذلك بين تنزيهه عن الولد والشريك وكذلك أحمد سلك هذا ~~المسلك كما ذكر في موضعه مثل بيانه لإمكان كونه عالما بجميع المخلوقات مع ~~كونه بائنا عن العالم فوق PageV07P154 العرش بقياسين عقليين أحدهما أن ~~الإنسان قد يكون معه قدح صاف فيرى ما فيه مع مباينته له فالرب سبحانه قدرته ~~على العالم ومباينته له أعظم من قدرة هذا على ما في يديه فلا تمتنع رؤيته ~~لما فيه وإحاطته به مع مباينته له # والقياس الثاني من بنى دارا وخرج منها فهو يعلم ما فيها لكونه فعلها وإن ~~لم يكن فيها فالرب الذي خلق كل شيء وأبدعه هو أحق بأن يعلم ما خلق وهو ~~اللطيف الخبير وإن لم يكن حالا في المخلوقات # والمقصود أن أحمد يستدل بالأدلة العقلية على المطالب الإلهية إذا كانت ~~صحيحة إنما يذم ما خالف الكتاب والسنة أو الكلام بلا علم والكلام المبتدع ~~في الدين كقوله في رسالته إلى المتوكل لا أحب الكلام في هذا إلا ما كان في ~~كتاب الله أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين ~~فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود # وهو لا يكره إذا عرف معاني الكتاب والسنة أن يعبر عنها بعبارات أخرى إذا ~~احتيج إلى ذلك بل هو قد فعل ذلك بل يكره المعاني المبتدعة في هذا أي فيما ~~خاض الناس فيه من الكلام في القرآن والرؤية والقدر والصفات إلا بما يوافق ~~الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين PageV07P155 # ولهذا كره الكلام في الجسم وفي الحيز وفي اللفظ بالقرآن نفيا وإثباتا لما ~~في كل من النفي والإثبات من باطل وكلامه في هذه الأمور مبسوط في موضع آخر ~~كما هو معروف في كتابه وخطابه # والمذموم شرعا ما ذمه الله ورسوله كالجدل بالباطل والجدل ms1356 بغير علم والجدل ~~في الحق بعد ما تبين # فاما المجادلة الشرعية كالتي ذكرها الله تعالى عن الأنبياء عليهم السلام ~~وأمر بها في مثل قوله تعالى @QB@ قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ~~@QE@ سورة هود 32 # وقوله @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه @QE@ سورة الأنعام 83 ~~وقوله تعالى @QB@ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه @QE@ سورة البقرة 258 ~~وقوله تعالى @QB@ وجادلهم بالتي هي أحسن @QE@ سورة النحل 125 # وأمثال ذلك فقد يكون واجبا أو مستحبا وما كان كذلك لم يكن مذموما في ~~الشرع # وما ذكره أبو حامد الغزالي من كلام السلف في ذم أهل الكلام لولا أنه ~~معروف عنهم في كتب يعتمد عليها لم يذكره هنا PageV07P156 وقد نقل من ذلك ما ~~نقله من كتاب أبي عمر بن عبد البر الذي سماه فضل العلم وأهله وما يلزمهم في ~~تأديته وحمله وأبو عمر من أعلم الناس بالآثار والتمييز بين صحيحها وسقيمها # ومن ذلك ما نقله أبو حامد أيضا عن أحمد أنه قال علماء الكلام زنادقة قال ~~وقال مالك أرأيت إن جاء من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين جديد قال ~~يعني أن أقوال المتجادلين تتقاوم قال وقال مالك لا تجوز شهادة أهل الأهواء ~~والبدع فقال بعض أصحابه في تأويله إنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي ~~مذهب كانوا # قلت هذا الذي كنى عنه أبو حامد هو محمد بن خويز منده PageV07P157 البصري ~~الإمام المالكي وقد قال إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد شهادتهم ~~هم أهل الكلام # قال فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه وكل متكلم فهو ~~عندهم من أهل الأهواء أشعريا كان أو غير أشعري هكذا ذكره عنه ابن عبد البر ~~ومنه نقل ذلك أبو حامد لكن كنى عن التصريح بذلك # قال أبو حامد وقال أبو يوسف من طلب العلم بالكلام تزندق PageV07P158 # قال وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا ولا ينحصر ما ينقل عنهم من ~~التشديدات فيه وقالوا ما سكت عنه الصحابة مع ms1357 أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ~~ترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد منه ولذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم هلك المتنطعون هلك المتنطعون أي المتعمقون في البحث والاستقصاء # قال واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني على أربابه فقد علمهم الاستنجاء وندبهم إلى ~~حفظ الفرائض PageV07P159 وأثنى عليهم ونهاهم عن الكلام في القدر وعلى هذا ~~استمر الصحابة فالزيادة على الأستاذ طغيان وظلم وهم الأستاذون والقدوة ونحن ~~الأتباع والتلامذة # قال وأما الفرقة الأخرى فاحتجوا بأن المحذور من الكلام إن كان هو من أجل ~~لفظ الجوهر والعرض وهذه الاصطلاحات الغريبة التي لم تعهدها الصحابة فالأمر ~~فيه قريب إذ ما من علم إلا وقد أحدث فيه اصطلاحات لأجل التفهم كالحديث ~~والتفسير والفقه ولو عرض عليهم عبارة النقض والكسر والتعدية والتركيب وفساد ~~الوضع لما كانوا يفهمونه وإحداث عبارة للدلالة على مقصود صحيح كإحداث آنية ~~على PageV07P160 هيئة جديدة لاستعمالها في مباح وإن كان المحذور هو المعنى ~~فنحن لا نعني به إلا معرفة الدليل على حدوث العالم ووحدانية الخلق تعالى ~~وصفاته كما جاء به الشرع فمن أين تحرم معرفة الله بالدليل وإن كان المحذور ~~هو الشغب والتعصب والعداوة والبغض وما يفضي إليه الكلام فذلك يحرم ويجب ~~الاحتراز منه كما أن الكبر والرياء وطلب الرياسة مما يفضي إليه علم الحديث ~~والتفسير والفقه وهو محرم يجب الاحتراز منه ولكن لا يمنع من العلم لأجل ~~أدائه إليه # وكيف يكون ذكر الحجة والمطالبة والبحث عنها محظورا وقد قال الله تعالى ~~@QB@ قل هاتوا برهانكم @QE@ سورة النمل 64 وقال تعالى @QB@ ليهلك من هلك عن ~~بينة ويحيى من حي عن بينة @QE@ سورة الأنفال 42 PageV07P161 وقال تعالى ~~@QB@ إن عندكم من سلطان @QE@ سورة يونس 68 أي من حجة وبرهان # وقال تعالى @QB@ قل فلله الحجة البالغة @QE@ سورة الأنعام 149 # وقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه @QE@ إلى قوله @QB@ ~~فبهت الذي كفر @QE@ سورة البقرة 258 وذكر إبراهيم ومجادلته وإفحامه خصمه ms1358 في ~~معرض الثناء عليه وقال تعالى @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ~~@QE@ سورة الأنعام 83 # وذكر كلاما طويلا ذكرناه وتكلمنا على ما فيه من مقبول ومردود كلاما ~~مبسوطا في غير هذا الموضع إلى أن قال فهذا ما يمكن أن يذكر للفريقين # ثم ذكر تفصيلا اختاره مضمونه أن فيه مضرة من إثارة الشبهات وتحريك ~~العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم ومضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة ~~وتثبيته في صدورهم بحيث تنبعث PageV07P162 دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار ~~عليه ولكن هذا الإصرار بواسطة التعصب الذي يثور عن الجدل # قلت المضرة التي ذكرها نوعان أحدهما يتعلق بالعلم وهو التنبيه على شبه ~~الباطل التي تضعف اعتقاد الحق وتفضي إلى الباطل والثاني يتعلق بالقصد وهو ~~إثارة الهوى والحمية والعصبية التي تدعو إلى الإصرار ولو على الباطل لئلا ~~يغلب الشيطان # قال وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه ~~وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف وهذا إذا سمعته من محدث أو ~~حشوى ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم ~~قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ~~ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق ~~المعرفة من هذا الوجه مسدود # قال ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف PageV07P163 وإيضاح لبعض الأمور ~~ولكن على الندور وفي أمور جلية تكاد تنال قبل التعمق في صناعة الكلام # قال بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة التي ترجمناها على العوام ~~وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل فإن العامي يستفزه جدل المبتدع ~~وإن كان فاسدا ومعارضة الفاسد بالفاسد نافعة والناس متعبدون بهذه العقيدة ~~التي قدمناها إذ ورد الشرع بها لما فيها من صلاح دينهم ودنياهم واجتماع ~~السلف عليها والعلماء متعبدون بحفظ ذلك على العوام من تلبيسات المبتدعة كما ~~تعبد السلاطين بحفظ أموالهم عن تهجمات الغصاب والظلمة # قال وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون PageV07P164 كالطبيب ~~الحاذق في استعمال الدواء ms1359 الخطر إذ لا يضعه إلا في موضعه وذلك في وقت ~~الحاجة وعلى قدر الحاجة # قلت فهذا كلام أبي حامد مع معرفته بالكلام والفلسفة وتعمقه في ذلك يذكر ~~اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلام ويذكر خلاف من نازعهم ويبين أنه ليس فيه ~~فائدة إلا الذب عن العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لأمته وإذا لم يكن فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد امتنع أن يكون ~~معارضا لها فضلا عن أن يكون مقدما عليها فامتنع أن يكون الكلام العقلي ~~المقبول مناقضا للكتاب والسنة وما كان من ذلك مناقضا للكتاب والسنة وجب أن ~~يكون من الكلام الباطل المردود الذي لا ينازع في ذمه أحد من المسلمين لا من ~~السلف والأئمة ولا أحد من الخلف المؤمنين أهل المعرفة بعلم الكلام والفلسفة ~~وما يقبل من ذلك وما يرد وما يحمد وما يذم وإن من قبل ذلك وحمده كان من أهل ~~الكلام الباطل المذموم باتفاق هؤلاء # هذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من الكلام والعقليات والجدل باطلا ~~وإن قصد به نصر الكتاب والسنة فيذمون من قابل بدعة ببدعة وقابل الفاسد ~~بالفاسد فكيف من قابل السنة بالبدعة وعارض الحق بالباطل وجادل في آيات الله ~~بالباطل ليدحض به الحق PageV07P165 # ولكن المقصود هنا بيان ما ذكره من اتفاق أئمة السنة على ذمه وما ذكره من ~~أنه هو وطريق المتفلسفة لا يفيد كشف الحقائق ومعرفتها مع خبرته بذلك وهو ~~تكلم بحسب ما بلغه عن السلف وما فهمه وعلمه مما يحمد ويذم ولم تكن خبرته ~~بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كخبرته بما سلكه ~~من طرق أهل الكلام والفلسفة فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم ~~والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره وذلك أن ما ذكره من أن ~~مضرته هي إثارة الشبهات في العلم وإثارة التعصب في الإرادة إنما يقال إذا ~~كان الكلام في نفسه حقا بأن تكون قضاياه ومقدماته ms1360 صادقة بل معلومة # فإذا كان مع ذلك قد يورث النظر فيه شبها وعداوة قيل فيه ذلك والسلف لم ~~يكن ذمهم للكلام لمجرد ذلك ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت ~~معانيها صحيحة ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله بل كانوا ~~أعلم الناس بذلك وأعرفهم بأدلة ذلك ولا حرموا نظرا صحيحا في دليل صحيح يفضي ~~إلى علم نافع ولا مناظرة في ذلك نافعة إما لهدي مسترشد وإما لإعانة مستنجد ~~وإما لقطع مبطل متلدد بل هم أكمل الناس نظرا واستدلالا واعتبارا وهم نظروا ~~في أصح الأدلة وأقومها فإن الناظر PageV07P166 الطالب للعلم إما أن يكون ~~نظره في كلام معلم يبين له ويخاطبه بما يعرفه الحق وإما أن يكون في نفس ~~الأمور الثابتة التي يخبر عنها المتكلم ويريد أن يعلم أمرها المتعلم كسائر ~~الناظرين في الطب والنحو وغير ذلك إما أن ينظر في كلام المعلمين لهذا الفن ~~وإما أن ينظر فيما من شأنه أن يخبر عنه كالأبدان واللغات # والسلف كان نظرهم في خير الكلام وأفضله وأصدقه وأدله على الحق وهو كلام ~~الله تعالى وهم ينظرون في آيات الله تعالى التي في الآفاق وفي أنفسهم فيرون ~~ذلك من الأدلة ما يبين أن القرآن حق قال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ سورة فصلت 53 # والمناظرة المحمودة نوعان والمذمومة نوعان وذلك لأن المناظر إما أن يكون ~~عالما بالحق وإما أن يكون طالبا له وإما أن لا يكون عالما به ولا طالبا له ~~فهذا الثالث هو المذموم بلا ريب وأما الأولان فمن كان عالما بالحق فمناظرته ~~المحمودة أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدا طالبا للحق إذا ~~تبين له أو يقطعه ويكف عدوانه إن كان معاندا غير متبع للحق إذا تبين له ~~ويوقفه ويسلكه ويبعثه على النظر في أدلة الحق إن كان يظن أنه حق وقصده الحق # وذلك لأن المخاطب بالمناظرة إذا ناظره العالم المبين للحجة إما أن ~~PageV07P167 يكون ممن يفهم الحق ويقبله فهذا إذا بين ms1361 له الحق فهمه وقبله ~~وإما أن يكون ممن لا يقبله إذا فهمه أو ليس له غرض في فهمه بل قصده مجرد ~~الرد له فهذا إذا نوظر بالحجة انقطع وانكف شره عن الناس وعداوته وهذا هو ~~المقصود الذي ذكره أبو حامد وغيره وهو دفع أعداء السنة المجادلين بالباطل ~~عنها # وإما أن يكون الحق قد التبس عليه وأصل قصده الحق لكن يصعب عليه معرفته ~~لضعف علمه بأدلة الحق مثل من يكون قليل العلم بالآثار النبوية الدالة على ~~ما أخبر به من الحق أو لضعف عقله لكونه لا يمكنه أن يفهم دقيق العلم أو لا ~~يفهمه إلا بعد عسر أو قد سمع من حجج الباطل ما اعتقد موجبه وظن أنه لا جواب ~~عنه فهذا إذا نوظر بالحجة أفاده ذلك إما معرفة بالحق وإما شكا وتوقفا في ~~اعتقاده الباطل أو في اعتقاده صحة الدليل الذي استدل به عليه وبعث همته على ~~النظر في الحق وطلبه إن كان له رغبة في ذلك فإن صار من أهل العصبية الذين ~~يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ألحق بقسم المعاندين كما تقدم # واما المناظرة المذمومة من العالم بالحق فأن يكون قصده مجرد الظلم ~~والعدوان لمن يناظره ومجرد إظهار علمه وبيانه لإرادة العلو في الأرض فإذا ~~أراد علوا في الأرض أو فسادا كان مذموما على إرادته PageV07P168 ثم قد يكون ~~من الفجار الذين يؤيد الله بهم الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر فكما يجاهد الكفار فاجر فينتفع المسلمون ~~بجهاده فقد يجادلهم فاجر فينتفع المسلمون بجداله لكن هذا يضر نفسه بسوء ~~قصده وربما أوقعه ذلك في أنواع من الكذب والبدعة والظلم فيجره إلى أمور ~~أخرى # وقد وقع في ذلك كثير من هؤلاء وهؤلاء # وأما إن كان المناظر غير عالم بالحق بأن لايعرف الحق في نفس المسألة أو ~~يعرف الحق لكن لا يعرف بعض الحجج أو الجواب عن بعض المعارضات أو الجمع بين ~~دليلين متعارضين وأمثال ذلك فهذا إذا ناظر طالبا لمعرفة الحق وأدلته ms1362 ~~والجواب عما يعارضها والجمع بين الأدلة الصحيحة كان محمودا وإن ناظر بلا ~~علم فتكلم بما لا يعرف من القضايا والمقدمات كان مذموما # والسلف رضوان الله عليهم كانت مناظرتهم مع الكفار وأهل البدع كالخوارج ~~وغيرهم من القسم الأول وكانت مناظرة بعضهم لبعض في مسائل الأحكام والتفسير ~~تارة من القسم الأول وتارة من PageV07P169 القسم الثاني وهي المشاورة التي ~~مدحهم الله عليها بقوله عز وجل @QB@ وأمرهم شورى بينهم @QE@ سورة الشورى 38 # وما ذكره الله تعالى عن الأنبياء والمؤمنين من المجادلة يتناول هذا وهذا ~~وقد ذم الله تعالى في القرآن ثلاثة أنواع من المجادلة ذم صاحب المجادلة ~~بالباطل ليدحض به الحق وذم المجادلة في الحق بعدما تبين وذم المحاجة فيما ~~لا يعلم المحاج # فقال تعالى @QB@ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق @QE@ سورة غافر 5 # وقال تعالى @QB@ يجادلونك في الحق بعد ما تبين @QE@ الآية سورة الأنفال 6 # وقال @QB@ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم ~~به علم @QE@ سورة آل عمران 66 # والذي ذمه السلف والأئمة من المجادلة والكلام هو من هذا الباب فإن أصل ~~ذمهم الكلام هو الكلام المخالف للكتاب والسنة وهذا لا يكون في نفس الأمر ~~إلا باطلا فمن جادل به جادل بالباطل وإن كان ذلك الباطل لا يظهر لكثير من ~~الناس أنه باطل لما فيه من الشبهة فإن الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكل ~~أحد لا يكون قولا ومذهبا لطائفة تذب عنه وإنما يكون باطلا مشوبا بحق كما ~~قال تعالى PageV07P170 @QB@ لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم ~~تعلمون @QE@ سورة آل عمران 71 # أو تكون فيه شبهة لأهل الباطل وإن كانت باطلة وبطلانها يتبين عند النظر ~~الصحيح كالذين قالوا إن محمدا صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن ومجنون قالوا ~~إنه شاعر لأن الشعر كلام موزون مقفى فشبهوا القرآن به من هذا الوجه والكاهن ~~يخبر أحيانا بواحدة تصدق فشبهوا الرسول به من هذا الوجه والمجنون يقول ~~ويفعل خلاف ما في عقول ذوي العقول فلما زعموا أن ما يأتي به الرسول ms1363 صلى ~~الله عليه وسلم يخالف ما يأتي به العقلاء نسبوه إلى ذلك # لكن ما ينصبه الله من الأدلة ويهدي إليه عباده من المعرفة يتبين به الحق ~~من الباطل الذي يشتبه به ولكن ليس كل من عرف الحق إما بضرورة أو بنظر أمكنه ~~أن يحتج على من ينازعه بحجة تهديه أو تقطعه فإن ما به يعرف الإنسان الحق ~~نوع وما به يعرفه به غيره نوع وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به ~~فلهذا كان النظر أوسع من المناظرة فكل ما يمكن المناظرة به يمكن النظر فيه ~~وليس كل ما يمكن النظر فيه يمكن مناظرة كل أحد به PageV07P171 # ولهذا كان أهل العلم بالحديث لهم علوم ضرورية بأقوال الرسول ومقاصده لا ~~يشركهم فيها إلا من شركهم في أسبابها # والمقصود هنا أن السلف كانوا أكمل الناس في معرفة الحق وأدلته والجواب ~~عما يعارضه وإن كانوا في ذلك درجات وليس كل منهم يقوم بجميع ذلك بل هذا ~~يقوم بالبعض وهذا يقوم بالبعض كما في نقل الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وغير ذلك من أمور الدين # والكلام الذي ذموه نوعان أحدهما أن يكون في نفسه باطلا وكذبا وكل ما خالف ~~الكتاب والسنة فهو باطل وكذب فإن أصدق الكلام كلام الله # والثاني أن يكون فيه مفسدة مثلما يوجد في كلام كثير منهم من النهي عن ~~مجالسة أهل البدع ومناظرتهم ومخاطبتهم والأمر بهجرانهم وهذا لأن ذلك قد ~~يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم فإن الحق إذا كان ظاهرا قد عرفه المسلمون ~~وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته فإنه يجب منعه من ذلك فإذا هجر وعزر ~~كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ بن عسل التميمي ~~وكما كان المسلمون يفعلونه أو قتل كما قتل المسلمون PageV07P172 الجعد بن ~~درهم وغيلان القدري وغيرهما كان ذلك هو المصلحة بخلاف ما إذا ترك داعيا وهو ~~لا يقبل الحق إما لهواه وإما لفساد إدراكه فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة ~~وضرر عليه وعلى المسلمين # والمسلمون أقاموا ms1364 الحجة على غيلان ونحوه وناظروه وبينوا له الحق كما فعل ~~عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه واستتابه ثم نكث التوبة بعد ذلك فقتلوه # وكذلك علي رضي الله عنه بعث ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم ثم رجع نصفهم ~~ثم قاتل الباقين # والمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس ~~قوبل بالعقوبة # قال الله تعالى @QB@ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم ~~داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد @QE@ سورة الشورى 16 # وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة ~~وجواب الشبهة فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل كما ينهى الضعيف في المقاتلة ~~أن يقاتل علجا قويا من علوج الكفار فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة ~~وقد ينهى عنها إذا كان المناظر PageV07P173 معاندا يظهر له الحق فلا يقبله ~~وهو السوفسطائي فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى ~~مقدمات معروفة بينة بنفسها ضرورية وجحدها الخصم كان سوفسطائيا ولم يؤمر ~~بمناظرته بعد ذلك بل إن كان فاسد العقل داووه وإن كان عاجزا عن معرفة الحق ~~ولا مضرة فيه تركوه وإن كان مستحقا للعقاب عاقبوه مع القدرة إما بالتعزير ~~وإما بالقتل وغالب الخلق لا ينقادون للحق إلا بالقهر # والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها أو مع من لا يكون في ~~مناظرته مصلحة راجحة أو فيها مفسدة راجحة فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف ~~الأحوال # وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة أخرى وفي الجملة ~~جنس المناظرة والمجادلة فيها محمود ومذموم ومفسدة ومصلحة وحق وباطل # ومنشأ الباطل من نقص العلم أو سوء القصد كما قال تعالى @QB@ إن يتبعون ~~إلا الظن وما تهوى الأنفس @QE@ سورة النجم 23 # ومنشأ الحق من معرفة الحق والمحبة له والله هو الحق المبين ومحبته أصل كل ~~عبادة فلهذا كان أفضل الأمور على الإطلاق معرفة الله ومحبته وهذا هو ملة ~~إبراهيم خليل الله تعالى الذي جعله الله للناس إماما وجعله أمة يأتم ms1365 به ~~الخلق وهو الذي ناظر المعطلين والمشركين PageV07P174 # كما ذكر الله تعالى محاجته لمن حاجه في ربه @QB@ إذ قال إبراهيم ربي الذي ~~يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر @QE@ سورة البقرة 258 ومحاجته لقومه الذين ~~كانوا يعبدون الكواكب # والجهمية نفاة الصفات الذين هم رؤوس أهل الكلام المذموم قولهم مأخوذ من ~~قول خصمائه كما هو مأخوذ من قول فرعون خصم موسى عليه السلام فإن فرعون أظهر ~~جحد الصانع وعلوه على خلقه وجحد تكليمه لموسى وقوم إبراهيم كانوا مشركين ~~كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك وكان فيهم من هو معطل كما ذكر الله تعالى ~~ذلك # والفلاسفة القائلون بدعوة الكواكب فيهم المشرك وفيهم المعطل ونفي الصفات ~~من أقوالهم فمنهم من لا يثبت لهذا العالم المشهود ربا أبدعه كما هو قول ~~الدهرية الطبيعية منهم ويجعلون العالم نفسه واجب الوجود بذاته ومنهم من ~~يثبت له مبدعا واجبا بنفسه أبدعه كما هو قول الدهرية الإلهية منهم ويقولون ~~إن الواجب ليس له صفة ثبوتية بل صفاته إما سلب وإما إضافة وأما مركبة منهما # وكان الجعد بن درهم من أهل حران وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة ~~خصوم إبراهيم الخليل عليه السلام فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم ~~موافقة لفرعون والنمروذ بناء على أصل هؤلاء PageV07P175 النفاة وهو أن الرب ~~تعالى لا يقوم به كلام ولا يقوم به محبة لغيره فقتله المسلمون ثم انتشرت ~~مقالته فيمن ضل من هذا الوجه # والمحبة متضمنة للإرادة ومسألة الكلام والإرادة ضل فيهما طوائف كما ضلوا ~~في إنكار العلو الذي أنكره فرعون على موسى كما قد بسط هذا في موضعه # ومما يبين هذا أن السلف لم يذموا التكلم بأسماء مفردة كالجوهر والجسم ~~والعرض فإن الاسم المفرد ليس بكلام ولا يتكلم به أحد وإنما ذموا الكلام ~~المؤلف الدال على معان والذين كانوا يتكلمون بهذه الأسماء كان كلامهم ~~متضمنا لأمور فيها افتراء على الله ورسوله إما إثبات ما نفاه الله وإما نفي ~~ما ms1366 أثبته الله ومتضمنة لمعان باطلة هي كذب وباطل في نفس الأمر # والمقصود هنا التنبيه على جنس ما مدحه السلف وذموه وأنهم كانوا أعرف ~~الناس بالحق وأدلته وبطلان ما يعارضه وإنما يظن بهم التقصير في هذا من كان ~~جاهلا بحقيقة الحق وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم ~~والإيمان وبما وصل إليه السلف والأئمة فجهله بالأول يوجب أن لا يعلم الحق ~~بل يعتقد نقيضه وجهله بالثاني يوجب ظنه أن ليس فيما جاء به الرسول بيان ~~الحق بأدلته والمناظرة عنه وجهله بالثالث يوجب ظنه أن السلف ذموا الكلام ~~بالأدلة الصحيحة المفضية PageV07P176 إلى العلم بالله وصفاته خوفا من ~~الشبهات والأهواء بل الأصل في ذم السلف للكلام هو اشتماله على القضايا ~~الكاذبة والمقدمات الفاسدة المتضمنة للافتراء على الله تعالى وكتابه ورسوله ~~ودينه # فهذا هو الكلام المذموم بالذات وهو الكلام الكاذب الباطل وأما الكلام ~~الذي هو حق وصدق فهذا لا يذم بالذات وإنما يذم المتكلم به أحيانا لاشتمال ~~ذلك على مضرة عارضة مثل ما يحرم القذف وإن كان القاذف صادقا إذا لم يكن له ~~أربعة شهداء ومثل ما تحرم الغيبة والنميمة ونحو ذلك مما هو صدق لكن فيه ظلم ~~للغير # وأما الكلام في الدين فنوعان أحدهما أمر والثاني خبر والكلام في أصول ~~الدين هو من نوع الثاني ولا ريب أن الله تعالى أخبر بإثبات أمور ونفى أمور ~~وأصدق الكلام كلام الله فما ناقض ذلك كان كذبا وقولا على الله غير الحق # كما قال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق @QE@ سورة النساء 171 # وقال تعالى @QB@ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق @QE@ سورة الأعراف 169 # وقال تعالى @QB@ إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين @QE@ سورة الأعراف 152 PageV07P177 # وقال تعالى @QB@ سبحان ربك رب العزة عما يصفون @QE@ سورة الصافات 180 ~~وأمثال ذلك # وعامة الكلام الذي ذمه السلف تشتمل مسائله على كذب وفرية ودلائل مسائله ms1367 ~~على كذب وفرية كأقوال الجهمية النفاة لما أثبته الله تعالى له من الأسماء ~~والصفات وكلام القدرية النافية لما أثبته الله من قدرته ومشيئته # ودلائل الجهمية النفاة هو استدلالهم بدليل الجواهر والأعراض فإنهم زعموا ~~أن الأعيان المشاهدة كالسماوات والأرض مركبة من الجواهر المنفردة أو من ~~المادة والصورة وأن المركب مسبوق بجزئه ومفتقر إلى مركب يركبه فيكون محدثا ~~وممكنا وما قام بها من الصفات والحركات أعراض والأعراض أو بعضها حادثة وما ~~كان شخصه حادثا وجب أن يكون نوعه حادثا فيمتنع وجود حوادث لا تتناهى وقالوا ~~بهذا عرفنا أن السماوات مخلوقة وبذلك عرفنا أن الله موجود فلزمهم على ذلك ~~أن ينفوا صفات الله وأفعاله وذلك باطل شرعا وعقلا ولم يكن ما أقاموه دليلا ~~صحيحا فلا هم عرفوا الحق بدليل صحيح قويم ولا PageV07P178 هم نصروه بميزان ~~مستقيم ولكنهم قد يقابلون الفاسد بالفاسد فإن أعداء الملة قد يقيمون شبهة ~~على نقيض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كشبهة الدهرية على قدم ~~السماوات فيقابلون ذلك بفاسد آخر كاستدلالهم على حدوث ذلك بدليل الأعراض ~~والصفات # وحفظ مثل هذا الكلام لاعتقاد العوام كدفع المظلمة عنهم بعقوبات فيها ~~عدوان ومن ظن أن الخلف أعلم بالحق وأدلته أو المناظرة فيه من السلف فهو ~~بمنزلة من زعم أنهم أقوم بالعلم والجهاد وفتح البلاد منهم وكلا الظنين طريق ~~من لم يعرف حقيقة الدين ولا حال السلف السابقين # وهذا مثل كلام الرافضة وأمثالهم من أهل الفرية الذين يتضمن قولهم التكذيب ~~بالحق والتصديق بالباطل فهؤلاء فيما يحدثون به من الكذب ويكذبون به من ~~الصدق في المقولات بمنزلة أهل الكلام الباطل في البحث والنظر كالجهمية ~~الذين يكذبون بالحق ويصدقون بالباطل في العقليات # ولهذا كان غير واحد من السلف يقرن بين الجهمية والرافضة وهما شر أهل ~~الأهواء وكان الكلام المذموم عند السلف أعظم من الشهادة بالزور وظلم الحق ~~PageV07P179 # وذلك لأن الكاذب الظالم إذا علم أنه كاذب ظالم كان معترفا بذنبه معتقدا ~~لتحريم ذلك فترجى له التوبة ويكون اعتقاده التحريم وخوفه من الله تعالى من ms1368 ~~الحسنات التي يرجى أن يمحو الله بها سيئاته # واما إذا كذب في الدين معتقدا أن كذبه صدق وافترى على الله ظانا أن فريته ~~حق فهذا أعظم ضررا وفسادا # ولهذا كان السلف يقولون البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية ~~يتاب منها والبدعة لا يتاب منها # ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج المبتدعين مع كثرة ~~صلاتهم وصيامهم وقراءتهم ونهى عن الخروج على أئمة الظلم وأمر بالصبر عليهم # وكان يجلد رجلا يشرب الخمر فلعنه رجل فقال لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله # وجاءه ذو الخويصرة التميمي وبين عينيه أثر السجود فقال يا محمد اعدل فإنك ~~لم تعدل فقال ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ثم قال ~~يخرج من ضئضىء هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ~~وقراءته PageV07P180 مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم ~~أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة # فهذا المبتدع الجاهل لما ظن أن ما فعله الرسول ليس بعدل كان ظنه كاذبا ~~وكان في إنكاره ظالما وهذا حال كل مبتدع نفى ما أثبته الله تعالى أو أثبت ~~ما نفاه الله أو اعتقد حسن ما لم يحسنه الله أو قبح ما لم يكرهه الله ~~فاعتقادهم خطأ وكلامهم كذب وإرادتهم هوى فهم أهل شبهات في آرائهم وأهواء في ~~إراداتهم # فالسلف ذموا أهل الكلام الذين هم أهل الشبهات والأهواء لم يذموا أهل ~~الكلام الذين هم أهل كلام صادق يتضمن الدليل على معرفة الله تعالى وبيان ما ~~يستحقه وما يمتنع عليه ولكن قد يورث شبهة وهوى # وقد اعترف أبو حامد بأن ما ذكره هو من الكلام والفلسفة ليس فيه كشف ~~الحقائق ومعرفته PageV07P181 # وأما حراسة عقيدة العوام # فيقال أولا لا بد أن يكون المحروس هو نفس ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أنه أخبر به لأمته فأما إذا كان المحروس فيه ما يوافق خبر الرسول ms1369 وفيه ~~ما يخالفه كان تمييزه قبل حراسته أولى من الذب عما يناقض خبر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فإن حاجة المؤمنين إلى معرفة ما قاله الرسول وأخبرهم به ~~ليصدقوا به ويكذبوا بنقيضه ويعتقدوا موجبه قبل حاجتهم إلى الذب عن ذلك ~~والرد على من يخالفه فإذا كان المتكلم الذي يقول إنه يذب عن السنة قد كذب ~~هو بكثير مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم واعتقد نقيضه كان مبتدعا ~~مبطلا متكلما بالباطل فيما خالف فيه خبر الرسول صلى الله عليه وسلم كما أن ~~ما وافق فيه خبر الرسول فهو فيه متبع للسنة محق يتكلم بالحق # وأهل الكلام الذين ذمهم السلف لا يخلو كلام أحد منهم عن مخالفة السنة ورد ~~لبعض ما أخبر به الرسول كالجهمية والمشبهة والخوارج والروافض والقدرية ~~والمرجئة # ويقال بأنها لا بد أن تحرس السنة بالحق والصدق والعدل لا تحرس بكذب ولا ~~ظلم فإذا رد الإنسان باطلا بباطل وقابل بدعة ببدعة كان هذا مما ذمه السلف ~~والأئمة PageV07P182 # وهؤلاء كما ذكره أبو حامد يدخلون في هذا وكلام السلف في ذم الكلام متناول ~~لما ذمه الله في كتابه والله سبحانه قد ذم في كتابه الكلام بالباطل والكلام ~~بغير علم # والأول كثير وأما الثاني فقد قال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ سورة الأعراف 33 # وقال تعالى @QB@ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ~~ليس لكم به علم @QE@ سورة آل عمران 66 # وقال @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسؤولا @QE@ سورة الإسراء 36 # وهذا النوعان مذمومان في القضاء والفتيا والتفسير # قال النبي صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثة قاض في الجنة وقاضيان في ~~النار رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في ~~النار ورجل علم الحق وحكم ms1370 بخلافه فهو في النار PageV07P183 وفي السنن من ~~قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن قال في القرآن برأيه فأخطأ فليتبوأ ~~مقعده من النار # فهذان النوعان من الكلام مذمومان مطلقا لا سيما ما كان في نفسه كذبا ~~باطلا وأما جنس النظر والمناظرة فهذا لم ينه السلف عنه مطلقا بل هذا إذا ~~كان حقا يكون مأمورا به تارة ومنهيا عنه أخرى كغيره من أنواع الكلام الصدق ~~فقد ينهى عن الكلام الذي لا يفهمه المستمع أو الذي يضر المستمع وعن ~~المناظرات التي تورث شبهات وأهواء فلا تفيد علما ولا دينا # ومن هذا الباب أنه خرج صلى الله عليه وسلم على طائفة من أصحابه وهم ~~يتناظرون في القدر فقال أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله ~~بعضه ببعض وإنما نزل القرآن ليصدق بعضه بعضا لا ليكذب بعضه بعضا # فإذا كانت المناظرة تتضمن أن كل واحد من المتناظرين يكذب ببعض الحق نهي ~~عنها لذلك وأكثر الاختلاف بين ذوي الأهواء من PageV07P184 هذا الباب ~~كالقائلين بأن الله جسم متحيز في جهة والنافين لذلك والقائلين إن الله يجبر ~~العباد والنافين لذلك وأمثال ذلك من الكلام المجمل المتشابه الذي يتضمن حقا ~~وباطلا في جانبي النفي والإبثات # والكلام بلفظ الجسم والجوهر والعرض في مسائل الصفات هو من هذا الباب قال ~~أبو عبد الرحمن السلمي وقد ذكره شيخ الأسلام في ذم الكلام من طريقه سمعت ~~أبا نصر أحمد بن حامد السجزي يقول سمعت أبي يقول قلت لأبي العباس بن سريج ~~ما التوحيد قال توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام وإنما ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم بإنكار ذلك # والمقصود هنا بيان فساد الطرق المعارضة للكتاب والسنة واما بيان اشتمال ~~الكتاب والسنة على الطرق التي بها تحصل معرفة الله والإيمان به وبرسله ~~وباليوم الآخر فهذا مذكور في موضع آخر # وقد قال أبو حامد أيضا لما ذكر أقسام العلوم فإن قلت لم لم ms1371 تورد في أقسام ~~العلوم الكلام والفلسفة وتبين أنهما محمودان أو PageV07P185 مذمومان فاعلم ~~أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن ~~والأخبار مشتملة عليه وما خرج عنه فهو إما مجادلة مذمومة وهي من البدع وإما ~~مشاغبات بالتعلق بمناقضات الفرق وتطويل وقت بنقل المقالات التي أكثرها ~~ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الأسماع وبعضها خوض فيما لا يتعلق ~~بالدين ولم يكن شيء منها مألوفا في العصر الأول فكان الخوض فيه بالكلية من ~~البدع # قال أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب ووقفت على ~~ما التمستموه من ذكر الأصول التي عول PageV07P186 سلفنا رحمة الله عليهم ~~عليها وعدلوا إلى الكتاب والسنة من أجلها واتباع خلفنا الصالح لهم في ذلك ~~وعدولهم عما صار إليه أهل البدع من المذاهب التي أحدثوها وصاروا إلى مخالفة ~~الكتاب والسنة بها وما ذكرتم من شدة الحاجة إلى ذلك فبادرت أيدكم الله ~~بإجابتكم إلى ما التمستموه وذكرت لكم جملا من الأصول مقرونة بأطراف من ~~الحجاج تدلكم على صوابكم في ذلك وخطأ أهل البدع فيما صاروا إليه من ~~مخالفتهم وخروجهم عن الحق الذي كانوا عليه قبل هذه البدع معهم ومفارقتهم ~~بذلك الأدلة الشرعية وما أتى به الرسول منها ونبه عليها وموافقتهم بذلك ~~لطرق الفلاسفة الصادين عنها والجاحدين لما أتت به الرسل صلوات الله عليهم ~~منها اعلموا أرشدكم الله أن الذي PageV07P187 مضى عليه سلفنا ومن اتبعهم من ~~صالح خلفنا أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى سائر العالمين ~~وهم أحزاب متشتتون وفرق متباينون منهم كتابي يدعو إلى الله بما في كتابه ~~وفلسفي قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها بقضايا العقول وبرهمي ينكر أن ~~يكون لله رسول ودهري يدعي الإهمال ويخبط في عشواء الضلال وثنوي قد اشتملت ~~عليه الحيرة ومجوسي يدعي ما ليس له به خبرة وصاحب صنم يعكف عليه ويزعم أن ~~له ربا يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه لينبههم جميعا على حدثهم ويدعوهم إلى ~~توحيد المحدث لهم ويبين لهم طرق معرفته بما ms1372 فيهم من آثار صنعته ويأمرهم ~~برفض كل ما كانوا عليه من سائر الأباطيل بعد تنبيهه عليه السلام لهم على ~~فسادها ودلالته على صدقه فيما يخبرهم به عن ربهم بالآيات الباهرة والمعجزات ~~القاهرة ويوضح لهم سائر PageV07P188 ما تعبدهم الله به من شريعته وأنه عليه ~~السلام دعا جماعتهم إلى ذلك ونبههم على حدثهم بما فيهم من اختلاف الصور ~~والهيئات وغير ذلك من اختلاف اللغات وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم بما ~~فيهم وفي غيرهم مما يقتضي وجوده ويدل على إرادته وتدبيره حيث قال عز وجل ~~@QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ سورة الذاريات 21 فنبههم عز وجل بتقلبهم ~~في سائر الهيئات التي كانوا عليها على ذلك # وشرح لهم ذلك بقوله سبحانه @QB@ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين @QE@ سورة المؤمنون 12 14 # وهذا من أوضح ما يقتضي الدلالة على حدث الإنسان PageV07P189 ووجود المحدث ~~له من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديما وذلك أن تغيره ~~يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره وكونه قديما ينفي تلك الحال فإذا حصل ~~متغيرا بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن قبل تغيره عليها دل ذلك على ~~حدوثها وحدوث الهيئة التي كان عليها قبل حدوثها إذ لو كانت قديمة لما جاز ~~عدمها وذلك أن القديم لا يجوز عدمه وإذا كان هذا على ما قلنا وجب أن يكون ~~ما عليه الأجسام من التغير منتهيا إلى هيئات محدثة لم تكن الأجسام قبلها ~~موجودة بل كانت معها محدثة ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم من قبل أن ~~ذلك لا يجوز أن يقع بالاتفاق فيتم من غير مرتب له ولا قاصد إلى ما وجد منه ~~فيها دون ما كان يجوز وقوعها عليه من الهيئات المخالفة لها وجواز تقدمها في ~~الزمان وتأخرها وحاجتها بذلك إلى محدثها ومرتبها لأن سلالة الطين ms1373 والماء ~~المهين يحتمل من الهيئات ضروبا كثيرة لا يقتضي واحد منها سلالة PageV07P190 ~~الطين ولا الماء المهين بنفسه ولا يجوز أن يقع شيء من ذلك فيها بالاتفاق ~~لاحتمالها لغيره فإذا وجدنا ما صار إليه الإنسان في هيئته المخصوصة به دون ~~غيره من الأجسام وما فيه من الآلات المعدة لمصالحه كسمعه وبصره وشمه وحسه ~~وآلات ذوقه وما أعد له من آلات الغذاء التي لا قوام له إلا بها على ترتيب ~~ما قد أحوج إليه من ذلك حتى يوجد في حال حاجته إلى الرضاع بلا أسنان تمنعه ~~من غذائه وتحول بينه وبين مرضعته فإذا نقل من ذلك وخرج إلى غذاء لا ينتفع ~~به ولا يصل منه إلى غرضه إلا بطحنها له جعل له منها بقدر ما به الحاجة في ~~ذلك إليه والمعدة المعدة لطبخ ما يصل إليها من ذلك وتلطيفه حتى يصل إلى ~~الشعر والظفر وغير ذلك من سائر الأعضاء في مجار لطيف قد هيئت لذلك بمقدار ~~ما يقيمها والكبد المعدة لتسخينها بما يصل من حرارة القلب PageV07P191 ~~والرئة المهيأة لإخراج بخار الحرارة التي في القلب وإدخال ما يعتدل به من ~~الهواء البارد باجتذاب المناخر وما فيها من الآلات المعدة لخروج ما يفضل من ~~الغذاء عن مقدار الحاجة في مجار ينفذ ذلك منها وغير ذلك مما يطول شرحه مما ~~لا يصح وقوعه بالاتفاق ولا يستغنى فيما هو عليه عن مقوم له يرتبه إذ كان ~~ذلك لا يصح أن يترتب وينقسم في سلالة الطين والماء المهين بغير صانع لها ~~مدبر عند كل عاقل متأمل كما لا يصح أن تترتب الدار على ما تحتاج إليه فيها ~~من البناء بغير مدبر يقسم ذلك فيها ويقصد إلى ترتيبها # ثم زادهم الله تعالى في ذلك بيانا بقوله عز وجل @QB@ إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب @QE@ PageV07P192 سورة ~~آل عمران 190 فدلهم تعالى بحركة الأفلاك على المقدار الذي بالخلق الحاجة ~~إليه في مصالحهم التي لا تخفى مواقع انتفاعهم بها كالليل الذي جعل لسكونهم ~~ولتبريد ما زاد ms1374 عليهم من حر الشمس في زروعهم وثمارهم والنهار الذي جعل ~~لانتشارهم وتصرفهم في معايشهم على القدر الذي يحتملونه في ذلك # ولو كان دهرهم كله ليلا لأضر بهم ما فيه من الظلمة التي تقطعهم عن التصرف ~~في مصالحهم وتحول بينهم وبين إدراك منافعهم وكذلك لو كان دهرهم كله نهارا ~~لأضر بهم ذلك ودعاهم ما فيه من الضياء إلى التصرف في طلب المعاش مع حرصهم ~~على ذلك إلى ما لا يطيقونه فأداهم قلة الراحلة إلى عطبهم فجعل لهم من ~~النهار قسطا لتصرفهم لا يجوز بهم قدر الطاقة فيه وجعل لهم من الليل قسطا ~~لسكونهم لا يقصر عن درك حاجتهم لتعتدل في ذلك PageV07P193 أحوالهم وتكمل ~~مصالحهم وجعل لهم من الحر والبرد فيهما بمقدار ما لهم ولثمارهم ولمواشيهم ~~من الصلاح رفقا لهم وجعل لون ما يحيط بهم من السماء ملاوما لأبصارهم ولو ~~كان لونها على خلاف ذلك من الألوان لأفسدها ودلهم على حدثها بما ذكرناه من ~~حركاتها واختلاف هيئاتها كما ذكرنا آنفا ودلهم على حاجتها وحاجة الأرض وما ~~فيهما من الحكم مع عظمهما وثقل أجرامهما إلى إمساكه عز وجل لهما بقوله ~~تعالى @QB@ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما ~~من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا @QE@ سورة فاطر 41 فعرفنا تعالى أن ~~وقوفهما لا يصح أن يكون من غيره وأن وقوفهما PageV07P194 لا يجوز أن يكون ~~بغير موقف لهما ثم نبهنا على فساد قول الفلاسفة بالطبائع وما يدعونه من فعل ~~الأرض والماء والنار والهواء في الأشجار وما يخرج منها من سائر الثمار ~~بقوله عز وجل @QB@ وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان ~~وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل @QE@ ثم قال عز ~~وجل @QB@ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون @QE@ سورة الرعد 4 # ثم نبه تعالى خلقه على أنه واحد باتساق أفعاله وترتيبها وأنه تعالى لا ~~شريك له فيها بقوله عز وجل @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ ~~سورة الأنبياء 22 ووجه الفساد ms1375 بذلك لو كانا إلهين ما اتسق أمرهما على نظام ~~ولا يتم على إحكام وكان لا بد أن يلحقهما العجز أو يلحق أحدهما عند التمانع ~~في الأفعال والقدرة على ذلك وذلك أن كل واحد منهما لا يخلو أن يكون قادرا ~~على PageV07P195 ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من فعل الآخر أو لا ~~يكون كل واحد منهما قادرا على ذلك فإن كان كل واحد منهما قادرا على فعل ما ~~يقدر عليه الآخر بدلا منه لم يصح أن يفعل كل واحد منهما ما يقدر عليه الآخر ~~إلا بترك الآخر له وإذا كان كل واحد منهما لا يفعل إلا بترك الآخر له جاز ~~أن يمنع كل واحد منهما صاحبه من ذلك # ومن يجوز أن يمنع ولا يفعل إلا بترك غيره له فهو مذموم عاجز وإن كان كل ~~واحد منهما لا يقدر على فعل مقدور الآخر بدلا منه وجب عجزهما وحدوث ~~قدرتيهما والعاجز لا يكون إلها ولا ربا # ثم نبه المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء على جواز إعادته تعالى لهم ~~حيث قال لهم لما استنكروها وقالوا من يحي العظام وهي رميم @QB@ قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم @QE@ PageV07P196 ثم أوضح ذلك بقوله ~~@QB@ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون @QE@ سورة يس ~~79 80 فدلهم بما يشاهدونه من جعله النار من العفار والمرخ وهما شجرتان ~~خضراوان إذا حكت إحداهما الأخرى بتحريك الريح لها اشتعل النار فيهما على ~~جواز إعادته الحياة في العظام النخرة والجلود المتمزقة # ثم نبه عباد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها مع نحتها ~~بقوله تعالى @QB@ أتعبدون ما تنحتون @QE@ ثم قال تعالى @QB@ والله خلقكم ~~وما تعملون @QE@ سورة الصافات 95 96 فبين لهم فساد عبادتها ووجوب عبادته ~~دونها بأنها إذا كانت لا تصير أصناما إلا بنحتكم لها فأنتم أيضا لن تكونوا ~~على ما أنتم عليه PageV07P197 من الصور والهيئات إلا بفعلي وإني مع خلقي ~~لكم وما تنحتونه خالق لنحتكم إذ كنت أنا المقدر لكم عليه ms1376 والممكن لكم منه # ثم رد على المنكرين لرسله بقوله عز وجل @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ~~نورا وهدى للناس @QE@ سورة الأنعام 91 # وقال تعالى @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل @QE@ سورة النساء 165 # ثم احتج النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الكتب بما في كتبهم من ذكر ~~صفته والدلالة على اسمه ونعته وتحدى النصارى لما كتموا ما في كتبهم من ذلك ~~وجحدوه بالمباهلة عند أمر الله عز وجل له بذلك بقوله @QB@ فمن حاجك فيه من ~~بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين @QE@ PageV07P198 ~~سورة آل عمران 61 # وقال لليهود لما بهتوه @QB@ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين @QE@ سورة ~~البقرة 94 فلم يجد أحد منهم على ذلك مع اجتماعهم على تكذيبه وتناهيهم في ~~عداوته واجتهادهم في التنفير عنه لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ~~ذلك فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم وصدقه فيما يخبرهم لأقدموا على إجابته ~~ولسارعوا إلى فعل ما يعلمون أن فيه توهين أمره # ثم إن الله تعالى بعد إقامة الحجج عليهم أزعج خواطر جماعتهم للنظر فيما ~~دعاهم إليه ونبههم عليه بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة وأيده بالقرآن ~~الذي تحدى به فصحاء قومه الذين بعث PageV07P199 إليهم لما قالوا إنه مفترى ~~أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات أو سورة من مثله وقد خاطبهم فيه بلغتهم ~~فعجزوا عن ذلك مع إخباره لهم أنهم لا يأتون بمثله ولو تظاهر على ذلك الإنس ~~والجن وقطع عليه السلام عذرهم به وعذر غيرهم كما قطع موسى عليه السلام عذر ~~السحرة وغيرهم في زمانه بالعصا التي فضحت سحرهم وبان بما كان منها لهم ~~ولغيرهم أن ذلك من فعل الله تعالى وأن هذا ليس تبلغه قدرتهم ولا تطمع فيه ~~خواطرهم وكما قطع عيسى عليه السلام عذر من كان في زمانه من الأطباء ms1377 الذين ~~قد برعوا في معرفة العقاقير وقوى ما في الحشائش وقدر ما ينتهي إليه علاجهم ~~وتبلغه حيلهم بإحياء الموتى بغير علاج وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك مما ~~PageV07P200 بهرهم به وأظهر لهم منه ما يعلمون بيسير الفكر أنه خارج عن ~~قدرهم وما يصلون إليه بحيلهم # وكذلك قد أزاح نبينا صلى الله عليه وسلم بالقرآن وما فيه من العجائب علل ~~الفصحاء من أهل وقطع به عذرهم لرؤيتهم أنه خارج عما انتهت إليه فصاحتهم في ~~لغاتهم ونظموه في شعرهم وبسطوه في خطبهم وأوضح لجميع من بعث إليه من الفرق ~~التي ذكرناها فساد ما كانوا عليه بحجج الله وبيناته ودل على صحة ما دعاهم ~~إليه ببراهين الله وآياته حتى لم يبق لأحد منهم شبهة فيه ولا احتيج مع ما ~~كان عليه السلام في ذلك إلى زيادة من غيره ولو لم يكن ذلك كذلك لم يكن له ~~عليه السلام حجة على جماعتهم ولا كانت طاعته لازمة لهم مع خصامهم وشدة ~~عنادهم ولكانوا قد احتجوا عليه بذلك ودفعوه عما يوجب PageV07P201 طاعتهم له ~~وقرعوه بتقصيره عن إقامة الحجة عليهم فيما يدعوهم إليه مع طول تحديه لهم ~~وكثرة تبكيتهم وطول مقامه فيهم ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا مع حرصهم ~~عليه # وإذا كان هذا على ما ذكرناه علم صحة ما ذهبنا إليه في دعوته عليه الصلاة ~~والسلام إلى التوحيد وإقامة الحجة على ذلك وإيضاحه الطرق إليها وقد أكد ~~الله تعالى دلالة نبوته بما كان من خاص آياته عليه السلام التي تنقض بها ~~عاداتهم كإطعامه الجماعة الكثيرة في المجاعة الشديدة من الطعام اليسير ~~وسقيهم الماء في العطش الشديد من الماء اليسير وهو ينبع من بين أصابعه حتى ~~رووا ورويت مواشيهم وكلام الذب وإخبار الذراع المشوية أنها مسمومة وانشقاق ~~القمر ومجيء الشجرة إليه عند دعائها إليه ورجوعها إلى مكانها بأمره لها ~~وإخباره لهم عليه PageV07P202 السلام بما تجنه صدورهم وما يغيبون به عنه من ~~أخبارهم # ثم دعاهم عليه السلام إلى معرفة الله عز وجل وإلى طاعته فيما كلف تبليغه ~~إليهم بقوله ms1378 تعالى @QB@ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ سورة التغابن 12 ~~وعرفهم أمر الله بإبلاغه ذلك وما ضمنه له من عصمته منهم بقوله تعالى @QB@ ~~يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله ~~يعصمك من الناس @QE@ سورة المائدة 67 فعصمه الله منهم مع كثرتهم وشدة بأسهم ~~وما كانوا عليه من شدة عنادهم وعداوتهم له حتى بلغ رسالة ربه إليهم مع ~~كثرتهم ووحدته وتبري أهله منه ومعاداة عشيرته وقصد جميع المخالفين له حين ~~سفه آراءهم فيما PageV07P203 كانوا عليه من تعظيم أصنامهم وعبادة النيران ~~وتعظيم الكواكب وإنكار الربوبية وغير ذلك مما كانوا عليه حتى بلغ الرسالة ~~وأدى الأمانة وأوضح الحجة في فساد جميع ما نهاهم مما كانوا عليه ودلهم على ~~صحة جميع ما دعاهم إلى اعتقاده وفعله بحجج الله وبيناته وأنه عليه السلام ~~لم يؤخر عنهم بيان شيء مما دعاهم إليه عن وقت تكليفهم فعله لما يوجبه تأخير ~~ذلك عنهم من سقوط تكليفه لهم وإنما جوز فريق من أهل العلم تأخير البيان ~~فيما أجمله الله من الأحكام قبل لزوم فعله لهم فأما تأخير ذلك عن وقت فعله ~~فغير جائز عند كافتهم # ومعلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إليه من ~~واجهه من أمته من اعتقاد حدثهم ومعرفة المحدث لهم وتوحيده ومعرفة أسمائه ~~الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه وصفات PageV07P204 فعله وتصديقه فيما ~~بلغهم من رسالته مما لا يصح أن يؤخر عنهم البيان فيه لأنه عليه السلام لم ~~يجعل لهم فيما كلفهم من ذلك من مهلة ولا أمرهم بفعله في الزمن المتراخى عنه ~~وإنما أمرهم بفعل ذلك على الفور وإنما كان ذلك من قبل أنه لو أخر ذلك عنهم ~~لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله وألزمهم ما لا طريق لهم إلى الطاعة ~~فيه وهذا غير جائز عليه لما يقتضيه ذلك من بطلان أمره وسقوط طاعته # ولهذا المعنى لم يوجد عن أحد من صحابته خلاف في شيء مما وقف عليه جماعتهم ms1379 ~~ولا شك في شيء منه ولا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك ولا زيادة على ما نبههم ~~عليه من الحجج بل مضوا جميعا على ذلك وهم متفقون لا يختلفون في حدثهم ولا ~~PageV07P205 في توحيد المحدث لهم وأسمائه وصفاته وتسليم جميع المقادير إليه ~~والرضا فيها بأقسامه لما قد ثلجت به صدورهم وتبينوا وجوه الأدلة التي نبههم ~~عليه السلام عليها عند دعائه لهم إليها وعرفوا بها صدقه في جميع ما أخبرهم ~~به وإنما تكلفوا البحث والنظر فيما كلفوه من الاجتهاد في حوادث الأحكام عند ~~نزولها بهم وحدوثها فيهم وردها إلى معاني الأصول التي وقفهم عليها ونبههم ~~بالإشارة على ما فيها فكان منهم رحمة الله عليهم في ذلك ما نقل إلينا عنهم ~~من طريق الاجتهاد التي اتفقوا عليها والطرق التي اختلفوا فيها ولم يقلد ~~بعضهم بعضا في جميع ما صاروا إليه من جميع ذلك لما كلفوه من الاجتهاد ~~وأمروا به فأما ما دعاهم إليه عليه السلام من معرفة حدثهم والمعرفة ~~PageV07P206 بمحدثهم ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وعدله وحكمته فقد ~~بين لهم وجوه الأدلة في جميعه حتى ثلجت صدورهم به واستغنوا عن استئناف ~~الأدلة فيه وبلغوا جميع ما وقفوا عليه من ذلك واتفقوا عليه إلى من جاء ~~بعدهم فكان عذرهم فيما دعوا إليه من ذلك مقطوعا بما نبههم عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الأدلة على ذلك وما شاهدوه من آياته الدالة على صدقه ~~وعذر سائر من تأخر عنه مقطوع بنقلهم ذلك إليهم ونقل أهل كل زمان حجة على من ~~بعدهم من غير أن نحتاج أرشدكم الله في المعرفة لسائر ما دعينا إلى اعتقاده ~~إلى استئناف أدلة غير الأدلة التي نبه النبي صلى الله عليه وسلم عليها ودعا ~~سائر أمته إلى تأملها إذ كان من المستحيل أن يأتي في ذلك أحد بأهدى ~~PageV07P207 مما أتى به أو يصلوا من ذلك إلى ما بعد عنه عليه السلام # وجميع ما اتفقوا عليه من الأصول مشهور في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك ~~وانقطعوا إلى الاحتياط ms1380 فيه والاجتهاد في طلب الطرق الصحيحة إليه من ~~المحدثين والفقهاء يعلمه أكابرهم أصاغرهم ويدرسونه صبيانهم في كتاتيبهم ~~لتقرر ذلك عندهم وشهرته فيهم واستغنائهم في العلم بصحة جميع ذلك بالأدلة ~~التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته # واعلموا أرشدكم الله أن ما دل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المعجزات بعد تنبيهه لسائر المتكلفين على حدثهم ووجود المحدث لهم قد أوجب ~~صحة أخباره ودل على أن ما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله عز وجل وإذا ~~ثبت بالآيات صدقه فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV07P208 عنه وصارت أخباره عليه السلام أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه ~~من الأمور الغائبة عن حواسنا وصفات فعله وصار خبره عليه السلام عن ذلك ~~سبيلا إلى إدراكه وطريقا إلى العلم بحقيقته وكان ما يستدل به من أخباره ~~عليه السلام على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال ~~بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم ~~السلام من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول ~~الخلاف فيها ويدق الكلام عليها فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على ~~وجودها والمعرفة بفساد شبه المنكرين لها والمعرفة بمخالفتها للجواهر في ~~كونها لا تقوم بنفسها ولا يجوز ذلك على شيء منها والمعرفة بأنها لا تبقى ~~والمعرفة باختلاف أجناسها وأنه لا يصح انتقالها من محالها والمعرفة بأن ما ~~لا ينفك منها فحكمه في الحدث حكمها ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما ~~PageV07P209 يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك حتى يمكن الاستدلال بها على ~~ما هي أدلة عليه عند مخالفينا الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه ~~بها لأن العلم بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفا # وفي كل رتبة مما ذكرنا فرق تخالف فيها ويطول الكلام معهم عليها وليس ~~يحتاج أرشدكم الله في الاستدلال بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم على ما ~~ذكرناه ms1381 من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك لأن آياته والأدلة ~~على صدقه محسوسة مشاهدة قد أزعجت القلوب وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما ~~يدعو إليه وتأمل ما استشهد به على صدقه والمعرفة بأن آياته من قبل الله ~~تدرك بيسير الفكر فيها وأنها لا يصح أن PageV07P210 تكون من البشر لوضوح ~~الطرق إلى ذلك ولا سيما مع إزعاج الله قلوب سائر من أرسل إليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم على النظر في آياته بخرق عوائدهم له وحلول ما يعدهم به من ~~النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له على ما ذكرنا مما كان من ذلك عند دعوة ~~موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم # وإذا كان ذلك على ما وصفنا بان لكم أرشدكم الله أن طرق الاستدلال ~~بأخبارهم عليهم السلام على سائر ما دعينا إلى معرفته مما لا يدرك بالحواس ~~أوضح من الاستدلال بالأعراض إذ كانت أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من ~~أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة ومن اتبعهم من أهل الأهواء ~~واغتروا بها لبعدها عن الشبهة كما ذكرناه وقرب من أخلد ممن ذكرنا إلى ~~الاستدلال به من الشبه وكذلك ما منع الله رسله من الاعتماد PageV07P211 ~~عليه لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم وكلفوا عليهم السلام إلزامهم ~~فرضه فأخلد سلفنا رحمة الله عليهم ومن اتبعهم من الخلف الصالح بعد ما عرفوه ~~من صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم ووجود ~~المحدث لهم بما نبههم عليه من الأدلة إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق ~~في سائر ما دعوا إلى معرفته منها والعدول عن كل ما خالفها لثبوت نبوته عليه ~~السلام عندهم وثقتهم بصدقه فيما أخبرهم به عن ربهم لما وثقته الدلالة لهم ~~فيه وكشفته لهم العبرة وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة ومن اتبعهم من ~~القدرية وغيرهم من أهل البدع من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته ~~لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه وإنما صار من أثبت حدث العالم ~~والمحدث له من الفلاسفة ms1382 إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل ~~وإنكارهم لجواز مجيئهم وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز PageV07P212 مجيئهم ~~في العقول وغلط من دفعهم ذلك وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم لم يسع ~~لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طرقهم إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم ~~فلما كان هذا واجبا لما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف كان اجتهاد الخلف في ~~طلب أخبار النبي صلى الله عليه وسلم والاحتياط في عدالة الرواة لها واجبا ~~عندهم ليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين # ولذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حرصا على معرفة الحق من وجهه وطلبا للأدلة الصحيحة ~~فيه حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه وتسكن نفوسهم إلى ما يتدينون به ويفارقوا ~~بذلك من ذمه الله في تقليده لمن يعظمه من سادته بغير دلالة تقتضي ذلك ولما ~~كلفهم الله عز وجل ذلك وجعل أخبار نبيه صلى الله عليه وسلم PageV07P213 ~~طريقا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان حفظ أخباره عليه السلام في ~~سائر الأزمنة ومنع من تطرق الشبه عليها حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها أو ~~تبديل معنى كلمة قالها إلا كشف الله تعالى ستره وأظهر في الأمة أمره حتى ~~يرد ذلك عليه العربي والعجمي ومن قد أهل لحفظ ذلك من حملة علمه عليه السلام ~~والمبلغين عنه كما حفظ كتابه حتى لا يطيق أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ~~ساكن فيه أو تسكين حرف متحرك إلا يبادر القراء في رد ذلك عليه مع اختلاف ~~لغاتهم وتباين أوطانهم لما أراده الله عز وجل من صحة الأداء عنه ووقوع ~~التبليغ لما أتى به نبينا عليه السلام إلى من يأتي في آخر الزمان ~~PageV07P214 لانقطاع الرسل بعده واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم حتى قد ~~ظهر ذلك بينهم وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه وجعل الله ما حفظه من ذلك ~~وجمع القلوب عليه حجة على من تعبد بعده عليه السلام بشريعته ودلالة ms1383 لمن دعا ~~إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار وأكمل الله لجميعهم طرق الدين وأغناهم ~~بها عن التطلع إلى غيرها من البراهين # ودل على ذلك بقوله تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ سورة المائدة # وليس يجوز أن يخبر الله عز وجل عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما ~~أكمل لهم الدين به وبين النبي صلى الله عليه وسلم معنى PageV07P215 ذلك في ~~حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عند اقتراب أجله ~~ومفارقته لهم صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم هل بلغت # فلو كنا نحتاج مع ما كان منه عليه السلام في معرفة ما دعانا إليه إلى ما ~~رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغا إذ كنا نحتاج في المعرفة ~~بصحة ما دعانا إليه إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها ولو ~~كان هذا كما قالوا لكان فيما دعانا إليه وقوله بمنزلة الملغز ولو كان كذلك ~~لعارضه المنافقون وسائر المرصدين لعداوته في ذلك ولم يمنعهم مانع كما لم ~~يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات ولكنهم لم يجدوا ~~سبيلا إلى الطعن لأنه عليه السلام لم يدع شيئا مما بهم الحاجة إليه في ~~معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده PageV07P216 أو مثل فعله كذا إلا وقد بينه ~~لهم # ويزيد هذا وضوحا قوله عليه السلام إني قد تركتكم على مثل الواضحة ليلها ~~كنهارها وإذا كان هذا على ما وصفنا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ ولا ~~طعن لمبتدع إذ كان عليه السلام قد أقام الدين بعد أن أرسى أوتاده وأحكم ~~أطنابه ولم يدع النبي صلى الله عليه وسلم لسائر من دعاه إلى توحيد الله ~~حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعنا عليه ثم مضى صلى الله عليه وسلم محمودا بعد ~~إقامة الحجة وتبليغ الرسالة وأداء الأمانة والنصيحة لسائر الأمة حتى لم ~~يحوج أحدا من أمته إلى البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره ms1384 لهم أو معنى أسره ~~إلى أحد من أمته # بل قد قال عليه السلام في المقام الذي لم ينكتم قوله PageV07P217 فيه ~~لاستحالة كتمانه على من حضره أو طي شيء منه على من شهده إني خلفت فيكم ما ~~إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي ولعمري إن فيهما الشفاء من كل أمر ~~مشكل والبرء من كل داء معضل وإن في حراستهما من الباطل على ما تقدم ذكرنا ~~له آية لمن نصح نفسه ودلالة لمن كان الحق قصده # قال وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال به وقوة لما ~~عرفوا الحق منه فإذا كان ذلك على ما وصفنا فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في ~~نسبتهم لهم إلى التقليد وسوء اختيارهم لهم في المفارقة لهم والعدول عما ~~كانوا عليه معهم وبالله التوفيق وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة طرق ~~PageV07P218 استدلالهم وصحة معارفهم فلنذكر الآن ما أجمعوا عليه من الأصول # قلت الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من ~~المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة ونحوها على وجود الخالق سبحانه وتعالى ~~فحدوث الإنسان يستدل به على المحدث لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة ~~التغير أو الحوادث له ووجوب تناهي الحوادث # والفرق بين الاستدلال بحدوثه والاستدلال على حدوثه بين والذي في القرآن ~~هو الأول لا الثاني كما قال تعالى @QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ~~@QE@ سورة الطور 35 فنفس حدوث الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب ونحو ~~ذلك معلوم بالضرورة بل مشهود لا يحتاج إلى دليل وإنما يعلم بالدليل ما لم ~~يعلم بالحس وبالضرورة # والعلم بحدوث هذه المحدثات علم ضروري لا يحتاج إلى دليل وذلك معلوم بالحس ~~أو بالضرورة إما بإخبار يفيد العلم الضروري أو غير ذلك من العلوم الضرورية # وحدوث الإنسان من المني كحدوث الثمار من الأشجار وحدوث PageV07P219 ~~النبات من الأرض وأمثال ذلك ومن المعلوم بالحس أن نفس الثمرة حادثة كائنة ~~بعد أن لم تكن وكذلك الإنسان وغيره كما قال تعالى @QB@ أولا يذكر الإنسان ~~أنا خلقناه من قبل ولم ms1385 يك شيئا @QE@ سورة مريم 67 وقال تعالى @QB@ قال كذلك ~~قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا @QE@ سورة مريم 9 # ومعلوم أن هذه المخلوقات خلقت من غيرها كما خلق الإنسان من نطفة والطائر ~~من بيضة والثمر من شجرة والشجرة من نواة والسنبلة من حبة ومعلوم أن ما منه ~~خلق هذا استحال وزال فالحبة التي أنبتت سبع سنابل لم تبق حبة ولم يبق منها ~~شيء بل استحال # وقد تنازع الناس في هذا الموضع فقال طائفة من أهل الكلام هنا أجسام ~~وجواهر منتقلة من حال إلى حال كالاجتماع بعد الافتراق والافتراق بعد ~~الاجتماع وأن تلك الجواهر باقية ولكن تغيرت صفاتها وأعراضها وأنكر هؤلاء أن ~~تكون نفس الأعيان القائمة بنفسها انقلبت حقيقتها فاستحالت ذاتها ولكن تغيرت ~~صفاتها وهذا مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة # وهؤلاء يقولون إنما يعلم بالحس والضرورة حدوث ما يحدث من الأعراض والصفات ~~وأما حدوث شيء من الأجسام القائمة بأنفسها فلا نعلمه إلا بالاستدلال ~~PageV07P220 # والذي ذكره الأشعري أولا مبني على هذا الأصل وهو في ذلك موافق لمن قال به ~~من المعتزلة وغيرهم وهذا من البقايا التي بقيت عليه من أصولهم العقلية بعد ~~رجوعه عن مذهبهم وبيانه لبطلان أقوالهم التي أظهروا بها خلاف أهل السنة ~~والجماعة # وجمهور العقلاء من أصناف الناس أهل النظر والفلسفة وغيرهم يقولون إن هذا ~~باطل وأن الأجسام يستحيل بعضها إلى بعض كما يقول ذلك الفقهاء والأطباء ~~وغيرهم وكما يشهد ذلك وإن الحادث هو نفس أعيان الحيوان والنبات لا مجرد ~~صفاتها وينكرون أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة # والمنكرون للجوهر المفرد أكثر طوائف الكلام كالنجارية والضرارية ~~والهشامية والكلابية وطائفة من الكرامية مع جمهور الفلاسفة وقالت طائفة من ~~الفلاسفة وغيرهم بل الأجسام التي يستحيل بعضها إلى بعض بينها مادة وهي ~~هيولى مشتركة بينها هي بعينها باقية لم تتبدل وإنما تبدلت الصورة وتلك ~~الهيولى جوهر عقلي PageV07P221 # وجمهور العقلاء أيضا ينكرون ذلك وذلك أن المني إذا صار حيوانا والماء ~~هواء والهواء ماء ونحو ذلك فالجسم ms1386 الثاني له عين وصفات ليست عين الأول ولا ~~صفاته وإنما يشتركان في النوع وهو أن هذا له قدر وهذا له قدر وكل منهما ~~يقبل الاتصال والانفصال لكن ليس عين قدر هذا هو عين قدر هذا ولا نفس ما ~~يقوم به الاتصال والانفصال من أحدهما هو عين الآخر الذي يقوم به الاتصال ~~والانفصال وأحدهما إذا قبل الاتصال والانفصال فهو اجتماعه وافتراقه وذلك ~~عرض له والقابل للاجتماع الذي هو الاتصال هو القابل للافتراق الذي هو ~~الانفصال بمعنى أن نفس القائم به هو هو ولكن تفرق بعد اجتماعه كالثوب ~~والحجر ونحوهما مما يقطع ويكسر وهو كالشمعة التي تختلف صورها وهي هي بعينها ~~وكالفضة التي تختلف صورها مع بقاء عينها فنفس العين التي هي الجوهر والجسم ~~باقية وإنما تغير شكلها وصفتها وذلك هو الصورة العرضية التي تغيرت لم تتغير ~~الحقيقة # ولفظ الصورة لفظ مشترك يراد بالصورة الشكل والهيئة كصورة الخاتم والشمعة ~~والمادة الحاملة لهذه الصورة هي الجسم بعينه # ويراد بالصورة نفس الجسم المتصور وهذا الجسم المتصور PageV07P222 ليس له ~~مادة تحمله فإن الجسم القائم بنفسه لا يكون شائعا في جسم قائم بنفسه لكن ~~خلق من مادة كما خلق الإنسان من المني وهذه المادة لا تبقى مع وجود ما خلق ~~منها بل تفنى وتعدم شيئا فشيئا وهذا هو العدم المشهود في الأعيان فإن الله ~~تعالى كما ينشىء ما يخلقه شيئا فشيئا فيفني ما يعدمه شيئا فشيئا وقد بسط ~~الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع # وإذا كان كذلك فالطريقة المذكورة في القرآن هي المعلومة بالحس والضرورة ~~ولا يحتاج مع ذلك إلى إقامة دليل على حدوث ما يحدث من الأعيان بل يستدل ~~بذلك على وجود المحدث تعالى # وأما المعتزلة والجهمية ومن تبعهم فطريقتهم المشهورة في إثبات حدوث ~~العالم وإثبات الصانع هي الاستدلال بإثبات الأعراض أولا وإثبات حدوثها ~~ثانيا وبيان استحالة خلو الجواهر عنها ثالثا وبيان استحالة حوادث لا أول ~~لها رابعا وقد وافقهم عليها أكثر الأشعرية وغيرهم وهذه هي التي ذمها ~~الأشعري وبين أنها ليست طريقة ms1387 الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا من ~~اتبعهم وإنما سلكها من يخالفهم من الفلاسفة وأتباعهم المبتدعة كما تقدم وقد ~~تقدم نقل كلامه في ذلك وهو المقصود وكلامه يقتضي أنها محرمة في الدين ~~PageV07P223 مبتدعة لا حاجة إليها لطول مقدماتها وغموضها وما فيها من ~~النزاع وهذا هو الذي قصدناه وهو أنه نقل اتفاق السلف على الاستغناء عن هذه ~~الطريقة واما بطلانها فذاك مقام آخر ليس في كلامه تعرض لذلك ولهذا كان ما ~~سلكه هو من جنس هذه الطريق # قال الشهرستاني في مسألة حدوث العالم وللمتكلمين طريقان في المسألة ~~إحداهما إثبات حدوثه والثاني إبطال القول بالقدم أما الأول فقد سلك عامتهم ~~طريق الإثبات بإثبات الأعراض كما تقدم ذكره قال وأما الثاني فقد سلك شيخنا ~~أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه طريق الإبطال فقال لو قدرنا قدم الجواهر لم ~~يخل من أمور إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو ~~مجتمعة ومفترقة معا أو بعضها مجتمعا وبعضها مفترقا وبالجملة ليس يخلو من ~~اجتماع وافتراق PageV07P224 وجواز طريان الاجتماع والافتراق عليها أو تبدل ~~بعضها ببعض وهي بذاتها لا تجتمع ولا تفترق لأن حكم الذات لا يتبدل فلا بد ~~إذا من جامع فارق # قال وقد أخذ الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني هذه الطريق فكساها عبارة أخرى # قلت هذه الطريقة إنما أراد بها امتناع قدم جميع الجواهر فهي مبنية على ~~إثبات الجوهر الفرد حتى يمكن أن يفرض إمكان اجتماع الجواهر وافتراقها وإلا ~~فإذا قيل إن من الأجسام ما هو واحد في نفسه أو كل جسم متشابه فهو واحد في ~~نفسه أو قيل إنه مركب من المادة والصورة لم يلزم الافتراق فيما هو واحد في ~~نفسه ولا يسلم المنازع إمكان افتراق كل جسم فيمنع قوله PageV07P225 لا يخلو ~~من اجتماع وافتراق وجواز طريان الاجتماع والافتراق بل ويمكن مع هذا أن يقال ~~هي مركبة من الجواهر ويمنع قبول كل منهما للافتراق لكن يبنيه على أن ~~الجواهر متماثلة فما جاز على أحدهما جاز على الآخر # ولا ريب أن تماثل ms1388 الجواهر والأجسام إن سلمه المنازع كان القول بحدوث ~~الأجسام كلها ظاهرا فإن منها ما هو حادث قطعا فيكون جميعها قابلا للحدوث ~~وما قبل الحدوث لم يكن بنفسه موجودا فلا بد له من صانع وهو الذي سماه جامعا ~~فارقا # لكن هم يقولون إن الحادث المعلوم حدوثه هو الأعراض وحينئذ فلا يكون في ~~الجواهر ما يعلم حدوثه إلا بالدليل وإن أراد بها امتناع قدم بعض الجواهر ~~فهذا لا ينازعه فيه من يقول إن الأعيان المحدثة جواهر وهم أكثر العقلاء ~~فإنه من المعلوم بالاضطرار حدوث ما يشهد حدوثه من الحيوان والنبات والمعدن ~~لكن من يقول بأن الأجسام مركبة من جواهر قد يقول إن المحدث تأليف وتركيب ~~وهي أعراض واما جمهور العقلاء فيقولون إن المحدث المشهود جواهر قائمة ~~بأنفسها # فالمقصود أن من قال الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة فهذه الحجة توجب ~~أنه لا بد لذلك التركيب من مركب # وكلام الأشعري الذي ذكره الشهرستاني مبني على هذا الأصل ومن نازع في ذلك ~~لم يفده شيئا PageV07P226 # وإذا دلت هذه الحجة فإنما تدل على حدوث التركيب الذي هو عرض لا تدل على ~~حدوث الجواهر إلا بالطريقة الأولى وهي إثبات حدوث التركيب وامتناع حوادث ~~غير متناهية وهذه الطريقة تسلكها الكرامية ونحوهم ممن يقول إن الله جسم ~~قديم أزلي وإنه لم يزل ساكنا ثم تحرك لما خلق العالم ويحتجون على حدوث ~~الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة فهي تقبل الاجتماع ~~والافتراق ولا تخلوا من اجتماع وافتراق وهي أعراض حادثة لا تخلو منها وما ~~لا يخلو من الحوادث فهو حادث # وأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق ولكنه لم يزل ساكنا ~~والسكون عندهم أمر عدمي وهو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك كما يقول ذلك ~~من يقوله من المتفلسفة وهؤلاء يقولون إن الباري لم يزل خاليا من الحوادث ~~حتى قامت به بخلاف الأجسام المركبة من الجواهر المفردة فإنها لا تخلو من ~~الاجتماع والافتراق # قال الشهرستاني وربما سلك أبو الحسن طريقا في حدوث الإنسان بكونه من نطفة ms1389 ~~أمشاج وتقلبه في أطوار الخلقة وأكوار الفطرة وليس يشك في أنه ما غير ذاته ~~ولا بدل PageV07P227 صفاته لا الأبوان ولا الطبيعة فتعين احتياجه إلى صانع ~~مدبر قال وما ثبت من الأحكام لشخص واحد أو لجسم واحد ثبت في الكل لاشتراك ~~الكل في الجسمية # قال الشهرستاني وهذه الطريقة تجمع الإثبات والإبطال # قلت هذه الطريقة هي المتقدمة التي ذكرها الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر ~~وهي مبنية على أنه أثبت حدوث الإنسان بما فيه من اختلاف الصور والهيئات ~~ولهذا قال إنه سلك طريقا في إثبات حدوث الإنسان فجعل حدوثه هو المدلول وجعل ~~الدليل اختلاف الصور عليه وقد جعل الصورة الحادثة دليلا على حدوث المتصور ~~ولا بد في هذه الطريقة من بيان امتناع حوادث لا أول لها فهذه الطريقة من ~~جنس طريقة الأعراض لكنها أخص دليلا ومدلولا فإن الهيئات أخص ومدلولها إنما ~~هو حدوث ما حدثت هيئته ودليل أولئك يعم ولكن الأشعري عدل عن طريقة غامضة ~~إلى طريقة واضحة وهي الطريقة هي التي يسميها الرازي وأمثاله الاستدلال ~~بحدوث الصفات والأعراض القائمة بالأجسام فإنهم يقولون في PageV07P228 ~~الاستدلال على وجود الصانع ما قاله الرازي في نهاية العقول وغيره # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما ذكره من ذلك في الأربعين وقال في النهاية ~~اعلم أن الاستدلال على ما لا يعلم بالضرورة إنما يكون بما يعلم بالضرورة ~~والمعلوم بالضرورة الأجسام والأعراض القائمة بها وكل منهما إما أن يعتبر ~~إمكانه أو حدوثه فلا جرم كانت الأدلة الدالة على الصانع تعالى هذه المسالك ~~الأربعة # وذكر أن الأول هو الاستدلال بحدوث الأجسام لقيام الأعراض بها أو بعضها ~~بها فهذه هي الطريقة المشهورة عند الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم من ~~الأشعرية والكرامية ومن دخل في ذلك من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ~~PageV07P229 وهذه هي التي ذكر الأشعري أنها طريقة الفلاسفة ومن اتبعهم من ~~القدرية وذكر أنها مبتدعة مذمومة في الدين لم يسلكها السلف الصالح وذكر ~~أنها خطرة مبتدعة وأنه لا حاجة إليها # قال الرازي والثاني الاستدلال بإمكان الأجسام على وجود الصانع ms1390 تعالى # قال وهذه عمدة الفلاسفة # قلت هذه طريقة ابن سينا ومن وافقه ليست طريقة قدماء الفلاسفة وهي مبنية ~~على أصلهم الفاسد في التوحيد ونفي الصفات الذي بين الناس فساده وتناقضهم ~~فيه وهو طريقة التركيب الذي يقولون إن المتصف بالصفات مركب والمركب مفتقر ~~إلى أجزائه قد تكلمنا عليها في مواضع # قال الرازي والمسلك الثالث الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء ~~كانت الأجسام واجبة أو ممكنة قديمة أو حادثة PageV07P230 # قلت وهذه الحجة مبنية على تماثل الأجسام وقد بين الناس فساد هذه الحجة ~~وبين الرازي نفسه فسادها بل وجمهور العقلاء على فسادها وقد بين ذلك في موضع ~~آخر على وجه لا يبقى في القلب شبهة # قال الرازي والمسلك الرابع الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود ~~الصانع ولنفرض الكلام في أعراض لا يقدر عليها البشر مثل صيرورة النطفة ~~المتشابهة الأجزاء إنسانا فإذا كانت تلك التركيبات أعراضا حادثة والعبد غير ~~قادر عليها فلا بد من فاعل آخر ثم من ادعى أن العلم بحاجة المحدث إلى ~~الفاعل ضروري ادعى الضرورة هاهنا ومن بنى ذلك على الإمكان أو على القياس ~~على حدوث الذوات فكذلك يقول في حدوث الصفات # قال والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال بحدوثها أن الأول ~~يقتضي أن لا يكون الفاعل جسما والثاني لا يقتضي ذلك # قلت قد ذكرنا في غير موضع أن هذا المسلك صحيح لكن PageV07P231 الرازي قصر ~~فيه من وجهين أحدهما أنه لا يستدل بنفس الحدوث بل يجعل الحدوث دليلا على ~~إمكان الحادث ثم يقول والممكن لا بد له من مرجح وهذا الإمكان الذي يثبته هو ~~الإمكان الذي يثبته ابن سينا وهو الإمكان الذي يشترك فيه القديم والحادث ~~فجعل القديم الأزلي ممكنا يقبل الوجود والعدم وهذا مما خالفوا فيه سلفهم ~~وسائر العقلاء فإنهم متفقون على أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون ~~إلا حادثا # وابن سينا وأتباعه يوافقون الناس على ذلك لكن يتناقضون وقد بسط الكلام ~~على ذلك في مواضع كما تكلمنا على ذلك فيما ذكره الرازي في إثبات الصانع ms1391 في ~~أول المطالب العالية وأول الأربعين وبينا فساد ذلك وأنه على هذا التقدير لا ~~ينفى لهم دليل على إثبات واجب الوجود # الوجه الثاني أنه جعل ذلك استدلالا بحدوث الصفات والأعراض ليس بمستقيم بل ~~هو مبني على مسألة الجوهر الفرد وقد ذكرنا في غير موضع أن هؤلاء بنوا مثل ~~هذا الكلام على مسألة الجوهر الفرد وأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة ~~وأن الحادث إنما هو اجتماع الجواهر وافتراقها وحركتها وسكونها وهذه الأربعة ~~هي الأكوان عندهم أو حدوث غير ذلك من الأعراض فيجعلون تبديل الأعيان ~~وإحداثها إنما هو تبديل أعراض وإحداثها PageV07P232 # وقد قابلهم في ذلك طائفة من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله فجعلوا الصور ~~كلها جواهر كما جعل أولئك الصور كلها أعراضا وذلك أن هؤلاء المتفلسفة نظروا ~~في المصنوعات كالخاتم والدرهم والسيف والسرير والبيت والثور ونحو ذلك مما ~~يؤلفه الآدميون ويصورونه فوجدوها مركبة من مادة كالفضة ويسمونها أيضا ~~الهيولى والهيولى في لغتهم معناه المحل وتصرفهم فيه بحسب عرفهم الخاص كتصرف ~~متكلمي العرب في اللغة المعربة فهذه المصنوعات مركبة من مادة هي المحل ومن ~~صورة وهي الشكل الخاص وهذا نظر صحيح # ثم زعموا أن صور الحيوان والنبات والمعدن لها مادة هي هيولاها كذلك وأن ~~النار والهواء والتراب لها أيضا مادة هي هيولاها ومنهم من قال جميع الأجسام ~~لها مادة مشتركة وهي هيولاها وجعلوا الهيولى ثلاث مراتب صناعية وطباعية ~~وكلية وتنازعوا هل تنفرد المادة الكلية عن الصور فتكون الهيولى مجردة عن ~~الصور على قولين # وإثبات هذه المادة المجردة يذكر عن شيعة أفلاطن وإنكار ذلك قول أصحاب ~~أرسطو PageV07P233 # والتحقيق أن الصور الصناعية إنما هي أعراض وصفات قائمة بالأجسام كالفضة ~~والحديد والخشب والغزل واللبن ونحو ذلك وأما الحيوان والنبات والمعدن فهي ~~جواهر استحالت عن جواهر أخرى وإثبات مادة مشتركة بينها باقية مع اختلاف ~~الصور عليها قول باطل كما أن إثبات أولئك للجوهر الفرد قول باطل # والذين قالوا إن بدن الإنسان وأمثاله من المحدثات إنما حدثت أعراضه لم ~~تحدث عين قائمة أخطأوا والذين قالوا إن جميع الصور جواهر ms1392 أخطأوا بل الصورة ~~قد تكون عرضا كالشكل والصور الصناعية من هذا الباب # وقد يعبر بالصورة عن نفس الشيء المصور كالإنسان فالصورة هنا جوهر قائم ~~بنفسه ليس قائما بجوهر آخر # والقرآن العزيز ذكر خلق الله تعالى لما خلقه من الجواهر التي هي أعيان ~~قائمة بأنفسها مع ما نشهده من إحداث الصفات والأعراض أيضا والاستدلال بذلك ~~على الخالق سبحانه وجعل ذلك من آياته هو مما بينه القرآن PageV07P234 # ولكن هؤلاء لم يسلكوا طريقة القرآن من وجهين أحدهما أنهم جعلوا الحوادث ~~إنما هي أعراض لا أعيان كما جعله الرازي وغيره # لكن الرازي وغيره مع ذلك استدلوا بذلك على إثبات الصانع فكان دليلا صحيحا ~~في نفسه وإن كان فيه تقصير من ذلك الوجه ومن حيث رد ذلك إلى طريقة الإمكان # الثاني ما ذكره الأشعري حيث إنه استدل بذلك على حدوث محل هذه الصفات ~~والأعراض بناء على أن الحادث صورة هي عرض ولها محل فتكون الأجسام التي هي ~~محل هذه الأعراض حادثة وهذا لا يتم إلا ببيان امتناع حوادث لا أول لها ثم ~~إذا أراد أن يستدل بذلك على حدوث سائر الأجسام احتاج أن يبنيه على تماثل ~~الأجسام # وهذه ثلاث مقدمات ينازعهم فيها أكثر العقلاء بل يبينون فسادها بصريح ~~المعقول فهي من جنس طريقة المعتزلة لكن مقصود الأشعري أن هذه الطريقة تغني ~~الناس عن تلك الطريقة الطويلة # الكثيرة المقدمات الغامضة التي يقع فيها نزاع فإذا كانت الطريقتان ~~مشتركتين في البناء على امتناع حوادث لا أول لها وهذه الطريقة لا تحتاج إلى ~~ما تحتاج إليه تلك فكانت هذه أقرب وأيسر فبحث الأشعري مع المعتزلة في هذه ~~الطريقة من جنس بحوثه PageV07P235 معهم في غير ذلك من أصولهم فإنه يبين ~~تناقضهم ويلزمهم فيما نفوه نظير ما يلزمونه لأهل الإثبات فيما أثبتوه ~~فيستفاد من مناظرته لهم معرفة فساد كثير من أصولهم ولكن سلم لهم أصولا ~~وافقهم عليها مثل تسليمه لهم صحة طريق الأعراض مع طولها ومثل إثباته للصانع ~~بهذه الطريق التي هي من جنسها وبنى ذلك على إثبات الجوهر الفرد ms1393 فلزم من ~~تسليمه ذلك لهم لوازم أراد أن يجمع بينها وبين ما أثبته من الرؤية وإثبات ~~الكلام والصفات والعلو لله تعالى فقال جمهور طوائف العقلاء من أهل السنة ~~والحديث وغيرهم ومن المعتزلة والفلاسفة وغيرهم إن هذا مناقضة مخالفة لصريح ~~المعقول # ولهذا قال من قال بقيت عليه بقية من الاعتزال وقالوا إنه وافقهم على بعض ~~أصولهم التي بنوا عليها قولهم كهذا الأصل # وهذا مثل ما ذكره أبو نصر السجزي في الإبانة قال حكى محمد بن عبد الله ~~المغربي المالكي وكان فقيها صالحا عن الشيخ أبي سعيد البرقي وهو من شيوخ ~~فقهاء المالكيين ببرقة عن أستاذه خلف المعلم وكان من فقهاء المالكيين قال ~~أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال ثم أظهر التوبة فرجع عن الفروع وثبت ~~على الأصول # قال أبو نصر وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره PageV07P236 # قلت ليس مراده بالأصول ما أظهروه من مخالفة السنة فإن الأشعري مخالف لهم ~~فيما أظهروه من مخالفة السنة كمسألة الرؤية والقرآن والصفات ولكن أصولهم ~~الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة مثل هذا الأصل ~~الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع فإن هذا أصل أصولهم كما قد بينا ~~كلام أبي الحسين البصري وغيره في ذلك وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة ~~كلامها في أصول الدين هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري لكنه مخالف لهم في ~~كثير من لوازم ذلك وفروعه وجاء كثير من أتباعه المتأخرين كأتباع صاحب ~~الإرشاد فأعطوا الأصول التي سلمها للمعتزلة حقها من اللوازم فوافقوا ~~المعتزلة على موجبها وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه فنفوا الصفات ~~الخبرية ونفوا العلو وفسروا الرؤية بمزيد علم لا ينازعهم فيه المعتزلة ~~وقالوا ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى وإنما خلافهم مع المجسمة ~~وكذلك قالوا في القرآن إن القرآن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق نحن نوافقهم ~~على خلقه ولكن ندعي ثبوت معنى آخر وأنه واحد قديم # والمعتزلة تنكر تصور هذا بالكلية وصارت المعتزلة والفلاسفة مع جمهور ~~العقلاء يشنعون عليهم بمخالفتهم لصريح العقل ومكابرتهم للضروريات ~~PageV07P237 # وسبب ذلك ms1394 تسليمهم لهم صحة تلك الأصول التي ذكر الأشعري أنها مبتدعة في ~~الإسلام مع أنه يمكن بيان أن قول الأشعري وأصحابه أقرب إلى صريح المعقول من ~~قول المعتزلة كما يمكن أن يبين أن قول المعتزلة أقرب إلى صريح المعقول من ~~قول الفلاسفة لكن هذا يفيد أن هذا القول أقرب إلى المعقول وإلى الحق لا ~~يفيد أنه هو الحق في نفس الأمر فهذا ينتفع به من ناظر الطاعن على الأشعرية ~~من المعتزلة والطاعن على المعتزلة من الفلاسفة فتبين له أن قول هؤلاء خير ~~من قول أصحابك فإنه كما أن كل من كان أقرب إلى السنة فقوله أقرب إلى الأدلة ~~الشرعية فكذلك قوله أقرب إلى الأدلة العقلية # ولا ريب أن هذا مما ينبغي سلوكه فكل قول أو قائل كان إلى الحق أقرب فإنه ~~يبين رجحانه على ما كان عن الحق أبعد ألا ترى أن الله تعالى لما نصر الروم ~~على الفرس وكان هؤلاء أهل كتاب وهؤلاء أهل أوثان فرح المؤمنون بنصر الله ~~لمن كان إلى الحق أقرب على من كان عنه أبعد وأيضا فيمكن القريب إلى الحق أن ~~ينازع PageV07P238 البعيد عنه في الأصل الذي احتج به عليه البعيد وأن يوافق ~~القريب إلى الحق للسلف الأول الذين كانوا على الحق مطلقا # مثال ذلك أن متأخري الأشعرية إذا ناظروا المعتزلة في مسألة الرؤية وقالت ~~لهم المعتزلة رؤية مرئي لا يواجه ولا يقابل مخالف لصريح العقل أمكن ~~الأشعرية ومن وافقهم على نفي المقابلة والمواجهة كطائفة من أصحاب أحمد ~~وغيرهم من أصحاب الأئمة الأربعة أن يقولوا لهم الرؤية ثابتة بالسنة ~~المستفيضة بل المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبإجماع السلف من أهل ~~العصر الأول ويمكن تقريرها أيضا بالعقل كما بيناه في غير هذا الموضع فلا ~~يخلو مع ذلك إما أن يمكن الرؤية بدون المواجهة والمقابلة وإما أن لا يمكن ~~فإن أمكن ذلك انقطعت المعتزلة وإن لم يمكن كانوا بين أمرين إما موافقة ~~المعتزلة على نفي المقابلة لانتفاء المباينة والعلو وإما موافقة أهل الحديث ~~على المباينة والعلو ms1395 المتضمن معنى المقابلة والمواجهة # وهذا أولى باتباع الأشعري لأنه قول أئمة مذهبهم كابن كلاب وغيره بل وقول ~~الأشعري أيضا وغيره من قدماء الأصحاب # فإن قال له المعتزلي إذا قلت ذلك لزمك أن يكون متحيزا وأنت قد وافقتني ~~على بطلان ذلك أمكن الأشعري أن يقول له إما أن يكون علوه على العرش ~~ومباينته للخلق مع نفي التحيز ممكنا وإما أن PageV07P239 لا يكون فإن كان ~~ممكنا انقطع المعتزلي وإن لم يكن ممكنا قال له أنا وافقتك على نفي التحيز ~~لاعتقادي صحة الدليل الدال على أن كل متحيز فهو محدث لما اتفقنا عليه من أن ~~المتحيز لا بد أن يكون مركبا من الجواهر المنفردة فيصح عليه الاجتماع ~~والافتراق ويصح عليه الحركة والسكون وكل ما قبل ذلك لم يخل من الحوادث ~~والحوادث يجب أن تكون متناهية لها انتهاء وما كان مستلزما لما له انتهاء ~~كان له ابتداء فإذا كان المتحيز لا ينفك عما له ابتداء كان له ابتداء لأن ~~وجود الملزوم بدون اللازم ممتنع # فيقول الأشعري هذا الدليل إن كان صحيحا ودليل الرؤية والعلو والمباينة ~~أيضا صحيح أمكن أن أقول بموجب ذلك وأثبت العلو والرؤية والمباينة بدون ~~التحيز وإن قدر أنه لا يمكن الجمع بين هذين فموافقتي للسلف والأئمة في ~~إثبات الرؤية والعلو والمباينة مع موافقتي للكتاب والسنة أولى من موافقتك ~~على هذه المقدمة وهي امتناع وجود ما لا يتناهى فإن هذه المقدمة لكل طائفة ~~فيها قولان فللفلاسفة فيها قولان وللمعتزلة فيها قولان وللأشعرية فيها ~~قولان ولأهل السنة والحديث والفقه فيها قولان # وأكثر العقلاء على جواز وجود ما لا يتناهى في الجملة لكن منهم ~~PageV07P240 من يجوز ذلك في الماضي كما يجوزه في المستقبل ومنهم من يجوزه ~~في المستقبل دون الماضي والأدلة الدالة على امتناع ذلك قد عرف ضعفها # ويقول له وقد علمت بالاضطرار أن تصديق السلف للرسول صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن مبنيا عليها فلا يكون العلم بصدق الرسول موقوفا عليها ولا علمي أيضا ~~بصدق الرسول موقوفا عليها ولا معرفتي للصانع تعالى موقوفة ms1396 عليها # وليست هذه الطرق وأمثالها هي الطرق العقلية التي دل القرآن عليها وأرشد ~~إليها فإن تلك طرق صحيحة عقلية لا يمكن عاقلا أن ينازع فيها فإن حدوث ~~المحدثات مشهود معلوم بالحس وافتقار المحدث إلى محدث معلوم بضرورة العقل بل ~~العقل الصريح يعلم افتقار كل ما يعلم حدوثه إلى محدث كما يعلم افتقار جنس ~~المحدثات إلى محدث فتعلم الأعيان الجزئية الموجودة في الخارج كما تعلم ~~القضية الكلية الشاملة لها إلى سائر ما في هذا الباب من الآيات الدالة على ~~معرفة الصانع سبحانه كما قد بسط في موضعه PageV07P241 # وإذا كان كذلك تبين أن العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ليس موقوفا ~~على شيء من المقدمات المناقضة لإثبات الصفات الخبرية والرؤية والعلو على ~~العرش ونحو ذلك مما دل عليه السمع وهو المطلوب $ فصل # ومما يوضح ذلك أن هذه الطرق المبتدعة في الإسلام في إثبات الصانع التي ~~أحدثها المعتزلة والجهمية وتبعهم عليها من وافقهم من الأشعرية وغيرهم من ~~أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم قد طعن فيها جمهور العقلاء فكما طعن فيها ~~السلف والأئمة وأتباعهم وذموا أهل الكلام بها كذلك طعن فيها حذاق الفلاسفة ~~وبينوا أن الطرق التي دل عليها القرآن العزيز أصح منها وإن كان أولئك ~~المعتزلة والأشعرية أقرب إلى الإسلام من هؤلاء الفلاسفة من وجه آخر # فأما ذم السلف والأئمة لهذا الكلام فمشهور كثير وقد قال أبو القاسم ابن ~~عساكر في كتابه المعروف بتبيين كذب المفترى فيما ينسب إلى الأشعري فإن قيل ~~غاية ما تمدحون به أبا الحسن أن تثبتوا أنه PageV07P242 متكلم وتدلونا على ~~أنه بالمعرفة برسوم الجدل متوسم ولا فخر في ذلك عند العلماء من ذوي التسنن ~~والاتباع لأنهم يرون أن من تشاغل بذلك من أهل الابتداع فقد حفظ عن غير واحد ~~من علماء الإسلام عيب المتكلمين وذم أهل الكلام ولو لم يذمهم غير الشافعي ~~لكفى فإنه قد بالغ في ذمهم وأوضح حالهم وشفى وأنتم تنتسبون إلى مذهبه فهلا ~~اقتديتم في ذلك به # ثم روى ابن عساكر بإسناده عن الفريابي حدثني بشر ms1397 بن الوليد سمعت أبا يوسف ~~يقول من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب غريب الحديث كذب ومن طلب المال ~~بالكيمياء أفلس قال البيهقي وروى هذا أيضا عن مالك بن أنس وقال قال البيهقي ~~وإنما يريد والله أعلم بالكلام PageV07P243 كلام أهل البدع فإن في عصرهما ~~إنما كان يعرف بالكلام أهل البدع فأما أهل السنة فقلما كانوا يخوضون في ~~الكلام حتى اضطروا إليه بعد # قال ابن عساكر وأما قول الشافعي فأخبرنا فلان وذكر من كتاب مناقب الشافعي ~~لعبد الرحمن بن أبي حاتم ثنا يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول لأن ~~يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك خير له من الكلام ولقد اطلعت من ~~أهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلما يقول ذلك قال ابن أبي حاتم ثنا أحمد ~~بن أصرم المزني قال قال أبو ثور سمعت الشافعي يقول ما تردى أحد بالكلام ~~فأفلح PageV07P244 # وقال ابن أبي حاتم ثنا الربيع قال رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة وقوم ~~في المجلس يتكلمون بشيء من الكلام فصاح فقال إما أن تجاورونا بخير وإما أن ~~تقوموا عنا وروى أيضا عن ابن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول لو علم الناس ما ~~في الكلام في الأهواء لفروا منه كما يفر من الأسد # قال ابن عساكر فإنما عن الشافعي الكلام البدعي المخالف عند اعتباره ~~للدليل الشرعي # قال وقد بين زكريا بن يحيى الساجي في روايته هذه الحكاية عن الربيع أنه ~~أراد بالنهي عن الكلام قوما تكلموا في القدر ولذلك حكم بالتبديع ويدل عليه ~~ما أخبرنا فلان وروى بإسناده عن محمد بن إسحاق بن خزيمة سمعت يونس بن عبد ~~الأعلى يقول جئت الشافعي بعد ما كلم حفصا الفرد فقال غبت عنا يا ~~PageV07P245 أبا موسى لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء والله ما توهمته قط ~~ولأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن ~~يبتلى بالكلام # قال فالشافعي إنما عنى بمقالته كلام حفص القدري وأمثاله # قلت حفص الفرد ms1398 لم يكن من القدرية وإنما كان على مذهب ضرار بن عمرو الكوفي ~~وهو من المثبتين للقدر لكنه من نفاة الصفات وكان أقرب إلى الإثبات من ~~المعتزلة والجهمية # وقد ذكر ذلك الأشعري في المقالات فقال ذكر الضرارية أصحاب ضرار بن عمرو ~~والذي فارق ضرار بن عمرو به المعتزلة قوله إن أعمال العباد مخلوقة وإن فعلا ~~واحدا لفاعلين أحدهما خلقه وهو الله والآخر اكتسبه وهو العبد وإن الله فاعل ~~لأفعال العباد في الحقيقة وهم فاعلون لها في PageV07P246 الحقيقة وكان يزعم ~~أن الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل وأنها بعض المستطيع وأن الإنسان أعراض ~~مجتمعة وكذلك الجسم أعراض مجتمعة وأن الأعراض قد يجوز أن تنقلب أجساما وكان ~~يزعم أن كل ما تولد عن فعله كالألم الحادث عن الضربة وذهاب الحجر الحادث عن ~~الدفعة فعل لله سبحانه وللإنسان وكان يزعم ان معنى أن الله عالم قادر أنه ~~ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه # قال وكان يزعم أن الله سخلق حاسة سادسة يوم القيامة للمؤمنين يرون بها ~~ماهيته أي ما هو # قال وقد تابعه على ذلك حفص الفرد وغيره # فهذا الذي ذكره الأشعري من قول ضرار وحفص الفرد في القدر هو مخالف لقول ~~المعتزلة بل هو من أعدل الأقوال وأشبهها وقوله إلى قول الأشعري وأصحابه في ~~القدر والرؤية أقرب من قوله إلى قول المعتزلة بل هو في القدر أقرب إلى قول ~~أهل الحديث والفقهاء وسائر أهل السنة PageV07P247 وأعدل من قول الأشعري حيث ~~جعل العبد فاعلا حقيقة وأثبت استطاعتين ونحو ذلك مما أثبته أئمة الفقهاء ~~وأهل الحديث كما هو مذكور في موضعه # قال ابن عساكر فأما الكلام الموافق للكتاب والسنة الموضح لحقائق الأصول ~~عند الفتنة فهو محمود عند العلماء # وروي عن ابن خزيمة سمعت الربيع يقول لما كلم الشافعي حفصا الفرد فقال حفص ~~القرآن مخلوق قال له الشافعي كفرت بالله العظيم # وعن الربيع قال حضرت الشافعي أو حدثني أبو شعيب ألا إني أعلم أنه حضر عبد ~~الله بن عبد الحكم ويوسف ms1399 بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد وكان الشافعي يسميه ~~المنفرد فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم فقال ما تقول PageV07P248 في ~~القرآن فأبى أن يجيبه فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه فكلاهما أشار إلى الشافعي ~~فسأل الشافعي واحتج عليه فطالت فيه المناظرة فقام الشافعي بالحجة عليه بأن ~~القرآن كلام الله غير مخلوق وكفر حفصا الفرد قال الربيع فلقيت حفصا في ~~المسجد بعد فقال أراد الشافعي قتلي # وروي عن الشافعي قال ما ناظرت أحدا أحببت أن يخطىء إلا صاحب بدعة فإني ~~أحب أن ينكشف أمره للناس # قال البيهقي إنما أراد الشافعي بهذا الكلام حفصا الفرد وأمثاله من أهل ~~البدع وهكذا مراده بكل ما حكي عنه من ذم الكلام وذم أهله غير أن بعض الرواة ~~أطلقه وبعضهم قيده PageV07P249 # وروى البيهقي عن أبي الوليد بن الجارود قال دخل حفص الفرد على الشافعي ~~فقال لنا لأن يلقى الله العبد بذنوب مثل جبال تهامة خير له من أن يلقاه ~~باعتقاد حرف مما عليه هذا الرجل وأصحابه وكان يقول بخلق القرآن # قلت حفص الفرد كما هو معروف عند أهل العلم بمقالات الناس بإثبات القدر ~~فهو من نفات الصفات القائلين بأن الله تعالى لا تقوم به صفة ولا كلام ولا ~~فعل وأصل حجتهم في ذلك هو دليل الأعراض المتقدم فإن القرآن كلام والكلام ~~عندهم كسائر الصفات والأفعال لا يقوم إلا بجسم والجسم محدث فكان إنكار ~~الشافعي عليه لأجل الكلام الذي دعاهم إلى هذا لم تكن مناظرته له في القدر ~~ومن ظن أن الشافعي ناظره في القدر فقد أخطأ خطأ بينا فإن الناس كلهم إنما ~~نقلوا مناظرته له في القرآن هل هو مخلوق أم لا # وأهل المقالات متفقون على أن حفصا لم يكن من نفاة القدر بل من ~~PageV07P250 مثبتيه وقد ظن البيهقي وغيره أنه إنما ذم مذهب القدرية فقال ~~وإنما ذم الشافعي مذهب القدرية ألا تراه قال بشيء من هذه الأهواء واستحب ~~ترك الجدال فيه وكأنه سمع ما رويناه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ~~النبي ms1400 صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم ~~الحديث أو غير ذلك من الأخبار الواردة في معناه وعلى مثل ذلك جرى أئمتنا في ~~قديم الدهر عند الاستغناء عن الكلام فيه فإذا احتاجوا إليه أجابوا بما في ~~كتاب الله ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدلالة على إثبات ~~القدر لله تعالى وأنه لا يجري في ملكوت السماوات والأرض شيء إلا بحكم الله ~~وبقدرته وإرادته وكذلك في سائر مسائل PageV07P251 الكلام اكتفوا بما فيها ~~من الدلالة على صحة قولهم حتى حدثت طائفة سموا ما في كتاب الله من الحجة ~~عليهم متشابها وقالوا نترك القول بالأخبار أصلا وزعموا أن الأخبار التي ~~حملت عليهم لا تصح في عقولهم فقام جماعة من أئمتنا بهذا العلم وبينوا لمن ~~وفق للصواب ورزق الفهم أن جميع ما ورد في تلك الأخبار صحيح في المعقول وما ~~ادعوه في الكتاب من التشابه باطل في المعقول وحين أظهروا بدعهم وذكروا ما ~~اغتر به أهل الضعف من شبههم أجابوهم فكشفوا عنها بما هو حجة عندهم كما فعل ~~الشافعي فيما حكينا عنه لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما في ترك ~~إنكار المنكر والسكوت عنه من الفساد والتعدي وكانوا في القديم إنما يعرفون ~~بالكلام أهل الأهواء فأما أهل السنة والجماعة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب ~~والسنة وكانوا لا يتسمون بتسميتهم # قال وإنما يعنى والله أعلم بقوله من ارتدى بالكلام لم يفلح كلام أهل ~~الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة وجعلوا معولهم PageV07P252 عقولهم ~~وأخذوا في تسوية الكتاب عليها وحين حملت عليهم السنة بزيادة بيان لنقض ~~أقاويلهم اتهموا رواتها وأعرضوا عنها # قال فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة وإنما أخذ ~~من أخذ منهم في العقل إبطالا لمذهب من زعم أنه غير مستقيم في العقل # إلى أن قال البيهقي وفي كل هذا دلالة أن الكلام المذموم إنما هو كلام أهل ~~البدع الذي يخالف الكتاب والسنة فأما الكلام الذي يوافق الكتاب والسنة ~~ويبين بالعقل والعبرة فإنه محمود مرغوب ms1401 فيه عند الحاجة تكلم فيه الشافعي ~~وغيره من أئمتنا رضي الله عنهم # قال وكان عبد الله بن يزيد بن هرمز شيخ مالك بن أنس أستاذ الشافعي بصيرا ~~بالكلام والرد على أهل الأهواء # وروى من تاريخ يعقوب بن سفيان عن ابن وهب قال PageV07P253 قال مالك كان ~~ابن هرمز رجلا كنت أحب أن أقتدي به وكان قليل الكلام قليل الفتيا شديد ~~التحفظ وكان كثيرا ما يفتي الرجل ثم يبعث في إثره فيرده إليه حتى يخبره ~~بغير ما أفتاه # قال وكان بصيرا بالكلام وكان يرد على أهل الأهواء وكان من أعلم الناس بما ~~اختلف فيه الناس من هذه الأهواء # وروى ابن عساكر من طريق البيهقي عن الحاكم سمعت أبا بكر بن عبد الله بن ~~يوسف الحفيد من أصل كتابه سمعت الحسين بن الفضل البجلي يقول دخلت على زهير ~~بن حرب بعد ما قدم من عند المأمون وقد امتحنه فأجاب إلى ما سأله وكان أول ~~ما قال لي يا أبا علي تكتب عن المرتدين فقلت معاذ الله ما أنت بمرتد وقد ~~قال الله تعالى @QB@ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان @QE@ سورة النحل 106 فوضع الله عن المكره ما يسمعه في القرآن ثم ~~سألته عن أشياء يطول ذكرها فقال أشدها PageV07P254 علينا أن قال لنا ما ~~تقولون في عيسى صلى الله عليه وسلم قلنا من عيسى يا أمير المؤمنين قال عيسى ~~بن مريم قلنا رسول الله قال وكلمته قلنا نعم قال فما تقولون فيمن قال ليس ~~عيسى كلمة الله قلنا كافر يا أمير المؤمنين قال فقال لنا أليس عيسى كلمة ~~الله قلنا بلى قال أفمخلوق أم غير مخلوق قلنا مخلوق قال فمن زعم أنه غير ~~مخلوق قلنا كافر يا أمير المؤمنين قال فما تقولون في القرآن قلنا كلام الله ~~عز وجل قال مخلوق أو غير مخلوق قلنا غير مخلوق قال فمن زعم أنه مخلوق قلنا ~~كافر قال فمن زعم أن عيسى غير مخلوق وهو كلمة الله قلنا كافر قال يا ms1402 سبحان ~~الله عيسى كلمة الله ومن نفى الخلق عنه كافر والقرآن كلمة الله ومن يثبت ~~الخلق عليه كافر قال الحسين فأعلمته ما يجب من القول وقلت له قد كان المكي ~~يختلف إليكم ويقول لكم إني أعلم من هذا الباب ما لا تعلمون فتعلموا ذلك مني ~~فتحملكم الرياسة على ترك ذلك ويقول لكم يكون لكم ما تعلمتموه مني عدة ~~تعتدونها لأعدائكم فإن هجموا لم تحتاجوا إلى طلب العدة وإن لم يحضركم ~~الأعداء لم يضركم الإعداد للعدة PageV07P255 فتأبون ذلك والحجة في هذا ~~الباب كيت وكيت # فقال والله وددت أني كنت أعلم هذا كما تعلمه يوم دخلت على المأمون وأن ~~ثلث روايتي ساقطة عني ثم نظر إلى يحيى بن معين وهو معه فقال له وأنا أقول ~~كما تقول فقال لي زهير فعلم ابني فإنه حدث فخلوت به في المسجد فعلمته ذلك ~~ثم انصرفت # قال الحاكم الحسين بن الفضل البجلي صاحب عبد العزيز المكي المقدم في ~~معرفة الكلام ه # قلت هذه الحكاية وقع فيها تغيير إن كان أصلها صحيحا فإن زهير بن حرب ~~ويحيى بن معين ونحوهما ممن امتحن في زمن المحنة لم يجتمعوا بالمأمون ولا ~~ناظرهم بل ذهب إلى الثغر بطرسوس وكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن ~~مصعب أن يمتحن الناس فامتنعوا من الإجابة فكتب إليه كتابا ثانيا يغلظ فيه ~~ويأمر بقتل القاضيين بشر بن الوليد وعبد الرحمن بن إسحاق إن لم يجيبا ويأمر ~~بتقييد من لم يجب من العلماء فامتنع من الإجابة سبعة منهم زهير بن حرب ~~المذكور ثم أجاب بعد القيد خمسة منهم PageV07P256 زهير بن حرب وبقي أحمد بن ~~حنبل ومحمد بن نوح لم يجيبا فحملا إليه مقيدين فمات محمد بن نوح في الطريق ~~ومات المأمون قبل وصول أحمد بن حنبل إليه # وهذا كله معلوم عند أهل العلم بذلك لم يختلفوا في ذلك فإن كانت قد جرت ~~مناظرة مع زهير بن حرب فلعل ذلك كان مع غير المأمون ولعل ذلك كان بين يدي ~~نائبه إسحاق بن إبراهيم فإنه هو ms1403 الذي باشرهم بالمحنة وإنما الذي ناظر ~~الجهمية في المحنة هو أحمد بن حنبل وكان ذلك في خلافة المعتصم بعد أن بقي ~~في الحبس أكثر من سنتين وجمعوا له أهل الكلام من البصرة وغيرها من الجهمية ~~والمعتزلة والنجارية مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث صاحب حسين النجار ~~وناظرهم ثلاثة أيام وقطعهم في تلك المناظرات كما قد شرحنا تلك المناظرت في ~~غير هذا الموضع # وهذه الحجة التي ذكرت في حكاية زهير بن حرب ذكرها الإمام أحمد وتكلم ~~عليها فيما كتبه في الرد على الجهمية وهو في الحبس قبل اجتماعه بهم ~~للمناظرة فكان الجواب عن هذه مما هو بعد عند الأئمة كأحمد بن حنبل وأمثاله # قال أحمد فيما كتبه ثم إن الجهمي ادعى أمرا آخر فقال PageV07P257 أنا أجد ~~آية في كتاب الله تدل على القرآن أنه مخلوق فقلنا أي آية قال قول الله عز ~~وجل @QB@ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم @QE@ ~~سورة النساء 171 وعيسى مخلوق فقلنا إن الله منعك الفهم في القرآن إن عيسى ~~تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن لأنه يسمى مولودا ورضيعا وطفلا وغلاما ~~يأكل ويشرب وهو مخاطب بالأمر والنهي يجري عليه الوعد والوعيد ثم هو من ذرية ~~نوح ومن ذرية إبراهيم فلا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى فهل ~~سمعتم الله يقول في القرآن ما قال في عيسى ولكن المعنى من قول الله جل ~~ثناؤه @QB@ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~@QE@ PageV07P258 فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له كن فكان عيسى ~~صلى الله عليه وسلم بكن فعيسى ليس هو الكن ولكن بالكن كان فالكن من الله ~~قول وليس الكن مخلوقا # وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا عيسى ~~روح الله وكلمته إلا أن كلمته مخلوقة وقالت النصارى عيسى روح الله من ذات ~~الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال إن هذه الخرقة من هذا الثوب قلنا ms1404 نحن ~~إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة وأما قول الله تعالى @QB@ وروح ~~منه @QE@ سورة النساء 171 يقول من أمره كان الروح فيه كقوله @QB@ وسخر لكم ~~ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ سورة الجاثية 13 يقول من أمره ~~وتفسير PageV07P259 روح الله إنما معناها أنها روح يملكها الله خلقها الله ~~كما يقال عبد الله وسماء الله وأرض الله # فبين الإمام أحمد أن الجهمية المعطلة والنصارى الحلولية ضلوا في هذا ~~الموضع فإن الجهمية النفاة يشبهون الخالق تعالى بالمخلوق في صفات النقص كما ~~ذكر الله تعالى عن اليهود أنهم وصفوه بالنقائص وكذلك الجهمية النفاة إذا ~~قالوا هو في نفسه لا يتكلم ولا يحب ونحو ذلك من نفيهم والحلولية يشبهون ~~المخلوق بالخالق فيصفونه بصفات الكمال التي لا تصلح إلا لله كما فعلت ~~النصارى في المسيح ومن جمع بين النفي والحلول كحلولية الجهمية مثل صاحب ~~الفصوص وغيره قالوا ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وأخبر بذلك عن نفسه ~~وبصفات النقص والذم ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق فهي كلها صفات له كما ~~أن صفات المخلوق حق لله # فهم يصفون المخلوق بكل ما يوصف به الخالق ويصفون PageV07P260 الخالق بكل ~~ما يوصف به المخلوق فإن الوحدة والاتحاد والحلول العام يقتضي ذلك # ولفظ الكلام مثل لفظ الرحمة والأمر والقدرة ونحو ذلك من ألفاظ الصفات ~~التي يسمونها في اصطلاح النحاة مصادر ومن لغة العرب أن لفظ المصدر يعبر به ~~عن المفعول كثيرا كما يقولون درهم ضرب الأمير # ومنه قوله تعالى @QB@ هذا خلق الله @QE@ سورة لقمان 11 أي مخلوقة فالأمر ~~يراد به نفس مسمى المصدر كقوله @QB@ أفعصيت أمري @QE@ سورة طه 93 @QB@ ~~فليحذر الذين يخالفون عن أمره @QE@ سورة النور 63 @QB@ ذلك أمر الله أنزله ~~إليكم @QE@ سورة الطلاق 5 # ويراد به المأمور به كقوله تعالى @QB@ وكان أمر الله قدرا مقدورا @QE@ ~~سورة الأحزاب 38 @QB@ أتى أمر الله فلا تستعجلوه @QE@ سورة النحل 1 فالأول ~~هو من كلام الله وصفاته والثاني مفعول ذلك وموجبه ومقتضاه # وكذلك لفظ الرحمة يراد بها صفة الله ms1405 التي يدل عليها اسمه الرحمن الرحيم ~~كقوله تعالى @QB@ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما @QE@ سورة غافر 7 ويراد بها ~~ما يرحم به عباده من PageV07P261 المخلوقات كقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة # وقوله عن الله تعالى يقول للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ~~ويقول للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي # وكذلك الكلام يراد به الكلام الذي هو الصفة كقوله تعالى @QB@ وتمت كلمة ~~ربك صدقا وعدلا @QE@ سورة الأنعام 115 وقوله @QB@ يريدون أن يبدلوا كلام ~~الله @QE@ سورة الفتح 15 # ويراد به ما فعل بالكلمة كالمسيح الذي قال له كن فكان فخلقه من غير أب ~~على غير الوجه المعتاد المعروف في PageV07P262 الآدميين فصار مخلوقا بمجرد ~~الكلمة دون جمهور الآدميين كما خلق آدم وحواء أيضا على غير الوجه المعتاد ~~فصار عيسى عليه السلام مخلوقا بمجرد الكلمة دون سائر الآدميين # وفي هذا الباب باب المضافات إلى الله تعالى ضلت طائفتان طائفة جعلت جميع ~~المضافات إلى الله إضافة خلق وملك كإضافة البيت والناقة إليه وهذا قول نفاة ~~الصفات من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم حتى ابن عقيل وابن الجوزي ~~وأمثالهما إذا مالوا إلى قول المعتزلة سلكوا هذا المسلك وقالوا هذه آيات ~~الإضافات لا آيات الصفات كما ذكر ذلك ابن عقيل في كتابه المسنى بنفي ~~التشبيه وإثبات التنزيه وذكره أبو الفرج ابن الجوزي في منهاج الوصول وغيره ~~وهذا قول ابن حزم وأمثاله ممن وافقوا الجهمية على نفي الصفات وإن كانوا ~~منتسبين إلى الحديث والسنة # وطائفة بإزاء هؤلاء يجعلون جميع المضافات إليه صفة ويقولون بقدم الروح ~~فمنهم من يقول بقدم روح العبد لقوله PageV07P263 @QB@ ونفخت فيه من روحي ~~@QE@ سورة الحجر 29 وهم من جنس النصارى الذين يقولون بأن روح عيسى من ذات ~~الله تعالى # ومن هؤلاء من ينتسب إلى أهل السنة والحديث إلى الإمام أحمد وغيره من أئمة ~~السنة كطائفة أهل طبرستان وجيلان وأتباع الشيخ عدي وغيرهم # وطائفة ثالثة تقف في روح العبد هل هي مخلوقة أم ms1406 لا وهم منتسبون إلى السنة ~~والحديث من أصحاب أحمد وغيرهم والنزاع بين متأخري أصحاب أحمد وغيرهم هو في ~~المضافات الخبرية كالوجه واليد والروح وأما المعتزلة فيطردون ذلك في الكلام ~~وغيره # وقد بين أحمد الرد على الطائفتين الأوليين وهؤلاء الطائفتان أيضا يضلون ~~في المضاف بمن فإن المجرور بالإضافة حكمه حكم المضاف كقوله تعالى @QB@ ولكن ~~حق القول مني @QE@ سورة السجدة 13 وقوله تعالى @QB@ وروح منه @QE@ سورة ~~النساء 171 فالطائفتان يجعلون القول منه كالروح منه ثم يقول النفاة والروح ~~مخلوقة بائنة عنه فالقول مخلوق بائن عنه ويقول الحلولية القول صفة له ليس ~~لمخلوق فالروح التي منه صفة له ليست مخلوقة PageV07P264 # والفرق بين البابين أن المضاف إذا كان معنى لا يقوم بنفسه ولا بغيره من ~~المخلوقات وجب أن يكون صفة لله تعالى قائما به وامتنع أن تكون إضافته إضافة ~~مخلوق مربوب وإن كان المضاف عينا قائمة بنفسها كعيسى وجبريل وأرواح بني آدم ~~امتنع ان تكون صفة لله تعالى لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره # فقوله تعالى @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا @QE@ سورة ~~مريم 17 وقوله في عيسى @QB@ وروح منه @QE@ وقوله تعالى @QB@ قل الروح من ~~أمر ربي @QE@ سورة الإسراء 85 يمتنع أن يكون شيء من هذه الأعيان القائمة ~~بنفسها صفة لله تعالى # لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين أحدهما أن تضاف إليه من ~~جهة كونه خلقها وأبدعها فهذا شامل لجميع المخلوقات كقولهم سماء الله وأرض ~~الله ومن هذا الباب فجميع المخلوقين عباد الله وجميع المال مال الله وجميع ~~البيوت والنوق لله # والوجه الثاني أن يضاف إليه لما خصه الله به من معنى يحبه ويرضاه ويأمر ~~به كما خص البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره وكما خص المساجد بأن ~~يفعل فيها ما يحبه ويرضاه من العبادات وأن PageV07P265 تصان عن المباحات ~~التي لم تشرع فيها فضلا عن المكروهات وكما يقال عن مال الفيء والخمس هو مال ~~الله ورسوله ومن هذا الوجه فعباد الله هم الذين عبدوه وأطاعوا أمره فهذه ms1407 ~~إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه ودينه وتلك إضافة تتضمن ربوبيته وخلقه وهذه ~~الإضافة العامة لا تتضمن إلا خلقه وربوبيته # وكذلك كلماته نوعان كلماته الدينية المتضمنة شرعه ودينه كالقرآن وكلماته ~~الكونية التي بها كون الكائنات وهي الكلمات التي كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يستعيذ بها في قوله أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا ~~فاجر فإن كلماته التي بها كون المخلوقات لا يخرج عنها بر ولا فاجر بخلاف ~~كلماته التي شرع بها دينه فإن الفجار عصوها كما عصاها إبليس ومن اتبعه # والله تعالى لا يضيف إليه من المخلوقات شيئا إضافة تخصيص إلا PageV07P266 ~~لاختصاصه بأمر يوجب الإضافة وإلا فمجرد كونه مخلوقا ومملوكا لا يوجب أن يخص ~~بالإضافة # وبهذا يتبين فساد قول النفاة الذين يقولون في قوله تعالى @QB@ ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي @QE@ سورة ص 75 من الأقوال ما لا اختصاص لآدم به كقولهم ~~بقدرته أو بنعمته أو أن المعنى خلقته أنا أو أنه أضافه إلى نفسه إضافة ~~تخصيص فإن هذه المعاني كلها موجودة في الملائكة وإبليس والبهائم فلا بد أن ~~يثبت لآدم من اختصاصه بكونه سبحانه خلقه بيديه ما لا يثبت لهؤلاء # وكذلك أيضا إذا قيل عن القرآن العزيز أو غيره إنه كلام الله فإن هذا لا ~~يوجب أن تكون إضافته إليه إضافة خلق وملك لوجهين أحدهما أنه صفة والصفات ~~إذا أضيفت إليه كانت إضافة وصف لا إضافة خلق الثاني أن هذا يقتضي أن يكون ~~كل كلام خلقه الله كلامه فيكون إنطاقه لما أنطقه من المخلوقات كلاما له ومن ~~عرف أن الله خالق كل شيء لزمه أن يجعل كل كلام في الوجود كلامه كما فعل ذلك ~~حلولية الجهمية كابن عربي وغيره حيث قالوا # % وكل كلام في الوجود كلامه % سواء علينا نثره ونظامه % $ PageV07P267 ~~ولا يجوز أن تكون إضافته إليه لاختصاصه بمعنى يحبه ويرضاه كما أضاف إليه ~~البيت والناقة بقوله تعالى @QB@ وطهر بيتي للطائفين والقائمين @QE@ سورة ~~الحج 26 وقوله @QB@ ناقة الله وسقياها @QE@ سورة الشمس 13 لأن هذا يوجب أن ~~يكون ms1408 كل كلام يحبه الله فإنه كلامه فيكون الإنسان إذا أمر بصدقة أو معروف ~~أو إصلاح بين الناس يكون ذلك كلام الله ويكون الشاهد إذا شهد بشهادة أمر ~~بها تكون كلام الله ويكون كل من حدث بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإنما حدث بكلام الله تعالى # والناس قد تنازعوا في مثل قوله صلى الله عليه وسلم أخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله هل المراد بها الكلمة التي شرعها الله وهي ~~عقدة النكاح أو المراد كلمة الله التي تكلم بها وهي شرعه وإذنه وتحليله ~~لذلك # والصواب أن المراد بقوله كلمة الله كلامه الذي تكلم به المتضمن إذنه ~~وتحليله وشرعه لا العقد الذي هو كلام العباد ومن قال PageV07P268 إن المراد ~~به العقد فقد أخطأ من وجوه متعددة قد بسطناها في غير هذا الموضع وتكلمنا ~~على ذلك في مسألة مفردة ولا يعرف قط أنه أضيف إلى الله كلام إلا كلام تكلم ~~الله به ولكن لو قدر أنه قد يراد بالكلام المضاف إلى الله ما أمر به وقدر ~~أنه حصل نزاع في قوله @QB@ وكلمة الله هي العليا @QE@ سورة التوبة 40 هل ~~المراد الكلمة التي يحبها ويأمر بها أو الكلمة التي تكلم بها وهي نفس أمره ~~وخبره # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فمن ~~قال المراد بالجميع كلام الله الذي تكلم به اطردت الإضافة على قوله ولو قدر ~~أن قائلا قال أضيف إليه من الكلام ما يحبه ويرضاه وإن لم يكن تكلم به لم ~~يمكن أن يجعل كون القرآن PageV07P269 كلامه من هذا الباب بالضرورة والاتفاق ~~إذ لازم ذلك أن يكون القرآن بمنزلة ما أمر به من الشهادة والأخبار وتقويم ~~السلع وخرص النخل وسائر أنواع الكلام الصادق الذي يجب التكلم به فيكون كل ~~من تكلم بشيء من ذلك قد تكلم بكلام الله ويكون كون القرآن كلام الله هو من ~~هذا الباب ولا يكون لله عز وجل في نفسه كلام إلا ما تكلم به الخلق وهذا مما ~~يعلم ms1409 بالاضطرار من دين الإسلام فساده # ثم قول القائل الكلام الذي يحبه الله ويرضاه ويأمر به أو الكلام الذي ~~يكرهه وينهى عنه يقتضي أن هناك محبة ورضاء وأمرا غير المأمور به وكلاما هو ~~نهي غير المنهي عنه وذلك هو كلامه الذي هو أمره ونهيه فالأمر والنهي غير ~~المأمور به والمنهي عنه # وهذا على قول من اشتبه عليه أمر الإضافة في هذه المواضع وإلا فالصواب في ~~قوله صلى الله عليه وسلم واستحللتم فروجهن بكلمة الله أنها كلمته التي تكلم ~~بها # وكذلك قوله تعالى @QB@ وكلمة الله هي العليا @QE@ سورة التوبة 40 ~~PageV07P270 هي كلمته التي تكلم بها وكل كلام تكلم به سبحانه مخبرا فإنه ~~صدق كما أن كل كلام تكلم به آمرا فهو عدل وقد تمت كلماته صدقا وعدلا # فالكلام له نسبة إلى المتكلم به وهو الآمر المخبر به وله نسبة إلى ~~المتكلم فيه وهو المأمور به والمخبر عنه فكلام الله الذي تكلم به يشترك كله ~~في كونه تكلم به # ثم ما أخبر به عن نفسه مثل قوله تعالى @QB@ قل هو الله أحد @QE@ سورة ~~الإخلاص 1 وآية الكرسي وغير ذلك أفضل مما أخبر به عن خلقه وذكر فيه أحوالهم ~~كقوله تعالى @QB@ تبت يدا أبي لهب وتب @QE@ سورة المسد 1 وهذا أصح القولين ~~لأهل السنة وغيرهم وهو قول جمهور العلماء من الأولين والآخرين فإن طائفة من ~~المنتسبين إلى السنة وغيرهم يقولون إن نفس كلام الله تعالى لا يتفاضل في ~~نفسه بناء على أنه قديم والقديم لا يتفاضل # ويتأولون قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها @QE@ PageV07P271 سورة البقرة 106 أي خير لكم وأنفع والصواب الذي ~~عليه جمهور السلف والأئمة أن بعض كلام الله أفضل من بعض كما دل على ذلك ~~الشرع والعقل # ففي الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي سعيد ابن ~~المعلى لأعلمنك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا ~~في القرآن مثلها ثم أخبره أنها فاتحة الكتاب فأخبر النبي ms1410 صلى الله عليه ~~وسلم أنه ليس في القرآن لها مثل فبطل قول من قال بتماثل جميع كلام الله # وكذلك ثبت في الصحيح أنه قال لأبي بن كعب أتدري أي آية في كتاب الله أعظم ~~فقال @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ سورة البقرة 255 فضرب بيده ~~في صدري وقال ليهنك العلم أبا المنذر فبين أن هذه الآية أعظم من غيرها من ~~الآيات PageV07P272 # وقد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أن @QB@ قل هو الله أحد @QE@ سورة ~~الإخلاص 1 تعدل ثلث القرآن # وذلك أن القرآن إما خبر وإما إنشاء والخبر إما خبر عن الخالق وإما عن ~~المخلوق فثلثه قصص وثلثه أمر وثلثه توحيد فهي تعدل ثلث القرآن بهذا ~~الاعتبار # وأيضا فالكلام وإن اشترك من جهة المتكلم به في أنه تكلم بالجميع فقد ~~تفاضل من جهة المتكلم فيه فإن كلامه الذي وصف به نفسه وأمر فيه بالتوحيد ~~أعظم من كلامه الذي ذكر فيه بعض خلقه وأمر فيه بما هو دون التوحيد # وأيضا فإذا كان بعض الكلام خيرا للعباد وأنفع لزم أن يكون في نفسه أفضل ~~من هذه الجهة فإن تفاضل ثوابه ونفعه إنما هو لتفاضله في نفسه وإلا فالشيئان ~~المتساويان من كل وجه لا يكون ثواب أحدهما أكثر ولا نفعه أعظم # والمقصود هنا شيئان أحدهما أن الذين يعظمون الأشعري وأمثاله من أهل ~~الكلام كالبيهقي وابن عساكر وغيرهما وقد عرفوا ذم الشافعي وغيره من الأئمة ~~للكلام ذكروا أن الكلام المذموم هو كلام أهل البدع وقالوا إنما كان يعرف في ~~عصرهم بالكلام أهل البدع PageV07P273 وأنه أراد بذلك كلام مثل حفص الفرد ~~وأمثاله وأنه لما حدثت طائفة سمت ما في كتاب الله من الحجة عليهم متشابها ~~وقالوا بترك القول بالأخبار التي رواها أهل الحديث وزعموا أن الأخبار التي ~~حملت عليهم لا تصح في عقولهم قام جماعة من أئمتنا وبينوا أن جميع ما ورد في ~~الأخبار صحيح في المعقول وما ادعوه في الكتاب من التشابه باطل في العقول ~~وكانوا في القديم إنما يعرفون بالكلام أهل ms1411 الأهواء فاما أهل السنة والجماعة ~~فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنة فكانوا لا يسمون تسميتهم وإنما يعني ~~بقوله من ارتدى بالكلام لم يفلح كلام أهل الأهواء الذين تركوا الكتاب ~~والسنة وجعلوا معولهم عقولهم وأخذوا في تسوية الكتاب والسنة عليها فأما أهل ~~السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة وإنما أخذ من أخذ منهم في ~~العقل إبطالا لمذهب من زعم أنه غير مستقيم في العقل # قلت وهذا اتفاق من علماء الأشعرية مع غيرهم من الطوائف المعظمين للسلف ~~على أن الكلام المذموم عند السلف كلام من يترك الكتاب والسنة ويعول في ~~الأصول على عقله فكيف بمن يعارض PageV07P274 الكتاب والسنة بعقله وهذا هو ~~الذي قصدنا إبطاله وهو حال أتباع صاحب الإرشاد الذين وافقوا المعتزلة في ~~ذلك # وأما الرازي وأمثاله فقد زادوا في ذلك على المعتزلة فإن المعتزلة لا تقول ~~إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين بل يقولون إنها تفيد اليقين ويستدلون بها ~~أعظم مما يستدل بها هؤلاء # الثاني أن كلام الإمام الشافعي رضي الله عنه ونحوه من الأئمة تضمن ذم ~~كلام حفص الفرد وأمثاله في مسألة القرآن والكلام في ذلك مبني على نفي قيام ~~الأفعال به فإن المعتزلة يقولون الكلام لا بد له من فعل يتعلق بمشيئة ~~المتكلم وقدرته فلو قام به الكلام لقامت به الأفعال وهي حادثة فكان يكون ~~محلا للحوادث وبطل الدليل الذي استدللنا به على حدوث العالم # وقد بينا أن ذم الشافعي لكلام حفص وأمثاله لم يكن لأجل لإنكار القدر فإن ~~حفصا لا ينكره وإنما كان لإنكار الصفات والأفعال المبني على دليل الأعراض # وهكذا كان كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة في ذم الكلام كان متناولا ~~لكلام الجهمية وكلام أحمد وأمثاله في ذلك كثير ظاهر معلوم فإن مناظرته ~~للجهمية ورده عليهم أشهر وأكثر من أن PageV07P275 يذكر هنا وكان من ~~المناظرين له أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث وهو على قول حسين النجار والنجار ~~من المثبتة للقدر وكذلك كانوا يذمون المريسي وغيره من المثبتين للقدر فتبين ~~أن كلامهم في ذم أهل ms1412 الكلام لم يكن لأجل إنكار القدر بل كان ذمهم للجهمية ~~أعظم من ذمهم للقدرية # قال الأشعري في المقالات ذكر قول الحسين بن محمد النجار كان هو وأصحابه ~~يقولون إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى وهم فاعلون لها وأنه لايكون في ~~ملك الله إلا ما يريده وأن الله لم يزل مريدا أن يكون في وقته ما علم أنه ~~يكون في وقته مريدا أن لا يكون ما علم أنه لا يكون وأن الاستطاعة لا يجوز ~~أن تتقدم الفعل وأن العون من الله يحدث في حال الفعل مع الفعل وهو ~~الاستطاعة فإن الاستطاعة الواحدة لا يفعل بها فعلان وأن لكل فعل استطاعة ~~تحدث معه إذا حدث وأن الاستطاعة لا تبقى وأن في وجودها وجود الفعل وفي ~~عدمها عدم الفعل # وذكر سائر قوله في القدر من جنس قول الأشعري وأصحابه PageV07P276 وأن ~~الإنسان لا يفعل في غيره وأنه لا يفعل الأفعال إلا في نفسه كنحو الحركات ~~والسكون والإرادات والعلوم والكفر والإيمان وأن الإنسان لا يفعل ألما ولا ~~إدراكا ولا رؤية ولا يفعل شيئا على طريق التولد # قال وكان برغوث يميل إلى قوله # قال وكان يزعم أن الله لم يزال جوادا بنفي البخل عنه ولم يزل متكلما ~~بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام وأن كلام الله محدث مخلوق وكان يقول ~~في التوحيد بقول المعتزلة إلا في باب الإرادة والجود وكان يخالفهم في القدر ~~ويقول بالإرجاء وكان يزعم أنه جائز أن يحول الله العين إلى القلب ويجعل في ~~العين قوة القلب فيرى الله الإنسان بعينه أي يعلمه بها وكان ينكر الرؤية ~~لله بالإبصار على غير هذا الوجه PageV07P277 # قلت فقول ضرار والنجار وأتباعهما كبرغوث وحفص وقول بشر المريسي ونحوه من ~~أهل الكلام الذين ذمهم الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة ليس فيه إنكار ~~للقدر بل فيه إثبات له وإنما ذموهم لما في قولهم من نفي ما وصف الله به ~~نفسه مع أن قول النجار وضرار خير من قول المعتزلة وقولهما في الرؤية يشبه ~~قول من ينفي العلو ms1413 ويثبت الرؤية من الأشعرية ونحوهم وأصل كلامهم الذي بنوا ~~عليه نفي ذلك ما تقدم من الأصول الثلاثة ليس لهم غيرها وهي دليل الأعراض ~~والتركيب والاختصاص $ فصل # ومما يبين ذلك ما ذكره الشيخ أبو سليمان الخطابي في رسالته المعروفة في ~~الغنية عن الكلام وأهله قال فيها وقفت على مقالتك وظهور ما ظهر بها من ~~مقالات أهل الكلام وخوض الخائضين فيها وميل بعض منتحلي السنة إليها ~~واغترارهم بها PageV07P278 واعتذارهم في ذلك بأن الكلام وقاية للسنة وجنة ~~لها يذب به عنها ويزاد بسلاحه عن حريمها وفهمت ما ذكرته من ضيق صدرك ~~بمجالسهم وتعذر الأمر عليك في مفارقتهم لأن موقفك بين أن تسلم لهم ما ~~يدعونه من ذلك فتقبله وبين أن تقابلهم على ما يزعمونه فترده وتنكره وكلا ~~الأمرين يصعب عليك أما القبول فلأن الدين يمنعك منه ودلائل الكتاب والسنة ~~تحول بينك وبينه وأما الرد والمقابلة فلأنهم يطالبونك بأدلة العقول ~~ويؤاخذونك بقوانين الجدل ولا يقنعون منك بظواهر الأمور وسألتني أن أمدك بما ~~يحضرني في نصرة الحق من علم وبيان وفي رد مقالة هؤلاء القوم من حجة وبرهان ~~وأن أسلك في ذلك طريقة لا يمكنهم دفعها ولا يسوغ لهم من جهة العقل جحدها ~~وإنكارها فرأيت إسعافك لازما في حق الدين وواجب النصيحة لجماعة المسلمين ~~فإن الدين النصيحة PageV07P279 واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة # قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم # قال واعلم أن هذه الفتنة قد عمت اليوم وشملت وشاعت في البلاد واستفاضت ~~فلا يكاد يسلم من رهج غبارها إلا من عصمه الله وذلك مصداق قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قال ~~ثم إني تدبرت هذا الشأن فوجدت عظم السبب PageV07P280 فيه أن الشيطان صار ~~اليوم بلطيف حيلته يسول لكل من أحس من نفسه بزيادة فهم وفضل ذكاء وذهن ~~ويوهمه أنه إن رضي في علمه ومذهبه بظاهر من السنة واقتصر على واضح بيان ~~منها كان ms1414 أسوة للعامة وعد واحدا من الجمهور والكافة وأنه قد ضل فهمه واضمحل ~~لطفه وذهنه فحركهم بذلك على التنطع في النظر والتبدع لمخالفة السنة والأثر ~~ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء ويتميزوا في الرتبة عمن يرونه دونهم في الفهم ~~والذكاء فاختدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح المحجة وأورطهم في ~~شبهات تعلقوا بزخارفها وتاهوا PageV07P281 عن حقائقها ولم يخلصوا منها إلى ~~شفاء نفس ولا قبلوها بيقين علم # قال ولما رأوا كتاب الله ينطق بخلاف ما انتحلوه ويشهد عليهم بباطل ما ~~اعتقدوه ضربوا بعض آياته ببعض وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم واستوى ~~عندهم على ما وضعوه من أصولهم ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولسنته المأثورة عنه وردوها على وجوهها وأساءوا في نقلتها القالة ~~ووجهوا عليهم الظنون ورموهم بالتزيد ونسبوهم إلى ضعف المنة وسوء المعرفة ~~بما يروونه من الحديث والجهل بتأويله ولو سلكوا سبيل القصد ووفقوا عند ما ~~انتهى بهم التوقيف لوجدوا برد اليقين وروح القلوب ولكثرت البركة ~~PageV07P282 وتضاعف النماء وانشرحت الصدور ولأضاءت فيها مصابيح النور والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم # فهذا الذي وصفه الشيخ أبو سليمان الخطابي هو حال أهل الكلام الذين ~~يعارضون الكتاب والسنة بعقلهم فيتأولون الكتاب على غير تأويله ويردون ~~الحديث بما يمكنهم مثل زعمهم أنه خبر واحد وإن كان من المستفيضات المتلقاة ~~بالقبول ومثل غير ذلك من وجوه الرد لأن الأصول التي بنوا عليها دينهم تناقض ~~منصوص الكتاب والسنة كطريقة الأعراض والتركيب والاختصاص ونحو ذلك مما تقدم # وهم فيما خاضوا فيه من العقليات المعارضة للنصوص في حيرة وشبهة وشك من ~~كان منهم فاضلا ذكيا قد عرف نهايات أقدامهم كان في حيرة وشك ومن كان منهم ~~لم يصل إلى الغاية كان مقلدا لهؤلاء فهو يدع تقليد النبي المعصوم وإجماع ~~المؤمنين المعصوم ويقلد رؤوس الكلام المخالف للكتاب والسنة الذين هم في شك ~~وحيرة ولهذا لا يوجد أحد من هؤلاء إلا وهو إما حائر شاك وإما متناقض يقول ~~قولا ويقول ما يناقضه فيلزم بطلان أحد القولين ms1415 أو كلاهما لا يخرجون عن ~~الجهل البسيط مع كثرة النظر والكلام أو عن PageV07P283 الجهل المركب الذي ~~هو ظنون كاذبة وعقائد غير مطابقة وإن كانوا يسمون ذلك براهين عقلية وأدلة ~~يقينية فهم أنفسهم ونظراؤهم يقدحون فيها ويبينون أنها شبهات فاسدة وحجج عن ~~الحق حائدة # وهذا الأمر يعرفه كل من كان خبيرا بحال هؤلاء بخلاف أتباع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم المتبعين له فإنهم ينكشف لهم أن ما جاء به الرسول هو ~~الموافق لصريح المعقول وهو الحق الذي لا اختلاف فيه ولا تناقض # قال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ سورة النساء 82 # فهؤلاء مثل نور الله في قلوبهم @QB@ كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم @QE@ سورة النور 35 نور ~~الإيمان ونور القرآن نور صريح المعقول ونور صحيح المنقول # كما قال بعض السلف يكاد المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر فإذا ~~جاء الأثر كان نورا على نور PageV07P284 # وقال غير واحد من الصحابة كجندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر تعلمنا ~~الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا # قال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله ~~تصير الأمور @QE@ سورة الشورى 52 53 # وأما أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة فهم إما في الجهل البسيط وإما في ~~الجهل المركب كالكفار فالأولون @QB@ كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه ~~موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ سورة النور 40 ms1416 # والآخرون @QB@ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب @QE@ سورة النور 39 # فأهل الجهل والكفر البسيط لا يعرفون الحق ولا ينصرونه وأهل الجهل والكفر ~~المركب يعتقدون أنهم عرفوا وعلموا والذي معهم ليس بعلم بل جهل PageV07P285 # قال أبو سليمان الخطابي واعلم أن الأئمة الماضين والسلف المتقدمين لم ~~يتركوا هذا النمط من الكلام وهذا النوع من النظر عجزا عنه ولا انقطاعا دونه ~~وقد كانوا ذوي عقول وافرة وأفهام ثاقبة وقد كان وقع في زمانهم هذه الشبه ~~والآراء وهذه النحل والأهواء وإنما تركوا هذه الطريقة وأعرضوا عنها لما ~~تخوفوا من فتنتها وحذروه من سوء مغبتها وقد كانوا على بينه من أمرهم وعلى ~~بصيرة من دينهم لما هداهم الله له من توفيقه وشرح به صدورهم من نور معرفته ~~ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته وتوقيف السنة وبيانها غناء ~~ومندوحة عما سواهما وأن الحجة قد وقعت بهما والعلة أزيحت بمكانهما فلما ~~تأخر الزمان بأهله وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة وقلت ~~عنايتهم واعترضهم الملحدون بشبههم والمتحذلقون بجدلهم حسبوا أنهم إن لم ~~يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام ولم يدافعوهم بهذا النوع من الجدل ~~لم يقووا PageV07P286 بهم ولم يظهروا في الحجاج عليهم فكان ذلك ضلة من ~~الرأي وغبنا فيه وخدعة من الشيطان والله المستعان # قلت هو كما قال أبو سليمان فإن السلف كانوا أعظم عقولا وأكثر فهوما وأحد ~~أذهانا وألطف إدراكا كما قال عبد الله بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن ~~بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة ~~قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ~~فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم # وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن خير قرون هذه الأمة ~~القرن الذي بعث فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم # وأعظم الفضائل فضيلة العلم والإيمان فهم أعلم ms1417 الأمة باتفاق علماء الأمة ~~ولم يدعوا الطرق المبتدعة المذمومة عجزا عنها بل كانوا كما قال عمر بن عبد ~~العزيز على كشف الأمور أقوى وبالخير لو كان في تلك الأمور أحرى PageV07P287 # وقول الخطابي تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها لما تخوفوه من فتنتها ~~وحذروه من سوء مغبتها فسنبين إن شاء الله أن تلك الطرق المخالفة للسنة هي ~~في نفسها باطلة فأضربوا عنها كما يضرب عن الكذب والقول الباطل وإن كان ~~مزخرفا مزينا ولم يستجيزوا أن يقابلوا الفاسد بالفاسد ويردوا البدعة ~~بالبدعة وأما الكلام الذي لا يدرى أصدق هو أم كذب فهو بمنزلة الشاهد الذي ~~لا يعلم صدقه فهذا قد يعرض عنه خوفا أن يكون باطلا وكذبا فهذا يكون في ~~الطرق المجهولة الحال # ولا ريب أن كثيرا من الناس لا يعلم أحق هي أم باطل فينهى عن القول بما لا ~~يعلم وقد ينهى بعض الناس عن أن ينظر فيما يعجز عن فهمه ومعرفة الحق فيه من ~~الباطل خوفا من أن يزل ذهنه فيضل ولا يمكن هداه فالخوف يكون فيما لا يعلم ~~حاله أو لا يعلم حال سالكه وإن كان حقا وأما الكلام المخالف للنصوص فهو في ~~نفسه باطل فالنهي عنه كالنهي عن الكذب والكفر ونحو ذلك # وقوله وقد كانوا على بينة من أمرهم وعلى بصيرة من دينهم لما هداهم الله ~~له من توفيقه وشرح به صدورهم من نور معرفته PageV07P288 # فهذا بيان لأنهم كانوا أهل علم ويقين لا أهل جهل وتقليد وأنه حصل لهم ~~معرفة يقينية ضرورية بهدى الله لهم وشرح صدورهم كما قد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع وبين أن الإيمان والعلم لا يتوقف على النظر الذي أحدثه أهل الكلام ~~فضلا عن الكلام المخالف للنصوص # وقوله ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب والسنة غنى ومندوحة عما سواهما # فهذا لأن الكتاب والسنة قد بين الحق وبين الطرق التي بها يعرف الحق وذكر ~~من الأدلة العقلية والأمثال المضروبة التي هي مقاييس برهانية ما هو اكمل في ~~تحصيل العلم واليقين مما أحدثه أهل البدع ms1418 من أهل الكلام والفلسفة # وليس هدى الكتاب بمجرد كونه خبرا كما يظنه بعضهم بل قد نبه وبين ودل على ~~ما به يعرف الحق من الباطل من الأدلة والبراهين وأسباب العلم واليقين كما ~~قد بسط هذا في غير هذا الموضع # وما ذكره من أنه لما تأخر الزمان وفترت عزائم بعض الناس عن طلب حقائق ~~علوم الكتاب والسنة أخذوا يردون شبه الملحدين PageV07P289 بالكلام المبتدع ~~المستلزم مخالفة النصوص فهو كما قال وقد تأملت هذا في عامة الأبواب فوجدته ~~كذلك بل وجدت جميع أهل البدع يلزمهم أن لا يكونوا مصدقين بتنزيل القرآن ولا ~~بتفسيره وتأويله في كثير من الأمور والعلم والإيمان يتضمن التصديق بالتنزيل ~~وما دل عليه من التأويل وما من بدعة من بدع الجهمية وفروعهم إلا وقد قالوا ~~في القرآن بما يقدح في تنزيله وقالوا في معانيه بما يقدح في تفسيره وتأويله # فمن تأمل طرق المعتزلة ونحوهم التي ردوا بها على أهل الدهر والفلاسفة ~~ونحوهم فيما خالفوا فيه المسلمين رآهم قد بنوا ما خالفوا فيه النصوص على ~~أصول فاسدة في العقل لا قطعوا بها عدو الدين ولا أقاموا على موالاة السنة ~~واتباع سبيل المؤمنين كما فعلوه في دليل الأعراض والتركيب والاختصاص # وكذلك من ناظرهم من الكلابية وغيرهم فيما خالفوا فيه السنة من مسائل ~~الصفات والقدر وغير ذلك بنوا كثيرا من الرد عليهم على أصول فاسدة إما أصول ~~وافقوهم عليها مما أحدثه أولئك كموافقة من وافقهم على دليل الأعراض ~~والتركيب ونحوهما وإما أصول عارضوهم بها فقابلوا الباطل بالباطل كما فعلوه ~~في مسائل القدر والوعد والوعيد ومسائل الأسماء والأحكام فإن أولئك كذبوا ~~بالقدر وأوجبوا إنفاذ الوعيد وقاسوا الله بخلقه فيما يحسن ويقبح وهؤلاء ~~أبطلوا حكمه الله PageV07P290 تعالى وحقيقة رحمته وعدله وقالوا ما يقدح في ~~أمره ونهيه ووعده ووعيده وتوقفوا في بعض أمره ونهيه ووعده ووعيده فصار ~~أولئك يكذبون بقدرته وخلقه ومشيئته وهؤلاء يكذبون برحمته وحكمته وببعضه ~~أمره ونهيه ووعده ووعيده كما قد بسط في موضعه # فكان ما دفعوا به أهل البدع من أصول مبتدعة باطلة ms1419 وافقوهم عليها أو أصول ~~مبتدعة باطلة قاتلوهم فيها ضلة من الرأي وغبنا فيه وخدعة من الشيطان بل ~~الحق أنهم لايوافقون على باطل ولايقابلهم باطلهم بباطل # وهذا كما أصاب كثيرا من الناس من أهل العبادة والزهد والتصوف والفقر ~~أعرضوا عن السماع الشرعي والزهد الشرعي والسلوك الشرعي فاحتاجوا أن يعتاضوا ~~عن ذلك بسماع بدعي وزهد بدعي وسلوك بدعي يوافق فيه بعضا بعضا في باطل أو ~~يقابل باطلهم بباطل آخر وكما أصاب كثيرا من الناس مع الولاة الذين أحدثو ~~الظلم فإنهم تارة يوافقونهم على بعض ظلمهم فيعاونونهم على الإثم والعدوان ~~وتارة يقابلون ظلمهم بظلم آخر فيخرجون عليهم PageV07P291 ويقاتلونهم بالسيف ~~وهو قتال الفتنة فمن الناس من يوافق على الظلم ولا يقابل الظلم مثل ما كان ~~بعض أهل الشام ومنهم من كان يقابله بالظلم والعدوان ولا يوافق على حق ولا ~~على باطل كالخوارج ومنهم من كان تارة يوافق على الظلم وتارة يدفع الظلم ~~بالظلم مثل حال كثير من أهل العراق # وكثير من الناس مع أهل البدع الكلامية والعملية بهذه المنزلة إما أن ~~يوافقوهم على بدعهم الباطلة وإما أن يقابلوها ببدعة أخرى باطلة وإما أن ~~يجمعوا بين هذا وهذا وإنما الحق في أن لا يوافق المبطل على باطل أصلا ولا ~~يدفع باطله بباطل أصلا فيلزم المؤمن الحق وهو ما بعث الله به رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ولا يخرج عنه إلى باطل يخالفه لا موافقة لمن قاله ولا ~~معارضة بالباطل لمن قال باطلا وكلا الأمرين يستلزم معارضة منصوصات الكتاب ~~والسنة بما يناقض ذلك وإن كان لا يظهر ذلك في بادي الرأي # قال أبو سليمان فإن قال هؤلاء القوم فإنكم قد أنكرتم الكلام PageV07P292 ~~ومنعتم استعمال أدلة العقول فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم ومن ~~أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه وأن ~~الرسول لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول وأنتم قد نفيتموها # قال أبو سليمان قلنا إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف ~~ولكنا لا نذهب في ms1420 استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال ~~بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها على حدث العالم وإثبات الصانع ~~ونرغب عنها إلى ما هو أوضح بيانا وأصح برهانا وإنما هو شيء أخذتموه عن ~~الفلاسفة وتابعتموهم عليه وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون ~~النبوات ولا يرون لها حقيقة فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه ~~الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء فأما مثبتوا النبوات فقد ~~أغناهم الله عز وجل عن ذلك وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة ~~المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها PageV07P293 والإيداع والانقطاع ~~على سالكها # قلت وهذا الذي ذكره الخطابي يبين أن طريقة الأعراض من الكلام المذموم ~~الذي ذمه السلف والأئمة وأعرضوا عنه كما ذكر ذلك الأشعري وغيره وأن الذين ~~سلكوها سلكوها لكونهم لم يسلكوا الطرق النبوية الشرعية فمن لم يسلك الطرق ~~الشرعية احتاج إلى الطرق البدعية بخلاف من أغناه الله بالكتاب والحكمة # والخطابي ذكر أن هذه الطريقة متعبة مخوفة فسالكها يخاف عليه أن يعجز أو ~~أن يهلك وهذا كما ذكره الأشعري وغيره ممن لم يجزموا بفساد هذه الطريقة ~~وإنما ذموها لكونها بدعة أو لكونها صعبة متعبة قد يعجز سالكها أو لكونها ~~مخوفة خطرة لكثرة شبهاتها # وهكذا ذكر الخطابي في كتاب شعار الدين ما يتضمن هذا المعنى ولهذا كان من ~~لم يعلم بطلان هذه الطريقة أو اعتقد صحتها قد يقول ببعض موجباتها كما يقع ~~مثل ذلك في كلام الخطابي وأمثاله مما يوافق موجبها وقد أنكره عليه أئمة ~~السلف والعلم كما هو مذكور في غير هذا الموضع وهذا قد وقع فيه طوائف من ~~أصناف الناس من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم PageV07P294 # وأما قوله إنهم أخذوا هذه الطريقة من الفلاسفة كما ذكر ذلك الأشعري # فيقال كثير من الفلاسفة يبطل هذه الطريقة كأرسطو وأتباعه فلم يوجد عنهم ~~ومن الفلاسفة من يقول بها والذين قالوا بها من أهل الكلام ليس كلهم أخذها ~~عن الفلاسفة بل قد تتشابه القلوب # كما قال تعال @QB@ كذلك قال الذين من ms1421 قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم @QE@ ~~سورة البقرة 118 # وقال تعالى @QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون @QE@ سورة الذاريات 52 53 # وأكثر المتكلمين السالكين لها مناقضون للقول المشهور عن الفلاسفة لا ~~موافقون لهم بل يردون على أرسطو وأصحابه في المنطق والطبيعيات والإلهيات # قال الخطابي وبيان ما ذهب إليه السلف من أئمة المسلمين في الاستدلال على ~~معرفة الصانع وإثبات توحيده وصفاته وسائر ما ادعى أهل الكلام تعذر الوصول ~~إليه إلا من الوجه الذي يذهبون إليه ومن الطريقة التي يسلكونها ويزعمون أن ~~من لم يتوصل PageV07P295 إليه من تلك الوجوه كان مقلدا غير موحد على ~~الحقيقة هو أن الله سبحانه لما أراد إكرام من هداه لمعرفته بعث رسوله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # وقال له @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته @QE@ سورة المائدة 67 # وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع وفي مقامات شتى وبحضرته عامة ~~أصحابه ألا هل بلغت # وكان الذي أنزل عليه من الوحي وأمر بتبليغه هو كمال الدين وتمامه لقوله ~~تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي @QE@ سورة المائدة 3 ~~فلم يترك صلى الله عليه وسلم شيئا من أمور الدين قواعده وأصوله وشرائعه ~~وفصوله إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه ~~إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال ~~ومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدا في كل ~~وقت وزمان ولو أخر عنه البيان لكان التكليف واقعا بما لا سبيل PageV07P296 ~~للناس إليه وذلك فاسد غير جائز وإذا كان الأمر على ما قلناه وقد علم يقينا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعهم في أمر التوحيد إلى الاستدلال ~~بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها إذ لا يمكن واحدا من الناس أن ~~يروى ms1422 عنه ذلك ولا عن أحد من أصحابه من هذا النمط حرفا واحدا فما فوقه لا من ~~طريق تواتر ولا آحاد علم أنهم قد ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء وسلكوا غير طريقتهم ~~ولو كان في الصحابة قوم يذهبون مذاهب هؤلاء في الكلام والجدل لعدوا من جملة ~~المتكلمين ولنقل إلينا أسماء متكلميهم كما نقل إلينا أسماء فقهائهم وقرائهم ~~وزهادهم فلما لم يظهر ذلك دل على أنه لم يكن لهذا الكلام عندهم أصل # قال الخطابي وإنما ثبت عندهم أمر التوحيد من وجوه أحدها ثبوت النبوة ~~بالمعجزات التي أوردها نبيهم من كتاب قد أعياهم أمره وأعجزهم شأنه وقد ~~تحداهم به وبسورة من مثله PageV07P297 وهم العرب الفصحاء والخطباء والبلغاء ~~فكل عجز عنه ولم يقدر على شيء منه بوجه إما بأن لا يكون في قولهم ولا في ~~طباعهم أن يتكلموا بكلام يضارع القرآن في جزالة لفظه وبديع نظمه وحسن ~~معانيه وإما أن يكون ذلك في وسعهم وتحت قدرهم طبعا وتركيبا ولكن منعوه ~~وصرفوا عنه ليكون آية لنبوته وحجة عليهم في وجوب تصديقه وإما أن يكونوا ~~إنما عجزوا عن علم ما جمع في القرآن من أنباء ما كان والإخبار عن الحوادث ~~التي تحدث وتكون وعلى الوجوه كلها فالعجز موجود والانقطاع حاصل هذا إلى ما ~~شاهدوه من آياته وسائر معجزاته المشهودة عنه الخارجة عن سوم الطباع الناقضة ~~للعادات كتسبيح الحصا في كفه وحنين الجذع لمفارقته ورجف الجبل تحته وسكونه ~~لما ضربه برجله وانجذاب الشجرة بأغصانها وعروقها إليه وسجود البعير له ~~ونبوع PageV07P298 الماء من بين أصابعه حتى توضأ به بشر كثير وربو الطعام ~~اليسير بتبريكه فيه حتى أكل منه عدد جم وإخبار الذراع إياه بأنها مسمومة ~~وأمور كثيرة سواها يكثر تعدادها هي مشهورة ومجموعة في الكتب التي أنشئت ~~لمعرفة هذا الشأن # قال الخطابي فلما استقر ما شاهدوه من هذه الأمور في نفوسهم وثبت ذلك في ~~عقولهم صحت عندهم نبوته وظهرت عن غيره بينونته ووجب تصديقه على ما أنبأهم ~~عنه من الغيوب ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله عز وجل وأمر ms1423 صفاته وإلى ذلك ~~ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة ودلائل الحكمة ~~الشاهدة على أن لها صانعا حكيما عالما خبيرا تام القدرة بالغ الحكمة وقد ~~نبههم الكتاب عليه ودعاهم إلى تدبره وتأمله والاستدلال به على ثبوت ربوبيته ~~فقال عز وجل @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ سورة الذاريات 21 إشارة إلى ~~ما فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة الدالين على وجود الصانع PageV07P299 ~~الحكيم لما ركب فيها من الحواس التي عنها يقع الإدراك والجوارح التي يباشر ~~بها القبض والبسط والأعضاء المعدة للأفعال التي هي خاصة بها كالأضراس ~~الحادثة فيهم عند استغنائهم عن الرضاع وحاجتهم إلى الغذاء فيقع بها الطحن ~~له وكالمعدة التي اتخذت لطبخ الغذاء والكبد التي يسلك إليها صفاوته وعنها ~~يكون انقسامه على الأعضاء في مجاري العروق المهيأة لنفوذه إلى أطراف البدن ~~وكالأمعاء التي يرسب إليها تفل الغذاء وطحانه فيبرز عن البدن # وكقوله تعالى @QB@ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت ~~وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت @QE@ سورة الغاشية 17 20 # وكقوله تعالى @QB@ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~لآيات لأولي الألباب @QE@ سورة آل عمران 190 # وما أشبه ذلك من جلال الأدلة وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي العقول ~~وعامة من يلزمه حكم الخطاب مما PageV07P300 يطول تتبعه واستقراؤه فعن هذه ~~الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه ثم بينوا وحدانيته وعلمه وقدرته بما ~~شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة واطرادها في سبلها وجريها على ادلالها ~~ثم علموا سائر صفاته توقيفا عن الكتاب المنزل الذي بان حقه وعن قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذي قد ظهر صدقه ثم تلقى جملة أمر الدين عنهم أخلافهم ~~وأتباعهم كافة عن كافة قرنا بعد قرن فتناولوا ما سبيله الخبر منها تواترا ~~واستفاضة على الوجه الذي تقوم به الحجة وينقطع فيها العذر ثم كذلك من بعدهم ~~عصرا بعد عصر إلى آخر من تنتهي إليه الدعوة وتقوم عليه بها الحجة فكان ما ~~اعتمده المسلمون من الاستدلال في ذلك أصح ms1424 وأبين وفي التوصل إلى المقصود به ~~أقرب إذ كان التعلق في أكثره إنما هو بمعاني درك الحس وبمقدمات من العلم ~~مركبة PageV07P301 عليها لا يقع الخلف في دلالتها # قلت ذكر الخطابي طريقين إلى معرفة الله وصفاته طريقا سمعية وطريقا عقلية ~~وكلاهما طريق شرعية معروفة بالقرآن أما الأولى فهو أن تعلم نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم بما أظهره الله على يديه من المعجزات وبغير ذلك ثم يعرفون ~~بذلك ما أخبرهم به ودعاهم إليه من التوحيد وإثبات الصفات وهذا لأن نفس ~~الإقرار بالصانع سبحانه فطري ضروري أو معلوم بأدنى نظر وتأمل يحصل لعموم ~~الخلق # ثم معرفة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم تعلم بما أظهره من المعجزات ~~الدالة على صدق الرسول وقد نبه الخطابي أن فيما جاء به الرسول من بيان ~~الطرق العقلية التي يعرف بها ثبوت الخالق وتوحيده وصفاته فإن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن تعريفه للناس ما عرفهم إياه بمجرد خبره وإن كان ذلك ~~بعد ثبوت صدقه كما يظنه كثير من أهل الكلام بل عرفهم ما به يعرف ثبوت ~~الخالق ووحدانيته وصفاته وما به يعرف صدقه فبين أن ما جاء به من أصول ~~PageV07P302 الدين وأدلته العقلية التي يعلم بها ما يمكن معرفته بالعقل ~~وأخبرهم عن الغيب الذي لا يمكنهم معرفته بمجرد عقلهم # ولهذا قال الخطابي وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من ~~آثار الصنعة ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعا حكيما عالما خبيرا تام ~~القدرة بالغ الحكمة # قال وقد نبههم الكتاب عليه ودعاهم إلى تدبره وتأمله والاستدلال به على ~~ثبوت ربوبيته فقال عز وجل @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ سورة الذاريات ~~21 # إلى قوله وما أشبه ذلك من جلال الأدلة وظواهر الحجج التي يذكرها كافة ذوي ~~العقول وعامة من يلزمه حكم الخطاب مما يطول تتبعه واستقراؤه فعن هذه الأمور ~~ثبت عندهم أمر الصانع وكونه ثم بينوا وحدانيته وعلمه وقدرته بما شاهدوه من ~~اتساق أفعاله على الحكمة واطرادها في سبلها وجريها على إدلالها ثم علموا ~~سائر ms1425 صفاته توقيفا عن الكتاب إلى آخر كلامه # وهذا مما اعترف به النظار من جميع الطوائف من المعتزلة والأشعرية ~~والكرامية وغيرهم كما قال القاضي عبد الجبار في أول كتابه المصنف في تثبيت ~~نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم قال الحمد لله PageV07P303 الذي من على ~~عباده بإرسال رسله وختمهم بسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم فأرسله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وإنما يعرف الرسول من عرف ~~المرسل وقد حصل لك العلم به تبارك وتعالى بما في كتاب المصباح وغيره وأجلها ~~وأعظمها وأوضحها وأبينها ما في القرآن مما نبه الله عليه وجعله في عقول ~~العقلاء فينبغي أن يراعيه ويديم النظر فيه ويواصل الفكر في آيات الله ~~ويعتبر بالنقل والاعتبار تنال المعرفة # وكذلك قال الأشعري في كتابه المشهور المعروف باللمع لما ذكر خلق الإنسان ~~واستدل به على الخالق تعالى كما قد حكينا كلامه وذكرنا كلامه وكلام القاضي ~~أبي بكر عليه وأن كلامه أجود مع أنه جعل الإنسان مما يستدل على خلق جواهره ~~بأنها لا تخلو من الحوادث بناء على أن الحدوث المشهود إنما هو حدوث الأعراض ~~كالتأليف والتركيب وهو المراد بالخلق بناء على ثبوت الجوهر الفرد # وهذا وإن كان ضعيفا وأكثر علماء المسلمين ينازعون في هذا فالمقصود أنه ~~استدل بالخلق على الخالق قال القاضي أبو بكر ثم قال أبو الحسن مؤيدا لما ~~ذكره من حدوث الإنسان وحدوث تصويره PageV07P304 وتعلقه بخالق خلقه ومدبر ~~دبره وقد قال تعالى @QB@ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ~~@QE@ سورة الواقعة 58 59 فما استطاعوا بحجة أن يقولوا إنهم يخلقون مع ~~تمنيهم الولد فلا يكون ومع كراهتهم له يكون قال وقال تنبيها لخلقه على ~~وحدانيته @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ سورة الذاريات 21 فبين لهم ~~عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم ومدبر دبرهم # قال القاضي أبو بكر واعلموا أن الغرض بذكر هاتين الآيتين الإخبار عن الله ~~في نص كتابه بما دلهم العقول عليه وتقريبه والتنبيه على موضع الاستدلال به ~~من جهة السمع ليكون المرء عند سماعه ms1426 أقرب إلى العلم بإدراك ما يلتمس علمه ~~وترتيب ما النظر فيه على حقه وموجبه وأن يجمع لأهل التوحيد المقرين بالسمع ~~بين دلائل العقول وتنبيه السمع عليها وأن النظر في مقدورات الله والاعتبار ~~بها طريقا إلى العلم بصانعها المدبر لها والخالق لأعيانها # قال وأما وجه التنبيه من قوله @QB@ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون @QE@ PageV07P305 سورة الواقعة 58 59 فهو أن من سبيل الخالق ~~المنشىء أن يكون ما خلقه واقعا بقصده وإرادته وأن يجد نفسه قادرة عليه وعلى ~~إيجاد عينه إن كان مخترعا له أو على تصويره وتخطيطه إن كان الخلق تصويرا ~~وتقديرا # قال وإذا ثبتت هذه الجملة وعلمنا أن وجود الولد بوجود بنيته وهيئته وليس ~~بمقصور على إرادة الوالد ولا مما يجد في نفسه القدرة عليه ثبت بذلك أن ~~الولد المخلوق ليس من فعل الوالد على سبيل المباشرة ولا على جهة التولد عن ~~حركاته # قال وأما وجه التنبيه من قوله @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ سورة ~~الذاريات 21 رده لهم إلى الاعتبار في أحوالهم وتنقلهم من حال إلى حال ومن ~~تركيب إلى تركيب وعجيب ما قد فعل بذواتهم من التصوير والتأليف وخلق الحواس ~~ومواضعها وتركيب كل عضو من أعضائهم على صفة ما يحتاج إلى استعماله فيه من ~~اليد للبطش والرجل للمشي وغير ذلك من جوارحهم وما يتجدد في أنفسهم من ~~الحوادث التي لم تكن ويزول عنهم من الأمور التي يؤثرون استدامتها مع علمهم ~~بأن الصورة لا بد لها من مصور وأن التأليف للدار والكتابة وضروب المنسوجات ~~والمصنوعات لا بد لها في عقولهم من صانع مؤلف وأن التغير في صفاته مع جواز ~~بقائه على ما يعبر عنه لا بد له من ناقل نقله ومغير غيره وأنهم يجب أن ~~يعلموا بذلك أن تصوير الإنسان وتغيره في الأحوال التي ذكرها أولى أن يتعلق ~~بمصور صوره وناقل نقله وغيره من تركيب إلى تركيب وحال إلى PageV07P306 حال ~~أن الإنسان أقرب إلى علم هذا بالتنبيه من ناحية السمع عليه وأجدر أن يتحقق ~~علم ما فيه وإن ms1427 كان لو أفرد بعقله وأحيل على صحيح نظره لقال بما نبه السمع ~~على مواضعه وإن احتاج في ذلك إلى فضل فكر بالكد والروية وإتعاب النفس في ~~طلب الحق # قال فهذا وجه التنبيه مما تلاه من التنزيل # وذكر في التوحيد والمعاد نحوا من ذلك بخلاف نفي التشبيه فإنه جعله من باب ~~ما دل القرآن عليه بالخبر # وأما ما ذكره هو وغيره من أنهم عرفوا صدق الرسول بالمعجزات ابتداء فهذا ~~يكون على وجهين أحدهما أنهم عرفوا إثبات الخالق بالضرورة ثم عرفوا صدق ~~الرسول بالمعجزات # والثاني أن يقال نفس ظهور المعجزات دلت على إثبات الخالق وعلى صدق رسوله ~~كما كان إظهار موسى للآيات مثل العصا واليد دليلا على الصانع وعلى صدق ~~الرسول # ولهذا لما قال له فرعون @QB@ لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ~~@QE@ سورة الشعراء 29 قال له موسى @QB@ أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن ~~كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين @QE@ سورة الشعراء 31 33 # فأظهر موسى هذه الآيات لما قال له فرعون @QB@ لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين @QE@ فدل ذلك على أنه أظهرها لإثبات PageV07P307 ~~العلم بالصانع ولصدق الرسول والأدلة الدالة على صدق الرسول كثيرة مبسوطة في ~~غير هذا الموضع وبنبوته يستدل على تفصيل صفات الله وأسمائه وعلى توحيده ~~الذي هو عبادته وحده لا شريك له وهو توحيد الإلهية وكذلك على توحيد ~~الربوبية # فكلا نوعي التوحيد مما يمكن علمه بالسمع وهذا مما اعترف به غير واحد من ~~حذاق النظار وقالوا إنه يمكن العلم بصدق الرسول قبل العلم بالوحدانية مع أن ~~الخطابي أراد والله أعلم بعلم التوحيد علم صفات الرب سبحانه وأسمائه فإنهم ~~يسمون ذلك علم التوحيد وذلك مما يمكن معرفته بالشرع فإنه يعلم بالفطرة ~~وبالعقل إثبات الصانع على طريق الإجمال وأما تفصيل صفاته وأسمائه فتعلم ~~بالسمع # وأيضا فإذا عرف أن العلوم الإلهية حقيقتها موجودة عند الأنبياء عليهم ~~السلام فإنهم الصادقون المصدوقون فيما يخبرون به من ذلك وأن الواجب تلقى ~~ذلك ms1428 عنهم كان العلم بأن هذا يستفاد من الرسول يمكن إثباته بما يعلم أنه ~~رسول وإذا علم أنه رسول تعلم منه هذا PageV07P308 المطلوب كما إذا عرف أن ~~علاج المرضى يؤخذ من الأطباء والاستفتاء يرجع فيه إلى المفتين وأمر التقويم ~~يرجع فيه إلى المقومين فإذا عرف أن هذا طبيب أو مفت أو مقوم رجع إليه في ~~ذلك # وهذا مبسوط في غير هذا الموضع وبين أن العلم بصدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم له طرق متعددة فمن ادعى من المتكلمين المعتزلة والجهمية وموافقيهم أنه ~~لا يمكن العلم بصدقه إلا بعد العلم بحدوث الأجسام وأن ذلك لا يعلم إلا ~~بطريقة الأعراض فقوله خطأ مبتدع وهو الذي ذكر الخطابي أنه لم يسلك أحد من ~~السلف هذه الطريق # وأما الطريق العقلية التي ذكرها فهي طريق دل عليها القرآن وأرشد إليها ~~ونبه عليها وهي الاستدلال بما يجدونه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار ~~الصنعة ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعا حكما عالما خبيرا إلى قوله ~~فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه ثم تبينوا وحدانيته وعلمه ~~وقدرته بما PageV07P309 شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة واطرادها في ~~سبلها وجريها على إدلالها # وهذا لأن الفعل الواحد المتسق المنتظم لا يكون عن اثنين ولا يكون إلا عن ~~عالم قادر كما بين في غير هذا الموضع # فهذه الصفات ونحوها مما يعلم بالعقل قال ثم علموا سائر صفاته توقيفا عن ~~الكتاب المنزل وهذه كالصفات الخبرية مثل الوجه واليدين والاستواء على العرش ~~ونحو ذلك # قال الخطابي فأما الإعراض فإن التعلق بها إما أن يكون عذرا وإما أن يكون ~~تصحيح الدلالة من جهتها عسرا متعذرا وذلك أن اختلاف الناس قد كثر فيها فمن ~~قائل لا عرض في الدنيا ناف لوجود الأعراض أصلا وقائل إنما هي قائمة بأنفسها ~~لا تخالف الجواهر في هذه الصفة إلى غير ذلك من الاختلاف فيها وأوردوا في ~~نفيها شبها قوية فالاستدلال بها والتعلق بأدلتها لا يصح إلا بعد التخلص من ~~تلك الشبه والانفكاك عنها والطريقة التي PageV07P310 سلكناها ms1429 سليمة من هذه ~~الآفات برية من هذه العيوب فقد بان ووضح فساد قول من زعم وادعى من ~~المتكلمين أن من لم يتوصل إلى معرفة الله تعالى وتوحيده من الوجه الذي ~~يصححونه من الاستدلال فإنه غير موحد في الحقيقة لكنه مستسلم مقلد وأن سبيله ~~سبيل الذرية في كونها تبعا للآباء في الإسلام وثبت أن قائل هذا القول مخطىء ~~وبين يدي الله ورسوله متقدم وبعامة الصحابة وجمهور السلف مزر وعن طريق ~~السنة عادل وعن نهجها ناكب # قلت وهذا الذي ذكره الخطابي بين ظاهر بتقدير أن تكون تلك الطريق صحيحة في ~~نفسها موصلة إلى العلم فإن سلوكها والحال هذه إما غرر وخطر وإما مشق صعب بل ~~معجوز عنه فإنها تحتاج إلى تصحيح مقدمات كثيرة دقيقة متنازع فيها وقد لا ~~تثبت للإنسان فيضل عنها فكانت بمنزلة من يريد الحج من طريق بعيدة مخوفة ~~يمكن سالكها أن يصل بعد جهد ومشقة ويمكن أن PageV07P311 ينقطع فمثل هذه ~~الطريق قد يعجز صاحبها وقد يضل بعد جهد ومشقة عظيمة إذا لم يكن فيها مخوف ~~وإذا كان فيها مخوف فقد يهلك قبل الوصول # ومعلوم أن من عدل إلى هذه الطريق وترك الطريق المستقيمة الواضحة الآمنة ~~الميسرة كان ظلوما جهولا # وأما بتقدير أن تكون طريقا فاسدة كما يعرفه من عرف حقيقتها فإنها إما أن ~~لا توصل إلى مطلوب لأن النظر في الدليل الفاسد يستلزم الجهل المركب لا ~~محالة بل قد لا يحصل معه لا علم ولا جهل وهذا حال كثير من حذاق النظار ~~الذين سلكوها وإما أن توصل إلى نقيض الحق إذا اعتقد سالكها صدق بعض ~~مقدماتها الكاذبة وهذه حال كثير ممن اعتقد صحتها وعارض بموجبها صحيح ~~المنقول وصريح المعقول # وهي حال أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم على مقتضاها فإنها ~~منشأ ضلال ما شاء الله تعالى من طوائف أهل الكلام كما قد بسط هذا في غير ~~هذا الموضع فالأولون يبقون في الجهل البسيط وهؤلاء يصيرون في الجهل المركب ~~PageV07P312 # قال الخطابي فهذا قولهم ورأيهم في عامة السلف وجمهور الأئمة ms1430 وفقهاء الخلف ~~فلا تشتغل رحمك الله بكلامهم ولا تغتر بكثرة مقالاتهم فإنها سريعة التهافت ~~كثيرة التناقض وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازنه ~~أو يقاربه فكل بكل معارض وبعض ببعض مقابل وإنما يكون تقدم الواحد منهم ~~وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان وحذقه في صنعه الجدل والكلام وأكثر ما ~~يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة لهم ~~ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم فهم يطالبونهم بقودها وطردها فمن تقاعد ~~عن شيء منها سموه من طريق الجدل منقطعا وجعلوه مبطلا وحكموا بالفلج لخصمه ~~عليه والجدل لا يبين به حق ولا تقوم به حجة وقد يكون الخصمان على مقالتين ~~مختلفتين كلتاهما باطل ويكون الحق في ثالثة غيرهما فمناقضة أحدهما صاحبه ~~غير مصحح مذهبه وإن PageV07P313 كان مفسدا به قول خصمه لأنهما مجتمعان معا ~~في الخطأ مشتركان فيه كقول الشاعر فيهم # % حجج تهافت كالزجاج تخالها % حقا وكل كاسر مكسور % $ # وإنما كان الأمر كذلك لأن واحدا من الفريقين لا يعتمد في مقالتها التي ~~ينصرها أصلا صحيحا وإنما هي أوضاع تتكافأ وتتقابل فيكثر المقال ويدوم ~~الاختلاف ويقل الصواب # قال الله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~@QE@ سورة النساء 82 فأخبر سبحانه أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده ~~وهذا من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة لكثرة ما يوجد فيها ~~من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل وذلك صفة الباطل الذي أخبر ~~الله عنه PageV07P314 # ثم قال سبحانه في صفة الحق @QB@ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق @QE@ سورة الأنبياء 18 # قال الخطابي فإن قيل دلائل النبوة ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~عدا القرآن إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر والحجة لا تقوم ~~بنقل الآحاد على من كان في الزمان المتأخر لجواز وقوع الغلط فيها واعتراض ~~الآفات من الكذب وغيره عليها قيل هذه الأخبار وإن كانت شروط التواتر في ~~آحادها معدومة فإن ms1431 جملتها راجعة من طريق المعنى إلى التواتر ومتعلقة به ~~جنسا لأن بعضها يوافق بعضا ويجانسه إذ كل ذلك واقع تحت الإعجاز والأمر ~~المزعج للخواطر الناقض لمجرى العادات # قال ومثال ذلك أن يروي قوم أن حاتم طي وهب لرجل مائة PageV07P315 من ~~الإبل ويروي آخرون أنه وهب لرجل آخر ألفا من الغنم ويروي آخرون أنه وهب ~~لآخر عشرة أرؤس من الخيل والرقيق إلى ما يشبه ذلك حتى يكثر عدد ما يروى عنه ~~فهو وإن لم يثبت التواتر في كل واحد منها نوعا نوعا فقد ثبت التواتر في ~~جنسها وحصل من جملتها العلم بأن حاتما سخي كذلك هذه الأمور وإن لم يثبت ~~لأفراد أعيانها تواتر فقد ثبت برواية الجم الغفير الذي لا يحصى عددهم ولا ~~يتوهم التواطؤ في الكذب عليهم أنه قد جاء بمعنى معجز للبشر خارج عما في ~~قدرهم فصح بذلك أمر نبوته # وقال الخطابي أيضا فيما ألحقه بكتاب شعار الدين وبراهين المسلمين الكلام ~~المكروه الذي زجر عنه العلماء وعابوه هو التجرد PageV07P316 في مذهب الكلام ~~والتعمق فيه على الوجه الذي يذهب إليه المتكلمون وذلك أنهم ادعوا الوقوف ~~على حقائق الأمور من جهة العقول وزعموا أن شيئا من المعلومات لا يذهب عليهم ~~علمه ولا يعجزهم إدراكه على سبيل التحديد والتحقيق # قلت هذا هو حقيقة قول من لم يجعل السمعيات تفيد العلم إنما يحصل العلم ~~عنده من جهة العقل فقط وقول من يظن أنه بمجرد عقله يعرف ما جاءت به الشرائع # ولهذا قال الإمام أحمد في أول رسالته في السنة التي رواها عنه عبدوس بن ~~مالك العطار ليس في السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول فبين ~~أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يعارض بضرب الأمثال له ~~ولا يدركه كل أحد بقياس ولا يحتاج أن يثبته بقياس بل هو ثابت بنفسه وليس كل ~~ما ثبت يكون له نظير وما لا نظير له لا قياس فيه فلا يحتاج المنصوص خبرا ~~وأمرا إلى قياس بخلاف من أراد أن ms1432 ينال كل ما جاءت به الرسل بعقله ويتلقاه ~~من طريق القياس PageV07P317 كالقياس العقلي المنطقي وهو قياس الشمول أو ~~قياس التمثيل ونحو ذلك فإن كلا من هذا وهذا يسمى قياسا # وقد تنازع الناس في اسم القياس هل هو حقيقة في قياس التمثيل مجاز في قياس ~~الشمول كما يقوله أبو حامد الغزالي وأبو محمد المقدسي وغيرهما أو هو حقيقة ~~في قياس الشمول مجاز في قياس التمثيل كما يقوله أبو محمد بن حزم وغيره أو ~~القياس حقيقة فيهما كما يقوله الجمهور على ثلاثة أقوال # وأيضا فهم متنازعون في الجنس أيهما هو الذي يوصل إلى العلم وكثير من ~~الناس من أهل المنطق اليوناني ونحوهم يزعم أن الموصل إلى العلم هو قياس ~~الشمول فقط دون قياس التمثيل وكثير من أهل الكلام يرجح قياس التمثيل ويقول ~~إن قياسهم المنطقي قياس الشمول قليل الفائدة أو عديمها # وحقيقة الأمر أن القياسين متلازمان فكل قياس شمول هو متضمن لتمثيل وكل ~~قياس تمثيل هو متضمن لشمول فإن القايس قياس التمثيل لا بد أن يعلق الحكم ~~بالوصف المشترك فإذا قال النبيذ المسكر حرام لأنه مسكر فكان حراما كخمر ~~العنب فقد علق PageV07P318 التحريم بالسكر و بد له من دليل يدل على تعلق ~~الحكم بذلك الوصف المشترك إما بنص أو إجماع أو غير ذلك من الطرق الدالة على ~~أن الحكم معلل بذلك الوصف المشترك بين الأصل والفرع وهو الذي يسمى جواب ~~المطالبة فإن القايس إذا قاس توجه عليه منوع أحدها منع الحكم في الأصل ~~والثاني منع ثبوت الوصل الذي علق به الحكم في الأصل والثالث منع وجوده في ~~الفرع وهذه الأسولة الثلاثة قد يسهل جوابها والرابع منع علة الوصف وهو منع ~~كون الحكم متعلقا به وهذا أعظم الأسولة # وذلك الوصف الذي علق به الحكم يسمونه علة وسببا وداعيا وموجبا ومناطا ~~وباعثا وأمارة وعلامة ومشتركا وأمثال ذلك ثم إذا أراد المستدل أن يصوغ هذا ~~قياس شمول قال النبيذ مسكر وكل مسكر حرام ولا بد له من إثبات هذه القضية ~~الكبرى وهو قوله كل مسكر ms1433 حرام كما يحتاج الأول إلى إثبات كون السكر هو مناط ~~التحريم والذي جعله الأول مناط الحكم جعله الثاني الحد الأوسط المتكرر في ~~المقدمتين ولا بد لكل منهما من الدلالة على ذلك وكل من القياسين يتضمن حكما ~~عاما كليا ولهذا اتفق أرباب القياس الشمولي المنطقي على أنه لابد فيه من ~~قضية كلية PageV07P319 واتفق أرباب القياس التمثيلي على أنه لا بد فيه من ~~مشترك بين الأصل والفرع والمشترك هو الكلي لكن في قياس الشمول لا يجب أن ~~يبين ثبوت الكلي في صورة من الصور المعينة بل يقول الرجل السواد والبياض لا ~~يجتمعان وإن لم يعين سوادا أو بياضا معينين ويقول الكل أعظم من الجزء ولا ~~يعين شيئا # وأما قياس التمثيل فلا بد فيه من تعيين أصل يقاس به الفرع ويمثل به فيقال ~~هذا السواد وهذا البياض لا يجتمعان فكذلك سائر السواد والبياض وهذا الكل ~~أعظم من هذا الجزء وهلم جرا # ويقول أهل التمثيل هذا أنفع لأن الكليات لا وجود لها في الأعيان إنما ~~وجودها في الأذهان فإذا مثل الفرع بمعين ثابت في الخارج أفاد ذلك معرفة شيء ~~موجود معين بخلاف الكلي الذي لا تتمثل أعيانه في الخارج # ولهذا كل متكلم في كليات مقدرة لا يتصور أعيانها الموجودة في الخارج فإما ~~أن يكون كلامه قليل الفائدة بل عديمها وإما أن يكون كثير الخطأ والغلط وإما ~~أن يجتمع فيه الأمران ويقولون أيضا إن العلم بكل واحد واحد من الأعيان يحصل ~~بما به يحصل المعين PageV07P320 الآخر فإنا إذا قلنا الكل أعظم من الجزء ~~كان علمنا بأن هذا الكل أعظم من هذا الجزء كعلمنا بذلك في الكل الآخر فلم ~~نستفد بالقضية الكلية علما بمعين إلا والعلم بذلك المعين مستغن عن القضية ~~الكلية ففيه تطويل بلا فائدة # ويقول أهل قياس الشمول بل قياس التمثيل لا يفيد إلا بتوسط تعليق الحكم ~~بالمشترك وهو الحد الأوسط فلا بد فيه من قضية كلية أيضا لكن قد يدعى القايس ~~الممثل تعليق الحكم بالمشترك بمجرد التمثيل ولا يقيم دليلا على أن الوصف ms1434 ~~المشترك الجامع بين الأصل والفرع هو مناط الحكم الذي هو الحد الأوسط وربما ~~أثبت ذلك بطرق لا تفيد العلم كالاستقراء الناقص الذي هو نوع السبر والتقسيم ~~ونحو ذلك ففي كل من القياسين قضية كلية لكن صاحب الشمول يثبتها وصاحب ~~التمثيل لا يثبتها # قال أصحاب التمثيل بل صاحب الشمول لا يمكنه إثباته إلا بطريق التمثيل ~~وإلا فإذا نازعه المنازع في الشمول والعموم لم يكن له طريق إلا ذكر الأعيان ~~بأن يقول هذا الكل أعظم من هذا PageV07P321 الجزء وإذا قيل بل العقل يقضي ~~بالقضية الكلية قضاء عاما قيل إنما كان ذاك بواسطة علمه بالجزئيات فيعود ~~إلى التمثيل # ولهذا توجد عامة قضاياهم الكلية منتقضة باطلة لأنهم يدعون فيها العموم ~~بناء على ما عرفوه من التجارب والعادات وتكون تلك منتقضة في نفس الأمر كما ~~هو الواقع فإن من قال كل نار فإنها تحرق ما لاقته إنما قال لأجل إحساسه بما ~~أحس به من جزئيات هذا الكلي وقد انتفض ذلك عليه بملاقاتها للياقوت والسمندل ~~وغير ذلك وبسط الكلام في هذا له موضع آخر والمقصود هنا التنبيه على أن كل ~~واحد من قياس التمثيل والشمول يفيد أمرا كليا مطلقا بواسطته يحصل العلم ~~بالمعينات الموجودة في الخارج ثم قد يكون العلم بتلك المعينات غنيا عن ذينك ~~القياسين والمعين الذي لا نظير له لا يعلم لا بهذا القياس ولا بهذا القياس ~~وقد تكون الكلية منتقضة فالقياس لا يحصل بنفسه العلم بالمعينات وقد لا يحصل ~~العلم به مطلقا وقد يكون كثير الانتقاض بخلاف النصوص النبوية فإنها لا تكون ~~إلا حقا وهي تخبر عن المعينات على ما هي عليه # وأعظم المطالب العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ~~وهذا كله لا تنال خصائصه لا بقياس الشمول ولا بقياس التمثيل فإن الله تعالى ~~لا مثل له فيقاس به ولا يدخل هو PageV07P322 وغيره تحت قضية كلية تستوي ~~أفرادها فلهذا كانت طريقة القرآن وهي طريقة السلف والأئمة أنهم لا يستعملون ~~في الإلهيات قياس تمثيل وقياس شمول تستوي أفراده بل يستعملون من هذا ms1435 وهذا ~~قياس الأولى فإن الله له المثل الأعلى فإذا أدخل هو سبحانه وغيره تحت قضية ~~كلية مثل أن يقال القائم بنفسه لا يفتقر إلى المحل كما يفتقر العرض مثلا أو ~~قيل كل موجود فله خاصية لا يشركه فيها غيره ونحو ذلك كان هو سبحانه أحق ~~بمثل هذه الأمور من سائر الموجودات فهو أحق بالغنى عن المحل من كل قائم ~~بنفسه وهو أحق بانتقاء المشارك له في خصائصه من كل موجود وكذلك إذا قيس ~~قياس تمثيل فكل كمال يستحقه موجود من جهة وجودة فالموجود الواجب أحق به وكل ~~نقص ينزه عنه موجود لكمال وجوده فالموجود الواجب أحق بتنزيهه عنه وهو أحق ~~بانتفاء أحكام العدم وأنواعه وأشباهه وملزوماته عنه من كل موجود # وإذا كان الأمر الوجودي كالرؤية مثلا لا يتعلق إلا بأمور موجودة لا يجوز ~~أن تتعلق بمعدوم لأن العدم لا يكون سببا في للوجود وكان كل PageV07P323 ما ~~كان أكمل وجودا كان أحق بأن يرى كان الباري سبحانه بأن يرى أحق من كل موجود ~~وإذا كان تعذر الرؤية أحيانا قد يكون لضعف الأبصار وكان في الموجودات ~~القائمة بنفسها ما تتعذر أحيانا رؤيته لضعف أبصارنا في الدنيا كان ضعفها في ~~الدنيا عن رؤيته أولى وأولى # وليس المقصود هنا الكلام على أعيان المسائل ولكن المقصود بيان مسمى ~~القياس وأنه وإن كان قد يحصل به من العلوم أمور عظيمة فإنه لا يحصل به كل ~~مطلوب ولا يطرد في كل شيء فطرق العلم ثلاث أحدها الحس الباطن والظاهر وهو ~~الذي تعلم به الأمور الموجودة بأعيانها # والثاني الاعتبار بالنظر والقياس وإنما يحصل العلم به بعد العلم بالحس ~~فما أفاده الحس معينا يفيده العقل والقياس كليا مطلقا فهو لا يفيد بنفسه ~~علم شيء معين لكن يجعل الخاص عاما والمعين مطلقا فإن الكليات إنما تعلم ~~بالعقل كما أن المعينات إنما تعلم بالإحساس # والثالث الخبر والخبر يتناول الكليات والمعينات والشاهد والغائب فهو أعم ~~وأشمل لكن الحس والعيان أتم وأكمل PageV07P324 # وقد تنازع الناس في السمع والبصر أيهما أكمل فذهبت طائفة منهم ms1436 ابن قتيبة ~~إلى أن السمع أكمل لعموم ما يعلم به وشموله وذهب الجمهور إلى أن البصر أكمل ~~فليس المخبر كالمعاين وليس كل ما يعاين يمكن الإخبار عنه وليس العلم الحاصل ~~بالخبر كالعلم الحاصل بالعيان وإن كان الخبر لا ريب في صدقه لكن نفس المرئي ~~المعاين لا يحصل العلم به قبل العيان كما يحصل عند العيان # والتحقيق في هذا الباب أن العيان أتم وأكمل والسماع أعم وأشمل فيمكن أن ~~يعلم بالسماع والخبر أضعاف ما يمكن علمه بالعيان والبصر أضعافا مضاعفة ~~ولهذا كان الغيب كله إنما يعلم بالسماع والخبر ثم يصير المغيب شهادة ~~والمخبر عنه معاينا وعلم اليقين عين اليقين # والمقصود هنا أن الخبر أيضا لا يفيد إلا مع الحس أو العقل فإن المخبر عنه ~~إن كان قد شوهد كان قد علم بالحس وإن لم يكن شوهد فلا بد أن يكون شوهد ما ~~يشبهه من بعض الوجوه وإلا لم يعلم بالخبر شيء فلا يفيد الخبر إلا بعد الحس ~~والعقل فكما أن العقل بعد الحس فالخبر بعد العقل والحس فالإخبار يتضمن هذا ~~PageV07P325 وهذا وكما أنه ليس كل ما علم بالقياس والعقل والاعتبار يمكن ~~الإحساس بواحد واحد من أعيانه فكذلك ليس كل ما علم بالخبر والسماع يمكن ~~اعتباره بالقياس إما لعدم النظير له من كل وجه وإما لغير ذلك ثم إذا كان ~~الخبر صادقا لا كذب فيه أمن معه من الانتقاض والفساد بخلاف القياس فإن ~~كثيرا مما يبنى فيه على قضايا كلية تكون منتقضة وإن كان فيه ما ليس منتقضا # والمقصود أنه ليس كل شيء يمكن علمه بالقياس ولا كل شيء يحتاج فيه إلى ~~القياس فلهذا قال الأئمة ليس في المنصوصات النبوية قياس وأما كونها لا ~~تعارض بالأمثال المضروبة فهذا هو الذي ذكرناه من أن المنصوص لا يعارضه دليل ~~عقلي صحيح # أما قولهم لا تدرك بالعقول فإن نفس الغريزة العقلية التي تكون للشخص قد ~~تعجز عن إدراك كثير من الأمور لا سيما الغائبات فمن رام بعقل نفسه أن يدرك ~~كل شيء كان جاهلا لا ms1437 سيما إذا طعن في الطرق السمعية النبوية الخبرية # وهذا هو الذي يسلكه من يسلكه من الفلاسفة ومن يشبههم من أهل الكلام ~~وهؤلاء هم الذين يذكر أبو حامد الغزالي وغيره تهافتهم PageV07P326 وتناقضهم ~~وأن ما يدعونه من المعارف الإلهية بعقولهم جمهوره باطل وإن كان قد وقع في ~~كلامه من كلام هؤلاء أمور قيل أنه رجع عنها ولا ريب أن الرسل صلوات الله ~~عليهم يخبرون الخلق بما تعجز عقولهم عن معرفته ولا يخبرونهم بما يعلمون ~~امتناعه فهم يخبرونهم بمحارات العقول لا بمحالاتها فمن أراد أن يعرف ما ~~أخبرت به الرسل بعقله كان شبيها بمن قال الله تعالى فيه @QB@ وإذا جاءتهم ~~آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته @QE@ سورة الأنعام 124 وقال @QB@ بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة @QE@ سورة المدثر 52 # قال الخطابي وذهب العلماء إلى خلاف هذا الرأي وجعلوا المعلومات قسمين قسم ~~يمكن استدراكه وتثبته حقيقة وقسم لا يعلم إلا ظاهره ولا يتعرض لعلم باطنه ~~وطلب كيفيته وانتهوا في ذلك إلى ما نطق به الكتاب وهو قوله سبحانه @QB@ وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به @QE@ سورة آل ~~عمران 7 يجعلون PageV07P327 الوقف عند قوله @QB@ إلا الله @QE@ ويستأنفون ~~الكلام فيما بعده وهو مذهب الصحابة وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وعائشة ~~وابن عباس قالوا وقد حجب عنا أنواعا من العلم كعلم قيام الساعة وكعلم الروح ~~حين يقول @QB@ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا @QE@ سورة الإسراء 85 وقال تعالى @QB@ لا تسألوا عن أشياء إن تبد ~~لكم تسؤكم @QE@ سورة المائدة 101 وقال @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ~~@QE@ سورة الأنبياء 23 # قلت قد ذكرنا معنى لفظ التأويل في غير هذا الموضع وأنه في اللغة التي نزل ~~بها القرآن يراد به حقيقة الشيء كالكيفية التي لا يعلمها إلا الله كما قال ~~مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول # ويراد به التفسير وهو كقوله الاستواء معلوم ms1438 فإن تفسيره ومعناه معلوم ~~ويراد به تحريف الكلم عن مواضعه كتأويلات الجهمية مثل تأويل من تأول استوى ~~بمعنى استولى وهذا الذي اتفق السلف والأئمة على بطلانه وذم أصحابه ومثل هذا ~~لا يقال فيه لا يعلمه إلا الله بل يقال إنه باطل وتحريف وكذب ولكن في القسم ~~الأول يقال لا يعلمه إلا الله وأما القسم الثاني فيعلمه الله وقد يعلمه ~~الراسخون في العلم PageV07P328 # قال الخطابي فلم ينته أهل التعمق من المتكلمين حتى تكلموا في الروح ~~وتكلموا في القدر والتعديل والتجوير وتكلموا في النفس والعقل وما بينهما ~~وتكلموا في أشياء لا تعنيهم ولا تجدي عليهم شيئا كالكلام في الجزء والطفرة ~~وما أشبه ذلك من الأمور التي لا طائل لها ولا فائدة فيها فزجر العلماء عن ~~الخوض في هذه الأمور وخافوا فتنتها والخروج منها إلى ما يفضي بالمرء إلى ~~أنواع من المكروه من الأقوال الشنعة والمذاهب الفاسدة ورأوا أن يقتصروا من ~~الكلام على ما انتهى إليه بيان الدين وتوقيف الشريعة # قلت فقد ذكر الخطابي في الكلام المذموم ما لا يدركه الإنسان بعقله وما لا ~~فائدة فيه وما لا يدركه الإنسان بعقله إذا تكلم فيه تكلم بلا علم والكلام ~~بلا علم ذمه الله في كتابه وما لا فائدة فيه هو من باب ما لا يعني الإنسان ~~ولا يفيده ومن باب العلم الذي لا ينفع وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~من علم لا ينفع # ولهذا يقال العلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول وهذان ~~النوعان هما اللذان يذكرهما أبو حامد وغيره في وصف غير العلوم الشرعية ~~فيقول هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ~~ظنون كاذبة لا ثقة بها وإن بعض الظن إثم فالأول كالعلم بدقائق الهيئة ~~وحركات الكواكب وغير ذلك مما هو بعد التعب الكثير لا يفيد إلا تضييع الزمان ~~وتعذيب الحيوان PageV07P329 والثاني كالعلم بأحكام النجوم التي غالبها ظنون ~~لا تغني من الحق شيئا والخطأ فيها أكثر من الصواب والكذب فيها ms1439 أكثر من ~~الصدق # وهذان النوعان غير ما ذكر أولا ذمه لما فيه من الخطر والعسر والعجز وهذه ~~الثلاثة غير ما هو كذب في نفسه وباطل فإن هذا هو الكلام المذموم في نفسه ~~فما كان كذبا غير مطابق للحق فهو مذموم في نفسه بخلاف ما فيه عسر وهو حق ~~فإن هذا وإن ذم من وجه فقد يحمد من وجه آخر بخلاف ما لا يدركه الإنسان أو ~~ما لا فائدة فيه فإن هذا قد يقال إن مضرته تضييع الزمان من جنس اللعب ~~واللهو الذي لا ينفع أو من جنس البطالة وتضييع الزمان لكن متى أفضى بصاحبه ~~إلى اعتقاد الباطل حقا والكذب صدقا كان من القسم المذموم بنفسه وكل كلام ~~ناقض نصوص الأنبياء فإنه من الكلام المذموم بنفسه وهو باطل قطعا # وأما قوله وتكلموا في الروح والقدر والتعديل والتجوير والعقل والنفس فقد ~~يظن أن الكلام في هذا مذموم مطلقا وليس كذلك بل الكلام في ذلك وغيره بالحق ~~النافع لا يذم وإنما يذم الكلام الباطل والكلام بلا علم والكلام الحق لمن ~~يعجز عن معرفته كما قال ابن مسعود ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه ~~عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وقال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون ~~PageV07P330 ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يكذب الله ورسوله وأما الكلام الحق ~~النافع فهو محمود غير مذموم # قال الخطابي ثم إن الكتاب والسنة لم يستوفيا بيان جميع ما يحتاج الناس ~~إليه نصا وتسمية فاحتجنا إلى انتزاع أحكام الحوادث في ضمن الأسماء والنصوص ~~من طريق المعاني والمعقول من النصوص فاستنبطه العلماء وتكلموا فيه من طريق ~~القياس ولم يتجاوزوه إلى الكلام فيما لا أصل له من الكتاب والسنة ولم ~~يتعرضوا لما ورد الكتاب ثم السنة بالزجر عنه وعن الخوض فيه وكان هذا موضع ~~الفرق بين الكلامين # قال وقد أشار الشافعي إلى هذه الجملة وأبان عنها بما زجر عنه من النظر في ~~الكلام وعابه من مذاهب المتكلمين وبما زجر عنه من التقليد وجب عليه من ~~النظر والاستدلال فعلمنا ms1440 أن الذي زجر عنه ليس هو الذي أمر به وتبينا أن له ~~في الأصول مذهبا ثالثا ليس بالتقليد ولا بالتجريد لمذاهب المقتحمين في ~~غمرات الكلام والخائضين في أوديته وإنما هو الاستدلال بمعقول أصول ~~PageV07P331 الدين التي مرجعها إلى علوم الحس ومقدماتها والنظر المتعلق ~~بالأصول التي هي الكتاب والسنة الصحيحة التي ينقطع العذر بها # قال ونحن لم نعد فيما أوردناه من الكلام في كتاب شعار الدين هذه الجملة ~~وإن كان الذي عبناه في مسألة الغنية عن الكلام هو المذهب الآخر الذي تقدم ~~ذكرنا له وهو مذهب الغلو والإفراط وما يقابله من مذاهب من يرى التقليد ولا ~~يقول بحجج العقول فهو في التفريط والتقصير مواز لمذاهب المتكلمين في الغلو ~~والإفراط والطريقة المثلى هي القصد والاعتدال وهو ما نختاره ونذهب إليه # قال وسبيل ما نأتيه ونذره من هذا الباب سبيل القياس فإنا نستعمله في ~~مواضع ونأباه في مواضع فلا يكون ذلك منا مناقضة وكذلك ما نطلقه من جواز ~~الكلام في موضع وكراهته في موضع آخر والأصل في مذاهب الناس كلهم ثلاث ~~مقالات القول بالحس حسب وهو مذهب الدهرية فإنهم قالوا بما يدركه الحس ولم ~~يقولوا بمعقول ولا خبر وقال قوم بالحس والمعقول حسب ولم يقولوا بالخبر وهو ~~مذهب الفلاسفة لأنهم لا يثبتون PageV07P332 النبوة وقال أهل المقالة ~~الثالثة بالحس والنظر والأثر وهم جماعة المسلمين وهو قول علمائنا وبه نقول # قلت تفصيل مقالات الناس مبسوط في غير هذا الموضع فإن الدهرية لا تنكر جنس ~~المعقول بل تنكر من المعقول ما لا يكون جنسه محسوسا وهذا فيه كلام مبسوط في ~~غير هذا الموضع وإنما كفروا بإنكارهم الغيب الذي أخبرت به الرسل والفلاسفة ~~أيضا لا تنكر جنس الخبر بل تقول بالأخبار المتواترة وغيرها ولكن ينكرون ~~استفادة الأمور الغائبة بأخبار الأنبياء وهم قد يعظمون الأنبياء صلوات الله ~~عليهم ويوجبون اتباع شرائعهم ويأمرون بقتل من يخرج عنها لكن يجعلون مقصودها ~~هو إقامة مصالح الناس في دنياهم بالعدل الذي شرعته الأنبياء # وأما الأمور الإلهية والمعاد ونحو ذلك فيزعمون أنهم لم يخبروا ms1441 عنها بما ~~يحصل به العلم ولكن خاطبوا الناس فيه بطريق التخييل وضرب المثل الذي ينتفع ~~به الجمهور وحقيقة قولهم هو ما ذكره الخطابي من أنهم لا يجعلون خبر ~~الأنبياء طريقا إلى العلم وقد ذكرنا من كلام من دخل معهم في هذا الأصل ~~الفاسد من المنتسبين إلى المسلمين ما تبين به هذا الأصل وبينا من ضلالهم ~~وكذبهم في هذا القول ما قد بسط في موضعه PageV07P333 # وحقيقة ما يزعمونه في المعقول إنما هو أمور ذهنية كلية قائمة في الذهن لا ~~حقيقة لها في الخارج وما يثبتونه من المجردات العقليات بل وواجب الوجود ~~الذي يثبتونه وغير ذلك يعود إلى هذا ومن هنا استطال عليهم إخوانهم الفلاسفة ~~الطبيعية والدهرية فإن أولئك لم ينكروا مثل هذه العقليات ولكن أنكروا وجود ~~هذه في الخارج وادعوا أن كل موجود في الخارج فلا بد أن يمكن إحساسه # والفريقان جميعا كذبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله من الإخبار بالغيب ~~إلا من كان منهم من الصابئة الحنفاء الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ويعملون صالحا فأولئك هم سعداء في الآخرة # كما قال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ~~آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون @QE@ سورة البقرة 62 # وأما الصابئة المشركون الذين يعبدون الكواكب والأوثان ونحوهم من الفلاسفة ~~المشركين فهؤلاء كفار كسائر المشركين # والفلسفة اليونانية فلسفة المشائين عامتها من هذه الفلسفة فإن اليونان ~~كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأوثان وفي مقالاتهم حق وباطل كما في مقالات ~~مشركي العرب والهند وغيرهم من أصناف المشركين وهذا مبسوط في موضعه ~~PageV07P334 # وأما ما ذكره الخطابي من القياس والاعتبار في الأحكام الشرعية وأن الكتاب ~~والسنة لم يستوفيا بيان جميع ما يحتاج إليه الناس نصا فهذا كلام في القياس ~~العملي الشرعي وهو مبسوط في موضعه # والناس في هذا بين إفراط وتفريط كما هم كذلك في القياس العقلي الخبري ~~فطائفة تزعم أن أكثر الحوادث لا تتناولها النصوص بل إنما تعلم بالقياس ~~وطائفة بآرائهم يزعمون أن القياس ms1442 كله باطل حتى يردون الاستدلال المسمى ~~بتنقيح المناط ويردون قياس الأولى وفحوى الخطاب والعلة المنصوصة ويرجعون ~~إلى العموم واستصحاب الحال # وكل من الطائفتين مخطئة غالطة فإن الطائفة الأولى بخست الكتاب والسنة ~~حقهما وقصرت في معرفتهما وفهمهما واعتصمت بأنواع من الأقيسة الطردية التي ~~لا تغني من الحق شيئا أو بتقليد قول من لا تعرف حجة قائله # وكثيرا ما تجد هؤلاء إذا فتشت حجتهم إنما هي مجرد دعوى بأن يظن أحدهم أن ~~الحكم الثابت في الأصل معلق بالوصف المشترك من غير دليل يدله على ذلك بل ~~بمجرد اشتباه قام في نفسه PageV07P335 أو بمجرد استحسان ورأي ظن به أن مثل ~~ذلك الحكم ينبغي تعليقه بذلك الوصف وأحدهم يبني الباب على مثل هذه القواعد ~~التي متى حوقق عليها سقط بناؤه وربما تمسكوا من الآثار الضعيفة بما يعلم ~~أهل المعرفة بالأثر أنه من الموضوع المكذوب فضلا عن أن يكون من كلام ~~المعصوم وقد يتمسكون بما يظهر لهم من ألفاظ المعصوم ولا تكون دالة على ما ~~فهموه # واما الطائفة الثانية فتعتصم من استصحاب الحال ونفي الحكم لعدم دليله في ~~زعم أحدهم مع ظهور الأدلة الشرعية بما يبين به فساد قولها ويفرق بين ~~المتماثلين تفريقا لا يأتي به عاقل فضلا عن نبي معصوم وتجمد على ما تراه ~~ظاهر النص مع خطائها في فهم النص ومراد قائله وتسلب الشريعة حكمها ومحاسنها ~~ومعانيها وتضيف إلى الله ورسوله من الحكم المنافي للعدل والإحسان ما يجب أن ~~ينزه عنه الملك العادل والرجل العاقل # والناس كلهم متفقون على الاجتهاد والتفقه الذي يحتاج فيه إلى إدخال ~~القضايا المعينة تحت الأحكام الكلية العامة التي نطق بها الكتاب والسنة ~~وهذا هو الذي يسمى تحقيق المناط كالاجتهاد في تعيين القبلة عند الاشتباه ~~والاجتهاد في عدل الشخص المعين والنفقة بالمعروف للمرأة المعينة والمثل ~~لنوع الصيد أو للصيد لمعين والمثل الواجب في إتلاف المال المعين وصلة الرحم ~~الواجبة ودخول أنواع PageV07P336 من المسكرات في اسم الخمر وأنواع من ~~المعاملات في اسم الربا والميسر وأمثال ذلك مما فيه إدخال أعيان ms1443 تحت نوع ~~وإدخال نوع خاص تحت نوع أعم منه # فهذا الاجتهاد مما اتفق عليه العلماء وهو ضروري في كل شريعة فإن الشارع ~~غاية ما يمكنه بيان الأحكام بالأسماء العامة الكلية ثم يحتاج إلى معرفة ~~دخول ما هو أخص منها تحتها من الأنواع والأعيان # وقد احتج من احتج من الأئمة المثبتين للقياس عليه بمثل هذا القياس وأن ~~القرآن العزيز ورد بمثل هذا في القبلة وجزاء الصيد وعدل الشخص ونحو ذلك ~~وهذا لا حجة فيه فإن مثل هذا لا نزاع فيه وهو ضروري لا بد منه ولا يمكن ~~إثبات حكم النوع أو عين إلا بمثل هذا # ونفاة القياس لا يسمونه قياسا وإن سماه المسمى قياسا كان نزاعا لفظيا ~~والتحقيق أن دخول الأعيان في المعنى العام الذي دل عليه الخطاب هو من قياس ~~الشمول وأن تمثيل بعض الأعيان والأنواع ببعض هو من قياس التمثيل لكن شمول ~~اللفظ لهذا ولهذا بطريق العموم يغني عن قياس التمثيل PageV07P337 # ونفاة القياس المعروفون بالسنة لا ينازعون في العموم وإن سماه المسمى ~~قياسا كليا بل هو عمدتهم وعصمتهم هو واستصحاب الحال فهذا نوع ومن نازع في ~~القياس والعموم جميعا كما فعل ذلك من فعله من الرافضة فهؤلاء سدوا على ~~أنفسهم طريق معرفة الأحكام فلهذا يحتجون بما يزعمون أنه قول المعصوم ومن ~~الناس من يظن أن العلة المنصوصة هي المسماة بتحقيق المناط وهي داخلة فيه ~~وليس كذلك فإن هذه فيها نزاع # وهنا نوع ثان يسمى تحقيق المناط وهو أن يكون الشارع قد نص على الحكم في ~~عين معينة وقد علم بالنص والإجماع أن الحكم لا يختص بها بل يتناولها وغيرها ~~فيحتاج أن ينقح مناط الحكم أي يميز الوصف الذي تعلق به ذلك الحكم بحيث لا ~~يزاد عليه ولا ينقص منه # وهذا كأمره صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي استفتاه لما جامع امرأته في ~~رمضان بالكفارة ثم لما أتى بالعرق قال أطعمه أهلك وأمره لمن سأله عن فأرة ~~وقعت في سمن بأن تلقى وما حولها ويأكل السمن وأمره لمن سأل عمن ms1444 أحرم بعمرة ~~وعليه جبة وهو متضمخ بخلوق أن ينزع عنه الجبة ويغسل الخلوق ويصنع في ~~PageV07P338 عمرته ما كان صانعا في حجته وأمره لمن ابتاع صاعا جيدا من ~~التمر بصاعين من الرديء أن يبيع الرديء بدراهم ثم يبتاع بها جيدا ومثل أمره ~~لبريرة لما عتقت أن تختار ومثل رجمه لماعز والغامدية وقطعه لسارق رداء ~~صفوان والمخزومية وغيرهما وأمثال ذلك # فإنه من المعلوم لجميع العلماء أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم ليس ~~مخصوصا بتلك الأعيان بل يتناول ما كان مثلها لكن يحتاجون إلى معرفة مناط ~~المشترك الذي به علق الشارع الحكم # وهذا قد يكون ظاهرا وقد يكون خفيا فالظاهر مثل كون سبب الرجم هو زنا ~~المحصن وسبب القطع هو السرقة والخفي مثل كون الكفارة وجبت لخصوص الجماع أو ~~لعموم الإفطار وهل وجبت لنوع من الإفطار أو لجنسه وهل وجب لوقاع في صوم ~~صحيح في رمضان أو لوقاع في صوم واجب في رمضان سواء كان صحيحا أو فاسدا كما ~~يجب في الإحرام الواجب سواء كان صحيحا أو فاسدا فهذا مما تنازع فيه الفقهاء # وكذلك لما أجاب عن الفأرة التي وقعت في السمن فلا ريب أن الحكم ليس ~~مخصوصا بتلك الفأرة والسمن ولا بنوع من الفأر ونوع من الأسمان فلا بد من ~~إثبات حكم عام وهذا النوع يقر به كثير من منكري القياس أو أكثرهم وكثير من ~~الفقهاء لا يسميه قياسا بل يثبتون به الكفارات والحدود وإن كانوا لا يثبتون ~~ذلك بالقياس فإنه PageV07P339 هنا قد علم يقينا أن الحكم ليس مخصوصا بمورد ~~النص فلا يجوز نفيه عما سواه بالاتفاق كما يمكن ذلك في صور القياس المحض ~~المسمى بتخريج المناط فإنه لما نهى عن التفاضل في الأصناف الستة لم يعلم أن ~~حكم غيرها حكمها إلا بدليل يدل على ذلك ولهذا كان بعض نفاة القياس لما ~~حكموا في مثل هذا بأن الحكم مخصوص بفأرة وقعت في سمن دون سائر الميتات ~~والنجاسات الواقعة في سائر المائعات ظهر خطاؤهم يقينا فإن الشارع صلوات ~~الله عليه لم يعلق ms1445 الحكم في خطابه بفأرة وقعت في سمن ولكن السائل سأله عن ~~ذلك والسائل إذا سأل عن حكم عين معينة أو نوع باسمه لم يجب أن يكون الحكم ~~معلقا مختصا بما سأل عنه السائل بل قد يكون ما سأل عنه السائل داخلا في حكم ~~عام كما أنه إذا سئل عن عين معينة لم يكن الحكم مخصوصا بتلك العين ولافرق ~~بين أن يسأل عن عين أو نوع فليس في جوابه ما يقتضي اختصاص الحكم بمورد ~~السؤال فهذا من أعظم الغلط # وهنا يظهر تفاضل العلماء بما آتاهم الله من العلم فمن استخرج المناط الذي ~~دل عليه الكتاب والسنة دل على فهمه لمراد الرسول صلى الله عليه وسلم مثل أن ~~يقول القائل الحكم هنا ليس متعلقا بمجرد الميتة بل بالخبيث الذي قال الله ~~تعالى فيه @QB@ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث @QE@ سورة الأعراف ~~157 فإن الميتة وإن PageV07P340 شاركت الخنزير والدم في التحريم فقد شمل ~~الجميع اسم الخبيث فالتحريم متناول للوصف العام ليس مخصوصا بنوع من الأنواع ~~وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ليس فيه دليل على الاختصاص بنوع لتعلق ~~الحكم بالوصف العام المشترك وهو الخبث فيكون الخبيث الجامد الواقع في السمن ~~حكمه حكم الفأرة سواء كان دما أو ميتة متجسدة ونحو ذلك ثم ينظر في السمن ~~فيعلم أنه لا اختصاص في الشرع له بذلك بل سائر الأدهان كذلك ثم سائر ~~المائعات كذلك ثم يبقى النظر هل يفرق بين الماء وسائر المائعات أو يسوى ~~بينهما وهل يفرق بين الجامد والمائع أو يسوى بينهما وهل يفرق بين القليل ~~والكثير أو يسوى بينهما هذا من المواضع الخفية التي تنازع فيها العلماء # والمقصود هنا أن مثل هذا لا يرده إلا جهلة نفاة القياس وكذلك العلة ~~المنصوصة وكذلك القياس في معنى الأصل وقياس الأولى وأما القياس الذي يستخرج ~~علة الأصل فيه بالمناسبة فهذا محل اجتهاد ولهذا تنازع الفقهاء القياسون من ~~أصحاب أحمد وغيرهم في ذلك فمنهم من لا يقول إلا بالعلة المنصوصة ومنهم من ~~يقول بالمؤثر PageV07P341 وهو ما نص ms1446 على تأثيره في نظير ذلك الحكم كالصغر ~~فإنه قد علم أن الشارع علق به ولاية المال فإذا علق به ولاية النكاح كان ~~هذا إثباتا لعلة هذا الحكم بنظيره المؤثر وأما إذا لم يكن مؤثرا فهو الذي ~~يسمونه المناسب الغريب وفيه قولان مشهوران فإنه استدلال على أن الشرع علق ~~الحكم بالوصف لمجرد ما رأيناه في المصلحة # ومن تدبر الأدلة الشرعية منصوصها ومستنبطها تبين له أن القياس الصحيح هو ~~التسوية بين المتماثلين وهو من العدل الذي أمر الله به ورسوله وأنه حق لا ~~يجوز أن يكون باطلا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بالعدل فلم يسو بين ~~شيئين في حكم إلا لاستوائهما فيما يقتضي تلك التسوية ولم يفرق بين اثنين في ~~حكم إلا لافتراقهما فيما يقتضي ذلك الفرق ولا يجوز أن يتناقض قياس صحيح ونص ~~صحيح كما لا يتناقض معقول صريح ومنقول صحيح بل إذا ظن بعض الناس تعارض النص ~~والقياس كان أحد الأمرين لازما إما أن القياس فاسد وإما أن النص لا دلالة ~~له # ومع هذا فالكتاب والسنة بينا جميع الأحكام بالأسماء العام لكن يحتاج ~~إدخال الأعيان في ذلك إلى فهم دقيق ونظر ثاقب لإدخال كل معين تحت نوع ~~وإدخال ذلك النوع تحت نوع آخر بينه الرسول صلى الله عليه وسلم PageV07P342 # وحينئذ فكل من الحوادث شملها خطاب الشارع وتناولها الاعتبار الصحيح وخطاب ~~الشارع العام الشامل دل عليها بطريق العمومم الذي يرجع إلى تحقيق المناط ~~وهو في معنى قياس الشمول البرهاني والاعتبار الصحيح تناولها بطريق قياس ~~التمثيل الذي يتضمن التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين والتماثل ~~والاختلاف ثابت في نفس الأمر وقد نصب الله عليه أدلة تدل عليه وكما أن ~~القياس الشمولي والتمثيلي يرجعان إلى أصل واحد ولا يجوز تناقضهما إلا مع ~~فسادهما أو فساد أحدهما فكذلك الخطاب العام والاعتبار الصحيح يرجعان إلى ~~أصل واحد ولا يجوز تناقضهما إلا لفساد دلالتهما أو دلالة أحدهما # وهذا تنبيه على مجامع نظر الأولين والآخرين في جميع استدلالهم ومن تبصر ~~في ذلك وفهمه وعلم ما ms1447 فيه من الإحاطة تبين له أن دلائل الله تعالى لا ~~تتتناقض وأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الموافق لصرائح ~~المعقول وأن ما شرعه للعباد هو العدل الذي به صلاح المعاش والمعاد وإن فهم ~~مع ذلك مسألة التحسين والتقبيح العقلي وارتباطها بمسألة المناسبات ورجوع ~~جنس التحسين والتقبيح إلى حصول المحبوب ودفع المكروه وهو المعروف والمنكر ~~كما يرجع جنس الخبر إلى الوجود والعدم وأن هذا يرجع إلى الحق النافع وفي ~~مقابلته الباطل الذي لا ينفع وهذا يرجع إلى الحق PageV07P343 الموجود وفي ~~مقابلته المعدوم تبين له أيضا تناسب جميع العلوم الصحيحة والموجودات ~~المعتدلة والشرائع الإلهية وأعطى كل ذي حق حقه @QB@ والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل @QE@ سورة الأجزاب 4 @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور @QE@ سورة النور 40 وإذا أحسن الاعتبار تبين له ما في منطق اليونان ~~وفلسفتهم من الصواب والخطأ في الحد والبرهان لا سيما في مواد القياس ~~والبرهان وتبين له كثير من خطأهم في التفريق بين المتماثلين والتسوية بين ~~المختلفين مثلما ذكروه في مواد البرهان من قبول بعض القضايا التي سموها ~~يقينية واعتقدوها كلية وليس الأمر كذلك وردهم لبعض القضايا التي سموها ~~مشهورات ووهميات مع كونها قد تكون أقوى من كثير من القضايا التي سموها ~~يقينية كما قد ذكر في غير هذا الموضع فهذا لمعة من كلام علماء الكلام ~~وغيرهم في طريقة الأعراض ونحوها PageV07P344 $ فصل # وأما كلام الفلاسفة في هذا الباب فقال القاضي أبو الوليد بن رشد الحفيد ~~في كتابه المعروف بالأصول في العقائد قد رأيت أن أفصح في هذا الكتاب عن ~~الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها ونتحرى في ذلك كله ~~مقصد الشارع صلى الله عليه وسلم بحسب الجهد والاستطاعة فإن الناس قد ~~اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في هذه الشريعة حتى حدثت فرق ضالة ~~وأصناف مختلفة كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى وأن من خالفه إما ~~مبتدع وإما كافر مستباح الدم والمال وهذا كله ms1448 عدول عن مقصد الشارع صلى الله ~~عليه وسلم وسببه ما عرض لهم من الضلال عن مقصد فهم الشريعة # وأشهر هذه الطوائف في زماننا هذا أربعة الطائفة التي تسمى بالأشعرية ~~والتي تسمى بالمعتزلة والطائفة التي تسمى بالباطنية والطائفة التي تسمى ~~بالحشوية وكل هذه الطوائف قد اعتقدت في PageV07P345 الله اعتقادات مختلفة ~~وصرفت كثيرا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها إلى تأويلات نزلوها في تلك ~~الاعتقادات وزعم كل منهم أن اعتقاده هو الشريعة الأولى التي قصد بالحمل ~~عليها جميع الناس وأن من زاغ عنها فهو إما كافر وإما مبتدع وإذا تؤملت ~~جميعها وتؤمل مقصد الشرع ظهر أن جلها أقاويل محدثة وتأويلات مبتدعة # وأنا أذكر ما ذلك من ايجري مجرى العقائد الواجبة في الشرع الذي لا يتم ~~الإيمان إلا به وأتحرى في ذلك مقصد الشارع صلى الله عليه وسلم دون ما جعل ~~أصلا في الشرع وعقيدة من عقائده من قبل التأويل الذي ليس بصحيح وأبدأ من ~~ذلك بتعريف ما قصد الشارع أن يعتقده الجمهور في الله تبارك وتعالى والطرق ~~التي سلك بهم في ذلك وذلك في الكتاب العزيز # ونبتدي من ذلك بمعرفة الطريق التي تفضي إلى وجود الصانع إذ كانت أول ~~معرفة يجب أن يعلمها المكلف وقبل ذلك فينبغي أن PageV07P346 نذكر آراء تلك ~~الفرق المشهورة فنقول أما الفرقة التي تدعى بالحشوية فإنهم قالوا إن طريق ~~معرفة وجود الله سبحانه هو السمع لا العقل أعني أن الإيمان بوجوده الذي كلف ~~الناس التصديق به يكفي فيه أن يتلقى من صاحب الشرع ويؤمن به إيمانا كما ~~يتلقى منه أحوال المعاد وغير ذلك مما لا مدخل للعقل فيه # قال وهذه الفرقة الظاهر منها أنها مقصرة عن مقصود الشرع في الطريق التي ~~نصبها للجميع مفضية إلى معرفة وجود الله تبارك وتعالى # قلت ليس المقصود هنا الكلام على كل ما يقوله هذا الرجل فإن حصره للمسلمين ~~في هذه الطوائف الأربع تقصير منه إذ السلف والأئمة وخيار المسلمين ليس منهم ~~واحد من هذه الطوائف فإن المعتزلة قد عرفت بدعتهم عند المسلمين والأشعرية ms1449 ~~جاءوا بعدهم وما كان في كلامهم من حق فهو قول السلف والأئمة وما كان فيه من ~~باطل فهو مما أحدث كأقوال المعتزلة وغيرهم PageV07P347 وأما الباطنية فهم ~~أبعد عن السلف والأئمة من هؤلاء وهؤلاء # وأما الذين سماهم بالحشوية فهذا الذي ذكره عنهم إن أريد به أن الإيمان ~~بوجود الرب تبارك وتعالى يكفي فيه مجرد إخبار من لم يعلم صدقه بعد فهذا قول ~~لا يقوله عاقل يعقل ما يقول فضلا عن أن يكون هذا قول طائفة لها قول أو قول ~~سلف الأمة وأئمتها ولكن غاية ما قد يقال إن الجزم بوجود الرب تعالى يكفي في ~~الإيمان بأي طريق من الطرق حصل ذلك # وقد تنازع الناس في الجزم هل يمكن أن يكون بغير علم أم لا وهل يحصل ~~الإيمان بدون العلم به أم لا وإذا حصل الإيمان بدون العلم فهل يجب بعد ذلك ~~طلب العلم به أم لا # وتنازعوا في العلم به هل يحصل ضرورة وموهبة أم لا يحصل إلا كسبا ونحو ذلك ~~من المسائل التي ليس هذا موضعها # وكذلك العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره من المخبرين له طرق ~~متنوعة ليس هذا موضعها فغير الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أخبر بشيء قد ~~يعلم صدقه بوجوه متنوعة فالرسول صلى الله عليه وسلم أولى أن يعلم صدقه كذلك ~~وقد يفرق في التصديق بين شخص وشخص فهذا وأمثاله مما يقوله من يتكلم في ~~العلم PageV07P348 # فهؤلاء قد يقولون العلم بوجود الرب هو فطري ضروري لا يتوقف على النظر ~~والعلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم مع ما يقترن برسالته من آيات الصدق ~~التي تحصل أيضا بالضرورة # وإذا حصل العلم بالصانع تعالى وبالرسول بعلوم ضرورية أمكن بعد هذا أن ~~يعلم تفصيل المعرفة بالله وصفاته وغير ذلك بطريق السماع من الرسول # ومما يبين هذا أن الذين خاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم كان عامتهم ~~مقرين بالصانع وكانت آيات رسالته وأعلام نبوته أظهر عند طالب الحق من أن ~~تخفى على عاقل # وأيضا فقد يقال إن ms1450 من الناس من يحصل له العلم بحال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأنه عالم صادق فيما يذكره من العلوم الإلهية والمعارف الدينية ثم ~~يعرف من الرسول صلى الله عليه وسلم هذه العلوم كما قد يسلكه أبو حامد وهذا ~~الرجل وغير واحد في العلم بالنبوة فيقولون نعلم أن هذا نبي كما نعلم أن هذا ~~طبيب وأن هذا شاهد عدل وأن هذا أمين وسائر الصناعات PageV07P349 فإنه إذا ~~علم وجود النوع كان العلم بأن هذا الشخص من أهل هذا النوع له طرق متنوعة ~~فهذه طريق تعرف به نبوة النبي قبل العلم بتفصيل العلوم الإلهية والدينية # وبالجملة فالعلم بنبوة النبي لها طرق كثيرة قد ذكرت في غير هذا الموضع ~~فالذين يسلكون في معرفة الله تعالى طريق السماع والخبر المجرد يعرفون صدق ~~النبي أولا ثم يعلمون بخبره ما أخبر به # والعلم بصدق النبي ليس موقوفا على إثبات المقدمات التي يذكرها كثير من ~~أهل الكلام كالمعتزلة ومن تبعهم لما سلكوا في ذلك طريق إثبات حدوث الأجسام ~~بما ادعوه من التركيب وبما اتصفت به من الاختصاص وبما قام بها من الأعراض ~~والحوادث وظنوا أنه لا طريق إلى العلم بصدق الرسول إلا هذه أخذوا يشنعون ~~على من لم يسلك هذه الطرق أو قال ما يناقض مقدماتها وقد عرف بطلان طريقهم ~~شرعا وعقلا ولهم ولنحوهم من أهل الكلام الباطل تشنيعات على أهل الجماعة ~~PageV07P350 وقد تقدم من كلام أبي سليمان الخطابي وغيره في الغنية عن ~~الكلام وأهله وبيان طريق المعرفة ما يتعلق بهذا الموضوع ومثل هذا موجود في ~~كلام عامة أئمة المسلمين فإنهم يذمون الطريق التي أحدثها أهل الكلام ~~كالمعتزلة ونحوهم ولكن هؤلاء الذين ابتدعوها يذمون من لم يسلكها من عوام ~~المسلمين وعلمائهم ويسمونهم حشوية فإن لفظ الحشوية أول ما عرف الذم به من ~~كلام المعتزلة ونحوهم رووا عن عمرو بن عبيد أنه قال كان عبد الله بن عمر ~~حشويا وهم يسمون العامة الحشو كما تسميهم الرافضة والفلاسفة الجمهور ويسمون ~~مذهب الجماعة مذهب الحشو فلما كان السلف والأئمة يردونهم إلى ms1451 الشرع وظنوا ~~هم أن الشرع لا يدل إلا بمجرد خبر الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا بطريق ~~الإلزام فيلزم أن يكون وجود الصانع تعالى يكفي فيه مجرد خبر الرسول بوجوده ~~وكان هذا من تقصيرهم في معرفة الشرع فإن الشرع يتضمن بيان الدلائل العقلية ~~التي يحتاج إليها وينتفع بها في هذا الباب # وقد اعترف بذلك أئمة طوائف الكلام والفلسفة الذين يقولون لا تعرف إلا ~~بالعقل بل الذين يقولون بأن وجودب المعرفة والنظر ثابت في العقل كما سنذكر ~~إن شاء الله تعالى بعض كلامهم في ذلك فإن PageV07P351 الكتاب والرسول وإن ~~كان يخبر أحيانا بخبر مجرد كما يأمر أحيانا بأمر مجرد فهو يذكر مع إخباره ~~عن الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله من الدلالة والبيان والهدى والإرشاد ما ~~يبين الطرق التي يعلم بها ثبوت ذلك وما يهدى القلوب ويدل العقول على معرفة ~~ذلك ويذكر من الآيات والأمثال المضروبة التي هي مقاييس عقلية وبراهين ~~يقينية ما لا يمكن أن يذكر أحد من أهل الكلام والفلسفة ما يقاربه فضلا عن ~~ذكر ما يماثله أو يفضل عليه # ومن تدبر ذلك رأى أنه لم يذكر أحد طريقا عقليا يعرف به وجود الصانع أو ~~شيء من أحواله من أهل الكلام والفلاسفة إلا وقد جاء القرآن بما هو خير منه ~~وأكمل وأنفع وأقوى وأقطع بتقدير صحة ما يذكره هؤلاء $ فصل # ومما يبين أصل الكلام في هذا المقام أنه قد تنازع الناس في أصل المعرفة ~~بالله هل تحصل ضرورة في قلب العبد أو لا تحصل إلا بالنظر أو تحصل بهذا تارة ~~وهذا تارة # فذهب كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ومن وافقهم من الطوائف من ~~أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة PageV07P352 وغيرهم إلى أنها لا تحصل ~~إلا بالنظر وهؤلاء يقولون في أول واجب على العبد هل هو النظر والاستدلال ~~المؤدي إلى معرفة الله أو المعرفة وقد تنازعوا في ذلك على قولين ذكرهما ~~هؤلاء الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم # والنزاع لفظي فإن النظر واجب وجوب الوسيلة من باب ما لا يتم ms1452 الواجب إلا ~~به والمعرفة واجبة وجوب المقاصد فأول واجب وجوب الوسائل هو النظر وأول واجب ~~وجوب المقاصد هو المعرفة ومن هؤلاء من يقول أول واجب هو القصد إلى النظر ~~وهو أيضا نزاع لفظي فإن العمل الاختياري مطلقا مشروط بالإرادة وحكى عن أبي ~~هاشم أنه قال أول الواجبات الشك وقال كثير من أهل الكلام والصوفية والشيعة ~~وغيرهم إن المعرفة يبتديها الله اختراعا في قلوب العقلاء البالغين من غير ~~سبب يتقدم وغير نظر وبحث وأنها تقع ضرورة ويذكر ذلك عن صالح قبة وفضل ~~الرقاشي وغيرهما PageV07P353 وعن الجاحظ أنه قال معرفة الله ضرورية وأنها ~~تقع في طباع نامية عقب النظر والاستدلال وأن العبد غير مأمور بها ويذكر نحو ~~ذلك عن ثمامة بن أشرس # وذكروا عن الجهم أنه قال معرفة الله واقعة باختيار الله لا باختيار العبد ~~لأن العبد لا يفعل شيئا # وقال جمهور طوائف المسلمين يمكن أن تقع ضرورة ويمكن أن تقع بالنظر بل قال ~~كثير من هؤلاء إنها تقع بهذا تارة وبهذا تارة فالذين جوزوا وقوعها ضرورة هم ~~عامة اهل السنة وسائر المثبتين للقدر كالأشعري وغيره # وتنازع نظارهم هل ذلك بطريق خرق العادة أو هو معتاد على قولين ومن هؤلاء ~~القائلين بأنها تحصل تارة بالضرورة وتارة بالنظر أبو حامد والرازي والآمدي ~~وغيرهم # ولهذا لما أوردوا عليهم في مسألة وجوب النظر أن المعرفة قد PageV07P354 ~~تحصل بغير الحس والخبر والنظر بطريق تصفية النفس وأنها طريق الصوفية وأنهم ~~جازمون بما هم عليه من العقائد في المعارف الإلهية بخلاف أصحاب النظر فإنه ~~قد لا يحصل لهم مثل هذا الجزم # وإذا كان كذلك فالرياضة إن لم تتعين طريقا إلى تحصيل معرفة الله فلا أقل ~~من أن تكون هي من جملة الطرق المفيدة لمعرفة الله تعالى فقال الرازي في ~~كتابه الكبير نهاية العقول في الجواب العقائد الحاصلة عند التصفية إما أن ~~تكون ضرورية وإما أن لا تكون فإن كانت ضرورية فلا كلام لنا فيها فإنا قد ~~نسلم أن النظريات يمكن أن تصير ضرورية وإن لم تكن ضرورية فلا ms1453 يخلو إما أن ~~تكون تلك العقائد بحال يلزم من زوالها زوال شيء من العلوم الضرورية أو لا ~~يلزم فإن لزم فتلك العلوم إنما حصلت مرتبة على تلك العلوم الضرورية ولا ~~معنى للعلم النظري إلا ذلك وإن لم يلزم فتلك العقائد ليست إلا عقائد ~~تقليدية فلا عبرة حينئذ بذلك فإن أمثال تلك العقائد قد توجد لأصحاب الرياضة ~~من المبطلين من اليهود والنصارى والدهرية PageV07P355 وكذلك قال أبو الحسن ~~الآمدي في كتابه الكبير المسمى أبكار الأفكار في مسألة وجودب النظر لما ذكر ~~حجة من ذكر من جهة المنازع إنا لا نسلم أنه لا طريق إلى معرفة الله إلا ~~بالنظر والاستدلال بل أمكن حصولها بطريق آخر إما بأن يخلق الله تعالى العلم ~~للمكلف بذلك من غير واسطة وإما بأن يخبره به من لا يشك في صدقه كالمؤيد ~~بالمعجزات الصادقة وإما بطريق السلوك والرياضة وتصفية النفس وتكميل جوهرها ~~حتى تصير متصلة بالعوالم العلوية مطلعة على ما ظهر وبطن من غير احتياج إلى ~~تعليم وتعلم # وقال في الجواب قولهم لا نسلم توقف المعرفة على النظر قلنا نحن إنما نقول ~~بوجوب النظر في حق من لم يحصل له العلم بالله PageV07P356 بغير النظر وإلا ~~فمن حصلت له المعرفة بالله بغير النظر فالنظر في حقه غير واجب # وكذلك ذكر هذا غير واحد من أئمة الكلام من أصحاب الأشعري وغيرهم ذكروا أن ~~المعرفة بالله تعالى قد تحصل ضرورة وأنهم مع قولهم بوجوب النظر فإنهم ~~يقولون بإيمان العامة إما لحصول المعرفة لهم ضرورة وإما لكونهم حصل لهم من ~~النظر ما يقتضي المعرفة وإما لصحة الإيمان بدون المعرفة ونقلوا صحة إيمان ~~العامة عن جميعهم # وممن ذكر ذلك أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا في كتابه الكلام أو بعض ~~نظرائه من أصحاب الأستاذ أبي المعالي قال فإن قيل إذا قلتم إن النظر واجب ~~والمعرفة واجبة فما قولكم في العوام وسائر الناس الذين لا ينظرون ولا ~~يعرفون أهم مؤمنون أم كافرون قلنا اختلف في هذا علماء الأصول أما أبو هاشم ~~رأس القدرية فإنه ركب الأبلق ms1454 العقوق في هذا وقال من لا يعرف الله فهو كافر ~~غير مؤمن وقال المعرفة واجبة فإذا لم تحصل فضدها النكرة والنكرة كفر وقرره ~~بأن هؤلاء العامة يقولون إنهم PageV07P357 مخيرون في المذاهب أم غير مخيرين ~~فإن قلتم إنهم مخيرون بين الرفض والاعتزال والقدر والتجسيم والتشبيه وغير ~~ذلك من المذاهب فهذا خطأ وعناد وإن قلتم لا يخيرون بل يتبعون بعض المذاهب ~~فلا يمكن اختيار بعض المذاهب إلا بدليل وذلك هو العلم والنظر # قال وأما علماؤنا فكلهم مجمعون على أن العامة مؤمنون وأنهم حشو الجنة إلا ~~أنهم اختلفوا في ذلك فقال قائلون إنهم عالمون بالله تعالى عارفون بالأدلة ~~إلا أن عبارتهم غير مفصحة بالألفاظ المصطلح عليها وإلا فالأدلة في طي ~~عقولهم ونشر نفوسهم وإذا رأى أحدهم خضرة تفوه يقول سبحان الله وهذا نظر منه ~~وقالوا لا معنى للعلم إلا اعتقاد المعلوم على ما هو عليه وهذا موجود في حق ~~العامة ثم إنهم قالوا في العلوم النظرية ما قولكم فيها أتجيزون وجودها ~~ضرورة أم لا تجيزون وإن لم تجوزوا ذلك فقد أبعدتم وإن جوزتم ذلك فألا قلتم ~~مثله هاهنا ويكون التكليف الوارد في حقهم PageV07P358 قول لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله وتكون المعارف ضرورية # قال وقال قائلون من علمائنا هم مؤمنون غير عالمين لأن للعلم حقيقة فإن ~~وجدت حكمنا بانهم عالمون وإلا فلا والعلم معرفة المعلوم على ما هو به على ~~وجه لا يمكن الانحلال عنه ولا الانفكاك منه وإذا طرأت عليه شبهة لا يرتاع ~~لها ولا يتشكك وهذا العلم بناؤه على طريق يفيد العلم ولا يوجد هذا في حق ~~العامة فإنهم وإن اعتقدوا المعلوم على ما هو به إلا أنهم يعرضه التشكك إذا ~~ذكرت لهم شبهة إذ لا يقدرون على دفعها بطريق يستند العلم إليه لأنهم يدفعون ~~الشبه باتباع الآباء والتعصب الذي نشأوا عليه وهذا لا يحصل به العلم وإذا ~~قال إن العلم حصل بغير اتباع الآباء والتقليد فهذا عالم حقيقة كسادات ~~الصوفية فإن المعارف في حقهم ضرورة # قال وأما قوله بأن ms1455 العامة ينظرون قلنا لعمري ذاك كله مبادىء النظر وما ~~وصلوا إلى غاية النظر وهو وقوف منهم على أحد شطري الشيء لأنهم يقولون ~~العالم حادث ويجوز أن يكون PageV07P359 حادثا ويجوز أن يكون قديما مثلا ~~فيعتقد حدوثه ولا ينظر إلى الجانب الآخر والعالم يستعرض المسالك ويشرحها ~~بالمدارك وينهى النظر إلى الغاية القصوى # قال فإن قيل كيف يكونون مؤمنين وليسوا بعارفين قلنا لأن الله تعالى أوجب ~~عليهم هذا القدر ولم يوجب عليهم العلم وهذا معلوم بضرورة العقل مستندا إلى ~~السمع فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكتفي من الأعراب بالتصديق مع ~~علمنا بقصور علمهم عن معرفة النظر والأدلة بل يجب عليهم نفي الشك عنهم فإذا ~~كانوا قد نفوا الشك واللبس عنهم وعقائدهم مستقرة فهم مؤمنون ولا نقول يجب ~~العلم بل لو زال الشك عنهم بخبر التواتر ظاهرا أو قول بعض المشايخ أو منام ~~هائل في حق الخصوم ثم سكنت قلوبهم إلى اعتقادهم صح ذلك فإن لم يزل عنهم ~~الشك إلا بالعلم فعند ذلك لا بد منه # قال وفي القرآن حجاج وإن لم يكن فيه الغلبة والفلج غير أن العامي يكتفي ~~به كقوله تعالى @QB@ أفعيينا بالخلق الأول @QE@ سورة ق 15 وليس من أنكر ~~الحشر ينكره لأجل العياء وكذلك قوله تعالى @QB@ ويجعلون لله ما يكرهون @QE@ ~~سورة النحل 62 @QB@ ألكم الذكر وله الأنثى @QE@ سورة النجم 21 وليس هذا يدل ~~على نفي الولد قطعا فمبادىء النظر كافية لهم فإن قيل فإذا لم يجب هذا النظر ~~على كافة الناس فهل يجب على الآحاد قلنا أجل يجب في كل عصر أن يقوم به آحاد ~~الناس وهو فرض من فروض الكفايات كالجهاد وتعلم القرآن PageV07P360 وغير ذلك ~~من فروض الكفايات فأما عامة الناس فلا يتعين عليهم العلم بل الإعتقاد ~~الصحيح يكفيهم # قلت المقصود أن الطائفة الأولى الذين قالوا إن العامة عليهم العلم قالوا ~~إنه قد يحصل لهم ضرورة وقد يحصل بالنظر والطائفة الثانية الذين اكتفوا ~~بالاعتقاد اعترفوا بأن من الناس من يحصل له المعرفة ضرورة كسادات الصوفية ~~وأما ذكره من ms1456 أن الحجاج الذي في القرآن يكتفي به العامي وإن لم يكن فيه ~~الغلبة والفلج فهذا الكلام يقوله مثل هذا الرجل وأمثاله من أهل الكلام ~~الجاهلين بحقائق ما جاء به التنزيل وما بعث به الرسول حتى قد يقول بعضهم إن ~~الطريقة البرهانية ليست في القرآن وهؤلاء جهلهم بمعاني الأدلة البرهانية ~~التي دل عليها القرآن كجهلهم بحقائق ما أخبر به القرآن بل جهلهم بحقائق ما ~~دل عليه الشرع من الدلائل العقلية والمطالب الخبرية أعظم من جهلهم بما ~~سلكوه من الطرق البدعية التي سموها عقلية # وقد رأيت في كلام هذا الرجل وأمثاله من ذلك عجائب يخالفون بها صريح ~~المعقول مع مخالفتهم لصحيح المنقول ونقص علمهم وإيمانهم بما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع PageV07P361 # وقد بينا في غير هذا الموضع أن الطرق التي جاء بها القرآن هي الطرق ~~البرهانية التي تحصل العلم في المطالب الإلهية مثال ذلك أنه يستدل بقياس ~~الأولى البرهاني لا يستدل بقياس التمثيل والتعديل وذلك أن الله تعالى ليس ~~مماثلا لشيء من الموجودات فلا يمكن أن يستعمل في حقه قياس شمول منطقي تستوي ~~أفراده في الحكم كما لا يستعمل في حقه قياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع ~~فإنه سبحانه لا مثل له وإنما يستعمل في حقه من هذا وهذا قياس الأولى مثل أن ~~يقال كل نقص ينزه عنه مخلوق من المخلوقات فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عنه ~~وكل كمال مطلق ثبت لموجود من الموجودات فالخالق تعالى أولى بثبوت الكمال ~~المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه لأنه سبحانه واجب الوجود فوجوده ~~أكمل من الوجود الممكن من كل وجه ولأنه مبدع الممكنات وخالقها فكل كمال لها ~~فهو منه وهو معطيه والذي خلق الكمال وأبدعه وأعطاه أحق بأن يكون له الكمال ~~كما يقولون كل كمال في المعلول فهو من العلة # وكان المشركون يقولون إن الملائكة بنات الله كما حكى الله ذلك عنهم بقوله ~~@QB@ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا @QE@ سورة الزخرف 19 وهم ms1457 ~~مع هذا يجعلون البنات نقصا وعيبا ويرون الذكر كمالا فقال لهم كيف تصفون ~~ربكم بأنقص الوصفين وأنتم مع هذا لا ترضون هذا لأنفسكم فهذا احتجاج عليهم ~~بطريق PageV07P362 الأولى في بطلان قولهم إن له البنات ولهم البنين لم يحتج ~~بذلك على نفي الولد مطلقا كما يقول من يفتري على القرآن # قال تعالى @QB@ ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن ~~عما كنتم تفترون @QE@ سورة النحل 56 @QB@ ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ~~ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم ~~من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ~~للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ~~@QE@ إلى قوله تعالى @QB@ ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم ~~الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون @QE@ سورة النحل 57 62 # فبين سبحانه وتعالى أنهم يفضلون أنفسهم على ربهم ويجعلون له ما يكرهون ~~ويقولون بوصفهم الكذب أن لهم الحسنى وأنهم يجعلون لأنفسهم ما يشتهون وأن ما ~~جعلوا لله نظيره إذا بشر به أحدهم ظل وجهه مسودا يتوارى من القوم من سوء ما ~~بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون فبين سبحانه أن ~~هذا الحكم حكم سيىء # كما قال تعالى في الآية الأخرى @QB@ ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ~~ضيزى @QE@ سورة النجم 21 22 أي قسمة جائرة وقال في PageV07P363 الآية ~~الأخرى @QB@ وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين أم اتخذ مما ~~يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ~~@QE@ سورة الزخرف 15 19 فقال تعالى مقيما للحجة مخاطبا باستفهام الإنكار ~~المبين لبطلان ما أنكره وامتناعه وأن ذلك مستقر في الفطر @QB@ أم اتخذ مما ~~يخلق بنات وأصفاكم ms1458 بالبنين @QE@ سورة الزخرف 16 فإنه لو قدر على سبيل الفرض ~~أن يتخذ أولادا أكان يتخذ مما يخلق بنات ويصفيكم بالبنين أي يجعل البنين ~~صافين لكم لا يشرككم في اتخاذ البنين بل تكونون أنتم مخصوصون بخير الصنفين ~~وهو سبحانه مخصوص بالصنف المنقوص # ثم ذكر عنهم ما يبين فرط نقص البنات عندهم فقال @QB@ وإذا بشر أحدهم بما ~~ضرب للرحمن مثلا @QE@ سورة الزخرف 17 وهن الإناث كما ذكر ذلك في سورة النحل ~~أي بالذي جعله مثلا للرحمن وهن البنات اللاتي جعل للرحمن مثلهن فضربه ~~للرحمن مثلا أي جعله له مثلا حيث مثل به الملائكة الذين جعلهم بنات الله ~~فجعلهن يماثلن البنات اللاتي جعل الرحمن مثلهن فضرب للرحمن أي PageV07P364 ~~جعل له مثلا يماثل البنات اللاتي إذا بشر أحدهم بها ظل وجهه مسودا وهو كظيم # ثم بين نقص النساء فقال @QB@ أو من ينشأ في الحلية @QE@ سورة الزخرف 18 ~~وهن النساء تربين في الحلية @QB@ وهو في الخصام غير مبين @QE@ سورة الزخرف ~~18 وهي المرأة لا تكاد تتكلم بحجة لها إلا كانت عليها فبين أنهن من نقصهن ~~يكملن بالحلية التي تزينهن في أعين الرجال وهي لا تبين في الخصام # وعدم البيان صفة نقص فإن الله ميز الإنسان بالنطق والبيان الذي فضله به ~~على سائر الحيوان كما قال تعالى @QB@ الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه ~~البيان @QE@ سورة الرحمن 1 4 وقال @QB@ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ~~علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ سورة العلق 3 5 # وأهل المنطق يقولون الإنسان هو الحيوان الناطق ولما كان هذا أظهر صفاته ~~قال تعالى @QB@ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون @QE@ سورة ~~الذاريات 23 وقد قال تعالى @QB@ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ~~@QE@ سورة النجم 19 20 وهذه هي الأصنام الكبرى التي كانت بمدائن الحجاز ~~فإنه كانت PageV07P365 اللات لأهل المدينة والعزى لأهل مكة ومناة الثالثة ~~الأخرى لأهل الطائف # وهذه كلها مؤنثة كما قال في الآية الأخرى @QB@ إن يدعون من دونه إلا ~~إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا @QE@ سورة النساء 117 ms1459 # وهذه جعلوها شركاء له تعبد من دونه وسموها بأسمائه مع التأنيث كما قيل إن ~~اللات من الإله والعزى من العزيز ومناة من منى يمنى إذا قدر وكانوا يسمونها ~~الربة وهم سموها بهذه الأسماء التي فيها وصفها لها بالإلهية والعزة ~~والتقدير والربوبية وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان ~~أي من كتاب وحجة فإن الله تعالى لم يأمر أحدا بأن يعبد أحدا غيره ولم يجعل ~~لغيره شركاء في إلهيته # كما قال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون @QE@ سورة الزخرف 45 PageV07P366 # وهو سبحانه دائما ينزه نفسه في كتابه العزيز عن الشريك والولد كما ذكره ~~في سورة النحل حيث قال @QB@ ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم @QE@ ~~سورة النحل 56 الآية وما بعدها # وقال @QB@ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ~~يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا @QE@ سورة الإسراء 111 # وقال تعالى @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ~~الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك @QE@ ~~سورة الفرقان 1 2 # وقال تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد @QE@ سورة الاخلاص # وقال @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون @QE@ سورة الأنعام 100 # وقالت الجن @QB@ وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا @QE@ سورة ~~الجن 3 # وإذا أراد أن يحتج سبحانه على نفي الولد مطلقا لم يذكر هذه الحجة التي لم ~~يفهم وجهها من لم يعرف ما في القرآن من الحجاج وظن هو PageV07P367 وأمثاله ~~من أهل الضلال أن حجاجهم أكمل من حجاج القرآن وأنهم حققوا أصول الدين أعظم ~~من تحقيق الصحابة والتابعين # بل يذكر سبحانه الحجة المناسبة للمطلوب كقوله تعالى @QB@ وقالوا اتخذ ~~الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات ~~والأرض وإذا ms1460 قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ سورة البقرة 116 117 # وقال تعالى @QB@ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم @QE@ سورة الأنعام 100 101 # والكلام على هذه الآيات وما فيها من الأسرار مذكور في غير هذا الموضع وقد ~~بين هناك أن هؤلاء الآيات تضمنت إبطال قول المبطلين من المشركين والصابئين ~~وأهل الكتاب وتضمنت إبطال ما كان يقوله مشركو العرب وما يقوله النصارى وما ~~يقوله مشركو الصابئة وفلاسفتهم الذين يقولون بتولد العقول أو العقول ~~والنفوس عنه # ومن أراد الجمع بين كلامهم وبين النبوات سماها ملائكة ويقول العقل كالذكر ~~والنفس كالأنثى فهؤلاء خرقوا له بنين وبنات بغير علم PageV07P368 # ثم بين سبحانه أنه مبدع للسماوات والأرض والإبداع خلق الشيء على غير مثال ~~بخلاف التولد الذي يقتضي تناسب الأصل والفرع وتجانسهما # والإبداع خلق الشيء بمشيئة الخالق وقدرته مع استقلال الخالق به وعدم شريك ~~له والتولد لا يكون إلا بجزء من المولد بدون مشيئته وقدرته ولا يكون إلا ~~بانضمام أصل آخر إليه # وقال تعالى @QB@ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل ~~شيء عليم @QE@ سورة الأنعام 101 فبين بطلان كون الولد له من غير صاحبة ~~لقوله @QB@ ولم تكن له صاحبة @QE@ سورة الأنعام 101 فإن التولد لا يكون إلا ~~من أصلين وليس في الموجودات ما يكون وحده مولدا لشيء بل قد خلق الله تعالى ~~من كل شيء زوجين وهو سبحانه الفرد الذي لا زوج له # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين فساد قول المتفلسفة الذين يقولون لا ~~يصدر عن الواحد إلا واحد حتى قالوا إن الواجب لم يصدر عنه أولا إلا عقل ثم ~~بتوسط العقل صدر عقل ونفس وفلك PageV07P369 # وهذا الكلام وإن كان فساده معلوما من وجوه كثيرة كما قد بسط في موضعه ~~فالمقصود هنا أنه ليس في الموجودات الواحد البسيط الذي يصفونه ms1461 وهو المجرد ~~عن جميع صفات الإثبات الذي لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات بل هذا الواحد لا ~~حقيقة له # وأيضا فإنه لا يعرف في الموجود واحد صدر عنه بمجرده شيء وما يمثلون به من ~~أن النار لا يصدر عنها إلا الاحراق والتسخين والماء لا يصدر عنه إلا ~~التبريد والشمس يصدر عنها الشعاع ونحو ذلك كلها حجج عليهم فإن هذه الآثار ~~لم تصدر عن مجرد هذه الأجسام وطبائعها بل لا تكون السخونة والإحراق إلا عن ~~شيئين أحدهما النار أو الشعاع أو الحركة فإن هذه الثلاثة من أسباب السخونة ~~والثاني محل قابل لذلك كبدن الحيوان والنبات ونحو ذلك وإلا فالسمندل ~~والياقوت وغيرهما لما لم تكن فيه قوة القبول لم تحرقه النار # وكذلك الشعاع لا بد له من محل يقبل الانعكاس عليه وإلا فإذا لم يكن هناك ~~جسم قابل له لم يحدث الشعاع # وهؤلاء الملاحدة يقولون إن الأول الواجب الوجود الذي PageV07P370 يسمونه ~~العلة هو ذات بسيطة ليس له نعت من النعوت وأنه صدر عنه عقل هو واحد بسيط ~~أيضا لأنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد ثم صدر عنه عقل ونفس وفلك وليس هذا ~~نظير ما يمثلون به من الآحاد فإن آثارها كانت بمشاركة من القوابل الموجودة ~~وهنا كل ما سوى الأول فهو معلول له ليس هناك موجود غيره ليشترك هو وذلك ~~الموجود في ذلك كاشتراك الشمس والمطارح القابلة واشتراك النار والموارد ~~القابلة # فقوله تعالى @QB@ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة @QE@ سورة الأنعام ~~101 بيان أن التولد لا يكون إلا بين اثنين وهو سبحانه لا صاحبة له فكيف ~~يكون له ولد # وهذا القدر لما كان مستقرا في فطر الناس كان عامة ما يسمونه تولدا ونتاجا ~~إنما يكون عن أصلين فالأمور التي تسمى متولدات كالشبع والري ونحو ذلك إنما ~~حدثت عن أصلين فعل العبد والأسباب الأخر المعاونة له # وكذلك النظار يقولون النتيجة لا تكون إلا عن مقدمتين ويشبهون حصول ~~النتيجة عن المقدمتين بحصول النتاج عن الأصلين من PageV07P371 الحيوان لأن ~~هذين أصلان في التوليد ms1462 وهذين أصلان في التولد # ثم قال تعالى @QB@ وخلق كل شيء @QE@ سورة الأنعام 101 وذلك بيان لأنه إذا ~~كان خالقا لجميع الأشياء فكيف يكون فيها ما هو متولد عنه والجمع بين الخلق ~~والتوليد ممتنع كما يمتنع الجمع بين التولد والتعبد # كما قال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا @QE@ سورة مريم 88 94 # وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون @QE@ ~~سورة الأنبياء 26 حتى أنه استدل بهذا طائفة من الفقهاء على أن ولد الإنسان ~~يعتق عليه إذا ملكه فلا يكون عبده من هذه الآية لأنه سبحانه بين تنافي ~~التوليد والتعبيد PageV07P372 # وهذا الحكم معلوم بأدلة أخرى كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال لعل صاحبها يلم بها قالوا أجل قال لقد ~~هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستعبده وهو ~~لا يحل له # فبين صلى الله عليه وسلم أنه إذا وطىء تلك الحبلى وسقى ماءه زرع غيره ~~فإنه بتلك الزيادة التي تحصل منه في الجنين يصير شريكا له في التولد وحينئذ ~~فلا يحل له أن يستعبده ولا أن يجعله موروثا عنه كما يورث ماله فإذا كان هذا ~~بمشاركته في التولد مع أن الولد قد انعقد من ماء غيره فكيف بالولد الذي ~~انعقد منه # وكذلك قوله تعالى @QB@ وهو بكل شيء عليم @QE@ سورة الأنعام 101 كما قال ~~في الآية الأخرى @QB@ لقد أحصاهم وعدهم عدا @QE@ سورة مريم 94 فإن إحاطة ~~العلم والعد بهم فيه بيان أنه لا يكون منهم إلا ما يعلمه لا ينفردون عنه ~~بشيء كما ينفرد الولد عن والده والشريك عن شريكه PageV07P373 # وقوله في الآية الأخرى @QB@ بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون @QE@ سورة البقرة ms1463 117 بيان لكونه سبحانه يخلق الأشياء ~~بكلمته وأنها منقادة له فإذا قال لها كن كانت وهذا مناف للتوليد بل خلق ~~المسيح عليه السلام بكلمة كن # وقد علم في الشاهد أن من يدبر الأشياء بمجرد كلمته ليس كالذي يحتاج إلى ~~أن تولد منه الأشياء فكيف يوصف بالتولد وهو سبحانه في جميع ما يقضيه إنما ~~يقول له كن فيكون # وأما ما ذكره من قوله تعالى @QB@ أفعيينا بالخلق الأول @QE@ سورة ق 15 ~~وقول ذلك القائل من أنكر الخلق فلم ينكره لأجل كونه عيي بالخلق الأول فيقال ~~له مثل هذا الكلام إذا قاله ملحد طاعن في القرآن كان فيه من الدلالة على ~~جهله وضلاله ما لا يقدر على وصفه الإنسان # وذلك أن الله تعالى في كتابه ذكر من دلائل المعاد وبراهينه ما لا يقدر ~~أحد على أن يأتي بقريب منه وذكر فيه من أصناف الحجج ما ينتفع به عامة الخلق ~~PageV07P374 # فإنه سبحانه دل على إمكان إحياء الموتى وقدرته على ذلك بطريق الوجود ~~والعيان وبطريق الاعتبار والبرهان والأول أعظم الطريقين فلا شيء أدل على ~~إمكان الشيء من وجوده فذكر في كتابه ما أحياه من الموتى في غير موضع # كما قال تعالى في سورة البقرة @QB@ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم ~~تشكرون @QE@ سورة البقرة 55 56 فهذه في قصة موت بني إسرائيل الذين سألوه ~~الرؤية # وقال في قصة البقرة @QB@ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ~~ويريكم آياته لعلكم تعقلون @QE@ سورة البقرة 73 # وقال في الذين خرجوا من ديارهم @QB@ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ~~وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على ~~الناس @QE@ سورة البقرة 243 الآية وهي قصة معروفة # وقال تعالى @QB@ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي ~~هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت ~~يوما أو بعض ms1464 يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ~~وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها ~~لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير @QE@ PageV07P375 سورة ~~البقرة 259 فقص هذه القصة التي فيها موت البشر مائة عام وموت حماره ومعه ~~طعامه وشرابه ثم إحياء هذا الميت وإحياء حماره وبقاء طعامه وشرابه لم يتغير ~~ولم يفسد وهو في دار الكون والفساد التي لا يبقى فيها في العادة طعام وشراب ~~بدون التغير بعض هذه المدة وهذا يبين قدرته على إحياء الآدميين والبهائم ~~وإبقاء الأطعمة والأشربة لأهل الجنة في دار الحيوان بأعظم الدلالات # وذكر بعد ذلك قول إبراهيم @QB@ رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على ~~كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم @QE@ سورة ~~البقرة 260 فأمره بخلط الأطيار الأربعة مثلا مضروبا لاختلاط الأخلاط ~~الأربعة ثم أحيى الأطيار وميز بين هذا وهذا وجعلهن يأتين سعيا إجابة ~~PageV07P376 لدعوة الداعي فكان في ذلك من الدليل ما لا يخفى على ذي تحصيل # فهذه خمس قصص في إحياء الآدميين وقصة في إحياء البهائم وقصة في إبقاء ~~الطعام والشراب وقصة في إحياء الطير وذكر في غير موضع إحياء المسيح صلى ~~الله عليه وسلم للموتى وذكر قصة أصحاب الكهف وبقاءهم ثلاثمائة سنة وتسع ~~سنين نياما لا يأكلون ولا يشربون وهم أحياء لم يفسدوا # وقال في القصة @QB@ وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن ~~الساعة لا ريب فيها @QE@ سورة الكهف 21 # فهذه القصص فيها من الإخبار بالموجود ما هو من أعظم الدلائل على القدرة ~~والإمكان لإحياء الله الموتى وصدق هذه الأخبار يعلم بما به يعلم صدق الرسول ~~ويعلم بأخبار أخرى من غير طريق الرسول وإخباره بها من أعلام نبوته كما قد ~~بسط في موضع آخر PageV07P377 # وأما الصنف الثاني وهو طريق إثبات الإمكان والقدرة بالاعتبار ms1465 والقياس ~~بطريق الأولى فإنه سبحانه يستدل على ذلك تارة بخلق النبات ويبين أن قدرته ~~على إحياء الموتى كقدرته على إنبات النبات وتارة يستدل على ذلك بخلق ~~الحيوان نفسه وأن قدرته على الإعادة كقدرته على الابتداء وأولى # وتارة يبين ذلك بقدرته على خلق السماوات والأرض كما في قوله تعالى @QB@ ~~يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم ~~من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه ~~يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من في القبور @QE@ سورة الحج آيه 75 # وفي هذا الكلام العزيز من أنواع الاعتبار ما لا يحتمله هذا المكان # وقال تعالى @QB@ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت ~~سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون @QE@ سورة PageV07P378 الأعراف 57 فبين أن ~~إخراج النبات بالماء مما يتذكر به إخراج الموتى من قبورهم # وقال تعالى @QB@ ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ~~والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ~~@QE@ سورة ق 119 # وقال تعالى @QB@ والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور @QE@ سورة فاطر 9 # وقال تعالى @QB@ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن ~~قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا ~~تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون @QE@ سورة الواقعة 58 62 # وقال تعالى @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر ms1466 على أن يخلق ~~مثلهم بلى وهو الخلاق العليم @QE@ سورة يس 81 # وقال تعالى @QB@ أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي ~~بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير @QE@ الأحقاف 33 # وقال تعالى @QB@ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه @QE@ سورة ~~الروم 27 PageV07P379 # وقد بين سبحانه من حجج منكري المعاد والجواب عنها وتقريره ما يطول هذا ~~الموضع باستقصائه كما في قوله @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي ~~العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل ~~لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون @QE@ سورة يس 78 80 إلى آخر ~~الآيات وهذا باب واسع ليس هذا موضع بسطه # فأما الآية التي ذكرها القائل المتقدم وهي قوله @QB@ أفعيينا بالخلق ~~الأول @QE@ سورة ق 15 فإن العرب تقول عي وعيى بأمره إذا لم يهتد لوجهه ~~ويقول الرجل عييت بأمري إذا لم يهتد لوجهه وأعياني هو # وقال الشاعر # % عيوا بأمرهم كما % عييت ببيضتها الحمامة % $ # فالعيى بالأمر يكون عاجزا عنه مثل أن لايدري ما يفعل به # فقال سبحانه باستفهام الإنكار المتضمن نفي ما استفهم عنه وأن ذلك معلوم ~~عند المخاطب @QB@ أفعيينا بالخلق الأول @QE@ سورة ق 15 فلم نكن عالمين بما ~~نصنع فيه ولا قادرين عليه أم خلقناه بعلمنا وقدرتنا وأتينا فيه من الإحكام ~~والإتقان بما دل على ذلك كمال علمنا وحكمتنا وقدرتنا # وهذا نظير قوله @QB@ أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم ~~يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير @QE@ ~~PageV07P380 سورة الأحقاف 33 # ومن المستقر في بدائة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق ~~الآدميين فإذا كان فيها من الدلالة على علم خالقها وقدرته وحكمته ما بهر ~~العقل أفلا يكون ذلك دالا على أنه قادر على إحياء الموتى لا يعيى بذلك كما ~~لم يعى بالأول بطريق الأولى والأخرى # ولعل هذا الجاهل لم يفهم هذه الآية فظن أن قوله ms1467 @QB@ ولم يعي بخلقهن @QE@ ~~الأحقاق 33 هو من الإعياء الذي هو النصب واللغوب وأن المعنى إذا كنا ما ~~تعبنا في الخلق الأول فكيف نتعب في الثاني فإن كان هذا هو الذي فهمه من ~~الآية كما يفهم ذلك جهال العامة الذين لا يعرفون لغة العرب ولا تفسير ~~القرآن ولا يفرقون بين عيى وأعيا فقد أوتى من جهة جهله بالعقل والسمع # وهؤلاء المبتدعون يجهلون حقائق ما جاء به الرسول ويعرضون عنه ثم يحكمون ~~بموجب جهلهم أن ليس في ذلك من البراهين من PageV07P381 جنس ما في كلامهم ~~ولو أوتوا العقل والفهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لتبينوا أنه ~~الجامع لكل خير # وأما فساد طرقهم المخالفة للنصوص فهو بين لكل ذكي فاضل منهم ومن غيرهم ~~ويكفيك أن عمدتهم في أصول الدين إما دليل الأعراض وقد علم ما فيه من ~~الاعتراض وإما دليل الوجوب المستلزم للواجب # وقد بينا في غير هذا الوضع أن تلك الطريقة لا تدل على وجود واجب فإن ذلك ~~إنما يدل إذا ثبت وجود الممكن الذي يستلزم الواجب والممكن عندهم هو متناول ~~القديم والحادث فجعلوا القديم الأزلي داخلا في مسمى الممكن وخالفوا بذلك ~~قول سائر العقلاء من سلفهم وغيرهم مع تناقضهم في ذلك # وبهذا التقدير لا يمكنهم أن يقيموا دليلا على أن الممكن بهذا الاعتبار ~~يحتاج إلى فاعل وقد أوردوا على هذه الطريقة من الاعتراضات ما أوردوه ولم ~~يمكنهم أن يجيبوا عنه بجواب صحيح كما قد بسط في موضعه ثم غايته إثبات وجود ~~واجب لايتميز عن المخلوقات ولهذا صار كثير منهم إلى أن الوجود الواجب لا ~~يتميز عن المخلوقات ولهذا صار كثير منهم إلى أن الوجود الواجب هو وجود ~~المخلوقات فكثير PageV07P382 من نظارهم يطعن في دليل إثبات واجب الوجود ~~وكثير من محققيهم وعارفيهم يقول إن الوجود الواجب هو وجود المخلوقات # ومآل القولين واحد وهو قول فرعون الذي أنكر رب العالمين فإن فرعون وغيره ~~لم ينكروا وجود هذا العالم المشهود فمن جعله هو الوجود الواجب أو كان قوله ~~لا يدل إلا ms1468 على ذلك كان منكرا للصانع ثم إذا كان هذا هو الوجود الواجب كان ~~ما يلزمهم على ذلك من المحالات أضعاف ما فروا منه كما بينا ذلك في غير هذا ~~الموضع # فمن جعله وجود كل موجود كان فيه الشهادة على نفس الوجود المحدث الكائن ~~بعد أن لم يكن بأنه واجب ومن جعله وجود الفلك كان فيه من افتقار واجب ~~الوجود إلى غيره ومن حدوث الحوادث بلا سبب فاعل ومن غير ذلك ما يناقض ~~أصولهم وأصول غيرهم المتفق على صحتها ويوقعهم في شر مما منه فروا # والمقصود هنا أنه سبحانه لما قال @QB@ أفعيينا بالخلق الأول @QE@ سورة ق ~~15 لم يرد الإعياء الذي هو التعب وإنما أراد العى كما تقول العرب عيى بأمره ~~إذا لم يهتد لوجهه وحينئذ فيكون في الآية من الدلالة على علم الخالق وحكمته ~~ما يبين أنه خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه ومن كان خالقا لهذا العالم ~~بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه كان بأن يقدر على إحياء الموتى أولى وأحرى ~~PageV07P383 # والملاحدة المنكرون للمعاد تعود شبههم كلها إلى ما ينفي علم الرب تعالى ~~أو قدرته أو مشيئته أو حكمته ونفي العي يثبت هذه الصفات فتنتفي أصول شبههم ~~فالفلاسفة الإلهيون الذين هم أشهر هذه الطوائف بالحكمة والنظر بالعلم رهط ~~الفارابي وابن سينا وأمثالهما عمدتهم في إنكار المعاد هو اعتقادهم قدم ~~العالم وأن الفاعل علة تامة موجبة بالذات لايختلف فعلها فلا يجوز أن يتغير ~~العالم لأجل ذلك # وهؤلاء في كلامهم من نفى قدرته وعلمه ومشيئته ما هو مبسوط في غير هذا ~~الموضع ومن أيسر ذلك أنهم في الحقيقة ينكرون أن يكون خالقا للمحدثات # وإذا كان قد عرف بضرورة العقل أن المحدثات وما فيها من التخصيص والإتقان ~~والحكمة دل على الخالق العليم القدير الحكيم علم فساد قول هؤلاء فإن قولهم ~~يستلزم أن تكون المحدثات كلها حدثت بلا محدث لأن العلة القديمة التامة التي ~~جعلوها الأول لا يتأخر عنها شيء من معلولاتها فلا يكون شيء من الحوادث ~~معلولا لها فلا يكون مفعولا لها ولا يجوز أن ms1469 تكون الحوادث معلولة لعلة أخرى ~~تامة موجبة بذاتها لأن القول في تلك PageV07P384 العلة كالقول في هذه ولا ~~يجوز أن يكون صدرت عن ممكن لا علة له لأن الممكن لا يكون موجودا بنفسه بل ~~لا بد له من موجد سمى علة أو لم يسم ولا يجوز أن يكون صدرت عن ممكن بنفسه ~~لأن كون ذلك الممكن محدثا لها أمر ممكن محدث فلا بد له من محدث فإذا استحال ~~على أصولهم صدور الحوادث عن العلة التامة الواجبة بواسطة أو غير واسطة فقد ~~تعذر صدورها عن ممكن لا موجب له وعن موجب لا يستند فعله إلى الواجب بنفسه ~~لزم على قولهم أن لا يكون لها فاعل # ووجه الحصر أن يقال محدث الحوادث إما أن يكون هو الواجب بنفسه بوسط أو ~~بغير وسط أو غير الواجب بنفسه وما ليس بواجب بنفسه فهو الممكن والممكن إما ~~أن يكون له موجد وإما أن لا يكون والثاني ممتنع والأول نفس إحداثه للمحدثات ~~أمر حادث ممكن فلا بد له من موجد # فتبين أن المحدثات لا بد لها من محدث يكون واجبا بنفسه ولا يكون علة تامة ~~مستلزمة لمعلولها وهذا يبطل أصل قولهم # وهذا قول حذاقهم كابن سينا وأمثاله الذين يقولون إنه صدر عن موجب بالذات ~~ويحكى هذا القول عن برقلس وأما أرسطو وأتباعه فعندهم الأول لا يوجب شيئا ~~ولا يفعل شيئا بل PageV07P385 الفلك يتحرك للتشبه به وهذا أفسد من ذاك من ~~طرق متعددة وليس هذا موضع بسط ذلك # وإنما المقصود هنا التنبيه على أن قوله تعالى @QB@ ولم يعي بخلقهن @QE@ ~~سورة الأحقاف 33 فيه تنبيه على ثبوت الأمور التي توجب وصف خالق السماوات ~~والأرض بصفات الكمال وبإحداث الأفعال وذلك هو الذي يستلزم قدرته على إحياء ~~الموتى وبسط ذلك يطول # ومما يبين خذلان الله لأهل البدع المخالفين للكتاب والسنة أن هذين ~~الأصلين أمر الولادة وأمر المعاد هما من أعظم أصول أهل الضلال كالدهرية من ~~الفلاسفة وغيرهم الذين يقولون إن العقول تولدت عن الله وينكرون إحياء الله ~~الموتى # وفي الصحيح عن ms1470 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى شتمني ~~ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي ~~فقوله إني اتخذت ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي ~~كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون ~~علي من إعادته وهذا في الصحيح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~حديث أبي هريرة وابن عباس PageV07P386 # وهؤلاء الملاحدة شتموه بما ذكروه من تولد الموجودات عنه وكذبوه بقولهم لن ~~يعيدنا كما بدأنا وضاهوا في ذلك أشباههم من ملاحدة العرب # قال تعالى @QB@ ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر ~~الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا @QE@ إلى قوله @QB@ أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا ~~سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا @QE@ إلى ~~قوله تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد ~~أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا @QE@ سورة مريم 66 95 # فذكر سبحانه في هذا الكلام الرد على من أنكر المعاد وعلى من قال إنه اتخذ ~~ولدا كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في الحديث PageV07P387 # وهذا المبتدع ذكر في دلالة القرآن على هذا وعلى هذا ما تقدم التنبيه على ~~فرط ضلال قائله عن حقائق ما أنزل الله على رسوله # ولهذا لما كانت طريقة القرآن فيما يثبته للرب تعالى وينفيه عنه مبنية على ~~برهان الأولى لا على البرهان الذي تستوي أفراده أو يماثل فرعه أصله # قال تعالى @QB@ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ~~@QE@ سورة النحل 60 بعد قوله @QB@ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ms1471 مسودا ~~وهو كظيم @QE@ سورة النحل 58 # وقال تعالى في الآية الأخرى @QB@ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن @QE@ ~~سورة الزخرف 17 أي بما ضربوه للرحمن مثلا والمثل الذي ضربوه له هو البنات ~~وهو عندهم مثل سوء مذموم معيب فقال تعالى @QB@ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل ~~السوء @QE@ سورة النحل 60 ومن قال إنه ولد الملائكة أو قال إنه ولد العقول ~~أو النفوس فإنه لا يؤمن بالآخرة فله مثل السوء # والله تعالى له المثل الأعلى فلا يضرب له المثل المساوي إذ لا كفو له ولا ~~ند فضلا عن أن يضرب له المثل الناقص ولا يكتفى في حقه بالمثل العالي بل له ~~المثل الأعلى إذ هو الأعلى سبحانه والعلم به أعلى العلوم وذكره أعلى ~~الأذكار وحبه أعلى الحب PageV07P388 # والذي يبتغي وجه ربه الأعلى هو أعلى إذ هو الأتقى الذي هو أكرم الخلق على ~~الله كما قال تعالى @QB@ إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ سورة الحجرات 13 ~~وقال تعالى @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من ~~نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى @QE@ سورة الليل 17 20 # ونظير ما ذكره سبحانه في الأولاد ما ذكره في الشركاء في قوله تعالى @QB@ ~~ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم ~~فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم @QE@ سورة الروم 28 يقول تعالى إذا ~~كان الواحد منكم ليس له من مماليكه شريك في ما رزقه الله بحيث يخاف ذلك ~~المملوك كما يخاف السادة بعضهم بعضا فكيف تجعلون لي شريكا هو مملوكي ~~وتجعلونه شريكا فيما يختص بي من العبادة والمخافة والرجاء حتى تخافوه كما ~~تخافوني # ومن المعلوم أن ملك الناس بعضهم بعضا ملك ناقص فإن السيد لا يملك من عبده ~~إلا بعض منافعه لا يملك عينه وهو شبيه بملك الرجل بعض منافع امرأته وملك ~~المستأجر بعض منافع أجيره ولهذا PageV07P389 يشبه النكاح بملك اليمين كما ~~قال عمر رضي الله عنه النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته # وقال زيد بن ms1472 ثابت الزوج سيد في كتاب الله وقرأ قوله تعالى @QB@ وألفيا ~~سيدها لدى الباب @QE@ سورة يوسف 25 فإذا كان هذا الملك الناقص لا يكون ~~المملوك فيه شريكا للمالك فكيف بالملك الحق التام لكل شيء ملك المالك ~~للأعيان والصفات والمنافع والأفعال الذي لا يخرج عن ملكه شيء بوجه من ~~الوجوه ولا لغيره ملك مفرد ولا شريك في ملك ولا معاونة له بوجه من الوجوه ~~كيف يسوغ في مثل هذا أن يجعل مملوكه شريكه بوجه من الوجوه # والشرك نوعان أحدهما شرك في الربوبية والثاني شرك في الإلهية فأما الأول ~~فهو إثبات فاعل مستقل غير الله كمن يجعل الحيوان مستقلا بإحداث فعله ويجعل ~~الكواكب أو الأجسام الطبيعية أو العقول أو النفوس أو الملائكة أو غير ذلك ~~مستقلا بشيء من الأحداث فهؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الحوادث عن الفاعل فإن كل ~~ما يذكرونه من فعل هذه الفاعلات أمر حادث يفتقر إلى محدث يتم به إحداثه ~~وأمر ممكن لا بد له من واجب يتم به PageV07P390 وجوده وكل ما سوى الخالق ~~القديم الواجب الوجود بنفسه مفتقر إلى غيره فلا يتم به حدوث حادث ولا وجود ~~ممكن # وجمهور العرب لم يكن شركها من هذا الوجه بل كانت مقرة بأن الله خالق كل ~~شيء وربه ومليكه وإنما كان من النوع الثاني فإثبات التوحيد في النوع الثاني ~~يتضمن الأول من غير عكس # والثاني الشرك في الإلهية وضده هو التوحيد في الإلهية وهو عبادة الله ~~وحده لا شريك له فإن المشركين المقرين بأنه رب كل شيء كانوا يتخذون آلهة ~~يستجلبون بعبادتها المنافع ويستدفعون بها المضار ويتخذونها وسائل تقربهم ~~إليه وشفعاء يستشفعون بها إليه # وهؤلاء خلق من خلقه لا يملكون لأحد نفعا ولا ضرا إلا بإذنه فكل ما يطلب ~~منهم لا يكون إلا بإذنه وهو سبحانه لم يأمر بعبادة غيره ولم يجعل هؤلاء ~~شفعاء ووسائل # بل قد قال تعالى @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون @QE@ سورة الزخرف 45 # وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ms1473 إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون @QE@ سورة الأنبياء 25 # وقال تعالى @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ PageV07P391 سورة يونس 18 # وهذا المعنى كثير في القرآن يبين سبحانه أنه لم يشرع عبادة غيره ولا أذن ~~في ذلك بل يبين أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فإنه كما يمتنع أن ~~يكون غيره ربا فاعلا يمتنع أن يكون إلها معبودا # وإذا كان جعل المملوك شريكا في الملك الناقص بحيث يرغب إليه كما يرغب إلى ~~المالك ويرهب منه كما يرهب من المالك ممتنعا يوجب الفساد فجعل المملوك ~~المخلوق شريكا لمالكه الخالق أولى بالامتناع ولزوم الفساد # وذلك أن الذي يخافه إنما يخاف أن يضره فإذا كان يعلم أنه لايضره إلا بإذن ~~الله سبحانه كان الله تعالى هو الذي يجب أن يخاف وكذلك الذي يرجوه إذا كان ~~إنما يرجو نفعه وهو لا ينفعه إلا بإذن الله كان الله هو الذي يجب أن يرجى ~~إذ لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله بخلاف مملوك البشر فإنه وإن كان لا يتصرف ~~في المال إلا بإذن سيده ولا يمنع من أذن له PageV07P392 سيده فقد يمكنه ~~معصية سيده وإذا كان في معصيته نوع من الفساد # والخالق تعالى لا يمكن أحدا أن يفعل شيئا إلا بمشيئته وقدرته فما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن وفي معصية أمره الفساد الذي لا صلاح معه فالمخلوق أعجز ~~عن أن ينفع أو يضر بدون إذنه من عجز المملوك عن النفع والضر بدون إذن سيده ~~ومعصية المخلوق لأمره الذي أرسل به رسله أعظم فسادا من معصية المملوك لأمر ~~سيده # قال تعالى في قصة الخليل صلى الله عليه وسلم ومناظرته لقومه @QB@ وحاجه ~~قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي ~~شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ms1474 ما أشركتم ولا تخافون ~~أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن ~~كنتم تعلمون @QE@ سورة الأنعام 80 81 PageV07P393 # قال تعالى @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون @QE@ سورة الأنعام 82 # وقال تعالى @QB@ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم @QE@ سورة فاطر 2 # ولما كان الطريق إلى الحق هو السمع والعقل وهما متلازمان كان من سلك ~~الطريق العقلي دله على الطريق السمعي وهو صدق الرسول ومن سلك الطريق السمعي ~~بين له الأدلة العقلية كما بين ذلك القرآن وكان الشقي المعذب من لم يسلك لا ~~هذا ولا هذا # كما قال أهل النار @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ ~~سورة تبارك 10 # وقال تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ ~~سورة الحج 46 # ولهذا نفى سبحانه عن الشرك الطريق السمعي والعقلي ونفى شرك الإلهية ~~والربوبية في مثل قوله @QB@ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة ~~من علم إن كنتم صادقين @QE@ PageV07P394 سورة الأحقاف 4 فطالبهم أولا ~~بالطريق العقلي وثانيا بالطريق السمعي # ونظيره قوله @QB@ قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه ~~بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا @QE@ سورة فاطر 40 وهذا باب واسع ~~قد بسط الكلام فيه في غير هذا الموضع # والمقصود هنا التنبيه اللطيف على بعض ما في القرآن من تقرير المعاد ونفي ~~الولد والشريك إذ كان هذا فصلا معترضا في هذا المقام # فقد تبين أن جمهور النظار من جميع الطوائف يجوزون أن تحصل المعرفة ~~بالصانع بطريق الضرورة كما هو قول الكلابية والأشعرية وهو ms1475 مقتضى قول ~~الكرامية والضرارية والنجارية والجهمية وغيرهم وهو قول طوائف أهل السنة من ~~أهل الحديث والفقهاء وغيرهم كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة ومالك ~~والشافعي وأحمد وغيرهم # وإنما ينازع في ذلك من ينازع من القدرية كالمعتزلة ونحوهم مع أنهم ~~متنازعون في ذلك بل كثير من أهل الكلام بل PageV07P395 وجمهور العلماء ~~يقولون إن الإقرار بالصانع حاصل لعامة الخلق بطريق الضرورة # كما ذكر الشهرستاني في كتابه المعروف بنهاية الإقدام في قاعدة التعطيل ~~قال قد قيل إن التعطيل ينصرف إلى وجوه شتى منها تعطيل الصنع عن الصانع ~~ومنها تعطيل الصانع عن الصنع ومنها تعطيل الباري عن الصفات الأزلية الذاتية ~~ومنها تعطيل الباري عن الصفات الأزلية القائمة بذاته ومنها تعطيل الباري عن ~~الصفات والأسماء أزلا ومنها تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت ~~عليها # ثم قال أما تعطيل العالم عن الصانع العليم القادر الحكيم فلست أراها ~~مقالة ولا عرفت عليها صاحب مقالة إلا ما نقل من شرذمة قليلة من الدهرية ~~أنهم قالوا كان PageV07P396 العالم في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير ~~استقامة فاصطكت اتفاقا فحصل منها العالم بشكله الذي تراه عليه ودارت ~~الأكوار وكرت الأدوار وحدثت المركبات # قال ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع بل هو معترف بالصانع لكنه ~~يحيل سبب وجود العالم على البخت والاتفاق احترازا عن التعطيل فما عدت هذه ~~المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان فإن الفطرة السليمة الإنسانية ~~شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على صانع حكيم قادر عليم @QB@ أفي الله ~~شك @QE@ سورة إبراهيم 10 @QB@ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله @QE@ ~~PageV07P397 سورة الزخرف 87 @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم @QE@ سورة الزخرف 9 # قال وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها ~~في حال الضراء @QB@ دعوا الله مخلصين له الدين @QE@ سورة يونس 22 @QB@ وإذا ~~مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ سورة الإسراء 67 # ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ms1476 ورد بمعرفة التوحيد ونفى ~~الشريك أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله @QB@ فاعلم أنه لا ~~إله إلا الله @QE@ سورة محمد 19 ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق ~~في التوحيد ونفى الشريك @QB@ ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك ~~به تؤمنوا @QE@ سورة غافر 12 @QB@ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون @QE@ سورة الزمر 45 ~~@QB@ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا @QE@ ~~PageV07P398 سورة الإسراء 46 # قال وقد سلك المتكلمون طريقا في إثبات الصانع وهو الاستدلال بالحوادث على ~~محدث صانع وسلك الأوائل طريقا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح ~~لأحد طرفي الإمكان ويدعى كل واحد من جهة الاستدلال ضرورة وبديهة # قال وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات ~~دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج ذاته إلى مدبر هو منتهى مطلب ~~الحاجات فيرغب إليه ولا يرغب عنه ويستغنى به ولا يستغنى عنه ويتوجه إليه ~~ولا يعرض عنه ويفزع إليه في الشدائد والمهمات فإن احتياج نفسه أوضح له من ~~احتياج الممكن الخارج إلى الواجب PageV07P399 والحادث إلى المحدث وعن هذا ~~المعنى كانت تعريفات الحق سبحانه في التنزيل على هذا المنهاج # @QB@ أم من يجيب المضطر إذا دعاه @QE@ سورة النمل 62 @QB@ قل من ينجيكم ~~من ظلمات البر والبحر @QE@ سورة الأنعام 63 @QB@ ومن يرزقكم من السماء ~~والأرض @QE@ سورة النمل 64 @QB@ أم من يبدأ الخلق ثم يعيده @QE@ سورة النمل ~~64 # قال وعن هذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم خلق الله العباد على معرفته ~~فاجتالتهم الشياطين عنها فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج وذلك الاجتيال من ~~الشيطان هو تسويله الاستغناء ونفي الحاجة والرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة ~~وتطهيرها من تسويلات الشياطين PageV07P400 فإنهم الباقون على أصل الفطرة ~~ولما كان له عليهم من سلطان @QB@ فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى @QE@ ~~سورة الأعلى 9 10 @QB@ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ms1477 @QE@ سورة طه ~~44 # ومن رحل إلى الله قربت مسافته حيث يرجع إلى نفسه أدنى رجوع فيعرف احتياجه ~~إليه في تكوينه وبقائه وتقلبه في أحواله وأنحائه ثم استبصر من آيات الآفاق ~~إلى آيات الأنفس ثم استشهد به على الملكوت لا بالملكوت عليه @QB@ أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ سورة فصلت 53 عرفت الأشياء بربي وما عرفت ~~ربي بالأشياء ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ومن تعالى إلى ذروة ~~الحقيقة لم يخف من حط فثبت بالدلائل والشواهد أن العالم لم يتعطل عن الصانع ~~الحكيم العالم القدير تعالى وتقدس # وقال أيضا في أول كتابه قد أشار إلي من إشارته PageV07P401 غنم وطاعته ~~حتم أن أجمع له مشكلات الأصول وأحل ما انعقد من غوامضها على أرباب العقول ~~لحسن ظنه بي أني وقفت على نهايات مسارح النظر وفزت بغايات مطارح الفكر ~~ولعله استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم # % لعمري لقد طفت المعاهد كلها % وسيرت طرفي بين تلك المعالم % % فلم أر ~~إلا واضعا كف حائر % على ذقن أو قارعا سن نادم % $ # فلكل عقل مسرى ومسرح هو سدرته المنتهى ولكل قدم محط ومجال هو غايته ~~القصوى إذا وصل إليها ووقف دونها فيظن الناظر أولا أن ليس وراء مرتبته مطاف ~~لطيف الخاطر ولا فوق درجته مطرح لشعاع الناظر ويتيقن آخرا أن مطارد الأفكار ~~إنما يتعلق بذوات المقدار وجناب العزة لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~PageV07P402 # إلى أن قال وإذا كان لا طريق إلى المطلوب من المعرفة إلا الاستشهاد ~~بالأفعال ولا شهادة للفعل إلا من حيث احتياج الفطرة واضطرار الخلقة فحيثما ~~كان الاضطرار والعجز أشد كان اليقين أوفر وآكد @QB@ وإذا مسكم الضر في ~~البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ سورة الإسراء 67 لا جرم @QB@ أم من يجيب ~~المضطر إذا دعاه @QE@ سورة النمل 62 # والمعارف التي تحصل من تعريفات أحوال الاضطرار أشد رسوخا في القلب من ~~المعارف التي هي نتائج الأفكار في حال الاختيار # قلت فهذا كله كلام الشهرستاني وهو من أئمة المتأخرين من النظار ms1478 وأخبرهم ~~بالمقالات وقد صرح بأن معرفة الله ليست معدودة من النظريات التي يقام عليها ~~البرهان وأن الفطرة تشهد بضرورتها وبديهة فكرتها بالصانع الحكيم إلى آخر ما ~~ذكره وأن ما تنتهي إليه مقدمات الاستدلال بإمكان الممكنات أو حدوثها من ~~القضايا الضرورية دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج الإنسان في ~~ذاته إلى مدبر # وأما ما ذكره من أن إنكار الصانع ليس مقالة معروفة لصاحب مقالة فإنه وإن ~~لم يكن مذهبا مشهورا عليه أمة من PageV07P403 الأمم المعروفة لكنه مما يعرض ~~لكثير من الناس ويقوله بعض الناس إما ظاهرا دون الباطن كحال فرعون ونحوه ~~وإما باطنا وظاهرا كما ذكر الله مناظرة إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه ~~للذي حاجه في ربه ومحاجة موسى صلوات الله عليه وسلامه لفرعون # لكن هذا لا يمنع أن تكون المعرفة به مستقرة في الفطرة ثابتة بالضرورة فإن ~~هذا نوع من السفسطة والسفسطة حال يعرض لكثير من الناس إما عمدا وإما خطأ ~~وكثير من الناس قد ينازع في كثير من القضايا البديهية والمعارف الفطرية في ~~الحسيات والحسابيات وكذلك في الإلهيات ومن تأمل ما يحكيه الناس من المقالات ~~عن الناس في العلوم الطبيعية والحسابية رأى عجائب وغرائب وبنو آدم لا ينضبط ~~ما يخطر لهم من الآراء والإرادات فإنهم جنس عظيم التفاوت ليس في المخلوقات ~~أعظم تفاضلا منه خيارهم خير المخلوقات عند طائفة أو من خيرها عند طائفة ~~وشرهم شر المخلوقات أو من شرها PageV07P404 # قال تعالى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون @QE@ سورة الأعراف 179 # وقال تعالى @QB@ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام ~~بل هم أضل سبيلا @QE@ سورة الفرقان 44 وقال تعالى @QB@ ويرسل الصواعق فيصيب ~~بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال @QE@ # سورة الرعد 13 وقال تعالى @QB@ أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم ~~الذين يجادلون في آياتنا ms1479 ما لهم من محيص @QE@ سورة الشورى 34 35 # ونظير هذا كثير وكما تنازع النظار في المعرفة هل تحصل ضرورة أو نظرا أو ~~تحصل بهذا وهذا على ثلاثة أقوال فكذلك تنازعوا في مسألة وجوب النظر المفضي ~~إلى معرفة الله تعالى على ثلاثة أقوال فقالت طائفة من الناس إنه يجب على كل ~~أحد وقالت طائفة لا يجب على أحد وقال الجمهور إنه يجب على بعض الناس دون ~~بعض فمن حصلت له المعرفة أو الإيمان عند من يقول إنه يحصل بدون المعرفة ~~بغير النظر لم يجب عليه ومن لم تحصل له المعرفة ولاالإيمان إلا به وجب عليه ~~PageV07P405 # وذكر غير واحد أن هذا قول جمهور المسلمين كما ذكر ذلك أبو محمد بن حزم في ~~كتابه المعروف بالفصل في الملل والنحل فقال في مسألة هل يكون مؤمنا من ~~اعتقد الإسلام دون استدلال أم لا يكون مؤمنا مسلما إلا من استدل # قال وذهب محمد بن جرير والأشعرية إلا أبا جعفر السمناني إلى أنه لا يكون ~~مسلما إلا من استدل وإلا فليس مسلما # قال وقال الطبري من بلغ الاحتلام أو الإشعار من الرجال أو النساء أو بلغ ~~المحيض من النساء ولم يعرف الله بجميع أسمائه وصفاته من طريق الاستدلال فهو ~~كافر حلال الدم والمال وقال إنه إذا بلغ الغلام أو الجارية سبع سنين وجب ~~تعليمهما وتدريبهما على الاستدلال على كل ذلك # قال وقالت الأشعرية لا يلزمهما الاستدلال على ذلك إلا PageV07P406 بعد ~~البلوغ قال وقال سائر أهل الإسلام كل من اعتقد بقلبه اعتقادا لا يشك فيه ~~وقال بلسانه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن كل ما جاء به ~~حق وبريء من كل دين سوى دين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مسلم مؤمن ليس ~~عليه غير ذلك # قلت القول الأول هو في الأصل معروف عمن قاله من القدرية والمعتزلة ونحوهم ~~من أهل الكلام وإنما قاله من قاله من الأشعرية موافقة لهم ولهذا قال أبو ~~جعفر السمناني القول بإيجاب النظر بقية بقيت في المذهب ms1480 من أقوال المعتزلة ~~وهؤلاء الموجبون للنظر يبنون ذلك على أنه لا يمكن حصول المعرفة الواجبة إلا ~~بالنظر لا سيما القدرية منهم فإنهم يمنعون أن يثاب العباد على ما يخلق فيهم ~~من العلوم الضرورية وليس إيجاب النظر على الناس هو قول الأشعرية كلهم بل هم ~~متنازعون في ذلك فقال الأشعري في بعض كتبه قال بعض أصحابنا أول الواجبات ~~الإقرار بالله تعالى وبرسله وكتبه ودين الإسلام وقال أيضا لو سأل سائل عمن ~~ورد من الصين ورأى الاختلاف ماذا يلزمه فقال عنه جوابان أحدهما أنه يلزمه ~~PageV07P407 النظر ليعرف الحق فيتبعه والثاني يلزمه اتباع الحق وقبول ~~الإسلام ثم تصحيح المعرفة بالنظر والاستدلال على أقل ما يجزئه # وقد تنازع أصحابه وغيرهم في النظر في قواعد الدين هل هو من فروض الأعيان ~~أو من فروض الكفايات والذين لا يجعلونه فرضا على الأعيان منهم من يقول ~~الواجب هو الإعتقاد الجازم ومنهم من يقول بل الواجب العلم وهو يحصل بدونه ~~كما ذكر ذلك غير واحد من النظار من أصحاب الأشعري وغيرهم كالرازي والآمدي ~~وغيرهما # والذين يجعلونه فرضا على الأعيان متنازعون هل يصح الإيمان بدونه وتاركه ~~آثم أم لا يصح على قولين والذين جعلوه شرطا في الإيمان أو أوجبوه ولم ~~يجعلوه شرطا اكتفوا بالنظر الجملي دون القدرة على العبارة والبيان ولم يوجب ~~العبارة والبيان إلا شذوذ من أهل الكلام # ولا ريب أن المؤمنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والتابعين لم يكونوا يؤمرون بالنظر الذي ذكره أهل الكلام المحدث كطريق ~~الأعراض والأجسام لكن هل يقال مجرد الإعتقاد الجازم كان كافيا لهم أم لا بد ~~من علم يحصل بنظر أم يحصل علم ضروري بغير الطريقة النظرية فهذا مما تنوزع ~~فيه PageV07P408 # قال ابن حزم فاحتج من أوجب الاستدلال بالإجماع على أن التقليد مذموم وما ~~لم يعرف بالاستدلال فهو تقليد قالوا والديانات لا يعرف حقها من باطلها ~~بالحس لا يعلم إلا بالاستدلال ومن لم يحصل له العلم فهو شاك واحتجوا بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما حكاه عن ms1481 المسئول في قبره قال فأما المؤمن أو ~~الموقن فيقول هو عبد الله ورسوله وأما المنافق أو المرتاب فيقول لا أدري ~~سمعت الناس يقولون شيئا فقلته # وقال في الجواب التقليد أخذ المرء قول من هو دون الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ممن لم يأمرنا الله باتباعه وأخذ قوله بل حرم علينا ذلك وأما أخذ قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الذي PageV07P409 فرض الله تصديقه وطاعته فليس ~~تقليدا بل إيمان وتصديق واتباع للحق وطاعة الله ورسوله # قال فموه هؤلاء الذين أطقوا على الحق الذي هو اتباع الحق اسم التقليد ~~الذي هو باطل والقرآن إنما ذم فيه تقليد الآباء والكبراء والسادة في خلاف ~~ما جاءت به الرسل وأما اتباع الرسل فهو الذي أوجبه لم يذم من اتبعهم أصلا # قال وأما احتجاجهم بأنه لا تعرف الأشياء إلا بالدلائل وبأن ما لم يصح به ~~دليل فهو دعوى ولا فرق بين الصادق والكاذب بنفس قولهما فإن هذا ينقسم قسمين ~~فمن كان من الناس تنازعه نفسه إلى تصديق ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم حتى يسمع الدلائل فهذا فرض عليه طلب الدليل إلا أنه إذا مات شاكا أو ~~جاحدا قبل أن يسمع من البرهان ما تثلج به نفسه فقد مات كافرا وهو مخلد في ~~النار بمنزلة من لم يؤمن ممن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأى ~~المعجزات فهذا أيضا لو مات قبل أن يرى المعجزات مات كافرا بلا خلاف من أحد ~~من أهل الإسلام وإنما أوجبنا على من هذه صفته طلب البرهان لأن فرضا عليه ~~طلب ما فيه نجاته من الكفر والقسم الثاني من استقرت نفسه إلى تصديق ما جاء ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV07P410 وسكن قلبه إلى الإيمان ولم ~~كنازعه نفسه إلى طلب دليل توفيقا من الله له وتيسيرا له لما خلق له من ~~الخير والحسنى فهؤلاء لا يحتاجون إلى برهان ولا إلى تكليف استدلال وهؤلاء ~~هم جمهور الناس من العامة والنساء والتجار والصناع والأكرة والعباد وأصحاب ~~الحديث الأئمة الذين ms1482 يذمون الكلام والجدل والمراء في الدين # قال وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ حبب إليكم الإيمان وزينه ~~في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من ~~الله ونعمة والله عليم حكيم @QE@ سورة الحجرات 7 8 # وقال تعالى @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء @QE@ سورة الأنعام 125 # قال فقد سمى الله راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم ~~وكره إليهم المعاصي فضلا منه ونعمة وهذا هو خلق الله الإيمان في قلوبهم ~~ابتداء وعلى ألسنتهم PageV07P411 ولم يذكر الله في ذلك استدلالا أصلا وليس ~~هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لكبرائهم لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم محققون في ~~قلوبهم أن آباءهم ورؤساءهم لو كفروا لما كفروا هم بل كانوا يستحلون قتل ~~آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم ويحسون من أنفسهم النفار العظيم عن كل من ~~سمعوا منه ما يخالف الشريعة ويرون أن حرق الناس بالنار أخف عليهم من مخالفة ~~الإسلام # قال وهذا أمر قد عرفناه من أنفسنا حسا وشاهدناه في ذواتنا يقينا فلقد ~~بقينا سنين كثيرة لا نعرف الاستدلال ولا وجوهه ونحن ولله الحمد في غاية ~~اليقين بدين الإسلام وكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وفي غاية سكون ~~النفس إليه وفي غاية النفار عن كل ما يعترض فيه بشك وكانت تخطر في قلوبنا ~~خطرات سوء في خلال ذلك ينبذها الشيطان فنكاد PageV07P412 لشدة نفارنا عنها ~~أن نسمع خفقان قلوبنا استبشاعا لها كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذ سئل عن ذلك فقيل له إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يقدم فتضرب عنقه أحب ~~إليه من أن يتكلم به فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك محض الإيمان ~~وأخبر أنه وسوسة الشيطان ثم تعلمنا طرق الاستدلال وأحكمناها ولله الحمد ~~والمنة فما زادنا يقينا على ما كنا بل عرفنا أننا كنا ميسرين للحق وصرنا ~~كمن عرف وقد أيقن بكون الفيل سماعا ولم يره ثم ms1483 رآه فلم يزدد يقينا بصحة ~~إنيته أصلا لكن أرانا صحيح الاستدلال رفض بعض الآراء الفاسدة التي نشأنا ~~عليها فقط # قال وإن المخالفين لنا ليعرفون من أنفسهم ما ذكرنا إلا أنهم يلزمهم أن ~~يشهدوا على أنفسهم بالكفر قبل استدلالهم ولا بد فصح بما قلنا أن كل من محض ~~اعتقاد الحق بقلبه وقاله PageV07P413 بلسانه فهم مؤمنون محققون ليسوا ~~مقلدين أصلا وإنما كانوا مكذبين مقلدين لو أنهم قالوا واعتقدوا أننا إنما ~~نتبع في الدين آباءنا وكبراءنا فقط ولو أن آباءنا وكبراءنا تركوا دين محمد ~~صلى الله عليه وسلم لتركناه فلو قالوا هذا واعتقدوه لكانوا مقلدين كفارا ~~غير مؤمنين لأنهم إنما اتبعوا آباءهم وكبراءهم الذين نهوا عن اتباعهم لم ~~يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمروا باتباعه # قال وإنما كلف الله الإتيان بالبرهان إن كانوا صادقين الكفار المخالفين ~~لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهذا نص الآية ولم يكلف قط المسلمين ~~الإتيان بالبرهان ولا أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان والفرق بين الأمرين ~~واضح وهو أن كل من خالف النبي صلى الله عليه وسلم فلا برهان له أصلا فكلف ~~المجيء بالبرهان تبكيتا وتعجيزا إن كانوا صادقين وليسوا PageV07P414 صادقين ~~فلا برهان لهم وأما من اتبع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ~~اتبع الحق الذي قامت البراهين بصحته ودان بالصدق الذي قامت الحجة البالغة ~~بوجوبه فسواء علم هو بذلك أي البرهان أو لم يعلم حسبه أنه على الحق الذي صح ~~البرهان به ولا برهان على سواه فهو محق مصيب # قال وأما قولهم ما لم يكن علما فهو شك وظن والعلم هو اعتقاد الشيء على ما ~~هو به عن ضرورة أو استدلال قالوا والديانات لا تعرف صحتها بالحواس ولا ~~بضرورة العقل فصح أنه لا تعرف صحتها إلا بالاستدلال فإن لم يستدل المرء ~~فليس عالما وإذا لم يكن عالما فهو جاهل شاك أو ظان وإذا كان لا يعلم الدين ~~فهو كافر قال فهذا ليس كما قالوا لأنهم قضوا قضية باطلة فاسدة بنوا ms1484 عليها ~~هذا الاستدلال وهي إقحامهم في حد العلم قولهم عن ضرورة أو استدلال هذه ~~زيادة فاسدة لا نوافقهم عليها ولا جاء بتصحيحها قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا ~~لغة ولا طبيعة PageV07P415 ولا قول صاحب وحد العلم على الحقيقة أنه اعتقاد ~~الشيء على ما هو به فقط وكل من اعتقد شيئا على ما هو به ولم يتخالجه شك فيه ~~فهو عالم به وسواء كان عن ضرورة حس أو عن بديهة عقل أو عن برهان استدلال أو ~~عن تيسير الله عز وجل له وخلقه لذلك المعتقد في قلبه ولا مزيد ولا يجوز ~~البتة أن يكون محقق في اعتقاد شيء كما هو ذلك الشيء وهو غير عالم به وهذا ~~تناقض وفساد وتعارض # قال وقول النبي صلى الله عليه وسلم في مساءلة الملك حجة عليهم لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما قال فيه فأما المؤمن أو الموقن فيقول هو رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يقل فأما المستدل فحسبنا نور المؤمن الموقن كيف كان ~~إيمانه ويقينه وقال صلى الله عليه وسلم وأما المنافق أو المرتاب ولم يقل ~~غير المستدل فيقول سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فنعم هذا هو قولنا لأن ~~PageV07P416 المنافق والمرتاب ليسا موقنين ولا مؤمنين وهذا مقلد للناس لا ~~محقق فالخبر حجة عليهم كافية # وأما قولهم إن الله قد ذكر الاستدلال في غير موضع من كتابه وأمر به وأوجب ~~العلم به والعلم به لا يكون إلا عن استدلال فهذا أيضا زيادة أقحموها وهي ~~قولهم وأمر به فهذا لا يجدونه أبدا ولكن الله ذكر الاستدلال وحض عليه ونحن ~~لا ننكر الاستدلال بل هو فعل حسن مندوب إليه محضوض عليه كل من أطاقه لأنه ~~مزيد من الخير وهو فرض على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق وإنما ننكر كونه ~~فرضا على كل أحد لا يصح إسلام أحد دونه فهذا هو الباطل المحض # وأما قولهم إن الله أوجب العلم به فنعم # وأما قولهم والعلم لا يكون إلا عن استدلال فهذا هو الدعوى الكاذبة ms1485 التي ~~أبطلناها آنفا وأول بطلانها أنها دعوى بلا برهان # قال فسقط قولهم إذ تعرى من البرهان وكان دعوى منهم مفتراة لم يأت بها نص ~~قط ولا إجماع قال ونحن ذاكرون البراهين على بطلان قولهم يقال لمن قال لا ~~يكون مسلما إلا من PageV07P417 استدل أخبرنا متى يجب عليه فرض الاستدلال ~~أقبل البلوغ أو بعده فاما الطبري فإنه أجاب بأن ذلك واجب قبل البلوغ قال ~~ابن حزم وهذا خطأ لأن من لم يبلغ ليس مكلفا ولا مخاطبا # قال وأما الأشعرية فإنهم أتوا بما يملأ الفم وتقشعر منها جلود أهل ~~الإسلام وتصطك منها المسامع ويقطع ما بين قائلها وبين الله وهو أنهم قالوا ~~لا يلزم طلب الأدلة إلابعد البلوغ ولم يقنعوا بهذه الجملة حتى كفونا ~~المؤونة وصرحوا بما كنا نريد أن نلزمهم فقالوا غير مساترين لا يصح إسلام ~~أحد إلا بأن يكون بعد بلوغه شاكا غير مصدق قال وما سمعنا قط في الكفر ~~والانسلاخ من الإسلام بأشنع من قول هؤلاء القوم إنه لا يكون أحد مسلما حتى ~~يشك في الله عز وجل وفي صحة النبوة وفي هل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صادق أو كاذب ولا سمع قط سامع في الهوس PageV07P418 والمناقضة والاستخفاف ~~بالحقائق بأقبح من قول هؤلاء إنه لا يصح الإيمان إلا بالكفر ولا يصح ~~التصديق إلا بالجحد ولا يوصل إلى رضا الله عز وجل إلا بالشك فيه وأن من ~~اعتقد موقنا بقلبه ولسانه أن الله ربه لا إله إلا هو وأن محمدا رسول الله ~~وأن دين الإسلام دين الله الذي لا دين غيره فإنه كافر مشرك نعوذ بالله من ~~الخذلان فوالله لولا خذلان الله الذي هو غالب على أمره ما انطلق لسان ذي ~~مسكة بهذه العظيمة # قلت هذا القول هو في الأصل من أقوال المعتزلة وقد أوجب أبو هاشم وطائفة ~~معه الشك وجعلوه أول الواجبات ومن لم يوجبه من الموافقين على أصل القول قال ~~إنه لا بد من حصوله وإن لم يؤمر به # وهذا بناء على أصلين أحدهما أن أول ms1486 الواجبات النظر المفضي إلى العلم ~~والثاني أن النظر يضاد العلم فإن الناظر طالب للعلم فلا يكون في حال النظر ~~عالما # وكلا الأصلين باطل أما الأول فقد عرف الكلام فيه وأما الثاني فإن النظر ~~نوعان أحدهما النظر المتضمن طلب الدليل PageV07P419 وهو كالنظر في المسئول ~~عنه ليعلم ثبوته أو انتفاؤه كالنظر في مدعي النبوة هل هو صادق أو كاذب ~~والنظر في رؤية الله تعالى هل هي ثابتة في الآخرة أو منتفية والنظر في ~~النبيذ المسكر أحلال هو أم حرام # فهذا الناظر طالب وهو في حال طلبه شاك وليس هذا النظر هو النظر المقتضي ~~للعلم فإن ذلك هو النظر فيما يتضمن النظر فيه للعلم وهو النظر في الدليل ~~كالنظر في الآية والحديث أو القياس الذي يستدل به فهذا النظر مقتض للعلم ~~مستلزم له وذلك النظر مضاد للعلم مناف له # ولما كان في لفظ النظر إجمال كثر اضطراب الناس في هذا المقام وتناقض من ~~تناقض منهم فيوجبون النظر لأنه يتضمن العلم ثم يقولون النظر يضاد العلم ~~فكيف يكون ما يتضمن العلم مضادا لا يجتمعان # فمن فرق بين النظر في الدليل وبين النظر الذي هو طلب الدليل تبين له ~~الفرق والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول بل قد يكون القلب ذاهلا ~~عن الشيء ثم يعلم دليله فيعلم المدلول وإن لم PageV07P420 يتقدم ذلك شك ~~وطلب وقد يكون عالما به ومع هذا ينظر في دليل آخر لتعلقه بذلك الدليل ~~فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير لكن هؤلاء لزمهم المحذور لأنهم إنما ~~أوجبوا النظر لكون المعرفة لا تحصل إلا به فلو كان الناظر عالما بالمدلول ~~لم يوجبوا عليه النظر فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول فيكون الناظر ~~طالبا للعلم فيلزم أن يكون شاكا فصاروا يوجبون على كل مسلم أنه لا يتم ~~إيمانه حتى يحصل له الشك في الله ورسوله بعد بلوغه سواء أوجبوه أو قالوا هو ~~من لوازم الواجب # ومن غلطهم أيضا أنه لو قدر أن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر فليس من شرط ~~ذلك تأخر ms1487 النظر إلى البلوغ بل النظر قبل ذلك ممكن بل واقع فتكون المعرفة قد ~~حصلت بذلك النظر وإن لم يكن واجبا كما لو تعلم الصبي أم الكتاب وصفة الصلاة ~~قبل البلوغ فإن هذا التعلم يحصل به مقصود الوجوب بعد البلوغ والنظر إنما هو ~~واجب وجوب الوسائل فحصوله قبل وقت وجوبه أبلغ في حصول المقصود # ونظير ذلك أن يتوضأ الصبي قبل البلوغ والبالغ قبل دخول وقت الصلاة فيحصل ~~بذلك مقصود الوجوب بعد البلوغ والوقت # والكلام في هذه المسألة له شعب كثيرة وقد تكلم عليها في غير هذا الموضع ~~والمقصود هنا بيان طرق كثير من أهل العلم في تصديق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وتحقيق هذه المسألة يتعلق بمسائل منها أن PageV07P421 الاعتقاد الجازم ~~بلا ضرورة ولا استدلال هل يمكن أم لا وإذا أمكن فهل يسمى علما أم لا # ومنها أن لفظ الضرورة فيه إجمال فقد يراد به ما يضطر إليه الإنسان من ~~المعلومات الظاهرة المشتركة بين الناس وقد يراد به ما يحصل في نفسه بدون ~~كسبه وقد يراد به ما لا يقبل الشك وقد يراد به ما يلزم نفس الإنسان لزوما ~~لا يمكن الانفكاك عنه # ومنها أن حصول العلم في النفس قد يحصل لكثير من الناس حصولا ضروريا مع ~~توهمه أنه لم يحصل له كما يقع مثل ذلك في القصد والنية فإن الأمة متفقة على ~~أن الصلاة ونحوها من العبادات لا تصح إلا بالنية والنية من جنس القصد ~~والإرادة محلها القلب باتفاقهم فلو لفظ بلسانه غير ما قصد بقلبه أو بالعكس ~~كان الاعتبار بقصده الذي في قلبه # ثم إن كثيرا من الناس اشتبه عليهم أمر النية حتى صار أحدهم يطلب حصولها ~~وهي حاصلة عنده ويشك في حصولها في نفسه وهي حاصلة لاسيما إذا اعتقد أنه يجب ~~مقارنة النية للصلاة فيرى في أحدهم من الوسواس في حصولها ما يخرجه عن العقل ~~والدين حتى قيل الوسوسة لا تكون إلا عن خبل في العقل أو جهل بالشرع # وأصل ذلك جهلهم بحقيقة النية وحصولها مع خروجهم عن ms1488 الفطرة السليمة التي ~~فطر الله عليها عباده ومن المعلوم أن كل من علم PageV07P422 ما يريد أن ~~يفعله فلا بد أن ينويه ويقصده فيمتنع أن يفعل العبد فعلا باختياره مع علمه ~~به وهو لا يريده فالمصلي إذا خرج من بيته وهو يعلم أنه يريد الصلاة امتنع ~~أن لا يقصد الصلاة ولا ينويها وكذلك الصائم إذا علم أن غدا من رمضان وهو ~~ممن يصومه امتنع أن لا ينويه وكذلك المتطهر إذا أخذ الماء وهو يعلم أن ~~مراده الطهارة امتنع أن لا يريدها # وإنما يتصور عدم النية مع الجهل بالمفعول أو مع أنه ليس مقصوده المأمور ~~به مثل من يظن أن وقت الصلاة أو الصيام قد خرج فيصوم ويصلي ظانا أن ذلك ~~قضاء بعد الوقت فهذا نوى القضاء فإذا تبين له بعد ذلك أن الصوم والصلاة ~~إنما كانا في الوقت إذا فهذا يجزئه الصلاة والصيام بلا نزاع # وكذلك من اغتسل بالماء لقصد إزالة الوسخ أو لتعليم الغير فهذا لم يكن ~~مراده بما فعله الطهارة المأمور بها ولهذا تنازع الفقهاء في صحة الصلاة ~~بمثل هذه الطهارة وأمثال ذلك # ولهذا يجد المسلم في نفسه فرقا بين ليلة العيد الذي يعلم أنه لا يصومه ~~وبين ليالي رمضان الذي يعلم أنه يصومه ويجد الفرق بين ما إذا كان مقيما أو ~~مسافرا يريد الصيام وبين ما إذا كان مسافرا لا يريد الصيام PageV07P423 # فكما أن الإرادة تكون موجودة في نفس الإنسان وقد يشك في وجودها أو لا ~~يحسن أن يعبر عن وجودها أو يطلب وجودها فهكذا العلم الضروري وغيره قد يكون ~~حاصلا في نفس الإنسان وهو يشك في وجوده أو يطلب وجوده أو لا يحسن أن يعبر ~~عنه لأن وجود الشيء في النفس شيء والعلم بوجوده في النفس شيء آخر فالتمييز ~~بينه وبين غيره والتعبير عن ذلك شيء آخر # فهكذا عامة المؤمنين إذا حصل أحدهم في سن التمييز يحصل له من الأسباب ~~التي توجب معرفته بالله وبرسوله ما يحصل بها في نفسه علم ضروري ويقين قوي ~~كحصول الإرادة لمن ms1489 علم ما يريد فعله ثم كثير من أهل الكلام يلبسون عليه ما ~~حصل له ويشككونه فيه كما أن كثيرا من الفقهاء يلبسون على المريد الناوي ما ~~حصل له ويشككونه فيه # والعلم الحاصل في النفس لا تنضبط أسبابه ومنه ما يحصل دفعه كالعلم بما ~~أحسه ومنه ما يحصل شيئا بعد شيء كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة والعلم ~~بمدلول القرائن التي لا يمكن التعبير عنها # وكذلك حصول الإرادة فإن من الأشياء ما تحصل إرادته الجازمة في النفس ~~كإرادة الأشياء الضرورية التي لا بد له منها كإرادة دفع PageV07P424 الأمور ~~الضارة له وكإرادة الجائع الشديد الجوع والعطشان الشديد العطش لتناول ما ~~تيسر له من الطعام والشراب # ومنه ما يحصل شيئا بعد شيء كإرادة الإنسان لما هو أكمل له وأفضل فإن هذا ~~قد تحصل إرادته شيئا بعد شيء # وكذلك إرادته لما يشك في كونه محتاجا إليه أو كونه نافعا له فإن الإرادة ~~قد تقوى بقوة العلم وقد تضعف بضعفه وقد تقوى بقوة نفس محبة الشيء المطلوب ~~وضعف محبته # ومن عرف حقيقة الأمر تبين له أن النفوس فيها إرادات فطرية وعلوم فطرية ~~وأن كثيرا من أهل الكلام في العلم قد يظنون عدم حصولها فيسعون في حصولها ~~وتحصيل الحاصل ممتنع فيحتاجون أن يقدروا عدم الموجود ثم يسعون في وجوده ومن ~~هنا يغلط كثير من الخائضين في الكلام والفقه # وقد يكون العلم والإرادة حاصلين بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل مع ~~نوع من الذهول والغفلة فإذا حصل أدنى تذكر رجعت النفس إلى ما فيها من العلم ~~والإرادة أو توجهت نحو المطلوب فيحصل لها معرفته ومحبته PageV07P425 # والله تعالى فطر عباده على محبته ومعرفته وهذه هي الحنيفية التي خلق ~~عباده عليها كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول ~~الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت ~~لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # وقد قال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق ms1490 الله ذلك الدين القيم @QE@ سورة الروم 30 # وقال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهية بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ~~والكلام في هذه الأمور مذكور في غير هذا الموضع # ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب أن العلم والإيمان واجب على الناس بحسب ~~الإمكان فالجمل التي فرض الله تعالى على الخلق كلهم الإقرار بها مما يمكنهم ~~معرفتها وأما التفاصيل ففيها من الدقيق ما لا يمكن أن يعرفه إلا بعض الناس ~~فلو كلف بقية الناس معرفته كلفوا ما لا يطيقون ولهذا لم يجب على كل أحد أن ~~يسمع كل آية في القرآن ويفهم معناها وإن كان هذا فرضا على الكفاية ~~PageV07P426 # ومن المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل ~~الناس فيه تفاضلا لا ينضبط لنا والقرآن الذي يقرأه الناس بالليل والنهار ~~يتفاضلون في فهمه تفاضلا عظيما وقد رفع الله بعض الناس على بعض درجات كما ~~قال تعالى @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات @QE@ ~~سورة المجادلة 11 بل من الأخبار ما إذا سمعه بعض الناس ضرهم ذلك وآخرون ~~عليهم أن يصدقوا بمضمون ذلك ويعلموه قال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما ~~يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقال عبد الله ابن ~~مسعود رضي الله عنه ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان ~~فتنة لبعضهم # فمثل هذه الأحاديث التي سمعت من الرسول صلى الله عليه وسلم أو ممن سمعها ~~منه وعلم أنه قالها يجب على من سمعها أن يصدق بمضمونها وإذا فهم المراد كان ~~عليه معرفته والإيمان به وآخرون لا يصلح لهم أن يسمعوها في كثير من الأحوال ~~وإن كانوا في حال أخرى يصلح لهم سماعها ومعرفتها # والقرآن مورد يرده الخلق كلهم وكل ينال منه على مقدار ما قسم الله له قال ~~تعالى @QB@ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ~~ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء ms1491 حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله ~~الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ~~كذلك يضرب الله الأمثال @QE@ PageV07P427 سورة الرعد 17 # وهذا مثل ضربه الله سبحانه لما أنزله من العلم والإيمان والقلوب التي ~~تنال ذلك شبه الإيمان بالماء النازل والقلوب بالأودية فمنها كبار ومنها ~~صغار وبين أن الماء كما يختلط بما يكون في الأرض كذلك القلوب فيها شبهات ~~وشهوات تخالط الإنسان وأخبر أن ذلك الزبد يجفأ جفاء وما ينفع الناس يمكث في ~~الأرض كذلك الشبهات تجفوها القلوب وما ينفع يمكث فيها # وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل ما ~~بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت ~~الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس ~~وسقوا ورعوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك ~~مثل من فقه في PageV07P428 دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى ~~والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به # وما ذكره ابن حزم من أن العلم قد يحصل في القلب لا عن ضرورة ولا نظر ورده ~~على من يحصره في النوعين فمثل هذا قد يكون النزاع فيه لفظيا وذلك أن نافي ~~الحصر قد يريد بالضرورة ما كان عن ضرورة حس وأولئك يجعلون ما يحصل من العلم ~~الضروري بالحس أحد أنواع العلم الضروري وقد يريد بالضرورة ما يضطر إليه ~~الإنسان بدون نظر في تصوره وأولئك يريدون بالعلم الضروري والبديهي ما اضطر ~~إليه الإنسان إذا تصور طرفيه سواء كان ذلك التصور ضروريا أو لم يكن بل كثير ~~من الناس يقول إن جميع العلوم ضرورية باعتبار أسبابها فإن العلم الحاصل ~~بالنظر والكسب والاستدلال هو بعد حصول أسبابه ضروري يضطر إليه الإنسان وهذا ~~اختيار أبي المعالي وغيره # وللناس في هذا الباب اصطلاحات متعددة من لم يعرفها يجعل بينهم نزاعا ~~معنويا وليس كذلك ms1492 كما أن طائفة منهم يجعلون العلم البديهي هو الضروري ~~والكسبي هو النظري ومنهم من يفرق بينهما فيجعلون الضروري ما اضطر إليه ~~العبد من غير عمل وكسب منه لا في PageV07P429 تصور المسألة ولا دليلها ~~ويجعلون البديهي ما بدهه وإن كان عن نظر اضطر إليه من غير كسب منه فإن ~~العبد قد يضطر إلى أسباب العلم وقد يختار اكتساب أسبابه وهذا في الحسيات ~~وغيرها كمن يفجأه ما يراه ويسمعه من غير قصد إلى رؤيته وسمعه ومن يسعى في ~~رؤية الشيء واستماعه والأول لا يدخل تحت الأمر والنهي والثاني يدخل تحت ~~الأمر والنهي # وأيضا فمن الناس من يقول العلوم الضرورية والبديهية يشترك فيها عامة ~~العقلاء ويجعل ما يختص به بعضهم ليس من هذا القسم ومنهم من يسمي كل ما اضطر ~~إليه الإنسان وبدهه ضروريا وبديهيا وإن كان ذلك مختصا بنوع من الناس كما ~~يختص بالأنبياء والأولياء وأهل الفراسة والإلهام # وعلى هذا فالعلم الحاصل بتيسير الله تعالى وهدايته وإلهامه وجعله له في ~~قلب العبد بدون استدلال يسميه هؤلاء علما ضروريا وإن كان ابن حزم وأمثاله ~~لا يسمونه ضروريا فهذا نزال لفظي # ومن حد الضروري بأنه العلم الذي يلزم نفس العبد لزوما لا يمكنه الانفكاك ~~عنه جعل هذا كله ضروريا وكذلك يقول كثير من شيوخ أهل المعرفة لكثير من أهل ~~النظر إن علمنا ضروري كما في الحكاية المعروفة التي ذكرها أبو العباس أحمد ~~بن محمد بن خلف المقدسي PageV07P430 ورأيتها بخطه عن الشيخ أحمد الحيوقي ~~المعروف بالكبرى قال دخل علي فخر الدين الرازي ورجل آخر من المعتزلة كبير ~~فيهم فقالا يا شيخ بلغنا أنك تعلم علم اليقين فقلت نعم أنا أعلم علم اليقين ~~فقالا لي كيف تعلم علم اليقين ونحن نتناظر من وقت كذا إلى وقت كذا وكلما ~~أقام حجة أبطلتها وكلما أقمت حجة أبطلها فقلت ما أدري ما تقولان ولكن أنا ~~أعلم علم اليقين فقالا فبين لنا ما هذا اليقين فقلت واردات ترد على النفوس ~~تعجز النفوس عن ردها فجعلا يرددان هذا الكلام ويقولان واردات ms1493 ترد على ~~النفوس تعجز النفوس عن ردجها # وتعجبا من هذا الجواب لأنه رحمه الله بين أن ذلك من العلوم الضرورية التي ~~تلزم القلب لزوما لا يمكنه مع ذلك دفعها ثم قالا له كيف الطريق إلى هذه ~~الواردات فقال لهما بأن تسلكا طريقتنا التي نأمركم بها فاعتذر الرازي بما ~~له من الموانع وأما المعتزلي فقال أنا محتاج إلى هذه الواردات فإن الشبهات ~~قد أحرقت قلبي فأمره الشيخ بما يفعله من العبادة والذكر وما يتبع ذلك ففتح ~~الله عليه بهذه الواردات PageV07P431 # والمعتزلة ينفون العلو والصفات ويسمون من أثبت ذلك مجسما حشويا فلما فتح ~~الله تعالى عليه بذلك قال والله ما الحق إلا فيما عليه هؤلاء الحشوية ~~والمجسمة أو كما قال فإن عهدي بالحكاية من زمان وكان هذا الشيخ الكبرى إذا ~~قيل له من قال @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ فهو مجسم يقول فخذ إني ~~حينئذ مجسم وكان من أجل شيوخ وقته في بلاده بلاد جرجان وخوارزم # قال أبو محمد بن حزم ومن البرهان الموضح لبطلان هذه المقالة الخبيثة أنه ~~لا يشك أحد ممن يدري شيئا من السير من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس ~~والمنانية والدهرية في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث لم يزل ~~يدعو الناس الجم الغفير إلى الإيمان بالله تعالى وبه وبما أتى به ويقاتل من ~~أهل الأرض من يقاتله ممن عند ويستحل سفك دمائهم وسبي نسائهم وأولادهم وأخذ ~~أموالهم متقربا إلى الله تعالى بذلك وأخذ الجزية PageV07P432 وإصغاره ويقبل ~~من آمن به ويحرم ماله ودمه وأهله وولده ويحكم له بحكم الإسلام ومنهم المرأة ~~البدوية والراعي والراعية والغلام الصحراوي والوحشي والزنجي والمسبي ~~والزنجية المجلوبة والرومي والرومية والأغثر الجاهل والضعيف في فهمه فما ~~منهم من أحد ولا من غيرهم قال عليه السلام إني لا أقبل إسلامك ولا يصح لك ~~دين إلا حتى تستدل على صحة ما أدعوك إليه قال ولسنا نقول إنه لم يبلغنا أنه ~~قال ذلك لأحد بل نقطع نحن وجميع أهل الأرض قطعا كقطعنا على ما شاهدناه أنه ~~عليه ms1494 السلام لم يقل هذا قط لأحد ولا رد إسلام أحد حتى يستدل ثم جرى على هذه ~~الطريقة جميع الصحابة أولهم عن آخرهم ولا يختلف أحد في هذا الأمر ومن ~~المحال PageV07P433 الممتنع عند أهل الإسلام أن يكون عليه السلام يغفل أن ~~يبين للناس ما لا يصح لأحد الإسلام إلا به ثم يتفق على إغفال ذلك أو تعمد ~~ترك ذكره جميع أهل الإسلام ويبينه هؤلاء الأشقياء ومن ظن أنه وقع من الدين ~~على ما لا يقع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر بلا خلاف فصح أن ~~هذه المقالة خرق للإجماع وخلاف لله ولرسوله ولجميع أهل الإسلام قاطبة # قلت قبول الإسلام الظاهر يجرى على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة مثل عصمة ~~الدم والمال والمناكحة والموارثة ونحو ذلك وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار ~~الظاهر وإن لم يعلم ما في باطن الإنسان # كما قال صلى الله عليه وسلم فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها وحسابهم على الله # وقال إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم PageV07P434 # ولهذا يقاتل الكافر حتى يسلم أو يعطى الجزية فيكون مكرها على أحد الأمرين ~~ومن قال لا تؤخذ الجزية من وثني قال إنه يقاتل حتى يسلم وأما الإيمان ~~الباطن الذي ينجي من عذاب الله في الآخرة فلا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر ~~بل قد يكون الرجل مع إسلامه الظاهر منافقا وقد كان على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منافقون وقد ذكرهم الله تعالى في القرآن في غير موضع وميز ~~سبحانه بين المؤمنين والمنافقين في غير موضع # كما في قوله @QB@ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا ~~نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب ~~باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ~~ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم ~~النار هي مولاكم وبئس ms1495 المصير @QE@ سورة الحديد 13 15 # وقال تعالى @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ~~إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ PageV07P435 ~~سورة الحجرات 14 15 # وهؤلاء قد قالت طائفة إنهم أسلموا ظاهرا مع كونهم منافقين وقال الأكثرون ~~بل كانوا مسلمين غير منافقين ولا واصلين إلى حقيقة الإيمان فإنه قد قال ~~فيهم @QB@ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور ~~رحيم @QE@ سورة الحجرات 14 # والمنافق عمله حابط لا يتقبله الله ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه ~~وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وغير ذلك من الأحاديث التي تكلم عليها ~~في غير هذا الموضع فإن مسألة الإيمان والكفر والنفاق متعلقة بمسألة أول ~~الواجبات ووجوب النظر وبالفاسق الملي وتكفير أهل البدع وغير ذلك من المسائل ~~التي تكلم عليها الناس PageV07P436 # وبهذا أجابوا عن هذه الحجة فإنه لما قيل لهم أجمع المسلمون على أن الكافر ~~إذا أراد أن يسلم يكتفى منه بالإقرار بالشهادتين قالوا إنما نجتزىء منه ~~بذلك لإجراء أحكام الإسلام عليه فإن صاحب الشرع جعل ذلك أمارة لإجراء ~~الأحكام # ولو كان ذلك إيمانا حقيقيا لما قال في حق النسوة المهاجرات @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن @QE@ ~~سورة الممتحنة 10 ثم يقول من تلك ملة من الملل وعاد إلى ملتنا فلا بد له من ~~حامل يحمله عليه فإن كان الذي يحمله عليه ما علمه من فساد ملته وعقيدته ~~وصحة دين الإسلام فهذا القدر كاف من النظر والاستدلال على الجملة وإن كان ~~الذي يحمله رهبة منا أو رغبة فيما أعطانا الله من المال وغيره فهجرته إلى ~~ما هاجر إليه # قال أبو محمد فإن قالوا فما كانت حاجة الناس ms1496 إلى الآيات والمعجزات وإلى ~~احتجاج الله عليهم بالقرآن وإعجازه وبدعاء اليهود إلى تمني الموت ودعاء ~~النصارى إلى المباهلة وشق القمر قلنا PageV07P437 وبالله التوفيق قد قلنا ~~إن الناس قسمان قسم لم تسكن نفوسهم إلى الإسلام ولا دخلها التصديق فطلبوا ~~منه عليه السلام البراهين فأراهم المعجزات فانقسموا قسمين طائفة آمنت ~~وطائفة عندت وجاهرت فكفرت وأهل هذه الصفة اليوم هم الذين يلزمهم طلب ~~الاستدلال فرضا ولا بد وقسم وفقهم الله تعالى لتصديقه عليه السلام وخلق في ~~نفوسهم الإيمان كما قال تعالى @QB@ بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين @QE@ سورة الحجرات 17 فهؤلاء آمنوا له عليه السلام بلا تكليف ~~آية وأهل هذه الصفة هم اليوم المعتقدون للإسلام حقا بلا معرفة باستدلال قال ~~أبو محمد ويلزم أهل هذه المقالة أن جميع أهل الأرض كفار إلا الأقل وقد قال ~~بعضهم إنهم مستدلون قال وهذه مجاهرة هو يدرى أنه فيها كاذب وكل من سمعه ~~يدري PageV07P438 أنه فيها كاذب لأن أكثر العامة من حاضرة وبادية لا يدري ~~ما معنى الاستدلال فكيف يستعمله # قلت لفظ الاستدلال فيه إجمال فإن أريد العبارة عن نظم الأدلة والجواب عن ~~الممانعات والمعارضات فهذا قد يقال إنه لا يحسنه إلا من يحسن الجدل وأما ~~الاصطلاح المعين والترتيب المعين أو اللفظ المعين فهذا بمنزلة اللغات لا ~~يعرفه إلا من يعرف تلك اللغة وليس هذا واجبا بلا ريب # وإن أريد به نفس طلب العلم بالشيء بالدليل والنظر فيما يدل على الشيء ~~فهذا مركوز في فطرة جميع الناس فإنه ما منهم أحد إلا وعنده من نوع النظر ~~والاستدلال بل ومن نوع الجدال بحسب ما هداه الله إليه من ذلك # وقد قال تعالى @QB@ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا @QE@ سورة الكهف 54 ~~والإنسان يجادل بالباطل ليدحض به الحق من غير معرفة بقوانين الجدل فكيف لا ~~يجادل بالحق # والناس من النظر والمناظرة في صناعاتهم وأمور دنياهم ما يبين أن النظر ~~والمناظرة مركوز في فطرهم فكيف في أمور الدين # والله سبحانه يقول @QB@ الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ms1497 @QE@ سورة الأعلى 2 ~~3 وقال تعالى @QB@ قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى @QE@ سورة طه 50 ~~PageV07P439 # وهذا الذي ذكره ابن حزم هو قول كثير من الأشعرية فإنهم متنازعون في النظر ~~هل هو فرض على الأعيان أو على الكفاية وفي الواجب هل هو المعرفة أو ~~الإعتقاد الجازم المصمم وهل يسمى ذلك علما أم لا # وكان أبو المعالي يقول لم يكلف الناس العلم فإن العلم في هذه المسائل ~~عزيز لا يتلقى إلا من النظر الصحيح التام فتكليف ذلك عامة الناس تكليف ما ~~لا يطاق وإنما كلفوا الإعتقاد السديد مع التصميم وانتفاء الشك والتردد ولو ~~سمى مسم مثل هذا الإعتقاد علما لم يمنع من إطلاقه # قال وقد كنا ننصر هذه الطريقة زمانا من الدهر وقلنا مثل هذا الإعتقاد علم ~~على الحقيقة فإنه اعتقاد يتعلق بالمعتقد على ما هو به مع التصميم ثم بدا ~~لنا أن العلم ما كان صدوره عن الضرورة أو الدليل القاطع # قال وهذا الإعتقاد الذي وصفناه لا يتميز في مبادىء النظر حتى يستقر ~~ويتميز عن اعتقاد الظان والمخمن # وقال أبو إسحاق الإسفراييني في آخر مصنفاته من اعتقد ما يجب PageV07P440 ~~اعتقاده هل يكتفى به اختلف الأصحاب فيه فمنهم من اكتفى به ومنهم من شرط ~~إقرار هذه العقائد بالأدلة # قلت والذين أوجبوا النظر من الطوائف العامة نوعان أحدهما من يقول إن أكثر ~~العامة تاركوه وهؤلاء على قولين فغلاتهم يقولون إن إيمانهم لا يصح وأكثرهم ~~يقولون يصح إيمانهم تقليدا مع كونهم عصاة بترك النظر وهذا قول جمهورهم # وقد ذكر هذا طوائف من الحنفية وغيرهم كما ذكر من ذكر من الحنفية في شرح ~~الفقه الأكبر فقالوا قال أبو حنيفة وسفيان ومالك والأوزاعي وعامة الفقهاء ~~وأهل الحديث بصحة إيمان المقلد ولكنه عاص بترك الاستدلال # وقال الشارح هذا يفيد فائدتين إحداهما أن الإيمان بالتقليد صحيح وإن لم ~~يهتد إلى الاستدلال خلافا للمعتزلة والأشعرية فإنهما لا يصححان إيمان ~~المقلد والإيمان بالتقليد ويقولان بكفر العامة PageV07P441 # قال وهذا قبيح من أقبح القبائح لأنه يؤدي إلى تفويت حكمة ms1498 الله تعالى في ~~الرسالة والنبوة لأن من أعطى الرسالة والنبوة أمر بعرض الإسلام أولا على ~~الكفرة فلو كان الاسلام لا يصح بالعرض والتقليد لفات الحكمة في الرسالة إلا ~~أن درجة الاستدلال أعلى من درجة التقليد ألف مرة وكل من كان في الاستدلال ~~والاستنباط أكثر كان إيمانه أنور وذكر كلاما آخر # قلت القول القبيح الباطل تكفير من حكم الشارع بإيمانه وهم المؤمنون من ~~العامة وغيرهم الذين لم يسلكوا الطرق المبتدعة كطريقة الأعراض ونحوها وأما ~~كون إيمان العامة تقليدا أو ليس تقليدا وهل هم عصاة أو ليسوا عصاة فهذا ~~كلام آخر # وأما المعتزلة والأشعرية فلهم في ذلك نزاع وتفصيل معروف # والنوع الثاني من موجبي النظر وهم جمهورهم يقولون إنه متيسر على العامة ~~كما يقوله القاضي أبو بكر والقاضي أبو يعلى وغيرهما ممن يقول ذلك قالوا فإن ~~قيل فتقولون بوجوب معرفة الله ومعرفة نبوة رسله في حق كل مكلف من أهل النظر ~~والعامة وجفاة PageV07P442 الأعراب والأكراد وأهل القصبة والرستاق ومن يقصر ~~فهمه عن معرفة الدقيق وأدلة التفصيل قيل نعم لأنه ليس في جميع من ذكرت من ~~يعرف فهمه ويقصر علمه عن معرفة الحدث والمحدث عند مشاهدة تغير العالم وما ~~يحدث ويتجدد في أجسامه من الزيادة والنقصان والنماء وتغير الحالات وما تجد ~~عليه النطفة من التصور والانتقال من حال إلى حال وإن قصرت عبارته عن أن ~~يقول إن هذه أمور متجددة طارئة وإنه لا بد للصنعة من صانع وللكتابة من كاتب ~~وقد علم أن انتقال النطفة إلى أن تصير إنسانا أو بهيمة أعظم في الأعجوبة من ~~تحول الفضة خاتما والخشبة سريرا وبابا والغزل ثوبا منسوجا وإن لم يعبر عن ~~ذلك بعبارات المتكلمين وألفاظ الناظرين وكما يفرق بين خبر الواحد الذي لا ~~يوجب العلم وبين خبر التواتر الموجب للعلم وكما تجد في أنفسها الفرق بين ~~الظن والتقليد وبين المشاهدة وعلم اليقين وإن تعذر عليها الفصل بين ذلك ~~أجمع من طريق العبارة وإذا كان كذلك وجب أن يكون لجميعهم سبيل إلى معرفة ~~الحدوث والمحدث هذه عبارة ms1499 القاضي أبي يعلى وغيره من هؤلاء الذين وافقوا ~~القاضي أبا بكر على طريقته # وكذلك قال ابن الزاغوني وهو من القائلين بوجوب النظر PageV07P443 ~~والاستدلال وحكى ذلك عن عامة العلماء كما ذكره القاضي أبو يعلى وابن عقيل ~~وأبو الخطاب وغيرهم # قال والذي فرضه الله على الأعيان على ضربين أحدهما ما لا يتم الإيمان إلا ~~به وهو معرفة الله وتوحيده وأنه صانع الأشياء وأن الكل عبيده وأمثال ذلك ~~فهذا يستوي في لزومه العالم والعامي ونعني بقولنا العالم الذي تبصر وتدرب ~~وعرف الحجة من الشبهة وتبحر في مواقف الاجتهاد للمعرفة وانتصب دافعا بالحق ~~شبه أهل الاعتراض على وجه يترجح به الثقة ويساعده بالفهم اليقين والمعرفة ~~ونعني بالعامي من فصل عن أرباب الاختصاص في إحراز العلم وكثرة التبحر وإنما ~~سمي عاميا من جهة قلة العدد في خواص العلماء بالإضافة إلى من بقي فخواص ~~العلماء في كل زمان آحاد يسير عددهم والناس غير أعم وجودا وأكثر عددا فلهذا ~~سمي من قل علمه عاميا ومن جملة العامة ولسنا نريد بالعامي من لا معرفة له ~~بشيء من العلم بحال فإذا ثبت هذا فسائر العامة مؤمنون عارفون بالله في ~~عقائدهم وديانتهم غير مقلدين في شيء قدمنا ذكره # قال وذهبت طوائف من المعتزلة والقدرية إلى أنه لا يعرف الله إلا العلماء ~~فأما العوام فلا يحكم بصحة إيمانهم ولا بمعرفتهم لله PageV07P444 قال ~~والدليل على إبطال قولهم هو أنا نقول حقيقة الإيمان العائد إلى المعتقد هي ~~طمأنينة النفس وسكون القلب إلى معرفة ما يعتقد بإسناد ذلك إلى دليل يصلح له ~~وهذا لا يعدم في حق أحد من العامة وبيان ذلك أنه لو قيل لأحد من العوام بم ~~عرفت ربك لقال بأنه انفرد ببناء هذه السماء ورفعها فلا يشاركه في هذا موصوف ~~بجسم ولا جوهر وهذا مأخوذ من قوله تعالى @QB@ وإلى السماء كيف رفعت @QE@ ~~سورة الغاشية 18 ومن سائر الآيات التي فيها ذكر السماء والاعتبار بها وهذه ~~الآيات هي الأصل عند العلماء وإنما ينفردون عن العامة في هذا ببسيط البيان ~~المليح والتشقيق والغامض ms1500 الدقيق وفي بيان حكم يدركها العامي فهما بجنانه ~~ويقصر عن شرحها بلسانه فهما في ذلك كرجلين اتفقا في العلم بمسألة وأحدهما ~~في الكشف أبسط باعا وأفصح شرحا وهذا يرجع إلى شيء وذلك أنه قد ثبت أن الله ~~تعالى كلف الكل معرفته وضمن فيما كلف أنه لا يزيد تكليفه على مقدار الوسع ~~بقوله @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ سورة البقرة 286 وقوله @QB@ ~~لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها @QE@ سورة الطلاق 7 فحقيقة المعرفة بالشيء ~~إنما هي الوقوف عليه بالعلم على ما هو به ولا يوصل إلى ذلك في PageV07P445 ~~حق الله إلا باستناد المعتقد فيه إلى دليله فلو كان الدليل لا يدخل الوقوف ~~عليه في طوق العامي لأدى ذلك إلى تكليفه ما ليس في وسعه وهذا خلاف ما نص ~~الله عليه # دليل آخر وهو أنا إذا تأملنا أدلة التوحيد وما يجب على العامي ترك ~~التقليد فيه وجدناه سهلا في مأخذه قريبا في تناوله تشتاق النفوس إليه ~~بأنسها ويستند ذلك إلى شيئين أحدهما أن ذلك منوط بالعقل ولأجل هذا ادعى ~~خصومنا أن المعرفة وجبت بالعقل والعوام عقلاء # ويظهر ذلك شرعا وعقلا أما الشرع فلا يكلف الا عاقلا وهو تسليم أموالهم ~~اليهم لرشدهم ولا رشيد الا عاقل وأما طريق العقل فبما يظهر من ذلك في ~~تدبيرهم وتدقيق حيلهم وخفي مكرهم في تقاسيم أحوال الدنيا # وقد سطر الناس في ذلك كتبا وصنفوا فيها من فنون المكر والحيل وتدقيق ~~الآراء في أنواع التدبير ما فيه غنية لمن تأمله والثاني أن أدلة ذلك جلية ~~في أعلى مقامات الايضاح والكشف حتى تجد النفوس بها مستأنسة وذلك مثلما ~~يستدل PageV07P446 العامي على معرفة أن له خالقا فيعلم عند تأمل نفسه أنه ~~جسم مجموع مفعول مصنوع وهو عاجز في نفسه عن صنع ذاته وصفاته من وجوه # أيسرها أن الصانع من شرطه أن يتقدم على المصنوعات فإذا ثبت ذلك في نفسه ~~واستقر ذلك في أمثاله من جنسه واستوى العالم كله عنده في أنه يشاركه في ~~صفات نفسه اقتضى ذلك إثبات ms1501 صانع آخر يخالفهم في استحقاق الجمع لحقيقة ~~الوحدة ويتحقق فيه شرط السبق إلى غير غاية # وهذا وأمثاله معروف عند العامة لا يخفى عليهم وإن عجزوا في بعضه عن ~~الافصاح بشرحه والمأخوذ على المكلف فهمه ومعرفته على وجه يزول عنه الشك ~~ويبعد فيه الريب ويستضيء به العقل وتثق به النفس # وهذا سهل لا تقصر العامة عن معرفته فلهذا قضينا لهم بالإيمان والمعرفة ~~وهذا جلي واضح ولكونه حقا في نفسه صحيحا في معناه سوى الله في أحكامه بين ~~العالم والعامي في أحكام ذلك العامة وهي الخطاب بالأمر والنهي وإقرارهم على ~~حكم القبول في المعقود من الأنكحة والبيوع وأداء الفرائض PageV07P447 ~~واجتناب المحارم والغسل والتكفين والصلاة عليهم والدفن في مقابر المسلممين ~~إلى قبلتهم والتوارث منهم وذلك يوجب لهم القضاء بالإيمان والمعرفة # قال واحتج المخالف بأن حقيقة المعرفة هو العلم بالشيء أو العلم بالمعلوم ~~وإنما يكون ذلك إذا وصل صاحبه إلى اليقين فيه وإذا لم يكن قادرا على بصيرة ~~دليل يكشفه ولا على دفع شبهة يحلها لم يكن على يقين فيما علمه لأنه قد ~~يعترض عليه فيما عنده شك ما يوجب نقلته عما كان عليه أو يعرض له من الشكوك ~~ما يزيل الثقة بما عنده # ومن هو على هذه الصفة فهو ناقص المعرفة وتجويز النقصان في هذا يوجب أنه ~~لم يتعلق بما مثله يصلح أن يكون كافيا في مقصوده شافيا في مراده وإلا ~~فحقيقة المعرفة لا تدخلها التجزئة فيثبت منها بعض دون بعض فبان بهذا أن كل ~~من كان في عداد العامة فهو غير عارف على الحقيقة ومن ليس بعارف لم يثبت له ~~تسمية ما يستحقه أهل المعرفة من ذلك # قال والجواب أن ما أسلفناه في اول المسألة هو جواب عما PageV07P448 ذكروه ~~وهو أنه إذا أضاف ما علمه إلى دليل مثله لا يفسد وقد استحكمت ثقة المعترف ~~به في مدة حياته لا يعتريه فساد ولا يدخله نقص واتفق على ذلك من يساويه في ~~معرفته ومن يزيد عليه في مقام العلم والاجتهاد فقد استحكمت ثقته به ms1502 من ~~وجهين أحدهما علمه وتجربته والثاني اتفاق أهل الملة على صحته ومثل هذا لا ~~يعارضه شك يخرج المتمسك به عن الثقة فإنه قد ثبت عند العامة عموما لا يختلف ~~فيه أحد منهم أن كل جسم مبني مجموع محدث كان بعد أن لم يكن ويتوهم نقضه كما ~~يتحقق بناؤه وإن كان كل واحد منهم ليس بفاعل نفسه ولا فعله مثله ويتحقق أن ~~من شرط الفاعل أن يكون سابقا على المفعول فإذا تساوت الأجسام في هذا دل على ~~أن الفاعل لها غيرها وهو من لا يشاركها فيما أوجب لها العجز وهذا جلي واضح ~~لا يمكن دفعه ولا تقابله شبهة تؤثر فيما استقر عند العالم به وهذا كاف لا ~~يقصر عنه عامي ولا يقدر على الزيادة فيه عالم الا بتحسين العبارة فيه أو ~~حذف مواد الشبهة عنه وهذا أمر زائد على مقدار فهمه والثقة بصحته ولهذا كان ~~من فرائض الكفايات PageV07P449 # قلت ولقائل أن يقول ان جمهور العامة لا يعرف هذا الدليل بل ولا يعرف مسمى ~~الجسم في اصطلاح المستدلين به ولايعرف أن الهواء يسمى جسما بل أكثر ~~الناظرين في العلم من أهل الفلسفة والكلام والفقه والحديث والتصوف لم ~~يعرفوا صحة هذا الدليل بل قالوا إنه باطل والسلف والأئمة جعلوا هذا من ~~الكلام المبتدع الباطل ولم يدع أحد من الأنبياء وأتباعهم أحدا إلى ~~الاستدلال على معرفة الله بهذا الطريق وإنما ابتدعه في الإسلام من كان ~~مبتدعا في الإسلام من الجهمية والمعتزلة ونحوهم ولكن الذي يعرفه العامة ~~والخاصة أن كل واحد من الآدميين محدث كان بعد أن لم يكن وأنه ليس بفاعل ~~نفسه ولم يفعله مثله # ولهذا استدل سبحانه بذلك في قوله تعالى @QB@ أم خلقوا من غير شيء أم هم ~~الخالقون @QE@ سورة الطور 35 وكذلك يعلمون حدوث ما يشهدون حدوثه ويعلمون ~~أنواعا من الأدلة غير هذا # قال أبو الحسن ابن الزاغوني وأما قولهم إنه قد يعترض عليه من الشبهة ما ~~يوجب تفلته ويرفع ثقته فليس كذلك من وجهين أحدهما أن خيالات الشبه لا تكافي ~~فيما ms1503 ذكرنا فما يقصر من الشبه PageV07P450 فتقصيره يظهر سريعا والثاني أنه ~~إذا طرأ على العامي شبهة فإنه لا يزال يسأل عنها ويبالغ في التفتيش ~~والتنقير حتى يخبره العلماء الربانيون في ذلك بما تقوى به ثقته # قال وأما قولهم إن المعرفة ناقصة في حقه فإن أردتم أنها ناقصة من حيث إنه ~~لا يصل إلى مطلوب المسألة فهذا محال لا فهذا مما لا يدخله نقص وذلك لأن ~~الإنسان إما عارف بالمسألة أو غير عارف ولا واسطة بينهما وإن أردتم بالنقص ~~من طريق العدد في المسائل أو في الدلائل فصحيح غير أنه يفصل به بين علم ~~الأعيان وعلم الكفاية وذلك غير قادح في ثبوت المسألة بدليلها الذي لا غنى ~~عنه ولا زيادة عليه # قلت هذا مبني على أن المعرفة بالله تعالى لا تتفاضل وأن الشيء لا يكون ~~معلوما من وجه مجهولا من وجه وهذا أحد القولين للناس في هذه المسألة وهو ~~قول طائفة من أهل الحديث والفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم وقول كثير من أصحاب ~~الأشعري أو أكثرهم وهو قول جهم بن صفوان وكثير من المرجئة # لكن جمهور الناس على خلاف هذا وقد ذكر القاضي أبو يعلى في ذلك عن أحمد ~~روايتين وهذا يشبه تنازع الناس في العقل هل PageV07P451 يتفاضل فمذهب ~~الجمهور أنه يتفاضل وهو قول أكثر أصحاب أحمد وغيرهم من العلماء كالتميمي ~~والقاضي وأبي الخطاب وغيرهم من العلماء # وقالت طائفة لا يتفاضل وهو قول أكثر أصحاب الأشعري وابن عقيل وغيرهم # وهو يشبه تنازعهم في أن بعض الواجبات هل تكون أوجب من بعض فابن عقيل ~~وغيره ينكرون التفاضل في هذا وجمهور الفقهاء يجوزون التفاضل في هذا والكلام ~~على هذا مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن الذين يقولون بوجوب النظر والاستدلال على الأعيان أو ~~يقولون إن الإيمان لا يصح إلا به لأن المعرفة واجبة والمعرفة لا تتم إلا به ~~فقول جمهورهم إن المراد بذلك هو العلم الذي يقوم بالقلب لا العبارة عنه ~~ولايوجبون نظم الدليل بالعبارة ولا القدرة على جواب المعارض ويقولون إن ms1504 ~~العلم بالدليل أمر متيسر على العامة وإن العامة المؤمنين قد حصل لهم في ~~قلوبهم النظر والاستدلال المفضي إلى العلم وإن لم يكونوا قادرين على نظم ~~الدليل وبيانه بالعبارة # وهذا موجود في عامة ما يقوم بالنفس من علم وحب وبغض PageV07P452 ولذة ~~وألم وغير ذلك يكون ذلك موجودا في النفس يعلم به الإنسان ولكن وصف ذلك ~~وبيانه والتعبير عنه شيء آخر # وليس كل من علم شيئا أمكنه أن يصفه ولهذا يسمى مثل هذا متكلما ومعلوم أن ~~العلم ليس هو الكلام ولهذا يقال العلم علمان علم في القلب وعلم في اللسان ~~فعلم القلب هو العلم النافع وعلم اللسان هو حجة الله على عباده وقد روي ذلك ~~عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وقد قيل إنه من كلام الحسن وهو ~~أقرب # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل ~~خطباؤه كثير معطوه قليل سائلوه وسيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه قليل فقهاؤه ~~قليل معطوه كثير سائلوه # فالفقيه الذي تفقه قلبه غير الخطيب الذي يخطب بلسانه وقد يحصل للقلب من ~~الفقه والعلم أمور عظيمة ولا يكون صاحبه مخاطبا PageV07P453 بذلك لغيره وقد ~~يخاطب غيره بأمور كثيرة من معارف القلوب وأحوالها وهو عار عن ذلك فارغ منه # وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل ~~المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل ~~المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق ~~الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها # فبين صلى الله عليه وسلم أن الإنسان قد يقرأ القرآن فيتكلم بكلام الله ~~وهو منافق ليس في قلبه إيمان وآخر يكون مؤمنا قلبه فيه من معرفة الله تعالى ~~وتوحيده ومحبته وخشيته ما هو اعظم الأمور وهو لا يتكلم بالقرآن الذي هو ~~كلام الله تعالى # ولهذا قال جندب بن عبد ms1505 الله وابن عمر وغيرهما تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا ~~القرآن فازددنا إيمانا وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان ~~PageV07P454 # وقد قال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى ~~الله تصير الأمور @QE@ سورة الشورى 52 53 # وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن ~~الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة # فأخبر أنه أنزل الإيمان في القلوب وقد تقدم قوله تعالى @QB@ أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما ~~الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله ~~الأمثال @QE@ سورة الرعد 17 وهذا مثل ضربه الله لما أنزله في القلوب من ~~الإيمان والقرآن وشبه القلوب بالأودية وشبه ما يخالط القلوب من الشهوات ~~والشبهات بالزبد الذي PageV07P455 يذهب جفاء يجفوه القلب ويدفعه وشبه ما ~~يبقى في الأرض من الماء النافع بما يبقى في القلوب من الإيمان النافع # وتقدم أيضا حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل ما ~~بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت ~~الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس ~~وسقوا وزرعوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ~~فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم ومثل ~~من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به # فقسم صلى الله عليه وسلم الناس فيما بعث به من الهدى والعلم الذي شبهه ~~بالغيث إلى ثلاثة أقسام فقسم قبلوه فانتفعوا به في نفوسهم علما وعملا ms1506 وقسم ~~حفظوه وأدوه إلى غيرهم وقسم ثالث لا هذا ولا هذا # وقوله تعالى @QB@ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان @QE@ سورة الشورى 52 ~~نظير قوله @QB@ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ~~ربي @QE@ سورة سبأ 50 PageV07P456 # ففي هاتين الآيتين بين سبحانه أن الإيمان والهدى حصل بالوحي النازل لا ~~بمجرد العقل الذي كان حاصلا قبل الوحي # والناس متنازعون في المعرفة هل حصلت بالشرع أو بالعقل وهل وجبت بهذا أو ~~بهذا # والنزاع في هاتين المسألتين موجود بين عامة الطوائف من أصحاب أحمد وغيره # فإن الناس لهم في العقل هل يعلم به حسن الأشياء وقبحها والوجوب والتحريم ~~قولان مشهوران أحدهما أنه لا يعلم به ذلك وهو قول الأشعري وأصحابه وابن ~~حامد والقاضي أبي يعلى والقاضي يعقوب وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم من ~~أصحاب أحمد وكثير من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما # والثاني أنه يعلم ذلك وهذا قول المعتزلة والكرامية وغيرهم وهو قول أبي ~~الحسن التميمي وأبي الخطاب وغيرهما من أصحاب أحمد وذكر أبو الخطاب أنه قول ~~جمهور العلماء وهو قول كثير من أئمة الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي ~~القاسم سعد بن علي الزنجاني وأبي نصر السجزي وقول كثير من أصحاب مالك ~~والشافعي وهو الذي ذكره أصحاب أبي حنيفة وذكروه عن أبي حنيفة نفسه # وقد بسط الكلام على هذه المسألة وما فيها من التفصيل في غير هذا الموضع ~~وكذلك المعرفة هل تحصل بالعقل أو بالشرع فيها PageV07P457 نزاع بين العلماء ~~من أصحاب أحمد وغيرهم من العلماء # وحقيقة المسألة أن المعرفة منها ما يحصل بالعقل ومنها ما لا يعرف إلا ~~بالشرع فالإقرار الفطري كالإقرار الذي أخبر الله به عن الكفار قد يحصل ~~بالعقل كقوله تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ~~@QE@ سورة لقمان 25 # وأما ما في القلوب من الإيمان المشار إليه في قوله تعالى @QB@ ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ~~@QE@ سورة الشورى 52 فلا يحصل إلا بالوحي كما ms1507 في قوله @QB@ قل إن ضللت ~~فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي @QE@ سورة سبأ 50 # ومما يتعلق بهذه المسألة الكلام فيما يلهمه الله تعالى المؤمنين من ~~الإيمان كقوله تعالى @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ~~@QE@ سورة المائدة 111 # وقوله @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام @QE@ سورة الأنعام ~~125 وقوله @QB@ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه @QE@ سورة ~~الزمر 22 # وقوله @QB@ الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح @QE@ ~~إلى قوله @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ سورة النور 35 ~~40 PageV07P458 # وقوله @QB@ حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم @QE@ سورة الحجرات 7 # وقوله @QB@ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ سورة ~~المجادلة 22 وقوله @QB@ والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم @QE@ سورة يونس 25 # وأمثال ذلك مما يبين أن ما يحصل في القلوب من الهدى والنور والإيمان هو ~~من الله تعالى بفضله ورحمته # وهذا يتعلق بمسألة القدر ولما كانت المعتزلة قدرية تنكر أن يكون الله ~~تعالى خالقا لأفعال العباد ويقولون إن ما يحصل للعبد من الإيمان لم يحصل من ~~الله تعالى بل قد أعطى الكافر من أسباب الإيمان مثل ما أعطى المؤمن وليس له ~~نعمة على المؤمن أعظم من نعمته على الكافر ولكن نفس القدرة التي بها آمن ~~هذا بها كفر هذا وكل منهما رجح أحد مقدوريه بلا سبب يوجب الترجيح لأن ~~القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وأما من قال منهم ~~بقول أبي الحسين إن الفعل لا يحصل مع القدرة إلا بالداعي وإن الله يخلق ~~الداعي وأنه يجب وجود المقدور عند وجودهما فهذا موافق لأهل السنة في المعنى ~~وإن أظهر نزاعهم PageV07P459 # والمعتزلة كانوا هم أئمة الكلام في وجوب النظر والاستدلال بطريقة الأعراض ~~والأجسام وما يتبع ذلك وصاروا يقولون إن الإيمان لا يمكن أن يحصل للعبد ~~بدون اكتسابه له لا يمكن عندهم أن يحصل بعلم ضروري يجعله الله في ms1508 قلب العبد ~~ولا بإلهام وهداية منه يختص بها من يشاء من عباده # ولهذا خالفهم المثبتون للقدر كالأشعري وغيره وقالوا يمكن أن يعلم ~~بالاضطرار ما يعلم بالنظر فإن هذا عندهم ليس أمرا لازما لكنه بحسب العادة # والمعتزلة يقولون إن الإيمان إذا كان موهبة من الله تعالى للعبد وتفضلا ~~منه عليه لم يستحق العبد الثواب # وأهل السنة يقولون هو محسن إلى العبد متفضل عليه بأن أرسل اليه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأن جعل له السمع والبصر والفؤاد الذي يعقل به وأن هداه ~~للإيمان وأن أماته عليه فكل هذا إحسان منه إلى المؤمن وتفضل عليه وإن كان ~~هو قد كتب على نفسه الرحمة وكان حقا عليه نصر المؤمن وحق العباد عليه إذا ~~وحدوه ألا يعذبهم فذاك حق أوجبه بنفسه بكلماته التامات وبما تستحقه نفسه ~~المقدسة من حقائق الأسماء والصفات لا أن شيئا من المخلوقات أوجب عليه شيئا ~~أو حرم عليه شيئا PageV07P460 # والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر # فلما صار من أخذ ما أخذه من الكلام المحدث عنهم كالأشعري ومن سلك سبيله ~~من أصحاب أحمد ومالك والشافعي يسلكون مسالكهم في مسألة إيجاب النظر وأن ~~الايمان لا يحصل الا به قال أبو جعفر السمناني أحد أئمة الاشعرية هذه ~~المسألة بقية بقيت في المذهب من الاعتزال لمن اعتقدها وذلك لكون الأشعري ~~كان معتزليا تلميذا لأبي علي الجبائي ثم رجع عن هذا إلى مذهب ابن كلاب ~~وأمثاله من الصفاتية المثبتين للقدر والقائلين بأن أهل الكبائر لا يخلدون ~~ونحو ذلك من الأصول التي فارق بها المعتزلة للجماعة # وأصل الكلام المحدث المخالف للكتاب والسنة المذموم عند السلف والأئمة كان ~~أئمة الجهمية والمعتزلة وأمثالهم والمعتزلة قدرية جهمية وجهم وأتباعه جهمية ~~مجبرة ثم الأشعري كان منهم ولما فارقهم وكشف فضائحهم وبين تناقضهم وسلك ~~مسالك أبي محمد بن كلاب وأمثاله ناقضهم غاية المناقضة في مسائل القدر ~~والوعيد والأسماء والأحكام كما ناقضهم في ذلك الجهمية والضرارية والنجارية ~~ونحوهم PageV07P461 وكان الأشعري أعظم مباينة لهم في ذلك من الضرارية حتى ~~مال إلى قول ms1509 جهم في ذلك لكنه كان عنده من الانتساب إلى السنة والحديث وأئمة ~~السنة كالإمام أحمد وغيره ونصر ما ظهر من أقوال هؤلاء ما ليس عند أولئك ~~الطوائف # ولهذا كان هو وأمثاله يعدون من متكلمة أهل الحديث وكانوا هم خير هذه ~~الطوائف وأقربها إلى الكتاب والسنة ولكن خبرته بالحديث والسنة كانت مجملة ~~وخبرته بالكلام كانت مفصلة فلهذا بقي عليه بقايا من أصول المعتزلة ودخل معه ~~في تلك البقايا وغيرها طوائف من المنتسبين إلى السنة والحديث من اتباع ~~الأئمة من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد # وعامة هؤلاء يقولون الأقوال المتناقضة ويقولون القول ولا يلتزمون لوازمه ~~ومن أسباب ذلك أنهم يقولون القول المأثور عن الصحابة والسلف الموافق للكتاب ~~والسنة ولصريح المعقول ويسلكون في الرد على بعض الكفار أو بعض أهل البدع ~~مسلكا سلكته المعتزلة ونحوهم وذلك المسلك لا يوافق أصول أهل السنة فيحتاجون ~~إلى التزام لوازم ذلك المسلك المعتزلي وإلى القول PageV07P462 بموجب نصوص ~~الكتاب والسنة والمعقول الموافق لذلك فيحصل التعارض والتناقض # وهكذا المعتزلة ردوا على كثير من الكفار ردا بطرق سلكوها متى التزموا ~~لوازمها عارضت حقا آخر معلوما بالشرع أو العقل ومن تدبر هذه الأبواب رأى ~~عجائب وما ثم ما يثبت على السبر والتقسيم ويسلم عن التناقض إلا ما جاء من ~~عند الله # كما قال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا @QE@ سورة النساء 82 # وكثير من هذه الطوائف يتعصب على غيره ويرى القذاة في عين أخيه ولا يرى ~~الجذع المعترض في عينه ويذكر من تناقض أقوال غيره ومخالفتها للنصوص ~~والمعقول ما يكون له من الأقوال في ذلك الباب ما هو من جنس تلك الأقوال أو ~~أضعف منها أو أقوى منها # والله تعالى يأمر بالعلم والعدل ويذم الجهل والظلم كما قال تعالى @QB@ ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا ~~رحيما @QE@ سورة الأحزاب 72 73 PageV07P463 # وقال تعالى @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا @QE@ سورة ms1510 الأنعام 115 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في ~~الجنة فرجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في ~~النار ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار رواه أهل السنن # ومعلوم أن الحكم بين الناس في عقائدهم وأقوالهم أعظم من الحكم بينهم في ~~مبايعهم وأموالهم # وقد قال تعالى @QB@ فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ~~آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير @QE@ سورة ~~الشورى 15 # تم بحمد الله الجزء السابع من # كتاب درء تعارض العقل والنقل # لابن تيمية PageV07P464 # وقد رأيت من كلام الناس في هذا الباب وغيره ألوانا لا يسعها هذا الموضع ~~وكثير من نزاع الناس يكون نزاعا لفظيا أو نزاع تنوع لا نزاع تناقص # فالأول مثل أن يكون معنى اللفظ الذي يقوله هذا هو معنى اللفظ يقوله هذا ~~وإن اختلف اللفظان فيتنازعان لكون معنى اللفظ في اصطلاح أحدهما غير معنى ~~اللفظ في اصطلاح الآخر وهذا كثير # فالثاني أن يكون هذا يقول نوعا من العلم والدليل صحيحا ويقول الآخر نوعا ~~صحيحا # وكثير من نزاع الناس في هذا الموضع من هذا الباب وكثير منه نزاع في ~~المعنى والنزاع المعنوى إما أن يكون في ثبوت شىء وانتفائه وإما أن يكون في ~~وجوب شىء وسقوطه # فالنزاع في صحة دليل الأعراض ونحوه نزاع معنوى وكذلك النزاع في وجوب ~~الاستدلال بهذا الدليل على الإيمان أو توقف صحة الإيمان عليه ونحو ذلك # ولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة مأخوذا في الأصل عن المعتزلة ~~والجهمية ونحوهم وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات هل هو النظر أو القصد أو ~~الشك أو المعرفة صار كثير من المنتسبين إلى PageV08P003 السنة المخالفين ~~للمعتزلة في جمل أصولهم يوافقونهم على ذلك ثم الواحد من هؤلاء إذا انتسب ~~إلى إمام من أئمة العلم كمالك وابي حنيفة والشافعي وأحمد وصنف كتابا ms1511 في هذا ~~الباب يقول فيه قال اصحابنا وأختلف أصحابنا فإنما يعنى بذلك أصحابه ~~الخائضين في الكلام وليسوا من هذا الوجه من أصحاب ذلك الإمام فإن أصحابه ~~الذين شاركوه في مذهب ذلك الإمام إنما بينهم وبين أصحابه المشاركين له في ~~ذلك الكلام عموم وخصوص فقد يكون الرجل من هؤلاء دون هؤلاء وبالعكس وقد ~~تجتمع فيه الوصفان # وهذا موجود كثيرا في اتباع جميع الأئمة فتجد الواحد من أصحاب أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأحمد يقول اختلف أصحابنا في أول الواجبات ونحو ذلك لا يصح ~~كلامه إلا على هذا الوجه # كما يقول أبو الفرج المقدسي الحنبلي في تبصرته فإنه قال PageV08P004 $ ~~فصل في أول ما أوجب الله على العبد المكلف وفي ذلك وجهان لأصحابنا أحدهما ~~أن أول ما أوجب الله على العبد معرفته والثاني أن أول ما أوجب الله على ~~العبد النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى # قال وقال قوم أول ما أوجب الله على العبد الطهارة والصلاة وغير ذلك # ثم قال دليلنا أن معرفة الله يجب أن تتقدم على عبادته لأنه لا يجوز ~~للمكلف أن يعبد ما لا يعرف وإذا ثبت هذا وجب تقدم المعرفة على العبادة # قال وإلى ذلك دعانا الباري بقوله تعالى @QB@ أو لم يتفكروا في أنفسهم ~~@QE@ سورة الروم 8 وقال @QB@ أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض @QE@ ~~سورة الأعراف 185 # قال ولم يندبنا إلى النظر والتفكر إلا لكي نستدل على معرفته # قال دليل ثان أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما أرسل به إلى الأمة ~~التوحيد ومعرفة الله تعالى بالوحدانية ونفي الإلهية عما سواه ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # أمرت أن أقاتل الناس PageV08P005 حتى يقولوا لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ثم فرض عليهم بعد ~~ذلك الفرائض فدل على ما قلناه # قلت فهذا الكلام وأمثاله يقوله كثير من أصحاب الأئمة الأربعة ومعلوم أن ~~الأئمة الأربعة ما قالوا لا هذا القول ولا هذا القول وإنما قال ذلك من ~~أتباعهم من ms1512 سلك السبل المتقدمة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع أحدا من ~~الخلق إلى النظر ابتداء ولا إلى مجرد إثبات الصانع بل أول ما دعاهم إليه ~~الشهادتان وبذلك أمر أصحابه # كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه ~~إلى اليمن # إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم ~~خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض ~~عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم PageV08P006 # وكذلك سائر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لهذا كما في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عمر # أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا ~~فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله # وفي حديث ابن عمر # حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة # وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين وعلماء المسلمين فإنهم مجمعون على ما علم ~~بالاضطرار من دين الرسول أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين سواء كان ~~معطلا أو مشركا أو كتابيا وبذلك يصير الكافر مسلما ولا يصير مسلما بدون ذلك # كما قال أبو بكر بن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على الكافر ~~إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء ~~به محمد حق وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام وهو بالغ صحيح يعقل ~~أنه مسلم فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على ~~المرتد # لكن تنازعوا فيما إذا قال أشهد أن محمدا رسول الله هل يتضمن ذلك الشهادة ~~بالتوحيد أو لا يتضمن أو يفرق بين من يكون PageV08P007 مقرا بالتوحيد ومن ~~لا يكون مقرا على ثلاثة أقوال معروفة ms1513 في مذهب أحمد وغيره من الفقهاء ولهذا ~~قال غير واحد ممن تكلم في أول الواجبات كالشيخ عبد القادر وغيره أول واجب ~~على الداخل في ديننا هو الشهادتان # واتفق المسلمون على أن الصبي إذا بلغ مسلما لم يجب عليه عقب بلوغه تجديد ~~الشهادتين # والقرآن العزيز ليس فيه أن النظر أول الواجبات ولا فيه إيجاب النظر على ~~كل أحد وإنما فيه الأمر بالنظر لبعض الناس وهذا موافق لقول من يقول إنه ~~واجب على من لم يحصل له الإيمان إلا به بل هو واجب على كل من لا يؤدي واجبا ~~إلا به وهذا أصح الأقوال # فقوله تعالى @QB@ أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ~~@QE@ سورة الروم 8 وهذا بعد قوله @QB@ ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون @QE@ سورة الروم 6 7 # ثم قال تعالى @QB@ أو لم يتفكروا في أنفسهم @QE@ سورة الروم 8 فالضمير ~~عائد إلى الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ~~PageV08P008 # وقوله تعالى @QB@ أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين ~~أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون ~~قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون @QE@ سورة الأعراف 184 185 # فهذا مذكور بعد قوله @QB@ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين @QE@ سورة الأعراف 182 183 # ثم قال @QB@ أولم يتفكروا ما بصاحبهم @QE@ فالضمير عائد إلى المكذبين ~~فإنه قال تعالى @QB@ أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة @QE@ ثم قال تعالى ~~@QB@ أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون @QE@ فقول هؤلاء كأبي المعالي ~~وغيره أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعا ~~القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدث العالم هو في الأصل ms1514 من ~~PageV08P009 كلام المعتزلة وهو كلام مخالف لما أجمع عليه أئمة الدين ولما ~~تواتر عن سيد المرسلين بل لما علم بالاضطرار من دينه # وإذا قدر أن أول الواجبات هو النظر أو المعرفة أو الشهادتان أو ما قيل ~~فهذا لا يجب على البالغ أن يفعله عقب البلوغ إلا إذا لم يكن قد فعله قبل ~~البلوغ فأما من فعل ذلك قبل البلوغ فإنه لا يجب عليه فعله مرة ثانية لا ~~سيما إذا كان النظر مستلزما للشك المنافي لما حصل له من المعرفة والإيمان ~~فيكون التقدير اكفر ثم آمن واجهل ثم اعرف وهذا كما أنه محرم في الشرع فهو ~~ممتنع في العقل فإن تكليف العالم الجهل من باب تكليف ما لا يقدر عليه فإن ~~الجاهل يمكن أن يصير عالما فإذا أمر بتحصيل العلم كان ممكنا أما العالم فلا ~~يقدر أن يصير جاهلا كما أن من رأى الشيء وسمعه لا يمكن أن يقال لا يعرفه ~~فمن كان الله قد أنعم عليه وشرح صدره للإسلام قبل بلوغه فحصل له الإيمان ~~المتضمن للمعرفة لم يمكن أن يؤمر بما يناقض المعرفة من نظر ينافي المعرفة ~~أو شك ونحو ذلك بل الأمر لمن حصل له علم ومعرفة أن يقدم ذلك ثم يحصله مثل ~~تكليف من حصل له قصد الصلاة ونيتها بأن يقدم ذلك ثم تحصل النية PageV08P010 ~~وهذا مع أنه من باب الجهل والسفه والضلال فهو من باب تكليف العباد ما ~~يعجزون عنه ولهذا يقال الوسوسة لا تكون إلا من خبل في العقل أو جهل بالشرع # وقد اتفق الفقهاء على أن الصبي إذا تطهر قبل البلوغ لم يجب عليه إعادة ~~الوضوء إذا بلغ وكذلك لو كان عليه ديون فقضاها أو قضاها وليه لم يجب عليه ~~إعادة القضاء بعد البلوغ بل لو صلى الفرض في أول الوقت ثم بلغ ففي إعادة ~~الصلاة عليه نزاع معروف بين العلماء ومذهب الشافعي لا تجب الإعادة وهو قول ~~في مذهب أحمد ومن الناس من يضعف هذا القول ولعله أقوى من غيره فإن النبي ~~صلى الله ms1515 عليه وسلم لم يأمر أحدا من الصبيان بإعادة الصلاة مع العلم بان ~~كثيرا منهم يحتلم بالليل وقد صلى العشاء مع بقاء وقتها # والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد ~~الشهادتان ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب ~~البلوغ # والشهادة تتضمن الإقرار بالصانع تعالى وبرسوله لكن مجرد المعرفة بالصانع ~~لا يصير به الرجل مؤمنا بل ولا يصير مؤمنا بأن يعلم أنه رب كل شيء حتى يشهد ~~أن لا إله إلا الله ولا يصير مؤمنا PageV08P011 بذلك حتى يشهد أن محمدا ~~رسول الله ثم كون ما يجب من المعرفة لا يحصل إلا بالنظر أو يمكن حصوله ~~بدونه وهل أصل المعرفة فطرية ضرورية أو نظرية أو يحصل بهذا تارة وبهذا تارة ~~والنظر المحصل لها هل يتعين في طريق معين أو لا يتعين هذه مسائل أخر # ومما يتعلق بهذا تنازعهم في المعرفة الواجبة هل تحصل بالعقل أو بالشرع ~~وكثير من النزاع في ذلك لفظي وبعضه معنوي فمن ادعى أن المعرفة لا تحصل إلا ~~بطريقة الأعراض والتركيب ونحو ذلك من الطرق المبتدعة التي للمعتزلة ~~والمتفلسفة ومن وافقهم كان النزاع معه معنويا # ونحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول وسلف الأمة بطلان قول هؤلاء وأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا بهذه الطرق ولا علق إيمانه ومعرفته ~~بالله بهذه الطرق بل القرآن وصف بالعلم والإيمان من لم يسلك هذه الطرق ولما ~~ابتدع بعض هذه الطرق من ابتدعها أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها ووسموا هؤلاء ~~بالبدعة والضلالة # ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشي على PageV08P012 ~~قول من يقول لا واجب إلا بالشرع كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك ~~والشافعي وأحمد وغيرهم فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على ~~المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع لا وجوب على من ~~لم يبلغ ذلك وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين وإن ms1516 كان لم ~~يتكلم بهما وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة # وهذا هو المعنى الذي قصده من قال أول الواجبات الطهارة والصلاة فان هذا ~~أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا كما قال صلى اله عليه وسلم ~~مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في ~~المضاجع # ولهذا قال الأئمة كالشافعي واحمد وغيرهما يجب على كافل الصبي أن يأمره ~~بالطهارة والصلاة لسبع ولم يوجب أحد منهم على أوليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد ~~شهادتين ولا نظر ولا استدلال ونحو ذلك ولا يؤمر بذلك بعد البلوغ وان كان ~~الإقرار بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين ووجوب ذلك يسبق وجوب الصلاة لكن ~~هو قد أدى هذا الواجب قبل ذلك إما بلفظه واما بمعناه فان نفس الإسلام ~~والدخول فيه التزام لذلك PageV08P013 # وهنا مسائل تكلم الفقهاء فيها فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين أو أتى بغير ~~ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما والصحيح انه يصير مسلما بكل ما هو من ~~خصائص الإسلام # فان قال هؤلاء يعني بكونه أول الواجبات انه أول ما يؤديه العبد من ~~الواجبات # قيل قد يؤدي قبل ذلك واجبات من قضاء الديون وأداء الأمانة وصلة الأرحام ~~والعدل وغير ذلك # فان قيل لكن هذا أول واجب يتعلق به الثواب في الآخرة بخلاف ما أدى بدونه ~~لا ثواب فيه في الآخرة # قيل مع قولنا بأنه لا وجوب ولا ثواب في الآخرة إلا بالشرع فلا يثاب لا ~~على هذا ولا على هذا قبل مجيء الشرع ولا يجب لا هذا ولا هذا إلا بالشرع ~~وإذا خاطب الشارع الناس فإنما يأمر العبد ابتداء بما لم يؤده من الواجبات ~~دون ما آداه فلم يخاطب المشركين ابتداء بالمعرفة إذا كانوا مقرين بالصانع ~~وانما أمرهم بالشهادتين ولو لم يكونوا مقرين بالصانع فانه لم يأمرهم بإقرار ~~مجرد عن الشهادتين بل آمرهم بالشهادتين ابتداء والشهادتان تتضمن المعرفة ~~PageV08P014 فلو اقروا بالصانع وعرفوه من غير إقرار بالشهادتين لم يقبل ذلك ~~منهم ولم يخرجوا بذلك من الكفر ولم يرتب خطابهم بذلك شيئا بعد ms1517 شيء بل ~~خاطبهم بالجميع ابتداء # وهنا تكلم الناس في وجوب إمهال الكافر إذا طلب الإمهال للنظر فأوجبه من ~~أوجبه من المتكلمين من المعتزلة ومن تبعهم على هذه الطريقة كالقاضي أبي بكر ~~والقاضي أبي يعلي في المعتمد وغيرهما # واما الفقهاء أئمة الدين فلا يوجبون ذلك مطلقا إما في حال المقاتلة ~~فيقاتلون حتى يسلموا أو يقروا بالجزية إن كانوا من أهلها فإذا اسر الرحل ~~منهم فهذا لا يتعين قتله فإذا طلب مثل هذا الإمهال ورجى إسلامه أمهل واما ~~المرتد فلا يؤخر عند الجماهير اكثر من ثلاث وأما من له عهد فذلك لا يكره ~~على الإسلام فهو في مهلة النظر دائما # ولو طلب أهل دار ممتنعين من الإمام إن يمهلهم مدة ورجا بذلك إسلامهم ولم ~~يخف مفسده راجحة أمهلهم # والحربي إذا طلب الامان حتى يسمع القرآن وينظر في دلائل الإسلام أمناه ~~كما قال تعالى @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ~~ثم أبلغه مأمنه @QE@ # واما من قال بالوجوب العقلي كما هو قول المعتزلة والكرامية ومن ~~PageV08P015 # وافقهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد وغيرهم فهؤلاء هم الذين ~~قالوا ابتداء أول ما يجب المعرفة أو النظر المؤدي إليها لكن اخذ كلامهم من ~~أراد أن يبنيه على اصوله من الاشعرية ونحوهم فتناقض كلامه # ومن قال بالوجوب العقلي فهذا إذا قال أول الواجبات المعرفة كان ذلك اقرب ~~ثم له أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أوجب الشهادتين ابتداء فقد ضم ~~إلى الواجب العقلي ما يجب بالشرع وجعل أحدهما شرطا في الآخر فلا يقبل ~~أحدهما دون الآخر ومن أدى هذا الواجب أو بعضه لم يخاطبه إلا بفعل ما لم ~~يؤده وعلى هذا فيكون خطاب الشارع للناس بحسب أحوالهم # وأول الواجبات الشرعية يختلف باختلاف أحوال الناس فقد يجب على هذا ابتداء ~~ما لا يجب على هذا ابتداء فيخاطب الكافر عند بلوغه بالشهادتين وذلك أول ~~الواجبات الشرعية التي يؤمر بها واما المسلم فيخاطب بالطهارة إذ لم يكن ~~متطهرا وبالصلاة وغير ذلك من الواجبات الشرعية ms1518 التي لم يفعلها # وفي الجملة فينبغي أن يعلم أن ترتيب الواجبات في الشرع واحدا بعد واحد ~~ليس هو أمرا يستوي فيه جميع الناس بل هم متنوعون في ذلك فكما انه قد يجب ~~على هذا ما لا يجب على هذا فكذلك قد PageV08P016 # يؤمر هذا ابتداء بما لا يؤمر به هذا فكما إن الزكاة يؤمر بها بعض الناس ~~دون بعض وكلهم يؤمر بالصلاة فهم مختلفون فيما يؤمرون به ابتداء من واجبات ~~الصلاة فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ~~ذلك ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداء ولا يكون أول ما يؤمر به هذا من ~~أمور الصلاة هو أول ما يؤمر به هذا # وهكذا الواجبات العقلية إذا قيل بالوجوب العقلي يتنوع الناس في ترتيبها ~~فهذا يؤمر بقضاء ما عليه من الديون وهذا يؤمر برد ما عنده من الودائع وهذا ~~يؤمر بالعدل في حكمه والصدق في شهادته وامثال ذلك وكما انهم متنوعون في ~~ترتيب الوجوب فهم متنوعون في ترتيب الحصول علما وعملا # وقد سلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة ومن وافقهم ترتيبا معينا في ~~العلم الواجب على كل مكلف وزعموا انه لا يمكن حصول المعرفة لأحد إلا على ~~ذلك الترتيب الخاص كما ذكرناه من كلام أبي الحسين البصري وامثاله حيث قالوا ~~ليس يثق أحد بصحة ما جاءت به الرسل إلا بعد المعرفة بصدقهم ولا تحصل ~~المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات التي تميزهم عن غيرهم وليس تدل المعجزات على ~~صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح لكي يؤمن أن يصدق الكذابين وليس ~~يعلم انه لا يفعل القبيح إلا إذا عرف انه عالم بقبحه PageV08P017 عالم ~~باستغنائه عنه ولا يعرف غناه إلا بعد أن يعلم بأنه غير جسم ولا يعرف انه ~~غير جسم إلا إذا عرف انه قديم ولا يعلم انه قديم ولا يعلم انه عالم بكل ~~قبيح إلا إذا علم انه عالم بكل شيء ولا يعلم ذلك إلا إذا علم لذاته ولا ~~يعلم انه يثبت ويعاقب إلا إذا علم ms1519 انه قادر حي ولا نعرف موصوفا بهذه الصفات ~~إلا إذا عرفت ذاته وإنما تعرف ذاته إذا استدل عليها بأفعاله لأنها غير ~~مشاهدة ولا معروفة باضرار ولا طريق إليها إلا أفعاله # قال فيجب أن يتكلم في هذه الاشياء ليعلم صحة ما جاءت به الرسل # ثم انه تكلم في حدوث الأجسام وبني الأمر في ذلك على إن ما لم يسبق ~~الحوادث فهو محدث وبنى ذلك على انه إذا كان كل من الحوادث له أول استحال أن ~~لا يكون لها أول لأنها ليست سوى آحادها كما يستحيل أن يكون كل واحد من ~~الزنج اسود ولا يكونوا كلهم سودا # فقد جعل الدين كله مبنيا على هذا الترتيب المبني على هذه المقدمة التي ~~ينازعه فيها جمهور العقلاء من أهل الملل وغيرهم وهذه هي أصول الدين عندهم ~~وهذا مما يخالفهم فيه جماهير المسلمين بل جمهور عقلاء العالمين بل يعلم ~~بالاضطرار من دين الإسلام أن PageV08P018 # الرسول لم يوجب هذه الطريق ولا دعا إليها ولا كان إيمان السابقين الأولين ~~موقوفا عليها # وعامة ما ذكره من الترتيب ممنوع فقوله لا تحصل المعرفة بصدقهم إلا ~~بالمعجزات ينازعه فيه طوائف كثيرون بل اكثر الناس # وقوله لا تدل المعجزات على صدقهم إلا إذا صدرت ممن لم يفعل القبيح ينازعه ~~فيه أيضا طوائف كثيرون وقوله لا يعلم غناه إلا إذا علم انه ليس بجسم ينازعه ~~فيه أيضا طوائف كثيرون وكذلك ما ذكره من قوله ولا يعلم ذلك إلا إذا علم انه ~~عالم لذاته ومراده نفي الصفات والقول بأن القرآن مخلوق وان الله لا يرى في ~~الآخرة ونحو ذلك مما ينازعه فيه طوائف كثيرون # وقوله إنما يعرف إذ استدل عليها بأفعاله لأنها غير مشاهدة ولا معروفة ~~باضطرار ينازعه فيه طوائف آخرون # فهذا ترتيب المعتزلة للعلم بالله ورسله ولغيرهم من طوائف المتكلمين ترتيب ~~آخر وفيه من الممانعات والمعارضات من جنس ما في ترتيب هؤلاء PageV08P019 # ونظير هذه التراتيب التي أحدثها أهل الكلام وادعوا أنه لا يحصل العلم إلا ~~بها تراتيب ذكرها طوائف من الصوفية المصنفين في ms1520 أحوال القلوب وأعمالها لما ~~تكلموا في المقامات والمنازل وترتيبها فهذا يذكر عددا من المنازل والمقامات ~~وترتيبا وهذا يذكر عددا آخر وترتيبا ويقول هذا إن العبد لا ينتقل إلى مقام ~~كذا حتى يحصل له كذا وأنه ينتقل إلى كذا بعد كذا ويقول هذا عدد المنازل ~~مائة ويقول الآخر عددها أكثر وأقل ثم هذا يقسم المنازل أقساما يجعلها الآخر ~~كلها قسما ويذكر هذا أسماء وأحوالا لا يذكرها الآخر # وغاية الواحد من هؤلاء أن يكون ما ذكره وصف حاله وحال أمثاله وسلوكهم ~~وترتيب منازلهم فإذا كان ما قالوه حقا فغايته أن يكون وصف سلوك طائفة معينة ~~أما كون جميع أولياء الله تعالى لا يسلكون إلا على هذا الوجه المرتب وهذه ~~الانتقالات فهذا باطل # وكذلك أيضا نظير هذا ما يذكره من يذكره من المتفلسفة وأهل المنطق في ~~ترتيب العلم وأسباب حصوله وما يذكرونه من الحدود والأقيسة والانتقالات ~~الذهنية فغاية كلامهم إذا كان صحيحا أن يكون ذلك وصفا لما تسلكه طائفة ~~معينة أما كون جميع بني آدم لا يحصل لهم العلم بمطالبهم إلا بهذه الطرق ~~المعينة فهذا كلام PageV08P020 باطل فحصر هؤلاء لمطلق العلم في ترتيب معين ~~وحصر هؤلاء العلم بالله وبصدق رسله في ترتيب معين وحصر هؤلاء للوصول إلى ~~الله في ترتيب معين كل هذا مع كونه في نفسه مشتملا على حق وباطل فالحق منه ~~لا يوجب الحصر ولكن هو وصف قوم معينين وطرق العلم والأحوال وأسباب ذلك ~~وترتيبه أوسع من أن تحصر في بعض هذه الطرائق # ولهذا كانت الرسل صلوات الله عليهم وسلامه يأمرون بالغايات المطلوبة من ~~الإيمان بالله ورسوله وتقواه ويذكرون من طرق ذلك وأسبابه ما هو أقوى وأنفع ~~وأما أهل البدع المخالفون لهم فبالعكس يأمرون بالبدايات والأوائل ويذكرون ~~من ذلك ما هو أضعف وأضر فمتبع الأنبياء لا يضل ولا يشقى ومتبع هؤلاء ضال ~~شقي إذ كانت قضايا هؤلاء فيها من الباطل الذي هو كذب وإفك وإن لم يعلم ~~صاحبه أنه كذب وإفك بل يظنه صدقا ما لا يحصيه إلا الله # وإذا كان ms1521 الناس يتنوعون في الوجوب وترتيب الواجبات ويتنوعون في الحصول ~~وترتيب الحاصلات لم يمكن أن يجعل ما يخص بعضهم شاملا لجميعهم وكثير من ~~الغلط في هذا الباب إنما دخل من هذا الوجه يصف أحدهم طريق طائفة ثم يجعله ~~عاما كليا ومن لم يسلكه كان ضالا عنده ثم ذلك الطريق إما أن يكون خطأ وإما ~~أن PageV08P021 يكون صوابا ولكن ثم طرق أخرى غير ذلك الطريق فيجىء من سلك ~~غير ذلك الطريق يبطله بالكلية ويرد ما فيه من الصواب # وقد تكلمنا على مسألة تحسين العقل وتقبيحه في غير هذا الموضع وفصلنا ~~القول فيها وبينا منشأ الغلط فإن الطائفتين اتفقوا على أن الحسن والقبح ~~باعتبار الملائمة والمنافرة قد يعلم بالعقل والملائمة تتضمن حصول المحبوب ~~المطلوب المفروح به والمنافرة تتضمن حصول المكروه المحذور المتأذى به # وهذا الذي اتفقوا عليه حق لكن توهموا بعد هذا أن الحسن والقبح الشرعي ~~خارج عن ذلك وليس الأمر كذلك بل هو في الحقيقة يعود إلى ذلك لكن الشارع عرف ~~بالموجود وأثبت المفقود فتحسينه إما كشف وبيان وإما إثبات لأمور في الأفعال ~~والأعيان # وعلى قول من يجعل الأحكام صفات ثابتة للأفعال وللأعيان فالتحسين الشرعي ~~يتضمن أن الحسن ما حصل به الحمد والثواب والقبح ما حصل به الذم والعقاب ~~ومعلوم أن الحمد والثواب والثواب ملائم للإنسان والذم والعقاب مناف للإنسان # وكذلك توهم من توهم من الطائفتين أن إثبات ذلك في حق الله تعالى ممتنع ~~لكون هؤلاء المتوهمين لم يفرقوا بين الإرادة والمحبة PageV08P022 # والرضا بل جعلوا كل مراد محبوبا مرضيا ثم قال هؤلاء الكفر والفسوق ~~والعصيان ليس محبوبا باتفاق المسلمين فلا يكون مرادا فيكون وقوع ذلك بدون ~~إرادته فيكون في ملكه ما لا يريده فيكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون # وقال هؤلاء بل هو مريد لكل حادث فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ~~والكفر والفسوق والعصيان مراد له فيكون محبوبا مرضيا فيكون محبا راضيا ~~بالكفر والفسوق والعصيان فهؤلاء سووا بين المأمور والمحظور في أن الجميع ~~محبوب مرضي فلزمهم ms1522 تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد وإن لم يلتزموه # وأولئك قالوا يكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون فلزمهم أن يكون عاجزا ~~مغلوبا وإن كانوا لا يكرمون عجزه فهؤلاء لم يجعلوا لله الملك وأولئك لم ~~يجعلوا له الحمد والله تعالى له الملك وله الحمد هؤلاء أرادوا إثبات ألهيته ~~وأنه معبود محمود حكيم عادل فقصروا في ذلك ونقصوه موجب ربوبيته وقدرته ~~ومشيئته وهؤلاء أثبتوا موجب ربوبيته وقدرته ومشيئته لكنهم نقصوا موجب ~~ألهيته وحكمته ورحمته وحمده وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ~~PageV08P023 # والمقصود هنا التنبيه على منشأ النزاع في الوجوب كما نبهنا على النزاع في ~~ترتيب الوجوب وأما الحصول فكثير من الناس يقول المعرفة لا تحصل إلا بالعقل ~~وقد يسرف هؤلاء حتى لا يثبتوا أشياء من صفات الله تعالى لا نفيا ولا إثباتا ~~إلا بالعقل وصرح هؤلاء بأنه لا يستدل بنصوص الرسل على شيء من صفات الله ~~تعالى لا إثباتا ولا نفيا كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ومن اتبعهم من ~~متأخري الأشعرية ويجعلون أصول الدين هي العقليات المحضة التي لا تعلم ~~بالسمع ثم قد يعينون من الطرق العقلية ما هو باطل عقلا وشرعا كطريقة ~~الأعراض وطريقة التركيب وطريقة الاختصاص وإلى هذه الثلاث تعود جميع أصول ~~النفاة ويقابلهم آخرون فيقولون المعرفة لا تحصل إلا بالسمع ولا تحصل بالعقل ~~وربما قالوا إنه لا يمكن حصولها بالعقل وقد بينا في غير هذا الموضع أن ~~الأدلة العقلية والسمعية متلازمة كل منهما مستلزم صحة الآخر فالأدلة ~~العقلية تستلزم صدق الرسل فيما أخبروا به والأدلة السمعية فيها بيان الأداة ~~العقلية التي بها يعرف الله وتوحيده وصفاته وصدق أنبيائه # ولكن من الناس من ظن أن السمعيات ليس فيها عقلي والعقليات PageV08P024 لا ~~تتضمن السمعي ثم افترقوا فمنهم من رجح السمعيات وطعن في العقليات ومنهم من ~~عكس # وكلا الطائفتين مقصر في المعرفة بحقائق الأدلة السمعية والعقلية ثم تجد ~~هؤلاء وهؤلاء في أتباع الأئمة مالك والشافعي وأحمد وغيرهم # وكثير من النزاع في ذلك قد يكون لفظيا وقد رأيت من ms1523 ذلك عجائب كطائفة من ~~أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد سلكوا الطريقة الأولى ونسبوا من ~~خالفهم في ذلك إلى الجهل والغباوة حتى أن بعض متأخري أصحاب أحمد وهو أبو ~~الفرج صدقة بن الحسين البغدادي صنف مصنفا سماه محجة الساري في معرفة الباري ~~سلك فيه مسلك ابن عقيل وأمثاله من المتكلمين المنتسبين إلى السنة مشوب من ~~كلام المعتزلة مع مخالفتهم لهم في شعار مذهبهم فذكر أنه سئل عن المعرفة بأي ~~طريق تحصل ومن أي طريق تجب وأن يبين اختلاف الناس في ذلك وذكر أن الناس ~~تنازعوا في أول واجب على الإنسان بعد سن البلوغ والعقل هل هو النظر أو ~~المعرفة وأنهم اتفقوا على وجوب المعرفة واختلفوا في طريقه # قال فذهب أهل الحق والسنة والجماعة إلى أن طريق الوجوب هو السمع والنقل ~~وقالت المعتزلة طريق الوجوب هو العقل PageV08P025 # ثم قال وهنا مزلة أقدام لبعض أصحابنا الحنابلة لأنهم إذا سئلوا مطلقا عن ~~معرفة الله وقيل لهم بم يعرف الله قالوا بالشرع من غير فصل بين الوجوب ~~والحصول # قال وقد نبهتهم على هذا غير مرة فما هبوا من رقدتهم ولا انتبهوا من سنتهم # ثم ذكر قول الإمامية والباطنية وأن المعرفة تحصل عندهم بقول الرسول ~~والإمام المعصوم دون نظر العقل وتكلم في مسألة نفي الوجوب العقلي بما ليس ~~هذا موضعه وتكلم في طرق المعلومات بالكلام المعروف لأهل هذه الطريقة وأن ~~منها ما لا يعلم إلا بالعقل ومنها ما لا يعلم إلا بالسمع ومنها ما يعلم ~~بهما فالذي لا يعلم إلا بالعقل علمنا بأنه لا بد من موجود قديم لأن الكل لو ~~كان حادثا لكان حادثا بلا سبب وهذه المعرفة تتقدم على ورود الرسول فلا حاجة ~~فيها إلى الرسول بل مثاله علمنا بدلالة معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على صدقه والذي يعلم بمجرد التعليم من النبي المعصوم مثل علمنا بمقادير ~~العبادات الواجبة وما يتعلق بالآخرة من الجنة والنار وعذاب القبر والحساب ~~والميزان وغير ذلك # قال فالرسول صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليفصل الشرع ms1524 PageV08P026 # وليشرح أمر الآخرة فأما معرفة افتقار هذا العالم إلى صانع قادر على إرسال ~~الرسل فهو متقدم على قول الرسول فكيف يكون مستفادا من قول الرسول فمعرفة ~~المرسل إذا تقدم على معرفة الرسول ومعرفة صدقه فكيف يعرف بقول الرسول قال ~~وأما مثال ما يدرك بالعقل والسمع جميعا فهو كرؤية الله تعالى وكونه خالقا ~~لأعمال العباد فهذا مما يعلم بمجرد السمع وبمجرد العقل # ثم قال وأما حجتنا في حصول المعرفة بمجرد العقل فقوله تعالى @QB@ أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى ~~الأرض كيف سطحت @QE@ سورة الغاشية 17 20 وقال في موضع آخر @QB@ وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون @QE@ سورة الذاريات 21 وقال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ سورة فصلت 53 فهذا كله دعوة ~~إلى الدلائل العقلية وهو التأمل في الآيات الدالة على حدوث العالم وقدم ~~الصانع من غير شرط على ما نبينه من بعد # قال ولأنه بالعقل يستدل بالشاهد على الغائب وبالبناء على الباني ~~وبالكتابة على الكتاب من غير سماع خطاب PageV08P027 # قال وآثار صنع الباري عزت قدرته في الموجودات أكثر وأظهر من كل دليل وكل ~~من وقف على آثار صنعته بنور عقله يقع له العلم بوجود الصانع إذ لا يتصور ~~مصنوع بلا صانع ولا مخلوق بلا خالق # قال والدليل على أن النظر أول الواجبات هو أن سائر الواجبات من الصلاة ~~والصيام إنما يوجد بعد المعرفة لأنه إنما يصح أن يتقرب إلى الله من يعرفه ~~فصارت المعرفة متقدمة على سائر الواجبات والنظر متقدم على المعرفة لأنه ~~طريق إليها وطريق الشيء متقدم عليه فصح أن النظر متقدم على كل شيء واجب ~~وهنا التقدم في النظر إنما هو في وجوده لا في وجوبه وإلا فالواجب الأول هو ~~المعرفة يعني الواجب قصدا # قال والحاجة التي دعت إلى النظر هو أنه لا طريق إلى المعرفة إلا به ~~والدليل على ذلك أن المعرفة إما أن تكون واقعة مبتدأة كمعرفة العاقل أن ~~العشرة أكثر من الخمسة ms1525 وإما أن تكون واقعة عن طريق كمعرفتنا بالمدركات إذا ~~أدركناها بحواسنا الخمس وكمعرفتنا بما غاب عنا إذا أخبرنا به خلق عظيم ~~شاهدوه نحو معرفتنا PageV08P028 بمكة من جهة الخبر واما أن تكون واقعة ~~بالاستدلال كاستدلالنا بالبناء على الباني # قال ومعلوم أن معرفة الله تعالى لا تجري مجرى معرفتنا بان العشرة اكثر من ~~الخمسة لأنها لو جرت هذا المجرى لاستغنينا عن الاستدلال عليه كما نستغني عن ~~الاستدلال على أن العشرة اكثر من الخمسة ومعلوم أن نفوس العقلاء تتشوف إلى ~~الاستدلال على الله تعالى ولا يجوز أن تكون معرفتنا بالله تعالى لإدراك ~~الحواس لأنه لا يجوز أن يدرك بشيء منها في الدنيا ولا يجوز أن تكون معرفتنا ~~به واقعة بالخبر لان الخبر إنما يفضي إلى المعرفة إذا اخبر به خلق كثير عن ~~مشاهدة وليس أحد يخبرنا بالله عن مشاهدة ولا يجوز أن تكون معرفته بطريق ~~الإلهام كما زعمت طائفة من الصوفية وبعض الشيعة لأن الإلهام هو تخايل يقع ~~في القلب قد يكون ذلك من الله وقد يكون من وسوسة الشيطان وليس على أحدهما ~~دليل يدل عليه ولان من يدعي الإلهام يمكن خصمه أن يدعى خلافه فانه إذا قال ~~ألهمت بكذا فيقول خصمه وأنا ألهمت بكذا فكان العمل به عملا بلا دليل إلا ~~ترى أن صاحب الشرع امرنا بالاجتهاد عند PageV08P029 فقد النصوص وهو عمل ~~بدلالة النصوص كما روى في حديث معاذ # قال ولا يلزم على هذا التحرى في الأواني وغيرها في الشرع فانه عمل بشهادة ~~القلب لأنه هناك ليس ثم دليل سواه # وذلك ليس من قبل ما ذكرنا لان الإلهام لا يصلح لإلزام الحكم على الغير ~~وكذلك التحرى أيضا لا يصلح للإلزام على غيره وانما اعتبر لجواز العمل في حق ~~نفسه عند عدم سائر الأدلة إما المشروعات فلا يتصور أن تنفك عن نوع دليل إما ~~الكتاب أو السنة أو إجماع آو قياس فلا ضرورة في العمل بغير حجة ودليل فإذا ~~بطلت هذه الأقسام كلها ثبت انه لا طريق إلى معرفة الله إلا بالنظر ~~PageV08P030 # قال ms1526 فان قيل بماذا تعلمون أن في العقول حجة ودليلا قيل بان تبين في كل ~~مسالة تبيينا عقليا يفضي النظر فيه إلى العلم فان قيل لم قلتم أن معرفة ~~الله لا تنال إلا بالنظر في حجة العقل قيل الدلالة على ذلك أن الكتاب إنما ~~يصح أن يستدل به إذا علم انه كلام الله الحكيم فيجب تقدم العلم بالله ~~وحكمته وبان هذا كلامه وانما لم يصح الاستدلال عليه بالسنة لأنه إنما يصح ~~الاستدلال بها إذا اثبت إنها كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيم ~~فيجب تقدم العلم بالله وحكمته وان هذا الرسول رسوله وانما لم يصح الاستدلال ~~بالإجماع على الله لأنه إنما يصح الاستدلال بالإجماع بعد أن يعلم أن الله ~~ورسوله قد شهدا بأنه حجة فيجب تقدم العلم بالله فصح أن العلم بالله لا ~~يستفاد بغير حجة العقل # قال فإن قيل فما الدليل الذي يؤدي النظر فيه إلى معرفة الله تعالى قيل ~~نفسك وسائر ما تشاهده من الأجسام فوجه دلالة PageV08P031 الإنسان من نفسه ~~على الله تعالى انه قد كان نطفة ثم تقلبت به الأحوال إلى أن انتهى إلى حال ~~الكمال فلا بد لهذا التنقل والتغير من مغير ولم يكن التغير في وقت أولى من ~~وقت فلا يخلو ذلك المغير إما أن يكون قد اقتضى تغيرها على سبيل الإيجاب من ~~غير اختيار بالطبع أو القالب أو يكون اقتضى تغيرها على سبيل الاختبار وهو ~~الفاعل ولا يخلو ذلك الفاعل إما أن يكون هو الإنسان أو غيره وإن كان غيره ~~فلا يخلوا إما ان يكون من جنسه أو من غير جنسه فان كان من جنسه فأما أن ~~يكون أبويه أو غيرهما فان كان من غير جنسه فهو قولنا وسنبطل سائر الأقسام ~~ونثبت هذا الأخير إما انه لا يجوز أن يكون الإنسان قد تشكل لأجل أن الرحم ~~على شكل القالب فلأن الكلام فيمن شكل ذلك القالب كالكلام فيمن شكل الإنسان ~~ولان القالب يقتضي تشكيل ظاهر ما يلقي فيه فما الذي اقتضى تشكيل باطن ~~الإنسان ووضع ms1527 أجزاء الباطن مواضعها ولا يجوز أن يكون المقتضى لتغيير ~~الإنسان وتشكيله طبيعة غير عالمة ولا مختارة لأن الإنسان أبلغ في الترتيب ~~والحكمة من بناء دار وصناعة وتاج وكما لم يجز أن يحصل ذلك ممن ليس بعالم ~~فكذلك الإنسان إلا ترى أن أعضاء الإنسان مقسومة على حسب المنفعة وموضوعة ~~مواضعها ولا يجوز أن يكون الإنسان هو PageV08P032 الذي غير نفسه من حال إلى ~~حال لأنه لو قدر على ذلك في حال ضعفه لكان في حال كماله اقدر وإذا عجز عن ~~خلق مثله وخلق أعضائه في حال كماله فهو عن ذلك في حال الضعف اعجز ولا يجوز ~~أن يكون المغير له من حال إلى حال أبويه لأنه ليس يجري على حسب إيثارهما ~~إلا ترى انهما يريدانه فلا يكون ويكرهانه فيكون ويريدانه ذكرا فيكون أنثى ~~ويريدانه أنثى فيكون ذكرا فإذا لم يكن لأبويه في ذلك تأثير فغيرهما مما لا ~~تعلق له به اجدر فصح أن للإنسان فاعلا مخالفا له وهو الله تعالى # قال فان قيل فكيف يدل غير على الله قيل أن الأجسام لا تخلو عن الحركة ~~والسكون والاجتماع والافتراق وهذه حوادث فيجب أن يكون للجسم محدثا إذ لم ~~يتقدم الحوادث والدليل على أن الأجسام محدثة هو أن الأجسام محدثة وكل محدث ~~يحتاج إلى محدث # قال وهذا الكلام يشتمل على اصلين أحدهما أن الأجسام محدثة والثاني أن كل ~~محدث يحتاج إلى محدث إما الأصل الأول فالغرض به أن يدل على أن الجواهر ~~والأجسام محدثة غير قديمة ولا PageV08P033 يصح أن تثبت صفة لشيء وتنفي صفة ~~عن شيء إلا وقد عرفنا ما تثبت له الصفة والصفة التي تثبتها والصفة التي ~~ننفيها فيجب أن نذكر ما الجوهر وأما الجسم وما القديم وما المحدث ولما كان ~~الوصلة إلى حدوث الجسم هو العرض الذي هو الحركة والسكون والكون والاجتماع ~~والافتراق ولم يصح أن يتوصل بما لا نعرفه وجب أن نبين ما العرض وما الكون ~~وما الحركة وما السكون وما الاجتماع والافتراق فالجوهر هو الذي يشغل الحيز ~~في وجوده ويصح ms1528 أن تحله الأعراض ومعنى شغله الحيز أن يوجد في جهة ومكان ~~فيحوزه ويمنع مثله من أن يوجد معه بحيث هو والجسم هو المؤلف وعند قوم هو ~~الطويل العريض العميق والقديم هو الموجود الذي لم يزل والذي لا أول لوجوده ~~والمحدث هو الذي لوجوده أول والعرض هو ما يعرض في الوجود ولا يكون له لبث ~~كلبث الجواهر والأجسام وذلك أن ما قل لبثه بالإضافة إلى غيره سموه عارضا ~~قال الله تعالى @QB@ هذا عارض ممطرنا @QE@ سورة الأحقاف 24 وذلك نحو الحركة ~~والسكون والحركة زوال الجسم من مكان إلى مكان والسكون لبث الجوهر في المكان ~~اكثر من وقت واحد والكون ما به كون الجوهر في مكان دون مكان والاجتماع كونا ~~جوهرين متماسين والافتراق كونا جوهرين غير متماسين PageV08P034 # قال وإذ قد ذكرنا حدود هذه الاشياء فلندل على حدوث الأجسام فنقول أن ~~الأجسام لم تسبق الحركة والسكون المحدثين وكل ما لم يسبق المحدث فهو محدث # ثم انه ساق هذه الحجة إلى أخرها كما ساقها من قبله مثل ابن عقيل ونحوه ~~وقبلهم أبو الحسين البصري وامثاله الذين هم أئمة هذه الحجة وقد ذكرنا سياق ~~أبي الحسين لها فلا حاجة إلى تكريرها # وقال فان قيل فما تقولون فيمن حصلت له هذه المعرفة بمجرد التقليد أو غيره ~~أيكون عارفا بالله مؤمنا قيل نعم إلا انه يكون مأثوما بترك ما وجب عليه من ~~النظر # قلت إما هذه الحجة حجة الاعراض فقد عرف اعتراض الناس عليها وذمهم لها ~~واما الحجة المتقدمة وهي الاستدلال بحدوث الانسان فإنها حجة صحيحة وهي من ~~الحجج التي دل عليها القران وارشد اليها # والمقصود هنا نا هذا وامثاله ممن يقولون ان المعرفة لا تحصل إلا بالعقل ~~ويشنعون على من يقول انها تحصل بالسمع من PageV08P035 اصحابهم وغير اصحابهم ~~إذا تدبر كثير من كلام اصحابهم الذين ينازعهم هؤلاء تبين ان نزاعهم لهم ليس ~~في نفس ما ثبت معرفته بمجرد العقل بل في امر آخر # والمعنى الذي اراد اولئك انه يحصل بالسمع ليس هو المعنى الذي اتفقوا على ~~انه ms1529 لا يحصل إلا بالعقل كما ذكر ذلك الشريف أبو علي بن أبي موسى وغيره ~~وسنذكر ان شاء الله تعالى بعض كلامهم فالنزاع بينهيم وبين كثير من أصحابهم ~~قد يكون لفظيا وقد يكون معنويا فان المقدمات التي حصروا بها المعرفة في ~~طريقهم ينازعهم الناس في كل واحدة منها وان تنوع المنازعون وهذا كله بناء ~~على ان دلالة السمع هي مجرد خبر المخبر الصادق كما هو اصطلاح هؤلاء # واما إذا عرف ان دلالة السمع تتناول الأخبار وتتناول الارشاد والتنبيه ~~والبيان للدلائل العقلية وان الناس كما يستفدون من كلام PageV08P036 ~~المصنفين والمعلمين الأدلة العقلية التي تبين لهم الحق فاستفادتهم ذلك من ~~كلام الله اكمل وافضل # فتلك الأدلة عقلية باعتبار ان العقل يعلم صحتها إذا نبه عليها وهي شرعية ~~باعتبار ان الشرع دل عليها وهدى اليها فعلى هذا التقدير تكون الدلائل حينئذ ~~شرعية عقلية # وعلى هذا فقد يقال الأدلة الشرعية نوعان عقلى وسمعى فالعقلى ما دل الشرع ~~عليه من المعقولات والسمعى ما دل بمجرد الأخبار وقد ذكرنا في غير هذا ~~الموضع ان ائمة النظار معترفون باشتمال القرآن على الدلائل العقلية واما ~~على اصطلاح اولئك فكثيرا ما يعنون بالدليل الشرعي الدليل السمعي الخبرى وهو ~~مجرد خبر الشارع الصادق فعلى اصطلاحهم ينازعهم الناس في تلك المقدمات ~~العقلية التي زعموا ان المعرفة لا تحصل إلا بها # فأما المقدمة الأولى وهي قولهم ان المعرفة لا تحصل مبتدأة في النفس بل لا ~~بد لها من طريق فهي من موارد النزاع فإذا قيل لهم انها قد تحصل في النفس ~~مبتدأة لم يكن لهم على نفي ذلك دليل إلا مجرد الاستقراء الذي هو إما فاسد ~~واما ناقص # وقولهم ان النفوس العقلاء تتشوف إلى الاستدلال يقول لهم المنازعون لا ~~نسلم ان جميع العقلاء كذلك بل جمهور العقلاء PageV08P037 مطمئنون إلى ~~الإقرار بالله تعالى وهم مفطورون على ذلك ولهذا إذا ذكر لاحدهم اسمه تعالى ~~وجد نفسه ذاكرة له مقبلة عليه كما إذا ذكر له ما هو معروف عنده من ~~المخلوقات # والمتجاهل الذي يقول انه لا ms1530 يعرفه هو عند الناس اعظم تجاهلا ممن يقول انه ~~لا يعرف ما تواتر خبره من الانبياء والملوك والمدائن والوقائع وذلك عندهم ~~اعظم سفسطة من غيره من انواع السفسطة # ولهذا من تتبع مقالات الناس المخالفة للحس والعقل وجد المسفسطين فيها ~~اعظم بكثير من المسفسطين المنكرين للصانع فعلم ان معرفته في الفطرة اثبت ~~واقوى إذ كان وجود العبد ملزوم وجوده وحاجاته معلقة به سبحانه وتعالى بل كل ~~ما يخطر بقلب العبد ويريده فهو ملزوم له وخواطر العباد وارادتهم لا نهاية ~~لها وانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم لا ينحصر بل إقرار القلوب به قد ~~لا يحتاج إلى وسط وطريق بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها ~~مفطورة على الاقرار بغيره من الموجودات # واشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون وقد كان مستيقنا في ~~الباطن كما قال له موسى @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات ~~والأرض بصائر @QE@ سورة الاسراء 102 PageV08P038 وقال تعالى عنه وعن قومه ~~@QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ سورة النمل 14 # ولهذا قال @QB@ وما رب العالمين @QE@ [ سورة الشعراء : 23 ] على وجه ~~الانكار له قال له موسى @QB@ رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ~~قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي ~~أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون @QE@ ~~سورة الشعراء 24 28 وقد زعم طائفة من ان فرعون استفهم استفهام استعلام ~~فسأله عن الماهية وان المسئول عنه لم يكن له ماهية عجز موسى عن الجواب # وهذا غلط وعلى هذا التقدير يكون استفهم استفهام انكار وجحد كما دل سائر ~~آيات القران على ان فرعون كان جاحدا لله نافيا له لم يكن مثبتا له طالبا ~~للعلم بماهيته # فلهذا بين لهم موسى انه معروف وان اياته ودلائل ربوبيته اظهر واشهر من ان ~~يسال عنه بما هو فان هذا إنما هو سؤال عما يجهل وهو سبحانه اعرف واظهر ~~وابين من ان يجهل بل معرفته مستقرة في الفطرة ms1531 اعظم من معرفة كل معروف وهو ~~سبحانه له المثل الاعلى في السموات والأرض وهو في السماء اله وفي الأرض ~~فأهل السموات والأرض يعرفونه ويعبدونه وان كان اكثر اهل الأرض كما قال ~~PageV08P039 # تعالى @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ سورة يوسف 106 # ولهذا قالت الأنبياء عليهم السلام لأممهم @QB@ أفي الله شك فاطر السماوات ~~والأرض @QE@ سورة إبراهيم 10 وهذا استفهام انكار يتضمن النفي ويبين انه ليس ~~في الله شك # وقول القائل ليس في هذا شك يراد به انه قد بلغ في الظهور والوضوح ولزوم ~~معرفته إلى حيث لا ينبغى أن يشك فيه والى حيث لا يشك فيه وعلى كلا ~~التقديرين يتبين ان الإقرار بالصانع بهذه المثابة # وأما الطريق الثاني وهو ادراك الحواس فلا ريب انهم لا يقولون انهم ~~يدركونه بالحس الظاهر بل يقولون ان الحس نوعان ظاهر وباطن والانسان يحس ~~بباطنه الامور الباطنة كالجوع والعطش والشبع والري والفرح والحزن واللذة ~~والالم ونحو ذلك من احوال النفس فهكذا يحسون ما في بواطنهم من محبته سبحانه ~~وتعظيمه والذل له والافتقار اليه مما اضطروا اليه وفطروا عليه ويحسون أيضا ~~ما يحصل في بواطنهم من المعرفة المتضمنة لمثله الاعلى في قلوبهم # والاحساس نوعان نوع بلا واسطة كالإحساس بنفس الشمس والقمر والكواكب ~~واحساس بواسطة كالإحساس PageV08P040 بالشمس والقمر والكواكب في مرآه أو ماء ~~أو نحو ذلك # والقلوب مفطورة على ان يتجلى لها من الحقائق ما هي مستعدة لتجليها فيها ~~فإذا تجلى فيها شيء احست به احساسا باطنا بواسطة تجليه فيها # وأيضا فنفس مشاهدة القلوب لنفسه تبارك وتعالى امر ممكن وان كان ذلك قد ~~يقال انه مختص ببعض الخلق كما قال أبو ذر وابن عباس وغيرهما من السلف ان ~~نبينا صلى الله عليه وسلم راه بفؤاده مرتين # فهذا النوع إذا كان ممكنا وقد قيل انه واقع لم يكن نفيه إلا بدليل واما ~~الرؤية بالعين في الدنيا وان كانت ممكنة عند السلف والائمة لكن لم تثبت ~~لأحد ولم يدعها أحد من العلماء لأحد إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم ms1532 على قول ~~بعضهم وقد ادعاها طائفة من الصوفية لغيره لكن هذا باطل لانه قد ثبت بدلالة ~~الكتاب والسنة ان أحدا لا يراه في الدنيا بعينه PageV08P041 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال # واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتي يموت # وقد بسطنا الكلام على مسالة الرؤية في غير هذا الموضع وبينا أن النصوص عن ~~الامام أحمد وامثاله من الأئمة هو الثابت عن ابن عباس من انه يقال رآه ~~بقلبه أو رآه بفؤاده # واما تقييد الرؤية بالعين فلم يثبت لا عن ابن عباس ولا عن أحمد # والذي في الصحيح عن أبي ذر انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك ~~قال # نور اني أراه وقد روى أحمد باسناده عن أبي ذر انه رآه بفؤاده واعتمد أحمد ~~على قول أبي ذر لان أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسالة ~~واجابه وهو اعلم بمعنى ما اجابه به النبي صلى الله عليه وسلم فلما اثبت انه ~~رآه بفؤاده دل ذلك على مراده PageV08P042 # واما قولهم لا يجوز أن تكون معرفتنا به واقعة بالخبر لان الخبر إنما يفضي ~~إلى المعرفة إذا اخبر به خلق كثير عن مشاهدة وليس أحد يخبر بالله عن مشاهدة # فهذا مما ينازعهم فيه المنازعون ويقولون ليس من شرط اهل التواتر أن ~~يخبروا عن مشاهدة بل إذا اخبروا عن علم ضروري حصل العلم بمخبر اخبارهم وان ~~لم يكن المخبر به مشاهدا # والمعرفة بالله قد تقع ضرورة واذا كان كذلك امكن المعرفة بتصديق إخبار ~~المخبرين عن المعرفة الحاصلة ضرورة إلا ترى أن ما يخبر به الناس عن أنفسهم ~~من لذة الجماع وكثير من المطاعم والمشارب بل ولذة العلم والعبادة والرئاسة ~~وحال السكر والعشق وغير ذلك من الأمور الباطنة تحصل المعرفة بوجودها ~~بالتواتر لمن لم يجدها من نفسه ولا عرفها بالضرورة في باطنه وليست امرا ~~مشاهدا بل اطباق الناس على وصف رجل بالعلم أو العدل أو الشجاعة أو الكرم أو ~~المكر أو الدهاء أو غير ms1533 ذلك من الأمور النفسانية التي لا تعلم بمجرد ~~المشاهدة يوجب العلم بذلك لمن تواترت هذه الأخبار عنده وان لم يكن المخبرون ~~اخبروا عن مشاهدة وكذلك الأخبار عن ظلم الظالمين PageV08P043 # ولهذا كانت العدالة والفسق تثبت بالاستفاضة ويشهد بها بذلك كما يشهد ~~المسلمون كلهم أن عمر بن عبد العزيز كان عادلا وان الحجاج كان ظالما والعدل ~~والظلم ليس امرا مشاهدا بالظاهر فان الانسان اكثر ما يشاهد الأفعال كما ~~يسمع الأقوال فإذا راى رجلا يعطي ويقتل شاهد الفعل إما كونه قتل بحق أو ~~بغير حق أو اعطى عدلا واحسانا أو غير عدل واحسان فهذا لا يعلم بمجرد ~~المشاهدة بل لا بد من دخول العقل في هذا العلم # وكذلك من لا يعرف الطب والنحو إذا رأى ما تواتر عند اهل الطب والنحاة من ~~علم ابقراط وجالينوس وامثالهما والخليل وسيبوية علم أن هؤلاء علماء بالطب ~~والنحو وان لم يعرف هو الطب والنحو وليست معرفة المخبرين بذلك عن المشاهدة # بل وكذلك إذا تواتر عنده كلام الناس بالاخبار عن علم مالك والشافعي واحمد ~~ويحي بن معين والبخاري ومسلم وامثالهم بالفقه والحديث علم علمهم بذلك وان ~~كان المخبرون لم يخبروا عن مشاهدة لكن من رأى كلام هؤلاء من اهل الخبرة ~~بالفقه والحديث علم بالضرورة انهم علماء بذلك ثم هؤلاء يخبرون بذلك غيرهم ~~فيتواتر ذلك عند هؤلاء PageV08P044 # وكذلك القضايا الحسابية كالعلم بالمضروبات والمنسوبات والمجموعات ونحو ~~ذلك هو ضروري لمن علمه فإذا اخبر اهل التواتر بذلك لواحد حصل له العلم بذلك ~~وان كانوا إنما اخبروا عن علم ضروري # وهكذا العلم بصدق الصادق وكذب الكاذب يعلمه من باشره وجربه ضرورة ويعلمه ~~من تواتر ذلك عنده بطريق الخبر ولهذا كان العلم بان محمدا صلى الله عليه ~~وسلم كان صادقا معروفا بالصدق لا يكذب متواترا عند من لم يباشره لان الذين ~~جربوه من اعدائه وغيرهم كانوا متفقين على انه صادق امين حتى أن هرقل لما ~~سأل أبا سفيان وكان حين ساله من اشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هل كنتم ms1534 تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فقال أبو سفيان لا فاخبر ~~انه هو وغيره من قريش لم يكونوا يتهمونه بالكذب فضلا عن أن يخبروا عنه ~~بالكذب وكانوا يسمونه الامين # ولما كان أبو سفيان مخبرا بهذا بين جماعة من قومه يقرونه على ذلك مع قيام ~~المقتضي للتكذيب لو كان قد كذب استفاد هرقل بهذا انه لا يكذب فقال قد علمت ~~انه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله # وهذا امثاله باب واسع فالعلم بمخبر الأخبار يحصل إذا كان المخبر عالما ~~بالضرورة سواء المخبر به مشاهدا أو لم يكن PageV08P045 # واما طريقة الإلهام فالألهام الذي يدعى في هذا الباب هو عند اهله علم ~~ضروري لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم أو مستند إلى أدلة خفية لا تقبل النقض فلا ~~يمكن أن يكون باطلا # واما الاستدلال على الأحكام بالإلهام فتلك مسالة اخرى ليس هذا موضعها ~~والكلام في ذلك متصل بالكلام على الاستحسان والرأي وانواعهما وان ما يعنيه ~~هذا بالاستحسان قد يعنيه هذا بالإلهام وليس الكلام فيما علم فساده من ~~الإلهام لمخالفته دليل الحس والعقل والشرع فان هذا باطل بل الكلام فيما ~~يوافق هذه الأدلة لا يخالفها # وليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله الهاما فدعوى المدعى ~~امتناع ذلك يفتقر إلى دليل # فطرق المعارف متنوعة في نفسها والمعرفة بالله اعظم المعارف وطرقها اوسع ~~واعظم من غيرها فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيا عاما لما سوى ~~تلك الطريق لم يقبل منه فإن النافي عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل # نعم من نفي تلك بحسب علمه لم ينازع في ذلك فإذا قال لا اعلم طريقا اخر أو ~~لم يحصل لى ولمن عرفته طريق اخر كان نافيا لعلمه ولما علم وجوده لا نافيا ~~للأمور المحققة في نفس الأمر PageV08P046 # فهذا الكلام وامثاله يرد على النزاع المعنوي ولهذا كان كثير من الفضلاء ~~الذين يوجبون هذه الطريقة ويصححونها قد رجعوا عن ذلك وتبين لهم ذم هذا ~~الكلام بل بطلانه كما يوجد ms1535 مثل ذلك في كلام غير واحد منهم مثل أبي المعالي ~~وابن عقيل وأبي حامد والرازي وغيرهم من الذين يصححون هذه الطريق بل ~~يوجبونها تارة ثم انهم ذموها أو ابطلوها تارة # قال أبو المعالي في اخر عمره خليت اهل الإسلام وعلومهم وركبت البحر الخضم ~~وغصت في الذي نهوا عنه والان قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين ~~العجائز فإن لم يدركني الحق ببره فأموت على دين العجائز وألا فالويل لابن ~~الجوينى PageV08P047 # وسأل رجل ابن عقيل فقال له هل ترى لي أن أقرأ الكلام فإني أحسن من نفسي ~~بذكاء فقال له إن الدين النصيحة فأنت الآن على ما بك مسلم سليم وإن لم تنظر ~~في الجزء يعني الجوهر الفرد وتعرف الطفرة يعني طفرة النظام ولم تخطر ببالك ~~الأحوال ولا عرفت الخلاء والملاء والجوهر والعرض وهل يبقى العرض زمانين وهل ~~القدرة مع الفعل أو قبله وهل الصفات زوائد على الذات وهل الاسم المسمى أو ~~غيره وهل الروح جسم أو عرض فإني أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا ذلك ولا ~~تذاكروه فإن رضيت أن تكون مثلهم بإيمان ليس فيه معرفة هذا فكن وإن رأيت ~~طريقة المتكلمين اليوم أجود من طريقة أبي بكر وعمر والجماعة فبئس الإعتقاد ~~والرأي # قال ثم هذا علم الكلام قد أفضى بأربابه إلى الشكوك وأخرج كثيرا منهم إلى ~~الإلحاد بشم روائح الإلحاد من فلتات PageV08P048 # كلامهم وأصل ذلك كله أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع وطلبوا الحقائق ~~وليس في قوة العقل درك لما عند الله من الحكمة التي انفرد بها ولا أخرج ~~الباري من علمه ما علمه هو من حقائق الأمور وقد درج الصدر الأول على ما درج ~~إليه الأنبياء من هذه الإقناعات ولما راموا ما وراءها ردوا إلى مقام غايته ~~التحكيم والتسليم وهو الذي يزرى به طائفة من المتكلمين على أهل النقل ~~والسنة وتسميهم الحشوية وإليه ينتهي المتكلمون أيضا لكنهم يتحسنون بما ليس ~~لهم وبما لم يتحصل عندهم فهم بمثابة من يدعي الصحة بتجلده وهو سقيم ويتغانى ~~على ms1536 الفقراء وهو عديم والعقل وإن كان للتعليل طالبا فإنه يذعن بأن فوقه ~~حكمة إلهية توجب الاستكانة والتحكيم لمن هو بعض خلقه # قال وإنما دخلت الشبه من ثلاث طرق ترجع إلى طريق واحد وذلك أن قوما نظروا ~~إلى أن العقل هو الأصل في النظر PageV08P049 والاستدلال اللذين هما طريقة ~~العلم فإذا قضى العقل بشيء عولوا عليه فلما قضى بوجود صانع لهذا العالم ~~المحكم القواعد أثبتوه ثم نظروا في أفعاله فرأوا هدم الأبنية المحكمة ~~وشاهدوا جزئيات لم تأت على نظام الكليات ومضار تعقب منافع فجحدوا الأول ~~بالآخر ففسد اعتقاهم في الكل بما عرض لهم من اختلال الجزء وقالوا إن دل ~~الإحكام على حكيم فقد دل الاختلال على الإهمال فشكوا والقبيل الآخر أثبتوا ~~صانعا للكليات وأضافوا الشرور إلى صانع آخر فثنوا بعد أن وحدوا والقبيل ~~الآخر عللوا بما انحزم بعلل لم تشف غليل العقل فلما لم يستقم لهم التعليل ~~جنحوا وقالوا خفى علينا وجه الحكمة فيما عرض في العالم من الفساد فسلموا ~~لمن استحق التسليم وهو الصانع وهذه طائفة أهل الحديث # قال وهذا الذي يقال له مذهب العجائز وإليه ينتهي كل عالم محق # قال وقد ظن قوم أن مذهب العجائز ليس بشيء وليس كذلك وإنما معناه أن ~~المدققين لما بالغوا في النظر فلم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليلات وقفوا ~~مع هذه الجملة التي هي PageV08P050 مراسم # قلت قول القائل إن الصحابة رضي الله عنهم ماتوا وما عرفوا ذلك فيه تفصيل ~~وذلك أن هذا الكلام فيه حق وباطل فأما الباطل فهو مثل إثبات الجوهر الفرد ~~وطفرة النظام وامتناع بقاء العرض زمانين ونحو ذلك فهذا قد لا يخطر ببال ~~الأنبياء والأولياء من الصحابة وغيرهم وإن خطر ببال أحدهم تبين له أنه كذب ~~فإن القول الباطل الكذب هو من باب ما لا ينقض الوضوء ليس له ضابط وإنما ~~المطلوب معرفة الحق والعمل به وإذا وقع الباطل عرف أنه باطل ودفع وصار هذا ~~كالنهي عن المنكر وجهاد العدو فليس كل شيء من المنكر رآه كل من الصحابة ~~وأنكروه ms1537 ومع هذا فلا يقطع على كل من الصحابة بأنهم لم يعرفوا أمثال هذه ~~الأقاويل ويعرفوا بطلانها فإنهم فتحوا أرض الشام ومصر والمغرب والعراق ~~وخراسان وكان بهذه البلاد من الكفار المشركين والصابئين وأهل الكتاب من كان ~~عنده من كتب أهل الضلال من الفلاسفة وغيرهم ما فيه هذه المعاني الباطلة ~~فربما خوطبوا بهذه المعاني بعبارة من العبارات وبينوا بطلانها لمن سألهم # والواحد منا قد يجتمع بأنواع من أهل الضلال ويسألونه عن PageV08P051 ~~أنواع من المسائل ويوردون عليه أنواعا من الأسولة والشبهات الباطلة فيجيبهم ~~عنها واكثر الناس لا يعلمون ذلك ولا ينقلونه # والشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة قد ناظروا أنواعا من الجهمية أهل ~~الكلام وجرى بينهم من المعاني ما لم ينقل ولكن من عرف طرق المناظرين لهم ~~والمسائل التي ناظروهم فيها علم ما كانوا يقولونه كالفقيه الذي يعرف أن ~~فقيهين تناظرا في مسألة من مسائل الفقه مثل مسألة قتل المسلم بالذمي أو ~~القتل بالمثقل ونحو ذلك فينقل المناظرة من لم يفهم ما قالاه فيعرف الفقيه ~~الفاضل مما نقل ما لم ينقل # وأما الخوض في مسألة الروح هل هي قائمة بنفسها أم هي عرض فكلام الصحابة ~~والتابعين وغيرهم من الأئمة في أن الروح عين قائمة بنفسها تخرج من البدن ~~وتصعد وتعرج وتنعم وتعذب وتتكلم وتسأل وتجيب وأمثال ذلك أكثر من أن يمكن ~~سطره هنا فكيف يقال إن الصحابة ماتوا وما عرفوا هل الروح عين قائمة بنفسها ~~أو صفة من الصفات وإن كانوا هم كانوا لا يتخاطبون بلفظ الجسم والعرض # وكذلك قول القائل إن الصحابة لم يعرفوا هل الصفات زوائد على PageV08P052 ~~الذات ليس بسديد فإن كلام الصحابة في إثبات الصفات لله تعالى أكثر وأعظم من ~~أن يمكن سطره هنا بل كلامهم في إثبات الصفات العينيه الخبرية التي تسميها ~~نفاة الصفات تجسيما أكثر من أن يمكن سطره هنا وكلامهم وكلام التابعين صريح ~~في أنهم لم يكونوا يثبتون ذاتا مجردة عن الصفات # وأما هذا اللفظ هل الصفات زائدة على الذات أم لا فلفظ مجمل فإن أراد به ~~المريد ms1538 أن هناك ذاتا قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها فهذا لا ~~يقوله أهل الإثبات ولا الصحابة وإن أراد به الصفات زائدة على الذات المجردة ~~التي يعترف بها النفاة فهذا حق ولكن ليس في الخارج ذات مجردة فالسلف ~~والأئمة لم يثبتوا ذاتا مجردة حتى يقولوا الصفات زائدة عليها بل الذات التي ~~أثبتوها هي الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها وهذا المعنى متواتر في ~~كلام الصحابة # ففي الجملة المعاني الصحيحة الثابتة كان الصحابة أعرف الناس بها وإن كان ~~التعبير عن تلك المعاني يختلف بحسب اختلاف الاصطلاحات والمعاني الباطلة قد ~~لا تخطر ببال أحدهم وقد تخطر بباله فيدفعها أو يسمعها من غيره فيردها فإن ~~ما يلقيه الشيطان PageV08P053 من الوساوس والخطرات الباطلة ليس له حد محدود ~~وهو يختلف بحسب أحوال الناس # وأما ما ذكره ابن عقيل من قوله ليس في قوة العقل درك لما عند الله من ~~الحكمة التي انفرد بها إلى آخر كلامه فهذا كله من العلل الغائية وحكمة ~~الأفعال وعواقبها ومسائل القدر والتعديل والتجوير فإن ابن عقيل كان لكثرة ~~نظره في كتب المعتزلة وما عارضها عنده في هذا الأصل أمر عظيم وهو من أعظم ~~الأصول التي تشعب فيها كلام الناس # وكان طوائف من المنتسبين إلى الحديث والسنة كالأشعري والقاضي أبي بكر ومن ~~وافقهم في أصل قولهم وإن كان قد يختلف كلامه كالقاضي أبي يعلى وابن ~~الزاغوني وطوائف لا يحصيهم إلا الله ينكرون التعليل جملة ولا يثبتون إلا ~~محض المشيئة ولا يجعلون في المخلوقات والمأمورات معاني لأجلها كان الخلق ~~والأمر إلى غير ذلك من لوازم قولهم # والمعتزلة يثبتون تعليلا متناقضا في أصله وفرعه فيثبتون للفاعل تعليلا لا ~~تعود إليه حكمة ثم يزعمون أن كل واحد من العباد قد PageV08P054 أراد به ~~الفاعل كل ما هو صالح له أو أصلح وفعل معه ما يقدر عليه من ذلك ويتكلمون في ~~الآلام والتعويضات والثواب والعقاب بكلام فيه من التناقض والفضائح ما لا ~~يحصى # وفي ذلك الحكاية المشهورة لأبي الحسن الأشعري مع أبي علي الجبائي لما ~~سأله ms1539 عن إخوة ثلاثة مات أحدهم قبل البلوغ والآخر بلغ فكفر والآخر بلغ فآمن ~~وأصلح فرفع الله درجات هذا في الجنة والصغير جعله دونه في الجنة والكافر ~~أدخله النار فقال له الصغير يا رب ارفعني إلى درجة أخي قال إنك لا تستحق ~~ذلك فإن أخاك عمل عملا صالحا استحق به ذلك فقال يا رب إنك أحييته حتى بلغ ~~وأنا أمتني فلو أبقيتني لعملت مثل ما عمل فقال له إنه كان في علمي أنك لو ~~بقيت لكفرت فاخترمتك إحسانا إليك قال فصرخ الكافر من النار يا رب فهلا ~~أمتني قبل البلوغ كما فعلت بهذا قالوا فلما سأله عن ذلك انقطع # ولهم على كلام أبي الحسن أجوبة لها موضع آخر # والمقصود هنا أن ابن عقيل نظر في تعليلات المعتزلة فرآها عليلة ورأى أنه ~~لا بد من إثبات الحكمة والتعليل في الجملة خلافا لما كان PageV08P055 ينصره ~~شيخه القاضي أبو يعلى فصار يثبت الحكمة والتعليل من حيث الجملة ويقر بالعجز ~~عن التفصيل # والقاضي أبو حازم بن القاضي أبي يعلى في كتابه المصنف في أصول الدين الذي ~~رتبه ترتيب محمد بن الهيصم في كتابه المسمى = بجمل المقالات يسلك مسلك من ~~أثبت الحكمة والمصلحة العامة التي تجب مراعاتها وإن أفضى ذلك إلى مفسدة ~~جزئية كما يشهد ذلك في المخلوقات والمأمورات وهذا مذهب الفقهاء في تعليل ~~الشرعيات وهو مذهب كثير من النظار أو أكثرهم في تعليل المخلوقات كما ذهب ~~إلى ذلك الكرامية والفلاسفة وغيرهم من الطوائف وقد بسط الكلام على هذا في ~~غير هذا الموضع # ولم يرد ابن عقيل بقوله وقد درج الصدر الأول على ما درج عليه الأنبياء من ~~هذه الإقناعيات والإقناعيات تكون في الأدلة الدالة على العلم بإثبات الصانع ~~وإثبات الصفات له والمعاد ونحو ذلك فإن تلك عند ابن عقيل وأمثاله برهانيات ~~يقينيات فكيف يجعلها عند PageV08P056 # الأنبياء والسلف إقناعيات ولكن أراد بذلك الإقناعيات في تعليل أفعاله ~~وسماها هو إقناعيات لأن هذا مبلغ أمثاله من العلم ومنتهاهم من المعرفة في ~~ذلك وأما الأنبياء عليهم السلام والسلف رضوان ms1540 الله عليهم فإن الله تعالى ~~أطلعهم من حكمته في خلقه وأمره على ما لم يطلع عليه هو وامثاله ولكن هؤلاء ~~ليس لهم بحقائق أحوال الأنبياء والصحابة من الخبرة ما يعرفون به منتهاهم في ~~هذه المطالب العالية كما أنه ليس لهم من الخبرة بهذه المسائل الكبار ما ~~انتهوا معه إلى غاياتها لكنهم يعلمون أن الأنبياء أفضل الخلق والصحابة ~~بعدهم أفضل الخلق فيعتقدون فيهم أنهم وصلوا إلى منتهى ما يصل إليه الخلق في ~~هذه المسائل # ثم إنهم لما نظروا مع فرط ذكائهم ولم يصلوا إلا إلى هذا ظنوا أنه لا غاية ~~وراءهم فقالوا ما قالوا وهكذا كل طائفة سلكت فانتهت إلى حيث رأت أنه منتهى ~~الخلق فإنها تقضي على كل من تعظمه بأن هذا منتهاه كما قد رأينا طائفة من ~~الفلاسفة لما رأوا أن قول الفلاسفة هو منتهى معارف العقلاء صاروا إذا رأوا ~~شخصا ظهر عنه ما يدل على كمال عقله وعظم علمه وفضله ومعرفته بأقوالهم على ~~الحقيقة يجعلون قوله هو قولهم في الباطن وإن تظاهر بتكفيرهم والرد عليهم ~~فإذا قيل لأحدهم نحن قد سمعنا منه ورأينا من كلامه ما ينقض قول الفلاسفة ~~يقول ذلك الفيلسوف الفاضل هذا والله قد عرف حقيقة قولنا ومن عرف حقيقة ~~قولنا لم يعدل عنه إلا أن يكون هناك شيء أعلى منه ثم PageV08P057 يبقى ~~حائرا هل فوق قولهم ما هو أكمل منه لما ظهر منه من كون العارف بحقيقة قولهم ~~مع حسن قصده وعدله قد عدل عنه إلى قول يناقضه أو ليس فوقه ما هو أكمل منه ~~لأن هذا الفيلسوف لا يعرف أن فوقه ما هو أكمل منه # وهكذا الاتحادية أهل الوحدة ينسبون كل من عرف علمه وعقله وكماله إلى أنه ~~منهم وإن كان مظهرا للإنكار عليهم وهكذا أهل الحيرة في الصفات الخبرية ~~يجعلون السلف والأئمة يمرون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت مع عدم علمهم ~~بمعانيها # وإن كانوا من نفاتها قالوا إنهم كانوا يعتقدون نفيها في الباطن ولا ~~يعلمون مدلول النصوص ولما كان هذا عندهم هو الغاية ms1541 التي انتهوا إليها ~~والسلف عندهم أعظم الناس جعلوا هذا غاية السلف # وهؤلاء الطوائف وقع لهم الخطأ من جهتين إحداهما أنهم لم يعرفوا الحق في ~~نفسه على ما هو عليه لا بدليل عقلي ولا سمعي الثانية أنهم لم يعرفوا حقيقة ~~أقوال السلف وما كان عندهم من العلم والبيان فكان عندهم قصور في معرفة الحق ~~في نفسه وفي معرفة الأنبياء والسلف به وظنوا أن ما وصلوا إليه هو الغاية ~~الممكنة فجعلوا ذلك PageV08P058 منتهى غيرهم فصاروا يحكون كلام المعظمين ~~عندهم على هذا الوجه # وقد رأينا من ذلك أمورا حتى أن من قضاتهم وأكابرهم من يحكي أقوال الأئمة ~~الأربعة في مسألة من المسائل الكبار فإذا قيل له أهذا نقله أحد عن الشافعي ~~أو فلان أو فلان قال لا لكن هذا ما قاله العقلاء والشافعي لا يخالف العقلاء ~~أو نحو هذا الكلام # فالطوائف المقصرة الضالة تجد حكايتهم للمنقولات مثل نظرهم في المعقولات ~~فلا نقل صحيح ولا عقل صريح وكل من كان أبعد عن متابعة الأنبياء كان أبلغ في ~~هذين الأمرين حتى ينتهي الأمر إلى القرامطة الباطنية الذي مبني أمرهم على ~~السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات # ثم الشيعة أقرب منهم فكان عندهم من السفسطة والقرمطة بحسبهم والمعتزلة ~~خير منهم فهم أقل سفسطة وقرمطة ولكن دخل من ذلك عندهم بحسب ما فيهم من ~~مخالفة الكتاب والسنة أمور كثيرة # وابن عقيل لما أخبر كلام المعتزلة لم يرض طريقهم فلهذا ذكر أن ~~PageV08P059 الناس ثلاث طوائف طائفة شكت لما رأت وجود الشر والضرر في ~~العالم وطائفة قالت بالأصلين وهم الثنوية والطائفة الثالثة عللوا ما انخرم ~~بعلل لم تشف غليل العقل كما فعلت المعتزلة فلما لم يستقم لهم التعليل جنحوا ~~وقالوا خفي علينا وجه الحكمة فيما عرض في العالم من الفساد فسلموا لمن ~~استحق التسليم وهو الصانع # قال وهذه طائفة أهل الحديث وهذا بناء على إثبات الحكمة والغاية والتعليل ~~من حيث الجملة والاعتراف بجهله من جهة التفصيل وذكر أن هذا منتهى كل عالم ~~محق وهذا مبلغ علم من انتهى إلى ms1542 هنا # ولابن عقيل أنواع من الكلام فإنه كان من أذكياء العالم كثير الفكر والنظر ~~في كلام الناس فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية وينكر على من يسميها ~~صفات ويقول إنما هي إضافات موافقة للمعتزلة كما فعله في كتابه = ذم التشبيه ~~وإثبات التنزيه وغيره من كتبه واتبعه على ذلك أبو الفرج بن الجوزي في كتابه ~~= كف التشبيه بكف التنزيه وفي كتابه = منهاج الوصول وتارة يثبت PageV08P060 ~~الصفات الخبرية ويرد على النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات وتارة ~~يوجب التأويل كما فعله في الواضح وغيره وتارة يحرم التأويل ويذمه وينهى عنه ~~كما فعله في كتاب الانتصار لأصحاب الحديث فيوجد في كلامه من الكلام الحسن ~~البليغ ما هو معظم مشكور ومن الكلام المخالف للسنة والحق ما هو مذموم مدحور # وكذلك يوجد هذا وهذا في كلام كثير من المشهورين بالعلم مثل أبي محمد بن ~~حزم ومثل أبي حامد الغزالي ومثل أبي عبد الله الرازي وغيرهم # ولابن عقيل من الكلام في ذم من خرج عن الشريعة من أهل الكلام والتصوف ما ~~هو معروف كما قال في الفنون ومن خطه نقلت قال فصل المتكلمون وقفوا النظر في ~~الشرع بأدلة العقول PageV08P061 فتفلسفوا واعتمد الصوفية المتوهمة على ~~واقعهم فتكهنوا لأن الفلاسفة اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم والكهان ~~اعتمدوا على ما يلقى إليهم من الاطلاع وجميعا خوارج على الشرائع هذا يتجاسر ~~إن يتكلم في المسائل التي فيها صريح نقل بما يخالف ذلك المنقول بمقتضى ما ~~يزعم أنه يجب في العقل وهذا يقول قال لي قلبي عن ربي فلا على هؤلاء أصبحت ~~ولا على هؤلاء أمسيت لا كان مذهب جاء على غير طريق السفراء والرسل يريد ~~تعلم بيان الشرائع وبطلان المذاهب والتوهمات والطرايق المخترعات هل لعلم ~~الصوفية عمل في إباحة دم أو فرج أو تحريم معاملة أو فتوى معمول بها في ~~عبادة أو معاقدة أو للمتكلمين بحكم الكلام حاكم ينفذ حكمه في بلد أو رستاق ~~أو تصيب للمتوهمة فتاوى وأحكام إنما أهل الدولة الإسلامية والشريعة ~~المحمدية المحدثون والفقهاء هؤلاء يروون ms1543 أحاديث الشرع وينفون الكذب عن ~~النقل ويحمون النقل عن الاختلاف وهؤلاء المفتون ينفون عن الأخبار تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين هم الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم الحملة ~~العدول فقال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ~~وانتحال المبطلين PageV08P062 فالخارج وإن خفقت بنوده وكثرت جموعه وسمي ~~بالملك يبعد أن يضرب له دينار أو درهم أو يخطب له على منبر أو تكون أموره ~~إلا على المغالطة والمخالسة بينا هو على حاله يتضعضع لكتاب الملك ويتخشى من ~~أن يقابله بقتال أو يصافه بحرب لأن في نفس الخارجي بقية من انخساس الباطل ~~وللملك وإن قل جمعه صولة الحق وكذلك البرخشتي مع الطبيب المقيم هذا مختار ~~يطلب من الأدوية ما يسكن الألم في الحال ويضع على الأمراض الأدوية الجواد ~~العاملة بسرعة فيأخذ العطية والخلعة لسكون الألم وإزالة المرض ويصبح على ~~أرض أخرى ومنزل PageV08P063 بعيد وطبه مجازفة لأنه يأمن الموافقة والمعاينة ~~والأطباء المقيمون يلامون على تطويل العلاج وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية ~~المتركبة دون الحادة لأن الحادة من الأدوية وإن عجلت سكون الألم فإنها غير ~~مأمونة الغوائل ولا سليمة العواقب لأن ما تعطي الأدوية الحادة من السكون ~~إنما هو لغلبة المرض وحيثما غلبت الأمراض أوهت قوى المحل الذي حلته الأمراض ~~فهو كما قيل الدواء للبدن كالصابون للثوب ينقيه ويبليه كذلك كلما احتد ~~الصابون وجاد أخلق الثوب فكذلك الفقهاء والمحدثون يقصرون عن إزالة الشبه ~~لأنهم عن النقل يتكلمون وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ~~ويقللون فهم حال الأجوبة ينظرون في العاقبة والمبتدعة والمتوهمة يتهجمون ~~كتهجم البرخشتي فعلومهم فرح ساعة ليس لعلومهم ثبات فإن اشتبه على قوم ما ~~دلسه الصوفية عليهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم إن في أمتي محدثين ~~ومكلمين وهو ما يلقى من الفراسات والدرايات كما نطق به عمر قيل لهم لو نطق ~~PageV08P064 عمر برأيه ولم يصدقه الوحي على لسان السفير لما التفت إلى ~~واقعته ولا يبتنى الشرع على فراسته ألا تراه لما مات السفير قال من هو ms1544 أعلى ~~طبقة منه أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وقال في ~~الكلالة ما قال يقول الصديق هذا وأسلم اليوم لشيخ رباط يخلو بأمرد في سمعه ~~ويسمع الغناء من أمرد وحرة ويأكل من الحرام شبعة ويرقص كما تشمس الخيل لا ~~يسأل الفقهاء ولا يبني أمره على النقل يقول بواقعة ويقول اتباعه الشيخ يسلم ~~اليه طريقته واي طريقة مع الشرع وهل ابقت الشريعة لقائل قولا وهل جاءت إلا ~~بهدم العوايد ونقض الطرايق ما على الشريعة اضر من المتكلمين والمتصوفين ~~هؤلاء يفسدون العقول بتوهمات شبهات العقول وهؤلاء يفسدون الاعمال ويهدمون ~~قوانين الاديان يحبون البطالات والاجتماع على اللذات وسماع الاصوات ~~المشوشات للمعايش والطاعات وأولئك يجرئون الشباب والاحداثعلى البحث وكثرة ~~السؤال والأعتراضات وتتبع الشرع بالمناقضات وما عرفنا للسلف الصالح اعمال ~~هؤلاء الصوفية بل كانت أحوالهم الجد لا الهزل ولا احوال المتكلمين لا ~~التكشف ولا البحث بل كانوا عبيد تسليم وتحكيم في المعتقدات وجد تشهير في ~~الاعمال والطاعات PageV08P065 فنصيحتي لاخواني من المؤمنين الموحدين أن لا ~~يقرع أبكار قلوبهم كلام المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين ~~بل الشغل بالمعايش أولى من بطالة المتصوفة والوقوف مع الظواهر أولى من توغل ~~المنتحلة للكلام وقد خبرت طريقة الفريقين غاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء ~~الشطح والمتكلمون عندي خير من المتصوفة لأن المتكلمين مرادهم مع التحقيق ~~مزيد الشكوك في بعض الأشخاص ومؤدي المتصوفة إلى توهم الإشكال والتشبيه هو ~~الغاية في الإبطال بل هو حقيقة المحال مما يسقط المشايخ من عيني وإن نبلوا ~~في أعين الناس أقدارا وأنسابا وعلوما وأخطارا إلا قول القائل منهم إذا خوطب ~~بمقتضى الشرع عادتي كذا وكذا يشير إلى طريقة قد قننها لنفسه تخرج عن سمت ~~الشرع فذاك مختلق طريقة وكل مختلق مبتدع ولو كان في ترك النوافل لأن ~~الاستمرار على ترك السنن خذلان قال أحمد رضي الله عنه وقد سئل PageV08P066 ~~عن رجل استمر على ترك الوتر هذا رجل سوء أنا أنصح بحكم العلم والتجارب إياك ~~أن تتبع شيخا يقتدي بنفسه ولا ms1545 يكون له إمام يعزى إليه ما يدعوك إليه ويتصل ~~ذلك بشيخ إلى شيخ إلى السفير صلى الله عليه وسلم الله الله الثقة بالأشخاص ~~ضلال والركون إلى الآراء ابتداع اللين والانطباع في الطريقة مع السنة أحب ~~إلي من الخشونة والانقباض مع البدعة الله لا يتقرب إليه بالامتناع مما لم ~~يمنع منه كما لا يتقرب إليه بأعمال لم يأمر بها أصحاب الحديث رسل السفير ~~الفقهاء المترجمون لما أراد السفير من معاني كتابه ولا يتم اتباع إلا ~~بمنقول ولا يتم فهم المنقول إلا بترجمان وما عداهما تكلف لا يفيد وإلى هذين ~~القسمين انقسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلة وفقهاء ولا نعرف ~~فيهم ثالثا أصحاب أسواق وصفقات وتجارات لا ربط ولا مناخ للبطالات يا أصحاب ~~المخالطات والمعاملات عليكم بالورع يا أصحاب الزوايا والانقطاعات عليكم ~~بحسم مواد الطمع يا طراق المبتدئين إياكم واستحسان طرائق أهل التوهم والخدع ~~ليس السني عندي المحب لمعاوية ويزيد ولا لأبي بكر وعمر ولا الشيعة عندي من ~~زار المشاهد وأنشد المراثي والقصايد PageV08P067 السني عندي من تتبع آثار ~~الرسول فعمل بها بحسب ما يفتيه الفقهاء واحتذى الرسم واتبع الأمر وكف عن ~~النهي وتنزه عن الشبه ووقف عند الشك وتفرغ من كل علم خالف النقل وإن كانت ~~له طلاوة في السمع وقبول في القلب ليس قلبك معيارا على الشرع ما لله طائفة ~~أجل من قوم حدثوا عنه وما أحدثوا وعولوا على ما رووا ولا على ما رأوا الصبر ~~على الرواية مقام الصديقين قال الخضر للسفير @QB@ إنك لن تستطيع معي صبرا ~~@QE@ سورة الكهف 67 لأن مستحسنا برأيه ومستقبحا برأيه لا يتبع لأنه قد بان ~~لك بنص القرآن أن استحسان عقل السفير الكليم واستقباحه ما كان على القانون ~~الصحيح حتى كشف له عن العذر فيما كان استقبحه # قلت ولابن عقيل من هذا الجنس في تعظيم الشرع وذم من يخالفه من أهل النظر ~~والكلام وأهل الإرادة والعبادة كلام كثير من هذا الجنس كما قد تكلم في ذلك ~~طوائف من أهل العلم والدين لكن ms1546 من غلب عليه طريق النظر والكلام كان ذمه ~~لمنحرفة العباد أكثر من ذمه لمنحرفة أهل الكلام وهذا كثير في أهل الكلام ~~والفقهاء لا سيما في المعتزلة وهؤلاء قد لا يعرفون ما في طريق أهل العبادة ~~والتصوف من الأمور المحمودة في الشرع ومن غلب عليه طريقة أهل PageV08P068 ~~الإرادة والعبادة كان ذمه لمنحرفة أهل الكلام والنظر أكثر من ذمه لمنحرفة ~~أهل التصوف وهذا يوجد كثيرا في كلام أهل الزهد والعبادة لا سيما المعظمين ~~لطريق الصوفية فمثل أبي عبد الرحمن السلمي وأبي طالب المكي وأبي إسماعيل ~~عبد الله بن محمد الأنصاري وأبي حامد الغزالي وإن كانوا يذمون من منحرفة ~~الصوفية ما يذمون فذمهم لجنس أهل الكلام والبحث والنظر أعظم # ومثل أبي بكر بن فورك وابن عقيل وأبي بكر الطرطوشي وأبي عبد الله المازري ~~وأبي الفرج بن الجوزي وإن كانوا يذمون من بدع أهل الكلام والفلسفة ما يذمون ~~فذمهم لما يذمونه من بدع أهل التصوف والتأله أعظم # وقد قال الله تعالى @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون رواه الترمذي وصححه # وكان طائفة من السلف يقولون من فسد من الفقهاء ففيه شبه من PageV08P069 ~~اليهود ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى فمن كان فيه بدعة من أهل ~~الكلام والنظر والفقه كالمعتزلة تجدهم يذمون النصارى أكثر مما يذمون اليهود ~~واليهود يقرأون كتبهم ويعظمونهم ومن كان فيه بدعة من أهل العبادة والتصوف ~~والزهد تجدهم يذمون اليهود اكثر مما يذمون النصارى وتجد النصارى يميلون ~~اليهم وقد يحصل من مبتدعة الطائفتين من موالاة اليهود والنصارى بحسب ما ~~فيهم من مشابهتهم وهذا موجود كثيرا كما دل عليه الكتاب والسنة # وهذه الطريقة الأولى التي يعتمد عليها من يعتمد مثل ابن عقيل وصدقه بن ~~الحسين وغيرهما هي التي ذكرها أبو الحسن الاشعري في رسالته إلى أهل الثغر ~~وهي التي اعتمد عليها في كتابه المشهور المسمى = باللمع في الرد على أصحاب ~~البدع وهو أشهر ms1547 مختصراته وقد شرحوه شروحا كثيرة من أجلها شرح القاضي أبي ~~بكر له # وهذه السياقة المتقدمة هي سياقة أبي الحسن في = اللمع فإنه قال في أوله ~~إن سأل سائل ما الدليل على أن للخلق صانعا صنعه ومدبرا دبره قيل الدليل على ~~ذلك أن الانسان الذي PageV08P070 هو في غاية الكمال والتمام كان نطفة ثم ~~علقة ثم مضغه ثم لحما ودما وقد علمنا انه لم ينقل نفسه من حال إلى حال لأنا ~~نراه في حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا ولا ~~أن يخلق لنفسه جارحة فدل ذلك على أنه قبل تكامله واجتماع قوته وعقله كان عن ~~ذلك أعجز لأن ما عجز عنه في حال الكمال فهو في حال النقصان عنه أعجز ~~ورأيناه طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا وقد علمنا انه لم ينقل نفسه من حال ~~الشباب إلى حال الكبر والهرم لأن الانسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر ~~والهرم ويردها إلى حال الشباب لم يمكنه ذلك فدل ما وصفناه على أنه ليس هو ~~الذي نقل نفسه في هذه الاحوال وأن له ناقلا نقله من حال إلى حال ودبره على ~~ما هو عليه لأنه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر # قال ومما يبين ذلك أيضا أن القطن لا يجوز أن يتحول PageV08P071 غزلا ~~مفتولا ولا ثوبا منسوجا بغير صانع ولا ناسج ومن اتخذ قطنا فانتظر أن يصير ~~غزلا مفتولا ثم ثوبا منسوجا بغير صانع ولا ناسج كان عن المعقول خارجا وفي ~~الجهل والجا وكذلك من قصد إلى برية لم يجد فيها قصرا مبنيا فانتظر أن يتحول ~~الطين إلى حال الاجر وينتضد بعضه إلى بعض بغير صانع ولا بان كان جاهلا فإذا ~~كان تحول النطفة علقة ثم مضغة لم لحما ثم عظما ودما أعظم في الاعجوبة كان ~~أولى أن يدل على صانع صنعها أغنى النطفة ونقلها من حال إلى حال # قال وقد قال الله تعالى @QB@ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم ms1548 نحن ~~الخالقون @QE@ سورة الواقعة 58 59 فما استطاعوا بحجة أن PageV08P072 يقولوا ~~انهم يخلقون ما يمنون مع تمنيهم الولد فلا يكون ومع كراهتهم له فيكون وقال ~~تنبيها لخلقه على وحدانيته @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ سورة الذاريات ~~21 فبين لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم ومدبر دبرهم # قلت هذا الدليل مبني على مقدمتين على تحول الانسان من حال إلى حال وأن ~~ذلك لا بد له من صانع حوله من حال إلى حال وكلتا المقدمتين ضرورية والاولى ~~هي مسألة حدوث صفات الأجسام كما تقدم بيانه وأن من أهل الكلام من يقول أن ~~المشهود هو حدوث الصفات لا حدوث الاعيان وان اكثر الناس على خلاف ذلك # وهذا هو طريقة القرآن لكن حدوث الصفات هي أقرب الطرق إلى طريقة القرآن ~~وأما الثانية فهي ضرورية ولهذا لم يذكر أبو الحسن عليها دليلا لكن كثير من ~~أصحابه يقولون انها طريقة موافقة منهم لمن قال ذلك من المعتزلة # ولهذا اعترض من اعترض من المعتزلة على كلام أبي الحسن فأجابه PageV08P073 ~~القاضي أبو بكر على أصله بجواب ذكره قال القاضي أبو بكر اعلم انه إنما ضرب ~~المثل بما ذكره من القطن واللبن لظهوره في نفوس العامة والخاصة واعتقاد ~~جميعهم لجهل من جوز تنضد البنيان واجتماع الآجر والتراب وتصوير المصنوعات ~~بغير صانع ولا مدبر وأنت لو اعترضت كل من سلمت حاسته وصح عقله فسألته هل ~~يجوز وجود ما ذكره من ضروب المحكمات بغير صانع مع العلم بأنها لم تكن كذلك ~~من قبل لمنع ذلك ولاستجهل قائله لتقدم الأدلة وتقررها على فساده في نفوس ~~العامة والخاصة وان كانت العامة تقصر عبارتها عن عبارة الخاصة وألفاظ ~~المتكلمين وطريق المستنبطين في التعبير وقولهم لم نجد كتابة إلا من كاتب ~~ولا ضربا إلا من ضارب ولا بناء إلا من بان وان استحالة وجود ضرب من لا ضارب ~~وبناء من لا بان كاستحالة ضارب لا ضرب له وبان لا بناء له وقد تقرر هذا ~~المعنى في نفوسهم وان قصروا عن تأديته وصار مقارنا للعلوم الضرورية وصار ms1549 ~~المخالف فيه عند سائرهم كالمخالف فيما يدرك من جهة الحواس # قال وجملة القول في هذا الباب أنا لا ندعي ولا صاحب PageV08P074 الكتاب ~~أن العلم باستحالة وقوع الصنعة لا من صانع شيء يدرك من جهة الضروريات وتعلم ~~صحته من طريق درك الحواس ولكنه يدرك بالاستنباط فإذا حصل في نفوس من يجوز ~~أن يشك في هذه المسألة وفي صانع الاشياء التي غاب عنها نظير لما يشك فيه ~~ومثل لما ارتاب فيه رده اليه وجعله اصلا معه في تصحيح ما ينبغي تصحيحه وكشف ~~ما يرجى له كشفه # قال وقوله لو أن منتظرا انتظر اجتماع المصنوعات من غير صانع كان متجاهلا ~~كلام صحيح لأن الصنعة يستحيل وقوعها إلا من صانع كما يستحيل في العقول وجود ~~صانع لا صنعة له وكاتب لا كتابة له فتعلق الصنعة بالصانع كتعلق الصانع في ~~كونه صانعا بوجود صنعته واستحالة أحد الامرين في المعقول كاستحالة الآخر # قال وهذه النكتة المعتمدة في هذا الدليل وانما نذكر ضروبا من ضروب ~~الصنائع تقريبا بذكره وليس القصد بذكره تخصيص تعلقه بالصانع وانما يراد ~~بذلك وجوب تعلق سائر المصنوعات بصانع صنعها فاعرف ذلك # وذكر كلاما آخر إلى أن قال فإن قال قائل فما الدليل الآن PageV08P075 على ~~انه لا بد لسائر الأفعال الحاضرة والغائبة من فاعل فعلها ومدبر دبرها وكيف ~~وجه تعلق الانسان وغيره من المصنوعات بفاعل ومدبر صنعه وقصده متى لم يكن هو ~~الفاعل لنفسه قيل له قد تقدم من كلام صاحب الكتاب ما هو دلالة على ذلك وقد ~~مضى شرحنا له حيث قلنا أن تعلق الفعل بالفاعل كتعلق الفاعل في كونه فاعلا ~~بفعله # ثم نقول في الدليل على ذلك انه لا يسوغ أن يجيب عن هذه المسألة إلا من ~~سلم لنا أن هذه الأمور التي هي التأليفات والتصويرات والتركيبات معان ~~محدثات وان كان لا يقر بأنها افعال كلم في أصل هذه المسألة وقرر معه القول ~~بوجوب حدوثها فإذا كان الأمر على ما وصفناه لم يكن لأحد أن يسأل عن هذه ~~المسألة # وقد يخالف في ms1550 أن هذه الأمور التي ذكرناها أفعال لأنه إذا قال ما الدليل ~~على أن هذه الأفعال تتعلق بفاعل فقد أثبتها أفعالا فإذا أنكر أن تكون ~~أفعالا فقد أبطل بآخر كلامه ما أثبته بأوله ولكن قد يسوغ أن يقول ما الدليل ~~على أن التأليف يتعلق بمؤلف وان لم يسلم انه فعل لشبهة تدخل عليه ~~PageV08P076 # فإذا كان الأمر على ما وصفنا رجعنا فقلنا الدليل على أنه لا بد للأفعال ~~من تعلق بفاعل أنا وجدناها يتقدم بعضها على بعض في الوجود ويتأخر بعضها عن ~~بعض وتوجد في زمان كان يصح عدمها فيه بدلا من الوجود وتعدم في زمان يصح ~~وجودها فيه بدلا من العدم # فإذا كان هذا وصفها قلنا لا يخلو ما تقدم منها أن يكون متقدما لنفسه أو ~~لمعنى يوجد به اولا لنفسه ولا لعلة أو لمقدم قدمه وكذلك حكم القول فيما ~~تأخر منها فنظرنا فإذا هو مستحيل أن يكون أن ما تقدم منها إنما تقدم لنفسه ~~لأنه قد يتقدم على ما هو من جنسه ويتأخر عنه ما ذاته مثل ذاته كالجواهر ~~وأجزاء السواد وغير ذلك من المتماثلات فلو كان ما تقدم منها متقدما لنفسه ~~لم يكن بالتقدم أولى مما هو مثل له ولا كان المتأخر منها بالتأخر اولى منه ~~بالتقدم إذ قد صح وثبت أن المتماثلين هما ما سد أحدهما مسد صاحبه وناب ~~منابه واقتضت ذاته من الأحكام ما اقتضته ذات ما كان مثلا له # وفي العلم بتقدم بعض المتماثلات على بعض وتأخر بعضها عن بعض فإن ما تقدم ~~منها فالتقدم اولى منه بالتأخر وما تأخر منها فالتأخر أولى منه بالتقدم ~~دليل على أنه لا يجوز أن يكون PageV08P077 المتقدم منها متقدما لنفسه ولا ~~المتأخر منها متأخرا لنفسه ويستحيل أن يكون ما تقدم منها متقدما لعلة توجد ~~به لأنه ليس بأن توجد له تلك العلة إذا لم تكن تلك العلة منه معلقة بموجد ~~بأولى من وجودها بغيره ووجود سائر ما جانسها بسائر ما يحتمله ذلك الجنس من ~~العلل المقتضية للتقدم الذي هو الوجود ms1551 في الوقت المخصوص الذي يتكلم عليه ~~حتى تتساوى في الوجود ولا يتأخر بعضها عن بعض لاحتمالها ما يقتضي وجودها من ~~المعاني وكونها متماثلة على أنه لو كان المتقدم من الجواهر وأجزاء السواء ~~متقدما لعلة والمتأخر عنها متأخرا لعلة لكانت علة التقدم قبل علة التأخر إذ ~~كانت موجودة مع المتقدم الذي هو قبل المتأخر # ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون لعلة ايضا ما تقدمت احدى العلتين على ~~الاخرى لأن علة التقدم والتأخر يجب أن تكونا من جنس واحد لانهما حدوثان ~~ووجودان للحادث الموجود ولو ثبتا معنى من المعاني وقد أبنا فيما سلف أنه لا ~~يجوز تقدم أحد المثلين على صاحبه لنفسه وجنسه ووجود الشيئين في زمانين ~~متغايرين لا يخرج PageV08P078 الوجود عن حقيقته فيجب لذلك أن تكون علة وجود ~~الشيء في زمان كعلة وجود غيره في غير ذلك الزمان ومن جنسها # واذا كان كذلك وجب أن يكون تقدم احدى العلتين للاخرى لعلة ثانية والقول ~~في الثانية وفي وجوب تعلقها بثالثة إذا كانت متقدمة لعلة كالقول في الأولى ~~وكذلك القول في علة التأخر وهذا يوجب مالا نهاية له من الحوادث وذلك محال # فإن اعترف المخالف أن الشيء الذي يتقدم وجوده وجود ما هو مثل له لعلة ~~فعلها فاعل اقر أن الفعل يتعلق بالفاعل وكان حكم المعلول حكم العلة ففي ذلك ~~ما أردناه # وان امتنع من تعلق العلة المتقضية لوجود ما يوجد به الفاعل دخل عليه ما ~~كلمناه به آنفا من أنه ليس احتمال بعض الجواهر لما يقتضي وجوده في زمان بعد ~~زمان بأولى من احتمال وجود ذلك فيما هو مثل له # قال وسنبين بعد هذا أن الجواهر المعدومات ليست بذوات ولا أعيان ولا جواهر ~~قبل وجود الاعراض وانها لم توجد إلا مع وجودها وانما لم نقدم هذا الباب في ~~هذه الدلالة لعدم حاجتنا PageV08P079 اليه وذلك أنا نجعل مكان قولنا تقدمت ~~الجواهر بعضها على بعض أن نقول أن بعضها ينتضد قبل بعض وبعضها يتفرق قبل ~~بعض وبعضها يجتمع قبل بعض وانه لا يجوز ms1552 أن يكون ما ينتضد منها منتضدا لنفسه ~~وما افترق منها مفترقا لنفسه لقيام الدليل على تماثلها وان ما اقتضاه ذوات ~~بعضها من الأحكام اقتضاه ذوات سائرها وفي العلم بأن منها ما يكون مجتمعا ~~منتضدا ومنها ما يكون متفرقا متباينا دليل على أنه ليس الذي اقتضى لها ذلك ~~ذواتها وان كانت تلك العلة فعلها فاعل فصارت بوجودها على صفة ما ذكرناه من ~~الاجتماع والافتراق فصح أن الأفعال تتعلق بالفاعل وان تلك العلة إذا كانت ~~متعلقة بالفاعل من حيث كانت فعلا محدثا وجب أن يكون هذا سبيل الجسم إذ كان ~~فعلا لمساواته لما تعلق بالفاعل فيما لو كان متعلقا به وهذا إقرار بتعلق ~~الأفعال بالفاعل # قال ويستحيل أن يكون ما تقدم منها متقدما لا لنفسه ولا لعلة لأنه كان يجب ~~أن لا يكون بالتقدم في وقت تقدمه اولى منه بالتأخر ولا بالتأخر اولى منه ~~بالتقدم ولا كان هو بأن يكون متقدما لا لنفسه ولا لعلة اولى من تقدم ما هو ~~مثل له في زمانه لا لنفسه ولا لعلة وفي العلم بكون المتقدم بالتقدم اولى ~~منه بالتأخر والمتأخر بالتأخر PageV08P080 اولى منه بالتقدم وان وصفه ~~بالتقدم والتأخر يفيد فوائد متغايرة لا تجري مجرى الالقاب التي لا تفيد ~~دليل على أنه لا يجوز أن يكون ما تقدم منها متقدما لا لنفسه ولا لعلة # قال وفي فساد هذه الأقسام التي لا يخلو الأمر منها في التقدم والتأخر ~~دليل على أن مقدما قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر # قال وهذا أحد ما يعول عليه في وجوب تعلق الأفعال بفاعل # قلت مضمون هذا الكلام أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث يستدل عليه ~~بأن ذلك يتضمن الاختصاص بزمان دون زمان والتخصيص لا بد له من مخصص لأنه ~~ترجيح لأحد المتماثلين على الآخر وترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح معلوم ~~الفساد بالضرورة ولم يحتج بعد هذا أن يستدل على أن الترجيح لا بد له من ~~مرجح لان ذلك ترجيح لأحد طرفي الممكن على الآخر فلا بد ms1553 له من مرجح وقد ~~ذكرنا فيما بعد أن هذا هو الطريق الذي سلكه أبو الحسين وابو المعالي وابن ~~عقيل وابن الزاغوني وغيرهم قرروا افتقار المحدث PageV08P081 # إلى المحدث بأن ذلك تخصيص بأحد الجائزين والتخصيص بأحد الجائزين لأنه لا ~~بد له من مخصص وهذا عندهم مختص بالمحدثات ولا يتصور عندهم ممكن قديم حتى ~~يستدلوا بافتقار الممكن المتساوي الطرفين إلى مرجح لأحدهما أو مرجح لوجوده # وذكر القاضي أبو بكر أن ما ذكر من ضرب المثل باللبن إذا صار بناء والغزل ~~إذا صار ثوبا إنما هو لأجل ظهور ذلك في نفوس العامة والخاصة لا لأن احدهما ~~مقيس على الآخر # وذلك أن كثيرا من المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم يقررون ذلك بالقياس على ~~أفعال العباد فيقولون كما أن الكتابة لا بد لها من كاتب والبناء لا بد له ~~من بان فكذلك الجسم المحدث لا بد له من فاعل للقدر المشترك لأن العلة ~~الموجبة افتقار الأصل المقيس عليه إلى الفاعل هي موجودة في الفرع المقيس ~~لان افتقار الأصل إلى الفاعل إنما كان لحدوثه وهذا موجود في الفرع إلى سائر ~~كلامهم المعروف في مثل هذا # فذكر القاضي أبو بكر انه لا حاجة إلى هذا بل افتقار أحدهما كافتقار الآخر ~~وقرر الجميع بالطريقة التي ذكرها وهو قوله لأن PageV08P082 الصنعة يستحيل ~~وقوعها إلى من صانع كما يستحيل في العقول وجود صانع لا صنعة له وكاتب لا ~~كتابة له فتعلق الصنعة بالصانع كتعلق الصانع في كونه صانعا بوجود صنعته # قال وهذه النكتة المعتمدة في هذا الدليل # قلت بيان هذا انه إذا قيل صنعة أو فعل كان هذا اللفظ متضمنا صانعا فاعلا ~~كما إذا قيل فاعل صانع كان ذلك متضمنا فعلا وصنعة وذلك لأن المصدر يستلزم ~~الفاعل كما يستلزم الفاعل المصدر فكما أن العقل يعلم امتناع فاعل لا فعل له ~~فهو يعلم امتناع فعل لا فاعل له # و القاضي أبو بكر قرر هذا الوجه ايضا بناء على أن العلم بافتقار المحدث ~~إلى المحدث ليس بضروري وزعم أن الاشعري يقول بذلك كما ms1554 تقدم من قوله انا لا ~~ندعي ولا صاحب الكتاب أن العلم باستحالة وقوع الصنعة لا من صانع شيء يدرك ~~من جهة الضرورات # ومن المعلوم أن كلام الاشعري ليس فيه شيء من هذا ولم يذكر في كلامه أن ~~العلم بافتقار الصنعة إلى صانع يقرر بأن استلزام الصنعة للصانع كاستلزام ~~الصانع للصنعة لا بأن ذلك يتضمن تقديما وتأخيرا فيفتقر إلى مقدم ومؤخر ~~PageV08P083 # ثم أن القاضي قرر ذلك بأن ذلك التقدم والتأخر لا يجوز أن يكون لعلة تقوم ~~بالمتقدم والمتأخر لأنه ليس وجود العلة به بأولى من وجودها بغيره إذا لم ~~يكن هناك موجد وكذلك وجود سائر العلل المجانسة لها لسائر ما يحتمله ذلك ~~الجنس الذي وجدت به العلة ولأن ذلك يتضمن تقدم علة على علة فتفتقر ايضا إلى ~~علة متقدمة وذلك يفضي إلى وجود حوادث لا نهاية لها وهو محال # وهذه المقدمة فيها نزاع مشهور لكنه احتج بها على من يسلمها من المعتزلة ~~ولأنه عند نفسه قد أقام الدليل عليها في موضع آخر # وأيضا فإنه بنى دليله على تماثل الجواهر وهذا فيه نزاع مشهور لكنه أحال ~~على تقريره لذلك في موضع آخر # وابطال هذا القسم يظهر بدون هذه الأدلة التي اعتمد عليها وذلك أن الكلام ~~في حدوث ما يحدث من الحوادث التي تقدمت وتأخرت وهذه لا تقوم بها العلل في ~~حال عدمها إنما تقوم بها في حال وجودها فيمتنع أن يكون حدوثها لمعنى قام ~~بها قبل حدوثها لأن المعدوم لا يحدث الموجود ولا يكون المعدوم علة للموجود # ولكن سلوك هؤلاء لهذه الطرق البعيدة التي فيها شبهة وطول دون PageV08P084 ~~الطرق القريبة التي هي أقرب وأقطع قد يكون لكون المناظر لهم لا يسلم صحة ~~الطرق القريبة الواضحة القطعية إما عنادا منه واما لشبهة عرضت له أفسدت ~~عقله وفطرته مثلما يعرض كثيرا لهؤلاء فيحتاج مع من يكون كذلك إلى أن يعدل ~~معه إلى طريق طويلة دقيقة يسلم مقدماتها مقدمة مقدمة إلى أن تلزمه النتيجة ~~بغير اختياره وان كانت المقدمات التي مانعها ابين وأقطع من المقدمات ms1555 التي ~~سلمها لكن هذا يحتاج اليه كثيرا في مخاطبة الخلق فكم من شخص لا يقبل شهادة ~~العدول الذين لا يشك في صدقهم ويقبل شهادة من هو دونهم إما لجهله واما ~~لظلمه وكذلك كم من الخلق من يرد اخبارا متواترة مستفيضة ويقبل خبر من يحسن ~~به الظن لاعتقاده انه لا يكذب وكم من الناس من يرد ما يعلم بالدلائل ~~السمعية والعقلية ويقبله إذا رأى مناما يدل على ثبوته أو قاله من يحسن به ~~الظن لثقة نفسه بهذا اكثر من هذا وكم ممن يرد نصوص الكتاب والسنة حتى يقول ~~ما يوافقها شيخه أو امامه فيقبلها حينئذ لكون نفسه اعتادت قبول ما يقوله ~~ذلك المعظم عنده لم يعتد تلقى العلم من الكتاب والسنة ومثل هذا كثير # فكذلك كثير من الناس قد يألف نوعا من النظر والاستدلال فإذا أتاه العلم ~~على ذلك الوجه قبله و إذا أتاه على غير ذلك الوجه لم PageV08P085 يقبله وان ~~كان الوجه الثاني أصح وأقرب كمن تعود أن يحج من طريق بعيدة معطشة مخوفة ~~وهناك طرق اقرب منها آمنة وفيها الماء لكن لما لم يعتدها نفرت نفسه عن ~~سلوكها # وكذلك الأدلة التي فيها دقة وغموض وخفاء قد ينتفع بها من تعودت نفسه ~~الفكرة في الأمور الدقيقة ومن يكون تلقيه للعلم عن الطرق الخفية التي لا ~~يفهمها اكثر الناس احب اليه من تلقيه له من الطرق الواضحة التي يشركه فيها ~~الجمهور ومثل هذا موجود في المطاعم والمشارب والملابس والعادات لما في ~~النفوس من حب الرياسة # فهذه الطرق الطويلة الغامضة التي تتضمن تقسيمات أو تلازمات أو إدراج ~~جزئيات تحت كليات قد ينتفع بها من هذا الوجه في حق طائفة من الناظرين ~~والمناظرين وان كان غير هؤلاء من أهل الفطر السليمة والاذهان المستقيمة لا ~~يحتاج اليها بل إذا ذكرت عنده مجها سمعه ونفر عنها عقله ورأى المطلوب أقرب ~~وأيسر من أن يحتاج إلى هذا فإن علم العقول بافتقار المحدث إلى محدث أبين ~~PageV08P086 وأظهر من علم العقول بأن تخصيص أحد المثلين بشيء دون الآخر ms1556 ~~يحتاج إلى مخصص ومن تصور هاتين القضيتين حق التصور لم يمكنه مع الشك في ~~الأولى أن يجزم بالثانية بل قد لا يتصور احداهما حق التصور # إلا ترى انه إذا قيل لمن صدق بالثانية لم قلت أن التقديم والتأخير لا بد ~~له من مقدم ومؤخر رجع إلى فطرته السليمة وحكم بذلك وغايته أن يقول الاشياء ~~المتساوية لا يترجح بعضها على بعض إلا بمرجح فلو قال قائل لم قلت ذلك ولم ~~لا يجوز أن يترجح هذا على هذا إلا بمرجح أصلا ويختص بما اختص به لا لمخصص ~~اصلا لكان انكاره لقوله هذا القائل دون انكاره لقول من قال لم قلت أن هذه ~~الحوادث لا تحدث إلا بمحدث # وهذه التأليفات والتركيبات الحادثة كانت بعد أن لم تكن لا بمؤلف ولا مركب ~~فإن ترجيح أحد المتساويين الحادثين على الآخر بلا مرجح هو نوع من حدوث ~~الحادث بلا محدث فإن سوغ العقل حدوث حادث بلا محدث سوغ أن يحدث أحد المثلين ~~دون الآخر بلا مخصص لحدوثه PageV08P087 # وهل تخصيص أحد الحادثين بوقت دون وقت أو شكل دون شكل أو وصف دون وصف إلا ~~نوع من حدوث حادث فإن الصفات والاشكال حوادث والتقدم والتأخر اضافة للحوادث ~~إلى وقتها فهو صفة في الحدوث كإضافة الحادث إلى مكانه وكل ذلك مما يعلم ~~بصريح العقل وفطرته السليمة انه لا بد له من محدث مخصص فاعل مؤلف سواه # ولهذا لم يحتج الاشعري إلى أن يقيم على ذلك دليلا كما فعله القاضي أبو ~~بكر وأتباعه إلا أن يكون في موضع آخر فعل كما فعلوا ولعله أن فعل ذلك فعله ~~لأجل عناد المناظرين أو جهلهم فسلك بهم الطريق البعيدة لما لم يسلكوا ~~الطريق القريبة لا لأنه عنده يحتاج إلى الطريق البعيدة # ولهذا لا توجد هذه الطريق البعيدة في كلام أحد من السلف والائمة ولا ذكرت ~~في القرآن فإنها من باب تضييع الزمان واتعاب الحيوان في غير فائدة والقرآن ~~لا يذكر فيه مخاطبة كل مبطل بكل طريق ولا ذكر كل ما يخطر بالبال من ms1557 الشبهات ~~وجوابها فإن هذا لا نهاية له ولا ينضبط وانما يذكر الحق والادلة الموصلة ~~اليه لذوي الفطر السليمة ثم إذا اتفق معاند أو جاهل كان من يخاطبه ~~PageV08P088 من المسلمين مخاطبا له بحسب ما تقتضيه المصلحة كما يحتاج إلى ~~الترجمة أحيانا وكما قد يستدل على أهل الكتاب بما يوجد عندهم من التوراة ~~والانجيل # ففي الجملة الطرق التي تختص بطائفة طائفة مع طولها وثقلها على جمهور ~~الخلق لا تكون في مثل الكتاب العزيز الذي جعله الله شفاء ورحمة ودعا به ~~الخلق جميعهم ليخرج به من الظلمات إلى النور فإن مثل هذا الكتاب العزيز لا ~~يليق أن يذكر فيه من الطرق ما يثقل على جمهور الخلق ويستركونه ويعدونه لكنة ~~وعيا لا يحتاج اليه ويرونه من باب ايضاح الواضحات كما لو ذكر فيه الرد على ~~السوفسطائية ببيان أن الشمس موجودة والقمر موجود والبحار موجودة والجبال ~~موجودة والكواكب موجودة وان الانسان يعلم هذا بالمشاهدة ونحو ذلك لكان هذا ~~مما يستقبح ذكره ويستثقله ويستركه جمهور العقلاء لأن هذا عندهم امر معلوم ~~مستقر في عقولهم لا يحتاجون فيه إلى خطاب عالم من العلماء فضلا عن كتاب ~~منزل من السماء PageV08P089 # واذا قدر أن بعض الناس احتاج إلى ازالة ما عرض له من هذه الشبه ~~السوفسطائية كان هذا من الامراض النادرة التي لا تعرض لجمهور العقلاء وعلاج ~~هذا لا يحتاج إلى كتاب منزل من السماء يقصد به هدى الخلق وبيان ما يحتاجون ~~اليه في صلاح امورهم # ولو ذكر في القرآن مثل هذا لم يكن لما يذكر من ذلك غاية لأن الخواطر ~~الفاسدة لا نهاية ولا ضابط فكان يضيع زمان الناس في القراءة والسماع لما لا ~~ينتفع به جماهيرهم ويشتغلون بذلك عما لا بد لهم منه ولا يصلح أمرهم إلا به # ونحن لم يكن بنا حاجة في الإيمان بالله ورسوله إلى مثل هذه الطرق وانما ~~ذكرناها لما كان الذين سلكوها يعارضون كلام الله ورسوله بمقتضاها ويزعمون ~~انه قد قامت عندهم أدلة عقلية تناقض ما جاءت به الرسل فكشفنا حقائق هذه ms1558 ~~الطرق التي يعارضون بها لنبين أن ما عارض النصوص منها لا يكون إلا باطلا ~~وما لم يعارض النصوص فقد يكون حقا وقد يكون باطلا وما كان حقا ولم يعارض ~~النصوص فقد لا يحتاج اليه بل في الطرق العقلية التي دلت النصوص عليها وهدت ~~اليها ما يغني عن ذلك بل تلك الطرق PageV08P090 اقوى وأقرب وأنفع فإن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم # وقد قال تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم @QE@ سورة الشورى 53 ~~والصراط المستقيم هو أقرب الطرق إلى المطلوب بخلاف الطرق المنحرفة الزائفة ~~فإنها إما أن لا توصل واما أن توصل بعد تعب عظيم وتضييع مصالح اخر فالطرق ~~المبتدعة أن عارضت كانت باطلا وان لم تعارض فقد تكون باطلا وقد تكون حقا لا ~~يحتاج اليه مع سلامة الفطرة # ولهذا كل من كان إلى طريق الرسالة والسلف اقرب كان إلى موافقة صريح ~~المعقول وصحيح المنقول اقرب فالقاضي أبو بكر وان كان اقرب إلى صريح المعقول ~~وصحيح المنقول في اصول الدين بخلاف اصول الفقه من أبي المعالي واتباعه ~~والاشعري اقرب إلى ذلك من القاضي أبي بكر وابو محمد بن كلاب اقرب إلى ذلك ~~من أبي الحسن والسلف والائمة اقرب إلى ذلك من ابن كلاب فكل من كان إلى ~~الرسول اقرب كان اولى بصريح المعقول وصحيح المنقول لأن كلام المعصوم هو ~~الحق الذي لا باطل فيه وهو المبلغ عن الله كلامه وخير الكلام كلام الله ~~وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة # ومما يبين ذلك أن ما ذكره القاضي أبو بكر من الطريقين البعيدين اقربهما ~~مبنى على أن دلالة الصنعة على الصانع كدلالة الصانع على الصنعة وهذا إنما ~~يدل من جهة الاشتقاق اللفظي كما تقدم PageV08P091 ومن المعلوم أن من شاهد ~~الحوادث قبل أن يعلم أن لها صانعا لا يعلم انها صنعة ولا مفعولة لفاعل حتى ~~يتضمن علمه بأحداهما علمه بالاخر فإن لم يعلم أن الحادث لا بد له من محدث ~~لم يعلم انها مفعولة ولا مصنوعة فضلا عن أن يعلم ms1559 أن لها صانعا فاعلا واذا ~~علم انها مصنوعة مفعولة امتنع مع ذلك أن لا يعلم أن لها صانعا فاعلا # يوضح ذلك أن علم الناس بأن الصنعة مفتقرة إلى الصانع ليس بدون علمهم بأن ~~الصانع لا بد له من صنعة بل علمهم بالأول قد يكون اقوى من الثاني وذلك لأنه ~~اراد بكلامه أن الصانع لا يكون صانعا إلا بصنعة والفاعل لا يكون فاعلا إلا ~~بفعل وهذا صحيح ولكن ليس هذا بأبين من كون المصنوع لا يكون مصنوعا إلا ~~بصانع والمفعول لا يكون مفعولا إلا بفاعل والفعل لا يكون فعلا إلا بفاعل ~~والصنعة لا تكون صنعة إلا بصانع بل إذا رأوا الحادث علموا بعقولهم انه لا ~~بد له من فاعل احدثه وقد يرون ما يصلح أن يكون فاعلا ولا يعلمون هل فعل ~~شيئا أو لم يفعله فكان فيما ذكره بيان الابين الاظهر بالاخفى وهم يمنعون من ~~تحديد الاظهر بالاخفى وقد قلنا أن مثل هذا قد يستعمل مع جهل المخاطب أو ~~عناده ونحو ذلك PageV08P092 # واما الطريق الثانية التي جعلها القاضي أبو بكر معتمدة فهي مع طولها يمكن ~~تقريرها بمقدمات صحيحة لكنه ادخل في بعض مقدماتها تماثل الجواهر وتناهي ~~الحوادث ومعلوم لكل مؤمن عاقل أن الإقرار بالصانع لا يفتقر إلى هذا وهذا بل ~~وعلم الخلق بأن الحادث لا بد له من محدث لا يفتقر لا إلى هذا ولا إلى هذا ~~وهو ذكر هاتين المقدمتين مع غيرهما وفيما ذكره من غيرهما غنية عنهما فإن ~~تماثيل الاعراض كأجزاء السواد يغنيه عن تماثل الجواهر وما ذكره من الوجه ~~الأول في امتناع التقدم لعلة يغنيه عن الوجه الثاني المبني على تناهي ~~الحوادث # ثم مما ينبغي أن يعرف أن الذين سلكوا الطرق المبتدعة في إثبات الصانع ~~وتصديق رسله إذا اعتقدوا أن لا طريق إلا ذلك الطريق جعلوا من خالفهم في صحة ~~تلك الطريق ملحدا أو دهريا أو نحو ذلك وهذا يذكرونه في مواضع # منها انهم لما اعتقدوا أن إثبات الصانع تعالى موقوف على إثبات ~~PageV08P093 الجوهر الفرد جعلوا إثبات ذلك ms1560 من اقوال المسلمين ونفى ذلك من ~~اقوال الملحدين # وكذلك قد يقولون أن تماثل الجواهر والاجسام من اقوال المسلمين ونفي ذلك ~~من اقوال الملحدين وكذلك قد يقولون أن تناهي الحوادث من اقوال المسلمين ~~والقول بعدم تناهيها من اقوال الدهرية الملحدين ولهذا نظائر مع أن الذين ~~يضيفونه إلى المسلمين قد يكون إنما ابتدعه طائفة من أهل الكلام الذي ذمه ~~السلف والائمة والقول الآخر هو الذي عليه سلف الأمة وائمتها وجمهور الخلق # وكذلك قد يضيفون إلى السنة ما لا يوجد في كتاب ولا سنة ولا قول أحد من ~~السلف بل قد يكون المأثور ضد ذلك حتى يتناقض احدهم في النقل فيحكي إجماع ~~المسلمين أو إجماع اهل الملل على شيء ثم يحكي النزاع عنهم في موضع آخر # كما رأيته قد ذكره بعض فضلاء المتكلمين من أصحاب أبي المعالي اظنه أبا ~~الحسن الطبري المعروف بإلكيا أو بعض نظرائه ذكر في PageV08P094 كتابه في ~~الكلام لما استدل على حدوث العالم بدليل الاعراض المشهور عن المعتزلة ~~واتباعهم من الاشعرية والكرامية وغيرهم قال فأما الركن الرابع وفيه المعركة ~~والتشاجر عنده يحصل وهو إثبات استحالة حوادث لا أول لها وقد اطبق المليون ~~واتباع الأنبياء كلهم على استحالة حوادث لا أول لها وقال ملحدة الفلاسفة ~~باثبات حوادث لا أول لها # وقال في مسألة حلول الحوادث بعد أن ذكر قول الكرامية قال واعلم أن ~~المشبهة ايضا يقولون أن الحوادث تقوم به وان لم يصرحوا به فهم والكرامية في ~~إثبات الجهة وقيام الحوادث بذات القديم على حد سواء وذلك انهم يجوزون على ~~الله الجيئة والذهاب والنزول والصعود والانتقال فيقولون هذه الاشياء لم تكن ~~فكانت وهذا هو الحادث ثم اثبتوا له التحيز وذلك لا يقوم إلا بمتحيز # قال وقد أثبتوا حوادث لا أول لها # قال ولا تصول الملحدة إلا بهذا وقد دللنا على بطلانه وانه لا يتم القول ~~بحدوث العالم إلا بإبطاله # قلت وهذا القول الذي يحكيه هذا وامثاله من إجماع المسلمين أو PageV08P095 # إجماع المليين في مواضع كثيرة يحكونه بحسب ما يعتقدونه من لوازم ms1561 أقوالهم ~~وكثير من الإجماعات التي يحكيها أهل الكلام هي من هذا الباب فإن أحدهم قد ~~يرى أن صحة الإسلام لا تقوم إلا بذلك الدليل وهم يعلمون أن المسلمين متفقون ~~على صحة الإسلام فيحكون الإجماع على ما يظنونه من لوازم الإسلام كما يحكون ~~الاجماع على المقدمات التى يظنون أن صحة الإسلام مستلزمة لصحتها وأن صحتها ~~من لوازم صحة الإسلام أو يكونون لم يعرفوا من المسلمين إلا قولين أو ثلاثة ~~فيحكون الإجماع على نفي ما سواها وكثير مما يحكونه من هذه الإجماعات لا ~~يكون معهم فيها نقل لا عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا عن أحد من أئمة ~~المسلمين بل ولا عن العلماء المشهورين الذين لهم في الأمة لسان صدق ولا ~~فيها آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مع ~~هذا يعتقدون أنها من أصول الدين التي لا يكون الرجل مؤمنا أو لا يتم دين ~~الإسلام إلا بها ونحو ذلك # ومثل هذا الرجل وأمثاله من أهل الكلام لما اعتقدوا أن العلم بإثبات ~~الصانع وصدق الرسول موقوف على هذا الدليل أخذ يحكيه عن جميع أهل الملل ~~وجميع أتباع الأنبياء وهو مع هذا لا يمكنه أن ينقله عن عالم واحد لا من ~~الصحابة ولا من التابعين ولا PageV08P096 تابعيهم ولا معه فيه آية ولا حديث ~~والمنصوص عن الأئمة المشهورين عند الأمة يناقض ذلك ولهذا عاد فحكى عن أهل ~~الحديث الذين سماهم مشبهة أنهم يقولون بذلك وإن كان ذكره في معرض التشنيع ~~عليهم ففي ذلك ما يبين أن أتباع الأنبياء تنازعوا في ذلك # وما ذكره من أن حدوث العالم لا يتم إلا بإبطاله يقول منازعوه إن الأمر في ~~ذلك بالعكس وإن القول بما أخبرت به الرسل من أن الله تعالى خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام لا يتم مع هذا القول ولا يتم إلا بنقيضه لأن ~~إبطال هذا يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح وحدوث مجموع الحوادث بلا ~~سبب حادث ويصير الفاعل فاعلا بعد أن ms1562 لم يكن بدون سبب جعله فاعلا بل حقيقة ~~هذا القول أنه صار قادرا بعد أن لم يكن بغير سبب وصار الفعل ممكنا بدون سبب ~~وهذا ممتنع في بدائه العقول # وبذلك صالت الدهرية على اهل الكلام الذين سلكوا هذه السبيل فإنهم لما ~~رأوا فساد هذا القول في صريح المعقول وظنوا أن هذا قول الرسل وأتباعهم ~~اعتقدوا أن الرسل صلوات الله عليهم أخبرت بما يخالف صريح المعقول ثم من ~~أحسن الظن بهم قال فعلوا ذلك لمصلحة الجمهور إذ لم يمكن مخاطبتهم بالحق ~~المحض فكذبوا لمصلحة الجمهور فساء ظن هؤلاء بما جاءت به الأنبياء وامتنع أن ~~PageV08P097 يستدلوا به على علم وأولئك المتكلمون بجهلهم قصدوا إقامة ~~الدليل على تصديق الأنبياء ونصر ما جاءوا به فلما نقص علمهم بالسمعيات ~~والعقليات أدى ما فعلوه إلى تكذيب الرسل والطعن فيما جاءوا به # فأما القول بما أخبرت به الرسل فلا يناقض هذا الأصل بل يبطل ما يدفع به ~~الملاحدة أقوال الرسل ثم إنه يحكي عن أهل الحديث هذا القول وأن معنى قولهم ~~هو أنه تحله الحوادث وتجد كثيرا من متكلمة أهل الحديث كأبي الحسن بن ~~الزاغوني وأبي بكر عربي يحكون الإجماع على امتناع قيام الحوادث به وأظن أن ~~أبا على بن أبي موسى ذكر ذلك وهذا من جملة الإجماعات التي يطلقها من يطلقها ~~بحسب ما ظنه وهذا لأن هذه أقوال مجملة قد يفهم منها ما هو باطل بالإجماع ~~والمطلقون لها أدرجوا فيها معاني كثيرة لا يفهمها إلا خواص الناس # وأول من أظهر هذه المقالات الجهمية والمعتزلة ونحوهم وصاروا يقولون إنه ~~منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والمقدار والحد ونحو ذلك ويدخلون في نفي ~~الأعراض نفي الصفات وفي نفي الحوادث نفي الأفعال القائمة به وفي نفي ~~المقدار نفي علوه على خلقه ومباينته لهم وفي نفي الأبعاض نفي علوه ومباينته ~~ونفي الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك PageV08P098 # مما يستلزم عندهم أن يكون له أبعاض ومن عجيب ذلك ما ذكروه في هذه المسألة ~~مسألة افتقار الحادث إلى المحدث فإن أبا الحسن لما ms1563 قال ما الدليل على أن ~~للخلق صانعا صنعه ومدبرا دبره واستدل بحدوث الإنسان كما تقدم فسر القاضي ~~أبو بكر قوله بوجهين # أحدهما أنه يريد بالخلق التقدير وكل جسم فله قدر فيكون المعنى ما الدليل ~~على أن لكل جسم قدرا من الأقدار قدره مقدر لكن هذا الوجه لم يرده الأشعري ~~ولا بنى كلامه على إرادته وإنه لم يذكر دليلا على ذلك # والوجه الثاني أن يكون الخلق بمعنى الإبداع والاختراع وجعل الشيء شيئا ~~عينا بعد أن لم يكن كذلك # وهذا هو الوجه الذي أراده لكن اعترض عليه بعض المعتزلة وأظنه القاضي عبد ~~الجبار بأن كل من أقر بالمحدث المخلوق أقر بالخالق وكل من اعترف بمفعول ~~اعترف بفاعل ولو سلم أن الجسم مخلوق لم يحتج إلى تعاطي الدليل على إثبات ~~الصانع الخالق وأراد PageV08P099 عبد الجبار بيان فساد الطريقة التي سلكها ~~الأشعري وتصحيح طريق شيوخه وهو إثبات حدوث الأجسام أولا ثم إثبات المحدث ~~بعد ذلك # وليس الأمر كما ذكره عبد الجبار بل الأشعري قصد العدول عن هذه الطريقة ~~التي سلكها المعتزلة عمدا مع علمه بها كما قد بين ذلك في رسالته إلى الثغر ~~وبين أنها بدعة محرمة في الشرائع لم يسلكها السلف والأئمة وعدل عنها إلى ~~الاستدلال بحدوث صفات الإنسان لأن ذلك أمر مشهود معلوم والقرآن العزيز قد ~~دل عليها وأرشد إليها # لكن الأشعري لما أراد تقرير حدوث النطفة سلك في الاستدلال على حدوثها ~~الطريقة المعروفة للمعتزلة في حدوث الأجسام فهو وإن كان قد وافقهم على صحة ~~هذه الطريقة فهو يقول إن فيها تطويلا وشبهات ومقدمات كثيرة فيها نزاع فلا ~~يحتاج إليها ابتداء ولا يقف العلم والإيمان بالله تعالى عليها بخلاف نفس ~~تحول النطفة من حال إلى حال فإن هذا أبين وأظهر من كون كل جسم لا بد له من ~~أعراض مغايرة له وأن الأعراض حادثة النوع # ثم من أراد إثبات حدوث الأجسام بأنها لا تخلو عن الحركة والسكون كما فعله ~~من فعله من المعتزلة ومن وافقهم فالأمر عليه أيسر PageV08P100 من إثبات من ~~أثبت ms1564 ذلك بأنها لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض عن واحد منها وأن جميع ~~أنواع الأعراض لا تبقى زمانين كما سلك هذه الطريق كثير من الأشعرية ومن ~~وافقهم فإن هذه أبعد الطرق وأطولها وأضعفها مقدمات لو كان في هذه الطرق شيء ~~صحيح # فالجواب لعبد الجبار عن الأشعري أن يقال له هو استدل بحدوث الإنسان وهو ~~أمر معلوم مشهود لا ينازع فيه عاقل وكان في ذلك مندوحة له عن الاستدلال ~~بحدوث جميع الأجسام وحينئذ فإذا ثبت أن للإنسان صانعا ثبت سائر صفاته من ~~العلم والقدرة وغير ذلك ثم أمكن أن يعلم حدوث السماوات والأرض بالسمع فلا ~~يحتاج إلى ما يدل على حدوث جميع الأجسام مع أن تمام الطريقة التي ذكرها ~~الأشعري تدل على ذلك فيقال لعبد الجبار إن كانت طريقتكم صحيحة فقد سلكها ~~الأشعري في آخر استدلاله وإن كانت باطلة لم يكن عليه ملام في تركها بل ~~الذين ذموا ما ذموا منه من أتباع السلف والأئمة ذموا منه ما وافقكم فيه من ~~هذه الطريقة وأمثالها فالذي تطلبون منه من موافقتكم هو الذي ينكره عليه ~~أتباع السلف والأئمة كما ينكرون ذلك عليكم PageV08P101 # وفي الجملة فإن كان طريقكم مذموما فالذم الذي يلحقه به أقل مما يلحقكم به ~~وإن كان صحيحا فهو قد سلكه في آخر الدليل لكنه لم يجعل نفس إثبات الصانع ~~تعالى مفتقرا إلى إثبات حدوث الأجسام لعلمه بأن الأمر ليس كذلك وبأن هذا ~~مخالفة لدين المسلمين وسائر أهل الملل فكان في موافقتكم على سلوك هذه ~~الطريق ابتداء مخالفة للشرع والعقل # وأما كون من أقر بالشيء المحدث المخلوق أقر بالخالق ومن اعترف بالمفعول ~~اعترف بالفاعل كما ذكره هذا المعتزلي فالأمر كذلك ولهذا لم يتعرض الأشعري ~~للدليل على ذلك بل جعل كون المحدث دالا على المحدث أمرا مستقرا معلوما ~~بالفطرة إذ النزاع في ذلك أقبح من نزاع السوفسطائية # وأما القاضي أبو بكر فأراد أن يجيب عن الأشعري بوجه آخر فزعم أن افتقار ~~المحدث إلى المحدث أمر نظري لا ضروري وأن الأشعري أثبت ms1565 ذلك وذكر أن إثباته ~~لذلك من جهة تضمن الفعل للفاعل كتضمن الفاعل للفعل # ومن المعلوم أن كلام الاشعري ليس فيه شيء من هذا ولا يحتاج كلامه إلى هذا ~~وإنما نشأ الغلط من ظن القاضي أبي بكر أن العلم PageV08P102 # بافتقار المحدث إلى الفاعل أمر نظري وليس الأمر كذلك بل هو ضروري عند ~~جماهير العقلاء وان كان نظريا عند طائفة من اهل الكلام من المعتزلة ومن ~~وافقهم # والشيء قد يكون ضروريا مع إمكان اقامة الأدلة النظرية عليه فلا منافاة ~~بين كونه ضروريا مستقرا في الفطر وبين إمكان إقامة الدليل عليه # فقال القا ضي أبو بكر واما توجيه كلام أبي الحسن إلى أن الخلق بمعنى ~~الاختراع والابتداع فصحيح مع اكثر اهل الدهر لان كثيرا من الدهرية الفلاسفة ~~يزعمون أن العالم محدث من غير محدث وانه متشكل ومتصور بغير مصور ولا مدبر ~~مع اظهارهم الإقرار بحدوثه وانهم لذلك يعتقدون فإذا حصل هذا الإقرار من ~~الفريق الذين ذكرناهم بحدث الأجسام وتصويرها وتركيبها مع انكارهم الصانع ~~المصور كان الكلام معهم في تعلقها بمحدث احدثها وصورها بعد الأصل الذي قد ~~سلموه صحيحا # قال وقد زعم قوم من المسلمين أن شطر الحوادث أو قريبا من شطرها يقع من ~~غير محدث ولا فاعل أصلا وهو ثمامة بن PageV08P103 اشرس النمري وشيعته لانه ~~كان يزعم أن المتولدات كلها لا فاعل لها وهي مع ذلك حوادث وافعال # قال وانما ذكرت لك هذه الفرقة من اهل المللة لتعلم أن الإقرار بحدث الشيء ~~وانكار محدثه مذهب قد شاع في اهل الملة وغيرهم وان تعجب من تعجب من هذا ~~وانكاره دليل على جهله وشدة غباوته وقلة عنايته بمعرفة مذاهب الامم السالفة ~~ومن بعدهم من شيخوخة المعتزلة مع أن الدعوة التي عول عليها صاحب الاعتراض ~~هو أن قال كل من اقر بالشيء المحدث المخلوق اقر بالخالق وكل من اعترف ~~بمفعول اعترف بالفاعل لو سلم أن الجسم مخلوق لم يحتج إلى تعاطى الدليل على ~~إثبات الصانع الخالق # قال وقد أنبأنا بالذي سلف من الكلام على جهله في ms1566 هذا وذهابه عن جهة ~~الصواب فيه ثم نقول فهب أن الأمر كما وصفته ما الذي فيه يوجب غلط واضع ~~الكتاب في تعاطيه اقامة الدليل على إثبات الخالق وقد اتفق الجميع من ~~العاقلين على أن الأفعال تتعلق بفاعل وان المخلوقات تتعلق بخالق ليس هو مما ~~يعلم بالاضطرار ولا يثبت بدرك الحواس وانما يتطرق اليه بالبحث والفحص إلا ~~شرذمة قليلة لا يعتد بقولها ادعت في هذا المذهب البديهة وان PageV08P104 ~~العلم يقع به عند كمال العقل وليس هذا من قولنا وقول هذا المعترض وقد يصح ~~أن يشك في وجوب هذا التعلق من العقلاء شاكون إذا عدلوا عن جهة الاستدلال ~~وطرق الاستشهاد المؤدي إلى معرفة وجوب تعلق الفعل بالفاعل واذا كان هكذا لم ~~يستنكر ما سلكه شيخنا رضي الله عنه من ذكر الدليل على أن الانسان ليس هو ~~المحدث لنفسه وان له محدثا سواه وان المخلوق لا بد له من أن يتعلق بخالق ~~فإذا كان هذا إنما يعلم بالاستدلال فكأنه إنما اراد أن يعرف المتعلم وجه ~~الدليل الذي أدى المجمعين إلى وجوب تعلق الفعل بالفاعل وما من اجله اجمعوا ~~على ذلك فما في هذا مما يعاب لولا فرط الجهل وسوء الظن بالشيوخ # وأيضا فان الذي عابه هذا المعترض غلط بين من قبل انه سام الرجل اقامة ~~الدليل على حدوث الجسم قبل اقامته على وجود محدثه وهذا الترتيب لعمري يجب ~~على من قصد إلى أن يدل على الامرين فأما من قصد أن يقيم الدلالة على أحدهما ~~وهو أن المحدث يتعلق بوجود محدث فلا يجب عليه ذلك فانه قصد إلى الكلام في ~~احدى المسالتين دون الاخرى # قال وقد يقضى القول في هذا الذي سامه هذا المقرض في إثبات الاعراض وحدوث ~~الأجسام في كتاب غير بما لا يخفي على من PageV08P105 عرف من مذهبه القليل ~~واطلع منه على اليسير # قلت ولقائل أن يقول ما ذكره القاضي أبو بكر ليس فيه جواب عن ألاشعري بلا ~~كلام ألاشعري صحيح في نفسه لا يحتاج إلى ما ذكره # وبيان ذلك من وجهين ms1567 # أحدهما أن كلام ألاشعري ليس فيه اقامة دليل على هذه المقدمة التي جعلها ~~القاضي نظرية وهو تعلق الفعل بالفاعل وان المخلوق لا بد له من خالق بل ~~الاشعري ذكر هذه المقدمة ذكرا مطلقا وجعلها مسلمة ولم ينازع فيها من يعبأ ~~به ولهذا لا يعرف في اهل المقالات المعروفة من نازع فيها # وقول القاضي أن كثيرا من الدهرية والفلاسفة يقولون انه محدث من غير محدث ~~فهذا القول إنما يحكي عن شرذمة لا يعرف من هم وقد تأول الشهرستاني وغيره ~~ذلك بأنهم ارادوا به أن سبب حدوثه كان بالاتفاق لا انهم انكروا الصانع ~~وحينئذ فيكونون قد اثبتوا فاعلا ولم يثبتوا سببا للحدوث PageV08P106 # وهذا قول اكثر المعتزلة والاشعرية وغيرهم يقرون بالصانع المحدث من غير ~~تجدد سبب حادث ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع وقال لهم الناس هذا ~~ينقض الأصل الذي اثبتم به الصانع وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على ~~الآخر إلا بمرجح فإذا كانت الاوقات متماثلة والفاعل على حال واحدة لم يتجدد ~~فيه شيء أزلا وأبدا ثم اختص أحد الاوقات بالحدوث فيه كان ذلك ترجيحا بلا ~~مرجح فقول اولئك الدهرية وقول محمد بن زكريا الرازي وامثاله في إحالة ~~الحدوث على تعلق النفس بالهيولي وامثال ذلك كل ذلك ينزع إلى اصل واحد وهو ~~إثبات حدوث حادث بلا سبب حادث # والفلاسفة القائلون بقدم العالم كأرسطو وابن سينا وامثالهما جعلوا هذا ~~حجة على القائلين بحدوث العالم لكن قولهم تضمن هذا وما هو اقبح منه فانهم ~~زعموا أن الحوادث كلها تحدث عن علة تامة قديمة مستلزمة لمعلولها لا يتأخر ~~عنها شيء من معلولها كما يقوله ابن سينا وامثاله أن الأول يحرك المتحركات ~~بمعنى انها تتحرك للتشبه به لا انه ابدع حركتها كما انها لم يدعها عندهم ~~فلزم من PageV08P107 ذلك أن تكون الحوادث كلها حدثت بلا محدث وذلك اعظم من ~~كونها حدثت بلا سبب حادث وقد بسط هذا في موضعه # واما ما حكاه القاضي عن ثمامة فهو من لوازم قوله كما أن المعتزلة ~~البصريين لما ms1568 قالوا تحدث ارادة لا في محل بلا ارادة الزمهم الناس بحدوث ~~الحوادث كلها بلا إرادة وهو ينفي عنها الفاعل الارادي لا ينفي سببا اقتضى ~~حدوثها وهم مع هذا معترفون بأنه لا بد للحوادث من فاعل مختار ولكن لازم ~~المذهب ليس بمذهب وليس كل من قال قولا التزم لوازمه التي صرح بفسادها بل قد ~~يتفق العقلاء على مقدمة وان تناقض بعضهم في لوازمها ولهذا كانت الشبه ~~الواردة على قول القائل أن التخصيص الحادث لا بد له من محدث مخصص أو أن ~~الممكن لا بد له من مرجح اعظم مما يرد على أن المحدث لا بد له من محدث # والتناقض الذي يلزم أولئك اكثر ولهذا أورد أبو عبد الله الرازي في مسألة ~~إثبات الصانع على طريقة اسولة لم يجب عنها بجواب صحيح فإنه يبني جميع ما ~~يذكره من الطرق على أن الممكن PageV08P108 لا بد له من سبب فاعترض على ذلك ~~بأنه لم قلتم أن الممكن لا بد له من سبب # ثم هنا نظران أحدهما أن نقول أنتم في هذا المقام بين امرين إما أن تدعوا ~~الضرورة فيه أو النظر # ودعوى الضرورة باطل لوجهين أحدهما انا إذا عرضنا على العقل أن الممكن لا ~~يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح وعرضنا أيضا قولنا أن الواحد نصف الاثنين لم نجد ~~القضية الأولى في قوة القضية الثانية # وثانيهما أن اكثر العقلاء جوزوا وقوع الممكن لا عن سبب ولو كان ذلك ~~ضروريا لاستحال من العقلاء دفعه # بيان أن العقلاء جوزوا ذلك صور ست أحدهما أن القائلين بحدوث العالم وهم ~~المسلمون يقولون أن الله فعل في PageV08P109 الوقت المعين دون سائر الاوقات ~~لا لامر يختص به ذلك الوقت ومن علل منهم ذلك باختصاص ذلك الوقت بمصلحة خفية ~~يحكم باختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة دون سائر الاوقات المذكورة مع تساويها ~~بأسرها فيكون ذلك وقوعا للممكن بلا سبب # وثانيها أن الذين يحيلون الدواعى والأعراض على الله تعالى وينكرون كون ~~الحسن والقبح صفة عائدة إلى الفعل يقولون أن الله تعالى حكم في الواقعة ms1569 ~~المعينة بحكم مخصوص من ايجاب أو ندب أو حظر أو اباحة مع كون سائر الوقائع ~~مساويا لها فلا يكون على مذهبهم لتخصيص تلك الواقعة بذلك الحكم سبب مخصوص # وثالثها أن اكثر المعتزلة زعموا أن القادر مع تساوي دواعيه إلى الشيء ~~وضده قد يفعل أحدهما دون الآخر لا لمرجح بل زعموا أن الهارب من السبع إذا ~~اعترضه طريقان متساويان من جميع الوجوه فانه لا بد وان يختار أحدهما دون ~~الآخر وزعموا أن العلم بذلك PageV08P110 ضروري وان الجائع إذا خير بين اكل ~~رغيفين متساويين من كل الوجوه فانه لا بد وان يختار أحدهما بل يبتدئ بكسر ~~أحد جوانب ذلك الرغيف من غير سبب يختص بهه ذلك الجانب وكذلك النائم ينقلب ~~من أحد جنبيه على الأخرر لا لمرجح وادعوا الضرورة في هذه الصورة # روبعها أن أكثر المعتزلة زعموا أن الذوات متساوية في الذاتية ومختلفة في ~~الصفات الذاتية وأنه ليس لاختصاصها بتلك الصفة علة # وخامسها زعمت الفلاسفة أن حركات الفلك لأجل التشبه مع أنها لو وقعت إلى ~~الجهة المضادة لجهتها أو أسرع أو أبطأ مما وجدت لكان التشبه حاصلا لا عن ~~مرجح PageV08P111 # وسادسها انهم يقولون الكوكب المعين يختص بموضع معين من الفلك مع كونه ذلك ~~الموضع مساويا لسائر المواضع في الحقيقة والماهية لكون الفلك عندهم بسيطا ~~فثبت أن العقلاء حكموا في هذه الصور بوقوع الممكن لا عن سبب ولو كان العلم ~~بذلك ضروريا لاستحال ذلك كما استحال أن يحكم بعضهم يكون الواحد اكثر من ~~اثنين # فهذا البطلان قول من يدعي الضرورة في هذا المقام واما من يدعي الاستدلال ~~فلا بد له من دليل وأنتم ما ذكرتم ذلك الدليل ثم لو ذكرتموه فانه ينتقض ~~بالصور التي عددناها # وذكر اسولة أخرى # ثم قال أبو عبد الله الرازي والجواب على منهجين الأول أجمالي وهو أن ~~دليلنا بناء على مقدمتين إحداهما PageV08P112 # أن المحدث لا بد وان يكون ممكنا لان الذي لا يقبل حقيقة العدم لا يكون ~~معدوما فس شيء من الاوقات وثانيها أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه ms1570 على الآخر ~~إلا بمرجح وهاتان المقدمتان لا يشك فيهما عاقل وما ذكرتموه من الشكوك فهي ~~جارية مجرى شبه السوفسطائية القادحة في سائر العلوم الضرورية # وكما أن تلك الشبه مع قوتها لا تقدح في شيء من العلوم الضرورية وتلك لا ~~تزيل عنا الجزم والوثوق بالمشاهدات فكذلك ما ذكرتموه # قال وهذا جواب قاطع للمنصف # قال والمنهج الثاني أن نجيب عن الشكوك المذكورة على التفصيل # إلى أن قال قوله إذا ثبت كون المحدثات ممكنة وجب PageV08P113 # استنادها إلى مؤثر تدعون فيه الضرورة أو النظر قلنا بل ندعي فيه الضرورة ~~فأنا إذا فرضنا انسانا سليم العقل لم يمارس هذه المجادلات ثم يعرض على عقله ~~أن كفتي الميزان هل يمكن أن تترجح إحداهما على الاخرى لا لسبب أصلا فان ~~صريح العقل يشهد له بإنكاره ذلك # وكذلك إذا دخل برية لم يجد فيها عمارة أصلا ثم دخلها فوجد فيها عمارة ~~رفيعة وقصرا مشيدا فانه مضطر إلى العلم بوجود باني وصانع وكذلك إذا احس ~~بصوت أو حركة اضطر إلى العلم بوجود مصوت أو متحرك بل الصبيان يضطرون إلى ~~العلم بذلك لانهم إذا وجدوا في موضع شيئا لم يتوقعوا حصوله هناك حملتهم ~~طباعهم السليمة على طلب من وضع ذلك الشيء في ذلك الموضع فدلنا هذا على أن ~~ذلك من العلوم الضرورية قوله إذا عرضنا على العقل أن الواحد نصف الاثنين ~~وعرضنا أيضا أن الممكن PageV08P114 # لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح وجدنا الأول اظهر قلنا هذا ممنوع ~~وبتقدير التسليم لا يلزم من كون الأول اجلى منه أن لا يكون هو جليا وذلك ~~لان العلوم الضرورية متفاوته في الجلاء كما أن العلوم النظرية متفاوته في ~~الخفاء وكما أن التفاوت في النظريات لا يخرجها عن كونها نظرية وكذلك ~~التفاوت في الضروريات لا يخرجها عن أن تكون ضرورية قوله أن جمعا من العلماء ~~التزموا وقوع الممكن لا عن سبب ولو كان فساد ذلك ضروريا لما قالوا به قلنا ~~انهم لم يلتزموا ذلك بل غايته أن صار ذلك لازما على مذاهبهم وليس ms1571 كل ما صار ~~لازما وجب أن يلتزمه صاحب ذلك المذهب والاشكال إنما يجيء من التزامه ما ~~يناقض هذه القضية لا من لزومه وكذلك فان أصحاب هذه المذهاب متى التزمتهم ~~وقوع الممكن لا عن سبب فانهم يحتالون PageV08P115 # في الجواب عن ذلك سواء كانت اجوبتهم عن ذلك قوية أو ضعيفة وذلك يدل على ~~أن العلم بذلك ضروري وأما العذر عن كل واحد من الصور التي أوردناها فنحن ~~بعد ذلك إن شاء الله تعالى في المواضع اللائقة بها نجيب عنها قال وبالجملة ~~فكل مذهب يؤدي إلى القول بوقوع الممكن لا عن سبب فإحالة البطلان على ذلك ~~المذهب أولى من احالته على هذا الأصل المعلوم بالضرورة # قلت فهو أن سلك مسلك هؤلاء في بيان أن افتقار المحدث إلى المحدث لأنه ~~ممكن والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح فمسلكه اطول وأضعف بل هذا ~~المسلك الذي سلكه باطل كما قد بسط الكلام عليه في موضع آخر # وذلك أن كون تخصيص أحد الوقتين المتماثلين بالحدوث دون الآخر يفتقر إلى ~~مخصص أبين من كون الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح فإن المعلوم لكل أحد ~~أن الممكن الذي لا يوجد بنفسه لا بد له من غيره فلا يترجح وجوده إلا بمرجح ~~PageV08P116 # إما كون عدمه لا يترجح على وجوده إلا بمرجح فهذا محل نزاع وأكثر العقلاء ~~على نقيض ذلك وعندهم أن العدم لا يعلل ولا يعلل به كما قال ذلك من قاله من ~~متكلمة أهل الاثبات وغيرهم كالقاضي أبي بكر وأتباعه كأبي المعالي القاضي ~~أبي يعلي وابن الزاغوني وغيرهم # فالجمهور يقولون عدم الممكن لا يفتقر إلى سبب بل ليس له من ذاته وجود ~~فإذا لم يكن ثم سبب يقتضي وجوده بقي معدوما واذا قال القائل عدم وجوده لعدم ~~علة وجوده كما أن وجوده لوجوده علة وجوده # قالوا له أتعني أن نفس عدم العلة هو الموجب لعدمه كما أن العلة المقتضية ~~لوجوده كالفاعل هو المقتضى لوجوده أم تعني أن عدم العلة مستلزم لعدمه ودليل ~~على عدمه # الأول ممنوع والثاني ms1572 مسلم وذلك لأن عدمه لا يفتقر إلى سبب منفصل أصلا وما ~~لا يفتقر إلى سبب منفصل لا يعلل بسبب منفصل وذاته ليست مستلزمة للعدم لتكون ~~ممتنعة بل ليست مقتضية للوجود فعدمه مستمر إذا لم يكن هناك سبب يقتضي وجوده ~~ولكن يستدل بعدم الموجب على عدم الموجب لأن وجوده بدون سبب محال # فإذا علمنا أن لا سبب يقتضي وجوده علمنا عدم وجوده فهذا PageV08P117 من ~~باب الاستدلال وقياس الدلالة لا من باب العلة التي هي المؤثرة في عدمه في ~~الخارج والله أعلم # وأيضا فالمعلوم بالبديهة هو أن ترجيح أحد المتماثلين من كل وجه على نظيره ~~لا يكون إلا بمرجح كما ذكره من أن كفتى الميزان لاتتراجح إحدهما على الأخرى ~~إلا بمرجح وأن هذا معلوم بصريح العقل # وإذا كان كذلك فطريقة المتكلمين من الذين قالوا إن الحادث لا يختص بوقت ~~دون الإ بخصص كما قاله القاضي أبو بكر والقاضى أبو يعلى وأبو الحسين البصري ~~وأبو المعالى وابن عقيل وابن الزاغواني وأمثال هؤلاء من نظار المسلمين خير ~~من طريقة الذين احتجوا بأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح ~~كما فعل ذلك ابن سينا والسهروردى المقتول والرازي والآمدي وأمثال هؤلاء فإن ~~هؤلاء بنوا ذلك على أن الممكن لا يترجع أحد طرفي وجوده وعدمه على الآخر إلا ~~بمرجح # ومن المعلوم أن العلم بكون أحد الأمرين لا يترجح على الآخر إلا بمرجح ~~يظهر في الأمرين المتماثلين من كل وجه كما ذكروه في كفتي الميزان فأما إذا ~~قدرناهما متساويتين لم يترجح إحداهما على الآخر إلا بمرجح PageV08P118 # وكذلك الاوقات المتماثلة إذا اختص وقت عن وقت بحدوث الحادث فيه كان ذلك ~~التخصيص تخصيصا أحد المثلين على الآخر والتخصيص ترجيح له عليه فلا بد له من ~~مخصص مرجح وأما الوجود والعدم فليسا متماثلين في أنفسهما وان كان الممكن ~~يقبل الوجود ويقبل العدم فليس وجوده مماثلا لعدمه كتماثل الكفتين والوقتين ~~ولكن هما بالنسبة اليه جائزان وهو قابل لهما # فغاية ما يقال انه باعتبار نفسه ليس هو بأحدهما أولى منه ms1573 بالاخر فهما ~~بالنسبة اليه متماثلان من هذا الوجه فيكون ترجيح أحدهما مفتقرا إلى مرجح ~~ولكن عند التحقيق يظهر انهما بالنسبة اليه ليس متماثلين وانه ليس هنا ~~حقيقتان ترجح إحداهما على الاخرى بل ليس له من نفسه وجود أصلا فهو باعتبار ~~ذاته لا يستحق إلا العدم لا يقال انه لا يستحق لا الوجود ولا العدم بل إذا ~~جردنا النظر إلى محض ذات الممكن الذي يقبل الوجود والعدم علمنا أن ذاته لا ~~تكون موجودة بذاته # لسنا نقول أن ذاته تستلزم العدم بحيث يكون عدمها واجبا ووجودها ممتنعا ~~فإن هذا حقيقة الممتنع لذاته لا حقيقة الممكن لذاته ولكن نقول أن ذاته هي ~~باعتبار النظر اليها فقط معدومة عدما ليس واجبا بل عدما يمكن أن يتبدل ~~بالوجود PageV08P119 # ومما يوضح ذلك أن كل محدث فهو ممكن فإنه كان معدوما ثم صار موجودا فهو ~~قابل للوجود والعدم ثم انه من المعلوم لكل أحد أن المحدث لا يقال أن عدمه ~~يفتقر إلى سبب مرجح كما يفتقر وجوده إلى سبب مرجح بل المحدث ليس له من نفسه ~~وجود أصلا ولا يستحق باعتبار ذاته إلا العدم أي لا يثبت له بذاته إلا العدم ~~لا انه يجب له بذاته العدم فالعدم ليس واجبا بذاته بل هو ثابت بذاته # وقولي ثابت بذاته ليس هو اخبارا عن شيء ثابت في الخارج وذات فان المعدوم ~~ليس له في الخارج ذات ثابتة بل حقيقة الأمر أنه ليس له في الخارج شيء موجود ~~من ذاته ولكن هو ممكن الوجود من غيره فهو مفتقر إلى غيره في كونه موجودا لا ~~في كونه معدوما وإذا قال قائل إن الممكن أو المحدث يفتقر في عدمه إلى عدم ~~السبب الموجب قيل له وعدم ذلك السبب الموجب إما أن كان ممكنا فإن كان واجبا ~~لزم أن يكون عدم كل ممكن واجبا فتكون جميع الممكنات ممتنعة لأن عدم كل ممكن ~~على هذا التقدير معلول بعدم واجب وإذا كان معدوما لعدم علته وعدم علته ~~واجبا كان عدمه واجبا وهذا معلوم الفساد بالبديهة ms1574 PageV08P120 # وان قيل أن عدم العلة ممكن فإن كان معدوما بنفسه أمكن أن يكون الممكن ~~معدوما بنفسه لا بعلة وهو المطلوب وإن كان معدوما بعلة كان القول في تلك ~~العلة كالقول في الاخرى ويلزم من هذا أن يكون عدم كل ممكن معللا بعدم ممكن ~~آخر # وهذا باطل لوجوه منها أنه ليس تعليل عدم هذا بعدم هذا بأولى من العكس فإن ~~كل ممكن مفتقر إلى المرجح المؤثر سواء سمي فاعلا أو علة أو موجبا أو سببا ~~أو ما سمى به # فإذا قيل عدم هذا الممكن لعدم مؤثره وعدم ذلك المؤثر لعدم مؤثره كان كل ~~منهما مساويا للآخر في الافتقار إلى المؤثر فليس أن يكون عدم أحدهما لعدم ~~الآخر المفتقر عدما إلى المؤثر بأولى من أن يكون عدم ذاك لعدم هذا المفتقر ~~عدمه إلى المؤثر مع استوائهما في ذلك # ومنها إذا كان عدم هذا لعدم ذاك وعدم ذاك لعدم آخر فالعدم الثالث أن كان ~~هو الأول لزم الدور القبلي وان كان غيره لزم التسلسل في العلل والمعلولات ~~وكلاهما ممتنع # فهذا كله مما يبين أن عدم الممكن ليس مفتقرا إلى المؤثر كافتقار ~~PageV08P121 وجوده إلى المؤثر فليس ترجيح وجوده على عدمه كترجيح احدى كفتي ~~الميزان وترجيح أحد الزمانين بالحدوث على الآخر فإنه هناك رجح الشيء على ~~مثله بلا مرجح ونسبة الحادث إلى هذا الزمان كنسبته إلى هذا ونسبة الرجحان ~~إلى هذه الكفة كنسبته إلى هذه بخلاف الوجود والعدم بالنسبة إلى الممكن فإنه ~~ليس رجحان الوجود كرجحان العدم # ومما يبين هذا أن المرجح للوجود في الممكن ليس هو المرجح للعدم ولا مثله ~~ولا من جنسه فإن المرجح للوجود مؤثر موجود والمرجح للعدم عدم المؤثر وليس ~~الوجود هو العدم ولا مثله ولا من جنسه فليس المرجح أحد طرفي الممكن هو ~~المرجح للآخر ولا مثله ولا من جنسه ولا يمكن ذلك فيه بخلاف المرجح لأحدى ~~كفتي الميزان والمخصص لوقت دون وقت بالحدوث فإنه يمكن أن يكون هو الآخر ~~لتغير صفته أو ما يكون من جنس الآخر # وأيضا فترجيح ms1575 سائر صفات الحادث والممكن على الاخرى ليست كترجيح الوجود ~~على العدم بل هي اقرب إلى ترجيح الوقت على الوقت كتخصيصه بقدر دون قدر ووصف ~~دون وصف ومكان دون مكان ونحو ذلك فإن هذا إلى تخصيصه لوقت دون وقت أقرب منه ~~إلى تخصيصه بالوجود دون العدم PageV08P122 # فتبين بذلك أن طريقة أولئك النظار من متكلمة المسلمين مع كونهم سلكوا ~~فيها من التطويل والتبعيد مالا يحتاج اليه بل ربما كان فيه مضرة خيرا من ~~طريقه هؤلاء الذين استدلوا بترجيح أحد طرفي الممكن # ثم أن ابن سينا وأمثاله كانوا خيرا فيها من الرازي والآمدي وأمثالهما ~~والرازي فيها خير من الآمدي كما قد ذكر في غير هذا الموضع وهذا لو قدر أن ~~هذه الطريقة طريقة ابن سينا ومن اتبعه كالرازي ونحوه طريقة صحيحة فكيف إذا ~~كانت باطلة كما قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع وبينا أن هذه ~~الطريقة لا تدل على إثبات وجود واجب ثابت في الخارج مغاير للممكن اصلا ولو ~~دلت على ذلك لم تدل على أنه مغاير للأفلاك ونحوها # ولهذا كان من سلك هذه الطريقة لا يمكنه أن يثبت بها الصانع ولو اثبت بها ~~الصانع لم يمكنه أن يجعله شيئا غير الافلاك فضلا عما يدعونه من نفي التركيب ~~الذي جعلوه دليلا على نفي الصفات # وذلك أن هؤلاء بنوا هذه الطريقة على أن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وان ~~الممكن لا بد له من واجب فاحتاجوا إلى شيئين إلى حصر القسمة في الواجب ~~والممكن وان الممكن يستلزم الواجب # ولفظ الواجب فيه اجمال قد يراد به الموجود بنفسه الذي PageV08P123 لا ~~فاعل له فتدخل فيه إذا كان ذاتا موصوفة بالصفات ذاته وصفاته # ويراد به القائم بنفسه مع ذلك فتدخل فيه الذات دون الصفات # ويراد به المبدع للممكنات فلا تدخل فيه إلا الذات المتصفة بالصفات # ويراد به شيء منفرد ليس بصفة ولا موصوف فهذا يمتنع وجوده ولم يفهموا ~~دليلا على وجوده فضلا عن أن يكون واجب الوجود # فإذا قالوا نعني بالواجب ما لا تقبل ذاته ms1576 العدم وبالممكن ما تقبل ذاته ~~العدم # قيل لهم اثبتوا وجود ممكن تقبل ذاته العدم لتحتاج إلى الواجب ولما قيل ~~لهم ذلك لم يثبتوه إلا بإثبات الحوادث التي تكون موجودة تارة ومعدومة أخرى # وهذا صحيح فإن الحوادث مشهودة وافتقارها إلى المحدث معلوم بالضرورة لكنهم ~~لم يسلكوا هذا المسلك فإن هذا إنما يثبت وجود قديم احدث الحوادث والممكن ~~عندهم يتناول ما يكون قديما ومحدثا فالقديم الازلي عندهم يكون ممكنا يقبل ~~الوجود والعدم # وهذا القول قاله ابن سينا واتبعه هؤلاء وخالفوا به جميع العقلاء حتى ~~أرسطوا وأصحابه وحتى خالفوا أنفسهم وتناقضوا فإن ابن سينا وأتباعه صرحوا في ~~غير موضع بأن الممكن الذي يقبل الوجود PageV08P124 والعدم لا يكون إلا ~~محدثا لا يكون قديما أزليا وان ما كان قديما أزليا لم يكن إلا واجبا ضروريا ~~يمتنع عدمه # فهذا القول باطل وان قدر صحته فلا يمكن اثباته إلا بكلفة ونظر دقيق ~~ومعلوم أن العلم بواجب الوجود الصانع للممكنات لا يتوقف على العلم بكون ~~القديم الازلي الذي يمتنع عدمه قد يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم فهم ~~يقولون إذا اثبتنا قديما نحتاج بعد ذلك إلى أن نثبت انه واجب الوجود لا ~~ممكن الوجود لأن القديم يحتمل الامرين # وهذه طريقة الرازي التي اعتمد عليها في عامة كتبه كالاربعين و نهاية ~~العقول و المطالب العالية وغيرها من كتبه # فهؤلاء إذا قيل لهم اثبتوا واجب الوجود الذي هو قسيم الممكن عندهم ~~والممكن عندهم يتناول القديم والحادث لم يمكنهم إثبات هذا الواجب إلا ~~بإثبات ممكن يقبل الوجود والعدم وهذا لا يمكنهم اثباته إلا بإثبات الحادث ~~الذي يكون موجودا تارة ومعدوما أخرى والحادث يستلزم ثبوت القديم والقديم ~~عندهم لا يجب أن يكون واجب الوجود بل قد يكون ممكن الوجود فهم لم يثبتوا لا ~~واجب الوجود ولا ممكن الوجود الذي به يثبت واجب الوجود الذي ادعوه # ثم إذا قدر أنهم اثبتوا وجود واجبا فهم لم يقروا أنه واحد وأنه ~~PageV08P125 مغاير للأفلاك إلا بدعوى أن الواجب لا يكون مركبا لأن المركب ~~يفتقر إلى أجزائه وما ms1577 افتقر إلى أجزائه لم يكن واجبا # ومعلوم أن هذا إنما ينفي وجوب واجب بمعنى انه منفرد ليس بصفة ولا موصوف ~~وأن مثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا مع أن الغرض أنه ليس بموصوف ولكن هذا ~~الواجب لم يقم دليل على وجوده بل ولا على امكانه وانما يقوم الدليل على ~~امتناعه وألا فإذا قيل أن الموصوف مركب والمركب مفتقر إلى أجزائه فالافتقار ~~هنا لا يجوز أن يراد به افتقار المفعول إلى فاعله والمعلول إلى علته ~~الفاعله وانما يراد به انه يلزم من وجود المركب وجود أجزائه فيلزم من وجود ~~الذات لمتصفه بصفات وجود الذات والصفات # وهذا لا محذور فيه وحقيقته انه يلزم من كون الشيء موصوفا كونه موصوفا ومن ~~كونه مركبا كونه مركبا وهذا كلام صحيح وليس فيه ما يدل على امتناع ذلك وقد ~~بسط هذا في غير هذا الموضع # وقد تفطن الغزالي وغيره لبعض ما به يفسد كلامهم وقد تكلمنا على ذلك وعلى ~~أنواع أخر مما يتبين به بطلان كلامهم # والمقصود هنا بيان أن طريقة أولئك خير من طريقة هؤلاء وهذا كله ما يبين ~~أن كل من كان إلى الإسلام اقرب فإن عقلياته في الأمور الإلهية اصح من ~~عقليات من كان على الإسلام ابعد منه إلا حيث يكون قد ابتع في عقلياته من هو ~~عن الإسلام ابعد منه هذا كله بين PageV08P126 لمن تدبره ومن تدبر كلام ~~هؤلاء وكلام هؤلاء وجد كلام متكلمي المسلمين خيرا من كلام متكلمي الفلسفة ~~ومتبعيهم # وهذه الطريقة هي طريقة ابن سينا واتباعه لم يسلكها أرسطو وقدماء الفلاسفة # وقد قال ابن سينا في الاشارات ما حقه في نفسه الإمكان فليس يصير موجودا ~~من ذاته فإنه ليس وجوده من ذاته أولى من عدمه من حيث هو ممكن فإن صار ~~أحدهما اولى فلحضور شيء أو غيبته فوجود كل ممكن الوجود من غيره # فقوله ما حقه الإمكان فليس يصير موجودا من ذاته قضية صحيحة وهي بينة ~~بنفسها فإن الممكن هو الذي يكون وجوده بنفسه فإذا قيل مالا يكون وجوده ~~بنفسه ms1578 فوجوده من غيره كان هذا من القضايا البينة ولكن هذالا يعرف بل ولا ~~يثبت إلا في الأمور الحادثة التي تكون موجودة تارة ومعدومة أخرى كما اعترف ~~هو وسلفه وسائر العقلاء بأن ما يمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا وقد ~~ذكرنا ألفاظه وألفاظ غيره في غير هذا الموضع ولم يمكنهم اقامة دليل على ~~الافتقار إلى الفاعل إلا في المحدث # واما استدلاله على ذلك بقوله فليس وجوده في ذاته أولى من PageV08P127 ~~عدمه من حيث هو ممكن فهذا لا يحتاج اليه وهو متنازع فيه وهو لم يقم عليه ~~دليلا بل يقال هو العدم باعتبار ذاته اولى به من الوجود بل هو باعتبار مجرد ~~ذاته لا يستحق إلا العدم بل يقال هذا باطل فإن ما كان يفتقر إلى فاعل يفعله ~~يعلم بالضرورة انه لا يوجد إلا بالفاعل الذي فعله واما عدمه فلا يفتقر فيه ~~إلى شيء وكل ما كان يمكن وجوده وعدمه لا يكون وجوده إلا بموجد يوجده واما ~~عدمه فلا يحتاج فيه إلى شيء # وقوله فإن صار أحدهما فلحضور شيء أو غيبته هو ايضا مما لا يحتاج اليه ولا ~~بينه ولا هو مسلم بل هو باطل إذ كان الممكن إنما يفتقر إلى غيره إذا كان ~~موجودا فأما ما كان مستمرا على العدم فلا يحتاج دوام عدمه إلى شيء وحقيقة ~~كلامه انه أن صار الوجود فلحضور غيره وان صار العدم فلغيبة غيره فيكون إنما ~~عدم لغيبة سببه وهذا كما قد عرف كلام ليس ببين وهو متنازع فيه بل هو باطل ~~وعند التحقيق تبين أن عدم الغير مستلزم لعدمه ودليل على عدمه لا أنه الموجب ~~لعدمه # وكلام القاضي أبي بكر وأبي الحسين البصري وامثالهما في هذا PageV08P128 ~~الباب هو أصرح في المعقول بل هو صواب وهذا خطأ وان كان أولئك مقصرين من وجه ~~آخر حيث استدلوا على الواضح بالخفي # واما ابن سينا وأتباعه كالرازي وغيره فدليلهم باطل ولم يثبتوا وجودا ~~واجبا بل تكلموا في تقسيم الوجود إلى واجب وممكن بكلام ابتدعوه خالفوا به ~~سلفهم وسائر ms1579 العقلاء ونقضوا به أصولهم التي قرروها بالعقل الصريح فإن أبا ~~الحسين يقول الدليل على أن للمحدث محدثا هو أنه لا يخلو إما أن يكون حدث ~~وكان يجوز أن لا يحدث أو كان يجب أن يحدث فلو حدث مع وجوب أن يحدث لم يكن ~~بأن يحدث في تلك الحال اولى من أن يحدث من قبل فلا يستقر حدوثه على حال إذ ~~كان حدوثه واجبا في نفسه # وان حدث مع جواز أن لا يحدث لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث لولا شيء ~~اقتضى حدوثه # فقد بين أن الحادث أن كان واجب الحدوث بنفسه لم يختص بوقت دون وقت إذ ~~الواجب بنفسه لا يختص بوقت دون وقت واذا لم يختص يجب أن لا يحدث في بعض ~~الاوقات والتقدير انه حدث في بعض الاوقات # وأيضا فالتخصيص بوقت دون وقت لا بد له من مخصص وان كان ممكن الحدوث بحيث ~~يكون قد حدث وكان من الممكن أن لا PageV08P129 # يحدث لم يكن بالحدوث اولى منه بعدم الحدوث لولا شيء اقتضى حدوثه # فقول أبي الحسين لم يكن وجود الحدوث أولى من عدم الحدوث لولا مقتض اقتضى ~~الحدوث يبين أن رجحان وجود الحدوث على عدم الحدوث يفتقر إلى مقتض لترجيح ~~الحدوث على عدم الحدوث # فكانت هذه الطريقة مع طولها خيرا من طريقة ابن سينا والرازي وأمثالهما لو ~~كانت تلك صحيحة من وجهين أحدهما أن افتقار رجحان وجود المحدث على عدمه إلى ~~مقتض أبين في المعقول من افتقار كل ممكن فإن الممكن الذي يقدر أنه ليس ~~بمحدث قد نازع طوائف من الناس في ثبوته وفي إمكان كونه معلولا لغيره ونحو ~~ذلك بل عامة العقلاء على امتناعه والذين يثبتونه يعترفون بامتناعه والعقل ~~الصريح يدل على امتناعه ولم يقيموا دليلا على تحققه ولا على افتقاره إلى ~~واجب ولا على إثبات واجب يكون قسيما له PageV08P130 # وأما المحدث الذي كان بعد عدمه فلم ينازع هؤلاء ولا عامة العقلاء في أنه ~~لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمقتض فكان الاستدلال بترجح وجود ms1580 المحدث على ~~عدمه أولى من الاستدلال برجحان وجود كل ممكن لو قدر أن الممكن أعم من ~~المحدث فكيف إذا لم يكن الممكن إلا محدثا # الثاني انه قال لم يكن بالحدوث اولى منه بالعدم لولا شيء اقتضى حدوثه ~~فبين أن رجحان الوجود على العدم لا يكون إلا بقتض لم يقل أن رجحان أحد ~~الطرفين على الآخر لا يكون إلا بمرجح وهذا الذي قاله أبو الحسين متفق عليه ~~بين الطوائف وهو بين في العقل ضروري فيه بخلاف ما قاله أولئك فإن فيه نزاعا ~~واضطرابا وليس هو بينا في العقل بل الصواب يقتضيه # وكذلك أبو الحسين يقول دائما ما كان موجودا على طريق الجواز لم يكن ~~بالوجود اولى منه بالعدم لولا فاعل وهذا كلام صحيح ولكن ابن سينا إنما اخذ ~~هذه الطريق التي سلكها من كتب المعتزلة ونحوهم من متكلمي الإسلام وأراد ~~تقريبها إلى مذهب سلفه الفلاسفة الدهرية ليصير كلامه في الالهيات مقاربا ~~لجنس كلام متكلمي المسلمين ثم يأخذ المواضع التي خالف فيها المتكلمون للشرع ~~PageV08P131 والعقل فيستدل بها على ما نازعوه فيه مما وافقوا فيه دين ~~المسلمين وهذا كما فعلت اخوانه الباطنية مثل صاحب كتاب الاقاليد الملكوتية ~~ونحوه فإنهم عمدوا إلى كل طائفة من طوائف القبلة فأخذوا منها ما وافقوهم ~~فيه من المقدمات المسلمة التي غلط فيها أولئك فبنوا عليها لوازمها التي ~~تخرج أولئك عن دين المسلمين وناظروا بذلك المعتزلة وأمثالهم كما قالوا ~~للمعتزلة أنتم سلمتم لنا نفي التشبيه والتجسيم ونفيتم الصفات بناء على ذلك ~~ثم أثبتم الاسماء الحسنى لله تعالى والتشبيه يلزم في الاسماء كما يلزم في ~~الصفات فإذا قلتم انه حي عليم قدير لزم في ذلك من التجسيم والتشبيه نظير ما ~~يلزم في إثبات الحياة والعلم والقدرة وأردتم إثبات اسماء بلا صفات وهذا ~~ممتنع واذا كنتم قد وافقتم على نفي الصفات وهي لازمة للاسماء فنفي اللازم ~~يقتضي نفي الملزوم فيلزمكم نفي الاسماء ولهذا نظائر في كلامهم # فابن سينا وجد في كتب متكلمي المسلمين من المعتزلة وأشباههم أن تخصيص أحد ~~المتماثلين على ms1581 الآخر لا يكون إلا بمخصص كما في تخصيص الحدوث بوقت دون وقت ~~وهذا مما جعله هؤلاء اصلا لهم في إثبات العلم بالصانع PageV08P132 # فأخذ ابن سينا كلام هؤلاء ونقله إلى مادة الإمكان والوجوب وأن الممكن لا ~~يترجح إلا بمرجح لئلا يناقض قوله في قدم العالم ويقول إنه معلول علة قديمة ~~مستلزمة له ونسي ما قرره في المنطق هو وسلفه من أن الممكن الذي يمكن وجوده ~~وعدمه لا يكون إلا حادثا وأن الدائم الأزلي والأبدي لا يكون إلا ضروريا ~~واجبا لا يكون ممكن الوجود والعدم وهذا الذي ذكروه في المنطق متفق عليه بين ~~العقلاء # وأخذ قولهم الضعيف في أن القادر المختار يحدث الحوادث بلا سبب حادث جعله ~~له حجة على قدم العالم بناء على مطالبتهم بسبب الحدوث وكان ما يلزمه ويبين ~~فساد قوله أعظم مما يلزمهم ويبين فساد قولهم فإنه إذا كان العالم صادرا عن ~~علة مستلزمة له والعلة المستلزمة لا يتأخر عنها شيء من معلولها لزم أن لا ~~يحدث في العالم شيء من الحوادث أو أن تكون الحوادث حدثت بلا محدث وفي ذلك ~~من الترجيح بلا مرجح ما هو أعظم مما بنوا عليه وجود الواجب فيلزمهم على ~~قولهم بطلان ما أثبتوا به واجب الوجود وبطلان الاستدلال بالحدوث على المحدث ~~وبالممكن على الواجب وأن تكون الحوادث حدثت بلا محدث أصلا PageV08P133 # وذلك أعظم من قول أولئك حدثت عن قادر مختار بدون سبب حادث وهؤلاء أصل ~~قولهم إن العلة التامة يقارنها معلولها في الزمان كما جعلوا الفلك القديم ~~الأزلي عندهم مقارنا لعلته في الزمان وقابلوا بذلك قول المتكلمين الذين ~~قالوا بل المؤثر التام يتأخر عنه أثره # والصواب أن المؤثر التام يتعقبه أثره لا يقارنه ولا يتراخى عنه كما قال ~~تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة يس 82 # ولهذا يقال كسرته فانكسر وقطعته فانقطع وطلقت المرأة فطلقت وعتقت العبد ~~فعتق وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب تعالى لأن ما كونه لا يكون إلا ~~بعد تكوينه لا مع ms1582 التكوين # وهم إذا قالوا إن المكون مع التكوين لزمهم أن لا يحدث شيء من العالم وهو ~~خلاف المشاهدة فإن الأول إذا كان علة تامة والعلة التامة يقارنها معلولها ~~وكل ما ساواه معلوله كان الجميع قديما # ولزمهم أيضا أن كل ما حدث يحدث عند حدوثه تمام علل لا نهاية لها وذلك في ~~آن واحد وذلك ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء PageV08P134 # وقد ذكر ابن سينا أن هذه الطريقة التي سلكها في إثبات واجب الوجود ~~ولوازمه هي غير طريقة سلفه الفلاسفة بل هي طريقة محدثة وهذا مما يبين أنه ~~ركبها مما أخذه عن المعتزلة ونحوهم من متكلمة الإسلام ومن أصول سلفه ~~الفلاسفة والذي أخذه عن متكلمة الأسلام أقرب إلى الحق مما أخذه عن سلفه في ~~ذلك لأنه أخذ عنهم أن تخصيص أحد الشيئين المتماثلين المحدثين دون الآخر لا ~~بد له من مخصص وهذا حق # فأخذ من ذلك أن تخصيص الممكن بالوجود لا بد له من موجب وهذا حق لكن قد ~~ينازعونه في أن الممكن هل يمكن أن يكون قديما أم لا فإنهم وعامة العقلاء ~~يقولون الممكن لا يكون إلا محدثا وهو وسلفه يسلمون لهم ذلك # وأيضا فإن أبا الحسين وأمثاله يقولون الموجود على طريق الجواز ليس ~~بالوجود أولى منه بالعدم لولا الفاعل ويقولون إنه يستحيل أن يوجد القديم ~~بالفاعل لأن المعقول من الفاعل هو المحضل للشيء عن عدم وليس للقديم حال ~~عدمية # ولهذا يقولون إن وجود القديم واجب وليس بأن يجب وجوده في حال أولى من حال ~~فصح أنه واجب الوجود في كل حال فاستحال عدمه PageV08P135 # وضم ابن سينا وأتباعه إلى ذلك أن الممكن لا يكون معدوما إلا بسبب وهذا ~~مما نازعه فيه الجمهور حتى إخوانه الفلاسفة نازعوه في ذلك # وهذا الذي ذكرته من أن ابن سينا أخذ هذه الطريق عن المتكلمين رأيته بعد ~~ذلك قد ذكره ابن رشد الحفيد ذكر في كتابه الذي سماه تهافت التهافت فإن أبا ~~حامد الغزالي ذكر في كتابه المسمى بتهافت الفلاسفة مسألة في بيان عجز ~~الفلاسفة عن ms1583 الاستدلال على وجود الصانع للعالم # قال فنقول الناس فرقتان فرقة أهل الحق وقد رأوا أن العالم حادث وعلموا ~~ضرورة أن الحادث لا يوجد بنفسه فافتقر إلى صانع فعقل مذهبهم في القول ~~بالصانع وفرقة أخرى هم الدهرية وقد رأوا العالم قديما ثم كما هو عليه ولم ~~يثبتوا صانعه ومعتقدهم مفهوم وإن كان الدليل يدل على بطلانه PageV08P136 # فأما الفلاسفة فقد رأوا العالم قديما ثم أثبتوا مع ذلك له صانعا # قال وهذا المذهب بوضعه متناقض لا يحتاج إلى إبطال # قال ابن رشد الحفيد بل مذهب الفلاسفة مفهوم في الشاهد أكثر من المذهبين ~~جميعا وذلك أن الفاعل قد يلفى صنفين صنف يصدر منه مفعول يتعلق به فعله في ~~حال كونه وهذا إذا تم كونه استغنى عن الفاعل كوجود البيت عن البناء والصنف ~~الثاني إنما يصدر عنه فعل فقط يتعلق بمفعول لا وجود لذلك المفعول إلا بتعلق ~~الفعل به وهذا الفاعل يخصه أن فعله مساوق لوجود ذلك المفعول أعني أنه إذا ~~عدم ذلك الفعل عدم المفعول وإذا وجد ذلك الفعل وجد المفعول أي هما معا وهذا ~~الفاعل أشرف PageV08P137 وأدخل في باب الفاعلية من الأول لأنه يوجد مفعوله ~~ويحفظه والفاعل الآخر يوجد مفعوله ويحتاج إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد ~~وهذه حال المحرك مع الحركة والأشياء التي وجودها إنما هو في الحركة ~~والفلاسفة لما كانوا يعتقدون أن الحركة فعل الفاعل وأن العالم لا يتم وجوده ~~إلا بالحركة قالوا إن الفاعل للحركة هو الفاعل للعالم وأنه لو كف فعله طرفة ~~عين عن التحريك لبطل العالم فعملوا قياسهم هكذا العالم فعل أو شيء وجوده ~~تابع لفعل وكل فعل لا بد له من فاعل موجود بوجوده فأنتجوا من ذلك أن العالم ~~له فاعل موجود بوجوده فمن لزم عنده أن يكون الفعل الصادر عن فاعل العالم ~~حادثا قال العالم حادث عن فاعل لم يزل قديما وفعله قديم أي لا أول له ولا ~~آخر لا أنه موجود قديم بذاته كما تخيل لمن يصفه بالقدم # قلت ولقائل أن يقول هذا الذي ذكره ms1584 ابن رشد عن الفلاسفة أراد به تقرير ~~طريقة أرسطو وأتباعه الذين استدلوا بالحركة على وجود المحرك الذي لا يزال ~~محركا غير متحرك ويسمونه الأول PageV08P138 # وهو الواجب الوجود عند ابن سينا وأتباعه # وأما من قبل ابن سينا من الفلاسفة فلا يخصونه بواجب الوجود إذ كل قديم ~~فهو عندهم واجب الوجود فلا يخصه بواجب الوجود إلا من يقول لا قديم إلا هو ~~وليس هذا قول أرسطو وأتباعه وإن كان هو مذهب جماهير العقلاء من أهل الملل ~~وغيرهم # وكلام أرسطو وأتباعه باطل من وجوه أحدها أن هؤلاء لم يجعلوا الأول فاعلا ~~للحركة الفلكية إلا من حيث هو محبوب معشوق يتشبه به الفلك لا من حيث هو ~~مبدع محدث للحركة ومعلوم أن المحبوب المتحرك إليه غيره بالمحبة له والشوق ~~لا سيما إذا كان محبا للتشبه به لا لذاته كما يتشبه المأموم بإمامه لا يكون ~~هو المبدع المحدث للحركة بمجرد ذلك وإنما يكون علة غائية لا علة فاعلية فلم ~~يثبتوا الواجب الوجود بنفسه فاعلا لشيء من الحوادث كما قد بسط في موضعه # وأرسطو وأتباعه معترفون بأن الأول عندهم لا يفعل شيئا ولا يعلم شيئا ولا ~~يريد شيئا # الوجه الثاني أنه بتقدير أن يثبتوه محدثا مبدعا للحركة التي لا قوام ~~PageV08P139 للفلك والعالم إلا بها كما قد يدعي ذلك ابن رشد وأمثاله فإنما ~~يكون فاعلا لما هو شرط في وجود العالم لا يكون فاعلا لنفس جواهر العالم ~~وسائر أعراضه بل هو فاعل لعرض واحد من أعراضه وهي الحركة التي زعموا أنه لا ~~قوام له بدونها وهذا من أبعد الأشياء عن كونه مبدعا للعالم لا سيما إذا ~~جعلوا فعله للحركة من جهة كونه محبوبا فهو بمنزلة كون كل محبوب يبدع المحب ~~الذي لا يقوم بدون تلك المحبة بل بمنزلة كون الإمام المقتدى به مبدعا ~~للمؤتم به من جهة كونه يحتاج إلى الائتمام به # ومعلوم أن هذا لا يقوله عاقل بل هذا يتضمن أن واجب الوجود كالفلك عند ~~أرسطو وأتباعه يفتقر إلى شيء بائن عنه وذلك يدل على فساد ms1585 قولهم فما قاله ~~أرسطو وأتباعه من الحق يدل على فساد قول المتأخرين وما قاله المتأخرون من ~~الحق في الواجب يدل على فساد قول أرسطو وأتباعه # الوجه الثالث أن كون العالم لا يمكن وجوده بدون الحركة أمر لا دليل عليه ~~بل هو باطل وأقصى ما يمكن أن يقال يمكن وجوده لكن يكون ناقصا ومعلوم أن هذا ~~حال سائر المخلوقات التي لها صفات كمال إذا عدم بعض صفاتها إنما يلزم نقصها ~~لا يلزم عدمها PageV08P140 # الوجه الرابع أنه ادعى أن هذا الفاعل أشرف من الفاعل الذي فعل البناء ~~ونحوه # فيقال إن ادعيت أن ما يفعل حركة في غيره أشرف مما يفعل التأليف القائم به ~~فهذا غير مسلم لا سيما إذا كان فعل ذلك بجهة كونه محبوبا أو مؤتما به وهذا ~~مبدع لنفس التأليف القائم بغيره ومعلوم أن حاجة المؤلف إلى التأليف القائم ~~به اعظم من حاجة المتحرك إلى الحركة القائمة به وان تغير ذات المؤلف إذا ~~انتقض تأليفه ابين من انتقاض ذلك المتحرك إذا زالت حركته فإذا جعلتم فاعل ~~الحركة فاعلا ففاعل التأليف اولى أن يكون فاعلا وهذا امر مشهود ليس من جمع ~~الأجزاء المتفرقه وجعلها شيئا واحدا كمن حرك الشيء الساكن لاسيما إذا كان ~~تحريكه كتحريك الخبز للجائع والماء للعطشان والمرأة للرجل والرجل للمرأة ~~فكيف إذا كان كتحريك الأمام للمؤتم به # وان قال أن ذلك الفاعل للحركة يفعلها دائما وفاعل التأليف لا يفعله إلا ~~حال إحداثه وهذا هو الوجه الذي قصده # فيقال له ليس في الشاهد امر يفعل الحركة التي لا قوام للمتحرك إلا بها ~~دائما فقولك أن مذهب الفلاسفة مفهوم في الشاهد اكثر من PageV08P141 ~~المذهبين وذلك أن الفاعل قد يصدر منه مفعول يتعلق به فعله في حال كونه وقد ~~يصدر عنه فعل يتعلق بمفعول لا وجود لذلك المفعول إلا بتعلق الفعل به وهذا ~~الفاعل يخصه أن فعله مساوق لوجود ذلك المفعول وهذه حال المحرك مع الحركة ~~والأشياء التي وجودها إنما هو في الحركة # فيقال لك ليس فيما نشاهده شيء من هذا ms1586 الصنف الثاني وانما الفاعل المشاهد ~~هو من النمط الأول # وان قلت أن النفس تحرك البدن بهذا الاعتبار # فيقال لك كون النفس وحدها هي المحركة للبدن دون أن يكون هناك سبب للحركة ~~امر لو كان حقا لم يكن من المشاهدات # وأيضا فالنفس لا يقول عاقل انها هي الفاعله للبدن # وأيضا فكل من النفس والبدن شرط في حركة الآخر # الوجه الخامس أن يقال نحن نسلم أن الفاعل الذي الذي يفتقر اليه المفعول ~~دائما اكمل ممن لا يفتقر اليه إلا حال حدوثه لكن إذا قيل أن المخلوقات ~~مفتقرة إلى الخالق دائما كان هذا قولا صحيحا وليس هذا نظير ما ذكرته من ~~الصنفين بل لو قيل أنه يفعل تأليف العالم دائما وان تأليفه لا يقوم إلا به ~~كان هذا خيرا من قول سلفك انه يفعل حركة العالم دائما لو كانوا قائلين بذلك ~~فكيف وحقيقة قولهم انه لا يفعل شيئا PageV08P142 # فأنت لو جعلته من الصنف الأول من الفاعلين الذين يفعلون تأليف المؤلفات ~~كان خيرا من أن تجعله فاعلا للحركات لكن الفاعل الدائم للفعل الذي يحتاج ~~إليه المفعول دائما أكمل ممن لا يفتقر إليه المفعول إلا في حال حدوثه فإذا ~~جعلته فاعلا للتأليف وهو محتاج إليه دائما كان خيرا من أن تجعله فاعلا ~~للحركة فكيف ولم تجعلوه فاعلا إلا من جهة كونه متشبها به فقط # السادس أن يقال العالم ليس فيه مخلوق يشهد انه فاعل لشيء منفصل عنه من كل ~~وجه لا عين ولا صفه فإن فاعل التأليف في غيره كالبناء والخياط و الكاتب ~~ونحوهم غاية فعله تأليف تلك الأجسام مع أن كثيرا من متكلمة الاثبات ~~كالأشعري ومن وافقه يقولون ليس فعله إلا ما قام به في محل قدرته وما خرج ~~عنه ليس فعله # والقائلون بالتولد يقولون بل ذلك التأليف فعله والقول الوسط أن التأليف ~~حادث بسبب فعله القائم به وبسبب ما في الأجزاء المؤلفة من قبول التأليف ~~وحفظه ولهذا لم تكن الأجزاء محتاجة إلى الإنسان المحدث لتأليفها بعد ~~التأليف لأنها تمسك التأليف بما فيها من ms1587 اليبس PageV08P143 والقوة التي ~~جعلها الله فيها وتلك لا حاجة إليه فيها فالذي احتيج إليه إنما هو مجرد ~~فعله القائم به فقط # وأما مبدع العالم فهو المبدع لأعيانه وأعراضه وحركاته فليس له نظير إذ هو ~~سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله # وأما ما ذكره هو من إثبات مخلوق محدث لحركة تقوم بغيره لا يقوم إلا بها ~~والمخلوق يحدثها دائما فليس هذا بمشاهد في الفاعلين والمثل الذي ضربه لقوله ~~قولهم وإن لم يكن مطابقا وليس في المشاهدات ما يكون فعله كفعل الرب تعالى ~~ولا فعل كفعله فقولهم أقرب من قوله لأنه موجود في العالم وهو أقرب إلى ~~الفاعل المطلق # فقوله إن الفاعل الذي يوجد مفعوله ويحفظه أشرف وأدخل في باب الفاعلية من ~~الفاعل الذي يوجد مفعوله ويحتاج إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد كلام صحيح ~~لكن ليس هو مطابقا لقول إخوانه الفلاسفة فإنهم لم يثبتوا أنه فاعل لجواهر ~~العالم ولأعراضه بل غاية ما جعلوه فاعلا للحركة ثم لم يجعلوه فاعلا لها إلا ~~من جهة كونه PageV08P144 علة غائية لكون الفلك يقصد التشبه به وهذا القدر ~~لا يوجب أن يكون هو الفاعل # وأما أولئك فأثبتوا أنه فاعل لجواهر العالم ثم من قال من المتكلمين ~~المعتزلة ونحوهم أن المحدثات لا تحتاج إلى الفاعل المحدث إلا في حال الحدوث ~~لا في حال البقاء فقوله مع فساده أرجح من قول الفلاسفة لكونهم أثبتوا فاعلا ~~حقيقة # فأما قول أهل السنة وجماهير أهل الملة الذين يقولون أن المخلوقات محتاجة ~~إلى الخالق في حال الحدوث وحال البقاء فهذا أكمل من قولهم من كل وجه واذا ~~ضم إلى ذلك انه إلههم الذي يعبدونه يحبونه وأنه لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا تبين ذلك أن العالم محتاج اليه من جهة كونه ربا فاعلا ومن جهة كونه ~~إلها محبوبا معبودا # وفي هذا من التفاضل بينه وبين قول سلفه الفلاسفة ما لا يخفي على أضعف ~~الناس نظرا PageV08P145 # قال الغزالي فإن قيل نحن إذا قلنا للعالم صانع ms1588 لم نرد به فاعلا مختارا ~~يفعل بعد أن لم يكن يفعل كما يشاهد في أصناف الفاعلين من الخياط والنساج ~~والبناء بل نعني به علة العالم ونسميه المبدأ الأول على معنى أنه لا علة ~~لوجوده وهو علة لوجود غيره فإن سميناه صانعا فبهذا التأويل وثبوت موجود لا ~~علة لوجوده يقوم عليه البرهان القطعي على قرب فإنا نقول العالم موجود ~~والموجود إما أن يكون له علة واما أن يكون لا علة له فإن كان له علة فتلك ~~العلة لها علة أم لا علة لها # وهكذا القول في علة العلة فإما أن تتسلسل إلى غير نهاية وهو محال واما أن ~~تنتهي بالاخر إلى علة اولى لا علة لوجودها فنسميه المبدأ الأول PageV08P146 # وان كان العالم موجودا بنفسه لا علة له فقد ظهر المبدأ الأول فإنا نعن به ~~إلا موجودا لا علة له هو ثابت بالضرورة # نعم لا يجوز أن يكون المبدأ الأول هو السموات لأنها عدد ودليل التوحيد ~~يمنعه فيعرف بطلانه بنظر في صفة المبدأ ولا يجوز أن يقال انه سماء واحد أو ~~جسم واحد أو شمس أو غيره لانه جسم والجسم مركب من الهيولي والصورة والمبدأ ~~الأول لا يجوز أن يكون مركبا وذلك يعرف بنظر ثان # والمقصود أن موجودا لا علة لوجوده ثابت بالضرورة والاتفاق وانما الخلاف ~~في الصفات وهو الذي نعنيه بالمبدأ الأول # قال الغزالي والجواب من وجهين أحدهما انه يلزم على مساق مذهبكم أن تكون ~~اجسام العالم قديمة لذلك لا علة لها وقولكم أن بطلان ذلك يعلم بنظر ثان ~~فيبطل ذلك عليكم في PageV08P147 مسألة التوحيد ونفي الصفات بعد هذه المسألة # الوجه الثاني وهو الخاص بهذه المسألة هو أن يقال نثبت تقديرا أن هذه ~~الموجودات لها علة ولكن لعلتها علة ولعلبه العلة علة كذلك وهكذا إلى غير ~~نهاية # وقولكم انه يستحيل إثبات علل لا نهاية لها لا يستقيم منكم فإنا نقول ~~عرفتم ذلك ضرورة بغير واسطة أو عرفتموه بواسطة لا سبيل إلى دعوى الضرورة ~~وكل مسلك ذكرتموه في النظر يبطل عليكم بتجويز ms1589 حوادث لا أول لها واذا جاز أن ~~يدخل في الوجود مالا نهاية له فلم يبعد أن يكون بعضها علة لبعض وينتهي من ~~الطرف الآخر إلى معلول لا معلول له ولا ينتهي في الجانب الآخر إلى علة لا ~~علة لها كما أن الزمان PageV08P148 # السابق له آخر وهو الان ولا أول له # فإن زعمتم أن الحوادث الماضية ليست موجودة معا في الحال ولا في بعض ~~الاحوال والمعدوم لا يوصف بالتناهي وعدم التناهي فيلزمكم النفوس البشرية ~~المفارقة للأبدان فإنها لا تفنى عندكم والموجود المفارق للبدن من النفوس لا ~~نهاية لأعدادها إذ لم تزل نطفة من انسان وانسان من نطفة إلى غير نهاية ثم ~~كل انسان مات فقد بقى نفسه وهو بالعدد غير نفس من مات قبله ومعه وبعده وان ~~كان الكل بالنوع واحدا فعندكم في الوجود في كل حال نفوس لا نهاية لأعدادها # قال فإن قيل ليس لبعضها ارتباط ببعض ولا ترتيب لها لا بالطبع ولا بالوضع ~~وانما نحيل نحن موجودات لا نهاية لها إذا كان لها ترتيب بالطبع كالاجسام ~~فإنا مرتبة بعضها فوق PageV08P149 بعض أو كان لها ترتيب بالطبع كالعلل ~~والمعلولات وأما النفوس فليست كذلك # قلنا هذا تحكم في الوضع ليس طرده أولى من عكسه فلم احلتم أحد القسمين دون ~~الآخر وما البرهان المفرق # وبم تنكرون على من يقول أن هذه النفوس التي لا نهاية لها لا تخلو عن ~~ترتيب إذ وجود بعضها قبل البعض فإن الايام والليالي الماضية لا نهاية لها ~~فإذا قدرنا وجود نفس واحدة في كل يوم وليلة كان الحاصل في الوجود الان ~~خارجا عن النهاية واقعا على ترتيب في الوجود أي بعضها بعد البعض # والعلة غايتها أن يقال انها قبل المعلول بالطبع كما يقال انها فوق ~~المعلول بالذات لا بالمكان فإذا لم يستحل ذلك في القبل الحقيقي الزماني ~~فينبغي أن لا يستحيل في القبل الذاتي الطبيعي وما بالهم لم يجوزوا اجساما ~~بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير نهاية وجوزوا موجودات بعضها قبل البعض ~~بالزمان إلى غير النهاية وهل ms1590 هذا إلا تحكم بارد لا أصل له PageV08P150 # قال فإن قيل البرهان القاطع على استحالة علل إلى غير النهاية أن يقال كل ~~واحدة من آحاد العلل ممكنة في نفسها أو واجبة فإن كانت واجبة لم تفتقر إلى ~~علة وان كانت ممكنة فالكل موصوف بالإمكان وكل ممكن فيفتقر إلى علة زائدة ~~على ذاته فيفتقر الكل إلى علة زائدة على ذاته فيفتقر الكل إلى علة خارجة ~~عنها # قلنا لفظ الممكن والواجب لفظ مبهم إلا أن يراد بالواجب ما لا علة لوجوده ~~ويراد بالممكن ما لوجوده علة فإن كان المراد هذا فلنرجع إلى هذه اللفظة ~~ونقول كل واحد ممكن على معنى أن له علة زائدة على ذاته والكل ليس بممكن على ~~معنى انه ليس له علة زائدة على ذاته خارجة منه وان أريد بلفظ الممكن غير ما ~~أردناه فهو ليس بمفهوم PageV08P151 قال فإن قيل فهذا يؤدي إلى أن يتقوم ~~واجب الوجود بممكنات الوجود وهو محال # قلنا أن أردتم بالواجب والممكن ما ذكرناه فهو نفس المطلوب فلا نسلم انه ~~محال وهو كقول القائل يستحيل أن يتقوم القديم بالحوادث والزمان عندهم قديم ~~وآحاد الذوات حادثة وهي ذات أوائل والمجموع لا أول له فقد تقوم مالا أول له ~~بذوات أوائل وصدق ذوات أوائل على الآحاد ولم يصدق على المجموع # وكذلك يقال على كل واحد أن له علة ولا يقال للمجموع علة وليس كل ما صدق ~~على الآحاد يلزم أن يصدق على المجموع إذا يصدق على كل واحد انه واحد وأنه ~~بعض وأنه PageV08P152 جزء ولا يصدق على المجموع وكل واحد حادث بعد أن لم ~~يكن أي له أول والجموع عندهم ما ليس له أول # فتبين أن من يجوز حوادث لا أول لها وهي صور العناصر الاربعة والمتغيرات ~~فلا يتمكن من انكار علل لا نهاية لها ويخرج من هذا انه لا سبيل لهم إلى ~~الوصول إلى إثبات المبدأ الأول لهذا الاشكال وخرج قولهم إلى التحكم المحض # فإن قيل الدورات ليست موجودة في الحال ولا صور العناصر وانما الموجود ~~منها ms1591 صورة واحدة بالفعل ومالا وجود له لا يوصل بالتناهي وعدم التناهي إلا ~~إذا قدر في الوهم وجودها ولا يتعذر ما يقدر في الوهم فإن كانت المقدرات ~~بعضها علل لبعض فالإنسان قد يفرض ذلك في وهمه وانما الكلام في الموجود في ~~الاعيان لا في الاذهان لا يبقى إلا نفوس الاموات وقد ذهب PageV08P153 بعض ~~الفلاسفة إلى انها كانت واحدة أزلية قبل التعلق بالابدان وعند مفارقة ~~الابدان تتحد فلا يكون فيه عدد فضلا عن أن يوصف بأنه لا نهاية لها وقال ~~آخرون النفس تابع للمزاج وانما معنى الموت عدمها ولا قوام لها بجوهرها دون ~~الجسم فإذن لا وجود في النفوس إلا في الاحياء والاحياء الموجودن محصورون ~~ولا تنتهي النهاية عنهم والمعدومون لا يوصفون اصلا بوجود النهاية ولا ~~بعدمها إلا في الوهم إذا فرضوا موجودين # قال والجواب أن هذا الاشكال في النفوس اوردناه على ابن سينا والفاربي ~~والمحققين منهم إذا حكموا بأن النفس جوهر قائم بنفسه وهو اختيار أرسطاليس ~~والمعتبرين من الاوائل ومن عدل PageV08P154 # عن هذا المسلك فيقول هل يتصور أن يحدث شيء يبقى أم لا فإن قالوا لا فهو ~~محال وان قالوا نعم قلنا إذا قدرنا كل يوم حدوث شيء وبقاءه اجتمع إلى الان ~~لا محالة موجودات لا نهاية لها فالدورة وان كانت منقضية فحصول موجود فيها ~~يبقى ولا ينقضى غير مستحيل وبهذا التقدير يتقرر الاشكال ولا غرض في أن يكون ~~ذلك الباقي نفس آدمي أو جني أو شيطان أو ملك أو ما شئت من الموجودات وهو ~~لازم على كل مذهب لهم إذا اثبتوا دورات لا نهاية لها # قلت أبو حامد جعل الطريقة الصحيحة في إثبات الصانع الاستدلال بالحدوث على ~~المحدث وقال آنا نعلم بالضرورة أن الحادث لا يوجد بنفسه فافتقر إلى صانع ~~وهذا موافق لما ذكره حذاق آهل النظر بخلاف ما ذهب أليه من ذهب من المعتزلة ~~ومن وافقهم كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي وغيرهما ممن جعل هذه المقدمة ~~نظرية PageV08P155 # وأخذ أبو حامد يطعن على طريقة ابن سينا وامثاله في إثبات واجب ms1592 الوجود ~~بوجهين # أحدهما أن غاية هذه الطريقة إثبات موجود واجب ولكن لا يمكن نفي كونه جسما ~~من الأجسام إلا بطريقهم في التوحيد الذي مضمونه نفي الصفات وتلك مبانها على ~~نفي التركيب وقد بين أبو حامد فساد كلامهم في هذا # وهذا الوجه الذي ذكره أبو حامد أحسن فيه وكنت قد كتبت على توحيد الفلاسفة ~~ونفيهم الصفات كلاما بينت فيه فساد كلامهم في طريقة التركيب قبل أن أقف على ~~كلام أبي حامد ثم رأيت أبا حامد قد تكلم بما يوافق ذلك الذي كتبته # ومن هنا يعلم أن ابن سينا لا يمكنه بهذه الطريقة افساد مذهب الفلاسفة ~~الطبيعيين الذين يقولون بأن الفلك واجب الوجود بنفسه وان كان يمكن افساد ~~قولهم بطرق أخرى # ولهذا ظن كثير من المتأخرين أن ابن سينا موافق للدهرية PageV08P156 # المحضة الذين يقولون أن العالم واجب الوجود بذاته وسيأتي ذكر ذلك إن شاء ~~الله تعالى # الوجه الثاني الذي أبطل به أبو حامد طريقهم انها مبنية على ابطال علل ~~ومعلولات لا نهاية لها وقد ألزمهم انهم لا يمكنهم ابطال ذلك مع قولهم بثبوت ~~حوادث لا تتناهى كما قد ذكره # وابن سينا والرازي والآمدي إنما اثبتوا واجب الوجود بناءا على هذه ~~المقدمة فكان ما ذكره أبو حامد ابطالا لطريق هؤلاء كلهم والآمدي وافق أبا ~~حامد على ضعف الحجة في نفي النهاية عن العلل فلا جرم لم يقرر في كلامه ~~إثبات واجب الوجود بل قرره في كتاب الافكار بطريق افسدها في كتاب رموز ~~الكنوز وقد بينا بطلان اعتراضه في غير هذا الموضع # وليس فيما ذكره أبو حامد والامدي ابطال لطريقة المعتزلة ومن وافقهم على ~~أن تخصيص الحدوث بأحد الزمانين لا بد له من مخصص فإن تلك لا تفتقر إلى ~~ابطال التسلسل في العلل والمعلولات # ومدار كلام أبي حامد على أنه لا فرق بين نفي النهاية في الحوادث ونفيها ~~في العلل وأنتم تجوزونها في الحوادث فجوزوها في العلل # والناس لهم في هذا المقام قولان أحدها قول من يبطل عدم PageV08P157 ~~النهاية فيهما جميعا مثل كثير من ms1593 أهل الكلام المعتزلة ومن وافقهم ثم من ~~هؤلاء من يبطل عدم النهاية في الأزل والابد كقول جهم العلاف وأكثرهم ~~يبطلونها في الأزل دون الابد لأن من دين المسلمين دوام نعيم الجنة لا إلى ~~نهاية ولهذا قال جهم بانقاطع نعيم الجنة وقال العلاف ببطلان حركاتهم # والثاني قول من يبطل عدم النهاية في الفاعلين والعلل دون الحوادث والاثار ~~كما هو قول جمهور الفلاسفة من القائلين بحدوث العالم والقائلين بقدمه وهو ~~قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والاشعرية وهو قول جمهور أهل الحديث ~~وأئمة السنة # وما ذكره أبو حامد من الكلام على بطلان حجة من ينفي عدم النهاية وهو انه ~~لا يلزم أن ما صدق على الآحاد صدق على الجميع كما قاله هؤلاء في الحوادث ~~بخلاف ما قاله أبو الحسين البصري وغيره من أهل الكلام من أنه ما صدق على ~~الآحاد صدق على الجميع ثم سوى أبو حامد بين الامرين # وقد تكلمنا في غير هذا الموضع على الفرق بين الامرين وهو أن الوصف إذا ~~ثبت للجميع كثبوته للأفراد كان حكم الجميع حكم أفراده وان لم يكن ثبوته ~~للجميع كثبوته للأفراد لم يلزم أن يكون PageV08P158 حكمها حكمه فالأول مثل ~~وصفها بالوجود أو العدم أو الوجوب أو الإمكان أو الامتناع فإذا قدر اشياء ~~لا تتناهى كل منها موجود فالكل ايضا موجود # ثم أن قدر وجود كل منها مقارنا للاخر كان وجود الجميع مقارنا وان قدر ~~وجودها متعاقبة كان وجود الجملة متعاقبا واذا قدرت كل منها معدوما فالكل ~~ايضا معدوم واذا قدرت عدم كل منها مع عدم الآخر كانت معدومه معا واذا قدرت ~~عدم كل منها بعد الآخر كانت متعاقبة في العدم # فالحوادث المتعاقبة التي تعدم بعد وجودها كالحركات وجودها متعاقب وعدمها ~~متعاقب فالجملة ايضا موجودة على التعاقب معدومة على التعاقب واذا قدر اشياء ~~لا تتناهى ممتنعة فالجملة ممتنعة ولو قدر اشياء لا تتناهى واجبة فالجملة ~~ايضا واجبة فكذلك إذا قدر امور لا تتناهى ليس لشيء منها وجود من نفسه بل كل ~~منها مفتقر إلى ms1594 غيره فوصف الافتقار والحاجة والامكان يجب تناوله للجملة ~~كتناوله لكل من أفرادها كما يتناول وصف الوجود والعدم والوجوب والامتناع ~~للجملة بحسب تناوله للافراد فلا تكون الجملة إلا مفتقرة محتاجة ممكنة لا ~~تكون معدومة مع وجود كل منها PageV08P159 # ولا تكون واجبة بنفسها مع إمكان كل منها فإن اجتماعها عرض مفتقر إلى ~~الممكنات فهو أولى بالإمكان منها # ولو قال قائل فكيف تصفونها بالامتناع مع كون كل منها ممكنا أليس في هذا ~~وصف بالامتناع للجملة دون الأفراد # قيل له نحن لا نقدر وجود علل ومعلولات لا تتناهى في الخارج ثم نحكم عليها ~~بالامتناع فإن هذا جمع بين النقيضين فإن كونها موجودة في الخارج ينافي ~~امتناعها ولكن نقدر ذلك في الذهن ثم نحكم على هذا المقدر في الذهن بامتناعه ~~في الخارج كالجمع بين النقيضين وأمثاله من الممتنعات بخلاف ما إذا قدر ~~وجودها في الخارج وكل منها ممكن # وقيل أن الجملة واجبة بنفسها فهذا هو الممتنع كما أو وصفها مع ذلك ~~بالامتناع ممتنع وتقديرها في الذهن لا يكفي في وجود الممكنات لأن الممكن لا ~~يوجد إلا بما هو موجود في الخارج لا مقدر في الذهن وهذا بخلاف ما إذا قدر ~~أشياء لا تتناهى كل منها بعد الآخر لم يلزم أن تكون الجملة بعد غيرها ~~كالحوادث المستقبلة في الجنة فإن كلا منها بعد غيره وليست الجملة بعد غيرها ~~بل لا تزال PageV08P160 # إلى غير نهاية وهذا لأن تقديرها غير متناهية يستلزم أن لا يكون بعدها شيء # فحينئذ إذا قيل بعد كل واحد غيره كان التقدير أن الجملة ليس لها بعد ولكل ~~واحد من أجزائها بعد # ومعلوم أن مثل هذا حكم الجملة فيه ليس حكم الأفراد وكذلك إذا قدر انه لا ~~أول للجملة ولكل منها أول # وكذلك إذا قيل أن الجملة كل وجميع مجموع أو مستدير أو مربع أو مثلث أو ~~حيوان أو انسان لم يلزم أن يكون كل من أجزائها كلا ولا مدورا ولا حيوانا # ولكن الذي يبين فساد مذهب هؤلاء الفلاسفة أن يقال قد علم بصريح ms1595 العقل ~~واتفاق العقلاء امتناع التسلسل في العلل واما وجود حوادث لا تتناهى فلا ~~ننازعهم فيه مطلقا إذ كان أئمة السنة يقولون بذلك في أفعال الرب وأقواله # لكن تبين خطؤهم من وجوه # أحدها أن قولهم يتضمن وجود حوادث لا تتناهى في آن واحد وهذا محال ~~باتفاقهم مع جماهير العقلاء بل يتضمن وجود تمام علل PageV08P161 ومعلولات ~~لا تتناهى في آن واحد ووجود ممكنات لا تتناهى في آن واحد وهذا مما يصرحون ~~بامتناعه مع قيام الدليل على امتناعه ويتضمن امتناع وجود حادث ووجود ~~الحوادث بلا مؤثر تام وكل هذا ممتنع # وذلك أن أصلهم أن المعلول يجب مقارنته لعلته التامة في الزمان لا يتعقبها ~~ولا يتراخى عنها فيكون الاثر مع التأثير التام # وكثير من المتكلمين يقولون يجوز أن يتراخى والصحيح قول ثالث وهو أن ~~يتعقبه لا يكون معه ولا متراخيا عنه وذلك يستلزم حدوث كل ما سوى الله تعالى # وأما على قولهم فيلزم أن لا يحدث شيء في الوجود بل يكون كل ممكن قديما ~~أزليا لوجود علته التامة في الأزل ويلزم أن لا يحدث شيء لامتناع حدوث ~~الحادث بدون سبب حادث والاول يمتنع عندهم أن يحدث عنه شيء ويلزم انه كلما ~~حدث حادث حدثت حوادث لا نهاية لها فإنهم يقولون لا يحدث حادث حتى تحدث تمام ~~علته # فيقال وذلك التمام حادث فيحتاج أن يحدث معه تمام علته وهلم جرا فيلزم ~~وجود تمام علل ومعلولات لا تتناهى في آن واحد وهذا ممتنع كامتناع علل ~~ومعلولات لا تتناهى في آن واحد إذ لا فرق بين امتناع التسلسل في ذات العلة ~~وفي تمامها إذ كانت لا تصير علة بالفعل إلا إذا كانت تامة PageV08P162 # ولهذا قالوا لا يحدث حادث إلا بسبب حادث فلو حدث عن القديم حادث لافتقر ~~إلى حادث والقول في الثاني كالقول في الأول فيلزم أن لا يحدث شيء # وهذا بعينه يلزمهم في كل حادث فإنه لا يحدث حتى يحدث حادث هو تمام مؤثره ~~وذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث حادث معه فيلزم أن لا يحدث ms1596 شيء # فالمتكلمون قالوا القادر يفعل بدون سبب حادث فقالوا هذا محال وقالوا تحدث ~~الحوادث كلها بدون سبب حادث ولا فاعل محدث لها فكان قولهم أشد بطلانا # الوجه الثاني أن وجود حوادث لا أول لها إنما يمكن في القديم الواحد فإذل ~~قدر قديمان كل منهما تقوم به حوادث لا تتناهى كما يقولونه في الافلاك فهذا ~~ممتنع لأن كلا منهما لا بداية لحركاته ولا نهاية مع أن أحدهما أكثر من ~~الآخر وما كان أكثر من غيره كان ما دونه أقل منه فيلزم أن يكون مالا أول له ~~ولا آخر يقبل أن يزاد عليه ويكون شيء آخر أكثر منه وهذا ممتنع كما امتنع ~~مثل ذلك في الابعاد # الثالث أن قولهم يقتضي أن يكون فعل الفاعل مقارنا له أزلا وأبدا وأن يكون ~~القديم الازلي مفعولا ممكنا يقبل الوجود والعدم وهذا مما يعلم فساده بصريح ~~العقل واتفاق العقلاء # وقد أورد ابن رشد على أبي حامد في هذا كلاما بعضه من باب PageV08P163 ~~الاسولة اللفظية وبعضه من باب الاسولة المعنوية فقال عن الدليل الذي ذكره ~~لهم في إثبات العلة الأولى هذا كلام مقنع غير صحيح فإن اسم العلة يقال ~~باشتراك الاسم على العلل الاربع اعني الفاعل والصورة والهيولي والغاية ~~وكذلك لو كان هذا جواب الفلاسفة لكان جوابا مختلا فإنهم كانوا يسألون عن أي ~~علة ارادوا بقولهم أن العالم له علة اولى فإن قالوا أردنا بذلك السبب ~~الفاعل الذي فعله لم يزل ولا يزال ومفعوله هو فعله لكان جوابا صحيحا على ~~مذهبهم على ما قلناه غير معترض عليه ولو قالوا أردنا به السبب المادي لكان ~~قولهم معترضا # وكذلك لو قالوا أردنا به السبب الصوري لكان معترضا أن فرضوا صورة العالم ~~قائمة به # وان قالوا أردنا به صورة مقارنة للمادة جرى قولهم على مذهبهم PageV08P164 # وان قالوا صورة هيولانية لم يكن المبدأ عندهم شيئا غير جسم من الأجسام ~~وهذا لا يقولون به # وكذلك أن قالوا هو سبب على طريق الغاية كان جاريا أيضا على أصولهم # واذا كان هذا الكلام فيه ms1597 من الاحتمال ما ترى فكيف يصح أن يجعل جوابا ~~للفلاسفة # وبسط الكلام بسطا لا يرد على أبي حامد فإنه قد علم انه اراد بالعلة هنا ~~العلة الفاعلة لا الأقسام الثلاثة وهم يسمون المبدأ الأول العلة الأولى ~~ويقولون كل ما سواه صادر عنه فالذي ذكره تقرير مذهبهم كما يقولون على أحسن ~~وجه فلا حاجة إلى مؤاخذة لفظية وهو كون العلة لفظا مشتركا فإن هذا من باب ~~الاعنات في الخطاب والخروج عن المقصود # والاستفسار مع ظهور المقصود نوع من اللدد في الكلام وأبغض الرجال إلى ~~الله الالد الخصم # ثم اعترض ابن رشد على الوجهين اللذين ذكرهما أبو حامد فقال على الوجه ~~الأول وانه يلزمهم على مساق مذهبهم أن يكون المبدع جسما قديما لا علة له ~~وأنهم لم يبطلوا ذلك إلا بقولهم في التوحيد ونفي الصفات وقد أبطله أبو حامد ~~PageV08P165 # قال ابن رشد يريد انهم إذا لم يقدروا على نفي الصفات كان ذلك الأول عندهم ~~ذاتا بصفات وما كان على هذه الصفة فهو جسم أو قوة في جسم ولزمهم أن يكون ~~الأول الذي لا علة له الاجرام السماوية # قال ابن رشد وهذا القول لازم لمن يقول بالقول الذي حكاه عن الفلاسفة يعني ~~طريقة ابن سينا والفلاسفة يعني الاوائل لا يحتجون على وجود الأول الذي لا ~~علة له بما نسه اليهم من الاحتجاج ولا يزعمون ايضا انهم يعجزون عن دليل ~~التوحيد ولا عن دليل نفي الجسمية عن المبدأ الأول وستأتي هذه المسألة فيما ~~بعد # قلت ابن رشد لما رأى ضعف الطريقة المنسوبة إلى الفلاسفة في كتب ابن سينا ~~في نفي الصفات ونفي التجسيم وانها ليست طريقة PageV08P166 # اوليهم بني نفي الصفات ونفي التجسيم تارة على إثبات النفس وانها ليست ~~بجسم واستدل بأضعف من دليلهم وتارة يستدل بطريقة كلامية لفظية وهي أن ~~المركب لا بد له من مركب والمؤلف لا بد له من مؤلف وهذا إنما يكون إذا اطلق ~~هذا اللفظ على مسماه باعتبار أن هناك مؤلفا فعل التأليف ومركبا فعل التركيب # ومن لا يطلق هذا ms1598 اللفظ بحال أو اراد به ما فيه اجتماع وقال أن ذلك واجب ~~بنفسه لم يكن مثل هذا الكلام حجة عليه وهذا مبسوط في موضعه # والمقصود تبين ما أخذه ابن سينا عن أسلافه وما أخذه عن المتكلمين وكيف ~~خلط أحدهما بالاخر # قال ابن رشد قول أبي حامد ولكن لعلتها علة ولعلة العلة علة وهكذا إلى غير ~~نهاية إلى قوله وكل مسلك ذكرتموه في النظر يبطل عليكم بتجويز دورات لا أول ~~لها شك تقدم الجواب عنه حين قلنا أن الفلاسفة لا تجوز عللا ومعلولات لا ~~نهاية PageV08P167 # لها لأنه يؤدي إلى معلول لا علة له ويوجبونها بالعرض من قبل علة قديمة ~~لكن لا إذا كانت مستقيمة ومعا وفي مواد لا نهاية لها بل إذا كانت دورا # قال وأما ما يحكيه عن ابن سينا انه يجوز نفوسا لا نهاية لها وان ذلك إنما ~~يمتنع فيما له وضع فكلام غير صحيح ولا يقول به أحد من الفلاسفة وامتناعه ~~يظهر من البرهان العام الذي ذكرناه عنهم فلا يلزم الفلاسفة شيء مما ألزمهم ~~من قبل هذا الوضع أعنى القول بوجود نفوس لا نهاية لها بالفعل ومن أجل هذا ~~قال بالتناسخ من قال أن النفوس متعددة بتعدد الاشخاص وأنها باقية # قال وأما قوله وما بالهم لم يجوزوا أجساما بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير ~~نهاية وجوزوا موجودات بعضها قبل بعض بالزمان إلى غير نهاية وهل هذا إلا ~~تحكم بارد # فإن الفرق بينهما عند الفلاسفة ظاهر جدا وذلك أن وضع PageV08P168 الأجسام ~~لا نهاية لها معا يلزم عنه أن يوجد لما لا نهاية له كل وان يكون بالفعل ~~وذلك مستحيل والزمان ليس بذي وضع فليس يلزم من وجود اجسام بعضها فوق بعض ~~إلى غير نهاية وجود مالا نهاية له بالفعل وهو الذي امتنع عندهم # ثم لما ذكر ابن رشد البرهان الذي حكاه أبو حامد عن الفلاسفة على استحالة ~~علل لا نهاية لها قال ابن رشد وهذا البرهان الذي حكاه عن الفلاسفة أول من ~~نقله إلى الفلسفة ابن سينا على انها ms1599 طريق خير من طريق القدماء لأنه زعم أنه ~~من جوهر الموجود وأن طرق القوم من اعراض تابعة للمبدأ الأول وهو طريق اخذه ~~ابن سينا من المتكلمين وذلك أن المتكلمين ترى أن المعلوم بنفسه أن الموجود ~~ينقسم إلى ممكن وضروري ووضعوا أن الممكن يجب أن يكون له فاعل وان العالم ~~بأسره لما كان ممكنا وجب أن يكون الفاعل له واجب الوجود وهذا هو اعتقاد ~~المعتزلة قبل الاشعرية وهو قول جيد ليس فيه كذب إلا ما وضعوا فيه من أن ~~العالم بأسره ممكن فإن هذا ليس معروفا بنفسه فأراد ابن سينا أن يعمم هذه ~~PageV08P169 القضية ويجعل المفهوم من الممكن ما له علة كما ذكر أبو حامد ~~واذا سومح في هذه القضية لم تنته به القسمة إلى ما أراد لأن قسمة الموجود ~~اولا إلى ماله علة إلى مالا علة له ليس معروفا بنفسه ثم ماله علة ينقسم إلى ~~مم والى ضروري فإن فهمنا منه الممكن الحقيقي افضى إلى ممكن ضروري ولم يفض ~~إلى ضروري لا علة له وان فهمنا من الممكن ماله علة وهو ضروري لم يلزم عن ~~ذلك إلا أن ماله علة فله علة وامكن أن نضع أن تلك لها علة وأن يمر ذلك إلى ~~غير نهاية فلا ينتهى الامر إلى موجود لا علة له وهو الذي يعنونه بواجب ~~الوجود إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة له الممكن الحقيقي ~~فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية وأما أن ~~عنى بالممكن ما له علة من الاشياء الضرورية فلم يتبين بعد أن ذلك مستحيل ~~بالوجه الذي تبين في الموجودات الممكنة بالحقيقة ولا يتبين بعد أن ههنا ~~ضروريا يحتاج إلى علة فيجب عن وضع هذا أن ينتهي الأمر إلى PageV08P170 ~~ضروري بغير علة إلى أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية التي من علة ~~ومعلول كالامر في الجملة الممكنة # قلت فقد ذكر ابن رشد لما ذكر البرهان الذي حكاه أبو حامد عن الفلاسفة على ~~استحالة علل ms1600 لا نهاية لها أن هذا البرهان الذي حكاه عن الفلاسفة أول من ~~نقله إلى الفلسفة ابن سينا على انها طريق خير من طريق القدماء لانه زعم انه ~~من جوهر الوجود وان طرق القوم من أعراض تابعة للمبدأ الأول # قال وهو طريق اخذه ابن سينا من المتكلمين وذلك أن المتكلم يرى أن من ~~المعلوم بنفسه أن الموجود ينقسم إلى ممكن وضروري ووضعوا أن الممكن يجب أن ~~يكون له فاعل وان العالم بأسره لما كان ممكنا وجب أن يكون الفاعل له واجب ~~الوجود هذا هو اعتقاد المعتزلة قبل الاشعرية # قال وهو قول جيد ليس فيه كذب إلا ما وضعوا فيه من أن العالم بأسره ممكن ~~فإن هذا ليس معروفا بنفسه فأراد ابن PageV08P171 سينا أن يعمم هذه القضية ~~ويجعل المفهوم من الممكن ما له علة كما ذكره أبو حامد # قلت فقد بين أن كون الممكن يجب أن يكون له فاعل قول جيد إذ كان الممكن هو ~~المحدث عند عامة العقلاء من الفلاسفة وغيرهم والمحدث لا بد له من فاعل هذا ~~ايضا معلوم بين مسلم عند عامة العقلاء # واما قوله ليس فيه كذب إلا ما وضعوا فيه من أن العالم بأسره ممكن فإن هذا ~~ليس معروفا بنفسه فأراد ابن سينا أن يعمم هذه القضية ويجعل المفهوم من ~~الممكن ما له علة # فإنه يقول أولئك ارادوا بالممكن المحدث وليس من المعروف بنفسه أن العالم ~~كله محدث فاراد ابن سينا أن يجعل معنى الممكن هو ما له علة حتى يبني على ~~ذلك أن العالم كله ممكن وله علة قديمة أزلية وهذا القول الذي ذكره ابن سينا ~~يظن من أخذ الفلسفة من كلامه انه قول أرسطو واتباعه وليس كذلك وانما يذكر ~~هذا عن برقلس ولهذا قال الباري جواد وعلة جوده هو ذاته فيكون جوده دائما ~~وهذا يوافق قول ابن سينا لا يوافق قول أرسطوا فإن الأول عنده لا فعل له لا ~~جودا ولا غير جود ولا إرادة بل ولا يعلم ما سواه # وقول ابن رشد أن كون ms1601 العالم بأسره ممكن ليس معروفا بنفسه PageV08P172 # فيقال له أن سلم انه ليس معروفا بنفسه هو معروف بالأدلة الكثيرة الدالة ~~على أن كل ما سوى الله ممكن يقبل الوجود والعدم بل انه محدث وكل ما سواه ~~فقير اليه وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن وأنه ليس شيئا موجودا بنفسه غنيا ~~عما سواه قديما أزليا إلا واحد وأدلة ذلك مذكورة في مواضع وحينئذ فيحصل ~~بذلك المقصود # لكن المتكلمون من الجهمية والمعتزلة من وافقهم من الاشعرية والكرامية ~~ونحوهم سلكوا في ذلك الاستدلال بأن ذلك لا يخلو من الاعراض الحادثة وما لا ~~يخلو عن الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها فلزم بذلك أن الأول لم ~~يزل غير متكلم بمشيئته وقدرته ولا فاعل لشيء بل ولا كان يمكنه أن يكون ~~متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء بل هذا ممتنع فلا يكون مقدورا فيلزم أنه صار ~~قادرا بعد أن لم يكن وفاعلا بل ومتكلما بمشيئته بعد أن لم يكن وان الفعل ~~صار ممكنا بعد أن كان ممتنعا من غير تجدد شيء اوجب انقلابه من الامتناع إلى ~~الإمكان إلى غير ذلك من اللوازم كما قد بسط في موضعه # والسلف والائمة كلهم ذموا الكلام المحدث واهله واخبروا انهم يتكلمون ~~بالجهل ويخالفون الكتاب والسنة واجماع السلف مع أن كلامهم جهل وضلال مخالف ~~للعقل كما هو مخالف للشرع كما قد بسط في موضعه PageV08P173 # والمقصود ذكر كلام ابن رشد على طريقة ابن سينا قال ابن رشد واذا سومح ابن ~~سينا في هذه القضية وهو أن الممكن ما له علة لم تنته به القسمة إلى ما أراد ~~لأن قسمة الوجود أولا إلى ما له علة والى مالا علة له ليس معروفا بنفسه ثم ~~ما له علة ينقسم إلى ممكن وضروري # قلت إما تقسيم الوجود إلى ما له علة والى مالا علة له فهذا تقسيم دائر ~~بين النفي والاثبات لا يمكن المنازعة فيه كما إذا قيل الموجود ينقسم إلى ما ~~يقوم بنفسه والى مالا يقوم بنفسه والى ما هو موجود بنفسه ms1602 وما ليس موجودا ~~بنفسه ونحو ذلك من التقسيمات الدائرة بين النفي والاثبات فهذا تقسيم حاصر ~~إذ لا واسطة بين النفي والاثبات وهما النقيضان والنقيضان كما انهما لا ~~يجتمعان فلا يرتفعان ايضا # لكن دعوى ابن سينا وأتباعه المقسمون هذا التقسيم ان ما له علة ينقسم إلى ~~ممكن حقيقي وهو الحادث والى ضروري هو الذي ليس بينا بنفسه ولم يقيموا عليه ~~دليلا ولا يمكنهم اقامة دليل عليه بل PageV08P174 الدليل يدل على بطلانه ~~ولهذا ظهر ما ذكره ابن رشد من فساد كلامهم # قال ابن رشد ثم إذا قسم ما له علة إلى ممكن وضروري فإن فهمنا منه الممكن ~~الحقيقي افضى إلى ممكن ضروري ولم يفض إلى ضروري لا علة له وان فهمنا من ~~الممكن ما له علة وهو ضروري لم يلزم من ذلك إلا أن ما له علة فله علة وأمكن ~~أن نضع أن تلك العلة لها علة وأن يمر ذلك إلى غير نهاية فلا ينتهى الأمر ~~إلى موجود لا علة له وهو الذي يعنونه بواجب الوجود إلا أن يفهم من الممكن ~~الذي وضعه بإزاء ما لا علة له الممكن الحقيقي فإن هذه الممكنات هي التي ~~يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية # فقد بين ابن رشد انه إذا قسم الوجود إلى ما له علة وما ليس له علة ثم قسم ~~ما له علة إلى ممكن وضروري فإن أراد بالممكن الممكن الحقيقي وهو الحادث وهو ~~قد جعل الممكن ما له علة افضى ذلك إلى ما له علة ينقسم إلى ممكن ضروري وهو ~~القديم والى ممكن حقيقي وهو الحادث ولم يكن في هذا إثبات ضروري لا علة له ~~وهو واجب الوجود لأن مجرد تقسيم الوجود إلى قسمين لا يستلزم ثبوت كل من ~~القسمين بل لا بد من دليل يدل على ثبوتهما PageV08P175 # وإلا فمجرد التقسيم دعوى مجردة كما لو قيل الوجود ينقسم إلى ما هو ثابت ~~وإلى ما ليس بثابت أو ينقسم إلى قديم وحادث وما ليس بقديم ولا حادث أو ~~ينقسم إلى واجب وممكن ms1603 وما ليس بواجب ولا ممكن # فهذا تقسيم دائر بين النفي والإثبات لكن لا يستلزم ثبوت كل من الأقسام # وإذا قيل ينقسم إلى معلول وغير معلول وقيل المعلول ينقسم إلى ممكن حقيقي ~~وهو الحادث وإلى ممكن باصطلاح ابن سينا وهو المعلول مع كونه ضروريا كان ~~غايته إذا أثبت انقسام المعلول إلى ضروري وحادث إثبات القسمين الضروري ~~والحادث أو إثبات ضروري معلول ليس فيه إثبات ضروري ليس بمعلول وهو واجب ~~الوجود بنفسه فلم يكن فيما ذكره إثبات واجب الوجود بنفسه فكيف وليس فيه ~~أيضا إثبات ضروري معلول وإنما فيه تقسيم المعلول إلى ضروري وغير ضروري # ومجرد التقسيم لا يدل على ثبوت كل من القسمين فلم يكن فيما ذكره لا إثبات ~~ضروري معلول ولا غير معلول إن لم يبين أن المحدث يدل على ذلك ولا استدل ~~بالحدوث البتة وهو الممكن الحقيقي وإنما استدل بالممكن الذي ابتدعه وجعله ~~يتناول القديم الضروري والمحدث ولو استدل بالمحدث لدل على إثبات قديم وثبوت ~~قديم لا يدل على واجب الوجود باصطلاحهم لأن القديم عندهم ينقسم إلى واجب ~~وممكن PageV08P176 # فإن أرادوا أن يثبتوا الواجب بنفسه قالوا والقديم الذي سموه ممكنا يفتقر ~~إلى واجب بنفسه وهذا ليس بينا وعامة العقلاء ينازعونهم فيه ولا يمكنهم ~~إقامة دليل عليه # فهذا الذي سموه ممكنا هو قديم أزلي ضروري الوجود ومثل هذا لا يدل على ~~واجب بنفسه وهو أيضا ليس بثابت فلم يثبتوا هذا الممكن ولم يثبتوا الواجب ~~الذي يستدل عليه بهذا الممكن فلم يثبتوا ما ادعوه من الممكن ولا ما ادعوه ~~من الواجب # قال ابن رشد وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري لم يلزم من ذلك إلا ~~أن ما له علة فله علة # قلت وذلك لأنه إذا قسم الوجود إلى ما له علة وما لا علة له وسمى هذا ~~الأول ممكنا ثم قسم هذا الممكن إلى الممكن الحقيقي وهو الحادث وإلى الضروري ~~وهو القديم المعلول لم يلزم من ذلك إلا إثبات قديم معلول وهو أن هذا ~~الضروري الذي له علة ms1604 هو ضروري له علة # وهذا إذا قدر أنه أثبت هذا القسم وحينئذ فيكون قد أثبت ضروريا واجب ~~الوجود معلولا # قال وإذا أمكن أن يكون الضروري الواجب الوجود معلولا لعلة أمكن أيضا أن ~~تكون تلك العلة وإن كانت ضرورية واجبة PageV08P177 الوجوب معلولة لعلة أخرى ~~وهلم جرا ولم يكن على هذا التقدير معنا ما يدل على امتناع هذا التسلسل لأن ~~مضمونه إثبات أمور واجبة ضرورية كل منها له علة والجملة كلها واجبة ضرورية ~~مع كونها وكون كل منها معلولا وهو الممكن بهذا الاصطلاح المتأخر إذ الممكن ~~عندهم يكون ضروريا واجب الوجود ممتنع العدم مع كونه معلولا لغيره فلا يمتنع ~~على هذا التقدير وجود علل ومعلولات كل منها واجب ضروري ويسمى ممكنا باعتبار ~~أنه معلول وإن كان ضروريا واجب الوجود لا باعتبار أنه محدث مفتقر إلى فاعل # وحقيقة الأمر أنهم قدروا أمورا متسلسلة كل منها واجب الوجود ضروري يمتنع ~~عدمه وكل منها معلول وسموه باعتبار ذلك ممكنا وقالوا إنه يقبل الوجود ~~والعدم وحينئذ فلا يمكنهم إثبات افتقار واحد منها إلى علة فضلا عن افتقارها ~~كلها لأن التقدير أنها جميعها ضرورية الوجود لا تقبل العدم ومثل هذا يعقل ~~افتقاره إلى فاعل ويعود الأمر إلى الممكن الذي أثبتوه وهو الضروري الواجب ~~الوجود القديم الأزلي هل يفتقر إلى فاعل ومرجح يرجح وجوده على عدمه # وقد عرف أنه ليس لهم على ذلك دليل بل جميع العقلاء يقولون إن هذا لا ~~يفتقر إلى فاعل ولهذا لما بنوا إثبات واجب الوجود على إثبات هذا الممكن كما ~~فعله ابن سينا والرازي والآمدي وغيرهم لم يمكنهم إقامة دليل على أن هذا ~~الممكن بهذا التفسير يفتقر إلى فاعل وورد على هذا الممكن من الأسولة ما لم ~~يمكنهم الجواب عنه كما قد ذكر بعض ذلك في غير هذا الموضع PageV08P178 # وقد ذكر بعض ذلك الرازي في الأربعين و نهاية العقول و المطالب العالية و ~~= المحصل وغير ذلك من كتبه # وهؤلاء قسموا الوجود إلى واجب وممكن وعنوا بالممكن ما له علة وأدخلوا في ~~الممكن القديم ms1605 الأزلي الضروري الواجب الذي يمتنع عدمه فلزمهم بيان أن هذا ~~الممكن لا بد له من واجب فلم يثبتوا ذلك إلا بأن المحدث يفتقر إلى فاعل # هذا حق لكنه يدل على إثبات قديم أزلي لا يدل على أن القديم الأزلي ينقسم ~~إلى واجب وممكن كما ادعوه ولما لم يثبتوا هذا الممكن والواجب لا يثبت إلا ~~بثبوته لم يثبتوا لا واجبا ولا ممكنا ولا عرف انقسام الوجود إلى واجب وممكن ~~على اصطلاحهم بل غايتهم ثبوت الواجب على التقديرين # وإن لم يثبت الممكن فإنه إن كان الممكن ثابتا فقد ثبت الواجب وإن لم يكن ~~ثابتا فقد بقي القسم الآخر وهو الواجب لأنه لا واسطة بين النفي والإثبات # ونحن قلنا الموجود إما أن يكون له علة وإما أن يكون لا علة له والمعلول ~~لا بد له من علة فلزم ثبوت ما لا علة له على التقديرين وهو المطلوب # قيل لهم هذا لا ينفعكم لوجهين # أحدهما أنكم لم تثبتوا وجودا لا علة له ومجرد التقسيم لا يدل عليه بل ~~جوزتم أن يكون موجود قديم أزلي معلول وعلى هذا التقدير PageV08P179 فيجوز ~~وجود علل ومعلولات لا تتناهى فلا ثبت لكم وجود لا علة له # الثاني أن يقال هذا غايته أن يدل على ثبوت وجود واجب فمن قال الوجود كله ~~واحد وهو واجب لا ينقسم إلى واجب وممكن ولا قديم ومحدث فقد وفى بموجب ~~دليلكم وهذا مما يبين به غاية كلام هؤلاء # ولما كان هذا منتهى كلامهم صار السالكون لطريقتهم نوعين نوعا يقول لم ~~يثبت واجب الوجود لإمكان علل ومعلولات لا تتناهى ويوردون على إبطال التسلسل ~~ما يقولون لا جواب عنه كالآمدي وغيره # ونوعا يقول الوجود كله واجب قديمه ومحدثه وليس في الوجود موجودان أحدهما ~~قديم والآخر محدث وأحدهما واجب والآخر ممكن بل عين وجود المحدث الممكن هو ~~عين وجود الواجب القديم كما يقوله ابن عربي وأتباعه كابن سبعين والقونوي # فليتدبر من هداه الله هذا التناقض العظيم الذي أفضى إليه هذا الطريق ~~الفاسد الذي سلكه ابن سينا وأتباعه ms1606 في إثبات واجب الوجود فنظارهم يعترفون ~~بأنه لم يقم دليل على إثبات وجود واجب بل ولا على ممكن بالمعنى الذي قدره # ومعلوم أن هذا في غاية السفسطة فإن انقسام الموجود إلى PageV08P180 واجب ~~هو قديم أزلي وإلى ممكن هو محدث وجد بعد أن لم يوجد معلوم بالضرورة لجميع ~~العقلاء وعوامهم # وصوفيتهم يقولون الوجود الواجب القديم الأزلي هو عين الوجود المحدث ليس ~~هنا وجودان أحدهما واجب قديم والآخر ممكن محدث فهؤلاء يجمعون بين النقيضين ~~حيث يجعلون الوجود الواحد قديما حادثا ممكنا معلولا مفعولا واجبا وغير ~~مفعول ولا معلول # وأولئك لم يثبت عندهم أحد النقيضين بل يشكون في رفع النقيضين فلم يثبت ~~عندهم وجود واجب بل ولا ممكن بالمعنى الذي قرره # ومعلوم أن الموجود مشهود وأنه إما ممكن وإما واجب فمن رفع النوعين أو شك ~~في ثبوتهما أو ثبوت أحدهما فهو في غاية السفسطة كما أن من لم يثبتهما بل ~~جعل الجميع واجبا بنفسه قديما أزليا وأنكر وجود الحوادث فهو في غاية ~~السفسطة والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر # وإنما المقصود هنا ذكر ما ذكره ابن رشد فإنه مع تعظيمه للفلاسفة وغلوه في ~~تعظيمهم وقوله إنهم وقفوا على أسرار العلوم الإلهية قد تفطن لفساد ما ذكره ~~أفضل متأخريهم وأتباعه وهو عند التحقيق خير مما ذكره أرسطو وأتباعه فإذا ~~كان هذا فاسدا فذاك بطريق الأولى PageV08P181 # وقد تبين ما ذكره ابن رشد حيث قال وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ~~ضروري لم يلزم عن ذلك إلا أن ما له علة فله علة وأمكن أن نضع أن تلك لها ~~علة وأن نمر ذلك إلى غير نهاية فلا ينتهي الأمر إلى موجود لا علة له وهو ~~الذي يعنونه بواجب الوجود إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة ~~له الممكن الحقيقي فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى ~~غير نهاية # قال ابن رشد إنه إذا أريد بالممكن ما يعقل العقلاء أنه ممكن وهو المحدث ~~بعد أن لم يكن ms1607 الذي يمكن أن يكون موجودا تارة ومعدوما أخرى فإن هذا هو ~~الممكن الحقيقي فإذا أريد بالممكن هذا وقيل الوجود ينقسم إلى ممكن وغير ~~ممكن والممكن ما له علة وهو الممكن الحقيقي وهو الحادث كان حقيقة الكلام ~~أنه ينقسم إلى قديم وحادث كما قاله المتكلمون # وحينئذ فهذه الممكنات التي هي المحدثات هي التي يستحيل فيها وجود علل لا ~~تتناهى فإن المحدث يعلم بالضرورة أنه لا بد له من محدث فإذا قدرنا وجود ما ~~لا يتناهى من المحدثات كان كل منها لا بد له من محدث وكان مجموع المحدثات ~~أعظم افتقارا إلى محدث فإنه كلما كثرت المحدثات كان افتقارها إلى محدث لها ~~أعظم من افتقار واحد PageV08P182 منها وتسلسل المحدثات إذا قدر إلى ما لا ~~يتناهى لا يخرجها عن كونها جميعها محدثة وأن جميعها مفتقر إلى محدث خارج ~~عنها والمحدث الخارج عن جميع المحدثات لا يكون إلا قديما وعلى هذا التقدير ~~فليس فيها معلول قديم أزلي ولا معلول ضروري كما قدره أولئك حيث قدروا عللا ~~ومعلولات لا تتناهى كل منها محدث وكل منها ممكن مع أن الممكن قد يكون ~~ضروريا ممتنع العدم واجب الوجود فكانوا محتاجين إلى بيان أن الضروري الوجود ~~القديم الأزلي يكون معلولا حتى يكون المجموع من ذلك معلولا وهذا ممتنع ~~عليهم حيث جمعوا بين النقيضين # قال ابن رشد وأما إن عنى بالممكن ما له علته من الأشياء الضرورية فلم ~~يتبين بعد أن ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين من الموجودات الممكنة بالحقيقة ~~ولا تبين بعد أن ها هنا ضروريا يحتاج إلى علة فيجب عن وضع هذا أن ينتهي ~~الأمر إلى ضروري بغير علة إلى أن يتبين أن الأمر في الجملة الضرورية التي ~~من علة ومعلول كالأمر في الجملة الممكنة # قلت فابن رشد ذكر أولا أن الممكن إن فهمنا منه الممكن PageV08P183 ~~الحقيقي وهو المحدث فقد تبين فساد كلامهم على هذا التقدير وإن عني بالممكن ~~ما له علة من الأشياء الضرورية كما يقوله ابن سينا وأتباعه إن الأفلاك ~~ضرورية واجبة الوجود يمتنع عدمها ms1608 أزلا وأبدا ويقول مع ذلك إنها ممكنة بمعنى ~~أنها معلولة قال ابن رشد فلا يمكن إثبات واجب الوجود على هذا التقدير كما ~~لا يمكنهم إثباته بطريقتهم على التقدير الأول # وذلك أن مقدمة الدليل لا بد أن تكون معلومة قبل النتيجة فيستدل على ما لا ~~يعلم بما يعلم ويستدل بالبين على الخفي # وحينئذ فما ذكروه فاسد من وجهين أحدهما أنه لم يتبين بعد أنه يستحيل وجود ~~التسلسل في هذه الممكنات بالوجه الذي تبين في الممكنات الحقيقية وهي ~~المحدثات # ودليلهم في إثبات واجب الوجود موقوف على إبطال التسلسل وإبطال التسلسل ~~إنما يمكن في المحدثات لا في الأمور الضرورية التي لا تقبل العدم إذا قدر ~~تسلسلها # الوجه الثاني قال ولا تبين بعد أن ههنا ضروريا يحتاج إلى علة فيجب عن وضع ~~هذا أي عن تقدير هذا أن ينتهي الأمر إلى ضروري بغير علة إلى أن يتبين أن ~~الأمر في الجملة الضرورية التي من علة ومعلول كالأمر في الجملة الممكنة # ومعنى كلامه أن مقدمة الدليل يجب أن تكون معلومة قبل النتيجة فإذا كانوا ~~يثبتون واجب الوجود بما جعلوه ممكنا وإن كان PageV08P184 ضروريا واجب ~~الوجود لكنه واجب بغيره فيجب أولا أن يثبتوا أن ههنا ضروريا يحتاج إلى علة ~~وهو الواجب بغيره الذي قالوا إنه واجب أزلا وأبدا ضروري الوجود لكنه واجب ~~بغيره لا بنفسه فلهذا سموه ممكنا # قال ولم يبين بعد أن ههنا ضروريا يحتاج إلى علة حتى يلزم عن تقدير ذلك أن ~~يكون هنا ضروريا بغير علة وهو الواجب بنفسه ولو بين هذا أولا كان يحتاج بعد ~~ذلك أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية التي من علة ومعلول كالأمر في ~~الجملة الممكنة # يقول لو تبين أولا أنه يمكن أن يكون ضروري الوجود واجب الوجود أزلا وأبدا ~~وهو مع ذلك معلول لغيره # لقيل هذا يدل على ضروري آخر يكون واجب الوجود ويكون علة له وحينئذ فنحتاج ~~أن نقول إنه يمتنع وجود علل ومعلولات كل منها ضروري واجب الوجود قديم يمتنع ~~عدمه أزلا وأبدا فيكون ms1609 التسلسل فيها باطلا كما كان التسلسل باطلا في الممكن ~~الحقيقي وهو المحدث # فإنه قد علم بالعقل واتفاق العقلاء أنه يمتنع وجود محدثات متسلسلة كل ~~منها محدث الآخر ليس فيها قديم فلو ثبت إمكان معلول قديم أزلي لوجب بعد هذا ~~أن ينظر في امتناع التسلسل وقد تقدم أن التسلسل في ذلك على هذا التقدير لا ~~يمكن إقامة الدليل على امتناعه فكيف إذا لم يثبت الأصل الذي بنوا عليه ~~كلامهم PageV08P185 # وهذا الأصل الذي بنوا عليه كلامهم وهو أن الممكن قد يكون قديما أزليا ~~ضروريا واجبا بغيره وأن الواجب الضروري القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه أزلا ~~وأبدا ينقسم إلى واجب بنفسه وإلى ممكن بنفسه واجب بغيره هو مما ابتدعه ابن ~~سينا وخالف فيه عامة العقلاء من سلفه ومن غير سلفه # وقد صرح أرسطو وسائر الفلاسفة أن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه لا يكون ~~إلا محدثا وأن الدائم القديم الأزلي لا يكون إلا ضروريا لا يكون محدثا # وابن سينا واتباعه وافقوهم على ذلك كما ذكروا ذلك في المنطق في غير موضع ~~كما قد ذكرت ألفاظه وألفاظ غيره في غير هذا الموضع من كتابه المسمى بالشفاء ~~وغيره # لكن ابن سينا وأتباعه تناقضوا بسبب أنهم لما وجدوا المتكلمين قد قسموا ~~الموجود إلى واجب وممكن والممكن عندهم هو الحادث سلكوا سبيلهم في هذا ~~التقسيم وأدخلوا في الممكن ما هو قديم أزلي ونسوا ما ذكروه في غير هذا ~~الموضع من أن الممكن لا يكون إلا محدثا # وكان ما ذكره هؤلاء وسائر العقلاء دليلا على أن ما سوى الله تعالى محدث ~~كائن بعد أن لم يكن لما ثبت أنه ليس واجب الوجود موجودا بنفسه إلا الله ~~وحده وأن ما سواه مفتقر إليه # وكان ما ذكره أرسطو وسائر العقلاء مبطلا لما ذكره ابن سينا وأتباعه في ~~الممكن وتناقضوا فيه وكان ما ذكره ابن سينا وأتباعه من العقلاء في الواجب ~~بنفسه مبطلا لما ذكره أرسطو وأتباعه وابن رشد أيضا من PageV08P186 أن الفلك ~~ضروري الوجود واجب الوجود لا يقبل العدم فإنه محتاج ms1610 إلى غيره وهم يسلمون ~~أنه محتاج إلى الأول لأنه لا قوام له إلا بحركته ولا قوام لحركته إلا ~~بالأول فكان لا وجود له إلا بالأول فامتنع أن يكون وجوده بنفسه بل كان ~~معلولا بغيره وما كان معلولا بغيره لم يكن موجودا بنفسه بل كان ذلك الأول ~~علة في وجوده وما كان له علة في وجوده ثابتة عنه علم بصريح العقل أنه ليس ~~موجودا بنفسه فلا يكون واجبا بنفسه وما لم يكن واجبا بنفسه كان ممكنا وكان ~~محدثا كما قد بسط في مواضع # إذ المقصود هنا ذكر كلام ابن رشد وابن رشد يقول إن لفظ الممكن في اصطلاح ~~الفلاسفة ليس هو لفظ الممكن في اصطلاح ابن سينا وأتباعه وما كان أزليا ~~واجبا بغيره دائما بحيث لا يقبل العدم لا يسمى ممكنا بل الممكن ما كان ~~معدوما يقبل الوجود وأما ما لم يزل واجبا بغيره فليس هو بممكن # وقد ذكر هذا في غير موضع من كتابه وذكر أن ما ذكره ابن سينا خروج عن ~~طريقة الفلاسفة القدماء وأن طريقه التي أثبت بها PageV08P187 واجب الوجود ~~بناء على هذا الأصل إنما هو إقناعي لا برهاني كقوله في الكلام في مسألة ~~الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وما وضع في هذا القول من أن كل معلول فهو ممكن ~~الوجود فإن هذا إنما هو صادق في المعلول المركب وليس يمكن أن يوجد شيء مركب ~~وهو أزلي فكل ممكن الوجود عند الفلاسفة فهو محدث # قال وهذا شيء قد صرح به أرسطاطاليس في غير ما موضع من كتبه # قال وأما هذا الذي يسميه ابن سينا ممكن الوجود فهذا والممكن الوجود مقول ~~باشتراك الاسم وكذلك ليس كونه محتاجا إلى الفاعل ظاهرا من الجهة التي منها ~~تظهر حاجة الممكن PageV08P188 # قلت وهذا الذي حكاه عنهم من أن الممكن عندهم لا يكون إلا محدثا مركبا قد ~~ذكره في غير موضع وذكر عنهم أن الأفلاك عندهم ليست مركبة من المادة والصورة ~~كالأجسام العنصرية والمولدات وأن القول بان كل جسم مركب من المادة والصورة ms1611 ~~إنما هو قول ابن سينا دون القدماء وكذلك ذكر عنهم أن القول بأن الأول صدر ~~عنه عقل ثم عن العقل عقل ونفس وفلك وهلم جرا إلى العقل الفعال ليس هو قول ~~القدماء بل هو قول ابن سينا وأمثاله # وكذلك ذكر فيما ذكره ابن سينا وأتباعه في الوحي والمنامات أن سببها كون ~~النفس الفلكية عالمة بحوادث العالم فإذا اتصلت بها نفوس البشر فاض عليها ~~العلم منها ذكر أنه ليس قول القدماء بل هو قول ابن سينا وأمثاله وهو مع هذا ~~فالذي يذكر عن القدماء وطرقهم هو أضعف من قول ابن سينا بكثير # وعامة ما يذكره في واجب الوجود أن يكون شرطا في وجود غيره وأما كونه علة ~~تامة لغيره وربا ومبدعا كما يقوله ابن سينا وأمثاله فهذا لا يوجد تقريره ~~فيما ذكره عن الأوائل فإذا كانت طريقة ابن سينا يلزمها أن تكون الحوادث ~~حدثت بغير محدث فطريقة أولئك تستلزم أن تكون PageV08P189 الممكنات وجدت ~~بغير واجب أو أن يكون كل من الواجبين بأنفسهما لا يتم وجوده إلا بالآخر إلى ~~غير ذلك مما في كلامهم من الفساد # والمقصود هنا أن نبين أن خيار ما يوجد في كلام ابن سينا فإنما تلقاه عن ~~مبتدعة متكلمة أهل الإسلام مع ما فيهم من البدعة والتقصير # ولما أورد عليهم الغزالي في قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد عدة أدلة ~~بين بها فساد قولهم قال ابن رشد إذا اعتقدت الفلاسفة أن في المعلول الأول ~~كثرة لزمهم ضرورة أن يقال لهم من أين كان في المعلول الأول كثرة وكما ~~يقولون إن الواحد لا يصدر عنه كثير كذلك يلزمهم أن الكثير لا يصدر عن ~~الواحد فقولهم إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد يناقض قولهم إن الذي صدر عن ~~الواحد الأول شيء فيه كثرة إلا أن يقولوا إن PageV08P190 الكثرة في المعلول ~~الأول كل واحد منها أول فيلزمهم أن تكون الأوائل كثيرة # قال والعجب كل العجب كيف خفى هذا على أبي نصر وابن سينا لأنهما أول من ~~قال هذه الخرافات ms1612 فقلدهما الناس ونسبوا هذا القول إلى الفلاسفة لأنهم إذا ~~قالوا إن الكثرة التي في المبدأ الثاني إنما هي مما يعقل من ذاته ومما يعقل ~~من غيره لزم عندهم أن تكون ذاته ذات طبيعتين أعني صورتين فليت شعري أيتهما ~~الصادرة عن المبدأ الأول وأيتهما التي ليست الصادرة # قال وكذلك إذا قالوا فيه إنه ممكن من ذاته واجب من غيره لأن الطبيعة ~~الممكنة يلزم ضرورة أن تكون غير الطبيعة الواجبة التي استفادها من واجب ~~الوجود فإن الطبيعة الممكنة ليس يمكن أن تعود PageV08P191 واجبة إلا لو ~~أمكن أن تنقلب طبيعة الممكن ضروريا وكذلك ليس في الطبائع الضرورية إمكان ~~أصلا كانت الضرورة بذاتها أو بغيرها # قال وهذه كلها خرافات وأقاويل أضعف من أقاويل المتكلمين وهي كلها أمور ~~دخيلة في الفلسفة ليست جارية على أصولهم وكلها أقاويل ليست تبلغ مرتبة ~~الإقناع الخطبي فضلا عن الجدلي ولذلك يحق ما يقول أبو حامد في غير موضع من ~~كتبه إن علومهم الإلهية ظنية # وقال أيضا لما أراد أن يقرر قول أرسطو إن كل حادث فهو مسبوق بإمكان العدم ~~والإمكان لا بد له من محل وقد رد ذلك أبو حامد بأن الإمكان الذي ذكروه يرجع ~~إلى قضاء العقل فكل PageV08P192 ما قدر العقل وجوده فلم يمتنع تقديره ~~سميناه ممكنا فإن امتنع سميناه مستحيلا وإن لم يقدر على تقدير عدمه سميناه ~~واجبا فهذه قضايا عقلية لا تحتاج إلى موجود حتى نجعل وصفا له لأن الإمكان ~~كالامتناع وليس للامتناع محل في الخارج ولأن السواد والبياض يقضي العقل ~~فيهما قبل وجودهما بكونهما ممكنين # فقال ابن رشد هذه مغلطة فإن الممكن يقال على القابل وعلى المقبول والذي ~~يقال على الموضوع القابل يقابله الممتنع والذي يقال على المقبول يقابله ~~الضروري والذي يتصف بالإمكان الذي يقابله الممتنع ليس هو الذي يخرج من ~~الإمكان إلى الفعل من جهة ما يخرج إلى الفعل لأنه إذا خرج ارتفع عنه ~~الإمكان وإنما يتصف بالإمكان من جهة ما هو بالقوة والحامل لهذا الإمكان هو ~~الموضوع الذي ينتقل من الوجود بالقوة إلى ms1613 الوجود بالفعل وذلك بين من حد ~~الممكن فإن الممكن هو المعدوم الذي يتهيأ أن يوجد وأن لا يوجد PageV08P193 ~~وهذا المعدوم الممكن ليس هو ممكنا من جهة ما هو معلوم ولا من جهة ما هو ~~موجود بالفعل وإنما هو ممكن من جهة ما هو بالقوة # ولذلك قالت المعتزلة إن المعدوم ذات ما وذلك أن العدم يضاد الوجود وكل ~~واحد منهما يخلف صاحبه فإذا ارتفع عدم شيء ما خلفه وجوده وإذا ارتفع وجوده ~~خلفه عدمه # ولما كان نفس العدم ليس يمكن فيه أن ينقلب وجودا ولا نفس الوجود أن ينقلب ~~عدما وجب أن يكون القابل لهما شيئا ثالثا غيرهما وهو الذي يتصف بالإمكان ~~والتكون والانتقال من صفة العدم إلى صفة الوجود فإن العدم لا يتصف بالتكون ~~والتغير ولا الشيء الكائن بالفعل يتصف أيضا وبسط الكلام في هذا # وقال أيضا في دليلهم المشهور على قدم العالم وهو قولهم يستحيل صدور حادث ~~من قديم مطلق لأنا إذا فرضنا القديم ولم PageV08P194 يصدر منه العالم مثلا ~~فإنما لم يصدر لأنه لم يكن للوجود مرجح بل كان وجود العالم ممكنا عنه ~~إمكانا صرفا فإذا حدث لم يخل إما أن يتجدد مرجح أو لا يتجدد فإن لم يتجدد ~~مرجح بقي العالم على الإمكان الصرف كما كان قبل ذلك فإن تجدد مرجح انتقل ~~الكلام إلى ذلك المرجح لم رجح الآن ولم يرجح قبل فإما أن يمر الأمر إلى غير ~~نهاية أو ينتهي الأمر فيه إلى مرجح لم يزل مرجحا # قال ابن رشد هذا القول هو قول في أعلى مراتب الجدل وليس هو واصلا موصل ~~البراهين لأن مقدماته هي عامة والعامة قريبة من المشتركة ومقدمات البراهين ~~هي من الأمور الجوهرية المناسبة وذلك أن الممكن يقال باشتراك على الممكن ~~الأكثري والممكن الأقلي والذي على التساوي وليس ظهور الحاجة فيها إلى ~~المرجح على التساوي وذلك أن الممكن الأكثري قد يظن به أنه يترجح من ذاته لا ~~من مرجح خارج عنه بخلاف الممكن على التساوي PageV08P195 # والإمكان أيضا منه ما هو من الفاعل وهو ms1614 إمكان الفعل ومنه ما هو من ~~المنفعل وهو إمكان القبول وليس ظهور الحاجة فيهما إلى المرجح على السواء ~~وذلك أن الإمكان الذي في المنفعل مشهور حاجته إلى المرجح من خارج لأنه يدرك ~~حسا في الأمور الصناعية وكثير من الأمور الطبيعية وقد يلحق فيه شك في ~~الأمور الطبيعية لأن أكثر الأمور الطبيعية مبدأ تغيرها منها ولذلك يظن في ~~كثير منها أن المحرك هو المتحرك وأنه ليس معروفا بنفسه أن كل متحرك فله ~~محرك وأنه ليس ها هنا شيء يحرك ذاته فإن هذا كله يحتاج إلى بيان فلذلك فحص ~~عنه القدماء # وأما الإمكان الذي في الفاعل فقد يظن في كثير منه أنه لا يحتاج في خروجه ~~إلى الفعل إلى مرجح من خارج لأن انتقال الفاعل من أن لا يفعل إلى أن يفعل ~~قد يظن بكثير منه أنه ليس تغيرا يحتاج إلى مغير مثل انتقال المهندس من أن ~~لا يهندس إلى أن يهندس وانتقال المعلم من أن لا يعلم إلى أن يعلم ~~PageV08P196 # قال والتغير أيضا الذي يقال إنه يحتاج إلى مغير منه ما هو في الجوهر ومنه ~~ما هو في الكيف ومنه ما هو في الكم ومنه ما هو في الأين والقديم أيضا يقال ~~على ما هو قديم بذاته وقديم بغيره عند كثير من الناس والتغيرات منها ما ~~يجوز عند قوم على القديم مثل جواز كون الإرادة الحادثة على القديم عند ~~الكرامية وجواز الكون والفساد على المادة الأولى عند القدماء وهي قديمة ~~وكذلك المعقولات على العقل الذي بالقوة وهو قديم عند أكثرهم ومنها ما لا ~~يجوز وبخاصة عند بعض القدماء دون بعض # قال وكذلك الفاعل أيضا منه ما يفعل بإرادة ومنه ما يفعل بطبيعة وليس ~~الأمر في كيفية صدور الفعل الممكن الصدور عنهما واحدا أعني في الحاجة إلى ~~المرجح وهل هذه القسمة في الفاعل حاصرة أو يؤدي البرهان إلى فاعل لا يشبه ~~الفاعلين بالطبيعة ولا الذي بالإرادة التي في الشاهد PageV08P197 # قال وهذه كلها مسائل كثيرة عظيمة يحتاج كل واحد منها إلى أن يفرد ms1615 بالفحص ~~عنها وعما قاله القدماء فيها وأخذ المسألة الواحدة بدل المسائل الكثيرة هو ~~موضع مشهور من مواضع السفسطائيين والغلط في واحد من هذه المبادئ هو سبب ~~لغلط عظيم آخر في الفحص عن الموجودات # قلت المقصود هنا أن نبين اختلاف اصطلاحهم في مسمى الممكن وأن الطريقة ~~المشهورة عند المتأخرين في الفلسفة هي الطريقة المضافة إلى أفضل متأخريهم ~~ابن سينا والفارابي قبله # وهذا ابن رشد مع عنايته التامة بكتب أرسطو والقدماء واختصاره لكلامهم ~~وعنايته بالانتصار لهم والذب عنهم يذكر أن كثيرا من ذلك إنما هو من قول ~~هؤلاء المتأخرين ليس هو من قول قدمائهم # ولما ذكر عن ابن سينا أنه استعمل لفظ الممكن في أعم مما هو عند الفلاسفة ~~قال إنه جعل المفهوم من لفظ الممكن ما له علة PageV08P198 # قال وحينئذ فقول القائل إن الموجود ينقسم إلى ما له علة وإلى ما لا علة ~~له يحتاج إلى دليل # قال ثم ما له علة ينقسم إلى ممكن وضروري فالضروري هو الذي لا يمكن عدمه ~~بل هو واجب دائما بعلته والممكن الحقيقي ما كان يمكن وجوده وعدمه وهو ما ~~كان معدوما وحينئذ فالممكن الحقيقي لا يكون إلا حادثا وذلك يستلزم وجود ~~واجب وهو الضروري ولكن لا يستلزم أنه لا علة له إلا بدليل منفصل # قال وإذا جعلنا الممكن ما له علة كان التقدير أن ما له علة فله علة ويمكن ~~حينئذ تقدير ممكنات لا تنتهي فلا ينتهي الأمر إلى موجود لا علة له وهو ~~المسمى عندهم بواجب الوجود إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا ~~علة له الممكن الحقيقي فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها ~~إلى غير نهاية وأما إن عني بالممكن ما له علة من الأشياء الضرورية فلم ~~يتبين بعد أن ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين في الموجودات الممكنة بالحقيقة ~~ولا تبين بعد أن ههنا ضروريا يحتاج إلى علة حتى يقال إنه لا بد أن ينتهي ~~PageV08P199 الأمر إلى ضروري بغير علة إلى أن يبين أن الأمر في ms1616 الجملة ~~الضرورية التي من علة ومعلول كالأمر في الجملة الممكنة # قلت ولفظ الممكن إذا قيل فيه يمكن أن يوجد ويمكن أن يوجد ويمكن أن لا ~~يوجد فهذا لا يكون إلا إذا كان معدوما كما ذكر ابن رشد انه اصطلاح الفلاسفة ~~فأما كل ما يمتنع عدمه فليس بممكن بهذا الاعتبار أن يكون ممكن الوجود ~~والعدم بل هذا واجب الوجود سواء قيل انه واجب بنفسه أو واجب بغيره ما هو ~~واجب بغيره أزلا وأبدا فكونه ممكنا يفتقر إلى دليل فتقسيم الموجود إلى واجب ~~وممكن بهذا الاعتبار لا بد له من دليل كما ذكر ابن رشد بخلاف المعدوم الذي ~~يمكن وجوده فهذا يعلم انه ممكن ولهذا كان ابن سينا ومن سلك طريقته محتاجين ~~إلى إثبات كون الافلاك ممكنة بنفسها لا واجبة بنفسها # وهذا وان كان حقا لكن دليلهم عليه في غاية الضعف فانه مبنى على أن كل جسم ~~ممكن ودليلهم عليه ضعيف جدا كما قد بين في غير هذا الموضع وقد بين ضعفه أبو ~~حامد ووافقه ابن رشد مع عنايته بالرد عليه على ضعف هذه الطريق # والتحقيق أن هذا يسوغ تسميته ممكنا في اللغة باعتبار انه بنفسه لا ~~PageV08P200 يوجد لكن ما كان كذلك لا يكون إلا محدثا فيسمى ممكنا باعتبار ~~ويسمى محدثا باعتبار والامكان والحدوث متلازمان واما تسمية ما هو قديم ازلى ~~يمتنع عدمه ممكنا يمكن وجوده وعدمه فهذا لا يعرف في عقل ولا لغة وإن قدر ~~أنه حق فالنزاع هنا لفظى لكن إذا عرفت الاصطلاحات زالت اشكالات كثيرة تولدت ~~من الاجمال الذي في لفظ الممكن كما قد بسط في غير هذا الموضع # واختلاف الاصطلاح في لفظ الممكن هنا غير اختلاف الاصطلاح في الممكن العام ~~الذي هو قسيم الممتنع والممكن الخاص الذى هو قسيم الواجب والممتنع بل نفس ~~الممكن الخاص على هذا الاصطلاح المذكور عن القدماء إنما هو في المحدث الذي ~~يمكن وجوده وعدمه # واما ما يقدر واجبا بغيره دائما فذاك لا يسمى ممكنا بهذا الاصطلاح # واما على اصطلاح ابن سينا واتباعه وهو ms1617 كون الممكن ما له علة قال ابن رشد ~~فما له علة ينقسم إلى ممكن وضوري فالضروري هو الذي لا يمكن عدمه بل هو واجب ~~دائما بعلة وهذا مما يقوله الفلاسفة في الافلاك والممكن الحقيقي هو الحادث ~~PageV08P201 # قال وذلك يستلزم وجود واجب وهو الضروري ولكن لا يستلزم انه لا علة له إلا ~~بدليل منفصل # وهذا الذي قاله ابن رشد بناء على أن افتقار المحدث إلى المحدث امر ضروري ~~كما هو قول الجمهور فإذا كان المراد بالممكن الحقيقي هو الحادث فلا بد به ~~له من فاعل ليس بحادث وهو الضروري في اصطلاح عامة العقلاء فان كل قديم هو ~~ضروري عند عامة العقلاء وكل ممكن الإمكان الخاص هو محدث عندهم ثم بعد هذا ~~كونه لا علة له # والعلم بامتناع التسلسل في مثل هذا بأن يكون للمحدث محدث إلى غير نهاية ~~ممتنع عند جميع العقلاء وقد بين ذلك في موضعه # واما كون الممكن الذي هو قديم ازلى ضروري الوجود هو معلول لغيره فهذا ليس ~~يبين أيضا امتناع التسلسل فيه على هذا التقدير كما تقدم وعلى هذا التقدير ~~فيمكن تقرير ما ذكره الغزالى من أن ما قالوه في امتناع التسلسل باطل على ~~اصلهم فان كل ممكن إذا قدر انه معلول مع كونه واجبا قديما أزليا فالقول في ~~علته كالقول فيه فإذا قدر علل ومعلولات كل منها واجب قديم ازلى لا نهاية ~~لها لم يظهر امتناع هذا على هذا التقدير ولم يظهر افتقار مجموعها إلى واجب ~~خارج عنها إذ كان كل منها واجب له علة فإذا قيل المجموع لا علة له لم يظهر ~~امتناع ذلك كما يظهر امتناعه في المحدثات ولكن كونه له PageV08P202 علة أو ~~لا علة له يفتقر إلى دليل آخر # وقد تكلم ابن رشد على القول المنسوب إلى الفلاسفة في كتب ابن سينا في ~~صدور العالم عن الله وانه صدر عنه عقل ثم عن العقل عقل ونفس وفلك إلى العقل ~~العاشر كما هو معروف من مذهبهم وتقريره # قال ابن رشد لما حكاه أبو حامد ms1618 عنهم وهذا كله تخرص على الفلاسفة من ابن ~~سينا وأبي نصر وغيرهما ومذهب القوم القديم هو أن هاهنا مبادئ هي الاجرام ~~السماوية ومبادئ الموجودات السماوية موجودات مفارقة للمواد هي المحركة ~~للأجرام السماوية والأجرام السماوية تتحرك اليها على جهة الطاعة لها ~~والمحبة فيها والامتثال لأمرها إياها بالحركة والفهم عنها وانها إنما خلقت ~~من اجل الحركة # وذلك انه لما صح أن المبادئ التي تحرك الأجسام السماوية هي PageV08P203 ~~مفارقة للمواد وانها ليست بأجسام لم يبق وجه به تحرك الأجسام ما هذا شانه ~~إلا من جهة أن المحرك امر بالحركة ولذلك لزم عندهم أن تكون الأجسام ~~السماوية حية ناطقة تعقل ذواتها وتعقل مباديها المحركة لها على جهة الأمر ~~لها ولما تقرر انه لا فرق بين العلم والمعلوم إلا أن المعلوم في مادة ~~والعلم ليس في مادة وذلك في كتاب النفس فإذا وجدت موجودات ليست في مادة وجب ~~أن يكون جوهرها علما أو عقلا أو كيف شئت أن تسميها وصح عندهم أن هذه ~~المبادئ مفارقة للمواد من قبل انها التي أفادت الاجرام السماوية الحركة ~~الدائمة التي لا يلحقها فيها كلال ولا تعب وان كل ما يفيد حركة دائمة بهذه ~~الصفة فإنه ليس جسما ولا قوة في جسم وان الجسم السماوي إنما استفاد البقاء ~~من قبل المفارقات وصح عندهم أن هذه المبادئ المفارقة وجودها PageV08P204 ~~مرتبط بمبدأ أول فيها ولولا ذلك لم يكن هنا نظام موجود وأقاويلهم مسطورة في ~~ذلك فينبغي لمن أراد معرفة الحق أن يقف عليها من عنده # وما يظهر أيضا من كون جميع الأفلاك تتحرك الحركة اليومية مع أنها تتحرك ~~بها الحركات التي تخصها مما صح عندهم أن الآمر بهذه الحركة هو المبدأ الأول ~~وهو الله سبحانه وتعالى وأنه أمر ساير المبادئ أن تأمر ساير الأفلاك بساير ~~الحركات وأن بهذا الأمر قامت السماوات والأرض كما أن بأمر الملك الأول في ~~المدينة قامت جميع الأوامر الصادرة ممن جعل الملك له ولاية أمر من الأمور ~~من المدينة إلى جميع من فيها من أصناف الناس # كما قال ms1619 سبحانه @QB@ وأوحى في كل سماء أمرها @QE@ سورة فصلت 12 وهذا ~~التكليف والطاعة هي الأصل في التكليف والطاعة التي وجبت على الإنسان لكونه ~~حيوانا ناطقا # قال وأما ما حكاه ابن سينا من صدور هذه المبادئ بعضها PageV08P205 عن بعض ~~فهو شيء لا يعرفه القوم وإنما الذي عندهم أن لها من المبدأ الأول مقامات ~~معلومة لا يتم لها وجود إلا بذلك المقام منه كما قال تعالى @QB@ وما منا ~~إلا له مقام معلوم @QE@ سورة الصافات 164 وأن الارتباط الذي بينها هو الذي ~~يوجب كونها معلولة بعضها عن بعض وجميعها عن المبدأ الأول وأنه ليس يفهم من ~~الفاعل والمفعول والخالق والمخلوق في ذلك الوجود إلا هذا المعنى فقط وما ~~قلناه من ارتباط وجود كل موجود بالواحد وذلك خلاف ما يفهم هاهنا من الفاعل ~~والمفعول والصانع والمصنوع فلو تخيلت آمرا له مأمورون كثيرون وأولئك ~~المأمورون لهم مأمورون أخر ولا وجود للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة ~~الآمر ولا وجود لمن دون المأمورين إلا بالمأمورين لوجب أن يكون الآمر الأول ~~هو الذي أعطى جميع الموجودات المعنى الذي به صارت موجودة وأنه إن كان شيء ~~وجوده في أنه مأمور فلا وجود له إلا من قبل الآمر الأول وهذا المعنى هو ~~الذي ترى الفلاسفة أنه عبرت عنه الشرائع بالخلق والاختراع والتكليف ~~PageV08P206 # قال فهذا هو أقرب تعليم يمكن أن يفهم به مذهب هؤلاء القوم من غير أن يلحق ~~ذلك الشنعة التي تلحق من سمع مذاهب القوم على التفصيل الذي ذكره أبو حامد ~~ها هنا يعني ما ذكره ابن سينا # قال وهذا كله يزعمون أنه قد بين في كتبهم فمن أمكن أن ينظر في كتبهم على ~~الشروط التي ذكروها فهو الذي يقف على صحة ما يدعون أو ضده # قال وليس يفهم من مذهب أرسطاطاليس غير هذا ولا من مذهب أفلاطن وهو منتهى ~~ما وقفت عليه العقول الإنسانية وقد يمكن الإنسان أن يقف على هذه المعاني من ~~أقاويل عرض لها إن كانت مشهورة مع أنها معقولة وذلك أن ما شأنه هذا الشأن ms1620 ~~من التعليم فهو لذيذ محبوب عند الجميع # قال وأحد المقامات التي يظهر منها هذا المعنى هو أن PageV08P207 الإنسان ~~إذا تأمل ما ههنا ظهر له أن الأشياء التي تسمى حية عالمة هي الأشياء ~~المتحركة من ذاتها بحركات محدودة بجواهر وأفعال محدودة تتولد عنها أفعال ~~محدودة ولذلك قال المتكلمون إن كل فعل فإنما يصدر عن حي عالم فإذا حصل له ~~هذا الأصل وهو أن كل ما يتحرك حركات محدودة يلزم عنها أفعال محدودة منتظمة ~~فهو حيوان عالم وأضاف إلى ذلك ما هو مشاهد بالحس وهو أن السماوات تتحرك من ~~ذاتها حركات محدودة يلزم عند ذلك في الموجودات التي دونها أفعال محدودة ~~ونظام وترتيب به قوام ما دونها من الموجودات تولد أصل ثالث لا شك فيه وهو ~~أن السماوات أجسام حية مدركة فأما أن حركاتها يلزم عنها أفعال محدودة بها ~~قوام ما هاهنا وحفظه من الحيوان والنبات والجمادات فذلك معروف بنفسه عند ~~التأمل فإنه لولا قرب الشمس وبعدها في فلكها المائل لم يكن هاهنا فصول ~~أربعة ولو لم يكن ههنا فصول أربعة لما كان نبات ولا PageV08P208 حيوان ولا ~~جرى الكون على نظام في كون إلاستقصات بعضها من بعض على السواء لينحفظ بها ~~الموجود مثال ذلك أنه إذا بعدت الشمس إلى جهة الجنوب برد الهواء في جهة ~~الشمال فكانت الأمطار وكثر كون الاسطقس المائي وكثر في جهة الجنوب تولد ~~الاسطقس الهوائي وفي الصيف بالعكس أعني إذا صارت الشمس فوق سمت رؤوسنا وهذه ~~الأفعال التي تلفي للشمس من قبل القرب والبعد الذي لها دائما من موجود ~~موجود من المكان الواحد بعينه تلفي للقمر ولجميع الكواكب فإن لكلها أفلاكا ~~مائلة وهي تفعل فصولا أربعة في حركاتها الدورية وأعظم من هذه كلها في ضرورة ~~وجود المخلوقات وحفظها الحركة العظمى اليومية الفاعلة لليل والنهار # وقد نبه الكتاب العزيز على العناية بالإنسان لتسخير جميع السماوات له في ~~غير ما آية مثل قوله سبحانه @QB@ وسخر لكم الليل والنهار @QE@ PageV08P209 ~~سورة إبراهيم 33 الآية # فإذا تأمل الإنسان هذه الأفعال والتدبيرات اللازمة المتقنة ms1621 عن حركات ~~الكواكب ورأى الكواكب تتحرك هذه الحركات وهي ذوات أشكال محدودة ومن جهات ~~محدودة ونحو حركات محدودة وحركات متضادة علم أن هذه الأفعال المحدودة إنما ~~هي عن موجودات مدركة حية ذوات اختيار وإرادة ويزيده إقناعا في ذلك أن يرى ~~أن كثيرا من الأجسام الصغيرة الحقيرة الخسيسة المظلمة الأجساد التي هاهنا ~~لم تعدم الحياة بالجملة على صغر أجرامها وخساسة أقدارها وقصر أعمارها ~~وإظلام أجسادها وأن الجود الإلهي أفاض عليها الحياة والإدراك التي بها دبرت ~~ذاتها وحفظت وجودها علم على القطع أن الأجسام السماوية أحرى أن تكون حية ~~مدركة من هذه الأجسام لعظم أجرامها وشرف وجودها وكثرة أنوارها PageV08P210 # كما قال سبحانه @QB@ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس @QE@ الآية ~~سورة غافر 57 وبخاصة إذا اعتبر تدبيرها الأجسام الحية التي هاهنا علم على ~~القطع أنها حية فإن الحي لا يدبره إلا حي أكمل حياة منه فإذا تأمل الإنسان ~~هذه الأجسام العظيمة الحية الناطقة المختارة المحيطة بنا ونظر إلى أصل ثالث ~~وهو أن عنايتها بما هاهنا هي غير محتاجة إليها في وجودها علم أنها مأمورة ~~بهذه الحركات ومسخرة لما دونها من الحيوانات والنباتات والجمادات وأن الآمر ~~لها غيرها وهو غير جسم ضرورة لأنه لو كان جسما لكان واحدا منها وكل واحد ~~منها مسخر لما دونه ههنا من الموجودات وخادم لما ليس يحتاج إلى خدمته في ~~وجود ذاته وأنه لولا مكان هذا الآمر لها لما اعتنت بما ههنا على الدوام ~~والاتصال لأنها مدبرة ولا منفعة لها خاصة في هذا الفعل فإذن إنما تتحرك من ~~قبل الأمر والتكليف للجرم المتوجه PageV08P211 إليها لحفظ ما هاهنا وإقامة ~~وجوده والآمر هو الله تعالى وهذا كله معنى قوله تعالى @QB@ أتينا طائعين ~~@QE@ # قال ومثال هذا في الاستدلال لو أن إنسانا رأى جمعا عظيما من الناس ذوي ~~نطق وفضل مكبين على أفعال محدودة لا يخلون بها طرفة عين مع أن تلك الأفعال ~~غير ضرورية في وجودهم وهم غير محتاجين إليها لأيقن على القطع أنهم مكلفون ~~ومأمورون بتلك الأفعال وأن لهم آمرا ms1622 هو الذي أوجب لهم تلك الخدمة الدائمة ~~للعناية بغيرهم المستمرة هو أعلى قدرا منهم وأرفع مرتبة وأنهم كالعبيد ~~المسخرين له # وهذا المعنى هو الذي أشار إليه الكتاب العزيز في قوله سبحانه @QB@ وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين @QE@ سورة الأنعام ~~75 # وإذا اعتبر الإنسان أمرا آخر أن كل واحد من الكواكب السبعة PageV08P212 ~~له حركات خادمة لحركته الكلية ذوات أجسام تخدم جسمه الكلي كأنها خدمة ~~يعتنون بخادم واحد علم أيضا على القطع أن لجماعة كل كوكب منها آمرا خاصا ~~بهم رقيبا عليهم من قبل الآمر الأول مثل ما يعرض عند تدبير الجيوش أن يكون ~~منها جماعة جماعة كل واحد منها تحت آمر واحد وأولئك الآمرون وهم المسمون ~~العرفاء يرجعون إلى أمير واحد وهو أمير الجيش # كذلك الأمر في حركات الأجرام السماوية التي أدرك القدماء من هذه الحركات ~~وهي نيف على الأربعين ترجع كلها إلى سبعة آمرين وترجع السبعة أو الثمانية ~~على اختلاف بين القدماء في عدد الحركات إلى الآمر الأول # وهذه المعرفة تحصل للإنسان بهذا الوجه سواء علم كيف مبدأ خلقة هذه ~~الأجسام أعني السماوية أو لم يعلم وكيف ارتباط وجود سائر PageV08P213 ~~الآمرين بالآمر الأول أو لم يعلم فإنه لا شك أنها لو كانت موجودة من ذاتها ~~أعني قديمة من غير علة ولا موجد لجاز عليها أن لا تأتمر لآمر واحد لها ~~بالتسخير وألا تطيعه وكذلك حال الآمرين مع الآمر الأول # وإذا لم يجز ذلك عليها فهنالك نسبة بينها وبينه اقتضت لها السمع والطاعة ~~وليس ذلك أكثر من أنها ملك له في عين وجودها لا في عرض من أعراضها كحال ~~السيد مع عبيده بل في نفس وجودها فإنه ليس هنالك عبودية زائدة على الذات بل ~~تلك الذوات تقومت بالعبودية # وهذا هو معنى قوله تعالى @QB@ إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا @QE@ سورة مريم 93 وهذا الملك هو ملكوت السماوات والأرض الذي ~~أطلع الله إبراهيم عليه في قوله تعالى @QB@ وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من ms1623 الموقنين @QE@ PageV08P214 وأنت تعلم أنه إذا ~~كان الآمر هكذا فإنه يجب ألا تكون خلقة هذه الأجسام ومبدأ كونها على نحو ~~كون الأجسام التي ههنا وأن العقل الإنساني يقصر عن إدراك كيفية ذلك الفعل ~~وإن كان يعترف بالوجود فمن رام أن يشبه الوجودين أحدهما بالفاعل وأن الفاعل ~~لها فاعل بالنحو الذي توجد الفاعلات ههنا فهو شديد الغفلة عظيم الزلة كثير ~~الوهلة # قال فهذا هو أقصى ما تفهم به مذاهب القدماء في الأجرام السماوية وفي ~~إثبات الخالق لها وفي أنه ليس بجسم وإثبات ما دونه من الموجودات التي ليست ~~بأجسام واحدها هي النفس # قال وأما إثبات وجوده من كونها محدثة على نحو حدوث الأجسام التي نشاهدها ~~كما رام المتكلمون فعسير جدا والمقدمات المستعملة في ذلك غير مفضية بهم إلى ~~ما قصدوا بيانه PageV08P215 # قلت فهذا الكلام لا ريب أنه إلى الكلام الذي نقله الناس عن أرسطو وأصحابه ~~في إثبات واجب الوجود أقرب من كلام ابن سينا وأمثاله # بل هذا خير من الكلام المنقول عن أرسطو من وجوه متعددة فإن المنقول عن ~~أرسطو إنما فيه أنه جعل الأول محركا لها من حيث هو محبوب معشوق لها للتشبه ~~به يحركها تحريك المحبوب لمحبه بل تحريك المتشبه به للمتشبه كتحريك الإمام ~~للمؤتم فإن هذا أضعف من تحريك المحبوب لمحبه كتحريك الطعام للآكل والمرأة ~~للجماع وأما هذا فقد جعله آمرا لها بالحركة مسخرا لها بذلك مكلفا لها بذلك # لكن أرسطو أثبت قوله بأن الحركة الإرادية الشوقية لا بد فيها من عقل ~~يتشبه به الفلك كما يتشبه المؤتم بالإمام # قال والشيء المتشوق إليه علة لحركة المتحرك إليه بالشوق PageV08P216 ~~والشيء المشتاق إليه معلول له من جهة تلك العلة وفي تلك الحركة وحركة كل ~~واحد من الأجسام فتشتاق كلها وترتفع إلى محرك أول لا يتحرك # وهذا لم يذكر حجة على أن المبدأ الأول هو الآمر بالحركات فإن كان قصد أن ~~أمره لها بمعنى كونه متشبها به محبوبا لها كما ذكر أرسطو فقد ذكر طريقة ~~أرسطو بعينها وقد تكلمنا عليها في غير ms1624 هذا الموضع وبينا ما فيها من النقض ~~والتقصير عن إثبات واجب الوجود وأنها تدل على أن هؤلاء القوم من أبعد الخلق ~~عن معرفة الله تعالى # وكذلك كلام هذا الرجل ليس فيه إثبات الصانع كما ليس ذلك في كلام أرسطو ~~وفيه باطل وتناقض من وجوه # أحدهما أنه جعل الحركة تارة لا قوام للسماوات إلا بها كما ذكر ذلك أرسطو ~~حيث قال إنه لا وجود لها إلا في قبول الأمر وطاعة PageV08P217 الآمر يعني ~~الحركة كما ذكر أرسطو وجعلها تارة مستغنية عنها ولكنها كلفت بها لأجل ~~السفليات وأن حالها حال المكبين على أفعال لا يخلون منها طرفة عين مع أن ~~تلك الأفعال غير ضرورة في وجودهم وهم غير محتاجين إليها # الثاني أن غاية ما في هذا أن يكون آمرا لها بالحركة وليس في مجرد الأمر ~~بالفعل ما يوجب أن يكون الفعل القائم بالفاعل من إبداع الآمر ومن خلقه ولا ~~أنه محتاج إلى الآمر في نفس إحداث الفعل كما ذكره في أمر الملك لنوابه وأمر ~~القائد لجيشه وأمر السيد لعبيده # الثالث أنه لم يذكر حجة على أنه لا قوام لها إلا بالحركة التي أمرت بها ~~فمن أين يعلم أن قوام ذاتها بتلك الحركة # الرابع أنه لو قدر أنه أبدع الحركة التي قامت بها وأنه لا قوام لها إلا ~~بالحركة فغاية ما في ذلك أن يكون ذلك شرطا في قوامها ويكون فاعلا لشرط من ~~شروط وجودها ليس في هذا ما يقتضي أنه أبدع سائر أعراضها ولا أبدع أعيانها # الخامس أن هذا مبني على إثبات عقول مفارقة وراء الأفلاك وأن فيها عقلا هو ~~فوقها في الرتبة والدليل الذي ذكره هذا وابن سينا وغيرهما من الفلاسفة في ~~إثبات العقول إنما يدل على إثبات عقول PageV08P218 هي أعراض تفتقر إلى ~~أعيان تقوم بها من جنس العقل الموجود في نفوسنا فأما إثبات عقول هي جواهر ~~قائمة بنفسها فلا دليل لهم على ذلك أصلا # ولولا أن هذا ليس موضع بسط ذلك لذكرت ألفاظهم بأعيانها ليتبين لك ما ~~ذكرته ولكن هؤلاء القوم ms1625 يجعلون الأعراض جواهر والجواهر أعراضا والصفة هي ~~الموصوف والموصوف هو الصفة وعلى هذا بنوا كلامهم كما صرحوا به في غير موضع ~~ومن هنا يظهر # الوجه السادس وهو أن هذا وأمثاله جعلوا نفس العلم هو العالم وجعلوا نفس ~~العلم هو جوهرا قائما بنفسه واجب الوجود وهذا من أعظم سفسطة في الوجود وهو ~~شر من كلام النصارى بكثير # وغاية ما ينتهي إليه ما يدعونه من المفارقات المجردات عن المادة وهي ~~العقول التي جعلوها مبادئ أنها علوم كلية كالعلوم الكلية التي لنا ومن ~~المعلوم أن العلوم الكلية لا تقوم إلا بعالم لكن هؤلاء غلطوا حيث أثبت ~~قدماؤهم كأصحاب أفلاطن كليات مجردة عن الأعيان وهي المثل الأفلاطونية ~~وجعلوها أزلية أبدية وإنما التغير والتحول في أعيانها فلما تبين لأرسطو ~~وأتباعه فساد هذا أبطلوه وقالوا الكليات لا يكون PageV08P219 # وجودها منفكة عن الأعيان وهؤلاء ظنوا أيضا أن الأعيان الموجودة تقارنها ~~كليات مغايرة للأعيان وهو أيضا غلط فإن كل هذه الأمور الكلية إنما ثبوتها ~~في الأذهان لا في الأعيان وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن العقول المفارقات التي أثبتوها هي من جنس هذه الكليات ~~ولهذا يصرحون بأن العلم هو العالم حتى في واجب الوجود قالوا إنه هو العلم ~~وإنه العالم وإن العلم هو القدرة فجعلوا نفس الذات الموصوفة هي الصفة ~~وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع # ثم إنهم أثبتوا واجب الوجود بطريق الحركة وأنه لا بد لها من محرك والمحرك ~~هو المحبوب عندهم الذي يحب التشبه به لا تحب ذاته لأن الحركة الإرادية لا ~~بد لها من ذلك وادعوا أنه لا بد من محرك لا يتحرك وقد بين فساد هذا في غير ~~هذا الموضع من هذا الكتاب PageV08P220 # وابن رشد قرر طريقتهم على غاية ما أمكنه من الحسن والبيان وهي كما ترى ~~غايتها أن تكون الأجسام المتحركة محتاجة إلى آمر يحركها والمراد بأمره ~~بالحركة كونه محبوبا لها أي تحب أن تتشبه به لا إنها تحب ذاته ms1626 كما ذكره ~~سلفه الفلاسفة الذين بين طريقهم وشبهه بالملك الآمر لمن دونه من نوابه في ~~مملكته بأوامر وكل واحد يأمر من دونه وكلها ترجع إلى الآمر الأول # ومعلوم أن الآمر لم يبدع شيئا من أعيان المأمورين لا صفاتهم ولا أفعالهم ~~بل الملك الآمر له شعور بأمره وطلب من المأمور وأما كون الشيء محبوبا ~~مشتاقا إليه أو للتشبه به فليس في هذا صدور أمر من آمره ولا شعور بالمحب ~~المشتاق ولا طلب لفعل منه # وابن رشد قرر بأن الآمر لها هو المبدع لها بانها لو كانت موجودة من ذاتها ~~أي قديمة من غير علة ولا موجد لجاز عليها أن لا تأتمر لآمر واحد لها ~~بالتسخير وألا تطيعه وكذلك حال الآمرين مع الآمر الأول وإذا لم يجز ذلك ~~عليها فهنالك نسبة بينها وبينه اقتضت لها السمع والطاعة وليس ذلك أكثر من ~~أنها ملك له في عين وجودها لا في عرض من أعراضها PageV08P221 # فيقال له أنت لم تقرر أنه آمر لها وسلفك إنما ذكروا أنه محبوب لها أي تحب ~~التشبه به وهب أنه آمر لها فأنت لم تذكر دليلا على انها إذا كانت مأمورة ~~كانت مملوكة إلا قولك إنه ليس هنالك عبودية زائدة على الذات بل تلك الذوات ~~تقومت بالعبودية وهذه دعوى مجردة # فلم لا يجوز أن يقال تلك العبودية زائدة على الذات # وقولك إنها تقومت بالعبودية إن أردت تقومت بتعبدها الذي هو طاعتها ~~وحركتها فهذه دعوى أرسطو وقد علم ما فيها وبتقدير صحتها فتقومها بذلك لا ~~يقتضي أن تكون حقيقتها هي تلك الحركة بل يقتضي أن تكون الحركة شرطا في ~~وجودها # وإن أردت بتقومها بالعبودية تقومها بأن خلقها الله تعالى فهذا هو المطلوب ~~ولم تذكر عليه حجة # وأيضا فقولك علم أن الآمر لها غيرها وهو غير جسم لأنه لو كان جسما لكان ~~واحدا منها كلام لا حجة فيه لوجهين # أحدهما أنه مسخر للعقول ولم يلزم أن يكون من العقول المسخرة فلماذا يلزم ~~إذا كان مسخرا للأجسام أن يكون من الأجسام PageV08P222 المسخرة فهو ms1627 عندهم ~~عقل وليس من العقول المسخرة فلا يلزم أيضا إذا قيل هو قائم بنفسه أو هو حي ~~عليم قدير أو هو جوهر أو جسم أو ذات أو غير ذلك أن يكون من جملة المسخرات ~~من هذا الجنس # الثاني أنه لم لا يجوز أن يكون خارجا عن جملة المسخرات المأمورة كما أنه ~~قائم بنفسه وهو آمر لأعيان قائمة بنفسها وهو موصوف وهو آمر لموصوفات وأمثال ~~ذلك وإذا كانت الأعيان أو الأجسام أو الموصوفات مختلفة الحقائق لم يلزم أن ~~يكون الآمر لها مماثلا للمأمور # وأيضا فإنك قلت لو تخيلت آمرا له مأمورون كثيرون وأولئك المأمورون لهم ~~مأمورون أخر ولا وجود للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة الآمر ولا وجود ~~لمن دون المأمورين إلا بالمأمورين لوجب أن يكون الآمر الأول هو الذي أعطى ~~جميع الموجودات المعنى الذي به صارت موجودة # وهذا الكلام فيه تفريق بين المأمور الذي لا وجود له إلا في قبول الأمر ~~كما يقولون لا توجد الأفلاك إلا بلحركة وهي قبول الأمر أو أن العقول لا ~~توجد إلا بما فيها من قبول الأمر وبين ما صدر عن الأفلاك أو العقول من ~~المولدات التي لا وجود لها إلا بالعقول أو الأفلاك PageV08P223 # ومن المعلوم أن احتياج العقول والافلاك إلى الواجب بذاته أعظم من حاجة ما ~~دونها اليها فكيف يقال في هذا لا يوجد إلا به ويقال في ذلك لا يوجد إلا ~~بقبول الأمر # ومن المعلوم أن ما يظهر من تأثير الافلاك في الأرض إنما هو في بعض ~~احوالها كما ذكره من تأثير قرب الشمس وبعدها والليل والنهار # ومن المعلوم بالحس أن هذا ليس وحده مستقلا بإبداع ما في الأرض وانما هو ~~من جملة الاسباب التي بها يتم كما يفتقر الحيوان والنبات إلى الريح ~~وافتقارها إلى ذلك اعظم من افتقارها إلى الشمس وكما تفتقر إلى الأرض ~~والتراب وغير ذلك من الاسباب # وبالجملة هذه الطريق التي سلكها هؤلاء مبنية على ثلاث مقدمات أن الافلاك ~~لا تقوم إلا بالحركة وان الحركة لا تقوم إلا بآمر منفصل ms1628 أو محبوب منفصل يحب ~~التشبه به فالافلاك لا تقوم إلا بذلك ثم إذا كانت لا تقوم إلا بذلك لزم أن ~~تكون جميع اعيانها وصفاتها صادرة عنه وهم لم يقرروا ذلك # وقد بسط هذا في غير هذا الموضع لكن يمكن تقريره بأن يقال إذا كان قوامها ~~بحركتها وقوام حركتها به فقوامها به واذا كان قوامها PageV08P224 به امتنع ~~أن تكون واجبة الوجود بنفسها لأن ما كان اجب الوجود بنفسه لا يكون قوامه ~~بغيره # واذا كان الفلك متحركا بغيره امتنع أن يكون واجب الوجود فيكون ممكن ~~الوجود بنفسه وممكن الوجود بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه فيجب أن يكون ~~مفتقرا إلى مبدع فاعل كما كان مفتقرا إلى محبوب مشتاق اليه للتشبه به # فهذه الطريق يمكن أن يقرر بها إثبات واجب الوجود لكن هم لم يذكروا هذا ~~وهم في اصطلاحهم لا يسمون الواجب بغيره ممكنا # وانما سلك هذه الطريقة متأخروهم لكن متأخروهم لم يثبتوا كون الفلك ممكنا ~~لا واجبا بنفسه بهذه الطريق فظهر في كلام قدمائهم التقصير من وجه وفي كلام ~~متأخريهم التقصير من وجه آخر # ولهذا لما صاروا مقصرين في إثبات كون الفلك ممكنا مصنوعا صار الدهرية ~~منهم إلى انه واجب بنفسه # ولهذا لما ناظرهم أبو حامد الغزالي وبين عجزهم عن إثبات كون كل جسم ممكنا ~~كما اعترفوا بأنه ليس كل جسم محدثا قال فإن قيل أن الدليل على أن الجسم لا ~~يكون واجب الوجود انه أن كان واجب الوجود PageV08P225 لم يكن له علة لا ~~خارجة عنه ولا داخلة فيه فإن كانت له علة لكونه مركبا كان باعتبار ذاته ~~ممكنا وكل ممكن مفتقر إلى واجب الوجود # اجاب بأن البرهان لم يقم على إثبات واجب الوجود بالتفسير الذي ادعيتموه ~~وانما قام بمعنى انه ليس له علة فاعلة واما كونه ليس له علة مادية أو صورية ~~فلم يقم دليل على واجب الوجود بهذا الاعتبار # قال وكل تلبيساتهم في هاتين اللفظتين واجب الوجود ممكن الوجود فلنعد إلى ~~المفهوم وهو نفي العلة يعني العلة الفاعلة واثباتها فكأنهم ms1629 يقولون أن هذه ~~الأجسام لها علة أم لا علة لها فيقول الدهري لا علة لها فما المستنكر واذا ~~عنى بالإمكان والوجوب هذا فنقول انه واجب وليس ممكنا وقولهم PageV08P226 # الجسم لا يكون واجبا تحكم لا أصل له # قال ابن رشد قد تقدم من قولنا انه إذا فهم من واجب الوجود ما ليس له علة ~~وفهم من ممكن الوجود ما له علة لم تكن قسمة الموجود بهذين الفصلين معترفا ~~بها فإن للخصم أن يقول ليس كما ذكر بل كان موجود لا علة له لكن إذا فهم من ~~واجب الوجود الموجود الضروري ومن الممكن الممكن الحقيقي أفضى الأمر ولا بد ~~إلى موجود لا علة له وهو أن يقال كل موجود فإما أن يكون ممكنا أو ضروريا ~~فان كان ممكنا فله علة فإن كانت تلك العلة من طبيعة الممكن تسلسل الأمر ~~فيقطع التسلسل بعلة ضرورية ثم يسأل في تلك العلة الضرورية إذا جوز ايضا أن ~~يكون من الضروري ما له علة وما ليس له علة فإن وضعت العلة من طبيعة الضروري ~~الذي له علة لزم التسلسل وانتهى الأمر إلى علة ضرورية ليس لها علة # قال وانما اراد ابن سينا أن يطابق بهذه القسمة رأى الفلاسفة في الموجودات ~~وذلك أن الجرم السماوي عند الجميع من الفلاسفة هو PageV08P227 # ضروري بغيره وأما هل الضروري بغيره فيه إمكان بالاضافة إلى ذاته ففيه نظر ~~ولهذا كانت هذه الطريقة مختلة إذا سلك فيها هذا المسلك فأما مسلكه فهو مختل ~~ضرورة لأنه لم يقسم الموجود اولا إلى الممكن الحقيقي والضروري وهي القسمة ~~الموجودة بالطبع للموجودات # قال ثم قال أبو حامد مجيبا للفلاسفة في قولهم أن الجسم ليس بواجب الوجود ~~بذاته لكونه له أجزاء هي علته فإن قيل لا ينكر أن يكون الجسم له أجزاء وان ~~الجملة إنما تتقوم بالاجزاء وان الأجزاء تكون سابقة في الذات على الجملة ~~قلنا ليكن كذلك فإن الجملة تقومت بالاجزاء واجتماعها ولا علة للاجزاء ولا ~~اجتماعها بل هي قديمة كذلك بلا علة فاعلية فلا يمكنهم رد هذا ms1630 إلا بما ذكروه ~~من لزوم نفي الكثرة عن الموجود الأول وقد أبطلناه عليهم ولا سبيل لهم سواه # قال فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام فلا يصل PageV08P228 لاعتقاد في ~~الصانع اصلا # قال ابن رشد هذا القول لازم لزوم لا شك فيه لمن سلك طريقة واجب الوجود في ~~إثبات موجود ليس بجسم وذلك أن هذه الطريقة لم يسلكها القدماء وانما أول من ~~سلكها فيما وصلنا ابن سينا وقد قال انها اشرف من طريقة القدماء وذلك أن ~~القدماء إنما صاروا إلى إثبات موجود ليس بجسم هو مبدأ للكل من امور متأخرة ~~وهي الحركة والزمان وهذه الطريقة تفضي اليه زعم اعني إلى إثبات مبدأ بالصفة ~~التي أثبتها القدماء من النظر في طبيعة الوجود بما هو موجود ولو أفضت لكان ~~ما قال صحيحا لكنها ليس تفضي وذلك أن واجب الوجود بذاته إذا وضع موجودا ~~فغاية ما ينتفي عنه أن يكون مركبا من مادة وصورة وبالجملة أن يكون له جزء ~~فإذا وضع موجودا مركبا من أجزاء قديمة من شأنها أن يتصل بعضها ببعض كالحال ~~في العالم وأجزائه صدق على العالم أو على اجزائه انه واجب الوجود ~~PageV08P229 # قال هذا كله إذا سلمنا أن ها هنا موجودا هو واجب الوجود وقد قلنا نحن أن ~~الطريقة التي سلكها في إثبات موجود بهذه الصفة ليست برهانية ولا تفضى ~~بالطبع اليه إلا على النحو الذي قلنا واكثر ما يلزم هذا القول اعني ضعف هذه ~~الطريقة عند من يضع ها هنا جسما بسيطا غير مركب من مادة وصورة وهو مذهب ~~المشائين لأن من يضع مركبا قديما من أجزاء بالفعل فلا بد أن يكون واحدا ~~بالذات وكل وحدة في شيء مركب فهي من قبل واحد هو واحد بنفسه اعني بسيطا ومن ~~قبل هذا الواحد صار العالم واحدا وكذلك يقول الاسكندر انه لا بد أن تكون ها ~~هنا قوة روحانية سارية في جميع اجزاء العالم كما يوجد في جميع اجزاء ~~الحيوان الواحد قوة تربط اجزاءه بعضها ببعض والفرق الذي بينهما أن الرباط ~~الذي ms1631 في العالم قديم من قبل أن الرابط قديم والرباط الذي بين أجزاء ~~PageV08P230 الحيوان ها هنا كائن فاسد بالشخص غير كائن ولا فاسد بالنوع من ~~قبل الرباط القديم من قبل أنه لم يمكن فيه أن يكون غير كائن ولا فاسد ~~بالشخص كالحال في العالم فتدارك الخالق سبحانه هذا النقص الذي لحقه بهذا ~~النوع من التمام الذي لم يكن فيه غيره كما يقوله أرسطوا في كتاب الحيوان # قال وقد رأينا في هذا الوقت كثيرا من أصحاب ابن سينا لموضع هذا الشك ~~تأولوا على ابن سينا هذا الرأي وقالوا انه ليس يرى أن ها هنا مفارقا وقالوا ~~أن ذلك يظهر من قوله في واجب الوجود في مواضع وانه المعنى الذي أودعه في ~~فلسفته المشرقية قالوا وانما سماها فلسفة مشرقية لانها مذهب اهل المشرق ~~ويرون أن الالهة عندهم هي الاجرام السماوية على ما كان يذهب اليه وهم مع ~~هذا يضعفون طريق ارسطو في إثبات المبدأ الأول من طريق الحركة # قال ونحن قد تكلمنا على هذه الطريقة غير ما مرة PageV08P231 وبينا الجهة ~~التي منها يقع اليقين بها وحللنا جميع الشكوك الواردة عليها وتكلمنا ايضا ~~على طريقة الاسكندر في ذلك أعني الذي اختاره في كتابه الملقب بالمبادئ وذلك ~~انه يظن انه عدل عن طريقة ارسطو إلى طريقة أخرى لكنها مأخوذة من المبادئ ~~التي بينها ارسطو وكلا الطريقين صحيحة لكن الطبيعة اكثر ذلك هي طريقة ارسطو # قال ولكن إذا حققت طريقة واجب الوجود عندي على ما أصف كانت حقا وان كان ~~فيها اجمال يحتاج إلى تفصيل وهو أن يتقدمها العلم بأصناف الممكنات الوجود ~~في الجوهر والعلم بأصناف الواجبة الوجود في الجوهر وهذه الطريقة هي أن نقول ~~أن الممكن الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود في الجوهر ~~الجسماني وواجب الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود ~~بإطلاق وهو الذي لا قوة فيه اصلا لا في الجوهر ولا في غير ذلك من انواع ~~الحركات وما هو هكذا فليس بجسم مثال ذلك أن الجرم السماوي ms1632 قد يظهر من أمره ~~انه واجب الوجود في الجوهر الجسماني وألا لزم أن يكون هنالك جسم اقدم منه ~~وظهر منه أنه PageV08P232 ممكن الوجود في الحركة التي في المكان فوجب أن ~~يكون المحرك له واجب الوجود في الجوهر وألا يكون فيه قوة اصلا لا علة حركة ~~ولا على غيرها فلا يوصف بحركة ولا سكون ولا بغير ذلك من انواع التغيرات وما ~~هو بهذه الصفة فليس بجسم اصلا ولا قوة في جسم واجزاء العالم الأزلية إنما ~~هي واجبة الوجود في الجوهر إما في الكلية كالحال في الاسطقسات الاربع واما ~~بالشخص كالحال في الاجرام السماوية # قلت المقصود ذكر طرق هؤلاء ومنتهى نظرهم ومعرفتهم وان خيار ما في كلام ~~ابن سينا وامثاله وانما تلقاه من طرق المتكلمين كالمعتزلة ونحوهم مع ما ~~فيهم من البدعة واما ما ذكره هذا من طريقة الفقهاء فهي أضعف وأقل فائدة في ~~العلوم الإلهية من طريقة ابن سينا بكثير فإن ابن سينا أدخل في الفلسفة من ~~المعارف الإلهية التي ركبها من طرق المتكلمين وطرق الفلاسفة والصوفية ما ~~كسا به الفلسفة بهجة ورونقا حتى نفقت على كثير أهل الملل بخلاف فلسفة ~~القدماء فإن فيها من التقصير والجهل في العلوم الإلهية ما لا يخفي على أحد # وانما كلام القوم وعلمهم في العلوم الرياضية والطبيعية وكل فاضل يعلم أن ~~كلام ارسطو وامثاله في الالهيات قليل نزر جدا قليل PageV08P233 الفائدة إذا ~~كان صحيحا مع أنه لا يوصل اليه إلا بتعب كثير مع انه يقول هذا غاية فلسفتنا ~~ونهاية حكمتنا # وهو كما قيل لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل # وهذا الذي ذكره ابن رشد في إثبات واجب الوجود مضمونة أن ممكن الوجود وهو ~~في اصطلاحه الذي ذكره عن القدماء المحدث بعد عدم يجب أن يتقدمه واجب الوجود ~~وهو القديم الذي لم يسبقه عدم # وهذا هو بعينه قول المتكلم أن المحدث مفتقر إلى قديم # ثم قال وواجب الوجود في الجوهر الجسماني يجب أن يتقدمه واجب الوجود ~~بإطلاق وهو الذي ms1633 لا قوة فيه اصلا وليس بجسم # وهذا لم يذكر عليه دليلا صحيحا # وقوله أن الفلك يظهر من أمره انه واجب الوجود أي قديم في جوهره وانه ممكن ~~الوجود في الحركة هو قول الفلاسفة الدهرية الذين يقولون أن الافلاك قديمة ~~وحركتها دائمة # وهذا لا دليل لهم عليه اصلا بل جميع ما يذكرونه من الأدلة في PageV08P234 ~~قدم العالم لا يدل شيء منها على قدم الافلاك بل غاية ما يدل على أن الله لم ~~يزل فاعلا وأنه لا بد قبل الافلاك من شيء آخر موجود ونحو ذلك مما لا يدل ~~على قدم الافلاك # ثم إذا قدر ثبوت ذلك فقوله يجب أن يكون المحرك للفلك واجب الوجود في ~~الجوهر وألا يكون فيه قوة أصلا لا على حركة ولا غيرها فلا يكون جسما أي لا ~~يقوم به فعل من الأفعال دعوى مجردة # ثم لو قدر انه لا يقوم به فعل فلم قال أن ما لا يقوم به فعل لا يكون جسما ~~ويقال غاية ما ذكره أن يكون ما قاله ممكنا فيقال كما انه يمكن ذلك فيمكن ~~نقيضه فإنه كما يجوز أن يكون المحرك له غير متحرك فالمحرك المتحرك اولى ~~بالجواز والامكان # ثم يقال بل ما ذكرته هو على نقيض قولكم أدل منه على قولكم وذلك لأن الفلك ~~إذا كان دائم الحركة وقد قررت أن المحرك له غيره فالمحرك له إما أن يكون ~~متحركا واما أن لا يكون فإن لم يكن متحركا كان محركا لغيره بدون حركة فيه # وهذا إما أن يكون ممكنا واما أن يكون ممتنعا فإن كان ممكنا بطل مذهبهم ~~وان أمكن فالفلك نفسه إما أن يكون واجبا بنفسه واما أن يكون ممكنا فإن كان ~~واجبا بنفسه وحركته ممكنة وهو محتاج في حركته PageV08P235 إلى محرك منفصل ~~كان واجب الوجود بنفسه جسما متحركا بحركة تقوم به يفتقر فيها إلى غيره # وحينئذ فيمكن أن يقال المحرك للفلك هو ايضا جسم متحرك بحركة فيه سواء ~~احتاج فيها إلى غيره أو لم يحتج واذا لم يحتج إلى غيره ms1634 كان اولى وان قيل أن ~~الفلك ممكن الوجود فلا بد له من الواجب فيكون الواجب علة موجبة له فلا بد ~~أن يكون علة تامة في الأزل له لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن كذلك # والعلة التامة لا يجوز أن يتأخر عنها شيء من معلولها فإن كان علة تامة ~~لحركة الفلك لزم وجودها في الأزل وهو ممتنع وإن لم يكن علة تامة له لم يكن ~~بد من أمر يتجدد يصير به علة تامة لحدوث ما يحدث من الحركة وذلك المتجدد إن ~~كان منه فقد بطل قولهم وإن كان من الممكن كان قولهم أبطل وأبطل فإن من ~~الممكن لابد أن يكون له من الواجب إذ لا شىء له من نفسه # وهذا يصلح أن يكون حجة في هذه المسألة وهو أن الحركة الدائمة في الفلك ~~إذا كانت صادرة عن موجب فالموجب لها إن كان علة تامة لها في الأزل لم يتأخر ~~عنها شىء من معلولها وان لم تكن تامة في الأزل صار موجبا بعد أن لم يكن # وذلك التمام أن كان له من نفسه كان متحركا وهو خلاف ما زعموه وان كان من ~~غيره كان واجب الوجود بنفسه مفتقرا في تمام فعله إلى غيره PageV08P236 # وهذا أعظم عليهم وهو أن يكون متحركا بحركة من غيره # واذا قيل نقول في صدور الفعل الدائم الذي في الفلك عن الواجب ما يقال لو ~~كان ذلك الفعل في الواجب # قيل الفعل إذا كان قائما في الواجب بنفسه لم يكن على هذا القول يمتنع أن ~~تقوم به الأفعال التي تتعلق بمشيئته وقدرته ولا يكون مفتقرا في شيء بن ذلك ~~إلى شيء من مخلوقاته بل كل ما سواه فقير اليه # واما على قولهم فهم يقولون انه يمتنع أن يقوم بالمبدأ الأول شيء من ~~الأفعال ويقولون أن الفعل الدائم القائم بالفلك صادر عنه شيئا بعد شيء # فيقال لهم الفلك أن كان واجبا بنفسه فقد قام بالواجب بنفسه حركات شيئا ~~بعد شيء فامتنع أن يقولوا أن الواجب بنفسه لا تقوم به ms1635 الأفعال وان كان ~~الفلك ليس واجبا بنفسه بل ممكن بنفسه فهو صادر عن الأول ذاته وصفاته ~~وأفعاله # فإذا قدر قديما لزم أن يكون المقتضي التام له قديما والفلك الممكن قابل ~~للحركة شيئا بعد شيء فلا بد له من واجب والحركة ممكنة لا واجبة بنفسها فلا ~~بد لها من فاعل يفعلها شيئا بعد شيء فإذا قدر الفاعل الفلك ففاعلية الفلك ~~ممكنة فإذا حدثت شيئا بعد شيء لم يكن PageV08P237 لها بد من فاعل وحدوث ~~الحوادث شيئا بعد شيء عن علة تامة في الأزل لا يتأخر عنها شيء من موجبها ~~ممتنع فوجب أن يكون الموجب لحدوث تلك الحوادث امرا يتعلق بالواجب وذلك من ~~لوازم الواجب لا يفتقر إلى غير الواجب وما منه بخلاف ما يقوم بالممكن فإن ~~الممكن نفسه مفتقر إلى غيره فما فيه اولى أن يفتقر إلى غيره # وهذا قد بسط في موضع آخر وبين انهم يلزمهم التناقض وفساد قولهم سواء قدر ~~الفلك واجبا بنفسه أو قدر ممكنا واجبا بغيره # والمقصود هنا إنما كان التنبيه على طريق الطوائف في إثبات الصانع وان ما ~~يذكره اهل البدع من المتكلمة والمتفلسفة فإما أن يكون طويلا لا يحتاج اليه ~~أو ناقصا لا يحصل المقصود وان الطرق التي جاءت بها الرسل هي أكمل الطرق ~~وأقربها وأنفعها وان ما في الفطرة المكملة بالشرعة المنزلة يغني عن هذه ~~الأمور المحدثة وان سالكيها يفوتهم من كمال المعرفة بصفات الله تعالى ~~وأفعاله ما ينقصون به عن أهل الإيمان نقصا عظيما إذا عذروا بالجهل وألا ~~كانوا من المستحقين للعذاب إذا خالفوا النص الذي قامت عليهم به الحجة فهم ~~بين محروم ومأثوم PageV08P238 # وهذه الطرق التي أخذها ابن سينا عن المتكلمين من المعتزلة ونحوهم وخلطها ~~بكلام سلفه الفلاسفة صار بسبب ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة ~~يستطيل بها على المسلمين ويجعل القول الذي قاله هؤلاء هو قول المسلمين وليس ~~الأمر كذلك وانما هو قول مبتدعتهم وهكذا عمل اخوانه القرامطة الباطنية ~~صاروا يلزمون كل طائفة من طوائف المسلمين بالقدر الذي وافقوهم عليه مما ms1636 هو ~~مخالف للنصوص ويلزمونهم بطرد ذلك القول حتى يخرجوهم عن الإسلام بالكلية # ولهذا كان لهؤلاء وأمثالهم نصيب من حال المرتدين الذين قال الله تعالى ~~فيهم @QB@ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم @QE@ سورة المائدة 54 ولهذا آل الأمر بكثير من هؤلاء ~~إلى عبادة الاوثان والشرك بالرحمن مثل دعوة الكواكب والسجود لها أو التصنيف ~~في ذلك كما صنفه الرازي وغيره في ذلك # والذي أحدثه الفلاسفة كابن سينا وامثاله عن المعتزلة منه ما هو صحيح ومنه ~~ما هو باطل فالصحيح كقولهم أن تخصيص شيء دون PageV08P239 شيء بالحدوث في ~~وقت دون وقت لا بد له من مخصص والباطل نفى الصفات # وركب ابن سينا من الامرين ما دار به على المعتزلة ونحوهم من المتكلمين ~~ولم يقتصر على مجرد ما قالوه بل وسع القول فيه حتى وصله بكلام سلفه الدهرية # فالأول وهو أن تخصيص الحدوث بوقت لا بد له من مخصص ضم اليه أن كل ممكن ~~وان كان قديما لا يترجح إلا بمرجح وبنى على ذلك إثبات واجب الوجود # وهي الطريقة التي أحدثها في الفلسفة وهي مركبة من كلام الفلاسفة ~~والمعتزلة والمعتزلة لا تقتصر في أن التخصيص لا بد له من مخصص على تخصيص ~~الحدوث بل تقول ذلك فيما هو أعم من ذلك ولا تفرق بين الاختصاص الواجب ~~والاختصاص الممكن # وابن سينا وافقهم على ذلك فتناقضت عليه اصوله واما الأصل الفاسد الذي ~~اخذه عنهم فهو نفي الصفات ولما كانت المعتزلة تنفي الصفات وتسمي اثباتها ~~تجسيما والتجسيم تركيبا ويقولون أن المركب لا بد له من مركب فلا يكون مركبا ~~فلا يكون PageV08P240 جسما لأن الجسم مركب فلا يقوم به صفة لان الصفة لا ~~تقوم إلا بجسم ولا يكون فوق العالم لانه لا يكون فوق العالم إلا جسم # ولا يرى في الآخرة لأن الرؤية إنما تقع على جسم أو عرض في جسم # وكلامه مخلوق لانه لو ms1637 قام به الكلام لكان جسما # اخذ ابن سينا وامثاله هذه الاصول وألزموهم ما هو ابلغ من ذلك فزاد في نفي ~~الصفات عليهم حتى كان أظهر تعطيلا منهم بل ابلغ تعطيلا من الجهم رأس نفاة ~~الصفات وخالف ابن سينا وامثاله المعتزلة في امور بعضها اصابوا في مخالفتهم ~~وبعضها اخطأوا في مخالفتهم لكن الذي اصابوا فيه منه ما صاروا يحتجون به على ~~باطلهم لضعف طريق المعتزلة الذي به يردون باطلهم # وهذا الذي ذكرته يجده من اعتبره في كتب ابن سينا كالاشارات وغيرها ويتبين ~~للفاضل انه إنما بنى الحاده في قدم العالم على نفي الصفات فإنهم لما نفوا ~~الصفات والافعال القائمة بذاته وسموا ذلك توحيدا ووافقهم ابن سينا على ~~تقرير هذا النفي الذي سموه توحيدا بين امتناع القول بحدوث العالم مع هذا ~~الأصل واظهر تناقضهم PageV08P241 # ولكن قوله في قدم العالم افسد من قولهم ويمكن اظهار تناقض قوله اكثر من ~~اظهار تناقض اقوالهم فلهذا تجده في مسألة قدم العالم يردد القول فيها ويحكي ~~كلام الطائفتين وحجتهم كأنه أجنبي ويحيل الترجيح بينهما إلى نظر الناظر مع ~~ظهور ترجيحه لقول القائلين بالقدم # وأما مسألة نفي الصفات فيجزم بها ويجعلها من المقطوع به الذي لا تردد فيه ~~فإنهم يوافقون عليها وهو بها تمكن من الاحتجاج عليهم في قدم العالم وبها ~~تمكن من انكار المعاد وتحريف الكلم عن مواضعه وقال نقول في النصوص الواردة ~~في المعاد كما قلتم في النصوص الواردة في الصفات وقال كما أن الكتب الإلهية ~~ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في التوحيد يعني التوحيد الذي ~~وافقته عليه المعتزلة وهو نفي الصفات بناء على نفي التجسيم والتركيب فكذلك ~~ليس فيها بيان ما هو الحق في نفس الأمر في امر المعاد وبنى ذلك على أن ~~الافصاح بحقيقة الأمر لا يمكن خطاب الجمهور به وانما PageV08P242 يخاطبون ~~بنوع من التخييل والتمثيل الذي ينتفعون به فيه كما تقدم كلامه # وهذا كلام الملاحدة الباطنية الذين الحدوا في اسماء الله واياته وكان ~~منتهى أمرهم تعطيل الخالق وتكذيب رسله ms1638 وابطال دنيه ودخل في ذلك باطنية ~~الصوفية اهل الحلول والاتحاد وسموه تحقيقا ومعرفة وتوحيدا ومنتهى أمرهم هو ~~الحاد باطنية الشيعة وهو انه ليس إلا الفلك وما حواه وما وراء ذلك شيء # وكلام ابن عربي صاحب فصوص الحكم وامثاله من الاتحادية القائلين بوحدة ~~الوجود يدور على ذلك لمن فهمه ولكن يسمون هذا العالم الله فمذهبهم في ~~الحقيقة مذهب المعطلة كفرعون وأمثاله ولكن هؤلاء يطلقون عليه هذا الاسم ~~بخلاف أولئك وايضا فقد يكون جهال هؤلاء وعوامهم يعتقدون انهم يثبتون خالقا ~~مباينا للمخلوق مع قولهم بالوحدة والاتحاد كما رأينا منهم طوائف مع ما دخلا ~~فيه من العلم والدين لا يعرفون حقيقة مذهب هؤلاء لما في ظاهره من الإقرار ~~بالصانع ورسله ودينه وإنما يعرف ذلك من كان ذكيا خبيرا بحقيقة مذهبهم ومن ~~كان كذلك فهو أحد رجلين إما مؤمن عليم أن هذا يناقض الحق وينافى دين ~~الإسلام فذمهم وعاداهم وإما ذنديق منافق علم حقيقة PageV08P243 أمرهم وأظهر ~~ما يظهرون وكان من أئمتهم فهذا وأمثاله من جنس آل فرعون الذين جعلوا ائمة ~~يدعون إلى النار # والاول من اتباع الرسل والانبياء كآل إبراهيم الذين جعلهم الله ائمة ~~يهدون بأمره # وهذا الذي ذكرته لك من حال هؤلاء يتبين لكل مؤمن ذكي رأى كتبهم وتبني له ~~مقصودهم فما ذكرته عن ابن سينا مذكور في كتابه الاشارات الذي هو زبدة ~~الفلسفة عندهم الذي قال في خاتمته ايها الاخ اني مخضت لك في هذه الاشارات ~~عن زبد الحق وألقمتك نقي الحكم في لطائف الكلم فصنه عن المبتذلين والجاهلين ~~ومن لم يرزق الفطنة الوقادة والروية والسعادة وكان صغاه مع الغاغة أو كان ~~من ملاحدة هؤلاء المتفلسفة ومن PageV08P244 هجمهم فإن وجدت من تثق بنقاء ~~سريرته واستقامة سيرته أو بتوقفه عما يفزع اليه الوسواس وينظر إلى الحق ~~بعين الرضا والصدق فآته ما يسألك منه مدرجا مجزأ مفرقا تستفرس ما تسلفه لما ~~تستأنفه وعاهده بالله وبالايمان التي لا مخرج له منها أن يجري فيما تؤتيه ~~مجراك متأسيا بك فإن أذعت هذا العلم وأضعته فالله بيني ms1639 وبينك # وبهذه الوصية اوصى الرازي في شرحه له كما وصى بذلك في كلامه على حديث ~~المعراج لما شرحه بنظير شرح هؤلاء له وهذا من جنس وصايا القرامطة الملاحدة ~~في البلاغ الاكبر والناموس الاعظم # والمقصود هنا أن ابن سينا في هذا الكتاب الذي عظمه لما تكلم على افعال ~~الرب تعالى وصفاته سلك ما ذكرته لك عنه كما قد ذكرنا في PageV08P245 غير ~~هذا الموضع لما ذكر النزاع في مسألة الصنع والابداع وحدوث العالم # قال في آخره فهذه هي المذاهب واليك الاعتبار بعقلك دون هواك بعد أن تجعل ~~واجب الوجود واحدا # والرازي لم يعرف وجه وصيته فقال أن كان المقصود منه الأمر بالثبات على ~~التوحيد فإنه يكون كلاما أجنبيا عن مسألة الحدوث والقدم وان كان المقصود ~~منه إنما هي المقدمة التي يظهر منها الحق في مسألة القدم والحدوث فهو ضعيف ~~لأن القول بوحدة واجب الوجود لا تأثير له في ذلك أصلا لأن القائلين بالقدم ~~يقولون ثبت اسناد الممكنات بأسرها إلى واجب الوجود لذاته فسواء كان الواجب ~~وحدا أو أكثر من واحد لزم من كونه واجبا دوام آثاره وأفعاله وأما القائلون ~~بالحدوث فلا يتعلق شيء من أدلتهم بالتوحيد والتثنية فثبت انه لا تتعلق ~~مسألة القدم والحدوث بمسألة التوحيد # قلت ليس مراد ابن سينا بالتوحيد التوحيد الذي جاءت به الرسل وهو عبادة ~~الله وحده لا شريك له مع ما يتضمنه من أنه لا رب لشيء من الممكنات سواه فإن ~~اخوانه من الفلاسفة من أبعد الناس عن هذا PageV08P246 التوحيد إذ فيهم من ~~الاشراك بالله تعالى وعبادة ما سواه واضافة التأثيرات إلى غيره بل ما هو ~~معلوم لكل من عرف حالهم ولازم قولهم اخراج الحوادث كلها عن فعله وانما ~~مقصوده التوحيد الذي يذكره في كتبه وهو نفي الصفات وهو الذي شارك فيه ~~المعتزلة وسموه ايضا توحيدا # وهذا النفي الذي سموه توحيدا لم ينزل به كتاب ولا بعث به رسول ولا كان ~~عليه أحد من سلف الأمة وائمتها بل هو مخالف لصريح المعقول مع مخالفته لصحيح ~~المنقول # والمقصود ms1640 منه وجه ارتباطه بمسألة الحدوث والقدم وذلك أن الأصل الذي بنى ~~عليه حجته في مسألة القدم أنه كيف تحدث السموات بعد أن لم تكن محدثة من غير ~~حدوث أمر وهذا إنما يكون على قول نفاة الصفات والافعال القائمة به الذين ~~يقولون انه لا يقوم به فعل يتعلق بمشيته ومقدرته وألا فعلى قول اهل الاثبات ~~تبطل حجته # وأيضا فمقصوده تمهيد اصله في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهذا إنما ~~يتم إذا اثبت موجودا مجردا لا صفة له ولا نعت وألا فإذا كان الخالق موصوفا ~~بصفات متنوعة كالعلم والقدرة والكلام والمشيئة PageV08P247 والرحمة وبأفعال ~~متنوعة كالخلق والاستواء ونحو ذلك لم يكن واحدا عندهم بل كان مركبا وجسما # وحينئذ فيقال لهم هذا الذي تسمونه واحدا لا حقيقة له في الخارج وانما هو ~~أمر يقدر في الاذهان لا يوجد في الاعيان وهو نظير الواحد البسيط الذي ~~يجعلون منه تتركب الانواع فإن هذا الواحد الذي يثبتونه في الكليات ويقولون ~~انه منه تتركب الانواع الموجودة هو نظير الواحد الذي يثبتونه في الالهيات ~~ويقولون هو مبدأ الوجود وكلاهما لا حقيقة له في الخارج وانما هو يقدره ~~الذهن كما يقدر الكليات المجردة عن الأعيان وكما يقدر بعدا مجردا ودهرا ~~مجردا ومادة مجردة كما يقوله شيعة أفلاطن ومن وافقهم # بل هذه الأمور اقرب إلى وجودها في الخارج من ذلك الواحد الذي يقدرونه إما ~~الواحد الكلي البسيط الذي تتركب منه الانواع في حدودها وحقائقها واما ~~الواحد المعين الذي تصدر عنه الموجودات ومتى بطل واحدهم هذا بطل توحيدهم ~~فبطل نفيهم للصفات وبطل قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فبطل قولهم في ~~الأفعال فبطل ما قرروه في قدم العالم وبطل ما احتجوا به على ذلك من الحجة ~~حيث قالوا كيف يصدر عنه ما لم يكن صادرا من غير قيام امر متجدد PageV08P248 ~~به فكان ابطال ما الحدوا به في توحيد الله تعالى يهدم اصول ضلالهم # وايضا فالمقالات التي أبطلها ابن سينا في مسألة حدوث العالم وقدمه بنى ~~ابطالها على هذا التوحيد ms1641 الذي هو نفي الصفات فكان هذا عصمته التي لا بد له ~~منها # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن ابن سينا ذكر مقالات الناس في مسألة ~~الحدوث والقدم ولم يذكر مقالة اساطين الفلاسفة المتقدمين كما لم يذكر مقالة ~~الأنبياء والمرسلين والمقالات التي حكاها من الباطل إنما احتج على ابطالها ~~بما لا حجة له فيه فقال اوهام وتنبيهات قال قوم أن هذا الشيء المحسوس موجود ~~لذاته واجب لنفسه لكنه إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا ~~المحسوس واجبا وتلوت قوله تعالى @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ سورة الانعام 76 ~~فإن الهوي في حظيرة الإمكان أفول ما PageV08P249 # قلت وهذا القول هو قول القائلين بقدم العالم وأنه واجب بنفسه ليس له موجب ~~آخر هو الظاهر المشهور من مذاهب الدهرية واليه يعود كلام محققيهم ولهذا كان ~~أئمة الكلام القدماء من المعتزلة والاشعرية وغيرهم كأبي على الجبائي ~~وأمثاله وكالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلي وأمثالهما لا يذكرون عن الدهرية ~~إلا هذا القول # واما القول الذي ذكره ابن سينا وهو أنه معلول علة واجبة ابدعته فهذا قوله ~~وقول امثاله من الفلاسفة وقد حكى هذا القول عن برقلس وقد نازعه فيه اخوانه ~~الفلاسفة وهو لم يذكر له عليهم حجة مستقيمة وانما احتج عليهم بما ذكره في ~~توحيد واجب الوجود وانه لا يكون موصوفا بصفات فتكون فيه كثرة ولا يكون جسما ~~فتكون فيه كثرة ونفي الانواع الخمسة التي سماها تركيبا كتركيب الجسم من ~~اجزائه الحسية الجواهر المفردة ومن أجزائه العقلية وهي المادة والصورة ومن ~~الذات والصفات ومن العام والخاص ومن الوجود والماهية PageV08P250 # ولهذا بين أبو حامد الغزالي وغيره من المسلمين بل وابن رشد وامثاله من ~~الفلاسفة فساد ما ذكروه في هذا التوحيد وبطلان ما نفوه من هذه المعاني التي ~~سموها تركيبا وأنه لا حجة لهم على ذلك أصلا إلا ما توهموه من مدلول لفظ ~~واجب الوجود بالمعنى الذي تصوروه لا بالمعنى الذي قام عليه الدليل فكان ~~مبنى حجتهم على ألفاظ مجملة إذا بينت ظهر فساد كلامهم ms1642 # ولهذا احتاج ابن سينا في مسألة إثبات الصانع إلى توحيده فضلا عن إثبات ~~افعاله قال وقال آخرون بل هذا الوجود المحسوس معلول ثم افترقوا فمنهم من ~~زعم أن أصله وطينته غير معلولين لكن صنعته معلولة وهؤلاء قد جعلوا في ~~الوجود واجبين وأنت خبير باستحالة ذلك ومنهم من جعل وجوب الوجود لشيئين أو ~~لعدة اشياء وجعل غير ذلك من ذلك وهؤلاء في حكم الذين من قبلهم # فيقال له الذين جعلوا الوجود لشيئين أو عدة اشياء يدخل فيهم من جعل أصله ~~وطينته غير معلومين فإن ما لم يكن معلولا كان واجبا لنفسه فهؤلاء جنس واحد ~~حيث جعلوا واجب الوجود أكثر من PageV08P251 واحد ومع هذا فحجتك على ابطال ~~قولهم قد عرف ضعفها ولكن الفرق بين هؤلاء وهؤلاء أن هؤلاء يجعلون الصانع ~~اكثر من واحد فيقولون بالتعدد في الصانع وأولئك إذا اثبتوا اصلا وطينة غير ~~معلولة فلا يجعلونها فاعلة صانعة بل قابلة للفاعل فهؤلاء يقولون أن الفاعل ~~للعالم واجب بنفسه وهؤلاء يدخل فيهم من قال بقولهم كابن زكريا المتطبب حيث ~~قالوا القدماء خمسة وسبب حدوث العالم عشق النفس للهيولي فإن هؤلاء يقولون ~~بقدم مادة العالم ومكانه وزمانه والنفس # وكان ابن سينا ذكر هذا القول وذكر قول المجوس الذين يقولون بقدم النور ~~والظلمة فهذان القولان متشابهان من بعض الوجوه فإن هذا يقول سبب حدوث ~~العالم اختلاط النور والظلمة وهذا يقول سببه عشق النفس للهيولي ثم ذكر قول ~~المتكلمين وقول اصحابه فلم يذكر إلا هذه الأقوال الاربعة واما قول ائمة ~~الفلاسفة واساطينهم القدماء فلم يذكره كما لم يذكر قول الأنبياء وسلف الأمة # وحينئذ فيقال مذهب جمهور الفلاسفة أن اصل العالم معلول عن الواجب بنفسه ~~والعالم مع ذلك محدث الصورة فهؤلاء لا يقولون بتعدد الواجب ولا يقولون بقدم ~~العالم ولا يقولون بأن طينته غير PageV08P252 معلولة وهذا القول لم يذكره ~~في نقله للمقالات مع أنه من أشهر الأقوال عن أساطين الفلسفة وهو أظهر ~~اقوالهم في الحجة والدليل فإنه لا يرد عليه ما يرد على غيره ولا يمكنه أن ms1643 ~~يحتج على فساد قول هؤلاء بما احتج به على فساد قول غيرهم بل حجته الصحيحة ~~لا تدل إلا على قول هؤلاء فإنهم يمكنهم أن يثبتوا للحوادث سببا حادثا ولا ~~يجعلون الفاعل معطلا عن الفعل ولا يقولون بقدم الافلاك وحدوث حوادثها من ~~غير سبب حادث ولا يخالفون النصوص المشهورة عن الأنبياء صلوات الله عليهم ~~وسلامه فكان قولهم اقرب إلى العقل والنقل من الأقوال التي ذكرها # قال ومنهم من وافق على أن واجب الوجود واحد ثم افترقوا فقال فريق منهم ~~انه لم يزل ولا وجود لشيء عنه ثم ابتدأ وأراد وجود شيء عنه ولولا هذا لكانت ~~احوال متجددة من أصناف شتى في الماضي لا نهاية لها موجودة بالفعل لأن كل ~~واحد منها وجد فالكل وجد فيكون لما لا نهاية له من امور متعاقبة كلية ~~منحصرة في الوجود قالوا وذلك محال وان لم تكن كلية حاصرة لاجزائها معا ~~فإنها في حكم ذلك وكيف يمكن أن تكون حال من هذه الاحوال PageV08P253 توصف ~~بأنها لا تكون إلا بعد مالا نهاية له فتكون موقوفة على مالا نهاية له فيقطع ~~اليها ما لا نهاية له ثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الاحوال وكيف يزداد ~~عدد مالا نهاية له ومن هؤلاء من قال أن العالم يوجد حين كان اصلح لوجوده ~~ومنهم من قال لم يمكن وجوده إلا حين وجد ومنهم من قال لا يتعلق وجوده بحين ~~وشيء آخر بل بالفاعل ولا يسأل عن لم فهؤلاء هؤلاء # قال وبإزاء هؤلاء قوم من القائلين بوحدانية الأول يقولون أن واجب الوجود ~~بذاته واجب الوجود في جميع صفاته وأحواله الأزلية وانه ليس يتميز في العدم ~~الصريح حال الأولى به فيها أن لا يوجد شيئا أو بالاشياء أن لا توجد عنه ~~أصلا وحال بخلافها ولا يجوز أن تسنح له إرادة متجددة إلا لداع وان ~~PageV08P254 تسنح جزافا وكذلك لا يجوز أن تسنح طبيعة أو غير ذلك بلا تجدد ~~حال وكيف تسنح إرادة لحال تجددت وحال حال ما يتجدد كحال ما يمهد له التجدد ms1644 ~~فيتجدد واذا لم يكن تجدد كانت حاله ما لم يتجدد شيء حالا واحدة مستمرة على ~~نهج واحد وسواء جعلت التجدد لأمر تيسر أو لأمر زال مثلا لحسن من الفعل وقتا ~~ما أو تيسر أو وقت معين أو غير ذلك مما عد أو لقبح كان بكون له قد زال أو ~~عائق أو غير ذلك كان فزال # قالوا فإن كان الداعي إلى تعطيل واجب الوجود عن افاضة الخير والجود هو ~~كون المعلول مسبوق العدم لا محالة فهذا الداعي PageV08P255 ضعيف قد انكشف ~~لذوي الأبصار ضعفه على أنه قائم في كل حال وليس في حال بأولى بإيجاب السبق ~~من حال وأما كون المعلول ممكن الوجود في نفسه واجب الوجود بغيره فليس يناقض ~~كونه دائم الوجود بغيره كما نبهت عليه # وأما كون غير المتناهي كلا موجودا ككون كل واحد وقتا ما موجودا فهو توهم ~~خطأ فليس إذا صح على كل واحد حكمه صح على كل محصل وألا لكان يصح أن يقال ~~الكل من غير المتناهي يمكن أن يدخل في الوجود لأن كل واحد يمكن أن يدخل في ~~الوجود فيحمل الإمكان على الكل كما حمل على كل واحد # قالوا ولم يزل غير المتناهي من الاحوال التي يذكرونها معدوما إلا شيئا ~~بعد شيء وغير المتناهي المعدوم قد يكون فيه اكثر وأقل ولا يثلم ذلك كونها ~~غير متناهية في العدم # وأما توقف الواحد منها على أن يوجد قبله مالا نهاية له أو احتياج شيء ~~منها إلى أن ينقطع اليه ما لا نهاية له فهو قول كاذب فإن معنى قولنا كذا ~~توقف على كذا هو أن الشيئين وصفا معا بالعدم PageV08P256 والثاني لم يكن ~~يصح وجوده إلا بعد وجود المعلول الأول وكذلك الاحتياج ثم لم يكن البتة ولا ~~في وقت من الاوقات يصح أن يقال أن الاخير كان متوقفا على وجود ما لا نهاية ~~له أو محتاجا إلى أن يقطع اليه ما لا نهاية له بل أي وقت فرضت وجدت بينه ~~وبني كون الاخير اشياء متناهية ففي جميع الاوقات هذه ms1645 صفته لا سيما والجميع ~~عندكم وكل واحد واحد فإن عنيتم بهذا التوقف أن هذا لم يوجد إلا بعد وجود ~~أشياء كل واحد منها في وقت آخر لا يمكن أن يحصى عددها وذلك محال فهذا نفس ~~المتنازع فيه انه ممكن أو غير ممكن فكيف يكون مقدمة في ابطال نفسه أبأن ~~يغير لفظها بتغيير لا يتغير به المعنى قالوا فيجب من اعتبار ما نبهنا عليه ~~أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب إلى الاوقات والأشياء ~~الكائنة عنه كونا أوليا وما يلزم من ذلك الاعتبار لزوما ذاتيا إلا ما يلزم ~~من اختلافات يلزم عندها فيتبعها التغير PageV08P257 # قال فهذه هي المذاهب واليك الاعتبار بعقلك دون هواك # هذا جملة كلامه فهذا الكلام قد ذكر فيه قول المعتزلة ونحوهم من أهل ~~الكلام وقوله وقول امثاله من الفلاسفة وذكر حجة المعتزلة المعروفة عندهم ~~وهو دليل الاعراض المبني على ابطال حوادث لا تتناهى وذكر حجته في أن تخصيص ~~حال دون حال بالفعل لا بد له من مخصص فإذا كانت الاحوال متساوية لزم انتفاء ~~المخصص فينتفي التخصيص فينتفي ما ذكروه من الحدوث # وهذه الحجة مادتها من كلام المعتزلة الصحيح حيث أخذ عنهم أن التخصيص بوقت ~~دون وقت لا بد له من مخصص وهم بنوا على ذلك إثبات الصانع وهو على ذلك بنى ~~إثبات واجب الوجود لكن نقل ذلك إلى الممكن الذي ليس له من نفسه وجود ~~فتخصيصه بالوجود دون العدم وبالعدم دون الوجود كتخصيص الحدوث بوقت دون وقت # وقد عرف أن هذا الكلام مادته من كلام المعتزلة والفلاسفة PageV08P258 ~~جميعا وأن الصواب الذي فيه وهو امتناع تخصيص المحدث أو الممكن بلا مخصص هو ~~من كلام المعتزلة الذي وافقهم عليه والخطأ الذي فيه بعضه منهم وأكثره منه ~~فإنه ألزم المعتزلة بطرد هذا الأصل فلما لم يطردوه نقض قولهم # وحينئذ فيقال له بطلان قول المعتزلة لا يستلزم صحة قولك إلا لو لم يمكن ~~قول إلا قولك وقولهم فكيف وأقاويل ائمة الفلاسفة ليست من القولين وكذلك ~~الأقوال التي عليها ائمة السنة والحديث ms1646 ليست من القولين # والاقوال الموجودة في الكتب الإلهية التوراة والقرآن اللذين لم يأت من ~~عند الله تعالى كتاب أهدى منهما ليست واحدا من القولين فإذا قدر بطلان قول ~~معين لم يلزم صحة قولك فكيف إذا كان ما أفسدت به قول المعتزلة يبطل أيضا ~~قولك فقولك أفسد من قولهم إن كان قولهم فاسدا وكذلك أن كان صحيحا فهو فاسد ~~على كل تقدير # وذلك أن عمدتك على بطلان قولهم انه يمتنع أن يختص وقت دون وقت بالحدوث ~~بلا سبب مخصص حادث PageV08P259 # فيقال لك وأنت تقول أن الحوادث كلها تحدث بلا سبب حادث وعلى قولك فكل ~~حادث حادث في وقت من الاوقات فإن ذلك الوقت اختص بالحدوث بلا سبب مخصص حادث ~~فألزمهم اختصاص وقت من الاوقات بالحدوث دون سائر الاوقات بلا مخصص وأنت ~~يلزمك اختصاص كل وقت بما يحدث فيه من الحوادث بلا سبب مخصص واختصاص كل حادث ~~بصفته وقدره بلا سبب مخصص واختصاص كل حادث بوقته بلا سبب مخصص وحدوث جميع ~~الحوادث بلا سبب مقتض للحدوث فهم أن كان ما التزموه باطلا فقد التزمت ~~اضعافه فيكون قولك أفسد وان لم يكن باطلا بطلت حجتك على ابطال قولهم فتبين ~~أن ابطالك لقولهم مع اعتقادك لما تعتقده باطل على كل تقدير وعلم أن الاصول ~~الصحيحة التي وافقتهم عليها هي على بطلان قولك ادل منها على بطلان قولهم ~~والاصول الفاسدة التي وافقوك عليها إذا كانوا قد تناقضوا فيها ولم يطردوها ~~فأنت أعظم تناقضا في عدم طردك لأصولك مطلقا صحيحها وفاسدها # وبيان ذلك انه قد قال يجب أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب ~~إلى الاوقات والأشياء الكائنة عنه كونا أزليا وما يلزم من ذلك لزوما ذاتيا ~~إلا ما يلزم من اختلافات يلزم عندها فيتبعها التغير يعني حركة الفلك وما ~~يتبعها من التغير PageV08P260 # فيقال له إذا لم يكن مختلف النسب إلى الاوقات والأشياء الكائنة عنه كونا ~~أزليا واللازمة من ذلك لزوما ذاتيا كما يقوله في لزوم الفلك عنه وما يقدره ~~علة للفلك من العقول أو ms1647 غيرها فاللازم لهذه اللوازم إما أن يكون لازما لها ~~لا ينفك عنها في وقت من الاوقات أو لازما لها في حال دون حال # فإن كان لازما لها في كل الاوقات وجب أن لا يحدث شيء وان لا يكون تغير ~~اصلا # وان كان لازما لها في وقت دون وقت فقد اختلفت نسبة لوازمه إلى الاوقات ~~والامور الحادثة في الاوقات حيث حدث عن لوازمه في هذا الوقت ما لم يحدث في ~~هذا الوقت واذا اختلفت نسبة اللوازم إلى الاوقات والحوادث لزم أن تختلف ~~نسبته إلى الاوقات والحوادث لأن الأمور الكائنة عنه كونا أزليا وما يلزمها ~~لزوما ذاتيا نسبتها إلى جميع الاوقات والحوادث كنسبته لأنه لو كانت نسبتها ~~إلى الاوقات والحوادث تخالف نسبته لكانت حالها في بعض الاوقات والحوادث ~~مخالفا لحاله ولكانت مختصة في بعض الأوقات بمعنى منتف عنها في اوقات اخر # وذلك تخصيص لبعض الاوقات دون وقت آخر بحدوث حادث فيه PageV08P261 # فإن جاز تخصيص وقت دون وقت بحدوث من غير سبب حادث بطل أصل الكلام # وان لم يجز ذلك لزم أن يكون اختصاص لوازمه بحدوث حادث فيها أو منها بوقت ~~دون وقت إنما كان لاختصاصه هو بحدوث حادث فيه أو منه لوقت دون وقت وألا لم ~~تكن تلك اللوازم لوازم له # فلا بد من أحد أمرين # إما أن تكون تلك الأمور اللازمة له ليست لازمة فتكون الحوادث حدثت عنه ~~ابتداء بدون وسائط وهذا أشد ابطالا لقولهم # واما أن تكون تلك الأمور اللازمة له لا تختص في وقت دون وقت بحدوث حادث ~~فيها أو منها إلا لتخصيصه لها بذلك إذ لو اختصت بدون تخصيصه للزم الحدوث ~~بلا محدث وهو ممتنع # ومتى كان تخصيص اللوازم بحدوث حادث فيها أو منها إنما هو لتخصيصها لها ~~بذلك كانت نسبته إلى الاوقات والحوادث نسبة مختلفة كنسبة اللوازم # وهذا أمر لا محيد لهم عنه وهو يبين بطلان قولهم بيانا ضروريا لمن فهمه إذ ~~اصل قولهم حدوث التغير عما لا يتغير وهذا يناقض ما قالوه # فهم بين امرين أن ms1648 جوزوا حدوث متغير عن غير متغير لم يمكنهم PageV08P262 ~~إبطال قول المعتزلة ونحوهم الذين يقولون بحدوث جميع الحوادث من غير حدوث ~~سبب بل بمجرد القدرة أو القدرة والإرادة التي لم تزل ولا تزال على حال ~~واحدة # وإن لم يجوزوا حدوث متغير عن غير متغير بطل قولهم كله فإن الفلك متغير ~~مختلف هو في نفسه مختلف القدر والصفات وهو متغير عندهم بما يحدث فيه من ~~الحركات وهذا التغير صادر عما لا يتغير عندهم سواء قالوا هو صادر عن العقل ~~الذي لا يتغير كما يقوله ابن سينا وأمثاله أو صادر عن الواجب بنفسه الذي لا ~~يتغير كما يقوله ابن رشد وأمثاله أو صادر عن الواجب بتوسط العقل كما يقوله ~~النصير الطوسي وأمثاله أو مهما قالوه من جنس هذه المقالات فلا بد على كل ~~تقدير أن يلزمهم حدوث متغير عن غير متغير # وحينئذ فبطلت حجتهم على المعتزلة وكانوا أكثر التزاما للباطل الذي قرروا ~~أنه باطل وأبطلوا به قول المعتزلة وذلك أنهم يجعلون جنس الحركات والحوادث ~~كلها حدثت بلا محدث أصلا لأن العلة القديمة الأزلية لا يتأخر عنها شيء من ~~معلولاتها ولوازمها فكل ما تأخر عنها فليس من موجبها لا بوسط ولا بغير وسط ~~وتلك الحوادث لم تحدث PageV08P263 عن واجب آخر بالاتفاق والضرورة فيلزم أن ~~لا يكون للحوادث كلها محدث وأن لا يكون الرب تعالى محدثا لشيء من الحوادث # وفي هذا من تعطيل الصنع عن الصانع وتعطيل الصانع عن الصنع ما هو أعظم من ~~كل قول قاله غيرهم فإنهم يشنعون على المعتزلة ونحوهم بأنكم إذا قلتم بحدوث ~~العالم عطلتم الصانع في أزله عن الصنع # فيقال لهم أنتم عطلتم الصانع دائما عن صنع شيء من الحوادث على ما هو بين ~~ظاهر لكل من تدبر هذا فقد عطلتموه عن أن يحدث شيئا من الخير والإحسان أزلا ~~وأبدا # وأما صنعة اللوازم وجوده فهذا أنتم منازعون فيه وقد بين غير واحد بطلان ~~قولكم فيه وحينئذ فتكونون قد عطلتموه عن كل فعل وصنع وإفاضة وإيجاب واقتضاء ~~أزلا وأبدا # وأما تعطيل ms1649 الصنعة عن الصانع فهذا ليس قولا معروفا لطائفة معروفة بل ~~الأمم المعروفون متفقون على أن الصنعة لا بد لها من صانع هذا ضروري في ~~العقل # وعلى قولكم الحوادث دائما تحدث وليس لها صانع فإن العلة التامة في الأزل ~~لا يحدث عنها أصلا وأيضا فإن الحوادث مختلفة في PageV08P264 صفاتها ~~ومقاديرها كما أن الفلك مختلف في صفته وقدره # والواحد البسيط من كل جهة يمتنع أن يصدر عنه ما هو مختلف في صفاته ~~وأقداره وإن جاز ذلك بطل قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وإذا بطل هذا ~~القول بطل قولهم في صدور العالم عنه سواء كان صادرا عنه بوسائط لازمة له ~~بسيطة كالعقول أو بغير وسائط أو بوسائط مختلفة فكيف ما قدروه فلا بد لهم من ~~لزوم أجسام مختلفة في القدر والصفات عن واحد بسيط لا صفة له ولا فعل فيه # وأيضا فما من زمان من الأزمنة إلا وتحدث فيه حوادث مختلفة وقد يختص بعض ~~الأزمنة بحوادث ليست من جنس حوادث بقية الأزمنة كحادث الطوفان وأمثاله بل ~~إرسال موسى عليه السلام وما تبع رسالته من الحوادث وإرسال محمد صلى الله ~~عليه وسلم وما تبع رسالته من الحوادث وأمثال ذلك هي من الحوادث المختصة ~~بزمان دون زمان فإذا كان لا سبب للحوادث إلا ذات نسبتها إلى جميع الأزمنة ~~سواء ولوازمها التي نسبتها إلى جميع الأزمنة سواء وقد قالوا لأجل هذا يمتنع ~~تخصيص زمان دون زمان بحدوث العالم وقالوا العالم قديم لذلك ففي هذا القول ~~من تخصيص بعض الأزمنة بحادث دون حادث ما في ذلك القول وزيادات فإن المعتزلة ~~يقولون التخصيص إنما وقع PageV08P265 وقت إحداث العالم فقط ثم التخصيص في ~~سائر الأوقات كان عن أسباب حادثة في العالم # وهؤلاء يقولون لا تزال الأوقات تختص بالحوادث من غير سبب مع أن نسبته إلى ~~جميع الأوقات والحوادث واحدة والأشعرية ونحوهم وإن قالوا إنه لا يزال يخص ~~وقتا دون وقت بحدوث الحوادث من غير سبب يقتضي التخصيص سوى محض الإرادة التي ~~نسبتها إلى جميع الأوقات والحوادث واحدة ms1650 فهم أطرد لقولهم من قولكم إن نسبته ~~إلى الأوقات واحدة مع أنه لم يزل ولا يزال يخص كل وقت بحادث دون الآخر مع ~~استواء نسبته إلى الأوقات # فأنتم مع قولكم بدوام الفعل وأزليته في قولكم من مخالفة أصلكم أكثر مما ~~في قول المعتزلة وقول الأشعرية # وأيضا فمعلوم أن الحركات مختلفة والمتحركات مختلفة وليست الحركات كلها ~~صادرة عن حركة الفلك الأطلس بل لكل فلك أو لكواكب كل فلك حركة تخصه فإن ~~الناس يشاهدون بعيونهم حركات الخمسة على خلاف حركات الثوابت ويشهدون حركة ~~الشمس والقمر والكواكب من المشرق إلى المغرب على خلاف حركة الخمسة وحركة ~~الثوابت # والجمهور من أهل الهيئة يقولون المتحرك هو الأفلاك وإن PageV08P266 ~~الحركة المشرقية هي حركة المحيط بما فيه وسواء كان الأمر كذلك أو لم يكن ~~فليست حركة كل كوكب وفلك تابعة لحركة المحيط بل الحركات مختلفات وإذا كان ~~كذلك امتنع أن تصدر هذه الحركات المختلفة عن واحد بسيط لا يصدر عنه إلا ~~واحد سواء صدرت بواسطة أو بغير واسطة # وأما صدور المختلفات عن ما لا يصدر عنه إلا واحد بلا واسطة فهو جمع بين ~~النقيضين وقول متناقض # وأما الصدور بواسطة فتلك الواسطة يجب أن لا تكون إلا واحد عن واحد إذا ~~قدر أن الأول واحد بسيط لا يصدر عنه إلا واحد وإلا كان قولا متناقضا فإنه ~~إذا صدر عنه ما فيه كثرة فقد صدر عنه أكثر من واحد وإن لم يكن في الصادر ~~كثرة وجب أن لا يصدر عن الصادر الأول إلا واحد وهلم جرا وهذا خلاف المشهود # وما يلفقونه في هذا المقام من قولهم إن الأول يعقل مبدعه ويعقل نفسه وأنه ~~باعتبار عقله للأول صدر عنه عقل وباعتبار عقله لنفسه صدر عنه نفس أو فلك أو ~~باعتبار وجوبه بالأول صدر عنه عقل وباعتبار إمكانه صدر عنه نفس أو فلك أو ~~باعتبار عقله صدر كذا أو كذا وباعتبار وجوبه أو إمكانه صدر كذا أو كذا أو ~~مهما قالوه PageV08P267 من الأقوال التي يقدرها الذهن في هذا المقام فهي مع ms1651 ~~كونها أقوالا لا دليل عليها وإنما هي تحكمات ورجم بالغيب بل والدليل يقوم ~~على فسادها فلا يحصل بها جواب عما يدل على فساد أصلهم فإن تلك الوجوه إما ~~أن تكون أمورا وجودية أو عدمية فإن كانت وجودية فقد صدرت عن الأول فقد صدر ~~عنه أمور متعددة أكثر من واحد بلا واسطة وإن كانت عدمية فلا يخرج الصادر ~~الأول عن أن يكون واحدا بسيطا وحينئذ فلا يصدر عنه إلا واحد # يبين ذلك أن كثرة السلوب العدمية إن أوجبت كثرة فالأول فيه كثرة لكثرة ما ~~يسلب عنه وإن لم توجب كثرة فلا كثرة في الصادر الأول بأمور عدمية فلا يصدر ~~عنه إلا واحد وهلم جرا # وأيضا فهذا الواحد الذي يقدرونه إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان ~~كالواحد الذي يجعلونه مبدأ المركبات العقلية كما بسط هذا في موضع آخر # وإذا كان كذلك فما يقولونه في هذا المقام من أن حركة الفلك واحدة أزلية ~~أبدية وهي فعل الرب الدائم فعله قول باطل لوجوه # أحدها أن الحركات ليست واحدة بل حركات مختلفات وليس بعضها صادرا عن بعض ~~فقول القائل إنها واحدة قول باطل # الثاني أن الحركة الدائمة سواء كانت واحدة أو متعددة وسواء PageV08P268 ~~كانت نوعا واحدا أو أنواعا مختلفة تحدث شيئا بعد شيء وإذا كان الأول علة ~~تامة أزلية كان مستلزما لمعلوله فلا يتأخر عنه شيء من معلوله بل يكون ~~معلوله كله أزليا أبديا دائما بدوامه إن أمكن مقارنة المعلول لعلته لا يحدث ~~منه شيء بعد شيء فإن الحادث في الزمن الثاني يمتنع أن تكون علته تامة أزلية ~~لأن العلة التامة مستلزمة لمعلولها وهو لا يكون بينه وبينها فصل فكيف ~~وأجزاء الحركة الحادثة شيئا بعد شيء كلها منفصلة عن الأزل فامتنع أن يكون ~~معلول علة تامة أزلية # الثالث أن يقال كون المفعول المعين يقارن فاعله في الزمان أمر لا يعقل ~~وجوده في الخارج وإنما يقدره الذهن كما يقدر الممتنعات وسواء سمي الفاعل ~~علة أو لم يسم فإنه لا تعقل علة صدر عنها معلول هو ms1652 مفعول لها وكان زمانهما ~~واحدا ولكن قد يكون الشيء مستلزما لغيره ومقارنا له في الزمان كاستلزام ~~الذات لصفاتها اللازمة واستلزام حركة أحد الجسمين المتلازمين لحركة الآخر ~~كحركة الخاتم واليد لكن لا يكون الملزوم فاعلا للازم فإنه لا يعقل مفعول ~~معين لازم لفاعله البتة # ولكن لفظ العلة فيه إجمال واشتباه واشتراك فقد يراد بها الملزوم الموجب ~~وقد يراد بها الفاعل والملزوم الموجب الذي ليس بفاعل يعقل أن يقارنه لازمه ~~وموجبه الذي ليس بمفعول له لكن موجبه الذي هو PageV08P269 مفعول له لا يعقل ~~مقارنته له لكن يعقل صدور الفعل عنه شيئا بعد شيء فتكون المفعولات صادرة ~~عنه شيئا بعد شيء # وهؤلاء أصلوا أصلا فاسدا ظهر به فساد قولهم وهو أن العلة التامة التي ~~تسمى المؤثر التام يجب أن يقارنه معلوله في الزمان بحيث لا يتأخر عنه ولا ~~يكون معلول إلا لعلة تامة وهذا ناقضوا به المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن ~~وافقهم في قولهم إن المؤثر التام يجوز بل قد يجب أن يتراخى عنه أثره فقالوا ~~الباري كان في الأزل مؤثرا تاما وتراخى عنه أثره فقال أولئك بل يجب أن ~~يقارنه أثره # والصواب قول ثالث وهو أن التأثير التام من المؤثر يستلزم الأثر فيكون ~~الأثر عقبه لا مقارنا له ولا متراخيا عنه كما يقال كسرت الإناء فانكسر ~~وقطعت الحبل فانقطع وطلقت المرأة فطلقت وأعتقت العبد فعتق # قال تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ سورة ~~يس 82 فإذا كون شيئا كان عقب تكوين الرب له لا يكون مع تكوينه ولا متراخيا ~~عنه وقد يقال يكون مع تكوينه بمعنى أنه يتعقبه لا يتراخى عنه وهو سبحانه ما ~~شاء كان ووجب بمشيئته وقدرته وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته له وعلى هذا ~~فكل ما سوى الله تعالى لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم فإنه إنما يكون عقب ~~تكوينه له PageV08P270 فهو مسبوق بغيره سبقا زمانيا وما كان كذلك لا يكون ~~إلا محدثا والمؤثر التام يستلزم وجود أثره عقب كمال التأثير التام # وأما ms1653 على قول هؤلاء فيلزمهم أمور باطلة تستلزم فساد قولهم # منها أنه لا يحدث في العالم شيء فإنه إذا كانت العلة تامة أزلية ومعلولها ~~معها في الزمان وكل ما سواه معلول له بوسط أو بغير وسط لزم أن يكون كل ما ~~سوى الله قديما أزليا # ومنها أنه يلزم أن لا يحدث شيء حتى تحدث حوادث لا تتناهى في آن واحد وهذا ~~متفق على استحالته عندهم وعند سائر العقلاء وهو تسلسل علل ومعلولات أو تمام ~~علل ومعلولات حادثة لا نهاية لها فإنه كلما حدث حادث فإنه لا يحدث حتى تحدث ~~علته التامة أو تمام علته التامة وتكون حادثة معه وتلك لا تحدث حتى يحدث ~~معها ما هو كذلك فلزم وجود علل ومعلولات لا تتناهى أو تمام علل ومعلولات لا ~~تتناهى في آن واحد # وإذا قالوا كل حادث مشروط بعدم ما قبله لم يصح على قولهم لأن عدم الحادث ~~الأول سابق للحادث الثاني وعندهم العلة التامة يجب مقارنتها للمعلول ولا ~~تتقدم عليه # ولكن هذا يصح على قول أهل السنة الذين يقولون المعلول يحصل عقب تمام ~~العلة التامة لا معها فيكون حدوث الثاني عقب عدم الأول PageV08P271 وعلى ~~هذا القول فيلزم حدوث كل ما سوى الله تعالى # وبهذا يظهر بطلان قولهم وصحة قول المسلمين فإنهم قد يشبهون قولهم بما ~~يحدث شيئا فشيئا عن الفاعل بالاختيار أو الطبع كالحجر الهابط وكالمسافر إلى ~~بلد فإنه يقطع المسافة شيئا فشيئا والمقتضي لقطعه المسافة وهو قصده تلك ~~المدينة قائم لكن قطعه للجزء الثاني منها مشروط بعدم الأول # فيقال لهم هذا يدل على فساد قولكم فإنه ليس هنا مؤثر تام قارنه أثره ولم ~~يوجد الأثر إلا عقب التأثير التام لا معه فليس هذا نظير قولكم بل هو نظير ~~قول من يقول لم يزل يحدث شيئا بعد شيء وإحداثه للثاني مشروط بعدم الأول # وهذا نظير قول من يقول لم يزل متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء فوجود ~~الثاني كالإرادة الثانية والكلمة الثانية والفعل الثاني مشروط بانقضاء ~~الأول وبانقضاء الأول الأول تم ms1654 المؤثر التام المقتضي لوجود الثاني # وعلى هذا فكل ما سوى الرب حادث كائن بعد أن لم يكن وهو سبحانه المختص ~~بالقدم والأزلية فليس في مفعولاته قديم وإن قدر أنه لم يزل فاعلا وليس معه ~~شيء قديم بقدمه بل ليس في المفعولات قديم PageV08P272 البتة بل لا قديم إلا ~~هو سبحانه وهو وحده الخالق لكل ما سواه وكل ما سواه مخلوق كما قال تعالى ~~@QB@ الله خالق كل شيء @QE@ سورة الزمر 62 # وهؤلاء لما كانت مناظرتهم مع المتكلمين الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم على ~~أصلهم في الاستدلال على حدوث الأجسام أو حدوث العالم بامتناع حوادث لا أول ~~لها ورأى هؤلاء أن هذه قضية كاذبة ولهذا كان أئمة أهل الكلام كالرازي وغيره ~~يوافقونهم على فسادها فإن الرازي وإن قرر في كتبه الكلامية كالأربعين و ~~نهاية العقول وغيرهما امتناع حوادث لا أول لها كما تقدم تقريره واعتراض ~~إخوانه عليه فهو نفسه في كتب أخرى يقدح في هذه الأدلة ويقرر وجوب دوام ~~الفاعلية وامتناع حدوث الحوادث بلا سبب وامتناع حدوثها في غير زمان ويجيب ~~عن كل ما يحتج به في هذه الكتب كما فعل ذلك في كتاب المباحث المشرقية وغيره # ولعل الذين قدحوا في أدلته هذه كالآمدي والأبهري والأرموي صاحب لباب ~~الأربعين وغيرهم أخذوا ذلك أو بعضه من كلامه أو أخذوه هم من حيث أخذه هو # وهذا قد رأيته فإني كنت قد أرى اعتراض هؤلاء عليه أو بعض أجوبته ثم انظر ~~بعد ذلك في كلام آخر له فأجدهم قد أخذوا ذلك PageV08P273 الاعتراض أو ~~الجواب أخذوه من كلامه كما في الجواب الباهر الذي ذكره الأرموي فإنه أخذه ~~من المطالب العالية # والاعتراضات التي ذكرها هو وغيره على تقريره لامتناع حوادث لا أول لها قد ~~ذكرها الرازي في المباحث المشرقية وذكرها الآمدي أيضا ولهذا أرأيت من يغتر ~~بكلام هؤلاء من طلبة العلم حقيقة أمرهم وأن هذا التقرير الذي وافقوا فيه ~~شيوخهم المتكلمين من المعتزلة والأشعرية هم بعينهم قد قدحوا فيه في موضع ~~آخر قدحا لم يجيبوا عنه # فلا يظن الظان ms1655 أن ما ذكروه مما ينصر دين الإسلام بل هذا مما يقوي معرفة ~~المسلمين بذم الكلام الذي ذمه السلف والأئمة وأنه جهل لا علم # ولا يغتر المغتر بما يجده من كثرة ذكر المصنفين في الكلام لذلك واتباع ~~آخرين مقلدين لهم في ذلك فإن الناظر إما أن يكون ناظرا بنفسه حتى يتبين له ~~الحق أو يقلد المعصوم فهذان طريقان علميان وإما أن يكون محسنا للظن بشيوخ ~~تقدموا من شيوخ هذا الكلام المحدث فهؤلاء قد عارضهم من هو أعلم منهم فالسلف ~~والأئمة عارضوهم وأتباعهم الحذاق الذين تعقبوا كلامهم عارضوهم وناقضوهم ~~وأتباعهم الذين تعقبوا كلامهم عارضوهم وناقضوهم والفلاسفة أيضا عارضوهم ~~وناقضوهم PageV08P274 # وإذا قال القائل هذا الأصل قد قرره مثل أبي الهذيل العلاف وأبي إسحاق ~~النظام ومثل الجهم بن صفوان واتبعهم عليه مثل أبي علي وأبي هاشم وعبد ~~الجبار بن أحمد وأبي الحسين البصري وغيرهم ووافقهم على صحة هذه الطريقة وهو ~~امتناع حوادث لا أول لها مثل محمد بن كرام وابن الهيصم وغيرهما ومثل أبي ~~الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي المعالي والقاضي أبي يعلى وابن عقيل ~~وابن الزاغوني وأبي عبد الله المازري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم بل ~~ومثل الشريف المرتضى وأمثاله من شيوخ الشيعة فهؤلاء وأضعافهم يحتج بهذه ~~الطريقة وإن كان أصلها مأخوذا من الجهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف ~~وغيرهما # قيل لمن قال هذا القول الواحد من هؤلاء لم يعظمه من يعظمه من المسلمين ~~إلا لما قام به من دين الإسلام الذي كان فيه موافقا لما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم فإن الواحد من هؤلاء له مساع مشكورة في نصر ما نصره من ~~الإسلام والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول فحمدهم والثناء ~~عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله وإظهار العلم الصحيح ~~الموافق لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والمظهر لباطل من خالف ~~الرسول وما من أحد من هؤلاء ومن هو أفضل منهم إلا وله غلط في مواضع ~~PageV08P275 # وإذا كان كذلك ms1656 فانظر في هذا الأصل الذي اتبع فيه متأخروهم لمتقدميهم من ~~إثباتهم حدوث العالم والأجسام بهذه الطريق هل هي طريقة صحيحة في العقل أم ~~لا وهل هي موافقة للشرع أم لا فاعرضها على الكتاب والميزان فإن الله تعالى ~~يقول @QB@ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط @QE@ سورة الحديد 25 فاعرض عما يذكرونه بما ثبت من كتاب الله ~~وسنة رسوله وما ثبت عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وزنه ~~أيضا بالميزان الصحيحة العادلة العقلية واستعن على ذلك بما يذكره كل من ~~النظار في هذه الطريقة وأمثالها ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ولا ~~تتبع الظن فإنه لا يغني من الحق شيئا وسل الله أن يلهمك ويهديك # فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح الإلهي أن الله تعالى قال # يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم # وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام ~~PageV08P276 من الليل يصلي يقول # اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم # والله تعالى قد أخبر عن أهل النار أنهم قالوا @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير @QE@ سورة الملك 10 فالضلال وقع في السمع والعقل ~~فإن أقواما نصروا الإسلام أو السنة في ظنهم وصاروا يدخلون في الإسلام أو ~~السنة ما ليس منه ولم يكن لهم من الخبرة بالكتاب وتفسير السلف له والسنة ~~وأقوال سلف الأمة ما يعرفون به ما بعث الله به رسوله مما عرف بالنص ~~والإجماع # ولهذا نجد جمهور أهل الكلام من أبعد الناس عن معرفة الحديث وأقوال ~~الصحابة ويذكرون أحاديث يظنونها صحيحة وتكون من الموضوعات المكذوبات ~~وأحاديث تكون صحيحة متلقاة بالقبول بل مجمع على تلقيها بالقبول وصحتها عند ~~علماء أهل الحديث وهم يكذبون بها أو يرتابون فيها وكذلك نجدهم وغيرهم في ~~العقليات قد PageV08P277 أحسنوا الظن ms1657 بطريقة دون طريقة وفي كل من الطريقين ~~ما يؤخذ ويترك وأهم الأمور ما جاء به الرسول وفهم ذلك # فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وأول الفقه فهم خطاب الله ورسوله بعد ~~معرفة ثبوت ذلك عن الرسول ولو كان في نفس الأمر أن السمعيات لا يجب قبولها ~~حتى يقوم الدليل على صدق المبلغ وهو بعد في قطع هذه المسافة فينبغي له أن ~~لا ينظر في مسألة مما تكلم فيها الناس حتى يعرف ما قاله هذا الرسول وما ثبت ~~عنه فإنه لو قدر واحد من العلماء النظار لكان ينبغي أن يعرف ما قاله في ~~مسائل النزاع لينظر في قوله وقول غيره كما يفعل من نظر في أقوال النظار ~~فكيف إذا كان في نفس الأمر هو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى # ومعلوم أن الرجل لو تكلم في مسألة طب تنازع فيها الناس وقد بلغه أن ~~لبقراط وجالينوس وأمثالهما فيها نصا لم ينبغ له أن يثبت القول فيها ~~PageV08P278 حتى يعرف ما قاله هؤلاء مع جواز غلطهم في نفس الأمر فكيف بنصوص ~~الأنبياء في الأمور الإلهية # وإذا وقع في قلبه شبهة الباطنية من الفلاسفة وغيرهم أنهم تكلموا بالتخييل ~~والتمثيل لا بإظهار الحقائق إذ لم يمكن إلا ذلك فليس لأحد أن يقبل هذا ~~القول منهم تقليدا لهم بل ينظر في أقواله وأحواله وسائر أموره وأحوال ~~أصحابه هل يطابق قول هؤلاء أم يورث علما ضروريا بأن هؤلاء كاذبون عليهم ~~عمدا أو خطأ إما عنادا وإما ضلالا وهذا مبسوط في موضعه # والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل ~~وقابلوا الباطل بباطل وردوا البدعة ببدعة لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم في ~~مسألة حدوث العالم ونحوها استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك ~~الطريق التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل وقد اعترف حذاق النظار بفسادها ~~فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا أبطلوا قول هؤلاء بامتناع حوادث لا ~~أول ms1658 لها وأقاموا الدليل على دوام الفعل لزم من ذلك قدم هذا العالم ومخالفة ~~نصوص الأنبياء # وهذا جهل عظيم فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف ~~شيئا من نصوص الأنبياء وهذه مسألة حدوث العالم وقدمه لا يقدر أحد من بني ~~آدم يقيم دليلا على قدم الأفلاك أصلا PageV08P279 وجميع ما ذكروه ليس فيه ~~ما يدل على قدم شيء بعينه من العالم أصلا وإنما غايتهم أن يدلوا على قدم ~~نوع الفعل وأن الفاعل لم يزل فاعلا وأن الحوادث لا أول لها ونحو ذلك مما لا ~~يدل على قدم شيء بعينه من العالم وهذا لا يخالف شيئا من نصوص الأنبياء بل ~~يوافقها # وأما النصوص المتواترة عن الأنبياء بأن الله خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء فكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم ~~يكن فلا يمكن أحدا أن يذكر دليلا عقليا يناقض هذا وقد بسط هذا في غير هذا ~~الموضع # وهذه مسألة حدوث العالم أعظم عمد الفلاسفة فيها التي عجز المتكلمون عن ~~حلها ليس فيها ما يدل على قدم شيء من العالم أصلا ولهذا كان ما أقامه الناس ~~من الأدلة على أن كل مفعول فهو محدث كائن بعد أن لم يكن وكل ما سوى الله ~~مفعول فيكون محدثا لا يناقض ذلك وإنما يناقض ذلك أصل الجهمية والمعتزلة حيث ~~قالوا إن الله كان ولا يتكلم بشيء ولا يفعل شيئا بل كان الكلام والفعل عليه ~~ممتنعا لا مقدورا له في الأزل ثم إنه صار ذلك ممكنا مقدورا بدون تجدد شيء ~~فحدث الكلام والفعل بدون سبب أوجب حدوث ذلك أصلا # ثم قال أئمة هذه الطريقة وهو الجهم وأبو الهذيل بأنه لا بد من فناء الفعل ~~وفناء الحركات كلها زاد الجهم وبفناء العالم كله الجنة PageV08P280 والنار ~~فيكون الرب مازال معطلا من الكلام والفعال ثم لا يزال معطلا من الكلام ~~والفعال وإنما حدث ما حدث من الكلام والفعال في مدة قليلة جدا بالنسبة إلى ~~الأزل والأبد فبهذا القول وما ms1659 يترتب عليه أقام على هؤلاء الشناعة أئمة ~~الشرع والعقل ورأى الناس أن في ذلك من مخالفة الشرع والعقل ما لا يجوز ~~السكوت عن رده لكن هؤلاء وإن كانوا ابتدعوا مخالفة للشرع والعقل بحسب نظرهم ~~واستدلالهم فالمتفلسفة المنازعون لهم أبعد عن العقل والشرع وهؤلاء يردون ~~صريح ما تواتر عن الرسل ويزعمون أنهم خيلوا ومثلوا وأما أولئك فقد يتأولون ~~النصوص أو يقولون لها معنى لا نفهمه ولا يقولون إن الرسل قصدت أن تخبر ~~بالأمور على خلاف ما هي عليه بطريق التخييل والتمثيل بل كثير مما ينصرونه ~~من بدعهم يظنون أن الرسل قالوه فخطؤهم تارة في تكذيب الناقل وتارة في تأويل ~~المنقول # وأولئك يعلمون صدق الناقل وصدق المنقول عنه ولكن يقولون كلاما مضمونه أنه ~~كذب للمصلحة ولهذا سماهم المسلمون ملحدين فإنهم يلحدون في آيات الله ولهذا ~~يفضي بهم تأويل PageV08P281 النصوص إلى ما يعلم العامة والخاصة أنه افتراء ~~على الرسول وإلحاد محض مثل تأويلات الباطنية للعبادات وللقرآن وغير ذلك # وكان مما سلط هؤلاء على الإلحاد إدخال أولئك في الشريعة ما ليس منها وإن ~~كانوا متأولين في ذلك فلما جعلوا من دين الإسلام القول بأن الخالق لم يكن ~~يمكنه أن يتكلم ويفعل ثم أمكنه ذلك بلا سبب وأن ذلك يتضمن ترجيح الممكن بلا ~~مرجح وأن الممكن انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب حادث ~~والفاعل أمكنه الفعل والكلام بعد أن لم يكن ممكنا بلا سبب أخذ ذلك ~~المتفلسفة وناقضوه واستدلوا بحجتهم المشهورة على قدم العالم بأن كل ما ~~يعتبر في كون الباري مؤثرا إما أن يكون موجودا في الأزل وإما أن لا يكون ~~فإن كان موجودا لزم القول بأنه لم يزل فاعلا لأن المؤثر التام لا يتخلف عنه ~~أثره وإن لم يكن موجودا امتنع وجوده بعد هذا لأن القول في ذلك الحادث ~~كالقول في غيره فإذا لم يحصل المرجح التام امتنع الفعل وإذا حصل وجب وجود ~~الفعل # وهذه الحجة لما ذكروها صار أولئك يجيبون عنها بما لا يفسدها بأن ~~PageV08P282 يقولوا المرجح هو علم ms1660 الفاعل وإرادته أو قدرته أو إمكان الفعل ~~وانتفاء المانع وهو الأزل أو حصول المصلحة # وكل ما قالوه من هذا وغيره إذا نظر فيه بعينه لم يكن جوابا صحيحا فإن ~~العلم يتبع المعلوم على ما هو به والمعلوم يتبع الإرادة فإن لم يكن المرجح ~~ثابتا في نفس الأمر لم يكن العلم مرجحا وأما الإرادة فادعى كثير منهم أنها ~~بذاتها توجب تخصيص أحد المتماثلين وهذا القدر خلاف ما يعقل من الإرادة فإنه ~~لا تعرف الإرادة ترجح أحد المتماثلين من كل وجه بل لا بد من اختصاص أحدهما ~~بما يوجب الترجيح # وإثبات إرادة كما ذكروه لا يعرف بشرع ولا عقل بل هو مخالف للشرع والعقل ~~فإنه ليس في الكتاب والسنة وما يقتضي أن جميع الكائنات حصلت بإرادة واحدة ~~بالعين تسبق جميع المرادات بما لا نهاية له وكذلك سائر ما ذكروه # ثم إن هذه الأمور إن كانت قديمة فلم يحدث مرجح وإن حدث بعد أن لم يحدث ~~شيء منها أو تعلق بها فقد حدث الحادث بدون موجب لحدوثه وترجح أحد ~~المتماثلين بلا مرجح والمرجح قبل وجوده كما هو بعد وجوده لم يكن ناقصا فتم # والرازي تارة يجيب بأن الإرادة مرجحة كجواب أصحابه ثم يضعف هذا الجواب ~~وتارة يقول بل العقول والنفوس أزلية فحدث تصور من PageV08P283 التصورات ~~للنفس أوجب حدوث الأجسام وهو باطل في نفسه مخالف للعقل والنقل كما تقدم ~~وأجود أجوبته المعارضة والنقض وهو أنه يقول هذه الحجة تستلزم أن لا يحدث ~~شيء من العالم وهو خلاف المشاهدة # وهذه المعارضة جيدة إذا ادعى المدعي أن المرجح التام لكل ممكن ثابت في ~~الأزل فإن الحس والمشاهدة يناقض ذلك ودليلهم لا يدل على ذلك بل يدل على ~~حصوله مطلق الترجيح لا على حصول ترجيح لممكنات معينة ولا لكل ممكن # فهذا يبين أنه ليس في دليلهم حصول مطلوبهم فإن مطلوبهم حصول المؤثر التام ~~في الأزل لأثر معين كالعقول والنفوس والأفلاك ومعلوم أن دليلهم لا يدل على ~~ذلك بل إنما يدل على أنه لم يزل يفعل شيئا فإذا ms1661 قدر أن ذلك الفعل هو قائم ~~بنفسه لا مفعول له في الخارج كان ذلك وفاء بموجب دليلهم وإذا فدر أن ذلك ~~كونه لم يزل متكلما إذا شاء كان وفاء بموجب دليلهم # وإذا قيل إنه قامت به إرادات متعاقبة كما قاله الأبهري وأن بسبب بعض تلك ~~الإرادات حدثت الحوادث كان ذلك وفاء بموجب دليلهم إذ موجبه أنه يمتنع كونه ~~يصير فاعلا بعد أن لم يكن والمثبت لمطلق الفعل لا يثبت فعلا معينا ولا ~~مفعولا معينا فضلا عن أن يثبت عموم الفعل والمفعول PageV08P284 # بل الذي يدل على فساد قولهم أنا قد علمنا بالمشاهدة والإحساس تجدد ~~الحوادث في العالم وقد امتنع أن يكون في الأزل مؤثرا تاما فيها فلا بد من ~~حدوث تمام المؤثرية لكل واحد واحد منها والإحداث من غيره ممتنع بوسط أو ~~بغير وسط فلا يحدث حادث إلا منه سواء كان بوسط كالعقول أو بغير وسط فلو كان ~~المؤثر كما زعموه من أنه واحد بسيط لا تقوم به صفة ولا أمر اختياري لكان ~~حاله عند هذه الحوادث كحاله قبلها وبعدها # وهكذا الأمر في كل حال وهو قبل حدوث الحادث المعين لم يكن علة تامة فعنده ~~يجب أن لا يكون علة تامة فلا يجوز أن يحدث شيء على موجب أصولهم # وإذا قالوا حدث من الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية ما أعدت القوابل ~~لقبول فيضه # قيل لهم هذا إنما يصح إذا كانت القوابل والاستعدادات من غير الفاعل الممد ~~كما في الشمس وكما يقولونه في العقل الفعال فأما الباري تعالى فمنه الإعداد ~~والإمداد وكل ما سواه من القوابل والمقبولات والاستعدادات والإمدادات فمنه ~~لا من غيره سواء كان بوسط أو بغير وسط PageV08P285 # وإذا كان كذلك وكان حاله قبل إحداث كل حادث كحاله قبل ذلك الحادث امتنع ~~أن يحدث منه شيء أصلا لا قابل ولا مقبول ولا استعداد ولا إمداد فهم وإن ~~أثبتوا أنه لم يزل فاعلا فقولهم يوجب أنه لم يحدث شيئا قط بل ولا فعل شيئا ~~قط بل حدثت الحوادث بلا محدث فعلم أنه باطل ms1662 # وليس في قولهم ما يوجب قدم شيء من العالم فقولهم بقدمه باطل ولهذا لم ~~يحفظ القول بقدم الأفلاك عن أساطين الفلاسفة بل أول من حفظ ذلك عنه أرسطو ~~وأتباعه وأما أساطين القدماء فالمنقول عنهم حدوث الأفلاك فهم قائلون بحدوث ~~صورة العالم ولهم في المادة كلام فيه اضطراب فالنقل الثابت عن أعيانهم ~~بحدوث العالم موافق لما أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم # ونقل أصحاب المقالات عن غير واحد من أئمتهم القول بإثبات الصفات لله ~~وبإثبات الأمور الاختيارية القائمة بذاته وهذا قول من يقرب إلى صريح ~~المعقول وصحيح المنقول من الأوائل والأواخر كأبي البركات وغيره # وهؤلاء لم يوافقوا أرسطو وأتباعه ولا ابن سينا وأمثاله على أن ~~PageV08P286 الرب وجود بسيط لا صفة له ولا فعل بل أثبتوا له الصفات القائمة ~~بذاته وأنه يفعل بإرادات تقوم بذاته إرادة بعد إرادة # وهؤلاء أبعدوا أن يمكنهم إقامة الدليل على قدم شيء من العالم فإن الفاعل ~~الذي يفعل بإرادات قائمة به بذاته شيئا بعد شيء لا يقوم لهم دليل على أن ~~شيئا من مفعولاته لم يزل مقارنا له إذ يمكن أنه فعل مفعولا بعد مفعول وأن ~~هذا العالم خلقه من مادة كانت قبله كما أخبرت بذلك الرسل فأخبر الله تعالى ~~في القرآن أنه @QB@ خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش @QE@ وأخبر أنه سبحانه @QB@ استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين ~~وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير ~~العزيز العليم @QE@ سورة فصلت 11 12 # وقال في الآية الأخرى @QB@ ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو ~~بكل شيء عليم @QE@ سورة البقرة 29 # فأخبر أنه سواهن سبع سماوات في يومين وأن السماء كانت دخانا وهو بخار ~~الماء كما جاء تفسيره في عدة آثار أنه خلق السماء من PageV08P287 بخار ~~الماء والبخار دخان الماء كما أن دخان الأرض دخان # وإن أريد بالدخان دخان التراب فقط أو دخان التراب ms1663 والماء فكل ذلك فيه ~~إخبار الله أنه خلق السماوات السبع من مادة أخرى كما أخبر أنه خلق الإنسان ~~من مادة وأنه خلق الجان من مادة # وثبت في الصحيح صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال # خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم # وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وكان عرشه على الماء وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ~~وخلق السماوات والأرض وفي رواية صحيحة # ثم خلق PageV08P288 السماوات والأرض فأخبر أنه كان بين تقديره وبين خلقه ~~للسماوات والأرض خمسين ألف سنة وهذه أزمنة مقدرة بحركات موجودة قبل وجود ~~الأفلاك والشمس والقمر وأخبر أنه كان عرش الرب إذ ذاك على الماء # وقد جاءت الآثار المشهورة بأن الماء كان على وجه الأرض وأنه خلق السماء ~~من دخان ذلك الماء # وكذلك في أول التوراة مثل هذا سواء أنه في أول الأمر خلق الله السماوات ~~والأرض وأنه كانت الأرض مغمورة بالماء وكانت الريح تهب على الماء وذكر ~~تفصيل خلق هذا العالم # ففي هذه الآثار المنقولة عن الأنبياء أنه كان موجودا قبل خلق هذا العالم ~~أرض وماء وهواء وتلك الأجسام خلقها الله من أجسام PageV08P289 أخر فان ~~العرش أيضا مخلوق كما أخبرت بذلك النصوص وأتفق على ذلك المسلمون فأساطين ~~الفلاسفة المتقدمون كانوا فيما نقل الناقلون عنهم قولهم يوافق هذا لم ~~يكونوا يقولون بقدم العالم فإن هذا قول ليس عليه دليل أصلا مع أنه في غاية ~~الفساد # وحقيقته أن الصانع لم يصنع شيئا وأن الحوادث تحدث بلا محدث بل حقيقته أن ~~هذا العالم واجب الوجود وأنه ليس له مبدع # وأرسطو إنما أثبت له علة ms1664 غائية يتشبه الفلك بها واستدل عليه بكون حركة ~~الفلك عنده اختيارية فلا بد لها من غاية وقال إن العلة الأولى تحرك الفلك ~~كما يحرك المعشوق عاشقه والمعشوق في الحقيقة ليس له قصد ولا علم ولا فعل في ~~تحريك العاشق بل ذاك لمحبته يتحرك إليه فكيف وحقيقة قولهم أنه يتحرك للتشبه ~~به كما يتحرك المأموم للتشبه بإمامه فهكذا يقولون إن الفلك يتحرك للتشبه ~~بالعلة الأولى # وقد بينا فساد قوله وحكينا ما ذكره أصحابه من أقواله وما فيها من الفساد ~~في غير هذا الموضع # والمقصود هنا أن يعلم العقلاء أنه مخالف لصريح العقل ليس من دين المسلمين ~~كما أنه من خالف كتاب الله وسنة رسوله أو إجماع السابقين ليس من دين ~~المسلمين فليس في دينهم الصحيح لا ما يخالف صحيح المنقول ولا ما يخالف صريح ~~المعقول ولا ما يناقض صحيح المنقول وصريح المعقول PageV08P290 # والمقصود هنا أن الممكن لا يترجخ إلا بمرجح وان هذا متفق عليه بين ~~العقلاء والله أعلم $ فصل # ثم أن الرازي مع سلوكه المسلك المتقدم ذكر أن هذه المقدمة أعني أن الممكن ~~لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح هي مقدمة ضرورية وان من لزمه ما ~~يناقضها فهو لم يلتزم ذلك فليس من العقلاء من يلتزم نقيضها والاقوال ~~المستلزمة نقيض هذه القضية باطلة قطعا # وهذا الذي قاله صحيح في الممكن المعلوم انه ممكن وهو المحدث فإن وجود ~~المحدث بلا محدث مما يعلم بضرورة العقل امتناعه واما الممكن بالمعنى الذي ~~قالوه وهو ما يتناول القديم فهو يبين انه باطل وانهم لم يثبتوا بهذه الطريق ~~لا إثبات ممكن ولا إثبات واجب ولكن قد ذكر ايضا أنه من المعلوم بضرورة ~~العقل أن المتساوي الطرفين لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح وهذا ~~صحيح يوافقه عليه عامة العقلاء PageV08P291 # وقد ذكر أن كثيرا من الطوائف يتناقضون فيقولون بما يناقض هذه القضية ونحن ~~ليس بنا حاجة أن نجيب عن أهل الباطل بل نقول أن قولهم بترجيح أحد ~~المتماثلين على الآخر بلا مرجح له يدل ms1665 على فساد قولهم كما يدل على فساد قول ~~المتفلسفة الدهرية وفساد قول الجهمية والقدرية # وحينئذ فليس في تلك اللوازم ما نحتاج أن نجيب عنه إلا ما ذكره عن ~~المسلمين من قولهم أن الله فعل العالم في الوقت المعين دون سائر الاوقات لا ~~لأمر يختص به ذلك الوقت فإن القول المحكي عن المسلمين لا بد أن يكون موجودا ~~في كتاب الله أو سنة رسوله أو هو ما انعقد عليه إجماع المسلمين ولو لم يكن ~~إلا إجماع الصحابة وحدهم فلو كان فيه نزاع بين المسلمين لما جاز أن يحكى ~~عنهم كلهم # فكيف وهذا القول ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قاله أحد من سلف ~~الأمة وائمتها ولا هو متفق عليه بين أهل الكلام منهم بل هو قول طوائف من ~~أهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والائمة # وطوائف منهم ينازعون في ذلك ويقولون أن الحادث إنما حدث لسبب اقتضى حدوثه ~~واختصاصه بذلك الوقت مع قولهم أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش كما ثبت ذلك بالنصوص المتواترة وقد علم النزاع ~~في تسلسل الاثار بل فيما PageV08P292 يقوم بذات الله تعالى من الأمور ~~المتعلقة بمشيئته وقدرته مع عدم تناهيها وثبوت تسلسلها # والمقصود هنا أن القول بترجيح الممكن الذي هو الحادث بلا مرجح ممتنع عند ~~عامة العقلاء فإن كان الممكن هو الحادث كان كلاهما دليلا على مدلول واحد # وان قدر عن الممكن أعم من المحدث فنقول إذا كان ذلك ممتنعا فالقول بحدوث ~~حادث بلا محدث ممتنع ايضا بل هو أعظم امتناعا لوجوه # أحدها انه يتضمن رجحان الممكن بلا مرجح لأن كل محدث فهو يمكن وجوده وعدمه ~~إذ لولا إمكان وجوده لما وجد ولولا إمكان عدمه لما كان معدوما قبل حدوثه ~~فوجوده يقتضي ترجيح وجوده على عدمه وذلك يفتقر إلى مرجح # الثاني أن ذلك يتضمن تخصيص حدوثه بوقت دون وقت وصفة دون صفة وتخصيص أحد ~~المثلين بما يختص به عن الآخر لا بد له من مخصص # الثالث أن ms1666 نفس العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين وأقوى وأظهر في ~~العقل من كون الممكن لا يترجح إلا بمرجح ولهذا يتصور هذا من العقلاء ~~ويعلمون بطلانه بالضرورة من لا يتصور الممكن ويعلم افتقاره إلى PageV08P293 ~~المرجح إلا بنوع من التكلف الذي لا يتصور به ذلك # وقد تبين أن الناس في هذا المقام على درجات وكل من كان إلى الفطرة ~~العقلية والشريعة النبوية اقرب كانت طريقته اقوم فالمستدل بان الموجود على ~~سبيل الجواز وهو الموجود الممكن لا يكون بالوجود اولى منه بالعدم إلا ~~بالفاعل وان ما حدث مع جواز أن لا يحدث لم يكن بالحدوث اولى من أن لا يحدث ~~لولا شيء اقتضى حدوثه كما سلك ذلك كثير من أهل الكلام من المعتزلة ~~والاشعرية ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب الأئمة الاربعة وغيرهم خير من ~~المستدل بأن الموجود الممكن مطلقا لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح وهذا ~~المستدل بأن الممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح خير من المستدل بأنه ~~لا يترجح وجوده على عدمه ولا عدمه على وجوده إلا بمرجح كما سلك ذلك ابن ~~سينا وأتباعه كالسهروردي والرازي والآمدي وغيرهم مع تناقض هؤلاء حيث قالوا ~~في موضع آخر أن العدم المستمر لا يحتاج إلى سبب كما قاله نظار المسلمين من ~~جميع الطوائف # ثم الذين استدلوا وبذلك ولم يحتاجوا إلى قطع التسلسل كما فعل الجمهور ~~اقرب من الذين احتاجوا إلى قطع التسلسل كما فعل ابن سينا ونحوه PageV08P294 # ثم هؤلاء الذين لم يحتاجوا إلا إلى ابطال التسلسل دون ابطال الدور اقرب ~~من الذين احتاجوا إلى ابطال التسلسل والدور جميعا كما فعل الرازي ونحوه ~~وظنوا أن الدليل لا يتم إلا بذلك # ثم هؤلاء الذين ابطلوا التسلسل خير من الذين اقروا بعجزهم عن ذلك كما فعل ~~الآمدي # ثم أن أبا الحسين مع أن طريقه اصح وأبين وأقرب من طرق هؤلاء فطريقة ~~القاضي أبي بكر بن الطيب والقاضي أبي يعلي وأبي المعالي الجويني وابن عقيل ~~وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهم خير من طريقته ms1667 # وذلك أنه قال فإذا ثبت أن العالم محدث فالدلالة على أن له محدثا هي انه ~~لا يخلو إما أن يكون حدث وكان يجوز أن لا يحدث أو كان يجب أن يحدث فلو حدث ~~مع وجوب أن يحدث لم يكن أن يحدث في تلك الحال اولى من أن يحدث من قبل فلا ~~يستقر حدوثه على حال إذ كان حدوثه واجبا في نفسه وان حدث مع جواز أن لا ~~يحدث لم يكن بالحدوث اولى من أن لا يحدث لولا شيء اقتضى حدوثه وسندل على ~~انه عالم قادر فصح قولنا # قال واستدل شيوخنا رحمهم الله على أن الأجسام تحتاج إلى محدث بأن تصرفنا ~~يحتاج إلى محدث لأجل أنه محدث فكان حدوث PageV08P295 كل محدث يحوجه إلى ~~محدث فإذا كانت الأجسام محدثة احتاجت إلى محدث # قال والدلالة على حاجة تصرفنا إلى محدث هو انه لو حدث بنفسه من غير محدث ~~لحدث وان كرهناه وكنا ممنوعين منه فلما وقع بحسب قصدنا وانتفى بحسب كراهتنا ~~علمنا انه يحتاج الينا # والدليل على انه يحتاج الينا لأجل حدوثه انه إما أن يحتاج الينا لأجل ~~حدوثه أو لبقائه أو لعدمه فلو احتاج الينا لأجل بقائه لوجب أن لا يبقى ~~البناء إذا مات الباني ولا يجوز أن يحتاج الينا لعدمه لان تصرفنا كان ~~معدوما قبل وجودنا وقبل كوننا قادرين فصح أنه احتاج الينا ليحدث ولأن حدوثه ~~هو المتجدد بحسب قصدنا وارادتنا وهو الذي لا يتجدد إذا كرهناه فعلمنا انه ~~إنما يحتاج الينا لأجل حدوثه # قلت فطريقة شيوخه الذين اشار اليهم من المعتزلة هي الاستدلال على افتقار ~~المحدث إلى المحدث بالقياس على تصرفاتنا وانها تحتاج إلى محدث لأجل كونها ~~محدثة # وقد سلك هذه الطريقة غير المعتزلة من أصحاب ألاشعري وغيرهم حتى مثل أبي ~~القاسم القشيري وأبي الوفاء بن عقيل وبنوا ذلك على هذه # واما الطريقة التي ذكرها هو وبناها على التقسيم الذي ذكره وهو أن ~~PageV08P296 المحدث لا يخلو من أن يحدث مع وجوب حدوثه أو مع جواز حدوثه ~~وجواز أن لا يحدث ms1668 # وأبطل الأول بأنه لو كان حدوثه واجبا لم يكن حدوثه في حال بأولى من حدوثه ~~قبل تلك الحال فلا يستقر حدوثه على حال إذ كان حدوثه واجبا في نفسه وقد قال ~~قبل هذا أن وجود القديم واجب وليس بأن يجب وجوده في حال اولى من حال فصح ~~انه واجب الوجود في كل حال واستحال عدمه # وهذا التقسيم لا يحتاج اليه ولا إلى ابطال هذا القسم بما ذكره # وذلك أن قول القائل إما أن يحدث مع وجوب حدوثه أو مع جواز حدوثه # إما أن يريد به وجوب حدوثه بنفسه أو وجوبه بغيره فإن أراد به الثاني فهذا ~~لا يمتنع بل يجوز أن يقال المحدث حدث مع وجوب حدوثه بالمقتضى لحدوثه لا ~~بنفسه أي وجد المقتضى التام لحدوثه الذي يمتنع معه أن لا يحدث وهذا إذا قيل ~~فإنه يدل على ثبوت الصانع المحدث أيضا لا ينفي ذلك فليس في إثبات هذا القسم ~~ما ينفي ثبوت الصانع # ولكن هؤلاء المعتزلة قد ينازعون في كون الممكن عند وجود المقتضى التام ~~يكون واجبا ويقولون لا يقع شيء من الممكنات والحوادث إلا على وجه الجواز أو ~~أن يكون بالوجود اولى منه بالعدم لا على وجه الوجوب PageV08P297 # ويقولون أن القادر المختار سواء كان قديما أو محدثا لا يفعل إلا مع جواز ~~أن لا يفعل وانه يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وهذا مما نازعهم فيه ~~جمهور العقلاء # وليس المقصود هنا بيان صحة قول الجمهور وفساد قولهم لكن المقصود أن قولهم ~~سواء كان صحيحا أو فاسدا فهم يستغنون عن جعله مقدمة في إثبات الصانع # واذا امكن إثبات العلم بالصانع على كل تقدير كان خيرا من اثباته على ~~تقدير قول تنازع فيه كثير من العقلاء وهم يمكنهم اثباته بأن المحدث لا بد ~~له من محدث سواء قيل انه يجب بمحدثه أو لم يقل ذلك فلا حاجة بهم في إثبات ~~إلى ذلك # واما أن اراد القائل بقوله إما أن يحدث مع وجوب أن يحدث أو مع جواز أنه ~~يحدث ms1669 مع وجوب أن يحدث بنفسه بدون مقتض لحدوثه فلا ريب أن هذا فاسد معلوم ~~فساده بضرورة العقل # والعلم بفساده أبين من العلم بكون حدوثه ليس في حال بأولى منه في حال ~~أخرى وذلك أن ما حدث يعلم أنه ليس واجبا بنسفه فإن الواجب بنفسه لا يقبل ~~العدم والمحدث كان معدوما فيمتنع أن يقال انه حادث وهو واجب بنفسه ~~PageV08P298 # ومن المعلوم أن المحدث يمتنع أن يكون قديما فإن هذا نقيض هذا أذ المعنى ~~بكونه محدثا أنه ليس بقديم # ومن المعلوم أن واجب الوجود بنفسه يجب أن يكون قديما والعلم بأن واجب ~~الوجود بنفسه يجب أن يكون قديما أبين من العلم بكون القديم يجب أن يكون ~~واجب الوجود بنفسه # فإن الأول لم يتنازع فيه طائفة معروفة والثاني قد نازع فيه طائفة معروفة # وايضا فإن أبا الحسين استدل على أن القديم يجب أن يكون واجب الوجود بنفسه ~~بأنه ليس وجوده في حال بأولى من وجوده في حال فصح أنه واجب الوجود في كل ~~حال فامتنع عدمه # وأما كون واجب الوجود بنفسه يكون قديما فهو أبين من هذا # وحينئذ فالمحدث لا يمكن أن يقال إنه حدث وهو أنه حدث وهو واجب الوجود ~~بنفسه وايضا فالعلم بأن المحدث لا يكون واجبا بنفسه ابين من كونه ليس وجوده ~~في حال أولى منه في حال # وابو الحسين بني كلامه على نفي هذه الاولوية التي مضمونها أن الوقتين ~~متساويان فلا يجوز تخصيص أحد الوقتين عن الآخر بالحدوث إلا بمخصص وهذا ~~يكفيه في الاستدلال ابتداء فإن المحدث اختص حدوثه بوقت وتخصيص أحد الوقتين ~~لا بد له من مخصص PageV08P299 # وهذه هي الطريقة التي سلكها القاضي أبو بكر ومن وافقه وهي خير وأقرب وأصح ~~من طريقة أبي الحسين # إما كونها خيرا وأقرب فظاهر واما كونها اصح فلأن أبا الحسين جعل من ~~مقدمات حجته أنه إذا حدث مع وجوب أن يحدث لم يكن بأن يحدث في تلك الحال ~~اولى من أن يحدث من قبل فلا يستقر حدوثه على حال # وهذا كما تقدم ms1670 فيه اجمال يحتاج إلى استفصال يترتب عليه نزاع # فإذا قال له القائل بل حدث مع وجوب أن يحدث لمقتض اقتضى وجوب حدوثه في ~~تلك الحال لم يمكنه أن يقول ليس ايجاب المقتضى لحدوثه في تلك الحال بأولى ~~من اقتضائه لوجوب حدوثه في غير تلك الحال لأنه يقول له كما قلت أن المقتضى ~~لحدوثه مع جواز حدوثه يخصص الحدوث بحال دون حال كذلك يقول أن المقتضى لوجوب ~~حدوثه يخصص الحدوث بحال دون حال # فإن قال المقتضى الموجب لا يخص بحال دون حال بخلاف المقتضى مع عدم وجوب ~~الاقتضاء # كان الجواب من وجوه # أحدها المنع فإن هذه دعوى مجردة # الثاني أن يقال لا نسلم انه يمكن أن يكون شيء مقتضيا للحدوث إلا مع ~~الوجوب وانه ما دام اقتضاؤه جائزا فإنه يمتنع الاقتضاء وذلك PageV08P300 ~~لأنه إذا جاز أن يقتضى وجاز أن لا يقتضى كان كل من الامرين ممكنا جائزا ~~واذا كان كل منهما جائزا لم يكن ثبوت الاقتضاء اولى من انتفائه لولا امر ~~أخر اقتضى ذلك الاقتضاء ثم القول في اقتضاء ذلك الاقتضاء كالاول ويلزم منه ~~توقف حدوث الحوادث على اقتضاءات متسلسلة لا نهاية لها ولا وجود لشيء منها ~~وما توقف على ما لا وجود له فلا وجود له وهو يبطل التسلسل فيما هو دون هذا # وهذا المقام مقام معروف للمعتزلة في فعل الرب وفعل العبد يذكرونه في ~~مسألة حدوث العالم ومسألة القدر وهو مما استطالت عليهم به اهل السنة ~~والفلاسفة وغيرهم # لا سيما وابو الحسين يقول انه مع فعل القادر يتوقف على الداعي وانه عند ~~وجود الداعي التام يجب وجود المقدور فيكون اصل قوله موافق لقول من قال من ~~أهل السنة ومن الفلاسفة أن الحادث يحدث مع وجوب أن يحدث وهذا يناقض قوله ~~بأنه لا يحدث إلا مع جواز الحدوث لا مع وجوبه # الثالث أن يقال هب انا سلمنا إمكان ثبوت المقتضى وانه يقتضى مع جواز أن ~~لا يقتضى وانه يخص الحدوث بحال دون حال فإذا أمكن الحدوث والتخصيص بما هو ~~مقتض ms1671 مع جواز أن لا يقتضى فالحدوث والتخصيص بمقتض واجب الاقتضاء اولى واحرى # فإن قيل ما كان واجب الاقتضاء لم يتخلف عنه مقتضاه فيلزم قدم الحوادث ~~بخلاف ما كان جائز الاقتضاء PageV08P301 # قيل هذا إنما يصح لو كان اقتضاؤه لكل ما يقتضيه لازما له وكان مجرد ذاته ~~علة موجبة لمعلولاته كما يقوله من يقول ذلك من المتفلسفة كبرقلس وابن سينا ~~وابتاعهما # فإنهم يقولون أن الأول علة بمجرد ذاته لجميع المعلولات وما سواه معلول له ~~فيلزمهم أن لا يتخلف عنه شيء من الحوادث وهذا باطل قطعا # وأما إذا كان اقتضاؤه وفعله لما يفعله إنما هو أنه مقتض لوجود كل حادث في ~~الوقت الذي حدث فيه لا سيما إذا قيل مع ذلك بأنه مقتض لما يقتضيه كمشيئته ~~وقدرته كما هو قول المسلمين وجماهير العقلاء # فيقال إذا قدر انه قادر مختار وهو يحدث الحوادث مع جواز أن لا تكون ~~مشيئته وقدرته مستلزمة لحدوثها فلأن يحدثها مع كون مشيئته وقدرته مستلزمة ~~لها أولى وأحرى وحينئذ فيحدث مع وجوب حدوثها بقدرته ومشيئته # ولا يمكنهم أن يقولوا القدرة والمشيئة لا تخص وقتا دون وقت لأن هذا ينقض ~~قولهم فإنهم يقولون انه لمجرد قدرته يخص بعض الاحوال دون بعض PageV08P302 # ولو قال قائل ذلك من غيرهم لقيل له تخصيص القدرة والمشيئة للحوادث بحال ~~دون حال هو بحسب ما يعلمه من الاسباب المقتضية للتخصيص # وغاية ذلك أن يستلزم أن تقوم بذاته اسباب تقتضى التخصيص متعلقة بمشيئته ~~وقدرته أو يقال أن هذا يستلزم مالا نهاية له على سبيل التعاقب ونحو ذلك من ~~المقامات المعروفة التي يوردها أحد إلا وهو يلزمه بترك التزامها من التناقض ~~اعظم مما يلزم به منازعه وأما منازعه فيمكنه التزامها ولا يتناقض قوله لا ~~عقلا ولا شرعا # ولكن من حسن المناظرة والتعليم أن يبين لمن يرد قولا ما يلزمه هو على ~~تقدير رده ومن أراد تصحيح الحق بقول باطل يمكن استغناؤه عن ذلك القول وان ~~الحق يمكن تصحيحه بدونه وانه إذا صححه بذلك الطريق كان ما يلزمه من اللوازم ms1672 ~~التي تناقض قوله وتفسده اعظم مما يلزمه إذا اعرض عن ذلك # وبهذا وامثاله يتبين انه لم يسلك أحد طريقا مخالفة للسنة في اثبات شيء من ~~اصول الإيمان إلا والله قد اغنى عنها بما هو سليم من عيوبها وان تلك الطريق ~~وان غمض على اكثر الناس معرفة فسادها لدقته فلا يخفى عليهم إمكان الاستغناء ~~عنها # ونحن كثيرا ما نقصد بيان أن الطرق التي خالف سالكها شيئا من النصوص غير ~~محتاج اليها بل مستغن عنها ليتبين أن العلم بصدق PageV08P303 الرسول وصحة ~~ما جاء به من الكتاب والسنة ليس موقوفا على شيء من الطرق التي تناقض شيئا ~~مما جاء به مع أنا نبين ايضا أن تلك الطرق فاسدة لكن بيان الاستغناء عنها ~~في مقام وبيان فسادها في مقام # وأهل البدع يدعون الحاجة اليها اولا ثم يعارضون بها النصوص ثانيا فنحن ~~نبين الغنى عنها ثم نبين فسادها ثانيا ثم نبين ثالثا أن الطرق العقلية ~~الصحيحة هي والادلة السمعية متلازمان فيلزم من صحة أحدهما صحة الآخر # وهذا قدر زائد على عدم تنافيهما وعدم تنافيهما وحده كاف في بطلان قول من ~~يزعم تنافيهما # وايضا فلو قدر أن فيها ما ينافي السمع فذلك المنافي ليس هو الأدلة ~~العقلية التي بها نعلم صحة السمع # وذلك كله مما تبين به بطلان قول من يقول أن تقديم الكتاب والسنة على ما ~~يعارض ذلك يستلزم قدح الشرع في اصله # وطريقة القاضي أبي بكر وأمثاله ليس فيها هذا التقسيم الذي ذكره أبو ~~الحسين بل ذكر اولا أن تخصيص المحدث بوقت دون وقت لا بد له من مخصص وان ما ~~قدم من الحوادث وأخر لا بد له من مقدم ومؤخر من غير أن يحتاج أن يقول أن ~~الحدوث إما أن يكون واجبا وأما أن يكون غير واجب وهذا اصح واقرب وأبين # ثم أن طريقة أبي الحسن ألاشعري التي في اللمع خير من PageV08P304 طريقة ~~القاضي فإنه بناها على أن المحدث لا بد له من محدث ولم يحتج أن يستدل على ~~ذلك بأن الحدوث تخصيص ms1673 بوقت دون وقت والتخصيص لا بد له من مخصص فإن هذا وان ~~كان صحيحا فالعلم بافتقار المحدث إلى المحدث ابين واقوى من هذا # وكل ما يذكر في تخصيص أحد الوقتين أو تخصيصه بصفة دون صفة هو موجود في ~~نفس الحدوث فإن تخصيص هذا الحادث بالحدوث دون غيره من الممكنات لا بد له من ~~مخصص ونفس الحدوث مستلزم للمحدث الفاعل ولو قدر انه لم يحدث غيره ولا يمكن ~~حدوث غيره وانه ليس هناك حال أخرى تصلح للحدوث فإن كون الحادث يحدث نفسه من ~~غير محدث يحدثه من أبين الأمور استحالة في فطر جميع الناس # والعلم بذلك مستقر في فطر جميع الناس حتى الصبيان حتى أن الصبي إذا رأى ~~ضربة حصلت على رأسه قال من ضربني من ضربني وبكى حتى يعلم من ضربه واذا قيل ~~له ما ضربك أحد أو هذه الضربة حصلت بنفسها من غير أن يفعلها أحد لم يقبل ~~عقله ذلك وهو لا يحتاج في هذا العلم الفطري الذي جبل عليه إلى أن يستدل ~~عليه بأن حدوثه هذه الضربة في هذه الحال دون ما قبلها وما بعدها لا بد له ~~من مخصص بل تصور هذا فيه عسر على كثير من العقلاء وبيان PageV08P305 ذاك ~~بهذا من باب بيان الاجلي بالاخفى # ثم الطرق التي جاء بها القرآن خير من طريقة ألاشعري وغيره فإن فيها إثبات ~~الصانع بنفس ما يشاهده الناس من حدوث الاعيان المحدث وحدوث الاعيان مشهود ~~معلوم لا يحتاج أن يستدل على حدوثها بحدوث صفاتها وان ما لا يخلو من ~~الحوادث فهو حادث بل سالكو هذه السبيل ظنوا أن الاعيان لا تحدث وانما تحدث ~~صفاتها وانهم لم يشهدوا حدوث جسم ولا جوهر قائم بنفسه وانما شهدوا حدوث ~~صفات الأجسام وان الأجسام متماثلة مركبة من جواهر متماثلة وهي تنقلب فيها ~~من وصف إلى وصف # قالوا فهذا هو الذي يشهد حدوثه ثم بهذا يعلم حدوث ما قامت به هذه الحوادث ~~فأنكروا ما يعلمه الناس بحسهم ومعاينتهم من حدوث ما يشهدون حدوثه من ~~الأجسام ms1674 ثم احتاجوا مع ذلك إلى أن يثبتوا حدوث هذه الاعيان بالاستدلال الذي ~~ذكروه من انها لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # وهذه الطريق يظهر لاستغناء عنها لكل أحد بما يشهده من حدوث الاعيان ~~واصحابها يسلمون الاستغناء عنها بما يشهدونه من حدوث الصفات كما ذكره ~~الرازي وغيره وعلى التقديرين فقد ثبت الاستغناء عنها PageV08P306 # فمن قال أن العلم باثبات الصانع وتصديق رسله موقوف عليها فقد ظهر خطؤه ~~عقلا لكل أحد كما علم مخالفته لدين الإسلام بالضرورة # فإنه من المعلوم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والتابعين ما دعوا احدا من الناس إلى الإقرار بالخالق وبرسله بهذه الطريق ~~ولا استدلوا على أحد بهذه الحجة بل ولا سلكوا هم في معرفتهم هذه الطريق ولا ~~حصلوا العلم بهذا النوع من النظر والاستدلال المبتدع المحدث الذي قد اغنى ~~الله عنه وظهر الغنى عنه لكل عاقل # ثم معرفة فساد هذه الطريق عقلا هو ألطف من العلم بالغنى عنها ولهذا يظهر ~~الغنى عنها لخلق كثير قبل أن يظهر لهم فسادها # وقد ذكر من الكلام على مقدماتها وفسادها وطعن بعض اهلها في بعض وافسادهم ~~لمقدماتها وبيان فسادها بصريح العقل في غير هذا الموضع ما ينبه على المقصود # والمقصود هنا التنبيه على أن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث والمفعول ~~إلى الفاعل هو من العلوم الضرورية البديهية وهو أظهر وأقوى مما استدل به ~~عليه القاضي وأمثاله من كون تخصيص الحدوث بوقت دون وقت لا بد له من مخصص ~~PageV08P307 # وهذا الذي ذكره القاضي أبو بكر وأمثاله أظهر مما استدل به عليه أبو ~~الحسين وامثاله من أن الحدوث إما أن يكون على وجه الوجوب أو على وجه الجواز # وهذا الذي ذكره أبو الحسين واتباعه من أن الجائز الممكن ليس وجوده اولى ~~من عدمه لولا المقتضى لحدثه اظهر مما ذكره ابن سينا والرازي امثالهما من أن ~~الجائز الممكن ليس وجوده اولى من عدمه ولا عدمه اولى من وجوده إلا لمرجح ~~منفصل عنه # وطريق هؤلاء بعضها اصح واقرب ms1675 من طريق بعض # وقد ظهر بما ذكرنا فساد قول القاضي أبي بكر انه لم يخالف في أن افتقار ~~المحدث إلى محدث مما لا يعلم بالاضطرار وانما يتطرق اليه بالفحص والبحث إلا ~~شرذمة لا يعتد بقولها ادعت في هذا المذهب البديهة # ثم يقال له أن كان هذا حقا فالاشعري لم يذكر في اللمع دليلا على ذلك بل ~~جعل ذلك مسلما وانما اثبت حدوث الانسان وانه PageV08P308 لم يحدث نفسه # ثم قال فدل ما وصفناه على انه ليس هو الذي نقل نفسه في هذه الاحوال وان ~~له ناقلا نقله من حال إلى حال ودبره على ما هو عليه لانه لا يجوز انتقاله ~~من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر # فذكر هذه المقدمة مجردة عن الاستدلال فإن كان العالم انتقاله من حال إلى ~~حال لا يعلم به أن له ناقلا مدبرا إلا بأدلة تذكر فهو لم يذكر تلك الأدلة ~~بل ادعى دعوى نظرية تقبل النزاع بلا دليل # وحينئذ فيكون طعن من طعن من المعتزلة في كلامه أوجه فإنه لم يقم دليلا لا ~~على حدوث الجسم ولا على أن المحدث لا بد له من محدث # ثم يقال من العجائب أن يكون القول بأن العالم حدث من غير محدث أحدثه وان ~~بعض الحوادث حدث من غير محدث إحدثه قول قاله كثير من الفلاسفة والدهرية أو ~~طوائف من نظار المسلمين # والقول بأن العلم بأن الأفعال تتعلق بفاعل وان المخلوقات تتعلق بفاعل وان ~~المخلوقات تتعلق بخالق علم ضروري إنما قاله شرذمة لا PageV08P309 يعتد ~~بقولها وان الجميع من العقلاء إنما يعلم هذا الفحص والبحث مع انه لا يعلم ~~أن أحدا من المشهورين بالعلم طلب على هذا دليلا ولم يذكر عن أحد من الكفار ~~مطالبة أحد من المؤمنين بدليل على هذا ولا في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا ~~كلام أحد من السلف والائمة ذكر حاجة هذا إلى الاستدلال أو الاستدلال عليه ~~بما ذكرتموه من أن ذلك يتضمن التقدم والتأخير فلا بد له من مرجح $ فصل # ومن هنا يظهر ms1676 الوجه الثاني الذي تبين به أن ما ذكره ألاشعري لا يحتاج إلى ~~ما ذكره القاضي # وذلك أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث هو ابده للعقل وارسخ في القلب ~~وأظهر عند الخاصة والعامة مما قرره به وهو أن ذلك يتضمن تخصيص بعض الازمان ~~بالحدوث دون بعض والتخصيص لا بد له من مخصص # فالأول أن لم يكن اقوى منه واجلى فليس هو دونه وغاية هذا الثاني أن يكون ~~مثله أو داخلا في أفراده # لا سيما على اصل القاضي وموافقيه من المعتزلة والاشعرية فإنهم يجوزون ~~اختصاص بعض الازمنة بالحوادث دون بعض بدون سبب اقتضى ذلك التخصيص واذا ~~اضافوا التخصيص إلى المشيئة القديمة فنسبة المشيئة إلى جميع الحوادث ~~والازمنة سواء PageV08P310 # وإذا كانت النسبة مستوية فثبوت هذه النسبة مع أحد المتماثلين دون الآخر ~~تخصيص بلا مخصص # وإذا قالوا الإرادة لذاتها تخصص مثلا عن مثل بلا سبب مع تضمن ذلك ترجيح ~~أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح أصلا أمكن منازعهم أن يقول بتخصيص أحد ~~الزمانين المتماثلين بالحوادث دون الآخر بلا مخصص أصلا وقال من شأن الأوقات ~~التخصيص بلا مخصص # وإذا قالت المعتزلة القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ~~كان ما يلزمهم كما يلزم أولئك وأشد # فمن كانت هذه الأقوال أقواله وكان غاية ما يثبت به الصانع وافتقار المحدث ~~إلى محدث أن الحوادث مختصة بزمان دون زمان فلا بد للتخصيص من مخصص وأن ~~التخصيص بلا مخصص ممتنع ويجعل ذلك بديهيا ضروري # كيف يمكنه أن يقول إن وجود الحوادث بلا محدث والفعل بلا فاعل والصنعة بلا ~~صانع ليس امتناعه بديهيا ضروريا # فمن جعل العلوم البديهية الضرورية ليست بديهية ضرورية وجعل ما هو دونها ~~بديهيا ضروريا تناقضت أقواله وكان فيها من مخالفة العقل والسمع ما لا يحصيه ~~إلا الله # وهذا بخلاف الطرق المذكورة في القرآن فإنها في غاية السداد والاستقامة ~~PageV08P311 # ومن أقرب ذلك أن إثبات الفاعل مبني على مقدمتين ضروريتين إحداهما أن ~~الإنسان محدث والثانية أن المحدث لا بد له من محدث # فأبو ms1677 الحسن مع جماهير العقلاء جعلوا المقدمة الثانية ضرورية بخلاف ما ~~ذكره القاضي ومن وافقه حيث أثبتوها بما هي أقوى منه وأجلى # وإن كانت هذه الطرق الخفية البعيدة وأمثالها ينتفع بها في حق من لم ينفذ ~~للطرق الجلية القريبة أو عرضت له فيها شبهة كما تقدم # وأما المقدمة الأولى وهو أن الإنسان والثمار والمطر والسحاب ونحو ذلك ~~محدث فهذه مقدمة معلومة بالمشاهدة والضرورة فإن حدوث الحوادث مشهود # ثم من قال من أهل الجوهر الفرد والهيولي إن الحادث إنما هو صفات الأجسام ~~لا أعيانها أو صورتها لا مادتها أمكنهم إثبات المحدث بناء على ذلك وهذه ~~الطريقة التي ذكرها الرازي وغيره وهي الاستدلال بحدوث صفات الأجسام # وأما من أنكر ذلك وهم جمهور العقلاء فإن الحادث عندهم هو نفس الأعيان ~~المحسوسة وأبو الحسن ممن يثبت الجوهر الفرد ولم يكتف بالاستدلال على حدوث ~~الصفات بل أراد إثبات حدوث نفس النطفة فاثبت ذلك بطريقة استلزامها للحوادث ~~وما لا ينفك عن الحوادث فهو PageV08P312 حادث وهي الطريقة التي سلكتها ~~المعتزلة في حدوث الأجسام ابتداء وعلى هذه الطريقة فحدوث الإنسان نظري لا ~~ضروري # وإذا ضم إلى ذلك أن العلم بافتقار المحدث إلى المحدث نظري كما قاله من ~~قاله من المعتزلة ومن وافقهم كالقاضي أبي بكر وأتباعه صار كل من المقدمتين ~~في إثبات الصانع نظريا # وهذا أضعف هذه الطرق وأطولها لكن مبناها على أن التخصيص الحادث لا بد له ~~من مخصص وهذا عند هؤلاء ضروري كافتقار الممكن إلى الواجب # ثم الذين سلكوا طريقة ابن سينا جعلوا هذا نظريا وأثبتوا منع التسلسل ~~بطريقة ابن سينا وهي أقرب مما بعده # فجاء من بعدهم كالرازي ضم إلى ذلك نفي الدور أيضا ثم هو والآمدي ونحوهما ~~أثبتوا بطلان التسلسل بطرق طويلة واستصعب ذلك على الآمدي حتى قال إنه عاجز ~~عن تمشيها وحل ما يرد عليها كما ذكرناه # ولا ريب أن تمشيها مع تفسيرهم الممكن بالتفسير الذي أحدثه ابن سينا ممتنع ~~وأما تمشيتها إذا جعل الممكن هو الذي يوجد تارة ويعدم أخرى فهو سهل متيسر ms1678 ~~معلوم ببدائه العقول # فانظر من عدل عن الطرق المستقيمة شرعا وعقلا كلما أمعن في العدول أمعن في ~~البعد عن الحق وتطويل الطريق وتصعيبها حتى آل الأمر PageV08P313 بهم إلى ~~الجهل العظيم وإلى العجز عن الاستدلال على ما هو أعظم الأشياء ثبوتا ووجودا ~~وأكثرها وأقواها أدلة وأولاها بالعلم من كل معلوم وأحقها بأن يكون مستقرا ~~في الفطرة دائم الحصول في القلوب حاصلا بأكمل الأسباب التي يمكن بها حصول ~~العلم # والمقصود هنا الكلام على الطريقة التي ذكرها أبو الحسن وأنها أقرب وأصح ~~من الطريقة التي سلكها من سلكها من المعتزلة ومن وافقهم كالقاضي أبي بكر ~~وأمثاله وأنها طريقة صحيحة لم ينازع فيها طائفة مشهورة إذا اكتفي فيها ~~بحدوث ما يعلم حدوثه كالإنسان والنبات وغيرهما من الحوادث وأما إذا احتيج ~~فيها إلى إثبات حدوث الأجسام كلها بطريقة الأعراض أو قيل إن حدوث الإنسان ~~ونحوه لا يثبت إلا بمثل تلك الطريق كان المنازع في صحة هذه الطريق جمهور ~~العقلاء من أهل الملل والفلاسفة وكان هذا من الكلام الذي ذمه السلف والأئمة # فالمخالفون للطرق الفطرية العقلية الشرعية القريبة الصحيحة كلما أبعدوا ~~عنها مدحوا من يوافقهم في البعد ولهذا عكس هؤلاء الكلام على المقدمتين ~~فأخذوا يوافقون أبا الحسن على المقدمة المبتدعة الباطلة ويذمونه أو يعتذرون ~~عنه على المقدمة البديهية الصحيحة الشرعية # قال أبو الحسن فإن قال قائل ما أتكرم من أن تكون النطفة PageV08P314 ~~قديمة لم تزل قيل له لو كان ذلك كما ادعيتم لم يجز أن يلحقها الاعتمال ~~والتأثر والانقلاب والتغير لأن القديم لا يجوز انقلابه وتغييره وأن يجرى ~~عليه سمات الحدث لأن ما جرى عليه ذلك ولزمته الصنعة لم ينفك عن سمات الحدث ~~وما لم يسبق المحدث كان محدثا مصنوعا فبطل لذلك قدم النطفة وغيرها من ~~الأجسام # قال القاضي أبو بكر اعلم أن هذا الذي ذكره هو المعول عليه في الاستدلال ~~على حدوث سائر الأجسام وذلك أن الذي عناه بقوله لو كانت قديمة لم يلحقها ~~الاعتمال والتأثير والانقلاب والتغير وخروجها من صفة كانت عليها إلى صفة ms1679 لم ~~تكن عليها كنحو خروجها عن السكون إلى الحركة وعن الحركة إلى السكون ~~وكاستصلابها بعد لينها وافتراقها بعد اجتماعها وما يلحقها من تعاقب الأكوان ~~وغير ذلك من التغيرات لأن القديم الحاصل على صفة من الصفات لا يجوز خروجه ~~عنها على ما ذكره أصلا وذلك أن القديم إذا لم يزل مجتمعا مثلا أو مفترقا أو ~~متحركا أو ساكنا أو على بعض هذه الصفات لم يجز خروجه عنه لأنه لا يخلو أن ~~يكون على ما هو عليه في أزله لنفسه أو لعلة أو لا لنفسه ولا PageV08P315 ~~لعلة أو لبطلان نفسه أو لبطلان معنى فيستحيل أن يكون على ما هو عليه لا ~~لنفسه ولا لمعنى لأن هذا يوجب خروج الإثبات عن تعلقه بمثبت والخبر عن تعلقه ~~بمخبر وغير ذلك من وجوه الفساد ليس بشيء يحصل على صفة من الصفات ولأنه ليس ~~عدم نفسه إن جاز عدمها بأن يكون تحصيله ساكنا أولى من تحصيله له متحركا ~~ويستحيل أن يكون ذلك لبطلان معنى كان موجودا به لأن القديم لا يجوز عدمه ~~ولأنه ليس بأن يكون متحركا لعدم سكونه أولى من غيره ممن يصح أن يكون متحركا # وهذا يوجب أن يكون الجسم إنما تحرك لعدم سكونه إلى محاذاة بعينها ولو كان ~~ذلك كذلك لم يكن تحركه لعدم ذلك السكون إلى تلك المحاذاة بعينها أولى من ~~تحركه إلى غيرها من الجهات وإلى ما هو أبعد منها # وفي تحركه إلى جهة مخصوصة ومحاذاة معينة دليل على أن ذلك إنما وجب له ~~لمعنى سوى عدم سكونه ولأنه ليس بأن يتحرك هو لأجل عدم السكون أولى من غيره ~~من الأجسام لأن عدم السكون ليس هو بأكثر من خلوه منه وأنه ليس فيه وغيره من ~~الأجسام حال من ذلك السكون ايضا فكيف صار خلوه منه يوجب له التحرك اولى من ~~كل من خلا من الأجسام وفي فساد ذلك دليل على أنه لا يجوز أن يكون المتحرك ~~تحرك لعدم معنى PageV08P316 # وجملة هذا أن القديم لا يجوز عدمه ولا يجوز لمثل ذلك أن ms1680 يكون القديم إنما ~~يتحرك فيما لم يزل لعدم نفسه ولا لعدم معنى قديم # فلم يبق إلا وجهان أحدهما أن يكون فيما لم يزل على ما هو عليه لنفسه أو ~~لمعنى قديم فإن كان لم يزل ساكنا لنفسه استحال تحركه بعد سكونه لوجود نفسه ~~في كلا الحالين ويستحيل خروج الشيء عن الوصف المستحق لنفسه مع وجود نفسه ~~التي بها كان كذلك # وان كان لم يزل ساكنا لأجل معنى قديم استحال أن يتحرك إلا عند عدم سكونه ~~القديم وألا وجب تحركه وسكونه معا فإذا استحال ذلك واستحال عدم سكونه إذا ~~كان قديما واستحال أن يخرج القديم عن الصفة التي هو فيها لم يزل عليها لم ~~يجز أن يلحقه لما وصفناه انقلاب ولا تغيير ولا اعتمال ولا تأثير فصح ما ~~قاله شيخنا أبو الحسن من هذا الوجه # قلت ولقائل أن يقول هذا الكلام مضمونه أن ما به يعلم حدوث النطفة به يعلم ~~حدوث سائر الأجسام وان المنكر لحدوث سائر الأجسام يمكنه انكار حدوث النطفة ~~وليس الأمر كذلك بل حدوث الحيوان والنبات والمعدن ونحو ذلك وحدوث اوائل ذلك ~~كالنطفة والبيضة وطاقة الزرع ونحو ذلك امر مشهود معلوم بالحس والضرورة ~~PageV08P317 واتفاق العقلاء وهذا بخلاف الفلك فإنه ليس شهود حدوثه كشهود ~~حدوث الحيوان والنبات والمعدن # وكذلك من ينازعهم في الواجب وفي تسميته جسما كالهشامية والكرامية وغيرهم ~~أو من لا يطلق الاسم ولكن يقولون له ما أثبته نسميه نحن جسما أو يجب أن ~~يكون جسما والجسم حادث فإنه على هذا التقدير لا يعلم حدوث ما جعلوه من ~~الغائب جسما كما يعلم حدوث هذه الحوادث المشهودة # فإن قال بهذا فالمفرق يقول حدوث النطفة مشهود معلوم مسلم وكذلك حدوث ما ~~أشبهها # وأما حدوث كل ما سميته جسما فإنما اثبته بما ذكرته من الدليل وهو ضعيف ~~على ما سنذكره # فإن قال أعنى بالنزاع في حدوث النطفة النزاع في حدوث الجواهر المفردة ~~التي منها تركبت النطفة وتألفت أو في حدوث مادتها التي لبستها صورة النطفة # قيل له الجواب من طريقين # أحدهما ms1681 أن يقال هذا لا حاجة لك به # الثاني أن يقال ما ذكرته ليس بصحيح PageV08P318 # فأما الطريق الأول ففيه وجوه # أحدها أن العلم بحدوث ما يحدث والاستدلال به على ثبوت الصانع ليس مفتقرا ~~إلى أن يعلم هل في النطفة جواهر منفردة أو مادة وهل ذلك قديم أو حادث بل ~~مجرد حدوث ما شهد حدوثه يدل على أن له محدثا كما يدل حدوث سائر الحوادث على ~~أن لها محدثا # وان قال قصدي تعميم حدوث سائر الأجسام # قيل له فحينئذ لم يكن بك حاجة إلى ذكر حدوث الانسان وحده من النطفة بل ~~كان هذا تطويلا إذ كان ما به يثبت حدوث النطفة به يثبت حدوث الانسان ابتداء # وحينئذ فيكون كلام ألاشعري كلام من لا يعرف الاستدلال والنظر كما قاله من ~~اعترض عليه من المعتزلة فإنه إذا كان لا بد في الاستدلال بالاجسام المخصوصة ~~في آخر الأمر من دليل يتناول جميع الأجسام كان ذكر هذا ابتداء اولى من ~~التطويل لا سيما في مثل المختصر الذي يطلب فيه التقريب والتسهيل # وايضا فإن العلم بحدوث الحوادث المشهودة أظهر وأبين من العلم بحدوث جميع ~~الأجسام وذلك كاف في إثبات العلم بالصانع فلماذا تجعل موقوفة على مقدمات لو ~~كانت صحيحة كان فيها من التطويل والغموض ما يوجب هذا كثيرا إما عدم العلم ~~أو حصول ضده PageV08P319 من اعتقاد الباطل فيكون ما جعل طريقا إلى العلم ~~والايمان موجبا لضده من الجهل والكفر # والوجه الثاني أن يقال فحينئذ يكون الشك في حدوث الحيوان والنبات ونحو ~~ذلك مبنيا على كونها مركبة من الجواهر المنفردة أو المادة والصورة وامكان ~~قدم الجواهر المنفردة أو المادة ومعلوم أن هذا لو كان صحيحا لكان من الدقيق ~~الذي يحتاج إلى بيان وهم لم يبينوا ذلك # ومن المعلوم أن هذا موضع اضطرب فيه أهل الكلام والفلسفة اضطرابا لا يتسع ~~هذا الموضع لاستقصائه # فقالت طائفة إن الأجسام مركبة من أجزاء لا تتجزأ وهي الجواهر المنفردة ~~وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية # وقالت طائفة بل فيها اجزاء لا نهاية لها وهو ms1682 المذكور عن النظام وعليه ~~انبنى القول بطفرة النظام ولهذا يقال ثلاثة لا يعلم لها حقيقة طفرة النظام ~~وأحوال أبي هاشم وكسب الاشعري # وقالت طائفة بل هي مركبة من المادة والصورة وهي تقبل الانقسام إلى غير ~~نهاية لكن ليس فيها اجزاء لا نهاية لها PageV08P320 # وقالت طائفة ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا بل تقبل التجزؤ إلى اجزاء ~~لا تتجزأ # وقالت طائفة ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا ولا تتجزأ إلى غير غاية بل ~~إذا صغرت الأجزاء انقلبت إلى اجسام اخر مع كونها في نفسها يتميز منها جانب ~~عن جانب # فهؤلاء لا يقولون بقبول الانقسام إلى غير نهاية ولا بوجود مالا يقبل ~~الانقسام بل كل ما وجد يقبل الانقسام لكنه يستحيل إلى جسم آخر في حال تميز ~~جانب منه عن جانب فلا يوجد فيه انقسام إلى غير نهاية وقد بسط الكلام على ~~هذه الأقوال في غير هذا الموضع # وأذكياء المتأخرين مثل أبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني وأبي عبد ~~الله الرازي كانوا متوقفين في آخر أمرهم في إثبات الجوهر الفرد فإذا كان ~~الأمر هكذا لم يمكن احدا أن يطالب بدليل على حدوث الحيوان باعتبار تركبه من ~~الجواهر أو المادة والصورة حتى يثبت ذلك اولا # ومن المعلوم لكل عاقل أن علم الناس بحدوث ما يشهدون حدوثه من PageV08P321 ~~الأجسام ليس موقوفا على العلم بأنها مركبة هذا التركيب الذي كلت فيه أذهان ~~هؤلاء الاذكياء # الوجه الثالث أن يقال حدوث ما يشهد حدوثه من الثمار والزروع والحيوان ~~وغير ذلك امر مشهود فإن الانسان إذا تأمل خشب الشجرة وما يخرجه الله منها ~~من الانوار والثمار وما يخرجه من الأرض من الزروع وما يخرجه من الحيوان من ~~النطفة والبيض أيقن بحدوث هذه الاعيان # فإذا قيل له هذا لم يحدث ولكن كانت اجزاؤه مفرقة فاجتمعت وجعل لها صفة ~~غير تلك الصفة # قال أما ما تغيرت صفاته كتغير الابيض إلى السواد والساكن إلى الحركة ~~والحامض إلى الحلاوة والمفرق إلى الاجتماع وتغير الجسم من شكل إلى شكل ms1683 ~~كتغير الشمعة والفضة نحو ذلك من صورة إلى صورة فهذا كله وما يشبهه يشهد فيه ~~أن العين باقية وانما تغيرت صفاتها التي هي الحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق والالوان والطعوم والاشكال بخلاف الثمرة التي تخرج من الشجرة ~~والجنين الذي يخرج نم بطن أمه والفروج الذي يخرج من البيضة فإن PageV08P322 ~~عاقلا لا يقول أن نفس الرطبة فيها جرم الخشب باقيا ولا اجزاء الجنين كعظمه ~~وبصره فيها اجزاء النطفة باقية ولا نفس الفروج فيه بياض البيض باقيا # ومن قال أن هذا باق في هذا كما أن الجسم الذي اسود بعد بياضه وحلا بعض ~~حموضته وصار مدورا بعد أن كان مسطحا باق فهو لا يتصور ما يقول أو هو معاند ~~مسفسط فالامر ينتهي إلى عدم التصور التام أو العناد المحض وهذا اصل كل ضلال ~~وهو الجهل أو العناد والعناد وصف المغضوب عليهم والجهل وصف الضالين # والفرق بين استحالة العين وبين تبدل الصفات معلوم للعامة والخاصة وقد ذكر ~~الفقهاء ذلك في غير موضع # ثم كلامهم في النجاسة إذا استحالت مثل أن تصير رمادا أو ملحا ونحو ذلك ~~ومثل كلامهم في باب الإيمان فيما إذا حلف على فعل في جسم معين فتغير ذلك ~~الجسم المعين فإن كان التغيير لم يزل الاسم فاليمين باقية بلا نزاع بينهم ~~كما لو حلف لا يكلم هذا الرجل فمرض أو صار شيخا أو لا يأكل هذا الخبز فصار ~~كسرا ونحو ذلك # وان كانت قد استحالت اجزاؤه وتغير اسمه مثل أن يحلف لا أكلت هذه البيضة ~~فصارت فروجا أولا أكلت هذه الحنطة فصارت زرعا PageV08P323 # قالوا فهنا لا يحنث لأنه زال اسمه وزالت اجزاؤه # وان تغيرت الصفة مع زوال الاسم كما إذا حلف لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا ~~أو لا كلت لحم هذا الحمل فصار كبشا فإنه يحنث عند جمهورهم كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد في المشهور من مذهبه وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وكذلك لو حلف ~~لا اكلت من هذا الرطب فصار تمرا # وتنازعوا فيما إذا اكل مما يصنع من الرطب ms1684 والعنب من الدبس والخل فمنهم من ~~قال يحنث وهو مذهب مالك وهو المشهور من مذهب أحمد ومنهم من قال لا يحنث كما ~~هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وطائفة من أصحاب أحمد قالوا لان اسم المحلوف ~~عليه وصورته زالت فلم يحنث كما في مسألة البيضة والفروج # فقال لهم الاولون عين المحلوف عليه باقية فصار كمسألة الحمل بخلاف البيضة ~~إذا صارت فرخا فإن اجزاءها استحالت فصارت عينا أخرى ولم يبق عينها # مع أن في هذه المسائل كلاما ليس هذا موضعه إذ كان منهم من يرى اليمين ~~باقية مع استحالة العين لأجل التغيير ومنهم من يرى انه بمجرد زوال الاسم ~~تزول اليمين PageV08P324 # ولكن المقصود هنا أنه من المستقر في عقول الناس الفرق بين استحالة ~~الاعيان وانقلابها وبين تغير صفاتها مع بقاء عينها وذاتها ولهذا اتفقوا ~~كلهم على أن العين الخبيثة لا تطهر بمجرد تغير الصفة فالدم والميتة ولحم ~~الخنزير والخمر إذا تغيرت صفاته مثل أن يجمد الدم والخمر أو يسيل شحم ~~الميتة والخنزير ونحو ذلك فإنه لا يزول التحريم باتفاقهم # واما إذا استحالت العين مثل أن يصير ذلك ملحا أو رمادا أو نحو ذلك ففيه ~~نزاع مشهور والجمهور على انه يطهر بالاستحالة كما هو مذهب اكثر اهل الرأي ~~وأهل الظاهر واحد القولين في مذهب مالك واحمد واتفقوا على أن الخمر ~~المنقلبة بفعل الله تعالى خلا انها تطهر # وأما الطريق الثاني وهو بيان أن ما ذكره ليس بدليل صحيح على حدوث الأجسام ~~فإن المعترض يقول قوله أن القديم إذا حصل على صفة من الصفات لم يجز خروجه ~~عنها كلام مجمل قد يراد به انه إذا حصل على صفة لازمة لذاته لم يجز خروجه ~~عنها وقد يريد به إذا حصل على حال عارضة له سواء كان نوعها لازما له اولم ~~يكن لازما لذاته مثل الفعل والعمل سواء سمى حركة أو لم يسم كالاتيان ~~PageV08P325 والمجيء والنزول والمناداة والمناجاة وأمثال ذلك مما تنازع فيه ~~الناس هل يقوم بالقديم أم لا # فجمهور اهل السنة والحديث المتبعون للسف والائمة ms1685 من السلف والخلف مع كثير ~~من طوائف الكلام وأكثر الفلاسفة يجوزون أن يقوم بالقديم ما يتعلق بمشيئته ~~وقدرته من الأفعال وغير الأفعال فيقول هؤلاء قول القائل أن القديم الحاصل ~~على صفة لا يجوز خروجه عنها أن اراد به مواقع الإجماع مثل صفات الكمال ~~اللازمة لذات الله أو نوع الصفات اللازم لذات الله تعالى فهذا لا نزاع فيه # وإن اراد به اعيان الحوادث فما الدليل على أن القديم إذا قام به حال من ~~غير هذه الاحوال المعينة لم يجز خروجه عنها # واما استدلال المستدل بقوله لا يخلو أن يكون على ما هو عليه في ازله ~~لنفسه أو لعلة إلى اخر الكلام # فيقال له ذلك الأمر الذي قام هو به هو معنى من المعاني فإن جعلت الموجب ~~لذلك المعنى أمرا آخر على قول مثبتي الاحوال القائلين بأن كونه عالما ~~ومتحركا معنى أوجبه العلم والحركة خوطبت على هذا الاصطلاح وقيل لك قام به ~~ذلك لمعنى # قوله واذا كان لمعنى استحال أن يزول إلا عند عدم ذلك المعنى والقديم ~~يستحيل عدمه # يقال له قول القائل القديم يستحيل عدمه لفظ مجمل أتريد PageV08P326 به أن ~~العين القديمة أو صفتها اللازمة لها يستحيل عدمه أو النوع الذي لا يزال ~~يستحيل عدمه فإن أراد شيئا من هذه المعاني لم يكن له فيه حجة وان اراد أن ~~النوع القديم يستحيل عدم فرد من أفراده المتعاقبة فهذا محل نزاع ولا دليل ~~له على امتناع عدمه ولم يعدم القديم هنا بل النوع القديم لم يزل ولكن عدم ~~فرد من أفراده بمعاقبة فرد آخر له كالافعال المتعاقبة شيئا بعد شيء # فإذا كان القائم بالقديم نوع لم يزل مع تعاقب أفراده لم يكن قد عدم النوع ~~بل كان الكلام في كونه ازليا كالكلام في كونه ابديا وكما انه لا يزال فلا ~~يعدم النوع وان عدم ما يعدم من أعيانه فكذلك القول في كونه لم يزل # وايضا فيقال له القديم إذا فعل بعد أن لم يكن فاعلا فكونه فعل امر موجود ~~أو معدوم # فإن ms1686 قال انه معدوم فهذا مكابرة للحس والعقل فإن الفعل إذا كان امرا عدميا ~~فلا فرق بين حال أن يفعل وحال إلا يفعل لأن العدم المحض لا يكون فعلا # واذا لم يكن فرق بين الحالين وهو في حال إلا يفعل لا فعل فيجب في الحال ~~التي زعم انه فعل إلا يكون له فعل لتساوي الحالين فيجب إلا يفعل مع كونه ~~فعل وهذا جمع بين النقيضين PageV08P327 # وان قال كونه فعل امر موجود فالقديم قبل أن يفعل كان على صفة فإما أن ~~يتجدد ما يوجب خروجه عن تلك الصفة أو لا يتجدد فإن لم يتجدد وجب إلا يفعل ~~وان تجدد شيء انتقض قوله انه إذا كان على صفة من الصفات لم يجز خروجه عنها # فإن قال إنما اعنى بالصفة المعنى القائم بذاته وذاك لم يزل # قيل هب انك عنيت هذا لكن دليلك يتناول هذا وغيره ويوجب أن الأمر الازلي ~~لا يجوز تحوله من حال إلى حال بوجه من الوجوه لأن ما كان قديما كان لمعنى ~~والقديم لا يزول # فالامر المتجدد المتحول الحادث سواء سميته صفة أو حالا أو حادثا أو فعلا ~~وسواء كان قائما به أو بغيره بموجب دليلك أنه لا يجوز بغير الأمور القديمة ~~الأزلية فإن كان هذا حقا وجب إلا يحدث شيء من الحوادث فإن جوز أن تحدث عن ~~قديم من غير حدوث أمر وجودي يكون شرطا في وجودها فقد جوز تغير الأمور ~~الأزلية بلا سبب وان قال لا بد من تجدد امر به يحصل حدوثها واذا تجدد امر ~~فقد حصل تغير لم يكن في الأزل فانتقضت حجته # وايضاح هذا أن يذكر نظير حجته فيقال له القديم الذي لم يزل غير فاعل لا ~~يجوز كونه فاعلا فإنه إذا كان غير فاعل فإما أن يكون ذلك لنفسه أو لعلة إلى ~~آخر الكلام PageV08P328 # وان قال فعله بعد أن لم يكن فاعلا ليس مجرد وجود المفعولات والفعل حدوث ~~نسبة واضافة بينهما وهي عدمية # فيقال له فالمتجدد القائم به يقال فيه كذلك ليس هو إلا ms1687 مجرد وجود ذلك ~~المتجدد وهو حدوث نسبة واضافة عدمية والفعل حدوث نسبة واضافة بينهما وهي ~~عدمية # فان قال هذا يلزم منه قيام المتجددات والحوادث به وهذا لا يجوز # قيل له هذه مصادرة على المطلوب فإنك انت لم تقم دليلا على أن القديم لا ~~تقوم المتجددات والحوادث به بل ما ذكرته هوالدليل على ذلك فإن كان استدلالك ~~على هذا لا يتم إلا بأن تجعل المطلوب مقدمة في إثبات نفسه لم يكن لك عليه ~~دليل إلا مجرد الدعوى وصار هذا بمنزلة أن يقول القائل القديم لا تقوم به ~~الاحوال المتجددة لأن القديم لا تقوم به الاحوال المتجددة # واذا كان العلم بالصانع موقوفا على هذا الدليل لم يكن هناك علم بالصانع ~~بل صار حقيقة الكلام الدليل على ثبوت الصانع حدوث النطفة وغيرها من الأجسام ~~والدليل على حدوث ذلك انه تقوم به المتجددات والحوادث وما قام به المتجددات ~~والحوادث كان حادثا لأن ما قام به المتجددات والحوادث كان حادثا # فيكون منتهى الكلام مجرد الدعوى التي نوزع فيها والاستدلال عليها ~~PageV08P329 بنفسها مع ترك الدليل الواضع البين الذي يشهد به الحس ويعلمه ~~الخلق ولا ينازع فيه عاقل وهو حدوث المحدثات التي يشهد حدوثها ثم افتقار ~~المحدثات إلى فاعل ليس بمحدث بل قديم من الأمور المعلومة بالضرورة لعامة ~~العقلاء لا ينازع فيه إلا من هو من شر الناس سفسطة # فهذا وأمثاله مما يقوله جمهور الانام في مثل هذا المقام ويقولون انا نعلم ~~بالاضطرار أن ما ذكره الله تعالى في القرآن ليس فهي إثبات الصانع بهذه ~~الطريق بل ما في القرآن من الأخبار عن الله بما أخبر عنه من افعاله وأحواله ~~يناقض هذه الطريق ويقولون أن العقل الصريح مطابق لما في القرآن فإن حدوث ~~المحدثات مشاهد معلوم بالحس والعقل وكون المحدث لا بد له من محدث امر يعلم ~~بصريح العقل وايضا فحدوث الحادث بدون سبب حادث ممتنع في العقل # قال القاضي أبو بكر واما قول أبي الحسن أن الانقلاب والتغير والاعتمال ~~والتأثير من سمات الحدث وما لم يسبق ms1688 المحدثات كان محدثا مثلها ففيه وجهان ~~من الكلام # أحدهما أن نقول أن التغييرات من سمات الحدوث بدلالة أن التغير هو خروج ~~الشيء من صفة إلى صفة فلا يخلو إما أن يكون PageV08P330 خروجا من صفة قدم ~~إلى صفة قدم أو من صفة حدث إلى صفة حدث أو من صفة قدم إلى صفة حدث أو من ~~صفة حدث إلى صفة قدم # والاول باطل لوجهين # أحدهما أن المنتقل انتقل إلى امر مستأنف لم يكن عليه وذلك لا يكون قديما # الثاني أن ذلك يقتضي عدم القديم كما تقدم والقديم لا يجوز عدمه # قال ويستحيل أن يكون التغيير خروجا من حال حدث لأن ذلك لا يثبت إلا بأحد ~~وجهين # إما بحدوث تغيير القديم أو ببطلان معنى منه قد ثبت قدمه ووجوب حدوث ما ~~اكتسبه وصفا بعد أن لم يكن مستحقا له وما قبل الحوادث لم يخل منها أو من ~~اضدادها وما لم يوجد قبل أول الحوادث ولم يعر منها كان محدثا مثلها # قال ولا خلاف بيننا وبينهم يعني المعتزلة في هذا القسم لنطنب فيه ~~PageV08P331 # قال واما الوجه الآخر فهو أن نقول إنما اراد بقوله انها من سمات الحدث ~~ودلائله انها إذا ثبت حدوثها وان الجسم لم يخل منها ولم يوجد قبل اولها وجب ~~له من الحدث ما وجب لها إذ لا يخلو أن يكون وجد مع وجودها أو بعد وجودها إذ ~~قد فسد أن يكون موجودا قبلها # فإن كان وجد مع وجودها وجب له من الحدث ما وجب لها وان كان وجد بعد ~~وجودها كان اولى بالحدوث لان ما وجد بعد المحدث كان اولى أن يكون محدثا # قال القاضي أبو بكر واعلم أن هذا الدليل على حدوث النطفة وغيرها من ~~الأجسام إذا علق على هذه النكتة وسلك فيها هذا الضرب من الاستدلال فلا بد ~~فيه من مقدمات اربع # اولها الدلالة على إثبات الاعراض # والثانية الدلالة على حدوثها وأن لها اولا تنتهي اليه # والثالثة أن الجسم لا يخلو منها ولا يوجد قبل اولها # والرابعة أن ما ms1689 لم يسبق المحدثات فواجب أن يكون محدثا مثلها # ثم تكلم على إثبات هذه المقدمات بالكلام المعروف لهم في ذلك # ولما قيل له لم قلتم أن الجسم لا ينفك من هذه الحوادث ولا يوجد قبل اولها ~~PageV08P332 # قال لأدلة منها انا نعلم بالاضطرار وببدائه العقول ومقدماتها أن الأجسام ~~إذا كانت موجودة فلا تخلو من الاجتماع والافتراق وذلك لأنها لا تعدو إذا ~~كانت موجودات من أن تكون متماسة متلاصفة كل شيء منها إلى جنب صاحبه أو تكون ~~متباينة متباعدة كل شيء منها لا إلى جنب صاحبه وليس بين هذين منزلة # فإن كانت متماسة فذلك معنى الاجتماع وان كانت متباينة فذلك هو معنى ~~الافتراق # قال ومما يبين ذلك ايضا انا لو جاز لنا وجود جسم خاليا من الحركة والسكون ~~والاجتماع والافتراق والحياة والموت والسواد والبياض وغيرهما من الالوان ~~ومن سائر الهيئات لم نجد إلى ذلك سبيلا ولكان ذلك ممتنعا لأنا وجدنا هذه ~~الاعراض متعاقبة على الأجسام وتفسير التعاقب أن الشيء منها يوجد بعقب غيره # قلت إما الاجتماع والافتراق فإذا قدر وجود جسمين فلا بد من أن يجتمعا أو ~~يفترقا واما الجسم الواحد الذي ليس معه غيره فلا يوصف بمجامعة غيره ولا ~~مفارقته وانما يصفه بالاجتماع والافتراق من يقول بأنه مركب من الأجزاء ~~المفردة فيقول تلك الأجزاء إما مجتمعة واما مفترقة وهذا ليس معلولا ~~بالبديهة ولا الحس ولا يسلمه جمهور الناس PageV08P333 # واما الحياة والموت فقد ينازعه من ينازعه من النظار في ذلك فإن نظار ~~المسلمين وغيرهم متنازعون في الموت هل هو وجودي أو عدمي ثم من قال انه عدمي ~~يقول كثير منهم أن هذين متقابلان تقابل العدم والملكة وما لا يقبل الحياة ~~والموت كالجماد لا يوصف بواحد منهما # لكن القاضي وجمهور الناس يردون على هؤلاء بأن هذا اصطلاح منكم لا يلزمنا ~~ويقولون انا نفسر الموت بما يكون النزاع معه لفظيا # ويقول القاضي واكثر الناس أن كل جسم فإنه يقبل الحياة # لكن الذي يقال له الجسم لا يخلو من أن يكون حيا أو ميتا كما لا ms1690 يخلو من ~~أن يكون متحركا أو ساكنا واتصافه بالحياة لا يستلزم إمكان اتصافه بالموت ~~فإن القديم سبحانه موصوف بالحياة والعلم والقدرة ولا يمكن اتصافه بضد ذلك # وحينئذ فلا يمكن أن يقال أن كل جسم يقبل الحياة والموت إلا بدليل يدل على ~~ذلك والحياة لا يجب أن تكون حادثة لا نوعا ولا شخصا كما قد يقال مثل ذلك في ~~الحركة # ثم قال القاضي أبو بكر فإن قال قائل فما الدليل على أن ما لم يسبق ~~المحدثات محدث وانه واجب لا محالة القضاء على حدوث الجسم متى لم يوجد قبل ~~أول الحوادث ولم زعمتم ذلك PageV08P334 # قيل له الدليل على هذا قريب واضح وذلك انه لا حال للجسم مع الحوادث إلا ~~بثلاثة احوال # إما أن يكون موجودا قبل اولها أو يكون موجودا مع وجودها أو يكون موجودا ~~بعدها # فإذا بطل أن يكون الجسم عاريا عن الحوادث ومنفكا من سائرها وجب انه ليس ~~له معها إلا حالان إما أن يكون موجودا مع وجودها أو بعدها # فإن كان موجودا مع وجودها ولوجودها أول فواجب أن يكون حكمه في الوجود عن ~~أول وحصوله عن عدم حكمها وذلك يوجب حدوثه من حيث شركها في علة الحدوث متى ~~لم يكن سابقا لها # وان كان موجودا بعدها كان اولى بالحدوث منها لوجوده بعدها # فهذا منتهى كلام القاضي وأبي الحسن في إثبات الصانع وكلام أبي الحسن اجود ~~فإنه بناه على التغير المحسوس في النطفة لم يحتج مع ذلك إلى إثبات جنس ~~الاعراض لكل جسم # وقول القاضي أن الدليل على حدوث النطفة وغيرها من الأجسام إذا علق على ~~هذه النكتة فلا بد فيه من إثبات الاعراض اولا وعلى حدوثها ثانيا فليس كما ~~قال بل ألاشعري عدل عن هذه الطريق PageV08P335 قصدا كما ذكره في رسالة ~~الثغر وذم هذه الطريق وعابها وذلك أن ما ذكره من تحول النطفة وانقلابها امر ~~مشهود محسوس لا ينازع فيه عاقل سليم سواء سمى ذلك التحول عرضا أو لم يسم ~~وسواء قيل أن ذلك العرض مغاير للجسم أو ms1691 قيل ليس بمغاير له وتحولها مشهود ~~حدوثه لا يحتاج مع ذلك إلى ابطال كمون الاعراض ولا انتقالها # لكن منتهى الدليل إلى مقدمة واحدة وهو أن ما قامت به الحوادث فهو حادث ~~بناء على أن ما قامت به لم ينفك عنها وما لم يسبق الحوادث فهو حادث وهذه ~~المقدمات فيها نزاع مشهور # وجمهور الناس من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصائبين والمشركين ~~يخالفون في ذلك حتى جمهور الفلاسفة المتقدمون والمتأخرون القائلون بقدم ~~العالم وحدوثه يخالفون في ذلك # والجمهور القائلون بأن الله خلق السموات و الأرض بعد أن لم تكونا ~~مخلوقتين لا يتوقف إثبات ذلك عندهم على هذه المقدمة بل يقولون أن إثبات ~~خلقهما لا يثبت إلا مع نقيض هذه المقدمة بل وكذلك القول بأن الله خالق كل ~~شيء وانه هو القديم وحده وما سواه محدث مسبوق بالعدم كما هو مذهب اهل الملل # وجمهور العقلاء يقول ائمتهم انها لا تحتاج إلى هذه المقدمة بل لا تثبت ~~إلا مع نقيض هذه المقدمة ومع القول بإبطالها ويقولون أن PageV08P336 موجب ~~هذه المقدمة أن كل موجود محدث وانه ليس في الوجود قديم مع أن هذا معلوم ~~الفساد بالضرورة # واما الكلام في أن ما قبل الحوادث لم يخل منها ففيها نزاع مشهور بين اهل ~~الكلام وكذلك قوله ما لم يسبق الحوادث فهو حادث فيها من منازعة اهل الحديث ~~والكلام والفلسفة ما هو معروف # وقد يسلم هذه من ينازع في الأولى من الكرامية ونحوهم وقد ينازع في هذه من ~~لا ينازع في الأولى من اهل الحديث والفلسفة والكلام وغيرهم # وهذه المقدمة هي التي جعلها الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم عليها من ~~الاشعرية والكرامية واتباع الأئمة الاربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد ~~اصل الدين # ثم أن قدماءهم كانوا يأخذونها مسلمة ويظنونها ضرورية ولا يميزون بين ما ~~لا يسبق الحادث المعين والحوادث المحدودة التي لها مبدأ وما لا يسبق جنس ~~الحوادث فإن ما لا يسبق الحادث المعين أو الحوادث المحدودة التي لها مبدأ ~~فهو محدث بالضرورة ولا ينازع في هذا عاقل # فإن ms1692 ما كان عينه حادثا فما لم يكن قبله فإنه محدث مثله بالضرورة كما قرره ~~لأنه إما معه واما بعده وما كان مع الحادث أو بعده فهو PageV08P337 حادث ~~بالضرورة # وأما ما لا يسبق جنس الحوادث وهو ما قدر انه لم يزل يقارنه حادث بعد حادث ~~وهلم جرا كما انه يقارنه حادث بعد حادث وفان بعد فان في الابد فيقدر ليس ~~متقدما على جنس الحوادث ولا متأخرا عن جنس الحوادث والفانيات فهذا محل نزاع ~~نزاعهم فيه جمهور الناس من اهل الملل والفلاسفة القائلين بحدوث العالم ~~وبقدمه # وقد رأيت في كتب كثير من المتكلمين من المعتزلة والاشعرية وغيرهم انهم ~~اخذوا هذه المقدمة مسلمة وجعلوها ضرورية واشتبه عليهم ما لم يسبق عين ~~الحادث بما لم يسبق نوع الحادث # والاول ظاهر معلوم لكل أحد # وما الثاني فليس كذلك فصاروا ينتهون في أصل اصول دينهم الذي زعموا انه ~~ثابت بصريح المعقول وانهم به عرفوا وجود الخالق وصدق رسله وانه به يردون ~~على من خالف الملة وبه خالفوا ما خالفوه من نصوص الكتاب والسنة واقوال ~~السلف والائمة واهل الحديث إلى هذه المقدمة وهي لفظ مجمل فيه عموم واطلاق ~~أحد نوعيه بين PageV08P338 # فإذا ذكروا ذلك النوع البين ظنوا أن المقدمة صارت معلومة ضرورية والمطلوب ~~لا يتم إلا ببيان النوع الآخر وهم لم يبينوه # وهذا مما يبين للفاضل المعتبر كيف تدخل الشبهات والبدع على كثير من الناس ~~وان كانوا من أعقل الناس واذكاهم وافضلهم وان كانوا لم يعتمدوا التلبيس على ~~أنفسهم ولا على من يعلمونه ويخاطبونه لكن اشتبه الأمر عليهم فوقعوا في ~~شبهات ظنوها بينات # وهذا مما يعتبر به المسلم فلا يعدل عن كلام الله وكلام رسوله المعصوم ~~الذي عرف انه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلى كلام من يروج ~~عليهم مثل هذه الشبهات ويغرقون في مثل هذه المجملات ولا يتبين لهم ما فيها ~~من فصل الخطاب والتقسيم المميز للصحيح من السقيم # ويعرف بهذا حذق السلف والائمة الذين ذموا مثل هذا الكلام وجعلوه من الجهل ms1693 ~~الذي يستحق اهله العقوبة والانتقام # لكن هؤلاء ذكروا في موضع آخر الكلام مع من يدعي وجود ما لا يتناهى وبحثوا ~~معه وان كانوا لم يجعلوا ذلك من المقدمات التي لا بد منها في هذه المسألة # وقد ذكر ذلك القاضي أبو بكر بعد هذا فقال فصل فإن قال قائل من أهل الدهر ~~الذاهبين إلى انه لا حركة إلا وقبلها PageV08P339 حركة ولا حادث إلا وقبله ~~حادث لا إلى غاية فما أنكرتم من إلا تدل الحوادث على حدوث الجسم اصلا إذ ~~كان لا أول لوجودها ولا شيء منها إلا وقبله شيء لا إلى غاية # يقال له انكرنا ذلك لامور اقربها أن هذا الذي قلته محال متناقض وذلك انه ~~لا يخلو ما مضى من الحوادث وانقضى أن يكون محدثا موجودا عن أول وان يكون ~~الفعل والفراغ قد اتيا عليه أو أن يكون منها ما هو غير موجود عن أول ولا ~~كائن عن حدوث فإن كان الماضي من الحوادث مستفتحا مبتدأ قد أتى عليه الفراغ ~~استحال قولكم انها لم تزل موجودات شيئا قبل شيء لان ما لم يزل موجودا فقديم ~~غير مستفتح # وقولنا انها حوادث وجب لها الاستفتاح والوجود عن أول والجمع بين ذلك ~~متناقض محال # وان كان فيما اوقعنا عليه هذه التسمية وهو قولنا حوادث ما هو موجود لا عن ~~أول وكائن لا عن عدم فالموجود لا بحدوث والكائن لا عن عدم واجب أن يكون ~~قديما لا محالة كما أن الفلك عندكم وعناصر الاشياء التي هي الماء والأرض ~~والنار والهواء قديمة عندكم إذ كان موجودة لا عند عدم وكانت لا بحدوث فواجب ~~أن يكون الفلك قديما لا أول لوجوده PageV08P340 # ولو امكن أن يكون فيما اوقعنا عليه قولنا حوادث ما هو كائن لا بحدوث ~~موجود لا عن عدم وهو مع ذلك محدث في الحقيقة لوجب أن يكون الفلك ايضا وهذه ~~الاعراض موجودة لا بحدوث كائنا لا عن عدم وهو مع ذلك محدث غير قديم # وكذلك القول في سائر اجسام العالم المركبة من هذه الاصول ولو ms1694 جاز ذلك جاز ~~في جميع اجسام العالم فإن لم يجز هذا ووجب قدم الفلك الكائن لا عن عدم ~~الموجود بغير حدوث وجب قدم ما كان من الحوادث لا عن عدم وما هو موجود فيها ~~بغير حدوث # وهذا يوجب أن من الحوادث ما هو قديم وذلك غاية التناقض والجهل لمن بلغه ~~لان هذين الوصفين متناقضان # واذا كان كذلك استحال ما قلتموه من أن الحوادث لم تزل شيئا قبل شيء لا ~~إلى أول # قال وتحرير ذلك أن هذا قول يوجب أن منها ما هو قديم لا محالة والقديم لا ~~يكون محدثا ولا مجموعا من الحوادث لان قولنا محدث جمع مبنى من لفظ واحد ومن ~~المحال أن يكون القديم من جملة الحوادث # فوجب أن للحوادث كلا وجميعا وان ما انقضى منها ومضى قد لقي الفراغ على ~~جميعه وان ما لم يسبقه ولم يكن قبله فوجب أن يكون محدثا مثله PageV08P341 # فدل ما ذكره أبو الحسن في حال النطفة وما يلحقها من التغييرات والانقلاب ~~والتأثيرات على انها محدثة هي وسائر الأجسام إذ سائر الأجسام هي كالنطفة ~~فيما استدل به على حدوثها من الاعتمال والتأثير والانقلاب والتغيير # قال وهذا الطريق من الكلام في حدوث الأجسام هو المعتمد في هذا الباب # قلت هذاالقاضي هو المقدم على ابناء جنسه وهذا منتهى كلامه في هذا الموضع ~~الذي هو عندهم اصل اصول الدين الذي جعلوه اصلا لرد ما خالفه من النصوص ~~النبوية ولما خالفه من مذاهب الدهرية # والمنازعون من ائمة السنة وائمة الفلسفة يقولون لهم ما ذكرتموه ليس فيه ~~إلا مجرد الدعوى المبنية على عدم تصور محل النزاع فإن قولكم لا يخلو ما مضى ~~من الحوادث أن يكون موجودا عن أول أو يكون فيها ما هو غير موجود عن أول ~~جوابه أن ما مضى من الحوادث يراد به كل فرد فرد بعينه ويراد به النوع ~~المتعاقب شيئا بعد شيء # فإن كان المراد كل واحد واحد من الحوادث فليس فيها شيء قديم بل كل منها ~~كائن بعد أن لم يكن PageV08P342 # وان ms1695 كان مرادك النوع المتعاقب شيئا بعد شيء فليس له أول وليس هو حادثا بل ~~النوع قديم مع أن كل فرد من أفراده حادث وانت لم تذكر دليلاص على امتناع ~~هذا البتة وانما ذكرت انه ليس فيها شيء قديم وهذا مسلم لا نزاع فيه # وقلت فإن كان الماضي من الحوادث مستفتحا مبتدأ قد أتى الفراغ علبه استحال ~~قولكم انها لم تزل موجودة شيئا قبل شيء لأن ما لم يزل فقديم غير مستفتح # فيقال لك كل واحد منها مستفتح مبتدأ ولكن لم قلت انه إذا كان كذلك استحال ~~قول القائل انها لم تزل موجودة شيئا قبل شيء لأن ما لم يزل فقديم غير ~~مستفتح # فإن هذا القائل يقول أن الذي لم يزل إنما هو الجنس المتعاقب شيئا بعد شيء ~~واما كل واحد واحد من الحوادث فلا يقول عاقل إنه لم يزل # فقول القاتل فإن كان الماضى من الحوادث مستفتحا مبتدأ قدأتى الفراغ عليه ~~استحال قولكم انها لم تزل موجودة شيئا قبل شيء # يقال له هم لا يقولون أن جنس الماضي مستفتح مبتدأ فإن ما لم يزل موجودا ~~شيئا قبل شيء لا يكون إلا قديما لم يزل ولكن يقولون أن كل واحد من تلك ~~الحوادث مستفتح مبتدأ وهذا لا يقولون فيه انه لم يزل موجودا # فالذي يقولون انه لم يزل ليس هو الذي يقولون انه مستفتح PageV08P343 ~~مبتدأ وهذا كما يقولون في المستقبلات الفانية المنقضية المتصرمة كالحركات ~~أن كل واحد منها فان منقض والجنس ليس بفان منصرم بل هو دائم كما قال تعالى ~~@QB@ أكلها دائم @QE@ سورة الرعد 35 وقال @QB@ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ~~@QE@ سورة ص 54 فالجنس دائم لا نفاد له وكل واحد واحد من افراد الرزق ~~المأكول ينفد لا يدوم # ولما تفطن كثير من اهل الكلام لما في هذه المقدمة من الاجمال والابهام ~~وانه لا بد من بيان هذه المقدمة في هذا الموضع ميزوا بين النوعين كما فعل ~~ذلك أبو الحسين البصري وابو المعالي الجويني والشهرستاني والرازي وغيرهم ~~فعرفوا أن ms1696 المراد انه ما لم يسبق جنس الحوادث لا عين الحوادث وان ذلك لا ~~يتم إلا ببيان أن الحوادث يجب أن يكون لها ابتداء وانه يمتنع وجود حوادث لا ~~يتناهى نوعها فأخذوا يحتجون على ذلك بما ذكرناه اعتراض الناس عليه في غير ~~هذا الموضع # ولهذا جعل أبو الحسين وابو المعالي ونحوهما هذا الدليل مبنيا على اربع ~~مقدمات إثبات الاعراض واثبات حدوثها واثبات استلزام الجسم لها واستحالة ~~حوادث لا أول لها # وجعلوا النتيجة أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث فإن ذلك حينئذ يكون ~~معلوما بالضرورة بخلاف ما فعله كثير من اهل الكلام من PageV08P344 الجهمية ~~والمعتزلة والاشعرية والشيعة وغيرهم حيث جعلوا المقدمات اربعا إثبات ~~الاعراض واثبات حدوثها واثبات استلزام الجسم لها والرابعة أن ما لم يسبق ~~الحوادث فهو محدث وهذه هي النتيجة وتصلح أن تكون مقدمة إذا تبين أن ما لم ~~يسبق جنس الحوادث فهو محدث لكن هم لم يثبتوا ذلك هنا واللفظ مجمع كما ترى # لكن قد بين هؤلاء كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلي وغيرهما الكلام على ~~هذا الأصل وهو امتناع وجود مالا يتناهى في موضع اخر فجعلوا الكلام في ابطال ~~مالا يتناهى من الحوادث والاجزاء التي هي الجواهر المفردة ونحو ذلك جنسا # ومنهم من يجعل ذلك دليلا ثابتا في المسألة كما فعله ابن عقيل والقشيري ~~وغيرهما # وقد ذكرنا أن الناس لهم في وجود مالا يتناهى في الماضي والمستقبل ثلاثة ~~اقوال قال بكل قول طائفة من نظار المسلمين وغيرهم # أحدها امتناع وجود مالا يتناهى في الماضي والمستقبل وهذا قول أبي الهذيل ~~والجهم بن صفوان وعن هذا الأصل قال الجهم بفناء الجنة والنار واشتد انكار ~~سلف الأمة عليه ذلك # وليس هذا قول من يقول بأنهما ليستا مخلوقتين ولو كانتا مخلوقتين لفنيتا ~~كما قال ذلك طائفة من الجهمية والمعتزلة فإن هؤلاء يقولون أن PageV08P345 ~~العالم كله لا بد أن يفنى جميعه ثم يعاد فلو كانت الجنة مخلوقة لفنيت فيما ~~يفنى ثم تعاد فلا تفنى والجهم يقول تفنى فناء لا تعاد بعده وابو الهذيل ms1697 ~~يقول تفنى حركات اهل الجنة والنار # والقول الثاني قول من يقول بامتناع مالا يتناهى في الماضي دون المستقبل ~~لان الماضي قد وجد والمستقبل لم يوجد بعد وهو قول اكثر المعتزلة والاشعرية ~~والكرامية ومن وافقهم # والثالث قول من يقول بإمكان وجود مالا يتناهى في الماضي والمستقبل كما هو ~~قول ائمة اهل الملل وائمة الفلاسفة # لكن ائمة اهل الملل وغيرهم ممن يقر بان الله خالق كل شيء وان كل ما سواه ~~محدث مسبوق بعدم يقولون لا يجوز وجود حوادث لا تتناهى إلا من قديم وحد واما ~~من يقول بوجود قديمين متحركين كمن يقول بقدم الافلاك فإن هؤلاء كأرسطوا ~~وأتباعه لا يجوزون أن يوجد بكل من القديمين بل والقدماء حوادث لا بداية لها ~~ولا نهاية مع أن إحداهما اكثر من الاخرى فيجوزن فيما لا أول له ولا آخر أن ~~يكون غيره أكثر منه وأن يكون قابلا للزيادة بخلاف الدين قبلهم فإنهم إنما ~~يجوزون ذلك في قديم واحد فإذا كان ما يفعله لا بداية له ولا نهاية لم يلزم ~~أن يكون قابلا للزيادة PageV08P346 # وعلى هذا فللناس في أن مالا يسبق جنس الحوادث هل هو حادث اقوال # أحدها انه يجب أن يكون حادثا مطلقا # والثاني لا يجب أن يكون حادثا # والثالث انه أن كان محتاجا إلى غيره وجب أن يكون حادثا وان كان غنيا عن ~~غيره لم يجب أن يكون حادثا # وايضا فإن ما لم يسبق حوادث نفسه لم يجب أن يكون حادثا وان لم يسبق حوادث ~~غيره كان حادثا وقد قرر هذا في موضع آخر # ومن فهم ما ذكرناه ونظر فيما صنفه الناس في هذا الباب من الاستدلال على ~~حدوث الأجسام بأنها لا تخلو من الحوادث وما لم يسبق الحوادث فهو حادث تبين ~~له تقصير كثير منهم في استيفاء مقدمات الدليل ثم الذين استوفوا مقدماته ~~يبقى الكلام معهم في صحة تلك المقدمة وقد عرف منازعة اكثر اهل الملل واكثر ~~الفلاسفة أو كثير من الطائفتين فيها وابطالهم لها # ولما كان هؤلاء وامثالهم يدعون أن معرفة ms1698 الله لا تحصل إلا بالمعقول ~~ويفسرون المعقول بمثل هذا الدليل الذي هو باطل وغايته إذا قيل انه صحيح انه ~~لا يصل به إلى المطلوب إلا قليل من الناس بعد كلفة شديدة ومخاطرة عظيمة ~~ويريدون أن يردوا بمثل هذا ما دل عليه الكتاب PageV08P347 والسنة واتفق ~~عليه سلف الأمة بل ما علم بفطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها ودلت عليه ~~العقليات الصريحة قابلهم من قال أن المعرفة لا تحصل إلا بالشرع وهؤلاء في ~~الغالب لا يريدون بذلك المعرفة الحاصلة لعموم الخلق من الكفار وغيرهم فإن ~~هذه عندهم فطرية ضرورية أو مكتسبة بنوع من نظر العقل # وقد تقدم كلام الناس في أن اصل الإقرار بالصانع فطري ضروري أو قد يكون ~~ضروريا خلافا لمن قال انه لا يحصل إلا بالنظر # وكلام السلف والائمة في ذلك كثير ولهذا كان كثير من أتباعهم ممن يقول أن ~~أول الواجبات هو النظر وان المعرفة لا تحصل إلا به قد يقول خلاف ذلك في ~~موضع آخر # وقد تقدم أن القاضي أبا يعلي وغيره كانوا يقولون بوجوب النظر في هذه ~~الطريقة طريقة الاعراض ثم رجعوا عن ذلك ويقولون أن المعرفة نظرية وانها ~~حاصلة بالنظر في الأدلة المذكورة في القرآن # وكثير من الناس كانوا يقولون اولا بوجوب النظر المعين الذي توجبه الجهمية ~~والمعتزلة وهو النظر في حدوث الاعراض ولزومها للاجسام وان مالا يخلو عن ~~الحوادث فهوحادث وانه أول واجب على العباد ثم رجعوا عن ذلك لما تبين له ~~فساد القول بوجود ذلك # ومن هؤلاء القاضي أبو يعلي وابن عقيل وابو المعالي الجويني PageV08P348 ~~والغزالي والرازي وغيرهم فإن هؤلاء وأمثالهم سلكوا اولا الطريقة التي ~~وجدوها للمتكلمين الذين سلكوا مسلك الجهمية والمعتزلة # فقالوا وهذا لفظ القاضي أبي يعلي في المعتمد إذا ثبت صحة النظر ووجوبه ~~فإن أول ما أوجب الله على خلقه العقلاء النظر والاستدلال المؤديين إلى ~~معرفة الله تعالى # قال وقد قيل أن أول الوجبات إرادة النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة ~~الله تعالى # قلت هذا الثاني قول أبي المعالي في ارشاده وذكر ms1699 ذلك القاضي أبو بكر وغيره # واختار القاضي أبو يعلي هذا في موضع آخر فقال أول ما انعم الله على ~~المؤمنين بعد الحياة من النعم الدينية خلق القدرة على الارادة للنظر ~~والاستدلال المؤديين إلى إثبات المعاني وحدوثها وان الجواهر لم تخل منها ~~ولم تسبقها في الوجود الموصل له إلى معرفة الله تعالى # قال وقد قيل أول نعمة دينية خلق القدرة على الإيمان PageV08P349 # قال وجه الأول أول طاعة واجبة لله على الخلق اكتساب الارادة للنظر المؤدي ~~إلى إثبات المعاني وحدوثها وان الجواهر لم تسبقها واذا كان ذلك أول ~~الواجبات وجب أن يكون أول النعم عليه من النعم الدينية # قال واعظم نعمة الله على المؤمنين من النعم الدينية واجلها كتب الإيمان ~~في قلوب المؤمنين # قال وقد قيل اعظم النعم الدينية هي خلق القدرة على الإيمان والاول اشبه ~~فإن أعظم الطاعات هو الإيمان فإنه بوجوده والموافاة به يحصل الثواب الدائم ~~في الاخرة واذا لم يوجد لا يحصل ذلك ثم قالوا وهذا لفظ القاضي أبي يعلي ~~خلافا لمن قال أن أول الواجبات المعرفة بالله وخلافا لمن قال معرفة الله ~~غير واجبة وان الواجب الإقرار به والتصديق له # قال والدلالة عل ما ذكرنا انه قد ثبت أن من لا يعرف الله لا يمكنه أن ~~يتقرب اليه كما أن من لا يعرف زيدا لا يمكنه أن يتقرب اليه # لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بالمتقرب اليه وليس بمشاهد لنا ولا ~~معلوم لنا ضرورة فوجب إلا نعلمه إلا بالنظر والاستدلال في الطريق الموصل ~~اليه فلما لم تتم المعرفة إلا به وجب أن يكون واجبا واذا وجب علم انه أول ~~الواجبات # ثم قال فصل واذا ثبت أن النظر أول الواجبات فإنما يجب النظر في الطريق ~~الموصل إلى معرفة الله وهو حدوث الاشياء من الجواهر PageV08P350 والاجسام ~~واذا كانت محدثة وجب أن يكون لها محدث لأن المحدث لو لم يتعلق بمحدث لم ~~تتعلق الكتابة بكاتب ولا الضرب بضارب لان ذلك كله يبعد إذ استحالة محدث لا ~~محدث له كاستحالة كتابة ms1700 لا كاتب لها فلو جاز محدث لا محدث له لجاز محدث لا ~~احداث له وذلك محال # وأيضا فإنا نرى الحوادث يتقدم بعضها على بعض ويتأخر بعضها عن بعض فلولا ~~أن مقدما قدم منها ما قدم واخر منها ما أخر لم يكن ما تقدم منها اولى من أن ~~يكون متأخرا وما تأخر منها اولى من أن يكون متقدما فدل ذلك على أن لها ~~مقدما محدثا لها قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر # وكان القاضي قد سمع رسالة الخطابي في الغنية عن الكلام وأهله على مسعود ~~السجزي عن علي بن سري السجستاني عن الخطابي وذكر أن بعض الناس اعترض عليها # فإن الخطابي ذكر الغنية عن الاستدلال بحدوث الجواهر والاجسام لكونها لا ~~تنفك عن الحوادث كما تقدم وقال فأما مثبتو النبوات فقد أغناهم الله تعالى ~~عن ذلك PageV08P351 # وهذه طريقة السلف من ائمة المسلمين في الاستدلال على معرفة الصانع وحدوث ~~العالم لأنه إذا ثبتت نبوته بقيام المعجز وجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من ~~الغيوب ودعاهم اليه من امر وحدانية الله تعالى وصفاته وكلامه وقد نبههم في ~~كتابه على الاستدلال به على ربوبيته فقال @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ ~~سورة الذاريات 21 وقال @QB@ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء ~~كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت @QE@ سوة الغاشية 17 20 ~~وقوله @QB@ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات @QE@ ~~سورة آل عمران 190 وما أشبه ذلك مما يدل على إثبات الصانع إلى آخر كلامه ~~PageV08P352 # قال القاضي وقد اعترض على هذا بعضهم فقال هذا رجوع منهم ومناف لما ذكره ~~لأنه حث على الاعتبار بانفسنا وبالسموات والأرض وليس ذلك بمعجزات الأنبياء ~~وانما هي الأجسام والأعراض # قال وانما احتج المتكلمون بالاعراض لان الجسم لا ينفك منها وهي محدثة في ~~أنفسها لعلمنا بان العرض يعدم في حال ويوجد في حال أخرى وهذا شاهد على ~~حدوثها وعلى حدوث مالا ينفك منها # قال ومعنى قوله انقلابها فيها انقلاب الجواهر في الاعراض ومعناه تغيره ms1701 من ~~سواد إلى بياض ومن حركة إلى سكون # قلت قد يراد بانقلابها فيها انقلاب الاعراض في الجواهر فإنها تنقلب من ~~عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم ومن نوع إلى نوع كالبياض والسواد والحركة ~~والسكون # وهذا المعترض على الخطابي أخطأ فإن الخطابي ذكر طريقين كما ذكرنا ~~PageV08P353 # أحدهما المعجزات بناء على أن الإقرار بالصانع فطري أو على أن المعجزات ~~يستدل بها على الخالق وعلى صدق أنبيائه كما ذكرنا في عصا موسى # والطريق الثاني أن القرآن نبه على الأدلة العقلية الصحيحة كما اعترف أئمة ~~النظار بأن القرآن دل على الطريق دل على الطريق العقلية # فقال وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة ~~ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعا حكيما عالما خبيرا تام القدرة بالغ ~~الحكمة # وقد نبههم الكتاب على ذلك ودعاهم إلى تدبره وتأمله والاستدلال به على ~~ثبوت ربوبيته فقال عز وجل @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ سورة الذاريات ~~21 إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة الدالين على وجود الصانع ~~الحكيم # ثم تكلم في خلق الإنسان بما تقدم ذكره قال وكقوله @QB@ أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف ~~سطحت @QE@ سورة PageV08P354 الغاشية 17 20 وبقوله تعالى @QB@ إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب @QE@ سورة آل ~~عمران 190 وما أشبه ذلك من خلال الأدلة وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي ~~العقول وعامة من يلزمه حكم الخطاب مما يطول تتبعه واستقراؤه # قال فبهذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه # فقد بين الخطابي بعض ما نبه عليه القرآن من الاستدلال بالآيات النفسية ~~والأفقية وهي أدلة عقليه # والخطابي ذم طريقة الاستدلال بالأعراض وأنها لازمة للأجسام # وهذه الطريقة لم ينبه القرآن عليها ولكن بعض الناس ذكروا أن هذه طريقة ~~إبراهيم الخليل صلوات الله عليه في قوله @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ سورة ~~الأنعام 76 قالوا لأن الأفول هو الحركة التي لم يخل الجسم منها # وهذا باطل لوجوه # أحدها ms1702 أن الأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب ~~PageV08P355 # والثاني أنه لو استدل بالحركة لكان من حين بزغت استدل بذلك لم يؤخر ~~الدلالة إلى حين الغروب # الثالث أن قصة إبراهيم هي على نقيض مطلوبهم أدل فإنه لم يجعل الحركة ~~منافية لما قصده بل المنافي هو الأفول # الرابع أن إبراهيم لم يكن معنيا بقوله @QB@ هذا ربي @QE@ سورة الأنعام 76 ~~أنه رب العالمين على أي وجه قاله ولا أعتقد ذلك قومه ولا غيرهم وإنما كان ~~الذي يقول ذلك يتخذه ربا يعبده لينال بذلك أغراضه كما كان عباد الكواكب ~~والشمس والقمر يفعلون ذلك وكان قومه من هؤلاء لم يكونوا جاحدين للصانع بل ~~مشركين به # ولهذا قال لهم @QB@ أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين @QE@ سورة الشعراء 75 77 # وقال في آخر قوله @QB@ إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في ~~الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء ~~علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون @QE@ سورة ~~الأنعام 78 81 وقد بسط هذا في موضع آخر PageV08P356 # والمقصود هنا أن القاضي كان أولا يقول بطريقة من يقول إن أول الواجبات هو ~~النظر في حدوث الأجسام ثم رجع القاضي عن ذلك ووافق الخطابي وغيره ممن سلك ~~مسلك السلف والأئمة وقالوا إن هذه الطريق ليست واجبة بل هي عند محققيهم ~~باطلة وإن كان النظر واجبا في غيرها من الطرق الصحيحة # وقد افتتح القاضي كتابه بقوله الحمد لله مبتدئ الأشياء ومخترعها من غير ~~شيء العالم بها قبل تكوينها والقادر عليها قبل إنشائها جاعل العلامات وناصب ~~الدلالات ومبين الآيات الآمر أولي الأبصار بالأفكار وأولي الألباب ~~بالاعتبار أرسل الرسل بالإنذار وأنزل الكتب بالأنوار وباعث النبيين ومنقذ ~~العمين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا ms1703 شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~المصطفى وأمينه المرتضى أنزل عليه كتابه الهدى نورا لمن التمسه وضياء لمن ~~اقتبسه ودليلا لمن طلبه دلهم فيه على معاني حكمته ولطيف صنعته وبيان جلاله ~~أثبت الحجة به على أوليائه وأعدائه وهو كلامه الذي يعجز الخلق أن يأتوا ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا لا معقب لأمره ولا راد لفضله تعالى عما ~~يقول الجاحدون علوا كبيرا PageV08P357 # ثم قال وهذه خطبة شيخنا أبي بكر عبد العزيز بن جعفر أحمد ذكرها في أول ~~كتابه الشافي قصدت أن أفتتح كتابي بها تبركا به ولأنه قد صرح فيها بالقول ~~بالنظر والاستدلال بقوله الآمر أولي الأبصار بالأفكار وأولي الألباب ~~بالاعتبار # قال وفي هذا بيان لوجوب النظر وصحته وإزالة الإشكال عمن توهم غير هذا في ~~المذهب # قلت وإيجاب النظر مطلقا غير إيجاب النظر في الطريق المعين طريقة كون ~~الأعراض حادثة وهي لازمة للأجسام فإن هذه لا يقول بوجوبها على المسلمين أحد ~~من أئمة المسلمين الذين يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويتبعونه إذ كان معلوما بالاضطرار لكل من عرف ذلك أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لم يوجب النظر في هذه الطريقة بل ولا دل على صحتها بل ما أخبرته يناقض ~~موجبها وهى وإن جعلها من جعلها من أهل الكلام المحدث أصلا في معرفة الصانع ~~وصفاته وصدق رسله فهي عند التحقيق تناقض معرفة الصانع ومعرفة صفاته وصدق ~~رسله كما قد بسط في مواضع والمقصود هنا أن القاضي أبا يعلى ونحوه ممن كان ~~يقول أولا إن المعرفة PageV08P358 لا تحصل إلا بالنظر في هذه الطريقة وهو ~~أول الواجبات لما ذكروا قوله صلى الله عليه وسلم # كل مولود يولد على الفطرة قالوا واللفظ للقاضي في الفطرة ما الفطرة هنا ~~على روايتين عن أحمد # إحداهما الإقرار بمعرفة الله تعالى وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب ~~آبائهم حين مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم ~~على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فليس أحد إلا وهو ms1704 يقر بأن له صانعا ومدبرا ~~وإن سماه بغير اسمه # قال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله @QE@ سورة الزخرف 87 ~~فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول # قال وليس الفطرة ههنا الإسلام لأمرين # أحدهما أن معنى الفطرة ابتداء الخلقة ومنه قوله تعالى @QB@ فاطر السماوات ~~والأرض @QE@ سورة فاطر 1 أي مبتدئهما وإذا كانت الفطرة هي الابتداء وجب أن ~~تكون تلك هي التي وقعت لأول الخلق وجرت في فطرة المعقول وهو استخراجهم ذرية ~~لأن تلك حالة ابتدائهم ولأنها لو كانت الفطرة هنا الإسلام لوجب إذا ولد من ~~بين أبوين كافرين ألا يرثهما ولا يرثانه مادام طفلا لأنه مسلم واختلاف ~~PageV08P359 الدين يمنع الإرث ولوجب ألا يصح استرقاقه ولا يصح إسلامه ~~بإسلام أبيه لأنه مسلم # قال وهذا تأويل ابن قتيبة ذكره في إصلاح الغلط على أبي عبيد وذكره أبو ~~عبد الله بن بطة في الإبانة # قال وليس كل من ثبتت له المعرفة حكم بإسلامه كالبالغين من الكفار فإن ~~المعرفة حاصلة لهم وليسوا بمسلمين # قال وقد أومأ أحمد إلى هذا التأويل في رواية الميموني فقال الفطرة الأولى ~~التي فطر الله عليها فقال له الميموني الفطرة الدين قال نعم # قال القاضي وأراد أحمد بالدين المعرفة التي ذكرناها # قال والرواية الثانية الفطرة هنا ابتداء خلقه في بطن أمه # قال لأن حمله على العهد الذي أخذه عليهم وهو الإقرار بمعرفة الله تعالى ~~حمل للفطرة على الإسلام لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان والمؤمن مسلم # قال ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا ولد بين أبوين كافرين ألا يرثهما ~~ولا يرثانه لأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خلقا لله وقد ثبت من أصولنا أن ~~أفعال العباد خلق لله من طاعة ومعصية PageV08P360 # قال وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية علي بن سعيد وقد سأله عن كل مولود ~~يولد على الفطرة فقال على الشقاوة والسعادة # وكذلك نقل محمد بن يحيى الكحال أنه سأله عن كل مولود يولد على الفطرة قال ~~هي التي فطر الناس عليها شقي أو سعيد # وكذلك نقل حنبل عنه ms1705 قال الفطرة التي فطر الله العباد من الشقاء والسعادة # قال وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة ههنا ابتداء خلقه في ~~بطن أمه # قلت أحمد لم يذكر العهد الأول وإنما قال الفطرة الأولى التي فطر الناس ~~عليها وهي الدين وقد قال في غير موضع إن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما ~~حكم بإسلامه واستدل بهذا الحديث # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فدل على أنه ~~فسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث ولو ~~لم يكن كذلك لما صح استدلاله بالحديث # وقوله في موضع آخر يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة لا ينافي ذلك ~~فإن الله تعالى قدر الشقاوة والسعادة وكتبها وقدر أنها تكون بالأسباب التي ~~تحصل بها كفعل الأبوين فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره ~~الله تعالى # والمولود ولد على الفطرة سليما وولد على أن هذه الفطرة السليمة ~~PageV08P361 يغيرها الأبوان كما قدر الله تعالى ذلك وكتبه كما مثل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله # كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء فبين أن البهيمة ~~تولد سليمة ثم يجدعها الناس وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على ~~الفطرة سليما ثم يفسده أبواه وذلك أيضا بقضاء الله وقدره # وإنما قال الأئمة ولد على ما فطر عليه من شقاء وسعادة لأن القدرية كانوا ~~يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليس بقدر الله بل مما فعله الناس ~~لأن كل مولود يولد خلقه الله على الفطرة وكفره بعد ذلك من الناس # ولهذا قالوا لمالك بن أنس إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث فقال ~~احتجوا عليهم بآخره وهو قوله الله أعلم بما كانوا عاملين # فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية فإنهم لا يقولون إن نفس الأبوين خلقا ~~تهوده وتنصره بل هو تهود وتنصر باختياره لكن كانا سببا في ذلك بالتعليم ~~والتلقين فإذا أضيف إليهما بهذا الاعتبار فلأن يضاف إلى الله الذي هو خالق ~~كل ms1706 شيء بطريق الأولى لأن الله وإن خلقه مولودا على الفطرة سليما فقد قدر ~~عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره وعلم ذلك # كما في الحديث الصحيح # إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع PageV08P362 كافرا ولو بلغ لرهق ~~أبويه طغيانا وكفرا # فقوله طبع أي طبع في الكتاب أي قدر وقضي لا أنه كان كفره موجودا قبل أن ~~يولد فهو مولود على الفطرة السليمة وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر كما طبع ~~كتابه يوم طبع # ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار ~~فهو غالط فإن ذلك لا يقال فيه طبع يوم طبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد ~~بعد كفره # وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال # خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم ~~أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية ~~وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك # وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره قال # بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما حملكم على قتل الذرية قالوا يا رسول الله ~~أليسوا أولاد المشركين قال أو ليس خياركم أولاد PageV08P363 المشركين ثم ~~قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيب فقال ألا إن كل مولود يولد على الفطرة ~~حتى يعرب عنه لسانه فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه لهم عن قتل أولاد ~~المشركين وقوله لهم أو ليس خياركم أولاد المشركين يبين أنه أراد أنهم ولدوا ~~غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك ولو كان أراد أن المولود حين يولد يكون إما ~~كافرا وإما مسلما على ما سبق له القدر لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده ~~صلى الله عليه وسلم من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين # وقد ظن بعضهم أم معنى ms1707 قوله # أو ليس خياركم أولاد المشركين معناه لعله أنه قد يكون سبق في علم الله ~~أنهم لو بقوا لآمنوا فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من التجويز وليس هذا ~~معنى الحديث ولكن معناه إن خياركم هم السابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار وهؤلاء من أولاد المشركين فإن آباءهم كانوا كفارا ثم إن البنين ~~أسلموا بعد ذلك فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا فإن ~~الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه وهو سبحانه يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ويخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن PageV08P364 # وهذا الحديث قد روي بألفاظ يفسر بعضها بعضا ففي الصحيحين واللفظ للبخاري ~~عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة ~~اقرأوا @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم @QE@ سورة الروم 30 قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا قال ~~الله أعلم بما كانوا عاملين # وفي الصحيح قال الزهري يصلي على كل مولود متوفى وإن كان لغية من أجل أنه ~~ولد على فطرة الإسلام إذا استهل صارخا ولا يصلى على من لم يستهل من أجل أنه ~~سقط وإن أبا هريرة كان يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة ~~@QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ سورة الروم 30 # وفي الصحيح من رواية الأعمش # ما من مولود يولد إلا وهو على PageV08P365 الملة وفي رواية أبي معاوية ~~عنه إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه فهذا صريح في أنه يولد على ملة ~~الإسلام كما فسره ابن شهاب راوي الحديث واستشهاد ms1708 أبي هريرة بالآية يدل على ~~ذلك # قال ابن عبد البر في التمهيد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من حديث أبي هريرة وغيره فممن رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيب وأبو سلمة ~~بن عبد الرحمن وحميد بن عبد الرحمن وأبو صالح السمان وعبد الرحمن الأعرج ~~وسعيد بن أبي سعيد ومحمد بن سيرين # قال ورواه ابن شهاب واختلف أصحابه في إسناده منهم من رواه عن سعيد عن أبي ~~هريرة ومنهم من رواه عن أبي سلمة عن PageV08P366 أبي هريرة ومنهم من رواه ~~عن حميد عن أبي هريرة قال محمد بن يحيى الذهلي كل هذه صحاح عن ابن شهاب ~~محفوظة # قال ابن عبد البر وقد سئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزئ الصبي ~~عنه أن يعتقه وهو رضيع قال نعم لأنه ولد على الفطرة # قال ابن عبد البر لما ذكر النزاع في تفسير هذا الحديث وقال آخرون الفطرة ~~ها هنا الإسلام قالوا وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل وقد أجمعوا ~~في تأويل قوله عز وجل @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ سورة الروم ~~30 على أن قالوا فطرة الله دين الله الإسلام واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا ~~الحديث اقرأوا إن شئتم @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ # وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله عز ~~وجل @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ قالوا فطرة PageV08P367 الله ~~دين الله الإسلام لا تبديل لخلق الله قالوا لدين اله # واحتجوا بحديث محمد بن اسحاق عن ثور ين يزيد عن يحي بن جابر عن عبد ~~الرحمن بن عائذ الازدى عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى اله عليه ~~وسلم قال للناس يوما # إلا احدثكم بما حدثني الله في الكتاب أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين ~~واعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فجعلوا ما اعطاهم الله حلالا وحراما ~~الحديث # قال وكذلك روى بكر بن مهاجر عن ثور بن يزيد باسناده مثله في هذا الحديث ms1709 ~~حنفاء مسلمين # قال أبو عمر روى هذا الحديث قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عياض بن حمار ~~ولم يسمعه قتادة من مطرف ولكن PageV08P368 قال حدثني ثلاثة عقبة بن عبد ~~الغافر ويزيد بن عبد الله بن الشخير والعلاء بن زياد كلهم يقول حدثني مطرف ~~عن عياض عن النبي صلى اله عليه وسلم فقال فيه # واني خلقت عبادي حنفاء كلهم لم يقل مسلمين وكذلك رواه الجسن عن مطرف عن ~~عياض ورواه ابن اسحاق عمن لا يهتم عن قتادة باسناده وقال فيه # واني خلقت عبادي حنفاء كلهم ولم يقل مسلمين # قال فدل هذا على حفظ محمد بن اسحاق واتقانه وضبطه لانه ذكر مسلمين في ~~روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث واسقطه من رواية قتادة وكذلك رواه الناس ~~عن قتادة قصر فيه عن قوله مسلمين وزاد ثور باسناده والله اعلم # قال والحنيف في كلام العرب المستقيم المخلص ولا استقامة اكثر من الإسلام ~~PageV08P369 # قال وقد روى عن الحسن قال الحنيفية حج البيت وهذا يدلك على انه اراد ~~الإسلام وكذلك روى عن الضحاك والسدى حنفاء قال حجاجا وعن مجاهد حنفاء قال ~~متبعين # قال وهذا كله يدلك عن الحنيفية الإسلام # قال وقال اكثر العلماء الحنيف المخلص وقال الله عز وجل @QB@ ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما @QE@ سورة آل عمران 67 ~~وقال @QB@ ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل @QE@ سورة الحج 78 ~~فلا وجه لانكار من انكر رواية من روى حنفاء مسلمين قال الشاعر وهو الراعى ~~PageV08P370 # % اخلفية الرحمن انا معشر % حنفاء نسجد بكرة واصيلا % % عرب نرى لله في ~~اموالنا % حق الزكاة منزلا تنزيلا % $ فهذا وصف الحنيفية بالاسلام وهو امر ~~واضح لاخفاء به # قال ومما احتج به من ذهب إلى أن الفطرة في هذا الحديث الإسلام قوله صلى ~~الله عليه وسلم # خمس من الفطرة ويروي # عشر من الفطرة يعني فطرة الإسلام # قلت الدلائل الدالة على انه اراد على فطرة الإسلام كثيرة كالفاظ الحديث ~~التي في الصحيح مثل قوله على الملة # وعلى هذه ms1710 الملة ومثل قوله في حديث عياض بن حمار # خلقت عبادي حنفاء كلهم وفي لفظ # حنفاء مسلمين ومثل تفسير أبي هريرة وغيره من رواة الحديث ذلك وهم اعلم ~~بما سمعوا # وأيضا فانه لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام لما سألوا عقب ذلك ارايت من ~~يموت من اطفال المشركين وهو صغير لانه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة ~~لما سألوا والعلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير PageV08P371 # وكذلك قوله فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه بين فيه انهم يغيرون الفطرة ~~التي فطر الناس عليها # وأيضا فانه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيه ثم تجدع ~~بعد ذلك فعلم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها # وأيضا فان الحديث مطابق للقرآن لقوله تعالى @QB@ فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها @QE@ وهذا يعم جميع الناس فعلم أن الله فطر الناس كلهم على ~~فطرته المذكورة وفطرة الله اضافها اليه اضافة مدح لا اضافة ذم فعلم انها ~~فطرة محمودة لا مذمومة # يبين ذلك انه قال @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها @QE@ وهذا نصب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبوبة ~~واصحابة فدل على أن اقامة الوجه للدين حنيفا هو فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها كما في نظائره مثل قوله @QB@ كتاب الله عليكم @QE@ سورة النساء 24 ~~وقوله @QB@ سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ ~~سورة الفتح 23 فهذا عندهم مصدر منصوب بفعل مضمر لازم اضماره دل عليه الفعل ~~المتقدم كأنه قال كتب الله ذلك عليكم وسن الله ذلك وكذلك هنا فطر الله ~~الناس على ذلك على اقامة الدين لله حنيفا وكذلك فسره السلف كما تقدم النقل ~~عنهم PageV08P372 # قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره المشهور يقول فسدد وجهك نحو ~~الوجه الذي وجهك الله يا محمد لطاعته وهي الدين حنيفا يقول مستقيما لدينه ~~وطاعته فطرة الله التي فطر الناس عليها يقول صنعة الله التي خلق الناس ~~عليها ونصب فطرة ms1711 على المصدر من معنى قوله @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا @QE@ ~~وذلك أن معنى ذلك فطر الله الناس على ذلك فطرة # قال وبنجو الذي قلنا في ذلك قال اهل التأويل وروى عن يونس بن عبد الأعلى ~~عن عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن ابن زيد بن اسلم في قوله @QB@ فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها @QE@ سورة الروم 30 الإسلام فمنذ خلقهم الله بني آدم ~~من ظهورهم ذرياتهم واشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا من آدم جميعا يقرون ~~بذلك وقرأ @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين @QE@ سورة الاعراف 172 فهذا قول الله كان الناس امة واحدة يومئذ ~~فبعث الله النبيين بعد PageV08P373 # وروى باسناده الصحيح عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فطرة الله قال الدين ~~الإسلام وقال ثنا ابن حميد ثنا يحي بن واضح ثنا يونس بن أبي إسحاق عن يزيد ~~بن أبي مريم قال مر عمر بمعاذ بن جبل فقال ما قوام هذه الأمة قال معاذ ثلاث ~~وهن المنجيات الاخلاص وهو الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها والصلاة ~~وهي الملة والطاعة وهي العصمة فقال عمر صدقت # وقال حدثني يعقوب يعني الدورقي ثنا ابن عليه ثنا ايوب عن أبي قلابة أن ~~عمر قال لمعاذ ما قوام هذه الأمة فذكر نحوه # قال وقوله لا تبديل لخلق الله يقول لا تغيير لدين الله أي لا يصلح ذلك ~~ولا ينبغي أن يفعل # ثم ذكر باسناده الصحيح عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال لا PageV08P374 ~~تبديل لخلق الله قال لدين الله # وروى عن عبد الله بن ادريس عن ليث قال ارسل مجاهد رجلا يقال له قاسم إلى ~~عكرمة يساله عن قول الله @QB@ لا تبديل لخلق الله @QE@ فقال عكرمة هو ~~الخصاء فرجع إلى مجاهد فقال اخطأ لا تبديل لخلق الله إنما هو الدين ثم قرأ ~~@QB@ لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم @QE@ # وروى عن وكيع عن نضر ms1712 بن عربي عن عكرمة لا تبديل لخلق الله لدين الله # وروى أيضا عن حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها قال الإسلام وكذلك روى عن وكيع عن سفيان الثورى عن ليث عن ~~مجاهد قال لدين الله وروى عن سعيد عن قتادة @QB@ لا تبديل لخلق الله @QE@ ~~أي لدين الله PageV08P375 # وكذلك روى عن ابن عيينة عن حميد الاعرج قال قال سعيد ين جبير @QB@ لا ~~تبديل لخلق الله @QE@ قال لدين الله # وكذلك عن المحاربي عن جويبر عن الضحاك في قوله @QB@ لا تبديل لخلق الله ~~@QE@ قال دين الله # وكذلك عن وكيع عن سفيان الثورى ومسعر عن قيس بن مسلم عن إبراهيم النخعى ~~@QB@ لا تبديل لخلق الله @QE@ قال دين الله # وكذلك عن مغيرة عن إبراهيم قال لدين الله # وعن عمرو بن أبي سلمة سالت عبد الرحمن بن يزيد بن اسلم عن قوله تعالى ~~@QB@ لا تبديل لخلق الله @QE@ قال لدين الله # وروى أيضا عن ابن عباس انه سئل عن اخصاء البهائم فكرهه PageV08P376 وقال ~~لا تبديل لخلق الله وعن حميد الاعرج قال قال عكرمة الاخصاء وعن حفص بن غياث ~~عن ليث عن مجاهد قال الإحصاء # قلت مجاهد وعكرمة روى عنهما القولان إذ لا منافاة بينهما كما قال تعالى ~~@QB@ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله @QE@ سورة ~~النساء 119 فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه والخصاء ~~وقطع الآذن أيضا تغيير لخلقه # ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم احدهما بالآخر في قوله # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء # فأولئك يغيرون الدين وهؤلاء يغيرون الصورة بالجدع والخصاء هذا تغيير لما ~~خلقت عليه نفسه وهذا تغيير ما خلق عليه بدونه # واعلم أن هذا الحديث لما صارت القدرية يحتجون به على قولهم الفاسد صار ~~الناس يتأولونه تأويلات يخرحونه بها عن مقتضاه # فالقدرية من المعتزلة وغيرهم يقولون كل مولد يولد على الإسلام والله لا ~~يضل أحدا ولكن ms1713 ابواه يضلانه # والحديث حجة عليهم من وجهين PageV08P377 # احدهما انه عند المعتزلة ونحوهم من المتكلمين لم يولد أحد على الإسلام ~~أصلا ولا جعل الله أحدا مسلما ولا كافرا ولكن هذا احدث لنفسه الكفر وهذا ~~احدث لنفسه الإسلام والله لم يفعل واحدا منهما عندهم بلا نزاع بين القدرية ~~ولكن هو دعاهما إلى الإسلام وازح علتهما واعطاهما قدرة مماثلة فيهما تصلح ~~للايمان والكفر ولم يختص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان فان ذلك عندهم غير ~~مقدور ولو كان مقدورا لكان ظلما وهذا قول عامة المعتزلة وان كان بعض ~~متأخريهم كأبي الحسين يقول انه خص المؤمن بداعي الإيمان ويقول عند الداعى ~~والقدرة يجب وجود الإيمان فهذا في الحقيقة موافق لاهل السنة فهذا أحد ~~الوجهين # والثاني انهم يقولون أن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل ~~فيستحيل أن تكون المعرفة عندهم ضرورية أو تكون من فعل الله تعالى # واما اخر الحديث فهو دليل على أن الله تعالى يعلم ما يصيرون اليه بعد ~~ولادتهم على الفطرة هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين أو يغيرونها فيصيرون ~~كفارا # وان احتجت القدرية بقوله فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه من جهة كونه ~~اضاف التغيير إلى الابوبن فيقال لهم انتم PageV08P378 تقولون إنه لا يقدر ~~لا الله ولا أحد من مخلوقاته على أن يجعلها يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين ~~بل هما فعلا بأنفسهما ذلك بلا قدرة من غيرهما ولا فعل من غيرهما فحينئذ لا ~~حجة لكم في قوله ? < فأبواه يهودنه > ? # وأهل السنة متفقون على أن غير الله لا يقدر على جعل الهدى أو الضلال في ~~قلب أحد فقد اتفقت الأمة على أن المراد بذلك دعوة الأبوين لهما إلى ذلك ~~لهما إلى ذلك وترغيبهما فيه وترتيبهما عليه ونحو ذلك مما يفعل المعلم ~~والمربي مع من يعلمه ويربيه وذكر الأبوين بناء على الغالب إذ لكل طفل ابوان ~~وإلا فقد يقع ذلك من أحد الأبوين وقد يقع من غير الأبوين حقيقة وحكما # وأما غير القدرية فقال أبو عمر بن عبد البر اختلف العلماء في الفطرة ~~المذكورة في ms1714 هذا الحديث اختلافا كثيرا وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في ~~الدنيا والآخرة فذكر ما ذكره أبو عبيد القاسم سلام في غربيه المشهور قال ~~قال ابن المبارك يفسره آخر الحديث قوله صلى الله عليه الله اعلم بما كانوا ~~عاملين # قال ابن عبد البر هكذا ذكر عن ابن المبارك لم يزد شيئا PageV08P379 # وذكر عن محمد بن الحسن انه سأله عن تاويل هذا الحديث فقال كان هذا القول ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد هذا ما ذكره أبو ~~عبيد # قال ابن عبد البر إما ما ذكره عن ابن المبارك فقد روى عن مالك نحوه وليس ~~فيه مقنع من التأويل ولا شرح موعب في امر الاطفال ولكنها جملة تؤدي إلى ~~الوقوف عن القطع فيهم بكفر أو ايمان أو جنة أو نار مالم يبلغوا العمل # قال واما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه ~~إما لاشكاله عليه أو لجهله به أو لما شاءالله واما قوله أن ذلك كان من ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمر الناس بالجهاد فلا ادرى ما هذا فإن ~~كان اراد أن ذلك PageV08P380 منسوخ فغير جائز عند العلماء دخول النسخ في ~~إخبار الله تعالى واخبار رسوله لان المخبر بشيء كان أو يكون إذا رجع عن ذلك ~~لم يخل رجوعه عن تكذيبه لنفسه أو غلطه فيما اخبر به أو نسيانه وقد جل الله ~~وعصم رسوله في الشريعة والرسالة منه وهذا لا يجهله ولا يخالف فيه أحد له ~~ادنى فهم فقف عليه فأنه أمر جسيم من اصول الدين # وقول محمد بن الحسن أن ذلك كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ليس كما قال ~~لان في حديث الاسود بن سريع ما يبين أن ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد # وروى باسناده عن الحسن عن الاسود بن سريع قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # ما بال اقوام بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان فقال رجل أو ليس إنما هم ~~اولاد ms1715 المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليس خياركم اولاد ~~المشركين انه ليس من مولود يولد إلا على الفطرة حتى يبلغ فيعبر عنه لسانه ~~ويهوده ابواه أو ينصرانه PageV08P381 # قال وروى هذا الحديث عن الحسن جماعة منهم بكر المزنى والعلاء بن زياد ~~والسرى بن يحي وقد روى عن الاحنف عن الاسود ابن سريع قال وهو حديث بصرى ~~صحيح قال وروى عوف الاعرابي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسبم ~~قال # كل مولود يولد على الفطرة فناداه الناس يا رسول الله وأولاد المشركين قال ~~وأولاد المشركين # قلت إما ما ذكره عن ابن المبارك ومالك فيمكن أن يقال أن المقصود أن اخر ~~الحديث يبين أن الاولاد قد سبق في علم الله ما يعلمون إذا بلغوا وان منهم ~~من يؤمن فيدخل الجنة ومنهم من يكفر فيدخل النار فلا يحتج بقوله # كل مولود يولد على الفطرة على نفي القدر كما احتجت به القدرية ولا على أن ~~اطفال الكفار كلهم في الجنة لكونهم ولدوا على الفطرة فيكون مقصود الأئمة أن ~~يستقر الاطفال على ما في اخر الحديث # واما قول محمد فانه رأى الشريعة قد استقرت على أن ولد اليهودي والنصراني ~~يتبع ابويه في الدين في احكام الدنيا فيحكم له بحكم الكفر في PageV08P382 ~~انه لا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه المسلمون ويجوز ~~استرقاقهم ونحو ذلك فلم يجز أحد أن يحتج بهذا الحديث على أن حكم الاطفال في ~~الدنيا حكم المؤمنين حتى تعرب عنهم ألسنتهم وهذا حق لكن ظن أن الحديث اقتضى ~~أن يحكم لهم في الدنيا بأحكام المؤمنين فقال هذا منسوخ كان قبل الجهاد لأنه ~~بالجهاد أبيح استرقاق النساء والأطفال والمؤمن لا يسترق ولكن كون الطفل ~~يتبع أباه في الدين في الأحكام الدنيوية أمر ما زال مشروعا ومازال الأطفال ~~تبعا لأبويهم في الأمور الدنيوية # والحديث لم يقصد بيان هذه الأحكام وإنما قصد ما ولد عليه من الفطرة وإذا ~~قيل إنه ولد على فطرة الإسلام أو خلق حنيفا ونحو ms1716 ذلك فليس المراد به أنه ~~حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده # فإن الله تعالى يقول @QB@ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ~~@QE@ سورة النحل 78 ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام لمعرفته ومحبته # فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له وموجبات ~~الفطرة ومقتضاها تحصل شيئا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت عن المعارض ~~PageV08P383 # وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره كما أن كل مولود يولد ~~فإنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة فيشتهي اللبن الذي ~~يناسبه # وهذا من قوله تعالى @QB@ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى @QE@ سورة طه ~~50 وقوله @QB@ الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ سورة الأعلى 2 3 فهو ~~سبحانه خلق الحيوان مهتديا إلى طلب ما ينفعه ودفع ما يضره ثم هذا الحب ~~والبغض يحصل فيه شيئا فشيئا بحسب حاجته ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما ~~يفسد ما ولد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة # قال ابن عبد البر وأما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث ~~وما كان مثله فقالت فرقة الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخلقة التي خلق ~~عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال كل مولود يولد على خلقه يعرف بها ~~ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل ~~بخلقتها إلى معرفة ذلك PageV08P384 # قالوا لأن الفاطر هو الخالق # قال وأنكرت أن يكون المولود يفطر على إيمان أو كفر أو معرفة أو إنكار # قلت صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها ~~فهذا ضعيف فإن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفا ولا أن يكون على ~~الملة ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته حتى يسأل عمن مات صغيرا ولأن ~~القدرة هي في الكبير أكمل منها في الصغير # وهو لما نهاهم عن قتل الصبيان فقالوا إنهم أولاد المشركين قال أليس ~~خياركم أولاد المشركين ما من مولود إلا يولد على ms1717 الفطرة # ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك مع كونهم مشركين مستوجبين للقتل # وإن أراد بالفطرة على المعرفة مع إرادتها فالقدرة الكاملة مع الإرادة ~~التامة تستلزم وجود المراد المقدور فدل على أنهم فطروا على القدرة على ~~المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان PageV08P385 # قال وقال آخرون معنى قوله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة ~~يعني البدأة التي ابتدأهم عليها يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه ~~من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء وإلى ما يصيرون إليه عند ~~البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم # قالوا والفطرة في كلام العرب البداءة والفاطر المبدئ والمبتدئ فكأنه قال ~~صلى الله عليه وسلم يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة وغير ~~ذلك مما يصير إليه وقد فطره عليه واحتجوا بقوله تعالى @QB@ كما بدأكم ~~تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة @QE@ سورة الأعراف 29 30 # وروى بإسناده إلى ابن عباس قال لم أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى ~~أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا PageV08P386 فطرتها أى ابتدأتها ~~وذكروا ما يروي عن علي رضي الله عنه في دعائه اللهم جبار القلوب على فطرتها ~~شقيها وسعيدها # قلت حقيقة هذا القول أن كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه ~~صائر إليه ومعلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة فجميع البهائم هي مولودة ~~على ما سبق في علم الله لها والأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله لها ~~وحينئذ فيكون كل مخلوق مخلوقا على الفطرة # وأيضا فإنه لو كان المراد ذلك لم يكن لقوله # فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه معنى فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ~~ولد عليها على هذا القول فلا فرق بين التهويد والتنصير حينئذ وبين تلقين ~~الإسلام وتعليمه وبين تعليم سائر الصنائع فإن ذلك كله داخل فيما سبق به ~~العلم # وأيضا فتمثيله ذلك بالبهيمة التي ولدت جمعاء ثم جدعت يبين أن أبويه غيرا ~~ما ولد عليه # وأيضا فقوله على هذه الملة وقوله إني خلقت PageV08P387 عبادي حنفاء ms1718 يخالف ~~هذا # وأيضا فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان فإنه من حين كان ~~جنينا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله فتخصيص الولادة ~~بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص # وقد ثبت في الصحيح أنه قبل نفخ الروح فيه يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو ~~سعيد فلو قيل كل مولود ينفخ فيه الروح على الفطرة لكان أشبه بهذا المعنى مع ~~أن النفخ هو بعد الكتابة # قال ابن عبد البر قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي وهذا المذهب شبيه ~~بما حكاه أبو عبيد عن ابن المبارك أنه سئل عن هذا الحديث فقال يفسره الحديث ~~الآخر حين سئل عن أطفال المشركين الله أعلم بما كانوا عاملين PageV08P388 # قال المروزي وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه # قال ابن عبد البر ما رسمه مالك في موطأه وذكره في أبواب القدر فيه من ~~الآثار ما يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا # قلت أئمة السنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق به علم الله منهم من ~~إيمان وكفر كما في الحديث الآخر # إن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا والطبع الكتاب أي كتب كافرا ~~كما قال فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد وليس إذا كان الله قد كتبه ~~كافرا يقتضي أنه حين الولادة كافر بل يقتضي أنه لا بد أن يكفر وذلك الكفر ~~هو التغيير كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء وقد سبق في علمه أنها تجدع كتب ~~أنها مجدوعة بجدع يحدث لها بعد الولادة لا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة # وكلام أحمد في أجوبة أخرى له يدل على أن الفطرة عنده PageV08P389 الإسلام ~~كما ذكر محمد بن نصر عنه آخر أنه آخر قوليه فإنه كان يقول إن صبيان أهل ~~الحرب إذا سبوا بدون الأبوين كانوا مسلمين وإن كانوا معهما فهم على دينهما ~~وإن سبوا مع أحدهما فعنه روايتان وكان يحتج بالحديث # قال أبو بكر الخلال ms1719 في الجامع في كتاب أحكام أهل الملل أنبأ أبو بكر ~~المروزي أن أبا عبد الله قال في سبي أهل الحرب إنهم مسلمون إذا كانوا صغارا ~~وإن كانوا مع أحد الأبوين وكان يحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه وينصرانه # قال وأما أهل الثغر فيقولون إذا كان مع أبويه إنهم يجبرونه على الإسلام # قال ونحن لا نذهب إلى هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه PageV08P390 # قال الخلال أنبأ عبد الملك الميموني قال سألت أبا عبد الله قبل الحبس أي ~~قبل أن يحبس أحمد في محنة الجهمية عن الصغير يخرج من أرض الروم وليس معه ~~أبواه قال إذا مات صلى عليه المسلمون قلت يكره على الإسلام # قال إذا كانوا صغارا يصلون عليه أكره من يليه إلا هم وحكمه حكمهم # قلت فإن كان معه أبواه قال إذا كان معه أبواه أو أحدهما لم يكره ودينه ~~على دين أبويه # قلت إلى أي شيء يذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد ~~على الفطرة حتى يكون أبواه قال نعم # قال وعمر بن عبد العزيز نادى به قال فرده إلى بلاد الروم إلا وحكمه حكمهم # قلت في الحديث كان معه أبواه قال لا وليس ينبغي إلا أن يكون معه أبواه ~~PageV08P391 # قال الخلال ما رواه الميموني قول أول لأبي عبد الله ولذلك نقل إسحاق بن ~~منصور أن أبا عبد الله قال إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم قلت لا يجبرون ~~على الإسلام إذا كان معه أبواه أو أحدهما قال نعم # قال الخلال وقد روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خلق كلهم قال إذا كان مع ~~أحد أبويه فهو مسلم وهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس وبعضهم ~~قبل وبعد والذي أذهب إليه ما رواه الجماعة # وقال الخلال ثنا أبو بكر المروزي قال قلت لأبي عبد الله إني كنت بواسط ~~فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته ويدعا طفلين ولهما عم ما تقول فيهما فإنهم ~~قد كتبوا ms1720 إلى البصرة فيها وقالوا PageV08P392 إنهم قد كتبوا إليك فقال أكره ~~أن أقول فيها برأي دع حتى أنظر لعل فيها عمن تقدم فلما كان بعد شهر عاودته ~~فقال قد نظرت فيها فإذا قول النبي صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه وينصرانه وهذا ليس له أبوان قلت يجبر على الإسلام قال نعم ~~هؤلاء مسلمون لقول النبي صلى الله عليه وسلم # وكذلك نقل يعقوب بن بختان قال أبو عبد الله الذمي إذا مات أبواه وهو صغير ~~جبر على الإسلام وذكر الحديث # فأبواه يهودانه وينصرانه # ونقل عن عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسيين يولد لهما ولد ~~فيقولان هذا مسلم فيمكث خمس سنين ثم يتوفى قال ذاك يدفنه المسلمون قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه وينصرانه # وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من PageV08P393 قوم ~~على أنه ما كان من ذكر فهو للرجل مسلم وما كان من أنثى فهي مشركة يهودية أو ~~نصرانية أو مجوسية فقال يجبر هؤلاء من أبى منهم على الإسلام لأن آباءهم ~~مسلمون حديث النبي صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه وينصرانه يردون كلهم إلى الإسلام # ومثل هذا كثير في أجوبته يحتج بالحديث على أن الطفل إنما يصير كافرا ~~بأبويه فإذا لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم فلو لم تكن الفطرة الإسلام لم ~~يكن بعدم أبويه يصير مسلما فإن الحديث إنما دل على أنه يولد على الفطرة ~~ونقل عنه الميموني أن الفطرة هي الدين وهي الفطرة الأولى # قال الخلال أخبرني الميموني أنه قال لأبي عبد الله كل مولود يولد على ~~الفطرة يدخل عليه إذا كان أبواه معناه أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغار فقال ~~لي نعم ولكن يدخل عليك في هذا فتناظرنا بما يدخل علي من هذا القول وبما ~~يكون بقوله قلت لأبي عبد الله فما تقول أنت فيها وإلى أي شيء تذهب قال إيش ~~أقول PageV08P394 أنا ما أدري أخبرك هي مسلمة كما ترى ثم قال لي والذي يقول ~~كل مولود يولد على ms1721 الفطرة ينظر أيضا إلى الفطرة الأولى التي فطر الناس ~~عليها قلت له فما الفطرة الأولى هي الدين قال لي نعم # فمن الناس من يحتج بالفطرة الأولى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم # كل مولود يولد على الفطرة قلت لأبي عبد الله فما تقول لأعرف قولك قال ~~أقول إنه على الفطرة الأولى # فجوابه أنه على الفطرة الأولى وقوله إنها الدين يوافق بأنه على دين ~~الإسلام # وأما جواب أحمد أنه على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة الذي ذكر محمد بن ~~نصر أنه كان يقول به ثم تركه فقال الخلال أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه ~~قال لأبي عبد الله كل مولود يولد على الفطرة ما تفسيرها قال هي الفطرة التي ~~فطر الله الناس عليها شقي أو سعيد PageV08P395 # وكذلك نقل عنه الفضل بن زياد وحنبل وأبو الحارث أنهم سمعوا أبا عبد الله ~~في هذه المسألة قال الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقاوة والسعادة # وكذلك نقل عن علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد الله عن كل مولود يولد على ~~الفطرة قال على الشقاء والسعادة فإليه يرجع على ما خلق # وعن الحسن بن ثواب قال سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين قلت إن ابن ~~أبي شيبة أبا بكر قال هو على الفطرة حتى يهوده أبواه أو ينصراه فلم يعجبه ~~شيء من هذا القول وقال كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة يولد على ~~الفطرة التي خلقوا عليها من الشقاء والسعادة التي سبقت في أم الكتاب ارفع ~~ذلك إلى الأصل هذا معناه كل مولود يولد على الفطرة PageV08P396 # قلت وأما ثبوت حكم الكفر في الآخرة للأطفال فكان أحمد يقف فيه تارة يقف ~~عن الجواب وتارة يردهم إلى العلم كقوله الله أعلم بما كانوا عاملين وهذا ~~أحسن جوابيه كما نقل محمد بن الحكم عنه وسأله عن أولاد المشركين فقال أذهب ~~إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم # الله أعلم بما كانوا عاملين # ونقل عنه أبو طالب أن أبا عبد الله سئل عن ms1722 أطفال المشركين # فقال كان ابن عباس يقول فأبواه يهودانه وينصرانه حتى سمع الله أعلم بما ~~كانوا عاملين فترك قوله # قال أحمد وهي صحاح ومخرجها كلها صحاح وكان الزهري يقول من الحديث ما يحدث ~~بها على وجوهها # وأما توقف أحمد في الجواب فنقل عنه علي بن سعيد أنه سأله عن قوله فأبواه ~~يهودانه وينصرانه قال الشأن في هذا وقد اختلف الناس ولم نقف منها على شيء ~~أعرفه # وقال الخلال رأيت في كتاب لهارون المستملي قال أبو عبد الله إذا سأل ~~الرجل عن أولاد المشركين مع آبائهم فإنه أصل كل PageV08P397 خصومة ولا يسأل ~~عنه إلا رجل الله أعلم به قال ونحن نمر هذه الأحاديث على ما جاءت ونسكت لا ~~نقول شيئا # وقال المروزي قال أبو عبد الله سأل بشر بن السري سفيان الثوري عن أطفال ~~المشركين فصاح به وقال يا صبي أنت تسأل عن هذا # وكذلك نقل خطاب بن بشر وحنبل أن أبا عبد الرحمن بن الشافعي سأل أحمد عن ~~هذا فنهاه ولم ينقل أحد قط عن أحمد أنه قال هم في النار ولكن طائفة من ~~أتباعه كالقاضي أبي يعلى وغيره لما سمعوا جوابه بأنه قال الله أعلم بما ~~كانوا عاملين ظنوا أن هذا من تمام حديث مروي عن خديجة رضي الله عنها أنها ~~سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أولادها من غيره فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # هم في النار فقالت بلا عمل فقال الله أعلم بما كانوا عاملين فظن هؤلاء أن ~~أحمد أجاب بحديث خديجة وهذا غلط على أحمد فإن حديث خديجة هذا حديث موضوع ~~كذب لا يحتج بمثله أقل من صحب أحمد فضلا عن الإمام أحمد PageV08P398 # وأحمد إنما اعتمد على الحديث الصحيح حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة وهو ~~في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة اقرأوا إن ms1723 ~~شئتم @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ # وكذلك في الصحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ~~أطفال المشركين فقال # الله أعلم بما كانوا عاملين # وقد ذكر أحمد أن ابن عباس رجع إلى هذا بعد أن كان يقول هم مع آبائهم فدل ~~على أن هذا جواب من لا يقطع بأنهم مع آبائهم # وأبو هريرة نفسه الذي روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت ~~عنه ما رواه غير واحد منهم عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره وغيره من حديث ~~عبد الرازق أنبا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة قال # إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم ~~والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام ثم أرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار ~~فيقولون كيف ولم يأتنا رسل قال وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا ~~وسلاما ثم يرسل PageV08P399 إليهم رسولا فيطيعه من كان يريد أن يطيعه ثم ~~قال أبو هريرة اقرأوا إن شئتم @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ ~~سورة الإسراء 15 # وروى هذا الأثر عن أبي هريرة أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره من ~~رواية محمد بن عبد الأعلى عن محمد بن ثور عن معمر ومن رواية القاسم عن ~~الحسين عن أبي سفيان عن معمر وقال فيه # والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا فبين أبو هريرة أن الله لا يعذب ~~أحدا حتى يبعث إليه رسولا وأنه في الآخرة يمتحن من لم تبلغه الرسالة في ~~الدنيا # وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعن الأسود بن سريع أيضا قال أحمد في المسند حدثنا علي بن عبد ~~الله ثنا معاذ بن هشام ثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن ~~سريع أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال # أربعة يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في ~~فترة ms1724 فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول ~~رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء ~~الإسلام وما PageV08P400 أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما ~~أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار قال ~~فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما # وبالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة بمثل هذا الحديث ~~غير أنه قال في آخره # فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها # وقد جاءت بذلك عدة آثار مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة ~~والتابعين بأنه في الآخرة يمتحن أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغه ~~الرسالة في الدنيا وهذا تفسير قوله الله أعلم بما كانوا عاملين # وهذا هو الذي ذكره الأشعري في المقالات عن أهل السنة والحديث وذكر أنه ~~يذهب إليه # وهذا التفصيل يذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه فإن من ~~قطع لهم بالنار كلهم جاءت نصوص تدفع قوله ومن قطع لهم بالجنة كلهم جاءت ~~نصوص تدفع قوله ثم إذا قيل هم مع آبائهم لزم تعذيب من لم يذنب وانفتح باب ~~الخوض في الأمر والنهي PageV08P401 والوعد والوعيد والقدر والشرع والمحبة ~~والحكمة والرحمة فلهذا كان أحمد يقول هو أصل كل خصومة # فأما جواب النبي صلى الله عليه وسلم الذي اجاب به أحمد اخرا وهو قوله # الله اعلم بما كانوا عاملين فانه فصل الخطاب في هذا الباب وهذا العلم ~~يظهر حكمه في الاخرة والله تعالى اعلم # واحمد رحمه الله كان متبعا في هذا الباب وغيره لمن قبله من ائمة السنة ~~كما روينا عن طريق اسحاق بن راهوية فيما ذكره ابن عبد البر وغيره # ثنا يحيى بن آدم ثنا جرير بن حازم عن أبي رجاء العطاردى سمعت ابن عباس ~~يقول لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو مقاربا أو كلمة تشبه هاتين حتى ~~يتكلموا أو ينظروا في الاطفال والقدر # قال ms1725 يحيى بن آدم فذكرته لابن المبارك فقال افيسكت الانسان على الجهل قلت ~~فتامر بالكلام فسكت # وذكر محمد بن نصر المروزي ثنا شيبان بن شيبة ثنا جرير PageV08P402 ابن ~~حازم باسناده وقال لا يزال أمر هذه الأمة مقاربا أو مواتيا ما لم يتكلموا ~~في الولدان والقدر # وذكر المروزى أيضا ثنا عمرو بن زرارة أنبا اسماعيل بن عليه عن ابن عون ~~قال كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فقال ماذا كان بين قتادة وبين حفص ~~بن عمر في اولاد المشركين قال وتكلم ربيعة الرأي في ذلك فقال القاسم إذا ~~الله انتهى عند شيء فانتهوا وقفوا عنده قال فكأنما كانت نارا فطفئت # قلت ابن عباس رضي الله عنه خطب بهذه الخطبة بالبصرة وكان عنده وعند غيره ~~من الصحابة من العلم بما يحدث في هذه الأمة والتحذير من اسباب الفتن ما قد ~~نقل الينا كما في الحديث الذي ذكره أحمد في رسالته للمتوكل في قصة ابن عباس ~~مع عمر بن الخطاب لما كثر القراء وخوفهما من اختلاف الأمة وافتراقها ~~والمسائل المشكلة إذا خاض فيها اكثر الناس لم يفهموا حقيقتها واذا تنازعوا ~~فيها صار بينهم أصواء وظنون وافضى ذلك إلى الفرقة والفتنة PageV08P403 # ومن ذلك الحديث الذي رواه أحمد وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج على اصحابه وهم يتنازعون في القدر وقائل يقول # الم يقل الله كذا واخر يقول الم يقل الله كذا فقال # ابهذا امرتم أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض انظروا ما ~~امرتم به فافعلوه وما نهيتم عنه فاتركوه # فهذا الحديث ونحوه ما ينهي فيه عن معارضة حق بحق فان ذلك يقتضي التكذيب ~~بأحد الحقين أو الاشتباه والحيرة والواجب التصديق بهذا الحق وهذا الحق فعلى ~~الانسان أن يصدق بالحق الذي يقوله غيره كما يصدق بالحق الذي يقوله هو ليس ~~له أن يؤمن بمعنى آية استدل بها ويرد معنى آية استدل بها مناظره ولا أن ~~يقبل الحق من طائفة ويرده ms1726 من طائفة أخرى # ولهذا قال تعالى @QB@ فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ~~@QE@ سورة الزمر 32 33 فذم سبحانه من كذب أو كذب بحق ولم يمدح إلا من صدق ~~وصدق بالحق فلو صدق الانسان فيما يقوله ولم يصدق بالحق الذي يقوله غيره لم ~~يكن ممدوحا حتى يكون ممن يجئ بالصدق ويصدق به فاؤلئك هم المتقون ~~PageV08P404 # ومسالة القدر يحتاج فيها إلى الإيمان بقدر الله والى الإيمان بشرع الله ~~فطائفة غلب عليهم التصديق بالأمر والنهي والوعد والوعيد فظنوا أن هذا لا ~~يتم إلا بالتكذيب بالقدر فاخطاوا في التكذيب به وطائفة ظنت أن الإيمان ~~بالقدر لا يتم إلا بان يقول أن الرب تعالى يخلق ويامر لا لحكمه ولا لرحمة ~~ولا يسوي بين المتماثلين بل بإرادة ترجح أحد المتماثلين لا لمرجح واشتركت ~~الطائفتان في أن القادر المختار يرجح أحد مقدورية على الآخر بلا مرجح # وهذا اصل مذهب القدرية النفاة ولهذا قالوا أن العبد لا يحتاج في ترجيح ~~أحد مقدوريه على الآخر إلى مرجح يفتقر فيه إلى الله تعالى وان الله لا يمتن ~~على المطيع بنعمة انعم بها عليه دون العاصى صار بها مطيعا وتوهموا أن هذا ~~من الظلم الذي يجب نفية وظن أولئك انه لا يمكن ابطال قولهم إلا بان يقال ~~الظلم ممتنع لذاته وانه مهما قدر من الممكنات فهو عدل حتى تعذيب الأنبياء ~~والصالحين وتنعيم الكفار والفاسقين إلى امثال هذه الأمور التي خاض فيها ~~الناس في القدر وكانت من اعظم اسباب الجهل والظلم # وكان اعظم ظهور ذلك من اهل البصرة الذين خطبهم ابن عباس وكذلك أمر اطفال ~~المشركين طائفة يقولون يعذبهم كلهم أو يمكن تعذيبهم كلهم بناء على المشيئة ~~المرجحة بلا سبب ولا حكمة ولا رحمة PageV08P405 وطائفة تقول بل يدخلون ~~الجنة مع من امن وعمل صالحا بناء على رحمة بلا حكمة وتسوية بين وأولاد ~~المؤمنين الكفار وبين من امن وعمل صالحا ومن لم يؤمن ويعمل صالحا من ms1727 غير ~~اعتبار التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين فيقع الاختلاف ~~والاشتباه والتفرق # وهذه المسائل وغيرها قد قال بين الله ورسوله امرها فان الله اكمل الدين ~~واتم النعمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيع عنها بعدى إلا هالك # وفي الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما # وقد انزل الله كتابه شفاء لما في الصدور وهدى ورحمه للمؤمنين # وقال تعالى @QB@ فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى @QE@ سورة طه 123 قال ~~ابن عباس تكفل الله لمن قرأ القران وعمل بما فيه أن لا يضل في الدينا ولا ~~يشقي في الاخرة # وقد قال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ ~~سورة البقرة 213 فحكم الله بكتابه بين الناس فيما اختلفوا فيه PageV08P406 # وقال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ سورة النساء 59 # فهذه النصوص وامثالها مما يبين أن ما بعث الله به رسله يبين للناس ما ~~يحتاجون اليه من أمر دينهم في هذه المسائل وغيرها لكن ليس كل واحد قد بلغته ~~النصوص كلها ولا كل أحد يفهم ما دلت عليه النصوص فان الله يختص من يشاء من ~~عباده من العلم والفهم بما يشاء فمن اشتبه عليه الأمور فتوقف لئلا يتكلم ~~بلا علم أو لئلا يتكلم بكلام يضر ولا ينفع فقد احسن ومن علم الحق فبينه لمن ~~يحتاج اليه وينتفع به فهو احسن واحسن # ولهذا لما روي يحيى بن آدم لابن المبارك هذا الاثر عن ابن عباس وهو قوله ~~انه لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو مقاربا شك الراوي حتى يتكلموا في ~~الولدان والقدر وكأن قائل هذا يطلب من الناس السكوت مطلقا قال له ابن ~~المبارك أفيسكت الإنسان على الجهل وقد صدق ms1728 ابن المبارك فقال له يحيى بن آدم ~~أفتأمر بالكلام فسكت ابن المبارك لان امره بالكلام مطلقا يتضمن يتضمن الإذن ~~PageV08P407 بالكلام الذي وقع من الناس وفيه من الجهل والكذب ما ينهي عنه # وتحقيق الأمر أن الكلام بالعلم الذي بينه الله ورسوله مأمور به وهو الذي ~~ينبغي للإنسان طلبه واما الكلام بلا علم فيذم ومن تكلم بما يخالف الكتاب ~~والسنة فقد تكلم بلا علم وقد تكلم بما يظنه علما إما برأى رآه واما بنقل ~~بلغه ويكون كلاما بلا علم وهذا قد يعذر صاحبه تارة وان لم يتبع وقد يذم ~~صاحبه إذا ظلم غيره ورد الحق الذي معه بغيا # كما ذم الله ذلك بقوله @QB@ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم @QE@ سورة آل عمران 19 فالبغي مذموم مطلقا سواء كان ~~في أن يلزم الانسان الناس بما لا يلزمهم ويذمهم على تركه أو بأن يذمهم على ~~ما هم معذورون فيه والله يغفر لهم خطأهم فيه فمن ذم الناس وعاقبهم على ما ~~لم يذمهم الله تعالى ويعاقبهم عليه فقد بغي عليهم لا سيما إذا كان ذلك أجل ~~هواه # وقد قال تعالى @QB@ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله @QE@ سورة ص 26 ~~والله تعالى قد قال @QB@ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات @QE@ سورة الاحزاب 72 73 PageV08P408 # فالسعيد من تاب الله عليه من جهله وظلمه وألا فالانسان ظلوم جهول واذا ~~وقع الظلم والجهل في الأمور العامة الكبار اوجبت بين الناس العداوة ~~والبغضاء فعلى الانسان أن يتحرى العلم والعدل فيما يقوله في مقالات الناس ~~فإن الحكم بالعلم والعدل في ذلك اولى منه في الأمور الصغار # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في ~~الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو ~~في النار فإذا كان هذا فيمن يقضي في درهم ms1729 وثوب فكيف بمن يقضي في الاصول ~~المتضمنة للكلام في رب العالمين وخلقه وأمره ووعده ووعيده # ولهذا لما اشترك هؤلاء القدرية القائلون بأن القادر المختار يرجح أحد ~~المثلين على الآخر بلا مرجح في هذا الأصل وناظروا به الملاحدة القائلين ~~بقدم العالم من الدهرية الفلاسفة وغيرهم ورأى أولئك أن هذا ليس بعلم ولا ~~عدل طمعوا في هؤلاء القدرية # فإن الانسان إذا اتبع العدل نصر على خصمه واذا خرج عنه طمع PageV08P409 ~~فيه خصمه فصار بين الفلاسفة الدهرية والمتكلمين القدرية في هذا الباب من ~~النزاع ما استطار شرره وان كانت القدرية اقرب إلى العلم والعدل ومن الناس ~~من يحار ومنهم من يوافق هؤلاء تارة وهؤلاء تارة تناقضا منه في حالين أو ~~جمعا بين النقيضين في حال واحدة # ولو اتبعوا ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق لحصل لهم من العلم ~~والعدل ما يرفع النزاع ويدخلهم في اتباع النص والإجماع والكلام على هذه ~~المسألة له موضع آخر # والمقصود هنا تفسير قوله # كل مولود يولد على الفطرة وان من قال بإثبات القدر وان الله كتب الشقي ~~والسعيد لم يمنع ذلك أن يكون ولد على الإسلام ثم تغير بعد ذلك كما تولد ~~البهيمة جمعاء ثم تغير بعد ذلك فإن الله تعالى يعلم الاشياء على ما هي عليه ~~فيعلم انه يولد سليما ثم يتغير # والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول الذي رجحناه وهو ~~أنهم ولدوا على الفطرة ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة ~~وشقاوة لا تدل على انه حين الولادة لم يكن على فطرة سليمة مقتضية للايمان ~~مستلزمة له لولا المعارض PageV08P410 # فروى ابن عبد البر في ضمن هذا المنقول بإسناده عن موسى بن عبيدة سمعت ~~محمد بن كعب القرظي في قوله @QB@ كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة @QE@ سورة الاعراف 29 30 قال من ابتدأ الله خلقه للضلالة ~~صيره إلى الضلالة وان عمل بعمل اهل الهدى ومن ابتدأ خلقه على الهدى صيره ~~إلى الهدى وان ms1730 عمل بعمل اهل الضلالة ابتدأ خلق ابليس على الضلالة وعمل بعمل ~~السعادة مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه من الضلالة قال ~~وكان من الكافرين وابتدأ خلق السحرة عل الهدى وعملوا بعمل الضلالة ثم هداهم ~~الله إلى الهدى والسعادة وتوفاهم عليها مسلمين # وبهذا الاسناد عن محمد بن كعب في قوله @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم @QE@ سورة الاعراف 172 يقول فاقروا له بالايمان والمعرفة ~~الارواح قبل أن تخلق اجسادها # فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه وهو PageV08P411 ~~ما كتبه انهم صائرون اليه قد يعملون قبل ذلك غيره وان من ابتدأه على ~~الضلالة أي كتبه انه يموت ضالا فقد يكون قبل ذلك عاملا بعمل اهل الهدى ~~وحينئذ من ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمتنع أن يعرض لها ما ~~يغيرها فيصير إلى ما سبق به القدر لها # كما في الحديث الصحيح أن احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يصير بينه ~~وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخل النار وان ~~احدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخل الجنة # ولهذا قال محمد بن كعب أن جميع الذرية اقروا له بالايمان والمعرفة فأثبت ~~هذا وهذا إذ لا منافاة بينهما # ثم روى ابن عبد البر بإسناده عن سعيد بن جبير في قوله @QB@ كما بدأكم ~~تعودون @QE@ سورة الاعراف 29 قال كما كتب عليكم تكونون # وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد @QB@ كما بدأكم تعودون @QE@ قال شقيا وسعيدا ~~وقال غيره عن مجاهد @QB@ كما بدأكم تعودون @QE@ قال يبعث المسلم مسلما ~~والكافر كافرا PageV08P412 # وقال الربيع بن انس عن أبي العالية @QB@ كما بدأكم تعودون @QE@ قال عادوا ~~إلى علمه فيهم فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة # قلت ما في هذه الأقوال من إثبات علم الله وقدره السابق وان الخلق يصيرون ~~إلى ذلك حق لا محالة كما دل عليه الكتاب والسنة واجماع سلف الأمة ms1731 واما كون ~~ذلك تفسير الاية فهذا مقام اخر ليس هذا موضعه # ولفظ بدأ الله الخلق يراد به ابتداء تكوينهم وهو ظاهر القرآن وقد يراد به ~~ابتداء اسباب خلقهم وعلامات ذلك كما في قول السائل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ما كان أول امرك قال # دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا امي رأت أنني حين ولدتني كأنه خرج ~~منها نور اضاءت له قصور الشام # قال وقال آخرون معنى قوله # كل مولود يولد على الفطرة أن الله فطرهم على الانكار والمعرفة وعلى الكفر ~~والايمان فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال ألست بربكم قالوا جميعا ~~PageV08P413 بلى فأما اهل السعادة فقالوا بلى على معرفة له طوعا من قلوبهم ~~وأما أهل الشقاء فقالوا بلى كرها غير طوع # قالوا ويصدق ذلك قوله @QB@ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~@QE@ سورة آل عمران 83 قالوا وكذلك قوله @QB@ كما بدأكم تعودون فريقا هدى ~~وفريقا حق عليهم الضلالة @QE@ سورة الاعراف 29 30 قال محمد بن نصر المروزي ~~وسمعت اسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه يذهب إلى هذا المعنى واحتج بقول ~~أبي هريرة اقرؤا أن شئتم @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله @QE@ سورة الروم 30 قال اسحاق يقول لا تبديل للخلقة التي جبل ~~عليها ولد آدم كلهم يعني من الكفر والايمان والمعرفة والانكار واحتج اسحاق ~~بقول الله تعالى @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم @QE@ الاية ~~سورة الاعراف 172 قال اسحاق اجمع اهل العلم انها الارواح قبل الاجساد ~~استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى فقال انظروا إلا تقولوا ~~انا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما اشرك به اباؤنا من قبل # وذكر حديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر PageV08P414 قال ~~وكان الظاهر ما قال موسى اقتلت نفسا زاكية بغير نفس فعلم الله الخضر ما كان ~~الغلام عليه في الفطرة التي فطره عليها وانه لا تبديل لخلق الله فأمر بقتله ~~لأنه كان قد طبع يوم طبع كافرا ms1732 # وروى اسحاق حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرا وهذا الحديث رواه مسلم # وروى البخاري وغيره عن ابن عباس انه كان يقرأها واما الغلام فكان كافرا ~~وكان ابواه مؤمنين قال اسحاق فلو ترك النبي صلى الله عليه وسلم الناس ولم ~~يبين لهم حكم الاطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين لأنهم لا يدرون ~~ما جبل كل واحد منهم عليه حين اخرج من ظهر آدم فبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم حكم PageV08P415 الطفل في الدنيا فقال # ابواه يهودانه ينصرانه ويمجسانه يقول أنتم لا تعلمون ما طبع عليه في ~~الفطرة الأولى ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه فاعرفوا ذلك بالابوين ~~فمن كان صغيرا بين أبوين كافرين ألحق بحكم الكفار ومن كان صغيرا بين أبوين ~~مسلمين الحق بحكم الإسلام واما ايمان ذلك وكفره ومما يصير اليه فعلم ذلك ~~إلى الله ويعلم ذلك فضل الخضر موسى إذا اطلعه الله عليه في ذلك الغلام وخصه ~~بذلك العلم # قال ولقد سئل ابن عباس عن الولدان ولدان المسلمين والمشركين فقال ابن ~~عباس حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر قال اسحاق إلا ترى إلى قول عائشة حين ~~مات صبي من الانصار بين ابوين مسلمين PageV08P416 فقالت عائشة طوبى له ~~عصفور من عصافير الجنة فرد عليها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقال # مه يا عائشة وما يدريك أن الله خلق الجنة وخلق لها اهلها وخلق النار وخلق ~~لها اهلها قال اسحاق فهذا الأصل الذي يعتمد عليه اهل العلم # وسئل حماد بن سلمة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم # كل مولود يولد على الفطرة فقال هذا عندنا حيث اخذ العهد عليهم في أصلاب ~~آبائهم # قال ابن عبد البر وقال ابن قتيبة يريد حين مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته ~~إلى يوم القيامة امثال الذر واشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى # قلت مقصود حماد واسحاق ومالك وابن المبارك ومن اتبعهم كابن قتيبة وابن ~~بطة والقاضي ms1733 أبي يعلي وغيرهم هو منه احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي ~~القدر وهذا مقصود صحيح ولكن سلكوا في حصوله طرقا بعضها صحيح وبعضها ضعيف ~~PageV08P417 # كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ثبت عنه انه قال # احتج آدم وموسى فقال موسى ربنا أرنا أبانا آدم الذي أخرجنا من الجنة فقال ~~له انت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه واسجد لك ~~ملائكته لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له آدم انت موسى الذي كلمك الله ~~تكليما وخط لك التوارة بيده فبكم تجد علي مكتوبا قبل أن أخلق @QB@ وعصى آدم ~~ربه فغوى @QE@ سورة طه 121 قال بأربعين خريفا قال فحج آدم موسى فهذا الحديث ~~في الصحيحين من حديث أبي هريرة وهو مروى بإسناد جيد من حديث عمر # فلما توهم من توهم أن ظاهره أن المذنب يحتج بالقدر على من لامه على الذنب ~~اضطربوا فيه فكذب به طائفة من القدرية كالجبائي وتأوله طائفة من أهل السنة ~~تأويلات ضعيفة قصدا لتصحيح الحديث ومقصودهم صحيح لكن طريقهم في رد قول ~~القدرية وتفسير الحديث ضعيفة كقول بعضهم إنما حجة لكونه أباه وقول الآخر ~~لكونه كان قد تاب وقول الآخر لكون الذنب كان في شريعة والملام في أخرى وقول ~~الآخر حجة لأن الاحتجاج به كان في الاخرة PageV08P418 دون الدنيا وقول ~~الآخر الاحتجاج بالقدر ينفع الخاصة المشاهدين لجريان القدر عليهم دون ~~العامة فإن الحديث صريح بأن آدم احتج بالقدر وحج به موسى # وايضا فموسى اعلم من أن يلوم تائبا وموسى وآدم اعلم من أن يظنا أن القدر ~~حجة لأحد في ذنب فإن هذا لو كان حقا لكان حجة لإبليس وفرعون وكل كافر وفاسق # وكذلك قول من قال أن الاحتجاج بالقدر لا يجوز في الدنيا بل بعد الموت قول ~~باطل أو احتجاج الخاصة به سائغ فإنه قول باطل فإن الأنبياء جميعهم تابوا من ~~ذنوبهم ولم يحتج أحد منهم بالقدر ووقع العتب والملام بسبب الذنب كما حقق ~~الله ذلك في القرآن ولكن موسى لام آدم ms1734 لما حصل له وللذرية من الشقاء ~~بالخروج من الجنة كما في الحديث لماذا اخرجتنا ونفسك من الجنة فلامه لأجل ~~المصيبة التي لحقتهم بسببه لا من جهة كونه عصى الأمر أو لم يعصه فإن هذا ~~أمر قد تاب الله عليه منه واجتباه ربه وهداه فأخبره آدم بأن القدر قد سبق ~~بذلك فما أصاب العبد لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه # كما قال تعالى @QB@ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها @QE@ PageV08P419 سورة الحديد 22 وقال @QB@ ما أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه @QE@ سورة التغابن 11 # قال طائفة من السلف هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم انها من عند الله فيرضى ~~ويسلم فالعبد مأمور بالصبر عند المصائب نظرا إلى القدر وأما عند الذنوب ~~فمأمور بالاستغفار # فحج آدم موسى لأن ما أصابهم من المصيبة كانت مقدرة هي وسببها فلا بد أن ~~يصيبهم ذلك فلا فائدة في ملام لا يدفع المصيبة المقدرة بعد وقوعها وانما ~~الفائدة في الرجوع إلى الله # ومثل هذا قول أنس في الحديث الصحيح خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لما فعلته ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته ~~وكان بعض أهله إذا عتبني على شيء يقول دعوه فلو قضى شيء لكان # ومن هذا قوله في الحديث الصحيح # احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وان اصابك شيء فلا تقل لو أني ~~فعلت PageV08P420 لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن اللو ~~تفتح عمل الشيطان # والمقصود هنا انهم تشعبوا في حديث الفطرة كتشعبهم في حديث الحجة وأصل ~~مقصودهم من الإيمان بالقدر صحيح لكن لا يجب مع ذلك أن يفسر القرآن والحديث ~~إلا بما هو مراد الله ورسوله ويجب أن يتبع في ذلك ما دل عليه الدليل # وكثيرا ما يقع لمن هو من أهل الحق في أصل مقصوده وقد أخطأ في بعض الأمور ~~هذا المجرى مثل أن ms1735 يتكلموا في مسألة فإذا أرادوا أن يجيبوا عن حجج ~~المنازعين ردوها ردا غير مستقيم # وما ذكروه من أن الله فطرهم على الكفر والايمان والمعرفة والنكرة أن ~~ارادوا به أن الله سبق علمه وقدره بانهم سيؤمنون ويكفرون ويعرفون وينكرون ~~وان ذلك كان بمشيئة الله وقدرته وخلقه فهذا حق يرده القدرية فغلاتهم ينكرون ~~العلم وجمهورهم ينكرون عموم خلقه ومشيئته وقدرته وان ارادوا أن هذه المعرفة ~~والنكرة كانت موجودة حين اخذ الميثاق كما في ظاهر المنقول عن اسحاق فهذا ~~يتضمن شيئين أحدهما انهم حينئذ كانت المعرفة والايمان موجودا فيهم كما قال ~~ذلك PageV08P421 طوائف من السلف وهو الذي حكى اسحاق الإجماع عليه والاية في ~~تفسيرها نزاع ليس هذا موضعه وكذلك في وجود الارواح قبل الاجساد قولان ~~معروفان # لكن المقصود هنا أن هذا أن كان حقا فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك ~~المعرفة والاقرار فهذا لا يخالف ما دلت عليه الاحاديث من انه يولد على ~~الملة وان الله خلق خلقه حنفاء بل هو مؤيد لذلك # وأما قول القائل انهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى طائع وكاره فهذا لم ~~ينقل عن أحد من السلف فيما اعلم إلا عن السدى في تفسيره # قال السدي في قول الله تعالى @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم @QE@ سورة الاعراف 172 قالوا لما أخرج الله آدم ~~من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية ~~بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي ومسح صفحة ظهره ~~اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال ادخلوا النار ولا أبالي ~~PageV08P422 فذلك قوله وأصحاب اليمين واصحاب الشمال ثم اخذ منهم الميثاق ~~فقال @QB@ ألست بربكم قالوا بلى @QE@ سورة الاعراف 172 فأطاعه طائفة طائعين ~~وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة @QB@ شهدنا أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل @QE@ ~~سورة الاعراف 172 173 فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله انه ms1736 ربه وذلك ~~قوله عز وجل @QB@ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ سورة آل ~~عمران 83 وذلك قوله @QB@ فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ ~~سورة الأنعام 149 يعني يوم اخذ الميثاق # فهذا الاثر أن كان حقا ففيه أن كل ولد آدم يعرف الله فإذا كانوا ولدوا ~~على هذه الفطرة فقد ولدوا على المعرفة ولكن فيه أن بعضهم اقر كارها مع ~~المعرفة بمنزلة الذي يعرف الحق لغيره ولا يقر به إلا مكرها وهذا لا يقدح في ~~كون المعرفة فطرية مع أن هذا لم يبلغنا إلا في هذا الاثر ومثل هذا لا يوثق ~~به فإن هذا في مثل تفسير السدي وفيه اشياء قد عرف بطلان بعضها إذ كان السدي ~~وان كان ثقة في نفسه فهذه الاشياء احسن احوالها أن تكون كالمراسيل أن كانت ~~أخذت عن النبي صلى الله علهي وسلم فكيف إذا كان فيها ما هو مأخوذ عن أهل ~~الكتاب الذين يكذبون كثيرا وقد عرف أن فيها شيئا كثيرا مما يعلم انه باطل ~~لا PageV08P423 سيما ولو لم يكن في هذا إلا معارضته لسائر الاثار التي تسوى ~~بين جميع الناس في ذلك الإقرار # وقول الله تعالى @QB@ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ ~~سورة آل عمران 83 إنما هو في الإسلام الموجود بعد خلقهم لم يقل انهم حين ~~العهد الأول اسلموا طوعا وكرها يدل على ذلك أن ذلك الإقرار الأول جعله الله ~~حجة عليهم عند من يثبته ولو كان فيهم كاره لقال لم أقل ذلك طوعا بل كرها ~~فلا تقوم عليه به حجة # واما احتجاج اسحاق رحمه الله بقول أبي هريرة اقرأوا أن شئتم @QB@ فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ سورة الروم 30 قال ~~اسحاق نقول لا تبديل للخلقة التي جبل عليها فهذه الاية فيها قولان # أحدهما أن معناها النهي كما تقدم عن ابن جرير انه فسرها بالنهي أي لا ~~تبدلوا دين الله الذي فطر عليه عباده وهذا قول غير واحد من المفسرين الذين ~~لم يذكروا ms1737 غيره كالثعلبي والزمخشري # والثاني ما قاله اسحاق وهو انها خبر على ظاهرها وان خلق الله PageV08P424 ~~لا يبدله أحد وظاهر اللفظ انه خبر فلا يجعل نهيا بغير حجة وهذا أصح # وحينئذ فيقال المراد ما خلقهم عليه من الفطرة لا تبدل فلا يخلقون على غير ~~الفطرة لا يقع هذا قط والمعنى أن الخلق لا يتبدل فيخلقون على غير الفطرة ~~ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق بل نفس الحديث يبين انها تتغير ~~ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء ثم تجدع ولا تولد بهيمة قط مخصية ولا ~~مجدوعة # وقد قال تعالى عن الشيطان @QB@ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله @QE@ سورة ~~النساء 119 فالله اقدر الخلق على أن يغيروا ما خلقهم عليه بقدرته ومشيته # واما تبديل الخلق بأن يخلقوا على غير تلك الفطرة فهذا لا يقدر عليه إلا ~~الله والله لا يفعله كماقال @QB@ لا تبديل لخلق الله @QE@ سورة الروم 30 ~~ولم يقل لا تغيير فإن تبديل الشيء يكون بذهابه وحصول بدله فلا يكون خلق بدل ~~هذا الخلق ولكن إذا غير بعد وجوده لم يكن الخلق الموجود عند الولادة قد حصل ~~بدله # واما قول القائل لا تبديل للخلقة التي جبل عليها ولد آدم كلهم من كفر ~~وايمان فإن عنى بها أن ما سبق به القدر من الكفر والايمان لا يقع خلافه ~~فهذا حق ولكن ذلك لا يقتضى أن تبديل الكفر بالايمان وبالعكس ممتنع ولا انه ~~غير مقدور بل العبد قادر على ما أمره الله به PageV08P425 من الإيمان وعلى ~~ترك ما نهاه عنه من الكفر وعلى أن يبدل حسناته بالسيئات بالتوبة كما قال ~~تعالى @QB@ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني ~~غفور رحيم @QE@ سورة النمل 10 11 # و @QB@ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات @QE@ سورة الفرقان 70 # وهذا التبديل كله هو بقضاء الله وقدره وهذا بخلاف ما فطروا عليه حين ~~الولادة فإن ذاك خلق الله الذي لا يقدر على تبديله غيره وهو سبحانه لا ~~يبدله قط بخلاف تبديل الكفر بالأيمان ms1738 وبالعكس فإنه يبدله دائما والعبد قادر ~~على تبديله بإقدار الله له على ذلك # ومما يبين ذلك انه قال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ سورة الروم 30 فهذه فطرة محمودة ~~أمر الله بها نبيه فكيف يكون فيها كفر وايمان مع أمر الله تعالى بها وهل ~~يأمر الله تعالى قط بالكفر # وقد تقدم تفسير السلف لا تبديل لخلق الله تعالى بأنه دين الله أو تبديل ~~خلق الحيوان بالخصاء ونحوه ولم يقل أحد منهم أن المراد لا تبديل لاحوال ~~العباد من ايمان إلى كفر ولا من كفر إلى ايمان إذ تبديل ذلك موجود ومهما ~~وقع كان هو الذي سبق به القدر والله تعالى عالم بما PageV08P426 سيكون لا ~~يقع خلاف معلومه لكن إذا وقع التبديل كان هو الذي علمه وان لم يقع كان ~~عالما بأنه لا يقع # وأما قوله الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا فالمراد به كتب وختم ~~وهذا من طبع الكتاب وألا فاستنطاقهم بقوله @QB@ ألست بربكم قالوا بلى @QE@ ~~سورة الاعراف 172 ليس هو طبعا لهم فإنه ليس بتقدير ولا خلق # ولفظ الطبع لما كان يستعمله كثير من الناس في الطبيعة التي هي بمعنى ~~الجبلة والخليقة ظن الظان أن هذا مراد الحديث # وهذا الغلام الذي قتله الخضر قد يقال فيه انه ليس في القرآن ما يبين انه ~~كان غير مكلف بل ولا ما يبين انه كان غير بالغ ولكن قال في الحديث الصحيح # الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو ادرك لأرهق ابويه طغيانا ~~وكفرا وهذا دليل على كونه لم يدرك بعد فإن كان بالغا وقد كفر فقد صار كافرا ~~بلا نزاع وان كان مكلفا قبل الاحتلام في تلك الشريعة أو على قول من يقول أن ~~المميزين مكلفون بالايمان قبل الاحتلام كما قاله طوائف من أهل الكلام ~~والفقه من أصحاب أبي حنيفة واحمد وغيرهم امكن أن يكون PageV08P427 مكلفا ~~بالايمان قبل البلوغ ولو لم يكن مكلفا فكفر الصبي المميز صحيح ms1739 عند أكثر ~~العلماء فإذا ارتد الصبي المميز صار مرتدا وان كان ابواه مؤمنين ويؤدب على ~~ذلك باتفاق العلماء اعظم مما يؤدب على ترك الصلاة لكن لا يقتل في شريعتنا ~~حتى يبلغ # فالغلام الذي قتله الخضر إما أن يكون كافرا بالغا كفر بعد البلوغ فيجوز ~~قتله واما أن يكون كافرا قبل البلوغ وجاز قتله في تلك الشريعة وقتل لئلا ~~يفتن ابويه عن دينهما كما يقتل الصبي الكافر في ديننا إذا لم يندفع ضرره عن ~~المسلمين إلا بالقتل # بل الصبي الذي يقاتل المسلمين يقتل فقتل الصبي الكافر المميز يجوز لدفع ~~صياله الذي لا يندفع إلا بالقتل واما قتل صبي لم يكفر بعد بين ابوين مؤمنين ~~للعلم بأنه إذا بلغ كفر وفتن فقد يقال انه ليس في القرآن ما يدل عليه ولا ~~في السنة # وقد يقال بل في السنة ما يدل عليه ومنه قول ابن عباس لنجدة الحروري لما ~~سأله عن قتل الغلمان # أن علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتله وألا فلا رواه مسلم ~~PageV08P428 # والمعلوم من الكتاب والسنة لا يعارض إلا بما يصلح أن يعارض به ومن قال ~~بالأول يقول أن الله تعالى لم يأمر أن يعاقب أحد بما يعلم انه يكون منه قبل ~~أن يكون منه ولا هو سبحانه يعاقب العباد بما يعلم انهم سيعملونه حتى يفعلوه # ويقول قائل هذا القائل انه ليس في قصة الخضر شيء من الاطلاع على الغيب ~~الذي لا يعلمه عموم الناس وانما فيها علمه باسباب لم يكن علم بها موسى مثل ~~علمه بأن السفينة لمساكين ووراءهم ملك ظالم وهذا أمر يعلمه غيره وكذلك كون ~~الجدار كان لغلامين يتيمين وان اباهما كان رجلا صالحا هذا مما قد يعلمه ~~كثير من الناس فكذلك كفر الصبي مما يمكن انه كان يعلمه كثير من الناس حتى ~~ابواه لكن لحبهما له لا ينكران عليه أو لا يقبل منهما الانكار عليه # فإن كان الأمر على ذلك فليس في الاية حجة اصلا وان كان ذلك الغلام لم ~~يكفر بعد اصلا ولكن ms1740 سبق في العلم انه إذا بلغ كفر فهذا ايضا يبين انه قتل ~~قبل أن يصير كافرا ومن قال هذا يقول انه قتل دفعا لشره # كما قال نوح @QB@ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم ~~يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا @QE@ سورة نوح 26 27 PageV08P429 ~~فقد دعا نوح عليه السلام بهلاكهم لدفع شرهم في المستقبل وعلى هذا فلم يكن ~~قبل قيام الكفر به كافرا # وقول ابن عباس واما الغلام فكان كافرا وكان ابواه مؤمنين ظاهره انه كان ~~حينئذ كافرا وأما تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم # فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه انه اراد به مجرد الالحاق في احكام ~~الدنيا دون أن يكون اراد انهما يغيران الفطرة فهذا خلاف ما يدل عليه الحديث ~~فإنه شبه تكفير الاطفال بجدع البهائم تشبيها للتغيير بالتغيير # وأيضا فإنه ذكر هذا الحديث لما قتلوا اولاد المشركين ونهاهم عن قتلهم ~~وقال # اليس خياركم اولاد المشركين كل مولود يولد على الفطرة فلو اراد انه تابع ~~لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة لهم يقولون هم كفار كآبائهم فنقتلهم # وكون الصغير يتبع اباه في احكام الدنيا هو لضرورة حياته في الدنيا فإنه ~~لا بد له من مرب يربيه وانما يربيه ابواه فكان تابعا لهما ضرورة ولهذا متى ~~سبي منفردا عنهما صار تابعا لسابيه عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي ~~واحمد والاوزاعي وغيرهم لكونه هو الذي يربيه واذا سبى منفردا عن احدهما أو ~~معهما ففيه نزاع للعلماء PageV08P430 # واحتجاج الفقهاء كأحمد وغيره بهذا الحديث على أنه متى سبي منفردا عن ~~ابويه يصير مسلما لا يستلزم أن يكون المراد بتكفير الابوين مجرد لحاقه بهما ~~في الدين ولكن وجه الحجة انه إذا ولد على الملة فإنما ينقله عنها الابوان ~~اللذان يغيرانه عن الفطرة فمتى سباه المسلمون منفردا عنهما لم يكن هناك من ~~يغير دينه وهو مولود على الملة الحنيفية فيصير مسلما بالمقتضى السالم عن ~~المعارض ولو كان الابوان يجعلانه كافرا في نفس الأمر بدون تعليم وتلقين ~~لكان الصبي المسبى بمنزلة ms1741 البالغ الكافر # ومعلوم أن الكافر البالغ إذا سباه المسلمون لم يصر مسلما لأنه صار كافرا ~~حقيقة فلو كان الصبي التابع لأبويه كافرا حقيقة لم ينتقل عن الكفر بالسباء ~~فعلم انه كان يجرى عليه حكم الكفر في الدنيا تبعا لأبويه لا لأنه صار كافرا ~~في نفس الأمر # يبين ذلك انه لو سباه كفار لم يكن معه ابواه ولم يصر مسلما فهو هنا كافر ~~في حكم الدنيا وان لم يكن ابواه هوداه ونصراه ومجساه # فعلم أن المراد بالحديث أن الابوين يلقنانه الكفر ويعلمانه اياه وذكر صلى ~~الله عليه وسلم الابوين لانهما الأصل العام الغالب في تربية الاطفال فإن كل ~~طفل غير فلا بد له من ابوين وهما اللذان يربيانه مع بقائهما وقدرتهما بخلاف ~~ما إذا ماتا أو عجزا لسبي الولد عنهما أو غير ذلك PageV08P431 # ومما يبين ذلك قوله في الحديث الآخر # كل مولود يولد على الفطر حتى يعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا فجعله ~~على الفطرة إلى أن يعقل ويميز فحينئذ يثبت له أحد الامرين ولو كان كافرا في ~~الباطن بكفر الابوين لكان ذلك من حين يولد قبل أن يعرب عنه لسانه # وكذلك قوله في الحديث الآخر الصحيح حديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما يرويه عن ربه # اني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم انزل به سلطانا صريح في انهم خلقوا على ~~الحنيفية وان الشياطين اجتالتهم وحرمت عليهم الحلال وامرتهم بالشرك فلو كان ~~الطفل يصير كافرا في نفس الأمر من حين يولد لكونه يتبع ابويه في الدين قبل ~~أن يعلمه أحد الكفر ويلقنه اياه لم يكن الشياطين هم الذين غيروهم عن ~~الحنيفية وأمروهم بالشرك بل كانوا مشركين من حين ولدوا تبعا لآبائهم # ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه احكام الكفر في الدنيا باحكام ~~الكفر في الاخرة فإن اولاد الكفار لما كانوا يجري عليهم احكام الكفر في ~~امور الدنيا مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم وحضانة ابائهم لهم ms1742 وتمكين ~~آبائهم من تعليمهم وتأديبهم والموارثة بينهم وبني آبائهم واسترقاقهم إذا ~~كان آباؤهم محاربين وغير ذلك صار يظن من يظن انهم كفار في نفس الأمر كالذي ~~تكلم بالكفر وعمل به PageV08P432 # ومن هنا قال من قال أن هذا الحديث وهو قوله # كل مولود يولد على الفطرة كان قبل أن تنزل الأحكام كما ذكره أبو عبيد عن ~~محمد بن الحسن فأما إذا عرف أن كونهم ولدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونا ~~تبعا لآبائهم في احكام الدنيا زالت الشبهة وقد يكون في بلاد الكفر من هو ~~مؤمن في الباطن يكتم ايمانه من لا يعلم المسلمون حاله إذا قاتلوا الكفار ~~فيقتلونه ولا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن مع المشركين وهو في الاخرة من ~~المؤمنين اهل الجنة كما أن المنافقين تجرى عليهم في الدنيا احكام المسلمين ~~وهم في الاخرة في الدرك الاسفل من النار فحكم الدار الاخرة غير حكم الدار ~~الدنيا # وقوله # كل مولود يولد على الفطرة إنما اراد به الأخبار بالحقيقة التي خلقوا ~~عليها وعليها الثواب والعقاب في الاخرة إذا غمل بموجبها وسلمت عن المعارض ~~لم يرد به الأخبار باحكام الدنيا فإنه قد علم بالاضطرار من شرع الرسول أن ~~اولاد الكفار يكونون تبعا لآبائهم في احكام الدنيا وان اولادهم لا ينتزعون ~~منهم إذا كان للآباء ذمة وان كانوا محاربين استرقت اولادهم ولم يكونوا ~~كاولاد المسلمين # ولا نزاع بين المسلمين أو اولاد الكفار الاحياء مع آبائهم لكن تنازعوا في ~~الطفل إذا مات ابواه أو أحدهما هل يحكم بإسلامه فعن PageV08P433 احمد رواية ~~انه يحكم باسلامه لقوله # فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإذا مات ابواه بقي على الفطرة # والرواية الاخرى كقول الجمهور انه لا يحكم بإسلامه # وهذا القول هو الصواب بل هو إجماع قديم من السلف والخلف بل هو ثابت ~~بالسنة التي لا ريب فيها # فقد علم أن اهل الذمة كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ~~ووادي القرى وخيبر ونجران وارض اليمن وغير ذلك وكان فيهم من يموت وله ولد ~~صغير ولم يحكم النبي ms1743 صلى الله عليه وسلم بإسلام يتامى اهل الذمة وكذلك ~~خلفاؤه كان اهل الذمة في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان ~~وفيهم من يتامى اهل الذمة عدد كثير ولم يحكموا بإسلام أحد منهم فإن عقد ~~الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا فهم يتولون حضانة يتاماهم كما كان الابوان ~~يتولون حضانة اولادهما # واحمد رضي الله عنه يقول أن الذمي إذا مات ورثه ابنه الطفل مع قوله في ~~احدى الراويتين انه يصير مسلما لأن أهل الذمة ما زال اولادهم يرثونهم ولأن ~~الإسلام حصل مع استحقاق الارث لم يحصل قبله والقول الآخر هو الصواب كما ~~تقدم PageV08P434 # والمقصود هنا أن قوله # كل مولود يولد على الفطرة لم يرد به في احكام الدنيا بل في نفس الأمر وهو ~~ما ترتب عليه الثواب والعقاب ولهذا لما قال هذا سألوه فقالوا يا رسول الله ~~ارأيت من يموت من أطفال المشركين فقال # الله اعلم بما كانوا عاملين فإن من بلغ منهم فهو مسلم أو كافر بخلاف من ~~مات # وقد تنازع الناس في اطفال المشركين على اقوال # فقال طائفة انهم كلهم في النار وقالت طائفة كلهم في الجنة وكل واحد من ~~القولين اختاره طائفة من أصحاب أحمد الأول اختاره القاضي أبو يعلي وغيره ~~وحكوه عن أحمد وهو غلط على أحمد كما اشرنا اليه # والثاني اختاره أبو الفرج بن الجوزي وغيره ومن هؤلاء من يقول هم خدم اهل ~~الجنة ومنهم من قال هم من اهل الاعراف # والقول الثالث الوقف فيهم وهذا هو الصواب الذي دلت عليه الاحاديث الصحيحة ~~وهو منصوص أحمد وغيره من الأئمة # وذكره ابن عبد البر عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد وابن المبارك واسحاق بن ~~راهويه قال وعلى ذلك اكثر أصحاب مالك وذكر ايضا في اطفال المسلمين نزاعا ~~ليس هذا موضعه PageV08P435 # لكن الوقف قد يفسر بثلاثة امور أحدها انه لا يعلم حكمهم فلا يتكلم فيهم ~~بشيء وهذا قول طائفة من المنتسبين إلى السنة وقد يقال أن كلام أحمد يدل ~~عليه # والثاني انه يجوز أن يدخل جميعهم ms1744 الجنة ويجوز أن يدخل جميعهم النار وهذا ~~قول طائفة من المنتسبين إلى السنة من أهل الكلام وغيرهم من أصحاب أبي الحسن ~~ألاشعري وغيرهم # والثالث التفصيل كما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم # الله اعلم بما كانوا عاملين فمن علم الله منه انه إذا بلغ اطاع ادخله ~~الجنة ومن علم منه أنه يعصى ادخله النار # ثم من هؤلاء من يقول انه يجزيهم بمجرد علمه فيهم كما يحكى عن أبي العلاء ~~القشيري المالكي # والاكثرون يقولون لا يجزى على علمه بما سيكون حتى يكون فيمتحنهم يوم ~~القيامة ويمتحن سائر من لم تبلغه الدعوة في الدنيا فمن اطاع حينئذ دخل ~~الجنة ومن عصى دخل النار PageV08P436 # وهذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم # وقد روى به آثار متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم حسان يصدق بعضها ~~بعضا وهو الذي حكاه ألاشعري في المقالات عن أهل السنة والحديث وذكر انه ~~يذهب اليه وعلى هذا القول تدل الاصول المعلومة بالكتاب والسنة كما قد بسط ~~في غير هذا الموضع وبين أن الله لا يعذب احدا حتى يبعث اليه رسولا # والمقصود هنا الكلام على الأقوال المذكورة في تفسير هذا الحديث وقد تبين ~~ضعف قول من قال الفطرة الكفر والايمان وان الإقرار كان من هؤلاء طوعا ومن ~~هؤلاء كرها # ومما يضعف هذا القول قول طائفة أخرى بأن جميع أولئك كان اقرارهم جميعهم ~~له بالربوبية من غير تفصيل بطوع وكره # قال ابن عبد البر وقال آخرون معنى الفطرة المذكورة في المولودين ما أخذ ~~الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم ~~من ظهره فخاطبهم # ألست بربكم قالوا بلى فأقروا جميعا له بالربوبية عن معرفة منهم به ثم ~~اخرجهم من اصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة وذلك الإقرار ~~PageV08P437 # قالوا وليست تلك المعرفة بايمان ولا ذلك الإقرار بإيمان ولكنه إقرار من ~~الطبيعة للرب فطرة الزمها قلوبهم ثم أرسل اليهم الرسل يدعوهم إلى الاعتراب ~~له بالربوبية والخضوع تصديقاص ms1745 بما جاءت به الرسل فمنهم من أنكر وجحد بعد ~~المعرفة وهو به عارف لأنه لم يكن الله يدعو خلقه إلى الإيمان به وهو لم ~~يعرفهم نفسه لأنه كان حينئذ يكون قد كلفهم الإيمان بما لا يعرفون # قالوا وتصديق ذلك قول الله عز وجل @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله @QE@ سورة لقمان 25 وذكروا ما ذكره السدي عن اصحابه كما ~~تقدم # وروى بإسناده في التفسير المعروف عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن انس عن ~~أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله عز وجل @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم ~~من ظهورهم ذريتهم @QE@ إلى قوله @QB@ أفتهلكنا بما فعل المبطلون @QE@ سورة ~~الاعراف 172 173 PageV08P438 # قال فجعلهم جميعا أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم فقال الست بربكم قالوا بلى ~~شهدنا أن يقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا قالوا نشهد انك ربنا والهنا لا ~~رب لنا غيرك ولا اله لنا غيرك # قال فإني أرسل اليكم رسلي وانزل عليكم كتبي فلا تكذبوا رسلي وصدقوا بوعدي ~~واني سأنتقم ممن اشرك بي ولم يؤمن بي # قال فأخذ عهدهم وميثاقهم ورفع اباهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن ~~الصورة وغير ذلك فقال يا رب لو سويت بين عبادك قال احببت أن اشكر # قال والانبياء يومئذ بينهم مثل السرج # قال وخصوا بميثاق اخر للرسالة أن يبلغوها # قال فهو قوله @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح @QE@ سورة ~~الاحزاب 7 # قال وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها # قال وذلك قوله @QB@ وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ~~@QE@ PageV08P439 سورة الاعراف 102 # قال فكان في علم الله من يكذب به ومن يصدق قال وكان روح الله عيسى من تلك ~~الارواح التي اخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم # فهذا القول يحقق القول الأول في أن كل مولود يولد على الفطرة التي هي ~~المعرفة بالله والاقرار به وفيه زيادة أن ذلك كان قد حصل لهم قبل الولادة ~~حين استخرجوا من صلب آدم وقد فسر فطرة الله في ms1746 الحديث بذلك # وأما قول صاحب هذا القول أن هذا الإقرار ليس هو بإيمان يستحق عليه الثواب ~~فهذا لا يضر فإنه قد بين فيه أن المعرفة بالله ضرورية وانه بذلك صح أن ~~يأمرهم فإن المأمور أن لم يعرف الأمر امتنع أن يعرف انه امره ولو لم تكن ~~المعرفة ثابتة في الفطرة لكان الرسول إذا قال لقومه ادعوكم إلى الله لقالوا ~~مثل ما قال فرعون وما رب العالمين انكارا له وجحدا كأن يكون قولهم متوجها # وفرعون لم يقل هذا لعدم معرفته في الباطن بالخالق لكن اظهر خلاف ما في ~~نفسه كما قال تعالى @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ ~~سورة النمل 14 وكما قال له موسى @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر @QE@ PageV08P440 سورة الاسراء 102 # ولهذا قال تعالى @QB@ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في ~~أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ~~قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى @QE@ سورة إبراهيم 9 10 فأخبر تعالى أن أولئك ~~المكذبين لما قالوا @QB@ وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي ~~الله شك @QE@ الاية سورة إبراهيم 9 10 # وهذا استفهام انكار بمعنى النفي والانكار على من لم يقر بهذا النفي ~~والمعنى ما في الله شك وأنتم تعلمون انه ليس في الله شك ولكن تجحدون انتفاء ~~الشك جحودا تستحقون أن ينكر عليكم هذا الجحد فدل ذلك على انه ليس في الله ~~شك عند الخلق المخاطبين وهذا يبين انهم مفطورون على الإقرار وألا فالامر ~~النظري مستلزم للشك قبل العلم لا سيما إذا كانت طرقه خفية طويلة فكل من لم ~~يعرف تلك الطرق يشك فيه فإن كان لا طريق للمعرفة إلا طريقة الاعراض وطريقة ~~الوجود ونحو ذلك فالشك في الله حاصل لمن لم يعرف هذه الطرق وهم PageV08P441 ~~جمهور الخلق ms1747 بل ولأكثر من سلك هذه الطرق ايضا إذا عرف حقيقتها # قال ابن عبد البر وقال آخرون في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم # كل مولود يولد على الفطرة لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر ~~الفطرة ها هنا كفرا ولا ايمانا ولا معرفة ولا انكار وانما اراد أن كل مولود ~~يولد على السلامة خلقة وطبعا وبنية ليس معها كفر ولا ايمان ولا معرفة ولا ~~انكار ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا # واحتجوا بقوله في الحديث كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء يعني سالمة هل ~~تحسون فيها من جدعاء يعني مقطوعة الأذن فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها ~~تولد كاملة الخلق لا يتبين فيها نقصان ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها فيقال ~~هذه بحاير وهذه سوايب يقول فكذلك قلوب الاطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ~~حينئذ ولا ايمان ولا معرفة ولا انكار كالبهائم السالمة فلما بلغوا ~~PageV08P442 استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم وعصم الله اقلهم وعصم الله ~~اقلهم قالوا ولو كان الاطفال قد فطروا على شيء من الكفر والايمان في أولية ~~أمرهم ما انتقلوا عنه أبدا وقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون قالوا ~~ويستحيل في العقول أن يكون الطفل في حال ولادته يعقل كفرا أو ايمانا لأن ~~الله أخرجهم في حال لا يفقهون فيها شيئا # قال تعالى @QB@ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا @QE@ سورة ~~النحل 78 فمن لم يعلم شيئا استحال منه كفر أو ايمان أو معرفة أو انكار # قال أبو عمر هذا القول اصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الولدان ~~عليها وذلك ان الفطرة السلامة والاستقامة بدليل قوله في حديث عياض بن حمار # اني خلقت عبادي حنفاء يعني على استقامة وسلامة فكأنه والله اعلم اراد ~~الذين خلصوا من الافات PageV08P443 كلها والزيادات ومن المعاصي و الطاعات ~~فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما # ومن الحجة ايضا في هذا قول الله تعالى @QB@ إنما تجزون ما كنتم تعملون ~~@QE@ سورة التحريم 7 و ms1748 @QB@ كل نفس بما كسبت رهينة @QE@ سورة المدثر 38 ومن ~~لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء قال الله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا @QE@ سورة الاسراء 15 # قلت هذا القائل أن اراد بهذا القول انهم خلقوا خالين من المعرفة والانكار ~~من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل ~~كتابة الإيمان وكتابة الكفر وليس هو لأحدهما اقبل منه للآخر وهذا هو الذي ~~يشعر به ظاهر الكلام فهذا قول فاسد لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة ~~بين المعرفة والانكار والتهويد والتنصير والاسلام وانما ذلك بحسب الاسباب ~~فكان ينبغي أن يقال فأبواه يسلمانه ويهودانه وينصرانه ويمجسانه فلما ذكر أن ~~ابويه يكفرانه وذكر الملل الفاسدة دون الإسلام علم أن حكمه في حصول ذلك ~~بسبب منفصل غير حكم الكفر # وايضا فإنه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامة ولا عطب ولا استقامة ~~ولا زيغ إذ نسبته إلى كل منهما نسبة واحدة وليس هو بأحدهما PageV08P444 ~~اولى منه بالآخر كما أن الرق قبل الكتابة فيه لا يثبت له حكم مدح كالمصحف ~~ولا حكم ذم كقرآن مسيلمة والتراب قبل أن يبنى مسجدا أو كنيسة لا يثبت له ~~حكم واحد منهما # ففي الجملة كل ما كان قابلا للممدوح والمذموم على السواء لم يستحق مدحا ~~ولا ذما والله تعالى يقول @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله @QE@ سورة الروم 30 فأمره بلزوم فطرته التي ~~فطر الناس عليها فكيف لا يكون فيها مدح ولا ذم # وايضا فالنبي صلى الله عليه وسلم شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق وشبه ما ~~يطرأ عليها من الكفر بجدع الانف والاذن ومعلوم أن كمالها محمود ونقصها ~~مذموم فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة # وان كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من الناس من أن المراد انهم ~~ولدوا على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفة على ~~الانكار والايمان على الكفر ولكن بما عرض من الفساد خرجت عن ms1749 هذه الفطرة ~~فهذا القول قد يقال انه لا يرد عليه ما يرد على ما قبله فإن صاحبه يقول في ~~الفطرة قوة يميل بها إلى المعرفة والايمان كما PageV08P445 في البدن السليم ~~قوة يحب بها الاغذية النافعة وبهذا كانت محمودة وذم من افسدها لكن يقال ~~فهذه الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية هل هي كافية ~~في حصول المعرفة أو تقف المعرفة على أدلة يتعلمها من خارج # فإن كانت المعرفة تقف على أدلة يتعلمها من خارج امكن أن توجد تارة وتعدم ~~أخرى ثم ذلك السبب الخارج يمتنع أن يكون موجبا للمعرفة بنفسه بل غايته أن ~~يكون معرفا ومذكرا فعند ذلك أن وجب حصول المعرفة كانت المعرفة واجبة الحصول ~~عند وجود تلك الاسباب وألا فلا وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة ~~والايمان إذا وجدت من يعلمها اسباب ذلك # ومعلوم أن فيها قبول الانكار والكفر إذا وجدت من يعلمها اسباب ذلك وهو ~~التهويد والتنصير والتمجيس وحينئذ فلا فرق فيها بين الإيمان والكفر ~~والمعرفة والانكار إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له لكن يتوقف ~~على المؤثر الفاعل من خارج # وهذا هوالقسم الأول الذي ابطلناه وبينا انه ليس في ذلك مدح للفطرة وان ~~كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها وان لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة لزم ~~حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة سواء قيل أن المعرفة ~~ضرورية فيها أو قيل انها تحصل بأسباب كالادلة التي تنتظم في النفس من غير ~~أن يسمع كلام مستدل فإن النفس PageV08P446 بفطرتها قد يقوم بها من النظر ~~والاستدلال ما لا يحتاج معه إلى كلام أحد فإن كان كل مولود يولد على هذه ~~الفطرة لزم أن يكون المقتضى للمعرفة حاصلا لكل مولود وهو المطلوب # والمقتضى التام يستلزم مقتضاه فتبين أن أحد الامرين لازم إما لكون الفطرة ~~مستلزمة للمعرفة وإلا استوى الكفر والإيمان بالنسبة اليها وذلك ينفي مدحها # وتلخيص النكتة أن يقال المعرفة والايمان بالنسبة اليها ممكن بلا ريب فإما ~~أن تكون هي موجبة مستلزمة له ms1750 واما أن يكون ممكنا بالنسبة اليها ليس بوجب ~~لازم لها فإن كان الثاني لم يكن فرق بني الكفر والايمان إذ كلاهما ممكن ~~بالنسبة اليها فتبين أن المعرفة لازمة واجبة لها إلا أن يعارضها معارض # فإن قيل ليست موجبة مستلزمة للمعرفة ولكنها اليها اميل مع قبولها للنكرة # قيل فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة وجبت تارة وعدمت أخرى وهي وحدها لا ~~تحصلها فلا تحصل إلا بشخص آخر كالابوين فيكون الإسلام كالتهويد والتنصير ~~والتمجيس # ومعلوم أن هذه الانواع بعضها ابعد عن الفطرة من بعض كالتمجيس PageV08P447 ~~ولكن مع ذلك لما لم تكن الفطرة مقتضية لشيء منها اضيفت إلى السبب فإن لم ~~تكن الفطرة مقتضية للاسلام صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى ~~التمجيس فوجب أن تذكر كما ذكر ذلك وهذا كما أن الفطرة لو لم تقتض الاكل عند ~~الجوع مع القدرة عليه لم يوجد الاكل إلا بسبب منفصل # والنبي صلى الله عليه وسلم شبه اللبن بالفطرة لما عرض عليه الخمر واللبن ~~واختار اللبن فقال له جبريل اصبت الفطرة ولو اخذت الخمر لغوت امتك # والطفل مفطور على انه يختار شرب اللبن بنفسه فإذا تمكن من الثدي لزم أن ~~يرتضع لا محالة فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض وهو مولود على أن يرتضع ~~فكذلك هو مولود على أن يعرف الله والمعرفة ضرورية له لا محال إذا لم يوجد ~~معارض # وايضا فإن حب النفس وخضوعها لله واخلاص الدين له مع PageV08P448 الكبر ~~والشرك والنفور إما أن يكون نسبتها إلى الفطرة سواء أو الفطرة مقتضية للأول ~~دون الثاني فإن كانا سواء لزم انتفاء المدح كما تقدم لم يكن فرق بين دعائها ~~إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان ويكون تمجيسها كتحنيفها وقد عرف بطلان هذا # وان كان فيها مقتض لهذا فإما أن يكون المقتضي مستلزما لمقتضاه عند عدم ~~المعارض واما أن يكون متوقفا على شخص خارج عنها فإن كان الأول ثبت أن ذلك ~~من لوازمها وانها مفطورة عليه لا تفقد إلا إذا فسدت الفطرة # وان قيل انه متوقف على شخص ms1751 فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها ~~مجوسية وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا # واذا قيل هي إلى الحنيفية اميل كان كما يقال هي إلى النصرانية اميل # فتبين أن فيها قوة موجبة لحب الله والذل له واخلاص الدين له وانها موجبة ~~لمقتضاها إذا سلمت من المعارض كما فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على ~~محبته وطلبه # ومما يبين هذا أن كل حركة ارادية فإن الموجب لها قوة في المريد فإذا امكن ~~في الانسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين كان فيه قوة تقتضي ذلك إذ ~~الأفعال الارادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل ولا يشترط ~~في ارادته إلا مجرد الشعور بالمراد فما في النفوس من PageV08P449 قوة ~~المحبة له إذا شعرت به يقتضي حبه إذا لم يحصل معارض # وهذا موجود في محبة الاطعمة والاشربة والنكاح ومحبة العلم وغير ذلك واذا ~~كان كذلك وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله والذل له واخلاص الدين له وان ~~فيها قوة الشعور به لزم قطعا وجود المحبة فيها والذل بالفعل لوجود المقتضى ~~الموجب إذا سلم عن المعارض وعلم أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود ~~شخص منفصل يكلمها بكلام وان كان وجود هذا قد يذكر ويحرك كما لو خوطب الجائع ~~بوصف طعام أو خوطب المغتلم بوصف النساء فإن هذا مما يذكر ويحرك لكن لا يجب ~~ذلك في وجود الشهوة للطعام ووجود الاكل # فكذلك الاسباب الخارجة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور ~~بالخالق والذل له ومحبته وان كان ذلك مذكرا ومحركا أو مزيلا للمعارض المانع ~~لكن المقصود انه لا يحتاج حصول ذلك في الفطرة اليه مطلقا # وايضا فالاقرار بالصانع بدون عبادته بالمحبة له والذل له واخلاص الدين له ~~لا يكون نافعا بل الإقرار مع البعض اعظم استحقاقا للعذاب فلا بد أن يكون في ~~الفطرة مقتض للعلم ومقتض للمحبة والمحبة مشروطة بالعلم فإن ما لا يشعر به ~~الانسان لا يحبه والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من خارج ms1752 بل هو جبلي فطري ~~واذا كانت PageV08P450 المحبة جبلية فطرية فشرطها وهو المعرفة أيضا جبلي ~~فطري فلا بد أن يكون في الفطرة محبة الخالق مع الإقرار به # وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها وهو فطرة الله التي أمر الله ~~بها # وأيضا فإذا كانت المحبة فطرية وهي مشروطة بالشعور لزم أن يكون الشعور ~~أيضا فطريا والمحبة له أيضا فطرية لأنها لو لم تكن فطرية لكانت النفس قابلة ~~لها ولضدها على السواء وهذا ممتنع كما تقدم وإذا كانت في الفطرة أرجح لزم ~~وجودها في الفطرة وإلا كانت ممكنة الحصول وعدمه كما في المجوسية وغيرها من ~~الكفر فتبقى الحنيفية مع المجوسية كاليهودية مع المجوسية وهذا باطل كما ~~تقدم # فعلم أن الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها والحب لله والخضوع له ~~والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية وذلك مستلزم للإقرار والمعرفة ولازم ~~اللازم لازم وملزوم الملزوم ملزوم فعلم أن الفطرة ملزومة لهذه الأحوال وهذه ~~الأحوال لازمة لها وهو المطلوب قال أبو عمر قد مضى في الفطرة ومعناها عند ~~العلماء ما بلغنا عنهم والحمد لله وأما أهل البدع فمنكرون لكل ما قاله ~~العلماء في تأويل PageV08P451 قوله @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم @QE@ سورة الأعراف 172 الآية قالوا ما أخذ الله من آدم ولا من ذريته ~~ميثاقا قط قبل خلقه إياهم وما خلقهم قط إلا في بطون أمهاتهم وما استخرج قط ~~من ظهر آدم ذرية تخاطب ولو كان ذلك لأحياهم ثلاث مرات # والقرآن قد نطق عن أهل النار @QB@ قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين @QE@ سورة غافر 11 من غير إنكار عليهم # وقال تعالى تصديقا لذلك @QB@ وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ~~@QE@ سورة البقرة 28 قالوا وكيف يخاطب الله عز وجل من لا يعقل وكيف يجيب من ~~لا عقل له أم كيف يحتج عليهم بميثاق لا يذكرونه أم كيف يؤاخذون بما قد نسوه ~~ولم يذكروه ولا يذكر أحد أن ذلك عرض له أو كان منه PageV08P452 # قالوا وإنما أراد الله بقوله @QB@ وإذ أخذ ربك ms1753 من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم @QE@ الآية سورة الأعراف 172 إخراجه إياهم في الدنيا وخلقه لهم ~~وإقامة الحجة عليهم بأن فطرهم ونبأهم فطرة إذا بلغوا وعقلوا علموا أن الله ~~ربهم ثم اختلف القائلون بهذا كله في المعرفة هل تقع ضرورة أو اكتسابا على ~~ما قد ذكرنا في غير هذا المكان # قلت ليس المقصود هنا الكلام على هذه الآية وتفسيرها والكلام في معرفة ~~حاصلة قبل الولادة أو نفيها بل المقصود إثبات المعرفة الفطرية الحاصلة بعد ~~الولادة وإذا كان من نفاة الأول من يقول إن هذه ضرورية فكيف بمن أثبت ~~الثنتين وهذه الأقوال التي ذكرها منها اثنان من جنس وهو قول من يقول ولدوا ~~على ما سبق به القدر أو على ذلك وكانوا مفطورين عليه من حين الميثاق الأول ~~منهم مقر طوعا وكرها أو اثنان من جنس وهو قول من يقول ولدوا PageV08P453 ~~قادرين على المعرفة وقول من يقول ولدوا قابلين لها وللتهود والتنصر إما مع ~~التساوي وإما مع رجحان القبول للإسلام # وأما قول من يقول ولدوا على فطرة الإسلام أو على الإقرار بالصانع وإن لم ~~يكن ذلك وحده إيمانا أو على المعرفة الأولى يوم أخذ الميثاق عليهم فهذه ~~الثلاثة لا منافاة بينها بل يحصل بها المقصود # والكتاب والسنة دل على ما اتفقت عليه من كون الخلق مفطورين على دين الله ~~الذي هو معرفة الله والإقرار به بمعنى أن ذلك موجب فطرتهم وبمقتضاها يجب ~~حصوله فيها إذا لم يحصل ما يعوقها فحصوله فيها لا يقف على وجود شرط بل على ~~انتفاء مانع # ولهذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لموجب الفطرة شرطا بل ذكر ما ~~يمنع موجبها حيث قال # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما قال ~~تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~كل حزب بما لديهم ms1754 فرحون @QE@ سورة الروم 30 32 فأخبر أن المشركين مفترقون # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح # إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه لا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل ~~الله جميعا PageV08P454 ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم # وقد قال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه @QE@ سورة الشورى 13 وقال تعالى @QB@ كان الناس ~~أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين @QE@ سورة البقرة 13 # وقال تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ سورة المؤمنون 51 53 # وأصل الدين الذي فطر الله عليه عباده كما قال خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم ~~الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به ~~سلطانا فهو يجمع أصلين # أحدهما عبادة الله وحده لا شريك له وإنما يعبد بما أحبه وأمر به وهذا هو ~~المقصود الذي خلق الله له الخلق وضده الشرك والبدع # والثاني حل الطيبات التي يستعان بها على المقصود وهو الوسيلة # وضدها تحريم الحلال والأول كثير في النصارى والثاني وهو تحريم الطيبات ~~كثير في اليهود وهما جميعا في المشركين PageV08P455 # ولهذا ذم الله تعالى المشركين على هذين النوعين في غير موضع من كتابه ~~كسورة الأنعام والأعراف يذكر فيها ذممهم على ما حرموه من المطاعم والملابس ~~وغير ذلك وذممهم على ما ابتدعوه من العبادات التي لم يشرعها الله تعالى # وفي الحديث أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة فنعبده وحده بفعل ما أحبه ~~ونستعين على ذلك بما أحله # كما قال تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم @QE@ سورة المؤمنون 51 # وهذا هو الدين الذي فطر الله عليه خلقه فإنه محبوب لكل أحد فإنه يتضمن ~~الأمر بالمعروف الذي ms1755 تحبه القلوب والنهي عن المنكر الذي تبغضه وتحليل ~~الطيبات النافعة وتحريم الخبائث الضارة # وهذا الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن كل مولود يولد على ~~الفطرة مما تقوم الأدلة العقلية على صدقه كما أخبر الصادق المصدوق وتبين أن ~~من خالف مدلول هذا الحديث فإنه مخطئ في ذلك # وبيان ذلك من وجوه # أحدها أن يقال لا ريب أن الإنسان قد يحصل له تارة من PageV08P456 ~~الاعتقادات والارادات ما يكون حقا وتارة ما يكون باطلا فإن اعتقاداته قد ~~تكون مطابقة لمعتقدها وهو الحق وقد تكون غير مطابقة وهو الباطل والخبر عن ~~هذا صدق وعن هذا كذب والإرادات تنقسم إلى ما يوافق مصلحته وهو جلب المنفعة ~~له وإلى ما لا يوافق مصلحته بل يضره # فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أصدق ~~الأسماء الحارث وهمام وأحبها إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأقبحها حرب ~~ومرة فإن الإنسان لابد له من حرث وهو العمل والحركة الإرادية ولا بد له من ~~أن يهم بالأمور منها ما يهم به ويفعله ومنها ما يهم به ولا يفعله فإن كان ~~المراد موافقا لمصلحته كانت الإرادة حسنة محمودة وإن كان مخالفا لمصلحته ~~كانت الإرادة سيئة مذمومة كمن يريد ما يضر عقله ونفسه وبدنه # وإذا كان الإنسان تارة تكون تصديقاته وإراداته حسنة محمودة وتارة تكون ~~سيئة فلا يخلو إما أن تكون نسبة نفسه إلى النوعين نسبة PageV08P457 واحدة ~~بحيث لا يترجح أحد الصنفين على الآخر بمرجح من نفسه أو لا بد أن تكون نفسه ~~مرجحة لأحد النوعين # فإن كان الأول لزم أن لا يوجد أحد الصنفين إلا بمرجح منفصل عنه ثم ذلك ~~المرجح المنفصل إذا قدر مرجحان أحدهما يرجح الصدق الذي ينفعه والآخر يرجح ~~الكذب الذي يضره فإما أن يتكافأ المرجحان أو يترجح أحدهما فإن تكافأ ~~المرجحان لزم أن لا يحصل واحد منهما وهو خلاف المعلوم بالضرورة فإنا نعلم ~~أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق وأن ينتفع وأن يكذب ويتضرر مال بفطرته إلى ms1756 ~~أن يصدق وينتفع وإذا كان لا بد من ترجيح لأحدهما فترجح الكذب الضار مع فرض ~~تساوي المرجحين أولى بالامتناع من تكافيهما فتعين أنه إذا تكافأ المرجحان ~~فلا بد أن يترجح عنده الصدق والنفع وهو المراد باعتقاد الحق وإرادة الخير # فعلم أن في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع وحينئذ ~~فالإقرار بوجود الصانع ومعرفته والإيمان به هو الحق أو نقيضه والثاني معلوم ~~الفساد قطعا فتعين الأول وحينئذ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة ~~الصانع والإيمان به # وأيضا فإنه مع الإقرار به إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو عدم محبته ~~والثاني معلوم الفساد وإذا كان الأول أنفع له كان في فطرته محبة ما ينفعه ~~PageV08P458 # وأيضا فإنه إما أن تكون عبادته وحده لا شريك له أكمل للناس علما وقصدا أو ~~الإشراك به والثاني معلوم الفساد فوجب أن يكون في فطرته مقتض يقتضي توحيده # وأيضا فإما أن يكون دين الإسلام مع غيره من الأديان متماثلين أو الإسلام ~~مرجوحا أو راجحا والأول والثاني باطلان باتفاق المسلمين وبأدلة كثيرة فوجب ~~أن يكون في الفطرة مقتض يقتضي خير الأمرين لها وامتنع أن تكون نسبة الإسلام ~~وسائر الملل إلى الفطرة واحدة سواء كانت نسبة قدرة أو نسبة قبول # وإذا لزم أن يكون في الفطرة مرجح للحنيفية التي أصلها معرفة الصانع ~~ومحبته وإخلاص الدين له فإما أن يكون مع ذلك لا يوجد مقتضاها إلا بسبب ~~منفصل مثل من يعلمه ويدعوه أو يمكن وجود ذلك بدون هذا السبب المنفصل # فإن كان الأول لزم أن يكون موجبها متوقفا على مخاطب منفصل دائما فلا يحصل ~~بدونه البتة ثم القول في حصول موجبها لذلك المخاطب المنفصل كالقول في الأول ~~وحينئذ فيلزم التسلسل في المخاطبين ووجود مخاطبين لا يتناهون وهم أيضا ~~مخاطبون وهذا تسلسل في الفاعلين وهو ممتنع # وإن كان في المخاطبين من حصل له بموجب الفطرة بلا مخاطب منفصل دل على ~~إمكان ذلك في الفطرة فبطل هذا التقدير وهو كون PageV08P459 موجب الفطرة لا ~~يحصل قط إلا لمخاطب منفصل ms1757 وإذا أمكن حصول موجب الفطرة بدون مخاطب منفصل علم ~~أن في الفطرة قوة تقتضي ذلك وأن ذلك ليس موقوفا على مخاطب منفصل لكن قد ~~يكون لذلك المقتضي معارض مانع وهذا هو الفطرة # وهذا الدليل يقتضي أنه لا بد في الفطر ما يكون مستغنيا عن مخاطب منفصل في ~~حصول موجب الفطرة لكن لا يقتضي أن كل واحد كذلك لكن إذا عرف أن ما جاز على ~~أحد الإنسانين يجوز على الآخر لتماثلهما في النوع أمكن ذلك في حق كل شخص ~~وهو المطلوب # الوجه الثاني أن يقال إذا ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته ومحبته حصل ~~المقصود بذلك وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك بل يحتاج كثير منهم ~~في حصول ذلك إلى سبب معين للفطرة كالتعليم والتخصيص فإن الله قد بعث الرسل ~~وأنزل الكتب ودعوا الناس إلى موجب الفطرة من معرفة الله وتوحيده فإذا لم ~~يحصل مانع يمنع الفطرة وإلا استجابت لله ورسله لما فيها من المقتضي لذلك # ومعلوم أن قول # كل مولود يولد على الفطرة ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفا ~~بالله موحدا له بحيث يعقل ذلك فإن PageV08P460 الله يقول @QB@ والله أخرجكم ~~من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا @QE@ سورة النحل 78 # ونحن نعلم بالاضطرار أن الطفل ليس عنده معرفة بهذا الأمر ولكن ولادته على ~~الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضى ذلك وتستوجبه بحسبها # فكلما حصل فيه قوة العلم والإرادة حصل من معرفتها بربها ومحبتها له ما ~~يناسب ذلك كما أنه ولد على أنه يحب جلب المنافع ودفع المضار بحسبه وحينئذ ~~فحصول موجب الفطرة سواء توقف على سبب وذلك السبب موجود من خارج أو لم يتوقف ~~على التقديرين يحصل المقصود # ولكن قد يتفق لبعضها فوات الشرط أو وجود مانع فلا يحصل مقصود الفطرة # الوجه الثالث أن يقال من المعلوم أن النفوس إذا حصل لها معلم ومخصص حصل ~~لها من العلم والإرادة بحسب ذلك ومن المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة ~~الحق ومعلوم أن مجرد التعليم والتخصيص لا ms1758 يوجب العلم والإرادة لولا أن في ~~النفس قوة تقبل ذلك وإلا فلو علم البهائم والجمادات وحضضها لم يحصل لها ما ~~يحصل لبني آدم والسبب في الموضعين واحد فعلم أن ذلك لاختلاف القوابل # ولهذا يشترك الناس في سماع القرآن ويتفاوتون في آثاره فيهم من العلم ~~والحال وهكذا في سائر الكلام وإذا كان كذلك علم أن في النفوس قوة تقتضي ~~العلم والإرادة PageV08P461 # يبين ذلك أن ذلك المرجح إذا حصل من خارج فمعلوم أنه نفسه لا يوجب بنفسه ~~حصول العلم والإرادة في النفس إلا بقوة منها تقبل ذلك وتلك القوة لا تتوقف ~~على أخرى وإلا لزم التسلسل الذي لا يتناهى بين طرفين متناهين أو الدور ~~القبلي وكلاهما ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء # فهذا يدل على أن في النفس قوة ترجح الدين الحق على غيره وحينئذ فالمخاطب ~~إنما عنده تنبيهها على ما لا تعلمه لتعلمه أو تذكيرها بما كانت ناسية ~~لتذكره أو تحضيضها على ما لا تريده لتريده ونحو ذلك # وكل هذه الأمور يمكن أن تحصل بخواطر في النفس تقتضي تنبيهها وتذكيرها ~~وتخضيضها واعتبار الإنسان ذلك من نفسه يوجب علمه بذلك فإن ما يسمعه الإنسان ~~من كلام البشر يمكن أن يخطر له مثله في قلبه فعلم أن الفطرة يمكن حصول ~~إقرارها بالصانع والمحبة والإخلاص له بدون سبب منفصل وأنه يمكن أن تكون ~~الذات كافية في ذلك # ومن المعلوم أنه إذا كان المقتضي لذلك قائما في النفس وقدر عدم المعارض ~~فالمقتضي السالم عن المعارض المقاوم يوجب مقتضاه فعلم أن الفطرة السليمة ~~إذا لم يحصل لها من يفسدها كانت مقرة بالصانع عابدة له # فإن قيل هذه الخواطر التي تخطر للإنسان قد تحصل لبعض الناس دون بعض بحسب ~~ما يتفق من الأسباب كما أن بعض الناس يحصل له PageV08P462 من يخاطبه دون ~~بعض فليسوا مشتركين في أسباب الخواطر والخطاب # قيل إذا لم تكن الخواطر متوقفة على مخاطب من خارج كانت الفطرة الإنسانية ~~هي المقتضية لذلك وإن كان ذلك بأسباب يحدثها الله من إلهام ملك أو غيره لكن ~~المقصود أنه ms1759 لا يحصل لها ذلك بواسطة تعلم إنسان ودعائه وهذا هو المقصود ~~بيانه من كونها ولدت على الفطرة ليس المراد أنه يجب وجود الهدى لكل إنسان ~~فإن هذا خلاف الواقع والحديث قد بين أن المولود يعرض له من يغير فطرته # الوجه الرابع أن يقال هب انه لا بد من الداعى المعلم من خارج لكن في ~~النفس ما يوجب ترجيح الحق على الباطل في الاعتقادات والارادات وهذا كاف في ~~كونها ولدت على الفطرة # الوجه الخامس أن يقال المقصود انه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح ~~الخارج كانت الفطرة مقتضية للصلاح لأن المقتضي فيها للعلم والارادة النافعة ~~قائم والمانع زائل إذ ليس في الفطرة نفسها مانع من ذلك ومع وجود المقتضي ~~السالم عن المعارض المقاوم يجب وجود مقتضاه # والاول استدلال بوقوع الإقرار بدون سبب منفصل على وجود المقتضي التام في ~~الفطرة وهذا استدلال بوجود المقتضي التام على حصول مقتضاة # وليس المقصود هنا أن المقتضي التام يجب وجوده لكل أحد فان هذا ~~PageV08P463 ممتنع بل أن الفطرة تقتضي وجوده كما تقتضي فطرة الصبي شرب لبن ~~امه فلو لم يعرض له مانع للزم وجود الشرب لكن قد يعرض له مرض فيه أو في امه ~~أو غير ذلك يوجب نفوره عن شرب لبنها وحب العبد لربه هو مفطور فيه اعظم مما ~~فطر فيه حبه للبن امه # قال الله تعالى @QB@ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو ~~أشد ذكرا @QE@ سورة البقرة 200 فلو لم يكن المقتضي التام ممكن وجوده في ~~الفطرة لم يحصل موجبها إلا بمرجح من خارج وهو خلاف الواقع ولانها إذا خلت ~~عن الاسباب الخارجة لم يكن بد من وجود صلاحها أو فسادها والثاني ممتنع ~~فتعين الأول # الوجه السادس أن السبب الذي في الفطرة إما أن يكون مستلزما للمعرفة ~~والمحبة واما أن يكون مقتضيا لها بدون استلزام وعلى التقديرين يحصل المقصود # الوجه السابع أن النفس لا تخلو عن الشعور والارادة بل هذا الخلو ممتنع ~~فيها فان الشعور والارداة من لوازم حقيقتها ولا يتصور أن ms1760 تكون النفس إلا ~~شاعرة مريدة ولا يجوز أن يقال انها قد تخلو في حق الخالق تعالى عن الشعور ~~بوجوده وعدمه وعن محبته وعدم محبته وحينئذ فلا يكون الإقرار به ومحبته من ~~لوازم وجودها ولولم يكن لها معارض بل هذا باطل PageV08P464 # وذلك أن النفس لها مطلوب مراد بضرورة فطرتها وكونها مريدة من لوزام ذاتها ~~لا يتصور أن تكون نفس الانسان غير مريدة # ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصدق الاسماء الحارث وهمام وهي ~~حيوان وكل حيوان متحرك بالارادة فلابد لها من حركة ارادية واذا كان كذلك ~~فلا بد لكل مريد من مراد والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره والمراد ~~لغيره لابد أن ينتهي إلى مراد لنفسه فيمتنع أن تكون جميع المرادات مرادات ~~لغيرها فان هذا تسلسل في العلل الغائية وهو ممتنع كامتناع التسلسل في العلل ~~الفاعلية بل اولى # واذا كان لابد للإنسان من مراد لنفسه فهذا هو الإله الذي يالهه القلب ~~فإذا لابد لكل عبد من اله فعلم أن العبد مفطور على أن يحب الهه # ومن الممتنع أن يكون مفطورا على أن يأله غير الله لوجوه # منها أن هذا خلاف الواقع # ومنها انه ليس هذا المخلوق بان يكون الها لكل الخلق باولى من هذا # ومنها أن المشركين لم يتفقوا على اله واحد بل عبد كل قوم ما استحسنوه # ومنها أن ذلك المخلوق أن كان ميتا فالحى اكمل من الميت فيمتنع أن يكون ~~الناس مفطورين على عبادة ميت وان كان حيا فهو أيضا مريد فله إله يألهه فلو ~~كان هذا يأله هذا وهذا يأله هذا لزم الدور الممتنع أو التسلسل الممتنع فلا ~~بد لهم كلهم من اله يألهونه PageV08P465 # فان قلت ما ذكرته يستلزم انه لا بد لكل حي من اله أو لكل انسان من اله ~~لكن لم لا يجوز أن يكون مطلوب النفس مطلق المالوه لا مالوها معينا وجنس ~~المراد لا مرادا معينا # قيل هذا ممتنع فان المراد إما أن يراد لنوعه أو لعينه فالاول مثل كون ~~العطشان ms1761 يريد ماء والسغبان يريد طعاما فارادته هنا لم تتعلق بشيء معين فإذا ~~حصل عين من النوع حصل مقصوده # والمراد لذاته لا يكون نوعا لان أحد المعنين ليس هو الآخر فلو كان هذا ~~مرادا لذاته للزم أن لا يكون الآخر مرادا لذاته وإذا كان المراد لذاته هو ~~القدر المشترك بينهما لزم أن يكون ما يختص به أحدهما ليس مرادا لذاته وإذا ~~لم يكن مرادا لذاته لزم أن يكون مايختص به كل منهما ليس مرادا لذاته # والكلى لا وجود في الاعيان إلا معينا فإذا لم يكن في المعينات ما هو مراد ~~لذاته لم يكن في الموجودات الخارجية ما هو لذاته فلا يكون فيها ما يجب أن ~~يالهه أحد فضلا عما يجب أن يالهه كل أحد # فتبين انه لا بد من اله معين هو المحبوب لذاته من كل حي ومن الممتنع أن ~~يكون هذا غير الله فلزم أن يكون هو الله وعلم انه لو كان فيهما إلا الله ~~لفسدتا وان كل مولود ولد على محبة هذا الإله ومحبته PageV08P466 مستلزمة ~~لمعرفته فعلم أن كل مولود ولد على محبته ومعرفته وهو المطلوب # وهذا الدليل يصلح أن يكون مستقلا وهذا بخلاف ما يراد جنسه كالطعام ~~والشراب فانه ليس في ذلك ما هو مراد لذاته بل المراد دفع الم الجوع والعطش ~~أو طلب لذة الاكل والشرب وهذا حاصل بنوع الطعام والشراب لا يتوقف على معين ~~بخلاف ما هو مراد ومحبوب لذاته فإنه لا يكون إلا معينا # الوجه الثامن أن يقال اليهود عندهم نوع من المعرفة بالحق لكن بلا عمل به ~~بل مع بغض له ونفور عنه واستكبار والنصارى معهم نوع من المحبة والطلب ~~والارادة لكن بلا علم بل مع ضلال وجهل ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم # اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون رواه الترمذي وصححه # وامرنا الله أن نقول في صلاتنا @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ سورة الفاتحة 6 7 امين فان ~~النعمة المطلقة لا تحصل إلا بمعرفة الحق ms1762 واتباعه واذا كان كذلك والانسان ~~يحتاج إلى هذا وهذا ففطرته السليمة إما أن تكون مقتضية لمعرفة الحق دون ~~العمل به أو للعمل به دون معرفته أو لهما أو لا لواحد منهما PageV08P467 # فإن كان الرابع فيلزم أن يستوي عندها الصدق والكذب والاعتقاد المطابق ~~والفاسد وارادة ما ينفعها وارادة ما يضرها وهذا خلاف ما يعلم بالحس الباطن ~~والظاهر وبالضرورة # وان كان الثالث فيلزم أن يستوي عندها مع العمل أن تعلم وان تجهل وان ~~تهتدي وان تضل وان لا يكون فيها مع استواء الدواعي الظاهرة ميل إلى أحدهما ~~وهو أيضا خلاف المعلوم بالحس والضرورة # وان كان الثاني فيلزم أن يستوي عندها إرادة الخير النافع والشر الضار ~~دائما إذا استوت الدواعي الخارجة وهو أيضا خلاف الحس الباطن والظاهر وخلاف ~~الضرورة فتبين انه لا يستوي عندها هذان بل يترجح عندها هذا وهذا جميعا # وحينئذ فلا تكون مفطورة لا على يهودية ولا على نصرانية فعلى المجوسة اولى ~~ويلزم أن تكون مفطورة على الحنيفية المتضمنة لمعرفة الحق والعمل به وهو ~~المطلوب $ فصل # قال الله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ سورة الذريات ~~56 وللناس في هذه العبادة التى خلقوا لها قولان أحدهما انها وقعت منهم ثم ~~هؤلاء منهم من يقول جميعهم خلقوا لها ومنهم من يقول إنما خلق لها بعضهم ~~PageV08P468 # والقول الثاني انهم كلهم خلقوا لها ومع ذلك فلم تقع إلا من بعضهم وهؤلاء ~~حزبان # حزب يقولون أن الله لم يشأ إلا العبادة لكنهم فعلوا ما لا يشاؤه بغير ~~قدرته ولا مشيئته وهم القدرية المنكرون لعموم قدرته ومشيئته وخلقه # والثاني يقولون بل كل ما وقع فهو بمشيئته وقدرته وخلقه لكن هو لا يحب إلا ~~العبادة التي خلقهم لها ولا يأمر إلا بذلك فمنهم من اعانه ففعل المأمور به ~~ومنهم من لم يفعله # واللام عند هؤلاء كاللام في قوله @QB@ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ~~ما هداكم ولعلكم تشكرون @QE@ سورة البقرة 185 وفي قوله @QB@ ولكل أمة جعلنا ~~منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم ms1763 إله واحد فله ~~أسلموا وبشر المخبتين @QE@ سورة الحج 34 # وقوله تعالى @QB@ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ~~@QE@ سورة البقرة 21 على قول الاكثرين الذين يجعلون لعل متعلقة بقوله خلقكم ~~كما قال @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ سورة الذريات 56 ~~PageV08P469 # وقوله @QB@ كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين @QE@ ~~سورة الحج 37 # وقوله @QB@ الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ~~لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما @QE@ سورة ~~الطلاق 12 # وقوله @QB@ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم @QE@ سورة المائدة 97 # وقوله @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ سورة النساء 64 # ومنه قوله @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون @QE@ سورة المائدة 6 # وقوله @QB@ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ سورة ~~النساء 26 28 ونحو ذلك مما فيه أن الله يفعل فعلا لغاية يحبها ويرضاها ~~ويأمر بها عباده وإذا حصلت لهم كان فيها نجاتهم وسعادتهم ثم منهم من يعينه ~~على فعلها ومنهم من لا يفعلها فإن هذا قد أشكل على طائفة من الناس وقالوا ~~كيف يفعل فعلا لغاية مع علمه أنها لا تحصل PageV08P470 # فيقال الغاية التي يراد الفعل لها هي غاية مرادة للفاعل ومراد الفاعل ~~نوعان فإنه تارة يفعل فعلا ليحصل بفعله مراده فهذا لا يفعله وهو يعلم أنه ~~لا يكون والله تعالى يفعل ما يريد فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولكن الله ~~يفعل ما يريد # وتارة يريد من غيره أن يفعل فعلا باختياره لينتفع ذلك الفاعل بفعله ويكون ~~ذلك محبوبا للفاعل ms1764 الأول كمن يبني مسجدا ليصلي فيه الناس ويعطيهم مالا ~~ليحجوا به ويجاهدوا به وسلاحا ليجاهدوا به ويأمرهم بالمعروف ليفعلوه ~~وينهاهم عن المنكر ليتركوه وهم إذا فعلوا ما أراده لهم ومنهم كان صلاحا لهم ~~وكان ذلك محبوبا له وإن لم يفعلوا ذلك لم يكن صلاحا لهم ولا حصل محبوبه ~~منهم ثم هذا قد لا يكون قادرا على فعل ما أمروا به اختيارا # ولهذا زعمت القدرية النافية أن الرب ليس قادرا على هدي العباد وهو خطأ ~~عند أهل السنة وقد يكون قادرا فإنه سبحانه لو شاء لآتى كل نفس هداها @QB@ ~~ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا @QE@ سورة يونس 99 # لكن المخلوق قد يعين بعض من أمره لمصلحة له في إعانته ولا يعين آخر والرب ~~تعالى قد يعين المؤمنين فيفعلوا ما أمروا به وأحبه الله منهم ولا يعين ~~آخرين لما له في ذلك من الحكمة فإن الفعل لا يوجد إلا بلوازمه وانتفاء ~~أضداده PageV08P471 # وقد يكون في وجود ذلك فوات حكمة له هي أحب إليه من طاعة أولئك أو وجود ~~شيء دفعه أحب إليه من حصول معصية أولئك # وحينئذ فإذا أمر العباد ونهاهم ليطيعوه ويعبدوه ويفعلوا ما أحبه وينالوا ~~كمالهم الذي هو غايتهم التي خلقوا لها جاز أن يقال @QB@ وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله @QE@ سورة النساء 64 # وأن يقال @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ سورة البقرة ~~185 # وأن يقال @QB@ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم @QE@ سورة النساء 26 # وأن يقال @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم @QE@ سورة المائدة 6 ونحو ذلك # وإن كان هو لم يخلق ما أمر به وإذا خلقهم خلق لهم ما ينتفعون به ليعبدوه ~~ويطيعوه ويشكروه ويذكروه ويبلغوا الغاية المحمودة في حقهم التي يحبها ~~ويرضاها لهم صح أن يقال إنما خلقهم ليعبدوه وإن كان هو لم يخلق لكل منهم ما ~~به يصير عابدا له كما جاز أن يقال إنما بنيت ms1765 المسجد ليصلوا فيه وإنما ~~أعطيتهم المال ليحجوا ويجاهدوا ونحو ذلك فإنه ليس من شرط من فعل فعلا لغاية ~~يفعلها غيره أن يكون هو فاعلا لتلك الغاية # ثم إذا علم أن كثيرا من هؤلاء لا يصلي ولا يحج ولا يجاهد وأن من ~~PageV08P472 يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر لا يطيعه لم يمنع ذلك أن يفعل ~~ما يفعل ويأمر بما يأمر به لأن نفس ذلك الفعل وذلك الأمر مصلحة له وهذا ~~موجود في المخلوق والخالق فإن المخلوق كالرسول وغيره يأمر وينهى وإن كان ~~يعلم أنه لا يطاع لأن نفس أمره لهم له فيه مصلحة ومنفعة وثواب وفيه حكمة في ~~حق المأمور والمنهي # وكذلك يفعل ما يفعل لمصالح الناس وإن علم أنهم لا يفعلون ذلك إذا كان له ~~في ذلك أجر ومثوبة ومصالح أخرى فإنه إذا كان بعض الناس يصلي في المسجد ~~وبعضهم لا يصلي فيه قامت حجته على من لم يصل واستحق العقوبة وكان قد أزاح ~~عن نفسه العلة بأن يقال لم يبن لهم مسجدا يصلون فيه # والخالق تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب وأنذر العباد وأزاح عللهم وفعل بهم ~~من الأسباب التي بها يتمكنون من الطاعة أعظم مما يفعله كل آمر غيره ~~بالمأمورين فليس أحد أزاح علل المأمورين أعظم من الله فلا تقوم حجة آمر على ~~مأمور إلا وحجة الله على عباده أقوم ولا يستحق مأمور من آمره ذما ولا عقابا ~~لمعصيته إلا واستحقاق عصاة الله لأمره أعظم استحقاقا وذما ولا عقابا ~~لمعصيته إلا واستحقاق عصاة الله لأمره أعظم استحقاقا وذما ولا أحد أحب إليه ~~العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا ييسر أمر على ~~مأموريه ويرفع عنهم ما لا يطيقونه إلا والله تعالى أعظم تيسيرا على مأموريه ~~وأعظم رفعا لما لا يطيقونه عنهم PageV08P473 # وكل من تدبر الشرائع لا سيما شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وجد هذا فيها ~~أظهر من الشمس ولهذا قال في آية الصيام @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر @QE@ سورة البقرة 185 # وقال ms1766 في آية الطهارة @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم @QE@ سورة المائدة 6 # وقال @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ سورة الحج 78 # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين # وهو سبحانه يسقط الواجبات إذا خشي المريض زيادة في المرض أو تأخر البرء ~~فيسقط القيام في الصلاة والصيام في شهره والطهارة بالماء كذلك بل المسافر ~~مع تمكنه من الصيام أسقطه عنه في شهره وقال @QB@ ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ سورة البقرة ~~185 PageV08P474 # والشريعة طافحة بهذا وأمثاله وهو سبحانه مع ذلك هو رب كل شيء ومليكه ~~وخالقه فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته وهو سبحانه محسن متفضل إلى من ~~أمرهم ونهاهم بقدر زائد لا يقدر عليه ولا يفعله غيره وهو أن جعلهم مؤمنين ~~مسلمين مطيعين وهذا لا يقدر عليه غيره من الآمرين الناهين وهو في ذلك محسن ~~إليهم منعم عليهم نعمة ثانية غير نعمته بالإرسال والبيان والإنذار فهذه ~~نعمة يختصون بها غير النعمة المشتركة # وأما الكفار فلم ينعم عليهم بمثل ما أنعم به على المؤمنين ومن لم ينعم ~~ويحسن بمثل ذلك لم يكن قد أساء وظلم مع الإقدار والتمكين وإزاحة العلل إذا ~~كان له في ترك ذلك حكمة بالغة لو فعل بهم مثلما فعل بالأولين بطلت تلك ~~الحكمة التي هي أعظم من طاعتهم وحصلت مفسدة أعظم من مفسدة معصيتهم فمن وجه ~~ليس ذلك بواجب عليه لهم ومن وجه له في ذلك حكمة بالغة لا تجتمع هي ~~ومساواتهم بأولئك فتقتضي الحكمة ترجيح خير الخيرين بتفويت أدناهما ودفع شر ~~الشرين بالتزام أدناهما # وقول القائل كيف يفعل فعلا لغاية مع علمه أنها لا تحصل # جوابه أن ذلك إنما يمتنع إذا كان ليس مراده إلا تلك الغاية فقط ~~PageV08P475 فإذا لم تحصل لم يحصل ما أراده ومن فعل شيئا لأجل مراد يعلم ~~أنه لا يحصل كان ممتنعا ms1767 # وبهذا يبطل قول القدرية الذين يقولون لم يرد إلا المأمور وما سواه واقع ~~بغير مراده وقد خلق الخلق لذلك المراد بعينه مع علمه انه لا يكون وهذا ~~تناقض ويقولون يشاء مالا يكون ويكون مالا يشاء # وأما أهل السنة الذين يقولون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا ~~يقع إلا ما شاءه وان وقع ما لم يحبه ويأمر به فلحكمة له في ذلك باعتبارها ~~خلقه ولولا الغاية التي يريدها به لم يخلقه فلا إشكال على قولهم # واذا علم أن الرب له مراد بما أمره وله مراد بما خلقه فإذا لم يحصل ما ~~أمر به فقد حصل ما خلقه فما حصل إلا مراده وهو لم يخلق ذلك المعين الذي أمر ~~به لئلا يستلزم عدم مراد احب اليه منه وهو ما خلقه وقد يكون ذلك المأمور ~~يستلزم تفويت مأمور آخر هو أحب اليه منه # مثاله أن فرعون لو اطاع لم يحصل ما حصل من الايات العظيمة التي حصل بها ~~من المأمور ما هو اعظم من ايمان فرعون وصناديد فريش لو اطاعوا لم يحصل ما ~~حصل من ظهور آيات الرسول ومعجزة القرآن PageV08P476 وجهاد المؤمنين الذي ~~حصل به من طاعة الله ومحبوبه ما هو أعظم عنده من ايمان صناديد قريش # وعلى هذا فيجوز أن يقال أن الله إنما خلق الجن والانس ليعبدوه فإن هذا هو ~~الغاية التي أرادها منهم بأمره وبها يحصل محبوبه وبها تحصل سعادتهم ونجاتهم ~~وان كان منهم من لم يعبده ولم يجعله عابدا له إذ كان في ذلك الجعل تفويت ~~محبوبات اخر هي احب اليه من عبادة أولئك وحصول مفاسد اخر هي ابغض اليه من ~~معصية أولئك # ويجوز ايضا أن يقال @QB@ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ~~@QE@ سورة هود 119 فإنه اراد بخلقهم ما هم صائرون اليه من الرحمة والاختلاف ~~ففي تلك الاية ذكر الغاية التي امروا بها وهنا ذكر الغاية التي اليها ~~يصيرون وكلاهما مرادة له تلك مرادة بأمره والموجود منها مراد بخلقه وامره ms1768 ~~وهذه مرادة بخلقه والمأمور منها مراد بخلقه وأمره # وهذا معنى ما يروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله @QB@ إلا ~~ليعبدون @QE@ سورة الذايات 56 قال معناه إلا لآمرهم أن يعبدوني PageV08P477 ~~وأدعوهم إلى عبادتي واعتمد الزجاج هذا القول فرواه ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~@QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ سورة الذاريات 56 قال لآمرهم ~~وأنهاهم وروى سليمان بن عامر عن الربيع بن أنس قال ما خلقتهما إلا للعبادة # وأما من قال المراد المؤمنون فروى ابن مصلح عن الضحاك في قوله @QB@ وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ قال هي خاص للمؤمنين # وأما من قال كلهم وقعت منهم العبادة التي خلقوا لها فروى الوالبي عن ابن ~~عباس إلا ليعبدون إلا ليقروا لي بالعبودية طوعا وكرها # وقال السدي خلقهم للعبادة فمن العبادة عبادة تنفع ومن العبادة عبادة لا ~~تنفع @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ سورة لقمان ~~25 هذا منهم عبادة وليس تنفعهم مع شركهم PageV08P478 # وروى ابن أبي زائدة عن ابن جريج في قوله @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون @QE@ قال إلا ليعرفون # روى هذه الأقوال ابن أبي حاتم بأسانيده إلا قول علي # وذكر الثعلبي عن مجاهد إلا ليعرفون قال ولقد احسن في هذا القول لأنه لو ~~لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيه ودليل هذا التأويل قوله @QB@ ولئن سألتهم ~~من خلقهم @QE@ سورة الزخرف 87 الايات قال وروى حبان عن الكلبي إلا ليوحدون ~~فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء ~~دون النعمة والرخاء بيانه قوله @QB@ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين ~~له الدين @QE@ سورة العنكبوت 65 فعلى هذه الأقوال أن جميع الأنس والجن ~~عبدوه وعرفوه ووحدوه وأقروا له بالعبودية طوعا وكرها # والاولون لا ينكرون ما أثبته هؤلاء لكن يقولون ليست هذه هي العبادة التي ~~خلقوا لها وان كان قد وجد من جميعهم معرفة به واقرار به وعبودية له طوعا ~~وكرها # وهذا يبين أن جميع الأنس والجن مقرون بالخالق معترفون به مقرون بعبوديته ~~طوعا ms1769 وكرها وذلك يقتضي أن هذه المعرفة من لوازم نشأتهم وأنه لم ينفك عنها ~~أحد منهم مع العلم بأن النظر المعين الذي بوجبه PageV08P479 الجهمية ~~والمعتزلة لا يعرفه أكثرهم فعلم بذلك ثبوت المعرفة والاقرار بدون هذا النظر # وقد روى ابن جريج عن زيد بن أسلم إلا ليعبدون قال جبلهم على الشقاء ~~والسعادة # وكذلك عن وهب بن منبه @QB@ إلا ليعبدون @QE@ قال جبلهم على الطاعة وجبلهم ~~على المعصية ذكرهما ابن أبي حاتم # وعلى هذا فيكون المراد بالعبادة دخولهم تحت قضائه وقدره ونفود مشيئته ~~فيهم وقد فسر بهذا ما رواه الوالبي عن ابن عباس حيث قال إلا ليقروا ~~بالعبودية طوعا وكرها # قال الثعلبي فإن قيل كيف كفروا وقد خلقهم للاقرار بربوبيته والتذلل لأمره ~~ومشيئته قيل انهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم لأن قضاءه جار عليهم لا ~~يقدرون على الامتناع منه إذا نزل بهم وانما خالفه من كفر به في العمل بما ~~أمر به فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه # قلت وهذا المعنى وان كان في نفسه صحيحا وقد نازعت القدرية في بعضه فليس ~~هو المراد بالاية فإن جميع المخلوقات حتى البهائم والجمادات بهذه المنزلة ~~PageV08P480 # وأيضا فالعبادة المذكورة في عامة المواضع في القرآن لا يراد بها هذا ~~المعنى # وأيضا فإن قوله @QB@ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين @QE@ سورة الذاريات 56 58 دليل على انه خلقهم ~~ليعبدوه لا ليرزقوا ويطعموا بل هو المطعم الرازق واطعامه لهم ورزقه اياهم ~~هو من جملة تدبيرهم وتصريفهم الذي قد جعله اهل هذا القول عبادة له فتكون ~~العبادة التي خلقوا لها كونهم مرزوقين مدبرين وهذا باطل # وايضا فقوله @QB@ ليعبدون @QE@ يقتضي فعلا يفعلونه هم وكونه يربهم ~~ويخلقهم ليس فيه إلا فعله فقط ليس في ذلك فعل لهم # ويلي هذا القول في الضعف قول من يقول انهم كلهم عبدوه أو أن الاية خاصة ~~فإن هذه اقوال ضعيفة كما أن قول القدرية الذين يقولون انه ما كان منهم كان ~~بغير مشيئته وقدرته وانه ms1770 لم يشأ إلا العبادة فقط وما كان غير ذلك فإنه حاصل ~~بغير مشيئته وقدرته قول ضعيف # والناس لما خاضوا في القدر صارت الأقوال المتقابلة تكثر فيه وفي تفسير ~~القرآن بغير المراد وهو مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حيث خرج ~~عليهم وهم يتنازعون في القدر هذا يقول الم يقل الله كذا وهذا يقول الم يقل ~~الله كذا فقال # أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض PageV08P481 # والمقصود هنا انه من المعروف عند السلف والخلف أن جميع الجن والانس ~~معترفون بالخالق مقرون به مع أن جمهور الخلق لا يعرفون النظر الذي يذكره ~~هؤلاء فعلم أن اصل الإقرار بالصانع والاعتراف به مستقر في قلوب جميع الأنس ~~والجن وانه من لوازم خلقهم ضروري فيهم وان قدر انه حصل بسبب كما أن ~~اغتذاءهم بالطعام والشراب هو من لوازم خلقهم وذلك ضروري فيهم # وهذا هو الإقرار والشهادة المذكورة في قوله @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم ~~من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ~~ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون @QE@ سورة الاعراف 172 173 # فإن هذه الاية فيها قولان من الناس من يقول هذا الاشهاد كان لما استخرجوا ~~من صلب آدم كما نقل ذلك عن طائفة من السلف ورواه بعضهم مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقد ذكره الحاكم لكن رفعه ضعيف PageV08P482 # وانما المرفوع الذي في السنن كأبي داود والترمذي و = موطأ مالك من حديث ~~أبي هريرة ومن حديث عمر هو أنهم استخرجهم ليس في هذه الكتب انهم نطقوا ولا ~~تكلموا PageV08P483 # ولكن في حديث أبي هريرة أنه أراهم آدم وفي حديث عمر وغيره أنه قال هؤلاء ~~للجنة وهؤلاء للنار ففيها إثبات القدر وأن الله علم ما سيكون قبل أن يكون ~~وعلم الشقي والسعيد من ذرية آدم وسواء كان ما استخرجه فرآه آدم هي أمثالهم ~~أو أعيانهم # فأما ms1771 نطقهم فليس في شيء من الاحاديث المرفوعة الثابتة ولا يدل عليه ~~القرآن فإن القرآن يقول فيه @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم @QE@ سورة الاعراف 172 فذكر الاخذ من ظهور بني آدم لا ~~من نفس آدم وذرياتهم يتناول كل من ولدوه وان كان كثيرا كما قال في تمام ~~الاية @QB@ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم @QE@ ~~سورة الاعراف 173 # وقال تعالى @QB@ إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين ذرية بعضها من بعض @QE@ سورة آل عمران 33 34 وقال @QB@ ذرية من ~~حملنا مع نوح @QE@ سورة الاسراء 3 وقال @QB@ ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ~~ويوسف وموسى وهارون @QE@ سورة الأنعام 84 إلى قوله @QB@ وزكريا ويحيى وعيسى ~~وإلياس @QE@ سورة الأنعام 85 فاسم الذرية يتناول الكبار PageV08P484 # وقوله @QB@ وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى @QE@ سورة الاعراف ~~172 فشهادة المرء على نفسه في القرآن يراد بها اقراره فمن اقر بحق عليه فقد ~~شهد به على نفسه # قال تعالى @QB@ كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين @QE@ سورة النساء 135 وهذا مما احتج به الفقهاء على ~~قبول الإقرار # وفي حديث ماعز بن مالك فلما شهد على نفسه اربع مرات رجمه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أي اقر اربع مرات # ومنه قوله تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر @QE@ سورة التوبة 17 فإنهم كانوا مقرين بما هو كفر فكان ذلك ~~شهادتهم على أنفسهم # وقال تعالى @QB@ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة ~~الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين @QE@ سورة الأنعام 130 ~~فشهادتهم على أنفسهم هو اقرارهم وهو اذا الشهادة على أنفسهم PageV08P485 # ولفظ شهد فلان وأشهدته يراد به تحمل الشهادة ويراد به اداؤها فالأول ~~كقوله @QB@ فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم @QE@ ~~سورة الطلاق 2 والثاني كقوله @QB@ كونوا قوامين بالقسط ms1772 شهداء لله ولو على ~~أنفسكم @QE@ سورة المائدة 8 # وقوله @QB@ وأشهدهم على أنفسهم @QE@ سورة الاعراف 172 من هذا الثاني ليس ~~المراد أنه جعلهم يتحملون شهادة على أنفسهم يؤدونها في وقت آخر فإنه سبحانه ~~في مثل ذلك إنما يشهد على الرجل غيره # كما في قصة آدم لما اشهد عليه الملائكة وكما في شهادة الملائكة وشهادة ~~الجوارح على اصحابها ولما ظن بعض المفسرين هذا قال المراد اشهد بعضهم على ~~بعض # لكن هذا اللفظ حيث جاء في القرآن إنما يراد به شهادة الرجل على نفسه ~~بمعنى اداء الشهادة على نفسه وهو اقراره على نفسه فالشهادة هنا خبر # وقولهم @QB@ بلى شهدنا @QE@ هو اقرارهم بأنه ربهم ومن أخبر بأمر عن نفسه ~~فقد شهد به على نفسه ولهذا قال في الاية @QB@ وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى @QE@ سورة الاعراف 172 فقولهم بلى معناه انت ربنا وهذا ~~إقرار منهم بربوبيته لهم وهذا الإقرار هو PageV08P486 شهادة على أنفسهم أي ~~انطاقهم بالاقرار بربوبيته وجعلهم شهداء على أنفسهم بما اقروا به من ~~ربوبيته # وقوله أشهدهم يقتضي انه هو الذي جعلهم شاهدين على أنفسهم بأنه ربهم وهذا ~~الاشهاد مقرون بأخذهم من ظهور آبائهم وهذا الاخذ المعلوم المشهود الذي لا ~~ريب فيه هو اخذ المني من اصلاب الاباء ونزوله في ارحام الامهات لكن لم يذكر ~~هنا الامهات لقوله فيما بعد @QB@ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ~~ذرية من بعدهم @QE@ سورة الاعراف 173 وهم كانوا متبعين لدين آبائهم لا لدين ~~الامهات كما قالوا @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة @QE@ سورة الزخرف 220 # ولهذا قال @QB@ قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم @QE@ سورة ~~الزخرف 24 فهو يقول اذكر حين اخذوا من اصلاب الاباء فخلقوا حين ولدوا على ~~الفطرة مقرين بالخالق شاهدين على أنفسهم بأن الله ربهم فهذا الإقرار حجة ~~لله عليهم يوم القيامة فهو يذكر اخذه لهم واشهاده اياهم على أنفسهم إذ كان ~~سبحانه خلق فسوى وقدر فهدى # فالاخذ يتضمن خلقهم والاشهاد يتضمن هداه لهم إلى هذا الإقرار فإنه قال ~~اشهدهم أي ms1773 جعلهم شاهدين وقد ذكرنا أن الاشهاد يراد به تحميل الشهادة كقوله ~~@QB@ وأشهدوا ذوي عدل منكم @QE@ سورة الطلاق 2 أي احملوا هذه الشهادة على ~~هؤلاء المشهود عليهم PageV08P487 # وهنا لم يقل اشهدوا على أنفسهم بما انطقهم به فيكون هذا إقرار مشهودا به ~~غير الشهادة سواء كان شهادة بعضهم على بعض كما قاله بعضهم أو كان شهادتهم ~~على أنفسهم بما اقروا به بل شهادتهم على أنفسهم هو اقرارهم # فالشهادة هي الإقرار كما قال @QB@ كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم @QE@ سورة النساء 135 وكما قيل لماعز شهد على نفسه اربعا فإشهادهم ~~على أنفسهم جعلهم شاهدين على أنفسهم أي مقرين له بربوبيته كما قال في تمام ~~الكلام @QB@ ألست بربكم قالوا بلى شهدنا @QE@ سورة الاعراف 172 فقولهم بلى ~~شهدنا هو اقرارهم بربوبيته وهو شهادتهم على أنفسهم بأنه ربهم وهم مخلوقون ~~له فشهدوا على أنفسهم بأنهم عبيده # كما يقول المملوك هذا سيدي فيشهد على نفسه بأنه مملوك لسيده وذلك يقتضي ~~أن هذا الاشهاد من لوازم الانسان فكل انسان قد جعله الله مقرا بربوبيته ~~شاهدا على نفسه بأنه مخلوق والله خالقه # ولهذا جميع بني آدم مقرون بهذا شاهدون به على أنفسهم وهذا أمر ضروري لهم ~~لا ينفك عنه مخلوق وهو مما خلقوا عليه وجبوا عليه وجعل علما ضروريا لهم لا ~~يمكن احدا جحده PageV08P488 # ثم قال بعد ذلك @QB@ أن تقولوا @QE@ أي كراهة أن تقولوا ولئلا تقولوا انا ~~كنا عن هذا غافلين عن الإقرار لله بالربوبية وعلى نفوسنا بالعبودية فإنهم ~~ما كانوا غافلين عن هذا بل كان هذا من العلوم الضرورية اللازمة لهم التي لم ~~يخل منها بشر قط بخلاف كثير من العلوم التي قد تكون ضرورية ولكن قد يغفل ~~عنها كثير من بني آدم من علوم العدد والحساب وغير ذلك فإنها إذا تصورت كانت ~~علوما ضرورية لكن كثير من الناس غافل عنها # وأما الاعتراف بالخالق فإنه علم ضروري لازم للإنسان لا يغفل عنه أحد بحيث ~~لا يعرفه بل لا بد أن يكون قد عرفه وان قدر انه ms1774 نسيه ولهذا يسمى التعريف ~~بذلك تذكيرا فإنه تذكير بعلوم فطرية ضرورية قد ينساها العبد # كما قال تعالى @QB@ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم @QE@ ~~سورة الحشر 19 وفي الحديث الصحيح يقول الله للكافر فاليوم انساك كما نسيتني ~~PageV08P489 # ثم قال @QB@ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون @QE@ سورة الاعراف 173 ذكر لهم حجتين يدفعهما ~~هذا الاشهاد # إحداهما @QB@ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين @QE@ فبين أن ~~هذا علم فطري ضروري لا بد لكل بشر من معرفته وذلك يتضمن حجة الله في ابطال ~~التعطيل وان القول بإثبات الصانع علم فطري ضروري وهو حجة على نفي التعطيل # والثاني @QB@ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم @QE@ ~~فهذا حجة لدفع الشرك كما أن الأول حجة لدفع التعطيل فالتعطيل مثل كفر فرعون ~~ونحوه والشرك مثل شرك المشركين من جميع الأمم # وقوله @QB@ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون @QE@ وهم آباؤنا المشركون وتعاقبنا بذنوب غيرنا ~~وذلك لأنه لو قدر أنهم لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم ووجدوا آباءهم ~~مشركين وهم ذرية من بعدهم ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذى الرجل حذو أبيه ~~حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم إذ كان هو الذي رباه ولهذا كان ~~ابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه فإذا كان هذا مقتضى العادة ~~الطبيعية ولم يكن في فطرتهم وعقولهم ما يناقض ذلك قالوا نحن معذورون ~~وآباؤنا هم الذين PageV08P490 اشركوا ونحن كنا ذرية لهم بعدهم اتبعناهم ~~بموجب الطبيعة المعتادة ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم # فإذا كان في فطرتهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم كان معهم ما ~~يبين بطلان هذا الشرك وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم فإذا احتجوا ~~بالعادة الطبيعة من اتباع الاباء كانت الحجة عليهم الفطرة الطبيعية العقلية ~~السابقة لهذه العادة الابوية # كما قال صلى الله عليه وسلم # كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فكانت ms1775 الفطرة ~~الموجبة للاسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها وهذا يقتضي أن نفس العقل ~~الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول فانه جعل ~~ما تقدم حجة عليهم بدون هذا # وهذا لا يناقض قوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ سورة ~~الاسراء 15 فإن الرسول يدعو إلى التوحيد لكن أن لم يكن في الفطرة دليل عقلي ~~يعلم به إثبات الصانع لم يكن في مجرد الرسالة حجة عليهم فهذه الشهادة على ~~أنفسهم التي تتضمن اقرارهم بأن الله ربهم ومعرفتهم بذلك وان هذه المعرفة ~~والشهادة أمر لازم لكل بني آدم به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله فلا ~~يمكن أحدا أن يقول يوم القيامة اني كنت عن هذا غافلا ولا أن الذنب كان لابي ~~المشرك دونى لانه عارف بان الله ربه لا شريك له فلم يكن معذورا في التعطيل ~~ولا الاشراك بل قام به ما يستحق به العذاب PageV08P491 # ثم أن الله بكمال رحمته واحسانه لا يعذب أحدا بعد ارسال رسول اليهم وان ~~كانوا فاعلين لما يستحقون به الذم والعقاب كما كان مشركو العرب وغيرهم ممن ~~بعث اليهم رسول فاعلين للسيئات والقبائح التي هي سبب الذم والعقاب والرب ~~تعالى مع هذا لم يكن معذبا لهم حتى يبعث اليهم رسولا # والناس لهم في هذا المقام ثلاثة اقوال قال بكل قول طائفة من المنتسبين ~~إلى السنة من أصحاب الأئمة الاربعة أصحاب أحمد وغيره # طائفة تقول أن الأفعال لا تتصف بصفات تكون بها حسنة ولا سيئة البته وكون ~~الفعل حسنا وسيئا إنما معناه انه منهى عنه أو غير منهى عنه وهذه صفة اضافية ~~لا تثبت إلا بالشرع وهذا قول ألاشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي ~~واحمد كالقاضي أبي يعلي واتباعه وهؤلاء يجوزون أن يعذب الله من لم يذنب قط ~~فيجوزون تعذيب الاطفال والمجانين # وطائفة تقول بل الأفعال متصفة بصفات حسنة وسيئة وان ذلك قد يعلم بالعقل ~~ويستحق العقاب بالعقل وان لم يرد سمع كما يقول ذلك المعتزلة ومن وافقهم ms1776 من ~~أصحاب أبي حنيفة وغيرهم كأبي الخطاب وغيره PageV08P492 # وطائفة تقول بل هي متصفة بصفات حسنة وسيئة تقتضي الحمد والذم ولكن لا ~~يعاقب احدا إلا بعد بلوغ الرسالة كما دل عليه القرآن في قوله تعالى @QB@ ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ سورة الاسراء 15 وفي قوله @QB@ كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ~~وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير @QE@ سورة الملك 8 9 # وقال تعالى لإبليس @QB@ لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين @QE@ سورة ~~ص 85 # وهذا اصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة فإن الله اخبر عن اعمال الكفار ~~بما يقتضي انها سيئة قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول اليهم واخبر انه لا ~~يعذبهم إلا بعد إرسال رسول اليهم # وقوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ حجة على الطائفتين ~~وان كان نفاة التحسين والتقبيح العقلي يحتجون بهذه الاية على منازعيهم فهي ~~حجة عليهم ايضا فإنهم يجوزون على الله أن يعذب من لا ذنب له ومن لم يأته ~~رسول ويجوزون تعذيب الاطفال والمجانين الذين لم يأتهم رسول بل يقولون أن ~~عذابهم واقع # وهذه الاية حجة عليهم كما انها حجة على من جعلهم معذبين بمجرد العقول من ~~غير ارسال رسول # والقرآن دل على ثبوت حسن وقبح قد يعلم بالعقول ويعلم أن هذا PageV08P493 ~~الفعل محمود ومذموم ودل على انه لا يعذب احدا إلا بعد ارسال رسول والله ~~سبحانه أعلم # وقال الشيخ أبو محمد بن عبد البصري في كتابه في اصول السنة والتوحيد فصل ~~في الخلق على الفطرة قال وخلق الله الخلق على الفطرة وهو قوله سبحانه @QB@ ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ سورة الروم 30 وهي الإقرار له ~~بالربوبية مع معرفة الوحدانية وذلك انه سبحانه خلق الخلق على علم منه بهم ~~مشاهد لما يؤول أمرهم وعواقبهم اليه فخلقهم على ما علم منهم وشاء غير ~~مؤمنين ولا كافرين صبغة بل مقرين عارفين لا موحدين ولا جاحدين وكذلك قد روى ~~في الاثر ms1777 يقول الله تعالى خلقت خلقي حنفاء مقرين لا منكرين ولا موحدين وذلك ~~إثبات ونفي الجبر فثابت في نظره وعلمه عامة عواقبهم وله التحكم فيهم وهو ~~اعدل من أن يضطرهم إلى كفر وغيره فيبطل بذلك الكسب واذا بطل الكسب بطل ~~التكليف والامتحان إذ التكليف لا يكون جبلا ولا يقع اضطرارا وجبرا ولا يكون ~~إلا اختيارا إذ قد امروا بها وانزل الكتب وارسل الرسل وكل PageV08P494 ما ~~منه حق غير عابث عدل غير ظالم عالم لا يخفي عليه شيء شاء لم يزل يشاء أن ~~يثيبهم ويعاقبهم على افعال تكون كسبا لهم # وهو عادل في عباده @QB@ إن الله لا يظلم الناس شيئا @QE@ سورة يونس 44 ~~وقال عز من قائل @QB@ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم @QE@ سورة هود 101 مع ~~ما انه لم يزل مالكا لهم وقادرا عليهم ومتصرفا فيهم لا غناء لهم عنه ولا ~~محيص لهم منه فخلقهم عز وجل على الفطرة كما اخبر وخلق الاعمال كما ذكرنا ~~ولم يضطر احدا إلى شيء من ذلك ولو خلقهم كفارا صبغة لما قال لهم @QB@ كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم @QE@ سورة البقرة 28 إذ لا يليق بالحكيم ~~أن يخلق صبغة ويغير نفس ما خلق من غير كسب # وقال سبحانه @QB@ أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين @QE@ سورة فصلت 9 ولو خلقه كافرا لما صح منه ~~الإيمان وكان معذورا مدليا بحجته والله تعالى يقول @QB@ لا تبديل لخلق الله ~~@QE@ سورة الروم 30 وكان ذلك تكليف ما لا يطاق كما أن يصرف الاسود فيقال له ~~ابيض والابيض اسود وذلك مستحيل من حكيم # واما قوله سبحانه @QB@ هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن @QE@ ~~PageV08P495 سورة التغابن 2 يعني انه خلق الكل وقد اعترفوا له بذلك فمنهم ~~من شكر خالقه واعترف له بالنعم وبالاخراج من العدم إلى الوجود فحقق فعله ~~وقبل من رسله ووحد ربه ومنهم من كفر ولم يشكر خالقه واشرك به مالا يجوز له ~~وكذب برسله فصار كافرا بفعله # وقد روى نحو من هذا عن ms1778 النبي صلى الله عليه وسلم بقوله # كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا اعرب عنه لسانة فإما ~~شاكرا وإما كفورا # وقد قال تعالى @QB@ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون @QE@ سورة ~~البقرة 152 فلما امتثل ذلك قوم وعدل عنه آخرون كانوا هم المرادين من قوله ~~@QB@ فمنكم كافر ومنكم مؤمن @QE@ سورة التغابن 2 # وقد قال سبحانه في حال المؤمنين @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه ~~في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان @QE@ سورة الحجرات 7 فأخبر ~~عنه فعل ذلك بهم بعد ما خلقهم ولم يقل خلقكم مؤمنين وكره اليكم الكفر فدل ~~على انه لم يفعل بالكافر ما فعل بالمؤمن وذلك ابلغ دليل على انهم لم يخلقوا ~~صبغة كافرين ولا مؤمنين PageV08P496 # إلى أن قال وقد رأينا من كان على الكفر برهة ثم آمن ومن كان مؤمنا ثم كفر ~~ولو كان ذلك صبغة لما انتقلوا ولما كان من الكسب صح عليه النقلة والتحويل ~~وقد قال تعالى @QB@ كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم @QE@ سورة آل ~~عمران 86 فأضافه اليهم حقيقة # وقال @QB@ ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا @QE@ سورة المنافقون 3 @QB@ فلولا ~~كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا @QE@ سورة يونس 98 ~~إلا ترى انهم لما لم يخلقوا صبغة كفارا نفعهم ايمانهم # ولما قال فرعون آمنت لم ينفعه # وقد أشفى في الحديث بما فيه مقنع بقوله صلى الله عليه وسلم ما من مولود ~~إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وهو إجماع ~~المسلمين أن الكافر لا يعاقب ويجلد على ما خلق إنما يعاقب ويجلد على نيته ~~وكسبه وهو موضع ايثارهم لما نهاهم عنه على ما أمرهم به من الإيمان فكان ~~تكذيبه لهم على كسب اكتسبوه وفعل فعلوه ونهى ارتكبوه وامر خالفوه وهو ما ~~أحدثوه لا شيء جبلوا عليه ولا اضطروا له ولا خلقوا مجبولين عليه إذ لو ~~خلقهم كفارا لكانوا إلى ذلك مضطرين ولم يقل بذلك أحد من المسلمين إلا ترى ~~انه لما خلقهم على معرفة لم يصح ms1779 لهم ولم يقع غير ذلك ولم يثابوا على ذلك ~~اعني معرفة الربوبية وهي الفطرة ووجدنا الكفر يصح النقل عنه إلى ~~PageV08P497 الإيمان ويقع الارتداد عن الإيمان إلى الكفر فكان كمعرفة ~~التوحيد الذي يقع اختيارا # وقال سبحانه @QB@ فمنهم من آمن ومنهم من كفر @QE@ سورة البقرة 253 ولم ~~يقل منهم من خلقت مؤمنا ومنهم من خلقت كافرا # وقال سبحانه @QB@ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون @QE@ سورة الاعراف 96 ~~فأعلمنا أن كذبهم وكفرهم هو كسبهم الذي حرمهم البركات وعليه توعدهم ~~بالعقوبات وكون الكافر مخلوقا كافرا صراح بالجبر ومن قال ما سبق في العلم و ~~النظر ولا هو داخل في القضاء والقدر فهو قدري رديء وقد لعنت القدرية ~~والمرجئة وكذلك المجبرة والله لا يجبر احدا على فعل إذ لو جبر لكانوا عن ~~التكليف خارجين كما جبلت الملائكة على الطاعة # وقد قال سفيان واحمد وسهل والامام وأهل العلم أن الله لا يجبر على طاعة ~~ولا على معصية وهو الجبار الذي جبر القلوب على فطرتها # إلى أن قال قال سبحانه @QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ سورة فصلت 46 مع ~~كونه سبحانه فعالا لما يريد وليس معنى شاء معنى علم ولا معنى علم وشاء معنى ~~خلق فشاءهم وعلمهم PageV08P498 وقدرهم وقضاهم مؤمنين وكافرين في حكم ~~الكينونة وهي العواقب التي لم يزل بها عالما وعليها قادرا ولها شائيا ولم ~~يخلقهم في العبودية والدينونة والبنية والتركيب كفارا ولا اقرارا للزوم ~~المطالبة والعبودية ومحال أن يخلقهم لذلك ويتعبدهم ويطالبهم كما زعم اهل ~~الاجبار من ضرار واصحابه وسالكي البدعة والمضاهي لهم بالعدوان والطغيان ~~والمغترين المحيلين على الاقدار والمتمسكين بمعاذير ليست لهم بأعذار لم ~~يؤمنوا أن الاعمال محصاة والعواقب مشهودة وأعمالهم في القبضتين داخلة والى ~~المعبود صائرون وعلى اكتسابهم محاسبون وبها مؤاخذون # قال اصدق القائلين @QB@ ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون @QE@ سورة ~~المؤمنون 63 وهل الكفر وغيره إلا عملان وكسبان فمن زعم انه ما سبق في علمه ~~عواقبهم وما قضى عليهم ms1780 بما وجد منهم ولا شاء ذلك في ملكه ولا خلق اعمالهم ~~ولا احصى سكونهم وحركاتهم ولا شهد في القدم إلى ما اليه صائرون فهو قدري ~~ومعتلي مكابر معتزلي مدعي الحول والقوة وان الأمر اليه # ومن زعم انه كلفهم صبغة وجبرهم على الأفعال وجعل كسبهم PageV08P499 # مجازا واعمالهم لا صنع لهم فيها فهو اخس القدرية واعتى المجبرة وهو ~~الغالي في دين الله المرجئ المحيل بمعاصيه على ربه وبفجوره على من تقدس عن ~~كسبه بل تنزه عما يقول الظالمون ولم يزل عليما شائيا حكيما عادلا متفضلا ~~منصفا محققا مجبرا خالقا آمرا ناهيا غير عابث ولا تارك لأمورهم سدى ولا لها ~~مهملا فخلق الكافر على الفطرة وخلق كفره وشاءه في ملكه ولم يجبره عليه ولا ~~اضطره اليه ولم يتوله بل تبرأ منه وتركه معه ونهاه عن اعتقاده والتلبس به ~~وبفعاله وجعل له قدرة واستطاعة على كسبه وتركه مع هواه فما دخل تحته ~~واعتقده في نفسه واتصل به اختاره واحبه كان كما ذكرنا في الجمع والتفرقة ~~والخلقة والكسب فصار بما اعتقد واكتسب كافرا وسمى فاجرا ولا هو لنفسه خالقا ~~ولا لكفره مخترعا بل له مكتسبا وبه اجتمع ففارق الإيمان والاحسان الذي أمر ~~بمواصلتهما فصار لذلك مجانبا وخالط الكفر فصار فيه والجا فتوجه نحوه ~~التهديد ولزمه الوعيد فألزمه ما اكتسب ورده إلى ما علم وادخله في وعيده ~~واستحق عقوبته وخلده بنيته @QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ سورة فصلت 46 # وقد قال صلى الله عليه وسلم # يقول الله عز وجل خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وهذا نص من صاحب ~~الشريعة جلي واضح لا شبهة فيه يسفر عن ايضاح ما اوردناه حنفاء عارفين على ~~فطرته PageV08P500 وهي معرفة ربوبيته والاقرار بوحدانيته لا يقع بذلك كفر ~~ولا ايمان بل ذلك عليهم طارئ بالحكم الجاري فخلق الكل على الفطرة وامر الكل ~~بالايمان لصحة الدعوة وعموم النصيحة واقدر الكل على ما أمر واراد # قلت فهذا الكلام يوافق قول من قال خلقهم على الفطرة التي هي المعرفة ~~والاقرار بالصانع وان ذلك لا يصير به ms1781 العبد مؤمنا ولا كافرا وقد ابطل قول ~~من يقول انهم خلقوا على الكفر والايمان وهو ظاهر القول الذي تقدم عن طائفة ~~من العلماء وصاحب هذا الكلام يقول الذي خلقوا عليه من المعرفة والاقرار لا ~~يمكن تغييره وهذا موافق لقول من قال لا تبديل لخلق الله انها بمعنى الخبر ~~لكن ذاك يقول انهم لا يخلقون إلا على الفطرة لا يبدل الخلق فيخلقون على غير ~~ذلك # وصاحب هذا الكلام يقول لا يبدل الخلق بعد ذلك أي لا يمكن أن يصيروا غير ~~عارفين مقرين بالخالق بل هذه المعرفة والاقرار أمر لازم لهم وهو يقول كل ما ~~خلق عليه العبد فلا يمكن انتقاله عنه وهو يثبت القدر وان الله خالق افعال ~~العباد وينكر أن يكونوا جبلوا على ذلك واضطروا اليه أو جبروا عليه # فأما الكلام في الجبر فهو مبسوط في غير هذا الموضع وقد بينا أن مذهب ~~الأئمة كالاوزاعي والثوري واحمد بن حنبل وغيرهم انهم بنكرون إثبات الجبر ~~ونفيه معا ومذهب الزبيدي وطائفة نفي الجبر PageV08P501 وانكار اثباته فقط ~~وهو موافق لهذا الكلام # واما ما حكاه عن أحمد ونحوه أن الله لا يجبر على طاعة ولا معصية فهو حكاه ~~بحسب ما بلغه واعتقده والمنصوص الصريح عنه الانكار على من قال جبر وعلى من ~~قال لم يجبر # وفي الجملة الكلام في هذا الباب له موضع آخر والمقصود هنا ما ذكره في ~~تفسير الفطرة وانه فسر ذلك بأن الخلق فطروا على المعرفة والاقرار # واما قوله أن ذلك ليس بايمان وان ذلك لا يمكن تحويله فقد قدمنا الكلام ~~على ذلك وبينا أن النصوص تدل على أن ما ولدوا عليه يتغير وان كان ذلك بقضاء ~~الله وقدره كما تغير الشاة المولودة سليمة بجدع الانف والاذن والمقصود هنا ~~كلامه في أن المعرفة بالصانع فطرية ضرورية وقد بسط ذلك بسطا مستوفيا في أول ~~كتابه # وهذا الشيخ أبو محمد بن عبد البصري المالكي طريقته طريقة أبي الحسن بن ~~سالم وأبي طالب المكي وامثالهما من المنتسبين إلى السنة والمعرفة والتصوف ~~واتباع السلف وائمة ms1782 السنة والحديث كمالك وسفيان الثوري وحماد بن زيد وحماد ~~بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي واحمد ابن حنبل وأمثالهم وكذلك ~~ينتسبون إلى سهل بن عبد الله التستري وامثاله من الشيوخ PageV08P502 # قال أبو محمد في كتابه هذا الذي صنفه في اصول السنة والتوحيد قال وكان ~~إجماع السلف والخلف وائمة الدين وفقهاء المسلمين من شرق وغرب وسهل وجبل ~~وسائر اقاليم الإسلام من مغرب ومصر وشام وعراق وحجاز ويمن وبحر وخراسان ~~مجتمعين على أن عقيدة السنة اربع عشرة خصلة سبعة متعلقة بالشهادة وهي مما ~~يدان بها في الدنيا وسبعه متعلقة بالغيب وهي مما يؤمن بها من احكام الاخرة # فالتي في دار الدنيا القول مع الإعتقاد بأن الإيمان قول وعمل ونية ~~والايمان بالقدر خيره وشره وان القرآن غير مخلوق وتخيير الاربعة على ~~الترتيب واثبات الامامة وترك الخروج على أحد منهم والصلاة على من مات من ~~اهل القبلة وترك المراء والجدل # والمتعلقة بالاخرة الإيمان باحكام البرزخ والايات التي بين يدي الساعة ~~والبعث بعد الموت ورؤية الله تعالى والايمان بالحوض والشفاعة والصراط ~~والميزان وخلود الدارين فمن خالف شيئا من هذا فقد خالف اعتقاد السنة ~~والجماعة وهذا مما لا شبهة فيه بين أصحاب الحديث والفقهاء والعلماء من سائر ~~الاقاليم وسنتكلم على كل مسألة بذاتها ونقيم الدليل على ذلك من كتاب وسنة ~~ونظر وبه التوفيق والمعونة وهو حسبنا ونعم الوكيل لا غناء بنا عنه طرفة عين ~~ولا اقل من PageV08P503 ذلك إذ قد ادبنا وعلمنا كيف نقول فقال @QB@ إياك ~~نعبد وإياك نستعين @QE@ سورة الفاتحة 5 اثباتا للمجاهدة وفقرا إلى المعونة ~~منه سبحانه # فأول الكلام الواقع في الخلاف في المعارف فجمهور قول المعتزلة أن جميعها ~~اضطرار # قلت كأنه بالعكس واظن الغلط في النسختين المعتزلة # وقال ابن كلاب وطائفة جميعها اكتساب وقول أصحاب الحديث أن منها اضطرار ~~ومنها اكتسابا وكان الأصل في ذلك أن المعرفة اسم لاضطرار ومكتسب وكان ~~الاضطرار راجح إلى معرفة الربوبية والوحدانية والمكتسب راجع إلى المريد ~~ونحوه # فصل في معرفة الوحدانية التي جبل الرحمن الرحيم الخلق عليها ms1783 وبه نستعين ~~إما معرفة الوحدانية فهي معرفة الصانع القديم المخترع لاعيان الاشياء ~~والمتمم تصويره لها على غير مثال ولا بد لكل مخترع أن يعرف المنعم عليه ~~بالاخراج من العدم إلى الوجود وهي غير مكتسبة لانها تعم من يصح منه الكسب ~~ولا من يصح منه وهي ضرورة لا اختيار فيها كما لا كسب فيها ولا يتوصل اليها ~~بالاسباب PageV08P504 # دليل ذلك قوله سبحانه وتعالى @QB@ وإن من شيء إلا يسبح بحمده @QE@ سورة ~~الاسراء 44 يعني وما من شيء إلا يسبح قال ابن عباس حتى البنات الذى خلقه ~~يسبح بحمده وقال عكرمة لا يسبن أحدكم ثوبه ولا دابة فما من شىء إلا يسبح ~~بحمده وروى أن صرير الباب بالتسبيح # وقال سبحانه @QB@ يا جبال أوبي معه والطير @QE@ سورة سبأ : 10 وقد روى ~~سبحى # وقال سبحانه @QB@ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن ~~اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون @QE@ سورة النحل 48 يعني صاغرون # وقال سبحانه @QB@ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب @QE@ الاية سورة الحج 18 # وقوله سبحانه @QB@ سبح لله ما في السماوات والأرض @QE@ سورة الحديد : 10 ~~وسبح إخبار عن ماض وات واعلام لنا أن كل شيء يسبح بحمده ويسجد لعظمته ~~ويعترف بألوهيته ووحدانيته ولا يجوزأن تسجد الاشياء وتسبح لمجهول وكذلك ~~اعترافها بفضائل رسله وما PageV08P505 واستفاض من مخاطبات الجمادات له صلى ~~الله عليه وسلم وسلامها عليه وحنينها اليه ومخاطبة الأنعام والوحوش والطير ~~والصغار قي المهود وغير ذلك # قال صلى الله عليه وسلم # أن البهائم ابهمت إلا عن ثلاث فذكر معرفة بارئها # وهذه الاشياء مما لا يصح فيها الاستدلال والنظر ولا عقول ولا اختيار ولا ~~كسب وقد عقل معرفتها لبارئها عز وجل وثبت بالكتاب والسنة وهذا ظاهر جلى ~~ينفي وجود هذه المعرفة بالوسائط لانها حق له عز وجل ينفي عن نفسه ما شمل ~~سائر البرية من المعلوم والمجهول لانه سبحانه خلق الاشياء مجهولة ms1784 ثم جلاها ~~بالاسماء فعرفت من بعد جهلها وذلك دليل الحدث فعز عن أن يكون كالحوادث التي ~~عرفت بغيرها # وقال بعض الحكماء كلمات لا سبيل إلى نقضها وهو أن كل معروف بغير نفسه ~~مجهول وكل تام بغيره معلول ولقد احسن فيما قال واصاب إذ معرفته بغيره شهادة ~~قاطعة على وجود علة المجهول فيه الذي ارتفعت عنه بغيره الذي لولاه لم يعرف ~~فصارت معرفته بغيره صارخة بفقره إلى من ارتفعت عنه به علة المجهول والغير ~~علة والعلة لا تصحب إلا معلولا PageV08P506 # قلت وقد قرر كلامه صاحبنا الشيخ أبو العباس الواسطى فقال المعنى انه لولا ~~وجود زيد ما عرف عمرو وبوجود زيد زالت الجهالة عن عمرو فصار زيد مفتقرا إلى ~~وجود عمرو واسمه لزوال الجهالة عنه به وباسمه والمعنى أن المخلوق مفتقر إلى ~~علة يعرف بها بخلاف الواحد الذي لا نظير له ولا هو مفتقر إلى علة يعرف بها ~~ويقوم بها بل العباد مفتقرون اليه والى معرفته # قال وهذا إشارة إلى المعرفة الفطرية فإنه سبحانه لم يعرف فيها بغيره بل ~~كان هو المعروف بها بنفسه إلى خلقه # قال الشيخ أبو محمد بن عبد فعز ربنا أن يقوم بالعلل فيصير دليلا بعد ما ~~كان مدلولا هكذا رأيته في الكتاب وانما اراد فيصير مدلولا بعد ما كان دليلا # قال وقد جاء في الاثر يقول الله تعالى في بعض الكتب السالفة انا الدال ~~على نفسي ولا دليل ادل علي مني وقد روى كنت كنزا لا اعرف فاحببت أن اعرف ~~فأظهرت خلقا وتعرفت اليهم بنفسي فعرفوني وهذا نص بإزالة العلل لأنه من ثبت ~~بغيره ونفي بغيره كان PageV08P507 اثباته تخييرا وتلك علل الحوادث فهو ~~الثابت بثباته المعروف بنفسه لم يعرف من بعد جهل إذ ذاك تغيير عن الأزل فهو ~~المعروف ازليا والعارفون محدثون كما انه اله لم يزل والمألوهون المقرون له ~~بالالهية محدثون ولا يجوز على الإلهية تغيير ولا أن تقوم لها صفة بالحوادث ~~وهذه المعرفة تعم سائر البرية من ساكن ومتحرك وهي جبل كجبل الملائكة على ~~الخدمة ms1785 فتلزم مكلفا وغير مكلف # قال والفصل الثاني معرفة الربوبية وهي خاصة للمكلفين من بني آدم وهي تعم ~~مؤمنهم وكافرهم وسائر فرقهم وهي ضرورية ايضا وهي عن رؤية وهي قوله سبحانه ~~@QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى @QE@ سورة الاعراف 172 وهذا في غير وقت الكسب والتكليف ~~فتعرف اليهم بنفسه بلا وسائط ولقنهم التاء وخاطبهم بحرف التعريف فأقر الكل ~~له بتلك المعرفة إذ عاينوه جبارا قهارا وهي معرفة لا يقع بها ايمان ولا ~~توحيد لانها إقرار للضرورة وليس للكافر فيها اختيار إذ لو كان له فيها ~~اختيار لجحدها كما جحد معرفة التوحيد ولو كانت كسبية لوقع له بها ~~PageV08P508 ايمان وثواب بلى هي ضرورية يرجع اليها في شدائده قال تعالى ~~@QB@ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون @QE@ سورة النحل 53 # وقد أخبر عن الكفار انهم يعرفونه مع ردهم على رسله قال تعالى @QB@ ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ سورة لقمان 25 وقال سبحانه ~~@QB@ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله @QE@ سورة الزخرف 87 مع آيات كثيرة ~~وذلك موجود منهم ضرورة وهم في الجاهلية يعرفونه ولا ينكرونه ويقولون الهنا ~~القديم والعتيق واله الالهة ورب الارباب وغير ذلك من كفرهم # فدل ذلك على أن تلك ضرورة الزموها وهو قوله تعالى @QB@ وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها @QE@ سورة آل عمران 83 وقوله @QB@ فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها @QE@ سورة الروم 30 يعني معرفة ربوبيته # وقد جاء في الاثر يقول الله تعالى خلقت خلقي حنفاء مقرين يعني عرفاء ~~عرفوه بوحدانيته واقروا له بمعرفة ربوبيته وانما جحدوا معرفة التوحيد الذي ~~تعبدهم بها على السنة السفراء وهو قوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا @QE@ سورة الإسراء 15 # وقول صاحب الشرع # امرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا PageV08P509 اله إلا الله لم يقل حتى ~~يقولوا أن لهم ربا إذ هم عارفون بذلك وانما امرتهم الرسل أن يصلوا معرفة ~~التوحيد بمعرفة الربوبية والوحدانية فأبوا وقبل ذلك المومحدون فقال ms1786 في حال ~~المؤمنين @QB@ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل @QE@ سورة الرعد 21 ~~وقال في حال الكفار @QB@ ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل @QE@ سورة البقرة ~~27 # فالسفراء لهم مدخل في معرفة التوحيد دون معرفة الوحدانية والربوبية إذ ~~لكل معرفة مقام فليس للعقل والكسب والوسائط والنظر والاستدلال في هذه ~~المعرفة حكم لكونها عامة موجودة ممن يصح منه النظر والاستدلال وممن لا يصح ~~منه فلو كلفهم كلهم النظر والاستدلال لكان مكلفا لهم شططاص إذ لا يصح من ~~الكل النظر والاستدلال ويصح من الكل المعرفة بالاضطرار فحملهم من ذلك ما ~~رفع به عنهم الشطط # وحديث الجارية فمشهور وهي مما لا يصح منه النظر والاستدلال وكذلك الابله ~~والمجنون وغيرهم لو سألتهم عن الله سبحانه لأشاروا اليه بما عرفهم فتعرف ~~سبحانه قبل التكليف بنفسه وبعد التكليف بالسفراء لأنه لو خاطبهم وكاشفهم ~~قبل التكليف بلا سفير لبطل التكليف PageV08P510 # قال وقد قال له أبو ذر رضي الله عنه يا رسول الله بماذا اقول عرفت الله ~~فقال # انك أن قلت بمن فقد اشركت وان حلت كفرت وان وسطت واسطة ضللت # وقد قيل لعلي رضي الله عنه بم عرفت ربك فقال بما عرفني نفسه لا يشبه صورة ~~ولا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس # وعن ابن عباس حين سأله نجده الحروري فقال يا ابن عباس بما عرفت ربك إذ ~~عرفته فاجاب بنحو من جواب امير المؤمنين # وقول الصديق الاكبر سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته إلا بالعجز ~~عن معرفته # فهذه المعرفة ضرورة للعارف موجودة فيه كوجود ضرورة المقعد وقعوده موجود ~~فيه فهو سبحانه المعروف الذي لا ينكره شيء والمعلوم الذي لا يجهله شيء فمن ~~كانت معه معرفتان فهو كافر وبالمعرفة الثالثة يصح الإيمان وهو الفصل الثالث ~~وهي معرفة التوحيد التي دعت الرسل اليها وبعثوا بها وكلفنا قبولها وهي قوله ~~@QB@ وإلهكم إله واحد @QE@ سورة البقرة 163 وهو قوله @QB@ لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل @QE@ PageV08P511 سورة النساء 165 واخبرنا انه ما ~~كان معذبا قبل بعثتهم فكانوا ms1787 يعرفون أن لهم ربا والها ولكنهم ينكرون توحيد ~~الإله وبعث رسله وشرائع دينه وبه وقع منهم الكفر # فوجود ذلك منهم يزيل عنهم معرفة التوحيد ولا يزيل ضرورتهم وهذه المعرفة ~~وجبت بالتوقيف وهي ما وقفتنا الرسل عليه ودلنا عليه سبحانه ووفقنا لذلك ~~وبها يجب الخلود في الجنة وبعدمها يجب الخلود في النار وهي مكتسبة ولم تجب ~~العقل كما زعمت المعتزلة لأن هذه مقالة تضاهي مقالة البراهمة حيث زعمت أن ~~في في قوة العقل كفاية عن بعث الرسل والحق لم يخبر انه ما كان يعذبهم حتى ~~يرزقهم عقولا وان كان العقل حجة فهو باطن والرسل حجة الله ظاهرة # وقد قيل لبعض العارفين بم عرفت الله قال بالله فقيل فأين العقل فقال ~~العقل عاجز يدل على عاجز # وقد جاء في الاثر أن الله سبحانه لما خلق العقل واقامه بين يديه وهو حجة ~~من قال عرف بالعقل فقال له اقبل فأقبل ثم قال له ادبر فأدبر فقال وعزتي ~~وجلالي ما خلقت خلقا هو اكرم علي منك بك آخذ وبك أعطي وبك أعرف فتعلق الخصم ~~بهذه PageV08P512 الكلمة وتمام الحديث فطفق لا ينطق فكحله بنور العزة فقال ~~أنت الله الذي لا إله إلا أنت فلم يعرف العقل الله إلا بالله # وإذا كان الله معروفا من طريق التوحيد بالعقل فما بال قريش مع كونها ذوي ~~عقول يقول الله عنهم إخبارا @QB@ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ~~@QE@ سورة ص 5 فإن كان لا عقل لها فلا حجة عليها وإن كانت ذوي عقول فما ~~أغنت عنهم عقولهم # وقال سبحانه @QB@ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ~~ولا أبصارهم @QE@ سورة الأحقاف 26 الآية وأخبر عنهم أنهم يقولون في النار ~~@QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ سورة الملك 10 لا ~~خلاف أنهم كانوا ذوي أسماع لا يسمعون بها وكذلك عقول لا تغني عنهم ولا ~~يستعملونها فلم تكن مغنية لهم مع تكذيبهم الرسل فبوجود الرسل صح التكليف ~~وبالعقل تمثيل ذلك بعد التوفيق وليس للعقل ms1788 مدخل فيما تقدم من المعارف وإن ~~كان له ها هنا مدخل فالأصل الرسل والعقل اتبع ذلك # وأما العقل فله مدخل بالغ في معرفة المزيد وكذلك العلم فالعلم بيان الله ~~والعقل حجة الله والرسل هم الحجة الظاهرة المبلغة عن الله مراده والمخبرة ~~بأمره والداعية إلى سبيله ولما كان سبحانه لا سبيل إليه ولا عقول تشرف عليه ~~ولا لنا طاقة إلى استماع كلامه لم يكن بد من بعث الرسل لنعلم بها مراد ~~الربوبية منا PageV08P513 # وليس هذا للعقل وإنما للعقل الزوائد والتصرف في المراد المخبر عنه الرسل ~~فعم سبحانه بمعرفة وحدانيته سائر ما ابتدع وخص بمعرفة ربوبيته بني آدم كما ~~كرمهم وخص بمعرفة توحيده المؤمنين وخص بمعرفة المزيد خواص المؤمنين # وفي هذه المعرفة يتفاوت الناس فمن كان معه معرفتان كان كافرا ومن كان معه ~~ثلاث فهو مسلم فإذا كان أربع كان مؤمنا فإذا كانت معه خمس كان مؤمنا عالما ~~ثم يتفاوتون في معرفة المزيد على قدر أحوالهم وصدق الهمم واتباع العلم وقوة ~~اليقين وصفاء الإخلاص وصحة المعتقد ولزوم السنة # فالعقل والعلم والنظر والاستدلال والافتكار والاعتبار يكشف عن معرفة ~~المزيد التي يتفاوت فيها العبيد فمن جعل حكم معرفة في أخرى فقد غلط غاية ~~الغلط وأوبقة الجهل ورماه في بحر الحيرة ونقض الآثار إذ قد ورد في بعضها ~~أنه عرف بنفسه وفي بعضها بالعلم وفي بعضها بالعقل وغير ذلك # فدل على أن كل معرفة لها حكم ومصدر ومقام وحال فللكل معرفة الوحدانية ~~والبوبية وليس للكل معرفة التوحيد # وإذا عمت معرفة التوحيد المسلمين فليس لكل المسلمين معرفة PageV08P514 ~~المزيد وإذا زعم الخصم أن المعارف المتقدمة وجبت أي حصلت بالنظر والاستدلال ~~فذلك مكابر معاند # فإن احتج بقوله تعالى عن الخليل @QB@ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا @QE@ ~~سورة الأنعام 76 إلى قوله @QB@ إني بريء مما تشركون @QE@ سورة الأنعام 78 ~~فتلك حجة على الخصم لا له لأنه لو عرف بالنظر والاستدلال لما صح له أن يقول ~~إني بريء مما تشركون ولم يحكم النظر والاستدلال ولا يقول إني بريء مما ~~تشركون ms1789 وإني وجهت وجهي إلا عارف بربه # وما كان ذلك من الخليل إلا بالرشد السابق الذي خبرت الربوبية عنه بقوله ~~تعالى @QB@ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل @QE@ سورة الأنبياء 51 وإنما ~~أراد بذلك القول الإنكار على قومه والتوبيخ لهم إذ كانوا يعبدون الشمس ~~والقمر والنجم من دون الله فقال ما قال على طريق الإنكار ليعلمهم أن ما جاز ~~عليه الأفول والتغيير من حال إلى حال لم يكن بإله يعبد ولا رب يوحد وإنما ~~الإله الذي خلقكم ولمعرفته فطركم # هو الذي أخبر عنه بقوله @QB@ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~@QE@ سورة الأنعام 79 وإن كان مخرج الآية مخرج الخبر فإنما المراد به ~~الاستفهام PageV08P515 # قلت وذكر ابن عبد أشياء وإن كان في بعض ما ذكره آثار لا تثبت وكلام ~~مستدرك فالمقصود بيان ما ذكره من أن المعرفة فطرية # إلى أن قال وإنما كان الخليل بقوله منبها لقومه ومذكرا لهم الميثاق الأول ~~ردا لهم إلى ضرورتهم ليصلوا إلى ما انعجم عليهم بما هو ضرورتهم وكوشفوا به ~~وإن كان ذلك من الخليل في طفوليته كما حكي فأين محل النظر والاستدلال وإن ~~كان في حال رجوليته فمتى التبس هذا الحكم على بعض المؤمينن في زماننا وغيره ~~حتى يلتبس على الخليل الذي اصطفاه الله بالخلة من بين العالمين نعوذ بالله ~~من الحيرة في الدين # لا جرم وقال تعالى @QB@ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه @QE@ سورة ~~الأنعام 83 ولو أن الله عرف بالعقل لكان معقولا بعقل وهو الذي لا يدركه عقل ~~ولا يحيط به إحاطة وإنما أمرنا بالنظر والتفكير فيما عرف بالتقدير لا إلى ~~من @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ سورة الشورى 11 فعرفنا أن ~~لكل أثر مؤثرا ولكل بناء بان ولكل كتابة كاتب من ضرورتنا إلى ذلك كما عرفنا ~~اضطرارا أن السماء فوقنا والأرض تحتنا ومعرفة وجودنا وغير ذلك إذ يستحيل أن ~~يحدث الشيء نفسه لعلمنا بأنه في وجوده وكماله يعجز فكيف في عدمه وعجزه ~~PageV08P516 # قال والفصل الرابع وهي معرفة المزيد بالعقل والعلم والاستدلال وخالص ms1790 ~~الأعمال مدلول عليها وإن كان الأصل فضل الله المحض # قال الله تعالى @QB@ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون @QE@ ~~سورة التوبة 24 وقد روى معرفه @QB@ وزدناهم هدى @QE@ سورة الكهف 13 @QB@ ~~ولدينا مزيد @QE@ سورة ق 35 @QB@ لئن شكرتم لأزيدنكم @QE@ سورة إبراهيم 7 ~~فوعد بالزيادات وأخبر عنها فكلما نصحوا فيما عرفوا كوشفوا بما غاب عنهم في ~~المقام الثاني من المقام الأول # وفي الحديث # من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم وكان عمر بن عبد العزيز يقول ~~جهلنا بما علمنا تركنا العمل بما علمنا ولو عملنا بما علمنا لفتح الله على ~~قلوبنا غلق ما لا تهتدي إليه آمالنا # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم # من أراد عزا بلا عشيرة وغنى بلا مال وعلما بلا تعلم فليخرج من ذل معصية ~~الله إلى عز طاعة الله فإنه واجد ذلك كله # وقد روي إذا زهد العبد في الدنيا وكل الله سبحانه بقلبه ملكا PageV08P517 ~~يغرس فيه آثار الحكمة كما يغرس أكار أحدكم الفسيل في بستانه # وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ويكتب بذلك إلى عماله احفظوا عن ~~المطيعين لله ما يقولون فإنه يتجلى لهم أمور صادقة فكلما استعمل العبد عقله ~~وعمل بعلمه وأخلص في عمله وصفا ضميره وجال بفهمه في بصيرة العقل وذكاء ~~النفس وفطنة الروح وذهن القلب وقوى يقينه ونفى شكه وضبط حواسه بالآداب ~~النبوية وقام على خواطره بالمراقبة وتحرى ترك الكذب في الأقوال والأفعال ~~وصار الصدق وطنه وذهب عنه الرياء والعجب وأظهر الفقر والفاقة إلى معبوده ~~وتبرأ من حوله وقوته ولزم الخدمة وقام بحرمة الأدب وحفظ الحدود والاتباع ~~وهرب من الابتداع زيد في معرفته وقويت بصيرته وكوشف بما غاب عن الأعيان ~~وصار من أهل الزيادة بحقيقة مادة الشكر الموجبة للمزيد وهذه المعرفة لا يجب ~~أن تكون ضرورة ولا أيضا معرفة التوحيد إذ لو كانت ضرورة لعمت وبطل الثواب ~~فلم يجبر سبحانه على معرفة توحيد ولا على معرفة المزيد إذ لو كان كذلك ~~لأغنى عن بعث الرسل وإنزال الكتب ms1791 PageV08P518 وإقامة الحجج وإنما هو الجبار ~~الذي جبر القلوب على فطرتها وأقامها مع مقدرتها ولم يكلفها فوق الطاقة ولا ~~شططا فجبر على معرفة ربوبيته ووحدانيته ولم يجبر على ما سوى ذلك من المعارف ~~كما زعمت المجبرة فمن أهل الكلام من يزعم أن المعارف كلها اضطرار وذلك غلط ~~وهو قول جمهور شيوخ الاعتزال والمجبرة وبعض المتشيعة ومنهم من يزعم أن ~~جميعها اكتساب وذلك أيضا غير صواب وبه يقول القدرية وبقايا الاعتزال وغيرهم ~~وأصحاب الحديث وأهل الظاهر فيقولون بالاضطرار والاكتساب # والأمر هو ما ذكرنا والصواب ما شرحنا لأن كل مقالة خالفت ما رتبنا ~~فمنقوضة مضطربة نصرح بإبطالها ونومي إلى تناقض الأحاديث فمعارف الاضطرار لا ~~تفاوت فيها ومعارف الاكتساب يقع فيها التفاوت ويتفاضل الناس فيها على قدر ~~ما ذكرنا # فلما ثبت أنه القديم الأزلي وحده وما سواه محدث وكان القاهر لهم على ~~الاتحاد والفناء كانت المعرفة لهم من هذا الوجه اضطرارا وجبلا وكذلك لما ~~اضطرهم في الذر وخاطبهم كفاحا في غير زمان التكليف لم يجز أن يكون ذلك بكسب ~~فلما أرسل رسله وأنزل كتبه وتعرف على ألسنة السفراء لم يصح أن يكون ذلك ~~جبرا ولا ضرورة فيسقط PageV08P519 التكليف ولا يكون ذلك موقع الحكمة ولا ~~ثبوت حجة @QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ سورة فصلت 46 وهو الفعال لما يريد ~~ذو الحكمة البالغة والعدل الشامل والفضل الذي يختص به فعرفناه من حيث ~~وحدانيته وربوبيته من حيث يعرف ومن حيث توحيده ومن حيث وصف ووقف ومن حيث ~~المزيد من حيث استعمل ووفق واختص وتفضل فلكل معرفة مقام ولكل مقام حكم فعم ~~بالأول وأفرد بالثاني واختص بالثالث من مقامات المعارف فمعارف البلغاء ~~بالإصابة ومعرفة النظر والاستدلال لأهل الرأي والمكايلة والكلام ومعرفة ~~الفقه للعلماء والحديث للرواة والفراسة للحكماء والمزيد للأنبياء والأولياء ~~مع مشاركتهم للغير في المعارف لا يشاركهم غيرهم فيما خصوا به وكوشفوا فلما ~~استوى الكل في كونهم أحداثا مربوبين استووا في تلك المعرفة ولما وقعت ~~الميزة بالكسب والاختصاص تباينوا وتفاوتوا في المعارف وما يعقل ذلك إلا ~~عارف ولا ينكره ms1792 إلا جاهل فوصل الكل إلى معرفة الربوبية ولم ينته أحد إلى ~~معرفة المزيد وهو أن يعرف الله حق معرفته # قال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره @QE@ سورة الأنعام 91 وقد روي ما ~~عرفوه حق معرفته # وقال صلى الله عليه وسلم # لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور ولزالت بدعائكم الجبال ولو ~~خفتم الله حق خوفة لعلمتم العلم PageV08P520 الذي ليس بعده جهل وما وصل أحد ~~إلى ذلك قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا الله أجل أن يبلغ أحد كنه ~~أمره كله # هذا وهو أعرف الخلق بربه الذي تصير معارف ذوي المعارف عند معرفته نكرة # وقد كان يقول في مناجاته # اللهم عرفني نفسك حتى أزداد لك رغبة ومنك رهبة وهذا طلب الزيادة في ~~المعرفة كما أدبه @QB@ وقل رب زدني علما @QE@ سورة طه 114 # وقد كان الشبلي يقول ما عرف الله أحد حقيقة يعني لو عرفوه حقيقة ما ~~اشتغلوا بسواه # وكان الواسطي يقول كما به كانوا كذلك به عرفوا وقال أبو الحسن المروزي في ~~قصيدته % به عرفوه فاهتدوا لرشادهم % ولولا الهدى منه عموا وتحيروا % $ # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه % والله لولا الله ما اهتدينا % ~~ولا تصدقنا ولا صلينا % $ الحديث PageV08P521 # قال فليس شيء إلا وهو يعرف الله سبحانه ولو كان الحكم واحدا والمعرفة ~~واحدة لاستووا وعدم الاستواء ووجود التفاوت يشهد بصحة ما قلنا مع تصحيح ~~الآثار ومذاقات ألفاظ الرجال فهو أجل أن يجهل وأعز أن تنتهي فيه معارف ذوي ~~المعارف أو تبلغه بصائر ذوي البصائر @QB@ لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار وهو اللطيف الخبير @QE@ سورة الأنعام 103 # ومعرفة الرب بربوبيته إذ ربوبيته ظاهرة لا يدعها جاحد ولا يقدر أن ينكرها ~~معاند إذ هو أجل أن يخفى وأعز أن يقاس وأعظم أن تشرف عليه العقول أو ~~يتناوله معقول ليس في حيز المجهولات فيستدل عليه ولا مضبوط بالحواس فتصل ~~الأفهام إليه فعرفناه بما تعرف ووصفناه بما وصف إذ به عرفت المعارف ووجدت ~~الدلائل فعرفنا نفسه وعرفنا رسله بما أظهر ms1793 على أيديها من المعجزات ~~والبراهين والآيات وتعرف إلينا على ألسنتهم كيف نوحده ونشكره ونعبده إذ لا ~~وصول لنا إلى مراده منا إلا بما أرسل وعلم لتكون المملكة معذوقة بمالكها ~~ونوحده بما وحد به نفسه ونثني عليه PageV08P522 بثنائه ونشكره كما علمنا ~~على آلائه إذ هو الغني عن كل شيء وكل شيء إليه فقير قال الله @QB@ يا أيها ~~الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد @QE@ سورة فاطر 15 ~~فلفقرنا لم نعرفه بنا ولغنائه عنا عرفناه به وجعل لنا الزيادة في الكسب ~~والتوصل بالأسباب ومنه البداية وإليه المنتهى فكل من ألزمنا بسبب عكسنا ~~عليه ذلك السبب وتسلسل الأمر وإلى الله ترجع الأمور @QB@ وإليه يرجع الأمر ~~كله @QE@ سورة هود 123 فلا مجهول فيستدل عليه ولا متوقع فيرتقب فللرسل ~~تأثير في العبادات وللاستدلال تأثير في المكونات وللعقول تأثير في المدبرات ~~وللرياضات تأثير في المكتسبات # وقد أخبر سبحانه في كتابه فقال @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~@QE@ سورة الذاريات 56 وقد روي ليعرفون فلأجل ذلك وقعت المعرفة من الجميع ~~ولم تقع العبادة فأراد ليعرفوه ثم يعبدوه على بساط المعرفة فما جبرهم عليه ~~من معرفة ربوبيته وقع وما ردهم فيه إلى الاكتساب وقع من بعض دون بعض ألا ~~ترى أنه لم يقع من الكفار التعجب والإنكار من أنه سبحانه رب وإله وإنما ~~تعجبت وأنكرت التوحيد بالإلهية فقالوا @QB@ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا ~~لشيء عجاب @QE@ سورة ص 5 فما أريد منهم أن يقع بهم علل وما ألزمهم من معرفة ~~ربوبيته لم يكن لهم سبيل إلى إنكاره وجحده كغيره من المعارف # قال فأصحاب المقالات وضعت كل معرفة غير موضعها PageV08P523 وأجملت وجهلت ~~الحكم فالتبس عليها الحكم واختلفوا بما يصاب بالعقول أو الاستدلال أو ~~بالإمام فقال بعضهم أصل المعرفة معرفة الإمام ومنهم من يقول أهل البيت يعني ~~معرفتهم والأئمة والعلماء والفقهاء أكثرهم يذهب إلى أن المعرفة معرفة العلم ~~والفقه من حلال وحرام وفرائض ومندوبات وأحكام وسنن # وقال بعضهم هي أن تعرف الله على يقين حتى تستقر عرفته في ms1794 قلبك واختلفوا ~~أي وقت تقع فمنهم من يزعم قبل البحث والنظر ومنهم من قال بعد البحث والنظر ~~وقوم يقولون بعد البلوغ ومنهم من يجعل حدها معرفة الأجسام والأعراض ~~والجواهر وكلام يكثر ذكره ويتبين لك في نفس الكلام إذا لزمت ما قررنا ~~وشرحنا أن أهل الكلام اعتقدوا ما يليق بالطبع فأثبتوه من طريق العبودية ~~فجعلوا معرفته بأسباب وأهل الحق اعتقدوا ما يليق بالربوبية فأثبتوه من حيث ~~الربوبية والربوبية لا تدنسها العلل ولا يقع عليها غوامض الفطر فقرر الله ~~الخلق ودعاهم إلى معرفته كفاحا لئلا يشركوا في العلم بمعرفته ولا تكون لهم ~~حجة # قال سبحانه @QB@ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ~~إنما أشرك آباؤنا من قبل @QE@ سورة الأعراف 172 173 وذلك لموضع ما ألزمهم ~~من الضرورة ولو قررهم بمعرفته في حال العبودية كما PageV08P524 زعم ~~الجاهلون لخرجوا عن كونهم مكلفين لموضع النظر إليه لكن تعرف إليهم من بعد ~~ما ألزمهم من الضرورة بالوسائط والآيات فمن نصح معبوده وقام على مراعاة ما ~~شرعه له وتعرف به إليه واتكل في المعرفة عليه وأسند جميع أموره إليه ذكره ~~ما سلف من الحال وكشف له عن العواقب والمآل فزهد فيما يفنى وزادت رغبته ~~فيما يبقى وصار للإله موحدا خائفا ومصدقا راجيا ومن قصر في رعايته وخلط في ~~سعايته وسلك محجة التفريط ولم ينصح فيما أعطى من ضرورته وعقله جمت عيوبه ~~وكثرت ذنوبه فملكه هواه فأعماه وأرداه ولم يبلغ مناه فأنساه ذلك ما كان في ~~وقت التعريف فحصل في جملة من خان وعاند ولم يكن بخارج من كون ما كان يجهله ~~إذ قد ثبت العلم بذلك فلم يكن بخارج من النار ولم يكن بخارج من ضرورته # قال وقد ثبت أهل الكلام معارف ضرورية كمعرفة الإنسان بوجود نفسه ~~فالربوبية أولى بذلك وكذلك الأعراض والأجسام والجواهر لأهل الكلام والجمع ~~والتفرقة وما يعرف بالفكر ويشترط بالعلم ومعرفة الشرع للفقهاء والمعرفة ~~التي هي PageV08P525 الحجة والبرهان والنور والبيان للعلماء البلغاء ~~الحكماء ومعرفة الصفات وهي العلم به فهي للأولياء ms1795 الذين يشاهدونه بالقلوب ~~ويكاشفهم بالغيوب إذ يظهر لهم ما لا يظهر لغيرهم وهم المكاشفون بنور اليقين ~~وعلم اليقين وعين اليقين وحق اليقين المخصوصون بالحقائق والمبتدأون ~~بالمكنون من ذخائر كراماته لأهل صفوته وولايته فلكل قوم مقام ولكل مقام علم ~~ولكل علم حكم وكذلك المعارف على أحكام ومقامات فلا يتعدى بمعرفة مقامها # قال وقد قيل لأبي الحسين النوري كيف لا تدركه العقول فقال كيف يدرك ذو ~~مدى من لا مدى له أم كيف يدرك ذو غاية من لا غاية له أم كيف يدرك مكيف من ~~كيف الكيف # وقال الواسطي كما قامت الأشياء به وبه فنيت كذلك به عرفوه وقال الشبلي ~~الحق لا يعرف بسواه وقال النباجي طوبى لأهل المعرفة عرفهم نفسه قبل أن ~~عرفوه # قال صدق أئمة الدين وشيوخ المسلمين فالله سبحانه هو المعروف الأزلي وهو ~~الهادي إلى معرفته والمتعرف بنفسه إلى بريته إذ ضلت العقول والفهوم والعلوم ~~والأوهام في تيه التيه أن تتوهمه والأفكار والأضمار أن تدركه لأنه العظيم ~~الذي فاتت عظمته لكل PageV08P526 حيث وتقدير وعجز عن توهمه كل فكر وضمير ~~وردعت عظمته العقول فلم تجد مساغا فرجعت كليلة ورجع الوهم خاسئا وهو حسير # إلى أن قال بل هو المعروف بما تعرف والموصوف كما وصف فتعرف الينا ~~بربوبيته ووصف لنا توحيده ووحدانيته وأقسم على ذلك بقوله تعالى @QB@ ~~والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد @QE@ سورة ~~الصافات 1 4 وهو الصادق في خبره وشهادته إذ هو الواحد في الحقيقة الذي لا ~~شريك له في الالوهية والابتداع وتعرف الينا بهذه المعرفة على ألسنة السفراء ~~فأوقفتنا السفراء على توحيده الذي تعرف الينا به في كلامه وخطابه فالاصل ~~منه ثم من السفراء @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم @QE@ سورة آل عمران 164 واسعدنا بالعقل الذي هو الحجة والعلم الذي ~~هو الحجة وجعل لنا السمع والابصار والافئدة وطالبنا بالاعتبار والافتكار ~~والقبول ليكون اقوى في البرهان وابلغ في البيان # قال سبحانه @QB@ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ms1796 إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون @QE@ سورة المؤمنون 91 ~~فنزه نفسه عما زعموا وابتدعوا وصدق الله في خبره وصدقت الرسل PageV08P527 # وتكلم على هذه الاية وعلى قوله @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~@QE@ سورة الأنبياء 22 بما يناسب ذلك إلى أن قال قال سبحانه @QB@ ضرب لكم ~~مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم ~~فيه سواء @QE@ سورة الروم 28 # وقال سبحانه @QB@ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل ~~@QE@ الاية سورة الزمر 29 # وقال @QB@ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا @QE@ سورة النحل 75 مثلا لمن عبد غيره ~~إذا ضرب العبد مثلا لمن عبد من دونه لأنه ذليل عاجز مفتقر مدبر مملوك لا ~~يقدر على شيء لا نفعا ولا ضرا ولا خلقا ولا أمرا ولا موتا ولا حياة ولا ~~نشورا ومن رزقناه جعله مثلا يستدل به على توحيده وكمال ربوبيته لأنه الواسع ~~الجواد القادر الرازق للعباد سرا وجهرا فضرب الله سبحانه لهم الامثال ~~ليوبخهم ويريهم عجزهم فيما اضافوا اليه من الشركاء مع اقرارهم بمعرفة ~~ربوبيته تعالى الله عما يشركون فعز من لم يشارك في قدرته وجل من لم يرام في ~~وحدانيته وتعظم من تفرد بالربوبية فجل أن يكون له شريك في خلقه # إلى أن قال فخلقهم على الفطرة وبعث اليهم السفراء وعلمهم العلم وركب فيهم ~~العقل بالفكر فالبفطرة عرفوه وبالوسائل عبدوه فلولا الله سبحانه ما عرفناه ~~من طريق ربوبيته ولولا ارسال الرسول مع ما PageV08P528 خاطبنا به ووقفنا ~~عليه ووفقنا له ومن علينا به وكتب في قلوبنا واختصنا ما عرفنا توحيده ولا ~~كيف نطيعه # ولولا ما ظهرت من الايات والمعجزات التي أظهرها على ايدي الرسل بحقائق ~~معانيها التي يعجز الخلق عن الاتيان بمثلها لم نعرف رسله # ولولا زوائد الاعمال وتصحيح الاحوال والعلوم والفهوم والمعارف وأسرار ~~مقامات القوم وحلاوة اذواقهم والروائح الواردة ms1797 الينا منهم وعنهم ما عرفنا ~~ذوي المزيد # وكل ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن اكثر الناس لا يشكرون فلو شكر ~~الكافر ما اضطره اليه من معرفة باريه بربوبيته واعترف له بنعمه واخراجه من ~~العدم إلى الوجود ورأى الافضال والنعم التي قد عم بها وكمال صورته وادرار ~~رزقه عليه لأوصله شكره بمعرفة توحيده فصدق رسوله وحقق ما سلف من عهده ورجع ~~إلى ضرورته واعترف بوحدانيته فأبطل ما سواه ولم ير الها إلا اياه ولكن لما ~~جهل النعمة وزاغ عن العهد ونكث في إقراره وكذب السفراء حرمه اكبر المنن ~~وافضل النعم @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ سورة الصف 5 فتركه مع ~~هواه فكان هلاكه في مناه واذا شكر المؤمن معرفة التوحيد التي من بها عليه ~~وشكرها قبول ما جاء به الرسول قول وعمل واخلاص نية واصابة سنة ولزوم ~~PageV08P529 قدوة وحبس عن المخالفة اوصلة بمعرفة مزيدة فكلما نصح في مزيد ~~رفع إلى مزيد # قال سبحانه @QB@ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد @QE@ سورة ~~إبراهيم 7 # قلت ويستدل على ما ذكره أبو محمد بن عبد وغيره من أن المعرفة الاولية ~~الفطرية تحصل بلا دليل أن ما يعلم بالدليل إنما يعلم إذا علم أن الدليل ~~مستلزم له ليكون دليلا عليه وهذه هي الاية والعلامة وكذلك الاسم إنما يدل ~~على المسمى إذا عرف انه اسم له وذلك مشروط بتصور المدلول عليه اللازم وبأن ~~هذا ملزوم له # ولهذا قيل أن المقصود بالكلام ليس هو تعريف المعاني المفردة لأن المعنى ~~المفرد لا يفهم من اللفظ حتى يعرف أن اللفظ دال عليه فلا بد أن يعرف أن هذا ~~اللفظ موضوع لهذا المعنى حتى تعرف دلالته عليه فتكون المعرفة بالمعنى سابقة ~~للمعرفة بدلالة اللفظ عليه بخلاف المعنى المركب فإنه إنما يحتاج إلى العلم ~~بجنس المركب لا بالتركيب المعين فنعرف انه إذا قيل قام فلان أنه فعل القيام ~~القائم به فإذا قيل زيد عرف أنه فعل القيام القائم به بخلاف مسمى زيد وأنه ~~لا يعرف PageV08P530 أن زيدا يدل ms1798 على مسماه حتى يعرف اولا مسمى زيد فلو ~~استفيد مسمى زيد من زيد لزم الدور # وهذا موجود في كل ما دل على معنى مفرد فما دل على الباري إنما تعرف ~~دلالته عليه إذا عرف انه مستلزم له وذلك مشروط بمعرفة اللازم المدلول عليه ~~فلا يعرف أن هذا دليل على هذا المعين حتى يعرف المعنى والدليل وان الدليل ~~مستلزم للمعين المدلول عليه فلو استفيد معرفة المعين من الدليل لزم الدور ~~بل يكون ذلك المعين متصورا قبل هذا وتلك الأمور مستلزمة له وآيات عليه ~~فكلما تصورت تصور المدلول عليه فيكون كما قال تعالى @QB@ تبصرة وذكرى لكل ~~عبد منيب @QE@ سورة ق 8 تبصرة إذا قدر انه مس طيف من الشيطان فشككه فيما ~~عرفه اولا فإذا رأى آياته المستلزمة لوجوده كان ذلك تبصرة من ذلك الطيف # كما قال تعالى @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا ~~هم مبصرون @QE@ سورة الاعراف 201 وتكون تذكرة إذا حصل نسيان وغفلة تذكرة ~~بالله فهي تبصرة لما قد يعرض من الجهل وتذكرة لما قد يحصل من غفلة وان كان ~~اصل المعرفة فطريا حصل في النفس بلا واسطة ألبتة PageV08P531 # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الأدلة نوعان اقيسة وآيات فأما الاقيسة ~~فلا تدل إلا على معنى كلي لا تدل على معنى معين # فإذا قيل هذا محدث وكل محدث فله محدث قديم أو كل ممكن فلا بد له من واجب ~~فإنما يدل على قديم واجب الوجود بنفسه لا يدل على عينه بل نفس تصور هذا لا ~~يمنع من وقوع الشركة فيه فإذا قدر انه عرف انه واحد لا يقبل الشركة فإنه لم ~~تعرف عينه فلا بد أن تعرف عينه بغير هذه الطريق والايات تدل على عينه لكن ~~كون الاية دليلا على عينه مشروطة بمعرفة عينه قبل إذ لو لم تعرف عينه لم ~~يعرف أن هذه الاية مستلزمة لها # فعلم انه في الفطرة معرفة بالخالق نفسه بحيث يميز بينه وبين ما سواه كما ~~ذكره أبو محمد بن عبد ms1799 وغيره ولهذا كل من تطلب معرفته بالدليل فلا بد أن ~~يكون مشعورا به قبل هذا حتى يطلب الدليل عليه أو على بعض احواله # واما ما لا تشعر به النفس بوجه فلا يكون مطلوبا لها واذا كان مطلوبا لها ~~فلا يمكن أن يستدل عليه بشيء حتى يعلم انه يلزم من تحقق PageV08P532 الدليل ~~تحققه وقد بسط هذا في موضع آخر وبين فيه أن التصور البسيط المفرد لا يجوز ~~أن يكون مطلوبا بالحد وانما يطلب بالحد ما يكون مشعورا به من بعض الوجوه ~~فيطلب الشعور به من وجه آخر # ولهذا لم يكن مجرد الحد معرفا بالمحدود أن لم يعرف أن الحد مطابق له وهو ~~لا يعرف ذلك أن لم يعرف المحدود وألا فمجرد الدعوى لا تفيد # وكذلك الدليل القياسي إذا قيل كل مسكر خمر وكل خمر حرام فإن لم يعرف ~~المقدمتين لم يعرف النتيجة واذا كان آية على شيء معين مثل كون الكوكب ~~الفلاني كالجدي مثلا علامة على جهة الكعبة فلا بد أن يكون قد عرف الجدي ~~وعرف أنه من جهة الشمال وعرف أن الجهة المعينة جهة الكعبة في الجنوب فإذا ~~رأى الجدي علم أن جهة الكعبة تقابله ولولا تقدم معرفته بالدليل وهو الجدي ~~والمدلول عليه وهو جهة الكعبة لم يمكنه الاستدلال لكنه عرف اولا الدليل ~~والمدلول عليه ثم خفي عليه المدلول وهو جهة الكعبة في بعض الاوقات والمواضع ~~فلما رأى الدليل عرف المدلول الذي كان قد جهله بعد علمه به كمن سمع مناديا ~~ينادي باسم من يطلبه كإبنه وأخيه وقد أضل مكانه فإذا سمع الاسم استدل به ~~على المسمى الذي كان يعرفه قبل هذا ولكنه قد حصل له به نوع من الجهل بعد ~~ذلك # فالايات الدالة على الرب تعالى آياته القولية التي تكلم بها كالقرآن ~~PageV08P533 وآياته الفعلية التي خلقها في الانفس والآفاق تدل عليه تحصل ~~بها التبصرة الذكرى وان كان الرب تعالى قد عرفته الفطرة قبل هذا ثم حصل لها ~~نوع من الجهل أو الشك أو النسيان ونحو ذلك # ومما ينبغي أن ms1800 يعرف أن علم الانسان بالشيء وتصوره له شيء وعلمه بأنه عالم ~~به شيء وعلمه بأن علمه حصل بالطريق المعين شيء ثالث وكذلك ارادته وحبه شيء ~~وعلمه بأنه مريد محب له شيء وكون الارادة والمحبة حصلت بالطريق المعين شيء ~~ثالث # فالمتوضئ والمصلى والصائم يحصل في قلبه نية ضرورية للفعل الاختياري لا ~~يمكنه دفع ذلك عن نفسه وان لم يتكلم بالنية ثم قد يظن أن النية إنما حصلت ~~بتكلمه بها وهو غالط في ذلك # وكذلك قد يحصل له علم ضروري بمخبر الأخبار المتواترة ثم ينظر في دلالة ~~الخبر فيظن أن العلم الحاصل له لم يحصل إلا بالنظر وهو قد كان قبل النظر ~~عالما وقد يقال أن النظر وكد ذلك العلم أو احضره في النفس بعد ذهول النفس ~~عنه وهذا مما يبين لك أن كثيرا من النظار يظنون انهم لم يعرفوا الله ~~بالطريق المعين من النظر الذي سلكوه وقد يكون صحيحا وقد يكون فاسدا فإن كان ~~فاسدا فهو لا يوجب العلم وهم يظنون أن العلم إنما حصل به وهم غالطون ~~PageV08P534 # بل العلم قد حصل بدونه وان كان صحيحا فقد يكون مؤكدا للعلم ومحضرا له ~~ومبينا له وان كان العلم حاصلا بدونه # هذه الأمور من تصورها حق التصور تبين له حقيقة الأمر في اصول العلم وعلم ~~أن من ظن أن الأمر الذي يعرفه عامة الخلق وهو اجل المعارف عندهم من حصره في ~~طريق معين لا يعرفه إلا بعضهم كان جاهلا لو كان ذلك الطريق صحيحا فكيف إذا ~~كان فاسدا # ومما يوضح الكلام في هذا أن الذكر المشروع لله هوكلام تام كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # افضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا ~~اله إلا الله والله اكبر # فأما مجرد ذكر الاسم المفرد وهو قول القائل الله الله فلم تأت به الشريعة ~~وليس هو كلاما مفيدا إذ الكلام المفيد أن يخبر عنه بإثبات شيء أو نفيه واما ~~التصور المفرد فلا فائدة فيه وان كان ثابتا بأصل الفطرة ms1801 وان كان المعلوم ~~بالفطرة ما تدخل فيه امور ثبوتية وسلبية $ درء تعارض العقل والنقل ~~PageV08P535 # والقائلون بأن المعرفة تحصل بغير العقل يفسرون كلامهم بمعنى صحيح مثل ما ~~ذكره الشريف أبو علي بن أبي موسى في شرح الإرشاد في الفقه تصنيفه لما شرح ~~عقيدته المختصرة التي ذكرها في أول الإرشاد # قال لما ذكر التوحيد الكلام بعد ذلك المعرفة هل تدرك بالعقول أم بالسمع ~~قال فالذي نذهب إليه قول إمامنا إن معرفة الخالق أنه الله لا تدرك إلا ~~بالسمع قال وقد اختلف أصحابنا في ذلك على طريقين فقال الأقلون منهم إن ~~المعرفة تدرك بالعقول مع اتفاقهم معنا أنها لا تدرك بمجرد العقل قبل ورود ~~السمع بها # قال والدليل على أنها تدرك بالسمع وأنه لا مدخل للعقول فيها قبل ورود ~~السمع بها أن العقل مخلوق كالحواس الخمس من البصر والسمع والشم واللمس ~~والمذاق ثم المقسوم منه يتفاضل الخلق فيه يعلم ذلك كل أحد ضرورة فإذا كان ~~كذلك فاللمس لا يدرك به اللامس الأراييح والشم لا يدرك به الشام الأصوات # قال وجملة هذا أن الله لم يجعل اللمس سبيلا إلى إدراك الأراييح ولا الشم ~~سبيلا إلى إدراك المسموعات بل جعل كل واحد منهما سبيلا لإدراك ما خص به وإن ~~كنا نجوز أن يفعل ذلك ويجعل العلم في اليد والكلام في الرجل والنظر في ~~اللسان لأن الجواهر من جنس PageV09P003 واحد وإذا جاز قيام الرؤية ببعضها ~~جاز بجميعها ولكن ذلك لا يكون في الدنيا إلا لنبي ليكون من معجزاته ودليل ~~تصوره كلام الذراع للنبي صلى الله عليه وسلم # وفي الآخرة إذا أنطق الله عز وجل الجوارح بقوله @QB@ يوم تشهد عليهم ~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون @QE@ سورة النور 24 @QB@ وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء @QE@ سورة فصلت ~~21 وبقوله @QB@ ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة @QE@ سورة القيامة ~~24 # قال فيجوز أن يجعل الله الظن يوم القيامة في الوجوه المعذبة كذلك العقل ~~لم يجعل الله له سبيلا إلى إدراك السواد ms1802 والبياض ولا إلى إدراك المشام ~~والطعوم بل جعل الله له سبيلا إلى التمييز بين الموجودات وإلى إدراك فهم ~~السمعيات والفرق بين الحسن منها والقبيح والباطل PageV09P004 منها والصحيح ~~فإذا نظر إلى المصنوعات التي لا سبيل للخلق إلى مثلها ويعجز كل فاعل عنها ~~وتحقق بصحة التمييز المركب فيه إذا أراد الله هدايته أن المحدثات لا تصنع ~~نفسها علم أنها مفتقرة إلى صانع غير أنه لا يعرف من هو قبل ورود السمع فإذا ~~ورد السمع بأن الصانع هو الله قبله العقل ووقع له فهم في السمع وتحقق صحة ~~الخبر وعرف الله من ناحية السمع لا من ناحية العقل لأن العقل بمجرده لا ~~يعلم من الصانع قط وأكثر ما في بابه أن يقع به التمييز فيبقى أن يفعل ~~الجماد نفسه ويقضي بالشاهد على الغائب فأما أن يعرف من الصانع فمحال إلا من ~~جهة السمع # قال والدليل على صحة اعتبارنا أن الله خاطب العقلاء بالاعتبار فقال @QB@ ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ سورة الحشر 2 يعني البصائر وقال @QB@ إن في ~~ذلك لذكرى لمن كان له قلب @QE@ سورة ق 37 أي عقل وقال @QB@ وليذكر أولوا ~~الألباب @QE@ سورة ص 29 فأمرهم باعتبار ما جعل لهم سبيلا إلى اعتباره دون ~~غيره # ثم الدليل القاهر هو القاضي بصحة ما ذكرت أن الله عز وجل حجب عن الخلق من ~~الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وسائر الخلق أجمعين معرفة ما هو ولم ~~يجعل لهم طريقا إلى علم مائيته ولا سبيل إلى إدراك كيفيته جل أن يدرك أو ~~يحاط به علما وتعالى علوا كبيرا @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ سورة طه 10 ~~فمنع من إحاطة العلم به فلا سبيل لأحد إليه PageV09P005 # وقال @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ سورة الشورى 11 فنفى عن ~~نفسه الأشباه والأمثال فمنع من الاستدلال عليه بالمثلية كما منع الدليل على ~~إدراك كيفيته أو علم ما هيته فهذا الذي لا سبيل للعقل إلى معرفته ولا طريق ~~له إلى علمه # ثم كلف جل اسمه سائر بريته وافترض على جميع المكلفين من خليقته علم ms1803 من هو ~~ليعرف الخلق معبودهم ويعلموا أمر إلههم وخالقهم فلما كلفهم ذلك نصب لهم ~~الدليل عليه سمعا ليتوصلوا به إلى أداء ما افترض عليهم من عبادته وعلم ما ~~كلفهم من معرفته علما منه جلت عظمته بأنه لا طريق للعقل إلى علم ذلك بحال ~~فقال تعالى @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني @QE@ سورة طه 14 ~~وقال @QB@ ذلكم الله ربكم @QE@ سورة يونس 3 وقال @QB@ الله الذي خلقكم ثم ~~رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم @QE@ سورة الروم 40 وقال @QB@ هو الله الذي لا ~~إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا ~~هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله ~~عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ سورة الحشر 22 24 # قال ولو سألهم قبل أن يسمعوا باسمه عن تأويل من خلقهم ما كان لهم طريق ~~إلى علم ذلك لأن الأسماء لا تسمع من جهة العقل PageV09P006 # قال فثبت وتقرر بالدليل الذي لا يحتمل إلا ما ذكرناه ان الله العظيم لم ~~يعرف الا من جهة السمع لإحاطة العلم أنه لا طريق للعقل بمجرده إلى معرفة ~~هذه الأسماء ولا إلى معرفة المسمى لو لم يرد السمع بذلك ومدعى ذلك ومجوزه ~~من ناحية العقل يعلم بطلان دعواه ضرورة # وتكلم على قصة إبراهيم بكلام ليس هذا موضعه إلى أن قال والمعرفة عندنا ~~موهبة من الله وتقع استدلالا لا اضطرارا لأنها لو كانت تعلم بضرورة لاستوى ~~فيها العقلاء # إلى أن قال فثبت أن المعرفة لا تقع إلا من ناحية السمع على ما نقول إن ~~الله لا يخلى خلقه في وقت من الأوقات ولا في عصر من الأعصار ممن يعرفه ~~إليهم فتعرف إليهم على ألسنة رسله وأرسل الرسل بالدعاء إليه والدلالة عليه ~~لكيلا تسقط حجج الله # وكان كل نبي يعرف أمته معبودهم كقول نوح لقومه @QB@ يا قوم إني لكم نذير ~~مبين أن اعبدوا الله @QE@ سورة نوح 3 ms1804 وكقول شعيب @QB@ يا قوم اعبدوا الله ~~@QE@ سورة الأعراف 85 # وكذلك في قصص غيرهم من الرسل كل منهم يديم الدعوة لقومه فإذا قبض كان حكم ~~شريعته قائما في حال الفترة إلى أن ينسخها الله بإرسال نبي آخر فيقوم ~~الثاني لأمته في التعريف والدعوة قيام الماضي لأمته فما أخلى الله الخلق من ~~سمع يعرفونه به ويستدلون به على ربوبيته ومعرفة أسمائه PageV09P007 # قلت ففي هذا الكلام قد جعل العلم ثلاثة أنواع أحدها هو الذي يعرف بالعقل ~~والثاني المعرفة التي لا تحصل إلا بالسمع والثالث ما لا سبيل إلى معرفته لا ~~بعقل ولا بسمع # فالأول المعرفة المطلقة المجملة بأن هذه المحدثات التي يعجز عنها الخلق ~~لا بد لها من صانع ولكن هذه المعرفة لا تفيد معرفة عينه ولا أسمائه فإن ~~المحدثات إنما تدل على فاعل ما مطلق من حيث الجملة وكذلك سائر ما يذكر من ~~البراهين القياسية فإنما تدل على أمر مطلق كلي إذ كان البرهان المنطقي ~~العقلي لا بد فيه من قضية كلية والنتيجة موقوفة على جميع المقدمات فإذا كان ~~المدلول عليه لم تعرف عينه قبل الاستدلال لم يدل هذا الدليل الا على أمر ~~مطلق كلي # وإيضاح ذلك أنه إذا استدل بحدوث المحدثات على أن له محدثا وبإمكان ~~الممكنات على أن هناك واجبا فإنه لم يعرف إلا وجود محدث واجب بنفسه وهذا ~~معنى كلي مطلق لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه فلا يكون في ذلك ~~معرفة عينه ولو وصف هذا بصفات مطلقة لم يخرجه ذلك عن أن يكون مطلقا كليا # ثم إنه ضل من ضل من الجهمية نفاة الصفات من المتفلسفة والمعتزلة ~~والمتصوفة حيث أثبتوا وجودا واجبا قديما ثم وصفوه بصفات سلبية توجب امتناع ~~تعينه وأنه لا يكون إلا مطلقا وقد علم أن ما لا يكون إلا مطلقا كليا لا ~~يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان فيكون ما أثبتوه لا وجود له في الخارج # ومن المعلوم الفرق بين كون الدليل لم يدل على عينه وبين نفي تعينه ~~PageV09P008 فإن من سلك ms1805 النظر الصحيح علم أنه موجود معين متميز وإن كان ~~دليله لم يدله على عينه بخلاف من نفى تعينه وجعله مطلقا كليا أو قال ما ~~يستلزم ذلك فإن هذا معطل له في الحقيقة # ومثال هذا من علم بالدليل وجود نبي مرسل أرسله الله إلى خلقه ولم يعلم ~~عينه فهذا قد علمه علما مطلقا وأما من قال إن هذا النبي إنما يوجد مطلقا لا ~~معينا فهذا قد نفى وجوده في الخارج فإذا تبين أن القياس العقلي البرهاني لا ~~يفيد إلا معرفة مطلقة كلية فمعلوم أن أسماءه لا تعرف إلا بالسمع فبالسمع ~~عرفت أسماء الله وصفاته التي يوصف بها من الكلام # ولولا السمع لما سمي ولا ذكر ولا حمد ولا مدح ولا نعت ولا وصف فإن كان ~~هذا هو الذي أرادوه بمعرفة عينه ومن هو فلا ريب أنه لا يحصل إلا بالسمع وإن ~~أراد بذلك معرفة أخرى مثل المعرفة بسائر نعوته التي أخبرت بها الرسل فهذا ~~أيضا يعلم بالسمع ومنها ما لا يعلم بمجرد القياس العقلي ومنها ما قد تنازع ~~الناس هل يعلم بالعقل أم لا # وأما معرفة عين المسمى الموصوف الذي علم وجوده فهذا في المخلوقات يعرف ~~بالإحساس ظاهرا أو باطنا إما بالإحساس بعينه أو بالإحساس بخصائصه فمن علم ~~اسم شخص ونعوته أو اسم أرض وحدودها فإنه يعرف عينها بالرؤية إما بمخبر ~~يخبره أن هذا المعنى هو الموصوف المسمى وإما بأن يرى اختصاص ذلك المعين ~~بتلك الأسماء والصفات # قال تعالى @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم @QE@ ~~سورة البقرة 126 فمن عرف نعوت النبي صلى الله عليه وسلم التي نعت ~~PageV09P009 بها في الكتب المتقدمة ثم رآه ورأى خصائصه علم أن هذا هو ذاك ~~لعدم الاشتراك في تلك الصفات # وهذه المعرفة قد تكون بمشاهدة عينه كالذين شاهدوه وقد لا تكون بمشاهدة ~~عينه بل بطرق أخرى يعلم بها أنه هو كما يعلم أن القرآن تلقى عنه وأنه هاجر ~~من مكة إلى المدينة ومات بها وأنه هو المذكور في الأذان وهو الذي يسميه ~~المسملون محمدا ms1806 رسول الله وهو صاحب هذه الشريعة التي عليها المسلمون فهذه ~~الأمور تعرف بها عينه من غير مشاهدة # وكذلك قد تعرف عين خلفائه وأصحابه وغيرهم من الناس وتعرف أقوالهم ~~وأفعالهم وغير ذلك من أحوالهم معرفة معينة لا اشتراك فيها مع عدم المعاينة # لكن قد شوهد آحاد الأناسي وعلم أن هؤلاء من هذا النوع ولكن لم يشهد ما ~~يشبه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه من كل وجه وإنما شوهد ما يشبههم من ~~بعض الوجوه # فهذا القدر المسمى يعلم بمشاهدة نظيره وأما القدر الفارق فلا بد أن يشارك ~~غيره في وصف آخر فيعلم ما بينهما من القدر المشترك أيضا # فالأمور الغائبة لا يمكن معرفتها ولا التعريف بها إلا بما بينها وبين ~~الأمور الشاهدة من المشابهة لكن إذا عرف أنه لا شركة في ذلك علم أنه واحد ~~معين من علم بعض صفاته وإن جوز فيه الشركة لم يعلم عين ذاك PageV09P010 # ففي الجملة معرفة عين من علم بعض صفاته قد يحصل بالسماع وقد يحصل بالعيان ~~وقد يحصل بإلاستدلال والعلم بالموصوف قد يعلم بطرق متعددة فمن علم نعت ~~الملك ثم رآه فقد يعلم عينه لما استقر عنده من معرفة صفاته وقد يعلم ذلك ~~بمن يخبره أن ذلك المسمى الموصوف هو هذا المعين # ولهذا إذا كان في كتاب الوقف ونحوه حدود عقار وصفاته فقد تعلم الحدود ~~بالمعاينة والاستدلال بأن لا يدل ما يطابق تلك النعوت إلا هي وقد يعلم ~~بالخبر والشهادة ما يشهد الشهود بأن الحد المسمى الموصوف هو هذا المعين ~~وإذا شهد الشهود على مسمى منسوب وكتب بذلك حاكم إلى حاكم آخر أو شهد شهود ~~فرع على شهود أصل فإنه يعلم عين المسمى المنسوب كمن شهد بنسبه ولا يوجد له ~~شريك فإن وجد له شريك لم تعلم عينه بالشهادة باسمه ونسبه وصار ذلك كالحلية ~~والنعت المشترك وهل يشهد بالتعيين بمجرد الحلية عند الحاجة فيه نزاع بين ~~الفقهاء # وكما أن معرفة عين الموصوف تحصل بطرق فنفس العلم الأول بصفته المختصة ~~يحصل بطرق والعلم بالمعينة قد يكون ms1807 بالمشاهدة الظاهرة وقد يكون بالمشاهدة ~~الباطنة وقد لا يكون إلا لمجرد الآثار # ومما يبين الفرق بين المعين والمطلق ما ذكره الفقهاء في باب الأعيان ~~المشاهدة والموصوفة فإن المبيع قد يكون معينا وقد لا يكون والمعين قد يكون ~~مشاهدا فهذا يصح بيعه بالإجماع وقد يكون غائبا وفيه ثلاثة أقوال مشهورة ~~للعلماء وهي ثلاث روايات عن أحمد أحدها أنه لا PageV09P011 يصح بيعه كظاهر ~~المذهب الشافعي والثاني يصح وصف أو لم يوصف كمذهب أبي حنيفة والثالث وهو ~~مذهب مالك والمشهور من مذهب أحمد أنه يصح بالصفة ولا يصح بدونها # ولو تلف هذا المبيع قبل التمكن من قبضه بآفة سماوية انفسخ البيع فيه ~~باتفاق العلماء ولم يكن للمشتري المطالبة ببدله لأن حقه تعين في عين معينة ~~وأما المبيع المطلق في الذمة فمثل دين السلم فإنه أسلم في شيء موصوف مطلق ~~ولم يعينه وهو بمنزلة الثمن المطلق الذي لم يعين وبمنزلة الديون التي ثبتت ~~مطلقة كالصداق وبدل القرض والأجرة ونحو ذلك # ومثله في الواجبات الشرعية وجوب عين رقبة مطلقة ونحو ذلك فهنا الواجب أمر ~~مطلق لم يتعين بل لمن هو عليه أن يأتي بأي عين من الأعيان إذا حصل به ~~المقصود ولو أتى بمعين فتلف قبل التمكن من قبضه كان للمستحق المطالبة بعين ~~أخرى # وهكذا قال الفقهاء في الهدي المطلق كهدي التمتع والقران والهدي المعين ~~كما لو نذر هديا بعينه فإن المعين لو تلف بغير تفريط منه لم يكن عليه بدله ~~بخلاف ما وجب في الذمة فإنه لو عينه وتلف كان عليه إبداله # وكل موجود في الخارج فهو في نفسه معين لكن العلم به قد يكون مع العلم ~~بعينه وقد لا يكون مع العلم بعينه كالمبيع إذا كان مشاهدا فقد عرف المشتري ~~عينه وإذا كان غائبا فهو معين في نفسه والمشترى لا يعرف عينه وإنما يعرف ~~منه أمرا مطلقا سواء كان ذلك المطلق لا يحتمل سواه أو يحتمله ويحتمل غيره ~~فإنه قد يبيعه العبد أو الأرض التي من PageV09P012 صفتها كذا وكذا ويصفها ~~بصفات تميزها لا ms1808 تحتمل دخول غيرها فيها وهذا بخلاف المسلم فيه فإنه لا يكون ~~معينا ومتى كان معينا بطل السلم كما لو أسلم في ثمن بستان بعينه أو زرع ~~أرضا بعينها قبل بدو الصلاح كما جاء ذلك في حديث مسند عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # إذا تبين هذا فإذا عرف ثبوت محدث للحوادث واجب قديم وعلم انتفاء الشركة ~~فيه بأنه واحد لا شريك له في الخلق أو غير ذلك من خصائصه التي لا يوصف بها ~~اثنان مثل أنه رب العالمين وأنه على كل شيء قدير ونحو ذلك فقد تعرف عينه ~~بالعقل عرف أنه واحد معين في نفس الأمر لا شركة فيه فيطلب القلب حينئذ ~~معرفة عينه بخلاف ما يمكن الشركة فيه # وإذا كان كذلك فقد يعترض المعترض على قول من قال إن عينه لا تعرف إلا ~~بالسمع ويقول التعيين حينئذ بما جعل الله في القلوب من ضرورة المعرفة ~~والقصد والتوجه والإشارة إلى ما فوق السماوات فإنها مفطورة على أنه ليس فوق ~~العالم غيره # ولهذا كان منكرو علو الله ومباينته لمخلوقاته من الجهمية الحلولية أو ~~النفاة للحلول والمباينة ونحوهم إنما يثبتون وجودا مطلقا لا يعين ولا يشار ~~PageV09P013 إليه بل يقولون بلا إشارة ولا تعيين وهؤلاء يثبتون وجودا مطلقا ~~كليا لا يعينونه لا ببواطنهم ولا يظواهرهم ولهذا يبقون في حيرة واضطراب ~~تارة يجعلون حالا في المخلوقات لا يختص بشيء وتارة يسلبونه هذا وهذا ~~ويقولون الحق لا يقيد ولا يخصص ولا يقبل الإشارة والتعيين ونحو ذلك من ~~العبارات التي مضمونها في الحقيقة نفي ثبوته في الخارج فإن كل موجود في ~~الخارج فإنه متعين متميز عن غيره مختص بخصائصه التي لا يشركه فيها غيره # وهذا هو المقيد في اصطلاحهم وهم يظنون أن ما ذكروه ثابت في الخارج لكنهم ~~ضالون في ذلك وضلالهم كضلال في أمور كثيرة لا توجد إلا في الأذهان ظنونا ~~ثابتة في الأعيان ومن هنا ضل من ضل في مسألة المعدوم هل هو شيء أم لا وفي ~~مسألة الأحوال وفي مسألة وجود الموجودات هل ms1809 هو ما هيتها الثابتة في الخارج ~~أو غير ذلك والكلي الطبيعي هل هو ثابت في الخارج أم لا # وجماع أمرهم أنهم جعلوا الأمور العقلية التي لا تكون ثابتة إلا في العقل ~~كالمطلقات الكلية ونحوها أمورا موجودة ثابتة في الخارج وزعموا أن هذا هو ~~الغيب الذي أخبرت به الرسل وذلك ضلال # فإن الغيب الذي أخبرت به الرسل هو مما يمكن الإحساس به في الجملة ليس مما ~~لا يمكن الإحساس به لكن مشاهدته والإحساس به يكون بعد الموت وفي الدار ~~الآخرة وهناك الحياة وتوابعها من الإحساس والعمل أقوى وأكمل فإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان PageV09P014 # فالرسل لم تفرق بين الغيب والشهادة بأن أحدهما معقول والآخر محسوس كما ظن ~~ذلك من ظنه من المتفلسفة والجهمية ومن شركهم في بعض ذلك وإنما فرقت بأن ~~أحدهما مشهود الآن والآخر غائب عنا لا نشهده الآن ولهذا سماه الله تعالى ~~غيبا # قال تعالى @QB@ الذين يؤمنون بالغيب @QE@ سورة البقرة 3 لم يسمه معقولا ~~وقد بسط الكلام على هذا في موضعه # والمقصود هنا أن ما عرف وصفه تعرف عينه بوجه من وجوه الإحساس إما بذاته ~~وإما ببعض خصائصه والله تعالى يختص بما فوق العالم فالعباد يشيرون إلى ذلك ~~ويعلمون أن خالق العالم هو الذي فوق العالم لا يشركه في ذلك أحد وهذا العلم ~~قد يحصل بالفطرة وقد يحصل بالاستدلال والقياس وقد يحصل بالسمع من الرسل كما ~~أخبرت بأن الله فوق العالم # ولهذا قال فرعون @QB@ يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا @QE@ سورة غافر 36 37 # ولهذا كان معراج نبينا صلى الله عليه وسلم إلى السماء وكذلك سائر ما ~~تعرفه القلوب من خصائصه # وقد يقال هو تعيين يمكن حصوله بدون السمع وذلك أن معرفة عينه بالمشاهدة ~~لا تحصل في الدنيا فلم يبق الا معرفة عينه بغير هذه الطريق كما يعرف عين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من لم يشاهده بمعرفة ما يعرفه من خصائصه ~~PageV09P015 # وأما القائل إن عينه لا تعرف إلا ms1810 بالسمع فقد يقول إن ما حصل للقلوب من ~~معرفة عينه إنما حصل بالسمع # والناس متنازعون في كونه فوق العالم هل هو من الصفات التي تعلم بالعقل ~~كما هو قول أكثر السلف والأئمة وهو قول ابن كلاب وابن كرام وآخر قولي ~~القاضي أبي يعلى أو هو من الصفات السمعية التي لا تعلم إلا بالسمع كما هو ~~قول كثير من أصحاب الأشعري وهو أول قولي القاضي أبي يعلى وطائفة معه # فابن أبي موسى وأمثاله قد يقولون بهذا ويقولون لم نعلم ذلك إلا بالسمع ~~ويقولون لم نعلم أنه فوق السماء الا بالسمع لكن كلامه أعم من ذلك # وكلامهم يصح إذا فسر بأنواع من التعيين التي لم تعلم إلا بالسمع كالصفات ~~الخبرية أو فسر بأن السمع هو الذي أرشد العقول إلى ما به يعلم التعيين وأنه ~~لولا إرشاد السمع لم يعلم ذلك أو بأنه أراد بالتعيين معرفة الأسماء والصفات ~~القولية التي يوصف الله بها أو أراد بذلك أن كثيرا من الناس أو أكثرهم لا ~~تحصل لهم معرفة شيء من التعيين إلا بالسمع # وكثير ممن يقول بوجوب النظر وأنه أول الواجبات أو أول الواجبات المعرفة ~~يقولون مع ذلك إن المعرفة لا تحصل إلا بالشرع كما ذكر ذلك أبو الفرج ~~المقدسي وابنه عبد الوهاب وابن PageV09P016 درباس وغيرهم كما قال من قال ~~قبلهم إنها لا تحصل إلا بالشرع # وهؤلاء يريدون بالعقل الغريزة ولوازمها من العلوم التي تحصل لعامة ~~العقلاء وأن ذلك بمجرده لا يوجب المعرفة بل لا بد من أمر زائد على ذلك كما ~~قالوا في استدلالهم إن المعرفة لو كانت بالعقل لكان كل عاقل عارفا ولما وجد ~~جماعة من العقلاء كفارا دل على أن المعرفة لم تثبت بالعقل # ألا ترى أن ما يدرك بالضرورة لا يختلف أرباب النظر فيه وهذا إنما ينفي ~~المعرفة الإيمانية وإلا فعامة العقلاء يقرون بالصانع # وأيضا فهذا ينفي أن تكون المعرفة الإيمانية ضرورية وهو أيضا يوجب أن ~~الطرق العقلية النظرية لا تفصل موارد النزاع ولا يحصل عليها الإجماع وهو ~~كما قالوا فإن ms1811 الطرق القياسية العقلية النظرية وإن كان منها ما يفضي إلى ~~العلم فهي لا تفصل النزاع بين أهل الأرض تارة لدقتها وغموضها وتارة لأن ~~النفوس قد تنازع في المقدمات الضرورية كما ينازع أكثر النظار في كثير من ~~المقدمات الضرورية # ولهذا لم يأمر الله عند التنازع إلا بالرد إلى الكتب المنزلة # قال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه @QE@ ~~PageV09P017 سورة البقرة 213 فجعل الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~الكتاب المنزل من السماء # وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ سورة النساء 59 ~~فأمر عند التنازع بالرد إلى الله والرسول # ولهذا قال هؤلاء المقررون لكون المعرفة لا تحصل بمجرد العقل ما قاله عبد ~~الوهاب بن أبي الفرج وغيره إنا نقول إن المعرفة لو كانت بالعقل لوجب أن ~~يكون كل عاقل عارفا بالله تعالى مجمعا على رأي واحد في التوحيد ولما وجدنا ~~جماعة من العقلاء كفارا مع صحة عقولهم ودقة نظرهم دل على أن المعرفة لم ~~تحصل بالعقل لأن العقل حاسة من جملة الحواس فالحواس لا تختلف في محسوساتها ~~ألا ترى أن ما يدرك بالنظر من أسود وأحمر وأخضر وأصفر وحيوان وحجر لا يختلف ~~أرباب النظر فيه فدل على أن معرفة الله حصلت بمعنى غير العقل لوجود ~~الاختلاف في المعرفة والاتفاق فيما طريقه العقل والحواس # وتسمية هؤلاء للعقل حاسة من الحواس هو مما نازعهم فيه طوائف من أصحابهم ~~وغيرهم كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره والنزاع في ذلك عند التحقيق يرجع إلى ~~اللفظ ولذلك قالوا لو كان العقل علة في معرفة الباري لوجب أن تحصل المعرفة ~~بوجوده وتعدم بعدمه كالمنظورات تدرك بوجود البصر وتعدم معرفتها ونظرها بعدم ~~البصر وكذلك المسموعات وسائر المحسوسات PageV09P018 # ولما رأينا المسلم يرتد عن الإسلام مع وجود عقله الذي كان به قبل ~~الارتداد مؤمنا علمنا أن المعرفة حصلت له بغير ذلك وكذلك نرى المؤمن ms1812 بالله ~~يذهب عقله ويحكم بجنونه وهو باق على المعرفة مقر بالتوحيد عارف بالله ~~وعقلاء كثيرون يكفرون بالله ويشركون به فدل على أن المعرفة مستفادة بمعنى ~~غير العقل # وهذا الكلام يقتضي أن مجرد الغريزة ولوازمها لا تستلزم المعرفة الواجبة ~~على العباد وهذا مما لا ينازع فيه أحد فإن من يقول إن المعرفة تحصل بالعقل ~~يقول إن أصل الإقرار بالصانع يحصل بعلوم عقلية ولكن ليس ذلك هو جميع ~~المعرفة الواجبة ولا بمجرد ذلك يصير مؤمنا # وهذا العقل هو العقل الذي هو شرط في الأمر والنهي وقد يراد بالعقل ما ~~تحصل به النجاة كما قال تعالى عن أهل النار @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ سورة الملك 10 # وقال تعالى @QB@ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام ~~بل هم أضل سبيلا @QE@ سورة الفرقان 44 # وقال تعالى @QB@ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ سورة يوسف 2 # وقال @QB@ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون @QE@ سورة ~~العنكبوت 43 وأمثال ذلك في القرآن # واحتجوا على أن المعرفة لا تحصل بمجرد العقل بقوله تعالى @QB@ وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ~~إذ كانوا يجحدون بآيات الله @QE@ PageV09P019 سورة الأحقاف 26 # وهذه الآية وأمثالها تدل على أن السمع والأبصار والأفئدة لا تنفع صاحبها ~~مع جحده بآيات الله فتبين أن العقل الذي هو مناط التكليف لا يحصل بمجرده ~~الإيمان النافع والمعرفة المنجية من عذاب الله وهذا العقل شرط في العلم ~~والتكليف لا موجب له # احتجوا أيضا بما ذكروه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تعلموا العلم ~~فإن تعليمه لله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه ~~لمن لا يعلمه صدقة به يعرف الله ويعبد وبه يمجد الله ويوحد هو إمام العمل ~~والعمل تابعه يرفع الله بالعلم أقواما فيجعلهم للناس قادة وأئمة يقتدى بهم ~~وينتهى إلى رأيهم PageV09P020 # قالوا فوجه الدليل قوله به يعرف الله ويعبد وهذا الكلام معروف عن ms1813 معاذ بن ~~جبل رضي الله عنه رووه عنه بالأسانيد المعروفة وهو كلام حسن ولكن روايته ~~مرفوعا فيه نظر وفيه أن الله يعرف ويعبد بالعلم لا بمجرد الغريزة العقلية ~~وهذا صحيح لا ينازع فيه من يتصور ما يقول # ومن يقول إن المعرفة تحصل بالعقل يقول إنما تحصل بعلوم عقلية أي يمكن ~~معرفة صحتها بنظر العقل لا يقول إن نفس العقل الذي هو الغريزة ولوازمها ~~يوجب حصول المعرفة والعبادة # وقد تنازع كثير من الناس في مسمى العلم والعقل أيهما أشرف وأكثر ذلك ~~منازعات لفظية فإن العقل قد يراد به الغريزة وقد يراد به علم يحصل بالغريزة ~~وقد يراد به عمل بالعلم # فإذا أريد به علم كان أجدهما من جنس الآخر لكن قد يراد بالعلم الكلام ~~المأثور عن المعصوم فإنه قد ثبت أنه علم لقوله @QB@ فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم @QE@ سورة آل عمران 61 وأمثاله # ويراد بالعقل الغريزة فهنا يكون أحدهما عين الآخر ولا ريب أن مسمى العلم ~~بهذا الاعتبار أشرف من مسمى العقل فإن مسمى العلم هنا كلام الله تعالى ~~وكلام الله أشرف من الغريزة التي يشترك فيها المسلم والكافر # وأيضا فقد تسمى العلوم المسموعة عقلا كما قيل PageV09P021 # % رأيت العقل عقلين % فمطبوع ومسموع % # % فلا ينفع مسموع % إذا لم يك مطبوع % # كما لا تنفع العين % وضوء الشمس ممنوع % $ # وأما العمل بالعلم وهو جلب ما ينفع الإنسان ودفع ما يضره بالنظر في ~~العواقب فهذا هو الأغلب على مسمى العقل في كلام السلف والأئمة كالآثار ~~المروية في فضائل العقل # ومنه الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان مرسلا إن الله ~~يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات # وبهذا الاعتبار فالعقل يتضمن العلم والعلم جزء مسماه ومعلوم أن مجموع ~~العلم والعمل به أفضل من العلم الذي لا يعمل به # وهذا كما قال غير واحد من السلف في مسمى الحكمة كما قال مالك بن أنس ~~الحكمة معرفة الدين والعمل به وكذلك قال الفضيل بن PageV09P022 عياض ms1814 وابن ~~قتيبة وغير واحد من السلف قال الشاعر # % وكيف يصح أن تدعى حكيما % وأنت لكل ما تهوى ركوب % $ # وقال آخر # % ابدأ بنفسك فانهها عن غيها % فإذا انتهت عنه فأنت حكيم % $ # وهذا المعنى موجود في سائر الألسنة لكن لكل أمة حكمة بحسبها كما أن لكل ~~أمة دينا فاليونان لهم ما يسمونه حكمة وكذلك الهند وأما حكمة أهل الملل فهي ~~أجل من ذلك # ومما احتج به هؤلاء أنهم قالوا لا يدرك بالعقل إلا ما يكنفه العقل ويحيط ~~به علما والباري سبحانه وتعالى لا تدركه العقول ولا تحيط به لقوله تعالى ~~@QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ سورة البقرة 255 وقوله @QB@ ~~ولا يحيطون به علما @QE@ سورة طه 110 # قال ذو النون المصري العقل عاجز ولا يدل إلا على عاجز فأما الربوبية فلا ~~سبيل إلى كيفية إدراكها بالعقول ليس هو إلا الرضى والتسليم والإيمان ~~والتصديق لكن هذا الكلام وما يشبهه إنما يقتضي أن معرفة كنهه وحقيقته لا ~~تدركه العقول وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء وإنما نازع في ذلك ~~طوائف من متكلمي المعتزلة ومن وافقهم # ولهذا كان السلف والأئمة يذكرون أنهم لا يعرفون كيفية صفاته كقولهم ~~الاستواء معلوم والكيف مجهول وهذا الكيف المجهول هو PageV09P023 التأويل ~~الذي لا يعلمه إلا الله وهذا هو النوع الثالث من العلم الذي ذكر ابن أبي ~~موسى أن الله انفرد به # وقد قال ابن عباس التفسير أربعة أوجه تفسير تعرفة العرب من كلامها وتفسير ~~لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله من ~~ادعى علمه فهو كاذب وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبين أن لفظ ~~التأويل لفظ مشترك بحسب الاصطلاحات بين صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى ~~المرجوح وبين تفسير اللفظ وبيان معناه وبين الحقيقة التي هي نفس ما هو عليه ~~في الخارج وأن التأويل بالمعنى الثاني كان السلف يعلمونه ويتكلمون به ~~وبالمعنى الثالث انفرد الله به وأما بالمعنى الأول فهو كتحريفات الجهمية ~~التي أنكرها السلف وذموها # ومما احتج ms1815 به هؤلاء القدر وأن العلم والإيمان يحصل للعبد بفضل الله ~~ورحمته # قال عبد الوهاب وأيضا فإن الله قال في حق المؤمنين @QB@ أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان @QE@ سورة المجادلة 58 فاعلم أن الإيمان من تفضله وكتبه في ~~القلوب فأي عمل للعقل بعد ذلك وإنما العقل بمنزلة القارىء للمكتوب فإن كان ~~في القلب شيء مكتوب قرأه العقل كالمسطور يدركه النظر وإذا لم يكن في القلوب ~~شيء مكتوب لم يفد العقل فائدة قال ثم نقول هل نال الأنبياء النبوة بعقولهم ~~أم بإصطفاء الله لهم وإرساله إليهم الملائكة فإن قال بعقولهم فقد أكذبه ~~الله تعالى بقوله @QB@ الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس @QE@ سورة ~~PageV09P024 الحج 75 وإذا ثبت أن العقل لم يفد الرسالة والنبوة وإنما ذلك ~~اختصاص من الله لهم كذلك معرفة الله والإيمان به ليس للعقل في ذلك شيء ~~وإنما العقل شرط في التكليف والخطاب بالشرع كالحياة والوجود # قال والده أبو الفرج قال بعض أصحابنا عرف بنور الهداية وقال غيره عرفنا ~~نفسه بتعرفه والجميع واحد # قال وقد روي ذلك عن جماعة من السلف الصالح فسئل بعضهم أعرفت الله بمحمد ~~أم عرفت الله به فقال عرفت الله به وعرفت محمدا بالله ولو عرفت الله بمحمد ~~لكانت المنة لمحمد دون الله # قلت هذه الطريقة تصلح أن تكون ردا على القدرية من المعتزلة ونحوهم الذين ~~يقولون إن ما يحصل باختيار العبد من علم وعمل فإنه هو الذي أحدثه بدون ~~معونة من الله له ولا هدى يسره له خصه به دون الكافر بل يجعلون المؤمن ~~والكافر سواء فيما فعل الله بهما من أسباب الهداية حيث أرسل الرسول إليهما ~~جميعا وخلق لكل منهم استطاعة يتمكن بها من الإيمان وأزاح علة كل منهما # بل يقولون إنه يجب عليه أن يفعل بكل منهما من اللطف الذي يؤمن به اختيارا ~~كل ما يقدر عليه فيفعل به الأصلح في دينه وأنه ليس في المقدور مما يؤمن به ~~اختيار شيء ولكن المؤمنون كأبي بكر وعلي آمنا بأنفسهما والكفار كأبي لهب ~~وأبي جهل كفرا ms1816 بأنفسهما من غير أن يختص الله المؤمن بأسباب تقتضي إيمانه ~~ولهذا قال لهم الناس إذا كان الأمر كذلك وهما مستويان في أسباب الإيمان فلم ~~اختص أحدهما PageV09P025 بوجود الإيمان منه دون الآخر وإذا قالوا بمشيئته ~~وقدرته قالوا لهم إن كان للكافر مثل ذلك بطل الاختصاص وإن لم يكن له مثل ~~ذلك كان المؤمن مخصوصا بأسباب من الهداية لم يحصل مثلها للكافر # وأيضا فإن الله يسأل الهدى إلى الصراط المستقيم في كل صلاة والهدى ~~المشترك بين المؤمن والكافر قد فعله بل يجب عنده عليه فعله فما المطلوب ~~بالدعاء بعد ذلك # وأيضا فإن الله تعالى قال @QB@ واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان @QE@ سورة الحجرات 7 الآية فبين أنه حبب ~~الإيمان إلى المؤمنين وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان # والقدرية من المعتزلة والشيعة تتأول ذلك بأنه حبب الإيمان إلى كل مكلف ~~وزينه بما أظهره من دلائل حسنه وكره الكفر بما أظهره من دلائل قبحه # فيقال لهم أول الآية وآخرها خطاب للمؤمنين بقوله @QB@ واعلموا أن فيكم ~~رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم @QE@ سورة الحجرات 7 وقال في ~~آخرها @QB@ أولئك هم الراشدون @QE@ فبين أن الذين حبب إليهم الإيمان وكره ~~إليهم الكفر هم الراشدون والكفار ليسوا براشدين ولو كان قد فعل بالكفار كما ~~فعل بهم لم يصح أن يمتن عليهم بما يشعر اختصاصهم به PageV09P026 # كما قال في أثناء السورة @QB@ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين @QE@ سورة ~~الحجرات 17 فلو كان المراد بالهداية الهداية التي يشترك فيها المؤمن ~~والكافر لم يقل إن كنتم صادقين فإن تلك حاصلة سواء كانوا صادقين في قولهم ~~أمناء أو لم يكونوا صادقين # وهذا كقوله @QB@ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ~~@QE@ سورة البقرة 213 وأمثال ذلك مما يبين اختصاص المؤمنين بهدي ليس للكفار ms1817 # كقوله @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا @QE@ سورة الأنعام 125 # وقوله @QB@ فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة @QE@ سورة الأعراف 30 # وقوله @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ سورة الشورى 52 ~~ومثل هذا في القرآن كثير وليس هذا موضع بسط هذه المسألة ولكن المقصود ~~التنبيه على المأخذ # فالمعتزلة يقولون إن ما يحصل بكسب العبد واختياره من المعرفة ليس مما ~~جعله الله في قلبه ويقولون إن المعرفة الواجبة لا تكون مما يقذفها الله في ~~قلب العبد لأن الواجب لا يكون إلا مقدورا للعبد ومقدورات العباد عندهم لا ~~يفعلها الله ولا يحدثها ولا له عليها قدرة وقد يقولون إنه لا يستحق الثواب ~~إلا على مقدوره PageV09P027 # ولهذا يقول من يقول منهم إنه يمتنع أن تكون ضرورية لأنه حينئذ لا يستحق ~~عليها الثواب لكن هنا هم متنازعون فيه لإمكان أن يكون الثواب على ما سوى ~~ذلك كما أن الحياة والقدرة على النظر والعلوم الضرورية هي من خلق الله ~~عندهم ولا ثواب فيها ولا أجر لها # ولهذا جوز أهل الإثبات أن تقع المعارف النظرية ضرورية وبالعكس ولأن ذلك ~~لا ينافي ما وعد الله به من الثواب عندهم بل يجوز عندهم أن يجعل الله في ~~قلب العبد من معرفته ومحبته ما يحصل بغير كسبه ويثيبه عليه أعظم الثواب # فالذين احتجوا من أهل السنة على أن المعرفة والإيمان تحصل للعبد بفضل ~~الله ورحمته وهدايته وتعريفه ونحو ذلك من العبارات يتضمن قولهم إبطال قول ~~هؤلاء القدرية # وهذا صحيح لكن ليس في ذلك ما يقتضي أن المعرفة لا يمكن أن تحصل بنظر ~~العقل كما أنه ليس في ذلك ما يقتضي أنها لا تحصل بتعليم الرسول والعلماء ~~والمؤمنين ودعائهم وبيانهم واستدلالهم بل من المعلوم أن العلم يحصل في قلب ~~العبد تارة بما يسمعه من الناس من البيان والتعليم إما إرشادا إلى الدليل ~~العقلي وإما إخبارا ms1818 بالحق الواقع # وتحصل تارة بما يقذفه في قلبه من النظر والاعتبار والاستدلال الذي ينعقد ~~في قلبه كما يحصل تارة بكسبه واستدلاله # ويحصل تارة بما يضطره الله إليه من العلم من غير اكتساب منه وإن ~~PageV09P028 كان العلم الذي حصل باكتسابه ونظره وهو مضطر إليه في آخر الأمر ~~فلا يمكن العالم العارف بعد حصول المعرفة في قلبه بدليل أو غير دليل أن ~~يدفع ذلك عن قلبه اللهم إلا بأن يسعى فيما يوجب نسيانه وغفلته عن ذلك العلم ~~وقد لا يمكنه تحصيل الغفلة والنسيان # وذلك أن ما كتبه الله في قلوب المؤمنين من الإيمان سواء حصل بسبب من ~~العبد كنظره واستدلاله أو بسبب من غيره أو بدون ذلك هو والأسباب التي بها ~~حصل بقضاء الله وقدره وهي من نعمة الله على عبده فإن الله هو الذي من ~~بالأسباب والمسببات فمن ظن أن المعرفة والإيمان يحصل بمجرد عقله ونظره ~~واستدلاله كما تقول القدرية كان ضالا وهذا هو الذي أبطله هؤلاء # وقولهم إن العقل شرط في التكليف والخطاب كالوجود والحياة كلام صحيح ~~والشرط له مدخل في حصول المشروط به كما للحياة مدخل في الأمور المشروطة بها # والعقل قد يراد به الغريزة وقد يراد به نوع من العلم ونوع من العمل وكل ~~هذه الأمور هي من الأمور المعينة على حصول الإيمان ولهذا يتفاضل الناس في ~~الإيمان بحسب تفاضلهم في ذلك # وأهل السنة لا ينكرون وجود ما خلقه الله من الأسباب ولا يجعلونها مستقلة ~~بالآثار بل يعلمون أنه ما من سبب مخلوق إلا وحكمه متوقف على سبب آخر وله ~~موانع تمنع حكمه كما أن الشمس سبب في الشعاع وذلك موقوف على حصول الجسم ~~القابل له وله مانع كالسحاب والسقف PageV09P029 # والله خالق الأسباب كلها ودافع الموانع ولهذا كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول في خطبته من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له # كما قال تعالى @QB@ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا @QE@ سورة الكهف 17 وقال تعالى @QB@ من ms1819 يهد الله فهو المهتدي ومن ~~يضلل فأولئك هم الخاسرون @QE@ سورة الأعراف 178 وقال تعالى @QB@ ومن يهد ~~الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه @QE@ سورة الإسراء 97 # ولهذا كان مذهب أهل السنة أن ما يحصل بالقلب من العلم وإن كان بكسب العبد ~~ونظره واستدلاله واستماعه ونحو ذلك فإن الله تعالى هو الذي أثبت ذلك العلم ~~في قلبه وهو حاصل في قلبه بفضل الله وإحسانه وفعله # والقدرية لا يجعلونه من فعل الله بل يقولون هو متولد عن نظره كتولد الشبع ~~عن الأكل والري عن الشرب والجرح عن الجرح فيجعلون هذه الأمور المتولدات عن ~~الأسباب المباشرة من فعل العبد فقط كما يقولون في الأمور المباشرة ~~PageV09P030 # وقد عارضهم من ناقضهم من متكلمة الإثبات فلم يجعل للعبد فعلا ولا أثرا في ~~هذه المتولدات بل جعلها من مخلوقات الله التي لا تدخل تحت مقدور العباد ولا ~~فعلهم ولم يجعل للعبد فعلا إلا ما كان في محل قدرته وهو ما قام ببدنه دون ~~ما خرج عن ذلك # والقول الوسط أن هذه الأمور التي يقال لها المتولدات حاصلة بسبب فعل ~~العبد وبالأسباب الأخرى التي يخلقها الله فالشبع يحصل بأكل العبد وابتلاعه ~~وبما جعله الله في الإنسان وفي الغذاء من القوى المعينة على حصول الشبع # وكذلك الزهوق حاصل بفعل العبد وبما جعله في المحل من قبول الانقطاع وهو ~~سبحانه خالق للأثر المتولد عن هذين السببين اللذين أحدهما فعل العبد وهو ~~خالق للسببين جميعا # ولهذا كان العبد مثابا على المتولدات والله تعالى يكتب له بها عملا وقد ~~ذكر الأفعال المباشرة والمتولدة في آيتين في القرآن # قال تعالى @QB@ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ~~ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل ~~صالح @QE@ سورة التوبة 120 فهذه الأمور كلها هي مما يسمونه متولدا فإن ~~العطش والتعب والجوع هو من المتولدات وكذلك غير الكافر PageV09P031 # وكذلك ما يحصل فيهم من هزيمة ونقص نفوس وأموال وغير ذلك ms1820 ثم قال تعالى ~~@QB@ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم @QE@ ~~سورة التوبة 121 فالإنفاق وقطع الوادي عمل مباشر فقال فيه @QB@ إلا كتب لهم ~~@QE@ ولم يقل به عمل صالح # وأما الجوع والعطش والنصب وغيظ الكفار وما ينال منهم فهو من المتولدات ~~فقال فيه @QB@ إلا كتب لهم به عمل صالح @QE@ سورة التوبة 120 فدل ذلك على ~~أن عملهم سبب في حصول ذلك وإلا فلا يكتب للإنسان عمل بدون سبب من عمله بل ~~تكتب الآثار لأنها من أثر عمله # قال تعالى @QB@ ونكتب ما قدموا وآثارهم @QE@ سورة يس 12 # وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إذا مات ابن آدم انقطع عمله ~~إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له # وقال في الحديث الصحيح من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ~~من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن دعا إلى PageV09P032 ضلالة كان عليه من ~~الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا # ولهذا كانت هذه التي يسمونها المتولدات يؤمر بها تارة وينهى عنها أخرى ~~كما قال تعالى @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~@QE@ سورة التوبة 5 # وقال تعالى @QB@ إن تنصروا الله ينصركم @QE@ سورة محمد 7 # وقال @QB@ وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر @QE@ سورة الأنفال 72 ~~وقال تعالى @QB@ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف ~~صدور قوم مؤمنين @QE@ سورة التوبة 14 # فأخبر أنه هو المعذب بأيدي المؤمنين فهذا مبسوط في موضع آخر # والمقصود هنا أن القدرية لما كانت تزعم أن ما يحصل من الإيمان في القلب ~~القلب ليس من فعل الله بل هو من فعل العبد فقط وأنه خارج عن مقدور الله وعن ~~ما من الله به على العبد كان ما ذكر ردا عليهم # وأما من أقر بأن ذلك كله من فضل الله وإحسانه وجعل ما يحصل بالنظر ~~والاستدلال من فضل الله وإحسانه فلا حجة عليه إذا قال إنه بنظر ms1821 العقل ~~واستدلاله قد يهدي الله العبد ويجعل في قلبه علما نافعا # وقد تنازع أهل الإثبات في اقتضاء النظر الصحيح للعلم هل هو PageV09P033 ~~بطريق التضمن الذي يمتنع الفكاكة عنه عقلا أو بطريق إجراء الله العادة التي ~~يمكن نقضها وبكل حال فالعبد مفتقر إلى الله في أن يهديه ويلهمه رشده وإذا ~~حصل له علم بدليل عقلي فهو مفتقر إلى الله في أن يحدث في قلبه تصور مقدمات ~~ذلك الدليل ويجمعها في قلبه ثم يحدث العلم الذي حصل بها # وقد يكون الرجل من أذكياء الناس وأحدهم نظرا ويعميه عن أظهر الأشياء وقد ~~يكون من أبلد الناس وأضعفهم نظرا ويهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه فلا ~~حول ولا قوة إلا به # فمن اتكل على نظره واستدلاله أو عقله ومعرفته خذل ولهذا كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة كثيرا ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي ~~على دينك ويقول في يمينه لا ومقلب القلوب ويقول والذي نفسي بيده ويقول ما ~~من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه ~~أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه PageV09P034 # وكان إذا قام من الليل يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر ~~السماوات والأرض عالم الغيب أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ~~اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وكان ~~يقول هو وأصحابه في ارتجازهم # % اللهم لولا أنت ما اهتدينا % ولا تصدقنا ولا صلينا % # % فأنزلن سكينة علينا % وثبت الأقدام إن لاقينا % $ # وهذا في العلم كالإرادات في الأعمال فإن العبد مفتقر إلى الله في أن يحبب ~~إليه الإيمان ويبغض إليه الكفر وإلا فقد يعلم الحق وهو لا يحبه ولا يريده ~~فيكون من المعاندين الجاحدين # قال تعالى @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ سورة النمل ~~14 # وقال @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم @QE@ سورة ~~البقرة 146 فكما أن الإنسان فيما يكتسبه من الأعمال مفتقر إلى الله محتاج ~~إلى معونته فإنه لا ms1822 حول ولا قوة إلا به كذلك فيما يكتسبه من العلوم ومع هذا ~~فليس لأحد حجة على الله في أن يدع ما أمر به من الأسباب التي يحصل بها ~~العلم النافع والعمل الصالح ولكن الشأن في PageV09P035 تعيين الأسباب فيذم ~~من المعتزلة أنهم أحدثوا طرقا زعموا أن معرفة الله لا تحصل إلا بها وزعموا ~~أن المعرفة تجب بها بفعل العبد لا بفعل الله # ومن الناس من قد يوافقهم على إحدى البدعتين دون الأخرى وكثير من الناس قد ~~اختلف كلامه في هذا الأصل تارة يقول إن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر ويجعل ~~أول الواجبات النظر أو المعرفة الحاصلة به وقد يعين طريق النظر كما فعل ذلك ~~القاضي أبو يعلى في المعتمد موافقة للقاضي أبي بكر وأمثاله من الموافقين في ~~هذا الأصل للمعتزلة وكما فعل ابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم # ومن توابع ذلك أن النظر المفيد للعلم لا يكون إلا نظرا في دليل والنظر ~~الذي يوجبونه يكون نظرا فيما يعلم الناظر أنه دليل لأنه لو علم قبل النظر ~~أنه دليل لعلم ثبوت المدلول وإذا كان عالما به لم يحتج إلى الاستدلال عليه ~~فيوجبون سلوك طريق لا يعلم السالك أنها طريق # ثم إن القاضي أبا يعلى في كتابه المعروف بعيون المسائل الذي صنفه في ~~الخلاف مع المعتزلة والأشعرية ذكر ما يخالف ذلك فقال مسألة مثبتو النبوات ~~تحصل لهم المعرفة بالله بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول ~~خلافا للأشعرية في قولهم لا تحصل حتى ننظر ونستدل بدلائل العقول دليلنا أن ~~النبوة إذا ثبتت بقيام المعجز علمنا أن هناك مرسلا أرسله إذ لا يكون هناك ~~نبي إلا وهناك مرسل وإذا ثبت أن هناك مرسل أغنى ذلك عن النظر والاستدلال في ~~دلائل العقول على إثباته ولأنه لما لم يقف وجود المعرفة على النظر في دلائل ~~العقول بل وجبت بالشرع كذلك طريقها جاز أن يحصل بالشرع دون دلائل ~~PageV09P036 العقول ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله ms1823 فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم فحكم ~~بصحة إيمانهم بالدعاء إلى الشهادتين والإجابة إليها من غير أن يوجد منهم ~~نظر واستدلال # قال واحتج المخالف بأن الله أمر بالنظر والاستدلال في دلائله فقال تعالى ~~@QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ سورة الذاريات 21 وقال @QB@ أفلا ينظرون ~~إلى الإبل كيف خلقت @QE@ سورة الغاشية 17 وقال @QB@ أولم ينظروا في ملكوت ~~السماوات والأرض @QE@ سورة الأعراف 185 # وقال @QB@ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها @QE@ سورة ق 6 # وقال @QB@ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض @QE@ سورة يونس 101 وإذا ~~أمر بذلك دل على أن النظر يثمر المعرفة # قال والجواب أنا لا نمنع حصول المعرفة به وإنما كلامنا هل تحصل بغيره أم ~~لا وقد دللنا على حصوله بغيرها من الوجه الذي ذكرنا # ولقائل أن يقول أما قوله إن المعرفة يجوز حصولها بالشرع فهذا مسلم لكن ~~حصولها بالشرع على وجوه # أحدهما أن الشرع ينبه على الطريق العقلية التي بها يعرف الصانع فتكون ~~عقلية شرعية PageV09P037 # الثاني أن المعرفة المنفصلة بأسماء الله وصفاته التي بها يحصل الإيمان ~~تحصل بالشرع كقوله تعالى @QB@ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ سورة الشورى 52 # وقوله @QB@ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ~~@QE@ سورة سبأ 50 # وقوله @QB@ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم @QE@ سورة إبراهيم 1 وأمثال ذلك من النصوص التي تبين أن الله هدى ~~العباد بكتابه المنزل على نبيه # وأما كون مجرد الوجوب بالشرع فلا يدل على إمكان الحصول بمجرد الشرع ونظير ~~هذا استدلال طائفة كالشيخ أبي الفرج الشيرازي على أن وجوبها وحصولها بالشرع ~~فقالوا لا يخلو إما أن تكون معرفة الباري وجبت أو حصلت بالشرع دون العقل أو ~~بالعقل دون الشرع أو بهما جميعا لا يجوز أن يكون ذلك بالعقل دون الشرع لما ~~بينا ولا يجوز أن يكون بالشرع والعقل لأنه لا يخلو إما أن يكون ما يعرف ~~بالعقل يوجد في الشرع أو ms1824 لا يوجد ولا يجوز أن يقال لا يوجد في الشرع لأن ~~الله تعالى قال @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ سورة الأنعام 38 وإذا ~~كان موجودا في الشرع فلا حاجة بنا إلى ذكر العقل # فيقال هذه الطريقة تفيد أن ذلك موجود في الشرع ويستدل عل PageV09P038 ذلك ~~بقوله @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ سورة النحل 89 # وقوله @QB@ ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء @QE@ سورة يوسف 111 # وقوله @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ سورة المائدة 3 ونحو ذلك مما فيه ~~الاستدلال بذلك أجود من الاستدلال بقوله @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~@QE@ لأن الكتاب هنا في أشهر القولين هو اللوح المحفوظ كما يدل عليه السياق ~~في قوله @QB@ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ~~ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ سورة الأنعام 38 # وإذا كان الشيء موجودا في الشرع فذلك يحصل بأن يكون في القرآن الدلالة ~~على الطرق العقلية والتنبيه عليها والبيان لها والإرشاد إليها والقرآن ملآن ~~من ذلك فتكون شرعية بمعنى أن الشرع هدى إليها عقلية بمعنى أنه يعرف صحتها ~~بالعقل فقد جمعت وصفي الكمال # وأيضا فإذا كان الشرع قد دل على شيء أو أوجبه وقدر أن في العقل ما يوافق ~~ذلك لم يضر ذلك وإن كان قد يستغنى عنه فلا يطعن في صحته للاستغناء عنه # وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالب الناس بالنظر والاستدلال ~~فهذا دليل قاطع على أن الواجب متأدى بدون الطرق التي أحدثها الناس وأبدعها ~~PageV09P039 # وأما الوجه الأول وهو قوله إن النبوة إذا ثبتت بقيام المعجز علم أن هناك ~~مرسلا أرسله لكون ثبوت الرسالة يستلزم ثبوت المرسل فهذا لا بد فيه من تقدير ~~وهذا الكلام الذي قاله من أن العلم بالرسول يتضمن العلم بالمرسل كلام صحيح ~~فإن العلم بالإضافة يستلزم العلم بالمضاف والمضاف إليه لكن المعترض يقول له ~~المعجزة لا تدل على الرسالة إلا بعد العلم بإثبات الصانع ثم يعلم بعد ذلك ~~صدق الرسول إما لكون يجرى مجرى ms1825 التصديق والعلم بذلك ضرورى في العادة واما ~~لكون المعجز المعجز لو لم يدل على الصدق للزم عجز الرب عن طريق يصدق به ~~الرسول وإما لكون تصديق الكذاب قبيحا وهو منزه عن فعل القبيح ونحو ذلك من ~~الطرق التي سلكها من سلكها من أهل النظر القائلين بأن صدق الرسول لا يعرف ~~الا بالمعجزة # والطريقان الأولان هما طريقا الأشعري وأصحابه ومن وافقهم كالقاضي أبي ~~يعلى وأمثاله والثاني هو طريق المعتزلة ومن وافقهم كأبي الخطاب وأمثاله # وأما القائلون بأن صدق الرسول يعرف بطرق أخرى غير المعجزة فلا يحتاجون ~~إلى هذا وقد بسط الكلام على ذلك في موضعه # والمقصود هنا أن قول القائل إن مثبتي النبوات تحصل لهم معرفة بالله بثبوت ~~النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول وإنا لا نمنع صحة النظر ولا ~~نمنع حصول المعرفة به وإنما خلافنا هل يحصل بغيره يحتاج إلى بيان حصول ~~المعرفة لمثبتي النبوات # والقاضي في هذا قد سلك مسلك الخطابي كما قد كتبنا كلامه PageV09P040 وقد ~~قال إنما يثبت عندهم أمر التوحيد من وجوه أحدها ثبوت النبوات بالمعجزات ~~التي أوردها نبيهم إلى قوله فلما استقر ما شاهدوه من هذه الأمور في أنفسهم ~~وثبت ذلك في عقولهم صحت عندهم نبوته وظهرت عن غيره بينونته ووجب تصديقه على ~~ما أنبأهم عنه من الغيوب ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله وإثبات صفاته ~~وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة ودلائل ~~الحكمة الشاهدة على أن لها صانعا حكيما عالما خبيرا تام القدرة بالغ الحكمة ~~وقد نبههم الكتاب عليه ودعاهم إلى تدبره وتأمله والاستدلال به على ثبوت ~~ربوبيته إلى آخر كلامه # وهذا الكلام يمكن تقريره بطرق # أحدها بأن يقال الإقرار بالصانع فطري ضروري لا يحتاج إلى نظر فإذا شوهدت ~~المعجزات أمكن أن يعلم بها صدق الرسول # الثاني أن يقال نفس المعجزات يعلم بها صدق الرسول المتضمن إثبات مرسله ~~لأنها دالة بنفسها على ثبوت الصانع المحدث لها وأنه أحدثها لتصديق الرسول ~~وإن لم يكن قبل ذلك قد تقدم ms1826 من العبد معرفة الإقرار بالصانع # وقد يقال إن قصة موسى من هذا الباب قا ل تعالى PageV09P041 @QB@ فاذهبا ~~بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل ~~معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت ~~فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت ~~منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي ~~أن عبدت بني إسرائيل قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما ~~بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال ~~أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ~~ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملإ حوله إن هذا لساحر ~~عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث ~~في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل ~~للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء ~~السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا ~~لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم ~~وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما ~~يأفكون فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون @QE@ ~~PageV09P042 سورة الشعراء 15 51 # وفي سورة طه @QB@ فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا ~~تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى @QE@ سورة طه 47 ~~إلى آخر القصة # ففرعون كان منكرا للصانع مستفهما عنه استفهام إنكار سواء كان في الباطن ~~مقرا به أو لم يكن ثم طلب من موسى آية فأظهر آيته ms1827 ودل بها على إثبات إلهية ~~ربه وإثبات نبوته جميعا # كما قال @QB@ لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك ~~بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ~~ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين @QE@ سورة الشعراء 29 33 # ولهذا قال السحرة لما عارضوا معجزته بسحرهم فبطل سحرهم وتبين أن تلك آية ~~لا يقدر عليها المخلوقين @QB@ قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون @QE@ ~~سورة الشعراء 47 48 فكان إيمانهم بالله لما شاهدوا معجزة موسى صلى الله ~~عليه وسلم فكانت المعجزة مبينة للعلم بالصانع وبصدق رسوله # وذلك أن الآيات التي يستدل بها على ثبوت الصانع تدل المعجزة PageV09P043 ~~كدلالتها وأعظم وإذا كانت دلالتها على صدق الرسول معلومة بالاضطرار كالمثل ~~الذي ضربوه في أن رجلا لو تصدى بحضرة ملك مطاع وقال إن كنت رسولك فانقض ~~عادتك وقم ثم اقعد ثم قم ثم اقعد فخرق الملك عادته وفعل ما طلبه المدعى على ~~وفق دعواه لعلم الحاضرون بالضرورة أنه فعل ذلك تصديقا له # فمن المعلوم أنه إذا تنازع رجلان هل داخل هذه الدار ناسخ يكتب خطا مليحا ~~فأخذ المدعى ورقا أبيض ومعه شعر قد صنعوه في تلك الحال في ورقة أخرى وقال ~~إن كان هناك ناسخ فلينسخ هذا الشعر في هذه الورقة البيضاء فأخرجت إليهم ~~الورقة البيضاء وقد كتب فيها ذلك الشعر تيقنوا أن هناك من ينسخ # فكذلك من نازع في إثبات صانع يقلب العادات ويغير العالم عن نظامه فأظهر ~~المدعى للرسالة المعجز الدال على ذلك علم بالضرورة ثبوت الصانع الذي يخرق ~~العادات ويغير العالم عن نظامه المعتاد # وبالجملة فانقلاب العصا حية أمر يدل نفسه على ثبوت صانع قدير عليم حكيم ~~أعظم من دلالة ما اعتيد من خلق الإنسان من نطفة فإذا كان ذلك يدل بنفسه على ~~إثبات الصانع فهذا أولى وليس هذا موضع بسط هذا # وإنما المقصود التنبيه على أن المعجزات قد يعلم بها ثبوت الصانع وصدق ~~رسوله معا وما ذكرناه من كون الإقرار بالصانع فطري ضروري ms1828 هو قول أكثر الناس ~~حتى عامة فرق أهل الكلام قال بذلك طوائف منهم من المعتزلة والشيعة وغيرهم ~~PageV09P044 # وكون المعرفة يمكن حصولها بالضرورة لم ينازع فيه إلا شذوذ من أهل الكلام ~~ولكن نازع كثير منهم في الواقع وزعم أن الواقع أنها لا تحصل لأكثر الناس ~~إلا بالنظر وجمهور الناس نازعوه في هذا وقالوا بل هي حاصلة لأكثر الناس ~~فطرة وضرورة # وابن الزاغوني ممن يقول بوجوب النظر وأن المعرفة لا تحصل إلا به حتى قال ~~فصل إذا قال القائل أنا أعتقد حدوث العالم والتوحيد وصحة الدين وأقر ~~بالنبوة لا بطريق النظر والاستدلال ولا عن نظر في حجة أو دليل لكن بطريق ~~التقليد في ذلك أو مما سوى ذلك مما لا يسند إلى معرفة ثابتة عن نظر في حجة ~~أو دليل بحيث ينتهي الاستدلال إلى العلم الحق فهذا ليس هو بمؤمن ولا نحكم ~~بأنه مؤمن عند الله ولا يثاب على هذا الإيمان بل هو معاقب ملوم على ترك ما ~~أمر به من العلم بالله وصحة الدين والنبوة والنظر فيما يقتضي به النظر فيه ~~إلى معرفته بذلك بطريق اليقين # قال وقالت طائفة هو مؤمن عندنا وعند الله إذا صادف اعتقاده التوحيد ~~والنبوة وما يجب عليه اعتقاده من الحق في المعارف الدينية سواء كان ممن ~~يتهيأ له ذلك بطريق القطع فيه بأدلته أو ممن لا يتهيأ له ذلك # قال وقالت طائفة هو مؤمن في الظاهر عندنا ولا نعلم هل هو مؤمن عند الله ~~أم لا وقالت طائفة نحكم بأنهم مؤمنون ما لم يخطر ببالهم ما يخالف ذلك من ~~التشبيه والحيز وإبطال النبوات وأعراض PageV09P045 الشبه في ذلك فإذا خطر ~~لهم شيء من ذلك وجب عليهم النظر والاستدلال لدفعه وأن لا يتمكثوا ولا ~~يتثبطوا عن النظر حتى يصلوا إلى عين الحق الرافع للشبهة فإن لم يصلوا إلى ~~ذلك لم يؤدوا ما فرض عليهم من الإيمان على حقه وإن عجزوا عن ذلك لم يكن ~~عجزهم عذرا عن الوصول إلى حقيقة الحق # قال وقالت طائفة لا يجب عليهم ذلك ms1829 ويحل لهم البقاء على ما هم عليه وأن لا ~~يعتقدوا في ذلك شيئا مع القيام على السنة # قال والدلالة عليه أنا قد قدمنا الدليل على وجوب معرفة الله وسائر ~~المعارف الدينية من التوحيد وصحة النبوة والدين وبينا أن حقيقة المعرفة ~~إنما تكون بالعلم وأبطلنا أن يكون التقليد طريقا إلى العلم وإنما يصل إلى ~~العلم به واليقين فيه إذا خرج عن الشبهة العارضة الموجبة للشك الناقلة عن ~~الحق وإذا ثبت ذلك بالأدلة المتقدمة فمدعى المعرفة مع ترك النظر والاستدلال ~~المؤدي إلى الدليل القاطع المتوقف على حقيقة التوحيد والمعارف الدينية مبطل ~~وإذا كان مبطلا في معرفته لم نحكم بإيمانه لأن الإيمان ها هنا هو التصديق ~~وإنما يصدق بما يزول معه الشك ويبرأ من عهدة الاشتباه وبسط الكلام في ذلك ~~على العادة المعروفة # وقد قال في كتابه الكبير الذي سماه منهاج الهدى فصل في معرفة الله وسائر ~~معارف الدين كسبية وليست حاصة بطريق الاضطرار # قال وقال طوائف منهم الجاحظ وصالح قبة وفضل PageV09P046 الرقاشي والصوفية ~~وكثير من الشيعة معارف الدين كلها حاصلة بطريق الضرورة ثم اختلفوا بعد ذلك ~~فقال طائفة منهم صالح قبة إن الله جعل معارف دينه ضرورة يبتديها ويخترعها ~~في قلوب البالغين من غير سبب متقدم ولا بحث ولا نظر وهو قول طائفة من ~~الشيعة # وقالت طائفة من الشيعة إن الله يخترعها في قلوب البالغين لكن من المحال ~~أن يفعلها فيهم إلا بعد فكر ونظر يتقدمها ثم يهب الله المعرفة لمن أحب كما ~~يهب الولد عند الوطء وقد يجوز أن لا يهبها مع النظر كما لا يهب الولد مع ~~الوطء # وقالت طائفة من الشيعة الخلق مضطرون إلى المعارف بالأسباب فإذا حصلت عن ~~الأسباب كانوا مختارين للمعرفة مضطرين اليها في حال واحدة فيكون مضطرا ~~للسبب مختارا للإرادة # وقال طائفة من المعتزلة القائلين بأن المعرفة ضرورة إن الله لا يخترع ~~شيئا من أمور الدين والدنيا وعلومهما اختراعا ولكنها تحدث من بعد الإرادة ~~وطباعا وأن الله خلق العباد وهيأهم لاكتساب الإرادة وما يحدث بعدها من ms1830 نظر ~~وغيره فهو واقع بالطبع وليس يضاف إلى الإنسان إلا على سبيل المجاز والاتساع # قال وقالت طائفة من المعتزلة منهم غيلان بن مروان إن PageV09P047 معرفة ~~الإنسان لنفسه ومعرفة صانعه وأنه غيره يضطر الإنسان إليها بالطبع فأما باقي ~~المعارف الدينية فكلها اكتساب # قال وقالت طائفة منهم أبو الهذيل العلاف معرفة العلم والدليل الذي يدعو ~~إلى معرفة الصانع اضطرار فأما ما يحدث بعدها من علم فعام بالقياس فذلك علم ~~اختيار واكتساب # قال وقالت طائفة منهم بشر بن المعتمر معرفة الإنسان نفسه ليست من فعله ~~ولا من كسبه ولا اضطرار إليها بل تخترع له وتخلق مخترعه في قلبه وما يدرك ~~بالحواس من علوم الديانات وغيرها اضطرار وما يعلم بالقياس اكتساب ويجوز ~~فيهما جميعا الاضطرار ويجوز فيهما جميعا أن يكون اكتسابا # قال وقالت طائفة من المعتزلة الناس مضطرون إلى ذلك على كل حال وليس لهم ~~في ذلك حيلة # قال وقالت طائفة من المعتزلة منهم الجاحظ معرفة الله تقع ضرورة في طباع ~~نامية عقب النظر والاستدلال PageV09P048 # قال وقالت الجبرية ومتقدمهم جهم بن صفوان معرفة الله تقع باختيار الله لا ~~باختيار العبد وبنوه على مذهبهم في الجبر # قال ابن الزاغوني وتفيد هذه المسألة فائدة حكمية وهو أن القائل بمعرفة ~~الله واجبة بطريق الكسب يقول إن الله يعاقب العبد على جهله بالله وجهله ~~بالدين واعتقاد الباطل وأما من قال إنها ضرورية فإنه يقول فائدة ذلك أنه لا ~~يجوز أن يعذب الله الجاهل على جهله وعلى أنه لم يكتسب المعرفة لأن ذلك ليس ~~من مقدوراته وإنما يعذبه على جحده وإنكاره لما عرفه إياه بطريق اضطراره له ~~إليه $ فصل # وما ذكرناه من أن الرسل صلوات الله عليهم بينوا للناس الطرق العقلية ~~ونبهوهم عليها وهدوهم إليها كما أنه معلوم لنا فهو مما ذكره طوائف من أئمة ~~الكلام والفلسفة وأعظم المتكلمين المعظمين للطرق العقلية هم المعتزلة فإنهم ~~يقولون كما أن المعرفة لا تحصل ابتداء إلا بالعقل فإنهم يقولون بأنها واجبة ~~بالعقل بناء على القول بأن العقل يعرف به الإيجاب والتحريم والتحسين ms1831 ~~والتقبيح # وهذا الأصل تنازع فيه المتأخرون من عامة الطوائف فلكل طائفة من أصحاب ~~مالك والشافعي وأحمد فيه قولان وأما الحنفية فالمعروف عنهم القول بتحسين ~~العقول وتقبيحه ونقلوا ذلك عن أبي حنيفة نفسه وإنه كان يوجب بالعقل معرفة ~~الله تعالى # ولأن ولأصحاب الحديث والصوفية وغيرهم في هذا الأصل نزاع ومن PageV09P049 ~~القائلين بتحسين العقل وتقبيحه من أهل الحديث أبو نصر السجزي وأبو القاسم ~~سعد بن علي الزنجاني وغيرهما وذكروا أن إنكار ذلك من بدع الأشعري ا لتي لم ~~يسبق إليها وممن قال ذلك من أصحاب أحمد أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب ~~وغيرهما بل ذكروا أن هذا قول جمهور الناس وذكروا مع ذلك أن الرسل أرشدت إلى ~~الطرق العقلية كما أمرت بالواجبات العقلية فهم مع قولهم بتحسين العقل ~~وتقبيحه يقولون إن الرسل بينت ذلك ووكدته وهكذا مع قولهم بأن المعرفة تحصل ~~بالأدلة العقلية يقولون إن الرسل بينت ذلك ووكدته فما يعلم بالعقل من الدين ~~هو عندهم جزء من الشرع والكتاب والسنة يأتي على المعقولات الدينية عندهم # قال أبو الخطاب في تمهيده اختلف أصحابنا هل في قضاء العقل حظر وإباحة ~~وإيجاب وتحسين وتقبيح أم لا فقال أبو الحسن التميمي في قضايا العقل ذلك حتى ~~لا يجوز أن يرد الشرع بحظر ما كان في العقل واجبا كشكر المنعم والعدل ~~والإنصاف وأداء الأمانة ونحو ذلك ولا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل ~~محظورا نحو الظلم والكذب وكفر النعمة والخيانة وما أشبه ذلك PageV09P050 # قال وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وعامة الفلاسفة # قال وقال شيخنا يعني القاضي أبا يعلى ليس في قضايا العقل ذلك وإنما يعلم ~~ذلك من جهة الشرع وتعلق بقول أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار ليس في ~~السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول وإنما هو الاتباع # قال أبو الخطاب وهذه الرواية إن صحت عنه فالمراد به الأحكام الشرعية التي ~~سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعها # قلت قول أحمد لا تدركها العقول أي أن ms1832 عقول الناس لا تدرك كل ما سنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنها لو أدركت ذلك لكان علم الناس كعلم الرسول ~~ولم يرد بذلك أن العقول لا تعرف شيئا أمر به ونهي عنه ففي هذا الكلام الرد ~~ابتداء على من جعل عقول الناس معيارا على السنة ليس فيه رد على من يجعل ~~العقول موافقة للسنة # قال أبو الخطاب وبهذا القول قالت الأشعرية وطائفة من المجبرة وهم الجهمية # قال وعلى هذا يخرج وجوب معرفة الله هل هي واجبة بالشرع حتى لو لم يرد ما ~~يلزم أحدا أن يؤمن بالله وأن يعترف بوحدانيته ويوجب شكره أم لا فمن قال يجب ~~بالشرع يقول لا يلزم شيء من ذلك لو لم يرد الشرع ومن قال بالأول قال يجب ~~على كل عاقل الإيمان بالله والشكر له PageV09P051 # ووجه ذلك أنه لو لم يكن في العقل إيجاب وحظر لم يتمكن المفكر أن يستدل ~~على أن الله سبحانه لا يكذب خبره ولا يؤيد الكذاب بالمعجزة إذ لا وجه في ~~العقل لاستقباحه وخروجه عن الحكمة قبل الخبر عندهم وإذا كان كذلك لم يأمن ~~العاقل كون كل خبر ورد عنه أنه كذب وكل معجزة رآها أن يكون قد أيد بها ~~الكذاب المتخرص وفي ذلك ما يمنع الأخذ بخبر السماء والانقياد لمعجزات ~~النبوة الدالة على صدقها ولما وجب اطراح هذا القول والاعتقاد بأن الله جلت ~~عظمته منزه عن الكذب متعال عن تأييد المتخرص بالمعجزة ثبت أن ذلك إنما قبح ~~وحظر في العقل وامتنع في الحكمة # قلت هذه طريقة معروفة للقائلين بالتحسين والتقبيح العقليين ويقولون إنهم ~~يعلمون بتلك أن الله منزه عن أن يفعل القبيح كالكذب وتصديق الكاذب المدعي ~~للنبوة بالمعجزة الدالة على صدقه وإن كان ذلك ممكنا مقدورا له لكن لا يفعله ~~لقبحه وخروجه عن الحكمة وهم يقولون إنه بهذه الطريقة يعلم صدق الأنبياء # والذين ينازعونهم كالأشعري وأصحابه وابن حامد والقاضي أبي يعلى وابن عقيل ~~وابن الزاغوني وغيرهم يسلكون في المعرفة بتصديق الأنبياء غير هذه الطريق # إما طريقة القدرة كما ms1833 سلكها الأشعري في أحد قوليه والقاضيان أبو بكر وأبو ~~يعلى وغيرهما وهو أنه لا طريق إلى تصديق النبي غير المعجزة فلو لم تكن دالة ~~على التصديق للزم عجز الباري عن تصديق الرسل PageV09P052 # وإما طريقة الضرورة كما سلكها الأشعري في قوله الآخر وأبو المعالي وطوائف ~~أخر وإما غير ذلك من الطرق التي بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع # وليس المقصود هنا بسط الكلام في هذه المسائل بل المقصود أن جميع الطوائف ~~حتى أئمة الكلام والفلسفة معترفون باشتمال ما جاءت به الرسل على الأدلة ~~الدالة على معرفة الله وتصديق رسله كما سيأتي ذكره في كلام القائلين ~~بالتحسين والتقبيح العقليين والفلاسفة وغيرهم # قال أبو الخطاب دليل آخر أنه غير ممتنع أن يخطر للعاقل أنه لم يخلق نفسه ~~ولا خلقه من هو مثله من أبيه وأمه إذ لو كانا قادرين على ذلك لكان هو أيضا ~~قادرا وكانا يقدران على خلق غيره وهو يعلم أنهما لايقدران فيعلم أن له ~~خالقا من غير جنسه خلقه وخلق أبويه ثم يرى إنعامه عليه بإكماله وتسخير ما ~~سخر له من المأكول والمشروب والأنعام وغير ذلك كإقداره عليهم ويخطر له أنه ~~إن لم يعترف له بذلك ويشكره أنه يعاقبه وإذا جوز ذلك وجب عليه في عقله دفع ~~الضرر والعقاب بالتزام الشكر # فإن قيل كما يجوز أن يخطر له ما ذكرتم يجوز أن يخطر له أن له خالقا أنعم ~~عليه وأنه غني عن شكره وجميع ما يتقرب به إليه ويخاف من تكلف له ذلك أن ~~يسخط عليه ويقول من أنت حتى تقابلني بالشكر وتعتقد أنه جزاء نعمتي وما أصنع ~~بشكر مثلك ونحو ذلك وفي هذا ما يمنعه من التزام شيء من جهة عقله ~~PageV09P053 # قال والجواب أن العاقل مع اعترافه بحكمة خالقه لا يتوهم أنه يسخط على من ~~شكره وتذلل له وتضرع إليه وإن كان غنيا عن ذلك لأن الذي بعثه على الشكر ليس ~~هو اعتقاد حاجة خالقه إلى الشكر ولا أن شكره يقومن بإزاء النعمة عليه ~~فيمتنع لعلمه بغناه عن ms1834 ذلك وإنما الباعث له حسن الشكر والتذلل والتعظيم ~~للمنعم من بدائه العقول والحكيم لا يسخط ما هذا سبيله فإذا قد أمن عاقبة ~~الإقدام على الشكر ولم يأمن عاقبة العقاب على تركه فيجب في عقله توخي ذلك ~~وصار مثال ذلك أن يقال للعاقل في الطريق مفسدون يأخذون المال ويقتلون النفس ~~أو سباع تفترس الآدمي ويقال له أنت ما معك قليل نذر والمفسدون قد استغنوا ~~بما قد أخذوا فلعلهم لا يعرضون لك أنفة من قلة مالك والسباع قد افترست ~~جماعة فقد شبعوا فلعلهم لا يعرضون لك فإن في العقل يجب عليه التوقف عن سلوك ~~ذلك الطريق لا الإقدام عليه كذلك ها هنا # قلت مضمون ذلك أن العقل يوجب سلوك الأمن دون طريق الخوف # قال دليل ثالث أنه لو لم يكن في قضاء العقول إلزام وحظر لأمكن العاقل أن ~~لا يلزمه شيء أصلا لأنه متى قصد بالخطاب سد سمعه فلم يسمع الخطاب ~~PageV09P054 # كما أخبر الله عن قوم نوح @QB@ وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم ~~في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا @QE@ سورة نوح 7 فلما ~~علمنا أنه يجوز بعقله أن يكون في الخبر الذي خوطب به نجاته وسلامته من ~~الهلاك وفي الإعراض عنه بسد أذنه هلاكه ودماره ثبت أن في عقله وجوب الإصغاء ~~إلى الخبر وحظر الإعراض عنه وذلك وصية العقل لا السمع # قال دليل رابع أن العقلاء أجمعوا على قبح الكذب والظلم والخيانة وكفران ~~النعمة وحسن العدل والإنصاف والصدق وشكر المنعم من أقر منهم بالنبوة ومن ~~جحدها ولهذا يرى الدهرية وأهل الطبائع في ذلك كأهل الأديان بل أكثر فدل على ~~أنهم استفادوا ذلك من العقل لا من الأنبياء وإذا ثبت أن فيها تحسينا ~~وتقبيحا ثبت أن فيها حظرا وإباحة وقد صرح عليه السلام بذلك لما عرض نفسه ~~على القبائل # دليل خامس أنا نجد الحمد على الجميل والذم على القبيح يلزمان مع وجود ~~العقل ويسقطان مع عدمه فلولا أنه مقتض للحسن والقبح لم يكن لتخصيص العاقل ~~بالذم على القبيح والمدح على الحسن ms1835 معنى وإذ قد وجدنا ذلك دل على أن في ~~العقل حظرا أو إلزاما # دليل سادس أن التكليف محال إلا مع العقل ولهذا لا يكلف الشرع شيئا إلا ~~بعد كمال عقولنا فدل على أن السمع يعلم بالعقول وإذا كان معلوما به والعقل ~~متقدم عليه ولا تقف معرفته على الشرع استحال أن يقال طريق معرفة الله السمع ~~وكيف يتصور ذلك ونحن لا نعلم وجوب النظر بقول الرسول حتى نعلم أنه رسول ولا ~~نعلم أنه رسول PageV09P055 حتى نعلم أنه مؤيد بالمعجزة ولا نعلم أنه مؤيد ~~بالمعجزة حتى نعلم أن التأييد من الله سبحانه ولا نعرف التأييد من الله حتى ~~نعرفه ونعلم أنه لا يؤيد الكذاب المعجزة ولا نعرف ذلك إلا بفهم العقل الذي ~~هو نوع من العلوم الضرورية فدل على أن معرفته سبحانه بالعقل # دليل سابع لو لم تجب معرفته بالعقل لوجب أن يجوز على الله أن ينهى عن ~~معرفته وأن يأمر بكفره وعصيانه والجور والكذب كما يجوز أن ينسخ ما شاء من ~~السمعيات ويوجب ما كان قد نهى عنه فلما لم يكن ذلك دل على أن ذلك غير ثابت ~~بالسمع وإنما يثبت بالعقل الذي لا يتغير ولا يجوز نكثه ونسخه # دليل آخر أن الله وهب العقل وجعله كمالا للآدمي وإذا أغفل النظر وضيع ~~العقل إذا لم يقتبس منه خيرا وإذا كان لا يقبح شيئا ولا يحسنه فوجوده وعدمه ~~سيان وهذا لا يقوله عاقل # وأيضا يدل على ذلك عبارة ملخصه أن من وجد نفسه مؤثرا بآثار الصنعة ~~مستغرقا في أنواع النعمة لم يستبعد أن يكون له صانع صنعه وتولى تدبيره ~~وأنعم عليه وأنه إن لم ينظر في حقيقة ذلك ليتوصل إلى الاعتراف له والتزام ~~شكره عوقب على ما أغفل من النظر وضيع من الاعتراف والشكر فإن العقل سيلزمه ~~النظر لا محالة إذ لا شيء أقرب إلى الإنسان من النظر فدل على وجوبه بالعقل # قلت هذه الأدلة فيها للمنازعين كلام يحتاج معه إلى فصل الخطاب كما ذكر في ~~موضعه وهذه الطريقة التي سلكها أبو ms1836 الخطاب وغيره من أهل النظر من المعتزلة ~~وغيرهم بنوها على أن معرفة الله تحصل PageV09P056 بالاستدلال بنفس الإنسان ~~ولا يحتاج مع ذلك إلى إثبات حدوث الأجسام كما سلك الأشعري أيضا هذه الطريقة # قال أبو الخطاب احتج الخصم بظواهر الآي كقوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا @QE@ سورة الإسراء 15 ولم يقل حتى نجعل عقولا # وقوله تعالى @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل @QE@ سورة النساء 165 ولم يقل بعد العقل # وقوله @QB@ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى @QE@ سورة طه 134 وغير ذلك من ~~الآيات فجعل الحجة والعذاب يتعلق بالرسل # فثبت أنه لا يثبت بالمعقول حجة ولا عذاب # وقال والجواب أن الله بعث الرسل يأمرون بالشرائع والأحكام وينذرونهم قرب ~~الساعة ووقوع الجزاء على الأعمال ويبشرونهم على الطاعة وشكر النعمة بدوام ~~ومزيدها في دار الخلود ويخوفونهم على المعصية بالعذاب الشديد ويكونوا شهودا ~~على أعمالهم # وقد قال تعالى @QB@ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا @QE@ سورة الفتح 8 # وقال @QB@ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا @QE@ ~~سورة النساء 41 # وهذا بعد أن يعرفوا الله بعقولهم ويردون الشبهات المؤدية إلى التعطيل ~~PageV09P057 والتشبيه بالحكمة التي جعل الله فيهم والنور العقلي المفرق بين ~~الحق والباطل وإلا فنحن نعلم أن المفكر إذا خطر بباله أن الكتاب لعله مخترع ~~مختلق من جهة مخلوق والرسول لعله متخرص متمخرق لم يخرج ذلك من قلبه الرجوع ~~إلى الآيات والسنة وهو يتوهم فيها ما ذكرنا وإنما يرجع إليه بعد ما ثبت ~~عنده حقيقة التوحيد وصدق الرسول وأن القرآن كلام الله الذي لا يجوز عليه ~~الكذب وعرف محكم الكتاب من متشابهه وعرف طرق الأخبار وما يجب فيها فإنه ~~يستغنى حينئذ عن النظر بعقله # قال فإن قيل هذا توهين لأمر الرسل وجعلهم لا يغنون في التوحيد شيئا وإنما ~~يفيد بعثهم في الفروع وأنه لا فائدة في الآيات التي ذكر فيها التوحيد ~~والدعوة إليه # ثم ms1837 قال والجواب أنا نقول بل لهم في الأصول أعظم فائدة لأنهم ينبهون ~~العقول الغافلة ويدلون على المواضع المحتاج إليها في النظر ليسهل سبيل ~~الوقوف عليها كما يسهل من يقرأ عليه الكتاب على المتعلم بأن يدله على ~~الرموز ويبين له مواضع الحجة والفائدة وإن كان ذلك لا يغنيه عن النظر في ~~الكتاب وقراءته # وأيضا فإنه بعثهم لتأكيد الحجة فيؤكدون الحجة على العباد كيلا يقولوا ~~خلقت لنا الشهوات وشغلتنا بالملاذ عن التفكر والتدبر فغفلنا فقطع الله ~~سبحانه حجتهم بالرسل PageV09P058 # ألا ترى أنه قال تعالى @QB@ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم ~~النذير @QE@ سورة فاطر 37 فجعل الحجة عليهم طول العمر للتفكر والتذكر ثم ~~التدبر للتنبيه # قلت فهؤلاء الذين يقولون بوجوب المعرفة بالعقل وأنها لا تحصل إلا بالعقل ~~ذكروا أن الرسل بينوا الأدلة العقلية التي يستدل بها الناظر كما نبهوا ~~الغافل ووكدوا الحجة إذ كانوا ليسوا بدون من يتعلم الحساب والطب والنجوم ~~والفقه من كتب المصنفين لا تقليدا لهم فيما ذكروه لكن لأنهم يذكرون من ~~الكلام ما يدله على الأدلة التي يستدل بها بعقله فهداية الله لعباده بما ~~أنزله من الكتب وإرشاده لهم إلى الأدلة المرشدة والطرق الموصلة التي يعمل ~~الناظر فيها بعقله ما يؤدي إليه من المعرفة أعظم من كلام كل متكلم فإن خير ~~الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم # وأبو الخطاب يختار ما يختاره كثير من الحنفية أو أكثرهم مع من يقول ذلك ~~من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم من أن الواجبات العقلية لا يشترط فيها ~~البلوغ بل تجب قبل البلوغ بخلاف الواجبات الشرعية # قال واحتج بأنه لو كان في العقل إلزام وحظر لوجب أن يكون لمعرفة الحسن ~~والقبح أصل في أوائل العقول يترتب عليه ما سواه ألا ترى أن للقدم والحدث ~~فيها أصلا ولو كان ذلك كذلك لكان من أنكر الحسن والقبح مكابرا لعقله مغالطا ~~لنفسه لأن جاحد ما يثبت في البدائة مكابر PageV09P059 # قال والجواب أن للحسن والقبح أصلا في بدائة العقول وهو علمنا ms1838 بحسن شكر ~~المنعم والإنصاف والعدل وقبح الكذب والجور والظلم ومنكر ذلك مكابر لكافة ~~العقلاء إلا أن من العقلاء من قال لا أعرف ذلك بضرورة العقل وإنما أعرفه ~~بالنظر والخبر فذلك مقر بالحسن والقبح ومدع غير طريق الجماعة فيه فنتكلم في ~~ذلك ونبين له أن الجاهلية وعبدة الأصنام ومن لم تبلغه الدعوة يعلم ذلك كما ~~يعلمه أهل الأديان فسقط أن يكون طريقه إلا العقل وعلى أن القدم والحدوث ~~لهما أصل في بدائة العقول ثم الخلف في ذلك واقع # ولا يقال إن مخالفنا مكابر عقله واحتج بأنه أجمع القائلون بأن في العقل ~~إلزاما وحظرا على أنه لا يلزم ولا يحظر إلا بتنبيه يرد عليه فإذا ثبت هذا ~~قلنا يجب أن يكون ذلك التنبيه بخبر الشرع لا الخواطر لأن الخواطر يجوز أن ~~تكون من الملك ومن الشيطان ومن ثوران المرة وما أشبه ذلك وإذا جاز ذلك فيها ~~لم نلتفت إلى تنبيهها والتفتنا إلى ما تؤثر به وهو خبر الشرع فإذا عدم خبر ~~الشرع ثبت أنه لا إلزام ولا حظر في ذلك # وقال والجواب أنه لا بد أن ينبه على معرفة حسن الشكر بخطور النعمة بباله ~~من منعم قصد الإحسان إليه فإنه إذا خطر له نعمه عليه على ما ذكرنا ألزمه ~~عقله الشكر لا محالة سواء نبه على ذلك وسوسة أو إلهام ولذلك مهما خطر بباله ~~كفران النعمة عرف قبحه ومهما خطر بباله أن القبيح لا يبعد أن يكون سببا ~~لهلاكه وعقابه وأن يكون ضده سببا PageV09P060 لنجاته فإنه يلزمه النظر في ~~ذلك سواء كانت الخطرة من الملك أو من الشيطان فثبت أن التنبيه لا يقف على ~~خبر السماء ثم يلزم أن الحدوث والقدم لا يكون إلا بتنبيه ثم ذلك خاطر عقلي ~~ولا يقال يقف على تنبيه الشرع # قال واحتج بأن الأمة أجمعت أن التكليف يقف على البلوغ وليس العقل موصوفا ~~بذلك من قبل أن الغلام إذا احتلم فليس يستحدث عقلا وإنما ذلك عقل قبل بلوغه ~~فبان أن العقل لا يوجب شيئا ولا يحظره # وقال ms1839 الجواب أن الموقوف من التكليف على البلوغ هو تكليف الشرعيات خاصة ~~فأما الأحكام المستفادة بالعقل فإنها تلزم الإنسان إذا استفاد من العقل ما ~~يمكنه أن يفعل به بين الحسن والقبيح فلا نسلم ما ذكروه # قلت هذا الذي قاله هو قول كثير من الحنفية وأهل الكلام المعتزلة وغيرهم ~~من القائلين بتحسين العقل وتقبيحه فإن هؤلاء لهم في الوجوب قبل البلوغ ~~قولان وكثير ممن يقول بتحسين العقل وتقبيحه هم ونفاة ذلك من الطوائف ~~الأربعة ينفون الوجوب قبل البلوغ # وقد ذكر طائفة من مصنفي الحنفية في كتبهم قالوا وجوب الإيمان بالعقل مروي ~~عن أبي حنيفة وقد ذكر الحاكم الشهيد في المنتقى PageV09P061 عن أبي يوسف عن ~~أبي حنيفة أنه لا عذر لأحد بالجهل بخالقه لما يرى من خلق السماوات والأرض ~~وخلق نفسه وسائر خلق ربه # قالوا ويروى عنه أنه قال لو لم يبعث الله رسولا لوجب على الخلق معرفته ~~بعقولهم قالوا وعليه مشايخنا من أهل السنة والجماعة حتى قال أبو منصور ~~الماتريدي في صبي عاقل إنه يجب عليه معرفة الله وإن لم يبلغ الحنث قالوا ~~وهو قول كثير من مشايخ العراق ومنهم من قال لا يجب على الصبي شيء قبل ~~البلوغ كما لا تجب عليه العبادات البدنية بالاتفاق # قلت هذا الثاني قول أكثر العلماء وإن كان القول بالتحسين والتقبيح يقول ~~به طوائف كثيرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كما يقول به هؤلاء الحنفية ~~وتنازع هؤلاء الطوائف في مسألة الحظر والإباحة وأن الأعيان قبل ورود الشرع ~~هل هي على الحظر أو الإباحة لا يصح إلا على قول من يقول إنه بالعقل يعلم ~~الحظر والإباحة وأما من قال إن العقل لا يعلم به ذلك ثم قال بأن هذه ~~الأعيان قبل ورود الشرع على حظر أو إباحة فقد تناقض في ذلك وقد رام منهم من ~~تفطن لتناقضه أن يجمع بين قوليه فلم يتأت كقول طائفة إنه بعد الشرع علمنا ~~به أن الأعيان كانت محظورة أو مباحة ونحو ذلك من الأقوال الضعيفة وليس هذا ~~موضع بسط ذلك # لكن ms1840 المقصود هنا أن الأكثرين على انتفاء التكليف قبل البلوغ لقوله صلى ~~الله عليه وسلم رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وهو ~~معروف في السنن وغيرها متلقى عند الفقهاء بالقبول من PageV09P062 حديث علي ~~وعائشة وغيرهما # وأيضا فإن قتل الصبي من أهل الحرب لا يجوز باتفاق العلماء # وأيضا فالناس مع تنازعهم في أولاد الكفار هل يدخلون الجنة أو النار أو ~~يتوقف فيهم لم يفرق أحد علمناه بين المميز وغيره بل المنصوص عن أحمد وغيره ~~من أئمة السنة وهو المشهور عنهم الوقف فيهم # وذهب طائفة إلى أنهم في النار كما اختاره القاضي أبو يعلى وغيره وذكروا ~~أن أحمد نص على ذلك وهو غلط عن أحمد فإن المنصوص عنه أنه أجاب فيهم بجواب ~~النبي صلى الله عليه وسلم الله أعلم بما كانوا عاملين وهو في الصحيحين من ~~حديث أبي هريرة وفي الصحيح أيضا من حديث ابن عباس # لكن هذا الحديث روى أيضا في حديث يروى أن خديجة سألته عن أولادها من غيره ~~فقال هم في النار فقالت بلا عمل فقال الله أعلم بما كانوا عاملين فظن هؤلاء ~~أن أحمد أفتى بما في حديث PageV09P063 خديجة كما ذكر ذلك القاضي في المعتمد ~~وهذا غلط على أحمد فإن هذا الحديث ضعيف بل موضوع وأحمد أجل من أن يعتمد على ~~مثل هذا الحديث والحديث متناقض ينقض آخره أوله # وذهبت طائفة إلى أنهم في الجنة كأبي الفرج بن الجوزي وغيره والذين قالوا ~~بالوقف فسره بعضهم بأنه يدخل فريق منهم الجنة وفريق النار بحسب تكليفهم يوم ~~القيامة كما جاء في ذلك عدة آثار وهذا هو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة ~~والحديث وقد بسطنا هذا فيما تقدم # والمقصود هنا أنا لم نعلم من السلف من قال إنه فرق فيمن لم يبلغ بن صنف ~~وصنف في القتل أو في عقاب الآخرة بل الفقهاء متفقون على أن العقوبات التي ~~فيها إتلاف كالقتل والقطع لا تكون إلا لبالغ لكن قد يجمع بين هذا وهذا بأن ~~يقال الإثم الموجب لعقاب ms1841 الآخرة مرفوع عمن لم يبلغ وكذلك العقوبات الدنيوية ~~التي فيها إتلاف فأما التعزير بالضرب ونحوه فلم يرفع عن المميز من الصبيان # بل قال النبي صلى الله عليه وسلم مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ~~وفرقوا بينهم في المضاجع فأمر بضربهم على ترك الواجب الشرعي الذي هو الصلاة ~~فضربهم على الكذب والظلم أولى وهذا مما لا يعلم بين العلماء فيه نزاع أن ~~الصبي يؤذى على ما يفعله من القبائح وما يتركه من الأمور التي يحتاج إليها ~~في مصلحته PageV09P064 # وهذا النزاع من لزوم الواجبات العقلية للمميزين عند من يقول بالإيجاب ~~العقلي نظير النزاع في الواجبات الشرعية فإن أحد القولين في مذهب الإمام ~~أحمد وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز أن الصلاة تجب على ابن عشر وكذلك الصوم ~~يجب عليه إذا أطاقه # وحينئذ فإيجاب أبي الخطاب وموافقيه للتوحيد أولى من هذا بل يقال لو لم ~~يقل بالوجوب العقلي فإنه يجب أن يقال إن الصبي يجب عليه الإقرار بالشهادتين ~~قبل وجوب الصلاة عليه فإن وجوبهما متقدم على وجوب الصلاة بالاتفاق وأما ما ~~يجب في مال الصبي من النفقات وقضاء الديون وغيره والعشور والزكوات عند ~~الجمهور الذين يوجبون الزكاة في ماله فذلك لا يشترط فيه التمييز باتفاق ~~المسلمين بل يجب ذلك في مال المجنون أيضا وفي مال الطفل # وللفقهاء في إسلام الصبي وردته وإحرامه وغير ذلك من أقواله وأفعاله كلام ~~معروف ليس هذا موضع بسطه وفي ذلك من تناقض أقوال بعضهم ورجحان بعض الأقوال ~~على بعض ما ليس هذا موضعه وإنما المقصود هنا أن أعظم الناس تعظيما للعقل هم ~~القائلون بأنه يوجب ويحظر ويحسن ويقبح كالمعتزلة والكرامية والشيعة ~~القائلين بذلك ومن وافقهم من طوائف الفقهاء والعلماء # وأما الفلاسفة فالنقل عنهم مختلف لتناقض كلامهم فالمشهور عنهم أن العقل ~~يحسن ويقبح كما نقله أبو الخطاب عنهم # ولكن كلامهم في مبادىء المنطق وقولهم إن هذه القضايا من المشهورات لا من ~~البرهانيات لما رأى الناس أنه يناقض ذلك صاروا PageV09P065 يحكون عنهم أنهم ~~لا يقولون بتحسين العقل وتقبيحه كما نقله ms1842 الرازي وغيره فإذا كان المتكلمون ~~القائلون بتحسين العقل وتقبيحه وأنه لا طريق إلى المعرفة إلا به وأنه ~~يوجبها يعني على المميزين يقولون مع ذلك إن الشرع بين هذه الطرق العقلية ~~وأرشد إليها ودل الناس عليها ووكدها وقررها حتى تمت الحجة به على الخلق ~~فجعلوا ما جاء به الشرع متضمنا للمقصود بالعقل من غير عكس حتى صارت ~~العقليات النافعة جزء من الشرع فكيف غيرهم من طوائف أهل النظر وكذلك ~~الفلاسفة ذكروا ذلك كما ذكره أبو الوليد بن رشد الحفيد لما قسم الناس إلى ~~أربعة أصناف كما سيأتي $ فصل # قد ذكرنا ما تيسر من طرق الناس في المعرفة بالله ليعرف أن الأمر في ذلك ~~واسع وأن ما يحتاج الناس إلى معرفته مثل الإيمان بالله ورسوله فإن الله ~~يوسع طرقه وييسرها وإن كان الناس متفاضلين في ذلك تفاضلا عظيما وليس الأمر ~~كما يظنه كثير من أهل الكلام من أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بطريق ~~يعينونها وقد يكون الخطأ الحاصل بها يناقض حقيقة الإيمان كما أن كثيرا منهم ~~يذكر أقوالا متعددة والقول PageV09P066 الذي جاءت به الرسل وكان عليه سلف ~~الأمة لا يذكره ولا يعرفه # وهذا موجود في عامة الكتب المصنفة في المقالات والملل والنحل مثل كتاب ~~أبي عيسى الوراق والنوبختي وأبي الحسن الأشعري والشهرستاني تجدهم يذكرون من ~~أقوال اليهود والنصارى والفلاسفة وغيرهم من الكفار ومن أقوال الخوارج ~~والشيعة والمعتزلة والمرجئة والكلابية والكرامية والمجسمة والحشوية أنواعا ~~من المقالات # والقول الذي جاء به الرسول وكان عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين ~~لا يعرفونه ولا يذكرونه بل وكذلك في كتب الأدلة والحجج التي يحتج بها ~~المصنف للقول الذي يقول إنه الحق تجدهم يذكرون في الأصل العظيم قولين أو ~~ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك وينصرون أحدها ويكون كل ما ذكروه أقوالا ~~فاسدة مخالفة للشرع والعقل والقول الذي جاء به الرسول وهو الموافق لصحيح ~~المنقول وصريح العقول لا يعرفونه ولايذكرونه فيبقى الناظر في كتبهم حائرا ~~ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه ولكن قد يستفيد من رد ms1843 بعضهم على بعض علمه ~~ببطلان تلك المقالات كلها # وهذا موجود في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة متقدميهم PageV09P067 ~~ومتأخريهم إلى كتب الرازي والآمدي ونحوها وليس فيها من أمهات الأصول الكلية ~~والإلهية القول الذي هو الحق بل تجد كل ما يذكرونه من المسائل وأقوال الناس ~~فيها إما أن يكون الكل خطأ وإما أن يذكروا القول الصواب من حيث الجملة مثل ~~إطلاق القول بإثبات الصانع وأنه لا إله إلا هو وأن محمدا رسول الله لكن لا ~~يعطون هذا القول حقه لا تصورا ولا تصديقا فلا يحققون المعنى الثابت في نفس ~~الأمر من ذلك ولا يذكرون الأدلة الدالة على الحق وربما بسطوا الكلام في بعض ~~المسائل الجزئية التي لا ينتفع بها وحدها بل قد لا يحتاج إليها # واما المطالب العالية والمقاصد السامية من معرفة الله تعالى والإيمان به ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فلا يعرفونه كما يجب وكما أخبر به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يذكرون من ذلك ما يطابق صحيح المنقول ولا ~~صريح المعقول # وابن رشد الحفيد واحد من هؤلاء ولهذا لما ذكر أصناف الأمة وجعلهم أربعة ~~أقسام باطنية وحشوية ومعتزلة وأشعرية جرى PageV09P068 في ذلك على طريق ~~أمثاله من أهل الكلام والفلسفة وهو قد نبه على كثير مما جاء به القرآن كما ~~سنذكره عنه # لكن المقصود أنه في تقسيم الأمة لم يذكر القسم الذي كان عليه السلف ~~والأئمة وعليه خيارها إلى يوم القيامة لكنه صدق في وصفه من ذكره بالتقصير ~~من مقصود الشرع فإنه كما قال قال وذلك أنه يظهر من غير ما آية من كتاب الله ~~تعالى أنه دعا الناس فيها إلى التصديق بوجود الباري تعالى بأدلة عقلية ~~منصوص عليها فيها مثل قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم @QE@ الآيات سورة البقرة 21 ومثل قوله @QB@ أفي الله ~~شك فاطر السماوات والأرض @QE@ سورة إبراهيم 10 إلى غير ذلك من الآيات ~~الواردة في هذا المعنى # قال وليس لقائل أن يقول إنه لو كان واجبا على كل من آمن ms1844 بالله أن لا يصح ~~إيمانه إلا من قبل وقوفه على هذه الأدلة PageV09P069 لكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يدعو أحدا إلى الإسلام إلا عرض عليه هذه الأدلة فإن العرب ~~كلها كانت تعترف بوجود الباري سبحانه وتعالى # ولذلك قال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ~~@QE@ سورة لقمان 25 ولا يمتنع أن يوجد من الناس من يبلغ به فدامة الطبع ~~وبلادة القريحة إلى أن لا يفهم شيئا من الأدلة الشرعية التي نصبها الشارع ~~للجمهور وهذا فهو أقلى الوجود فإذا وجد ففرضه الإيمان بالله من جهة السماع # قال فهذه حال الحشوية مع ظاهر الشرع # قال وأما الأشعرية فإنهم رأوا أن التصديق بوجود الباري تعالى لا يكون إلا ~~بالعقل لكن سلكوا في ذلك طرقا ليست هي الطرق الشرعية التي نبه الله عليها ~~ودعا الناس إلى الإيمان به من قبلها وذلك أن طريقتهم المشهورة انبنت على ~~بيان أن العالم محدث وانبنى عندهم PageV09P070 حدوث العالم على القول ~~بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ وأن الجزء الذي لا يتجزأ محدث وأن ~~الأجسام محدثة بحدوثه وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا ~~يتجزأ وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد وبالجملة حدوث الأجسام طريقة معتاصة ~~تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل فضلا عن الجمهور ومع ذلك فهي ~~غير برهانية ولا مفضية بيقين إلى وجود الباري تعالى وذلك أنه إذا فرضنا أن ~~العالم محدث لزم كما يقولون أن يكون له ولا بد فاعل محدث ولكن يعرض في وجود ~~هذا المحدث شك ليس في قوة صناعة الجدل الانفصال عنه وذلك أن هذا المحدث ~~لسنا نقدر أن نجعله أزليا ولا محدثا أما كونه محدثا فلأنه يفتقر إلى محدث ~~وذلك المحدث إلى محدث ويمر الأمر إلى غير نهاية وذلك مستحيل # وأما كونه أزليا فإنه يجب أن يكون فعله المتعلق بالمفعولات أزليا فتكون ~~المفعولات أزلية والحادث يجب أن يكون وجوده متعلقا بفعل حادث اللهم إلا لو ~~سلموا أنه يوجد فعل حادث عن فاعل قديم PageV09P071 فإن المفعول ms1845 لا بد أن ~~يتعلق به فعل الفاعل وهم لا يسلمون ذلك فإن من أصولهم أن المقارن للحادث ~~حادث # قلت من أصولهم التي تلقوها عن المعتزلة أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث ~~وهذا متفق عليه بين العقلاء إذا أريد به الحادث بالشخص فإن ما لا يسبق ~~الحادث المعين يجب أن يكون حادثا وأما ما لا يسبق نوع الحادث فهو محل ~~النزاع بين الناس وعليه ينبني هذا الدليل # وكثير من الناس لا يميز في هذا المقام بين ما هو بعينه حادث وما تكون ~~آحاد نوعه حادثة والنوع لم يزل حتى أن كثيرا من أهل الكلام إذا رأوا أن ~~الحركات حادثة أو غيرها من الأعراض اعتقدوا أن ما لا يسبق ذلك فهو حادث ولم ~~يميزوا بين ما لا يسبق الحادث المعين وما لا يسبق النوع الدائم الذي آحاده ~~حادثة فهو لا يسبق النوع وإن سبق كل واحد واحد من آحاده # ولما تفطن كثير من أهل الكلام للفرق أرادوا أن يثبتوا امتناع حوادث لا ~~تتناهى بطريق التطبيق وما يشبهه كما قد ذكر ذلك في موضعه فهم لا يسلمون ~~وجود حوادث لا أول لها عن فاعل قديم ويسلمون وجود فعل حادث العين عن فاعل ~~قديم وهو يقول الحادث يجب أن يكون وجوده متعلقا بفعل حادث ثم ذلك الحادث ~~متعلق بفعل حادث فيكون فعل حادث الأفراد دائم النوع عن فاعل قديم فهو يقول ~~لا يمكن وجود PageV09P072 حادث عن فاعل أزلي إلا بفعل حادث الأفراد دائم ~~النوع وهم لا يسلمون ذلك # قال وأيضا إن كان الفاعل حينا يفعل وحينا لا يفعل وجب أن يكون هنالك علة ~~صيرته بإحدى الحالتين أولى منه بالأخرى فلنسأل أيضا في تلك العلة مثل هذا ~~السؤال وفي علة العلة فيمر الأمر إلى غير نهاية # قال وما يقوله المتكلمون في جواب هذا من أن الفعل الحادث كان بإرادة ~~قديمة ليس بمنج ولا مخلص من هذا الشك لأن الإرادة غير الفعل المتعلق ~~بالمفعول وإذا كان المفعول حادثا فواجب أن يكون الفعل المتعلق بإيجاده ~~حادثا ms1846 سواء فرضنا الإرادة قديمة أو حادثة متقدمة على الفعل أو معه فكيفما ~~كان فقد يلزمهم أن يجوزوا على القديم أحد ثلاثة أمور إما إرادة حادثة وفعل ~~حادث وإما فعل حادث وإرادة قديمة وإما فعل قديم وإرادة قديمة # والحادث ليس يمكن أن يكون عن فعل قديم بلا واسطة إن سلمنا PageV09P073 ~~لهم أنه يوجد عن إرادة قديمة ووضع الإرادة نفسها هي الفعل المتعلق بالمفعول ~~شيء لا يعقل وهو كفرض مفعول بلا فاعل فإن الفعل غير الفاعل وغير المفعول ~~وغير الإرادة والإرادة هي شرط الفعل لا الفعل # وأيضا فهذه الإرادة القديمة يجب أن تتعلق بعدم الحادث دهرا لا نهاية له ~~اذ كان الحادث معدوما دهرا لا نهاية له فهي لا تتعلق بالمراد في الوقت الذي ~~اقتضت إيجاده إلا بعد انقضاء دهر لا نهاية له وما لا نهاية له لا ينقضي ~~فيجب أن لا يخرج هذا المراد إلى الفعل أو ينقضي دهر لا نهاية له وذلك ممتنع # وهذا هو بعينه برهان المتكلمين الذي اعتمدوه في حدوث دورات الفلك وأيضا ~~فإن الإرادة التي تتقدم المراد وتتعلق به بوقت مخصوص دون وقت لابد أن يحدث ~~فيها في وقت إيجاد المراد عزم على الإيجاد لم يكن قبل ذلك الوقت لأنه إن لم ~~يكن في المريد في وقت الفعل قدر زائد على ما كانت عليه في الوقت الذي اقتضت ~~الإرادة عدم الفعل وإلا لم يكن وجود ذلك الفعل عنه في ذلك الوقت أولى من ~~عدمه # وأيضا كيف يتعين وقت للحادث من غير أن يتقدمه زمان ماض محدود الطرف إلى ~~ما في هذا كله من التشغيب والشكوك العويصة التي PageV09P074 لا يخلص منها ~~العلماء المهرة بعلم الكلام والحكمة فضلا عن العامة ولو كلف الجمهور العلم ~~من هذه الطرق لكان من باب تكليف ما لا يطاق # وأيضا فإن الطرق التي سلك هؤلاء القوم في حدوث العالم قد جمعت هذين ~~الوصفين معا أعني أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها ولا هي مع هذا برهانية ~~فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور ونحن ننبه ms1847 ههنا على ذلك بعض التنبيه ~~فنقول إن الطرق التي سلكوا في ذلك طريقان # أحدهما وهو الأشهر الذي اعتمد عليها عامتهم ينبني على ثلاث مقدمات هي ~~بمنزلة الأصول لما يرومونه من إثبات حدوث العالم # إحداها أن الجواهر لا تنفك عن الأعراض أي لا تخلو منها # والثانية أن الأعراض حادثة PageV09P075 # والثالثة أن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث أعني ما لا يخلو من الحوادث ~~فهو حادث # فأما المقدمة الأولى وهي القائلة إن الجوهر لا يعرى من الأعراض فإن عنوا ~~الأجسام المشار إليها القائمة بذاتها فهي مقدمة صحيحة وإن عنوا بالجوهر ~~الجزء الذي لا يتجزأ وهو الذي يريدونه بالجوهر الفرد ففيها شك ليس باليسير ~~وذلك أن وجود جوهر غير منقسم ليس معروفا بنفسه وفي وجوده أقاويل متضادة ~~شديدة التعاند وليس في قوة صناعة الكلام تلخيص الحق منها وإنما ذلك لصناعة ~~البرهان وأهل هذه الصناعة قليل جدا والدلائل التي يستعملها الأشعرية في ~~إثباته خطابية في الأكثر # وذلك أن استدلالهم المشهور في ذلك هو أنهم يقولون إن من المعلومات الأولى ~~أن الفيل مثلا إنما يقولون فيه إنه أعظم من النملة من قبل زيادة أجزائه على ~~أجزاء النملة وإذا كان ذلك كذلك PageV09P076 فهو مؤلف من تلك الأجزاء وليس ~~هو واحدا بسيطا فإذا فسد الجسم فإليها ينحل وإذا تركب فمنها يتركب # وهذا الغلط إنما دخل عليهم من شبه الكمية المنفصلة بالمتصلة فظنوا أن ما ~~يلزم في المنفصلة يلزم في المتصلة وذلك إنما يصدق هذا في العدد أعني أن ~~نقول إن عددا أكثر من عدد من قبل كثرة الأجزاء الموجودة فيه أعني الوحدات # واما الكم المتصل فليس يصدق ذلك فيه ولذلك نقول في الكم المتصل إنه أعظم ~~وأكبر ولا نقول أكثر ونقول في العدد إنه أكثر ولا نقول إنه أكبر # وعلى هذا القول فتكون الأشياء كلها أعدادا ولا يكون هناك عظم متصل أصلا ~~فتكون صناعة الهندسة هي صناعة العدد بعينها # ومن المعروف بنفسه أن كل عظم فإنه ينقسم بنصفين أعني الأعظام الثلاثة ~~التي هي الخط والسطح والجسم ms1848 # وأيضا فإن الكم المتصل هو الذي يمكن أن يفرض عليه في وسطه نهاية يلتقي ~~عندها طرفا القسمين جميعا وليس يمكن ذلك في العدد ولكن يعارض هذا أيضا أن ~~الجسم وسائر أجزاء الكم المتصل يقبل PageV09P077 الانقسام وكل منقسم فإما ~~أن ينقسم إلى شيء منقسم أو إلى شيء غير منقسم فإن انقسم إلى غير منقسم فقد ~~وجدنا الجزء الذي لا ينقسم وإن انقسم إلى منقسم عاد السؤال في ذلك المنقسم ~~هل ينقسم إلى منقسم أو إلى غير منقسم فإن انقسم إلى منقسم إلى غير النهاية ~~كانت في الشيء المتناهي أجزاء لا نهاية لها ومن المعلومات الأولى أن أجزاء ~~المتناهي متناهية # قلت هذا الموضع هو الذي أوجب قول النظام ونحوه بالطفرة وقول طائفة من ~~المتفلسفة والمتكلمين بقبول انقسام إلى غير نهاية بالقوة لا بالفعل # وقد أجاب عن هذا طائفة من نفاة الجزء بأن كل ما يوجد فهو يقبل القسمة ~~بمعنى امتياز شيء منه عن شيء وهي القسمة العقلية المفروضة لكن لا يلزم وجود ~~ما لا يتناهى من الأجزاء لأن الموجود إن قيل إنه لا يقبل القسمة بالفعل لم ~~تكن فيه أجزاء لا تتناهى وإن قيل إنه يقبلها بالفعل فإذا صغرت أجزاؤه فإنها ~~تستحيل وتفسد وتفنى كما تستحيل أجزاء الماء الصغار هواء وإذا استحالت عند ~~تناهي صغرها لم يلزم أن تكون باقية قابلة لانقسامات لا تتناهى ولا يلزم ~~وجود أجزاء لا تتناهى PageV09P078 # قال ومن الشكوك المعتاصة التي تلزمهم أن يسألوا إذا حدث الجزء الذي لا ~~يتجزأ ما القابل لنفس الحدوث فإن الحدوث عرض من الأعراض وإذا وجد الحادث ~~فقد ارتفع الحدوث فإن من أصولهم أن الأعراض لا تفارق الجواهر فيضطرهم الأمر ~~إلى أن يضعوا الحدوث في موجود ما وبوجود ما # قلت من يقول إن الإحداث هو نفس المحدث والمخلوق هو نفس الخلق والمفعول هو ~~نفس الفعل كما هو قول الأشعرية لا يسلم أن الحدوث عرض ولا أن له محلا فضلا ~~عن أن يكون وجوديا لكنه قد قدم إفساد هذا وأنه لا بد للمفعول من ms1849 فعل # وحينئذ فيقال الإحداث قائم بالفاعل المحدث وحدوث الحادث ليس عرضا موجودا ~~قائما بشيء غير إحداث المحدث # ويقال أيضا إن هذا ينبني على أن المعدوم شيء وأن الماهيات في الخارج زائد ~~على وجودها وكلاهما باطل وبتقدير صحته فيكون الجواب أن القابل للحدوث هو ~~تلك الذوات والماهيات # لكن هذا الذي ذكره يتقرر بطريقة أصحابه المشهورة أن الحادث PageV09P079 ~~مسبوق بالإمكان والإمكان لا بد له من محل فلا بد للمحدث من محل # قال وأيضا فقد يسألون إن كان الموجود يكون عن عدم فبم يتعلق فعل الفاعل ~~فإنه ليس بين الوجود والعدم وسط عندهم وإذا كان كذلك وكان فعل الفاعل لا ~~يتعلق عندهم بالعدم ولا يتعلق بما وجد وفرغ من وجوده فقد ينبغي أن يتعلق ~~بذات متوسطة بين العدم والوجود وهذا الذي اضطر المعتزلة إلى أن قالت إن في ~~العدم ذاتا ما وهؤلاء أيضا يعني المعتزلة يلزمهم أن يوجد ما ليس بموجود ~~بالفعل موجودا بالفعل وكلتا الطائفتين يلزمهم أن يقولوا بوجود الخلاء # قلت هذا هو الشبهة المشهورة من أن فعل الفاعل وإحداث المحدث ونحو ذلك إن ~~قيل يتعلق بالشيء وقت عدمه لزم كونه موجودا معدوما وإن قيل يتعلق به وقت ~~وجوده لزم تحصيل الحاصل ووجوده مرتين PageV09P080 # وجوابه أنه يتعلق به حين وجوده بمعنى أنه هو الذي يجعله موجودا لا بمعنى ~~أنه كان موجودا بدونه فجعله هو أيضا موجودا # قال فهذه الشكوك كما ترى ليس في قوة صناعة الجدل حلها فإذا يجب أن لا ~~يجعل هذا مبدأ لمعرفة الله تعالى وخاصة الجمهور فإن طريقة معرفة الله تعالى ~~أصح من هذا وأوضح على ما سنبين بعد من قولنا # قال وأما المقدمة الثانية وهي القائلة إن جميع الأعراض محدثة فهي مقدمة ~~مشكوك فيها وخفاء هذا المعنى فيها كخفائه في الجسم وذلك أنا شاهدنا بعض ~~الأجسام محدثة وكذلك بعض الأعراض فلا فرق في النقلة من الشاهد في كليهما ~~إلى الغائب فإن كان واجبا في الأعراض أن ينقل حكم الشاهد منها إلى الغائب ~~أعني أن PageV09P081 نحكم بالحدوث على ما ms1850 لم نشاهده منها قياسا على ما ~~شاهدنا فقد يجب أن يفعل مثل ذلك في الأجسام ونستغني عن الاستدلال بحدوث ~~الأعراض على حدوث الأجسام وذلك أن الجسم السماوي وهو المشكوك في إلحاقه ~~بالشاهد الشك في حدوث أعراضه كالشك في حدوثه نفسه لأنه لم يحس حدوثه لا هو ~~ولا أعراضه ولذلك ينبغي أن نجعل الفحص عنه من أمر حركته وهي الطريق التي ~~تفضي بالسالكين إلى معرفة الله تبارك وتعالى بيقين # قال وهي طريق الخواص وهي التي خص بها إبراهيم الخليل عليه السلام في قوله ~~تعالى @QB@ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ~~@QE@ سورة الأنعام 75 لأن الشك كله إنما هو في الأجرام السماوية وأكثر ~~النظار إنما انتهوا اليها واعتقدوا أنها آلهة # قلت قول هذا وأمثاله إن إبراهيم استدل بطريق الحركة هو من جنس قول أهل ~~الكلام الذين يذمهم أصحابه وسلف الأمة إن إبراهيم استدل بطريق الحركة لكن ~~هو يزعم أن طريقة الخواص PageV09P082 طريقة أرسطو وأصحابه حيث استدلوا ~~بالحركة على أن حركة الفلك اختيارية وأنه يتحرك للتشبه بجوهر غير متحرك ~~وأولئك المتكلمون يقولون إن استدلال إبراهيم بالحركة لكون المتحرك يكون ~~محدثا لامتناع وجود حركات لا نهاية لها وكل من الطائفتين تفسد طريقة الأخرى ~~وتبين تناقضها بالأدلة العقلية # وحقيقة الأمر أن إبراهيم لم يسلك واحدة من الطريقين ولا احتج بالحركة بل ~~بالأفول الذي هو المغيب والاحتجاب كما قد بسط في موضع آخر # فالآفل لا يستحق أن يعبد ولهذا قال @QB@ إنني براء مما تعبدون إلا الذي ~~فطرني @QE@ سورة الزخرف 26 27 وقال @QB@ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين @QE@ سورة الأنعام 79 وقومه كانوا مقرين ~~بالرب تعالى لكن كانوا مشركين به فاستدل على ذم الشرك لا على إثبات الصانع # ولو كان المقصود إثبات الصانع لكانت قصة إبراهيم حجة عليهم لا لهم فإنه ~~من حين بزغ الكوكب والشمس والقمر إلى أن أفلت كانت PageV09P083 متحركة ولم ~~ينف عنها المحبة ولا تبرأ منها كما تبرأ مما يشركون لما أفلت فدل ذلك ms1851 على ~~أن حركتها لم تكن منافية لمقصود إبراهيم بل نافاه أفولها # قال ابن رشد وأيضا فإن الزمان من الأعراض ويعسر تصور حدوثه وذلك أن كل ~~حادث فيجب أن يتقدمه العدم بالزمان فإن تقدم عدم الشيء على الشيء لا يتصور ~~إلا من قبل الزمان وأيضا فالمكان الذي يكون فيه العالم إذا كان كل متكون ~~فالمكان سابق له يعسر تصور حدوثه لأنه إن كان خلاء على رأي من يرى أن ~~الخلاء هو المكان احتاج أن يتقدم حدوثه إن فرض حادثا خلاء آخر وإن كان ~~المكان نهاية الجسم المحيط بالمتمكن على الرأي الثاني لزم أن يكون ذلك ~~الجسم في مكان فيحتاج ذلك الجسم إلى الجسم ويمر الأمر إلى غير نهاية # وهذه كلها شكوك عويصة وأدلتهم التي يرومون بها بيان إبطال PageV09P084 ~~قدم الأعراض إنما هي لازمة لمن يقول بقدم ما يحسن منه حادثا أعني من يضع أن ~~جميع الأعراض غير حادثة وذلك أنهم يقولون إن الأعراض التي يظهر للحس أنها ~~حادثة إن لم تكن حادثة فإما أن تكون منتقلة من محل إلى محل وإما أن تكون ~~كامنة في المحل الذي ظهرت فيه من قبل أن تظهر ثم يبطلون هذين القسمين ~~فيظنون أنهم قد بينوا أن جميع الأعراض حادثة وإنما بان من قولهم أن ما يظهر ~~من الأعراض حادثا فهو حادث ولا ما لا يظهر حدوثه ولا ما يشك في أمره مثل ~~الأعراض الموجودة في الأجرام السماوية من حركاتها وأشكالها وغير ذلك فتؤول ~~أدلتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب وهو دليل خطابي ~~إلا حيث النقلة معقولة بنفسها وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد ~~والغائب # وأما المقدمة الثالثة وهي القائلة إن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فهي ~~مقدمة مشتركة الاسم # وذلك أنها يمكن أن تفهم على معنيين أحدهما ما لا يخلو من PageV09P085 جنس ~~الحوادث ويخلو من آحادها والثاني ما لا يخلو من واحد منها مخصوص مشار إليه # كأنك تقول ما لا يخلو من هذا السواد المشار إليه فهو مادي فأما ms1852 هذا ~~المفهوم الثاني فهو صادق أعني ما لا يخلو من عرض ما يشار إليه # وذلك أن العرض الحادث يجب بالضرورة أن يكون الموضوع له حادثا لأنه إن كان ~~قديما فقد خلا من ذلك العرض وقد كنا فرضناه لا يخلو وهذا خلف لا يمكن # واما المفهوم الأول وهو الذي يريدونه فليس يلزم عنه حدوث المحل أعني الذي ~~لا يخلو من جنس الحوادث لأنه يمكن أن يتصور المحل الواحد أعني الجسم تتعاقب ~~عليه أعراض غير متناهية إما متضادة وإما غير متضادة كأنك قلت حركات لا ~~نهاية لها وحركات وسلوبات لا نهاية لها كما يرى كثير من القدماء في ~~PageV09P086 العالم أعني أنه يتكون واحدا بعد واحد # ولهذا لما شعر المتأخرون من المتكلمين بوهاء هذه المقدمة راموا شدها ~~وتقويتها بأن بينوا في زعمهم أنه لا يمكن أن تتعاقب على محل واحد أعراض لا ~~نهاية لها وذلك أنهم زعموا أنه يجب على هذا الوضع أن لايوجد في المحل منها ~~عرض ما مشار إليه إلا وقد وجدت قبله أعراض لا نهاية لها وذلك يؤدي إلى ~~امتناع الموجود منها أعني المشار إليه لأنه يلزم ألا يوجد إلا بعد انقضاء ~~ما لا نهاية له ولما كان ما لا نهاية له لا ينقضي وجب ألا يوجد المشار إليه ~~أعني المفروض موجودا مثال ذلك أن الحركة الموجودة اليوم للجرم السماوي إن ~~كان قد وجد قبلها حركات لا نهاية لها فقد كان يجب ألا يوجد ذلك ومثلوا ذلك ~~برجل قال لرجل لا أعطيك هذا الدينار حتى أعطيك قبله دنانير لا نهاية لها ~~قالوا فليس يمكن أن يعطيه ذلك الدينار المشار إليه أبدا # قال وهذا التمثيل ليس بصحيح لأن في هذا التمثيل وضع PageV09P087 مبدأ ~~ونهاية ووضع ما بينهما غير متناه لأن قوله وقع في زمان محدود وأعطاءه إياه ~~يقع في زمان محدود فاشترط هو أن يعطيه الدينار في زمان يكون بينه وبين ذلك ~~الزمان الذي تكلم فيه أزمنة لا نهاية لها وهي التي يعطيه فيها دنانير لا ~~نهاية لها وذلك مستحيل فهذا ms1853 التمثيل بين أمره لا يشبه المسألة الممثل بها # وأما قولهم إن ما يوجد بعد وجود أشياء لا نهاية لها لا يمكن وجوده فليس ~~بصادق من جميع الوجوه # وذلك أن الأشياء التي بعضها قبل بعض توجد على نحوين إما على جهة الدور ~~وإما على جهة الاستقامة فالتي توجد على جهة الدور الواجب فيها أن تكون غير ~~متناهية إلا أن يفرض فيها ما ينهيها # مثال ذلك أنه إن كان شروق فقد كان غروب وإن كان غروب فقد كان شروق فإن ~~كان شروق فقد كان شروق # وكذلك إن كان غيم فقد كان بخار صاعد من الأرض وإن كان بخار PageV09P088 ~~صاعد من الأرض فقد ابتلت الأرض وإن كان قد ابتلت الأرض فقد كان مطر وإن كان ~~مطر فقد كان غيم # وأما التي تكون على استقامة مثل كون الإنسان من الإنسان وذلك الإنسان من ~~إنسان آخر فإن هذا إن كان بالذات لم يصح أن يمر إلى غير نهاية لأنه إذا لم ~~يوجد الأول من الأسباب لم يوجد الآخر وإن كان ذلك بالعرض مثل أن يكون ~~الإنسان بالحقيقة عن فاعل آخر غير الإنسان الذي هو الإله وهو المصور له ~~ويكون الأب إنما منزلته منزلة الآلة من الصانع فليس يمتنع إن وجد ذلك ~~الفاعل يفعل فعلا لا نهاية له بالآت غير متناهية متبدلة أن يكون فعله ~~لأشخاص الناس على الدوام بأشخاص لا نهاية لها أعني أنه يفعل الأبناء ~~بالآباء وإليه الإشارة في قوله تعالى @QB@ أن اشكر لي ولوالديك @QE@ سورة ~~لقمان 14 # قلت مضمون هذا الكلام أن التسلسل في العلل ممتنع لأن العلة يجب وجودها ~~عند وجود المعلول وأما في الشروط والآثار مثل كون PageV09P089 الوالد شرطا ~~في وجود الولد ومثل كون الغيم شرطا في وجود المطر فلا يمتنع وهذا فيه نزاع ~~معروف وقد ذكر في غير هذا الموضع # وليس في هذا ما ينفع الفلاسفة في قولهم بقدم الأفلاك وإنما غايته إبطال ~~ما يقوله من يقول بوجوب تناهي الحوادث وقد تقدم غير مرة أن حجة الفلاسفة ~~باطلة على تقدير ms1854 النقيضين فإنه إذا امتنع وجود ما لا يتناهى بطل قولهم وإن ~~جاز وجوده لم يمتنع أن يكون وجود الأفلاك متوقفا على حوادث قبله وكل حادث ~~مشروط بما قبله كما يقولون هم في الحوادث المشهودة من الأناسي والأمطار كما ~~ذكره بل هذا يستلزم امتناع حدوث الحوادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها ~~ويقتضي أنه يلزم من قولهم أن لا يكون للحوادث فاعل إذا كان كل حادث مشروطا ~~بحادث قبله والعلة التامة المستلزمة لمعلولها يمتنع عندهم وعند غيرهم أن ~~يحدث عنها شيء بوسط أو غير وسط لأن ذلك يقتضي تأخر شيء من معلولاتها فلا ~~تكون تامة بل فيها إمكان ما بالقوة لم يخرج إلى الفعل وهو نقيض قولهم # قال ابن رشد وأيضا فإن قولهم إن الحركة المشار إليها لا تخرج إلا وقد ~~انقضت قبلها حركات لا نهاية لها قول لا يسلمه الخصوم فإن الخصوم يقولون إنه ~~لا ينقضي إلاما له ابتداء وما لا مبدأ له كما PageV09P090 نضعه نحن فلا ~~انقضاء له وبهذا ينكرون قولهم إن ما وقع في الماضي فقد دخل في الوجود لأن ~~معنى دخل في الوجود أنه تناهى وجوده وكمل ولا يتناهى إلا ما له ابتداء فأما ~~ما لم يبتدىء فلا يدخل في الوجود # قلت لفظ الانقضاء والقضاء قد يعنى به الكمال والتمام كما قال تعالى @QB@ ~~فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض @QE@ سورة الجمعة 10 @QB@ فإذا قضيتم ~~مناسككم @QE@ سورة البقرة 200 ويقال قد انقضت هذه السنة وانقضى شهر رمضان ~~ونحو ذلك فعلى هذا لا يكون المنقضى الذي كمل وتم إلا ما له ابتداء إذ ما لا ~~أول له لا يعقل كماله وتمامه # وقد يعنى بلفظ الانقضاء الانتهاء والمضي والزوال فمعلوم أن الحوادث التي ~~كانت قبلها قد انقضت ومضت وانتهت بمعنى أنها لم يبق منها شيء # وعلى هذا فقول القائل كل حركة لا تكون حتى يكون قبلها حركات لا نهاية لها ~~معناه حتى توجد قبلها حركات لا ابتداء لها ليس PageV09P091 المراد لا آخر ~~لها بل المراد ليس لها ابتداء وهذا صحيح وهو ms1855 أول المسألة # والمنازع يقول إذا كانت الحركات لا أول لها فالمعنى أنه قد مضى في الماضي ~~ما لا ابتداء له كما يقال إنه سيوجد في المستقبل ما لا انتهاء له وهذا هو ~~قوله فما الدليل على بطلان هذا # فهنا اشتراك واشتباه في الألفاظ والمعاني إذا ميزت ظهر المعنى ولفظ ~~الدخول في الوجود قد يتناول ما كمل وجوده وما لم يكمل وجوده ويتناول ما وجد ~~معا وما وجد متعاقبا لكن قول القائل إن الماضي دخل في الوجود دون المستقبل ~~عند منازعة فرق لا تأثير له فإن أدلته النافية الإمكان دوام ما لا يتناهى ~~كالمطابقة والشفع والوتر وغير ذلك يتناول الأمرين وهي باطلة في أحدهما ~~فيلزم بطلانها في الآخر ومن اعتقد صحتها مطلقا كأبي الهذيل والجهم طردوها ~~في الماضي والمستقبل وهو خلاف دين المسلمين وغيرهم من أهل الملل # وهذا الذي يذكره هؤلاء المتفلسفة إنما يتوجه فيما مضى ولم يبق كالحركات ~~فأما النفوس الإنسانية المجتمعة إذا قالوا بأنه الآن في الوجود منها ما لا ~~يتناهى وهو مجتمع وأن ذلك لا يزال يزيد لم يكن ما ذكروه في الحركات متناولا ~~لهذا # ولهذا فر ابن رشد من ذلك إلى أن جعل النفوس واحدة بالذات وشبهها بالضوء ~~مع الشمس والضوء عرض وفساد هذا القول معلوم وليس هذا موضع بسطه PageV09P092 ~~ولهذا قال ابن رشد هنا وهذا كله ليس بينا في هذا الموضع وإنما سقناه ليعرف ~~أن ما توهم القوم من هذه الأشياء أنه برهان فليس برهانا ولا هو من الأقاويل ~~التي تليق بالجمهور أعني البراهين البسيطة التي كلف الله تعالى بها الجميع ~~من عباده الإيمان به # قال فقد تبين لك من هذا أن هذه الطريقة ليست برهانية صناعية ولا شرعية # وأيضا فإن خصماءهم لا يضعون قبل الدورة المشار إليها دورات لا ~~PageV09P093 نهاية لها لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو ~~الذي يوجد أبدا شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما فهم إنما ~~يضعون أن قبل هذه الدورة المشار إليها دورة ms1856 وقبل تلك الدورة دورة وذلك إلى ~~غير نهاية على التعاقب على محل واحد أي متى وجدت دورة وجدت قبلها في المحل ~~دورة وبعدها دورة وأن هذا المرور إلى غير نهاية كالحال في المستقبل فإنا ~~نقول إن بعد هذه الدورة دورة وبعدها دورة وذلك إلى غير نهاية ولا نقول إن ~~بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها فيلزم عن هذا أن يكون بعد الدورة التي ~~كانت اليوم بمدة عشرة الآف سنة دورات لا نهاية لها وبعد الدورة المشار ~~إليها الآن فيكون ما لا نهاية لها أعظم مما لا نهاية له وذلك محال وكذلك ~~الحال في الأدوار الماضية # وقولهم إن الفرق بين ما مضى وبين ما يأتي أن ما يأتي لم يدخل في ~~PageV09P094 الوجود بعد وأن ما مضى قد انصرم وانقضى وما انصرم وانقضى فواجب ~~أن يدخل في الوجود فهو متناه قول حق إلا أن الوضع الذي يضعه خصماؤهم في ~~الدورات ليس بهذه الصفة وذلك أنه إذا لم يكن هناك حركة واجب أن تكون أولى ~~يستحيل أن تكون قبلها حركة فليس يجب أن يكون ها هنا جملة هي أول جملة دخلت ~~في الوجود ولا جزء منها هو أول جزء دخل في الوجود والذي دخل منها في الوجود ~~إنما هو شخص واحد أو أشخاص متناهية إن كانت من الأشياء التي يوجد منها أكثر ~~من شخص واحد وذلك على جهة التعاقب على محل واحد # فمن أين يلزم ليت شعري إن كان الداخل منها في الوجود إنما هو واحد وقبله ~~واحد أن يكون ها هنا جملة غير متناهية دخلت في الوجود معا PageV09P095 # والأصل في هذا كله أن لا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده وما انقضى ~~وجوده ولا ينقضي إلا ما ابتدى وجوده وإنما كان يلزم أن يدخل في الوجود ما ~~لا نهاية له الماضي في الوجود لو كان دخوله معا أعني ما لا نهاية له وأما ~~الداخل فيه شخص فشخص على محل واحد وكأنك قلت على الجسم الدوري وليس هناك ~~أول فليس يجب ms1857 أن يكون ما دخل منها في الوجود منحصرا أو متناهيا لأن ~~المتناهي هو الذي يمكن أن يزاد عليه شيء وأي جملة فرضناها متناهية فإنه ~~يمكن أن يكون فيها جملة قبلها جملة أخرى وهذا هو حد ما لا نهاية له الجائز ~~الوجود أعني أن يكون أبدا يوجد شيء خارج عنه ويسألون كما أن تقدير وجود ~~الباري سبحانه وتعالى في الماضي غير متناه وكما أن تقدير وجوده في المستقبل ~~غير متناه وهذا معنى قولنا لم يزل ولا يزال هل تقدر أفعاله في الماضي ~~متناهية أو غير متناهية PageV09P096 # فإن قالوا غير متناهية كما هو في المستقبل فقد اعترفوا بوجود ما لا نهاية ~~له في الماضي على الشرط الذي يوجد عليه ما لا نهاية له أعني أن لا يوجد معا ~~وأن لا ينقطع الإمكان # وإن قالوا غير ذلك فقد أحالوا على الوجود الأزلي أن تكون أفعاله أزلية ~~ويلزمهم ذلك في علمه بالحادثات وإرادته لها فتكون معلوماته بالفعل متناهية ~~وكذا إرادته وبالقوة غير متناهية # أما في الماضي فمن قبل أنه لا يجوز عندهم أن تكون أفعال لا نهاية لها ~~وأما في المستقبل فمن قبل أن ما لا نهاية له إنما يوجد عندهم بالقوة وذلك ~~شيء لا يقولونه فإن قالوا إراداته ومعلوماته غير متناهية بالفعل فقد سلموا ~~دخول ما لا نهاية له بالفعل في الوجود # قال وهذا كله تشويش لعقائد المتشرعين وصد عن الغاية التي قصد بها تعريفهم ~~هذه الأشياء وهو أن يكونوا مصممين في هذه الأشياء أخيارا فإن من ليس بمصمم ~~العقيدة في هذه ليس بخير PageV09P097 # قلت قول القائل هذا متناه أو غير متناه لفظ مجمل يراد به ما لا يتناهى من ~~أوله ولا من آخره فلا يمكن أن يزاد عليه وهذا هو مراد ابن رشد بما لا ~~يتناهى من أوله فقط أو من آخره فقط كالحوادث الماضية إذا قيل لا تتناهى ~~فإنه لا نهاية له من جهة الابتداء بمعنى أنه لا ابتداء لها ولكن إذا قدر ~~أنها انقضت اليوم فقد تناهت من هذا الطرف ms1858 # قال ابن رشد فخصماء هؤلاء المتكلمين لا يقولون إن قبل هذه الدورة المعينة ~~دورات لا نهاية لها بالمعنى الأول أي ليس لها أول ولا آخر بل يعترفون أنه ~~حينئذ يكون للدورات آخر وهذا عندهم هو الذي لا يتناهى بالمعنى الآخر وهو ~~جائز عندهم # قال لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد أبدا ~~شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما # قال فهم إنما يضعون أن قبل هذه الدورة المشار إليها دورة PageV09P098 ~~وقبل تلك الدورة دورة إلى غير نهاية على التعاقب على محل واحد كالحال في ~~المستقبل فإنا نقول إن بعد هذه الدورة دورة وبعد هذه الدورة دورة إلى غير ~~نهاية ولا نقول إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها فيلزم أن يكون بعد ~~هذه الدورة بمدة عشرة آلاف سنة دورات لا نهاية لها وبعد هذه الدورة دورات ~~لا نهاية لها فيكون ما لا نهاية له أعظم مما لا نهاية له وذلك محال # فمعنى ما لا نهاية له الذي جعل مقتضاه محالا هو الذي لا يقبل أن يزاد ~~عليه وهو ما لا أول له ولا آخر وأما إذا قيل وجد قبل هذه الدورة دورة ~~وقبلها دورة إلى غير نهاية فهنا إنما نفيت النهاية عن الجانب الماضي دون ~~المستقبل فلا يطلق على الجملة أنها لا تتناهى لأنها تناهت من أحد الجانبين ~~وإن كانت غير متناهية من الجانب الآخر فهو يسلم امتناع القضاء وجود ما لا ~~يتناهى في الماضي إذا أريد به ما لا يتناهى من الجانبين # وما قدر متناهيا من أحدهما فلا يسلم امتناع انقضائه ولا يطلق عليه أنه لا ~~يتناهى بل هو عنده قد تناهى لأنه انقضى والتناهي PageV09P099 والانقضاء ~~واحد لكن يقال فيه إنه وجد شيئا قبل شيء إلى غير نهاية فتكون النهاية ~~مسلوبة عن ابتدائه لا عن الجانب الذي انتهى إليه # ويقال لا يتناهى مقيدا لا مطلقا كما قال لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له ~~الجائز وجوده هو الذي ms1859 يوجد أبدا شيء خارج عنه أي يمكن أن يزاد عليه دائما ~~فهذا يسميه ما لا نهاية له الجائز وجوده وهو أن يكون خارجا عنه شيء يمكن أن ~~يزاد عليه دائما هو إنما يقبل الزيادة من الجهة التي تناهى منها فهو متناه ~~من أحد الطرفين غير متناه من الطرف الآخر # فلهذا جاز أن يقال ليس هو مما لا يتناهى لتناهيه من جانب ويجوز أن يقال ~~هو لا يتناهى لعدم تناهيه من الجانب الآخر ولهذا نقول إنه لا يدخل في ~~الوجود إلا ما انقضى وجوده وما انقضى ولا ينقضي إلا ما ابتدأ وجوده لأنه ~~إذا قدر أن الحوادث دائمة لم تزل ولا تزال فلم تنقض وإنما يفرض الإنسان ~~انقضاء الماضي فرضا وإنما المنقضي ما لم يبق فيه شيء # والحوادث إذا كانت مستمرة فما انقضت ولا انتهت فما دخلت في PageV09P100 ~~الوجود والذي وجد في الماضي فهو متناه ليس هو مما لا يتناهى وإنما يكون قد ~~دخل ما لا يتناهى إذا كان ممتنعا في الوجود فيكون قد انقضى مع كونه غير ~~متناه وهذا ممتنع # فأما ما يوجد شيئا بعد شيء وهو لم يزل ولا يزال فهذا ليس يجب أن يكون ما ~~دخل منه في الوجود منحصرا أو متناهيا لأنه لم ينقض بل هو متواصل الوجود ~~والمنقضى عنده ما انقطع وجوده ولم يبق منه شيء وليست الحوادث المستمرة كذلك # فلفظ انقضى وانتهى وانصرم ونحو ذلك معناها متقارب فإذا قال المتكلم ~~الحوادث الماضية قد انقضت فلو لم تكن متناهية للزم انقضاء ما لا نهاية له ~~كان هذا تلبيسا فإنها إذا جعلت منقضية فإنما انقضت من جهتنا لا من البداية ~~ومن هذه الجهة هي متناهية وأما من جهة الابتداء فلا انتهاء لها ولا انقضاء ~~وما لا يتناهى هو ما لا ينقضي ولا ينصرم فإذا قيل انصرم وانقضى ما لا ~~يتناهى كان هذا تناقضا بينا # والحوادث الماضية ليس لها أول فإذا قدر أنها انقضت فقد انتهت وانصرمت فلا ~~يطلق عليها أنها لا تتناهى مع تقدير أنها منقضية بل ms1860 إذا قدر تناهيها فقد ~~انقضت وإن قدر استمرارها فلم تنقض # وما ذكره ابن رشد كما أنه مبطل لقول من يقول بامتناع وجود ما لا ~~PageV09P101 يتناهى في الماضي والمستقبل كما يقوله من يقوله من المتكلمين ~~فهو مبطل أيضا لقول إخوانه من الفلاسفة الذين يقولون بوجود ما لا يتناهى ~~ولا له أول ولا آخر في قديمين مختلفين كما يقولونه إن حركات كل واحد من ~~الأفلاك لا تتناهى ولا لها بداية ولا نهاية مع أن إحدى الحركات أكثر وأعظم ~~من الأخرى # كما يقولون إن القمر يتحرك في كل شهر مرة والشمس في كل سنة مرة والفلك ~~المحيط في كل يوم مرة فهو أعظم مقدارا وأسرع حركة من فلك الشمس والقمر ~~وغيرهما فإنه محيط بالجميع فهو أعظم وهو يتحرك كل يوم الحركة الشرقية التي ~~تحرك بها جميع الأفلاك وليس في الأفلاك ما يتحرك كل يوم غيره فتكون حركته ~~أكبر وأكثر من حركة سائر الأفلاك فلك الشمس والقمر وغيرها فإن الأيام أكثر ~~عددا من الشهور والشهور أكثر عددا من الأعوام # ونفس المتحرك كل يوم حركته أعظم مقدارا مما يتحرك في الشهر والعام مع أن ~~كلا من هذه الحركات ليس لها أول ولا آخر عندهم فيلزم من ذلك أن يكون ما لا ~~يتناهى وليس له أول ولا آخر كحركة فلك القمر والشمس يقبل أن يزاد عليه ~~أضعافا مضاعفة بل وجد ما هو بقدره أضعافا مضاعفة وهو حركة الفلك المحيط ~~فيكون ما لا يتناهى من PageV09P102 الجانبين وليس له أول ولا آخر أعظم مما ~~لا يتناهى وليس له أول ولا آخر وأكبر منه وهذا هو الذي بين ابن رشد وغيره ~~من النظار أنه ممتنع # ولا يلزم هذا أئمة أهل الملل الذين قالوا إن الرب يفعل أفعالا أو يقول ~~كلمات لا نهاية لها ليس لها أول ولا آخر فإن هؤلاء يقولون لا قديم إلا الله ~~وحده وما سواه محدث مخلوق فلم يقم بغيره ولا يصدر عن غيره ما لا يتناهى ~~وإنما ذلك له وحده فلم يكن لغيره ما لا ms1861 يتناهى من الطرفين لا أقل مما له ~~ولا أكثر # وذلك أن ابن رشد عنده ما لا يتناهى هو ما لا أول له ولا آخر فما كان له ~~منتهى ينتهي إليه محدود فلا بد أن يكون له مبدأ محدود فلا يتناهى شيء في ~~النهاية إلا وله مبدأ محدود # ولهذا قال وأيضا فإن خصماءهم لا يضعون قبل الدورة المشار إليها دورات لا ~~نهاية لها لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد ~~أبدا شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما إلى قوله وقولهم إن ~~الفرق بين ما مضى وبين ما يأتي أن ما يأتي لم يدخل في الوجود بعد وأن ما ~~مضى قد انقضى وانصرم وما انقضى وانصرم فواجب أن يدخل في الوجود فهو متناه ~~فهو قول حق ومراده PageV09P103 بذلك أن الذي ينقضي وينصرم هو ما له مبتدأ ~~وأما ما لا ابتداء له فلا انتهاء له ولاينقضي ولا ينصرم # ولهذا قال إلا أن الوضع الذي يضعه خصماؤهم في الدورات ليس بهذه الصفة ~~وذلك أنه إذا لم يكن هناك حركة واجب أن تكون أولى بحيث يستحيل أن تكون ~~قبلها حركة فليس يجب أن يكون ها هنا جملة هي أول جملة دخلت في الوجود ولا ~~جزء منها هو أول جزء دخل في الوجود والذي دخل منها في الوجود إنما هو شخص ~~واحد أو أشخاص متناهية إن كانت من الأشياء التي يوجد منها أكثر من شخص واحد # إلى قوله فمن أين يلزم ليت شعري إن كان الداخل منها في الوجود إنما هو ~~واحد وقبله واحد أن يكون ها هنا جملة غير متناهية دخلت في الوجود معا # قال والأصل في هذا كله ألا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده وما انقضى ~~ولا ينقضي إلا ما ابتدأ وجوده # إلى قوله لأن المتناهي هو الذي يمكن أن يزاد عليه شيء وأي جملة فرضناها ~~متناهية فإنه يمكن أن يكون قبلها جملة أخرى وهذا هو حد ما لا يتناهى الجائز ~~الوجود ms1862 PageV09P104 # وقد قال قبل ذلك لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي ~~يوجد أبدا شيء خارج عنه أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما إلى قوله ولا ~~نقول إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها فيلزم من هذا أن يكون بعد ~~الدورة التي كانت اليوم بمدة عشرة آلاف سنة دورات لا نهاية لها وبعد الدورة ~~المشار إليها دورات لا نهاية لها فمن تدبر كلامه تبين له ما قلناه # قلت فأما الكلام على إحاطة علم الله تعالى بالكليات والجزئيات وإرادته ~~فمذكور في غير هذا الموضع وهذا الرجل قد أورد على هؤلاء هذا السؤال المعروف ~~وهو الذي أوقع أبا المعالي في قوله بالاسترسال وأن العلم يحيط بأعيان ~~الجواهر وأنواع الأعراض ويسترسل على أعيان الأعراض وهذا ليس هو قول من يقول ~~بأنه يتعلق بالكليات فإن ذلك لا يفرق بين الجواهر وأنواع الأعراض وأعيانها ~~ومن علم أن الكليات لا تكون كلية إلا في الذهن وأن كل موجود فإنه معين ~~والأفلاك معينة والعقول والنفوس عندهم معينة ونفسه المقدسة معينة تبين له ~~أن قول من يقول يعلم الكليات وأنه إنما يعلم الجزئيات PageV09P105 على وجه ~~كلي مضمون كلامه أنه لا يعلم نفسه ولا شيئا من الموجودات # هذا وهم يقولون إنه مبدع لها وسبب في وجودها وأن العلم بالسبب يقتضي ~~العلم بالمسبب فقولهم هذا يوجب علمه بنفسه وبكل موجود وذلك يناقض هذا وهذا ~~مبسوط في موضعه # وهذا الرجل أعني ابن رشد أراد أن يجمع بين قولهم هذا وبين علمه بالجزئيات ~~فقال قولا فيه من الحيرة والتناقض ما هو مذكور في موضعه # والمقصود هنا ذكر ما ناقض به قول هؤلاء المتكلمين الذين يزعمون أن ~~عقلياتهم تعارض الكتاب والسنة وله أيضا من عقلياته التي يزعم أنها تناقض ~~ذلك في الباطن ما هو مردود عليه بالعقل الصريح أيضا # لكن من عرف كلام بعض هؤلاء مع بعض تبين له فساد كل ما يعارض به كل طائفة ~~للنصوص النبوية وأنه ما من معقول يدعى معارضته لذلك إلا وقد ms1863 نقضه أهل ~~المعقول بما يتبين فساده @QB@ سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين @QE@ سورة الصافات 180 182 # قال ابن رشد والأولى أن يقال لمن وصل من الجمهور إلى هذا PageV09P106 ~~القدر من التشكك إن العالم ليس هو موجودا واحدا وإنما هو أفعال لله متجددة ~~ومتعاقبة فيمكن في العقل أن تكون هذه الأفعال أزلية ويمكن أن تكون محدثة ~~إلا أن الشرائع كلها قد وردت بأنها محدثة فيجب التصديق بأحد الجائزين الذي ~~ورد به الشرع وأن يقال في علمه وإرادته إنهما غير مكيفين ولا حادثين ولا ~~يلزم فيهما الشك المتقدم وإنما يلزم في العلم المكيف الحادث $ فصل # قال ابن رشد وأما الطريقة الثانية فهي الطريقة التي استنبطها أبو المعالي ~~في رسالته المعروفة بالنظامية ومبناها على مقدمتين إحداهما أن العالم بجميع ~~ما فيه جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه حتى يكون من الجائز مثلا أن يكون ~~أصغر مما هو وأكبر مما هو عليه أو PageV09P107 شكل آخر غير الشكل الذي هو ~~عليه أو عدد أجسامه غير العدد الذي هو عليه أو يكون حركة كل متحرك منها إلى ~~جهة ضد الجهة التي يتحرك إليها حتى يمكن في الحجر أن يتحرك إلى فوق وفي ~~النار أن تتحرك إلى أسفل وفي الحركة الشرقية أن تكون غربية وفي الغربية أن ~~تكون شرقية # والمقدمة الثانية أن الجائز محدث وله محدث أي فاعل محدث صيره بأحد ~~الجائزين أولى منه بالجائز الآخر # قال فأما المقدمة الأولى فهي خطابية في بادي الرأي وهي في بعض أجزاء ~~العالم فظاهر كذبها بنفسها مثل كون الإنسان موجودا على خلقة غير هذه الخلقة ~~التي هو عليها وفي بعضه الأمر فيه مشكوك مثل كون الحركة الشرقية غربية ~~والغربية شرقية إذ كان ذلك ليس معروفا بنفسه إذ كان يمكن أن يكون ذلك لعلة ~~غير بينة الوجود بنفسها أو تكون من العلل الخفية على الإنسان PageV09P108 # ويشبه أن يكون ما يعرض للإنسان في أول الأمر عند النظر في هذه الأشياء ~~شبيها بما يعرض ms1864 لمن ينظر في أجزاء المصنوعات من غير أن يكون من أهل تلك ~~الصنايع وذلك أن هذا الذي شأنه قد يسبق إلى ظنه أن كل ما في تلك المصنوعات ~~أو جلها ممكن أن يكون على خلاف ما هي عليه ويوجد على ذلك المصنوع ذلك الفعل ~~بعينه الذي صنع من أجله أعني غايته فلا يكون في ذلك المصنوع عند هذا موضع ~~حكمة # وأما الصانع الذي يشارك الصانع في شيء من علم ذلك فقد يرى أن الأمر بضد ~~ذلك وأنه ليس في المصنوع شيء إلا واجب ضروري أو ليكون به المصنوع أتم وأفضل ~~إن لم يكن ضروريا فيه وهذا هو معنى الصناعة # والظاهر أن المخلوقات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع فسبحان الخلاق العظيم ~~وهذه المقدمة من جهة أنها خطابية قد تصلح لإقناع الجميع ومن جهة أنها كاذبة ~~ومبطلة لحكمة الصانع فلا تصلح لهم وإنما صارت مبطلة للحكمة لأن الحكمة ليست ~~شيئا أكثر من معرفة PageV09P109 أسباب الشيء وإذا لم يكن للشيء أسباب ~~ضرورية تقتضي وجوده على الصفة التي هو بها ذلك النوع موجودا فليس هنا معرفة ~~يختص بها الحكيم الخالق دون غيره كما أنه لو لم تكن أسباب ضرورية في وجود ~~الأمور المصنوعة لم يكن هنالك صناعة أصلا ولا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ~~ليس بصانع وأي حكمة كانت تكون في الإنسان لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن ~~أن تتأتى بأي عضو اتفق أو بغير عضو حتى يكون الإبصار مثلا يتأتى بالآذان ~~كما يتأتى بالعين والشم بالعين كما يتأتى بالأنف وهذا كله إبطال للحكمة ~~وإبطال للمعنى الذي سمى به نفسه حكيما تعالى وتقدست أسماؤه عن ذلك # قلت مضمون هذا الكلام إثبات ما في الموجودات من الحكمة والغاية المناسبة ~~لاختصاص كل منها بما خص به وأن ارتباط بعض الأمور ببعض قد يكون شرطا في ~~الوجود وقد يكون شرطا في الكمال وبإثبات هذا أخذ يطعن في حجة أبي المعالي ~~وأمثاله ممن لا يثبت إلا مجرد المشيئة المحضة التي تخصص كلا من المخلوقات ~~بصفته وقدره # فإن ms1865 هذا هو قول طائفة من أهل الكلام كالأشعرية والظاهرية وطائفة من ~~الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وأما الجمهور من المسلمين PageV09P110 ~~وغيرهم فإنهم مع أنهم يثبتون مشيئة الله وإرادته يثبتون أيضا حكمته ورحمته # وهؤلاء المتفلسفة أنكروا على الأشعرية نفي الحكمة الغائية وهم يلزمهم من ~~التناقض ما هو أعظم من ذلك فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية كما هو قول ~~جمهور المسلمين فإنهم يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى فإن ~~من فعل المفعول لغاية يريدها كان مريدا للمفعول بطريق الأولى والأحرى # فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار ويقولون إنه علة موجبة للمعلول ~~بلا إرادة كان هذا في غاية التناقض ومن سلك طريقة أبي المعالي في هذا ~~الدليل لا يحتاج إلى أن ينفي الحكمة بل يمكنه إذا أثبت الحكمة المرادة أن ~~يثبت الإرادة بطريق الأولى # وحينئذ فالعالم بما فيه من تخصيصه ببعض الوجوه دون بعض دال على مشيئة ~~فاعله وعلى حكمته أيضا ورحمته المتضمنة لنفعه وإحسانه إلى خلقه # وإذا كان كذلك فقولنا إن ما سوى هذا الوجه جائز يراد به أنه جائز ممكن من ~~نفسه وأن الرب قادر على غير هذا الوجه كما هو قادر عليه وذلك لا ينافي أن ~~تكون المشيئة والحكمة خصصت بعض الممكنات المقدورات دون بعض PageV09P111 # فهذه المقدمة التي ذكرها أبو المعالي مقدمة صحيحة لا ريب فيها وإنما ~~الشأن في تقرير المقدمة الثانية وقد ذكر الكلام عليها في غير هذا الموضع ~~وهو أن التخصص للممكنات ببعض الوجوه دون بعض هل يستلزم حدوثها أم لا # قال ابن رشد وقد نجد ابن سينا يذعن إلى هذه المقدمة بوجه ما وذلك أنه يرى ~~أن كل موجود ما سوى الفاعل فهو إذا اعتبر بذاته ممكن وجائز وأن هذه ~~الجائزات صنفان صنف هو جائز باعتبار فاعله وصنف هو واجب باعتبار فاعله ممكن ~~باعتبار ذاته وأن الواجب بجميع الجهات هو الفاعل الأول # قال وهذا قول في غاية السقوط وذلك أن الممكن في ذاته وفي جوهره ليس يمكن ~~أن يكون ضروريا من جهة فاعله وإلا انقلبت ms1866 طبيعة الممكن إلى طبيعة الضروري ~~فإن قيل إنما نعني بكونه ممكنا باعتبار ذاته أنه متى توهم فاعله مرتفعا ~~ارتفع هو قلنا هذا الارتفاع مستحيل لازم عن مستحيل وهو ارتفاع السبب الفاعل ~~وليس هذا موضع الكلام في هذا الرجل ولكن PageV09P112 للحرص على الكلام معه ~~في الأشياء التي اخترعها هذا الرجل استجزنا القول هنا معه # قلت مراد ابن رشد أن المفعول لا يكون قديما أزليا فإن الضروري عنده وعند ~~عامة العقلاء حتى أرسطو وأتباعه وحتى ابن سينا وأتباعه وإن تناقضوا هو ~~القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه في الماضي والمستقبل وهذا يمتنع أن يكون ~~ممكنا يقبل الوجود والعدم بل هذا لا يكون إلا محدثا والمحدث يمتنع أن ينقلب ~~قديما فلهذا قال الممكن يمتنع أن يكون ضروريا # وأما كون الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه وهو المحدث يصير واجب الوجود ~~بغيره فهذا لا ريب فيه وما أظن ابن رشد ينازع في هذا # ولكن من المتكلمين من ينازع في هذا وهذا حق وإن قاله ابن سينا فليس كل ما ~~يقوله ابن سينا هو باطلا # بل مذهب أهل السنة أنه ما شاء الله كان فوجب وجوده وما لم يشأ لم يكن ~~فامتنع وجوده وهذا يوافق عليه جماهير الخلق فإن هؤلاء يقولون كل ما سوى ~~الله ليس له من نفسه وجود وهذا يعنون بكونه ممكنا لا يعنون بذلك أنه يمكن ~~أن لا يوجد وإنما يقولون هو باعتبار نفسه لايستحق أن يوجد ولكن باعتبار ~~فاعله يجب أن يوجد فهو واجب بغيره غير واجب بنفسه PageV09P113 # ولهم نزاع فيما أذا عدم هل يقولون عدم لعلم موجبه أو لا يعلل عدمه بل ليس ~~له من نفسه وجود وإنما وجوده بفاعله فإذا لم يفعله فاعل بقي على العدم ~~المستمر هذا فيه نزاع وهو نزاع لفظي اعتباري # وتحقيق الأمر أن عدم علته مستلزم لعدمه لا أن عدم علته فعل عدمه وأوجب ~~عدمه ولكن يلزم من عدم علته عدمه # فإن أريد بالعلة في عدمه المؤثر في عدمه فعدمه المستمر لا يحتاج إلى مؤثر ~~وإن أريد ms1867 به المستلزم لعدمه فلا ريب أن عدم علته مستلزم لعدمه # وهؤلاء لا يقولون إن الجائزات صنفان صنف هو جائز باعتبار فاعله وصنف هو ~~واجب باعتبار فاعله بل الجائزات الموجودة كلها واجبة باعتبار فاعلها وما لم ~~يوجد من الجائزات فهو جائز باعتبار نفسه وهو ممتنع لغيره # فكما أن ما وجد من الممكنات فهو واجب لغيره لا لنفسه فما لم يوجد منها ~~فهو ممتنع لغيره لا لنفسه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء أن ~~يكون فلا بد أن يكون وليس هو واجبا بنفسه ولا له من نفسه وجوده بل الله ~~مبدعه PageV09P114 # وما لم يشأ لم يكن فإنه يمتنع وجود شيء بدون مشيئة الله تعالى وإن كان ~~الله قادرا عليه وهو ممكن في نفسه أي يمكن أن يخلقه الله لو شاء الله خلقه # فهذا الباب كثير من النزاع فيه لفظي وهم لا يعنون بكونه ممكنا باعتبار ~~ذاته أنه متى توهم فاعله مرتفعا ارتفع هو ولكن ابن سينا وأتباعه الذين ~~يقولون إن الفلك قديم أزلي وهو مع هذا ممكن يعنون ذلك # وأما عامة العقلاء فيعنون بذلك أنه لا يوجد بنفسه وأنه باعتبار نفسه يمكن ~~أن يوجد ويمكن ألا يوجد وما كان كذلك فهو محدث # ولاريب أنه مع هذا واجب بغيره حين وجوده لا قبل وجوده يمتنع ارتفاعه حين ~~وجوده لامتناع ارتفاع فاعله ولا يمتنع ارتفاعه مطلقا إذ كان معدوما فوجد ~~فارتفاعه مستحيل حين وجوده لازم عن مستحيل # والذي ينكره جمهور العقلاء ابن رشد وغيره على ابن سينا ومن وافقه من ~~المتأخرين قولهم بأن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم قد يكون قديما أزليا ~~واجبا بغيره فهذا مما ينكره الجمهور # وقد ذكر ابن رشد أنه مخالف لقول أرسطو ومتقدمي الفلاسفة ولهذا ~~PageV09P115 لزم ابن سينا وموافقيه من التناقض ما ذكر بعضه الرازي وهم إذا ~~حقق الكلام عليهم في الممكن فروا إلى إثبات الإمكان الاستقبالي وهو أنه ~~يمكن في هذا الموجود أن يعدم في المستقبل وفي المعدوم العين أن يوجد في ~~المستقبل فيكون ms1868 الممكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا وهذا قول جمهور ~~العقلاء # وكلامهم في الإلهيات وفي هذا الممكن القديم الأزلي مضطرب غاية الاضطراب ~~كما ذكره ابن رشد وغيره وأما كلامهم فيه في المنطق وغيره فوافقوا فيه سلفهم ~~أرسطو وأتباعه وسائر العقلاء وصرحوا بأن الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه ~~لا يكون إلا محدثا مسبوقا بعدم نفسه وقسموا الممكن إلى أقسام كلها محدثة ~~وجعلوا قسيم الممكن العامي هو الضروري الواجب وجوده وهو القديم الأزلي ~~وصرحوا بأن ما كان قديما أزليا يمتنع أن يقال إنه ممكن يقبل الوجود والعدم # وممن صرح بذلك ابن سينا وأتباعه لما تكلموا في الإلهيات PageV09P116 ~~وأحدثوا مذهبا ركبوه من مذهب سلفهم أرسطو وأتباعه ومن مذهب أهل الكلام ~~المعتزلة ونحوهم وقسموا الوجود إلى واجب وممكن كما قسمه المتكلمون إلى قديم ~~وحادث # وهذا التقسيم ابتدعوه لم يذهب إليه قدماء الفلاسفة بل قدماؤهم قسموه إلى ~~جوهر وتسعة أعراض كما هو معروف في كتاب قاطيغورياس وجعلوا العلة الأولى من ~~مقولة الجوهر # وهؤلاء جعلوا هذه القسمة للممكن وقالوا الموجود إما واجب وإما ممكن ~~والممكن لا بد له من واجب فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين # وظنوا أن هذه الطريقة التي ابتدعوها في إثبات رب العالمين طريقة عظيمة ~~وأنها غاية عقول العقلاء وهي من أفسد الطرق لا تدل على إثبات مبدع للعالم ~~ألبتة فإنهم يحتاجون إلى حصر الوجود في القسمين ثم إلى بيان أن الممكن الذي ~~جعلوه قسيم الواجب يستلزم ثبوت الواجب الذي ادعوه وهذا ممتنع على طريقهم # فإنهم اذا قالوا الموجود إما أن يقبل العدم وإما أن لا يقبله وما قبل ~~العدم فهو الممكن ولا بد له من واجب # قيل لهم إن عنيتم بما يقبل العدم المحدث كان مقتضى الحجة إثبات قديم محدث ~~للمحدثات وهذا حق ولكن القديم عندكم قد يكون PageV09P117 واجبا وقد يكون ~~ممكنا فليس في هذا ما يدل على إثبات واجب # وإن قلتم إن الممكن لا بد له من واجب # قيل لكم فمعلوم أن المحدث لا بد له من فاعل وأما ما جعلتموه ms1869 قديما أزليا ~~وسميتموه ممكنا فهذا لايعلم أنه يفتقر إلى فاعل بل عامة العقلاء يقولون إنه ~~يمتنع أن يكون لهذا فاعل ولو قدر أن له فاعلا لكان هذا مما يعلم بنظر دقيق ~~خفي فلا يمكن ان يكون إثبات واجب الوجود موقوفا على مثل هذه المقدمة # فإن قالوا نحن قد قررنا أنه ممكن ولا بد للممكن من واجب # قيل أنتم جعلتموه ممكنا قديما أزليا وهذا عند جمهور العقلاء جمع بين ~~النقيضين وهو ممتنع والممتنع قد يلزمه حكم ممتنع وإنما موجب دليلكم ثبوت ~~قديم أزلي وهذا حق # والقديم الأزلي عندكم يمكن أن يكون واجبا ويمكن أن يكون ممكنا وهذا ~~الممكن لم نعلم أنه يفتقر إلى واجب فلا يلزم ثبوت الواجب الذي ادعيتموه كما ~~لم يلزم ثبوت الممكن الذي ادعيتموه # وإن قلتم إذا قدر عدم هذا الممكن لزم ثبوت القسم الآخر وهو الواجب ~~لانحصار الموجود في الواجب والممكن كما بيناه # قيل لكم كما لم يلزم ثبوت هذا الممكن فلم يثبت نفيه بل الشك حاصل وإن قدر ~~انتفاؤه PageV09P118 # فإذا لم يثبت وجود ممكن بل واجب لم يكن في هذا ما يدل على أن في الوجود ~~ما هو ممكن وأمكن أن يقال الوجود كله واجب كما يقوله من يقول بوحدة الوجود ~~ويقول عين وجود ما يسمى ممكنا ومحدثا هو عين وجود الواجب فصار حقيقة قولكم ~~إن الوجود كله إما واجب وإما ممكن هو نوعان قديم ومحدث # وهذا الكلام لا فائدة فيه بل ليس فيه إلا ذكر التقسيم والشك في وجود ~~الواجب أو إثبات واجب يعم المحدث والقديم وهو باطل قطعا فليس فيه إلا الجزم ~~بالباطل أو الشك في الحق أو يقولوا إن الموجود يمكن أن يكون كله واجبا ~~ويمكن أن يكون ليس فيه واجب بل هو إما محدث وإما قديم ممكن # ومعلوم أن كلا القولين معلوم الفساد بالضرورة وأن الوجود فيه حوادث كانت ~~معدومة فوجدت وهذه ممكنات وأنه لا بد لها من قديم أزلي والقديم الأزلي يجب ~~وجوده ويمتنع أن يكون ممكنا وهذا يبين أن كل ms1870 ما سوى الواجب الوجود المبدع ~~فهو محدث كائن بعد أن لم يكن وهذا كله يناقض ما قالوه # ولهذا يوجد في بحوث من سلك طريقهم كالرازي والآمدي من البحوث المضطربة في ~~الواجب والممكن والعلة والمعلول ما ليس هذا موضع بسطه وقد تكلم عليه في غير ~~هذا الموضع PageV09P119 $ فصل # فإن قالوا نحن إذا قلنا الوجود إما واجب ذاته لا تقبل العدم وإما ممكن ~~يقبل العدم وما كان قابلا للعدم فلا بد له من واجب لزم ثبوت الواجب على ~~التقديرين مع قطع النظر عن الممكن هل يكون قديما أم لا # بل نفس تصور هذه الحقيقة وهو كونه يقبل العدم فيلزم افتقاره إلى فاعل # قيل هذا صحيح ولكن هذا التقسيم لا يستلزم ثبوت القسمين في الخارج إن لم ~~يبين ثبوت الممكن ولكن يلزم ثبوت موجود لا يقبل العدم على التقديرين وهذا ~~لا يناقض قول القائل بأن الموجود واحد لا يقبل العدم وإنما يبطل قول هؤلاء ~~إذا بين أن في الوجود ما هو ممكن يقبل العدم # وليس في مجرد التقسيم ثبوت القسمين وإنما يثبت القسمان إذا ثبت أن في ~~الوجود ممكنا يقبل العدم وهذا الممكن لا بد له من واجب وحينئذ فيكون ~~استدلالا بوجود الممكن المعلوم إمكانه على القديم وهذا استدلال بالمحدثات ~~على القديم لا استدلال بالوجود من حيث هو وجود على وجود الواجب كما ظن ابن ~~سينا وأتباعه بأن الوجود من حيث هو PageV09P120 وجود إذا دل على وجود واجب ~~لم يناقض ذلك أن يكون الوجود كله واجبا # فإذا قال أنا أبين بعد ذلك أن فيه محدثا # قيل إذا بين ذلك ثبت أن فيه قديما ويكون الدليل على ثبوت القديم هو ~~الحوادث وهذه طريقة صحيحة وهي تدل على إثبات قديم لا على ثبوت واجب له ~~مفعول قديم لكن نفس الوجود يدل على ثبوت موجود قديم واجب الوجود على كل ~~تقدير # ثم يقال وليس الوجود كله واجبا قديما فإنا نشهد حدوث المحدثات والمحدث ~~ليس بقديم وليس بواجب الوجود يمتنع عدمه ولا بممتنع الوجود يجب عدمه فإن ms1871 ~~كان موجودا تارة ومعدوما اخرى فعلم أنه يمكن وجوده وعدمه وما كان هكذا فلا ~~بد له من فاعل قديم أزلي يمتنع عدمه فثبت وجود الموجود القديم الأزلي من ~~نفس الوجود ومن وجود المحدثات وثبت من وجود المحدثات أنه ليس كل موجود ~~قديما ولا واجبا بل ثبت انقسام الوجود إلى قديم واجب وإلى محدث ممكن بهذه ~~الطريق وهي طريق الحدوث وطريق الإمكان الذي لا يناقض الحدوث بل يلازمه فأما ~~الإمكان الذي ابتدعوه فلا يثبت هو بنفسه ولايثبت به شيء # ثم الكلام في تعيين القديم الواجب وأن السماوات محدثة له طرق PageV09P121 ~~متعددة ضرورية ونظرية كما قد بسط في موضع آخر وبين أن معرفة الصانع فطرية ~~ضرورية معرفته بعينه وأن السماوات والأرض وما بينهما مخلوقة له حادثة بعد ~~أن لم تكن وأن كل مولود يولد على الفطرة وأن الله خلق عباده حنفاء ولكن ~~شياطين الإنس والجن أفسدوا فطرة بعض الناس فعرض لهم ما أزاحهم عن هذه ~~الفطرة # ولهذا قالت الرسل @QB@ أفي الله شك فاطر السماوات والأرض @QE@ سورة ~~إبراهيم 10 # ولما قال فرعون لموسى على سبيل الإنكار لما قال موسى إني رسول من رب ~~العالمين قال @QB@ وما رب العالمين @QE@ سورة الشعراء 23 قال له موسى @QB@ ~~رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون ~~قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب ~~المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون @QE@ سورة الشعراء 24 28 # ولما قال لموسى وهارون @QB@ فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين @QE@ ~~سورة الشعراء 16 # قال ابن رشد وأما المقدمة الثانية وهي القائلة إن الجائز PageV09P122 ~~محدث فهي مقدمة غير بينة بنفسها وقد اختلف فيها العلماء فأجاز أفلاطون أن ~~يكون شيئا جائزا أزليا ومنعه أرسطو طاليس وهو مطلب عويص ولم يتبين حقيقته ~~إلا لأهل صناعة البرهان وهم العلماء الذين خصهم الله بعلمه وقرن شهادتهم في ~~الكتاب العزيز بشهادته وشهادة ملائكته # قلت أما دعواه أن العلماء المذكورين في القرآن هم إخوانه الفلاسفة أهل ~~المنطق ms1872 وأتباع اليونان فدعوى كاذبة فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن ~~الذين أثنى الله عليهم بالتوحيد ليس هم من المشركين الذين يعبدون الكواكب ~~والأوثان ويقولون بالسحر ولا ممن يقول بقدم الأفلاك ولا ممن يقول قولا ~~يستلزم أن تكون الحوادث حدثت بأنفسها ليس لها فاعل ونعلم بالاضطرار أن ~~العلم بالتوحيد ليس موقوفا على ما انفردوا به في المنطق من الكلام في الحد ~~والقياس بما يخالفهم فيه أكثر الناس كتفريقهم بين الذاتيات والعرضية ~~اللازمة للماهية وتفريقهم بين حقيقة الأعيان الموجودة التي هي ماهيتها وبين ~~نفس الوجود الذي هو الأمر الموجود وأمثال ذلك # وهذا الذي ذكره من ينازع هذين فإنه ينصر قول PageV09P123 أرسطو طاليس ~~ويقول إن الجائز وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا وينكر على ابن سينا قوله ~~بأن الجائز وجوده وعدمه يكون قديما أزليا وحكايته لهذا عن أفلاطون قد يقال ~~إنه لا يصح فيما يثبته قديما من الجواهر العقلية كالدهر والمادة والخلاء ~~فإنه يقول بأنها جواهر عقلية قديمة أزلية لكن القول مع ذلك بأنها جائزة ~~ممكنة ونقل ذلك عنه فيه نظر # وأما الأفلاك فالمنقول عن أفلاطون وغيره أنها محدثة فإن أرسطو طاليس يقول ~~بقدم الأفلاك والعقول والنفوس وهي على اصطلاح هؤلاء ممكنة جائزة وعلى أصله ~~يكون الجائز الممكن بنفسه أزليا وهم ينقلون إن أول من قال من هؤلاء بقدم ~~العالم هو أرسطو طاليس وهو صاحب التعاليم وأما القدماء كأفلاطون وغيره فلم ~~يكونوا يقولون بقدم ذلك وإن كانوا يقولون أو كثير منهم بقدم أمور أخرى قد ~~يخلق منها شيء آخر ويخلق من ذلك شيء آخر إلى أن ينتهي الخلق إلى هذا العالم ~~فهذا قول قدمائهم أو كثير منهم وهو خير من قول أرسطو وأتباعه # قال ابن رشد وأما أبو المعالي فإنه رام أن يبين هذه المقدمة PageV09P124 ~~بمقدمات إحداها أن الجائز لا بد له من مخصص يجعله بأحد الوصفين الجائزين ~~أولى من الثاني والثانية أن هذا المخصص لا يكون إلا مريدا # والثالثة أن الموجود على الإرادة حادث ثم بين أن الجائز يكون عن الإرادة ms1873 ~~أي عن فاعل مريد من قبل أن كل فعل فإما أن يكون عن الطبيعة وإما عن الإرادة ~~والطبيعة ليس يكون عنها أحد الجائزين المتماثلين دون مماثلة مثال ذلك أن ~~السقمونيا ليس تجذب الصفراء التي في الجانب الأيمن من البدن دون التي في ~~الأيسر وأما الإرادة فهي التي تخصص الشيء دون مماثلة ثم أضاف إلى هذه أن ~~العالم يماثل كونه في الموضع الذي خلق فيه من الجو الذي خلق فيه يريد ~~الخلاء لكونه في غير ذلك الموضع من ذلك الخلاء فانتج ذلك أن العالم خلق عن ~~إرادة PageV09P125 # قال والمقدمة القائلة إن الإرادة هي التي تخص أحد المتماثلين صحيحة ~~والقائلة إن العالم في حد يحيط به كاذبة أو غير بينة بنفسها ويلزم أيضا عن ~~وضعه هذا الخلاء أمر شنيع عندهم وهو أن يكون قديما لأنه إن كان محدثا احتاج ~~إلى خلاء # قلت أما تسليمه أن الإرادة تخص أحد المتماثلين فيناقض ما قد ذكر أولا من ~~أنه لا بد في المفعول من حكمة اقتضت وجوده دون الآخر والإرادة تتعلق ~~بالمفعول لعلم المريد بما في المفعول من تلك الحكمة المطلوبة ومن كان هذا ~~قوله امتنع عنده تخصيص أحد المتماثلين بالإرادة بل لا بد أن يختص أحدهما ~~بأمر أوجب تعلق الإرادة به وإلا فمع التساوي يمتنع أن يراد أحدهما على هذا ~~القول ومتى سلم هذا أمكن أن يقال إن مجرد اختيار الفاعل وهي إرادته خصت ~~الوجود بدهر دون دهر مع التماثل وبقدر دون قدر وبوصف دون وصف # واما منازعته في أن العالم في حد يحيط به فهم لا يحتاجون أن يثبتوا أمرا ~~وجوديا يكون العالم فيه بل هم يقولون إنا نعلم إمكان تيامنه وتياسره ~~بالضرورة وإن كان ما وراءه عدم محض وتسمية ذلك موضعا كقول القائل العالم في ~~موضع ولفظ الموضع والمكان والحيز يراد به أمر موجود وأمر معدوم PageV09P126 # قال ابن رشد وأما المقدمة القائلة إن الإرادة لا يكون عنها إلا مراد حادث ~~فلذلك شيء غير بين وذلك أن الإرادة التي هي بالفعل فهي مع ms1874 فعل المراد نفسه ~~لأن الإرادة من المضاف وقد تبين أنه إذا وجد أحد المضافين بالفعل وجد الآخر ~~بالفعل مثل الأب والابن وإذا وجد أحدهما بالقوة وجد الآخر بالقوة فإن كانت ~~الإرادة التي بالفعل حادثة فالمراد لا بد حادث وإن كانت الإرادة التي ~~بالفعل قديمة فالمراد الذي بالفعل قديم وأما الإرادة التي تتقدم المراد فهي ~~الإرادة التي بالقوة أعني التي لم يخرج مرادها إلى الفعل إذا لم يقترن بتلك ~~الإرادة الفعل الموجب لحدوث المراد ولذلك هو بين أنها إذا خرج مرادها للفعل ~~أنها على نحو من الوجود لم تكن عليه قبل خروج مرادها إلى الفعل إذ كانت هي ~~السبب في حدوث المراد بتوسط الفعل فإذا لو وضع المتكلمون أن الإرادة حادثة ~~لوجب أن يكون المراد محدثا ولا بد # قال والظاهر من الشرع أنه لم يتعمق هذا التعمق مع الجمهور PageV09P127 ~~ولذلك لم يصرح لا بإرادة قديمة ولا حادثة بل صرح بما الأظهر منه أن الإرادة ~~موجدة موجودات حادثة وذلك قوله تعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون @QE@ سورة النحل 40 وإنما كان ذلك كذلك لأن الجمهور لا ~~يفهمون موجودات حادثة عن إرادة قديمة بل الحق أن الشرع لم يصرح في الإرادة ~~لا بحدوث ولا قدم لكون هذا من المتشابهات في حق الأكثر وليس بأيدي ~~المتكلمين برهان قطعي على استحالة إرادة حادثة في موجود قديم لأن الأصل ~~الذي يعولون فيه على نفي قيام الإرادة الحادثة بمحل قديم هي المقدمة التي ~~بينا وهنها وهي أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث وسنبين هذا المعنى بيانا أتم ~~عند القول في الإرادة # قلت الكلام في الإرادة وتعددها أو وحدة عينها أو نوعها أو عمومها أو ~~خصوصها وقدمها أو حدوثها أو حدوث نوعها أو عينها وتنازع الناس في ذلك ليس ~~هذا موضعه وهي من أعظم محارات النظار # والقول فيها يشبه القول في الكلام ونحوه لكن نفس تسليم PageV09P128 ~~الإرادة للمفعول يستلزم حدوثه بل تسليم كون الشيء مفعولا يستلزم حدوثه فأما ~~مفعول مراد أزلي لم ms1875 يزل ولا يزال مقارنا لفاعله المريد له الفاعل له بإرادة ~~قديمة وفعل قديم فهذا مما يعلم جمهور العقلاء فساده بضرورة العقل # وحينئذ فبتقدير أن يكون الباري لم يزل مريدا لأن يفعل شيئا بعد شيء يكون ~~كل ما سواه حادثا كائنا بعد أن لم يكن وتكون الإرادة قديمة بمعنى أن نوعها ~~قديم وإن كان كل من المحدثات مرادا بإرادة حادثة # قال فقد تبين لك من هذا كله أن الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك إلى ~~معرفة الله تعالى ليست طرقا نظرية يقينية ولا طرقا شرعية يقينية وذلك ظاهر ~~لمن تأمل أجناس الأدلة المنبهة في الكتاب العزيز على هذا المعنى أعني معرفة ~~وجود الصانع تعالى وذلك أن الطرق الشرعية إذا تؤملت وجدت في الأكثر قد جمعت ~~وصفين أحدهما أن تكون يقينية والثاني أن تكون بسيطة غير PageV09P129 مركبة ~~أعني قليلة المقدمات فتكون نتائجها قريبة من المقدمات الأول # قال ابن رشد وأما الصوفية فطرقهم في النظر ليست طرقا نظرية أعني مركبة من ~~مقدمات وأقيسة وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى ~~في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكرة على المطلوب ~~ويحتجون لتصحيح هذا بظواهر من الشرع كثيرة # ونحن نقول إن هذه الطريقة وإن سلمنا وجودها فليست عامة للناس بما هم ناس ~~ولو كانت هذه الطريقة هي المقصودة بالناس لبطلت طريقة النظر ولكان وجودها ~~في الإنسان عبثا # مثل قوله تعالى @QB@ واتقوا الله ويعلمكم الله @QE@ سورة البقرة 282 ومثل ~~قوله تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ سورة العنكبوت 69 ~~ومثل قوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا @QE@ ~~سورة الأنفال 29 إلى أشياء كثيرة يظن أنها عاضدة لهذا المعنى PageV09P130 # والقرآن كله دعاء إلى النظر والاعتبار وتنبيه على طرق النظر نعم لسنا ~~ننكر أن إماتة الشهوات قد تكون شرطا في صحة النظر مثلما تكون الصحة شرطا في ~~صحة النظر لا أن إماتة الشهوات هي التي تفيد المعرفة بذاتها وإن كانت شرطا ~~فيها كما أن الصحة شرط في العلم وإن كانت ms1876 ليست مفيدة له # ومن هذه الجهة دعا الشارع إلى هذه الطريقة وحث عليها في جملة ما حث أعني ~~على العمل لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم بل إن كانت نافعة في النظرية ~~فعلى الوجه الذي بينا وهذا بين عند من أنصف واعتبر الأمر بنفسه # قلت العمل الذي أصله حب الله تعالى أمر الشرع به لأنه مقصود في نفسه وهو ~~معين على حصول العلم النافع كما أنه معين على حصول عمل آخر صالح كما أن ~~الشرع أمر بالعلم بالله تعالى لأنه مقصود في نفسه وهو معين على العمل ~~الصالح وعلى علم آخر نافع PageV09P131 # قال ابن رشد واما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم ~~شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى ويشبه أن تكون طرقهم شيئا ~~من جنس طرق الأشعرية # قلت طريق المعتزلة هي الطريق التي ذكرها عن الأشعرية وإنما أخذها من ~~أخذها من الأشعرية عنهم والمعتزلة هم الأصل في هذه الطريقة وعنهم انتشرت ~~وإليهم تضاف ولهذا لما كان الأشعري تارة يوافقهم وتارة يوافق السلف والأئمة ~~وأهل الحديث والسنة ذم هذه الطريقة كما تقدم ذكر كلامه في ذلك فذمها وعابها ~~موافقة للسلف والأئمة في ذلك # وابن رشد رأى ما رآه من كتب الأشعرية فرأى اعتمادهم عليها فلذلك تكلم ~~عليها # وأفضل متأخري المعتزلة هو أبو الحسين البصري وعلى هذه الطريقة في كتبه ~~كلها يعتمد حتى في كتابه الذي سماه غرر الأدلة PageV09P132 # قال في أوله إنا ذاكرون الغرض بهذا الكتاب والمنفعة به لكن إذا عرف ~~الإنسان شرف المنفعة وشرف تلك الغرض صبرت نفسه على تحمل المشاق في طلبها ~~والاجتهاد في تحصيلها فنقول إن الغرض به هو التوصل بالأدلة إلى معرفة الله ~~تعالى ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال وصدق رسله ~~وصحة ما جاؤوا به # قال وظاهر أن المنفعة بذلك عظيمة شريفة من وجوه منها أن من عرف هذه ~~الأشياء بالأدلة أمن من أن يستزله غيره عنها ومنها أنه يمكنه أن يرد ms1877 غيره ~~عن الضلال إليها ومنها أن يكون على ثقة مما يقدم عليه في معاده غير خائف من ~~أن يكون على ضلال يوديه إلى الهلاك # قال وليس أحد يثق بصحة ما جاءت به الرسل إلا بعد المعرفة بصدقهم ولا تحصل ~~المعرفة بصدقهم إلا بالمعجزات التي تميزهم عن غيرهم وليس تدل المعجزات على ~~صدقهم إلا إذا صدرت ممن لا يفعل القبيح لكي يؤمن أن نصدق الكذابين وليس ~~يؤمن أنه لا يفعل القبيح إلا إذا عرف أنه عالم بقبحه عالم باستغنائه عنه ~~ولا يعرف PageV09P133 غناءه إلا بعد أن يعلم أنه غير جسم ولا يعرف أنه غير ~~جسم إلا إذا عرف أنه قديم ولا يعلم أنه عالم بكل قبيح إلا إذا علم أنه عالم ~~بكل شيء ولا يعلمه كذلك إلا إذا علم أنه عالم لذاته ولا يعلمه كذلك إلا إذا ~~علم أنه عالم ولا يعلم أنه يثيب ويعاقب إلا إذا علم أنه قادر حي ولا يعرف ~~موصوفا بهذه الصفات إلا إذا عرفت ذاته وإنما تعرف ذاته إذا استدل عليها ~~بأفعاله لأنها غير مشاهدة ولا معروفة باضطرار ولا طريق إليها إلا أفعاله ~~فيجب ان نتكلم في هذه الأشياء لنعلم صحة ما جاءت به الرسل ونتمتثله فنكون ~~آمنين في المعاد # ثم قال باب الدلالة على محدث الأجسام الدلالة على محدث الأجسام والجواهر ~~هي أن الأجسام والجواهر محدثة وكل محدث فله محدث فللأجسام إذا محدث # قال وهذا الكلام يشتمل على أصلين أحدهما قولنا إن الجسم لم يسبق الحركات ~~والسكنات المحدثة والآخر قولنا وكل ما لم يسبق المحدث فهو محدث فالأول ~~يشتمل على ثلاث دعاو إثبات الحركة والسكون وأن الجسم ما سبقهما وأنهما ~~محدثان # والأصل الآخر لا يشتمل إلا على دعوى واحدة وهو أن ما لم يسبق المحدث محدث ~~فصارت الدعاوى أربعا ونحن نبينها ليصح حدوث الجسم PageV09P134 # قلت وهذه هي الدعاوى الأربع التي ذكرها أبو المعالي في أول الإرشاد لكن ~~جعل بدل الحركات والسكنات الأعراض ولكنه لم يقرر حدوث الأعراض إلا بحدوث ~~الأكوان ولم يقرر ذلك إلا بالاجتماع ms1878 والافتراق # وأما طريقة الحركة والسكون التي اعتمدتها المعتزلة فهي التي يعتمدها ~~الرازي وهي أقوى مما سلكه الآمدي وغيره حيث سلكوا طريقة الأعراض مطلقا بناء ~~على أن العرض لا يبقى زمانين فإن هذه أضعف الطرق وطريقة الحركة أقواها ~~وطريقة الاجتماع والافتراق بينهما وهي طريقة أبي الحسن الأشعري وطريقة ~~الكرامية وغيرهم ممن يقول إنه جسم # ثم إن أبا الحسين احتج لهذه الدعاوى الأربع بنظير ما تقدم # قال فإن قيل فما الدليل على أن الحركة غيره # قيل لو كان تحرك الجسم هو الجسم لكان إذا بطل تحرك الجسم بطل الجسم ولو ~~كان تحرك الجسم هو الجسم لكانت الدلالة على ما حدث التحرك دلالة على حدث ~~الجسم فلو كان تحرك الجسم هو الجسم لكان أسهل في الدلالة على حدث الجسم ~~PageV09P135 # قلت هذا ينبني على أن ما ليس هو الشيء فهو غيره وهو قول المعتزلة وأما ~~الصفاتية فينازعونهم في هذا ويقولون الصفة لا يطلق عليها إنها هي هو ولا ~~إنها غيره وأئمتهم لا يقولون لا هي هو ولا هي غيره لأن لفظ الغير مجمل ~~وكثير منهم يقولون لا هي هو ولا هي غيره لكن الاستدلال يمشي بأن تكون ~~الحركة ليست هي الجسم وهي حادثة ويمشي بأن يقال الغيران ما جاز مفارقة ~~أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود والحركة تفارق الجسم بالوجود فإنه قد ~~يكون موجودا ولا حركة له لكن يقال لا نسلم أن كل جسم يجوز أن يفارقه نوع ~~الحركة بل قد تقارنه عين الحركة وهم لا يدعون أن الجسم مستلزم لعين الحركة ~~والسكون بل لنوعها # قال أبو الحسين والدلالة على استحالة سبق الجسم لجنس الحركة والسكون هي ~~أنه لو سبقه لكان لا وقفا ولا مارا ولا حاصلا في مكان مع أنه جرم متحيز ~~والعلم باستحالة ذلك ضروري # قال والدلالة على حدوث الحركة والسكون هي أن كل حركة وسكون يجوز عليهما ~~العدم والقديم لا يجوز عليه العدم وإنما قلنا يجوز العدم على السكنات ~~والحركات لأنه ما من جسم متحرك إلا ويمكن أن يسكن أو ms1879 يحول من حركة إلى حركة ~~كخروج الفلك من دورة إلى PageV09P136 دورة وما من جسم ساكن إلا ويمكننا أن ~~نحركه إما بجملته أو بأجزائه كالأجسام العظام # وإنما قلنا إن القديم لا يجوز عليه العدم لأن القديم واجب الوجود في كل ~~حال وما وجب وجوده في كل حال استحال عدمه # وإنما قلنا إنه واجب الوجود في كل حال لأنه موجود فيما لم يزل فإما أن ~~يكون وجوده على طريق الجواز أو على طريق الوجوب فلو كان موجودا على طريق ~~الجواز لم يكن بالوجود أولى منه بالعدم لولا فاعل ويستحيل أن يوجد القديم ~~بالفاعل لأن المعقول من الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم وليس للقديم حال عدم ~~فيخرجه فصح أن وجود القديم واجب وليس بأن يجب وجوده في حال أولى من حال فصح ~~أنه واجب الوجود في كل حال فاستحال عدمه # ثم قرر الأصل الثاني وهو المهم # قال وإنما قلنا إن ما لم يسبق المحدث محدث لأن ما لم يسبق المحدث إذا كان ~~موجودا فإنه لم يوجد قبله ووجد بعده أو معه فإذا لم يكن موجودا فصار موجودا ~~وهذه حقيقة المحدث فصح أن الجسم محدث # قال فإن قيل ما أنكرتم أن الحوادث الماضية لا أول لها ولا يلزم حدث الجسم ~~إذا لم يتقدمها قيل إذا كان كل واحد من الحوادث له أول استحال ألا يكون ~~لجميعها أول لأنها ليست سوى آحادها كما يستحيل أن يكون كل واحد من الزنج ~~أسود ولا يكونوا كلهم سودا PageV09P137 ولأن كل واحد قد سبقه عدمه فلو كانت ~~لا أول لها لكان ما مضى ما انفك من وجودها ولا من عدمها ولا ينفصل السابق ~~من المسبوق # قلت هذه المقدمة هي التي نازعهم فيها المنازعون كما تقدم ذكر بعض طعن ~~الطاعنين فيها في كلام الرازي وغيره وهؤلاء يقولون لا نسلم أنه إذا كان لكل ~~واحد منها أول أن يكون لجميعها أول كما أن كل واحد منها له آخر وليس ~~لجميعها آخر # وكما أن كل واحد من العشرة عشر وليس المجموع ms1880 عشرا وكل واحد من أعضاء ~~الإنسان عضو وليس المجموع عضوا وبالجملة فليس كل ما يتصف به كل فرد من ~~الأفراد يتصف به المجموع في جميع المواضع بل تارة يتصف المجموع بما يتصف به ~~الأفراد كما أنه إذا كان كل جزء من الجملة موجودا فالجميع موجود وإن كان كل ~~جزء من المجموع ممكنا فالمجموع ممكن وإذا كان كل جزء منها معدوما فالجميع ~~معدوم وتارة لا يكون كذلك كما تقدم # فلا بد من بيان أن مورد النزاع من أحد الصنفين وإلا فدعوى ذلك هو أول ~~المسألة فدعوى ذلك مصادرة وتمثيلهم بالزنج تمثيل بأمر جزئي لا يحصل به ~~المقصود إلا أن يعلم أن هذا مثل هذا PageV09P138 # ولهم عنه أجوبة المنع والمعارضة والفرق أما المانع فيقولون لا نسلم أن ~~هذا مثل الزنج وأما المعارضة فيعارضون ذلك بعلمنا بأن كل حركة لها آخر وكل ~~حادث له آخر وليس لكل الحركات والحوادث آخر وأن كل عدد له نهاية وليس ~~للأعداد نهاية وأن كل واحدة من الأخوات يباح التزوج بها وليس الجمع بين ~~الأخوات مباحا وكل واحد من أفراد العشرة واحد وهو ثلث الثلاثة وربع الأربعة ~~وليست العشرة ثلث الثلاثة ولا ربع الأربعة وأن كل واحد من أجزاء المركب هو ~~مفرد بشرط المركب ليس مفردا بسيطا وأن كل واحد من أجزاء الدائرة جزء دائرة ~~والدائرة ليست جزء دائرة وأن كل واحد من أجزاء المطر قطرة وليس المجموع ~~قطرة فإنه يفرق بين ما له مجموع يمكن أن يوصف بما وصفت به الأفراد وبين ما ~~ليس له مجموع يمكن وصفه بذلك # ولاريب أنا إذا عرضنا على عقولنا أن كل حركة مسبوقة بأخرى لزم أن يكون ~~لكل حركة أول ولا يلزم أن يكون لجنس الحركات أول كما إذا عرضنا على عقولنا ~~أن كل حركة ملحوقة بأخرى # وأما إذا عرضنا على عقولنا أن كل زنجي فهو أسود فإنا نعلم بالضرورة أن ~~مجموع الزنج سود وذلك لأن المجموع غير كل واحد واحد من الأفراد فتارة يمكن ~~وصفه بصفات الأفراد كما نقول عن ms1881 الحوادث المحدودة الطرفين إن مجموعها حادث ~~كما أن كل واحد منها حادث PageV09P139 وتارة لا يمكن وصفه بذلك اللفظ بل ~~بصيغة الجمع فإن مجموع السودان لا يقال فيه بنفس اللفظ أسود ولا يقال غير ~~أسود بل يقال سود وسود صيغة جمع فهي بمعنى قولنا كل زنجي أسود # وإذا لم يكن الحكم على المجموع هو بلفظه الحكم على الأفراد كان نظير مثال ~~الزنج وأما إذا اتحد الحكم فقد يكون حكم المجموع فيه حكم الأفراد وقد لا ~~يكون فالأول إذا قلنا كل محدث فهو مخلوق أو فهو ممكن أو كل ممكن فهو مفتقر ~~إلى غير ممكن فإن ذلك يوجب أن يكون مجموع المحدث مخلوقا وممكنا ومجموع ~~الممكن مفتقرا إلى غير ممكن لأن هذا الحكم ثابت للجنس من حيث هو هو فيلزم ~~ثبوته حيث تحقق الجنس والجنس يتحقق في المجموع كتحققه في كل فرد فرد # فطبيعة المحدث تستلزم كونه مخلوقا ممكنا وطبيعة الممكن إذا وجد تستلزم ~~الافتقار إلى غير ممكن والطبيعة لازمة للمجموع فيستحيل وجود الطبيعة منفكة ~~عن لازمها فلا يكون مجموع الممكنات إلا مفتقرا إلى غيره كما لا يكون كل فرد ~~منها الا مفتقرا إلى غيره ولا يكون مجموع المخلوقات إلا حادثا وممكنا كما ~~لا يكون كل منها الا حادثا ممكنا كذلك في المعنى # لكن من المجموع ما يكون اللفظ يتناول جنسه كما يتناول الواحد PageV09P140 ~~منه كلفظ المخلوق والمحدث والممكن ومنه ما يكون لفظ الكثير فيه صيغة جمع لا ~~يستعمل في الواحد منه # والزنج ليس لهم مجموع يحكم عليه بأنه أسود أو ليس بأسود بل يقال مجموعهم ~~سود وذلك معنى قولك كل واحد منهم أسود ولكنه الأسود يتصف به المجموع من حيث ~~هو مجموع كما يتصف به كل واحد واحد بخلاف اتصاف المجموع بكونه محدثا وممكنا ~~ومفتقرا إلى غيره فإن هذا الوصف يمكن ثبوته للمجموع من حيث هو مجموع كما ~~يثبت لكل فرد من أفراده # والحوادث إذا حكم على مجموعها بأن له أولا أو ليس له أول فهو حكم على ~~الجنس المجموع فإن ms1882 علم أن جنس الحادث لا يكون دائما متصلا بل لا يكون إلا ~~بعد عدم كما علم أن كل فرد فرد من أفراده كذلك كان هذا نظير المحدث والممكن ~~لكن النزاع في هذا فإنا إذا عرضنا على العقل المحدث عن عدم من حيث هو مع ~~قطع النظر عن أفراده ومجموعه هل يكون مخلوقا ممكنا جزم العقل بأن ما كان ~~مخلوقا محدثا فإن كونه محدثا يستلزم كونه ممكنا إذ لو لم يكن كذلك لزم كونه ~~واجبا فلا يعدم أو ممتنعا فلا يوجد # والمحدث كان معدوما وصار موجودا فطبيعته تنافي الوجوب والامتناع لا فرق ~~في ذلك بين الواحد والجنس PageV09P141 # وإذا عرضنا على العقل الحادث مع قطع النظر عن أفراده وجنسه هل يستلزم أن ~~يكون منتهيا منقطعا له ابتداء أو لايستلزم ذلك بل يمكن دوامه لم تجد في ~~العقل ما يقضي بأن جنس الحادث يجب أن يكون منتهيا له ابتداء # وهذا الباب من تدبره تبين له الفرق بين تسلسل المؤثرات الفاعلات أنه ~~ممتنع وبين تسلسل الآثار أثرا بعد أثر كما هو مبسوط في غير هذا الموضع # والمقصود الفرق بين الزنجي وبين الحادث ومما يوضح ذلك أنا إذا قلنا كل ~~زنجي أسود لم يكن في الزنج ما ليس بأسود لأن هذا النفي يناقض ذلك الإثبات ~~وصدق أحد المتناقضين اللذين لا يرتفعان يوجب كذب الآخر فإنا إذا قلنا بعض ~~الزنج ليس بأسود كان مناقضا لقولنا كل زنجي أسود فإذا لم يكن في الزنج ما ~~ليس بأسود لزم أن يكون جميعهم سودا وأما إذا قلنا كل حادث فله أول فإنه ~~يلزم أن لا يكون في الحوادث ما ليس له أول وهكذا عكس نقيضه PageV09P142 ~~فيمتنع أن يكون حادث ليس له أول وهل يلزم من ذلك أن تكون جميع الحوادث لها ~~أول كما لزم أن يكون جميع الزنج سودا هذا محل نزاع # فيقال الفرق معلوم بين قولنا جميع الحوادث لها أول بمعنى أن كل واحد منها ~~له أول وبين قولنا إن جنس الحوادث لها أول بمعنى أن الحوادث منقطعة ms1883 غير ~~دائمة ولا مستمرة ولا متسلسلة فإن العقل يتصور أن كل واحد له أول وآخر وهي ~~مع ذلك دائمة مستمرة فيمكنه الحكم بأن كل حادث له أول كما أن كل زنجي أسود ~~وهو بعد ذلك لم يعلم هل هي دائمة أم هي منقطعة # بل العلم بكون الحادث له أول هو العلم بأنه مسبوق بعدم وليس العلم بأن كل ~~حادث هو مسبوق بعدم هو العلم بأنه كان العدم مستمرا دائما حتى حدث جنس ~~الحوادث بل يمكن العقل أن يتصور أنه ما من حادث إلا وقبله حادث كما يتصور ~~أنه ما من حادث إلا وبعده حادث وما من عدد إلا وبعده عدد وهو يعلم أن كل ~~حادث فله أول وكل منقض فله آخر وكل عدد فله حد ومنتهى وإن لم يكن لجنس ~~العدد حد ومنتهى # ومما يبين ذلك الفرق أن كون الشخص أسود وأبيض صفة قائمة به في حال وجوده ~~فلا يمكن انتفاؤها عن الجنس الموجود مع قولنا إن كلا منهم أسود وأما كون ~~الشيء حادثا أو مسبوقا بعدم أو موجودا PageV09P143 بعد أن لم يكن أو له أول ~~فهو بمنزلة كونه ماضيا وملحوقا بعدم ومعدوم بعد ما كان # وهذا يقتضي أن كلا من هذه الأمور ثابت لكل واحد من الحادث والمنقضي أما ~~كون جنس المنقضي انقطع فلا يكون بعده منقض أو كون جنس الحوادث منقطعا فلم ~~يكن قبل الحوادث المعينة شيء حادث فهذا نوع آخر # والحكم على كل فرد فرد غير الحكم على المجموع من حيث هو مجموع في النفي ~~والإثبات ففي النفي نفرق بين قوله لا تأكل هذا ولا هذا ولا تأكل السمك ~~وتشرب اللبن إذ الأول نهي عن عن كل منهما والثاني نهي عن جميعهما # وكذلك إذا قال ما ضربت لا هذا ولا هذا أو لم أضربهما وعنى نفي ضربهما ~~جميعا # ولهذا تنازع الفقهاء فيمن حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه كما لو حلف لا آكل ~~الرغيف فأكل بعضه ولم يتنازعوا في أنه لو عنى أكل جميعه لم يحنث بأكل ms1884 البعض # وهذا كما في قوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين @QE@ سورة النساء 23 ~~ونهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها فالجمع ~~بينهما منهي عنه فهذه وحدها مباحة وهذه وحدها مباحة واجتماعهما ليس مباحا ~~PageV09P144 # وكذلك كل واحد من الضدين مقدور ممكن وليس الجمع بينهما مقدورا ممكنا ~~وكذلك الجائع إذا حضرته أطعمة يكفيه كل منها فكل منها مباح له أكله ولا ~~يباح له أكل المجموع حتى يبشم ويموت وكذلك من قال لغيره خذ عبدا من عبيدي ~~أو فرسا من خيلي كل منها مباح له وليس المجموع مباحا له فإذا قيل كل من هذه ~~مباح لم يستلزم أن يكون المجموع مباحا # والمقصود أن الأمور التي يتصف بها كل واحد من الأفراد ثلاثة أنواع # أحدها ما لا يمكن تصوره في المجموع فلا يقال هو ثابت ولا منتف # والثاني ما يمكن تصوره في المجموع وهذا قد يكون ثابتا كثبوت الافتقار إلى ~~الفاعل في مجموع الممكنات والحادثات وثبوت الحل في كل من الأجنبيات منفردة ~~وفي جمع أربع وقد لا يكون ثابتا كثبوت النهاية في أفراد الحوادث المنقضية ~~لا في مجموعها وثبوت الحل في كل من الأختين لا في مجموعهما # والفرق بين هذا وهذا أن الحكم الذي ثبت للأفراد إن كان للمعنى الذي يوجد ~~في المجموع ثبت له وإن لم يكن لذلك المعنى لم يلزم ثبوته له فكون المحدث ~~ممكنا أو مفتقرا إلى الفاعل ثبت لحقيقة الحدوث وهذا ثابت للأفراد والمجموع ~~وكذلك افتقار الممكن إلى ما ليس بممكن ثبت PageV09P145 لحقيقة الإمكان فإن ~~حقيقة الممكن هو الذي لا يوجد إلا بغيره لا بنفسه وهذه الحقيقة لا تفرق بين ~~الأفراد وبين المجموع # وأما كون الحادث له أول أو الماضي له انتهاء فهذا يعلم في كل حادث حادث ~~وماض ماض وأما كون هذا الجنس كذلك فالطبيعة تلزم كل واحد واحد وليس في ~~الخارج مجموع ثابت للحوادث والماضيات حتى يقال هل يحكم لذلك المجموع بحكم ~~أفراده أم لا فإن أفراده موجودة على التعاقب وإذا قدر حوادث ms1885 متعاقبة لم يكن ~~في العلم بهذا ما يوجب أن لا تكون دائمة # لكن إذا قدر اجتماع حوادث في آن واحد أو كانت محدودة قيل إن هذا المجموع ~~له ابتداء وإذا قدر اجتماع أمور منقضية أو محدودة الآخر قيل لها انتهاء # وأما ما لا يمكن اجتماعه لا من هذا ولا من هذا فليس وجوده مجتمعا في ~~الخارج وإنما يجتمع أفراده في الذهن لا في الخارج # يبين ذلك أن ما لا يوجد إلا متعاقبا متتاليا إذا قيل إن كل واحد من ~~أفراده يعقب فردا آخر لم يعلم من ذلك أنه كله يعقب شيئا آخر إذا لم يحكم ~~على جنسه بأنه يعقب غير جنسه وإنما حكمنا على أفراد الجنس بالتعاقب # وكذلك إذا قلنا كل واحد من أفراده سبقه عدم لم يحكم على الجنس بأنه سبقه ~~عدم كما حكمنا هناك على جنس المحدث بافتقاره إلى الفاعل وعلى جنس الممكن ~~بافتقاره إلى ما ليس بممكن أو إلى الفاعل أو الواجب ونحو ذلك والكلام على ~~هذا مبسوط في موضعه PageV09P146 # والمقصود التنبيه على ما ذكره المنازعون لأبي الحسين وغيره من القائلين ~~بأن جنس الحوادث ممتنع دوامها من أهل الإسلام والسنة والفلاسفة وغيرهم ~~وكذلك قوله كل واحد قد سبقه عدم فلو كانت لا أول لها لكان ما مضى ما انفك ~~من وجودها وعدمها ولا ينفصل السابق من المسبوق فإنهم يقولون كل واحد مسبوق ~~بعدم نفسه لا بعدم جنسه فإذا كان الجنس لا أول له لم يلزم أن يقارنه عدمه ~~بل يقارن كل فرد من أفراده عدم غيره # وهم يسلمون عدم كل واحد واحد كما يسلمون حدوثه فإن حدوثه مستلزم لعدمه ~~لكنهم ينازعون في عدم الجنس وانتهائه وامتناع دوامه في الأزل كما ينازعون ~~في انتهائه وامتناع دوامه في الأبد # وبالجملة هذا الموضع هو من أعظم الأصول التي ينبني عليها دليل المعتزلة ~~والجهمية ومن وافقهم على حدوث الأجسام وتنبني عليه مسألة كلام الله تعالى ~~وفعله وخلقه للسماوات والأرض ثم استوائه على العرش وتكلمه بالقرآن وغيره من ~~الكلام # وأئمة أهل الحديث ms1886 والسنة وطوائف من أهل النظر والكلام مع أئمة الفلاسفة ~~تنازعهم في هذا # ثم إنهم والدهرية من الفلاسفة اشتركوا في أصل تفرعت عنه مقالاتهم وهو أن ~~تسلسل الحوادث ودوامها يستلزم قدم العالم بل قدم السماوات والأفلاك فقال ~~الفريقان إذا قدر حادث بعد حادث إلى غير نهاية كان العالم قديما فتكون ~~الأفلاك قديمة PageV09P147 # ثم إن الفلاسفة الدهرية كابن سينا وأمثاله قالوا تسلسل الحوادث ودوامها ~~واجب لأن حدوث الحادث بدون سبب حادث ممتنع فيمتنع أن يكون جنسها حادثا بلا ~~سبب حادث وإذا كان لكل حادث سبب حادث كان الجنس قديما فيكون العالم قديما # وأبو الحسين البصري وأمثاله من المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام قالوا ~~تسلسل الحوادث ممتنع لأن كل حادث مسبوق بالعدم فيكون الجنس مسبوقا بالعدم ~~فيلزم حدوث كل ما لا يخلو عن الحوادث والأجسام لا تخلو من الحوادث فتكون ~~حادثة # ونفس الأصل الذي اشترك فيه الفريقان باطل وهو أنه يلزم من إمكان تسلسل ~~الحوادث قدم الأفلاك أو قدم العالم أو قدم شيء من العالم # والفلاسفة الدهرية أعظم إقرارا ببطلانه من المعتزلة فإن تسلسل الحوادث ~~ودوامها لا يقتضي قدم أعيان شيء منها ولا قدم السماوات والأفلاك ولا شيء من ~~العالم والفلاسفة يسلمون أن تسلسل الحوادث لايقتضي قدم شيء من اعيانها وأن ~~تسلسلها ممكن بل واجب # فيقال لهم هب أن الحوادث لم تزل تحدث شيئا بعد شيء فمن أين لكم أن ~~الأفلاك قديمة وهلا جاز أن تكون حادثة بعد حوادث قبلها بل يقال هذا يبطل ~~قولكم فإنها إذا كانت متسلسلة امتنع أن تكون صادرة عن علة تامة موجبة فإن ~~العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها والحوادث متأخرة فيمتنع صدورها ~~عن علة تامة بوسط أو بغير وسط PageV09P148 # وهكذا يقول للمعتزلة منازعوهم يقولون أنتم مواقون لسائر المسلمين وأهل ~~الملل على أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأنه خالق كل شيء وأنه ~~القديم وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم ومقصودكم بالأدلة بيان ذلك فأي حاجة ~~لكم إلى أن تسلموا للدهرية ما يستظهرون به ms1887 عليكم # وإذا جاز أن يكون الله خلقها وأحدثها بأفعال أحدثها قبل ذلك وكل حادث ~~مسبوق بحادث مع أن ما سوى الله مخلوق مصنوع مفطور حصل مقصودكم # وإذا كان الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء أو فاعلا لما يشاء لم يناقض ~~هذا كون العالم مخلوقا له فتكون السماوات والأرض مخلوقة في ستة أيام كما ~~أخبرت بذلك الرسل والله خالق كل شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم # ويقول لهم منازعوهم أنتم أردتم إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع سبحانه ~~بما جعلتموه شرطا في حدوثه بل وشرطا في العلم بالصانع فكان ما ذكرتموه ~~مناقضا لحدوث العالم وللعلم بحدوثه وللعلم بإثبات الصانع # وذلك أنكم ظننتم أنه لا يتم حدوث السماوات إلا بامتناع حوادث لا أول لها ~~وأن إحداث الله تعالى لشيء من مخلوقاته لا يمكن إلا إذا بقي من الأزل إلى ~~حين أحدث المحدثات لم يفعل شيئا من الأفعال ولا الأقوال بل ولا كان يمكنه ~~عندكم الفعل الدائم ولا أن تكون كلماته دائمة لا نهاية PageV09P149 لها في ~~الأزل ثم حين أحدثها هو على ما كان عليه قبل ذلك فحدث من غير تجدد شيء أصلا # فلزمكم القول بترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح وحدوث الحوادث بلا سبب ~~ولزمكم تعطيل الصانع سبحانه وجحده وسلبه القدرة التامة حيث سلبتم قدرته على ~~جنس الكلام والفعل في الأزل # وقلتم يجب أن يكون جنس كلامه حادثا بعد أن لم يكن بل أن يكون مخلوقا في ~~غيره لا قائما بذاته أو أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته # وقلتم لا يمكنه أن يحدث شيئا إن لم يمتنع دوام الفعل منه فلا يكون قادرا ~~فاعلا متكلما إلا بشرط أن لا يكون كان قادرا فاعلا متكلما # وقلتم لا يجوز وجود الحوادث إلا بشرط ألا يحدث لها سبب حادث ولا يترجح ~~أحد طرفي الممكن على الآخر إلا بشرط ألا يكون هناك سبب يقتضي الرجحان ~~فجعلتم شرط حدوث العالم وسائر أفعال الله وكلامه ما يكون نقيضه هو الشرط ~~وبدلتم القضايا العقلية كما حرفتم الكتب الإلهية # ومن ms1888 هنا طمعت الفلاسفة فيكم وزادوا القضايا العقلية تبديلا وإفسادا ~~وزادوا في الكتب الإلهية تحريفا وإلحادا وصار أصل الأصول عندكم الذي بنيتم ~~عليه إثباتكم للصانع ولصفاته ولرسله وبه كفرتم أو ضللتم من نازعكم من أهل ~~القبلة أتباع السلف والأئمة ومن غير أهل القبلة هو قولكم إذا كان كل واحد ~~من الحوادث له أول استحال ألا يكون لمجموعها أول لأنها ليست سوى آحادها ~~PageV09P150 # والعقلاء يفرقون بصريح عقولهم بين الحكم والخبر والوصف لكل واحد واحد ~~وبين الحكم والخبر والوصف للمجموع في مواضع كثيرة وأنتم تقولون بإثبات ~~الجوهر الفرد فكل واحد من أجزاء الجسم جوهر فرد عندكم وليس الجسم جوهرا ~~فردا بل المجموع من أفراد وقد ثبت للمجموع من الأحكام ما لا يثبت للفرد # وبالعكس مجموع الإنسان إنسان وليس كل عضو منه إنسان وكذلك كل من الشمس ~~والقمر والشجر والثمر وغير ذلك من الأجسام المجتمعة لها حكم ووصف لا يثبت ~~لأجزائها # والإنسان حي سميع بصير متكلم وليس كل واحد من أبعاضه كذلك فلم يجب إذا ~~كان النوع والمجموع دائما باقيا أن يكون كل من أفراده دائما # والأمور المقدارية والعددية كالكرات والدوائر والخطوط والمثلثات ~~والمربعات والألوف والمئات كلها يثبت لأجزائها من الحكم ما لا يثبت ~~لمجموعها وبالعكس فإذا وصف الشيء بأنه دائم أو طويل أو ممتد لم يلزم أن ~~يكون كل واحد من أجزائه أو أفراده كذلك # قال تعالى في الجنة @QB@ أكلها دائم وظلها @QE@ سورة الرعد 35 ومعلوم أن ~~كل جزء من أجزاء الأكل والظل يفنى وينقضي والجنس دائم لا يفنى ولا ينقضي ~~ولا توصف الأجزاء بما وصف به الكل PageV09P151 # قال تعالى @QB@ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد @QE@ سورة ص 54 فأخبر عن ~~الجنس أنه لا ينفد وأن كل واحد من أجزائه ينفد # ويقال للزمان والحركات في الأجسام إنها طويلة ممتدة ولا يقال للصغير من ~~أجزائها إنه طويل ممتد فيكون الرب لم يزل متكلما إذا شاء أو لم يزل فاعلا ~~لما يشاء هو بمعنى كونه لم يزل متكلما فعالا وبمعنى دوام كلامه وفعاله لا ms1889 ~~يستلزم أن كل واحد من الأفعال دائم لم يزل # فإن قلتم الحادث من حيث هو حادث يقتضي أنه مسبوق بغيره كما أن الممكن من ~~حيث هو ممكن يقتضي الافتقار إلى غيره والمحدث من حيث هو محدث يقتضي ~~الاحتياج إلى غيره فكما أن الممكنات مفردها ومجموعها يلزم أن تكون مفتقرة ~~إلى الفاعل وكذلك المحدثات فكذلك الحوادث مفردها ومجموعها يقتضي أن تكون ~~مسبوقة بالغير # وهذا من جنس قولهم الحركة من حيث هي تقتضي كونها مسبوقة بالغير لأن ~~أجزاءها متعاقبة لا مجتمعة # قال لكم منازعوكم هذا لفظ مجمل مشتبه وعامة حججكم وحجج غيركم الباطلة ~~مبناها على ألفاظ مجملة متشابهة مع إلغاء الفارق ويأخذون اللفظ المجمل ~~المشتبه من غير تمييز لأحد معنييه عن الآخر فبالاشتراك والاشتباه في ~~الألفاظ والمعاني ضل كثير من الناس PageV09P152 # وذلك أن قولكم الحادث من حيث هو يقتضي أنه مسبوق بغيره أو الحركة من حيث ~~هي تقتضي أن تكون مسبوقة بالغير # يقال لكم الحادث المطلق لا وجود له إلا في الذهن لا في الخارج وإنما في ~~الخارج موجودات متعاقبة ليست مجتمعة في وقت واحد كما تجتمع الممكنات ~~والمحدثات المحدودة والموجودات والمعدومات فليس في الخارج إلا حادث بعد ~~حادث فالحكم إما على كل فرد فرد وإما على جملة محصورة وإما على الجنس ~~الدائم المتعاقب # فيقال لكم أتريدون بذلك أن كل حادث فلا بد أن يكون مسبوقا بغيره أو أن ~~الحوادث المحدودة لا بد أن تكون مسبوقة أو أن الجنس لا بد أن يكون مسبوقا # أما الأول والثاني فلا نزاع فيهما وأما الثالث فيقال أتريدون به أن الجنس ~~مسبوق بعدمه أم مسبوق بفاعله بمعنى أنه لا بد له من محدث الثاني مسلم ~~والأول محل النزاع # وكذلك في الحركة إن قلتم إن الحركة المعينة مسبوقة بأخرى أو بعدم فهذا لا ~~نزاع فيه وإن قلتم إن نوعها مسبوق بالعدم فهذا محل النزاع # وذلك أن من أعظم ما اعتمدوا عليه قولهم الحركة من حيث هي حركة تتضمن ~~المسبوقية بالغير فإن الحركة تحول من حال إلى حال ms1890 فإحدى الحالتين سابقة ~~للحال الأخرى فلا تعقل حركة إلا مع سبق البعض على البعض وكل ما كان مسبوقا ~~بغيره لم يكن أزليا فالحركة PageV09P153 يمتنع أن تكون أزلية فيقال لهم ~~قولكم الحركة تستلزم المسبوقية بالغير أتريدون بالغير سبق بعض أجزائها على ~~بعض وهو المعنى الذي دللتم عليه أم تريدون أنها مسبوقة بالعدم أم مسبوقة ~~بالفاعل # أما الأول وهو الذي دللتم عليه فإنه يقتضي نقيض قولكم وهو يقتضي أن ~~الحركة لم يزل نوعها موجودا لأن كل ما هو حركة مسبوق بما هو حركة وكل حال ~~تحول إليه المتحرك فهو مسبوق بحال أخرى وتلك الحال مسبوقة بأخرى فكان ما ~~ذكرتموه دليلا على حدوث الحركة كما أنه يدل على حدوث أعيان الحركة وأجزائها ~~فهو يدل على دوام نوعها وهو نقيض قولكم # فكان ما ذكرتموه حجة في محل النزاع إنما يدل على مواقع الإجماع وهو في ~~محل النزاع حجة عليكم لا لكم وحينئذ فيقول المنازع نحن نقول بموجب دليلكم ~~وهو حجة عليكم وإن أردتم أن مسمى الحركة مسبوق بالعدم فلم تذكروا على هذا ~~دليلا أصلا وهو مورد النزاع # وإن أردتم أنه مسبوق بالفاعل فهذا أيضا يراد به أن كل جزء منها مسبوق ~~بالفاعل ويراد به أن جنسها سبقه الفاعل سبقا انفصاليا وإن لم يقيموا دليلا ~~على هذا فكان ما ذهبتم إليه لم تقيموا دليلا عليه وما أقمتم عليه دليلا لا ~~يدل على قولكم بل على نقيضه # ولذلك يقال لخصومهم الفلاسفة أنتم لم تقيموا دليلا على قدم شيء من العالم ~~بل عامة ما أقمتموه من الأدلة يستلزم دوام الفاعلية وهذا يدل على نقيض ~~قولكم فإنه يقتضي أنه لم يزل يفعل والمفعول لا يكون إلا ما حدث عن عدم ~~PageV09P154 # وأما قدم شيء من العالم فلا دليل لكم عليه بل دليلكم يدل على نقيضه فإنه ~~لو كان المفعول مقارنا للفاعل لزم ألا يحدث في العالم شيء والطائفتان جميعا ~~أصل قولها الكلام في الحركة فهؤلاء يقولون يمتنع أن تكون الحركة دائمة فلا ~~بد أن يكون جنس الحركة حادثا عن ms1891 غير سبب حادث # وهؤلاء يقولون بل جنس الحركة يمتنع أن يكون حادثا فيمتنع أن تحدث الحركة ~~لا من حركة والزمان مقدار الحركة فيجب قدم نوعه ثم قالوا ولا حركة فوق حركة ~~الفلك ولا قبلها ولا زمان إلا مقدار هذه الحركة فتكون هذه الحركة وزمانها ~~أزليين # فيقال لهم من أين لكم أنه لا حركة قبل حركة الفلك ولا فوقها وهل هذا إلا ~~قول بلا علم ونفي لما لم تعلموا نفيه وتكذيب لما لم تحيطوا بعلمه ولما ~~يأتكم تأويله # ثم قولكم بأنه لا حركة إلا هذه الحركات مع أنه لا أول لها ولا آخر وهذا ~~كذلك وهذا أكثر من ذلك بأضعاف مضاعفة # قالوا فالجسم يمتنع أن يتحرك حركة لا تتناهى كما ذكر ذلك أرسطو لأن الجسم ~~ينقسم فتكون حركة الجزء مثل حركة الكل لا تتناهى وهذا ممتنع يمتنع أن يكون ~~الجزء مثل الكل # قيل لهم بل هذا الذي ذكره أرسطو وتلقيتموه بالقبول يدل على نقيض مقصوده ~~ومقصودكم فإن الجسم إذا قامت به حركة فحركة مجموع الجسم أكبر من حركة بعضه ~~في المكان وهذا غير ممتنع عند أحد من العقلاء فليس حركة الجزء مثل حركة ~~الكل ولكن كلاهما لا يتناهى PageV09P155 فيلزم أن يكون ما لا يتناهى بعضه ~~أكثر من بعض في الزمان وما لا يتناهى لا يكون شيء أكبر منه # فهذا يدل على فساد قولكم لأنكم تقولون إن حركة المحيط أعظم من الحركة ~~المختصة بفلك الشمس والقمر وغيرهما وكلاهما لا يتناهى فهذا الذي ذكرتموه في ~~حركة الجسم الواحد يستلزم بطلان قولكم في حركة الجسمين وأما الجسم الواحد ~~فإن قولكم فيه ينبني على أنه يتبعض وأن حركته متبعضة حتى يقال إن بعضه ~~يساوي كله في عدم النهاية وهذا ممتنع بل هي حركة واحدة لا أول لها ولا آخر ~~ولا امتناع في ذلك # ويقال للمتكلمين إن قلتم إنه مسبوق بالمحرك بمعنى أنه لا بد للحركة من ~~محرك فهذا أيضا مسلم لكن قولكم إن المحرك لا يجوز أن يحرك شيئا حتى تكون ~~الحركة ممتنعة عليه أولا ms1892 ثم تصير ممكنة من غير تجدد شيء فتنقلب من الامتناع ~~إلى الإمكان من غير حدوث سبب أصلا ولا يجوز أن يحدث شيئا حتى يحدثه بلا سبب ~~حادث أصلا # هذا هو الذي ينازعكم فيه جمهور المسلمين وغيرهم ويقولون لكم لم يزل الله ~~قادرا على الفعل والقدرة عليه مع امتناع المقدور جمع بين النقيضين فإن ~~القدرة على الشيء تستلزم إمكانه فكل ما هو مقدور للرب تعالى فلا بد أن يكون ~~ممكنا لا ممتنعا # ويقولون إذا قلتم لم يكن قادرا على الفعل ثم صار قادرا لأن الفعل لم يكن ~~ممكنا ثم صار ممكنا فما الموجب لهذا التجدد والتغير PageV09P156 # فإن قلتم حدث ذلك بلا سبب كان هذا أعجب من قولكم الأول إذ كان القادر ~~يصير قادرا بعد أن لم يكن من غير تجدد شيء أوجب قدرته # وإن قلتم ما ذكره أبو الحسين المعقول من الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم ~~فيمتنع وجوده في الأزل # قيل لكم إن الفاعل لا يكون فاعلا حتى يحصل الشيء عن عدمه فلا يكون الفعل ~~نفسه أو المفعول نفسه قديما لكن لم قلتم إنه يشترط في الفعل المعين عدم ~~غيره ولو قلتم إنه لا يكون فاعلا لهذه السماوات والأرض حتى لا يكون قبل ذلك ~~فاعلا أصلا ولا يكون فاعلا حتى يكون جنس الفعل منه معدوما بل ممتنعا فهذا ~~غير واجب في المعقول بل المعقول يعقل أنه حصل الشيء عن عدم # وإذا كان قبل تحصيله حصل غيره عن عدم وهم قد يقولون كان في الأزل قادرا ~~على الفعل فيما لم يزل وهذا كلام متناقض فإنه في حال كونه قادرا لم يكن ~~الفعل ممكنا له عندهم # فحقيقة قولهم كان قادرا حين لم يكن قادرا فإن القادر إنما يكون قادرا على ~~ما يمكنه دون ما لا يمكنه فإذا كان الفعل في الأزل وهو الفعل الدائم أي ~~الذي يدوم جنسه غير ممكن له لم يكن مقدورا له فلا يكون قادرا عليه # وهذا مما أنكره المسلمون على هؤلاء المتكلمين وكان هذا من أسباب لعنة ~~بعضهم ms1893 على المنابر PageV09P157 # ويقال لهم مقصودكم الأول نصر الإسلام والرد على مخالفيه وليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله ولا عن أحد من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان ~~هذا القول الذي أحدثتموه وجعلتموه أصل دين المسلمين ليس فيه أن الرب لم يزل ~~لا يفعل شيئا ولا يتكلم بشيء ولا يمكنه ذلك ثم إنه بعد تقدير أزمنة لا ~~نهاية لها فعل وتكلم وأنه صار متمكنا من الفعل والكلام بعد أن لم يكن ~~متمكنا بل القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين يناقض ما ذكرتموه فكان ما ~~ابتدعتموه من الكلام الذي ادعيتم أنه أصل الدين مخالفا للسمع والعقل ثم إنه ~~صار من تقلدكم ينقل عن المسلمين واليهود والنصارى أن هذا قولهم # ولا يعرف هذا القول عن أحد من الأنبياء ولا أصحابهم بل المعروف عنهم ~~يناقض ذلك ولكن الثابت عند الأنبياء أن كل ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن ~~لم يكن خلاف قول الفلاسفة الذين يقولون إن الأفلاك أو العقول أو النفوس أو ~~شيئا غير ذلك مما سوى الله قديم أزلي لم يزل ولا يزال # ويقال قول القائل الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم أتريد به الفاعل للشيء ~~المشار إليه أنه لا يكون فاعلا له إلا إذا حصله عن عدم أم تريد به أنه لا ~~يكون الفاعل في نفسه فاعلا لشيء حتى تكون فاعليته ممتنعة ثم صارت ممكنة # أما الأول فمسلم والثاني ممنوع وسبب ذلك الفرق بين الفعل ونوعه فإذا لم ~~يعقل فاعل لمعنى إلا بعد عدمه لم يلزم ألا يعقل كون الفاعل فاعلا إلا بعد ~~أن لم يكن فاعلا بل العقل لا يعقل حدوث فاعلية بلا سبب PageV09P158 # قال أبو الحسين البصري فإذا ثبت حدوث العالم فالدلالة على أن له محدثا هي ~~أنه لا يخلو أن يكون حدث وكان يجوز أن لا يحدث أو كان يجب أن يحدث فلو حدث ~~مع وجوب أن يحدث لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل فلا ~~يستقر حدوثه على حال إذ كان حدوثه ms1894 واجبا في نفسه وإن حدث مع جواز ألا يحدث ~~لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث لولا شيء اقتضى حدوثه ويستدل على أنه ~~عالم قادر فصح قولنا # قال واستدل شيوخنا على أن الأجسام تحتاج إلى محدث بأن تصرفنا يحتاج إلى ~~محدث لأجل أنه محدث فحدوث كل محدث يحوجه إلى محدث فإذا كانت الأجسام محدثة ~~احتاجت إلى محدث والدلالة على حاجة تصرفنا إلى محدث هو أنه لو حدث بنفسه من ~~غير محدث لحدث وإن كرهناه أو كنا ممنوعين منه فلما وقع بحسب قصدنا وانتفى ~~بحسب كراهتنا علمنا أنه محتاج إلينا # قال والدليل على أنه يحتاج إلينا لأجل حدوثه أنه إما أن يحتاج إلينا ~~لحدوثه أو لبقائه أو لعدمه فلو احتاج إلينا لبقائه لوجب ألا يبقى البناء ~~إذا مات الباني ولا يجوز أن يحتاج إلينا لعدمه لأن تصرفنا كان معدوما قبل ~~وجودنا وقبل كوننا قادرين فصح أنه يحتاج إلينا ليحدث ولأن حدوثه هو المتجدد ~~بحسب قصدنا وإرادتنا وهو الذي لا يتجدد إذا كرهناه فعلمنا أنه يحتاج إلينا ~~لأجل حدوثه # قلت فهذا أصل أصول القوم الذي بنوا عليه دينهم الصحيح والفاسد فإن ~~الإقرار بوجود الصانع تعالى وأنه حي عالم قادر ونبوة PageV09P159 نبيه صلى ~~الله عليه وسلم حق لا ريب فيه # وأما نفيهم صفات الرب تعالى ودعواهم أنه لم يتكلم بكلام قائم به ولا يرى ~~لا في الدنيا ولا في الآخرة ونحو ذلك فهو من دينهم الفاسد # وهذه الطريقة هي التي سلكها ابن عقيل إذا مال إلى شيء من أقوال المعتزلة ~~فإنه كان قد أخذ عن أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان وكانا من ~~أصحاب أبي الحسين البصري ولهذا يوجد في كلامه نصر كلامهم تارة وإبطاله أخرى ~~فإنه كان ذكيا كثير الكلام والتصنيف فيوجد له من المقالات المتناقضة بحسب ~~اختلاف حاله كما يوجد لأبي حامد والرازي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم # وابن الجوزي يقتدى به فيما يدخل فيه من الكلام مثل كلامه في منهاج الأصول ~~وفي كف التشبيه ونحو ذلك # ولهذا ms1895 يوجد في كلام هؤلاء من نفي الصفات الخبرية ومنعهم أن تسمى الآيات ~~والأحاديث آيات الصفات وأحاديث الصفات بل آيات الإضافات ونصوص الإضافات ~~ونحو ذلك من الكلام الموافق لأقوال المعتزلة ما يبين به أن الأشعري وأئمة ~~أصحابه من المثبتين للصفات الخبرية ونحو ذلك أقرب إلى السنة والسلف والأئمة ~~كأحمد بن حنبل وغيره من كلام هؤلاء الذين مالوا في هذا إلى طريقة المعتزلة # وهذه الطريقة التي سلكها أبو الحسين في إثبات أن المحدث لا بد له من محدث ~~هي طريقة أبي المعالي وابن عقيل في كثير من كلامهم وغيرهم PageV09P160 # والقاضي أبو بكر يذكر ما كان يشبهها في الأصلين من استدلاله على افتقار ~~المحدث إلى محدث بالتخصيص والاستدلال على ذلك بالقياس # والأشعري أحسن استدلالا منه مع أنهم كلهم سلكوا سبيل المعتزلة في هذا ~~الأصل وسلموا كلامهم وهي طريقة أثبتوا فيها الجلي بالخفي وأرادوا بها إيضاح ~~الواضح كمن يقرر القضايا البديهية بقضايا نظرية يسندها إلى قضايا أخرى ~~بديهية وذلك أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين في العقل من العلم ~~بأن ما جاز حدوثه لم يكن بالحدوث أولى من ألا يحدث لولا شيء اقتضى حدوثه ~~وبأن ما وجب حدوثه وجب في كل حال # فإن هذه القضايا وإن كانت حقا وهي ضرورية فالعلم بأن المحدث لا بد له من ~~محدث أبين منها والعقل يضطر إلى التصديق بهذه أعظم مما يضطر إلى التصديق ~~بتلك وتصور طرفي هذه القضية أبده في العقل من تصور تلك ولا تعرض هذه القضية ~~وتلك على سليم الفطرة إلا صدق بهذه قبل تلك # وهذا كقول أبي المعالي ومن وافقه على طريقه إذ أثبت حدوث العالم فالحادث ~~جائز وجوده وكل وقت صادفه وقوعه كان من المجوزات تقدمه عليه بأوقات ومن ~~الممكنات استئخار وجوده عن وقته بساعات فإذا وقع الوجود الجائز بدلا عن ~~استمرار العدم المجوز قضت العقول ببداهتها بافتقاره إلى مخصص خصصه بالوقوع ~~وذلك أرشدك PageV09P161 الله مستبين على الضرورة لا حاجة فيه إلى سبر الغير ~~والتمسك فيه بسبيل النظر # ثم ms1896 إذا وضح اقتضاء الحادث مخصصا على الجملة فلا يخلو ذلك المخصص من أن ~~يكون موجبا وقوع الحدوث بمنزلة العلة الموجبة معلولها وإما أن تكون طبيعة ~~كما صار إليه الطبائعيون وباطلا أن يكون جاريا مجرى العلل فإن العلة توجب ~~معلولها على الاقتران فلو قدر المخصص علة لم يخل من أن تكون قديمة أو حادثة ~~فإن كانت قديمة فيجب أن يجب وجود العالم أزلا وذلك يفضي إلى القول بقدم ~~العالم وقد أقمنا الدلالة على حدثه وإن كانت حادثة افتقرت إلى مخصص ثم ~~يتسلسل القول في مقتضى المقتضى # ومن زعم أن المخصص طبيعة فقد أحال فيما قال فإن الطبيعة عند مثبتها توجب ~~أثرها إذا ارتفعت الموانع فإن كانت الطبيعة قديمة فلتقتض قدم العالم وإن ~~كانت حادثة فلتكن مفتقرة إلى مخصص # قال وإذا بطل أن يكون مخصص العالم علة أو طبيعة موجبة بنفسها لا على ~~اختيار فتعين بعد ذلك القطع بأن مخصص الحوادث فاعل لها على الاختيار مخصص ~~إيقاعها ببعض الصفات والأوقات # قلت فهذه الطريقة هي من جنس طريقة أبي الحسين كما ترى وهي من جنس طريقة ~~القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهم ومعلوم لكل ذي فطرة ~~سليمة أن العلم بأن الحادث لا بد له من محدث أبين من العلم بأن التخصيص لا ~~بد له من مخصص فإنه ليس التخصيص إلا نوعا من الحوادث فإنهم لا يريدون بذلك ~~أن كل PageV09P162 تخصيص سواء كان محدثا أو قديما لا بد له من مخصص فاعل له ~~على الاختيار فإن القديم يمتنع عندهم أن يكون له فاعل فلم يبق إلا التخصيص ~~الحادث فيكون المعنى أن كل تخصيص حادث لا بد له من مخصص فاعل مختار # والتخصيص الحادث إما أن يكون مساويا للحادث في العموم والخصوص أو يكون ~~أخص منه فإن كان مساويا له كان هذا بمنزلة أن يقال المفعول الحادث والمتجدد ~~الحادث وما أشبه ذلك وإن كان أخص منه كان استدلالا على أن كل محدث لا بد له ~~من محدث لأن هذا النوع من الحادث ms1897 لا بد له من محدث # ثم إن هذا النوع هو المطلوب إثباته بالدليل فيكون استدلالا على هذا النوع ~~بالجنس ثم استدلالا على الجنس بذلك النوع فيكون استدلالا بالشيء على نفسه # لكن يقال من جهتهم التخصيص وإن كان مساويا للحدوث في العموم والخصوص فجهة ~~كونه تخصيصا غير جهة كونه حدوثا وهم استدلوا بما فيه من التخصيص وإن كان ~~مشروطا بالحدوث على أنه لا بد له من مخصص # فيقال هذا صحيح لكن عليه سؤلان أحدهما أن جهة كونه حدوثا أدل على المحدث ~~من جهة دلالة كونه مخصصا على المخصص فإنه لو قال لهم قائل لا نسلم أن ~~التخصيص لا بد له من مخصص لم يكن لهم جواب إلا ما هو دون جوابهم لمن قال لا ~~نسلم أن المحدث لا بد له من محدث PageV09P163 # وإذا كان قد قال إن ما جاز تقدمه وتأخره فإذا وقع وجوده بدلا عن عدمه قضت ~~العقول ببدائهها بافتقاره إلى مخصص خصصه بالوقوع فلأن يقال ما حدث بعد أن ~~لم يكن فإن العقول تقضي ببدائهها بافتقاره إلى محدث أحدثه أولى وأحرى فإن ~~العلم بافتقار المحدث إلى محدث أبين من العلم بافتقار المخصص إلى المخصص ~~وافتقار ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر إلى مرجح # السؤال الثاني أن يقال لهؤلاء كلهم كأبي الحسين ومن وافقه هذه المقدمة ~~التي بنيتم عليها إثبات الصانع تعالى تناقضتم فيها فإن حاصلها أن الممكن لا ~~يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح أو لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح # فإن هؤلاء يقولون اذا حدث مع جواز ان يحدث وان لا يحدث لم يكن بالحدوث ~~اولى من ان لا يكون والآخرون يقولون إذا تخصص بوقت دون وقت مع تشابه ~~الأوقات أو بقدر دون دون قدر لم يكن تخصيصه بأحدهما أولى من الآخر إلا ~~بمخصص والأول ينبني على أنه قد استوى بالنسبة إلى ذاته الحدوث وعدمه فيفتقر ~~إلى مرجح للحدوث والثاني ينبني على أن الأزمنة والمقادير والصفات مستوية ~~فلا بد من مخصص يخصص أحدهما بالوقوع فيه وكل ms1898 هذا مبني على أن الأمرين ~~المتساويين في الإمكان لا يترجح أحدهما إلا بمرجح وهذا حق في نفسه لكنهم ~~نقضوه حيث قالوا إن هذه المحدثات والتخصيصات تقع بلا سبب يقتضي حدوثها و لا ~~اختصاصها PageV09P164 # فإنهم وإن أثبتوا فاعلا لكن يقولون إن نسبة قدرته وإرادته إلى جميع ~~الممكنات سواء وأنه حدثت الحوادث بلا سبب حادث أصلا بل حال الفاعل قبل ~~الفعل وحين الفعل سواء ومعلوم أن هذا تصريح برجحان الممكن بلا مرجح تام # وهؤلاء يقولون القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وهذا ~~هو أصل قول القدرية وهو أصل قول الجهمية الجبرية فالقدرية أخرجوا به أفعال ~~الحيوان أن تكون مخلوقة لله وقالوا إن العبد قادر مختار فترجح الفعل على ~~الترك بلا مرجح # وقالوا إن ما أنعم الله به على أهل الإيمان والطاعة مما يؤمنون به ~~ويطيعون هو مثل ما أنعم به على أهل الكفر والمعصية فإنه أرسل الرسل إلى ~~الصنفين وأقدر الصنفين وأزاح علل الصنفين وفعل كل ما يمكن من اللطف الذي ~~يؤمن عنده الصنفان بمنزلة من أعطى ابنيه مالا بالسوية ثم قالوا إن المؤمن ~~فعل الطاعة من غير نعمة خصه الله بها تعينه على الإيمان والكافر فعل الكفر ~~من غير سبب من الله # وهذا القول مخالف للشرع والعقل فإن الله بين ما خص به المؤمنين من نعمة ~~الإيمان في غير موضع كقوله تعالى @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه ~~في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون @QE@ سورة ~~الحجرات 7 # والقدرية يقولون إن هذا خطاب لجميع الخلق وليس الأمر كذلك بل هو خطاب ~~للمؤمنين كما قال @QB@ أولئك هم الراشدون @QE@ PageV09P165 وكما قيل قبل ~~ذلك @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما ~~بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم ~~في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم @QE@ ~~سورة الحجرات 6 7 فهذا خطاب للمؤمنين لا لجميع الناس # وأيضا فإن العبد إذا كان قادرا ms1899 على الطاعة والمعصية فلو لم يحدث سبب يوجب ~~وقوع أحدهما دون الآخر للزم الترجيح بلا مرجح وذلك السبب إن كان من العبد ~~فالقول فيه كالقول في الفعل فلا بد أن يكون السبب الحادث الموجب للترجيح من ~~غير العبد والسبب الذي به وقعت الطاعة نعمة من الله خص بها عبده المؤمن # ثم إن القدرية من المعتزلة وغيرهم بنوا على هذا أن الرب لم يكن يتكلم ولا ~~يفعل ثم خلق الكلام والمفعولات بغير سبب اقتضى الترجيح وأما المثبتون للقدر ~~من الجهمية ونحوهم فخالفوهم في فعل العبد وقالوا إنه لا يترجح أحد مقدوريه ~~على الآخر إلا بمرجح ووافقوهم في فعل الله # ولهذا يوجد كلام الرازي ونحوه من هؤلاء متناقضا في هذا الأصل فإذا ناظروا ~~القدرية استدلوا على أن القادر لا يرجح مقدورا إلا بمرجح وإذا أرادوا إثبات ~~حدوث العالم وردوا على الدهرية بنوا ذلك على أن القادر يرجح أحد مقدوريه ~~على الآخر بلا مرجح وقالوا إن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بغير مرجح ~~يصح من القادر المختار ولا يصح من العلة الموجبة وادعوا الفرق بين الموجب ~~بالذات وبين الفاعل بالاختيار في هذا الترجيح PageV09P166 # وهذا حقيقة قول القدرية لكن جهم نفسه نفى كون العبد قادرا ونفى أن يكون ~~له قدرة على فعل وحينئذ إذا قال إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه بلا ~~مرجح لم ينتقض قوله بناء على أصله الفاسد # والأشعري وغيره ممن يقول إن العبد كاسب وله قدرة ويقولون ليس بفاعل حقيقة ~~ولا لقدرته تأثير في المقدور إن حصل فرق معنوي بين قولهم وقول جهم احتاجوا ~~إلى الفرق بين فعل الرب وفعل العبد وإلا كانوا مثل جهم # واما جمهور المثبتين للقدر الذين يقولون للعبد قدرة وفعل وهذا قول السلف ~~والأئمة فعندهم أن العبد فاعل قادر مختار وهو لا يرجح أحد مقدوريه على ~~الآخر إلا لمرجح # والرازي يميل إلى قول هؤلاء ويثبت للعبد قدرة وداعيا وأن مجموعهما يستلزم ~~وجود الفعل # فهؤلاء الطوائف من الكلابية والكرامية والأشعرية ومن وافقهم من أهل ~~الحديث والفقه وغيرهم ms1900 وإن خالفوا المعتزلة في القدر فهم يشاركونهم في الأصل ~~الذي بنى أولئك قولهم في القدر عليه وهم يناظرون الفلاسفة القائلين بالموجب ~~بالذات وأهل الطبع القائلين بأن فاعل العالم علة تامة أزلية تستلزم معلولها # وهذا القول أشد فسادا فإن حقيقة قول هؤلاء أنه ليس لحوادث العالم محدث ~~كما أن حقيقة قول القدرية أنه ليس لفعل الحيوان محدث فما قاله القدرية في ~~فعل الحيوان قاله هؤلاء في جميع حوادث العالم PageV09P167 لأن العلة التامة ~~المستلزمة لمعلولها لا يصدر عنها حادث لا بوسط ولا بغير وسط # فهؤلاء شبهوا فعله بفعل الجمادات مع تناقضهم وتقصيرهم فيما جعلوه فعل ~~الجمادات والقدرية شبهوا فعله بفعل الحيوانات مع تناقضهم وتقصيرهم فيما ~~جعلوه فعل الحيوانات ثم إن المثبتين للقدر من الكلابية وغيرهم يخالفون ~~المعتزلة في إثبات القدر وفي بعض مسائل الصفات ويجعلون المخصص هو الإرادة ~~القديمة التي نسبتها إلى جميع المرادات سواء وقالوا إن من شأن الإرادة أن ~~تخصص أحد المثلين عن الآخر بلا سبب ولهذا بنوا أصولهم على أن التخصيص بأحد ~~الوقتين لا بد له من مخصص # ثم كلام أبي الحسين وأمثاله أحذق من كلام هؤلاء من وجه وأنقص من وجه فإنه ~~من حيث جعل نفس وجود الحدوث بدلا عن العدم مع جواز أن لا يحدث دليلا على ~~المقتضى لحدوثه كلامه أرجح من كلام من جعل الدليل هو التخصيص بوقت دون وقت ~~فإن نفس الحدوث فيه من التخصيص ما يستغنى به عن نسبة الحادث إلى الأوقات # وأما كونه أنقص فإنه متناقض من وجه آخر وذلك أنه قال لو حدث مع وجوب أن ~~يحدث لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل فلا يستقر حدوثه ~~على حال إذ كان حدوثه واجبا فإنه بعد أن يتجاوز عن أن نفس الحدوث يستلزم ~~المحدث ولو قدر واجبا يقال له إذا قدرت الحدوث واجبا فلم لا يجوز أن يكون ~~حدوثه في حال أولى منه في حال أخرى ويكون واجبا في تلك الحال دون غيرها ~~PageV09P168 # فإن قال لأن الأحوال ms1901 مستوية # قيل له الأحوال مستوية سواء قدر أن الحدوث واجب أو جائز فلا بد من مخصص ~~سواء قدر الحدوث واجبا أو جائزا # وإن قال إن الواجب لا يختص بحال دون حال بخلاف الجائز # قيل هذا حق فيما وجب بنفسه لكن ليس العلم به بأبين من العلم بكون الحادث ~~لا يحدث بنفسه بل يحتاج ذلك إلى مزيد بيان وإيضاح أكثر من هذا لأنه قد تقدم ~~تقريره بأن القديم واجب الوجود في كل حال فإنه موجود في الأزل فلا يجوز أن ~~يكون وجوده على طريق الجواز ولا بالفاعل فتعين أن يكون واجبا ولم يقرر أن ~~الواجب لا يختص بوقت دون وقت # فإن قيل هذا بين معروف بنفسه معلوم بالضرورة # قيل له إذا عرضنا على عقول العقلاء أن الواجب هل يكون واجبا في وقت دون ~~وقت وأن الحادث هل يحدث بنفسه كان ردهم لهذا الثاني أعظم من ردهم لذاك فلا ~~يقرر الأبين بالأخفى # وأيضا فهذا أرجح من ذاك من وجه آخر وذلك أن الفلاسفة الدهرية الإلهيين من ~~المتاخرين كابن سينا وغيره يقولون إن الواجب قد يكون قديما وهو واجب بغيره ~~فالواجب بغيره عندهم قد لا يكون محدثا مع كونه مفتقرا إلى مخصص موجب فإذا ~~عرف افتقاره إلى موجب لم يلزم على قولهم أن يكون له محدثا ولم يقل أحد من ~~هؤلاء إن المحدث يكون بغير محدث ومن قال هذا فإنه لا ينكر افتقار المخصص ~~PageV09P169 إلى مخصص فحينئذ فمن أقر بالمحدث أقر بالمخصص من غير عكس وما ~~دل على المحدث دل على المخصص بالاتفاق وفي العكس نزاع # وأيضا فلو نازعه منازع في أن ما وجب حدوثه يجوز أن يحدث في وقت دون وقت ~~وقال هذا كما تقول أنت إن القادر يخصه بوقت دون وقت لاحتاج إلى جواب # فإن قال القادر له أن يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح كالجائع والهارب # قال له المعترض فهذا الترجيح واجب أو جائز # فإن قال واجب # قال فلم اختص بوقت دون وقت # وان قال جائز # قال فحدوثه مع جواز أن ms1902 لا يحدث يفتقر إلى ترجيح آخر وإلا لم يكن بالحدوث ~~أولى # وإن قال العلم بأن الواجب بنفسه لا يختص بزمان دون زمان ضروري # قال المعترض والعلم بأن الحادث لا بد له من محدث علم ضروري # فإن زعم أن هذا ليس بضروري بل نظري أمكن المعترض أن يقابله ويقول العلم ~~بأن الواجب لا يختص نظري لا ضروري # والمقصود هنا التنبيه على أصول هؤلاء التي هي عمدتهم وعليها بنوا ~~PageV09P170 دينهم الحق وما أدخلوه فيه من البدع وأن ذلك إما أن يكون باطلا ~~وإما أن يكون حقا طولوه بما لا ينفع بل قد يضر واستدلوا على الجلي بالخفي ~~بمنزلة من يحد الشيء بما هو أخفى منه # وإذا كانت الحدود والأدلة إنما يراد بها البيان والتعريف والدلالة ~~والإرشاد فإذا كان المعروف المعلوم في الفطرة ويجعل خفيا يستدل عليه بما هو ~~أخفى منه أو يدفع ويذكر ما هو نقيضه ومخالفه وكانت هذه طرق السلف والأئمة ~~التي دل عليها الكتاب والسنة وهي الطرق الفطرية العقلية اليقينية الموافقة ~~للنصوص الإلهية تبين أن من عارض تلك الطرق الشرعية معقولها ومنقولها بمثل ~~هذه الطرق البدعية بل عدل عنها إليها كان في ضلال مبين كما هو الواقع في ~~الوجود والله يقول الحق وهو يهدي السبيل @QB@ والله يدعو إلى دار السلام ~~ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ سورة يونس 25 # وأما طريق شيوخ المعتزلة التي ذكرها أبو الحسين وعدل عنها فهي أبعد وأطول ~~والأسولة عليها أكثر كما لا يخفى ذلك مع أن هذه الطرق لم تتضمن تتضمن كذبا ~~ولا باطلا من جهة أنها إخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه أو من جهة أنها ~~قضايا كاذبة بل من جهة الاستدلال على الشيء بما هو أخفى منه بخلاف كلامهم ~~في الترجيح بلا مرجح والحدوث بلا سبب وإبطال دوام الحوادث فإن منازعيهم ~~يقولون كلامهم في ذلك PageV09P171 من نوع الكذب الباطل وإن لم يتعمدوا ~~الكذب كسائر المقالات الباطلة # وهاتان الطريقتان اللتان ذكرهما أبو الحسين عنه وعن شيوخه هما اللتان ~~اعتمد عليهما كثير من المثبتين ms1903 للصفات الذين استدلوا بطريقة الأعراض ~~والحركات على حدوث الأجسام كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى في المعتمد ~~وغيرهما فإنهم سلكوا هذه الطريق فأثبتوا وجودها وأن الأجسام لا تخلو عنها ~~وأنها لا تبقى زمانين وأنها محدثة وأن ما لا يخلو منها فهو محدث لأن ~~الحوادث لها أول وأبطلوا وجود ما لا يتناهى مطلقا وذكروا النزاع في ذلك مع ~~معمر والنظام وابن الراوندي وغيرهم وأثبتوا ذلك بنظير ما تقدم من الحجج ~~وقالوا إن ما لا ينفك عن الحوادث فهو محدث وقالوا إذا ثبت أن ذلك محدث فلا ~~بد له من محدث أحدثه وصانع صنعه خلافا للملحدة في نفي الصانع # قالوا والدلالة عليه أن المحدث لو لم يتعلق بمحدث لم تتعلق الكتابة ~~PageV09P172 بكاتب ولا الضرب بضارب لأن ذلك كله يتعذر إذ استحالة محدث لا ~~محدث له كاستحالة كتابة لا كاتب لها فلو جاز وجود محدث لا محدث له لجاز ~~محدث لا إحداث له وذلك محال # وهؤلاء يقولون المحدث عين الإحداث فحقيقة قولهم وجود محدث لا إحداث له ~~وقد جعلوا هنا نفي هذا مقدمة معلومة يحتج بها # قالوا وأيضا فإنا نرى الحوادث يتقدم بعضها بعضها ويتأخر بعضها عن بعض ~~ولولا أن مقدما قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر لم يكن ما تقدم منها أولى ~~من أن يكون متأخرا وما تأخر أولى من أن يكون متقدما فدل ذلك على أن لها ~~مقدما محدثا لها قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر # ثم لا يخلو ذلك الأمر من أن يكون نفس الحادثات أو معنى فيه أو لا نفسه ~~ولا معنى فيه أو لجاعل جعله فيستحيل أن يكون ذلك لنفسه لأن نفسه هو وجوده ~~والشيء لا يجوز أن يفعل نفسه ولا يجوز أن يكون لذاك المعنى لأن ذاك المعنى ~~لا بد أن يكون موجودا إذ المعدوم ليس له تأثير في ذلك وإذا كان موجودا فلا ~~يخلو من أن يكون قديما أو محدثا لا يجوز أن يكون قديما لأنه لو كان قديما ~~لوجب قدم الجسم ms1904 المحدث وذلك باطل وإن كان محدثا فلا بد أن يكون متقدما أو ~~متأخرا فإن كان كذلك مع جواز أن لا يكون متقدما لقدم موجبه فلا يكون كذلك ~~إلا لمعنى آخر وذلك المعنى لمعنى آخر إلى غير نهاية PageV09P173 # ولا يجوز أن يكون كذلك لا لنفسه ولا لمعنى ولا لأمر لأن ذلك يؤدي إلى أن ~~لا يكون بالوجود في وقت أولى من عدمه وبقائه على عدمه ولما علم أن اختصاصه ~~بالوجود أولى من عدمه بطل أن يكون كذلك إلا لأمر وإذا بطلت هذه الأقسام علم ~~أن هذه الحوادث إنما اختصت في الوجود في أوقات معينة لجاعل جعله وأراد ~~تقديم أحدهما على الآخر وتأخر بعضها عن بعض فثبت ما قلناه # فهذا الذي ذكره القاضي أبو يعلى ومن سلك هذه الطريقة كأبي محمد ابن ~~اللبان وقبلهما القاضي أبو بكر وغيرهم هي من جنس ما تقدم # وهؤلاء غالبهم إذا ذكروا طريقتهم في حدوث الأجسام بأن ما لا يسبق الحوادث ~~فهو حادث ذكروا ذلك مسلما كأنه بين وإذا ذكروا مع ذلك أن الحوادث يجب ~~تناهيها جعلوا ذلك بمنزلة المسلم أو المقدمة الضرورية تسوية بين النوع ~~وأشخاصه فيقولون مثلا إذا أثبتوا حدوث الأعراض وأن الجسم مستلزم لها ~~الحوادث لها أول ابتدئت منه خلافا لابن الراوندي وغيره من الملحدة # والدلالة على ذلك علمنا بأن معنى المحدث أنه الموجود عن عدم ومعنى ~~الحوادث أنها موجودة عن عدم فلو كان فيها ما لا أول له لوجب أن يكون قديما ~~وذلك فاسد لما بينا من إقامة الدلالة على حدوثها PageV09P174 والجمع بين ~~قولنا حوادث وأنه لا أول لها مناقضة ظاهرة في اللفظ والمعنى وذلك باطل # ثم يقولون وإذا ثبت ما ذكرنا من ثبوت الأعراض وحدوثها وأن الجواهر لم تخل ~~منها ولم تسبقها وجب أن تكون محدثة كهي لأن الجواهر لا تخلو من أن تكون ~~موجودة معها أو بعدها أو قبلها فإذا بطل أن تكون الجواهر موجودة قبل وجود ~~الأعراض وبطل أن توجد بعدها وجب أن تكون موجودة معها وثبت حدوثها كحدوث ~~الأعراض ms1905 فهذا الذي يقوله هؤلاء كالقاضيين ومن وافقهما على ذلك وهذا لفظ ~~القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى ونحوهما # والمعترض على ذلك يقول إن موضع المنع لم يقيموا عليه حجة وإنما قالوا ~~معنى الحوادث أنها موجودة عن عدم فلو كان فيها ما هو لا أول له لوجب أن ~~يكون قديما وهم لا يقولون فيها ما لا اول له بل كل حادث له اول عندهم وانما ~~يقولون إن جنسها لا أول له بمعنى أنه لم يزل كل حادث قبله حادث وبعده حادث # وحينئذ فيقولون إنه لا مناقضة بين قولنا حوادث وقولنا لا أول لها لأن ~~معنى قولنا حوادث أن كل واحد واحد منها حادث بعد أن لم يكن ليس معناه أن ~~جنسها حادث # والذي لا أول له هو الجنس عندهم لا كل واحد واحد فالذي أثبتوا له الحدوث ~~هو كل واحد واحد من الأعيان وتلك لم يثبتوا لشيء منها قدما ولا قالوا لا ~~أول لشيء منها والذي قالوا لا أول له بل هو قديم هو النوع المتعاقب وذلك لم ~~يقولوا إنه حادث PageV09P175 # ثم إن هؤلاء أيضا بعد ذلك يقررون ما يدعونه من امتناع حوادث لا أول لها ~~في ضمن دعواهم امتناع وجود ما لا يتناهى فيسلكون طريقين طريقة تخص الحوادث ~~المتعاقبة تعم كل ما لا يتناهى فيقعدون قاعدة فيقولون لا يجوز وجود موجودات ~~لا نهاية لعددها سواء كانت قديمة أو محدثة خلافا لمعمر والنظام وابن ~~الراوندي وغيرهم من الملحدة في قولهم يجوز وجود ذوات محدثة لا نهاية لها ~~وخلافا للفلاسفة في قولهم يجوز وجود جواهر قديمة لا غاية لها # ثم يقولون والدليل على ذلك أن كل جملة من الجمل لو ضممنا إليها خمسة ~~أجزاء لعلم ضرورة أنها زادت أو نقصت منها خمسة أجزاء لعلم ضرورة أنها قد ~~نقصت # وإذا كان هذا كذلك وجب أن تكون متناهية لجواز قبول الزيادة والنقصان ~~عليها لأن كل ما تأتى فيه الزيادة والنقصان وجب أن يكون متناهيا من جهة ~~العدد # الدليل على هذا المعدودات لما لم تصح ms1906 عليها الزيادة والنقصان استحال أن ~~تكون متناهية وإذا كان كذلك استحال وجود موجودات غير متناهية قديمة كانت أو ~~محدثة # وليس لأحد أن يقول يلزمكم على هذا أن تقولوا إن معلومات الباري عز وجل ~~أكثر من مقدوراته لأن جميع مقدوراته معلومة وله معلومات لا يصح أن تكون ~~مقدورة وهي ذاته تعالى وسائر صفاته PageV09P176 وسائر الباقيات والمحالات ~~التي لا يصح وجودها لأن مقدورات الباري ومعلوماته على ضربين موجودات ~~ومعدومات فالموجودات من المقدورات والمعلومات كلها متناهية والمعدومات منها ~~غيرمتناهية ولا يصح فيها الزيادة والنقصان وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ~~بطل ما قالوه فهذا الذي يذكره مثل هؤلاء كالقاضيين وابن اللبان أو غيرهم # وهذه الطريق هي طريق التطبيق ومبناها على أن ما لا يتناهى لا يتفاضل ~~وعليها من الكلام والاعتراض ما قد ذكر في غير هذا الموضع إذ المقصود هنا ~~التنبيه على طرق الناس في الأصول التي يقول القائل إنها تستلزم ما يخالف ~~النصوص # ومنهم من يسلك في دعوى امتناع دوام الحوادث مسلك الضرورة كما سلكه طوائف ~~منهم أبو المعالي في إرشاده الذي جعله إرشادا إلى قواطع الأدلة وجعل أصل ~~الأصول الذي بني عليه جميع ما يذكره من أصول الدين التي بها كفر أو بدع من ~~خالفه هو دليل الأعراض المذكور وسلك فيه مسلك من تقدمه من أهل الكلام ~~السالكين طريق المعتزلة في تقرير ذلك وهو مبني على أربعة أركان إثبات ~~الأعراض ثم إثبات حدوثها ثم إثبات لزومها للجسم # قال والأصل الرابع يشتمل على إيضاح استحالة حوادث لا أول لها PageV09P177 # قال والاعتناء بهذا الركن حتم فإن إثبات العرض منه يزعزع جملة مذاهب ~~الملحدة فأصل مقالتهم أن العالم لم يزل على ما هو عليه فلم تزل دورة الفلك ~~قبل دورة إلى غير أول ثم لم تزل الحوادث في عالم الكون والفساد تتعاقب كذلك ~~إلى غير مفتتح فكل ولد مسبوق بوالد وكل زرع مسبوق ببذر وكل بيضة مسبوقة ~~بدجاجة فنقول موجب أصلكم يقضي بوجود حوادث لا نهاية لأعدادها ولا غاية ~~لآحادها على التعاقب في الوجود ms1907 وذلك معلوم بطلانه بأوائل العقول فإنا نفرض ~~القول في الدورة التي نحن فيها ونقول من أصل الملحدة أنه انقضى قبل الدورة ~~التي نحن فيها دورات لا نهاية لها وما انتفت عنه النهاية يستحيل أن ينصرم ~~بالواحد على إثر الواحد فإذا تصرمت الدورات التي قبل هذه الدورة أذن ~~انقضاؤها بتناهيها وهذا القدر كاف في غرضنا # قلت وهذه الحجة هي التي تقدم ذكر اعتراض كثير من النظار PageV09P178 ~~عليها حتى أتباع أبي المعالي كالرازي والآمدي والأرموي وغيرهم وهم ينازعونه ~~في قوله إن بطلان ذلك معلوم بأوائل العقول ويقولون قد جوز ذلك طوائف متنوعة ~~من العقلاء الذين لم يتلقه بعضهم عن بعض من أهل الملل المسلمين واليهود ~~والنصارى ومن الفلاسفة الأولين والآخرين وغيرهم بل قد يقولون إن هذا قول ~~الأنبياء وأتباعهم وفضلاء الطوائف لا يريدون أن قدم العالم هو قول الأنبياء ~~بل يعلمون أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام كما أخبرت ~~به الأنبياء لكن يقولون ما زال الله تعالى متكلما تكلم بما شاء أو ما زال ~~فاعلا يفعل بنفسه ما شاء أو ما زال يفعل الحوادث شيئا بعد شيء أو نحو ذلك ~~من المقالات التي يقولون إنها موافقة لقول الأنبياء صلوات الله عليهم وأن ~~أقوال الأنبياء لا تتم إلا بها # وأما قدم الأفلاك ودوامها فهو قول طائفة قليلة كأرسطو وأتباعه وقد نقل ~~أرباب المقالات أنه أول من قال بقدم ذلك من الفلاسفة وأن الفلاسفة ~~المتقدمين كانوا على خلاف قوله في ذلك وقول أرسطو هذا وأتباعه هو من أقوال ~~الملاحدة المخالفين للرسل فإن الأقوال التي تخالف ما علم من نصوص الأنبياء ~~هي من أقوال الملاحدة ومن عارض نصوص الأنبياء بعقله كان من الملاحدة # وأما الأقوال التي قالها الرسل أو قالت ما يستلزمها ولم تقل نقيض ذلك ~~فهذه لا تضاف إلى الملاحدة بل من عارض نصوص الأنبياء بمعقوله وادعى تقديم ~~عقله على أقوال الأنبياء واستند في ذلك إلى أصل اختلف فيه العقلاء ولم ~~يوافقه عليه الأنبياء كان أقرب إلى أقوال PageV09P179 أهل الإلحاد ms1908 ولكن قد ~~تشتبه على كثير من النظار فينصرون ما يظنونه من أقوال الأنبياء بما يظنونه ~~دليلا عقليا ويكون الأمر في الحقيقة بالعكس لا القول من أقوال الأنبياء بل ~~قد يكون مناقضا لها ولا الدليل دليلا صحيحا في العقل بل فاسدا فيخطئون في ~~العقل والسمع ويخالفونهما ظانين أنهم موافقون للعقل والسمع وآية ذلك ~~مخالفتهم لصرائح نصوص الأنبياء وما فطر الله عليه العقلاء فمن خالف هذين ~~كان مخالفا للشرع والعقل كما هو الواقع في كثير من نفاة الصفات والأفعال # والمقصود هنا أن المعترضين على ما ذكر في تناهي الحوادث يقولون لم يذكر ~~على وجوب تناهيها دليلا فإن عمدته قوله ما انتفت عنه النهاية يستحيل أن ~~ينصرم بالواحد على إثر الواحد فإذا تصرمت الحوادث أذن انقضاؤها بتناهيها # وهم يقولون لفظ الانتهاء لفظ مجمل أتريد به الانتهاء بمعنى أنه لا أول ~~لها أو الانتهاء بمعنى انقضاء ما مضى # أما الانتهاء بالمعنى الثاني فإنهم لا ينازعون فيه بل يسلمون أن ما انتهى ~~فقد انتهى لكن لا يسلمون أن الحوادث انتهت بل يقولون لم تزل ولا تزال فإن ~~الانتهاء انقطاعها وانصرامها ونفادها وهي لم تنفد ولم تنقطع # وإن قيل الماضي قد وجد بخلاف المستقبل PageV09P180 # قيل وجود ما وجد مع دوامها لا يوجب انتهاؤه # فإن قيل فنحن نقدر أنها انتهت وفرغت # قيل إذا قدر تناهيها لزم تناهيها على هذا التقدير وقيل إن أريد بتناهيها ~~أن ما مضى هو محدود بالحد الفاصل بين الماضي والمستقبل وهذا انتهاء # قيل هل أن هذا يسمى انتهاء لكن على هذا التقدير فهي منتهية من هذا الطرف ~~الذي انتهت إليه لا من الطرف الأول الذي لا ابتداء له # وعلى هذا فهؤلاء لا ينازعون في الانتهاء بهذا المعنى بل يقولون كل ما مضى ~~من الحوادث فقد انتهى وانقضى وانصرم وفرغ # وهذا هو الذي نفاه الله عن كلماته وعن نعيم أهل الجنة كما قال تعالى @QB@ ~~إن هذا لرزقنا ما له من نفاد @QE@ سورة ص 54 # وقال @QB@ أكلها دائم وظلها @QE@ سورة الرعد 35 وقال @QB@ لا مقطوعة ms1909 ولا ~~ممنوعة @QE@ سورة الواقعة 33 # وقال @QB@ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا @QE@ سورة الكهف 109 # وأما عدم الانتهاء بمعنى أنه لا ابتداء لها فلم يذكر دليلا على امتناعه ~~فإن القائل إذا قال ما انتفت عنه النهاية بمعنى أنه لا ابتداء PageV09P181 ~~له يستحيل أن ينصرم بالواحد على إثر الواحد فإن الحوادث إذا انصرمت أذن ~~انقضاؤها بتناهيها # قيل له انقضاؤها يؤذن بتناهيها من آخرها فالانتهاء والانصرام هنا معناهما ~~واحد فكأن القائل قال إذا انتهيت فقد انتهيت وإذا انصرمت فقد انصرمت # واما كون الانقضاء والانتهاء من الآخر يؤذن بأن لها مبدأ كان بعد أن لم ~~يكن فليس في الانتهاء ما يؤذن بحدوث الابتداء بل هذا هو رأس المسألة وليس ~~الاطراد بالانتهاء هنا انقطاعها بالكلية حتى لا يوجد شيء منها بل المراد ~~انتهاء ما مضى منها فإن ما انقطع بالكلية فعدم جنسه يمكن أن يقال إن له ~~مبتدأ ولو كان قديم الجنس لم يعدم فإن ما وجب قدمه امتنع عدمه سواء كان ~~شخصا أو نوعا # وأما إذا أريد بالانتهاء انتهاء ما مضى مع دوام النوع في المستقبل فليس ~~في هذا الانتهاء ما يستلزم أن يكون أوله محدودا # ومن المعلوم أن العقل إذا قدر حوادث متوالية لم تزل ولا تزال كان يعلم أن ~~كل واحد منها قد انصرم وانصرم ما قبله مع أنه قد قدر دوام هذا النوع كما ~~يعلم أن كل واحد منها له أول ومع تقديره أنه لا أول لها فعلم أن هذا ~~التقدير لا ينافي انصرام ما انصرم ولا حدوث ما حدث وإذا لم يتناف هذا وهذا ~~لم يمكن ثبوت أحدهما دليلا على انتفاء الآخر فعلم أن ما ذكروه لا ينافي ~~جواز دوام الحدوث PageV09P182 # وقد عارضهم المعترضون بالحوادث المستقبلة وأوردوا سؤالهم # قالوا فإن قيل مقام أهل الجنان فيها مؤبد مسرمد فإذا لم يبعد إثبات حوادث ~~لا آخر لها لم يبعد إثبات حوادث لا أول لها # قلنا المستحيل أن يدخل في ms1910 الوجود ما لا يتناهى آحادا على التوالي وليس في ~~توقع الوجود في الأستقبال والمآل قضاء بوجود ما لا يتناهى ويستحيل ان يدخل ~~في الوجود من مقدورات الباري تعالى ما لا يحصره عدد ولا يحصيه أمد والذي ~~يحقق ذلك أن حقيقة الحادث ما له أول وإثبات الحوادث مع نفي الأولية تناقض ~~وليس في حقيقة الحادث أن يكون له آخر # وقد أجاب المعترضون عن هذا الكلام بأن ما مضى دخل في الوجود ثم خرج فليس ~~هو الساعة داخلا في الوجود وما يستقبل سيدخل في الوجود ثم يخرج فكلاهما في ~~الحال ليس بداخل في الوجود وكلاهما لا بد من دخوله في الوجود وخروجه منه ~~فقد استوى هذا وهذا في الدخول والخروج وفي العدم الآن لكن دخول هذا وخروجه ~~ماض ودخول هذا وخروجه مستقبل وليس في هذا الفرق ما يمنع اشتراكهما فهما ~~اشتركا فيه لا سيما والمضي والاستقبال أمران إضافيان فما من PageV09P183 ~~حادث إلا ولا بد أن يوصف بالمضي والاستقبال فيوصف بالمضي باعتبار ما بعده ~~ويوصف بالاستقبال باعتبار ما قبله فإذا نظر إلى حادث معين فما قبله ماض وما ~~بعده مستقبل وهكذا كل حادث # وإذا كانت الحوادث الدائمة كل منها يوصف بالمضي والاستقبال لم يصح الفرق ~~بينهما بذلك فإن من شرط الفرق اختصاص أحد النوعين به وتأثيره في الحكم الذي ~~فرق بينهما فيه لأجله وكلا الأمرين منتف هنا والدليل الدال على انتفاء دوام ~~الحدوث يتناول هذا كتناول هذا فإما أن يصحا جميعا وإما أن يبطلا جميعا # ولهذا كان من طرد هذا الدليل وهما إماما أهل الكلام نفاة الصفات الجهم بن ~~صفوان إمام الجهمية وأبو الهذيل العلاف إمام المعتزلة كلاهما ينفي دوام ~~الحدوث في المستقبل كما نفاه في الماضي # وإذا قال القائل المستحيل أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى آحادا على ~~التعاقب # قيل له فالمستقبلات تدخل في الوجود وهي لا تتناهى أحادا على التعاقب لكن ~~لم تدخل بعد وذاك دخل ثم خرج # وقوله يستحيل أن يدخل في الوجود من مقدورات الباري تعالى ما لا ms1911 يحصره عدد ~~ولا يحصيه أمد هو محل النزاع إذا قصره على الماضي وإن كان اللفظ عاما فهو ~~خلاف ما سلمه بل هؤلاء يقولون يجب أن يدخل PageV09P184 في الوجود من ~~مقدورات الباري ما لا يتناهى وإلا لزم أن يكون الرب لم يكن قادرا ثم صار ~~قادرا أو بالعكس من غير حدوث أمر أوجب انتقاله من القدرة إلى العجز وبالعكس ~~وهذا فيه سلب للرب صفة الكمال وإثبات التغير بلا سبب يقتضيه وذلك مخالفة ~~لصريح المعقول والمنقول # ولهذا كان ما أنكره المسلمون على هؤلاء قولهم إن الرب في الأزل لم يكن ~~قادرا ثم صار قادرا وهو مما استحل به المسلمون لعنة بعض من أضيف إليه ذلك ~~من أهل الكلام لا سيما من يسلم أن الرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات ~~الكمال فإنه يجب أن يصفه بأنه لم يزل ولا يزال قادرا والقدرة لا تكون إلا ~~على ممكن فلزم إمكان فعله فيما لم يزل ولا يزال # وقول القائل من هؤلاء إنه كان قادرا في الأزل على ما لم يزل كلام متناقض ~~فإنه يقال لهم حين كان قادرا هل كان الفعل ممكنا فلا بد أن يقولوا لا فإنه ~~قولهم # فيقال لهم كيف وصف بالقدرة مع امتناع شيء من المقدور فعلم أنه مع امتناع ~~الفعل يمتنع أن يقال إنه قادر على الفعل # وأما قوله إثبات الحوادث مع نفي الأولية تناقض فيقولون هو تناقض إذا نفى ~~الأولية عن نفس ما له أول وهو كل واحد واحد من الحوادث أما إذا نفى الأولية ~~عما لم تثبت له أولية وهو نوع الحوادث لم يتناقض كما تقدم PageV09P185 # ثم قالوا في الفرق بين الماضي والمستقبل ما قاله أبو المعالي قال وضرب ~~المحصلون لذلك مثالين في الوجهين قالوا مثال إثبات حوادث لا أول لها قبل كل ~~حادث قول القائل لمن يخاطبه لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله دينارا ولا ~~أعطيك دينار إلا وأعطيك قبله درهما فلا يتصور أن يعطى على حكم شرطه دينارا ~~ولا درهما ومثال ما ألزمونا أن يقول ms1912 القائل لا أعطيك دينارا إلا وأعطيك ~~بعده درهما ولا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده دينارا فيتصور منه أن يجري على ~~حكم الشرط # فيقول المعترضون هذا التمثيل ليس مطابقا لمسألتنا فإن قوله لا أعطيك حتى ~~أعطيك نفي للمضارع المستقبل إذا وجد قبله ماض فحق القياس الصحيح والاعتبار ~~المستقيم أن يقال ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله دينارا ولا أعطيتك ~~دينارا إلا أعطيتك قبله درهما فهذا إخبار أن كل ماض من الدراهم كان قبله ~~دينار وكل دينار كان قبله درهم وهو نظير الحوادث الماضية التي قبل كل حادث ~~منها حادث # كما أن قوله لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده دينارا أو لا دينار إلا وبعده ~~درهم هو نظير الحوادث المستقبلة التي بعد كل حادث منها حادث فإن أمكن أن ~~يصدق في قوله في المستقبل أمكن أن يصدق في PageV09P186 قوله في الماضي وإن ~~امتنع صدقه في الماضي امتنع صدقه في المستقبل إذ العقل لا يفرق بين هذا ~~وهذا ولكنه يفرق بين قوله لا أعطيك حتى أعطيك وبين قوله ما أعطيتك إلا وقد ~~أعطيتك # فإذا كان منتهى النظار هو القياس العقلي والاعتبار وهم في القياس الذي ~~جعلوه أصل أصول الدين يقيسون الشيء بما يبين مفارقته إياه في عين الحكم ~~الذي سووا بينهما فيه علم أن ذلك قياس باطل # وهذا من أعظم أصولهم أو أعظم أصولهم الذي بنوا عليها نفيهم لما نفوه من ~~أفعال الرب وصفاته وعارضوا بذلك ما أرسل به رسله من أنبائه وآياته # وقوله لا أعطيك حتى أعطيك مثل قول ما أعطيتك حتى أعطيتك فهنا نفى الماضي ~~حتى يوجد الماضي وهناك نفي المستقبل حتى يوجد المستقبل وكلاهما ممتنع فإنه ~~نفي للشيء حتى يوجد الشيء وحقيقته الجمع بين النقيضين حتى يجعل الشيء ~~موجودا معدما كما لو قيل لا يوجد هذا حتى يوجد هو نفسه فيقتضي أن يكون ~~وجوده قبل وجوده بل في حال عدمه فيكون قد جعل موجودا حال كونه معدوما وهذا ~~ممتنع بين الامتناع # بخلاف قوله ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله ولا ms1913 أعطيك إلا أعطيك بعده فإنه ~~إثبات بعد كل عطاء عطاء وقبل كل عطاء عطاء فهذا يتضمن إثبات بعد كل حادث ~~مستقبل حادث مستقبل وقبل كل حادث ماض حادث ماض فأين هذا من هذا PageV09P187 # وليتدبر العاقل القياس العقلي في هذا الباب فإنهم قد سلموا أنه يجوز أن ~~يكون بعد كل حادث مستقبل حادث مستقبل كما إذا قال لا أعطيك درهما إلا ~~وأعطيك بعده دينارا # واتفقوا على أنه لا يجوز أن نقول لا أعطيك درهما حتى أعطيك دينارا ~~وتنازعوا هل يجوز أن يكون قبل كل حادث ماض حادث ماض أم لا فمنهم من منع ذلك ~~وقال هذا مثل أن نقول لا أعطيك درهما حتى أعطيك دينارا ومنهم من جوز ذلك ~~وقال ليس هذا مثل هذا الممتنع ولكن هذا نظير ذلك الجائز وهو قوله لا أعطيك ~~درهما إلا أعطيتك بعده دينارا فإن هذا معناه أن يكون بعد كل حادث حادث وذاك ~~معناه أن يكون قبل كل حادث حادث # وهذا المعنى هو هذا المعنى لكن هذا قدم اللفظ بما بعد وهناك قدم التلفظ ~~بما قبل وأما من جهة المعنى فلا فرق بينهما # قالوا وأما الممتنع فنظيره أن نقول ما أعطيتك إلا حتى أعطيتك فهذا نظير ~~قوله لا أعطيك حتى أعطيك ليس نظيره ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله فهنا أصل ~~متفق على جوازه وأصل متفق على امتناعه بل أصلان متفق على امتناعهما وأصل ~~متنازع فيه هل هو نظير هذا الجائز أو نظير الممتنعين # ولهذا كان الذين اتبعوا هؤلاء المتأخرين كالرازي والآمدي وغيرهما قد ~~يتبين لهم ضعف هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث الأجسام ويترجح عندهم حجة من ~~يقول بدوام فاعلية الباري تعالى وهم يعلمون أن دين المسلمين واليهود ~~والنصارى أن الله خلق السماوات PageV09P188 والأرض في ستة أيام وأن الله ~~خالق كل شيء لكن قد لا يجمعون بين ذلك وبين دوام فاعلية الباري لكنهم لم ~~يبنوا على ثبوت الأفعال القائمة به المقدورة المرادة له فيبقون دائرين بين ~~مذهب الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم الأفلاك معظمين لأرسطو ms1914 وأتباعه كابن ~~سينا وبين مذهب أهل الكلام القائلين بتناهي الحدوث وربما رجحوا هذا تارة ~~وهذا تارة حتى قد يصير الأمر عندهم كأن دين المسلمين ودين الملاحدة عدلا ~~جهل أو ربما مالوا أحيانا إلى دين الملاحدة حتى قد يصنفون في الشرك والسحر ~~كعبادة الكواكب والأصنام # وأصل ذلك نفيهم لما يجب إثباته من فعل الرب تعالى كما دل عليه المنقول ~~والمعقول فإن هؤلاء قد يثبتون أن الذين نفوا قيام الأمور الاختيارية بذات ~~الله تعالى وسموا ذلك نفي حلول الحوادث به ليس لهم على ذلك حجة صحيحة لا ~~عقلية ولا سمعية بل الذين نفوا ذلك من جميع الطوائف يلزمهم القول به # فإذا كان هذا الأصل في المعقول ولزومه للطوائف ودلالة الشرع عليه بهذه ~~القوة وبتقدير إبطاله يلزم ترجيح مذهب الملاحدة المبطلين شرعا وعقلا على ~~أقوال المرسلين الثابتة شرعا وعقلا أو تكافي المسلمين أهل الإيمان وأهل ~~الإلحاد تبين ما ترتب على إنكار ذلك من الضلال والفساد # ومصداق ذلك أن الرازي مثلا إذا قرر في مثل نهاية العقول PageV09P189 ~~وأمثالها من كتبه الكلامية تناهي الحوادث واستوعبت ما ذكره أهل الكلام في ~~ذلك من الحجج عارضه إخوانه المتكلمون فقدحوا فيها واحدة واحدة ثم هو نفسه ~~يقدح فيها في مواضع من كتبه مثل المباحث المشرقية والمطالب العالية وغير ~~ذلك ويبين أن دوام فاعلية الرب مما يجب القول به كما ذكره في المباحث ~~المشرقية فإنه قال في بيان دوام فاعلية الباري اعلم أنا بينا أن واجب ~~الوجود لذاته كما أنه واجب الوجود لذاته فهو واجب الوجود من جميع جهاته ~~وإذا كان كذلك وجب أن تدوم أفعاله بدوامه وبينا أيضا أن سبق العدم ليس بشرط ~~في احتياج الفعل إلى الفاعل وبينا في باب الزمان أن الزمان لا يمكن أن يكون ~~له مبدأ زماني وحللنا فيه الشكوك والشبه # قال وأيضا العالم غير ممتنع أن يكون دائم الوجود وما لا يمتنع أن يكون ~~دائم الوجود يجب أن يكون دائم الوجود فالعالم يجب أن يكون دائم الوجود أما ~~الصغرى فقد مضى تقريرها وأما ms1915 الكبرى فهي أن الذي لا يمتنع أن يكون موجودا ~~دائما لو كان جائز العدم لكان إما أن يكون عدمه ممكنا دائما أو لا يكون ~~دائما فإن لم يكن PageV09P190 له إمكان العدم دائما كان ذلك الإمكان محدودا ~~وإذا تعدى ذلك الحد وجب فيه وجوده وامتنع عدمه مع أن الأحوال واحدة وهذا ~~محال يبقى أنه إن كان عدمه ممكنا فهو ممكن العدم دائما وكل ما كان ممكنا ~~فإنه إذا فرض موجودا أمكن أن يعرض منه كذب وأما المحال فلا يعرض ألبتة إذا ~~فرض معدوما لكن فرض هذا العدم يعرض منه محال وبيانه هو أنا نفرض أن أحد ~~طرفي الممكن وهو الوجود الدائم وجد وهو مع ذلك يقوى على عدم الصورة دائما ~~فلا يمتنع أن يقع ذلك الممكن فإن استحال وقوعه لم يكن ذلك ممكنا لكنه ~~يستحيل مع فرض وجوده دائما عدمه دائما وإلا لكان الشيء في زمان غير متناه ~~معدوما وموجودا معا وهو محال نعم يمكن فرض عدمه بعد وجوده ولكن ذلك العدم ~~غير دائم بل هو عدم متجدد وإذا كان هذا محالا بالوضع ليس بكذب غير محال بل ~~هو محال فالحكم على ما يمكن وجوده دائما بأنه جائز العدم محال فإذا وجوده ~~واجب وهو المطلوب PageV09P191 # قلت فهذه الحجة مضمونها أن الفعل يمكن أن يكون واجب الوجود فيجب أن يكون ~~دائم الوجود لأنه لو لم يكن كذلك لكان ممكن الوجود والعدم # والمقصود هنا أنه يمكن دوام وجوده بغيره فيجب دوام وجوده بغيره لا بنفسه ~~إذ لو لم يجب بنفسه ولا بغيره بل أمكن عدمه لوجب أن يمكن عدمه دائما إذ ~~إمكان عدمه في حال دون حال مع تساوي الأحوال محال وإمكان عدمه دائما ينافي ~~وجوبه بنفسه أو بغيره في شيء من الأوقات فإنه لو وجب موجودا في حال بنفسه ~~أو بغيره لم يكن ممكن العدم في حال وجوبه وهو إذا كان موجودا كان بغيره ~~فيكون واجبا بالغير فإذا كان موجودا امتنع في حال وجوده أن يمكن عدمه فإذا ~~قدر أنه ممكن العدم ms1916 دائما بحيث لا يجب بنفسه ولا بغيره امتنع أن يكون ~~موجودا في شيء من الأحوال # والتقدير أنه ممكن الوجود بل ممكن دوام الوجود وإمكان الوجود ينافي ~~امتناع الوجود فما أمكن وجوده دائما امتنع عدمه # ونكتة الحجة أن ما أمكن وجوده دائما يكون مع وجوده واجبا بغيره فإن ~~الممكن إن اقترن به ما يوجب وجوده صار واجبا بغيره وإن لم يقترن به ما يوجب ~~وجوده صار ممتنعا لغيره إذ الممكن لا يحصل إلا عند المرجح التام الذي يوجب ~~وجوده إذ لو لم يجب معه لكان ممكنا وإذا كان ممكنا لم يترجح وجوده على عدمه ~~إلا بمرجح # وهذا الموضع قد نازع فيه طوائف من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام طائفة ~~يقولون إن القادر يرجح أحد المقدورين المتماثلين بلا PageV09P192 مرجح أصلا ~~كما يقول ذلك طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم من أصناف المتكلمين # وهؤلاء يقولون عند وجود القدرة والداعي لا يجب الفعل بل يكون جائز الوجود ~~والعدم # وطائفة من المعتزلة والكرامية يقولون بل عند وجود المرجح يكون الوجود ~~راجحا على العدم من غير وجوب وهذا قول محمود الخوارزمي وابن الهيصم الكرامي ~~وغيرهما # والقول الثالث هو قول طوائف من أهل السنة والمعتزلة كأبي الحسين أنه عند ~~وجودالقدرة التامة والداعي التام يجب وجود المقدور # والقول الذي اختاره محمود يقول أصحابه إنه عند وجود المرجح يكون الممكن ~~أولى بالوجود منه بالعدم وإن لم ينته الترجيح إلى حد الوجوب وجعلوا فعل ~~القادر المختار من هذا الوجه # وبهذا يناظرون الناس في مسألة القدر ويناظرون الفلاسفة في مسألة حدوث ~~العالم لكن الناس بينوا فساد قولهم وذلك أنه إذا حصل مرجح وكان مع وجوده ~~يمكن وجود الممكن ويمكن عدمه فلا بد من ترجيح لأحدهما على الآخر # فإذا قيل جانب الوجود أقوى أو أضعف # قيل قول القائل أقوى يريد به أنه مع هذه القوة يمكن وجوده وعدمه أو لا بد ~~من وجوده # فإن قال بالثاني ثبت وجوبه عند المرجح PageV09P193 # وإن قال بالأول قيل له فإذا كان مع القوة يمكن وجوده وعدمه ms1917 فلا بد من ~~ترجيح وإلا كان الممكن نوعين أو له حالان يحصل فيها بغير مرجح وحال لا يحصل ~~فيها إلا بمرجح # والممكن ليس له من نفسه وجود أصلا بل وجوده ممكن ولا يحصل إلا بغيره فكل ~~ما وصف بهذه الحقيقة يمتنع أن يوجد إلا بغيره فما دام ممكنا لا يوجد إلا ~~بغيره وذلك الغير إذا كان يمكن أن يفعل ويمكن أن لا يفعل كان فعله ممكنا ~~والممكن لا يحصل إلا بغيره # وإذا قيل الغير هو القادر أو القادر المريد أو نحو ذلك # قيل مجرد القادر المريد إذا كان معه وجود الفعل تارة وعدمه أخرى كان ~~ممكنا فلا بد له من مرجح وإلا فإذا قدر استواء الحال من كل وجه فلا يترجح ~~وإذا لم يكن ترجيح لزم حصول الممكن بلا ترجيح مرجح وهو ممتنع # وهذا الموضع هو الذي أنكره من أنكره من أئمة السنة والحديث ومن أئمة ~~الفلاسفة أيضا على من صار إليه من أهل الكلام المعتزلة والكلابية كالأشعرية ~~وطائفة من أصحاب أحمد وغيره من الأئمة وهو أصل قول ابن كلاب في مسألة ~~القرآن الذي أنكره عليه الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة وهو أصل شبهة ~~الفلاسفة في مناظرتهم لهؤلاء في قدم العالم وقد بسط في موضعه # وإذا كان الممكن نفسه إما واجبا بغيره وإما ممتنعا لغيره فما كان يمكن ~~دوام وجوده كان مع وجوده واجب الدوام بغيره فيمتنع أن PageV09P194 يكون ~~حينئذ ممكن العدم والحال هذه مع كونه واجب الدوام بغيره فكل ما أمكن وجوده ~~بغيره وأمكن دوامه امتنع مع وجوده عدمه وامتنع مع عدمه وجوده فإنه إذا لم ~~يدم وجوده لزم أن لا يكون هناك ما يقتضي وجوده أو ما يقتضي وجوده في حال ~~دون حال فإن ممكن الوجود إنما يعدم لعدم مقتضيه فالعدم الدائم عدم فيه ~~مقتضى الوجود على سبيل الدوام والعدم الحادث عدم فيه مقتضى الوجود في تلك ~~الحال # والمراد أنه عدم كمال المقتضى لا أنه عدم كل شرط من شروط الاقتضاء بل عدم ~~بعض الشروط كاف في ms1918 عدمه وعدم المقتضى في حال دون حال مع تماثل الأحوال منتف ~~وعدمه دائما يوجب أنه يمتنع وجوده دائما والتقدير أنه فرض إمكان وجوده ~~دائما # ومادة هذه الحجة مشاركة لمادة الحجة التي اعتمدوها في قدم العالم وهي أن ~~الحدوث بدون سبب الحدوث ممتنع ووجود المقتضى التام في الأزل يستلزم وجود ~~مقتضاه فإن الأصل في ذلك أنه لا يتجدد شيء بدون سبب يقتضي التجدد # فالمنازع لهم من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ونحوهم إما أن يقول ~~الفعل في الأزل ممتنع كما قاله طوائف منهم وإما أن يقول هو ممكن لكن لم ~~يحصل ما به يوجد فكان عدمه لفوات شرط الاتحاد إذ التقسيم العقلي يوجب فيه ~~أن يقال الفعل في الأزل إما ممكن وإما PageV09P195 ممتنع وإذا كان ممكنا ~~فإما أن يحصل مجموع ما به يوجد وإما أن لا يحصل # فالتقدير الأول أنه ممتنع لاستلزام تسلسل الحوادث والثاني أنه وإن قدر ~~إمكانه لكن لم تتعلق به مشيئة الرب تعالى أو قدرته أو لم يحصل تعلق العلم ~~بوجوده قبل ذلك الزمن أو نحو ذلك مما لا يوجد الفعل إلا به # فمن قال إن دوام الفعل ممتنع فقد أبطلوا قوله كما ذكر ومن قال إنه ممكن ~~لكن لم يوجد تمام شرطه قالوا له فهو قبل ذلك كان ممتنعا ثم صار ممكنا بل ~~موجودا مع تساوي الحالين فيلزم الترجيح بلا مرجح # وإذا قال إنه ممكن وما به يحصل موجود قالوا فيلزم وجوده # ولما ذكر الرازي هذه الحجة قال عمدة المنكرين لهذا امتناع حوادث لا أول ~~لها وقد مضى القول فيه في باب الزمان فلا نطول بذكره تطويلاتهم الخارجة عن ~~الأصول # والموضع الذي أحال فيه ذكر فيه الحجج التي احتج بها هو وغيره على حدوث ~~الزمان ولوازم ذلك من حدوث الحركة والجسم وأبطل ذلك كله فذكر ما احتج به ~~المعتزلة والأشعرية وما ذكره هو في الأربعين ونهاية العقول في مسألة حدوث ~~العالم وأبطل ذلك كله فركب لهم PageV09P196 سبع حجج أولها الحوادث الماضية ~~تتطرق إليها الزيادة والنقصان وما كان ms1919 كذلك فله بداية فللحوادث الماضية ~~بداية بيان الأولى بأربعة أوجه أحدها أن الحوادث الماضية إلى زمن الطوفان ~~أقل من الحوادث إلى زماننا بمقدار ما بين الطوفان وزماننا الثانية أن ~~الدورات الماضية إما أن تكون شفعا أو وترا وكيفما كان فهو ناقص عن العدد ~~الذي فوقه الثالث أن عودات القمر لا شك أنها أقل من عودات زحل والمشتري ~~الرابع أن الدورات الماضية لو كانت غير متناهية لكانت الأبدان البشرية ~~الماضية غير متناهية فكانت النفوس البشرية غير متناهية لامتناع التناسخ ~~فكانت النفوس البشرية الموجودة في زماننا غير متناهية لوجوب بقاء الأنفس ~~البشرية لكن عدد النفوس الموجودة في زماننا قابل للزيادة PageV09P197 ~~والنقصان فهو متناه فالنفوس التي كانت موجودة في زمان الطوفان لا شك أنها ~~أقل عددا من عدد النفوس إلى زماننا وكل عدد يقبل الزيادة والنقصان فهو ~~متناه فالنفوس الموجودة البشرية متناهية ثم يستدل بتناهيها على تناهي ~~الأبدان وبتناهي الأبدان على تناهي الحركات والمتحركات وتناهي كل العالم # قال وأما بيان أن كل عدد يقبل الزيادة والنقصان فهو متناه فقد زعموا أن ~~العلم بذلك بديهي # قال والحجة الثانية لو كانت الحوادث الماضية غير متناهية لتوقف حدوث ~~الحادث اليومي على انقضاء ما لا نهاية له وما يتوقف على انقضاء ما لا نهاية ~~له استحال وجوده وكان يلزم أن لا يوجد الحادث اليومي فلما وجد علمنا أن ~~الحوادث الماضية متناهية # قلت وهذه هي التي ذكرها من ذكرها من شيوخ المعتزلة والشيعة وقد ذكرها أبو ~~المعالي وأمثاله من أئمة الكلام PageV09P198 # والثالثة أن كل واحد واحد من الحوادث إذا كان له أول وجب أن يكون للكل ~~أول كما أن كل واحد واحد من الزنج لما كان أسود وجب أن يكون الكل سودا # قلت وهذه حجة أبي الحسين البصري وأمثاله من المعتزلة # والرابعة أن الحوادث الماضية قد انتهت إلينا فلو كانت الحوادث الماضية ~~بلا نهاية لكان ما لا نهاية له متناهيا وذلك محال وهذا من جنس الثاني # والخامسة أن الأزل إما أن يكون قد وجد فيه حادث أو لم ms1920 يوجد والأول محال ~~لأن ذلك الحادث يكون مسبوقا بالعدم والأزل لا يكون مسبوقا بالعدم وإن لم ~~يوجد شيء من الحوادث في الأزل فقد أشرنا إلى حالة ما كان شيء من الحوادث ~~هناك موجودا فإذا كل من الحوادث مسبوق بالعدم # السادسة أن الأمور الماضية قد دخلت في الوجود وما دخل في الوجود فقد حصره ~~الوجود وما حصره الوجود كان متناهيا فالحوادث الماضية يجب أن تكون متناهية ~~PageV09P199 # السابعة أن كل واحد من الحوادث مسبوق بعدم لا أول له فإذا فرضنا جسما ~~قديما وفرضنا حوادث لا أول لها لزم أن لا يكون ذلك الجسم متقدما لا على ~~وجود تلك الحوادث ولا على عدمها ومحال أن يكون الشيء لا يتقدم أمورا ولا ~~يتقدم ما هو سابق على كل واحد واحد من تلك الأمور فيصير حكم السابق ~~والمسبوق في السبق والتقدم حكما واحدا # ثم قال قالت الفلاسفة الجواب عما ذكروه أولا من وجوه ثلاثة # الأول المحكوم عليه بالزيادة والنقصان إما كل الحوادث وإما كل واحد واحد ~~منها والأول محال لأن الكل من حيث هو كل غير موجود لا في الخارج ولا في ~~الذهن على ما بيناه في باب اللانهاية وما لا يكون موجودا امتنع أن يكون ~~موصوفا بالأوصاف الثبوتية من الزيادة والنقصان وغيرهما لما بينا في باب ~~الوجود أن ما لا يكون ثابتا في نفسه لا يمكن أن يكون موصوفا بالأوصاف ~~الثبوتية PageV09P200 # قلت هذا كقولهم الحركة غير موجودة والصوت غير موجود والكلام غير موجود ~~وهذا لفظ مجمل فإن أريد بالموجود ما تقترن أجزاؤه في زمن واحد فهذا غير ~~موجود وأما إن أريد ما هو أعم من ذلك بحيث يدخل فيه ما يوجد شيئا بعد شيء ~~فهذا كله موجود وهو من حيث هو موجود شيئا بعد شيء لا موجود على سبيل ~~الاقتران # الثاني أنا بينا في باب تناهي الأجسام أن الشيء إذا كان متناهيا من جانب ~~وغير متناه من جانب آخر فإذا انضم إلى الجانب المتناهي شيء حتى ازداد هذا ~~الجانب فالزيادة إنما حصلت في الجانب ms1921 المتناهي لا في الجانب الآخر فلا يلزم ~~ان يصير الجانب الآخر متناهيا إلا أن يقال إنا نفرض في الذهن انطباق الجانب ~~المتناهي من الزائد على الجانب المتناهي من الناقص فلا بد وأن يظهر التفاوت ~~من الجانب الآخر # ولكن إذا سلمنا لهم صحة هذا التطبيق فإنه لا يصح تطبيق طرف الزائد على ~~طرف الناقص إلا بوقوع فضلة عددية من الزائد ومع ذلك فمن المحتمل أن يمتد ~~الزائد مع الناقص أبدا من غير أن ينقطع الناقص بل يبقى أبدا مع الزائد بتلك ~~الفضلة العددية # الثالث معارضة ذلك بأمور أربعة أولها صحة حدوث PageV09P201 الحوادث من ~~الأزل إلى الطوفان أقل من صحتها من الأزل إلى زماننا هذا مع أنه لا يلزم ~~تناهي الصحة # وثانيها صحة حدوث الحوادث من الطوفان إلى الأبد أكثر من صحة حدوثها من ~~الآن إلى الأبد مع أنه لا يلزم تناهي هذه الصحة في جانب الأبد # وثالثها تضعيف الألف مرارا غير متناهية أقل من تضعيف الألفين مرارا غير ~~متناهية # ورابعها معلومات الله أكثر من مقدوراته مع أن تلك غير متناهية # قال والجواب عما ذكروه ثانيا يعني الحجة الثانية أنه إما أن يعنى بالتوقف ~~المذكور أن يكون أمران معدومان في وقت وشرط وجود أحدهما في المستقبل أن ~~يوجد المعدوم الآخر قبله فإن كان الأمر على هذا فقد وجدنا أمرا معدوما ومن ~~شرط وجوده أن توجد أمور بغير نهاية في ترتيبها وكلها معدومة فيبتدي في ~~الوجود من وقت PageV09P202 ما اعتبر هذا الاشتراط فالذي يكون كذلك كان ~~ممتنع الحدوث في الوجود وأما أن يعنى بهذا التوقف أنه لا يوجد هذا الحادث ~~إلا وقد وجد قبله ما لا نهاية له ثم ادعى أن التوقف بهذا المعنى محال فهذا ~~هو نفس المطلوب فإن النزاع ما وقع إلا فيه # والجواب عما ذكروه ثالثا أنه لا يلزم من ثبوت الأول لكل واحد ثبوت الأول ~~للكل لأن من الجائز أن يكون حكم الكل مخالفا لحكم الآحاد لأن كل واحد من ~~آحاد العشرة ليس بعشرة والكل عشرة وكل واحد من ms1922 الأجزاء ليس بكل مع أن كلها ~~كل وكل واحد من الحوادث اليومية غير مستغرق لكل اليوم مع أن مجموعها مستغرق ~~لكل اليوم بل نقول إن الكل من حيث هو كل يستحيل أن يكون مساويا لجزئه من ~~حيث هو جزء وإلا لم يكن أحدهما كلا والآخر جزءا وأما المثال الواحد فلا ~~يكفي لأنا لا ندعي أن حكم الكلية يجب أن يكون مخالفا لحكم الآحاد حتى يضرنا ~~المثال الواحد بل نقول إن ذلك التساوي قد يكون وقد لا يكون والأمر فيه ~~موقوف على البرهان # قال والجواب عما ذكروه رابعا أن انتهاء الحوادث إلينا يقتضي ثبوت النهاية ~~لها من الجانب الذي يلينا وثبوت النهاية من أحد PageV09P203 الجانبين لا ~~ينافي أن لا نهاية لها من الجانب الآخر والدليل عليه الصحة فإنه لا بداية ~~لها مع أنها قد تناهت إلينا وكذلك حركات أهل الجنة لا نهاية لها مع أنها في ~~جانب البداية لها نهاية # قال والجواب عما ذكروه خامسا وهو قولهم الأزل هل وجد فيه حادث أم لا ~~فنقول الأزل ليس حالة معينة بل هو عبارة عن نفي الأولية فالحادث بالزمان ~~الذي هو عبارة عن الشيء المسبوق بالعدم يمتنع وقوعه في الأزل فأما قولهم ~~لما لم يقع شيء من الحوادث في الأزل فقد أشرنا إلى حالة لم يكن شيء من ~~الحوادث هناك موجود فنقول قد بينا أن الأزل ليس وقتا مخصوصا حتى يقال بأن ~~ذلك الوقت قد خلا عن الحوادث بل الأزل عبارة عن نفي الأولية فقولنا الأزل ~~لم يوجد فيه شيء من الحوادث معناه أن نفي الأولية لم يوجد فيه شيء من ~~الحوادث أي كل واحد من الحوادث مسبوق بالعدم فلم قلتم إنه لما كان كل واحد ~~منها مسبوقا بالعدم وجب أن يكون الكل كذلك فإن النزاع ما وقع إلا فيه # والذي يحسم مادة هذا الوهم معارضته بالصحة فنقول صحة PageV09P204 حدوث ~~الحوادث هل كانت حاصلة في الأزل أم لا فإن كانت حاصلة في الأزل أمكن حدوث ~~حادث أزلي وذلك محال وإن لم تكن فللصحة ms1923 مبدأ أول وهو محال ولما لم يكن هذا ~~الكلام قادحا في أن الصحة لا بداية لها لم يكن قادحا في هذه المسألة # قال والجواب عما ذكروه سادسا وهو أن ما دخل في الوجود فقد حصره الوجود ~~فهو أن المراد بالحصر أن يكون للشيء طرف ونحن نسلم أن الحوادث محصورة من ~~الجانب الذي يلينا أما لم قلتم إنه يلزم من ذلك أن تكون محصورة من الطرف ~~الذي لا يلينا ثم نعارض ذلك بصحة حدوث الحوادث # والجواب عما ذكروه سابعا من أنه لا يلزم أن لا ينفك الجسم عن حدوث ~~الحوادث وعدمها فنقول إن عنيتم به أنه يكون موصوفا بوجود كل الحوادث ويكون ~~موصوفا بعدمها معا فذلك باطل لأن الحوادث ليس لكلها وجود حتى يكون الجسم ~~موصوفا به وإن عنيتم به أنه في كل واحد من الأزمان يكون موصوفا بواحد من ~~تلك PageV09P205 الحوادث فهو في ذلك الوقت لايكون موصوفا بعدم ذلك الحادث ~~حتى يلزم التناقض بل يكون موصوفا بعدم سائر الحوادث والتناقض إنما يلزم إذا ~~كان الشيء موصوفا بالحادث المعين وبعدم ذلك الحادث معا فأما أن يكون في ذلك ~~الوقت موصوفا بوجوده وبعدم غيره فأي تناقض فيه # قال هذا جملة ما قيل في هذه المسألة # قلت فهذا كلام الرازي في هذا مع أنه من عادته في الكتاب المذكور الذي ~~صنفه في الفلسفة وهو أكبر كتبه في ذلك إذا تمكن من القدح فيما يورده ~~الفلاسفة قدح فيه كما قدح في قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد والشيء ~~الواحد لا يكون قابلا وفاعلا ونحو ذلك مما يتوجه له القدح فيه وكما تقرر ما ~~ذكره بزيادات وتكميلات لم يذكروها هم إذا توجه له تقرير ذلك فإنه بحسب ما ~~يتوجه له من البحث والنظر # ولهذا كان تارة يعارض ما ذكره الفلاسفة بما يناقضه من كلام المتكلمين كما ~~يعارض من الكتب الكلامية ما يذكره المتكلمون بما يذكره في مناقضة الفلاسفة ~~ويرجح ما يترجح له في تلك الحال وهو مع هذا ذكر هذه الحجج التي هي عمد ms1924 ~~القائلين بأن الحوادث لا تدوم وعليها PageV09P206 بنوا حدوث الجسم وأبطلها ~~كلها وذكر أدلة أولئك في دوام فاعلية الرب تعالى ولم يبطلها # وقد ذكر أيضا حجج هؤلاء في دوام الزمان بكلام طويل ليس هذا موضع بسطه ~~والمقصود هنا أن من يريد هذا وأمثاله من كلام هؤلاء تبين له أن ما ذكره ~~أئمتهم الأشعرية وشيوخ أئمتهم المعتزلة في هذا الباب كان ممن تبين لهم ~~فساده ثم مع هذا لا يمكنهم القدح في أدلة الفلاسفة إن لم يقروا بما أنكروه ~~من مدلول الكتاب والسنة الموافق لصريح المعقول فحينئذ يمكنهم القول ~~بالمعقولات الصريحة ويتبين لهم أنها موافقة للمنقولات الصحيحة وليس مما أمر ~~الله به ورسوله ولا مما يرتضيه عاقل أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة ~~والجحد بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء وأهل الإسلام ~~والملل أحق بذلك من غيرهم إذ هم ولله الحمد أكمل الناس عقلا وأتمهم إدراكا ~~وأصحهم دينا وأشرفهم كتابا وأفضلهم نبيا وأحسنهم شريعة # ومن المعلوم في دين الإسلام أن اليهود والنصارى خير من الفلاسفة الخارجين ~~عن الملل وأصح عقلا ودينا ولهذا كان خيار الصابئة من انتسب إلى ملة من ~~الملل وقد اتفق أئمة الدين على إقرار اليهودي والنصارى بالجزية وعلى حل ~~ذبائحهم ونسائهم وإن خالف في ذلك أهل البدع # وأما الفلاسفة فإما أن يكونوا من المشركين وإما أن يكونوا من المجوس وإما ~~أن يكونوا من الصابئين وإما أن يكونوا منتسبين إلى أهل الملل الثلاث فمن ~~كان من المشركين كما يذكر عن الفلاسفة اليونان ونحوهم أو من المجوس كفلاسفة ~~الفرس ونحوهم فاليهود والنصارى PageV09P207 خير منه ولذلك هم خير من فلاسفة ~~الصابئين والصابئون للعلماء فيهم طريقتان إحداهما أنهم هل يقرون بالجزية أم ~~لا على قولين والثانية إنه يفصل الأمر فيهم فمن تدين بدين أهل الكتاب ألحق ~~بهم وإلا فلا وهاتان الطريقتان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما # والنزاع في إقرارهم بالجزية هو على قول من لا يقبل الجزية إلا من المجوس ~~وأهل الكتاب كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وأما من يقر ms1925 مشركي العجم ~~بالجزية كأبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى فهؤلاء يتنازعون في حل ~~ذبائحهم ونسائهم ولذلك يتنازع في ذلك من يفرق بين الكتابي الذي دخل سلفه ~~قبل النسخ والتبديل وبين الذين دخلوا بعد النسخ والتبديل كما هو قول ~~الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد بناء على أن أهل الكتاب الاعتبار فيهم ~~بنسبتهم وهم من كان سلفهم مستمسكين به قبل النسخ والتبديل لكن جمهور ~~العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد في المنصوص عنه على أن الاعتبار بنفس الرجل ~~لا بنسبه كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة # والمقصود هنا أنه من رجح بعض أقوال الفلاسفة التي يخالفون فيها أقوال أهل ~~الملل كان شرا ممن رجح بعض أقوال اليهود والنصارى على أقوال المسلمين # وإذا كانت الطريق التي سلكها أهل طريقة الأعراض والتركيب PageV09P208 ~~والاختصاص من أهل الكلام يوجب أن يصلوا إلى حد يرجحون فيه طريقة الفلاسفة ~~على طريقة سلفهم من أهل الكلام علم بذلك أنهم جعلوا دين سلفهم المتكلمين ~~أنقص من دين اليهود والنصارى بدرجتين إن كانوا مسلمين وإن لم يكونوا مسلمين ~~جعلوا قول الفلاسفة الملحدين خيرا من قول الأنبياء والمرسلين فإنهم إذا ~~رجحوا كلام الفلاسفة على كلام سلفهم المتكلمين مع اعتقادهم أن أقوال ~~الفلاسفة المناقضة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم باطلة وأن اليهود ~~والنصارى خير من الفلاسفة لزم الأول # وإن اعتقدوا أن قول الفلاسفة خير من قول سلفهم وقول سلفهم هو قول ~~الأنبياء لزمهم أن يجعلوا قول الفلاسفة خير من قول الأنبياء فإن طردوا ~~قولهم لزمهم ترجيح اليهود والنصارى على سلفهم أو ترجيح الفلاسفة على ~~الأنبياء # ومن كان أقل علما وإيمانا منهم مال إلى القول الثاني ومن كان أعظم علما ~~وإيمانا كان ميله إلى الأول أهون عليه فإن الثاني كفر لا حيلة فيه اللهم ~~إلا أن يسلكوا مسلك القرامطة الباطنية فيدعون أن ما أظهرته الأنبياء من ~~الأقوال والأفعال إنما هو للجهال والعامة دون الخاصة وأن لهذه الأقوال ~~والأعمال بواطن تخالف ما أظهروه # وحينئذ فهؤلاء شر الطوائف هم شر من اليهود والنصارى ms1926 ومن الفلاسفة ~~المشركين القدماء الذين لم تقم عليهم حجة بكتاب منزل ونبي مرسل فإن أولئك ~~وإن كانوا ضالين فهؤلاء شركوهم في الضلال ولكن هؤلاء حصل من حجة الله عليهم ~~بكتابه ورسوله ومن كفرهم PageV09P209 الذين يستحقون العقوبة عليه ما لم ~~نعلمه من حال أولئك # وإن كان أولئك قد بلغهم نبوة بعض الأنبياء وأرسل إليهم رسول فليس هو مثل ~~محمد صلى الله عليه وسلم بل نعلم قطعا أنهم لم يأتهم كتاب مثل القرآن ولا ~~رسول مثل محمد صلى الله عليه وسلم ولا شريعة كشريعته # وكل من علم حاله يعلم بالاضطرار من دينه أنه أخبر أن الله خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام وأنه خالق كل شيء وأن هذه الأفلاك ليست قديمة أزلية ~~فالقائل بذلك مناقض لأخباره وأخبار موسى وغيرهما من المرسلين مناقضة لا ~~يتمارى فيها من له معرفة بذلك وأي هذين الوجهين اختاره السالك فما فيه ~~مختار # وأصل هذا الضلال جهلهم بحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ونصرهم لما يظنونه جاء به بما يظنونه من المعقول ومعارضتهم لما يعلم أنه ~~جاء به بما يظنونه من المعقول وتوهمهم تعارض صحيح المنقول وصريح المعقول ~~وهذا هو الكلام الذي عابه السلف والأئمة # وأما أهل المعرفة العالمون بالمعقول والمنقول فلا يقولون في سلفهم ما هو ~~من لوازم قولهم كما أنهم لا يقولون في الأنبياء ذلك بل يعلمون قطعا أن كلام ~~الأنبياء هو الحق وكل ما ناقضه من قول متفلسف أو متكلم أو غيرهما فباطل ~~وأنه لا يجوز أن يكون في العقل ما يناقض قول الأنبياء ولا يجوز تعارض ~~الأدلة العلمية والسمعية والعقلية أبدا ويعلمون أن جنس PageV09P210 ~~المتكلمين أقرب إلى المعقول والمنقول من جنس كلام الفلاسفة وإن كان ~~الفلاسفة قد يصيبون أحيانا كما أن جنس المسلمين خير من جنس أهل الكتابين ~~وإن كان قد يوجد في أهل الكتاب من له عقل وصدق وأمانة لا توجد في كثير من ~~المنتسبين إلى الإسلام # كما قال تعالى @QB@ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم ms1927 ~~من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما @QE@ سورة آل عمران ~~75 # وهم يعلمون مع هذا أن كل من كان مؤمنا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~باطنا وظاهرا على الوجه الذي يرضاه الله فهو خير من كل كتابي لكن من ~~المظهرين للإسلام من المنافقين من يكون في الآخرة أشد عذابا من بعض اليهود ~~والنصارى فإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار والإسلام الظاهر يتناول ~~المؤمن والمنافق والسعداء في الآخرة هم المؤمنون دون المنافقين والمنافقون ~~وإن أجريت عليهم في الدنيا أحكام الإسلام فما لهم في الآخرة من خلاف $ فصل # ونحن نبين هنا ما ننصر به أهل الكلام الذين هم أقرب إلى الإسلام والسنة ~~من هؤلاء الفلاسفة وإن كانوا ضالين فيما خالفوا به السنة # وذلك من وجوه # أحدها أن يقولوا لهؤلاء المتفلسفة أنتم ادعيتم قدم العالم بناء على ما ~~ذكرتموه من قدم الزمان ووجوب دوام فاعلية الله تعالى ونحو ذلك PageV09P211 ~~مما غايتكم فيه إثبات دوام الحوادث إذ ليس في حججكم هذه وأمثالها ما يدل ~~على قدم شيء من العالم لا السماوات التي أخبر الله أنه خلقها والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ولا غير ذلك # فيقولون لهم الحوادث إما أن تكون لها بداية كما قلنا وإما أنه لا يجب ذلك ~~كما قلتم فإن كان الأول بطل قولكم ولزم أن يكون للحوادث ابتداء فبطل قولكم ~~بأن حركات الأفلاك أزلية وهو المطلوب # وإن كان الثاني أمكن أن يكون حدوث الفلك حركاته موقوفا على حوادث قبل ذلك ~~كالحوادث اليومية وتلك الحوادث على حوادث أخرى وهذا مطابق لما أخبرت به ~~الرسل من أن الله سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان ~~عرشه على الماء ومطابق للأخبار المتضمنة أنه خلقها من الدخان والبخار الذي ~~حصل من الماء وذلك كله أسباب حادثة ومطابق لما أخبر به الله من أنه خالق كل ~~شيء وليس في حججكم ما يناقض هذا # الوجه الثاني أن يقال دوام فاعلية الرب تعالى ودوام الحوادث يمكن معه ms1928 أن ~~تدوم الأفعال التي تقوم بالرب بمشيئته وقدرته وتحدث شيئا بعد شيء وأن تحدث ~~حوادث منفصلة شيئا بعد شيء وعلى كل من التقديرين فلا يكون شيء من العالم ~~قديما فلم قلتم إن الأمر ليس كذلك إن كان ما ذكرتموه صحيحا وإن كان باطلا ~~فهو أبعد وأبعد # فإن اعتذروا بأن واجب الوجود لا تقوم به الصفات والأفعال كان الجواب من ~~وجوه PageV09P212 # أحدها أن قولكم في هذا أفسد من قولكم بدوام الحوادث وحجتكم على ذلك في ~~غاية الفساد # فإن قلتم هؤلاء المتنازعون لنا من المعتزلة والأشعرية وغيرهم يسلمون لنا ~~هذا # قيل لهم هؤلاء إنما سلموا لكم امتناع قيام الأفعال المرادة المقدورة ~~بذاته بناء على امتناع قيام الحوادث به وإنما منعوا ذلك لأن ذلك يفضي إلى ~~تعاقبها عليه وإنما منعوا تعاقب الحوادث على القديم لاعتقادهم امتناع حوادث ~~لا أول لها فإن كان هذا القول فاسدا لم يكن لهم دليل على نفي ذلك # فيقولون لكم هذا الدليل إن كان صحيحا بطل قولكم ولزم أن الحوادث لها ~~ابتداء وإن كان باطلا بطل قولنا الذي بنينا عليه نفي الأفعال وليس لكم على ~~هذا التقدير أن تلزمونا بأن القديم لا تقوم به الحوادث بأنا إنما بنيناه ~~على أصل يعتقدون فساده # غاية ما في هذا الباب أنكم تلزمونا التناقص وتقولون يلزمكم إما القول ~~بدوام الحوادث وإما القول بجواز قيامها بالقديم # فنقول إن كان القول بدوامها هو الحق قبلناه وتركنا ذلك وكان في ذلك لنا ~~مصلحتان إحداهما موافقة الأدلة العقلية التي ذكرتموها على ذلك والثانية ~~موافقة النصوص الإلهية التي بدعنا بمخالفتها إخواننا المؤمنين PageV09P213 ~~والقول الذي يجمع لنا موافقة العقل والنقل خير من أن نوافقكم على قدم ~~الأفلاك ونفي صفات الله تعالى فإن في هذا من الكفر المخالف للشرع والفساد ~~المخالف للعقل ما يتبين لمن نظر فيه لا سيما والفلاسفة لا يمنعون قيام ~~الحوادث والصفات بالقديم الأزلي ولا كون الجسم قديما أزليا بل يوجبون ذلك ~~كله ولا دليل لهم على قدم جسم معين كالأفلاك ونحوها # الوجه الثالث أن يقال للفلاسفة ms1929 ما ذكرتموه من الأدلة العقلية الموجبة ~~لدوام فاعلية الرب ودوام الحدوث يدل على نقيض قولكم لا على وفقه فإن هذا ~~يقتضي أن واجب الوجود لم يزل يفعل ويحدث الحوادث وأنتم على قولكم يلزم ألا ~~يكون أحدث شيئا من الحوادث وذلك لأن الموجب لهذه الحوادث المتعاقبة إما أن ~~يكون ثابتا في الأزل أو لا فإن كان الأول لزم وجود كل من هذه الحوادث في ~~الأزل وهو محال لأن الموجب التام لا يتخلف عنه موجبه ومقتضاه وهم يقولون إن ~~واجب الوجود علة تامة لا يتخلف عنه شيء من معلوله فإذا كانت هذه الحوادث ~~المتعاقبة معلولة بوسط أو بغير وسط لزم مقارنتها له لأن العلة التامة ~~يقارنها معلولها لا يتخلف عنها وإذا امتنع أن يتخلف عنها معلولها فما تأخر ~~عنها فليس معلولا لها فيلزم أنه لم يحدث شيئا من الحوادث لا بوسط ولا بغير ~~وسط # وقولهم بتسلسل الحوادث لاينفعهم والحال هذه إذا جعلوه علة تامة مستلزمة ~~لمعلولها لأن التقدير على قولهم أنه ليس له فعل قائم بذاته متجدد أصلا لا ~~خلق ولا استواء ولا غير ذلك PageV09P214 # ومعلوم أن الحوادث الحادثة هي مختلفة الأجناس متعاقبة في الوجود فالأجناس ~~الحادثة المختلفة إذا قدر أن حال الفاعل لها لم يزل على حال واحدة لا يقوم ~~به فعل ولا وصف بل هو واحد بسيط امتنع أن يختلف حاله في الإحداث وأن يحدث ~~شيئا بعد أن لم يكن أحدثه كما يقولون هم ذلك ويجعلونه عمدتهم في قدم العالم ~~وامتناع أن تحدث عنه الأنواع المختلفة بواسطة أو غير واسطة مع بساطته أيضا ~~كذلك فكيف إذا حدثت الأنواع المختلفة الحادثة شيئا بعد شيء وهو في نفسه لم ~~يتجدد له حال ولا فعل ولا حكم ولا وصف ولا شيء من الأشياء # وهم أنكروا على المتكلمين نفاة الفعل الاختياري القائم به أن يحدث عنه ~~شيء بلا سبب حادث وقالوا إن هذا مخالف لصريح العقل # فيقال لهم الباطل بعض قولكم وإذا كان حدوث بعض الحوادث عن هذا ممتنعا ~~فحدوث الحوادث المختلفة دائما عن ms1930 علة تامة لم يحدث فيها ولا منها شيء أعظم ~~امتناعا من قول هؤلاء # وأيضا فالحادث لا يحدث حتى يحصل الفعل التام المحدث له والممكن لا يحصل ~~حتى يحصل الموجب التام المرجح له والموجب التام يستلزم موجبه ومقتضاه فكل ~~من الحوادث الممكنات ما حدث ووجد حتى حصل له الموجب التام وذلك الموجب ~~التام لا بد له من موجب تام وهلم جرا فيلزم أن يحصل لكل من الحوادث موجبات ~~تامة لا نهاية لها في آن واحد وذلك تسلسل في العلل والمؤثرات وهو باطل ~~باتفاق العقلاء PageV09P215 # وإنما لزم ذلك لأن الحوادث يمتنع حدوثها عن العلة التامة القديمة فإن ~~العلة التامة القديمة لا يتخلف عنها معلولها والمحدث يجب أن تكون علته تامة ~~عند حدوثه # وهم يقولون بكلا القولين فلزم من هذين القولين أن واجب الوجود لم يحدث ~~شيئا من الحوادث وأن الحوادث لا محدث لها ويلزم أيضا وجود علل ومعلولات لا ~~نهاية لها وفاعلين لا نهاية لهم وكل ذلك مما يعلمون هم وسائر العقلاء فساده ~~ولا مخلص لهم عن هذا إلا بأن يقولوا بان واجب الوجود تقوم به الأفعال ~~الاختيارية المقدورة له وتقوم به الصفات وإذا قالوا ذلك بطل قولهم بنفي ~~الصفات ووجوب قدم الأفلاك # فعلم أن ما ذكروه من الحجج الصحيحة الدالة على دوام فاعلية الرب ودوام ~~الحدوث يدل على نقيض قولهم في أفعال الرب تعالى وصفاته وعلى ضد قولهم في ~~قدوم العالم وتوحيد واجب الوجود وهذا هو المطلوب وقد بسط ما يتعلق بهذا ~~الكلام في موضع آخر # والمقصود هنا التنبيه على أن كل ما تقيمه كل طائفة من الناس من الحجج ~~العقلية التي لا مطعن فيها فإنها إنما تدل على موافقة الكتاب والسنة وإبطال ~~ما خالف ذلك من أقوال أهل البدع متكلمهم ومتفلسفهم والله سبحانه أعلم # ومما يوضح هذا أن عمدة الحجة المتقدمة في دوام فاعليته من جنس الحجة ~~المتقدمة لمن منع حدوث الأفعال القائمة به حيث قالوا إن كل صفة تفرض لواجب ~~الوجود فإن ذاته كافية في حصولها أو لا حصولها ms1931 PageV09P216 وإلا لزم ~~افتقاره إلى سبب منفصل وذلك يقتضي إمكانه فيلزم من دوام حقيقته دوام تلك ~~الصفة وهكذا قال القائلون بقدم الفعل قالوا ذاته إما أن تكون كافية فيه ~~وأما أن تكون متوقفة على غيره فإن كانت كافية فيه لزم قدم الفعل لوجود ~~موجبة التام في الأزل وإن لم تكن كافية فيه لزم افتقاره إلى سبب منفصل وذلك ~~يقتضي إمكانه وهذا هو الذي يعتمدون عليه # والجواب عن هذا من وجوه # أحدها أن يقال هذا يبطل قولكم ويرد عليكم في جميع الحوادث فإن ذاته إن ~~كانت كافية في حدوث الحوادث لزم قدمها وهو ممتنع وإن لم تكن كافية لزم توقف ~~الحوادث على غير ذاته ثم ذلك الشرط في حدوث الحوادث إن كانت ذاته كافية فيه ~~لزم قدمه وإلا فالقول فيه كالقول في الحادث المشروط # ومهما قدر من الممكنات أمكن أن يقال حدوثه موقوف على حادث قبله كما علم ~~حدوثه من المحدثات # وإذا قالوا مبدأ الحدوث هو حركة الفلك والحركة لذاتها تتجدد شيئا بعد شيء ~~وسبب ذلك تجدد التصورات والإرادات # قيل هذا بعينه يبطل حجتكم فإن هذا الذي هو كذاته يتجدد شيئا بعد شيء لو ~~كان ذات واجب الوجود وحده كافية في وجوده لزم مقارنته له في الأزل وهو ~~ممتنع فعلم أن ذاته لا تكفي في وجود شيء منه بل كل منه مشروط بما قبله ~~وذاته لا توجب شيئا من الشروط PageV09P217 # وإذا قيل الذات أوجبت وجوده متعاقبا دائما لزم أن يكون الواحد البسيط ~~القديم الذي لا صفة له ولا فعل يوجب لذاته أمورا منفصلة عنه متعاقبة مختلفة ~~سواء كان بواسطة لازمة له أو بغير واسطة وهذا مع أنه باطل في ضرورة العقل ~~فإنه ينقض أصولهم في تناسب الموجب والموجب ولزوم المعلول للعلة التامة وأن ~~الواجب علة تامة # ومن المعلوم بصريح العقل أن المعلول الموجب إذا كان حادثا شيئا فشيئا فلا ~~بد من حدوث أمر في علته الموجبة اقتضت ذلك وإلا فالعلة الموجبة إذا كانت ~~عند الحادث الثاني كما كانت عند الحادث الأول كان ms1932 تخصيصها للأول بالتقدم ~~تخصيصا بلا مخصص وكان ترجيح الأول ترجيحا بلا مرجح # وأيضا فيمتنع أن تكون الحركات الحادثة شيئا بعد شيء معلول علة تامة قديمة ~~أزلية يقارنها معلولها فإن العلة الأزلية التامة يقارنها معلولها والحركات ~~الحادثة شيئا فشيئا ليس شيء منها مقارنا للعلة فامتنع أن يكون معلولا لها # وهذا بخلاف ما إذا كان الفاعل يحدث أفعاله القائمة به شيئا بعد شيء فإن ~~ذاته واجبة الوجود بنفسها فلا يمتنع أن تكون مستلزمة لدوام الفعل وأما ~~المفعولات فكلها ممكنة ليس فيها واجب بنفسه فامتنع أن يكون فيها ما يوجب ~~الفعل الدائم بل ذلك مستند إلى الواجب بنفسه # الثاني أن يقال هذا إنما يصح فيما كان لازما لنفسه في النفي والإثبات أما ~~ما كان موقوفا على مشيئتته وقدرته كأفعاله فإنه يكون إذا شاءه الله ولا ~~يكون إذا لم يشأه وهم لا يمكنهم إقامة الدليل على أنه لا PageV09P218 يتعلق ~~بمشيئته وقدرته إلا ببيان أنه لازم لذاته ولا يمكنهم بيان أنه لازم لذاته ~~إلا بنفي مشيئته وقدرته فلا تصح حجتهم # فإن قالوا فتلك الأمور التي يقف عليها الفعل إن كانت قديمة لزم قدمه وإلا ~~فلا بد لحدوثها من سبب # قيل هذا غايته أنه يحب التسلسل في الشروط والآثار وذلك جائز عندكم ثم ~~نقول إن كان التسلسل في الشروط جائزا بطل هذا السؤال لجواز تسلسل الشروط ~~وإن كان ممتنعا بطل أيضا لوجوب كون جنس الحوادث مسبوقا بالعدم # والثالث أن يقال أتعني بقولك ذاته كافية أنها مستلزمة لوجود اللازم في ~~الأزل أم هي كافية فيه وإن تأخر وجوده فإن عنيت الأول انتقض عليك ~~بالمفعولات الحادثة فإنه يلزمك إما قدمها وإما افتقاره إلى سبب منفصل إذا ~~كان ما لا تكفي فيه الذات مفتقرا إلى سبب منفصل # وإن عنيت الثاني كان حجة عليك إذا كان ما تكفي فيه الذات يمكن تأخره # الرابع أن يقال قولك يفتقر إلى سبب منفصل أتعني به سببا يكون من فعل الله ~~أو سببا لا يكون من فعله # أما الأول فلا يلزم افتقاره إلى غيره ms1933 فإنه إذا كان هو فاعل الأسباب ~~وفاعلها يحدث بها فهو فاعل الجميع وليس مفتقرا في فعل إلى غيره إلا أن يعنى ~~به أنه لا يحصل أحد فعليه إلا بشرط فعله الآخر وهذا ليس فيه PageV09P219 ~~افتقاره إلى غيره ومن سمى هذا افتقارا إلى غيره فهو بمنزلة من قال إنه ~~يفتقر إلى صفته # وقد ذكر غير مرة أن هذا بمنزلة قول القائل إنه مفتقر إلى نفسه وهذا إذا ~~أطلق لا ينافي ما وجب له من الغنى بل هذا الغنى الذي لا يتصور غيره # وإن عنيت بالسبب ما لا يكون من فعله لزمك أن كل ما لا تكفي الذات فيه ولا ~~هو لازم لها في الأزل لا يوجد إلا بشريك مع الله ليس من مفعولاته وهذا مع ~~أنه باطل بالإجماع الذي توافقون عليه أهل الملل فبطلانه معلوم بصريح العقل ~~كما تقدم بيان بطلانه # الخامس أن يقال ما تعني بقولك ذاته كافية في ذلك أتعني به بالذات المجردة ~~عن فعل يقوم بها أم تعني به الذات الموصوفة بقيام الفعل بها وأيهما عنيت ~~بطل قولك # فإن عنيت الأول لزم أن تكون الذات المجردة عن الفعل القائم بها تفعل ~~أمورا مختلفة متعاقبة مع أن حالها مع فعل الشيء هو حالها مع فعل خلافه ومع ~~أن حالها بالنسبة إلى وجود المفعول وعدمه سواء وهذا باطل # ثم يقال إن جاز أن يكون هذا صحيحا جاز أن يكون حالها قبل الفعل وحين ~~الفعل سواء فيمكن قول القائل بأن الحوادث لها أول وإن PageV09P220 لم يجز ~~أن يكون صحيحا بطل قولهم بأن الحوادث تصدر بواسطة أو بغير واسطة عن ذات لم ~~يقم بها فعل # وإن عنيت الثاني فالذات الموصوفة بقيام الفعل بها إذا قيل هي كافية في ~~المفعولات لم يلزم قدم المفعولات لأنها مشروطة بالفعل ولا يلزم من ذلك ~~افتقارها إلى غيرها لأن فعلها الذي هو شرط في المفعولات من لوازم ذاتها كا ~~أن صفاتها من لوازم ذاتها لكن قد يكون اللازم نوعا كالفعل المتعاقب وقد ~~يكون عينا كالحياة التي لم ms1934 تزل ولا تزال # وهذه الحجة هي التي يعتمد عليها أولوهم وآخروهم لكن يصرفون ألفاظها ~~ومعانيها # وذلك كقول السهروردي المقتول في تلويحاته فإنه قال واجب الوجود لا يصدر ~~عنه شيء بعد أن لم يكن فإنه إن كان المرجح هو نفسه أو على ما أخذ من صفاته ~~وهو دائم فيجب دوام الترجيح ودوام وجود المعلول وإن لم يفعل ثم فعل فلا بد ~~من حدوث ما ينبغي في فعله أو عدم ما لا ينبغي ويعود الكلام إليه ولا يقف ~~فواجب الوجود لا تسنح له إرادة وحال كل ما يتجدد حال ما لأجله التجدد في ~~استدعاء مرجح حادث وليس قبل جميع الوجود PageV09P221 وقت يتوقف عليه الفعل ~~ولا يمتاز في العدم البحث حال يكون الأولى به أن يصدر عنه شيء أو بالشيء أن ~~يحصل عنه فلو حصل فيه شيء بعد أن لم يكن لتغيرت ذاته ولتسلسل الحوادث فيها ~~إلى غير النهاية وهو محال ففعله دائم # وجواب هذا من وجوه # أحدها أن يقال له ما تعني بقولك لا يصدر عنه بعد أن لم يكن # إن عنيت به أنه لا يصدر عنه شيء من أعيان الحوادث بعد أن لم يكن ذلك ~~المحدث فهذا باطل لوجهين # أحدهما أن هذا خلاف قولكم وقول أهل الملل فإن الحوادث متجددة شيئا بعد ~~شيء سواء صدرت عنه بواسطة أو بغير واسطة وإذا قلتم الحركة هي السبب فيها ~~فكل جزء من أجزاء الحركة صادر عنه بعد أن لم يكن # الثاني أن ما ذكرته من الحجة لا ينفي ذلك فإن كون ذاته تقتضي دوام ~~الترجيح لا يوجب أن تقتضي دوام ترجيح كل ممكن ولا كل مفعول بل يكفي أن توجب ~~دوام ترجيح أمر ما كما تقولون أنتم إن الذي رجحه هو الأفلاك والعناصر دون ~~أعيان الحوادث PageV09P222 # وإن عنيت أنه لا يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن شيء من الأشياء صادرا عنه ~~وهذا هو مراده # فيقال غاية ما في هذا دوام فعله وحينئذ فهذا لا يستلزم دوام المفعول ~~المعين لا الفلك ولا غيره بل ms1935 يجوز تعاقب الأفعال القائمة به وتعاقب ~~المفعولات المحدثة شيئا بعد شيء على قولك وتعاقبها جميعا # وعلى التقديرات الثلاثة فحدوث الأفلاك ممكن فيبطل استدلالك على قدمها # الثاني أن يقال حدوث الحوادث المنفصلة عنه شيئا بعد شيء من غير فعل يقوم ~~به إما أن يكون ممكنا وإما ألا يكون فإن لم يكن ممكنا بطل قولكم بأن سبب ~~الحوادث هو حركات الفلك وإن كان ممكنا أمكن حدوث حوادث متعاقبة الفلك واحد ~~منها كما أخبرت بذلك الأنبياء وهو قول قدماء الفلاسفة وأساطينهم # الثالث أن يقال دوام حدوث الحوادث إما أن يكون ممتنعا أو ممكنا كما ذكرت ~~فإن كان ممتنعا لزم حدوث الأجسام وحركاتها ودخل في ذلك الفلك وغيره وإن كان ~~ممكنا لم يجب أن يكون الفلك دائما بل يجوز أن يكون حادثا بعد حوادث قبله ~~كما تقدم # الوجه الرابع أن يقال قولكم إما أن يكون المرجح نفسه أو على ما أخذ من ~~صفاته وهو دائم فيجب دوام الترجيح ودوام وجود المعلول وإن لم يفعل ثم فعلا ~~فلا بد من حدوث ما ينبغي # لأهل الملل هنا جوابان PageV09P223 # أحدهما قول من يقول إنه لم يزل يقوم به الفعل والكلام بقدرته ومشيئته ~~وعلى هذا فيمكن دوام الترجيح ولا يجب قدم شيء من المفعولات فضلا عن قدم ~~الأفلاك # والجواب الثاني قول من يقول يمتنع وجود المفعول في الأزل # وعلى هذا فإن قلت لهؤلاء إذا قلتم لم يفعل ثم فعل فلا بد من حدوث ما ~~ينبغي فعله أو عدم ما لا ينبغي ويعود الكلام إليه ولا يقف # قالوا فعل واجب الوجود لما فعله من المفعولات المختلفة الحادثة إما أن ~~يجوز صدوره عنه من غير فعل قائم به وإما ألا يجوز فإن لم يجز ذلك بطل قولك ~~وإن جاز ذلك فحالة حين حدوث الطوفان كحاله حين إرسال محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقد وجد منه في أحد الزمانين من المفعولات ما لا يوجد في الزمان الآخر ~~مع تماثل حاله بالنسبة إلى الزمانين # وإذا قيل إن ذلك لأجل الحوادث المختلفة كالحركات ms1936 الفلكية والاتصالات ~~الكوكبية # قيل الكلام في الحوادث التي أوجبت حدوث الطوفان كالقول في الحوادث حين ~~المبعث وغيره من الحوادث المختلفة # فإذا كان الفاعل حاله مماثلة في جميع الأزمنة واللوازم عنه كذلك كان ~~اختصاص أحد الزمانين بما يخالف الزمان الآخر ترجيحا بلا مرجح فإن كان ذلك ~~جائزا جاز أن تحدث عنه الحوادث بعد أن لم تكن PageV09P224 # وإذا نسبت الحوادث إلى الحركة الفلكية قيل إن كانت الحركة الدائمة ~~متماثلة لزم تماثل الحوادث وإن كانت مختلفة كان قد اختص أحد الزمانين بما ~~لم يوجد في الزمان الآخر بل قد يقال الفاعل إن قيل إنه يلزمه مفعولات ~~مختلفة دائمة متعاقبة من غير فعل يقوم به ولا صفة له كان ذلك ابعد في العقل ~~من أن يقال إنه فعل مفعولات مختلفة في وقت دون وقت فإن هذا بعض ذاك فكان ~~المحذور الذي في هذا هو في ذاك وزيادة # الوجه الخامس أن يقال قولك وإن لم يفعل ثم فعل فلا بد من حدوث ما ينبغي ~~فعله أو عدم ما لا ينبغي ويعود الكلام إليه ولا يقف غايته أنه يستلزم ~~امتناع كونه صار فاعلا بعد أن لم يكن وهذا لازم لك # لكن نقول لم قلت إنه لم يزل يفعل شيئا بعد شيء # فإن قلت هذا يستلزم تسلسل الحوادث وتسلسل الحوادث شيئا بعد شيء جائز ~~عندكم فبتقدير أنه لا يزال يفعل شيئا بعد شيء كان كل ما سواه حادثا مع ~~التسلسل الجائز وذلك جائز عندك وهو موجب دليلك # فإن كان باطلا بطل مذهبك وإن كان حقا فيقال ما المانع أن يفعل ما لم يكن ~~فاعلا لحدوث حادث وذلك موقوف على حادث آخر لا إلى نهاية وتكون تلك الحوادث ~~صادرة عنه # ثم يقال إما أن يكون كل ما حدث يجوز حدوثه بلا فعل يقوم به أو لا بد من ~~فعل يقوم به وعلى التقديرين لا يلزم صحة قولك PageV09P225 # فإن قلت مقصودي أنه لم يزل فاعلا وقد حصل قيل لا يلزم أن يكون فاعلا ~~لمفعول معين بل ولا يلزم أن ms1937 يكون هو الفاعل على قولك فإنك تجوز حدوث جميع ~~الحوادث من غير أمر يحدث فيه ومنه وعندك يحدث الحادث المخالف لما قبله ~~كالطوفان وغيره من غير أن يحدث منه ما لم يكن حدث قبل ذلك فأنت تجوز حدوث ~~جميع الحوادث من غير أن يحدث منه شيء يخص حادثا من الحوادث # الوجه السادس أن يقال قولك لو حصل منه شيء بعد أن لم يكن لتغيرت ذاته ~~وتسلسل الحوادث فيها إلى غير نهاية وهو محال ففعله دائم # جوابه أن يقال حصول الحوادث المنفصلة عنه إما أن يقف على حدوث شيء في ~~ذاته وإما أن لا يقف فإن لم يقف بطل قولك لو حصل شيء بعد أن لم يحصل شيء ~~لتغيرت ذاته وتسلسلت فيها الحوادث فإنك تجوز أن تحدث عنه جميع الحوادث من ~~غير حدوث شيء في ذاته فلا يكون حدوث الحوادث مستلزما لحدوث شيء في ذاته # وإن كان حدوث الحوادث المنفصلة متوقفا على حدوث شيء في ذاته لم يكن في ~~ذلك بمحذور فإن حدوث الحوادث مشهودة وأنت لم تذكر حجة على امتناع هذا ~~المعنى ولكن أحدث امتناعه مسلما # وتسميتك لذلك تغيرا ليس بحجة عقلية فإن لفظ التغير مشترك وهنا لا يراد به ~~الاستحالة بل يراد به نفس الفعل أو التحول أو ما يشبه ذلك وأنت لا دليل لك ~~على انتفاء ذلك بل أنت تجوز على القديم أن يكون متغيرا بهذا الاعتبار وتجوز ~~على القديم أن يكون محلا للحوادث PageV09P226 # وتحقيق الكلام في هذا الموضع أن التسلسل هنا يراد به شيئان # أحدهما التسلسل في الفعل مطلقا # والثاني التسلسل في فعل شيء معين # فالأول أن يراد به أنه لا يحدث شيئا من الأشياء أصلا حتى يحدث شيئا فتكون ~~حقيقة الكلام أنه لا يخلق حتى يخلق ولا يفعل حتى يفعل ولا يحدث حتى يحدث ~~وهذا ممتنع بالضرورة وهذا في الحقيقة دور وليس بتسلسل فإن معناه أنه لا ~~يكون الشيء حتى يكون الشيء فيلزم الجميع بين النقيضين فإنه إذا لم يوجد حتى ~~يوجد لزم أن يكون معدوما ms1938 موجودا # وأما إذا قيل لا يفعل شيئا إلا بشرط يقارنه ولا يفعل ذلك الشرط إلا بشرط ~~يقارنه فهذا التسلسل في تمام التأثير وليس بتسلسل أمور متعاقبة وهذا هو ~~التسلسل في تمام التأثير والأول تسلسل في أصل التأثير وكلاهما ممتنع # والأول هو الذي ينبغي أن يراد بقول القائل إذا لم يفعل ثم فعل فلا بد من ~~حدوث شيء إما قدرة وإما إرادة وإما علم وإما أمر من الأمور ثم القول في ~~حدوث ذلك كالقول في حدوث الأول فإن هذا الثاني أيضا لا يحدث إلا بحدوث شيء ~~يكون حادثا معه فإن ما كان من تمام التأثير فلا بد أن يكون موجودا حين ~~التأثير لا يكفي وجوده قبله # وحينئذ فيمكن تصوير هذه الحجة على وجهين # أحدهما أن يقال لا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا ولا يفعل شيئا PageV09P227 ~~حتى يفعل شيئا فإن حدوث الحادث بلا سبب حادث ممتنع # والثاني أن يقال لا يحدث مفعولا إلا بحدوث قدرة أو إرادة أو علم أو نحو ~~ذلك ولا يحدث ذلك إلا بحدوث ما يوجب حدوثه فيلزم أن لا يحدث شيئا فإن هذا ~~تسلسل في تمام التأثير والتسلسل في تمام التأثير كالتسلسل في المؤثرين فكما ~~أنه يمتنع أن لا يكون مؤثرا إلا عن مؤثر ولا يؤثر إلا عن مؤثر وأنه يمتنع ~~وجود علل ومعلولات لا نهاية لها فلذلك يمتنع أن لا يتم كون الشيء علة أو ~~فاعلا إلا بوجود أمر ولا يتم وجود ذلك التمام إلا بوجود تمام آخر إلى غير ~~نهاية فهذا أيضا ممتنع باتفاق العقلاء # وأما إذا قيل لا يوجد الشيء حتى يوجد قبله شيء آخر ولا يوجد ذلك الثاني ~~حتى يوجد قبله شيء آخر فهذا فيه النزاع المشهور وهو تسلسل الآثار المعينة ~~لا تسلسل في أصل التأثير فيجب تصور الفرق بين الأمرين # وقد صور السهروردي هذه الحجة في كتابه المسمى بحكمة الإشراق وهو الذي ذكر ~~فيه خلاصة ما عنده ولم يقلد فيه المشائين بل بين فيه خطأهم في مواضع وذكر ~~فيه طريقة فلاسفة الفرس المجوس ms1939 والهند # كما أن ابن سينا في كتابه المسمى بالحكمة المشرقية ذكر فيه بيان ما تبرهن ~~عنده وكذلك الرازي في المباحث المشرقيه # فقال السهروردي نور الأنوار والأنوار القاهرة يعني واجب PageV09P228 ~~الوجود والعقول لا يحصل منهم شيء بعد أن لم يحصل إلا على ما سنذكره فإن كل ~~ما لا يتوقف على غير شيء إذا وجد ذلك الشيء وجب أن يوجد وإلا هو مما لا ~~يتصور وجوده أو توقف على غيره فما كان هو الذي يتوقف عليه وقد فرض أن ~~التوقف عليه وهو محال وكل ما سوى نور الأنوار لما كان منه فلا يتوقف على ~~غيره كما يتوقف شيء من أفعالنا على وقت أو زوال مانع أو وجود شرط فإن لهذه ~~مدخلا في أفعالنا ولا وقت مع نور الأنوار متقدم على جميع ما عدا نور ~~الأنوار فإن نفس الوقت أيضا من الأشياء التي هي غير نور الأنوار فلما كان ~~نور الأنوار وجميع ما يفرضه الصفاتية صفة دائمة فيدوم بدوامه ما فيه لعدم ~~توقفه على أمر منتظر ولا يمكن في العدم البحث قرض تجدد مع أن كل ما تجدد ~~يعود الكلام إليه # فنور الأنوار والأنوار القاهرة ظلالها وأضواؤها المجردة دائمة وقد علمت ~~أن الشعاع المحسوس هو من النير لا النير من الشعاع وكلما يدوم النير الأعظم ~~يدوم الشعاع مع أنه منه PageV09P229 # ثم قال كل هيئة أي عرض لا يتصور ثباتها هى الحركة وكل ما لم يكن زمانا ثم ~~حصل فهو حادث وكل حادث إذا حدث شيء مما يتوقف عليه هو حادث إذ لا يقتضي ~~الحادث وجود نفسه إذ لا بد من مرجح في جميع الممكنات ثم مرجحه إن دام مع ~~جميع ما له مدخل في الترجيح لدام الشيء فلم يكن حادثا ولما كان حادثا فشيء ~~مما يتوقف عليه هذا الحادث حادث # ويعود الكلام إلى ذلك الشيء فلا بد من التسلسل والسلسلة الغير المتناهية ~~مجتمعة وجودها محال فلا بد من سلسلة غير متناهية لا تجمع آحادها ولا تنقطع ~~وإلا يعود الكلام إلى أول حادث بعد ms1940 الانقطاع فينبغي أن يكون في الوجود حادث ~~متجدد لا ينقطع وما يجب فيه لماهيته التجدد إنما هو الحركة # وذكر تمام الكلام في وجوب استمرار حركة دائمة وأنها حركة الأفلاك # فيقال له عن هذا أجوبة PageV09P230 # أحدها أن يقال كل ما لا يتوقف على غير شيء إذا وجد ذلك الشيء وجب أن يوجد ~~إلى قوله وما كان من نور الأنوار فلا يتوقف على غيره إلى آخره # ما تعني بقولك ما كان من نور الأنوار تعني الله فلا يتوقف على غيره أتعني ~~به أنه لا يتوقف على شيء منفصل عن الله أم تعني به لا يتوقف على فعل قائم ~~بذات الرب يفعله بمشيئته وقدرته # أما الأول فلا ينفعك لأنه لا يلزم من كونه لا يتوقف على شيء منفصل عن ~~الله أن لا يتوقف على فعله الواقع بمشيئته وقدرته وحينئذ فلا يلزم قدمه بل ~~إذا كان الفعل المراد المقدور حادثا فالمعلق به أولى أن يكون حادثا فإنه لا ~~يكون قبله وما لا يسبق الحوادث يجب أن يكون حادثا # وإن قلت إنه لا يتوقف على فعل الرب القائم بنفسه فهذا محل النزاع وأنت لم ~~تذكر دليلا على أن وجود الممكنات لا يتوقف على فعل الرب القائم بنفسه بل ~~الدليل يوجب توقف المعقولات على فعل الفاعل وتوقف المعلول على اقتضاء العلة ~~والعلة شيء واقتضاؤها المعلول شيء وإذا كانت العلة مشروطة بما يقوم بها ~~بالمشيئة والقدرة لم يحصل المشروط قبل الشرط وأنت لم تقم دليلا على ثبوت ~~علة مجردة خالية عن شرط بل الدليل ينفي ذلك لأنه يلزم من قدم هذه العلة قدم ~~معلولها ومعلول معلولها فإن العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها ~~وحينئذ فلا يكون للحوادث فاعل أصلا وهذا من أبين الأمور المعلوم فسادها ~~بالضرورة PageV09P231 # الوجه الثاني أن يقال ما سوى الله هل يتوقف شيء منه على غيره أم لا # فإن قلت بالثاني لزم قدم جميع الممكنات الموجودة حتى الحوادث وهو مكابرة ~~وإن توقف منه شيء على غيره بطل قولك ما سوى نور الأنوار ms1941 لا يتوقف على غيره ~~وإيضاح ذلك # بالوجه الثالث وهو أن يقال إذا قدر الغير الذي هو شرط هو من الله أيضا ~~وتوقف أحد الفعلين على الآخر لم يكن في ذلك محذور فإن الله جعل بعض الأشياء ~~شرطا في وجود بعض غاية ما في هذا أن يقال هذا يقتضي التسلسل فيقال وهذا ~~عندك جائز فلا يتعين قدم شيء من الأفلاك ولا غيرها # الرابع أن يقال إن كان التسلسل باطلا بطل مذهبك وإن كان جائزا بطلت حجتك # الخامس أن يقال أنت قد أوجبت التسلسل في الحوادث بإيجاب حركة دائمة لا ~~تنقطع وقلت أيضا فلما كان نور الأنوار وجميع ما يفرضه الصفاتية صفة دائمة ~~فيدوم بدوامه ما منه لعدم توقفه على أمر منتظر # وإذا كان قولك وقول إخوانك يتضمن هذا وهذا فيقال لكم الحركة الدائمة إما ~~أن تكون منه بواسطة أو بغير واسطة وإما أن لا تكون منه فإن لم تكن منه لزم ~~حدوث الحوادث بدون واجب الوجود وهذا هو القول بحدوث الحوادث بلا محدث وإن ~~كانت الحركة منه بواسطة أو بغير واسطة وهو قولهم PageV09P232 # فيقال فحينئذ قد كان منه ما لا يدوم بدوامه فإن كل جزء من أجزاء الحركة ~~حادث وعندكم أنه حدث عن تصور حادث وشوق حادث فهذه أمور من واجب الوجود ~~وليست دائمة بدوامه فهذا ينقض قولكم إن كان ما منه يدوم بدوامه # ثم أيضا من المعلوم أن كل واحد من الحوادث منه بواسطة أو غير واسطة وهو ~~كان بعد أن لم يكن ويعدم بعد أن كان فهو منه وليس مقارنا له ولا دائما ~~بدوامه فعلم بذلك أنه لا يجب في كل ما كان منه أن يدوم بدوامه فلا يجب في ~~الفلك وغيره من الأعيان المشهودة أن تدوم بدوامه وهو المطلوب # وإذا قال الذي يدوم بدوامه هو جنس الأفعال والمفعولات أو جنس الحوادث لا ~~شيء بعينه # قيل فهذا يبطل حجتك على قدم شيء بعينه ويناقض أيضا مذهبك في قدم شيء ~~بعينه # وقال ابن سينا في إشاراته في ذكر هذه الحجة ms1942 تنبيه وجود المعلول يتعلق ~~بالعلة من حيث هي على الحال التي بها تكون علة من طبيعة أو إرادة أو غير ~~ذلك أيضا من أمور يحتاج أن تكون من الخارج ولها مدخل في تتميم كون العلة ~~علة بالفعل مثل الآلة PageV09P233 # كحاجة النجار إلى القدوم أو المادة كحاجة النجار إلى الخشب أو المعاون ~~كحاجة النشار إلى نشار آخر أو وقت كحاجة الأدمي إلى الصيف أو الداعي كحاجة ~~الآكل إلى الجوع أو زوال مانع كحاجة الغسال إلى زوال الدجن # وعدم المعلول يتعلق بعدم كون العلة على الحالة التي هي بها علة بالفعل ~~سواء كان ذاتها موجودا على غير تلك الحالة أو لم يكن موجودا أصلا فإذا لم ~~يكن شيء معوق من خارج وكان الفاعل بذاته موجودا ولكن ليس لذاته علة توقف ~~وجود المعلول على وجود الحالة المذكورة التي إذا وجدت كانت طبيعة أو إرادة ~~جازمة أو غير ذلك وجب وجود المعلول وإن لم توجد وجب PageV09P234 عدمه ~~وأيهما فرض أبدا كان ما بإزائه أبدا أو وقتا ما كان وقتا ما وإذا جاز أن ~~يكون شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول لم يبعد أن يجب عنه سرورا فإن ~~لم يسم هذا مفعولا بسبب أن لم يتقدمه عدم فلا مضايقة في الأسماء بعد ظهور ~~المعنى # فيقال له هذا كلام مقدر على شيء مضمونه أن العلة التامة التي لا يقف ~~اقتضاؤها على أمر منفصل عنها يلزم من وجودها وجود معلولها بجلاء بخلاف ما ~~يتوقف اقتضاؤها على أمور منفصلة كالآلة والمادة والداعي وغير ذلك وأنه إذا ~~فرض شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول لم يبعد أن يجب عنه سرمدا # لكن الشأن في تحقيق هذا المقدر فإنه يقال لك هذا غايته أن يكون إبطالا ~~لقول من يجعل الرب خالقا للعالم من غير حدوث سبب أصلا وهذا قول طائفة من ~~أهل الكلام المنتسبين إلى الملل وليس هذا قول أئمة أهل الملل وجمهورهم ~~القائلين بأن الله خالق كل شيء وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام # وإذا ms1943 كان كذلك فهؤلاء يلزمونك ويقولون هذه العلة الموصوفة هل يجوز أن ~~يصدر عنها بوسط أو بغير وسط أمور مختلفة حادثة أو لا يجوز # فإن لم تجوز ذلك بطل قولك ولزم أن لا يكون للحوادث فاعل وهو معلوم الفساد ~~بالضرورة # وإن جوزت ذلك قيل لك فإذا كان الفاعل واحدا بسيطا PageV09P235 موجودا لا ~~يتوقف فعله على شيء خارج عنه فلم وجدت عنه المختلفات ولم تأخرت عنه الحوادث ~~فما كان جوابك عن هذا كان جوابا لهم عن الحوادث وأولى وأما من قال إن ~~الواجب بنفسه تقوم به الأفعال المتعلقة بقدرته ومشيئته فيقولون حدوث ما حدث ~~يتوقف على تلك الأفعال وإن كانت تلك الأفعال موقوفة على ما قبلها فإن ~~التسلسل جائز عندك # ثم يقال إما أن يكون التسلسل جائزا وإما أن لا يكون فإن كان جائزا أمكن ~~أن تتسلسل الأفعال التي يقف عليها وجود تلك المفعولات وإن لم يكن جائزا لزم ~~حدوث جنس المحدثات ويبطل القول بحوادث لا أول لها وهو نقيض قولكم # وأيضا قوله إذا جاز أن يكون شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول لم ~~يبعد أن يجب عنه سرمدا فيقال له المتشابه الحال لا يخلو إما أن يجوز أن ~~تصدر عنه الأمور المختلفة الحادثة بوسط أو بغير وسط وإما أن لا يجوز فإن لم ~~يجز ذلك لزم أن لا تكون هذه الحوادث صادرة عن علة بسيطة لا بوسط ولا بغير ~~وسط وهذا يبطل قولهم # وحينئذ فإما أن يقال إن هذه الحوادث لا محدث لها وهو معلوم الفساد ~~بالضرورة وإما أن يقال ليس المحدث مجردا عن الصفات والأفعال بل له صفات ~~وأفعال كما يقوله المسلمون وهو الحق # وإن جاز أن تصدر المختلفات والمحدثات عن بسيط أمكن أن يحدث عنه ما لم يكن ~~حادثا عنه وحينئذ فلا يلزم أن يكون معلولا له لازما له # قال الرازي في شرح هذا الكلام واعلم أن الغرض من هذا PageV09P236 الفصل ~~التنبيه على الحجة التي لا يزال القائلون بالقدم يتمسكون بها ويعولون عليها ~~وهي أن الأمور التي ms1944 تتم بها مؤثرية الباري تعالى في العالم إما أن تكون ~~بأسرها أزلية وإما أن لا تكون والثاني باطل إذ لو كان شيء منها حادثا ~~لافتقر حدوثه إلى المؤثر والكلام في كونه مؤثرا في ذلك الآخر كالكلام في ~~الأول فيلزم التسلسل وهو محال فإذا كل الأمور المعتبرة في مؤثرية الله ~~تعالى في العالم أزلية # وأيضا فمن الظاهر أن المؤثر متى حصل مستجمعا جميع الأمور المعتبرة في ~~المؤثرية وجب أن يترتب الأثر عليه لأنه إن جاز تخلف الأثر عنه كان صدور ~~الأثر عن العلة المستجمعة لجميع تلك الأمور المعتبرة في المؤثرية ولا صدور ~~عنها على السواء ولو كان كذلك لما ترجح الصدور على أن لا صدور إلا بمرجح ~~آخر فلم تكن جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية حاصلا قبل حصول هذا الزائد ~~وكنا قد فرضنا أن الأمر كذلك هذا خلف # قال وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري قدم أفعاله هذا تحرير هذه ~~الحجة PageV09P237 # قال ولقائل أن يقول هذا الكلام إنما يلزم في الموجب بالذات أما الفاعل ~~المختار فلا لاحتمال أنه يقال إنه كان في الأزل مريدا لإحداث العالم في وقت ~~دون وقت فإذا قالوا فلم أراد إحداثه في ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده كان ~~الكلام فيه طويلا وهو مذكور في سائر كتبنا على الاستقصاء # قلت هذا الجواب الذي أجاب به هو جواب كثير من أهل الكلام من المعتزلة ~~والكرامية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء اتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ~~وقد عرف الطعن في هذا الجواب وأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح وأن ما ذكر في ~~القسم الأول هو حصول المؤثرية التامة في الأزل مع تأخر الأثر وأن مضمونه ~~تخلف الشيء عن موجبه التام كما قد بسط في موضعه ويجاب عن هذه الحجة بوجوه # أحدها قوله يلزم التسلسل وهو محال ليس كذلك فإن التسلسل جائز عند من يقول ~~بموجب هذه الحجة فإن ذلك تسلسل في الآثار لا في المؤثرات ولا يصح القول ~~بموجبها إلا بذلك فقولهم التسلسل محال باطل على أصلهم وهذا الموضع ms1945 مما ~~يشتبه على كثير من الناس فإن التسلسل في الآثار تارة يعنى به التسلسل في ~~أعيان الآثار مثل كونه فاعلا لهذا بعد هذا ولهذا بعد هذا وأنه لا يفعل هذا ~~إلا بعد هذا ولا هذا إلا بعد هذا وهلم جرا فهذا التسلسل جائز عند الفلاسفة ~~وعند أئمة أهل الملل أهل السنة والحديث PageV09P238 # وعلى هذا التقدير فقول القائل الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري في ~~العالم إما أن تكون بأسرها أزلية وإما أن لا تكون أتريد به التي يتم بها ~~مؤثريته في كل واحد واحد من آحاد العالم أو في جملة العالم # إن أردت الأول لم تكن بأسرها أزلية وكان حدوث كل واحد منها مفتقرا إلى ~~حادث قبله وهذا التسلسل جائز عندهم # وإذا أردت الثاني قيل لك ليس جملة العالم متوقفا على أمور معينة حتى يرد ~~عليها هذا التقسيم بل بعض العالم يتوقف على أمور وبعض آخر يتوقف على أمور ~~أخرى وكل بعض يتوقف على أمور حادثة وتلك الأمور تتوقف على أمور أخرى ويلزم ~~من ذلك التسلسل في نوع الحوادث وهو جائز عندكم # وأما إن أريد بالتسلسل في الآثار التسلسل في جنس التأثير وهو أن يكون جنس ~~التأثير متوقفا على جنس التأثير بحيث لا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا فهذا باطل ~~لا ريب فيه وهو تسلسل في تمام كون المؤثر مؤثرا وهو من جنس التسلسل في ~~المؤثر # لكن بطلان هذا يستلزم أنه لم يفعل بعد أن لم يكن فاعلا لشيء فيلزم دوام ~~نوع الفاعلية لا دوام مفعول معين وحينئذ فلا يدل على قدم شيء من العالم ~~وهذا بين لمن تدبره # ويراد بالتسلسل معنى ثالث وهو أن فاعليته للحادث المعين لا تحصل حتى يحصل ~~تمام المؤثر لهذا الحادث المعين فيلزم تسلسل الحوادث في الواحد وهذا ممتنع ~~أيضا باتفاق العقلاء PageV09P239 # فهذا تسلسل في تمام تأثير المعنى وذاك تسلسل في أصل التأثير وكلاهما ~~ممتنع باتفاق العقلاء # فتبين أن حججهم الهائلة التي أرعبت قلوب النظار ليس فيها ما يدل على قدم ~~شيء من العالم ألبتة ms1946 فقولهم بقدم شيء من العالم الأفلاك أو غيرها قول بلا ~~حجة أصلا بل هو قول باطل كما بين في موضع آخر # نعم هذه الحجج إنما أرعبت قلوب أهل الكلام المبتدع المحدث في الإسلام ~~الذي هو كلام الجهمية والقدرية ومن سلك سبيلهم من الأشعرية والكرامية ومن ~~تبعهم أو قلدهم من المتفقهة وغيرهم فما ذكره الفلاسفة إنما يبطل قول هؤلاء ~~الذين زعموا أن الرب لم يزل معطلا عن أن يفعل بمشيئته أو يتكلم بمشيئته ثم ~~يفعل أو يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء # وهذا القول مما اتفق سلف الأمة وأئمتها على بطلانه فإذا ليس معهم حجة ~~عقلية تناقض نصوص الكتاب والسنة بل ولا مذهب السلف والأئمة وهو المطلوب # وبما ذكرناه من الفرق بين التسلسل في أصل التأثير وتمامه وبين التسلسل في ~~الآثار يظهر صحة الدليل الذي احتج به غير واحد من أئمة السنة على أن كلام ~~الله غير مخلوق مثل سفيان بن عيينة # وبيان ذلك أنه إذا دل على أن الله لم يخلق شيئا إلا بكن فلو كانت كن ~~مخلوقة لزم أن يخلق بكن أخرى وتلك الثانية بثالثة PageV09P240 وذلك هو ~~التسلسل الممتنع باتفاق العقلاء فإنه تسلسل في أصل التأثير فإنه لا يخلق ~~شيئا إلا بكن فإذا لم يخلق كن لم يخلق شيئا ولو خلق كن لكان قد خلق بعض ~~المخلوقات بغير كن فيلزم الدور الممتنع وهو المستلزم للجمع بين النقيضين ~~وهو أن تكون موجودة معدومة # وأيضا فإذا قدر أنه خلق الأولى بالثانية والثانية بالثالثة وهلم جرا فلا ~~بد من وجود جميعها في آن واحد فإن كل واحد منها شرط في الثانية وهي من ~~الأمور الوجودية المشروطة في التأثير فلابد أن تكون موجودة عند وجود الأثر ~~كالاستطاعة والقدرة وحياة الفاعل وعلمه وسائر شروط الفعل فإنها كلها لا بد ~~من وجودها عند وجود الفعل # ولهذا اتفق أهل السنة المثبتون للقدر على أن الاستطاعة لا بد أن تكون مع ~~الفعل وتنازعوا في جواز وجودها قبلة ودوام وجودها إلى حين الفعل في حق ~~المخلوق على قولين ms1947 وأما في حق الخالق فاتفقوا على بقائها ودوامها إلى حين ~~الفعل # والصحيح الذي عليه السلف وأئمة الفقهاء أنها تكون موجودة قبل الفعل وتبقى ~~إلى حين الفعل ولهذا يجوز عندهم وجود الاستطاعة بدون الفعل كما في حق ~~العصاة ولولا هذا لم يكن أحد ممن كفر وعصى الله إلا غير مستطيع لطاعة الله ~~وهو خلاف الكتاب والسنة # قال تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا @QE@ سورة ~~آل عمران 97 وقال @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ سورة PageV09P241 ~~التغابن 16 وقال @QB@ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين @QE@ سورة النساء 92 # ومعلوم أنه ليس المنفي هنا استطاعة لا تكون إلا مع الفعل فإنه قد يكون ~~حينئذ معنى الكلام فمن لم يفعل فعليه صيام شهرين متتابعين وكذلك يكون الأمر ~~بالتقوى لمن اتقى لا لمن لم يتق وإيجاب الحج على من حج دون من لم يحج وهذا ~~باطل # فعلم أن المراد استطاعة توجد بدون الفعل وما كانت موجودة بدون الفعل أمكن ~~وجودها قبله بطريق الأولى # وقد بين في غير هذا الموضع أن تسلسل العلل والمعلولات ممتنع بصريح العقل ~~واتفاق العقلاء وكذلك تسلسل الفعل والفاعلين والخلق والخالقين فيمتنع أن ~~يكون للخالق خالق وللخالق خالق إلى غير نهاية # ولهذا بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من وسوسة الشيطان فقال في ~~الحديث الصحيح يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من ~~خلق الله فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته وفي رواية أخرى لا يزال ~~الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فإذا وجد ذلك ~~أحدكم فليتعوذ بالله ولينته # وكذلك إذا قيل لا يخلق شيئا إن لم يخلق كذا ولا يخلق كذا إن لم ~~PageV09P242 يخلق كذا كان هذا ممتنعا لأنه منع وجود الخالق بالكلية حتى ~~يوجد تمام كونه مؤثرا وتمام كونه مؤثرا موقوف على تمام آخر فيلزم ألا يوجد ~~تمام كونه خالقا فيلزم ألا يخلق شيئا قط فإذا علم أنه لا يخلق شيئا إلا بكن ~~فلو كان ms1948 كن مخلوقا بكن أخرى وهلم جرا كان كل واحدة من ذلك بها يصير خالقا ~~ولم يوجد شيء من ذلك فيمتنع أن يصير خالقا # وهذا بخلاف ما إذا قيل يخلق هذا بكن وهذا قبله أو بعده بكن وهلم جرا فإن ~~هذا يقتضي أنه لا يوجد الثاني إلا بعد وجود الأول والتوقف ها هنا على الشرط ~~هو فعله لهذا المعين لا أصل الفعل فلهذا كان في هذا نزاع مشهور بخلاف الأول # ومعلوم أن الأدلة العقلية لا تدل قط على قدم شيء من العالم وإنما غايتها ~~أن تدل على دوام الفاعلية وامتناع كونه فاعلا بعد أن لم يكن # فإذا قالوا التسلسل باطل فإن عنوا به تسلسل الآثار ووجود شيء بعد شيء ~~فهذا خلاف قولهم ولم يقيموا دليلا على بطلانه # وإن أرادوا به التسلسل الخاص وهو التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلا فهذا ~~مسلم أنه ممتنع لكن امتناعه لا يدل على فعله لشيء معين بل على أصل الفعل ~~وهذا لا ينفعهم بل يضرهم # الوجه الثاني أن يقال أما التسلسل في أصل الفاعلية فلا ينفعهم وإنما فيه ~~إبطال قول الجهمية والقدرية وأما التسلسل في الأفعال المعينة فإن كان جائزا ~~لم يصح احتجاجهم به بل تبطل الحجة وإن كان ممتنعا PageV09P243 لزم أن يكون ~~للحوادث أول فيبطل قول القائلين بقدم العالم وإذا بطل هذا القول بطلت حجته ~~بالضرورة فيلزم بطلان هذه الحجة على التقديرين وذلك يقتضي أنها فاسدة في ~~نفس الآمر # الثالث أن يقال كل حادث من الحوادث المشهودة إما أن تكون مؤثريته حاصلة ~~في الأزل وإما ألا تكون فإن كان الأول لزم حصول الحوادث عن المؤثر القديم ~~من غير تجدد شيء وبطلت الحجة # وإن كان الثاني فحصول كمال المؤثرية فيه بعد أن لم تكن أمر حادث فيقف ~~كمال مؤثريته في هذا الكمال # وحينئذ فحال الفاعل إما أن يكون عند كمال التأثير في الحادث الثاني كحاله ~~عند كمال التأثير في الأول وإما ألا يكون فإن قدر الأول لزم أن يحدث هذا ~~الحادث الثاني والذي بعده والذي بعده ms1949 من غير حدوث سبب أوجب هذا الحدوث لأن ~~الذات الفاعلة حالها عند الأول كحالها عند الثاني والثالث وحينئذ فإذا كانت ~~عند الأول لا تفعل الثاني فعند الثاني لا تفعل الثالث لأنه لم يتجدد ما ~~يوجب حدوثه # وأيضا فتخصيص أحد الحادثين بالحدوث دون الآخر تخصيص بلا مخصص وترجيح بلا ~~مرجح بل نفس الحدوث في كل وقت ترجيح بلا مرجح وإحداث بلا محدث # وأيضا فالذات نفسها ليست موجبا تاما في الأزل لشيء من الحوادث وهي لم تزل ~~على ما كانت عليه فيلزم ألا تكون موجبة لشيء من الحوادث في الأبد وإلا لزم ~~الإحداث بلا سبب حادث PageV09P244 # وهؤلاء فروا من حدوث الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب وادعوا دوام حدوثها ~~بلا سبب فكان الذي فروا إليه شرا من الذي فروا منه كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار # وأما إن قيل إن الفاعل نفسه تقوم به إرادات وأفعال توجب تخصيص كل وقت بما ~~أحدثه فيه كان هذا مبطلا لحجتهم إذ يمكن والحال هذه أن يحدث شيئا بعد شيء ~~مع دوام فاعليته بل هذا مبطل لمذهبهم # فإن من تصور هذا الفاعل علم يقينا امتناع مقارنة شيء من أفعاله ومفعولاته ~~له وعلم أن كل واحد من أفعاله ومفعولاته لا يكون إلا حادثا لا مساوقا له ~~أزلا وأبدا وإن كان هذا معلوما في كل ما يقدر أنه فاعل فهو فيما يقدر أنه ~~فاعل بمشيئته وقدرته وأفعاله تقوم به أظهر وأظهر # ثم يقال إما أن يكون تسلسل كمال المؤثرات ممكنا وإما أن يكون ممتنعا فإن ~~كان ممتنعا لزم حدوث كل ما سوى الله وأنه لم يكن فاعلا ثم صار فاعلا وهو ~~مبطل لقولهم وإن كان ممكنا لم يلزم إلا دوام كونه مؤثرا في شيء بعد شيء ~~وهذا لا حجة لهم فيه بل هو مبطل لحجتهم ومذهبهم كما تقدم والقول في الثاني ~~كالقول في الأول فيلزم التسلسل في الآثار وإذا كان ذلك لازما كان جائزا ~~بطريق الأولى وإن كان جائزا بطل القول بأنه محال فبطلت الحجة PageV09P245 # الوجه الرابع أن يقال ms1950 حدوث الحوادث من المؤثر القديم من غير تجدد شيء إما ~~أن يكون جائزا وإما أن يكون ممتنعا فإن كان جائزا بطلت المقدمة الثانية من ~~الحجة وإن كان ممتنعا لزم حدوث ما به يتم التأثير في هذه الحوادث إذ لو لم ~~يحدث ما به يتم التأثير لكانت قد حدثت عن المؤثر القديم من غير تجدد شيء ~~والتقدير أنه ممتنع # ثم القول في حدوث ذلك التمام كالقول في حدوث أثره ويلزم التسلسل في ~~الآثار وذلك يبطل القول بامتناع التسلسل مطلقا # فإن كان هذا هو المراد في المقدمة كما يريده طائفة ممن يصوغ هذه الحجة ~~فهو ممتنع وإن كان المراد به ما ينبغي أن يراد وهو التسلسل في تمام أصل ~~التأثير فهذا إذا امتنع إنما يستلزم دوام كونه فاعلا لا فاعلا لشيء معين ~~وذلك لا ينفعهم بل يضرهم فيلزم فساد إحدى المقدمتين على تقدير أحد النقيضين ~~وفساد الأخرى على تقدير النقيض الآخر ولا بد من ثبوت أحد النقيضين فيلزم ~~فساد إحدى المقدمتين قطعا فتفسد الحجة # الوجه الخامس أن تقول قوله وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري تعالى ~~قدم أفعاله أتعني به جميع أفعاله أو فعلا ما من أفعاله أم قدم نوع أفعاله # أما الأول فباطل قطعا لأنه خلاف المشاهدة # وأما الثاني فلا دليل في الحجة عليه فإنها لا تدل على قدم شيء معين لا ~~فعل ولا مفعول PageV09P246 # وأما الثالث فلا يفيد قدم السماوات لجواز أن يكون هناك فعل قائم بالذات ~~بعده فعل أو مفعول بعده مفعول أو كلاهما # وهذه الحجة قد ذكرها الآمدي والأبهري وغيرهما وأجابوا عنها بالمعارضة ~~بالحوادث اليومية # فقال الآمدي في دقائق الحقائق في الاحتجاج لهم لو كان ما وجد عن الواجب ~~بذاته محدثا موجودا بعد العدم فهو لذاته إما أن يكون واجبا أو ممتنعا أو ~~ممكنا # القول بالوجوب ممتنع وإلا لما كان معدوما والقول بالامتناع ممتنع وإلا ~~لما وجد فلم يبق إلا أن يكون ممكنا لذاته # وعند ذلك فحدوثه إن كان لا لمحدث ومرجح فقد ترجح أحد طرفي الممكن ms1951 لا ~~لمرجح وهو محال # وإن كان لمحدث ومرجح فالمرجح إما قديم أو حادث فإن كان حادثا فالكلام فيه ~~كالكلام في الأول والتسلسل والدور محال فلم يبق إلا أن يكون المرجح قديما ~~أو منتهيا إلى مرجح قديم والمرجح القديم إما أن يكون قد تحقق معه في القدم ~~كل ما لا بد منه في الإيجاد أو بقي شيء منتظر فإن بقي شيء منتظر فالكلام في ~~حدوثه كالكلام في الأول ويلزم منه التسلسل أو الدور وهو ممتنع وإن كان ~~القسم الأول فيلزم من قدم العلة قدم المعلول وكذلك الحكم فيما وجب عن ~~الواجب بالواجب لذاته # وقال الآمدي في الجواب إنه يلزم منها وجود شيء من الحوادث إذ PageV09P247 ~~الكلام في كل حادث يفرض بالنسبة إلى علته كالكلام في معلول واجب الوجود وهو ~~خلاف المعقول والمحسوس وما هو الجواب فيما اعترف به من الحوادث فهو الجواب ~~فيما نحن فيه ولا بد من التفاتهم في ذلك إلى الإرادة النفسانية وبيان ~~انتفائها عن واجب الوجود وقد عرف ما فيه # قلت قد يظنون أنهم يجيبون عن هذه المعارضة بأن الحوادث اليومية مشروطة ~~بحادث بعد حادث وهذا يقتضي التسلسل في الآثار والتسلسل في الآثار عندهم ليس ~~بمحال # وحقيقة قولهم إن المرجح القديم هو دائم الترجيح والحوادث المنفصلة عنه ~~تحدث شيئا بعد شيء ثم قد يعينون ذلك بحركة الفلك فيقولون هي الحادثة شيئا ~~بعد شيء ومن حذق منهم كابن سينا علم أن هذا جواب باطل وأن حدوث حادث بعد ~~حادث عن القديم من غير تجدد شيء ممتنع فادعى ما هو أفسد من ذلك فقال إن ~~الحركة لا توجد شيئا بعد شيء وإنما هي شيء موجود دائما وأن ما يوجد شيئا ~~بعد شيء لا وجود له في الخارج بل في الذهن وهذه مكابرة بينة قد بسط الكلام ~~عليها في شرح الأصبهانية # وقد اعترف حذاقهم بأن حدوث الحوادث شيئا بعد شيء عن ذات لا يقوم بها حادث ~~مما تنكره العقول # وأما من اعترف منهم بقيام الأمور الاختيارية بذاته فيقال لهم هذا أدل ms1952 على ~~حدوث المفعولات ويقال للطائفتين إذا جوزتم ذلك لم يكن لكم دليل على قدم شيء ~~من العالم فظهر بطلان حجتكم PageV09P248 # لكن هذا الجواب الذي عارض به هؤلاء لأولئك لا يمكن أن يقال في أول ~~الحوادث لأنه ليس قبل أول الحوادث حادث يشترط في الحوادث المستقبلة # فهذا فرق هؤلاء الفلاسفة بين ما يثبتونه من الحوادث اليومية التي تشاهد ~~وما ينفونه من أن للحوادث أولا ابتدأت منه وبهذا يتبين بطلان قول الطائفتين ~~هؤلاء وهؤلاء وأن كل طائفة أقامت برهانا على بطلان قول الأخرى لا على صحة ~~قولها إذ لا يلزم من بطلان أحد القولين صحة الآخر إلا إذا انحصر الحق فيهما ~~وليس الأمر كذلك # وذكرها الآمدي أيضا في كتابه أبكار الأفكار قال وجوابها أنها باطلة من ~~جهة أن الحس والعيان والبرهان شاهد بوجود حوادث كائنة بعد ما لم تكن وما ~~ذكروه من الشبهة يلزم منه امتناع وجود الحوادث والقول بامتناع وجود الحوادث ~~ممتنع وكل دليل لزم عنه الممتنع فهو باطل في نفسه وبيان الملازمة هو أن ما ~~ذكروه من التردد والتقسيم في حدوث العالم بعينه لازم في حدوث كل حادث وكل ~~ما هو جواب لهم في حدوث الحوادث بعينه يكون جوابا في القول بحدوث العالم ~~بجملته PageV09P249 # وهذا الذي ذكره يجيبون عنه بما تقدم وهو أن هذه الحجة إنما كانت حجة على ~~من يقول ببطلان التسلسل في الآثار من أهل الكلام وأما نحن فنجوز التسلسل في ~~الآثار فتكون الحوادث موقوفة على حوادث قبلها لا إلى أول # وهذا الجواب منتف في جملة العالم لأنه ليس قبله حادث نقف عليه عند ~~الطائفتين # وحقيقة جوابهم أن التسلسل الذي نفوه في هذه الحجة ليس هو التسلسل في ~~الحوادث التي تحدث شيئا بعد شيء فإنها لا تدل على بطلان هذا وهم لا يقولون ~~ببطلانه وإنما دلت على بطلان التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلا # ومن قال بكونه فاعلا لا يقول بتوقف فاعليته على غيره لا حادث ولا غير ~~حادث فلا يلزمهم هذا # ونحن قد ذكرنا الأجوبة القاطعة لهذه ms1953 الحجة في غير موضع من وجوه # أحدها أن يقال إن كان التسلسل في الآثار ممتنعا لزم القول بأن للحوادث ~~أولا وبطل المذهب فبطلت حجته وإن كان ممكنا بطلت الحجة لإمكان دوام كونه ~~فاعلا ليس بعد شيء مع أن كل ما سواه مخلوق حادث هذا إذا أريد بالتسلسل ~~الممتنع تسلسل أصل الفاعلية وأما إذا أريد تسلسل الآثار فإنه يظهر بطلانها # الثاني أن يقال غاية الحجة أنه لا بد لكل حادث أن يكون قبله حادث وحينئذ ~~فقد أخبرت الرسل أن الله خلق السماوات والأرض وما PageV09P250 بينهما في ~~ستة أيام وكان عرشه على الماء وجمهور المسلمين وغيرهم على أن المخلوق ليس ~~هو الخلق بل الخلق قائم بذات الله فتكون السماوات والأرض وما بينهما محدثة ~~بحوادث قبلها والحوادث محدثة بما يقوم بذات الله من مقدوراته ومراداته ~~سبحانه وتعالى # الثالث أن يقال إما أن تقولوا بأن كل ما صدر عن الواجب بذاته لازم لذاته ~~أو لازم للازم بذاته أو منه ما ليس بلازم بذاته # فإن قلتم بالأول كان مكابرة للحس ولم يقل بذلك أحد من الناس وهو الذي ~~أنكره المعارضون لهم وجعلوه لازم حجتهم # وإن قالوا إن منه ما ليس بلازم لواجب الوجود ولا لازم للازمه بل هو متأخر ~~عنه # فيقال فالسماوات والأرض وما بينهما الذي أخبرت به الرسل عن الله أنه خلق ~~ذلك في ستة أيام لم لا يجوز أن تكون من الحوادث المتأخرة كغير ذلك من ~~الحوادث # والجواب الرابع أن يقال إذا كان العالم صادرا عن علة مستلزمة له لا يتأخر ~~عنها موجبها لزم ألا يكون لشيء من الحوادث فاعل لأن العلة التامة لا يتأخر ~~عنها شيء من معلولها فلا يكون شيء من الحوادث معلولا لها ولا لشيء من ~~معلولاتها فلزم أن تكون الحوادث لا فاعل لها أو يكون فاعلها ليس هو بل يكون ~~فاعل كل محدث محدثا وهلم جرا ويلزم تسلسل الفاعلين وهذا مع اتفاق العقلاء ~~على فساده ففساده معلوم بالضرورة من وجوه كثيرة كما بين في غير هذا الموضع ~~PageV09P251 $ فصل # ومنشأ ms1954 ضلال هاتين الطائفتين هو نفي صفات الله وأفعاله القائمة بنفسه ~~فإنهم لما نفوا ذلك ثم أرادوا إثبات صدور الممكنات عنه مع ما يشاهدون من ~~حدوثها لم يبق هناك ما يصلح أن يكون هو المرجح لوجود الممكنات إلا لما شوهد ~~حدوثه منها ولا لغير ذلك # وصارت المتفلسفة تحتج على هؤلاء المتكلمة بالحجج التي توجب تناقض قولهم ~~فيجيبوهم بما يتضمن الترجيح بلا مرجح مثل إسنادهم الترجيح إلى القدرة أو ~~الإرادة القديمة التي لا اختصاص لها بوقت دون وقت # فيقول لهم أولئك إسناد التخصيص والترجيح إلى مرجح لا فرق بالنسبة إليه ~~بين وقت دون وقت وبين مفعول ومفعول كإسناد التخصيص والترجيح إلى ترجح الذات ~~المجردة عن الصفات # لكن كل ما تحتج به المتفلسفة يلزمهم نظيره وما هو أشد فسادا منه فإن ~~قولهم أعظم تناقضا من قول هؤلاء المتكلمين وما من محذور يلزم أولئك إلا ~~ويلزم المتفلسفة ما هو مثله أو أعظم منه فإنهم يسندون وجود الممكنات ~~المختلفات كالأفلاك والعناصر وما يسمونه العقول والنفوس مع ما يتعاقب على ~~ذلك من الحوادث المختلفات أيضا إلى ذات مجردة بسيطة لا صفة لها و لا فعل ~~ويقولون انها لم تزل و لا تزل مجردة عن الصفات والأفعال وهي مع ذلك لا تزال ~~تصدر عنها الأمور المختلفة والمحدثات المختلفة المتعاقبة # PageV09P252 وهذا مما يظهر فيه من الفساد والتناقض أعظم مما يظهر في قول ~~أولئك وإذا دفعوا ذلك بما يجعلونه صادرا عن الأول من اللازم لذاته كالعقل ~~الأول ولوازمه لم يكن هذا دافعا لما يلزم قولهم من الفساد فإن ما كان لازما ~~لذاته مع وحدته يقال فيه ما يقال فيه من امتناع صدور الأمور المختلفة ~~والحوادث الدائمة عنه ولهذا ينتهون إلى إثبات العقل الفعال ويقولون إنه صدر ~~عنه فلك القمر ونفسه والعناصر التي تحته مع اختلاف أنواعها وصفاتها ~~وأقدارها وهو في نفسه بسيط ثم يقولون إنه بسبب حركات الأفلاك حصلت ~~استعدادات مختلفة لما يفيض منه # والكلام في تلك الحركات المختلفة كالكلام في غيرها فلا بد لهم من إسناد ~~الأمور المختلفة ms1955 الأنواع والأقدار والصفات والحوادث المختلفة الأنواع ~~والأقدار والصفات إلى ذات بسيطة مجردة عن كل صفة وفعل يقوم بها مستلزمة لكل ~~ما يصدر عنها وهذا فيه من التناقض والفساد أضعاف ما في قول أولئك # ومن سلم من الفلاسفة أن الرب تقوم به الصفات والأفعال الاختيارية فهؤلاء ~~حدوث كل ما سوى الله على قولهم أظهر وقدم شيء من العالم على قولهم أبعد # ولهذا كان القائلون بهذا الأصل من الأساطين لا يعرف عنهم القول بقدم صورة ~~الأفلاك إذ أول من عرف عنه القول بقدم صورة الأفلاك هو PageV09P253 أرسطو ~~لكن يحكى عن بعضهم القول بقدم المادة وقد يريدون قدم جنسها لا قدم شيء معين ~~ومنهم من يقول بقدم شيء معين # وأما أبو البركات فإنه من المثبتين للصفات والأفعال القائمة بذاته وهو لم ~~يقم حجة على قدم شيء من العالم وإنما أبطل قول من قال بأنه فعل بعد أن لم ~~يفعل # والذي تقتضيه حججه العقلية الصحيحة وحجج سائر العقلاء إنما هو موافق لما ~~أخبرت به الرسل لا مخالف لها وكأن القول الوسط لم يعرفه كما لم يعرفه ~~الرازي وأمثاله ولو عرفوه لكان هو المتصور عندهم دون غيره وإنما استطال ابن ~~سينا وأمثاله من الفلاسفة الدهرية على أولئك بما وافقوهم عليه من نفي ~~الصفات ولهذا تجد ابن سينا يذكر قول إخوانه وقول أولئك المتكلمين فقط # ومعلوم أن فساد أحد القولين لا يستلزم صحة القول الآخر إلا أن تنحصر ~~القسمة فيهما فأما إذا أمكن أن يكون هناك قول ثالث هو الحق لم يلزم من فساد ~~أحد القولين صحة القول الآخر وهذا مضمون ما ذكره في كتبه وكلها وما ذكره ~~سائر هؤلاء المتفلسفة # وملخص ذلك ما ذكره في الإشارات التي هي مصحف هؤلاء الفلاسفة قال أوهام ~~وتنبيهات قال قوم إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكن إذا ~~تذكرت ما قيل في PageV09P254 شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا ~~وتلوت قوله تعالى @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ سورة الأنعام 76 فإن الهوى في ~~حظيرة الإمكان أفول ما # قلت ms1956 هذا القول هو قول الدهرية المحضة من الفلاسفة وغيرهم الذين ينكرون ~~صدور العالم عن فاعل أو علة مستلزمة له وهو الذي أظهره فرعون وغيره وإليه ~~يرجع عند التحقيق قول القائلين بوحدة الوجود من قدماء الفلاسفة ومن هؤلاء ~~الفلاسفة الذين يدعون التحقيق والتوحيد والمعرفة كابن عربي وابن سبعين ~~ونحوهما فإن هؤلاء لا يثبتون موجودين متباينين أحدهما أبدع الآخر بل كل ~~وجود في الوجود فهو الوجود الواجب عندهم ثم لما رأوا أن الموجودات فيها ~~اختلاف وتفرق وفيها ما حدث بعد وجوده احتاجوا إلى أن يجمعوا بين كون الوجود ~~واحدا بالعين وبين ما يوجد فيه من التفرق والاختلاف فتارة يقولون الأعيان ~~ثابتة في العدم ووجود الحق فاض عليها فيجمعون بين كون المعدوم شيئا ثابتا ~~في العدم غنيا عن الله تعالى كما قال ذلك من قاله من المعتزلة والشيعة ~~ويضمون إلى ذلك أن وجوده وجود الخالق تعالى وهذا لم يقله أحد من أهل الملل ~~بل ولا من الفلاسفة الإلهيين وهذا حقيقة قول ابن عربي # وتارة يجعلون الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق والأعيان هي الممكنات ~~كما يقوله صاحبه القونوي # وابن سينا وأتباعه يقولون الوجود الواجب هو المطلق بشرط الإطلاق عن كل ~~أمر ثبوتي وهذا أفسد من ذاك فإن المطلق بشرط إطلاقه لا PageV09P255 وجود له ~~في الخارج وبتقدير وجوده فهو يعم ما تحته عموم الجنس والعرض العام والعالم ~~بشرط سلبه عن كل أمر ثبوتي هو وجود مقيد بالعدم وسلب الوجود وهذا أبعد عن ~~الوجود من المقيد بسلب الوجود والعدم فإن ما قيد بانتفاء الوجود وبالعدم ~~أقرب إلى العدم والامتناع مما قيد بسلب الوجود والعدم # ومع هذا فهذا المطلق لايوجد إلا بوجود الأعيان لا يتصور أن يكون مبدعا ~~لها ولا علة لها بل غايته أن يكون صفة لها أو جزءا منها فيكون الوجود ~~الواجب صفة للممكنات أو جزءا منها وما كان جزءا من الممكن أو صفة له أولى ~~أن يكون ممكنا فإما أن ينفوه أو يجعلوه محتاجا إلى المخلوقات والمخلوقات ~~مستغنية عنه # وتارة يجعلونه مع الممكنات ms1957 كالمادة في الصورة أو الصورة في المادة ونحو ~~ذلك مما يقوله ابن سبعين ونحوه # وتارة لا يثبتون شيئا آخر بل هو عين الموجودات وهي أجزاء له وأبعاض كما ~~قد يقوله التلمساني وأمثاله وهذا محض قول الدهرية المحضة الذين يجعلون هذا ~~المحسوس واجبا بنفسه # لكن طريقة ابن سينا وأتباعه في الرد عليهم مبنية على أصله في توحيد واجب ~~الوجود ونفي صفاته وهي طريقة ضعيفة كما قد بين فسادها في غير هذا الموضع # فلا يمكن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالفلاسفة الإلهية الرد على ~~PageV09P256 أولئك الدهرية الطبيعية بمثل هذه الطريق بل بيان كون المشاهدات ~~ليست واجبة بنفسها بل مفتقرة إلى غيرها يمكن بوجوه كثيرة كما قد بسط في ~~موضعه إذ المقصود هنا ذكر كلامه في أفعال الرب تعالى وما ذكره في قدم ~~العالم # قال و قال آخرون بل هذا الوجود المحسوس معلول ثم افترقوا فمنهم من زعم أن ~~أصله وطينته غير معلولين لكن صنعته معلولة وهؤلاء فقد جعلوا في الوجود ~~واجبين وأنت خبير باستحالة ذلك ومنهم من جعل واجب الوجود لضدين أو لعدة ~~أشياء وجعل غير ذلك من ذلك وهؤلاء في حكم الذين قبلهم # قلت هؤلاء كالمجوس القائلين بأن العالم له أصلان النور والظلمة وهما ~~قديمان فإن هذا أحد قوليهم والآخر أن الظلمة محدثة والقائلون بالقدماء ~~الخمسة كديمقراطيس ومن اتبعه كابن زكريا الطبيب الملحد يقولون بقدم الباري ~~والنفس والمادة والدهر والخلاء # فهؤلاء يجعلون الواجب أكثر من واحد وهم مع هذا يقولون بأن أصله غير معلول ~~وطينته معلولة # وأما من جعل المبدع أكثر من اثنين فهذا لا يعرف # فقوله منهم من زعم أن أصله وطينته معلولة يتناول هذا القول PageV09P257 ~~كما يتناوله قول من جعل وجود الوجود لعدة أشياء وجعل غير ذلك من ذلك وقد ~~يحكى عن طائفة من القدماء أنهم قالوا كانت أجزاء العالم مبثوثة ثم إن ~~الباري ألفها لكن هؤلاء قد يقولون إنها معلولة عن الواجب بنفسه فإن هذا ~~القول الذي قاله أئمة الفلاسفة وقدماؤهم وأساطينهم وهو ان مادة العالم ~~قديمة وصنعته محدثة ms1958 لم يذكره بن سينا فإن هؤلاء لا يقولون إن المادة غير ~~معلولة بل يقولون هي مبدعة مفعولة للباري # وهذا القول الذي هو قول أئمة الفلاسفة وأساطينهم لم يتعرض لحكايته ولا ~~لرده وإبطاله وليس في كلامه ما يبطله وقد قالوا إن أول من قال بقدم صنعة ~~العالم من هؤلاء الفلاسفة هو أرسطو فهذا كلامه في حكاية مذاهبهم وأما رده ~~الأقوال التي حكاها بامتناع وجود واجبين فهو بناء على نفي الصفات وهو ~~توحيده الذي قد علم فساده وبين ذلك في غير هذا الموضع # ثم أخذ بعد ذلك في ذكر مقالة من قال بحدوث العالم من نفاة الأفعال ~~القائمة به ومن قال بقدمه فلم يذكر إلا هذين القولين مع تلك الأقوال ~~الثلاثة فكان مجموع ما ذكره خمسة أقوال # قال الرازي في شرح ذلك المسألة العاشرة في مذاهب أهل العلم في إمكان ~~العالم وحدوثه ثم ذكر كلام ابن سينا وقال في شرحه أقول أهل العالم فريقان ~~منهم من أثبت أكثر من واجب PageV09P258 وجود واحد ومنهم من لم يقل إلا ~~بالواجب الواحد أما الفريق الأول فقد تحزبوا إلى ثلاث فرق أحدها الذين ~~زعموا أن هذا العالم المحسوس واجب لذاته على ما هو عليه من الشكل والمقدار ~~والهيئة قال الشيخ لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا ~~المحسوس واجبا ثم استدل الرازي بما يدل على أن الأجسام ممكنة وقد ذكرت هذه ~~الأدلة وضعفها في غير هذا الموضع # ولهذا قال الرازي لما ذكرها هذا مجموع ما يدل على أن الأجسام ممكنة وقد ~~عرفت ما في كل واحد منها المقالة الثانية أن العالم له ذات وصفات فأما ~~الذات فهي للأجسام وهي واجبة لذواتها ومنهم من قال الذات هي الهيولى التي ~~هى محل الجسمية وهي واجبة لذاتها فأما الصفات وهي الشكل والمقدار والتحيز ~~والحركة والسكون فكل ذلك من الممكنات # قال وهذه المقالة أيضا باطلة بالأدلة المذكورة على فساد المقدمة الأولى ~~قال والمقالة الثالثة أن هذا العالم ممكن الوجود بذاته وصفاته لكن واجب ~~الوجود مع ms1959 ذلك أكثر من واحد ثم هؤلاء أيضا فرق منهم من أثبت إلهين واجبين ~~لذاتيهما أحدهما خير والآخر PageV09P259 شرير ومنهم من قال خمسة أشياء ~~واجبة لذواتها الباري والنفس والهيولى والدهر والخلاء قال وفساد هذه ~~الأقاويل وأشباهها إنما يظهر بالأدلة المذكورة على أن واجب الوجود يستحيل ~~أن يكون أكثر من واحد # قلت فقد تداخلت المقالتان في كلامه كما تداخل في كلام الآخر وذلك أن من ~~قال الأجسام أو الهيولى التي هل محل الجسميه واجبة لذاتها وصفاتها ممكنة ~~فهو من جنس من قال بخمسة أشياء واجبة إذ كلاهما يقول إن الباري أحدث ~~التأليف والصنعة بخلاف من قال بإلهين الخير والشر فإنه يقول كلاهما فاعل ~~وليس في هذه الأقوال قول من يجعل وجوب الوجود لعدة أشياء وجعل ما سواها ~~مفعولا لها كما يقوله القائلون بالأصلين النور والظلمة من المجوس # لكن القائلون بقدم النفس يقولون إنها أحبت الهيولى ولم يمكن تخليصها منها ~~إلا بإحداث العالم والقائلون بقدم المادة فقط لا يقولون بذلك # والقائلون بقدم الهيولى أو بعض الأجسام أو نحو ذلك لا يلزمهم أن يقولوا ~~إنها واجبة الوجود بنفسها بل قد يقولون إنها مبدعة مفعولة للواجب بنفسه ~~وهذا المشهور عن قدماء الفلاسفة # والرازي قد ذكر في شرح الإشارات من كتبه أن هؤلاء يقولون إن الباري هو ~~الواجب بذاته وأن النفس وغيرها معلولة له وذكر هنا PageV09P260 عنهم أنهم ~~يصفون الجميع بوجوب الوجود وهذا تناقض في نقل أقوالهم ثم إبطال هذه الأقوال ~~بناء على توحيدهم الذي مضمونه نفي الصفات لكان الواجب لا يكون إلا واحدا قد ~~عرف فساده # قال الرازي فأما القائلون بأن واجب الوجود واحد فقد اختلفوا على قولين ~~منهم من قال إنه تعالى لم يكن في الأزل فاعلا ثم صار فيما لا يزال فاعلا ~~وهم المليون بأسرهم ومنهم من قال إنه كان في الأزل فاعلا وهم أكثر الفلاسفة # قلت القول الذي حكاه عن المليين بأسرهم هو قول طوائف من أهل الكلام ~~المحدث منهم الذين ذمهم السلف والأئمة ولا يعرف هذا القول عن نبي مرسل ولا ms1960 ~~أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين لم يقل أحد من هؤلاء إن الله لم ~~يكن فاعلا ثم صار فاعلا وإنما المعروف عنهم ما جاء به الكتاب والسنة من أن ~~الله رب كل شيء ومليكه وخالقه فكل ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن وهذا ~~هو الذي نطق به الكتاب والسنة واتفق عليه أهل الملل وكذلك نقله عن جمهور ~~الفلاسفة إن الله لم يزل فاعلا كلام مجمل فجماهير الفلاسفة لا يقولون بقدم ~~العالم وأول من ظهر عنه منهم القول بقدمه هم أرسطو ولا يلزم من قال إنه لم ~~يزل فاعلا أن يقول بقدم شيء من العالم إذ يمكنه مع ذلك أن يقول لم يزل ~~فاعلا لشيء بعد شيء فكل ما سواه مخلوق محدث وهو لم يزل فاعلا PageV09P261 # وقد أخبرت الرسل أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش وأن الله كان ولم يكن قبله شيء وكان حينئذ عرشه على الماء ~~ثم كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض # وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من السلف هذا القول الذي ~~حكاه عن أهل الملل كلهم بل صرح أئمة الإسلام بأن الله لم يزل متكلما إذا ~~شاء قادرا على ما يشاء فاعلا يقوم به الفعل الذي يشاؤه بل وصرحوا أنه لم ~~يزل فاعلا وأن الحي لا يكون إلا فعالا يقوم به الفعل # ولفظ بعضهم أن الحي لا يكون إلا متحركا وعبارة بعضهم كان محسنا فيما لم ~~يزل عالما بما لم يزل إلى ما لم يزل وعبارة بعضهم كان غفورا رحيما عزيزا ~~حكيما ولم يزل كذلك # فنقل الرازي لمقالة أهل الملل كنقل ابن سينا لمقالات الفلاسفة فكلا ~~الرجلين لم يذكر في هذا المقام أقوال أئمة الفلاسفة المتقدمين الأساطين ولا ~~أقوال الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم من الصحابة والتابعين كأئمة المسلمين ~~وعلماء الدين بل هذه الخمسة الأقوال التي ذكرها هذان وأتباعهما ليست قول ~~هؤلاء ولا قول هؤلاء ولهذا كان جميع ما ذكروه من ms1961 الأقوال التي ينصرونها ~~ويزيفونها أقوالا يظهر فسادها وتناقضها PageV09P262 # قال ابن سينا ومنهم من وافق على أن واجب الوجود واحد ثم افترقوا فقال ~~فريق منهم إنه لم يزل ولا وجود لشيء عنه ثم ابتدأ وأراد وجود شيء عنه ولولا ~~هذا لكانت أحوال متجددة من أصناف شتى في الماضي لا نهاية لها موجودة بالفعل ~~لأن كل واحد منهما وجد فالكل وجد فيكون لما لا نهاية له من أمور متعاقبة ~~كلية منحصرة في الوجود قالوا وذلك محال وإن لم تكن كلية حاصرة لأجزائها معا ~~فإنها في حكم ذلك وكيف يمكن أن تكون حال من هذه الأحوال توصف بأنها لا تكون ~~إلا بعد ما لا نهاية لها فيكون موقوفا على ما لا نهاية له فيقطع إليها ما ~~لا نهاية له ثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الأحوال وكيف يزداد عدد ما لا ~~نهاية له # ومن هؤلاء من قال إن العالم وجد حين كان أصلح لوجوده ومنهم من قال لم ~~يمكن وجوده إلا حين وجد ومنهم من قال لا يتعلق وجوده بحين وشيء آخر بل ~~بالفاعل ولا يسأل عن لم فهؤلاء هؤلاء وبإزاء هؤلاء قوم من القائلين ~~بوحدانية الأول يقولون PageV09P263 إن واجب الوجود بذاته واجب الوجود في ~~جميع صفاته وأحواله الأولية وإنه لن يتميز في العدم الصريح حال أولى به ~~فيها ألا يوجد شيئا أو بالأشياء ألا توجد عنه أصلا وحال بخلافها ولا يجوز ~~أن تسنح له إرادة متجددة إلا لداع ولا أن تسنح جزافا وكذلك لا يجوز أن تسنح ~~طبيعة أو غير ذلك بلا تجدد حال وكيف تسنح إرادة لحال تجددت وحال ما تجدد ~~كحال ما تمهد له التجدد فيتجدد وإذا لم يكن تجدد كانت حال ما لم يتجدد شيء ~~حالا واحدة مستمرة على نهج واحد وسواء جعلت التجدد لأمر تيسر أو لأمر زال ~~مثلا كحسن من الفعل وقتا ما تيسر أو وقت معين أو غير ذلك مما عد أو لقبح ~~كان يكون له أو كان قد زال أو عائق أو غير ذلك ms1962 كان فزال # قالوا فإن كان الداعي إلى تعطيل واجب الوجود عن إفاضة الخير والوجود ~~والوجود هو كون المعلول مسبوق العدم لا محالة فهذا الداعي PageV09P264 ضعيف ~~قد انكشف لذى الإنصاف ضعفه على أنه قائم في كل حال وليس في حال أولى بإيجاب ~~السبق من حال # وأما كون المعلول ممكن الوجود في نفسه واجب الوجود لغيره فليس يناقض كونه ~~دائم الوجود بغيره كما نبهت عليه # وأما كون غير المتناهي كلا موجودا ككون كل واحد وقتا ما موجودا فهو توهم ~~خطأ فليس إذا صح على كل واحد حكمه صح على كل محصل وإلا لكان يصح أن يقال ~~الكل من غير المتناهي يمكن أن يدخل في الوجود لأن كل واحد يمكن أن يدخل في ~~الوجود فيحتمل الإمكان على الكل كما يحمل على كل واحد # قالوا ولم يزل غير المتناهي من الأحوال التي يذكرونها معدوما إلا شيئا ~~بعد شيء وغير المتناهي المعدوم قد يكون فيه أقل وأكثر ولا يثلم ذلك كونها ~~غير متناهية في العدم # وأما توقف الواحد منها على أن يوجد قبله ما لا نهاية له PageV09P265 ~~واحتياج شيء منها إلى أن يقطع إليه ما لا نهاية له فهو قول كاذب فإن معنى ~~قولنا توقف على كذا هو أن الشيئين وصفا معا بالعدم والثاني لم يكن يصح ~~وجوده إلا بعد وجود المعلول الأول وكذلك الاحتياج ثم لم يمكن البتة ولا في ~~وقت من الأوقات يصح أن يقال إن الأخير كان متوقفا على وجود ما لا نهاية له ~~أو محتاجا إلى أن يقطع إليه ما لا نهاية له بل أي وقت فرضت وجدت بينه وبين ~~كون الأخير أشياء متناهية ففي جميع الأوقات هذه صفته ولا سيما والجميع ~~عندكم وكل واحد واحد فإن عنيتم بهذا التوقف أن هذا لم يوجد إلا بعد وجود ~~أشياء كل واحد منها في وقت آخر لا يمكن أن يحصى عددها وذلك محال فهذا نفس ~~المتنازع فيه أنه ممكن أو غير ممكن فكيف يكون مقدمة في إبطال نفسه أبأن ~~يغير لفظها بتغير لا ms1963 يتغير به المعنى قالوا فيجب من اعتبار ما نبهنا عليه ~~أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب إلى الأوقات والأشياء ~~الكائنة عنه كونا أوليا PageV09P266 وما يلزم من ذلك الاعتبار لزوما ذاتيا ~~إلا ما يلزم من اختلافات تلزم عندها فيتبعها التغير فهذه هي المذاهب وإليك ~~الاعتبار بعقلك دون هواك بعد أن تجعل واجب الوجود واحدا # قلت والرازي قد شرح هذا الكلام إلى أن وصل إلى آخره وهو قوله وإليك ~~الاختيار بعقلك دون هواك بعد أن تجعل واجب الوجود واحدا وقال فاعلم أن ~~الغرض منه الوصية بالتصلب في مسألة التوحيد ولكنه يكون كلاما أجنبيا عن ~~مسألة القدم والحدوث وإن كان الغرض منه إنما هي المقدمة التي منها ما يظهر ~~الحق في مسألة القدم والحدوث فهو ضعيف لأن القول بوحدة واجب الوجود لا ~~تأثير له في ذلك أصلا لأن القائلين بالقدم يقولون ثبت إسناد الممكنات ~~بأسرها إلى الواجب بذاته فسواء كان الواجب واحدا أو أكثر من واحد لزم من ~~كونه واجبا دوام آثاره وأفعاله وأما القائلون بالحدوث فلا يتعلق شيء من ~~أدلتهم بالتوحيد والتثنية فثبت أنه لا تعلق لمسألة القدم والحدوث بمسألة ~~التوحيد PageV09P267 # قلت لقائل أن يقول بل ابن سينا عرف أن قوله لا يتم إلا بما ادعاه من ~~التوحيد الذي مضمونه نفي صفات الرب وأفعاله القائمة بنفسه كما وافقه على ~~ذلك من وافقه من المعتزلة وبموافقتهم له على ذلك استطال عليهم وظهر تناقض ~~أقوالهم وإن كان قوله أشد تناقضا من وجه آخر لكنه صار يحتج على بطلان قولهم ~~بما اشتركوا هم وهو فيه من نفي صفات الله الذي هو أصل الجهمية وهكذا هو ~~الأمر فإن حجة القائلين بقدم العالم التي اعتمدها أرسطو طاليس وأتباعه ~~كالفارابي وابن سينا وأمثالهما لا تتم إلا بنفي أفعال الرب القائمة بنفسه ~~بل وتبقى صفاته وإلا فإذا نوزعوا في هذا الأصل بطلت حجتهم وإذا سلم لهم هذا ~~الأصل صار لهم حجة على من سلمه لهم كما أن عليهم حجة من جهة أخرى # ولهذا كان مآل القائلين بنفي ms1964 أفعال الرب الاختيارية القائمة به في مسألة ~~قدم العالم إما إلى الحيرة والتوقف وإما إلى المعاندة والسفسطة فيكونون إما ~~في الشك وإما في الإفك ولهذا كان الرازي يظهر منه التوقف في هذه المسألة في ~~منتهى بحثه ونظره كما يظهر في المطالب العالية أو يرجح هذا القول تارة كما ~~رجح القدم في المباحث الشرقية وهذا تارة كما يرجح الحدوث في الكتب الكلامية # وابن سينا وصى بالأصل المتضمن نفي صفات الرب وأفعاله القائمة به ثم ذكر ~~القولين في قدم العالم وحدوثه مع ترجيحه القدم مفوضا إلى الناظر الاختيار ~~بعد إن يسلم الأصل الذي به يحتج على القائلين بالحدوث PageV09P268 # ونحن نبين إن شاء الله أن قوله مع تسليم نفي الصفات والأفعال القائمة ~~بالله أشد فسادا وتناقضا من قول القائلين بالحدوث فإن كان في قول هؤلاء ما ~~يناقض صريح العقل ففي قول أصحابه من مناقضة المعقول الصريح ما هو أشد من ~~ذلك وذلك أنه إذا كانت الذات بسيطة ليس لها فعل يقوم بها أصلا بل كان ~~امتناع صدور الأمور المختلفة والحادثة عنها بوسط أو بغير وسط دائما أشد ~~امتناعا من صدور ذلك بعد أن لم يصدر فإنه إن أمكن أن يحدث عنها حادث بلا ~~سبب محدث منها أمكن حدوث الحوادث عنها بعد أن لم تحدث وإن لم يمكن كان حدوث ~~الحوادث المختلفة عنها بوسط أو غير وسط دائما من غير فعل منها هو أبعد في ~~الامتناع من صدور المختلفات عنها بعد أن لم تصدر # ولهذا كان أرسطو طاليس مقدم هؤلاء لم يذكر علة فاعلة لحدوث الحركة وإنما ~~ذكر أن سبب الحوادث الحركة الفلكية وما يحدث عنها وذكر لذلك علة غائية فذكر ~~أن كل متحرك فلا بد له من محرك يحركه وجعل الأول يحرك الفلك كما يحرك ~~الإمام المقتدى به المشبه به للمأموم المقتدى المتشبه وقد يشبه ذلك كما ~~يحرك المعشوق لعاشقه # ومعلوم أن هذا التحريك ليس هو بفعل من المحرك ولا قصد وتلك الحركة حادثة ~~بعد أن لم تكن فنسأل عن الفاعل لتلك الأجسام ms1965 الممكنة فإن الممكن وإن كان ~~قديما لا بد له من فاعل فما الفاعل لها ونسأل عن العلة الفاعلة لتلك ~~الحوادث فإن المتحرك ممكن فالمحرك إذا كان أمورا تحدث في ذاته كما يقولونه ~~في تصورات النفس الفلكية وشوقها قيل لهم فما المحدث لتلك التصورات ~~والإرادات شيئا بعد PageV09P269 شيء وهي أمور ممكنة كانت بعد أن لم تكن وهي ~~قائمة بممكن هو مفتقر إلى غيره ليس بواجب بنفسه معلوم أن الحركة لا يكفي في ~~حدوثها العلة الغائية بل لا بد من العلة الفاعلية ومعلوم أن افتقار الفعل ~~إلى الفاعل إن لم يكن مثل افتقاره إلى الغاية لم يكن دونها بل العقل يعلم ~~افتقار الفعل الحادث إلى الفاعل قبل علمه بافتقاره إلى الغاية # وأرسطو وأتباعه إنما زعموا افتقاره إلى الغاية المنفصلة عنه ولم يذكروا ~~احتياجه إلى الفاعل المنفصل عنه # ومعلوم أن الموجب لحدوث الحركة يحدثها شيئا بعد شيء فلا بد له من محدث ~~منفصل كما أنه لا بد له من غاية منفصلة بطريق الأولى فإن جوز المجوز أن ~~يكون هو المحدث لفعله من غير افتقار إلى شيء منفصل مع كونه ممكنا فلنجوز أن ~~يكون هو غاية لنفسه من غير افتقار إلى شيء منفصل مع كونه ممكنا وذلك ممتنع ~~عندهم # وأيضا فمن المعلوم أن الممكن الذي ليس له شيء من نفسه بل ذاته نفسها من ~~غيره يمتنع أن يكون شيء من أفعاله من نفسه بدون افتقاره في ذلك إلى غيره ~~كما يمتنع أن تكون صفاته وأبعاضه من نفسه من غير افتقار في ذلك إلى غيره # فإن ما به يعلم أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون بنفسه موجودا ~~يعلم أن سائر ما يحصل له من الصفات والأفعال لا تكون بنفسه فإن ما لا يوجد ~~بنفسه بل بغيره كيف يكون موجدا لغيره بنفسه بدون غيره PageV09P270 # والكلام في هذه المسألة من جنس الكلام في مسألة خلق أفعال العباد فكلما ~~نعلم أن الله خالق أفعال العباد نعلم أنه خالق حركات الفلك إذا قدر أنها ~~اختيارية وإن قدر ms1966 أنها غير اختيارية كان الأمر أولى وأولى فإن القدرية ~~تنازع في الأول لا تنازع في الثاني # وليس لقائل أن يقول إن هؤلاء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه قد يسلكون في حركات ~~الأفلاك الاختيارية مسلك القدرية الذين لا يقولون إن الله خالق أفعال ~~العباد # لأنه يقال أولا ليس هذا مذهبهم بل عندهم أن أفعال الحيوان وغير ذلك من ~~الممكنات صادرة عن واجب الوجود وهذا هو الموجود في كتب الذين نقلوا مذهبهم ~~كابن سينا وأمثاله # وأيضا فيقال لهم إما أن تجوزوا على الحي أن يحدث الأفعال من غير سبب من ~~خارج يقتضي حدوث تلك الأفعال لست أعني من غير مقصود يحدث بل من غير مقتض ~~للفعل وإما ألا تجوزوه # فإن لم تجوزوا على الحي ذلك لزمكم أن الفلك الحي عندكم لا تحدث حركته إلا ~~بسبب منفصل يكون مقتضيا لفعل الحدوث لا يكفي أن يكون ذلك متشبها به ثم ~~القول في حدوث اقتضاء ذلك المقتضى كالقول في حدوث حركة الفلك فيلزم أن يكون ~~فوق الفلك سبب فاعل للحوادث وذلك يبطل قولهم فإنه ليس عندهم فوق الفلك حركة ~~ولا فعل بوجه من الوجوه # وإن جوزوا على الحي أن يحدث الأفعال بغير سبب حادث من غيره PageV09P271 ~~لم يمتنع حينئذ حدوث العالم من الحي بدون سبب حادث من غيره # فذكر أرسطو طاليس في كتاب ما بعد الطبيعة وهو العلم الإلهي الذي هو أصل ~~حكمتهم ونهاية فلسفتهم فيما حكاه عنه ثابت بن قرة فإنه قال في كتاب تلخيص ~~ما أتى به أرسطو طاليس فيما بعد الطبيعة إن أرسطو طاليس يأتي في كتابه هذا ~~بأقاويل فيها إغماض يرمي فيها إلى غرض واحد إذا وفى حقه من الشرح والبيان ~~قبل على هذه الجهة مما جرى الأمر فيه على صناعة البرهان سوى ما جرء من ذلك ~~مجرى الاقناع # وقال إنما عنون أرسطو كتابه هذا بما بعد الطبيعة لأن قصده فيه البحث عن ~~جوهر غير متحرك وغير قابل للشوق إلى شيء خارج عن ذاته # وقال إن الجوهر الجسماني كله الوجود مبتدأ لمتكون إنما ms1967 قوامه بطبيعته ~~الخاصة به وطبيعته الخاصة به إنما قوامها بصورته الخاصة به وصورته الخاصة ~~به المقومة لذاته إنما قوامها بحركته الخاصة به وكل متحرك بحركة خاصة به ~~فإنما يتحرك إلى تمام وتمام كل واحد من الأشياء ملائم لطبيعته وموافق لها ~~وكل متحرك إلى ما لاءمه ووافق PageV09P272 طبيعته فبالشوق والمحبة والتوق ~~منه إليه يتحرك والشيء المتشوق إليه علة لحركة المتحرك إليه بالشوق والشيء ~~المشتاق معلول له من جهة تلك العلة وفي تلك الحركة وحركة كل واحد من ~~الأجسام فتنساق كلها وترتفع إلى محرك أول لا يتحرك كما بين أرسطو ذلك في ~~كتابه المعروف بالسماع الطبيعي # لأنه وإن وجد بعضها يحرك بعضا فالمتحرك الأقصى متحرك عن محرك غيرمتحرك ~~والمحرك الأول علة الصورة المقومة لجوهر كل واحد من الأشياء المتحركة حركة ~~خاصية فقوام جوهر كل واحد من الأشياء المتحركة ليس له في ذاته لكنه من ~~الشيء الذي هو السبب الأول في حركته # فيقال لهم هب أن الحركة الإرادية لا تتصور إلا بمحبوب منفصل عنها لكن إذا ~~كان المتحرك ليس واجبا بنفسه لا هو ولا حركته فما الموجب له ولحركته وأنتم ~~لم تجعلوا المحرك الأول محركا إلا من جهة كونه محبوبا معشوقا لا من جهة أنه ~~فعل شيئا أصلا # قال ثابت وكذلك ما يقول أرسطو طاليس إن كل ما يتحرك فحركته بالشوق إلى ~~شيء والصورة الأولى فيما هو في الكون وفيما هو موجود الحركة الخاصة به ~~فالمحرك الأول إذن هو المبدأ والعلة في وجود صورة الجواهر الجسمانية كلها ~~وبقائها إذ كنا متى توهمنا ارتفاع وجود الحركة الطبيعية وإن شئت أن تقول ~~القوى من كل واحد من الأجسام التي له فسد جوهره لا محالة PageV09P273 # ثم ذكر سؤالا وجوابا مضمونه إن الجوهر الجسماني لا قوام له إلا بطبيعته ~~التي قوامها بحركته الخاصة به # قال فإن ظن أحد أن هذا الجوهر إذا قدرت صورته الطبيعية باطلة منه انحل ~~إلى شيء آخر أبسط منه ليس في طبيعته حركة خاصة به فيكون حينئذ في ذاته لا ~~معلول لكن المركب ms1968 فيه معلول # فأرسطو طاليس يقول إن هذا الظن باطل محال لأن ذلك البسيط إنما يوجد حينئذ ~~في الوهم الفكري فقط فأما في خاصة نفسه مفردا فلا وجود له بالحقيقة ولا ~~قوام لذاته وليس بهذا المعنى فقط يترك هذا الظن لكنه يرى أنه يوجد في ذلك ~~البسيط الذي ينحل إليه الجوهر الجسماني في الوهم إذا توهمنا فساد صورته تلك ~~قبول صورة أخرى فهو معلول في ذلك القبول من المحرك الأول # فإن ظن ظان أنه معلول من جهة ذلك القبول فقط قلنا فإن أنزلنا إزالة ذلك ~~القبول نفسه منه أنه قد بطل وجب أن تبطل ذاته يعني فتفسد وتنحل طبيعته التي ~~بها هو حينئذ ما هو إذ كانت ذاته تلك حينئذ إنما هي التي في طبيعتها القبول ~~فإن قيل أيضا إنها تنحل إلى شيء آخر كان الجواب فيه كما أجبنا في الانحلال ~~الأول وليس يمكن أن ينحل هذا دائما إلى ما لا نهاية له # قال فقد تبين من هذا أن كل جوهر جسماني معلول في جوهره ووجوده وبقائه ~~للعلة التي هي المبدأ الأول بحركة الجميع # قلت فهذا هو تقريرهم لوجود العلة الأولى التي هي المبدأ الذي PageV09P274 ~~يسميه المتأخرون واجب الوجود بذاته وهي طريقة المتقدمين من المشائين وأما ~~الطريقة المشهورة عند المتأخرين وهي الاستدلال بمطلق الوجود على الواجب ~~فهذه هي التي سلكها ابن سينا ومتبعوه ثم هذه طريقة أرسطو وأتباعه المشائين ~~مضمونها أن كل جسم لا يتقوم إلا بطبيعته ولا تتقوم طبيعته إلا بحركة إرادية ~~ولا تتقوم تلك إلا بمحبوب معشوق لا يتحرك ثم إن أرسطو أورد على نفسه سؤالا ~~بأنه يمكن تقدير بطلان طبيعة الجسم الخاصة وبطلان حركته بانحلاله إلى شيء ~~أبسط منه فلا يكون المحرك علة لذاته بل علة للتركيب فقط # وأجاب بأن البسيط إنما يوجد في الذهن لا في الخارج وأجاب أتباعه بجواب ~~ثان وهو أنه يكون فيما انحل إليه قبول والقبول حركة # وهذا الجواب ساقط فإنه إذا قدر أن فيه قبولا لم يجب أن يكون ذلك حركة ~~إرادية شوقية ms1969 وإذا لم تكن الحركة إرادية شوقية لم يستلزم وجود محبوب بل ~~يستلزم وجود فاعل مبدع وهم لم يثبتوا ذلك # وكذلك تقدير أرسطو تقدير فاسد فإنه إذا قدر أن الحركة لا تتم إلا بطبيعة ~~تستلزم الحركة الإرادية مع أن في تقدير هذا كلاما ليس هذا موضع بسطه لكن ~~بتقدير أن هذا سلم له فغاية ما في هذا أن يكون الجسم المتحرك بالإرادة ~~مفتقرا إلى المعشوق الذي هو غايته وأنه لا يتم وجوده إلا به فيكون وجوده ~~شرطا في وجوده بأن يقال لا قوام للجسم إلا بطبيعته ولا قوام لطبيعته إلا ~~بحركته ولا قوام لحركته إلا PageV09P275 بالمحرك المنفصل الذي هو محبوب ~~معشوق فغاية ما في هذا أنه لا بد من وجود محبوب معشوق ولا يمكن وجود الجسم ~~المتحرك إلا به لكن مجرد المحبوب المنفصل لا يكفي في وجود الجسم الممكن ~~الذي ليس بواجب بذاته ولا في وجود طبيعته ولا في وجود حركته الخاصة به بل ~~لا بد من أمر مبدع له ولحركته ولطبيعته وهم لم يذكروا احتياجه إلى المبدع ~~لذلك ولا دليلا على وجود المبدع لذلك كله بل اكتفوا بوجود المعشوق المنفصل # وهذا مقام يتبين فيه جهل هؤلاء القوم وضلالهم لكل من تدبر نصوص كلامهم ~~الموجود في كتبهم الذي نقله أصحابه عنهم فإنا نحن لا نعرف لغة اليونان ولم ~~ينقل ذلك عنهم بإسناد يعرف رجاله ولكن هذا نقل أئمة أصحابهم الذين يعظمونهم ~~ويذبون عنهم بكل طريق وقد نقلوا ذلك إلينا وترجموه باللسان العربي وذكروا ~~أنهم بينوه وأوضحوه وقدروه وقربوه إلى أن تقبله العقول ولا ترده فكيف إذا ~~أخذ كلام أولئك على وجهه فإنه يتبين فيه من الجهل بالله أعظم مما يتبين من ~~كلام المحسنين له # ولا ريب أن الفلاسفة أتباع أرسطو يقل جهلهم ويعظم علمهم بحسب ما اتفق لهم ~~من الأسباب التي تصحح عقولهم وأنظارهم فكل من كان بالنبوات أعلم وإليها ~~أقرب كان عقله ونظره أصح # ولهذا يوجد لابن سينا من الكلام ما هو خير من كلام ثابت بن قرة ويوجد أبي ms1970 ~~البركات صاحب المعتبر من الكلام ما هو خير من كلام ابن سينا وكلام أرسطو ~~نفسه دون كلام هؤلاء كلهم في الإلهيات PageV09P276 # ثم إنهم مع أنهم لم يذكروا المبدع للأجسام الممكنة المتحركة اللهم إلا أن ~~يكون هؤلاء قائلين بأن الأجسام الفلكية المتحركة واجبة الوجود بنفسها وأنها ~~مع ذلك مفتقرة إلى المحرك الأول وهذا حقيقة قول أرسطو فهذا أعظم في التناقض ~~فإنه إذا قدر أن الأجسام الفلكية واجبة الوجود بنفسها وهي متحركة حركة ~~تفتقر فيها إلى غيرها كان واجب الوجود متحركا مفتقرا في حركته إلى غيره # وحينئذ فكونه متحركا لا يفتقر في حركته إلى غيره أولى فإنهم حينئذ يكونون ~~قد أثبتوا واجبا بنفسه لا يتحرك أصلا وواجبا بنفسه يفتقر في الحركة إلى ~~محبوب غيره لا قوام له إلا به # وحينئذ فإثبات واجب يتحرك لا يفقتر في الحركة إلى غيره أولى بالإمكان من ~~هذا فإن كلاهما متحرك لكن هذا يفتقر إلى غيره وهذا مستغن عنه # وهم قد جعلوا على هذا التقدير واجب الوجود بنفسه اثنين واجبا لا يفتقر ~~إلى غيره وواجبا يفتقر إلى غيره فإذا قدر واجبا يتحرك بنفسه لنفسه من غير ~~افتقار إلى غيره كان أولى بالجواز ولم يكن في ذاك محذور إلا لزمهم فيما ~~أثبتوه ما هو أشد منه وسيأتي تمام كلامهم في ذلك وقولهم إن الجسم لا يجوز ~~أن يتحرك بنفسه حركة لا نهاية لها # فهذا فصل وهنا فصل ثان وهو أنهم مع إثباتهم لكون الفعل معلولا إنما ~~أثبتوه بكونه محتاجا إلى معشوق يكون هو مبدأ الحركة الإرادية من جهة كونه ~~غاية لا فاعلا وليس في هذا ما يدل على أن الفلك له علة مبدعة فاعلة له كما ~~لا يخفى على عاقل PageV09P277 # ثم ادعوا أن ذلك المعشوق الذي هو العلة الغائية لا يجوز أن يكون متحركا ~~ولا له حركة أصلا ومن هنا قالوا بقدم العالم إذ كان حدوث المحدثات يقتضي ~~حركة يحدث بها فمنعوا حدوث الحوادث عن المعشوق الذي سموه المحرك الأول لئلا ~~يكون فيه تغير وحدوث الحوادث عن علة ms1971 لا تغير فيها ممتنع بصريح العقل ~~وكلامهم في ذلك في غاية التناقض وهذا منتهى نظر القوم وعلمهم وحكمهم # فلما قال فقد تبين من هذا أن كل جوهر جسماني معلول في جوهره ووجوده ~~وبقائه للعلة التي هي المبدأ لحركة الجميع فهذا كلامهم # قلت وقد عرف أنه لم يبين إن سلم له ما ذكره من المقدمات إلا أنه لا بد ~~للحركة من محرك ولم يبين بعد أن المحرك لايتحرك ولا أن المحرك للأجسام أمر ~~منفصل عنها # فقال في بيان ذلك ولأنه ليس يلزم أن يكون كل عدم أقدم بالزمان من الوجود ~~فيما علة وجوده شيء غيره ولا كل الأنظام أقدم من النظام ولا كل بسيط أقدم ~~من المركب لأنه ليس كل ما كان تقدمه لغيره فإن قوام غيره به وبسببه أو وجود ~~غيره عنه وجب أن يكون متقدمه في الزمان وكذلك ما يقول أرسطو طاليس إن ~~الأفضل في المبدأ الأول ما يوجد الأمر عليه من أنه علة وجود كل موجود وسبب ~~بقاء كل باق منذ الأبد من غير أن يكون إنما صار كذلك في زمان وبعد أن لم ~~يكن كذلك إذ ليس موجود ولا شيء له بقاء إلا به PageV09P278 # وقال وذلك أنه لم يزل ولا وجود ولا قوام للفلك ولسائر الأجسام الطبيعية ~~إلا بالمبدأ الأول يعني المحرك الأول إذ صورة كل واحد منها حركته الخاصة به ~~وحركته الخاصة به هي المقومة لجوهره التي بارتفاعها يرتفع وجوده فإذن ~~المحرك الأول علة وجود هذه الحركة # قال فهذا هو الأفضل من أن تكون العلة الأولى علة وجود العالم في زمان # فيقال له أنت لم تذكر إلا أنه لا وجود للجسم المتحرك إلا بحركته وهذا إذا ~~سلم لك لم يدل على أنه مبدع وفاعل له أصلا بل ولا يثبت أن له غاية منفصلة ~~عنه بل ادعيت ذلك دعوى نعم إذا ثبت أن الحركة إرادية فلا بد لها من مراد ~~أما أن كون المراد منفصلا عن المتحرك أو غير منفصل فهذا يحتاج إلى دليل ثان ~~ولم تبينه ms1972 ثم إذا بينته يلزم افتقار المتحركات إليه وكونه شرطا في وجودها ~~لا يقتضي كونه مبدعا لها وفاعلا لها إذ مجرد العلة الغائية من هذه الجهة لا ~~تكون هي الفاعلة المبدعة بالضرورة واتفاق العقلاء وهم لم يدعوا ذلك # لكن لو قال قائل غيرهم بجواز أن يكون الأول غاية وفاعلا قلنا نعم لكن هذا ~~ينقض ما بنوه من حيث يكون فاعلا للحوادث مبدعا لها وهم يأبون ذلك حيث يكون ~~فيه جهتان جهة كونه مرادا محبوبا وجهة كونه فاعلا مبدعا وهذا إذا قيل إنه ~~حق أفسد أصولهم ومذهبهم # والمسلمون لا ينكرون أن يكون الله رب كل شيء وإلهه فهو من PageV09P279 ~~جهة كونه ربا هو الخالق المبدع الفاعل ومن جهة كونه إلها هو المعبود ~~المألوه المحبوب # لكن هذا القول الذي يقوله المسلمون ينقض قولهم ويبطله فثبت بطلان قولهم ~~على ما ذكروه وعلى ما يقوله المسلمون # فتبين أن قوله إن الأفضل في الأول ما يوجد الأمر عليه من أنه علة وجود كل ~~موجود كلام مبني على محض الدعوى والكذب # أما الدعوى فإنه ادعى أن المتحرك لا بد له من معشوق منفصل # وأما الكذب فقوله إن ذلك هو العلة وجود المتحرك وإنما هو مجرد شرط وغايته ~~أن يكون جزءا من أجزاء العلة في وجوده فهذا إذا سلمت المقدمات كلها وهو أن ~~الفلك يتحرك بالإرادة وأن المتحرك بالإرادة لا وجود له إلا بحركته وأن ~~حركته لا بد لها من معشوق منفصل لم يثبت إلا مجرد كون ذلك شرطا في وجوده لا ~~علة تامة لوجوده فكيف إذا قيل إن المقدمات الثلاث باطلة كما هو مذكور في ~~موضعه # ثم قال فهذا هو الأفضل من أن تكون العلة الأولى علة وجود هذا العالم في ~~زمان # قال وكان يجب من هذا أن الأشياء الموجودة لم يكن لها بتة وجود ثم أخرجت ~~إلى الوجود فيلزم من ذلك أن يكون لوجود العالم علة أخرى مشاركة للعلة ~~الأولى فيه أو فوق العلة الأولى لأنه إن لم يكن للعلة الأولى في إخراج ~~العالم إلى الوجود ms1973 أمر من الأمور ولا ها هنا علة تعين أو تدعو العلة الأولى ~~إلى إخراج العالم إلى الوجود غير ذاتها ولا علة ترتبها PageV09P280 وتعوقها ~~فليس لتأخر وجود العالم عن وجود ذات العلة الأولى سبب يوجبه فكيف يمكن أن ~~يتأخر وجود زمانا بلا نهاية ثم يخرج إلى الوجود كحال من كان نائما فانتبه # فيقال لهؤلاء الذين مثلهم كما قال عبد الله بن عمر لما سأله بعض الناس عن ~~المحرم يقتل البعوض انظروا إلى هؤلاء يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكما يقال عن بعض الناس إنه كان يزني بامرأة وهو صائم فقال لها غطي وجهك ~~فقد كره العلماء القبلة للصائم # وكما يقال عن بعض النصارى إذ قال لبعض المسلمين أنتم تقولون إن راعيا هو ~~رسول الله فيقال له أنتم تقولون إن جنينا في بطن أمه هو الله # ونظائر هذه الأمثال كثيرة التي ينكر فيها الرجل شيئا وقد التزم ما هو ~~أولى بالإنكار منه # فإن هؤلاء قالوا إذا كان العالم محدثا بعد أن لم يكن لزم افتقار العالم ~~إلى شيء غير العلة الأولى وهم لم يذكروا أن العلة الأولى أبدعت العالم أصلا ~~بل قولهم مضمونه إن العالم أبدعه غيرها أو هو واجب آخر بنفسه ليس هو مبدع ~~ولكن هو محتاج اليها احتياج المحب إلى محبوبه وهم لم يثبتوا هذا الاحتياج ~~إلا بمقدمات إذا حقق الأمر عليهم فيها ظهر جهلهم وتناقضهم فغاية ما أثبتوه ~~ليس فيه أن العالم إبدا الأول أصلا مع أنهم ينكرون على من جعله محدثا ~~للعالم لكون الحادث يفتقر إلى سبب حادث فهل يكون أعظم تناقضا من مثل هذا ~~القول PageV09P281 # ثم يقال الأجسام المتحركة إما أن تكون أو شيء منها واجب الوجود بذاته ~~وإما ألا تكون ولا شيء منها واجب الوجود بذاته # فإن كان منها شيء واجب الوجود بذاته بطل ما أثبتوه من أن الواجب بنفسه ~~وهو العلة الأولى لا يمكن أن يتحرك إذ كان على هذا التقدير قد قيل إن شيئا ~~واجبا ms1974 بنفسه وهو متحرك # وعلى هذا التقدير فلا يبقى لهم طريق إلى إثبات محرك لا يتحرك إذا أمكن أن ~~يكون الواجب بنفسه متحركا # وإن لم يكن في الأجسام المتحركة ما هو واجب بنفسه فقد ثبت أن الأفلاك ~~المتحركة كلها ممكنة مفتقرة إلى واجب يكون فاعلا مبدعا لها سواء قيل إنها ~~قديمة أو حادثة فإن الممكن لا بد له من فاعل سواء قيل بقدمه أو حدوثه إذ ~~كان لا يكون بنفسه # ولو قيل إنه لا فاعل له ولا مبدع كان واجبا بنفسه فالشيء إما أن يكون ~~وجوده بنفسه وإما أن يكون وجوده بغيره فالأول هو الممكن بنفسه والثاني هو ~~الواجب بنفسه # وقد نازعهم من نازعهم في أن الممكن لا يجوز أن يقارن وجود الواجب بل لا ~~بد من تأخره عنه # لكن ليس مقصودنا في هذا المقام منازعتهم في ذلك بل نتكلم على تقدير ما ~~يدعونه من أن الممكن يقارن وجوده وجود الواجب مع كونه معلولا موجبا له ~~صادرا عنه وهم يسمون الواجب علة ومبدعا وفاعلا وقد يسمونه محدثا لكن هذه ~~تسمية بعض من أظهر الإسلام منهم لئلا PageV09P282 يخالف المسلمين في الظاهر ~~كما فعل ذلك ابن سينا وغيره # لكن بكل حال لا بد للممكن الذي لا يوجد بنفسه من موجب يوجبه بل يوجب ~~صفاته وحركاته لا يكفي في وجوده مجرد وجود محبوبه بل لا بد من موجب لذاته ~~وصفاته بل وموجب لنفس حبه # ثم إذا قيل إنه محب لشيء منفصل عنه لزم احتياجه إلى المحبوب وأما كون ~~مجرد المحبوب هو المبدع له الموجب لذاته وصفاته وأفعاله من غير اقتضاء ولا ~~إيجاب ولا إبداع من المحبوب بل لمحض كونه محبوبا فهذا مما يعرف ببديهة ~~العقل فساده # وهم وكل عاقل يفرق بين العلة الغائية والعلة الفاعلة فالمحبوب يقتضي ثبوت ~~العلة الغائية ولا بد من علة فاعلية فإن جعلوا المحبوب هو العلة الفاعلية ~~لزم كونه مبدعا له وهو المطلوب وحينئذ يخاطبون على هذا التقدير بما يبين ~~فساد قولهم # وإن لم يجعلوه مبدعا له لم يكن لهم ms1975 دليل على إثبات علة فاعله لوجود ~~العالم وقيل لهم افتقار الممكن إلى مبدع له ولصفته ولحركته أبين من افتقاره ~~إلى محبوب له # قال ثابت بن قرة وأرسطو طاليس ليس ينكر هذا الرأي المجدد والظن الذي يظنه ~~كثير من الناس من أنه يلزم من رأى أرسطو أن العالم أبدي أن يكون غير معلول ~~في جوهره لعلة خارجة عنه ظن كاذب # فيقال له الذين يظنون هذا يقولون إن هذا لازم لأرسطو لأنه لم يثبت أن ~~العالم معلول بعلة فاعلة مبدعة له وإن كان مقارنا لها بل إنما PageV09P283 ~~أثبت بما ادعاه من المقدمات أنه لا بد من محبوب يتحرك لأجله وليس مجرد كون ~~الشيء محبوبا يوجب أن يكون علة فاعلة مبدعة لمحبه فلهذا ألزموه ذلك # ثم هذا اللازم له إن اعتقده وإن لم يعتقده يقتضي بطلان قوله لأنه إذا كان ~~العالم واجبا بنفسه ليس له مبدع مع كونه مفتقرا إلى محبوب له كما يقول ~~أرسطو لزم كون الواجب بنفسه مفتقرا إلى شيء منفصل عنه في بعض صفاته # وحينئذ فإذا قيل بأن الواجب المبدع للعالم مفتقر إلى شيء بعينه على إبداع ~~العالم لم يكن باطلا على هذا القول الذي يلزم أرسطو # وأيضا فعلى هذا التقدير إذا كان الواجب بنفسه متحركا لغيره فلأن يكون ~~متحركا لنفسه أول وأحرى وأرسطو أبطل كون الأولى متحركا بحجج تنقض مذهبه # قال ثابت وأرسطو طاليس يقول فإن كان الأمر كما يظن من رأى أن للعالم ~~ابتداء زمانيا فما العلة التي أوجبت أو دعت إلى إخراج العالم إلى الوجود ~~بعد أن لم يكن موجودا زمانا بلا نهاية وما هذه العلة الباعثة للعلة الأولى ~~على ذلك وما كانت العلة المرتبة # فيقال له هذا كله يبين فساد قولك فإنه يقال إما أن يكون العالم واجب ~~الوجود بنفسه وإما أن يكون ممكنا فإن كان واجبا بنفسه فما العلة التي أوجبت ~~أو دعت إلى إحداث ما فيه من الحوادث وحركته المتحددة وتحريكه لما يحركه وما ~~هذه العلة الباعثة للواجب بنفسه على PageV09P284 ذلك وما كانت العلة ms1976 ~~المرتبة له عن إحداث الحوادث المتأخرة فإنه لا يزال تحدث فيه أمور بعد أمور ~~فما الموجب لتأخر هذه الحوادث بعد أن لم تكن حادثة # فأي شيء أجاب به عن ذلك كان جوابا له # فإن قال ليستكمل الشروط التي بها تتم الحوادث فقد جوز أن يكون فعل الواجب ~~الوجود لا يتم إلا بشروط تحدث وحينئذ فيجوز أن يقال إن الموجب لتأخر فعله ~~للعالم لتتم شروط إحداثه للعالم إذ كان فعل الواجب بنفسه على هذا التقدير ~~قد يتوقف على الشروط التي بها يحدث # وإن قال إن العالم ممكن # قيل له فلا بد له من واجب فعله وحينئذ فقد فعله على الوجه الذي هو عليه ~~من تأخر الحوادث فما الذى اوجب للفاعل ان يؤخر ما حدث من الحوادث وما الذي ~~دعاه إلى إخراج الحوادث إلى الوجود بعد أن لم تكن وما العلة الباعثة للفاعل ~~إلى ذلك # وأيضا فيقال لهم إن كان ممكنا صادرا عن الواجب فما الذي أوجب الأول أن ~~يفعله وما الذي دعاه إلى ذلك # فإن قالوا مجرد ذاته المجردة أوجبت ذلك # قيل فإذا كانت موجبة لما يصدر عنها لا يقف شيء من فعلها على غير الذات ~~المجردة وجب اقتران كل ما صدر عنها بها ووجب اقتران الصادر عن الصادر به ~~فحينئذ لا يتأخر شيء عن العالم بل يكون كله PageV09P285 بجميع أجزائه قديما ~~ملازما للذات المجردة وهو خلاف الحس والمشاهدة # وأيضا فيقال له فعل الأول إما أن يقف على داع وإما أن لا يقف على داع فإن ~~وقف على داع قيل لك ما الداعي الموجب لإبداعه للعالم على ما هو عليه من ~~الأمور المختلفة والحادثة وإن لم يقف على داع جاز أن يحدث ما حدث بلا داع ~~ولم يجب أن يكون لفعله علة # قال ثابت ويلزم أهل هذا الرأي أن يكون في المبدأ الأقصى الذي عنده يتناهى ~~الأبد في ابتداء كل فعل ما هو بالقوة وما بالقوة ليس يخرجه ما هو له بالقوة ~~بغير علة داخلة عليه من خارج يصير معلولا لها ms1977 في تلك الجهة لأنه إن كان ليس ~~لإخراج ما هو له بالقوة إلى الفعل سبب غير ذاته فيجب أن يكون وجوب ذلك ~~الأمر بالفعل مع وجود تلك الذات المخرجة له وذلك الشيء غير متأخر عن وجودها ~~وإن كان له سبب غير ذاته فإذن تكون العلة الأولى والمبدأ الأول ليس بمبدأ ~~أول على الحقيقة لأنه يحتاج حينئذ إن كانت تلك حاله إلى مبدأ آخر وأيضا ~~فيلزم جوهر العلة الأولى وإن كان لها ما هو بالقوة حينا لم يخرج إلى الفعل ~~حينا تغير وهذا أمر قد أضرب عنه سائر القدماء فينبغي أن يسلم لأرسطو طاليس ~~أن العلة الأولى على غاية ما يمكن من التمام والكمال وكما أنه ليس يمكن منه ~~في مادة من المواد أن تؤخرها الطبيعة لحظة من غير أن يعمل منها أجود ما ~~ينعمل من مثلها ما لم يعتور ذلك شيء من خارج كذلك يرى أرسطو طاليس أن الأمر ~~واجب في جملة أمر العالم أي في وجود جملته إذ كان بإمكانه لم يزل والإمكان ~~له بمنزلة المادة # فيقال له جواب هذا من وجوه PageV09P286 # أحدها أن يقال خروج ما بالقوة إلى الفعل إما أن يفتقر إلى علة من خارج ~~وإما أن لا يفتقر فإن لم يفتقر بطل هذا الكلام وإن افتقر فإما أن يفتقر إلى ~~علة خارجة فاعلة أو علة غائية أو كلاهما والافتقار إلى علة غائية وحدها غير ~~كاف لأن ما بالقوة إذا لم يخرج إلى الفعل إلا بعلة من خارج فلا بد أن يكون ~~علة لوجود كونه فاعلا وإلا مجرد المحبوب بدون ما به يفعل المحب مطلوبه لا ~~يوجب وجود الفعل # ولهذا إذا كان المحب غير قادر على الفعل لم يتحرك إلى المحبوب وتحركه إلى ~~المحبوب هو ممكن ليس بممتنع ولا واجب بنفسه والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا ~~بمرجح تام يستلزم وجود الممكن فلا بد لفاعلية الممكن من مرجح تام الفاعلية ~~وذلك هو الفعل إذ مجرد الغاية ليس مرجحا # تاما وإن افتقر خروج ما بالقوة إلى الفعل إلى ms1978 علة من خارج علة فاعله أو ~~علة فاعلة وغائية # قيل له فحركة الجوهر الجسماني حينئذ تفتقر إلى فاعل خارج عنها وحينئذ ~~فذاك الفاعل لم يكن فاعلا لتلك الفاعلية في الأزل إذ لو كان كذلك للزم وجود ~~جميع الحركات والحوادث في الأزل لوجود فاعلها التام فتعين أنه صار فاعلا ~~لتلك الحوادث بعد أن لم يكن فاعلا # فيلزم حينئذ إذ جعل الممكن مفتقرا إلى علة خارجة أن تكون العلة صارت علة ~~لفاعليته بعد أن لم تكن علة وهذا قد يستدل به على العلية مطلقا سواء جعلت ~~فاعلية أو غائية # فإنه يقال كل ما حدث من الحوادث فإنه يمتنع وجود علته التامة في ~~PageV09P287 الأزل فإذن قد حدثت عليته علية الفاعل والغاية بعد أن لم تكن ~~فيجب أن يكون الأول قد صار علة فاعلية وغائية بعد أن لم يكن لكل ما يحدث ~~على قولكم وهذا يبطل ما ذكرتموه فيه # ثم يقال إذا كان هذا جائزا فيه جاز أن يكون حدوث الأفلاك لحدوث علية ~~حدوثها وأن تكون قبلها حوادث قائمة به أو منفصلة عنه متعاقبة ليس فيها ما ~~هو قديم بعينه # الوجه الثاني أن يقال لم قلت إن ما هو بالقوة لا يخرجه فاعله بغير علة ~~منفصلة قوله لأنه إن لم يكن لإخراجه سبب غير ذاته فيجب أن يكون مقارنا ~~للذات وإن كان له سبب غير ذاته لم تكن العلة الأولى مبدأ أولا على الحقيقة # فيقال له وأنت لم تجعل الأول مبدأ لوجود ما سواه بمعنى أنه فاعل له مبدع ~~وإنما جعلته مبدأ بمعنى أنه محبوب معشوق ومجرد كونه محبوبا معشوقا لا يوجب ~~وجود المحب وذاته وصفاته وأفعاله فليس الأول على ما ذكروه وحده مبدأ بل ما ~~ذكرته أبعد عن كونه مبدأ لأن كونه فاعلا يتوقف فعله على شيء من غيره أقرب ~~إلى كونه مبدأ من كونه ليس إلا مجرد كونه محبوبا # الثالث أن يقال ما تعني بقولك إن كان ليس لإخراجه سبب غير ذاته أتعني به ~~ذاتا مجردة عن فعل يقوم بها أم ذاتا ms1979 موصوفة بفعل يقوم بها PageV09P288 # فإن عنيت الأول كان اللازم أن الذات المجردة عن الفعل ليست مبدأ أول ولا ~~علة أولى وهم يلتزمون هذا فإن الذات المجردة من الفعل لا حقيقة لها عندهم ~~وهم يمنعون إن يكون الأول كذلك # وإن عنيت الثاني لم يلزم أن يكون المبدأ الأول ليس بمبدأ أول لأنه إذا ~~كان مبدأ بما هو عليه من صفاته وأفعاله التي لا يحتاج فيها إلى غيره كان هو ~~المبدأ الأول من غير احتياج إلى غيره # الوجه الرابع أن يقال العالم إن كان واجب الوجود بنفسه مع كونه مفتقرا ~~إلى محبوب كان واجب الوجود معلولا من بعض الجهات فجاز حينئذ أن يكون ~~المحبوب الأول مع وجوب وجوده بنفسه من خارج ما يصير به فاعلا فإن العالم ~~حينئذ واجب الوجود وله من خارج ما به يصير فاعلا وإن كان ممكن الوجود بنفسه ~~لم يوجد إلا بمبدع فاعل يبدعه فالإبداع فعل من المبدع وصنع وأنت لم تجعل ~~الأول إلا محبوبا فقط # وأيضا فإذا كان الأول فاعلا مبدعا للعالم بما فيه من الأمور المختلفة ~~المحدثة امتنع أن يكون صانعا بالفعل لها في الأزل لأن ذلك يستلزم وجود كل ~~من المحدثات في الأزل وهو مكابرة للحس # فيلزم أنه كان صانعا بالقوة ثم صار صانعا بالفعل من غير سبب خارج عنه إذ ~~الخارج عنه كله على هذا التقدير ممكن مفعول له ففعله له لو توقف على تأثير ~~فيه لزم الدور PageV09P289 # ومن تدبر هذه الوجوه وما يناسبها تبين له فساد قول هؤلاء في رب العالمين ~~وأن الحق ليس إلا ما جاء عن المرسلين بالعقل الصريح المبين # وأما قوله وأيضا فيلزم جوهر العلة الأولى تغير وهذا أضرب عنه القدماء ~~فجوابه من وجوه # أحدها أن صدور التغير عن غير المتغير إما أن يكون ممكنا وإما أن يكون ~~ممتنعا فإن كان ممكنا بطلت هذه الحجة ثم يجوز أن يقال كان بحيث لا يصدر عنه ~~شيء ثم صدر عنه شيء من غير تغير كما يقول ذلك كثير من أهل النظر # وإن ms1980 كان ممتنعا قيل له فالعالم المتغير إما أن يكون صادرا عنه وإما أن لا ~~يكون فإن كان صادرا عنه لزم أن يكون متغيرا وإن لم يكن صادرا عنه فهو إما ~~واجب بنفسه وإما ممكن # فإن كان واجبا بنفسه وهو مع ذلك متغير فقد لزم أن يكون الواجب بنفسه ~~متغيرا وإن كان ممكنا بنفسه لزم أن يكون الممكن قد وجد بلا موجب وهذا مع ~~اتفاق العقلاء على فساده فهو معلوم الفساد بالضرورة # ثم من جوز أن يوجد الممكن بلا فاعل فلأن يجوز تغير الواجب أولى وأحرى لأن ~~هذا فيه مصير ما ليس بشيء شيئا من غير فاعل فلأن يصير شيئا بفاعل متغير ~~أولى وأحرى # الوجه الثاني قولك هذا أمر أضرب عنه سائر القدماء لو كان PageV09P290 هذا ~~النقل حقا لم ينفعك لأنه لا حجة في إضراب من ليس بمعصوم وأنت لو احتج عليك ~~محتج بنصوص الأنبياء وهو ممن يعتقد عصمتهم وقد قام الدليل عنده على ذلك لم ~~تقبل حجته فلأن لا يقبل منك قول قوم توافقه أنت على عدم عصمتهم أولى وأحرى ~~فكيف وهذا النقل ليس صحيحا # بل كثير من القدماء ومن المتأخرين جوزوا أن تقوم بالأول أمور يشاؤها ~~ويقدر عليها بل صرحوا بأنه متحرك وأنه تقوم به إرادات حادثة وعلوم حادثة ~~وغير ذلك كما تقدم فإن لم يبطل قولهم بحجة عقلية لم يكن ما ذكرته حجة # الثالث أن يقال ما تعني بالتغير أتعني به استحالته كاستحالة الجسم من ~~صورة إلى صورة أو تعني به كونه يفعل ما لم يكن فاعلا له # فإن عنيت الأول منعت المقدمة الثانية فإن المتحركات التي يخرج منها ما ~~بالقوة إلى الفعل كالأفلاك لا تستحيل صورتها بذلك # وإن عنيت الثاني قيل لك هذا لا يسمى تغيرا أو لا نسميه تغيرا وإذا سميته ~~تغيرا لم يكن في مجرد تسميتك له ولا تسميتنا له إذا وافقناك على التسمية ما ~~يمنع جوازه # فإن مجرد الألفاظ لا تثبت بها المعاني العقلية فلم قلت إن هذا المعنى ~~ممتنع # بل هذا هو نفس ms1981 المتنازع فيه لكن بدلت العبارة عنه أفبأن بدلت PageV09P291 ~~العبارة عنه صادرت عليه وجعلته مقدمة في إثبات نفسه ونحن لا نعني بالتغير ~~إلا كونه يفعل ما لم يكن فاعلا # الوجه الرابع أن يقال لك نحن نشاهد حدوث الحوادث وأنت تسمي ذلك إخراج ما ~~بالقوة إلى الفعل فلا بد حينئذ في حدوث الحوادث من إخراج ما بالقوة إلى ~~الفعل فمحدثها أخرج ما بالقوة إلى الفعل والمحدث لإحداثه الذي جعله يخرج ما ~~بالقوة إلى الفعل كذلك وهلم جرا فإن قدرت مع هذا محدثا لفاعليته غير مخرج ~~ما بالقوة إلى الفعل بطلت حجتك # وإن جعلت الأول أخرج ما بالقوة إلى الفعل بطل أيضا دليلك # وإن ادعيت أن بعض الفاعلين يخرج ما بالقوة إلى ما بالفعل دون الآخر بطل ~~دليلك فهو باطل على كل تقدير # وذلك أنه يلزمه أحد أمرين كلاهما يبطل قوله فإنه إن أثبت فاعلا يخرج ما ~~بالقوة إلى الفعل من غير سبب من خارج أمكن أن يكون الأول كذلك فبطل قوله # وإن لم يجوز أن يكون فاعلا يخرج ما بالقوة إلى الفعل إلا بسبب من خارج ~~لزمه أن يكون كل فاعل للحوادث لم يحدث فاعليته إلا بسبب أخرج ما بالقوة إلى ~~الفعل فإن كان الأول كذلك لزم التسلسل الممتنع وإن لم يكن كذلك كان الأول ~~مخرجا لما بالقوة إلى الفعل من غير سبب من خارج وذلك يبطل قوله PageV09P292 # قال فينبغي أن يسلم لأرسطو طاليس أن العلة الأولى على غاية ما يمكن من ~~التمام والكمال # فيقال له أولا أرسطو لم يثبت علة أولى مبدعة للعالم ولا فاعلة له وإنما ~~أثبت علة غائية له ولم يقم على ذلك دليلا فهو مع أنه لم يذكر إلا جزء علة ~~لم يقم عليه دليلا فأي تمام وكمال أثبته للعلة الأولى # واما أهل الإثبات فيقولون نحن نثبت للأول غاية ما يمكن من التمام والكمال ~~بما نثبته له من صفات الكمال وأفعاله سبحانه وتعالى فنحن أحق بوصفه بالكمال ~~من وجوه لا تحصر # وإذا قال القائل فلم تأخر ما تأخر ms1982 من مفعولاته # قلنا هو لازم على القولين فلا يختص بجوابه # ثم يقال الموجب لذلك ما تقول أنت في نظيره في تأخر الحوادث مثل استجماع ~~الشروط التي بها يصلح كون الحادث مفعولا أو بها يمكن كونه مفعولا فإن عدمه ~~قبل ذلك قد يكون لعدم الإمكان وقد يكون لعدم الحكمة الموجبة تأخره إذ لا بد ~~في الفعل من القدرة التامة والإرادة التامة المستلزمة للحكمة # وأما قوله كما أنه ليس يمكن أن تؤخر الطبيعة فعلها في المادة القابلة إلا ~~لعائق فكذلك الأمر في العالم إذا كان بإمكانه لم يزل والإمكان له بمنزلة ~~المادة PageV09P293 فيقال أولا أنت لم تثبت له فعلا ولا إبداعا بل الطبيعة ~~عندك تفعل والأول لم يثبت إلا كونه محبوبا للتشبه به وأثبت ذلك بلا دليل # ويقال لك ثانيا إن كان مجرد الإمكان موجبا لكون الممكن مقارنا للواجب لزم ~~أن يكون كل ما يمكن وجوده أزليا وهذه مكابرة للحس والعقل # فإن قلت إن بعض الممكنات توقف على شروط أو يكون له مانع # قيل لك فحينئذ ما المانع أن يكون إبداع الأول للعلل متوقفا على شروط أو ~~له مانع مع كونه الأول لم يزل يفعل أفعالا قائمة بنفسه أو مفعولات منفصلة ~~عنه كما يقوله أساطين أصحابك من الفلاسفة المتقدمين على أرسطو أو غيرهم # ويقال لك ثالثا إن كان العالم واجبا لنفسه فقد تأخر كثير من أفعاله فيلزم ~~أن يتأخر ما يتأخر من فعل الواجب بنفسه وإن كان ممكنا بنفسه ففاعله قد أخر ~~كثيرا مما فيه من الأفعال # وعلى كل تقدير فقد تأخر عن الواجب بنفسه ما تأخر من مفعولاته فعلم أنه لا ~~يلزم مقارنة مفعولاته كلها له وإذا جاز تأخر ما يتأخر من مفعولاته فلم لا ~~يجوز أن تكون الأفلاك من ذلك المتأخر # قال إلا أن قوما يرون أنه يجب مع هذا أعني من وجوب وجود العالم مع العلة ~~الأولى أن لا يكون صنع إرادي للعلة الأولى في وجود PageV09P294 العالم كما ~~لا صنع لها في وجود جوهرها إذ كان وجود العالم غير ms1983 ممكن تأخره عن وجود جوهر ~~العلة الأولى فيكون وجوده لازما اتباعه لوجود العلة الأولى فتكون العلة ~~الأولى علة طبيعية للعالم ومتممة له فيكون القياس في ذلك كالقياس فيما ~~يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته إذ وجود ذلك مع وجود جوهر الفلك لا سيما وأرسطو ~~طاليس يقول إن المحرك الأول هو علة حركة كل ما في الكون بالتشوق # فالأولى على ظاهر الأمر أن يكون الشيء المتشوق إليه تشوق بجهة طبيعته لا ~~بإرادته لأنه قد يمكن أن يكون المعشوق المتشوق إليه نائما أو غير ذي إرادة ~~وهو يحرك المشتاق إليه والعاشق له إلا أنه ينبغي أن يترك أمر العلة الأولى ~~في جوهرها وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه # فإذن ليس يؤثر جوهر هذه العلة أثرا ولايفعل فعلا منقلبا عن قصدها ~~وإرادتها ولا دون إرادتها إذ ليس في هذه الذات نقص يحتاج فيه إلى تمام من ~~خارج ولا فوق جوهرها أمر تقتبس منه ازديادا في شيء من حاله ولا يعرض لها ~~أمر تحتاج إلى استدفاعه فجوهرها إذن ليس فيه شوق إلى شيء ولا منافرة لشيء ~~ولا قبول لتغيير ولا لحدوث شأن متجدد له # فليس يوجد إذن أمر يحدث هذه الذات بالطبع وبغير إرادة وليس يوجد إذن أمر ~~يدعو هذه الذات إلى حال أو شأن ليس هي المبدأ الأول له والعلة فيه # وبالجملة فكل ما كان له ما هو بالطبع على الجهة الطبيعية التي ~~PageV09P295 بنحوها فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا ~~تملكها إرادته والمشتاق معلول من جهة شوقه للشيء المشوق له والشيء المشوق ~~له مبدأ له في ذلك الشوق ومن جهة أنه هو له علة تمامية من جهة من الجهات # وليس يليق هذا الأمر ألبتة بالمبدأ الأول ولكنه مبدأ لكل طبيعة ولكل شوق ~~ولكل حركة # هذا كلامه ولقائل أن يقول هذا الكلام قد كشف فيه قوله ومذهبه وقد تبين في ~~ذلك من التناقض والفساد ما يطول ذكره بالوصف والتعداد وذلك من وجوه # أحدها قول أرسطو إن ms1984 المحرك الأول هو علة كل ما في الكون بالتشوق والمتشوق ~~إليه إنما تشوق بجهة طبيعته لا إرادته ولأنه قد يكون المعشوق المتشوق إليه ~~نائما أو غير ذي إرادة وهو يحرك المشتاق إليه والعاشق له إلا أنه ينبغي أن ~~يترك أمر العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يوجد ~~شيء عليه فإذن ليس يؤثر أثرا ولا يفعل فعلا لا عن إرادتها ولا بدون إرادتها ~~إلى آخر كلامه # فيقال له قد صرحتم في كلامكم بأن الأول ليس له فعل بإرادة ولا بدون إرادة ~~ولا تأثير في العالم أصلا إلا من جهة كونه معشوقا متشوقا إليه والمعشوق ~~المتشوق إليه لا يجب أن يكون شاعرا بالعاشق ولا مريدا له ولا قادرا على فعل ~~يفعله به بل الجمادات تحب ويشتاق إليها كما PageV09P296 يشتاق الجائع إلى ~~الطعام والعطشان إلى الشراب والبردان إلى الثياب والضاحي في الشمس إلى ~~الظلال # ثم إنكم مع هذا لم تذكروا على ذلك دليلا صحيحا ولكن نحن نخاطبكم بما ~~أقررتم به # فيقال إذا كان بهذه المثابة لم يكن علة للعالم ولا مبدأ له ولا فاعلا له ~~ولا مؤثرا فيه أثرا فبطل قولكم إنه علة العلل وإنه المبدأ الأول # قولكم إنه علة طبيعية للعالم ومتممة له غاية ما في الباب أن العالم يكون ~~محتاجا إليه من كونه مشتاقا إليه والشيء المشتاق إليه لا يجب أن يكون هو ~~المبدع المشتاق ولا الفاعل له ولا يكون مؤثرا فيه كما اعترفتم به وكما هو ~~معلوم لكل عاقل # فإن كون الشيء علة غائية لا يستلزم أن يكون علة فاعلية لا سيما وإنما هو ~~علية من جهة أن الفلك يجب التشبه به فهذا مع ما فيه من جحد وجود واجب ~~الوجوب المبدع للعالم فيه من تناقض قولكم ما قد تبين # وسنبين إن شاء الله فرقهم بين العلة الأولى وبين العالم القديم بأنه جسم ~~وأن الجسم لا تكون فيه قوة غير متناهية وما ذكروه في ذلك # الوجه الثاني أن يقال هذا القول الذي قلتموه يبطل حجتكم ms1985 على قدم العالم ~~أيضا فإنه إذا لم يكن مؤثرا في العالم وعلة له ومبدأ ومحركا له إلا من جهة ~~كونه محبوبا شائقا معشوقا أمكن تأخر وجود العالم عن وجوده فإن الشيء ~~المشتاق إليه قد يتأخر عنه ما يشتاقه والشيء PageV09P297 المشتاق إليه هو ~~مستلزم لوجود المشتاق بل الأمر بالعكس فالمشتاق إليه غني عن المشتاق ~~والمشتاق محتاج إلى المشتاق إليه # وحينئذ فيمكن وجود الأول للمشتاق إليه بدون وجود العالم المشتاق ثم بعد ~~هذا يوجد العالم المشتاق ولا يقدح ذلك في كمال المشتاق إليه # فإن قلتم فما الموجب لوجود العالم بعد هذا # قيل لكم هو الموجب لوجوده قبل هذا على أصلكم فإنكم لم تثبتوا للعالم ~~مبدعا فاعلا وحينئذ فلا فرق بين تقدم وجوده وبين تأخره إلا أن تقولوا إنه ~~واجب الوجود بنفسه # وإذا قلتم إن العالم مع احتياجه إلى المعشوق الغني عنه واجب الوجود بنفسه ~~كان قولكم أعظم تناقضا # ونحن نبين ذلك بالوجه الثالث فنقول إذا أثبتم للعالم وعلته المعشوقة له ~~التي يجب التشبه بها وتتحرك لاستخراج ما فيه من الأيون والأوضاع لأن ذلك ~~غاية التشبه بها فإما أن تقولوا هذا واجب الوجود بنفسه أو تقولوا إن أحدهما ~~ممكن بنفسه لا يوجد إلا بالواجب بنفسه # فإن قلتم بالأول ثبت أن العالم المحتاج إلى محبوبه واجب الوجود بنفسه مع ~~كونه معلولا من هذه الجهة وكونه ذي إرادة وشوق وكونه يؤثر آثارا ويفعل ~~أفعالا بالإرادة PageV09P298 # وقد قلتم إن هذا لو كان في الأول لكان نقصا يحتاج فيه إلى تمام من خارج ~~فقد أثبتم في الواجب بنفسه نقصا يحتاج فيه إلى تمام من خارج فإن كان هذا ~~جائزا في الواجب بنفسه لم يمتنع هذا في الأول المعشوق بل جاز مع وجوبه ~~بنفسه أن يكون أيضا عاشقا مريدا مؤثرا فاعلا فيه على أصلكم نقص يحتاج فيه ~~إلى تمام من خارج # وإذا كان هذا غير ممتنع في الواجب بنفسه بطل ما ذكرتموه من امتناع ذلك ~~عليه # وأيضا فإذا جاز ذلك عليه لم يكن أحدهما بكونه عاشقا والآخر معشوقا ms1986 أولى ~~من العكس بل يمكن أن يكون كلاهما محبا للآخر مشتاقا إليه # وبتقدير أن يكون هو المحب للعالم المريد له يكون هو المحدث لما فيه من ~~الحركات # ثم على هذا التقدير لا يجب أن تكون الأفلاك هي الواجبة بنفسها بل يمكن أن ~~يقال هناك واجب بنفسه غيرها ثم إن أحد الواجبين أحدث الأفلاك لما حدث له من ~~الشوق كما تقولون فيما يحدث بحركة الفلك # وفي الجملة إذا قالوا إن العالم واجب الوجود بنفسه نقضوا كل ما ذكره في ~~المبدأ الأول ولم يكن لهم حجة على الطبيعية الذين ينكرون الأول # والطبيعية الذين يقولون العالم واجب بنفسه قولهم أفسد من قول هؤلاء ~~الإلهيين منهم كلهم كما قد بين فساد قولهم في غير هذا الموضع PageV09P299 # لكن فساد أقوالهم يظهر من وجه آخر من غير التزام صحة قول الإلهيين بل قول ~~كلا الطائفتين باطل متناقض يعلم بطلانه وتناقضه بصريح العقل # وإن قال هؤلاء الإلهيون إن العالم ممكن الوجود بنفسه فلا بد أن يكون هناك ~~واجب هو علة فاعلة له لا يكفي في وجوده ما هو مشتاق إليه فإن ما لا وجود له ~~من نفسه ليس له من نفسه لا صفة ولا شوق ولا حركة ولا شيء من الأشياء فلا بد ~~لكم من إثبات مبدع للممكن قبل إثبات شوقه إلى غيره ثم يبقى النظر بعد ذلك ~~في قدمه وحدوثه نظرا ثانيا # الوجه الرابع أن يقال قولهم أولا إن قوما يرون أنه يجب من هذا أي من وجوب ~~وجود العالم مع العلة الأولى ألا يكون صنع إرادي للعلة الأولى في وجود ~~العالم كما لا صنع لها في وجود جوهرها إذا كان وجود العالم غير ممكن تأخره ~~عن وجود جوهر العلة الأولى إلى آخره # فيقال لكم إرادة العلة الأولى إما أن يستلزم تأخر فعلها للعالم أو يجوز ~~مع ذلك تقدم فعلها للعالم فإن كانت الإرادة تستلزم تأخر المراد لزم تأخر ~~العالم المشتاق صاحب الإرادة والشوق فإن العالم عندكم قديم له إرادة وشوق ~~قديم فإن كان القديم لا ms1987 يكون له شوق وإرادة بطل قولكم بقدم العالم مع القول ~~بشوقه PageV09P300 # وإن كان القديم يمكن أن يكون له إرادة وشوق أمكن أم يكون الأول له إرادة ~~وشوق مع قدمه وأن يكون صانعا للعالم صنعا إراديا وهذا أيضا يبطل قولكم # الوجه الخامس أن يقال القديم إما أن يجوز أن يكون له إرادة وإما ألا يجوز ~~فإن لم يجز امتنع كون العالم قديما مريدا وحينئذ فلا يبقى لكم حجة على ~~إثبات المبدأ الأول فإنكم إنما أثبتموه بأنه معشوق للعالم المتحرك بالإرادة ~~مع قدم العالم فإذا امتنع كون القديم مريدا لم يلزم أن يكون هناك معشوق ~~قديم فلا يبقى دليل على ثبوته وإن جاز أن يكون القديم مريدا جاز كون الأول ~~مريدا وبطل قولكم إنه لا صنع إرادي للعلة الأولى # فأنتم بين أمرين إما سلب الإرادة عن العالم القديم وإما إثباتها للأول ~~القديم وأيهما قلتم بطل قولكم ببطل قولكم وسنتكلم إن شاء الله على فرقهم # بل يقال في الوجه السادس إنكم لو أثبتم الإرادة للأول القديم وسلبتموها ~~عن الفلك كما يقول ذلك من يقوله من أهل الملل كان أقرب إلى المعقول من ~~إثباتها للفلك ونفيها عن العلة الأولى فإن صريح العقل يعلم أن العلة ~~والمبدأ الأول أولى أن يكون مريدا من المعلول الثاني فإن الفعل إن لم ~~يستلزم إرادة لم تستلزم حركة الفلك إرادة وإن استلزم إرادة فالعلة الفاعلة ~~أولى بالإرادة من المعلول المفعول # ألا ترى أن المعلولات قد تكون جامدة كالعناصر والنباتات التي لا إرادة ~~لها PageV09P301 # يبين ذلك أن الحركات ثلاثة الطبيعية والقسرية والإرادية فالقسرية تابعة ~~للقاسر والطبيعية لا تكون إلا إذا خرج الجسم عن مركزه فيميل بطبعه إلى ~~مركزه فكلاهما عارضة وإنما الحركة الأصلية هي الإرادية # وإذا كان كذلك فالمعلول المفعول يحتاج إلى إرادة فاعلة أعظم من حاجته إلى ~~كونه هو مريدا فإنه إذا كانت جميع الحركات مستندة إلى الإرادة فمن المعلوم ~~أن احتياجها إلى إرادة الفاعل أعظم من احتياجها إلى إرادة المفعول # فإن قالوا الفلك عندنا ليس بمعلول عن واجب ms1988 مبدع بل هو قديم واجب بنفسه ~~كان ما يلزمهم على هذا التقدير مثل جعل الواجب بنفسه جسما متحيزا تحله ~~الحوادث مفتقرا إلى علة يتشبه بها وسائر اللوازم أعظم مما فروا منه # الوجه السابع أن يقال الممكن لا يوجد إلا بفاعل ويمكن وجوده بدون كونه ~~مشتاقا فوجوده مشروط بالفاعل له ليس مشروطا بكونه مشتاقا فكيف يجوز إثبات ~~ما لا يحتاج الممكن في وجوده إليه وإلغاء ما لا يكون موجودا إلا بوجوده # الوجه الثامن أن يقال قولكم فتكون العلة الأولى علة طبيعية للعالم ومتممة ~~له ويكون القياس في ذلك كالقياس فيما يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته أو وجوده ~~ذلك مع وجود جوهر الفلك لا سيما PageV09P302 وأرسطو يقول إن المتحرك الأول ~~إنما يحرك كل ما في الكون بالشوق وهو شوق المتحرك إليه إلى آخره # فيقال هذا كلام متهافت متناقض وذلك أن ما يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته هو ~~عندكم مريد له مع أن وجوده مع وجود الفلك وقد شبهتم فعل الأول بفعل الفلك ~~ثم قلتم إن الأول ليس له إرادة ولا تأثير فهذا التمثيل يناقض هذا التفريق # الوجه التاسع أن يقال الفلك إما أن يكون فاعلا بالإرادة وإما ألا يكون ~~فإن كان الأول وهو قولكم ووجود فعله مع وجوده لزم أن يكون الفعل الإرادي ~~يجوز مساوقته للفاعل وألا يتأخر عنه وهذا يبطل قولكم إنه يجب من وجوب وجود ~~الفلك مع العلة الأولى أن يكون لا صنع إرادي للعلة الأولى في وجود العالم ~~فإنكم حينئذ أثبتم فاعلا فعلا إراديا مع كون فعله موجودا معه # واما قولكم كما لا صنع لها في وجود جوهرها فهذا تمثيل ساقط إلى غاية فإن ~~الواجب بنفسه لا يكون فاعلا لنفسه وأما معلوله فلا بد أن يكون فاعلا له ~~فكيف يقال لا يفعل معلوله كما لا يفعل نفسه # وإن لم يكن الفلك فاعلا بالإرادة بطل كونه مشتاقا عاشقا وبطل ثبوت المبدأ ~~الأول وحينئذ فيبطل ما بنيتم عليه ثبوت الأول وقدم العالم # الوجه العاشر قولكم ينبغي أن ينزل أمر العلة الأولى في جوهرها ms1989 ~~PageV09P303 وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه كلام حق ~~لكن أنتم من أبعد الناس عنه فإنكم جعلتم أمر العلة الأولى من أنقص ما يمكن ~~أن يكون وجود شيء عليه بل جعلتموه أنقص من كل موجود شبيها بالمعدوم فإن ~~الموجودات أقسام أعلاها الذي يفعل غيره ولا ينفعل عن غيره وهذا هو الذي يجب ~~أن يكون عليه المبدأ الأول # والقسم الثاني الذي يفعل وينفعل كالإنسان # وثالثها الذي ينفعل ولا يفعل كالجماد # وأما ما لا يفعل ولا ينفعل فهذا لا يكون إلا معدوما وأنتم جعلتم الأول لا ~~يفعل شيئا ولا ينفعل فإنكم قد قلتم إنه لا يؤثر أثرا ولا يفعل فعلا لا عن ~~إرادة ولا دون الإرادة وقلتم أيضا إنه لا ينفعل عن غيره وهذا حال المعدوم # ووصفهم له بأنه معشوق لا يفيد فإن المحبوب المعشوق من الموجودات لا بد أن ~~يكون فاعلا أو منفعلا وأما ما لا يفعل ولا ينفعل فلا يحب ولا يحب ولا حقيقة ~~له فوصفتم الواجب الوجود المبدع لكل ما سواه بما هو أنقص من صفات سائر ~~الموجودات ولا يتصف به إلا المعدومات # الوجه الحادي عشر أنكم قلتم إن المحرك إنما يحرك الفلك لكون الفلك مشتاقا ~~إليه أي إلى التشبه به وقلتم إن المشتاق إليه إنما تحرك بجهة طبعية لا ~~إرادية لأنه قد يمكن أن يكون المعشوق المتشوق إليه نائما أو غير ذي إرادة ~~وهو يحرك المشتاق إليه PageV09P304 والعاشق له إلا أنه ينبغي أن يترك أمر ~~العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء ~~عليه # وأردتم تنزيهه أن يشبه بالنائم ونحوه وأنتم وصفتموه بدون صفة النائم فإن ~~المحبوب الذي لم يشعر بمحبه لنومه يمكن أن يتنبه فيشعر به ويمكن أن يحب ~~محبه # ومن المعلوم أن المحبوب الذي يمكن أن يعلم بمحبه وأن يحبه أكمل من النائم ~~الذي لا يعلم به ولا يحبه وأنتم قد قلتم إنه لا يمكن أن يكون منه محبة ~~لمحبه ولا أثر ولا فعل من الأفعال ms1990 # وقال أرسطو وأكثركم إنه لا شعور له بمحبه بل قد يقولون إنه لا شعور له ~~بنفسه أيضا فهل هذا إلا وصف له بدون صفة النائم ونحوه من الناقصين # الوجه الثاني عشر أن يقال إذا نزل أمر الأول على أفضل ما يمكن أن يكون ~~وجود شيء عليه فمن المعلوم أن الموجود إذا انقسم إلى حي وميت فالحي أكمل من ~~الميت وإذا قسم إلى ما يقبل الاتصاف بالحياة والموت وما لايقبل فالذي يمكن ~~اتصافه بذلك كالحيوان أكمل ممن لا يمكن اتصافه بذلك كالجماد # وإذا قسم إلى عالم وجاهل وما لا يقبل لا هذا ولا هذا وقادر وعاجز وما لا ~~يقبل لا هذا ولا هذا كان ما يقبل واحدا منهما أكمل مما لا يقبل وما كان ~~عالما قادرا أكمل مما كان جاهلا عاجزا PageV09P305 # وإذا قسم إلى ما يكون فاعلا بالإرادة وما يفعل بغير إرادة وما لا يفعل لا ~~بهذا ولا بهذا كان ما يفعل بالإرادة أكمل مما يفعل بدون إرادة وما يفعل ~~بدون إرادة أكمل ممن لا فعل له وأنتم جعلتموه لا يفعل لا بإرادة ولا بدون ~~إرادة # الوجه الثالث عشر قولكم فإذن لا يؤثر جوهر هذه العلة أثرا ولا يفعل فعلا ~~منقلبا عن إرادتها وقصدها ولا دون إرادتها إذ ليس في هذه الذات نقص يحتاج ~~فيه إلى تمام من خارج ولا فوق جوهرها أمر يقتبس منه ازديادا في شيء من حاله ~~إلى آخره # فيقال لكم إذا قدر ذات لها فعل وتأثير بالإرادة وذات ليس لها فعل ولا ~~تأثير لا بإرادة ولا بدونها شهد صريح العقل بأن الأول أكمل ولهذا كان ~~الحيوان أكمل من الجماد # وقلتم أنتم إن حركة الفلك إرادية وإن ذلك أكمل من أن تكون حركته غير ~~إرادية وإذا قدر مع هذا أن المتحرك بالإرادة محتاج إلى تمام من خارج وهو ~~متحرك لطلب ذلك التمام فهو أكمل من الذي لا يقبل التمام كالجماد فإذا كان ~~الأول عندكم لا شعور له ولا إرادة ولا فعل بالإرادة ولا يمكن أن يكون له ~~شيء ms1991 من ذلك كان المتحرك بالإرادة لطلب تمامه أكمل من هذا الناقص المسلوب ~~صفات الكمال الذي لا يمكن اتصافه به فالعميان والعرجان والصم والبكم العمي ~~أكمل من هذا الأول الذي فرضتموه والفلك أكمل منه بكثير وفيما ذكرتموه من ~~التناقض وغاية الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد # الوجه الرابع عشر أن يقال العالم إما أن يكون واجبا بنفسه PageV09P306 ~~وإما أن يكون ممكنا فإن كان ممكنا لم يوجد إلا بواجب يبدعه ويفعله فيلزم إن ~~يكون للأول فعل وتأثير وذلك مناقض ما ذكرتموه ثم إذا قدر من يفعل بإرادة ~~ومن يفعل بلا إرادة فالفاعل بالإرادة أكمل فيلزم أن يكون فاعلا له بالإرادة ~~حيث سلمتم أنه يجب أن ينزل أمره في جوهره وسائر أموره على أفضل ما يمكن أن ~~يكون وجود شيء عليه وإن كان العالم واجب الوجود بنفسه مع كونه عندكم مفتقرا ~~إلى الأول افتقار الشيء إلى من يتشبه به ويحركه بالإرادة حركة يحصل بها ~~تمامه أمكن أن يكون واجب الوجود يتحرك حركة إرادية يحتاج فيها إلى تمام من ~~خارج فثبت أنه على تقدير إمكان العالم بنفسه ووجوبه بنفسه يلزم أن يكون ~~الواجب بنفسه له فعل وتأثير وذلك ينقض ما ذكرتموه وإن وصفه بذلك أولى من ~~وصفه بكونه لا فعل له ولا إرادة ولا تأثير ولا يمكن اتصافه بشيء من صفات ~~الكمال # الوجه الخامس عشر أن يقال أنتم فررتم من إثبات نوع من النقص له فأثبتم له ~~من النقائص ما يكون أنقص به من جميع الموجودات فإنكم فررتم من كونه يفعل ~~بإرادة وبغير إرادة لأن ذلك بزعمكم يستلزم نقصا يحتاج فيه إلى تمام من خارج # فيقال إذا قدر أنه لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا فعل لا ~~بإرادة ولا غير إرادة ولا يؤثر شيئا أصلا ولا يتأثر عن شيء كان ما في ~~الموجود أكمل منه فهذا منتهى كل نقص ومن كان فيه نقص يمكنه إتمامه من خارج ~~كان خيرا من العدم ومن لا يمكنه إتمام نقصه PageV09P307 # الوجه السادس عشر ms1992 أن يقال ما هو النقص الذي نزهتموه عنه فإن النقص لا ~~يعقل إلا عدم كمال أو وجود مناف لكمال فعدم العلم والحياة والقدرة يسمى ~~نقصا ووجود الصمم والبكم والخرس المنافي لهذه الصفات يسمى نقصا ثم ما كان ~~قابلا للاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا يقبلها فإذا كان عندكم لا متصفا ~~بها ولا قابلا للاتصاف بها كان هذا غاية ما يعقل من النقص فما النقص الذي ~~نزهتموه عنه # فإن قالوا نزهناه عن طلب تمامه من خارج فإن كون تمامه لا يحصل بسبب من ~~خارج النقص # فيقال لهم هذا باطل من وجوه # أحدها أن هذا إن كان نقصا فما وصفتموه به من النقائص أعظم من هذا وأكثر # الثاني أن يقال فكون تمامه ممكنا وهو طالب له أكمل من كونه لا يقبل ~~التمام ولا يطلبه # الثالث ولم قلتم إن هذا نقص فإن النقص إنما يكون نقصا إذا عدم ما ينبغي ~~وجوده أو ما يمكن وجوده فإذا قدر أمر لا يمكن وجوده في الأزل أو لا يصلح ~~وجوده في الأزل فلم قلتم إن عدم هذا نقص # الرابع أن يقال ظنكم أن تمامه يحتاج إلى سبب منفصل غلط كما قد بسط في ~~موضع آخر فليس هو محتاجا في شيء من أفعاله فضلا عن صفاته وذاته إلى سبب ~~خارج عنه # الوجه السابع عشر أن يقال لم قلتم إن الأول إذا كان فاعلا مؤثرا ~~PageV09P308 بالإرادة لزم أن يكون فيه نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج فإن ~~هذا إنما يلزم لو كان المحرك له شيئا منفصلا عنه أما إذا لم يكن مبدأ فعله ~~إلا منه لم يلزم أن يكون محتاجا إلى تمام من خارج وأنتم لم تقيموا دليلا ~~على أن كل فاعل بالإرادة لا يكون مبدأ فعله إلا بسبب من خارج بل ادعيتم هذا ~~دعوى مجردة ومن هنا يتبين فساد أصل كلامهم فنقول فيه # الوجه الثامن عشر أنتم لما ذكرتم أن حركة الأفلاك إرادية قلتم إن المتحرك ~~بالإرادة لا يكون الا بحبوب منفصل عنه ثم انكم قلتم ms1993 الأول لا يتحرك ~~بالإرادة لئلا يكون له محبوب منفصل فنحتاج إليه ولم تذكروا دليلا على أن كل ~~متحرك بالإرادة يجب أن يكون مفتقرا إلى محبوب منفصل بل ذكرتم هذا دعوى ~~مجردة بنيتم عليها إثبات الأول وبنيتم عليها امتناع كون الأول مؤثر ويفعل ~~بإرادة أو غير إرادة وإذا لم يفعل بإرادة ولا غير إرادة امتنع وجود ~~الممكنات فامتنعت حركتها بالإرادة فامتنع احتياجها إلى معشوق فبطل دليلكم ~~على إثبات الأول فكان نفس دعواكم التى بنيتم عليها اثبات الأول وسلب أفعاله ~~ولم تقيموا عليها دليلا هي بعينها تستلزم عدم دليلكم على ثبوت الأول فتبين ~~أنه ليس في كلامكم لا إثبات للأول ولا نفي لشي عنه # الوجه التاسع عشر أن يقال لم قلتم إن كل فاعل بالإرادة أو كل متحرك ~~بالإرادة يجب أن يكون محتاجا إلى مراد منفصل عنه غني عنه ولم PageV09P309 ~~تذكروا على هذا دليلا ويقال لكم لم لا يجوز أن يكون هو المراد المحبوب ~~فيكون محبا لنفسه فهو المحب وهو المحبوب أو يكون مريدا محتاجا لما هو مفعول ~~له فيكون هو الفاعل لما هو مراده فلا يكون في ذلك احتياجه إلى غيره # وأنتم تقولون ما هو موجود في كتبكم إن الأول عاشق ومعشوق وعشق ولذيذ ~~وملتذ ومبتهج ومبتهج به فإذا جاز عندكم أن يكون محبا محبوبا مريدا مرادا ~~فلم لا يجوز أن يكون إذا فعل بالمحبة والإرادة هو المحبوب المراد # وعلى اصطلاحكم هو العاشق المعشوق وعلى هذا التقدير يبطل أصلا كلامكم ~~ويمكن وصفه بصفات الكمال وبالأفعال الكاملة الإرادية التي لا يفتقر فيها ~~إلى غيره ولا يكون فيه نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج # الوجه الموفي عشرين أنكم تقولون إن العالي لا يفعل لأجل السافل وإن حركة ~~الفلك الإرادية لا يجوز أن تكون لأجل السفليات لكن لزم حصول ما حصل عن ~~حركته الإرادية بالقصد الثاني وإنما مقصوده بحركته الإرادية التشبه بمحبوبه ~~الأعلى وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز أن يكون الأول هو المريد والمراد ~~والمحبوب والمحب وهو لا يريد شيئا لأجل ms1994 شيء سواه ولكن محبته لنفسه وإرادته ~~لها استلزم وجود المفعولات كما قلتموه فيما صدر عن الأفلاك # وإذا قيل هو فاعل باختياره وإرادته فعلا يستلزم وجود المعلولات كان كما ~~قلتم مثل ذلك في حركة الفلك فهذا القول جاز على PageV09P310 أصولكم وهو أحق ~~بالجواز إن كانت أصولكم صحيحة مما قلتموه فيه من وصفه بغاية النقص فإذا ~~وصفتموه بهذا كنتم قد وصفتموه بصفات الكمال مع رعاية أصولكم التي اعتقدتم ~~صحتها ولم يكن في هذا محذور إلا كان في نفيه من المحذور ما هو أعظم منه # الوجه الواحد والعشرون أن يقال قولكم فجوهرها ليس فيه شوق إلى شيء ولا ~~منافرة لشيء مضمونه أنها لا تحب شيئا ولا تبغضه فلم قلتم ذلك # فإن قلتم إن المحب المبغض لا يحب إلا ما يحتاج إليه غيره ولا يبغض إلا ما ~~يحتاج إلى دفعه عن نفسه # قيل لكم ولم قلتم ذلك والفلك عندكم يحب بل يعشق وإذا كان يحب شيئا فإنه ~~يبغض زواله ومع هذا فهو عندكم لا يخاف من شيء منفصل ولا يحتاج إلى دفع ضرر ~~عن نفسه بل ولا يجوز عليه الفساد والانحلال وهو مع هذا عاشق محب طالب مشتاق ~~فلا يلزم من كونه مشتاقا أن يكون من يعرض له أمر يحتاج إلى استدفاعه وأما ~~كون الحب يوجب أن يكون فوقه جوهر آخر يقتبس منه فهذا إنما يلزم إذا لم يكن ~~قادرا على حصول محبوبه فأما إذا قدر أنه ليس في ذلك حاجة إلى ما هو غني عنه ~~لم يكن في ذلك محذور # الوجه الثاني والعشرون أن يقال قولكم فجوهرها إذن ليس فيه شوق إلى شيء ~~ولا منافرة لشيء ولا قبول لتغيير ولا لحدوث PageV09P311 شأن متجددة أمر لم ~~يذكروا عليه حجة عقلية إلا ما ذكرتموه من أن هذه الذات ليس فيها نقص يحتاج ~~فيه إلى تمام من خارج ولا فوقها ما تزداد منه ولا يعرض لها ما يحتاج دفعه # فيقال لكم الجوهر المتحرك أهو محتاج إلى شيء من خارج وفوقه ما يزداد منه ~~ويعرض له ما ms1995 يحتاج إليه في دفعه أم ليس كذلك # فإن قلتم إنه بهذه الصفة وهو متحرك لم يكن في ثبوت هذه الصفات ما يمنع ~~كون الموصوف متحركا فيجوز حينئذ على الأول أن يكون متحركا قابلا لقيام ~~الأمور الاختيارية به كما يقبله الجوهر المتحرك إذ كان كلاهما مشتركا في ~~هذه الصفات # وإن قلتم ليس كذلك وإن الجوهر المتحرك يعرض له ما يدفعه عن نفسه # قيل لكم ليس هذا قولكم وبتقدير أن يعرض له فليس فوقه ما يدفع هذا عنه إذ ~~عندكم ليس فوقه فاعل إنما فوقه محبوب ليس بفاعل ولا مؤثر لا بإرادة ولا ~~بدون إرادة # وكذلك إن قلتم إنه يحتاج إلى تمام من خارج أو فوقه جوهر يقتبس منه زيادة # قيل لكم فمن الذي يفيده الزيادة ويزيل عنه الحاجة غيره # فإن قلتم الأول فالأول عندكم ليس يؤثر أثرا ولا يفعل فعلا لا عن إرادة ~~ولا عن غير إرادة وكونه محبوبا لا يقتضي أنه يفعل بالمحب فعلا PageV09P312 ~~يزداد به إذا كان الفاعل للحب في المحبوب المحرك له إلى المحبوب ليس نفس ~~المحبوب إذ كل عاقل يعلم أن الخبز إذا أحبه الجائع لم يفعل حركته ولا قصده ~~وكذلك المعشوق الذي لا يشعر بعاشقه ليس منه فعل ولا حركة يزيد بها المحب ~~شيئا وإنما يضاف الفعل إليه كما يضاف إلى الجماد # كما يقال أهلك الناس الدرهم والدينار ويقال قتلني حب المال ويقال للذهب ~~قاتول ويقال للدنيا غرارة خداعة مكارة ونحو ذلك مما يضاف إلى ما تحبه ~~النفوس وتهواه من غير فعل منه ولا قصد فإنما يضاف الفعل إليه لأنه كان ~~بسببه لا أنه هو المحدث لذلك الفعل ولا الفاعل له ولا المبدع له وهذا متفق ~~عليه بين العقلاء # وإذا كان كذلك فليس في الجوهر الجسماني الفلكي إلا من جنس ما جعلتموه في ~~الأول وهو غني كغنى الأول ومع هذا فقد جاز عليه الحركة وقيام الحوادث به ~~فكذلك في الأول # وإذا جاز أن يقال إن الفلك يتحرك بنفسه فلم لا يجوز أن يقال إنه يشتاق ~~إلى ms1996 نفسه # وإذا قيل إن الأول هو محبوب مشتاق إليه فلم لا يجوز أن يكون محبا لنفسه ~~وحركته من المحبة لنفسه # وإذا قلتم إلى أي شيء يتحرك # قيل لكم والفلك إلى أي شيء يتحرك # فإذا قلتم لإخراج ما لا يمكن وجوده دفعة عن الأيون والأوضاع # قيل لكم ولم لا يجوز على هذا أن تقولوا إن الأول يتحرك لإخراج ~~PageV09P313 ما لا يمكن وجوده دفعة من أحواله وشئونه ثم الحوادث المنفصلة ~~تابعة لذلك كما قلتم مثل ذلك في الفلك # الوجه الثالث والعشرون أن يقال قولكم ليس فيه شوق إلى شيء ولا منافرة ~~لشيء أتريدون به أنه ليس فيه حب لشيء أصلا لا لنفسه ولا لغيره ولا بغض لشيء ~~من الأشياء وسميتم الحب الباعث على الفعل شوقا أم تريدون به ليس فيه شوق ~~إلى شيء مستغن عنه كما قلتموه في الفلك # فإن كان مرادكم الثاني لم يضر هذا مع أنكم لم تقيموا على هذا دليلا # ولو قيل لكم بل يجوز أن يكون مشتاقا إلى غيره وغيره مشتاق إليه لم يمكنكم ~~الجواب لأنكم إن قلتم إن الفلك ممكن بنفسه لزم أن يكون الأول فاعلا له ولزم ~~أن يكون كالفلك وهو عندكم لا يفعل ولا يؤثر وإن كان الفلك واجبا كان الواجب ~~موصوفا بالشوق إلى غيره # وأيضا فأنتم لم تذكروا دليلا على ثبوته فضلا عن غناه إذ دليلكم في ثبوته ~~مبني على أن المتحرك بالإرادة لا تكون حركته إلا عن حب لغيره وهذا لم ~~تقيموا عليه دليلا وهو لا يتم حتى يمتنع كون الأول فاعلا بالإرادة فإذا لا ~~يمكنكم ثبوته حتى يمتنع كونه فاعلا بالإرادة ولا يمتنع كونه فاعلا بالإرادة ~~حتى يعلم ثبوته فإذا لا يثبت لا هذا ولا هذا # وإن كان مرادكم الأول فيقال لكم من أين علمتم أنه لا يكون محبا لنفسه ولا ~~لغيره PageV09P314 # فإن قلتم إن المحب لغيره ناقص يحتاج إلى الغير كان جوابكم من أربعة أوجه # أحدها أن يقال لم لا يجوز أن يكون محبا لنفسه ثم محبته لغيره تبعا كما ~~تقولون ms1997 في حب الفلك وإرادته بالقصد الأول والقصد الثاني # الثاني أن يقال فلم لا يجوز أن يكون محبا لغيره الذي هو مفعول مصنوع له ~~وإذا كان مريدا كما هو مفعول مصنوع له وهو ممكن لم يكن في ذلك إرادته ~~ومحبته إلا لمفعولاته ومبتدعاته التي هي فقيرة إليه من كل وجه فليس في هذا ~~افتقار إلى شيء هو مستغن عنه بوجه من الوجوه ومعلوم أن هذا خير من قولكم إن ~~الفلك لا يحتاج إليه إلا من جهة كونه محبوبا فإن ذلك في إثبات فقر الفلك ~~إليه من كل وجه وهذا أبلغ في الكمال # الثالث أن يقال ولو فرض محبا لغيره مريدا لغيره وذلك الغير أيضا محتاج ~~إليه لكونه لا يقوم إلا به كان غاية ما في هذا أن يكون قوام كل منهما ~~بالآخر ومعلوم أن هذا وإن كان المسلمون ينزهون الله عنه فهو خير من قولكم ~~المتضمن أن الفلك ليس له مبدع فاعل مع كونه محتاجا إلى محبوبه لأن هذا ~~يتضمن شيئين كل منهما فاعل له وأحدهما محب للآخر أقرب إلى العدل والإمكان ~~إن كان ذلك ممكنا وإلا فهو أقرب إلى الامتناع لأن كلا القولين يتضمن إثبات ~~شيئين لا فاعل لهما وأحدهما يتضمن أن المحب أحدهما والآخر محبوب والقول ~~الثاني يتضمن أن كلاهما محب ومحبوب PageV09P315 # الوجه الرابع أن يقال المحب المريد لأمور منفصلة عنه إذا كان قادرا عليها ~~وهو يفعلها بحسب محبته وإرادته من غير مانع فلم قلتم إن هذا نقص أو ليس ~~الموصوف بهذا أكمل من الذي لا يحب شيئا ولا يريده ولا يقدر عليه وإذا شبه ~~الأول بالحيوان كان الثاني مشبها بالجماد والجماد أنقص # الوجه الرابع والعشرون أن يقال إذا قدر موجودان أحدهما محب مريد يفعل ما ~~يريده وهو قادر على ذلك والثاني لا يحب شيئا ولا يريده ولا يقدر على شيء ~~محبوب مراد لكن غيره يحبه كان إجماع العقلاء أن الأول أكمل من الثاني فإن ~~الثاني شبيه بالخبز والماء واللباس والمساكن التي يحبها الناس ويريدونها ~~والأول شبه بالناس الذين ms1998 يحبون ذلك # ومعلوم أن الثاني أنقص من الأول والأول أقرب إلى الكمال فهؤلاء فروا ~~بزعمهم مما توهموه نقصا فوقعوا فيما هو أعظم نقصا بلا ريب # وإيضاح هذا أن يقال إذا قسمنا الموجودات إلى قسمين حي وميت وعالم وجاهل ~~وقادر وعاجز وقادر على الفعل وغير قادر عليه بل قادر على الفعل والحركة ~~بإرادته ومحبته ومن لا إرادة له ولا قدرة له أو لا فعل له ولا حركة إلى ما ~~يريده ونحو ذلك كان الأول هو الموصوف بصفات الكمال دون الثاني # وأما مجرد كون الشيء مرادا محبوبا فليس بصفة كمال له إلا أن يكون محبوبا ~~لنفسه مرادا لذاته وهؤلاء سلبوا الرب جميع صفات الكمال ووصفوه بالنقائص ولم ~~يثبتوا له شيئا من الكمال إلا مجرد كونه PageV09P316 محبوبا ولم يقيموا حجة ~~على ذلك ولا على أنه محبوب لنفسه فكان ما وصفوه به غاية النقص بل العدم # قال ثابت فليس يوجد إذن أمر يجتذب هذه الذات بالطبع وبغير إرادة وليس ~~يوجد إذن أمر يدعو هذه الذات إلى حال أو شأن ليس هي المبدأ الأول له والعلة ~~فيه # فيقال لهم أولا لم تقيموا دليلا على شيء من ذلك فإنكم لم تجعلوها فاعلا ~~لشيء ولا مؤثرا فيه أصلا فليست مبدأ لشيء من الأشياء ولا علة له إلا من ~~كونها محبوبة فقط وليس في هذه الجهة أنها تحدث شيئا ولا أنها تبدع شيئا # وإذا كان كذلك فما المانع أن يكون غيرها جاذبا لها وداعيا لها إلى شيء ~~وما المانع أن تكون هي محبة لغيرها وأنتم لم تذكروا على امتناع ذلك حجة ~~أصلا # والمسلمون وغيرهم من أهل الملل إذا نزهوا الله عن الحاجة إلى غيره فهم ~~يثبتون أنه رب غيره ومليكه وخالقه وأنتم لم تثبتوا أنه رب كل ما سواه ~~ومليكه وخالقه # وحينئذ فلا دليل لكم على انتفاء الحاجة عنه لا سيما مع أنه يلزمكم أن ~~تجعلوا العالم واجب الوجود بنفسه مع فقره إليه فيكون الواجب بنفسه فقيرا ~~إلى غيره أو تجعلوه ممكنا لا بد له من فاعل فيكون ms1999 الأول مبدعا فاعلا لغيره ~~والفاعل كما ذكروه يستلزم أن يكون له فعل وإرادة وهذا نقيض قولهم ~~PageV09P317 # ويقال لهم ثانيا لم لا يجوز أن يكون مفعولها المحتاج إليها هو الداعي ~~الجاذب وليس في هذا افتقار إلى ما هو مستغن عنها وأنتم لم تقيموا دليلا على ~~انتفاء ذلك # ويقال لهم ثالثا لم لا يجوز أن يكون هو المبدأ لما يفعله والداعي منه لا ~~من غيره وهو المحب لنفسه وقد ذكر أئمتكم في كتبهم أنه عاشق ومعشوق وعشق ~~ولذيذ وملتذ به # قال وبالجملة فكل ما كان له هو بالطبع على الجهة الطبيعية التي يمحوها ~~فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا تملكها إرادته والمشتاق ~~معلول من جهة شوقه للشيء المشوق إليه والشيء المشوق إليه مبدأ له في ذلك ~~الشوق ومن جهة أي هو له علة تمامية من جهة من الجهات وليس يليق هذا الأمر ~~ألبتة بالمبدأ الأول ولكنه مبدأ لكل طبيعة ولكل شوق ولكل حركة # فيقال له الكلام على هذا من وجوه # الأول قولكم إن الأول مبدأ لكل طبيعة وكل شوق وكل حركة كلام مناقض لما ~~ذكرتموه فإنكم لم تجعلوه إلا محبوبا فقط لا فاعلا مبدعا ولا علة فاعلة ~~ومجرد كون الشيء محبوبا لا يوجب أن يفعل شيئا في غيره وقد علم الفرق بين ~~العلة الفاعلة والغائية # والثاني قولكم إن المشتاق إليه علة للمشتاق فيقال لكم ولم يمتنع أن يكون ~~محبا لنفسه فهو المحب المحبوب PageV09P318 الثالث أن يقال ما المانع أن ~~يكون محبا مريدا لما هو مفعول مصنوع له وليس في هذا كونه معلولا لغيره لأن ~~ذلك الغير هو معلوله من كل وجه مفعول له بكل طريق محتاج إليه بكل سبب # وليس في حب الشيء وإرادته لمثل ذلك نقص بل هذا من الكمال فإن من أراد ما ~~هو مفعول له معلول له وهو قادر على ذلك المراد المحبوب كان هذا غاية الكمال ~~بخلاف من لا يفعل شيئا منفصلا عنه ولا يريده ولا يقدر عليه بل ولا يفعل ~~فعلا قائما ms2000 بنفسه بل هو كالجماد الذي ليس له صفة كمال بل كالمعدوم # الرابع قولكم وليس يليق هذا البتة بالمبدأ الأول كلام بلا برهان وأنتم ~~تدعون البرهان والحجة وقد ذكر هذا غيركم لم ترضوا أن تجعلوا هذا خطابة بل ~~جعلتموه دون الخطابة وأنتم تجعلونه عمدة في مثل هذا الأمر العظيم بلا حجة ~~أصلا مع أنكم لم تثبتوا إن الأول مبدأ ولا فاعل أصلا إلا بجهة كونه محبوبا ~~مع أنكم لم تقيموا على ذلك دليلا # الخامس قوله كل ما كان ما هو له الطبع عن الجهة التي ينحوها فإنه يلزم أن ~~يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا تملكها إرادته # فيقال لهم هذه قضية كلية لم يذكروا عليها دليلا وغاية ما يستدلون به أن ~~يقولوا وجدنا المتحركات بالإرادة كذلك كالحيوان # فيقال لهم وكذلك وجدتم ذلك ممكنا مفعولا مصنوعا مفتقرا إلى PageV09P319 ~~فاعل مبدع فقولوا إن الأول ممكن مفعول مصنوع مفتقر إلى فاعل مبدع فإن كان ~~الدليل قد أثبت موجودا واجبا بنفسه لا يفتقر إلى غيره فإما أن يكون ذلك هو ~~الفلك أو أمرا فوق الفلك فإن كان هو الفلك وهو مشتاق إلى حال لا تملكها ~~إرادته بطل نفيكم لهذا عن الواجب بنفسه # وإن كان الواجب بنفسه امرا فوق الفلك كان هو الفاعل للفلك المبدع له ~~وحينئذ فالفلك وما فيه محتاج إليه من كل وجه فليس في الوجود ما هو خارج عن ~~ملكه حتى يقال إنه مشتاق إلى ما تملكه إرادته # السادس أن هذا الكلام إنما يصح أن لو كان في الوجود ما لا تملكه إرادة ~~الأول فأما إذا كان كل ما سواه كائنا بإرادته ومشيئته فليس في الوجود شيء ~~لا تملكه إرادته وأنتم لم تقيموا دليلا على امتناع إرادته وإذا كانت إرادته ~~ممكنة على هذا الوجه كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~لم يمنع أن يكون مريدا على هذا الوجه # السابع أن يقال كونه يفعل بالطبع أو نحو ذلك ليست من عبارة المسلمين فإذا ~~كانوا يسمون كل ms2001 ما يفعل فعلا قائما بنفسه متحركا بالطبع لم ننازعهم في ~~المعنى # لكن نقول لم قلتم إن من كان فاعلا يقوم به بإرادته مشتاق إلى حال لا ~~يملكها PageV09P320 # فإذا سميتم كل ما كان كذلك فاعلا بالطبع فلم قلتم إن كل ما كان كذلك ~~مشتاق إلى حال لا يملكها $ فصل # ثم قال ابن رشد فإن قيل فإذ قد تبين أن هذه الطرق كلها ليست واحدة منها ~~هي الطريقة الشرعية التي دعا الشرع منها جميع الناس على اختلاف فطرهم إلى ~~الإقرار بوجود الباري فما هي الطريق الشرعية التي نبه الكتاب عليها وكان ~~يعتمدها الصحابة # قلنا الطرق الشرعية التي نبه الكتاب عليها ودعا الكل من بابها إذا ~~استقرىء الكتاب وجدت تنحصر في جنسين أحدهما طرق الوقوف على العناية ~~بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجله وتسمى هذه دليل العناية PageV09P321 # والطريق الثانية ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات مثل اختراع ~~الحياة في الجماد والإدراكات الخمسة والعقل ولنسم هذا دليل الاختراع # اما الطريقة الأولى فتنبني على أصلين أحدهما أن جميع الموجودات التي ها ~~هنا موافقة لوجود الإنسان # والأصل الثاني أن هذه الموافقة هي ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد إذ ~~ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق فأما كونها موافقة لوجود الإنسان ~~فيحصل اليقين بذلك بدليل موافقة الليل والنهار والشمس والقمر لوجود الإنسان ~~وكذلك موافقة الأزمنة الأربعة له والمكان الذي هو فيه أيضا وهو الأرض # وكذلك أيضا يظهر موافقة كثير من الحيوان له والنباتات والجمادات وجزئيات ~~كثيرة مثل الأمطار والأنهار والبحار وما تحمله PageV09P322 الأرض والماء ~~والهواء والنار # وكذلك أيضا تظهر العناية في أعضاء الإنسان وأعضاء الحيوان أعني كونها ~~موافقة لحياته ووجوده # وبالجملة فمعرفة منافع الموجودات داخلة في هذا الجنس ولذلك وجب على من ~~أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن صانع جميع الموجودات # قال وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان كله ووجود النبات ووجود ~~السماوات وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في فطر جميع الناس ~~أحدهما أن هذه الموجودات مخترعة ms2002 وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات # كما قال تعالى @QB@ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له @QE@ الآية سورة الحج 73 فإنا نرى أجساما جمادية ثم تحدث فيها ~~الحياة فنعلم قطعا أن ها هنا موجدا للحياة ومنعما بها وهو الله تبارك ~~وتعالى وأما السماوات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفترق أنها مأمورة ~~PageV09P323 بالعناية بما هو ها هنا ومسخرة لنا والمسخر المأمور مخترع من ~~قبل غيره ضرورة # قلت هذا يبين بأن حركات الأفلاك ليست من قبل أنفسها بل من محرك منفصل ~~عنها حتى يكون ذلك المحرك لها هو الآمر المسخر # وهذا يتبين بوجوه مبسوطة في غير هذا الموضع مثل أن يبين المحرك من جهة ~~الفاعل والسبب ومن جهة المقصود والغاية أي أنها لا بد أن تقصد بحركاتها ~~شيئا منفصلا عنها مثل ما يقول المسلمون وغيرهم من أهل الملل إنها عابدة لله ~~تعالى ويقول المتفلسفة كأرسطو وأتباعه إنها تقصد التشبه بالإله على قدر ~~الطاقة # وعلى القولين فتكون حركتها من جنس حركة المحب إلى محبوبه والطالب إلى ~~مطلوبه وما كان له مراد منفصل عنه مستغن عنه فهو محتاج إلى ما هو مستغن عنه ~~ومن احتاج إلى ما هو مستغن عنه لم يكن غنيا بنفسه بل يكون مفتقرا إلى ما هو ~~منفصل عنه وهذا لا يكون واجب الوجود بنفسه بل يكون ممكنا عبدا فقيرا محتاجا ~~فتكون السماوات مفتقرة ممكنة ليست بواجبة # والوجه الثاني أن كل فلك فإنه يحركه غيره من الأفلاك المنفصلة عنه فتكون ~~حركته من غيره والفلك المحيط بها المحرك لها لا يحرك ولا يؤثر في غيره إلا ~~بمعاونة غيره من الأمور المنفصلة عنه فليس هو وحده المحرك PageV09P324 ~~لسائر أنواع حركاتها بل يجب أن يكون المحرك غيره والمتحركات المنفصلة ليست ~~منه وحده بل منه ومن غيره فليس فيها ما هو مستقل بالتحريك وما كان مفتقرا ~~إلى غيره لم يكن واجبا بنفسه فلا بد من محرك منفصل عنها # ومثل أن يقال ليس شي منها مستقلا بمصالح السفليات والآثار الحادثة ms2003 فيها ~~بل إنما يحصل ذلك بأسباب منها اشتراكها ومنها أمور موجودة في السفليات ليست ~~من واحدة منها فكل واحد منها لا بد له من شريك معاون له مانع يعوقه عن ~~مقتضاه فلا يتم أمره إلا بمشارك غنى عنه وانتفاء مانع معارض له فيمتنع أن ~~يكون مبدعا لشريكه الغني عنه ولمانعه المضاد له وأن يكون ما يحصل من ~~المصالح التي في العالم السفلي بمجرد قصده وفعله فوجب أن يكون هناك ما يوجب ~~فعله وحركته من غيره وذلك هو الأمر والتسخير # لأن الحركة إن كانت قسرية فلها قاسر وإن كانت طبيعية فالطبعية لا تكون ~~إلا إذا خرجت بالعين عن محلها فهي مقسورة على الخروج # وإن كانت إرادية فالمريد لآثار لا يستقل بها ولا يحصل إلا بمشاركة غيره ~~ويمتنع بمعارضة غيره له فيها هو مفتقر في مقصوده إلى غيره # ويمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه لأن الواجب بنفسه لا يكون مفتقرا إلى ~~غيره المستغنى عنه بوجه من الوجوه إذ لو افتقر إلى غيره بوجه من الوجوه لم ~~يكن من ذلك الوجه غنيا عن الغير بل مفتقرا إليه PageV09P325 # ولا يتم ذلك الوجه إلا بذلك الغير المستغنى عنه # والمريد لأمر إذا لم يكن قادرا على تحصيل مراده كان عاجزا وكان فقيرا إلى ~~ما به يحصل مراده والمفتقر إلى ما يعجز عنه لا يكون واجبا بنفسه ولا يكون ~~كماله حاصلا به بل بما هو مستغن عنه فهذه الأمور وغيرها مما يستدل به على ~~هذا المطلوب # قال وأما الأصل الثاني فهو أن كل مخترع فله مخترع فيصح من هذين الأصلين ~~أن للوجود فاعلا مخترعا له وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات ~~ولذلك كان واجبا على من أراد معرفة الله حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ~~ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات لأن من لم يعرف حقيقة الشيء ~~لم يعرف حقيقة الاختراع # وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى @QB@ أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ~~وما خلق الله من شيء @QE@ سورة الأعراف 185 # وكذلك أيضا من تتبع ms2004 معنى الحكمة في موجود أعني معرفة السبب الذي من أجله ~~خلق والغاية المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم فهذان الدليلان ~~هما دليلا الشرع # وأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع PageV09P326 ~~سبحانه في الكتاب العزيز هي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة فذلك بين لمن ~~تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى # وذلك أن الآيات التي في الكتاب العزيز في هذا المعنى إذا تصفحت وجدت على ~~ثلاثة أنواع # إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية وإما آيات تتضمن التنبيه على ~~دلالة الاختراع وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعا # فأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فقط فمثل قوله تعالى @QB@ ألم نجعل ~~الأرض مهادا والجبال أوتادا @QE@ سورة النبأ 6 7 إلى قوله @QB@ وجنات ~~ألفافا @QE@ سورة النبأ 16 # ومثل قوله تعالى @QB@ تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا ~~وقمرا منيرا @QE@ سورة الفرقان 61 إلى قوله @QB@ أو أراد شكورا @QE@ سورة ~~الفرقان 62 PageV09P327 ومثل قوله @QB@ فلينظر الإنسان إلى طعامه @QE@ ~~الآيات سورة عبس 24 ومثل هذا كثير في القرآن # واما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط فمثل قوله تعالى @QB@ فلينظر ~~الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق @QE@ سورة الطارق 6 # ومثل قوله @QB@ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت @QE@ سورة الغاشية 17 ~~الآية # ومثل قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون ~~من دون الله لن يخلقوا ذبابا @QE@ سورة الحج 73 # ومن هذا قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام @QB@ إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا @QE@ سورة الأنعام 79 إلى غير ذلك من ~~الآيات التي لا تحصى # وأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضا بل هي الأكثر مثل قوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم @QE@ ~~PageV09P328 سورة البقرة 21 إلى قوله تعالى @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون @QE@ سورة البقرة 22 # وذلك أن قوله @QB@ الذي خلقكم والذين من قبلكم @QE@ سورة البقرة 21 تنبيه ~~على دلالة الاختراع ms2005 وقوله @QB@ الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء @QE@ ~~سورة البقرة 22 تنبيه على دلالة العناية # ومثل قوله @QB@ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون @QE@ سورة يس 33 # وقوله @QB@ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ~~سبحانك فقنا عذاب النار @QE@ سورة آل عمران 191 # وأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى يوجد فيها النوعان من الأدلة # قال فهذه الطريق هي الصراط المستقيم التي دعا الله الناس منه إلى معرفة ~~وجوده ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى PageV09P329 # وإلى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الإشارة بقوله تعالى @QB@ ~~وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم @QE@ إلى قوله @QB@ قالوا ~~بلى شهدنا @QE@ سورة الأعراف 172 # ولهذا يجب على كل من كان وكده طاعة الله تعالى في الإيمان به وامتثال ما ~~جاءت به رسله أن يسلك هذه الطريقة حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله ~~بربوبيته مع شهادته لنفسه وشهادة ملائكته له # كما قال تعالى @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم ~~قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم @QE@ سورة آل عمران 18 # قال ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين عليه هو التسبيح المشار إليه ~~بقوله تعالى @QB@ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم @QE@ ~~سورة الإسراء 44 # قلت في هذه الآية وآية أخذ الميثاق من الكلام ما ليس هذا موضعه وكذلك ~~دعواه انحصار الطريق في هذين النوعين PageV09P330 # وقوله إن في الآيات ما يدل على العناية دون الاختراع وغير ذلك كلام ليس ~~هذا موضعه بل كل ما دل على العناية دل على الاختراع ولكن المقصود هنا حكاية ~~ما ذكره # قال فقد بان من هذه الأدلة أن الدلالة على وجود الصانع منحصرة في هذين ~~الجنسين دلالة العناية ودلالة الاختراع # قال وبين أن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما طريقة الخواص ويعني بالخواص ~~العلماء وطريقة الجمهور وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفضيل أعني أن ~~الجمهور يقتصرون من معرفة العناية والاختراع على ms2006 ما هو مدرك بالمعرفة ~~الأولى المبنية على علم الحس وأما العلماء فيزيدون إلى ما يدركون من هذه ~~الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان أعني من العناية والاختراع حتى لقد قال بعض ~~العلماء إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع أعضاء الإنسان والحيوان هو ~~قريب من عشرة آلاف منفعة PageV09P331 # قال وإذا كان هذا هكذا فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والفلسفية ~~الحكمية وهي التي جاءت بها الرسل ونزلت بها الكتب والعلماء ليسوا يفضلون ~~الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط بل من قبل التعمق في معرفة ~~الشيء الواجب بنفسه فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات مثالهم في ~~النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم بصنعها فإنهم إنما يعرفون من أمرها ~~أنها مصنوعات فقط وأن لها صانعا موجودا # ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عنده علم ببعض ~~صنعها وبوجه الحكمة فيها ولا شك أن من حاله من العلم بالمصنوعات هذه الحال ~~فهو أعلم بالصانع من جهة ما هو صانع من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا ~~أنها مصنوعة فقط # وأما مثال الدهرية في هذا الذين جحدوا الصانع سبحانه وتعالى فمثال من أحس ~~مصنوعات فلم يعرف أنها مصنوعات بل ينسب ما PageV09P332 رأى فيها من الصنعة ~~إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته # قلت فهذا الرجل مع أنه من أعيان الفلاسفة المعظمين لطريقتهم المعتنين ~~بطريقة الفلاسفة المشائين كأرسطو وأتباعه يبين أن الأدلة العقلية الدالة ~~على إثبات الصانع مستغنية عما أحدثه المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية ~~وغيرهم من طريقة الأعراض ونحوها وأن الطرق الشرعية التي جاء بها القرآن هي ~~طرق برهانية تفيد العلم للعامة وللخاصة والخاصة عنده يدخل فيهم الفلاسفة ~~والطرق التي لأولئك هي مع طولها وصعوبتها لاتفيد العلم لا للعامة ولاللخاصة # هذا مع أنه لم يقدر القرآن قدره ولم يستوعب أنواع الطرق التي في القرآن ~~فإن القرآن قد اشتمل على بيان المطالب الإلهية بأنواع من الطرق وأكمل الطرق ~~كما قد بسط في موضعه # والذي قاله من أن هذه الطرق ms2007 المعتزلية كطريقة الأعراض المبنية على امتناع ~~حوادث لا أول لها لم يبعث الرسول بدعوة الخلق إليها ولا كان سلف الأمة ~~يتوسلون بها إلى معرفة الله هو أمر معلوم بالاضطرار لكل من كان عالما ~~بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف ولكل من تدبر القرآن ~~والحديث # وكل متكلم فاضل كالأشعري وغيره يعلم ذلك كما تقدم كلام الأشعري # وأما كون هذه الطرق المعتزلية كطريقة الأعراض والتركيب والاختصاص هي ~~برهانية أو ليست برهانية وهي تفيد العلم أو لا PageV09P333 تفيده فهذا ~~ممايعلم بنظر العقل الصريح فمن كان ذكيا طالبا للحق عرف الحق في ذلك # ولنا مقصودان أحدهما أن ما به يعلم ثبوت الصانع وصدق رسوله لا يتوقف على ~~هذه الطرق المعتزلية الجهمية وهذه الطرق هي التي يقال إنها عارضت الأدلة ~~الشرعية ويقال إن القدح فيها قدح في أصل الشرع فإذا تبين أنها ليست أصلا ~~للعلم بالشرع كما أنها ليست أصلا لثبوته في نفسه بالاتفاق بطل قول من يزعم ~~أن القدح في هذه العقليات قدح في أصل الشرع وهو المطلوب # والمقصود الثاني أن هذه العقليات المعارضات للشرع باطلة في نفسها وإن لم ~~نقل إنها أصل للعلم به وقد ذكرنا من قدح فضلاء أهل الكلام والفلسفة فيها ~~بالأدلة العقلية ما يحصل هذا المقصود # فمن كان له نظر ثاقب في هذه الأمور عرف حقيقة الأمر ومن كان لا يفهم بعض ~~الدقيق من كلامهم كفاه أن يعلم أن هؤلاء النظار يقدح بعضهم في أدلة بعض ~~وأنهم لم يتفقوا على مقدمتين عقليتين ولا مقدمات ولا مقدمة واحدة يمكن أن ~~يستنتج منها دليل عقلي يصلح لمعارضة أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بل إن ~~اتفقوا على مطلوب كاتفاق طائفة من أهل الكلام وطائفة من أهل الفلسفة على ~~نفي العلو مثلا فهؤلاء يثبتون ذلك وينفون التجسيم بدليل الأعراض والآخرون ~~يطعنون في هذا الدليل ويثبتون فساده في العقل وهؤلاء يثبتون ذلك بدليل نفي ~~التركيب العقلي وأولئك يثبتون فساد هؤلاء فصار هذا بمنزلة من ادعى حقا ~~واقام عليه بينتين وكل بينة تقدح ms2008 في الأخرى وتقول PageV09P334 إنها كاذبة ~~فيما شهدت به وتبدي ما يفسد شهادتها وأنها غير صادقة فلا يمكن ثبوت الحق ~~بذلك لأنا إن صدقنا كلا منهما فيما شهدت به من الحق وفي فسق أولئك الشهود ~~لزم أن لا تقبل شهادة أولئك الشهود فلا تقبل شهادة لا هؤلاء ولا هؤلاء فلا ~~فيثبت الحق وإن عينا إحدى البينتين بالقبول أو قبلنا شهادتهما في الحق دون ~~جرح الأخرى كان تحكما # مع أنه ما من مطلوب من المطالب إلا وقد تنازع فيه أهل الكلام والفلسفة ~~جميعا فأهل الفلسفة متنازعون في الجهة وحلول الحوادث وأهل الكلام متنازعون ~~أيضا في ذلك والمثبتون من هؤلاء وهؤلاء يقدحون في أدلة النفاة بالقوادح ~~العقلية # وأهل السنة وإن كانوا يعرفون بعقولهم من المعاني الصحيحة نقيض ما يقوله ~~النفاة فلا يعبرون عن صفات الله بعبارات مجملة مبتدعة ولا يطلقون القول بأن ~~الله جسم وأنه تحلة الحوادث وأنه مركب ولا نحو ذلك ولا يطلقون من نفى ذلك ~~ما يتناول نفي ما أثبته الرسول ودلت العقول عليه بل يفسرون المجملات ~~ويوضحون المشكلات ويبينون المحتملات ويتبعون الآيات البينات ويعلمون موافقة ~~العقل الصريح للنقل الصحيح # وهؤلاء المتفلسفة مثل هذا الرجل وأمثاله وإن وافقوا النفاة في الباطن في ~~بعض ما نفوه فهم معترفون بأن الشرع لم يرد بذلك ومبطلون PageV09P335 لأدلة ~~إخوانهم النفاة ثم يذكرون من أدلة النفي ما هو أضعف وأفسد مما ضعفوه ~~وأفسدوه # ونحن نذكر كلامه في ذلك وذلك أنه لما تكلم على الطريق العقلية الشرعية في ~~إثبات الصانع تكلم أيضا على إثبات التوحيد والصفات الثبوتية والسلبية ~~والأفعال # فقال القول في الوحدانية فإن قيل إذا كانت هذه الطريقة هي الطريقة ~~الشرعية في معرفة وجود الصانع سبحانه فما طريقة معرفة وحدانيته الشرعية ~~أيضا وهو معرفة أنه لا إله الا هو فإن هذا النفي هو معنى زائد على الإيجاب ~~الذي تضمنته هذه الكلمة والإيجاب قد ثبت من القول المتقدم فبماذا يصح النفي # قلنا أما نفي الألوهية عما سواه فإن طريق الشرع في ذلك هي الطريق التي نص ~~الله ms2009 عليها في كتابه PageV09P336 # وذلك في ثلاث آيات إحداها قوله تعالى @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا @QE@ سورة الأنبياء 22 # والثانية قوله @QB@ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل ~~إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون @QE@ سورة المؤمنون ~~91 # والثالثة قوله @QB@ قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا @QE@ سورة الإسراء 42 # فأما الآية الأولى فدلالتها مغروزة في الفطر بالطبع وذلك أنه من المعلوم ~~بنفسه أنه إذا كان ملكان كل واحد منهما فعله فعل صاحبه أنه ليس يمكن أن ~~يكون عن تدبيرهما مدينة واحدة لأنه ليس يكون عن فاعلين من نوع واحد فعل ~~واحد فيجب ضرورة إن فعلا معا أن تفسد المدينة الواحدة إلا أن يكون أحدهما ~~يفعل ويبقى الآخر عطلا وذلك منتف في صفة الإلهية فإنه متى اجتمع فعلان من ~~نوع واحد على محل واحد فسد المحل ضرورة أو تمانع الفعل فإن الفعل الواحد لا ~~يصدر إلا عن واحد فهذا معنى قوله سبحانه @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا @QE@ سورة الأنبياء 22 PageV09P337 قلت المعلوم بنفسه أنه لا يكون ~~المفعول الواحد بعينه فعلا لفاعلين على سبيل الاستقلال ولا التعاون ولا ~~يكون المعلول الواحد بالعين معلولا لعلتين مستقلتين ولا متشاركتين وهذا مما ~~لا ينازع فيه أحد من العقلاء بعد تصوره فإنه إذا كان أحدهما مستقلا به لزم ~~أن يحصل جميع المفعول المعلول به وحده فلو قدر أن الآخر كذلك للزم أن يكون ~~كل منهما فعله كله وحده وفعله له وحده ينفي أن يكون له شريك فيه فضلا عن ~~آخر مستقل فيلزم الجمع بين النقيضين إثبات استقلال أحدهما ونفى استقلاله ~~وإثبات تفرده به ونفى تفرده به وهذا جمع بين النقيضين # ومن المعلوم بنفسه أن عين المفعول الذي يفعله فاعل لا يشركه فيه غيره كما ~~لا يستقل به فإنه لو شرك فيه غيره لم يك مفعوله بل كان بعضه مفعوله وكان ~~مفعولا له ولغيره فيمتنع وقوع الاشتراك ms2010 فيما هو مفعول لواحد # ولهذا كان المعقول من الاشتراك هو التعاون بأن يفعل كل منهما غير ما ~~يفعله الآخر كالمتعاونين على البناء هذا ينقل اللبن وهذا يضعه أو على حمل ~~الخشبة هذا يحمل جانبا وهذا يحمل جانبا # والمخلوقات جميعها يعاون بعضها بعضا في الأفعال فليس في المخلوقات ما ~~يستقل بمفعول ينفرد به بل لا بد له من مشارك معاون مستغن عنه ثم مع احتياجه ~~إلى المشارك له من يعارضه ويعوقه عن الفعل فلا بد له من مانع يمنع التعارض ~~المعوق PageV09P338 # وهذا في كل ما يقال إنه مؤثر بالطبع أو بالاختيار أو شيء آخر إن قدر # ولهذا لم يكن في المخلوقات واحد يصدر عنه وحده شيء أصلا فلا واحد يفعل ~~وحده إلا الله سبحانه # وهذا مما يبين ضلال هؤلاء المتفلسفة القائلين بأن الواحد لا يصدر عنه إلا ~~واحد وجعلوا هذه قضية كلية ليدرجوا فيها واجب الوجود ويقولوا لم يصدر عنه ~~إلا واحد بسيط وهو ما يسمونه العقل # فإن هذا القول وإن كان فساده معلوما من وجوه كثيرة لكن المقصود هنا أن ~~هذه القضية الكلية لا تصدق في موضع واحد غير محل النزاع ومحل النزاع علم ~~فيه أن الفاعل واحد لكن لم يعلم فيه أنه لايفعل إلا واحدا # وأيضا فالوحدانية التي يستحق الرب أن يوصف بها ليست هي الوحدة التي ~~يدعونها فإن تلك الوحدة التي يدعونها لاتصدق إلا على الممتنع الذي لا يمكن ~~وجوده إلا في الذهن لا في الخارج إذ يثبتون وجودا مطلقا أو مشروطا بسلب ~~الأمور الثبوتية أو الثبوتية والعدمية وهذا لا يكون إلا في الأذهان كما قد ~~قرروا ذلك في منطقهم وهو معلوم بصريح العقل وقد بين هذا في موضعه # والمقصود هنا أنهم لايعلمون واحدا يصدر عنه شيء غير الله تعالى فإذا ~~قالوا الشمس يصدر عنها الشعاع فالشعاع لا يحصل إلا مع وجود جسم قابل له ~~ينعكس عليه الشعاع فصار لوجوده سببان الشمس PageV09P339 والجسم المقابل لها ~~ثم له مانع وهو الحجب التي تحول بين الشمس وبين ما يقبل الشعاع ms2011 # وهكذا النور الخارج من السراج ونحوه من النيران لا يحصل إلا بالنار وبجسم ~~يقبل انعكاس الشعاع عليه وارتفاع الحجب الحائلة بينهما # وكذلك تسخين النار وتبريد الماء وما يحصل بالخبز والماء من شبع وري وسائر ~~الآثار الحاصلة بالأغذية والأدوية وغير ذلك فإنه لا بد من النار ومن جسم ~~يقبل أثرها وإلا فالياقوت والسمندل ونحو ذلك لا تحرقه النار وكذلك الغذاء ~~لا ينفع إلا بقوة قابلة لأثره في الجسم وأمثال ذلك كثيرة # وكذلك الفاعل المختار كالإنسان فإن حركته الحاصلة باختياره لا تحصل إلا ~~بقوة من أعضائه يحتاج إليها وليس هو الفاعل لأعضائه ولا لقواها فهو محتاج ~~في فعله إلى أسباب خارجة عن قدرته وقد يحصل في بدنه من العوائق ما يعوقه عن ~~الحركة هذا فعله في نفسه فاما الأمور المنفصلة عنه التي يقال إنها متولدة ~~عن فعله فمن الناس من يقول ليست مفعولة له بحال بل هي مفعولة لله تعالى كما ~~يقول ذلك كثير من متكلمي المثبتين للقدر # ومنهم من يقول بل هو مفعول له على طريق التولد كما يقوله من يقوله من ~~المعتزلة ويحكى عن بعضهم أنه قال لا فاعل لها بحال # وحقيقة الأمر أن تلك قد اشترك فيها الإنسان والسبب المنفصل PageV09P340 ~~عنه فإنه إذا ضرب بحجر فقد فعل الحذف ووصول الحجر إلى منتهاه حصل بهذا ~~السبب وبسبب آخر من الحجر والهواء # وكذلك الشبع والري حصل بسبب أكله وشربه الذي هو فعله وبسبب ما في الطعام ~~والشراب من قوة التغذية وما في بدنه من قوة القبول لذلك والله خالق هذا كله # وهذا مما يبين أنه ليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول أصلا فالقلب الذي هو ~~ملك البدن وإن كان منه تصدر الإرادات المحركة للأعضاء فلا يستقل بتحريك إلا ~~بمشاركة الأعضاء وقواها كما تقدم # وولاة الأمور المدبرون للمدائن والجيوش لا يستقل أحدهم بمفعول إن لم يكن ~~له من يعينه عليه وإلا فقوله وعمله أعراض قائمة به لا تجاوزه وكل ما يصدر ~~خارجا عنه فمتوقف عن أسباب أخرى خارجة عن محل قدرته وفعله ms2012 # وهذا كله مما يبين عجز كل مخلوق عن الاستقلال بمفعول ما فلا يكون شيء من ~~المخلوقات ربا لشيء من المخلوقات ربوبية مطلقة أصلا إذ رب الشيء من يربه ~~مطلقا من جميع جهاته وليس هذا إلا لله رب العالمين # ولهذا منع في شريعتنا من إضافة الرب إلى المكلفين كما قال صلى الله عليه ~~وسلم لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك PageV09P341 # بخلاف إضافته إلى غير المكلفين كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن ~~عوف الجشمي أرب إبل أنت أم رب شاء وقولهم رب الثوب والدار # فإنه ليس في هذه الإضافة ما يقتضي عبادة هذه الأمور لغير الله فإن هذا لا ~~يمكن فيها فإن الله فطرها على أمر لا يتغير بخلاف المكلفين فإنهم يمكن أن ~~يعبدوا غير الله كما عبد المشركون به من الجن والإنس غيره فمنع من الإضافة ~~في حقهم تحقيقا للتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ولهذا لم يكن ~~شيء يستلزم وجود المفعولات إلا مشيئة الله وحده فما شاء الله كان وإن لم ~~يشأ ذلك غيره وما لم يشا لا يكون ولو شاءه جميع الخلق # وإذا عرف أنه ليس في المخلوقات ما هو مستقل بمفعول ولا معلول فليس في ~~المخلوقات ما هو رب لغيره أصلا بل فعل كل مخلوق له فيه شريك وقد يكون له ~~مانع وهذا مما يدل على إثبات الصانع تعالى ووحدانيته كما نبه عليه في غير ~~هذا الموضع # والمقصود هنا أنه من المعلوم بنفسه أنه لا يكون اثنان مستقلين بفعل ولا ~~يكون مفعول واحد قد فعله كل من الاثنين ولا يكون نفس PageV09P342 مفعول ~~الفاعل الواحد قد شاركه فيه غيره فحيث حصلت المشاركة لم يكن هناك مفعول ~~واحد لفاعل واحد فإن الوحدة تناقض الشركة ومفعولات المخلوقات لا بد فيها من ~~الاشتراك لكن لا يفعل أحد الشريكين نفس فعل الآخر فلا تفعل اليد ما تفعله ~~العين ولايفعل الدماغ ما يفعله القلب وإن كان كل منها مفتقرا إلى غيره في ~~فعله # فكذلك السفينة إذا كان فيها ms2013 ربانان أو كان للقرية رئيسان أو للمدينة ~~ملكان لم يمكن أن يكون فعل هذا هو نفس فعل هذا بل يفعل هذا شيئا وهذا شيئا ~~وما يفعله كل منهما لا يفعله الآخر # فلهذا قال هذا الرجل إنه ليس يكون عن فاعلين من نوع واحد فعل واحد وقوله ~~من نوع واحد إن كان زيادة إيضاح وإلا فلا حاجة إليه فإنه لا يمكن أن يكون ~~عن فاعلين فعل واحد سواء كان فعلهما نوعا واحدا أو نوعين مختلفين بل ~~الامتناع هنا أظهر # وقوله متى اجتمع فعلان من نوع واحد على محل واحد فسد المحل ضرورة أو ~~تمانع الفاعل فإن الفعل الواحد لا يصدر إلا عن فاعل واحد فحقيقته أن يقال ~~بل يمتنع الفعل والحال هذه فلا يمكن وقوعه حتى يقال إن المحل يفسد أو لا ~~يفسد # ولكن هو ظن كما ظن من ظن من المتكلمين أن الإله هو بمعنى الرب وأن دلالة ~~الآية على انتقاء إلهين إنما دلت به على انتفاء ربين فقط وذلك يظهر بتقدير ~~امتناع الفعل من ربين PageV09P343 # وسنبين إن شاء الله أن الآية دلت على ما هو أكمل وأعظم من هذا وأن إثبات ~~ربين للعالم لم يذهب إليه أحد من بني آدم ولا أثبت أحد إلهين متماثلين ولا ~~متساويين في الصفات ولا في الأفعال ولا أثبت أحد قديمين متماثلين ولا واجبي ~~الوجود متماثلين # ولكن الإشراك الذي وقع في العالم إنما وقع بجعل بعض المخلوقات مخلوقة ~~لغير الله في الإلهية بعبادة غير الله تعالى واتخاذ الوسائط ودعائها ~~والتقرب إليها كما فعل عباد الشمس والقمر والكواكب والأوثان وعباد الأنبياء ~~والملائكة أو تماثيلهم ونحو ذلك # فأما إثبات خالقين للعالم متماثلين فلم يذهب إليه أحد من الآدميين # وقد قال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ ~~سورة لقمان 25 # وقال تعالى @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء ms2014 وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون @QE@ سورة المؤمنون 84 89 # وقال @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ سورة يوسف 106 # والرسل دعوا الخلق إلى توحيد الإلهية وذلك متضمن لتوحيد الربوبية كما قال ~~كل منهم لقومه @QB@ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ سورة الأعراف 59 ~~PageV09P344 # وقال @QB@ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون @QE@ سورة الزخرف 45 # وقال @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون @QE@ سورة الأنبياء 25 # وقال @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~@QE@ سورة النحل 36 # وإلا فمجرد توحيد الربوبية قد كان المشركون يقرون به وذلك وحده لا ينفع ~~وهؤلاء الذين يريدون تقرير الربوبية من أهل الكلام والفلسفة يظنون أن هذا ~~هو غاية التوحيد كما يظن ذلك من يظنه من الصوفية الذين يظنون أن الغاية هو ~~الفناء في توحيد الربوبية # وهذا من أعظم ما وقع فيه هؤلاء وهؤلاء من الجهل بالتوحيد الذي بعث الله ~~به الرسل وأنزل به الكتب # فإن هذا التوحيد الذي هو عندهم الغاية قد كان مشركو العرب يقرون به كما ~~أخبر الله عنهم ولكن كثير من الطوائف قصر فيه مع إثباته لأصله كالقدرية ~~الذين يخرجون أفعال الحيوان عن قدرة الله ومشيئته وخلقه ولازم قولهم حدوث ~~محدثات كثيرة بلا محدث # وأما الفلاسفة القائلون بقدم العالم فلازم قولهم أن الحوادث جميعها ليس ~~لها فاعل ثم هم يجعلون بعض مبدعات الرب هي الفاعلة لما سواه كما يزعمون مثل ~~ذلك في العقل PageV09P345 # ومشركو العرب كانوا خيرا في التوحيد من هؤلاء فإن هؤلاء غايتهم أن يثبتوا ~~أسبابا لبعض الموجودات لكن الأسباب لا تستقل بل تفتقر إلى مشارك وانتفاء ~~معارض وقد يثبتون أسبابا وعللا لا حقيقة لها كالعقول التي يزعمون أنها ~~أبدعت ما سواها # وأما المجوس الثنوية فهم أشهر الناس قولا بإلهين لكن القوم متفقون على أن ~~الإله الخير المحمود هو النور الفاعل للخيرات وأما ms2015 الظلمة التي هي فاعل ~~الشرور فلهم فيها قولان أحدهما أنه محدث حدث عن فكرة رديئة من النور وعلى ~~هذا فتكون الظلمة مفعولا للنور لكنهم جهال أرادوا تنزيه الرب عن فعل شر ~~معين فجعلوه فاعلا لأصل الشر ووصفوه بالفكرة الرديئة التي هي من أعظم ~~النقائص وجعلوها سببا لحدوث أصل الشر # والقول الآخر قولهم إن الظلمة قديمة كالنور # فهؤلاء أثبتوا قديمين لكن لم يجعلوهما متماثلين ولا مشتركين في الفعل بل ~~يمدحون أحدهما ويذمون الآخر # ولذلك من قال من الملاحدة كمحمد بن زكريا الرازي الطبيب PageV09P346 ~~وأمثاله الذين اتبعوا قول طائفة من الملاحدة الفلاسفة القائلين بالقدماء ~~الخمسة التي هي واجب الوجود والنفس والهيولى والدهر والخلاء وأن سبب حدوث ~~العالم أن النفس تعلقت بالهيولى فلم يمكن واجب الوجود أن يخلصها منها حتى ~~تمتزج بالعالم فتذوق ما فيه من الشرور # وسبب قوله هذا القول أنه كان يقول بحدوث العالم وطولب بسبب حدوثه فأثبت ~~نوعا من الحركات سماها الحركة الفلتية وشبهها بالريح والصوت الذي يخرج من ~~الإنسان بغير اختياره وجعل عشق ا لنفس للهيولى من هذا الباب وظهر للناس ~~جهله في إلحاده فإن هذه الحركة على أي وجه كانت حادثة بعد أن لم تكن فيسأل ~~عن سبب حدوثها كما يسأل عن سبب حدوث حركة أخرى فلم يتخلص بهذا الجهل من ~~السؤال # والمقصود أن كثيرا من أهل الشرك والضلال قد يضيف وجود بعض الممكنات أو ~~حدوث بعض الحوادث إلى غير الله وكل من قال هذا لزمه حدوث الحادث بلا سبب ~~وهم مع شركهم وما يلزمهم من نوع تعطيل في الربوبية لا يثبتون مع الله شريكا ~~مساويا له في أفعاله ولا في صفاته PageV09P347 # وأما إثبات الأسباب التي لا تستقل بالأثر بل تفتقر إلى مشارك معاون ~~وانتفاء معارض مانع وجعلها مخلوقة لله فهذا هو الواقع الذي أخبر به القرآن ~~ودل عليه العيان والبرهان وهو من دلائل التوحيد وآياته ليس من الشرك بسبيل ~~فإن ذلك مما يبين أنه ليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول من المفعولات # والمقصود هنا أن هؤلاء اعتقدوا ms2016 أن قوله @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا @QE@ سورة الأنبياء 22 إنما يدل على نفي الشركة في الربوبية وهو أنه ~~ليس للعالم خالقان ثم صار كل منهم يذكر طريقا في ذلك # فهذا الفيلسوف ابن رشد قرر هذا التوحيد كما تقدم # قال وأما قوله تعالى @QB@ إذا لذهب كل إله بما خلق @QE@ سورة المؤمنون 91 ~~فهذا رد منه على من يضع آلهة كثيرة مختلفة الأفعال وذلك أنه يعقل في الآلهة ~~المختلفة الأفعال التي لا يكون بعضها مطيعا لبعض أن لا يكون عنها موجود ~~واحد بل موجودات كثيرة فكان يكون العالم أكثر من واحد وهو معنى قوله @QB@ ~~إذا لذهب كل إله بما خلق @QE@ سورة المؤمنون 91 ولما كان العالم واحدا وجب ~~أن لا يكون موجودا عن آلهة كثيرة متفننة الأفعال # قلت لما قرر أولا امتناع ربين فعلهما واحد قرر امتناع أرباب تختلف ~~PageV09P348 أفعالهم فإن اختلاف الأفعال يمنع أن يكون المفعول واحدا ~~والعالم واحدا # وكلامه في تفسير هذه الآية بهذا من جنس كلامه في تفسير تلك الآية بذاك # قال وأما قوله تعالى @QB@ لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا @QE@ سورة الإسراء 42 فهي كالآية الأولى أعني أنه برهان على ~~امتناع إلهين فعلهما واحد ومعنى هذه الآية أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~قادرة على إيجاد العالم وخلقه غير الإله الموجود حتى تكون نسبته من هذا ~~العالم نسبة الخالق له لوجب أن يكون على العرش معه فكان يوجد موجودان ~~متماثلان ينتسبان إلى محل واحد نسبة واحدة فإن المثلين لا ينتسبان إلى محل ~~واحد نسبة واحدة لأنه إذا اتحدت نسبته اتحد المنسوب أعني لا يجتمعان في ~~النسبة إلى محل واحد كما لا يحلان في محل واحد إذا كانا مما شأنهما أن ~~يكونا بالمحل وإن كان الأمر في نسبة الإله إلى العرش ضد هذه PageV09P349 ~~النسبة أعني أن العرش يقوم به لا أنه يقوم بالعرش ولذلك قال @QB@ وسع كرسيه ~~السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم @QE@ سورة البقرة 255 # قلت ms2017 قد سلك في هذه الآية هذا المسلك الذي ذكره والآية فيها قولان معروفان ~~للمفسرين أحدهما أن قوله @QB@ لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا @QE@ سورة ~~الإسراء 42 أي بالتقرب إليه والعبادة والسؤال له # والثاني بالممانعة والمغالبة والأول هو الصحيح فإنه قال @QB@ لو كان معه ~~آلهة كما يقولون @QE@ سورة الإسراء 42 وهم لم يكونوا يقولون إن آلهتهم ~~تمانعه وتغالبه بخلاف قوله @QB@ وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض @QE@ سورة المؤمنون 91 فهذه في الآلهة المنفية ليس ~~فيه أنها تعلو على الله وأن المشركين يقولون ذلك # وأيضا فقوله @QB@ لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا @QE@ سورة الإسراء 42 يدل ~~على ذلك فإنه قال تعالى @QB@ إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا @QE@ ~~سورة المزمل 19 والمراد به اتخاذ السبيل إلى عبادته وطاعته بخلاف العكس ~~فإنه قال @QB@ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا @QE@ سورة النساء 34 ولم ~~يقل إليهن سبيلا # وأيضا فاتخاذ السبيل إليه مأمور به كقوله @QB@ وابتغوا إليه الوسيلة @QE@ ~~سورة المائدة 35 وقوله @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه @QE@ PageV09P350 سورة الإسراء 56 57 # فبين أن الذين يدعون من دون الله يطلبون إليه الوسيلة فهذا مناسب لقوله ~~@QB@ لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا @QE@ سورة ~~الإسراء 42 # وليس المقصود هنا بسط الكلام على ذلك إذ المقصود بيان ما ذكره في طرق ~~المعتزلة ومن سلك سبيلهم من الأشعرية # قال فهذا هو الدليل الذي بالطبع والشرع في معرفة الوحدانية وإنما الفرق ~~بين الجمهور وبين العلماء في هذا الدليل أن العلماء يعلمون من اتحاد العالم ~~وكون أجزائه بعضها من أجل بعض بمنزلة الجسد الواحد أكثر مما يعلمه الجمهور ~~من ذلك # ولهذا المعنى الإشارة بقوله تعالى في آخر الآية @QB@ سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا ~~يسبح ms2018 بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا @QE@ سورة الإسراء ~~43 44 # قال وأما ما يتكلفه الأشعرية يعني والمعتزلة من PageV09P351 الدليل الذي ~~يستنبطونه من هذه الآية وهو الذي يسمونه دليل التمانع فشيء ليس يجري مجرى ~~الأدلة الطبيعية ولا الشرعية أما كونه ليس يجري مجرى الطبع فلأن ما يقولون ~~في ذلك ليس برهانا وأما كونه ليس شرعيا لا يجري مجرى الشرع فإن الجمهور لا ~~يقدرون على فهم ما يقولون من ذلك فضلا عن أن يقع لهم به إقناع وذلك أنهم ~~قالوا لو كانا اثنين فأكثر لجاز أن يختلفا وإذا اختلفا لم يخل ذلك من ثلاثة ~~أقسام لا رابع لها إما أن يتم مرادهما جميعا وإما أن لا يتم مراد أحدهما ~~ويتم مراد الآخر وإما أن لا يتم مراد واحد منهما # قالوا ويستحيل أن لا يتم مراد واحد منهما لأنه لو كان الأمر كذلك لكان ~~العالم لا موجودا ولا معدوما # ويستحيل أن يتم مرادهما جميعا لأنه كان يكون العالم موجودا معدوما معا # فلم يبق إلا أن يتم مراد أحدهما ويبطل مراد الآخر والذي بطلت إرادته عاجز ~~والعاجز ليس بإله PageV09P352 # قال ووجه الضعف في هذا الدليل أنه كما يجوز في العقل أن يختلفا قياسا على ~~المريدين في الشاهد كذلك يجوز أن يتفقا وهو الأليق بالإلهية من الاختلاف ~~وإذا اتفقا على صناعة العالم كانا مثل الصانعين اتفقا على صنع مصنوع ما # وإذا كان هذا هكذا فلا بد أن يقال إن أفعالهم ولو اتفقا كانت تتعاوق ~~لورودهما على محل واحد إلا أن يقول قائل ولعل هذا يفعل بعضا والآخر بعضا أو ~~لعلهما يفعلان على المداولة إلا أن هذا التشكيك لا يليق بالجمهور # والجواب في هذا لمن يشكك من الجدليين في هذا المعنى أن الذي يقدر على ~~اختراع البعض يقدر على اختراع الكل فيعود الأمر إلى قدرتهما على كل شيء ~~فإما أن يتفقا وإما أن يختلفا وكيفما كان يتعاوق الكل PageV09P353 # وأما التداول فهو نقص في حق كل واحد منهما والأشبه أن لو كانا اثنين أن ms2019 ~~يكون العالم اثنين فإذا العالم واحد فالفاعل واحد فإن الفعل الواحد إنما ~~يوجد عن واحد فإذن ليس ينبغي أن يفهم من قوله @QB@ ولعلا بعضهم على بعض ~~@QE@ سورة المؤمنون 91 من جهة اختلاف الأفعال فقط بل من جهة اتفاقهما فإن ~~الأفعال المتفقة تتعاوق في ورودها على المحل الواحد كما تتعاوق الأفعال ~~المختلفة # قال وهذا هو الفرق بين ما فهمناه نحن من الآية وما فهمه المتكلمون وإن ~~كان قد يوجد في كلام أبي المعالي إشارة إلى هذا الذي قلناه # قلت بل الذي ذكره النظار عن المتكلمين الذي سموه دليل التمانع برهان تام ~~على مقصودهم وهو امتناع صدور العالم عن اثنين وإن كان هذا هو توحيد ~~الربوبية # والقرآن يبين توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية لكن المقصود هنا أن اعتراض ~~هذا على دليل نظار المتكلمين هو اعتراض مشهور قد ذكره غيره وظنوا أنه ~~اعتراض قادح في الدلالة كما ذكر ذلك الآمدي وغيره وحتى ظن بعض الناس أن ~~التوحيد إنما يعرف بالسمع # وليس الأمر كما ظنه هؤلاء بل هو برهان صحيح عقلي كما قدره PageV09P354 ~~فحول النظار وكما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع وأفردت مصنفا ~~للتوحيد # وذلك أن هؤلاء النظار قالوا إذا قدر ربان متماثلان فإنه يجوز اختلافهما ~~فيريد أحدهما أن يفعل ضد مراد الآخر وحينئذ إما أن يحصل مراد أحدهما أو ~~كلاهما أو لا يحصل مراد واحد منهما # والأقسام الثلاثة باطلة فيلزم انتفاء الملزوم # أما الأول فلأنه لو وجد مرادهما للزم اجتماع الضدين وأن يكون الشيء ~~الواحد حيا ميتا متحركا ساكنا قادرا عاجزا إذا أراد أحدهما أحد الضدين ~~وأراد الآخر الضد الآخر # وأما الثاني فلأنه إذا لم يحصل مراد واحد منهما لزم عجز كل منهما وذلك ~~يناقض الربوبية # وأيضا فإذا كان المحل لا يخلو من أحدهما لزم ارتفاع القسمين المتقابلين ~~كالحركة والسكون والحياة والموت فيما لا يخلو عن أحدهما # وإن نفذ مراد أحدهما دون الآخر كان النافذ مراده هو الرب القادر والآخر ~~عاجزا ليس برب فلا يكونان متماثلين PageV09P355 # فلما قيل لهم هذا إنما ms2020 يلزم إذا اختلفت إرادتهما فيجوز اتفاق إرادتهما # أجابوا بأنه إذا اتفقا في الآخرة امتنع أن يكون نفس ما فعله أحدهما نفس ~~مفعول الآخر فإن استقلال أحدهما بالفعل والمفعول يمنع استقلال الآخر به بل ~~لا بد أن يكون مفعول هذا متميزا عن مفعول هذا وهذا معنى قوله تعالى @QB@ ~~إذا لذهب كل إله بما خلق @QE@ سورة المؤمنون 91 # وهذا ممتنع فإن العالم مرتبط بعضه ببعض ارتباطا يوجب أن فاعل هذا ليس هو ~~مستغنيا عن فاعل الآخر لاحتياج بعض أجزاء العالم إلى بعض # وأيضا فلا بد أن يعلو بعضهم على بعض فإن ما ذكرناه من جواز تمانعهما إنما ~~هو مبني على جواز اختلاف إرادتهما وذلك أمر لازم من لوازم كون كل منهما ~~قادرا فإنهما إذا كانا قادرين لزم جواز اختلاف الإرادة # وإن قدر أنه لا يجوز اختلاف الإرادة بل يجب اتفاق الإرادة كان ذلك أبلغ ~~في دلالته على نفي قدرة كل واحد منهما فإنه إذا لم يجز أن يريد أحدهما ~~ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله لزم أن لا يكون واحد منهما قادرا إلا إذا ~~جعله الآخر قادرا ولزم أن لا يقدر أحدهما إلا إذا لم يقدر الآخر ~~PageV09P356 # وعلى التقديرين يلزم أن لا يكون واحد منهما قادرا فإنه إذا لم يمكنه أن ~~يريد ويفعل إلا ما يريده الآخر ويفعله والآخر كذلك وليس فوقهما أحد يجعلهما ~~قادرين مريدين لم يكن هذا قادرا مريدا حتى يكون الآخر قادرا مريدا # وحينئذ فإن كان كل منهما جعل الآخر قادرا مريدا كان هذا دورا قبليا وهو ~~دور في الفاعلين والعلل # كما لو قيل لا يوجد هذا حتى يوجد هذا ولا يوجد هذا حتى يوجد الآخر فإن ~~هذا محال ممتنع في صريح العقل ولم ينازع العقلاء في امتناع ذلك وهذا يسمى ~~الدور القبلي # بخلاف ما إذا قيل لا يكون هذا إلا مع هذا ولا هذا إلا مع هذا كالأمور ~~المتلازمة فإن هذا يسمى الدور المعي الاقتراني # وذلك جائز كما إذا قيل ذات الرب لا تكون إلا مع صفاته اللازمة ms2021 لها وصفاته ~~اللازمة لها لا تكون إلا مع ذاته وقيل لا تكون حياته إلا مع علمه ولا علمه ~~وحياته إلا مع قدرته ونحو ذلك # فتبين أنه يمتنع أن تكون قدرة كل منهما مستفادة من قدرة الآخر # وإن قيل بل كل منهما قادر مريد من غير أن يستفيد أحدهما ذلك من الآخر وهو ~~دور معي لا قبلي كان هذا أيضا باطلا # فإنه حينئذ يجب أن تكون قدرة كل منهما من لوازم ذاته فلزم أن صانع العالم ~~لا بد أن يكون قادرا قدرة لا يحتاج فيها إلى غيره بل تكون من لوازم ذاته ~~وهذا حق PageV09P357 # وحينئذ فإذا قدر ربان لزم أن يكون كل منهما قادرا قدرة لازمة لذاته لا ~~يحتاج فيها إلى غيره فيكون الفعل بتلك القدرة ممكنا فيلزم أن يكون الرب ~~قادرا متمكنا من الفعل بمجرد قدرته لا يحتاج في ذلك إلى غيره # وحينئذ فيمتنع وجود ربين كل منهما كذلك لأنه إذا كان كل منهما قادرا ~~بنفسه على الفعل أمكنه أن يفعل دون الآخر وأمكن الآخر أن يفعل دونه وهذا ~~ممتنع فإنه إذا فعل أحدهما شيئا امتنع أن يكون الآخر فاعلا له أو شريكا فيه ~~مع استقلال الأول بفعله فيلزم عجز كل منهما عما يفعله الآخر ويلزم أنه لا ~~يمكنه الفعل إن لم يمكنه الآخر منه فلا يفعله هو فيلزم أن يكون كل منهما ~~عاجزا غير قادر على الفعل # وقد تبين أنه لا بد أن يكون كل منهما قادرا على الفعل فيلزم الجمع بين ~~النقيضين ويلزم أيضا أنه لا يكون هذا قادرا إلا إذا كان الآخر غير قادر ~~فيلزم أن يكون كل منهما قادرا غير قادر وهذا جمع ثان بين النقيضين # فتبين أن الخالق لا بد أن يكون قادرا بنفسه على الاستقلال بالفعل وهذا ~~وحده برهان كاف # وحينئذ فلا بد أن يكون أحدهما أقدر من الآخر فيلزم علو بعضهم على بعض ~~PageV09P358 # ولهذا بين الله تعالى في كتابه أن كل واحد من ذهاب كل إله بما خلق ومن ~~علو بعضهم على بعض ms2022 برهان قاض بأنه ليس مع الله إله # كما قال تعالى @QB@ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل ~~إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض @QE@ سورة المؤمنون 91 # فجعل هنا لازمين كل منهما يدل على انتفاء الملزوم أحدهما قوله @QB@ إذا ~~لذهب كل إله بما خلق @QE@ فإن الإله لا بد أن يكون قادرا مستقلا بالقدرة ~~على الفعل لا يحتاج في كونه قادرا إلى غيره كما تقدم من أنه لو كانت قدرة ~~أحدهما يحتاج فيها إلى من يجعله قادرا كان ذلك ممتنعا # فإن الذي يجعله قادرا إن كان مخلوقا له فهو الذي جعل المخلوق قادرا فلو ~~كان المخلوق هو الذي جعله قادرا كان هذا دورا ممتنعا كما يمتنع أن يكون ~~المخلوق خالقا للخالق # وإن كان قديما واجبا بنفسه مثله كان القول في قدرته كالقول في قدرة الآخر ~~فإن كانت قدرته من لوازم ذاته لا يحتاج فيها إلى غيره ثبت المدعى # وإن كان يحتاج فيها إلى غيره لم يكن قادرا حتى يجعله ذلك الآخر قادرا ~~وهذا دور ممتنع كما يمتنع أن لا يكون أحدهما موجودا أو عالما حتى يجعله ~~الآخر موجودا وعالما فإنه حينئذ يكون كونه موجودا وقادرا وعالما مستفاد من ~~الآخر ومفعولا له فلا يكون هذا حتى يكونه هذا ولا يكون هذا حتى يكونه هذا ~~فلا يكون هذا ولا هذا PageV09P359 # وهذا أعظم امتناعا من أن يقال لا يكون الشيء حتى يكون نفسه فإن ذلك يقتضي ~~كون نفسه فاعلة لنفسه ومتقدمة عليها # وهذا وإن كان ممتنعا في صريح العقل فكونه فاعلا لفاعل نفسه ومتقدما على ~~المتقدم على نفسه أبلغ في الامتناع # فإذا كان يمتنع أن لا يكون الواحد قادرا حتى جعل نفسه قادرا فكون كل ~~منهما لا يكون قادرا حتى يجعله الآخر قادرا أولى بالإمتناع # وذلك أنه لا يجعل نفسه قادرا حتى يكون هو قادرا فيلزم أن يكون حينئذ قادر ~~غير قادر # وكذلك يلزم إذا لم يكن أحدهما قادرا ألا يجعل الآخر أن يكون كل منهما ~~قادر غير ms2023 قادر مرتين حين جعله مجعوله قادرا وحين جعله مجعوله قادرا # ولما كان هذا من المعالم البديهية الضرورية لمن تصوره لم يحتج إلى تقرير ~~وإذا كان ذلك الإله لابد أن يكون قادرا على الاستقلال بالفعل فاستقلاله ~~بالفعل يمنع أن يكون غيره فاعلا له ومشاركا له فيه فيلزم أن ينفرد كل إله ~~بما خلق لا يحتاج فيه إلى غيره # وحينئذ يلزم أن لا يحتاج مخلوق هذا إلى مخلوق هذا لأن ذلك يوجب حاجة كل ~~منهما إلى الآخر وأنه لا يقدر أن يفعل إلا مع فعل الآخر ويكون فعل كل منهما ~~مستلزما لفعل الآخر ملزوما له والملزوم لا يوجد PageV09P360 بدون لازمه ~~فيلزم العجز عن الانفراد بالفعل وذلك ينفي القدرة التي هي من لوازم ~~الربوبية # وأما البرهان الثاني وهو لزوم علو بعضهم على بعض وذلك يمنع إلهية المغلوب ~~فإنه يمتنع أن يقدر أحدهما على عين مقدور الآخر لأن ذلك يستلزم أن يكون ما ~~فعله أحدهما يقدر الآخر أن يفعله مع كونه فعل الأول # ويمتنع أن يكون كل منهما لا يقدر إلا إذا مكنه الآخر وأقدره فإن ذلك ~~يستلزم أن لا يكون أحدهما قادرا فيمتنع أن يكون كل منهما قادرا على ~~الاستقلال ويمتنع أن يكونا قادرين على مفعول واحد فيلزم حينئذ أن لا يوجد ~~مفعول واحد لا بطريق استقلال أحدهما ولا بطريق اشتراكهما فيه وذلك يمنع أن ~~يكون أحدهما قادرا # وكذلك يمتنع أن يكونا متماثلين في القدرة فإنه إن أمكن كل منهما منع ~~الآخر من الفعل لزم امتناع الفعل وانتفاء القدرة عن كل منهما # وإن لم يمكنه ذلك لزم أن لا يكون قادرا على ما يقدر عليه الآخر إذ لو كان ~~قادرا عليه لأمكنه فعله وذلك ممتنع # وإذا لم يكن قادرا على ما يقدر عليه الآخر لم تكن قدرته مثل قدرته فإن ~~المثلين هما اللذان يسد أحدهما مسد الآخر ويقوم مقامه # وإذا امتنع تماثل القدرتين وجب كون احدهما أقدر من الآخر وحينئذ فالأقدر ~~الأقوى يغلب الأضعف # وهذا معنى قوله @QB@ ولعلا بعضهم على بعض @QE@ سورة المؤمنون ms2024 91 ~~PageV09P361 # فإن قيل قد أوردوا هنا سؤالا معروفا أورده الآمدي وغيره وذكروا أنه لا ~~جواب عنه # وهو أنه يجوز أن يكون كل منهما قادرا بشرط أن لا يفعل الآخر معه ولا يقدح ~~ذلك في القدرة كما يكون هو قادرا على أحد الضدين بشرط عدم الآخر فإن اجتماع ~~الضدين محال فالقدرة على فعل أحدهما ينافي القدرة على فعل الآخر معه ولا ~~ينافي القدرة على فعل الآخر حال عدمه بل كل من الضدين مقدور بشرط عدم الآخر ~~وهو مقدور على سبيل البدل لا على سبيل الجمع فكذلك يقال في القادرين كل ~~منهما قادر على الفعل المعين حال عدم قدرة الآخر عليه # قيل هذا تشبيه باطل وذلك أن القادر على الضدين يفعل كل منهما بمشيئته ~~وإذا فعل أحدهما لم يكن عاجزا عن فعل الآخر لكنه قادر عليه إن اختاره ~~والجمع بينهما ممتنع لذاته ليس بشيء # وذلك لا يناف القدرة بوجه من الوجوه فإن الفاعل لأحد الضدين يختار هذا ~~دون ذاك فلم يكن عدمه إلا لكونه لم يرده لا لأن غيره منعه منه ولا أن قدرته ~~عاجزة عنه إذا أراد أن يفعله بخلاف القادر إذا قيل إنه لا يمكنه الفعل إلا ~~إذا أمكنه غيره ولم يرد أن يفعل معه ولو أراد الآخر أن يفعل ما فعله لم ~~يقدر أن يفعله هو فإنه حينئذ لا يكون قادرا بنفسه بل يكون غير قادر حتى ~~يمكنه الآخر ويمتنع من أن يفعل ما يفعله # ومما يوضح هذا أن الخالق لا بد أن يكون قادرا وأن يكون قادرا بنفسه لا ~~بقدرة استفادها من غيره ويمتنع أن يكون معه آخر قادر PageV09P362 بنفسه فإن ~~القادر لا بد أن يقدر أن يفعل وحده مفعولا لا يشركه فيه غيره فإنه إذا كان ~~لا يقدر إن لم يعاونه غيره لم يكن قادرا بنفسه بل كان تمام قدرته من ذلك ~~المعنى له ويمتنع أن يكون كل منهما لا يكون قادرا إلا بإعانة الآخر فإن هذا ~~بدون إعانة الآخر ليس بقادر وهذا بدون إعانة الآخر ليس ms2025 بقادر فليس واحد ~~منهما قادر بنفسه ومن لم يكن قادرا بنفسه امتنع أن يجعل غيره قادرا فإنه ~~إذا لم يكن القادر قادرا بنفسه امتنع أن يجعل غيره قادرا بطريق الأولى فلو ~~لم يكن في الوجود من هو قادر بنفسه بمعنى أنه قادر على أن يستقل بالفعل ~~فيفعل وحده من غير شريك ومعين لم يكن في الوجود حادث لامتناع وجود الحوادث ~~بدون القادر بنفسه # والحوادث مشهودة دلت على وجود القادر بنفسه ويمتنع أن يكون في الوجود ~~قادران على الاستقلال بالفعل بحيث يكون كل منهما مستقلا بالفعل وحده فإنه ~~إذا قدر ذلك فحال ما يفعل أحدهما الفعل يمتنع أن يكون الآخر قادرا على ذلك ~~الفعل بعينه فاعلا له وحده فإنه إذا فعله أحدهما وحده لم يكن له شريك فضلا ~~عن أن يفعله غيره مستقلا فتبين أنه حال ما يكون الشيء مقدورا لقادر مستقل ~~أو مفولا لفاعل مستقل لا يكون مقدورا ولا مفعولا لآخر مستقل # فتبين أن ما يقدر عليه ويفعله القادر المستقل يمتنع أن يقدر عليه غيره ~~ويفعله غيره بل يكون هذا عاجزا عما يفعله هذا ولا يكون هذا قادرا ~~PageV09P363 إلا إذا مكنه الآخر وخلاه يفعله فلا يكون واحد منهما قادرا حتى ~~يجعله الآخر قادرا فلا يكون واحد منهما قادرا # فتبين امتناع وجود قادرين مستقلين وتبين امتناع وجود الفعل بدون قادر ~~مستقل وأنه لا يكفي وجود قادر غير مستقل ولا يجوز وجود قادرين مستقلين فعلم ~~أن القادر على الخلق واحد لا يجوز أن يكون اثنان قادرين على الخلق سواء ~~اتفقا أو اختلفا وهو المطلوب # وهذا أمر مستقر في فطر بني آدم وعقولهم وإن تنوعت العبارات عنه وإن كان ~~قد يحتاج إذا تغيرت فطرة أحدهم باشتباه الألفاظ والمعاني إلى بسط وإيضاح ~~فإنهم يعلمون أنه لا يجتمع ملكان متساويان في القدرة والملك إن لم يكن ملك ~~هذا منفصلا عن ملك هذا وإلا فإذا كان أحدهما يتصرف فيما يتصرف فيه الآخر ~~امتنع أن يكون كل منهما قادرا مالكا لما يقدر عليه الآخر ويملكه لأنه يجب ms2026 ~~حينئذ أن يكون كل منهما قادرا على ما يقدر عليه الآخر بل فاعلا مدبرا لما ~~يفعله الآخر ويدبره وذلك ممتنع فإن قدرة أحدهما على الشيء وفعله له يمنع أن ~~يكون الآخر قادرا عليه وفاعلا له إلا في حال عدم قدرة الآخر وفعله فيمكن أن ~~يفعله هذا إذا لم يفعله هذا ويقدر أحدهما على فعله إذا لم يفعله الآخر # فأما حال فعل الآخر له فيمتنع أن يكون الآخر فاعلا له إذا أراد فعله وإذا ~~امتنع كون أحدهما فاعلا له إذا أراده امتنع كونه قادرا عليه فإن كونه قادرا ~~عليه مع امتناع فعله له إذا أراده جمع بين النقيضين فإن القادر هو الذي ~~يقدر على الشيء إذا أراد فعله فإذا كان PageV09P364 لا يقدر عليه إذا أراده ~~لم يكن قادرا عليه فامتنع أن يكون الشيء قادرا على فعل ما يفعله غيره حال ~~كون الآخر فاعلا له ومفعول أحدهما مقدور له # وإذا كان حينئذ يمتنع كون الآخر فاعلا له وذلك يمنع كونه قادرا عليه ~~امتنع أن يكونا قادرين على مقدور واحد في حال واحدة وفاعلين لمفعول واحد في ~~حال واحد بل لا يقدر أحدهما على الفعل إلا إذا تركه الآخر يفعله وسكت عن ~~فعله استقلالا ومشاركة ولو أراد الآخر أن يفعله كان الآخر غير قادر على ~~فعله فصار المانع لأحدهما من القدرة على الفعل والاستقلال به كون الآخر ~~قادرا عليه فاعلا له # وذلك يوجب بطلان الربين من وجوه # منها أن الممنوع الذي منعه غيره لا يكون قادرا بخلاف من لم يفعل الفعل ~~لكونه هو لم يرده فإن هذا لا يمنع قدرته على الآخر # فإذا كان الرجل قادرا على القيام والقعود فاختار أحدهما بدلا عن الآخر لم ~~يكن عدم الآخر لعجزه عنه بل لأنه لم يرده وهو لا يريد اجتماعهما في حال ~~واحدة لأن ذلك ممتنع لنفسه لا لكونه غير قادر أو لكونه عاجزا عنه فإن ~~الممتنع بذاته ليس بشيء يتصور وقوعه ولهذا اتفق النظار على انه ليس بشىء ~~فلا يدخل في قوله @QB@ إن الله ms2027 على كل شيء قدير @QE@ سورة البقرة 20 بخلاف ~~من كان لا يقدر أن يفعل فعلا لأن غيره فعله فإنه حينئذ يكون غير قادر على ~~أن يفعل مفعول ذلك ولو أراده PageV09P365 # ولهذا كان أحد الملكين غير قادر على أن يكون ملكا مع ملك غيره بل إنما ~~يكون ملكا مع انتفاء ملك غيره # وأيضا فإنه إذا كان أحدهما قادرا ولم يمنعه أن يكون قادرا فاعلا للفعل ~~إلا كون الآخر قادرا عليه فاعلا له لزم أن يكون كل منهما ممنوعا حال ما هو ~~مانع وقادرا حال ما هو غير قادر فإن أحدهما حينئذ لا يمنعه من الفعل المعين ~~إلا كون الآخر قادرا عليه فاعلا له وذلك لا يكون قادرا فاعلا إلا إذا لم ~~يكن ممنوعا ولا يكون ممنوعا إلا إذا كان المانع قادرا فيلزم ألا يكون هذا ~~قادرا إلا إذا كان غير قادر ولا ممنوعا إلا إذا كان غير ممنوع ولا فاعلا ~~إلا إذا كان غير فاعل وذلك جمع بين النقيضين # وهذا كله بين في فطر الناس فإنهم يعلمون أن من كان أميرا أو متوليا على ~~فعل أو إماما لقوم أو قاعدا في مكان لم يقدر غيره أن يكون أميرا أو متوليا ~~أو إماما أو فاعلا حال كون الآخر أميرا أو متوليا أو إماما أو قاعدا # فتبين أن القادر على الفعل لا يقدر حال فعل الآخر له ولا حال قدرة الآخر ~~عليه أما قدرته حال فعل الآخر فظاهر الامتناع وأما حال قدرة الآخر فلا يمكن ~~أن يفعله إلا إذا سكت الآخر عن فعله وتركه وحده يفعل وأما حال فعل الآخر ~~فلا يكون قادرا # فتبين أن اجتماع قادرين بأنفسهما ممتنع لذاته في فطر جميع الناس ~~PageV09P366 وحينئذ فالقادر بنفسه هو واحد فيجب أن يكون الإله العالي ~~الغالب وما سواه مقهور مغلوب # وحينئذ فلا يكون الواحد قادرا إلا إذا كان الآخر غير قادر فإن كلا منهما ~~قادر حال عدم قدرة الآخر فلا يكون أحدهما قادرا إلا مع كون الآخر غير قادر ~~وكل منهما قدرته من لوازم ms2028 ذاته إن كان قادرا فيلزم من ذلك أن يكون كل منهما ~~لا يزال قادرا غير قادر فيلزم الجمع بين النقيضين # وكذلك إذا قيل لا يكون أحدهما قادرا إلا إذا جعله الآخر قادرا أو مكنه ~~الآخر وامتنع من منعه فإنه يلزم ألا يكون واحد منهما ادرا للدور الممتنع ~~وهو قد جعل فاعلا فيلزم اجتماع النقيضين فيلزم ألا يكون كل واحد منهما ~~قادرا مع وجوب كون الخالق قادرا ويلزم أن يكون كلا منهما غير قادر مع كونه ~~قادرا # وهذا كله من الممتنع بصريح العقل وهو لازم من إثبات ربين قديمين واجبين ~~بأنفسهما فدل على امتناع ذلك وسواء قدر اتفاقهما على الفعل أو اختلافهما ~~فيه فنفس كونهما قديمين واجبين قادرين ممتنع ونفس كونهما غير قادرين ممتنع ~~ونفس اجتماع القدرة وعدمها ممتنع ونفس اتفاقهما على مفعول واحد يستقل به كل ~~منهما ممتنع ونفس الاشتراك بأن يفعل هذا بعضه وهذا بعضه ممتنع # وحينئذ فلا بد إن يكون أحدهما هو القادر أو الأقدر فيعلو بعضهم ~~PageV09P367 على بعض ولا بد إذا كانا قادرين من أن يذهب كل إله بما خلق فإن ~~العالي هو الإله المعبود فلا يكون معه إله بل يكون ما يقال إنه إله مملوكه ~~وعابده # وهم مقرون بذلك لكن بين لهم فساد عبادة المخلوق والعابد لغيره كما قال ~~@QB@ قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا @QE@ ~~سورة الإسراء 42 # وقال @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ سورة الإسراء 56 57 # فإنه سبحانه ينهى عن الشرك الواقع وهو اتخاذ ما سواه إلها وإن كان ~~المشركون مقرين بأنه إله مخلوق عابد للإله الأعظم ولهذا يقول @QB@ لو كان ~~معه آلهة كما يقولون @QE@ سورة الإسراء 42 # وبين أيضا امتناع أن يكون معه إله غني عنه بقوله @QB@ ولعلا بعضهم على ~~بعض @QE@ سورة المؤمنون 91 وبقوله @QB@ لذهب كل إله بما خلق ms2029 @QE@ سورة ~~المؤمنون 91 وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع وقد ذكرها العلماء في ~~كتبهم # وكذلك ما ذكره هذا الفيلسوف ذكره غير واحد من النظار وذكروا أنه بتقدير ~~الاتفاق يمتنع أن يكون مفعول أحدهما هو مفعول الآخر والمفعول الواحد لا ~~يكون مفعولا لفاعلين باتفاق العقلاء لكن التقدير PageV09P368 الذي يحتاج ~~إلى نفيه تقدير التعاون كما ذكر من فعل هذا البعض وهذا البعض وما ذكره من ~~أن التداول نقص هو موجود في التبعيض فإن الشريكين قد يتهابان بالمكان وقد ~~يتهابان بالزمان # وهذا التقدير قد أبطلوه بوجوه # منها أن هذا نقص في حق كل واحد منهما ينافي الإلهية # ومنها أن كلا منهما إن لم يكن قادرا على الاستقلال كان عاجزا وإن كان ~~قادرا عليه وهو لا يمكنه مع معاونة الآخر كان ممنوعا من مقدوره وهو مثل ~~العجز وأشد وكذلك إن لم يكن قادرا على خلاف مراد الآخر كان عاجزا وإن كان ~~قادرا ولم يفعل إلا ما يوافق الآخر فإن كان الفعل الآخر ممكنا لا مانع له ~~من غيره أمكن تقديره ويعود دليل التمانع وإن لم يكن ممكنا لزم تعجيزه ومنعه ~~بغيره # وبالجملة فالدلائل العقلية على هذا متعددة وإن كان من الناس من يزعم أن ~~دليل ذلك هو السمع لكن هذا المطلوب الذي أثبتوه هو متفق عليه بين العقلاء # ومقصود القرآن توحيد الإلهية وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس # ولهذا قال تعالى @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ سورة ~~الأنبياء 22 فلم يقل لو كان فيهما آلهان بل المقدر آلهة غير الإله ~~PageV09P369 المعلوم أنه إله فإنه لم ينازع أحد في أن الله إله حق وإنما ~~نازعوا هل يتخذ غيره إلها مع كونه مملوكا له # ولهذا قال @QB@ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم @QE@ سورة ~~الروم 28 # وقال تعالى @QB@ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى @QE@ سورة الزمر 3 # وقال @QB@ أم اتخذوا من ms2030 دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون وإذا ~~ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه ~~إذا هم يستبشرون @QE@ سورة الزمر 43 45 وقد بسط الكلام على هذا في موضعه # والمقصود هنا ما ذكره هذا # قال ويدلك على أن الدليل الذي فهمه المتكلمون من الآية ليس هو الدليل ~~الذي تضمنته الآية أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم غير المحال الذى افضى ~~اليه الدليل المذكور في الآية وذلك أن المحال الذي أفضى إليه الدليل الذي ~~زعموا أنه دليل الآية هو أكثر من محال واحد إذ قسموا الأمر إلى ثلاثة أقسام ~~وليس في الآية تقسيم فدليلهم الذي PageV09P370 استعملوه هو الذي يعرفه أهل ~~المنطق بالشرطي المنفصل ويعرفونه هم في صناعتهم بدليل السبر والتقسيم ~~والدليل الذي في الآية هو الذي يعرف في صناعة المنطق بالشرطي المتصل وهو ~~غير المنفصل ومن نظر فيه أدنى نظر في تلك الصناعة تبين له الفرق بين ~~الدليلين # وأيضا فإن المحالات التي أفضى إليها دليلهم غير المحال الذي أفضى إليه ~~دليل الكتاب وذلك أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم هو أن يكون العالم إما ~~لا موجودا ولا معدوما وإما أن يكون موجودا ومعدوما وإما أن يكون الإله ~~عاجزا مغلوبا وهذه مستحيلات دائمة الاستحالة أكثر من واحد والمحال الذي ~~أفضى إليه دليل الكتاب ليس مستحيلا على الدوام وإنما علقت الاستحالة فيه في ~~وقت مخصوص وهو أن يوجد العالم فاسدا في وقت الوجود فكأنه قال لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لوجد العالم فاسدا في الآن ثم استثنى أنه غير فاسد فوجب ألا ~~يكون هناك إله إلا واحد # قلت الفساد المذكور في الآية لم يوقت بوقت مخصوص والفساد ليس هو امتناع ~~الوجود الذي يقدر عند تمانع الفاعلين إذا أراد أحدهما شيئا وأراد الآخر ~~نقيضه ولا هو أيضا امتناع الفعل الذي يقدر عن كون المفعول الواحد لفاعلين ~~فإن هذا كله يقتضي عدم ms2031 الوجود PageV09P371 # وأما الفساد فهو ضد الصلاح كما قال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض قالوا إنما نحن مصلحون @QE@ سورة البقرة 11 # وقال تعالى @QB@ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع ~~سبيل المفسدين @QE@ سورة الأعراف 142 # وقال @QB@ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها @QE@ سورة الأعراف 56 # وقال @QB@ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله ~~لا يحب الفساد @QE@ سورة البقرة 205 # وقال @QB@ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا @QE@ سورة المائدة 32 # وقالت الملائكة @QB@ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء @QE@ سورة ~~البقرة 30 # وقال تعالى @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا @QE@ سورة المائدة 33 # وقال @QB@ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل ~~أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون @QE@ سورة المؤمنون 71 # وجماع الصلاح للآدميين هو طاعة الله ورسوله وهو فعل ما ينفعهم وترك ما ~~يضرهم والفساد بالعكس فصلاح الشيء هو حصول كماله الذي به تحصل سعادته ~~وفساده بالعكس والخلق صلاحهم وسعادتهم PageV09P372 في أن يكون الله هو ~~معبودهم الذي تنتهي إليه محبتهم وإرادتهم ويكون ذلك غاية الغايات ونهاية ~~النهايات # ولهذا كان كل عمل يعمل لغير الله لا ينفع صاحبه بل قد يضره وكانت أعمال ~~الذين كفروا @QB@ كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا ~~على شيء @QE@ سورة إبراهيم 18 # قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ سورة الذاريات 56 # فعبادته هي الغاية التي فيها صلاحهم فإن الإنسان حارث همام كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصدق الأسماء الحارث وهمام والحارث هو الكاسب والهمام ~~هو الذي يكثر الهم الذي هو أول الإرادة فالإنسان متحرك بالإرادة وكل مريد ~~لا بد له من مراد والذي يجب أن يكون هو المراد المقصود بالحركات هو الله ~~فصلاح النفوس وسعادتها وكمالها في ذلك وهكذا العالم العلوي أيضا # والحركات ثلاثة طبيعية وقسرية وإرادية لأن ms2032 الحركة إما أن يكون مبدأها من ~~المتحرك وإما من غيره فما كان مبدؤها من غيره فهي القسرية الكرهية وما كان ~~مبدؤها من المتحرك فإن كان على شعور منه فهي الإرادية وإلا فهي الطبيعية # والطبيعية لا تعرف إلا إذا خرج المطبوع عن مركزه كصعود الحجر PageV09P373 ~~والماء إلى فوق ففي طبعه الهوى والنزول فهي تابعة للقسرية فكل من الطبيعية ~~والقسرية تابعة لغيرها # فمبدأ الحركات كلها هي الإرادية وكل إرادة لا يكون الله هو المراد ~~المقصود بالقصد الأول بها كانت ضارة لصاحبها مفسدة له غير نافعة ولا مصلحة ~~له # وليس ما يستحق أن يكون هو المحبوب لذاته المراد لذاته المطلوب لذاته ~~المعبود لذاته إلا الله كما أنه ليس ما هو بنفسه مبدع خالق إلا الله فكما ~~أنه لا رب غيره فلا إله إلا هو فليس في المخلوقات ما يستقل بإبداع شيء حتى ~~يكون ربا له ولكن ثم أسباب متعاونة ولها فاعل هو سببها # وكذلك ليس في المخلوقات ما هو مستحق لأن يكون المستقل بأن يكون هو ~~المعبود المقصود المراد بجميع الأعمال بل إذا استحق أن يحب ويراد فإنما ~~يراد لغيره وله ما شاركه في أن يحب معه وكلاهما يحب أن يحب لله لا يحب واحد ~~منهما لذاته إذ ليست ذاته هي التي يحصل بها كمال النفوس وصلاحها وانتفاعها ~~إذا كانت هي الغاية المطلوبة # والله فطر عباده على ذلك وهو أعظم من كونه فطرهم على حب الأغذية التي ~~تصلحهم فإذا تناولوا غيرها أفسدتهم فإن ذلك وإن كان كذلك ففي الممكن أن ~~يجعل في غير ذلك ما يغذيهم وأما كون الفطرة يمكن أن تصلح على عبادة غير ~~الله فهذا ممتنع لذاته كما يمتنع لذاته PageV09P374 أن يكون للعالم مبدع ~~غير الله قال تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم @QE@ سورة الروم 30 الآية # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مولود ~~يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ms2033 كما تنتج البهيمة بهيمة ~~جمعا هل تحسون فيها من جدعاء # وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول ~~الله إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا # والفطر تعرف هذا أعظم مما تعرف ما يلائمها من الطعام والشراب لكن قد يحصل ~~للفطرة نوع فساد فيفسد إدراكها كما يفسد إدراكها إذا وجدت الحلو مرا وهذا ~~هو أعرف المعروف الذي أمر الله الرسل أن تأمر به والشرك أنكر المنكر الذي ~~أمرهم بالنهي عنه والشرك لا يغفره الله فإنه فساد لا يقبل الصلاح # ولهذا وجب التفريق بين الحب مع الله والحب لله فالأول شرك والثاني إيمان # قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ سورة البقرة 165 فليس لأحد أن يحب شيئا مع ~~الله PageV09P375 # وأما الحب لله فقال تعالى @QB@ أحب إليكم من الله ورسوله @QE@ سورة ~~التوبة 24 # وقال صلى الله عليه وسلم في الصحيح ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من ~~كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار # وفي الحديث أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ومن أحب لله ~~وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان # وهذا حقيقة قوله تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله @QE@ سورة الأنفال 39 # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله أنا أغنى الشركاء عن ~~الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك # فمكان الفعل الواحد ممتنع أن يكون من فاعلين مستقلين فيمتنع أن يكون ~~المرادين مستقلين بالإرادة فإن كون هذا مستقلا بكونه هو المراد المحبوب ~~يناقض كون الآخر كذلك ومتى لم يكن المراد ms2034 مستقلا PageV09P376 بالإرادة لم ~~يكن هو المراد بل بعض المراد وما كان بعض المراد لم يحصل به صلاح النفوس ~~وهو المراد الذي لا يصلح المتحرك بالإرادة إلا به فمن أراد غير الله بعمله ~~امتنع أن يكون الله مراده بعمله ومن لم يكن الله هو مراده لم يحصل صلاحه بل ~~كان الحاصل فساده بالشرك لا يغفر بخلاف ما دونه # وأفضل الكلام قول لا إله إلا الله والإله هو الذي يستحق أن تألهه القلوب ~~بالحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء فهو بمعنى المألوه وهو ~~المعبود الذي يستحق أن يكون كذلك # ولكن أهل الكلام الذين ظنوا أن التوحيد هو مجرد توحيد الربوبية وهو ~~التصديق بأن الله وحده خالق الأشياء اعتقدوا أن الإله بمعنى الآله اسم فاعل ~~وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع كما يقوله الأشعري وغيره ممن يجعلون ~~أخص وصف الإله القدرة على الاختراع # ومن قال إن أخص وصف الإله هو القدم كما يقوله من يقوله من المعتزلة قال ~~ما يناسب ذلك في الإلهية وهكذا غيرهم وقد بسط الكلام على هذا في موضعه # والمقصود هنا التنبيه على هذه الأمور وأن هؤلاء غلطوا في معرفة حقيقة ~~التوحيد وفي الطرق التي بينها القرآن فظنوا أنه مجرد اعتقاد أن العالم له ~~صانع واحد ومنهم من ضم إلى ذلك نفي الصفات أو بعضها فجعل نفي ذلك داخلا في ~~مسمى التوحيد وإدخال هذا في مسمى التوحيد ضلال عظيم PageV09P377 # وأما الأول فلا ريب أنه من التوحيد الواجب وهو الإقرار بأن خالق العالم ~~واحد لكنه هو بعض الواجب وليس هو الواجب الذي به يخرج الإنسان من الإشراك ~~إلى التوحيد بل المشركون الذين سماهم الله ورسوله مشركين وأخبرت الرسل أن ~~الله لا يغفر لهم كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء # فهذا أصل عظيم يجب على كل أحد أن يعرفه فإنه به يعرف التوحيد الذي هو رأس ~~الدين وأصله # وهؤلاء قصروا في معرفة التوحيد ثم أخذوا يثبتون ذلك بأدلة وهي وإن كانت ~~صحيحة فلم تنازع في هذا التوحيد أمة من الأمم وليست ms2035 الطرق المذكورة في ~~القرآن هي طرقهم كما أنه ليس مقصود القرآن هو مجرد ما عرفوه من التوحيد # قال ابن رشد فقد تبين من هذا القول الطرق التي دعا الشرع من قبلها الناس ~~إلى الإقرار بوجود الباري تعالى ونفي الإلهية عما سواه وهما المعنيان ~~اللذان تضمنتهما كلمة التوحيد أعني لا إله إلا الله فمن نطق بهذه الكلمة ~~وصدق بهذين المعنيين اللذين تضمنتهما بهذه الطرق التي وصفنا فهو المسلم ~~الحقيقي الذي عقيدته العقيدة PageV09P378 الإسلامية ومن لم تكن عقيدته ~~مبنية على هذه الأدلة وإن صدق بهذه والكلمة فهو مسلم مع المسلم الحقيقي ~~باشتراك الاسم # ثم تكلم على الصفات الثبوتية فقال الفصل الثالث في الصفات أما الأوصاف ~~التي صرح الكتاب العزيز بوصف الصانع لوجود العالم بها فهي أوصاف الكمال ~~الموجودة للإنسان وهي سبعة العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر ~~والكلام # أما العلم فقد نبه الكتاب على وجه الدلالة عليه في قوله تعالى @QB@ ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ سورة الملك 14 # ووجه الدلالة أن المصنوع يدل من جهة الترتيب الذي في أجزائه أعني كون صنع ~~بعضها من أجل بعض ومن جهة موافقة جميعها للمنفعة المقصودة لذلك المصنوع أنه ~~لم يحدث عن صانع هو طبيعة وإنما وجدت عن صانع رتب ما قبل الغاية لأجل ~~الغاية فوجب أن يكون عالما به # مثال ذلك أن الإنسان إذا نظر إلى البيت فأدرك أن الأساس إنما PageV09P379 ~~صنع من أجل الحائط وأن الحائط من أجل السقف تبين أن البيت إنما وجد عن فاعل ~~عالم بصناعة البناء وهذه الصفة هي صفة قديمة إذ كان لا يجوز عليه أن يتصف ~~بها وقتا ما # لكن ليس ينبغي أن نتعمق في هذا فنقول ما يقوله المتكلمون إنه يعلم المحدث ~~في وقت حدوثه بعلم قديم فإنه يلزم على هذا أن يكون العلم بالمحدث في وقت ~~وجوده وعدمه علما واحدا # وهذا أمر غير معقول إذا كان العلم واجبا أن يكون تابعا للموجود ولما كان ~~الموجود تارة يوجد فعلا وتارة يوجد قوة وجب أن يكون العلم ms2036 بالوجودين مختلفا ~~إذ كان في وقت وجوده بالقوة غير وقت وجوده بالفعل وهذا يعني قول المتكلمين ~~شيء لم يصرح الشرع به بل الذي صرح به خلافه وهو أنه يعلم المحدثات حين ~~حدوثها # كما قال تعالى @QB@ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ~~ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين @QE@ سورة الأنعام 59 PageV09P380 # فينبغي أن يوضع في الشرع أنه عالم بالشيء قبل أن يكون على أنه سيكون ~~وعالم بالشيء إذا كان على أنه قد كان وعالم بما تلف أنه تلف في وقت تلافه ~~وهذا هو الذي تقتضيه أصول الشرع # وإنما كان هكذا لأن الجمهور لا يفهمون من العالم في الشاهد غير هذا ~~المعنى وليس عند المتكلمين برهان يوجب أن يكون بغير هذه الصفة إلا أنهم ~~يقولون إن العلم المتغير بتغير المعلومات الموجودات هو محدث والباري تعالى ~~لا يقوم به حادث لأن ما لا ينفك عن الحوادث زعموا أنه حادث # قال وقد بينا نحن كذب هذه المقدمة فإذا الواجب أن تقرر هذه القاعدة على ~~ما وردت ولا يقال إنه يعلم حدوث الحادثات وفساد الفاسدات لا بعلم محدث ولا ~~بعلم قديم فإن هذه بدعة في الإسلام @QB@ وما كان ربك نسيا @QE@ سورة مريم ~~64 # قال والذي يقال للخواص إن العلم القديم لا يشبه علم PageV09P381 الإنسان ~~المحدث فالذي يدركه الإنسان من تغاير العلم المحدث بالماضي والمستقبل ~~والحاضر هو شيء يخص العلم المحدث وأما العلم القديم فيجب فيه اتحاد هذه ~~العلوم لأن انتفاء العلم عنه بما يحدثه من هذه الموجودات الثلاثة محال فقد ~~وقع اليقين بعلمه سبحانه بها وانتفى التكييف إذ التكييف يوجب تشبيه العلم ~~القديم بالمحدث # قلت هذا الكلام من جنس ما حكاه عن المتكلمين فإنه إذا اتحد في العلم ~~القديم العلم بالماضي والحاضر والمستقبل ولم يكن هذا مغايرا لهذا كان العلم ~~بالموجود حال وجوده وحال عدمه واحدا وهذا مناقض لما تقدمه من قوله يجب أن ~~يكون العلم بالموجودين مختلفا # غاية ما في هذا الباب أن هذا الرجل يقول إن ms2037 عدم التغاير هو ثابت في العلم ~~القديم دون المحدث ولا ريب أن أولئك المتكلمين يقولون هذا ولكن يقولون لو ~~فرض بقاء العلم الحادث لكان حكمه حكم القديم ويقولون إن هذا من باب حدوث ~~النسب والإضافات التي لا توجب حدوث المنسوب المضاف كالتيامن والتياسر # وهكذا هذا يقول إنما تتجدد النسب والإضافات وقد ذكر ذلك في مقالة له في ~~العلم لكن المتكلمون خير منه لأنهم يقولون بعلمها PageV09P382 بعد وجودها ~~إما بعلم زائد عند بعضهم وإما بذلك الأول عند بعضهم # واما هذا فلا يثبت إلا العلم الذي هو سبب وجودها كما سيأتي كلامه وهذا ~~عندهم حكم يعم الواجب والقديم وهذا يقول بل ذلك حكم يخص المحدث وهو لم يأت ~~على الفرق بحجة إلا مجرد الدعوى # وقد بين ذلك في كلام أفرده في مسألة العلم وأراد أن ينتصر بذلك للفلاسفة ~~الذين قيل عنهم إنهم يقولون إنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات إلا على ~~وجه كلي فذكر أنهم يقولون إنه يعلم الجزئيات لكن على هذا الوجه # فقال لمن راسله لما فقتم بجودة ذهنكم وكرم طبعكم كثير ممن يتعاطى هذه ~~العلوم وانتهى نظركم السديد إلى أن وقفتم على الشك العارض في العلم القديم ~~مع كونه متعلقا بالأشياء المحدثة وجب علينا لمكان الحق ولمكان إزالة الشك ~~والشبهة عنكم أن تحل هذا الشك بعد أن نقول في تقريره فإن لم يعرف الربط لم ~~يقدر على PageV09P383 الحل والشك يلزم هكذا إن كانت الأشياء كلها في علم ~~الله تعالى قبل أن تكون فهل هي في علمه في حال كونها كما كانت عليه قبل أن ~~توجد # فإن قلنا إنها في علم الله تعالى في حال وجودها على غير ما كانت عليه في ~~علمه قبل أن توجد لزم أن يكون العلم القديم متغيرا وأن تكون تكون إذا خرجت ~~من العدم إلى الوجود فقد حدث هناك علم زائد وذلك مستحيل على العلم القديم # وإن قلنا إن العلم القديم فيها واحد في الحالين # قيل فهل هي في نفسها أعني الموجودات الحادثة قبل أن توجد ms2038 كما هي حين وجدت ~~فيجب أن يقال ليست في نفسها قبل أن توجد كما هي حين وجدت وإلا كان المعدوم ~~والموجود واحدا # فإذا سلم الخصم هذا قيل له أفليس العلم الحقيقي هو معرفة الوجود على ما ~~هو عليه PageV09P384 # فإذا قال نعم # قيل فيجب على هذا إذا اختلف الشيء في نفسه أن يكون العلم به يختلف وإلا ~~فقد علم على غير ما هو عليه فإذا يجب أحد الأمرين إما أن يختلف العلم ~~القديم في نفسه أو تكون الحوادث غير معلومة وكلا الأمرين مستحيل عليه ~~سبحانه # ويؤكد هذا الشك ما يظهر من حال الإنسان أعني من تعلق علمه بالأشياء ~~المعدومة على تقدير الوجود وتعلق علمه بها إذا وجدت فإنه من البين بنفسه أن ~~العلمين يتغايران وإلا كان جاهلا بوجودها في الوقت الذي وجدت فيه وليس ينجى ~~من هذا ما جرت به عادة المتكلمين في الجواب عن هذا بأنه سبحانه يعلم ~~الأشياء قبل كونها على ما تكون عليه في كونها من زمان ومكان وغير ذلك من ~~الصفة المختصة به بوجود موجود # فإنه يقال لهم إذا وجدت فهل حدث هناك تغير أو لم يحدث وهو خروج الشيء من ~~العدم إلى الوجود PageV09P385 # فإن قالوا لم يحدث فقد كابروا # وإن قالوا حدث هنالك تغير # قيل لهم فهل حدوث هذا التغير معلوم للقديم أم لا فيلزم الشك المتقدم # وبالجملة فيعسر أن يتصور أن العلم بالشيء قبل أن يوجد وأن العلم به بعد ~~أن وجد علم واحد بعينه فهذا هو تقرير هذا الشك # قال وقد رام الإمام أبو حامد الغزالي حل هذا الشك في كتابه الموسوم ~~بتهافت الفلاسفة بشيء ليس فيه منتفع وذلك أنه قال قولا معناه هذا وهو أنه ~~زعم أن العلم والمعلوم من المضاف وكما أنه قد يتغير أحد المتضايفين ولا ~~يتغير هذا الآخر في نفسه كذلك يشبه أن يعرض للأشياء في علم الله سبحانه ~~وتعالى أعني أن تتغير في أنفسها ولا يتغير علمه سبحانه وتعالى بها ~~PageV09P386 # ومثال ذلك في المضاف أنه قد تكون الإسطوانة الواحدة ms2039 يمنة زيد ثم تعود ~~يسرته وزيد بعد لم يتغير في نفسه # قال وليس هذا بصادق فإن الإضافة قد تغيرت في نفسها وذلك أن الإضافة التي ~~كانت يمنة قد عادت يسرة وإنما الذي لم يتغير موضع الإضافة أعني الحامل لها ~~الذي هو زيد # وإذا كان كذلك وكان العلم هو نفس إضافة فقد يجب أن يتغير عند تغير ~~المعلوم كما تتغير الإضافة إضافه الاسطوانة إلى زيد عند تغيرها في نفسها ~~وذلك إذا عادت يسرة بعد أن كانت يمنة # قال والذي ينحل به هذا الشك عندنا هو أن يعرف أن الحال في العلم القديم ~~مع الموجود بخلاف الحال في العلم المحدث مع PageV09P387 الموجود وذلك أن ~~وجود الموجود هو علة وسبب لعلمنا والعلم القديم هو علة وسبب للموجود فلو ~~كان إذا وجد الموجود بعد أن لم يوجد فقد حدث في العلم القديم علم زائد كما ~~يحدث ذلك في العلم المحدث للزم أن يكون العلم القديم معلولا للموجود لا علة ~~له فإذا وجب أن لا يحدث هنالك تغير كما يحدث في العلم المحدث # وإنما أتى هذا الغلط من قياس العلم القديم على العلم المحدث وهو قياس ~~الغائب على الشاهد وقد عرف فساد هذا القياس # وكما لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعول له أعني تغيرا لم يكن قبل ~~ذلك كذلك لا يحدث في العلم القديم تغير عند حدوث مفعوله عنه # فإذا قد انحل هذا الشك ولم يلزمنا أنه إذا لم يحدث هنالك تغير أعني في ~~العلم القديم فليس يعلم الموجود في حين حدوثه على ما هو عليه وإنما لزم أنه ~~لا يعلمه بعلم محدث بل لا يعلمه إلا بعلم قديم كما ظن أنه لازم من ذلك ~~القول لأن حدوث التغير في PageV09P388 العلم عندنا بتغير الموجود إنما هو ~~شرط في العلم المعلول عن الموجود وهو العلم المحدث # فإذا العلم القديم إنما يتعلق بالموجود على صفة غير الصفة التي يتعلق بها ~~العلم المحدث لا أنه غير متعلق أصلا كما حكى عن الفلاسفة أنهم لموضع هذا ~~الشك ms2040 قالوا إنه لا يعلم الجزئيات # وليس الأمر كما توهم عليهم بل يرون أنه لا يعلم الجزئيات بالعلم المحدث ~~الذي من شرطه الحدوث بحدوثها ويعلمها بالعلم القديم الذي ليس من شرطه ~~الحدوث بحدوثها إذ كان علة لها لا معلولا عنها كالحال في العلم المحدث # وهذا هو غاية التنزيه الذي يجب أن يعترف به فإنه إذا قد اضطر البرهان إلى ~~أنه عالم بالأشياء من جهة أن صدورها عنه إنما هو من جهة أنه عالم لا من جهة ~~أنه موجود فقط أو موجود بصفة كذا بل من جهة أنه عالم كما قال تعالى @QB@ ~~ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ سورة الملك 14 # وقد اضطر البرهان إلى أنه غير عالم بها بعلم هو على صفة العلم ~~PageV09P389 بالمحدث فواجب أن يكون هناك بالموجودات علم آخر لا يكفيف وهو ~~العلم القديم # قال وكيف يمكن أن يتصور أن المشائين من الحكماء يرون أن العلم القديم لا ~~يحيط بالجزئيات وهم يرون أنه سبب الإنذار في المنامات والوحي وغير ذلك من ~~أنواع الإلهامات # قال فهذا ما ظهر لنا في وجه هذا الشك وهو أمر لا مرية فيه ولا شك # قلت لقائل أن يقول ليس فيما ذكره جواب وذلك أن تفريغه بين العلم القديم ~~والعلم المحدث بأن ذلك سبب للموجود وهذا سبب عنه هو قول تقوله طائفة من ~~الفلاسفة وقد عارضهم طائفة من المتكلمين فزعموا أن ليس في العلم ما هو سبب ~~لوجود الموجود بل العلم يطابق المعلوم على ما هو عليه فلا يكسبه صفة ولا ~~يكتسب عنه صفة # وأولئك يقولون علمه فعل وهؤلاء يمنعون ذلك # والتحقيق أن كلا من العلمين علم الخالق وعلم المخلوق ينقسم إلى ما يكون ~~له تأثير في وجود معلومه وإلى ما لا يكون كذلك فما لا يكون كذلك علم الله ~~بنفسه سبحانه فإن هذا العلم ليس سببا لهذا الموجود فلا يجوز إطلاق القول ~~بأن ذلك العلم سبب للوجود مطلقا PageV09P390 # وكذلك علمنا بمخلوقات الله التي لا أثر لنا فيها كالسماوات # وأما الثاني فعلم الله بمخلوقاته ms2041 فإن خلق المخلوقات مشروط بالعلم بها كما ~~قال @QB@ ألا يعلم من خلق @QE@ سورة الملك 14 فالعلم بها شرط في وجودها لكن ~~ليس هو وحده العلة في وجودها بل لا بد من القدرة والمشيئة # ومن هنا ضل هؤلاء المتفلسفة فجعلوا مجرد العلم بنظام المخلوقات موجبا ~~لوجودها ولم يجعلوا للقدرة والمشيئة أثرا مع أن تأثير القدرة والمشيئة في ~~ذلك أظهر من تأثير العلم مع أنهم متناقضون في ذلك فإنهم قد يثبتون العناية ~~والمشيئة تارة وينفونها تارة # وعلم العبد بما يريد فعله من أفعاله هو أيضا شرط في وجود المعلوم فهذا ~~العلم بهذا المحدث شرط في حصوله والمعلوم تابع للعلم المحدث هنا فليس وجود ~~كل معلوم لنا هو علة وسببا لعلمنا مطلقا بل يفرق في ذلك بين العلم النظري ~~والعلم العملي فبطل هذا الفرق # ثم يقال أيضا لا ريب أن الفاعل إذا أراد أن يفعل أمرا فعلم ما يريد أن ~~يفعل لم يكن هذا هو العلم بأنه سيكون فإنه ليس كل من تصور ما يريد أن يفعل ~~يعلم أنه سيكون ما يريده بل الواحد منا يتصور أشياء يريدها ولا يعلم أنها ~~تكون بل لا تكون ثم إذا علم العالم أن الشيء سيكون ثم كان علم أنه قد كان # فهنا في حقنا ثلاثة علوم وهو إنما ذكر في حق الله العلم المشروط في الفعل ~~وهو الذي لا يكون المريد مريدا حتى يحصل ذلك العلم فإن الإرادة مشروطة ~~بتصور المراد PageV09P391 أما العلم بأن سيكون المراد فهذا لا يثبت بمجرد ~~ما ذكره فإن هذا علم خبري وذاك علم طلبي ثم إذا ثبت هذا العلم جاء الشك وهو ~~أنه هل يكون هذا العلم هو نفس العلم بوقوعه إذا وقع أم لا # والمتكلمون تكلموا في هذين العلمين وأرادوا جعل أحدهما هو الآخر فكانوا ~~أقرب إلى الصواب ممن جعل العلم بما يريده هو العلم بأن سيكون المراد وذلك ~~هو العلم بأن قد كان # فتبين أن طريقة المتكلمين أقل إشكالا وأقرب إلى الصواب # وأيضا فيقال له العالم بما يريد أن ms2042 يفعل إذا فعله علم أنه سيكون ثم علم ~~أن قد كان لم يخرج بذلك عن أن يكون العلم القديم شرطا في وجود المعلوم وهو ~~من تمام علة وجوده وإذا كانت نفسه مستلزمة لعلمه بالموجود بشرط فعله لها ~~كما في سمعه وبصره لم يكن شيء من أحواله معلولا لغيره # فقوله يلزم أن يكون العلم القديم معلولا للوجود لا علة له ليس بلازم # وأما ما ذكره من نفي التغير فهو قد طعن في دليل المتكلمين على نفيه ولم ~~يذكر هو دليلا على نفيه فبقي نفيه له بلا حجة أصلا إلا قوله يلزم أن يكون ~~العلم القديم معلولا للوجود لا علة له وليس هذا بصحيح فإنه بتقدير تجدد علم ~~ثان لا يخرج العلم الذي به كان الفاعل فاعلا عن أن يكون علة # وأيضا فعلم الله لازم لذاته وهو الذي فعل الموجودات فإذا قيل PageV09P392 ~~إن ذاته أوجبت له هذا العلم بشرط فعله ما فعل لم يكن ذلك موجبا لافتقاره في ~~العلم إلى غيره # وقوله إنما أتى هذا من قياس الغائب على الشاهد # فيقال جميع ما تذكره أنت وأصحابك والمتكلمون في هذا الباب لا بد فيه من ~~مقدمة كلية تتناول الغائب والشاهد ولولا ما يوجد في الشاهد من ذلك لما تصور ~~من الغائب شيء أصلا فضلا عن معرفة حكمه فإن أبطلت هذا بطل جميع كلامكم # وأما قوله كما لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعول له كذلك في العلم ~~عند حدوث مفعوله # فيقال له أنت قد أبطلت دليل المتكلمين على هذا الأصل الذي قاسوا عليه ولم ~~تذكر لك عليه دليلا فإن أولئك بنوه على أن ما لا يسبق الحوادث حادث وهذا ~~ثبت بطلانه فيجوز عندك أن تقوم الحوادث بالقديم وإذا كان كذلك لم يمتنع ~~عندك أن يتجدد للفاعل القديم عند فعله حال من الأحوال بل أنت قد بينت في ~~غير موضع أنه لا يعقل صدور الحوادث عن المحدث بدون هذا # وأما قوله لا يلزمنا إذا لم يحدث هناك تغير أن لا يعلم الموجود في ms2043 حين ~~حدوثه على ما هو عليه # فيقال هذا لك ألزم منه للمتكلمين لأنك ألزمتهم أن العلم بأن ما سيكون قد ~~كان ومعلوم أن العلم بما نريد أن نفعل ليس هو العلم بأن سيكون ولا بأن قد ~~كان PageV09P393 فإن نفيت علمه بأن ستكون الموجودات قبل وجودها وعلمه بأن ~~قد كانت بعد وجودها كان هذا أعظم عليك وإن جعلت ذلك هو نفس علمه بما يريد ~~فعله كان جعلهم العلم بالشيء قبل كونه واحدا أقرب إلى العقل # وأما قوله حدوث التغير في العلم عندما يتغير الموجود هو شرط في العلم ~~المعلول عن الموجود وهو المحدث # فيقال له هذا ضعيف لوجهين # أحدهما أن ما ذكرته من الدليل لا يفرق # الثاني أنه يلزم علم العبد بما يريد أن يفعله فإنه متقدم على المعلوم به ~~الموجود وهو متغير فليس هو معلولا عن الموجود فتبين أن كونه سببا في الوجود ~~أو تابعا له لا يمنع ما ذكر من التغير # وعلم الرب تبارك وتعالى لا يجوز أن يكون مستفادا من شيء من الموجودات فإن ~~علمه من لوازم ذاته فعلم العبد يفتقر إلى سبب يحدثه وإلى المعلوم الذي هو ~~الرب تعالى أو بعض مخلوقاته وعلم الرب لازم له من جهة أن نفسه مستلزمة ~~للعلم والمعلوم إما نفسه المقدسة وإما معلوماته التي علمها قبل خلقها # وهذه المسألة مسألة تعلق صفاته بالمخلوقات بعد وجودها تعلق العلم والسمع ~~والبصر ونحو ذلك هي مسألة كبيرة # والناس متفقون على تجدد نسب وإضافات لا تقوم بذات الرب PageV09P394 ~~وتنازعوا فيما يقوم بذات الرب وهذا كما تنازعوا في الاستواء ونحوه هل هو ~~مفعول للرب يحدثه في المخلوقات من غير قيام أمر به أم يقوم به أمر على ~~القولين # فالكلابية والمعتزلة ينفون أن يقوم بالرب شيء من ذلك وأكثر أهل الحديث ~~وكثير من أهل الكلام يجوزون ذلك وأما النسب والإضافات فتتجدد باتفاقهم وابن ~~عقيل يسمي هذه النسب والإضافات الأحوال ولعله سماها بذلك كما يسمي غيره ~~كونه عالما وقادرا حالا معللة بالعلم والقدرة كما هي طريقة القاضي أبي بكر ms2044 ~~ومن وافقه كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهما # وهؤلاء يقولون تبعا لأبي هاشم إن الحال لا موجودة ولا معدومة وكذلك هذه ~~النسب والإضافات على قولهم أو أن يكون ابن عقيل شبه ذلك بالأحوال التي ~~يثبتها أبو هاشم وجعلها لا موجودة ولا معدومة كذلك هذه النسب والإضافات # ولأهل الحديث والتفسير والكلام وغيرهم من الكلام في هذه المسألة ما هو ~~معروف ولهذا صار طائفة من أهل الكلام كهشام بن الحكم والجهم وأبي الحسين ~~البصري والرازي وغيرهم إلى إثبات أمور متجددة # والكلام على هذا متعلق بما ذكره الله في القرآن في غير موضع كقوله @QB@ ~~وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على ~~عقبيه @QE@ سورة البقرة 143 PageV09P395 # وقوله تعالى @QB@ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم ويعلم الصابرين @QE@ سورة آل عمران 142 # وقوله @QB@ وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ ~~منكم شهداء @QE@ سورة آل عمران 140 # وقوله @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من ~~عند أنفسكم @QE@ سورة آل عمران 165 إلى قوله @QB@ فبإذن الله وليعلم ~~المؤمنين وليعلم الذين نافقوا @QE@ سورة آل عمران 165 166 الآية # وقوله @QB@ ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا @QE@ سورة ~~الكهف 12 # وقوله @QB@ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين @QE@ إلى قوله @QB@ وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ~~@QE@ سورة العنكبوت 3 11 # وغير ذلك في كتاب الله هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها على أن الله عالم ~~بما سيكون قبل أن يكون # وقد نص الأئمة عل أن من أنكر العلم القديم فهو كافر ومن هؤلاء غلاة ~~القدرية الذين ينكرون علمه بأفعال العباد قبل أن يعملوها والقائلون بالبداء ~~من الرافضة ونحوهم PageV09P396 # وإنما المسألة الدقيقة أنه عند وجود المسموع والمرئي والمعلوم إذا سمعه ~~ورآه وعلمه موجودا فهل هذا عين ما كان موجودا قبل وجود ذلك أو هناك معنى ~~زائد # وأما قول من قال من الفلاسفة إنه لا ms2045 يعلم إلا الكليات فهذا من أخبث ~~الأقوال وشرها ولهذا لم يقل به أحد من طوائف الملة وهؤلاء شر من المنكرين ~~للعلم القديم من القدرية وغيرهم # وأما ما ذكره من أن الفلاسفة لا يقولون إنه لا يعلم الجزئيات بل يرون أنه ~~لا يعلمها بالعلم المحدث وإنكاره أن يكون المشاؤون من الفلاسفة ينكرون علمه ~~بجزئيات العالم فهذا يدل على فرط تعصبه لهؤلاء الفلاسفة بالباطل وعدم ~~معرفته بتحقيق مذهبهم فإنه دائما يتعصب لأرسطو صاحب التعاليم المنطقية ~~والإلهية وكلامه في مسألة العلم معروف مذكور في كتابه ما بعد الطبيعة وقد ~~ذكره بألفاظ أبو البركات صاحب المعتبر وغيره ورد عليه أبو البركات مع ~~تعظيمه له PageV09P397 # وأرسطو ينكر علم الرب بشيء من الحوادث مطلقا وكلامه في ذلك وحججه من أفسد ~~الكلام كما سنذكره إن شاء الله # ولكن ابن سينا وأمثاله زعموا أنه إنما يعلم الكليات والجزئيات يعلمها على ~~وجه كلي وهؤلاء فروا من وقوع التغير في علمه # وأما من قبل أرسطو من المشائين فلا ريب أن في كلامهم ما هو خير وأقرب إلى ~~الأنبياء من كلام أرسطو ولهذا نقل عنهم أنهم كانوا يقولون بحدوث الأفلاك ~~وأن أرسطو أول من قال بقدمها من المشائين # وأما احتجاجه على إثبات علم الرب بالجزئيات بالإنذارات والمنامات ~~فاستدلال ضعيف فإن ابن سينا وأمثاله يدعون أن ما يحصل للنفوس البشرية من ~~العلم والإنذارات والمنامات إنما هو من فيض العقل الفعال والنفس الفلكية ~~وإذا أرادوا أن يجمعوا بين الشريعة والفلسفة قالوا إن النفس الفلكية هي ~~اللوح المحفوظ كما يوجد مثل ذلك في كلام أبي حامد في كتاب الإحياء والمضنون ~~وغير ذلك من كتبه وكما يوجد في كلام من سلك سبيله من الشيوخ المتفلسفة ~~المتصوفة يذكرون اللوح المحفوظ ومرادهم به النفس الفلكية ويدعون أن العارف ~~قد يقرأ ما في اللوح المحفوظ ويعلم ما فيه # ومن علم دين الإسلام الذي بعث الله به رسله علم أن هذا من أبعد الأمور عن ~~دين الإسلام كما قد بسط في موضع آخر إذ تنزيهه هنا للفلاسفة المشائين عن ms2046 أن ~~يكون هذا كلامهم هو تعصب جسيم منه لهم PageV09P398 وهذا نظر سيء في نقل ~~أقوال الناس وليس تحقيق هذا من غرضنا هنا # والفلاسفة طوائف متفرقون لا يجمعهم قول ولا مذهب بل هم مختلفون أكثر من ~~اختلاف فرق اليهود والنصارى والمجوس وكلام المشائين أن الإلهيات كلام قليل ~~الفائدة وكثير منه بلا حجة # والنقل المذكور موجود في كتب المتبعين لهم كابن سينا وأضرابه وقد نظرت ~~فيما نقل عنهم من الأقوال في العلم فوجدتها عدة مقالات لكن من الناس من ~~يحكي عنهم قولين أو ثلاثة ومن الناس من لا يحكي إلا قولا واحدا وقد وجدت ~~أربعة مقالات منقولة عنهم صريحا في كتب متعددة # فنقل طائفة عنهم كالشهرستاني وغيره في العلم ثلاث مقالات # قالوا ذهب قدماء الفلاسفة إلى أنه عالم بذاته فقط ثم من ضرورة علمه بذاته ~~يلزم منه الموجودات وهي غير معلومة عنده أي لا صورة لها عنده على التفصيل ~~والإجمال # وذهب قوم منهم إلى أنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات # وذهب قوم إلى أنه يعلم الكلي والجزئي جميعا على وجه لايتطرق إلى علمه نقص ~~وقصور PageV09P399 # فهذا القول الثالث هو شبيه بالقول الذي اختاره ابن رشد وأما القول الثاني ~~والأول فهما اللذان حكاهما الغزالي عن الفلاسفة # قال منهم من قال لا يعلم إلا ذاته ومنهم من يسلم أنه يعلم غير ذاته # قال وهو الذي اختاره ابن سينا فإنه زعم أنه يعلم الأشياء كلها بنوع كلي ~~لا يدخل تحت الزمان ولا يعلم الجزئيات التي يوجب تجدد الإحاطة بها تغيرا في ~~ذات العالم وذكر الغزالي أنهم اتفقوا على أنه لا يعلم الجزئيات المنقسمة ~~بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ويكون # قال فمن ذهب منهم إلى أنه لايعلم إلا نفسه لا يخفى فساد هذا من مذهبه ومن ~~ذهب منهم إلى أنه يعلم غيره كما اختاره ابن سينا فقد زعم أنه يعلم الأشياء ~~علما كليا لا يدخل تحت الزمان ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن ومع ذلك ~~زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا ms2047 في الأرض إلا أنه يعلم ~~الجزئيات بنوع كلي # قلت ولأبي البركات صاحب المعتبر مقالة في العلم رد فيها على أرسطو ونصر ~~فيها أنه يعلم الكليات والجزئيات PageV09P400 # وما ذكره ابن رشد عنهم من أنهم يرون أن العلم سبب الإنذار بالجزئيات # فيقال أما الفلسفة الموجودة في كتب ابن سينا وأمثاله ففيها أن ذلك من ~~العقل الفعال والنفس الفلكية وعندهم ذلك هو المنذر بذلك ويسمون ذلك اللوح ~~المحفوظ ومن ذلك ينزل عندهم الوحي على الأنبياء ومن ذلك كلم موسى وكثير من ~~المتصوفة الذين سلكوا مسلكهم قد دخل ذلك في كلامهم # فإن كان فريق غير هؤلاء المتفلسفة يجعل ذلك من علم الله فلا ريب أن من ~~جعل الله منذرا لعباده بالجزئيات لزم أن يكون عالما بها فإن الإعلان بالشيء ~~فرع على العلم به وهذا ما يثبت القول الثالث المحكي عنهم # وذكر أبو البركات في معتبره الأقوال الثلاثة قول من قال لا يعلم إلا ذاته ~~وذكره عن أرسطو وذكر ألفاظه وابن رشد هو يعظم أرسطوا إلى الغاية وهو من ~~أعظم الفلاسفة عنده فكيف ينفي هذا القول عنهم # وذكر أبو البركات قول ابن سينا وذكر عنهم القول الثالث وهو أنه يعرف ذاته ~~وسائر مخلوقاته في سائر الأوقات على اختلاف الحالات مما هو كائن وما هو آت # وهذا القول ينزع إلى قولين أحدهما القول الذي اختاره ابن رشد الذي قربه ~~من التغير ولم يجب عنه والثاني التزام هذا اللازم وبيان أنه ليس بمحذور ~~وهذا قد اختاره أبو البركات كما يختاره طوائف من PageV09P401 المتكلمين ~~كأبي الحسين والرازي وغيرهما وكما هو معنى ما دل عليه الكتاب والسنة وذكره ~~أئمة السنة # فصارت الأقوال للفلاسفة في علم الله أربعة أقوال بل خمسة بل ستة بل سبعة ~~وأكثر من ذلك القول الذي ذكره ابن سينا والقول الذي اختاره ابن رشد والقول ~~الذي اختاره أبو البركات وهذان القولان هما القولان اللذان يقولهما نظار ~~المسلمين # وقول أرسطو وابن سينا فلا يمكن أن يقولهما مسلم ولهذا كان ذلك مما كفرهم ~~به الغزالي وغيره فضلا عن ms2048 أئمة المسلمين كمالك والشافعي وأحمد فإنهم كفروا ~~غلاة القدرية الذين أنكروا علمه بالأفعال الجزئية قبل وجودها فكيف من أنكر ~~علمه بالجزئيات كلها قبل وجودها وبعد وجودها # وللسهروردي المقتول قول آخر سنحكيه بعد إن شاء الله وكذلك للطوسي قول ~~قريب منه مضمونه أن العلم ليس صفة له بل هو نفس المعلومات # قال أبو البركات فأما معرفته وعلمه فقد اختلف فيه كثير من العلماء من ~~المحدثين والقدماء يعني علماء النظار من الفلاسفة لا يعنى به أتباع ~~الأنبياء # قال فقال قوم منهم إنه لا يعرف ولا يعلم سوى ذاته وصفاته التي له بذاته ~~وقال آخرون بل يعرف ذاته وسائر مخلوقاته في PageV09P402 سائر الأوقات على ~~اختلاف الحالات فيما هو كائن وفيما هو آت وقال آخرون بل يعرف ذاته بذاته ~~والصفات الكلية من مخلوقاته والذات الدائمة الوجود من معلولاته ولا يعرف ~~الجزئيات ولا يعلم الكليات الفاسدات المتغيرات المستحيلات ولا شيئا من ~~الحوادث من الأفعال والذات # قال واشتهر القول بين المتفلسفة من القدماء بالمذهب الأول أعني تنزيه ~~الذات فقط وبين المحدثين القول الثالث وهو معرفة الكليات وضعفت بينهم حجج ~~القائلين بمعرفة الجزئيات لتدقيق النظر وتقرير أصول لم تتحرر وافقهم عليها ~~السامعون فألزمهم بتصديقهم من حيث لايشعرون # قال ونحن الآن نقتص مذاهب الذين يقولون بأنه تعالى لا يعرف الجزئيات ~~وحججهم ثم نشرع في اعتبارها والنظر فيها وفي مذهب القائلين بخلافها ونجري ~~على العادة في توفية كل مذهب حجته PageV09P403 مما قيل ومما لم يقل حتى ~~ينتهي النظر إلى الحجة التي لا مرد لها ولا حجة تبطلها فنعرف الحق فيها # ثم قال الفصل الرابع عشر في شرح كلام من قال إن الله لا يحيط علما ~~بالموجودات # قال أرسطو طاليس ما هذه حكايته فيما بعد الطبيعة فأما على أي جهة هو ~~المبدأ الأول ففيه صعوبة فإنه إن كان عقلا وهو لا يعقل كالعالم النائم فهذا ~~محال وإن عقل افترى عقله في الحقيقة لشيء غيره وليس جوهره معقوله لكن فيه ~~قوة على ذلك وبحسب هذا لا يكون جوهرا فإن كان هذا ms2049 الجوهر بهذه الصفة أعني ~~أنه عقل فليس يخلو أن يكون عاقلا لذاته أو لشيء آخر # فإن كان عاقلا لشيء آخر فلا يخلو أن يكون عقله دائما لشيء واحد أو لأشياء ~~كثيرة # فإن كان معقوله لأشياء كثيرة فمعقوله على هذا منفصل عنه فيكون كماله إذن ~~لا في أن يعقل ذاته لكن في عقل شيء آخر أي شيء كان # إلا أنه من المحال أن يكون كماله بعقل غيره إذ كان جوهرا في PageV09P404 ~~الغاية من الإلهية والكرامة والعقل فلا يتغير والتغير فيه انتقال إلى ~~الأنقص وهذا هو حركة ما فيكون هذا العقل ليس عقلا بالفعل لكن بالقوة # وإذا كان هكذا فلا محالة أنه يلزمه الكلال والتعب في إيصال العقل ~~للمعقولات ومن بعد فإنه يصير فاضلا بغيره كالعقل في المعقولات فيكون ذلك ~~العقل في نفسه ناقصا ويكمل بمعقولاته # وإذا كان هذا هكذا فيجب أن يهرب من هذا الإعتقاد وأن لا يبصر بعض الأشياء ~~أفضل من أن يبصرها فكمال ذلك العقل إذ كان أفضل الكمالات يجب أن يكون بذاته ~~لها فإنها أفضل الموجودات وأكملها وأشرف المعقولات # وهذا يوجد هكذا دائما دون تعرف أو حس أو رأي أو فكر فهذا ظاهر جدا فإنه ~~إن كان معقول هذا العقل غيره فإما أن يكون شيئا واحدا دائما أو يكون علمه ~~بما يعلمه واحدا بعد آخر # وهذه الأمور بالهيولى غير الصورة فأما في الأمور العقلية فطبيعة الأمر ~~وكونه معقولا شيء واحد فليس العقل فيها شيئا غير المعقول PageV09P405 # وبالجملة فجميع الأشياء العرية عن الهيولى فمعنى العقل والمعقول فيها ~~واحد # قلت وقد صنف أبو البركات مقالة في العلم ذكر فيها نحو ما ذكره في المعتبر ~~وقال وهذا القول هو الذي نقل عن أرسطو طاليس في مقالة اللام من كتابه ~~المعروف بما بعد الطبيعة وقد تداولته العقلاء وتصرفت فيه العقول وأكثر فيه ~~المفسرون والغرض منه ظاهر وهو إجلال المبدأ الأول عن أن يكون له كمال بغيره ~~فيكون بذاته ناقصا بالقياس إلى ذلك الكمال وتكون له غيرية بإدراك الأبصار ~~وتغير بإدراك المتغيرات وتعب ms2050 باتصال إدراكها وازدحامها وخروجه من القوة إلى ~~الفعل فيفعلها # قال وإذا كان هذا مفهوم الكلام قد لاح عن كثب فلا حاجة إلى التطويل وهذا ~~قول إذا تتبع بطريقة النظر المحض لم يثبت له قدم فيه وساق كلامه عليه # قال أبو البركات في المعتبر وقد كان أرسطو قال قبل هذا ما قصد به أن ينفى ~~عنه أن تتجدد له الأحوال ويمنع به تغيره من حال إلى حال حتى يحكم بذلك في ~~العلوم والمعارف # قال وليس يمكن في العلة الأولى أن تنفعل وجميع هذه هي PageV09P406 حركات ~~توجد بآخره بعد الحركة المكانية وجميع هذه هي بينة على هيئة على هذه الصفة # ثم ذكر عبارة ابن سينا في هذه المسألة كما سنذكره # وكلام أرسطو فيه أربعة أمور # أحدها أن العلم بالغير يوجب كونه كاملا بغيره فأن لا يبصر بعض الأشياء ~~أولى من أن يبصرها # الثاني أن علمه بالمتغيرات يوجب تعبه وكلاله # الثالث أن هذا نوع من الحركة يستلزم تقدم الحركة المكانية # الرابع أن علمه الأشياء نوع حركة يوجب كثرة العلوم فيكون هو لها كالهيولى ~~للصورة # ومدار الحجج على أن العلم يوجب الكثرة والتغير والاستكمال بالمعلوم # قال أبو البركات الفصل الخامس عشر في اعتبار الحجج المنقولة عن أرسطو ~~طاليس أما قول أرسطو بأن تعقله للغير كمال يوجب له نقصا باعتبار لا كونه ~~فيرد بأن يقال فيه على طريق الجدال الذي يلزمه الإذعان له وهو أن يقال إنك ~~تعرفه مبدأ أولا وخالق PageV09P407 الكل فنقول في خلقه مثلما قلت في تعقله # فإن قلت الخلق لزم عن ذاته # قلنا والتعقل لزم عن ذاته # وإن قلت إن ذلك يمنعه عنه حتى لا يجعل له به كمالا أعني كونه يعقل ~~الأشياء # قلنا فامنع هذا أيضا أعني كونه يخلق الأشياء حتى لا يكون له به كمال فبما ~~لا يخلق لا يكون خالق المخلوقات ومبدأ أول لها كما أنه بما لا يعقل لا يكون ~~عاقل المعقولات ولو بما لا يعقل واحدا منها مثلما لا يخلق واحدا منها فإن ~~الذي لزم في علم ms2051 المعلوم يلزم مثله في خلق المخلوقات أو إبداع المبدع فإنه ~~بقياس لا وجوده عنه ليس بخالق ولا مبدع فإن لم يوجب هذا نقصا لم يوجب ذاك ~~وإن أوجب ذاك فقد أوجب هذا وأجلاله عن ذلك كإجلاله عن هذا وقدرته عن هذا ~~كقدرته على ذاك فلم نزهته عن ذاك ولم تنزهه عن هذا ولم خشيت عليه التعب في ~~أن يعقل ولم تخشه عليه في أن يفعل PageV09P408 # قال فهذا جواب كاف في رده على مذهب المجادلة # قلت قوله على مذهب المجادلة يعني المعارضة والنقض التي تبطل حجة المستدل ~~وتبين أنها فاسدة وإن لم يعلم حلها وذلك أن ما ذكره في العلم يلزم مثله ~~بطريق الأولى في الفعل فإنه من المعلوم بصريح العقل أن كون الشيء مفعولا ~~دون كونه معلوما فإن المفعولات دون الفاعل وليس كل معلوم دون العالم ~~فالإنسان يعلم ما هو أكمل منه ولايفعل ما هو أكمل منه فالمفعول يجب أن يكون ~~دون الفاعل ويجب أن يكون الفاعل أكمل من المفعول ولا يجب مثل ذلك في العالم ~~والمعلوم بل يجوز أن يعلم العالم ما هو أكمل منه وما لا يفتقر إليه بوجه من ~~الوجوه وأما مفعوله فهو مفتقر إليه # فإذا لم يكن كون الأشياء مفعولة له مما يوجب نقصا له وكمالا بها فأن لا ~~يوجب كونها معلومة له نقصا له وكمالا بها بطريق الأولى إذ كونها مفعولة ~~أنقص لها من كونها معلومة له فإذا كانت فاعليته لا تتم إلا بها ولم يكن ذلك ~~نقصا فأن لا تكون عالميته التي لا يتم إلا بها نقصا بطريق الأولى # وذلك من وجوه # أحدها أن كونها مفعولة أنقص لها من كونها معلومة # الثاني أن لزوم الفعل له أولى بأن يجعل نقصا من لزوم العلم له # الثالث إن استلزام الفاعلية المفعول أولى من استلزام العالمية لوجود ~~PageV09P409 المعلوم فإن العالم قد يعلم المعلوم معدوما ويعلمه ممتنعا ~~ويعلمه قبل وجوده وأما الفعل فلا يكون إلا لما يوجد بالفعل لا لما يكون ~~معدوما مع وجود الفعل وحينئذ فتوقف كونه ms2052 فاعلا على وجودها أولى من توقف ~~كونه عالما على وجودها # الرابع أنه إذا قيل فعله لها لا يوجب احتياجه إليها بل هي المحتاجة إليه ~~من كل وجه وكماله بفعله الذي هو من ذاته لا منها قيل وعلمه بها لا يوجب ~~حاجته إليها بوجه بل العالم أغنى عن المعلوم من الفاعل إلى المفعول إذ لا ~~يعقل في الشاهد فاعل إلا وهو محتاج إلى فعله بل ومفعوله ويوجد عالم لا ~~يفتقر إلى معلوماته بل ولا إلى علمه بكثير من المعلومات وإن كان علمه بها ~~صفة كمال وجوده أكمل منه # وإذا قدر أن بعض الأفعال لايحتاج إليه بل هو صفة كمال # قيل الفعل الاختياري لا يكون إلا بإرادة وحاجة الإنسان إلى وجود كل مراد ~~مطلقا أعظم من حاجته إلى العلم بما يعلمه مطلقا وتعلق النفوس بمراداتها ~~أعظم من تعلقها بمعلوماتها # ولهذا يقول بعض الناس ويحكونه عن علي قيمة كل امرىء ما يحسن ولا يصح هذا ~~عن علي ويقول أهل المعرفة قيمة كل امرىء ما يطلب # فكمال النفوس ونقصها بمرادها أعظم من كمالها ونقصها بمعلومها بل نفس ~~العلم بأي معلوم كان لا يوجب لها نقصا وأما إرادة بعض PageV09P410 الأشياء ~~فيوجب لها نقصا فإذا كان فعله لكل ما في الوجود لا يوجب له نقصا فكيف يعلمه ~~بذلك وإذا كان فعله لها لا يوجب كونه محتاجا إليها مستكملا بها فكيف يوجب ~~ذلك علمه بها # ونحن نعلم أن كون الفاعل لا يفعل بعض الأشياء أكمل من فعلها وأما كونه لا ~~يعلمها فلا يعقل كونه نقصا إلا إذا اقترن بالعلم ما يذم لا أن نفس العلم ~~يذم فإذا كان فعله لبعض الموجودات ليس أكمل من فعله لها كلها ولم يكن أن لا ~~يفعلها أكمل من أن يفعلها فكيف يكون أن لا يبصرها أفضل من أن يبصرها # وإذا قيل هو فاعل لبعضها بتوسط بعض # قيل كيفما قدرت وجود الفعل ونفي كونه نقصا كان تقدير وجود العلم ونفي ~~كونه نقصا أولى وأحرى # فإن قلت فعله للمفعول الأول لازم لذاته وهلم ms2053 جرا ولا يكون نقصا # قيل إن قدر أن هناك معلولا أول يلزمه فإن علمه بنفسه إذا كان يستلزم علمه ~~بالمعلول الأول ولوازمه لم يكن نقصا بطريق الأولى # وإذا قيل إن في التعقلات تعبا # قيل من لم يتعب بالفعل فأن لايتعب بالعلم بطريق الأولى فكيف يعقل فاعل ~~يفعل دائما ولا يتعب بالفعل فأن لا يتعب بالعلم بطريق الأولى فكيف يعقل ~~فاعل يفعل دائما ولايتعب بالفعل ولكن يتعب PageV09P411 بعلمه بالمفعول مع ~~كونه عقلا والعقل الذي هو العلم أولى به من الفعل # وهم يعلمون وكل عاقل أن نفس الإنسان لا يتعب بالعلم كما يتعب بالفعل ~~وكذلك بدنه إذا قدر فعل لا يكون استحالة وتغيرا فلأن يقدر علم به لا يكون ~~استحالة وتغيرا بطريق الأولى وإذا قدر فعل لا يوجب حركة مكانية فالعلم به ~~أن لا يوجب ذلك أولى وأحرى # ففي الجملة كل ما توهم المتوهم أنه نقص في العلم مثل كونه استكمالا ~~بالغير أو كونه تغيرا أو كونه متعبا يلزمه مثله في فعل ذلك لغير المعلوم ~~بطريق الأولى وإذا كان الفعل لا نقص فيه بل هو كمال فكذلك للعلم وللغير ~~المذكور هو مفعوله ومخلوقه الذي هو أبدعه # فإذا قيل إن كماله به فليس كماله إلا بنفسه إذ هو المبدع له فلم تفتقر ~~نفسه إلى غير نفسه ونحن نعقل أن ما هو غنى عنا علمنا به أكمل من أن لا ~~نعلمه وإن كان غنيا عنا فلو قدر أن في الوجود ما ليس مفعولا له كان أن ~~يعلمه أكمل من أن لا يعلمه فكيف إذا كان هو مفعوله # وهل يقال إن من علم الأشياء بعلوم متجددة بل علمها بعد وجودها أنقص ممن ~~لا يعلمها بحال فكيف يكون من لا يعلمها قبل وجودها وبعد وجودها # ولو سمى مسم العلم بالمتغيرات تغيرا وحركة واستكمالات بالغير ومهما سماه ~~من ذلك فإذا قيس من يعلم الأشياء إلى من لا يعلمها كان الأول أكمل بكل حال ~~PageV09P412 # ولهذا كان الإنسان القابل للعلم أكمل من الجماد وإن كان في علمه من ~~التغير ms2054 والحركة ما ليس في الجماد وأيضا فمن يكن حيا حساسا يقدر على الحركة ~~أكمل ممن لا يكون كذلك وكلما كانت صفات الكمال أكمل كان الموصوف أكمل فإن ~~الإنسان أكمل من الحيوان البهيم والحيوان أكمل من الجمال وإن قدر أن علمه ~~وفعله مستلزم للحركة بل للحركة المكانية فهو أكمل ممن لا علم له ولا يتحرك ~~بإرادته فالمتحرك بإرادته أكمل ممن لا يمكنه الحركة البتة هذا هو المعقول ~~في الموجودات # وكلما تدبر الإنسان ونظر في الأدلة المعقولة تبين له أن ما ذكره عن أرسطو ~~من الحجج لنفي العلم من أفسد الحجج بل هي الغاية في الفساد وهي مبنية على ~~مقدمتين # إحجاهما أن العلم يستلزم أمورا # والثانية أنه يجب نفي تلك الأمور لكونها نقصا # وهذا باطل من وجوه # منها المعارضة بما تقدم # ومنها إن نفي العلم أعظم نقصا من تلك اللوازم فلو قدر أنها تتضمن ما ~~يسمونه نقصا لكان ما يتضمنه نفي العلم من النقص أعظم فلا يجوز التزام أعظم ~~النقصين حذرا من أدناهما إذا قدر أن كلاهما قد جعله هؤلاء نقصا PageV09P413 # ومنها أن ما ذكره من المقدمة الأولى اللزومية مما ينازعهم فيه كثير من ~~الناس # ومنها أن كون تلك اللوازم نقصا مما ينازع فيه كثير من الناس # ومنها أنه يستفصل عن الحدود المذكورة في المقدمتين فإنها ألفاظ مجملة ~~وحينئذ فلا بد من منع الملزوم أو انتفاء اللازم فإما أن لا يسلم ما ذكروه ~~عن الملزوم وإما أن لا يسلم ما ذكروه من انتفاء اللازم # ومنها بيان أن لوازم العلم كلها كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه # ومنها أن ما ذكره مبني على وجوب ثبوت الكمال للرب تعالى وتنزيهه عن النقص ~~وهذا حق كما قررناه في غير موضع وبينا أن الكمال الممكن وجوده الذي لا نقص ~~فيه بوجه يجب إثباته لله تعالى وأن العلم من أعظم الكمالات الذي لا نقص فيه ~~بوجه وقد وجد العلم في الوجود فثبوته له أولى من ثبوته لغيره وأن العلم من ~~حيث هو علم لا يستلزم نقصا ms2055 أصلا ولكن النفوس الظالمة إذا علمت بعض الأشياء ~~فقد تستعين بالعلم على الظلم والنفوس الجاهلة به إذا عرفت بعض الحقائق فقد ~~يضرها معرفة تلك الحقائق فيحصل الضرر لما في النفوس من الشر # أما المقدس المنزه عن كل عيب فعلمه من تمام كماله وهو مما يحمد به ويثنى ~~به عليه لا يستلزم الذم والنقص بوجه من الوجوه فكيف إذا علم وجود العالم ~~وامتناع وجوده بدون العلم وامتناع كونه فاعلا لشيء إلا مع علمه به إلى غير ~~ذلك من الدلائل البرهانية المثبتة لوجوب كونه تعالى عليما بكل شيء ~~PageV09P414 # لكن نحن في هذا المقام في إبطال شبه النفاة لا في بيان حجج المثبتين وما ~~ذكره أبو البركات في المعارضة بالفعل في غاية الحسن فإن من لا يلزمه تعب ~~ولا نقص في خلق المخلوقات فإن لا يلزمه ذلك في علمه بها أولى وأحرى # وهذا مما يبين أن قول اليهود الذين وصفوه بالتعب لما خلق السماوات والأرض ~~في ستة أيام وأنه استراح بعد ذلك أقرب إلى المعقول من قول أرسطو وأتباعه ~~الذين يقولون لو كان عالما بهذا لتعب لكن هذه المعارضة مبنية على أنه علة ~~فاعلة للعالم سواء قيل إنه فاعل له بالإرادة أو موجب له بذاته بلا إرادة # وكونه مبدأ للعالم هو مما اتفق عليه الأمم من الأولين والآخرين ووافقهم ~~على ذلك أئمة أتباع المشائين كابن سينا وأمثاله وأما أرسطو فليس في كلامه ~~إلا أنه علة غائية بمعنى أن الفلك يتحرك للتشبه به ليس فيه أنه مبدع العالم # وهذا وإن كان في غاية الجهل والكفر فكلامه في علمه مبني على هذا وإبطال ~~كلامه في العلم ممكن مع تقدير هذا الأصل الفاسد أيضا من وجوه فإن حقيقة قول ~~أرسطو وأتباعه إن الرب ليس بخالق ولا عالم # وأول ما أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ~~ما لم يعلم @QE@ سورة العلق 51 PageV09P415 # وكذلك قوله @QB@ سبح اسم ربك ms2056 الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ ~~سورة الأعلى 31 # وقول موسى لفرعون @QB@ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى @QE@ سورة طه ~~50 وأمثال ذلك # وهؤلاء عندهم لم يخلق شيئا ولم يعلم احدا بل هو في نفسه ليس بعالم فكيف ~~يعلم غيره ويهديه # قال أبو البركات فأما الجواب النظري البرهاني فهو أن نقول ليس كماله ~~بفعله بل فعله بكماله وعن كماله ومن فعله عقله فعقله عن كماله الذاتي الذي ~~لا وجه لتصور النقص فيه ولا القول به فإن النقص في ذات المبدأ الأول غير ~~متصور لأنه واحد والنقص إنما يتصور في موضع الزيادة والنقصان والزيادة ~~والنقصان معا إنما هي من صفات الكثرة والغيرية حيث تتصور في الكثرة قلة وفي ~~الزيادة نقصان كل واحد بقياس الآخر فاما حيث لا كثرة ولا غيرية بل وحدة ~~محضة فلا يتصور نقص وكيف والنقص من الصفات الإضافية حيث يقال نقص كذا كما ~~يقال زاد كذا # فالنقص المتصور في الذات الأحدية أي نقص يكون ونقص ماذا PageV09P416 يكون ~~وكيف يتصور لا أقول كيف يقال فإن القائل قد يقول ما لا يتصوره لكن العالم ~~لا يعلم ما لا يتصوره إثباتا ولا نفيا # فإن قيل إن النقص ها هنا متصور بقياس ذاته وهو أن لا يعقل كذا لولا كذا ~~المعقول أي لا يعقل لولا المعقول قلنا إن الكمال الذي له ليس هو بأن يعقل ~~كل موجود بل كونه بحيث يعقل كل موجود فإن كان المعقول موجودا عقله وإن فرض ~~غير موجود لزمه فرض أن لا يعقله لا لأنه لا يعقله أي لا يقدر على عقله بل ~~النقص من جانب العدم المفروض فكماله وقدرته له بذاته ويلزم عنهما ما له ~~بالقياس إلى موجوداته فما كمل بإيجاد مخلوقاته بل وجدت مخلوقاته عن كماله # وليس هذا القول في المبدأ الأول فقط بل وفينا أيضا فإنا لسنا نكمل بكل ~~معقول بل إنما كمالنا بقدرتنا على أن نعقله وإنما نكمل بما نعقله بالفعل ~~حيث نعقل بالفعل معقولات أشرف منا وذلك نوع آخر من ms2057 الكمال فإن العقل له ~~بذاته الكمال الذي هو قدرته على أن يعقل وله به أن يعقل وذلك أمر له من ~~ذاته عقل بالفعل أم لم يعقل وله كمال عرضي إضافي اكتسابي بما يعقل معقولات ~~هي أشرف PageV09P417 منه وذلك ليس للأول إذ ليس أشرف منه في الموجودات حتى ~~يشرف ويكمل بعقله له وليس إذا ارتفع هذا عنه ارتفع ذاك فإن ذاك هو الأول و ~~الذى بالذات أعني كونه بحيث يعقل وقدرته على أن يعقل فهو كماله الذاتي الذي ~~به شرف وجل وعلا عما لا يعقل والآخر هو الثاني والذي بالعرض أعني كماله ~~بمعقولاته وشرفه بها فإن كوننا بحيث نعقل ما نعقله شرف لنا وكمال بالقياس ~~إلى ما ليس له ذلك # وكثير من المعقولات التي نعقلها لا نشرف بها وليس الشرف الحاصل من الفعل ~~هو الشرف الذي بالقدرة فإن الذي بالقدرة قبل الفعل ومعه وبعده والذي بالفعل ~~يحصل مع الفعل وبه وبعده ولا يكون قبله فما شرف الله بمخلوقاته بل خلق ~~بشرفه أعني ما خلق فشرف بل شرف فخلق وكذلك ما علم فكمل بل كمل فعلم # قلت ملخص هذا أن الكمال هو الذي يجب له أزلا وأبدا وهو لازم لا يتجدد منه ~~شيء وهو كونه بحيث يفعل ويعقل لا نفس وجود الفعل المعين والعلم المعين وهذا ~~هو القدرة على الفعل والعقل وهذا له بذاته لا يتوقف على شيء من الموجودات # ولهذا قال إن النقص غير متصور في الذات الواحدة فإن النقص يستلزم التعدد ~~ولا تعدد هناك # لكن قد يقال على هذا إنه وإن كان الذات واحدة فإذا كانت الصفات متعددة ~~كالقدرة والعلم أمكن تقدير أحدهما دون الآخر فالكمال هو بوجود الجميع ~~والنقص معقول بعدم بعض ذلك PageV09P418 # لكن ما قاله لازم لمن ينفي الصفات من الجهمية والفلاسفة ويقدر ذاتا لا ~~صفة لها أو وجودا مطلقا لا يختص بأمر فهذا لايعقل فيه كمال ولا نقص # وأرسطو من نفاة الصفات وقد قدر أنه يكمل تارة ولا يكمل أخرى وجعل أحد ~~الأمرين أكمل له من الآخر ms2058 وأصحاب أرسطو يقولون هذا إنما يمكن تقديره في ~~الأمور الإضافية والسلبية # فيقال لهم أما الإضافات فإنها تتجدد عندكم فإن قلتم إنها كمال لزم أن ~~يتجدد له الكمال وهو خلاف أصلكم # وإن قلتم ليست بكمال بطل تقدير الكمال لامتناع تقدير النقصان # ولكن قد يقال تقدير النقصان في الواحد المسلوب الصفات غير متصور كما قال ~~أبو البركات لكن يمكن تقدير كمال منتظر ونفيه وهو الذي نفاه أرسطو # وأبو البركات جعل الكمال في نفس القدرة اللازمة له لا فيما ينتظر لكن أبو ~~البركات من مثبتة الصفات فما ذكره وهو أن عدم إمكان النقص في الواحد من كل ~~وجه تقريرا لامتناع النقص عنه وامتناعه بوجه كماله فيكون فعله عن كماله # ويقال يمكن الجواب عن شبهة أرسطو من وجوه أخر غير ما ذكره أبو البركات # أحدها أن يقال العلم لازم لذاته أزلا وأبدا ليس شيئا متجددا فلا يحتاج أن ~~يقال كماله في أن يقدر على العقل كما قال أبو البركات PageV09P419 # بل نفس العقل الذي هو العلم في لغة المسلمين أمر لازم لذاته كما قال أبو ~~البركات في القدرة # وحينئذ فليس كماله بغيره بل بعلمه الذي هو من لوازم ذاته الذي لم يزل ولا ~~يزال كما أن كماله بقدرته كذلك # وكون العلم متعلقا بغيره مثل كون القدرة متعلقة بغيره وكما أن القدرة صفة ~~كمال لا يقدح فيها أنه لابد لها من مقدور فالعلم كذلك وأولى لأنه يتعلق ~~بنفسه ويتعلق بغيره والقدرة لا تكون قدرة إلا على غيره # الوجه الثاني أن ما ذكرناه من أن الأعيان الذين يتعلق بهم العلم والقدرة ~~هم مخلوقاته الذين لم يشركه أحد في خلقهم وهم كلهم محتاجون إليه لا إلى ~~غيره فما في الوجود إلا نفسه ومخلوقاته التي لا وجود لها إلا بنفسه فلم يكن ~~تعلق صفاته بمخلوقاته بأعظم من تعلق ذاته بهم وكما أن تعلق ذاته بهم هو من ~~كماله لا من نقصه فتعلق علمه وقدرته بهم كذلك ومعلوم أن وجود ذاته دون ~~لوازم ذاته ممتنع باتفاق العقلاء فيمتنع عند المسلمين ms2059 وجوده بدون علمه ~~وقدرته # وجماهير المسلمين يقولون إن إرادته من لوازم ذاته سواء قالوا إنها واحدة ~~بالعين أو متعددة وإذا كانت إرادته من لوازم ذاته فيمتنع وجوده بدون وجود ~~مراداته التي هي مخلوقاته فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن # والمتفلسفة يقولون إن وجوده بدون وجود معلولاته ممتنع ومع هذا ~~PageV09P420 فلم يكن كونه ملزوما لغيره نقصا فكيف يكون كون علمه ملزوما ~~للمعلوم نقصا مع أنه هو خالق المعلومات # الوجه الثالث جواب من يقول إنه يعلم الأشياء كلها بعلم قديم أزلي وأنه لا ~~يتجدد عند تجدد المعلومات إلا تعلق العلم بها كما يقول ذلك كثير من أهل ~~الكلام ومن اتبعهم من الفقهاء فهؤلاء يقولون إن العلم لا يقف على شيء أصلا ~~بل هو حاصل أزلا وأبدا على وجه واحد # الوجه الرابع جواب من يقول إنه يعلم الشيء موجودا بعد أن علمه معدوما وأن ~~هذا الثاني فيه زيادة على الأول فهؤلاء يقولون لم يحصل المعلوم والعلم ~~الثاني إلا بقدرته ومشيئته فما استفاد شيئا من غيره ولا كمل بغير نفسه ~~ويقولون إن ما لا يكون إلا بمشيئته وقدرته يمتنع وجوده في الأزل ووجوده ~~بقدرته ومشيئته أكمل من عدم وجوده فوجوده على هذه الحال هو غاية الكمال ~~وعدم هذا الكمال هو النقص الذي يجب تنزيهه عنه فإنه كمال ممكن الوجود لا ~~نقص فيه وكل ما كان كذلك كان واجبا له إذ لو لم يكن واجبا له لكان إما ~~ممتنعا وهو خلاف الفرض أو ممكنا وحينئذ فالمقتضى له هو ذاته بلوازمها وقد ~~وجد ذلك فيجب وجوده وإلا فيكون ممتنعا وهو خلاف الفرض # وبهذين الجوابين يزول ما يقدح به في كلام أبي البركات حيث جعل العقل ~~بالفعل ليس كمالا وإنما الكمال في القدرة عليه ولم يجعل الكمال إلا في عقل ~~الأفضل لا الأدنى فإن هذا مما نازع فيه # ويقال ما كان كمالا إذا كان بالقوة فهو إذا صار بالفعل أكمل PageV09P421 ~~وأكمل فكيف تكون القدرة على الفعل والعقل للأشياء الخسيسة كمالا ولا يكون ~~خروج ms2060 القوة إلى الفعل ونفس فعلها وعقلها كمالا # ولكن يقال ما كان يمتنع وجوده أزليا ولا يمكن أن يوجد إلا حادثا ليس ~~الكمال إلا في إحداثه لا في فعله في الأزل وإذا قدر أن علمه موجود لا يمكن ~~تحققه إلا بعد وجوده كان أن يعلم موجودا بعد وجوده أكمل من أن لا يعلم ~~موجودا وإن علم أنه سيوجد # وأما قول أبي البركات ما كمل بفعله وعقله بل فعل وعقل بكماله فهو صحيح ~~إذا أريد بالكمال ما هو أزلي للذات لا يمكن تجدد شيء من أفراده كما لا يتجد ~~نوعه # وأما إذا أريد بالكمال ما يتضمن جميع ما يمكن وجوده من الكمال على الوجه ~~الذي يمكن # فيقال كماله بنفسه وذاته ونفسه تتضمن ما يقوم به من صفاته وأفعاله فلم ~~يكمل بشيء مباين له وما كان داخلا في مسمى اسمه فليس هو مباينا له ولا يطلق ~~القول عليه بأنه مغاير له # وحينئذ فكماله بذلك مثل كماله بذاته وصفاته اللازمة وما كان حدوثه حيث ~~تقتضي الحكمة حدوثه على الوجه الممكن فهو كمال في ذلك الوقت لا كمال في ~~غيره وذلك إنما حصل بنفسه ولها لم يحصل بغيره ولا لغيره # وعلى هذا فإذا قيل لو عقل لكمل به PageV09P422 # يقال إن أردت بقولك كمل به أن ذلك بغير أعطاه الكمال فذلك باطل وإن أردت ~~أنه لولا ذلك الغير لما وجد العلم به فيقال نعم # وهذا لايضر لوجوه # أحدها أنه هو الذي أوجد ذلك الغير وبقدرته ومشيئته وجد هو ولوازمه فلم ~~يكن ما حصل له حاصلا إلا به وحده # الثاني أنه لو قدر موجودا بغيره لكان أن يعلمه أكمل من أن لا يعلمه # الثالث إذا كان العلم بالغير مشروطا بالغير ولولا الغير لما حصل والغير ~~حاصل على التقديرين علم أو لم يعلم فوجود الغير مع فوت الكمال الذي يمكن ~~معه هو النقص إذ النقص هو فوت ما يمكن وجوده لا ما لا يمكن والعلم صفة كمال ~~والعلم بكل شيء ممكن فوجود هذا كمال وعدمه نقص # قال أبو ms2061 البركات فأما القول بإيجاب الغيرية فيه بإدراك الأغيار والكثرة ~~بكثرة المدركات فجوابه المحقق أنه لا يتكثر بذلك تكثرا في ذاته بل في ~~إضافاته ومناسباته وتلك مما لا تعيد الكثرة على هويته وذاته ولا الوحدة ~~التي أوجبت له وجوب وجوده بذاته ومبدئيته الأولى التي بها عرفناه وبحسبها ~~أوجبنا له ما اوجبنا وسلبنا عنه PageV09P423 ما سلبنا هي وحدة مدركاته ~~ونسبته وإضافاته بل إنما هي وحدة حقيقته وذاته وهويته ولا تعتقدن أن الوحدة ~~المقولة في صفات واجب الوجود بذاته قيلت على طريق التنزيه بل لزمت بالبرهان ~~على مبدئيته الأولى ووجوب وجوده بذاته والذي لزم عن ذلك لم يلزم إلا في ~~حقيقته وذاته لا في مدركاته ومضافاته فأما أن يتغير بإدراك المتغيرات فذلك ~~أمر إضافي لا معنى في نفس الذات وذلك مما لم تبطله الحجة ولم يمنعه برهان ~~ونفيه من طريق التنزيه والإجلال لا وجه له بل التنزيه من هذا التنزيه ~~والإجلال من هذا الإجلال أولى # قلت أرسطو إنما اعتمد على نفي التغير إذا علم شيئا بعد شيء فأما كثرة ~~المعلومات مع قدم العلم فلم يتعرض له وكأنه عنده غير ممكن # قال أبو البركات فأما الذي قيل في منع التغير مطلقا حتى يمنع التغير في ~~المعارف والعلوم فهو غير لازم في التغير مطلقا بل هو غير لازم ألبتة وإن ~~لزم كان لزومه في بعض تغيرات الأجسام مثل الحرارة والبرودة في بعض الأوقات ~~لا في كل حال ووقت ولا يلزم مثل ذلك في النفوس التي تخصها المعرفة والعلم ~~دون الأجسام فإنه يقول إن PageV09P424 كل تغير وانفعال فإنه يلزم أن يتحرك ~~قبل ذلك المتغير حركة مكانية # قال أبو البركات وهذا محال فإن النفوس تتجدد لها المعارف والعلوم من غير ~~أن تتحرك في المكان على رأيه فإنه لا يعتقد فيها أنها تكون في مكان ألبتة ~~فكيف أن تتحرك فيه وإنما ذلك للأجسام في بعض الذوات والأحوال كالتسخن ~~والتبرد ولا يلزم فيها أبدا فإن الحجر الكبير يسخن ولا يصعد ويبرد ولا يهبط ~~بل ولا يتحرك من مكانه وإنما ms2062 ذلك مما يصعد بالبخار من الماء ويدخن من الأرض ~~من الأجزاء التي هي كالهباء دون غيرها من الأحجار الكبار الصلبة التي تحمى ~~حتى تصير بحيث تحرق وهي في مكانها لا تتحرك # والماء يسخن سخونة كثيرة وهو في مكانه لا يتبخر وإنما تتبخر منه بعض ~~الأجزاء ثم تكون الحركة المكانية بعد الاستحالة لا قبلها كما قال إن جميع ~~هذه هي حركات توجد بأخرة بعد الحركة المكانية PageV09P425 وفيما عدا ذلك ~~فقد يسود الجسم ويبيض وهو في مكانه لم يتحرك ولا يتحرك قبل الاستحالة ولا ~~بعدها فما لزم هذا في كل جسم بل في بعض الأجسام ولا في كل حال ووقت بل في ~~بعض الأحوال والأوقات ولا كان ذلك على طريق التقدم كما قال بل على طريق ~~التبع # ولو لزم في التغيرات الجسمانية لما لزم في التغيرات النفسانية ولو لزم في ~~التغيرات النفسانية أيضا لما لزم انتقال الحكم فيه إلى التغيرات في المعارف ~~والعلوم والعزائم والإرادات # فالحكم الجزئي لا يلزم كليا ولا يتعدى من البعض إلى البعض وإلا لكانت ~~الأشياء كلها على حال واحدة # وهو قدم هذا على كلامه في العلم حتى يجري عليه الحكم في المعرفة والعلم ~~فاعتبر بهذا فإن استقصى لهذا القول البحث أمكن أن يرجع إلى أصل ويصحح على ~~وجه لكنه مع ذلك لا ينتصر به القول الذي أبطلوا به معرفة الله وعلمه ~~بالحوادث # فأما الأصل الذي يرجع إليه باستقصاء النظر في التأويل له فهو أن يقال إن ~~الشيء إذا تسخن بعد برده أو تبرد بعد سخونة وتبيض PageV09P426 بعد سواد ~~وتسود بعد بياض بسبب يقرب منه بعد بعد يؤثر فيه ذلك إما بحركته إلى السبب ~~وإما بحركة السبب إليه فإن الماء يسخن بعدما كان باردا بحرارة النار مثلا ~~التي يقرب منها إما بحركة النار إليه أو بحركته هو إليها # كذلك المبيض بعد اسوداده يتحرك إلى المسود أو يتحرك المسود إليه فتتقدم ~~الحركة المكانية بهذا البيان سائر الحركات وتتقدم الدورية المستمرة الدائمة ~~على المستقيمة المنقطعة ذات البداية والنهاية المحدودتين فهكذا يصح ms2063 أن يقال ~~تتقدم الحركة الدورية على سائر الحركات والتغيرات فيصح ذلك في الأجسام ~~الداخلة تحت الكون والفساد بالتغيرات المحدودة في التكيفيات المبصرة ~~والملموسة والاشكال والمقادير وما يتبعها ويتعلق بها فأما في النفوس ~~والعقول وفي الله تعالى فلا يلزم شيء من ذلك بهذا البيان # قال واعجب من هذا قوله بأنه يتعب حيث قال وإذا كان هذا هكذا لا محالة إنه ~~يلزمه الكلال والتعب من اتصال المعقولات وهو القائل في [ كتاب ] السماء ~~انها لا تتعب بدوام حركتها PageV09P427 المتصلة لأن طبعها لا يخالف إرادتها ~~فجعل علة التعب هناك مخالفة الطبيعة للإرادة وها هنا كثرة الأفعال واتصالها ~~وكثرة الخروج من القوة إلى الفعل # والقوة قوتان إستعداد وقدرة والاستعداد إذا كمل بالخروج إلى الفعل صار ~~قدرة ثم عن القدرة تصدر الأفعال والتي بمعنى الاستعداد نقص يفتقر إلى كمال ~~والأخرى كمال تصدر عنه الأفعال فهذه القوة من قبيل القدرة الدائمة القارة ~~على حد لا ينقص ولا يزيد وليست بمعنى الاستعداد الذي يخرج إلى كمال # ولو كانت من هذا القبيل لما جاز ان يحكم عليها بالتعب والكلال بل باللذة ~~والكمال فإن ما بالقوة يشتاق إلى كماله الذي بالعفل ومن قبله تكون اللذة ~~والسعادة # والكلال والتعب إنما يعرضان لنا لا من جهة اتصال أفعالنا ولا من جهة ~~ازدحامها بل من جهة تحريك أعضائنا وأرواحنا بتقلبنا وتفكرنا حركة تخالف ~~مقتضى الطبيعة التي في جواهرنا كما نفاه عن السماء # وليس ذلك من جهة الخلاف فإن القوى المتقاومة قد تتقاوم مدة PageV09P428 ~~فلا يعرض لها تعب كما لو فرضت مغناطيس علق حديدا زمانا [ فإنه ] لا يتعب ~~ولا تضعف تلك القوة الجاذبة ولا يبطل ذلك التعلق ما لم يتجدد أمر من خارج ~~بل لأن الحركة تحل جوهر الروح منا أعنى من أعضائنا لتركيبها من لطيف وكثيف # واللطيف عرضة للإنحلال والحركة تسبب ذلك له فإذا انحلت الروح التي بها ~~تعلق القوة المحركة ضعفت القوة المحركة فينا وعجزت فيها تعبا وكلالا # وذلك إنما ارتفع عن السماء لارتفاع التركيب والانحلال لا لأن الطبيعة لا ~~تضاد الإرادة ms2064 فيها أو تضادها فإن ذلك هو سبب بعيد للتعب والكلال والقريب هو ~~ما ذكرناه فإذا ارتفع عن السماء لذلك فلم بالحرى ان يرتفع عن سماء السماء ~~وبسيط البسائط الوحداني الذات # قال فأما قوله فان لا يبصر بعض الاشياء افضل من ان يبصرها فهو اشبه ما ~~قاله من الحجج وأقربها إلى التروج والقبول قبل التأمل وإنما ذلك يكون ~~بالقياس إلينا على ضيق وسعنا وزماننا فيصح ان [ يقال إن ] اشتغالنا بإبصار ~~الافضل أولى منه بالأخس فأما إذا PageV09P429 كان الوسع بحيث لا يشغل فيه ~~إدراك الاخس ولا يعوق عن ادراك الافضل فلا # ثم هذا الخسيس إنما هو خسيس بالقياس إلينا أيضا وفي أشياء مباينة لطباعنا ~~منافرة لحواسنا لا على الاطلاق # وبالقياس إلى كل خساس فإن طعم العذرة في فم الخنزير كطعم العسل في فم ~~الانسان وإذا نظرت إلى الكل لم تجد فيه خسيسا تعر معرفته أو يضر علمه أو ~~يكون لا إدراكه أولى من إدراكه لا في الروحانيات ولا في الحسمانيات لا في ~~السماويات ولا في الارضيات كيف وما في الأرض وتحت السماء ليس غير الاستقصات ~~الكائنة وما يتولد عنها بامتزاجها وليس في المتزج منها سواها إلا قوى ~~سماوية وما منها ما يضر إدراكه أو تعر معرفته اللهم الا لشخص ينافيه ويضاده ~~لا على الاطلاق ومن علا عن المضادة والمباينة فلا يكون ذلك بالقياس إليه ~~مكروها # فالله تعالى وملائكته أجل من ان ينالهم الاذى بضد أو مباين من ~~PageV09P430 لون أو طعم أو رائحة فكيف وما في الوجود الا ما صدر عنه تعالى ~~ومما عنه وهو عنه بالحقيقة فما لا يأنف منه ان يخلقه ويوجده لا يأنف منه ان ~~يدركه وما لم يعره في ان فعله لا يعره في ان علمه ولا له كيفية تناسبه من ~~لون أو طعم أو رائحة فيؤثرها وأخرى تباينه فيكرها فلم نتفع الآن بالقضية ~~المشنعة أعنى القائلة فأن لا يبصر بعض الاشياء أفضل من أن يبصرها # ثم الابصار ان كان عن عجز وضيق وسع فليس بأفضل من الابصار وان ms2065 كان من نوع ~~الالتفات والتقزز فذلك من المنافي والمؤذى وقد قلنا فيه # قال وأما قوله فكمال ذلك العقل اذ كان افضل الكمالات يجب ان يكون بذاته ~~فإنها افضل الموجودات واكملها واشرف المعقولات فقول صادق صحيح على الوجه ~~الذى قلناه لا على الوجه PageV09P431 الذى يقصده من ان كماله بفعله الذى هو ~~بعقل ذاته اذ قد سلم ان ذاته في غاية الكمال والشرف والجلال فليس كمالها ~~بفعل من الافعال لا بعقل ذاتها و لا بعقل غيرها بل تعلقها لذاتها فعل شريف ~~كامل صدر عن شرف الذات وكمالها فكان كمال الفعل لكمال الذات لا كمال الذات ~~لكمال الفعل وقد سبق هذا # قال واما قوله وهذا يوجد هكذا دائما من دون تعرف أو حس أو راى أو تفكر ~~فهذا ظاهر جدا فإن الإدراك والتعقل التام للأمر القديم الدائم من العاقل ~~التام القديم الدائم تام قديم دائم لا محالة وقوله فإنه ان كان معقول هذا ~~العقل غيره فإما ان يكون شيئا واحد ( دائما ) واما ان يكون علمه بما يعلمه ~~واحد بعد آخر فجوابه ( انه ) يعقل ذاته ويعقل غيره فيعقل الدائمات دائما ~~ويعقل المتجددات عقلا قديما دائما من حيث قدمها النوعى والمادى والذى من ~~جهة العلل الفاعلية والغائية فتعلقها في تغيرها على وفق تغيرها # و لا يكون ذلك التغير فيه بل فيها وهو يعلقها كلها على ما هى عليه كما ~~نعقل نحن بعضها فنعلم عينها وانها ستكون ومساوقتها وانها PageV09P432 كائنة ~~ومعدومها بعد كونه وانه كان لا يضيق وسعه عن ذلك و لا يتغير به ولا ينتقص ~~ولا يكمل بل هوى له كما يشاء وعلى وفق قدرته وإرادته في خلقه لا يمتنع ذلك ~~بحجة لا من جهة التعجيز لأنه مردود بدليل الخلق # فقدرته على الخلق دليل قدرته على العلم إذ هو خالق الكل والخلق أكبر في ~~القدرة من العلم # وإذا لم يصح التعجيز في الخلق فهو بأن لا يصح في العلم أولى وأحرى وكيف ~~وأكثرهم يقولون ان علم الله هو قدرته وقدرته وسعت كل شيء خلقا فلا ms2066 عجب ان ~~يسع كل شيء علما ولا بدليل التنزيه فإنه لا تعره ولا تضره معرفته بشيء من ~~خلقه ولا ضد له فيه ولا مباين وليس به كماله بل هو بكماله على كل ما قيل # هذا مع أن في الجواب مساعدة ما والا فلو فرضنا أن له به كمالا على ما قيل ~~لم يكن له في ذلك نقص لأن الكل منه وعنه وكماله بما منه وعنه فهو كماله ~~بذاته في الحقيقة # والقول بأنه لولا أشياء غيره لم يكن بحال كذا من الكمال إنما كان يكون له ~~وجه لو كانت تلك الامور ليست منه وعنه فأما وهي منه فلا يضر لأنه كأنه قال ~~لولاه أعنى لولا ذاته لم يكن بحال كذا لأن PageV09P433 الرفع في الفرض إنما ~~يقع من جهة العلة الاولى التي لا يرتفع المعلول الا بارتفاعها # قلت فهذا من كلام أبي البركات على قول ارسطو وهو أقرب إلى تحرير النقل ~~وجودة البحث في هذا الباب من ابن رشد وابن رشد أقرب إلى جودة القول في ذلك ~~من ابن سينا مع غلوه في تعظيم ارسطو وشيعته # | درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصحيح المعقول لأبن ~~تيمة الجزء العاشر PageV09P434 # فصل $ # قال أبو البركات بعد أن فرغ من حكاية حجة أرسطو # فأما قول التابعين في هذه المسألة والمشيدين لما قيل فيها والمستفيدين ~~بحججها وبراهينها فأقصى ما وقفنا عليه منه وأجمعه لما تبدد في غيره هو ما ~~قاله الشيخ الرئيس وهذه عبارته # قال وليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء وإلا فذاته ~~إما متقومة بما تعقل فيكون متقوما بالأشياء وإما عارض لها أن تعقل فلا تكون ~~واجبة الوجود من كل جهة وذلك محال إذ لا يكون لولا أمور من خارج لم يكن هو ~~بحال ويكون له PageV10P003 حال لا تلزم عن ذاته بل عن غيره فيكون لغيره فيه ~~تأثير والأصول السالفة تبطل هذا ولأنه كما سنبين مبدأ كل موجود فيعقل من ~~ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها ms2067 والكائنة الفاسدة ~~بأنواعها أولا ويتوسط ذلك بأشخاصها # قال ولا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل ~~منها أنها موجودة غير معدومة وتارة أنها معدومة غير موجودة ولكل واحد من ~~PageV10P004 الأمرين صورة عقلية على حدة ولا واحدة من الصورتين تبقى مع ~~الثانية فيكون واجب الوجود متغير الذات # قال ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة وبما يتبعها مما لا يتشخص فلم ~~تعقل بما هي فاسدة وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة لم تكن ~~معقولة بل محسوسة أو متخيلة # قال ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما ~~ندركها بآلة متجزئة وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له ~~فكذلك إثبات كثير من التعلقات بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي ~~ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض ~~وهذا من العجائب # قلت تقسيم ابن سينا صفاته إلى مقومة للذات وعرضية بناء PageV10P005 على ~~أصلهم الفاسد في المنطق من أن الصفات اللازمة للموصوف تنقسم إلى ما تكون ~~مقومة للذات داخلة فيها يقولون هي أجزاء للذات سابقة لها سبقا عقليا وإلى ~~ما تكون خارجة عن الذات عارضة لها بعد تحققها وإن كانت لازمة لها بوسط أو ~~بغير وسط # وهذا التقسيم قد بين فساده في غير هذا الموضع وبين أن الصفات اللازمة ~~للموصوف لا يجوز تقسيمها إلى هذين القسمين ولا يجوز جعل الذات مركبة من أحد ~~الصنفين دون الآخر بل لا يجوز جعل الذات مركبة أصلا منها إلا أن يعنى ~~بالتركيب اتصاف الذات بها وقيامها بالذات أو لزوم الذات لها ونحو ذلك مما ~~تشترك فيه جميع الصفات اللازمة للموصوف # فأما جعل بعضها داخلا في حقيقة الموصوف الثابتة في الخارج وبعضها خارج عن ~~حقيقته الثابتة في الخارج فكلام في غاية الفساد وغايتهم أن يجعلوا ذلك ~~تركبا مما يتصوره المتصور من صفات الموصوف وهذا أمر يزيد وينقص ويدخل في ~~المتصور ويخرج منه بحسب ms2068 تصور المتصور لا بحسب الحقيقة الثابتة في الخارج ~~وإن ادعوا أن الحقيقة من حيث هي هي مركبة من ذلك وأن تلك الحقيقة لا تحقق ~~لها إلا في الأذهان لا في PageV10P006 الأعيان كما يقوله من يقوله منهم كان ~~هذا من أدل الأشياء على فساد قولهم وضلالهم في تصورهم # قال أبو البركات فهذا ما قاله الشيخ الرئيس # قال فقوله إنه إذا عقل الأشياء من الأشياء كان على أحد وجهين أحدهما أن ~~تتقوم ذاته بما تعقل أو يكون عارضا لها أن تعقل وأنه على كلا الوجهين لا ~~يكون واجب الوجود من جميع جهاته # جوابه أما في التقويم فالفرض فيه محال لأن العاقل لا يتقوم بما يعقله لأن ~~يعقل هو يفعل ويفعل إنما يكون بعد توجد بعدية بالذات فكيف يتقوم الوجود بما ~~هو بعد الوجود بالذات # وأما كونها عارضا لها أن تعقل وإلزامه منه أنه لا يكون واجب الوجود من ~~جميع جهاته فكأنه من مدح الشعراء أو من PageV10P007 كلام محسني الألفاظ ~~بالتخيلات من الخطب والمدائح وإلا فما معنى من جميع جهاته # فإن كونه مبدأ أولا بل كونه مبدأ مطلقا يلزم فيه ما لزم في هذا وهو أنه ~~إما أن يتقوم بكونه مبدأ أولا أو يكون ذلك عارضا له فلا يكون واجب الوجود ~~من جميع جهاته أي لا يكون واجب الوجود في كونه مبدأ أولا لزيد وعمرو ~~وغيرهما من الموجودات # والذي ألزمنا البرهان أنه واجب الوجود بذاته فأما من جميع جهاته إن كان ~~من جهات وجوده فذلك وأما في إضافاته ومناسباته فلا إذ بطل بما قيل # قلت وهذا الذي قاله أبو البركات ردا على ابن سينا قد صرح به ابن سينا في ~~موضع آخر يناقض ما قاله هنا فإنه قال في كتابه المسمى بالشفاء في مسألة ~~العلم ولا تبالي أن تكون ذاته مأخوذة مع إضافة ما ممكنة الوجود فإنها من ~~حيث هي علة لوجود زيد ليست بواجبة الوجود بل من حيث ذاتها وهذا يوافق ما ~~قاله أبو البركات PageV10P008 # قال أبو البركات فإما أن لا يكون ms2069 مبدأ أولا وإما أن لا يكون واجب الوجود ~~من جميع جهاته أعني من جهة إضافاته إلى ما وجوده بعد وجوده بالذات # وأما قوله لولا أمور من خارج لم يكن هو بحال كذا فكذلك لولا المخلوقات لم ~~يكن مبدأ أولا لكن ليس ذلك بمحال وقد رد على طريقي المساعدة والمخالفة # وأما قوله وتكون له حال لا تلزم عن ذاته بل عن غيره فقول باطل وذلك أن ~~العلم إضافة لزمت عن ذاته بالنسبة إلى مخلوقاته ومخلوقاته لزمت عن ذاته ~~ولازم لازم الذات لازم الذات فما لزمت عن غيره كما قيل ولو لزمت لما لزم ~~المحال وإلا فبأي حجة تلزم # وهم فلم يوردوا على ذلك حجة بل أوردوه كالبين بنفسه وليس ببين بل مردود ~~وباطل على ما قيل # وأما قوله فيكون لغيره فيه تأثير أما في وجوده ووجوب وجوده فلا وأما في ~~إضافته ونسبه فأي أصول أبطلته ما بطل ولا يبطل وإنما تمت المغالطة بلفظ ~~التأثير حيث يتوهمه السامع متأثرا مستحيلا وليس العلم استحالة على ما علمت ~~PageV10P009 # وأما قوله ولأنه كما سنبين مبدأ كل موجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له ~~وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها والكائنة الفاسدة بأنواعها أولا وبتوسط ~~ذلك لأشخاصها فهو حق وغير مردود فإنه يعقل ويدرك على كل وجه من وجوه العقل ~~وجهة من جهات الإدراك فهو سميع بصير وبالجملة مدرك عالم حكيم مقدر مدبر يسع ~~كل شيء علما غيبا وشهادة قبل ومع وبعد # وأما قوله ولا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها حتى يكون ~~تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة وتارة أنها معدومة غير موجودة ولكل ~~واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية ~~فيكون واجب الوجود متغير الذات فقد أجبنا عنه في جواب كلام أرسطو طاليس ولم ~~يبعد فتحسن إعادته # وأما قوله ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة وبما يتبعها مما لا ~~يتشخص فلم تعقل بما هي فاسدة وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة ~~لم ms2070 تكن معقولة بل محسوسة أو متخيلة ففيه الكلام وقد سلف في علم النفس وما ~~رد PageV10P010 عليه في قوله إن الصور الجسمانية والأشكال الوضعية لا ~~تدركها إلا قوة جسمانية وأعاد أبو البركات مناقضته في ذلك # قلت ما ذكره أبو البركات من أن العاقل لا يتقوم بما يعقله وأن فرض ذلك ~~محال لأن كونه يعقل تابع لذاته وهو بعده بعدية بالذات فكيف يتقوم الوجود ~~بما هو بعد الوجود بالذات فهذا كلام صحيح وهو مطرد في جميع الصفات اللازمة ~~للموصوف أن ذاته لا تتقوم بشيء منها ولا تكون صفة الموصوف جزءا مقوما ~~متقدما عليه بالذات إذا كانت الصفة تابعة للموصوف فهي إلى أن تكون بعده ~~بالذات أولى من أن تكون قبله بالذات # فإن قدر أن هنا ترتيبا عقليا تكون فيه الصفة الذاتية قبل الموصوف أو بعده ~~فإنها لا تكون إلا بعده # وإن قيل لا ترتيب هنا أصلا بل كلاهما ملازم للآخر مقترن به # لم يتقدم احدهما الآخر وليس بينهما ترتيب عقلي كما ليس بينهما ترتيب ~~زماني فليس أحدهما قبل الآخر بل الموصوف وصفته اللازمة له موجودان معا لم ~~يسبق أحدهما الآخر سواء PageV10P011 قدر أن الموصوف قديم أزلي واجب بنفسه ~~وصفته لازمة له أو قدر أنه محدث مخلوق وصفته لازمة له # وقد تكلمنا على هذا لما تكلمنا على ما ذكروه في المنطق من الفرق بين ~~الصفة الذاتية المقومة الداخلة في الماهية والصفة اللازمة للماهية والصفة ~~التي يزعمون أنها لازمة لوجودها وكلاهما خارج عن الماهية # وذكرنا ما ذكروه من الفرق بين اللازم الداخل واللازم الخارج واعترافهم ~~بانتفاء ما ذكروه من الفرق واعتراض بعضهم على بعض في هذا المقام وبيان أن ~~ما ذكروه لا يعود إلى فرق حقيقي موجود في الخارج ولا معقول في الذهن إلا ~~إذا جعل الذاتي ما هو لازم للذات المفروضة في الذهن # فأما إذا تصورنا شيئا وعبرنا عنه فمن الصفات ما هو داخل في معلومنا ~~ومذكورنا بالذات ومنه ما هو داخل بالعرض وهو اللازم الخارج # وهذا كما يقولونه في دلالة المطابقة والتضمن ms2071 والالتزام فدلالة المطابقة ~~هي دلالة اللفظ على جميع المعنى الذي عناه المتكلم ودلالة التضمن دلالة ~~اللفظ على ما هو داخل في ذلك المعنى ودلالة الالتزام دلالة اللفظ على ما هو ~~لازم لذلك المعنى خارج عن مفهوم اللفظ # فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على جميع هذه الماهية التي عناها المتكلم ~~بلفظه وهو دلالة على تمام الماهية وذلك المدلول PageV10P012 عليه بالمطابقة ~~هو مقول في جواب ما هو إذا قيل ما هو بحسب الاسم وإذا سئل عما هو المراد ~~بهذا اللفظ ذكر مجموع ما دل عليه بالمطابقة فالمدلول عليه بالتضمن هو جزء ~~هذا المدلول وهو جزء ماهيته وهو داخل في ذاته وأما اللازم لهذا المدلول فهو ~~خارج عن حقيقته عرض لازم له فهذا تقسيم معقول ولكنه يعود إلى قصد المتكلم ~~ومراده باللفظ # وأما كون الموجود في الخارج تنقسم صفاته اللازمة له التي لا يكون موجودا ~~إلا بها إلى ما هو داخل في حقيقته مقوم لها متقدم عليها بالذات وإلى ما ~~تكون خارجة عن حقيقته عرضي لها فهذا باطل عند جماهير العقلاء من متكلمي أهل ~~الإسلام وغيرهم # وقد بينا فساد ذلك في مواضع وكذلك بين فساده غير واحد من أهل الكلام ~~والفلاسفة وتكلمنا على ما ذكره ابن سينا في الإشارات وغيرها وبينا تناقضه ~~وتناقض غيره في الفرق بين الذاتيات والعرضيات اللازمة إذا جعلا لازمين ~~للحقائق الموجودة في الخارج وما ذكره في مسألة العلم مبني على ذلك الأصل ~~الفاسد حيث قال لو كان واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء لكانت ذاته إما ~~متقومة بما تعقل فيكون متقوما بالأشياء وإما عارضا لها ان تعقل فلا تكون ~~واجبة الوجود من جميع الجهات # ثم نقول هذا الكلام باطل من وجوه PageV10P013 # أحدها ما ذكرناه من نفي تقوم شيء بصفته # والثاني أن يقال إذا قدر تقوم الموصوف بصفته فهو متقوم بنفس علمه ~~بالأشياء أو بنفس الأشياء المعلومة والثاني باطل وهو إنما ذكر الثاني حيث ~~قال فذاته متقومة بما يعقل # وهذا باطل فإنا إذا قدرنا العالم متقوما بعلمه فليس المقوم له ms2072 المعلوم ~~إنما المقوم له علمه بالمعلوم والمعلوم قد يكون منفصلا عنه فلا يكون قائما ~~به فضلا عن كونه لازما له لا ذاتيا ولا عرضيا فكيف يكون مقوما له # وإن قال قائل يعني بالتقوم أنه لولا المعلوم لما كان العلم # قيل له هذا ليس مراده ولو كان مراده لكان باطلا لأنه على هذا التقدير لا ~~يكون العلم إلا مقوما فلا يقال إما أن يكون مقوما وإما أن يكون عارضا وهو ~~قد جعل هذا أحد القسمين # وأيضا فإنه على هذا التقدير يكون هذا سؤال الاستكمال بالمعلوم الذي ذكره ~~أرسطو وقد عرف جوابه من عدة أوجه # أحدها أن ذلك الغير هو مفعوله فلم يحتج إلى غيره بوجه من الوجوه # الثاني أنه لو قدر وجود موجود مستغن عنه كان أن يعلمه أكمل من أن لا ~~يعلمه فإن العلم صفة كمال والملك والبشر إذا علموا ما هو مستغن عنهم كان ~~أكمل لهم من أن لا يعلموه PageV10P014 # الثالث أنه لو قدر موجود غيره واجب بنفسه أو موجود عن ذلك الواجب بنفسه ~~وذات العالم هي التي اقتضت العلم به لكان هذا كمالا له على هذا التقدير لم ~~يكن هذا مما ينفيه وجوب وجوده # الرابع أن هذا وإن قدر أنه استكمال بالغير فلا دليل لهم على نفيه لا من ~~جهة الوجوب ولا من جهة استحقاق الكمال ولا من غير ذلك بل الأدلة تقتضي ~~ثبوته # الوجه الثالث عن شبهة ابن سينا أن يقال قوله ليس يجوز أن يعقل الأشياء من ~~الأشياء وإلا فذاته إما متقومة بما تعقل فيكون متقوما بالأشياء وإما عارضا ~~لها أن تعقل فلا تكون واجبة الوجود من كل وجه # يقال له قولك يعقل الأشياء من الأشياء أتريد به أن الأشياء تجعله عاقلا ~~فتعلمه العلم بها أم تريد أن علمه بالأشياء لا يكون إلا مع تحقق المعلوم أم ~~تعنى به أن علمه بالأشياء يكون بعد وجود المعلوم # اما الأول فلا يقوله مسلم بل المسلمون متفقون على أن الله مستغن عما سواه ~~في علمه بالأشياء في غير ذلك ms2073 بل هو المعلم لكل من علم سواه من علمه # وقد قال تعالى @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ سورة ~~البقرة 255 PageV10P015 # وقال @QB@ علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ سورة العلق 4 5 # وقال @QB@ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى @QE@ سورة طه 50 # وقال @QB@ الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ سورة الأعلى 2 3 # وقال @QB@ الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان @QE@ سورة الرحمن 1 ~~4 # وقال @QB@ وعلمك ما لم تكن تعلم @QE@ سورة النساء 113 # وقال @QB@ وعلمناه من لدنا علما @QE@ سورة الكهف 65 # وقال @QB@ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب @QE@ سورة البقرة ~~282 # وقال @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ إلى قول الملائكة @QB@ سبحانك لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم @QE@ سورة البقرة 31 32 # وقال @QB@ تعلمونهن مما علمكم الله @QE@ سورة المائدة 4 # وإن أراد بعقله الأشياء من الأشياء أنه لا يكون عالما إلا مع تحقق معلوم ~~بعلم فهذا حق لكن لا يمكن ثبوت علم إلا كذلك وإلا فإذا قدر علم لا يطابق ~~معلومه كان جهلا لا علما وحينئذ يعود الأمر إلى سؤال الاستكمال وقد تقدم ~~PageV10P016 # وإن أراد بذلك انه يعلم الأشياء بعد وجودها فلا ريب أنه يعلم ما يكون قبل ~~أن يكون ثم إذا كان فهل يتجدد له علم آخر أم علمه به معدوما هو علمه به ~~موجودا هذا فيه نزاع بين النظار وأي القولين كان صحيحا حصل به الجواب # وإذا قال قائل القول الأول هو الذي يدل عليه صريح المعقول والثاني باطل ~~والإشكال يلزم على الأول # قيل له وإذا كان هو الذي يدل عليه صريح المعقول فهو الذي يدل عليه صحيح ~~المنقول وعليه دل القرآن في أكثر من عشرة مواضع وهو الذي جاءت به الآثار عن ~~السلف وما أورد عليه من الإشكال فهو باطل كما قد بين في موضعه # الوجه الرابع أن يقال قوله إما متقومة بما يعقل وإما عارض لها أن يعقل # يقال له بعد أن ذكرنا أن هذا التقسيم باطل ms2074 أي تقسيم الصفة اللازمة إلى ~~مقوم وعارض باطل وأن علمه لازم لذاته # هب أن الأمر كذلك فلم قلت إن العلم لا يكون ذاتيا على اصطلاحكم # فإذا قال يلزم من ذلك أن يكون مركبا من الصفات الذاتية والمركب مفتقر إلى ~~جزئه PageV10P017 # قيل هذا أصل حجتكم على نفي الصفات وقد بين فساده من غير وجه وهذه الحجة ~~لا تختص العلم بل ينفون بها جميع الصفات وهي من أفسد الحجج كما قد بين غير ~~مرة وإن كانت قد أشكلت على طوائف من النظار وقادتهم إلى أقوال من أقوال أهل ~~النار وقد تبين فسادها من جهة أن هذا ليس بتركيب في الحقيقة بل هو اتصاف ~~ذات بصفات لازمة لها وأن لفظ الجزء ليس المراد به اجتماع بعد افتراق ولا ~~إمكان افتراق ولا انفصال شيء من شيء وإنما المراد به ثبوت معان متعددة وهذا ~~مورد النزاع ولا دليل على نفيه بل على ثبوته # ولفظ الافتقار يراد به التلازم وهو هنا حق لا محذور فيه ويراد به افتقار ~~المعلول إلى علة فاعلة وهو باطل وإذا أريد به افتقار الصفة إلى محلها ~~ويسمونه هم افتقار المعلول إلى علة قابلة فهذا لا محذور فيه # ولفظ الغيرين يراد به المتباينان وهو هنا ممتنع ويراد به ما يمكن العلم ~~بأحدهما مع عدم العلم بالآخر وهو حق وثبوت هذا الغير لا بد منه # الوجه الخامس أن يقال هب أن هذه الصفة عرضية باصطلاحكم فيقال له إذا كان ~~العلم لازما لذاته أو لوجود لذاته إن قدر أن الوجود زائد على الذات لم يكن ~~ثبوت لوازمه مفتقرا إلى غيره فلم يكن هذا منافيا لوجوب الموجود من جميع ~~PageV10P018 جهاته فإن المحذور إنما يحصل لو كان حصول العلم ليس من لوازم ~~ذاته بل حصل بسبب غيره فيكون ثبوت الصفة مفتقرا إلى ذلك الغير # أما إذا كان علمه من لوازم ذاته كان واجبا بوجود ذاته وهم يقولون هو واجب ~~بذاته مع كونه مستلزما للمفعولات المنفصلة ولم يقدح كونها لازمة له في وجوب ~~ذاته فأن لا يقدح ms2075 لزوم علمه له بطريق الأولى والأحرى # السادس أن يقال لنظار المسلمين في علم الرب قولان أحدهما أن علمه واحد ~~بالعين يعلم به جميع المعلومات أزلا وأبدا وعلى هذا التقدير فهو واجب ~~الوجود بصفاته أزلا وأبدا فليس علمه متوقفا على وجود شيء من المعلومات بل ~~إذا وجدت تعلقت المعلومات به # لكن قد يقول أكثر العقلاء من الفلاسفة وغيرهم إن هذا لا يمكن بل علمه ~~بهذا غير علمه بهذا # فيقال القول الثاني إن علمه واحد بالنوع وإنه يتعدد بتعدد المعلومات وعلى ~~هذا القول فهل يكون علمه بأن قد كان الشيء هو نفسه علمه بأن سيكون على ~~قولين # ومن النظار من قال العلم إضافة محضة وأن ذات الرب مقتضية لها بشرط المضاف ~~وسنبين إن شاء الله ما هو الصواب في هذا الباب PageV10P019 # وعلى كل تقدير فذاته هي الموجبة لكونه عالما لا أن شيئا من الموجودات ~~جعله عالما وإن كان العلم بأن قد كان مشروطا بوجود المعلوم كما أن رؤيته ~~وسمعه مشروط بوجود المرئي والمسموع فذاك لا يمنع وجوب وجوده بنفسه أزلا ~~وأبدا ولكن عروض هذا السمع والرؤية والعلم بأن قد كان نظير عروض الإضافات ~~له وقد ثبت بصريح العقل واتفاق العقلاء وجوب تجدد الإضافات له # وإذا قيل الإضافة ليست وجودية والعلم والسمع والبصر أمور وجودية # كان الجواب على هذا القول إلغاء هذا الفرق كما قد قرر في موضعه # ومعلوم أن كون الرب بكل شيء عليما هو أظهر في الأدلة الشرعية والعقلية من ~~كونه لا تقوم به الأمور المتجددة فلو قدر أن لهذا أدلة تعارض تلك وكان ثبوت ~~العلم مستلزما لثبوت الأمور المتجددة للزوم القول بثبوت العلم فإن ثبوت ~~العلم حق ولازم الحق حق فكيف إذا كان ما يمنع الأمور المتجددة إنما هو من ~~أضعف الأدلة # اما المتفلسفة فلا يمكنهم أن يقولوا قيام الحوادث به يستلزم حدوثه فإن ~~القديم عندهم تحله الحوادث وإنما ظن من ظن منهم أن قيام ذلك يمنع وجوب ~~وجوده وهو غلط ظاهر فإنه لا PageV10P020 يمنع وجوب وجوده المعلوم الذي قام ms2076 ~~عليه الدليل وإنما يمنع ما يختلف في وجوب الوجود حيث ظنوا أن واجب الوجود ~~لا يفعل شيئا باختياره ولا يقوم به شيء باختياره وذلك خطأ محض # ويظهر هذا بالوجه السابع وهو أن يقال قول القائل إنه واجب الوجود من جميع ~~جهاته إذا أريد به أنه لا يقبل العدم بوجه من الوجوه فهذا حق فإنه لا يقبل ~~العدم بوجه من الوجوه # وإن أراد به أن كل ما ثبت له من الأحوال فهو واجب الوجود بمعنى أنه نفسه ~~مقتض لذلك لا يحتاج في ثبوته له إلى غيره فهذا أيضا حق # فإن كل ما ثبت للرب تعالى من الصفات والأفعال فلا يحتاج فيه إلى غيره بل ~~هو الموجب لذلك لكن ما كان لا يمكن وجوده إلا باختياره من الأفعال ولوازم ~~الأفعال فهذا يمتنع كونه بعينه أزليا بل يجب تأخره سواء قيل إنه عالم بذاته ~~أو قيل إنه منفصل عنه وهو الموجب له عند وجوده لا موجب له غيره # وإن قيل واجب الوجود من جميع جهاته بمعنى أنه لا يجوز أن يتأخر عنه شيء ~~مما يضاف إليه بل كل ذلك يجب أن يكون أزليا فهذا باطل لا دليل عليه بل ~~الدليل يدل على نقيضه فإنا نشاهد المحدثات دائما وهي حادثة عنه سواء قيل ~~إنها حدثت بواسطة أو بلا واسطة وحدوثها يستلزم حدوث ما به صارت محدثة وإلا ~~فإذا قدر حال الذات قبلها وبعدها سواء PageV10P021 # قيل حدوث الحوادث ترجيح بلا مرجح وإذا أمكن أن يحدث من غير تجدد أمر يقوم ~~بالفاعل بل نفس الخلق يكون نسبة وإضافة أمكن أن لا يتجدد إلا تعلق العلم ~~القديم بالمعلوم ولا يتجدد إلا نسبة وإضافة بقدر ذلك # الوجه الثامن وهو أن يقال لا ريب في تجدد المفعولات شيئا بعد شيء فليس ~~كونه محدثا للحادث المعين بالفعل أمرا لازما لذاته بل صار محدثا له بعد أن ~~لم يكن وهذا خروج لهذه الفاعلية عن القوة إلى الفعل فإما أن يكون كونه ~~فاعلا إضافة محضة ولم يقم بذاته فعل يكون به فاعلا ms2077 كما يقوله من يقول الخلق ~~هو المخلوق # وإما أن يقال بل كونه فاعلا أمر وجودي يقوم بنفسه والخلق غير المخلوق كما ~~هو قول الجمهور من أهل السنة وغيرهم # فإن قيل بالأول فمعلوم أنه إذا قيل إن كونه فاعلا أمر إضافي أمكن أن يقال ~~كونه عالما أمر إضافي # ثم للناس على هذا التقدير في الفاعلية قولان منهم من يقول المكونات حادثة ~~بتكوين قديم وأما عند وجود المكون فلا يحدث شيء # ومنهم من يقول ليست الفاعلية إلا إضافة محضة أزلا وأبدا فعلى هذا القول ~~يمكن أن يقال في العلم كذلك PageV10P022 # وعلى الآخر يمكن أن يقال بل العلم قديم العين ولكن تتجدد له الإضافات كما ~~يقوله ابن كلاب # وهؤلاء جعلوا العلم ثابتا في الأزل دون التكوين فإذا ثبت أن كونه فاعلا ~~لا يقتضي تكوينا قائما بذاته مع تجدد التكوينات الإضافية فهؤلاء إذا أثبتوا ~~علما قديما وقالوا بتجدد تعلقاته كانوا أبعد عن الامتناع # وأما من جعل الفاعلية أمرا قائما بالفاعل وقال إنه يتجدد عند تجدد ~~المفعولات فإنه إذا قال بتجدد عالمية بعد وجود المعلوم مع قوله إنه علم ما ~~سيكون قبل أن يكون كان اقتضاء ذاته لهذه العالمية كاقتضائها لتلك الفاعلية ~~وإذا كان واجب الوجود مع تلك الفاعلية فكذلك مع هذه العالمية # الوجه التاسع أنه إذا قدر واجب الوجود يقدر على الأفعال الحادثة شيئا ~~فشيئا وقدر آخر لا يمكنه إحداث شيء قضى صريح العقل أن من أمكنه الإحداث ~~شيئا بعد شيء هو أكمل ممن لا يمكنه إحداث شيء # وإذا قال القائل هذا كان فيه شيء بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا شيئا ~~فشيئا وذاك كله بالفعل ليس فيه شيء بالقوة # قيل له كل ما لهذا بالفعل هو للآخر فإن ذاته وصفاته التي يمكن قدمها ~~لازمة له وأما الحوادث التي لا يمكن وجودها إلا شيئا فشيئا فهذه يمتنع أن ~~تكون بالفعل قديمة أزلية فلا تكون بالفعل PageV10P023 في الأزل بل لا يمكن ~~أن تكون إلا بالقوة ثم تخرج إلى الفعل بحسب الإمكان شيئا فشيئا وإذا لم ms2078 ~~يمتز من قدر عدم هذه له بوصف كمال بل المتصف بها أكمل كان نفي هذه عن واجب ~~الوجود نفي صفة كمال لا إثبات كمال له # وهؤلاء النفاة المعطلة من الجهمية والمتفلسفة والباطنية يظنون أن ما نفوه ~~عن الرب هو كمال له وهو تعظيم له وذلك من جهلهم بل إثبات ما نفوه هو الكمال ~~الذي يكون مثبته معظما للرب # ولكن هم في ذلك نظير إخوانهم من معطلة النبوات الذين قالوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء وقالوا الله أعظم من أن يرسل رسولا من البشر # قال تعالى @QB@ أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس ~~@QE@ سورة يونس 2 # أو لم يعلموا أن إرسال رسول من البشر يبلغهم رسالات ربهم ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم أبلغ في قدرة الرب ورحمته بعباده وإحسانه إليهم وأعظم إثباتا ~~للكمال من كون ذلك عنه ممكن له ومن امتناعه عن فعله # وكذلك كونه يخلق الأشياء شيئا بعد شيء أبلغ من كونه لا يمكنه إحداث شيء ~~بل عند كثير من الناس أو أكثرهم كونه يخلق أكمل من كونه لا يخلق كما قال ~~تعالى @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون @QE@ سورة النحل 7 ~~PageV10P024 # وحينئذ فإذا قيل جنس الفعل لازم وإنما الحادث أعيانه # كان أن يقال جنس العلم لازم بطريق الأولى والأحرى # بل إذا قيل جنس الخلق حادث # أمكن أن يقال نفس العلم لازم سواء قيل بحدوث شيء معين عند وجود المعلومات ~~أم لا فذاك أبعد عن منافاة وجوب الوجود من كونه فاعلا لما لم يكن فاعلا له # الوجه العاشر قوله إذا لم يكون لولا أمور من خارج لم يكن هو بحال يقال له ~~الضمير في هو إن كان عائدا إلى الله كان معنى الكلام لولا تلك الأمور ~~الخارجة لم يكن هو بحال وهذا إذا كانت تلك الأمور مفعولة وقدر أنها لازمة ~~لإرادته اللازمة لذاته كان تقدير ارتفاع اللازم يوجب ارتفاع الملزوم لكن ~~ارتفاع اللازم محال وهم يقولون لو ارتفع المعلول لارتفعت العلة فليس في هذا ms2079 ~~محذور # وإن كان الضمير عائدا إلى العلم أي لولا المعلوم لم يكن العلم فهذا أولى ~~أن لا يكون ممتنعا # وإنما حصلت الشبهة أن قول القائل لولا أمور من خارج لم يكن هو يحتمل ~~شيئين # أحدهما أن تلك الأمور فاعلة له أو جزء من الفاعل أو PageV10P025 هو محتاج ~~إليها بوجه من الوجوه وهذا باطل # والثاني ان تكون تلك الأمور لازمة لإرادته اللازمة له أو لغير ذلك من ~~لوازم اللوازم وعلى هذا فهي المخلوقة المحتاجة إليه من كل وجه # فإذا قيل لولا تلك الأمور لم يكن # كان معناه أنه إذا قدر ارتفاعها لزم ارتفاع ملزومها وهذا فرض محال # الوجه الحادي عشر قوله ويكون له حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره فيكون ~~لغيره فيه تأثير والأمور السالفة تبطل هذا # فيقال ذلك الحال إذا قدر تجدده بعد الحادث فإنه لا يلزم عن نفسه فإن ~~العلم أو غيره مما يقوم بنفسه إنما هو لازم عن ذاته لا عن غيره لكن لزومه ~~عن نفسه قد يقال إنه يكون عند إحداثه لتلك المحدثات على قول من يقول بذلك ~~وأي محذور في هذا فإن هذا لا ينافي وجوب وجوده بنفسه # هذا لو كان ذلك الغير مخلوقا لغيره فكيف وهو مخلوق له فكلاهما لازم عنه ~~ما قام به وما انفصل عنه وليس لغيره فيه تأثير إذ كانت نفسه هي الموجبة ~~للجميع # ولا ريب أن العباد يدعون الله فيجيبهم ويطيعونه فيرضى عنهم ويعصونه فيغضب ~~عليهم ويفرح بتوبة التائب كما دلت على ذلك النصوص PageV10P026 # وهو سبحانه الخالق لكل ما سواه فليس في الوجود ما يؤثر فيه سبحانه وهذا ~~على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر القائلين بأنه خالق كل شيء # وأما على قول القدرية الذين يقولون بحدوث حوادث بدون خلقه وإرادته فإنهم ~~وإن كانوا ضالين فهؤلاء الفلاسفة النفاة لعلمه أضل منهم # وهم على قولين منهم من يقول بتجدد أحوال له ومنهم من ينفي ذلك فمن أثبت ~~ذلك قال لهؤلاء كما قال لهم أبو البركات فما الدليل على أنه لا يحصل ms2080 به حال ~~من الأحوال بسبب هؤلاء ولم قلتم إن ذلك ينافي وجوب وجوده # وهؤلاء يقولون أفعال العباد توجب له داعيا إلى الثواب والعقاب # الوجه الثاني عشر قوله وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص ~~له فكذلك إثبات كثير من التعلقات # فيقال له إن أردت بالأفاعيل ما وجد فليس في إثبات فعله للموجودات نقص له ~~كيف وهو فاعل لها بالاتفاق سواء كان فاعلا لبعضها بوسط أو بغير وسط وإذا ~~كان فاعلا لها على وجه التفصيل فيجب أن يكون عالما بها على وجه التفصيل # ومعلوم أنه إذا لم يلحقه بفعلها نقص فأن لا يلحقه بعلمها نقص بطريق ~~الأولى فإن علم العالم بما لا يفعله لا نقص فيه وإن PageV10P027 كان ~~المعلوم خسيسا فكيف علمه بما فعله وإذا كانت لا توجد إلا مفصلة معينة فيجب ~~أن يعلم كذلك وإلا لم يعلم على ما هي عليه # وإن عنى بقوله إن كثيرا من الأفاعيل لواجب الوجود نقص ما لم يفعله فقياس ~~هذا أن يقول علمه بما لم يفعله نقص وليس الكلام فيه # الوجه الثالث عشر أن يقال أهل الأرض من المسلمين وغيرهم لهم في تنزيه ~~الرب عن بعض الأفعال قولان مشهوران # فطائفة تقول ليس في فعله لشيء من الممكنات نقص والظلم لا حقيقة له إلا ما ~~هو ممتنع بل كل ممكن ففعله جائز عليه وإن لم يفعله فلعدم مشيئته له لا ~~لكونه نقصا # وهذا قول الجهمية والأشعرية وطوائف من الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة ~~وأهل الحديث والصوفية وغيرهم وعلى هذا لا يسلم هؤلاء أن إثبات شيء من ~~الأفعال لواجب الوجود نقص وإذا منعوا هذا في الفعل ففي العلم أولى وأحرى # والقول الثاني قول من يقول بل هو منزه عن بعض الأفعال المقدورة وهذا قول ~~أكثر الناس من المثبتين للقدر كالكرامية وغيرهم من المعتزلة وغيرهم نفاة ~~القدر وهو قول كثير من أهل المذاهب الأربعة وأهل الحديث والصوفية والعامة ~~وغيرهم # وعلى هذا القول فلا نسلم أن ما ينزه عن أن يفعله يجب أن يتنزه ~~PageV10P028 عن علمه به ms2081 فإن العلم يتعلق بالواجب والممكن والممتنع والموجود ~~والمعدوم وأما الفعل فلا يتعلق إلا بما يراد ولا يراد إلا ما هو ممكن في ~~نفسه وما تكون إرادته حكمة على قول هؤلاء # ومعلوم أن الواحد من الناس يحمد بأن لا يفعل القبيح ولا يحمد بأن لا ~~يعلمه ويعلم حسن فعله ويعلم قبحه ولم يقل أحد قط إن علمنا بقصص المكذبين ~~للرسل وما فعلوه من السيئات نقص كما أن تلك الأفعال نقص بل المعرفة بالخير ~~والشر من صفات الكمال # وإن قيل مراده أن العلم يلزم منه التغير أو التكثر # فيقال له معلوم أن هذا اللازم لفعله المتكثرات والمتغيرات ألزم فإن فعله ~~للمتكثرات والمتغيرات يلزم منه قيام معان في ذاته فليس ذلك نقصا ولا يكون ~~في علمه بها مع هذه اللوازم نقص # وإن قيل بل فعله للمتغيرات والمتكثرات لا يلزم منه قيام معان متكثرة ~~متغيرة في ذاته # فيقال إن كان هذا حقا فعلمه بها أولى أن لا يلزم منه قيام معان متكثرة ~~متغيرة فإنه من المعلوم بصريح العقل أن اقتضاء الأفعال المتكثرة والمتغيرة ~~للتعدد والتجدد في الذات الفاعلة أولى من اقتضاء المعلومات المتكثرة ~~والمتغيرة للتعدد والتجدد في الذات PageV10P029 العالمة فإن كل عاقل لفعل ~~محكم عالم به وليس كل عالم به فاعلا له # وهؤلاء وإن كانوا قد قالوا في فعله أقوالا باطلة لظنهم أنه لا يصدر عنه ~~ابتداء إلا واحد بشرط فقد لزمهم أن يجعلوا كل شيء مفعول له بوسط أو بغير ~~وسط فكان الواجب أن يقولوا إنه عالم بكل شيء جرى كما هو فاعل لكل شيء جرى ~~إذ الكليات لا توجد في الأعيان إلا جزئية معينة # الوجه الرابع عشر قوله بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي ومع ~~ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض وهذا ~~من العجائب # فيقال إن عنيت أنه لا يعزب عنه من حيث هو كلي فهل في هذا ما يقتضي أنه ~~يعلم شيئا من الجزئيات فإن العلم بالكلي من حيث ms2082 هو كلي لا يوجب علما بشيء ~~من المعينات الموجودة فمن علم أن كل إنسان حيوان لم يوجب ذلك أن يعلم ~~إنسانا بعينه ولا شيئا من تعيناته ولا عدد الأناسي بل ولا يعلم حيوانا ~~بعينه # وإن عنيت أنه لا يعزب عنه شيء من المعينات فهذا مع قولك إنما يعقلها على ~~وجه كلي باطل PageV10P030 # وقد قال قبل هذا إن الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة وبما يتبعها مما ~~لا يتشخص فلم تعقل بما هي فاسدة وإن أدركت بما هي مقارنة للمادة وعوارض ~~المادة لم تكون معقولة بل محسوسة أو متخيلة # فقد ذكر أنها إذا عقلت بالماهية المجردة وما يتبعها فلم تعقل عينها ~~المعينة وإن عقلت معينة فهي محسوسة لا معقولة فالمعينات عنده لا تكون إلا ~~محسوسة لا معقولة وعنده لا توصف بالحس فكيف لقول إنه لا يعزب شيء شخصي مع ~~قوله إنه لا يعلم شيئا عن المشخصات المتغيرة # الوجه الخامس عشر أنه قال فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ ~~للموجودات التامة بأعيانها والكائنة الفاسدة بأنواعها أولا ويتوسط ذلك في ~~أشخاصها # فقد أثبت هنا أنه يعلم الموجودات التامة بأعيانها وذلك كالأفلاك والكواكب ~~مع ما يثبتونه من العقول والنفوس # ثم قال وإن عقلت الفاسدات بما هي مقارنة للمادة وعوارض المادة لم تكن ~~معقولة بل محسوسة أو متخيلة # ومعلوم أن الأفلاك والكواكب عندهم أجسام مقارنة للمادة فيجب أن لا تكون ~~على هذا القول معقولة بل محسوسة أو متخيلة PageV10P031 وقد قال إنه يعقلها ~~بأعيانها فسمى العلم بالأجسام المعينة تارة عقلا وتارة قال هو حس أو تخيل ~~ليس بعقل وأثبت أنه يعلمها تارة ونفى ذلك أخرى لكونه حسا لا عقلا # وليس الكلام هنا في إدراكها متغيرة أو غير متغيرة بل في إدراك الأجسام ~~المعينة هل يعلمها معينة أم لا وهل ذلك عقل أو حس فقد أثبت أنه يعقلها وعلل ~~غيرها بعلة تقتضي أنه لا يعقلها وهذا تناقض بين # ولا ريب أن كلامه هنا إنما ينفي كونه يعلمها متغيرة لئلا يكون متغير ~~الذات ثم يعلل ذلك ms2083 بأنه لا يعلم الحسيات # لكنه في موضع آخر قال إن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما يدركها ~~المدرك بآلة متجزئة وإن مدرك الجزئيات لا يكون عقلا بل قوة جسمانية # وهنا قد ذكر أن واجب الوجود يدرك الجسمانيات التامة بأعيانها فيلزم أحد ~~الأمرين إما أنه جسم يدركها بقوة جسمانية وإما أنه لا يدركها كما قاله ~~أرسطو وإما أن تكون الأجسام تدرك بقوة غير جسمانية كما قاله أبو البركات ~~وقد ناقضه أبو البركات في هذا الفصل وسنذكر إن شاء الله كلامهما # فكلام ابن سينا في العلم متناقض فإنه يثبت أنه يعلم الموجودات التامة ~~بأعيانها وهذا يناقض جميع ما ذكره في نفي PageV10P032 العلم أو حصول التغير ~~ولم يذكر على نفي كونه عالما بالجزئيات إلا حصول التغير وأما التعدد فقد ~~التزمه # فيقال الوجه السادس عشر أن يقال ابن سينا يثبت علمه بأعيان الباقيات مع ~~كثرتها كما سنذكر لفظه إن شاء الله وما ذكره من الحجة على نفي علمه ~~بالمتغيرات مثل كونه إما متقوم وإما عارض لها أن تعقل فلا تكون واجبة ~~الوجود من كل جهة وقوله تكون له حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره ونحو ذلك ~~يلزم من العلم بأعيان الباقيات وأنواع المتغيرات كما يلزم في المتغيرات ~~وإنما يختص المتغيرات بحدوث شيء آخر وذاك ليس عنده ما ينفيه بخصوصه فإنه ~~يجوز في القديم أن تحله الحوادث وإنما منع حلول الحوادث به لكونه يمنع قيام ~~الصفات أو أن يقول بما ذكر عن أرسطو من أن ذلك يوجب تعبه وكلاله وكل ذلك ~~فضيحة من الفضائح ما يظن بأضعف الناس عقلا أن يقول بمثل ذلك # ولولا أن هذا نقل أصحابهم عنهم في كتبهم المتواترة عنهم عندهم لاستبعد ~~الإنسان أن يقول معروف بالعقل مثل هذا الهذيان # وهذه ألفاظ ابن سينا في الاشارات بعد أن قرر بطلان قول من يقول باتحاد ~~العاقل والمعقول فيظهر لك من هذا أن كل PageV10P033 ما يعقل بأنه ذات ~~موجودة تتقرر فيها القضايا العقلية تقرير شيء في شيء آخر قال تنبيه الصورة ms2084 ~~العقلية قد يجوز بوجه ما أن تستفاد من الصور الخارجية مثلا كما تستفيد صورة ~~السماء من السماء وقد يجوز أن تسبق الصورة الأولى إلى القوة العاقلة ثم ~~يصير لها وجود من خارج مثلما تعقل شكلا ثم تجعله موجودا ويجب أن يكون بما ~~يعقل واجب الوجود من الكل على الوجه الثاني # ثم قال تنبيه كل واحد من الوجهين قد يجوز أن يحصل من سبب عقلي متصور ~~لوجود الصورة في الأعيان أو غير موجودها بعد في جوهر قابل للصور المعقولة ~~ويجوز أن يكون للجوهر العقلي من ذاته لا من غيره ولولا ذلك لذهبت العقول ~~المفارقة إلى غير النهاية وواجب الوجود يجب أن يكون له ذلك من ذاته ~~PageV10P034 # قلت فقد بين أن علم الرب هو من نفسه لا من غيره وأن علمه بالمعقولات ليس ~~مستفادا بها بل علمه بها سبب لوجودها وحينئذ فلا يكون علمه مفتقرا إلى ~~معلومه بل معلومه مفتقرا إلى علمه سواء كان المعلوم متغيرا أو غير متغير # ثم قال إشارة واجب الوجود يجب أن يعقل ذاته بذاته على ما حقق ويعقل ما ~~بعده من حيث هو علة لما بعده ومنه وجوده ويعقل سائر الأشياء من حيث حدثها ~~في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا # ثم قال إشارة إدراك الأول للأشياء من ذاته في ذاته هو أفضل أنحاء كون ~~الشيء مدركا ومدركا ويتلوه إدراك الجواهر العقلية اللازمة للأول بإشراق ~~الأول ولما بعده منه من ذاته وبعدهما الإدراكات النفسانيه التي هي نقش ورسم ~~عن طابع عقلي متبدد المبادىء والمناسب # ثم قال وهم وتنبيه ولعلك تقول إن كانت المعقولات لا تتحد بالعاقل ولا ~~بعضها مع بعض لما ذكرت ثم سلمت أن PageV10P035 الواجب الوجود يعقل كل شيء ~~فليس واحدا حقا بل هناك كثرة فنقول إنه لما كان تعقل ذاته بذاته لم يلزم ~~قيوميته عقلا بذاته لذاته أن يعقل الكثرة جاءت الكثرة لازمة متأخرة لا ~~داخلة في الذات مقومة بها وجاءت أيضا على ترتيب وكثرة اللوازم من الذات ~~مباينة أو غير مباينة لا تثلم ms2085 الوحدة والأول تعرض له كثرة لوازم إضافية ~~وغير إضافية وكثرة سلوب وبسبب ذلك كثرة أسماء لكن لا تأثير لذلك في وحدانية ~~ذاته # قلت فقال هذا الكلام صريح في ثبوت صفات الله قائمة به ليست إضافية ولا ~~سلوب كما قال تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب # وهذا مما اعترف به الشارحون لكلامه المنتصرون له وغير المنتصرين # قال الرازي في شرحه أقول هذا سؤال جيد وتقديره أنك إذا قلت الله يعلم ~~جميع الماهيات والعلم عبارة عن حصول صورة المعلوم عند العالم فقد حصل في ~~ذاته صور المعلومات بأسرها ثم زعمت أن العالم لا يتحد بالعلم فلزم أن تكون ~~ذات PageV10P036 الله محلا لتلك الصورة الكثيرة الغير المتناهية # قال وحاصل جوابه أنه التزم ذلك وبين أنه لا يلزم منه محذور لأن الدلالة ~~إنما دلت على تنزيه ذات الله عن الكثرة فأما أنه لا يكون في لوازمه كثرة ~~فذلك مما لم يثبت بالدلالة أصلا وقد بينا أن علمه بالأشياء من لوازم عمله ~~بذاته فتكون الكثرة الحاصلة بسبب علمه بالأشياء كثرة في لوازم ذاته وكثرة ~~اللوازم لا توجب الكثرة في الملزوم فإن الوحدة التي هي أبعد الأشياء عن ~~طبائع الكثرة يلزمها لوازم غير متناهية من كونها نصفا للاثنين وثلثا ~~للثلاثة وربعا للأربعة وهلم جرا إلى ما لا نهاية له # ثم قال بعد ذلك فالأول تعرض له كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب ~~وبسبب ذلك كثرة أسماء لكن لا تأثير لذلك في وحدانية ذاته # قال الرازي وأقول إن هذا الكلام يدل على رجوع الشيخ عن مذهب الفلاسفة في ~~مسألتين من أمهات المسائل إحداهما أن المشهور من قولهم إن البسيط لا يكون ~~قابلا وفاعلا وهنا اعترف PageV10P037 بأن المؤثر في تلك الصور العقلية ذاته ~~والقابل لها أيضا ذاته فالبسيط هناك فاعل وقابل # وثانيتهما أن المشهور من مذهبهم أنه ليس لله من الصفات إلا السلوب ~~والإضافات وهاهنا اعترف بأن لله كثرة لوازم إضافية وغير إضافية وكثرة سلوب ~~فأثبت لله صفات ثبوتية غير إضافية وكيف يمكنه أن ms2086 لا يعرف بذلك وعنده أن ~~الله عالم بالماهيات والعلم بالأشياء عنده عبارة عن حصول صورة في العالم ~~وتلك الصورة ليست مجرد إضافات لأن مذهبه أن الصورة الحاصلة عند العقل ~~مساوية لماهية المعقول والمساوي للجواهر والكميات والكيفيات في تمام ~~ماهيتها كيف يكون مجرد إضافات # فظهر أن الفلاسفة لا يمكنهم ادعاء تنزه الله عن الصفات الحقيقية # وكذلك الآمدي قال واعلم أن من أثبت لواجب الوجود من الفلاسفة علما وفسر ~~العلم بانطباع صورة المعلوم في النفس فقد أثبت لواجب الوجود صفة وجودية ~~زائدة على ذاته وناقض أصله في نفي الصفات الوجودية الزائدة لذات واجب ~~الوجود PageV10P038 ضرورة لأن انطباع صورة المعلوم في النفس أمر وجودي زائد ~~على الذات # ثم إن الطوسي في شرحه قرر ما ذكره الرازي وزاد عليه هذا مع كثرة مناقضته ~~للرازي وحرصه على ذلك وعلى نصر ابن سينا ومع هذا فلما شرح هذا الفصل قال ~~تقرير الوهم أن يقال إنك ذكرت أن المعقولات لا تتحد بالعاقل ولا بعضها ببعض ~~بل هي صور متباينة منفردة في جوهر العاقل وذكرت أن الأول الواجب يعقل كل ~~شيء فإذن معقولاته صور متباينة متقررة في ذاته ويلزمك على ذلك أن لا تكون ~~ذات الأول الواجب واحدا حقا بل تكون مشتملة على كثرة # قال وتقرير التنبيه أن يقال إن الأول لما عقل ذاته بذاته وكانت ذاته علة ~~للكثرة لزمه تعقل الكثرة بسبب تعقله لذاته بذاته فتعقله للكثرة لازم معلوم ~~له فصور الكثرة التي هي معقولاته هي معلوالاته ولوازمه مترتبة ترتب ~~المعلولات فهي متأخرة عن حقيقة ذاته تأخر المعلول عن العلة وذاته ليست ~~بمتقومة بها ولا بغيرها بل هي واحدة وتكثر اللوازم والمعلولات لا ينافي ~~وحدة علمها PageV10P039 الملزومة إياها سواء كانت تلك اللوازم متقررة في ~~ذات العلة أو مباينة لها فإذن تقرر الكثرة المعلولة في ذات الواحد القائم ~~بذاته المتقدم عليها بالعلية والوجود لا يقتضي تكثره والحاصل أن الواجب ~~واحد ووحدته لا تزول بكثرة الصور المعقولة المقررة فيه # قال فهذا تقرير التنبيه وباقي الفصل ظاهر # قال ولا شك ms2087 في أن القول بتقرر لوازم الأول في ذاته قول بكون الشيء الواحد ~~فاعلا وقابلا معا وقول بكون الأول موصوفا بصفات غير إضافية ولا سلبية على ~~ما ذكره الفاضل الشارح يعني الرازي # وقول بكونه محلا لمعلولاته الممكنة المتكثرة تعالى عن ذلك علوا كبيرا ~~وقول بأن معلوله الأول غير مباين لذاته وبأنه تعالى لا يوجد شيئا مما ~~يباينه بذاته بل بتوسط الأمور الحالة PageV10P040 فيه إلى غير ذلك مما ~~يخالف الظاهر من مذاهب الحكماء والقدماء القائلين بنفي العلم عنه تعالى ~~وأفلاطن القائم بقيام الصور المعقولة بذاتها والمشاؤون القائلون باتحاد ~~العاقل بالمعقول إنما ارتكبوا تلك المحالات حذرا من التزام هذه المعاني # قال ولولا أني اشترطت على نفسي في صدر هذه المقالات أني لا أتعرض لذكر ما ~~أعتمده فيما أجده مخالفا لما أعتقده لبينت وجه التقصي عن هذه المضايق ~~وغيرها بيانا شافيا لكن الشرط أملك ومع ذلك فلا أجد في نفسي رخصة أن لا ~~أشير في هذا الموضع إلى شيء من ذلك أصلا فأشرت إليه إشارة خفيفة يلوح الحق ~~منها لمن هو ميسر لذلك # قال فأقول العاقل كما لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته ~~التي بها هو هو فلا يحتاج أيضا في إدراك ما يصدر عن ذاته لذاته إلى صورة ~~غير صورة ذلك الصادر التي بها هو هو واعتبر من نفسك أنك تعقل شيئا بصورة ~~تتصورها أو تستحضرها فهي صادرة عنك لا بانفرادك مطلقا بل بمشاركة ~~PageV10P041 ما من عيرك ومع ذلك فأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها بل كما ~~تعقل ذلك الشيء بها كذلك تعقلها أيضا بنفسها من غير أن تتضاعف الصور فيك بل ~~ربما تتضاعف اعتباراتك المتعلقة بذاتك وبتلك الصورة فقط على سبيل التركب ~~وإذا كان حالك مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك لك هذه الحال فما ظنك بحال ~~العاقل مع ما يصدر عنه لذاته من غير مداخلة غيره فيه # قال ولا تظنن أن كونك محلا لتلك الصورة شرط في تعقلك إياها فإنك تعقل ~~ذاتك مع كونك لست بمحل لها ms2088 بل إنما كان كونك محلا لتلك الصورة شرطا في حصول ~~تلك الصورة الذي هو شرط في تعقلك إياها فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر ~~غير الحلول فيك حصل التعقل من غير حلول فيك # ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولا لغيره ليس دون حصول الشيء ~~لقابله فإذن المعلولات الذاتية PageV10P042 للعاقل الفاعل لذاته حاصلة من ~~غير أن تحل فيه فهو عاقل إياها من غير أن تكون هي حالة فيه # وإذ تقدم هذا فأقول قد علمت أن الأول عاقل لذاته من غير تغاير بين ذاته ~~وبين عقله لذاته في الوجود إلا في اعتبار المعتبرين على ما مر وحكمت بأن ~~عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول فإذا حكمت بكون العلتين أعني ذاته ~~وعقله لذاته شيئا واحدا في الوجود من غير تغاير فاحكم بكون المعلولين أيضا ~~أعني المعلول الأول وعقل الأول له شيئا واحدا في الوجود من غير تغاير يقتضي ~~كون أحدهما مباينا للأول والثاني متقررا فيه وكما حكمت بكون التغاير في ~~العلتين اعتبارا محضا فاحكم بكونه في المعلولين كذلك فإذن وجود المعلول ~~الأول هو نفس تعقل الأول إياه من غير احتياج إلى صورة مستأنفة تحل ذات ~~الأول تعالى عن ذلك # ثم لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلولات لها بحصول صور فيها ~~وهي تعقل الأول الواجب ولا موجود إلا وهو معلول للأول الواجب كانت جميع صور ~~الموجودات الكلية والجزئية على ما هي عليه في الوجود حاصلة فيها ~~PageV10P043 والأول الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور لا بصور غيرها بل ~~بأعيان تلك الجواهر والصور وكذلك الوجود على ما هو عليه فإذن لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة من غير لزوم محال من المحالات المذكورة # قال فهذا أصل إن حققته وبسطته انكشفت لك كيفية إحاطته تعالى بجميع ~~الأشياء الكلية والجزئية إن شاء الله تعالى و @QB@ ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء @QE@ سورة المائدة 54 ولولا أن تلخيص هذا البحث على هذا الوجه الشافي ~~يستدعي كلاما بسيطا لا يليق أن نورد أمثاله على سبيل ms2089 الحشو لذكرت ما فيه ~~كفاية لكن الاقتصار هنا على هذا الإيماء أولى # قلت فليتدبر العاقل الذي هداه الله تعالى وفهمه ما جاءت به الرسل وما ~~قاله غيرهم كلام هذا الذي هو رئيس طائفته في وقته وما قرر به كلام سلفه ~~الملحدين في علم الله تعالى لما كان ابن سينا وهو أفضل متأخريهم قد قال في ~~ذلك بعض الحق الذي يقتضيه العقل الصريح مع موافقته للنقل الصحيح فأراد هذا ~~الطوسي أن يرد ما قاله ابن سينا من الحق انتصارا لطائفته الملاحدة فقال في ~~الكلام الذي عظم قدره وتبجح به ما يظهر PageV10P044 لمن فهمه أنه من أفسد ~~أقوال الآدميين وأشبه الأشياء بأقوال المجانين # ولا ريب أن هذه عقول كادها باريها لما ألحدت في صفات الله تعالى وأرادت ~~نصر التعطيل وقعت في هذا الجهل الطويل فجعل نفس الحقائق المعلومة الموجودة ~~المباينة للعالم هي نفس علم العالم بها ولا ريب أن هذا أفسد من قول من جعل ~~العلم نفس العالم كما يقوله طائفة من النفاة كابن رشد ونحوه وقول أبي ~~الهذيل خير منه # ولا ريب أن من جعل نفس المخلوقات نفس علم الخالق بها فقد أتى من السفسطة ~~بما هو من أعظم الأشياء فرية على الخالق تعالى وعلى مخلوقاته وما هو من ~~أظهر الأقوال فسادا عند كل من تدبره # والحمد لله الذي جعل أقوال الملحدين يظهر فسادها لكل ذي عقل كما علم ~~إلحادهم كل ذي دين هذا مع تعظيم أتباعهم لهم ونسبتهم لهذا ونحوه إلى ~~التحقيق في المعارف الحكمية والعلوم الإلهية # ثم إن هذه اللوازم الظاهرة لفساد بناها على مقدمة استسلفها ممن سلمها له ~~من أشباهه وأقرب الأشياء شبها بهذا القول قول أهل الوحدة الذين يقولون وجود ~~المخلوق عين وجود الخالق PageV10P045 فإن أولئك جعلوا الوجودين وجودا واحدا ~~وهذا جعل نفس علم الخالق ووجود المخلوق شيئا واحدا فتلك وحدة في وجوده وهذه ~~وحدة في علمه مع وجود المخلوقات # ولا ريب أن قول النصارى بالاتحاد والحلول أقرب إلى المعقول من قول هؤلاء ~~فإن أولئك يجعلون الكلمة ms2090 التي هي عندهم جوهر قد تجدد له اتحاد بالمسيح ~~وهؤلاء جعلوا نفس علمه اللازم له الذي لم يزل ولا يزال هو نفس المخلوقات ~~كلها # ونحن نبين فساد مقدماته التي استسلفها وفساد نتائجه التي استنتجها # أما قوله العاقل كما لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته التي ~~بها هو هو فلا يحتاج أيضا في إدراك ما يصدر عن ذاته بذاته إلى صورة غير ~~صورة ذلك الصادر التي بها هو هو # فيقال كلا المقدمتين ممنوع فلا نسلم أنه لايحتاج في إدراك ذاته إلى صورة ~~غير صورة ذاته ولا نسلم أنه إذا كان كذلك لا يحتاج في إدراك ما يصدر عنه ~~إلى صورة غير صورة الصادرة عنه # والمقدمة الأولى له فيها سلف وعليها بنى طائفة من الفلاسفة المتقدمين ~~والمتأخرين كالسهروردي المقتول كلامهم في مسألة PageV10P046 العلم وإن كان ~~جماهير العقلاء من بني آدم يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة # حتى قال الرازي وأعلم أنه لولا ولوع الناس بكل كلام هائل لا اليخلصون ~~حقيقته لما احتيج إلى الكلام على قولهم إن الشيء الأحدى الذات عقل وعاقل ~~ومعقول من غير تعدد صفاته وأما هذه الثانية فما علمت له فيها سلفا # فنقول في الأولى التي ذهب إليها بعض سلفه لم قلت إن العالم إذا علم نفسه ~~لم يكن علمه بنفسه إلا مجرد نفسه وما الدليل على ذلك وهل هذه إلا مجرد ~~الدعوى # ثم إنها دعوى معلومة الفساد بالضرورة وبالأدلة فإن الإنسان حاله قبل أن ~~يعرف نفسه خلاف حاله إذا عرفها يعلم أنه حصل له علم لم يكن مع أن نفسه لم ~~تزل ويعلم أنه إذا قال علمت نفسي كان في هذا قدر زائد على قوله كانت نفسي # وإذا قال علمي بنفسي موجود علم أن هذا زائد على قوله نفسي موجودة وقوله ~~علمت نفسي كقوله أحببت نفسي وظلمت نفسي ورأيت نفسي فهل يكون حبه لها وظلمه ~~لها ورؤيته لها هو ذاتها # ومن الأقوال المشهورة عند الناس من عرف نفسه عرف ربه فلو كانت معرفته ~~بنفسه ms2091 هو نفسه لكان كل أحد عارفا بنفسه وبربه PageV10P047 # ثم إن العاقل يتبين له كل وقت من أحوال نفسه ما لم يكن متبينا له قبل ذلك ~~فيزداد عقلا ومعرفة وتبينا لنفسه ويجد ذلك فيه وجودا ضروريا كما يجد علومه ~~الضرورية فكيف يكون علمه بنفسه ليس فيه زيادة على مجرد نفسه التي كانت قبل ~~العلم بها # وقول القائل العاقل لا يحتاج في إدراك ذاته إلى صورة غير صورة ذاته التي ~~بها هو # يقال له من المعلوم بالضرورة أن إدراك ذاته ليس هو عين ذاته بل إذا قدر ~~ذاته بدون إدراكها وقدر ذاته مع إدراكها كان إدراكها قدرا زائدا على ذاته ~~بدون إدراكها وهذا الإدراك غير الذات الخلية عن إدراك فهذا معلوم بالحس ~~والضرورة # ثم إن كان القائل ممن يقول الإدراك هو انطباع صورة المعقول في العاقل أو ~~يقول الإدراك هو نفس تلك الصورة أو هو إدراك تلك الصورة أو يقول ليس هناك ~~صورة بل الإدراك علم بالمدرك بلا صورة أو يقول هو نسبة بين المدرك والمدرك ~~بلا صورة فأي قول في هذه الأقوال قاله فلا بد له أن يجعل الإدراك ليس هو ~~المدرك فليس العلم هو نفس المعلوم كما أنه PageV10P048 ليس هو العالم بل ~~يعقل بالضرورة الفرق بين العالم والمعلوم والعلم كما يعقل الفرق بين المريد ~~والمراد والإرادة والمرئي والرائي والرؤية والمسموع والسامع والسمع ~~والمحبوب والمحب والمحبة # لكن إن كان الواحد هو العالم والمعلوم والمحب والمحبوب بحيث يقال إنه ~~يعرف نفسه ويحب نفسه فهنا مع كونها العالم والمعلوم والمحب والمحبوب فليس ~~علمها بنفسها وحبها نفسها هو ذات نفسها بل يمكن تقديرها غير عالمة بنفسها ~~ولا محبة لنفسها ويمكن تقديرها مع علمها وحبها # ويعلم أنه مع تقديرها الوجود هناك أمر موجود زائد على تقدير العدم هذا مع ~~أن جهة كونه عالما غير جهة كونه معلوما وإن كانت الذات واحدة وأما نفس ~~العلم فليس هو لا ذات العالم ولا ذات المعلوم # وقول القائل الشيء لايضاف إلى نفسه كلام مجمل فإن عنى به أنه لا ms2092 يضاف في ~~اللفظ فهذا ليس بحثا عقليا مع أنه ممنوع فإنه قال نفسه وذاته وليس الكلام ~~في هذه # وإن أراد بذلك ما نحن فيه وهو أن ذاته لا تتعلق بها الصفات الثبوتية ~~الإضافية كالعلم والحب والظلم فلا يكون عالما بنفسه ولا محبا لها ولا ظالما ~~لها فهذا مكابرة # ثم لو قدر أن إدراكه لذاته ليس فيه صورة عقلية غير صورة ذاته التي بها هو ~~فلم قلت إنه يلزم مثل ذلك في إدراك كل PageV10P049 شيء والذين فرقوا قالوا ~~ذاته لا تضاف إلى ذاته وهذا الفرق منتف فيما سواهما # قالوا ليس بينه وبين ذاته واسطة أقرب من ذاته إلى ذاته وهذا منتف فيما ~~سوى ذاته # وقالوا العلم هو العالم وليس هو المعلوم فعلمه بذاته هو نفس ذاته بخلاف ~~علمه بغيره # وبالجملة فهم قد ذكروا فروقا إن كانت صحيحة بطل الجمع وإن كانت باطلة منع ~~الحكم في الأصل # أما كون الحكم في الأصل يوجد مسلما مع قياس العلم بما سواه على العلم ~~بنفسه في أن كل عالم بمعلوم هو نفس المعلوم وليس هناك علم زائد على المعلوم ~~فهذا مردود بصريح العقل ومجرد تصوره التام كاف في العلم بفساده # الوجه الثالث أن يقال قوله فلا يحتاج في إدراك ما يصدر عن ذاته بذاته إلى ~~صورة غير صورة ذلك الصادر التي بها هو هو قضية معلومة الفساد بالضرورة فإن ~~الإنسان يجد من نفسه أنه إذا أراد أن تصدر عنه صورة خارجية من قول أو فعل ~~فإنه يتصور في ذهنه ما يريد أن يظهره قبل أن يظهره ويميز بين الصورة التي ~~في ذهنه وبين ما يظهره بقوله وفعله PageV10P050 # والفلاسفة مع سائر العقلاء متفقون على هذا ويقولون أول الفعلة آخر العمل ~~وأول البغية آخر الدرك ويقولون العلة الغائية هي أول في التصور آخر في ~~الوجود وجمهور العقلاء يقولون السابق هو تصور العلة الغائية وإرادتها # وأما ابن سينا ونحوه من الفلاسفة فيقولون بل نفس العلة هي السابقة في ~~الذهن ويقولون العلة الغائية علة فاعلية للعلة الفاعلية # وجمهور العقلاء ms2093 لا يجعلونها علة فاعلية بل يقولون تصور الفاعل لها ~~وإرادته لها به صار فاعلا فلولا تصور الغاية والإرادة لها لما كان فاعلا ~~فتصورها وإرادتها شرط في كون الفاعل فاعلا وهي مقدمة في التصور والإرادة ~~وإن تأخرت في الوجود # ففي الجملة العاقل الفاعل فعلا باختياره يتصور ما يريد أن يفعله في نفسه ~~ثم يوجده في الخارج فتلك الصورة الموجودة في الخارج بفعله ليست هي الصورة ~~المعقولة في ذهنه كمن أراد أن يصنع شكلا مثلثا أو مربعا أو يصنف خطبة أو ~~يبني دارا أو يغرس شجرا أو يسافر إلى مدينة فإنه يتصور ما يريده ابتداء ~~فتكون له صورة عقلية في نفسه قبل صورته التي توجد في الخارج وهو معنى قولهم ~~أول البغية آخر الدرك أي أول ما تبغيه فتريده وتطلبه هو آخر ما تدركه ~~وتناله PageV10P051 # وهذا العلم هو العلم الفعلي المشروط في الفعل وعلم الرب عندهم فعلي فكيف ~~يكون نفس علمه به هو نفس المعلوم الذي أبدعه في الخارج وهل يقول هذا من ~~يتصور ما يقول # الوجه الرابع قوله واعتبر من نفسك أنك تعقل شيئا بصورة تتصورها أو ~~تستحضرها فهي صادرة عنك لا بانفرادك مطلقا بل بمشاركة ما من غيرك ومع ذلك ~~فأنت لا تعقل تلك الصورة بغيرها بل كما تعقل ذلك الشيء بها كذلك تعقلها ~~بنفسها من غير أن تتضاعف الصور فيك إلى قوله وإذا كان حالك مع ما يصدر عنك ~~بمشاركة غيرك هذه الحال فما ظنك بحال العاقل مع ما يصدر عنه لذاته من غير ~~مداخلة غيره فيه # فيقال له هذا تلبيس لا يروج إلا على جاهل أو متجاهل فإن هنا أمرين أحدهما ~~الشيء الموجود في الخارج وهذا هو الذي يقال إن تعقله ارتسام صورته في ~~العالم والثاني نفس الصورة العلمية التي في العاقل المطابقة لهذا المعلوم ~~فهذه الصورة لم يقل أحد إنها تفتقر إلى صورة أخرى فإن هذه هي العلم # وهم قالوا إن العلم صورة مطابقة للمعلوم والعلم من حيث هو علم لا يجب أن ~~تكون له صورة غير ms2094 نفسه في العقل تطابقه PageV10P052 اللهم إلا إذا قيل إن ~~ذلك العلم صار معلوما فتكون له صورة من حيث هو معلوم لا من حيث هو علم # وقوله إنك تعقل شيئا بصورة تتصورها وتستحضرها فهي صادرة عنك وأنت لا تعقل ~~تلك الصورة بغيرها بل كما تعقل ذلك الشيء بها كذلك تعقلها أيضا بنفسها # فيقال قوله صادرة عنك إنما تعرف فيما يفعله الإنسان أما حصول الصورة ~~العلمية في نفسه فهذا قد يكون ضروريا حصل بغير فعل منه وإن كان نظريا فهو ~~ضروري بعد وجود سببه # ولهذا من يقول المتولدات ليست مكتسبة يجعل جمهورهم العلوم كلها ضرورية ~~كما قال أبو المعالي والمختار عندنا أن العلوم كلها ضرورية وحينئذ فلا تكون ~~تلك الصورة العقلية صادرة عنه بل هي حاصلة في ذاته بغير اختياره # وعلم الرب القديم اللازم لذاته كعلمه بنفسه لا يقال إنه صادر عنه ولا ~~مفعول له بل هو كحياته ولكن ما يتجدد من سمع وبصر وعلم بالكائن كائنا فهذا ~~من أثبته فإنه يمكن أن يجعله صادرا عنه # وأما علمه بالأشياء التي يريد أن يفعلها قبل فعلها فهذا للناس فيه كلام ~~بحسب تنازعهم في هذا الأصل # وعلى كل قول وبكل تقدير ليست صورة المعلوم التي خلقها PageV10P053 ~~وأبدعها هي نفس علمه به وإذا سمى العلم صورة عقلية فليس هذا هو ذاك # وإذا قيل إن عقل العاقل للصورة الموجودة لا يكون إلا بصورة عقلية لم نقل ~~إن الصورة العقلية لها صورة أخرى # ولكن للناس هنا نزاع وهو أن العلم بالعلم هل يحصل بالعلم أم لابد من علم ~~ثان وكذلك العلم الثاني هل يفتقر إلى ثالث فمن أثبت ذاك بطلت الحجة على ~~قوله ومن نفى ذاك قال العلم يعلم به غيره فلأن يعلم هو بنفسه بطريق الأولى ~~كالنور الذي يرى به غيره ويرى هو بنفسه فلا يلزم إذا احتاج ما ليس بعلم إلى ~~صورة عقلية أن يحتاج نفس العلم إلى صورة عقلية غير العلم بل من علم شيئا ~~علما تاما علم أنه عالم ومن نصر القول الأول ms2095 يقول قد يعلم المعلوم ويذهل عن ~~كونه عالما به # فإن قيل هذا لايتصور في حق الله تعالى فإنه يعلم المخلوقات ويعلم أنه ~~عالم بها فإذا كان العلم بكونه عالما ليس هو العلم بالمعلوم المنفصل لزم ~~وجود علوم لا تتناهى # وهذا هو الذي احتج به الطوسي فيقال علمه بنفسه يوجب كونه عالما بصفاتها ~~ومن صفاتها كونه عالما بهذا وهذا فعلمه بنفسه يتضمن العلم بكونه عالما ~~بالمعلومات وهذا العلم ليس هو العلم بالمعلومات المخلوقات لكن هو مستلزم له ~~فعلمه تعالى بنفسه مستلزم للعلم بجميع صفاته يمتنع وجود أحدهما دون الآخر ~~PageV10P054 فليس هناك علمان متباينان بخلاف علمه ومخلوقه المعلوم فإن هذا ~~مباين لهذا # والعلم محله نفسه المقدسة والمخلوق ليس بمباين له فكيف يكون هو إياه وهو ~~سبحانه يعلم الشيء قبل وجوده فيكون العلم به موجودا والمعلوم لم يوجد بعد # وهذا بخلاف علمه وعلمه بعلمه فإنه يمتنع وجود أحدهما دون الآخر فيمكن أن ~~يقال علمه بنفسه يتضمن العلم بعلمه فلا يوجد بدونه كما يوجد علمه ~~بالمخلوقات قبل وجود المخلوق # الوجه الخامس قوله بل ربما تتضاعف اعتباراتك المتعلقة بذاتك وبتلك الصورة ~~فقط على سبيل التركب # فيقال تضاعف هذا الاعتبار هو الذي يريده من يقول بتضاعف الصور فإن ~~مقصودهم أن العلم بالعلم بالشيء ليس هو العلم بالشيء ثم كون العلم صورة ~~المعلوم في العالم أو إدراك الصورة أو إدراكه بلا صورة أو نسبة أو غير ذلك ~~نزاع في حقيقة العلم # والمقصود هنا أن علم العالم بالمعلوم ليس هو المعلوم وهو يريد أن يقرر أن ~~العلم بالمعلوم عين المعلوم كما أن العلم بالعلم بالمعلوم هو نفس العلم ~~المعلوم وجوابه إما بالمنع وإما بالفرق PageV10P055 # فإن كان العلم بالعلم زائدا على العلم منع الحكم في الأصل وإن لم يكن ~~زائدا فالفرق حاصل وهو يريد التسوية بين العلم بالعلم وبين العلم بالمعلوم # ونقول إذا كان ذاك المعلوم هو نفس العلم فكل معلوم نفس العلم وكلا ~~المقدمتين ممنوعة ولقد قدر أنه لم تنحل هذه الشبهة فنحن نعلم علما ضروريا ~~أن هذا ms2096 سفسطة وأن من جعل نفس المعلوم الموجود المخلوق هو نفس علم العالم به ~~فهو مكابر جاحد للخالق # الوجه السادس قوله ولا تظنن أن كونك محلا لتلك الصورة شرط في تعقلك إياها ~~فإنك تعقل ذاتك مع أنك لست بمحل لها بل إنما كان كونك محلا لتلك الصورة ~~شرطا في حصول تلك الصورة لك الذي هو شرط في تعقلك إياها فإن حصلت تلك بوجه ~~آخر غير الحلول فيك حصل التعقل من غير حلول # فيقال هنا صورتان الصورة الموجودة في الخارج والصورة المعقولة المطابقة ~~لتلك المسماة بالعلم # فإن أريد أن كونه محلا للصورة العقلية ليس شرطا في تعقل PageV10P056 ~~الصورة العقلية فهذا باطل فإن تعقلها لا يكون إلا بحصولها له والصورة ~~العقلية لا تحصل له إلا إذا قامت به بل الصورة العقلية لا تكون إلا حالة في ~~الإنسان لا تكون حاصلة له بدون الحلول أبدا # وكذلك كل عالم لا بد ان يكون العلم قائما به وحصول العلم للعالم بدون ~~قيامه به ممتنع فإن العلم لا يقوم بنفسه ولو قدر قيامه بنفسه لم تختص به ~~ذات دون ذات فلا تكون الذات عالمة علما إن لم يكن ذلك العلم قائما بها # وهذا مما رد به على جهم حيث قال إن الرب عالم بعلم لا يقوم به لامتناع ~~قيام الصفات به # كما رد به على البصريين من المعتزلة قولهم مريد بإرادة لا تقوم به # وقول هذا الطوسي شر من قول جهم فإن جهما وإن قال إنه عالم بعلم لا يقوم ~~به فالعلم عنده ليس هو المعلوم # وهذا يجعله عالما بعلم منفصل عنه ويجعل العلم هو المعلوم # فإن حقيقة قول النفاة للصفات من الفلاسفة من جنس قول النفاة لها من ~~الجهمية فيشتركان في التعطيل ويفترقان في مسائل الحدوث والقدم # ولهذا وصى ابن سينا بملازمة قول النفاة للصفات فإن القول بالحدوث ممتنع ~~على أصلهم فالنفي حجة له عليهم بخلاف مثبتة PageV10P057 الصفات فإن فساد ~~قول الدهرية على قولهم ظاهر # وإن أراد أن تعقل الموجود في الخارج ليس مشروطا بحصول الصورة ms2097 العقلية فقد ~~اعترف هو بثبوت الصورة العقلية وادعى أنها صورة المفعول # ثم نقول مقصودنا لا يتوقف إلا على إثبات علم قائم بالعالم سواء سمي صورة ~~عقلية أو لم يسم فعقل الوجود في الخارج لا يكون إلا إذا قام بالعاقل عقل له ~~وذلك العقل ليس هو العقل الموجود في الخارج المباين للعاقل وإذا سمي ذلك ~~العقل صورة عقلية وقيل إن التعقل ليس مشروطا بها كان معناه أن وجود العلم ~~ليس مشروطا بوجود العلم # ومعلوم أن الشيء لا يثبت بدون لازمه فكيف يثبت الشيء مع انتفائه وهل هذا ~~إلا جمع بين النقيضين وجوده وعدمه # وحينئذ فكون العالم محلا للعلم شرط في حصول العلم فإن حصول العلم للعالم ~~بدون اتصافه به وقيامه به ممتنع فلا يكون العقل الذي هو العلم حاصلا للعاقل ~~إلا إذا كان العاقل الذي هو العالم محلا لذلك العقل الذي هو العلم كما أن ~~المحب لا يكون محبا إلا إذا كانت المحبة قائمة به وكذلك في الإرادة والكلام ~~وسائر الصفات # وهذا أصل مطرد لأهل السنة أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك ~~المحل ولم يتصف بتلك الصفة غير ذلك المحل PageV10P058 # ولهذا قالوا لو كان كلام الله مخلوقا لكان المتكلم به هو المحل الذي خلق ~~فيه وطرد أئمتهم وجمهورهم هذا في الصفات الفعلية وآخرون كالأشعري ونحوه ~~فرقوا بينهما فرقا كانوا به متناقضين عند جمهور الناس من المثبتة والنفاة # وأما من يقول عالم لا بعلم يقوم به ومريد لا بإرادة تقوم به ومتكلم لا ~~بكلام يقوم به فهذا كلام الجهمية النفاة ومن وافقهم من المعتزلة # وهذا الطوسي وأمثاله هم الجهمية النفاة المتفلسفة الملاحدة وهو في ~~التعطيل شر من المعتزلة وغيرهم # وكذلك ابن سينا وأمثاله هم من أتباع الملاحدة النفاة وكان هذا الطوسي من ~~أعوان الملاحدة الذين بالألموت ثم صار من أعوان المشركين الترك لما استولوا ~~على البلاد # وكذلك ابن سينا وقد ذكر سيرته فيما ذكره عنه أصحابه فذكر أن أباه كان ~~بلخيا وأنه تزوج بقرية من قرى بخارى في أيام ms2098 نوح بن منصور بامرأة منها فولد ~~بها وأنهم انتقلوا إلى بخارى PageV10P059 # قال وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين ومقدمهم وقد سمع منهم ذكر النفس ~~والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم وكذلك أخي وكانا ربما تذاكروا ~~ذلك بينهم وأنا أسمعهم وأدرك ما يقولونه وابتدأوا يدعونني إليه ويجرون على ~~ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله ~~الناتلي وكان يدعي الفلسفة وأنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه # ثم ذكر قراءته عليه المنطق وإقليدس والمجسطي # ومعلوم عند كل من عرف دين الإسلام أن المصريين بنى عبيد الباطنية كالحاكم ~~وأمثاله الذين هم سادة أهل بيته من أعظم الناس نفاقا وإلحادا في الإسلام ~~وأبعد الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم نسبا ودينا بل وأبعد الناس عن ~~تصريح المعقول وصحيح المنقول فليس لهم سمع ولا عقل PageV10P060 # وقولهم في الصفات صريح قول جهم بل وشرا منه وزادوا عليه من التكذيب بالحق ~~والبعث والشرائع ما لم يقله الجهم تلقيا عن سلفهم الدهرية وأخذوا ما نطق به ~~الرسول في الإيمان بالله واليوم الآخر والشرائع فجعلوا لها بواطن يعلم ~~علماء المسلمين بالاضطرار أنها مخالفة لدين الرسول صلى الله عليه وسلم # فأصحاب الإشارات هم من جنس هؤلاء لكن يتفاوتون في التكذيب والإلحاد # وأما قوله فإنك تعقل ذاتك ولست بمحل لها # فيقال ليس من شرط الموجود المعلوم أن يكون هو نفسه حالا في العالم بل أن ~~يكون العلم به حالا في العالم ومن عرف نفسه فلا بد أن يقوم في نفسه علم ~~بنفسه فيكون العلم بنفسه حالا في نفسه لا أن تكون نفسه حالة في نفسه ولكن ~~هو يريد أن يسوي بين العلم والمعلوم فيجعل ما لا يشترط في المعلوم لا يشترط ~~في العلم ويجعل العلم نفس المعلوم وهذا باطل كما تقدم # الوجه السابع قوله بل إنما كان كونك محلا لتلك الصورة شرطا في حصول تلك ~~الصورة لك الذي هو شرط في تعقلك إياها فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر غير ~~الحلول فيك حصل ms2099 التعقل من غير حلول فيك # هذا كلام متناقض فإن كونه محلا لتلك الصورة إذا كان PageV10P061 شرطا في ~~حصول تلك الصورة امتنع وجود المشروط بدون شرطه فلا تحصل الصورة له إلا ~~بحلولها فيه لأن الحلول شرط فيها فدعواه بعد هذا أنه يمكن حصولها له بدون ~~الحلول جمع بين النقيضين # وكان ينبغي أن يقول إنما كان كونك محلا للصورة سببا في حصولها لك والحصول ~~يحصل بهذا السبب تارة وبغيره أخرى ومع هذا فلو قال ذلك كان باطلا أيضا لكن ~~هو يعلم أن هذا الحلول شرط في تعقل العبد وإنما يدعي أنه ليس بشرط في علم ~~الرب # الوجه الثامن أن يقال حصول العلم للعالم بدون قيامه به ممتنع فإذا كانت ~~الصورة العقلية هي العلم أو كان العلم مستلزما لها لا يوجد إلا بوجودها ~~لكونها شرطا فيه امتنع حصول العلم وحصول الصورة العقلية التي هي العلم أو ~~شرطه أو لازمه للعالم بدون حلولها فيه كما يمتنع مثل ذلك في سائر صفات الحي ~~فيمتنع أن يحصل له علم أو قدرة أو حب أو بغض أو رضى أو سخط أو فرح أو ألم ~~أو لذة أو غير ذلك من صفات الحي بدون حلول ذلك في الحي ولا يحصل ذلك له إلا ~~بحلوله فيه لا مع وجوده مباينا له # الوجه التاسع أن يقال مراده بالصورة الحاصلة بلا حلول إن كان هو مجرد ~~الصورة الموجودة وهو لم يرد ذلك كان PageV10P062 حقيقته أن العلم يحصل ~~بمجرد وجود المعلوم فلا يكون هنا علم قائم بالعالم ولا صورة عقلية وهذا مع ~~ظهور فساده فهو يسلم بطلانه في العبد ويقول إن كونه محلا لتلك الصورة شرط ~~في حصول تلك الصورة الذي هو شرط في تعقله إياها فيجعل الحلول شرطا في ~~الحصول الذي هو شرط في التعقل ويثبت الصورة العقلية القائمة بقلب الإنسان ~~فيمتنع أن يريد بالصورة الحاصلة بلا حلول الصورة العقلية الحاصلة للإنسان # وإن أراد بذلك الصورة الموجودة فلا ريب أنها تحصل من غير حلول بل الحلول ~~فيها ممتنع لكن يقال ليس ms2100 في مجرد حصولها للإنسان ما يوجب أن يكون الإنسان ~~عاقلا لها إذا لم يكن في نفسه علم بها بل الحصول الخالي عما يقوم بالعالم ~~من العلم ليس معه علم ضرورة فإن ادعى حصول الصورة العقلية بلا حلول فيمتنع ~~وإن ادعى حصول الصورة الموجودة بلا حلول فهو ممكن لكن وجود العلم بمجرد ذلك ~~من غير شعور يقوم بالشاعر بها ممتنع # وهذا أمر معلوم بالضرورة واتفاق العقلاء لكن هؤلاء القوم يدعون أن علم ~~الله بالأشياء بلا علم يقوم به ويسمونه عاقلا ويفرقون بين عقل وعقل مع جعل ~~العقل جنسا واحدا وهو تناقض بين وقول بلا علم بل مما يعلم بطلانه ~~PageV10P063 # الوجه العاشر أن يقال قوله فإذا حصلت تلك الصورة بوجه آخر غير الحلول فيك ~~حصل التعقل من غير حلول فيك ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولا ~~لغيره ليس دون حصول الشيء لقابله # فيقال حصول الشيء لغيره بدون حلول فيه لفظ مجمل قد يراد به حصوله في ملكه ~~وقد يراد به حصوله عنده وفي يده وقد يراد به حصوله لينتفع به بوجه معاونا ~~له ومشاركا # فإنه يقال لك هذا المال وهذه الدار وهذا المملوك ويقال حصل لك هذا ~~لتستعيره أو تستأجره وقد يقال حصلت لك هذه المرأة لتتزوجها وهذا الرفيق أو ~~الشريك لترافقه وتشاركه وحصل لك هذا المعلم لتتعلم منه وحصل لك هذا العدو ~~في يديك وقبضتك وأمثال ذلك # ومعلوم أنه ليس في هذه الأنواع من الحصول ما يوجب أن يكون هذا الحصول ~~موجبا للعلم بدون شعور يقوم بالعالم بل إن لم يقم بالحي شعور قائم بنفسه ~~بما حصل له وإلا لم يكن شاعرا بها والشعور أول درجات العلم والعقل فمن لم ~~يكن شاعرا بالشيء كيف يكون عالما به وعاقلا له PageV10P064 # فقوله إذا حصلت تلك الصورة بوجه غير الحلول فيك حصل التعقل من غير حلول ~~فيك كلام لا دليل عليه وهو باطل ويكفيه المنع المجرد وهو أن يقال لا نسلم ~~أن الحصول الخالي عن حلول يكون تعقلا من غير حلول أو ms2101 يوجب التعقل من غير ~~حلول ونعني بالحلول ما بيناه من حلول نفس الشعور بالشاعر سواء كان هناك ~~صورة عقلية أو لم يكن فكيف وقد رأينا الحصول من غير شعور لا يكون علما في ~~عامة أنواع الحصول # الوجه الحادي عشر قوله ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولا لغيره ~~ليس دون حصول الشيء لقابله فإذن المعلولات الذاتية للعاقل الفاعل لذاته ~~حاصله من غير أن تحل فيه فهو عاقل إياها من غير أن تكون هي حالة فيه # يقال له لا ريب أن كونها مفعولة مخلوقة فيه مغاير لكونها قائمة به لكن ~~يجب أن نعرف أنه لم يقل عاقل إن العلم بالمخلوقات يقتضي حلول المخلوقات ~~بذات الخالق كما أن خلقه لها نفس إبداع ذواتها فلم يقل عاقل إن الذي هو ~~مخلوق مفعول هو نفس الذي هو حال مقبول حتى نفرق بينهما بأن أحدهما ~~PageV10P065 حصول للفاعل والآخر حصول للقابل بل الحاصل للفاعل هو نفس ~~الأشياء المخلوقة كالسماوات والأرض وما بينهما وأما القبول القائم بالقابل ~~فهو العلم بها الذي يسمونه صورة عقلية لا نفسها الموجودة # ولا يقول عاقل يتصور ما يقول إن العلم حصول نفس الموجودات في العالم فإن ~~كل عاقل يعلم أنه إذا علم النار والشمس والقمر لم تكن هذه الحقائق في نفسه ~~وإن قدر أن أحدا قال ذلك أو قال إن الحاصل في نفسه مثل حقائقها الموجودة في ~~الخارج في الحد والحقيقة حتى يقول إن من علم الشمس صار في نفسه شمسا مساوية ~~في الحد والحقيقة للشمس التي في السماء ومن علم النار حصل في نفسه نار ~~مساوية في الحقيقة للنار التي تحرق فهذا القول ظاهر الفساد # وإنما الذي قد يقال إنه تحصل صورة عقلية تطابق تلك الحقيقة مطابقة ما في ~~النفس لما في الخارج ولهذا يمثلون ذلك بمطابقة الوجه لما في المرآة # فنقول حصول الصورة العلمية في العالم كحصول الصورة المرئية في المرآة أو ~~في الماء ونحو ذلك ومعلوم أنه لم تحل في المرآة والماء نفس الشمس والوجه ~~ولا ما يساويهما ms2102 في الحد والحقيقة ولكن صورة تحكيهما وليست هذه الصورة ~~كالصورة التي تحصل في الشمع والطين من طبع الخاتم والرسم فإن تلك عرض منقوش ~~حل في جسم يشبه الآخر بخلاف ما في المرآة فإنه PageV10P066 عرض والشمس ~~والوجه جسم وكذلك العلم الذي في القلب والمعلوم القائم بنفسه كالسماء ~~والأرض جواهر فليس هذا مثل هذا # وبالجملة فنحن ليس غرضنا في هذا المقام إلا إثبات قيام العلم بالعالم ~~فإنه أمر معلوم بالضرورة إذ كل أحد يميز بين شعوره بالشيء وعدم شعوره به # اما كون ذلك بانطباع صورة عقلية مطابقة أو مشابهة أو غير ذلك فليس هذا ~~موضع الكلام فيه إذ المقصود هنا أن ذلك العلم هو المسمى بالصورة العقلية ~~وهو حال في العالم # وليس هذا هو الصورة الموجودة في الخارج ولا فاعل هذا فاعل ذاك ولا قابل ~~هذا هو قابل ذاك فإن العلم بقلبه قلب العالم فهو صفة قائمة بالعالم وفاعله ~~هو ما أحدثه فيه # وعلم الله القديم اللازم لذاته قائم به وليس له فاعل وإن كان له موصوف به ~~يسمى محلا ويسمى قابلا # وأما الصورة الموجودة في الخارج فالله سبحانه خالقها والإنسان قد يكون له ~~فعل في بعض الصور ومحلها إن كانت عرضا الجسم الذي قامت به كما أن محل ~~الصياغة هو الذهب والفضة ومحل النجارة هو الخشب ومحل صورة الدرهم والدينار ~~والخاتم هو الذهب والفضة ومحل الخياطة الثوب ومحل النساجة الغزل وأمثال ذلك ~~PageV10P067 # فقول القائل حصول الشيء لفاعله غير حصوله لقابله يقتضي أن الشيء الحاصل ~~للفاعل هو الشيء الحاصل للقابل وإنما اختلف الحصولان # وليس كذلك فإن حصول الشيء لفاعله هو حصول نفسه المخلوقة الموجودة كحصول ~~العالمين لرب العالمين فإن كل المخلوقات حاصلة له حصول المفعول لفاعله بل ~~حصولا لا يماثله فيه أحد فإن أحدا لا يخلق كخلقه # وأما حصول المقبول لقابله فإنما المراد به هنا حصول العلم بهذه المخلوقات ~~للعالم بها فإن العلم يحصل له حصول المقبول لقابله لا يراد به أنها نفسها ~~حصلت له حصول المقبول لقابله بحيث حلت فيه وكان ms2103 محلا لها فهذا هذا # الوجه الثاني عشر أن يقال وإذا كان هذا الحصول غير هذا الحصول فأي مقصود ~~يحصل لك بذلك وأي دليل في ذلك على أن المعلولات التي هي المخلوقات إذا كانت ~~حاصلة للخالق الذي خلقها من غير أن يقوم به شعور بها أصلا بل ذاته مع عدم ~~العلم بها كذاته مع وجود العلم بها فيكون عالما بها من غير حلول الشيء فيه # وقوله فهو عاقل إياها من غير أن تكون حالة فيه # يقال له لم يشترط أحد حلول ذواتها فيه فإن كان هذا الشخص رد قول من أدخل ~~فيه ما يماثلها في الحد والحقيقة فنحن نساعده على ذلك ولا حاجة إلى ما ذكره ~~PageV10P068 # ولم يقل أحد من المسلمين إن الله لا يعلم المخلوقات حتى تحل في ذاته أو ~~يحل في ذاته ما هو مماثل في الحقيقة لهذه المخلوقات فإن كان في سلفة ~~الملاحدة من قال نحو هذا فدونه وإياه واما سلفنا المسلمون فلم يقل أحد منهم ~~شيئا من هذا # وإن أراد بقوله من غير أن تكون حالة فيه من غير أن يقوم به علم بها بل ~~يكون حال ذاته مع العلم بها كحالها إذا قدر عدم العلم بها فهذا باطل معلوم ~~الفساد بالضرورة وإذا أثبت علما بجميع المخلوقات يتصف به الرب غير ~~المخلوقات المعلومة حصل المقصود في هذا المقام ويبقى المقام في تفصيل ذلك ~~له مقام آخر # الوجه الثالث عشر قوله وإذا تقدم هذا فأقول قد علمت أن الأول عاقل لذاته ~~من غير تغاير بين ذاته وبين عقله لذاته في الوجود لا في اعتبار المعتبرين ~~على ما مر وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول فإذا حكمت بكون ~~العلتين أعني ذاته وعقله لذاته شيئا واحدا في الوجود من غير تغاير فاحكم ~~بكون المعلولين أيضا أعني المعلول الأول وعقل الأول له شيئا واحدا في ~~الوجود من غير تغاير يقتضي كون أحدهما مباينا للأول والثاني متقررا فيه ~~وكما حكمت بكون التغاير في العلتين اعتبارا محضا فاحكم بكونه في المعلولين ms2104 ~~كذلك PageV10P069 # فيقال كلا المقدمتين ممنوعة باطلة التلازمية والاستثنائية المشبه والمشبه ~~به الأصل والفرع # أما قوله حكمت بكون ذاته وعقله لذاته شيئا واحدا في الوجود فهذا لم يحكم ~~به أحد من مثبتة الصفات الذين هم سلف الأمة وأئمتها وجماهيرها على تنوع ~~أصنافهم فلم يقل منهم أحد إن علمه بنفسه هو عين نفسه وإنما يحكي ما يشبه ~~هذا عن المعطلة الجهمية من أهل الكلام والفلسفة كابن رشد ونحوه بل علمه ~~بنفسه في كونه ليس هو نفسه كعلمه بسائر المعلومات فليس العلم نفس العالم ~~عند أحد من أهل الإثبات للصفات # ولكن هل يقال إنه غيره هذا فيه نزاع لفظي # منهم من يقول إن علمه غيره # ومنهم من يقول لا هو هو ولا هو غيره # ومنهم من يقول لا نقول لا هو هو ولا هو غيره فأنفيهما جميعا بل أقول ليس ~~هو إياه منفردا وأقول ليس هو غيره مفردا ولا أجمع بينهما فأقول لا هو هو ~~ولا هو غيره # وأما السلف والأئمة كأحمد بن حنبل وغيره فلم يقولوا شيئا من ذلك بل ~~امتنعوا من إطلاق القول بأنه غيره كما لم يطلقوا أنه هو ولم يقولوا إنه لا ~~هو هو ولا غيره فينفوهما جميعا لا مجتمعين ولا منفردين بل منعوا من إطلاق ~~لفظ الغير لأن لفظ الغير مجمل يراد به المباين ويراد به ما ليس هو إياه ~~PageV10P070 # والجهمي إذا سأل أحدهم عن القرآن أهو الله أو غيره فإن قال هو غيره قال ~~كل ما هو غير الله مخلوق # ولهذا لما سألوا الإمام أحمد في المحنة عن القرآن أهو الله أو غيره وإذا ~~كان غيره كان مخلوقا عارضهم بالعلم فسكتوا وقد تكلم على لفظ الغير في الرد ~~على الجهمية # والقول الذي قبله قول الأشعري وطائفة والذي قبلهما قول القاضي أبي بكر ~~والقاضي أبي يعلى وطائفة والأول قول الكرامية وطائفة # ومما يدل على قول الأئمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف بغير ~~الله فقد أشرك # وثبت عنه الحلف بعزة الله والحلف بقوله لعمر الله ms2105 فلو كان الحلف بصفاته ~~حلفا بغير الله لم يجز فعلم أن الحالف بهما لم يحلف بغير الله ولكن هو حالف ~~بالله بطريق اللزوم لأن الحلف بالصفة اللازمة حلف بالموصوف سبحانه وتعالى ~~PageV10P071 # وقول القائل الصفات زائدة على الذات ليس كقوله صفات الله زائدة على الله ~~لأن مسمى اسم الله يدخل في صفاته فإذا قال الله دخل فيه صفاته فإذا قال هي ~~غيره أوهم مباينة لله لم تدخل في اسمه # وأما لفظ الذات فقد يراد بها الذات التي يقدر أنها مجردة عن الصفات ~~والصفات زائدة على لفظ الذات # ولفظ الغيرين يراد بهما ما جاز مفارقة أحدهما الآخر وعلى هذا فالصفة ليست ~~مغايرة للموصوف ويراد بهما ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر وعلى ~~هذا فالصفة غير الموصوف والعلم غير العالم وهذا هو لغة هؤلاء فنخاطبهم ~~بلغتهم # فإذا قال الأول عاقل لذاته من غير تغاير بين ذاته وبين عقله لذاته في ~~الوجود # قيل هذا ممنوع بل عقله لذاته ليس هو ذاته بل هو مفهوم مغاير لمفهوم الذات ~~وإن كانا متلازمين واعتبار المعتبرين إن كان مطابقا للحقيقة وإلا كان خطأ # وكون الشيء لا يتميز عن الشيء من وجه لا يقتضي أنه لا يتميز عنه من وجه ~~آخر فالطعم لا يتميز عن اللون باللمس ولكن يتميز أحدهما عن الآخر بالرؤية ~~والذوق فلو قدرنا عدم القوة المميزة لم يمتنع الامتياز في نفس الأمر # وكذلك إذا قدرنا صفة لازمة لموصوفها لم نشعر بأحدهما PageV10P072 منفكا ~~عن الآخر لم يدل ذلك على أنهما شيء واحد في نفس الأمر # وكذلك الصفات العامة والخاصة في الموصوف الواحد مثل كون الإنسان حيوانا ~~وناطقا وكون الجسم جسما ونباتا وكون اللون سوادا وبياضا وإن لم يتميز هذا ~~من هذا ببعض أنواع الإدراك فإنه يتميز بنوع آخر # الرابع عشر قوله وحكمت بأن عقله لذاته علة لعقله لمعلوله الأول فإن حكمت ~~بكون العلتين أعني ذاته وعقله لذاته شيئا واحدا في الوجود من غير تغاير ~~فاحكم بكون المعلولين شيئا واحدا # فيقال أما كون ذاته علة فمعناه ms2106 أنها مبدعة فاعلة لمفعولها وأما كون عقله ~~لذاته علة لعقله فليس معناه أن عقل ذاته أبدع عقل مفعوله بل معناه أن عقله ~~لذاته مستلزم لعقله لمفعوله فإن كونه فاعلا له من لوازم ذاته والعلم التام ~~بالملزوم يقتضي العلم بلوازمه فكونه هنا علة بمعنى كونه ملزوما وهناك بمعنى ~~كونه فاعلا # ولفظ العلة فيه اشتراك كثير بحسب اصطلاحات الناس ينبغي لمن خاطب به أن ~~يعرف مقصود المخاطب به فقد رأيت من PageV10P073 غلط الناس بسبب اشتراك هذا ~~اللفظ لتعدد الاصطلاحات فيه ما لا يمكن إحصاؤه ها هنا # وإذا كان كذلك لم يلزم من كون ذاته الفاعلة وعلمه بنفسه شيئا واحدا إذا ~~قدر أن الأمر كذلك أن يكون مخلوقه المباين له وعلمه بهذا المخلوق شيئا ~~واحدا لأن المخلوق مباين له وعلم الخالق صفة للخالق قائمة به فلم يكن العلم ~~قائما بالمخلوق كما كان عقله لذاته قائما بذاته # وهناك إنما جعل من جعل عقله عين ذاته لكون العالم هو العالم عندهم لا ~~لكون العلم هو المعلوم عندهم لكن هناك كان ذات العالم والمعلوم واحدة ولم ~~يبق إلا العلم وعندهم العلم ليس بزائد على الذات فقالوا ذاته وعقله لذاته ~~شيء واحد # وأما هنا فالعالم مباين للمعلوم والعلم صفة للعالم قائمة به ليس صفة ~~للمعلوم قائمة به فلم يكن جعل المخلوق الذي يسمونه المعلول الأول وعلم ~~الخالق به شيئا واحدا # الوجه الخامس عشر أن يقال بأن العلم بالمخلوق ليس هو المخلوق علم ضروري ~~لا يمكن دفعه بالشبهات بل القدح فيه سفسطة فإن كان من لوازم هذا كون علمه ~~بنفسه ليس هو نفسه فلازم الحق حق والتزام هذا هو من التزام كون المخلوق هو ~~نفس علم الخالق وإن لم يكن من لوازم هذا كون علمه بنفسه هو نفسه فقد بطلت ~~الحجة PageV10P074 # وهذا بين جدا إذا تصور الإنسان نتيجة مقدماته وهو قوله فإذن وجود المعلول ~~الأول هو نفس تعقل الأول إياه فهل يقول هذا من يتصور ما يقول ويقول مع ذلك ~~إن الله أبدع شيئا من الأشياء فيقول إن ms2107 نفس مبدعه المفعول المصنوع المخلوق ~~المباين له هو نفس علمه # وطرد هذا أن تكون السماوات والأرض هي نفس علمه بالسماوات والأرض والإنسان ~~هو علم الله بالإنسان # والإنسان مولود كان في بطن أمه فيكون علم الله مولودا كان في بطن أمه فهل ~~قالت النصارى مثل هذا القول الباطل # الوجه السادس عشر قوله فإذن وجود المعلول الأول هو نفس تعقل الأول إياه ~~من غير احتياج إلى صورة مستأنفة تحل ذات الأول تعالى عن ذلك # فيقال له ليس كل أحد يقول إنه يحتاج إلى صورة مستأنفة بل من يقول إنه ~~يعلم الأشياء قبل وقوعها وأن علمه بها بعد الوجود هو ذلك الأول لا يقول إنه ~~تكون هناك صورة مستأنفة فهؤلاء لا يلزمهم ما ذكرت # فإن قلت قول هؤلاء ضعيف لأن العلم بأن الشيء سيكون ليس هو العلم بأن قد ~~كان PageV10P075 # قلت لك معلوم أن قولك إن نفس علم الخالق هو نفس المخلوق أشد امتناعا في ~~العقل من هذا فجعل العلم بأن سيكون هو العلم بأن قد كان إن كان باطلا فهو ~~أقرب إلى العقل من جعل العلم نفس المخلوق وإذا كان أقرب إلى العقل كان ~~التزامه إن كان تجدد العلم محذورا أولى من التزام ذاك وإن لم يكن محذورا ~~التزم ذاك # الوجه السابع عشر أن يقال لم قلت إن استئناف علم يحل ذات الأول بعد وجود ~~المخلوق محال # وقولك إنه يتعالى عن ذلك فلا ريب أنه يتعالى عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا ومنازعك يقول إنك أنت الظالم المفترى على الله الذي سلبته صفات ~~الكمال ووصفته بصفة الجهل وقلت فيه المحال وألحدت في أسمائه وآياته إلحاد ~~طائفتك الضلال # وأما أهل الإثبات فوصفوه بصفات الكمال ووافقوا صريح المنقول عن الأنبياء ~~والمرسلين وما فطر الله عليه عباده أجمعين وما دلت عليه صرائح عقول ~~الآدميين ووصفوا ربهم بأنه يسمع كلامهم ويرى أعيانهم ويسمع سرهم ونجواهم # وأنت وصفت رب العالمين بنقيض ذلك ولم تجعل له علما سوى المخلوقات ~~والمخلوقات ليست علما باتفاق أهل الفطر السليمات فتعالى الملك الحق ms2108 عن قولك ~~وقول أمثالك المفترين الملحدين أعداء الأنبياء شياطين الإنس الذين يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا PageV10P076 # وأنت فليس لك دليل أصلا ينفي ذلك فإن قيام ما يتعلق بمشيئته وقدرته بذاته ~~لا دليل لك على نفيه إلا ما تنفى به الصفات كما نفيت العلم # ومعلوم أن هذا من أفسد أقوال الآدميين وغاية ما تقوله أنت وأصحابك إن ذلك ~~يستلزم التكثر والتغير وهما لفظان مجملان فذاك لا يستلزم تكثر الآلهة بل ~~الرب إله واحد وإنما يستلزم تكثر علمه وكلماته وهذا حق وهو من أعظم كمالاته # وأما التغير فليس المراد به استحالته وإنما المراد أنه يتكلم بمشيئته ~~وقدرته ويحدث الحوادث بقدرته ومشيئته # ومعلوم أن من كان قادرا على أن يفعل بمشيئته وقدرته ما شاء كان أكمل ممن ~~لايقدر على فعل يختاره يفعل به المخلوقات ولا كلام يتكلم به بمشيئته ولا ~~يرضى على من أطاعه ولا يغضب على من عصاه وهم يعلمون أن الفعل الاختياري ~~القائم بالفاعل صفة كمال بل الحركة عندهم صفة كمال فبأي دليل ينفون ذلك مع ~~تجويزهم حوادث لا أول لها بل إيجابهم لذلك # الوجه الثامن عشر قوله ثم لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلولات ~~لها بحصول صور فيها وهي تعقل الأول PageV10P077 الواجب ولا موجود إلا وهو ~~معلول للأول الواجب كانت جميع صور الموجودات الكلية والجزئية على ما هي ~~عليه في الوجود حاصلة فيها # فيقال له مضمون هذا الكلام أن الجواهر العقلية لما عقلت الأول لزم أن ~~تعقل كل شيء لأن ما سواه معلول له وأن تكون جميع صور الوجود حاصلة فيها # وفي هذا الكلام من الباطل أنواع # منها أن يقال ومن أين لكم أن مخلوق الرب يعلمه علما تاما بحيث لا يخفى ~~عليه من احوال الرب شيء بل يعلم الرب كما يعلم نفسه حتى يكون علمه بالرب ~~متضمنا للعلم بكل موجود وما الدليل على هذا والكتب الإلهية والدلائل ~~العقلية تناقض ذلك # قال تعالى @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ms2109 ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ سورة البقرة 255 # وقال عن الملائكة @QB@ لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ~~@QE@ سورة البقرة 32 PageV10P078 # وقال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون @QE@ سورة الأنبياء 26 28 # وقال @QB@ يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض @QE@ سورة الأعراف 187 أي ~~خفي علمها على أهل السماوات والأرض # وقال تعالى @QB@ إن الساعة آتية أكاد أخفيها @QE@ سورة طه 15 أي أخفيها ~~من نفسي فكيف أطلعكم عليها # وقال @QB@ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله @QE@ سورة ~~النمل 65 # وقال عن الملائكة @QB@ وما نتنزل إلا بأمر ربك @QE@ سورة مريم 64 # وقال @QB@ إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما @QE@ سورة ~~طه 98 إلى قوله @QB@ وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع ~~الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون به علما @QE@ سورة طه 108 110 PageV10P079 # ومنها أن الأول الواجب لم يثبتوا له علما محققا بجزئيات المخلوقات بل ولا ~~بكلياتها فكيف يستفاد من العلم بنفسه العلم بتفاصيلها وهو عندهم لا يعلم ~~تفاصيلها فإذا لم يستفد العلم بتفاصيلها إلامن العلم به لكونه مبدأ امتنع ~~ذلك # ومنها أن يقال حصول جميع صور الموجودات الجزئية والكلية على ما هي عليه ~~إن كان صفة كمال فالرب أحق بها من مخلوقاته وإن كان صفة نقص فلا موجب لوصف ~~العقول بها # فإن قلتم أثبتناها للعقول لتعلم جميع الأشياء # قيل إن كان العلم بجميع الأشياء يمكن بدون حصول صورها في العالم أمكن ذلك ~~في العقل كما أمكن في الأول وإن لم يمكن ذلك وجب إثباتها للأول وكان أحق ~~بذلك من مفعوله فإن الأول إذا كان علمه بالمخلوق نفس ms2110 المخلوق كان علم العقل ~~به يفيده العلم بالمخلوق من غير قيام صورة المخلوق عنده بل يكفيه ارتسام ~~صورة المخلوق # ومنها أن يقال إذا كان العقل المعلول إنما يستفيد علمه بالموجودات من ~~علمه بالأول وهي ليست متصورة في ذات الأول فكيف يتصور في ذات العقل ما لم ~~يتصور في ذات معلومة وكيف يكون الفرع أكمل من أصله # فإن قيل علمه بالأول ومعلولاته يوجب الارتسام فاستفاد ذلك من علمه بوجوده ~~لا من علمه بعلمه PageV10P080 # قيل إذا كان هذا صفة كمال فالأول أحق به وإن كان نقصا وجب تنزيه العقل ~~عنه # الوجه التاسع عشر قوله والأول الواجب يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور لا ~~بصور غيرها بل بأعيان تلك الجواهر والصور وكذلك الوجود على ما هو عليه فإذن ~~لا يعزب عنه مثقال ذرة من غير لزوم محال من المحالات المذكورة # فيقال له ما هي الصورة التي يعقلها مع الجواهر أهي صورة عقلية قائمة به ~~فهذا عندك باطل وليس عندك إلا الموجودات # أم صور أخرى منفصلة عنه مقارنة للموجودات فيكون علمه بها خارجا عن ذاته ~~مقارنا لها وهذا أيضا باطل كما تقدم # أم تعنى بالصور الماهيات التي تدعي أنت وسلفك أنها ماهيات غير مجعولة ~~مقارنة للموجودات فتلك لم تذكرها وكيف نعلمها وهي عندك غير مجعولة له حتى ~~يكون جعله لها يوجب العلم بها كما ذكرت ولم يرد شيئا من ذلك وإنما أراد ~~بالصور الصور العقلية القائمة بالجواهر أي تعقل الجواهر وتعقل عقلها ~~للموجودات ومن جملة عقلها للموجودات عقلها له فهو يعلم علمها له ولكل شيء ~~وهو نفسه ليس له علم عنده إلا وجود المخلوقات فهل هذا القول إلا من أعظم ~~الأقوال فسادا في العقل والدين PageV10P081 # ثم قوله يعقل تلك الجواهر بأعيان تلك الجواهر من العجب فإنه ليس عنده ~~موجود إلا تلك الجواهر فما العقل الذي يكون به أهو عقل يتصف به فعنده لا ~~يتصف بعقل يقوم به بل عقله نفس مخلوقاته # فحقيقة قوله إنه يعقل تلك الجواهر التي هي عقله وهي معقوله ليس له ms2111 عقل ~~يقوم به # الوجه العشرون أن يقال حقيقة قول هذا الرجل هو قول غلاة النفاة للعلم من ~~سلفه وهو أن الخالق تعالى لا يعلم شيئا لا نفسه ولا غيره فإن العلم لا يكون ~~إلا بقيام صفة به وإذا كان قيام الصفات به ممتنعا عندهم امتنع كونه عالما ~~بنفسه وبغيره فهذا حقيقة ما قاله # واما كون المخلوقات هي العلم فكلام لا حقيقة له وإن كان يظن من يجهل ~~معناه أن فيه إثباتا لعلم الله فمن تصوره حق التصور علم أنه ليس فيه إثبات ~~لعلم الله وعلم بذلك أن ابن سينا وابن رشد وأبا البركات ونحوهم من الفلاسفة ~~أقرب إلى صحيح المنقول وصريح المعقول من النفاة الملحدين الذين قالوا في ~~علم الله مثل هذا الافتراء # ومعلوم أنه إنما دعاهم إلى ذلك القول بنفي الصفات والأحوال الاختيارية ~~التي تقوم بذات الله وظنهم أن ذلك مستلزم لكثرة التي يجب نفيها ومستلزم ~~لتغير الأحوال الذي يجب نفيه PageV10P082 # ونفي هذين هو الذي أوقع نفاة العلم في نفيه فإنهم رأوا إثبات العلم لا ~~يمكن إلا مع إثبات الصفات اللازمة والأحوال العارضة وظنوا وجوب نفي هذين # وإذا كان العلم مستلزما لهذين فلازم الحق حق لا سيما ومهما قدر من توهم ~~تنزيه وتعظيم في نفي لوازم العلم لأن ثبوت العلم مستلزم ما يظن نقصا من ~~تجسيم وحلول حوادث وغير ذلك فنفى العلم فيه من النقص والعيب ما هو أحق ~~بتنزيهه عنه من لوازم العلم ونفي ما يناقض العلم هو أولى بالنفي من نفي ~~لوازم العلم # والأدلة العقلية الصريحة مع النقلية الصحيحة إنما تدل على إثبات العلم ~~ولوازمه لا يدل شيء منها على نقيض ذلك بل كل ما يظن من لوازم العلم أنه ~~منفي بدليل العقل فدليل العقل يوجب ثبوته لا نفيه ولكن هم استسلفوا مقدمات ~~باطلة ظنوها عقلية واحتاجوا إلى القول بلوازمها فألجأهم ذلك إلى الأقوال ~~الباطلة المخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول مع أنها من أعظم الفرية على ~~رب العالمين وأعظم الجهل بما هو عليه سبحانه من نعوت الكمال ms2112 دع ما في ذلك ~~من تكذيب رسله والإلحاد في أسمائه وآياته # والمقدمات الفاسدة التي بنوا عليها أقوالهم هي نفيهم صفاته سبحانه وظنهم ~~أنه لا تقوم به المعاني وإن كانت قديمة النوع أو العين ولهذا كان من تكلم ~~منهم مع التزام هذا الأصل فكلامه ظاهر البطلان مع ما فيه من التناقض ~~PageV10P083 # وقد تكلم في ذلك السهروردي المقتول صاحب التلويحات وحكمة الإشراق وغيرهما ~~مع تألهه على طريقتهم ومع أنه في حكمة الإشراق سلك طريقا لم يقلد فيها ~~المشائين بل بين فساد أقوالهم فيها في مواضع وكان كلامه في مواضع متعددة ~~خيرا من كلامهم وإن كانت سمة الإلحاد تتناولهم كلهم # فالمقصود بيان الحق وإذا كان بعضهم ينازع بعضا ويرد عليه وكان أحدهما ~~أقرب إلى الحق في ذلك الموضع من الآخر كان بيان رد بعضهم على بعض بما قاله ~~من الباطل مما يؤيد الله به الحق # فرد عليهم دعواهم أن العقول عشرة وهؤلاء المتأخرون يقولون إنها الملائكة ~~بلسان أهل الملل ويسميها صاحب حكمة الإشراق الأنوار ويقول إن قدماء ~~الفلاسفة وفلاسفة الفرس والهند يقولون هي كثيرة أكثر مما أثبته المشاؤون مع ~~أنا قد بينا في غير هذا الموضع أن ما أثبته المشاؤون من العقول لا حقيقة له ~~في الخارج البتة وإنما الحق ما أثبته الله ورسوله من الملائكة التي أخبرت ~~بها الأنبياء ودلت عليها الدلائل العقلية # والمقصود هنا مسألة العلم # قال السهروردي فصل لما تبين أن الإبصار PageV10P084 ليس من شرطه انطباع ~~شبح أو خروج شيء بل كفى عدم الحجاب بين الباصر والمبصر فنور الأنوار ظاهر ~~لذاته فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض لا يحجبه شيء عن ~~شيء فعلمه وبصره واحد ونوره قدرته إذ النور مباين لذاته # قال والمشاؤون وأتباعهم قالوا علم واجب الوجود ليس بزائد عليه بل هو عدم ~~غيبته من ذاته المجردة عن المادة وقالوا وجود الأشياء عن علمه بها # قال فيقال لهم إن علم لزم من العلم شيء فيقدم العلم على الأشياء وعلى عدم ~~الغيبة فإن عدم الغيبة عن ms2113 الأشياء يكون بعد تحققها فكما أن معلوله غير ذاته ~~فالعلم بمعلوله غير العلم بذاته PageV10P085 # قال وأما ما يقال إن علمه بلازمه منطو في علمه بذاته فكلام لا طائل تحته ~~فإن علمه سلبى عنده فكيف يندرج العلم بالأشياء في السلب والتجرد عن المادة ~~سلبي وعدم الغيبة أيضا سلبي فإن عدم الغيبة لا يجوز أن يعنى به الحضور إذ ~~الشيء لا يحضر عند ذاته فإن الذي حضر غير من يكون عنده الحضور فلا يقال إلا ~~في شيئين بل أعم فكيف يندرج العلم بالغير في السلب ثم الضاحكية غير ~~الإنسانية فالعلم بها غير العلم بالإنسانية والضاحكية علمها عندنا ما انطوى ~~في الإنسانية فإنها ما دلت مطابقة أو تضمنا عليها بل دلالة خارجية فإذا ~~الضاحكية التي احتجنا في العلم بها إلى صورة أخرى ودون تلك الصورة إنما هي ~~معلومة لنا بالقوة # قال وما ضربوه من المثال في الفرق بين العلم التفصيلي PageV10P086 بمسائل ~~وبين العلم بالقوة بها كمسائل ذكرت فوجد الإنسان من نفسه ملكة وقدرة على ~~الجواب لهذه المسائل المذكورة فهذه القوة أقرب مما كانت قبل السؤال فإن ~~القوة مراتب ولا يكون عالما بجواب كل واحدة على الخصوص ما لم يكن عنده صورة ~~كل واحد وواجب الوجود منزه عن هذه الأشياء ثم إذا كان ج غير باء فسلب باء ~~كيف يكون علما بهما وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام وإن كان ~~علمه بالأشياء هو العلم المتقدم # قال فإذا الحق في العلم هو قاعدة الإشراق وهو أن علمه بذاته هو كونه نورا ~~لذاته وظاهرا لذاته وعلمه بالأشياء كونها ظاهرة له إما أنفسها أو متعلقاتها ~~التي هي مواضع الشعور PageV10P087 المستمر للمدبرات العلوية وذلك إضافة ~~وعدم الحجاب سلبي قال والذي يدل على أن هذا القدر كاف هو أن الإبصار إنما ~~كان بمجرد إضافة ظهور الشيء للمبصر مع عدم الحجاب فإضافته إلى كل ظاهر له ~~إبصار إدراك له وتعدد الإضافات العقلية لا يوجب تكثرا في ذاته # قال وأما العناية فلا حاصل لها # فيقال قد بين هو ms2114 بطلان قولهم وما اختاره هو أيضا باطل فإن قوله علمه ~~بذاته كونه نورا لذاته وظاهرا لذاته وعلمه بالأشياء كونها ظاهرة له وذلك ~~إضافة وعدم الحجاب أمر سلبي # يقال له هذا الذي أبنته من الظهور والإضافة ورفع الحجاب هو عدم محض أو ~~يتضمن أمرا ثبوتيا فإن كان عدما محضا لم يكن هناك علم أصلا فإنا نعلم بصريح ~~العقل أن علم العالم بالمعلومات ليس عدما محضا بل نعلم أن قولنا لا يعلم هو ~~العدم فنعلم أن نفي العلم عدم وإثباته وجود PageV10P088 # ومما يبين ذلك أن ثبوت العلم ونفيه يتناقضان فإن كان ثبوته عدما فنفيه ~~ثبوت فيلزم إذا قيل لا يعلم أن نكون أثبتنا شيئا وإذا قلنا يعلم لم نكن قد ~~أثبتنا شيئا ومعلوم أن هذا قلب للحقائق # وأما قوله والذي يدل على أن هذا القدر كاف هو أن الإبصار إنما كان بمجرد ~~إضافة ظهور الشيء للمبصر مع عدم الحجاب # فيقال إن ادعيت أن الإبصار الذي هو ظهور المبصر للبصر إضافة هي عدم محض ~~كان القول في هذه المقدمة كالقول في الدعوى فإن الإنسان يحس من نفسه عند ~~الرؤية أمرا وجوديا مخالفا لحالة عدم الرؤية كما يجد من نفسه ذلك في العلم # فدعوى كون الرؤية أمرا عدميا مثل دعوى كون العلم أمرا عدميا ومضمون ~~الأمرين أن الحس والعقل أمر عدمي وأن مشاهدة المحسوسات والعلم بالمعقولات ~~أمر عدمي # ومعلوم أن من لم يشهد شيئا ولم يعلمه فقد عدم الرؤية والعلم فإن كان بعد ~~الرؤية والعلم لم يحصل له إلا عدم فلا فرق بين أن يرى ويعلم وبين أن لا يرى ~~ولا يعلم وهذا تسوية بين الأعمى والبصير والعالم والجاهل PageV10P089 # وأصدق الكلام كلام الله الذي قال @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير @QE@ ~~سورة فاطر 19 وقال @QB@ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ ~~سورة الزمر 9 ومعلوم بصرائح المعقول أن البصير أكمل من الأعمى والعالم أكمل ~~من الجاهل # ومعلم هؤلاء أرسطو زعم أنه سبحانه أن لا يعلم ولا يبصر أفضل في حقه من أن ~~يعلم ويبصر ms2115 وهؤلاء الذين خالفوا معلمهم واستقبحوا له هذا القول وأثبتوا له ~~علما بذاته جعلوا حالة من يعلم ومن لا يعلم ومن يبصر ومن لا يبصر سواء لم ~~يثبتوا له أمرا حال الرؤية والعلم يمتاز به عن حاله إذا لم ير ولم يعلم ~~فذاك فضل الجاهل الأعمى على العالم المبصر وهؤلاء يلزمهم التسوية بينهما # وأيضا فيقال له قولك علمه بذاته كونه نورا لذاته وظاهرا لذاته وعلمه ~~بالأشياء كونها ظاهرة له إن أردت بقولك كونه نورا لذاته وظاهرا لذاته أي ~~كونه مرئيا لذاته ومعلوما لذاته كان حقيقة الكلام علمه بذاته كونه معلوما ~~لذاته وهذا أمر معلوم ليس فيه قدر زائد على ما دل عليه قولنا هو عالم بذاته # وإن أردت بذلك أن علمه بذاته كونه في نفسه بحيث يظهر لذاته نورا يتجلى ~~لذاته كان المعنى أن علمه بذاته معناه أن PageV10P090 ذاته متصفة بما يجب ~~لأجله أن يظهر لذاته فهي متصفة بما يوجب أن تكون معلومة له ظاهرة # وكذلك إن أردت أنها متصفة بما يوجب أن تكون عالمة ظاهرا لها غيرها وكذلك ~~إن فسر بما يوجب كونها عالمة معلومة فسواء فسر ذلك بنفس كونه عالما أو ~~معلوما أو مجموعهما أو رائيا أو مرئيا أو مجموعهما إنما يوجب أحد هذه ~~الأمور الستة # فهذا كله لا يمنع كون العلم صفة ثبوتية ولا يقتضي أن العلم مجرد نسبة ~~عدمية بل إذا فسره بمجرد أمر عدمي كان هذا بمنزلة القول الذي رده وهو قولهم ~~إنه ليس بزائد عليه بل هو عدم غيبته عن ذاته المجردة عن المادة فإذا كان ~~يجعل الظهور الذي أثبته أمرا عدميا فهو بمعنى عدم الغيبة الذي أثبتوه وأكثر ~~ما يقال إنهم جعلوا العلم نفس عدم الغيبة وأنا أجعله نسبة تستلزم عدم ~~الغيبة فهم فسروه بعدم الغيبة وأنا أفسره بالنسبة # فيقال له هذه النسبة إن لم تكن موجودة فهي من جنس عدم الغيبة # ويقال للجميع عدم الغيبة يكون معه علم بنفسه أو مجرد عدم الغيبة عن نفسه ~~هو العلم # فإذا قالوا بالأول أصابوا وهو قول ms2116 الرسل وإن قالوا بل نفس عدم الغيبة هو ~~نفس العلم كان هذا معلوم البطلان فإنه ما PageV10P091 من موجود من ~~الموجودات إلا وليس هو غائبا عن نفسه مع كون كثير منها ليس عالما بنفسه ~~فعلم أن حقيقة العلم أمر مغاير لحقيقة عدم الغيبة # وإن قالوا إنما قلنا هو عدم غيبته عن ذاته المجردة # قيل الجواب من وجوه # أحدها أن حقيقة العلم إن كان هو عدم الغيبة لم يختلف ذلك بمعلوم ومعلوم ~~فإن العلم يتعلق بكل معلوم وكل شيء يمكن أن يكون معلوما وهو غير غائب عن ~~ذاته فيجب أن يكون كل شيء معلوما لنفسه ويكون علمه بنفسه أولى من علم غيره ~~به لكون عدم غيبته عن نفسه أولى من عدم غيبته عن غيره # الثاني أن الشيء كما لا يغيب عن نفسه قد لا يغيب عن غيره فإن كان العلم ~~عدم الغيبة فكل ما كان حاضرا لشيء يجب ان يكون عالما به # الثالث أن يقال عدم غيبته عن ذاته المجردة ما تعنون بقولكم المجردة إن ~~أردتم ذاته المعقولة أو المعلومة أو التي يمكن أن تكون معلومة أو التي يمكن ~~أن تعقل أو تعلم ونحو ذلك من العبارات الدالة على كونه عالما أو معلوما أو ~~يمكن كونه عالما أو معلوما كان معنى الكلام أنه عدم الغيبة عن ذاته التي هي ~~عالمة أو معلومة أو يمكن أن تكون كذلك # ومعلوم أن هذا أيضا عام فكل ما كانت ذاته عالمة ومعلومة PageV10P092 إذا ~~لم تغب ذاته عن ذاته كان عالما بها وأما إن أمكن أحدهما دون الآخر لم يجب ~~ذلك وإن أمكنا معا فعدم الغيبة يستلزم العلم وعدم الغيبة مستلزم للعلم لا ~~أنه نفس العلم # وإن قال أعني بالمجردة أنها ليست جسما ولا مدبرة لجسم # فيقال أولا هذا بناء على ثبوت مجردات بهذا الوصف وجمهور العقلاء ينكرون ~~هذا حتى من يعظم هؤلاء الفلاسفة المشائين أرسطو وأتباعه لما تأملوا كلامهم ~~في العقول والنفوس وجدوه باطلا إما أن يقولوا ليس قائما بنفسه إلا الجسم ~~كما يقوله ابن حزم ms2117 وغيره # وإما أن يقولوا الفرق بين النفس والعقل ليس إلا فرقا عارضا كنفس الإنسان ~~التي هي حال مقارنتها للبدن نفس وحال مفارقتها عقل كما يقوله أبو البركات ~~وغيره # وإما أن يقولوا هذه العقول التي يثبتها هؤلاء المتفلسفه لا تزيد على ~~العقل الذي هو عرض قائم بعاقل وإثبات عقل هو قائم بنفسه ليس جسما هو باطل ~~وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر # والمقصود أن لفظ التجريد فيه إجمال وإذا فسروه فقد يفسرونه بما يعلم ~~بطلانه أو بما لا دليل على صحته # الوجه الرابع أن يقال هب أنه ثبت التجريد بالمعنى الذي PageV10P093 ~~يدعونه لكن شعور الشيء بنفسه ليس مشروطا بكونه مجردا ولا مجرد كونه مجردا ~~موجب للعلم بنفسه فإنه إن قدر أن المجرد ليس بحي لم يكن شاعرا فضلا عن أن ~~يعلم أنه عالم # وإذا قيل كل مجرد حي # قيل فلا بد أن يقال هذا بالدليل فإن هذا ليس معلوما بنفسه وأيضا فكل حي ~~شاعر سواء قيل إنه مجرد أو قيل إنه ليس بمجرد فبدن الإنسان يشعر بأمور ~~كثيرة مع كونه جسما غير مجرد عن المادة على اصطلاحهم # وأما ما اعترض به على قولهم إن وجوده بالأشياء عن علمه بها وأن هذا يوجب ~~كون الأشياء معلومة له قبل وجودها فتكون ثابتة في علمه وهي أشياء في علمه ~~فيلزم كون علمه أمرا ثبوتيا ويلزم التعدد في علمه فاعتراض متوجه # وكذلك إذا فسروا العلم بعدم الغيبة عنها فعدم الغيبة لا يكون إلا بعد ~~تحققها فيلزم أن يكون عالما بها بعد تحققها وأن ذلك مغاير لعلمه بها قبل ~~وجودها فإن ذلك العلم سبب وجودها بخلاف الثاني # وكذلك قوله كما أن معلوله غير ذاته فالعلم به غير العلم بذاته هذا لازم ~~لأنهم إنما نفوا كون العلم ثبوتيا لما يستلزم من تكثر العلوم وتغيرها إذ ~~كان العلم بهذا غير العلم بهذا PageV10P094 # وإذا قالوا إنه يعلم معلوله ويعلم نفسه لزم أن يكون هذا العلم ليس هذا ~~العلم # وأما قولهم إن علمه بالمعلول يندرج في علمه بالعلة فقد رده ms2118 بأمور # أحدها أن العلم عندهم سلبي وكذلك التجرد عن المادة وكذلك عدم الغيبة ~~والسلب لا يتضمن العلم بالأشياء وهذا الذي قاله صحيح مع ما تقدم من أن ذلك ~~السلب ليس هو علما فلا هو علم ولا متضمن لعلم # وإذا قدر أن ذلك السلب علم كان تقديرا باطلا وحينئذ فهل يقال إنه يتضمن ~~غيره من السلوب هذا مما قد ينازعونه فيه ولكن له أن يقول إن السلب إنما ~~يتضمن غيره إذا كان أعم منه وليس هنا سلب عام ليتضمن سلبا خاصا بل السلب ~~عندهم نفي معنى زائد على نفسه أو نفي المادة عنه أو نفي الغيبة عنه وكل هذا ~~سلب خاص لا يتضمن سلبا عاما # الأمر الثاني أنه قد بين لهم أن المندرج في غيره هو ما يدل عليه بالتضمن ~~لا بالالتزام فالدال على غيره بالالتزام لا بالتضمن لا يكون مشتملا عليه ~~ولا يكون الثاني مندرجا فيه ومثل ذلك اللوازم الخارجة عن الماهية على أصلهم ~~كالضاحكية فإن الإنسانية ما انطوت على الضاحكية ولا انطوى علم الضاحكية في ~~علم الإنسانية فإنها ما دلت عليها مطابقة ولا تضمنا بل دلالة PageV10P095 ~~خارجية فإن هذه اللوازم التي احتجنا في العلم بها إلى صورة أخرى إنما هي ~~معلومة لنا بالقوة لا بالفعل # فإذا جعلوا علمه بمفعولاته كذلك لزم أن يكون عالما بها بالقوة لا بالفعل ~~وهم قد يضربون لقولهم مثالا وهو العلم بالأشياء جملة مع العلم بها تفصيلا ~~فإن العلم بالمفصل يندرج في العلم بالمجمل وإن كان العلم بالمجمل متضمن تلك ~~التفاصيل وشبهوا ذلك بمن سئل عن مسائل فقد يستحضر العلم بجوابها مفصلا وقد ~~يجد من نفسه علما بجوابها مجملا لم يستحضر تفصيله فيما بعد فأجاب بأن هذا ~~علم بالقوة والقوة مراتب فهو بعد السؤال حصل له من القوة على الجواب أعظم ~~مما كان حاصلا قبله وأما العلم بجواب كل مسألة بخصوصها فلا يحصل إن لم يكن ~~عنده صورة بجواب كل واحدة # ثم ادعى الأصل الذي شاركهم فيه وهو قوله وواجب الوجود منزه عن ذلك بناء ms2119 ~~على أنه عندهم لا تقوم به المعاني والصفات المتعددة ومن هذا الأصل منشأ ~~ضلالهم # قال وإذا كان أحد الشيئين غير الآخر فكيف يكون سلب أحدهما علما بهما ~~وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام وذلك أنهم يقولون هو وجود ~~مجرد عن المادة والمجردات غير الماديات فكيف يكون سلب المادة علما بالمجرد ~~PageV10P096 والمادة وعناية بكيفية ما يجب أن يكونا عليه من النظام كيف وهم ~~يقولون إنه وجود مشروط بسلب كلام ثبوتي فهو وجود بسلب كل ما يعرف من ~~الحقائق وتلك الحقائق مغايرة له فكيف يكون سلبها عنه علما به وبها وعناية ~~بكيفية ما يجب أن تكون الحقائق معه عليه # فحقيقة قولهم إنهم جعلوا العلم به والعلم بكل واحد واحد من المخلوقات ~~وعنايته بالمخلوقات المتضمنة لإرادته وحكمته التي باعتبارها انتظمت ~~المخلوقات جعلوا هذا كله أمرا سلبيا وهو التجرد أو عدم الغيبة أو العقل ~~الذي ليس بمعنى زائد على ذاته وهو عندهم وجود مقيد بسلب جميع الحقائق عنه ~~وهذا مما يعلم بصريح العقل بطلانه في الخارج # فإن الموجودين لا يكون المميز بينهما عدما محضا ولو قدر ثبوت هذا لكان كل ~~موجود خيرا منه لأنه امتاز بوصف ثبوتي ومن قال من متأخريهم له وجود خاص غير ~~هذا الوجود فلم يعرف حقيقة قولهم فإن الوجود الخاص إن امتاز بأمر وجودي ~~فليس هو قولهم وإن لم يميز إلا بالسلب فيكون هذا هو الموجود قد شارك ~~الموجودات في مسمى الوجود وامتاز عنها بالسلب فتكون سائر الموجودات خيرا ~~منه لو كان له وجود # وبيان بطلان أقوالهم النافية للصفات يطول وإنما القصد هنا إبطال بعضهم ~~لقول بعض فإن هذا يؤنس نفوسا كثيرة قد تتوهم أنه ليس الأمر كذلك ~~PageV10P097 # | فصل # قال ابن سينا في تمام مسألة العلم ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة ~~لمحسوس وكل صورة خيالية فإنما ندركها بآلة متجزئة # فيقال له هذا إن كان حقا فهو منتقض على أصلك بعلمه بالأفلاك والكواكب ~~فإنها محسوسة وعندك أنه يعلمها بأعيانها # وقد قال في بيان أن ms2120 كل صورة لمحسوس وكل صورة خيالية فإنما ندركها بآلة ~~متجزئة وأن مدرك الجزئيات لا يكون عقلا بل قوة جسمانية أما المدرك من الصور ~~الجزئية كما تدركه الحواس الظاهرة على هيئة غير تامة التجريد والتعرية ~~PageV10P098 عن المادة ولا نجرده أصلا عن علائق المادة فالأمر فيه واضح سهل ~~وذلك لأن هذه الصور إنما تدرك ما دامت المواد موجودة حاضرة والجسم الحاضر ~~الموجود إنما يكون موجودا حاضرا عند جسم وليس يكون حاضرا عند ما ليس بجسم ~~فإنه لا نسبة له إلى قوة تفرده من جهة الحضور والغيبة فإن الشيء الذي ليس ~~في مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنه بل ~~الحضور لا يقع إلا مع وضع وقرب أو بعد للحاضر عند المحضور وهذا لا يمكن إذا ~~كان الحاضر جسما إلا أن يكون المحضور جسما أو في جسم # قال وأما المدرك للصور الجزئية على تجريد تام من المادة وعدم تجريد ألبتة ~~من العلائق كالخيال فهو لا يتخيل إلا أن ترتسم الصورة الخيالية فيه في جسم ~~ارتساما مشتركا بينه وبين الجسم # قال ولتفرض الصورة المرتسمة في الخيال صورة PageV10P099 زيد على شكله ~~وتخطيطه ووضع أعضائه بعضها عند بعض فنقول إن تلك الأجزاء والجهات من أعضائه ~~يجب أن ترتسم في جسم وتختلف جهات تلك الصورة في جهات ذلك الجسم وأجزاؤها في ~~أجزائه # قال ولننقل صورة زيد إلى صورة مربع ثم فرض مربعين متساويين من كل جهة ~~وقرر أنه لا يمتاز أحدهما عن الآخر إلا بمحله # وقد اعترض عليه أبو البركات بما مضمونه أن الأجسام المرئية والمتخيلة ~~كثيرة ومحل ذلك في الجسم لا يكون أكثر من مجموع جسم الإنسان وجسم الإنسان ~~لا يسع مقادير هذه الأجسام # قال أبو البركات أول المعارضة أن نناقض فنقول وندعي نقيض المسألة المصدر ~~بها وهو أن مدرك الجزئيات فينا من المبصرات والمسموعات وسائر المحسوسات ليس ~~بقوة PageV10P100 جسمانية وإذا ثبت في هذه التي هي الأظهر صار بطلانه في ~~النقيض الأخفى والأضعيف يقينا # قال وذلك أن القوة الجسمانية فينا لا ms2121 يكون محلها أكبر من جسم الإنسان ~~الواحد بجملته وقد قالوا إنه جزء صغير من أجزائه حيث جعلوا محل القوة ~~الخيالية جزءا من جوهر الدماغ الذي في البطن المقدم من الرأس أو جزءا من ~~الروح الدماغي وهو الذي يختص بهذا الجزء منه ونحن فندرك من المتخيلات ~~ونتصور من الموجودات الجزئية أشياء كثيرة محفوظة في أذهاننا وملحوظة بها ~~يكون الواحد منها أضعافا كثيرة لجسمنا بأسره فكيف للجزء المذكور من بعض ~~أجزائه # قال وهو فقد طلب في احتجاجه الأخير جسما يتخيل به السواد والبياض ليثبت ~~كلا منهما في جزء منه غير الجزء الذي أثبت فيه الآخر فكيف أعرض عن المقدار ~~ونحن إنما ندرك الألوان في الأجسام مع مقاديرها حتى إذا رأيناها مرة أخرى ~~PageV10P101 على قدر مخالف عرفنا أنها زادت أو نقصت فلو لم نكن أدركنا ~~المقدار الأول لما حفظناه ولو لم نحفظه لم نعرف الزيادة والنقصان هذا في ~~شخص واحد في تمثله وتخيله فكيف في أشخاص كثيرة جدا نحفظها بأشكالها وصورها ~~ومقاديرها وأوضاعها لا تسعها خزانة من خزائن تسع عدة من أشخاص الناس بل ولا ~~بلدة من أكبر البلدان فإن من جملة ما نحفظه في ذلك صورة بلدة مع مقدارها ~~الكبير وأوضاع أجزائها حتى لو صغرت أو كبرت عن ذلك شعرنا بموضع الزيادة ~~والنقصان مقيسا إلى ما استثبتناه وحفظناه # قال ففي هذا كفاية لمن تأمله بذهن سليم ونظر ثابت # قال وأما ما قاله من أن المدرك بالحواس الظاهرة فالأمر فيه سهل واضح لأن ~~هذه الصورة إنما تدرك ما دامت المواد حاضرة موجودة والجسم الحاضر الموجود ~~إنما يكون حاضرا موجودا عند جسم وليس يكون حاضرا عند ما ليس بجسم فإنه لا ~~نسبة للجسم إلى قوة مفردة من جهة الحضور والغيبة فإنه الشيء الذي ليس في ~~مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنده ~~PageV10P102 # قال وأعجب ما في هذا القول استسهاله إذ قال إن الأمر فيه واضح سهل ولو ~~كان هذا القول حقا على ما قيل لبطلت علائق النفوس الناطقة بالأبدان ms2122 فإنها ~~ينسب إليها بفي ومع وعند ومقارنة ومفارقة وغيبة وحضور كما ينسب المدرك إلى ~~مدركه ثم لو كان هذا حقا لما أدركنا بعقولنا معنى شيء مما ندركه بحواسنا ~~البتة فإن رأيه هو أن البصر يرفع صورة المبصر إلى الخيال وهو جسماني فالعقل ~~إن أدركها في الخيال فقد أدركها جسمانية أيضا وإن أدركها قوة جسمانية في ~~الخيال نقلها إلى قوة أخرى فأدركها العقل فيها كان القول كذلك أيضا ولو ~~كانت الوسائط ما كانت إذ كان أول ما يلقاها إما أن يلقاها في قوة جسمانية ~~فيكون حكمها حكم الأولى وإما أن يلقاها في قوة مجردة فحكمها حكم العقل # فإن قيل إن العقل لا يدركها في القوة الجسمانية بل يرفعها إليه وينتزعها ~~منه أو يجردها فكل تلك العبارات PageV10P103 المقوله تقتضي لقاء من الرافع ~~للمرفوع إليه وحضورا من المرفوع عند الرافع وكذلك من المنتزع عند المنتزع ~~منه والمجرد عند المجرد عنه فلولا نسبة لقاء وحضور وما شئت سمه للنفس إلى ~~البدن لما كان آلة لها وإلى المدركات لما أدركها ولو لم يدركها لما عقلها ~~كلية ولا جزئية وكيف والشيء المدرك واحد في معناه والكلية تعرض له بعد كونه ~~مدركا باعتبار ونسبة وإضافة بالمشابهة والمماثلة إلى كثيرين وهو هو بعينه ~~وإذا اعتبر من حيث هو لم يكن كليا ولا جزئيا وإنما يدرك من حيث هو موجود لا ~~من حيث هو كلي ولا جزئي وتعرض له الكلية والجزئية في الذهن بعد إدراكه ~~فمدرك الكلي هو مدرك الجزئي لا محالة لأن الكلي هو الجزئي في ذاته ومعناه ~~لا في نسبه وإضافاته التي صار بها كليا وجزئيا # فيقال ما ذكره أبو البركات يدل على تناقض ابن سينا حيث زعم أنه ما ليس في ~~مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده والغيبة عنه وذكر أن ~~الأمر في ذلك واضح سهل فإن هذا مناقض لقوله إن النفس ليست جسما مع أن الجسم ~~حاضر عندها لكن هذا التناقض يدل على بطلان أحد قوليه إما قوله إن النفس ~~ليست ms2123 جسما وإما قوله PageV10P104 ما ليس في مكان لا يكون للمكان إليه نسبة ~~في الحضور عنده والغيبة عنه ولا يلزم من ذلك أن تكون هذه القضية هي الكاذبة ~~بل قد تكون الكاذبة قوله إن النفس ليست إلا جسما # ونظير هذا التناقض قوله إن واجب الوجود يعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو ~~مبدأ للموجودات التامة بأعيانها فيعقل الموجودات التامة بأعيانها والكائنة ~~الفاسدة بأنواعها ويتوسط ذلك أشخاصها فإنه إذا كان واجب الوجود يعقل ~~الأفلاك بأعيانها وهي أجسام وقد قال إن الجسم لا يرتسم إلا في جسم لزم أن ~~يكون جسما # ومع قوله ما ليس في مكان لا يكون للشيء المكاني إليه نسبة في الحضور عنده ~~والغيبة عنده # ومع قوله الجسم الحاضر الموجود إنما يكون حاضرا موجودا عند جسم وليس يكون ~~حاضرا عند ما ليس بجسم # فهذه الأقوال إذا ضم بعضها إلى بعض لزم أن يكون واجب الوجود على قوله ~~جسما وأن تكون النفس على أقواله أيضا جسما # وما ذكره أبو البركات إنما هو إلزام لابن سينا بطريق المناقضة وليس فيه ~~ما يدل على بطلان ما ذكره من الإدراك وإنما احتج أبو البركات على بطلان ذلك ~~بأن المدركات كبار والمدرك إذا كان جسما أو قوة في جسم فهو صغير لا يسعها ~~PageV10P105 # وهذه حجة ضعيفة فإن القائلين بارتسام المدرك في المدرك لا يقولون إن ~~المرتسم فيه مساو في المقدار للموجود في الخارج كما أنهم لا يقولون إن ~~المرتسم حقيقته مساوية لحقيقة الموجود في الخارج # وإنما هذا من جنس اعتراض الرازي عليهم بأنه لو كان ذلك صحيحا لكان من ~~أدرك النار وجب أن يسخن ومن أدرك الثلج وجب أن يبرد ومن أدرك الرحى وجب أن ~~يدور ونحو ذلك مما لا يقوله عاقل # ولهذا صاروا يتعجبون بل يسخرون ممن يورد عليهم مثل هذا وهم يشبهون تمثل ~~المدركات في المدرك يتمثل المرئيات في المرآة ومعلوم أن ما في المرآة ليس ~~مماثلا في الحقيقة والمقدار للموجود في الخارج # أما حقيقته فلأن غايته أن يكون عرضا في المرآة ms2124 والمرئي الخارج يكون جسما ~~موجودا كالسماء والشمس والإنسان وغير ذلك مما يرى في المرآة # وكذلك الإدراك فإنه عرض قائم بالمدرك والمدرك نفسه يكون عينا قائمة ~~بنفسها سواء كان مرئيا أو معلوما بالقلب # وأما قدره فلأن مقدار المرئي يختلف باختلاف المرآة فإذا PageV10P106 كانت ~~كبيرة رئي كبيرا وإذا كانت صغيرة رئي صغيرا وهو على التقديرين يشبه الصورة ~~الموجودة في الخارج # فكذلك إذا قيل إن المدرك يتمثل في المدرك لم يلزم أن يكون قدره في المدرك ~~مثل قدره في نفسه # ولهذا يقال للشيء وجود في الأعيان وفي الأذهان وفي اللسان وفي البنان ~~ووجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي # ومعلوم أن مطابقة العلمي للعيني هي مطابقة العلم للمعلوم ليست كمطابقة ~~الموجود في الخارج لمماثله الموجود في الخارج فإن هذا لا يقوله عاقل بل ~~العاقل يجد تفرقة ضرورية بين ما تمثله في نفسه وبين الحقائق الموجودة في ~~الخارج # ومن أظهر ذلك الخيال فإنه يتخيل ما رآه بعد مغيبه عنه وفي حال تغميض ~~عينيه ونومه ويعلم قطعا أنه خياله ومثاله وأنه مشابه له ويعلم قطعا أن ذلك ~~المثال في الباطن لا في الخارج سواء قيل إنه منطبع في النفس أو في جزء من ~~البدن أو فيهما وسواء قيل إن النفس تدركه أو قيل إن المدرك له هو البدن # فعلى كل تقدير يعلم الناس فرقا ضروريا بين حقيقة ذلك المثال وبين حقيقة ~~الموجود في الخارج وأنه لا يماثله لا في ذاته ولا PageV10P107 صفاته ولا ~~مقداره ولكن يشابهه ويحكيه نوع مشابهة وحكاية والمشابهة من وجه لا تقتضي ~~المماثلة في الذات والصفات والمقدار # وهذا المثال الإدراكي لا يمتنع فيه اجتماع ما هما ضدان في الخارج بل ~~يجتمع فيه مثال السواد والبياض ويجتمع فيه المثلان كالسوادين ويجتمع فيه ~~مثال وجود الشيء وعدمه فيجتمع فيه تقدير الوجود والعدم لا يمتنع فيه اجتماع ~~مثالي النقيضين كما امتنع اجتماع النقيضين في الخارج ويتمثل فيه الموجود ~~والمعدوم والممتنع وما له وجود في الخارج وما ليس له وجود في الخارج فهو ~~أوسع بهذا الاعتبار من الوجود ms2125 الخارجي # لكن تلك الأمور مثل خيالية ليست حقائق موجودة في أنفسها وقد يشتبه على ~~بعض الناس ما يتخيله فيه فيظنه موجودا في الخارج وطائفة من فلاسفة الصوفية ~~كابن عربي يسمي هذا أرض الحقيقة ويذكر فيه من العوالم وأنواعها وأقدارها ما ~~يطول وصفه # وذلك أن الخيال لا حد له بل تخيلات النفوس لما ليس له وجود في الخارج ~~أعظم من أن تحصر # فهؤلاء الضالون قالوا هذا أرض الحقيقة وهذا عالم الخيال وقد يشتبه على ~~بعضهم فيظنه في الخارج ويتخيل لهم فيه مدائن ورجال وعوالم كما يتخيل للنائم ~~ويتخيل لأحدهم أنه صار الها ونبيا أو أنه المهدي أو خاتم الأنبياء إلى غير ~~ذلك مما يطول PageV10P108 وصفه ويعرض للممرورين وغيرهم من التخيلات الباطلة ~~ما يطول وصفه # ومن قال من المتفلسفة إن النفس ليست جسما وأنكر معاد البدن فمنهم من يقول ~~إن من النفوس من يتعلق بجزء من الفلك فيتخيل فيه ما يتنعم فيه تنعما خياليا ~~وأن ذلك يقوم مقام اللذة الحسية وقد يقال إنه أعظم منها كما ذكر ذلك ابن ~~سينا فقول هؤلاء من جنس حقيقة أولئك الذين جعلوا عالم الخيال هو أرض ~~الحقيقة # ونحن لا ننكر وجود الخيالات فإن هذا لا ينكره عاقل لكن ننكر تعظيمها ~~وتسويتها بالذات الحقيقية أو أن ما وعد الله به عباده المؤمنين من هذا ~~الجنس # والمقصود هنا أن الصور الخيالية لا ينكرها أحد ولا يقول أحد إنها مماثلة ~~في الحقيقة والصفات والمقدار للموجودات في الأعيان سواء كانت تلك الخيالات ~~هو خيال تلك الموجودات أو غيرها # فقد تبين أن ما ذكره ابن سينا وغيره من الفلاسفة وقرروه بالأدلة العقلية ~~ليس منافيا لعلم الله بالجزئيات بل فيه ما هو دليل على ذلك # ولكن غاية ما فيه تناقضهم حيث يثبتون الشيء دون لوازمه كما أثبت ابن سينا ~~علمه بأعيان الموجودات التامة وبأنواع المتغيرات دون التغير في العلم ~~PageV10P109 # وأدلته الصحيحة توجب علمه بالمتغيرات وأنه يعلم الكليات والجزئيات كما ~~سنذكر ألفاظه # وكذلك أبو البركات أثبت علمه بالكليات والجزئيات والمتغيرات لكنه قال في ms2126 ~~القدر وفي علمه بما لا يتناهى قولا منكرا سنذكره إن شاء الله # وكل من قال في مسألة العلم قولا يخالف النصوص النبوية من أهل الكلام ~~والفلسفة فلا بد أن يكون قوله مناقضا لأصوله الصحيحة مخالفا لصريح المعقول ~~ولهذا كثر اضطراب هؤلاء في مسألة العلم # # | فصل # قد تقدم ما ذكرناه من أقوال ابن سينا في تقرير أنه سبحانه عالم بمفعولاته ~~حيث قال واجب الوجود يجب أن يعقل ذاته بذاته على ما حقق ويعقل ما بعده من ~~حيث هو علة لما بعده ومنه وجوده ويعقل سائر الأشياء من حيث وجوبها في سلسلة ~~الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا # فقد ذكر هنا أن علمه بنفسه يستلزم علمه بمفعولاته وأما تقرير كونه عالما ~~بنفسه فسيجيء إن شاء الله تعالى PageV10P110 # قال الطوسي في شرح هذا الفصل لما تقرر أن علم الأول تعالى فعلي ذاتي أشار ~~إلى إحاطته بجميع الموجودات فذكر أنه يعقل ذاته بذاته لكونه عاقلا لذاته ~~معقولا لذاته على ما تحقق قبل ذلك ويعقل ما بعده يعني المعلول الأول من حيث ~~هو علة لما بعده والعلم التام بالعلة التامة يقتضي العلم بالمعلول فإن ~~العلم بالعلة التامة لا يتم من غير العلم بكونها مستلزمة لجميع ما يلزمها ~~لذاتها وهذا العلم يتضمن العلم بلوازمها التي منها معلولاتها الواجبة ~~بوجوبها ويعقل سائر الأشياء التي بعد المعلول الأول من حيث وقوعها في سلسلة ~~المعلولية النازلة من عنده إما طولا كسلسلة المعلولات المترتبة المنتهية ~~إليه في ذلك الترتيب أو عرضا كسلسلة الحوادث التي لا تنتهي في ذلك الترتيب ~~إليه لكنها تنتهي إليه من جهة كون الجميع ممكنة محتاجة إليه وهو احتياج ~~عرضي تتساوى جميع آحاد السلسلة فيه بالنسبة إليه تعالى # قلت أما قوله لما تقرر أن علم الأول تعالى فعلي إشارة إلى إحاطته بجميع ~~الموجودات فذكر أنه يعقل ذاته بذاته ويعقل ما بعده PageV10P111 # فيقال علمه بذاته لا يمكن أن يكون فعليا وإنما يكون فعليا علمه بخلقه فإن ~~علمه له تأثير في فعل خلقه وليس له تأثير في وجود نفسه ms2127 وهذا مما لا ينازع ~~فيه عاقل فهمه ولعله ما أراد إلا هذا # فإن القدرية من أهل الكلام يقولون العلم تابع للمعلوم مطابق له لا يكسبه ~~صفة ولا يكتسب عنه صفة وكثير من المتفلسفة يقولون علم الرب فعلي وقد يجعلون ~~نفسه علمه إبداعه # وقد بسطنا الكلام على هذا في موضع آخر وبينا أن العلم نوعان علم العالم ~~بما يريد أن يفعله فهذا علم فعلي هو شرط في وجود المعلوم إذ وجود المعلوم ~~بدونه ممتنع # ومذهب أهل السنة أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها فعلمه فعلي ~~لجميع المخلوقات بهذا الاعتبار لا باعتبار أن مجرد العلم هو الإبداع من غير ~~قدرة وإرادة كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة فإن هذا باطل كما قد بين ~~في موضعه # والقدرية عندهم أن الله يخلق أفعال العباد فعلمه بها علم بأمر أجنبي منه ~~فلهذا لا يجعلون علمه بالمخلوقات فعليا لكن علمه بمخلوقاته لا ينازعون فيه ~~وأما علم العالم بما ليس علمه به شرطا في وجوده كعلمنا بالله وملائكته ~~وأنبيائه وسمواته وأرضه فهذا علم تابع للمعلوم مطابق له ليس فعليا بوجه من ~~الوجوه # وعلم الرب بنفسه من هذا الباب لكن إذا سمي علميا انفعاليا فلا بأس فإنه ~~علم حادث وأما علم الرب تعالى فإنه من لوازم نفسه المقدسة PageV10P112 لم ~~يحدث فليس انفعاليا بهذا الاعتبار لكنه مطابق للمعلوم موافق له فعلمه تابع ~~لنفسه ومخلوقاته تابعة لعلمه # والمقصود هنا أنه إذا كان عالما بنفسه لزم أن يكون عالما بخلقه وهذه قضية ~~صحيحة ويمكن تقريرها بطرق # أحدها أنه لا يكون عالما بنفسه علما تاما إلا إذا كان عالما بلوازمها ~~والخلق من لوازم مشيئته التي هي من لوازم نفسه فإنه ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن ومشيئته من لوازم نفسه # والفلاسفة يعبرون عن أصلهم بقولهم إنه علة تامة والعلم بالعلة التامة ~~يقتضي العلم بالمعلول # ومن سلم منهم أنه يفعل باختياره وسماه مع ذلك علة فالنزاع معه لفظي ~~والمعنى صحيح فإنه حينئذ مع قدرته على الشيء إذا ms2128 شاءه وجب وجوده فما شاء ~~كان فهو بمشيئته وقدرته موجب لوجود ما شاءه والعلم بالموجب التام يوجب ~~العلم بموجبه # وأما من لم يسلم أنه يفعل باختياره فهذا القول باطل من جهة نفيه لاختياره ~~لا من جهة أن كونه فاعلا يوجب العلم بالمفعول فإنه قدر أنه فاعل على هذا ~~الوجه كان علمه بنفسه يوجب علمه بمفعولاته لأن العلم بالموجب التام يوجب ~~العلم بالموجب # ففي الجملة لا يكون عالما بنفسه إن لم يكن عالما بلوازمها وقدرته وإرادته ~~من لوازمها ومراده من لوازم الإرادة فالمفعولات لازمة PageV10P113 للإرادة ~~اللازمة لذاته ولازم اللازم لازم ومجرد النظر إلى كونه مستلزما لمفعوله ~~يوجب العلم مع قطع النظر عن توسط الإرادة لكن هي ثابتة في نفس الأمر وإن لم ~~يستحضر المستدل ثبوتها # وهذا الدليل يستقيم على أصول أهل السنة الذين يقولون إرادته من صفاته ~~التي هي من لوازم ذاته # وأما القدرية الذين ينكرون قيام إرادة به فينفونها أو يقولون أحدث إرادة ~~لا في محل فهؤلاء يقولون القادر المختار يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح وهؤلاء ~~لا يسلكون هذه الطريق # وهذا الدليل مأخوذ من معنى قوله @QB@ ألا يعلم من خلق @QE@ سورة الملك 14 ~~ودلالة الآية تقرر بطريق ثان وهو أن يقال خلق الخالق مشروط بتصور للمخلوق ~~قبل أن يخلقه فإن الخلق إنما يخلق بالإرادة والإرادة مشروطة بالعلم فإرادة ~~ما لا يشعر به محال وإذا كان إنما يخلق بإرادته وإنما يريد ما يصوره لزم من ~~ذلك أن يعلم كل ما خلقه # وهذه الطريقة هي طريقة مشهورة لنظار المسلمين والقرآن قد دل عليها والعقل ~~الصريح يدرك صحتها وطرد هذه الدلالة على أصول أهل السنة أن من سوى الله لا ~~يخلق شيئا لأنه لا يحيط علما بجزئيات أفعاله فلا يكون خالقا لها وإن كان ~~شاعرا بها من بعض الوجوه ومريدا لها من بعض الوجوه فهو فاعل لها من ذلك ~~الوجه # وهذه الطريقة هي الطريقة التي سلكها الأشعري في كون العبد ليس خالقا لفعل ~~نفسه PageV10P114 # قال لو كان خالقا لها لكان محيطا بتفاصيلها واللازم ms2129 منتف لكن الأشعري ~~وطائفة فرضوا الكلام في العاقل الذي يفعل مع الغفلة # وطائفة أخرى قالوا لا يحتاج إلى فرض في العاقل بل كل فاعل من الآدميين لا ~~يحيط علما بتفاصيل أفعاله لكنه يشعر بها من حيث الجملة ولهذا كان العبد لا ~~يريد شيئا إلا بعد شعوره به فهو يتصور المراد تصورا مجملا وإن لم يكن مفصلا ~~وهذا مما علم به الناس أن الفاعل المريد لا بد أن يتصور المراد وإن لم تكن ~~إرادتهم مثل إرادة الرب ولا علمهم كعلمه كما أنهم يعلمون أن العبد فاعل ~~لأفعاله وإن لم يكن خالقا لها # وهذا القول الوسط وهو إثبات كون الرب خالقا لكل شيء مع كون أفعال العباد ~~مخلوقة له ومع كونها أفعالا للعباد أيضا وأن قدرة العباد لها تأثير فيها ~~كتأثير الأسباب في مسبباتها وأن الله خالق كل شيء بما خلقه من الأسباب وليس ~~شيء من الأسباب مستقلا بالفعل بل هو محتاج إلى أسباب أخر تعاونه وإلى دفع ~~موانع تعارضه ولا تستقل إلا مشيئة الله تعالى فإنه ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن فما شاء الله كان وإن لم يشأ العباد وما لم يشأ لم يكن ولو شاء ~~العباد # وهذا الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهورها وليس المقصود هنا الكلام في ~~مسائل القدر وإنما المقصود الكلام في تحقيق علم الله # الطريق الثالث الذي به نعلم أن علمه بنفسه يوجب علمه بمخلوقاته أن يقال ~~كل ما كان من صفات الرب وأفعاله فليس هو PageV10P115 موقوفا على شيء سواه ~~فلا شريك له بوجه من الوجوه فهو نفسه موجب تام لجميع صفاته وهو بصفاته موجب ~~لجميع مفعولاته فإذا كان عالما بنفسه لم يمكن أن يكون عالما بذاته دون ~~صفاته فإن ذلك ليس علما بنفسه فإن الذات المجردة عن الصفات ليست ذاته ولا ~~وجود لها وإذا علم صفاته لزم من ذلك علمه بأفعاله وإلا لم يكن عالما بصفاته ~~لأنه إذا علم أنه خالق للعالم لم يعلم كونه خالقه إن لم يعلم العالم وإلا ~~فالعلم بكونه ms2130 خالقا للعالم مع عدم العلم بالعالم بمنزلة كونه خالقا للعالم ~~بدون وجود العالم وهذا ممتنع فذاك ممتنع # ولو قدر نفي الصفات فالعلم بكونه خالقا للعالم يوجب العلم بالعالم وهم ~~يعبرون عن ذلك بكونه علة ومبدأ ونحو ذلك من العبارات التي يشترك فيها هم ~~والمسلمون # وكونه مبدعا وفاعلا فالعلم بنفسه يوجب العلم بكونه فاعلا وإلا لم يكن ~~عالما بنفسه والعلم بكونه فاعلا يوجب العلم بالمفعول كما أن يحقق ذاته تحقق ~~كونه فاعلا لأن وجود ذاته الفاعلة للعالم بدون كونها فاعلة ممتنع ووجود ~~فعلها بدون العالم ممتنع وكون الفعل قديم العين أو النوع أو حادثهما مسألة ~~أخرى وكون العلم قديما أو حادثا واحدا أو متعددا فالمقصود هنا إثبات أنه ~~عالم بكل موجود إذ كل موجود مفعوله وهذا يتناول علمه بكل موجود وكل موجود ~~جزئي فهو يقتضي علمه بكل جزئي PageV10P116 # قال تعالى @QB@ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ سورة الملك 13 14 وقد استدل طوائف من أهل ~~السنة بهذه الآية على أنه خالق أقوال العباد وما في صدورهم # وهذه الآية تدل على كونه عالما بالجزئيات من طرق # أحدها من جهة كون الخلق يستلزم العلم بالمخلوق # والثاني من جهة كونه في نفسه لطيفا خبيرا وذلك يوجب علمه بدقيق الأشياء ~~وحفيها # ثم يقال اللطيف الخبير علمه بنفسه أولى من علمه بغيره وعلمه بنفسه مستلزم ~~لعلمه بلوازم ذاته كما تقدم فقد تضمنت الآية هذه الطرق الثلاثة # وقد اعترض الرازي على ما قرره ابن سينا من كون علمه بذاته يستلزم علمه ~~بمفعولاته فقال في شرحه كنا قد بينا في الأبواب السالفة أنه عالم بذاته ~~وبسائر المعلومات والآن نريد أن نبحث عن كيفية حصول تلك العالمية له فنقول # قد بينا قبل هذا الفصل أن علمه بالأشياء لا بد وأن يكون PageV10P117 ~~حاصلا له لذاته فنقول إنه يجب أن يعلم ذاته بذاته ثم إذا علم ذاته فذاته ~~علة لما بعده يجب أن يعلم من ذاته كونه علة لما بعده فإذا ms2131 علم ذاته علم لا ~~محالة معلوله ثم يلزم من علمه بمعلوله علمه بسائر المعلولات النازلة من ~~عنده طولا وعرضا أما طولا فكالعقول التي كل واحد منها علة للعقل الذي تحته ~~وأما عرضا فكما إذا صدر شيئان أو أكثر عن علة واحدة كما يقال إنه يصدر عن ~~كل عقل عقل ونفس وفلك معا # قال ولقائل أن يقول لم قلتم إن علمه بذاته يقتضي علمه بمعلوله بيانه أنكم ~~إما أن تقولوا إن علمه بذاته من حيث إنها تلك الذات المخصوصة علة لعلمه ~~بمعلوله أو تقولوا إن علمه بذاته من حيث إنها علة لذلك المعلول يقتضي وجوده ~~بذلك المعلول والأول ممنوع فلم قلتم إن علمه بذاته المخصوصة التي من جملة ~~لواحقها واعتباراتها كونها علة لذلك المعلول PageV10P118 يقتضي العلم بذلك ~~المعلول # وظاهر أن هذه المقدمة ليست بدهية بل لا بد فيها من الدلالة وأنتم ما ~~ذكرتم الدلالة عليها # واما الثاني فباطل لأن علمه بأن ذاته علة للشيء الفلاني علم بإضافة ~~مخصوصة بين ذاته وبين ذلك الشيء والعلم بإضافة أمر إلى أمر مسبوق بالعلم ~~بكل واحد من المضافين فلو كان العلم بذلك المعلول مستفادا من العلم بتلك ~~الإضافة لزم الدور وأنه محال # قلت فيقال في الجواب عما ذكره الرازي قوله إن قلتم إن علمه بذاته من حيث ~~إنها تلك الذات المخصوصة علة لعلمه بمعلوله فهو ممنوع وهذه المقدمة ليست ~~بدهية فلا بد لها من الدليل # فيقال هي بعد التصور التام بديهية وبدون التصور التام تفتقر إلى بيان ~~وذلك لأن العلم بذاته المخصوصة لا يكون علما بها إلا مع العلم بلوازمها ~~التي تلزم الذات بنفسها ولا تفتقر في لزومها لها إلى سبب منفصل فإن هذه ~~اللوازم هي عند نظار المسلمين كلها صفات ذاتية فإنهم لا يفرقون في الصفات ~~اللازمة للموصوف بين الذاتي المقوم والعرضي الخارج بل الجميع عندهم ذاتي ~~بمعنى أنه لازم لذات الموصوف لا تتحقق الذات إلا بتحققه PageV10P119 # وأما كون بعض الصفات داخلة في الذات وبعضها خارجا فإن أريد بذلك أن بعضها ~~داخل فيما يتصور ms2132 الذهن وينطق به اللسان فهذا حق ولكن يعود الدخول والخروج ~~إلى ما يدخل في علمه وكلامه وما يخرج عن ذلك # وإن أريد بذلك أن نفس الموجود في الخارج بعض صفاته اللازمة داخل في ~~حقيقته وبعضها خارج عنها فهذا باطل كما قد بسط # وأما على طريقة المنطقيين فالصفات اللازمة إما ذاتية يتعذر معرفة الموصوف ~~بدونها وإما لازمة لماهيته أو لازمة لوجوده وهذه اللوازم لا بد لها من لازم ~~بغير وسط لئلا يلزم التسلسل كما قرر ذلك ابن سينا في الاشارات واللازم بوسط ~~هو اللازم بتوسط دليل لا بتوسط علة مبينة له فجميع اللوازم لازمة للذات ~~بغير توسط شيء في الخارج # هذا مراده وإن أريد بذلك أن من اللوازم شيئا يلزم توسط في الخارج فذلك ~~الوسط لازم لآخر بنفسه فلا بد على كل تقدير من لازم بنفسه وللازم لازم وهلم ~~جرا # وحينئذ فإذا عرف نفسه التي لها لوازم لا توجد إلا بها فيلزم من معرفته ~~بها معرفته بلوازمها كما يلزم من وجودها وجود لوازمها وإلا لم تكن المعرفة ~~معرفة بها فكما أن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع PageV10P120 فالمعرفة به ~~بدون معرفة لازمة ممتنعة وإنما تقع الشبهة في هذا الموضع لظن الظان أن ~~التصور الناقص معرفة به وليس كذلك فإن الشعور مراتب وقد يشعر الإنسان ~~بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض # ونحن لا نعرف شيئا من الأشياء على الوجه التام بل لو علمنا شيئا على ~~الوجه التام لعلمنا لوازمه ولوازم لوازمه فلا يكون علمنا بشيء من الأشياء ~~مماثلا لعلم الرب # ولهذا لما تكلم الناس في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام فاعتبر بعضهم ~~اللزوم مطلقا واعتبر بعضهم اللزوم الذهني قالوا لأن اللزوم الخارجي لا ~~نهاية له لأن للازم لازما وللازم لازما فلفظ البيت إذا دل على الحيطان ~~والأرض والسقف بالمطابقة وعلى بعض ذلك بالتضمن فهو مستلزم للأساس ولأساس ~~الأساس وللصانع ولأب الصانع ولأب أبيه ولصانع الآلات وأمور أخر فيجب اعتبار ~~اللزوم الذهني # فيقال لهم اللزوم الذهني ليس له ضابط ms2133 فإنه قد يخطر لهذا من اللوازم ما لا ~~يخطر لهذا # فإن قلتم كل ما خطر للمستمع لزومه فقد دل اللفظ عليه باللزوم وإلا فلا # قيل لهم فحينئذ يخطر له لزوم هذا ثم لزوم هذا ويلزم ما ذكرتم من التسلسل ~~فلا فرق PageV10P121 # وحينئذ فالتحقيق أن كلا اللزومين معتبر فاللزوم الخارجي ثابت في نفس ~~الأمر وأما معرفة المستمع به فموقوف على شعوره باللزوم فمهما شعر به من ~~اللوازم استدل عليه باللزوم وليس لذلك حد بل كل ملزوم فهو دليل على لازمه ~~لمن شعر بالتلازم # وهذا هو الدليل فالدليل أبدا مستلزم للمدلول من غير عكس وليس المراد ~~بدلالة الالتزام أن المتكلم قصد أن يدل المستمع بها فإن هذا لا ضابط له بل ~~المراد أن المستمع يستدل هو بثبوت معنى اللفظ على ثبوت لوازمه وهي دلالة ~~عقلية تابعه للدلالة الإرادية وجعلت من دلالة اللفظ لأنه دل على اللازم ~~بتوسط دلالته على الملزوم # وفي الجملة فكل دليل في الوجود هو ملزوم للمدلول عليه ولا يكون الدليل ~~إلا ملزوما ولا يكون ملزوم إلا دليلا فكون الشيء دليلا وملزوما أمران ~~متلازمان وسواء سمى ذلك برهانا أو حجة أو أمارة أو غير ذلك # وأما كونه علة فأخص من كونه دليلا فكل علة فهي دليل على المعلول وليس كل ~~دليل علة # ولهذا كان قياس الدلالة أعم من قياس العلة وإن كان قياس العلة أشرف لأنه ~~يفيد السبب العلمي والعيني وقياس الدلالة إنما يفيد السبب العلمي # ولهذا يعظمون برهان اللمية على برهان الإنية ويقولون برهان لم أشرف من ~~برهان إن PageV10P122 # فمن كان علمه أكمل العلوم وقد علم علة كل موجود كيف لا يكون عالما بأكمل ~~دليل يدل على كل موجود # ولو قدر أن الواحد منا يعلم الرب على ما هو عليه لكان عليما بكل شيء لكن ~~قوانا تعجز عن ذلك وأما هو سبحانه فهو يعلم نفسه وهي ملزومة لكل موجود ~~وخالقة لكل شيء وموجبة بمشيئتها وقدرتها لكل شيء وبلغتهم هي علة لكل شيء # وهو سبحانه الدليل والبرهان على كل شيء ms2134 من هذه الجهة ومن جهة أنه يدل ~~عباده بإعلامه وهدايته وكلامه فإذا كان هو سبحانه عالما بنفسه المستلزمة ~~لكل شيء التي هي دليل على كل شيء وموجبة لكل شيء وباصطلاحهم علة لكل شيء ~~وجب أن يكون عالما بكل شيء وإلا لم يكن عالما بنفسه بل كان عالما ببعض ~~أحوال نفسه والتقدير أنه عالم بنفسه # ثم يقال الموجب لعلمه بنفسه يوجب علمه بجميع أحوال نفسه كما سيأتي تقريره ~~ويمتنع أن يخص علمه ببعض أحوال نفسه إذ لا موجب للتخصيص بل الموجب للتعميم ~~قائم وإذا كان عالما بجميع أحوال نفسه وجب ضرورة أن يعلم لوازمها # واعلم أن المقصود هنا أن علمه بنفسه يستلزم علمه بخلقه ويمتنع وجوده ~~بدونه كما يستلزم العلم بالدليل على الوجه التام العلم بالمدلول عليه ~~ويمتنع وجوده دونه # وأما كون العلم بنفسه أوجب ذلك وكان علة في وجوده فهذا PageV10P123 وإن ~~كان المتفلسف قد يقوله فلا حاجة بنا إليه بل لا يجوز أن يقال ذلك كما لا ~~يجوز أن يقال علمه بالدليل سبب لعلمه بالمدلول عليه فإن علمه سبحانه ليس ~~باستدلالي بحيث يستفيد العلم بهذا من العلم بهذا سواء كان الدليل علة أو لم ~~يكن # بل هذا مما يطعن به في كلام بعض هؤلاء المتفلسفة الذين جعلوا علمه من هذا ~~الباب فإن علمه سبحانه من لوازم نفسه ونفسه المقدسة مستوجبة للعلم بكل شيء # كما دل عليه قوله تعالى @QB@ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ ~~سورة الملك 14 فإنه في نفسه لطيف خبير يمتنع أن يخفى عليه شيء # لكن المقصود هنا أن علمه بنفسه مستلزم لعلمه بخلقه فيمتنع أن يكون عالما ~~بنفسه علما تاما بدون علمه بخلقه # وحينئذ فنحن نستدل بعلمه بنفسه على أنه عالم بخلقه كما نستدل بكل ملزوم ~~على لازمه وإن كان هو سبحانه لا يحتاج إلى شيء من الاستدلالات # ولهذا كان من القضايا الصادقة قول القائل العلم بالسبب يوجب العلم ~~بالمسبب أي العلم بالسبب التام وهو العلة التامة فإذا علمنا أن الخشبة وقع ~~فيها نار لا تطفأ ms2135 علمنا أنها تحترق # وهو سبحانه رب كل شيء ومليكه وهو بمشيئته وقدرته موجب لكل موجود فعلمه ~~بنفسه يستلزم علمه بمخلوقاته أعظم من استلزام PageV10P124 علم كل عالم بكل ~~علة لكل معلول فإنه ما من علة تفرض لمعلول وموجب مقدر لموجب إلا وهو سبحانه ~~في فعله وإيجابه أكمل من ذلك في إيجابه واقتضائه # وما من عالم يفرض علمه بعلة إلا وعلم الرب بنفسه أكمل من علم كل عالم ~~بتلك العلة فإن علم كل حي بنفسه أكمل من علمه بغيره فكيف بعلم رب العالمين ~~بنفسه # وحينئذ فالعلم بهذا الدليل يستلزم العلم بمدلوله أعظم من استلزام كل علم ~~بكل دليل لكل مدلول وعلمه بنفسه بكون هذا الموجب أو العلة أو المبدأ أو ~~السبب يوجب العلم بموجبه ومعلوله أكمل من علم كل عالم بكل موجب وعلة # وكلما تدبر العاقل هذه المعاني ولوازمها تبين له أن كون علمه بنفسه ~~يستلزم علمه بمخلوقه عند التصور التام هي من أعظم البديهيات وعند النظر ~~والاستدلال هي من أعظم القضايا التي تقوم عليها الأدلة النظرية # ومما يبين ذلك أنه إذا كان عالما بنفسه فإن قيل هو يفعل المخلوقات ولا ~~يشعر بأنه يفعل فهذا يمتنع أن يكون شاعرا بنفسه فإنه ما من عالم بنفسه يقدر ~~أنه يفعل شيئا إلا ولا بد أن يعلم أنه يفعله بل لا بد أن يتصور مفعوله مع ~~غفلته عن نفسه فكيف مع علمه بنفسه # فهو يجب أن يعلم مفعوله من جهة علمه بنفسه ومن جهة أنه يفعله بإرادته كما ~~تقدم التنبيه على الطريقين بل العالم بنفسه لو حصل لنفسه حال من غيره لعلم ~~به وإلا لم يكن عالما بها فكيف إذا كانت فاعلة PageV10P125 # وأما قول الرازي على التقدير الثاني إن قلتم إن علمه بذاته من حيث إنها ~~علة لذلك المعلول يقتضي علمه بذلك المعلول لأن علمه بأن ذاته علة للشيء ~~الفلاني علم بإضافة مخصوصة بين ذاته وبين ذلك الشيء والعلم بالإضافة مسبوق ~~بالعلم بالمضافين فلو كان العلم المعلول مستفادا من العلم بتلك الإضافة لزم ~~الدور # فيقال ms2136 له العلم بالإضافة مشروط بالعلم بالمضافين ولا يجب أن يكون العلم ~~بالمضافين متقدما عليه تقدما زمانيا بل لا يكون عالما بالإضافة إلا مع تصور ~~المضاف والمضاف إليه ثم إذا كان المضاف هو العلة للمضاف إليه أمكن أن يكون ~~العلم بها من جهة إنها علة لذلك المعلول مستلزما للعلم بذلك المعلول # والعلم بأنها علة للمعلول يتضمن ثلاثة أشياء العلم بها وهي المضاف الذي ~~هو علة والعلم بالمعلول وهو المضاف الذي هو معلول والعلم بالعلية وهي ~~الإضافة # والثلاثة متلازمة لا يجب أن يتقدم بعضها على بعض بالزمان ولا نقول إن ~~العلم ببعضها يستفاد من العلم ببعض كما ذكره فإن الرب لا يحتاج أن يستدل ~~بشيء من معلوماته عن بعض وإنما يحتاج إلى ذلك من لا يكون عالما بالمدلول ~~حتى يدله عليه الدليل وأما هو فعلمه لكل معلول من لوازم نفسه المقدسة ~~PageV10P126 # ولكن المقصود أن علمه بنفسه وبمخلوقاته متلازمان يمتنع ثبوت العلم بنفسه ~~دون العلم بخلقه كما يمتنع ثبوت العلم بخلقه بدون العلم بنفسه # والرازي لعله رد ما قد يضاف إلى ابن سينا وحزبه من أن علمه بنفسه هو الذي ~~أوجب علمه بخلقه وكان ذلك العلم علة لهذا العلم كعلمنا نحن بالدليل الذي ~~يوجب حكمنا بالمدلول عليه # وما ذكره يدل على فساد قول هؤلاء فإنه إذا قيل إن علمه بكونه علة للمعلول ~~هو الموجب لعلمه بالمعلول لزم الدور كما ذكر فإنه لا يعلم كونه علة للمعلول ~~حتى يعلم المعلول كما ذكره من أن العلم بالإضافة مشروط بالعلم بالمضافين ~~فلا تعلم أن هذا علة لذاك حتى تعلم هذا وذاك فلو كان علمك بذاك مستفادا من ~~علمك بهذه الإضافة لزم الدور # ونحن قد بينا فساد هذا وقلنا المراد إن علمه بهذا يستلزم علمه بهذا أي ~~يمتنع تحقق هذا العلم بدون هذا العلم وإن لم يكن أحدهما هو العلة للآخر كما ~~يمتنع تحقق إرادته دون علمه وعلمه دون قدرته وسائر صفاته المتلازمة ويمتنع ~~تحقق ذاته دون صفاته وصفاته دون ذاته فكل منها يستلزم الآخر فيستدل بثبوت ms2137 ~~واحد منها على ثبوت سائرها إذا عرف بلازمها وإن لم يجعل هذا هو العلة في ~~وجود هذا # ونحن مقصودنا بيان ما دل على أن الله بكل شيء عليم وبيان ما ذكره ابن ~~سينا وغيره من الفلاسفة والمتكلمين مما يدل على ذلك PageV10P127 وإن كان قد ~~يكون فيما يقوله الواحد من هؤلاء باطل وقد يكون قصر في بيان الحق وقد يجتمع ~~الأمران # فنحن نستدل بعلمه لذاته على أنه لا بد أن يعلم مخلوقاته لما بينهما من ~~التلازم الدال على أن ثبوت أحدهما يستلزم ثبوت الآخر لا نحتاج أن نجعل علمه ~~بهذا هو الموجب لهذا # فإن قيل فبتقدير أن لا يكون موجبا فليس معكم ما يدل على أن علمه بذاته ~~يستلزم علمه بمخلوقاته كما أنا إذا قدرنا أن علم أحدنا بالملزوم ليس موجبا ~~لعلمه باللازم لم يكن معنا ما يدل على أنه عالم باللازم # قيل بل كون أحد العلمين مستلزما للآخر ثابت وإن لم يكن أحدهما موجبا ~~للآخر فإن الملزوم أعم من أن يكون علة أو غير علة وإذا قدر أنه ليس علة لم ~~يمتنع أن يكون ملزوما # وإذا كان في بعض الناس ملزوما وعلة لم يجب أن يكون في كل عالم ملزوما ~~وعلة إلا إذا لم يكن للعالم طريق إلى العلم باللازم سوى علمه بعلته # وهذا باطل في حق الله ولا يمكن دعواه فلا يمكن أحدا أن يدعي أن الله لا ~~يمكن أن يعلم شيئا من الموجودات إلا لعلمه بعلته إذ لا دليل على هذا النفي ~~وإذا قدر أن ذاته مستلزمة لنفسها أن تعلم كل شيء لا يخفى عليها شيء أوجب ~~ذلك أن يعلم كل شيء PageV10P128 # وإن قدر أنه غير مفعول له كما يعلم المعدومات والممتنعات التي ليست ~~مفعولة وكما يعلم المقدرات # كقوله @QB@ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه @QE@ سورة الأنعام 28 وقوله ~~@QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ سورة الأنبياء 22 # وإن كان وجود إله غيره ممتنعا فعلمه سبحانه بما يعلمه ليس من شرطه كونه ~~مفعولا له بل كونه مفعولا ms2138 له دليل على أنه يعلمه والدليل لا ينعكس # وكذلك علمه بنفسه مستلزم لعلمه بمخلوقاته وإن لم يكن علمه بنفسه علة ~~لعلمه بمخلوقاته # فينبغي تدبر هذه المعاني الشريفة فإنه يبين كثرة الطرق البرهانية الدالة ~~على علمه سبحانه بخلاف من يقول لا يمكننا إثبات علمه إلا بطريق الإرادة ~~ونحو ذلك # وهكذا كلما كان الناس أحوج إلى معرفة الشيء فإن الله يوسع عليهم دلائل ~~معرفته كدلائل معرفة نفسه ودلائل نبوة رسوله ودلائل ثبوت قدرته وعلمه وغير ~~ذلك فإنها دلائل كثيرة قطعية وإن كان من الناس من قد يضيق عليه ما وسعه ~~الله على من هداه كما أن من الناس من يعرض له شك وسفسطة في بعض الحسيات ~~والعقليات التي لا يشك فيها جماهير الناس # والمقصود هنا أنا نحن أخرجنا الله من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا فنفتقر ~~في حصول العلم لنا إلى أسباب غير أنفسنا ومن الأشياء ما نعلمها PageV10P129 ~~بمشاعرنا بلا دليل ومنها ما نفتقر في العلم به إلى دليل فلا نكون عالمين به ~~حتى نعلم الدليل الذي يستلزم في علمنا به بالمدلول عليه # والرب تعالى علمه من لوازم نفسه المقدسة وكذلك قدرته لم يستفد شيئا من ~~صفاته المقدسة من غيره ولم يحتج إلى سواه بوجه من الوجوه بل هو الغني عن كل ~~ما سواه # وإذا قدر أن علمه بالملزوم شرط في علمه باللازم كما أن وجود الملزوم شرط ~~في وجود اللازم وإبداعه للملزوم شرط في إبداعه للازم كما أن خلقه للأب من ~~حيث هو أب شرط في خلق الابن فالابن لا يكون ابنا إن لم يكن له أب فلا بد في ~~خلق الابن من خلق الأب قبله # فهو سبحانه خالق الملزوم واللازم وعالم بالملزوم واللازم وكل ما سواه هو ~~مما خلقه بمشيئته وقدرته فليس مفتقرا في شيء من الأمور إلى شيء سواه # وقول القائل علمه بهذا شرط في علمه بهذا معناه أنه لا يوجد علمه بهذا إلا ~~مع وجود علمه بهذا ليس المراد به أنه يكون العلم بأحدهما متقدما موجودا مع ~~عدم ms2139 العلم الآخر فإن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط بل لا بد من وجوده معه ~~بخلاف العلة # فإذا قيل ليس علمه بهذا علة لهذا وإنه لم يستفد علمه بهذا من علمه بهذا ~~ولا استدل على هذا بهذا لم يكن في هذا نفي كون أحد PageV10P130 العلمين ~~شرطا في الآخر أي ملزوما له بل ولا نفي كون كل منهما شرطا في الآخر وملازما ~~له كما أن العلم والقدرة أو الإرادة كل منهما لا يوجد إلا مع الآخر وهو ~~ملازم له فوجوده شرط في وجوده بهذا الاعتبار وإن لم يكن أحدهما علة لوجود ~~الآخر # وكذلك علمه بنفسه المقدسة هو مستلزم لعلمه بمخلوقاته وشرط في علمه بها ~~فلا يكون عالما بمخلوقاته إلا وهو عالم بنفسه وإن لم يكن علمه بنفسه هو ~~العلة لعلمه بمخلوقاته وإن ولم يكن محتاجا أن يستدل بعلمه بنفسه على علمه ~~بمخلوقاته بل نفس ذاته المقدسة اقتضت العلم بهذا وبهذا # وإن كان أحد الأمرين شرطا في الآخر فكونه شرطا في الآخر غير كونه علة فإن ~~الشرط لا يجب أن يتقدم على المشروط والعلة يجب تقدمها على المعلول والشرط ~~لا يوجب المشروط والعلة توجب المعلول # فما علمه من مخلوقاته فعلمه به مشروط بعلمه بنفسه ويلزم من علمه بنفسه ~~علمه به ويلزم من علمه به علمه لنفسه وإن لم يكن أحد العلمين يجب أن يتقدم ~~على الآخر ولا يكون هو العلة في وجود الآخر ولا يحتاج أن يستدل بأحد ~~المعلومين على الآخر # فلهذا كان علمه بأنه خالق يستلزم العلم بالمخلوقات من وجهين PageV10P131 # من جهة أن علمه بأنه خالق لا يكون إلا مع علمه بالمخلوقات لأن العلم ~~بالإضافة يتضمن العلم بالمتضايفين # ومن جهة أنه عالم بنفسه علما تاما # وكونه خالقا من صفات نفسه فلا يكون عالما بنفسه علما تاما إلا مع علمه ~~بأنه خالق ولا يكون عالما بأنه خالق إلا مع علمه بالمخلوقات # ومما ينبغي أن يعرف أن كلا من المتلازمين يلزم من وجوده وجود الآخر فكل ~~منهما يصلح في حقنا أن نستدل به ms2140 على الآخر فنستدل على هذا بذاك تارة ونستدل ~~بذاك على هذا تارة # إما أن نستدل على المجهول منهما بالمعلوم أو نستدل بالمعلوم على المعلوم ~~لبيان أنه دليل عليه أيضا ولتقوية العلم ولحصوله في النفس تارة بهذا الدليل ~~وتارة بهذا إذا عزب عنها علمه بالآخر فإن النفس قد تعلم الشيء ثم يعزب عنها ~~فإذا كثرت الأدلة كان كل منها يقتضي العلم به إذا قدر عزوب غيره من الأدلة # ولهذا جاز تعدد الأدلة الكثيرة على المدلول الواحد وكل ما يصلح أن يستدل ~~به على غيره فإن علم الرب به يستلزم علمه بالمدلول عليه لامتناع العلم ~~التام بالملزوم بدون العلم باللازم وإن كان هو سبحانه لا يحتاج أن يستدل ~~بالعلم بأحدهما على العلم بالآخر فهذا هذا # ومرادنا بيان ما يذكره الناس من الدلالة على الحق فإن قصروا في بيان ~~الدليل تممناه وإن قالوا بخلاف موجبه من وجه آخر أبطلناه PageV10P132 # وهذه حال ابن سينا وأمثاله في تقرير علم الله تعالى فإن كلامه في العلم ~~فيه تقصير عظيم من وجهين من جهة تقصيره في بيان ما ذكره من الحق ومن جهة ما ~~ذكره من الباطل فإنه ذكر حقا وذكر ما يستدل به عليه لكنه لم يعرف البيان ~~حقه من جهة انه لم يعط الدليل حقه في التزام ما يلزمه ومن جهة أن بعض ~~المقدمات قد تقصر في بيانها وإلا فالمادة التي سلكها في الدلالة مادة جيدة ~~مستقيمة إذا أعطيت حقها كانت مما تبين أن الله بكل شيء عليم من الجزئيات ~~والكليات # ولهذا كان الذين قدحوا في دلالة ابن سينا كالغزالي والشهرستاني والرازي ~~إنما يقدحون بكونه لم يقرر مقدماته أو بكونه لم يقل بموجبها ولم يلتزم ~~لوازمها بل تناقض فيوردون عليه سؤال الممانعة والمعارضة المنع لكونه لم ~~يقرره والمعارضة لكونه قد ناقض موجبها # وهذان السؤالان إذا توجها فإنما يدلان على قصور ابن سينا لا على قصور ~~مادة الدليل الذي استدل به بل هو من أحسن المواد وهو مما يعلم به أن الله ~~بكل شيء عليم بالكليات ms2141 والجزئيات # ونحن نذكر من كلامهم ما يبين ما ذكرناه # قال الغزالي مسألة في تعجيز من يرى منهم أن الأول يعلم غيره ويعلم ~~الأجناس والأنواع بنوع كلي PageV10P133 # فنقول أما المسلمون يعني المتكلمين الذين هم يذبون عنده عن المسلمين لما ~~انحصر عندهم الموجود في حادث وقديم ولم يكن عندهم قديم إلا الله وصفاته ~~وكان ما عداه حادثا من جهته بإرادته حصلت عندهم مقدمة ضرورية في علمه فإن ~~المراد بالضرورة لا بد أن يكون معلوما للمريد فبنوا عليه أن الكل معلوم له ~~لأن الكل مراد له وحادث بإرادته ولا كائن إلا وهو حادث بإرادته ولم يبق إلا ~~ذاته ومهما ثبت أنه مريد عالم بما أراده فهو حي بالضرورة وكل حي يعرف غيره ~~فهو بان يعرف ذاته أولى فصار الكل عندهم معلوما لله وعرفوه بهذه الطريق بعد ~~أن بان لهم أنه مريد لإحداث العالم # فأما أنتم إذا زعمتم أن العالم قديم لم يحدث بإرادته فمن أين عرفتم أنه ~~يعرف غير ذاته فلا بد من الدليل عليه # قال وحاصل ما ذكره ابن سينا في تحقيق ذلك في إدراج كلامه يرجع إلى فنين ~~PageV10P134 # قلت ما ذكره الغزالي من الاستدلال بالإحداث على العلم طريق صحيح يوصل إلى ~~تقرير أنه بكل شيء عليم لكن الطرق إلى ذلك كثيرة متعددة لم تنحصر في هذه ~~الطريق لا سيما إذا أريد تقرير حدوث العالم بحدوث الأجسام وامتناع حوادث لا ~~أول لها كما سلكه # فإن هذه الطريق مبتدعة في الإسلام باتفاق علماء الإسلام وهي باطلة عند ~~أئمة الإسلام وجمهور العقلاء والعلم بكون الرب مريدا لا يقف على هذه الطريق ~~بل ولا على العلم بحدوث الأجسام بل يكفي في ذلك مجرد العلم بأنه فاعل حتى ~~أن كثيرا من الفلاسفة القائلين بقدم العالم يقول إنه مريد وإنه عالم ~~بالجزئيات كما ذهب إلى ذلك من ذهب إليه من الفلاسفة وهو الذي نصره أبو ~~البركات فهؤلاء يثبتون العلم بطريق الإرادة # وأما المسلمون الذين يقولون إن كل ما سوى الله مخلوق فأئمتهم وجمهورهم لا ~~يثبتون ذلك بامتناع ms2142 حوادث لا أول لها كما سلكه الجهمية والمعتزلة ومن ~~اتبعهم بل هذا من الكلام المذموم عند السلف والأئمة # وأيضا فالرب إذا عرف أنه عالم بمخلوقاته لأنه خلقهم بإرادته علم أنه إذا ~~كان عالما بكل ما سواه فعلمه بنفسه أولى فإن هذه المقدمة لا تحتاج إلى ~~توسيط كونه حيا وإن كان ذلك طريقا صحيحا وإن كانت الحياة شرطا في كونه ~~عالما لكن ليس كل ما كان شرطا في الوجود كان العلم به شرطا في الاستدلال ~~فإنه من علم أن الله يعلم كل ما سواه ثم نظر هل يعلم نفسه أم لا علم أن ~~علمه بنفسه أولى من PageV10P135 علمه بكل ما سواه قبل أن يستشعر أنه حي وأن ~~كل حي يعرف غيره فهو بأن يعرف نفسه أولى # بل إذا كانت هذه القضية بينة وهو ان كل حي عرف غيره فهو بأن يعرف ذاته ~~أولى قضية بينه بنفسها فهي بينة وإن لم يذكر فيها كونه حيا إذا علم الإنسان ~~بهذه الأولوية غير مشروط بهذا وإن كانت الحياة شرطا في كل علم # كما أنا إذا علمنا أنه مريد علمنا أنه عالم بما أراده وإن لم يخطر ~~بقلوبنا أنه حي وإن كانت الحياة شرطا في العلم والإرادة فالعلم باستلزام ~~علمه بغيره لعلمه بنفسه لا يقف على العلم بهذه المقدمة وإن كانت هذه ~~المقدمة تفيد هذا المطلوب أيضا # وأيضا فعلم المسلمين بأن الله بكل شيء عليم له طرق غير الاستدلال ~~بالإرادة كما هو مذكور في موضعه # والمقصود كلامه على ما ذكره ابن سينا # قال وحاصل ما ذكره يرجع إلى فنين الأول أنه عقل محض وكل ما هو عقل محض ~~فجميع المعقولات مكشوفة له # إلى أن قال وإن عنيت بأنه عقل أنه يعقل نفسه فربما PageV10P136 يسلم لك ~~إخوانك من الفلاسفة ذلك ولكن يرجع حاصله إلى أن ما يعقل نفسه يعقل غيره # فيقال ولم ادعيت هذا وليس ذلك بضروري وقد انفرد به ابن سينا عن سائر ~~الفلاسفة فكيف تدعيه ضروريا وإن كان نظريا فما البرهان عليه # إلى أن ms2143 قال الفن الثاني قوله إنا وإن لم نقل إن الأول مريد للإحداث ولا ~~إن الكل حادث حدوثا زمانيا فإنا نقول إنه فعله وقد وجد منه إلا أنه لم يزل ~~بصفة الفاعلية فلم يزل فاعلا فلا نفارق غيرنا إلا في هذا المقدار وأما في ~~أصل الفعل فلا وإذا وجب كون الفاعل عالما بالاتفاق بفعله فالكل عندنا من ~~فعله # قال أبو حامد والجواب من وجهين # أحدهما أن الفعل قسمان إرادي كفعل الحيوان والإنسان وطبيعي كفعل الشمس في ~~الإضاءة والنار في التسخين والماء في التبريد # وإنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي كما في الصناعات PageV10P137 ~~البشرية فأما في الفعل الطبيعي فلا # وعندكم أن الله فعل العالم بطريق اللزوم عن ذاته بالطبع والاضطرار لا ~~بطريق الإرادة والاختيار بل لزم الكل ذاته كما يلزم النور الشمس وكما لا ~~قدرة للشمس على كف النور ولا النار على كف التسخين فلا قدرة للأول على الكف ~~عن أفعاله تعالى عن قولهم علوا كبيرا # قال وهذا النمط وإن تجوز بتسميته فعلا فلا يقتضي علما للفاعل أصلا # فإن قيل بين الأمرين فرق وهو أن صدور الكل عن ذاته بسبب علمه بالكل فتمثل ~~النظام الكلي هو سبب فيضان الكل ولا مبدأ له سوى العلم بالكل والعلم بالكل ~~عين ذاته فلو لم يكن له علم بالكل لما وجد منه الكل بخلاف النور من الشمس # قلنا وفي هذا خالفك إخوانك فإنهم قالوا ذاته ذات يلزم منها وجود الكل على ~~ترتيبه بالطبع والاضطرار لا من حيث هو عالم PageV10P138 بها فما المحيل ~~لهذا المذهب مهما وافقتهم على نفي الإرادة # وكما لم يشترط علم الشمس بالنور للزوم النور بل يتبعها النور ضرورة ~~فليقدر ذلك في الأول ولا مانع منه # الوجه الثاني هو أنه إن سلم أن صدور الشيء من الفاعل يقتضي العلم أيضا ~~بالصادر فعندهم فعل الله واحد وهو المعلول الأول الذي هو عقل بسيط فينبغي ~~أن لا يكون عالما إلا به والمعلول الأول يكون أيضا عالما بما صدر منه فقط ~~فإن الكل لم يوجد من ms2144 الله دفعة بل بالوسط والتولد واللزوم فالذي يصدر مما ~~يصدر منه لم ينبغ أن يكون معلوما له ولم يصدر منه إلا شيء واحد بل هذا لا ~~يلزم في الفعل الإرادي فكيف في الطبيعي فإن حركة الحجر من فوق جبل قد تكون ~~بتحريك إرادي يوجب العلم بأصل الحركة ولا يوجب العلم بما يتولد منه بوساطته ~~من مصادمته وكسر غيره فهذا أيضا لا جواب له عنه PageV10P139 # قال فإن قيل فلو قضينا بأنه لا يعرف إلا نفسه لكان ذلك في غاية الشناعة ~~فإن غيره يعرف نفسه ويعرفه ويعرف غيره فكيف يكون في الشرف فوقه وكيف يكون ~~المعلول أشرف من العلة # قلنا فهذه الشناعة لازمة من مقال الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدوث ~~العالم فيجب ارتكابها كما ارتكبت سائر الفلاسفة له ولا بد من ترك الفلسفة ~~والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة ثم يقال بم تنكرون إلى آخره # قلت ما ذكره أبو حامد من منازعة إخوانه الفلاسفة في أن العلم بنفسه ~~يستلزم العلم بمفعولاته تقدم بيانه له وكون ابن سينا خالفهم في هذا هو من ~~محاسنه وفضائله التي علم فيها ببعض الحق والحجة معه عليهم كما أن أبا ~~البركات كان أكثر إحسانا منه في هذا الباب # فكل من أعطى الأدلة حقها وعرف من الحق ما لم يعرفه غيره كان ذلك مما يفضل ~~به ويمدح وهو لم يقل إن عقله لنفسه مستلزم لغيره بل قال يستلزم عقله ~~لمفعولاته كما تقدم PageV10P140 # والأصول العقلية التي يوافقونه على صحتها توجب موافقتهم له في هذا الموضع ~~كما تقدم # هذا لو كان الفلاسفة كلهم ينفون الإرادة وليس كذلك بل بينهم من يصرح ~~بثبوتها وهو القول الذي نصره أبو البركات منهم # ومنهم من يحكي إثبات الإرادة عنهم مطلقا كما اختاره ابن رشد عنهم فإنه ~~قال في تهافت التهافت استفتح أبو حامد هذا الفصل بأن حكى عن الفلاسفة شيئا ~~شنيعا وهو أن الباري ليس له إرادة لا في الحادث ولا في الكل لكون فعله ~~صادرا عن ذاته ضرورة كصدور الضوء من الشمس ثم ms2145 يحكى عنهم أنهم قالوا من كونه ~~فاعلا يلزم أن يكون عالما # قال والفلاسفة ليس ينفون الإرادة عن الباري تعالى ولا يثبتون له الإرادة ~~البشرية لأن البشرية إنما هي لوجود نقص في المريد وانفعال عن المراد فإذا ~~وجد المراد له تم النقص وارتفع ذلك الانفعال المسمى إرادة وإنما يثبتون له ~~من معنى الإرادة أن PageV10P141 الأفعال الصادرة عنه هي صادرة عن علم وكل ~~ما صدر عن علم وحكمة فهو صادر بإرادة الفاعل لا ضروريا طبيعيا إذ ليس عن ~~طبيعة العلم صدور الفعل عنه كما حكى هو عن الفلاسفة لأنا إذا قلنا يعلم ~~الضدين لزم أن يصدر عنه الضدان معا وذلك محال فصدور أحد الضدين عنه يدل على ~~صفة زائدة على العلم وهي الإرادة # هكذا ينبغي أن يفهم ثبوت الإرادة في الأول عند الفلاسفة فهو عندهم عالم ~~مريد عن علمه ضرورة # وقال ابن رشد أيضا وأما قول أبي حامد إن الفعل قسمان إما طبيعي وإما ~~إرادي فباطل بل فعله عند الفلاسفة لا طبيعي بوجه من الوجوه ولا إرادي ~~بإطلاق بل إرادي منزه عن النقص الموجود في إرادة الإنسان وكذلك اسم الإرادة ~~مقول عليهما باشتراك الاسم كما أن اسم العلم كذلك على العلمين القديم ~~والحادث فإن الإرادة في الحيوان والإنسان انفعال لا حق له عن المراد فهي ~~معلولة عنه PageV10P142 # هذا هو المفهوم من إرادة الإنسان والباري سبحانه منزه عن أن يكون فيه صفة ~~معلولة فلا يفهم من معنى الإرادة إلا صدور الفعل مقترنا بالعلم وأن العلم ~~كما قلناه يتعلق بالضدين ففي العلم الأول بوجه ما علم بالضدين ففعله أحد ~~الضدين دليل على أن هنا صفة أخرى وهي التي تسمى إرادة # قلت ابن رشد يتعصب للفلاسفة فحكايته عنهم أنهم يقولون إنه مريد كحكايته ~~عنهم إنهم يقولون إنه عالم بالمخلوقات ولا ريب أن كلاهما قول طائفة منهم ~~وأما نقل ذلك عن جملتهم أو المشائين جملة فغلط ظاهر ولكن الذي انتصر لثبوت ~~هذا وهذا انتصارا ظاهرا أبو البركات ونحوه وابن رشد هو في إثبات ذلك دونه ~~وابن ms2146 سينا دونهما # ولا ريب أن كلام أرسطو في الإلهيات كلام قليل وفيه خطأ كثير بخلاف كلامه ~~في الطبيعيات فإنه كثير وصوابه فيه كثير # وهؤلاء المتأخرون وسعوا القول في الإلهيات وكان صوابهم فيها أكثر من صواب ~~أوليهم لما اتصل إليهم من كلام أهل الملل وأتباع الرسل وعقول هؤلاء ~~وأنظارهم في الإلهيات فإن بين كلام هؤلاء في الإلهيات وكلام أرسطو وأمثاله ~~تفاوتا كثيرا PageV10P143 # والمقصود أن ما ذكره أبو حامد من أنه إنما يلزم العلم بالفعل في الفعل ~~الإرادي فكلام صحيح وهذا يدل على أن الفعل إذا كان إراديا لزم كون الفاعل ~~عالما بفعله فنستدل بكونه مريدا على كونه عالما وهو استدلال صحيح ويقتضي ~~أنه إذا قدر نفي اللازم وهو العلم انتفت الإرادة وهو أيضا صحيح # وكذلك ما ذكره من أن العلم لا يلزم إلا في الفعل الإرادي لا في الفعل ~~الطبيعي الذي ليس بإرادي فإذا قدر فعل ليس بإرادي لم يلزم كون الفاعل عالما ~~هو كلام صحيح # وعلى هذا فإذا قدر أن الفاعل عالم لزم ان يكون الفعل إراديا لأن الفعل ~~الإرادي مستلزم للعلم وغير الإرادي مستلزم لنفيه وإذا انتفى اللازم انتفى ~~الملزوم وإذا ثبت الملزوم ثبت اللازم # فالإرادة ملزومة للعلم والعلم لازم لها ونفي الإرادة ملزوم لنفي العلم ~~ونفي العلم ملزوم لنفي الإرادة # فإذا قدر ثبوت العلم لزم انتفاء نقيضه وهو نفي العلم ولازم نقيضه وهو ~~انتفاء الإرادة وإذا انتفى هذا الانتفاء ثبت نقيضه وهو الإرادة # وإيضاحه أن العلم لازم للإرادة كما ذكروا أن كل مريد فهو عالم فما ليس ~~بعالم ليس بمريد وهذا الذي يسمونه عكس النقيض فإن العلم لازم للإرادة فإذا ~~انتفى اللازم وهو العلم انتفى الملزوم وهو الإرادة PageV10P144 # وذكروا أن الفعل الذي ليس بإرادي مستلزم لنفي العلم فإذا انتفت الإرادة ~~في الفعل لزم نفي العلم فإذا انتفى هذا اللازم وهو نفي العلم انتفى ملزومه ~~وهو انتفاء الإرادة فحصلت الإرادة فصار يلزم من ثبوت العلم في الفعل ثبوت ~~الإرادة ومن نفيه نفيها ومن ثبوتها ثبوته ومن انتفائها انتفاؤه # وهذا ms2147 بين إذ كان كل فعل بالإرادة فمعه العلم وكل فعل ليس بإرادة فلا علم ~~معه فينعكس كل منهما عكس النقيض # فيقال كل ما ليس معه علم فليس معه إرادة وكل ما معه علم فمعه إرادة فهذا ~~يفيد أنه يلزم في الفعل من ثبوت كل واحد من العلم والإرادة ثبوت الآخر ومن ~~انتفائه انتفاؤه وهذا حق وهو يدل على فساد قول من أثبت العلم ونفى الإرادة ~~وهم بعض الفلاسفة وبعض المعتزلة # ولكن ليس في هذا ما يدل على فساد الطريق التي سلكها ابن سينا في إثبات ~~العلم فإنه إذا استدل على كونه عالما بمخلوقاته بأن الفاعل يجب أن يكون ~~عالما بفعله وبأن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها كان دليلا ~~صحيحا كما تقدم تقريره وإن لم يذكر في الدليل كونه فاعلا بالإرادة فإن هذا ~~شرط في كونه فاعلا كما أن كونه حيا شرط في كونه فاعلا وكما أن كونه عالما ~~شرط في كونه مريدا # والدليل قد يدل على ثبوت المشروط قبل أن يعلم شرطه ثم بعد ذلك قد يعلم ~~بشرطه وقد لا يعلم كما يدل الدليل على كونه فاعلا بالاختيار وشرط الفاعل ~~بالاختيار أن يكون عالما ثم إذا علم أنه فاعل PageV10P145 بالإرادة علم بعد ~~ذلك أنه عالم وقد يعلم العالم أنه مريد ولا يخطر بقلبه أنه عالم فليس كل من ~~علم من البشر شيئا علم لوازمه لقصور علم البشر بخلاف علم الخالق الذي علمه ~~تام فلا يعلم الملزوم إلا ويعلم لازمه كما تقدم # وإذا كان كذلك فالصواب في هذا الباب أن يقرر ما ذكره ابن سينا من الطريق ~~الدال على كونه عالما بالمخلوقات فإنها طريق صحيحة لا تتوقف على ما ذكروه # ولكن يقال له هذه الطريق تستلزم كونه مريدا فإثباتك لفاعل عالم بمفعولاته ~~بدون الإرادة تناقض وموجب الدليل شيء وفساد الدليل شيء آخر فمطالبته بموجب ~~دليله الصحيح هو الصواب دون القدح في دليله الصحيح # وأما ما ذكره عن إخوانه المنازعين له في العلم حيث قالوا ذاته ذات يلزم ~~منها وجود الكل ms2148 بالطبع والاضطرار لا من حيث إنه عالم بها # وقوله فما المحيل لهذا المذهب مهما وافقهم على نفي الإرادة # فيقال له المحيل لهذا المذهب ما تقدم من أن علمه بنفسه يوجب علمه ~~بمخلوقاته والكلام في هذا المقام بعد تقرير أنه عالم بنفسه فمن قال إنه ~~عالم بنفسه دون مخلوقاته كان قوله باطلا وأما تقرير كونه عالما بنفسه فهذا ~~مذكور في موضعه PageV10P146 # وبهذا يظهر الجواب عن الفاعل بالطبع كالنار والماء فإن ذاك إنما قيل ليس ~~بعالم بفعله لكونه ليس عالما بنفسه ولم يقل عاقل إن ذلك الفاعل عالم بنفسه ~~دون فعله كما لم يقل عاقل إنه عالم بفعله دون نفسه إذ كان العلم بكل منهما ~~يستلزم العلم بالآخر # واما تمثيل ذلك بنور الشمس فعنه جوابان # أحدهما أن الشمس ليست علة تامة فاعلة للنور بل هي شرط في فيضانه وفيضانه ~~مشروط بوجود جسم ينعكس عليه شعاعها والأول سبحانه هو وحده مبدع لكل ما سواه # الثاني أن الشمس إن قيل إنها عالمة بنفسها وقيل مع ذلك إنها مبدعة للشعاع ~~لم نسلم أنها لا تعلم الشعاع لكن الشأن في تينك المقدمتين # وأما قوله مهما وافقهم لازم له # فيقال بل الصواب أن يقال إثباتك العلم مع نفي الإرادة تناقض يلزم منه ~~خطؤك إما في إثبات العلم وإما في نفي الإرادة # وحينئذ فيقال هؤلاء نفوا العلم والإرادة وأنت أثبت العلم دون الإرادة ~~وهما متلازمان فيلزم خطؤك إما في إثبات العلم وإما في نفي الإرادة # وحينئذ فيقول أدلتي المذكورة على ثبوت العلم صحيحة توجب PageV10P147 ثبوت ~~العلم وإذا كان ذلك مستلزما للإرادة كان خطئي في نفي الإرادة فهذا هو ~~الصواب دون أن يقال كما وافقتهم على الخطأ في نفي الإرادة فوافقهم على ~~الخطأ في نفي العلم # وأما قوله في الوجه الثاني إن فعل الله واحد وهو المعلول الأول فينبغي أن ~~لا يكون عالما إلا به # فيقال إذا ثبت أن علمه بنفسه يستلزم علمه بمفعولاته وجميع الممكنات ~~مفعولة لزم أن يعلمها كلها # وأما قولهم إنه أول ما أبدع العقل الأول ms2149 فكلامهم في هذا خطأ في بيان فعله ~~لا خطأ في إثبات وجوب كونه عالما بمفعولاته ولا ريب أن قولهم في صدور ~~الأفعال منه خطأ لكن لا يلزم من الخطأ في ذلك الخطأ فيما به قررت كونه ~~عالما بمفعولاته # ثم يقال ولا يلزم أيضا على أصلهم أنه لايعلم إلا العقل الأول بل يلزم ~~علمه بكل شيء وذلك لأنهم تارة يقولون صدر عنه عقل وبتوسطه عقل ونفس وفلك ~~وتارة يجعلون الثاني صادرا عن الأول وتارة يجعلون الأول شرطا وتارة يجعلونه ~~مبدعا للثاني ومنهم من يقول بلزوم جملة الفلك له # وعلى كل تقدير فلا ريب أن علمه بالملزوم علما تاما يستلزم علمه باللازم ~~وكذلك العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول كما تقدم PageV10P148 # فأقصى ما يقدر أن الأول كان علة للثاني فإذا كان عالما بالأول علما تاما ~~لزم أن يعلم لوازمه التي منها علمه بفعله للثاني كما تقدم # فعل كل تقدير لا يكون قول من سلبه العلم خيرا من قوله من أثبته # وبهذا أجابه ابن رشد فقال الجواب عن هذا ان الفاعل الذي هو في غاية العلم ~~يعلم ما صدر عما صدر منه وما صدر من ذلك الصادر إلى آخر ما صدر فإن كان ~~الأول في غاية العلم فيجب أن يكون عالما بكل ما صدر عنه بوساطة أو بغير ~~وساطة وليس يلزم منه أن يكون علمه من جنس علمنا لأن علمنا ناقص ومتأخر عن ~~المعلوم ومن فر من شناعة القول بأنه لا يعلم إلا نفسه فهو معذور في هذا ~~الفرار # وقوله إن هذه الشناعة لازمة في مقال الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدث ~~العالم فيجب ارتكابهما كما ارتكب سائر PageV10P149 الفلاسفة ولا بد من ترك ~~الفلسفة والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة # فيقال إذا كان هذا لازما لمن نفى الإرادة والحدوث فيجب إثبات الإرادة ~~والحدوث فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل لا يجب إذا ترك بعض ~~الحق أن يترك سائره بل يجب الاعتراف به كله وإلا فالاعتراف ببعضه خير من ~~جحده كله # وقد ms2150 تقدم تحقيق الأمر في تلازم العلم والإرادة # قال أبو حامد ثم يقال بم تنكر على من قال من الفلاسفة إن ذلك يعني العلم ~~ليس بزيادة شرف فإن العلم إنما احتاج إليه غيره ليستفيد كمالا فإنه في ذاته ~~قاصر فشرف بالمعقولات إما ليطلع على مصالحه في العواقب في الدنيا والآخرة ~~وإما لتكمل ذاته المظلمة الناقصة وكذلك سائر المخلوقات المخلوقات وأما ذات ~~الله فمستغنية عن التكميل بل لو قدر له علم يكمل به PageV10P150 لكانت ذاته ~~من حيث ذاته ناقصة وهذا كما قلت في السمع والبصر وفي العلم بالجزئيات ~~الداخلة تحت الزمان فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه عنه وأن ~~المتغيرات الداخلة في الزمان المنقسمة إلى ما كان ويكون لايعرفها الأول لأن ~~ذلك يوجب تغيرا في ذاته وتأثيرا # ولم يكن في سلب ذلك عنه نقصان بل هو كمال وإنما النقصان من الحواس ~~والحاجة إليها ولولا نقصان الآدمي لما احتاج إلى حواس لتحرسه عما يتعرض ~~للتغير به # وكذلك العلم بالحوادث الجزئية زعمتم أنه نقصان فإذا كنا نعرف الحوادث ~~كلها وندرك المحسوسات كلها والأول لايعرف شيئا من الجزئيات ولا يدرك شيئا ~~من المحسوسات ولا يكون ذلك نقصانا فالعلم بالكليات العقلية أيضا يجوز أن ~~يثبت لغيره ولا يثبت له ولا يكون فيه نقصان وهذا لا مخرج عنه PageV10P151 # فيقال هذا الكلام متوجه على سبيل الإلزام والمعارضة يظهر به تناقض من ~~أثبت له علما بمعلوم دون آخر كابن سينا وأمثاله فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ~~ما فر منه فيما نفاه فإن كان ذلك حقا فيلزم أن لا يعلم شيئا ولا نفسه وإن ~~لم يكن حقا فيلزم أن يعلم كل شيء # ولا ريب أن هذا هو الصواب فهو يقول لهم إن العلم إن كان صفة كمال وشرف ~~فمعلوم أن علمه بكل شيء أكمل من علمه ببعض الأشياء وإن لم يكن صفة كمال فلا ~~يثبت شيء منه # واستشهد على ذلك بأنكم نفيتم عنه السمع والبصر والعلم بالمتغيرات فإن كان ~~نفى ذلك نقصا فقد وصفتموه بالنقص وإن لم يكن ms2151 نقصا لم يكن نفي غيره نقصا # وابن سينا يفرق بين علمه بالثابتات وبين علمه بالمتغيرات لئلا يلزم تغيره ~~بتغير العلم # وقد بين أبو حامد بعد هذا أنه لا محذور في علمه بالمتغيرات بل يلزمه ~~إثبات العلم بذلك فإثبات العلم مطلقا هو الواجب دون نفيه وكل ما لزم من ~~إثبات العلم فلا محذور فيه أصلا بل غايته ترجع إلى مسألة نفي الصفات ~~والأفعال والاختيارات فليس لهم في نفي العلم إلا ما ينشأ عن هذين السلبين # وقد بين فساد قول النفاة للصفاة والأمور القائمة بذاته الاختياريات وإذا ~~كان علمه سبحانه بكل شيء مستلزما لثبوت هذين الأصلين كان ذلك مما يدل على ~~صحتهما كما دل على ذلك PageV10P152 سائر الأدلة الشرعية والعقلية فإن ثبوت ~~العلم بكل شيء مما هو معلوم بالاضطرار من دين المرسلين ومما هو ثابت بقواطع ~~البراهين # فإذا كان مستلزما لإبطال هذين الأصلين اللذين هما من البدع التي أحدثها ~~الجهمية كان هذا من الأدلة الدالة على اتفاق الحق وتناسبه وتصديق ما جاء به ~~الرسول وموافقته لصريح العقل وأنه لا اختلاف فيما جاء من عند الله بخلاف ~~الأقوال المخالفة لذلك فإنها كلها متناقضة # وتدبر حجج النفاة فإنها كلها من أسقط الحجج كالقول الذي يقوله بعض ~~الفلاسفة إن العلم ليس بزيادة شرف فلا يكون من يعلم أشرف ممن لا يعلم ويقول ~~إنه إذا كان عالما فقد جعل ناقصا بذاته مستكملا بغيره # أما الأول فمن القضايا البديهية المستقرة في الفطر أن الذي يعلم أكمل من ~~الذي لا يعلم كما أن الذي يقدر أكمل من الذي لا يقدر # ولهذا يذكر سبحانه هذه القضية بخطاب استفهام الإنكار الذي يبين أنها ~~مستقرة في الفطر وأن النافي لها قال قولا منكرا في الفطرة # كقوله تعالى @QB@ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ سورة ~~الزمر 9 فإنه يدل على أنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم ويدل على أن ~~التسوية منكرة في الفطر تنكر على من سوى بينهما # كقوله تعالى @QB@ قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام ms2152 ~~الأنثيين @QE@ سورة الأنعام 143 PageV10P153 # وقوله @QB@ قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون @QE@ سورة يونس 59 # وقوله @QB@ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق @QE@ ~~سورة الأعراف 32 # وقوله @QB@ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا @QE@ سورة الأنعام 148 # وكذلك قوله @QB@ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه ~~منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ~~أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ~~@QE@ سورة النحل 7675 # وقوله @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون @QE@ سورة النحل 17 # وقوله @QB@ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى ~~@QE@ سورة يونس 35 # وكما أنه سبحانه في القرآن يبين أن العالم القادر الذي يخلق ويأمر بالعدل ~~أكمل من غيره وأن هذا التفضيل مستقر في الفطر والتسوية من منكرات العقول ~~التي تنكرها القلوب بفطرتها وهي من المقدمات البديهية المستقرة فيها فكذلك ~~يبين أن العادم لصفات الكمال ناقص PageV10P154 لا يمكن أن يكون ربا ولا ~~معبودا ويبين أن العلم بذلك فطري مستقر في القلوب # كقوله تعالى عن الخليل @QB@ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا @QE@ سورة مريم 42 # وقوله تعالى @QB@ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين @QE@ سورة ~~الأعراف 148 # وقوله @QB@ أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ~~@QE@ سورة طه 89 # وقوله @QB@ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات ~~غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون @QE@ سورة النحل 20 21 # وقوله @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله @QE@ سورة يونس 18 # وقوله عن الخليل @QB@ أتعبدون ما تنحتون والله ms2153 خلقكم وما تعملون @QE@ ~~سورة الصافات 95 96 # وقوله أيضا @QB@ هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون @QE@ سورة ~~الشعراء 72 73 # وقوله @QB@ أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ~~ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون @QE@ سورة الأنبياء 66 67 وأمثال ذلك ~~كثير PageV10P155 # والمقصود هنا أن كون العلم صفة كمال وكون العالم أكمل من الذي لا يعلم ~~وكون عدم العلم نقصا هو من أبين القضايا البديهية المستقرة في فطر بني آدم # وأما قول القائل إن العلم إنما احتاج إليه غير الله ليستفيد كمالا إما ~~ليطلع على مصالحه وإما لتكميل ذاته المظلمة # فيقال له هذا بعينه دليل على أن الذوات لا تكمل إلا بالعلم من جهة أنها ~~لا تقدر أن تفعل ما تصلح إلا به ومن جهة أنها بدونه مظلمة # والرب فاعل لكل شيء وفاعل لكل فاعل فهو أحق بأن يكون عالما من كل فاعل ~~وذاته أكمل الذوات فهي أحق بأن يكون لها غاية الكمال وأن تكون برية من كل ~~نقص # وقول القائل ذات الله مستغنية عن التكميل كلمة حق فإنها مستغنية عن أن ~~يكملها أحد سواها لكن ما هي ذات الله المستغنية عن التكميل أهي ذات مسلوبة ~~العلم وغيره من صفات الكمال فلا تعلم ولا تسمع ولا تبصر أم هي الذات ~~المتصفة بهذه الصفات # أما الأول فلا حقيقة لتلك الذات ولا وجود لها فضلا عن أن يقال ذات الله ~~فإن ذاتا لا تتصف بشيء من الصفات إنما تعقل في الأذهان لا في الأعيان وذاتا ~~لا تتصف بصفات الكمال PageV10P156 ليست خالق المخلوقات ولا وجود لها ولو ~~قدر وجودها فهي من أنقص الذوات بل كل حيوان أكمل منها فإنا نعلم بصريح ~~المعقول أن الحي أكمل مما ليس بحي والعالم أكمل مما ليس بعالم والقادر أكمل ~~مما ليس بقادر # وقول القائل لو قدر له ما يكمل به لكانت ذاته من حيث ذاته ناقصة قول باطل ~~من وجوه # أحدها أن ذاته المجردة عن الصفات لا حقيقة لها أو نقول ms2154 لا نعلم ثبوتها أو ~~نعلم أن الذات المجردة عن الكمال معدومة # ولفظ ذات لفظ مولد وهو تأنيث ذو ومعنى ذات أي ذات علم وذات قدرة وذات ~~حياة # فتقدير ذات بلا صفات تقدير المضاف المستلزم للإضافة بدون الإضافة # ولهذا أنكر طائفة من أهل العربية كابن برهان والجواليقي النطق بهذا اللفظ ~~وقالوا هذا مؤنث والرب لا يجري عليه اسم مؤنث ولكن الذين أطلقوه عنوا به ~~نفسا ذات علم أو حقيقة ذات علم # وفي الجملة فتقدير الذات ذاتا مجردة عن الصفات هو الذي أوقعه في هذه ~~الخيالات الفاسدة PageV10P157 # وقوله الذات من حيث ذاته إن أراد به أن الذات من حيث هي لا صفة لها فهذه ~~لا وجود لها فضلا عن أن تكون كاملة # وإن أراد من حيث حقيقتها الموجودة فهي من تلك الجهة لا تكون إلا متصفة ~~بصفات الكمال # قوله وهذا كما قلت في السمع والبصر والعلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان ~~فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه عنه إلى قوله وهذا لا مخرج منه # فيقال لا ريب أنه مخرج لابن سينا من هذا الإلزام فإنه إذا لم يكن عنده ~~عدم العلم بالجزئيات نقصا كذلك عدم العلم بالكليات وإن قال عدم علمه بها ~~كمال أمكن منازعوه ان يقولوا نفى علمه بالثابتات كمال # وإذ قال أنا نفيت عنه لأن إثباته يفضي إلى التغير # قالوا له ونحن نفينا ذاك لأنه يفضي إلى التكثر # فإذا قال ذاك التكثر ليس بممتنع # قيل له وهذا التغير ليس بممتنع وذاك أنه جعل التكثر في الإضافات فإن كان ~~هذا حقا أمكن أن يقال بالتغير في نفس الإضافات PageV10P158 # وذلك أنه إن قال إن نفس العلم إضافة فالتكثر والتجدد في العلم إضافة # وإن قال بل هو صفة مضافة والتكثر في المعلوم لا في العلم بل يعلم بعلم ~~واحد جميع المعلومات كما يقوله ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما # قيل له والتغير في المعلوم لا في العلم لأن العلم واحد لا يتعدد فضلا عن ~~أن يتغير # وإن قال هذا باطل فإن العلم بأن ms2155 سيكون الشيء ليس هو العلم بأن قد كان # قيل له وكذلك العلم بالسماء ليس هو العلم بالأرض وأنت تقول أبلغ من ذلك ~~تقول ليس العلم إلا العالم بل تقول العلم والعالم شيء واحد # ومعلوم أن هذا القول أبعد عن المعقول من قول من قال العلم بالمعلومات شيء ~~واحد فإن هذا يقول إن العلم ليس هو العالم ولا هو المعلوم بل هو صفة للعالم # ولا ريب أن ابن سينا يتناقض في هذه المواضع فتارة يجعل العلم زائدا على ~~الذات العالمة وتارة لا يقول بذلك # فإنه قال لما رد على من قال باتحاد العاقل بالمعقول فيظهر PageV10P159 لك ~~من هذا أن كل ما يعقل فإنه ذات موجود تتقرر فيها الجلايا العقلية تقرير شيء ~~في شيء آخر # فصرح بأنه يتقرر في ذات العاقل الجلايا العقلية تقرير شيء في شيء اخر ~~وهذا خلاف قول العاقل والمعقول والعقل شيء واحد # والمقصود قبول ما يقوله من الحق وهو ما أثبته من كون الرب عالما بالأعيان ~~الثابتة وبيان صحة حجته على ذلك # وأما ما نفاه من علمه بالجزئيات فحجته على نفيه ضعيفة # وقد بين أبو حامد وأبو البركات وغيرهما أنه يلزمهم القول بعلمه بالجزئيات ~~وبينوا فساد ما نفوا به ذلك # قال ابن سينا إشارة الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل الكليات من حيث تجب ~~بأسبابها منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه يتخصص به كالكسوف الجزئي فإنه قد ~~يعقل وقوعه بسبب توافق أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها ويعقلها كما يعقل ~~الجزئيات وذلك غير الإدراك الجزئي الزماني لها الذي يحكم أنه PageV10P160 ~~وقع الآن أو قبله أو يقع بعده بل مثله أن نعقل أن كسوفا جزئيا يعرض عند ~~حصول القمر وهو جزئي ما وقت كذا وهو جزئي ما في مقابلة كذا ثم ربما وقع ذلك ~~الكسوف ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع وإن كان معقولا ~~له على النحو الأول لأن هذا إدراك آخر جزئي يحدث مع حدوث المدرك ويزول مع ~~زواله # وذلك الأول يكون ثابتا الدهر ms2156 كله وإن كان علما بجزئي وهو أن العاقل يعقل ~~أن بين كون القمر في موضع كذا وبين كونه في موضع كذا يكون كسوف معين في وقت ~~من زمان أول الحالين محدود عقله ذلك أمر ثابت قبل الكسوف ومعه وبعده هذا ~~لفظه # قلت وهذا الذي ذكره إنما يتأتى في الأمور الدائمة عنده كالشمس والقمر ~~والكواكب والأفلاك فإنه يعلمها بأعيانها فإنها دائمة # وأما الأمور المتجددة مثل حركاتها ومثل الكسوف والخسوف والإهلال والإبدار ~~ومثل أشخاص الناس والحيوان فهذه لا يتصور أن يعقلها إلا على وجه كلي مثل أن ~~يعلم أنه في كل شهر يحصل إهلال وإبدار وفي كل سنة يحصل مصيف وشتاء فأما ~~العلم بإهلال معين PageV10P161 وإبدار معين وكسوف معين فهذا جزئي حادث كائن ~~بعد أن لم يكن زائل بعدما كان فإن علمه بعينه لزم ما حذروه من التغير في ~~علمه فإنه إذا علمه قبل وجوده علمه معدوما سيوجد ثم إذا وجد علمه موجودا ثم ~~إذا زال علمه معدوما قد كان وهذا الذي فروا منه # ولو علم الجزئيات بأعيانها بعلم ثابت لزم وجود ما لا نهاية له من ~~المعقولات دائما في ذاته # وأما قوله مثل أن يعقل أن كسوفا جزئيا يعرض عند حصول القمر وهو جزئي وقت ~~كذا وهو جزئي في مقابلة كذا ثم ربما وقع ذاك الكسوف ولم يكن عند العاقل ~~الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع وإن كان معقولا له على النحو الأول لأن هذا ~~إدراك آخر جزئي يحدث مع حدوث المدرك ويزول مع زواله وذلك الأول يكون ثابتا ~~الدهر كله وإن كان عالما بجزئي # فيقال هذا الكسوف المعلوم أهو كسوف واحد بالعين أم بالنوع # فالأول أن يعلم أن الشمس تكسف في برج الحمل في السنة الفلانية سنة ~~الطوفان # والثاني أن يعقل أنها كلها إن حصلت في برج كذا على وجه كذا كسفت # فإن قيل إنه كسوف معين فهذا إذا كان عقله ثابتا أبدا يكون PageV10P162 قد ~~عقل قبل وجوده وحينئذ يكون معدوما لا موجودا والعلم بأنه موجود جهل والعلم ~~بأنه ms2157 سيوجد هو الذي فروا منه # وإن قالوا نعلم أنه إذا حصل الشيء المعين الجزئي حصل الكسوف وإن لم نعلم ~~متى يحصل ذاك # قيل فمثل هذا لا يكون إلا إذا كان المعلوم كليا وهو أن نعلم أنه إذا حصل ~~ذلك الأمر المعين على وجه المعين حصل الكسوف وهذا العلم كلي لا جزئي # ففي الجملة الجزئي لا يكون جزئيا إلا إذا انحصر شخصه ومنع تصوره من وقوع ~~الشركة فيه وهذا إذا لم يكن أمرا ثابتا بل أمرا حادثا فلا يعلم على وجهه إن ~~لم يعلم وقته المعين # وحينئذ فيكون العلم به قبل وقته وإلا فإذا علم أنه متى حصل كذا على وجه ~~كذا حصل الكسوف فهذا كلي وإن علم أنه لا بد أن يحصل فإنه كلي من حيث الزمان ~~فإن تصوره لا يمنع اشتراك الأزمنة فيه فلم يعلم إلا على وجه كلي لا يمنع ~~تصوره من وقوع الشركة فيه # وقولهم مع هذا إنه لايعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض مغالطة ~~بل لم يعلم شيئا من الأمور المعينة الحادثة البتة بل هو عازب عنه لا يدرى ~~أكان أم لم يكن فإن نفس تصور الكلى من PageV10P163 حيث هو كلي لا يفيد تصور ~~المعينات والوجود ليس فيه إلا المعينات فلا يكون تصور شيئا من المعينات ~~الحادثة # وقد بين ذلك شارحو كلامه فقال الطوسي يريد التفرقة بين إدراك الجزئيات ~~على وجه كلي لا يمكن أن يتغير وبين إدراكها على وجه جزئي يتغير بتغيرها ~~ليبين أن الأول تعالى بل كل عاقل فهو إنما يدرك الجزئيات من حيث هو عاقل ~~على الوجه الأول دون الثاني وإدراكها على الوجه الثاني لا يحصل إلا ~~بالإحساس أو التخيل أو ما يجري مجراهما من الآلات الجسمانية # قال وقبل تقرير ذلك نقول كلية الإدراك وجزئيته تتعلقان بكلية التصورات ~~الواقعة فيه وجزئيتها فلا تدخل التصديقات في ذلك يعني بذلك أن التصديق إنما ~~يكون كليا وجزئيا باعتبار ما فيه من التصور هل هو جزئي أو كلي # قال فإن قولنا هذا الإنسان يقول هذا ms2158 القول في هذا الوقت جزئي وقولنا ~~الإنسان يقول القول في وقت كلي ولم يتغير فيهما إلا حال الإنسان والقول ~~والوقت والجزئية بالكلية PageV10P164 # ولقائل أن يقول بل نفس النسبة لا تكون جزئية وكلية فإنه إذا قيل هذا ~~الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت كان الجميع جزئيا وإذا قيل يقول ~~أقوالا حسنة أو يقول هذا القول دائما كان الثاني كليا فإن تصوره لا يمنع من ~~وقوع الشركة فيه # فإن قلت المحمول الذي هو خبر المبتدأ عن أحدهما قول معين وفي الآخر قول ~~مطلق فالجزئية والكلية إنما وقعا في التصورين # قيل إن أريد ذلك لم يكن لنا تصديق غير التصورات فلا حاجة إلى نفي الكلية ~~عنه # ولكن المعروف أن هذا القول هو الخبر المحمول على المبتدأ المخبر به عنه ~~وهو قول معين جزئي ونسبته إليه هو التصديق المغاير للتصورين فإن التصديق ~~يراد به الجملة كلها فيكون التصور بعضه بعينه ويراد به النسبة الحكمية ~~فيكون التصور شرطا فيه وإذا أريد به هذا فنسبة القول المعين إلى المعين ~~تصديق فإن عنيت النسبة من جميع الوجوه بحيث يمنع تصورها من وقوع الشركة ~~فيها فهي جزئية وإن لم يمنع ذلك فهي كلية # مثل كونه يقوله دائما أو الإخبار عنه بأنه يقوله في وقت ما فإن هذا لا ~~يمنع كونه يقوله في هذا الوقت وفي غيره بل لا يمنع أن يقوله بالعربية ~~وبالعجمية فهو كلي بالنسبة إلى العربية والعجمية # وبالجملة فما لم يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فهو كلي سواء كان احتمال ~~الشركة لدخوله أشخاصا أو أزمنة أو أمكنة أو لغايات أو غير PageV10P165 ذلك ~~من الأمور وهذا مما يبين أنه من لم يقل إن الرب يعلم الجزئيات فإنه يلزمه ~~أن لا يعلم شيئا من الموجودات فإنه ما من موجود إلا وهو متميز عن غيره بحيث ~~يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه # ولهذا لم يمنع ابن سينا كونه يعلم الجزئيات الثابتة الدائمة على أصله ~~كالسماوات والنجوم وإنما منع علمه بالمتغيرات فرارا من قيام الحوادث به مع ~~أن ms2159 أساطين من أساطين الفلاسفة ومن وافقهم من المتأخرين يقولون إنه تقوم به ~~الحوادث ولا حجة له على نفي ذلك أصلا إلا ما ينفي به قيام الصفات وإثباته ~~للعلم يستلزم إثبات الصفات كما تقدم بيانه فعلم أن إثباته للعلم بالكليات ~~دون الجزئيات في غاية التناقض # قال الطوسي وكل جزئي يتعلق به حكم فله طبيعة توجد في شخصه وما تصير تلك ~~الطبيعة جزئية لا يدركها العقل ولا يتناولها البرهان والحد بسبب انضياف ~~معنى الإشارة الحسية إليها وما يجري مجراها من المخصصات التي لا سبيل إلى ~~إدراكها إلا بالحس وما يجري مجراه فإن أخذت تلك الطبيعة مجردة عن تلك ~~المخصصات صارت كلية يدركها العقل ويتناولها البرهان والحد PageV10P166 وكان ~~الحكم المتعلق بها حين كونها جزئية باقيا بحاله اللهم إلا أن يكون الحكم ~~متعلقا بالأمور المخصصة من حيث هي مخصصة # قال وإذا ثبت هذا فنقول كل من أدرك علل الكائنات من حيث إنها طبائع يعني ~~طبائع كلية وأدرك أحوالها الجزئية وأحكامها كتلاقيها وتباينها وتماسها ~~وتباعدها وتركبها وتحللها من حيث هي متعلقة بتلك الطبائع وأدرك الأمور التي ~~تحدث معها وبعدها وقبلها من حيث يكون الجميع واقعا في أوقات يتحدد بعضها ~~ببعض على وجه لا يفوقه شيء أصلا فقد حصل عنده صورة العالم منطبقة على جميع ~~كلياته وجزئياته الثابتة والمتجددة المنصرفة الخاصة بوقت دون وقت كما عليه ~~الوجود غير مغادر إياها بشيء وتكون تلك الصورة بعينها منطبقة على عوالم أخر ~~لو حصلت في الوجود مثل هذا العالم بعينه فتكون صورة كلية منطبقة على ~~الجزئيات الحادثة في أزمنتها غير متغيرة بتغيرها # هكذا يكون إدراك الجزئيات على الوجه الكلي # فيقال فعلى هذا التقدير لا يكون الرب عالما بشيء من هذه الأمور ~~PageV10P167 الموجودة ولا فاعلا لها إذا كان علمه بها هو إبداعه لها فإن ~~العلم بالجزئيات على هذا الوجه الكلي لا يتضمن العلم بشيء من المعينات ولا ~~يكفي هذا العلم في وجودها فضلا عن أن يكون هو إيجادها # فإنا إذا علمنا أن بني آدم لا بد أن تحصل لهم شهوة ms2160 الأكل فيأكلون وإذا ~~أكلوا فلا بد أن تحصل لهم فضلة فيتغوطون ولا بد أن تحصل لهم شهوة النكاح ~~فيجامعون ولا بد أن يحصل إنزال وحبل فتحبل النساء ويلدن ولا بد أن يموتوا ~~كان هذا علما كليا يتضمن أنه لا بد من وجود أكل وتخل ونكاح وإنزال وحبل ~~وولادة وموت بحيث لو قيل إن في الآدميين من لا يموت أو من لا يأكل ويشرب ~~وينام ونحو ذلك كان ذلك العلم الكلي مناقضا لهذا القول # ولو قيل إنه لم يبق من ينكح ويحبل ويلد ويموت كان ذلك العلم الكلي دافعا ~~لهذا القول كما إذا علمنا أن نبيا لا يخبر إلا بالصدق وعلمنا أنه أخبر ~~بأخبار لا نعرف أعيانها علمنا أنها كلها صادقة ولم يكن في مجرد هذا العلم ~~الكلي علم شيء منها # وإذا علمنا أن كل دليل شرعي دل على الإيجاب أو التحريم وجب إثبات موجبه ~~من الإيجاب أو التحريم كان هذا علما كليا ولم يكن فيه علم بشيء من أعيان ~~الأدلة الشرعية ولا بالأحكام المعينة الشرعية PageV10P168 # وإذا علمنا أن الإهلال لا يكون إلا في أول الشهر والإبدار لا يكون إلا في ~~وسطه وأن كسوف الشمس لا يكون إلا عند الاجتماع قبل الإهلال وخسوف القمر لا ~~يكون إلا في الليالي البيض في الإبدار لم يكن في مجرد هذا العلم ما يوجب أن ~~يعلم هل الهلال طالع في هذا الوقت أم لا وهل هو مبدر أم لا وهل هو خسوف أم ~~كسوف أم لا # وكذلك إذا علمنا أن الشمس تدور ما بين رأس السرطان والجدي لايصعد هذا ~~غاية صعودها وهذا غاية هبوطها وفي صعودها يكون الصيف وفي هبوطها يكون ~~الشتاء ونحن لا نعلم هل هذا الوقت صيف أو شتاء وهل هي صاعدة أو هابطة لم ~~يكن في هذا العلم الكلي ما يفيد معرفة ما وجد في الخارج من أحوالها لكن فيه ~~أنها لا تخرج عن هذا القانون الكلي وهكذا سائر العلوم الكلية # لكن العلم بجميع حوادث الوجود على الوجه الكلي أعم من العلم ms2161 ببعض حوادثه ~~ومع ذلك فليس في ذلك علم بشيء من الموجودات الحادثة # وأيضا فمجرد هذا العلم الكلي لا يكفي في وجود المعينات فالمعين لا يوجد ~~إلا بتصور معين وإرادة معينة وإلا فمن أراد أن يكرم الأبرار ويعاقب الفجار ~~ويقبل شهادة العدول ويرد شهادة أهل الزور وهو لا يعرف أعيان هؤلاء وهؤلاء ~~لم يمكنه فعل شيء من ذلك الأمر الكلي الذي عزم PageV10P169 # ومن أراد أن يأكل طعاما ويلبس ثوبا وليس له قصد في طعام بعينه وثوب بعينه ~~إن لم يحصل له طعام معين وثوب معين بحيث تكون له إرادة معينة وتصور معين ~~امتنع أن يأكل ويلبس لكن قد يكون قصده للمعين هو لكونه هو الميسور المقدور ~~عليه ولو حصل غيره لقام مقامه ليس له إرادة في أحدهما دون الآخر إلا لكونه ~~هو الذي تيسر وقدر عليه فهنا يكون سبب تعين الإرادة هي القدرة # وكذلك من قصده أن يعطي الزكاة للأنواع الكلية التي ذكرها الله في كتابه ~~وليس له غرض في شخص بعينه فهو يعطي من علم أنه منهم ومن أمكنه أعطاه ومن ~~أراد شخصا معينا فلا يتعين حتى يحصل له تصور معين وإرادة معينة لكن التعين ~~يكون لأجل علمه المعين وقدرته المعينة لا لكون إرادته الأولى دعته إلى أداء ~~الزكاة وصرفها في الأنواع المذكورة في القرآن فكانت إرادته إرادة لمعين # وكذلك من قصد أن يتطهر كما أمره الله فهو يقصد الطهارة بماء أي ماء كان ~~وهذه إرادة كلية ثم لا يمكنه أن يتطهر إلا بماء معين يتصور تصورا معينا ~~ويريد التطهر به إرادة معينة # وكذلك من قصده أن يعتق رقبة وجبت عليه في كفارة وكذلك من غرضه أن يزوج ~~وليته من كفو ومن قصده أن يشتري طعاما من PageV10P170 شخص وكذلك من غرضه أن ~~يستفتي من يفتيه بحكم الله ومن غرضه أن يحاكم خصمه إلى من يحكم بينهما ~~بالحق وأمثال ذلك # فهؤلاء قصدهم ابتدأ أمرا مطلقا كليا ليس غرضهم شخصا بعينه لكن لا يحصل ~~مقصودهم إلا إذا قصدو شيئا معينا وإلا فما ms2162 دامت ليس معهم إلا الإرادة ~~المطلقة لا يفعلون شيئا إذ المطلق لا وجود له في الأعيان فلا يمكن وجود كلي ~~في الخارج مع كونه كليا قط فمن لم يعلم إلا الكليات لم يمكنه أن يفعل شيئا ~~قط ولا يكون عالما بشيء من الموجودات فإن الموجودات في الخارج ليس فيها كلي # فعلى قول هؤلاء لم يعلم الله شيئا من الموجودات بل ولا فعل شيئا من ~~الموجودات وهذا أمر قطعي لا حيلة فيه كلما تدبره العاقل تبين له فساد هذا ~~القول # وما استثناه ابن سينا من كونه يعلم الموجودات الثابتة بأعيانها لا يصح ~~استثناؤها فإن تلك أيضا حادثة على القول الحق ويلحقها التغير كما يلحق ~~غيرها فيجب إذا لم يعلم إلا الكليات أن لا يعلمها وعلى قول أولهم إنها ~~أزلية أبدية فهي مستلزمة للتغيرات أما الأجسام فإنها لا تزال متحركة وأما ~~العقول فلا حقيقة لها وبتقدير ثبوتها فإنها علل الأجسام المتغيرة عندهم # وقد تقدم أصله أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فالعلم بالعلل إنما ~~يوجب العلم بمعلولها والعلة أوجبت معلولات جزئية متغيرة PageV10P171 فيجب ~~أن يعلم عليتها على هذا الوجه وحينئذ فيلزم أن يعلم المتغيرات متغيرة لا ~~يكون علمها على وجه كلي كما ذكروه # ومما يوضح هذا أن الشرائع جاءت بالأحكام الكلية مثل إيجاب الزكوات وتحريم ~~البنات والأخوات ولا يمكن أمر أحد بما أمره الله به ونهيه عما نهاه الله ~~عنه إن لم يعلم دخوله في تلك الأنواع الكلية وإلا فمجرد العلم بها لا يمكن ~~معه فعل مأمور ولا ترك محظور إلا بعلم معين بأن هذا المأمور داخل فيما أمر ~~الله به وهذا المحظور داخل فيما نهى الله عنه وهذا الذي يسمى تحقيق المناط # إذا تبين هذا فقول القائل كل من أدرك علل الكائنات من حيث إنها طبائع إلى ~~آخره # يقال له أتريد أنه أدركها كلية مثل أن يدرك أن في العالم حارا وباردا ~~وأنهما يلتقيان على وجه كذا أو تريد أنها إدراك الطبائع الموجوده المعينة # فإن أردت الأول لم يكن في العلم ms2163 بذلك علم بشيء من الموجودات # وإن أردت الثاني فإنه يلزم من العلم بها العلم بلوازمها كما تقدم من أن ~~العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها فيلزم من ذلك أن يعلم جميع ~~معلولاتها ولوازمها وليس في المعينات إلا ما هو معلولها PageV10P172 ~~ولوازمها فيلزم العلم بكل شيء جزئي على سبيل التعيين ويلزم العلم بطوله ~~وعرضه وعمقه وقدره سواء كان من الكم المتصل أو المنفصل # ولهذا كان قول المرسلين إن الله أحصى كل شيء عددا فهو يعلم أوزان الجبال ~~ودورات الزمان وأمواج البحر وقطرات المطر وأنفاس بني آدم @QB@ وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ~~@QE@ سورة الأنعام 59 # يبين هذا أنه قد تقدم أن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها وهي ~~الموجب والرب سبحانه هو موجب بمشيئته وقدرته لكل ما يشاؤه # وهم يسمونه علة وهو إنما يوجد شيئا معينا لا يوجد شيئا كليا إذ الخارج ~~ليس فيه شيء كلي فيجب أن يكون عالما بكل شيء جزئي كما أنه خالق لكل شيء ~~جزئي وإن كان له علم عام كلي بالأمور الكلية فلا منافاة بين هذا وهذا بل ~~مخلوقه له علم بالكلي والجزئيات فالخالق أولى بذلك # وقولهم إن إدراكها على هذا الوجه إنما يحصل بالإحساس أو التخيل # فيقال لهم لا ريب أن الله سميع بصير يسمع ويرى سبحانه وتعالى # وقد روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول @QE@ سورة البقرة 143 ونحو ذلك قال إلا PageV10P173 لنرى ففسر العلم ~~المقرون بالوجود بالرؤية فإن المعدوم لا يرى بخلاف الموجود وإن كانت الرؤية ~~تتضمن علما آخر # وقال الطوسي في شرح كلام ابن سينا قوله الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل ~~الكليات إشارة إلى إدراكها من حيث هي طبائع مجردة عن المخصصات المذكورة ~~وقيدها بقوله من حيث تجب بأسبابها ليكون الإدراك لتلك الأشياء مع كونه كليا ~~يقينيا غير ظني # ثم قال منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه أي منسوبة إلى ms2164 مبدأ طبيعته النوعية ~~موجودة في شخصه ذلك لا أنها غير موجودة في غير ذلك الشخص بل مع تجويز أنها ~~موجودة في غيره والمراد أن تلك الأشياء إنما تجب بأسبابها من حيث هي طبائع ~~أيضا # ثم قال تتخصص به أي تتخصص تلك الجزئيات بطبيعة ذلك المبدأ وإنما نسبها ~~إلى مبدأ كذلك لأن الجزئي من حيث هو PageV10P174 جزئي لا يكون معلولا ~~لطبيعة غير جزئية ولا الطبيعة علة له من حيث هو كذلك # قال وقوله إن العاقل لأن بين كون القمر في موضع كذا إلى آخره معناه أن من ~~يعقل أن بين كون القمر في أول الحمل مثلا وبين كونه في أول الثور يكون كسوف ~~معين في وقت محدود من زمان كونه في أول الحمل كالوقت الذي سار فيه القمر من ~~أول الحمل عشر درجات فإنما يكون تعقل ذلك العاقل لهذه الأمور أمرا ثابتا ~~قبل وقت الكسوف ومعه وبعده # فيقال له هذا الذي تصور هذا الكسوف تصور أنه يكون في عام معين أو تصوره ~~مطلقا كتصوره أنه إذا كان في عشر درجات من الحمل مع أمور أخرى يكون كسوف ~~فإن كان الأول فذاك كسوف جزئي معين وتصوره يكون قبله ومعه وبعده وإن كان ~~الثاني فهذا يكون محققا تارة ومقدرا أخرى أما المقدور فأن يعلم أنه كلما ~~حصل القمر في موضع كذا والشمس في موضع كذا حال القمر بين نور الشمس وبين ~~الناس فانكسفت ولكن هذا ليس فيه علم بوقوعه لا مطلقا ولا معينا PageV10P175 # والثاني أن يعلم أنه لابد أن تقع هذه المحاذاة بين الأرض والقمر والشمس ~~وإنما تقع إذا كان كذا فهذا علم كلي لا يعلم به شيء من الكسوف الموجود # ثم يقال والعلم بهذا ممتنع إن لم يعلم الكسوفات الجزئية وذلك أن أسباب ~~الكسوفات حركات أجسام معينة في أوقات محدودة والعلم بمجموع ذلك يوجب العلم ~~بكل كسوف جزئي والعلم به قبل وقوعه ومع وقوعه وبعد وقوعه فلا يتصور مع ~~العلم بأسباب الحوادث أن يعلم علم كلي إلا وتعلم الجزئيات الواقعة وإلا فلا ms2165 ~~يكون العلم بجميع الأسباب حاصلا # ولهذا لما كنا لا نعلم عامة الأسباب لم نعلم ما يكون وإذا علمنا أسباب ~~شيء علمنا وقوعه قبل وقوعه ومعه وبعده كمن علم أنه سيبعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأنه يبعث إذا كانت أمور فإذا علم أنها لم تكن علم أنه لم يبعث ~~وإن علم أنها كانت علم أنه بعث # وكثير مما يتكلم فيه الناس من مقدمة المعرفة يكونون قد علموا جزء السبب ~~ولم يعلموا تمام السبب ولا علموا مانعه فيصيبون أحيانا ويكون خطؤهم أكثر من ~~صوابهم لأن ما فاتهم من العلم بتمام السبب والموانع أكثر مما علموه # وقد تقدم قول ابن سينا قد تعقل الكليات من حيث تجب بأسبابها منسوبة إلى ~~مبدأ نوعه من يخصه يتخصص به # وقد قال في شرحه أي تتخصص تلك الجزئيات بطبيعة ذلك PageV10P176 المبدأ ~~وإنما نسبها إلى مبدأ كذلك لأن الجزئي من حيث هو جزئي لا يكون معلولا ~~لطبيعة غير جزئية # فيقال هذا الكلام بين في أنها لا تعقل على هذا الوجه إلا جزئية لا كلية ~~لأنها إذا عقلت من حيث يجب بسببها المعين الجزئي لزم أن تعقل جزئية وأما ~~إذا عقلت من حيث تجب بسبب كلي عقلت كلية لكن رب العالمين هو واحد معين ليس ~~أمرا مطلقا كليا فهو يعلم نفسه علما معينا يمنع من وقوع الشركة فيه لا ~~يعلمها علما كليا لا يمنع من وقوع الشركة فيه وحينئذ فيعلم كل ما صدر عنه ~~على هذا الوجه وقوله انحصر نوعه في شخصه دليل على ذلك # وقول الطوسي قوله منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه أي منسوبة إلى مبدأ ~~طبيعته النوعية موجودة في شخصه ذلك لأنها غير موجودة في ذلك الشخص بل مع ~~تجويز أنها موجودة في غيره إنما تستقيم في طبائع المخلوقات وأما الخالق ~~تعالى فلا يجوز أن تكون صفته ثابتة لغيره # والكلام إنما هو في أن علمه بنفسه يوجب العلم بالمخلوقات وبه تجب ~~الممكنات وليس في الأسباب ما يوجب شيئا من الممكنات إلا وهو سبحانه وتعالى ~~وكل ms2166 ما سواه فإنما يوجب بشركة من غيره وهو سبحانه لا شريك له ثم كيف يتخصص ~~بالمبدأ إن لم يكن مختصا كما تقدم # ففي الجملة كل حجة يذكرونها هم أو غيرهم على علمه بشيء من الأشياء يدل ~~على علمه بالجزئيات PageV10P177 # وقول القائل إنه يعلم الكليات دون الجزئيات كلام متناقض يستلزم أنه لم ~~يخلق شيئا ولا يعلم شيئا من الموجودات # وقوله مع ذلك إنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~تلبيس منه كقولهم العالم محدث يريدون به أنه معلول مع قدمه وإلا فكل ذرة من ~~ذرات المحدثات عازبة عنه عندهم وكونها تجب وصف كلي باق أزلا وأبدا لا يوجب ~~العلم بها كما ذكروه # ومضمون كلامه أنه يعلم ولا يعلم فهو كلام متناقض ثم الأدلة الدالة على ~~علمه تستلزم علمه بالجزئيات وليس لابن سينا ما يبطل ذلك إلا كون ذلك يفضي ~~إلى تغير العلم لكونه يعلم أن سيكون الشيء ثم يعلم أنه قد كان وهذا إن ~~أبطله من جهة أنه نقص في العلم فهو باطل فإن هذا هو علم للشيء على ما هو ~~عليه فإنه علمه معدوما لما كان موجودا وعلم أنه سيوجد ثم لما وجد علمه ~~موجودا ثم إذا عدم بعد ذلك علم أن قد كان ثم عدم # فهذا هو العلم المطابق للمعلوم وما سوى ذلك فهو جهل لا علم وإن أنكره من ~~جهة أنه يحدث تحول العلم بتحول المعلوم وأن ذلك تغير فقد عرف قول المانعين ~~من هذا الأصل وأنه في غاية الضعف والفساد مخالف لصريح المعقول وصحيح ~~المنقول لا سيما ومن منع ذلك من الجهمية ومن اتبعهم إنما منعوه لاعتقادهم ~~أن ذلك ينافي القدم # وابن سينا وإخوانه يجوزون قيام الحوادث بالقديم فلا حجة لابن سينا ~~وأتباعه في منعه إلا حجتهم في نفي الصفات وإثبات العلم PageV10P178 ~~بالمعلومات المفصلة الثابتة بأعيانها مستلزم لثبوت الصفات كما تقدم بيانه ~~وإقرار أصحابه بذلك وحينئذ فلا حجة لهم في نفي ذلك أصلا # والله تعالى قد أخبر في كتابه بعلمه بما سيكون ms2167 كالأمور التي أخبر بها قبل ~~كونها فعلم أنه يعلم الأشياء قبل وجودها وأخبر أنه إذا وجدت علمها أيضا # كقوله @QB@ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه @QE@ سورة البقرة 143 # وفي القرآن من هذا بضعة عشر موضعا وقد روي عن ابن عباس وغيره إلا لنرى ~~وقال طائفة من المفسرين إلا لنعلمه موجودا # ونحن نذكر كلام أبي حامد عليهم قال مسألة في إبطال قولهم إن الله تعالى ~~عن قولهم لا يعلم الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ~~ويكون قال وقد اتفقوا على ذلك # قلت يعني اتفاق من عرف قوله منهم وهم الذين ذكرهم ابن سينا وإلا فأبو ~~البركات قد حكى عنهم قولين واختار هو أنه يعلم الجزئيات # قال أبو حامد فإن من ذهب منهم إلى أنه لايعلم إلا نفسه PageV10P179 فلا ~~يخفى هذا من مذهبه ومن ذهب منهم إلى أنه يعلم غيره وهو الذي اختاره ابن ~~سينا فقد زعم أنه يعلم الأشياء علما كليا لا يدخل تحت الزمان ولا يختلف ~~بالماضي والمستقبل والآن ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي # فلا بد أولا من فهم مذهبهم ثم الاشتغال بالاعتراض ونبين هذا بمثال وهو أن ~~الشمس مثلا تنكسف بعد أن لم تكن منكسفة ثم تنجلي فتحصل له ثلاثة أحوال أعني ~~للكسوف حال هو فيها معدوم منتظر الوجود أي سيكون وحال هو فيها موجود أي هو ~~كائن وحال ثالثة هو فيها معدوم ولكنه كان من قبل # ولنا بإزاء هذه الأحوال ثلاثة علوم مختلفة فإنا نعلم أولا أن الكسوف ~~معدوم وسيكون وثانيا أنه كائن وثالثا أنه كان وليس كائنا الآن # وهذه العلوم الثلاثة متعددة ومختلفة وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات ~~العالمة فإنه لو علم بعد الانجلاء أن الكسوف موجود الآن كما PageV10P180 ~~كان قبل كان جهلا لا علما ولو علم عند وجوده أنه معدوم كان جاهلا فبعض هذه ~~لا يقوم مقام بعض ms2168 # فزعموا أن الله تعالى لا يختلف حاله في هذه الأحوال الثلاثة فإنه يؤدي ~~إلى التغير وما لم يختلف حاله لم يتصور أن يعلم هذه الأمور الثلاثة فإن ~~العلم يتبع المعلوم فإذا تغير المعلوم تغير العلم وإذا تغير العلم فقد تغير ~~العالم لا محالة والتغير على الله محال # ومع هذا زعم أنه يعلم الكسوف وجميع صفاته وعوارضه ولكن علما يتصف به في ~~الأزل والأبد لا يختلف مثل أن يعلم مثلا أن الشمس موجودة وأن القمر موجود ~~وأنهما حصلا منه بوساطة الملائكة التي سموها باصطلاحهم عقولا مجردة ويعلم ~~أنها تتحرك حركات دورية ويعلم أن بين فلكيهما تقاطعا على نقطتين هما الرأس ~~والذنب وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال في العقدتين فتنكسف الشمس إذ يحول ~~جرم القمر بينها وبين أعين الناظرين وتستتر الشمس عن الأعين وأنه إذا جاوز ~~العقدة مثلا PageV10P181 بمقدار كذا وهو سنة مثلا فإنه تنكسف مثلا وأن ذلك ~~الانكساف يكون في جميعها أو ثلثها أو نصفها وإنه يمكث ساعة أو ساعتين وهكذا ~~إلى جميع أحوال الكسوف وعوارضه فلا يعزب عن علمه شيء # ولكن علمه بهذا قبل الكسوف وحال الكسوف وبعد الانجلاء على وتيرة واحدة لا ~~يختلف ولا يوجب تغيرا في ذاته وكذا علمه بجميع الحوادث فإنها إنما تحدث ~~بأسباب وتلك الأسباب لها أسباب أخرى إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية ~~السماوية وسبب الحركة الدورية نفس السماوات # وسبب تحريك النفس الشوق إلى التشبه بالله والملائكة المقربين والكل معلوم ~~له أي ينكشف له انكشافا واحدا متناسبا لا يؤثر فيه الزمان ومع هذا فحال ~~الكسوف لايقال إنه يعلم أن الكسوف موجود الآن ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن ~~وكل ما يجب في PageV10P182 معرفته الإضافة إلى الزمان فلا يتصور أن يعلمه ~~لأنه يوجب التغير # هذا فيما ينقسم بالزمان وكذا مذهبهم فيما ينقسم بالمادة والمكان كأشخاص ~~الناس والحيوانات فإنهم يقولون لا يعلم عوارض زيد وعمرو وخالد وإنما يعلم ~~الإنسان المطلق بعلم كلي ويعلم عوارضه وخواصه وأنه ينبغي أن يكون بدنه ~~مركبا من أعضاء بعضها للبطش وبعضها للمشي ms2169 وبعضها للإدراك وبعضها زوج وبعضها ~~فرد وأن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه وهلم جرا إلى كل صفة في داخل ~~الآدمي وباطنه وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه حتى لا يعزب عن علمه شيء ~~ويعلمه كليا # فأما شخص زيد فإنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل فإن عماد التمييز ~~الإشارة إلى جهة معينة والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان الكلي # فاما قولنا هذا وهذا فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس ~~بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة وذلك يستحيل في حقه PageV10P183 # قال الغزالي وهذه قاعدة اعتقدوها واستأصلوا بها الشرائع بالكلية إذ ~~مضمونها أن زيدا مثلا لو أطاع الله أو عصاه لم يكن الله عالما بما يتجدد من ~~أحواله لأنه لا يعرف زيدا بعينه فإنه شخص وأفعاله حادثة بعد أن لم تكن وإذا ~~لم يعرف الشخص لم يعرف أحواله وأفعاله بل لا يعلم كفر زيد ولا إسلامه وإنما ~~يعلم كفر الإنسان وإسلامه مطلقا كليا لا مخصوصا بالأشخاص بل يلزم أن يقال ~~تحدى محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة وهو لم يعرف في تلك الحال أنه تحدى ~~بها وكذلك الحال مع كل نبي معين وإنه إنما يعلم أن من الناس من يتحدى ~~النبوة وأن صفة أولئك كذا وكذا فأما النبي المعين بشخصه فلا يعرفه فإن ذلك ~~يعرف بالحس والأحوال الصادرة منه لا يعرفها لأنها أحوال تنقسم بانقسام ~~الزمان من شخص معين ويوجب إدراكها على اختلافها تغيرا # قال فهذا ما أردنا أن نذكر من نقل مذهبهم أولا ومن PageV10P184 تفهمه ~~ثانيا ثم نبين ما فيه من القبائح اللازمة عليه ثالثا # قلت قبائح مذهبهم أعظم وأكثر مما ذكره أبو حامد من وجوه كثيرة ومضمون ~~حجتهم أن علم الرب بأحوال عباده يستلزم تنوع علمه بهم لتنوع المعلوم وأن ~~ذلك تغير يمتنع على الله ولم يقيموا على امتناع مثل هذا المعنى حجة صحيحة ~~لا شرعية ولا عقلية # ولفظ التغير فيه إجمال كما ذكرناه في غير هذا الموضع والتغير الممتنع ms2170 ما ~~يكون فيه استحالة تتضمن نقصا # وأما ما ذكره من كون العلم يطابق المعلوم فيتنوع بتنوع حاله فهو صفة كمال ~~وإلا كان العلم جهلا # وأما إذا سموا هذا تغيرا وادعوا أن ما دخل في هذا الاسم وجب نفيه فهو ~~كتسميتهم إثبات الصفات تركيبا ودعواهم أن ما يدخل في ذلك يجب نفيه # والحجج العقلية إنما تعتبر فيها المعاني لا الألفاظ والحجج السمعية يعتبر ~~فيها كلام المعصوم وليس في كلام الله ورسوله ولا الصحابة والتابعين لهم ~~بإحسان ما ينفي هذا المعنى الذي سموه تركيبا وتغيرا بل النصوص المتواترة ~~التي جاءت بها الأنبياء عن الله كلها تدل على إثبات ما نفوه من هذه المعاني ~~ولو لم يكن إلا إثبات علمه بكل شيء علما مفصلا PageV10P185 # وهذا القرآن فيه من إخبار الله بالأمور المفصلة عن الشخص المعين وكلامه ~~المعين وفعله المعين وثوابه وعقابه المعين مثل قصة آدم ونوح وهود وصالح ~~وموسى وغيرهم ما يبين أنهم من أعظم الناس تكذيبا لرسل الله تعالى # وكذلك أخباره عن أحوال محمد صلى الله عليه وسلم وما جرى ببدر وأحد ~~والأحزاب والخندق والحديبية وغير ذلك من الأمور الجزئية أقوالا وأفعالا # وأخباره أنه يعلم السر وأخفى وأنه عليم بذات الصدور وأنه يعلم ما تنقص ~~الأرض من الموتى وعنده كتاب حفيظ وأنه يعلم ما في السماوات والأرض وأن ذلك ~~في كتاب # وأنه ما @QB@ تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ~~ولا يابس إلا في كتاب مبين @QE@ سورة الأنعام 59 # وأنه يعلم ما @QB@ تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم ~~الغيب والشهادة @QE@ سورة الرعد 8 9 # وأنه @QB@ عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام @QE@ سورة ~~لقمان 34 # وأنه @QB@ قضى أجلا وأجل مسمى عنده @QE@ سورة الأنعام 2 # وأنه @QB@ يعلم ما يسرون وما يعلنون @QE@ سورة النحل 23 # وأنه @QB@ أعلم بما يقولون @QE@ سورة طه 104 # إلى أمثال ذلك مما يطول ذكره في كتاب الله تعالى PageV10P186 # ثم من أعظم الضلال والجهل أن ينفي النافي علم رب العالمين بمخلوقه ms2171 لكون ~~ذلك يستلزم ما يسمونه تغيرا وحلول حوادث # ثم نفى هذا المعنى لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة ولا أئمتها وإنما ~~يوافقهم عليه الجهمية # ومن تلقاه عن الجهمية من الكلابية ونحوهم فلا يقر بنفي ذلك إلا من هو من ~~أهل الكلام المبتدع المذموم المحدث في الإسلام ومن تلقاه عنهم جهلا بحقيقته ~~ولوازمه # وإذا كان علم الرب مستلزما لهذا كان هذا من أعظم البراهين على ثبوته وخطأ ~~من نفاه شرعا وعقلا فإنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول إثبات العلم بكل ~~شيء من الأعيان # فإذا تبين بصريح العقل أن ذلك يستلزم قيام هذه المعاني بالرب لزم القول ~~بذلك كيف والقرآن قد دل على أنه يعلم الشيء بعد كونه مع علمه بأن سيكون في ~~بضع عشرة آية وقد ثبت بالدلائل اليقينية أنه يعلم كل ما فعله وأنه بكل شيء ~~عليم وهو مقتضى حجتهم # وأما زعمهم مع هذا أنه يعلم الكسوف وجميع صفاته وعوارضه # فيقال لهم إن كان لا يعلم إلا كسوفا كليا لا يمنع تصوره من وقوع الشركة ~~فيه فهو لم يعلم شيئا من الكسوفات الموجودة وإن علم الكسوف الموجود فكل ~~منها جزئي فلا يتصور أن يعلم الكسوف إلا مع علمه بالكسوفات الجزئية # وهذا الذي قاله باطل من وجوه من جهة دعواه أنه مع علمه بالعلة التامة ~~لوجود كل موجود لا يعلم شيئا من المعلولات الحادثة PageV10P187 وإنما يعلم ~~أمرا كليا لم يحدث ولا علة لوجوده فإن الكليات لا يوجد شيء منها إلا معينا ~~فالعلة الموجبة له لا توجب إلا معينا جزئيا فمن لم يعلمه معينا جزئيا لم ~~يعلم معلول العلة التامة # الثاني من جهة دعواه أنه إذا علم الكسوف على الوجه الكلي علم جميع صفاته ~~وعوارضه وعلى هذا فيعلم وجود الإنسان علما كليا مع علمه بجميع صفاته ~~وعوارضه وهذا باطل فإن الصفات والعوارض التي يتصف بها الإنسان وتعرض له لا ~~يشترك فيها الإنسان بل ما من إنسان إلا وله صفات وعوارض لا يشركه فيها غيره ~~كالسحنة والنغمة فلا يشترك اثنان في ms2172 سحنة ولا نغمة # وهذا من دلائل ربوبيته وأنه بكل شيء عليم فيمتنع أن يعلم جميع ما يتصف به ~~الإنسان ويعرض له علما كليا وكثير من ذلك بل أكثره علم يختص بالواحد من ~~الناس جزئي لا يشركه فيه غيره وإن كان الناس يشتركون في أن لهذا رأسا ولهذا ~~رأسا ولهذا قلبا وكبدا ولهذا قلبا وكبدا ولهذا وجها ولهذا وجها فما من ~~شيئين من ذلك يستويان من كل وجه بل لكل من ذلك صفة تخصه فكيف يتصور أن يعلم ~~تلك الخصائص من لا يعلم إلا الكليات المشتركة التي لا اختصاص فيها # الثالث أن هذه الجهات الحادثة من لوازم العلل التي يعلمها علما تاما فكيف ~~يتصور مع علمه بالعلة التامة علما تاما أن لا يعلم لوازمها وكل حادث بعينه ~~هو من لوازمها فأحد الأمرين لازم PageV10P188 إما أن العلم بالعلة التامة ~~لا يستلزم العلم بالمعلول وإلا فلا يكون عالما علما تاما بالعلة التامة # وكلا المقدمتين يسلمون صحتها فكيف يجوز أن يسلم هاتين المقدمتين اللتين ~~يقوم عليهما البرهان اليقيني من ينازع في نتيجتهما اللازمة عنهما بالضرورة ~~وهل هذا إلا جهل بموجب البرهان القياسي في ذلك الذي هم دائما يقررونه مادة ~~وصورة # الوجه الرابع أنهم يقولون إن جميع الحوادث مستندة إلى حركة النفس الفلكية ~~ويقولون إن النفس الفلكية تعلم جزئيات حركات الفلك بل ادعى ابن سينا ومن ~~اتبعه أنها تعلم جميع الحوادث لعلمها بأسبابها لأن سببها هو الحركة الفلكية ~~والنفس الفلكية تعلم ذلك فتعلم المعلولات المسببة عنها وزعموا أن هذه النفس ~~هي اللوح المحفوظ التي أخبرت به الأنبياء وأن المكاشفات التي تحصل في النوم ~~واليقظة للأنبياء وغيرهم هي لاتصال نفوسهم بهذه النفس الفلكية # وأبو حامد ذكر هذا المعنى موافقة لهم في طائفة من كتبه واتبعه على ذلك ~~طائفة من المتصوفة وصاروا يدعون الأخذ من اللوح المحفوظ ومنهم من يعرف ~~مرادهم باللوح المحفوظ ومنهم من لا يعرف ذلك كما وقع ذلك في كلام غير واحد ~~من متأخري الصوفية أتباع أبي حامد والمتفلسفة # هذا مع أن حركة الفلك ms2173 ليست هي العلة التامة في حدوث الحوادث بل يفيض من ~~العقل الفعال ما يفيض من الصور عند استعداد القوابل بحسب الحركة الفلكية ~~فهل ما يقوله هؤلاء في علم الرب وعلم النفس الفلكية التي ادعوا أنها اللوح ~~المحفوظ إلا من أعظم الأقوال PageV10P189 تناقضا حيث جعلوا ما هو بزعمهم ~~جزءا لسبب للحوادث فادعوا أن العلم به يوجب العلم بجميع الحوادث الجزئية ثم ~~العلة التامة عندهم لكل شيء من حادث وغيره قالوا إن العلم التام به لا يوجب ~~العلم بكل حادث وهم في النفس الفلكية محتاجون بعد إثباتها إلى كون حركة ~~الفلك سببا لحدوث شيء # وهذا إذا سلم أو قامت عليه حجة لا يمكن أن يدعى أنه علة تامة باتفاقهم مع ~~اتفاق أهل الملل فكيف يجعلون العلم بما ليس بعلة تامة للحوادث موجبا للعلم ~~بجزئياتها ويقولون العلم التام بما هو علة لها لا يوجب العلم بها # ثم إذا كانت حركة الفلك صادرة عن الرب بوسط أو بغير وسط وهو يعلم نفسه ~~ويعلم مفعولاته ولوازمها ولوازم لوازمها وذلك كله من مفعولاته بوسط أو بغير ~~وسط فإما أن يعلمها مفصلة معينة أو لا يعلمها مفصلة فإن علمها مفصلة علم ~~لوازمها فعلم جميع الحوادث مفصلة معينة وإن لم يعلمها مفصلة فلا ريب أن ~~علمه بحركات أولى من علم النفس الفلكية بكل ما يحدث في الأرض فإن هذه أكثر ~~اختلافا من حركات الفلك فالعلم بتلك أقرب إلى العلم الكلي وهو سبحانه أكمل ~~في خلقه لها ولو بواسطة من إحداث النفس الفلكية لحوادث الأرض # ثم علم النفس الفلكية بالحركات إما كمال وإما نقص فإن كان نقصا فينبغي ~~تنزيه العالم العلوي منه وإن كان كمالا فخالقها أحق بذلك منها ثم تلك ~~الحركات وتصورات النفس وإرادتها جميعها مفعولة PageV10P190 للرب ومعلولة له ~~على اصطلاحهم وهو الخالق لها والعلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول ~~فيجب علمه بها وإذا علمها وهي سبب الحوادث وجب علمه بالحوادث # ودعواهم مع عدم علمه بالجزئيات أنه يعلم كل صفة في داخل الآدمي وباطنه ~~وكل ما هو من ms2174 لواحقه وصفاته ولوازمه حتى لا يعزب عن علمه شيء ويعلمه كليا ~~دعوى كاذبة كما تقدم التنبيه عليه فإن كل ما في باطن كل إنسان وظاهره أمر ~~يخصه لا يشترك اثنان في أمر موجود في الخارج بل ولا يتماثل شيئان من كل وجه ~~وإن كانا يتشابهان من بعض الوجوه # فالعلم بما يتشابه فيه الناس علم ببعض صفاتهم الكلية ليس ذلك علما بجميع ~~صفات كل واحد منهم ولا صفة كل واحد وعوارضه تماثل الآخر من كل وجه حتى يكون ~~العلم بالقدر المشترك علما كليا يتناولهما بل لكل واحد خصائص لا يشاركه ~~فيها غيره والعلم بالقدر المشترك لا يتناول شيئا من تلك الخصائص # والإنسان الموجود إنما كان هو الإنسان الموجود بخصائصه لا بالقدر المشترك ~~بينه وبين غيره بل ذلك القدر المشترك إنما يكون في العلم لا يكون في الوجود ~~فمن لم يعلم إلا الكلي وهو القدر المشترك لم يعلم شيئا من الموجودات البتة ~~وإنما ننتفع نحن بالعلم الكلي في الأمور PageV10P191 الموجودة إذا أدرجنا ~~الموجودات في الأمر الكلي كما في علم الشرع والطب وغير ذلك فعلم الطبيب بأن ~~السقمونيا تستخرج الصفراء وأن الدم يستخرج بالفصد والحجامة لا يوجب علما ~~بما ينتفع به الناس إن لم يعلم أن هذا به صفراء وهذا قد زاد به الدم فإذا ~~علم المعينات مع الكليات انتفع بعلمه وأمكن أن يكون له تأثير في الوجود ~~ويصير علما فعليا أي هو شرط في الفعل # فأما العلم الكلي بدون العلم بالجزئيات التي يفعلها الفاعل فلا يكون علما ~~فعليا ولا يؤثر في وجود شيء ولا في فعله # وبهذا يتبين أن قولهم إن علم الرب تعالى فعلي مع إخراج الجزئيات الموجودة ~~عنه تناقض يعرفه من تصور القولين # وعامة أقوال القوم متناقضة لكن ضلالهم في مسألة العلم عظيم جدا وهو من ~~أقبح الكفر وأعظمه منافاة لصريح المعقول وما فطر الله عليه عباده # وقولهم إن شخص زيد إنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل فإن عماد ~~التمييز الإشارة إلى جهة معينة والعقل يعقل الجهة المطلقة ms2175 الكلية والمكان ~~الكلي فأما قولنا هذا وهذا فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى ~~الحاس بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة PageV10P192 # فيقال لهم من الذي فرق في حق الخالق تعالى بين الحس والعقل حتى وصفه ~~بالعقل دون الحس فإن كنتم تحتجون بالمعقولات التي تعرفونها فهي تبطل هذا ~~الفرق وإن كنتم تعتصمون بالشرع فهو لم يطلق عليه اسم العقل ولا الحس لكن ~~قال لفظ العلم والسمع والبصر وبين أنه بكل شيء عليم وأنه سميع بصير والسمع ~~والبصر هو مما يريدونه بلفظ الحس # فإن قلتم إن علمه بالجزئيات المشخصة لا يمكن إلا مع رؤيته لها فلا محذور ~~في إثبات رؤيته لكل مخلوق # وإذا قلتم هذه المحسوسات في جهة والإحساس بها يقتضي كونها بجهة من الحاس ~~على قرب أو بعد فهذا يناسب قولكم إن ما ليس في مكان ليس له نسبة إلى المكان # وحينئذ فيقال أنتم تعلمون أن النفس لها تعلق للشعور والتدبير بالبدن ~~الجزئي فإن ذلك يستلزم أن يكون الذي يحس البدن جسما فالنفس جسم وتدبير رب ~~العالمين لمخلوقاته أعظم من تدبير النفس للبدن فإن النفس ليست مستقلة ~~بتدبيره بل لها شركاء في قوى طبيعية وأسباب خارجية # وأما رب العالمين فلا شريك له في تدبير مخلوقاته فيكون علمه بهم ورؤيته ~~لهم أعظم من علم النفس ببدنها وإدراكها له سواء سمي هذا وهذا حسا أو لم يسم # وما شاركتم فيه الجهمية من النفي لاينفعكم وإنما تنفعكم الأدلة ~~PageV10P193 الصحيحة العقلية أو الشرعية وقد قدمنا غير مرة أنه ليس لكم ~~دليل ينفي ما سميتموه تركيبا عن واجب الوجود ولا ما ينفي الصفات حتى أن ~~الغزالي مع نفيه لكون الرب جسما بين أنه لا دليل لكم على ذلك وأنتم تقولون ~~لا دليل لنفاة المتكلمين على نفي ذلك كما قد حكى ذلك عن الفريقين في موضعه ~~وبين ما ذكر في حجج الفريقين من الفساد العقلي والابتداع الشرعي # وأيضا فإذا كان لا يعلم إلا الأمور الكلية الأزلية الأبدية التي لا تقبل ~~التغير فيجب أن ms2176 لا يعلم أحدا من الأنبياء والرسل ولا شيئا مما أمروا به ~~الناس فإنه ليس شيء من ذلك أزليا أبديا بل يجب أن لا يعرف وجود بني آدم ولا ~~غيرهم من الحيوانات إلا إذا ثبت أن وجود ذلك لازم لوجود الأفلاك # ومعلوم أنهم ليس لهم دليل على قدم نوع من المركبات لا الإنسان ولا غيره ~~من الحيوانات وإن اعتقدوا قدم الأفلاك فإن حدوث الحوادث السفلية هو عن ~~حركات الأفلاك والحركات متنوعة وتحدث فيها أشكال غريبة فيجوز أن يكون حدوث ~~ما حدث من الأنواع بسبب بعض الأشكال التي حدثت ولهذا يجوز عندهم تحول ~~المعمور من الربع الشمالي إلى الجنوبي وغير ذلك من التغيرات العظيمة ويجب ~~أن لا يكون له علم بالطوفانات العامة كطوفان نوح وغيره لأنه من هذا الباب ~~بل يجب أن لا يكون عالما بشيء من أحوال الأفلاك وغيرها ما لم يثبت أن ذلك ~~بعينه قديم أزلي # وهم لا دليل لهم على قدم شيء من العالم وإنما حججهم تدل PageV10P194 على ~~قدم نوع فعله لا على قدم شيء بعينه من المفعولات وقد قامت الأدلة على أن كل ~~ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن وإن قيل إنه لم يزل متكلما فاعلا # وعلى هذا التقدير فلا يكون عالما بشيء من مخلوقاته إذ كلها حادثة وهم لا ~~يعلمون شيئا من المحدثات ويجب أن لا يكون عالما بما يتكلم به وما يفعله مع ~~قيام الدليل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته بل ولازم هذا القول أنه لم يفعل ~~شيئا فإنه لا يفعل إلا بمشيئته ولا يشاء إلا مع علمه بما يشاؤه فإذا قدر ~~أنه لم يعلم الفعل المعين والمفعول المعين لزم أنه لم يفعل شيئا ولزم أن كل ~~من فعل بقدرته ومشيئته كان أكمل منه لأنه فعل بعلم وقدرة ومشيئة وهذا في ~~صريح العقل أكمل ممن لا يفعل شيئا أو ممن يفعل بلا قدرة ولا مشيئة ولا علم # وأيضا فإنما يجوز أن يعلم المفعولات على وجه كلي أزلي أبدي لا يتغير أن ~~لو كانت المخلوقات ms2177 مخلوقة على هذا الوجه ولو كان كذلك لزم أن لا يكون في ~~العالم شيء من الحوادث لأن حدوث الحادث بعد أن لم يكن إنما يكون عن حدوث ~~تمام علته وحدوث تمام العلة لا بد له من سبب حادث وهو تمام علته التامة حتى ~~ينتهي الأمر إليه تعالى فلا بد أن يحدث ما يكون تمام العلة التامة لحدوث ~~الحوادث فإن قدر أنه لم يعلم إلا الأمر القديم الأزلي الأبدي امتنع أن يحدث ~~شيئا PageV10P195 لوجهين أحدهما أن الحادث لا يحدث عن قديم أزلي أبدي بدون ~~سبب حادث وهذا أصلهم الذي يقولون به # ثم نقول إن جاز حدوث الحادث عن القديم جاز أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلا ~~ولزم حينئذ علمه بالمحدثات وإن لم يجز ذلك امتنع أن يحدث عن العلة القديمة ~~التامة شيء من الحوادث فلا يحدث في العالم شيء وإذا بطل كون العالم مخلوقا ~~عن علة أزلية لم يحدث عنها لزم أن الحوادث حدثت عند كمال الموجب لحدوثها ~~وذلك بحدوث تمام الموجب لحدوثه وذلك يرجع إلى أمور قائمة به متعلقة بمشيئته ~~وقدرته وحينئذ فيجب علمه بها لأنها من لوازم نفسه ولامتناع وجودها بدون ~~العلم بها # وأيضا فلأن الحوادث إنما هي صادرة عنه سواء صدرت بوسط أو بغير وسط فإن لم ~~يكن عالما بها على الوجه الذي حدثت عليه لم يكن عالما بعلتها التامة ~~المستلزمة لحدوثها لأن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول فإذا قدر ~~عدم العلم بالمعلول لزم عدم العلم بالعلة التامة وإذا امتنع العلم بالعلة ~~التامة لزم أن ينتفي العلم بعلة العلة حتى يلزم عدم علمه التام بنفسه # وإذا قدر عالما بنفسه لزم علمه بكل حادث على الوجه الذي حدث عليه ولزم ~~علمه بكل جزئي لأنه هو الفاعل له على هذا الوجه وإن كان بطريق اللزوم فإن ~~علمه بالملزوم كفعله للملزوم والعلم التام بالملزوم يوجب العلم بلوازمه كما ~~تقدم بيانه PageV10P196 # | فصل # قال ابن رشد واما صفة الإرادة فظاهر اتصافه بها إذ كان من شرط صدور الشيء ~~عن الفاعل العالم ms2178 أن يكون مريدا له وكذلك من شرطه أن يكون قادرا فأما أن ~~يقال إنه مريد للأمور المحدثة بإرادة قديمة فبدعة وشيء لا يعقله العلماء ~~ولا يقنع الجمهور الذين بلغوا رتبة الجدل بل ينبغي أن يقال إنه مريد لكون ~~الشيء في وقت كونه وغير مريد لكونه في غير وقت كونه كما قال تعالى @QB@ ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون @QE@ سورة النحل 40 فإنه ~~ليس عند الجمهور شيء يضطرهم إلى أن يقولوا إنه مريد للمحدثات بإرادة قديمة ~~إلا من توهمه المتكلمون من أن الذي تقوم به الحوادث حادث # وقد تبين من قولنا إن الحوادث التي توجب الحدوث للمحل PageV10P197 الذي ~~تقوم به هي الحوادث التي تغير جوهر الشيء وأما تحقيق إرادة الإله فمن علم ~~الخواص الخاص بهم فهؤلاء أرادوا أن يفهموا الناس من الإرادة معنى غير ~~المفهوم من معنى الإرادة المعروفة المفهومة التي صرح بها الشرع وهو معنى لا ~~يفهمه الجمهور ولا تكيفه العقول وجعلوا ذلك أصلا من أصول الشريعة وكفروا من ~~لم يقل به وإنما طور العلماء في هذا المقام أن يقوم البرهان عندهم أن هناك ~~إرادة غير مكيفة لايقال عنها إنها إرادة قديمة يلزم عنها حادث ولا إرادة ~~حادثة مثل التي في الشاهد بل هي إرادة العقول الإنسانية مقصرة عن تكييفها ~~كما هي مقصرة عن تكييف سائر الصفات التي وصف بها نفسه لأنها متى كيفت أشبهت ~~الصفات المكيفة المحدثة فوجب أن يصدق بجميعها بالدلائل البرهانية بلا كيف # قلت أما كونها إرادة ليست مثل إرادة الخلق فهذا لا بد منه فيها وفي سائر ~~الصفات هذا لا يختص بالإرادة كما أن الرب نفسه ليس كمثله شيء فصفاته كذاته # لكن مجرد نفي هذا لا ينازعه فيه أحد ومضمون كلامه الوقف عن الكلام في ~~قدمها وحدوثها لا بيان حل الشبهة كما فعل في مسألة العلم PageV10P198 # والفلاسفة الدهرية حائرون في هذا الموضع ومن يتكلم فيها تناقض كلامه ~~لفساد الأصل الذي يبنون عليه وهو صدور الحوادث عن علة موجبة لمعلولها بوسط ~~أو بغير ms2179 وسط فإن هذا ممتنع بل هو جمع بين النقيضين لأن العلة التامة لا ~~يتخلف عنها شيء من موجبها ولا موجب موجبها والحوادث متأخرة فلا يكون من ~~موجبها ولا موجب موجبها فجعلها من موجبها أو موجب موجبها تناقض فإذا كانوا ~~حائرين في أصل صدور الحوادث عنه فكيف في إرادته لها وعلمه بها # وما ذكره من أن نفاة المتكلمين لا دليل عندهم إلا ما ذكر من أن الذي تقوم ~~به الحوادث حادث وما ذكره من إبطال دليلهم على ذلك هو له ألزم فإن الفلاسفة ~~لم يقيموا على ذلك دليلا بحال إلا ما ينفي الصفات مطلقا # وقولهم في ذلك باطل متناقض إلى الغاية كما قد بين في موضعه وكلامه يتضمن ~~إثبات الصفات فإذا كان من أصلهم أن القديم قد يقوم به الحادث مع أنه تقوم ~~الصفات بالواجب القديم كان ما ألزمه لنفاة المتكلمين له ألزم # قال فإن قيل فصفة الكلام من أين تثبت له # قلنا تثبت له من قيام صفة العلم به وصفة القدرة على الاختراع فإن الكلام ~~ليس شيئا أكثر من أن يفعل المتكلم فعلا يدل PageV10P199 عند المخاطب على ~~العلم الذي في نفسه ويصير المخاطب بحيث ينكشف له ذلك العلم الذي في نفسه ~~وذلك فعل من جملة أفعال الفاعل # قلت الكلام ليس هو نفس التكليم فليس كل متكلم مخاطبا لغيره والنظر أولا ~~في إثبات كونه متكلما ثم في إثبات كونه مكلما لغيره وما ذكره إنما هو في ~~إثبات كونه مكلما لغيره ثم إنه لم يذكر إلا مجرد الإعلام والإفهام والدلالة ~~بأي طريق كان وما يسمى إعلاما وإفهاما ويسمى تكليما مع الإطلاق أو التقييد ~~درجات # كما قال تعالى @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء @QE@ سورة الشورى 51 فالتكلم من وراء ~~حجاب كما كلم موسى وبإرسال ملك كما أرسل جبريل بالقرآن أعظم من مجرد ~~الإيحاء # كما قال @QB@ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه @QE@ سورة القصص 7 وقال @QB@ ~~وإذ أوحيت إلى الحواريين ms2180 أن آمنوا بي وبرسولي @QE@ سورة المائدة 111 # ولا ريب أن الدلالة على مراتب أحدها أن يدل الدليل بغير شعور منه ولا قصد ~~فهذا الذي يسمى لسان الحال وكل ما يسمى دليلا فيسمى بهذا الاعتبار شاهدا ~~ومعرفا وقائلا كما قال PageV10P200 # % امتلأ الحوض وقال قطني % # % قطني رويدا قد ملأت بطني % $ # وقال انساع بطنه # وقال الحائط للوتد لم تشقني # لا يجوز أن يجعل تكليم الله من هذا الباب عند المسلمين وقد يجعل تكليمه ~~من هذا الباب من يقول إنه لا يعلم الجزئيات # والدرجة الثانية أن يكون الدال عالما بالمدلول عليه لكنه لم يقصد إفهام ~~مخاطب ولكن حاله دل المستدل على ما علمه كالأصوات التي تدل بالطبع مثل ~~البكاء والضحك ونحوهما فإنها تدل على ما يعلمه المرء من نفسه مثل الحزن ~~والفرح وكذلك صفرة الوجل وحمرة الخجل تدل على ما يعلمه المرء من فزعه ~~وحيائه وإن لم يقصد الإعلام بذلك # ومن هذا الباب قول الشاعر # % تحدثني العينان ما القلب كاتم % ولا خير في الشحناء والنظر الشزر % $ # وقول الآخر # % والعين تعلم من عيني محدثها % إن كان من حزبها أو من أعاديها % $ # ومن هذا الباب قوله تعالى @QB@ ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول @QE@ سورة محمد 30 فهو يعلم من السيماء PageV10P201 ~~ومن لحن القول ما لم يقصدوا الإعلام به # وتكليم الله عند المسلمين لا يجوز أن يكون من هذا الباب اللهم إلا عند ~~القدرية الذين يقولون إن ما يحدث من علم العبد قد يحدث بدون إرادة الله # والدرجة الثالثة الدلالة التي يقصدها الدال فمنها الإعلام بغير خطاب ~~مسموع كمن يعلم لغير علامات تدله على ما يريد وكإشارة الأخرس ونحو ذلك ~~فالله تعالى قد يعلم عباده بأنواع كثيرة من الدلائل والإعلام # وهذا هو الذي أثبته المذكور ولكن لازم هذا أن يكون كل من علم علما فقد ~~كلمه الله فإنه قد نصب دليلا يعرفه بذلك والله عالم به وهو مريد لما وقع # ولهذا قال وقد يكون من تكليم الله ما يلقيه إلى العلماء بواسطة البراهين ~~لكن ms2181 من الناس من يستشعر أن الله هداه إلى ذلك وعلمه إياه بما نصبه من ~~الأدلة ومن الناس من قد يعرض عن ذلك ولا ينظر إلا إلى ما دله وقد يقع بنفس ~~الإنسان من ذلك ما لا يعرف عليه دليلا معينا # ومعلوم أن جعل كلام الله ليس إلا من هذا النوع خطأ بل هذا النوع ليس هو ~~الإيحاء المذكور في القرآن فإن ذاك إيحاء بما يؤمر به PageV10P202 # كما قال تعالى @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي @QE@ ~~سورة المائدة 111 # وقالت @QB@ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه @QE@ سورة القصص 7 # بل إيحاء النحل ليس مقتصرا على هذا فإن ذاك أيضا إيحاء بما يريد أن يفعل ~~وهذا ليس فيه إلا مجرد الإعلام # والتكليم للغير قد يكون مجرد إخبار له وإعلام وقد يكون طلبا منه لفعل أو ~~لترك إما لمصلحته وإما لمجرد إرادة الأمر وهذا النوع من التكلم مستلزم ~~للأول والأول لا يستلزم هذا فليس كل من أعلم بشيء أمر بشيء وكل من أمر بشيء ~~فقد أعلم المأمور به وهو لم يذكر إلا مجرد الإعلام فاقتصر على أدنى نوعي ~~التعليم في آخر درجات التكليم # وهذا الذي ذكره غاية ما يثبته القائلون بقدم العالم من المتفلسفة ~~والصابئة ونحوهم والذين يقولون إن الله يتكلم بكلام مخلوق يخلقه في غيره ~~خير من هؤلاء وهذه الدرجة أرفع من درجة مجرد الإعلام مع قصده العلم لأن هذا ~~إعلام بكلام منظوم مسموع وهذا أبلغ من إعلام بمجرد ما يقع في النفس فإذا ~~كان من لم يثبت لله كلاما إلا كلاما مخلوقا في غيره مع أنه حروف منظومة من ~~أضل الناس عند سلف الأمة وأئمتها فكيف من لم يثبت إلا مجرد الإعلام # وأهل السنة لا ينازعون في أن مثل هذا الإعلام واقع من جهة الله ~~PageV10P203 تعالى ولكن يقولون ليس كلامه وتكليمه هو هذا فقط بل هذا يحصل ~~لعموم الخلق # وأما تكليمه من وراء حجاب أو بإرسال رسول فهذا مخصوص بالأنبياء وهؤلاء ~~المتفلسفة يجعلون النبوة من جنس ما يحصل لعلماء ms2182 الفلاسفة الكاملين عندهم # ومن هذا صار كثير من متصوفة الفلاسفة يطمعون في النبوة أو فيما هو أعلى ~~منها عندهم كما حدثونا عن السهروردي المقتول أنه كان يقول لا أموت حتى يقال ~~لي قم فأنذر # وكذلك ابن سبعين كان يقول لقد زرب ابن آمنة حيث قال لا نبي بعدي # وابن عربي صاحب الفتوحات المكية كان يتكلم في خاتم الأولياء ويقول إنه ~~أعلم بالله من خاتم الأنبياء وإن الأنبياء جميعهم يستفيدون العلم بالله من ~~جهة هذا المسمى بخاتم الأولياء والعلم بالله عندهم هو القول بوحدة الوجود ~~كما قد عرف من قول هؤلاء ويقول # % مقام النبوة في برزخ % فويق الرسول ودون الولي % $ PageV10P204 # ويقول إن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به ~~إلى الرسول وهذا على أصل هؤلاء الفلاسفة الملاحدة الذين يجعلون الملائكة ما ~~يتمثل في نفس النبي من الصور الخيالية النورانية وكلام الله ما يحصل في ~~نفسه من ذلك فالنبي عندهم يأخذ عن هذه الأمثلة الخيالية في نفسه الدالة على ~~العلم العقلي والولي يأخذ العلم العقلي المجرد ولهذا يجعلون تكليم الله ~~لأحدهم أفضل من تكليمه لموسى بن عمران لأن موسى كلم عندهم بحجاب الحرف ~~والصوت أي بخطاب كان في نفسه ليس خارجا عن نفسه ويقول بعضهم كلم من سماء ~~عقله وأحدهم يكلم بدون هذا الحجاب وهو إلهامه المعاني المجردة في نفسه # وصاحب خلع النعلين وأمثاله يسلكون هذا المسلك # وهؤلاء أخذوا من مشكاة الأنوار التي بناها واضعها على قانون الفلاسفة ~~وجعل تكليم الله لموسى من جنس ما يلهمه النفوس من العلوم PageV10P205 # ولما كان ابن رشد هذا يعتقد في الباطن ما يعتقده من مقالات المتفلسفة ~~كانت غايته فيما أثبته من كلام الله هو من جنس الإعلام العام الذي يشترك ~~فيه نوع الإنسان # ولهذا كانت اليهود والنصارى أعظم إيمانا بالله وأنبيائه ودينه وبالآخرة ~~من الفلاسفة لكن في اليهود والنصارى من يسلك مسلك هؤلاء المتفلسفه فيجتمع ~~فيه الضلالان # واليهود والنصارى آمنوا ببعض ما أنزل الله وكفروا ببعض كما قال تعالى ~~@QB@ إن الذين ms2183 يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم ~~الكافرون حقا @QE@ سورة النساء 150 151 # لكن أولئك آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض وهؤلاء المتفلسفة قد ~~يقرون بجميع الأنبياء والكتب لكن هم في إيمانهم بجنس الأنبياء والكتب ~~يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض فخيارهم يؤمنون بدرجة من درجات إعلام الله ~~وإيحائه إلى عباده كما ذكر ابن سينا وابن رشد وأمثالهما ولا يؤمنون بما فوق ~~ذلك # وكذلك فيما أخبرت به الرسل من الغيب يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض وكذلك فيما ~~أمروا به فهم يؤمنون ببعض نوع الرسالة ويكفرون ببعض # ولهذا قد يكون اليهود والنصارى خيرا منهم وقد يكون خيارهم أقرب إلى ~~الإسلام من اليهود والنصارى من بعض الوجوه ويكونون PageV10P206 من هذا ~~الوجه خيرا من اليهود والنصارى # ومعلوم أن المنافقين الداخلين في الإسلام فيهم من هو شر من اليهود ~~والنصارى وفيهم من يكون نفاقه أخف من كفر اليهود والنصارى # قال ابن رشد وإذا كان المخلوق الذي ليس بفاعل حقيقي أعني الإنسان يقدر ~~على هذا الفعل من جهة ما هو عالم قادر فإنه بالحرى أن يكون ذلك واجبا في ~~الفاعل الحقيقي # قال ولهذا الفعل شرط آخر في الشاهد وهو أن يكون بواسطة وهو اللفظ وإذا ~~كان هذا هكذا وجب أن يكون الفعل من الله تعالى في نفس من اصطفى من عباده ~~بواسطة ما إلا أنه ليس يجب أن يكون لفظا ولا بد مخلوقا له بل قد يكون ~~بواسطة ملك وقد يكون وحيا أي بغير لفظ يخلقه بل يفعل فعلا في السامع ينكشف ~~له به ذلك المعنى وقد يكون بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع المستمع المختص ~~بكلامه وإلى هذه الأطوار الثلاثة الإشارة بقوله تعالى @QB@ وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ~~@QE@ PageV10P207 سورة الشورى 51 # فالوحي هو وقوع ذلك المعنى في نفس الموحى إليه بغير واسطة لفظ يخلقه بل ~~بانكشاف ذلك المعنى ms2184 له بفعل يفعله في نفس المخاطب كما قال تعالى @QB@ فكان ~~قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى @QE@ سورة النجم 109 # وقوله @QB@ من وراء حجاب @QE@ هو الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها ~~في سمع الذي اصطفاه بكلامه وهذا هو كلام حقيقي وهو الذي خص الله به موسى ~~ولذلك قال @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ سورة النساء 164 وأما قوله @QB@ ~~أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه @QE@ سورى الشورى 51 فهذا هو القسم الثالث وهو ~~الذي يكون بواسطة الملك # قال وقد يكون من كلام الله ما يلقيه إلى العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ~~بواسطة البراهين PageV10P208 # قلت هذا كله على أصله إخوانه الفلاسفة كما تقدم وهؤلاء في الحقيقة لم ~~يثبتوا لله كلاما ولا تكليما هو أمر ونهي وإنما أثبتوا مجرد العلم والإعلام # وقوله ولهذا الفعل شرط في الشاهد وهو اللفظ فيجب أن يكون من الله بواسطة ~~وهو الملك أو جعل العبد عالما بذلك أو لفظ يخلقه في سمع المستمع فهذا شر من ~~قول المعتزلة الذين يقولون كلام الله مخلوق # وهو متضمن لعدة وجوه من الخطأ منها أن الملك إذا كان واسطة رسول إلى من ~~أرسل إليه كما أن البشر أيضا رسول ومثل هذه الواسطة قد تكون من العبد أيضا ~~فإنه قد يرسل رسولا كما يكتب كتابا والرسول مبلغ لكلام المرسل فلا بد من ~~إثبات كلام يبلغه الرسول والرسول قد يبلغ لفظ المرسل وقد يبلغ معناه بعبارة ~~أخرى وقد يفهم مراده بطريق آخر فيبلغه عنه فهذا كله يقع في البشر كما يقع ~~تكليم بعضهم لبعض باللفظ فلا يجعل هذا من الله نوعا من الأنواع القائمة ~~مقام اللفظ من البشر فإن البشر تجمع بين النوعين بين اللفظ وبين هذا فكان ~~الواجب أن يجعل هذا من الله قائما مقام الإرسال من البشر لا مقام اللفظ # وأيضا فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها لا تقوم مقام اللفظ من البشر أما ~~إحداث الفهم في العبد فهذا مفعول من مفعولات الله PageV10P209 كسائر ~~مفعولاته فيجعل العبد يعلم بمنزلة جعله يسمع ويبصر ويقدر ms2185 ويعمل # ومعلوم أن هذا لا يقدر عليه غير الله وهو مع هذا متناول لجميع الحيوان ~~قال تعالى @QB@ سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ سورة ~~الأعلى 1 3 وقال موسى @QB@ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى @QE@ سورة طه ~~50 # فهل يكون كل من جعله الله يعلم ما لم يكن يعلم يكون قد كلمه الله # وأيضا فهذا ليس نظير خطاب الإنسان بلفظه ولا هذا واسطة في هذا التكليم بل ~~هذا هو نفس الواسطة وهو يثبت أمرين أحدهما فعل من الله هو التكليم والثاني ~~واسطة أخرى غير الفعل # وذلك لا يصلح لأمرين أحدهما أن الفعل غير المفعول كما أقر بذلك غير مرة ~~وهنا لا يثبت لله فعلا غير ما حدث في نفس الملهم الثاني أنه ليس هناك واسطة ~~غير هذا الحادث فنفس كون العبد يعلم هو التكليم عنده وهو مفعول الحق وهو ~~مفعول الحق وإذا قدر قبل هذا العلم خلق استعداد في العبد وإثبات شروط ~~وإزالة موانع فتلك هي شروط العلم كالنظر والاستدلال فيما يحصل بذلك وأما ~~قوله بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع المستمع المختص بكلامه # فيقال له هذا اللفظ إن كان موجودا في شيء خارج عن المستمع فهو قول ~~المعتزلة الذين يقولون إن الله كلم موسى بكلام مخلوق في غيره PageV10P210 # وهو لم يرد هذا بل قوله وقول أصحابه شر من هذا وإن أراد ما هو مدلول لفظه ~~وقول أصحابه وهو أنه خلق لفظا في نفس موسى سمعه موسى من غير أن يكون له ~~وجود في الخارج فهذا من جنس ما يسمعه النائم في نفسه من الأصوات وما يقع ~~لأرباب الرياضات من الأصوات التي يسمعونها في أنفسهم # ولا ريب أن إحداث المعاني العقليه المجردة في نفس الإنسان أكمل من إحداث ~~هذه في نفسه فيكون تكليمه لموسى أنقص من إيحائه إلى سائر النبيين والله قد ~~فضل موسى بالتكليم وعلم ذلك بالضرورة من دين المسلمين واليهود والنصارى # قال تعالى @QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ms2186 بعده ~~وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما @QE@ سورة النساء 163 164 # وقال تعالى @QB@ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله @QE@ ~~سورة البقرة 253 # وقال @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال ~~لن تراني @QE@ إلى قوله @QB@ قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي @QE@ سورة الأعراف 143 144 # وقال @QB@ وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا @QE@ سورة مريم 52 ~~PageV10P211 # وقال @QB@ فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين @QE@ سورة القصص 30 # و قال @QB@ هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى @QE@ سورة ~~النازعات 15 16 # وما ذكروه من حدوث أصوات في نفس الإنسان يسمعها إما يقظة وإما مناما يحصل ~~لآحاد الناس في كثير من الأوقات وسمع الإنسان للهواتف في نفسه أكثر من أن ~~يحصى فإن كان تكليم موسى من هذا الجنس فآحاد الناس شركاؤه في هذا فكيف ~~بالأنبياء فكيف بالمرسلين # ومعلوم أن الله خص موسى بالتكليم تخصيصا لم يشركه فيه لا نوح ولا إبراهيم ~~ولا عيسى ولا نحوهم من النبيين # وقوله إن ذلك الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها في سمع الذي اصطفاه ~~بكلامه وهذا هو كلام حقيقي وهو الذي خص به موسى كلام باطل فإن هذا ليس ~~بالتكليم الحقيقي الذي خص به موسى بل ليس هو التكليم الحقيقي عند أحد من ~~الأمم # ولا يعقل أحد في التكليم هذا وإنما هذا من جنس المنامات وغايته أن يكون ~~من جنس الإيحاء والإنسان قد يرى في منامه أن الله خاطبه بكلام كثير يسمعه ~~فإن كان هذا كلام حقيقي لله فما أكثر PageV10P212 الكلام الحقيقي لله وما ~~أكثر تكليمه بكلام حقيقي لآحاد الناس كما كلم موسى بن عمران النجي المقرب ~~المخصوص بالتكليم # وأيضا قوله تعالى @QB@ وما كان لبشر أن ms2187 يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب @QE@ سورة الشورى 51 يقتضي أن التكليم من وراء حجاب نوع غير الوحي وأن ~~المكلم بذلك محجوب أن يرى الله لأن التكليم المسموع قد يكون مع رؤية ~~المستمع للمتكلم وقد يكون مع كونه محجوبا عنه بخلاف الوحي فإنه يقع في قلبه ~~فلا يحتاج أن يجعل نوعين # ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما منكم من أحد إلا ~~سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فلو كان الكلام المسموع هو شيئا ~~قائما بالمستمع لا وجود له في الخارج لكان من جنس الوحي الذي لا يحسن أن ~~يقال معه من وراء حجاب فإن صاحب هذا لم يسمع شيئا منفصلا عنه يمكن مشاهدة ~~المتكلم به تارة وحجب المستمع عنه أخرى والكلام على هذا مبسوط في موضعه # والمقصود هنا التنبيه على ما تعرف به الأقوال الموافقة للقرآن والمخالفة ~~له فإن هذا الباب خاض فيه طوائف من الناس وأكثر الناس يسمعون كلام هذا وهذا ~~ولا يعرفون حقائق الأقوال ومراتبها في القرب من الحق والبعد منه ~~PageV10P213 # قال ابن رشد وقد يكون من كلام الله ما يلقيه إلى العلماء الذين هم ورثة ~~الأنبياء بواسطة البراهين وبهذه الجهة صح عند العلماء أن القرآن كلام الله # أعني أن القرآن تضمن براهين عجزت العقول البشرية عنها فوجب أن يكون ~~فاعلها هو الله وفاعل البرهان عند الناظر فيه مقطوع عنده أن فاعل ذلك متكلم # قلت هذا بناه على ما تقدم من أن التكليم ليس إلا مجرد الإعلام فما علمه ~~العالم بالدليل هو من هذا النمط وهذا مما يبين ضلاله فإنه من المعلوم ~~بالاضطرار أن تكليم الله لأنبيائه بالوحي الذي يخصهم أمر لا يحصل للعلماء ~~وما ذكره في القرآن مضمونه أن القرآن فيه من البراهين ما تعجز عنه العقول ~~فوجب أن يكون مفعولا لله على زعمه # وهو والمعتزلة يقولون إنه مفعول أحدثه في شيء منفصل عن الرسول وعن جبريل ~~وهؤلاء عندهم لا يكون إحداثه إلا في نفس الرسول أو جبريل ms2188 عند من يسلم أن ~~جبريل ملك منفصل عن النبي قائم بنفسه وهذا لا يقوله إلا من قرب إلى الإسلام ~~منهم وأئمتهم لا يقولون ذلك ولا يعرفون جبريل إلا ما في نفس النبي من ~~الخيال أو PageV10P214 العقل الفعال فقول المعتزلة خير من قول هؤلاء بكثير # ويقال له القرآن إذا تضمن براهين عجزت العقول عنها فمن أين وجب أن يكون ~~مفعولا لله وما المانع من أن يكون كلاما يتكلم الله به هذا لا مانع منه إلا ~~ما يقوله نفاة الصفات وأنتم قولكم في إثباتها ونفيها متناقض تثبتونها تارة ~~وتنفونها أخرى ولا دليل لكم على النفي إلا ما قد عرف فساده والأدلة ~~اليقينية توجب إثباتها أو ما يقوله من ينفي أفعاله وما يقوم به من الأمور ~~التي يختارها ويقدر عليها كالتكليم مثلا وأنتم قد بينتم فساد هذه الحجة ~~التي استدل بها نفاة ذلك # قال فقد تبين لك أن القرآن الذي هو كلام الله قديم وأن اللفظ الدال عليه ~~مخلوق له سبحانه وتعالى لا للبشر # فيقال له ليس فيما ذكرته ما يقتضي أن القرآن الذي هو كلام الله قديم فإن ~~غاية ما ذكرته أن يكون القديم هو العلم والقرآن ليس هو مجرد العلم لا حروفه ~~ولا معانيه # أما حروفه فظاهر وأما معانيه فإن معاني الكلام نوعان إنشاء وإخبار فأما ~~الإنشاء ففيه الأمر والنهي المتضمن للطلب أو للإرادة التي بمعنى المحبة ~~ونحو ذلك وأما الخبر فهل معناه من جنس العلم أو حقيقة أخرى غير العلم فيه ~~قولان معروفان # فإن لم يكن في كلامك ما يمكن أن يكون قديما غير العلم لم يكن PageV10P215 ~~معنى القرآن عندك قديما ولكن بعض معناه ثم الكلام في تعدد هذه المعاني ~~واتحادها وتعدد العلم والارادة واتحاد ذلك لم يتكلم هو فيه وقد ذكر في غير ~~هذا الموضع # وكذلك يقال له ليس فيما ذكرته أن اللفظ الدال عليه مخلوق له سبحانه لا ~~لبشر فإنك لم تذكر إلا مجرد دعوى أنه يسمع ألفاظا في نفسه ولم تقم دليلا ~~على ذلك ولو قدر أن ms2189 مثال ذلك يسمى كلام الله كان قول القائل إن القرآن من ~~هذا الباب دعوى تفتقر إلى دليل وهو لم يذكر دليلا على ذلك ولا دليل له إلا ~~ما قد اعترف هو بضعفه كدليل ابن سينا على نفي الصفات ودليل المعتزلة ~~والأشعرية على أن ما لم يسبق الحوادث فهو حادث أو دليل المعتزلة على نفي ~~الصفات وهو أضعف من ذلك # فهذا مجموع ما ذكره هو وأمثاله في كتبهم وهي ترجع إلى دليل الحوادث ~~والتعدد والاختصاص ليس لهم رابع # ثم يقال له بتقدير تسليم ما قدمته قولك في القرآن باطل وذلك لأنه لا ~~يمكنك أن تقول فيه ما قلته في تكليم موسى فإن موسى كلمه الله تكليما فزعمت ~~أنت وأمثالك من الملاحدة أن معنى ذلك خلق كلام مسموع في مسامع موسى كما زعم ~~المعتزلة الذين هم خير منكم أن ذلك كلام مسموع خلقه في جسم من الأجسام ~~فسمعه PageV10P216 موسى وأما القرآن فنزل به جبريل إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم لم يكلم الله به محمدا بلا واسطة # وإذا كان جبريل نزل به من الله وأنتم تقولون ليس هنا جبريل منفصل عن ~~النبي وإنما جبريل ما يتخيل في نفسه من الصور النورانية التي تخاطبه وحينئذ ~~فيكون من خلق في نفسه هذه الأصوات ابتداء قد كلمه الله تكليما ومن خلقت فيه ~~بواسطة هذه الصورة نزل عليه جبريل بها فيكون ما يحصل لآحاد الناس من ~~الأصوات التي يسمعها في نفسه أعظم من القرآن وهي بأن تكون كلام الله أحق من ~~القرآن وتكون التوراة أعظم من القرآن # وقد علم بالاضطرار من دين المسلمين أن جبريل ملك حي متكلم كان ينزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي ليس هو مجرد ما يتخيل في نفسه # قال تعالى @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم ~~أمين @QE@ إلى قوله @QB@ ولقد رآه بالأفق المبين @QE@ سورة التكوير 19 23 ~~فأخبر أنه رسول كريم ذو قوة عند ذي العرش وأنه مطاع هناك أمين # ومن المعلوم أن ما ms2190 في نفوس البشر من الصور لا يوصف بهذا # وقال تعالى @QB@ علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا ~~فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى ~~أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى @QE@ PageV10P217 سورة النجم 5 18 فأخبر أن معلمه معلم شديد القوى ~~وأنه ذو مرة والناس قد تنازعوا في المرئي مرتين فقال ابن مسعود وعائشة ~~وغيرهما هو جبريل رآه على صورته التي خلق عليها مرتين كما ثبت ذلك في ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم # وقال ابن عباس وغيره رأى ربه بفؤاده مرتين # ومن المعلوم أنه إذا كان المرئي جبريل وأنه الذي رآه عند سدرة المنتهى ~~عندها جنة المأوى وأنه استوى وهو بالأفق الأعلى امتنع أن يكون جبريل ما في ~~نفسه وإذا كان المرئي هو الله فهو أعظم # ومن هؤلاء من يقول جبريل هو العقل الفعال ويقول ليس بضنين أي ببخيل لأنه ~~فياض وهذا جهل لأن قراءة الأكثرين بظنين أي بمتهم وهو المناسب أي ما هو ~~بمتهم على ما غاب عنا بل هوأمين في إخباره بالغيب وإذا قيل ضنين بمعنى بخيل ~~كان ذلك وصفا له بأنه لا يبخل بعلم الغيب بل يبين الحق ولهذا قال على الغيب ~~بظنين PageV10P218 # وما يزعمونه من العقل الفعال هو عندهم تفيض منه جميع الأمور المشاهدة ~~فليس هنا غيب وشهادة ثم من المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين أن جبريل لم ~~يبدع الأرض والجبال والهواء والسحاب والحيوان والمعدن والنبات وهم يزعمون ~~أن هذا العقل الفعال أبدع كل ما تحت فلك القمر وقد بسط الكلام على هذا وبين ~~أن الملائكة التي وصفها الله في كتابه لا يصح أن تكون هي ما يذكرونه من ~~العقول والنفوس بوجوه كثيرة # قال وبهذا باين لفظ القرآن الألفاظ التي ينطق بها في غير القرآن أعني أن ~~هذه الألفاظ ms2191 هي فعل لنا بإذن الله وألفاظ القرآن هي خلق الله ومن لم يفهم ~~هذا على هذا الوجه لم يفهم هذه الصورة ولا فهم كيف يقال في القرآن إنه كلام ~~الله # فيقال له كل ما يحدثه الله تعالى في نفوس الآدميين من الحروف والأصوات ~~التي يتخيلونها في المنام واليقظة هي على قولكم بمنزلة القرآن في أنها خلق ~~الله ومن المعلوم أن الألفاظ التي يؤلفها الفضلاء خير من أكثر الألفاظ التي ~~يتخيلها أكثر الناس في المنام واليقظة فأي فضيلة للقرآن بهذا الاعتبار # قال ومن نظر إلى اللفظ دون المعنى قال إن القرآن PageV10P219 مخلوق ومن ~~نظر إلى المعنى الذي يدل عليه اللفظ قال إنه غير مخلوق والحق هو الجمع ~~بينهما # قال والأشعرية قد نفوا أن يكون المتكلم فعل الكلام لأنهم تخيلوا أنهم إذا ~~سلموا هذا الأصل وجب أن يعترفوا أن الله فاعل لكلامه ولما اعتقدوا أن ~~المتكلم هو الذي يقوم الكلام بذاته ظنوا أنه يلزمهم عن هذين الأصلين أن ~~يكون الله فاعلا للكلام في ذاته فتكون ذاته محلا للحوادث فقالوا المتكلم ~~ليس فاعلا للكلام وإنما هي صفة قديمة لذاته كالعلم وغير ذلك وهذا يصدق على ~~كلام النفس ويكذب على الكلام الذي يدل على ما في النفس وهو اللفظ # والمعتزلة لما ظنوا أن الكلام هو ما فعله المتكلم قالوا إن الكلام هو ~~اللفظ فقط ولهذا قال هؤلاء إن اللفظ مخلوق واللفظ عند هؤلاء من حيث هو فعل ~~فليس من شرطه أن يقوم بفاعله والأشعرية تتمسك بأن من شرطه أن يقوم بالمتكلم ~~وهذا صحيح في الشاهد في الكلامين معا أعني كلام النفس واللفظ الدال عليه ~~وأما في الخالق فكلام النفس هو الذي قام به فاما الدال عليه فلم يقم به ~~سبحانه PageV10P220 # والأشعرية لما شرطت بإطلاق أن يكون الكلام قائما بالمتكلم أنكرت أن يكون ~~المتكلم فاعلا للكلام على الإطلاق والمعتزلة لما شرطت أن يكون المتكلم ~~فاعلا للكلام بإطلاق أنكروا كلام النفس وفي قول كل واحدة من الطائفتين جزء ~~من الحق وجزء من الباطل على ما لاح ms2192 لك من قولنا # فيقال له ليس فيما ذكرته قول الأشعرية ولا قول المعتزلة ولا جمعا بينهما ~~بل هو قول المتفلسفة والصابئة الذين هم شر من اليهود والنصارى # وذلك أن المعتزلة وإن قالت إن الكلام مفعول للرب فإنها لا تجعله محدثا في ~~نفس المتكلم بل يقولون إنه مفعول في جسم منفصل عن المستمع وهو آية من آيات ~~الله التي يخلقها ومن قال بقولك كفرته المعتزلة # وأما الأشعرية فهم وإن قالوا إنه معنى قائم بنفس المتكلم فلا يجعلونه ~~مجرد العلم بل الكلام عندهم صفة ليست هي العلم ولا الإرادة والكلام يكون ~~خبرا ويكون أمرا # والناس وإن خالفوهم في هذا المعنى وقالوا لا يعقل إلا العلم PageV10P221 ~~والإراده وضايقوهم في جعل المعنى الواحد يكون أمرا وخبرا حتى احتاج بعضهم ~~إلى أن جعل الكلام كله بمعنى الخبر والخبر مع المخبر كالعلم مع المعلوم وقد ~~يضطرون إلى أن يفسروا معنى الخبر بالعلم لعدم الفرق فهذه لوازم المذهب الذي ~~قد يستدل بها إن كانت لازمة على فساده وليس كل من قال قولا يلتزم لوازمه # والناس لهم في الكلام ثلاثة أقوال هل هو اسم اللفظ والمعنى جميعا كما هو ~~قول الأكثرين أم للفظ فقط بشرط دلالته على المعنى كقول المعتزلة وكثير من ~~غيرهم أو للمعنى المدلول عليه باللفظ كقول الكلابية ومن متأخريهم من جعله ~~مشتركا بينهما اشتراكا لفظيا # وأما المتكلم ففيه أيضا ثلاثة أقوال أحدها أنه من فعل الكلام ولو في غيره ~~كما يقوله المعتزلة والثاني من قام به الكلام وإن لم يفعله ولم يكن مقدورا ~~مرادا له كما يقوله الكلابية والثالث من جمع الوصفين فقام به الكلام وكان ~~قادرا عليه # ولا ريب أن جمهور الأمم يقولون لا يكون متكلما إلا من قام به الكلام كما ~~لا يكون متحركا إلا من قامت به الحركة ولا عالما إلا من قام به العلم ونحو ~~ذلك لكن الكلابية اعتقدوا أنه لا تقوم به الحوادث فامتنع لهذا عندهم أن ~~يكون الكلام مقدورا له مرادا # قالوا لأن المقدور المراد حادث لا يكون صفة ms2193 لازمة له # وأنت قد بينت فساد هذا الأصل فكان يلزمك على أصلك أن تجوز قيام ذلك به ~~فإنه لا دليل لك على نفيه إلا ما تنفي به سائر PageV10P222 الصفات وأنت ~~تعترف بأن حدوث الحوادث بدون ذلك مما يتعرى ويتعذر بعقله # وكذلك ما ذكرته عن المعتزلة من أن اللفظ عندهم فعل وليس من شرطه أن يقوم ~~بفاعله وأنت مقر بالفرق بين الفعل والمفعول وأنه لا يعقل مفعول بدون فعل ~~وهذا مما أوردته على أبي حامد في تهافت التهافت وقلت إن حدوث العالم بدون ~~إحداث يكون هو فعل والحادث هو المفعول محال وقد أبطلت أصل المعتزلة في أن ~~ما تقوم به الحوادث فهو حادث فكان يلزمك أن تثبت فعلا قائما بالفاعل إما ~~قديما وإما حادثا ويكون الكلام قائما بالمتكلم وهو فعل له فكيف وأنت ~~وأصحابك لم تثبتوا كلاما لله إلا ما كان في نفوس البشر فالمعتزلة خير منكم # وإذا قلت نحن نثبت المعنى أنه قديم بخلاف المعتزلة # قيل لك المعتزلة أيضا تقر بأن الله عليم بكل شيء أعظم مما تقرون أنتم به ~~والمعتزلة لا تنكر هذا المعنى وهم وإن كانوا متناقضين في إثبات الصفات ~~ونفيها فلا ريب أن قولهم أقرب إلى إثبات الصفات من قول أصحابك فما جعلته ~~أنت قديما يمكنهم جعله قديما # وأعظم ما شنع الناس به في الصفات على المعتزلة قول رئيسهم أبي الهذيل ~~قوله إن الله عالم بعلم هو ذاته وليست ذاته علما # وأنت تقول إن العلم هو العالم بل تقولون إن العلم والعالم PageV10P223 ~~والمعلوم والعشق والعاشق والمعشوق والعقل والعاقل والمعقول شيء واحد فقولكم ~~أشد نفيا وتناقضا من قولهم وهم إلى إطلاق القول بأن معنى القرآن قديم ولفظه ~~مخلوق أقرب منكم فما في قولهم من باطل إلا وفي قولكم أفسد منه ولا في قولكم ~~حق إلا وفي قولهم أكمل منه # قال ابن رشد واما صفة السمع والبصر فإنما أثبتهما الشرع لله تبارك وتعالى ~~من قبل أن السمع والبصر يختصان بمعان مدركة في الموجودات ليس يدركها العقل ~~ولما كان الصانع ms2194 من شرطه أن يكون مدركا لكل ما في المصنوع وجب أن يكون له ~~هذان الإدراكان فواجب أن يكون عالما بمدركات البصر وعالما بمدركات السمع إذ ~~هي مصنوعات له وهذه كلها منبهة على وجودها للخالق سبحانه في الشرع من جهة ~~تنبيهه على وجوب العلم له # وبالجملة فما يدل عليه اسم الإله واسم المعبود يقتضي أن يكون مدركا لجميع ~~الإدراكات لأنه من العبث أن يعبد الإنسان ما لا يدرك أنه عابد له ~~PageV10P224 # كما قال تعالى @QB@ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا @QE@ سورة مريم 42 وقال @QB@ أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ~~ولا يضركم @QE@ سورة الأنبياء 66 # فهذا القدر مما يوصف الله به ويسمى به هو القدر الذي قصد الشرع أن يعلمه ~~الجمهور لا غير ذلك # قلت السمع والبصر ليسا مجرد علم بالمسموع والمرئي وإن استلزما ذلك على ما ~~هو المعروف من قول أئمة السنة والقصد الذي عرفه الشرع أكثر من هذه الصفات ~~ولكن لما أراد صاحب هذا الكلام أن يبين الطرق الشرعية لإثبات ما أثبته ~~المتكلمون من الصفات تبعهم في هذا # قال ومن البدع التي حدثت في هذا الباب سؤال في الصفات هل هي الذات أو ~~زائدة على الذات ثم هل هي صفة نفسية أو صفة معنوية # ويعني بالنفسية التي توصف بها الذات لنفسها لا لقيام معنى PageV10P225 ~~فيها زائد على الذات مثل قولنا واحد قديم # والمعنوية التي توصف بها الذات لقيام معنى فيها فإن الأشعرية يقولون إن ~~هذه الصفات هي صفات معنوية وإنها زائدة على الذات فيقولون إنه عالم بعلم ~~زائد على ذاته وحي بحياة زائدة على ذاته كالحال في الشاهد # ويلزمهم على هذا أن يكون الخالق جسما لأنه يكون هناك صفة وموصوف وحامل ~~ومحمول وهذه هي حال الجسم # وذلك أن الذات لا بد أن يقولوا إنها قائمة بذاتها والصفات قائمة بها أو ~~يقولوا إن كل واحد منها قائم بنفسه أو يقولوا إن الذات تقوم بالصفات فإن ~~قالوا إن كل واحد منهما قائم ms2195 بنفسه فالآلهة كثيرة # وهذا قول النصارى الذين زعموا أن الأقانيم ثلاثة أقنوم الوجود والحياة ~~والعلم # وقد قال تعالى في هؤلاء @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~@QE@ سورة المائدة 72 وإن قالوا أحدهما قائم بنفسه والآخر قائم PageV10P226 ~~به فقد أوجبوا أن يكون جوهرا وعرضا لأن الجوهر هو القائم بذاته والعرض هو ~~القائم بغيره والمؤلف من جوهر وعرض جسم ضرورة # وكذلك قول المعتزلة في هذا الجواب إن الذات والصفات شيء واحد هو أمر بعيد ~~من المعارف الأول بل يظن أنه مضاد لها وذلك أنه يظن أن من المعارف الأول أن ~~العلم يجب أن يكون غير العالم وأنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم إلا ~~لو جاز أن يكون أحد المتضايفين مثل أن يكون الأب والابن معا واحدا بعينه ~~فهذا تعليم بعيد عن أفهام الجمهور والتصريح به بدعة وهو أن يضلل الجمهور ~~أحرى منه أن يرشدهم # وليس عند المعتزلة برهان على وجوب هذا في الأول سبحانه إذ ليس عندهم ~~برهان ولا عند المتكلمين على الجسمية أو نفي الجسمية عنه برهان فإن نفي ~~الجسمية عنه انبنى على وجوب الحدوث للجسم بما هو جسم PageV10P227 قال وقد ~~بينا في صدر هذا الكتاب أنه ليس عندهم برهان على ذلك وأن الذين عندهم برهان ~~على ذلك هم العلماء ومن هذا الموضع زل النصارى وذلك أنهم اعتقدوا كثرة ~~الأوصاف واعتقدوا أنها جواهر لا قائمة بغيرها بل قائمة بنفسها كالذات ~~واعتقدوا أن الصفات التي بهذه الحال هما صفتان العلم والحياة # قالوا فالإله واحد من جهة ثلاثة من جهة يريدون أنه ثلاثة من جهة أنه ~~موجود وحي وعالم وواحد من جهة أن مجموعها شيء واحد # فهنا ثلاثة مذاهب مذهب من رأى أنها نفس الذات ولا كثرة هنالك ومذهب من ~~رأى الكثرة وهؤلاء قسمان منهم من جعل الكثرة كثرة قائمة بذاتها ومنهم من ~~جعلها كثرة قائمة بغيرها وهذا كله بعيد عن مقصد الشرع # وإذا كان هذا هكذا فالذي ينبغي أن يعلم الجمهور من أمر هذه الصفات هو ما ~~صرح ms2196 به الشرع فقط وهو الاعتراف بوجودها دون PageV10P228 تفصيل الأمر فيها ~~فإنه ليس يمكن عند الجمهور أن يحصل في هذا يقين أصلا # وأعني هنا بالجمهور كل من لم يعن بالصنائع البرهانية وسواء كان قد حصلت ~~له صناعة الكلام أو لم تحصل له فإنه ليس في قوة صناعة الكلام الوقوف على ~~هذا القدر من المعرفة إذ أعلى مراتب صناعة الكلام أن يكون حكمة جدلية لا ~~برهانية وليس في قوة صناعة الجدل الوقوف على الحق في هذا # فقد تبين من هذا القول القدر الذي صرح به للجمهور من المعرفة في هذا ~~والطرق التي سلكت بهم في ذلك وأن الطرق التي سلكوا بالناس في هذه الأشياء ~~وزعموا أنها من أصل الشرع ليست من أصل الشرع بل هي مسكوت عنها في الشرع # قلت مقصوده بهذا الكلام يبين أن طرق إخوانه الفلاسفة في نفي الصفات هي ~~البرهانية دون طرق غيرهم وليس الأمر كما زعمه بل ما سلكه إخوانه في نفي ~~الصفات أضعف بكثير مما سلكه المعتزلة مع أن PageV10P229 كليهما فاسد كما قد ~~بين في موضعه # وقول القائل إن الشرع لم يصرح بإثبات الصفات من أبين الخطأ فإن الله ~~تعالى قال @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه @QE@ سورة البقرة 255 # وقال @QB@ أنزله بعلمه @QE@ سورة النساء 166 # وقال @QB@ فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله @QE@ سورة ~~هود 14 # وقال @QB@ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه @QE@ سورة فاطر 11 سورة ~~فصلت 47 في موضعين # وقال @QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ سورة الذاريات 58 # وقال @QB@ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة @QE@ سورة فصلت ~~15 # وقال @QB@ والسماء بنيناها بأيد @QE@ سورة الذاريات 47 # وفي الحديث الصحيح اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك # وقال تعالى عن الملائكة @QB@ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما @QE@ ~~PageV10P230 سورة غافر 7 وقال @QB@ ورحمتي وسعت كل شيء @QE@ سورة الأعراف ~~156 # وقال @QB@ وسع كل شيء علما @QE@ سورة طه 98 وقال @QB@ ولتصنع على عيني ~~@QE@ سورة طه 39 وأمثال ذلك في الكتاب والسنة ms2197 كثير # ومن المعلوم بالضرورة أن العلم ليس هو نفس العالم والمضاف هنا ليس هو ~~المضاف إليه وأن أسماء الله الحسنى مثل العليم والحي والقدير والرحيم ونحو ~~ذلك هي وإن كانت أسماء لله تدل على نفسه المقدسة فليس ما دل عليه الحي من ~~الحيوة هو ما دل عليه عليم من العلم وما دل عليه قدير من القدرة وما دل ~~عليه رحيم من الرحمة # فمن قال إن هذه الأسماء الحسنى لا تدل على هذه المعاني فهو مكابر للغة ~~التي نزل بها القرآن فإن الأسماء التي تسميها النحاة اسم الفاعل واسم ~~المفعول والصفة المعدولة عنها كفعيل وغيره هي أسماء مشتقة تتضمن المصادر ~~بخلاف رجل وفرس # ومن جعل العالم لا يدل على علم والقادر لا يدل على قدرة فهو بمنزلة من ~~قال المصلى لا يدل على الصلاة والقائم لا يدل على القيام والصائم لا يدل ~~على الصيام وأمثال ذلك # وأما سؤال السائل إن هذه الصفات هل هي الذات أو غيرها وهل هي الذات أو ~~زائدة عليها PageV10P231 # فالجواب المرضي عند الأئمة أن لا يطلق القول بأنها هي الذات ولا بأنها ~~غيرها ولا بأنها الذات ولا بأنها زائدة عليها ولا ينفي الأمران فيقال لا هي ~~الذات ولا غيرها حتى يكون قسما ثالثا ليست هي الذات ولا هي غيرها # فإن هذا يقوله طائفة من متكلمة الصفاتية من أصحاب أحمد وغيره كما يقوله ~~من يقوله من أصحاب الأشعري والصواب المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة ~~أنه لا يطلق لا هذا ولا هذا لأن لفظ الغير فيه إجمال واشتراك # فقد يراد بالغيرين ما جاز مفارقة أحدهما الآخر أو مباينته له فلا تكون ~~الصفة اللازمة للموصوف غيرا له # وقد يراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر فيكون غيرا له # وكذلك لفظ الزيادة على الذات فإن الذات يراد بها الذات المجردة عن الصفات ~~فالصفات زائدة على هذه الذات لكن هذه الذات عند أهل الإثبات لا حقيقة لها ~~في الخارج وإنما تقدر في الذهن تقديرا وإنما يعتقد ثبوتها في الخارج ms2198 نفاة ~~الصفات # فالمثبتون إذا قالوا الصفات زائدة على الذات لم يقولوا إن في الخارج ذاتا ~~مجردة تزاد عليها الصفات بل أثبتوا الصفات زائدة على ما أثبته النفاة ~~فزادوا عليهم في الإثبات PageV10P232 # وقد يراد بالذات نفس الله سبحانه وصفاته داخلة في مسمى أسمائه ليست زائدة ~~على مسمى أسمائه الحسنى ولا يمكن وجود ذات غير مجردة عن الصفات حتى يقال إن ~~صفاته زائدة عليها فضلا عن وجوده سبحانه مجردا عن صفات الكمال كلها # وصفاته اللازمة له كلها نفسية بمعنى أنها داخلة في مسمى أسمائه لا يفتقر ~~إلى أمور مباينة له وهي لازمة لنفسه لا يوجد بدونها ولا يمكن وجوده منفكا ~~عنها # وإذا قيل هو عالم بعلم قادر بقدرة فليس هناك حقيقة قائمة بنفسها يمكن ~~وجودها بدون العلم والقدرة بل لا يمكن أن تكون إلا عالمة قادرة وإن كنا نحن ~~قد نعلم وجودها قبل أن نعلم أنها عالمة # وما ذكره من التمثيل بالواحد والقديم فيه نزاع فإن الصفاتية متنازعون في ~~القديم والباقي هل هو قديم باق ببقاء كما يقوله ابن كلاب أو قديم بنفسه باق ~~ببقاء كما يقوله الأشعري ومن وافقه كأبي علي بن أبي موسى أو قديم بنفسه باق ~~بنفسه كما يقوله القاضي أبو بكر ومن وافقه كالقاضي أبي يعلى # وأما أن الأشعرية يقولون في العلم ونحوه إن هذه الصفات هي صفات معنوية ~~وإنها زائدة على الذات # فيقال مقصودهم في الأصل إثبات هذه الصفات وإبطال قول من قال عالم بلا علم ~~وقادر بلا قدرة أو قال إن ذاته علم وقدرة PageV10P233 # والأشعرية هم في إثبات هذه الصفات مع سائر أهل السنة والجماعة لم ينازعهم ~~في إثبات الصفات إلا من هو عند السلف والأئمة من أعظم الناس ضلالا كالجهمية ~~والمعتزلة وإذا قالوا هو عالم بالعلم وقادر بالقدرة لم يريدوا بذلك أن هنا ~~ذاتا منفصلة عنه صار بها عالما قادرا كما يظنه بعض الغالطين عليهم فإن هذا ~~لم يقله أحد من عقلاء بني آدم فيما نعلم ولكن بعضهم وهم مثبتة الحال ~~كالقاضي أبي بكر والقاضي ms2199 أبي يعلى وغيرهما يقولون إن له صفة هي العلم أوجبت ~~كونه عالما وكونه عالما حال معللة بالعلم # وأما جمهورهم وهم نفاة الحال فيقولون علمه هو كونه عالما وقدرته هو كونه ~~قادرا ليس هناك أمران ولا علة ولا معلول وهذا قول الأكثرين الأشعري وغيره # والمنازع لهم من المعتزلة والفلاسفة يقر بما يوجب موافقتهم فإنهم يقرون ~~بأن كونه عالما ليس هو كونه قادرا وهذا معنى العلم والقدرة عند أولئك كما ~~قد بسط في موضعه # فالنفاة للصفات من المعتزلة وغيرهم يقولون إنه عالم وإنه قادر ومنهم من ~~يثبت العالمية والقادرية ويسمى ذلك حالا وهذا يستلزم عند التحقيق قول مثبتة ~~الصفات # وكذلك الفلاسفة قولهم يستلزم قول مثبتة الصفات وإن نفوها تناقضوا وأما ~~إطلاق المطلق لفظ الزيادة على الذات فقد تقدم أن هذا الإطلاق كإطلاق المطلق ~~أن الصفات لا هي الذات ولا هي غيرها وهذا يطلقه هؤلاء وغيرهم PageV10P234 # وأئمة السلف وابن كلاب وأمثاله من أئمة الأشعرية لا يطلقون لا هذا ولا ~~هذا وكانوا إذا قالوا للسلف القرآن هو الله أو غير الله لم يطلق الأئمة لا ~~هذا ولا هذا لما في إطلاق كل منهما من إيهام معنى فاسد وليس ذلك إثباتا ~~لقسم ثالث ليس هو الموصوف ولا غيره بل يفصل اللفظ المجمل كما فعل السلف ~~نظير ذلك في لفظ الحيز وأمثاله # واما قولهم يلزم الأشعرية على هذا أن يكون الخالق جسما لأنه يكون هناك ~~صفة وموصوف وحامل ومحمول # فيقال له وهكذا يلزم من قال إنه عالم قادر ومن قال إنه يعلم ويقدر فمن ~~أثبت لله الأسماء الحسنى وأحكامها لزمه ما يلزم من أثبت الصفات فالاسم ~~المشتق يدل على المصدر وعلى الفعل وخبر المخبر بذلك وحكمه يقتضي ثبوت ذلك ~~في نفس الأمر # ويقال له كل ما تلزم به الأشعرية وأمثالهم في إثبات الصفات يلزمونك إياه ~~في كل ما نفيته فإذا قلت الموصوف بالصفة لا يكون إلا جسما قالوا والمسمى ~~بالحي العالم القادر لا يكون إلا جسما والمخبر عنه بأنه يعلم ويقدر لا يكون ~~إلا جسما والموصوف ms2200 بقول القائل هو عالم قادر لا يكون إلا جسما فإن أمكنك أن ~~تثبت هذا لغير جسم أمكنهم ذلك وإن لم يمكنهم لم يمكنك فهذا السؤال لازم ~~لجميع الناس كما يلزم الأشعرية وغيرهم PageV10P235 # وأيضا فهذا إلزام جدلي لا علمي وذلك أن نفاة الجسم من أهل الكلام ~~كالمعتزلة والأشعرية يقولون إنما نفيناه للدليل الدال على حدوث الجسم وأنت ~~قد بينت أنه دليل باطل ونحن أثبتنا الصفات مع ذلك # فإذا قلت الجمع بينهما خطأ فإن إثبات الصفات يستلزم التجسيم قالوا لك ليس ~~خطؤنا في إثبات الصفات بأولى من خطأنا في نفي التجسيم # بل أنت تقول إنا مخطئون في نفي التجسيم ولم تقم دليلا على خطأنا في نفي ~~الصفات فإن كنا مخطئين في نفي التجسيم عينا لزم إثبات الصفات بلا محذور وإن ~~قدر الخطأ في أحدهما بغير تعيين لم يتعين الخطأ في نفي الصفات إلا بدليل # وأيضا فأنت تقول إن الشرع لم يصرح بنفي التجسيم وإن التصريح به بدعة ~~والشرع قد صرح بإثبات الصفات فكيف تعيبنا بإثبات ما أثبته الشرع لكونه ~~مستلزما لإثبات ما لم ينفه الشرع # ومن المعلوم أن الشرع إذا أثبت شيئا له لوازم لم يكن إثبات ذلك بدعة وتلك ~~اللوازم إن كانت ثابتة في نفس الأمر فلازم الحق حق وإن لم تكن لازمة فلا ~~محذور # فإن قلت أنا أقيم دليلا عقليا على نفي الجسم غير دليلكم # كان لهم عن ذلك أجوبة أحدها أن يقولوا فأنت قد أثبت أنه عالم قادر فإن ~~أمكنك مع ذلك أن تقول إنه ليس بجسم أمكنا أن PageV10P236 نقول عالم بعلم ~~قادر بقدرة وليس بجسم وإن لم يمكنك هذا استوينا نحن وأنت ففي الجملة ورود ~~هذا السؤال علينا ورود واحد # الثاني أن يقولوا دليلنا على نفي الجسم أقوى من دليلك كما بين ذلك ~~الغزالي وغيره وبينوا أن الفلاسفة عاجزون على إقامة الدليل على أنه ليس ~~بجسم # الثالث أن يقولوا أدلة إثبات الصفات أقوى من أدلة نفي الجسم فإن أمكن ~~الجمع بينهما وإلا لم يجز نفي ما هو معلوم ms2201 ثابت خوفا من لزوم ما ليس دليل ~~انتفائه كدليل ثبوت ذلك فكيف إذا كانت أدلة النفي باطلة وأدلة الإثبات ~~للصفات ولوازمها حق لا محيد عنه # وأما التقسيم الذي ذكرته فلا ريب أن أهل الإثبات لا يقولون إن الصفات ~~قائمة بنفسها بل هي قائمة بالموصوف # وأما ما ذكره عن النصارى فليس هذا موضع بسطه فإن قول النصارى مضطرب ~~متناقض فإنهم لا يثبتون ثلاثة جواهر قائمة بأنفسها ولا يجعلون الأقانيم ~~كالصفة من كل وجه فإنهم يقولون المتحد بالمسيح هو أقنوم الكلمة فإن جعلوا ~~الكلمة هي الذات الموصوفة لزم أن يكون المسيح هو الأب وهم ينكرون ذلك وإن ~~جعلوه صفة الذات لزمهم أن لا يكون المسيح إلها خالقا رازقا لأن الصفة ليست ~~إلها خالقا رازقا # وأيضا فالصفة لا تفارق الموصوف وهم يقولون المسيح إله حق من إله حق من ~~جوهر أبيه PageV10P237 # وأما استدلاله بقوله @QB@ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة @QE@ ~~سورة المائدة 72 فهذا يسلكه طائفة من الناس ويقولون قوله تعالى @QB@ لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم @QE@ سورة المائدة 17 إشارة ~~إلى أحد أقوالهم الثلاثة وهو قول اليعاقبة القائلين بأن اللاهوت والناسوت ~~صار جوهرا واحدا كالماء واللبن وقوله @QB@ وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~@QE@ سورة التوبة 30 إشارة إلى قول الملكية وقوله @QB@ ثالث ثلاثة @QE@ ~~إشارة إلى قول النسطورية الذين يقولون بالحلول وهو قولهم بالأقانيم الثلاثة # وليس الأمر كما قال هؤلاء بل ما ذكره الله تعالى هو قول النصارى جملة ~~فإنهم يقولون إنه الله باعتبار وإنه ابن الله باعتبار آخر وقولهم @QB@ إن ~~الله ثالث ثلاثة @QE@ بدليل المراد به قوله @QB@ يا عيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله @QE@ سورة المائدة 116 فعبدوا معه ~~المسيح وأمه فصار ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار # وأما قوله عن الأشعرية إذا قالوا الموصوف قائم بنفسه والصفة قائمة به فقد ~~أوجبوا جوهرا وعرضا فهذا من جنس إلزامه لهم أن يكون جسما # فيقولون له هذا يلزمك إذا قلت هو حي عالم قادر فإن ms2202 الحي العالم القدر ~~قائم بذاته فإن كان كل قائم بذاته جوهرا فهو جوهر وإلا بطل إلزامك ~~PageV10P238 وأيضا فلو لم يوصف بذلك لكان في نفس الأمر إما قائما بنفسه ~~وإما قائما بغيره إذ فرض موجود ليس قائما بنفسه ولا بغيره ممتنع فإن كان كل ~~قائم بنفسه ولا بغيره ممتنع فإن كان كل قائم بنفسه هو جوهر لزمك أن يكون ~~جوهرا # ثم يقال من المعلوم أن للناس في مسمى الجوهر والعرض اصطلاحات منهم من ~~يسمى كل قائم بنفسه جوهرا كما يقول ذلك طوائف من المسلمين والنصارى ~~والفلاسفة وهؤلاء يسمونه جوهرا ومنهم من لا يطلق الجوهر إلا على المتحيز ~~ويقول إنه ليس بمتحيز فلا يكون جوهرا كما يقول ذلك من يقوله من متكلمي ~~المسلمين واليهود والفلاسفة # ومن الفلاسفة من يقول بإثبات جواهر غير متحيزة لكن يقول الجوهر هو ما إذا ~~وجد وجد لا في موضوع وهذا لا يصلح إلا لما يجوز وجوده لا لما يجب وجوده # وبالجملة فالنزاع في هذا الباب لفظي ليس هو معنى عقليا والشريعة لم تتعرض ~~لهذا الاسم وأمثاله لا بنفي ولا بإثبات فليس له في الشريعة ذكر حتى يحتاج ~~أن ينظر في معناه # والنظر العقلي إنما يكون في المعاني لا في مجرد الاصطلاحات فلم يبق فيه ~~بحث علمي لا شرعي ولا عقلي وهذا لم يذكر دليلا عقليا على نفي الجوهر فصار ~~قد ألزمهم لوازم ولم يذكر دليلا على بطلانها فيجيبونه بالجواب المركب وهو ~~أن هذا إما أن يكون لازما لإثبات PageV10P239 الصفات أو ليس بلازم فإن لم ~~يكن لازما بطلت المقدمة الأولى وإن كان لازما منعت المقدمة الثانية فإن ~~لازم الحق حق # وليس التزام مسمى هذا الاسم أبعد في الشرع والعقل من نفي الصفات بل نفي ~~الصفات أبعد في الشرع والعقل من إثبات مسمى هذا الاسم فلا يجوز التزام نفي ~~الصفات الذي فيه مناقضة الأدلة الشرعية والعقلية حذرا من التزام مسمى هذا ~~الاسم الذي لا يقوم على نفيه من الدليل شيء من أدلة إثبات الصفات مع أنه لم ~~يذكر على ms2203 ذلك دليلا أصلا وهو قد بين فساد أدلة النفاة لذلك من أهل الكلام # وأما قول القائل الذات والصفات شيء واحد فإن أراد به أن الصفات ليست ~~مباينة للموصوف فصحيح وإن أراد أن نفس الذات هي نفس الصفات فهذه مكابرة ~~وهذا القائل وإخوانه يقولون بذلك وقد صرح هو بأن العلم نفس العالم وهذا ~~غاية المناقضة لصريح المعقول # وقوله إنه بعيد من المعارف الأول أنه ليس يجوز أن يكون العلم هو العالم ~~فهذا قاله بناء على ما يراه أن هذا حق في نفس الأمر PageV10P240 والصواب أن ~~هذا ممتنع في صريح العقل معلوم علما يقينيا أن العلم ليس هو نفس العالم ومن ~~قال هذا فقد أتى بغاية السفسطة وجحد العلم الضروري # وأما قوله ليس عند المعتزلة برهان على وجوب هذا في الأول وهو أن تكون ~~الذات والصفات شيئا واحدا ولا عند المتكلمين برهان على نفي الجسمية وإنما ~~برهان ذلك عند العلماء الذين هم الفلاسفة عنده # فيقال لا ريب عند كل من له عقل أن ما يذكره الفلاسفة في نفي ذلك أفسد في ~~العقل الصريح مما يذكره المتكلمون وأنت قد أفسدت طريقة ابن سينا ولم تعتمد ~~في ذلك إلا على إثبات النفس وهو أنها ليست بجسم فيلزم أن يكون الباري كذلك # ومن المعلوم أن الأدلة النافية لهذا عن النفس إن كانت صحيحة فهي على نفي ~~ذلك عن الرب أولى وإن لم تكن صحيحة بطل قولك # ومن المعلوم أن أدلة نفي الجسم عن النفس أضعف بكثير من نفي ذلك عن واجب ~~الوجود فكيف يكون الأضعف حجة على الأقوى # وقد تكلم على فساد ما ذكروه في النفس في غير هذا الموضع واما ما ذكره من ~~أنه لا يمكن أن يكون بهذا النفي يقين إلا عند من عني بالصناعة البرهانية ~~يعني طريقته الفلسفية وقوله إن صناعة الكلام جدلية لا برهانية PageV10P241 # فهذا كما يقال في المثل السائر رمتني بدائها وانسلت ولا يستريب عاقل نظر ~~في كلام الفلاسفة في الإلهيات ونظر في كلام أي صنف قدر من أصناف اليهود ms2204 ~~والنصارى فضلا عن أصناف المتكلمين من المسلمين أن ما يقوله هؤلاء في ~~الإلهيات أكمل وأصح في العقل مما يقوله المتفلسفة وأن ما يقولونه في ~~الإلهيات قليل جدا وهو مع قلته فأدلة المتكلمين خير من أدلتهم بكثير # وهذه طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود وصفاته لا تفيده إلا ما لا ~~نزاع فيه وهو وجود واجب الوجود وأما كونه مغايرا للأفلاك فإنما بناه على ~~نفي الصفات وهو مع فساده فدليلهم على نفيه أضعف من دليل المعتزلة فهم مع ~~مشاركتهم للمعتزلة في النفي لا يستدلون إلا بما هو أضعف من دليلهم # وأما هذا الرجل فإنه تارة يأخذ طريقة متلقاة من الشرع وتارة طريقة متلقاة ~~عن المتكلمين وتارة يقول ما يظن أنه قول الفلاسفة لم يحك عن الفلاسفة في ~~الإلهيات طريقة إقناعية فضلا عن طريقة برهانية # وإذا قدر أنه عنى بالبرهان القياس العقلي المنطقي فمن المعلوم أن صورة ~~القياس لا تفيد العلم بمواده والبرهان إنما يكون برهانه بمواده اليقينية ~~وإلا فصورته أمر سهل يقدر عليه عامة الناس # وأهل الكلام لا ينازعون في الصورة الصحيحة وهب أن الإنسان عنده ميزان ~~فإذا لم يكن معه ما يزن به كان من معه مال لم يزنه PageV10P242 أعني من هذا ~~هذا بتقدير أن يكون ما ذكروه في المنطق صحيحا فكيف وفيه من الفساد والتناقض ~~ما هو مذكور في موضعه # قال الفصل الرابع في معرفة التنزيه # قال وإذا قد تقرر من هذه المناهج التي سلكها الشرع في تعليم الناس أولا ~~وجود الباري سبحانه والطرق التي سلكها في نفي الشريك عنه ثانيا والتي سلكها ~~ثالثا في معرفة صفاته والقدر الذي صرح به من ذلك في جنس جنس من هذه الأجناس ~~وهو القدر الذي إذا زيد فيه أو نقص أو حرف أو أول لم تحصل به السعادة ~~المشتركة للجميع فقد بقي علينا أن نعرف أية الطرق التي سلكها بالناس في ~~تنزيه الخالق سبحانه عن النقائص ومقدار ما صرح به من ذلك والسبب الذي من ~~قبله اقتصر بهم على ذلك المقدار ثم ms2205 نذكر بعد ذلك الطرق التي سلك بالناس في ~~معرفة PageV10P243 أفعاله والقدر الذي سلك بهم من ذلك فإذا تم لنا ذلك فقد ~~استوفينا غرضنا الذي قصدناه # قال فنقول أما معرفة هذا الجنس الذي هو التنزيه والتقديس فقد صرح به أيضا ~~في غير ما آية من الكتاب العزيز فأبينها في ذلك وأتمها قوله تعالى @QB@ ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ سورة الشورى 11 وقوله @QB@ أفمن يخلق كمن ~~لا يخلق @QE@ سورة النحل 17 والآية الأولى هي نتيجة هذه والثانية برهان ~~أعني أن قوله تعالى @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق @QE@ سورة النحل 17 هو ~~برهان قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ وذلك أنه من المغروز في فطر الجميع أن ~~الخالق يجب أن يكون إما على غير صفة الذي لايخلق شيئا أو على صفة غير شبيهة ~~بصفة الذي لا يخلق شيئا وإلا كان من يخلق ليس PageV10P244 بخالق فإذا أضيف ~~إلى هذا الأصل أن المخلوق ليس بخالق يلزم من ذلك أن تكون صفات المخلوق إما ~~منتفية على الخالق أو موجودة فيه على غير الجهة التي هي عليها في المخلوق # قلت صفات النقص يجب تنزيهه عنها مطلقا وصفات الكمال تثبت له على وجه ~~لايماثله فيها مخلوق # قال وإنما قلنا على غير الجهة لأن من الصفات التي في الخالق صفات ~~استدللنا على وجودها بالصفات التي هي لأشرف المخلوقات هنا وهو الإنسان مثل ~~إثبات العلم له والحياة والقدرة والإرادة والكلام وغير ذلك # قال وهذا معنى قوله عليه السلام إن الله خلق آدم على صورته # قال وإذا تقرر أن الشرع قد صرح بنفي المماثلة بين الخالق والمخلوق وصرح ~~بالبرهان الموجب لذلك وكان نفي المماثلة يفهم منه PageV10P245 شيئان أحدهما ~~أن يعدم الخالق كثيرا من صفات المخلوق والثاني أن توجد فيه صفات المخلوق ~~على وجه أتم وأفضل بما لا يتناهى في العقل فلينظر ما صرح به الشرع من هذين ~~الصنفين وما سكت عنه وما السبب الحكمي في سكوته # قلت ونفي المماثلة قد يتضمن إثبات صفات الكمال للخالق لا يثبت للمخلوق ~~منها شيء فكما أن ms2206 في صفات المخلوق ما لا يثبت للخالق فكذلك في صفات الخالق ~~ما لا يثبت للمخلوق # لكن هذا الضرب لا يمكن الناس معرفته في الدنيا فلهذا لم يذكر # قال فنقول أما ما صرح به الشرع من نفي صفات المخلوق عنه فما كان ظاهرا من ~~أمره أنه من صفات النقائص فمنها الموت كما قال تعالى @QB@ وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت @QE@ سورة الفرقان 58 # ومنها النوم وما دونه مما يقتضي الغفلة والسهو عن الإدراكات والحفظ ~~للموجودات وذلك مصرح به في قوله تعالى @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ سورة ~~البقرة 255 # ومنها النسيان والخطأ كما قال تعالى @QB@ لا يضل ربي ولا ينسى @QE@ سورة ~~طه 52 PageV10P246 # والوقوف على انتقاء هذه النقائص هو قريب من العلم الضروري # وذلك أن ما كان قريبا من هذه من العلم الضروري فهو الذي صرح الشرع بنفيه ~~عنه سبحانه وتعالى وأما ما كان بعيدا من المعارف الأولى الضرورية فإنما نبه ~~عليه بأن عرف أنه من علم الأقل من الناس كما قال في غير ما آية من الكتاب ~~العزيز @QB@ ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ سورة الروم 30 مثل قوله @QB@ ~~لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس @QE@ سورة غافر 57 # ومثل قوله @QB@ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ سورة الروم 30 # قال فإن قيل فما الدليل على انتفاء هذه النقائص عنه أعني الدليل الشرعي ~~قلنا الدليل عليه ما يظهر من أن PageV10P247 الموجودات محفوظة لا يتخللها ~~اختلال ولا فساد ولو كان الخالق يدركه خطأ أو غفلة أو سهو أو نسيان لاختلت ~~الموجودات وقد نبه سبحانه على هذا المعنى في غير ما آية من كتابه فقال ~~تعالى @QB@ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما ~~من أحد من بعده @QE@ سورة فاطر 41 قال تعالى @QB@ ولا يؤوده حفظهما وهو ~~العلي العظيم @QE@ سورة البقرة 255 # قال فإن قيل فما تقولون في صفته الجسمية هل هي من الصفات التي صرح الشرع ~~بنفيها ms2207 عن الخالق تعالى أم هي من المسكوت عنها أو أنه لم يصرح بنفيها ولا ~~إثباتها ولكن صرح بأمور تلزم يعني الجسمية في بادى الرأي منها فنقول إنه من ~~البين من أمر هذه الصفة أنها من الصفات المسكوت عنها وهي إلى التصريح ~~بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها وذلك أن الشرع PageV10P248 قد صرح ~~بالوجه واليدين في غير آية من كتابه وهذه الآيات قد توهم أن الجسمية هي له ~~من الصفات التي فضل فيها الخالق المخلوق كما فضله في صفة القدرة والإرادة ~~وغير ذلك من الصفات التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق إلا أنها في الخالق ~~أتم وجودا ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقد في الخالق أنه جسم ~~لا يشبه الأجسام وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن تبعهم # وهؤلاء أيضا قد ضلوا إذ صرحوا بما ليس حقا في نفسه وما يوهم أيضا التشابه ~~بين الخالق والمخلوق وإنما صرح الشرع بأشياء توهمها لايضر فتوهمها من كان ~~من الناس لا يقدر أن يتصور موجودا ليس بجسم ولا أيضا إذا سمع تلك الأشياء ~~خيف عليه أن يتطرق ذهنه إلى القول بالجسمية # وهذه هي حال جمهور الناس لأنه الذين يتطرق لهم من ذلك إثبات الجسمية هم ~~قليل من الناس وهؤلاء ففرضهم الوقوف على الدلائل التي توجب نفي الجسمية ~~PageV10P249 # قلت ولقائل أن يقول أما قوله صار كثير من أهل الإسلام يقولون إنه جسم لا ~~يشبه الأجسام فهذا صحيح # وأما قوله وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن اتبعهم # فيقال له ليس في الحنابلة من أطلق لفظ الجسم لكن نفاة الصفات يسمون كل من ~~أثبتها مجسما بطريق اللزوم إذا كانوا يقولون إن الصفة لا تقوم إلا بجسم ~~وذلك لأنهم اصطلحوا في معنى الجسم على غير المعنى المعروف في اللغة فإن ~~الجسم في اللغة هو البدن وهؤلاء يسمون كل ما يشار إليه جسما فلزم على قولهم ~~أن يكون ما جاء به الكتاب والسنة وما فطر الله عليه عباده وما اتفق عليه ~~سلف الأمة وأئمتها تجسيما وهذا لا يختص ms2208 طائفة لا الحنابلة ولا غيرهم بل ~~يطلقون لفظ المجسمة والمشبهة على أتباع السلف كلهم حتى يقولوا في كتبهم ~~ومنهم طائفة يقال لهم المالكية ينتسبون إلى مالك بن أنس ومنهم طائفة يقال ~~لهم الشافعية ينتسبون إلى الشافعي # لكن لما جرت محنة الجهمية نفاة الصفات وسموا من أثبتها مجسما في عهد ~~الإمام أحمد وقالوا إن القرآن مخلوق وحقيقة ذلك أن الله لم يتكلم بشيء ~~وقالوا إنه لا يرى ونحو ذلك قام أحمد بن حنبل من إظهار السنة والصفات ~~وإثبات ما جاء في الكتاب والسنة من هذا الباب بما لم يحتج إليه غيره من ~~الأئمة وظهر ذلك في جميع أهل السنة PageV10P250 والحديث من جميع الطوائف ~~وصاروا متفقين على تعظيم أحمد وجعله إماما للسنة فصار يظهر في أصحابه من ~~الإثبات ما لا يظهر في غيرهم بسبب كثرة نصوصهم في هذا الباب # والنفاة يسمون المثبتة مجسمة ومشبهة وصاحب هذا الكتاب يجعل مثبتة الصفات ~~من الأشعرية ونحوهم مشبهة وأنه يلزمهم التركيب والتركيب أصل التجسيم # مثل قوله في كتابه الذي سماه تهافت التهافت فإنه قال وأيضا فالذي يلزم ~~الأشعرية للتجسيم من المحال أكثر من الذي يلزم مقدماتهم التي منها صاروا ~~إلى التجسيم وذلك أنه إن كان مبدأ الموجودات ذاتا ذات حياة وعلم وقدرة ~~وإرادة وكانت هذه الصفات زائدة على الذات وتلك الذات غير جسمانية فليس بين ~~النفس وهذا الموجود فرق إلا أن النفس هي في جسم وهذا الموجود هو نفس ليس في ~~جسم وما كان بهذه الصفة فهو ضرورة مركب من ذات وصفات وكل مركب فهو محتاج ~~ضرورة إلى مركب إذ ليس يمكن أن يوجد شيء مركب من ذاته كما أنه ليس يمكن أن ~~يوجد متكون من ذاته لأن التكوين الذي هو فعل المكون ليس هو شيئا غير تركيب ~~المتكون والمكون ليس شيئا غير المركب PageV10P251 # وبالجملة فكما أن لكل مفعول فاعلا كذلك لكل مركب مركبا فاعلا لأن التركيب ~~شرط في وجود المركب ولا يمكن أن يكون الشيء هو علة في شرط وجوده أنه كان ~~يلزم أن يكون ms2209 الشيء علة نفسه ولذلك كانت المعتزلة في وضعهم هذه الصفات في ~~المبدأ الأول راجعة إلى الذات لا زائدة عليها على نحو ما يوجد عليه كثير من ~~الصفات الذاتية لكثير من الموجودات مثل كون الشيء موجودا وواحدا وأليا وغير ~~ذلك أقرب إلى الحق من الأشعرية # قال ومذهب الفلاسفة في المبدأ الأول هو قريب من مذهب المعتزلة # فيقال لك قولك ليس بين النفس وبين هذا الموجود فرق إلا من جهة أنها في ~~جسم خطأ محض وذلك أن اتفاق الشيئين في بعض الصفات لا يوجب تماثلهما في ~~الحقيقة إذ لو كان كذلك لكانت المختلفات متماثلات فإن السواد مخالف للبياض ~~وهو يشاركه في كون كل منهما لونا وعرضا وقائما بغيره # وأيضا فمحققو الفلاسفة توافق على أن الأجسام ليست متماثلة مع اشتراكها في ~~التحيز وقبول الأعراض وغير ذلك من الأحكام والحيوان الصغير الحي مثل البعوض ~~والبق والذباب ليس مثلا للإنسان ولا للملك ولا للجني وإن كان كل منهما حيا ~~قادرا شاعرا متحركا بالإرادة PageV10P252 # والفلك عندهم حي ناطق وليس مثل بدن الإنسان الذي هو حي ناطق # وقوله هذا على الضرورة مركب من ذات وصفات # إن أراد به أنه ذات موصوفة بصفات لازمة لها فهذا حق وهم لا يسمون هذا ~~تركيبا فإذا سماه تركيبا لم تكن هذه التسمية حجة له على ما نفاه لأن الذي ~~نفاه بالدليل هو ما كان مركبا وهو الذي جعله غيره مركبا أو ما كان متركبا ~~بنفسه أي كانت أجزاؤه متفرقة فتركبت بحيث يصير مركبا بعد ان لم يكن # ومعلوم أن ما تركب بعد افتراقه لم يكن تركبه بنفسه كما ذكره في المتكون ~~فإن ما تكون بعد أن لم يكن متكونا لم يكن تكونه بنفسه # وكما قال كما أن لكل مفعول فعلا فإن لكل مركب مركبا فهذا إنما يعقل فيما ~~ركبه غيره أو ما كان مفرقا فركب كما أن المفعول لا يعقل أن له فاعلا إلا ~~إذا فعله غيره أو كان حادثا فلا بد للحادث من محدث # أما ما كان واجبا بنفسه قديما ms2210 أزليا مستلزما لصفات لازمة له فهذا لم ~~يركبه أحد ولا كان مفترقا فتركب فمن أين يجب أن يحتاج هذا إلى مركب وكيف ~~يصح تمثيل هذا بالمتكون والمفعول اللذين كل منهما محتاج إلى غيره بل هو ~~حادث يفتقر إلى محدث # وليس المعنى الذي سماه مركبا إلا موصوفا بصفة لازمة له فلو قال كل متصف ~~فلا بد له من واصف أي ممن يجعل الصفة قائمة PageV10P253 بمحلها ما كان ~~مبطلا فإن المتصف بالصفة إذا كان قديما أزليا واجبا بنفسه كيف يجب هذا فيه # ثم هؤلاء الفلاسفة يقولون إن الأفلاك قديمة أزلية وهذا الرجل لا يسميها ~~مركبة ويبطل قول من يقول هي مركبة من الهيولي والصورة وقول من يقول هي ~~ممكنة ومع هذا فهي جسم قائم به صفات وحركات فإذا كانت هذه لم تحتج عنده إلى ~~ما يحتاج إليه المتكون فكيف يحتاج إلى ذلك ما هو واجب بنفسه # وقوله لأن التركيب شرط في وجود المركب معناه أن لزوم الصفة للموصوف أو أن ~~التلازم الذي بين الأمور المتعددة في الواجب شرط في وجودها وهذا صحيح لكن ~~الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط بل تجوز مقارنته له وإذا كان الواجب الوجود ~~واجبا بنفسه المتضمنة لصفاته وكل من صفاته لا يوجد إلا مع الأخرى ولا توجد ~~الذات إلا بالصفات ولا الصفات إلا بالذات كان هذا هو حقيقة الاشتراط ولم ~~يلزم من ذلك أن يكون المتصف بهذه الصفات هو علة فاعلة لما هو من لوازم ~~وجوده ولما لا يوجد إلا معه وهو الشرط في وجوده # وإن عني بالعلة أعم من ذلك حتى جعل الشرط علة كان حقيقة قوله لا يكون ~~الشيء شرطا في شرط وجوده وهذا ليس بصحيح بل يجوز أن يكون كل من الشيئين ~~شرطا في وجود الآخر PageV10P254 وإن لم يكن علة فاعلة للآخر وهذا هو الدور ~~المعي الاقتراني وهو جائز بخلاف الدور المعي القبلي فإنه ممتنع # وهذا موجود في عامة الأمور فالأمور المتلازمة كل منها شرط في الآخر فكل ~~من الشرطين شرط في وجوده # وغاية ذلك ms2211 أن يكون الشيء شرطا في وجود نفسه أي لا توجد نفسه إلا إذا وجدت ~~نفسه # وهذا كلام صحيح بخلاف ما إذا كانت نفسه فاعلة لنفسه فإن هذا ممتنع فكل ~~واحد من الأبوة والبنوة شرط في وجود الآخر وكل واحد من العلو والسفل شرط في ~~وجود الآخر وكل واحد من التحيز والمتحيز شرط في الآخر وكل واحد من الماء ~~والنار وطبيعته الخاصة به شرط في الآخر ونظائر هذا كثيرة # فكون إحدى الصفتين مشروطة بالأخرى والذات مشروطة بصفاتها اللازمة والصفات ~~مشروطة بالذات بحيث يمتنع تحقق شيء من ذلك إلا مع تحقق الآخر وبحيث يلزم من ~~ثبوت كل من ذلك ثبوت الآخر هو معنى كون كل من ذلك شرطا في الآخر وهو شرط في ~~شرط نفسه ووجوده # وهؤلاء من أصول ضلالهم ما في لفظ العلة من الإجمال فإن لفظ العلة كثيرا ~~ما يريدون به ما لا يكون الشيء إلا به فتدخل في ذلك العلة الفاعلة والقابلة ~~والمادة والصورة # وكثيرا ما يريدون بذلك الفاعل فقط وهو المفهوم من لفظ PageV10P255 العلة # وبحوثهم في مسألة واجب الوجود عامتها مبنية على هذا التلبيس فإن الممكن ~~الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده لا بد له من واجب يكون موجودا بنفسه لا بموجد ~~أوجده فهذا هو معنى واجب الوجود الذي دلت عليه الممكنات وهم يريدون أن ~~يجعلوه وجودا مطلقا ليس له نعت ولا صفة ولا حقيقة غير الوجود المطلق لأن ~~الوجود الواجب يكون معلولا لتلك الحقيقة فلا يكون واجبا # ولفظ المعلول مجمل فإنهم يوهمون أنه يكون مفعولا لها وهي عدة فاعلة له ~~ومعلوم أن هذا ممتنع في الوجود الواجب لكن الحقيقة الواجبة إذا قدر أن لها ~~وجودا يقوم بها لم يلزم في ذلك الوجود إلا أن يكون له محل وهو الحقيقة التي ~~يقوم بها الوجود وذلك الذي يسمونه العلة القابلة # ومعلوم أن الدليل إنما أثبت موجودا ليس له موجد لم يثبت دليلهم موجودا لا ~~يكون وجوده قائما بحقيقة إن كان من الوجود ما هو قائم بحقيقة وهذا على قول ms2212 ~~من يقول وجود كل شيء زائد على حقيقته كما يقول ذلك طائفة من متكلمي ~~المعتزلة وغيرهم وإلا فالصواب عند أهل السنة والجماعة أن وجود كل شيء وهو ~~الوجود الذي في الخارج هو عين حقيقته الموجودة في الخارج فكل موجود فله ~~حقيقة مختصة به في الخارج عن الذهن والوجود الذي يشار إليه في الخارج هو ~~تلك الحقيقة نفسها لا وجود آخر قائم بها PageV10P256 # فإذا قال أهل السنة إن وجود الخالق غير حقيقته أرادوا به إبطال قول أبي ~~هاشم ومن وافقه من المعتزلة ولم يريدوا بذلك قول ابن سينا وإخوانه من ~~الفلاسفة إن الواجب وجود مطلق بشرط الإطلاق أو مطلق لا بشرط فإن هذا القول ~~أعظم فسادا من قول أبي هاشم بكثير # بل هذا القول يعلم من تصوره بصريح العقل أن ما ذكروه يكون في الأذهان لا ~~في الأعيان والمطلق بشرط الإطلاق قد سلموا في منطقهم أنه لا يكون إلا في ~~الأذهان والمطلق لا بشرط يسلمون أنه لا يوجد في الخارج مجردا عن الأعيان # وقد تقدم ما ذكره هو من أنه ألزم الأشعرية أن يكونوا مجسمة والحنابلة ~~فيهم ما في بقية الطوائف منهم من هو على طريقة الإمام أحمد وأمثاله من ~~الأئمة لا يطلقون هذا اللفظ على الله لا نفيا ولا إثباتا بل يقولون إن ~~إثباته بدعة كما أن نفيه بدعة # ومما أنكر أحمد وغيره على الجهمية نفي هذا اللفظ وامتنع من الموافقة على ~~نفيه كما هو ممتنع عن إطلاق إثباته # كذلك جرى في مناظرته لأبي عيسى برغوث وغيره من نفاة الصفات في مسألة ~~القرآن في محنته المشهورة لما ألزمه بأن القول بأن PageV10P257 القرآن غير ~~مخلوق مستلزم أن يكون الله جسما فأجابه أحمد بأنه لا يدري ما يريد القائل ~~بهذا القول فلا يوافقه عليه بل يعلم أنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد # وذلك أن أهل الكلام الذين تنازعوا في إثبات الجسم ونفيه كالهشامية ~~والكرامية ونحوهم ممن أثبته وكالجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن نفاه قد يدخل ~~كل منهم ms2213 في ذلك ما يخالف النصوص فمن المثبتة من يدخل في ذلك ما يجب تنزيه ~~الله عنه من صفات النقص ومن مماثلته بالمخلوقات والنفاة يدخلون في ذلك ما ~~أثبته الله لنفسه من صفات الكمال # ومن الحنابلة من يصرح بنفيه كأبي الحسن التميمي وأهل بيته والقاضي أبي ~~يعلى وأتباعه وغيرهم ممن سلك مسلك ابن كلاب والأشعري في ذلك ومنهم من يسلك ~~مسلك المعتزلة كابن عقيل وصدقة بن الحسين وابن الجوزي وغيرهم # والذين لا يثبتونه أو ينفونه يصرح كثير منهم بتكفير المجسمة فمنهم من ~~يقول من قال هو جسم فقد كفر ومن قال ليس بجسم فقد ابتدع ومنهم من يصوب من ~~قال ليس بجسم ويكفر من يقول بالتجسيم # وقد حكى الأشعري في المقالات النفي عن أهل السنة والحديث كما حكى عنهم ~~أشياء بموجب ما اعتقده هو من مذهبهم والسلف والأئمة وأهل الحديث والسنة ~~المحضة من جميع الطوائف لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به ~~رسوله والألفاظ PageV10P258 المجملة المبتدعة لا يثبتونها ولا ينفونها إلا ~~بتبيان معانيها فما كان من معانيها موافقا للكتاب والسنة أثبتوه وما كان ~~مخالفا لذلك نفوه فلا يطلقون هو جسم ولا جوهر ولا يقولون ليس بجسم ولا جوهر ~~كما لا يطلقون إثبات لفظ الحيز ولا ينفونه # وأما قول هذا القائل فتوهمها من كان من الناس لا يقدر أن يتصور موجودا ~~ليس بجسم ولا أيضا خيف عليه أن يتطرق ذهنه إلى القول بالجسمية وهذه هي حال ~~جمهور الناس # فهذا كلام متناقض فإنه إذا كان أكثر الناس لا يقدرون أن يتصوروا موجودا ~~ليس بجسم فإنهم قطعا تتطرق أذهانهم عند سماع هذه الأمور إلى إثبات الجسمية # فقوله بعد ذلك إن الذين يتطرق إلى أذهانهم من ذلك إثبات الجسمية قليل من ~~الناس يناقض ما تقدم # قال وقد كان الواجب عندي في هذه الصفة قبل أن تصرح الفرق الضالة بإثباتها ~~أن يجرى فيها على منهاج الشرع ولا يصرح فيها بنفي ولا إثبات ويجاب من سأل ~~عن ذلك من الجمهور بقوله تعالى @QB@ ليس ms2214 كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ ~~سورة PageV10P259 الشورى 11 وينهى عن هذا السؤال وذلك لثلاثة معان أحدها أن ~~إدراك هذا المعنى أعني أنه ليس بجسم الذي هو الحق ليس قريبا من المعروف ~~بنفسه برتبة واحدة ولا رتبتين ولا ثلاث # وأنت تتبين ذلك من الطرق التي سلكها المتكلمون في ذلك فإنهم قالوا إن ~~الدليل على أنه ليس بجسم أنه قد تبين أن كل جسم محدث وإذا سئلوا عن الطريق ~~التي يوقف منها على أن كل جسم محدث سلكوا في ذلك الطريق التي ذكرنا من حدوث ~~الأعراض وأن ما لايعرى عن الحوادث حادث وقد تبين لك من قولنا ان هذه ~~الطريقة ليست برهانية ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور ~~أن يصلوا إليها فإن ما يضعه هؤلاء القوم من أنه سبحانه ذات وصفات زائدة على ~~الذات يوجبون بذلك أنه جسم أكثر مما ينفون عنه الجسمية بدليل انتفاء الحدوث ~~عنه فهذا PageV10P260 هو السبب الأول في أن لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم ~~بين # قال فلذلك أضرب الإمام المهدي عن هذا الدليل إذ كان لا يرضى الخواص ولا ~~يقنع الجمهور وسلك طريقا عجيبا مشتركا للصنفين جميعا وهذا من خواصه في ~~العلم لا يعلم أحد ممن سلكه قبل ذلك وهو طريق إثبات المثلية بين الأجسام ~~التي هي المساواة في جميع الخواص فخاصة في تماثل قوتها في التناهي أعني كل ~~جسم قوته متناهية وفي تماثلها في التركيب وذلك أن من هاتين الجهتين افتقرت ~~الأجسام إلى الفاعل أما افتقارها من جهة التركيب فلأن كل مركب جائز وكل ~~جائز مفتقر إلى الفاعل وأما افتقارها إلى الفاعل من جهة تناهي قوتها فلأن ~~كل متناهي القوة إن لم يقدر الفاعل الموت له تناهت قوته وفسد ولم يمكن فيه ~~أن يبقى طرفة عين وهو معنى قوله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ ~~سورة طه 5 فأنى بهذا الترياق الأعظم لهذا الداء العضال # قلت ولقائل أن يقول إن كان هذا المعلوم حقا فيمتنع أنه لم يعلمه أحد قبل ~~ابن التومرت ممن ms2215 هو أعلم بالله وأفضل منه وإذا كانت تلك الطريق باطلة وهذا ~~هو الطريق ولم يسلكه غيره فلا يعلمه أحد قبله وهكذا كل من سلك طريقا في ~~النفي زعم أنه لم يسلكه غيره فإنه يوجب أن ذلك لم يعلم قبله فلا يكون من ~~تقدم من خيار هذه الأمة PageV10P261 معتقدين لهذا النفي ولو كان حقا ~~لاعتقدوه فما ذكره من المدح يعود بنقيض مقصوده # وأيضا فيقال القول بتماثل الأجسام والاستدلال بذلك طريق معروفة سلكها ~~المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم والأشعري في كتاب الإبانة يقتضي ~~كلامه أنه خالفهم فيها فليست طريقا غريبة # وأيضا فإنه لم يذكر دليلا على تماثلها أصلا وأما ما ذكره من التركيب ~~وتناهي القوة فإن صح كان دليلا بنفسه فإنه سبحانه غني عن كل ما سواه فلا ~~يجوز أن يفتقر إلى فاعل بالضرورة باتفاق العقلاء # وأيضا فإنه لم يذكر دليلا على تركيب الجسم وتناهي قوته والمنازع ينفي كلا ~~من الأمرين كما قد ذكر في موضعه وأعجب من ذلك تفسير قوله @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ سورة طه 5 بهذا المعنى فإن فساد هذا أوضح من أن يحتاج إلى ~~بيان # قال وأما السبب الثاني فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل ~~والمحسوس وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم فإذا قيل لهم إن ها هنا ~~موجودا ليس بجسم ارتفع عنهم التخيل فصار عندهم من قبيل المعدوم ولا سيما ~~إذا قيل إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا أسفل ولهذا اعتقدت ~~الطائفة التي PageV10P262 أثبتت الجسمية في الطائفة التي نفتها عنه سبحانه ~~أنها ملشية واعتقدت التي نفتها في المثبتة أنها مكثرة # قال واما السبب الثالث فهو أنه إذا صرح بنفي الجسمية عرضت من الشرع شكوك ~~كثيرة مما يقال في المعاد وغير ذلك فمنها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي ~~جاءت بها السنة الثابتة وذلك أن الذين صرحوا بنفيها أعني الجسمية فرقتان ~~المعتزلة والأشعرية فأما المعتزلة فدعاهم هذا الإعتقاد إلى نفي الرؤية وأما ~~الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين فعسر ms2216 ذلك عليهم ولجأوا في الجمع ~~إلى أقاويل سوفسطائية سنرشد إلى الوهن الذي فيها عند الكلام في الرؤية # ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة في بادى الرأي عن الخالق سبحانه أنه ليس ~~بجسم فترجع الشريعة متشابهة وذلك أن بعث الأنبياء انبنى على PageV10P263 أن ~~الوحي نازل عليهم من السماء وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه أعني أن الكتاب ~~العزيز نزل من السماء # كما قال تعالى @QB@ إنا أنزلناه في ليلة مباركة @QE@ سورة الدخان 3 ~~وانبنى نزول الوحي من السماء على أن الله في السماء # وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها كما قال تعالى @QB@ إليه ~~يصعد الكلم الطيب @QE@ سورة فاطر 10 وقال تعالى @QB@ تعرج الملائكة والروح ~~إليه @QE@ سورة المعارج 4 # وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة على ما سنذكره بعد ~~عند التكلم في الجهة # ومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية وجب التصريح بنفي الحركة وإذا صرح بنفي ~~هذا عسر تصور ما جاء في صفة الحشر من أن الباري سبحانه يطلع إلى أهل الحشر ~~وأنه الذي يلي حسابهم كما قال تبارك وتعالى @QB@ وجاء ربك والملك صفا صفا ~~@QE@ سورة الفجر 22 PageV10P264 # وكذلك يصعب تأويل حديث النزول المشهور وإن كان التأويل أقرب إليه منه إلى ~~أمر الحشر مع أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع فيجب أن لا يصرح للجمهور ~~بما يؤول عندهم إلى إبطال هذه الظواهر فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو ~~إذا حملت على ظاهرها وأما إذا أولت فإنه يعود الأمر فيها إلى أحد أمرين إما ~~أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة فتموت الشريعة كلها وتبطل ~~الحكمة المقصودة منها # وإما أن يقال في هذه كلها إنها من المتشابهات فيعود الشرع كله من ~~المتشابه مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء ~~كلها تجدها غير برهانية بل الظواهر الشرعية أقنع منها أعني أن التصديق بها ~~أكثر وأنت تتبين ذلك من قولنا في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجسمية وكذلك ~~تتبين ذلك في البرهان الذي بنوا عليه ms2217 نفي الجهة على ما سنقوله بعد ~~PageV10P265 # قال وقد يدلك على أن الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور أنه ~~لمكان انتفاء هذه الصفة عن النفس أعني الجسمية لم يصرح الشرع للجمهور بما ~~هي النفس فقال في الكتاب العزيز @QB@ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا @QE@ سورة الإسراء 85 وذلك أنه يعسر ~~قيام البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم ولو كان ~~انتفاء هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور لاكتفى بذلك الخليل في محاجة الكافر ~~حين قال له @QB@ ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت @QE@ سورة البقرة ~~258 الآية لأنه كان يكتفي بأن يقول له أنت جسم والله تعالى ليس بجسم لأن كل ~~جسم محدث كما يقوله الأشعرية # وكذلك كان يكتفى بذلك موسى عليه السلام عند محاجة فرعون في دعوى الإلهية ~~وكذلك كان يكتفى المصطفى صلى الله عليه وسلم في أمر الدجال في إرشاد ~~المؤمنين إلى كذب ما يدعيه من الربوبية من PageV10P266 أنه جسم والله تعالى ~~ليس بجسم بل قال عليه السلام إن ربكم ليس بأعور واكتفى بالدلالة على كذبه ~~بوجود هذه الصفة الناقصة التي ينتفي عند كل أحد وجودها ببديهة العقل في ~~الباري سبحانه # وكذلك كان يكتفي بنفي الجسمية في عجل بني إسرائيل # فهذه كلها كما تراه بدع حادثة في الإسلام هي السبب فيما عرض فيه من الفرق ~~التي أنبأ المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه ستفترق أمته إليها # فإن قال قائل فإذا لم يصرح الشرع للجمهور بأنه جسم ولا بأنه غير جسم فما ~~عسى أن يجابوا في جواب ما هو فإن هذا السؤال طبيعي للإنسان وليس يقدر أن ~~ينفك عنه ولذلك ليس يقنع الجمهور أن يقال لهم في موجود وقع الاعتراف به لا ~~ماهية له لأن ما لا ماهية له لا ذات له # قلنا الواجب في ذلك أن يجابوا بجواب الشرع فيقال لهم PageV10P267 إنه نور ~~فإنه الوصف الذي وصف الله به نفسه في كتابه على جهة ما ms2218 يوصف الشيء بالصفة ~~التي هي ذاته فقال تعالى @QB@ الله نور السماوات والأرض مثل نوره @QE@ ~~الآية سورة النور 35 وبهذا الوصف وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الثابت عنه فإنه جاء أنه قيل له عليه السلام هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه # وفي حديث الإسراء أنه لما قرب صلى الله عليه وسلم من سدرة المنتهى غشي ~~السدرة من النور ما حجب بصره من النظر إليها أو إليه PageV10P268 # وفي كتاب مسلم إن لله حجابا من نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى ~~إليه بصره # قال وفي بعض روايات الحديث سبعين حجابا من نور # فينبغي أن يعلم أن هذا المثال هو شديد المناسبة للخالق سبحانه لأنه يجتمع ~~فيه أنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه وكذلك الأفهام مع أنه ليس بجسم ~~والموجود عند الجمهور إنما هو المحسوس والمعدوم عندهم هو غير المحسوس ~~والنور لما كان هو أشرف المحسوسات وجب أن يمثل لهم به أشرف الموجودات ~~PageV10P269 # فيقال هذا الرجل يرى رأى ابن سينا ونحوه من المتفلسفة والباطنية الذين ~~يقولون إن الرسل أظهرت للناس في الإيمان بالله واليوم الآخر خلاف ما هو ~~الأمر عليه في نفسه لينتفع الجمهور بذلك إذ كانت الحقيقة لو أظهرت لهم لما ~~فهم منها إلا التعطيل فخيلوا ومثلوا لهم ما يناسب الحقيقة نوع مناسبة على ~~وجه ينتفعون به وأبو حامد في مواضع يرى هذا الرأي ونهيه عن التأويل في ~~الجام العوام والتفرقة بين الإيمان والزندقة مبني على هذا الأصل وهؤلاء ~~يرون إقرار النصوص على ظواهرها هو المصلحة التي يجب حمل الناس عليها مع ~~اعتقادهم أن الأنبياء لم يبينوا الحق ولم يورثوا علما ينبغي للعلماء معرفته ~~وإنما المورث عندهم للعلم الحقيقي هو الجهمية والدهرية ونحوهم من حزب ~~التعطيل والجحود # وما ذكره هذا في النور اخذه من مشكاة أبي حامد وقد دخل معهم في هذا طوائف ~~ممن راج عليهم هذا الإلحاد في أسماء الله وآياته من أعيان الفقهاء والعباد # وكل من اعتقد نفي ما أثبته الرسول حصل في نوع من ms2219 الإلحاد بحسب ذلك وهؤلاء ~~كثيرون في المتأخرين قليلون في السلف ومن تدبر كلام كثير من مفسري القرآن ~~وشارحي الحديث ومصنفي العقائد النافية والكلام وجد فيه من هذا ما يتبين له ~~به حقيقة الأمر # وقوله في النور إنه محسوس تعجز الأبصار عن إدراكه وكذلك PageV10P270 ~~الأفهام مع أنه ليس بجسم تناقض من وجهين أحدهما أن المحسوس الذي يحسه الناس ~~ليس إلا جسما أو عرضا في جسم والثاني أن النور الذي يعرفونه ليس إلا جسما ~~أو عرضا في جسم وذلك كنور المصابيح ونحوها # فإنه إما أن يراد به نفس النور الخارج من ذبالة المصباح فذلك نار والنار ~~جسم وإما أن يراد به ما يصير على ما يلاقيه من الأرض والجدران والهواء من ~~الضوء فذلك عرض قائم بغيره # وكذلك الشمس والقمر إن أريد بالنور نفس ذات واحدة منهما كقوله @QB@ جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا @QE@ سورة يونس 5 فالقمر جسم وإن أريد بالنور ما ~~على الأرض والهواء من ضوء ذلك فذلك عرض فلا يعرف الناس نورا إلا هذا وهذا # وأيضا فإذا كان السؤال بما هو طبيعي للإنسان لا يقدر أن ينفك عنه ولا ~~يقنع الإقناع في جواب هذا السؤال بعد الاعتراف بوجود المسؤول عنه بأن يقال ~~لا ماهية له لأن ما لا ماهية له لا ذات له فلا يقع الإقناع بجواب ليس ~~مطابقا للحقيقة # وبتقدير أن لا يكون هو في نفسه نورا يكون الجواب غير مطابق للحقيقة ~~وحينئذ فالجواب المطابق للحق مع الإعراض عن ذكر الحقيقة أحسن من هذا كما ~~تقوله طائفة من الناس في جواب موسى لفرعون لما سأله بقوله @QB@ وما رب ~~العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين @QE@ ~~PageV10P271 سورة الشعراء 23 24 قالوا لما سأله عن الماهية والمسؤول عنه لا ~~ماهية له عدل إلى ما يصلح الجواب به # فقول هؤلاء مع أنه خطأ أقرب من أن يجاب عن الماهية بما ليس مطابقا للحق ~~وإنما كان قول هؤلاء خطأ لأن فرعون لم يسأل موسى سؤال مستفهم طالب للعلم ~~بماهية المسؤول عنه ms2220 حتى يجاب جواب المستفهم السائل كما ذكره الناس في جواب ~~السؤال بما هو ولكن هذا استفهام إنكار ونفي وجحود للمسؤول عنه فإن فرعون ~~كان مظهرا لجحد الصانع # ولهذا قال @QB@ ما علمت لكم من إله غيري @QE@ سورة القصص 38 وقال @QB@ ~~أنا ربكم الأعلى @QE@ سورة النازعات 24 وقال @QB@ يا هامان ابن لي صرحا ~~لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا ~~@QE@ سورة غافر 36 37 فلما قال له موسى @QB@ إني رسول من رب العالمين @QE@ ~~سورة الأعراف 104 تكلم بما هو جحد ونفي وإنكار لمسمى رب العالمين فقال @QB@ ~~وما رب العالمين @QE@ سورة الشعراء 23 كما لو ادعى على أحد مدع أن هذا ولدك ~~أو شريكك في المال أو أعطاك هذا المال ونحو ذلك فقال من هو ولدي ومن هو ~~شريكي ومن هو الذي أعطاني فإنه يقول ذلك على سبيل الإنكار والجحد لا على ~~سبيل الاستعلام والاستفهام فإذا كان منكرا للحق أجيب بما يقيم الحجة عليه ~~فيقال له هذا الذي ولدته امرأتك فلانة أو الذي اشتريت أنت وهو المال ~~الفلاني أو هو PageV10P272 الذي أقررت له بذلك وأشهدت به عليك فلانا وفلانا ~~ونحو ذلك # ولهذا أجابه موسى بما فيه تقرير لما أنكره وتثبيت له فقال @QB@ رب ~~السماوات والأرض وما بينهما @QE@ سورة الشعراء 24 وقال @QB@ ربكم ورب ~~آبائكم الأولين @QE@ سورة الشعراء 26 وذلك لأن العلم بثبوت هذا الرب أمر ~~مستقر في الفطر مغروز في القلب # يبين هذا أن السؤال عن ماهية الشيء الثابتة في الخارج يكون بعد الاعتراف ~~بوجوده أما ما يكون مجحودا منتفيا في نفس الأمر فلا ماهية له في الخارج حتى ~~يسأل عنها ولكن قد يسأل المسؤول عن تصوير ما يقوله وإن لم تكن له حقيقته في ~~الخارج # أما إذا ادعى شيئا في الخارج والمدعى ينكر وجوده فإنه لا يطلب منه أن ~~يعرفه ماهية ما لا حقيقة له بل يسأله على طريق إنكار ذلك لا على طريق ~~الاستعلام عن ذلك # وإذا كان المسئول عنه مما لا وجود له طولب بتمييزه ms2221 وتعريفه حتى يبين له ~~أنه لا وجود له وأنك تدعي ثبوت ما ليس بثابت كما يقال لمن يدعي أن هنا جبلا ~~من ياقوت أو بحرا من زئبق أين هو وكيف هو وكما يقال لمن يدعي وجود المنتظر ~~المعصوم الداخل إلى سرداب سامرا بماذا يعرف وكم كان عمره حين دخل وماذا ~~الذي يمنعه من الظهور ونحو ذلك من المسائل التي يبين بها عدم المسئول عنه ~~أو عدم ما أثبته المسئول له PageV10P273 # وهذا في القرآن كثير كقوله تعالى @QB@ ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد ~~يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها @QE@ سورة ~~الأعراف 195 # وقوله تعالى @QB@ قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~@QE@ سورة يونس 18 # وقوله @QB@ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله ~~الأنثى @QE@ سورة النجم 19 21 # ومنه قولهم @QB@ أهذا الذي بعث الله رسولا @QE@ سورة الفرقان 41 # وقول الكفار @QB@ أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا ~~الأولون @QE@ سورة الصافات 16 17 # وإذا كان المسئول عنه موجودا كان الجواب بما يدل على وجوده فلهذا أجاب ~~موسى للمنكرين بما يدل على إثبات الصانع سبحانه فإن افتقار السماوات والأرض ~~وما بينهما والمشرق والمغرب والموجودين وآثارهم إلى الصانع واستقرار ذلك في ~~فطرهم أمر لا يمكن إنكاره إلا عنادا كما قال تعالى @QB@ وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ سورة النمل 14 # وذكر موسى عليه السلام السماوات والأرض والليل والنهار والأولين والآخرين ~~فذكر الأعلى والأسفل والمتيامن والمتياسر والمتقدم والمتأخر وهذه هي الجهات ~~الست للإنسان وذكر التقدم PageV10P274 والتأخر بالزمان بعد أن ذكر التقدم ~~والتأخر بالمكان فإن المكان دخل في السماوات والأرض والمشرق والمغرب وذكر ~~موسى خلق الإنسان بعد أن ذكر الخلق العام # كما في قوله @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق @QE@ سورة ~~العلق 1 2 وكما في قوله تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق @QE@ سورة فصلت 53 # فإذا كان المسئول عنه بما هو لا ms2222 بد أن تكون له ذات هي ماهيته كان الجواب ~~عنها بما يمكن من التعريف فإن أمكن أن يعرف بعينه قيل هذا هو أو هو فلان بن ~~فلان ونحو ذلك مما يميزه عند السائل ويوجب معرفته بعينه بالإحساس لكن معرفة ~~عينه لم تحصل هنا بمجرد كلام المتكلم بل بالإحساس به وإن لم يمكن معرفته ~~بعينه عرف بنظيره ولا يكون له نظير من كل وجه فإنه لو كان له نظير من كل ~~وجه لم يكن المجهول إلا عينه وإذا كان المطلوب معرفة عينه لم يحصل الجواب ~~بالنظير وإنما يعرف بالنظير نوعه فلا يجاب بالنظير إلا إذا كان السؤال عن ~~معرفة نوعه وحينئذ فتحصل المعرفة به بحسب مماثلة ذلك النظير له لأجل القدر ~~المشترك المشترك الذي بين المتماثلين # كمن سئل عن الخمر فقال شراب مسكر فلا بد أن يكون السائل يعرف الشرب ويعرف ~~السكر ولكن لم يعرف نوع سكر الخمر بل عرف مثلا سكر الغضب والعشق والحزن ~~وعرف زوال العقل PageV10P275 بالجنون والبنج فلو سأل عن السكر قيل له لذة ~~مع زوال الحزن فقولنا لذة يخرج سكر الغضب والحزن فإنه ألم بخلاف سكر العشق ~~ولكن ليس هذا مثل هذا فلا يمكن تعريفه ذلك إلا بالقدر المشترك بين هذه ~~اللذة وسائر اللذات وبالقدر المشترك بين زوال العقل بهذا السبب وغيره من ~~الأسباب ثم إذا انضم إلى ذلك أنه شراب يميز المسئول عنه عن غيره # ولهذا كان حقيقة الأمر أن الحدود المقولة في جواب ما هو إنما يحصل بها ~~التمييز بين المحدود وغيره وأما نفس تصور حقيقته فذاك لا يحصل بالقول ~~والكلام لا على وجه التحديد ولا غيره بل بإدراك النفس المحدودة # فالسائل إذا سأل عن الرب ما هو أمكن أن يجاب بأجوبة تميزه عما سواه ~~سبحانه بحيث لا يشركه غيره في الجواب ويمكن أن يذكر من الأمور المشتركة ~~بحسب إدراك السائل ما يحصل به من المعرفة ما يشاء الله # وأما معرفة كنه الذات فذاك لايمكن بمجرد الكلام ليس لأنه لا كنه لها لكن ~~لأن تعريف ms2223 كنه الأمور لا يمكن بمجرد العبارات # فإذا قيل هو نور لم يمنع هذا أن تكون حقيقته نورا كما إذا قيل هو وحي أو ~~عالم أو قادر أو موجود لكن ليس هو مثل شيء من الأنوار المخلوقة كما أنه ليس ~~مثل شيء من الأحياء العالمين المخلوقين ولا شيء من الموجودات المخلوقة ~~PageV10P276 # ولكن لولا القدر المشترك لما كان في الكلام فائدة ثم القدر المميز يحصل ~~بالإضافة فيعلم أنه نور ليس كالأنوار موجود ليس كالموجودين حي لا كالأحياء # وهذا الجواب هو جواب أهل التحقيق من المثبتين الذين ينفون علم العباد ~~بماهيته وكيفيته ويقولون لا تجرى ما هيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ~~ويقولون الاستواء معلوم والكيف مجهول ويقولون حجب الخلق عن معرفة ماهيته ~~ونحو ذلك # وأما من نفى ثبوت هذه الأمور في نفس الأمر فقال لا ماهية له فتجري في ~~مقال ولا كيفية له فتخطر ببال كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ومن ~~اتبعهم من الأشعرية وغيرهم من أصحاب الفقهاء الأربعة فهؤلاء هم الذين خرجوا ~~عن الجواب الطبيعي وأرادوا تغيير الفطرة الإنسانية كما غيروا النصوص ~~الشرعية وإنما الكمال بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة والرسل صلوات الله ~~عليهم بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها لا بتغيير الفطرة وتحويلها # ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يجاب عن سؤال السائل بما هو بما يجاب إذا سئل ~~عن الأنواع فإن الله لا مثل له سبحانه وإذا كان المخلوق الذي انحصر نوعه في ~~شخصه كالشمس مثلا لا يمكن ذلك فيها فالخالق سبحانه أولى بذلك # وإذا كان تعريف عين الشيء لا يمكن إلا بمعرفته أو معرفة نظيره ~~PageV10P277 والله لا نظير له امتنع أن يعرف إلا بما تعرف به الأعيان من ~~المعارف الخاصة بالمعروف باطنا وظاهرا كما يهدى إليه به عباده المؤمنين من ~~الإيمان به في الدنيا وكما يتجلى لهم في الدار الآخرة # وهذه المعرفة تطابق ما سمعوه مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيتطابق ~~الإيمان والقرآن ويتوافق البرهان والعيان # والله سبحانه فطر عباده على الإقرار به فطرة تختص به ms2224 ليست كلية مشتركة ~~بينه وبين غيره كما جعل في الإبصار قوة ترى بها الشمس بخصوصها لا تعرف ~~الشمس معرفة مشتركة # كما يقال في حدها كوكب يطلع نهارا بل معرفة الناس للشمس أعظم من معرفتهم ~~لغيرها من أعيان الكواكب ولنوع الكواكب لو كانت الشمس من نوع الكواكب فكيف ~~إذا لم تكن من نوعها # ولهذا كانت الدلائل على الخالق آيات له والآية تختص بما هي آية عليه ليست ~~قياسا كليا يدل على معنى مشترك عام بل تدل على معين موجود متميز عن غيره # والأدلة القياسية الكلية التي يخصها باسم البرهان أهل المنطق ونحوهم لا ~~تدل إلا على أمر كلي كقولنا الإنسان محدث وكل محدث فله محدث ينتظم قضيتين ~~كليتين فقول القائل الإنسان محدث يعم كل إنسان وعلمه بحدوث الإنسان المعين ~~كعلمه بحدوث الإنسان الآخر ليس علمه بهذه القضية الكلية أكمل من علمه ~~بالواحد المعين إلا أنه قد يجهل الإنسان حكم المعين فيستدل عليه بنظيره ~~PageV10P278 # وكذلك قول القائل كل محدث فله محدث فما من محدث يعلم حدوثه إلا وهو يعلم ~~أن له محدثا كما أنه يعلم أن المحدث الآخر محدثا ثم إذا علم أن للمحدث ~~محدثا فهذا علم مطلق كلي ليس فيه معرفة بمعين وليس هذا معرفة بالله تعالى # وأما الآية فهي مختصة به لا يشركه فيها غيره فالإنسان وغيره من الآيات ~~تدل على عينه نفسه لا تدل على نوع مطلق إذ الدليل مستلزم للمدلول وهذه ~~الأدلة مستلزمة لعينه لافتقارها إليه ليست مستلزمة لأمر مطلق كلي إذا ~~المطلق الكلي لا وجود له في الخارج # لكن المستدل قد لايعلم ابتداء استلزامها لنفسه بل يعرف المشترك أولا ثم ~~المختص ثانيا كمن يرى شخصا من بعيد فيعلم أنه جسم ثم يراه متحركا إليه ~~فيعلم أنه حيوان ثم يراه منتصبا فيعلم أنه إنسان ثم يراه فيعلم أنه زيد ~~مثلا فكان علمه بعينه بحسب أدلته # والرب تعالى متميز عن غيره بجميع خصائصه والناس تكلموا في أخص وصفه فقال ~~من قال من المعتزلة هو القدم وقال الأشعري وغيره هو ms2225 القدرة على الاختراع ~~وقال من قال من الفلاسفة هو وجود الوجود # والتحقيق أن كل وصف من هذه الأوصاف فهو من خواصه ومن خواصه أنه بكل شيء ~~عليم وأنه على كل شيء قدير وأنه الله الذي لا إله إلا هو وأنه الرحمن ~~الرحيم # وكل اسم لا يسمى به غيره كالله والقديم الأزلي ورب العالمين ومالك يوم ~~الدين ونحو ذلك فمعناه من خصائصه PageV10P279 # والاسم الذي يسمى به غيره وهو عند الإطلاق ينصرف إليه كالملك والعزيز ~~والحليم يختص بكماله وإطلاقه فلا يشركه في ذلك غيره # والاسم الذي يسمى به غيره ولا ينصرف إطلاقه إليه كالموجود والمتكلم ~~والمريد يختص أيضا بكماله وإن لم يختص بإطلاقه # ومن المعلوم أن الأسماء التي يختص بها بكل حال أو عند الإطلاق أو تنصرف ~~إليه بالنية يجب أن يعلم المتكلم بها اختصاصه بها وإلا لم يخصه بها وتخصيصه ~~بها مستلزم لمعرفة ما يختص به ويمتاز به غيره فلا بد أن يكون في القلوب من ~~المعرفة ما يختص به ويمتاز به عن غيره # وهذه المعرفة لا تكون بقياس كلي مدلوله معنى كلي إذ الكلي لا تخصيص فيه ~~بل قد يحصل عن قياسين مثل أن يعلم أن كل محدث له محدث وأن المحدث للمحدثات ~~ليس هو شيئا من هذا العالم ولا يكون اثنين فيعلم أنه واحد خارج عن العالم ~~ومع هذا فإشارة القلوب إلى عينه خارجة عن موجب قياس الكلي # وهكذا سائر المعلومات لا يمكن أن تعلم بمجرد القياس الكلي غير معينة في ~~الخارج وقد بسط الكلام على هذا في موضعه # ولهذا إذا ذكر الله توجهت القلوب إليه سبحانه لما في الفطرة من معرفته ~~أبلغ مما توجه إلى معين غيره إذا ذكر فإذا قيل الشمس أو PageV10P280 الهلال ~~توجهت القلوب إلى ما عرفته من ذلك وتوجهها إلى ما عرفته من الخالق أكمل # وهذا أمر مغروز فيها قد فطرت عليه وآياته دوال وشواهد وهي كما قال تعالى ~~@QB@ تبصرة وذكرى لكل عبد منيب @QE@ سورة ق 8 فهي تبصر الجاهل وتذكر الغافل # قال ابن رشد ms2226 وههنا سبب آخر وجب أن يسمى به نورا وذلك أن حال وجوده من ~~عقول العلماء الراسخين في العلم عند النظر إليه بالعقل هي حال الإبصار عند ~~النظر إلى الشمس بل حال عيون الخفافيش فكان هذا الصنف لائقا عند الصنفين من ~~الناس # قلت ولقائل أن يقول هذا الكلام يناسب حال أهل الحيرة والضلال الذين حارت ~~عقولهم فيه فلم تعرفه كما يحار البصر في الشمس فلا يراها فقد مثله بالنور ~~عند الجمهور لكونه هو الذي يرى وعند العلماء لكونه لا يرى فاقتضى هذا أن ~~الجمهور لهم به معرفة وأن العلماء لا يعرفونه # وهذا حقيقة كلام هؤلاء فإنهم يجعلون ما أظهره الله من أسمائه وصفاته ~~لتعريف الجمهور إذ لا يمكن إلا ذلك وهو عندهم في PageV10P281 الباطن ليس ~~كذلك بل موصوف بالسلوب التي لا يحصل منها إلا الجهل والحيرة والضلالة ~~ومنتهاهم أن يثبتوا وجودا مطلقا لا حقيقة له إلا في الذهن لا في الخارج # وهذا منتهى هؤلاء المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المتصوفة أهل الوحدة ~~والحلول والاتحاد ومن ضاهاهم من أصناف أهل الإلحاد # وأصل ضلال هؤلاء أنهم لم يثبتوا وجودا للرب مباينا للمخلوقات متميزا عنها ~~بل اعتقدوا أن هذا منتف لكونه يقتضي ما هو منتف عندهم من التحيز والجهة # قال وأيضا فإن الله تبارك وتعالى لما كان سبب الموجودات وسبب إدراكنا لها ~~وكان النور مع الألوان هذه صفته أعني أنه سبب وجود الألوان بالفعل وسبب ~~رؤيتنا لها فبالحق ما سمى الله نفسه نورا وإذا قيل إنه نور لم يعرض شك في ~~الرؤية التي جاءت في المعاد # قلت هذا الرجل سلك مسلك صاحب مشكاة الأنوار فإن ذلك الكتاب موضوع على ~~قواعد هؤلاء المتفلسفة وابن رشد هذا يمدح PageV10P282 كلامه في مشكاة ~~الأنوار وما كان مثله مما وافق فيه الفلاسفة # والمسلمون يقدحون في كلامه الذي وافق فيه الفلاسفة ويمدحون من كلامه ما ~~وافق فيه المسلمين وناقض به الفلاسفة فما يمدحه به أهل العلم والإيمان يذمه ~~به هذا وأمثاله وينشد # % يوما يمان إذا ما جئت ذا يمن % وإن ms2227 لقيت معديا فعدنان % $ # وما يمدحه به أهل العلم والإيمان يذمه به هؤلاء وقد ذكر في مشكاة الأنوار ~~ما يناسب ما ذكره هذا في النور ومن هنا دخل الملحدون من الاتحادية الذين ~~قالوا بوحدة الوجود وقالوا إن الخلق مجال ومظاهر لأن وجود الحق ظهر فيها ~~وتجلى فجعلوا نفس وجوده هو نفس ظهوره وتجليه # ومن المعلوم أن الشيء يكون موجودا في نفسه ثم يظهر ويتجلى تارة ويحتجب ~~أخرى سواء كان تجليه لوجود سبب الرؤية في الرائي كالأعمى إذا صار بصيرا أو ~~لزوال المانع في الظاهر كالحجب المانعة أو لهما جميعا # وهؤلاء جعلوا وجود الحق في المخلوقات هو نفس ظهوره وتجليه فيها وسموها ~~مجالي ومظاهر وذلك لأن حقيقة قولهم إنه ليس موجودا في الخارج ولكنهم يظنون ~~أنهم يعتقدونه موجودا في الخارج PageV10P283 فإذا شاهدوا الوجود الساري في ~~الكائنات ظهر لهم هذا الوجود وهم يظنونه الله فسموها مظاهر ومجالي لأنها ~~أظهرت لهم ما ظنوا أنه الله # ولو أنهم جعلوها آيات أظهرت لهم وبينت ما دلت عليه من وجوده وعلمه وقدرته ~~ورحمته وحكمته مع علمهم بأن وجوده مباين لوجودها لكانوا مهتدين # وما ذكره هذا الرجل موافقا فيه لصاحب المشكاة أن النور سبب وجود الألوان ~~وسبب إدراكنا لها كما أن الله سبب وجود الموجودات وسبب معرفتنا بها ليس ~~بمستقيم فإن الألوان موجودة في نفسها سواء ادركناها أو لم ندركها وهي في ~~نفسها مستغنية عن النور ولكن النور شرط في إدراكنا لها لا في وجودها # وليس المخلوق مع الخالق كذلك بل الخالق هو المبدع لأعيان الموجودات وليس ~~هو معها كالشرط مع المشروط ونحو ذلك مما يقتضيه كلام هذا الرجل في تهافت ~~التهافت وكلام أمثاله من هؤلاء المتفلسفة الاتحادية وغيرهم الذين يجعلونه ~~مع الموجودات كالمادة مع الصورة وكالصورة مع المادة كالكلي مع الجزئي ~~كالجنس مع النوع أو النوع مع الشخص ونحو ذلك من التمثلات التي يقتضي أنه ~~مفتقر إليها وهي مفتقرة إليه وكل منهما مع الآخر كالشرط مع المشروط كما قد ~~صرح بذلك صاحب الفصوص وغيره # بل هو سبحانه ms2228 الغني بنفسه عن كل ما سواه من كل وجه وكل ما PageV10P284 ~~سواه مفتقر إليه من كل وجه وليس شيء أفقر إلى شيء من المخلوق إلى الخالق ~~ولا شيء أغنى عن شيء من الخالق عن المخلوق ولا يشبه فقر الخلق إليه وغناه ~~عنهم شيء من أنواع الفقر والغنى # وإذا قلنا كالمفعول مع الفاعل والمصنوع مع الصانع والمبدع مع المبدع أو ~~كالمعلول مع العلة والموجب مع الموجب ونحو ذلك فكل ذلك تقريب فيه قصور ~~وتقصير منا إذ ليس في الموجودات ما هو غيره كالمخلوق مع الخالق ولا في ~~الوجود مفعول له فاعل واحد له يستغنى به ولا معلول له علة واحدة تستغنى به ~~في الوجود # بل كل ما في الوجود مما يظن أنه مفعول أو معلول لشيء من المخلوقات فإن ~~غايته إذا كان فاعلا وعلة أن يكون محتاجا إليه من وجه دون وجه وهو محتاج ~~إلى غيره من وجه آخر وهو فاعل وعلة له من وجه دون وجه وأما أن يكون في ~~الموجودات ما هو مفتقر إلى فاعل أو علة كافتقار المخلوقات إلى الخالق فلا # وهذا من أسباب ضلال هؤلاء فإنهم ضلوا في قياسهم الخالق الذي ليس كمثله ~~شيء على المخلوقات فيجعلون حال المخلوقات معه كحال مفعولات العباد معهم لا ~~سيما وفيهم من يكون قوله شرا من ذلك # ومن هذا الباب قول من جعل المعدوم شيئا ثابتا في الخارج PageV10P285 ~~مستغنيا عن الخالق ومن جعل الماهيات غير الأعيان الموجودة فإذا ضم إلى أحد ~~هذين القولين أن يجعل الوجود واحدا والوجود الواجب هو الممكن لزم أن يكون ~~كل من وجود الأعيان وثبوتها مفتقرا إلى الآخر وأن يكون الوجود الواجب ~~مفتقرا إلى الذوات المستغنية عنه كما يقوله صاحب الفصوص # أو أن يكون وجود الأعيان الذي هو الوجود الواجب عند هؤلاء مفتقرا إلى ~~الماهيات المستغنية عنه كما يقوله آخرون منهم ويقول ابن سبعين وأمثاله هو ~~في كل شيء بصوره ذلك الشيء فهو في الماء ماء وفي النار نور وفي الحلو حلو ~~وفي المر مر وقد وقع ms2229 نوع من الحلول والاتحاد في كلام غير واحد من شيوخ ~~الصوفية # ولهذا كان الأئمة منهم كالجنيد وأمثاله يتكلمون بالمباينة كقول الجنيد ~~التوحيد إفراد الحدوث عن القدم وفي كلام الشاذلي والحرالي بل وابن برجان بل ~~وأبي طالب وغيرهم من PageV10P286 ذلك ما يعرفه من فهم حقيقة الحق وفهم ~~مقاصد الخلق # ولهذا كان الناس يصفون السالمية بالحلول فإن أبا طالب من أصحاب أبي الحسن ~~بن سالم صاحب سهل بن عبد الله التستري # والناس في هذه المسألة على أربعة أقوال # منهم من يقول بالحلول والاتحاد فقط كقول صاحب الفصوص وأمثاله # ومنهم من يثبت العلو ونوعا من الحلول وهو الذي يضاف إلى السالمية أو ~~بعضهم وفي كلام أبي طالب وغيره ما قد يقال إنه يدل على ذلك # ومنهم من لا يثبت لا مباينة ولا حلولا ولا اتحادا كقول المعتزلة ومن ~~وافقهم من الأشعرية وغيرهم # والقول الرابع إثبات مباينة الخلق للمخلوق بلا حلول وهذا قول سلف الأمة ~~وأئمتها # وكل من وقع بنوع من الحلول لزم افتقار الخالق إلى غيره واستغناء غيره عنه ~~فإن الحال في غيره إن لم يكن محتاجا إليه بوجه من الوجوه امتنع الحلول سواء ~~قيل إن الحال قائم بنفسه أو بغيره # فإن قال الحلولي أنا أثبت حلولا لا كحلول الأجسام ولا الأعراض وحينئذ فلا ~~يلزم افتقاره فيه إلى غيره PageV10P287 # قيل هذا لا حقيقة له وهو كقول من قال أثبت قيامه بغيره من غير احتياج إلى ~~ذلك المحل الذي من شأنه أن يقوم ما قام فيه لأن قيامه بالغير ليس كقيام ~~الأجسام والأعراض وأثبته في غيره لا مماسا له ولا مباينا له # لكن هذا الجواب يصح من أهل السنة الذين ينكرون وجود موجود لا مباين ~~للعالم ولا داخل فيه وأما من أثبت هذا فإنه لا يمكنه إبطال قول الحلولية ~~فإنهم يقولون كما أثبت موجودا لا داخل العالم ولا خارجه فأثبته حالا في ~~الموجودات من غير أن يكون مفتقرا إليها # فإذا قال هذا لا يعقل # قيل وذاك لا يعقل بل تصديق العقل بوجود موجود في ms2230 العالم غير مفتقر إليه ~~أقرب من تصديقه بوجود موجود لا داخل العالم ولا مباين له # ولهذا كان انقياد القلوب إلى قول الحلولية أقرب من انقيادهم إلى قول نفاة ~~الأمرين وجمهور الجهمية وعبادهم وصوفيتهم إنما يتكلمون بالحلول وإلا فالنفي ~~العام لا تقبله غالب العقول وإنما يقوله من يقوله من متكلمتهم # وهؤلاء يخضعون لأرباب الأحوال والعبادات والمعارف من الجهمية الحلولية ~~ولا يمكنهم الإنكار عليهم بحجة ظاهرة ويد مبسوطة بل إما أن يكونوا مقصرين ~~معهم في الحجة وإما أن يكونوا مقهورين معهم بالحال والعبادة والمعرفة لأن ~~أولئك في قلوبهم تأله ووجد PageV10P288 وذوق وهؤلاء بطالون قساة القلوب لأن ~~القلب لا يتوجه بالقصد والعبادة إلى العدم والنفي وإنما يتوجه إلى أمر ~~موجود # ولهذا كانت الجهمية النفاة داخلين في نوع من الشرك إذ كل معطل مشرك وليس ~~كل مشرك معطلا والجهمية قولهم مستلزم للتعطيل ففيهم شرك وقد يكون الشرك ~~فيمن ليس منهم إذ إخلاص الدين لله مستلزم لإثباته وليس إثباته مستلزما ~~للإخلاص فمن أثبت شيئا من الحقائق مستغنيا عن الله كاستغناء الألوان في ~~أنفسها عن النور أمكنه أن يقول هو بالنسبة إلى تلك الأمور كالنور بالنسبة ~~إلى اللون إذ قد تظهر به تلك الأمور كما ظهر اللون لنا بالنور # قال ابن رشد فقد تبين لك من هذا القول الإعتقاد الأول الذي في هذه ~~الشريعة في هذه الصفة يعني الجسمية وما حدث في ذلك من البدعة # قال وإنما سكت الشرع عن هذه الصفة لأنه لا يعترف بموجود في الغائب أنه ~~ليس بجسم إلا من أدرك برهانا أن في الشاهد موجودا بهذه الصفة وهي النفس ~~ولما كان الوقوف على معرفة هذا PageV10P289 المعنى من النفس مما لا يمكن ~~الجمهور لم يمكن فيهم أن يعقلوا وجود موجود ليس بجسم فلما حجبوا عن معرفة ~~النفس علمنا أنهم حجبوا عن معرفة هذا المعنى من الباري تعالى # قلت ولقائل أن يقول هو قد بين فساد طرق نفاة الجسم من المتكلمين وكذلك ~~بين فساد طريقة ابن سينا وغيره من الفلاسفة وذكر أنه لا يمكن ms2231 الاعتراف ~~بوجود موجود في الغائب ليس بجسم إلا من علم البرهان أن النفس ليست بجسم # وحينئذ فيقال له هذا أضعف من كلام المتكلمين ومن كلام الفلاسفة من وجهين ~~أحدهما أن الأدلة الدالة على كون النفس ليست الجسم الاصطلاحي وهو ما يمكن ~~الإشارة إليه وكونها لا توصف بحركة ولا سكون ولا تقرب من شيء ولا تبعد عنه ~~ولا تصعد ولا تعرج ولا تهبط ونحو ذلك مما يقوله فيها هؤلاء الفلاسفة أضعف ~~من أدلة نفي ذلك عن الباري فإذا كانت تلك فاسدة فهذه أولى # الثاني أن يقال هب أنه يثبت أن النفس لا يمكن الإشارة إليها أو أن في ~~المخلوقات ما لا يمكن الإشارة إليه فمن أين يجب أن يكون الخالق كذلك غاية ~~ما يثبت به أن العقل لا يحيل ذلك لكن عدم استحالته في العقل لا يقتضي ثبوته ~~في نفس الأمر بل ولا إمكانه في نفس الأمر PageV10P290 فإذا لم يكن ثم دليل ~~عقلي ينفي الجسمية عن الباري كما قد بينته لم يكن في نفي ذلك عن النفس دليل ~~على أن الباري كذلك اللهم إلا أن يثبت أن هذا الجنس أشرف من غيره # فيقال الباري أحق بصفة الكمال من النفس لكن كون الشيء لا يشار إليه أمر ~~سلبي والسلب المحض ليس صفة مدح ولا كمال إلا أن يتضمن أمرا وجوديا وليس في ~~كون الشيء لا يشار إليه ما يستلزم أمرا وجوديا كما أنه ليس في كونه لا يرى ~~ما يستلزم أمرا وجوديا كما أن نفي الرؤية عن بعض المخلوقات لا يستلزم نفيها ~~عن الباري تعالى # وأيضا فيقال من المعلوم أن اتصاف الموصوف بكونه حيا عليما قديرا أكمل من ~~اتصافه بكونه لا يشار إليه ثم أنتم تفرون من إثبات صفات الكمال للرب في نفس ~~الأمر لما في ذلك من التشبيه فإذا شبهتموه بالمخلوق فيما دون صفات الكمال ~~من الصفات السلبية كان هذا أقرب إلى التشبيه الباطل ووصفه بالنقائص ولكن ~~هذه سنة معلومة للجهمية يسلبون عن ربهم صفات الكمال فرارا من التشبيه ~~بالكامل من ms2232 الموجودات ويصفون بالسلوب المتضمنة صفات النقص التي يشبهونه ~~فيها بالجمادات والمعدومات والممتنعات فإن العدم علم لا يشار إليه كما أنه ~~لا يرى وكل ما يوصف به العدم المحض لم يكن كمالا بل هو إلى النقص أقرب # وأما ما ذكره من سكوت الشريعة عن النفس PageV10P291 # فيقال له الكتاب والسنة مملوء بإثبات صفات النفس الدالة على أنه يشار ~~إليها وأنها بحكم اصطلاحهم جسم فإنه أخبر بقبضها ورجوعها وصعودها ودخولها ~~في عباده ودخولها جنته ودخول البدن وخروجها منه وعروجها إلى السماء وأنها ~~في حواصل طير خضر وأمثال ذلك من الصفات التي تقولون أنتم إنها لا تكون إلا ~~لجسم # وأما لفظ الجسم فهو في اللغة بمعنى البدن أو بمعنى غلظه وكثافته كما قال ~~@QB@ وزاده بسطة في العلم والجسم @QE@ سورة البقرة 247 وقال @QB@ وإذا ~~رأيتهم تعجبك أجسامهم @QE@ سورة المنافقون 4 ويقال لهذا الثوب جسم أي غلظ ~~وكثافة # وهذه المعاني منتفية عن الروح فلم يصلح أن يعبر عنها في لغة العرب بلفظ ~~الجسم بل الناس يقولون الجسم والروح فيجعلون مسمى الأجسام غير مسمى الأرواح ~~وإذا كان من الأعيان القائمة بنفسها الموصوفة بالصعود والعروج والدخول ~~والخروج ونحو ذلك مما لا يسمى في اللغة جسما لم يجب أن يسمى كل ما قام ~~بنفسه جسما في لغتهم # وأما في اصطلاحكم فالجسم عندكم هو ما أمكن الإشارة إليه وما وصف بصعود أو ~~هبوط فهو عندكم جسم وما قامت به الصفات فهو عندكم جسم فعلى اصطلاحكم يجب أن ~~تكون الروح جسما وليس في عدم إخبار الشارع بذلك حجة لكم PageV10P292 # والناس قد تنازعوا في قوله تعالى @QB@ ويسألونك عن الروح @QE@ سورة ~~الإسراء 85 هل المراد به روح ابن آدم أو ملك من الملائكة أو غير ذلك على ~~قولين مشهورين وبتقدير أن يكون المراد روح الإنسان فالنص لم يخبر بكيفيتها ~~لأن الإخبار بالكيفية إنما يكون فيما له نظير يماثله وليست الروح من جنس ما ~~نشهده من الأعيان فلا يمكن تعريفنا بكيفيتها وإن كانت لها كيفية في نفسها # ثم يقال لهذا الذي أحال على ما ms2233 قالوه في النفس من المعلوم أن أعظم برهان ~~لهم في أن النفس ليست جسما قولهم إن العلم يحل فيها فلو كانت جسما لانقسم ~~الحال فيها بانقسامها فإن الجسم منقسم والعلم لا ينقسم ولا بعض له وقد ~~يفرضون ذلك في العلم بما لا ينقسم كالعلم بالكليات والمجردات وواجب الوجود # والعلم بالمعلوم الواحد لا ينقسم إذ العلم يتبع المعلوم فإذا لم يكن ~~المعلوم منقسما لم يكن العلم منقسما فلم يكن محل العلم منقسما فلا يكون ~~جسما وهذا أعظم ما عندهم من البراهين # وقد اضطرب الناس في جوابه كما قد بسط في غير هذا الموضع لكن نقول هنا ~~جوابه من وجوه # أحدها أن يقال قيام العلم بالنفس كقيام الحياة والقدرة والإرادة والحب ~~والبغض وسائر الأعراض المشروطة بالحياة وهم يسلمون أن هذه الصفات تقوم ~~بالجسم فما كان جوابا عن قيام هذه الصفات بالنفس كان جوابا عن قيام العلم ~~PageV10P293 # الثاني ما عارضهم به صاحب التهافت وغيره قالوا هذا باطل عليكم بالقوة ~~الوهمية التي تدرك في المحسوس ما ليس بمحسوس كإدراك القوة التي في الشاة ~~عداوة الذئب فإنها في حكم شيء واحد لا يتصور تقسيمه إذ ليس للعداوة بعض حتى ~~يقدر إدراك بعضه وزوال بعضه وقد حصل إدراكها في قوة جسمانية عندكم فإن نفس ~~البهائم منطبعة في الأجسام لا تبقى بعد الموت وقد اتفقوا عليه فإن أمكنهم ~~أن يتكلفوا تقدير الانقسام في المدركات بالحواس الخمس وبالحس المشترك ~~وبالقوة الحافظة للصور فلا يمكنهم تقدير الانقسام في هذه المعاني التي ليس ~~من شرطها أن تكون في مادة # وأورد على نفسه سؤالا فقال هذه مناقضة في العقليات إذ العقليات لا تنتقض ~~فإنه مهما لم يقدروا على الشك في المقدمتين وهو أن العلم الواحد لا ينقسم ~~وأن ما لا ينقسم لا يقوم بجسم منقسم لم يمكنهم الشك في النتيجة وأجاب بأن ~~المقصود بيان تهافتهم وتناقضهم وقد حصل إذ انتقض أحد الأمرين إما ما ذكروه ~~في النفس الناطقة أو ما ذكروه في القوة الوهمية # والجواب الثالث أن يقال ما تعنون بقولكم ms2234 العلم لا ينقسم ومحله إذا كان ~~جسما ينقسم إن عنيتم بالانقسام إمكان تفريقه فلم قلتم إن كل جسم يمكن ~~تفريقه وبتقدير أن يكون ممكنا في نفسه فلم قلتم إنه إذا قسم لا تبقى في ~~النفس نفسا ولا روحا وإن بقيت أجزؤها متفرقة # وكذلك يقال في العلم والقدرة والحياة وسائر الأعراض القائمة PageV10P294 ~~بالنفس هي لا تبقى بعد تفرق النفس فقيامها بالنفس مشروط ببقاء النفس فإذا ~~قدر أنها فرقت لم تكن باقية فلا تقوم بها الأعراض وهذا كقيام الأعراض ~~بالبدن فإن قيام الحياة والحس والحركة ببعض البدن قد يكون مشروطا بقيامه ~~بالبعض الآخر فإذا قطعت بعض الأوصال فارقت الحياة والقدرة والحس لمحل آخر ~~فما المانع من أن يكون قيام العلم وغيره من الأعراض مشروطا بأن لا تفرق ولا ~~تفسد إن كانت قابلة للتفريق # الجواب الرابع قولكم العلم الواحد بالمعلوم الواحد الذي لا ينقسم ما ~~تعنون بالمعلوم الواحد الذي لا ينقسم إن عنيتم به العقول المجردة فتلك ~~إثباتها فرع على إثبات النفس وكذلك واجب الوجود قد قلتم إنه لا يمكن نفي ~~ذلك عنه إلا بعد نفي ذلك عن الجسم فلو نفي ذلك عن النفس بناء على نفيه عنه ~~لزم الدور # وهب أن منكم من لا يقول ذلك فالمنازع لا يسلم ثبوت شيء من الموجودات على ~~الوجه الذي تدعونه من أنه لا يشار إليه ولا إلى محله # وأما الكليات فتلك ليس لها في الخارج معلوم ثابت لا ينقسم وإنما هذا على ~~زعم من يظن أن الكليات موجودة كلية في الخارج وهو معلوم الفساد بالضرورة ~~وهو من أصول ضلالهم في المنطق والإلهيات وإنما هي في الذهن # والكلي هو العام واللفظ العام والمعنى العام يقوم بالجسم كما يقوم اللفظ ~~العام باللسان وكما يقوم الشكل المطلق والجسم المطلق واللون PageV10P295 ~~المطلق في الخيال وهذه كليات وأفرادها موجودة في الخارج وهي تقوم بالجسم ~~عندهم # الجواب الخامس أن يقال سريان العرض في محله بحسب محله ومن المحال ما يقبل ~~التفريق وتتفرق أعراضه مع بقائها كما أن السواد والبياض القائم بالجسم ms2235 ~~يتفرق بتفرق محله كالنور إذا قطع ومن المحال ما إذا فرق زالت أعراضه ~~كالأشكال القائمة بالمشكل فإذا فرق زال ذلك الشكل فالاستدارة والتثليث ~~والتربيع القائم بالجسم لا يبقى إذا فرق فأخرج عن ذلك الشكل إلى غيره وقد ~~تكون الحياة والحس والحركة الإرادية والعلم والقدرة وغير ذلك مشروطا بالشكل ~~الخاص أو غير ذلك من الأعراض # ومن المحال ما لا يعقل تفريقه ومن قال إن النفس جسم لا يلتزم إمكان ~~تفريقها وأنها مركبة من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة إلا إذا كان ~~من القائلين بذلك وقد عرف أن جمهور الناس لا يقولون لا بهذا ولا بهذا بل ~~كثير من طوائف النظار أو أكثرهم كالهشامية والنجارية والضرارية والكلابية ~~وطائفة من الكرامية # وإنما ادعى أنها مركبة من الجواهر المفردة من ادعاه من المعتزلة ~~والأشعرية ومن وافقهم من الكرامية وغيرهم # وأما القول بتركبه من المادة والصورة فقول بعض الفلاسفة # فهؤلاء إذا قالوا إن النفس ليست جسما فقد أصابوا من وجه PageV10P296 ~~وأخطأوا من وجه أصابوا من حيث نفوا عنها هذا التركب والتبعيض والانقسام ~~وأخطأوا من حيث ادعوا ثبوت ذلك في كل ما يشارإليه وكل ما يمكن الإحساس به ~~ورؤيته فإنهم لما زعموا أن كل ما يمكن الإشارة الحسية إليه فهو جسم وكل جسم ~~فهو مركب بهذا الاعتبار لزمهم أن تكون النفس بحيث لا يشار إليها إشارة حسية # ومن المعلوم أن بدنها جسم معين محسوس وأنها هي التي ترى المعينات وتشمها ~~وتذوقها وتسمعها بتوسط البدن فإذا كانت يشار إلى المعينات المحسوسة إشارة ~~حسية تميز بها بين محسوس ومحسوس وتتعلق ببدن معين مخصوص لم تكن نسبتها إلى ~~جميع الأبدان والأجسام واحدة # وإذا قيل هي تتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصريف # قيل المدبر المصرف لغيره إن كان تدبيره بعينه فلا بد من إحساسه وإما إن ~~كان يدبره تدبيرا مطلقا كليا مثلما يأمر الإنسان أتباعه أو أجناده بأمر عام ~~من غير قصد شخص معين منهم فهذا لا يفتقر إلى الإحساس بآحادهم أما إذا أمر ~~واحدا بعينه فلا بد من امتيازه ms2236 عن غيره # وتمييز الأعيان بعضها عن بعض إنما هو بالحس الباطن أو الظاهر ليس بمجرد ~~العقل الكلي فإذا كانت تشير إلى المعينات من الأجسام المحسوسة أشارت إليها ~~الأجسام المعينة فإن الإشارة الحسية مشتركة فما أشير إليه إشارة حسية أمكن ~~أن يشير إشارة حسية وما لا فلا PageV10P297 # يبين هذا أن البدن والنفس يؤثر كل منهما في الآخر والنفس إذا أحبت ورضيت ~~وفرحت وحزنت أثر ذلك في البدن والبدن إذا سخن أو برد أو جاع أو شبع أثر ذلك ~~في النفس فالتأثير مشترك # وإذا كان البدن جسما معينا يؤثر فيها دون غيرها من الأنفس فلا بد أن يشير ~~إليها ويعينها دون غيرها من الأنفس وإشارة البدن لا تكون إلا إشارة حسية ~~والكلام على هذا مبسوط في موضعه # قال ابن رشد وأما ما حصله الإمام المهدي يعني محمد بن التومرت الذي ادعى ~~أنه المهدي المبشر به وأقام الملك المعروف بملك الموحدين وكان كثير من ~~مصنفي العلم في مملكة أتباعه يراعون ذكره وأقواله حتى يذكروا اسمه بعد اسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه دعا الناس إلى أقواله بالسيف واستحل دماء من ~~خالفه فيما ذكره من التوحيد وإمامته وغير ذلك وكأصول التوحيد الذي هو توحيد ~~الجهمية نفاة الصفات وكان يقول بالوجود المطلق وعلى منواله نسج ابن سبعين ~~وأمثاله في التوحيد # قال ابن رشد وأما ما حصله الإمام المهدي من PageV10P298 التصريح بنفي ~~الجسمية فهو الواجب بحسب زمانه وذلك أن الناس لما اجترأوا على الشرع وسألوا ~~عما لم يسأل عنه الصحابة وهل هو جسم أم ليس بجسم إذ هذا السؤال موجود في ~~فطر الناس بالطبع واشتهر هذا السؤال وفشا في الناس وكان السبب فيه سؤال من ~~دعي إلى الدخول في الإسلام من سائر الأمم الذين اعتادوا النظر لم يكن بد ~~لأهل الإسلام من الجواب في ذلك فأجاب بعضهم في ذلك بجواب خطأ وهو أنه جسم ~~وأجاب بعضهم بأنه ليس بجسم وهو الجواب الصواب وكثر الاختلاف بينهم ووقع ~~الشك والحيرة وكفر بعضهم بعضا # قال ولما كانت خاصة ms2237 الإمام المهدي رفع الاختلاف بين الناس أتى مقررا لنفي ~~الجسمية عنه سبحانه وكفر المثبت PageV10P299 للجسمية وهو شيء جرى من فعله ~~في الشرع في وقته وبحسب الناس الذين وجد فيهم مجرى التتميم والتبيين والله ~~يختص بفضله من يشاء # قلت ولقائل أن يقول في هذا الكلام من المداهنة والمصانعة لأتباع ابن ~~التومرت ما لا يخفى والمقصود العلمي أن يقال هذا باطل من وجوه # أحدها أنه قد أسلم على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأمم ودعي إلى ~~الإسلام من أصناف الأمم من لا يوجد بعدهم مثلهم في الحذق والنظر فإن ~~الصحابة دعوا أكمل الأمم العرب والعبرانيين والروم والفرس ومن دخل في هؤلاء ~~من القبط والنبط وفتحوا أوسط الأرض وكل من دعي أو أسلم بعد هؤلاء كالترك ~~والديلم والبربر والحبشة وغيرهم فإنهم دون هؤلاء في الفضائل # ومن المعلوم أن فلسفة اليونان والهند ونحوهم كانت موجودة إذ ذاك كوجودها ~~اليوم وأكثر إذ كانت اليونان موجودين قبل مبعث المسيح وكان أرسطو وملكه ~~الإسكندر بن فليبس قبل المسيح بنحو PageV10P300 ثلاثمائة سنة وآخر ملوكهم ~~بطليموس الذي دخل النصارى عليهم # ثم من نظر في أخبار الأمم الذين لم يكن لهم كتاب كالروم واليونان ونحوهم ~~علم أن النصارى أكمل منهم في الإلهيات وأفضل وأعلم منهم وأعقل وإنما كان ~~يكون حذق تلك الأمم في غير العلوم الإلهية كالطب والحساب والهيئة ونحو ذلك # وأعظم اشتغالهم بالهيئة إنما كان لأجل الشرك والسحر ودعوة الكواكب ~~والأوثان من دون الله فإنهم يقولون إنهم يستخرجون قوى الأفلاك ويمزجون بين ~~القوة الفعالة السماوية والقوى المنفعلة الأرضية # ولهذا يوجد في بلادهم من الطلاسم ونحوها ما هو معروف بأرض مصر والشام ~~والجزيرة وغيرها # فدعوى المدعي أن الناس احتاجوا فيمن يدعونه إلى الإسلام إلى تغيير الأصول ~~الشرعية التي لم يحتج الصحابة إلى تغييرها دعوى باطلة # الوجه الثاني أن يقال القرآن فيه بيان الجواب عن هذا السؤال وسائر ما ~~يسأل عنه لكن يريد الذي يجيب بما في القرآن والسنة أن يعرف معاني القرآن ~~والسنة ويعرف معاني كلام السائل فإن الناس لهم ms2238 عبارات يعبرون بها عن ~~معانيهم غير العبارات التي في الكتاب والسنة كما لأمة لسان غير لسان العرب # فالمجيب بما جاء به الرسول يحتاج إلى أن يعرف معنى العبارتين العبارة ~~التي خاطب بها الرسول والعبارة التي وقع بها السؤال PageV10P301 # ثم هذه العبارات قد تكون غريبة غير معناها وقد لا يكون معناها مغيرا وقد ~~لا تكون غريبة فلفظ الهيولي ونحوها من كلام الفلاسفة ليس غريبا في لغتهم ~~معناه مثل معنى المحل والموضع ونحو ذلك # ولفظ العقل والمادة ونحوهما في كلامهم غير معناه عن معناه في لغة العرب ~~فإنهم يعنون بالعقل جوهرا قائما بنفسه والعقل في لغة العرب عرض هو علم أو ~~عمل بالعلم وغريزة تقتضي ذلك # والمادة من جنس الهيولي عندهم # وكذلك لفظ الجسم والجوهر والعرض والتحيز والانقسام والتركيب معانيها في ~~اصطلاح النظار غير معانيها في لغة العرب لكن هذه الألفاظ لم تستعمل في ~~القرآن في الأمور الإلهية # وكذلك غير طائفة من أهل الكلام والفلسفة لفظ التوحيد والإيمان والسنة ~~والشريعة ونحو ذلك من الألفاظ المستعملة في الأمور الإلهية # والمقصود هنا أن السائل إذا سأل عن الأمور الدينية بألفاظ ليست مأثورة عن ~~الرسول في ذلك مثل سؤاله بلفظ الجهة والحيز والجسم والجوهر والمركب ~~والمنقسم ونحو ذلك نظرنا إلى معنى لفظه فأثبتنا المعنى الذي أثبته الله ~~ونفينا المعنى الذي نفاه الله # ثم إن كان التعبير عن ذلك بعبارته سائغا في الشرع وإلا عبر بعبارة تسوغ ~~في الشرع وإذا كانت عبارته تحتمل حقا وباطلا منع من إطلاقها نفيا وإثباتا ~~PageV10P302 # ولفظ الجسم والجوهر ونحوهما من هذا الباب فإذا قال السائل هل الله جسم أم ~~ليس بجسم لم نقل إن جواب هذا السؤال ليس في الكتاب والسنة مع قول القائل إن ~~هذا السؤال موجود في فطر الناس بالطبع # والله تعالى يقول @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا @QE@ سورة المائدة 3 # وقال @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ~~@QE@ سورة التورة 115 # وقال @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ms2239 لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ~~@QE@ سورة النحل 89 # وقال @QB@ ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ سورة يوسف 111 # وقال @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ سورة طه ~~123 126 # وقال @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء @QE@ ~~سورة الأعراف 3 PageV10P303 # وقال @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله @QE@ سورة الأنعام 153 # وقال @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه ~~سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ~~@QE@ سورة المائدة 15 16 # وقال @QB@ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد @QE@ سورة إبراهيم 1 # وقال @QB@ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك ~~لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون @QE@ سورة العنكبوت 51 # وقال @QB@ فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~أولئك هم المفلحون @QE@ سورة الأعراف 157 # ومثل هذا في القرآن كثير مما يبين الله فيه أن كتابه مبين للدين كله موضح ~~لسبيل الهدى كاف لمن اتبعه لا يحتاج معه إلى غيره يجب اتباعه دون اتباع ~~غيره من السبل # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته إن أصدق الكلام كلام ~~الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة # وكان يقول عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من PageV10P304 ~~بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ~~ضلالة وفي لفظ وكل محدثة بدعة # وكان يقول تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك # وكان يقول ما أمركم الله بشيء إلا أمرتكم به ولا نهاكم الله ms2240 عن شيء إلا ~~نهيتكم عنه # وقال أبو ذر لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه ~~في السماء إلا ذكر لنا منه علما ومثل هذا كثير # فكيف يكون هذا مع هذا البيان والهدى ليس فيما جاء به جواب عن هذه المسألة ~~ولا بيان الحق فيها من الباطل والهدى من الضلال بل كيف يمكن أن يسكت عن ~~بيان الأمر ولو لم يسأله الناس PageV10P305 واعتقاد الحق واجب فيها إما على ~~العامة والخاصة وإما على الخاصة دون الأمة لا سيما مع كثرة النصوص المشعرة ~~بأحد قسمي السؤال وإنما يقول إن جواب هذا السؤال وأمثاله ليس في الكتاب ~~والسنة الذين يعرضون عن طلب الهدى من الكتاب والسنة ثم يتكلم كل منهم برأيه ~~ما يخالف الكتاب والسنة ثم يتأول آيات الكتاب على مقتضى رأيه فيجعل أحدهم ~~ما وضعه برأيه هو أصول الدين الذي يجب اتباعه ويتأول القرآن والسنة على وفق ~~ذلك فيتفرقون ويختلفون # كما قال فيهم الإمام أحمد هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون ~~على مخالفة الكتاب # ولو اعتصموا بالكتاب والسنة لاتفقوا كما اتفق أهل السنة والحديث فإن أئمة ~~السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم ولهذا لم يقل أحد منهم إن ~~الله جسم ولا قال إن الله ليس بجسم بل أنكروا النفي لما ابتدعته الجهمية من ~~المعتزلة وغيرهم وأنكروا ما نفته الجهمية من الصفات مع إنكارهم على من شبه ~~صفاته بصفات خلقه مع أن إنكارهم كان على الجهمية المعطلة أعظم منه على ~~المشبهة لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه # كما قيل المعطل يعبد عدما والمشبه يعبد صنما # ومن يعبد إلها موجودا موصوفا بما يعتقده هو من صفات الكمال وإن كان مخطئا ~~في ذلك خير ممن لا يعبد شيئا أو يعبد من لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات ~~PageV10P306 # ونفاة الصفات وإن كانوا لا يعتقدون أن ذلك متضمن لنفي الذات لكنه لازم ~~لهم لا محالة لكنهم متناقضون ولهذا لايوجد فيهم إلا من فيه نوع من الشرك ~~ولا بد من ms2241 ذلك لنقص توحيدهم الذي به يتخلصون من الشرك # والمقصود أن يقال جواب هذا السؤال في الشريعة وذلك أن يقال إن الله قد ~~بين ما هو ثابت له من الصفات وما هو منزه عنه وأثبت لنفسه صفات الكمال ونفى ~~عنه صفات النقص # فيقال لمن سأل بلفظ الجسم ما تعني بقولك أتعني بذلك أنه من جنس شيء من ~~المخلوقات فإن عنيت ذلك فالله تعالى قد بين في كتابه أنه لا مثل له ولا كفو ~~له ولا ند له وقال @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق @QE@ سورة النحل 17 # فالقرآن يدل على أن الله لا يماثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في ~~أفعاله فإن كنت تريد بلفظ الجسم ما يتضمن مماثلة الله لشيء من المخلوقات ~~فالله منزه عن ذلك وجوابك في القرآن والسنة # وإذا كان الله ليس من جنس الماء والهواء ولا الروح المنفوخة فينا ولا من ~~جنس الملائكة ولا الأفلاك فلأن لا يكون من جنس بدن الإنسان ولحمه وعصبه ~~وعظامه ويده ورجله ووجهه وغير ذلك من أعضائه وأبعاضه أولى وأحرى # فهذا الضرب ونحوه مما قد يسمى تشبيها وتجسيما كله PageV10P307 منتف في ~~كتاب الله وليس في كتاب الله آية واحدة تدل لا نصا ولا ظاهرا على إثبات شيء ~~من ذلك لله فإن الله إنما أثبت له صفات مضافة إليه # كقوله @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء @QE@ سورة البقرة 255 و ~~@QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة @QE@ سورة الذاريات 58 # و @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ سورة ص 75 و @QB@ ويبقى وجه ~~ربك @QE@ سورة الرحمن 27 و @QB@ والسماوات مطويات بيمينه @QE@ سورة الزمر ~~67 كما قال @QB@ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك @QE@ سورة المائدة ~~116 # ومعلوم أن نفس الله التي هي ذاته المقدسة الموصوفة بصفات الكمال ليست مثل ~~نفس أحد من المخلوقين # وقد ذهب طائفة من المنتسبين إلى السنة من أهل الحديث وغيرهم وفيهم طائفة ~~من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما إلى أن النفس صفة من الصفات ms2242 والصواب أنها ~~ليست صفة بل نفس الله هي ذاته سبحانه الموصوفة بصفاته سبحانه وذلك لأنه ~~بإضافته إليه قطع المشاركة فكذلك لما أضاف إليه علمه وقوته ووجهه ويديه ~~وغير ذلك قطع بإضافته إليه المشاركة فامتنع أن شيئا من ذلك من جنس صفات ~~المخلوقين كما امتنع أن تكون ذاته من جنس ذوات المخلوقين PageV10P308 # ولهذا اتفق السلف والأئمة على الإنكار على المشبهة الذين يقولون بصر ~~كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي # وإن عنيت بلفظ الجسم الموصوف بالصفات القائم بنفسه المباين لغيره الذي ~~يمكن أن يشار إليه وترفع إليه الأيدي فلا ريب أن القرآن قد أخبر أن الله له ~~العلم والقوة والرحمة والوجه واليدان وغير ذلك وأخبر أنه إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه وأنه @QB@ خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش @QE@ سورة الفرقان 59 وأنه @QB@ تعرج الملائكة ~~والروح إليه @QE@ سورة المعارج 4 # فالقرآن مملوء من بيان علوه على خلقه والصعود إليه والنزول منه ومن عنده ~~وإثبات علمه ورحمته وغير ذلك من صفاته # وإذا سميت ما هو كذلك جسما وسئلت هل هو جسم كان الجواب أن المعنى الذي ~~سئلت عنه وأردته بهذا اللفظ قد بينه الله وأثبته في كتابه # وأما إطلاق لفظ الجسم على الله فهو كإطلاق الفلاسفة لفظ PageV10P309 ~~العقل ونحو ذلك وهذه العبارات في لغة العرب تتضمن معاني ناقصة ينزه الله ~~عنها فالعقل هو المصدر الذي هو عرض والله سبحانه منزه عن ما هو فوق ذلك بل ~~نفس تسميته عاقلا ليس معروفا في شرع المسلمين # فقد تبين أن ما يعني بلفظ الجسم من تمثيل الله بخلقه ووصفه بالنقائص فقد ~~بين الله في كتابه أنه منزه عنه وما يعنى به من إثبات أنه قائم بنفسه مباين ~~لخلقه عال عليهم يرفعون إليه أيديهم عند الدعاء ويعرج إليه بنبيه ليلة ~~الإسراء موصوف بصفات الكمال منزه عما يستلزم العدة والإبطال فقد بين الله ~~في كتابه إثباته لنفسه فلا يقال إنه ليس في القرآن جواب هذا السؤال # فإذا قال القائل بعد هذا الجسم ms2243 هو المؤلف أو المركب فلا يكون جسما ونحو ~~ذلك # قيل له لا ريب أن الله سبحانه غني عن كل ما سواه لا يجوز أن يقال إنه ~~مفتقر إلى غيره في شيء فضلا عن أن يقال ركبه مركب أو ألفه مؤلف والله قد ~~أخبر في القرآن بمعناه # وكذلك لا يجوز أن نظن أنه كان متفرقا فاجتمع أو أنه يتفرق أو نحو ذلك مما ~~ينافي صمديته وكماله في وقت من الأوقات # وإذا قال قائل الجسم هو القائم بنفسه أو المشار إليه فيكون جسما # قيل له لا ريب أن الله قائم بنفسه وأنه ترفع الأيدي إليه PageV10P310 ~~ويشار إليه كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة بإصبعه إليه وجعل ~~يقول اللهم اشهد اللهم اشهد # وقال إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا # وقال إشارة الرجل بإصبعه في الصلاة مقمعة للشيطان وهو إشارة إلى التوحيد # ويقال لذلك # أنت تقول الجسم هو المركب وهذا يقول هو القائم بنفسه وأنتما متفقان على ~~أن الله تعالى لا يتفرق ولا يركبه أحد وعلى أنه قائم بنفسه فإن تنازعتما في ~~كونه فوق العرش وأن القرآن نزل منه والملائكة تعرج إليه فالصواب مع المثبت ~~وإن تنازعتما في كون استوائه على العرش مثل استواء المخلوق أو في كونه ~~مفتقرا إلى العرش ونحو ذلك مما يتضمن وصفه بالنقص أو تمثيله بالخلق فالصواب ~~مع النافي # وكذلك إن تنازعتم في إثبات علمه ورحمته وقوته فالصواب مع المثبت وإن ~~تنازعتم في أنه هل صفاته ذوات قائمة بنفسها كما قد يحكى عن النصارى فالصواب ~~مع النافي # فإن قال القائل الأجسام متماثلة فإذا قلنا هو جسم لزم أن PageV10P311 ~~يكون مثلا لغيره بخلاف ما إذا قيل حي وحي وعليم وعليم وقدير وقدير فإن هذا ~~اتفاق في الصفات لا يقتضي التماثل في الذوات فمن قال هو جسم لا كالأجسام ~~كان مشبها بخلاف من قال حي لا كالأحياء # وهذا السؤال يقوله من يقوله من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحاب مالك ~~والشافعي ms2244 وأحمد فيقال إذا كان المخاطب لك ينفي أن يكون مماثلا لغيره وينفي ~~التشبيه كما ننفيه وأنت وهو قد تنازعتم في مسمى اسم من الأسماء هل هو مماثل ~~لغيره أو لا كان ذلك نزاعا لفظيا ونزاعا عقليا ليس ذلك نزاعا في أمر ديني ~~ولو تركوا الكلام في هذا لم يضر ذلك الدين شيئا ويمكن كلا منهما أن يعبر ~~مقصوده الديني بما لا نزاع فيه فيبقى هذا التمثيل بألفاظ ومعان لا نزاع ~~فيها ويثبت هذا قيام الرب بنفسه ومباينته لخلقه وعلوه على عرشه بألفاظ ~~ومعان لا نزاع فيها من غير احتياج واحد منهما إلى التكلم بلفظ الجسم نفيا ~~ولا إثباتا # فإن قلتم نزاعنا في شيء آخر وهو أن يسمى جسما هل هو مركب من الجواهر ~~المفردة أو من المادة والصورة أم هو واحد لا تركيب فيه فمن قال بالأول لم ~~يجز ان يسميه جسما ومن قال بالثاني سماه جسما # قيل هذا نزاع لا يتعلق بالدين فإن اللفظ إنما يكون البحث عن PageV10P312 ~~معناه من الدين الواجب إذا جاء في الكتاب والسنة وكلام أهل الإجماع فإن ~~معرفة مراد الله ومراد رسوله ومراد أهل الإجماع واجب لأن قول الله ورسوله ~~وقول أهل الإجماع قول معصوم عن الخطأ يجب اتباعه فاللفظ الوارد في ذلك إن ~~لم يعرف معناه لم يعرف ما أرادوا ولهذا كان الواجب أن كل لفظ جاء في كلام ~~المعصوم وجب علينا التصديق به وإن لم يعرف معناه وما جاء في كلام غير ~~المعصوم لم يجب علينا إثباته ولا نفيه حتى يعرف معناه فإن كان مما أثبته ~~المعصوم أثبتناه وإن كان مما نفاه نفيناه # ولفظ الجسم في حق الله وفي الأدلة الدالة عليه لم يرد في كتاب الله ولا ~~سنة رسوله ولا كلام أحد من السلف والأئمة فما منهم أحد قال إن الله جسم أو ~~جوهر أو ليس بجسم ولا جوهر ولا قال إنه لا يعرف إلا بطريقة الأجسام ~~والأعراض بل ولا استدل أحد منهم على معرفة الله بشيء من هذه الطرق لا طريقة ms2245 ~~التركيب ولا طريقة الأعراض والحوادث ولا طريقة الاختصاص # وإذا كان كذلك فالمتنازعون في مسمى الجسم متنازعون في أمر ليس من الدين ~~لا من أحكامه ولا دلائله وهكذا نزاعهم في مسمى العرض وأمثال ذلك # بخلاف نزاعهم في إثبات المعنى المراد بلفظ الجسم ونفيه فإن هذا يتعلق ~~بالدين فما كان من الدين فقد بينه الله في كتابه وسنة رسوله بخلاف ما لم ~~يكن كذلك # فإن قيل فلا بد من فصل النزاع بين كل اثنين في الدين PageV10P313 # قيل فصل النزاع قد يكون بوجهين أحدهما نهي كل منهما عن منازعة الآخر بهذا ~~إذ هو نزاع فيما لا فائدة فيه كما لو تنازع اثنان في لون كلب أصحاب الكهف ~~ومقدار السفينة والبعض من البقرة الذي أمر الله بالضرب به إن قدر أنه كان ~~معينا مع أن ظاهر القرآن يدل على أنه مطلق لا معين وفي أمثال ذلك من الأمور ~~التي لا فائدة فيها وقد لا يكون إلى معرفتها سبيل فمثل هذا ينهى كل منهم عن ~~منازعة الآخر فيه بل ينهى عن أن يقول ما لا يعلم # والثااني أن يفصل النزاع ببيان الخطأ من الصواب وحينئذ فإذا فصل النزاع ~~بين المتنازعين في الجسم قيل النزاع على وجهين لفظي ومعنوي # فإن كنتم تتنازعون في مسمى الجسم في اللغة فليس مسماه ما قلته أنت من أن ~~كل قائم بنفسه أو مشار إليه يسمى جسما ولا ما قلته أنت من أن الجسم في ~~اللغة هو المركب من أجزاء فإن الهواء أو نحوه عنده مركب والعرب لا تسميه ~~جسما وهو مشار إليه قائم بنفسه والعرب لا تسميه جسما # فقول كل واحد منكما غير موافق للغة العرب وغايته أن يكون اصطلاحا منكم ~~على معنى كسائر الألفاظ الاصطلاحية فيكون نزاعهم كتنازع الفقهاء في لفظ ~~الفرض هل هو مرادف للواجب PageV10P314 أو أوكد منه ولفظ السنة هل يدخل فيه ~~الواجب أو لا يدخل ومثل هذه المنازعات اللفظية كثيرة # وهذه بمنزلة اللغات والعادات في العبادات قد تحمد أو تذم بحسب الشرع تارة ~~وبحسب اللغة أخرى ms2246 وقد لا تحمد ولا تذم # وإن كان نزاعكم في معنى عقلي وهو أن العين التي اتفقتم على تسميتها جسما ~~بحسب اصطلاحكم وهي ما يشار إليه بقول أحدكما إنها مركبة من أجزاء مفردة أو ~~المادة والصورة والآخر ينكر ذلك فهذا يمكن فصل النزاع بينكم وإذا كان ~~النزاع معنويا بالأدلة العقلية تارة وبغيرها أخرى # ولكن مثل هذه المسائل لا يحتاج إليها الدين كما لا يحتاج إلى مسائل ~~الهيئة والتشريح وإن كان العلم بها مما ينتفع به في الدين كما ينتفع ~~بالحساب والطب وكما ينتفع بمسائل النحو واللغة ونحو ذلك # ومن هذا الباب ما ذكره من تماثل الأجسام وتناهي قواها وأنها مركبة مفتقرة ~~إلى مركب فإن هذه المسائل مما تنازع فيها العقلاء مع اتفاق المسلمين على أن ~~الله ليس له مثل ولا تنتهي قوته وأنه غير مفتقر إلى غيره # فالمعنى الذي يرده النافي بلفظ الجسم يوافقه المثبت عليه وإذا تنازعوا ~~بعد هذا لم يكن نزاعهم إلا لفظيا وليس لإطلاق لفظ واحد منهما أصل في الشرع ~~لا هذا ولا هذا فالشرع لم يسكت عن المعنى الذي يجب نفيه الذي ينفيه النافي ~~بلفظ الجسم بل نفاه الشرع PageV10P315 فلا يقال إن الشرع سكت عما يحتاج إلى ~~معرفته من معنى الجسم نفيا وإثباتا # ثم إذا كان المعنى الذي يريده النافي يمكنه نفيه بالشرع وبالعقل بدون ~~إطلاق لفظ متنازع في أحكام معناه كان نفي ذلك المعنى بما ينفيه من الأدلة ~~الشرعية والعقلية التي لا يمكن النزاع فيها هو المشروع دون بقية معان ~~متنازع فيها هي طويلة متعبة بلا نزاع وقد تكون مع ذلك باطلة # ومن المعلوم أن من ترك سلك الطريق المستقيم الذي يوصله إلى مكة وسلك ~~طريقا بعيدة لغير مصلحة راجحة كان تاركا لما يؤمر به فاعلا لما لا فائدة ~~فيه أو ما ينهى عنه إذا كانت تلك الطريق موصلة إلى المقصود فأما مع ~~الاسترابة في كونها موصلة أو مهلكة فإنه لا يجوز سلوكها # وهذه الطرق التي يسلكها نفاة الجسم وأمثالهم احسن أحوالها أن تكون عوجا ~~طويلة ms2247 قد تهلك وقد توصل إذ لو كانت مستقيمة موصلة لم يعدل عنها السلف فكيف ~~إذا تيقن أنها مهلكة # ولا ريب أن الذين يعارضون الكتاب والسنة إنما يعارضونها بطرق هؤلاء فهم ~~يعرضون عن كتاب الله في أول سلوكهم ويعارضونه في منتهى سلوكهم # وقد قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ ~~PageV10P316 سورة طه 123 124 # فقد بين أن حذاق الفلاسفة أيضا يثبتون أن التصديق بما جاء به الشارع لا ~~يتوقف على شيء من الطرق الكلامية المحدثة ولا شيء من طرقهم الفلسفية وإنما ~~غايتهم أن يقولوا إن الطرق الفلسفية تفيد علما لبعض الناس ليس مما يجب ولا ~~يستحب لجمهور الناس وأن ذلك العلم الخاص يخالف بعض الظاهر المعروف عند ~~الجمهور # ونحن نقبل من كلامهم ما أقاموا عليه الحجة الصحيحة سواء كانت شرعية أو ~~عقلية فأما إذا قالوا ما نعلم بطلانه رددناه # وقد نبهنا على أن قولهم فيما يدعون الاختصاص به من علم الباطن أضعف بكثير ~~من قول من بينوا فساد قوله من المعتزلة والأشعرية # وقد تبين لك أن الطوائف التي في كلامها ما يعارضون به كلام الشارع من ~~العقليات سواء عارضوا به في الظاهر والباطن كل منهم يقول جمهور العقلاء إن ~~عقلياته تلك باطلة ويبينون فساد عقلياته بالعقليات الصحيحة الصريحة التي لا ~~يمكن ردها # وهذا مما ينصر الله به رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا فإن الله ~~تعالى إذا أقام لكل طائفة تعارض الرسول من جنسها من يبين فساد قولها ~~المعارض له ويكشف جهلها وتناقضها كان بمنزلة أن يقيم لكل طائفة تزيد ~~محاربته من جنسها من يحاربها بالسلاح ثم المؤمن المجاهد يمكنه جهاد هؤلاء ~~كما يمكنه جهاد هؤلاء ويمكنه أن يستعين بما فعلته PageV10P317 كل طائفة ~~بالأخرى فإذا أغارت طائفة على أخرى وهزمتها أتاها من الناحية الأخرى ففتح ~~بلادها وإن كان هو لم يستعن بأولئك ابتداء لكن الله يسر بما فيه الهدى ~~والنصر لعباده المؤمنين وكفى ms2248 بربك هاديا ونصيرا # وهذا آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم ~~تسليما كثيرا # فرغ من نسخه العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير يوسف بن عبد الله بن محمد ~~بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور المقدسي يوم السبت أذان ~~العصر ثامن عشر المحرم سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ببستان الأعز رحم الله ~~كاتبه ولمن قرأ فيه ودعا له بالمغفرة ولجميع المسلمين وصلى الله على النبي ~~محمد وآله # بلغ مقابلة بحسب الإمكان على نسخة قوبلت على أصل المصنف رضي الله عنه وهي ~~المنقول منها وتكملت مقابلة جميع الكتاب بحمد الله وعونه بعد أذان العصر ~~يوم السبت ثامن عشر المحرم سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة أحسن الله خاتمتها في ~~خير وعافية بمنه وكرمه وكان ذلك بالمكان الذي فرغ من نسخه فيه PageV10P318 # أنهى جميع هذا الكتاب نظرا من أوله إلى آخره في مجالس عديدة وأزمان مديدة ~~مطالعة تحقيق وبحث وتدقيق كان آخرها في أواخر شعبان المبارك من شهور سنة ~~خمسين وسبعمائة قال وكتبه عبد العزيز بن يحيى بن عبد المنعم بن محمد بن روح ~~المضوي المدني نفعه الله بالعلم وزينه بالتقى والحلم PageV10P319 ms2249